صفحة 1
الكتاب: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان
المؤلف: نور الدين/ أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي
طبع وتصحيح وتعليق: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري الميزابي
عدد الأجزاء: 2
بيانات الجزء الأول: مطبعة الشباب، القاهرة الطبعة الثانية، 1350
بيانات الجزء الثاني: المطبعة السلفية، القاهرة، مصر، 1347هـ
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان
للإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الأول
قام بطبعه وتصحيحه و التعليق عليه
أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري الميزابي
القاهرة 1350
الطبعة الثانية
مطبعة الشباب (1/1)
صفحة 2
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
[تمهيد]
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور.
الحمد لله الذي قص على نبيه صلى الله عليه وسلم من أنبياء الرسل والقرى ما ثبت به فؤاده مصبرا, وجعله له ولمن بعده عظة ومعتبرا , أفنى القرون الماضية وأباد الدول الخالية , فلم يبق إلا أخبارهم, ولا ترى إلا آثارهم, فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم, (وتلك القرى نقصها عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم).
فلم يبق منهم غير نشر حديثهم ... ... = ... وما اكتسبوا من فعل محمدة وذم
قدموا على ما قدموا, وأسفوا على ما خلفوا, فما منهم من أحد إلا وهو يود أن يكون ما خلف في جملة ما أسلف, فمن قدم خيرا حمد عليه وله أجره, ومن قدم شرا ذم به وعليه وزره؛ نسأل الله أن يجعلنا من أول الفريقين؛ وأن يثيبنا على ذلك أجرين؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية؛ وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم صل وسلم على مهبط الوحي ومعدن الخصوصية سيد ولد آدم ولا فخر؛ إسوة كل راشد وقدوة كل مهتد؛ محمد ابن عبدالله بن عبدالمطلب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة مدى الحقب. (1/2)
صفحة 3
(أما بعد) فإنه لا يخفى على عاقل أن علم التاريخ مما يعين على الاقتداء بالصالحين ويرشد على طريقة المتقين, لأن فيه ذكر أخبار من مضى من صالح وطالح؛ فإذا سمع العاقل أخبار الصالحين اشتاقت نفسه إلى اقتناء آثارهم؛ وإذا سمع أخبار الطالحين أشفقت نفسه أن يكون من جملتهم؛ فتراه بذلك يقتفي آثار من صلح؛ ويتجنب أحوال من طلح؛ فيجاهد نفسه حق الجهاد؛ فيستحق بذلك من الله العون والتوفيق لقوله عز من قائل (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
وحيث كان العدل وسيرة الفضل في عمان أكثر وجودا بعد الصحابة من سائر الأمطار. تشوقت نفسي إلى كتابة ما أمكنني الوقوف عليه من آثار أئمة الهدى ليعرف سيرتهم الجاهل بهم , وليقتدي بها الطالب لأثرهم , مع قلة المادة في هذا الباب , إذ لم يكن التاريخ من شغل الأصحاب , بل كان اشتغالهم بإقامة العدل وتأثير العلوم الدينية؛ وبيان ما لا بد من بيانه للناس أخذا بالأهم فالأهم؛ فلذلك لا تجد لهم سيرة مجتمعة ولا تاريخا شاملا؛ فتتبعت ما أمكنني تتبعه من كتب السير والآثار والتواريخ؛ وكتبت ما أمكنني أن أكتبه من أحوال عمان وأئمتها من أول أمر العرب فيها إلى آخر ما انتهى إلى علمه من أخبار أهلها الماضين؛ ليكون عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين.
وقد كنت عزمت أن أجمع سيرة تجمع أحوال المذهب , وذكر أهله أينما كانوا من الحجاز والعراق وعمان واليمن والمغرب وخراسان وغيرها من عهد الصحابة إلى عصرنا هذا , ثم رأيت أن ذلك شيء يطول , وخشيت معالجة الأيام قبل تمام المأمول , فجعلت للناس السيرة العمانية؛ وإن كان في الأجل فسحة جمعت إن شاء الله باقي السير على حسب ما ذكرت , فأجعل سيرة (1/3)
صفحة 4
الصحابة في جلد مفرد؛ وسيرة أهل العراق واليمن وخراسان في مجلد مفرد , وسيرة أهل المغرب في مجلد مفرد؛ فتجتمع السير في أربع مجلدات.
فإن بقيت فأسأل الله تمام ما ذكرت , وإن عوجلت فأسأله أجر ما قصدت , والله المستعان وعليه التكلان , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , لا ملجأ من الله إلا إليه ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
مقدمة في تعريف أهل عمان
قال ابن خلدون: هي من ممالك جزيرة العرب المشتملة على اليمن والحجاز وحضرموت وعمان يعني أن عمان بعض جزيرة العرب المشتملة على هذه البلدان قال: وهي خامسها إقليم سلطاني منفرد على بحر فارس من غربيه مسافة شهر شرقيها بحر فارس وجنوبيها بحر الهند؛ وغربيها بلاد حضرموت وشماليها البحرين, وكثيرة النخيل والفواكه, وبها مغاص اللؤلؤ؛ سميت بعمان بن قحطان- أول من نزلها بولاية أخيه يعرب, وصارت بعد سيل العرم للأزد وجاء الإسلام وملوكها بنو الجلندى قال والخوارج (1) ,
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/4)
صفحة 5
يعني المسلمين بها كثرة , قال وكانت لهم حروب مع عمال بني بويه وقاعدتهم نزوى؛ قال وملك عمان من البحر ملوك فارس غير مرة؛ قال وهي في الإقليم الثاني وبها مياه وبساتين وأسواق وشجرها النخيل.
إلى أن قال:
وقلهات هي عرصة عمان على بحر فارس من الإقليم الثاني ومما يلي الشحر وحجار في شماليها إلى البحرين , بينهما سبع مراحل؛ وهي في جبال منيعة فلم تحتج إلى سور.
(قلت) وحجاز هذه لم نعرفها بهذا الاسم , فالله أعلم ما أراد بها؛ ولعله أراد بها مسكد، (1) وسيأتي أن عمان كانت قبل العرب في يد الفرس , وأنها صارت إليهم بعد سيل العرم بعد حروب كانت بينهم شديدة؛ وأنهم سموها عمان؛ باسم واد كانوا ينزلون حوله إذ كانوا في مأرب , وأن الفرس كانت تسميها مزون؛ وفي ذلك يقول قائلهم:
إن كسرى سمى عمان مزونا ... = ... ومزون يا صاح خير بلاد
بلدة ذات مزرع ونخل ... ... = ... ومراع ومشرب غير صاد
(وقال) المسعودي في المروج: وسنجار قصبة بلاد عمان , وأراد بها صحار , ولعل اسمها كان كذلك في لسان العجم والله أعلم.
وقال الأندلسي الشريشي: صحار سوق عمان مدينة كبيرة على ساحل البحر مرساها فرسخ في فرسخ , وبلاد عمان ثلاثون فرسخا ماولى البحر سهول ورمال , وما تباعد حزون وجبال , وهي مدن منها مدينة عمان وهي حصينة على الساحل , ومن جانب الآخر مياه تجري إلى المدينة وفيها دكاكين وأشجار مفروشة بالنحاس مكان
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/5)
صفحة 6
آخر , قال وهي كثيرة النخيل والبساتين وضروب الفواكه والحنطة والشعير والأرز وقصب السكر , قال وفي الأمثال: من تعذر عنه الرزق فعليه بعمان , قال وفي أحوازها مغاص اللؤلؤ , وقال: وعمان من أحواز اليمن. (1)
(قلت) ولعله أراد بمدينة عمان قلهات , وهي الآن عارية من هذه الصفات لانتقال العمارة عنها إلى مسكد , وكون عمان ثلاثين فرسخا فيه نظر , بل هي أكثر من ذلك بأضعاف مضاعفة , والأرز لا يوجد فيها وإنما يجلب إليها من الهند , اللهم إلا أن يكون قد زرع في أيام الأئمة ثم انقطع بانقطاع ذلك الخير , فأنه سيأتي أن الإمامين سلطان بن سيف وولده قيد الأرض قد جلبا لعمان أشجارا كثيرة من البحر , وغرسا فيها تلك الأشجار حتى الورس والزعفران والله أعلم.
وفي عمان الجبل الأخضر , ويقال له رضوى وهو من عجائب الدنيا مملوء بالفواكه من الرمان والعنب والجوز والخوخ والمشمش والبوت والنمت وغيرها من أشجار الجبل وفيه من الرياحين كالورد والزعفران والآس والنرجس وغيرها وسئل بعض أهله عن وصفة فقال: هو جبل عظيم الارتفاع , صعب الامتناع , في وسط عمان , أهله في رفاهة وأمان؛ لا يخافون جور شيطان , ولا سطوة سلطان , ذو نهور وقصور وحياض ورياض , وبساتين بها كرم وتين وتوت وجوز وخوخ ولوز ومشمش ورمان , وفواكه ألوان محصنة حدائقها بالورد والياسمين , وحشيشها الزعفران الثمين؛ والفوذج والشذاب والنرجس المشبه بعيون الكعاب؛ محفوظه بالآس كأنها الجنة في القياس , اغتصت بالكرم والتفاح والشجر المعطر النفاح. قال: وإن حللت في أقفارها
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/6)
صفحة 7
اكتفيت عن جني أثمارها كمثل النمت والبوت شفاء وقوت تسفح من هذا الجبل تسعة أدوية وكل واد به له طريق مؤدية وعلى أبوابها قرى لبني ريام أحاطوا به كالأكمام بالثمر , والهالة بالقمر , حاملين لأبوابه عن طلابه. انتهى وصف صاحب الجبل له والله أعلم.
باب فضائل أهل عمان
ذكر أبو يعقوب في لواحق المسند من روايات الربيع بن حبيب عن شيخه أبي سفيان , وهو محبوب بن الرحيل عن ازور , رجل من المسلمين قال: أن نسوة من أهل عمان استأذن على عائشة رضي الله عنها فأذنت لهن فدخلن عليها وسلمن عليها؛ وسلمن عليها وفي نسخة: وسلمت عليهن ثم قالت: من انتن؟ قلن من أهل عمان؛ قال فقالت لهن: لقد سمعت حبيبي عليه السلام يقول ليكثرن وراد حوضي من أهل عمان.
وفيه أيضا من روايات الربيع عن أبي سفيان قال دخل جابر بن زيد على عائشة رضي الله عنها قال فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها عنها من قبل؛ سألها عن جماع رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يفعل؛ (1) وأن جبينها يتصبب عرقا وتقول سل يا بني؛ ثم قالت: ممن أنت؟ قال من أهل المشرق من بلد يقال لها عمان , قال أبو سفيان فذكرت له شيئا لم أحفظه إلا أني أظن أنها قالت: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره لي وأشباه هذا.
وفي بعض الكتب قال وقد أوصى عليه
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/7)
صفحة 8
السلام عائشة أم المؤمنين ليصلك شيخ العمانية الأعور وليجدني ميتا , ويسألك عن الدين فعلميه جميع الدين الدقيق والجليل، (1) قال ثم وصلها بعد موته ونقل عنها العلم كله حتى فيما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم قال لها يا أم المؤمنين أنا أحبك فقالت له وأنا كذلك أحبك , ثم لام نفسه فقال لها أنا أحبك في الله؛ قالت: أتظن أنا احبك في غير الله يا أعور , فحمل عنها العلم إلى عمان.
قال: وله قصة عجيبة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتي , قالوا ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال الذين يعملون بكتاب الله حين يترك , ويتمسكون بحبل الإسلام حين يقطع؛ قال محمد بن أحمد: الغرباء أهل عمان , من سره أن ينظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى الصلحاء من أهل عمان.
وروى أحمد من طريق أبي لبيد قال خرج رجل منا يقال له بيرح بن أسد فرآه عمر فقال ممن أنت؟ قال من أهل عمان , فأدخله على أبي بكر فقال هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر).
وعند مسلم من حديث أبي برزة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا إلى قوم فسبوه وضربوه , فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك).
وفي حديث مازن بن غضوبة قال قلت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم وآلك أدع الله تعالى لأهل عمان؛ فقال: (اللهم اهدهم وأثبهم) فقلت زدني يا رسول الله فقال (اللهم
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/8)
صفحة 9
أرزقهم العفاف والكفاف والرضى بما قدرت لهم) قلت يا رسول الله البحر ينضح بجانبنا ادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا , قال (اللهم وسع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم) قلت زدني يا رسول الله قال (اللهم لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم) قل يا مازن آمين فإن آمين يستجاب عنده الدعاء قال قلت آمين.
قال: فلما كان العام القابل التي وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فقلت يا المبارك ابن المباركين , الطيب ابن الطيبين , قد هدى الله قوما من أهل عمان ومنّ عليهم بدينك , وقد أخصبت عمان خصبا هنيا وكثرت الأرباح والصيد بها فقال صلى الله عليه وسلم: (ديني دين الإسلام سيزيد الله أهل عمان خصبا وصيدا فطوبى لمن آمن بي ورآني وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني , وأن الله سيزيد أهل عمان إسلاما).
ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد استعمل على عمان عمرو ابن العاص وأراد عمرو أن يرجع إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبه ملك عمان عبد بن الجلندى وجعفر بن خشم العتكي وأبو صفوة سارف بن ظالم في جماعة من الأزد , فقدموا بعمرو بن العاص على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلما دخلوا عليه قام سارف بن ظالم فقال يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويا معشر قريش هذه أمانة كانت في أيدينا وفي ذمتنا وديعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئنا منها إليكم , فقال أبو بكر جزاكم الله خيرا وأثنى عليهم المسلمون خيرا وقام الخطباء بالثناء عليهم والمدح , فقالوا: كفاكم معاشر الأزد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وثناؤه عليكم , فقام عمرو بن العاص فلم يدع شيئا من المدح والثناء إلا قاله في الأزد , وجاءت وجوه الأنصار من الأزد وغيرهم مسلمّين على عبد ومن (1/9)
صفحة 10
معه , فلما كان من الغد أمر أبو بكر فجمع الناس من المهاجرين والأنصار وقام أبو بكر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه وقال: معاشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعا لم يطأ رسول الله ساحتكم بحف ولا حافر ولا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب , ولم ترموا بفرقة ولا تشتت شمل , فجمع الله على الخير شملكم ثم إليكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح فأجبتموه إذ دعا كم على بعد داركم , وأطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم وعدتكم فأي فضل أبر من فضلكم , وأي فعل أشرف من فعلكم كفاكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفا إلى يوم الميعاد , ثم أقام فيكم عمرو وما أقام مكرما , ورحل عنكم إذ رحل مسلما وقد منَّ الله عليكم بإسلام عبد وجيفر ابنى الجلندى وأعزكم الله به وأعزه بكم , وكنتم على خير حال وجميل حتى أتتكم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأظهرتم ما يضاعف فضلكم , وقمتم مقاما حمدناكم فيه ومحضتم بالنصيحة وشاركتم بالنفس والمال فيثبت الله به ألسنتكم , ويهدي به
قلوبكم , وللناس جولة فكونوا عند حسن ظني فيكم , ولست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم ولا أن ترجعوا عن دينكم , جزاكم الله خيرا ثم سكت.
وظهرت إجابة دعاء الرسول ودعاء خليفته لأهل عمان وصدق الله توسمهما فيهم , فهم أكثر الناس هدى وصوبا ومنهم الأئمة العادلون والعلماء الراشدون لم يتسلط عليهم عدو من غيرهم وولم تخرج بلادهم من أيديهم , وإن غُلبوا على دولتهم في بعض الأحيان لما أراد الله من تمحيص المؤمنين وتمحيق الكافرين , فما زالت دعوتهم بالحق ظاهرة , وسيرتهم بالعدل شاهرة , ودولتهم بالفضل زاهرة , منهم العلماء النجباء والعقلاء والفضلاء والبلغاء الخطباء.
قال عمرو بن بحر وهو الجاحظ: لربما سمعت من لا علم له يقول ومن أين (1/10)
صفحة 11
لأهل عمان البيان , قال ونهل يعدو لبلدة واحدة من الخطباء والبلغاء مما يعدون لأهل عمان؛ منهم مصقلة بن الرقية أخطب الناس قائما وجالسا ومفردا ومنافسا ومجيبا ومبتدئا , ثم ابنه من بعده كرب بن مصقلة وولهما خطبتا العرب العجوز في الجاهلية والعذراء في الإسلام.
وقال أبو عبيدة ما سمعنا مثلهما في الإسلام إلا خطبة قيس بن خارجة بن شيبان في حملة داحس , فقد ضرب به المثل وذلك أن قيسا أتى الجاهلين وهما خارجة ابن شيبان والحارث بن عوف فضرب مؤخر راحلة ابن شيبان بالسيف وقال مالي وهذه الحمالة أيها العيسيميان فقد فقأت عين بعير عن ألف بعير , قالوا وما عندك رضي كل ساخط وقرى كل نازل , وخطب من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب وأمر فيها بالصلة ونهي فيها عن القطيعة وخوّف فيها درك العواقب؛ وما تجئ به النوائب , فزعموا أنه خطب من غدوة إلى الليل , فقال قائلهم وهو يذكر غيره فلو قال حتى تغرب الشمس قائما لكان كقيس في ديار بني مرة , وهو خطيب قيس في الجاهلية , وخطيبهم في الإسلام سحبان بن وائل الباهلي.
ومن خطباء عمان وعلمائها صحار العبدي (1) صاحب الخلفاء. ومن خطبائهم صعصعه بن صوحان بن زيد وأخيه خطيبان مصقاعان. ومن خطبائهم مرة ابن البليد وهو من الأزد لم يكن في الأرض أجود منه ارتجالا وبديهة , ولا أعجب فكرا وتحبيرا منه , وكان رسول المهلب إلى الحجاج , وله عنده كلام محفوظ , ومنهم عرفجة بن هزيمة البارقي ومنهم0
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/11)
صفحة 12
بشر بن المغيرة بن أبي صفرة لم يكن في الأرض عماني أنطق منه وكان خطيب المصر يحيي بن يعمر وكان منشأه ومولده إلى أن بلغ الأهواز وكذلك الجحاف بن حكيم وغيرهما , قال فالذي ينكر أن لا يكون بعمان خطيب ليس يقول ذلك بعلم.
وقال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: رأيت أعرابيا بمكة فاستفصحته فقلت من الرجل؟ قال من الأزد؛ قلت من أيهم؟ قال من بني الحدان بن شمس , فقلت من أي بلد؟ قال عمان , قلت صف لي بلادك , فقال سيف أفح وفضاء صحصح وجبل صلدح ورمل أصيح , فقلت فأخبرني عن مالك؛ قال النخل , فقلت وأين أنت عن الإبل؟ فقال كلا إن النخل أفضل , أما علمت أن النخل حملها غذاء وسعفها ضياء؛ وليفها رشاء؛ وجذعها غماء , وفروها إناء؛ فقلت وأني لك هذه الفصاحة؟ قال إنا بقطر لا نسمع فيه ناجخة التيار.
وخرج الحجاج بن يوسف إلى القاوسان , فإذا هو بأعرابي في زرع له , فقال له ممن أنت؟ قال من أهل عمان؛ قال فمن أي القبائل أنت؟ قال من الأزد؛ قال فكيف علمك بالزرع؟ قال إني لأعلم منه علما؛ قال فأي شيء خيره؟ قال ما غلظت قصبته واعتم نبته وعظمت جثته؛ قال فأي العنب خير؟ قال ما غلظ عوده وعظم عنقوده؛ قال فما خير التمر؟ قال ما غلظ لحاه ودق نواه ورق شجاه.
ومن أهل عمان كعب بن سور قاضي عمر بن الخطاب على البصرة , وهو من أول من قدم على البصرة بعد تمصيرها.
ومنهم أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي رحمه الله تعالى؛ وكان غاية في العلم والورع , وشهرته عند المواقف والمخاطب كافية عن إطالة ذكره.
ومنهم الربيع بن حبيب رحمه الله وهو من (1/12)
صفحة 13
فراهيد انتقل إلى البصرة ونسب إليها ورجع إلى عمان آخر عمره , وكان يضرب به المثل في العلم.
ومنهم أبو حمزة الشاري المختار بن عوف , وهو من بني سليمة بن مالك بن فهم صاحب الإمام طالب الحق عبدالله بن يحيي الحضرمي؛ وهو خطيب مصقع؛ وله الخطب المشهورة المأثورة , روى بعضها مالك بن أنس؛ وقال عند روايته: خطبنا أبو حمزة المختار بن عوف خطبة حيرت المبصر وردّت المرتاب , يعني أن المبصر في دينه المخالف لأبي حمزة صار بعد سماع خطبته محتارا غير مبصر؛ لما سمع فيها من الحجج الباهرة؛ والبراهين القاهرة الناقصة لما هو عليه من سوء الاعتقاد؛ وأن المرتاب في مذهبه رجع بسماع خطبة أبي حمزة لي مذهب الحق وترك ما كان عليه من الريب.
وكان يشير بالمبصر إلى نفسه , فهذا من قوله يدل على أنه صار محتارا في مذهبه حيث أنه لم يستطيع جوابا لحجج أبي حمزة , ولا دفعا للحق الذي نطق به؛ والحق إذا قام صرع معانده , وليته ترك الحيرة , وأخذ بالبصيرة , ومحل ذكر خطبه في سيرة طالب الحق من أهل اليمن فلا نطيل بذكرها هنا.
ومن أهل عمان الخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي وكان من أهل ودام من الباطنة خرج إلى البصرة وأقام بها فنسب إليها وهو صاحب كتاب العين الذي هو لغة الكتب في اللغة؛ وما سبقه إلى تأليفه أحد؛ وإليه يتحاكم أهل العلم والأدب فيما يختلفون فيه من اللغة فيرضون به ويسلمون له؛ وهو صاحب النحو وإليه ينسب؛ وهو أول من بوبه وأوضحه ورتبه وشرحه؛ وهو شيخ سيبوية في النحو وكان قد أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي واضع هذا الفن , وهو صاحب العروض والنقط والشكل؛ والناس تبع له؛ وله فضيلة السبق إليه والتقديم فيه. (1/13)
صفحة 14
ومنهم أبو بكر أحمد بن محمد أبي الحسن بن دريد الأزدي وهو صاحب كتاب الجمهرة؛ وله مصنفات كتب عدة وهو الخطيب المذكور؛ والشاعر المشهور والفصيح الذي يقف عن كلامه البلغاء؛ ويعجز عن آدابه الأدباء؛ ويستعير منه الفصحاء؛ ويستعين بكلامه الخطباء وهو خطيب في شعره ومصقع في خطبته؛ وقدوة في أدبه وحكيم في نثره ومجيد في شعره؛ لا زيادة عليه في فنون العلم والأدب.
ومن أهل عمان أبو العباس المبرد صاحب كتاب الكامل.
وإنما ذكرت من بلغائهم وفصحائهم من هو مشهور عند قومنا وإلا فهم أكثر من ان يحصروا يطول بذكرهم الكتاب.
ولهم السياسة التي يحار في وصفها الواصفون؛ وناهيك بسياسة المهلب بن أبي صفرة وحزمه وشجاعته فإنه كان من أهل عمان؛ وهو الذي استنفذ البصرة من أيدي الأزارقة بأهل عمان وغيرهم بعد أن كادت الأزارقة تستحوذ على البصرة , فقام في مقاومتهم زمانا طويلا حتى ردهم الله بسببه على أعقابهم؛ ومن هناك كانوا يقولون في البصرة أنها بصرة المهلب.
وسترى في هذا الكتاب من سياسات أئمتها وملوكها وولاتها وقضاتها ما تقتضي به العجب.
ولهم في الشجاعة المنزلة العليا والسهم الأوفر؛ وذلك فيهم غير مجهول ولا مستنكر؛ فمنهم بلج بن عقبة الفراهيدي (1) الذي كان يعد عن ألف فارس وهو شاب ابن عشرين سنة, وخبره في سيرة طالب الحق والله أعلم.
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/14)
صفحة 15
باب دخول العرب في عمان وأخذها من يد الفرس
وسمعت من يدعي المعرفة بذلك يقول إن ذلك كان قبل الإسلام بألفي عام؛ وذلك بعد ما أرسل الله على سبأ سيل العرم؛ وخرجت الأزد منها إلى مكة وأرسلوا روادهم في النواحي يرتادون لهم الأمكنة؛ وتفرقوا من هناك إلى الأطراف؛ وخرج مالك في جملة من خرج إلى السراة ثم منها إلى عمان.
وفي مروج الذهب للمسعودي قال إن مالكا سار من اليمن مع ولد جفنة بن عمر بن عامر مزيقيا فسار بنو جفنة نحو الشام؛ وانفصل مالك نحو العراق , فملك على مضر بن نزار اثني عشرة سنة ثم ملك بعده ابنه جذيمة.
قال وقد كان ملك جزيمة من مشارق الشام إلى الفرات من قبل الروم وكانت داره بالموضع المعروف بالمضيرة بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا.
قال وأقام جزيمة ملكا في زمن ملوك الطوائف خمسا وتسعين سنة؛ وفي ملك أزدشير بابك وسابور الجنود أزدشير ثلاثا وعشرين سنة؛ فكان ملكه مائة سنة وثمان عشرة سنة.
وذكر العوتبي في الأنساب عن الكلبي أن أول من الحق بعمان من الأزد ملك ابن فهم بن غانم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب بن الحارث ابن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأزد.
وكان سبب قصة خروجه عن قومه إلى عمان كان له جار؛ وكان لجاره ذلك كلبة؛ وكان بنو أخيه عمرو بن فهم بن غانم يسرحون ويمرحون على طريق بيت ذلك الرجل؛ وكانت الكلبة تنبحهم وتفرق غنمهم؛ فرماها رجل منهم بسهم فقتلها؛ فشكا جار مالك إليه ما فعل بنو أخيه؛ فغضب مالك وقال لا أقيم ببلد ينال فيها هذا من جاري؛ ثم خرج مراغما لأخيه عمرو بن فهم.
وقال أبو حاتم السجستاني عن أبي عبيدة عن أبي اليقظان قال سبب (1/15)
صفحة 16
خروج مالك بن فهم عن قومه بعد نفرقهم في البلاد حين أخرجهم سيل العرم من جنتى مأرب ونزلوا بالسراة أن راعيا لمالك بن فهم خرج بغنم , وكان طريقه ثنية فيها كلب عقور لغلام من دوس؛ فشد الكلب على راعي مالك فرماه الراعي بسهم فقتله؛ فتعرض صاحب الكلب لراعي مالك فخرج من السراة هو ومن أطاعه من قومه؛ فأسلم ذلك النجد نجد الكلبة إلى اليوم.
قال: فخرج مالك بن فهم من أرض السراة يريد عمان فيمن أطاعه من ولده وقومه وعشيرته من الأزد ومن اتبعه من أحياء قضاعة , وسار متوجها نحو عمان؛ وقد اعتزل عنهم من قبل ذلك من ولده جزيمة الأبرش بن مالك بمن سار معه من الأزد إلى أرض العراق.
وقال أبو المنذر بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي أخبرني أبي وشرقي ابن الفظامي قالا: لما خرج مالك بن فهم من السراة يريد عمان وقد توسط الطريق حنت إبله إلى مراعيها وأقبلت تلتفت نحو السراة وتردد الحنين؛ فقال مالك في ذلك:
تحن إلى أوطانها إبل مالك ... ... =ومن دونها عرض الفلا والدكادك
وفي كل أرض للفتى متقلب ... ... =ولست بدار الذل طوعا (1) برامك
ستغنيك عن أرض الحجاز مشارب= ... رحاب النواحي واضحات المسالك
وقال أيضا:
تحن أوطانها بزل مالك ... ... = ... ومن دون ما تهوى فرات المقارف
وسيح أبي فيه منع لضائم ... ... = ... وفتيان أنجاد كرام غطارف
فحني رويدا واستريحي وبلغي ... ... =فهيمهات منك اليوم تلك المآلف
ثم سار من فوره يريد عمان؛ فجعل لا يمر بقبيلة من قبائل العرب من
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/16)
صفحة 17
معد وغيرهم من اليمن إلا سالموه ووادعوه لمنعته وكثرة عساكره.
ثم أنه سار في مسيرة ذلك حتى أخذ على برهوت وهو واد في حضرموت فلبث فيه حتى راح واستراح وبلغه أن بعمان الفرس وهم ساكنوها؛ فعبأ أصحابه وعساكره وعرضهم فيقال إنهم بلغوا زهاء ستة آلاف فارس وراجل؛ ثم أنه أعد واستعد وأقبل يريد عمان؛ وقد جعل مقدمته ابنه هناة بن مالك؛ ويقال فراهيد بن مالك في ألفي فارس من صناديد الأزد وفرسانها؛ ثم سار يؤم عمان حتى انصب على الشحر فتخلفت عنه مهرة ابن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ابن مالك بن حمير فنزلت بالشحر.
قال الكلبي كان أول من خرج من العرب من تهامة عند مالك بن فهم الأزدي وعمرو وابناه فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وراسب بن الخزرج بن جدة بن حزم بن ريان بن حلوان بن حمير بن الحاف بن قضاعة فنزلت الشحر.
وتقدم مالك بن فهم في قبائل الأزد معه من أحياء قضاعة إلى أرض عمان نوجد بعمان الفرس من جهة الملك دارا بن دارا بن يهمن بن أسفيديا وهم يومئذ أهلها وسكانها؛ والمتقدم عليهم المرزبان عامل ملك فارس؛ فعند ذلك أنزل مالك بن فهم من كان معه من الحشم والعيال والنساء والأثقال إلى جانب قلهات من شط أرض عمان ليكون أمنع لهم , وترك عندهم من الخيل والرجال من يحفظونهم , ثم سار هو ببقية عساكره وصناديد رجاله؛ وقد جعل على مقدمته وأرسل هناة بن مالك في ألفي فارس حتى ناحية الجوف فعسكر بالصحراء وأرسل إلى الفرس والمتقدم عليهم يومئذ المرزبان عامل الملك على عمان؛ فأرسل إليهم يطلب منهم النزول في قطر من عمان؛ وأن يفسحوا له ويمكنوه من الماء والكلأ ليقيم معهم؛ فأتمروا (1/17)
صفحة 18
بينهم وتشاورا في أمره حتى طال ترديد الكلام والتشاور بينهم؛ ثم أنهم أجمع رأيهم على صرفه؛ وأن لا يمكنوه مما طلب وقالوا لا نحب أن ينزل هذا العربي معنا فيضيق علينا أرضنا وبلادنا؛ فلا حاجة لنا في قربه وجواره.
فلما وصل جوابهم إلى مالك أرسل إليهم أنه لا بد لي من المقام في قطر من عمان , وأن تواسوني في الماء والمرعى , فإن تركتموني طوعا نزلت في قطر من البلاد وحمدتكم؛ وإن أبيتم أقمت على كرهكم؛ وأن قاتلتموني قاتلتكم؛ ثم إن ظهرت عليكم قتلت المقاتلة وسبيت الذراري ولم أترك أحدا منكم ينزل عمان أبدا؛ فأبت الفرس أن تتركه طوعا وجعلت تستعد لحربه وقتاله؛ وأن مالك ابن فهم أقام في مدته تلك بناحية الجوف حتى أراح واستراح واستعد لحرب الفرس وتأهب للقائهم , وحفر بناحية الجوف الفلج الذي بمنح ويعرف اليوم بفلج مالك؛ وكان معسكره ومضرب خيله وعساكره هناك إلى أن استعدت الفرس لحربه وقتاله.
ثم أن المرزبان أمر أن ينفخ في البوق الذي يؤذن فيه بالحرب وأن يضرب الطبل وركب في جنوده وعساكره وخرج من صحار في عسكر جم , فيقال أنه كان في زهاء أربعين ألفا ويقال ثلاثون ألفا , وخرج معه بالفيلة وسار يريد الجوف في لقاء العرب , فعسكر بصحراء سلوت وبلغ ذلك مالكا ومن معه , فركبوا جميعا وكانوا في زهاء ستة آلاف فارس وراجل , وعلى مقدمته ابنه هناة في ألفي فارس من صناديد الأزد وفرسانها , فأقبل في تلك الهيئة حتى أتى صحراء سلوت فعسكر بإزاء عسكر المرزبان , فمكثوا يومهم ذلك إلى الليل ولم يكن بينهم حرب ولا قتال , ثم أن مالكا بات ليلته تلك يعبئ أصحابه يمنة ويسرة وقلبا , ويكتب الكتائب ويوقف فرسان الأزد مواقفهم , فولى الميمنة (1/18)
صفحة 19
هناة بن مالك , وولى المسيرة ابنه فراهيد بن نالك , وصار هو في القلب في أهل النجدة والشدة من أصحابه , وبات المرزبان يعبئ ويكتب كتائبه حتى إذا أصبحوا تواقفوا للحرب وقد استعد كل واحد من الفريقين.
وركب مالك ابن فهم فرسا له أبلق وظاهر بين درعين ولبس غليهما غلالة حمراء , وتكمم على رأسه بكمة حديد , وتعمم عليها بعمامة صفراء , وركب معه ولده وفرسان الأزد على تلك التعبئة , وقد تقنعوا بالدروع والبيض والجوشن , فلا يبصر منهم إلا الحدق , فلما تواقفوا للحرب جعل مالك بن فهم يدور على أصحابه راية راية , وكتيبة كتيبة , ويقول يا معشر الأزد أهل النجدة والحفاظ حاموا عن أنفسكم , وذبوا عن مآثر آبائكم , وقاتلوا وناصحوا ملككم وسلطانكم , فإنكم إن انكسرتم وهزمتم اتبعتكم العجم في كافة جنودكم فاختطفوكم واصطادوكم بين كل حجر ومدر , وباد عنكم ملككم وزال عنكم عزكم وسلطانكم , فوطنوا أنفسكم على الحرب وعليكم بالصبر والحفاظ , فإن هذا اليوم له ما بعده.
فجعل يحرضهم ويأمرهم بالصبر والجلد , ويدور عليهم راية راية , وكتيبة كتيبة , حتى استفرغ جميع كتائبه وعساكره. ثم إن المرزبان زحف بعسكره وجميع قواده وجعل الفيلة أمامه , وأقبل نحو مالك بن فهم وأصحابه , ونادى مالك أصحابه بالحملة عليهم فقال يا معشر فرسان الأزد: احموا معي فداكم أبي وأمي على هذه الفيلة فاكتنفوها بأسنتكم وسيوفكم , ثم حمل وحملوا معه على الفيلة بالرماح والسيوف ورموها بالسهام , فولت الفيلة راجعة بحملتها على عسكر المرزبان , فوطئت منهم خلقا كثيرا , وحمل مالك في كافة أصحابه وفرسانه على المرزبان وأصحابه فانتقضت تعبئة المرزبان وجالوا جولة ثم بانت العجم , ورجعت إلى بعضها بعض , وأقبلت في حدها وحديدها , وصاح المرزبان في أصحابة (1/19)
صفحة 20
وكافة جنوده وأمرهم فحملوا , والتقى الجميع واختلط الضرب واشتد القتال , فلم تسمع إلا صليل الحديد ووقع السيف واقتتلوا يومهم ذلك ما يكون من القتال , وثبت بعضهم لبعض إلى أن حال بينهم ظلام الليل , فانصرفوا وقد انتصف بعضهم من بعض؛ وابتكروا من غد بالحرب , واقتتلوا قتالا شديدا , وقتل في اليوم الثاني من الفرس خلق كثير؛ وثبت لهم الأزد فلم يزالوا كذلك إلى أن حال بينهم الليل وانصرف بعضهم عن بعض وقد كثر القتل والجراح في الجميع.
فلما أصبحوا في اليوم الثالث زحف الفريقان بعضهم إلى بعض فوقفوا مواقفهم تحت راياتهم؛ وأقبل أربعة نفر من المرازبة والأساورة ممن كان يعد الرجل منهم عن ألف رجل حتى دنوا من مالك فقالوا هلم إلينا لننصفك من بأنفسنا ويبادرك منا رجل رجل؛ فتقدم إليهم مالك وخرج إليه واحد منهم وطارد مالكا ساعة؛ فعطف عليه مالك ومعه نجدة الملوك وحمية العرب؛ فطعن الفارس طعنة حطم بها الرمح في صلبه , فوقع الفارس إلى الأرض عن فرسه؛ ثم علاه مالك بالسيف فضربه فقتله.
ثم حمل الفارس الثاني على مالك وضرب مالكا فلم تصنع ضربته شيئا , فضربه مالك على مفرق رأسه ففلق السيف البيضة وانتهى إلى رأس الفارسي حتى خالط دماغه فخر ميتا.
ثم حمل عليه الفارس الثالث وعليه الردع والبيضة , فضربه مالك على عائقه فأبانه مع الدرع نصفين حتى انتهى سيف مالك إلى زج دابة الفارسي فرمى به قطعتين , فلما نظر الفارسي الرابع ما صنع مالك بأصحابه الثلاثة كاعت نفسه , وأحجم عن لقائه فولى راجعا نحو أصحابه حتى دخل فيهم.
ثم انصرف مالك إلى موقفه وقد تفاءل في الظفر؛ وفرحت بذلك الأزد فرحا شديدا ونشطوا للحرب.
فلما رأى المرزبان ما صنع مالك في قواده الثلاثة دخلته الخيمة والغضب وخرج (1/20)
صفحة 21
من بين أصحابه وقال لا خير في الحياة بعدهم , ثم نادى مالكا وقال أيها العربي أخرج إلى أن كنت ملكا , فأينا ظفر بصاحبه كان له ما يحاول؛ ولا نعرض أصحابنا للهلاك , فخرج إليه مالك برباطة جأش وشدة قلب؛ فتجاولا مليا وقد قبض الجمعان أعنة خيولهم فأوقفوها ينظرون إلى ما يكون منهما.
ثم إن المرزبان حمل على مالك بالسيف حملة الأسد الباسل؛ فراغ عنه مالك روغان الثعلب؛ وعطف عليه بالسيف فضربه على مفرق رأسه وعليه البيضة والدرع ففلق البيضة وأبان رأسه فخر ميتا.
وحملت الأزد على الفرس , وزحف الفرس إليهم فاقتتلوا قتالا شديدا من ظهر النهار إلى العصر , وأكل أصحاب المرزبان السيف وصدقتهم الأزد الضرب والطعن , فولوا منهزمين حتى انتهوا إلى معسكرهم , وقد قتل منهم خلق كثير , وكثر الجراح في عامتهم.
فعند ذلك أرسلوا إلى مالك بن فهم يطلبون منه أن يمن عليهم بأرواحهم ويجيبهم إلى الهدنة والصلح , وأن يكف عنهم الحرب ويؤجلهم إلى سنة ليستظهروا على حمل أهلهم من عمان , وأن يخرجوا منها بغير حرب وقتال؛ وأعطوه على ذلك عهداً وجزية على الموادعة؛ فأجابهم مالك إلى ما طلبوه وسألوا منه وهادنهم وأعطاهم على ذلك عهداً وميثاقا أنه لا يعارضهم بشيء إلا أن يبدأوه بحرب وقتال؛ فكف عنهم الحرب؛ وأقرهم في عمان على ما سألوه , فعادوا إلى صحار وما حولها فكانوا هناك؛ وكانت الأزد ملوكا في البادية وأطراف الجبال؛ وانحاز مالك إلى جانب قلهات.
فيقال إن الفرس في مهادنتهم تلك طمسوا أنهارا كثيرة وأعموها , ثم إنهم من فورهم كتبوا إلى الملك دارا بن دارا فأعلموه بقدوم مالك بن فهم ومن معه إلى عمان وقتله لقائده المرزبان في جل قواده وعسكره , وما كان من شأنه , ويخبرونه بما هم فيه من الضعف والعجز , ويستأذنوه في (1/21)
صفحة 22
التحمل إليه بأهلهم وذراريهم إلى فارس , فلما بلغ ذلك الملك دارا غضب غضبا شديدا وداخله القلق , وأخذته الحمية لمن قتل من أصحابه وقواده فعند ذلك دعى بقائد من عظماء مرازبته وأساورته وعقد له على ثلاثة آلاف من أجلاء أصحابه وشجعان مرازبته وقواده وقدمه فيهم وبعثه مددا لأصحابه الذين بعمان؛ فتحملوا إلى البحرين ثم تخلصوا إلى عمان.
وكل هذا لم يدر به مالك بن فهم , فلما وصلوا إلى أصحابهم أخذوا يتأهبون للحرب حتى انقضى أجل الهدنة , فجعل مالك يستطلع أخبارهم فبلغه وصول المدد إليهم؛ فكتب إليهم أني قد وفيت لكم بما كان بيني وبينكم من العهد وتأكيد الأجل , وأنتم بعد حلول بعمان , وبلغني أنه قد أتاكم من قبل الملك مدد عظيم وأنكم تستعدون لحربي وقتالي , فإما أن تخرجوا من عمان طوعا وإلا زحفت عليكم بخيلي ورجلي ووطئت ساحتكم؛ وقتلت وسببت الذراري وغنمت الأموال.
فلما وصل رسوله غليهم هالهم أمره وعظموا رسالته إليهم مع قلة عسكره وكثرتهم وما هم فيه من القوة والمنعة؛ وزادهم غيظا وحنقا وردوا عليه أقبح رد. فعند ذلك زحف عليهم مالك في خيله ورجاله وسار حتى وطئ أرضهم؛ واستعدت الفرس لقتاله ومعهم الفيلة فلما قربوا من معسكره عبأ أصحابه راية راية؛ وكتيبة كتيبة؛ وجعل على الميمنة ابنه هناة بن مالك وجعل على الميسرة فراهيد وقام هو وبقية أولاده في القلب؛ والتقوا هم والفرس فاقتتلوا قتالا شديدا ودارت رحا الحرب بينهم كأشد ما يكون مليا من النهار؛ ثم انكشفت العجم؛ وكان معهم فيل عظيم فتركوه فدنا منه هناة فضربه على خرطومه فولى وله صياح , وتبعه معن بن مالك فعرقبه فسقط.
ثم أن العجم ثابوا وتراجعوا وحملوا على الأزد حملة رجل واحد؛ فجالت الأزد جولة ونادى مالك يا معشر الأزد (1/22)
صفحة 23
اقصدوا إلى لوائهم فاكشفوه من كل وجه؛ وحمل بهم على العجم حملة رجل واحد حتى كشفوا اللواء , واختلط الضرب؛ والتحم القتال؛ وارتفع الغبار؛ وثار العجاج حتى حجب الشمس فلم تسمع إلا صليل الحديد ووقع السيوف؛ وتراموا بالسهام فتفصدت؛ وتجادلوا بالسيوف فتكسرت؛ وتطاعنوا بالرماح فتحطمت وصبروا صبرا جميلا , وكثر الجراح والقتل في الفريقين.
ثم لم يكن للفرس ثبات وولوا منهزمين على وجوههم؛ فاتبعهم فرسان الأزد يقتلون ويأسرون من لحقوا , وقتلوا منهم خلقا كثيرا؛ ولحق فراهيد سنفدار ابن مرزبان وكان من أعظم قواد العجم فطعنه فأرداه عن فرسه؛ ثم علاه بالسيف فقتله , وسارت فرسان الأزد من خف من أبطالهم آثار العجم لا يألون على سلب ولا غيره يومهم ذلك كله يقتلون ويأسرون حتى حال بينهم الليل؛ فما أفلت منهم إلا من ستره الليل فتحمل من بقي منهم من تحت ليله؛ وركبوا في السفن وعبروا إلى أرض فارس؛ واستولى مالك بن فهم ومن معه على سوادهم فاستباحهم وغنم أموالهم؛ وسجن من الأسرى خلقا كثيرا؛ فمكثوا في السجون زمانا؛ ثم أطلقهم ومن عليهم بأرواحهم وكساهم ووصلهم وزودهم وحملهم في السفن إلى أرض فارس؛ واستولى على عمان فملكها وما يليها وساسها؛ وسار فيها سيرة جميلة ولمالك وولده في أمر ورودهم إلى عمان وحربهم الفرس أشعار كثيرة ذكر بعضها العوتبي في الأنساب وتركها اختصارا.
باب انتقال العرب إلى عمان بعد فتحها
ثم جاءت إلى عمان قبائل كثيرة من الأزد؛ فأول من لحق بمالك من (1/23)
صفحة 24
الأزد عمرو بن عامر ماء السماء وولداه الحجر والأسود , وتفرعت من الحجر والأسود بعمان قبائل كثيرة.
ثم جاء ربيعة بن الحارث بن عبدالله بن عامر الغطريف وأخوته؛ ثم جاء ملارس بن عمرو بن عدي بن حارثة فدخل في هداد؛ ثم جاء عمران بن عمرو ابن الأزد؛ ثم جاء اليحمد بن حمي؛ ثم جاءت بنو غنم بن غالب , ثم جاءت الحدان وأخوها زيد وهو الندب الأصغر؛ ثم معولة وهم بنو شمس؛ ثم جاءت الندب الأكبر وجاءت الصيق وجاء ناس من بني يشكر وجاء ناس بن بني عامد وجاءت ناس من خوالة.
جاءت هذه القبائل كلها على راياتها لا يمرون بأحد إلا أكلوه حتى وصلوا عمان فملئوها وأقاموا في بلد ريف وخير واتساع , وسمت الأزد عمان عمانا لأن منازلها كانت على واد لهم بمأرب يقال له عمان فشبهوها به؛ والعجم تسميها مزونا.
إن كسرى سمي عمان مزونا ... = ... ومزون يا صاح خير بلاد
بلدة ذات مزرع ونخيل ... = ... ومراع ومشرب غير صاد
فلم تزل الأزد تنتقل إلى عمان حتى كثروا بها وقويت يدهم واشتدت شوكتهم ملئوها حتى انتشروا إلى البحرين وهجر.
ثم نزل عمان من غير الأزد سامة بن لؤي بن غالب فنزل بتوام في جوار الأزد وزوج ابنته هند بنت سامة بالأسد بن عمران بن عمرو بن عامر فولدت له العتيك بن الأسد؛ قال العوتبي: وبنو سامة اليوم بتوام؛ قال وفيها ناس من بني سعد وناس من بني عبد القيس؛ ونزل بعمان ناس من بني تميم منهم آل جزيمة ابن خازم وغيرهم.
ونزلها أيضا قوم من بني النبيت من الأنصار في الجاهلية ومنزلهم في قرية يقال لها ضنك من عمل السر؛ ونزلها بنو قطن من الأنصار ومنازلهم (1/24)
صفحة 25
عبري والسليف وتنعم من أرض السر. ونزلها ناس من بني الحارث ابن كعب ومنازلهم بضنك. ونزلها قوم من قضاعة من بني المقين بن جسر نحو مائة رجل منازلهم بضنك. ونزلها ناس من بني رواحة ابن قطيعة بن عبس منهم أبو الهشم العبيسي الرواحي.
باب بعض أخبار مالك بن فهم بعد ملكه لعمان
وكان مالك بن فهم ملكا عظيما , وكانت قبائل اليمن وغيرهم على منازلهم وعددهم يهابونه ويخافون بأسه فيفتخرون به ويتعززون بمنعته؛ وكانت له جرأة وإقدام ما لم يكن لغيره من الملوك , وكان ينزل ما بين عمان إلى ناحية اليمن , وكان أكثر نزوله بشاطئ قلهات من شط عمان؛ وينتقل منها إلى غيرها.
وكان في ناحية أخرى من نواحيه قد نزل ملك من ملوك الأزد يقال له مالك ابن زهير من ولد عبدالله بن الأزد , وكان عظيم الشأن , وكاد يكون مثل مالك ابن فهم في العزة والقدرة , وخشي مالك بن فهم أن يقع بينهما تحاسد وأن يطمع أحدهما في ملك الآخر فيقع بينهما الحرب؛ فخطب مالك بن فهم ابنته الحزام بنت مالك بن زهير؛ فزوجه على أن يكون الملك لولدها من بعده؛ فأجابه مالك بن فهم إلى ذلك وتزوجها فولدت له سليمة بن مالك وهو أصغر أولاده وأحبهم إليه , وملك مالك بن فهم عمان وما حولها سبعين سنة لم ينازعه في ملكه عربي ولا عجمي , وعاش مائة وعشرين سنة؛ وامتدحه أوس بن زيد العبدي وكان عظيم القدر في معد وهو في جوار مالك بن فهم فقال: (1/25)
صفحة 26
إن الأسد الكرام إن حل جار ... = ... فمع النجم لا يخاف عربيا
عز من كان مالك له جار ... = ... لست في الأزد إن حللت غريبا
ليكن أوسط الأقارب في النسبة =فيهم كل يراك قريبا
كأن فهم أوصى بنيه وصاة ... = ... حفظوها وكان فيهم مصيبا
أكرموا الضيف واحفظوا حرمة الجار =وكونوا ممن أحب قريبا
فوعى مالك وصاة أبيه ... ... =وكذلك النجيب يحيي النجيبا
مالك يأخذ الخراج من النا ... ... = ... س ومعد تخاف الوثوبا
فلما سمع مالك بن فهم شعر أوس بن زيد ومدحه إياه قسم له أرضا. وماء وأعطاه مائة ناقة واتخذه وزيرا له , وكان أوس شريفا في قومه فلم يزل وزيرا لمالك حتى مات , فأقبل بنوه يفتخرون بما كان من مالك إليه حتى الساعة , وقيل إن مالكا هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه أنه يأخذ كل سفينة غصبا. قال العوتبي في الأنساب قال أبو عبدالرحمن بن قبيضة عن أبيه عن ابن عباس في حديث موسى والخضر عليهما السلام قال فانطلق موسى والخضر ويوشع بن نون حتى إذا ركبوا السفينة ولججوا خرق الخضر السفينة وموسى عليه السلام نائم فقال أهل السفينة ماذا صنعت خرقت سفينتنا وأهلكتنا , وأيقضوا موسى وقالوا ما صحب الناس أشر منكم , خرقتم سفينتنا في هذا المكان فغضب موسى حتى قام شعره فخرج من مدرعته واحمرت عيناه وأخذ برجل الخضر ليلقيه في البحر , فقال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا , قال له يوشع يا بني الله أذكر العهد الذي عاهدته قال صدقت؛ فرد غضبه وسكن شعره وجعل القوم ينزفون من سفينتهم الماء وهم منها على (1/26)
صفحة 27
خطر عظيم , وجلس موسى في ناحية السفينة يلوم نفسه يقول لو كنت في غنى عن هذا في بين إسرائيل أقرأ لهم كتاب الله غدوة وعشية فما أدناني إلى ما صنعت فعلم الخضر ما يحدث به نفسه فضحك ثم قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا , أحدثت نفسك بكذا وكذا , قال موسى لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا , فانطلقوا حتى انتهوا إلى عمان وكان الملك يريد أن ينتقل منها وكان كلما مرت سفينة أخذها وألقى أهلها فإذا الناس على ساحل البحر كالغنم لا يدرون ما يصنعون , فلما قدمت سفينتهم قال أعوان الملك اخرجوا عن هذه السفينة قالوا إن شئتم فعلنا ولكنها مخرقة , فلما رأوها وخرقها قالوا لا حاجة لنا بها , فقال أصحاب السفينة: جزاكم الله عنا خيرا فما صحب قوم قوما أعظم بركة منكم , وأصلح الخضر السفينة فعادت كما كانت.
إلى أن قال: وكان الملك الذي ذكره الله في كتابه يأخذ كل سفينة غصبا مالك بن فهم الأزدي , وكان ينزل قلهات من شط عمان , وينتقل من هناك إلى ناحية أخرى , وقيل هو مسدلة بن الجلندى بن كركر الأزدي وهو من ولد مالك ابن فهم الأزدي وهو جد الصفاق ومن ولده ملوك مرو؛ وقيل هو الجلندى المستكبر ويقال المستنير بن مسعود بن الحرار بن عبد عز بن معولة بن شمس.
قال العوتبي: والقول الأول أشبه دلالة وأوضح حجة وأقرب في النظر صحة من هذا الأخير؛ قال لأن الجلندى هذا كان قبل الإسلام بيسير وقيل أنه أدرك الإسلام وأبناه عبد وجيفر أدركا الإسلام وإليهما كتب النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم على يد عمرو بن العاص , وقصة السفينة كانت في عصر موسى عليه السلام. وبين موسى ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم أعوام كثيرة. (1/27)
صفحة 28
ذكر وفاة مالك بن فهم
وذلك بعد ما ملك عمان سبعين سنة وكان قد مضى له من عمره مائة وعشرون سنة جاءته المنية على يد أحب الناس إليه وأعظمهم شأنا لديه وهو ولده سليمة.
إن من ترجو به دفع البلا ... ... = ... سوف يأتيك البلا من قبله
وفي ذلك عبرة لمن أعتبر وعظة لمن اتعظ , وسبب ذلك أن مالكا لما ملك عمان وأطراف العراق وما حول عمان وقعت بينه وبين ملوك اليمن تنافس وتحاسد إلى أن طمع كل واحد منهما في ملك الآخر , وكان مالك قد جعل على أولاده الحرس بالنوبة كل ليلة على رجل منهم مع جماعة من خواصه وأمنائه من قومه , وكان سليمة أحظى ولد مالك عنده وأقربهم إليه , وهو أصغر أولاده , فحسده إخوته وجعلوا يطلبون له زله عند أبيه وقومه , وكان مالك يعلم سليمة في صغره الرمي بالسهام إلى أن أتقنه , وكان يحرس كأخوته , وأقبل ذات يوم نفر من إخوته إلى أبيهم فقالوا يا أبانا إنك قد جعلت على أولادك الحرس بالنوبة وما أحد منهم وهو قائم بما عليه ما خلا سليمة فإنه أضعف همة وأعجز , وانه إذا جن الليل يعتزل عن فرسان قومه ويتشاغل بالنوم والغفول عما يلزمه فلا يكن لك فيه كفاية ولا غنى , وجعلوا يوهنون أمره عند أبيه وينسبونه إلى العجز والتقصير , فقال لهم مالك أنكم لكذلك وما أحد منكم إلا هو قائم بما عليه , وأما قولكم في ابني سليمة فليس هو كذلك وإن ظني فيه كعلمي ولم تزل الإخوة يحسد بعضهم بعضا لإيثار الآباء بعضا دون بعض , فانصرفوا من عنده راجعين بغير ما كانوا يأملون. (1/28)
صفحة 29
ثم أن مالكا دخله الشك فأسرّ كلامهم ذلك في نفسه إلى أن كانت الليلة التي كانت فيها نوبة ابنه سليمة؛ وقد خرج سليمة في نفر من فرسان قومه يحرسون كالعادة؛ ثم اعتزل عنهم سليمة في المكان الذي يكمن فيه بقرب دار أبيه؛ فبينما هو كذلك إذ أقبل مالك من قصره في جوف الليل مختفيا من حيث لا يعلم به أحد قاصدا إلى ذلك الموضع , وكان سليمة في ذلك الوقت قد لحقته سنة فأغفا على ظهر فرسه وهو متنكب كنانته , وفي يده قوسه وهو على ذلك الحال؛ فحست الفرس شخص مالك من بعيد فصهلت وانتبه سليمة من سننه تلك مذعورا , ونظر إلى الفرس وهي ناصبة أذنيها إلى شخص مالك ففوق سهمه في كبد قوسه ويممه نحو شخص مالك وهو لا يعلم أنه أبوه؛ فسمع مالك صوت السهم فهتف به يا بني لا ترم أنا أبوك؛ فقال سليمة يا أبت ملك السهم قصده فأرسلها مثلا؛ فأصاب السهم مالكا في قلبه فقتله؛ فقال مالك حين أصابه السهم هذه القصيدة نعي نفسه فيها؛ وذكر سيره الذي ساره من أرض السراة , وخروجه من برهوت إلى عمان وما كان من شأنه.
ألا من بلغ أبناء فهم ... = ... بمالكه من الرجل العماني
وبلغ منهيا وبني خنيس ... = ... وسعد الله ذي الحي اليماني
ومن أمسى بحي بني صريح ... = ... إلى حرس وحتى بني عدان
ومن حل الثنية من كلاع ... = ... إلى بطن المناقب والمثاني
بلاد قد نأى عنها مزاري ... = ... وجيران المجاورة الأدانى
نعته الدار من أبناء فهم ... = ... ومن أبناء دوس والقنان
قتلت محرقا وحميت نفسي ... = ... وراغمت الأعادي من أسان
وفي العرنين كنا أهل عز ... = ... ملكنا بربرا وبني قران (1/29)
صفحة 30
جلبت الخيل من سروات نجد ... = ... وواصلت الثنايا غير دان
صددنا قومنا الأدنين قدما ... = ... لدى بطن المبالغ والرعان
بها عمران من أولاد عمرو ... = ... ونسوتها ذوو النسب الأدان
وسرنا بين أحقاف ورمل ... = ... وغلفات تعاطاها بناني
وأودية بها نعم وشاء ... = ... يردن الماء تنزحه السواني
به أولاد ناجية بن حزم ... = ... وأوباش من الأمم الفواني
جلبت الخيل من برهوت شعثا ... = ... إلى قلهات من أرضي عمان
قتلت بها سراة بني قياد ... = ... وحاميت المعالي غير وان
وفي الهيجاء كنا أهل بأس ... = ... قتلنا بهمنا وبني كران
لقينا خيلهم عند التعادي ... = ... بأبطال المرازبة الداعان
يؤمون الذري والخيل تترى ... = ... بفرسان اللقاء كجن عان
فصالت فهم (1) ن الأملاك فيهم ... = ... بمرهفة تحل عرى المتان
نصفناهم فنصف الخيل قتلي ... = ... ونصف في الوثاق وفي القران
ثأرنا الملك يوم بني قياد ... = ... وبهمن والمنايا في العيان
فأضحت يمهن وبنو قياد ... = ... موالينا حيارى في الرهان
فأمتعناهم بالمن غفوا ... = ... وجدنا بالمكارم والأمان
وحرت مملكا قطرى عمان ... = ... وقدت الهبزري مع كل عان
نكحت بها فتاة بني زهير ... = ... وخودة بنت نصر الأسودان
وجعدة بنت حارثة بن حرب ... = ... من الحور المحبرة الحسان
وأم جذيمة وهناة بكر ... = ... عقيلة من ذرى العرب الهجان
ومعن والغميقي ثم عمرو ... = ... وحارث منهم ذرب اللسان (1/30)
صفحة 31
شربت الماء من قطرى عمان ... = ... فلم أر مثل ماء البيذجان
جزاء الله من ولد جزاء ... = ... سليمة أنه ساما جزاني
أعلمه الرماية كل يوم ... = ... فلم أشتد ساعده رماني
توخاني بقدح شك لي ... = ... دقيق قد برته الراحتاني
فأهوى سهمه كالبرق حتى ... = ... أصاب به الفؤاد وما عداني
ألا شلت يمينك حين ترمي ... = ... وطارت منك حاملة البنان
ثم قضى مالك نحبه , وأنشأ ولده هناة يرثيه ويقول:
لو كان يبقى على الأيام ذو شرف = ... ... لجده لم يمت فهم وما ولدا
حلت على مالك الأملاك جائحة ... = ... هدت بناء العلا والمجد فانقصدا
أبا جذيمة لا تبعد ولا غلبت ... = ... به المنايا وقد أودى وقد بعدا
لو كان يفدي لبيت العز ذو كرم ... = ... فداك من حل سهل الأرض والجلدا
يا راعي الملك أضحى الملك بعدك لا ... = ... تدر الرعاة أجار الملك أم قصدا
ثم إن سليمة تخوف من إخوته واعتزلهم , واجمع على الخروج من بينهم؛ فسار إليه أخوه هناة في جماعة من وجوه قومه فاجتمعوا إليه وكرهوا إليه الخروج؛ وكان أكثر خروجه تخوفه من أخيه معن؛ فقال لهم إني لا أستطيع المقام معكم وقد قتلت أباكم؛ وكان ذلك من سبب حسد إخوتي لي , وقد يبلغني من معن ما أكره وإني لأخشى أن يغتالني في بعض سفهاء قومه , فناشدوه الله والرحم أن يقعد معهم , وضمن له هناة بتسليم الدية عنه إلى أخوته من ماله وأعفوه عن القود؛ فقبل ذلك سليمة وأقام معهم وسلم هناة عنه الدية من ماله إلى إخوته فقبلها الأخوة وعفوا إلا معنا فإنه قبلها ولم يعف؛ وطمع هناة أن يصلح ذات بينهم؛ وكان حسن السيرة في إخوته وقومه.
ثم إن معن خلا له (1/31)
صفحة 32
زمن لا يتعرض لسليمة بسوء حتى أكل الدية ثم انه جعل يطلب غفلة سليمة ويغرى به سفهاء يومه من حيث لا يعلم به احد , فبلغ ذلك سليمة , فأقسم أنه لا يقيم بأرض عمان وأجمع رأيه على ركوب البحر , فخرج هاربا في نفر من قومه وقطع البحر حتى نزل بأرض فارس , فلما رأى ذلك أخوه ثعلبة بن مالك اعتزل أخوته وخرج عند أخواله من تنوخ فصار فيهم وسارت تنوخ بأجمعها حتى لحقت بجذيمة الأبرش بن مالك بن فهم , وهو يومئذ ملك الحبرة , ثم انتشروا من بعد ذلك إلى الشام والجزيرة فتفرقوا بها , وهم الآن كثيرون هناك , فولد ثعلبة بن مالك في تنوخ إلى اليوم والله أعلم.
----------------------------------------
1 - كذا في الأصل
باب خبر ولد مالك من بعده
وقد تقدمت الإشارة إلى جذيمة وملكه؟؟ خبر يطول , ولمقتله على يد الزباء خبر غريب للمشتغل بذكره لأنه ليس من أخبار عمان , وملك عمان بعد مالك ولده هناة , وكان أحسن ولد مالك سيرة وأكملهم رأيا وأجودهم مروءة؛ وكانت خبرة مالك وقعت عليه لعقله وكمال أمره , وكان ذا فهم وحلم , ولم يكن لأحد من ولد مالك ما لهناة من هذه الخصال , فقام بتدبير الأمر وسياسة الملك إلى أن مات , ولم يجد تاريخا لموته , ولا لمدة ملكه , وهو الذي أرسل المدد لأخيه سليمة بن مالك حتى قوّم ما أعوج من ملكه؛ بأرض فارس.
وكان من خبره أن سليمة لما خرج من عمان متخوفاً من أخيه معن نزل بأرض فارس , وكان أول موضع نزل فيه من ساحل البحر جاشك وتزوج امرأة منهم من قوم يقال لهم الأسفاهية , فولدت له غلاماً فأولاده منها يسمون بنجب الأسفاهية نسبة إلى أمهم , فبينما هو ذات يوم قاعداً يذكر أرض (1/32)
صفحة 33
عمان وانفراده عن أخوته وقومه , وما كان فيه من العز والسلطان فأنشأ يقول:
كفى حزنا إني مقيم ببلدة ... = ... أخلاي عنها نازحون بعيد
أقلب طرفي في البلاد فلا أرى ... = ... وجوه أخلاي الذين أريد
ثم أنه رحل عن جاشك حتى نزل أرض كرمان فأقام بها عند ملوك بعض أهلها وانتسب إليهم , وقال إني رجل من أهل بيت كان لنا الملك في العرب , وكان لأبي عدة من الولد وكنت أنا أقربهم إليه وأحبهم , فحسدني أخوتي مكاني من أبي , وكان ذلك سبب قتل أبي على يدي؛ ثم أنه أخبرهم بقصته وأمره؛ وقال إني قد قدمت إلى هذه البلاد مستجيراً بأهلها ومستعدياً بهم , وقد رجوت الله أن يمن علىّ بجوارهم ويشد أزري بمكانهم , فلما انتسب إليهم وعرفهم قصته عرفوه وتبينوا موضعه ومكانه وشرفه فأنزلوه وأكرموه , وأعجبهم ما رأوا من فصاحته وجماله وكمال أمره؛ فرفعوا قدره وأكرموا منزلته وزوجوه بامرأة من كرائم نسائهم؛ ويقال إن سبب تزويجهم إياه أن سليمة لما قدم إلى ارض كرمان وانتسب إليهم أرادوا أن يزوجوه بامرأة من بنات بعض ملوكهم , وكان الملك ذاك على ارض كرمان ولد دارا بن بهمن؛ وكان ملكا جباراً كثير العسف والظلم لأهل مملكته وقومه؛ وكان قد بلغ من أمره أنه ما رفت عروس على بعلها حتى يؤتي بها إليه فيصيبها قبله إلا قتل بعلها وبدد أهلها , فكان ذلك دأب في أهل كرمان إلى أن تقدم عليهم سليمة , وكانوا قد كتموا مجيئه وقدومه مخافة أن يتعرض له بسوء لأجل ما كان من أبيه مالك وأخيه جذيمة الأبرش إلى ملوك فارس؛ فشكوا إلى سليمة أمر ملكهم وحكوا له قصتهم؛ وذكروا أنهم لا يتوصلون إلى دفعه بحيلة من كثرة حرسه وحجابه ومنعته , فقال سليمة وماذا لي عليكم إن أنا (1/33)
صفحة 34
كفيتكم أمر بأسه وأرحتكم من سلطانه؟ قالوا وأنى لك ذلك ولم يرمه أحد من أهل العز والسلطان ممن كان قبلنا , فقال سليمة تدبير الأمر في ذلك علىّ فماذا لي عليكم؟ قالوا ما شئت , قال فإذا أردتم ذلك فيجتمع إلىّ من الغد أهل الوفا والتقديم , قالوا نعم.
فلما كان من الغد اجتمع إليهم عظماء أهل كرمان وأهل الوفا منهم وجرى الكلام بينهم كما يجري بالأمس؛ فقال سليمة إن أمكنتموني مما أشترط عليكم دبرت الأمر؛ فقالوا بأجمعهم لك جميع ما شرطت وسألت , قال سليمة أشترط على أنكم تصيرون ملكه وسلطانه لي ولعقبي من بعدي دون سائر أهل كرمان , وعلى أني آخذ جميع غلاتكم وجباية جميع أموال كرمان إلى أن أتمكن وأبلغ غاية مرادي , وأن أنتخب لنفسي من جميع ما قدرت عليه من رجال العرب ومن أجناس أهل كرمان من أردت من الرجال , وأن تزوجوني بامرأة من كرائم عقائل نسائكم , فأمسك القوم لذبك ونكسوا رؤسهم ساعة.
ثم أقبل بعضهم إلى بعض فقال إن كان فيكم معاشر أهل كرمان من يستطيع ذلك بدون هذه الشروط والمطلب فليفعل , فسكتوا ولم يتكلم منهم أحد , فقال سليمة إني لا أستطيع إلى فعل ذلك إلا على هذه الشروط , فعند ذلك ضربوا أيديهم على يد سليمة وقالوا له لك جميع ما شرطت وطلبت , فبايعوه على قتل الملك وأخذ عليهم العهود والمواثيق , وكانت تلك الجماعة من أهل بيت الملك والسلطان قوام أمر الملك ونظام الدولة.
فلما فرغوا من أمر البيعة عمدوا إلى سليمة فزوجوه بامرأة من كرائم بناتهم والملك لم يعلم بشيء من ذلك كله إلا أنهم أشهروا أمر تزويج المرأة باسم رجل من بعض أهل كرمان ممن شهد البيعة؛ ولم يذكر اسم سليمة لئلا يعلم الملك بشيء من أمره , ولما فرغ القوم من بيعتهم له وتزويجهم واعدهم في ليلة معلومة ليزفوه إلى الملك , وقال لهم إذا عزمتم على ذلك فأشهروا أمر (1/34)
صفحة 35
هذه المرأة إلى بعلها حتى يبلغ ذلك الملك ليكون متأهباً للتعريس , ثم أتوا إلىّ في خفية من الناس فألبسوني أنواع الحلي والحلل وزفوني إليه بين النساء والحشم , ليتيقن في وهمه أني المرأة التي تريدون أن تزفوها إلى بعلها. فإذا أنا صرت إليه وأغلقت الأبواب وأرخيت الستور دوني , وأمر الخدم بالانصراف؛ وأشرف علىّ وتمكنت منه ضربت بيدي على هذه السكين التي في حجزة سراويلي ووجأته بها فإذا أنا ظفرت به وتمكنت من حجابه وأهل حرسه وسمعتم الصريخ فبادروا إلىّ بأجمعكم في سلاحكم وآلة حربكم وأعينوني على ما حاولت وعاهدتموني عليه؛ فقالوا نعم.
فلما كانت الليلة أشهروا أمر تلك المرأة من النهار , وعمدوا إلى سليمة وهو إذ ذاك شاب؛ وكان جميلا حسن الوجه والهيئة , فألبسوه أنواع الحلي والحلل؛ وقد حدد سكينة وجعلها معه في حجزة سراويله , وسار عنده النساء وأنواع الخدم والحشم يزفونه بينهم في هيئة المرأة حتى انتهوا به على الملك , فحين نظر إليه الملك في الاشماع وضوء المصابيح وهو على تلك الهيئة والجمال هاله منظره وما رأى من حسنه وجماله , وقد أقبل إليه يرفل في أنواع الحلي والحلل بين الخدم والحشم؛ فأعجبه فأومأ إلى النساء والخدم بالانصراف فانصرفوا عنه , وأمر بالأبواب فأغلقت بالستور فأرخيت , ولم يبق إلا هو وسليمة.
ثم أنه أهوى على سليمة ليقبله ويضمه إليه فاسترخا ممائلا عليه حتى إذا تمكن منه أهوى على السكين من حجزة سراويله فوجأ بها الملك في خاصرته فأثبتها فيه , ثم أردفه الثانية في لبته فبعج بطنه , فخر الملك ساقطاً على فراشه يخور في دمه خوار الثور.
ثم وثب من فوره ذلك فلبس درع الملك وبيضته وتقلد سيفه , ثم نظر إلى (1/35)
صفحة 36
الملك وإذا فيه رمق الحياة فضربه بالسيف فأبان رأسه عن جسده , وبات ليلته على تلك الهيئة ولا يدري أحد ما عنده , وبات وجوه أهل كرمان الذين بايعوه ليلتهم في خوف ووجل لا يدرون ما يكون من أمره.
فلما أصبح وثب على الأبواب وفتحها؛ وخرج إلى حراس الملك وحاميته فشد عليهم فلم يزل يجالدهم بسيفه ويقتل من لحق منهم حتى أباد عامتهم , وباب الدرب مغلوق عليه وعليهم.
ثم تصايح الناس وتهاتفوا بالسلاح ووقع الصريخ؛ وأقبل إليه جماعة وجوه أهل كرمان أهل البيعة منهم وغيرهم من أعوان الملك في آلة حربهم وخيلهم وعددهم؛ فعندما أشرف عليهم سليمة من رأس الحصن وعليه الردع والبيضة شاهراً ليسف الملك بيده وهو مختضب بالدم , فألقى إليهم جثة الملك ورأسه , فلما نظروا إلى ذلك هالهم أمره وأكبروا شأنه وأعظموا وتحاجز الناس عنه , وسرّ بذلك بعض؛ فأمسك أمر الجميع , وحمد إليه عظماء أهل كرمان والأشراف منهم ممن كان بايعه؛ وصرفوا إليه جميع الناس؛ وفرحوا بذلك فرحاً شديداً لما كان من عسف الملك وسوء سيرته فيهم.
ثم أنهم شدوا في رجل الملك حبلا وأمروا الصبيان أن يجروه ويطوفوا به في شوارع كرمان وسككها.
ثم اجتمع العظماء والأشراف فتآمروا بينهم في تمليك سليمة عليهم وتسليم الأمر إليهم دونهم , فاجتمعوا على ذلك فوفوا له بما بايعوه وصرفوا له جميع الناس واستقبلوه بالسمع والطاعة حتى استقر له الأمر وتمهد؛ ثم أنهم أهدوا إليه عرسه فابتنى بها , واستقر له أمر كرمان وأطاعه الجميع من أهلها فمكنوه من أنفسهم وأموالهم؛ وأعانوه على جميع أمره.
فلم يزل أمره فيهم كذلك إلى أن حسده بعضهم وقالوا إلى متى يملكنا هذا العربي ونحن (1/36)
صفحة 37
أهل القوة والمنعة والعز والسلطان؟ وجعلوا يتعرضون له في أطراف عماله وناحية داره؛ فعند ذلك كتب سليمة إلى أخيه هناة بن مالك بعمان يستصرخه , ويطلب منه المعونة والمدد , فأمده هناة بثلاثة آلاف من فرسان الأزد وأبطالهم بالعدد والدروع , وحملهم في المراكب حتى أوردهم إلى كرمان , فتحصلوا عند سليمة وأقاموا معه فشد بهم عضده؛ وأقام بهم أود من أعوج عليه من العجم؛ واستقام الأمر وسياسة الملك ولم يزل أمر سليمة بأرض كرمان مستقيما؛ وقد أذعن له أهلها يؤدون إليه خراجها؛ وولد له عشرة أولاد ومات بأرض كرمان؛ فاختلف رأي ولده من بعده , واضطرب أمرهم ودخل الناس بينهم؛ وكان ذلك سبب زوال أمرهم ورجوع الملك إلى العجم حين وجدوا عليهم المدخل , فاضمحل أمرهم وتفرقوا في أرض فارس وكرمان؛ وفرقة منهم توجهت إلى جبال عمان فلحقوا بإخوانهم , ومنهم الجلندى بن كركر وقد ملك عمان , ومن ولده الصفاق ومن ولده ملوك مرو؛ وجمهور بني سليمة بأرض فارس وكرمان لهم بأس وشدة وعدد كثير؛ وبعمان منهم الأقل.
ثم لم يزل الملك في أولاد مالك ولم يرجع أحد من الفرس إلى عمان حتى انقضى ملك ولد مالك بن فهم؛ وصار ملك عمان إلى آل الجلندى بن المستكبر؛ وهو من معولة بن شمس , وصار ملك الفرس إلى ساسان؛ وهم رهط الأكاسرة فتهادنوا هم وآل الجلندى بعمان على أن يجمعوا فيها أربعة آلاف من الأساورة والمرازبة مع عامل يكون له بها عند ملوك الأزد؛ فكانت الفرس في السواحل وشطوط البحر؛ والأزد ملوك في سائر البلاد , والأمور كلها منوطة بهم؛ وكان كل من غضب عليه كسرى من الفرس وأهل بيته ومملكته أو خافه على نفسه وملكه (1/37)
صفحة 38
أرسله إلى عمان يحبسه بها , فلم يزالوا كذلك بين ظهراني الأزد إلى أن أظهر الله الإسلام بعمان فأخرجوهم منها على حسب ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ذكر جماز بن مالك بن فهم
وكان اسمه زياد بن مالك وكان قد ملك مائة وعشرين سنة وكان ملكه على معد وطوائف من اليمن.
قال العوتبي: وهو الذي ذكره الله تعالى في القرآن ووصف جنته فقال تعالى (قال لصاحبه وهو يحاوره) إلى قوله (ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلفا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما انفق وهي خاوية على عروشها) فخرب الله جنته بكفره , وهو الذي تقول فيه العرب: لأنت أكفر من جماز.
قال: ولم يملك العرب قط ملك كان أعظم كبراً ولا أقتل لمعد منه , كان إذا رأى رجلا من معد دهينا حلق رأسه وإذا رآه جميلا ضرب وجهه , وإذا رآه متكلما هشم فاه , وكان هذا دأبه في معد وكان ملكه من بلاد العالية إلى جانب أيلة من الشام فصار كفره في الناس يضرب به المثل , ولم يستطع معد أن تخرج من سلطانه , فسار رجل من عدوان فدعا المستنير بن عمرو ويقال المستجير بن عمرو وجماعة الأزد فقال:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أشتكي ... = ... بوائق جاءت من جماز بن مالك
فيا معشر الأسد الذين هم هم ... = ... خيار عباد الله ترضون ذلك
لكم شيمة لم يعطها الله غيركم ... ... =وساجح أحلام وأصل مرائك
قهرتم معدا غثها وسمينها ... ... =ملوكا لهم والقوم تحت السنابك
وكنتم خيار الناس ملكا وقدرة ... = ... فكيف بهذا بينكم شر مالك
ثم إن العدواني أقام بعمان مع الأزد في جوارهم , وخاف إن رجع إلى (1/38)
صفحة 39
بلاده بلغ جمازا أمره , وأنه شكاه إلى قومه وأخوته فيعاقبه؛ فولد العدواني اليوم في الأزد.
ولأولاد مالك أخبار كثيرة ذكرها المؤرخون؛ وذكر العوتبي في الأنساب؛ ونحن نقتصر على الغرض المقصود والله أعلم.
باب في ذكر شيء من أخبار عمان بعد ملك العرب لها
قال العوتبي في الأنساب: ذكر أن سليمان بن داود عليهما السلام كان يغدو من اصطخر فيتغدى في بيت المقدس ويروح من بيت المقدس فيتعشى في اصطخر فبينما هو يسير وقد حملته الريح إلى نحو البر فقال للريح شائمى فهبت في برية عمان فرأى قصراً في صحراء كأنما رفعت عنه اليد الساعة , وإذا عليه نسر واقع , فقال للريح حطى , ثم قال لمن معه ادخل القصر فدخلوا فلم يروا شيئا فعادوا إليه فأعلموه فدعا بالنسر فقال لمن هذا القصر؟ فقال ما أدري أنا عليه منذ ثمانمائة سنة هكذا عهدته.
وفي نسخه أخرى أن سليمان بن داود عليهما السلام سار من أرض فارس من قلعة اصطخر إلى عمان في نصف يوم ونزل موضع القصر من سلوت من عمان وهو بناء جديد كأنما رفع الصناع أيديهم منه في ذلك الوقت , وإذا عليه نسر فسأله نبي الله عليه الصلاة والسلام عنه فقال يا نبي الله أخبرني أبي عن أبيه عن جده أنه عهده على هذا الحال , فقال في ذلك بعض الشياطين الذين صحبوا سليمان عليه السلام.
غدونا من قرى اصطخر ... =إلى القصر فعلناه
فمن سال عن القصر =فأنا قد وجدناه
وللشيء على الشيء =مقاييس وأشباه (1/39)
صفحة 40
يقاس المرء بالمرء=إذا ما المرء ما شاه
قال: ويقال والله أعلم إن سليمان بن داود دخل عمان وأهلها بادية , فأقام فيها عشرة أيام وأمر الشياطين في كل يوم يحفرون ألف نهر , وقد أجرى فيها عشرة آلاف نهر.
قال وحدثني أبو المنذر خالد بن محمد أنه بلغه أن في جبل اليحمد بعمان قبر نبي.
باب انتقال ملك عمان من أولاد مالك بن فهم .......
باب انتقال ملك عمان من أولاد مالك بن فهم إلى بني معولة بن شمس
قال العوتبي: فمن ولد معولة بن شمس كانت ملوك عمان قال وإليهم صار الملك في عمان من بعد مالك بن فهم وولده.
قال فأول ملوكهم عبد عز بن معولة بن شمس بن عمرو بن غانم بن عثمان ابن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر ابن الأزد.
قال فملك واشتد ملكه , وكان من أعز الناس نفسا ومملكة وهو الذي سبا أهل العباب واستاق منهم فارس , وكان في جملة السبي ابنة عم له دوالة ابن صعدت النخل فقدم دوالة على عبد عز في شأنها فسأله ردها فردها على أهلها وكان قد بلغ ملك عبد عز بن معولة إلى اليمامة والبحرين وما والاهما: وكان له على أهل البحرين واليمامة اتاوة وهي الخراج المقدر عليهم؛ وكان رسوله في قبضها من أهل اليمامة باقل بن شاري بن اليحمد , وكان منزله إذا قدم اليمامة على عمرو ابن عمرو والحنفي من أهل اليمامة , فقدم باقل اليمامة في بعض مرآته فأعجل أهلها بالاتاوة فأغلظ عليهم فيها وحبس منهم بشرا كثيرا في محبس كان له باليمامة يسمى محبس الهون فبينما باقل ذات ليلة في منزله إذ (1/40)
صفحة 41
سمع قائلا يقول:
ولولا تعدية الخيار بن جنة =سقته سيوف الأزد سما مقسبا
فدانوا وأعطوا بالاتاوة عنوة= (1) فعلوه أو كان أصوبا
ولو عبد عز رام بالجيش كبكبا=لزلزل بالجيش العماني كبكبا
ولو قدحت كفاه بالنبع صخرة =غداة الفخر فدى وأثقبا
(وقال مصعب بن عمر الحنفي)
ثمامة فأدنا للحين جهراً=وعرضنا البلاء لعبد عز
وصبحنا بحر صباح سوء =على خيل يقحمها بنقز
فكم (2) قد تقرى =وسنان المعز والمعز (1)
وقال المستكبر بن عبد عز في ذلك شعراً لتحريف النسخ.
ثم لم يزل ملك عمان فيهم حتى أظهر الله الإسلام في عمان وغيرها وأسلم أهل عمان , وقيل أن ملكهم يومئذ الجلندى بن المستكبر وأنه أسلم في جملة من أسلم وإليه تنسب بنو الجلندى , وقيل أن الجلندى مات قبل الإسلام؛ وإنما أسلم ابناه جيفر وعبد وهو أثبت والله أعلم.
باب في إسلام أهل عمان
ذكر والله أعلم أن أول من أسلم من عمان مازن بن غضوبة بن سبيعة بن شماسه ابن حيان بن مر بن حيان بن أبي بشر بن خطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو ابن الغوث
__________
(1) [هامشلم يرقن] (1/41)
صفحة 42
بن طى , وكان من أهل سمائل.
قدم على رسول الله صاى الله عليه وسلم عند أول ظهور الإسلام بعمان وأسلم ودعا له النبي صاى الله عليه وسلم ولأهل عمان بخير؛ وكان من خبره أنه كان يسدن صنما له في الجاهلية في سمائل يقال له ناجر لعظمة بنو خطامة وبنو الصامت من طى.
قال مازن فعترنا عنده ذات يوم عتيرة يعني الذبيحة فسمعت صوتا من الصنم يقول:
يا مازن اسمع تسر = ... ظهر خير وبطن شر ... = بعث نبي من مضر
بدين الله الأكبر = ... فدع نحيتا من حجر =تسلم من حر صقر
قال مازن ففزعت لذلك ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى فسمعت صوتا من الصنم يقول:
أقبل إلىّ أقبل =تسمع ما لا يجهل ... =هذا مرسل جاء بحق منزل
آمن به كي تعدل = ... عن حر نار تشعل = ... وقودها بالجندل
فقلت إن هذا لعجب؛ وإنه لخير يراد بي, فبينما نحن كذلك إذ قدم رجل من أهل الحجاز فقلنا له ما وراءك؟ فقال ظهر رجل يقال له أحمد يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله, فقلت هذا نبأ ما سمعت, فثرت إلى الصنم فكسرته وركبت راحلتي فقدمت على رسول الله صاى الله عليه وسلم فأسلمت.
وفي المعنى أن القادم ظهر رجل يقال له محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ابن هاشم بن عبدمناف يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله فلست بمتكبر ولا جبار ولا محتال أدعوكم إلى الله وترك عبادة الأوثان, وأبشركم بجنة عرضها السموات والأرض وأستنقذكم من نار تلظى, لا يطفأ لهيبها ولا ينعم من سكنها.
قال مازن: فقلت هذا والله نبأ ما سمعت من الصنم, فوثبت إليه وكسرته جذاذا وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه (1/42)
صفحة 43
وسلم فسألته عما بعث له فشرح لي الإسلام ونور الله قلبي للهدى فأسلمت وقلت:
كسرت ناجرا جذاذا وكان لنا =ربا نظيف به ضلال بتضلال
بالهاشمي هدانا من ضلالتنا =ولم يكن دينه مني على بال
يا راكبا بلغن عمرا وأخوته =إني لمن قال ربي ناجر قالي
قال العتبي: قوله (بلغن عمرا) يريد بني الصامت وأسمه عمرو بن غنم بن مالك ابن سعد بن نبهان بن الغوث بن طى, وقوله وأخوتها يريد بني خطامة بن سعد ابن نبهان بن الغوث بن طى.
قال مازن: فقلت يا رسول الله عليك وسلم وآلك ادع الله تعالى لأهل عمان, فقال: اللهم اهدهم وأثبهم, فقلت زدني يا رسول الله فقال: اللهم أرزقهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم, قلت يا رسول الله البحر ينضح بجانبنا فادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا, قال: اللهم وسع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم, قلت زدني فقال: اللهم لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم, قل يا مازن آمين فإن آمين يستجاب عنده الدعاء, قال قلت آمين؛ قال قلت يا رسول الله إني مولع بالطرب وبشرب الخمر لجوج بالنساء, وقد نفذ أكثر مالي في هذا وليس لي ولد فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويهب لي ولدا تقر به عيني ويأتينا بالحيا, فقال النبي صاى الله عليه وسلم (اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وبالعهر عفة الفرج والخمر ريا لا إثم فيه, وأتهم بالحيا وهب له ولداً تقر به عينه, قال مازن فأذهب الله تعالى عني ما كنت أجد من الطرب والنشاط لتلك الأسباب وحججت حججاً وحفظت شطر القرآن وتزوجت أربع عقائل من العرب ورزقت ولداً سميته حيان بن مازن, وأخصبت عمان في تلك (1/43)
صفحة 44
السنة وما بعدها وأقبل عليهم الخف والظلف؛ وكثر صيد البحر وظهرت الأرباح في التجارات وآمن عدد من أهل عمان؛ ولمازن في ذلك شعر حيث يقول:
إليك رسول الله خبت مطيتي= تجوب الفيافي من عمان إلى العرج (1)
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصى ... =فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج (2)
إلى معشر جانبت (3) في الله دينهم ... =فلا دينهم ديني ولا شرجهم شرجي (4)
وكنت امرءا باللهو والخمر مولعا ... =شبابي إلى أن (5) أذن الجسم بالنهج
فبدلني بالخمر أمنا وخشية ... =وبالعهر احصانا فحصن لي فرجي
فأصبحت همي في الجهاد ونيتي ... =فلله ما صومي وما حجي
قال فلما كان في العام القابل الذي وفدت فيه على رسول الله صاى الله عليه وسلم فقلت يا المبارك ابن المباركين الطيب ابن الطيبين؛ وقد هدى الله قوما من أهل عمان ومن عليهم بيديك, وقد أخصبت عمان خصبا هنيا؛ وكثرت الأرباح والصيد بها, فقال عليه السلام سيزيد الله أهل عمان خصبا وصيدا فطوبى لمن آمن بي ورآني , وطوبى لمن آمن بي ولم يرني, وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني, وإن الله سيزيد أهل عمان سلاما. ذكر سبب إسلام ملوك عمان
وسبب ذلك أن النبيصلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى ابروين بن
__________
(1) موضع قرب المدين.
(2) النصر.
(3) خ خالفت
(4) يقال ليس من شرجي أي من طبقته وشكله.
(5) خ حتى أذن. (1/44)
صفحة 45
كسرى أخو شروان يدعوه إلى الإسلام, فمزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك اللهم مزق شمله كل ممزق فلم يفلح كسرى بعد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم , فسلط الله عليه ابنه شيرويه فقتله.
ثم أن شيرويه كتب إلى باذان مرزبانه على عمان ويقال بل اسمه فستحان أن ابعث من قبلك رجلا عربيا فارسيا صدوقا مأمونا وقد قرأ الكتب إلى الحجاز يأتيك بخير هذا الرجل العربي الذي يزعم أنه نبي , وعنى بقوله عربيا فارسيا أي قد تكلم بالعربية والفارسية ويعرفهما فبعث باذان ويقال الفستحان رجلا من طاحية يقال له عب بن برشة الطاحي وكان قد تنصر وقرأ الكتب, فقدم المدينة وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه فرأى فيه الصفات التي يجدها في الكتب, فعرف أنه نبي رسل؛ فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلمالإسلام فأسلم كعب ورجع إلى عمان, فأتى باذان: فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم نبي مرسل, فقال باذان هذا أمر أريد أن أشافه فيه الملك, فاستخلف على أصحابه الذين بعمان رجلا من أصحابه يقال له مسكان؛ وخرج باذان إلى الملك كسرى بفارس ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل عمان, وكان الملك في ذلك العهد بعمان الجلندي بن المستكبر, وأرسل إليه يدعوه ومن معه إلى الإسلام؛ فأجاب؛ وأرسل إلى الفرس الذين بعمان وكانوا مجوسا يدعوهم إلى التدين بهذا الدين والإجابة إلى دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأبوا؛ فأخرجهم الجلندي قهرا وصغرا من عمان.
وقال آخرون إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل عمان يدعوهم إلى الإسلام؛ وعلى أهل الريف منهم عبد وجيفر ابنا الجلندي, وكان أبوهما قد مات في ذلك العصر, فكان في كتابه (1/45)
صفحة 46
صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان, فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله, وأدوا الزكاة, واعمروا المساجد وإلا غزوتكم.
وعن الواقدي بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلمكتب إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزدي بعمان وبعث عمرو بن العاص بن وائل السهي بكتابه إليهما, وكان كتابه صحيفة أقل من الشر فيها:
(
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي, السلام على من اتبع الهدى (أما بعد) فإني أدعوكما بدعاية الإسلام؛ أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة؛ لأنذر من كان حيا, ويحق القول على الكافرين وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما؛ وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما؛ وخيلي تطأ ساحتكما, وتظهر نبوتي على ملككما).
وكان الكاتب لهذا أبي كعب وهو عليه السلام عليه, وطوى الصحيفة وختمها بخاتمه المبارك, وكان نقش الخاتم: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال: فقدم عمرو بن العاص بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد وجيفر بني الجلندي بعمان, فكان أول موضع دخله من صحار دستجرد وهي مدينة بنتها العجم في صحار في مهادنتهم لبني الجلندى فنزل بها وقت الظهر؛ وبعث إلى بني الجلندى وهم بادية عمان , فكان أول من لفيه عبد بن الجلندى؛ وكان أحلم الرجلين وأحسنهما خلقاً؛ فأوصل عمراً إلى أخيه جيفر بن الجلندى بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم, فدفعه إليه مختوماً ففض ختامه وقرأ ه حتى انتهى إلى آخره , ثم دفعه إلى أخيه عبد فقرأه مثل قراءته , ثم التفت إلى عمرو فقال: إن هذا الذي تدعو إليه من جهة صاحبك أمر ليس بصغير , وأنا أعيد فكري فيه وأعلمك , وإنه استحضر جماعة الأزد وبعثوا إلى كعب بن برشة العودي , فسألوه عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (1/46)
صفحة 47
الرجل نبي؛ وقد عرفت صفته , وسيظهر على العرب والعجم , فأجاب إلى الإسلام وأسلم هو وأخوه في ساعة واحدة , ثم بعث إلى وجوه عشائره فبايعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وأدخلهم في دينه وألزمهم تسليم الصدقة؛ وأمر عمرو بن العاص بقبضها فقبضها على الجهة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم بعث جيفر إلى مهرة والشحر ونواحيها فدعاهم إلى الإسلام وأعلمهم بالإسلام فأسلموا معه , ثم بعث إلى دُبى وما يليها إلى آخر عمان , فما ورد رسول جيفر على أحد إلا وأسلم وأجاب دعوته إلا الفرس الذين كانوا في ذلك العهد بعمان واجتمعت الأزد إلى جيفر بن الجلندى وقالوا لا يجاورنا العجم بعد هذا اليوم؛ وأجمعوا على إخراج مسكان ومن معه من الفرس؛ فدعا جيفر بالمرازبة والأساورة فقال لهم إنه قد بعث منا في العرب نبي فاختاروا منا إحدى حالتين: إما أن تسلموا وتدخلوا فيما دخلنا فيه , وإما أن تخرجوا عنا بأنفسكم؛ فأبوا أن يسلموا وقالوا لسنا نخرج , فعند ذلك اجتمعت الأزد فقاتلوهم قتلا شديداً وقتل مسكان وكثير من أصحابه وقواده , ثم تحصن بقيتهم في دستجرد , فحاصروهم أشد الحصار.
فلما طال بهم ذلك طلبوا الصلح , فصالحوهم على أن يتركوا كل صفراء وبيضاء وحلقة وكراع؛ ويحملوهم بأهاليهم وحاشيتهم في سفينة حتى يقطعوا إلى أرض فارس؛ فأجابوهم إلى ذلك , وخرجوا من عمان , وفي ذلك يقول شاعر الأزد؛ وهو ثابت بن قطنة العتكي:
ألم تنبئك عن سكانها الدار = وعندها من بيان الحي أخبار
كأنهم يوم راحوا تاركين لها = من جدهم بجناحي طائر طاروا
صادفت مسكان وسط النقع منجدلا = أثوابه بعد تاج الملك أطمار
ويل أمه فارساً ما هو يعنبله ([1]) = كأنما ناظراه في الوغى نار
بقية من سراة الأزد يقدمهم = رئيس صدق إلى الروعات كرار (1/47)
صفحة 48
لا هم ضعاف ولا أزرى بهم خوز= عند الطعان ولا عزل وأغمار
إذا أقول لهم والحرب ساطعة = والموت يكره سيروا نحوه ساروا
نحن العتيك مضاض الناس قد عملوا = وفي القبائل آساد وأحرار
قوم نعز ولا ترجى ظلامتنا = ولا يكون أكالى بيننا الجار
من كان فيه من الأحياء مختلف = فنحن لا عيب فينا لا ولا عار
والله يعلم والأقوام قد علموا= أنا لنصر إذا ما معشر جاروا
وفي السيرة الحلبية أن عمرو بن العاص قال: خرجت حتى انتهيت إلى عمان فعمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهمهما خلقاً , فقلت إني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك , فقال أخي المقدم علىّ بالسن وأنا أوصلك به حتى يقرأ كتابك , ثم قال: وما تدعوا إليه؟ قلت أدعوك إلى الله وحده وتخلع ما عبد من دونه؛ وتشهد أن محمداً عبده ورسوله , قال يا عمرو وإنك ابن سيد قومك؛ فكيف صنع أبوك؛ يعني العاص بن وائل؛ فإن لنا فيه قدوة , قلت مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ووددت لو كان آمن وصدق به؛ وقد كنت قبل على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام , قال فمتى تبعثه؟ قلت قريباً؛ فسألني أين كان إسلامي؟ فقلت عند النجاشي , وأخبرته أن النجاشي قد أسلم , قال فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت أقروه واتبعوه؛ قال والأساقفة؟ أي رؤساء النصرانية والرهبان , قلت نعم؛ قال انظر يا عمرو وما تقول , إنه ليس من خصلة في رجل أفصح له , أي أكثر فضيحة من كذب؛ قلت وما كذبت وما نستحله في ديننا.
ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي؛ قلت له بلى , قال بأي شيء علمت ذلك يا عمرو؟ قلت كان النجاشي رضي الله عنه يخرج له خرجاً فلما أسلم النجاشي (1/48)
صفحة 49
وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ قال لا؛ والله لو سألني درهماً واحداً ما أعطيته فبلغ هرقل قوله , فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجاً , ويدين ديناً محدثاً؟ فقال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع؛ قال انظر ما تقول يا عمرو؛ قلت والله صدقتك قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته , ويأمر بالبر وصلة الرحم؛ وينهى عن الظلم والعدوان , وعن الزنا وشرب الخمر , وعن عبادة الحجر والوثن والصليب , فقال ما أحسن هذا الذي يدعو إليه؛ لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصدق به؛ ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنباً , أي تابعاً , قلت إنه إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى قومه , فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم؛ قال إن هذا لخلق حسن , وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الأموال , ولما ذكرت المواشي؛ قال: يا عمرو يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه؛ فقلت: نعم , فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا.
قال عمرو: فمكثت أياماً بباب جيفر وقد أوصل إليه أخوه خبري؛ ثم أنه دعاني فدخلت عليه, فأخذ أعوانه بضبعي , أي عضدي , قال دعوه , فأرسلت فذهبت لأجلس , فأبوا أن يدعوني أجلس فنظرت إليه , فقال تكلم بحاجتك , فدفعت إليه كتاباً مختوماً , ففض ختامه فقرأه حتى انتهى إلى آخره , ثم دفعه إلى أخيه فقرأه , ثم قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت تبعوه إما راغب في الدين؛ وإما راهب مقهور بالسيف؛ قال ومن معه؟ قلت الناس قد رغبوا في الإسلام (1/49)
صفحة 50
واختاروه على غيره؛ وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين؛ فما أعلم أحداً بقي غيرك في هذه الخرجة؛ وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراؤك؛ أي جماعتك , فأسلم نسلم ويستعملك على قومك , ولا تدخل عليك الخيل والرجال. قال دعني يومي هذا وراجع إلى غداً.
فلما كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي فرجعت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه فأوصلني إليه , فقال إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله هنا وإن بلغت خيله ألفت – أي وجدت – قتالا ليس كقتال من لاقى. قلت وأنا خارج غداً فلما أيقن بمخرجي خلى به أخوه فأصبح فأرسل إلىّ فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه وصدقا وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم؛ وكانا لي عوناً على من خالفني.
ذكر رجوع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة
بعد أن مكث في عمان عاملا عليها لرسول صلى الله عليه وسلم وأهلها له طائعون , ولقوله سامعون إلى أن بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعزم على الرجوع إلى المدينة فصحبه عبد بن الجلندى وجعفر بن خشم العتكي وأبو صفرة سارف بن ظالم الأزدي؛ فلما دخلوا على أبي بكررضى الله عنه قام سارف بن ظالم فقال يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويا معشر قريش , هذه أمانة كانت في أيدينا وفي ذمتنا وديعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد برئا منها إليك , فقال أبو بكر جزاكم الله خيراً وأثنى عليهم المسلمون خيراً (1/50)
صفحة 51
وقام الخطباء بالثناء عليهم والمدح؛ فقالوا كفاكم معاشر الأزد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وثناؤه عليكم , وقام عمرو بن العاص فلم يدع شيئاً من المدح والثناء إلا قاله في الأزد وجاءت وجوه الأنصار من الأزد وغيرهم مسلمين على عبد ومن معه.
فلما كان من الغد أمر أبو بكر فجمع الناس من المهاجرين والأنصار وقام أبو بكر خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه وقال معاشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعاً لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر , ولا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب؛ ولم ترموا بفرقة ولا تشتت شمل , فجمع الله على الخير شملكم , ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح فأجبتوه إذ دعاكم على بعد داركم وأطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم؛ فأي فضل أبر من فضلكم؛ وأي فعل أشرف من فعلكم؟ كفاكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفا إلى يوم الميعاد , ثم قام فيكم عمرو وما أقام مكرما , ورحل عنكم إذ رحل مسلماً , وقد منّ الله عليكم بإسلام عبد وجيفر ابنى الجلندى وأعزكم الله به وأعزه بكم , وكنتم على خير حال حتى أتتكم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأظهرتم ما يضاعف فضلكم , وقمتم مقاماً حمدناكم فيه , ومحضتم بالنصيحة وشاركتم بالنفس والمال , فيثبت الله ألسنتكم ويهدي قلوبكم , وللناس جولة فكونوا عند حسن ظني فيكم , ولست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم ولا أن ترجعوا عن دينكم جزاكم الله خيراً ثم سكت.
وقيل أن عبداً لما قدم على أبي بكر استنهضه لمقابلة آل جفنة (1) فأجابه إلى ذلك فسرى سرية وأمره عليها , فخرج عبد على السرية حتى وافى ديار آل جفنة ولها حديث يطول ذكره , وقد شهر مقام عبد وعرف
__________
(1) هم الغسانيون من عرب الشام. (1/51)
صفحة 52
مكانه وكان في السرية حسان بن ثابت الأنصاري , فلما قدموا من ديار آل جفنة قام حسان وقال قد شهر مقام عبد في الجاهلية والإسلام فلم أر رجلا أحزم ولا أحسن رأياً وتدبيراً من عبد , هو والله ممن وهب نفسه لله في يوم غارت صباحه وأظلم صباحه , فسر ذلك أبا بكر وقال هو يا أبا الوليد كما ذكرت , والقول يقصر عن وصفه والوصف يقصر عن فضله , فبلغ ذلك عبد فبعث إليه بمال عظيم , وأرسل إليه إن مالي يعجز عن مكافأتك , فاعذر فيما قصر وأقبل ما تيسر.
ثم أن أبا بكر كتب كتابا إلى أهل عمان يشكرهم ويثني عليهم.
وفي تاريخ الخميس كان عمرو بن العاص عاملا للنبي صلى الله عليه وسلم على عمان فجاءه يوماً يهودي من يهود عمان فقال أرأيتك إن سألتك عن شيء أأخشى علىّ منك قال لا , قال اليهودي أنشدك بالله من أرسلك إلينا قال اللهم رسول الله قال اليهودي آلله أنك لتعلم أنه رسول الله؟ قال عمرو: الله نعم , فقال اليهودي لئن كان حقاً ما تقول لقد مات اليوم.
فلما رأى عمرو ذلك جمع أصحابه وحواشيه , وكتب ذلك اليوم الذي قال له اليهودي فيه ما قال , ثم خرج بخفراء من الأزد وعبد القيس يأمن بهم , فجاءته وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلمبهجر , ووجد ذكر ذلك عند المنذر بن ساوى فسار حتى قدم أرض بني حنيفة فأخذ منهم خفراء حتى جاء أرض بني عامر , فنزل على قرة بن هبيرة القشيري , ويقال خرج قرة مع عمرو في مائة من قومه خفراء له , وأقبل عمرو بن العاص يلقي الناس مرتين حتى أتى على ذي القصة فلقيه عيينة بن حصن خارجاً من المدينة , وذلك حين قدم على أبي بكر قول أن جعلت لنا شيئا كفيناك ما وراءنا (1/52)
صفحة 53
, فقال له عمرو بن العاص ما وراءك يا عيينة من ولى الناس أمرورهم؟ قال أبو بكر , فقال عمرو: الله أكبر , قال عيينة يا عمرو استوينا نحن وأنتم , فقال عمرو كذبت يا ابن الأخابث من مضر.
وسار عيينة فجعل يقول لمن لقيه من الناس احبسوا عليكم أموالكم , فقالوا فأنت ما تصنع قال لا يدفع إليه رجل من فزارة عناقاً واحدة , ولحق عند ذلك بطليحة الأسدي فكان معه.
ولما فرغ خالد من بيعة بني عامر أوثق عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة القشيري وبعث بهما إلى أبي بكر الصديق؛ قال ابن عباس فقدم بهما إلى المدينة في وثاق , فنظرت إلى عيينة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ينخسه غلمان المدينة بالجريد ويضربونه ويقولون أي عدو الله أكفرت بالله بعد إيمانك؟ فيقول والله ما كنت آمنت بالله , فلم يعاقب أبو بكر قرة وعفا عنه وكتب له أماناً وكتب لعيينة أماناً وقبل منه.
وفي كامل ابن الأثير قال مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بعمان فأقبل حتى انتهى إلى البحرين , فوجد المنذر بن ساوى في الموت ,ثم خرج عنه إلى بلاد بني عامر فنزل بقرة بن هبيرة وقرة قدم رجلا ويؤخر أخرى , ومعه عسكر من بني عامر؛ فذبح له وأكرم مثواه؛ فلما أراد الرحلة خلا به قرة وقال يا هذا إن العرب لا تطيب لكم نفساً بالأتاوة , فإن عفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع؛ وإن أبيتم لا تجتمع عليكم؛ فقال له عمرو: أكفرت يا قرة أتخوفنا بالعرب؛ فو الله لأوطئن عليك الخيل في حفش أمك وأحفاش بيت ينفرد فيه التعساء , وقدم على المسلمين بالمدينة فأخبرهم فطافوا به يسألونه فأخبرهم إن العساكر معسكرة من دبا إلى المدينة فتفرقوا وتحلقوا حلقاً , وأقبل عمر يريد التسليم على عمرو فمر على حلقة فيها علي وعثمان وطلحة والزبير (1/53)
صفحة 54
وعبدالرحمن وسعد؛ فلما دنا عمر منهم سكتوا , فقال فيما أنتم؟ فلم يجيبوه؛ فقال لهم إنكم تقولون ما أخوفنا على قريش من العرب , قالوا صدقت , قال فلا تخافوهم , وإنا والله منكم على العرب أخوف مني من العرب عليكم , والله لو تدخلون معاشر قريش حجرا لدخلته العرب في آثاركم فاتقوا الله فيهم , ومضى عمر.
فلما قدم بقرة بن هبيرة على أبي بكر أسيراً استشهد بعمرو على إسلامه , فأحضر أبو بكر عمرا فسأله فأخبره بقول قرة إلى أن وصلا إلى ذكر الزكاة؛ فقال قرة مهلا يا عمرو , فقال كلا والله لأخبرته بجميعه؛ فعفا عنه أبو بكر وقبل إسلامه.
وذكر ابن الأثير في كامله أيضا في قدوم عمرو على معاوية بعد قتل عثمان قال وكان قد علم الذي يكون فعمل عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بعثه إلى عمان؛ فسمع من خبر هناك شيئا عرف مصداقه , فسأله عن وفاة النبي ومن يكون من بعده فأخبره بأبي بكر , وأن مدته قصيرة , ثم يلي رجل من قومه مثله تطول مدته ويقتل غيلة؛ ثم يلي بعده رجل من قومه تطول مدته ويقتل عن ملأ , قال ذلك أشر , ثم يلي بعده رجل من قومه ينتشر الناس عليه ويكون على رأسه حرب شديدة , ثم يقتل قبل أن يجتمع الناس عليه , ثم يلي بعده أمير الأرض المقدسة فيطول ملكه وتجتمع عليه أهل تلك الفرقة ثم يموت.
باب عمال عمان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذكر في بعض السير العمانية أن أبا بكررضي الله عنه أقر جيفر وأخاه عبدا على ملكهما , وجعل لهما أخذ الصدقات من أهلها وحملها إليه؛ قال ولم (1/54)
صفحة 55
[يزالا في عمان متقدمين إلى أن ماتا.
ثم خلف من بعدهما عباد بن عبد الجلنداني في زمن عثمان وعلي؛ فلما وقعت الفتنة وصار الملك إلى كعاوية لم يكن لمعاوية سلطان في عمان حتى صار الملك لعبد الملك بن مروان , وأستعمل الحجاج على أرض العراق , وكان ذلك في زمن سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد بن الجلندى؛ وهما القيمان في عمان , فكان الحجاج يغزوهما بجيوش عظيمة , وهما يفيضان جموعه ويبيدان عساكره في مواطن كثير على حسب ما سيأتي ذكره في محله إن شاء الله تعالى.
وفي أسد الغابة لأبن الأثير أن أبا بكر استعمل عكرمة على عمان ثم عزلة وسيره إلى اليمن , وأستعمل على عمان حذيفة القلعاني , فلم يزل واليا عليها إلى أن توفي أبو بكر , وضبط القلعاني في نسخة أبي عمر بالقاف واللام والعين.
قال ابن الأثير: وأنا أشك فيه , قال وذكره الطبري فقال حذيفة بن الحصين الغلفاني بالغين المعجمة واللام والفاء , قال وله في قتال الفرس آثار كثيرة؛ وأستعمله عمر على اليمامة , وأستعمل على عمان؛ والبحرين عثمان بن أبي العاصي الثقفي في سنة خمس عشرة , فسار إلى عمان ووجه أخاه الحكم إلى البحرين وسار هو إلى توج فافتتحها ومصرها وقتل ملكها شهرك سنة إحدى وعشرين؛ وكان يغزو سنوات في خلافة عمر وعثمان يغزو صيفا ويشتوا بتوج , ثم سكن البصرة.
وذكر العتبي في الأنساب أن عمر بن الخطاب أستعمل على عمان عثمان بن أبي العاصي الثقفي سنة خمس عشرة , فسار إلى عمان فكان فيها حتى كتب إليه عمر بعد وقعة جلولا أن يقطع البحر إلى ابن كسرى بفارس , فلما أتاه كتاب عمر يأمره بذلك قال: أبغوني رجلا أشاوره؛ قالوا أبا صفرة فدعاه , فقال ما اسمك قال ظالم بن سراق , قال اسمان من أسماء الجاهلية , فكره الاسمين , فلم يشاوره وندب عثمان الناس (1/55)
صفحة 56
فانتدبت إليه ثلاثة آلاف , ويقال ألفان وستمائة من الأزد؛ وراسب وناجية وعبدالقيس , وأكثرهم من الأزد.
قال وكان رأس شنؤه صبرة بن سليمان الحداني , ورأس بني مالك منهم يزيد ابن جعفر الجهضمي , ورأس عمران أبو صفرة ومعه جماعة , فعبر بهم عثمان بن أبي العاصي من جلفار إلى جزيرة كاوان , وفيها قائد العجم , فسالم عثمان ولم يقاتله , فكتب يزدجرد إلى عظيم كرمان أن أقطع إلى جزيرة بني كاوان فحل بين العرب الذين بها وبين إخوانهم , فقطع في ثلاثة ألاف أو أربعة من هرموز إلى رأس القسم؛ فلقيه يسلمان بن أبي العاصي في جزيرة القسم واسمها جاش فعربوها فتقاتلوا قتالا شديدا , فقتل الله شهرك وهزم المشركين , وقيل أن يزدجرد وجه إليه شهرك في أربعين ألافا من الأساورة وقد انتخبه وقواهم , فالتقوا بشهرك واقتتلوا قتالا شديدا؛ وقتل شهرك وانهزم المشركين؛ وكانت العرب تدعوا شهرك ابن الحمراء , وكان الذي قتل شهرك جابر بن حديد اليحمدي؛ ويقال اشترك في قتل شهرك جماعة منهم أبو صفرة وباب بن ذي الحرة الحميري , وكان باب فيما يزعمون هو الذي طعن شهرك فأرداه؛ وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
باب بن ذي الحرة أردى شهركا= والخيل تجتاب العجاج الأرمكا
فلما ظفر أهل عمان بشهرك ساروا حتى قدموا العراق؛ فنزلوا توج؛ وذلك بعد افتتاح الكوفة والمدائن بيسير , فيزعمون أن أهل البصرة كانوا قد حسدوهم منزلتهم؛ وكان قدومهم البصرة حين أمر عمر بن الخطاب أن تمصر البصرة وأمر أن يضرب بموضع البصرة خططا لمن هناك من العرب , ويجعل في كل قبيلة محلة , وأمرهم أن يبنوا لأنفسهم المنازل وكان أول من قدم البصرة من أهل عمان ثمانية عشر رجلا منهم كعب بن سنور من بني لقيط ابن الحارث (1/56)
صفحة 57
ابن مالك بن فهم , وفد إلى عمر بن الخطاب من توج فاستقضاه عمر على البصرة. ثم إن جماعة الأزد الذين قدموا من عمان مع ظالم بن سراق وكانوا جند عثمان بن أبي العاصي , ضمهم عبدالله بن عامر إليه وهو عامل عثمان بن عفان على البصرة. والله أعلم.
ذكر وقعة دبا
بفتح الدال المهملة وفتح الباء والموحدة والمخففة موضع من الجانب الغربي من عمان على ساحل البحر الشمالي , وكان ذلك في آخر خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ وذلك أن أبا بكر الصديق وجه حذيفة بن محصن الغلفاني وهو من بارق حليف للأنصار؛ وكان له بصر وليس هو بحذيفة بن اليمان , فوجهه أبو بكر إلى عمان أميراً فصدقه؛ فلما صار في ولد الحارث بن مالك بن فهم ليصدقهم تناول بعض أصحابه امرأة من العفاة وكان عليها فريضة شاة مسنه فأعطتهم عتودا أوعناقا وكان الشاة المسنه فأبوا أن يقبلوها فأخذوا ما أرادوا فنادت يا آل مالك؛ فقال حذيفة دعوة جاهلية وخاف أن يكون القوم قد ارتدوا فأغار عليهم فأخذ ناس منهم وهم قليل؛ فمضى بهم إلى المدينة , وأتبعهم سبيعة بن عراك الصيلي والعلي ابن سعد الخمامي والحارث بن كلثوم الحديدي في أصحابهم؛ فوفدوا إلى أبي بكر فقالوا يا خليفة رسول الله إنا على إسلامنا لم ننتقل عنه؛ ولم نمنع زكاة ولم ننزع يدا من طاعة؛ ولم نرجع عن دين؛ وقد عجل علينا صاحبك وكففنا أيدينا إلى أن أتينا؛ فقال اصنع بكم ما صنعت بالعرب؛ إن شئتم خليت المال وأخذت السبي فقادوا السبي فقالوا: على كل أسير أربعمائة وخمسين درهما. كذا ذكر العتبي في الأنساب. (1/57)
صفحة 58
قال: ويقال إن سبيعة بن عراك خرج إلى أبي بكر الصديق في سبى دبا الذين أخذهم حذيفة بن محصن الغلفاني وكان سبيعة زعيم القوم والمعلا بن سعد الخمامي؛ وكان اسم معلا ثعلبة؛ فسماه عمر بن الخطاب المعلا؛ فقدموا المدينة وقد مات أبو بكر الصديق رحمه الله؛ وقام بأمر الناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فكلماه في سبي أهل دبا , وقال المعلا بن سعد الخمامي؛ يا أمير المؤمنين إن حذيفة ابن المحصن تعدى طوره وعظم في الناس حدثه؛ لولا مراقبة أمير المؤمنين لكان شكامه متانا جزاء له عن غيره واعظا لغيره؛ ولكن حملنا على مخافة نكله فنرادف العثرة وسكنت الحرة ولم نكد؛ فقال عمر يا معلي إن في الحق سعة وكف عربك أولى بك؛ إن الإسلام سوى بين الناس فرفع الوصيع ورفع (1) الشريف؛ وأعطى كل امرئ قسطه من خيره وشره؛ ثم أمر عمر بن الخطاب برد السبي , فذلك حيث يقول كعب بن معدان الأشقري يفخر على يزيد بن حسان الأيادي.
في زمان سبيعة بن عراك = والمعلا إذ يبينان الفعالا
حين ردا سباء أهل عمان = أكثر الحل فيه والترحلا
وفيه يقول أيضا:
وما ولد المحاصن كالمعلى = أخى النجدات ثعلبة بن سعد
وقال الشيخ خلف بن زياد البحراني في سيرته بلغنا أن أبا بكر بعث إلى أهل عمان مصدقاً يأخذ صدقات أموالهم وهم مقرون بالحكم كله , فأعطوه الصدقة جميعاً لم يمنعها أحمد منهم , غير ان امرأة من أهل دبا شاجرت بعض المصدقين؛ فزعمت أنه قد استوفى جميع حقه؛ وزعم أنه بقي عليها بقية منه؛ فتنازعا في ذلك فقرعها قرعة فاستغاثت ببعض أهلها فأغاثها , فأقبل ومن معه إلى
__________
(1) لعله ووضع الشريف أي إذا منع الحق أو اعتدى وفي الكلام تحريف (1/58)
صفحة 59
الذي قرعها ومن معه من المصدقين؛ فتواقعوا وتنادوا عند ذلك؛ يا آل بني فلان؛ حين رأوا أن القبائل قد نشت بينهم.
قال: وكانت دعوة جاهلية قد كان يقال إن من دعى بها حل دمه حين يدعو بها أو يتوب , فاقتتلوا ما شاء الله؛ وظهر المصدقون عليهم فجاء حذيفة الغلفاني وكان ولي ذلك؛ فسبا أهل دبا وفيهم ذرية من لم يقاتلهم من النساء والولدان , وذرية من كان قد غاب؛ أو كان قد مات؛ وهو مسلم ونساؤه في غير إنكار منهم بشيء من التنزيل , ولا امتناع منهم بما قبلهم من الحق.
قال: فلم يبق أحد من أهل دبا قدر عليه إلا سباه؛ فوافق بذلك عمر بن الخطاب رحمة الله عليه
وكان أول مبعثهم في حياة أبي بكر رحمة الله عليه؛ فقال له عمر حين انتهى إليه وحلف له بالله أن لو أعلمك تسبيهم بدين دوني تقطع فيهم علىّ لقطعتك طوائف ثم بعثت إلى كل مصر منك بطائفة
قال: ثم نقض أمر أهل دبا وردهم إلى منازلهم بأموالهم إلا من استخفى بشيء منهم خيانة , قال وأجاز المسلمون بما أصيب منهم , وأصابهم من البلى بثلاثمائة , وأخرج ذلك لهم من مال الله
هذا حاصل قضية دبا من الكتب العمانية؛ وهم أعرف بحالهم وبما عليه أوائلهم ولا يصح ما ذكره ابن الأثير في كامله حيث قال: وأما عمان فإنه نبغ بها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي , وكان يسمى في الجاهلية الجلندى قال وادعى بمثل ما ادعى من تنبأ , وغلب على عمان مرتداً.
قال: والتجأ جيفر وعياذ إلى الجبال , وبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره ويستمده عليه. قال وبعث أبو بكر حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير , وعرفجة البارقي من الأزد؛ حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة , وكل منهما أمير على صاحبه في جهة فإذا قربا من عمان يكاتبان جيفراً , فسارا إلى عمان , وأرسل أبو بكر إلى عكرمة ابن أبي جهل؛ وكان بعثه إلى اليمامة فأصيب , (1/59)
صفحة 60
فأرسل إليه أن يلحق بحذيفة وعرفجة بمن معه يساعدهما على أهل عمان ومهرة , فإذا فرغوا منهم سار إلى اليمن فلحقهما عكرمة قبل عمان , فلما وصلوا رجاماً؛ وهي قريب من عمان , كاتبوا جيفراً وعياذاً , وجمع لقيط مجموعة وعسكر بدبا , وخرج جيفر وعياذ وعسكرا بصحار , وأرسلا إلى حذيفة وعكرمة وعرفجة فقدموا عليهما وكاتبوا رؤساء من عند لقيط وأرفضوا عنه ثم التقوا على دبا فاقتتلوا قتالا شديدا؛ واستعلى لقيط ورأى المسلمون الخلل؛ وأرى المشركون الظفر.
قال: فقل منهم في المعركة عشرة آلاف وركبوهم حتى أثخنوا فيهم , وسبوا الذراري وقسموا الأموال؛ وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة , وأقام حذيفة بعمان يسكن الناس.
قال: وأما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار إليهم لما فرغ من عمان ومعه من استنصر من ناجية وعبدالقيس وراسب وسعد فاقتحم عليهم بلادهم؛ فوافق بها جمعين من مهرة , أحدهما مع سخريت , رجل منهم؛ والثاني مع المصبح , أحد بني محارب , ومعظم الناس معه وكانا مختلفين , فكاتب عكرمة سخريتاً فأجابه وأسلم , وكاتب المصبح يدعوه فلم يجب , فقاتله قتالا شديدا , فانهزم المرتدون؛ وقتل رئيسهم؛ وركبهم المسلمون فقتلوا من شاءوا منهم , وأصابوا ما شاءوا من الغنائم , وبعث الأخماس إلى أبي بكر مع سخريت , وازداد عكرمة وجنده قوة بالظهر والمتاع , وأقام عكرمة حتى اجتمع الناس على الذي يحب , وبايعوا على الإسلام. انتهي كلام ابن الأثير وكله باطل لا أصل له والله أعلم. (1/60)
صفحة 61
باب حروب الحجاج بن يوسف لعمان
تقدم أن أمر عمان صار بيد أهلها بعد افتراق الصحابة , وإنه لم يكن لعاوية ولا لمن بعده سلطان في عمان حتى صار لعبد الملك بن مروان واستعمل الحجاج على ارض العراق؛ وكان ذلك في زمن سليمان وسعيد ابنى عباد بن عبد بن الجلندى , وهما القيمان في عمان؛ فكان الحجاج يغزوهما بجيوش عظيمة , وهما يفضان جموعه ويبيدان عساكره في مواطن كثيرة , وكانا كلما أخرج إليهما جيشاً هزماه واستوليا على سواده؛ إلى أن أخرج إليهما القاسم بن شعوة المزني في جمع كثير وخميس جرار فخرج القاسم بجيشه حتى انتهى إلى عمان في سفن كثيرة , فأرسى سفنه في قرية من قرى عمان يقال لها حطاط؛ فسار إليه سليمان بن عباد في الأزد , فاقتتلوا قتالا شديدا. فكانت الهزيمة على أصحاب الحجاج , وقتل القاسم وكثير من أصحابه وقواده واستولى سليمان على سوادهم , فبلغ ذلك الحجاج فأصابه أمر هائل.
ثم استدعى بجماعة بن شعوه أخى القاسم وأمره أن يندب الناس ويستصرخهم وينادى في قبائل نزار حيث كانوا ويستعينهم ويستنجدهم , وأظهر الحجاج من نفسه غضبا وحمية وأنفة , وكتب بذلك إلى عبدالملك بن مروان وأقعد وجوه الأزد الذين كانوا بالبصرة عن النصرة لسليمان بن عباد , فقيل إن العساكر التي جمعها الحجاج وأخرجها إلى عمان كانت أربعين ألفا, فأخرج من جانب البحر عشرين ألفا ومن جانب البر عشرين ألفا؛ فانتهى القوم الذين خرجوا من البر , فسار سليمان بسائر فرسان الأزد , وكانوا ثلاثة آلاف فارس وأصحاب النجائب ثلاثة آلاف وخمسمائة , فالتقى بهم عند (1/61)
صفحة 62
الماء الذي دون البلقعة بخمس مراحل؛ وقيل بثلاث مراحل , وهو الماء الذي بقرب قرية بوشر؛ يقال له اليوم البلقعين فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب الحجاج , فأمعن سليمان في طلبهم وهو لا يعلم بشيء من عسكر البحر حتى انتهى عسكر البحر باليوتانة من جلفار , فلقيهم رجل فأعلمهم بخروج سليمان بسائر العسكر للقاء القوم الذين اقتتلوا من جانب البر , وإن الباقين مع أخيه شرذمة قليلة , فواصل مجاعة سير الليل بالنهار حتى وصل بركا فنزل إليهم سعيد وقاتلهم قتالا شديدا حتى حجز بينهم الليل؛ وتأمل سعيد عسكره فإذا هم في عسكر مجاعة كالشعرة البيضاء في الثوب الأسود قد قتل منهم من قتل؛ فاعتزل من ليلته وعمد إلى ذراري أخيه وذراريه.
فاعتزل بهم إلى الجبل الأخضر؛ وهو جبل بني ريام , ويقال له رضوا؛ بضم الراء. قيل سمي بذلك باسم نبي دفن فيه ولحقه القوم؛ فلم يزالوا محصورين حتى وافا سليمان؛ وكان مجاعة أرسى سفنه في البحر في بندر مسقط وكانت ثلاثمائة سفينة , فمضى إليها سليمان فأخرق منها نيفا وخمسين سفينة وانفلت الباقون في لجج البحر ثم مضى يريد عسكر مجاعة فتصور لمجاعة أنه لا طاقة له بسلمان فخرج يريد البحر فالتقى هو وسليمان بقرية سمائل ووقعت بينهم صكة عظيمة فانهزم مجاعة ولحق بسفنه فركبها ومضى إلى جلفار , وكاتب الحجاج فأخرج له في طريق البر عبدالرحمن بن سليمان في خمسة آلاف عنان من بادية الشام , وكان فيهم رجل من الأزد ولا يعلمون به أنه من الأزد , فهرب في الليل حتى نزل على سليمان وسعيد فأعلمهم بذلك فاستشعر العجز , فحمل ذراريهما وسوادهما ومن خرج معهما من قومهما ولحقا ببلد من بلدان الزنج حتى ماتا هناك , ودخل مجاعة وعبدالرحمن بالعسكر إلى عمان ففعل فيها غير الجميل ونهباها نعوذ بالله من ذلك. (1/62)
صفحة 63
باب في عمال الحجاج ومن بعده على عمان
بعد أن ظهروا على أهلها وخرج منها سليمان وسعيد إلى أرض الزنج استعمل الحجاج عليها الخيار بن سبرة المجاشعي , فلما مات عبدالملك وملك بعده ابنه الوليد ومات الحجاج استعمل الوليد على العراق يزيد ابن أبي مسلم , فبعث يزيد سيف بن الهاني الهمداني عاملا على عمان , فلما مات الوليد بن عبدالملك وولى أخوه سليمان بن عبدالملك عزل العمال الذين كانوا على عمان؛ فاستعمل عليها صالح ابن عبدالرحمن بن قيس الليثي؛ ثم أنه رأى أن يكون عمال عمان ما كانوا عليه فردوهم؛ وجعل صالح بن عبدالرحمن مشرفاً عليهم , ثم ولى يزيد بن المهلب العراق وخراسان فاستعمل يزيد أخاه زياد على عمان , فلم يزل عاملا عليها محسنا إلى أهلها حتى مات سليمان بن عبدالملك.
وولى عمر بن عبدالعزيز فاستعمل عدي بن أرطأة الفزاري على العراق واستعمل عدي على عمان عمالا فأساؤا السيرة فيها فكتبوا إلى عمر بن عبدالعزيز فاستعمل عليهم عمر بن عبدالله الأنصاري فأحسن السيرة فيهم , فلم يزل والياً على عمان مكرماً بين أهلها يستوفي الصدقات منهم بطيبة أنفسهم حتى مات عمر ابن عبدالعزيز , فقال عمر بن عبدالله لزياد بن المهلب هذه البلاد بلاد قومك فشأنك بها , وخرج عمر بن عبدالله من عمان , وقام زياد بن المهلب في عمان حتى ظهر أبو العباس السفاح وصار ملك بني أمية إليه , وولى أبا جعفر المنصور على العراق فاستعمل أبو جعفر على عمان جناح بن عباد قيس بن عمرو الهنائي وهو أخو عقبة ابن أسلم الهنائي لأمه , فقدم إلى عمان عاملا عليها وهو صاحب (1/63)
صفحة 64
المسجد المعروف بمسجد جناح وهو بصحار؛ ثم عزله المنصور وولى ابنه محمد ابن جناح فداهن المسلمين حتى صارت ولاية عمان لهم؛ فعند ذلك عقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود فكان سبباً لقوة الإسلام على حسب ما سيأتي ذكره والله أعلم.
باب في عقيدة أهل عمان
وإنما احتجنا لذكرها ليعلم الواقف عليها أنهم على السبيل الأول لم يبدلوا ولم يغيروا؛ وإنما كان التغيير والتبديل في سواهم من أهل الصراط المستقيم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ودعا العرب والعجم إليه؛ وجاهدهم عليه حتى دخلوا فيه رغباً ورهباً وعليه لقي ربه صلى الله عليه وسلم؛ وعليه مضى الخليفتان الراضيان المرضيان حتى لقيا ربهما؛ وعليه مضى عثمان بن عفان في صدر خلافته حتى غير وبدل فقاموا عليه وعاتبوه فتوّبوه فرجع إلى غيه ثم عاتبوه فتوبوه ثم عاد إلى غيه وأعذروا إلى الله فيه حتى عذروا بين الخاص والعام وطلبوه الاعتزال من أمرهم فأبى فاجتمعوا عليه وحاصروه حتى قتل في داره.
ثم اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب فقدموه وبايعوه على القيام بأمر الله ومضى على ذلك ما شاء الله من الزمان؛ وقاتل أهل الفتنة القائمين لقتاله المتسترين عند العوام بطلب دم عثمان حتى قتل منهم ألوفا وهزم صفوفا ثم رجع الفهقرى وحكَّم الرجال على حكم أمضاه الله ليس أحد أن يحكم فيه برأيه (1) فعاتبوه فلم يعتبهم وخاصموه
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/64)
صفحة 65
فخصموه , فكانت لهم الحجة عليه فهم أن يرجع إليهم ويترك ما صالح عليه البغاة من التحكيم في حكم الله فقامت عليه رؤساء قومه فأنزلوه عن استقامته وأضلوه عن بصيرته فأطاعهم وعصى المسلمين فاعتزلوه بعد أن خلع نفسه بتحكيم الرجال في إمامته وهو يظن أن الأمر باق في يده وهيهات فقد أعطى العهود والمواثيق على قبول حكم الرجلين فصارت الإمامة يلعب بها الحكمان أن قدموه أو عزلوه؛ فاعتزله المسلمون عنه ذلك وقدموا على أنفسهم إماما وهو عبدالله ابن وهب الراسبي , فسار عليّ فقاتلهم بالنهروان حتى قتل جماعتهم الذين هنالك وهم قدر أربعة آلاف رجل لم ينج منهم إلا اليسير , وهم يرون أن الموت هو النجاة وهو الرواح إلى الجنة , فبقي من بقى منهم في الأمطار والنواحي وهم خلق كثير فبقوا متمسكين بما وجدوا عليه أسلافهم عاضين على وصية النبي صلى الله عليه وسلم في إتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده , فنصبوا على ذلك الأئمة وذهبوا في رضى (1/65)
صفحة 66
الله الأنفس , وفارقوا في حبه نساءهم وأبناءهم ومساكن يرضونها حتى أقاموا شعار الإسلام , وظهر الدين بين الخاص والعام في أقطار من الأرض , فأظهروا للناس معالم الإسلام وذكروهم بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام , فأمرنا تبع لأئمة المسلمين قبل نزول الفتنة ورأينا اليوم تبع لرأيهم , وتأويلنا القرآن تبع لتأويلهم.
لسنا ممن يزعم أنه أفاد اليوم علماً في القرآن والسنة حتى غلبهم , ونرى حق الوالدين وحق ذي القربى وحق اليتامى وحق المساكين وحق أبناء السبيل وحق الصاحب وحق الجار وحق ما ملكت أيماننا أبراراً كانوا أو فجاراً ونؤدي الأمانة إلى من استأمننا عليها من قومنا أو غيرهم؛ ونوفى بعهود قومنا من أهل الذمة وغيرهم , ونجير من استجارنا من قومنا وغيرهم ويأمن عندنا منهم الكاف عن القتال المعتزل بنفسه من غير أن نشك في ضلالته وندعو إلى كتاب الله ومعرفة الحق وموالاة أهله ومفارقة الباطل ومعاداة أهله؛ فمن عرف منهم الحق وأقر به وتولانا عليه وتولينا وحرمنا دمه , ومن أنكر حق الله منهم واستحب العمى على الهدى وفارق المسلمين وعاندهم فارقناه وقتلناه حتى يفئ إلى أمر الله أو يهلك على ضلالته من غير أن ننزلهم منازل عبدة الأوثان , فلا نستحل سباهم ولا قتل ذراريهم ولا غنيمة أموالهم , ولا قطع الميراث منهم (1)؛ ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالا , لأن الله لم يأمر به في كتابه ولم يفعله أحد من المسلمين ممن كان بمكة بأحد من المشركين؛ فكيف نفعله نحن بأهل القبلة , وقد أمر الله نبيه
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/66)
صفحة 67
أن ينبذ إلى من خاف منه خيانة فقال (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين).
ونرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا لأن المسلمين قد كانوا يناكحون المنافقين ويوارثونهم ويظهر من المنافقين من المعاصي أكثر مما يظهر اليوم من كثير من قومنا , ولا نرى أن نقذف أحداً ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله خلافا للخوارج الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه برئ من الزنا من قومهم وهم بذلك مضلون , ونبرأ ممن زعم أن الزنا في دينه حلال , ولا نرى استعراض قومنا بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة , ولا نرى قتل الصغير من أهل قبلتنا ولا غيرهم (1) , ولا نستحل فرج امرأة رجل تزوجها بكتاب الله وسنة نبيه حتى يطلقها زوجها أو يتوفى عنها ثم تعتد عدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها.
ولا نرى انتحال الهجرة من دار قومنا لهجرة النبي وأصحابه من دار قومه ولكن يخرج من خرج منا مجاهدا في سبيل الله على طاعته فإن رجع إلى دار قومه توليناه إذا كان قائما بحق الله في نفسه وماله , ولا نرى الولاية إلا لمن علمنا منه الوفاء بما وجب عليه من دين الله , ونبرأ من المصرين على المعاصي من أهل دعوتنا وغيرهم حتى يراجعوا التوبة ويتركوا الإصرار, ولا نرى للنفر من المسلمين أن يبايعوا إمامهم إلا على الجهاد في سبيل الله والطاعة في المعروف حتى يهلكوا على ذلك أو يظهروا على عدوهم.
ونتولى مجاهدنا وقاعدنا ويعرف قاعدنا لمجاهدنا
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/67)
صفحة 68
الفضيلة التي خصه الله بها؛ ونتولى من لم ندرك من المسلمين ولم نره منهم بشهادة المسلمين؛ ونبرأ ممن لم ندرك من أئمة الظلم وممن لم نره منهم ومن أوليائهم بشهادة المسلمين , ونرضى من ملوك قومنا أن يتقوا الله ولا يتبعوا أهواءهم ولا يجحدوا سنة ولا يصروا على ذنب بعد معرفة , وأن يضعوا الصدقة والفيء حيث أمرهم الله , ونرضى من السبابة (1) وهم الشيعة أن يتقوا الله ولا يفارقوا من لم يحكم إلا الله في أمر قد حكم الله فيه ولا يتولوا من ترك حكم الله رغبة عنه وحكم غير الله , ونرضى من الخوارج أن يتقوا الله ولا يغشموا في دينهم ولا يرغبوا عن سبيل من هدى الله قبلهم ولا يتولوا قوما ويخالفوا أعمالهم وأن لا يفارقوا من سار بسيرة قوم يتولونهم , ونرضى من المرجئة أن يتقوا الله ربهم وأن يؤمنوا للمؤمنين في ولاية من لم يدركوا من المسلمين والبراءة ممن لم يدركوا من أئمة الظلم فيتولوا بشهادتهم كشهادة من يشهدون اليوم عليهم الضلالة وأن لا يسموا الحكام بغير ما أنزل الله من أسمائهم , ونرضى من الفتنة أن يتقوا الله وأن يقروا بحكم القرآن ويوقنوا بوعده وأن يستحلوا من أهل البغي والعدى والظلم ما أحل الله من فراقهم وقتالهم حتى يتوبوا.
ونرضى من المبتدعة أن يتقوا الله ربهم وأن يعملوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولوا على العمل بها وإن ضعفوا عنها؛ ونرضى من سائر قومنا أن يتقوا الله ربهم ولا يجعلوا حكمه تبعاً لحكم قومهم وأن لا يتمسكوا بطاعة قوم يعصون الله فإن الله لم يأذن لأحد أن
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/68)
صفحة 69
يعطى عهده من يعصي أمره.
ندعو أن يطاع الله فيحل حلاله ويحرم حرامه ويحكم بما أنزل الله في كتابه وأن تتبع سنة نبيه وسنة الصالحين من عباد الله؛ ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا ولا الغشم في أمرنا ولا التعدي على من فارقنا؛ حكمنا اليوم فيمن ترك قبلتنا ووجه غيرها حكم نبينا فيمن ترك قبلته وحكم المسلمين من بعده فيمن وجه غير قبلتهم , وحلالنا في دار قومنا حلالنا إذا خرجنا , وحرامنا إذا خرجنا حرامنا في دار قومنا.
نعلم بحمد الله أنه لا يحرم على الخارج منا شيء هو على القاعد حلال؛ ولا يحل للقاعد منا شيء هو على الخارج حرام؛ الله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا والسنة طريقنا؛ وبيت الله الحرام قبلتنا؛ والإسلام ديننا وهو من الإيمان , والإيمان من الإسلام , والتقوى من الإيمان؛ والبر والوفا من الإيمان؛ يعض ذلك من يعض على استكمال الإيمان بما فيه وإقامة حدوده والعمل بحقوقه , ولا يثبت الإيمان بانتقاض فرائض الله ولا بالمقام على حرام الله , والإيمان هو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدأ رسول الله , وأن ما جاء به حق , والإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والجنة والنار , وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور , والأمر بالمعروف وإتيانه والنهي عن المنكر واجتنابه , وإقامة الصلاة بمواقيتها في الليل والنهار وحضورها في الجماعة , ولا يُؤَمَّن فيها ولا يُقنت ولا يقتصر على المسح في الخفين عند الطهر لها (1)، والقصر لها في السفر دون الحضر والجمعة في الأمصار الممصرة مطلقا إذا أقيمت وعند أئمة العدل في غير
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/69)
صفحة 70
الأمصار الممصرة؛ إلى آخر خصال الإيمان المذكورة في محلها فالحمد لله الذي وفقنا لهذا وهدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله؛ لقد جاءت رسل ربنا بالحق نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين ينادون أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون.
ذكر من أخذ عنه أهل عمان دينهم الصحيح
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنقل الثقات الفضلاء من العمانيين وغيرهم.
أخذوا ذلك عن أبي بكر الصديق وعمرو بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبدالرحمن بن عوف وعمار بن ياسر , وعبدالله بن مسعود وأبي ذر سلمان وصهيب وبلال وأبيّ بن كعب وزيد بن صوحان المقتول شهيداً يوم الجمل , وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ومحمد وعبدالله ابنى بديل وحرقوص ابن زهير السعدي؛ وزيد بن حصن الطائي.
هؤلاء الذين ذكرهم أبو المؤثر في سيرته , لأصحابنا في آثارهم أخذ كثير عن غيرهم , لكن قال أبو المؤثر بعد هذا كلاما مجملا معناه أنهم أخذوا أيضا عمن لم يسم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أنكر المنكر على أهله ممن شهد يوم الدار ويوم الجمل ويوم صفين وشهد النهروان عند المسلمين؛ ومن لم يشهد هذه المشاهد ممن مات على دينهم , ومن مات قبل اختلاف الأمة , فهم أئمتنا وأولياؤنا رحمهم الله.
قال ثم من بعدهم عبدالله بن وهب الراسبي وأصحابه الذين جاهدوا معه يوم النهروان حتى استشهدوا رحمهم الله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ثم من بعدهم فروة بن نوفل الأشجعي ووداع بن حوثرة الأسدي ومن شهد معهما يوم النخيلة , ثم قريب والزحاف ثم عروة ومرداس ابنا جدير وأصحاب (1/70)
صفحة 71
مرداس الذين دعوا إلى دين الله حتى استشهدوا عليه , ثم عبدالله بن إباض وجابر بن زيد وصحار بن العبد وجعفر بن السمالك وحتات بن كاتب وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأبو نوح صالح بن نوح الدهان , ثم عبدالله بن يحيي الإمام طالب الحق والمختار ابن عوف وأبو الحر علي بن الحصين ومن استشهد معهم , ثم الربيع بن حبيب وضمام بن السائب وأبو منصور الخراساني , ثم الجلندى بن مسعود الإمام والإمام العماني وأبي الخطاب وعبدالرحمن بن رستم الإمامين المغربيين وأصحابهم ومن كان في طبقتهم , ثم محبوب بن الرحيل وهاشم بن عبدالله الخراساني وموسى بن أبي جابر وبشير بن المنذر ومنير بن النيّر وهشام بن المهاجر وعبدالله بن أبي قيس وسعيد ابن المبشر وعلي بن عروة وهاشم بن غيلان وسليمان بن عثمان وعبدالمقتدر بن حكم ومحمد بن هاشم بن غيلان (1) وموسى بن عليّ وسعيد بن محرز والوضاح بن عقبة ومحمد بن محبوب.
ثم امتلأت عمان بالعلماء الفضلاء أهل الثقة والورع والإخلاص وصدق النية حتى ضرب بذلك المثل فشبهوا العلم بطائر باض بالمدينة وفرخ بالبصرة وطار إلى عمان , وإنما ذكرنا من علماء المسلمين قليلا من كثير بعضهم يأخذ عن بعض , وبعضهم يتولى بعضاً ليس فيهم من ينقم عليه شيء من سيرته ولا من يعاب عليه شيء من خليقته , كلهم أهل بصائر وهدى ماتوا على ما أبصروا من الحق , فرحم الله تلك الأرواح ونور تلك المضاجع , ورزقنا حسن الاقتداء بهم أنه ولي التوفيق وهو على ما يشاء قدير والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/71)
صفحة 72
باب إمامة الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى رضي الله عنه وأرضاه
وهو أحد بني الجلندى بن المستكبر بن مسعود بن الحرار بن عبد عز بن معولة ابن شمس ملوك عمان بعد أولاد مالك بن فهم , وغلط من نسبه لغير ذلك , وقد تقدم أن سبب إمامته أن أبا العباس السفاح ولى أخاه أبا جعفر المنصور على العراق وولى المنصور على جناح بن عبادة بن قيس الهنائي ثم عزله وولى ولده محمد ابن جناح فلان للمسلمين ووافقهم على ما يحبون حتى صارت ولاية عمان لهم؛ فعند ذلك عقدوا الإمامة للجلندى ابن مسعود , فكانت سبباً لظهور الإسلام وقوة شوكته وكان عادلا مرضياً؛ وكان الجلندى ممن حضر بيعة عبدالله ابن يحيي طالب الحق.
قال أبو الحسن البسياني وقد أجمعوا على إمامته وولايته والمجاهدة معه؛ قال: وكان في أيامه حاجب والربيع بن حبيب بالعراق وعبدالله بن القاسم وهلال ابن عطية وخلف بن زياد البحراني وشبيب بن عطية العماني وموسى بن أبي جابر الأزكاني وبشير بن المنذر النزواني ومنير بن النير الجعلاني قال وكان هؤلاء بعضهم أكبر من بعض واقتدى بعضهم ببعض.
وقال أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر رحمه الله لا نعلم في أئمة المسلمين بعمان أفضل من سعيد بن عبدالله إلا أن يكون الجلندى بن مسعود.
قال أبو الحسن فسار الجلندى بن مسعود رحمه الله في عمان فأظهر الحق وعمل به وأخذ الدولة من يد أهل الجور وبرئ من الجبابرة وأشياعهم , ودان بقتال أهل البغي ولم يستحل مع ذلك غنيمة ولا سبي ذرية ولا استعراضاً بالقتل من غير دعوة. (1/72)
صفحة 73
وقد وصف منير بن النير سيرته للإمام غسان بن عبدالله فنعته ومن معه من بوارع كل قوم بما عرفوا به من المعروف والعدل والإحسان والصدق والاقتصاد والبصيرة والمعرفة والورع والزهد والتحرج والعبادة والسمت والحسن الجميل , قال لم يأخذوا الصدقة بغير حقها , ولم يضعوها في غير مواضعها , ولم يستحلوها من الناس على غير الإثخان في الأرض والحماية والكفاية والمكافحة عن حريم المسلمين بل أخذوا بحقها بعد أحكام الأمور التي تعنيهم في دين الله وحفظ الرعية , ثم وضعوها في مواضعها وقسموها على أهلها بحكم القرآن فريضة من الله والله عليم حكيم.
قال ثم بلغنا عنهم فيما استقام عليه رأيهم أن يرفضوا بصدقة البحر إلا ما طاب بأنفس الناس أن يبذلوه لهم , وذلك لما يتخوفون من الدخل عليهم في سبيل الله إذ لم يحموه قال ولا يولون أمرهم ولا يبعثون في حوائجهم ولا يستعملون على صدقاتهم وأهل رعيتهم ولا يستقضون على أهل ولايتهم إلا أهل الثقة وأهل العلم والفهم والورع والتحرج المعرفون بالفضل الموصوفون بالخير من أهل البيوتات من قومهم غير سقاط ولا أدعياء ولا متهمين ولا مقترفين؛ منهم موسى ابن أبي جابر والحسن بن عقبة والوليد بن خالد وموسى بن سعيد وجعفر بن بشر ومعين بن عمر ولوط بن سام وحميم بن المغيرة والهمام بن المغلس والنير بن عبدالملك وعبدالله بن أبيّ وعمارة بن همام ومحمد بن عبدالله بن سلوم وعمر بن يحيي وحميد ابن عبدالله ويحيي بن زيد وعمر بن عبدالله , وضرباؤهم من الناس لا يتعلق عليهم بالسباب ولا يلجأ إليهم القبيح , ولا يتهمون في دينهم , مرضيون في إخوانهم متبع رأيهم , معروف فضلهم معروفون به , قد أحكمت آراؤهم في قوة الحق وأحكام أمور الدين.
قال وعلى كل مائتين من الشراة إلى ثلاثمائة إلى أربعمائة (1/73)
صفحة 74
قائد من أهل الفضل والحجا والبصيرة والثقة والمعرفة والعلم والفقه والحزم والقوة , قال وعلى عشرة من أصحابه مؤدب من أهل الفقه يعلمهم الدين ويؤدبهم على المعروف ويسددهم عن الزيغ , ويقيمهم على الطريقة , ويهديهم سبيل الرشاد. ليست الدنيا من ذكرهم ولا جمع المال من شأنهم ولا الشهوات من حاجاتهم؛ قال وكيف لا يكون كذلك من باع لله نفسه ليجود بها على ترك الدنيا ويزهد بما فيها , قال غير أن رجالا منهم تاقت أنفسهم إلى النساء , فلما ذكروا ذلك استوحش منهم أئمتهم وقائدهم , قال فلم يكن من القوم إذ ذكروا النكاح نظر إليه دون أن يعرضوا أمرهم على أهل الفضل من أهل العراق , فلما وصل ذلك غليهم فزعوا منه وساءهم ذكر الشراة الذين باعوا لله أنفسهم للنساء وطلب الشهوات , فكتبوا إليهم إنكم كتبتم إلينا تخبرونا عن الشراة أن أنفسهم تنازعهم إلى النساء , وهذا أمر عظيم غير أنهم إن لم يقدروا على الصبر فليعرض الفقير منهم نفسه على النساء المسلمات الصالحات فإن قبلته المسلمة بعشرة دراهم فينجزها إياها ولا يبقى لها عليه دين بعد العشرة فليتزوج , وإن صبر عن النساء فهو خير له وإن لم يقدر على وفاء حقها فلا يحمل على نفسه لامرأة ولا لأحد من الناس دينا للذي طوق نفسه من البيعة , وحمل على نفسه من الميثاق , فلما عرض القوم أنفسهم على النساء بذلك الشرط لم يقبل منهم إلا قليل منهم؛ فصبر القوم على ما لم يقووا له وقبلوا النصيحة واقتدوا بهدي أهل الفضل واتبعوا أمرهم , ولو خالفوهم إلى ما نهوهم عنه وكرهوا عليهم من ذلك ما كان لهم واسعاً.
قال وكان المرء منهم يرزق في الشهر سبعة دراهم في غلاء من السعر فيصبر على القوت اليسير رغبة في الآخرة والثواب من عند الله , قال وقد بلغنا إنه ربما يبقى مع الرجال (1/74)
صفحة 75
منهم الدرهم والدرهمان فيتطوع بذلك الفضل فيرده في فئ المسلمين رحمهم الله وجزاهم خيرا مع ما أظهروا من السنة والأمر بإدناء الجلابيب على النساء ورفع الخمر فوق الأذقان , وستر النواصي وسائر الزينة إلا الوجه والبنان؛ أما ما وراء ذلك فهو حرام على من أبداه من النساء أو من نظر إليه من الرجال شهوة؛ والنطاق من تحت الدرع إلا فقيرة لا تقدر على درع سابغة فلها أن تبرز فوق درعها؛ ونهي النساء عن الجلوس في السكك والخروج في يوم المطر والريح والعاصفة , وأمر الرجال برفع ذيولهم وتقصير أشعارهم إذا سبغت على العواتق , وأنكر على أهل القبلة أن يتشبهوا بزي أهل الذمة , وأنكر على أهل الذمة أن يتشبهوا بزي أهل الإسلام؛ ونهى الرجال أن يبدوا ما فوق الركب.
قال وكانوا أهل فقه وأهل علم وحلم وتؤدة تودد ووقار وسكينة ولب وعقل وبر ومرحمة وصدق ووفاء وتخشع وعبادة؛ وورع وتحرج وصلة ونصيحة وظاهرة مقبولة؛ لا يطمعون بمطامع السوء ولا يتعاطون من الناس الحقوق ولا يدخلون في خصومات الناس؛ ولا يجتعلون على استخراج الحقوق ولا يسترشون على طلب الحوائج التي تعنيهم من أمر الرعية؛ ولا يستفضلون في الرزق على الشبعة؛ ولا يغتاب بعضهم بعضا ليس من شأنهم الغيبة ولا البغي ولا الحسد ولا التقاطع ولا التدابر ولا البغضة؛ ولا شيء من أخلاق أهل الريبة , يحرصون على مآدهم في الدين ومع أهل الدين , ويكرهون العيوب ويهجرون أخلاق الفجور والمعاصي؛ هم أنوا في الأرض وغرباء في الناس يعرفون بسيماهم.
وكيف لا يكون كذلك من باع لله نفسه ينتظر حتفها صباحا ومساء وليس له في شيء من الأمور؛ ولا لأحد من الناس دنت رحمه أو بعدت أو عظم خطره أو صغر , أو أرتفع شأنه أو تواضع هوى إلا ما وافق (1/75)
صفحة 76
الحق؛ مع ما لا يحصى من أخلاقهم الحسنة الجميلة التي زينهم الله بها في الدنيا وترك عليهم الثناء الحسن الجميل فيمن خلف بأعقابهم أهـ كلام منير في الجلندى وأصحابه وحسبك بمن أثنى عليه منير هذا الثناء وأطبقت ألسنة الأمة على الثناء الجميل لهم والناس شهود الله في أرضه , جزاهم الله عن الإسلام وأهله خيراً.
ذكر قتل جعفر الجلندي وابنيه النظر وزائدة
وهم من أقارب الإمام رحمه الله؛ قال أبو الحواري بلغنا أن الجلندى ابن مسعود رحمه الله قتل جعفر الجلندي وابنيه النظر وزائدة على كتاب بيعة كانت منهم على المسلمين؛ فلما صح ذلك عند الجلندى رحمه الله أرسل إليهم ولم يكن منهم محاربة فيما بلغنا إلا ما ظهر من كتباهم؛ فقدمهم الجلندى فضرب رقابهم على ذلك الكتاب فيما بلغنا؛ قال وبلغنا أن الجلندى لما قتلهم فاضت عيناه دموعاً , فلما نظر إليه أصحابه وعيناه تفيضان بالدموع قالوا له أعصبية يا الجلندى؟ فقال لا ولكن الرحمة.
وقال غيره كان الجلندى بن مسعود رحمه الله قتل عفر بن سعيد وغيره من بني الجلندى فدمعت عينه جزعا عليهم فوقع في أنفس المسلمين عليه من ذلك فقالوا له اعتزل أمرنا فاعتزل أمرهم وطرح إليهم بالسيف والقلنسوه؛ فلبث ما شاء الله يغدو غدوهم ويروح روحهم , ثم رجعوا إليه فطلبوا إليه أن يرجع إلى ما كان فيه من أمرهم فكره ذلك فلم يزالوا به حتى رجع إلى مكانه بعد اعتزاله وفي موضع أنه اعتزل فلم يكد يرجع ولم نعلم أنهم بايعوه بعد اعتزاله , يعني أنه رجع إلى الأمر بالعقد الأول والله أعلم.
وكان أبو صالح الوضاح والياً للجلندى على أبرى (1/76)
صفحة 77
فمر به قوم استحل المسلمون دمهم فأمنهم وخرج بهم إلى الجلندى وبلغ الجلندى أن الوضاح أمنهم فقال لا أمان لهم عندي , أو قال لا أمان دون الإمام , فوجه غليهم من لقي الوضاح ببهلى فقتلهم فيها؛ فوقع في نفس بعض المسلمين من ذلك شيء فرفعت المسألة إلى أبي عبيدة مسلم وأبي مودود حاجب؛ فقال حاجب لا أمان إلا للإمام ولا أمان دون الإمام.
ذكر مقتل شيبان الخارجي إمام الصفرية
وكان قد جاء إلى عمان بجيش هارباً من السفاح , فلما قدم إلى عمان أخرج إليه الجلندى هلال بن عطية الخراساني ويحيي بن نجيح وجماعة من المسلمين , فلما التقوا وصاروا صفين قام يحيي بن نجيح وكان يحيي فضله مشهوراً بين المسلمين فدعا بدعوة أنصف فيها الفريقين فقال اللهم إن كنت تعلم إنا على الدين الذي ترضاه والحق الذي تحب أن تؤتي به فاجعلني أول قتيل من أصحابي؛ ثم اجعل شيبان أول قتيل من أصحابه؛ واجعل الدائرة على أصحابه.
وأن كنت تعلم أن شيبان وأصحابه على الدين الذي ترضاه والحق الذي تحب أن تؤتى به فاجعل شيبان أول قتيل من أصحابه فأمن الفريقان؛ ثم زحف القوم بعضهم إلى بعض فكان أول قتيل من المسلمين يحيي بن نجيح , وأول قتيل من أصحاب شيبان شيبان , ومكن الله المسلمين منهم واستولوا عليهم فلم تبق لهم بقية فيما علمنا.
ذكر مشهد الجلندى وأصحابه رحمهم الله تعالى
وكان ذلك بجلفار على يد خازم بن خزيمة الخراساني عامل السفاح (1/77)
صفحة 78
من بني العباس , وسبب ذلك إنه لما قتل شيبان وصل عمان خازم بن خزيمة وقال إنا كنا نطلب هؤلاء القوم يعني شيبان وأصحابه وقد كفانا الله قتالهم على أيديكم , ولكني أريد أن أخرج من عندك إلى الخليفة وأخبره أنك له سامع مطيع , فشاور الجلندى المسلمين في ذلك فلم يروا له ذلك؛ وقيل سأله أن يعطيه سيف شيبان وخاتمة فأبى الجلندى.
وقال أبو محمد طلب خازم من الجلندى تسليم خاتم شيبان وسيفه وأن يخطب لسلطان العراق ويعترف له بالسمع والطاعة قال فاستشار الجلندى العلماء من أهل زمانه ومعهم يومئذ هلال بن عطية الخراساني وشبيب بن عطية العماني وخلف بن زياد البحراني , فأشاروا عليه أن يدفع سيف شيبان وخاتمه وما يرضيه من المال , ويضمن لورثه شيبان قيمة السيف والخاتم ثم يدفع بذلك عن الدولة , فأبى خازم إلا الخطبة والطاعة فرأوا أن ذلك لا يجوز في باب الدين أن يدفع عن الدولة بالدين وإنما يدفع عنها بالرجال والمال أهـ كلام أبي محمد.
وقال أبو عبدالله محمد بن محبوب لا بأس أن يعطوهم السمع والطاعة بألسنتهم إذا خافوهم على الدولة والرعية قال لا يفعلون ذلك بغير الألسنة شراة كانوا أو غير شراة قال وأما المال فلا أهـ.
ثم إن الجلندى أبى من إعطاء خازم ما سأل , فوقع القتال بين خازم بن خزيمة والجلندى فقتل جميع أصحاب الجلندى فلم يبق إلا هو وهلال بن عطية الخراساني فقال الجلندى أحمل يا هلال للجلندى أنت إمامي فكن ولك علىّ أن لا أبقي بعدك؛ فتقدم الجلندى فقاتل حتى قتل رحمه الله , ثم تقدم هلال ابن عطية وعليه لأمه حربه فكان أصحاب خازم يتعجبون من ثقافته وهم لم يعرفوه ثم عرفوه وقالوا هلال بن عطية فاحتولوه حتى قتلوه رحمه الله؛ وقيل إن الذي (1/78)
صفحة 79
تولى قتل الجلندى خازم بن خزيمة فقيل إنه لما حضرته الوفاة قيل له أبشر فقد فتح الله على يديك؛ فقال غررتمونا في الحياة وتغروننا في الممات هيهات هيهات فكيف لي بقتل الشيخ العماني.
وذكروا أن رجلا من أهل عمان خرج إلى الحج وكان في صحبته رجل من أهل البصرة لا يهدأ الليل ولا ينام؛ فسأله العماني عن حاله وهو لا يعرف أن صاحبه من أهل عمان فقال إني خرجت مع خازم بن خزيمة إلى عمان فقاتلنا بها قوماً لم أر مثلهم قط فأنا من ذلك اليوم على هذه الحالة لا يأخذني النوم فقال الرجل العماني في نفسه أنت حقيق بذلك إن كنت ممن قاتلهم.
وقيل إن الأخصام جمعوا ما في معسكرهم فلم يجدوا فيه إلا ثياباً خلقة ووجدوا حمائل سيوفهم من ليف رضي الله عنهم , ولكونهم استشهدوا جميعاً في وقعة واحدة صارت الدولة من بعدهم إلى الجبابرة لقلة الأخبار حتى فرج الله كرب المسلمين وجمع شملهم بعد حين على حسب ما سيأتي؛ وكانت إمامة الجلندى سنتين وشهراً وقيل وأشهر , وذلك إنه ولى الإمامة سنة إحدى وثلاثين ومائة واستشهد سنة ثلاث وثلاثين ومائة وكذا قيل وفيه نظر , لأن إمامته كانت في أيام دولة السفاح والسفاح إنما تغلب على الأمر وتمكن من الدولة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من سنة ثلاثين وثلاثين ومائة وقيل في النصف من جمادي الآخرة من هذه السنة والله أعلم بحقيقة الأمر.
وذكر ابن الأثير في كاملة قتل الجلندى وأصحابه رحمهم الله في حوادث سنة أربع وثلاثين ومائة , وهذا أقرب إلى صواب التاريخ.
وبقيت عمان بعده في يد الجبابرة من بني الجلندى منقادين لأمر بني العباس إلى سنة سبع وسبعين ومائة , ثم رجعت الدولة للمسلمين وقدموا محمد بن أبي عفان على (1/79)
صفحة 80
ما سيأتي , فجملة تلاعب الجبابرة بعمان أربع وأربعين سنة وبعض سنة والله أعلم.
وفي كامل ابن الأثير ما معناه؛ أن خازم بن خزيمة الخراساني كان من أنصار السفاح وكان أخوال السفاح من بني عبد المدان وهم خمسة وثلاثون رجلا ومن غيرهم ثمانية عشر رجلا ومن مواليهم سبعة عشر قصدوا السفاح فلقيهم خازم بن خزيمة بذات المطامير , وكان قد وجد عليهم فلم يسلم عليهم فلما جازهم شتموه ثم رجع إليهم وعاتبهم على أمر كان قد وجد عليهم به فأغلظوا له في الجواب , فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعاً وهدم دورهم ونهب أموالهم , ثن انصرف فبلغ ذلك اليمانية فاجتمعوا ودخل زياد بن عبيدالله الحارثي معهم على السفاح فقالوا له إن خازماً اجترأ عليك واستخف بحقك وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد وأتوك معتزين بك طالبين معروفك حتى إذا صاروا في جوارك قتلهم خازم , وهدم دورهم ونهب أموالهم بلا حدث أحدثوه , فهمّ بقتل خازم , فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية فدخلا على السفاح وقالا يا أمير المؤمنين بلغنا ما كان من هؤلاء وإنك هممت بقتل خازم وإنا نعيذك بالله من ذلك فإن له طاعة وسابقة وهو يحتمل له ما صنع فإن شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب والأولاد وقتلوا من خالفكم؛ وأنت أحق من تغمد إساءة مسيئهم ,فإن كنت لا بد مجمعاً على قتله فلا تتولى بنفسك وابعثه لأمر إن قتل فيه كنت قد بلغت الذي تريد وإن ظفر كان فره لك؛ قال وأشاروا إليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج يعني المسلمين وإلى الخوارج الذين بجزيرة بركاوان مع شيبان بن عبدالعزيز اليشكري.
قال وأمر السفاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل وكتب إلى سليمان بن علي وهو على البصرة يحملهم إلى جزيرة بركاوان وعمان , قال فسار خازم إلى البصرة في (1/80)
صفحة 81
الجند الذي معه , وكان قد انتخب من أهله وعشيرته ومواليه ومن أهل مرو والروذ من يثق به , فلما وصل البصرة حملهم سليمان في السفن وانضم إليه بالبصرة أيضا عدة من بني تميم فساروا في البحر حتى أرسوا بجزيرة بركاوان , فوجه خازم فضلة بن نعيم النهشلي في خمسمائة إلى شيبان فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديداً فركب شيبان وأصحابه السفن وساروا إلى عمان وهم صفرية فلما صاروا إلى عمان قاتلهم الجلندى وأصحابه قال وهم إباضية , واشتد القتال منهم فقتل شيبان ومن معه.
قال ثم سار خازم في البحر بمن معه حتى أرسوا إلى ساحل عمان فخرجوا إلى الصحراء فلقيهم الجلندى وأصحابه واقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل يومئذ في أصحاب خازم , وقتل منهم أخ له من أمه في تسعين رجلا , ثم اقتتلوا من الغد قتالا شديدا فقتل يومئذ من الخوارج يعني المسلمين تسعمائة وأحرق منهم نحواً من تسعين رجلا.
قال ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم على رأي أشار به بعض أصحاب خازم وهو أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويرووها بالنفط ويشعلوا فيها النيران ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندى وكانت من خشب , قال فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتهم بالنيران اشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم , فحمل عليهم خازم وأصحابه فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم وقتلوا الجلندى فيمن قتل؛ قال وبلغ عدة القتلى عشرة آلاف قال وبعث برؤوسهم إلى البصرة فأرسلها سليمان إلى السفاح , قال وأقام خازم بعد ذلك أشهر حتى استقدمه السفاح فقدم.
ولما كثر ذكر شيبان الخارجي في الكتب العمانية وكان لا يعرف نسبه ولا موضعه حسن. أن نعرف به على حسب ما ذكره ابن الأثير في كاملة في حوادث سنة تسع وعشرين ومائة قال.
ذكر شيبان (1/81)
صفحة 82
الحروري إلى أن قتل
وهو شيبان بن عبدالعزيز أبو الدلف اليشكري؛ وكان سبب هلاكه أن الخوارج لما بايعوه بعد قتل الخيري أقام يقاتل مروان وتفرق عن شيبان كثير من أصحاب الطمع , فبقي في نحو ألفا فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوا ظهرهم , فارتحلوا فتبعهم مروان حتى انتهوا إلى الموصل فعسكروا شرقي دجلة وعقدوا جسورا عليها من عسكرهم إلى المدينة فكانت ميرتهم ومرافقهم منهم؛ وخندق مروان بإزائهم , وكان الخوارج قد نزلوا بالكار ومروان بخصة , وكان أهل الموصل يقاتلوا مع الخوارج , فأقام مروان ستة أشهر يقاتلهم وقيل تسعة أشهر؛ وأتى مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال له أمية بن معاوية بن هشام , وكان مع عمه سليمان في عسكر شيبان أسيرا فقطع يديه وضرب عنقه , وعمه ينظر إليه.
وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى العراق وعلى الكوفة المثنى بن عمران العائذي عائذة قريش وهو خليفة للخوارج بالعراق , فلقي بن هبيرة بعين التمر فاقتتلوا قتالا شديدا وانصرفت الخوارج ثم اجتمعوا بالكوفة بالنخيلة فهزمهم ابن هبيرة ثم اجتمعوا بالبصرة فأرسل شيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة فالتقوا بالبصرة فانهزمت الخوارج وقتل عبيدة , واستباح بن هبيرة عسكرهم فلم تكن لهم همة بالعراق , واستولى ابن هبيرة على العراق وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فانهزم وغلب على الماهيز وعلى الجبل أجمع , وسار ابن هبيرة إلى واسط فأخذ ابن عمر فحبسه , ووجه نباتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كور الأهواز , فسمع سليمان الخبر فأرسل إلى نباتة داود بن حاتم فالتقوا بالمرتان على شاطئ دجيل , فانهزم الناس وقتل داود بن حاتم.
وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره بإرسال (1/82)
صفحة 83
عامر بن ضبارة المري إليه , فسيره في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف فبلغ شيبان خبره فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في جمع فلقوا عامرا بالسن فهزموه ومن معه , فدخل السن وتحصن فيه وجعل مروان يمده بالجنود على طريق البر حتى ينتهوا إلى السن , فكثر جمع عامر , وكان منصور بن جمهور يمد شيبان من الجبل بالأموال؛ فلما كثر مع عامر نهض إلى الجون والخوارج فقاتلهم فهزمهم؛ وقتل الجون وسار ابن ضبارة مصعدا إلى الموصل؛ فلما انتهى خبر قتل الجون إلى شيبان ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين العسكرين فارتحل بمن معه من الخوارج وقدم عارم على مروان بالموصل فسيره في جمع كثير في أثر شيبان؛ فإن أقام أقام وإن سار سار؛ وأن لا يبدأ بقتال؛ فإن قالته شيبان قاتله وإن أمسك أمسك عنه , وإن ارتحل اتبعه , فكان على ذلك حتى مرّ على الجبل وخرج على بيضاء فارس وبها عبدالله بن معاوية بن حبيب بن جعفر في جموع كثيرة فلم يتهيأ الأمر بينهما فسار حتى نزل جيرفت من كرمان , وأقبل عامر بن ضبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية فلقي شيبان بجيرفت فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الخوارج واستبيح عسكرهم , ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها وذلك في سنة ثلاثين ومائة.
وقيل بل كان قتال مروان وشيبان على الموصل مقدار شهر ثم انهزم شيبان حتى لحق بفارس وعامر بن ضبارة يتبعه وسار شيبان إلى جزيرة بركاوان , ثم خرج منها إلى عمان؛ فقتله الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى الأزدي سنة أربع وثلاثين ومائة أ. هـ أردنا نقله من كلام ابن الأثير في كاملة.
وقد تقدم ذكر سبب ارتحال شيبان من جزيرة بركاوان وأن ذلك (1/83)
صفحة 84
كان بسبب حروب خازم بن خزيمة في أيام السفاح فيكون أول أمر شيبان في أيام مروان بن محمد ومقتله في أيام السفاح في عمان على يد شراة الجلندي إمام المسلمين والله أعلم.
ذكر قتل عبدالعزيز الجلنداني وذلك في حال ضعف المسلمين
ذكر عن الوضاح بن عقبة عن مسبح بن عبدالله أن عبدالرحمن بن المغيرة أخبرهم وقد كان الأشعث بن حكيم والجلندانيون على حال من الخروج في حال ضعف المسلمين؛ فأخبرهم عبدالرحمن أن جعفر بن بشير كان هو وآخر غيره بالعراق مع أبي عبيدة وحاجب حتى قدم الجلندانيون , فأخبروا أبا عبيدة وحاجبا أن الجلندانيين نزلوا على عبدالعزيز الجلنداني فقراهم ثم قتلوه فقال لهم موسى وحاجب لا تقبل مقالتكم على المسلمين , فلم يقبلا قولهم , قالوا فأنا نذهب إلى السلطان قال اذهبوا , فلما حضر خروج جعفر وصاحبه إلى عمان قالوا لأبي عبيدة وحاجب ما نقول لأهل عمان منكما في القوم وقد كان أهل عمان افترقوا في الذين قتلوا عبدالعزيز فمنهم من برئ منهم؛ ومنهم من تولاهم ومنهم من وقف عنهم فقال قولا لأهل أن كل من كان له ولاية يتولاه المسلمون؛ وكل من كان على أمر من أمرهم أولى بما ضيع حتى يطلب إليه الأمر الذي ضيعه فيكون عليه الحق فيمتنع بإعطاء الحق , فهنالك تترك ولايته.
فهذا حديث عبدالرحمن بن مغيرة لمسبح وحاصله أن الطائفة الخارجة نزلوا على عبدالعزيز فأضافهم فقتلوه فلم يستحسن المسلمون ذلك منهم , فلهذا اختلفوا ولا ولايتهم حتى قال أبو عبيدة وحاجب ما قالا في فصل القضية , وكان المسلمون يرجعون إلى قولهما , وأن بني الجلندى قد طلبوا (1/84)
صفحة 85
إلى أبي عبيدة وحاجب ما طلبوا من قتله عبدالعزيز فلم يسمعا دعواهم , فلذا قال الجلندانيون نذهب إلى السلطان يعنون عامل بني العباس فقال اذهبوا؛ على طريق التهديد , ولم يبلغنا أنهم ذهبوا إلى السلطان والله أعلم بما كان.
قال أبو المؤثر وكان خلف بن زياد مع الإمام الجلندي في حرب خازم عامل السلطان فمرض خلف بن زياد فتخلف عن المسير مع الجلندي بإزكي وبقي بها من بعد الجلندي حتى مات بإزكي؛ وقال غيره نشأ خلف بن زياد بالبحرين ثم خرج منها يلتمس الحق , فكان كلما لقي أحدا من أهل الفرق من قومنا طلب منه أن يعرفه مذهبه فإذا عرفه قال الحق في غير هذا حتى بلغ البصرة , ولقي أبا عبيدة مسلما فسأله عن مذهبه فنسبه له فقال هذا هو الحق فلزمه , كان عليه حتى مات رحمه الله.
ذكر شبيب بن عطية العماني (1) رحمه الله تعالى
وذكر أبو محمد وأبو الحسن أن شبيبا كان من أصحاب الجلندي وذكر غيرهما أنه يجي القرى ولم يكن إمام منصوبا , إنما كان محتسبا والظاهر أن أمره هذا كان بعد الجلندي وكان رجلا صلبا في دينه شديدا على الجبابرة داعيا إلى مخالفتهم , له سيرة تنبئ عن تصلبه في دينه وشدته على البغاة , قال في أولها:
(أما بعد) فإنه قد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يد المسلمين واحدة على من سواهم؛ والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله , وقد
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/85)
صفحة 86
أمسيتم وأمسينا إخوانا على الحال التي قد ترون اختلفت في إعلاق الأمة , وتشتت أمرها ووثب بعضهم على بعض كالسباع ينهش بعضهم بعضا بالظلم والعدوان والغشم وانتهاك المحارم , ولا يعرفون حق الله ولا حرمة الإسلام؛ ولا يحتجرون به , وأمسينا وأمسيتم بحمد الله ونعم الله علينا وعليكم سابغة وفضله علينا وعليكم عظيم يأمن بعضنا بعضا ويعرف بعضنا لبعض حرمة الإسلام وحق أهله؛ وكتاب الله إمامنا وإمامكم إن كنا وكنتم صادقين.
يا أيها الناس اعملوا أن من أمرنا أن نقاتل ونقتل من عصى الله حتى يفيئوا إلى أمر الله أو تفنى أرواحنا إن شاء الله لنرد منار الإسلام إلى معالمها الأولى التي كانت على عهد نبي الله واللذين من بعده أبي بكر وعمر , حلال الله حلال إلى يوم القيامة؛ ورضاء الله رضي إلى يوم القيامة؛ وسخط الله سخط إلى يوم القيامة؛ لا ننقض الطاعة بالمعصية ولا نثبت الطاعة لمعصية بالطاعة ولكن حتى يستكمل الناس جميعا الطاعة بحدودها وإعلامها ومنارها وأحكامها وأناسها والرضا بها , فمن كره هذا فالطريق له مخلى يذهب حيث يشاء من البحر والبر. ولكن امرءا على حذر أن يتبع عورات المسلمين ويكاتب عدوهم ويشعب عليهم فيتخذ عليهم بسعيه بين المسلمين بطانة.
إلى آخر ما ذكره فيها من بيان الحق الواضح والتحريض على القيام بالأمر والرد على المخالفين في شكهم وحيرتهم.
وفي الأثر كلام في ولاية شبيب وفي البراءة منه وذلك لتصلبه حتى صار يجبي القرى احتسابا , فمنهم من لم ير له ذلك لأنه ليس بإمام منصوب , ومنهم من عذره ورآه محتسبا؛ قال المعتمر بن عمارة بن سالم بن ذكوان الهلالي أن البراءة منه وحد السيف معا أو قال سواء إني لا ابرأ منه حتى يحل دمه , وعن هاشم ابن غيلان عن موسى بن أبي (1/86)
صفحة 87
جابر قال: قلت للربيع ما تقول في أهل عمان فإنهم اختلفوا وافترقوا في أمر شبيب؛ قال الربيع من تولاه فتولوه ومن برئ منه فابرأوا منه قال فقلت ما القول في الكف فإني أرجو أن يكون فيه ألفة وصلاح قال فقال ما يقول بشير قال قلت صاحبي ولا يخالف علي , فقال أنتم أعلم بأهل بلادكم وأما أنا فليس ذلك رأيي , فلما قدم موسى أظهر ذلك ولقي هادية فتابعه.
قال عبدالوهاب بن جيفر من تولاه برئنا منه , قال هاشم وكره بشير الكف وقال معقل يتولاه بشير وأهل الحق.
وسئل الفضل بن الحواري فيما اختلفوا فيه من أمر شبيب قال كان مجابا وكان بجبي القرى فإذا قدم السلطان تركها واعتزل.
(
قلت) ولعل اعتزاله كان في عام يجبي فيه القرى , وإنما جبايته كانت وقت حمايته فمتى حصلت له الحماية جبي ما قدر عليه , ومتى زالت عنه بالعجز عنها رفع يده , وهذا هو الظن بشبيب إن صح ما قاله فيه الفضل بن الحواري , والظاهر منه التصلب في الأمور فتخلية البلاد للجائر منافية للظاهر من حاله والله أعلم بما كان هنالك.
قال أبو الحواري من برئ من شبيب برئنا منه ومن برئ ممن تولاه برئنا منه؛ ومن تولى من تولاه فهو على ولايته إن كان له ولاية.
باب أمر عمان بعد الجلندى
ذكرت السير أن الجبابرة (1) استولت على عمان بعد الجلندى فأفسدوا
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/87)
صفحة 88
فيها , وكانوا أهل ظلم وجور؛ فمن هؤلاء الجبابرة محمد بن زائدة وراشد بن النظر الجلندانيان , ويشبه أن يكونا أولاد من قتلهما الجلندي لأجل البيعة التي ظهرت عليهم , فإن صح ذلك فيكون محمد بن زائدة بن جعفر وراشد بن النظر بن جعفر وقد تقدم أنهم من أقارب الجلندي وفي زمنهما وقع غسان بن سعد المحاربي الهنائي على نزوى ونهبها وهزم بني نافع وكانت الدائرة على بني نافع وبني هميم بعد أن قتل منهم خلق كثير , وذلك في شعبان من سنة خمس وأربعين ومائة , وبنو نافع هم رهط أبي المنذر بن بشير بن المنذر , وبنو هميم من معن بن مالك بن فهم.
ثم أن أهل إبرى من بني الحارث غضبوا لهم؛ وكان في بين الحارث رجل عبدي من بكرة يقال له غسان الهنائي , فساروا إليه فجلسوا له بين داره ودار جناح بموضع يقال له الخور , وقد رجع عائدا رجلا مريضا من بني هناة من بني رنجة فمر بهم وهو لا يشعر بمكانهم فقتلوه , فغضب لذلك منازل بن خنبش العابري الهنائي , وكان منزله بنبا بموضع يقال له العقير , وكان عاملا لمحمد بن زائدة وراشد بن النظر الجلندانيين فساروا إلى أهل إبرى على غفلة منهم , فلما أحسوا به برزوا إليه فاقتتلوا قتالا شديدا ووقعت الهزيمة على أهل إبرى وقتل منهم أربعون رجلا.
وفي الأثر أن محمد بن عبدالله بن جساس وموسى بن أبي جابر سارا مع غسان ابن عبدالملك إلى راشد بن النظر , وكانا من فقهاء المسلمين , ففي هذا الأثر ما يدل على أنه قد خرج على راشد بن النظر خارجة قائدها غسان بن عبدالملك وهو ممن لم تحمد سيرته؛ وإنما خرج معه الشيخان لقصد زوال راشد بن النظر , وهو أشد ظلما , والمسألة مذكورة في جواز الخروج مع الظالم على من هو أظلم (1/88)
صفحة 89
منه والله أعلم.
ثم من الله على أهل عمان بالألفة على الحق فخرجت عصابة من المسلمين فقاموا بحق الله وأذلوا ملك تلك الجبابرة , وبذلك انقضت دولة بني الجلندى؛ وانتقلت الدولة إلى اليحمد , فلم يكن لبني الجلندي بعدها دولة أصلا ولم تكن لهم حركة إلا ما كان منهم بتوام في أيام المهنا , وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
باب انتقال الدولة من يد الجبابرة إلى المسلمين .......
باب انتقال الدولة من يد الجبابرة إلى المسلمين
وتقديم محمد بن أبي عفان في العسكر
وذلك أنه لما كان من أمر راشد بن النظر ومحمد بن زائدة ما كان رأي المسلمون (1) الخروج عليهم؛ فتكاتبوا وهم يومئذ أهل ضعف , فاجتمعوا وتآلفوا على إقامة الحق , ويقال كان عبدالملك بن حميد يومئذ شابا , وأنه كان يدعو المسلمين على المبايعة على راشد بن النظر , فأول من حكم محمد بن المعلي والأحنش الفسحي من كندة , وخرجوا في طلب راشد بن النظر , وكان في ناحية مهرة يحشد إلى أن صار بالمجازة من ناحية الغابة؛ فأتى إليه المسلمون فألقوه بالمجازة من أرض الظاهرة شرقي الوادي منها , فوقعت الهزيمة على راشد ومن معه وقتل من بني نجو مقتله عظيمة وهرب راشد بن النظر واستولى المسلمون على داره ونسفوها من أصلها.
وحدث الفضل بن الحواري عن أبي جعفر
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/89)
صفحة 90
سعيد بن محمد , وفي نسخه سعيد ابن محرز ومحمد بن محبوب عن محمد بن هاشم , وفي المصنف عن هاشم بن غيلان أن المسلمين لما نسفوا دار راشد غضب لذلك من غضب من أشياخ سلوت وغيرهم فقدم علينا الأشعث بن محمد ونحن مع بشير ببهلى , فتكلم في ذلك الأشعث وقال: ليست هذه من سير المسلمين , فقلت لهه قد نسف رسول الله صلى الله عليه وسلم حصن بني النضير , فرد على ذلك الأشعث , فقلت بيان ذلك في كتاب الله (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) وذلك أن المؤمنين كانوا ينسفون من قبلهم وكانت اليهود تنسف من ناحية أخرى فيسدون ما نسف المسلمون؛ فرد على ذلك الأشعث فقال بشير بل هكذا كان.
قلت وبلغنا أن أهل دار رموا المسلمين بسهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسفها فنسفت , فقال الأشعث لعلهم نسفوا شرفاتها , فقال بشير: من أصلها؛ وكان ابن راشد في نزوى.
قال أبو جعفر: خرج المسلمون بعمان فلم يأخذوا الزكاة حتى كانت وقعة المجازة في رمضان؛ وهرب ابن راشد من نزوى وبعثوا العمال فأخذوا الصدقة ورجع المسلمون إلى منح , وخرج منهم من خرج إلى موسى بن أبي جابر إلى أزكي , وكان به علة فحملوه إلى منح , فلما وصلوا بموسى وكان معه بشير بن المنذر وجماعة من المسلمين نظروا واجتمعوا وتشاوروا كيف يأتون هذا الأمر , فقال موسى بن أبي جابر لمحمد بن المعلي الكندي وقد وليناك صحار وما يليها فاكفنا أمرها وولينا فلانا كذا , وولينا محمد بن أبي عفان القريات وبقية الجوف , فرضي كل موضعه.
وقال موسى بن أبي جابر لمحمد بن عبدالله أقطع للناس الشرى فقال بشير ابن المنذر عند ذلك كنا رجوناك يا أبا علي أن تسير بهذه الدولة فرددتها إلى هؤلاء الذين يخافون على الدولة , فقال موسى بن أبي جابر إنما كان نظري يا أبا الحكم (1/90)
صفحة 91
للدولة لأنهم قد اجتمعوا وكل يطلب هذا الأمر لنفسه والأمر بعده ضعيف ففرقناهم عن وجوهنا حتى يقوي الأمر , فأمر محمد بن عبدالله بن أبي عفان أن يقطع للناس الشرى فقطع حتى قوي أمره , فلما قوي الأمر أمر موسى بن أبي جابر محمد بن عبدالله بن أبي عفان فأرسل إلى القرى الولاة وعزل كل من كان ولاه وقامت دولتهم بإذن الله تعالى , وكان ذلك في أول يوم من شوال سنة سبع ومائة؛ وذكر بعضهم أن أول ذلك كان في رجب من سنة سبع وسبعين ومائة؛ وقال الفضل بن الحواري ملكت هذه الدولة يوم الجمعة بعد العصر لسبع بقين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين ومائة.
وقيل أن موسى رحمه الله أراد محمد بن المعلي للإمامة فكره محمد بن المعلي أن يقطع الشرى فكره موسى أن يوليه أمر الإمامة حتى قطع الشرى فولى محمد ابن أبي عفان (ومحمد بن أبي عفان) هو محمد بن عبدالله بن أبي عفان كان رجلا من اليحمد إلا أنه نشأ في العراق , وكان من أهل العراق فقدموا به إلى عمان , واختلفوا في صفة إمامته فقيل كان إمام دفاع حتى تضع الحرب أوزارها؛ وقيل كان أمير جيش فأساء السيرة وبدل وغير , وكان يستقبلهم بالكلام الغليظ حتى قال وائل بن أيوب ليس ابن أبي عفان بإمام بل ذلك جبار؛ فعزله المسلمون حين لم يرضوا سيرته ولا مذهبه في النصف من ذي القعدة من سنة سبع وسبعين ومائة؛ وكانت ولايته سنتين وشهرين إلا شيئاً.
وفي بيان الشرع من سيرة أبي عبدالله محمد بن روح قال أخبرني أبو الحواري رحمه الله عن الصلت بن خميس رحمه الله عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه ذكر محمد بن أبي عفان فقال هو عندنا خليع؛ فقال أبو الحواري وأما أبو المؤثر فقال أنه يضيق عن خلعه , فلو أن رجلا من أهل زماننا برئ من (1/91)
صفحة 92
محمد بن أبي عفان من أجل ما يجده في الكتب عن أبي أيوب وائل بن أيوب الحضرمي رحمه الله أنه قال أن ابن أبي عفان جبارا , أو من أجل إذ سمع محمد بن محبوب يبرأ منه فبرئ منه من أجل ذلك من غير أن يصح معه من ابن أبي عفان مكفرة فإن ذلك الرجل على هذه الصفة عندنا خليع , وسيبل محمد بن أبي عفان عندنا سبيل إمام حضرموت عبدالله بن سعيد وقد كان أهل حضرموت عزلوه وقدموا عليه خنبشاً.
وكان ابن أبي عفان قد أرسل سعيد بن زياد البكري إلى أهل الأحداث من أهل الشرق فلما وصل إليهم وكان بينه وبينهم ما كان وظهر عليهم سعيد واستولى على بلادهم وأراد دمارها؛ بعث رسولا إلى موسى بن أبي جابر وقال سعيد للرسول أن يقرأ لموسى سعيدا يقطع نخل بني نجو , فلما وصل إلى موسى قال له أن سعيدا يقطع نخل بني نجو , فقال له موسى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليجزي الفاسقين , فلما رجع الرسول إلى سعيد وأخبره بما قال له موسى أقبل سعيد على قطع النخل وهدم المنازل , ذكر ذلك أبو الحواري وقال قد حفظنا ذلك عمن حفظنا من أهل العلم المأمونين على ذلك.
وقال وائل بن أيوب فأما ما أحرق سعيد بن زياد ممن أحرق مع راشد فلو ألقى في النار لكان لذلك أهلا , وأما من أحرق سعيد ممن لم يحرق فإن كان بعثه إمام كان ذلك في بيت المال , فقال عبدالله بن نافع فإن الإمام يومئذ كان ابن أبي عفان وهو الذي بعثه؛ قال وائل ابن أبي عفان ليس بإمام بل ذبك جبار وحفظ الفضل بن الحواري عن محمد بن محبوب عن أبي صفرة عن وائل ابن أيوب أنه قال لو كان ابن أبي عفان إماما لما كان أحدث سعيد بن زياد في بيت مال المسلمين؛ قال محمد بن محبوب ما سمعنا عن أحد من قواد هذه الدولة أولاها ولا (1/92)
صفحة 93
أخراها صنع ولا سار في أهل حربهم بشر مما صنع سعيد بن زياد البكري من سفك الدماء وحرق المنازل والأمتعة وأخذ البرئ بالسقم وترك المعروف إلا أن وارثا رحمه الله كان قد جفاه وأقصاه , فخرج إلى البحرين إلى أن توفي وارث فرجع فحمله غسان الإمام على فرس وأحسن إليه وقوده.
وقال وائل بن أيوب وارث ليس بوكيل للناس كان بسعه مجامعة سعيد حتى يطلب من يطلب إلى سعيد حقه فينصف منه أو فيعطاه والله أعلم.
وفي شهر ربيع من سنة ثماني وسبعين ومائة مات بشير بن المنذر والنزواني العقري جد بني زياد وهو من سامة بن لؤي بن غالب أحد حملة العلم رضي الله عنه.
باب إمامة الوارث بن كعب الخروصي رضي الله عنه
وهو أول إمام من بني خروص وهم من اليحمد , وذلك بعد أن عزل محمد ابن أبي عفان , وكان ذلك في ذي القعدة من سنة تسع وسبعين ومائة.
وفي بيان الشرع قال أخبرنا أبو محمد الفضل بن الحواري عن زياد بن مثوبة أنه أخبره بأنه لما أراد المسلمون أن يعزلوا محمد بن أبي عفان حضر موسى ابن أبي جابر العسكر وهو شيخ كبير مشدود على حاجبيه بعمامة وهو نائم على سرير في العسكر , وقد خرج وراث يريد العسكر مناظرا محتجا لابن أبي عفان إذ أرادوا عزله؛ فقالوا لموسى من إمامنا فقال موسى أنا إمامكم فلما وصل وارث إلى نزوى أخذ موسى بيده فقدمه إماما قال فما علمنا أن أحدا من الناس عاب ذلك على وارث.
وقال أبو قحطان أخرج المسلمون ابن أبي عفان من نزوى حين ظهرت منه أحداث لم تعجبهم ولم يرضوا سيرته أخرجوه من نزوى باحتيال , (1/93)
صفحة 94
فلما خرج من نزوى اجتمعوا واختاروا لأنفسهم إماما فقدموا وراث بن كعب , قال ولو كان لابن أبي عفان أصل إمامة ما قدموا عليه وارث بن كعب حتى يظهروا للناس ما يحل به عزله ويحتجوا عليه؛ قال فوطئ وارث أثر السلف الصالح من المسلمين وسار في عمان بالحق وظهرت دعوة المسلمين بعمان وعز الإسلام وخمد الكفر. (1)
وقال أبو الحسن بايعوا وارث بن كعب على ما بويع عليه أئمة العدل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشرى في سيبل الله وإظهار الحل وإخماد الباطل , والجهاد في سبيل الله؛ وتقال الفئة الباغية , وكل فرقة امتنعت من الحق حتى توفئ إلى أمر الله لا يستحلون منهم غنيمة مال ولا سبي عيال ولا انتحال هجرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يسموا بالشرك أهل القبلة ما بينوا الشهادة؛ قال فقام وارث بالحق ما شاء الله والمسلمون عنه راضون , وله موازرون وعليه مجتمعون ولمن امتنع من طاعته مفارقون.
وما ذكره بعضهم في سبب اختيار المسلمين للوارث تحتمل صحته وأن صح فالظاهر إن ذلك كان في وقت الجبابرة من بني الجلندى قبل ظهور المسلمين عليهم؛ فتكون تلك الحالة منقبة للوارث محفوظة له منذ مدة من الزمان فظهرت ثمرتها في أوانها برغبة المسلمين في تقديمه.
ذلك ما قيل أن الوارث كان يسكن قرية هجار من بني خروص وكان يرى الرؤيا في نومه على ظهور الحق على يده , وأنه كان ذات يوم يحرث في زرع له فسمع صوتا يقول له اترك حرثك وسر إلى نزوك وأقم
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/94)
صفحة 95
بها الحق؛ ثم ناداه ثانية وثالثة بذلك , فقال الوارث ومن أنصاري وأنا رجل ضعيف؟ فقيل له أنصارك جنود الله فقال إن كان حقا فليكن مصاب مجزي هذا ينبت ويخضر من الشجرة التي أصله منها فغرسه في الأرض فنبت شجرة لومي؛ ويقال أن هذه الشجرة موجودة إلى الآن ببلدة هجار وهي مركز إماتة المحفوظة , ثم سار إلى نزوى وهي في أيدي الجبابرة وقد ملؤها جورا وظلما فلما وصل إلى نزوى وجد خبازا يخبز وجنديا من جنود السلطان يأكل خبزه , والخباز يستغيث بالله والمسلمين منه فلما رآه على ذلك زجره ثلاثا فلم ينته فقتله , فمضى مسرعا إلى مسجد قريبا من شاطئ الوادي , والآن سمي مسجد النصر؛ فأسرعت إليه الرجال لتقتله فلما وصلوا قريبا منه رأوا المسجد قد غص من الرجال المقاتلة فلم يصلوه قالوا فلذلك اختاره المسلمون عليهم إماما.
وقيل أنه لما خرج الوارث لإظهار العدل تخلف عنه أخوه محمد بن كعب فقالوا خنزير فسموه خنزيرا فبنوه يقال لهم بنو خنزير , ومر في مسيره على بئر لبني صبح يقال له زكت بني صبح وكان عليه رجل من بني صبح ومعه أربعون رجلا فخرجوا عند الوارث فأوصى بإيقاف مال ينفق منه على حضر الإنفاق في موضع مخصوص من الحجار إلا لمانع كمطر أو غيره؛ فما زاد عن ذلك القدر فإنه ينفق على أهل الهجار وستال خاصة , وأوصى لأهل زكت منه بأربعين سهما ينفق فيهم وفي ذراريهم ولو بقي منهم رجل واحد فهم يعطون أربعين سهما , ومنع منه بني أخيه لخزره عنه فوقفه يقسم إلى اليوم على ما أوصى؛ ولا يستطيع أحد من بني خنزير أن يأخذ منه لتعجيل العقوبة.
ولهذا الوقف آثار شاهرة وكرامات ظاهرة ذكرها لنا من نثق به , منها أنه إذا أنفق في الموضع المخصوص رأوا فيه زيادة على القدر الذي عهدوه (1/95)
صفحة 96
وأن أنفقوه في غير ذلك الموضع لعذر وجدوه كما عهدوه من كيل أو وزن , ومنها أنه إذا أكل من الوقت غير مستحقه عوجل بالعقوبة ولو دابة أكلت منه مع علم صاحبها بذلك عوقبت , وأن لم يعلم صاحبها لم يصبها شيء , وغير ذلك مما شاء الله لم يتجاسر الناقل الثقة أن أخذ عنه جميع ذلك.
وفي ليلة إحدى عشرة من المحرم سنة إحدى وثمانين ومائة توفي شيخ المسلمين موسى بن أبي جابر الأزكوي وهو من سامة بن لوى بن غالب جد موسى بن علي لأمه , وكان قد عاش أربعا وتسعين سنة وأشهرا رضي الله عنه.
ذكر مسير عيسى بن جعفر المنصور إلى عمان
وكان ذلك في أيام الوارث , وكان عيسى بن جعفر بن عم هارون الرشيد وهو أخو زبيدة , فبعثه هارون إلى عمان عاملا عليها في ستة آلاف مقاتل فيهم ألف فارس وخمسة آلاف راجل , فلما وليها كتب داود بن يزيد المهلبي إلى والي صحار وهو مقارش بن محمد اليحمد يخبره بذلك , وبعث الإمام إليه مقارش بن محمد في ثلاثة آلاف؛ والتقوا بحتى فانهزم عيسى بن جعفر وسار إلى مراكبه بالبحر فسار إليه أبو حميد بن فلج الحداني السلوتي ومعه عمرو بن عمر في ثلاث مراكب؛ فدخل عليهم أبو حميد مركبه , فأسر عيسى وانطلق به إلى صحار فحبس بها , وكان الإمام قد خرج من نزوى لدفاع عيسى أخذا منه بالحزم , فلما وصل سيفم لقيه الإمام بهزيمة عيسى بن جعفر فرجع إلى عسكر نزوى.
قال أبو الحواري فلما بلغ نزوى بلغه أن عيسى بن جعفر في السجن قال فبلغنا أنه قام في الناس خطيبا فقال يا أيها الناس إني قاتل عيسى بن جعفر (1/96)
صفحة 97
فمن كان معه قول فليقل , قال فبلغنا أن علي بن عزرة وكان من فقهاء المسلمين قام فتكلم فقال إن قتلته فواسع لك وإن تركته فواسع لك فأمسك الإمام عن قتله وتركه في السجن قال فلما كان بعد ذلك بلغنا أن قوما من المسلمين وفيهم رجل يقال له يحيي بن عبدالعزيز رحمه الله وكان من أفاضل المسلمين , ولعله لم يكن يقدم عليه أحد في الفضل في زمانه بعمان انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام حتى أتوا إلى صحار فتسوروا السجن على عيسى بن جعفر فقتلوه في السجن من حيث لا يعلم الإمام ولا الوالي وانصرفوا من ليلتهم , قال وبلغنا عن بشير بن المنذر رحمه الله أنه كان يقول قاتل عيسى بن جعفر لم يشم النار أي بسبب قتله وليس هو حكما بالغيب , وإنما هو حكم بالظاهر يعني أنه إذا لم يفعل غير هذا فلا يشم النار بسببه.
قال أبو الحواري فهذا الذي حفظنا من خبر عيسى بن جعفر عن أهل العلم المأمونين على ذلك؛ ثم ذكر صورة الحكم في قتله فقال والذي حفظنا من قول المسلمين إن إمام المسلمين إذا قتل أو قتل والي المسلمين في ولايته أو قتل قائد المسلمين في مسيره أو قتلت سرية المسلمين إن دمائهم للمسلمين دون أوليائهم وللمسلمين أن يقتلوا من قتلهم كيفما قدروا عليه في غيلة أو غير غيلة؛ قال وفي ذلك آثار المسلمين قائمة معروفة.
قال محمد بن محبوب إن بعض أهل عمان أخبره أن خبر هزيمة عيسى بن جعفر وصل إلى مكة وأنهم أخذوه أسيرا قال فقال والدي يعني محبوبا للرجل سرني إذا أخذوه أسيرا قال قلت ولم يشرك ذلك يا أبا سفيان قال ليمنوا عليه , قال الرجل فقلت لمحبوب يا أبا سفيان لو كان معه كذا وكذا من رأس لقطعوها أهل عمان أو نحو هذا من القول قال فقال هكذا قال نعم.
وفي المصنف قال: (1/97)
صفحة 98
وبلغنا أن المسلمين باعوا شيئا من الخيل التي كانت مع عيسى ابن جعفر وتصدقوا بثمنها على الفقراء والدار قاصية بعيدة , فلما قتل عيسى عزم هارون على إنفاذ جيش إلى عمان فارتاع الناس لذلك ثم مات وأراح الله الناس من شره.
ذكر وفاة الوارث رضي الله عنه
قالوا فلم يزل الوارث إماما حسن السيرة قائما بالعدل حتى اختار الله له ما لديه فكان سبب موته أنه غرق في سيل وادي كلبوه من نزوى وغرق معه سبعون رجلا من أصحابه؛ وسبب ذلك أن حبس المسلمين كان عند سوقم مائل وكان ناس محبوسين (1) , فسال الوادي جارفا؛ فقيل للإمام إن الوادي سيلحق المحبوسين فأمر بإطلاقهم , فلم يجسر أحد أن يمضي إليهم خوفا من الوادي , فقال الإمام: أنا أمضي إذ هم أمانتي وأنا المسئول عنهم يوم القيامة؛ فمضى إليهم وأتبعه ناس من أصحابه؛ فمر بهم الوادي فحملهم مع المحبوسين؛ وقر الإمام بعد أن يبس الوادي بقبره ولم يضر بقبره , فكانت هذه كرامة ظاهرة.
وقيل: سبب دفنه هناك تشاجر أهل العقر وسعال عليه كل يريد أن يدفن معه فرأى من حضر من أهل الرأي أن يدفن مكانه صلحا بين الفريقين.
وكانت إمامته اثني عشرة سنة وستة أشهر إلا أياما. وقيل اثني عشرة سنة وستة أشهر ويومين , وأن وفاته كانت يوم الثالث من جمادي الأولى سنة اثنين وتسعين ومائة. وقيل مات يوم الاثنين لأربع ليال من
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/98)
صفحة 99
جمادي الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائة. وقيل إمامته كانت اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر والله أعلم.
باب إمامة غسان بن عبدالله اليحمدي من الفجح
وذلك لما مات الوارث بن كعب رحمه الله بايعوه بعده يوم الاثنين لست خلون من جمادي الأولى من سنة اثنتين وتسعين ومائة وقيل اليوم الرابع من الشهر المذكور.
قال أو زياد: لما غرق الوارث بن كعب رحمه الله قال سليمان بن عثمان لمسعدة بن تميم عند فلج ضوت في البطحاء نكتب إلى أهل السر يأتون , قال مسعدة إنما يريد ابن عثمان أن نؤخر هذا الأمر حتى يجتمع إلينا الناس , أو قال غوغاء الناس فيختلفوا علينا؛ ولكنا نقطع الأمر , قال أبو الحسن بايعه المسلمون على ما بويع عليه الوارث بن كعب؛ فقام بالحق وعمل به؛ وعز الحق في أيامه؛ وظهرت دعوة المسلمين بعمان , وكان في أيامه جمة من العلماء؛ قال واختلف في تلك الأيام هارون بن اليمان الشعبي (1) ومحبوب بن الرحيل , فبين محبوب بدعتهم وأوضح ضلالتهم.
قلت: والظاهر أن اختلافهما كان في أيام المهنا , ولكل واحد منهما إلى المهنا رسائل يرد فيها على صاحبه. وقدم غسان بعد إمامته صحار لخمس بقين من جمادي الأخرى سنة إحدى ومائتين , فوقع الحريق في السوق بعد ذلك بخمسة أيام , فوافق هلال رجب , فيذكرون أنه احترق ما بين الخورين , فلا أدري أنه في هذا الحريق أو في الحريق الذي كان سنة ثماني ومائتين , إلا أنهم
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/99)
صفحة 100
يذكرون أنه احترق ما بين الخورين.
وكان البوارج وهم كفار الهند يقعدون بأطراف عمان ويسلبون منها ويسبون ويمضون إلى ناحية فارس والعراق؛ فكانوا فيما بلغنا ربما يسيرون بناحية دبا وجلفار؛ واتخذ غسان الشذاة (1) للغزو , وهو أول من اتخذها بعمان وغزى فيها البوارج من هذه الشطوط؛ وأمن الله الناس من البوارج بهذه الشذاآت وبالغرف وفي رجب من سنة اثنين ومائتين مات علي بن موسى؛ ورجع غسان إلى نزوى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من رجب سنة ست ومائتين.
وقتل أو راشد بن محمد بالأرواح يوم الخميس لست من ربيع الأول سنة سبع ومائتين , وقتل صقر بعده بعشرين يوما؛ وهو صقر بن محمد بن زائدة الجلنداني وذلك يوم الأربعاء لست وعشرين من ربيع الأول من هذه السنة.
وسبب ذلك أن صقر بن محمد كان قد بايع المسلمين على راشد بن النظر الجلنداني وأعان المسلمين بالمال والسلاح , فلما أزال الله ملك راشد بن النظر الفاسق وغير نعمته وأظهر الله دعوة المسلمين وكلمتهم , خرج على المسلمين رجل من أهل الشرق من بني هناة ومعه بنو هناة وغيرهم , وألقى إلى المسلمين أن أخا صقر مع البغاة , فلما ذكر ذلك لصقر قال: من يقول ذلك وأن أخي مريض عندي في الدار , وكان صقر يومئذ بسمائل , فلما هزم الله البغاة وظفر المسلمون بهم تحقق أن أخا صقر ابن محمد كان مع البغاة , فعند ذلك اتهموا صقر بالمداهنة لما ستر عنهم أمر أخيه وكان الإمام يومئذ في نزوى؛ وكان الوالي على سمائل رجل يقال له أبو الوضاح , فرفع أو الوضاح صقر إلى
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/100)
صفحة 101
الإمام مع سرية بعثها الإمام لحمله , وخرج أبو الوضاح معه خوفا عليه من الشراة أن يقتلوه , وبعث الإمام إليه أيضا سرية أخرى وبعث معهم موسى بن علي فالتقوا بنجد السحامات , فبينما هم في مسيرتهم إذ اعترض بعض الشراة صقرا فقتلوه , فلم يكن للوالي أبي الوضاح ولا لموسى بن علي قدرة على منعهم من قتله.
قال أبو الحواري: وبلغنا أن موسى بن علي رحمه الله خاف على نفسه؛ فلو قال شيئا لقتلوه, قيل ولم يكن من الإمام غسان إنكار على من قتله , وكانت تلك الأيام صدر الدولة وقرتها وجمة العلماء فيحتمل سكوت الإمام أحد وجهين , إما أن يكون قد صح معه أن صقرا بايع عليه واستوجب بذلك القتل؛ فأسر إلى بعض الشراة أن يقتله؛ ولم يتشهر هو بقتله كي لا تكون عصبية , وإما أن يكون قد احتمل للقاتل أن يكون قد قتله بحق عمله , كما احتملوا ذلك في قتل عيسى بن جعفر , وأما خوف موسى على نفسه لو أنكر فلم يتحقق ذلك , وإنما هو نفس خوف وظن لما رأي من الشدة في الشراة والله أعلم.
ولعل الخارج على الإمام الذي وجد معه أخو صقر هو راشد بن شاذان بن غسان بن سعيد بن شجاع الهنائي من بني محارب , ففي الأنساب للعتبي أنه هو الذي سار إلى دما فانتهبها وقتل واليها قومه؛ قال وكان ذلك في ولاية الإمام غسان بن عبدالله الفجحي؛ فوجه غسان بن عبدالله على آثارهم في طلبه من كان معه من بني محارب من بني هناة فلم يلحقوا , ثم إن راشد بن شاذان طرح نفسه بالرستاق على الفجح من اليحمد , فأخذوا له ولأصحابه أمانا من غسان؛ وكان مقام غسان بنزوى في بيت الإمامة في العقر , وفي زمانه سميت نزوى بيضة الإسلام , وكانت قبل ذلك تسمى تخت ملك العرب.
قال في بعض السير؛ ولها مدائح في كتاب سير العرب , (1/101)
صفحة 102
وفي كتاب سير العجم تركت خوف الإطالة.
وفي زمانه خصبت عمان خصبا كثيرا وصارت خير دار , وبقي الخصب من بعده زمانا طويلا , حتى قبل إن فلج ضوت بنزوى يسقي ماله من جلبة خراسين أربعين سنة؛ قيل ومن كثرة الماء ذهب فلج ضوت القديم ولم يبق له أثر بأموال دارس.
قيل وكان غسان في كل جمعة يزور قبر الوارث رحمه الله , فمر يوما على الغيل الذي بالوادي وفي بعض جوانبه بعض الطحلب , فقال في نفسه؛ إن هذا أثر عن تغيير وقع في البلد , فأحضر أهل الأموال وقال لهم: أنا أريد حرب الهند وبيت المال لا يكفي , وأريد أن أجعل على التجار قرضا يكون أداؤه من بيت المال وأشاوركم في ذلك؛ فقال أصحاب الأموال: التجار يسعون بالفائدة؛ وإن قلت دراهمهم ضاعت المعاملة بيننا وبينهم ونحن أرباب الأموال والقرضة علينا بما تريد؛ فقال لا غير هاهنا. ثم أحضر التجار وقال: أريد أن أحارب الهند وخزانة بيت المال لا تكفي بمقاومة الحرب وأناظركم , أريد أن أجعل قرضة على بيت المال لتقويم هذا الحرب من أرباب الأموال فما ترون؟ فقال التجار: أصحاب الأموال أهل حرث وأكثر الحروث لا تكفي مغرم ما عليه , وليس في أيديهم شيء مما يكفي لذلك , فقال الإمام لا غيرها هنا , ثم أحضر الوزراء وأرباب الدولة فقال: أريد أن أجعل قرضة على أرباب الأموال (1/102)
صفحة 103
والتجار في بيت المال لحرب فما ترون؟ وهو يريد بهذا السؤال كله كشف ما عندهم , فقالوا هذا شيء وقع في قلوبنا من قبل؛ فقال في نفسه الغير من ها هنا؛ فاستبدل بهم غيرهم؛ فلما مر في الجمعة الثانية على الغيل لم ير شيئا , ورأى الماء زائدا عن أصله.
ذكر وفاة الإمام غسان رحمه الله
قيل أنه مرض يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي القعدة , ومات يوم الأحد بعد صلاة الفجر لأربع بقين من ذي القعدة سنة سبع ومائتين؛ وكانت إمامته خمس عشر سنة وسبعة أشهر , وفي نسخه وتسعة أشهر بتقديم التاء إلا ثمانية أيام , وقيل ولى خمس عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يوما , وقيل خمس عشرة سنة وسبعة أشهر وسبعة أيام والله أعلم.
ذكر أحكام الإمام غسان رحمه الله
قيل أنه لم يقطع بعمان يد سارق إلا غسان بن عبدالله فإنه قطع يد سارق واحدة بصحار بعد أن وجب عليه القطع , ومن أحكامه أنه كانت لبني الجلندي بسمد نزوى محلة ولعل موضعها اليوم المال المسمى العقودية.
قال أبو الحواري وكانت هذه الدار عقودا على الطريق الجائز , قال وأحسب أنه كان فوق العقود الغرف وكانت تلك العقود يقعد فيها أهل الريبة قال فبلغنا أن امرأة مضت في الليل في تلك العقود وهي مظلمة فاعترض لها رجل من الفساق , فبلغ ذلك الإمام فأرسل إلى أصحاب الدار وأمرهم أن يهدموا العقود وحم عليهم بذلك أو يسرجوا فيها بالليل حتى يرى من يقعد فيها من أهل الريبة فأخرج أهل الدار طريقا للناس في أموالهم وكان الناس يمرون في تلك الطريق إلى أن خربت تلك الدار , فرجع أصحاب الدار إلى (1/103)
صفحة 104
طريقهم فأدخلوها في أموالهم وعمروها ورجع الناس إلى طريقهم الأول , ولهذه الطريق آثار ورسوم سهيلىَّ المسجد الجامع من سمد نزوى.
قال أبو الحواري لو أن أهل الدار لم يفعلوا ذلك ولم يسرجوا في القعود على ما أمرهم الإمام فلعله كان يهدم الدار , قال وهو وجه من الحق والعدل إن شاء الله تعالى؛ قال فهذا غسان قد أمر بهدم الدار لدفع هذه المفسدة فكيف ولو كان فيها أحد من البغاة لكان أعظم ذنبا وأشد عقوبة.
ومن أحكامه رحمه الله تعالى ما حكم به في فلج الخطم من منح وذلك أن السيل الذي غرق فيه الإمام الوارث أني عليه فاجتاحه وذهب به أصلا ولم يجدوا إلى إخراجه سبيلا إلا في أموال أهل نزوى , فأمر الإمام غسان القاسم بن الأشعث وهو الطالب لإخراج الفلج أن يسير نفسه , ثم أرسل إلى سليمان بن عثمان رحمه الله فلما أتى إليه قال له يا أبا عثمان ما تقول في فلج لقوم مثل فلج نزوى يمضي في أرض سمد وهي لبني أبي المعمر فأتى السيل عليه فاجتاحه فلم يقدروا على إخراجه إلا في أموال الناس فهل لهم ذلك؛ فقال سليمان نعم لهم ذلك, فقال له الإمام يكون لهم ذلك بالثمن أو بغير ثمن؟ فقال سليمان بل لهم ذلك الثمن , فقال الإمام بل يكون بالثمن بما قال أصحاب الأرض أم بقيمة العدول؟ فقال له سليمان فيما بلغنا بل يكون ذلك بقيمة العدول , فلما عرف الإمام غسان رأي سليمان بن عثمان في ذلك تمسك به.
فلما انصرف سليمان أرسل الإمام إلى القاسم بن الأشعث فلما أتى قال له الإمام اذهب فادفع خصماءك فانطلق القاسم بن الأشعث فأتى بهم الإمام وهم بنو زياد , فلما حضروا معه طلب القاسم بن الأشعث مجرى لفلجهم بالثمن , فقال أهل نزوى ليس علينا ذلك , فقال لهم الإمام غسان هذا رأي سليمان بن عثمان , فانطلق أهل نزوى حتى (1/104)
صفحة 105
أتوا سليمان فأعلموه بقول الإمام وقالوا له انه قال أن هذا رأي سليمان بن عثمان , فقال لهم سيلمان غرني غسان , فانطلق سليمان فأتى الإمام فقال سليمان للإمام أنه قد رجع عن رأيه ذلك , فقال له الإمام فأني لا أقيلك وتمسك بذلك الرأي , قال الإمام غسان لأهل نزوى اذهبوا فاخرجوا للقوم مجرى لفلجهم بالثمن , فأبوا عن ذلك وامتنعوا , فقال الإمام غسان لأهل منح اذهبوا فاخرجوا فلجكم فإن طلبوا الحق كان لهم ذلك برأي المسلمين أو كما قال , فانطلق أهل منح فأخرجوا فلجا في أرض أهل نزوى برأي الإمام غسان ولم يكون ذلك برأي أهل نزوى وهم كارهون لذلك , وهو فلج الخطم , ذكر ذلك أبو الحواري , قال والفلج قائم بعينه في أرض أهل نزوى في يومه هذا قال ولعله لا يزال إلى يوم القيامة؛ ولم يجبر أهل نزوى حتى يأخذوا حقوقهم من أهل منح أو يبرؤا منها.
ومن أحكامه رضي الله عنه حبس صقر بن محمد بن زائدة بتهمة اتهمه بها هاشم ابن الجلندي في جراح أصابه أنه أمر به , قال أبو عبدالله أن هاشم بن الجلندي كان قد أصابته رمية بالليل فجرحته في رأسه وهو يومئذ بدما مع الإمام غسان , فاتهم هاشم صقر بن محمد بن زائدة أنه أمر به من رماه؛ وكان صقر يومئذ بسمائل فأمر به غسان فحبس؛ فأنكر ذلك عليه سليمان بن عثمان وقال ليس عليه حبس لأنه لم يتهمه أنه جرحه وإنما اتهمه أنه أمر من جرحه , فإنما عليه يمين ولا حبس عليه , فلم يقبل ذلك غسان حتى غضب سليمان وهجره , قال بعضهم لا أدري كيف غضب علي الإمام وقد فعل , قال لعله شاهد ما لم يشاهده؛ قال والإمام أحق بتحسين الظن والله أعلم.
(قلت) قد ظهر سبب غضبه وهجرته من قوله أنه ليس عليه حبس وإنما عليه يمين , فهذا سليمان لا يرى على صقر حبسا بتلك الدعوى وحبسه الإمام (1/105)
صفحة 106
وسليمان ولا يرى له ذلك في نظره واجتهاده , وكان قد أحب له السلامة منه والتعفف عنه , والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه والله أعلم.
ومن أحكامه رضي الله عنه ما ذكر زياد بن الوضاح أن بقية أتي به على غسان وأجله أربعة أشهر؛ على أن يخرج من عمان؛ فمات قبل انقضاء الأجل , قال أبو محمد كان بقية يقال أنه كاد يكون فتنة ولو بقي وكان يظهر الاعتزال ويرضي الزندقة , قال زياد بن مثوبة كان بصحار شيعة كان بقية أصغرهم قال وكانوا يشددون عليهم , وكان المسبح بن عبدالله أعمى وكان يقضي في نزوى بين الناس في أيام الإمام غسان والقاضي ليسمع الشهود ويقضي على الخصمين وهو لا يرى أحدا منهم , فجعل المسبح قاضيا على هذا الوصف من جملة أحكام الإمام وبعض المسلمين لا يرى أن يولى القضاء أعمى.
قال العلامة الصبحي وبلغني أن عبدا أخذ من بعض أهل عمان وخرج به إلى الأعاجم فأنفق الإمام غسان على رده أربعة آلاف درهم من مال الله أو ما شاء الله في أيام جمة من أهل العلم فلم يعيبوا ذلك.
قال أبو مروان اجتمع سعيد بن المبشر وأبو مودود وهاشم بن غيلان والقاسم ابن شعيب عند الإمام غسان بن عبدالله رحمه الله فسألهم عمن يقدم من بلاد الهند بتجارة كيف آخذ منه الزكاة فقالوا إذا وصل إلى عمان وباع متاعه فخذ منه الزكاة من حينه , وإن لم يبع المتاع حتى حال عليه الحول يقوّم متاعه كما يباع ثم خذ منه الزكاة سنة واحدة؛ وأما من يقدم من البصرة وسيراف بمتاع فلا يؤخذ منه الزكاة حتى يحول عليه الحول , وإذا حال عليه الحول أخذت منه باع أو لم يبع.
وكتب الإمام غسان إلى عبدالله بن شاذان في امرأة احتجت في رفع زكاة حليها بأن عليها دينا أن الحلي ليس بمنزلة الدراهم , فخذ منها (1/106)
صفحة 107
زكاة الحلي ولا تنظر في حجتها , وهذا رأي منه رحمه الله تعالى , وقيل أن الدين يسقط زكاة الحلي أيضا كما يسقط زكاة النقدين المضروبين وهو قول أكثر من رفع الزكاة بالدين من أصحابها.
وقيل أن الإمام غسان ذكر يوما العدل وذكر حالة العبيد في الباطنة وكانوا يزجرون لساداتهم بالليل فقال عدلنا إلا في عبيد الباطنة , ومعناه أنه ليس للسيد أن يستخدم عبده بالليل , وأهل الباطنة قد استخدموهم للضرورة الداعية لذلك ولكنهم يريحونهم بالنهار فوق قدر عملهم بالليل , وقد رخص لهم بعض المسلمين في ذلك إذا أراحوهم بالنهار , وكان الإمام يرى التشديد فقط.
ويوجد أنه كان في أيام الإمام غسان ناس جئ بهم وكانوا قد استحقوا القتل في رأي بعض المسلمين , فشاور الإمام القاضي مسبح بن عبدالله فلم ير قتلهم فسجنهم الإمام , ثم ناظر المسلمون القاضي في قتلهم حتى رجع إلى القول بالقتل فدخل على الإمام فأخبره أنه رجع إلى القول بقتلهم , فقال الإمام لا أقبل ذلك منك إلا أن تقول به بين جماعة من المسلمين؛ لأنك أفتيت بمنع قتلهم في جماعة من المسلمين , فلما اجتمع الناس بالمسجد قم القاضي واقفا وقال إني كنت قد أفتيت الإمام بمنع قتل هؤلاء , وإني قد رجعت عن ذلك وأفتيته الآن بقتلهم, فأمر الإمام فضربت أعناقهم , وهذه سياسة من الإمام تقتضي بتبرئة ساحته من التهمة , وفيها تصلب عظيم من القاضي , جزاهم الله خيرا عن الإسلام وأهله.
ذكر شيء من نصائح العلماء للإمام غسان
فمن نصيحة أبي مودود له قال ولا قول الأمور من يختلف المسلمون عليك في عدله فيخون الله بخلاف الصادقين الذين يحبون الله يريدون وجهه وأنت تقدر معك الجهاد والاجتهاد وأنت بإذن الله قادر على بقية (1/107)
صفحة 108
صلحاء الصادقين , ولا تأتمن على المسلمين إلا من رآه الصالحون أمينا فتحارب الله ولا تحل نصرتك ويحل خذلانك , ولا تطلبن العسر ومعك اليسر , ولا تختر على الله فإن الله يقول (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).
وكتب إليه منير كتابا طويلا يذكر له فيه سيرة من قبله من أئمة الهدى وذكرنا في إمامة الجلندي بعض ذلك , وإنما وصف له سيرتهم ليحرضه على سلوكها واقتناء آثارهم في الأخذ بالأحزم ثم الأحزم , ثم ذكر له أحوال الناس بعد أولئك الأئمة فقال اعتقدوا الشراء في غير صدق أهله فركنوا إلى الدنيا ومال بهم الهوى إلى باطلها ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة قال الله (وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) فباعوا الكثير الباقي بالقليل الفاني؛ وصغر الدين في أعينهم وهان عليهم فأهانهم؛ وأنزل بهم الخزي وألبسهم شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض.
إلى أن قال: وأعلم أن الوهن والتقصير وتألف الناس على مالا يوافق الحق لا يزيد في الرزق , ولا يمد في العمر , ولا يزيد لأهله إلا مقتا ووهنا وخسارا.
إلى أن قال: وإياك أن تكثر بمن يشين معك ولا يزين ويفسد ولا يصلح , فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا , وأن الظالمين بعضهم أولياء بعض , والله ولي المتقين , نسأل الله أن يتولانا وإياك بما تولي به المتقين , وأن يردنا وإياك إلى الحق وأهل الحق , ويجمعنا وإياك عليه ويهدينا وإياك لما اختلف فيه من الحق بإذنه إن الله رؤوف رحيم.
قال فإذا استغتبتكم أنفيكم ومن معكم ومن إقامة أموركم على ما مضى عليه من كان قبلكم من أسلافكم واستقام على المسير مبارك بن جعفر وسليمان بن عثمان والحكم بن بشير ومسعدة بن تميم والأزهر بن علي وعلي بن عزرة وجعفر بن زياد (1/108)
صفحة 109
وعبدالله بن أبي قيس وعبدالله بن نافع ورايس بن يزيد وأبو الملك بن هزير والأشعث بن محمد والأزهر بن عبدالملك وعبدالعزيز بن عبدالرحمن وضرباؤهم من المسلمين فاكتب إلينا فيأتيك من أحببت منا وكرامة بك ونعم عين , قال وإن كره النفر الذين سميت لك في الكتاب السير فنحن أضعف عنه وأبعد دارا وأكثر دينا وأشد حاجة إلى المقام في ضعيننا ومعائشنا ولو خلونا ما سرنا إلا معهم , عافانا الله وإياك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
باب إمامة عبدالملك بن حميد رحمه الله تعالى
وهو من بني علي بن سودة بن علي عمرو بن عامر ماء السماء الأزدي وكانت البيعة له يوم الاثنين لثمان ليال بقين من شوال سنة ثماني ومائتين , وقيل لثلاث بقين من ذي القعدة من سنة سبع ومائتين , فسار سيرة الحق والعدل واتبع أثر السلف الصالح , وصارت عمان يومئذ خير دار.
قال أبو الحسن: بايعوا لعبد الملك بن حميد على ما بويع عليه غسان؛ فقام بالحق إلى أن كبر وخافوا على الدولة؛ فقام موسى بن علي (1) رحمه الله بالدولة حتى مات عبدالملك.
قال أبو المؤثر: وحدثني الثقة أن عبدالملك بن حميد الإمام رحمه الله كان قد ضعف وسقط وثقل منه السمع والبصر , إلا أنه قد كان يسمع ويبصر الشيء , وقد كان يقع في عسكره القتال , قال وكانت ضعفته فيما بلغنا أشد من ضعفة الصلت , وسألوا موسى بن علي عنه فرأى أن إمامته ثابتة ولم يستحل عزله حتى مات.
وقال أبو الحسن: وكان
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/109)
صفحة 110
بعض المسلمين – أظن أنه المنذر بن بشير – يصد عن موسى بن علي إذا رآه لم يعزل عبدالملك , وكان يقول: هذا الشاب يصد عنا إذ لم يعزل الجبل.
وقال محمد بن الحسن: كتب موسى بن علي إلى الإمام عبدالملك في أمر رجل ثم إن الرجل أتي موسى فقال رد الإمام كتابك؛ فقال أبو علي هو المأمون علينا وعليك , وكان عبدالملك الإمام يطرد مهرة ويطلبهم لسفكهم دماء المسلمين؛ وكانوا يلقون بأيديهم ولا يقبل الإمام منهم؛ حتى أشار عليه موسى بن علي رحمه الله أن يقبل ذلك منهم ويؤمنهم؛ وكانوا قد سفكوا دماء المسلمين؛ وفي سبع بقين من ذي القعدة من سنة ستة عشر ومائتين؛ توفي محمد بن موسى.
ويحكي أن زاهدا كان يواصل موسى بن علي بأزكى , فلما ولي القضاء عنه وجعل يواصل سعيد بن جعفر بعد بي من أزكي , فقيل للزاهد في ذلك , فقال ذلك قد دخل في الدنيا وأمور الناس , فأرسل موسى إلى سعيد بن جعفر أن ينتظره الزاهد معه حتى يصل إليه فامتنع الزاهد عن ذلك , فلم يزل سعيد بن جعفر بالزاهد إلى أن أجابه إلى ذلك , فوصل موسى إليه فاجتمع بالزاهد عند سعيد بن جعفر؛ فلما أراد الزاهد الانصراف سلما إليه دريهمات فلم يقبلها منهما إلا بعد مسألة منهما له؛ فقبضها وخرج من عندهما , فخرجا في أثره ينظرانه , فلم يزالا ينظرانه إلى أن لقي رجلين معهما حمار , فوقف معهما كأنه يكلمهما , فوقف موسى وسعيد إلى أن وصل إليهما الرجلان فسألاهما عن وقوف الزاهد معهما , فقالا لهما إنه سألهما عن الحمار الذي معهما لمن هو منهما؛ فعرفاه إنه لأحدهما , فسلم الدريهمات إلى الذي اعترف بأن الحمار لصاحبه.
وكان هذا الزاهد يدخل مسجد الجامع من نزوى في أيام الإمام فيصلي (1/110)
صفحة 111
فيه ولا يدخل السوق؛ ويصل إلى مجلس الإمام ثم يشرف على السوق فيقول: يا أهل الغفلة ويا أصحاب المكيال والميزان , ثم ينصرف.
وتوفي الإمام رحمه الله تعالى ليلة الجمعة لثلاث من رجب سنة عشرين ومائتين؛ وكانت إمامته ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر وسبة أيام؛ ويقال ثلاثة أيام.
وفي أيامه رحمه الله تعالى صلى عمر بن الأخنس بالناس الجمعة بنزوى ركعتين من غير أن يأمره الإمام؛ وكان الإمام مريضا بنزوى فلم يخرج إلى الجمعة؛ وكان موسى بن علي يومئذ حاضرا فلم ير موسى عليهم النقض؛ وأجاز صلاتهم. قال أبو عبدالله: فأنا أرى على عمر بن الأخنس وعلى من صلى معه النقض.
وفي أيامه رضي الله عنه قتل سعيد بن محمد النخلي في نخل على فراشه خفية فأقر ربيب سعيد بن عمر أنه قتله؛ وأنه إنما أراد قتل عمه زوج أمه سعيد بن عمر وإليه قصد؛ فوقع في سيعد بن محمد خطأ فشاور عبدالملك المسلمين في ذلك؛ فلم ير موسى وغيره القود؛ قال محمد بن علي قال موسى بن علي أشار علينا الإمام عبدالملك في رجل أقر أنه قتل رجلا وجده على سرير واحتج أنه أخطأ ولم يتعمد إلى الذي قتل , قال فأمسكت أنا عن ذلك حتى رأيت في كتاب أن القول قول القاتل؛ وأما بعضهم فلم يروا له ذلك.
وقال عزان بن صقر: أخبرني هاشم بن الجهم أن قوما من أهل نخل دخلوا على رجل فقتلوه فأقروا بقتله , وقالوا ظنا أنه فلان لرجل غيره , فذكر أن موسى بن علي لم ير عليهم قودا فيما بلغنا؛ قال وأخبرني الفضل بن الحواري عن سعيد بن محرز أنه قال في هذه المسألة: إن الأشباح رأوا عليهم القود إلا موسى ابن علي قال فرأيناه في آثار المسلمين إنه خطأ , اقل وأخبرني محمد بن علي في هذه المسألة عن أبي علي – يعني موسى – قال سكت فلم يقل شيئا , فلما رجعت رأيت في بعض (1/111)
صفحة 112
كتب المسلمين أنه خطأ.
وذكر الإمام الصلت بن مالك قال: وصل كتاب من إلي صحار إلى الإمام عبدالملك بن حميد يذكر فيه أن يهوديين اقتتلا بالساحل فقال أحدهما أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ قال أعينوا أخاكم المسلم , ثم أنكر ولم يقر بالإسلام , فجمع عبدالملك بن حميد الأشياخ فأرادوا أن يجيبوا فيه جوابا كأنهم يرون ذلك يلزمه ثم كتبوا إلى موسى بن علي رحمه الله فكتب أن يشد على اليهودي ويهدد بالقتل فإن اسلم قبل منه وإلا فلا قتل عليه. وقال أبو عبدالله إنما يلزمه القتل لأنه لم يقر بجملة الإسلام لأن القول الذي يلزمه فيه الإسلام ويجب عليه القتل في تركه إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا رسول الله وأن جميع ما جاء به حق من عند الله , قال فهذا الذي يدخل به في الإسلام ويخرج به من الشرك.
وفي الأثر قال سمعت أبا يزيد التاجر يسأل بشيرا وهو عنده عن رجل قتل رجلا فأفاده به الإمام أو القاضي , فلما رفع إلى الوالي وانطلق ليقتله لقيهم رجل فقال لهم ما هذا؟ قيل له رجل يقتل فقال وهو حلال دمه , فقالوا له نعم فقتله الرجل فقال له الوالي أحسنت فيما صنعت وأجاز له ذلك فقال بشير ليس ذلك إليه بل يقتل به , قلت لهاشم فيذهب صاحب دم هؤلاء لا دية ولا قود قال نعم.
وقال جابر بن النعمان اختلف المسلمون من أهل صحار في الذي يعمل الحسنات والسيئات فقال بعضهم أنها تحصى عليه حتى يموت ثم ينظر في حسناته وسيئاته أيهما أكثر جزي به , وقال آخرون إذا عمل حسنة ثم عمل سيئة محت السيئة الحسنة قال جابر فخرجنا من صحار سمائل فسألت هاشم بن غيلان رحمه الله عن ذلك فقال كفروا عن هذا فقد وقع هذا بصحار وكتبوا إلينا فلم نجبهم , وعند هذا ومثله تقع (1/112)
صفحة 113
الفرقة وبالله التوفيق.
وقال أبو علي جاءنا كتاب من أشياخ صحار وكتاب آخر من الشراة فيه عتاب فيما بينهم وشيء كرهناه لهم ولا يبلغ فيه براءة ولا فراق ولا عظيم من الأمر والدرك فيه قريب؛ فأهل الفضل منكم الذين يسعون في الألفة والصلاح فإذا جاءكم كتابنا فاجتمعوا رحمكم الله فليستغفر بعضكم لبعض وتمسكوا بشريعة الله ودينه وما حدث بينكم من التنازع فقولوا ديننا فيه دين المسلمين , ورأينا فيه رأيهم وحكمة إلى الله ثم ارفضوا به وقال الله تعالى (وقل لعبادي يقولوا للتي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. هذه وصية الله فالزموها يكن الله معكم ويكفيكم ما أهمكم , وفي زمانه رحمه الله تعالى أظهر قوم من القرية والمرجئة دينهم بصحار؛ ودعوا الناس إليه؛ وكثر المستجيبون لهم , حتى صاروا بتوان وغيرها من عمان , فخاف هاشم بن غيلان رحمه الله تعالى على المسلمين من ذلك فكتب إلى الإمام ما نصه:
إلى الإمام عبدالملك بن حميد؛ من هاشم بن غيلان:
(
بسم الله الرحمن الرحيم) سلام عليك؛ فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأوصيك ونفسي بتقوى الله وطلب ما يخرج به من فتنة العلماء التي أصبح فيها كثير من أهل الشقاء وأستعين بالله (أما بعد) أيها الإمام (1) مما العاقبة منه سلامة في الدنيا والآخرة وإيانا برحمته , فإني كتبت إليك والعاقبة حالنا , والحمد لله كثيرا لحب سلامتك , ويسرا لصلاحك وصلاح قسم الله لك وما وفقك الله وأرشدك وأعزك ونصرك؛ فنسأل الله لك ذلك من لدنه فضلا من ورحمة , والله ذو الفضل العظيم؛ أعلمك رحمك الله إنه كان قبلك من
__________
(1) سقط بالأصل. (1/113)
صفحة 114
أئمة المسلمين؛ أدركنا من أدركهم وأخبرونا عنهم أن أول شيء ساروا به في الناس أن علموهم دينهم؛ وأظهروا لهم نسب الإسلام , وبينوا لهم ما يأتون مما أمرهم به من طاعته , وما يتقون مما نهاهم عنه من معصيته , ومن كان على غير دين المسلمين من أصناف الخوارج والشكاك وغيرهم لم يدعوهم على ذلك حتى دخل الناس في الإسلام , فمنهم من دخل في الإسلام على أيديهم وألسنتهم بالصدق منه والرغبة في دين المسلمين , ومنهم من قبل دين المسلمين تقية منه ولم يظهر به على الله؛ حتى أماتوا كل بدعة وكل دين على خلاف الإسلام.
وكانوا رحمة الله عليهم إذا بلغهم من احد أنه على غير دين المسلمين أرسلوا إليه وعرضوا عليه دينهم , فإن قبله كان له ما لهم وعليه ما عليهم وإن أبى إلا أن ما يغير ما عليه دين المسلمين أمروه بالخروج من بلادهم , فإن خرج تركوه؛ وإن لم يتب ولم يخرج لم يقاروه على ذلك وأكرهوه على قبول الإسلام , فأحيا الله بهم الدين , وأمات بهم البدع , وأظهر بهم الحق؛ وأطفأ بهم كل جور , حتى مضوا عليهم رحمة الله ورضوانه؛ وإنه بلغنا أن قوما من القرية والمرجئة بصحار قد أظهروا دينهم ودعوا الناس إليه؛ وقد كثر المستجيبون لهم؛ ثم قد صاروا بتوام وغيرها من عمان , وقد يحق عليك أن تنكر ذلك عليهم؛ فإنا نخاف أن يعلو أمرهم في سلطان المسلمين , فأمر يزيد أن أكتب إليه أن لا يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم حتى يطفأ الضلال والبدع؛ وأكتب إليه رحمك الله أن يظهر الإنكار عليهم ويرسل إلى كل من بلغه شيء من ذلك فيعرض عليهم الإسلام ويصف لهم الدين وإثبات القدر وتكفير أهل الإصرار؛ فإن قبلوا ذلك وإلا فاحبس وعاقب؛ ومن بلغه عنه تماد في ذلك حبسه وعاقبه وأطال حبسه؛ أحببنا أن نعلمك ونكتب إليك بالذي بلغنا من ذلك وضاقت به صدورنا؛ فانظر في (1/114)
صفحة 115
ذلك نظر الله إليك وإلينا برحمته؛ والسلام عليك ورحمة الله.
ذكر نصائح العلماء للإمام عبدالملك
وعن هاشم بن غيلان وأهل أزكي إلى الإمام عبدالملك بن حميد: نوصيك بتقوى الله وطاعته , والقيام لله بسبيل ما جعلك لسبيله من دينه والمطوقة حقوقه التي أوجبها بميثاق وتؤكدوا حسن رعاية ذلك بالجهد , وأعمل فيه بالتشمير والجد , فإنها نعمة من الله أسبغها عليك؛ وهدية كريمة صرفها إليك , عليك فيها الله المبالغة في كل ما أنت بالغ فيه بقولك وفعلك ما أمكن لك فيه القول والفعل , فبالله فاستعن على ذلك؛ واستنصر يكن لك عونا على ذلك وناصرا.
أما بعد: عافاك الله أيها الإمام وإيانا عافية يجعل لك فيها ولايته وكلاءته وعصمته ورحمته , ويبلغك فيها إلى حسن كرامته وحلول جنته؛ ويمن علينا وعليك بمثل ذلك إنه ذو الفضل العظيم.
وصل إلينا كتابك؛ رحمك الله في الذي نظرت فيه من الأمر الواجب عليك من حق الله , وذكرت إراحة من راح إلى الجهاد في سبيل الله؛ فالله يوفقك في ذلك لرشدك ويتمم لمن نوى الخير أصدق نية ويزيدهم في ذلك بصيرة وبالثواب يقينا أعلم رحمك الله إنك علمت ببيان الله الذي بينه لك ولنا في عهده الذي عهده إليك وإلينا إلى الدعوة التي دعت , والشريعة التي شرعت للجهاد في سبيل الله حتى يكون دين الله هو الظاهر على كل دين , فذلك هو الدين يدان إليه , وهو الرأي المجتمع عليه عند من توجه إلى الله وأراد ثوابه واصطفاه الله حين أمر به وانتخب له المصطفين من عباده لا يكون إلا لهم؛ ولا يقوم إلا بهم , فأولئك لهم نصر الله وعونه وولايته وتوفيقه , وما جعله حقا لأوليائه علمته في الدنيا والآخرة , ولا يصلح إلا من الصالحين من عباد الله؛ وليس كل من استوهب أمرا وهب له , ولا من استأذن في أمر في الدخول دخل فيه , (1/115)
صفحة 116
ولكل من ذلك أهل معروفون وناس موصوفون كصفة الأسلاف الماضين من أهل الهدى والسابقة والنيات الصادقة , وهذا أمر يستبين بالنظر والتفكير حتى يؤخذ منه بالثقة في كل أمر , ويبرأ أهله من كل تبعة وينقطع فيه مقال العائب, وتؤمن عواقبه؛ فإذا أتم جميع ما هو محتاج إليه مما لا عنى عنه ولا صلاح إلا به؛ استخر الله في المضي؛ واستعن بالله على العمل به , وليس الذي أمرناك بالنظر فيه من إصلاح الأمر ووضعه موضعه الذي لا يصلح إلا به جهالة منا لفضل الجهاد ولا لما وعد الله عليه , ولا تثبيطا عن الانبعاث في سبيل الله؛ فيكون كمن صد عن سبيل الله ونهي عبدا إذا صلى؛ ولكن علمنا أن ما مر له منتهي , وأنه قد جاء من الله فيه أمر بيان؛ جعله أثر لأهل الإيمان , ليس لهم أن يجاوزوا عليه فيه ولا يتعدوه إلى غيره , فإن كان المتأملون لهذا الأمر الراغبون فيه قد حل لهم المضي لهذا المر بمعرفتكم بحسن حالهم , وأنتم وراءهم الصالحون أمناء على ما قد يغيب عنك من فعلهم
وسيرتهم , لأنهم منك ومصدرهم من عندك , والمأمور في أمر الأمر وله من أجره ووزره.
فانظر رحمك الله في أمر قد أتاك النظر فيه , ومن هذا الأمر نظرا بالغا حتى تعدل وتصلح ثم اغتنم منه ما حضر؛ وأعن عليه من فيه استنصر , وأمدهم بآلتهم ولا تألهم من الإصلاح وإراشة الجناح , فإنهم أهل لذلك منك لعظم عنائهم , ولما يرجى من حسن بلائهم , وقد رجوه إن أتم الله في هذا الأمر النية , وبلغ منها إلى الوجه أمنية أن يكون رحمة من الله فتحها وكرامة منه اختص بها من سهل ذلك له ومنّ عليه , فخذ من ذلك بالثقة واشهد فيه للرشد واسند له الاستقامة والقصد , فإن الله لك ما استهديته وتوكلت عليه , وكفى بالله وكيلا, تولاك الله وحفظك وأحسن بك في جميع أمورك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. (1/116)
صفحة 117
(بسم الله الرحمن الرحيم) إلى الإمام عبدالملك بن حميد من هاشم بن غيلان ومحمد بن موسى والأزهر بن علي والعباس بن الأزهر وموسى وحمد ابنى علي وسعيد بن جعفر , سلام عليك فأنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ونوصيك بتقوى الله والقيام لله بسبيل ما جعلك سبيله من الأمر الذي قد أحكم فيه وصيته , وأوضح فيه معرفته , وأخذ فيه من أهله الميثاق الغليظ والعهد الوثيق؛ ولأهله عنده جزاء في العقبى بالوفاء بذلك على ما كلفك في ذلك وبالنقص على قدر ذلك , وكفى بالله مجازيا وغلى الله تصير الأمور.
أما بعد عافاك الله أيها الإمام وإيانا عافية تامة برحمته وعافاك وإيانا من النار فإنه الفوز العظيم , كتبنا لك ونحن في عافية ومن قبلنا والله نحمده على ذلك كثيرا , حبب إلينا ما رفعك الله به وأعانك عليه من رشد وصلاح , وتمام نعم الله عليك وعافية الله إياك , وصل إلينا كتابك تذكر فيه وصولنا إليك في الأمر الذي قد عرفته وعرفناه , وكان من ذلك ما أذن الله به إلى منتهى من ذلك بلغ الله فإن الذي استأذنه أمر ألزمناه أنفسنا لله ولدينه ورأيناه لنا لازما لا مخرج لنا منه إلا بأدائه إليك ولم نر لأنفسنا كتمانه , ولا التقصير عليك في إبلاغه إليك والنصيحة لك , وذلك إنا وإياك على دين وجبت فيه الحقوق علينا وعليك وبحقوق مؤداة , والحق علينا لك محض النصيحة في كل أمر وأن خالف فيه الهوى , والحق عليك قبول ذلك , وإن استمر مذاقه وثقل حمله , وقد علمت أن منتهى أصل الدين عند ترك النصائح والتولي عنها البراءة والفراق , فعائذون بالله من تلك المنزلة والمصير إليها , وقد رجونا أن لا يبلغ بنا الأمر إلى تلك المنزلة ونحن على طمع من عطف القلوب ومعرفة موقع النصيحة , ولولا الثقة بذلك منك لعسى أنه قد بلغ منك الأمر إلى (1/117)
صفحة 118
حقائق الأمور , فنحن منتظرون الذي يرضى الله ولدينه غير مؤيسين من ذلك لمعرفتنا تقديمك والذي نتوهم عليك فيه إنك تزول إليه من بعد هذه الحال من الأمر الذي في الدين أصفى والله أرضى وأحب الأمر إلينا فيه تمام ما أنعم الله علينا وعليك من المواد والمحاب في ذلك , وذلك الذي يسرنا وتقر به أعيننا وكراهيتنا لغير ذلك غير أنا لا نريد على الله أحدا.
وذكرت قبول رأيا في الذي نصحنا لك فيه , فذلك الذي أردنا وهو اجتهاد منا وقبول ذلك بالفعل لا بالقول؛ لأنه لا ينفع تكلم لا نفاذ به , وقد أعلمناك عزم رأينا فيما لقيناك به ولم يتعقبه إلا بمثله ولم يتحول إلى غيره , لأنا نرى أنها نصيحة ولعمري لأن فكرت في هذا الأمر ببصرك لترين منفعة في دنياك (نسخة دينك) وعاقبة أمرك أكثر من مضرته إن شاء الله , ولسنا نهديك إلا إلى ما نرجو به السلامة عند ربك؛ فإن تقبل فهي رحمة من الله قد رجوناها لك , وإن ترد ذلك بوجه من الوجوه فإنا نرى الذي نصحناك فيه أمرناك به هو الحق , ومن كره الحق فإنما يكره الله لأن الله هو الحق المبين.
وأعلم أنا قد خفنا أن يكون إنما يجري ضياع ما يسدي إليك من نصيحة أو موعظة على يدي رجال قد نالوا منك إصغاء وقبولا منك لرأيهم على وجه حسن الظن منك بهم , ولعمري إن الأمور المكشوفة واضحة بما هي عليه , فعليك بتقوى الله والقصد إلى الحق , وما نرى إنك تحمله فقد بلغت بك السن إلى غاية الكفاية والانقطاع بما جرى عليك وفقك الله والسلام عليك ورحمة الله.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
هذا كتاب موسى إلى الإمام
أوصيك ونفسي بتقوى لله وطاعته والاجتهاد لله في إقامة ما ابتلاك بإقامته وحفظ (1/118)
صفحة 119
ما استحفظك من أمانته , فإنك من يحق عليه الله الاجتهاد به صلاحك في المعاد فكن بذلك دائنا ولو تكون بنفسك به ثابتا إلا من وجد معك في ذلك وسايرك وعاونك على ذلك وناصرك , ولست على شيء حتى تقيم كل شيء مقامه؛ وتبلغ من كل أمر تمامه , وتأخذ منه بالمعرفة واليقين , وتكون منه على الحق المبين الذي لا ترى فيه شكا , ولا تخاف على نفسك هلكا , ولا يرتاب فيه من يرتاب ولا يعيبك فيه من عاب , فإن الله جعلك على أمر مبرأ من اللبس , مطهر من الدنس , وجعل أهله من ذلك أبرياء قد ارتضاهم ورضي عنهم وهم ولاة أمانته وأهل ولايته , لهم وراثة الأرض وأئمة الهدى يحكمون بالحق وبه يعدلون , قد استضاءت علانيتهم بضياء سريرتهم , وطاب ثناهم بطيب أعمالهم , لهم في الناس أمانة وللقلوب بهم طمأنينة , ولا تحسن القلوب تهمتهم ولا تنكر معرفتهم ولا تتحرج لهم الصدور , ولا تستنكر منهم الأمور , وإنما أبدي ذلك لهم وأظهر وأضاءه لهم ونوره الذي أسروه من البر والتقوى , وكذلك من أسر خلاف ما أظهر قربت منه الظنون , قال فيه القائلون؛ والمرء من بيانه قريب , وهو لعلمه نسيب , وعلى ما أطاع الله ورأى وأظهر لهم من الثناء جرت الولاية وانقطعت وأديت الحقوق ومنعت , فحق على من كان من ذلك على بينة ومعرفة أن لا يخاف في ذلك لومة لائم , ولا مخافة , وأن يعمل بما يبصر ويدع ما ينكر ولا يعمل بتبذير ولا يدخل نفسه في تغرير , فإنها شريعة ليست بمستحيفة وحمالة ليست بخفيفة , برأ أهلها من الحرج وعدلهم من العوج , ولم يرض لهم بالأخذ بالريبة ولا بنزول رفاهية ولا بموافقة رضاء ولا بإعراض ولا إغضاء عن الحذر لأهل الفتنة والاحتراس منهم في السر والعلانية, بل عرف عدواتهم وحذر طاعتهم ونحلهم الخيانة ومنعهم الأمانة , وتقدم فيهم على نبيه صلى الله (1/119)
صفحة 120
عليه وسلم أن لا يتخذ منهم وليا ولا نصيرا ولا عضدا ولا
مشيرا؛ تطهيرا لدينه وتعظيما لحرماته أن لا يتولى من لا يرعاه؛ ولا يدين له بتقواه؛ ولقد برأ الله من ذلك بيته الحرام وجميع حرم الإسلام حيث يقول في بيته (وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون).
فالإسلام من الله بمكان رفيع في عز منيع من أهل الريب والأدناس أن يكون لهم سبب سلطان بيد ولا بلسان فيخرقوا ستوره ويطفؤا نوره ويضيعوا مناره , ويطمسوا آثاره , فأبى الله ذلك لهم وحماه عنهم وولاه الله الذين يتطهرون بطهوره ويستضيئون بنوره , ويرعونه حق رعايته ويدينون الله بمخافته فأولئك أولياؤه من الناس وبهم حق الاعتصام والاستئناس لا يلتجئ في الأمور إلا بهم , ولا تحل الأمانة إلا لهم , فأحق من كان له مانعا وعنه دافعا لمن جعل الله له السبيل إلى ذلك بالقدرة وهداه بالنور والبصيرة؛ فهم الذين يحيون سنته ويظهرون ملته ويتوجعون له ويجزعون ولا يرضون له بتضييع ولا يجعلونه في مضيع , ويحمونه ممن يشيعه ويمنعونه ممن يضيعه , ويرون أن تماما انتقض منهم فإليهم يطلب وما ضاع منهم فإياهم يعاتب , وذلك الذي جعله الله في أعناقهم وأخذ من ميثاقهم على القيام له بقسطه؛ والوفاء له بشرطه الذي عهده إليهم وأوجبه حقا عليهم؛ فهذا أمر محفوظ له مخشي فيه الله معمول فيه لله ولأهله فيه إلى الله إياب وفيه سؤال وحساب؛ فجنبك الله وإيانا من ذلك عسره. وجعل لنا ولك بسره؛ وإنا لرحمته راجون وإليه محتاجون.
(
أما بعد) عافاك الله أيها الإمام من كل بلاء ووقاك كل سوء في الآخرة والأولى , وفعل لنا مثل ذلك إنه فعال لما يشاء؛ كتبت إليك وأنا في عافية ومن قبلي. والله المحمود على ذلك وعلى كل نعمة؛ وأمر حبب إلىّ بقاؤك في سلامة وفي استقامة وزيادة من الله وكرامة , (1/120)
صفحة 121
ووفقك في جميع الأمور لما يرضى الله به عنك وإنا لذلك محبون؛ ولما خالف من ذلك كارهون؛ وعافية الله وإياك وأهل ذلك؛ أنت الذي جعل الله من دينه وأهل دينه؛ وأصلح الله بك العباد وجعلك المرشد الهادي , وأعلم رحمك الله إنك بمكان لا يحل فيه خذلانك ولا كتمانك في معونة على صواب؛ ولا نصيحة في خطأ؛ وقد نكره من خطئك كما نسر به من صوابك؛ ونصيحتك علينا حق وغيبتك علينا حرام؛ ولا ينبغي لنا تركك ولا قطع النصيحة عنك , وإن أعرضت عن شيء من ذلك فاخترت عليه غيره ولا يحسن ظننا بك نرى إنك تنظر لنفسك كما ننظر لك وتختار لها كما نختار لك , وذلك قد يكون في وجوه ولا يكون في أخرى؛ فأما كل أمر قدم لك صدره وظهر لك خبره فذلك ليس فيه اختيار وأسلم لك الإمساك عنه والفرار منه. وأما ما استقبلت من الأمر فقد يكون لك في ذلك مذهب لرجية ترجوها ومظنة تظنها؛ وأول الأمر بك أن لا تأخذ لنفسك في هذا الأمر إلا الثقة ولا تقلد دينك بالعذر فيمن ائتمنته ووليته وتكون منزلته ولا ينزلها منك إلا بعلمك ومعرفتك له علما لا يشوبه كدر جهل , أو يصح ذلك عندك صحة تكون عندك كقولك تأخذ ذلك ممن يخاف الله في إشارته, ويرى لك مثل ما يراه لنفسه , فذلك العصمة لك إن شاء الله فيما ترجو به نجاة نفسك؛ فانظر في ذلك نظر الله لك؛ فأما كل من قربت تهمته أو تكلم بكلام أو كلمة مما إن كان ذلك حقا كانت ولايته مؤتمنة فأحق من عاقبت نفسك منه ولا يعيبك فيه من الناس مقال ولا من الله سؤال فإنا نكره كل ذلك ونشفق منه عليك على قلة المشفقين.
وأعلم رحمك الله إنا إخوانك المشفقون عليك قد قلت ثقتهم بشأنك اليوم وأهل أمانتك التي أنت عليها اليوم عزيز , والذي نراه لك إذا اهتممت بولاية أن تتبين فيه (1/121)
صفحة 122
و أكثر من استخارة الله وتشير على ثقات إخوانك العالمين بالرجال الذي تريد أن توليه؛ فإنا عند ذلك نرجو لك التوفيق ويزول العذر عند الله فيه من مبالغتك في طلب عدله؛ والله عند نيتك وإرادتك؛ ولا تستغن في ذلك بقول رجل دون آخر وإن كان ناصحا فإنك عسى أن تجد عند هذا من العلم بالرجل مالا تجد عند هذا , فيأتي في ذلك الذي أسلم لك في دينك , وقد يدخل في هذا الأمر رجال يأتونك من طريق النصيحة لك ممن يجوز قوله عندك يزينون رجالا ويشيرون بولايتهم؛ فاستوحش رحمك الله من تلك الشورى ولا تعمل بها في الدين إلا من أهله؛ وليكن الذي تعمل به وتسأل عنه أنت لنفسك وتعرفه بمعرفتك , وأعلم رحمك الله أن كتابي هذا عام لجميع ذلك ومما دعاني إلى الكتاب إليك ولاية رجل أتانا أحببنا إلقاءه إليك من كراهية من كره ولايته , فكرهنا ما كره المسلمون من ذلك , ورأيت الكتاب فيه إليك للقول الذي قيل والسلامة وغنى يغنيك الله بمن هو أفضل وآمن لك في العاقبة عما ترتاب به. وقال المسلمون ولا خير في الريبة.
أعلم رحمك الله إني أحب تعجيل عافيتك منه فإنا نحب لك العافية وأخاف أن تكون ولايته مأثما وعيبا. ونحن نكره لك المأثم والعيب؛ فإن قبلت رأيي أن لا توليه وأنا أعوذ بالله من خيانتك وغشك في رأى أو نصيحة أسديت بها إليك وأرجو أن يكون كتابي نصيحة لله ولدينه ولإمام المسلمين؛ وهي الحقوق العظيمة علينا الحرم المحفوظة لربنا والخائن الغاش لله ولأئمة العدل؛ فقد احتمل حوبا كثيرا. أنظر رحمك الله في الذي كتبت به إليك فإنه وسيلة مني أسأل الله قبولها؛ وحق أديته إلى الله وإلى الله تصير الأمور؛ وحسبك الله وإيانا ونعم الحسيب والمولى (1/122)
صفحة 123
والنصير , والسلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
باب إمامة المهنا بن جيفر
وهو من اليحمد بويع له يوم الجمعة لثلاث خلون من رجب سنة ست وعشرين ومائتين , وهو اليوم الذي مات عبدالملك فيه ليلته , بايعه موسى بن علي رحمه الله عن مشورة من المسلمين على طاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فوطأ آثار المسلمين وسار سيرتهم.
قال أبو الحسن: قام المهنا بالحق ما شاء الله إلى أن مات , والمسلمون له مجمعون وبأمره يعملون؛ والولاة في أيامه هم الصادقون؛ لم نعلم أن أحدا أظهر عليه منكرا؛ قال وقد قيل إن بعد موته تكلم بعض المسلمين فيه بشيء يكره؛ فقيل إن محمد بن محبوب تجهم في وجه ذلك الرجل وأسمعه كلاما وزجره عن ذلك.
وكان المهنا رجلا مهيبا وكان له حزم في رأيه وكان لا يتكلم أحد في مجلسه ولا يعين خصما على خصم , ولا يقوم أحد من أعوانه ما دام قاعدا حتى ينهض ولا يدخل أحد العسكر ممن يأخذ النفقة إلا بالسلاح؛ وكان له ناب يفتر عنه إذا غضب فتظهر منه هيبة عظيمة , واجتمعت له من القوة والبرية والبحرية ما شاء الله قيل إنه اجتمع له في البحر ثلاثمائة مركب مهيأة لحرب العدو , وكان عنده بنزوى سبعمائة ناقة وستمائة فرس تركب عند أول صارخ , فما ظنك بباقي الخيل والركاب في سائر ممالكه.
وقال العلامة الصبحي؛ بلغني أنه كان عند المهنا بن جعفر تسعة آلاف مطية أو ثمانية آلاف مطية , قال ولعلها لبيت المال فيما يحكى عنه ثقات المسلمين , وكانت عساكره بنزوى عشرة آلاف مقاتل , وهؤلاء بنزوى خاصة , (1/123)
صفحة 124
فكيف بعساكر غيرها , وكثرت الرعايا في زمانه حتى بلغ سكان سعال وهي محلة من نزوى وأربعة عشر ألفا.
قال عبدالله بن جعفر الضنكي: كان الإمام المهنا قد أسن كبر حتى أقعد فاجتمع إلى موسى جماعة من الناس وهو يومئذ قاض (1) فقالوا له إن هذا الرجل قد أسن وضعف عن القيام بهذا الأمر؛ فلو اجتمع الناس على إمام يقيمونه مكانه كان أضبط وأقوى على ذلك , فخرج موسى بن علي حتى وصل إلى الإمام فلما دخل عليه جعل يسأله وينظر حاله فعرف الإمام معناه؛ فقال يا أبا علي جئت إلىّ والله لأن أطعت أهل عمان على ما يريدون لا أقام إمام معهم سنة واحدة , وليجعل لكل حين إمام يولون غيره ارجع إلى موضعك فما أذنت لك في الوصول ولا استأذنتني ولا تقم بعد هذا القول , قيل فخرج موسى بن علي من حينه , ولم يلبث أن مات موسى ومات الإمام بعده؛ وكانت وفاة موسى رحمه الله لثمان ليال خلون من ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين؛ وكان مولده ليلة العاشر من جمادي الأخرى سنة سبع وسبعين ومائة فيكون قد عاش رحمه الله ثلاثا وخمسين سنة؛ وفي بعض الكتب أن وفاته كانت سنة إحدى وثلاثين ومائتين وأنه عاش ثلاثين سنة والأول أثبت والله أعلم وتوفي الإمام رحمه الله يوم الجمعة والناس في المسجد قد حضروا لصلاة الجمعة بعد الأذان فصلى بالناس ذلك اليوم خالد بن محمد المعدي.
وفي بعض الأثر كان الإمام مريضا وقام الخطيب على المنبر فبينما هو في الخطبة إذ جاء رجل فأخبرهم بموت الإمام؛ فقطع الخطيب الخطبة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا ونزل من المنبر , وصلوا أربع ركعات؛ قال:
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/124)
صفحة 125
وأحسب أنه كان في المسجد محمد بن محبوب ومحمد بن علي ولم أبصرهما ولكن توهمت ذلك لأنهم اجتمعوا في بيت المشورة فيمن يقدمونه إماما قال واحسب أنه قد كان في المسجد هلال بن منير , وذلك لست عشرة خلت من ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين , فصلى عليه ابنه جيفر بن المهنا وبويع للصلت بن مالك ذلك اليوم قبل غروب الشمس وكانت إمامة المهنا عشر سنين وتسعة أشهر وأربعة عشر يوما.
وكان في حياته قد استعمل على صدقة الماشية عبدالله بن سليمان وهو رجل من بني ضبة من أهل منح؛ وكان يسكن عز فقيل أنه دخل أرض مهرة مصدقا ووصل إلى رجل منهم يقال له وسيم بن جعفر وقد وجبت عليه فريضتان , فامتنع إلا أن يعطى فريضة واحدة فقال إن شئت أن تأخذ فريضة واحدة وإلا فانظر إلى قبور أصحابكم , ولعله يريد قبور من قتل هناك من الشراة أيام عبدالملك؛ فقد وقع بين الإمام وبعض مهرة حرب فأرسل إليهم السرايا حتى أذعنوا فسكت عنه عبدالله ورجع , وكان عنده جمال فلما وصل إلى عز تأخر عبدالله في عز وأرسل الجمال إلى الإمام فقدم عليه وهو في مجلسه؛ فلما ارتفع عن مجلسه دعا بالجمال فسأله عن عبدالله وكيف كان في سفره فأخبره بما كان من وسيم؛ فقال الإمام للجمال لا تخبر أحدا بما أخبرتني واكتم ذلك وأكد عليه في ذلك فلما وصل عبدالله بن سليمان سأله الإمام عن خبر وسيم فأخبره بمثل ما أخبره الجمال فكتب الإمام من وقته إلى والي أدم ووالي سناو ووالي جعلان أن إذا ظفرتم بوسيم بن جعفر المهري فاستوثقوا منه وأعلموني فكتب إليه والي أدم أني قد استوثقت منه وأنه قد حصل فأنفذ إليه الإمام يحيي اليحمدي المعروف بأبي المقارش مع جماعة من أصحاب الخيل ثم أنفذ كتيبة أخرى فلقوهم بالمنائف , ثم أنفذ كتيبة أخرى (1/125)
صفحة 126
فلقوهم في قرية عز ثم أنفذ كتيبة أخرى فقلوهم في قرية منح؛ فلم تزل الكتائب تتراسل والرماح تحتمله حتى وصلوا به إلى نزوى فأمر الإمام بحبسه فمكث سنة لا يقدر أحد أن يذكر فيه ولا يسأل عن أمره حتى وصل جماعة من المهرة فاستعانوا على المهنا بوجوه اليحمد فأجابهم إلى إطلاقه؛ وشرط عليهم ثلاث خصال: إما أن يرتحلوا من عمان وإما أن يأذنوا بالحرب وإما أن يحضروا الماشية كل حول إلى عسكر نزوى وتشهد على حضورها العدول أنه لم يتخلف منها شيء ونعدل الشهود المعدلون بأدم فقالوا: أما الارتحال فلا يمكننا وأما الحرب فلسنا نحارب الإمام وإما الإبل فنحن نحضرها؛ فعند
ذلك عدل الإمام الشهود فكانوا يحضرون إبلهم في كل سنة تدور.
وفي زمانه طعن رجل رجلا فأمر به الإمام فجلد تسعين سوطا وقال تسفك دماء المسلمين على بابي؛ وذلك على قول من لم يحد للتعذير حدا وأن زاد عن قدر الحد؛ ونحوه ما ذكره أبو المؤثر أن الإمام الصلت ضرب عبدالله بن نضر خمسين سوطا قال ولا نعلم أن أحدا من المسلمين عاب عليه.
وكان أبو مروان عاملا للمهنا على صحار , وكان يشدد على المخالفين أن يظهروا بدعتهم كالقنوت وتقديم تكبيرة الإحرام على التوجيه ورفع الأيدي في الصلاة (1) لأن هذا كله مما خالفوا المسلمين فيه بتأويل الخطأ (قلت) إلا
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/126)
صفحة 127
تقديم تكبيرة الإحرام على التوجيه؛ فإن فيه قولا بجوازه في المذهب , لكن لم يعلموا به , وإنما عمل به المخالفون , فصار ذلك من جملة شعارهم , فلهذا شدد عليهم في إظهاره والله أعلم.
وفي زمانه رحمه الله تحرك بنو الجلندي , ورأسهم يومئذ المغيرة بن روشن الجلندي وشايعهم ناس من أهل الفتنة , فدخلوا توام وكان أبو الوضاح واليا للإمام عليها فقتلوه رحمه الله؛ وأرسل الإمام إليهم جمعا ولى عليهم الصقر ابن عزان.
وكان أبو مروان رحمه الله واليا للإمام على صحار , فسار أبو مروان بمن عنده من الناس وسار معهم المطار الهندي ومن معه من الهند؛ وبلغ الجيش فيما قيل اثنا عشر ألفا , فقتل من قتل من البغاة؛ وهزم الله جمعهم , وهرب منهم من هرب. وفرق الله شملهم , وعمد المطار الهندي ومن معه من سفهاء الجيش إلى دور بني الجلندي فأحرقها بالنيران , وفي الدور الدواب مربوطة من البقر وغيرها. وكان رجل من السرية يلقي نفسه في الفلج حتى يبتل بدنه وثيابه ثم يمضي في النار حتى يقطع عن الدواب حبالها وتنجو بنفسها من النار , فقيل إنهم أحرقوا خمسين غرفة أو سبعين.
وقيل إن نسوه من أهل الجلندي خرجن هاربات على وجوههن إلى الصحراء فلبثن بها ما شاء الله واحتجن إلى الطعام والشراب ومعهن أمة فانطلقت الأمة إلى القرية في الليل تلتمس لهن طعاما وشرابا فلما وصلت وجدت شيئا من السويق وسقاء من أسقية اللبن وكسر أناء فعمدت إلى الفلج فحملت في سقائها من الماء , وأبصرها رجل من السرية , فتوجهت الأمة إلى النسوة بذلك السويق والماء , فأدركها الرجل فعمد إلى السويق فأخذه فصبه في الرمل وعمد إلى الماء فراقه ثم انصرف عنهن وخلى النسوة بضرهن.
قال أبو الحواري: فلم يقل لنا أحد أن أبا مروان أمر بذلك (1/127)
صفحة 128
ولا نهى عنه قال ولعله قد نهي عنه ولم يسمع , قال ثم بلغنا أن الإمام بعد ذلك بعث رجلين إلى توام إلى القوم الذين احترقت منازلهم إلى الإنصاف ويعطونهم ما وجب لهم من الحق والله أعلم.
وفي زمانه وقع الكلام بعمان في خلق القرآن وهي مسألة جئ بها من البصرة فانتشر الكلام فيها وعظمت بها البلية في عمان وغيرها , وسببها شبهة ألقاها إلى أهل الحديث في البصرة أبو شاكر الديصاني (1) وكان ممن يقول بقدم الأشياء , فحسد المسلمين على حسن الحال الذي رآه فيهم فأظهر الزهد والتقشف , ثم ألقى إليهم أن القرآن قديم ليس بمخلوق فقبلها قوم وأنكرها آخرون وانتشرت في الآفاق وتكلم فيها علماء الأمطار.
قال الفضل بن الحواري اجتمع الأشياخ بدما في منزل منهم أبو زياد وسعيد ابن محرز ومحمد بن هاشم بن محمد بن محبوب وغيرهم من الأشياخ , فتذاكروا في القرآن فقال محمد بن محبوب أنا أقول إن القرآن مخلوق فغضب محمد بن هاشم وقال أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها , فظن محمد بن محبوب أنه يعرض به , فقال بل أنا أولى بالخروج من عمان لأني فيها غريب؛ فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول ليتني مت قبل اليوم , ثم تفرقوا ثم اجتمعوا بعد ذلك ثم رجع محمد بن محبوب عن قوله واجتمع من قولهم إن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق وإن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/128)
صفحة 129
على محمد صلى الله عليه وسلم؛ وأمروا الإمام المهنا بالشد على من يقول أن القرآن مخلوق أ. هـ كلام الفضل بن الحواري.
وظاهره أن الأشياخ توقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن وأمروا بالشد على من أطلق وأدخلوه تحت معنى الآية من قوله تعالى (خالق كل شيء) فيستلزم أنه من جملة الأشياء المخلوقة لكن لا يصرحون بذلك نطقا فرارا من مقالة الجهمية القائلين بالمقالة الباطلة المفترين على الله في صفاته , الزاعمين إن صفات الذات حادثة تعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا , فخالف الأشياخ أن تكون هذه المسألة مفرعة على اعتقاد الجهمية بحدوث الصفات الذاتية فتوقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن صرحا مع اعتقادهم الحق في حكمة بإدخاله في جملة المخلوقات اعتقادا.
فهذا هو المعنى الذي لخطوه , ولم يكن مرادهم نفي حقيقة الخلق عن الكتب المنزلة ولا أرادوا إثبات قديم مع الله حاشاهم عن ذلك , وأن الذي لخطوه لمعنى دقيق لا يسقط على فهمه إلا من منحه الله تعالى من مواهبه , وقد تبين لأبي عبدالله الفرق بين هذه المقالة وهي القول بخلق القرآن وبين مقالة الجهمية بحدوث الصفات الذاتية فقال القرآن مخلوق , فلما رأى أن أصحابه لا يوافقونه على هذا التصريح تركه ورجع إلى الإجمال الذي اتفقوا عليه , إذ ليس في ترك التصريح بذلك محذور لدخول القرآن تحت الإجمال وهي العقيدة التي كان عليها السلف وحصلت بها السلامة العامة , وإنما المحذور كل المحذور في إنكار صفة الخلق عن القرآن وإعطائه صفة القديم تعالى , فتفطن لهذا المقام فإنه منزلة الأقدام ومضلة الأفهام والله ولي التوفيق.
وفي زمانه اختلف في البصرة محبوب بن الرحيل وهرون بن اليمان في مسائل خالف فيها هرون قول المسلمين , وكانت أئمته فيها الشعيبية (1) , وكتب كل
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/129)
صفحة 130
واحد من محبوب وهرون رسائل إلى المهنا وإلى حضرموت , وهي سير مأثورة موجودة نقض فيها كل واحد على صاحبه ما قال به وكان الحق فيها مع محبوب فأخذت به عمان وحضرموت وتابعت اليمن هرون ولله الأمر.
وللإمام المهنا رحمه الله سيرة إلى معاذ بن حرب بين فيها معالم الإسلام ووصف فيها طريق الاستقامة وهي سيرة موجودة تدل على غزارة علمه وفرط ذكائه وقوة فهمه , والعلم لله.
ذكر ما وقع من الكلام في المهنا بعد موته
قال أبو الحواري وقد كان محمد بن محبوب وبشير بن المنذر ومن قال بقولهم يبرؤون من الإمام المهنا في ما بلغنا حتى مات , قال وكثير من المسلمين على إمامة المهنا , قال: وكان محمد بن علي وأبو مروان ومن قال بقولهم مستمسكين بإمامة المهنا حتى مات. وكان محمد بن علي له قاضيا. وكان أبو مروان له واليا على صحار. وكان زياد بن الوضاح معديا (1) لأبي مروان بصحار
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/130)
صفحة 131
وكان خالد بن محمد معديا للمهنا بنزوى. وكان الصقر بن عزان من قواده وأعوانه وكان المنذر بن عبدالعزيز من ولاته وغيرهم من كبار المسلمين وعلمائهم لا يضلل بعضهم بعضا.
قال وكان مع الإمام المهنا من الأحداث في ذلك الزمان ما تضيق به الصدور؛ وتستوحش منه القلوب وتقشر منه الجلود من القتل والحرق , وطائفة من المسلمين في السجن والقيود ولا يقبل منهم شفاعة ولا يؤخذ منهم بالصحة فيما بلغنا إلا ما قاله من خيف على الدولة أكل ماله في السجن؛ يعني أنه يودع السجن وينفق عليه من ماله حتى يأكل قال ففارقه من فارقه من المسلمين على تلك الأحداث وصاحبه من صحابة المسلمين لا يعلم بينهم فرقة. (1)
قال: وبلغنا أن رجلا أظهر البراءة من الإمام المهنا بعد موته مع محمد بن محبوب وكان لمحمد بن محبوب الطولة في ذلك اليوم مع الصلت بن مالك , فاشتد ذلك على محمد بن محبوب وغضب من ذلك غضبا شديدا؛ وكان من محمد بن محبوب رحمة الله إلى الرجل من الكلام فيما بلغنا حتى أفحمة. قال وإنما الرجل على إظهار البراءة لما يغرف في محمد بن محبوب من الموافقة على ذالك فلم يقبل منه محمد ذلك ونبذه وأبعده , واسمعه من كلام الجفاء بين الناس. قال وكانت العامة على ولاية المهنا فلذلك غضب محمد بن محبوب على الرجل.
قال ولم يحمل محمد بن محبوب الناس على علمه في المهنا , وقال إنما ذلك لمن ناظر الإمام؛ أي خاطبه في الحديث المنكر وعرف عذره وعدم عذره في ذلك؛ فإن
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/131)
صفحة 132
تبين انه معصية استتابه (1) فإن أبي برئ منه سرا في نفسه إنه كان الحدث والإصرار لم يشتهر عند العامة لأنه إمامهم وعليهم ولايته ومناصرته , والمدعى عليه خلاف ذلك لا يسمع.
وكأن هذا الإنكار من ابن محبوب إلى الرجل إنما كان بعد استقرار الأمر إلى المهنا على ولايته وإمامته. فإن المتبرئ منه بسبب علمه لا يظهر براءته عند الناس فإنهم قد هموا قبل ذلك بأمر ثم تركوه حين رأوا الصواب في تركه.
قال أبو الحواري: كتب بعض المسلمين من أهل العلم إلى بعض أنه حدثه بعض من لا يتهمه أن محمد بن محبوب والوضاح بن عقبة وسعيد بن محرز وغيرهم من أعلام المسلمين رحمة الله عليهم أجمعين اجتمعوا ذات يوم وكتبوا كتابا قالوا فيه: إلى من بلغه كتابهم من المسلمين من أهل عمان؛ سلام عيكم , فإن نعلمكم أنه قد كان من فلان الإمام؛ يريدون أن يظهروا لهم ما قد ظهر لهم؛ ويعلونهم أنهم لا يتلونه على ذلك ولا يتولون من علم منه ذلك , ثم جاءهم أبو المؤثر الصلت بن خميس رحمه الله فقال لهم: أرأيتم من كنتم تتولونه من أخوانكم وهو متمسك بولاية هذا الإمام الذي قد ظهر لكم منه ما قد ظهر؛ أليس هم على
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/132)
صفحة 133
ولايتهم معكم حتى تقوم الحجة عليهم بمعرفة حدثه أو بإقامتكم الحجة عليهم بالذي كان منه؛ فإن نسألك بالله يا أبا عبدالله لما أمسكتم كنا بكم , فإنه لا يعدم من مجادلة فتفترق أهل عمان؛ وغنما هذا إحداث لا ينتحل خلاف دعوتكم ولا يدعوا إلى بدعة شرعها , وإنما هو اقتراف ذنب أعجب به فلم يقبل منكم النصح فيه فباينتموه عليه ولج هو؛ فأمسكوا كتابكم ففعلوا وقبلوا نصيحته وأمسكوا عماهم عليه؛ وكان ذلك إلى اليوم غير متنازع فيه.
قلت: وذلك يدل على بقاء الإمام على ولايته وإمامته كما عليه حال العامة في حقه , وكل واحد مخصوص بعلمه , وقد انقرض من علم منه ما لا يحسن؛ وبقيت أخبار الخير منتشرة له وذكره الناس بالثناء , فلا يحل لأحد اليوم منه البراءة ظاهرا ولا خفية؛ وكذلك لا يحل لمن كان في ذلك الزمان أن يظهر البراءة منه عند العامة ولو علم من الأسباب ما يستوجب به البراءة.
باب إمامة الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله تعالى
وهو من اليحمد بويع له يوم الجمعة قبل غروب الشمس لستة خلت من ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين , وهو اليوم الذي مات فيه المهنا رحمه الله وقام له بالبيعة بشير بن المنذر ومحمد بن محبوب.
قال أبو المؤثر: كنا في المشورة ولما مات المهنا فوقع في ثوبي دم؛ قال فذهبت أغسله فرجعت وقد بايعوا للصلت؛ أو قال قد انقطعت الأمور؛ فسأل أو قال لي – يعني أبا عبدالله – أين كنت أو ما أخرجك من الناس؟ فقلت وقع في ثوبي دم فذهبت أغسله فاستتابني.
قال أبو المؤثر: وكان المشهور فيهم يومئذ محمد بن علي القاضي وسليمان بن الحكم الوضاح بن عقبة ومحمد بن (1/133)
صفحة 134
محبوب وزياد بن الوضاح. قال ومنهم أناس من أهل العلم والفضل وإن لم يبلغوا مبلغهم في العلم , منهم بشير بن المنذر كان سيدا من سادات المسلمين بعزمه وقوته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وزياد بن مثوبة والمنذر بن بشير ورباط بن المنذر ومحمد بن أبي حذيفة , وهاشم بن الجهم وعبيدالله بن الحكم وعلي بن صالح وعلي بن خالد والحسن بن هاشم منهم من شهد البيعة ومنهم من غاب عنها. ولم يعلم منهم خلاف عليهم.
قال: إلا أن محمد بن علي وبشير بن المنذر ومحمد والمعلى بن منير وعبيدالله بن الحكم كانوا هم المقدمين في البيعة للصلت بن مالك رحمه الله مع من حضرهم من المسلمين؛ فبايعوا للصلت بن مالك رحمه الله وقدموه وسلم الناس لهم وسمعوا وأطاعوا.
قال أبو قحطان: أجمعوا على إمامة الصلت وولايته وولاية من قدمه من المسلمين. قال وأجمعوا على نصرته وتحريم غيبته والامتناع من طاعته.
وقال في موضع آخر: ثم ولى المسلمون الصلت بن مالك وكان يومئذ بقايا من أشياخ المسلمين وفقهائهم رحمة الله عليهم وإمامهم يومئذ محمد بن محبوب رحمه الله وغفر له , فبايعوه على ما بويع عليه أهل العدل قبله؛ فسار الصلت بن مالك بالحق في عمان ما شاء الله حتى فني أشياخ المسلمين جملة الذين بايعوه؛ لا نعلم أن أحدا منهم فارقه وعمر الصلت بن مالك في إمامته ما لم يعمر إمام من أئمة المسلمين فيما علمنا حتى كبر ونشأ في الدولة شباب وناس يتخشعون من غير ورع , يظهرون حب الدين ويبطنون حب الدنيا ويأكلون الدنيا بالدين , فلما طال عمر الصلت بن مالك عليهم ملوه لما كبر وضعف.
قال: وإنما كانت ضعفته من قبل الرجلين. أما السمع والبصر والعقل واللسان فلم نعلم أنه ضاع منه شيء ولا نقص منه (1/134)
صفحة 135
شيء ... هذا كلامه وسيأتي أنه كان يبرأ ممن عزل الصلت.
وكان أبو مروان رحمه الله تعالى واليا للمهنا على صحار فعزله الصلت؛ فخرج أبو مروان إلى نزوى فأقام بها حتى توفي وولى الصلت بن مالك صحار محمد بن الأزهر العبدي , وقدم محمد بن محبوب صحار في سنة تسع وأربعين ومائتين فولى القضاء بها.
وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين كان بصحار وبعمان السيل الكثير المذكور وانهدم دور كثير , ومات فيه ناس كثير وغرق السيل عامة عمان وبلغ الماء مواضع لم يبلغها قبل ذلك فيما بلغنا , والله أعلم.
وفي بعض التواريخ: لما كان ليلة الأحد لثلاث خلون من جمادي الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتي سنة نزل أمر فظيع عجيب ببدبد وقيقا والباطنة وسمائل ودما وصحار , أمر عظيم جليل نزل عليهم في الليل وثمارهم متعلقة في نخيل محدقة؛ فجاءهم دوي وظلمة وهوى وهول مفظع وأمر مطلع؛ فعناهم في ذلك بحيح وصياح وعجيج واستهلت السماء فأدفقت عليهم من الماء؛ فبينما هم كذلك وأمرهم على ذلك وهم في شدة من الفرق؛ وخوف من الغرق؛ ومنهم من أيقن بالمنية والحتف والقضية , إذ جاءتهم السيول فأحدقت وعليهم من المسائل أودقت , وهم في منازلهم خائفون مما نزل بهم , فقلعت السيول المنازل والأموال , وغرقت النساء والرجال , فغرق الرجل وعياله وتخرب منزله وماله؛ فأصبحوا في ليلة واحدة أصواتهم خامدة ومنازلهم هامدة؛ فهدمت السيول مساكنهم وأخرجتهم من أوطانهم وحملت إلى البحور أبدانهم؛ وقلعت الأشجار وأغارت الأنهار , فأصبح السالم الموسر منهم فقيرا يطلب الأكل والشيء اليسير وأعظمهم جائحة وأشدهم فادحة أهل بدبد وقيقا وتفرق من بقي منهم في البلدان وتركوا الأوطان وخربت المواضع والعمران , حتى إنه ليمر بها الإنسان (1/135)
صفحة 136
فتأخذه لمنظرها رهبة.
وذكر هذا السيل في بعض الكتب وقال: نزل أمر عظيم بقيقا وسمائل وبدبد ودما وصحار , وكان في ذلك اليوم مرابط المسلمين في دما من الباطنة , وصارت الباطنة في منزلة المال المجهول ربه لا يعرف ولا يكاتب فيها وأما صحار فخربها وادي صلان وتراهم يكتبون منها فيما قرب من الحصن يتنزهون عما بعد منه.
قال وأرجو أن ذلك بعد ما خربها السيل عرفوا تلك الأماكن وحدودهم دون ما بعد عن الحصن لأن بدبد وقيقا ومزرع بنت سعد وسمائل خربهن ذلك السيل وعرفت نخلة صنها من سمائل , وقد قيست الأموال عليها , وسمي ذلك المال الحلال , وقد تراضوا على ذلك لأن أهلها بقوا , وكذلك قيقا ومزرع بنت سعد الذي هو مطابق بدبد من سافل كل عرف ماله إلا بدبد لم يكن أحد يعرف ماله إلا مال مسجد قيقا منها عرف وحيز هو وماؤه إلى الآن وهو في بدبد من سقي فلج البويرد في الجانب الشرقي العلوي مما يلي الوادي , وقد تركت بدبد قبيضة في أيدي المسلمين حتى يرجع إليها أهلها ثم صيرت بيت مال.
ومسجد قيقا معروف في قرية من الباطنة يقال لها المعبيلة بنته امرأة من أهل منح اسمها فيقا قبل الجائحة , وسبب ذلك فيما قيل أن منح أصابها محل شديد حتى غارت الآبار ولم يوجد فيها ماء للشراب؛ وسار أهلها إلى الباطنة في طلب المعاش وبنت لهم فيقا هذا المسجد , فقيل إنها لم تخربه الجوائح أو أنه خرب بالسيول وعرف مكانه وجدد بناؤه , وقيل كذلك المسجد المسمى طارود المعروف ببركا كان قبل الجائحة.
وقيل إن دما من الباطنة كانت قبل ذلك ببلدة طيبة ذات أنهار وأشجار ومعقل رباط المسلمين.
وكذلك الموضع المسمى الأسرار من ألوى وحسيفين , كانت بلدة طيبة ذات نخل (1/136)
صفحة 137
وشجر , لكن تغلب عليها بعض الجبابرة واستعجز أهلها بما لا طاقة لهم به حتى تركوها وهربوا منها وركبوا البحر بأهاليهم , والآن مجبورة بيت المال , ولم تعمر الباطنة كلها مدة أعوام كثيرة , ثم أجاز الشيخ خلفين سنان الغافري رحمه الله وغيره من العلماء أن تغسل بالعشر للفقير.
قالوا ولأن يؤكل منه خير من أن تكون خرابا.
وسبب ذلك أن أحدا من العلماء جاء الباطنة قبل الغسل فلم يجد فيها نخلة إلا ما شاء الله , فكان مروره عليها سببا للترخيص في عمارتها , فما أبرك ذلك القدوم.
وفي سنة تسع وخمسين ومائتين قتل خثعم العوفي بالسنينة من الظاهرة وهو رجل كان محمد بن محبوب قد أباح دمه لفساده في الأرض.
ولم يزل محمد بن محبوب رحمه الله بصحار على القضاء حتى مات يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر المحرم سنة ستين ومائتين وصلى عليه غدانة بن محمد , وكانت رجفة (1) شديدة بصحار في ولاية غدانة بن محمد في غداة الأحد لاثني عشرة خلت من جمادي الآخرة من سنة خمس وستين ومائتين.
وفي سنة ثمان وستين ومائتين مات عزان بن الصقر رحمه الله وكان مسكنه بغلافقة من عقر نزوى ومات بصحار , وفي أيامه رضي الله عنه خانت النصارى (2) ونقضوا ما بينهم وبين المسلمين؛ فهجموا على سقطرى وقتلوا والي الإمام وفتية معه وسلبوا ونهبوا واخذوا البلاد وتملكوها قهرا.
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/137)
صفحة 138
وسقطرى جزيرة طولها ثمانون فرسخا وبها الصبر وبها نخل كثير , ويسقط إليه العنبر , وبها دم الأخوين وهي في جنوب عمان , بينها وبين عمان بحر الحبشة فكتبت امرأة من أهل سقطرى يقال لها الزهراء للإمام رضي الله عنه قصيدة تذكر له فيها وقع من النصارى بسقطرى وتشكو إليه جورهم وتستنصره عليهم فقالت:
قل للإمام الذي ترجى فضائله = ابن الكرام وابن السادة النجب
وابن الجحاجحة الشم الذين هم = كانوا سناها وكانوا سادة العرب
أمست سقطرى من الإسلام مقفرة= بعد الشرائع والفرقان والكتب
وبعد حىّ حلال صار مغتبطا = في ظل دولتهم بالمال والحسب
لم يبق فيها سنون المحل ناظرة= من الغصون ولا عودا من الرطب
واستبدلت بالهدى كفرا ومعصية = وبالأذان نواقيسا من الخشب
والبذراري رجالا لا خلاق لهم = من اللئام علوا بالقهر والغلب
جار النصارى على واليك وانتهبوا = من الحريم ولم يألوا من السلب
إذ غادروا قاسما في فتية نجب = عقوى مسامعهم في سبسب خرب
مجدلين سراعا لا وساد لهم = للعاديات لسبع ضارئ كلب
وأخرجوا حرم الإسلام قاطبة = يهتفن بالويل والأعوال والكرب
قل للإمام الذي ترجى فضائله = بأن يغيث بنات الدين والحسب
كم من منعمة بكر وثيبة = من آل بيت كريم الجلد والنسب
تدعو أباها إذا ما العلج هم بها = وقد تلقف منها موضع اللبب
وباشر العلج ما كانت تضن به = على الحلال بوافي المهر والقهب
وحل كل عراء من ملمتها = عن سوءة لم تزل في حوزة الحجب (1/138)
صفحة 139
وعن فخوذ وسيقان مدملجة = وأجعد كعناقيد من العنب
قهرا بغير صداق لا ولا خطبت = إلا بضرب العوالي السمر والقصب
أقول للعين والأجفان تسعدني = يا عين جودي على الأحباب وانسكب
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا (1) = وفي سقطرى حريم بادها النهب
يا لا الرجال أغيثوا كل مسلمة = ولو حبوتم على الأذقان (2) والركب
حتى يعود عماد الدين منتصبا = ويهلك الله أهل الجور والريب
وثم يصبح دعى الزهراء صادقة = بعد الفسوق وتحي سنة الكتب
ثم الصلاة على المختار سيدنا = خير البرية مأمون (3) منتخب
فجمع الإمام الجيوش وجهز المراكب وولى عليهم محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال , فإن حدث بأحدهما حدث فالباقي منهما يقوم مقام صاحبه؛ فإن حدث بهما جميعا ففي مقامهما حازم بن همام وعبد الوهاب بن يزيد وعمر بن تميم؛ وكتب لهم كتابا يبين فيه ما يذرون؛ ويقال إن جملة المراكب التي اجتمعت في هذه الغزوة مائة مركب ومركب , فساروا إليهم ونصرهم الله عليهم فأخذوا البلاد , وهزموا الأعداء , ورجعوا ظافرين مستبشرين , ومن ينصر الله ينصره الله.
وهذا عهد الإمام للغزاة في هذه الغزوة , قال رحمه الله ورضي عنه: هذا ما يقول الإمام الصلت بن مالك.
بسم الله الرحمن الرحيم: إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ومقاليد كل شيء عنده الواحد الأحد العلي الجد الذي ليس لعظمته حد ولملكه عد ولا لقدره صاد ولا لأمره مراد , ولا له نظير ولا مضاد , تفرد بفطر الخلق ونصر الحق ورقق الفتق ,
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن] (1/139)
صفحة 140
وعلا فدنا , ودنا فنأى, وسمع ورأى , وأعلم وأحصى وقدر وقضى وأعز وأذل , وهدى وأضل وآثر واقل وأفهم وأدل فهو الهادي الدليل وكل جبار عنده ذليل , وكثير عنده قليل وهو الجواد بالتفضيل , والمجازي لمن عصاه بالعذاب الوبيل , وأشهد أن محمدا أمين الله أرسله بما أنزله وفضله فعرفه الله العقول. وأقام به الحجة على الجهول وتبر به الأوثان , وشرع به شرائع الإيمان , ودفع به حزب الشيطان وأقمى به كل جبار عنيد , وكل معتد مريد. فحاربه الكفر وأهله إلى تشريد وتطريد وظهر أمر الله وهم كارهون , وأرادوا أن يطفئوا نور اله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون؛ فالحمد لله على قضائه الغالب , ودينه الواصب وحقه الواجب؛ كما هو أهله من الحمد والثناء وكل وجه لوجهه يعني , وأوصيكم ونفسي بتقوى الله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب , ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير , فإليه فتوبوا فإنه يغفر الذنوب لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى , وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون , واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون , أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وأن كنت لمن الخاسرين , أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين , أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين , قال الله (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين , ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين , وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون).
فألزموا تقوى الله في الغيوب وداووا بها داء العيوب , وتجهزوا للقاء الله بالطاهرة من العيوب , فإن الله يغفر لمن (1/140)
صفحة 141
يجوب ثم ينصح إذ يتوب (وليست التوبة للذين يموتون وهم كفار حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما) فتوبوا إلى الله من سيء ما مضى وأصلحوا فيما بقي بما عنكم به يرضي , وصونوا دينكم ولا تبيعوا دينكم بدنياكم ولا بدنيا غيركم , وقفوا عن الشبهات واحرموا عن محارم الشهوات , وغضوا أبصاركم عن مواقعة الخيانة واحفظوا فروجكم عن الحرام , وكفوا أيديكم وألسنتكم عن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم بغير الحق , واجتنبوا قول الزور وأكل الحرام ومشارب الحرام وجماعة السوء ومداهنة العدو , وأدوا الأمانات إلى أهلها وإن قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا , ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون وإذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا , وأقيموا الصلاة بقيامها وقراءتها وركوعها وسجودها وتحياتها وتكبيرها وتسبيحها والخشوع فيه لله , فإن الله مدح المؤمنين فقال (قد أفلح المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون ,والذي هم عن اللغو معرضون , والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن اتبعني وراء ذلك فأولئك هم العادون الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) فافهموا عن الله واقبلوا ما جاء من الله ولا ترخصوا لأنفسكم في شيء من طاعته الواجبة دخلا ولا كسلا , ولا تبيتوا شيئا من معاصيه عبلا ولا خبلا ولا تركنوا إلى من حاده تعصبا ولا ميلا , فأخاف عند ذلك أن يخذلكم؛ وإن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده؛ وعلى الله فليتوكل المؤمنون.
واعلموا إني وليت عليكم (1/141)
صفحة 142
يا معشر الشراة والمدافعة على جميع سقطرى أهل السلم منها وأهل الحرب؛ وعلى الصلاة وقبض الزكاة والجزية والمصالحة والمسالمة والمحاربة لأهل النكث من النصارى أو من حاربكم من المشركين في سفركم أو في مستقركم على الأمر والنهي وإعطاء الحق ومنع الباطل وإنصاف المظلوم من الظالم ووضع الأمور في مواضعها وإعطاء كل ذي حق نصيبه من العدل من قريب الناس وبعيدهم وقسم ثلث الصدقات على أهلها؛ وتزويج النساء التي لا يصح لهن أولياء في مواضعهن بمن رضين به إذا كلن لها كفؤا على ما ترضوا به من الصدقات , ولا يكون الصداق أقل من أربعة دراهم , وإقامة الوكلاء لليتامى والأغياب الذين لا أوصياء لهم , ولا وكلاء في أموالهم , وفرض الفرائض لليتامى في أموالهم , وللنساء النفقات على أزواجهن بالعدل والمعروف: محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال فاسمعوا لها وأطيعوا إنهما في طاعة الله وفيما دعياكم إليه من حق الله ومجاهدة أعدائه مجتمعين أو متفرقين في بر أو بحر , ولتصدق نياتكم وتحسن رعايتكم وتلوا على الحق قلوبكم , ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم؛ واصبروا إن الله مع الصابرين ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات أولئك لهم عذاب عظيم؛ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا , وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها , كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون.
فانصحوا لواليكم ووازروهما وتكنفوهما وانصروهما على الحق , ولا تخذلوهما وأجيبوهما ولا تخلفوا ولا تبطئوا عن دعوتهما؛ وتناصحوا فيما بينكم ولا تغاشوا ولا تباغضوا ولا تغضبوا ولا تحزنوا ولا تكاذبوا ولا تكالبوا ولا تحاسدوا ولا تكايدوا ولا تماكروا (1/142)
صفحة 143
ولا تضاعنوا ولا تطاعنوا في الأحساب ولا تفاخروا في الأنساب ولا تضادوا؛ فإنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: المسلم أخو المسلم لا يضاره ولا يشاره ولا يماكره؛ وهم كالبنيان يشد بعضه بعضا وتكون غيب بعضكم لبعض في الشهادة والسرائر كالعلانية كأنهم نفس واحدة على كلمة واحدة وولاية واحدة وعداوة للعدو واحدة؛ وحياة واحدة وميتة واحدة وأن الله يقول لنبيه (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
وقال تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله؛ ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم , منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون , لن يضروكم إلا أذى , وغن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون)
وقد بغى هؤلاء النصارى وطغوا ونقضوا عهدهم ونرجو أن يديل الله عليهم وإلى الله نرغب ونبتهل أن يهدم محاصنهم؛ ويخرب بالعدل مساكنهم ويغنمكم أموالهم وطعامهم إن ربنا سميع قريب؛ فإذا سرتم أو نزلتم فأكثروا ذكر الله , فإن بذكر الله تطمئن القلوب وقال الله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وشدوا على ربانية السفن أن لا يتفرقوا ولا يسبق بعضهم بعضا , فمن سبق فليقتصر على أصحابه بقدر ما يكون حيث يسمع بعضهم دماء بعض , فإن عناهم معنى تكيف ووازر بعضهم بعضا إن شاء الله؛ فإذا أقدمكم الله الجزيرة فتناظروا وتشاوروا وأرجوا أن لا يجمعكم الله على ضلال؛ فإن رأيتم أن يكون صمدكم ومنزلكم قريبا من القرية الناكثة فتحاصروهم ويكون رسلكم إليهم من هناك وترسلون إلى أهل العهد الذين لم ينقضوا عهدهم حتى يصل إليكم وجوههم ورؤساؤهم , فإن رأيتم أن يكون منزلكم في القرية حيث عود ينزل الولاة والشراة , فافعلوا من ذلك ما اجتمع (1/143)
صفحة 144
عليه رأيكم من بعد مشورة أهل الخبرة بذلك ممن ترجون بركة رأيه وفضل معرفتهم؛ فإذا أرسلتم إلى أهل السلم والعهد فاعلموهم مع رسلكم إنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم وحريمهم وذرا ريهم وأموالهم وإنكم وافون لهم بالعهد والذمة والجزية على الصلح الذي يقوم بينهم , بين المسلمين فيما مضى؛ ولا ينقض ذلك ولا يبدله , وأمروهم بإحضار جزيتهم إليكم , واختاروا إليهم رجالا من خيارهم من يثبت إلى الصلاح منهم فوجهوهم إلى هؤلاء الناقضين لعهدهم , الناكثين على المسلمين ببغيهم , واجعلوا ممن توجهون رجلين صالحين ممن يوثق بهم من أهل الصلاة , فإن لم يمكنكم بعث اثنين صالحين من أهل الصلاة فواحد فنأمرهم أن يصلوا إلى الذين نقضوا العهد فتدعوهم عن لساني وألسنتكم إلى الدخول في الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع حقوق الله والانتهاء عن معصيته , فإن قبلوا ذلك فهي أفضل المنزلتين لهم؛ وذلك يمحو ما كان من حدثهم , لأن الله يقول في المحكم من
كتابه (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد , فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) وإن كرهوا أن يقبلوا الإسلام ويدخلوا فيه فلتدعوهم إلى الرجعة عن نكثهم والتوبة من حدثهم إلى الدخول في العهد الأول الذي كان بينهم وبين المسلمين , على أن لهم وعليهم الحق بحكم القرآن وحكم أهل القرآن من أولى العلم بالله وبدينه من أهل عمان ممن نزل إليهم أمر المسلمين , فإن أجابوا وتابوا فلتقبلوا ذلك منهم ولتأمروهم بترك ما في أيديهم وأيدي أصحابهم من أهل الحرب من نساء مسلمات ثم لا يتزوج رسلكم من عندهم حتى يقدم معهم رؤساء أهل الحرب ويسلموا إليهم النساء المسلمات اللاتي سبوهن؛ واجعلوا لرسلكم أجلا في رجعتهم لمن أجابهم وبالسبايا (1/144)
صفحة 145
إلى ذلك الأجل أن لا يظلموهم ولا تخادعوهم ولا تماكروهم بالمطل والتواني في ذهاب الأيام , فإن وصلوا إليكم بمن أجابهم من أهل الحرب.
وقد استسلموا وتابوا من حدثهم وجاءوا بالنساء المسلمات فاقبلوا ذلك منهم ولا تعرضوا لأحد ممن جاءكم تائبا مستأمنا مستسلما بسفك دمه , ولا انتهاك حرمته ولا سبا ذريته , ولا غنيمة ماله , وليكونوا مثلكم آمنين , واحفظوهم ألا يرجعوا إلى هرب من أيديكم , وتأمروهم أن يرسلوا إلى من ورائهم من أصحابهم أن يلقوا بأيديهم إلى ما ألقوا هؤلاء بأيديهم , وتأمروهم أن يبعثوا إلى من ورائهم بإحضار جزية هؤلاء الذين قد أمنتموهم الماضية ولا يعلموا بما يريدوا فيهم فإن جاء الذين وراءهم كما جاء هؤلاء وألقوا بأيديهم فاقبلوا ذلك منهم وخذوا جزية من وصل إليكم منهم؛ وأما من تخلف وأراد أن يبعث بجزيته ويقيم في منزله على حدثه فلا تقبلوا ذلك منهم ومن صار منهم إلى أمانكم وعهدكم فليكونوا في أسركم آمنين , وأحسنوا إليهم في طعامهم وشرابهم وامنعوهم ممن أراد ظلمهم حتى توصلوهم إلى والي المسلمين إن شاء الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أواتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فإذا أعطوهم فلا سبيل عليهم وإن رجع إليكم رسلكم فأخبروكم بأنهم كرهوا الدخول في الإسلام والرجعة عن نكثهم وحدثهم إلى العهد والذمة وإعطاء الجزية وكان في رسلكم رجلان ثقتان أو رجل واحد من أهل الصلاة ممن تثقون به في صدق خبره فقد حل لكم عند ذلك مناصبة هؤلاء الناكثين ومحاربتهم بالمكائد والقتل لهم حيث وجدتموهم بالبيات وغير البيات وغنيمة أموالهم وسبا ذراريهم الذين لدوا في حال نقضهم (1/145)
صفحة 146
ونكثهم.
فأما من كان مولودا في حال سلمهم قبل أن ينقضوا عهدهم فأولئك لا سبا فيهم , وحل لكم أيضا سبا نسائهم؛ واتقوا الله فيما غنمتم فلا تستحلوا قليلا ولا كثيرا , من الشسع فما فوقه , ولا وطئ النساء من السبايا فإن ذلك حرام؛ ومن الخيط المخاط ولا تغلوا من ذلك شيئا فإن ذلك عار وشنار ونار حتى تباع الغنائم فيحفظ خمسها من وليته أمركم محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال , فإن حدث بأحدهما حدث فالباقي منهما يقوم مقام صاحبه , فإن حدث بهما جميعا حدث فقد أقمت مقامهما حازم بن همام وعبدالوهاب بن يزيد وعمر بن تميم.
وأما ما قدرتم عليه من سبا نسائهم وذراريهم الذين وصفت لكم كيف يحل سباهم فلا تبيعوهم هنالك حتى توصلوهم إلىّ وانفقوا عليهم من مال الله من الغنائم حتى تصلوا بهم إلىّ , وإن لم تقدروا على رجلين ولا رجل من أهل الصلاة ممن تثقون به في إبلاغهم الحجة عليهم وإبلاغ مقالتهم إليكم , فلا تبيتوهم ولا تغتالوهم بالقتل ولا تسبوا لهم سبا ولا ذرية ولا تغنموا لهم مالا , حتى تسيروا إليهم بأنفسكم , فإن كانوا متفرقين فرأيتم أن توجهوا منكم طائفة وتقيم منكم طائفة في عسكرهم أن لا تخافوا مكائد الفسقة على الطائفة الخارجة إليهم حتى يأتوا إلى من رجو أن يدركوهم في تواجدهم وانفرادهم من جماعتهم , فإذا وصلوا إليهم دعوهم إلى الإسلام والدخول فيه فإن أجابوا قبلوا منهم , وإن كرهوا دعوهم إلى الوفاء بالعهد والرجعة عن النكثة إلى حكم القرآن وحكم أهل من المسلمين بعمان , وإن قبلوا قبلوا منهم وإن كرهوا هللوا الله وكبروه وحكموه وقاتلوهم , فإن ظفرهم الله بهم قتلوا من قاتلهم في المعركة وسبوا (1/146)
صفحة 147
ذراريهم الذين ولدوا بعد نقض العهد كما وصفت لك سباهم ولا يقتلوا موليا إلا أن يقاتلهم فإن استأسر أخذوه ولم يقتلوه , وإن خفتم مكيدتهم واجتماعهم على طائفة وجهتموهم فلا توجهوا إليهم طائفة دون طائفة؛ ولكن استعيذوا بالأدلة من أهل العهد وسيروا بأجمعكم فإن خفتم على عسكركم وعلى من تخلفون فيه من طعامكم فرأيتم أن تكوروا السفن إلى البحر وتردوا فيها الأطعمة وتخلفوا فيها رجالا من رجالكم فافعلوا ثم سيروا ولا قوة إلا بالله إلى حيث رجوتم أن تهجموا عليهم أو على أحد منهم وإن كانت الحجة قد صحت عندكم كما وصفت لكم برجلين ثقتين من أهل الصلاة أو بواحد من أهل الصلاة بأنهم كرهوا للدخول في الإسلام والرجعة عن النكث إلى العهد فليس عليكم أن تحتجوا عليهم بعد ذلك ولا أن تدعوهم؛ فانصبوا لواءكم وأعطوه أرجى لكم في أنفسكم بالكرة على عدوكم والتخصيص لواليكم لمن يتقدم ولا
يتأخر ويثبت لواءه ولا ينكسه , ويظهره ولا يدسه , ثم اذكروا الآخرة وانسوا الدنيا فإنكم الحنفاء والله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا , ثم سدوا الصفوف وقووا النيات وجردوا السيوف واجعلوا لكم ميمنه وميسرة وقلبا , وأن رأيتم أن تجعلوا منكم كمنا لعدوكم فافعلوا وهي طائفة تكون لا يراها العدو حتى تأتي من ورائهم.
واعلموا أنه يقال إن السيوف مفاتيح الجنة وإن الجنة تحت البارقة , فلا يهولكم عدوكم وهبوا لله أنفسكم , وامضوا إليهم زحوفا ولاحموا لهم صفوفا , وليكن شعاركم لا إله إلا الله محمد رسول الله , ولا حكم إلا لله , ولا حكم لمن حكم بغير ما أنزل الله , وخلعا وبراءة وفراقا لجميع أعداء الله , فإنها ساعة تفتح لها أبواب السموات وأبواب الجنات وتزين فيها الحور العين , وتهبط فيها الملائكة , ويأتي نصر الله , (1/147)
صفحة 148
ويمدكم إن شاء الله بأضعافكم من الملائكة , ويقلل الله عدوكم في أعينكم؛ ويكثركم في أعينهم؛ فيجعل الله أصوانكم بالنكير والتحكيم كالرعد القاصف في أسماعهم؛ ولوامع سيوفكم كالبرق الخاطف في أبصارهم؛ وعند ذلك لا تحصى أجوركم وما أعد الله للصابرين الصادقين أهل السموات ولا أهل الأرض من أجوركم؛ فاصبروا ساعة يفرق الله فيها بين الحق والباطل , وقولوا كما قال إخوانكم لو ضربونا حتى نبلغ الغاف من عمان لعلمنا أنا على حق؛ وأنهم على باطل , وهم حزب الشيطان وانتم حزب الرحمن , وقال الله تعالى (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين , واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).
فإن الله يقول (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير؛ فلم تقتلوهم وكلن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى , وليبلي المؤمنين منه بلاءا حسنا إن الله سميع عليم , واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فما غنمتم من سلاح أو طعام أو أثاث فليس لأحد منكم أن يذهب منه شيئا قليلا ولا كثيرا , ولا طعام ولا غيره؛ فأما الأثاث والطعام والأنعام وما ثقل عليكم فلا يمكن لكم حمله فذلك يباع كله فيمن يزيد بالاجتهاد منكم في طلب غاية الثمن , ويتولى بيعه محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال أو من شهد ذلك منهما ثم يعزل خمس ذلك حتى يصل إلىّ , وتقسم أربعة أخماس على المقاتلة على من حضر الحرب كلهم بالسواء , وما كان من سلاح أو نساء أو ذرية من الذين ولدوا بعد نقض العهد فأولئك يحملون إلىّ ويرفع وينفق عليهم من (1/148)
صفحة 149
مال الله من الغنائم إلى وصولهم ويرفع السلاح إلىّ , ومن غنم شيئا ووقع في يده شيء من النساء فليتق الله فلا يطأهن حتى يبعهن ويقبض ثمنهن؛ فمن شككتم فيه واشتبه عليكم فيه من الذراري , ولم تدروا أكان مولده بعد العهد أو في العهد فخلوا سبيلهم ولا تسبوهم؛ وما كان من المسلمات اللاتي سبوهن قد ولدن من احد منهم أو كان في بطونهن حبل فإن أولادهن لحق أمهاتهم المسلمات وهم مسلمون مثل أمهاتهم , ولا يكونن لحق بآبائهم ولو دخلوا في العهد ورجعوا عن النكث وإن كان من النساء المسلمات المسبيات أحد قد ارتدوا عن الإسلام جبرن حتى يرجعن إلى الإسلام؛ وإذا التحمت الحرب بينكم وبينهم فلا تقتلوا صبيا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة؛ إلا شيخا أو امرأة أعانوا على القتال.
ومن قتلتموه عند المحاربة فلا تمثلوا به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة , وكذلك ما أخذتم من الجزية فارفعوا إلىّ , وأما إن كان فيها شيء من الصدقات على أحد من أهل الصلاة فقبضتموه ففرقوا ثلثه على فقراء البلد بالاجتهاد منكم في ذلك وارفعوا إلىّ ثلثيه والذي عليه عزم رأيي أن يكون منزلكم في القرية حيث كان ينزل ولاة المسلمين قبلكم فتعمروا عسكركم ومسجدكم بالصلوات والذكر لله بالغدو والآصال , ثم لا تغفلوا عن الحرس في الليل واجعلوه نوائبا بينكم في كل ليلة حول قريتكم فإنه يقال إن الله يباهي بنفر من عباده من أهل أرضه ملائكته , منهم مقدمة القوم إذا حملوا وحاميهم إذا انهزموا وحارسهم إذا ناموا , وتتموا الصلاة مادمتم في القرية؛ فإذا خرجتم إلى أكثر من فرسخين من القرية صليتم قصرا وجمعتم الصلاتين الظهر والعصر , والعشاء والعتمة , وإن حضرتكم الصلاة وأنتم مواقعون لعدوكم وهم في وجوهكم أو من وراء (1/149)
صفحة 150
ظهوركم وأنتم في القرية أو في سفر , فأي صلاة حضرتكم في ذلك الوقت فليقم الإمام مستقبل القبلة وخلفه طائفة من أصحابه وتقيم طائفة أخرى في نحر العدو مستقبلين لوجوههم وجوه العدو , وحيث يسمعوا تكبير الإمام جميعا فيوجه الإمام والطائفتان جميعا ويكبر الإمام تكبيرة الإحرام وتكبرها معه الطائفتان جميعا , فإن كان في صلاة النهار قرأ فاتحة الكتاب وحدها , وإن كان في صلاة قراءة قرأ فاتحة الكتاب وسورة من قصار السور ثم كبر الإمام وركع وركعت الطائفة التي وراءه معه؛ ووقفت الطائفة الأخرى في نحر العدو غير راكعة ولا ساجدة , فيركع الإمام وتركع الطائفة التي خلفه ويسجد الإمام وتسجد الطائفة الذين خلفه , ويسجد الإمام سجدتين ثم يرفع الإمام رأسه وينتصب قائما؛ وتمضي هذه الطائفة الذين كانوا خلفه فتركد في نحر العدو حيث كانت الطائفة الأخرى , وترجع الطائفة الأخرى فتقوم مقام الطائفة الذين كانوا خلف الإمام , فتكون خلف الإمام , فيقرأ
الإمام ثم يركع وتركع معه الطائفة ويسجد وتسجد معه سجدتين ثم يقرأ التحيات ويسلم وتسلم الطائفتان جميعا , ثم ترجع هذه الطائفة إلى أصحابهم , فهذه صلاة الحرب في موضع التمام وفي موضع القصر.
وأما صلاة المضاربين بالسيوف عند التقاء الزحوف فهي خمس تكبيرات , وصلاة الهارب خمس تكبيرات حيث كانت وجوههم.
وأما الطالب لعدوه فيصلي صلاة نفسه إذا كان لا يخاف عدوا , وإنما هو الطالب لعدوه , فإن كان في حد التمام صلى تماما وإن كان في حد القصر صلى قصرا.
ومما أوصيكم به أن تتقوا الله ولا تبيعوا شيئا من الأسلحة بسقطرى؛ ولا تشربوا نبيذا ولا يحدثن أحدكم امرأة خاليا ولا يشتمن بعضكم بعضا؛ ولا يكونن في مجلسكم (1/150)
صفحة 151
لهو ولا لعب ولا هزل ولا كذب , فمن ظفر بما عليه أنتما – أعني محمد ابن عشيرة وسعيد بن شملال - أو صح معكما عليه أنه شرب نبيذا حراما أو خلا بامرأة يحدثها غير ذات محرم منه ممن تسبق إلى قلوبكم فيه التهمة , أو يكون منهم اللهو باللعب أو بالغناء أو بشيء مما يكره الله والمسلمون أو آذى أحدا من المسلمين أو والى أحدا من عدوهم أو باع سلاحا في ارض الحرب فقد أذنت لكما في قطع صحبتهم وإخراجهم من عسكركم وقطع النفقات والإدام عنهم , وما كان معه منهم شيء من أسلحة المسلمين فتضمنوه إلا من تاب منهم واستغفر ربه وراجع ما تحبون منه فاقبلوا توبته وأقيلوا عثرته وردوا عليه نفقته ورزقه إلى أن يسلمكم الله وترجعوا إلينا أن شاء الله.
ومن أراد من أهل سقطرى من أهل الصلاة من رجال أو نساء أو صبيان أن يخرجوا معكم إلى بلاد المسلمين فاحملوهم في حمولتكم , وانفقوا عليهم من مال الله حتى يصلوا إلى بلاد المسلمين إن شاء الله , ومن كان هنالك من أولاد الشراة وأعوان المسلمين فاحملوهم إلى بلاد المسلمين فإن تلك دار لا تصلح لهم بعد تلاحم الحرب بيننا وبينهم.
وعلموا أنه لا يحل لأحد من المسلمين نكاح نساء النصارى من أهل سقطرى ولا نساء من أهل العهد منهم ولا نساء أهل الحرب إلا نساء الذين يقرؤون الإنجيل من أهل العهد منهم؛ فأما من لا يقرأ الإنجيل منهم من أهل العهد فلا يحل نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم ولا طعامهم؛ وأما أهل الحرب فلا يحل نكاح نسائهم قرؤوا الإنجيل أو لم يقرؤوه , ولا تؤكل ذبائحهم كانوا من العهد أو من أهل الحرب , وما اشتبه عليكم من الأمر الذي أنتم فيه فلم تجدوه في الآثار ولا في الكتاب ولا في السنة ولا في كتابي هذا فقفوا عنه حتى توردوه إلىّ إن شاء الله , وإن انقضى (1/151)
صفحة 152
الأمر بينكم وبين عدوكم إلى رأس الزنج فأخرجوه في رأس الزنج ولا تخلفوا بعد أن ينقضي الأمر بينكم وبينهم وإن لم ينقض الأمر بينكم وبينهم إلى تبرمة فتأخروا إلى تبرمة إن شاء الله فإني أرجوا أن يكون معكم من الطعام ما يكفيكم إلى ذلك إن شاء الله.
لا تختلفوا في آرائكم ولا في سلمكم ولا في حربكم , وليكن رضاكم واحدا وغضبكم واحدا , ووليكم واحدا وعدوكم واحدا سواء ودمكم سواء , فإني أسأل الله أن يهديكم للائتلاف وأن يؤمنكم ويؤمن بكم من المخاوف فإنه يعيذكم ويعيذ بكم من الارتجاف والاختلاف , وأن يكسيكم كل خلق واف , وكل علم كاف , وكل عمل صاف , وأن يدفع بكم أهل الانطاف , ويملك بكم أهل الشرك والإسراف وأن يجر بكم منهم المصارع , ويجبّ بكم منهم المطامع ويصم بكم منهم المسامع ويحصدهم لكم بالقواطع اللوامع , ويأسرهم لكم في المجامع حتى يحيي بكم الشرائع ويهب لنا فيكم أكمل الصنائع , ويجعلكم وإيانا منه في الحما والودائع , واستودع الله أنفسكم ودينكم وخواتم أعمالكم فإنه خير حافظا وهو أرحم الراحمين؛ ولا جعله الله آخر العهد بيننا وبينكم , وذكرنا وإياكم برحمته وأيدنا وإياكم بعصمته , وزادنا وإياكم من نعمته , وهدانا وإياكم لحكمته , وأعاذنا وإياكم الفتن والإحن والحزن , وجعل كلمتكم العليا وكلمة الذين كفروا السفلى , وأيدكم بروح القدس الذي لا يهزم ولا يغلب وأذل الشيطان وحزبه بالرعب والرهب والغرق , وقطعهم شذرا مذرا , ومنحكم منهم أدبارا وهنك بكم منهم أستارا , وأهلك بكم منهم أزواجا وأبشارا , وأصلاهم بكم بوارا ونارا. آمين رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعبده ورسوله خاتم النبيين وعليه السلام ورحمة الله وبركاته , شهد الله على ما نقول وكفى به شهيدا أشهدكم (1/152)
صفحة 153
الله وملائكته ناصرين وضاربين لوجوه الكافرين , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , وحسبنا الله ونعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ووجد بخط الشيخ أبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن سليمان مكتوبا في بعض الكتب أنه عن أبي عبدالله محمد بن محبوب رحمه الله , وهذا عهد عهده الإمام الصلت بن مالك لغسان بن جليد (1) حين بعثه واليا على رستاق هجار.
أني أوصيك بتقوى الله في سرك وجهرك وأن تكون على أمر الله حدثا (2) وفي مرضاته راغبا وأن تعمل بالعدل في الرعية , وأن تقسم بينهم بالسوية , وأن تأمر بالمعروف وتحث أهله عليه , وتنهى عن المنكر وترده على من عمل به , وتنزل كل ذي حدث أنزله حدثه وأن تقيم فيهم كتاب الله وتحيي فيهم سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم , وتسير فيهم بسيرة أئمة الهدى في حد الغضب منك والرضا؛ ولا يخرجك غضبك من الحق ولا يدخلك رضاك في الباطل؛ ولا تتعاطى من الناس عند قدرتك عليهم ما لم يأذن الله به لك فيهم , ولا تخف في الله لومة لائم واجعل الناس عندك في الإنصاف سواء , واحذر أن يستميلك إلى أحد منهم هوى , ولا تركن إلى أهل الجهل والباطل والطمع والغي , فإن الله قد حذر نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (واحذروهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) وقال (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) وقال: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا
__________
(1) [هامش لم يرقن]
2 [هامش لم يرقن] (1/153)
صفحة 154
تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين).
ولا تتخذ من الأصحاب إلا الأمناء الذين تؤمنهم على ما يغيبون به عنك من أمانتك فيما يرفعونه إليك عن رعيتك؛ فإني قد ائتمنتك على أمانتي ووثقت بك على حمايتي بالقيام بالقسط في رعيتي؛ والمساعدة لي على ما أنا قائم لسبيله من أمر ربي , وكن كما رجوت فيك وعند ظني بك فإنك عين لي على ما غاب عني , والله شهيد عليك وعلىّ وناظر إليك وإلىّ؛ وسائلك وسائلني فلست بمغن لك من الله ولا أنت بدافع ولا نافع لي عند الله إلا بحفظ أمانته , ورعاية حقوقه والصدق عليه , فالله فاكتف ومنه فاستح وإياه فاتق , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأعلم أنك قادم على رعية قد رعاها رعاة قبلك وأفضل منك ما أنت قادم عليه وأن تأمرهم بطاعة الله وتعمل بها فيهم وتدعوهم إلى الوفاء بعهد الله وتفي به لهم وتحطهم على شرائع الإسلام والرضا بالحلال وترك الحرام , وأن يعلموا بفرائض القرآن فيما ساءهم أو سرهم أو نفعهم أو ضرهم , وأن يسمعوا ويطيعوا لمن ولاه الله أمرهم فيما أطاع الله فيه؛ وأن يتعاونوا على البر والتقوى , ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان , وأن تعدلوا بالحق وتجتمعوا على العدل وتوادوا أهل الطاعة ولا توادوا أهل المعصية فإن الله يقول (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) فمن كان من الله وجد فيه بعث الله للمؤمنين (1) وأزجرهم عن العصيان والحميات (2) فإنها من صفات الجاهلية
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/154)
صفحة 155
فإنه عن ذلك , وقدم فيه أخمد ذلك واطفه؛ وحذرهم الفتنة والبغي والضغائن والفساد والحقد والهمز واللمز لبعضهم البعض , فإن ذلك يورثهم الإحن فيما بينهم وترك ذلك عونا لهم على سلامة الصدور وصلاح ذات البين , واشدد عليهم في الانتهاء عن مشارب الحرام ومجالس الخوض واللعب واللهو والباطل والسفه والجهل والظلم والخيانات؛ وآمرهم بعمارة مساجدهم وتقديم أهل الفضل والصلاح للإمامة في صلاتهم؛ فمن قيل ما أوصيته به وأجاب دعوتك واستقام على ذلك فاخفض لأوليائك جناحك؛ وألن لهم جانبك وأقبل منهم وأحسن إلى محسنهم , ومن كره قبول العافية وأعرض عن الدعوة وخالف الحق وترك السنة وركب المعصية؛ فشمر لأولئك عن الساق وأحسن لهم عن ذراع وأبسط عليهم من العقوبة ما يستحقونه بأحداثهم وأنزلهم حيث أنزلهم الحق فإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) وأنزل الناس منك منازل على قدر منازلهم من الخير والشر , ولينفع بذلك
أهل المعروف وليضر أهل الباطل والمنكر فعلهم عندك , وشاور من يخاف الله تعالى في أمرك وشاركهم في عنايتك فإنك تحتاج إليهم ولا غنى لك عنهم , واتخذهم لسرك ولمشورتك ولا تأخذ تعديل الناس إلا بالثقات الذين لا شبهة في صلاحهم , ولا يختلف في عدلهم فأولئك فاسأل وعنهم فاقبل , واحذر أهل الدنيا الذين تخاف مكرهم ولا تأمن شرهم وغدرهم , ولا تقم شيئا من الحدود قبلك ولا تحكم بين الناس في القصاص ولا في الارش ولا في الأموال ولا في النكاح ولا في الطلاق ولا في عتاق حتى ترفع ذلك إلىّ , وكلما اشتبه عليك شيء من الحكم فيما بين الناس فقف ولا تتقدم عليه حتى تشاورني فأنظر فيه أنا ومن معي من أهل (1/155)
صفحة 156
الرأي ثم أطلعك من ذلك على ما أرجو به السلامة , فإن ذلك أسلم لي ولك إن شاء الله.
وأنصف الضعيف من القوى , والفقير من الغني , والعبد من المولى , وكل حق صح معك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك , ولا تكن فظا غليظ القلب من كثرة المعاني ولا محتجا عن مطالب الحق والضعفاء واليتامى , واجعل للنساء حظا من خلوتك فإن لهن أسرارا أنت موضعها (1) , واصبر نفسك لذلك ولا تضجر من كثرة المعاني؛ ولا تحكم بين الناس وأنت غضبان؛ ولا تبع ولا تتبع في ولايتك شيئا إلا مالا بد منه من بيعه ومن طعام الصدقات من غير أن تجبر أحدا يشتري منك شيئا , ولا تعلم أحدا أنه متخذ بذلك عندك يدا , ولا تجبر أحدا يحمل طعاما من بلد إلى بلد استكراها منك لهم , ولا تقبل من أهل ولايتك الهديات ولا تجبهم إلى الدعوات , وأمر بذلك ولاتك وأصحابك فإن ذلك من المعائب, ولا يدعو إلى الأدهان والإصغاء والركون إلى الهوى , فأعاذنا الله وإياك من الشيطان وفتنته.
ورغب الناس فيما افترض الله عليهم من أداء زكواتهم ودفعها ليضعوها في مواضعها ويعلمهم أنه من وفا بها فهو من الله في رحبة من الأثر في سعيه والإيجاب له من ثوابه ورحمته ومن سترها أو شيئا منها فقد خان الله ورسوله فليس من الله في شيء؛ ولا يقبل الله صلاة لمن كان لزكاته خائنا , قال الله تعالى (يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما انزل إليكم
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/156)
صفحة 157
من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا , فلا تأس على القوم الكافرين) ومن لم يؤد زكاته لم يقم بما أنزل الله من فرائضه وشرائع دينه , ومن أداها إليكم طائعا فاقبلوها منه , ومن اتهمتموه فيها وكان عند أهل المعرفة متهما فاستحلفوه بالله ما ستر عنكم ما يعلم لله فيه حقا من غير هدمتكم له بحبس ولا قيد ولا ضرب , فإن يك صادقا فقد سلمتم وسلم وإن بك كاذبا فسيلقى الله بخيانته وأنتم أبرياء منها؛ ولعمري لأن يلقي الله بخيانته أحب إلىّ أن تلقوه بعقوبته على غير بيان ولا برهان.
وحاسبوا أهل التجارات على تجاراتهم بالرفق والدعة ويقوم عليهم كلما أرادوا للتجارة بقيمة عادلة وسطا على أوسط سعر البلد ومن ادعى أن عليه دينا وقال أنه يريد أن يقضي دينه من ورقة في سنة طرح عنه دينه؛ فإن بقى في يده ما يبلغ فيه الصدقة أخذت منه , وإن لم يبق ما يبلغ فيه الصدقة فلا سبيل عليه , وإن اتهم فيما ادعى استحلف بالله أن عليه من الدين كذا وكذا وكل دين على رجل مفلس فإنه لا يحاسب عليه ولا يكمل به الصدقة ولا يؤخذ بما في أيدي الناس من ثمارهم , ولا يقوم ذلك عليهم في حساب ورقهم حتى يبيعوها ويصيروها دراهم؛ ويجعل مال الولد على مال والده ما دام في حجره ولو كان بالغا وما كان أوفر للزكاة من حمل الورق على الذهب أو الذهب على الورق حمل يقوم الذهب والفضة بأوسط صرف البلد , ومن أراد أن يعطي ما يلزمه من الفضة فضة بقدر ما وجب عليه فله ذلك , وليس عليه أن يكسر فضة , ومن أراد أن يعطي ما وجب عليه بالمصارفة على صرف فضة في البلد فله ذلك.
وأعلم أن الناس يختلفون في محل صدقاتهم وكل امرء منهم تؤخذ صدقته في محلها ولا تعجل عليه قبل وقته , ولا يؤخر بعد وقته , وأما السلف فإنما يحسب رأس (1/157)
صفحة 158
المال ما لم يقبض, وقد قيل إنه إذا حل قوم على سعر البلد إذا كان على الأوفياء , والقول الأول أحب إلينا ونرجو أن يكون أبعد من الشبهة وأسلم وهو أكثر قول الفقهاء.
وأما الثمار فتؤخذ منه الصدقة على ما أدركت عليه وإن أدركت على سقي الأنهار أو ماء الأمطار ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ من كل عشرة مكائك مكوك؛ وليس يحمل شيء من الثمار على بعضها بعض إلا البر والشعير فإنه يحمل أحدهما على صاحبه , وليس على ما يطعم الفقير صدقة ولا ما أعطى لله إلا أن يعجز الكيل عن تمام الزكاة , فعند ذلك يحسب ما أطعم الفقراء حتى يكمل به الصدقة , ثم تؤخذ مما يبقى وليس فيما يدفع إلى الفقراء صدقة إذا كان الزوجان متفاوضين في الثمار حمل ثمرة أحدهما على الآخر؛ ولا تحبس على الناس ثمرة نخلهم بعد إدراكها من أجل حضوركم إياها لأخذ صدقاتهم , فإن الرياح والأمطار تضر بها وتفسدها بعد إدراكها , ولكن يؤذن لهم بجدادها وهم أمناء على ما ائتمنهم الله عليه , ومن اتهم بالخيانة استحلف بالله ما ستر شيئا من ثمرته حذار الصدقة.
وكذلك لا ينبغي أن يجعل عليهم في جداد ثمرته قيل إدراكها؛ ولا صدقة في البسر الذي لم يدرك , ولا في الرطب حتى يصير تمرا.
وأعلم أن الذين يجمعون الصدقة من أصحابك فتكون نفقتهم من جملة الصدقة كما داموا في جمعها , فإذا فرغوا من جمعها كانت نفقتهم في الثلثين دون الثلث , فإذا اجتمعت الصدقة من الورق والثمار فاخرج ثلث جميع ذلك , ثم اجمع صالحي أهل البلد , واشهد على ذلك أنت بنفسك في كل قرية حتى يقسموا صالحوا القرية ثلثها على فقرائهم ويفضل أهل الفضل في دينهم , وأهل الأمانة وأهل الفقه على غيرهم , ولا تستبق من ذلك شيئا ولا تعط أحدا من أصحابك منها شيئا إلا من كان محتاجا إلى ذلك فتعطيه ما تعطي رجلا من أهل البلد , (1/158)
صفحة 159
ولا تمكن من قسم الثلث واحدا ولا اثنين إلا الجماعة من ثقات البلد , ولا تغب أنت عن ذلك إن شاء الله.
وإذا خرج الساعي فلا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق حذار الصدقة , والمجتمع ما اجتمع في الرعي والحلب والمأوى , فإن تفرق في شيء من هذه الخصال فهي متفرقة , وإن اجتمعت في الحلب فهي مجتمعة؛ فإذا وجدت الغنم يبلغ فيها الصدقة فلتصدعها بنصفين , فيبتدئ رب المال فيختار أحد النصفين ثم يختار أيضا رب المال من النصف الآخر شاة , ويختار المصدق شاة , ويختار رب المال شاة , ثم يختار المصدق شاة , ولا يزال على ذلك حتى يستوفي المصدق , ولا يعد من السخال إلا ما قطع الوادي راعيا , ولا يأخذ المصدق الفحل ولا المخاض ولا ذات النتاج؛ وليس عليه أيضا أن يأخذ ذات عور ولا جربة ولا جذعة , وعليه أن يأخذ من الضأن بقدر حصتها , ومن المعز بقدر حصتها.
وأما الإبل العوامل والبقر والزواجر فإنها لا تؤخذ منها الصدقة؛ فما كان في الشنق أخذ من صاحبها شاة وسطا ولا يكلف صاحبها شططا , ولا يؤخذ من الدراهم حتى (1) نصف الشاة شاة وسطة يقبضها المصدق , ثم إن أراد أن يبيعها منه عن تراض منهما على ما اتفقا عليه من الثمن بغير جبر ولا إكراه؛ وكذلك الفريضة إذا وجبت في الإبل فلا تباع من صاحبها حتى يحضر فيقف ثم يقبضها المصدق؛ فإن اتفقا على المبايعة وإلا أخذ المصدق فريضته؛ ولا يكلف صاحب المال أن يأتي بفريضة من غير إبله , ولا يقال إن إبلك ليس فيها فريضة كريمة؛ فأحضرنا فريضة كريمة؛ فإن ذلك ليس عليه إنما عليه أن يعطي ذلك الشيء الذي وجب عليه من إبله وإن لم يوجد ذلك الشيء ,ووجد دونه أو فوقه أخذ المصدق ما فوق ذلك السن ويرد على صاحب الإبل بقدر الفضلة من
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/159)
صفحة 160
الورق والغنم , ولا يأخذ دون ذلك السن ويسترد الفضل من صاحب الإبل , ويأمر الساعي أن يقسم ثلث كل حي على فقرائهم ولا يسلم ذلك إلى أهل الأموال , فإن لم يكن معه فقراء تجاوز إلى فقراء أقرب الأحياء إليهم , وليس للسعادة أن يحسبوا شيئا من مؤنتهم على الثلث.
وأعلم أن أهل الذمة تؤخذ منهم الجزية عند انسلاخ الشهر , ويؤخذ من الدهاقين والملوك من كل واحد أربعة دراهم كل شهر , ويؤخذ من سائرهم وأهل السعة من كل واحد منهم درهمان في كل شهر , وليس على الصبيان والشيخ الفاني ولا على الفقراء؛ ولا على الأمناء ولا على النساء ولا على العبيد ولا الإماء شيء , وينبغي أن يؤخذوا بربط أوساطهم بالكسانيج (1) وجز نواصيهم وشرك نعالهم , حتى لا يشبهوا بأهل الصلاة , ويركبوا على الأكف ولا يركبوا على السروج ويزجروا عن شراء عبيد أهل الصلاة وإمائهم , فمن فعل ذلك منهم عزم عليه حتى يبيعهم لأهل الصلاة , وكل مال من مال أهل الصلاة اشتراه أهل الذمة فقيه العشر تاما؛ وكذلك المواشي التي كانت لأهل الصلاة ثم صارت إليهم ففيها الصدقة؛ وأظهر الشدة والتخويف لأهل الخلاف لقول المسلمين من يرى رأي القدرية والمعتزلة والخوارج والمرجئة , وأخمد أمرهم وأمت بدعتهم وأوعر إليهم في اللفظ على ألسنتهم , والكف عن القول بغير قول أهل هذه الدعوة , فمن أظهر شيئا من ذلك فارفع إلىّ أمرهم حتى أنظر وآمرك فيهم برأي إن شاء الله.
وأعلم إني قد وضعت لك جملا في كتابي هذا مما أرجو لك ولي فيه السلامة من العيب والإحياء للسنة والإماتة البدعة؛ واقتدي بما كتبت لك ولا تجازو شيئا من ذلك ولا تختر عليه غيره , فإنك إن تركت شيئا مما كتبت لك وعلمت بخلافه
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/160)
صفحة 161
لم آمن عليك العيب في الدنيا والآخرة , وكلما جاوزت أمري فلزمك في ذلك قصاص لأحد أو أرش أو غرامة في مال فهو عليك في نفسك ومالك دون مال المسلمين وإن عرض لك أمر مما لم أكتب به لك في كتابي هذا فلا تتقدم على إنفاذه حتى تشاورني فيه إن شاء الله.
هذا كتابي لك ونصيحتي إياك وموعظتي لأهل ولايتك , والله أسأله لك ولنا التوفيق وقبول النصائح والاقتداء بآثار الصالحين؛ وأن يهجم بنا وبك على عدل الأمور وأصوابها وأرضاها لله؛ واقرأ كتابي هذا على ولاتك إن شاء الله والحمد لله رب العالمين , وصلاته على خير خلقه محمد وآله الطيبين وسلم ورحم وكرم؛ ولا تخرج أصحابك إلى الماشية إلا بعد الفطر , فإن كل شيء أخذوه قبل الفطر فهو حرام مردود (وإن ارتبت فرد العهد إلىّ إن شاء الله تعالى والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما).
قال غيره: وذلك عندي لأن مبتدأ مملكة الأئمة بعمان كان في شهر رمضان على ما وجدت في أخبار عمان؛ فمن هنالك لم يروا أخذ زكاة الماشية والورق إلا بعد الفطر لأنهم لا يرون أخذ زكاة الماشية والورق إلا بعد حول السنة وإلى الفطر تحول السنة.
ذكر الحكم في رجل من أهل بسيا
اتهم بقتل رجل فسجنه الإمام على التهمة فطال حبسه فأقر بالقتل ولكنه ادعى أنه قصد غيره فأخطأ فيه , فشاور الإمام في أمره من حضر من علماء المسلمين؛ وكتب بذلك إلى أبي عبيدالله محمد بن محبوب فأجابه بقوله: وذكرت رحمك الله ما يفسد به أمور رعيتك ما يحتاج فيه إلى مشاورة الإخوان , وإن محمد بن عمر من أهل بسيا كان في الحبس على تهمة بقتل رجل , فأقر عندكم أنه أراد قتل رجل فقتل غيره , وكان عنده إنما قتل الذي قصد إليه إلى أن رآه حيا ووقع القتل بغيره فبان له (1/161)
صفحة 162
ذلك بعد فوت الرجل , وذكرت رحمك الله إنك كتبت إلى القاضي تشاوره فكتب إليك أن مثل هذا يستودع الحبس عمره , وإنك جمعت من كان بحضرتك وأبرزته إليهم فأقر معهم بهذا الإقرار , فرأى من رأى عليه القود وذكرت إنك قد حبست هذا الرجل كثيرا وأحببت أن أعرفك رأيي في ذلك؛ فأسأل الله أن يهجم بك وبنا على الصواب , وأن يوفقك للحكمة وفصل الخطاب.
وأعلم رحمك الله أنه إنما يحبس أهل التهم بالدماء حتى تقوم عليهم البينة العادلة أو يقروا بما كان منهم؛ ولا يصح ذلك عليهم؛ فيرى الإمام أنه قد اجتهد وبالغ في حبسهم فيرى بعد ذلك إطلاقهم , ومن أقر منهم على نفسه بالقتل إقرارا صحيحا كان حقا على الإمام أنفاذ الحكم فيه بما جاء في كتاب الله تعالى؛ فإن لم يجد في كتاب الله فمن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن لم يجد فمن آثار أئمة الهدى والعلم بالله؛ وإنما يحبس من لم يدع إلى الإنصاف من نفسه, فأما من دعا إلى أخذ الحق منه وأقر لأهله فلا حبس عليه.
وأعلم أسعدك الله أن في مثل هذا عندنا أثرا عن أسلافنا وأئمة الهدى منا وكان مثل هذا بنخل أنت إن شاء الله قد عرفت ذلك في قتل سعيد بن محمد النخلي , فأقر ربيب سعيد بن عمر أن قتله , وإنما أراد قتل عمه زوج أمه سعيد بن عمر وإليه قصد وكان المقتول غيره وهو سعيد بن محمد؛ ثم شاور عبدالملك الإمام في ذلك رحمه الله فلم يرد عليه موسى بن علي رحمه الله وغيره من المسلمين القود , ووجدت في بعض آثار المسلمين في هذا أنه قود عليه فأعلمت بذلك عليا فأعجبه وتمسك به , وقال إنما هذا إقرار الرجل على نفسه.
فهذا الذي حفظنا؛ وقد كان الأزهر بن علي قد خالفهم في ذلك فلم يأخذوا بقوله والذي نأخذ به أنه لا قود على هذا الرجل وإنما تلزمه الدية في نفسه؛ ولا تلزم عاقلته منها (1/162)
صفحة 163
شيء؛ وإن أرادوا أولياء الدم يمينه فعليه لهم يمين بالله أنه ما قصد إلى قتله صاحبهم هذا ولا تعمد ذلك , وما أراد إلا قتل رجل غيره فأخطأ به؛ وليس هذا رحمك الله عندنا بمنزلة من أقر بقتل رجل؛ فقال ابتداني فضربني وبغى علىّ فقتلته؛ هذا لا يقبل منه دعواه إلا بالبينة؛ إلا أنه قد أقر أنه قصد إلى قتله وادعى بغية عليه؛ وذلك يقول إني لم أقصد إلى قتل هذا ولا أردته؛ وإنما أردت قتل غيره فقتلته؛ وعندي أنه ذلك الذي أردته ثم بان لي أن الذي أردت قتله حي؛ وإنما وقع القتل بغيره , ولو أن رجلا أقر بقتل رجل , قال رأيته قتل ابني فقتلته , لم يقبل دعواه هذه إلا بشاهدي عدل وإلا لزمه القود.
ثم سار موسى بن موسى بن علي إلى نزوى يريد عزل الصلت وتابعه على ذلك عبيدالله بن سعيد بن مالك الفجحي والحواري بن عبدالله الحداني السلوتي وفهم ابن الوارث الكلبي والوليد بن مخلد الكندي , فسار هؤلاء ومن اتبعهم حتى اجتمعوا بفرق مع موسى بن موسى؛ وكان الأمر إليه يومئذ؛ فلما اجتمعوا بفرق خرج الصلت بن مالك من بيت الإمامة؛ وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين ومائتين. وكانت إمامته خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوما.
ولما خرج الصلت بن مالك من بيت الإمامة بلغ ذلك موسى بن موسى والذي معه بفرق , فبايعوا راشد بن النظر ذلك اليوم , وهو يوم الخميس , وتفرق رأي المسلمين يومئذ وفسدت أمورهم واختلفوا فيما بينهم في الرأي ووقعت الفتنة؛ وكره قوم إمامة راشد بن النظر ولم يبايعوه , منهم عمر بن محمد الضبي القاضي وموسى بن محمد بن علي وعزان بن الهزير وأزهر بن محمد بن سليمان وعزان بن تميم وشاذان بن الصلت ومحمد بن عمر الأخنس وغدانة بن محمد وأبو المؤثر وغيرهم , ولم يزالوا مستمسكين بإمامة (1/163)
صفحة 164
الصلت بن مالك إلى أن مات ليلة الجمعة للنصف من ذي القعدة سنة خمس وسبعين ومائتين , فصلى عليه عزان بن تميم , ودفن يوم الجمعة وبلغ الخبر عمر بن محمد القاضي فخرج إلى نزوى , فقيل أنه تكلم عند خاصته فقال: اليوم مات إمامكم فتمسكوا بدينكم , وحدث يعقوب بن غيلان عن الفضل ابن الحواري إنه دخل نزوى أيام راشد بن النظر , فإذا هم على سبع فرق.
ذكر الأسباب التي اقتضت عزل الصلت بن مالك عن الإمامة
وقد اختلف الناس في ذلك اختلافا كثيرا , فمن عذر موسى وراشدا في خروجهما ذكر أسبابا تسوغ لهما صنيعهما , ومن خطأهما على ذلك ذكر أسبابا منكرة وأحوالا غير جميلة , وكثرت في ذلك الدعاوي , ووقف من وقف من المسلمين للإشكال الواقع , فكان ممن يقف عنهم أبو الحواري محمد بن الحواري القري , المغروف بالأعمى وأبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر؛ وأبو عبدالله محمد بن روح بن عربي وأبو عبدالله محمد بن الحسن وأبو عثمان بن مشقي بن راشد وأبو محمد عبدالله بن محمد بن صالح وأبو المنذر بشير بن محمد وأبو سعيد محمد بن سعيد , وكان ممن يبرأ من موسى وراشد أبو المؤثر الصلت بن خميس, وأبو المنذر بشير في قول , وروى عنه الوقوف كما تقدم وأبو محمد عبدالله بن محمد بن محبوب وأبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني وأبو مسعود النعمان بن عبدالحميد وأبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي شيخة وأبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة وأبو الحسن علي بن محمد البسياني.
وكان ممن يتولى موسى وراشد الفضل بن الحواري ومحمد بن جعفر وابنه (1/164)
صفحة 165
الأزهر بن محمد , وقد قيل أن الأزهر نظر بعد ذلك في الاختلاف فرأى الوقوف أسلم فرجع إلى الوقوف , وكان يتولى والده محمد بن جعفر؛ فأما الواقفون فلم يكن لهم دعوى في الحديث وإنما الدعاوي بين المتوالين والمتبرئين.
فمما ذكره المتولون ما قاله الأزهر بن محمد بن جعفر أن الصلت بن مالك صار إلى حد الضعف والزمانة والعجز عن القيام بالإمامة , وخاف المسلمون ذهاب دولتهم وزال نعمتهم , وكان موسى بن موسى في وقته هو شيخ المسلمين وإمام أهل الدين , فاجتمع إليه أخلاؤه وساروا لينظروا المسلمون فيما فيه عز الدين , فلما صاروا بقرف مكثوا بها وكانت الرسل فيما بينهم وبين الإمام , فقال الإمام ما يطلبون فقالوا قد صرت إلى حد الضعف ويخافون ذهاب الدولة ويسألونك أن تعتزل حتى يقوم رجل يحيي به الله هذا الدين أو نحو هذا من الكلام , قال أنظر في ذلك فبقوا أياما ينتظرون رأيه ثم عزم على الاعتزال وحول ما في منزله إلى المنزل الذي تحول فيه وأرسل إليهم إني قد اعتزلت فينظر المسلمون.
وممن أرسل إليهم الحسن بن سعيد وحضر قوله هذا الحسن من شاء الله من الشراة وشهدوا أنه أرسل الحسن بحضرتنا غير مجبور ولا مقهور , ثم برز إلى الناس وودعهم وداع تارك الأمر معتزل بنفسه عما كان فيه , وأمرهم بحفظ العسكر إلى أن يصل القوم وقال من قال إلى أن يجئ موسى وقال من قال إلى أن يجئ إمامكم وكان عنده في العسكر خلق كثير , فناظره منهم من ناظره فقالوا له أتترك إمامتك , فزعق بهم على ما بلغنا ولم يلتفت إلى قولهم , فعند ذلك انفلت من شاء الله من الناس الذين كانوا معه إلى موسى بفرق , وجاء إلى موسى ورسوله وكتاب عزان بخطه يستحثهم إلى التعجيل إلى العسكر وكان أمره وأمرهم إلى المسألة وعاش بجوارهم إلى (1/165)
صفحة 166
أن مات.
قال وممن شهد ببراءته من الأمر الحسن ابن سعيد ومحمد ابن القاسم ابن مسبح وشهد معهم من العوام مع الاعتزال الظاهر الشاهر؛ قال وقد نسب ما فعله من الاعتزال إلى فعل الصلاح والكرم , قال وكنت مخالطا لهم وأناظرهم في هذه الأمور , فمنهم من كان مع موسى رأيه كرأيه , ومنهم من كان واقفا ولم تكن البراءة من أحد منهم حتى مات أولئك بورعهم ووقفهم وخلف من بعدهم قوم والله سائلهم عما إليه أسرعوا , قال ولعلهم يدعون إنهم أخذوا الذي أخذوا عن بشير بن محمد ابن محبوب رحمه الله وأبي المؤثر , وكنت أختلط بأبي المنذر وكنت أقرب عهدا به , وكنا جميعا بمكة وكان يلقاني وألقاه ويلتمس النظر في هذا , ويطلب الآثار , وقال لي هؤلاء الذين يدعون وليس عندهم معرفة بما أنا عليه وأنا أضعف عن القول فيما دون هذا , وما أنا إلا واقف ملتمس للحق , وهذا الذي في أيدي هذه الناس إنما أخذوه عن أبي المؤثر؛ قال فهذا عن بشير رحمه الله وكان على التوقف والورع, قال فإن كان أحد أخذ عنه غير هذه فقد رجع ومات بعد أن فارقته من مكة بقليل رحمه الله.
قال وأما أبو المؤثر فلست أدري ما كان بينه وبين هؤلاء إلا أني أعرف يقينا أن أبا المؤثر كان كاتب أبا علي وينكر مناكر كانت بصحار , ثم قدم من صحار وقد قدم راشد وكان يختلف ويلقي والدي في تلك الأسباب , وقال لي والدي وأنا أسمعه قال في أبي علي أنه أراد أن يكون بفرق ولو شهرين حتى يتفق الأمر في الصلت بن مالك فاعتزل برأيه.
وقال أبو المؤثر وأنا أحفظ هذا عنه أن الصلت بن مالك قد خرج من الإمامة واعتزل ورد الخاتم؛ ولكن راشد لم يقم بعقده إلا موسى وحده , قال فانظر كيف كان موسى جليلا عنده , فقال له والدي فنرسل إليه محمد بن المنذر (1/166)
صفحة 167
فاستضعفته , فقال له أسيد بن المنذر فقال نعم ورآه موضعا للعقد؛ قال فهذا الذي أحفظه واستيقن عليه منه , قال ثم كان من بعد ذلك مخالطا لراشد ما شاء الله ثم وقع سبب لعله عتب فيه على أبي علي وجرت الأعتاب بينهم.
وقال محمد بن جعفر أما بعد رفع إلى المسلمين أن الغائب والضعيف والجافي العنيف يسألون كيف جاز لموسى أن يولي راشدا قال فما كان عندنا فيه ارتياب ولا أن يسك فيه ذوو الألباب , قال فأما الصلت فإنه ضعف وصار إلى حد العجز عن حمايته وعزل نفسه وتبرأ إلى المسلمين من إمامته , وكان اعتزاله شاهرا ظاهرا ووضحت براءته من الإمامة بالبينة العادلة عندنا , قال فلما اعتزل ولى المسلمون راشد بن النظر وبعث الصلت بن مالك إليه بخاتم الإمامة ومفاتيح الخزانة , ولم يعارضه في شيء وهو في جواره قريبا من سنة إلى أن مات , وليس يذهب عليكم ما كان له من الأعوان والإجابة والقدرة من أهل عمان ولو كان مقهورا أو أراد القتال , قال وعندنا أن موسى كان يريد عز الدين وصلاح المسلمين والذي عرفناه من رأيه وعزمه في آخر عمره أن كان يريد اجتماع أهل العلم والرأي الموثوق بهم حتى ينظروا أمر الصلت بن مالك وراشد وعزان , فحيث كان الحق تبعه وأنه راجع إلى الحق في ذلك وإلى رأي المسلمون , قال وقد كان موسى كتب إلى من كتب إليه من أهل سلوت في آخر أيامه إن الله وله الحمد قد أخذ على القوام بأمره ميثاقا بلغنا إلى ذلك وأطاقنا ولا عز لنا عند الله إلا بإبلاغ العذر فيما ألزمنا وطوقنا؛ ونرجو أن يشهد الله لنا أنا لم نقم في شيء مما قمنا فيه لطلب فتنة ولا لحنة.
فأما الصلت بن مالك فصار إلى حد الزمانه وتغير العقل في بعض الأوقات وشهد عندنا عدول من الناس بما استحللنا من أمره ما استحللنا , وخرجنا للنظر منا ومن (1/167)
صفحة 168
المسلمين وإقامة الحجة في أمره , فاعتزل بأمره وأرسل إلينا من يثق به أن ينظر المسلمين , وكتب إلى عزان بن تميم بخطه يذاكر اعتزاله ويستحثنا على التعجيل , فلما صح عندي أنه قد برئ واعتزل اتفق المسلمون هنالك على ما كانوا اتفقوا عليه , فهذا أمر الصلت بن مالك وليس عندي فيه شك ولا ريب.
وفي كتاب من الفضل بن الحواري قال في الصلت بن مالك أن الناس فيه فريقان: فريق قال اعتزل وفريق قال عزل , وفريق قال قد استحق العزل , وفريق قال لم يستحق العزل , قال والظاهر الشاهر أنه اعتزل لأنه قد ترك عسكر المسلمين وبيت ما لهم وسلاحهم وترك سجنين مخوفين.
قال وركب بعيرا وخرج حتى نزل دار ابنه من غير أن يلقى من القوم حجة ما يريدون نصيحة أو عزلا أو دعاء إلى توبة , وقال لمن يبقى في العسكر احفظوا عسكركم حتى يأتيكم إمامكم , وقال قوم أتانا كتاب من تخلف على العسكر أن يعجلوا إلى العسكر , قال الإمام قد اعتزل فقدم القوم إماما وساروا حتى نزلوا العسكر , وقدم إمام مكانه وبعث إليهم بالخاتم والكمة وآلة الإمامة , ولم يقل لهم بيني وبينكم الحق فإني لم اعتزل , قال فأي اعتزال أبين من هذا من غير أن يرى حربا ولا اختراط سيف ولا هدا بعصا ولا رميا بحجر , فإن قالوا اعتزل تقية خاف على نفسه فأئمة العدل القاطعة للشرى لا تسعها التقية وعليها الجهاد حتى تقتل وجاز له الاعتزال ولو أنه خرج هاربا فلحق بالرستاق أو بالجبل وترك دولة المسلمين وقال لم أعتزل أو خرج إلى جلفار وأبعد وحده وتجلى عن الأمر ثم قال لم أتبرأ كان على المسلمين أن يدعوا دولتهم ويضيعونها أو يقوموا بها مع أنها حجة ضعيفة داحضة؛ (1/168)
صفحة 169
واعتزاله كان شاهرا ظاهرا فهو إذ تحول من موضع إلى موضع ولم يكن له إلا أن يخرج بعسكره وخيله ورجاله وبيت ماله ويدعو القوم إلى الحق ويكون اعتزاله إلى موضع يرجو فيه الأصلح للمحاربة , والاعتذار إلى آخر ما أطال فيه.
فهذه دعوى المتولين لموسى وراشد وهي محتملة للحق والباطل وما تعودوا الكذب ولا يستحلونه وترك إنكار الصلت على موسى وراشد يسوغ لهم احتمال لصحة لما ادعوه عليه , لأن ترك النكير ممن له النكير حجة , فلو باع رجل مال رجل وهو في المجلس لا يغير ولا ينكر وهو حر بالغ قادر على الإنكار غير خائف ولا متق ثبت البيع عليه , ولا يقال للبائع أنه تعدى على مال غيره وأنه ظلمه وغصبه , فظهر من ذلك احتمال صحة ما ادعاه هؤلاء.
وأما دعوى المتبرئين فإن أبا قحطان قال نشأ في الدولة شباب وناس يتخشعون من غير ورع؛ ويظهرون حب الدين ويبطنون حب الدنيا , ويأكلون الدنيا بالدين , فلما طال عمر الصلت بن مالك عليهم ملوه لما كبر وضعف وإنما كان ضعفه من قبل الرجلين , وأما السمع والبصر والعقل واللسان فلم نعلم أنه ضاع منه شيء ولا نقص منه شيء.
قال فلما ذهب أعلام المسلمين وفقهائهم وأهل الورع ومن يطلب الآخرة وبلغ الكتاب أجله , وأراد الله أن يختبر أهل عمان كما اختبر من قبلهم ليعلم المطيع من العاصي وقد علمهم من قبل أن يخلقهم ووابتلى الله أهل عمان برئيس وعلماء من علمائهم كما ابتلى غيرهم؛ فلما اختبرهم قل بصرهم وزالت عقولهم عن الحق وخالفوا سيرة المسلمين إلا قليلا أنقذهم الله , قال فخرج موسى بن موسى من أهل بيت علم وورع ووالده موسى بن علي رحمه الله كان في عصره مقدما على أهل عمان قال فقام موسى بن موسى في أهل عمان يتكلم بلسان فصيح ويهتف في مجلسه (1/169)
صفحة 170
ويصيح ومرة يطعن في الإمام والقاضي , ومرة يطعن في الولاة والشراة , ومرة يطعن في أصحابه ولا يسم للإمام بمكفرة , ولا يبن ما يدعوا إليه إلا أنه ناصح للدولة وأهلها ويصل إلى الإمام؛ ويتكلم بما لو كان غير الصلت بن مالك لحبسه في السجن أو يوضح على ما يقول برهانا أو يسمك لسانه عن شتم أهل الدولة , ولكن الصلت كان رفيقا وكان يجله لموضع والده , ولم يكن يؤمل فيه هدم الدولة لأنه كان يظهر أنه ناصح للدولة ولأهلها , وهو يسعى في فسادها وهدمها للذي سبق في علم الله.
قال فلم تزل الأيام ترقي به وجالسه تغلظ وهو يوشب , أي يكبر على الدولة ويسعى في هدم عزها؛ ويظهر إنه يريد إعزازها , حتى انتهت به الأيام أن جمع الأعراب والطعام من الناس ومن يسرع إلى الفتنة.
قال فتبعه الناس على منازل مختلفة؛ ومن بين رجل قد أغضبه أحكام المسلمين , وأعز به فهو يطلب عزتهم , وآخر قد حسد من له في الدولة درجة رفيعة يطمع أن ينال مثلها , وآخر يتعبد بغير بصر فيظن أنه محق وأنه يطلب حقا ولا يدري أنه قد افتتن. قال فجمع موسى بن موسى الناس وسار بهم إلى فوق فوقعت الفتنة في أهل عمان.
قال وكان موسى أشد فتنة على الناس , فإنهم قالوا إن وشل فرق تحول بدعائه عذابا , وذلك بعد ما وصل موسى فرق ودعا الله أن يجعله عذابا , قال وحتى قيل لو استنبئ بعد محمد صلى الله عليه وسلم لاستنبئ موسى. قال ولا يمكننا أن نذكر كل ما قيل فيه.
قال فلما وصل موسى فرق يطلب عزل الصلت لا يذكره غيره اعتزل الصلت من العسكر إلى بيت ولده شاذان؛ واستخلف في العسكر من استخلف , قال والذي ذكر لنا عنه أنه قال إنما اعتزل خوفا أن يقع سفك دم بلا حجة وإنه (1/170)
صفحة 171
لم يحضره من يحتج به.
قال وفي كتاب الصلت بن مالك إلى الجمهور بن سنجة يخبره كيف كان اعتزاله , وذكرت الذي كان في قضاء الله وقدره من سير هذا الرجل ابن موسى ومن كان معه وقصدهم في ذلك لما أراد الله حتى اعتزلت من الموضع؛ وبلغك من تهب بيت مال المسلمين وجعلوه دولا , وكلما وصفت من ذلك فقد فهمته عنك إن شاء الله.
وأعلم يا أخي أن هذه الدولة قد كان لها رجال لهم حلوم راجحة عالمة وقلوب سليمة؛ كانوا على أمر واحد يطأ الآخر أثر الأول , وقد كانت بينهم الأعتاب فلم يبلغ بهم الأمر إلى مثل هذه الغاية , فلم يزالوا على ذلك حتى مضوا فانقرضوا رحمة الله عليهم , ثم خلفنا نحن وأنتم من بعدهم وبليت بهذا الأمر من غير محبة مني فيه ولا طلب له؛ إلى أن طلب ذلك من طلب إلىّ من أفاضل المسلمين وأهل الفقه في الدين , ورغبت في طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحق ورجوت نصرة المسلمين لي على ذلك؛ فكان يومئذ من قد عرفت من أشياخ المسلمين فقمت بهذا الأمر ما شاء الله والمسلمون لي أعوان نحن وهم على أمر جامع , إلى أن ذهب أهل الفضل ومن يحب الحق وأهل العدل , ونشأ شباب وناس ظهرت رغبتهم في الدنيا وطلبوا الرياسة فيها؛ وكان موسى هذا يصل إلينا ويقول أنه يأتي بنصح ويكاتب الناس ويؤلب على الدولة؛ ومرة ظهر الشتم لأهل الدولة , ومرة يطلب خلاف ذلك , فلم تزل الأيام ترقى به وهو يدعو الناس إنما يطلب الصلاح وإظهار الحق؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وويطلب إلينا مطالب الصلاح ولا أعرفها من الحق ولا مقاربة إلى ذلك؛ وأنا أدعوه إلى كتاب الله وسنة نبيه وآثار أئمة المسلمين.
ولما يجتمع عليه رأي المسلمين؛ فيقول ويرسل إلىّ أنا لا أنظر إلى قول فلان؛ ولا أرضي إلا أن تنزل إلى قولي (1/171)
صفحة 172
ورأي عدله؛ فلم أر ذلك من الحق؛ ثم حشد وسار إلينا بمن أجابه , وكتب إلى من شاء الله من المسلمين حضر من حضر؛ وزحف القوم إلينا وتقارب بعضهم من بعض؛ فأمرت الشراة ومن كان على هذا الفئ بالشخوص ومنع العسكر , وأن يجاهدوا على الدولة , فكرهوا فأمرتهم بالتقدم فتأخروا ولم يصلوا؛ فكتبت إلى عمر بن محمد القاضي بالخروج إلىّ وخرجت إليه فلم يخرج؛ وصرت أنا في حد من عرفت من الضعف , وخفت أن يصل القوم ويدخلوا العسكر , وتلقاهم رجال فيقع الحرب وسفك دم؛ وأنا في البيت بلا حجة ولا أمر يكون في إظهار الأمر , فخفت سفك دماء الناس فرأيت أن تحولت إلى منزل ولدي بلا ترك للإمامة ولا بخلع لها ولا لما طوقني الله من هذه الأمانة , فأمرت بحفظ مال المسلمين وحفظ السجنين , وأمرت عزان ابن تميم بالقيام في ذلك؛ فلما بلغ القوم ذلك دخلوا؛ وزعم موسى أنه قد عقد للإمام برأيه وكسروا بيت مال المسلمين ونهبوه وأذهبوه وأطعموه في هذه الدولة عدوها , وفعلوا ما لم يرض الله به وما اختلعت وما تبريت , قال هذا ما أخذنا من كتاب الصلت بن مالك ولم أكتب لكم الكتاب كله لطول الكلام.
قال: ولما اعتزل الصلت بن مالك اغتنم موسى بن موسى وعقد لراشد إمام قبل أن يدخل نزوى ويسأل الصلت عن اعتزاله ويحتج عليه فيه عن خوف اعتزل أو عن ضعف عن القيام بحق ما طوقه الله؛ أو امتناع بحدث لزمه منه الحق إن كان موسى يدعي عليه ذلك , ولا سأله حجة ولا عرض عليه التوبة؛ ولا سمى له مكفرة؛ ولكنه عقد على راشد إماما على أهل عمان بالغلبة والجبرية وقعد قاضيا له طلبا الملك والدنيا , فوطئ موسى وراشد ومن أثر الصلت ابن مالك وولوا ولاته وأنفذوا أحكامه كأنه ميت , ولا نعرف هذا من سير المسلمين. (1/172)
صفحة 173
قال فإن يكن الصلت بن مالك محقا فقد كفروا ببغيهم. قال فلما استقر الأمر لموسى وراشد لبثا في ملكهما ما شاء الله , وهما وليان لبعضهما بعض؛ راشد إمام وموسى قاض له؛ يدعو له بالإمامة والنصرة على عدوه , وكان في قرب ولاية راشد خرج عليهما نصر بن منهال وفهم بن وارث وأبو خالد ومصعب وخالد بن سعوة وناس كثير.
وكان فهم وأبو خالد ومصعب ممن خرج على الصلت بن مالك , وحضروا بيعة راشد وبايعهم فخرجوا عليه بعد ذلك , وأرسل إليهم الجيوش , وكان موسى وليه على ذلك يدعو له بالمصرة.
قال فلم يزل موسى مع راشد حتى بلغ الكتاب أجله , وأراد الله أن يبدي من عورته ويهتك ستره؛ فخرج على راشد من بعد ما قدمه واختاره , فخلعه وفسقه وبرئ منه؛ ودعا إلى حربه من غير مخالفة لراشد منه له بحدث يستحق به معه الخلع في دينه , لأنه كان يراه إماما ففعل به مثل ما فعل بالصلت بن مالك سواء بسواء , ودعا إلى عزله وألب عليه.
قال: وقد كنا سمعنا أن راشداً خرج إليه إلى أزكي يسترضيه فلم يردك رضاه واخذ في عزله من غير أن يظهر عليه حدثاً يعرفه الناس , إلا أنه يدعو إلى عزله كما يدعو إلى عزل الصلت بن مالك؛ بل كان الصلت بن مالك معه على ما كان يظهر منه خيراً من راشد قال فسار موسى ومن اتبعه حتى نزلوا فرق واجتمع شاذان ومن أجابه في موضع معاضدا لموسى؛ وكان الحواري بن عبدالله والوليد بن مخلد ومن أجابه في موضع يقال له سندان في أعلا من الموضع الذي كان فيه شاذان؛ وكان راشد في موضع الإمامة؛ والحواري ومن معه معاضدون له؛ فافترقوا بعد ما كانوا على يد واحدة وسار الحواري والوليد ومن معهما يردان نصر راشد وقتال شاذان وأصحابه , فالتقوا من قبل أن يصلوا راشدا فهزم الحواري (1/173)
صفحة 174
والوليد وأصحابهما؛ وقتل من قتل من أصحابهما؛ ثم سار شاذان وأصحابه فأخذوا راشدا من موضعه بلا حرب وضربوه وحبسوه , ووصل موسى ومن معه إلى العسكر , وقد اجتمعوا بعد الفرقة من غير توبة , فاجتمعوا وقدموا عزان بن تميم إماماً والله أعلم بأمورهم , وقد كان أبو المؤثر الصلت بن خميس يقول: إن بيعة عزان كانت صحيحة ثم لم يحمد سيرته حتى قتل والله أعلم.
وقال أو المؤثر: سار بهم الصلت بن مالك رحمه الله سيرة يعرفونها إلا ما قد يكون من الهفوة والزلة , والمسلمون لا يغتنمون العثرة ولا يردون التوبة , وقد كان متمسكا , وهو في ذلك دون من كان قبله من أهل الفضل من أئمة العدل؛ والآخر دون الأول , إلا أن المسلمين كانوا متمسكين بولايته يلون له إذا ولاهم ويعينونه إذا استعان بهم , لا نعلمهم يعصونه ولا يتناهون عن معونته إلى أن مضوا لسبيلهم رحمة الله عليهم.
قال ثم خلف من بعدهم خلف قليل علمهم؛ فجعل الصلت يولي ولاة يثق هو بهم ويشكون ويرتاب فيهم بعض المسلمين وينهونهم من غير أن يصح علمهم ببينة عادلة , فتقوم الحجة على الصلت وتلزمه اللائمة أن يعزلهم؛ وقد كان يولي ويعزل وننصح له ويقبل , وربما دافع إذا لم تقم بينة على ما يستحقون به العزل , قال وهو مع ذلك لم ينقطع مع عامة المسلمين ولايته , ولم يزل معهم إماماً ثابتة إمامته فيما علمنا.
قال إلى أن برز موسى بن موسى فجعل يتكلم ويدعي أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ولا يسم بحدث منه ولا ذنب مكفر؛ ولا حجة يقيمها على الإمام يعلمها العامة , إلا انه كان يطلب عزل بعض الولاة وعزل بعض الوزراء فيما ذكر لنا؛ وعزل بعض المعدلين؛ وأن يولى بعض الناس فيما ذكر لنا , فكان يقول فيما بلغنا أن الدولة في أيدي الفسقة , ولا يسمي الذنب الذي فسقوا به , وكان حقاً (1/174)
صفحة 175
عليه أن يسمي ذنوبهم قبل أن يفسقهم؛ وهم في ذلك يلقونه ويأتونه ويقرب مجالسهم إذا أتوه ولا يبعدهم لأجل حدثهم إن كان لهم حدث فيما يزعم , وهو في ذلك خطيبهم في يوم الجمعة ويصلى الناس بخطبته ركعتين , فقيل له لم كنت خطيباً لهم يصلى الناس بخطبتك ركعتين؟ قال قد كان المسلمون يصلون الجمعة خلف الجبابرة قال أبو المؤثر: فهذا خطأ منه وجهل بآثار المسلمين , لأن المسلمين لم يختلفوا في أن صلاة الظهر يوم الجمعة مع غير أئمة العدل أربع ركعات إلا في الأمطار الممصرة , وأما غيرها فلا , مع أن المسلمين لم يكونوا خطباء للظلمة ولا لأعوانا لهم ولا يتلون أعوانهم. قال ثم جعل يخطب ويتكلم ويسب ويشتم ولا يسمى حدثاً ولا ذنباً بعينه. وكان يسميهم العيارين , وكان يقول لأبعثن عليهم من أهل عمان رجلا يكسعون أدبارهم قال وجعل أهل الدنيا والأطماع والإحن يستولون عليهم ويتقربون منه وجعل الصالحون يتبعدون عنه إلا قليلا؛ قال فجعل يكاتب أهل الدنيا وأهل الأطماع وأهل الإحن ومن قد سخمته كلمة فأمرها حنة ومن قد جرى عليه حكم فاستتر عنه ظلما.
قال: فخرج معه عبدالله بن سعيد فسار بناس من اليحمد منهم طغام لا يعرفون حقاً من باطل, ومنهم من يتحرى الحق ويظن أن الأمر يؤتى من جهته , فساروا بأخلاط الناس والرعاع سراعاً إلى الفتنة ينساقون لسائقهم , وينقادون لقائدهم , لا يسألون عن الحق ولا ينكرون الباطل , إلى أن بلغوا أزكي فأخذوا فيما بلغنا حباً كان جمعه والي أزكي ووالي مطي من الصدقة فيما ذكر لنا فأنفقوه على جيشهم.
قال ثم ساروا حتى نزلوا فرق قريباً من عسكر الإمام بمقدار فرسخ أو نحو ذلك ثم أمر بهم الأعراب وأهل الجفا وأصحاب الحنات وأكثر الناس يسرعون إلى الفتنة , وفيهم ناس من ضعاف الناس , (1/175)
صفحة 176
قال فلما خذل الصلت واجتمع عليه أخلاط الناس إلا بقية بقيت معه في العسكر وهم الأقل خرج الصلت من دار الإمامة فتنحى عنها إلى منزل قريب منها , وظن من بقي من المسلمين أن موسى لا يعجل وإنه سيأتي إلى موضع الإمامة ويجمع المسلمين ويشاورهم في الأمر , وينظرون في حدث الصلت ويحتجون عليه , فإن كانت له ذنوب وقفوه عليها وسألوه على ما اعتزل وتبرأ من الإمامة أمن ضعف أم من إصرار على ذنب أم تحول من دار إلى دار انتظارا منه لرأي المسلمين.
قال فلم يفعل موسى شيئاً من هذا حتى أرسل إلى راشد بن النظر فبايعه على غير مشورة من المسلمين , وما حضره يومئذ أحد ممن يثق هو به لفتيا مسألة إلا من شاء الله , وقد كان فيما بلغنا بعضهم كارهاً لفعله مشيراً بغيرها ما فعل , ولكن غلبتهم الكثرة , وكان قد ساعد موسى فيما بلغنا فهم بن وارث وعبدالله بن سعيد وهما غير أمينين ولا رشيدين , فأما فهم بن وارث فقد كان ابنه أحدث حدثاً اتهم انه كابر جارية بكراً على نفسها حتى استجارت منه فيما ذكر لنا بعلامة منه فامتنع وما تعوطى منه حقاً فيما بلغنا , قال وأما عبدالله بن سعيد فسفيه جاف قريب من الفتنة جاهل بالسنة وهو رئيس معهم كبير.
قال فبايعوا راشداً في غير موضع البيعة وعقدوا له في فير موضع عقد الإمامة والله أعلم كيف كانت بيعتهم أحسنوا عقدها أم لا , ثم ساروا به حتى أنزلوه دار الإمامة وقبض خزائن المسلمين وأنفق الأموال , فأما أهل الفقه والعلم فيحتجون أنهم لم يرضوا ولم يروا عدل ما فعل , فغلبهم الناس وقهروهم وبعض تحير ووقف ثم احتج باعتزال الصلت لا بحدثه ثم أرسلوا إلى خاتم الإمامة فأخذوه منه.
قال فلما أقاموا راشداً إماماً أثبت ولاة الصلت في مواضعهم منهم من كانوا يطعنون عليه وينكرون ولايته , (1/176)
صفحة 177
ومنهم من لم يكن يطعن عليه؛ ولم يعزلوا منهم إلا قليلا منهم من عزلوه , ومنهم من عزل نفسه من غير أن يعزلوه واستعانوا بأعوان الصلت وقودوا قواده منهم الحواري بن بركة بعثه الصلت قائداً إلى والي سمائل ليمنعه منهم في مسيرهم إلى الصلت , فلما ظهروا واستعانوا بالحواري ابن بركة على ما يستعين به عليه الصلت ولوه على الماشية وجعلوه قائداً.
ومنهم الحسن بن سعيد كان وفداً للصلت إليهم وحجة له عليهم فيما بلغنا فلما أظهروا عزلوه عن الرستاق وولوه جلفار واختياراً منهم له وثقة منهم به بلا ثوبة فلما ولو الأمر لم يظهروا للصلت ذنباً ولم يعنفوا له حكماً ولا وجدوا منه مظلمة فيردوها , قال فهؤلاء الخارجون على الصلت ما أوقفوه على ذنب ولا استتابوه منه ويسمونه كاذباً ومخلفاً ولا يسمون كذبه ما هو, فإن زعموا أنه قد وعدهم أن يعزل والياً ثم لم يعزله فذلك خلفه فإن الصلت يحتج فيما بلغنا أنه كان يجيبهم إلى عزل الوالي ويريد أن يعزله ثم ينظر فلا يرى لذلك البلد أصلح من ذلك الوالي فلا يعزله , فهذا ليس منه خلفاً وإنما هذا نظر منه وهم اليوم يتولون ولاة الصلت ويولون ولاة كان يوليهم الصلت ثم تركهم ويولون ولاة كانوا يصحبون الصلت وهم خلعوا الصلت وعزلوه , إلى آخر ما أطال في ذلك؛ وكذر من أحداث موسى وراشد بعد الإمامة ما لا يناسب ذكره هاهنا , وسنذكر بعضه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.
فهذه الأحوال التي ذكرها المتبرئون من موسى وراشد لخروجهما على الصلت وهي دعاو تحتمل الحق والباطل وما تعودوا الكذب ولا يستحلونه , فمن هاهنا توقف من توقف من أفاضل المسلمين في أمر موسى وراشد لالتباس أمرهما وكل مشكل موقوف , والواقفون منهم يتولون أوليائهم الذين يتولون (1/177)
صفحة 178
موسى وراشد أوليائهم الذين يتبرؤون من موسى وراشد لإمكان صحة الدعوى عند كل واحد من الفريقين , ومضى على ذلك ما شاء الله من الزمان وكتب الإمام راشد بن سعيد في ذلك كتاباً جعله صلحاً بين المختلفين في أمر موسى وراشد نذكره في إمامته.
ثم ظهرت أناس بعد ما مضى ما شاء الله من الزمان وبعد انقراض تلك العصور فغلوا في أمر موسى وراشد , وأوجبوا البراءة منهما على الناس وقالوا لا يسع جهل الحكم بحدثهما لأنهما خرجا على الإمام العادل وهو إمام بالإجماع؛ والخارج على إمام بالإجماع باغ بالإجماع؛ والبراءة من الباغي بالإجماع واجبة بالإجماع ورأس هذه الفرقة وعميدها الذي اشتهر فيها أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة ومن أخذ عنه من أهل عمان منهم أبو الحسن علي بن محمد البسياني , وتبعهم على ذلك خلق وسميت فرقتهم الرستاقية , ونقض عليهم أهل الحق مقالتهم هذه وردوا عليهم غلوهم.
وممن اشتهر في الرد عليهم أبو عبدالله محمد بن روح بن عربي وأبو سعيد محمد ابن سعيد الكدمي , وفي الرد عليهم ألف كتاب الاستقامة بأسره , وتبعهم على ذلك ناس وفقوا إلى الهدى وسميت فرقتهم النزوانية , وبلى أهل عمان بهذا الافتراق بلاء عظيما , وبقيت الفرقة زماناً طويلا حتى ظهر الإمام الموفق المؤيد ناصر بن مرشد رضي الله عنه وأرضاه , فأمات تلك البدعة وأحيا منار الحق وظهر الإسلام والحمد لله على إماتة الفتن.
أما قولهم أن الصلت إمام بالإجماع فهو كان كذلك لكن خصمهم يدعي أنهم لم يخرجوا عليه وإنما خرجوا لمناظرة المسلمين ومشاورتهم في أمره وطلبوا منه أن يعتزل عن الأمر , فاعتزل غير مجبور ولا مقهور؛ وإن للإمام أن يعتزل إذا طلب منه المسلمون ذلك؛ فهذه دعواهم تقول نحن لم نخرج عليه وإنما خرجنا للمناظرة (1/178)
صفحة 179
ولم نقدم عليه إماماً وإنما قدمناه بعد اعتزاله , فإن صحت هذه الدعوى وهي محتملة فلا تصح البراءة من موسى وراشد , فكيف يلزمونها الناس , ثم إن هذه القضية كانت في زمان قبل ظهور هؤلاء الغلاة فالناس منها في سلامة.
فما مضى قبلك لو بساعة ... = ... فدعه ليس البحث عنه طاعة
بل البحث عنه تجسس عن عورات المسلمين وهو من المحرم في الدين.
قالوا إن المسلمين في عصر الصحابة لم يقبلوا من الطلبة بدم عثمان إلا الرجوع عن ذلك والبراءة من عثمان وتصويب المسلمين على خلعه وعزله.
قلنا أن الصحابة لم يدعو الناس إلى البراءة من عثمان إلا بعد اشتهار أحداثه بين الخاص والعام؛ فحكم فيها المسلمون بأنها مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وطلبوا منه الرجوع إلى الحق مراراً فكان يتوب ويرجع حتى طلبوا منه الاعتزال فأبى وأحاطوا به ليعتزل فكان من قدر الله عليه أن قتل , ثم أن فريقاً من الناس قاموا في طلب دمه بعد ظهور ذلك منه وحكم المسلمين عليه وما طلبوا بدم عثمان , وإنما طلبوا الملك والدولة وتستروا عند العوام بقولهم نطلب بدم الإمام , فكانت بذلك فرقة عظيمة فالطالبون بدم عثمان يتولونه على أحداثه ويبرؤون من المسلمين على قيامهم عليه وعلى حكمهم عليه بحكم الله , فمن هناك لم يعذروا أهل تلك الفتنة إلا البراءة من عثمان وأشياعه وبعد انقراض تلك الفتن وذهاب تلك الأمم لم يلزموا الناس أن يحكموا في أمر عثمان وأشياعه بحكم إلا من بلغه العلم القاطع بحدثهم وعرف الحكم في ذلك فإنه يلزمه أن يحكم فيهم بحكم الله لأداء الواجب من فرض البراءة , وأما الجاهل بحدثهم وحكم حدثهم فلا يلزمه منه شيء وإنما يلزمه أن يتولى المسلمين على ولايتهم لمن تولوا وبراءتهم ممن برؤوا , وهؤلاء الغلاة ألزموا الناس البراءة من موسى وراشد بعد مضي (1/179)
صفحة 180
ثلاثة قرون , فحكمهم في ذلك مخالف قطعاً لحكم المسلمين في أشياع عثمان , لأن المسلمين يعذرون الجاهل بعد انقراض المحدثين ويسعون لهم في الوقوف ما لم يتولهم أو يعرفوا الحكم فيهم , وهؤلاء يلزمون الجاهل البراءة من موسى وراشد بعد انقراض ثلاثة قرون وأن جهلوا الحكم فيهم.
ظك
قالوا يلزمهم أن يسألوا عن دينهم والبراءة من الحدث واجبة فعليهم أن يسألوا عن واجبهم (قلنا) ذلك فيمن وجب عليه ذلك وهو أمر خاص لا يعم جميع الناس , وإنما يعم من بلي به , ثم إن البراءة من الأشخاص لسيت مثل الصلاة والصوم فإنها وإن كانت لازمة فإنما تلزم من وصل إلى علم ذلك ببصر نفسه , أما من وصل إليه ببصر غيره فلا يلزمه بإجماع , وإنما يلزمه على قول , فليس لهؤلاء الغلاة أن يخطؤا أحداً تمسك بقول من أقوال المسلمين.
ثم أن الدين يتم من غير أن نذكر في اعتقادنا البراءة من فلان وفلان , بل يكفي أن نعتقد البراءة من جملة أهل الضلال فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس في جاهلية عمياء , فلم يكن يدعوهم إلا إلى الشهادتين , ثم يعلمهم شرائع الإسلام , وكانوا قبل ظهوره يتولون آباءهم وطواغيتهم فلم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يلزمهم أن يبرؤوا منهم واحداً واحداً , وإنما يكتفي منهم بقبول الإسلام والدخول في شرائطه ويتضمن ذلك البراءة من أضداده , وقد اكتفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من المشركين بقبول الإسلام , ولم يكتف الغلاة من المسلمين إلا البراءة من موسى وراشد فالله المستعان والتوفيق بالله.
باب إمامة راشد بن النظر
وهو من اليحمد من الفجح وهو إمام موسى بن موسى بايعه هو ومن معه بفرق لما بلغهم أن الصلت خرج من بيت الإمامة وذلك يوم الخميس (1/180)
صفحة 181
لثلاث خلون من ذي الحجة سنة اثنين وسبعين ومائتين , وكره قوم إمامته منهم عمر ابن محمد القاضي وموسى بن محمد بن علي وعزان بن الهزير وأزهر بن محمد بن سليمان وعزان بن تميم وشاذان بن الصلت ومحمد بن عمر بن الأخنس وغدانة بن محمد وأبو المؤثر وغيرهم ممن لم يسم لنا ولم يزالوا متمسكين بإمامة الصلت بن مالك إلى أن مات.
قال أبو المؤثر أرسل موسى إلى راشدين النظر فبايعه على غير مشورة من المسلمين وما حضره يومئذ أحد ممن يثق هو به لفتيا مسألة إلا ما شاء الله , قال وقد كان فيما بلغنا بعضهم كارهاً لفعله مشيرا بغير ما فعل ولكن غلبتهم الكثرة قال وكان ساعد موسى فيما بلغنا فهم بن وارث وعبدالله بن سعيد وهما غير أمينين ولا رشيدين قال فلما استوليا على الأمر دخل داخل على راشد فقال راشد أنصحوني فإني أقبل النصيحة , فظن أنه عند قوله فقال له الناصح أرسل نفر من المسلمين لم يكونوا شهدوا أمر موسى وراشد وهما خيار أهل بلدهم معهم شيء من علم وفقه , فقال له أرسل إليهم فإذا اجتمعوا عندك فقل لهم إني دخلت في هذا الأمر فإن كنت مصيباً فأعينوني ووازروني , وإن كنت مخطئاً فتوبوني؛ فقال له اكتب هذا الكلام في كتاب وأملاه على صاحب له يقال له عمر بن عباد , فلما فرغ مما يريد من نصيحته اطلع موسى على ذلك الكتاب فرد تلك النصيحة ولم يرض رأي المسلمين.
قال فلما رد موسى النصيحة قال لهم قائل إن الإمامة لا تقوم بمشاورة أهل الإحن ولا بأهل المعصية ولا سفك الدم ولا بأهل أمطاع فغضب موسى على أهل العلم واستخفهم قال ثم أتى من أتى قبلهم إلى الذي أهدى إليه نصيحته جند من جند الشيطان فأخافوه وأرعبوه ودخلوا منزله فكف الله شرهم وبأسهم. (1/181)
صفحة 182
ثم أنه أتى إلى راشد فما استتاباه من ذنب ولا لزمته عندهم عقوبة إلا إن قالا له بايع فقال لراشد أبايعك على كذا وكذا شروط لله على الأئمة لم يكن موسى يبصرها ولا يعلمها , فأبى راشد أن يبايع على ذلك وقبض كل واحد منهما على غير بيعة , فقال جلساء السوء: بايعه على الجملة فقال الرجل لا لكل زمان حكم ولا أبايعه إلا على التفسير , قال وهم لا يعلمون تفسيراً ولا جملة لو سئلوا عن ذلك لم يهتدوا.
ثم أن الرجل قال لموسى بعثتهم إلينا من جنودكم من أخافنا وأرعبنا فقال إنا لم نبعث أولئك قال ثم وقعت رمية في الدار التي سكنها راشد فقالوا كسرت جرة من صبي يرمي سدرة أو يرمي طائراً قال فاتهموا بتلك الرمية ابني محمد بن الصلت والصلت بن مالك على غير سبب فيما بلغنا , قال: وقد قيل أن غيرهما الذي رمى ولا نبرئهما ولا نحقق عليهما , فعظم شأن تلك الرمية فأمر الناس فأحرقوا بعمهما , شاذان بن الصلت.
قال وقد بلغنا عن الثقة وصح معنا أنه كان بعض من هو حزب الصلت يقول لموسى نحن نأتيك بالغلامين فكفوا عنا هذه البعوث , ولم يلتفت موسى إلى ذلك قال وقد بلغنا أن عزان بن تميم كان يقول يا قوم نحن نأتيك بهما فلم يلتفتوا إلى ذلك حتى أحرقوا بهم وما حارب المسلمون عدوهم من أهل القبلة بالنار قط.
قال ثم إن موسى جعل يستكتب كاتب الصلت الذي يبيعه وأجاز شهادته على ثلثمائة نخلة صداقاً لامرأة شهد لها وحكم بشهادتها على غير توبة , وهو كان يبيعه ويطلب عزله , قالوا واستعانوا بسعيد بن محمد على قصص روح لا يؤتمن عليها إلا أهل العلم والبصر والإمامة, وهو اليوم كاتب لراشد وموسى كان يعيب الصلت بصحبته. قال ثم إن موسى قرب شاذان بن الصلت وكان يعيبه ويعيب أباه فجعل يهاديه؛ يهدي هذا إلى هذا , ويهدي هذا إلى هذا.
قال ثم (1/182)
صفحة 183
أن فهم بن وارث ومصعب بن سليمان خرجا بمن خرج معهما من أخلاط الناس أهل الرستاق وغيرهم حتى نزلوا بالروضة , موضع نحو فرسخين من نزوى أو يزيد بقليل وراشد بنزوى , وقد كان وجه إليهم قواداً وليس فيهم فقيه ولا أمين على حجة ولا بصير بسير المسلمين في الحرب , فلقوهم قبل وصولهم إلى الروضة ثم سايروهم حتى نزلوا جميعاً الروضة؛ فنشبت الحروب فيما بينهم بعد أسباب يأتي ذكرها , وقتل من قتل واسر فهم وناس من أصحابه , وقتل نصر بن منهال شيخ كبير ضعيف , وكان قد سار مع فهم؛ وذكروا أنه قتل وهو نائم وعقرت الجمال؛ وقيل إن جملة المعقور ستة عشر جملا وفرساً , ونهبت أموالهم ودوابهم وثيابهم في ما ذكر لنا , قال وليس هذا من سيرة المسلمين في أهل القبلة. قال ورفع لنا الثقة أن الرجل من أصحاب فهم كان يتلجأ فتوضع عليه السيوف , وكان الرجل يأتي مستسلماً فيدفع إليهم سيفه فيأخذونه ثم يقتلونه , لم يظهر لموسى من ذلك إنكار ولا تغيير.
قال وقد بلغنا أن لحوم الجمال المعقورة كانت تباع في سوق نزوى قريباً من موسى وراشد , فلم يستطع المسلمون إنكار ذلك. قال وقد كانوا يعيبون على الصلت ذكر أحداث من سرايا كانت تطروا في أطراف عمان؛ لا يدري كانت أو لم تكن , ولم يعيبوا على أنفسهم الأحداث الشنيعة , وهي قريبة منهم يكادون يعاينونها بأعينهم.
قال ثم استقام الأمر لراشد واشتد سلطانه بعمان , وقد تكون الأحداث من قبل مهرة في طرف عمان , فربما يضربون الرجل ويستاقون الناس بعض الإبل ولا أخذ راشد منهم رجلا على ذلك , ولا بعث إليهم سرية , وإنما كان بأسه وشدته على الرستاق ومن حولها , قال فيما يصح عندنا من الخبر أن رجلا وقف على باب السجن فتناول كتباً إلى الحواري بن عبدالله والأشعث بن محمد بن النضر وهما (1/183)
صفحة 184
يومئذ من أصحاب راشد ومن حزبه , فاطلع بعض جنود راشد فأخذوه فاهتدوه بالكتب إلى راشد؛ فلما عرف الكتب إلى من هي أمر به فحبس في السجن؛ قال فبلغنا أنه ضرب مع ذلك , فلبث في السجن ما شاء الله؛ ثم أخرج فدخل من دخل على راشد ممن أنكر حبسه فقال لهم حبستم الرجل وليس عليه حبس؛ لأنه إنما حمل الكتب إلى أصحابكم؛ فقال إنما حبسناه ساعة ثم أخرجناه ولم نبيته في سجنه , والله لا يرضى بقليل الظلم ولا كثيره.
قال وقد بلغنا أن قوماً من أهل سلوت دخلوا على رجل في منزله فكسروا بابه وضربوه بالسيوف فحمل الرجل مضروباً إليه منتصفاً وأن يبعث سرية عنده إلى الذي ضربوه فلم ينصفه , وقال من أجل رجل واحد أبعث إلى قوم أنصار فلم يفعل ولم ينصف الرجل من أعوانه , قال ولم يجعل ضرب السيوف كرمية وقعت في داره , قال ثم أنهم بعثوا قائداً يقال له زائدة بن خطاب فيما ذكر لنا أنه معروف باللصوصية والسرقة فبعثوه في نفر من أعوانهم إلى حي من الرستاق يقال له بنوا غافر , ولا نعلم لهم حدثاً يستحقون به أن يبعث إليهم سرية؛ فلما دخل وأيدهم تلقاه بعض من سرعان الناس وسفهائهم فيما بلغنا فهايجوه , وكان بينهم هنالك شيء من قتال حتى جرح بعض أصحابه ولم يقتل في تلك الواقعة أحد , وفر منهم هو وأصحابه؛ فأتى الخبر إلى راشد فجهز إليه سرايا وقوادا جفاة عماة ولم يسيروا بقصد , ولم يهتدوا لراشد , فذكر لنا أنهم أكلوا من ثمرة نخلهم وأكلوا من سوقمة كانت لهم في أرضهم ودخلوا بيوتهم وكسروا أقفالهم. قال فلم ينكر موسى ذلك ولم يغير.
قال وعمّر في سجن راشد ناس من بني غافر وأناس ممن كان شهد وقعة الروضة في القيود والهوان , وكان أبو خالد بن سليمان جريحاً مريضاً فيما ذكر لنا نازلا في بعض دور نزوى, فأمر به راشد فقيد في منزله (1/184)
صفحة 185
كبعض العبيد؛ وما يعرف المسلمون هذا القيد , قال ولا نعلم أن أحداً من سلطان العدل والجور سبق راشداً إلى هذا الفعل , يقيد رجلا في بيته وهو مريض؛ قال وإن ناساً من كليب اليحمد كتبوا إلى شاذان يسألونه الخروج على راشد فكتب إليهم شاذان فيما ذكر لنا العدل يقول لهم في كتابه:
أما أنا فرجل من المسلمين لا أنفرد بالأمر دونهم؛ ولا أريد أن أكون في هذا الأمر رأساً , فإن قام المسلمون فأنا معهم , ونحو هذا من القول فيما رفع إلينا الثقة من المسلمين , فخرج إليه يمان بن مصعب بن راشد وأبو جليل وأبو النظر ابن أبي جليل وأبو النظر بن راشد في ناس , فهجموا عليه ليلا فأخذوه وخرجوا به , فاجتمع من اجتمع معهم من اليحمد , ولا ندري ما أرادوا في اجتماعهم ودعوتهم ما هي , فلما بلغ راشد اجتماعهم بعث إليهم من قبله قواداً جفاة لا علم لهم بحرب المسلمين ولا بصر لهم بحجة على عدوهم؛ فساروا حتى نزلوا قرية يقال لها سوني قريباً من عيني , فلما كان بين الفريقين وثب عليه أصحاب راشد بلا حجة ولا مناظرة , وتداعوا بدعوة الجفا , وقال شأنكم خذوهم ورأس شاذان خذوه فيما رفع إلينا؛ وايندرهم سرعان الناس فاقتتلوا فيما بينهم وقتل من قتل من أصحاب راشد , وفر عامتهم وسار شاذان حتى دخل الباطنة ثم رجع إلى الرستاق ودخل وادي عميق , وتراجع أصحاب راشد واجتمعوا , وجاء عبيد الله بن سعيد بمن أجابه من أخلاط الناس , ثم ساروا حتى لقوا شاذان وأصحابه في موضع يقال له الطباقة من أسفل وادي عميق , فاقتتلوا وقتل من قتل وانهزم شاذان بن الصلت وأصحابه فلم يظفروا بشاذان وجعلوا يلقطون الناس البرئ وغير البرئ فأسروهم ودفعوهم إلى سجن نزوى.
قال: ولقد حدثنا الحكم (1/185)
صفحة 186
بن أبي سليمان وهو ثقة مأمون أنه قال لموسى كم من مظلوم في هذا السجن. قال وحدثنا بعض من يتولى راشداً وموسى أن رجلا من الأسارى ضعف عن المشي فسحبوه سحبا حتى مات في مسحبه , وقد حدثنا الرجل أنه أخبر موسى بهذا فما ظهر منه إنكار ولا تغيير؛ قال ولو أن مشركاً محارباً سحب على وجهه حتى مات في مسحبه لكان منكراً عظيماً , لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن قتل المثلة فيما بلغنا , وهذا من المثلة.
قال ثم إن شاذان هرب وبعثوا قواداً من قبلهم إلى الرستاق منهم أبو الجلندى ابن معران معروف بالطلس (1) والسفه؛ وإنما كان من جنود الشيطان , ومنهم محمد ابن أبي فضيل معروف بسفك الدماء من الحرام؛ ومنهم عبيد الله بن سعيد وأخلاط الأعراب الجفاة؛ فساروا حتى دخلوا الرستاق فيما بلغنا فقطعوا الزراعة فيما ذكر لنا , ولقد بلغنا أن أبا الجنود (2) كابر امرأة على شيء من حليها , واستفاض هذا الخبر , قال ثم بسطوا لعبيد الله بن سعيد اليد بعمان من غير صلاح ولا وقار ولا عفاف , وإنه لو شهد شهادة مع موسى ما قبل شهادته فيما عرف موسى منه.
ثم سار عبيد الله بن سعيد إلى صحار فعمل فيها أعمالا قبيحة فيما ذكر لنا من استرهاب الناس , واخذ أموالا فيما رفع إلينا؛ وأذعن له والي صحار وسلم له فيما بلغنا , قال: ولقد ذكر لنا وشاع ذلك وشهر أنه أرسل إلى شيخ ضعيف يقال له عبدالرحمن بن وليد , وهو أمين للوالي على بعض صناعة , فأرسل إليه عبدالله جنداً من جنوده ليجروه إليه بغير حق؛ فاستجار بالوالي فيما ذكر لنا فلم يجره , وقال الوالي أنا كفيل به , فلم يقبلوا وجروه إليه كرهاً ليسأله تأخير حق له على بعض من استعان بعبيد الله عليه , ثم هدده عبيد الله وأوعده
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/186)
صفحة 187
فيما بلغنا حيث لم يشفعه , قال: وقد بلغنا أن والي صحار كان يرفع إليه الخصماء وهو غير فقيه ولا بصير بحكم , قال وما فعل ذلك والي صحار إلا تعظيماً لأمر الدنيا ومهابة للسلطان قال: وبلغنا أن عبيد الله خطب إلى رجل كثير المال ضعيف القوى ابنته فأبى أن يزوجه , فأغرى سفهاء من الناس بماله فزوجه الرجل تقية ومخافة مما يرى؛ فلما تزوج منه استولى على كثير من ماله أو على جملته. قال ولقد بلغنا أن الرجل احتاج إلى قفيزين من تمر فما نالهما من ماله وله مال كثير حتى اشتراهما شراء , قال: ولقد بلغنا أن والي نخل أراد أن يدخل في شيء من إنصافه وكتب إليه راشد فيما ذكر لنا بعض أصحاب والي نخل أن هذا قصور منك إلى الدولة , قال: وقد ذكر لنا عن ابن موسى أنه كتب إلى تجار صحار يسألهم القرض ويسألهم أن يتجروا له , ولم يكن من قبل يسألهم هذا؛ ولكن تقوى عليهم بسبب السلطان.
ثم خرج ابن موسى إلى صحار فحكى عنه من اخذ أموال الناس أشنع مما كان يروي على شاذان في أيام أبيه. قال فإن كان شاذان من عيوب الصلت فابن موسى من عيوب راشد , فإن قالوا لم يصح , قيل لهم كذلك الحكايات عن أصحاب صلت لم تصح , قال وقد صارت صحار مأكلة لفساق السلطان لأن فيها تجاراً وأهل ذمة ضعفاء.
قال وسجن سليمان بن أبي حذيفة رجلا ضعيفاً بغير حق حتى اطلع على ذلك راشد فأخرجه ولم ينكر على سليمان ما فعل , ثم نصحهم من نصحهم في أمر شاذان وقال أوفدوا إليه وفداً من صلحائكم يحتجون عليه قبل سفك الدماء ويسألونه ما طلب, فردوا النصيحة وجعلوها غشاً وتعجبوا من الحق وجهلوا سيرة المسلمين قال ثم سارت العصبية وجعلوا يولون ولاة ما اختارهم لله , وإنما ولوهم رضي وتقية ومصانعة؛ قال ورأى موسى رجلا ضعيفاً ليس هو (1/187)
صفحة 188
بإمام من أئمة الدين ولا يخاف على دولة رآه جالساً خارجاً من المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة , ثم أبصره يصلي بعد ما انقضت صلاتهم , فاتهمه أنه لا يرى الصلاة معهم ففسقه ودعا عليه وشهر به وأغرى به السفهاء , فساروا إلى منزله قريباً من فرسخ فشدوا يديه وراء ظهره وضربوه فيما بلغنا حتى أدموه ثم جاؤوا به كأنه سافك دم أو قاطع طريق حتى أدخلوه السجن , فحدثنا عدل ثقة من المسلمين أنه كان قاعداً في المسجد وقد جاؤوا به فقال أنه كان يسمع شيئا ليس يشبه الضرب , ولكن يشبه الدوس من شدة الضرب؛ فلما أدخلوه السجن قال واقتلاه فيما بلغنا , فلبث في سجنه مريضاً شديداً فيما بلغنا , وقال لهم رجل أرفقوا به فشدوا يديه وراء ظهره واتوا به السجن قال ثم لم ينكروا على من ضربه ولا منعوه عنه , قال وأمر راشد ولاة القرى أن لا يدعوا الناس يشترون من طعام أهل القرى وهو وولاته يشترونه لأنفسهم , قال وهذا تحليل لما حرم الله وقد أحل الله البيع وحرم الربا.
قال وبلغنا أن تاجرا خرج إلى قرية يقال لها أبيل فاشترى منها براً على حساب مكوك وثلث إلا ربع السدس بدرهم فأخذوه إلى ذلك البلد فقطره وقيده حتى رد بضاعته التي اشتراها , ثم أن الوالي رجع فاشترى ذلك الحب على حساب مكوك وثلث زيادة على ما كان اشتراه التاجر , فأضر بالبائع واضر بالمشتري , ثم أن التاجر أتى راشداً فشكى إليه فكان إنصافه له أن طرحه في السجن ثم أخرج من السجن ثم أتى إلى موسى فشكى إليه من الوالي فطلب إليه الإنصاف فقال نعم ننصف فلم يرفع له رأساً , ولم يكن منه شيء إلا أن تكلم موسى فقال إن الإمام قد ترك ذلك الأمر الذي كان يأمر به فلم يكن منهم إنصاف ولا توبة إلا هذا. قال:
ثم هم فيما بينهم يتهامزون (1/188)
صفحة 189
ويتطاعنون يسمون إمامهم حماراً جلبياً وتيساً عشقياً ويسمون قاضيهم أبا السطور (تحبسهم جميعا وقلوبهم شتى) إخوانا علانية أعداء سريرة إلا أنهم قد اجتمعوا على أنهم قد قهروا المسلمين وأخافوهم؛ وأخافوا عزان ابن تميم وأخرجوه من منزله وداره بكفالة لا تلزمه وهم يعرفون فضله , وقد كان موسى احتاج إلى رأيه وحبسوا محمد بن عمر بن أخنس بلا ذنب ولا حدث منه إلا سوء الظن فيه وهو معروف فضله مع المسلمين؛ ثم بعد ذلك أخافوه وبعثوا إليه الخيل فخاف في منزله بلا ذنب ولا حدث حتى ضاقت عليه الأرض وألقى بنفسه إليهم , فلم يجدوا له ذنباً فحبسوه في عسكرهم ولم يأذنوا له بالانصراف إلى منزله حتى أخذوا عليه كفيلا , وما ذلك منهم بعدل , قال وهذا من عجائبهم في تسعة عشر شهراً منذ ملكوا ولديهم المزيد.
ثم وصف راشداً بأنه لا يعقل ولا يبصر حكماً وأنه يحسب الخطأ صواباً ووصف موسى بأنه يطعن على المسلمين ويقول ما هم وأي علم هاهنا فإن شربة النبيذ والأعراب لآمن عندي من علماه هذا الزمان؛ قال وهو في ذلك لا يستغني عنهم , وجهلة وقلة علمه ظاهرين , قال ومن ذلك أنه لم يحسن إقامة الجمعة فإن المؤذن كان يفرغ من الأذان الآخر يوم الجمعة وموسى في بيته أو حيث يشاء الله حتى يخلو وقت طويل ثم يأتي فيخطب بالناس ويصلي ركعتين , ومن السنة في الجمعة أن الخطبة متصلة بالآذان والأذان متصل بالإقامة والإقامة متصلة بالصلاة , ولا فرق بينهم.
قال ومن قلة علمه أنه خطب الناس يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر وإمامهم في بيته أو حيث شاء الله فانتظروه وليسوا في صلاة ولا خطبة مقدار ما استمر الإمام من بيته إلى المسجد مرتين؛ وبيت الإمام منفسح عن المسجد بما شاء الله , ثم صلى بالناس (1/189)
صفحة 190
ركعتين بلا إعادة خطبة خلافاً للسنة , وقد قال الفقهاء لو أن الخطيب خطب يوم الجمعة ثم انشغلوا عن الصلاة لأمر عناهم كان عليهم أن يعيدوا الخطبة ولو خطبة موجزة أ. هـ تلخيص ما أردنا ذكره من كلام أبي المؤثر وهو كما ترى قدح في سيرة موسى وراشد.
والمثبتون لإمامة راشد يحملون هذه الأمور ونحوها على أسباب تسوغ راشد صنيعه فيما صنع ويذكرون له أعذارا واحتمالات يقبل مثلها في أئمة العدل.
وممن كان يثبت إمامة راشد: الفضل بن الحواري وكان قبل الفتنة لا يختلف في علمه وفضله وقد أخذ عن أبي عبدالله محمد بن محبوب , وكان فيما مضى قريبا لعزان بن الصقر حتى قال فيهما القائل إنهما في عمان كالعينين في جبين , فمات عزان رحمه الله تعالى قبل الفتنة وأدركها الفضل فأصاب منها وقتل فيها في وقعة القاع في إمامة عزان بن تميم , وسيأتي ذكرها فكان الفضل يرى أن لموسى ما صنعه من عقد الإمامة لراشد وكان يقول إن موسى عالمهم وأنه الحجة عليهم.
وفي كتاب عن الفضل بن الحواري , قال: أن الفريق الذي رأى عزل الصلت أو قال أنه اعتزل أثبت إمامة راشد وعقدته إلا شيخ نفسه ادعى أنه لا يجوز عزل الصلت ولا تقديم راشد إلا بحضرته وعلمه وحتى تعرض عليه الأمور , وكأنه يلوح بهذا الكلام إلى أبي المؤثر؛ قال وقد بلغنا عن شيخ نفسه أنه قال مرة إن كان الصلت حل عزله فراشد إمام , وبلغنا عنه حيناً أنه يقبل ذلك حتى يصح ذلك معه وهو كان غائبا عن ذلك , إلا أن فريقا مما ينتحل العلم والبصر في الدين كانوا معا على الصلت ومن عزله يحثونه ويأمرونه فلما عزلوه رجعوا والدنيا أمام العامة إلا من شاء الله.
وكتب الفضل بن الحواري إلى راشد بن النظر بلغنا أنهم يحتجون (1/190)
صفحة 191
عليك إن الإمامة لم يجتمع عليها وما لهم عليك بذلك حجة ولا على من معك لأن الإمامة ليست مشتركة لجميع المسلمين إنما هي لمن حضر منهم العقد ولم يخرج عنها إلا غائب عنها من المسلمين أو مضاد لها ولأهلها معاند مخطئ لأهلها يدين بإمامة الأول يعني الصلت , قال وأما الغائب فلم يكن للمسلمين أن ينتظروه؛ ولو كانت لا تعقد حتى يتوافا إليها جميع المسلمين كان جميع الأئمة ومن قد مضى قد أخطا؛ وهذه دعوى باطلة , لأن التقديم والعقد إنما هو لمن حضر من أهل العلم والقدم في الإسلام وإعلام المسلمين , وقد قدمها إمام المسلمين في زمانه وأيامه موسى بن موسى ومن معه , ولو أن أحدا خالفه ممن حضر كان تقديمه أولى لأن المقدم على الجميع وعلى ذلك مضى من مضى من المسلمين , ومن أنكر هذا وادعاه لنفسه أو لغيره فقد أبطل.
وأما المضاد المعاند لها ولأهلها فلا شرك له مع المسلمين فيما ينكره عليهم ويخطئهم فيه ويبطل إمامتهم ويثبت الإمامة لغيرهم ولو رد الأمر إليه ما رضي لها , وكيف يكون شريكا في الإمامة من يزعم أنها ضلال وكفر ولا يحل له أن يدخل فيها فيما يدين به , وليس للمسلمين ولا عليهم أن يشركوا في إمامتهم من يزعم أنها إمامة ضلال , فمن احتج بهذا فقد أبطل ولا حجة له على المسلمين , فكلا هذين الفريقين لا حجة له على المسلمين وليس كما ادعا واحتج , وأوجب لنفسه على المسلمين ما ليس له وأقامها في (1/191)
صفحة 192
غير مقامها إذ كان لا يحق إذا غاب عن أمرهم زعم أن له عليهم أن لا يقيموا أماماً لهم إذا غاب عن أمورهم , وأن ينقضوا عقد إمامتهم ويتوبوا إليه حتى يكون هو الذي يثبت الإمامة الزائلة ثم يسأل صاحبها الانخلاع منها ويردها إليه هو ويردها إلى الذي عقد له المسلمون؛ فقد ادعى لنفسه على المسلمين ما ليس له وأقامها في غير مقامها إذا كان لا يجوز لأحد من المسلمين القيام بحق الله ودعا إماماً إلى طاعة الله فأدبر وتولى؛ فقام هو ومن معه حين أزالوا فأقاموا إماماً غيره وإن ذلك ليس إذا غاب ذلك عنهم وغاب هو عن ذلك حتى ينظر المسلمون ما دخلوا فيه وأثبتوه من الحكم وإلا ردوا الأمر إلى من كان عقده ونقضوا أمرهم له حتى يتولاه هو , لقد ذهب هذا بنفسه مذهباً بعيدا , ولقد أعلى نفسه مرتقاً شامخاً لم يدعه لنفسه أحد من المسلمين فيما علمنا وسمعنا فمع ذلك أنه دعا إلى خلاف الحق لأنه لم يدعو إلى أن يطلب إلى الأول الانخلاع إلا وهو يثبت له الإمامة عليه وعلى المسلمين , إذا ثبت لم يجز للأول الانخلاع عنها لأن الله تبارك وتعالى لم يجعل لعباده الخيرة عليه وعليهم ما وجب من حقه.
وكذلك قال الله (ويختار ما كان لهم الخيرة , قال الله إجلالا لنفسه سبحان الله عما يصفون فحكمه على العوام بالإمامة ما قال الله (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن) ولم يجعل لهم الخيرة والاستثناء لهم فكيف يزعم هؤلاء أنهم يجوز لهم أن يأمروا إماماً قد اشترى لله نفسه بيعة باع نفسه بها من الله أن يخلعها من عنقه وأجازوا له ذلك وما ذلك جائز للأئمة إلا شاءت بعد الشرى خرجت منه واختلعت ولا ذلك جائز لأحد أن يسأل ذلك صلتاً ولا غيره إلا بحقه وحله منه بما تنزل به الإمامة , ومن أين يجوز لهم أن يأمروا إماماً يزعمون أنه انتزع إمامة إمام عدل وحاربه حتى وقعت القتلى ظالماً له عندهم ولمن قد قتل وسفك دمه أن يردها إليه , إن هذا لهو اللعب بالدين والاختلاط.
وقال الأزهر بن محمد بن جعفر: وأما أبو المؤثر فليس أدرى ما كان (1/192)
صفحة 193
بينه وبين هؤلاء إلا أني أعرف يقيناً أن أبا المؤثر كان كاتب أبا علي وينكر مناكر كانت بصحار ثم قدم من صحار وقد قدم راشد وكان يختلف إليه ويلقى والدي في تلك الأسباب , وقال والدي وأنا أسمعه , قال في أبي علي أنه أراد أن يكون بفرق ولو شهرين حتى يتفق الأمر في الصلت بن مالك فاعتزل برأيهم وقال أبو المؤثر وأنا أحفظ هذا عنه أن الصلت بن مالك قد خرج من الإمامة واعتزل ورد الخاتم ولكن راشد لم يقم بعقده إلا موسى وحده قال فانظر كيف كان موسى جليلا عنده , فقال له والدي لترسل إليه محمد بن المنذر فاستضعفه فقال له أسيد ابن المنذر فقال نعم ورآه موضعا للعقد؛ فهذا الذي أحفظه وأستيقن عليه منه , ثم كان من بعد ذلك مخالطاً لراشد ما شاء الله ثم وقع سبب لعله عتب فيه على أبي علي وجرت الأعتاب بينهم.
وقال الفضل بن الحواري وأما شيخ نفسه فبلغنا انه احتج أن تلك لم تكن عقدة صحيحة إذا غاب عنها هو وأمثاله حتى يقيموا إماماً ويحضروه البينات على عيوبه التي استحق بها العزل وانه اعتزل , وقد اخبرنا عنه بعض أصحابه الذين كانوا من خاصته أنه برئ من الصلت , ثم تولاه برئ منه ثم تولاه , كذلك أهل التخليط في أمورهم مع أنه يدعو إلى ذلك ليقدم إماماً يعرض عليه الذنب ويحضر البينات وليس هو موضعاً لذلك ولا ذلك على من قام بأمر الدين من المسلمين؛ قال وقد بلغنا عن احد هو أصدق منه عندنا أنه طلب إليه أن يكلف راشداً يتخذ ابنه كاتباً ومكنه.
قال الفضل وأما الذين خرجوا على راشد بعد تقديمهم له وعقدهم الإمامة وإعطائهم عهدهم وبيعتهم غير مقهورين ولا مكرهين , فأمرهم أمرين واضح لا يذهب على عقل , ثم شبه ذلك بخروج طلحة والزبير ومن معهم على علي حذو النعل بالنعل , قال: فخطأهم المسلمون (1/193)
صفحة 194
وظلموهم؛ قال وهو لا يشك فيهم ما هذا اللعب بالدين وطلب الدنيا والغضب لها أ. هـ تلخيص ما أردنا ذكره من كتاب الفضل بن الحواري وغيره والله المستعان.
ذكر وقعة الروضة
وهو موضع بقرب تنوف من جهة الغرب بين نزوى والجبل الأخضر , وذلك أن جماعة من اليحمد أرادوا عزل راشد بن النظر وكان من وجوههم فهم ابن الوارث الكلبي من كلب اليحمد ومصعب وأبو خالد أبنا سليمان الكلبيان , وخالد بن سعوة الخروصي وسليمان بن اليماني وشاذان بن الصلت ومحمد مرجعة وغيرهم من وجوه اليحمد , فاجتمعوا بالرستاق وكاتبوا مسلما وأحمد بن عيسى ابن سلمة العوتبيين وسألوهم أن يبايعا لهما في الباطنة من العتيك من بني عمران ومن كان على رأيهم من ولد مالك بن فهم , فكاتبا نصر بن المنهال العتكي الهجاري من ولد عمران واستجاشا سليمان بن عبدالملك بن بلال السليمي من ولد مالك ابن فهم , فسألوه المعونة وكان سليمان شيخاً مطاعاً في قومه بالباطنة , وكان يسكن مجز من الباطنة وله فيها مال ومساكن , وكان نصر بن منهال رئيساً تقدمه التعيك في الباطنة وتطيعه , فاستحضروا إليهما وبايعهما على نصرة شاذان بن الصلت ومن معه من اليحمد على عزل راشد بن النظر فأجابهما إلى ذلك , وأنجز لهما ما استدعياه منهما من معونة , وخرج نصر بن منهال فبايع العتيك في الباطنة وخرج معه سليمان بن عبد الملك بن بلال السليمي فبايع من بالباطنة من قومه من سليمة وفراهيد وغيرهم من سائر ولد مالك بن فهم؛ وساروا جميعاً بمن معهما إلى شاذان ابن الصلت والفهم بن وارث ووجوه اليحمد والرستاق فأكدوا البيعة لهم وخرجوا جميعاً إلى نزوى , فأخذوا طريق الجبل يريدون عزل راشد بن النظر , وكان الخبر قد اتصل به , فلما صاروا بالروضة من تنوف من حدود الجوف (1/194)
صفحة 195
وجه إليهم راشد بن النظر السرايا والجيوش خيلا ورجلا وكان من قواده على السرايا يومئذ عبدالله بن سعيد بن مالك الفجي (1) والحواري بن عبدالله الحداني من أهل سلوت والحواري بن محمد الداهني فكبسهم ليلا وهم نزول بالروضة من تنوف وهم لا يشعرون , فوقعت بينهم وقعة شديدة.
وقال أبو المؤثر كان راشد بنزوى فوجه إليهم قواداً ليس فيهم فقيه ولا أمين على حجة ولا بصير بسير المسلمين في الحروب , فلقوهم قبل وصولهم إلى الروضة ثم سايروهم حتى نزلوا جميعاً الروضة جند راشد وجند فهم , وهم قد أمن بعضهم بعضاً؛ فلما نزلوا الروضة ليلا بات الفريقان آمنا بعضهم من بعض , ثم إن راشداً بعث من عنده جنداً وعندهم قواد لا فقه لهم ولا فهم , وفيهم عبدالله بن سعيد قائد الفتنة ورأس الفتنة والخطبة في عدد من أخلاط الناس منهم متمسك يحسب أن الطاعة قد لزمته فخرجوا بين مارق وفاسق ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون , فهجموا عليهم في بعض الليل ففزع بعضهم من بعض , ووقع بينهم مهايجة للقتال فقتل رجل فيما بلغنا في الليل من جند راشد ثم تحاجز الفريقان , إلا أنه بقي بقية من الرماة فيما بين العسكرين , ودار أصحاب راشد بفهم وأصحابه شرقا وغربا وأعلا وأسفل , فلما أصبحوا لقيهم رجل من صحار يقال له غيلان ابن عمر , وقد كان غزا في سرية من قبل والي صحار فلقي القوم فصار حتى نزل معهم الروضة , ولقي منهم فهم بن وارث وغيره من أصحابه , فجعل يكلمهم ويكلمونه ويدعوهم ويدعونه إلى السلم وهم يجيبون على ذلك , والناس متفرقون إلى أن شبت الحرب فيما بينهم من ناحية العسكرين بعيد من موضع فهم وغيلان , فتواقع الناس بالقتال.
قال فحدثنا غيلان وكان
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/195)
صفحة 196
صدوقا فيما علمناه أنه كان يكف الناس عن القتال ويحجزهم حتى تعب بدنه وصوته من شدة ما كان ينهي عن القتال , فغلبه الناس على أصحاب فهم وتفرقوا عليه , وقتل من قتل في العركة وفرقهم فأدركوه فأسروه وناساً من أصحابه , وقتل نصر بن منهال شيخ ضعيف وكبير ضعيف عن القتال , وقد ذكروا أنه قتل هو نائم.
قال العتبي وقعت بينهم وقعة شديدة وقتل مقتله عظيمة ورجال كثيرة من أهل الورع والعفاف , ووقعت الهزيمة على اليحمد والعتيك وبني مالك بن فهم ومن معهم , فأما اليحمد فإنهم كانوا عارفين بالوضع فتعلقوا برؤوس الجبال بعد أن قتل منهم جماعة وأسر منهم من أسر , وأما العتيك وبنو مالك بن فهم فصبروا في العركة حتى قتل نصر بن منهال العتكي ووالده المنهال وغسان وأخوه صالح بن المنهال العتكي , وقتل من بني مالك بن فهم حاضر بن عبدالملك بن بلال السليمي وابن أخيه المختار بن سليمان بن عبدالملك بن بلال السليمي في نفر من قومهم , وقتل من فراهيد خداش بن محمد الفرهودي وأخوه جابر بن محمد في جماعة من قومه , وأسروا سليمان بن عبدالملك بن بلال السليمي واسروا من اليحمد الفهم ابن الوارث الكلبي وخالد بن سعدة الخروصي وغيرهم , فحبسهم راشد بن النظر سنة أو أكثر , ثم سئل في شأنهم موسى بن موسى وجماعة من وجوه أهل عمان ونزوى فأطلقهم؛ وكل ذلك والصلت حي معتزل في بيته وإنما مات بعد هذه الوقعة , ووقعت الفتنة بين أهل عمان بسبب هذه الوقعة وتعصبت القبائل.
ولأبي بكر بن محمد بن الحسن بن دريد الأزدي في هذه الوقعة قصائد عدة يرثي من قتل بها , ويحرض قومه من الأزد على القيام بأمرهم والأخذ بثأرهم إلى أن جمعت اليحمد (1/196)
صفحة 197
وبنو مالك والعتيك وسارت إلى دار الإمامة بنزوى , فأسروا راشد بن النظر بعد أن هزموا أعوانه وفضوا عساكره وعزلوه من الإمامة, ووقع اختيار الجميع على عزان بن تميم الخروصي فبايعوا له.
وذكر العتبي في الأنساب قصيدتين من قصائد ابن دريد في هذه الوقعة حرفتها النسخ فننقلهما كما وجدناهما فمن ذلك قوله:
نبه نابه وخطب جليل =بل رزايا لهن عبء ثقيل
بل عوام مباده بل=دهارس وقعهن وبيل
إن بالقباع من تنوف محلا=ليس للمكرمات عنه حويل
حال فيه الردى بجبل قدحا=أحرزت حصلها وفات الخليل
لم تدع للعلى أكف المنايا=من به يعتلى ولا يستطيل
يا بني مالك بن فهم قتيلا=لا يباريه في الأنام قتيل
أي عز قدموه لرمح =منكم لم يصد وهو دليل
أي طرف سما إليكم بكيد =لم تردوه وهو عنكم كليل
أي جد كافحتموه بجد =منكم ولم يدعه وهو قليل
كنتم والكثير فيكم قليل =وللعظيم الخطير فيكم ضئيل
كنتم الهامة التي زالت =وجه الدهر ولم تقل لا أزول
كنتم أهل سطوة أن تصدت=مال وجه الحمام حين تميل
أقيل عزيزكم فتقولوا =إننا في الوغى نفير قليل
أم ضعاف عن ثاركم فتلذوا =مشرب الذل والمضيف ذليل
أم نساء يبغي لهن بعول=أم ستر المحصنات البعول
أم عبيد لراشد ولموسى =أي هذي الاصناف أنتم فقولوا (1/197)
صفحة 198
ليس يسعى لها امرؤ وسدته =معصميها الوهانة العطبول
لا ولا المحسن الظنون بريب=الدهر أن سوف ينسى ويدول
يا بني مالك عقلتم لساني=كيف يمشي المقيد المعقول
أم سلكتم إلى المصاد سبيل =وضحت لي إلى المقال سبيل
أو تاباتم شكلت عن الجرا=وهل يبلغ المدى المشكول
أين عز نارها هناة فروع=العز بل أين كهفة المأمول
أين وهم إذا استحمش الباس=ليوث تنجاب عنها الغيول
أين عن دعوى سليمة أطواد=المعالي إلى فتيانها والكهول
وبنو جهضم هم جبل العز=الذي عز فرعه المستطيل
والجراميز حصننا الركن ومن =وفي الوغا إليه نؤل
والعفاة الذين يستدفع الياس =بهم وهو مقمطر مهيل
وحمام حملتها حين لا تعطف=إلا المظفر الخشليل
وفراهيد الذي على الروضة=من خيلهم دماء تسيل
وحماة الزمان من آل دهنان=إذا يبرز البرى والحجول
وعمادي من آل سيد إذا ما =شمرت الحرب والمنايا نزول
وسليما الباسلون إذا =ذو العدة والنجيدة والبسول
وشريك فتياننا حين لا =ينفع إلا المهند المسلول
والمداريك لدخول بني قشمل=إن خفت أن يفوت الدخول
وبنو ظالم يدي ولساني=وحسامي المهند المصقول
يا بني مالك بن فهم قتيلا=بدهارس غرهن الليول (1/198)
صفحة 199
إن بالروضتين هاما تراقا=لم يقل من يأوى بهن قتيل
أتضيع الدماء يا قوم فرعا=لا بواء ولا دم مجهول
وبطوي والسيف منكم =عدد كابر وعز بجيل
لبني سامة السمو على الخسف=بما نالكم من الذل نيلوا
لا شمأنه ** ولأضحى=يا بني الأهل ربعها المأهول
افترضون أن تساموا الذي =ساماه عن سوم مثلها تنقيل
يا ابن حمحام للعلى شمر الذيل =فلا حين أن تجر الذيول
وصبوح مباكر وعبوق =وشواء ودرمك وتشيل
ليس شأن المؤثر بن معاد =وغناء ومزهر وشمول
إنما ثوبه إذا اعتكر الاظلام =ثوب الدجنة المسدول
ومهاد لا نمرق فوق كفل =عرشه عنهم النجاد مثول
ونديماه دائر الحد عضب=وامين الغصوص نهد ذليل
واكيلاه نهدة أم أجر =والطريد العشاق الهذول
ذلك الثأر لا الذي وهلته =نومة الصبح فهو رجف مذيل
يا سليمان جرد العزم قديماً=تدرك الوتر منجداً وهو نول
يا فراهيد أين نجم المساعي=أنتم العدة الحماة النصول
يا سليم بن مالك المتني=قد هدنا السيد العميد القتيل
قد أوصى حلف له يميناً=ليس منها لمقسم تحليل
أتغاضت عنه المنون لأضحي=يهتدي بالرعيل عنه الرعيل
ما تضيع الدماء ما طالبتها =فيهم شهمة وصبر جميل
أي يوم لبأس موسى بن موسى=ذلك يوم لو يعلمون طويل (1/199)
صفحة 200
يوم لا ينفع اتصال بقربي=يوم لا العذر عنده مقبول
فلحا الله مانع الروع منا =حيث يصطحب الضليل للضليل
وقال أيضا يرثي من قتل بتنوف من قومه وغيرهم من العتيك واليحمد:
إنما فازت قداح المنايا =يوم حازت خضلها بتنوفا
يوم قالت للردى استقض حقي=يوم يصطف آه آه الشريفا
واحد أفضل من ألف ألف=فخذ الواحد واسف الالوفا
وظن التالد مجدا وعزا=إن عزا إن يصون الطريفا
إنما نهضت هضاب المعالي=واكتسب أقمارهن الكسوفا
يوم يبقى الدهر أرواح قومي =تحت ظل الخافقات الحتوفا
عجبا من حرة الموت إذ لم =ينقمع عنهم مروعا مخوفا
وبهم كان بريش ويبري=وبهم كان يجيل الصفوفا
فقدهم هد من المجد ركنا=كان عمر الله صعبا منيفا
فقدهم غادر ما روضته =هضاب الجود اقعيفا
فقدهم غادر ما سهلته =نفحات العرف حزنا حليفا
فقدهم غادر من بعد لين=خفض عيش الناس فظا عنيفا
إن بالروضة عصوا دحرته=قطعت فيه السيوف السيوفا
طفقت تجدع فيه رجال =الأزد جهلا بالآنف الانوفا
حكم الموت فضم إليه=سادة المحض واللعا اللفيفا
يا له من مستكنف حمام=واجهت فيه الصفوف الصفوفا
سدل النقع عليهم سجوفا= ... هتكت فيه الروايا السجوفا
فترى الأرواح تجتث شوقا= ... وترى فيه المنايا وقوفا (1/200)
صفحة 201
صار من صوب الدماء ربيعا= ... وصار من كي الضراب مصيفا
ما انجلى حتى اكتست من دجا= ... بهجة الأرض ظلاما كثيفا
ترك الدهر وشاع المعالي= ... بعد شيخ الأزد نصر قطوفا
يا سويد بن سرات ترقب= ... ضربة تجتث الصليفا
قد جنت كفاك للنجح يوما = ... تترك الصاحي منه نزيفا
وابن منهال سعيد ستسقي= ... بظباة البيض سما مدوفا
مثل ما امتدت يداه حلاسا = ... لفتى الشيخين نصلا نحيفا
إن يك أسلاف قومي تولوا= ... فلقد أنفوا أناسا خلوفا
سنجاري السفح الوتر بالسفح= ... حتى يدع الضيف عليهم صنوفا
عكف الدمع على كل عين= ... رأت الطير عليهم عكوفا
لهف ما أما عليهم لحرب= ... تحذي بالزحوف الزحوفا
لهف ما أما عليهم لعان= ... عضت الأركان منه الرضيفا
لهف ما أما عليهم إذا ما = ... ألجأ الخوف المضاف اللهيفا
لهف ما أما عليهم لخطب= ... تجف الأكباد منه وجيفا
عجبا للأرض كيف طوتهم = ... في الثرى الغامض طيا لطيفا
وهم الهضب الشوامخ عزا= ... وهم الأبحر سيبا وريفا
أبلغا فهما وإن حسمته= ... حلفات النكل مسببا سبيفا
رابه الباب المبير الأعادي= ... بلده ضغما وطورا مريفا
وهو قطب الأزد أنى استدارت=شاء أن يعدل أو أن يجيفا
يا أبا راشد أعلم أن اللبيب=لا يقدم حتى يطيفا
وكذاك الصقر إما تعالى=فهو لا ينحط حتى يحيفا (1/201)
صفحة 202
فوق السهم ولا ترم حتى = ... تعرف اليرع لكي لا تصيفا
إن يكن يوم تصدى بنحس= ... فلعل السعد يأتي رديفا
أو يك ينفعك لدغ زمان= ... فعسى هو أن يزف زفيفا
لا تهللن قريب ريح= ... قد قفا منها النسيم الهيوفا
ليس يوم الروضة جميعا= ... إن الأيام كرا عطوفا
جرد العزم وشمر ليوم= ... يترك العار الثقيل خفيفا
أقعود والقلوب تلظى= ... فانبذ المغفر والبس نصيفا
ليس يمحوا لا شمار بكذب= ... الضال إذ تدعو إليه العزيفا
ذكر عزل راشد بن النظر
وذلك بعد ما مضى له في الإمامة أربع سنين وثمانية وخمسون يوماً , وسبب عزله تحرك القلوب عليه وكثرة الضغائن بقتلى من قتل بالروضة من وجوه الأزد , وتحريض ابن دريد عليه وموافقة موسى بن موسى لهم في ذلك , قال أبو قحطان خرج موسى على راشد من بعد ما قدمه واختاره فخلعه وفسقه وبرئ منه ودعا إلى حربه من غير مخالفة لراشد منه لم يحدث حدثاً يستحق به منه الخلع في دينه , لأنه كان يراه إماما ففعل به مثل ما فعل بالصلت بن مالك سواء بسواء , ودعا إلى عزله وألب عليه , قال وقد كنا سمعنا أن راشداً خرج غليه إلى أزكي يسترضيه فلم يدرك رضاه؛ وأخذ في عزله من غير أن يظهر عليه حدثاً يعرفه الناس إلا أنه يدعو إلى عزله كما كان يدعو على عزل الصلت بن مالك؛ بل كان الصلت بن مالك معه على ما كان يظهر منه خيرا من راشد؛ لأنه خرج على الصلت بن مالك ولا نعلم انه خلعه.
وأما راشد فقد كان يفسقه على ما سمعنا فسار موسى ومن اتبعه حتى نزلوا فرق , واجتمع شاذان (1/202)
صفحة 203
ومن أجابه في موضع معاضدين لموسى , وكان الحواري ابن عبدالله والوليد بن مخلد ومن أجابه في موضع يقال له سندان في أعلى من الموضع الذي كان فيه شاذان ومن معه ناصر بن مرشد , وكان راشد في موضع الإمامة وموسى في فرق سائرا على راشد بعد إن كان والاه؛ وافترق موسى وراشد والحواري بن عبدالله والوليد بن مخلد من بعد الألفة والأخوة لأنهم كانوا تآلفوا على عزل الإمام الصلت بن مالك وبايعوا راشدا وصاروا حربا وعادوا أعداء , فموسى يطلب عزل راشد والحواري والوليد يطلبان نصرته , فلو كان أمرهم رشيدا في الأصل لكان الوليد والحواري مصيبين في نصرهما لإمامهما ولكان موسى مخطئا إذ نكث على إمامه؛ ولكن أمرهم في الأصل كان لغير الله؛ فلم يجمع الله شملهم , ورد بعضهم على بعض , واجتمع موسى وشاذان بعد العداوة نعوذ بالله من الفتن.
قال فسار الحواري والوليد ومن معهما يريدان نصر راشد وقتال شاذان وأصحابه؛ والله يعلم ما أرادوا , فالتقوا من قبل أن يصلوا راشداً , فهزم الحواري والوليد من معهما بعد أن قتل من قتل من أصحابهما؛ وسار شاذان وأصحابه فأخذوا راشداً من موضعه بلا حرب وضربوه وحبسوه , ووصل موسى ومن معه إلى العسكر وقد اجتمعوا من غير توبة وقدموا عزان بن تميم إماماً , والله أعلم بأمورهم.
وقال أبو المؤثر: أقاموا ما شاء الله على غلطهم وخطاياهم ثم رجعوا على إمامهم فلم يقيموا عليه حجة ولا سموا له بحدث مكفر في دينهم , فسقطت الدماء دون عزله؛ ثم قدموا إماماً كان مفارقاً لهم مضللا لهم , فبايعوه ودخلوا في طاعته وخطبت خطباؤهم؛ وجعلوا ولاته ولاة لهذا الإمام؛ كما كانوا ولاة الأول ولاة للأوسط المخطئ , إلا أن هذا الثالث كان فيما ذكر لنا يستتيب (1/203)
صفحة 204
الولاة في السريرة ويثبتهم على أمكنتهم , ولم يكن هذا من سيرة المسلمين في الأئمة المحدثين , بل ما كانوا يستتيبون الناس من ولايتهم علانية غير سريرة , فرضي هذا الثالث بخلاف ما كان عليه السلف ثم رجعوا عليه ونقضوا.
وقال أبو الحسن البسياني: فإن كانوا بعزلهم صلتا محقين كما زعموا فقد كفروا لعزلهم راشداً؛ فإن قالوا إنه جائز لهم تقديم إمام على إمام متى شاءوا بحدث وغير حدث , فهذا مما لا يحتمل في الإسلام ولا تصح به الأحكام ولا يقول به أهل الأحلام , ولو صح ذلك لكانت إمامة معاوية صوابا على إمامة علي , فلما فارق المسلمون من قال بهذا القول علمنا أن من اقتدى بهم مبطل, وإن كان عقدهم لراشد خطأ وضلالا فقد كفروا بتقديمهم إياه على إمامة الصلت , لأنهم إن كانوا قدموا راشدا على الصلت كما زعموا جائز لهم فقد ضلوا بعزلهم إياه وتقديم آخر عليه من غير حجة فهذا ما لا يصح به.
وذكر أبو المؤثر وأبو قحطان أن راشدا بن النظر نصب إماما مرة ثانية ثم عزل , وظاهر كلامهما والأحوال تشهد له أن هذا النصب كان بعدما قتل عزان ابن تميم وبعدما خرج ابن بور من عمان واستعمل عليها عماله.
قال أبو المؤثر بعد أن ذكر ما ذكر: قدموا راشدا إماما ثانية على غلطة وخطئه؛ ثم ضللوه وعزلوه؛ ثم أقاموا الصلت بن القاسم إماما.
وقال أبو قحطان: رجعوا إلى راشد من بعد أن كان في السجن خليعا مقيدا محبوسا أسيرا , فعقدوا له الإمامة وقصروا الجمعة وجبوا الزكاة , وباع راشد الصوافي (1) , قال: فهذا من العجب العجيب من أفعال أهل عمان ثم خذلوه وتركوه ثم
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/204)
صفحة 205
خلعوا معه الإمامة وفرضها وما أوجب الله تعالى فيها على أهلها لعبا ولهوا؛ كلما أرادوا صافقوا رجلا ببيعة ثم خذلوه. انتهى المراد من كلامه والله المستعان وبيد الله التوفيق.
باب إمامة عزان بن تميم الخروصي
وذلك أنه لما وصل موسى ومنه معه إلى نزوى وقد عزل راشد ابن النظر أجمع رأيه على إمامة عزان بن تميم الخروصي فبايعوا له وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر سنة سبع وسبعين ومائتين وبايعه موسى بن موسى بن علي وعمر بن محمد القاضي ومحمد بن موسى بن علي وعزان بن الهزير وأزهر بن محمد ابن سليمان ومات عمر بن محمد القاضي بأزكي في هذه السنة.
وخرج عزان بن تميم من نزوى واستخلف عليها شاذان بن الصلت بن مالك ووصل إلى أزكي وصلى على عمر بن محمد القاضي ثم رجع إلى نزوى ومات عمر ابن محمد بن القاسم بعده بأشهر وعزل عزان بن تميم عامة ولاة راشد بن النظر واثبت موسى بن موسى على القضاء.
(
قال أبو قحطان) كان أبو المؤثر الصلت بن خميس يقول أن بيعة عزان كانت صحيحة ثم لم يحمد سيرته حتى قتل وقولنا فيه قول المسلمين – وقال أبو الحسن البسياني قد وجدنا التنازع بين أهل الدار في إمامة عزان بن تميم ولا نجد أحدا على ولايته ولا صحت إمامته بإجماع عليه ولكن وجدناهم مختلفين فيه وفي إمامته هل انعقدت بمن حضرها ولم نجد أهل الدار مجتمعين على ولاية العاقدين له ولا صحت صفقته بإعلام المسلمين بالاتفاق عليه وكأن عقدته مشكلة قال ووجدنا الإجماع من أهل الدار أنه رجل من الرعية ثم (1/205)
صفحة 206
دخل في الأمر المشكل فهو معنا بالإجماع على الأمر المتقدم أنه ليس بإمام عدل حتى يقع الإجماع أنه إمام عدل وقدمه المسلمون لأن الإجماع حجة.
(قال أبو الحواري) يقال لهم ما الذي تنقمون على عزان بن تميم فإن قالوا لا نعرف كيف كانت إمامته ولا يعرف ممن قبلها ولا أخذنا ولايته عن أحد قيل لهم قد اجتمع على إمامته عمر بن محمد القاضي وموسى بن موسى ونبهان بن عثمان ونعمان بن عثمان وعنبسة بن كهلان والأزهر بن محمد بن سليمان البسياوي ومروان بن زياد وأبو المؤثر الصلت بن خميس وفي هؤلاء من أهل العلم والبصائر من تقوم به الإمامة ومن هو عالم بصلاحها وفسادها وثبوتها وبطلانها ومن يستحقها قال وفي الأثر أن أهل كل طرف من الأرض يؤتمنون على دينهم.
قال أبو الحواري: فإن قالوا قد اجتمع على إمامته من هؤلاء وهؤلاء قيل لهم إن من صحت إمامته إذا كان معه العلماء الأمناء على ذلك , قال: قال وقعد نبهان ابن عثمان له معديا , وخرج عزان بن الهزير له والياً على الشذا (1) , وخرج الأزهر ابن محمد بن سليمان واليا على صحار.
قال: وقد كان راشد بن النظر قبل ذلك أمر عزان بن الهزير بولاية الشذى فأبى ولم يفعل؛ وأشار على من أشار من المسلمين فيها فنهاه عن ذلك.
قال وكان نبهان بن عثمان خطيباً لعزان بن تميم فإن لم يكن نبهان حاضراً للخطبة كان من بعده عبدالله بن محمد بن محبوب يخطب لعزان بن تميم ويدعو له الإمامة وكان الفضل بن الحواري غائباً فيما سمعنا فلما قدم ما سمعنا منه إنكار لذلك ولا تغييرا لذلك ولا كراهية.
قال أبو الحواري: فإن قال أهل الضعف والتمويه
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/206)
صفحة 207
إن أبا المؤثر رحمه الله كان يبرأ من عزان بن تميم؛ قيل لهم فإن أبا المؤثر كان يتولى عزان بن تميم قبل التقديم وكان يقول لقوم معه في منزله: إن اجتمع المسلمون على أمر ما لو حلف الرجل بالطلاق أن هذا هو الحق لم يكن خائناً , فكونوا معهم واجتمعوا بعد ذلك على عزان بن تميم , وكان أبو المؤثر معهم على ذلك في ذلك اليوم.
قال أبو الحواري: وقد قال أبو المؤثر في السنة التي مات فيها أنه واقف عن عزان بن تميم , فقال له قائل: من قال أنه يبرأ من عزان فقد أخطأ , قال نعم , قال أو الحواري: فإن أبى أهل الضعف والعمى إلا ما ألقي إليهم من القول أن أبا المؤثر وأبا جعفر كانا يبرآن من عزان , فقولنا في ذلك أن براءتهما منه ليس فيها دلالة لزوال وجوب الولاية بلا بيان ولا حجة؛ تحق بها البراءة منه بالحجة والبرهان. (1)
قال أبو الحواري: وأما أبو المؤثر رحمه الله فقد كنا ممن يباطنه؛ ومن خاصته ويراجعنا في عزان ونراجعه , وينازعنا فيه وننازعه؛ فما أدركنا منه براءة من عزان ولا سمعنا منه ذلك حتى مات , بل كان يقول إنه واقف عنه ويخطئ من يرى عنه انه يبرأ منه , قال فهذا الذي عرفنا من أبي المؤثر وسمعنا منه في آخر عمره , قال فإن كان غيرنا علم منه البراءة فقد عرفنا منه الرجوع إلى الوقوف وبالله التوفيق.
قال: وأما أبو جعفر فقد أخبرنا علي بن محمد بن علي أن رجلا من أهل بسيا قال أنه معه ثقة أخبره أن أبا جعفر كتب إليه أن أبا المؤثر وابنه قد أحدثا في هذا الدين ما قد حل به دمهما أو قال ذمتهما , فذكرنا ذلك لمحمد ابن أبي المؤثر فقال نعم , قد كان ذلك , وقال لنا محمد بن أبي المؤثر إنه كتب إلى أبي جعفر لو حل معي منك ما حل منا ما بت على ذلك ليلة واحدة.
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/207)
صفحة 208
قال أبو الحواري: فإن كان قول أبي جعفر مقبولا في أبي المؤثر فلا تقبل براءة أبي المؤثر من عزان بن تميم ولا يقتدي بها , وإن كان قول أبي جعفر لا يقبل في أبي المؤثر فالإمام أعظم حرمة؛ وأبعد من التهمة؛ فلا تقبل براءة أبي جعفر من عزان بن تميم , قال فكيف يحتجون برجلين مختلفين يحل أحدهما دم الآخر؟ قال أبو الحواري: فلما نظر أبو المؤثر قوة الحجة عليه في الآثار أمسك عن المناظرة في عزان بن تميم؛ وكف عن المراجعة فيه , وقال إنه لا يبرأ منه؛ وإنه واقف عنه؛ قال وكان هذا منه في شهر ربيع الآخر في السنة التي مات فيها ومات في شهر شوال من آخر السنة رحمه الله.
ذكر وقعة أزكى وما جرى فيها
وسبب ذلك ما وقع بين عزان بن تميم وموسى بن موسى من الوحشة والضغن , قال أبو قحطان: فلبث موسى وعزان ما لبثا وهما وليان في الظاهر؛ وأما السريرة فالله أعلم بها , ثم حول عزان القضاء عن موسى لما خافه وجمع موسى في أزكي فعالجه عزان خوفاً أن يفعل به مثل ما فعل بمن كان قبله , فأخرج اللصوص من السجن , وجيش جيشاً فقتلوا موسى , ثم وضعوا على أهل القرية؛ فقتلوا من قتلوا وسلبوا من سلبوا , وأحرقوا أنفساً بالنار وهم أحياء , وفعلوا ما لم يفعله أحد على ما سمعنا من أهل التوحيد , وكان ذلك بسبب ضغائن تقدمت , قال فأوى عزان المحدثين من أصحابه واتخذهم أعواناً وأنصاراً؛ وأجرى عليهم الإنفاق وطرح إنفاق من تأخر عن المسير إلى أزكي فعاقب من عصاه.
وقال غيره: قتل موسى بن موسى مع حصيات الردة التي عند مسجد الحجر من محلة الجنور , وذلك في يوم الأحد سنة ثمان وسبعين ومائتين , وأرخ بعضهم الوقعة بأنها كانت يوم الأحد لليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وسبعين ومائتين؛ ومن أجل هذه الأحداث قال أبو المؤثر وأبو قحطان في عزان بن تميم ما قالا , وتقدم (1/208)
صفحة 209
الكلام عن أبي الحواري في آخر ما كان عليه أمر أبي المؤثر في الوقوف عن عزان. وقال أبو قحطان: فمن برئ من عزان بن تميم توليناه على ذلك.
وقال أبو المؤثر: خاف عزان أن يفعلوا به مثل ما فعلوا بمن كان قبله , فأظهر ما كان له مستترا من تضليلهم , ثم جيش إليهم جيشاً , وكان فيما بينهم ما لم نحط به علما؛ إلا أن الشاهر الظاهر أنه لم يكن من الفريقين مناظرة ولا حجة , إلا انه فيما ذكر لنا أن أصحاب موسى تراءوا لأصحاب هذا المجهز إليهم , والله أعلم كان ذلك برمي أو قال , قال وقد ذكر لنا أنه لم يكن ذلك برأي موسى , وإنما هي نوادر ندرت لم يذكر شيئا فبادر إليهم أصحاب عزان كما قال الأول:
هيجتني وكنت كالمعيل
قال فسفكت الدماء ثم أفضى إلى ما يدفع الإنكار فأحرق برجل في داره ضعيفا مبتلي؛ وامرأتين معه ابنتيه وزوجته , فدعا عزان إلى الإنصاف , فطلب إليه ذلك فلم يفعل , وقال المحتجون عنه لا تهمة في الحرب , فقلنا لهم إن الحرب لو كان في أهل الحرب لم نقل فيه شيئا , فإن الحق عليهم أن ينكروا ويغيروا ما أخذه أصحابهم مما لم يأذن الله به , وهذه لم تكن أرض حرب لأنهم يم يطردوا والياً؛ ولم يمنعوا زكاة , ولم يمتنعوا بحكم ولم يظاهروا عدوا على إمام , وإنما كان ذلك الرجل مع جماعة , فالله أعلم ما أردا بها , فقصد إلى من لم يكن من أمره في شيء فيما علمنا فعمل فيها الفحشاء؛ فلما كلم عزان في الإنصاف من أصحابه أعرض وتولى وألجأ في ذلك إلى بيت المال , ويدعى أن رووا له عن محمد بن محبوب رحمه الله في كتابه إلى أهل المغرب أن من أحدث حدثا فهو مأخوذ به؛ إلا أن يكون الإمام أمر به وهو يرى أنه الحق , فدلك في بيت المال.
قال أبي المؤثر: والذي كان يلزم عزان أن يحبس المتهمين , لأن الذي أصيبوا لم يكونوا من المحاربين , قال (1/209)
صفحة 210
ومن لحقته التهمة استحلفوا بالإيمان الغليظة ما أمروا ولا فعلوا ولا حرضوا , قال فلم يفعل عزان شيئا من ذلك.
قال ويقال للذين زعموا أن الحرب لا تهمة فيها أرأيتم أن قوما خرجوا على الإمام فبعث الإمام جيشا فقاتلوهم , فلما هزموهم أقبلوا على من حولهم من غير أهل الحرب ولم يدخلوا في محاربة المسلمين؛ فحرقوا منازلهم وقتلوهم في موضعهم لكان على الإمام أن يأخذ المتهمين منهم كأخذه غيرهم؛ فإن قالوا لا فقد جاروا في قولهم , وإن قالوا نعم فهو الحق وليس على أهل السلم اعتداء , ولا يؤخذون بذنب غيرهم؛ وقد قال المسلمون: لا نأخذ بريئا بسقيم , ولا نطلب إلى أهل طاعتنا ذنب من عصانا.
قال وأصحاب عزان أخذوا البرئ بالسقيم واعتدوا على من لم يعصهم.
وقال أبو الحواري: فإن قال إن الذي ينقم على عزان بن تميم أحداثه التي كانت بأزكي من حرق المنازل والناس؛ ولم يعط الحق من عسكره؛ ولم يوصل أهل الحقوق إلى حقوقهم , ولم يأخذ لهم سهمهم , وقد طلبوا إليه ذلك , ولم يفعل وأبى وكره ذلك.
قيل لهم إن تلك الأحداث التي بأزكي قد علمناها وهي باطل ونبرأ ممن فعلها وأتاها ورضي بها وأعان عليها وأمر بها إذا لم تعلم توبته مما يجب عليه فيها , وقد كان عزان بن تميم يدعو إلى الإنصاف وإقامة الحق على من فعل ذلك , ويشير على المسلمين ويجمعهم ويعرف آراءهم , وكان ممن أشار عليه أن الإمام إذا بعث سرية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعنتهم محاربة؛ وكان منهم خلاف الحق فلا حبس عليهم في ذلك ولا تهمة للقوم في هذا , وغنما هي دية الأنفس وغرم ما أتلفت النار في بيت مال المسلمين , وقد قال قائل منهم: إلا أن يصح على فاعل منهم بعينه أخذ منه وهو دية عليه خاصة , وقال قائل لا يكون في بيت مال المسلمين وإن صح (1/210)
صفحة 211
على فاعل بعينه أخذ منه وهو دية عليه خاصة.
قال أبو الحواري: وقد جاء في الآثار أن الفقهاء إذا اختلفوا فللإمام أن يأخذ من ذلك ما رآه هو موافقا للحق والعدل , وهذا ما لا يختلف فيه إن شاء الله , قال ومن ترك ذلك فقد رد قول المسلمين.
قال أبو الحواري: وجاء عن المسلمين أن أهل البغي إذا فاءوا من بغيهم وتابوا من ذلك هدرت الوقائع من الزحوف إلى الزحوف قال ومن سيرة المسلمين أن أهل البغي يقاتلون قتالا لا قصاص فيه , قال وكان هذا مما يحتج به عزان بن تميم عليهم فيما بلغنا.
قال: وتعلق عزان بهذه الحجج ودعا أهل ازكي بالبينة العادلة على من أحدث , فقالوا له خذ لنا بتهمتنا؛ فقال لهم إن أحضرتم البينة العادلة على من أحدث أخذته بحدثه؛ وإن لم تصح بينة عادلة غرم تلك الأحداث في بيت مال المسلمين؛ فلم يحضر القوم بينة عادلة , وعرض عليهم الغرم في بيت مال المسلمين فلم يقبلوا فيما بلغنا.
قال أبو الحواري: فإذا اختلف المسلمون في الرأي فأخذ الإمام برأي من شاء ويرى أنه أقرب إلى الحق كان أوسع له ذلك. قال وبلغنا عن أبي عبدالله رحمه الله أنه قال: إذا اختلف الناس في الرأي ورجعوا إلى الإمام , قال فإن قالوا إن عزان ابن تميم قد دعا إلى الإنصاف ولم يعلم أنه أنصف , فيقال لهم إن الإمام مأمون على أحكامه حتى يعلم أنه لم يعط حقا صح معه وغنه اتبع هواه في منع الحق , قال وقد بلغنا عن موسى بن علي رحمه الله أن رجلا وصل إليه في طلب حق , وكتب له موسى بن علي إلى الإمام عبدالملك بن حميد رحمه الله , فخرج الرجال إلى الإمام ثم رجع إلى موسى فقال: يا أبا علي لم ينفذ كتابك أو كما قال له؛ فقال له موسى رحمه الله هو المأمون علينا وعليكم. قال فإن قالوا كان عليه أن يجبر أهل الحقوق على اخذ حقوقهم حتى يأخذوا (1/211)
صفحة 212
حقوقهم أو يبرءوا منها , قيل لهم في المأثور عن محمد بن محبوب رحمه الله أن من كان له حق فدعى إلى أخذ حقه فأبى فلا حق له , واحتج أبو عبدالله بعبدالله بن آريس لما أفسدت دابته حرث القوم أتى عبدالله ابن رآيس إلى أصحاب الحرث فعرض عليهم الغرم فأبوا , فقال لهم إنا عرضنا عليكم الحق فلم تقبلوه , وانصرف عنهم عبدالله بن آريس وخلا عنهم , قال ونحن بأئمتنا نقتدي وبالله نهتدي.
وقال الأزهر بن محمد في الحدث الذي وقع بأزكي: إن كان الإمام الذي أرسلهم بعثهم إلى المحاربة فحارب القوم من بعد الحجة فما كان من الذي بعثهم ممن لا يجوز لهم بالمحاربة حرق أو غيره من دم فما دونه في بيت مال المسلمين. وقال في موسى ابن موسى إن كان صح عليه بينة عادلة إنه كان مشهورا أنه بايع على الإمامة , فقد جاء عن الجلندى رحمه الله أنه قتل من قامت عليه بينة أنه بايع عليه؛ وإن لم يكن صحت عليه بينة في بيعته على الإمام وكان معه ثم برز هو من كان معه من أصحابه في القتال فقاتلوا وانهزموا وهرب هو ودخل منزله أو غيره فقتل , فالقاتل بمنزله قاتل المولى؛ وقد جاء في الأثر في قاتل المولى ما قد علمتم؛ والله أعلم.
ذكر خروج الفضل بن الحواري ومن معه على عزان بن تيم
وذلك حين قتل موسى بن موسى بأزكي ومن معه من قومه فاستوحش الناس لذلك وخاصة النزارية ومن كان مواليا لهم من اليمانية؛ فخرج من أجل ذلك الفضل ابن الحواري السامي إلى ناحية السر , وخرج زياد بن مروان السامي أيضا إلى السر , وخرج أبو هدنة من الباطنة فلحق بالفضل بن الحواري , ولحق الحواري ابن عبدالله السامي بالفضل بن الحواري , ولحق الحواري بن (1/212)
صفحة 213
عبدالله الحداني السلوتي بجبال الحدان , وجمع بها ناسا كثيرا , ثم خرج الفضل بن الحواري إلى توام فاستعان ببني عوف بن عامر فأجابه منهم ناس كثير , وكان معه ناس كثير من السر وبني سامة , وكان اجتماعهم بتوام؛ ثم خرج الفضل بمن معه حتى صاروا بينقل من جبال الحدان , فبايعوا الحواري بن عبدالله الحداني السلوتي وعزموا على محاربة عزان بن تميم , فخرجوا بمن معهم يريدون صحار يوم سادس عشر من شوال سنة ثمان وسبعين ومائتين؛ ودخلوا صحار يوم الثالث والعشرين من هذا الشهر , وذلك يوم الجمعة؛ وحضرت صلاة الجمعة؛ فصلى بالناس زيد بن سليمان وخطب الناس , ودعى للحواري بن عبدالله السلوتي على المنبر؛ وأقاموا فيها بقية الجمعة والسبت وخرجوا عشية الأحد لمحاربة الأهيف بن حمحام الهنائي ومن معه من أصحاب عزان بن تميم؛ وذلك أن عزان بن تميم لما سمع بخروجهم وجه إليهم جندا عند (1) الأهيف بن حمحام الهنائي وفيهم سليمان بن عبدالملك بن بلال السليمي في جماعة من ولد مالك بن فهم , وفيهم الصلت بن النظر بن المنهال العتكي الهجاري على العتيك وشاذان بن الصلت على اليحمد , وأمر الجيش كله مناط بالأهيف بن حمحام الهنائي في جميع قومه من بني هناة وسائر ولد مالك بن فهم.
فلما بلغ الحواري بن عبدالله والفضل بن الحواري مسير هذه الجموع إليهم وإنهم صاروا بالقرب من صحار , وكانوا قد نزلوا مجز خرجا بمن معهما من العساكر وكان عسكرا ضخما فالتقوا بالخيام من ظهر عوتب بموضع يسمى القاع, فاقتتلوا قتلا شديدا ,
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/213)
صفحة 214
وحملت اليحمد والعتيك في الميمنة والقلب , وحملت بن هناة وسائر ولد مالك بن فهم على الميسرة , فما كان يسمع إلا طنين السيوف على صفائح الدرق والبيض والحلق , وارتفع بين الكتيبتين غبار عظيم حتى ستر الشمس وانجلى القتام عن قتلى كثيرة وأبلى يومئذ سليمان بن عبدالله بن بلال بلاء حسنا فيمن معه من أهل بيته وحمل فشد على الريان بن محجن السامي؛ وكان من فرسان بني سامة , فطعنه في لبته وألقاه عن فرسه ميتا , وانهزمت النزارية هزيمة لم ير أقبح منها , وأسر منهم خلق كثير , وقتل منهم في المعركة ستمائة رجل؛ وقتل من اليمانية من أصحابهم خمس وثمانون رجلا , وقتل الفضل بن الحواري , والحواري بن عبدالله وورد بن أبي الدوانيق ويحيي بن عبدالرحمن السامي , ومحمد بن الحسن السامي صاحب الراية الكبيرة , وكان فارس الكتيبة وناس كثير من بني سامة من وجوههم , وصعصعة ابن عوف العوفي وموسى بن عبدالله الواحشي في خلق كثير من بني عمه وسعيد بن المنهال الفجحي , فهؤلاء هم الوجوه , وأما غيرهم فلا تأتي عليهم التسمية , وقتل من أصحاب الأهيف بن حمحام محمد بن يزيد اليحمدي من أهل تنعم ورجل من العتيك يقال له منبه بن مخلد وجماعة من الآخرين.
وقيل إن الفضل بن الحواري لما تراءى بعسكر اليمانية من أصحاب عزان قال: يا لهفي على الدنيا ما تزودت منها ولقد جاشت نفسي؛ وكان أول قتيل من الوجوه في المعركة؛ وانفلت محمد بن القاسم السامي فطار على بعير حتى نزل توام ثم لحقه بشير بن المنذر إلى توام وخرجا إلى البحرين إلى محمد بن بور , فكان من أمرهما ما كان.
فهذه وقعة القاع من ظهر عوتب بالخيام , وهي من الوقائع المشهورة , المذكورة بعمان , وكانت هذه الوقعة يوم الاثنين لأربع بقين من شوال من (1/214)
صفحة 215
هذه السنة المذكورة , وفي هذه الوقعة يقول أحمد بن جميل أحد بني حديد من بني مالك بن فهم:
يا لك بالقاع من صباح ... =قاع خيام إلى البطاح
أنعلت الخيل هام عوف ... =من بين طاها إلى وقاح
يريد عوف بن عامر من ساكني الرمل وتوام , وكان الفضل بن الحواري قد استعان بهم في خروجه على عزان بن تميم.
وخضنا من منبة دماء =كزاجر اليم ذي الطماح
خيل ابن نصر فتى المعالي=والقوم من مالك الصباح
واليحمد المانعي حماها =ومدركي الوتي بالصفاح
لما أتانا بأن عوفا =تدعو بجهل إلى النطاح
سرنا إليهم بمقربات=في ظل غاب من الرماح
تقدمنا الأسد من هناة=في جحفل شاهري السلاح
فكم كعاب هناك تدعو=بالوبل أياها زراح
في شعر طويل لم نجد منه إلا هذا والله أعلم.
ذكر ما جاء من الكلام عن العلماء في حكم الفضل بن الحواري
وإمامة الحواري بن عبدالله ومن معهما
قال أبو المؤثر: خرج الفضل بن الحواري فجمع حشوا من الناس والأعراب ومن لا خير فيه , ثم قدم إماما ممن كان هو يضلله ويخطئه , لأنه كان يقول إن كان الصلت وأصحابه محقين فهؤلاء مبطلون , وإن كان الصلت وأصحابه مبطلين فهؤلاء محقون , فألزم راشدا وأصحابه الباطل على كل حال , فقال له قائل: إن كان الصلت مؤمنا فقد كفروا ببغيهم عليه, وإن كان كافرا فقد كفروا بوطئهم أثره , فقال نعم ثم رجع فقدم إماما يكفره ويضلله. (1/215)
صفحة 216
قال وقد علمتم يا أهل عمان أن الحواري بن عبدالله كان يقاتل في سبيل راشد ثم سار الفريقان بعضهم إلى بعض , فسفكوا الدماء فيما بينهم تعسفا بلا حجة ولا بينة , فلا الإمام أقام الحجة على الخارج , ولا الخارج أقام الحجة على الإمام قال وليس هذا من سيرة المسلمين؛ بل كان من سيرة المسلمين أنهم لا يقاتلون أحدا من أهل البغي وخرج عليهم أو خرجوا عليه إلا من بعد الإنذار وإقامة الحجة وتثبيت الحق والدعاء إليه , فلم يفعلوا هؤلاء شيئا من ذلك.
قال وقد كان في الحق على عزان أن لا يجيش جيشا حتى يقدم الأعذار والدعوة البينة والحجة الواضحة , المنيرة , ويسألهم ماذا ينقمون عليه اغتصابا للإمامة أو جورا في حكم واستئثارا بفئ , قال وكانت هذه الحجة على طلحة والزبير فيما ذكر لنا؛ قال فلم يفعل عزان شيئا من ذلك.
وقال أبو قحطان: فلما قتل موسى بن موسى غضب الفضل بن الحواري , والحواري بن عبدالله وسارا على عزان , خرج الحواري بن عبدالله غضبا لقتل موسى بن موسى من بعد أن كان الحواري وموسى كل منهما قد فارق صاحبه , لأن موسى يدعو إلى عزل راشد؛ والحواري يدعو إلى نصرته , فأي فرقة أشد من هذا؛ فعقد الفضل بن الحواري للحواري بن عبدالله إماما بصحار على فتنته وخطئه وعمائه من غير توبة ولا رجوع إلى الحق؛ فبعث إليهما عزان بن تميم الجيوش؛ وكان أهيف بن حمحام من قوداه وغيره , فالتقوا بالقاع, وسفكوا الدماء فيما بينهم على غير برهان ولا حجة ولا بيان , فقتل الحواري بن عبدالله وقتل الفضل , وقتل من قتل معهما , وأسر من أسر , فتفرق الباقون ولا نعلم رشد أحد الفريقين.
هذا كلامهما وفيه كما ترى تحامل على عزان وأصحابه , وقد تقدم ما كان لهما في عزان من كلام , ولغيرهما تصويب عزان في إمامته وقتال من قاتله. (1/216)
صفحة 217
قال أبو الحواري: والسيرة في عزان بن تميم والحواري بن عبدالله والفضل بن الحواري كمثل السيرة في علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان , قال فإن كان عزان بن تميم إمامته ثابتة وولايته واجبة , فالذين نقموا عليه وقدموا إماما دونه فهم بغاة محدثون بنقمهم الميثاق , واستحلالهم دماء المسلمين بغير الحق.
قال فمن شك في ضلالتهم وارتاب في أمرهم كمن شك في معاوية بن أبي سفيان ومن معه , ويكون الشاك في عزان بن تميم كالشاك في علي بن أبي طالب من قبل الفتنة , قال وإن كان عزان بن تميم ليس له إمامة ثابتة ولا ولاية واجبة وهو خليع بحدثه , فالذين نقموا عليه يكونون محقين على الحق والهدى , قائمون بطاعة الله وأمره.
قال فمن شك في عدل ما قاموا به وارتاب في الحق الذي اجتمعوا عليه يكون كالذي شك في عبدالله بن وهب ومن معه من اصحاب النهروان , وحوثرة بن وداع ومن معه من اصحاب النخيلة؛ ويكون من شك في ضلال عزان بن تميم كالذي شك في ضلال علي بن أبي طالب من بعد افتتانه , قال وقد ضلل المسلمون ومن شك في ضلالة علي بن ابي طالب ومعاوية بن أبي سفيان؛ وفارقهم المسلمون على شكهم وبرءوا منهم.
قال وكذلك عزان بن تميم والحواري بن عبدالله والفضل بن الحواري لا يسع الشك فيهم جميعا ولا يسع الوقوف عنهم جميعا لأنهم مستحلون لما قاموا به من الأمر , ولا يكونون محقين جميعا.
قال فمن شك فيهم جمعا ووقف عنهم جميعا فقد خرج عن قول المسلمين ودخل في قول الشكاك الذي فارقهم المسلمون وضللوهم وبرءوا منهم , في كلام طويل أنصف فيه الفريقين, وألزم فيه الشكاك في أمرهم كلامه في إثبات إمامة عزان فمجموع كلاميه يستلزم البراءة الخارجين عليه وتضليل من شك في بغيهما عليه؛ وهذا الحكم خاص بمن بلغه على ذلك وعرف الحكم فيه , وفيه قول إن من علم الحدث لا يسعه الشك فيه وإن جهل حكمه , بل عليه أن يسأل عن حكم ذلك حتى يعرف حكم الله , فيحكم فيه بعلم وبصر والله أعلم. (1/217)
صفحة 218
ذكر حروب محمد بن بور لعمان وقتل عزان بن تميم
وذلك أنه لما قتل من النزارية وغيرهم بالقاع أشتد الأمر على النزارية ومن معهم؛ وخرج محمد بن القاسم وبشير بن المنذر الساميان من بني سامة بن لوي ابن غالب وهم من عشيرة موسى بن موسى إلى البحرين , وبها محمد بن بور عاملا عليها للمعتضد من ملوك بن العباس , فشكيا إليه ما أصابهما من الفرقة اليمانية وسألاه الخروج معهما إلى عمان , وأطمعاه في أمور جليلة فأجابهما إلى ذلك وأشار عليهما أن يذهبا إلى الخليفة ببغداد ويذكروا له أمرهما , وإنهما قدما يريدان نصرته فسار محمد بن القاسم إلى بغداد وقعد بشير بن المنذر مع محمد بن بور , فلما (1/218)
صفحة 219
قدم محمد ابن القاسم على المعتضد ذكر له الأمر واستخرج منه لمحمد بن بور عهدا على عمان (1) ورجع إلى البحرين , وأخذ محمد بن بور في جمع العساكر من سائر القبائل وخاصة نزار وحصل معهم ناس من الشام من طئ؛ فخرج يريد عمان في خمسة وعشرين ألفا ومن معه من الفرسان ثلاثة آلاف وخمسمائة فارس عليهم الدروع والجواشن وعندهم الأمتعة , وفي ذلك يقول كاتب محمد بن بور:
أمن مبلغ عنا عمان وألها ... =ومقالا تنقاه حكيم مجرب
بصير بأسباب التصرف قلبه ... =يظن لك الظن الذي ليس يكذب
يرى في وجوه القوم ما في قلوبهم ... =ويعرف ما قالوا وهم عنه غيب
ألا فكلوا يا قوم من طيباتكم ... =ومن أعذب الماء المبرد فاشربوا
واقضوا لبانات النفوس فإنني ... =أرى نعمة أسبابها تتقضب
كأني بأهل الدين قد ندبوا لكم ... =فوارس لازالت لدى الرحل تطلب
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/219)
صفحة 220
فوارس من أبناء عدنان كلها ... =ملك فتى العباس ترضي وتغضب
ثم اتصل الخبر بأهل عمان فاضطربت عمان من كل جانب , ووقع الخلف والعصبية بين أهلها , فكانت النزارية ومن كان على رأيهم في حزب واليمانية في حزب , وتخاذل الناس عن الإمام عزان بن تميم وانقضت الأمور عليه , فخاف أهل صحار وما حولها من الباطنة فخرجوا بأموالهم وذراريهم وعيالاتهم إلى سيراف والبصرة وهرمز وغير ذلك من البلدان , وخرج سليمان بن عبدالملك بن بلال السليمي بولده وحرمه ومن خف معه من قومه فركبوا البحر في بعض السفن حتى قدموا إلى هرموز , فتحصل بها وأقام هناك إلى أن اتخذ بها دارا ومالا , وذلك حين بلغه ما وقع بعمان من جند ابن بور وأقام بهرموز واتخذها وطنا إلى أن مات ثم ابنه المهدي بن سليمان وكان أميرا عليها إلى أن مات فبقية ولده بها وبعضها انتقل إلى عمان.
وقدم محمد بن بور بجنوده وافتتح جلفا ووصل إلى توام يوم الأربعاء لست ليال خلون من شهر المحرم سنة ثمانين ومائتين بعد الحرب كانت بالرحا؛ واستولى على السر ونواحيها , وقصد نزوى وتخاذلت الناس عن عزان بن تميم , فخرج من نزوى إلى سمد الشأن ووصل محمد بن بور إلى نزوى , وسلمت له نزوى , ثم مضى قاصدا إلى سمد الشأن فلحق عزان بن تميم فوقع بينهم الحرب والقتال , واشتد الطعن والنزال , وذلك يوم الأربعاء لخمس بقين من صفر من هذه السنة , وكانت الهزيمة على أهل عمان , وقتل عزان بن تميم , وبعث محمد بن بور رأس عزان إلى المعتضد ببغداد , ورجع محمد بن بور إلى نزوى وأقام بها.
ثم إن الأهيف بن حمحام كاتب مشايخ عمان وقبائلهم من كل مكان يدعوهم إلى محاربة محمد بن بور وإخراجه من عمان , ويحثهم على ذلك؛ فأجابوه واقبلوا إليه فسار بعسكر ضخم وخميس جرار يريد محمد بن (1/220)
صفحة 221
بور , فخرج فيهم منير بن النير بمن تبعه من أهل جعلان , وكان يومئذ ابن مائة وعشر سنين , فبلع ذلك محمد بن بور فدخل الرعب في قلبه فخرج هاربا فأتبعه الأهيف بعساكره وكان الرأي أن لا يلحقوه بل يسيروا خلفه رويدا رويدا حتى يخرج من عمان فيرجعوا عنه لكن لله إرادة ليقضي أمرا كان مفعولا , فساروا مسرعين حتى لحقوه بدما فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر القتل والجراح في الفريقين , وقد كانت تكون الهزيمة على محمد بن بور وقد ألجأوه على سيف البحر , فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ركب من أهل قدمه وغيرهم من المضربة على كل جمل رجلان من قبل أبي عبيدة بن محمد السامي مددا لمحمد بن بور , فلما كانوا قريبا من العسكرين نزلوا عن رواحلهم وأخذوا أسلحتهم وحملوا مع محمد بن بور على الأهيف وأصحابه عند أعياء الناس بعد ما كادت تكون الهزيمة على محمد بن بور , فوقعت الهزيمة على أهل عمان , وقتل الأهيف بن حمحام وخلق كثير من عشيرته وغيرهم ولم يسلم من أهل عمان (1/221)
صفحة 222
إلا من تأخر أجله.
وقتل منير بن النير وهو أحد حملة العلم وهو من بني ريام رضي الله عنه وكانت هذه الوقعة بقرب مسجد الجامع من دما من الباطنة , وذلك يوم الأربعاء لست عشرين خلت من ربيع الآخر سنة ثمانين ومائتين , وقال في ذلك محمد بن دريد:
لا يفوت الموت منحدرا ... =أبقاه الغاب والغيل
مقرع الأكناف ذو لبد ... = ... مبرص الأوصال مجدول
إن دهرا فل حدهم ... = ... حده لا بد مفلول
ما بكاهم إن هم قتلوا ... = ... صبرهم للقتال تفضيل
إنما أخبر الحرب بأن ... = ... قد نالهم قوم أراذيل
نالهم من لا يحصله ... = ... في كرام القوم تحصيل
أعبد قن تصادرهم ... = ... قوم أسود تبابيل
فروا للهرب طرده ... = ... داما فيه تمهيل
بشيخ ثالط ودم=أخلصت منه السراويل
قيل والمقدار يحرسه= ... فنجا والسرج مبلول
فلما إنهزم أهل عمان رجع محمد بن بور على نزوى وجعل أعزة أهل عمان أذلة وقطع الأيدي والأرجل والآذان , وسمل الأعين وأحل على ألها النكال والهوان ودفن الأنهار وأحرق الكتب.
وكان فلج الملكي (1/222)
صفحة 223
من أزكي نهرا كبيرا يسقي حبوبا وله مائة وعشرين ساعدا فخربته النزار بعد أن ظهر محمد بن بور , فكانوا يدفنونه وهو يغلبهم , فقالت لهم راعيته عليكم بالصوف والشجر , فقال خذوا غنمها لما لم تقدروا على دفنه والله أعلم.
باب أحوال عمان بعد حروب ابن بور
وذلك أن محمد بن بور أراد الرجوع إلى البحرين فجعل على عمان عاملا رجلا يقال له أحمد بن هلال , وقال المسعودي: وهو ابن أخت الفتال , وجعل أحمد عاملا على سائر أهل عمان وكانت إقامته ببهلى , وجعل على نزوى عاملا يقال له بيحرة ويكنى أبا أحمد. فقيل له ذات يوم إن أبا الحواري ومن معه من الأصحاب يبرؤون من موسى بن موسى , فأرسل إلى أبي الحواري جنديا فوجده الجندي وهو قاعد على محراب مسجد ابن سعيد المعروف بأبي القسام وهو مسجد الشجي بعد صلاة الفجر يقرأ القرآن , فقال إن أبا أحمد يقول لك سر إليه , فقال أبو الحواري ليس لي به حاجة , وأخذ في القراءة فبقي الجندي متحيرا لا يدري كيف يفعل به حتى جاءه رسول بيحرة فقال له لا تحدث في أبي الحواري حدثا فرجع ولم يحدث في أبي الحواري حدثا وذلك ببركة القرآن العظيم , وقيل إن الجندي قال إنما دعوته ليقوم لئلا يطش دمه في المحراب؛ ولم يزل بيحرة عاملا على نزوى حتى قتلوه وسحبوه , وقبره معروف عندهم أسفل من باب (1/223)
صفحة 224
مؤثر قليلا في لجيأه هنالك على الطريق الجائز التي تمر إلى فرق يطرحون عليه السماد والجذوع.
ووجدت أن الجبابرة تغلبوا على أهل عمان يسومونهم سوء العذاب أربعين سنة , ولذلك بعد حرب محمد بن بور , ولعل هؤلاء الجبابرة كانوا من بني سامة وهم عشيرة موسى بن موسى؛ ففي تاريخ ابن خلدون بعد ذكر عمان قال: وكانت بها في الإسلام دولة لبني سامة بن لؤى بن غالب , قال وكثير من نسابه قريش يدفعونهم عن هذا النسب أولهم بها محمد بن القاسم السامي بعثه المعتضد وأعانه ففتحها وطرد الخوارج إلى نزوى قاعدة الجبال , وأراد بالخوارج المسلمين.
قال: وأقام الخطبة لبين العباس وتوارث ذلك بنوه وأظهروا شعار السنة أي سنتهم , قال ثم اختلفوا سنة خمس وثلاثمائة وتحاربوا , ولحق بعثهم بالقرامطة , وأقاموا فتنة إلى أن تغلب عليهم أبو طاهر القرمطي سنة سبع عشرة عند اقتلاعه الحجر , وخطب بها لعبيد الله المهدي وترددت ولاة القرامطة عليها من سنة سبع عشرة إلى سنة خمس وسبعين فترهب واليها منهم وزهد , وملكها أهل نزوى وقتلوا من كانوا بها من القرامطة والروافض , وبقيت في أيديهم ورياستها للأزد منهم.
قال ثم سار بنو مكرم من وجوه عمان إلى بغداد واستخدموا لبني بويه وأعانوهم بالمراكب من فارس , فملكوا مدينة عمان وطردوا الخوارج , يعني المسلمين , إلى جبالهم وخطبوا لبني العباس , ثم ضعفت دولة بني بوية ببغداد , فاستبد بنو مكرم بعمان وتوارثوا ملكها , وكان منهم مؤيد الدولة أبو القاسم علي ابن ناصر الدولة الحسين بن مكرم وكان ملكا جوادا ممدوحا قاله البيهقي , ومدحه مهيار اليلمي وغيره , ومات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة بعد مدة طويلة في الملك.
قال وفي سنة اثنتين وأربعين ضعف ملك بني مكرم وتغلب عليهم النساء والعبيد , (1/224)
صفحة 225
فزحف إليها الخوارج , يعني المسلمين؛ فملكوها وقتلوا بقيتهم؛ قال وانقطع منها رسم الملك وصار في حجار؛ والمراد بقوله وانقطع منها رسم الملك يعني قلهات؛ أي انتقل رسم الملك من قلهات صار الملك في حجار؛ قال وحجار في شماليها إلى البحرين بينهما سبع مراحل؛ قال وهي في جبال منيعة فلم تحتج إلى سور؛ قال وكان ملكها سنة ثماني وأربعين زكريا بن عبدالملك الأزدي من ذرية رياسة؛ قال وكان الخوارج بنزوى مدينة الشراة يدينون لهم ويرون أنهم من ولد الجلندى. أ. هـ كلامه والله أعلم بما ذكر؛ وليس لبني مكرم ذكر بعمان؛ ولا نعرف من هم ولكن أهل عمان يذكرون في كتبهم تغلب سلطان الجور عليهم بعد حروب ابن بو ر؛ وهم مع ذلك ينصبون الأئمة ويدفعون العدو والأيام دول والحرب سجال.
فيوم علينا ويوم لنا = ... ويوما نساء ويوما نسر
وفي بعض التواريخ أنهم عقدوا الإمامة على محمد بن الحسن بنزوى بعد قتل ببحرة في سنة اثنتين وثمانين ومائتين , وذلك بعد حروب ابن بور بسنتين وبعض الأشهر , ثم تتابعت الأئمة بعد ذلك والسلطان الجائر يحاربهم ويقاومونه ويغلبهم ويغلبونه حتى فرج الله ورجعت إلى المسلمين قوتهم ولله المنة وله الحمد كثيرا.
وفي سيرة محمد بن روح رحمه الله أن القرامطة جاؤوا إلى عمان في إمامة عمر ابن محمد بن مطرف الحداني وأنه اعتزل من بيت الإمامة , وأن القرامطة رجعوا إلى البحرين , وفي الأثر ما يقتضي أن ذهاب دولة القرامطة من عمان في أيام أبي المؤثر وانه أمر بحرق بيوتهم , فقال له قائل إن كان القوم مسلمين فلا يجوز حرق بيوتهم وإن كانوا مشركين فبيوتهم فئ للمسلمين ولا يجوز حرقها بعد ذهابهم , فأعرض عنه وقال لا بد للقوم من (1/225)
صفحة 226
مخاصم أحرقوها لئلا يرجعوا إليها , وهذا يقضي أن ذهاب القرامطة من عمان قبل الوقت الذي ذكره ابن خلدون في تاريخه , لأن أبا المؤثر كان قد أدرك إمامة المهنا وإمامة الصلت , وعاصر راشدا وموسى من بعدهم , وهو يومئذ ممن يؤخذ عنه العلم , وكان رجلا قد اخذ في السن وقد مات قبل الوقت الذي ذكره ابن خلدون في ذهاب القرامطة لآن المذكور في إمامة أبي القاسم سعيد بن عبدالله أن العاقدين عليه ولد ولد أبي المؤثر , وقد استشهد الإمام سعيد في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وذلك قبل الوقت الذي ذكره ابن خلدون بكثير من الأعوام , اللهم إلا أن يقال إن القرامطة رجعوا بعد تحريق بيوتهم في أيام أبي المؤثر , ثم ذهبوا بالكلية في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة والله أعلم بحقيقة الأمر.
والقرامطة قوم من الشيعة نسبوا إلى حماد قرمط ويقال لهم الباطنية لأنهم زعموا أن للقرآن ظاهرا وباطنا , وإن من وصل إلى معرفة باطن القرآن انحطت عنه التكاليف كلها , وزعموا أنه لا فرق بين هذا الواصل وبين من كان في الجنة , فأبطلوا شرائع الإسلام , وكان ذلك أعظم مطلبهم لأنهم كانوا من المجوس , وذكروا ما كان لهم من دولة وعزة وأنها ذهبت بدولة الإسلام؛ فحسدوا المسلمين وعملوا لهم المكائد وأضلوا ضعفائهم؛ وظهرت لهم دولة وصولة وقوتهم بالبحرين في قرية يقال لها جنابة وغزوا العراق وعمان والحجاز واقتلعوا الحجر الأسود؛ يريدون أن يجعلوه في بيت لهم بنوه في البحرين زعموا أنهم يصرفون العرب إلى حجة كما صنع ذلك الحبشي صاحب الفيل باليمن إذ بني كنيسة ليصرف الناس إلى حجها دون الكعبة؛ فجاء رجل من كنانة فتغوط بها فغضب الحبشي واجمع على هدم الكعبة؛ فرد الله كيده في نحره وكان مسيره وبالا عليه والله أعلم.
ثم إن قائمة من أهل الأحساء (1/226)
صفحة 227
[صفحة لم ترقن] (1/227)
صفحة 228
من أهل بيت ابن مقرب قاموا على القرامطة وحاربوهم سبع سنين حتى انتزعوا الدولة منهم؛ وفي ذلك يقول ابن مقرب من قصيدة له طويلة:
سل القرامط من شظى جماجمهم ... = ... فلقا وعادرهم بعد العلى خدما
من بعد أن جل بالبحرين شأنهم ... = ... وأرجعوا الشام بالغارات والحرما
ولم تزل خيلهم تغشي سنابكها ... = ... أرض العراق وتغشي تارة أدما
وحرقوا عبد قيس في منازلها ... = ... وصيروا العز من ساداتها حمما
وأبطلوا الصلوات الخمس وانتهكوا ... = ... شهر الصيام ونصبوا منهم صنما
وما بنوا مسجدا لله نعرفه ... = ... بل لكما أدربوه قائما هدما
حتى حمينا على الإسلام وانتدبت ... = ... منا فواص تجلو الكرب والظلما
وطالبتنا بنو الأعمام عادتنا ... = ... فلم تجد بكما فينا ولا صمما
وقلدوا الأمر منا ماجدا نجدا ... = ... يشفي ويكفي إذ ما حادث دهما
ماضي العزيمة عز غطارفة ... = ... لو زاحمت سد ذي القرنين لا نهدما
باب الأئمة المنصورين في هذه الفترة
وهي وقت تغلب بني سامة على عمان بواسطة سلطان الجور خليفة بغداد , قال أبو عبيدة محمد بن روح بن عربي من تلك الأمة محمد بن الحسن الخروصي النازل من أودية الرستاق وهو من اليحمد؛ قال بويع على الشراء فيما بلغنا وكان إماما شاريا ثم إنه اعتزل عن الإمامة وبايع أهل عمان من بعده لثمانية أئمة منهم من بويع على قطع الشرى فيما بلغنا؛ منهم من بويع على الدفاع.
ومن تلك الأئمة الثمانية الذين بويعوا على الإمامة من بعد اعتزال محمد بن الحسن عنها الصلت بن القاسم الخروصي النازل نزوى ثم من بعده عزان بن الهزبر المالكي (1/228)
صفحة 229
فلم يبايعهم على الشراء.
ثم إن السلطان تغلب على البلد وهرب محمد بن يزيد من محاضرته للسلطان بعسكرين عسكر بالسر وعسكر بالاعتاك , ثم عقد من بعده في حياته للحكم بن الملا البحري النازل بسعال , قال ابن روح: فلا نعلم إن إماما كان من أهل القبلة مثله في الضعفة والوهنة مسلما ولا مجرما , قال ثم إن الحكم ابن الملا اعتزل عن الإمامة وأقام السلطان عسكرا بنزوى إلى هذه الغاية يعني الوقت الذي هو فيه.
وقال أبو الحواري نحن نبرأ من أبي سعيد القرمطي ونبرأ ممن تلاه ونبرأ ممن وقف عنه ونبرأ ممن شك فيه بعد رجوعه من السوق إلى نزوى , قال: وأما عقد إمامته فلا نقول فيها شيئا وأما من بعد خروجه من نزوى ورجوعه إليها من بعد دخوله في القرامطة فنحن نبرأ منه من بعد ذلك إلى هذا اليوم وممن تولاه وممن وقف عنه وممن شك فيه , قال ولا ينبغي لعاقل أن يناظر في أبي سعيد ولا في عقد إمامته , قال وإنما كان يشبه لعب الصبيان؛ فمن تلكم في ذلك فينبغي أن يعرض عنه ويمقت ولا يلتفت إليه؛ قال وهذا من كلام السفاهة والحمق والضلالة.
قال أبو سعيد هذا القول معناه خاص فيمن علم من أبي سعيد ما يستحق به العداوة وعلم ممن تولاه أنه تولاه على ما لا تسعه ولايته عليه؛ وعلم ممن شك فيه أنه شك فيه بعد أن علم منه ما لا يسعه الشك فيه عليه؛ وقال أبي الحواري أن عثمان بن محمد بن وائل ويزيد بن حماد السعالي بايعا محمد بن يزيد إماما؛ وقد كان مع من خرج على الصلت بن مالك وكان من أصحاب راشد وكان واليا له على سمائل والعلفة يعرف ذلك الخاصة والعامة.
وقال يزيد بن حماد وأبو عبدالله بن النعمان ومحمد بن عبدالله أنهم اجتمعوا في المسجد منهم عثمان بن محمد بن وائل وأبو عبدالله بن النعمان ويزيد بن حماد ومحمد ابن عبدالله ومحمد بن خالد بن (1/229)
صفحة 230
يزيد وكتبوا بإمامة محمد بن يزيد إلى الرستاق؛ وخرج عثمان بن محمد ابن وائل وعلي بن محمد بن علي إلى الاعتاك يدعون إلى نصرة محمد بن يزيد فيما سمعنا؛ ولأبي المؤثر وأبي قحطان كلام في هؤلاء الأئمة وفيمن بايعهم.
قال أبو المؤثر قدموا راشدا يعني ابن النظر إماما ثانية على غلطة وخطئه ثم ضللوه وعزلوه؛ ثم أقام الصلت بن القاسم إماما ثم قدم عليه حمويه الفاسق ففر عنه فلم يذب عن الحريم فلما قضى حمويه غشمه وظلمه رجع الصلت إلى موضعه فأنفذ الأحكام وجني الصدقات وولى الولاة , وصلى الجمعة إلى أن رجع حمويه ثانية ففر الصلت بن القاسم فحاصره فدفع الله شر حمويه فانقلب صاغرا ولم يدخل الجوف , وكان فعل الصلت بن القاسم في هذا أحسن من فعله في المرة الأولى , فلم أحسن في فعله رجعوا عليه فبرؤا منه وخلعوه وكتبوا إلى المسلمين كتابا.
قال فالعجيب من ذلك أنهم رضوا به إماما في أسوأ فعله إذ فر , وخلعوه وهو محسن إذ دفع الله به شر حمويه عنهم , فهذه عجيبة من العجائب؛ قال عادوا فقدموا الصلت ثانية, فالعجب منهم ومن الصلت فإن يكونوا مخطئين في عزله وفي خلعه , فقد كان ينبغي أن لا يتخذهم وزراء ولا يؤمنهم على البيعة ولا يقربهم في موازرته إذ خلعوه وهو مصيب وهم مخطئين , وإن يكن الصلت مخطئا فالعجب منهم إذ رجعوا إليه وردوه إماما على خطئه , وإن قالوا قد تبنا واستتبناه , فقد اتخذوا دينهم لهوا ولعبا إذ يظهرون الخطيئة ويبطنون التوبة وقد عظم خطؤهم على لبسهم الأمور بعضها ببعض , ولبس الحق بالباطل وكتمانهم الحق وهم يعلمون فاتقوا الله يا أهل عمان وراجعوا إلى ربكم يعد الله عليكم وادخلوا في الباب الذي خرجتم منه, وراجعوا إلى الأصل الذي تفرقتم عنه , ولدين الله الذي لا عوج فيه , وللحق الذي لا باطل معه والعدل الذي لا يشوبه الجور , وتعاونوا على البر والتقوى وكونوا بني الإسلام والقوا عنكم الحمية (1/230)
صفحة 231
والعصبية , ولا تعازوا بالعشائر , وليكن عزمكم بالله وبدينه وبسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم , ودعوا عنكم اللجاج واخضعوا للحق وتراضوا له , وانزلوا للمحدثين حيث انزلوا أنفسهم , واجتمعوا وكاتبوا إلى وطئ ثار أسلافكم.
قال: فإذا اجتمعتم فبايعوا إماما من أحزمكم على الخير , وأصبركم على الجهاد وأبعدكم عزما , وأوفاكم على أمر الله عهدا ثم انصروه بأموالكم وأنفسكم , فقد تعلمون أنه لم يبق من الجور شيء أمراء ظلمه وأجناد غشمه , وقطاع الطرق قد صدوا الناس عن أسفارهم وقضاء حوائجهم؛ وفساق القرى قد استطالوا على الناس يسفكون دمائهم ويغصبون أموالهم ويروعونهم في منازلهم.
قال ثم داهية هي أعظم وأفحش كفرا , قوم يدعون إلى تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم , يعني القرامطة يدعون إلى تحريف تأويل القرآن لم يمكنهم إبقاء التأويل والتنزيل معا, فجعلوا يبطلون التأويل ويحرفون الكلم عن مواضعه لأنهم حتى حرفوا تأويله بما لم يسمعه الله قصدوا إلى إبطال تنزيله , وفي الحق عليكم إن تدعوا لذلك وتتفرغوا لدينكم وأحسابكم , لأنهم يستحلون فيما بلغنا قتل الأطفال وسبي الحرم ويضربون الأمثال في ذلك , ويقرلون إذا قتلت العقرب فلك أن تقتل أولادها , يتأولون دعوة نوح عليه السلام على قومه (رب لا تذرني على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) يقصدون إلى أهل الجفا ومن يستحل أكل أموال الناس بغير دين؛ فكيف إذا منوهم الخلود ووعدوهم استباحة القرى.
فالله الله قبل أن تنزل بكم العقوبة؛ فليجتمع منكم عشرون رجلا إلى هؤلاء القوم فيسألونهم (1/231)
صفحة 232
عما يدعون إليه؛ فإن ناظروكم فناظروهم؛ وإن طووا عنكم فاعدوهم وأجيبوهم؛ ولا تأمنوا أن يجمعوا عليكم الأعراب واللصوص وقطاع الطرق؛ ثم بيتوا على قرية من قراكم فيستبيحونكم ويغلظ جمعهم بالفساق؛ ثم يعسر عليكم دفعهم؛ فأدركوا قبل أن يفرتكم الأمر؛ وتندموا على ما فاتكم؛ وقد أعذرنا إليكم ونصحناكم والله شاهد على ما نقول ويقولون.
وقال أو قحطان رجعوا إلى راشد يعني ابن النظر بعد أن كان في السجن خليعا مقيدا محبوسا أسيرا فقعدوا له إماما وقصروا الجمعة وجبوا الزكاة وباع راشد الصوافي ثم خذلوه وتركوه ثم خلعوا معه الإمامة وفرضها؛ وما أوجب الله تعالى فيها على أهلها لعبا ولهوا؛ كلما أراد صافقوا رجلا ببيعة ثم خذلوه حتى بايعوا ست عشرة بيعة وأقل أو أكثر لم يفوا بواحدة؛ ولا ساروا بحق الإمامة ولا اتبعوا ولا من قدموه في بيعتهم سبيل الأسلاف من المسلمين.
قال بايعوا راشد بن النظر ببيعتين وبايعوا عزان بن تميم وبايعوا الصلت بن القاسم بيعتين وبايعوا الحواري بن عبدالله؛ وبايعوا أبا سعيد القرمطي وبايعوا محمد بن الحسن؛ وبايعوا الحسن بن سعيد وبايعوا الحواري بن مطرف بيعتين؛ وبايعوا عمر بن محمد بن مطرق , وبايعوا محمد بن يزيد , وبايعوا الحكم بن ملا بيعتين , وبايعوا عزان بن الهزبر.
قال ولم نكتب بيعتهم أولا بأول وإنما سميناهم , قال وعزان بن الهزبر كانت بيعته قبل بيعة الحكم بن الملا وغيره. قال فأما عزان بن الهزبر فلسنا ننقم عليه في بيعته أكثر من أنه لما ولي الأمر لم يظهر دعوة المسلمين , ولم يظهر دينه للناس , وكان من أهل دينه وممن يخالفه في عسكره مجتمعين على غير بيان والحق واحد , والمسلمون لم (1/232)
صفحة 233
يقبلوا من عمر بن عبدالعزيز , وقد كانت سيرته محمودة معهم , إلا أن يظهر دين المسلمين , ولم يقبلوا منه غير ذلك , ولآخر تبع للأول قال وإذا جاز لعزان الإمساك جاز لغيره , قال وقولنا فيه قول المسلمين.
ثم نعت الناصبين لهم بأنهم ممن غير أثر الأسلاف واتخذ رأيه وهواه دينا ويقدمون رجلا ويسمونه بالإمامة؛ ويقصرون الصلاة خلفه , ويجبون الجزية والزكاة , حتى إذا خرج عليه وعليهم العدو خذلوه , وأقام من أقام منهم مع من خرج عليه من الأجناد يحث في صلاح البلاد والقيام بالخراج وعدد الأموال , حتى إذا خرج السلطان قدموه أو غيره إماما , وخطبوا له الخطب ودعوا له بالإمامة وقصروا الصلاة – يعني الجمعة – وجبوا الزكاة.
قال فهم يخلفون الجائر على الرعية يجبونهم , فالسلطان يجبي حينا وهم يجبون حينا , فقد اجتمعت جبايتهم وجباية الأجناد في أيام الحواري بن مطرف , قال وما نعرف من آثار الأسلاف , وفي آثار أسلافنا أنهم قالوا: ولا نجبي جزية ولا صدقة حتى نكون على الناس حكاما؛ ولا نبعث جباتنا يجبون أرضا لم نحمها ولم يجر فيها حكمنا , ولا نمنع من جبتنا من الظلم والعدوان. قال وبهذا ندين ومن خالف المسلمين برئنا منه , انتهى تلخيص ما أردنا نقله من كلام أبي المؤثر وأبي قحطان , وفيه من النقد ما فيه , والله أعلم بحال أولئك الأئمة وبحال أولئك العاقدين , وكلام أبي الحواري ومحمد بن روح أهون حالا من قولهما؛ وما غاب منا علمه فلا يلزمنا حكمه والله أعلم. (1/233)
صفحة 234
باب إمامة الإمام سعيد
ابن عبدالله بن محمد بن محبوب رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل الجنة مستقرهم ومثواهم
وهو من ولد محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي، قالوا وسيف بت هبيرة هذا فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه المسلمون بعد تلك البلايا والمحن، وجمع الله به الشمل، وأراح به العباد، وأحيا به البلاد، ولم أجد في شيء من السير تاريخا لوقت بيعته، غير أن ظاهر الحال يقضي بان بيعته كانت في السنة العشرين بعد الثلاثمائة؛ وذلك إني وجدت أن أهل عمان بقوا في هوان من الجبابرة أربعين سنة وذلك بعد وقعة بن بور، وكانت الوقعة في سنة مائتين وثمانين فتمم الأربعون بدخول العشرين بعد الثلاثمائة.
وسعيد بن عبدالله ممن أجمع المسلمون على ولايته وإمامته، فلم يطعن فيه طاعن ولم يقدح في سيرته قادح، وأول من عقد له الإمامة أبو محمد الحواري بن عثمان ثم أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر ثم محمد بن زائدة السمائلي.
قال أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر: إن بيعة الإمام أبي القاسم سعيد بن عبدالله جرت على الدفاع لا على الشراء؛ وكان يثني عليه في العلم ما لا يبلغ إلى صفة ذلك.
وقال محمد بن روح: كان الإمام سعيد بن عبدالله أعلم الجماعة الذين كانوا معه. قال أبو سعيد: وقد كان معه أبو محمد الحواري بن عثمان وعبدالله بن محمد ومحمد ابن الحسن ومحمد بن زائدة مع نفر لا ينكر في الدار فضلهم، ولا يجهل عدلهم. وقال أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر رحمه الله: لا نعلم في أئمة المسلمين كلهم بعمان أفضل من سعيد بن عبدالله إلا أن يكون الجلندى بن مسعود.
وقال أبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر: إن الإمام سعيد بن عبدالله أفضل من الإمام الجلندى بن مسعود.
قال أبو سعيد: وما أحقه بذلك، فإنه كان إماما عادلا؛ صحيح الإمامة من أهل الاستقامة، (1/234)
صفحة 235
عالما في زمانه، لعله يفوق في العلم أهل زمانه أو كثيرا منهم، ومع ذلك قتل شهيدا رحمه الله وغفر له ونحوه.
قال أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر: إلا أنه وقف في تفضيله على الجلندى.
(قلت) ولا أعدل بالجلندى إماما في عمان؛ فإنه وقع في جمع الصفات الثلاث: العلم والعدل والشهادة، مع ما جمع الله له من الصفات التي لا تكاد توجد في غيره فرحم الله تلك الأوصاف، ورضى الله عنه وعن أئمة المسلمين.
قال أبو سعيد: فتظاهرت الأمور معنا من أهل الدار ممن ينتحل نحلة الحق على الإجماع على ولاية الإمام سعيد بن عبدالله رحمه الله، وهو ولينا وإمامنا إن شاء الله.
وكان من عدله وضبطه للرعية رضي الله عنه ما يحكى أنه ركض بقومه على حجرة بنزوى فاستفتحها وفقد أهلها بعد خروج القوم رزة باب؛ وشكوا إليه فطلبها حتى أتى بها بعينها وردها إليهم (ويوجد) أن حلقة حديد في رز باب قلعت من معسكر أصحاب يوسف بن وجيه فاتهم رجل أنه قلعها فحبسه الإمام سعيد بن عبدالله وكان ذلك بنزوى؛ ويوسف بن وجيه هو السلطان الذي حاربه الإمام حتى غلب عليه، وظهر الحق على رغم الأعداء؛ وسيأتي ذكره في باب الجبابرة، وللإمام إليه كتاب يذكر فيه حسن سيرة المسلمين في محاربته، وذكر له فيه أمر الحلقة التي حبس المتهم بها، ويأتي ذكر طرف من الكتاب عند ذكر يوسف بن وجيه إن شاء الله تعالى.
وقيل: أن أبا سعيد رضي الله عنه كان خزانه على المحبوسين منذ بلغ الحلم، وكان لأبي سعيد يومئذ نخلة وخمرة وهي شجرة العنب، قيل أنه يأكل من ثمر النخلة بلا خبز ولا حلاء؛ وله ثلاث نسوة موسرات لا يأكل من مالهن شيئا؛ وقد أخذنه لأجل علمه، وأحسب أنه كان يقسم ثمرة النخلة على السنة والخمرة للكسوة فيما قيل، هذا هو الزهد (1/235)
صفحة 236
لمن عقله؛ هذا خازن السجانين، فما ظنك بأمراء الجنود وولاة القرى وقضاة الأحكام؛ بل ما ظنك بالإمام.
رضوا من الدنيا بفوت الأكل =وفارقوا الغيد ذوات الكلل
لم تختلبهم بالعيون النجل ولا بفضفاض نعيم دغفل
ولا سماع من غناء زجل =صم عن اللهو وقول الهزل
قد ألفوا كل علندي أفتل=عالي التليل أرحبني عنسل
يغشونه كل نجاد جرول=وكل مطموس الصوى من الفل
في طلب الفضل وفي التفضل=وعز دين الله بالترحل
إلى أولى البسطة والتطول
(
ونحو هذا) ما يحكى عن أبي الحواري أنه كان فقيرا يأكل ثمر الأثب زهدا وتعففا، والأثب شجر ينبت على الأودية وعلى جوانب الجبال، وهو غير مملوك وربما قبل صدقة بعض إخوانه فيبيعها ويشتري بها حلا للسراج؛ ونحوه ما يوجد في بعض آثار المسلمين إنه وبخط يحيى بن أبي زكريا. قال أخبرني أبو عبدالله بن محمد بن عمر بن أبي الأشعب أنه كان بقرية منح رجل عفيف له نخلة واحدة وكان يغدو إلى خارج البلد يصلي ما شاء الله، فإذا أراد أن يعود حمل قفير سماد فجعله تحتها؛ فإذا حملت فأدركت عد ثمرتها وقسمها على السنة، وجعل لكل يوم شيئا معلوما يأكله بلا إذام ولا خبز؛ وكان ذلك دأبه ولا يأكل غيرها، وكان أبدا صائما حتى مات.
قال وبلغني أن النخلة بقيت إلى أيام الخليل بن شاذان؛ وأن مركز أمتها بلغت الجزرة الأولى اثني عشر جذعا , وقيل إن بعضهم كان يأكل ورق الأشجار زهدا وتعففا؛ ويوجد إن الإمام سعيد رضي الله عنه كان في بعض أسفاره فأخر الظهر إلى العصر , (1/236)
صفحة 237
ونسي أن يجدد النية في تأخيرها لقصد الجمع؛ وأنه كفَّر عن ذلك التأخير , ومن المعلوم أن الناسي معذور , فالتكفير منه رضي الله عنه زهد وورع وهو نظير ما يحكى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أخر المغرب يوما إلى أن ظهرت ثلاثة نجوم , فأعتق ثلاثة أعبد؛ ما أشبه الآخر بالأول وما أشبه الليلة بالبارحة.
ورأى رضي الله قوما كان قد عاقبهم في شيء , فرآهم في الشمس , وكان قد غفلهم أمين السجن فغضب وقال: في الشمس أمانتي؟ أو نحو هذا من كلامه. واستشهد رضي الله عنه في وقعة بمناقي في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة , ولم أجد ذكر هذه الوقعة في شيء من الكتب , وما ذكره في كشف الغمة وغيره في سببها فتلك قضية أخرى وقعة بالغشب من الرستاق في إمامة راشد بن الوليد , قتل فيها عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر , وسنذكرها في محلها إن شاء الله تعالى.
فإن صح ما تحريناه في أول إمامة أبي القاسم أنها كانت في سنة عشرين وثلاثمائة فإن إمامته رضي الله عنه تكون ثمان سنين وإن لم يصح ذلك , فالله أعلم بذلك وبغيره.
وقيل لما قتل الإمام سعيد بن عبدالله رحمه الله لم يزل الباقون من شراته على ما هم عليه من قطع الشرى والله أعلم.
باب إمامة راشد بن الوليد رضي الله عنه
وكانت بعد إمامة سعيد بن عبدالله ولعدم التواريخ لم أقف مع شدة البحث على وقت العقد عليه ولا على وقت وفاته ولا على ذكر شيء من حروبه , ولم أجد ذكر نسبه إلا ما وجدت في بعض القراطيس الغير الموثوق بها أنه كان كنديا وما كان معولهم على الأنساب , بل على التقوى والعلم والورع والفضل , وقد أطب أبو سعيد رضي الله عنه في وصف راشد بن الوليد فقال: كان رحمه (1/237)
صفحة 238
لرعيته هنيا رفيقا بآرائهم شفيقا غضيضا من عورانهم مقيلا لعثراتهم بعيد الغضب عن مسيئهم قريب الرضى عن محسنهم مساويا في الحق بين شريفهم ودنيهم؛ وفقيرهم وغنيهم , وبعيدهم وعشيرهم؛ منزلا لهم منزل , متفقدا لأمورهم وأحوالهم مشاورا منهم لمن هو دونه , قابلا مشاورتهم ما يأمرنه به يتجشم من رعيته الصبر على الكروب ومفارقة السرور والمجبوب , ويصبر منهم على الشتم والأذى ويسمع منهم الخنى والقذى.
قال وكان ظاهر الإيمان عليه شواهد الفضل والإحسان ناهيا عن الشر والبهتان صادق الفعال واللسان , ورعا عن المحارم مجتنبا عن المآثم , عاملا بما علم سائلا عما نزل به ولزم؛ متواضعا لمن هو فوقه؛ متعطفا على من هو دونه؛ كاظما للغيظ بعيد الغضب؛ سريع الرضى , محتملا للأمة , حريصا على إصلاح المسلمين , رءوفا رحيما بالمؤمنين؛ متوشحا بكريم الخلاق , صبورا عند مضائق الخناق , مستقيما على الحقيقة؛ قاصدا قصد الطريقة , فرحم الله تلك المهجه وتلك الأوصال , وتفضل علينا وعليه بالمن منه والأفضال , وجمعنا وإياه على جزيل ثوابه وكرامته وفعل ذلك لك مؤمن ومؤمنه إنه أرحم الراحمين , وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا كلام أبي سعيد في نعته والترحم له؛ وناهيك برجل يثني عليه أبو سعيد هذا الثناء , ثم ذكر من سيرته ما سنذكره , ولولا أن أبا سعيد ذكر هذا الطرف من سيرته لغاب عنا علمه كما غاب عنا علم غيره من الأئمة؛ وذلك كله للإهمال التاريخ وقلة الاعتناء به , وإن للتاريخ فضل عظيما لا يقدر قدره.
قال أبو سعيد: كانت بيعة راشد بن الوليد رحمه الله على الدفاع , قال وأول من بايع له أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر مع جماعة معه هم في زمانهم كأمثال المبايعين لسعيد بن عبدالله.
ثم ذكر منهم (1/238)
صفحة 239
أبا مسعود النعمان بن عبدالحميد , وأبا محمد عبدالله بن محمد بن أبي شيخة؛ وأبا عثمان رمشقي بن راشد , وأبا محمد عبدالله بن محمد بن صالح , وأبا المنذر بن أبيّ بن محمد بن روح.
قال وقد كانوا عرفوا من بعضهم لبعض تعاتبا في أمر موسى بن موسى وراشد ابن النظر , فلما عزموا على عقد الإمامة لراشد بن الوليد تداعوا إلى الاجتماع على سبب يعرفونه في ذلك , فاجتمعوا هم وغيرهم إلا أبا مسعود النعمان بن عبدالحميد فإنه لم يحضر ذلك قبل العقدة , فاجتمعوا في بيت كان ينزل فيه راشد بن الوليد , وكان المقدم فيهم أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر , فاجتمعوا جميعا على أن الواقف عن موسى وراشد والمتبري منهما جميعا في الولاية , وأنهما جميعا مؤتمنان على دينهما في ذلك , ولم نعلم من أحد منهم أنه برئ بغير حق؛ أو وقف بغير حق. ثم بايعوا الإمام راشد بن الوليد على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وعلى الجهاد في سبيل الله وعلى سبيل الدفاع وعلى إتباع سبيل أئمة العدل قبله قسطا وعدلا.
قال وعلى هذا بايعه أبو محمد عبدالله بن محمد في المنزل الذي كان ينزل فيه من نزوى؛ ثم بايعه من بعده أبو مسعود على نحو ما بايعه أبو محمد؛ بايعت الجماعة على نحو من ذلك وقبل منهم البيعة , وخرجوا على الناس بالبطحاء من نزوى في جماعة من أهل عمان من نزوى ومن سائر أهل القرى من شرق عمان وغربها من أهل العفاف منهم والفضل والجاه والرياسة؛ مستمعون لذلك مطيعون؛ لا يظهر لأحد منهم كراهية ولا نكير.
ثم قام أبو محمد عبدالله بن محمد بن شيخة خطيبا على رأسه بين الجماعة فخطب له بالإمامة وأخبر الناس بأن الجماعة قد بايعت له على الإمامة , وأمر الناس بالبيعة له فبايعوا له شاهرا ظاهرا.
قال وكان ممن بايع له ذلك اليوم بحضرته (1/239)
صفحة 240
عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر وعبدالله ابن محمد بن شيخة يبايع ناحية , قال وأرجو أن أبا مسعود كان يبايع له ناحية وعيرهم من الناس.
قال ودخل الناس في بيعته أفواجا , ووفد إليه على ذلك الوفود وأخذ عليهم المواثيق والعهود , قال: وبعث العمال والولاة في القرى والبلدان فلم يعترض عليهم أحد , قال فصلى بنزوى الجماعات وقبض هو عماله الصدقات وجهز الجيوش وعقد الرايات وأنفذ الأحكام وجرت له في ما شاء الله في المصر الأقسام. قال ولم تبق بلد من بلاد عمان لم يغلبوا عليها السلطان إلا وجرت فيه أحكامه وثبتت عليهم أقسامه، وأقر في ظاهر الأمر أنه إمامه من غير أن يظهر منه في شيء من سيرته ولا علانيته ولا سريرته شدة ولا غلظة يخاف بها ويتقى، ولا هوادة ولا ميل يطمع فيه بذلك ويرتجى، فيصانع عن تقية؛ أو يخدع ليطمع ورجية، ثم وصفه بما تقدم، وذكر أن أبا محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر قتل في وقعة الغشب من الرستاق في سيرة الإمام راشد بن الوليد وفي طاعته؛ ولم يذكر قصة الوقعة ولعلها هي التي ذكرها غيره؛ وجعلها سببا لقتل الإمام سعيد بن عبدالله في مناقى، ونذكرها هنا لأنها أنسب بالمقام، وفي الظن أنها هي السبب في قتل عبدالله بن محمد؛ وإنما اشتبهت القصتان على الناقل.
قيل أنه كانت امرأة من أهل الغشب من الرستاق مروحة حبا على الشمس، فجاءت شاة فأكلت من الحب فرمتها بحجر فكسرت يدها، فجاءت صاحبت الشاة فجعلت تضرب المرأة التي رمت الشاة؛ فاستغاثت بجماعتها، فجاء أحد من جماعتها وجاء أحد من جماعة الأخرى فكان لكل فريق يثيب فريقه، ووقعت بينهم صكة عظيمة، فجاء الإمام ومعه أحد من عسكره على معنى الحاجزين بين الفريقين، فقتل في تلك المعركة، والله أعلم.
وذكر في بيان الشرع كتابا عن الإمام راشد بن (1/240)
صفحة 241
الوليد إلى عامله الحكم بن كبيش عنوان الكتاب: من الإمام راشد بن الوليد إلى عامله الحكم بن كبيش، ونص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. من الإمام راشد بن الوليد إلى عامله الحكم بن كبيش، سلام عليك، أما بعد، عافانا الله وإياك من النار برحمته، قد علمت رحمك الله ما كان في يد محمد بن شريح من الصوافي أيضا من أن حصادها قد آن، فإذا جاء وقت ذلك فاحضروا حصى سلعن ما يصلن () ويكون الحب مع إبراهيم ابن محمد بن إبراهيم، وتعرفني حتى آمرك في ذلك ما تعمل لحسبه إن شاء الله، مكتوب الجواب في ظهر الرقعة: بسم الله الرحمن الرحيم الصافية التي في يد ابن شريح سبعة وثلاثون جريا، وجريان غير مكوك قمزه، وخمسة وعشرون جريا وسبع مكائك.
ذكر خروج سلطان الجور على الإمام راشد بن الوليد
ولعل هذا السلطان كان من عمال بني العباس لما قدمنا من اعتنائهم بعمان بعد دخول ابن بور فيها، وذلك أن سلطان الجور قد خرج عليه حتى نزل السر وخرجت رعايا الإمام لمظاهرته ومعاونته، ونبذوا عهودهم وراء ظهورهم؛ فخرج الإمام في طلبهم ليردهم فلحقهم ببهلى، فأراد أن يردهم فأبوا، وأراد أن يقهرهم على الرجوع فعصوا وأظهروا له العداوة والعصيان، وخرجوا معاندين إلى السلطان فبقى الإمام في الضعفاء من أصحابه بعد أن خذله الأكثر منهم، وخرج من بهلى إلى كدم؛ ورأى أنه قد أخذ في ذلك بالحزم والاحتياط، ثم جاء السلطان بمن معه حتى دخلوا الجوف، فخاف الإمام ومن معه لقتلهم، فانحاز بهم إلى وادي النخر استبقاء منه على من معه من ضعفاء المسلمين، ودعا إلى حرب السلطان من أجابه واستنصر بمن قدر عليه، فجيش أنصاره وأعوانه وأرسلهم (1/241)
صفحة 242
إلى حرب السلطان، وقعد هو ومن لا غنى له عنه بمشورة من أشار إليه بالتخلف من إخوانه رجاء منهم لبقاء رايتهم ما بقى إمامهم، وكان موقفه يومئذ غير بعيد عن موضع القتال، وكان السلطان بنزوى، فالتقت سرية الإمام بجند السلطان، فنشب بينهم القتال، وانهزمت سرية الإمام وتفرقت جماعته وزالت رايته، وكان ذلك ضحوة النهار، فما كان العشى من ذلك اليوم حتى تفرق عنه جميع من كان معه، فاستولى السلطان الجائر على جميع عمان، وبقي الإمام في رءوس الجبال خائفا يترقب، فطالع في أمره واستشار وأخذ بالرخصة من قول الأخيار أن المدافع تسعة التقيت إذا خذلته الرعية.
قال أبو سعيد: وذلك مما لا نعلم فيه اختلافا؛ فألقى بيده على منزله فأرسل إليه السلطان رسولا يعطيه منه الميثاق بالأمان. قال أبو سعيد فأعطاه ذلك بلسانه؛ قال ولم يبلغنا بحمد الله أنه عرضه ليمين ولا كان إلى باب السلطان من الوافدين؛ وإنما السلطان وصل إليه واضطره إلى ذلك وجبره قال فزانت معنا هنالك إمامته وثبتت للعذر الواضح ولايته. قال فلبث بعد ذلك قليلا محمودا ومات عن قريب من ذلك مفقودا.
قال وكان في عامة أموره غريبا معدوما؛ ولم يكن عند أحد من أهل الخبرة في أموره ملوما ولا مذموما، فجزاه الله عن الإسلام وأهله لما قدم فيه من حقه وعدله، وعنا وعن جميع من عرف صحيح فضله ما جزى إماما عن رعيته وأخا بصحيح إخوته.
وذكر المضيف على بيان الشرع أنه وجد أن دار عمان صارت دار كفر نفاق لا كفر شرك لعشرين يوما من ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وهذا الوقت هو وقت (1/242)
صفحة 243
غلبة سلطان الجور على عمان وخذلان أهل عمان لإمامهم راشد ابن الوليد فيما يظهر من سياق التاريخ؛ فإن كان عقد الإمامة عليه بعد سعيد بن عبدالله حالا فتكون إمامته فوق أربع عشرة سنة، ثم صار الأمر من بعده لسلاطين الجور حتى أغاث الله عباده باجتماع الكلمة ونصب الخليل بن شاذان وسأل أبو سعيد بن سلاطين الجور الذين كانوا في زمانه: أيكونون مثل خردلة الجبار الذي أجاز أبو الشعثاء قتله غيلة؟ فقال هم أشد من خردلة، والله أعلم.
وفي كامل ابن الأثير: في حوادث سنة ثلاث وستين وثلاثمائة قال: ذكر ملك عضد الدولة عمان في هذه السنة استولى الوزير أبو القاسم المطهر بن محمد وزير عضد الدولة على جبال عمان ومن بها من الشراة في ربيع الأول، قال وسبب ذلك أن معز الدولة لما توفي وبعمان أبو الفرج بن العباس نائب معز الدولة فارقها؛ فتولى أمرها عمر بن نبهان الطائي، وأقام الدعوة لعضد الدولة، ثم أن الزنج غلبت على البلد ومعهم طوائف من الجند فقتلوا ابن نبهان وأمروا عليهم إنسانا يعرف بابن حلاج، فسير عضد الدولة جيشا من كرمان واستعمل عليهم أبا حرب طغان، فساروا في البحر إلى عمان، فخرج أبو حرب من المراكب إلى البر؛ وسارت المراكب في البحر من ذلك المكان فتوافوا على صحار قصبة عمان، فخرج إليهم الجند والزنج؛ واقتتلوا قتالا شديدا في البر والبحر؛ فظفر أبو حرب واستولى على صحار؛ وانهزم أهلها.
قال وكان ذلك سنة اثنتين وستين؛ ثم إن الزنج اجتمعوا إلى بريم وهو رستاق بينه وبين صحار مرحلتان؛ فسار إليهم أبو حرب؛ فأوقع بهم وقعة أتت عليهم قتالا وأسرا فاطمأنت البلاد.
قال ثم أن جبال عمان اجتمع بها خلق كثير من الشراة وجعلوا لهم أميرا اسمه ورد بن زياد وجعلوا لهم خليفة اسمه حفص بن راشد فاشتدت شوكتهم؛ فسير عضد الدولة المطهر بن عبدالله في البحر (1/243)
صفحة 244
أيضا، فبلغ إلى نواحي حرفان من أعمال عمان؛ فأوقع بأهلها وأثخن فيهم وأسر، ثم سار إلى دما وهي على أربعة أيام من صحار، فقاتل من بها وأوقع بهم وقعة عظيمة، قتل فيها وأسر كثيرا من رؤسائهم، وانهزم أميرهم وردوا إمامهم حفص، واتبعهم المطهر إلى نزوى وهي قصبة تلك الجبال فانهزموا منه؛ فسير إليهم العساكر فأوقعوا بهم وقعة أتت على باقيهم وقتل ورد وانهزم حفص إلى اليمن؛ فصار معلما وسار المطهر إلى مكان يعرف بالشرف به جمع كثير من العرب نحو عشرة آلاف فأوقع بهم. قال واستقامت البلاد ودانت بالطاعة، قال ولم يبق فيها مخالف، هذا كلامه والله أعلم بصحته.
وحفص بن راشد إنما نصب إماما بعد موت أبيه الإمام راشد بن سعيد رضي الله عنه؛ وذلك في المحرم من سنة خمس وأربعين وأربعمائة؛ ولم يذكر أحد من مؤرخي أصحابنا خروج سلطان العراق على حفص بن راشد ولم يذكروا أنه عزل عن إمامته ولا أنه خرج من عمان؛ وإنا لنشك في رواية قومنا فيما شاهدوه فكيف نثق بهم فيما غاب عنهم مع أنهم إنما أخذوا أخبار ذلك من بعض أجناد الظلمة القادمين على حرب المسلمين، فيحتمل أن يكون قد اختلط عليهم الأمر؛ ويمكن أن يعتمدوا الزيادة والنقص، وبالجملة فإنا نعلم من سياق (1/244)
صفحة 245
التاريخ أن الظلمة قد عاثوا في عمان وتولوا أمرها من بعد أن خذل الإمام راشد بن الوليد إلى أن نصب الخليل بن شاذان، ومدت ذلك نحو خمس وستين سنة تقريبا، والله غالب على أمره.
باب ذكر الجبابرة الذين تولوا عمان بعد الأئمة في الزمان الأول
وقد تقدم الكلام في الجبابرة الذين كانوا قبل الأئمة. وذكر ابن خلدون في تاريخه أن عمان كانت بها في الإسلام دولة لبني سامة بن لؤي. قال وكثير من نسابه قريش يدفعونهم عن هذا النسب، أولهم بها محمد بن القاسم السامي، بعثه المعتضد وأعانه ففتحها وطرد الشراة إلى نزوى قاعدة الجبال؛ قال وأقام الخطبة لبني العباس وتوارث ذلك بنوه وأظهروا شعر السنة، يعني سنة القوم، قال ثم اختلفوا سنة خمس وثلاثمائة وتحاربوا ولحق بعضهم بالقرامطة؛ وأقاموا في فتنة إلى أن تغلب عليهم أبو طاهر القرمطي سنة سبع عشرة عند اقتلاعه الحجر؛ وخطب بها لعبيد الله المهدي وترددت عليها ولاة القرامطة (1/245)
صفحة 246
والروافض وبقيت في أيديهم ورياستها للأزد منهم.
قال ثم سار بنو مكرم من وجوه عمان إلى بغداد واستخدموا لبني بويه وأعانوهم بالمراكب من فارس، فملكوا مدينة عمان وطردوا الشراة إلى جبالهم، وخطبوا لبني العباس، ثم ضعفت دولة بني بويه، فاستبد بنو مكرم بعمان وتوارثوا ملكها قال وكان معهم مؤيد الدولة أبو القاسم علي بن ناصر الدولة الحسين بن مكرم؛ وكان ملكا جوادا ممدوحا، قاله البيهقي ومدحه مهيار الديلمي وغيره. ومات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة بعد مدة طويلة في الملك، وفي سنة اثنتين وأربعين ضعف ملك بني مكرم وتغلب عليهم النساء والعبيد فزحف إليها الشراة وملكوها وقتلوا بقيتهم (قلت) وبنو سامة هم رهط موسى بن موسى، ومحمد بن القاسم هو الذي ركب إلى محمد بن بور بالبحرين يستنصره. ثم منه إلى المعتضد ببغداد؛ وجاء بالعساكر إلى عمان على حسب ما قدمنا ذكره؛ فقويت بذلك شوكة الجبابرة وانحل نظام الخلافة، وصار الأمر دولة بين أهل الجور.
ومن جملة سلاطين عمان يوسف بن وجيه، وكان قد ملك ناحية من عمان؛ وكان معاصرا للإمام سعيد بن عبدالله رضي الله عنه، وكان للإمام معه حروب؛ وقد انخمد أمره أيام الإمام سعيد بن عبدالله وظهر الحق عليه، وإنما ظهر بعد قتل الإمام. وللإمام كتاب إلى يوسف بن وجيه يذكر له فيه حسن سيرة المسلمين في حربه؛ وإنهم تبعوا في ذلك سيرة أسلافهم، ومن ذلك الكتاب قوله:
من الإمام سعيد بن عبدالله ومن قبله من المسلمين إلى يوسف بن وجيه، وإن في شأننا وشأنك لعجب لحلقة حديد في رز باب اتهم بهذا رجل من الرعية عندنا إنه قلعها من معسكر أصحابك بنزوى، فحبسنا الذي اتهم بها لأنا نستحل حبس أهل التهم على قدر استحقاقهم في حكم المسلمين؛ وقلنا للناس جهرا على (1/246)
صفحة 247
رءوس الملأ أن أموال أهل القبلة علينا حرام كحرمة أموالنا على بعضنا بعض وحجرنا على الناس التعرض لأشيائكم ما دق منها وجل؛ حتى قال من لا علم له بأصول دين المسلمين إنكم الآن حفظة للجند على أموالهم، ومن ذلك أن الحبوب التي جمعت في الأنصار التي استولى عليها وجرى عليها حكمنا لما علم الناس منا أنا لا نستحل شيئا ولا نقار أحدا على معصية الله كائنا ما كان من الناس؛ منعهم ذلك من التعرض لأشيائكم كلها التي كانت في جوارنا من بلداننا؛ ولولا خوف العقوبة منا لانتهب ذلك بأيسر مؤنة؛ ولم يكن ذلك تقربا إليك ولا ابتغاء وسيلة منا إليك ولكنا اتبعنا في ذلك كتاب الله وآثار أسلافنا رحمهم الله.
ومن هذا الكتاب قال:
حاربناك محاربة المسلمين لأهل البغي حتى تفيء إلى أمر الله؛ لا نهاية لذلك عندنا أو تفنى روحك أو أرواحنا إلى إحياء الحق وإماتة الباطل إن شاء الله، ولا نستحل منك مالا؛ ولا نسبي لك عيالا، ولا ننسف لك دارا؛ ولا نعقر لك نخلا ولا نعضد لك شجرا؛ ولا نستحل منك حراما؛ ولا نجهز على جريح ولا نقتل مواليا تائبا، ولا نقتل مستأمنا إلينا؛ ولا نغنم ماله، ولا ندعو أحدا يتعدى عليه بنفس ولا مال؛ فإن فعل ذلك أحد بأحد أخذنا له الحق إذا صح معنا، ومن كان في يده مال فهو أولى بما في يده؛ لأنا لا نزيل مالا إلا بحجة.
ثم قوى أمر يوسف بن وجيه بعد الإمام سعيد بن عبدالله، واستفحل أمره وقويت شوكته وحارب البصرة في آخر سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
قال ابن الأثير: في هذه السنة في ذو الحجة سار يوسف بن وجيه صاحب عمان في مراكب كثيرة يريد البصرة، وحارب البريدي فملك الأبله وقوى قوة عظيمة وقارب أن يملك البصرة فأشرف البريدي وأخوته على الهلاك، وكان له ملاح يعرف بالرمادي، فضمن للبريدي هزيمة يوسف، فوعده الإحسان (1/247)
صفحة 248
العظيم، وأخذ الملاح زورقين فملأهما سعفا يابسا ولم يعلم به أحد، وحدرهما في الليل حتى قارب الأبلة، وكانت مراكب ابن وجيه تشد بعضها إلى بعض فتصير كالجسر؛ فلما انتصف الليل أشعل ذلك الملاح النار في السعف الذي في الزورقين وأرسلهما مع الجزر والنار فيهما، فأقبلا أسرع من الريح فوقعا في تلك السفن والمراكب فاشتعلت واحترقت قلوسها واحترق من فيها، ونهب الناس منها مالا عظيما، ومضى يوسف بن وجيه هاربا في المحرم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. قال وأحسن البريدي إلى ذلك الملاح.
وقد تقدم عن ابن خلدون أن بني مكرم وهم من وجوه أهل عمان ملكوا عمان بنصرة من بني بويه عمال بني العباس، وأنه لما ضعف أمر بني بويه استبد بني مكرم بملك عمان، وأن منهم أبا القاسم علي بن الحسين بن مكرم ممدوح مهيار الديلمي، وأنه عاش في الملك زمانا، وتوفى سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
وذكر ابن الأثير خبر ولده من بعده؛ قال في كامله: لما توفي أبو القاسم بن مكرم خلف أربعة بنين: أبو الجيش والمهذب وأبو محمد وآخر صغير، فولى بعده ابنه أبو الجيش؛ وأقر على ابن هطال المنوجالي صاحب جيش أبيه على قاعدته، وأكرمه وبالغ في احترامه، فكان إذا جاء إليه قام له فأنكر هذا الحال عليه أخوه المهذب فطعن على ابن هطال، (1/248)
صفحة 249
وبلغه ذلك فأضمر له سوءا واستأذن أبا الجيش في أن يحضر أخاه المهذب لدعوة عملها له فأذن له في ذلك، فلما حضر أخاه المهذب عنده خدمه وبالغ في خدمته، فلما أكل وشرب وانتشا وعمل السكر فيه قال له ابن هطال: إن أخالك أبا الجيش فيه ضعف وعجز عن الأمر، والرأي إننا نقوم معك وتصير أنت الأمير، وخدعه فمال إلى هذا الحديث، فاخذ ابن هطال خطه بما يفوض إليه وبما يعطيه من الأعمال إذا عمل معه هذا الأمر؛ فلما كان الغد حضر ابن هطال عند أبي الجيش وقال له إن أخاك كان قد أفسد كثيرا من أصحابك عليك وتحدث معي واستمالني فلم أوافق، فلهذا كان يذمني ويقع فيّ؛ وهذا خطه بما استقر هذه الليلة؛ فلما رأى خطه أمره بالقبض عليه؛ ففعل ذلك واعتقله؛ ثم وضع عليه من خنقه وألقى بجثته إلى منخفض من الأرض وأظهر أنه سقط فمات ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير؛ وأراد ابن هطال أن يأخذ أخاه أبا محمد فيوليه عمان ثم يقتله , فلم تخرجه إليه والدته وقالت له: أنت تتولى الأمور وهذا صغير لا يصلح لها؛ ففعل ذلك وأساء السيرة وصادر التجارة وأخذ الأموال.
وبلغ ما كان منه مع بني مكرم إلى الملك أبي كاليجار والعدل أبي منصور بن مافنة فأعظما الأمور واستكبراه؛ وشذ العادل في الأمور وكاتبا نائبا كان لأبي القاسم بن مكرم بجبال عمان يقال له المرتضي؛ وأمره بقصد ابن هطال وجهز العساكر من البصرة لتسير إلى مساعدة المرتضي؛ فجمع المرتضي الخلق وتسارعوا إليه وخرجوا عن طاعة ابن هطال؛ وضعف أمره واستولى المرتضي على أكثر البلاد , ثم وضعوا خادما كان لابن مكرم وقد التحق بابن هطال على قتله؛ وساعده على ذلك فراش كان له؛ فلما سمع العادل بقتله سير إلى عمان من أخرج أبا محمد بن مكرم ورتبه في الإمارة (1/249)
صفحة 250
وكان قد استقر الأمر لأبي محمد في هذه السنة؛ يعني سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة , وذكر في حوادث سنة اثنين وأربعين وأربعمائة أن صاحب عمان الأمير أبا المظفر بن الملك أبي كاليجار كان مقيما بها ومعه خادم له قد استولى على الأمور وحكم على البلاد وأساء السيرة في أهلها؛ فأخذ أموالهم فنفروا منه وأبغضوه.
قال: وعرف إنسان من الشراة يقال له ابن راشد الحال , فجمع من عنده منهم وقصد الميدنة فخرج إليه الأمير أبي المظفر في عساكره فالتقوا واقتتلوا , فانهزمت الشراة ورجعوا إلى مواضعهم؛ وأقام بن راشد مدة يجمع ويحتشد , ثم سار ثانيا وقالته الديلم؛ فأعانه أهل البلد لسوء سيرة الديلم فيهم , فانهزم الديلم وملك ابن راشد البلد؛ وقتل الخادم وكثيرا من الديلم؛ وقبض على الأمير أبي المظفر وسيره إلى جباله مستظهرا عليه وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم وأصحاب الأعمال وخرب دار الإمارة وقال هذه أحق دار بالخراب واظهر العدل وأسقط المكوس واقتصر على ربع عشر ما يرده إليهم وخطب لنفسه وتلقب بالراشد بالله ولبس الصوف وبنى موضعا على شكل مسجد؛ قال وقد كان هذا الرجل تحرك أيضا أيام أبي القاسم بن مكرم فسير إليه أبو القاسم ومن منعه وحصره وأزال طمعه , هذا كلامه وهو يدل بمفهومه على أن انقطاع ملك الجبابرة كان بهذا الحال.
[فقرة لم ترقن] (1/250)
صفحة 251
[فقرة لم ترقن]
باب إمامة الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي
وبويع له بالإمامة بعد راشد بن الوليد بزمان طويل تجبر فيه السلطان على أهل عمان وسامهم سوء العذاب بما بدلوا من نعمة الله؛ ولعدم وفائهم بعهد الله حين خذلوا الإمام راشد بن الوليد وظاهروا عليه عدوه؛ ومن أعان ظالما سلطه الله عليه وبقي أهل عمان يكابدون النكال تحت قهر الجبابرة من بني سامة وغيرهم حتى عقدوا الإمامة على الخليل بن شاذان في سنة سبع وأربعمائة , وفي بعض الكتب في سنة بضع وأربعمائة فسار بهم سيرة جميلة ودفع عنهم الجبابرة وأمنت بعدله البلاد واستراحت في ظله العباد ودانت له الممالك ووفدت إليه الوفود ولظهور العدل وانتشار الفضل.
وممن وفد إليه في ذلك أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي جاءه مستنصرا مستنجدا على حضرموت واليمن فقال في مسيره:
لقد جاءني من بعد أرضي وأوطاني ... = ... رجاء لنصر الدين من نحو إخواني
وذكر إمام شاع في الناس ذكره ... = ... وطاب الثنا فيه الخليل بن شاذان
فقطعت غيطانا وجاوزت أبحرا ... = ... إليهم أجر المجد من آل قحطان
وكم بلد خلفت فيها مشائخا ... ... = ... غطارفة غرا يرجحون اتيان
وما أن أراني في الذي رمت عائدا ... = ... ولا سيما إلا إلى مطلب عاني
وكم كانت الأشياخ أشياخنا الأولى ... = ... إذا طلبوا نصرا أمدوا بأعوان
وكم من إمام في الأولى حل مكة= ... ... وأعوانه في الصين أو في خراسان (1/251)
صفحة 252
وتالله لولا الدين أصبح مدحرا= ... ... لما كان بذل الوجه في الناس من شاني
ولكن بذلت الوجه في الناس أرتجي ... = ... من الأخوة الغر النهي نشر سلطان
برأي أصيل منهم وعصابة ... = ... ... مكرمة من أهل دين وعرفان
فلا تدفعاني يا هدار بجفوة ... ... = ... ويا حسن أني أخ منكما دان
ولست أرى حقي يغيب عليكما= ... إذا غاب عني من الناس حيران
فكيف إذا تخفي على الطلب سيرتي ... = ... ويطلب من مثلي علامات برهان
على أنني أدعو لأمر يحبه ... ... = ... ويعرفه الإنسان من ألف إنسان
أجيبا دعا داع مقيم هديتما ... ... = ... بناديكما يدعو إلى الحق ولهان
أزيحا الأسى عني أزيحا فإنني ... = ... أبيت أقاسي حر وجد وأحزان
كذا طالب الحاجات ما لم يفز بها ... = ... فليس له عيش ولا مشرب هان
صلاني برأي وأنحلاني نصيحة ... = ... فرأيكما عندي كرجل وفرسان
وشدا حزام الرأي فيما أشرتما ... = ... علىّ فإني لست بالأبلد الواني
ولو لم أعد منها بغير أراكما ... ... = ... ونصحكما قوى اعتزامي وأركاني
وحسبكما أن الإمام له البقا ... ... = ... يودكما أن تحضرا نهج جذلان
فهذا وصلى الله ربي على الذي ... = ... به أظهر الإسلام في كل أحيان
وقال في ذلك أيضا من قصيدة أخرى:
يا أحمد يا معبد سيرا فقد ... = ... ... سار الرضى عبد الإله خليلي
وأرموا بنا نحو الإمام المرتضى= ... ... المفزع المأوى لكل دخيل
ذاك الذي جلى عمانا بعد ما ... = ... ... واراهم غيم الطفا بذيول
ذاك الذي يخطو خطى من صار في=وادي القرى أو آسك ونخيل
ذاك الذي أبدى لنا ما قد مضى= ... ... من راشد والصلت وابن رحيل () (1/252)
صفحة 253
ذاك الذي لما ينزل مستلئما ... = ... ... لله في المستلئمين عد
يا خير خل في أمله أجب أجب= ... ... ناداك أخوان بوجه قبول
يا خير خل خربت أوطاننا ... = ... ... واستعبد السفهاء كل نبيل
يا خير خل لم نطق دفع الأذى= ... ... عن أخذ مكنون وجذ نخيل
يا خير خل لو ترى من نحونا ... = ... من شقشقات البغي بعد صهيل
يا خير خل هل لنا من راحة ... = ... ... مما لدينا من دنات غفول
يا خير خل من بقا من بعدنا ... = ... ... أضحى لدى المحراب ضرب طبول
يا خير خل غالنا ما غالكم ... = ... ... فيما مضى من ديلم وعقيل
يا خير خل أصبحت أسواقنا ... = ... ... أسواق سحت واعتداء محول
يا خير خل حسبنا أن الفتى ... = ... ... يجزى الفتى كيلا بصاع مكيل
يا خير خل قد غلبنا فانتصر ... = ... ... وأنظر لنا بالرأي عزم أصيل
وله في ذلك قصائد مذكورة في ديوانه فأمده الإمام بالمال والرجال وسار بهم إلى حضرموت وفي مسيره يقول:
دعيني فعندي للنهوض عزائم = ... ... ولما يكن لي عند ذاك قوادم
فكيف وقد أضحى الجناح متمما ... = ... عليه من التأبيد ريش مراكم
وقد أبصرت عيني الإمام وفله= ... ... وسيرته في الحق والحق قائما
وكنت أرجي أن أصادف عصبة= ... ... تنوط بها للحسنيين العزائم
تطلق دنياها وتنشر وصلها ... = ... ... أبايعها بيع الشرى وأقاسم
فصادفتها لكن عمان تماسكت ... = ... ... بها عاملها هذا لتطغى الأعاجم
فلما عدمت الراغبين ولم أجد ... = ... ... سوى من تدنيه إلىّ الدراهم
صرفت عنان الذكر عنهم مجنبا= ... ... ووجه إمام العدل عن ذاك سالموا (1/253)
صفحة 254
فجدت له بالعذر بسطا وجاد لي= ... ... بما فيه نصر لا عدته المكارم
فها أنا ذا بالمال والبيض والقنا= ... ... على حضرموت بالسلام قادموا
سلا تخبرا عني إذا صرت نحوها ... = ... وناديت في الإخوان أين اللهامم
في قصيدة طويلة يذكر فيها حالة قدومه على حضرموت والعصبة التي كان يحاولها فلم تتأت له عصبة تبايعه على الموت في سبيل الله فلم يجد إلا النصر من الإمام بما ذكر , فسار إلى حضرموت وأقام بها الحرب , ودانت له بعد حروب وأرسل وفدا إلى الإمام فكتب له معهم بقصيدة طويلة منها قوله:
سل الوفد عني يا إمام ألم أكن ... = ... ... تسربلت يوم الروع ثوب العزائم
وهل كان همي غير ما كنت ذاكرا ... = ... وهل نمت عن طرف الجواد وصارمي
حرام حرام أن طعمت بمنزلي = ... ... إلى اليوم طعم النوم بين الكرائم
ولكنني لما نزلت بعقوتي ... = ... ... نشرت لوائي في الكرام القماقم
وساروا بحمد الله حولي كأنهم = ... ... بدور ولكن في الوغى كالضراغم
فما كان إلا جمعة بعد جمعة ... = ... ... وأدت إلىّ العشر أهل الخضارم
سل الخطبا لما دعوا لك جهرة= ... ... على رغم أهل الجور بعد التصادم
وسل عرب البيداء هلا أذقتهم = ... ... عشية خانوا العهد سم الأراقم
وأما نواحي حضرموت فإنها = ... ... بحول ألا هي طوع أمري كخاتمي
سواء نفر كانوا عصاة ... فأصبحوا= ... ... من الخوف في رؤس الفرى كالحمائم
ولم يبق لي إلا الصليحي قائما= ... ... وما هو أيضا سعده غير قائم
وقد نزعت عنه القبائل قصدنا ... = ... ... لما نظرت من رغمها في الملاحم
ونحن إليه واردون بجيشنا ... ... ... فما هو أدهى من ملوك الديالم
وخرجت الترك على عمان أيام الخليل بن شاذان ولعل هؤلاء الترك (1/254)
صفحة 255
كانوا جند بني العباس فإنهم قد استخدموا الترك وغلبوا على أمرهم حتى صارت الدولة إليهم وصار بنو العباس آلة في أيديهم فخرجوا على عمان وأسروا الخليل ونصب أهل عمان من بعد أسره محمد بن علي إماما.
ثم أن الترك ردوا الخليل ومال الناس إليه بحبهم فيه ورغبتهم في عدله , فيقال أن الإمام محمد بن علي اعتزل الأمر بنفسه؛ ورد الأمر إلى المسلمين فردوا الإمامة إلى الخليل بعد خلاف وقع في المسألة أيهما الإمام , فقال بعضهم أن عقد الأول سابق وأنه هو الإمام وقال آخرون أن الأول زالت إمامته حين صار في يد العدو وان عقد الثاني هو الثابت , قال الأولون بل الإمام الأول يكون في حكم المفقود الذي حكم بفقده وتمت أيام مدته واعتدّت امرأته وتزوجت , فإنه إن رجل بعد ذلك خيّر بين امرأته وبين أقل الصداقين فأيهما اختار كان ذلك له. فلولا أن تزويجه سابق ثابت ما كان له التخيير , فالإمام إذا اسر ثم رجع يكون مثل ذلك. والذي أقوله أن الإمامة قد تزول بالعجز عن القيام بها لأنها أحوال منوطة بقدرة القائم فإذا زالت القدرة فالمسلمين أن يقدموا غيره , فإذا قدموا غيره كان هو الإمام وليس لهم أن يتركوا عقده لرجوع الأول إليهم بعد أن عقدوا عليه بوجه صحيح؛ فأما لو انتظروا رجوعه كان ذلك جائزا لهم؛ وحين اعتزل الإمام الثاني اختيارا وقبل المسلمون منه ذلك ارتفعت المؤنة؛ وانتفى الخلاف , لأن للإمام أن يعتزل عن مشورة المسلمين إذا قبلوا منه ذلك , ورجوا أن غيره أعز وأقوى للدولة , وقد قيل أن الجلندى رحمه الله تعالى اعتزل مرتين؛ فما كاد أن يرجع.
وفي يوم الثلاثاء ضحوة النهار لعشر ليال خلون من شهر رمضان سنة تسع وأربعمائة مات محمد بن عبدالله بن المفتى الكندي.
وفي بيان الشرع كتاب من موسى بن أحمد (1/255)
صفحة 256
وأحمد بن محمد والحسن بن أحمد وعمر بن محمد وراشد بن محمد وإخوانهم إلى أبي عبدالله محمد بن صلهام وهو وزير الإمام الخليل قالوا فيه بعد كلام طويل.
وبعد هذا فنحب أن يقف الأخ على طرف من الأمور التي تجري في بلادنا من القائمين بها المتولين لأمورها من تركهم إتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار المسلمين وسيرهم في الرعية بغير الحق حتى كثرت المناكر ومات الحق وأهله وارتفع الباطل وحزبه وصار أهل الحق لا يقدرون على الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر لأن المنكر ابتلي به من تسمى بالحق بلسانه ويخالف ذلك بأفعاله وقد خشينا من ذلك زوال النعم وتغيير الحال , وقد كتبنا إلى الإمام نصره الله عام أول كتابا مترجما له فيه ما كنا نتوقعه من هذه الأشياء ولم نرد بذلك إلا نصيحة له وخروجا مما يجب علينا مما تعبدنا الله به فرجع الجواب إلينا على غير ما كنا نرجوه , وأنزلنا في ذلك بمنزلة التهمة فلما رأينا ذلك توسعنا بالسكت لأنه يوجد عن بعضهم أنه قال إذا كان الذي ينكر المنكر لا يقبل منه ويستخف به لم يكن عليه أن يعرض نفسه للاستخفاف أو نحو هذا من اللفظ , وهنا أقوام ممن قد عرفوا بكثير المناكر صاروا يكاتبون الإمام نصره الله رقعة بعد أخرى ويزينون فعل من قد ساعدهم على مناكرهم , ويقولون غير الحق ويشهدون بالباطل ستكتب شهادتهم ويسألون وكل هذا خشية أن يولى عليهم من يشد عليهم ويمنعهم من المناكر التي قد شهروا بها ويصيروهم وغيرهم من الرعية في الحق سواء , فإنما هم يرجعون على الإمام في كتبهم بغير الحق , وقد أمنوا أن لا يبحث عن أفعالهم ولا يسأل عن صحة قولهم ولو كان الإمام نصره الله ينظر في هذه الأمور وصحتها , ويسأل عن حقها وباطلها وصحيحها وسقيمها , فضر أهل الباطل (1/256)
صفحة 257
باطلهم عنده ونفع أهل الحق حقهم معه لما اجترى أحد أن يكتب إليه الكذب ويتقول على لسان الرعية ما لم يكن , ولكان هذا الباب قد
انغلق , ولم يتجاسر أحد أن يكتب إليه إلا بالحق.
ولما ضاقت أنفسنا من هذه الأمور التي شرحناها ووصفناها رأينا إطلاع الأخ العزيز أدام الله انسنا به على ما عندنا وشرح ما نحن فيه لعلمنا أنه ممن يغضب للحق ولا يرضى بالباطل فإن رأى أن يطلع الإمام نصره الله على ما ذكرنا وشرحنا فإنا لم نذكر له ما عندنا إلا اختصارا ولو ذهبنا نصف كل ما نراه ونعاينه من هذه الأمور لم نبلغ كل ذلك إلا أنا نكل أمورنا إلى الله ورأى الأخ فيما كتبنا إليه ورد جوابنا مما نستدل به منه على وصول رقعتنا إليه وما يقتضيه رأيه في ذلك إن شاء الله والسلام عليه من جماعتنا ويسلم منا على الشيخ أبي الحسن علي بن راشد متعنا الله ببقائه والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
ولم نظفر بجواب هذا الكتاب غير أني وجدت جوابا من أبي علي الحسن ابن أحمد النزواني وهو فيما أحسب قاضي الإمام الخليل رحمهم الله كتبه أبو علي جوابا في مثل هذه القضية قال رحمه الله فهمت ما كتب به الشيخان في مال المشايخ وتعدى من تعدى فيه وترك المنع من الإمام نصره الله قال الإمام مال ولى عليها محمد ابن حمزة ولا أمره بقبض الصدقة منها وإنما سأله بعض أهلها أن يكون معهم للأنس وإنكار ما قدر عليه والمعروف من آثار المسلمين أن الإمام إذا كان في حال المحاربة ولم يستول على المصر , أنه مخير في الأحكام إن شاء حكم وإن شاء ترك الحكم حتى يفرغ من محاربة عدوه , وقول ليس له ذلك وقول له وليس عليه ولا يضيق على الإمام ما (1/257)
صفحة 258
وسع له المسلمون إلا ان الذي نختاره له ونحبه أن لا يدع شيئا من الأحكام ولا من الإنكار , مع القدرة عليه وهما قد عرفا ما جرى في مال بني زياد بسمد نزوى من الخراب , وأخذ الدواب وإتلافها وإتلاف الثمار في أيام الإمام فما عاب أحد على الإمام حتى سهل الله وتبين للوالي النظر الحق في ذلك ومنع ثم لم يزل يجري في الخراب مرة بعد أخرى إلى أن كان أيام دهمان , ومنع عنه وكان جرى في المال الذي تركه علي في السر ما جرى , ومنع الوارث وهو يصيح ويستغيث فما عيب على الإمام ذلك , وليس أريد بهذا احتجاجا من الظلمة إلا أني اذكرهما ما يعرفانه لئلا يتوهما في الإمام غير ما هو عليه , وهؤلاء المشايخ حرسهم الله لو وصلوا إلى ما لهم وقاموا فيه لكان كل من قدر على معونتهم بالحق من إمام أو غيره أعانهم.
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي في قصيدة له طويلة:
من شاء يعلم ما كانت أوائلنا ... = ... ... فيه فسيرتنا تكفيه برهانا
هذا الخليل إمام المسلمين حكت = ... ... أنوار سيرته في العدل نيرانا
يا أيها العلم العدل الذي كملت ... = ... ... له الخصال مروآت وإمانا
إني أحبك والرحمن يعلمه ... = ... ... حب احتساب إلى ذي الطول قربانا
إن صرت مشتهرا بالفضل أنت ولي ... = ... قلب يحب بدين الله مزدان
حتى عبرت إليك البحر منتصرا= ... ... أيام عدت بنا أوليت جذلانا
سل عن أخيك أذاق النوم مغتمظا= ... ... إذ ذاك أحزنه أم شد أملانا
أم خان عند عتوا المبطلين بها ... = ... عن نصر خالته إذ كان مجانا
كلا لقد زهرت بالعدل عقوته ... = ... ... بالله جل فلا لله كفرانا
وانصر أخاك فإن الحرب قائمة= ... والحق يطلب من أهله أركانا (1/258)
صفحة 259
وأعلم بأنك قد أثرت مأثرة ... = ... ... فارفع لها شرفا فالأمر قد هان
أن الذي عمرت صنعاء دولته ... = ... ... بالفسق أصبح من مولاي فزعانا
أضحت مخالفة أرض إيمان له= ... ... لما رأتك لها حصنا ومعوانا
فاحفدهم فهم يدعون ربهم ... = ... ... جهرا لتملكهم سرا وإعلانا
ثم توفي الإمام الخليل رضي الله عنه وكان في إمامته مشكورا , وصار سجل الثناء عليه من بعده منشورا ولم أجد تاريخا لوفاته غير أني احسب أني وقفت على تاريخ لمدة إمامة راشد بن سعيد وهو بعد الخليل إن إمامته كانت عشرين سنة وموت راشد كانت في أول سنة خمس وأربعين وأربعمائة , فيكون موت الخليل على هذا في أول سنة خمس وعشرين , فتكون مدة إمامته سبع عشرة سنة وبعض سنة تقريبا والله أعلم.
باب إمامة راشد بن سعيد
وهو من اليحمد عقد عليه بعد موت الخليل بن شاذان، ولم أجد لبيعته تاريخا وإن صح ما تحريته في وفاة الخليل تكون بيعته في أول سنة خمسة وعشرين وأربعمائة، وكان إماما شاريا، وكان لفظ الشرى الذي يشرى عليه هذا الإمام أنت قد شاريت الإمام راشد بن سعيد على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الجهاد في سبيل الله وعلى أن عليك ما على الشراة الصادقين.
قد سير أبو إسحاق الحضرمي في الثناء عليه أشعارا منها قوله في قصيدة مبهمة:
ألا حي منها ما حوى العلم والتقى ... = ... إلى همة تعلوا السها والمرازما
ومن سل سيف الحق للحق راعيا = ... ... إليه مجدا قد أزاح الأشائما
إماما بنزوى قائما قام في الورى = ... ... بعدل فأضحى الحق إذ قام قائما
أديبا لبيبا يحمديا غضنفرا ... = ... ... من الأزد ليثا في حما الحرب غانما (1/259)
صفحة 260
وهل يقدم الآنام إلا مهذب ... = ... ... كمي جريء القلب يمضي العزائم
أيا راشدا إنا لعمرك نزدهي ... = ... ... بذكراكم في حضرموت تعاظما
إذا ما عماني ألم بأرضنا ... = ... ... أحطتا به نسأله عنكم تزاحما
هنيئا لكم أهلا لما قد حباكم ... = ... ... به الله من فضل له الحمد دائما
(وله أيضا من قصيدة دالية)
وبيض بأيدينا خفاف صوارم ... = ... ... ثقال الظبى مشحوذة بالمبارد
معودة هتك الجماجم أظهرت ... = ... ... سبيل إمامينا الخليل وراشد
وكان نهد وعقيل قد خالفوا الإمام وناصروا عليه عدوه، وسار إليهم في جيش فرق به جموعهم واستأصل به بغيهم، وكانت لهم قوة وافرة وصولة قاهرة وكان منزلهم بعيدا عن نزوى ووجدت في كتاب الأنساب أن عقيلا كانوا ينزلون بالإحساء، وفي ذلك يقول الإمام في شعر له بنفسه:
لمن منزل قفر تعفت جوانبه ... = ... ... وغيره من سافح القطر ساكبة
كأن لم يكن فيه من البيض شادن= ... ... تضاحكة أترابه وتداعبة
فأضحى أسا من بعد أن كان سلوة ... = ... نجر به أذيال خز كواعبه
كأن من الليل اللبوس ذوائبه ... = ... ... ومن بدر تم وجهه وترائبه
ومن الجهل أن تعني بأمر كفيته= ... ... وتترك ما كلفته لا تطالبه
إذا لم المرء لم يجعل مذاهب سعيه = ... ... لذي سعيه غالته يوما مذاهبه
ومن لم يفكر في عواقب أمره ... ... = ... مدى دهره صارت عقابا عواقبه
وما هارب إلى الموت آثب ... = ... ... ولا سالب إلا وذا الدهر سالبه
مدى الدهر لا ينجو من السخط والرضى = فاسخاطه قوما لقوم مواهبه
وما ناقد في الناس من راح واغتدى ... = ... يغالب في دنياه ما هو غالبه (1/260)
صفحة 261
وأجهل أهل الجهل من كان جاهلا= ... ... ولم يدري أن الجهل من والى صاحبه
وأجهل منه جاهل ظن أنه ... = ... ... بصير وقد عابته جهلا عوائبه
ولا خير في خير ترى الشر بعده= ... ... ولا في أخ دبت إليه عقاربه
ولا العيش إلا أسمر اللون عاسل = ... ... وأشقر في يوم عبوس تلاعبه
وقرن تعاطيه الحمام وفارس ... = ... ... تعاطيه حينا ثم حينا تضاربه
ذريني وخلقي يا ابنة القوم إنني = ... ... رأيت الأذى حربا لمن لا يحاربه
على أنني أما أمرؤ ضمه الثرى = ... ... وأما فتى جلت بقوم كتائبه
وإما فتى أبكى عيون عداته ... = ... ... وأما فتى تبكي عليه أقاربه
وإما فتى يقضي عليه حمامه ... = ... ... وأما فتى تقضي الحمام قواضبه
وفتيان صدق من رجال حضارم ... = ... أوائلهم أعيت على من تغالبه
لهم همم تعلو العلا وعزائم ... = ... ... تصدقها فعل كرام مناقبه
وأما إذا اشتد البلى بنفوسهم ... = ... ... وبالمال ما ضن بالمال واهبه
وأكرم بقوم قولهم هو فعلهم ... = ... ... ولا فعل إلا ما كرام مناسبه
وكم قائل في قوله غير فاعل ... = ... ... ألا إن شر القول ما أنت كاذبه
ولست امرأ يرضي سلامة نفسه= ... ... وإن تلف الدين الذي هو طالبه
سلي هل قطعنا سبسبا بعد سبسب= ... ... تعاوى به سيدانه وثعالبه
سلي النسر هل زرنا فلم نقض حقه= ... ... وقد نشبت في لحم قوم مخالبه
فما زال يخفي الليل ما في سواده= ... ... إلى أن بدت عنه الصباح عجائبه
متى يكسب المعروف من كان همه = ... ... غداء يغدي أو فتاة تراقبه
إذا هم صدته زواجر خوفه ... = ... ... وعاقته من دون الرحيل حبائبه
وإنما ذكرنا القصيدة بأسرها لسهولة موردها وعذوبة مشربها، وهي مع (1/261)
صفحة 262
ذلك دالة على سمو همة الإمام، وبعد مراميه وغزارة فهمه وحسن اقتداره، ولأبي إسحاق الحضرمي قصيدة يذكر فيها قصة نهد وعقيل وأرسلها إليه من حضرموت وكناه فيها بأبي غسان قال فيها:
ألا أبلغوا عني السلام تحية = ... ... ... إمام عمان راشد أيها الوفد
وصحبته طرا ومن قد تضمنت= ... ... جوانحه ودا لهم ولهم عضد
جميعا حضروا بالتحية ذا النهى= ... ... سليل سعيد صانه الصمد الفرد
لقد قمت في الإسلام بالحق مصعدا= ... ... إلى الرتبة العليا يسمو بك السعد
ورمت مقاما قط ما رام وانتهى= ... ... إلى مثله إلا امرئ صابر جلد
حليم حكيم خاضع متواضع ... = ... ... عفيف لطيف حازم حجر صلد
إلى أن قال:
وقد كان من إخواننا الغر فتية ... = ... ... بناحية الأشغا شهام لهم عقد
وفيهم فتى أكرم به نسل خالد ... = ... ... له همة كبرى نحو السما تعد
وقصوا لنا ما كان من أمركم وما= ... ... لديكم فيا لله در الذي يهدوا
وما كان من أبناء نهد وأختها ... = ... ... عقيل أولي البغي الذي أهلك الحقد
لقد زال عن آرى عقيل لنصرهم = ... ... لنسل الفتى شاذان والديلم الرشد
كذلك نهد قد أذلت رقابها = ... ... ... لنصرهم الأعدا لقد عجزت نهد
لقد جمع الأقوام طردا وخالفوا= ... ... جيوش أبي غسان فاستوثق الحشد
وزفوا للقياهم بجيش عرمرم ... = ... ... ولم يثبتوا عند اللقاء ولا اشتدوا
فلما تراءى العسكران تدابروا = ... ... كمثل نعام شارد خلفه الأسد
فقتل منهم في التعارك عصبة = ... ... على حتف خاضت دماءهم الفهد
فتبا لشبل المرء شاذانا الردى ... = ... ... ولله إذ أوهى عساكره الحمد
فإن عدلوا عن بغيهم وتراجعوا = ... ... إلى عسكر الإسلام والحق وارتدوا (1/262)
صفحة 263
فأهلا وسهلا بالعشيرة إنهم= ... ... ... إليكم بإخلاص لرب السما أدوا
وإن هم أبوا فاستصرخونا فإننا= ... ... قريب وما للقوم من صحبهم من بد
وما بين وادي حضرموت وبينكم = ... ... إذا سركم إتياننا نحوكم بعد
متى يأتنا منكم صريخ نؤمكم ... = ... ... بعسكر جرار يضيق به النجد
كهولا وشبانا صباحا مسارعا ... = ... ... ورادا إلى الهيجا إذا استصعب الورد
بكل رديني أصم ومرهف ... = ... ... كمثل شعاع الشمس تحملنا الجرد
فنتركهم وغرا ونضرب هامهم= ... ... ونقصرهم حتى يجودوا بما أدوا
وفي الأثر مما كان يبتلى به الإمام راشد بن سعيد رحمه الله وسأل عنه ما تقول في الإمام إذا غزى قوما من أهل البغي ممن هو معروف مشهور بسفك دماء الناس وأخذ أموالهم، مثل عقيل ونحوهم، فوقع على بعض أصحابهم، وأغار عسكره عليهم، وقتل من قتل منهم؛ وأخذوا لهم جمالا وجواليق، ولم يمنعهم الإمام ذلك الوقت من أخذ الجمال، لأنه كان يحفظ في الأثر أنه جائز أن يستعان على البغاة بخفهم وكراعهم، وهي الخيل والإبل، فسكت عن الإنكار لهذا؛ ثم نظروا إذا بعض عساكره قد جعل ما أخذه من تلك الجمال غنيمة لنفسه، ورآهم قد ملوا عليها حبا وركبوها ولم ينكر عليهم ذلك، ما يلزم الإمام على هذه الصفة، أيلزمه توبة وضمان، أم توبة بغير ضمان، أم لا يلزمه شيء من ذلك.
قال أما الضمان فلا يلزمه في هذه الجمال على ما وصفت، ولكن عليه أن يعلم من أخذ هذه الجمال أن غنيمتها لا تجوز لهم ويأمرهم بالتخلص منها إلى أصحابها وإن لم يعرفهم أو لم يعرف أحد منهم دان لله بالإنكار عليهم إذا عرفهم. وللإمام راشد بن سعيد سيرة إلى أبي العباس بن مريح والمهند بن سهدي وأبي عبدالله بن محمد بن بروزان من أهل منصورة من أرض السند بيّن فيها معالم الإسلام، (1/263)
صفحة 264
وأظهر فيها دعوة المسلمين؛ ونقض فيها اعتقاد المخالفين، وهي سيرة بديعة ورسالة غريبة تدل على غزارة علمه وفرط ذكاءه وفهمه، وهي موجودة في مجموع سير المسلمين.
ووجد بخط الإمام راشد بن سعيد إلى أبي محمد عبدالله بن سعيد: سلام عليك فإني أحمد الله إليك وآمرك بطاعة الله وأوصيك وأنهاك عن معصية الله القادر عليك، وبعد هذا فإني أعلمك نصر الله الحق بك، إن الأطماع قد اتسعت في أموال الناس، وجعل كل من ادعى في مال رجل دعوى طرح يده فيه، والوجه أن تنادي في البلدان كل من يطرح يده في مال في يد غيره يحوزه ويمنعه ويدعيه ملكا له فإنه يعاقب على ذلك ولا يحصل على شيء غير العقوبة، ولا تطلب عليه البينة العادلة، بل يرجع في ذلك إلى قول أهل البلد، فاعرف ذلك واعمل به ولا تقصر فيه حتى تنحسم مادة الطمع ويزول الظلم وينغلق هذا الباب؛ ولا تؤخر ذلك إن شاء الله.
قال القاضي أبو زكريا: وجدت هذا بخط الإمام راشد بن سعيد؛ كتبه إلى والي منح وذكر في أوله: من الإمام راشد بن سعيد إلى أبي محمد عبدالله بن سعيد ثم ذكر الكتاب إلى آخره.
قلت وهي سياسة من الإمام ونظر منه في قطع مادة الفساد؛ جزاه الله خيرا. وهذا كتاب كتبه الإمام راشد بن سعيد لأبي المعالي محمد بن قحطان بن محمد بن أبي القاسم حجة له وعليه، وعهدا عهده إليه ليعلم شرائط العدل فيه، ويتوخى مسالك الحق لديه؛ ويتق الله باريه، فإنه هو المالك لأمره والعالم بسره وجهره.
قال فليتقه في جميع أموره التي جعلت له السبيل إليها وأوجدته المدخل فيها على شروط يشتمل كتابي هذا عليها، فأول ما ابتدئنا به بعد حمد الله تعالى فيه وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإني أوصيك يا أبا المعالي قحطان بن محمد بن أبي القاسم بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه (1/264)
صفحة 265
وسلم والانتهاء عما حرم الله عليك في زواجره والعمل بما أمرك الله به من أوامره فيما ساءك أو سرك، أو نفعك أو ضرك، وأن تأمر بالمعروف وتعمل به؛ وتنهى عن المنكر وتقف عن فعله، ولتحذر من خدائع الشيطان ومن يوازره على ذلك من الأعوان، أحذرهم ونفسك وهواك، وشهوتك ودنياك، فقد قال الله تعالى (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما حرم ربي وإن ربي غفور رحيم) وقال (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله؟ أفلا تذكرون) (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) واذكر حق الله عليك واشكر نعمته لديك، ولا تذهب بك حمية، ولا تمنع تقية أن تساوي في الحق بين وضيع الناس وشريفهم، وقويهم وضعيفهم، وبغيضهم وحبيبهم، وبعيدهم وقريبهم، وقد جعلت حماية صحار وما يتصل بها من العفة إلى صلان إليك وعولت فيها عليك، فقم فيها وليتك من ذلك حق القيام، واستفرغ الطاقة منك بالجهد التام، وشمر فيه عن ساق الجد، واحسر معه عن ذراع الشد من غير أن تتعدى في ذلك محظورا أو تركب فيه منكرا، أو تقترف فيه ظلما؛ أو تكسب فيه حوبا وإثما؛ إلا ما تعتمده من منع ظالم في حال عداوته من غير أن تعاقبه بشيء على عصيانه؛ بل ترفعه إلى القاضي بصحار حتى يحكم عليه بما يلزمه من فعله ويعاقبه
بما يستحقه على فعله.
واعلم إني لم أجعل لك شيئا من الحكومات، ولا أمرتك بشيء من العقوبات بل جعلتك لحماية البلاد، وأمرتك بالمنع عن الفساد، والدفع لأهل الباطل عن (1/265)
صفحة 266
ظلم العباد، فلا تتعاطى ما لم يؤذن لك به، ولا تقصر عما أمرت بفعله، وكن للقاضي أبي سليمان مناصرا وعاونا وموازرا، فقد أوجبت له ذلك عليك ما دام في حكمه عادلا، وبطاعة ربه عاملا، وأجبت لك عليه وقبله أن يعينك على أهلتك له، وأوجبت على الشراة ما أوجبت لك عليه، إلا أن تستعين بهم فيما لا يجوز لك ولا لهم المعونة فيه، وحجرت عليك وعليهم خذلان بعضكم لبعض فيما يجب عليكم من المعاضدة والمعاونة والمساعدة، وفيما يعود بطاعة رب العالمين، وإعزاز دولة المسلمين؛ وكسر شوكة المعتدين؛ فافهم ما ذكرته لك وتدبر فيه، ولا تجاوز حده ومعانيه، وقد أوجبت على الشراة أن يطيعوا الشراة، وغيرهم ممن تجب عليه طاعته في طاعة الله ربهم؛ أن يطيعوا أمرك، وأن يقوموا على الحق يدك ما كنت في طاعة الله داعيا؛ وعن معصية الله لاهيا؛ وحجزت عليهم عصياني في خذلانك إذا استنصرت بهم على محاربة أهل الظلم، ومن يعتمد للمسلمين بالجور والغشم؛ على أن لا تستحل في ظعنك وإقامتك؛ وحربك ومسالمتك للمسلمين غير ما أحل الله لك ولدولتك، ولا تحرم غير ما حرم الله عليهم وعليك؛ فإذا فعلت ما رسمته لك فذلك رجائي فيك وحاجتي إليك، وإن خالفته بعمل الباطل والجور وركونا إلى الفعل المحرم المحجور، فإني بريء من فعلك؛ وأنت مأخوذ بما يجب فيه في نفسك ومالك، فاتق الله في قولك وأعمالك، واستعذ به في الورطة في المهالك واستعنه على ما يتقرب به إليه؛ واعتصم به على ما تحذره وتتقيه، وتوكل في جميع الأمور عليه (من يهدي الله فهو المهتدي ومن يظلل فلن تجد له وليا مرشدا) (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم.
ووجدت في بعض الكتب نقلا من المصنف (1/266)
صفحة 267
مكتوبا أثر هذا العهد ما نصه، ووجدت هذا الشرط مكتوبا لموسى بن نجاد في حماية منح وأدم وسنا والقاضي الخضر بن سليمان. أ. هـ.
ويوجد في بعض الكتب نقلا من كتاب الإمام راشد بن سعيد لبعض سراياه قال فإن كان أحد من أهل هذه السرية قد ركب جورا وفعل فعلا منكورا فأنا بريء منه. ومن فعله معاقب له بعد الصحة عل جهله منصف بما يجب في الحق عليه غير راض بجهله وتعديه؛ وما بعثت هذه السرية حتى نهيتهم عن ظلم العباد وأمرتهم بطاعة رجل من أهل الصلاح والرشاد فإن كانوا تجاوزا في ذلك إلى ما لا يجوز فعليهم وزر ما فعلوه وضمان ما أتلفوه على الناس وأحدثوه، ولست بداخل معهم في عصيان ولا مشارك لهم في ضمان؛ فإن يكن أحد يدعي على أحد من أصحاب السرية حقا فليصل إليّ حتى أوصله إلى ما يجب في الحق له، وليس عليّ علم ما غاب عني، ولا إنصاف من لم يطلب الإنصاف مني، ولن تقوم الحجة على العسكر بالخط والقرطاس، وكلام من لا يلتفت إلى كلامه من الناس، وللمسلمين بحمد الله مداخل في العدل ومخارج من الجهل ينكرها من لا بصر له ولا تمييز معه، ويعرفها من هداه الله لمعرفتها ونفعه؛ ومن نطق بقول لا يعرف حرامه من حله، وقصد من لا يعرف جوره من عدله لم يسلم من ذلك ولو أصاب في قوله وفعله.
وهذا كتاب منه آخر كتبه في أمور يجمع الناس عليه في أمر موسى وراشد:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
قد اجتمعت بحمد الله ومنه كلمة أهل عمان على أمر واحد ودين قيم، وهو دين الله الذي أرسل به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فمنهم من تولى الصلت بن مالك رحمه الله وبرئ من موسى بن موسى (1/267)
صفحة 268
وراشد بن النظر، ومنهم من تولى الصلت بن مالك وتولى من برئ من موسى بن موسى وراشد بن النظر؛ ومنهم من تولى المسلمون على ولايتهم الصلت بن مالك رحمه الله وبراءتهم من موسى بن موسى وراشد بن النظر؛ واجتمع رأيهم على الدينونة بالسؤال فيما يجب عليهم السؤال فيه عند أهل الحق الذين يرون السؤال واجبا واجتمع رأيهم على أن من دان بالشك فهو هالك وكذلك اتفقوا على أن من علم من محدث حدثا وجهل الحكم في حدثه أن عليه السؤال فيه؛ وإن علم الحدث والحكم كان عليه البراءة منه إذا كان حدثه ذلك مما يجب به البراءة من فاعله، والحمد لله حق حمد وصلى الله على خيرته من خلقه محمد النبي وآله وسلم.
وكتب هذا الإمام راشد بن سعيد بخط يده؛ وكان بمحضر أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش القاضي، وأبي عبدالله محمد بن خالد، وأبي حمزة المختار بن عيسى القاضي؛ وأبي عبدالله محمد بن تمام؛ وأبي النظر راشد بن القاسم الوالي، وحضر أيضا هذا الكتاب أبو علي موسى بن أحمد بن محمد بن علي، وأبو الحسن علي بن عمر وأبو بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر؛ وعرض هذا الكتاب على جميعهم واتفقوا عليه ولم يختلفوا في شيء فيه والسلام.
وكان ذلك يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقين من شهر شوال سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وكان ذلك بقرية سوني في المنزل الذي ينزل فيه الإمام راشد ابن سعيد نصره الله بالحق ونصر الحق به؛ والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد النبي وصلى الله عليه وسلم تسليما.
ولأجل هذا الكتب غضبت الغلاة في أمر موسى وراشد على الإمام راشد بن سعيد غضب الخيل على اللجم، فأضمروا في أنفسهم ما أضمروا ولم يستطيعوا كيدا للإمام ولا إظهار عداوة، بل انقادوا في الظاهر وأخفوا بدعتهم في أنفسهم، كما سترى بعض كلامهم في إمامة حفص بن راشد. وتوفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة خمس وأربعين وأربعمائة؛ وقبره بنزوى، وقد كان الإمام راشد (1/268)
صفحة 269
ابن سعيد يشاري قوما ثم مات، فكان أبو علي الحسن بن سعيد يفتي أن الشراة على ما كانوا عليه من الشرى وكان محمد بن خالد يفتي أن الشرى قد سقط عنهم.
باب إمامة حفص بن راشد
ذكر بعض السير أنه نصب من بعد راشد بن سعيد ولده حفص بن راشد؛ ولم يذكروا تاريخا لبيعته ولا لمدة إمامته؛ وظاهر كلام بعضهم أنه مات في الإمامة , فإنه قال مات ولم يعزله المسلمون.
وكلام أبي الحسن البسياني وهو من الغلاة في أمر موسى وراشد أن بيعته عنده صحيحة ولعل ذلك لسلوكه طريقة والده في أمر موسى وراشد فإن أبا الحسن سئل بما نصه: ما تقول أيها الشيخ في حفص بن راشد إن تاب ورجع وجددت إمامته يرجع إمام المسلمين أم لا فإن عقد له من متعلمي أصحابنا وثقاتهم خمسة أنفس تنعقد له الإمامة وإن بلينا به وطلب منا النصرة والخدمة ما نعمل وما يكون قولنا له.
(قال) أما العقد الأول فإنه لم يصح وعلى ما ذكر بعض من دخل فيه رأيته عقدا غير ثابت وأمرا مشكلا وقد جرى بعد العقد الذي هو غير ثابت أحكام غير جائزة ومشهورة فسادها ودخل فيها من لم يكن يجوز أن يتقدم بأمرها ومع ذلك أيضا طلب منه تصحيح ذلك الحال أصحابنا فلم يبينه وقولنا في ذلك قول المسلمين ونحن نتوب إلى الله من كل خطأ وأما إن اجتمع أمر المسلمين والمشورة على شيء ووقع التراضي على إمامته فبعد التوبة وإظهار ذلك والأنصاف أو حجة جائز أن يعقد له إن تاب.
وسأله آخر فقال أفتنا في حفص بن راشد أكانت إمامته صحيحة أم لا وقد بايعنا له محمد بن الحسن اللياني على الأمر بالمعروف والنهي (1/269)
صفحة 270
عن المنكر والجهاد في سبيل الله فبايعناه وخرجانا عندهم فلم نر من ذلك شيئا وسلمنا إلى الثقاة من أهل دعوتنا شيئا من الزكاة فقبضها وأنفق منها شيئا؛ فوقع الخوف فهرب وانتهبت فضمنها ذلك الإنسان الذي قبضها ألنا من هذا براءة عند الخالق أم لا؟ وذلك إنا كنا دائبين بطاعته مسلمين جاهلين بالبحث عن الإمامة، وكذلك ابتليت أنا بقبض شيء من الناس بأمر أصحابه، أعليّ فيه ضمان؛ أم قبض بيدي فلا ولكن كنت أحضر ذلك وآمر فيه ما يلزمني في ذلك بين لي ذلك رحمك الله.
قال هذا شيء مستور وأمره كان مقبورا فلا أحب فيه ظهورا وأما أنا فقد بلغت في الغاية وأفصحت الأمور مع الريب الذي فيه وطلبت بصحيح ذلك فوجدت الأمر فيه غير ثابت في العقد والعمل غير مستقيم ولم أكن دائنا لله بطاعتهم وكنت غرمت ما قبضوا مني وأبدلت صلاتي يوم صليت الجمعة عندهم.
وأما أنت على ما سألت فإن المستحل الدائن لله بالطاعة إذا أخطأ ثم علم بخطأه فأكثر القول أنه لا ضمان عليه وعليه التوبة والرجوع عن ذلك. وأما الشيخ لعله يعني أبا محمد؛ فرأيته يوجب الضمان على من دخل مستحلا بغلط؛ وقد كان ألزمني ضمان ما كان أيام راشد بن الوليد لعلل أرادوا من الذي دفعت وقبضت سوى الذي في الاستحلال والدينونة والذي أحبه لك إن قدرت على الخلاص من ذلك أن تبدل مكان زكاتك وتستحل من أخذت منه شيئا إلا أن يكون رسولا لصاحب الزكاة إلى الوالي فلا ضمان. وأما الأحكام عند الخالق فذلك إليه؛ وإنما تعبدنا بالحكم ما يعلم في الظاهر فعلمناه والسلام.
هذا كلام أبي الحسن البسياني؛ وفيه ما فيه على حفص، وما أراه إلا من قبيل مخالفتهم في الغلو في أمر موسى وراشد بن النظر حيث إن الإمامين لم يكونا على بدعتهم، وكتبت (1/270)
صفحة 271
بعد كلامه مسائل تشبه الرد عليه من كاتبها. منها ما نصه:
قال بعض المسلمين إن الإمام لا يحتاج إلى العقيدة إذا وقع الرضا عليه والتسليم ثبتت إمامته؛ ومن ذلك إمامة عمر رضي الله، إنما قدمه على الإمامة للناس أبو بكر وحده رضي الله عنه؛ فلما وقع التسليم والرضا بإمامته ثبتت له من غير عقدة. ومنها ما معناه أن الإمام مصدق فيما يكون فيه مؤتمنا، فلا يطالب بالبينة على يد سارق قطعها ولا على حد أقامه، ولا على حكم أنفذه، إنما يكون محجوجا في الأشياء التي هو والرعية فيها سواء، مثل الحقوق التي للعباد فيها تعلق وتخرج منه ومن غيره مخرج الأحداث.
وهذه مسألة أظنها وقعت في أمر حفص بن راشد سأل عنها أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي – وهو من الغلاة – في أمر موسى وراشد، قيل له في إمام غير ثابت الإمامة ألزم رجلا من المسلمين المدخل عنده في أسباب، وكان يأمره أن يكتب إطلاقات الجبايات إن كان إطلاق هذا الرجل لهذا المال على سبيل الاحتساب أنه يطلقه للفقراء وابن السبيل وكان اعتماد هذا الرجل على هذه النية لا ليمضي أمر هذا الإمام ولا يعمل برأيه، وإنما هو على قدر ما يرى من يستحق هذا المال بفقره لا غير ذلك، هل يسعه ذلك قال يسعه ذلك على هذه الصفة؟ قيل له فإن أمره أن يحلف له رجلا ممن يخشى منه كما يفعل الأئمة؛ قال يحلفه للمسلمين لا له؛ قيل له فإن أمره أن يبايع له أحدا من الناس هل له ذلك؟ قال يبايعه على الحق لا له، قيل فإن أنفذه لغزو عدو المسلمين أو لقمع ملصة؟ قال يكون احتسابه ذلك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن امتنع عليه من أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، وكان منكره الذي ارتكبه عيانا كان له محاربته إن حاربه بعد أمره له بترك منكره الذي ارتكبه وإن كان على وجه التهمة له؛ مثل (1/271)
صفحة 272
قطعه الطرق والتعرض لمظالم الناس والتعدي عليهم؛ ولحقه هذا القائم بالمعروف والنهي عن المنكر لم يحاربه إلا بعد الاحتجاج عليه بأن المسلمين قد رأوا الإمساك في الحبس على الأشياء التي قد نسبت إليه وشهرت عليك من المناكر وقصدك إلى المظالم؛ فإن أجاب لم يكن إلا ما رآه المسلمون؛ وإن امتنع عن ذلك عملوا على الإستيثاق منه؛ فإن شهر السلاح وحارب على ذلك ولم يرجع إلى الحق كان قصدهم في مجاهدتهم هذه على أنهم يمسكوه عن الأشياء التي قد نسبت إليه من المظالم والقصد لها والمناكر والعمل لها؛ فإن تلفت نفسه في ذلك لم تكن فيه تبعة على هذه الصفة قيل فإن أراد هذا الإمام الخروج لبعض النواحي لغزو قوم ظلمة معتدين وطلب صحبة هذا الرجل هل يصحبه؟ قال إن شرط عليه أن لا يفعل ولا يقدم على شيء إلا برأيه
وعرف قصده في ذلك أنه يقبل منه ولا يغصبه في شيء جاز له الخروج معه على هذه الصفة والله أعلم.
هذا آخر ما أردنا نقله من جوابات أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي، وتقدم في آخر إمامة راشد بن الوليد كلام ذكره ابن الأثير في كاملة في إمامة حفص بم راشد وإنها عنده في حوادث سنة ثلاث وستين وثلثمائة؛ وذكر هنالك حروب سلطان العراق لحفص بن راشد وكان فيما ذكره أنه اجتمع بجبال عمان خلق كثير من الشراة وجعلوا لهم أميرا اسمه ورد بن زياد، وجعلوا لهم خليفة اسمه حفص بن راشد فاشتدت شوكتهم.
قال فسير عضد الدولة المطهر بن عبدالله في البحر أيضا، فبلغ إلى نواحي حرفان من أعمال عمان، فأوقع بأهلها وأثخن فيهم وأسر؛ ثم سار إلى دما، وهي على أربعة أيام من صحار، فقاتل من بها؛ وأقع بهم وقعة عظيمة؛ قتل فيها وأسر كثيرا من رؤساءهم وانهزم أميرهم وردوا إمامهم حفص؛ وأتبعهم المطهر إلى (1/272)
صفحة 273
نزوى وهي قصبة تلك الجبال؛ فانهزموا منه فسير إليهم العساكر فأوقعوا بهم وقعة أنت على باقيهم، وقتل ورد وانهزم حفص إلى اليمن، فصار معلما؛ وقد تقدم عن بعضهم ما يقتضي أن حفص بن راشد مات في إمامته، فما ذكره ابن الأثير تخليط في الرواية. وفي كامل ابن الأثير في حوادث سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة قال في هذه السنة: استولى الخوارج – يعني المسلمين – المقيمون بجبال عمان على مدينة تلك الولاية؛ قال وسبب ذلك أن صاحبها الأمير أبا المظفر ابن الملك أبي كاليجار كان مقيما بها ومعه خادم له قد استولى على الأمور وحكم على البلاد وأساء السيرة في أهلها؛ فأخذ أموالهم فنفروا منهم وأبغضوه وعرف إنسان من الخوارج يقال له ابن راشد الحال فجمع من عنده منهم وقصد المدينة، فخرج إليه الأمير أبو المظفر في عساكره، فالتقوا واقتتلوا؛ فانهزمت الخوارج وعادوا إلى موضعهم، وأقام ابن راشد مدة يجمع ويحتشد؛ ثم سار ثانيا وقاتله الديلم فأعانه أهل البلد لسوء سيرة الديلم فيهم؛ فانهزم الديلم وملك ابن راشد البلد؛ وقتل الخادم كثيرا من الديلم؛ وقبض على الأمير أبي المظفر وسيره إلى جباله مستظهرا عليه؛ وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم وأصحاب الأعمال؛ وخرب دار الإمارة وقال هذه أحق دار بالخراب، وأظهر العدل، وأسقط المكوس؛ واقتصر على ربع عشر ما يرد إليهم؛ وخطب لنفسه وتلقب بالراشد بالله، ولبس الصوف وبنى موضعا على شكل مسجد.
قال وقد (1/273)
صفحة 274
كان هذا الرجل تحرك أيضا أيام أبي القاسم بن مكرم؛ فسير إليه أبو القاسم من معه وحصره، وأزال طمعه؛ هذا كلامه والله أعلم بصحته، وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة مات القاضي أبو الحسن بن سعيد بن قريش.
باب إمامة راشد بن علي
ولم أجد تاريخا لوقت بيعته ولا عرفت نسبه غير أن الأحوال تقتضي أنه بويع بعد حفص بن راشد وعلى ذلك ترتيب السير (ووجدت) تاريخا لتوبته الآتي ذكرها قريبا أنها كانت في سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وذلك بعد إمامته كما ستقف عليه إن شاء الله. وفي هذه السنة قتل القاضي أبو زكريا يحيى بن سعيد رحمه الله تعالى. وفي يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وفي نسخة اثنتين وخمسمائة. مات القاضي أبو علي الحسن بن أحمد بن نصر بن محمد الهجاري، وكان قبله بسنة مات القاضي محمد بن عيسى في صفر، وخرجت عليه – يعني الإمام – الفرقة الرستاقية – يريدون عزله؛ ورؤساءهم يومئذ القاضي نجاد بن موسى والقاضي أبو بكر، وهو أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي، خرجوا إلى الرستاق في ذي القعدة سنة ست وتسعين وأربعمائة فلم نجد ذكرا (1/274)
صفحة 275
لما كان بينهم غير أني وجدت تاريخا قال فيه: خرج القاضي نجاد بن موسى مغلوبا مطرودا ليلة الاثنين من سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، قتله الإمام راشد بن علي، وخرج الإمام بعد قتله من نزوى في تلك السنة ليلة الجمعة لأربع ليل بقين من شوال. وتوفي الإمام راشد بن علي بعد ذلك بيسير في هذه السنة، وهي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
قال سعيد بن خميس الحداني: عاش القاضي نجاد بن موسى بن إبراهيم اثنتين وستين سنة؛ وعاش ولده موسى بن نجاد ستة وخمسين ومات؛ ومات مات حتى قتل ممن قتل والده ثمانية عشر رجل ممن يدعي السيادة؛ قال وعاش ولده كهلان خمسا وخمسين سنة، وعاش ولده معمر بن كهلان ثمانية وثلاثين سنة وهذه شروط شرطها القاضي أبو عبدالله بن محمد بن عيسى السري رحمه الله على راشد بن علي وأصحابه:
أما بعد، فإذا طلبتم مني الاجتماع والألفة وبذلتم من أنفسكم قبول النصيحة، فإني راغب في مقاربتكم وموافقتكم وكاره لمباعدتكم ومفارقتكم؛ غير أنه لا يصلح اجتماع إلا على طاعة الله وطاعة رسوله، فإنه جعل في طاعته المحبة والاجتماع والألفة، وجعل في معصيته العداوة والبغضاء والفرقة، فإن أردتم مني اجتماعا في الظاهر فإني لا يمكنني من ذلك غير ما أنا فاعل؛ وإن أردتم اتفاقا في الظاهر والباطن فحتى أرى منكم غير ما أنتم عليه، والله لا يستحي من الحق، ولا دهان في الدين؛ ونحن غدا مسئول بعضنا عن بعض، وقد قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون (1/275)
صفحة 276
خبيرا) وقد أنزل الله كتابه وأرسل رسوله وأوضح دينه، ولا جهل ولا تجاهل في الإسلام؛ وقد تقدم من المسلمين خلفاء وقضاة وأئمة وولاة؛ وأخبارهم شاهرة؛ وسيرهم معروفة ظاهرة، فمن اتبع سبيلهم اهتدى؛ ومن خالفهم ظل وغوى.
وقد قيل اتبعوا ولا تبتدعوا؛ وقيل شر الأمور محدثاتها، وقيل كل شيء إذا ذهب منه شيء بقي منه شيء؛ إلا الدين فإنه إذا ذهب منه شيء ذهب كله، والمسيء مخذول، والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ فأول ما اشترطه عليكم أن تنصحوني وتعرفوني عيوبي، وأن تقبلوا نصائح المسلمين ولا تردوا الحق على من جاءكم به، بعيدا كان أو قريبا؛ بغيضا كان أو حبيبا، وأن تتوبوا إلى الله من جميع ذنوبكم وتتقوه عز وجل في سركم وجهركم من العمل بطاعته وآداء جميع فرائضه واجتناب جميع محارمه، والاقتداء بالسلف الصالح من المسلمين مع الورع الصادق، والوقوف عن كل شبهة: وأن لا تعملوا عملا إلا بحجة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانتهاء عنه، والموالاة في الله والمعاداة فيه، ومشورة المسلمين أهل العلم والورع فيما يعرض عليكم من الأمور، فقد قال الله تعالى (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) ولا تقتدوا برأيكم ولا تعجلوا في أموركم؛ ثم حسن الرأفة بالرعية عامة وبأهل الصلاح خاصة، والرفق بهم والعدل فيهم، وأن يتفقد الإمام أمر رعيته وقضاته وعماله؛ وإن اطلع على جور من عامل له أو غيره أنكر عليه وقام في ذلك بما يلزمه؛ ولا تطلبوا العلو والرفعة في الدنيا، ولا تستنكفوا ولا ترفعوا أنفسكم عن أدنى منازل الدين، ولا يكون القاضي إما أن يعطي (1/276)
صفحة 277
الأمر كله وإلا غضب وجذب يده ووقف عما يلزمه، فإن من كانت هذه صفته لم يجز تفويض أمر المسلمين إليه، إذا ليس ذلك من صفات المسلمين.
فإن ولى الإمام واليا على بلد بمشورة غيره من المسلمين لا يغضب , وإن كان للقاضي وال على بلد فعزله الإمام بغير رأيه لم يغضب ولم يقف عن ما يلزمه , ولم يترك ما يجب عليه؛ وكذلك غير هذا من جميع الأمور , وأن تقتدوا بمن سبقكم من أئمة المسلمين , وقضاتهم وولاتهم , وان تتبعوا سبيلهم وأن تهتدوا بهداهم وقد قال الله تعالى (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) وأن لا يحلف القاضي الناس لنفسه بما يحلف به الإمام , فإن هذا لا نعلم أن أحدا سبق إليه من ولاة المسلمين وقضاتهم , وأن تردوا الخيل التي أخذت من الرعية , ومع ردها عليهم لا يجبرهم القاضي على الخروج معه لغزو ولا غيره , إلا أن يتفق للإمام الخروج بنفسه في أمر يجب عليهم الخروج معه , ولا يكون لهم عذر في ذلك , وأن تنصفوا الناس في معاملاتكم ومدايناتكم؛ فإن كان لأحد عليكم حق فلا تمطلوه ليرضى بدون حقه تقية أو ضرورة, أو تلجئوه إلى أخذ شيء من العروض حتى يأخذها بأكثر من قيمتها في البلد؛ ولا تبيعوا ولا تشتروا لأنفسكم إلا أن توكلوا في ذلك غيركم من الرعية ممن هو غير داخل معكم في حرمة وأمر؛ ولا يعلم البائع أن المشتري لكم , ولا تقبلوا من الرعية الهدايا والعطايا , وأن تمنعوا خدمكم وأصحابكم من ذلك؛ ولا تقبلوا من الناس أموالهم على وجه المعونة؛ ولا ترسلوا إليهم في ذلك إلا أن يتبرعوا هم من تلقاء أنفسهم , أو يشير بعضهم على بعض من غير رسالة منكم , ولا تتحملوا الديون إلا من ضرورة في نفقة أو كسوة أو تقووا أمر المسلمين؛ ولا تبذروا أموالكم ولا أموال المسلمين حتى تحتاجوا إلى أموال الرعية وتأخذوا منهم على وجه القرض (1/277)
صفحة 278
أو المداينة أو المعونة وتحتجوا أنكم فعلتم ذلك ضرورة أو حاجة , فليس هذا مما يوجد لكم عذرا في أخذ أموال الرعية , وأن ترفعوا الطمع فيما لا يجب لكم على الرعية , وأن تسووا في الحق بين القريب والبعيد , والحبيب والبغيض ولا تصفحوا عن
أحد وتأمنوه ثم تأخذوه وتعاقبوه بعد الصفح والأمان , ولا تخرجوا إلى النواحي والبلدان بعسكر لا تضبطونه , ولا تشدونه عن الظلم والفساد؛ ولا تلزموا الناس ما لا يلزمهم من الخروج؛ بل تعذروا من له عذر من مرض أو غيره؛ ولا تفوضوا أمر تحرج الناس إلى العرفاء والجهال , فيبعدوا وتأخذوا الرشاء منهم؛ ولا تجبروا الناس على الخروج بلا زاد اتكالا على الضيافة من عند الناس , ولا تجبروهم على الرباط بلا نفقة؛ ولا تستفتحوا بلدا من بلدان أهل القبلة وأنتم لا تقدرون على أن تولوا عليها وتحموها؛ وتأخذوها من ظالم وتسلموها إلى ظالم وأن تبذلوا الأنصاف لأهل السر والسنينة من حرق منازلهم وخراب أموالهم , وتعرفونهم ذلك؛ وكذلك جميع النواحي التي تجري فيها الأحداث من عساكركم وأصحابكم , وتظهروا إليهم الإنصاف حتى تعلموا أن الحق عندكم مبذول لمن طلبه والباطل مردود على من فعله , ولا تخرجوا إليهم بعسكر تفعلوا عنده مثل ما فعل عسكركم الأول؛ وإذا شكت الرعية عاملا من عمالكم وطلبت عزله عنهم أن تعزلوه عنهم , ولا تكلفوهم عليه البينة وأن تردوا مكاتباتكم إلى ما كان عليه مكاتبات من سبقكم من المسلمين , وأن توفوا بعهدكم ووعدكم.
وقد قال الله تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) ولا تكتبوا لأحد رقاعا خالية فارغة؛ فإن ذلك يخرج مخرج السخرية والهزل , وقد قال الله تعالى (لا يسخر قوم من قوم) ولا تفرضوا إلى أحد الحكم بين الناس , ولو كان لكم وليا , حتى يكون ممن يبصر وجه (1/278)
صفحة 279
الحكم , ولا تولوا واليا على بلد ولا على حرب ولو كان لكم وليا حتى يكون عالما بعدل ما تولونه عليه , ولا تأخذوا الزكاة من الناس بالقيد والحبس على التهم؛ ولا تقولوا لمن تتهمونه بكتمان الزكاة إنا لا نقبل منكم إلا بكذا وكذا , وهذا كأنه حكم ولا يجوز مع المسلمون الحكم بالتهمة؛ وأن لا تبعثوا في طلب الزكاة من الناس غير الثقاة لتوكلوهم في تسليمها إليكم , فإنه قد قيل إن هذا لا يجوز , وأن لا تزيدوا على خدمكم فيما تعطونهم من أجرة خدمتهم خلاف سعر البلد , ولا تأخذوا عطياتكم بغير حساب , فإن هذا لا يفعله صاحب دين ولا دنيا إلا ما شاء الله , وأن لا تكتبوا إلى ولاتكم وأمنائكم رقاعا لا يجوز لهم أن يعملوا بها , وان لا تنفوا المسلمين ولا تعاقبوهم بالتهم والظنون فإن العدول لا تهمة عليهم , وإن عاقبتم أحد من المسلمين فعرفوه خطأه الذي أوجب عقوبته عندكم , وإن بلغكم عن أحد من أهل الصلاح ما تكرهونه فلا تعجلوا في عقوبته حتى يظهروا الحجة عليه عند المسلمين؛ وأن لا تعرضوا لأحد في فعل منكر تأويلا منكم إنكم لم تأمروا تصريحا لم يلزمكم في التعريض , بل قد قيل إن التعريض يقوم مقام الأمر الصريح؛ وأن لا تعملوا بالآحاد من الأخبار التي لا عمل عليها عند المسلمين , وأن تقربوا أهل الصلاة وتدنوهم من أنفسكم وتبعدوا أهل الجهل والسفل , وتنزلوا كلا منهم حيث أنزل نفسه , وأن تعتذروا إلى من لحقه منكم جفاء من المسلمين , وأن ترجعوا في العبدة التي اشتريت من عند أبي الفرج , والبيت الذي اشتري من عند موسى الفرقاني إلى قول المسلمين وما يوجب الحق في ذلك , وأن ترجعوا في حكم المال الذي يمنح إلى
قول المسلمين , ولا يستبد القاضي فيه برأيه دون المسلمين , وأن لا تعرضوا من عند أبي العرب ابن أبي جابر شيء من ماله بقرض (1/279)
صفحة 280
ولا معونة ولا عاربة؛ ولا تمنع ورثة إبراهيم ابن عبدالله من ماله بغير حجة ولا حكم , فإنا لا نعلم في ذلك جوازا , فإذا سألكم أحد حاجة؛ فإما نعم منجزة , وإما لا مريحة , فإن المماطلة عند العطاء تنغيص وتنكيد , والمماطلة مع الحرمان سخرية وهزل , وكلا الحالين مذمومان عند ذوي الدين , وإنما يفعل ذلك من هانت عليه نفسه ودينه وعرضه.
فإن قلتم إن ذلك من خدمكم وأصحابكم , فلو علموا منكم الكراهية لم يتجروا على ما تكرهونه إلا ما شاء الله؛ فأما إذا كانوا ليتقربون بذلك إليكم فإن عاره وإثمه راجعان عليكم؛ ولا تحرموا الفقراء والمساكين هذا المال , فإن لهم فيه سهما , ولا تقفوا في شيء يلزمكم , وتزيلوا عن أنفسكم اسم العذر في التخلف في العهد والوعد والتهمة بذلك , وأن تؤمنوا من خوفتم من المسلمين وتردوهم إلى منازلهم , فإن قلتم إنكم قد بذلتم لهم الأمان فلم يثقوا بأمانكم , فلا أرى هذا يسقط به حجة عنكم ولا يوجب عند المسلمين عذركم إذا كان قد عرفوا منكم الرجوع في وعدكم والتخويف بعد بذل الإمام خطه لهم بالأمان وخافوه أن يفعلوا منهم من بعد كما فعلتم من قبل؛ وأن تبذلوا الأنصاف لأهل السر في تلك الأحداث الشاهرة وتفعلوا كما يوجد عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه كتب به إلى بعض الأئمة , وعليك إظهار الإنكار في ذلك والطلب لمن فعله حتى يعلم الناس , ومن فعل ذلك أن الحق معروف وأنك مؤثره على ما سواه , وتظهر الدعاء إلى الإنصاف حتى تبسط لطالب الحق بلسانه , وأنا أشير عليكم بذلك في الأحداث التي جرت في السر وغيرها من النواحي والبلدان , وجميع الأحداث التي تجري من عساكركم وأصحابكم ورعيتكم حتى يظهر عند الناس أنكم أنكرتم الباطل ولم ترضوا به ولم تواطئوا عليه ولم تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن (1/280)
صفحة 281
المنكر وتزيلوا عن أنفسكم الأوهام الفاسدة.
فإما إذا كنتم تنادون بتخويفهم وتظهرون الغضب على من تتهمون أنه أراد أن يكتب إلى الإمام ويعلمه بما جرى من الأحداث؛ وكيف يتجاسر الضعيف والمظلوم أن يرفعوا إليكم ويشكوا وينتصفوا ممن ظلمهم , وإياكم والتقحم على الأمور بغير حجة ولا برهان , وإياكم وسوء التأويل , فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: زلة العلماء وميل الحكماء وسوء التأويل).
فانظروا لأنفسكم وسلوا المسلمين عما يجب عليكم ويلزمكم , وأتعبوا كتاب ربكم وسنة نبيكم , وآثار الصالحين قبلكم , ولا تميلوا بالناس يمينا ولا شمالا , واحذروا يوما حذركم الله إياه؛ فقال في محكم كتابه (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) وأنا أستغفر الله مما خالفت فيه الحق والصواب , وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
والإمام أراه ضعيف المعرفة قليل العلم والبصيرة , ولا أرى له أن يولى واليا ولا ينصب قاضيا ولا ينفق من مال المسلمين شيئا , ولا يعاقب أحدا ولا ينفذ حكما ولا يفوض شيئا من أمور المسلمين إلى أحد من الناس , ولا يفعل شيئا من هذا الأمور إلا بمشورة المسلين أهل العلم والورع ممن يكون حجة له في ذلك , وليس كل المسلمين يكون حجة في هذا , وإنما الحجة هو الفقيه , وهو الذي يجتمع له حالان: العلم والورع , فإن فعل شيئا من هذه الأمور يبصر نفسه أو بمشورة من لا يكون حجة له في ذلك , فإني أخاف أن لا يجوز له ولا يسعه , ولا يجوز لمن دخل معه في ذلك ولا يسعه , وإن كان الإمام ضعيف المعرفة قليل العلم والبصيرة لا يعرف المشورة ولا يعقلها ولا يهتدي؛ فأخاف أن لا يجوز للمسلمين أن يجعلوه إماما ولو كان لهم وليا , وأخاف أن لا يثبت له عقد (1/281)
صفحة 282
إمامته؛ وسلوا المسلمين عن ذلك ومن كان لا يعرف المشورة ولا يعقلها ولا يهتدي لها فالله أعلم تجوز إمامته أم لا , وسلوا المسلمين عن جميع ذلك ولا تأخذوا منه إلا ما وافق الحق والصواب , وأنا استغفر الله من كل خطأ كان مني في هذا الكتاب وغيره , وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما.
(بسم الله الرحمن الرحيم. توبة الإمام راشد بن علي)
عمل القاضي أبي علي الحسن بن احمد بن نصر الهجاري؛ أنا استغفر الله وتائب من جميع ذنوبي كلها , قليلها وكثيرها , صغيرها وكبيرها؛ ظاهرها وباطنها ما علمت منها وما لم أعلم؛ كان ذلك مني على العلم أو الجهل , أو الخطأ أو النسيان أو التدين أو الاستحلال أو التحريم؛ كنت متأولا فيه أو دائنا به , ومما ارتكبته وأمرت به مما عملته جوارحي أو تكلمت به لساني أو اعتقدته بقلبي, وتائب إلى الله تعالى من السيرة سرتها بغير العدل مخالفة للحق؛ ومن كل خطأ مني في إلزام أهل النواحي الخروج منها , ومن ترك النكير على نجاد بن موسى بعد علمي بالسيرة التي سارها مخالفة للحق والعدل؛ ومن ولايتي له على ذلك , وتوليتي إياه بعد علمي بأحداثه وفعله , ومن الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير حق وانفقت في غير أهلها ومستحقيها , ومن العقوبات التي عاقبت بها غير الحق وتعديت فيها غير الواجب أو أمرت بذلك من فعله ومن إخلافي لكل وعد وعدته ولم أوف به ورجعت عنه , ومن كل عهد عاهدته ثم نقضته , ومن تقصيري عن القيام بما يلزمني من الحق والعدل , ودائن لله تعالى بما لزمني في الأحداث التي أحدثت في القرى على أهل القبلة من الخراب والحرق؛ وأخذ الأموال؛ وعقر الدواب والأحداث في تخريبها؛ وما جرى من العساكر التي أخرجتها , ومن كل حرب حاربتها وسفكت الدماء فيها بأمري , وملزم نفسي بذلك وما (1/282)
صفحة 283
لزمني من حق وضمان ودية وأرش وغير ذلك؛ فأنا دائن لله بالخروج منه والخلاص إلى أهله ومستحقه , وقابل قول المسلمين وراجع إلى قولهم وقابل نصيحتهم نادم على ما سلف مني في نفي احد من المسلمين , أو عقوبته بغير ما يلزمه , ومعتقد أني لا أرجع إلى ذنب أبدا , وإن علمت بذنب بعد هذه التوبة ولم أتب منه؛ فهو داخل في هذه التوبة , وهذه التوبة لازمة لي إلى الممات , ومن كل تولية وال وليته ولم يكن لي أن أوليه؛ شهد الله وكفا به شهدا؛ ومن حضر من المسلمين , وكانت هذه التوبة من الإمام راشد بن
علي بحضرة القاضي أبي عبدالله محمد ابن عيسى والقاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري والشيخ أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر وأخيه أبي جابر محمد بن عمر بن أبي جابر وعلي بن داوود وعبدالله بن إسحاق المنقالي وغيرهم من المسلمين؛ وكانت هذه الشهادة يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
جواب من القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى رحمه الله إلى الإمام راشد بن علي فيما سأله عنه من هذه التوبة وما ورد عليه فيها , سألت عن التوبة التي دعاك الجماعة إليها وإلى الكتاب الذي كتبوه لك فيها , فأعلم أني نظرت في ذلك على قدر ضعفي وقلة بصيرتي , فرأيت الكتاب يشتمل على معان كثيرة يطول شرحها غير أني أذكر لك من ذلك ما يسر الله والله أسأله التوفيق لذلك.
أما توبتك من السيرة التي سرتها بغير العدل مخالفة للحق فإن كان ذلك قد جرى منك على الاستحلال والتصويب لنفسك فلا أرى هذه التوبة تكفيك ولا تصح لك ولا يقبلها المسلمون منك حتى تفسر ذلك تفسيرا غير هذا , وتتوب منه بعينه على التفسير , وإن كان منك (1/283)
صفحة 284
ذلك على التحريم والتعمد بمخالفة الحق عند فعلك , فما كان فيها من تلف نفس أو مال فعليك الضمان والخلاص من حقوق العباد في الأموال والأنفس مع التوبة؛ وإن كان ذلك منك جهلا بحرمته وظنا منك أنه واسع لك من غير تعمد للحرام ولا قصد منك لمخالفة الحق , والاستحلال لذلك بديانة وتأويل , فقد يوجد في مثل هذا أنه يخرج مخرج التحريم , وقد تقدم القول في المحرم وما يلزمه من الضمان في الأموال والأنفس والخلاص من ذلك.
وأما توبتك من الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير الحق؛ وأنفقت على غير أهلها ومستحقيها , فالأمر فيه على نحو ما تقدم من الكلام في المحرم والمستحل فإن كان ذلك على وجه الاستحلال لما حرم الله فلا أراك تكتفي بهذه التوبة ولا يصح ذلك حتى تفسر تفسيرا غير هذا وتتوب منه بعينه على التفسير , وإن كان منك على وجه التحريم , فقد تقدم الكلام في المحرم وعليك الخلاص من جميع ما أتلفته من الأموال والأنفس , وإن كان ذلك على وجه العمى والظن أنه واسع لك فقد تقدم القول في ذلك أنه يخرج مخرج التحريم.
وأما توبتك من العقوبات التي عاقبت بها بغير الحق فإنها تجرى مجرى ما تقدم من القول به والجواب واحد.
وأما توبتك من كل حرب حاربتها وسفكت الدماء فيها بأمرك , فإن كنت حاربت حربا بعد حرب منها ما هو بالحق ومنها ما هو بالباطل فتبت من جميع ذلك فلا يجوز لك أن تتوب من الحق , وعليك التوبة من توبتك من الحق , وعليك التوبة أيضا من الحرب التي حاربتها بالباطل , وإن كان على الاستحلال فقد تقدم الكلام في المستحل , وإن كان على التحريم فقد تقدم أيضا الكلام في المحرم وما يلزم في ذلك من الضمان في الأموال والأنفس , وإن كنت مخطئا في جميع محارباتك من أول إلى آخر فقد أصبت (1/284)
صفحة 285
في التوبة منها , وأما الضمان فهو ما تقدم به من الكلام في المستحل والمحرم , وأما توبتك من ولايتك لصاحبك فإن كنت علمت منه حالا تحرم به ولايته عليك أو توليته على أول وجه لا يجوز لك أن تتولاه عليه , فقد أصبت في توبتك من ولايته , وإن كنت توليته من أول وجه تجوز لك ولايته عليه؛ ولم تعلم منه حدثا مكفرا , فقد أخطأت في توبتك من ولايته بغير حجة وعليك أن تتوب من توبتك من ولايته , وإن كان قد صح عندك عليه حدث مكفر بشهرة لا دافع لها أو بشهادة عدلين مع تفسير الحدث أو شهادة عالمين بالحدث بتفسير أو بغير تفسير أو شاهدت أنت منه حدثا مكفرا أو أقر عندك بذلك , وتوليته من بعد فقد أصبت في توبتك من ولايته على هذا الوجه.
ولكن استتبه من ذلك فإن تاب وكان مستحلا فقد قيل أنه يرجع على حالته الأولى من الولاية , ولا نعلم في ذلك اختلافا وإن كان محرما , ففي أكثر القول أن يرجع إلى ولايته , وقيل فيه قول آخر ولا أرى لك أن تهمل أمره ولا أنت تترك استتابته ولا الإنكار عليه إذا قدرت على ذلك , فإن لم تفعل ولم تستتبه فأخاف أن يكون أتيت خلاف ما عليه أهل الحق والعدل من المسلمين.
وأما توبتك من توليتك إياه بعد علمك في أحداثه وفعله , فإن كنت علمت منه حدثا مكفرا ووليته على ذلك الرعية فجار عليهم في أنفسهم وأموالهم , وأنت محرم لذلك فأخاف عليك ضمان ذلك في أحداثه إن أتلف شيئا من أموال الناس وأنفسهم وإن كنت مستحلا لذلك فقد تقدم من الكلام في المستحق والمحرم والجاهل ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى.
وأما قولك وملزم نفسك ما لزم للعباد من حق وضمان ودية وأرش وأنك دائن بالخلاص منه فهذا هو الصواب إذا صدقته بفعل وقيام في (1/285)
صفحة 286
خلاص نفسك من حقوق الله وحقوق العباد , وأما القول وحده بلا فعل ولا قيام ولا اجتهاد في خلاص فما النفع في ذلك , وقد قيل لا ينفع التكلم بالحق إلا بإنفاذه. وقد قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وإن كنت محقا في هذه الفصول كلها , والمعاني التي دعاك الجماعة إلى التوبة منها ولم يكن منك خطأ في ذلك في الظاهر ولا في الباطن فتبت من الحق ليرضوا عنك فلم يكن لهم أن يدعوك إلى التوبة من الحق ولا لك أن تجيبهم إلى أن تتوب من الحق. فإذا فعلتم ذلك جميعا كان عليك وعليهم التوبة ولو أن الجماعة عند استتابتهم لك سلكوا بك مسلكا غير هذا المسلك الذي حملوك وحملوا أنفسهم عليه ربما كان أسلم لك ولهم وأخف وأسهل عليك وعليهم ولولا مخافتي أن لا يسعني السكوت ولا التغافل عن جوابك فيما سألتني عنه لم أذكر لك شيئا من هذا ولكنك سألتني عما يلزمك في تلك التوبة فاستصعبت الإمساك عن رد جوابك وقد ذكرت لك ما قد ذكرته على قدر ضعفي وقلة بصيرتي , فإن كان حقا فهو من الله تعالى فخذ به وإن كان فيه مخالفة للحق فلا تأخذ به , وأنا أستغفر الله من كل ما خالفت فيه الحق والصواب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما أ. هـ كلام القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله تعالى ولم نجد جوابا لكلامه , وما ندري ما إذا كان بعد هذه النصائح البليغة الصادرة عن صدق الإخلاص.
غير أني وجدت أنه قتل رحمه الله في نزوى في موضع على طريق مساجد العباد غربي المقبرة الكبيرة التي تمر على حظيرة غلافقه , ولم يسم قاتله ولم يؤرخ وقت ذلك , وفي سنة أربع وخمسمائة لثمان ليال بقين من محرم (1/286)
صفحة 287
مات أبو بكر أحمد بن محمد ابن المفضل , وفي سنة ثمان وخمسمائة ليلة لأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان مات القاضي أبو محمد عبدالله بن محمد بن إبراهيم بن سليمان المفدى السمدي الكندي.
ذكر وفيات الشيخ محمد بن صالح وذراريه
وإنما ذكرهم في موضع واحد لحسن سلسلتهم فإن بعضهم يعقب بعضا وبعضهم من بعض وكلهم فقهاء أجلاء وأولهم جدهم الأكبر أبو عبدالله محمد ابن صالح , وقد توفي ليلة السبت لليلة خلت من شهر بيع الأول سنة إحدى وثلاثين , وفي نسخة سنة ست وثلاثين وخمسمائة , وتوفي ولده أبو بكر أحمد ابن محمد بن صالح ليلة الاثنين في النصف الأول من الليل لليلة خلت من صفر سنة ست وأربعين وخمسمائة رحمه الله ورحم أباه والمسلمين , وهذا الشيخ هو شيخ أحمد بن عبدالله صاحب المصنف , وتوفي ولده أبو القاسم سعيد بن أحمد بن محمد ابن صالح رحمه الله وغفر له ضحوة يوم الأحد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
وقيل وهو الأكثر أنه توفي لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وخمسمائة , وكان موته بعد وقعت بوة بأربعة أيام , وتوفي ولده عبدالسلام بن سعيد بن أحمد بن محمد بن صالح ليلة الجمعة لسبع ليال بقين من ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وعشرين وستمائة , وتوفي ابن عمه سعيد بن أحمد ابن محمد بن أحمد بن محمد بن صالح سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وهو الذي كان في زمن الفقيه عثمان بن أبي عبدالله الأصم رحمهما الله , وتوفي أبو الحسن بن أحمد بن أبي الحسن ابن سعيد بن أحمد يوم الثلاثاء ضحوة النهار لخمس ليال خلون من شهر ذي القعدة سنة خمس عشرة , وفي نسخة سنة أربع عشرة وسبعمائة , وتوفي الفقيه أبو الحسن ابن سعيد بن أحمد بن محمد بن أحمد (1/287)
صفحة 288
ابن محمد بن صالح صبح يوم السبت لسبع ليال خلون من صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة , وتوفي أحمد بن أبي الحسن بن سعيد ابن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن صالح يوم السبت ضحوة النهار لليلتين خلتا , وفي نسخة بقيتا من المحرم , وفي نسخة من صفر سنة إحدى وثمانين وستمائة , وتوفي أبو القاسم بن أبي الحسن بن أحمد بن أبي الحسن بن سعيد بن أحمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن صالح عشة الجمعة سنة سبعمائة وأربعين , وتوفي الفقيه أبو سعيد ابن أحمد بن أبي الحسن بن أحمد بن أبي الحسن بن سعيد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن صالح يوم الثلاثاء لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة إحدى وستين وسبعمائة.
فأنظر إلى هذه الذرية المباركة الطيبة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم , وهذه السلسلة في تتابعها تشبه سلسلة آل الرحيل من محبوب ابن الرحيل إلى سعيد بن عبدالله , كلهم فقهاء أجلاء أهل فضل وورع وفقه واسع وعلم نافع ليس فيهم من يطعن فيه ولا من يشك في فضله والله أعلم بالفقهاء الذين كانوا من ذراريهم بعد من ذكرنا , فقد غابت عنا تواريخهم وتشابه السلسلتين سلسلة نجاد بن إبراهيم وذراريه , وفي المتأخرين سلسلة آل مدد وهم قوم من النعب والنعب من قضاعة ويقرب من ذلك سلسلة الصلت بن مالك , فإن كثيرا من الأئمة والعلماء كانوا من ذريته , والحمد لله رب العلمين.
[فقرة لم ترقن] (1/288)
صفحة 289
أو شرف أو علم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
تنبيه: ذكر بعض المتأخرين ثلاثة أئمة لم نعرفهم إلا من سيرته , ومن حفظ حجة على من لم يحفظ , أحدهم عامر بن راشد بن الوليد الخروصي , قال عقدت له الإمامة سنة ست وسبعين وأربعمائة , قال وكان رجلا عالما زاهدا ذا ذكاء وفطنة محسنا في الرعية , قال وكان إمام شاريا؛ قال وهو آخر الأئمة الشراة من بني خروص , قال فاستقام على الحق حتى توفاه الله رحمة الله عليه وأنت تدري أن هذا الوقت الذي ذكر فيه بيعته هو وقت إمامة راشد بن علي بعينه , فإن صح ما ذكر فكأنه إنما بويع في وقت إمامة راشد لأن الناس قد اختلفوا على راشد على حسب ما تقدم.
والإمام الثاني محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي , قال وكان إمام دفاع فأرادوه أن يكون شاريا فخاف أن لا يطيق حمل الشراء خوفا من خلفاء بغداد قال وكان رجلا عالما بليغا زاهدا ذا حلم ورأفة للرعية غيورا على الممالك؛ قال وكان أكثر حربه الحسا وأرض نجد؛ قال وكان في إمامته عادلا لم يعب عليه أحد في زمانه ولا طعن عليه أحد في شيء من أحكامه حتى توفي رحمة الله عليه؛ قال وكانت إمامته تسع سنسن إلا خمسة أشهر , قال ومن خصاله الحميدة وأفعاله الغريبة أن كل أحد أراده بسوء وعزم على حربه ومخاصمته , ووصل هذا الإمام في ساحته يسلم المخاصم له الأمر من غير قتال.
والإمام الثالث الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد بن الخليل بن شاذان؛ قال عقدت له الإمامة بنزوى وقاتل فيها النباهنة واستولى عليها؛ وقهر الرستاق ونخل (1/289)
صفحة 290
وجميع أقطار الباطنة؛ قال ثم أن النباهنة استنجدوا ببني هلال والجبور؛ قال ولم يزل يقاتلهم في كل أرض؛ ولم يعب عليه في إمامته أحد حتى توفي رحمة الله عليه مستقيما على طريق الحق.
باب إمامة محمد بن أبي غسان
وهو فيما أظن من أئمة الطائفة الرستاقية وهم الغلاة في أمر موسى وراشد؛ ولم أجده مصرحا به كذلك غير أني عرفته من أحوالهم فإن أبا بكر أحمد بن عبدالله ابن موسى كان يحتج له ويناظر عنه في سيرة سماها البررة ولم أجد لمحمد بن أبي غسان ذكرا في نسبه غير أني وجدت تاريخا لموت القاضي أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي أنه مات يوم الأربعاء ضحوة , وقد بقي من رمضان اثنا عشر يوما سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة قال وصلى عليه محمد بن أبي غسان الخروصي فإن كان هذا المصلي هو الإمام المذكور فهو خروصي وإن كان غيره فالله أعلم به غير أن هذا الوقت هو (1/290)
صفحة 291
فيما أحسب وقت إمامة محمد بن أبي غسان ثم وجدت أن إمامة ابن أبي المعالي كانت في سنة تسع وأربعين وخمسمائة وظهر بذلك أن المصلي غير الإمام أو انه كان إماما فعزل ويمكن أن يكون محمد هذا هو ابن الإمام راشد ابن سعيد لما تقدم أن أبا إسحاق كنى راشد في شعره بأبي غسان ولمدح أهل الباطنة له أنه من أبناء الحلفاء والله أعلم بحقيقة الأمر.
وكانت الطائفة الرستاقية تحاول الغلبة على الدولة حتى ظهروا ومن محاولتهم ما تقدم ذكره في إمامة راشد بن علي , والظاهر أن إمامة محمد بن أبي غسان كانت عند الرستاقية على إمامة راشد بن علي لأن نجاد بن موسى كان فيما يظهر قاضيا له وفي بعض التواريخ قال خرج القاضي نجاد بن موسى مغلوبا مطرودا ليلة الاثنين من سنة اثنتي عشر وخمسمائة ودخلها أبو سعيد بن الحسن بن زياد في دولة محمد ابن خنبش ومحمد بن أبي غسان.
وكتب محمد بن أبي غسان إلى أهل الباطنة كتابا فأجابوه بجواب طويل بليغ يرشح بالسرور ويرفل بالحبور؛ وذكروا فيه أشعارا أعرضنا عن النثر اختصارا ونقتصر منه على الشعر اختيارا. قالوا فيه:
وقلنا له إذا بدا طالعا ... = ... ألا مرحبا مرحبا مرحبا
وكان لنا خير من قد أتى ... = ... وكنا له خير من رحبا
حباب المسرة مسطورة= ... ... بما قد أفاد وما قد حبا
ذهبنا بما ساق من حكمه= ... ... إلى نيل آمالنا مذهبا
كسانا بموشأ ألفاظه= ... ... من الرشد برد الهدى مذهبا
ثم ذكروا بعده ألفاظا منثورة كالدرر المسطورة ثم قالوا بعده
يعلوا سماوات الجلالة فاخرا= ... بأب شريف ماجد أو خال (1/291)
صفحة 292
وله مناقب حازها من قومه= ... تاريخها من عهد عصر خال
وخلا من الأدناس طيب نجاره= ... وعلاه فهو من النقيصة خال
إن شم خلب بارق من غيره= ... شمن لجؤد يديه بارق خال
وله جلال قد كساه جملها = ... موشى برد خلائف وجلال
ثم قالوا بعده الذي خلص عند النقد والتمييز خلوص الذهب إلا بريز استخرجه الله من عنصر الأكارم الأطايب كما استخرج نبيه صلى الله عليه وسلم من لؤى بن غالب وقد أعاد الله بسلامته ووجوده لهذه الدعوة ما كان رفانا وجمع من شملهم شتاتا واختارهم وأحياهم بعد أن كانوا أمواتا وهو ما أشتمل به من ملابس الورع والديانة والنزاهة والصيانة أهل لما تقلده من هذه الأمانة والجماعة به راضون وعن سواه معرضون , فالله تعالى يحرس عليهم شريف بقائه ويزيد في رفعته وارتقائه ويديم عليه ما اتسع من نعمائه وينعم علينا عاجلا بكريم لقائه خافقا بأرضنا في عذبات لوائه مؤيدا بالنصر والفتح في مذاهبه وأنحائه مسددا في رأيه منقذا من الهلكة معاشر آله؛ إلى أن قالوا: وعضده بالهزبر الضرغام والسيد القمقام , والبطل المقدام؛ القاضي الأجل السيد سيف الإسلام وعين العلماء والحكماء , ذي البصيرة والرشاد والصلاح والسداد المبارز يوم الجلاد , أبي المعالي نجاد بن موسى بن نجاد إلى آخر ما ذكروه وكتابه موجود في مجموع سير المسلمين؛ وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة في شوال ليوم بقي منه مات القاضي أبو محمد الخضر بن سليمان وذلك يوم الخميس وهو جد ابن النظر.
وفي سنة ست وثلاثين في ربيع الآخر ليلة الجمعة مات عثمان بن موسى , وخالفه أهل العقر من نزوى ولم يدخلوا في طاعته وذلك لأجل قدحهم في إمامته ولعله حيث كان من الطائفة الرستاقية فحاربهم (1/292)
صفحة 293
طويلا وقطع النخيل وكسر الأنهار , ووقعت في الحرب أحداث لا تكاد تخلوا منها معرة الجيش؛ ولا يقدح ذلك في إمامة المحق , غير أن أهل العقل لما لم تكن إمامته ثابتة عندهم ردوا عليه بسيرة ذكروا فيها الأحداث الواقعة وجعلوا من المناكر , وحملوا على القائم بالأمر.
وهذه السيرة التي فيها الرد تنسب لأبي بكر أحمد بن محمد بن صالح وهو شيخ أبي بكر أحمد بن عبدالله ابن موسى صاحب المصنف ورد هذا التلميذ على شيخه ردا بليغا مسلما لو سلم صحة أصل الإمامة , غير أن شيخه يقدح في أصل إمامتهم وقال الراد قد علم الخاص والعام إلا من شاء الله من أئمتنا وأخذنا رأي الجماعة من أهل نحلتنا , ولم يقف من وقف عن شك في الأصل بل خوفا من معارضة أهل البغي والجهل , وكراهتهم لهذا الفعل ووقوف هؤلاء غير قادح في أمر المسلمين ولا ناقص لأهل الدين , وقد قال علي بن أبي طالب ولا عمري إن كانت الإمارة لا تجوز حتى يحضرها جميع الناس ما إلى ذلك من سبيل , ولكن أهلها يحكمون فيها على من غاب , ثم ليس للحاضر أن يرجع ولا للغائب أن يختار ألا وإني مقاتل رجلين رجل ادعى ما ليس له ورجل منع ما قبله. قال وهكذا وجدنا عن غيره فانظر في ذلك وبالله التوفيق.
باب إمامة موسى بن أبي المعالي بن موسى بن نجاد
بويع له سنة تسع وأربعون وخمسمائة وهو في ما أحسب من أئمة الطائفة الرستاقية وكان يومئذ الملك بعمان محمد بن مالك، ولم أجد ذكر نسبه فخرج عليه أهل عمان وكان يومئذ إمامهم موسى بن أبي المعالي بن موسى بن (1/293)
صفحة 294
نجاد في عسكر لا يحصى ولا يعد وخرج الملك في جملة اليحمد إلا الأقل منهم، وخرجت معه عامر ربيعة، وكان أيضا من أهل عمان عامر ربيعة فخرجوا حتى توافوا بقرية الطو، وكانوا قد استضعفوا أنفسهم عن الصولة، وأجمع رأيهم على الرجوع وطمعوا في السلامة وأعطوا ثقلهم العقبة وتأخروا ليكونوا حامية لساقتهم، فلما صارت المطايا على العقبة وصلت إليهم البدو في زحف من اليحمد فانهزمت أهل عمان ولم يعقب أحد عند ساداتها فقتل الرئيس وأخوه أعني أبا عبدالله بن أبي المعالي، وقتل من الناس خلق كثير وأخذ من الناس ما لا يحصى، وكذلك الموت بالعطش ولم ينج إلا ذو عمر طويل، وأتت اليحمد والبدو على جميع التخافيف والدروع والسلاح، وكان ممن أخذته البدو الرئيس أبا المعالي بن عبدالله وعبدالله بن خنبش بن أزهر وأحمد ابن محمد وجماعة من أهل سمد، ومن سائر الناس عدد لا يحصى.
وكانت هذه الوقعة في يوم الأربعاء في يوم تسعة وعشرين من صفر سنة تسعة وسبعين وخمسمائة، فمدة إمامته عشرون سنة وسيأتي كلام يقضي أنهم نصبوا في عصره إماما، وفي أيامه مات القاضي أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان رحمه الله عشية الجمعة لست ليال خلون من ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة وكان الملك قد أرسل إليهم قبل خروجهم عليه بثلاث سنين نصيحة قال فيها بسم الله الرحمن الرحيم
مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... = ... لا تبعثوا بيننا ما كان مدفونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم= ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
يتصدر لسيدنا الأجل الأمجد والمشايخ الأجلاء الفضلاء الأتقياء حرس الله أيامهم وأسبغ إنعامهم وأجزل في الخير أقسامهم إني قد كتبت قبل كتابي (1/294)
صفحة 295
هذا كتابا أطلب فيه إيضاح الحق وإظهار برهان الصدق، ولم يرجعوا لي جوابنا يقطع ولا أتوا بإيضاح ينفع، والحاجة والإشفاق من شقاق يدعو إلى المعاودة، وإن كان كلامي لا يسمع وتنصلي بالنصيحة لا ينفع؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل؛ والحق كلما كشف تبلج والباطل كلما كشف تلجلج؛ والذي شرحته أولا أشرحه آخرا غيرة على حضرتهم الشريفة إن الحق واضح لا يفنى والباطل لا يخفى، فإنهما طائفتان لا تشبه أحدهما الأخرى لأن الحق نور والباطل ظلمة فشتان بين النور والظلمة.
وقال شعرا:
لقد أسمعت من يدعو لحق ... = ... ولكن ما بحق من أنادي
أريد حياته ويريد قتلي ... = ... عذيرك من خليلك من مراد
ولكن قد قيل في المثل إذا أقبلت الفتن نزع من كل ذي لبلبه، وعندي إنهم يعرفون ما أقول حقا؛ ولكن قد قال الله تعالى (وإن فريقا منكم ليكتمون الحق وهم يعلمون) وقال الله تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)؛ وقد جعلت بيني وبينكم حكما؛ وقد أشهدت الله وملائكته عليكم واسألكم به وبكتبه وملائكته ورسله أن تقبلوا الحق وتؤمنوا ضعفاء المسلمين من كل ناحية وتعطونهم المواثيق بالإيمان على أنفسكم وقبول الحق , ويجتمعوا ونجتمع والحق مقبول ونكون جميعا عند الحق وإن كان يدعوكم إلى هذا المدخل؛ وحمل هذه الأمور الخوف فليس هذا من سيرة المتقين فمن تمسك بحبل الله لا يخاف لومة لائم وإن تطرحوا أيديكم في يدي وتقبلوا ما أقوله فأنا لكم الكفيل لما تحاذرونه من أمر العجم وأنا لكم مقاسم ومساهم فيما يأتيكم إن لزمتم الكفاف وتمسكتم بالتقوى والعفاف وأعطيكم بمآثر تطيب قلوبكم (1/295)
صفحة 296
وربما إذا اجتمعنا كان للمسلمين راحة وللضعفاء؛ قال الله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم؛ وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وأنا قد استيقنت فيما مضى كثيرا من أيام ذلك والده إلى يومي هذا ولو كنت محبا لقطيعة ومعتمدا لفرقة لكان من أسرته بالأمس بقرية كدم ما سلم؛ لكن سلمهم الله تعالى ثم من اقتضى فيه رجاء أن يعرف ما أنا عليه وأن يجمع الله بنا شمل المسلمين؛ وأن ينفع بنا الضعفاء والمساكين إلا أني ليشهد أن يكون قد استحل المرعى الوخيم والمسلك الذميم؛ وقد صرت كما قال الشاعر:
قالت هريرة لما جئت زائرها ... = ... ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
وأنا مع ما قد حدثت أعلل نفسي فيكم بليت ولعل وعسى وأقول مكابرا لعقلي عسى أن تنتبهوا من غفلتكم وترجعوا عن مدخلكم وينسد الحال وتنصلح الأحوال لأن هذا المدخل مدخل طمع ملك وطلب عرض وثار؛ وقد قال الله تعالى (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) وقال تعالى (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وقال تعالى (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) ولا يثبت الله أمرا ظاهره عدل وباطنه جور وظلم والله لا يخفي عليه شيء وإن لبستم على ضعفاء المسلمين وطغام الظاهرة؛ ولا يخفى على الله؛ وقد قال الله (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم؛ إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) فمسألتي من حضراتكم قبول النصيحة وترك الجب ولا تكونوا كالذين قال الله فيهم (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) وأنا مع كل هذا أحذر من انفتاق الحال بيني وبينكم ووقوع الفرقة والقطيعة وانفتاح الشر وأنا فيكم كما قال الأول: (1/296)
صفحة 297
وإذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... = ... وتعتبون فنأتيكم فنعتذر
أفي الكتاب وجدتم ذا فنعذركم = ... بيني وبينكم الإنجيل والزبر
وأنا المبتدأ بالقطيعة والمتظاهر علىّ بالجواب والشنيعة , وأنا مع ذلك أداريكم وأعالجكم وأبذل لكم مني النصيحة محبة فيكم واشفاقا عليكم وأبقي على سدة الحال بيني وبينكم فإن تقبلوا ما قد بذلت لكم من النصيحة والمودة وتقبلوا الحق وتسلموا له فأنا لكم أخ وناصح وصديق مساهم ومقاسم , وإن غلبتكم الأهواء واستحال بكم حب الدنيا واستحو1 عليكم الشيطان؛ وقد قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) وقال تعالى (زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فهو المهتدي) وقال (ومن يهد الله فما له من فضل) , وقد قيل من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ , وإذا لم ينفع ما شرحناه رجعنا إلى قول الأول:
فلما رأيت الود ليس بنافع ... ... عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
(غيره) وفي الشر نجاة حين = لا ينجيك إحسان
وبعض الحلم عند الجهل = للذلة إذعان
حينئذ طابت نفسي عن صحبتكم وحققت شدة طلبكم ومفارقتكم مقاتلا على نفسي بما أقدر عليه لا صدا لسبيل الله ولا عاد على مغلوب قوم إذا غلب ولا حجة على الطالب إذا طلب , وقد قال الله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)؛ قد قيل في المثل دون الحريم يقتل الكريم فسكت مستعدا للجهاد على نفسي دافعا للظلم وردا للغشم وخوفا من طلب الثأر والحرب مشتقة معنى من الحرب , وليس كتابي هذا خوفا ولا فرقا من القتال إذا رقع التنازل , وإن كان الخادم أقل فلا آمن من ذلك إلا أن حذري من القطيعة والفرقة , أشد مما (1/297)
صفحة 298
تظنون ومتى عاد جوابكم بالأمس بذلت جهدي وشمرت لغاية طاقتي وقابلت بعون الله وأرجو أن تذكروا نصيحتي وترجعوا إلى قولي بعد فوت أشياء كثيرة ما كنت أود أن تكون لكن الأمر لله الواحد القهار اطؤا على أرجلكم إن شئتم الباطل والله شاهد عليكم , إذ قد اجتهدت وبالغت في طلب السلامة بالألفة بيننا وترك الشقاق , ولم العصى فأبيتم إلا ما قد سولت لكم أنفسكم , قال شعرا:
فما بال من أسعى لأجبر كسره= ... ... حفاظا وينوي من عداوته كسري
وإني وإياكم كمن نبه القطا= ... ... ولو لم ينبهه لبات ولم يسر
أتاه وحلما وانتظارا بكم غدا= ... ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمري
كفكف غربك واستوقف سربك وأودع العصا بلحاها والدلو برشاها فإن من روتها ورأيها أن امتحنا أروينا , وإن قدحنا أورينا , وإن نكينا أدمينا بحول لله وقوته لا بحول مني ولا قوة , وأنا متوكل على الله (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره) وأنا كاره للفتنة ومبغض للفرقة ومجاهد على الصحبة , أرجو من الله إذا لم تقبلوا نصيحتي وتركنوا إلى قولي أن يرجع بغيكم عليكم لقوله تعالى (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم غلينا مرجعكم) وإذا عدم القتال وفرغ من اليحمد فقد فرغ , إلا أن الشيء من معادنه , وإن لم يوجد في معادنه فهو في غير معادنه أعدم , وقال شعرا:
نصحنا لهم نصحا فجاؤا ببغيهم ... = ... وكنا لهم سلما فصاروا لنا حربا
فقلنا عسى أن ينتهوا عن فعالهم ... = ... فيستوجبوا منا بان نغفر الذنبا
فلما أبوا إلا اعتمادا لشرهم ... = ... وبغيا جزيناهم إلى شرهم حربا
وقلنا لهم ذوقوا وبال أموركم ... = ... ومن يسق مر الماء لم يطعم العذبا (1/298)
صفحة 299
فواعجبا أكل هذا عمى أم تعام , لكنه تعام وطمع في غير مطمع وقال شعرا:
ليوث عرين كافحت عن عرينها ... = ... ويلقون جهلا أسدها بالثعالب
كأني أراكم قد بعثتم عظيمة ... = ... سمام الأفاعي دونها للعقارب
فحلوا كتافيها وشدوا وثاقها ... = ... فإن لها كفا مر وحالب
فإنا لا نحسر على مفارقتكم ونلهف على مقاطعتكم حفظا لأضر أو تحفظا للود السالف , ورجاءا للمستأنف وكأني أقرع حجرا صما أو أكلم أخرصا أو أصما فإنا لله وإليه راجعون , إذ تقاطعون من لا يشتهي مقاطعتكم وتفارقون من لا يشتهي مفارقتكم , ولكن قد قال الله تعالى (ثم قست قلوبكم بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) وقال الشاعر:
ولست بباغي الشر والشر تاركي= ... ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
(وقال آخر)
معاوي هل أبصرت في الدهر تلعة ... = ... بغاثا من الأطيار من يوعد الصقرا
هذا وأن طعن علىّ طاعن فيما أنا عليه فأنا مقر بالتقصير معترف بالخطأ ودائن لله تعالى بأداء الواجبات والتخلص من التبعات؛ وإن وجدت قوما لله كنت منهم ولله أمر هو بالغه وحكم هو نافذة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ خدمت حضراتكم الشريفة بالسلام الجزيل والدعاء الصالح الجميل؛ واسأل من حضراتكم رد الجواب بما يقتضيه رأيهم الرشيد الصائب وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم.
تمت السيرة بعون الله وحمده؛ قال ناقلها وكانت هذه السيرة الفيصل كان كتبها إليهم آخر كتبه؛ وقبل خروجهم عليه بعقبة بوه بثلاث سنين؛ قيل وإن جملة أهل عمان كانوا يقولون كانت هذه السيرة لمن كتبت إليه ملحمة أي (1/299)
صفحة 300
مقتله والله أعلم.
باب إمامة خنبش بن محمد بن هشام وولده محمد بن خنبش
وأظنهما من أئمة الطائفة الرستاقية وهو ظن لا يحقق غير أن العاقد لمحمد ابن خنبش صاحب المصنف؛ وهو من الطائفة الرستاقية؛ وكان إمامتهما كانت في وقت إمامة من ذكرنا قبل؛ فكأن أهل عمان قد افترقوا طائفتين؛ وأعوذ بالله من الفرقة؛ وكانت كل طائفة تنصب إماما حتى جمع الله شملهم بعد الفرقة (فأما خنبش) بن محمد فلم أجد لسيرته ذكرا في شيء من الكتب إلا ما قالوه في تاريخ موته أنه توفي يوم السبت لعشر من جمادي الأولى في سنة عشر وخمسمائة قالوا وجرى على الناس بموته مصيبة عظيمة قالوا وكان رجل من أهل الصلاح ينشد عند قبره شعرا:
وليس من الرزية فقد تيس=شاة تموت ولا بعير
وكلن الرزية موت نفس= ... يموت لموتها خلق كثير
(
وأما محمد بن خنبش) فقد اختلفت النقول في وقت إمامته؛ ففي كشف الغمة وغيره من السير أنه عقد عليه يوم مات أبوه؛ وأن العاقد له نجاد بن موسى وكان نجاد قاضيه , وخطب أبو بكر أحمد بن محمد المعلم , وكان ذلك وقت إمامة راشد بن علي , وقد تقدم أن نجاد بن موسى كان قاضيا لابن أبي غسان؛ فإن كان محمد بن خنبش هو محمد بن أبي غسان فظاهر؛ وإن كان غيره ففي هذا (1/300)
صفحة 301
النقل نظر قالوا: ومات محمد بن خنبش سنة سبع وخمسين وخمسمائة , وفي تاريخ آخر يقتضي عكس هذا؛ وذاك أنهم أرخوا موت أبي بكر أحمد بن عبدالله بن موسى بن سليمان الكندي مؤلف المصنف أنه مات عشية الاثنين لخمس عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وخمسمائة , قالوا ذلك بعد أن عقد للإمام محمد ابن خنبش بسوني هو ومن حضر عنده من جماعة المسلمين , وأقام عنده بسوني ستة أشهر وعرض له المرض الذي مات فيه؛ فانحدر إلى أهله بنزوى فلبث عندهم عشرة أيام , ثم توفي وقبر بالمض من سمد نزوى , فهذا يقتضي أن إمامة محمد بن خنبش كانت في شهر رمضان من سنة ست وخمسين وخمسمائة؛ والتاريخ الأول يقتضي أن بيعته كانت في سنة عشر وخمسمائة؛ وموته في سنة سبع وخمسين وخمسمائة , وعلى هذا فتكون إمامته سبعا وأربعين سنة؛ والله أعلم أي التاريخين أصح , وتقدم ذكر إمامة محمد بن أبي غسان وإمامة موسى بن أبي المعالي , وأن التاريخ فيهما وفي إمامة خنبش وولده متقارب أو متداخل والله أعلم بسبب ذلك , وقبر الإمام خنبش بن محمد وولده محمد بن خنبش في نزوى في الموضع الذي يكون لعشي الطريق الجائز الذي ينفذ من عند فلج الغنتق عند مسجد العباد عند الجبل الأسود الصغير , يقال لذلك الجبل ذر جيود , إذ كان له حروف بائنة من الصخور من أعراضه لا من أعاليه , وهنالك أيضا قبر القاضي أبي بكر أحمد بن عمر وولده أبي جابر , وهنالك أيضا قبر القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى , وهؤلاء المذكورون فيما أظن من الطائفة الرستاقية إلا محمد
بن عيسى فالله أعلم به.
قال: وكان رجل معروف بالفسق وشراب المسكر؛ أوصى أن يقبر عندهم فقبر هنالك فاشتد ذلك على المسلمين , فقيل لبعض الصالحين: أينفعه ذلك وقد كان كذا وكذا؟ (1/301)
صفحة 302
قيل له ينبغي أن يتقرب من الصالحين في الحياة وبعد الممات لنزول الرحمة فقبر الرجل هناك. قيل وأصيب أهل عمان بموت محمد بن خنبش ما لم يصابوا بأحد قبله؛ ولعل ذلك كان لعدله وحسن سيرته مع طول مدته. والله أعلم وفي سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة يوم الاثنين لأحدى عشرة ليلة خلت من رمضان مات أبو القاسم سعيد بن محمد بن عبدالله الشجي.
وفي سنة ست وسبعين وخمسمائة يوم الأربعاء لتسع خلون من جمادى الأولى مات الفضل بن أحمد.
وفي هذه السنة وهذا الشهر لليلتين بقيتا منه مات أبو عبدالله محمد بن أبي غسان الساكن بغلافقة نزوى , وكان ذلك يوم الجمعة عند صلاة الظهر.
وفي هذه السنة أيضا لاثني عشر يوما خلت من جمادى الأخرى مات محمد ابن إسماعيل بن أبي الحسن اللجوني.
وفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة يوم الاثنين لست ليال بقين من المحرم مات أبو عبدالله محمد بن عمر بن أحمد بن عبدالله بن عصر بن النصر الأفلوجي.
وفي سنة إحدى وتسعين يوم الخميس لثماني بقين من ذي الحجة مات أبو حفص عمر بن زائدة بمكة.
وفي سنة تسع وثمانين وخمسمائة في ربيع الأول مات القاضي أبو محمد عبدالله ابن محمد بن إبراهيم بن عمر السمائلي.
وفي سنة خمس عشرة في شوال بعد الستمائة توفي القاضي أبو الميكال موسى ابن كهلان بن موسى بن نجاد بن موسى بن نجاد بن إبراهيم.
وفي جمادى الأخرى لثلاث عشرة ليلة بقيت منه سنة إحدى وثلاثين وستمائة مات القاضي أبو عبدالله عثمان بن أبي عبدالله بن أحمد المعروف بالأصم صاحب التاج والبصيرة وكتاب النور , ولم يكن بأصم وإنما لقب بذلك أنه تصامم عن امرأته أحدثت في حضرته فخجلت؛ وقد جاءته تشكوا واستعاد شكواها يواهمها أنه لم يسمع مقالها لصمم فيه , فسرى عن (1/302)
صفحة 303
المرأة ما تجد من الحياء ظنا منها أنه أصم فلقب من يومئذ بالأصم.
باب انتقال الدولة إلى بني بنهان
وهم قوم من العتيك صار الملك إليهم بعد الأئمة السابقين؛ وذلك لما أراد الله تعالى من إنفاذ أمره في أهل عمان , فإنهم لما افترقوا فرقتين وصاروا طائفتين نزع الله دولتهم من أيديهم وسلط عليهم قوما من أنفسهم يسومونهم سوء العذاب قال في كشف الغمة: ولعل ملكهم كان يزيد على خمسمائة سنة , قال إلا أنه كان فيما بعد هذه السنين ويعقدون للأئمة والنباهنة ملوك في شيء من البلدان والأئمة في بلدان أًخر والله أعلم.
وإذا استقريت التواريخ أخبرك الحال أن بني نبهان ملكوا مرتين , فملوكهم الأوائل هم الذين كان يمدحهم أبو بكر أحمد بن سعيد الستالي في ديوانه , ومن كلامه فيهم قوله:
حلى الملوك وتيجانها ... = ... وبيت المعالي وإيوانها
وبأس الكمأة وأقدامها ... = ... وحلم الكفاة وإحسانها
توارثها الأزد حتى انتهت ... = ... إلى أن حوي الأرث نبهانها
أمير العتيك تسامى به ... = ... كهول العتيك وشبانها
انبهان إنك من عصبة ... = ... نماها إلى المجد قحطانها
هم العين في يعرب كلها ... = ... وأنت من العين إنسانها
إذا طلبت مكرمات العلى ... = ... يدي في جبينك عنوانها
وأنت إذا صعبت حاجة ... = ... أتي من يمينك إمكانها
وحيث كانت دولة هؤلاء مبنية على الاستبداد بالأمر وقهر الناس بالجبرية لم نجد لدولتهم تاريخا ولا لملوكهم ذكرا , إلا من ذكره الستالي منهم في ديوانه؛ وهم أبي عبدالله محمد بن عمر بن نبهان , وأخوه أبو الحسن أحمد؛ (1/303)
صفحة 304
وأخوه أبو محمد نبهان وأبو عمر معمر وأبو القاسم علي بن عمر بن محمد بن عمر بن نبهان وأبو الحسن ذهل بن عمر وأبو العرب يعرب وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي المعمر عمر بن محمد بن عمر بن نبهان.
وذكر من أولادهم أبا عبدالله محمد بن عمر وأبا المعالي كهلان بن محمد وأبا عبدالله محمد بن أحمد بن عمر وأبا محمد نبهان بن ذهل؛ وأهل عمان لا يعتنون بالتاريخ فلذلك غابت عنا أكثر أخبار الأئمة , فكيف بأخبار غيرهم , وإنما نذكر بعض أخبار ملوكهم المتأخرين وسيأتي ذكرهم في أخبار القرن العاشر.
وفي دولة أبي المعالي كهلان بن نبهان وأخيه عمر بن نبهان في سنة ستين وستمائة خرج أمير من أمراء هرموز يسمى محمود بن أحمد الكوستي؛ فوصل إلى قرية قلهات وطلب وصول أبي المعالي إليه؛ فلما حضره طلب منه المنافع من أهل عمان وخراج أهلها فاعتذر أبو المعالي إليه وقال: إني لا أملك من عمان إلا بلدة واحدة فقال محمود خذ من عسكري ما شئت واقصد به من خالفك من أهل عمان , فقال أبو المعالي إن أهل عمان ضعفاء لا يقدرون على تسليم الخراج , كل ذلك حمية منه على أهل عمان , فحقد محمود وأضمر له المكيدة واستدعى بأمراء البدو من أهل عمان فكساهم وأعطاهم؛ فوعدوه النصر على أهل عمان والخروج معه.
ثم إنه ارتحل إلى ظفار وركب البحر , فلما وصلها قتل من أهلها خلقا كثيرا , وسلب مالا جزيلا ورجع قاصدا عمان واخذ طريق البحر وحمل ثقله في المراكب في البحر , فلما وصل في طريق البر نقص عليهم الزاد فأصابهم جوع حتى بلغ عندهم الرطل من اللحم بدينار , وأصابهم عطش كثير لقلة الماء في الطريق , فقيل إنه مات من عسكره خمسة آلاف رجل , وقيل أكثر.
وفي سنة أربع وسبعين وستمائة في دولة عمر بن نبهان خرج أهل شيراز (1/304)
صفحة 305
على عمان , ورئيسهم فخر الدين أحمد بن الداية وشهاب الدين , وهم خمسمائة فارس وأربعة آلاف فارس, وجرى على الناس منهم أذى كثير لا غاية له , واخرجوا أهل العقر من نزوى من بيوتهم , وأقاموا له على ذلك أربعة أشهر في عمان وحاصروا بهلى ولم يقدروا عليها , ومات ابن الداية وكسر الله شوكتهم , وأصاب الناس غلاء كثير.
وفي سنة خمس وسبعين وستمائة في دولة كهلان بن نبهان خرجت أولاد الريس على عمان , وكان خروجهم فسخ شوال من السنة المذكورة , فخرج إليهم كهلان بن عمر بن نبهان ليلقاهم بالصحراء , وخرج معه جملة أهل العقر كافة فسقت أولاد الريس على العقر فدخلوها وأحرقوا سوقها وأخذوا جميع ما فيها وسبوا نساءها وأحرقوا مخازن المسجد الجامع المتصلة به وأحرقوا الكتب؛ وكان ذلك كله في نصف يوم؛ ثم رجع كهلان بعساكره أول يوم من ذي القعدة واجتمعوا بالسراة فزحفت عليهم أولاد الريس ومن معهم من الحدان , وكانوا مقدار سبعة آلاف , وقتل في هذه الوقعة ثلاثمائة رجل , وانكسر أولاد الريس ومن معهم من الحدان.
ذكر خردلة الجبار الذي كان على سمائل
وهو خردلة بن سماعه بن محسن؛ ويقال إنه من النباهنة , وكان يأخذ أموال رعيته ظلما , فكان يأخذ من السبع النخلات نخلة , ويسقي أمواله بماء العباد ويأكل أموال المسجد والمدارس والمقابر؛ ويأخذ نصف مهر المرأة من العاجل إذا تزوجت , وإذا طلقت خاصم في الآجل؛ وكان يأخذ نصف الحب والتمر والقطن؛ ويكلف الناس حمل متاع بيت المال إلى الحصن بعنف , ويكلف أهل قيقا وبدبد ويحملون ترمهم وما يقتضيه منهم على دوابهم وظهورهم إليه ولا يبالي , ويأخذ نصف حق المدعي , (1/305)
صفحة 306
وكان لا يحلف المنكر بل ينوع له العذاب حتى يقر عنده؛ وكان قاضيه الضرير سلمة بن مانع الذي هو من بني ضبة , وإذا أراد أن يجلس للقضاء أرسل إليه , وتارة يجهره شهرا , ويقول سلمة أنساه الشيطان ذكري فابتلت به عباد الله لتغييرهم في الله , وعمان بها العلماء والأفاضل , ولكن كل في بلده.
وشكت امرأة إلى خردلة اسمها عادية بنت محرز من بني تميم , وكانت أحسن أهل زمانها؛ فادعت على زوجها أنه جامعها وهي حائض؛ فأرسل خردلة إلى زوجها , اسمه عباد بن عبيد من بني جهضم , فسأله عن قولها فأنكر ذلك , فأمر به أن يصلب على مدفع من حديد؛ وكان في وقت قيظ شديد الحر؛ نصاج بالويل والثبور , فأرسل إليه جنديا يقول له: هلا صدقت المرأة , فأقر بذلك خوف هلاك نفسه , فأطلقه وأخذ منه صداقها وبعث به غليها فتزوجها؛ وقال لعباد قد حرّمت عليك وحلت لي , ولم تزل معه إلى أن قتل خردلة.
وخردلة هذا هو الذي قتل الشيخ ابن النظر؛ وسبب ذلك أن ابنة أخت الشيخ يقال لها عائشة بنت (1/306)
صفحة 307
محمد بن راشد من بني النظر تزوجت برجل من بني النظر أيضا على خمسين محمدية فضة فأرسل خردلة جنديا لأخذ نصفها من الشيخ أحمد فمنعه الشيخ من ذلك فأرسل جندا كثيرا يعدونه إلى حضرته فلما مثل بين يديه طالبه بالدراهم وتهدده وأغلظ عليه ومن بعض قوله كنا أردنا منك الخمسين فقط والآن لا يكفينا إلا دمك قال الشيخ الأمر خلقك لا لك فقال أتهزأ بي فأشار إلى بعض الجند أن القوه من هذه الكوة فكتفوه وألقوه وكانت كوة قصره شديدة العلو فوقع إلى الأرض ميتا رحمه الله ثم أمر أن تدخل داره ويؤخذ ما فيها فأخذت كتبه ومصنفاته فأحرقت وكانت له جملة مصنفات منها كتاب سلك الجمان في سيرة أهل عمان مجلدان لم يجدوا منها شيئا إلا تسعة كراريس محروقة ومنها الوصيد في التقليد مجلدان ومنها قرى البصر في جمع المختلف من الأثر أربع مجلدات وجدت قطعة منه بقيقا وهي من بعض تساويده (واسم) ابن النظر أحمد بن سليمان بن عبدالله ابن أحمد ابن العالم الكبير الخضر بن سليمان الذي هو من بني النظر فبنو النظر قبيلة واليها نسب لشهرتها وكان يسكن سمائل وبيته بالجابية الفوقية شرقي الجامع وكان جده الشيخ عبدالله بن أحمد قاضي القضاة بدما وهو مؤلف كتاب الإبانة في الصكوك والكتابة أربع مجلدات وكتاب الرقاع في أحكام الرضاع مجلدين أجل ما صنف من الأثر عند أهل العلم والنظر وكان أحمد بن سليمان من أجود الناس حفظا وكان يتعلم عند الشيخ مبارك بن سليمان بن ذهل ومنه تعلم الشعر وله في الحفظ ما فاق به أهل زمانه وكان عالما بأشعار العرب وسيرهم وتواريخهم ومحاوراتهم وناهيك بعلم اللغة فإنه أخذها بحذافيرها وغاية ما حفظ من أشعار العرب أربعين ألف بيت ما كان (1/307)
صفحة 308
من الثلاثة إلى الواحد وأما القصائد الكبار فلا تحصى وكان ينظم القصيدة في ليلة وله ديوان أكثره تغزل فلما تبقر في العلم مزقه ثم صرف قريضه
في نظم الشريعة وتفرقت قصائده في البلدان وذهب أكثرها فمن الذاهب قصيدة في الولاية والبراءة غير اللامية المشهورة وقصائد في الصلاة والأحكام تزيد على أربع قصائد وقصيدة في الضاد والظاء نحو مائتي بيت وقيل أنه تبقر في العلم وشاعت تصانيفه في الآفاق وهو ابن أربع عشرة سنة والدعائم من آخر ما نظم وقال ابن زكريا في حقه أنه أشعر العلماء وأعلم الشعراء.
ونقل عن ابن النظر أنه قال أنا أحفظ وقد نومتني أمي في المهد , وقد علقت حول رأسي شمراخ بسر أبيض , فانطلقت عنز فلاكته فصحت , فطردتها جارية عني؛ ثم رجعت فلاكت الخرقة التي عليّ , فصادفت إبهام رجلي فصحت فطردتها الجارية أيضا وأخذتني أمي والدم يسيل من رجلي , فنظرت فإذا أنا ابن عشرين يوما , ويشبه من هذا المعنى ما ذكر أنه سئل أبو عبدالله بن محبوب: متى أثبت عقلك , أي حفظك؛ قال أعقل وقد انطلق الثور وأنا في المهد , فجرت الصينة على المهد فكفته أي فكبته على وجهه ووقع الصبي في الأرض ووثب إليه أهله وهو يصيح تحت المهد؛ فحفظ ذلك اليوم.
وقيل لأبي علي موسى بن علي متى أثبت عقلك؟ قال: قد كانت والدتي تطحن وقد (1/308)
صفحة 309
جعلتني على الرحا , قال فبلت حتى اختلط البول بالرحا والدقيق , فضربتني فنظر ذلك فإذا هو ابن سنة وأربعة أشهر.
وقيل لمحمد بن الأزهر رحمه الله؛ متى أثبت عقلك؟ قال: ذكروا وأنا أسمع يقولون في البيت اذبحوا البقرة؛ فنظر ذلك فإذا هو يوم مولده.
وذكر أن ابن عبدالباقي محمد بن علي بن عبدالباقي رحمه الله لما ترعرع وانتشا تلكم عنده أهله أنك خرجت من بطن أمك بمشيمتك؛ فشققنا عنك بحرف من ذهب ولم نعرف أين وضعناه إلى وقنا هذا , فقال رأيت كأنكم حين شققتم عني كأنكم وضعتم شيئا في موضع كذا؛ وهو سرب في الجدار فالتمسوه , فإذا هو هنالك , والله أعلم.
قلت؛ وقد وقع لي نظير ما وقع لهم , فتحريت ذلك اليوم , فإذا أنا فيما عندي أقل من ابن أربعة أشهر والله أعلم.
ذكر قدوم ابن بطوطة على عمان
وهو رجل سني من أهل المغرب من طنجة يقال له أبو عبدالله محمد بن عبدالله ابن محمد بن إبراهيم اللواتي؛ ثم الطنجي المعروف بابن بطوطة كان طوافا في الأمطار والأقطار , وجمع من رحلته كتابا يقال له تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار , وكان قدومه على عمان في أيام بني نبهان فذكر عنهم غير الجميل وليته دخلها أيام الأئمة العادلين؛ حتى يرى غير ما رأى , (1/309)
صفحة 310
وينظر السيرة النيرة؛ والحق الواضح , ومكارم الأخلاق ومعالي الصفات؛ ومقامات الكمال وعواطف الإحسان والأفضال.
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... = ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
قال ابن بطوطة: كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة متعمدا حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. قال: وسني يومئذ اثنان وعشرون سنة؛ ثم ذكر أنه جاء إلى عمان من طريق البحر , وأنه ركب إليها من ظفار في مركب لرجل من أهل مصيرة. قال فوصلنا جزيرة مصيرة التي منها صاحب المركب الذي كنا فيه , وهي على لفظ مصير وزيادة تاء التأنيث , جزيرة كبيرة لا عيش لأهلها إلا من السمك. قال ولم ننزل إليها لبعد مرساها عن الساحل قال وكنت قد كرهتهم لما رأيتهم يأكلون الطير من غير ذكاة , وأقمنا بها يوما , وتوجه صاحب المركب فيه إلى داره , وعاد إلينا ثم سرنا يوما وليلة فوصلنا إلى مرسى قرية كبيرة على ساحل البحر تعرف بصور , ورأينا منها مدينة قلهات في سفح الجبل؛ فخيل لنا أنها قريبة , وكان وصولنا إلى المرسى وقت الزوال أو قبله , فلما ظهرت لنا المدينة أحببت المشي إليها والمبيت بها؛ وكنت قد كرهت صحبة أهل المركب؛ فسألت عن طريقها فأخبرت أني أصل إليها عند العصر , فاكتريت أحد البحريين ليدلني على طريقها , وصحبني خضر الهندي تقدم ذكره؛ وتركت أصحابي مع ما كان لي بالمركب ليلحقوا بي في غد ذلك اليوم , وأخذت أثوابا كانت لي فدفعتها لذلك الدليل ليكفيني مؤنة حملها , وحملت في يدي رمحا , فإذا ذلك الدليل يحب أن يستولي على أثوابي , فأتى بنا إلى خليج يخرج من البحر منه المد والجزر قلت وهذا الخليج (1/310)
صفحة 311
نسميه نحن خورا ولعله أراد خور رصاغ , قال فأراد عبوره بالثياب.
فقلت له إنما تعبر وحدك وتترك الثياب عندي , فإن قدرنا على الجواز جزنا وإلا صعدنا لطلب المجاز؛ فرجع؛ ثم رأينا رجالا جازوه عوما فتحققنا أنه كان قصده أن يغرقنا ويذهب بالثياب؛ فحينئذ أظهرت النشاط وأخذت بالحزم وشددت وسطي وكنت أهز الرمح , فهابني ذلك الدليل وصعدنا حتى وجدنا مجازا ثم أخرجنا إلى صحراء لا ماء بها وعطشنا واشتد بنا الأمر فبعث الله لنا فارسا في جماعة من أصحابه وبيد أحدهم ركوة ماء فسقاني وسقى صاحبي وذهبنا نحسب المدينة قريبة منا وبيننا وبينها خنادق نمشي فيها الأميال الكثيرة فلما كان العشي أراد الدليل أن يميل بنا إلى ناحية البحر وهو لا طريق له لأن ساحله حجارة فأراد أن يبيت فيها ويذهب بالثياب فقلت له إنما نمشي على هذه الطريق التي نحن عليها وبيننا وبين البحر نحو ميل فلما أظلم الليل قال لنا أن المدينة قريبة منا فتعالوا نمشي حتى نبيت بخارجها إلى الصباح , فخفت أن يعترض فننام فإذا أصبحنا أتينا المدينة إن شاء الله وكنت قد رأيت جملة من الرجال في سفح جبل هنالك فخفت أن يكونوا لصوصا وقلت التستر أولى وغلب العطش على صاحبي فلم يوافق على ذلك فخرجت عن الطريق وقصدت شجرة من شجر أم غيلان وقد أعييت وأدركني الجهد لكني أظهرت قوة وتجلدا خوف الدليل قال وأما صاحبي فمرض لا قوة له قال فجعلت الدليل بيني وبين صاحبي وجعلت الثياب بين ثوبي وجسدي وأمسكت الرمح بيدي ورقد الدليل وبقيت ساهرا فكلما تحرك الدليل كلمته ورأيته إني مستيقظ ولم نزل كذلك حتى أصبح فخرجنا إلى الطريق فوجدنا (1/311)
صفحة 312
الناس ذاهبين بالمرافق إلى المدينة فبعثت الدليل ليأتينا بماء وأخذ صاحبي الثياب وكان بيننا وبين المدينة مها وخنادق فأتانا بالماء فشربنا وذلك أوان الحر , ثم وصلنا إلى مدينة قلهات وضبط اسمها بفتح القاف وإسكان اللام وآخره تاء مثناة فأتيناها ونحن في جهد عظيم وكنت قد ضاقت نعلي على رجلي حتى كاد الدم أن يخرج من تحت أظفارها فلما وصلنا باب
المدينة كان ختام المشقة أن قال لنا الموكل بالباب لا بد لك أن تذهب معي إلى أمير المدينة ليعرف قضيتك ومن أين قدمت فذهبت معه إليه فرأيته فاضلا حسن الأخلاق وسألني عن حالي وأنزلني وأقمت عنده ستة أيام لا قدره لي فيها على النهوض على قدمي لما لحقها من الآلام قال ومدينة قلهات على الساحل وهي حسنة الأسواق ولها مسجد من أحسن المساجد حيطانه بالقاشي وهو شبيه الزليج وهو مرتفع ينظر منه إلى البحر والمرسى قال وهو من عمارة الصالحة بيبي مريم. قال ومعنى بيبي عندهم الحرة , قلت بل هي كلمة ليست بعربية؛ وإنما جلبت إلى بعض ساحل عمان من أرض الزنج , قال وأكلت بهذه المدينة سمكا لم آكل مثله في إقليم من الأقاليم , وكنت أفضله على جميع اللحوم فلا آكل سواه, وهم يشوونه على ورق الشجر ويجعلونه على الأرز ويأكلونه , قال والأرز يجلب إليهم من أرض الهند , وهم أهل تجارة ومعيشتهم مما يأتي إليهم في البحر الهندي , وإذا وصل إليهم مركب فرحوا به أشد الفرح.
قال: وكلامهم ليس بالفصيح مع أنهم عرب , وكل كلمة يتكلمون بها يصلونها بلا , فيقولون مثلا تأكل لا , تمشي لا , تفعل كذا لا.
قلت: نسب إليهم غير الفصيح لأنه لم يعرف قواعد عربيتهم , وهم عرب صراح , ولم يصلوا لا بكل كلمة من كلامهم , وإنما يجعلون ذلك في آخر بعض الكلمات في بعض المواضع كهيئة التنبيه والحث على (1/312)
صفحة 313
الفعل ويزيدونها هاء السكت فيقولون لاه , وذلك إذا أردوا التنبيه على المطلوب , قال وأكثرهم خوارج لكنهم لا يقدرون على إظهار مذهبهم لأنهم تحت طاعة السلطان قطب الدين تمهتن ملك هرموز. قال وهو من أهل السنة.
قلت: أراد بقوله وهم خوارج أي إباضية , ولم نعلم أنه أتى على الإباضية في عمان وقت لا يقدرون على إظهار مذهبهم فيها؛ وإن تسلط على بعض النواحي ملك من ملوك الأفاق وقليل ذلك , فمذهبهم في تلك الناحية شاهر ظاهر والملك الأجنبي يداريهم , وإنما ملك قلهات غيرهم في هذا الوقت لاختلال الدولة بحوز النباهنة , قال وبمقربة من قلهات قرية طيبي واسمها على نحو اسم الطيب إذا أضافه المتكلم لنفسه.
قلت: بل الصواب إنها طوي بطاء مهملة مكسورة ثم واو مكسورة ثم ياء مثناة كياء النفس , قال وهي من أجمل القرى وأبدعها حسنا؛ ذات أنهار جارية وأشجار ناضرة وبساتين كثيرة , منها تجلب الفواكه إلى قلهات؛ وبها الموز المعروف بالمرواري؛ بالفارسية هو الجوهري المراد الجوهر؛ وهو كثير بها ويجلب منها إلى هرمز وسواها؛ وبها أيضا التنبول , ولكن ورقه صغيرة؛ والتمر يجلب إلى هذه الجهات من عمان – يعني البلاد العالية المرتفعة عن الساحل – وإلا فالكل عمان قال: ثم قصدنا بلاد عمان فسرنا ستة أيام في صحراء , قلت: إنما كان مسيرهم في صحراء لكون طريقهم كان كذلك , وإلا فبلدان عمان متقاربة لا ينفصل بعضها عن بعض إلا بمسافة يسيرة. قال ثم وصلنا بلاد عمان في اليوم السابع , وهي خصبة ذات أنهار وأشجار وبساتين وحدائق نخل وفاكهة كثيرة مختلفة الأجناس , ووصلنا إلى قاعدة هذه البلاد , وهي مدينة نزوى , وضبط اسمها بنون مفتوح وزاء مسكن وواو مفتوح , مدينة في سفح جبل تحف بها البساتين والأنهار , ولها أسواق حسنة ومساجد معظمة نقية , قال وعادة أهلها أنهم (1/313)
صفحة 314
يأكلون في صحون المسجد؛ يعني بالصحون الصروح؛ قال ويأتي كل إنسان بما عنده ويجتمعون للأكل في صحن المسجد , أي ضرحه , ويأكل معهم الوارد والصادر , ولهم نجدة وشجاعه والحرب قائمة فيما بينهم أبدا.
قلت: وذلك لجور الملوك في وقت وفوده إليها , قال وهم إباضية المذهب ويصلون الجمعة ظهرا أربعا , فإذا فرغوا منها قرأ الإمام آيات من القرآن , ونثر كلاما شبه الخطبة يرضي فيه عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعلي. قلت: وإنما كانوا يصلون الجمعة ظهرا لأنه لا إمام لهم يومئذ؛ ومن شروط صحة الجمعة عندهم وجود المصر والإمام , فإن اختل أحد الشرطين فقد اختلفوا في صحة الجمعة وهي بدل من الظهر , فالظهر واجبة بيقين , والبدل مختلف فيه إلا مع كمال الشروط؛ فلهذا اختاروا المجمع عليه على المختلف فيه؛ لأنه خروج من العهدة بيقين والجمعة قائمة عندهم بصحار , وهي قصبة عمان؛ ولا تتكرر الجمعة عندهم في المصر الواحد؛ ولعل ما ذكره من فعل الإمام بعد الصلاة تذكير وتخويف وموعظة , وهو شأن المرشدين في المجامع والمحافل , وليس هو بخطبة الجمعة , وسكوتهم عن عثمان وعلي دليل على نزاهتهم ونظافة مذهبهم , فإنهم لا يعدون الشتم دينا كما هو شأن الشيعة , قال وهم إذا أرادوا ذكر علي كنوا عنه بالرجل فقالوا ذكر عن الرجل أو قال الرجل.
قلت: هذا الاصطلاح الذي ذكره عنهم ما سمعناه عن أحد من عامتهم ولا خاصتهم؛ بل يذكرون عليا باسمه الصريح كذكرهم غيره من الصحابة؛ ولا يجهرون الاسم لأجل ما صدر من المسمى , وليس صنيعهم في ذلك كصنيع الشيعة ولكن للعرب تفتن في مخاطباتهم, فلعله سمع من يقول ذلك على جهة الإبهام أو التعظيم , فإنهم يقولون ذلك في مقام الإبهام والتعظيم , قال ويرضون عن الشقي اللعين ابن ملجم , ويقولون فيه العبد (1/314)
صفحة 315
الصالح قامع الفتنة.
قلت: أما رضاهم عن ابن ملجم فالله أعلم به , وهو قاتل علي ومن صح معه خبره؛ واستحق معه الولاية , فهو حقيق بالرضا , ومن يبلغه خبره ولا شهر عنه بما يستحق به الولاية , فمذهبهم الوقوف عن المجهول , وعلى قتل أهل النهروان فقيل إن ابن ملجم قتله ببعض من قتل , ويوجد في آثارنا عن مشايخنا أنه لم يقتله إلا بعد أن أقام عليه الحجة وأظهر له خطأه في قتلهم , وطلبه الرجوع فلم يرجع وابن ملجم إنما قتل نسفا واحدة , وعلى قد قتل بمن معه أربعة آلاف نفس مؤمنة في موقف واحد إلا قليلا ممن نجا منهم؛ فلا شك أن جرمه أعظم من جرم ابن ملجم , فعلام يلام الأقل جرما ويترك الأكثر جرما؟ ليس هذا من الإنصاف في شيء؛ وأما تسميتهم له قامع الفتنة فلم نسمعها إلا من كلام ابن بطوطة هذا , قال ونساؤهم يكثرون الفساد ولا غيرة عندهم ولا إنكار لذلك؛ وسنذكر حكاية أثر هذا مما يشهد بذلك.
قلت: أما هذا فكذب صريح , وكنت قبل (1/315)
صفحة 316
هذا أوجه كلامه على أحسن وجوهه وألتمس له العذر , وأطبق قوله على وجه الصدق ما أمكنني , حتى سمعت منه هذا الكذب؛ وإذا لم تكن الغيرة عند أهل عمان فعند من توجد؟ وإذا لم تكن العفة في نسائهم فعند من تكون؟.
وأما الحكاية التي أشار إليها فإن كانت حقا نادرة وقعت من امرأة فاجرة بتسليط سلطان الجور لها , ولا يحكم بالفرد على الجملة , ولا يقاس العفيف بغير العفيف , ثم أنه ذكر أن صاحبة الفساد تتعلق بجوار السلطان الجائر فلا يقدر أهلها على منعها عن فسادها , وإن قتلوها بها , فكيف مع هذا ينسب إليهم عدم الغيرة؟ قال وسلطانها عربي من قبيلة الأزد بن الغوث ويعرف بأبي محمد بن نبهان؛ قال: وأبو محمد عندهم سمة لكل سلطان يلي عمان هي أتابك عند ملوك اللور.
قلت: ما سمعنا بهذا الاصطلاح في شيء من الأزمان , بل هي كنية عندنا لكل من كنى بها كان ملكا أو من السوقة؛ وإنما الاصطلاح الخاص بملوك عمان الجلندى , وكان ذلك في الزمان الأول , فكل ملك عندهم يسمى الجلندى , كما أن قيصر اسم لكل ملك على الروم , وكسرى لكل ملك على الفرس , والنجاشي لكل ملك على الحبشة , وتبع لكل ملك على اليمن وحضرموت , ثم هذا الاصطلاح الخاص وصار الجلندى اسما لكل من سمى به من ملك أو غيره , وبقي العرف محفوظا عند الأجانب.
قال وعادته أن يجلس خارج باب داره في مجلس هنالك ولا حاجب له ولا وزير ولا يمنع أحدا من الدخول إليه من غريب أو غيره , ويكرم الضيف على عادة العرب ويعين له الضيافة ويعطيه على قدره , وله أخلاق حسنة. قال ويؤكل على (1/316)
صفحة 317
مائدته لحم الحمار الإنسي ويباع بالسوق , لأنهم قائلون بتحليله , ولكنهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه بمحضره.
قلت: ما سمعنا أن هذا وقع في شيء من الزمان بعمان , وأهل المذهب أجل من ذلك , فإنه وإن كان يوجد قول في الأثر بتحليل ما عدا المحرم في قوله تعالى (قل لا أجد فيها أوحى إلىّ محرما على طاعم يطعمه) الآية , فإن هذا القول لم يختص بذكره أهل المذهب؛ بل هو موجود عندهم وعند غيرهم من المخالفين , وأكثر القول بتحريم لحوم الحمر الإنسية , وهو المعمول به؛ وفيه عندنا أثر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأهل المذهب أورع من أن يستحلوا ما صح فيه عندهم نهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هم يقتدون من مثل هذا , ولو كان حلالا فكيف يجعلونه على موائدهم ويباع في أسواقهم , ولا شك أن زماننا دون زمانهم , والتنزه عن المستقذرات نراه موجودا عند خاصتهم وعامتهم , فلا نقبل ما حكاه ابن بطوطة عنهم. قال ومن مدن عمان مدينة أزكي لم أدخلها؛ وهي على ما ذكرنا لي مدينة عظيمة , ومنها (1/317)
صفحة 318
القريات وشبا وكلبا وخور فكان وصحار؛ قال وكلها ذات أنهار وحدائق وأشجار نخل , وأكثر هذه البلاد في عمالة هرمز.
قلت: ذكر من بلدان عمان قليلا من كثير , ثم إنه ذكر البلدان الصغار وترك المدائن الكبار؛ ولا لوم على غريب , فربما ذكر له ذلك دليله الذي جاءه من بعض هذه البلدان , فأين هو عن سمائل وسمد الشأن وابرأ وبهلى وجعلان والباطنة وبلدان السر وبلدان الجوف والرستاق ونواحيها ونخل إلى غير ذلك , ومعنى قوله: وأكثر هذه البلاد في عمالة هرمز؛ أراد أنها تابعة لهرمز؛ وأراد بهرمز هرمز , ولعل بعض ساحل عمان كان في أيام قدوم ابن بطوطة تحت يد سلطان هرمز , لأن ملوكها يومئذ النباهنة , وهم جبابرة عمان , والظلم لم تبن عليه دار , فلا عجب إن تفرقت عنهم الممالك؛ ووصف هرمز عند قدومه عليها بالعمارة التامة؛ وهي اليوم خربة , وآثار العمارة موجودة فيها , والأيام دول. قال حكاية: كنت يوما عند هذا السلطان أبي محمد بن نبهان؛ فأتته امرأة صغيرة السن حسنة الصورة بادية الوجه , فوقعت بين يديه وقالت: يا أبا محمد طغي الشيطان في رأسي , فقال لها اذهبي فافعلي ما شئت. قال فذكر لي لما انصرفت عنه إن هذه ومن فعل مثل فعلها تكون في جوار السلطان وتذهب للفساد ولا يقدر أبوها ولا ذو قرابتها أن يغيروا عليها , وإن قتلوها قتلوا بها لأنها في جوار السلطان.
قلت: الله أعلم بصحة هذه الحكاية , ولئن صحت فليس هي بغريبة من ملوك بني نبهان؛ فقد أظهروا الفساد في البلاد , وقهروا العباد بالعناد , وجروا على ما تشتهي أنفسهم , وحكموا بخلاف ما أنول الله , وقتلوا من أنكر عليهم من العلماء؛ فليس ما حكاه عنهم بغريب إن صح , قال ثم سافرت إلى (1/318)
صفحة 319
بلاد هرمز – يعني هرمز – قال وهرمز مدينة على ساحل البحر , وتمسى أيضا موغ استان وتقابلها في البحر هرمز الجديدة , وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ , ثم ذكر وصوله إليها وما رأى فيها من العمارة والعجائب , وليس ذكر ذلك من غرضنا والله أعلم وفي سنة تسعين وسبعمائة ليلة الجمعة في جمادي الأخرى مات الفقيه سعيد بن أحمد ابن محمد بن صالح الضيباني , وفي سنة سبع وتسعين وسبعمائة في شهر رجب مات عبدالرحمن بنزوى , وفي هذه السنة أيضا يوم الخميس منتصف ذي القعدة مات أبو القاسم بن أبي شائق بأزكي؛ وفي هذه السنة أيضا في ثاني عيد الحج قتل سلطان ابن علي بن معمر في طراد الخيل؛ قتله ابن عمه حسام.
باب إمامة الحواري بن مالك
وفي بعض الأثر مالك بن الحواري فلا أدري أهما إمامان بعضهما بعد بعض وانقلبت العبارة سهوا على بعضهم , وكذلك وقع الخلاف في تاريخ موتهما فأرخ موت الحواري بن مالك فقالوا مات سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة؛ وقال مات مالك بن الحواري سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة.
ولعل الثاني منهما ولد الأول؛ فأما الحواري بن مالك فعقدت عليه الإمامة سنة تسع وثمانمائة وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة فتكون إمامته على هذا ثلاثا وعشرين سنة؛ وأما مالك بن حواري فعقدت له الإمامة بنزوى وملك جبل بني ريام , وجاء بعسكره إلى الرستاق , وقتل منهم ناس وشهد سليمان بن راشد بن صقر أن الإمام مالك بن حواري أمر عبدالله الملقب بالهول أن يغزو الرستاق , وروى أنه أمر بحرق سور القلعة , قالوا وعاش (1/319)
صفحة 320
في الإمامة إلى أن مات سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة.
وفي سنة تسع وثمانمائة أيضا آخر شهر ذي الحجة , مات الفقيه سليمان أحمد بن مفرج البهلوي رحمه الله.
باب إمامة أبي الحسن بن خميس بن عامر
عقد له الإمامة يوم الخميس في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وثمانمائة وخاصمه بنو صلت وحاربوه , وروى عن الشيخ عبدالسلام أن أباه الإمام أبا الحسن بن خميس بن عامر أمر بخشى نخل بني ربيع خدم بني صلت وهو يومئذ إمام عمان رحمه الله لأن بني ربيع خاصموه عند بني صلت والله أعلم.
وشهد سليمان بن راشد بن صقر العدوي ودهمان بن راشد أن الشيخ العالم , ورد بن مفرج أمر الإمام أبا الحسن بن خميس بن عامر بخشى أموال المحاربين له وخشى عليهم بإمارته وفتواه , وعاش أبو الحسن في الإمامة إلى أن توفي يوم السبت في إحدى وعشرين من ذي القعدة سنة ست وأربعين وثمانمائة فمدة إمامته سبع سنين وشهران , وفي سنة أربع وسبعين وثمانمائة يوم الأربعاء عند زوال الشمس لثلاث ليال بقين من ذي الحجة , مات الشيخ ورد بن أحمد بن مفرج البهلوي , وفي سنة خمس وسبعين وثمانمائة يوم الخميس عند غروب الشمس لخمس مضين من المحرم , نصب محمد بن سليمان بن احمد للحكم بين الناس , وفي هذه السنة يوم الثلاثاء لثلاث مضين من جمادي الأخرى , مات صالح بن وضاح بن محمد المنحي , (1/320)
صفحة 321
وفي سنة خمس وثمانين وثمانمائة بايعوا عمر بن الخطاب وسنفرد له بابا.
باب إمامة عمر بن الخطاب بن محمد بن أحمد ابن
شاذان بن صلت بن مالك الخروصي
بويع له في سنة خمس وثمانين وثمانمائة فأقام سنة وخرج عليه سليمان ابن سليمان النبهاني, فتواقعوا بحممت من وادي سمائل فانهزم الإمام وعسكره , فجددوا له البيعة مرة ثانية فصال على النباهنة صولة الأسد الصائل فمكنه الله تعالى منهم وأورثه أرضهم وديارهم وقضي على أموالهم بالتفريق عشية الأربعاء لسبع خلون من جمادي الأخرى سنة سبع وثمانين وثمانمائة؛ وفي هذه السنة وقت الضحى لعشر بقين من رمضان نصب سعيد بن زياد بن أحمد بن راشد البهلوي للحكم (وهذه صفة الحكم في أموال بني نبهان)
بسم الله الرحمن الرحيم وقع الحكم والقضاء للمسلمين المظلومين بأموال أولاد نبهان في عشي الأربعاء لسبع ليال خلون من شهر جمادي الأخرى من سنة سبع وثلاثين وثمانمائة هجرية نبوية محمدية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام أقام الشيخ القاضي المجاهد سيف الإسلام وقطب عمان أبو عبدالله محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج بن محمد بن عمر بن أحمد بن مفرج وكيلا لمن ظلم من المسلمين من أهل عمان الذين ظلمهم السادة الملوك من آل نبهان من لدن السلطان المظفر بن سليمان بن المظفر بن نبهان إلى أخر من ظلم من نسله وولد ولده الملكين سليمان ابن سليمان وحسام بن سليمان.
وكذلك أقام أحمد بن عمر بن مفرج وكيلا للملوك المقدم ذكرهم , فقد صح عندنا ذلك فقضي أحمد بن صالح بن محمد بن (1/321)
صفحة 322
عمر بجميع مال آل نبهان من أموال وأرضين ونخيل وبيوت وأسلحة وآنية وغلال وتمر وسكر وجميع مالهم كائنا ما كان من ماء وبيوت ودور واطوى وأثاث وأمتعة قضاء واجبا تاما وقبل محمد بن عمر بن محمد بن أحمد هذا القضاء للمظلومين من أهل عمان من غاب منهم أو حضر وكبر وصغر الذكور منهم الأثاث فصارت هذه الأموال بالقضاء الكائن الصحيح للمظلومين , والمظلومون قد جهلت معرفتهم فصار كل مال مجهول ربه جاز للإمام قبضه ويصرفه في إعزاز دولة المسلمين , وكل من أصح حقه وأثبته فهو له من أموالهم , ويحاسب بالتجزية لما يصح له بقسطه أن أدرك ذلك , وأن لم يدرك بالتجزية ولم يحط بها فذلك نصيب غير معلوم وهو مجهول للفقراء وللإمام أن يقبض الأموال المغيبة وأموال الفقراء , ومن لا رب له ويجعله في عز دولة المسلمين , فقد صح هذا الحكم والقضاء فيه فمن بدله بعد ما سمعه فإنما أثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم؛ كتبه الفقير لله تعالى علي بن محمد بن علي بن عبدالباقي , وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم , شهد بجميع ذلك أحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج وكتبه بيده , ووجد مكتوبا بخط الشيخ الفقيه عبدالله بن مداد رحمه الله.
بسم الله الرحمن الرحيم قد صح عندي وثبت لدي أن جميع الأموال والأملاك التي خلفها السيد المظفر بن سليمان بن نبهان على ولده سليمان وشركائه ثم خلفها سليمان , كلها قد استهلكت بضمانات الديون التي جناها من مظالم الناس المجهول منهم والمعلوم لأنها قد استغرقها الدين وصار حكم ذلك للإمام وكل من أصح بينة على دينه فله قسط بما أوجبه الحق له في حكم الله وحكم المسلمين , كتبه الفقير لله عبدالله بن مداد بن محمد بيده يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر صفر من شهور (1/322)
صفحة 323
سنة سبع وثمانين وثمانمائة لهجرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , نقل من خط الشيخ الفقيه محمد بن عبدالله بن مداد صح عندي وثبت لدي أن جميع الأموال والأملاك التي خلفها السيد سليمان بن مظفر , قد استهلكها الديون التي على سليمان والضمانات , وقد صارت جميع هذه الأملاك والأموال للإمام دون أولاد سليمان ينفذها في عز الدولة , وكذلك الزروع الحاضرة وغيرها صارت للإمام.
كتبه الفقير لله محمد بن عبدالله بن مداد بيده.
ووقع سؤال عن هذا الحكم في أيام الإمام محمد بن إسماعيل الآتي ذكره , فكتب له علماء عصره بما يقتضي تثبيت هذا الحكم والمسلمون يد واحدة وحكمهم واحد وسيرتهم واحدة ويجمعهم الحق , ونذكر ما كتب للإمام محمد بن إسماعيل في هذا الموضع لمناسبته بالمقام فمن ذلك ما نقل من خط الشيخ أحمد بن صالح بسم الله الرحمن الرحيم ليعلم الواقف على كتابي هذا من المسلمين أنه قد سألني الإمام المعظم الهمام المكرم إمام المسلمين محمد بن إسماعيل عن أموال بني نبهان وحوز المسلمين ممن تقدمه من الأئمة مثل عمر بن الخطاب بن محمد , وكيف سبب حوزهم لها وهل عندك حفظ ممن تقدم من المسلمين والأئمة الماضين , أنهم بماذا أحلو لهم وبأي وجه دخلوا فيها.
فأجبته بما حفظته ووجدته ونظرته في ورقة فيها خطوط المسلمين , وفي تلك الأيام علماء أحبار وفقهاء أخيار نظروا في بني نبهان أنهم أخذوا أموال المسلمين وسفكوا دماءهم وصار جميع ما اقترفوه من الأموال والدماء في أموالهم ونظروا أموالهم فلم تكف جميع ما أصابوه من الموال والدماء والقتل , وصاروا لم يعرفوا لكل ذي حق حقه ليعطوهم إياها , ولم يعرفوا لها أهلا , وقد قال المسلمون أن كل شيء لم يعرف له أهل فهو راجع إلى الفقراء؛ والإمام أولى بكل شيء (1/323)
صفحة 324
مرجعه إلى الفقراء من صدقات ووصايا وغيرها فهو أولى بذلك ويجعله في عز دولة المسلمين , وبهذه الحجة أجازوها وأحلوها للإمام عمر بن الخطاب فجعلت تنتقل من إمام إلى إمام إلى يومنا هذا ولم يعب أحد ذلك؛ وكان في ذلك الأوان جمة من العلماء الأتقياء البلغاء الفصحاء , فهذا حفظي عنهم ونظرت خطوطهم في الورقة المتقدم ذكرها , والحق أحق أن يتبع , وما بعد الحق إلا الضلال ولا توفيق إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كتبه العبد الفقير لله تعالى أحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج بيده , وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم؛ وقد أجزت للإمام المقدم ذكره أعزه الله حوز هذه الأموال المقدم ذكرها اقتفاء لما تقدم من الأحكام من العلماء الأبرار الأتقياء الأخيار؛ ولا حجة لمحتج على الإمام في حوزه لها ومنعه إياها إذ هو مقتف أثر غيره من الأئمة الماضين؛ وحكم العلماء المتقدمين ولا عليه مطعن لطاعن ولا حجة لمحتج والسلام على من اتبع الهدى. كتبه أحمد بن صالح بن عمر ابن أحمد بيده؛ وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.
ومن الرقعة المذكورة بخط الفقيه أبي القاسم بن شائق بن عمر ما أفتي به الشيخ العالم أحمد بن صالح وأتى به وسطره في هذا الكتاب فهو الحق والصواب كتبه العبد الفقير لله تعالى أبو القاسم بن شائق بن عمر بيده.
ومن الرقعة المذكورة بخط الفقيه سالم بن راشد بن خاتم صحيح عندي وثابت لدىّ ما سطره الشيخ الفقيه العالم العلامة الذي هو للفتوى هامة أحمد بن صالح في هذا وما تلقفه عن علماء المسلمين فهو الثقة الأمين المأمون وهو الحق والصواب كتبه الفقير لله سالم بن راشد بن خاتم بيده.
ومن الرقعة المذكورة بخط الشيخ الفقيه (1/324)
صفحة 325
العالم أبي القاسم بن محمد ثابت ما أفتي به الفقيه أحمد بن صالح في هذه الورقة؛ كتبه سليمان بن أبي القاسم بن محمد بيده.
ومن الرقعة المذكورة بخط الفقيه خالد بن سعيد صحيح ثابت ما أفتي به الشيخ العالم أحمد بن صالح في هذه الورقة , كتبه العبد الفقير لله تعالى خالد بن سعيد ابن عمر بن إسماعيل.
وقال غيره شهد عندي الثقتان عمر بن موسى وراشد بن غسان شهادة مؤتلفة غير مختلفة أن الإمام المرحوم عمر بن الخطاب حاز أموال بني نبهان وأطلقها لمن عنده من الشراة , وأمر فيها بأوامره وكان ذا يد فيها وذلك بعد أن حكم بها المسلمون أنها أموال صارت إلى الفقراء, وشهد أن قاضيه العالم محمد بن سليمان يحوزها للإمام عمر بن الخطاب , ويأمره فيها ويطلقها للشراة ويأكل منها هو ومن عنده من المسلمين وأن حوزهما لهذه الأملاك والأموال كان بحكم واجتماع من المسلمين على ما تقدم؛ فهذا ما سمعته منهما من تأدية هذه الشهادة , كتبه كما سمعه بعد أن قرأ عليهما هذا الكتاب كله واقرأ بفهمه ومعرفته؛ تاريخ تأدية الشهادة يوم الجمعة في سنة سبع عشرة وتسعمائة هجرية نبوية , كتبه كما سمعه العبد الفقير لله تعالى خلف ابن محمد بن عمر بيده.
شهد بجميع ما في الورقة راشد بن غسان بن سعيد بن محمد وكتب خطه بيده , شهد بجميع ما صح في هذا الكتاب عمر بن موسى بن أحمد بن عيسى وكتب خطه بيده , كتبه خلف بن محمد بن عمر بن محمد بيده , ما صح عند الشيخ التقي عمر ابن خلف بن محمد بن عمر في هذا الكتاب من شهادة الشاهدين فهو عندي صحيح ثابت كتبه العبد الفقير لله تعالى أحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بيده.
ثم مات عمر بن الخطاب وقبره بنزوى ولم أجد تاريخا لموته إلا ما قالوه في (1/325)
صفحة 326
ذكر الإمام الذي بعده فإن كانت بيعة هذا بعد موت هذا حالا فإن إمامة عمر تكون تسع سنين تقريبا والله أعلم.
وفي سنة أربع وتسعين وثمانمائة بايعوا لمحمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج القاضي البهلوي وكأنه عزل أو اعتزل , ثم بايعوا لعمر الشريف فأقام سنة ثم خرج إلى بهلى فبايع أهل نزوى محمد بن سليمان ثانية , ثم بايعوا من بعده لأحمد ابن عمر بن محمد الربخي البهلوي ثم مات وقبره بنزوى , ثم بايعوا لأبي الحسن ابن عبدالسلام النزوي وأقام دون السنة وخرج عليه سليمان بن سليمان النبهاني وهو صاحب الديوان الغزلي الحماسي أنبأ فيه عن فصاحته وأبان فيه عن بلاغته ومن ذلك قوله:
أن الذي استخضع الأملاك فانخضعت= ... ... واستخدم المرهف البتار والقلما
أن أجل ملوك الأرض مرتبة= ... ... نعم وأكثر أملاك الورى همما
مناقبي كنجوم الأفق في عدد== ... ... ونائلي لوفودي يفضح الديما
كالليث بأسا إذا الليث الهموس سطا= ... ... والبحر جودا إذا البحر الخضم طما
كفى يفيض عطاء لا انقطاع له ... = ... على العفاة وصمصامي يفيض دما
مر العقاب لمن ينبغي معاقبة = ... ... حلو الشمائل مفاضلا إذا رحما
أنا ابن نبهان غطريف الملوك فهل ... = ... مفاخر لهمام للسماء سما
قدت الجيوش وهجنت الملوك وأعطيت ... = ... الخيول وسدت العرب والعجما
سل عامرا وبني عمرو وكعب وسل ... ... = ... قضاعة ليس ذو جهل كمن علما
يخبرك من شئت منهم أنني ملك ... ... = ... أعطي الجزيل وأجلو ظلم من ظلما
لو صور الموت لي قرنا وبادرني ... ... = ... إذا لجدلته ملقى أو انهزما
أعدمت بالسيف موجود الطغاة كما ... ... = ... أوجدت بالجود الإحسان من عدما (1/326)
صفحة 327
إذا نطقت بفضلي قال حاسده ... ... = ... أصدق به ولسان الحمد لا جرما
وأكثر ديوانه على هذا النحو وله رائية ذكر فيها مفاخر أجداده تزاحم المعلقات السبع بلاغة وتزيد عليها عذوبة ورشاقة قال في أولها:
أ للدار من أكناف قوّ فعرعر ... = ... فخبت النقا بطن الصفا فالمشقر
كأن سطورا معجمات رسومها ... = ... إذا لحن أو هلهال برد محبر
تساقط من عينيك دمعك وا كفا ... = ... كما استن منبت الجمان المشذر
نعم عرصات غير الدهر حسنها ... = ... ملآت موار من المور أكدر
ثم لم يزل يسير في بلاغته هذا السير إلى أن قال بعد التخلص:
أعاذل أن الجود لا يهلك الفتى ... = ... ولا يخلد الإمساك غير معمر
أعاذل من لم يفن بالسيف لم يمت ... = ... لدي الذل إلا موت فقع بقرقر
ألم تسألي كي تخبري عن مناقبي ... = ... وفضلي ومن يسأل عن المرء يخبر
أعاذل أن المجد فينا إراثة ... = ... يورثه منا كبير لأكبر
مراتب عز مشمخر بناؤها ... = ... ومورد فخر نيط منه بمصدر
ثم ذكر مفاخر ملوك اليمن من سبا ومن بعده إلى أن قال:
أولئك آبائي الذين هم هم ... = ... لباب لباب للجوهر المتخير
مطاعن في الهيا مطاعيم للقرى ... = ... مكاشف هم الطارق المتنور
لباسهم من نسج داود أدرع ... = ... سوابغ تلوي بالحسام المذكر
ملكنا قاب الناس بالباس والندى ... = ... فدان لنا مخضوضعا كل معشر
لولا خشية الإكثار لذكرنا القصيدة بطولها؛ وبقي سليمان بن سليمان أياما ملكا بالقهر والجبرية متغلبا على من تحته بالسلطة والقهر وينسب إليه (1/327)
صفحة 328
من الأفعال ما ليس بالجميل ولم تطل أيامه حتى بايع المسلمون محمد بن إسماعيل فظهر أمر المسلمين وأذل الله الجبابرة المعاندين.
باب إمامة محمد بن إسماعيل
ابن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري وهو رجل من قضاعة , ووجدت في بعض الكتب ذكر نسبه متصلا فأحببت ذكره كما وجدته , فهو محمد بن إسماعيل ابن عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن الحسن بن محمد بن عيسى بن محمد بن الحرير بن مسر بن مدلج بن حمير بن بيدر بن وعاث بن العادي بن الهادي بن حمير بن الأرمي بن عميرة بن حيدان بن عمر بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير ابن سينا بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود النبي عليه السلام , ولا أعرف وجه نسبته إلى الحاضري , وإنما وجدتها في كلام للإمام بنفسه , ولعلها نسبة إلى موضع يسكنه وكان يسكن بنزوى في الحارة الغربية في سكة باب مرار , وسبب اختيار المسلمين له أن سليمان هجم على امرأة تغتسل بفلج الغنتق فخرجت من الفلج هاربة عنه عريانة , فجعل يعدو في أثرها حتى وصل حارة الوادي فرآها محمد بن إسماعيل فخرج إليه وأمسكه عنها وصرعه على الأرض حتى مضت المرأة ودخلت العقر فخلى سبيله؛ فعند ذلك فرج به المسلمون لما رأوا من قوته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنصبوه إماما , وذلك في سنة ست وتسعمائة ومات سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة وقبره بنزوى , وكانت إمامته ستا وثلاثين سنة.
وكان قد حكم في أمال بني رواحة الداخلين في الفتنة يوم قادوا سليمان بن سليمان ويوم قادوا مظفر (1/328)
صفحة 329
بن سليمان حكم بأن الذي اجترحه سليمان وولده صار ضمانه على من قادهم , وذلك الحكم في يوم الأحد لثلاث ليال خلون من شهر شعبان سنة تسع وتسعمائة فأثبت العلماء حكمه؛ وفي حضرته عبدالباقي محمد بن علي ومحمد بن سليمان بن محمد بن عمر وأبو القاسم بن شائق بن عمر وأبو القاسم محمد بن سليمان وسعيد بن زياد ومداد بن عبدالله بن مداد وغسان بن ورد ومحمد بن عبدالله ابن مداد وعباد بن محمد وخالد بن سعيد بن عمر ومحمد بن عبدالله بن محمد بن عمر ابن عبدالرحمن وأحمد بن خليل بن أحمد.
وكان قد نهى عن ربيع الخيار وكتب في ذلك كتابا سجلت فيه علماء عصره , وذلك أنه لما كثرت معهم هذه المعاملات من الربا والفساد والحيل؛ فصاروا يظهرون أنهم يتبايعون بيع الخيار , ويجعلونه تغطية على ما أسسوه وأرادوه , ليكون لهم حلالا في الحكم الظاهر وباطنهم الزيادة للدراهم وأخذ الثمرة على قدر ما يسلمونه من الدراهم , إذا قلت الدراهم أخذوا له قليلا؛ وإذا كثرت أخذوا له كثيرا , ولو كان غلة المباع لم تبلغ ذلك الحال وليست عقدتهم على شراء الأصل بعينه , وربما يحضر المتبايعان ويتعاقدان على الزيادة قبل الشراء أو عند الشراء , ومنهم من يسلم الثمرة؛ فهذا ومثله يدل على الربا والحرام , لأنه قد جاء في الأثر أن البيوع على ما عقدت في الأحكام وعلى ما أسست في الحلال والحرام , فلما رأى المسلمون أهل هذا الزمان هجما رعاعا لا يتقون الحرام مع ما يحتاجون إليه من المكاتبة والإشهاد خافوا أن يحاط بهم وأن يقعوا جميعا في المعصية إن لم ينهوهم عن ذلك.
ويكونوا كما قال الله تعالى (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) فاجتمع المشايخ العلماء الأتقياء القدوة مداد بن عبدالله بن مداد العقري النزوي؛ والفقيه عبدالله بن (1/329)
صفحة 330
محمد بن سليمان بن عمر النزوي , القاضي أبو غسان بن ورد بن أبي غسان البهلوي , وعمر بن زياد بن أحمد البهلوي , ومحمد ابن أبي الحسن بن صالح بن وضاح المنحي وجماعة ممن حضر من أهل العمل والبصر عند الإمام العادل العامل الكامل العاقل محمد بن إسماعيل نصره الله بقرية نزوى , وطالعوا الآثار المنسوبة عن العلماء الأخيار المسنودة عن سيد المرسلين الذي نزل به الروح الأمين بالوحي عن رب العالمين؛ فوجدوا أن غلة بيع الخيار حرام فحكم الإمام ومن ذكرت من المسلمين بتحريمها وفساد بيع الخيار , لأن أقرب للتقوى وأقصد في الفتوى وأسلم من البلوى؛ لقوله عليه السلام: من أجبا فقد أربا؛ وسأذكر لك ما نقلوه من الآثار في هذه السيرة ليتبين لك الهدى وتنجنب الردى؛ ولا حجة لمعاند ولا فساد ولا مبطل ولا معطل , والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال , فمن انتحل بنخلة أو اعتل بعلة فحجته عاطلة باطلة , ومن حكم بخلاف ذلك فقد خالف الحق المبين وترك سنة خاتم النبيين , ومن لم يرض بالقضاء فليس لدائه من دواء , والله المستعان على ما تصفون.
وهذا نص ما كتب الإمام في ذلك , قال:
بسم الله الرحمن الرحيم: لما كان في نهار يوم الأربعاء لست ليال بقين من شهر جمادى الآخر أحد شهور سنة ثمان وعشرين وتسعمائة؛ قد صح الحكم الصحيح الثابت الصريح من الإمام العادل , إمام المسلمين محمد بن إسماعيل ومن حضره من المسلمين , وما أجمعوا عليه بأن غلة بيع الخيار لا تجوز؛ وأنها ربا حرام , وأن المراد بها الثمرة , ووافق ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم: من أجبا فقد أربا , وقد جاء الأثر عن عمرو بن علي في قول المسلمين في بيع الخيار إنه غير ثابت , وهذا قول من لا يراه ثابتا الأصل فيه عنده أن هذا بيع وقع على (1/330)
صفحة 331
الثمرة لا على الأصل؛ وكانت هذه جملة على تحليلها. وكذلك قال الذين احتجوا بتحريمه؛ قالوا لما صح عندنا أن بيع الخيار والمراد به الثمرة حينئذ قلنا بفساد ذلك البيع , وكان هذا موافقا لما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله عليه الصلاة والسلام: من أجبا فقد أربا , والدليل على هذا ما صح عندنا من قوله إنهم جعلوا هذا البيع طريقا يتوصلون بها إلى تحليل الثمرة على الجملة من قولهم , وأظهروا هذا البيع على تغطية ما لا يجوز؛ فكان قولهم هذا موافقا للرجل الذي تزوج امرأة في السريرة تحليلا لمطلقها , أو كالرجل الذي في نيته في بيع باعه مكوكا بمكوكين أو تمرا بحب أو حبا بتمر ثم أظهر ذلك عند عقدة البيع أنه بدراهم , أو كالذي خطب امرأة في السريرة فأظهر أنه قد عقد عليها نكاحا وأنه قد تزوجها , وما يجئ بحق هذا وهذا كله حرام؛ فقد قيل: النيات هن المهلكات وهن المنجيات , وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
قال: نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله؛ لما صح عندنا أن المراد بالبيع الخيار الثمرة , وإنما جعلوا هذا طريقا فيما عزموا للتغطية على تحريمها , والدليل على فساد هذا أن كل هذا البيع وقع لنخلة , فكانت الثمرة لربها؛ وإن كان البيع المراد به الثمرة فقد وافق هذا البيع قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أجبا فقد أربا؛ فهذا أحد وجوه الفساد في ذلك.
والوجه الثاني مثله كمثل رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاثا فتزوجها لاستحلالها لزوجها الأول , فهذا مما قال بفساده المسلمون على الزوج الأول والثاني.
والوجه الثالث: رجل وافق رجلا على شراء حب أو تمر من عنده المكوك بمكوكين أو تمرا بحب أو حبا بتمر , ثم أشهد على نفسه بدراهم , فهذا أيضا بيع في السريرة حرام.
قال: فهذا قولنا في البيع الخيار والله أعلم هكذا (1/331)
صفحة 332
جاء في الأثر؛ كتبته كما وجدته منها.
نعم: ما كتب على فهو من إملائي؛ والحق أحق أن يتبع؛ وما بعد الحق إلا الضلال؛ وكتبه الفقير لله سبحانه الإمام محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري بيده , حامدا لله وحده ومصليا؛ مسلما مستغفرا.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام من تحريم غلة الخيار؛ فهو الحق والصواب موافقا لآثار السلف , وبذلك جاء الأثر وعليه العمل , كتبه العبد الفقير لله عبدالله ابن مداد بن محمد بيده.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار؛ فهو الحق والصواب لا شك فيه ولا ارتياب؛ وبه جاء الأثر , وبه العمل. كتبه العبد الذليل لله تعالى محمد بن أبي الحسن بن صالح ابن وضاح بيده.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار؛ فهو الحق والصواب لا شك فيه؛ كتبه الفقير لله تعالى عبدالله بن محمد بن سليمان بيده. صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة الخيار فهو الحق والصواب ولا شك فيه ولا ارتياب هكذا جاء في الأثر عن أولى البصر وعمل به أشياخنا , وسطره أفقر خلق الله تعالى أو غسان بن أبي غسان بيده حامدا لله وحده مصليا مسلما.
صحيح ثابت ما حكم به الإمام العدل محمد بن إسماعيل في تحريم ثمرة بيع الخيار فهو الحق والصواب؛ وعليه العمل لا شك فيه ولا ارتياب , وهكذا جاء الأثر عن أولى العلم والبصر وعن أشياخنا. كتبه العبد الأقل عبدالله بن عمر بن زياد بن أحمد بيده. نقل السيرة المذكورة الفقير لله تعالى أحمد بن مداد بن عبدالله بن مداد بيده. نقله من السيرة المذكورة من خط الشيخ الفقيه العالم أحمد بن مداد العبد الأقل الراجي رحمة ربه الأجل (1/332)
صفحة 333
المثقل من ذنوبه الراجي المستغفر ربه عبدالله بن محمد القرن بيده.
وفي سنة سبع وعشرة وتسعمائة ليلة الجمعة من جمادى الأخرى مات محمد بن عبدالله بن مداد النزوي بفرق وقبر بمساجد العباد.
وكان الفقيه أحمد بن مداد يذكر لمحمد بن إسماعيل أحداثا استوجب بها البراءة عنده , وكان غيره من بعض معاصريهم يعتذر لمحمد بن إسماعيل في ذلك ويحتج له وأنها ليست بموضع رأى ولا اجتهاد , فإن صح ما ذكره الفقيه أحمد بن مداد في سيرته أن محمد بن إسماعيل قد فعله , فأرى الفقيه قد أصاب في البراءة منه إذا كان قد استتابه من ذلك فأصر , وليس لغيره أن يقلده في البراءة من محمد بن إسماعيل , وإنما ذلك شيء خاص بمن صح عنده علم الحدث وتوب الإمام منه فلم يتب.
قال أحمد بن مداد: جبى محمد بن إسماعيل الزكاة من رعيته بالجبر من غير حماية لهم وغير منع من الجور والظلم , قال وجبر رعيته على شراء الزكاة من ثمرة النخل بما تقومه عماله من الدنانير وأخذ تلك القيمة بالجبر منه لهم. قال وجبى المعاشير غير الزكاة دنانير بقيمة ثمرة النخل من أموال رعيته بما تقومه أعوانه وعماله من الدنانير بالجبر من رعيته اليتامى والبالغين والأرامل وغيرهم لنفسه وعماله وأعوانه ولحاضره وأضيافه وعياله هدرا وقرضا بالنية.
قال وجبى الخراج وأخذ الكسرة , وهي المغرم للجبابرة من أموال رعيته بالجبر على الخوف وخشية الظلمة على دولته ونفسه ورعيته وأموال رعيته.
هذا كلامه وقد أطال في الاستدلال على إبطال هذه الأشياء بأمور مسلمة عند الفريقين , ولا أدري ما يقول المنتصر له في بعض هذه الأمور , فإنها لا تخرج على شيء من أقوال المسلمين , ولعلهم ينكرون (1/333)
صفحة 334
وقوع ذلك منه ويحتجون للبواقي بالترخص ببعض الرأي المأثور عن المسلمين لأجل الضرورة إليه. أما الجبابة والخراج فلا يجتمعان أصلا , ليس للإمام أن يجبي أرضا يأخذ الجبار خراجها إلا إذا حماها ومنه الجبار من خراجها ورفع اليد عن مظالمها وأنصف بعضها من بعض , فها هنا تطيب له الجبابة بالقهر , لأنه قد حماها وأقام فيه العدل , وكذلك أخذ العشور من الأموال التي لا زكاة فيها؛ فإن ذلك لا يجوز ولا يقبل الرأي , فإن صح هذا أن أحدا قد فعله واستتب فلم يتب , فإنه يكون خليعا عند المسلمين لكن ذلك لا يكون بالدعوى , وخصوصا على الأئمة فإنهم أعظم حرمة.
وأما القرض فقد احتج له من احتج ورخص له من رخص لأجل الخوف على الدولة , ولا يرى ذلك الفقيه أحمد بن مداد , بل كان يبرأ من العامل والمرخص وأما المرخص للثمار فإنه وإن كان الأصحاب على غيره فلا يخرج من دائرة الرأي , لكن جبر الرعية على تسليم الدنانير عن الزكاة المخروصة في رءوس النخل شيء لا يجوز , والله أعلم بما كان عندهم من الأمر , وقد غاب عنا أمرهم وما غاب عنا علمه فلا يلزمنا حكمه والله أعلم.
باب إمامة بركات بن محمد بن إسماعيل
بويع له في اليوم الذي مات فيه أبوه , وذلك في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة بايع له عبدالله بن عمر بن زياد الشقصي , ومحمد بن أحمد بن يفسان , ولم يرض الفقيه أحمد بن مداد إمامته وتبرأ منه وممن نصبه , قال لأن بركات ليس بولي ولا بأهل للإمامة , وذلك لولايته لأبيه على أحداثه التي ذكرها عنه , قال وعمل بأحداث أبيه من بعده , وقلده في ذلك , فهو يبرأ (1/334)
صفحة 335
منه ومن أبيه للأحداث التي ذكرناها عنه في إمامة محمد بن إسماعيل والله المستعان.
وقدم من لم يرض إمامة بركات غيره إماما , فنصبوا عمر بن القاسم الفضلي في أيام بركات, والفقيه أحمد بن مداد يثني عليه في سيرته ويتولاه؛ وذكر غيره أن المسلمين رضوا إمامته ولم يؤرخوا وقت بيعته ولا وقت وفاته.
ثم نصب عبدالله بن محمد القرن إماما في منح يوم الجمعة لخمسة عشر يوما من رجب سنة سبع وستين وتسعمائة , ودخل حصن بهلى يوم الاثنين لليلتين بقيا من هذا الشهر من هذه السنة؛ فأخذها من يد آل عمير؛ وكان آل عمير قد اشتروا حصنها بثلاثمائة لك من محمد بن جيفر بن علي بن هلال الجبري؛ وكان محمد ابن جيفر قد أخذ هذا الحصن بالغلبة من عامل بركات , وكان دخول آل عمير حصن بهلى يوم الثلاثاء لتسع ليال بقين من جمادى الأخرى سنة سبع وستين وتسعمائة , فما لبث آل عمير فيها إلا يسيرا حتى أخذه منهم الإمام عبدالله بن محمد القرن.
وفي ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من رمضان سنة ثماني وستين وتسعمائة دخل بركات بن محمد بن إسماعيل حصن بهلى وأخرجوا منه عبدالله بن محمد القرن؛ وبنصب الأئمة في وقت واحد تشتت الكلمة؛ وتفرقت الجماعات , وضعفت دولة المسلمين , ووهت قوتهم؛ وطمع فيهم (1/335)
صفحة 336
من كان لا يطمع , فصار الملك متفرقا في أيدي الرؤساء من النباهنة وآل عمير وآل هلال؛ وهم رهط الجبور؛ وصارت الشدة على أهل عمان , ولم تبق دولة المسلمين إلا في مكان دون مكان , فأخذ سلطان محمد بن محسن بن سليمان بن نبهان نزوى في سنة أربع وستين وتسعمائة , وأخذ محمد بن جيفر حصن بهلى في سنة خمس وتسعمائة , وكثر التنازع والاختلاف ليقضي الله أمرا كان مفعولا. مات بركات بن محمد وصار الملك بعده لبني نبهان ورؤساء القبائل.
باب ملوك بني نبهان المتأخرين
وأولهم سلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان ملك نزوى في أيام بركات في سنة أربع وستين وتسعمائة. مات ليلة الاثنين لاثني عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة , وترك ثلاثة أولاد وهم: طهماس بن سلطان وسلطان بن سلطان بن مظفر , وكان مظفر هو المتقدم عليهم في الملك إلى أن مات وترك ولده سليمان صغيرا لا يقوم برياسة الملك , وكان عم أبيه فلاح ابن محسن مالكا في حصن مقنيات؛ فلما علم بموت مظفر (1/336)
صفحة 337
جاء إلى بهلى وأقام مكانه ويقال إنه عدل في ملكه سبع سنين ثم مات.
وملك بعده سليمان بن مظفر وهو ابن اثنتي عشرة سنة واستولى على الأمر في عمان ونواحيها؛ وأخذ خراج أهلها من الطائع والعاصي والداني والقاصي وحاربه أهل نزوى وكان معهم جبري , يقال له محمد بن جيفر؛ وعنده جيش عظيم فطلع إليه سليمان بن مظفر وعرار بن فلاح , وعندها ناصر بن قطن ومن معهم من العساكر , فلما التقوا هم ومحمد بن جيفر استقام بينهم القتال؛ فقتل محمد بن جيفر وانكسر قومه , وكان قطن بن قطن منتظرا للأمر بينهم فنادى بالكف بين القوم عن القتال؛ وكان محمد بن جيفر له ولد صغير في السن واسمه محمد بن محمد وأمه بنت عمير بن عامر؛ فتزوجها سليمان بن مظفر بعدما قتل زوجها , فركن إليها بالبادية , فكان بالشتاء ببادية الشمال ويترك ابن عمه عرار بن فلاح ببهلى , وإذا جاء الصيف رجع إلى بهلى.
وكان مهنا بن محمد الهديفي مالكا بلد صحار , فعلم أن العجم متأهبون إليه؛ فأرسل إلى سليمان بن مظفر يستنصره على العجم فلبى دعوته وأطاع كلمته , فخرج إليه بمن عنده من العسكر , وتكاملت القوم بصحار , ووصلت إليهم العجم من البحر , فاستقام بينهم القتال وعظم النزال وارتفع العجاج وأظلم الفجاج , فانكسر العجم وقتل منهم ما شاء الله , ورجع سليمان بن مظفر إلى داره ببهلى وعنده بنو عمه وهم عشرة: عرار ونبهان ومخزوم وأولاد فلاح بن محسن , وكان المقدم عليهم عرار وأما أخوه نبهان فلا يملك رأيا دون رأى أخيه , وكان لعرار بن فلاح ملك الظاهرة؛ وأعطى سليمان بن مظفر مخزوما ملك ينقل , فبقي عنده تسعة أحدهم حمير بن حافظ , وعنده أربعة أولاد: حافظ بن حمير وسلطان بن حمير وكهلان ابن حمير وهود بن حمير؛ فمات حافظ بن حمير بعد رجوعهم إلى بهلى بسنة زمانا وبقي معه من بني عمه اثنان (1/337)
صفحة 338
من العشرة؛ مهنا بن محمد بن حافظ وعلي بن ذهل بن محمد بن حافظ , وهم على يدي سليمان بن مظفر؛ وكان لسليمان وزراء في القرية وفي النزار ومن قرية أزكي؛ وفي سند الشأن؛ وكانت سمد الشأن للجهاضم.
وكان سليمان جائرا عليهم؛ ففروا منها من شدة جوره وبطشه , وتفرقوا في البلدان مدة ثلاثين سنة يحتالون في دخولها والتوصل إليها. وكان بنو هناة من أقرب الناس إلى سليمان بن مظفر , وكانوا أكثرهم عددا وعدة وبأسا وشدة , وكان فيها رجلان يلبيان أمرهما , وهما خلف بن أبي سعيد وسيف بن محمد بن أبي سعيد , وكانا عنده قدوة أهل زمانهم فافترقوا , وكان سبب الفرقة بينهم أن قبيلتين من أهل سيفم؛ أحدهما بنو معن , والأخرى بنو النير , كانتا عصبية لبني هناة وخصمهم واحد؛ ثم وقعت الفرقة بين بني معن وبني النير.
وسبب ذلك أن امرأة من بني معن دخلت زرعا لبني النير تحش منه , فمرت عليها أمة رجل من بني النير , فقالت لها أخرجي من زرع سيدي فأبت , فوقع بينهما الجدال , فضربت الأمة المرأة ففقأت عينها.
وخرج ذات يوم حمار لبني النير ودخل زرعا لبني معن فقطعت أذنه , فوقعت الفتنة بينهما؛ وكان هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين , وأصل الفتنة كالنار اليسيرة تحرق الأشياء الكثيرة؛ فافترق عند ذلك القوم فرقتين , فأما بنو معن وبنو شكيل؛ فهم مع سليمان بن مظفر , وبنو النير مع بني هناة؛ فعند ذلك سار خلف ابن أبي سعيد إلى داره دار سيت هو وبنو عمه وكان سليمان بن مظفر يومئذ بالبادية , فعلم بذلك , فأرسل إلى وزيره محمد بن خنجر أن قل لخلف يترك شأن (1/338)
صفحة 339
القوم؛ فأرسل إليه بالكف عن ذلك , فغلب عن ذلك وأظهر انه يرد الإصلاح بين بني معن وبني النير , فأرسل الوزير إلى مولاه سليمان أن خلفا غلب عن الكف , فندب سليمان بن مظفر إلى الوزير أن أفعل في أموال بني هناة من الغزية من كدم , فأمر الوزير بإخراب أموال بني هناة من كدم , وكانت تلك الأموال للشيخ خلف بن أبي سعيد , فوقعت العداوة والبغضاء بينهما , فأمر عند ذلك الشيخ خلف بني عمه أن اغزوا بهلى فغزوها؛ فقتلوا من قتلوا منها , فكتب الوزير محمد بن خنجر إلى سليمان بن مظفر مما جرى في بهلى , فلما علم سليمان ذلك انتقل من الشمال إلى بهلى وأراد الصلح بينهم وبين بني هناة.
فلم يقع الصلح؛ وهيأ كل واحد منهما الحرب لصاحبه , فجمع السلطان سليمان بن مظفر ما عنده من العسكر ليقاتل بني هناة؛ فعلم بذلك الشيخ خلف , فأرسل إلى الأمير عمير بن حمير ملك سمائل ينتصر به على سليمان بن مظفر , فسار بعسكره على غبرة بهلى؛ فالتقى سليمان والأمير عمير بن حمير , فاستقام الحرب بينهما ساعة من النهار , ثم رجع سليمان إلى بهلى؛ ورجع الأمير عمير إلى سمائل وترك بعض قومه في دار سيت وكان الأمير عمير ذا خلق حسن واسع؛ فلما وصل إلى سمائل أرسل إلى بني جهضم , وهم متفرقون في قرى شتى؛ فأقبلوا إليه فوقعت بينهم الألفة وإثبات الصحبة , ثم أرسل إلى سلطان الرستاق؛ وهو مالك بن أبي العرب؛ وهو جد الإمام ناصر بن مرشد ليصله إلى سمائل , فسار مالك بن أبي العرب وصحبه أبو الحسن علي بن قطن. فلما وصل إلى سمائل ساروا مع بني جهضم إلى سمد الشأن وبنو لهم بنياننا حول دارهم , وترك عندهم الأمير البعض من قومه , وترك لهم ما يحتاجون من الطعام والشراب وآلة الحرب ورجع إلى سمائل.
وأما بنو هناة وسليمان (1/339)
صفحة 340
ابن مظفر فإنهم لم تنقطع بينهم الغزوات؛ ثم إن الأمير عمير بن حمير والسلطان مالك بن أبي العرب سارا إلى نزوى وهما ينتظران الأمر وكان لمالك بن أبي العرب وزير في عينى من الرستاق، فدخل عليه أهل الدار وأخرجوه منها، وجاء رجل من أهل عينى إلى سليمان بن مظفر يطلب منه النصر على الخصم فأعانه ببعض قومه، وأرسل مع عرار بن فلاح، فجاء الخبر إلى السلطان مالك بن أبي العرب بما جرى في داره، فأراد المسير إلى داره، فقال له الأمير عمير: قف معنا ولا تخف فهذا من علامات السرور، قال فكيف ذلك والعدو في داري؟ فقال الأمير عمير: ذلك عندي وأنا إن شاء الله من الغالبين، قال الله تعالى (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) وقال الشاعر:
إذا الحادثات بلغن المدى ... = ... وكادت تذوب لهن المهج
وحل البلاء وقل العزى ... = ... فعند التناهي يكون الفرج
ثم إن بني هناة أرسلوا إلى عمير بن حمير أن أقبل إلينا بما عندك من القوة لندخل بهم بهلى، فسار هو ومن معه إلى نصف الطريق، فنظر إلى قومه فاستقل عددهم، فرجع إلى نزوى؛ وكان بنو هناة ينتظرونه في ليلة كانت بينهم للدخول فلم يصل إليهم، فسار إليه الشيخ سيف بن محمد من دار سيت إلى نزوى، وجرى بينهما جدال كثير من باب العتاب، فقال الأمير عمير بن حمير: خذ من القوم ما شئت، فأخذ عنده قوما كثيرا لا يعلم عددهم إلا الله، وسار بهم إلى دار سيت والأمير ينتظر الأمر بنزوى، فجاء الخبر إلى سليمان ابن المظفر أن القوم طلعوا من نزوى إلى دار سيت؛ فمنهم من يقول إنهم قاصدون القرية؛ ومنهم من يقول سيفم، ومنهم من يقول بهلى.
فقسم سليمان قومه، فجعل بعضا منهم في القرية وبعضا في سيفم وبنى بنيانا في رأس فلج الجزيين (1/340)
صفحة 341
مخافة أن يضره القوم وترك فيه قوما؛ وقسم بقية القوم، وترك في الخضراء جماعة من قومه؛ وكذلك في حارة الغاف، وترك في الجامع من البلاد حمير بن حافظ ومن عنده من القوم؛ وقسم بقية قومه في العقر، وكان ابن عمه عرار بن فلاح ومن معه من القوم في عينى من الرستاق، فسار سيف بن محمد من دار سيت إلى بهلى فدخلها، وكان أول دخوله من جانب الغرب؛ فتسوروا السور ودخلوا البلاد؛ وكان ذلك منهم ضربة لازب ولم يشعر بهم أحد، فقسم سيف قومه ثلاث فرق: فريق باليمين وفرقة بالشمال وفرقة بالوجه، وهي التي تلي الجامع من البلاد، واحكم أمره في الأماكن المختارة عنده للقتال لمسجد الجامع ومسجد بني عمر وجميع أبواب العقر، فما بقى لسليمان بن مظفر شيء غير الحصن والخضراء بعدما قتل من قتل من سادات قومه وفرسانه تلك الليلة، ونادى سيف ابن محمد بالأمان في البلاد؛ وكان بعض أهل البلد معه، وجاء الخبر إلى الأمير عمير بن حمير وهو في نزوى إن قومك دخلوا بهلى، فركب عند ذلك هو والأمير سلطان بن محمد والسلطان مالك بن أبي العرب وعلي بن قطن وأهل نزوى، وركب خلف بن أبي سعيد الهنائي من دار سيت بمن عنده من القوم لينصروا أصحابهم؛ وكان دخولهم ليلا، ونزل الأمير عمير بحارة الغاف وكانت الخضراء في ملك السلطان سليمان بن مظفر وفيها علي بن ذهل وعنده قوم كثير؛ فأرسل إليهم الأمير عمير ليخرجوا بما عندهم من الزانة؛ فأقبل علي بن ذهل على قومه يحرضهم على القتال فلم يجبه أحد منهم وعزموا على الخروج؛ ووصل الخبر إلى عرار بن فلاح وهو في عينى من الرستاق أن القوم دخلوا بهلى؛ فنهض من عينى بمن معه ودخل القرية، وكانت القرية في ملكهم.
وكان عمير بن حمير وسيف بن محمد لم يشاركهما أحد في البلاد إلا الحصن وهم محدقون به، وضعوا في شجرة (1/341)
صفحة 342
الصبار التي في السوق برجا من خشب في أعلى رأسها بالليل وقعد فيه رجل من الجهاضم يقال له جمعة من محمد المرهوب، فضرب رجلا من الحصن كان خارجا من القصبة إلى بيت الوزير ومات؛ وعمل قوم الأمير عمير برجا في الجامع؛ فضرب صاحب البرج رجلا من الحصن من مبرز الغرفة من عسكر سليمان، ثم أن القوم قشعوا سور الحصن بالليل، فلما أنهدم بعض الجدار علم بهم عسكر سليمان فمنعوهم من الدخول، ثم أن العسكر طلبوا من سليمان الخروج من الحصن مخافة القتل، فأقاموا ثلاث عشرة ليلة فأذن لهم، فطلبوا من الأمير عمير أن يسيرهم، فسيرهم بما عندهم من الزانه، وسير معه وزيره، ثم طلع سليمان بن مظفر هو وبنو عمه وعسكره مسيرين من بهلى إلى القرية؛ فخرج هو عرار بن فلاح من القرية إلى الظاهرة؛ فأمر بعد ذلك الأمير عمير بن حمير بقشع الحصن، فقشع ولم يبق منه عمار ولا جدار. فهذه عبرة لأولي الألباب، والله يؤتي ملكه من يشاء، والله واسع عليم.
وجعل عمير خلف بن أبي سعيد مأمونه في بهلى؛ ورجع إلى سمائل فأقام خلف بن أبي سعيد في بهلى أربعة أشهر، ثم خرج عليه سليمان بن مظفر وابن عمه عرار بن فلاح، فدخلوا عليه الخضراء وهو في العقر، وكانت هذه الدخلة ليلة رابع ربيع الأول سنة تسعة عشر بعد الألف، وكان سيف بن محمد هو وبعض قومه في السر، فأرسل سليمان بن مظفر لخلف بن أبي سعيد ليسيره بما عنده من الزانة؛ فخرج خلف مسيرا وأخذ الأمان على أهل البلد، فمنهم من أقام مكانه، ومنهم من خرج خوف السلطان؛ فلما علم سيف بن محمد هذا الخبر جاء من السر وعلم به الأمير عمير بن حمير، فأقبل من سمائل إلى نزوى ومضى إلى القرية فأخذها ووهبها لسيف بن محمد؛ فكان مأمونة؛ ثم رجع إلى نزوى ينتظر الأمر (1/342)
صفحة 343
مدة أيام، فمات سليمان بن مظفر وكان له ولد صغير السن، فملك من بعده عرار ابن فلاح، ثم طلع سيف بن محمد إلى نزوى وأخذ من الأمير عمير قوما كثيرا فاسر بهم إلى القرية، فلبثوا بها سبعة أيام، ثم سار بهم ودخل بهم حارة من بهلى اسمها حارة أبي مان؛ فأحدق بهم عرار بن فلاح مدة أيام ثم إنه سيرهم بما عنده من الزانة، وثبت له حصن القرية وتجديد الخدمة مدة سنة، وكانت هذه الدخلة ليلة سادس صفر سنة أربعة وعشرين بعد الألف.
ثم مات بعد ذلك عرار بن فلاح وكان موته لعشر ليال خلت من شهر الحج من هذه السنة.
وملك من بعده مظفر بن سليمان، وأقام في ملكه مدة شهرين. ثم مات وملك من بهده مخزوم بن فلاح مدة شهري زمان، فخرج عليه نبهان وسيف بن محمد ليخرجاه من الحصن، فطلب التسيار فسيروه بلا زانة ولا سلاح، وكان خروجه إلى نيقل من الظاهر، فتولى الأمر على أصحابها مدة من الزمان؛ وأقام ببهلى نبهان بن فلاح، وجعل ابن عمه علي بن ذهل مأمونه في بهلى؛ وجعل من بعده سيف بن محمد؛ فسار نبهان بن فلاح إلى داره مقنيات وأخرج ابن عمه سلطان ابن حمير من بهلى خوفا منه أن يحاول على الملك؛ فسار سلطان بن حمير من بهلى إلى صحار، فتولى مكانه سيف بن محمد سنة؛ والله أعلم.
ثم طلع بعد ذلك الأمير عمير بن حمير بمن عنده من القوم إلى بهلى، فمنعه سيف ابن محمد من الدخول، فرجع هو وقومه إلى نزوى منتظرا الأمر، ثم بعد أيام رجع عمير وقومه إلى بهلى ودخل العقر؛ وكان سيف بن محمد في دار سيت، فعلم بذلك فنهض من دار سيت بمن عنده من القوم ودخل الحصن بقومه فلم يمنعه أحد ثم أرسل إلى نبهان بن فلاح أن القوم دخلوا الدار فأقبل بمن عندك من العسكر، فأقام مدة أيام يجمع (1/343)
صفحة 344
عساكره، وكان الأمير عمير بن حمير قد أحكم مقابض البلد من أولها إلى آخرها وأقام سيف بن محمد بالحصن مدة أيام ينتظر نبهان وقومه فلم يصل إليه، ثم طلب سيف التسيار من الأمير عمير بن حمير، فسيره بمن عنده من الزانة وقصد القرية، وأقام عمير بن حمير في بهلى مدة أيام، ثم أنه أرسل إلى سيف بن محمد فوقعت بينهما يمين على الصحبة، فأقام سيف في ولايته على الرعية، ويقال إنه عدل فيها؛ فكان متولي الأمر على بني عمه، وهم له ناصحون.
ولما استحكم الأمر لسيف بن محمد؛ وكان سلطان بن حمير ومهنا بن محمد بن حافظ وعلى بن ذهل بن محمد بن حافظ مسكنهم يومئذ صحار مع محمد بن مهنا الهديفي وكان محمد بن مهنا أراد ليدخل بهم على ابن عمهم نبهان بن فلاح في مقنيات ليصلح بينهم؛ وكان مخزون في حصن نيقل؛ فلم يقع بينهم صلح، فطلع بعد ذلك سلطان ابن حمير وعلي بن ذهل بمن عندهم من العسكر، فجاء الخبر إلى عمير بن حمير وهو في سمائل أن سلطان بن حمير سار بقومه من الظاهرة ليدخل بهم بهلى، فطلع هو وقومه من سمائل إلى بهلى ينتظر الأمر؛ ودخل سلطان بن حمير النبهاني حارة بني صلت، فجاء الأمير عمير بن حمير بقومه وعلى أثره سيف بن محمد، فوقع بينهم القتال وبنوا عليهم بنيانا حول الحارة من أولها إلى آخرها، وأرسل عمير بن حمير إلى أصحابه من جميع القرى؛ فطلع إليه الشيخ ماجد بن ربيعة بن أحمد بن سليمان الكندي، وعمر بن سليمان العفيف، والشيخ سعيد بن أحمد بن أبي سعيد الناعبي مع سادات أهل نزوى ومنح.
وأقام سلطان بن حمير وهو وقومه محصورين مدة لم يخرج منهم أحد ولا يدخل إليهم أحد؛ فطلب عند ذلك سلطان بن حمير من الأمير عمير بن حمير التسيار والخروج؛ فسيره ومن معه بما عندهم من الزانة إلى (1/344)
صفحة 345
الظاهرة؛ وأقام سلطان بن حمير وكهلان بن حمير وعلي بن ذهل ومهنا بن محمد بن حافظ في مقنيات مدة أيام فأوجس نبهان منهم خيفة أن يخرجوه من مقنيات فأخرجهم منها، فخرجوا منها ومضوا إلى صحار عند الهديفي محمد بمن مهنا وأقاموا معه سنة زمانا والله أعلم.
ثم إن سلطان بن حمير أشار على محمد بن مهنا أن يغزو دير عمير بن حمير، وهو في باطنة السيب، وكان في الدير الأمير سنان بن سلطان والأميران علي بن حمير وسعيد بن حمير؛ فركب محمد بن مهنا وسلطان بن حمير وقومهما من صحار؛ فجاء الخبر إلى الأمراء سنان بن سلطان وعلي بن حمير وسعيد بن حمير أن القوم طلعوا من صحار، فما كان إلا قدر ما يخلع الرجل نعليه أو يغسل رجليه حتى أقبلت العساكر وسلت البواتر، فوقع القتال وعظم النزال حتى بلغت القلوب الحناجر، وقتل عند ذلك الأمير علي بن حمير؛ وانفصل القتال.
ورجع محمد بن مهنا فعلم بعد ذلك عمير بن حمير بما حرى على إخوانه وبني عمه وهو في بهلى، فاعتقد عقيدة الحزم، وتسربل بسربال الجزم أن لا يرجع عن صحار حتى يحصدهم بالسيف، ويحرقهم بالنار، ويبدد شملهم في كل دار، فأخذ في جمع العساكر من البر والبحر، فاجتمع معه قوم لا يحصى عددهم، وأرسل إلى ملك هرمز لينتصر به، فنصروه بعدة من المراكب مملوءة من المال والرجال وآلة الحرب، وكان قد وصل مركب من الهند بعسكر كثير، وفيه آلة الحرب فردته الريح إلى مسكد فأخذه الأمير عمير بن حمير؛ وسار هو ومن معه من النصارى وغيرهم، وأقام الأمير عمير بقومه في باطنة السيب سبع (1/345)
صفحة 346
ليال، فعلم بذلك محمد ابن جفير فتوجه بقومه لينصر محمد بن مهنا، فدخل محمد بن جفير وقومه صحار، ففرح به محمد بن مهنا فأدخله الحصن؛ فكان بينهما بعض المقاصد ساعة من النهار، فأمر محمد بن جفير عبده ليقبض على محمد بن مهنا، فرمى نفسه من سور الحصن وندب قومه؛ وكان بعض قومه في برج داخل الحصن فوقع القتال بينهم ساعة من النهار، وطلع محمد بن جفير بقومه من صحار، فبلغ هذا الخبر إلى الأمير عمير بن حمير، فتوجه إلى صحار بمن معه من بر وبحر، ودخل صحار نهار تسعة عشر من ربيع الآخر، فاستقام بهم القتال من أول النهار إلى الليل، ثم انفصل بعضهم عن بعض؛ ثم بعد ذلك بيوم أو يومين هبطت النصارى من المراكب بما عندهم من آلة الحرب , وكانوا يجرون قطع القطن قدامهم ليتقوا بها ضرب البنادق.
وكان عندهم مدافع تسير على أعجال الخشب في البر , وعليها سور من الخشب , وكان في جانب الدار برج لمحمد بن مهنا فيه عسكر كثير , فجرت عليه النصارى قطع القطن وضربوه بمدفع حتى أنهدم البعض منه , وخرج القوم منه فدخلته النصارى فعلم محمد بن مهنا بذلك فندب قومه فوقع بينهم القتال على البرج بالليل , فقتل عند ذلك علي بن ذهل؛ وقتل محمد بن مهنا الهديفي؛ وأقام بعد ذلك سلطان بن حمير ابن محمد بن حافظ النبهاني وأخوه كهلان بن حمير وابن عمه مهنا بن محمد بن حافظ وعسكرهم في الحصن بعدما قتل محمد بن مهنا الهديفي , فلما علم الأمير عمير بن حمير أن سيد القوم قتل ندب قومه بالقتال , فكان القتال بينهم في النخل , ثم طلع (1/346)
صفحة 347
عمير بن حمير بمن عمه من تلقاء جامع البلد فلم يمنعه أحد؛ فقتل عند ذلك سلطان ابن حمير؛ فانكسر القوم وصاروا شتاتا متفرقين , فمنهم من قتل؛ منهم من أحرق , ومنهم من أسر؛ ومنهم من جرح , ومنهم من خرج ذاهبا على وجهه , لا يدري أن يتوجه ولا إلى أن يذهب؛ وعلى هذا جميع أهل البلد , وأحرقت البلد بأجمعها من أولها إلى آخرها , وأقام النصارى في حصن صحار , ورجع الأمير عمير إلى بلدة سمائل جذلا مسرورا.
وكان مخزوم بن فلاح متوليا حصن نيقل , فقبض منهم على رجلين , فأمر عبده ليقتل واحدا منهما , فسل السيف ليضربه , فاستجار به فلم يجره , وضربه ضربة ثانية , فاستجار به فلم يجره , فلما أراد ليضربه ضربة ثالثة استجار بالله , فأهوى إليه ليمسك فمه والعبد أهوى إليه بالسيف فضرب يد مخزوم؛ وأقام سبعة أيام بجراحه ومات منه.
وأما الرجل فإنه سحبه العبد يظنه ميتا؛ وبه رمق الحياة , فمر رجل من أهل البلد فقال: من يعينني على مواراة هذا الرجل , فنطق الجريح فقال إنني حي فحمله على كتفه وأدخله البلد , فعوفي من جراحه وعاش بعد ذلك زمانا , والله على كل شيء قدير.
وكان هذا بعد دخلة صحار بثلاثة أشهر , فلما علم نبهان بموت أخيه ركب من مقنيات إلى نيقل , وترك بعض عسكره في حصن مقنيات؛ وكانوا قد ملوه من كثرة جوره وبغية , فعزموا على إخراجه من مقنيات؛ فتوجه رجل إلى الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد لينتصر بهما؛ فسار الأمير عمير وسيف بن محمد بمن معهما من القوم ودخلوا حصن مقنيات بلا منع ولا قتال ووأقاموا مدة أيام ثم ركبا ببعض قومهما إلى نيقل , فعلم بذلك نبهان , فخاف منهما نبهان على نفسه , فركب هو وأربعة من عسكره بلا زانة وقصدا إلى دار أخواله الريايسة , وذلك لاثني عشرة خلت من صفر (1/347)
صفحة 348
سنة ست وعشرين بعد الآلف.
وأقام الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد في نيقل أياما؛ ثم أن عمير بن حمير وهب البلاد لأهلها يأكلونها هنيئا مريئا ورجع إلى مقنيات , ثم أرسل إلى أهل البلد فسالهم عما كان يأخذ عليهم نبهان , فقيل إنه كان يأخذ نصف غلة النخل وربع الزرع , فاكتفى الأمير عمير منهم بعشر الزرع , وأمل أموال السلطان فهي لمن أقام بالحصن؛ وجعل في الحصن عمر بن ابي سعيد , ورجع الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد إلى بهلى , ثم أن نبهان بن فلاح أخذ جودا من أخواله آل اليس؛ ووصل بهم الظاهرة ودخل فدى وأقام فيها مدة أيام , ثم جاء أحد ممن كان له صاحبا من أهل ينقل؛ فقال له نحن ندخلك البلد ونثبت قدمك ونشد عضدك وننصرك على القوم , ونستفتح لك الحصن؛ فسار بقومه ودخل نيقل ليلة النصف من ربيع الآخر سنة ست وعشرين بعد الآلف؛ وحكم مقابض البلاد من أولها إلى أخرها إلا الحصن , وكان فيه قبيلة من بني علي , فتحصنوا , وأحدق بهم نبهان واستقام بينهم القتال , فخرج رجل من أهل الحصن ومضى إلى آل قطن بن قطن , وكان الأمير يومئذ ناصر بن ناصر , فركب معه محمد بن محمد ابن محمد بن جفير وعلي بن قطن بن قطن بن قطن بن علي بن هلال وناصر بن ناصر ابن ناصر بن قطن بما عندهم من القوم , وكان مسكنهم ببادية الشمال , فساروا حتى دخلوا نيقل , فاستقام بينهم وبين نبهان بن فلاح القتال.
واشتد الطعن والنزال وارتفع العجاج وارتجت الفجاج , فانكسر عسكر السلطان نبهان بن فلاح؛ فمنهم من قتل منهم من طلب التسيار فسير , ومنهم من مضى على وجهه؛ وبلغ الخبر إلى سيف بن محمد الهنائي أن نبهان بن فلاح دخل نيقل , فخرج بعسكره ليقاتل نبهان , فلما كان ببعض (1/348)
صفحة 349
الطريق بلغه ما وقع على السلطان نبهان بن فلاح من الأمر الكائن والقدرة الغالبة؛ فرجع بعسكره إلى بهلى. وأما الأمير عمير بن حمير فإنه كان يومئذ يجمع الجموع لينصر بهم السلطان مالك بن أبي العرب اليعربي على بني لمك فأمده بعساكر جمة؛ فكانت الدائرة على بني لمك , ولبث سيف بن محمد الهنائي في بهلى وآل عمير في سمائل؛ ومالك بن أبي العرب اليعربي في الرستاق , والجبور في الظاهرة , والنصارى في مسكد وصحار وجلفار وصور وقريات , وخربت عمان بعد العدل والأمان , وعاثت فيها الجبابرة , وقل فيها العلم والخير؛ وانضمت العلماء في بيوتها ولازمت سربها؛ حتى قيل أن أمير وبل من الرستاق؛ وهو من اليعاربة احتاج إلى قاض فلم يجد قاضيا من أهل الوفاق؛ فاتخذ قاضيا من أهل الخلاف؛ فهم أن يضل الناس ويذلهم عن بصيرتهم , فسمع به أهل عمان , فأرسلوا على ذلك الملك فعزله؛ وأرسلوا له قاضيا من أهل الدعوة؛ فأخذ منه ناس من أهل الرستاق العلم وكان سببا لحياتهم.
ويوجد أنهم استطولوا ليلة من الليالي؛ فظنوا ذلك بدء الساعة كلما قاموا وصلوا ما شاء الله؛ ورقدوا ما شاء الله؛ وقاموا وصلوا ما شاء الله وجدوا الليل على حالة؛ فقال لهم الشيخ صالح بن سعيد الزاملي أنظروا إلى البهائم إن كانت تجتر فليست هذه ليلة الساعة؛ وإن كانت لا تجتر فإنها ليلة الساعة.
وبقيت عمان كذلك حتى أظهر الله الإمام الأرشد والهمام الأمجد إمام المسلمين ناصر بن مرشد رحمه الله؛ فاستفتح جميع عمان ودانت له جميع البلدان؛ وطهرها من البغي والعدوان والكفر والطغيان؛ وأظهر فيها العدل والأمان؛ وسار في أهلها بالحق والإحسان إلى أن توفاه الله إلى دار الرضوان؛ ومنّ عليه وعلينا بالمغفرة والرضوان إنه كريم منان؛ وشرح (1/349)
صفحة 350
ظهوره في الباب الآتي والله والمستعان (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا؛ يعبدونني لا يشركون بي شيئا).
هذا آخر الجزء الأول من تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان؛ ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله (إمامة ناصر بن مرشد). والحمد لله المتفرد بالبقاء والدوام الذي لا انقطاع لملكه ولا انصرام. والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وتابعيهم وتابعي تابعيهم المرضيين إلى يوم الفصل والقيام.
وكان تمام طبعه في سنة خمسين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف. صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
_____________
نحمدك يا من جعل التاريخ عبرة .... [تعليق للشيخ أبي إسحاق لم يرقن]
_____________
وجد في الطبعة الأولى: وكان تمام نسخه في آخر اليوم السادس والعشرين من شهر الله محرم الحرام سنة 1331هـ. كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه عبده: سعود بن حميد بيده. عرض على أصله حسب الطاقة والإمكان بحضرة مؤلفه. (1/350)
صفحة 351
[فهرس لم يرقن] (1/351)
صفحة 352
[فهرس لم يرقن] (1/352)
صفحة 353
جدول الخطأ والصواب
[صفحة لم ترقن] (1/353)
صفحة 354
تنبيه
سقط من صحيفة 208 السطر 9 هو عنوان نصه:
ذكرى واقعة إزكي (1/354)
صفحة 355
داعي العمل ليوم الأمل
لشيخنا قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف اطفيش رحمه الله ورضي عنه
هذا تفسير لثمن القرآن الكريم من سورة الرحمن إلى الخاتمة في أربعة أجزاء، وهو جدير بالاعتناء والاعتبار، ومن أجل التفاسير وأغزرها لما فيه من حقائق التفسير ودقائق التنزيل .... [الخ التقريظ والتنويه بالكتاب وأهميته ... وهو كلام مهم للشيخ أبي إسحاق لم يرقن]. (1/355)
صفحة 356
تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان
للإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الثاني
قام بطبعه وتصحيحه
أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري الميزابي
القاهرة
1347
المطبعة السلفية - بمصر (2/1)
صفحة 357
بسم الله الرحمن الرحيم
باب إمامة الإمام
المؤيد ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب، من ولد نصر بن زهران، وهو أول إمام في اليعاربة وأول من قامت به دولتهم وكانوا قبل ذلك كغيرهم من العرب رؤساء في الرستاق وما يليها بعدما تقسمت الممالك على أيدي الرؤساء على حسب ما قدمنا ذكره في الباب السابق. وسبب اجتماع المسلمين بعد فرقتهم ما وقع عليهم من أمراء الظلم وملوك الغشم من تراكم الفتن وشدة المحن، واختلفت آراء أهل الرستاق ووقعت بينهم المحنة والشقاق وسلطانهم يومئذ مالك ابن أبي العرب المقدم ذكره في الباب الأول وهو جد الإمام ناصر بن مرشد.
ثم مات مالك وبقيت الرستاق في يد بني بنيه وهم أولاد عم الإمام فتراسل المسلمون وتشاوروا أن ينصبوا لهم إماما يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؛ وقدوة العلماء يومئذ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي صاحب " منهج الطالبين " قيل وفيهم مسعود بن رمضان النبهاني السمدى النزوى وصالح بن سعيد الزاملي العقرى النزوى، بل قيل أن عدة العلماء يومئذ كانوا أربعين عالما أو يزيدون ولعلهم لم يحضروا البيعة كلهم بل حضر بعضهم ورضى الباقون، (2/2)
صفحة 358
وكانت بينهم المراسلات والتشاور فوقعت خيرتهم على ناصر بن مرشد، وكان فيما قيل ربيباً للقاضي خميس بن سعيد وكان قد عرفه قبل ذلك فدلهم عليه فرضى به الجميع فعقدوا عليه الإمامة بالرستاق في عام أربع وعشرين بعد الألف.
وكان الإمام يسكن قصرى من بلد الرستاق، وكانت الممالك في يد الرؤساء فعضده رجال اليحمد بأنفسهم وأمدوه بأموالهم وذخائرهم، وأجمع رأيهم أن يهجموا على القلعة ليلا، وكان فيها بنوا عمه بعد موت جده مالك فاستفتحها الإمام ثم توجه إلى قرية نخل وكان فيها عمه سلطان ابن أبي العرب فحاصره أياماً ثم افتتحها، وكانت فرقة من أهلها غير تابعة للإمام فظاهرت عليه الأعداء فحصروه في الحصن ثم أتاه رجال اليحمد فنصروه، وبدد الله شمل أعدائه، وقيل أنه في هذه الغزوة أظهر الله له كرامة فأشبع جراب تمر أربعمائة رجل، كذلك مورة أرز وهي في التقدير عن نصف جونية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأقام بنخل واليا ثم رجع إلى الرستاق ثم قدمت إليه رسل من نزوى يدعونه إلى ملكها فأجابهم إلى ذلك، وسار في قومه من رجال اليحمد وأناخوا بشرجة صفد من سمد نزوى، وأقام بها ليلة فلم يصدقوه فيما وعدوه فرجع إلى الرستاق وأقام بها مدة. ثم جاءه أحمد بن سليمان الرواحي ورجال من بني رواحة وقوم من عصبة مانع بن سنان العميري ملك سمائل يومئذ، فأقاموا معه يدعونه إلى ملك سمائل ووادي بني رواحة فأجابهم وسار في رجال اليحمد حتى جاوز حدش ونزل وادي بني رواحة، وترك بعض قومه عند الأمير مانع بن سنان بعد أن دخل في طاعة الإمام، واتفق رأي الإمام والأمير مانع أن يتوجها بالجيش إلى نزوى وسار معهم القاضي خميس بن سعيد، وناصرت الإمام عصبة من أهل (2/3)
صفحة 359
أزكي بالمال والرجال فملك أزكي وقصد نزوى، فتلقاه أهلها بالكرامة ودخلها على حال السلامة ونزل منها بالعقد، وأقام فيها العدل والإنصاف، وكانت فرقة من أهل العقر يقال لهم بنو أمبو سعيد، وهم رؤساء أهل العقر.
وقيل أن أصلهم من بني نافع وهم رهط الشيخ بشير بن المنذر تسفهت أحلامهم وشايعهم قوم من أهل سوق نزوى واجتمعوا أن يدخلوا على الإمام بجيشهم يوم الجمعة عند السعي إلى الصلاة فأخبر الإمام بذلك وتحقق أمرهم عنده فأمر بإخراجهم من مكانهم ونهى عن قتلهم، بل أمر أن ينفوا من أماكن الإمام فخرجوا صاغرين والتجأ جمهورهم إلى مانع بن سنان في بلد سمائل، وكان مانع قد أعطى الإمام العهود والمواثيق على الطاعة فخان ونكث والتجأت فرقة منهم إلى سيف بن محمد الهنائي ببهلى ووازرته على حرب الإمام فاستقام الحرب بين الإمام والهنائي فأمر الإمام ببناء حصن في عقد نزوى؛ وكان قديما قد بناه الصلت ابن مالك فأتم الإمام بنيانه.
وجاء إليه أهل منح يدعونه إلى إقامة العدل فيهم، فتوجه إلى منح وافتتحها وأظهر العدل فيها؛ وظاهره أهلها بأموالهم وأنفسهم، ثم رجع إلى نزوى، ثم أتاه أهل سمد الشان، وكان المالك لها علي بن قطن الهلالي فوجه الأمام لها جيشا يقدمهم الشيخ الفقيه مسعود بن رمضان فافتتحها، ثم أتاه أهل إبرى، وكان المالك لها محمد بن جفير بن جبر، فجيش عليها الإمام وافتتحها ودانت له سائر الشرقية ما خلا صور وقريات فإنهما كانتا في يد النصارى، ثم إن الإمام جهز جيشاً وسار على الهنائي ببهلى، فوصل إلى قاع المرخ فخان بعض جيشه فرأى الرجوع أصلح فرجع إلى نزوى وجعل يجمع الجيوش (2/4)
صفحة 360
والعساكر فاجتمع له خلق كثير، فسار بهم إلى الظاهرة وافتتح وادي فدى وأمر ببناء حصنها، ونصره أهل العلاية من ضنك، وكان مقدمهم الشيخ العالم خميس بن رويشد ورجال الغياليين، واستقام أمره بها على رغم القالين.
ثم خرج الإمام يطوف بممالكه حتى وصل سمد الشان ومعه بنو ريام ورجع إلى الرستاق، ثم خرج على الإمام محمد بن جفير فدخل قرية نخل واحتوى عليها ما خلا الحصن فنهض إليهم الإمام بجيش عرمرم ونصره رجال المعاول، فما لبث القوم فيها غير ليلة أو ليلتين حتى ولوا الأدبار، ثم رجع الإمام إلى الرستاق، ثم تحركت الظاهرة فأقبل الشيخ خميس بن رويشد يستنصر الإمام عليها فجهز الإمام جيشا وسار مع الجيش بنفسه حتى نزل بالصخبرى ونصره أهل السر ورجال الضحاحكة بالمال والرجال، ومضى قاصدا حصن الغيّ وفيه جمهور آل هلال ومعهم البدو والحضر فاستقام بينهم الحرب، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها أخو الإمام جاعد بن مرشد، ثم توجه الإمام إلى عبري فافتتحها وأقام بها ليلتين ورجع إلى الصخبرى، وحصر حضن الغيّ حتى فتحه الله له، فولى فيه خميس بن رويشد، وجعل بقرية بات واليا من أهل الرستاق، وجعل معه محمد بن سيف الحوقاني وأمرهما بفتح ما بقى من قرى الظاهرة.
ورجع الإمام إلى نزوى ثم خرج عليه آل هلال، وكانوا بناحية ظنك في موضع يقال له الإفلاج، فغزوا الظاهرة فالتقاهم ولاة الإمام بموضع يقال له الدير ففضوا جميعهم؛ وأخذوا إبل قطن بن قطن ليستعينوا بها عليهم، وحاصروا حصن قطن بن قطن.
وركب قطن إلى الإمام ففدى (2/5)
صفحة 361
إبله بتسليم حصنه، فأنعم له الإمام برد الإبل وسلم قطن الحصن، فأقام به الإمام واليا، ثم توجه الولاة إلى حصن مقنيات، فحاصروه وكان به وزير من قبل الجبور؛ فجيش الجبور بني هلال من بدو وحضر وأولاد الريس، ونهضوا إلى مقنيات، فظنوا أن لا طاقة لهم بها، فقصدوا إلى بات، فخاف الولاة عليه لقلة الماء به ولأنه عليه المعتمد، فسار المسلمون من مقنيات إلى بات؛ ولم يشعر بهم الجبور؛ فوقع بينهم القتال من صلاة الفجر إلى نصف النهار، فشق ذلك على المسلمين، وكثر القتل في البغاة؛ حتى قيل أنهم عجزوا عن دفنهم، فكانوا يحملون السبعة والثمانية في خشبة، وثبت الله المسلمين، فلما بلغ الخبر إلى الإمام جيش جيشا وأم به الهنائي ببهلى.
وكان دخوله ببهلى ليلة عيد الحج فحاصرها شهرين إلا ثلاثة أيام، ثم أقبلت الجبور لنصرة الهنائي فالتقتهم جحافل الإمام فاقتتلوا قتالا شديداً؛ وقتل من جيش الجبور قاسم بن مذكور الدهمشي وناس كثير، فرجعت الجبور وبقى الهنائي ومن معه محصورين حتى سلم الحصن؛ وخرج منه بجميع رجاله وآلة حربه وماله وبقى الحصن خالياً، فأقام الإمام فيه واليه ورجع إلى نزوى.
ثم توجه الإمام إلى سمائل لمحاربة مانع بن سنان العميري لنكثه العهد ونقضه الميثاق، فلم يمتنع مانع من الإمام وصالحه على أن لا يخرجه من حصنه؛ بل يكون تابعا للحق فتركه الإمام ثم عزم الإمام على بناء حصن سمائل القديم، فبناه وشيد أركانه وجعل فيه واليا ورجع إلى نزوى، ثم جهز جيشا إلى مقنيات وسار إليها فلما وصلها وقعت بينهم الحرب فنصره الله عليهم، فما لبثوا في حصنهم إلا ثلاثة أشهر؛ وافتتح الإمام (2/6)
صفحة 362
الحصن وجعل فيه محمد بن علي بن محمد والياً، ثم إن سعيد الخيالي ومن معه أسروا العداوة للإمام وكاتبوا عليه الجبور وأدخلوهم قرية الصخبرى، وقتلوا رجلا من الضحاحكة وناسا من شراة الإمام، فدافعهم من حضر؛ ووقعت بينهم وقائع في مواضع، منها وقعة بالعجيفة وهي وقعة شديدة، ومنها وقعة بالغابة ومنها وقعة بالمطهرة، ومنها وقعة بالزيادة، وهي وقائع شديدة كاد أن يتزعزع منها ركن الإسلام، وقد أدبر عن الوالي كثير من قومه؛ وما بقى عنده إلا القليل، فبقى محصورا في حصن الغي، فجيش والي مقنيات؛ وهو محمد ابن علي، وجاء ناصراً للوالي محمد بن سيف المحصور في حصن الغي؛ فدخل البلد من غير علم من العدو، ففرق شملهم في سائر البلاد؛ فمنهم من دخل الصخبرى، ومنهم من قصد ينقل، ومنهم من هرب في الفيافى، وكانت ينقل في ملك ناصر ابن قطن بن جبر ونصر الله المسلمين.
ثم إن مانع بن سنان صاحب سمائل كاتب سيف بن محمد الهنائي الذي كان ببهلى كاتبه سراً وجمعا الجموع ودخلا نزوى ولم يخل أهلها من خديعة وعصيان، وظاهرهم بعض القبائل، فدخلوا نزوى واحتووا على العقر، وما بقى للإمام سوى الحصن وداروا به أشد ما يكون، وكانوا لكثرتهم أن يهدموا عليه السور حتى جاءته النصرة من إزكي وبهلا ومعهم بنو ريام؛ فدخلوا على الإمام فسر بقدومهم فتفرقت عنه جيوش أعدائه بعد أن قتل من قتل منهم؛ فأشار من أشار إلى الإمام بهدم حصن مانع بن سنان الكائن بسمائل؛ فجهز له جيشا وعلم به مانع، فخرج من حصنه إلى فنجا إلى مسكد؛ ثم خرج منها إلى لؤى عند محمد بن جفير. (2/7)
صفحة 363
ثم وجه الإمام الجيش إلى دار سيت، لأن سيف بن محمد بعد خروجه من بهلى بنى بدار سيت حصنا جعله للبغي مأوى؛ فجهز الإمام الجيش لهدمه، وأمر عليهم الشيخ عبدالله بن محمد بن غسان مؤلف " خزانة الأخيار في بيع الخيار " فلما نزل الجيش بدار سيت خاف الهنائي على نفسه؛ فخرج من حصنه هاربا؛ فأمر القائد بعدم الحصن فهدم. ثم أتى الهنائي إلى الإمام يطلب منه العفو والصفح فعفا عنه، ثم جهز الإمام جيشا عظيما سار فيه بنفسه وقاضيه خميس وقصد به ينقل؛ وفيها يومئذ ناصر بن قطن؛ فحاصرها أياما وافتتحها وجعل فيها واليا ورجع إلى الرستاق ثم جهز جيشا آخر أمر عليه عبدالله بن محمد بن غسان النزوى؛ وأمره أن يقصد الجو؛ فسار إليها وصحبه من الأعيان خميس بن رويشد الضنكي وحافظ بن جمعه الهنوى ومحمد بن علي الرستاقي ومحمد بن سيف الحوقاني؛ فأتى الجو واستفتحها وولى عليها محمد بن سيف؛ ثم قصد القائد بالجيش إلى لوى؛ وكانت فيها الجبور فاختلفوا فيما بينهم وقتل محمد بن جفير ووقعت بينهما العداوة؛ فنزل عبدالله منها بالجامع؛ ودارت عساكره بالحصن؛ وكان مالكه سيف بن محمد بن جفير وعنده مانع بن سنان العميري.
وأما إخوة سيف وأعيان قومه فإنهم التجأوا إلى النصارى بصحار وصاروا يمدون إخوانهم المحصورين بالطعام وآلة الحرب؛ ويغزون جيش الإمام ليلا؛ ثم جهز القائد سرية ولى عليها محمد بن علي وأمرهم أن يهجموا بالليل على من بصحار منهم؛ فكبسوهم قبل الصباح في الموضع المسمى منفل مقرن؛ وهو مما يلي الجنوب من الحصن على ساحل البحر؛ فدارت بينهم رحى الحرب واشتد الطعن والضرب؛ ثم رجع منصوراً؛ ولم يزالوا محاصرين لحصن لوى حتى (2/8)
صفحة 364
أرسل إليهم سيف بن محمد بن جفير يريد الأمام فخرج خفية؛ ثم خرج من معه ودخل القائد الحصن؛ وكان الحصار في ستة أشهر.
وكان ناصر بن ناصر بن قطن ورجال العمور قد ظاهروا القائد على حصار الحصن لما تقدم من الخلاف بين الجبور، فجعل القائد واليا في الحصن من جناب ناصر ابن ناصر؛ وجعل معه بعض الرجال الموفين الموثوق بهم في الأمانة والعلم ثم رجع القائد إلى الإمام منصورا.
ثم جهز الإمام جيشا أمر عليه مسعود بن رمضان، وأمره أن يسير إلى مسكد، وكان فيها يومئذ النصارى، فسار مسعود بمن معه حتى نزل طوى الرولة في مطرح فخرج إليهم النصارى فتعاطوا كؤوس الحمام وعظم بينهم الالتحام، فنصر الله المسلمين وهزم المشركين وقتل منهم خلق كثير لا يحصون عددا فتمنعوا بالكيتان وبعالي البنيان، وهدم المسلمون من مسكد بروجا شامخة وأبنية منيعة، ثم أن النصارى طلبوا الصلح فصالحهم القائد على فك ما في أيديهم من أموال العمور وأموال الشيعة من صحار، فأذعنوا لذلك وأخذ منهم العهود وأعطاهم الأمان ورجع إلى الإمام منصورا.
ذكر قتال مانع بن سنان العميري
وذلك أن مانعا لم يزل مضمرا للعداوة قادحا في الدولة، يعطي العهد وينقضه ويذعن للطاعة وينكث، ويطلب للإمام الغوائل، ويلتمس للدولة الخلل، فاستأذن مداد بن هلوان الإمام في قتل مانع بالاحتيال، فأذن له، فكاتبه مداد ليدخله حصن لوى؛ وأطمعه فيه بلطف.
وكان الوالي فيها يومئذ حافظ بن سيف فلم يزل مداد يكاتب مانعا ويتلطف، وكان مانع (2/9)
صفحة 365
في دبا؛ فركن إلى قول مداد وفرح به وطمع في الحصن، فركب من دبا إلى صحار، فأقام بها أياما ينتظر أمر مداد؛ فجدد له مداد الوعد، وضمن له بدخوله الحصن، وواعده على ليلة معلومة، فلما كانت تلك الليلة فرّق الوالي العسكر يدورون في البلاد كأنهم يسيرون، وتعاهدوا أن يلتقوا على مانع من اليمين والشمال، فلم يدر مانع إلا وقد أحاطت به الرجال، فأخذ قهرا وقتل صبرا وتفرقت جنوده؛ وقتل من بقى معه.
ذكر فتح الصير
وهي جلفار، وكان فيها العجم وبعض النصارى؛ فجهز إليهم الإمام جيشا وأمر عليه علي بن أحمد وعضده ببني عمه من آل يعرب، فسار بالجيش إلى جلفار ومالكها يومئذ ناصر الدين العجمي، فأحاط بهم جيش الإمام.
وكان بحصن الصير برج معتزل له جدار متصل بالحصن، وفيه قوم تقاتل بالليل والنهار، وكانت النصارى في البحر تدفع بمدافعها المسلمين عن الحصن، فعزم المسلمون على الهجوم على البرج؛ فهجموا عليه ليلا وأخذوه قهرا، ومالوا على الحصن فافتتحوه؛ وجعل فيه قائد الجيش واليا. وكان فيها حصن على الساحل للإفرنج، فسار إليه بعض الجيش، وفيهم رجال الدهامش، وخميس بن محزم، فدخلوا الموضع نهارا واحتووا على ما فيه؛ فامتنع النصارى بالحصن، فحاصرهم المسلمون وبنوا حولهم حصنا، فذل المشركون وطلبوا الصلح، على أن يهبطوا من الحصن، فصالحهم القائد، فهبطوا، وجعل القائد فيه واليا، ورجع علي بن أحمد بمن معه إلى نزوى، فاستبشر الإمام بالفتح، واستبشر المسلمون بقدومه وبفتح الصير. (2/10)
صفحة 366
ثم إن الإمام أمر حافظ بن سيف واليه على لوى وكان معه رجال العمور شراة أن يسير إلى صحار ويبني بها حصنا، وكان بها يومئذ النصارى، فأرسل الوالي إلى من بقربه من القرى من بني خالد وبني لام والعمور؛ واجتمع معه عسكر كثير، وكان رجال من صحار يدعونه إلى ملكها فمضى إليها بجيشه وبات بقرية عمق وعميت الأخبار على أهل صحار، حتى صبحها ضحوة النهار في آخر يوم من محرم الحرام في سنة ثلاث وأربعين بعد الألف فنزل بموضع يقال له البدعة، فزحف المسلمون على المشركين حتى وصلوا إلى حصن ابن الأحمر، واشتد بينهم الطعن والضرب، وكانت النصارى تدفع بمدافعها من الحصن، وكان الظفر فيها للمسلمين. ثم انتقل الوالي من البدعة إلى مكان هو أقرب إلى العدو، فجاءت ضربة مدفع فاخترقت القوم حتى وصلت مجلس الوالي، فأصابت راشد بن عباد فمات شهيدا رحمه الله.
ثم أخذ الوالي في بناء حصن فأسس في الحال وتم بنيانه ونزل به الوالي، ولم تزل الحرب قائمة بالليل والنهار.
ثم إن القاضي خميس بن سعيد سار بمن معه من رجال اليحمد وغيرهم حتى نزلوا قرية بوشر.
فأرسلت النصارى إليه تطلب الصلح فأجابهم إلى ذلك وأرسل عيونه إلى مسكد؛ ثم ركب بمن معه حتى نزل مطرح، فواجهته وجوه النصارى وصالحته، ورفع عنهم الحصار، وفك عنهم المقابض، ورخص للناس في السفر إليهم، وكفت الأيدي عن القتال.
ثم إن الإمام جهز جيشا إلى صور فحاصرها الجيش حتى فتحوها، وسار بعض الجيش إلى قريات، وكان بها حصن للنصارى؛ فبنى فيها المسلمون حصنا وفتحوا حصن النصارى، واحتوى الإمام على جميع عمان إلا صحار ومسكد ففيهما النصارى على الصلح (2/11)
صفحة 367
السابق تحت الطاعة.
ثم إن ناصر بن قطن بعد خروجه من ينقل هرب إلى الإحساء وبقي بمن معه يغزو بادية عمان ويأخذ المواشي وينهب من لقى، ويفعل ذلك كل سنة ويرجع إلى الإحساء؛ فكتب الإمام إلى الوالي محمد بن سيف أن يتجسس عن قدوم ناصر؛ فإذا علم به التقاه بالجيش دون عمان.
فجمع الوالي العسكر من البدو والحضر، فلما علم بقدوم ناصر تلقاه؛ فلما علم ناصر بجيش الإمام قصد الظفرة ودخل حصنها، وتعصب له بنو إياس؛ ووجه ناصر رسله إلى الوالي يطلب الصلح، وكان قد قل على الوالي الزاد وبعدت عليهم الدار فصالحه على رد ما نهبوا وغرم ما أتلفوه مما اكتسبوه، ورجع الوالي بمن معه.
وأما ناصر فإنه جمع البدو من الظفرة، فعزم على الهجوم على حصن الجو؛ وكان فيه أحمد بن خلف واليا، وتابع ناصرا كافة أهل الجو وأعانوه على الوالي، وداروا بالحصن، فعلم به الولاة من الباطنة والظاهرة، فأتوه ناصرين، فخرجت جيوش الأعداء منهزمين.
ثم أتى القائد الأكبر عبدالله بن محمد من نزوى بجيشه، فأمر بهدم حصون الجو كافة ما خلا حصن الإمام؛ وتفرقت الأعداء، وقصد عمير بن محمد صحار مع النصارى، وقصد الباقون العقبة من جلفار؛ فكانوا يقطعون الطرق ويغزون البلدان؛ فسارت عليهم الولاة، فقتل من قتل، وانهزمت الأعداء، وأخذ الوالي إبلهم ورجع إلى عمان؛ ولعل أخذ الإبل كان للاستعانة عليهم ما دامت الحرب قائمة. ومضى ناصر بن قطن ومن معه إلى الباطنة فهجم بمن معه على إبل بني خالد وبني لآم فأخذوها وسلبوا ما على النساء من الحلي والكسوة؛ ورجعوا بذلك إلى الإحساء.
ثم إن ناصر بن قطن أتى إلى عمان مرة أخرى، وقصد الباطنة للنهب (2/12)
صفحة 368
والسلب فجهز له الإمام جيشا، وأمر عليه علي بن أحمد؛ وعضده بمحمد بن صلت الريامي وعلي بن محمد العبري، وأحمد بن بلحسن البوشري. فمضوا إلى لوى، فأقبل ناصر ابن قطن بقومه فوقع بينهم الحرب.
ثم ركب ناصر بمن معه إلى قرية مجيس فاتبعه الوالي بمن معه، ثم ركب ناصر قاصدا أرض الشمال فركب الوالي في طلبه؛ وكان أول من لحقه أحمد بن بلحسن البوشري ومراد وراشد بن حسام وبعض الشراة بموضع يقال له الخروس فوقع القتل في المسلمين قبل أن يتكامل جيشهم، قتل المتقدمون أجمع ولله الدوام. فلما وصل الجيش رأوا أصحابهم صرعى؛ ولم يروا أحدا من قوم ناصر ثم إن ابن حميد محمد بن عثمان الخالدي، وكان من أصحاب ناصر بن قطن، غزا بلاد السر، وكان فيها محمد بن سيف الحوقاني واليا؛ وفيها أيضا سعيد بن خلفان أحد أنصار الإمام، فأناخ ابن حميد بقرب الغبى من الظاهرة، فطلب سعيد بن خلفان من ابن حميد المواجهة للمشافهة؛ فأجابه في ذلك من غير أن يأخذ لنفسه أمانا؛ فتواجهوا في مسجد الشريعة من الغبى، فجرى بينهما الكلام في التجرى على أموال الناس وقتلهم ونهب أنعامهم، فقال سعيد بن خلفان لابن حميد: أما ترد ما أخذت ونهبت من أموال العباد؟ فأعرض عنه بوجهه وتولى وقال: حاش وكلا وأظهر عتوا وعنادا، فأمر سعيد بأسره فأسر وأمر به فأدخل الحصن، ثم أمر به فقيد، ثم ركبوا به إلى الرستاق؛ فأرسل سعيد إلى الإمام بخبره؛ فأجابه بأن يحمله في قلعة الرستاق فحبس بها خمسة أشهر. وفي بعض النسخ سبعة أشهر ثم مات في حبسه ليلة السابع من الشهر.
ثم إن الإمام جهز جيشا من الباطنة وعمان، وأمر عليهم سعيد بن خلفان (2/13)
صفحة 369
وعضده بجفير بن محمد بن جفير وأمره أن يسير إلى الشمال فيأخذ إبل ناصر بن قطن، وهي قوته التي يستعين بها على بغيه، فسار القائد بمن معه فالتقاه بنو إياس دون الإبل في موضع يقال له الشعيبة، وهو قرب الظفرة، فاقتتلوا واشتد بينهم الضرب والطعن، وقتل أمير بني إياس صقر بن عيسى وجماعة من رجاله، ثم غضب محمد بن عيسى لقتل أخيه، ورأى الموت خيرا له من الحياة بعده، فحمل على جيش المسلمين؛ فالتقوه فقتلوه، فطلب بنو إياس العفو فعفا عنهم ورجع.
ثم جهز الإمام جيشا آخر من الباطنة وغيرها، وأمر عليهم أيضا سعيد بن خلفان وعضده بعمير بن محمد بن جفير الجبرى، وأمرهم أن يسيروا إلى ماء يقال له دعفس، عليه إبل ناصر بن قطن، وهو في ناحية الشمال، فوجدوا الإبل هنالك وأخذوها ورجعوا منتصرين آمنين، فجعلوا الإبل أمانة عند عمير بن محمد بن جفير، وكان لعمير راع يقال له علي؛ فأشار إليه بعض الخدم بأخذ الإبل والتقرب بها إلى ناصر بن قطن، فسار بها إليه، ثم إن ناصر بن قطن وعلي بن محمد ما زالا يغزوان بمن معهم أطراف عمان، ويقطعون الطرق، حتى خافت منهم البادية والتجأوا إلى البلدان؛ فجهز الإمام جيشا أخرج فيه بني عمه سيف بن مالك وسيف بن أبي العرب وحزاما، وأخرج معهم رءوس القبائل، فساروا قاصدين ناصر بن قطن ومن معه، فنزلت أول زمرة من جيش الإمام وفيها شرارة الجيش فبادرهم العدو قبل أن يتكاملوا، فقتلوا عن آخرهم؛ وخرج ناصر بن قطن إلى الإحساء، ورجع الجيش وقد أصيبوا بإخوانهم، ثم إنه لم يكن لناصر بن قطن بعد هذا ذكر؛ فلعله مات أو ضعفت قوته؛ وظهر أمر الإمام وانتشر عدله في الخاص والعام واستولى على جميع عمان (2/14)
صفحة 370
إلا مسكدا، فقد كان فيها النصارى، وقد تقدم أنهم صالحوا مرتين ونكثوا، وما زالوا ينكثون؛ ثم نصب لهم الإمام الحرب حتى وهنوا وضعفوا ووهي سلطانهم وتفرق أعوانهم؛ وكاد الموت والقتل يأتي على أكثرهم.
ثم توفي رضي الله عنه والمسلمون عنه راضون وله مؤازرون ومناصرون: وكانت وفاته يوم الجمعة لعشر ليال خلون من ربيع الآخر سنة خمسين وألف؛ وكانت إمامته ستا وعشرين سنة؛ ودفن بنزوى مع مساجد العباد، وكان عمره يومئذ ستا وأربعين سنة إن صح ما قيل إنه نصب وهو ابن عشرين سنة؛ ومات ولم يعقب إلا ابنة واحدة؛ فعدوا ذلك من كراماته؛ إذ اتفق له في هذا الحال ما اتفق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مات ولم يعقب إلا ابنة واحدة، هي فاطمة الزهراء؛ وماتت بعده بستة أشهر والله أعلم.
ذكر كراماته رضي الله عنه
فمن ذلك ما قيل أن ليلة مولده رؤيت النجوم كأنها تتهاوى بعضها على بعض فارتاع الناس لذلك وقيل إن الإمام كان ذات ليلة راقدا على سطح بيته فرأت أمه كأن ناسا عليهم لباس فاخر يصلون عليه فارتاعت لذلك، وقيل أن رجلا كان نائما في مسجد قصرى من الرستاق فرأى كأن في إحدى زوايا المسجد سراجا مضيئا فلما انتبه رأى في تلك الزاوية الإمام مضطجعا وذلك قبل أن يعقد له، وقيل إن أمه كان لها زوج بعد أبيه، وكان الإمام رحمه الله يأمرها أن تصنع له طعاما قبل طعامهم لئلا تبقى من بقية من طعام زوجها فتدخل في طعامه فخالفت أمره يوما فعجنت (2/15)
صفحة 371
طحين زوجها ثم خبزته ولم تغسل الوعاء فصبت طحين الإمام في ذلك الوعاء فقيل أن يدها لصقت بالطوبج ولم تقدر على نزعها حتى رضي عنها الإمام، وقيل أن أناسا من السفهاء اجتمعوا في بيت رجل منهم يسبون الإمام بعد بيعته فنهتهم زوجة صاحب البيت فلم ينتهوا فخرجت عنهم فخرّ عليهم سقف البيت فماتوا جميعا.
وقيل إن امرأ شتم الإمام فورمت رجلاه بالحال فمات. واستهزأ مملوك بثياب الإمام بعد موته فمسها بظهره فمات من يبس ظهره. وقيل أن مطية أطلت من طعام بيت المال فتحرشت ولم تزل كذلك حتى رأت الإمام فأتت إليه فوضعت رأسها على عاتقه، فلم تزل كذلك حتى جاء ربها فسأله الإمام عن حالها فأخبره أنها أكلت من طعام بيت المال فتحرشت فرضى له الإمام وأحله ومسح بيده الكريمة على رأسها فبرئت مما بها وزاد في بعض الكتب فقال: وكثير من الدواب إذا أكلت من مال المسلمين دون رأيه تألمت بالفور والله أعلم.
وقيل إن جراب تمر أشبع أربعمائة من قومه، وكذلك مورة أرز أشبعت أربعمائة من قومه وذلك في غزوة نخل. وقيل في ليلة من الليالي التي قامت فيها البغاة على الإمام بعقر نزوى سمع ناس صلصلة وقعقعة فرأى رجل في المنام كأنه يسأل عن ذلك فقيل له إن بعض الجن أعان الإمام على أعدائه، وكذلك قيل أن أعداءه سمعوا تلك الليلة زلزال ورجفة وكأنهم يخطفون من على السيران حتى انهزموا، وقيل أنه كان الإمام ذات ليلة نائما فوق سطح في أيام الحر إذ أتى إليه رجل يريد قتله فوقف على رأس الإمام وفي يده خنجر مشحوذة والإمام نائم فلم يقدر أن ضرب الإمام وأمسك الله على يده حتى انتبه الإمام فرآه واقفا على رأسه وبيده خنجر مشحوذة فسأله ما تريد؟ فقال: (2/16)
صفحة 372
ما يسعني غير عفوك فعفا عنه ولم يعاقبه.
وقيل أن بدويا ضلت له ناقة فمضى في طلبها فبينما هو يمشي إذ رأى أثر قدم إنسان فاستعظمها فجعل يقصها حتى انتهت به إلى غابات شجر فسمع صوتا من داخل الشجر أن مطيتك في مكان كذا من موضع كذا فامض إليها وقل للإمام ناصر يلزم هذه السيرة فإنها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. فمضى البدوي مرعوبا وقصد الموضع الذي وصف له فرأى مطيته في المكان الموصوف ثم مضى إلى الإمام، ورأى الإمام في نومه أن بدويا أتاه يبشره أنه على سيرة النبي صلى الله عليه وآله فلما وصل إليه البدوي رآه في يقظته كما رآه في نومه فحدثه بما جرى عليه وبما سمع فحمد الله الإمام على ذلك وأمر للبدوي بنصف جراب تمر ونصف جرى حب وثوب فمضى البدوي شاكرا ولفضل الإمام ذاكرا.
وفي بعض الكتب أن البدوي كان من بني قتب وأنه كان رجلا صالحا في دينه وإن أثر القدم التي رآها كان طولها ذراعا أو أكثر فسار في طلبه فوجد رجلا في ظل شجرة فكز جنبه منه لما رأى من عظم صورته وشعره والأنوار ساطعة لائحة في وجهه فقال له السلام عليك يا عبد الله فقال له: وعليك السلام يا عبد الله. فقال له: أنت من الجن أم من الإنس؟ فقال له: من الإنس. فقال له: من أين أقبلت؟ فقال: من البرية فقال له: من أنت؟ فقال له: أنا الخضر هل من حاجة؟ فقال له لا.
ثم قال له القتبى هل من حاجة لك؟ فقال له: نعم أقرئ مني السلام الإمام ناصر بن مرشد، ثم وقع بياض في الأصل وذكر في آخر كلامه أن الإمام جعل للبدوي فريضة له ولأولاده لأجل البشارة، وفي كتاب للقاضي ابن عبيدان ذكر فيه من حضره من علماء أصحابنا العمانيين قال: أخبرني محمد بن (2/17)
صفحة 373
طالوت عن نجدة النخلي أن الخضر عليه السلام كان من أهل السر في قرية عمان. ومن ورعه وتعففه رضي الله عنه كان يعطى نفقه له ولعياله من بيت المال، ولم تكن لهم قدر يطبخون فيها طعامهم فكانت زوجته تنقص من النفقة يسيرا يسيرا حتى باعته واشترت به صفرية، فلما رآها الإمام سألها من أين لك هذه الصفرية؟ فأخبرته بما صنعت. فقال لها: أتستعملينها وهي لبيت المال وأمر وكيل الغالة ينقص من نفقتهم قدر ما كانت هي تنقصه.
وقيل أن القاضي محمد بن عمر دخل يوما على الإمام فرآه متغير الوجه فسأله عن حاله فلم يخبره فألح عليه فأخبره أنه لم يكن له ما ينفقه على عياله لسنة العيد، فذكر الشيخ محمد للوالي أن يدفع للإمام شيئا من الدراهم من بيت المال، فقيل أنه دفع له عشر محمديات، وفي بعض الكتب أن الإمام كتب إلى القاضي محمد بن عمر بن مداد رحمه الله ليجتمع هو وإخوانه ليدفعوا له شيئا من بيت مال المسلمين من الأرز لبعض الأعياد مع عدمه من الدراهم فبكى الشيخ محمد بن عمر وقال اللهم إن هذا هو العدل.
وذكر ذو الغبرا خميس بن راشد العبري عن أبي نبهان، وكان ممن أخذ عنه أن الشيخ أحمد بن جمعة فرض له الإمام ناصر بن مرشد فريضة قليلة لإمارته على جمع زكاة إزكي وما حولها من القرى وطلب العلماء من الإمام زيادة فريضة للشيخ أحمد بن جمعة فأسعفهم الإمام، وقال لأحمد أريد أن أزيدك فريضة فوق الفريضة الأولى فقبض أحمد كم قميصه فانحدرت منه الحروف تترادف مثل الجبال، وقال الذي معه مثل هذا يحتاج إلى زيادة فريضة، قال وأنا أريد أن أعطيك هذه الأمانة فامتنع الإمام من قبولها هذا خوفا أن لا يحملها، قال ذو الغبرا قال أبو نبهان يروي عن الشيخ محمد بن راشد الريامي قال: نظرت (2/18)
صفحة 374
الشيخ أحمد بن جمعة يقتطف الدنانير بيده من الهواء ويعطيها الفقراء.
وذكر له بعض الثقاة من أهل العلم أن الإمام ذات سنة من السنين أمر أن يدفع إلى القاضي محمد بن عمر شيئا من تمر الزكاة فلما وصلت الحمير بالتمر إلى بيت القاضي، قال القاضي ردوها، فلما رجعوا بها إلى الإمام خاف الإمام أن يكون القاضي أنكر عليه شيئا في سيرته، فجاء إليه فسأله عن السبب فسكت عنه وأحضر طعاما؛ ثم أتوا بماء فغسلوا فيه أيديهم من أثر الطعام، ثم قال القاضي للإمام اشرب من هذا الماء، قال لا أقبله، قال القاضي فكيف تأمرني أن آكل أوساخ الناس وأنت لا تقبل أن تشرب من وسخ الطعام الذي أكلته.
ثم إن القاضي أراد أن يرى الإمام استغناءه بالحلال الطيب عن أوساخ الناس ليطيب عنه نفسا؛ فكتب اسما في قرطاسة صغيرة، فجاءت الدبيان تحمل الدنانير كل دبية تحمل دينارا فوضعته قدام القاضي حتى صارت كدسا كبيرا والإمام ينظر فقال القاضي للإمام خذ هذا، فقال لا أريده، فقال خذ لتقوية الدولة، فقال الدولة مستغنية عنه، فقال القاضي إنه حلال؛ إنه من كنز جاهلي بشيراز، فلم يقبله الإمام لنفسه ولا لدولته؛ وأمر القاضي الدبيان فحملته، وقال للإمام أعلمك هذا السر؟ فقال الإمام سأنظر؛ فخرج من عنده ولم يعاوده؛ فعاوده القاضي ليعلمه السر فأبى وقال: أنا اليوم قد ملكت نفسي؛ وأخشى إن عرفت ذلك أن تملكني نفسي؛ فهذا هو الورع لمن عقله؛ وهو الخوف لمن عرفه.
وقيل إن رجلا نام عند قبر الإمام سلطان بن سيف؛ ولعله وضع رأسه عند قبر الإمام سلطان بن سيف ورجليه عند قبر الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله ونام على هذه الصفة، فلما أخذه النوم حس كأن أحدا (2/19)
صفحة 375
أداره عن قبر الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله تعالى، فانتبه خائفا مرعوبا وقال في نفسه: لعل هذه أضغاث أحلام؛ وكاذب نفسه في ذلك: ثم نام ثانية ليستيقن ذلك لكي تزول الشبهة عن قلبه، فلما أخذه النوم حس ثانية كأن أحد أدار رجليه، وانتبه مرعوبا وفر من حينه خائفا. والله أعلم.
وإنما كتبنا من سيرة هذا الإمام ما لم نكتبه في سيرة من قبله؛ لأن بعض أصحابه قد أرخوا بعض سيرته ولم يؤرخ من مضى إلا ما وجدناه من القضايا التي يحتاج إلى البحث عنها في الأحكام، وحيث أن المتأخرين اشتاقوا إلى الإطلاع على سيرة من قبلهم فلم يدركوا منها إلا اليسير، دعاهم ذلك إلى كتابة بعض ما كان في زمانهم ليطلعوا عليه من يجيء بعدهم؛ فجزاهم الله عما أثروا خير جزاء. ولا شك أن الآخر دون الأول؛ فما كتب ها هنا يدل على وجود أضعافه فيما سبق.
وفي سيرة ابن قيصر الصحارى؛ وهو ممن عاصر الإمام وجمع من سيرته وذكر فيها وفاة الشيخين خميس بن رويشد المجرفي ومسعود بن رمضان ورثاهما بقصيدتين، والظاهر من سياقه أنهما ماتا رحمهما الله تعالى في أيام الإمام قال: وسبب موت الشيخ مسعود انه تزوج امرأة صغيرة فسقته سما في شربة ماء وقضى نحبه رحمة الله عليه.
ذكر ثناء العلماء على الإمام ناصر بن مرشد
وهم شهود الله في أرضه، وقد أثنى عليه علماء عصره بما يطول ذكره، فقالوا في سيرة اجتمعوا عليها وكتبوها إلى إخوانهم أهل المغرب ما نصه:
(فلما أراد الله إظهار المسلمين ونصرة المؤمنين أظهر الله هذا النور الساطع (2/20)
صفحة 376
والحسام القاطع، ذا الفضائل المشهورة والمآثر المشكورة والسيرة الطاهرة المبرورة، إمامنا أعز الله نصره؛ ورفع ذكره وأعلا قدره؛ وأدام دولته ونصر صولته؛ وأيد سيادته؛ وخلد سعادته؛ وحمى به الدين؛ ونصر به الضعفاء والمساكين؛ آمين يا رب العالمين.
فاجتمع رجال ممن يسر الله أن يجتمعوا من المسلمين وبايعوه على السمع والطاعة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ونشر الحق في القوي والضعيف؛ والدنيء والشريف؛ فصدقوا له؛ ووفوا وانتصروا؛ من بعد ما ظلموا وهم قليل في كثير؛ ورمتهم العرب عن قوس واحدة، وأرادوا أن يطفئوا نور الله، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون؛ والفاسقون والمنافقون؛ ففتحت لهم القلاع والحصون؛ ودانت لهم القبائل؛ وانقادت لهم الملوك طائعين وكارهين؛ وسكنت الحركات وردت المظالم؛ وانتصر المظلوم وظهرت الدعوة وقامت الحجة وأحييت السنن وعظمت المنن؛ والحمد لله على ذلك كثيرا،
وقالوا فيها أيضا:
(من إمام المسلمين ونظام المؤمنين وبقية من تمسك بالدين سراج الزاهدين وعلم المجاهدين وقدوة المجتهدين؛ ولى الله المأمون وعبده الميمون الهمام الأبي والأورع الزكي الرضي المرضي ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب بن سلطان ابن أبي العرب اليعربي المسلم الوهبي).
وقال الشيخ الفقيه سعيد بن محمد بن عبدالله النزوي رحمه الله في سيرته أيضا إلى أهل المغرب؛ ذكر فيها سيرة السلف الصالح ثم قال بعد ذلك:
(فهذه سيرة أئمتنا الأولين وسيرة إمامنا ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب ابن سلطان اليعربي الرستاقي؛ ثم النزوي رحمة الله عليه وروحه وريحانه ومغفرته ورضوانه؛ عظيم شأنه كريم مكانه؛ قوي سلطانه عزيز وجوده متواترة (2/21)
صفحة 377
سعوده بالمؤمنين رءوف رحيم، ليس بفظ ولا غليظ، كثير الذكر قليل اللغو لا يستنكف أن يمشي مع العبد والمسكين؛ وهو ملك في زي مسكين، رءوف القلب كثير الحياء واسع الصدر طويل الحزن؛ عظيم الرجاء قليل المن؛ كريم الوفاء أمين الله؛ كاتم السر وكاظم الغيظ، جليل العطاء لين الجانب قليل الأذى سراج الهدى عظيم الرجاء؛ تراه حليما ودودا؛ مصافيا كريما؛ قائما بأمر الله؛ موفيا بعهد الله، ملتمسا رضوانه؛ قاطعا للشهوات؛ غافرا للعثرات، كاتما للمصيبات؛ خاشعا منيبا شريف الهمة؛ حبيب الفقراء، غريبا بين أهله؛ جميل الفطنة تقي الأتقياء؛ يعظم الكبير لوقاره، ويقرب الصغير لشدة افتقاره؛ ويشكر اليسير لقلة اغتراره؛ ويرحم الفقير لرؤية اضطراره؛ سهلا عند المصاحبة؛ طلق الوجه عظيم الخطر، هيوب المنظر؛ كثير التبسم سخي النفس؛ بطئ الغيظ رزين العقل طيب الكلام واسع الخلق قليل الملام؛ ليس بذي سب ولا نميمة ولا غيبة؛ ولا حسود ولا كذوب ولا حقود؛ وكاد أن يكون نبيا رسولا؛ رحمه الله وغفر له؛ سيرته شاهرة، وسريرته أنبأت عنها علانيته الظاهرة؛ يدرس الآثار ويسأل العلماء الأخيار، مشيره أبو عبدالله محمد بن عمر بن أحمد بن مداد؛ ومسعود بن رمضان مفتي أهل عمان؛ وبقايا المسلمين من إخوانه الذين اصطفى وارتضى؛ وهم بحمد الله موجودون غير معدومين؛ فالله تعالى مؤيده.
وهذا كلامي إلا ما حذفت منه للاختصار؛ وكفى بهذا الثناء الجميل من هذا الفقيه الجليل ومن إخوانه أهل الفضل الجزيل؛ غفر الله لنا ولهم؛ ورضى عنا وعنهم وعن إخواننا المؤمنين.
ووصفه صاحب فواكه العلوم فقال: " كان رؤوفا بالمؤمنين؛ رحيما بالفقراء والمساكين قوي الجأش، كثير التفصح عن الناس لا بطرا ولا متكبرا ولا متجبرا ولا مهملا ولا غافلا ولا معنفا ولا بخيلا (2/22)
صفحة 378
ولا نماما؛ ولا حسودا ولا حقودا، يرغب الغريب لغربته ويصرف عنه شدة كربته وينسيه هوى وطنه، ويزيل عنه أحوا ل حزنه، بل كان حنيفا مسلما، قانتا مخلصا، شاكرا إن نطق نطق بتسبيح، وإن صمت صمت عن محاسبة نفس وتفكر في أمر الآخرة، وكاد يكون نبيا قد قسم زمانه، مدة عمره للصلاة ودراسة القرآن وآثار الأئمة الصالحين والأحكام بين الرعايا، والصدقة على الفقراء والمساكين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا له همة في الدنيا أبدا حتى توفاه الله والمسلمون عنه راضون إجماعا وله مؤازرون سمعا وطاعة ".
ووجدت عن أبي نبهان وهو ممن لم يدرك عصر الإمام ناصر أنه قال " فضل هذا الإمام يزاحم فضل الإمامين الجلندى بن مسعود وسعيد بن عبدالله؛ إلا انه يفوق، لأن العدل كثر في زمانه وطال مكثه، عمر وكثر في زمانه العلم؛ وكثر الدين والورع في زمانه، حتى أنه من يبيع اللحم ويبيع البصل فيهم من يصلح أن يكون قاضيا أو واليا أو خازنا أو وكيلا لكثرة أمانتهم وعلمهم ".
وقال ناصر بن أبي نبهان: العلماء الأقدمون أقوى علما من العلماء الذين عاصروا إمام المسلمين ناصر بن مرشد لأنهم يدركون درجة الصحابة أو يزيدون علما.
وقال غيره: وأما الإمام ناصر بن مرشد فإنه يلحق أئمة الأقدمين، وقال ناصر ابن أبي نبهان: ولعله يفوق عنهم؛ قال لأنه يفوق عبادة المنصوبين ويفوق قناعة القانعين والفقراء والمساكين، قال وهو أجوع الناس في زمانه وأقلهم مأكلة، وهو أعراهم في اللباس، وفضائله لا تحصى؛ وقد سعدت عمان به وكثرت البركات وتتابعت النعم، إلى أن توفاه الله إلى رحمته ورضوانه.
وقد رثاه بعض أهل الفطنة والفضل بمراث طنانة غابت عني (2/23)
صفحة 379
وقت التأليف، والحمد لله على كل حال.
ذكر عهود الإمام إلى عماله في القرى
في ذلك عهده إلى ابن عمه وخليفته على الأمر من بعده سلطان بن سيف بن مالك اليعربي حين أراد أن يستعمله على بعض الأمور، فطلب العذر، فكتب إليه الإمام ما نصه "
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبدالله إمام المسلمين ناصر بن مرشد بم مالك إلى حضرة شيخنا الوالي الولد سلطان بن سيف بن مالك أمد الله في عمره أما بعد:
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأرضيك ونفسي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته، فاسمع له وأطع، واقتد بإخوانك السالفين واتبع وأما ما ذكرته من أمورك، فاسأل فيها أهل الفضل والورع والهداية والشرع، الذين جعلهم الله ورثة أنبيائه، ونورا ساطعا يقتدي به جميع أوليائه، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين.
وأما ما ذكرته في العاذرة من الأمر الذي جعلته عليك، فكيف أنت اليوم ولدي جناحي الذي أنتوصل به إلى إعزاز الدين الحنيف؛ وخليفتي الذي أخلفه ركنا لهذا المذهب؛ فوسع صدرك، وشارو العلماء في أمرك؛ ولا تقطع عمرك وتضيق الصدر والحزن، وهون على نفسك من جميع ذلك؛ وانظر ما أمامك من العوائق والمهالك، فإن السالم من وفقه الله ونجاه وارتضاه خليفته واصطفاه حتى حاذر من جميع معاصيه وخسه، إلا من ضيق على نفسه وحزن في يومه أكثر من أمسه، وقطع نفسه بالندم والهموم؛ والكرب (2/24)
صفحة 380
والغموم؛ سلم الأمور ولدي لخالق الأرض والسماء وما فيهن وما تحت الثرى؛ واصبر وما صبرك إلا بالله؛ وتوكل عليه وفوض أمرك إليه؛ واتقه حق تقاته ليجعل لك من جميع أمورك المخارج لقوله عز وجل (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) فالله الله ولدي في سياسة الملوك، لا تكن غافلا ولا مهملا لأمورك فإنك ركبت الخطر العظيم والهول الفظيع الجسيم، فلا تلتفت ولدي إلى الدنيا ونعيمها وغضارتها، فإنها لعب ولهو وزينة وتفاخر؛ لا توازن عند الله جناح بعوضة، فاجتهد في ذلك واقتد بإخوانك الماضين؛ حيث تركوا الدنيا لأهلها، وبذلوها لطلابها وتوكلوا على الله حق التوكل، ولم يقصروا جهدهم في الله وإعزاز دينه وإظهار كلمته وإخماد نار البدع وإماتة الباطل وقتال الباغي العاطل؛ فلم تخدعهم الدنيا بغرورها ولم يعدلوا إلى لذتها وسرورها؛ حتى تركوها وراء ظهورهم وقذفوا حبها من صدورهم، هم الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأنفقهم مما رزقهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور.
فكن ولدي حيث ظني بك، وامتثل أمرك وراع فقراءك حق الرعاية، وألف بين إخوانك وأصفيائك وخلانك، وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون فاطرح ولدي حب الدنيا ومطامعها من قلبك، واجتهد في طاعة ربك وخذ حذرك وقو عزمك وصبرك، وكن مثل الأسد في ذلك الغار، ولا يكن نظرك في راحتك اليوم، فإنك لدينا اليوم مكين أمين؛ والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه الأمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (2/25)
صفحة 381
وهذا عهده إلى أبي الحسن علي بن أحمد بن عثمان بن عمر النزوي رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم عونك يا رب الحمد لله الذي أظهر كلمة الحق وأعلاها ودرس كلمة الباطل وأرداها وأنار أنوار الإسلام وأضاءها وأطفأ نيران الآثام وأذواها؛ أحمده على ما تفضل علينا من جزيل النعم وعلم الإنسان ما لم يعلم، وأشكره شكر من أناب إليه وتوكل حق التوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها ليوم الفزع الأكبر والهول الفضيع الأبهر؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالبراهين المنيرة والدلائل المستنيرة صلى الله عليه وعلى آله الفضلاء الأتقياء الأرضياء الأولياء ما طار طائر في الهواء وحدا حاد بسباسب البهماء.
أما بعد: فهذا ما يقول المعتصم بالله المتوكل عليه ناصر بن مرشد بن مالك ابن أبي العرب إلى الشيخ الوالي أبي الحسن علي بن أحمد بن عمر بن عثمان رحمه الله فإني احمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك ونفسي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته فأقول:
يا أبا الحسن إني قد وليتك على قرية لوى من الباطنة وما حولها وما يشتمل عليها من بلدان الباطنة وحتى ديار الحدان والجو وناجوان حاتا حزان () ودما وما يشتمل على هذه القرى والبلدان وما فيهن وما بينهن من المزارع والأطوى؛ وجميع الأماكن أن تأمر في هذه القرى والبلدان؛ باديهم وحاضرهم، وعبدهم وحرهم، وصغيرهم وكبيرهم، وغنيهم وفقيرهم، بالعدل والمعروف، وتنهاهم عن المنكر المخوف، وأن تعمل فيهم بكتاب الله المستبين، وتحي فيهم سنة النبي الأمين وآثار الأئمة المهتدين وسيرة القادة المخلصين الذين جعلهم الله منار (2/26)
صفحة 382
الهدى وقادة الناس إلى التقوى، وأورثهم الكتاب والسنة يدعون إلى طريق الجنة، وأن توالي في الله وتعادي فيه، ولا تأخذك في ذلك رأفة ولا رحمة، ولا تخف في الله لومة لائم ولا عذل مجرم آثم، وأن تخلط الشدة باللين، وأن تخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين؛ وأن تعرف لكل امرئ حقه وتوفيه إياه كاملا، وتؤتي ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون، فالله الله يا أبا الحسن في اقتراف الحسنات وإنكار المنكرات بغير تجاوز منك إلى غير واجب أوجبه الله في الجد والتشمير؛ وترك التهاون والتقصير وأن تجتهد كل الجهد في إصلاح أهل ولايتك؛ وإصلاح أفلاجهم وعمارة مساجدهم والصفح عن مسيئهم، والتجاوز عن سيئاتهم ما وسعك من ذلك، وأن تقبض زكواتهم من أغنيائهم بحقها، وتجعلها في أهلها من فقرائهم وضعفائهم بعدلها، طيبة نفس معطيها إلا من وجب جبر ه؛ ولا يخفى عليك إن شاء الله.
فالله الله يا أبا الحسن في التفحص عن فقيرهم وضعيفهم من جميع أماكن ولايتك لتساويهم من مال الله ما وسعك من ذلك، ولا تدعهم يتعسفون إليك من السغب والعري؛ واجعل لهم أعوانا من إخوانك ليتفحصوا عنهم، فإن كثيرا من الفقراء يقصر عن المجيء إليك من حياء أو ضعف فيقف عنك وهو في ضرر عظيم من شدة فقره وفاقته، وقد جعلت لك يا أبا الحسن أن تعامل على صوافي ولايتك بمزارعة أو قعادة وقبض غوالها ووضعها في موضعها ما وسعك من ذلك، وقد جعلت لك أن تنفق على الشراة ومن وضع نفسه معك من أهل القرى من مال المسلمين على قدر ما تراه عدلا، وقد جعلت لك حبس من يجب حبسه (2/27)
صفحة 383
من غير حيف ولا ميل لأحد.
وقد جعلت لك إطعام الضيف النازل على قدر ما تراه عدلا من آثار المسلمين، ولا تأتمن على ما ائتمنك عليه من أماني التي أنا أمين لله فيها إلا من هو حقيق بذلك في دين المسلمين، وقد جعلت لك حماية البلاد والذب عنها؛ عن الحريم والعباد، وألزمت جميع أهل القرى طاعتك وحجرت عليهم معصيتك ما أطعت الله ورسوله فيهم، وقمت بما شرطته عليك في عهدي هذا إليك، فإن خالفت إلى غير ما أمرتك به، فأنا ومال المسلمين بريئان منك وأنت المأخوذ في نفسك ومالك.
واعلم أنه لا أثرة عندي لظالم ولا حيف عندي لمسلم، بل إرادتي إعزاز دين الله عز وجل وإحياء سنن النبي المرسل وإظهار دعوة المسلمين والأخذ على أيدي الظالمين وإخماد كلمة المعتدين وكسر شوكتهم وإطفاء بدعتهم وتفريق جماعتهم التي يجتمعون فيها على الحرام والخوض في الآثام وانتهاك عظيمات الأمور ما استطعت إلى ذلك.
فالله الله يا أبا الحسن، اتق الله حق تقاته وخفه حق الخوف ما استطعت إلى ذلك (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم المحسنون) وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. وكان الكتاب عشية الأحد لخمس ليال بقين من شهر ذي الحجة من سنة خمسين وألف من الهجرة النبوية. كتبه الإمام ناصر بن مرشد بيده.
وهذا عهده رضي الله عنه إلى الوالي صالح بن سعيد المعمري السعالي رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي أوضح شهاب الحق بالبراهين (2/28)
صفحة 384
المنيرة؛ والدلائل المستنيرة ودمر دعوة المظالم بالآيات الواضحة والحجج الباهرة اللائحة، وأعز دولة نبيه بالأنوار الساطعة والأسنة القاطعة، أحمده على ما أضاء نور ديننا بأفق كتابه وبين لنا غرائب مشتبهاته من معاني كلامه وخطابه، وأشكره شكر من أناب وخضع وسجد وركع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ثابتة بالجنان مكررة باللسان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى كافة الثقلين وطهره من الدرن والشين (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) صلى الله عليه وعلى آله الأبرار الأتقياء الأخيار ما غرد عندليب على غصون الأشجار وأناب منيب بغياهب الأسحار.
أما بعد: فهذا ما يقول المعتصم بالله المتوكل عليه إمام المسلمين ناصر بن مرشد ابن مالك إلى الشيخ الوالي أبي سعيد صالح بن سعيد المعمري رحمه الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك ونفسي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته، فأقول لك يا أبا سعيد إني قد وليتك على بلدة صور وإبرا وما اشتمل عليهما من الأماكن والقرى على أن تظهر دين الله عز وجل في هذه البلدان والقرى وتحي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حتى تأخذ من الظالم للمظلوم حقه، وتوفي من مال الله لكل فقير نصيبه ورزقه، وتأمر من بهذه القرى والبلدان؛ حضرهم وبدوهم، بالمعروف والإحسان وتنهاهم عن الفجور والبهتان، وتعلمهم أن من ظلم أحدا مثقال ذرة أو أقل منها أو أكثر فاقتد في عقابه بآثار الأئمة الفضلاء الذين جعلهم الله ورثة الأنبياء يقودون الناس إلى الخيرات وأفضل منازل الدرجات (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وأن توالي في الله وتعادي في الله ولا (2/29)
صفحة 385
تأخذك بهما رأفة في دين الله، ولا تخف لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ وعلى أن تجتهد في إصلاح أهل ولايتك وإصلاح دينهم وعمارة مساجدهم والرأفة بهم والتجاوز عن مسيئهم وحسن السياسة لأمورهم والصبر في نفسك على أذاهم ما وسعك من ذلك.
وإياك يا أبا سعد والعجلة في أمورك وكن حذرا وقورا صابرا شاكرا على العطاء ساترا عيوب من أخطأ غافرا زلة من عثر رءوفا بمن أناب واستغفر قابلا لمن رجع إليك واعتذر مدمدما على من أصر واستكبر؛ آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر هينا لينا لمن آخيته من جميع الشراة لا بفظ ولا غليظ، واصبر وما صبرك إلا بالله وتوكل على الله حق التوكل واجتهد في ذلك ولا تكن من الغافلين وأوصيك يا أبا سعيد أن تختص من خيار إخوانك أن يسيروا في البلاد ويردوا الظلم عن العباد ويصرفوا عنهم المناكر والفساد ويسوسوهم إلى الصلاح والرشاد ويقبضوا الزكاة من أغنيائهم ويعطوها فقراءهم فيواسونهم من مال الله بما يسد جوعهم ويستر عورتهم؛ ولا تدعهم يتكففون إليك حزنين باكين، وابعث إلى كل بلدة وقرية ثقة أمينا ورعا يتجسس عن المكثر والمقل، ليأخذ من المكثر زكاة الله ويواسي منها المقل، لأن كثيرا من الأغنياء لم ينصف من نفقته في أداء الزكاة، وكثيرا من الفقراء لم تحمله نفسه ليجيء إليك.
فاجتهد يا أبا سعيد في الأخذ من هذا والعطاء لهذا؛ فإن لهم علينا حقا واجبا أوجبه الله عز وجل في كتابه لقوله (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل؛ فريضة من الله والله عليم حكيم) فإذا أردت المسير إلى بلدة صور من قرية أبرأ، فاترك في قرية أبرأ من يحفظ أمانتك ويخاف الله (2/30)
صفحة 386
حق الخوف من ذات نفسه، وأنت لا تجاوز بلدة ولا غبرة ولا مزرعا ولا عجوزا في عنة ولا بدويا بغار إلا وأخذت من الظالم للمظلوم وواسيتهم من مال الله ما وسعك من ذلك؛ فإن مات أحدا جوعا أو مظلوما فهو في رقبتك دون رقبتي وأنت المأخوذ به دوني فإني أعزني الله بالإسلام ونيتي أنني لو قدرت أن أملأ الأرض عدلا وصلاحا وإرادتي أن أدمر كل ظالم وأشتت كل جماعة اجتمعوا على المناكر والفجور، الخوض في أفاحش الأمور؛ فإنه لا أثرة عندي لظالم ولا حيف لمسلم وقد جعلت لك أن تتصرف في جميع أمور المسلمين ما يجوز لي أن أتصرف فيه، فإن خالفت إلى غير ذلك فأنا ومال المسلمين بريئان منك وأنت الرهين به؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ والحمد لله حق حمده والصلاة على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذا عهده رحمه الله إلى الوالي الموالي سليمان بن رشاد الكندي السمدي النزوي رحمه الله.
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي أيد هذا الدين بالحجج الإسلامية والدلائل الفرقانية والبراهين المحمدية والملة الحنيفية والسيرة الصديقية والحكمة العمرية والمذاهب الرضوانية، أحمده حمد من أخلص لله في السر واالعلانية، وأعوذ به من الفتن الكفرية والمحن الأذية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة المعتقد المخلص المطهر قلبه من كل دنس، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،؛ أرسله بأفصح الكلم وأبلغ الحكم، فرحم الله به الأمم وكشف به جميع النقم، وأسبغ عليهم بطلعته جزيل النعم، فدعا إلى الله وبشر؛ وأنذرهم رواجف الراجفة، وحذر صلى الله عليه (2/31)
صفحة 387
آله الفضلاء وأصحابه النجباء ما همهم رعد بالسحائب ووخدت عيس بالسباسب.
أما بعد: فهذا ما يقول المعتصم بالله المتوكل عليه إمام المسلمين ناصر ابن مرشد ابن مالك بن أبي العرب إلى الشيخ الوالي أبي عبدالله سليمان بن راشد بن عبدالله الكندي السمدي رحمه الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأوصيك ونفسي وجميع المسلمين بتقوى الله واللزوم على طاعته، فاسمع له وأطع، واقتد في ذلك واتبع فأقول لك:
يا أبا عبدالله إني قد وليتك على بلد الصير وما حولها وما يشتمل عليها من البلدان والمنازل والأوطان وما فيهن من المزارع والأطوى وجميع الأماكن من تلك البلدان على أن تأمر في هذه القرى والبلدان باديهم وحاضرهم وعبدهم وحرهم وصغيرهم وكبيرهم بالمعروف والهدى وتنهاهم عن المناكر والأهوى؛ وتحي فيهم دين الله العزيز الحكيم وسنة النبي القويم وطريقة الفضلاء الراشدين والأئمة القانتين الذين جعلهم الله حجة للأنام ومصباحا للظلام، يقودون الناس إلى طاعة الإسلام ويدعون إلى دين الله ذي الجلال والإكرام؛ وأن توالي في الله وتعادي في الله ولا تأخذك في الله عذلة عاذل ولومة لئيم مائل؛ وأن تخلط اللين بالصلابة وتخفض جناحك لمن اتبعك من الإخوان والأصحاب والقرابة؛ ومن كل الخليقة وتستقيم في جميع أمورك على الحقيقة وأن تعرف قدر كل امرئ وتؤتيه حقه وتوفيه نصيبه ورزقه كما قال عز وجل (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون)
فالله الله يا أبا عبدالله في دفع السيئات بالحسنات، وإنكار المناكر في جميع البلدان والفلوات لغير تجاوز منك (2/32)
صفحة 388
إلى غير واجب أوجبه الله في التشمير؛ وجد في جميع أمورك بالتدبير الرضواني وترك التهاون والتقصير عن صرف الأمر البهتاني، بيد أنك قائم في تلك المنازل والبلدان مقامي، وسالك طريقتي وأعلامي فاجتهد قرة عيني في إصلاح ولايتك؛ والعدل بين رعيتك وعمارة مساجدهم، والصفح عن مسيئهم والألفة والتقرب لمحسنهم، والتجاوز عن سيئاتهم ما وسعك من ذلك وأن تقبض زكواتهم من غنيهم وتجعلها في فقيرهم وضعيفهم بعدلها: طيبة نفس من أعطاكها إلا من وجب جبره عليها ما وسعك من ذلك؛ ولا تهمل أمورك وفقراءك فتجسس عنهم من جميع بلدانك ومنازلك لتواسيهم من مال الله ما وسعك من ذلك؛ ولا تدعهم يتكففون إليك باكين حزنين سدمين من شدة الضرورات من الجوع والسغب؛ فإن جمة منهم لم تقدر أن تلقى إليك من حياء أو ألم، فلا تهمل ذلك ولا تكن من الغافلين (واصبر وما صبرك إلا بالله)، وتوكل عليه وما ربك بظلام للعبيد.
فالله الله يا أبا عبدالله في السيرة الحسنة والطريقة المستحسنة وكن وقورا حذرا صامتا بمجلسك متبعا سنة نبيك مستقيما في دينك متورعا رفيقا بالمؤمنين مطيقا على المصرين، وقد جعلت لك يا أبا عبدالله أن تكرم الضيف النازل من غير تقصير ولا حيف؛ فإذا أردت المسير من الصير إلى نزوى أو غيرها فاترك على أمانتك من يخاف الله من ذات نفسه وأنت لا تمر على منزل إلا أصلحته ولا مظلوم إلا أنصفته ولا فقير إلا واسيته ولا مكان إلا وأمرت فيه بالمعروف ونهيت عن المنكر، فإن ظهرت بدع أو فتن، أو مات أحد مظلوما أو جوعا وأنت تعلم به ولم تستقم فيه وخالفت ما أمرتك به؛ فأنا ومال المسلمين بريئان منك وهو في رقبتك دون رقبتي وأنت الرهين (2/33)
صفحة 389
به يوم المناقشة والأخذ بالظلامة، فإني امرؤ أعزني الله بدينه وأرشدني بطريقة نبيه وأمينه؛ ولا أثرة عندي لظالم ولا شدة عندي لمسلم راحم؛ وقد ألزمت من في هذه البلدان والفيافي والقفار طاعتك وحجرت عليه معصيتك ما استقمت حق الاستقامة في جميع أمورك فشمر لذلك عن ساق، واجتهد في تحفظ الحجج يوم التلاق، واقف في ذلك آثار الذين هاجروا وآووا ونصروا دين المهيمن الخلاق؛ واجتهدوا في كسر شوكة الكفر والنفاق، وحسم كرة الذين اجتمعوا على الفواحش والشقاق، وقوموا لله آناء الليل وأطراف النهار، وابكوا فرقين من إصلاح دار البوار؛ متقين الله في العلانية والأسرار؛ واذكروا الله كثيرا، وصلى الله على نبيه وآله وسلم تسليما، واستعن بالله بكرة وأصيلا ولا تكن من الغافلين (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحون له ويسجدون) والسلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ بلغ سلامنا جملة الإخوان.
ومن كلام له رضي الله عنه إلى بعض عماله:
أما بعد: فقد وليتك على بلد كذا وكذا على أن تظهر دين الله عز وجل وتحي سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقبض الزكوات من الأغنياء المترفين وتواسي بها الفقراء والمساكين، فانظر إليهم نظر الأب الشفيق، فإن لهم علينا حقا، ورجاؤنا بإكرامهم دفع البلايا والرزايا، وأنت جنة لي يوم القيامة، فإن خالفت إلى غير ذلك فالله الحكم بيني وبينك، وأنت المأخوذ به دوني والسلام.
قال في فواكه العلوم، وهو لصاحب مختصر المصنف: وأخبرنا من لا أتهمه بكذب أنه رأى من بعض ولاته ما لا يجوز فبكى من ذلك فقال: اللهم ديني قد تمسكت به واعتصمت بحبلك الوثيقي؛ إلهي أعوذ بك (2/34)
صفحة 390
من لهو وغفلة تميل بي إلى إتباع الأهواء، والركون إلى العماية والردى؛ وعزل ذلك الوالي بالفور والله أعلم.
ومن كلام له رضي الله عنه: واعلموا إخواني أن لهذه الراحة والنعمة مناقشة ليوم الفزع الأكبر لقوله عز وجل (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) فأجيلوا إخواني أفكاركم في بحور الأحداث، ووحشة نزول الأجداث، واعلموا أنا وإياكم على شفا جرف هار، فإن لم نستقم على العدل، وإلا سقطنا بهوة فظيعة تحار بزلازلها عقول ذوي الألباب فالله الله إخواني في رعاياكم؛ ومواساة فقرائكم، فإنكم غدا مسئولون ومحاسبون يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.
ومن كلام له رضي الله عنه إلى بعض ولاته حين سار بدراهمه للتجارة: واعلم أنك بمقام حكم وعدل محظور بأرجائه الركون إلى دنيا وتجارتها، فأردع نفسك عن ذلك؛ واكتب بصفحة فكرك معنى الآية التي قال عز وجل (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور).
ومن كلام له رضي الله عنه معاتبا لنفسه: ويك يا نفس لست من أهل هذه الدرجة والمرتبة، فلما أن ألبسك الله هذا اللباس على الرغم منك مع أن الله بك أنك قادر عليه، فألبسي أثواب الشكر لله عز وجل وتوكلي عليه حق التوكل، وكوني مع الله يكن معك.
ومن كلام له رضي الله عنه إلى بعض ولاته: أما بعد؛ فإني أنكر عليك أن تداين الناس لما ورد في الخير المنقول عن السلف الصالح: إن الأمير التاجر ملعون وهو متقوّ بسلطان المسلمين؛ فالله الله في تدبير دولتك (2/35)
صفحة 391
ورعاية رعيتك، استقم على حكم الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وآثار أئمة الهدى، فإنك عن قليل منقول من القصور إلى القبور.
ومن كلام له رضي الله عنه معاتبا لإخوانه: إياك يا إخواني الإسراف ومطاولة الأشراف، والتلذذ بنعيم العاجلة؛ والإهمال لطريق الآجلة، واحذروا التفاخر والإعجاب، والمباهاة لإخوان والأصحاب، والحذر الحذر من البطنة والبطر والتطاول لبعضكم بعضا، فإن كلا سيبلغ حظه ويوفي رزقه؛ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا فإنه لا يحب المسرفين.
تابع ذكر عهود الإمام إلى عماله في القرى
وهذه خطبة الجمعة في عصر الإمام المؤيد ناصر بن مرشد اليعربي أعزه الله ونصره على البغاة:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي هدى بالموت مشيد الأعمار؛ وحكم بالفناء على هذه الدار، وجعلهم أغراضا لسهام الأقدار وكل بهن أمراضا تزعجهم عن القرار وتجري منهم مجرى الدماء في الأبشار، ولا يعتصم منهم معتصم بالحذار، ولا يختص بها الفقراء دون ذوي اليسار، بل هي آيات عدل؛ عدل الله بها في البادين والحضار، أحمده على نعمه المسبلة الغزار، وأعوذ به من العتو والاستكبار واستغفره للذنوب والأوزار من الكبائر والإصرار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة منجية من عذاب النار؛ مبوئة من شهد بها دار القرار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المختار، أرسله بأيمن شعار وأبين فخار، وأنور منار، وأقطر إعلان وإسرار، واظهر برهان وإنذار، من صميم العرب في النضار وأكرمها في الفخار؛ ومؤيدا بالمهاجرين والأنصار، منصورا بالملائكة الأبرار، صلى الله عليه وسلم وآله الأطهار آناء الليل وأطراف النهار.
أيها الناس: إن قوارع الأيام خاطبة فهل أذن لعضتها (2/36)
صفحة 392
واعية؟ وإن فجائع الأحكام صائبة، فهل نفس لعجائبها مراعية، وأن مطامع الآمال كاذبة، فهل همة إلى التنزه عنها داعية، وأن طوالع الآجال واجبة، فهل قدم إلى التزود من الدنيا ساعية، ألا فاسرحوا رحمكم الله ثواقب الأسماع والأبصار في جميع الجهات والأقطار؛ هل ترون في دموعكم إلا الشتات، أو تسمعون في ربوعكم إلا فلانا قد مات؛ أين الآباء والأكابر أين الأبناء الأصاغر؛ أين المعين للظاهر، أين النصير المظافر، قد عثرت بهم والله الجدود والعواثر، وبثرت أعمارهم الحادثات البواتر، وأبادتهم الدهور الغوابر، فذوت من شبابهم الأغصان والنواضر، وخلت من شيوخهم المشاهد والمحاضر؛ وعدمت من أجسامهم تلك الجواهر، وطفئت من وجوههم الأنوار الزواهر، وابتلعتهم الحفر والمقابر، إلى يوم تبلى السرائر فلو كشفت عنهم أغطية الأجداث بعد يومين أو ثلاثة؛ ما رأيتهم الأحداق على العيون سائلة؛ والألوان من ضيق اللحود حائلة؛ والأبدان العفنة من البلا قاحلة، والرؤوس الموسدة على الإيمان زائلة، وهوام الأرض في نواعم الأجسام جائلة؛ ينكرها من كان بها عارفا، وينفر عنها من لم يزل لها آنفا؛ رقودا في مضاجع هم فيها داخلون؛ مهمودا في مصارع يفضي إليها الأولون والآخرون، وأنتم عباد الله الخلف للسلف والهدف للتلف؛ والفروع التي قطع الموت أصولها، والجوع التي انتزع الدهر تحويلها؛ وقد تسمعون داعية العويل في كل منزل وسبيل حقا ليس بالكذب، جدات ليس باللعب، حتى كان منادي الحشر قد أمر فيكم بالنداء، ومنع أن يقبل منكم عرضا أو فداء؛ فسمعا يا بني الأموات لداعي آبائكم سمعا، وقمعا بذكر هاذم اللذات قمعا، وقطعا لرجاء بقائكم لدار الفناء قطعا، أسوة بمن كان قبلكم ممن هو أشد قوة وأكثر (2/37)
صفحة 393
جمعا؛ جعلنا الله وإياكم ممن أمات بذكر الموت أمله؛ وأحيا بإحياء الباقيات الصالحات عمله؛ وأنفق ساعاته في العمل الذي خلق له إن أغض ما بقي على
الأبد وأحض المواعظ على إتباع الرشد كلام رافع السماء بلا عمد (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)
ثم إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه؛ وأنه (ثلث) بالمؤمنين من أهل طاعته تعميما؛ فقال آمرا ومخبرا لكم تكريما (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ماذر شارق وأومض بارق وفاه ناطق، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد بعدد أنفاس الخلائق؛ وبعدد ما في السماوات السبع الطرائق، وبعدد ما خلقت وما أنت له خالق، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد في الليل إذا يغشى، وفي النهار إذا تجلى؛ وفي الآخرة والأولى، وارض اللهم عن صاحب نبيك في الغار، ورفيقه في الأسفار؛ معدن الجود والفخار، وسيد المهاجرين والأنصار؛ ومقدم العلماء والأحبار، الذي قاتل أهل الردة حين راموا الرجوع إلى الشرك وجاهد أهل البغي والإفك وجاهد في الله حق جهاده، ودوخ بالسيف أهل عناده؛ الخليفة بالتحقيق؛ المكنى بعتيق، أول ساع إلى شرف التصديق؛ أبي بكر الصديق، مظهر الحق بعد الكتمان عبدالله بن عثمان، وارض اللهم عن الإمام الأكبر والعلم الأنور؛ رباني الأمة وكاشف الغمة؛ الذي نشر العدل في الآفاق، وأباد أهل الكفر والنفاق؛ وافتتح القرى والأمصار؛ ودون الدواوين في المهاجرين والأنصار؛ خير الأصحاب ومقدمهم في الخطاب؛ أبي حفص عمر بن الخطاب، اللهم وارض عن جميع المؤمنين من الأولين والآخرين وعن تابعيهم وتابعي (2/38)
صفحة 394
تابعيهم إلى يوم الدين؛ واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا؛ ربنا إنك رءوف رحيم.
اللهم وارض عمن أظهرت به الدين، وأحييت به سنة المسلمين المهتدين وجعلته من الخلفاء الراشدين، ومزقت به عصب المفسدين، وأنقذت به الرعية؟، وحققت به الرجية، عبدك القائم بأمرك ونهيك، المتمسك بسيرة نبيك، الإمام الأبي الهمام اليعربي ناصر بن مرشد بن مالك بن أبي العرب اليعربي، اللهم أصلح به خليقتك، وأنعش بعدله بريفك، واخمد بطلعته نار الفتن؛ واصرف باستقامته من قلوب الرعية جميع الإحن، واجعل أنصاره ومن والاه في الأمن راتعا، وجميع من عاداه بالذل والصغار خاشعا؛ ولجميع الفضل والخيرات جامعا، إنك سميع الدعاء، فعال لما تشاء، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) تمت الخطبة المباركة.
وهذا سؤال وجواب: السؤال من والي الإمام، والجواب من قاضيه:
كتب والي الإمام على قرية الصير؛ وهو خلف بن أحمد الأحممتي إلى الفقيه القاضي خميس بن سعيد بن علي الرستاقي رحمه الله تعالى، وذكر له أن ناسا من متفقهي الشيعة أتوا إليه يسألونه على معنى الإستعجاز له عن الجواب والطعن في مذهب المسلمين، فقالوا له: كيف أنتم تورثون الأخ والأخت مع الابنة وابنة الابن، يعنون الإخوة للأب والأم أو للأب والله تعالى يقول (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) فكيف تورثون الإخوة والأخوات مع وجود بنات الصلب ولم تجعلوا للزوج النصف (2/39)
صفحة 395
مع الابنة ولا للزوجات الربع مع وجود البنات أو بنات الابن، والله تعالى يقول (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد؛ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد) وقد ثبت أن الابنة تحجب الزوج عن النصف، والزوجة أو الزوجات عن الربع، إلى الربع والثمن.
فالجواب: معنا لهم في ذلك أن علينا أن نتبع من كان قبلنا من المسلمين، وفقهاء الدين المتمسكين بكتاب رب العالمين وسنة نبينا محمد خاتم النبيين؛ وإجماع المؤمنين المحقين، ولا لنا أن نبتدع ولكننا نسلم الأمر لهم، وهم العلماء بكتاب الله وفهمه، واستنباط معانيه وحكمه.
والذي عندي أن الحجة له من كتاب الله تعالى قوله (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) فيخرج في المعنى أنه يرثها، أي يرث جميع مالها إن لم يكن لها ولد، وقد ذكر الله في آية ميراث الأولاد (وإن كانت واحدة فلها النصف) وكانت الآية التي في آخر السورة مفسرة لبعض الآيات المتقدمة في أول السورة: وليس فيها معنى يدل على إسقاط ميراث الأخ أو الأخت عند وجود البنات. ويمكن أن يكون أراد بالولد هاهنا الولد الذكر؛ لأن الخطاب في الآية للأخت خاصة، وقد يعترض من الخاص على العام، ولا يعترض العام على الخاص، وقد قال الله تعالى في حكاية مريم عليها السلام (قالت ربي أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) وهي تريد بالولد الابن؛ لأن الله قد بشرها بابن ذكر بقوله تعالى (إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة) فلما علمت ذلك قالت: أنى يكون لي ولد! ولا تنازع في هذا لأن الخطاب خاص لمريم، وكما قال الله تعالى حاكيا عن امرأة (2/40)
صفحة 396
فرعون حين التقط آل فرعون موسى (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) وهو موسى عليه السلام؛ وفي قصة يوسف (قال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) ففي هذا كله أراد بالولد الذكر دون الأنثى.
وأما إذا ورد الخطاب عاما اشترك فيه التذكير والتأنيث والواحد والتثنية والجمع، كما قال الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) فهذا هو اللفظ العام الجامع لما ذكرنا.
فإن احتج محتج بقوله تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد) وقال إن في إجماع المسلمين على أن الابن والابنة وابن الابن أو ابنة الابن وأن سفلوا يحجبون الزوج عن النصف، والزوجة والزوجات عن الربع. قلنا هذا صحيح موافق، لأن الخطاب ورد للجمع لا للواحد بقوله (لكم –ولهن) وفي الأخت على الواحد لها خاصة كما خص الخطاب لمريم وامرأة فرعون وامرأة الذي اشترى يوسف فثبت في الخطاب العام جواز دخول الواحد والجمع والتثنية والتذكير والتأنيث وقام الواحد مقام الجمع، والذكر والأنثى سواء في الأحكام. وفي نبأ نوح عليه السلام (واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا) فجاء بذكر الولد ومعناه الجمع، لأن الخطاب على ما يعقله المخاطب به، والولد خطاب للواحد والجمع، والذكر والأنثى، وفي كل موضع يحمل على معناه فيه وعلى ما يستدل به عليه ألا ترى في قوله تعالى في الأخوة (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث) فاستدلوا بهذا على معنى الأخوة للأم دون غيرهم من الأخوة، ثم قال في الآية الأخيرة (قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها (2/41)
صفحة 397
نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) فاستدلوا بهذه الآية على معنى الأخوة لأبوين أو للأب، والخطاب كله في ذكر الأخوة؛ فليس بمنكر أن يكون أراد بالآية التي ذكر فيها الزوج والزوجة بذكر الولد من ذكر أو أنثى وأراد بذكر الولد في الآية التي ذكر فيها الولد في آخر السورة الولد الذكر دون الأنثى، كما أجمل ذكر الأخوة أجمل ذكر الولد وفسره النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء الأمة من بعده وبينوا للناس، ولم تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلال.
وحجة أخرى أن الابنة لا ترث معها الأخت أو الأخ باشتراك فريضة وإنما يرثان بالتعصيب بعد استكمال البنت فرضها الذي فرضه الله لها، فإن اجتمع أخ أو أخت أو أكثر فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن انفرد أخ أو أخت قام كل واحد مقامهما.
وأما الذي تناهى إلينا من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى في بنت وبنت ابن وأخت فأعطى لابنة النصف ولابنة الابن السدس وما بقى للأخت. وروى إبراهيم عن معاذ بن جبل رحمه الله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة تركت ابنتها وأختها فأعطى الابنة النصف والنصف الباقي للأخت.
فهذا ما حضرنا من الكتاب والسنة والإجماع من فقهاء الأمة، ولا نعلم أن أحدا شذ عليهم بقول غير هذا إلا ما بلغنا عن الزبير أنه كان لا يعطي الأخت مع الابنة شيئا ثم رجع عن قوله فيما بلغنا والله أعلم.
كتبت هذا ردا على من تعنت من المسلمين وكشفا لما ألقوه من الشبهة على المؤمنين وتأييدا وتصحيحا لما عمل به فقهاء الدين والحمد لله رب العالمين واستغفر الله تعالى من جميع ما خالفت فيه الحق من قول وعمل ونية، ولا حول ولا قوة (2/42)
صفحة 398
إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم.
تنبيه: شهر بين الخاص والعام أنه يشاهد نور ساطع صاعد بنحو السماء على المقبرة التي فيها قبر الإمام ناصر بن مرشد وغيره من الأئمة وذلك أمر مشاهد، أما أهل نزوى فلا يستغربونه لأنهم قد ألفوا رؤيته، وإنما يستغربه الوافد إليهم لشدة ما يرى من الأنوار، فإن النور في غير هذه المقبرة وإن كان يرى كثيرا لا تبلغ شدته هذا المبلغ وعلى كثير من قبور الصالحين منا أنوار تشاهد عيانا ولله الحمد لا تكاد تقف على مقبرة من مقابر أصحابنا إلا وترى على بعضها نورا إلا ما شاء الله، ونقل من خط الفقيه محمد بن علي بن عبدالباقي روى لي من روى من الثقاة أنه سأل عن النور فقال له رجل ثقة من المسلمين النور على قبر خارج من البلد التي هي نخل، والراوي منها فيحدث بذلك ورأى في المنام ليلا أن رجلين جاءا فقالا له يا فلان نسألك الستر ولا تظهر علينا فيكثر علينا الدائس مثل قبر الشاغة وقبر أبي عمر فقال لهما الرائي من أنتما فقالا نحن أصحاب القبرين اللذين عند جبيلات الظعن الذي علينا النور ونحن إخوان قتلنا ظلما والله أعلم، ثم إن هذا الرائي قال حدثت بهذه الرؤيا الشيخ الوالي ثاني بن خلف بن ثاني بن جحدر الرستاقي فقال له ثاني بن خلف إنه حدثه العبد الصالح خميس بن مرشود أنه رأى رجلا متكئا بسقف قبر في قصر، وفي فمه نور متصل بالسماء له عمود طويل، فقال له خميس من أنت فقال أنا صاحب هذا البيت يعني القبر وأنا صاحبه والطريق غير هذا وسيظهر لك عن يومين سقف هو سقفي الأسفل أو الأعلى فسأله خميس عن النور الطالع منه فقال له هذا ركعتين في جوف الليل وأنا أشكرهما لك يا خميس، وكان خميس بن مرشود (2/43)
صفحة 399
قواما لليل فظهر عن يومين سقف الأسفل، كما قال وأحالوا عنه الطريق وظهر سقفه من مطر مجحف جاءهم فهذا ما سمعته والله أعلم.
قلت: وقد أوقفوني على هذا القبر وهو بالرستاق على جانب الطريق الآتي من مسجد الحرث إلى قصرى والأنوار كثيرة، لكنها لم تكتب ولو ذهبنا لذكر جميع ما سمعنا من الموثوق بهم لطال الكتاب.
باب إمامة سلطان بن سيف بن مالك ابن عم الإمام ناصر بن مرشد
بويع له في اليوم الذي مات فيه الإمام ناصر وهو يوم الجمعة لعشر ليال خلون من ربيع الآخر سنة خمسين وألف، فقام بالعدل وشمر وجاهد في ذات الله وما قصر ونصب الحرب لمن بقى من النصارى بمسكد وسار عليهم بنفسه حتى نصره الله عليهم وفتحها بإذن الله وقام يجاهدهم أين ما يجدهم في بر وبحر فاستفتح كثيرا من بلدانهم وخرّب كثيرا من مراكبهم وغنم كثيرا من أموالهم، فقيل إنما بنى القلعة التي بنزوى من غنيمة الدير من أرض الهند، وقد لبث في بنائها اثنتي عشرة سنة وأحدث فلج البركة الذي بين ازكي ونزوى وهو إلى ازكي أقرب؛ وليتهم أرخوا وقائعه بالنصارى وفتوحاته أرض الهند، لكن الطبع غلب عليهم فقد جرت العادة عندهم بإهمال التاريخ اشتغالا بالأهم وكثرت الفقهاء واعتمرت عمان في دولته واستراحت الرعية وزهرت البلاد بحسن السيرة ورخصت الأسعار وصلحت الأثمار؛ وكان متواضعا لرعيته ولم يكن محتجبا عنهم، وكان يخرج في (2/44)
صفحة 400
الطرق بغير عسكر ويجلس مع الناس ويحدثهم ويسلم على الكبير والصغير والحر والعبد، ولم يزل قائما مشمرا رحمه الله وغفر له.
ووصفه صاحب فواكه العلوم فقال: أضحى رحمه الله قوي الجنان باسط البنان، بنيانا مرصوصا في الهيجاء سحابة في العطاء مرتديا برداء العفاف والورع، ولا يهوله من عدوه فزع ولا تأخذه في دينه محاباة ولا طمع عامزا للديار وحافرا للأنهار وغارسا للأشجار ليعيشوا فيها ضعفاء المسلمين الأتقياء الأبرا ر ابتغاء مرضاة الملك الجبار، متأسيا لرواية السالفة عن السلف الصالح اعمل ما شئت كأنك تموت غدا واعمل ما شئت كأنك لم تمت أبدا، وهذا من قوته وحذاقته حوى على كلتا الحالتين سخيا سمحا بنوال المسئلتين سيدا وسندا ووليا من الصالحين، قال وكثير من فضائله وطروسه لم أحص عدها، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وتوفي ضحوة الجمعة في يوم سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وألف كذا قيل وعندي أن هذا غلط من قائله أو من كاتبه لأنهم قالوا أنه لبث في بناء قلعة نزوى اثنتي عشرة سنة، وذكر لي بعض الأصحاب أن تاريخا يوجد منقوشا بالباب الذي كان بحصن سناو فأمرته أن ينقله لي فأرسل لي هذه الأبيات:
لقد صنع الباب الحكيم محمد = فتى حمد نسل الندى والمكارم
وقد كان بالاثنين رقمى بصنعه = من الحج يا ذا فاستمع قول ناظم
وألف وست مع ثمانين حجة = توافى تماما في المدى المتقادم
وقيمه الوالي علي بن راشد= وقاه إله العرش شر المظالم
بدولة سلطان بن سيف بن مالك= إمام الهدى الزاكي سليل الأكارم (2/45)
صفحة 401
فعلى هذا تكون إمامة سلطان بن سيف زمانا طويلا تقارب أربعين عاما أو دونها بقليل والله أعلم، ثم وجدت في أول كتاب التبيان أن مؤلف التبيان وهو الشيخ درويش بن جمعة كان واليا للإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي قال وتوفي قبل الإمام.
قال وكان وفاة الإمام بعده ليلة ستة عشرة من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وألف سنة والمسلمون عنه راضون وعلى هذا هو الصحيح فيما عندي تكون مدة إمامته إحدى وأربعين سنة وسبعة أشهر وخمسة أيام؛ ونصب بعده إماما ولده بلعرب، وكان قبل كوته رضي الله عنه بأيام يسيرة طلع نجم أول شهر القعدة سنة واحد وتسعين وألف سنة له ذؤابة بقدر الرمح من المشرق، إلى أن انتهى إلى أقل من نصف السماء في رأى العين، وذؤابته مما يلي المغرب، ثم غاب وطلع أيضا بعد موته خط أبيض له نور عرضه أكثر من ذراع إلى قدر ربع السماء في رأي العين من أول شهر الحج سنة إحدى وتسعين وألف سنة من المغرب فلا يزال النجم والخط يرتفعان قليلا قليلا وينقص من عرض الخط إلى أن صار الخط بقدر الرمح إلى أن انتهى إلى نصف السماء أو أقل، ثم غاب النجم والخط وكان قبل إظهاره في عمان جدب شديد وقحط، حتى يبست الأنهار وماتت النخيل والأشجار وكثر الغلاء إلى أن صار من التمر من الفرض بشاخة في عمان، ثم من بعد ظهرت هذه العلامة كثرت الأمطار ورخصت الأسعار كثيرا، والحمد لله رب العالمين، وعطب البر كثيرا. ودفن بنزوى عند قبر الإمام ناصر بن مرشد. (2/46)
صفحة 402
وهذا عهد منه إلى جميع عماله كتبه إليهم ليعلموا بما فيه قال فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله العزيز عز أن تعوم بحور صفاته جوارى الفكر، وأن تروم تنظر كواكب تكيفه بصائر أولى البصر أو أن يشاهده بمخارق العيان والنظر، العالم بدبيب النملة والذر في الليالي المدلهمات عمن أبصروا سقوط أوراق الشجر؛ الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا في ظلمات البر والبحر الجليل قدره عن مشاكلة صفا ت البشر، أو أن يدرك الأشياء بالسماع والخبر، أو أن تجري عليه أحداث القضاء والقدر أحمده على ما صبب برياض قلوبنا سلسال العبر وحسم عنا أوصاب الكدر، وأشكره على ما خولنا من يانع نعمه، وقدر وسقانا من عصير كرم كرمه، وقدر وعز وتكبر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها جنة ليوم المحشر يوم لا ملجأ لنا من الله ولا وزر، حتى شددت بها عضد الإحسان لمن آمن بالله واستغفر وجلبت بها ربارب البراهين لمن طسم حجج الله وستر وفصلت بها رفاق الرأفة لمن حمد الله وشكر، وأودعت نار الأشجان الفرق بقلب من أعرض وكفر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله دعا إلى الله وأنذر وقاد الناس إلى الخيرات وبشر ونصب أنموذج الهداية لمن خاف الله من ذات نفسه وفكر، وصدر مدافع الذنب عن دين العزيز الأكبر حتى تسلسل سلسال سروره بسراير أسرته، وتهلل سنا نبراسه بضمائر ذويه وعترته، وهدم أركان شرائع شنآنه وعسرته، ودمتم على من مد راحته لمحاربة محبيه وخيرته صلى الله تعالى عليه وعلى آله الفقهاء الكرام الأجلاء العظام ما سحبت سحائب ذيول الودق على رؤوس الأكمام، وجرت أنهار تحت صوافح النخل ذات الأكمام. (2/47)
صفحة 403
أما بعد: فهذا ما يقول المعتصم بالله المتوكل عليه إمام المسلمين سلطان ابن سيف بن مالك إلى من نصب خيم همته في ميادين الإمارة وربط عرى شغله
[فقرة لم ترقن] (2/48)
صفحة 404
[صفحة لم ترقن] (2/49)
صفحة 405
[فقرة لم ترقن]
أحداث المعاندين الباهتين، وأصبح دين الله خفيا دارسا ووجهه قاطبا عابسا؛ والله يكلؤنا وإياكم أيها المسلمون من ذلك وينقذنا عن مهاوي الذلة والمهالك؛ فشدوا بي أيها المسلمون ظهوركم وقوى عزمكم وصبركم، وخذوا حزمكم وحذركم وأعدوا من آلة الحرب ما ترهبون به عدو الله وعدوكم وارحموا صغاركم ووقروا كباركم وعظموا أشرافكم وعظماءكم لكثرة المودة منهم لكم، لأن المداراة نصف العبادة وحسن التودد إلى الناس نصف العقل.
واعلموا أن العبد يبلغ بحسن أخلاقه مالا يبلغه الصائم القائم وأحسنوا إلى ضعفائكم وفقرائكم لينفعوكم بدعوتهم وتضرعهم إلى الله لكم واصبروا على ما أصابكم من حوادث الدهر ونابكم، واشكروا الله على ما فضلكم وشرفكم واحتملوا على ما بلاكم الله بأمور عافى منها غيركم وأعينوا بجاهكم من لاجاه له للخير الصحيح عنه عليه السلام (إن أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له، وازهدوا في الدنيا (2/50)
صفحة 406
عن جميع المعاصي واخشوا يوم الأخذ بالنواصي لأن من زهد فيما عند الله أحبه الله ([1])).
[فقرة لم ترقن]
ومن زهد في أيدي الناس أحبه الناس، ولن تملكوا الأشراف والسيادات إلا بالزهد والعدل وحسن السياسة للرعايا لأن الملك يبقى مع الكفر والعدل ولا يبقى مع الإسلام والجور، واعملوا ما شئتم فكل ميسر لما خلق له لأنه في الخبر الصحيح (اعمل ما شئت كأنك تموت غدا واعمل ما شئت كأنك لم تمت أبدا) وداموا على ذلك مع حسن النية والصلاح لأن (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) واحذروا التغافل والمغاضاة من إظهار الفعل المنكر المحجور من فاعله لأن الله عز وجل قد غير أقواما قد رضوا بفعل المناكر لقوله عز وجل (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) وفي الصحيح المنقول (الراضي بالمنكر كفاعله) وشمروا عن ساعدكم بالحزم والحذاقة في جميع أموركم ولا تتركوا ذلك فتصيحوا على ما فعلتم نادمين. كما قال الشاعر:
لا تترك الحزم في شيء تحاذره = فإن سلمت ما للحزم من باس
العجز ذل وما بالحزم من ضرر= وأحزم الحزم سوء الظن بالناس
وأبلغ في ذلك حجة وبيانا قول الله عز وجل محرضا للحزم قوله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم (2/51)
صفحة 407
وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) وكثير من الآيات لم أحص عدها ولا يخفى عليكم ذلك واستعينوا إخواني على نجاح حوائجكم بالإخفاء لها والكتمان، لأن كثيرا من الناس ما همته إلا بث السرائر واستخراج ما في الضمائر، وإياكم والعجلة في جميع أموركم وشاوروا فيها أهل الفضل والورع والعلماء بالله واليوم الآخر ولا تتركوا مشورتهم في جميع أموركم لئلا يقع بكم الخطأ، لأن عقل المرء لا يغني عن المشورة ولو كان كذلك لما أمر الله نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بالمشورة؛ وهو أرجح الناس عقلا لقوله تعالى (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)
وفي المنقول: لا صواب لمن ترك المشورة ولا خطأ مع المشورة.
وكذلك قال الشاعر:
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة = كعفة الخود لا تغني عن الرجل
وكثير مثل هذا لا يخفى عليكم ذلك؛ واحذروا الطمع المذموم المفضي بصاحبه إلى الهلاك والنظر إلى الدنيا وزخارفها؛ لأن أقدام العلماء تزل مع الركون إلى الدنيا والطمع في نعيمها، كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: إن الصفاة الزلاء التي لا يثبت عليها أقدام العلماء الطمع.
وقال عليه الصلاة والسلام: أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع.
وكذلك قال الشاعر:
دع الطمع المرذول عنك فربما = يقطع أعناق الرجال المطامع
فاتقوا الله إخواني (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما) وكثير من الآيات والأمثال العربية التي لا تخفى (2/52)
صفحة 408
عليكم؛ وكونوا بمجالسكم سامتين مسرورين ستبشرين لأوليائكم؛ عابسين آنفين عن أعدائكم متفقدين حق الرعاية لرعاياكم؛ تلقونهم بصدر أوسع من الدهناء؛ واحتمال يزري بالغبراء؛ ورحمة أمد من البيضاء؛ وسخاء يميل على الوطفاء؛ وتلطف كتلطف أبي غزوان؛ وختل لعدوكم كختل أبي جعدة؛ وإسراع إلى الخيرات كإسراع النجم؛ وبكور إليها كبكور أبي زاجر؛ وصبر كصبر النبي أيوب؛ وكونوا في أحكام أثبت من النقر على الصفا ومن الشوامخ بالبيداء، وأنجر في التجارة الأخروية من عقرب؛ وأتبع في النكد لمن عصى الله من تولب، وأنجز في مواعدكم من أسد، وأشفق لأوليائكم من الوالد على الولد، ومن المرء على السعد؛ وكونوا كالليث في غارة ما يرى عدوا إلا ظبته بأظفاره؛ وجدوا واجتهدوا وأنفقوا وصلوا وصلّوا بلا تعب ولا سأم؛ ولا سرف ولا ملل، ولا جهل ولا توان؛ وكونوا أشد على الأعداء من الصخر؛ وأخف على الأولياء من اليسر بعد العسر، وصافوا المودة لمن يصافيكم مهذبين لوذعيين فكهين طيبين غشمشمين غير بطرين ولا مستكبرين وأحسنوا الظن ببعضكم بعضا ولا تقدموا على أمر بغير تدبر ولا تفكر و (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) ولا تنزلوا المنزلة التي يحتمل فيها الحق والباطل، منزلة الباطل؛ لأن من فعل ذلك فهو المبطل.
فالله الله في إحسان الظن، ولا تسيئوا الظن بإخوانكم؛ لأن سوء الظن بالمسلمين من كبائر الذنوب ولا تهتكوا ستر إخوانكم ولا تذكروا بسوء خصال خلانكم (ولا يغتب بعضكم بعضا؛ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه، واتقوا الله إن الله تواب رحيم)
وفي الصحيح المنقول عن السلف الصالح: إذا كان بينك وبين أخيك (2/53)
صفحة 409
كنسج العنكبوت فلا تهتك ستره؛ فإن من هتك ستر أخيه هتك الله ستره؛ ومن احتجب عن حاجة أخيه المسلم حجب الله حاجته؛ أي منعها؛ ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه سبعين كربة؛ ومن أحبه الله جعل الله حوائج إخوانه على يديه؛ ومن أحب أن يكون مؤمنا حقا فليحسن الظن بإخوانه ويحب لهم ما يحب لنفسه؛ ويبغض لهم ما يبغض لها من الهداية والإيمان والكفر والعصيان وفي الصحيح: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما؛ إن رأيته ظالما بمعصية فأنصره بالهداية والنصيحة؛ وإن رايته مظلوما فانصره بالإعانة على نصرته وعزة؛ فانصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم على الحق والصراط المستقيم في الدنيا والآخرة وقد جعلت لكم حبس من يجوز حبسه وإطلاق من يجب إطلاقه؛ وعفو من يجوز عفوه وضيف من يجب ضيفه وإصلاح ما يجب إصلاحه من أموال بيت مال المسلمين وصوافيهم وإصلاح صياصيهم وأفلاجهم وطرقهم وقطع مضارهم على ما ترونه عدلا في كتاب الله وآثار الأئمة الصالحين، وقد جعلت لكم حماية البلاد وأهلها، والذب عن حريمها وصغارها وكبارها وتقريب صلاحها؛ وحسم ألفة فساقها وأنذالها؛ ولا تأتمنوا في أمانتكم التي أمتكم فيها إلا من هو حقيق بذلك في دين المسلمين؛ وقد ألزمت جميع من في هذه الرقى والبلدان؛ والمنازل والأوطان طاعتكم؛ وحجرت عليهم معصيتهم ما أطعتم الله ورسوله فيهم وقمتم بما شرطته عليكم في عهدي هذا؛ فإن خالفتم ذلك وأبيتم فأنا ومال المسلمين بريئان منكم وأنتم المأخوذون به في أنفسكم وأموالكم؛ لأنني أعزني الله بالإسلام والدين وشد عضدي بسنة النبي الأمين ومذهب القادة المتقين، لا أثرة عندي للظالمين، ولا حيف عندي للأولياء الراشدين؛ ونيتي أن أملأ الأرض قسطا (2/54)
صفحة 410
وعدلا؛ وحكما وفضلا؛ وكسر شوكة المرتدين، والأخذ على أيديهم، وهدم أركانهم؛ وتخريب أوطانهم؛ وإطفاء بدعهم، وتفريق زمرهم وجمعهم الذي يجتمعون فيه على الباطل والمناكر
والفجور والخوض في الفواحش والمحجور وانتهاك عظيمات الأمور ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
فاصبروا إخواني وما صبركم إلا بالله ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون؛ وما توفيقنا وإياكم إلا بالله، وعليه فتوكلوا وإليه أنيبوا وعلى نبيه محمد فصلوا عليه وسلموا تسليما؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن كتاب له إلى بعض عماله:
بسم الله الرحمن الرحيم: من إمام المسلمين سلطان بن سيف بن مالك إلى الوالي فلان بن فلان الفلاني جنبه الله الموبقات والمهالك.
أما بعد: يا فلان إني لك من المنذرين وعليك من المحذرين ألا تأخذ شيئا من مال المسلمين الذي هو قوام كل فقير ومسكين؛ وبه تدفع قارعة الغاشمين والمعتدين بتدليس شراء هو أقل قيمة وأبخس ثمنا من قيمته المعروفة في البلاد وسنته الجارية بين العباد؛ فإنه وإن خفي علينا وعدم علمه بين يدينا؛ فلن يخفى على من يعلم دبيب الذرة العجماء على الصفاة الملساء في الليلة الظلماء؛ ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور؛ وهو المطلع على كل مختفي ومستور، وإن كنت قد قارفت شيئا من ذلك وجعلته بذلك السبب الخفي إلى مالك؛ فاثن إلى ساحة قراره زمام عنسه، واغتنم برد قمره قبل أن ينفحك حر شمسه؛ فما الأمر إن عقلت بهين وما قولي لو وعيت بمين.
هذا وقد بلغني أن شقشقة تهدر بهذيان كان لا يليق بمثالك ولا يجمل لو (2/55)
صفحة 411
دريت بحالك؛ فلا تكن ممن سيماه سيماء العلماء ونطقه نطق السفهاء، واسمع إلى ما قال ربك المجيد (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) وانظر وقوفك غدا في موقف يخرس فيه الفصيح ويندم الطير الذي يصيح؛ فأصغ لك الخير إلى قول الفصيح واجنح إلى اغتنام المتجر الربيح وإلا ندمت حين لا تنفعك الندامة، وتهورت حيث لا ترجى لك السلامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وهذا كتاب منه إلى ملك صنعاء اليمن:
بسم الله الرحمن الرحيم: من إمام المسلمين سلطان بن سيف بن مالك رأس العرب اليعربي العماني إلى عالي ذروة الجناب المعظم الهمام المكرم إسماعيل بن القاسم القرشي العربي.
أما بعد: فإنا نحمد الله على آلائه وجميل صنعه وبلائه، ونسترشده إلى سلوك سبيل رضاه ونستزيده من خزائن مواهبه وعطاه إنه بيده مفاتيح كل خير وكفاية كل بؤس وضير، وإن سألت أيها المحب عنا ورمت كيفية الحال منا فإنا نحمد الله في حال يسر به الودود؛ ويساء به الحسود.
ثم لتعلم أيها الملك إنه قد وصل إلينا في مدة أيام قد تصرمت وشهور قد تخرمت رجل من جنابكم يزعم أنكم أرسلتم بيده طروسا بها درر من رائق لفظكم وخطابكم غير أنه يقول إن المركب الذي أقبل فيه عابه الانكسار فغرق في اليم؛ فأدرك الطروس المسطرة حكم التلف، ثم بيد أنه قد أفاه إلينا من نتائج لسانه، ولتضح لنا من واضح نطقه وبيانه أنكم علينا عاتبون ومنا واجدون لأجل قطع خدامنا في العام الماضي مراكب رقاب المشركين على بابكم وأخذهم لسفنهم الواردة لجنابكم؛ ولعمري إنا لندري أن العتاب بين الأخلاء عنوان المودة (2/56)
صفحة 412
الخالصة والصفاء وزائد محض المودة الصادقة والوفاء غير أنه يجب عند اقتراف الجرائم وانتهاك المحارم، فإنا نحن لم نقصد إلى انتهاك ذلك سبيلا؛ ولا نجد لك على إلزام فعل ذلك دليلا، إذ كنا لم نجهز مراكبنا ونتخذ مخالبنا ليسارة رعيتك ولا استباحة دم أهل حكمك وقضيتك؛ ولكن جهزنا الجيوش والعساكر؛ وأعددنا اللهاذمش والبواتر لتدمير عبدة الأوثان وأعداء الملك الديان تعرضا منا لرضاء رب العالمين، وإحياء لسنة نبيه الأمين، ورغبة في إدراك أجر الصابرين المجاهدين، وحاشى لمثلك أن يغضب لقتال عبدة الأصنام وأعداء الله والإسلام؛ ألست من سلالة علي بن أبي طالب الساقي للمشركين وبى المشارب، وأنت تدري بما جرى بيننا وإياهم من قبل في سواحل عمان وفي سائر الأماكن والبلدان من سفك الدماء وكثرة الصيام وتناهب الأملاك والأموال، وإنا لنأخذهم في كل موضع تحل به مراكبهم وتغشاه حتى من كنج وجيرون بندرى الشاه، ولم يظهر لنا من أجل ذلك عقابا ولا نكيرا، وإن كنت في شك من ذلك فاسأل به خبيرا أولا نذكرك أيها الملك، والذكرى تنفع المؤمنين، وإنا لك من المنذرين وعليك من المحذرين.
إنا لما ملكنا تلك الأيام بلدة ظفار وهي عنا نازحة في الفيافي والقفار لم نر في ملكها صلاحا لشيء أوجبه منا النظر وحاكته الأذهان والفكر، فتركناها لا من خوف قوة قاهرة ولا كلمة علينا ظاهرة ولا يد غالبة ولا كف سالبة؛ وحين ما خرج عنها عاملنا خلف خلف بها شيئا من مدافع المسلمين لغفلة جرت عن حملها في ذلك الحين؛ ولما ملكتم أنتم زمام عيسها واجتلبتم ضوء بدرها وشمسها لم تدفعوا لنا تلك المدافع، كأن لم يكن وراءها ذائد ولا دافع.
فاعلم أيها الملك أن البعل غيور والليث هصور والحر على غير الإهانة (2/57)
صفحة 413
صبور، ومن أنذر فقد أعذر، وما غدر من حذر، على أن في اصطلاح ذات بيننا وبينكم راغبون طالبون وفي استبقاء صحبتك راغبون ولإطفاء الفتن وإخماد المحن بيننا وإياك مؤثرون، فإن كنت راغبا في الذي فيه رغبنا؛ وطالبا لما له طلبنا؛ فادفع لنا إياها ولا تحتس بسرعة الاعتداء حمياها؛ وإن أبيت إلى الميل إلى اغتنامها والجزم على خبط ظلامها، ففي الاستعانة بالله على من اعتدى وسعة ومن كان مع الله كان الله معه، وحسبنا الله ونعم الوكيل والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وهذا جواب ملك صنعاء اليمن:
بسم الله الرحمن الرحيم: من شمس سماء الخلافة العلية، ومضرب سرادقات الشريعة المحمدية إلى قاضية أرض الملك المالك سلطان بن سيف بن مالك اليعربي العربي العماني أراه الله نهج الهداية وجنبه مسلك الضلال والغواية.
أما بعد: حمدا لله والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى وصيه الأترع البطين الحاصد سيفه رءوس المارقين؛ وقد وصل كتابك الذي شحنته بالأبراق والارعاد وعدلت به من تحسين العتاب إلى تخشين الخطاب، ظنا منك أن هذيان وعيدك وطنين ذباب تهديدك يزعزع من بأسنا صخرة صماء أو يحرك من وقارنا جبلا أشما فكيف يكون ذلك.
وأسيافنا في كل شرق ومغرب = بها من قراع الدارعين فلول
أين ذهب حجاؤك حتى طلبت منا المدافع بهذه الأراجيف والبقاقع ,
وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع
أما علمت أن الليث إذا هيج على فريسة كان أشد إقداما وأعظم جرأة واعتزاما، لا جرم أنها لما تأت بنا وبك الديار وحالت دوننا ودونك الأمصار (2/58)
صفحة 414
فاسترسلت لفظك فجاوزت في سوء المقدار حدك وانفردت بأرضك فطلبت الطعن والنزال وحدك.
يا سالكا بين الصوارم والقنا = إني أشم عليك رائحة الدم
فاقطع عرى آمالك عن هذه المدافع فهي أول غنيمة إن شاء الله من قطرك الشاسع؛ وقد دعوتنا على النزول على حكم الظباء ([2]) والأسل =
فالبث قليلا تلحق الهيجا جمل
ونحن من القوم الذين سقوا قومك يوم النهروان كؤوس الحتوف، وأنتم أتباع من سقى، فما بدأ به أوائلنا في سلفكم، ختمنا به من بقي والسلام؛ انتهى جوابه؛ وبكل أسف إنا لم نقف على جواب الإمام لهذا الكلام؛ وما أظنه إلا كما قال الشاعر:
وهل تغني الرسائل في عدو = إذا لم يكن ضبا رقاقا
وأئمتنا بحمد الله تعالى ممن ذكرهم الله في كتابه بقوله (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما – إلى قوله تعالى – والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما) فهم الأئمة الفعالة وغيرهم الأئمة القوالة؛ وكان هذا الرجل زيدي المذهب وكأنه يثبت الوصاية لعلى؛ وما افتخاره بقتل أهل النهروان إلا كافتخار اليهود بقتل عيسى (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وكذلك من قتل في سبيل الله (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن ولا تشعرون) ودلائل الحال تقتضي أن بينهما وقوع وقائع ولكن لم نطلع على ذكر شيء من ذلك.
وتمكن هذا الإمام من اليمن والهند وغيرهما (2/59)
صفحة 415
يقتضي أن الأمر صار على خلاف ما يزعمه ملك صنعاء؛ وكذلك تمكن الأئمة من بعده فإنهم قد ذكروا لهم من القوة والسلطان والتمكن من البلدان النائية والأقطار القاصية ما سيأتي ذكر بعضه وذلك يقتضي أن الإمام ومن بعده قد تمكنوا من اليمن وغيرها ما خلا صنعاء؛ فإنا لم نجد تاريخا في التمكن منها بنفسها؛ وأما آثارهم فظاهرة في أطراف اليمن، والله أعلم بما وقع بعد تلك المخاطبة؛ والأمر لله وحده مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، والحمد لله رب العالمين. وللشيخ خلف بن سنان الغافري قصيدة ذكر فيها فتوحات هذا الإمام قال فيها:
وقد قدّ الأعداء عضبك لما = قدمتهم لحربك الإقدام
كلما كلمت ([3]) كلا ديننا أو = آلمتها من العدى آلام
مرهمتها بمرهم البرء بتر = لك من ضوئها يضيء الظلام
عم حيا يا أروع من عقابيل = سطاه يوم المعادين عام
قل لمن ظن أن ذا العرش لن = ينصره وهو ناصر علام
مد حبلا إلى السما ثمت اقطع= وأرن هل غاض من يغض المرام
أو ما عاينت أفاعيله عيـ = ناك أم عاث فيهما الاظلام
أفما في ديار عبد غدا مسـ = تعبدا من معبود الأصنام
ويسامى القوى وقادهم كرها = كما قيد للذباح السوام
فأتوه بهم أفاكل رعب = مثلما ريع بالهزبر البهام
وفدوا مسقطا بعده بلدان= عليها دمع القسوس سجام
ثم أورى لمسقط سقط عزم = أسقط الظالمين منه ضرام (2/60)
صفحة 416
وهي دار يكاد يذهل منها = هيبة حين تذكر الأحلام
لم يكن دافعا لما أبرم البر= عليها مدافع وبرام
لا ولما ينهنه الفدر الكائن= عنها الكيتان والآطام
ولدى " كنج " كان منه لهم ما = كاد منه تدكدك الآكام
فغدت من عمان كف بني الأصـ = فر صفرا قد هزها الانهزام
ماد عن أرضها كفيتا ومور = بعد شهد له المرار طعام
وتجلى عنها جلال فلله = علينا الإجلال والإعظام
أبهم العقل عنهم فأتاهم = عنوة ما اصفرت به الأبهام
همهمت فيهم رعود حتوف= من همام في ملكه مهمام
أي هذا الراوي المشيع بأن الرى= قد بل من صداه الأوام
ليس يشفي من حرقة الديوان = أحرقن منا بالأسراق خيام
هذه من كلا الفلى وهذي = أرم تلكـ (م) التي لا ترام
أمها حجة الإله بجيش = لم يبح جاش جنده الأحجام
قاده نجل راشد بن علي = ذو له الرشد والمعالي مرام
صارم سله الإله فما كان = له غير الأعادي اندغام
ليث غاب وغيث محل به= تشقى وتسقى العداة والأيتام
فاستصيدت قرى بباس الصدى = الصيد عنه مهما بدا الاصطدام
وسباهم ألفى أسير كان قد = مازج الدمع منهم العلام
واقتنى منهم كنوزا غدا = يبهر منا قارون بل بهرام
وبممباسة أذاقهم بأسا = بئسا سيتت به الأصنام
ولقد في مفازة فاز منهم = بمفاز زلت به الأزلام (2/61)
صفحة 417
وعزا كلوة بكل كمى = لم يثني منه الغرار انثلام
ولدى زنجبار زمجر فيهم = رعد زجر لم ينج منه اعتصام
وبممبي نابهم منه ناب = لم ينبه عن المضي انهتام
وكذا في مخا قد امتخ منهم= أعظما قبل ضيمه لا تضام
وانثنى منهم بعدة أفلاك= تراءى كأنها أعلام
ولدى باب مندم كم دم طل= ومال أماله الصمصام
كل شار أفاد عدة آلاف= عداه من بعدها الإعدام
ثم أزجى جوارى الفلك ينحو= لمسيج ساجها العوام
فاستباح الحريم منها ولم يحصن= سوى حصنها عليه مقام
همم هامها منوط إلى هام= الهام حرن دونها الأوهام
انتهى ما أردنا نقله من القصيدة، ولهذه الغزوات أخبار لن تدون في الدفاتر وذكر ابن رزيق وهو شاعر متأخر: أدركنا بعض من أدرك زمانه أن مسقط عمرها بعض عرب عمان، وهم يمن الأنساب؛ فغرسوا فيها نخيلا وأشجارا تسقيها آبار؛ قال وآثار هذه الآبار باقية إلى هذه الغاية، وهي سنة خمس وسبعين ومائتين وألف، قال ثم اشتراها النصارى البرتكيسية منهم؛ فسورتها من حد جبل المكلا إلى جبل السعالى؛ وأحثت فيها حصنين كبيرين شرقيا وغربيا فلما اصطلمتها العرب منهم سموا حصنها الشرقي الجلالي، وسموا حصنها الغربي الميراني، قلت وإنما سموها بذلك باسم رجلين من النصارى ذكرهما الشيخ خلف في قوله:
ماد عن أرضها كفيتا ومور = بعد شهد له المرار طعام
وتجلى عنها جلال فلله = علينا الإجلال والإعظام (2/62)
صفحة 418
قال: وأحدثت النصارى فيها صيرتين على وجه البحر الذي يقابله الحصنان المذكوران وأحدثت فيها بروجا على السور وأبنية على رءوس جبالها وخمس عقبات: الأولى من أول المطرح إلى أول ريام، والثانية من آخر ريام إلى أول مسقط، والثالثة من آخر كلبوه إلى أول مسقط، والرابعة من آخر سداب إلى أول مسقط، من جانب سهيل؛ والخامسة من آخر جبال مسقط إلى أول الوادي الذي يفضي إلى دار سيت.
قال: وأخبرني غير واحد من المشايخ المسنة: منهم الشيخ معروف بن سالم الصائغي والشيخ خاطر بن حميد البداعي وغيرهما عما سمعوه من آبائهم المسنة، فاختلفت رواياتهم لفظا واتفقت معنى قالوا: لما مات الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله نصب المسلمون سلطان بن سيف الإمام في اليوم الذي مات فيه الإمام ناصر بن مرشد.
قالوا وكان سلطان بن سيف أيام دولة الإمام ناصر بن مرشد للإمام ناصر بن مرشد سيفا وكفا يبيد به الأعداء، ولما مات الإمام ناصر بن مرشد نكثت النصارى للعهد وقطعت الجزية ومنعت المسلمين عن الوصول إلى مسقط وعتو عتوا كبيرا. قالوا ونصب الإمام سلطان لهم الحرب وسار إليهم بنفسه بجمع كثير، فأقام بطوى الرولة من المطرح وبلغ معسكره إلى سيح الحرمل فجعل عسكره تارة يغزون مسقط وتارة يضربون من رءوس الجبال النصارى القابضين حصن المطرح، وجعلت النصارى على رأس كل جبل بمسقط أشد رجالهم أهل التفق، فلم يقدر المسلمون على دخول مسقط من كثرة جنود المشركين؛ ورميهم المسلمين بالمدافع والبنادق؛ وقد مدوا سلسلة حديد في رأس الجبل المشرف على ميابين وعلى الوادي الذي يمر على برزنجى إلى الجبل الذي به الآن البرج المربع، وهو الجبل المشرف على حلة (2/63)
صفحة 419
الأوغان، وجعلوا على هذه السلسلة سورا من حديد وأكمنوا فيها رجالا من قومهم ليصدوا المسلمين عم الوثبة على السور؛ وقد ملأوا الخندق بماء البحر الصغير الذي هو شرقي الباب الصغير؛ وجعلوا على السور عساكر جمة.
وكان النصارى وكيلان من البانيان أحدهما يسمى سكبيلة والثاني يسمى نروتم؛ فخطب أمير النصارى القابض في الكوت الشرقي بنتا من بنات سكبيلة وكانت ذات جمال فائق، وبذل له من المهر مالا كثيرا من الذهب والفضة وسائر الجواهر؛ فكان جوابه لستم في القديم ولا في الحديث؛ أنتم تزوجون ببناتنا ولا نحن نتزوج منكم؛ وهذا شيء لا يكون، فلما أغلظ النصراني عليه الكلام وعلم أنه إن لم يطاوعه يأخذ ابنته منه كرها؛ قال أمهلني إلى كذا من المدة حتى أصوغ للابنة حليا يصاغ لكل عرس من بناتنا الأبكار خاصة، فإذا تم الصوغ ووصلني دفعت إليك الابنة، فأمهله النصراني ورفع منزلته؛ فكان لا يحدث شأنا إلا يشاوره فيه.
ولما رأى سكبيلة التمكن من النصراني قال له: إن الماء الذي في الحصنين قديم فيه دود، وأخشى أن يطول الحصار علينا من المسلمين فالرأي تجديد الماء، وكذا الباروت فإنه قد فسد والرأي يفيده بالدق ثانية، فأجابه على ذلك فأخلى الماء وأنزل الباروت، وكتب للإمام وأخبره عما جرى له من كبير النصارى ودله على الوثبة على السور وبنى له وقت الوثبة وذلك يوم الأحد عند طلوع الشمس في اليوم العاشر من شهر رجب سنة 59 بعد الألف، وكان ذلك اليوم عيد النصارى يشربون فيه الخمور ويضعون فيه السلاح ويشتغلون بطربهم وملاهيهم، فوثب عليهم الإمام ومن معه من المسلمين، فدخلوا السور ووثبوا على الحصنين فأخذوهما في ساعة واحدة وقتلوا من فيها من النصارى.
قال ابن الرزيق: (2/64)
صفحة 420
اخبرني غير واحد أن الإمام ضرب واحد من النصارى حذاء الجزيرة وهو قد لاذ بعصفور مدفع حديد؛ فقطع السيف عصفور المدفع وفخذي النصراني؛ فجعل النصراني يقول لمن يمر به من المسلمين: ما هي إلا ضربة واحدة قطعت العصفور الفخذين مني؛ ولم يفتر عن ذلك حتى مات.
ولم يبق للإمام محارب من النصارى إلا كبرتيه وهو شجاع من شجعانهم؛ وكان قابضا في البرج المسمى باسمه إلى الآن (كبرتيه) فجعل كبرتيه يحارب المسلمين كل يوم حتى قتلوه في سوق اليز هو ومن معه كافة؛ وما بقى للإمام محارب من النصارى غير القابضين في حصن المطرح وأهل المركبين من مراكبهم ثم وثب عليهم المسلمون في خشاب صغار فنصرهم الله عليهم فقتلوا من المشركين كثيرا، وما نجى من النصارى إلا قليلا، ثم سلم القابضون منهم حصن المطرح للإمام فعبرهم ومن بقى منهم إلى جرة، ورفع الإمام الجزية عن سكبيلة ونروتم وعمالهما لمناصحتهما له وللمسلمين.
قال ولم يزل الإمام يجالد النصارى برا وبحرا واستفتح من أماكنهم الديو وغيرهما وملك كثيرا من مراكبهم وغنم كثيرا من أموالهم، قال وكان الإمام سلطان يقال له صاحب الكاف، فقيل إنه سمي بذلك لمعرفته بالكيمياء لما كثر معه الماء. وقيل إنه سمي بذلك لأجل سمة ركابه فإنها سمتها كاف.
وهذه نصيحة من الشيخ سعيد بن أحمد بن محمد الخراساني لأحد الإمامين ناصر بن مرشد أو سلطان بن سيف لم يعرف الناقل لأيهما كان، قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أيد هذه الأمة برحمته ونصره، ومن عليها بمن ارتضاه من أبناء دهره وعصره وملكه الشطر من ملكه وقهره وأطاع له من خلقه بما يقوي به على نهيه وأمره، وجعل له خليفة بعد أخرى يذب (2/65)
صفحة 421
بها عنها كل شيطان تملأ عتوا وكبرا، وملأ نحره ظلما ووزرا، وتجبر في الأرض علوا وفخرا وملكهم بالجبر إذلالا وقهرا، رحمة منه ونعمة بعد أخرى، فيا لها نعمة عظمة علوا وقدرا، ومنة منه عليها ثقلت تأدية وشكرا ابتلاء من الله ونظرا وخبرا. وصلى الله على خير خلقه محمد وأئمة الهدى الموفية بالعهد نهيا وأمرا، المؤمنة بقضائه حلوا ومرا.
أما بعد: إمام المسلمين أنا وإياك ركاب سفينة تجري بنا في بحر لجي عميق، تلعب بها الرياح، فتضطرب بها مرة وتسكن أخرى، فاعتصم بالله وتوكل عليه واسأله السلامة لك ومن معك فيها بدعاء وتضرع وخوف ووجل ونية صادقة خالصة من دنس المعائب ودرن الذنوب فأنا وإياك ناجون فيها أو غرقا بمن فيها، فإنا في أمر عظيم على خطر عظيم، ولكنها قلوب غافلة وأفئدة موعاة غير واعية وأنا وإياك عما قليل أموات لأننا أبناء أموات، وما أخذنا هذا الأمر والسلطان إلا بوراثة ممن كان قبلنا، فأرجى ما يرجى به من دوام الملك وبقاء النعمة وتعاقب الرحمة وزوال النقمة في الرأفة والعدل والرحمة وصلاح النية والعفو ما وسع ذلك، ولن تملك سادات الرجال وأهل الشرف إلا بلين الجانب ولطف المقال وحسن الصحبة وجميل الفعال لقوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين. فالله الله أيها الإمام في إخوانك الذين بذلوا في نصحك مجهودهم وشرعوا لك فيه مورودهم في منطق لا يعاب، ونصيحة صدرت لك من أتقياء أتقياء ألباب، مؤمنين غير متهومين في فعل ولا مقال فهم لك عيون ناظرة وآذان سامعة وأفئدة زكية طاهرة، خلصت عندك من حب الدنيا يعرفهم العارف والجاهل ذوو ورع في دينهم إذا رأيتهم خلتهم وحسبتهم بهائم رائعة؛ وإذا اختبرتهم وجدتهم ملوكا أشداء في دينهم لا (2/66)
صفحة 422
يخافون في الله لومة لائم، خلصت وطهرت قلوبهم من الدنيا الدنية لا يطلبون بنصحهم إياك من أجر.
إن أجرهم إلا على رب العالمين، فتدبر أيها الإمام ما كتبته إليك، إن الناصح إذا جاء ناصحا لله تعالى راغبا فيما عنده زاهدا فيما لديك لا يطلب في نصحه لك أجرا ولا يريد به فخرا وذكرا ورفعة، فاعلم يقينا أنه من نصحائك في الله وأحبائك الذين يؤثرون على أنفسهم ويحبون بقاء عز الدولة بإنقاذ كلمة الحق لله وفي الله في رجاء ثواب الله، وفي استبقاء ما عنده فهو خير وأبقى، والملك لله يهبه من يشاء من عباده والأرض له يهبها لمن يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
فإذا وردت لك هدية رحمك الله من نصائح أحد من إخوانك فاعرضها على عقلك فإنه حكم عدل فإن قبل ذلك من الناصح، مع موافقته آثار المسلمين فاقبله فإنه من الله على لسان أخيك، وممن جاءك به؛ واقبل الحكمة ممن جاءك بها من الناس فإن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها من حبيب أو بغيض من عالم أو ضعيف؛ فإنك أصبحي في أمر عظيم على خطر عظيم.
فالله الله إمام المسلمين لا تهمل العيون، واجعل على العيون عيونا، فإن لم تفعل فاعلم أنك مغبون، ولا يكون العيون إلا الثقات الأمناء من الناس المأمونين على ما ائتمنوا عليه، فابحث من كل بلد ملكت أمرها أمناءها وفضلاءها واجعلها عيونا راعية في رعيتك، حافظة في ولايتك، فإن اتهمت العيون وارتاب قلبك في قولها فليكن همك في طلب البحث لتعرف حق ذلك من باطله وجده من هزله، ولا تهمل الأمر إهمالا، ولا تغفل من أهل البلد وجوهها وأهل الشرف منها، وأظهر إليهم الجميل من مقالك، كأنك مقصر في حالهم، وإن كنت محسنا تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل أنه فقد رجلا فسأل عنه ثم قال اذهبوا بنا (2/67)
صفحة 423
إليه لعله واجد علينا؛ ولا عتاب عليه لأحد الناس صلى الله عليه وسلم أن كان برا رحيما، ولكن ذلك من تمام أخلاقه في قومه ورعيته صلى الله عليه وسلم؛ فلين الجانب إلى الناس يجلب لك المودة وهو خير من النفقة في بعض الأحايين رحمك الله.
وأما تقربك لأشراف الناس يزيدك منهم مودة ونصرة ونصيحة، ولطفك للمسكين ورحمتك له ينفعك بدعائه لك واستغفار لما يجد من عفوك وإحسانك إليه فلا بد من دعاء يسمع لك ويستجاب أو لا يسمع، ودعوة تدع الديار بلقعا فلا تكاد ترجع، والكلمة الشديدة تنفر منها القلوب ذوي الألباب؛ فإن الناس أجناس متباينة فأنزل كلا منهم منزلته، فإن الناس لهم منازل يتفاضلون بها: فمنهم إخوانك وهم نظراؤك وأمثالك، فأحب لهم ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك؛ فإنهم يحبون منك مثل ما تحبه منهم؛ فإنك تحتاج إليهم أكثر مما يحتاجون إليك؛ فلن لهم الجانب وكن لهم روحا وريحانا يكونوا لك إخوانا وأعوانا وملجأ وردءا وأنصارا؛ فإنك سلطان بجيرانك وإخوانك لا بالمؤلفة من حسادك وعدوانك؛ فإن النصيحة من العدو محال والمحال زوال؛ ونصائح إخوانك وأهل الشرف من جيرانك لا تستخرج إلا بصحة القريحة منك وبالمودة منك لهم تكون نصائح الرجال؛ ولا تصلح المودة الغريزية إلا بإصلاح النية؛ فإذا صلحت النيات من باطن القلوب في رضى الله علام الغيوب؛ فهنالك أمن الراعي واستراحت الرعايا ولو جربت ذلك لوجدت مقالي صوابا إن شاء الله.
وما أنت كبير إلا بإخوانك وأهل الشرف من بلدانك؛ واقبل من إخوانك كلا منهم على قدر ضعفه وقوته وعظم همته وتراخيها فإن أحوال الناس مختلفة لا متفقة ومؤتلفة، واقبل معذرتهم وأقل (2/68)
صفحة 424
عثرتهم، واغفر زلتهم، فإنك لا تجد الناجي من العيوب، المبرأ من الذنوب فإن طلبت صحبة من لا عيب فيه فاتك الدهر من غير صاحب، وأنت أحوج الناس إلى الأصحاب، ولكن لكل هؤلاء مرتبة ومنزلة، فانزل كل واحد منزلته إلا السفلة السعيبر ([4]) فأعطه الشدة صراحا وإن استغنيت عن أحد فلا تبعده كل الإبعاد وتفقد حاله واسأل عنه، فإنك لا بد أن تحتاج له يوما ما يكون لك حبيبا غائبا حاضرا أخا شفيقا لا يرضى فيك المعائب وإن كان عنك غائبا وحاشاك من ذلك، وإن استغنيت عن أحد أو اعتذر إليك أخوك إن طلبته في أمر ترى أنه من أهله فاعتذر إليك فاقبل معذرته ولا تبعده، فإنه أعلم بنفسه منك والله أعلم به منك ومن نفسه، وكل أمره إلى الله ولا تترك له من يؤذيه بمقاله ويكثر عليه من كلامه ووياله، فإن الكلام الشديد إذا صدر من ذويك ومن تقوى بسلطانك، فذلك منك لا منه والكلمة الشديدة تنفر منها القلوب وتتبدد منها الأجساد، فقد وصى الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلين الجانب وخفض الجناح للمؤمنين فقال " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " وقال " وأمرهم شورى بينهم " وأمره بالمشورة وحثه عليها في غير موضع؛ وهو أكثر الناس عقلا وأرجحهم رأيا وأعلاهم درجة وأدبا صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك من لين الجانب وحسن التواضع للناس، فلا ذل ولا صغر من تواضع لله؛ ولا ساد وارتفع من تكبر على الخلق؛ وحاشاك حاشا كل مؤمن تقى من ذلك؛ وأحق الناس وأولاهم بالصبر واحتمال الأذى الملوك لأنهم على أمورهم قادرون ولرقاب الرعية قاهرون؛ قد ملكهم الله العباد (2/69)
صفحة 425
لا ملجأ لهم من الله إلا إليه.
وعندي لا شك أنك عالم بالذي كتبت به إليك لأنك ملك من أبناء الملوك تسوسون الرعايا وتمارسون الأمور؛ لأن الملوك ممتحنون بذلك فلا بد لهم ولا مخرج من ذلك؛ لأن الملوك أحوج الناس إلى سياسة الملك في رعاياهم؛ وإنهم أكبر الناس عقولا ورأيا وسيرة وسياسة وأدبا من سائر الرعايا وهم أمناء الله في أرضه على خلقه، ولكن المكاتبات بين المسلمين واجبة والنصائح لازمة تذكرة وتنبيها للملوك لما هي فيه من كثرة الأشغال من معاناة أمور الرعية ومقاساة ما تجده من كثرة المعاندات والمخاصمات؛ وخاصة في أهل هذا الزمان؛ والله المستعان وهو حسبنا وكفى به حسيبا.
تابع
=============================
[1]- قوله: فيما عند الله الخ نص الحديث (ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) فكان الإمام رضي الله عنه أراد بقوله فيما عند الله الدنيا التي يعطيها الله عباده من غير يد أحد من الناس والله أعلم.
[2]- في نسخة الضباء؛ ولعل الصواب الظباة.
[3]- هكذا في الأصل ولم يفهم له معنى.
[4]- لعل صوابه السعير بشد العين وهو الشرير وفي الحديث لا يؤمن سعاره أي شره والله أعلم.
واعلم أيها الإمام أن الله سبحانه أحلك محلا عاليا شامخا وأنزلك منزلا شريفا باذخا؛ وملكك طائفة من ملكه ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك فلا ترض أنت أن يكون أحد أولى منك بالشكر له، وإن الله سبحانه قد ألزم الورى طاعتك فلا يكن أحد أطوع لله منك؛ وليس الشكر باللسان ولكن بالفعل والإحسان؛ قال الله تعالى " اعملوا آل داود شكورا ".
واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه من الملك لم تبق له ولم يبق لك؛ ولو أنه بقى لمن قبلك لم يصل إليك؛ إنما صار إليك بموت من كان قبلك؛ فاجتهد رحمك الله في طلب راحة رعيتك بتعب نفسك واغناء مسكينك بمخمصة بطنك لكي تتبع الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؛ واصبر على مرارة الصبر واحتمل زلة رعيتك ووقر كبيرها وارحم صغيرها وتفقد أمورها واسأل الله تعالى يمن عليك بتوفيقه لمرضاته والصبر على ما ابتلاك من أمور عافى غيرك منها يوصلك به ملكا دائما ونعيما لا يزول في دار تبقى (2/70)
صفحة 426
فيها الصحبة ويذهب عن أهلها فيها النصب واللغوب؛ ويجعلنا وإياك رفقاء إخوانا على سرر متقابلين. فيا لها من نعمة ما أجلها؛ وغبطة ما أعظمها جلت وعظمت عند من رزقها ونالها؛ وصغرت وهانت على من وهبها ويا لها كرامة من معطيها لمن أعطاها؛ وما ذلك على الله بعزيز " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " فخذ إمامي وإمام المسلمين بما بان لك عدله واترك عنك ما التبس عليك أو ظهر لك خطأه وهزله؛ فربما اختلس الشيطان مني الصواب وألقى على لساني الزلل والارتياب وأنا استغفر الله تعالى من كل قول وفعل وعمل قد خالفت فيه الحق، ومن كل شيء كتبته في كتابي هذا وغيره أو أوردت فيه شيئا مخالفا فيه المسلمين، فأنا أستغفر الله من جميع ذلك، ولا أردت بكتابي هذا وغيره العز لأحد، أو عداوة وانتصارا مني وافتخارا أو علوا وتقربا من السلطان أو استكبارا، وصلى الله على محمد وآله وسلم وصحبه وتابعيه ورضي الله عن أئمة الهدى من لدن أكرم الخلق، صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين والسلام.
قد تمت سيرة الإمام سلطان بن سيف اليعربي رحمه الله، وهذه قصيدة قالها واليه الشيخ محمد بن مسعود الصارمي صاحب عين السواد من أمطى؛ قالها في مسيرة إلى بتة وذكر فتوحها.
كشفن عن تلك الوجوه الصباح = إذ زمت العيس ليوم المراح
وجئن يختلن يعاتبنني= يبسمن عن در كلون الأقاح
خامرهن الشك في عزمتي= فقلن جد منك أم ذا مزاح
أسبلن دمعا هاملا هاطلا= إذ صرت في عزم النوى باتضاح
فشبهت اللؤلؤ والدر من= فيهن والنظم وعقد الوشاح (2/71)
صفحة 427
حتى إذا ما قربت ناقتي= نحو رحيلي واحتملت السلاح
أقبلن كئيبات يودعنني= مددن إلي الأكف السماح
صافحنني بكما بلا منطق= مني ومنهن وكنا فصاح
من عبرة حلت بنا لم تزل= ما بيننا تذري الدموع السفاح
كأنما النطق حرام على= ألسننا والدمع منا مباح
قد شحت الألسن بالنطق إذ = جاد العيون بالدموع القراح ([1])
حتى إذا ما صرت في مركبي= وحث بي حادى المطايا وصاح
أدبرن على خائبات الرجا = وقلن ودعن القلوب القراح
لا تجزعي يوم الهوى خلتي = لكل ليل مدلهم صباح
ولذة العيش وطيب الكرى= إذ غبت عنا والجسوم صحاح
قلت يروح الجسم مني ولن=يروح فؤادي، إليكن راح
وكل حي غائب آيب = لو طول الغيبة والانتزاح
فصرت مسلوب الحشى ذا أسى= من أجل هجر كل خود ([2]) رداح
يزيد ما بي واشتياقي إذا= ما بدا برق نحو سيما ولاح
أو شمته لاح لدى العين أو= فوق الأفانين إذا الورق صاح
أو (إن) تذكرت ديارا زهت = من سمد الشأن وتلك البطاح
أو ساق لي يوما نسيم الصبا = من روضها نشر الخزاما وفاح
أطوى الفلا واليم في فيلق = يطفئ ضوء الشمس والجو صاح
حتى أتينا بتة بالضحى = ثم نزلناها بأرض براح (2/72)
صفحة 428
فقلت لأصحابي لا تحزنوا = من عنده الله فلا يستباح
اصطنعوا الصبر ولا تجبنوا = عند الوغى فالجبن لؤم صراح
ثم اعلموا لا بد للمرء من = موت وبالهندي فيه الفلاح
فامتثلوا الأمر ولا قصروا=وجردوا أسيافهم والرماح
فاقتحموا السور كأسد الفلا = واشتدت الحرب وضرب الصفاح
كأنما القتلى بأرجائها= من فئة الإفرنج صرعى طراح
كأنهم أعجاز نخل بها = منقعر من عاصفات الرياح
فانهزم الإفرنج من بتة= الذل والخزي وبالافتضاح
بعدا لهم بعدا وسحقا لهم = من قوم سوء ووجوه قباح
بعزم سلطان بن سيف الذي = أباد أهل الكفر يوم الكفاح
وكفه من حمل صمصامه = لضرب رقاب العدى ما استراح
يفر منه الجحفل المجرئ من = خوف عليه في الوغى من جناح ([3])
مليك ملوك الأرض أن قبلوا = أقدامه فخر لهم وامتداح
واكف كفيه لسؤاله= قد نجلت منه الأكف السماح
يعطي بلا من يكرر ما = أعطاه أهل الفقر بل بارتياح
هو الإمام العدل في دينه = وملكه لا يسع غير الصلاح
أدامه الله وشبليه ما = دام مدى الدهر المسا والصباح
[1]- الأصل في النسخة المطبوع منها: جادت بالدموع العيون القراح وهي على ما يرى من اختلال الوزن والمعنى فليتأمل.
[2]- وفي الأصل: رود.
[3]- في هذين البيتين تصحيف وتركناهما حسب الأصل. (2/73)
صفحة 429
باب إمامة الإمام بلعرب بن سلطان ابن سيف بن مالك
بويع له في اليوم الذي مات فيه أبوه سلطان بن سيف، وهو يوم الجمعة في ستة عشر من شهر ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وألف فقام بالحق وسار بالعدل ولم تزل الرعية له شاكرة ولفضله ذاكرة، وكان جوادا كريما وعمر جبرين وبنى بها حصنا، وانتقل من نزوى إليها، وفي أيامه جاء رجل من أهل الخلاف إلى الصير فامتحن الضعفاء بملاغز وتغابي، وكتب الإمام في شأنه إلى قاضي المسلمين في زمانه ما نصه:
من الفقير إلى الله إمام المسلمين بلعرب بن سلطان بن سيف إلى شيخنا الرضي الفقيه وولينا في الله محمد بن جمعة بن عبدالله بن عبيدان – رحمه الله – وبعد الخير والسلامة وصلت إلينا كتب من عمالنا من الصير يذكرون فيها أن رجلا من مخالفينا جاء إلى الصير من البحرين، وصار له عند مخالفينا شأن عظيم، وصار له مجلس يجتمع فيه مائة رجل فصاعدا من قومنا، وصار متطاولا تيها بذيله على ديننا وفخرا، ويفتي في الأثر نظما ونثرا، ويمتحن أصحابنا بمسائل؛ وأرسلوا لنا مسألة في بعض امتحانه لهم وطالب جوابها، والمسألة هذه شعرا:
وذي رجل كالزوج دينا ومذهبا= ومات ولم تلحق صداقا ولا إرثا
وليست بذي قتل ولا ذي جراحة= فانعم لنا بالكشف عن هذه الأنثى
فإن أنت لم تستطع رد جوابنا= فعلمك أضحى في الورى ثوبه رثا
فأرسل بها نزوى وما شئت من قرى = فإن تظفروا بالكشف عنها أكن أرثا (2/74)
صفحة 430
فتفضل شيخنا برسم ما يرضي الله ونصر المسلمين، ومرادنا نفي هذا الرجل من أرض عمان إلى آخر ما ذكر، فأجابه الشيخ بما نصه: الجواب إن مثل هذه المسألة يبطل صداق المرأة وميراثها من الزوج الميت من وجوه شتى؛ مثال ذلك إذا تزوجت بزوج آخر عمدا ومعها زوج ولم يطلقها ولم يمت عنها ثم مات الزوج الثاني والزوج الأول؛ فإن هذه تحرم على الأول والثاني ولا يكون لها ميراث من الزوج الثاني ولا الأول لأنها تصير بمنزلة الزانية، لأنه لا يحل فرج امرأة لزوجين، وكذلك لا يكون لها صداق على الأول ولا الثاني، وكذلك إذا زنت امرأة وهي مع زوج ثم مات عنها زوجها، فقال بعض المسلمين أن ليس لها ميراث ولا صداق من الزوج، وفيه قولان: لها الصداق والميراث وأمثال هذه كثيرة.
قلت ولغز المخالف المذكور يدل على شدة جهلة وسوء طويته من وجوه: أحدها أن اللغز والتغابي ليس من أمر الصالحين وإنما هي حالة المتعنتين، والمتعنت يحرم جوابه لسوء قصده وخبث طويته، وثانيها أن عدم فهم الملغزة لا يدل على قلة العلم؛ فكم من عالم في كثير من الفنون سليم الصدر قليل الغوائل غافل عما يضمره المتعنتون في سرائرهم ساه عما يقصده علماء السوء من المقاصد الخبيثة وغفلته وسهوه عن الحالين من أحسن أحواله التي يرجى له بها من الله الزلفى، وثالثها تبجحه بملغزته وتعاظمه بتغبيته قبل أن يعرف ما عند غيره في بيانها أو العجز عن كشفها، ورابعها جهله بوضع العربية فإنه قد وضع الألفاظ في نظمه هذا على غير ما وضعت له فألحن في ذلك وجعل خطاب المذكر للمؤنث وذلك في قوله وذي رجل، وقوله وليست بذي قتل فإن ذي في البيتين بمعنى صاحب وهي بهذا اللفظ لا (2/75)
صفحة 431
تطلق إلا على المذكر، يقال ذو مال وذو إبل لصاحب ذلك، فإن أرادوا المؤنث قالوا ذات مال وذات إبل.
فكان على هذا المتعنت أن يقول وذات رجل وليست بذات قتل، ثم إن قوله في آخر أبياته أكن أرثا لا معنى له، فإن أرثى بمن أرشد رثاء، والرثاء أن تذكر الميت بأحسن أفعاله وأنت تدري أنه لا معنى لهذا في هذا الموضع، ولعله أراد أكن رثاثة في العلم منكم إن حللتم لغزي، وهذا المعنى هو الظاهر في سياقه، وعليه فقد ألحن لأن هذا المعنى يقال في إرث بتشديد المثلثة لا إرثا بتخفيفها، وخامسها جهله بأحكام الشريعة وذلك في قوله ولا ذي جراحة فإن الجراحة لا تبطل الصداق ولا الميراث، وفيه من اللحن في إطلاق ذي على المؤنث ما في الذي قبله فظهر جهله وقبح حالقه، وجواب القاضي رحمه الله شامل لملغزته ولغيرها فكأن حاله تقول: إن كنت يا جاهل قد عرفت في هذا وجها واحدا فإنا نعرف في ذلك وجوها كثيرة فذكر الوجوه المتقدمة.
ثم قال بعد ذلك في جوابه للإمام: وأنا إن شاء الله تعالى أكتب شيئا من التغابي في مثل هذا وأنا أكتب المسألة وجوابها، وأنتم أكتبوا المسألة بلا جواب وهاكم المسألة: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة وقت الغداة وهي عليه حرام، ونظر إليها وقت الظهر وهي له حلال، ونظر إليها وقت العصر وهي عليه حرام، ونظر إليها وقت العشاء وهي له حلال، ونظر إليها وقت الضحى وهي عليه حرام، ولما كان وقت الظهر نظر إليها وهي له حلال، ثم نظر إليها وقت العشاء وهي عليه حرام. وجوابها هذا الرجل نظر إلى أمة قوم وقت الغداة وهي عليه حرام لأنها ليست بملكه. ثم لما كان وقت الظهر اشتراها، ونظر إليها وهي له حلال، ثم لما كان وقت العصر أعتقها فحرمت عليه لأنها (2/76)
صفحة 432
ليست له، فلما كان المغرب تزوجها فحلت له، فلما كان العشاء ظاهر منها فحرمت عليه؛ فلما كان الصبح أعتق عنها رقبة فحلت له، فلما كان الظهر ارتد عن الإسلام فحرمت عليه، فلما كان العشاء أسلم فتاب فحلت له.
(
أخرى) في رجل أدخل بيته ضيفا فخرج رب البيت ليطلب لضيفه طعاما وفي وقت خروجه كان قد جامع زوجته حلالا وخرج حين فرغ من جماعه إياها فلما رجع إلى منزله بالطعام، وقبل أن يغتسل من جنابته ليطعم ضيفه فمنعه ضيفه الدخول، وقال لقد تزوجت بزوجتك حلالا بكتاب الله وسنة رسوله، وقد حرمت عليك. وجوابها أن رجلا له امرأة وهي حامل فقال لها إن ولدت أنثى فأنت طالق، فلما ذهب الزوج ليطلب طعاما لضيفه ولدت الزوجة جارية فانطلقت ثم ولدت بعد ذلك غلاما، فحينئذ ملكت نفسها وانقضت عدتها فخطبها الضيف إلى وليها فزوجه إياها وملكها بعقدة النكاح بلا وطء، وأتي الزوج وقد فاته وتزوجت بالتزويج الحلال.
(أخرى) وكذلك رجل حلف بطلاق زوجته إن دخلت عليها أمها، وزوجته حامل قد قرب ميلادها فخرج ليشتري لها شيئا من السوق فدخلت عليها أمها قبل أن تلد بساعة فطلقت منه، ثم ولدت وانقضت عدتها وحلت للأزواج فتزوجت بعد أن وضعت حملها، فجاء زوجها ووجد عندها زوجا ومنعه من الدخول عليها لأنها قد حرمت عليه.
(أخرى) رجل يدعي على امرأة أنها زوجته وأنكرته الزوجة بين يدي الحاكم وأقام الرجل بشاهدي عدل فشهدا أنها زوجته فلما أراد الحاكم أن يقضي عليها جاء رجل آخر فقال هي زوجتي أنا وأقام شاهدي عدل فأنكرت المرأة التزويج وأقامت شاهدي عدل على أن الرجلين المدعيين لها التزويج أنهما عبدان لها، ما يفعل الحاكم، جوابها أن (2/77)
صفحة 433
رجلا كانت له ابنه، وله عبد زوج ابنته بعبده؛ ثم أن العبد غاب فاشترته زوجته من أبيها فانفسخ النكاح إذ صار الزوج عبدها لما انقضت عدتها زوجها أبوها بعبد له آخر، ثم مات الأب فورثت هي زوجها فصار مملوكا لها، وانفسخ النكاح بالملك فصحت بينة وحكم الحاكم عليهما بالرق فكان القول قولها.
(
أخرى) رجل خرج من سفره وهو صحيح سالم وحضر صلاة الظهر وهو في السفر؛ وطلب الماء فلم يجد الماء فتيمم وصلى ثم نظر قدامه ففسدت عليه صلاته ونظر عن يمينه فحرمت عليه امرأته ثم نظر عن يساره فوجبت عليه الزكاة ثم نظر فوقه فوجب عليه الصيام ثلاثين يوما ووجب عليه الدين ثم نظر خلفه فوجب عليه القتل، وجوابها: أما تيممه فإنه تيمم وقدامه الماء ([1]) ثم نظر قدامه فنظر الماء وهو قريب منه وقد فسد تيممه وصلاته ووجب عليه الطهور بالماء والصلاة، وأما نظره عن يمينه فإنه كان قد تزوج امرأة مفقود فنظر عن يمينه فإذا بالمفقود قد جاء؛ وأما نظره عن يساره فإنه لما نظر رأى مالا له ورثه من سنين ولم يكن أخرج زكاته فوجبت عليه الزكاة وأما نظره إلى خلفه فإنه كان قد قتل رجلا والمقتول له ولد صغير فبلغ الصبي فنظر إليه الرجل وهو يريد قتله بأبيه لأنه قد وجب عليه القتل؛ وأما نظره إلى فوقه فإنه نظر إلى الهلال فلما رآه حل عليه الدين، ووجب عليه الصيام لأنه شهر رمضان ثلاثون يوما. (2/78)
صفحة 434
(أخرى) خمسة نفر زنوا بامرأة واحدة فوجب على واحد منهم القتل ووجب على الثاني منهم الرجم ووجب على الثالث الحد ووجب على الرابع نصف الحد ولم يجب على الخامس شيء. وجوابها: أما الذي وجب عليه القتل فكانت امرأة ذات محرم منه. وأما الذي وجب عليه الرجم فهو محصن، وأما الذي وجب عليه الحد فهو غير محصن وهو بكر، وأما الذي وجب عليه نصف الحد فهو مملوك، وأما الذي لم يجب عليه شيء فهو صغير غير بالغ.
(أخرى) رجل وامرأته كانا راكبين على جمل فنزلت المرأة فحرمت على زوجها ثم نزل الزوج فحلت له. وجوابها: أنهما كانا يهوديين، فحين نزلت المرأة أسلمت وشهدت شهادة الحق فحرمت على اليهودي ثم نزل هو بالحال، ولما رآها أسلمت فأسلم فحلت له والله أعلم.
وفي زمانه رضي الله عنه قدم من المغرب إلى عمان رجل من أهل جربة يقال له الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي الأباضي المغربي، فسر بما رأى من أحوال عمان وظهور العدل فيها وإحياء السنن وإماتة البدع، ولكنه رأى مجالس العلم فيها قليلة فكتب للإمام نصيحة يحثه فيها أن يحث الرعية على طلب العلم وتقويم المجالس وعمارة المدارس قال فيها:
مولانا أصلح الله أحوالك وسدد أقوالك وتقبل منك أفعالك وجعل إلى السعادة مرجعك ومآلك، فأقول أنا العبد الفقير: إني لما من الله تعالى عليّ بالوصول إلى هذه البقعة المباركة رأيت بحمد الله في مسكد وسمائل وفي نزوى وفي هذا المقام الشريف من الأحكام الشرعية والسيرة الأباضية والسنن المحمدية ما انشرح به الصدر وامتلأ بمشاهدته سرورا ولله الحمد على توفيقه، فتأملت أحوال عمان فوجدتها عجيبة الشأن حسنة الشكل (2/79)
صفحة 435
كاملة الأوصاف سوى أن مجالس الذكر ومدارس العلم فيها قليلة، والعلم سيدي كما لا يخفى عليكم يزداد بالاستعمال وينقص بالإهمال، ونقصان العلم ضرر في الدين عظيم؛ وما كان على النقصان يوشك زواله؛ وأخبرك يا نعم السيد ببعض أحوال أهل جربة من أهل هذه الدعوة في زماننا هذا مع ضعفهم وقلتهم وسوء حالهم، ومعهم من مدارس العلم ما يزيد على العشرين كل يعلم على قدر علمه؛ منهم من اقتصر على النحو واللغة وعلم الديانات ومنهم من تبحر في النحو واللغة والصرف والمعاني والبيان والمنطق والتوحيد وأصول الدين والفقه والحساب والفروض الشرعية والعروض الشعرية أعني الأوزان وما يتعلق بها من الزخارف وغيره، وهو من عادتهم يجتمعون في كل يوم الأحد ويوم الثلاثاء على شيخ المشايخ، وهو أبو زيد بن أحمد بن أبي ستة فيقرأون عليه ويلقون في المجالس المشكلات والسؤالات؛ فيتحرى فيها الصواب ويزيل عنها الالتباس؛ وهم في هذه الحالة يتأسفون غاية التأسف؛ على اندراس العلم ونقصانه؛ ولعلمهم أن المذهب الحقيقي الحنيفي الرستمي يزداد بازدياد العلم وينقص بنقصانه ويذهب بذهابه؛ وقد كان هذا المذهب بأرض المغرب في زمان الأئمة الرستمية رحمهم الله مسيرة ثلاثة أشهر وأزيد كلها عمارة محشوة بالزهاد والعباد والعلماء لا يحصى عددهم ولا يطاق عتادهم؛ فلما زالت عنهم الإمامة لأمر أراد الله إبرامه ذهبت الأخيار وبقيت الأشرار، وتهاونوا في العلم والتعليم ومالوا إلى الدنيا، فركبهم الجهل،
فطبع على قلوبهم بسبب ذنوبهم؛ وأتتهم العلماء المخالفون بالحجج الباطلة، فتخيلوا السراب ماء لطموس البصيرة وتمكنت من أزمة قلوبهم، فسلكوا بهم طريقهم الضالة، كما سلك الذود بين قائد وسائق فارتدوا على (2/80)
صفحة 436
أدبارهم والعياذ بالله في أزمنة متقاربة حتى لم يبق منهم إلا من ساقه التوفيق واعتصم بالله واستتر بالعلم؛ وهو أهل البقاع الثلاثة: بعض أهل نفوسة، وبعض أهل جربة وبنو مصعب ليس إلا سنة الله التي قد خلت من قبل سلكوا بها وتمسكوا.
فإذا كان الأمر هكذا فينبغي للإمام المسلمين أيده الله بالتوفيق وأنار له معالم التحقيق وأن يجعل في كل حصن من حصون مملكته المجلل عدله المزيد فضله معلما يعلم الناس أمر دينهم ويزهدهم في الدنيا الفانية الخسيسة ويرغبهم في الآخرة الباقية النفيسة، ويتيسر هذا إن شاء الله تعالى بالنظر في أحوال من له نظر ومعرفة ولو أدنى معرفة وذوق في العلم إن ظهرت منه أسباب الخير بالنصيحة لنفسه أولا ولعباد الله والشفقة عليهم والرغبة في الدين.
فحينئذ يتوجه الأمر المطاع من إمام المسلمين بأن يتصدى التعليم بالغداة والعشي ولا يحقر ما معه من العلم وإن قل إن كانت نيته خالصة بأن ينمو ويزيد ويفيد يستفيد ببركة العلم وفضله، حيث كان خالصا لله عز وجل لعل غافلا ينتبه أو نائما يتيقظ أو ناسيا يتذكر أو جاهلا يتبصر، وتكون سنة حسنة في الإسلام لمن سنها وأجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهو إمام المسلمين وأعوانه في الدين لا يغير ولا ينقص من أجور المتعلمين شيء.
الله الله ثم الله الله وحاشا لمثلك أن يتغافل ويتهاون في مثل هذا وأنت بتوفيق الله وفضله خليفته في أرضه؛ والعلم أصول دين الله وفروعه ولوازم العدل المأمور به المفروض أمثاله وشروعه، ولكن لكل شيء سبب ولكل أجل كتاب، وإذا أراد الله إظهار أمر يرضيه في الدين أجراه على يد أحد من خلقه، ممن يختصه لمزيد فضله (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) كظهور العدل وعلو كلمة الحق وذهاب ذوي الشقاق (2/81)
صفحة 437
وانطماس معالم الشرك والنفاق على يد المرحوم الشيخ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي والإمامين الرضيين رحمة الله عليهم أجمعين، وأنت الرضي الثالث بحمد الله، وقد ترى ما ابتلي الناس به من الميل إلى الدنيا والزهد في الآخرة مع شدة افتقارهم إليها.
سيدي ومولاي: أنظر بعين البصيرة والعقل الراجح الثاقب في وصل ما أمر الله به أن يوصل بينه وبين عباده الذين استخلفك عليهم رأفة ورحمة بهم ورجاء لرضوان الله تعالى , ولا تخلوا أرض الله تعالى من قائم فيها بحق وعلم في خلقه في كل وقت من الأوقات وهو الحجة على خلقه , كما قال الله (ولكل قوم هاد) يا نعم السيد ويا جهد المكارم إذا نظرت وتأملت في هذا الأمر العجيب الشأن واطمأنت نفسك إليه وهممت ببذل المجهود في تجديد معاهده وتشييد قواعده حبا لله ورجاء لثوابه , فثوابه أجل وأعظم للمسبب والمتسبب فيه من ثواب المجاهدين والمرابطين والمصلين والصائمين والحاجين والمعتمرين ما خلا الفرائض من ذلك كله وكان كل ذلك فضلا ونفلا فأرني منك علامة تسرني كقول إمام المسلمين: نعم ابتغيت رضوان الله تعالى فإن إحياء هذه الطريقة أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس وغربت , وأحب إلى الله ورسوله وإلى من ناصح نفسه من المسلمين , إذ جميع حطام الدنيا الفانية لا يعتبر في جانب السعادة الأبدية ولا تزن ذرة منه , وكتبته بيدي والله على ما أظهر وأضمر شهيد.
وهذا سر من العبد الغريب إلى المولى الحبيب , والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ورضوانه يتسلسل تسلسل أنفاس أهل الجنة , وأما أهل جربة وإن كانوا متمسكين بالعلم جهدهم , فتدبيرهم مختل وعقدهم منحل وأمرهم مشكل لفقدهم الإمام العدل وقرناءه أهل الفضل. انتهى كلام عمر الجربي (2/82)
صفحة 438
وهو كلام ناصح ماهر؛ وقد قيل أن النصيحة إذا خرجت من الجنان وقعت في الجنان , وإن خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان؛ فأثرت نصيحته الأثر الجميل؛ وتلقاها الإمام بالقبول والتبجيل فقام وشمر وحث الرعية على طلب العلم وأمر بالتعليم في ممالكه؛ وجمع جملة من المتعلمين في الحصن الذي جدد بناءه وهو (جبرين) فقيل أنه كان يخدمهم هنالك بنفسه وكان يعطرهم بنفسه وكان يتحرى لهم الأطعمة المقوية للإفهام والذكاء؛ فيقال أنه خرج من هذه المدرسة التي في حصن جبرين خمسون عالما أهل اجتهاد وأهل إفتاء الرأي ([2]).
وقد أكثر الناس في الثناء على هذا الإمام ورأيت في مدحه ديوانا حافلا محتويا على قصائد طنانه بلغة من فنون البلاغة مبلغا عظيما وعلى هوامشها تنبيهات على أنواع البديع في الأبيات , وقد غاب عني هذا الديوان فلم أره منذ زمان وإنما رأيته أيام الصغر وأحفظ من أوائل بعض قصائده أبياتا يسيره قال بعضهم في أول قصيدة لامية.
لمى بوادي الدوح دور وإطلال = سقتها غواد من ملث وآصال
وهمهم في أرجائها الرعد برهة= إذا ما انقضى وبل تعرض هطال
وقال آخر في أول قصيدة لامية أيضا:
زمّ المطي فعقد الدمع محلول
وقال آخر:
الله أكبر جاء الفتح والظفر= وأشرقت في الدياجي الأنجم الزهر
وأصبحت سبل الإسلام واضحة= أعلامها واستقام السمع والبصر
وغير ما أشرت إليه كثير وكلها مدائح في الإمام , والخلق شهود الله (2/83)
صفحة 439
في أرضه فمن أثنوا عليه خيرا كان أهلا للخير ومن أثنوا عليه شرا كان أهل للشر والله يؤتي فضله من يشاء وحيث كان شاعر ذلك الزمان راشد بن خميس بن جمعة بن أحمد الحبسي النزوي العماني من جملة من تعلم في ظل هذا الإمام وصار من جملة من مدحه وأثنى عليه أحببنا أن نذكر ترجمته هاهنا للإطلاع عليها وأن فاتنا جل تراجم المعاصرين.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- لعل الصواب وهو فاقد للماء أو تيمم وقدامه الماء وهو لا يعلم وقوله فإذا بالمفقود قد جاء أي بعد تمام أجل الفقد وتطليق زوجته وتزويجها أي فاختار زوجته إذ لو اختار أقل الصداقين لبقيت الزوجة بعصمت الثاني والله أعلم. أبو إسحاق.
[2]- قوله الرأي أراد القياس وهذه عبارة الأوائل رحمهم الله.
ذكر ترجمة الحبسي الشاعر
وهو راشد بن خميس وكان قد ولد بالقرية المسماة " عين بني صارخ " من قرى الظاهرة من عمان في السنة التاسعة والثمانين بعد الألف من الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فرمد وعمى وهو ابن ستة أشهر، ثم انتقل منها وهو ابن سبع سنين، وقد مات أبواه فنزل بقرية يبرين ([1]) مسكن الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك بن بلعرب اليعربي العماني، فرباه بها وأحسن إليه غاية الإحسان فتعلم في ظله القرآن والنحو والصرف واللغة وما شاء الله من العلوم المفيدة، وخرج شاعرا مجيدا أريبا حاذقا أديبا، فلما مات هذا الإمام انتقل منها إلى أرض الحزم من ناحية من الرستاق من عمان مسكن أخيه السيد الإمام سيف بن سلطان المالك بعده فأقام بها معه في أجمل حال إلى أن مات، فلما مات ارتحل إلى نزوى عمان؛ واتخذها وطنا دون الأوطان، وقد أثبت له في هذه المقدمة الشريفة هذه القصيدة الظريفة المخبرة عن أنسابه وملاحب آدابه، ولعله أراد بها استشهادا عما روى عنه للأمجاد عن نسبه وموطنه من البلاد، فإنه قد نبه بها عن نباهته (2/84)
صفحة 440
وراقم بها عن وجه درايته بقوله:
بوقائل قال ممن أنت قلت له = سلني أخبرك عن أصلي وعن حالي
فغافر خال أمي وابن عم أبي= حبس الرضى وبنو جساس أخوالي
وصارم إن سألتم جد عم أبي= فهذه معرفات العم والخالي
والعين مسقط رأسي وهي دارهم= فيها محلى وفيها قدري العالي
وقد رحلت إلى يبرين من بلدي= حتى بلغت إراداتي وآمالي
وقال أيضا:
يا جاهلا هاك خبري إنني رجل= أصون عرضي ولم أبخل بموجودي
وإنني من صناديد جحاجحة = تفوق فضلا على جميع الصناديد
أبي من الأزد والأم الكريمة من= بكر بن وائل خير السادة الصيد
قال كاتب الترجمة وهو سليمان بن بلعرب بن عامر بن عبدالله بن بلعرب بن عبدالله بن بلعرب الذي هو من بني محمد بن سليمان العقري النزوي العماني قد بدأ لي التفات إلى قوله:
أبي من الأزد والأم الكريمة من= بكر بن وائل خير السادة الصيد
فإنما بين الأزد وحبس القبيلة في النسب بون بعيد، فإن بني حبس وبني المسيب تتصل سلسلة نسبهم إلى شهاب بن النويرة التغلبي الشيباني على صحة عمود النسب وهو جدهم، وشهاب بن النويرة المذكور هو الذي شمر عن ساق الحرب يوم أورى كسرى لبني تغلب نار الطعن والضرب بإجارتهم للخرقاء وامتناعها بهم عنه فكانت عن الاقتراب هي أبعد عنه من العنقاء.
ثم إن الأزد هم أنف اليمن وعينها؛ والتغلبيون هم روح جسم بني نزار فلم أدر بسبب علة الغضب الذي وقع له هنا بقوله هذا، وعسى أنه غلب عليه (2/85)
صفحة 441
نسب الأم إلى حبس؛ فقيل له الحبسي بسببها؛ أو حبس اسم رجل من أجداده لا يتصل تسلسله إلى حبس القبيلة، وهذا والأول يبعد الاعتذار به على ما ذكر في قصيدته والله أعلم بالصواب.
قال وأما أنا مما علمته أنه هو بالنسبة بحبس إلى شهاب بن النويرة التغلبي الشيباني ونسبة بني المسيب كذلك تتصل إليه، قال وقد أثبت ترجمته في كتابي الذي سميته (المؤتمن في ذكر مناقب نزار واليمن) ونسبته إلى شهاب بن النويرة على ما اشتهر عندي. ومن المعلوم أن بني حبس لم تك ميولتهم إلى اليمن إلا بالحلف؛ وقد بقيت إخوتهم بنو المسيب على حالهم لم يميلوا إلى زماننا هذا إلى اليمن بحلف بل هم نزاريون مع الخاصة والعامة بلا خلف، ومن المحال أن يحيل أصل أصلا بالتلفيق فيكون هو وما هو على التحقيق، فإن المحالفة لا تكون إلا بمشاركة الدم بالدم في الطلب والإغاثة , وقد ترث بعلل ولا تدخل على الأصل علة الرثاثة.
قلت: كونه من غير حبس القبيلة المشهورة بعيد , لأنه قد ذكرهم في بعض القصائد وذكر مساكنهم من الروضة والمضيبي؛ وذكر أنهم قومه؛ ولعل الرجل لم يعرف أصل نسبه , ورأى عمان قد غلب عليها قبائل الأزد , فظن قومه منهم للاختفاء الأصل عنده؛ كما يقع لكثير من الناس عند جهلهم بأصولهم؛ والله أعلم بالواقع. وللحبسي هذا مدائح في الإمام بلعرب؛ وله فيها رثاء؛ ولا نذكرهما اختصارا؛ وكذلك له مدائح في غيره من أئمة اليعاربة من بعد هذا الإمام , وله مدائح في محمد بن ناصر الغافري وفي بعض قضاة الأئمة وولاتهم , وله مدائح نبوية على عدد حروف المعجم صدر بها ديوانه , وقد تكفل ديوانه بذكر جميع ما ذكرنا وفيه من فنون الشعر شيء كثير , ومن كلامه في مدح (2/86)
صفحة 442
الإمام بلعرب قوله في قصيدة نونية:
وقائل من ملوك الأرض خائفة= منه وتحمده في السر والعلن
ومن إذا سار في جيش تضيق به= وسع البلاد ووسع السهل والقنن
جيش يبيد العدى في البر يعقبه= جيش يبيد أهيل الشرك في السفن
ومن إذا قال قولا قال أحسنه = أو جاد أخجل جود العارض الهتن
ومن إذا ثار في الهيجاء يفعل في = أعدائه فعلة الجزار في البدن
ومن إذا فاخر الأشراف في ملأ= شاعت مفاخره في الشام واليمن
هذا الكريم الذي تشفيك رؤيته= من كل داء ومن هم ومن حزن
بلعرب نجل سلطان الذي حسنت= أخلاقه وهو رب المنظر الحسن
(
لطيفة) ذكرها شارح ديوان الحبسي قال: جن بقرية السر في عمان رجل يسمى راجحا بامرأة عشقها تسمى بشارة بنت سنان , فبهت راجح بجمالها وكان صحيح العقل؛ فبقي حائرا متبلدا من شدة حبها وحسنها فلم يدركها؛ فتعلق قلبه بحبها وهام بها حتى لم يذكر سواها , فخرج بسبب ذلك مجنونا تضرب به الأمثال وتكثر في أخباره الأقوال, ومن صفة بعض ذلك أنه صار لا يرى امرأة غريبة في البلد إلا وتبعها وجعل يحوم دونها كالكلب الجائع دون الفريسة لظنه أنها هي؛ وصار يهذي بها؛ ويزعم أن الملك برا وبحرا لها , وصار يسأل عنها كل متهكم ومازح ويقول له: هل من خبر عن بشارة يا راجح؟ فيقول لهم نعم؛ وقد فتحت البلاد الفلاني والحصن الفلاني وقد غارت على العجم والإفرنج وغيرهم وسلبتهم ملكهم فيقولون له: هذا الملك لك أم لها؟ فيقول هو لي لا لها؛ وإنما هي تأخذه لي بجيوشها العظام وأنا مستريح؛ فيقولون له مع ذلك: وكيف حال إمام المسلمين (2/87)
صفحة 443
وعسكره مع هذه الحال؟ فيقول: هو وزير من وزرائها وأنا الذي عقدت عليه الوزارة لها؛ وعسكره هم عسكرها , وكان كثير الضحك ولا يطيش كسائر المجانين ولا يأذي أحدا , إنه مشتغل بما هو به من هذه الحادثة؛ ويدور في سكك البلاد ليلا ونهارا , وكان لا يمر على الشاعر الحبسي إلا ويعاتبه ويسأله الوصول إليه وجمع الشمل بينه وبينها؛ فيجيبه بما يطيب نفسه من الكلام الحسن اللطيف إلى أن أشار عليه بعض المتهكمين عليه المستهزئين به أن يسأل هذا الشاعر نظم أبيات فيها فسأله ذلك فأجابه , فنظم فيها هذه الأبيات وقرأها عليه بأحسن الأسجاع؛ ففرح من ذلك فرحا عظيما حتى كاد أن يطير من شدة الفرح بها , فتعلمها منه وحفظها وصار ينشدها في سكك البلد وأسواقها ليلا ونهارا ويصفق بيديه ويرقص برجليه والأبيات هي هذه من البحر الخفيف:
سمحت لي الدنيا ببنت سنان = ذات قد يميس كالخيزران
ذات فرع وذات وجه منير = وخدود محمرة الأوجان
لم تجد في زماننا من يباهي = هذه الخود في نواحي عمان
سلبت راجحا بطرف كحيل = فهو منه مغير العقل ضان
تركته متيم العقل لكن = صيرت عقله إلى النقصان
-------------------------------------------------------------------------------
[1]- أعلم أن يبرين هو نفس جبرين فيما يتبادر من كلام المؤلف رحمه الله وغيره ولا يشكل تسمية الحصن بالقرية والله أعلم. مصححه.
ذكر حصن جبرين الذي بناه هذا الإمام
ذكر حصن جبرين الذي بناه هذا الإمام وكان من أعاجيب الزمان , وقد بناه من صلب ماله على ما قيل لأن الأموال قد كثرت في أيامه وأيام والده قبله حتى كادت أن تفيض البيضاء والصفراء من أيدي الناس , وذلك لبركة العدل وفضل الجهاد , (2/88)
صفحة 444
ولذلك أقبلت الأئمة إلى تشييد الحصون والمعاقل وإجراء الأنهار وغرس الأشجار وإحياء المواتات ليعيش فيها الناس بأرغد عيش وأتم نعمة , فبنى والده قلعة نزوى وهي الشهباء , وبنى هو حصن يبرين وبنى ابن أخيه حصن حزم والثلاثة من أعاجيب الزمان حتى قيل أن حصن جبرين لا يستطيع أحد أن يصفه بجميع ما فيه ولو فكر فيه شهرا كاملا بإمعان النظر التام، وهو قصر عالي يجري في بطنه نهر جار وله حيطان شاهقة، ومن أعاجيبه أنه لو دخله داخل من غير أهله لم يقدر أن يبلغ أعلاه إلا بدليل من أهله. وكان الشيخ علي بن ناصر الريامي رآه من ظاهره وباطنه.
وقال إن نظرت إلى سقفه قلت إنها خير من صنعة جدره وإن رأيت جدره قلت هاهنا الصنائع العجيبة؛ قال وفيه من النقوشات والتصاوير ما لا يحصى ولا يوصف. قلت ولعله أراد بالتصاوير تصاوير الأشجار والجبال والرمال والبلدان والبحور وما لا روح فيه فإن تصوير ذي الروح حرام، لا يأمر به الإمام ولا يرضاه. قال وفيه الأشعار مكتوبة على جدره وعلى الدرج والعرش والغرف والحيطان؛ قال ومكتوب فيه آيات من القرآن. قلت: لا ينبغي أن تكتب آيات القرآن على الجدر بل يجب أن ينزه القرآن ويعظم؛ ولعلهم إنما صنعوا ذلك بقصد التبرك بآيات القرآن؛ ولا يعجبني أن يكتب القرآن في الجدر ولا في السقوف. قال ويرى في بطن مشاكية وفي بطن الجدر سفتج أي نفق يدور في الجدار ما دار الحصن.
وقال فيه الشيخ المذكور شعرا:
الله أكبر من قصر علا وسما = وحصن عز بيبرين العلا رسما
أكرم به إنه الصرح الذي ثبتت= أصوله وله فرع سما لسما (2/89)
صفحة 445
هو العماد على ذات العماد على= مجدا وفخرا وما أبغى به إرما
تصاغرت عظمة الشهبا لعظمته = فما لها بعد رؤياه ترى عظما
لو كانت الجنة الفردوس يشبهها = شيء لقلنا هو الشبه الذي عظما
لم يخش ساكنه في طول مدته = غير الإله ولا عرب ولا عجما
لو سالم الموت ذا عز ومرتبة = لكان ساكنه منه لقد سلما
وقد بناه الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف،
وقد قيل إن بنيانه قام بثلاثة وعشرين كرا؛ وقيل إنه خزن فيه مثلهن ثلاثة وعشرين كرا، وبقرب الخزين هذه الأبيات:
أتعبت نفسي في عمارة منزلي= زخرفته وجعلته لي مسكنا
حتى وقفت على القبور فقال لي= عقلي ستنقل من هناك إلى هنا
وسألت عن البيتين فقيل لي أنهما كتبا على القبر وعلى غير موضع من القصر وكان الإمام قد قبر في قصره هذا قرب النهر، ولعلهم أكثروا من كتابة البيتين لقصد إخفاء الخزين ونظر بعض المتأخرين في صحة هذا الخبر بأنه لا يصح للمؤمن أن يخفي ماله على وارثه. قلت: وأيضا ففي خزنه تضييع لزكاته لأن الزكاة في النقدين الذهب والفضة واجبة كل عام إذا لغا النصاب. ويمكن أن يجاب عن النظر الأول بأنه خزنه عدة للحوادث وأنه أخبر به الوارث فامتنعوا عنه من وقت إلى وقت وطالت به الأيام فاختفى على من جاء بعدهم من غير قصد للإخفاء، وعن الثاني بأنه يمكن الخزين من الجواهر التي ليس فيها زكاة؛ فإن الزكاة في المعدن خاصة بالنقدين. وذكر الكتاب حلى البحر ولم يقل فيه زكاة تجري ثم أحاط بالإمام في قصره هذا أخوه سيف بن سلطان ومات الإمام (2/90)
صفحة 446
في سنة أربع ومائة وألف؛ فصار حصن يبرين عبرة للمعتبرين وقال المحروقي:
كفى عظة للعارفين وعبرة= بما فعلت أيدي الليالي بيبرينا
ثم رجع إليه ولده يعرب وأصلح الحصن والفلج بعد الحرب والتخريب ووقف عليه إصلاحه بأربعين ألفا، وقد خلت تلك الأمم وافترق آل يعرب بعض بخلف بن مبارك بالقصير، وبعضهم بمحمد بن ناصر الغافري، وأخذ محمد حصن يبرين بالعقد في كل شهر بثلاثمائة محمدية ليكون له مأوى وحصنا عن عدوه، فقتل محمد بن ناصر في حلة صحار ودفن فيها وقبض ولده ناصر بن محمد يبرين ثم استأسر آل يعرب ناصر بن محمد عند باب بادي في بلد بهلا؛ فخلص لهم حصن يبرين ثم أخذه بحاد بن سالم الغافري وقبضه ناصر بن محمد. ثم أن بلعرب بن حمير بن سلطان وهو ابن أخي الإمام الباني استأسر بحاد بن سالم وسجنه وقتله في حصن نزوى، وكان الحصن لآل يعرب حتى أخذ منهم سنة ستة وثلاثين ومائة وألف بعد الهجرة؛ ثم رجع إليهم سنة سبعة وخمسين ومائتين وألف وخان لهم عبد لراشد بن حميد الغافري، وبقي الخادم عند آل يعرب ستة أشهر وخدع العسكر وأغلق الباب بنفسه وضربهم بالبندوق ضربا، فاجتمعوا عليه وحصروه، وقتل منهم سبعة رجال؛ ثم أحرقوا الباب وحملوا عليه؛ فلما أحس بالهلاك رمى بنار في فيول الباروت فاشتعل القصر كله نارا، فاحترق من احترق فعاد الحصن لآل يعرب؛ وقال بعضهم شعرا:
مما يدبر ربنا ـــمن أمره = سبحانه في أرضه وسمائه
رد الملوك إلى محل قرارهم = مستبشرين بفضله وعطاءه (2/91)
صفحة 447
ثم حرب راشد بن حميد الغافري محمد بن سليمان اليعربي وحاصره في ثلاثة أسابيع؛ فخرج محمد من الحصن يوم السابع من شهر شعبان سنة تسعة وخمسين ومائتين وألف؛ ثم حرب راشد بهلا وفيها آل يعرب فأخرجهم منها، وبقيت بهلا وجبرين في أيدي أولاد راشد إلى أن أخذ الإمام عزان بن قيس بهلا وولى عليها الشيخ ماجد بن خميس العبري، ثم أحاط به الغافرية، وفيهم برغش بن حميد ابن راشد الغافري حين نكث أهل عمان على الإمام وأخذوه منه بعد قتل الإمام وبقيت هي ويبرين في أيدي أولاد راشد بن حميد بن ناصر بن محمد بن ناصر الغافري إلى هذه الغاية، وهي آخر سنة ثلاثين ثلاثمائة وألف. هذا ما كان من خبر يبرين وتقلب الأحوال عليه؛ ولله الملك الدائم. قال ذو الغبراء – وهو الشيخ خميس بن راشد العبري – في حصن يبرين: إنه يحتاج إلى حكم من أهل العلم لأن أربابه تفرقوا، وقد خلت أمة بعد أمة. قال وأما أموال يبرين فقد سمعت عن كثير من الناس أنهم لم يأكلوا منها وقالوا إنها حرام. قال وينبغي لمن حرم شيئا أن يأتي فيه بحجة صحيحة، وكل آية لها تفسير: وكل مسألة لها جواب. وقال في كلام قبل هذا: قلت لصاحبي هل عندك صحة في يبرين وما قالوا فيه؟ فقال: أما المال والأموال فالأكثر منه اشتراه الشيخ ناصر بن محمد الغافري وشيء منها آل إليه بالإرث. قال وسمعت هذا من محمد بن عدي بن محمد العبري وسعيد بن سليمان الزرعي. قال وقد رفعا عن الذين يثقون بهم في زمانهم الذي أكبر منهم سنا وأرجح عقلا؛ وقالوا إن الشيخ ناصر بن محمد أشهدهم وأمرهم بالكتابة بكثير من الأموال في وصيته وطلق نساءه بحضرتهم (2/92)
صفحة 448
وأشهدهم بذلك وأمرهم أن يكتبوا الماء والمال الذي آل إليه بالإرث والشراء من آل يعرب من يبرين لبيت المال، فلما مات الشيخ ناصر بن محمد شهد هؤلاء بذلك وقالوا " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " قال والمال الذي خلفه ناصر لم يقسم على ورثته.
قال وأما حصن يبرين فلم يصح فيه بيع ولا هبة من آل يعرب إلى يومنا هذا انتهى كلام ذي الغبراء والله أعلم؛ ومما يذكر من النظم للإمام بلعرب بن سلطان
إذا ما دعتك النفس يوما لريبة = فعاص على حال هواها وخالف
لا تتبعها مدة العمر إنما=إتباع الهوى قائد للمتالف
وجانب هواها ما استطعت فإنما= مجانبة الأهواء حرفة عارف
وخف من إله العرش شدة بطشه = لعلك تنجو يوم نشر المصاحف
وقال أيضا:
ولما بلوت الناس لم أر صاحبا=أخا ثقة في النائبات العظائم
وأبصرت فيهم في رخاء وشدة=فلم أر منهم غير كسب الدراهم
فإن كنت ذا يسر فحولك إنهم=مماليك أو عسر كأضغاث حالم
وثقت بمن أحيا العظام رميمة=وأنشأها خلقا لطيف المناسم
وذكر ابن رزيق الشاعر في وجود الإمام بلعرب أخبارا هائلة أعرضنا عن ذكرها للشك في صحتها والله أعلم. (2/93)
صفحة 449
ذكر خروج سيف بن سلطان على أخيه الإمام وحصاره له بجبرين
قال حميد بن محمد بن رزيق الشاعر التأخر: لن تزل الإمام بلعرب تضرب به الأمثال في العدل والجود حتى وقعت بينه وبين أخيه سيف فتن كثيرة، قال وأصاب كثيرا من فقهاء عمان وأكابرها وأهل الورع والزهد عقوبات من سيف وشد سيف على أخيه بلعرب الحرب فخرج بلعرب من نزوى وقصد ناحية الشمال ثم رجع إلى نزوى فمنعه أهلها دخولها فسار إلى جبرين فحصره أخوه سيف في حصن جبرين.
قال فلما عجز بلعرب عن ملاحمته اجتمع أكابر عمان فعقدوا الإمامة لأخيه سيف، وكثير من أهل عمان دخل في البيعة تقية لأن سيفا عاقبهم على عدم الرضا بإمامته، وخرج فأخذ حصون عمان كافة إلا يبرين فإنه حصره فيها وجعل يضرب الحصن بالمدافع، وكان عند بلعرب رجال مشهورون بالشجاعة فكلما دنى جيش سيف من الحصن خرجوا له وكشفوه فقتل في تلك الحرب من قوم سيف كثير. قال ثم أن أكابر هؤلاء وهؤلاء اتفقوا على الكفاف عن الحرب وقالوا الرأي أن نغمد السيف عن بعضنا بعض فإذا اقتتل سيف وأخوه بلعرب وقتل أحدهما صاحبه صرنا رعية للباقي منهما وتبعا. فإن أبيا المبارزة مكث كل واحد منا في العسكر، فإذا طالت على ذلك المدة رجع كل واحد منا إلى وطنه.
قال فلما بلغ بلعرب خبر القوم توضأ وصلى لله ركعتين، وسأل الله عز وجل أن يميته فما فرغ من دعائه إلا وقد (2/94)
صفحة 450
خر على البساط الذي صلى فيه ميتا، قال فعند ذلك خرج بعض خدامه من الحصن فأخبروا أخاه سيفا بوفاته فانهمهم وقال أقتلتموه؟ قاتلكم الله، فحلفوا له أنه قد مات حتف أنفه ثم خرج أصحابه من الحصن كافة، ومضوا إلى أخيه سيف فأخبروه عن أخيه بلعرب كما أخبرته عبيده عن خبر وفاته.
قال فمضى سيف إلى الحصن وغسل أخاه وكفنه وصلى عليه ودفنه قريبا من الحصن كذا قال. والمعروف عند أهل يبرين أن قبره داخل الحصن قرب النهر مكتوب عليه البيتان المتقدمان. قال وخلصت عمان لسيف ولم ينازعه فيها منازع قال وكان كثير من أهل عمان المشهورين بالعلم متمسكين بإمامة بلعرب ويرون أن أخاه سيفا باغ عليه، وقد تقدم أن بلعرب مات في سنة أربع ومائة وألف فتكون مدته في الإمامة ثلاث عشرة سنة ولله الملك الدائم.
[فقرة لم ترقن] (2/95)
صفحة 451
[صفحة لم ترقن] (2/96)
صفحة 452
[صفحة لم ترقن] (2/97)
صفحة 453
[صفحة لم ترقن] (2/98)
صفحة 454
[صفحة لم ترقن] (2/99)
صفحة 455
[صفحة لم ترقن] (2/100)
صفحة 456
[صفحة لم ترقن] (2/101)
صفحة 457
[صفحة لم ترقن] (2/102)
صفحة 458
[صفحة لم ترقن] (2/103)
صفحة 459
[صفحة لم ترقن] (2/104)
صفحة 460
[صفحة لم ترقن] (2/105)
صفحة 461
[صفحة لم ترقن] (2/106)
صفحة 462
[فقرة لم ترقن]
باب إمامة سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف ابن مالك بن أبي العرب اليعربي
بويع له بعد موت أبيه وذلك في شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف، وكتب العلامة الصبحي لبعض إخوانه أن سيف (2/107)
صفحة 463
بن سلطان صح معنا موته ثم صح معنا تقديم المسلمين ابنه سلطان إماما لكافة المسلمين تلقفت صحة ذلك من الفقيه ناصر بن خميس وخلف بن سنان رحمهما الله، وأيضا من الشيخ ناصر بن سليمان بن مداد وسليمان بن محمد بن ربيعة المربوعي، وقد ولاه على أهل نزوى، وقد أرسل إلينا، وجميع الإخوان الفقيه عدي بن سليمان كتابا فيه ذكر العقدة ومن حضرها، وكان المتولي للعقد عدي هذا وخلف بن محمد بن خميس وسليمان المذكور وكلهم ثقات فقهاء في هذا الزمان فيما قيل، والوالي سعيد ابن علي وأناس من أهل الغشب مسمون وغير مسمين، وكذا أهل الرستاق مع كثير من المشايخ اليعاربة، قال: وبلغني أنهم استتابوه. قال وفي هذا الكتاب الذي أرسل إلينا أن المسلمين رضوا به وأذعنوا له بالسمع والطاعة على شروط شرطوها وعهود أخذوها منه أن لا يقدم على أمر قليل ولا جليل إلا برأي المسلمين مع أشياء يطون بها هذا الكتاب.
وقال العبد الفقير سعيد بن بشير الصبحي قد ألزمت نفسي ولاية هذا الإمام وطاعته مع ما صح معي، وصحت عقدته على يد المسلمين وهو سلطان بن سيف ابن سلطان. قال وعندي والله أعلم أن إمامته في ظاهر الأمر أوجب من إمامة أبيه لأن المسلمين دخلوها وحكم التقية زال عنهم فيما بلغني، قال وعندي أن طاعته لازمة جميع الرعية وولايته لازمة جميع من صح معه صحة إمامته كان من رعيته أو من غيرها؛ وقد قيل لي في حصن المسلمين بنزوى بحضرة المشايخ؛ منهم ناصر بن خميس وناصر بن سليمان وسليمان بن محمد ودرويش وغيرهم من المسلمين ما تقول في هذا الأمر؟ فكان جوابي أني قد ألزمت نفسي ولايته وطاعته ودعوت إليهما من أجابني، وقد افترقنا على أمر واضح نهار (2/108)
صفحة 464
سابع وعشية تاسع وبكرة اثني عشر من شهر رمضان؛ يعني أنه حصل لهم النظر في هذا الأمر ثلاثة مجالس في الثلاثة الأوقات.
قال وقد افترقنا على أمر صحيح في هذه المجالس؛ وقد اتفقنا على إمامته بلا كراهية ولا تقية من الجميع.
قال وهذا يقتضي جواز الدخول وتنفيذ الأحكام مع الأخذ والعطا، وجميع أمور المسلمين بعد التحديد منه، وقبله فيه اختلاف لمن جاز له الدخول قبل. وكتب هذا سالم بن عبدالله من إملاء الشيخ سعيد بن بشير الصبحي.
ثم إن الإمام سلطان قام واستقام وجاهد الأعداء في البر والبحر وحارب العجم في مواضع شتى وأخرجهم من بلدانهم ودمرهم في أوطانهم؛ وأخذ البحرين والقسم ولاك وهرمز وبنى حصن الحزم بالجص والحجر، وانتقل من الرستاق إليه؛ وأنفق في بنائه مما ورثه من المال من أبيه؛ واقترض كثيرا من أموال المساجد والوقوفات ألوفا ولكوكا، ووجدت أن جملة ما اقترض من أموال الأوقاف خمسمائة فراسلة فضة؛ ودانت له الأمور؛ وسالمته الممالك وأطاعته الرعية، ولم تتحرك عليه حركة من عمان ولا غيرها، وعمر البلاد، وذكر الحبسي في قصيدة من قصائده وقائعه بالعجم؛ وفتح البحرين ورثا من قتل فيها من أمراء الأجناد؛ وهي هذه:
ألا فانظروا كيف الأعاجم صاروا= ... ... عدوا شجرات ما لهن قرار
طغوا وبغوا في الأرض حتى أصابهم= ... عقاب أليم مهلك وتبار
فحلت بهم من ممالك الأمر نقمة= ... وسوء عذاب دائم ودمار
وقد ضربت أعناقهم بمناصل ... =كما خربت دور لهم وديار
فصاروا بها رغم الأنوف كأنهم= ... سماجح وحش عاقهن عشار (2/109)
صفحة 465
وقد شربوا كأسا من الحتف والردى= ... فخروا على الأذقان وهي بدار
وجروا على أذقانهم بعدما جروا= ... بخيل وقد جروا الذيول وجاروا
وقد حملتهم بعدما عاينوا الضبا= ... مطايا المنايا للبوار فباروا
ليعلم ملك العجم أن جيوشه ... =إلى الموت قد يسرى بهم ويساروا
فدوخهم بالمشرفية فيلق= ... عظيم لديه المعظمات صغار
وقد أيموا من بعد ذلك نسوة= ... عراهن مع سوء الحياة صغار
تباكى عليهن بالنهار وبالدجى ... =وأدمعها عند البكاء غزار
كأنهم لم يعلموا أن باعنا = ... طويل وأعمار العداة قصار
دماؤهم هدرا ولكن ضربنا ... =لأعناقهم يوم النزال جبار
وما ذاك إلا من خساسة طبعهم= ... يقولون أضغان الرجال قمار
وليلة سعد مزق الليث ثوبها ... =كأن دجاها بالسيوف نهار
تزاحمت الأبطال فيها كأنما= ... بها القوم سفن والدماء بحار
ويوم أثار النقع فيه سحائبنا = ... منم الحرب حمرا حشوهن غبار
كأن يحاميم العجاجة عارض ... =تلامع فيه كالبروق شفار
فما زالت الهيجاء حتى تفرقوا =ولكن عرتهم ذلة وفرار
وقد صارت البحرين في ملك سيد= ... كريم زكا فرع له ونجار
سلالة (سيف) نجل سلطان الذي= ... لنا أمنت سوح به وقفار
هنيئا إمام المسلمين ببلدة= ... بكم طاب فيها مفخر وفخار
لقد كان فيها للأعاجم غبطة ... =فزموا مطايا البين منها وساروا
نعم وسقوا من منهل الحتف شربة= ... بها من عقار الموبقات عقار
فولوكم أدبارهم وتبلدوا= ... وقد وقفوا دون المحيص وحاروا (2/110)
صفحة 466
وكانوا بها أسدا فلما غزوتهم ... =غدوا بقرا عونا لهن خوار
رأوا منكم ما لا يرى بخت نصر= ... وما لا يراه مصدع وقدار
فلم يبق فيها للأعاجم ملجأ ... =ولم يبق فيها لليهود حمار
ولم يبق إلا من تراه مجدلا ... =قتيلا ومن بين الرجال يجار
فلم تحمهم من أسيف الأسد قلعة= ... ولما يصنهم معقل وجدار
وما ضرنا من غير موت كرامنا= ... لأنهم عدل بها وخيار
كحمير الزاكي ابن سيف بن ماجد= ... فتى بعده النوم اللذيذ مطار
ونجل عزيز راشد ومبارك= ... سليل غريب هم هديت ذمار
ولم أنس ذاك الحضرمي محمدا=فموتته للمسلمين خسار
شجاع كفاح لم يقاومه ضيغم ... =وعضب وغى لم ينب منه غرار
ولكن صبرا فالسنون حوامل ... =وفيها الليالي ولد وعشار
وللفلك الدوار عظم عجائب = ... وفي دعرنا للدائرات مدار
ودم يا إمام المسلمين مظفرا ... =طوال الليالي لا نبت بك دار
وهم أن يجعل عمان كجنتي مأرب، فحال الحمام بينه وبين ما يؤمل، والآجال تقطع الآمال، لكل امرئ ما نوى.
وتوفي بحصن الحزم الذي بناه للعزة والمنعة، فكان من قدر الله أن صار موضعا لوفاته ومحلا لجثته بعد مماته، فدفن به في البرج الغربي النعشي، وهذا الحصن غاية في التشييد، وهو من عجائب الدنيا. ذكر لي بعض الأصحاب أنه ألف في وصفه وفي بنائه كتاب نظما ونثرا، فالنظم قصيدة ميمية والنثر شرحها، ولم أقف على هذا الكتاب.
وكانت وفاة الإمام يوم الأربعاء لخمس ليال خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف. وكانت (2/111)
صفحة 467
إمامته سبع سنين وتسعة أشهر؛ وبموته انتقض الشر في عمان وجرت فيهم العصبية والحمية، وأرادت الرؤساء أن تجعل الدولة ميراثا، خالفت أمر أهل العلم والفضل، ونسوا الحال الذي منّ الله عليهم بسببه، وهو رد الأمر إلى أهله، فمشت العصبية في القلوب على حسب ما يأتي ذكره في الباب الآتي ولله الملك الدائم.
باب إمامة مهنا بن سلطان بن ماجدابن مبارك بن بلعب اليعربي
وهو الذي تزوج بنت الإمام سيف أخت الإمام سلطان؛ بايعوه بعد موت الإمام سلطان في ذلك الشهر بعينه، رأوه أهلا للإمامة لكونه ذا قوة عليها، ولم يكن كثير علم، لكنه يتعلم ويسأل؛ ولم يقدم على أمر إلا بمشورة العلماء، وسبب بيعته أنه لما مات الإمام سلطان أرادت اليعاربة ورءوس القبائل أن يكون الإمام ولده سيف بن سلطان وكان صبيا لم يراهق؛ وأراد أهل العلم وبنت الإمام سيف أن تكون الإمامة لمهنا بن سلطان لأهليته، وقال أهل العلم للناس؛ إن إمامة الصبي لا تجوز على حال، ومن لا يجوز أن يكون إماما في الصلاة فكيف يجوز أن يكون إماما على المسلمين، يتولى أحكامهم ويلي الأمور والدماء والفروج، ولا يجوز أن يقبض ماله، فكيف يجوز أن يقبض مال الله ومال الأيتام والأغياب، ومن لا يملك أمره فكيف يملك أمر غيره؟
فأبت العامة إلا إمامة الصبي؛ وأعاروا العلماء أذنا صماء، وتجمعوا واجتمعوا بالسلاح، وربما أشهروا سلاحا ووقع بعض الجراح، (2/112)
صفحة 468
فخاف العلماء وقوع الفتنة وانتشار الشر، فقال القاضي عدي بن سليمان الذهلي أمامكم سيف بن سلطان – بفتح الهمزة – أي قدامكم، وأراد بذلك تفريق جمعهم وإطفاء الفتنة، فعند ذلك نادت العمة بالإمامة وضربت المدافع إظهارا للأمر وإشهارا للإمامة، وانتشر الخبر الكاذب في البلدان أن الإمام سيف بن سلطان، فلما سكنت الحركات وهدأت الناس أدخلوا الشيخ مهنا الحصن خفية، وعقدوا له الإمامة، فقام بالأمر واستراحت الرعية في زمنه وحط عنهم القعودات ([1]) من مسكد، ولم يجعل بها وكيلا، وربحت الرعية في متجرها، ورخصت الأسعار، وبورك في الثمار، ولم ينكر عليه أحد من العلماء في شيء في سيرته، فلبث على ذلك سنة؛ ثم خرج عليه يعرب بن بلعرب بن سلطان ولد الإمام المحصور بجبرين، وسبب ذلك أن اليعاربة وأهل الرستاق أضمروا العداوة للإمام مهنا والقاضي عدي بن سليمان ومن معهما من المسلمين بسبب ما وقع عند بيعة مهنا، فلم يزالوا يكاتبون يعرب بن بلعرب ويحرضونه على القيام بأمر سيف والخروج على مهنا حتى خرج على الإمام، فسار مختفيا إلى مسكد، فدخل الكوت الشرقي، ووالي مسكد يومئذ الشيخ مسعود بن محمد الصارمي؛ فلم يشعر إلا ويعرب قد دخل الكوت؛ ولعل أهلها لم يخلوا من خيانة.
وكان الإمام خارجا إلى فلج البزيلي من أرض الجو، فبلغه الخبر فرجع إلى الرستاق وقام وشمر وجاهد وما قصر، وطلب من أهل عمان النصرة فخذلوه، ونصب له أهل الرستاق الحرب.
وسأل مهنا النزول من القلعة، وأعطوه الأمان على نفسه وماله ومن معه، ففكر في أمره فرأى أنه مخذول، وليس له ناصر من أهل عمان، فتبين له منهم الخذلان فأجابهم (2/113)
صفحة 469
إلى ما أعطوه من الأمان، فنزل من القلعة؛ فزالت بذلك إمامته فأخذوه وحبسوه هو وخشبوه هو وواحد من عمومته وبعض أصحابه بعدما أمنوهم ثم جاء بعض خدامهم فذبحوهم ظلما وهم في قيد وخشبة.
واستقام الأمر ليعرب بن بلعرب بن سلطان، ولم يكن يدعي الإمامة لنفسه، وإنما يدعيها لسيف بن سلطان الصغير؛ ويعرب قائم بأمره وشاد لأزره؛ وسلمت لهما جميع حصون عمان وقبائلها.
وكان هذا في سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف؛ فلبثا على ذلك حولا، ثم نصب يعرب إماما.
[1]- هكذا في النسخة التي بيدنا: ولعله مصحفا من العقودات، فليتأمل.
باب إمامة يعرب بن بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك
وكان قد خرج باغيا على الإمام مهنا على حسب ما تقدم فتاب من بغيه، ورد الأمر إلى القاضي عدي بن سليمان الذهلي، فاستتابه من جميع أفعاله ومن بغيه على المسلمين وتعديه على مهنا بن سلطان واغتصابه لدولة المسلمين.
قالوا وكان يعرب مستحلا في خروجه هذا، لأنه يظن أن الإمامة لسيف وأنها قد غصبت منه، فلم ير الشيخ عدي عليه ضمان ما أتلف لشبهة الاستحلال والمستحل لا يلزمه غرم ما أتلف، فقبلوا توبته من غير غرم، وبايعوه سنة أربع وثلاثين ومائة بعد الألف، فاستقام له الأمر وسلمت له حصون عمان، ولبث في الرستاق أياما يسيرة، ثم سار إلى نزوى فدخلها يوم تسعة وعشرين من شعبان من هذه السنة، فلم يرض أهل الرستاق أن يكون يعرب إماما (2/114)
صفحة 470
فتعصبوا لسيف بن سلطان الصغير، فكاتبوا يعرب بن ناصر اليعربي، وهو خال سيف بن سلطان وكان بنزوى وكان سيف معه، فما زالوا به حتى خرج من نزوى لست مضن من شوال من هذه السنة، وقصد بلاد سيت فخالف بني هناءة على القيام معه على أن يطلق لهم ما حجر عليهم الإمام ناصر بن مرشد من البناء وحمل السلاح وغير ذلك وأعطاهم عطايا جزيلة فصاحبوه إلى الرستاق، فاستقام الحرب في الرستاق وأخرجوا الوالي منها، وذلك أنهم أحرقوا باب الحصن؛ فاحترق وجه الحصن جميعا، واحترق ناس كثير من بني هناءة رؤساؤهم ورؤساء بني عدي.
وقيل إن جملة المحترقين مائة وخمسون رجلا، واحترقت كتب كثيرة، مثل بيان الشرع، والمصنف، وكتاب الاستقامة، ومجلبات الطلسمات قدر أربعين مجلبا، واحترقت كتب كثيرة لم يكن لها نظير بعمان وظهر من هذا الحرق مال عظيم مخزون في والج الجدار، فلما بلغ الإمام ما صنع أهل الرستاق مع الخارجين عليه جهز سرية أمر عليها صالح بن محمد بن خلف السليمي؛ وأمره بالمسير إلى الرستاق فسار حتى وصل العوابي؛ فلم تكن لهم القدرة على الحرب فرجعوا.
ثم إن يعرب بن ناصر كتب إلى والي مسكد أن يخلصها لهم؛ وكان الوالي بها يومئذ حمير بن منير بن سليمان الريامي الأزكوي من أهل حارة الحاء، فخلصها لهم، وخلصت لهم قرية نخل بغير حرب، ثم أخرجوا سرية وعليها مالك ابن سيف بن ماجد اليعربي؛ فوصل إلى سمائل وافتتحها بغير حرب، وصحبه بنوا رواحة، وجاء إلى ازكي فأخذها بغير حرب؛ فخرج الوالي منها في شهر القعدة من هذه السنة.
ثم إن الإمام يعرب خرج بمن معه من أهل نزوى وبني ريام والقاضي عدي ابن سليمان الذهلي، ووصل إلى ازكي؛ وخرج إليه (2/115)
صفحة 471
مشايخ ازكي بالضيافة والطعام وقالوا له نحن معك، فمكث يومين يكاتب مالك بن سيف ليخرج من الحصن فلم يخرج؛ فنصب يعرب له الحرب، فضربه ضربتين بمدفع، ثم وصل عساكر بني هناءة يقدمهم علي بن محمد العنبوري الرستاقي، فتفرقت عساكر يعرب وقتل منهم كثير، ودخلت رصاصة مدفع عند الحرب في فم مدفع يعرب، وكان ذلك من سوء الحظ، وتفرقت عنه جماعته ورجع إلى نزوى.
وأما القاضي عدي بن سليمان فإنه سار إلى نحو الرستاق، فأخذه قوم يعرب ابن ناصر هو وسليمان بن خلفان وغيرهما وصلبوهم؛ وجاء رجل من أعوان يعرب ابن ناصر فقتل سليمان بن خلفان والقاضي عدي بن سليمان، قتلهما مصلوبين وسحبهما أهل الرستاق، وذلك يوم الحج الأكبر من هذه السنة.
ثم مضى العنبوري إلى نزوى وجعل يكاتب الإمام وهو في قلعة نزوى؛ ودخل عليه أناس من أهل نزوى فسألوه الخروج منها لحقن الدماء، فلم يزالوا به حتى أعطاهم ذلك على أن يتركوه في حصن جبرين ولا يتعرضوا له بسوء، فأعطوه العهد على ذلك؛ وخرج من نزوى فزالت إمامته بذلك، ومضى إلى جبرين؛ ودخل العنبوري قلعة نزوى وضرب جميع مدافعها، ونادى بالإمامة لسيف بن سلطان فخلصت لهم جميع حصون عمان وسلمت لهم كافة القبائل والبلدان.
باب الأحوال الواقعة بعد تغلب يعرب ابن ناصر ومن معه على الدولة
وذلك أن يعرب ابن ناصر قام بأمر الدولة في منزلة النائب لسيف (2/116)
صفحة 472
بن سلطان الصغير؛ واستقام له الأمر شهرين إلا ثلاثة أيام ووفدت إليه القبائل ورؤساء البلدان يهنونه بذلك، ثم وقع من يعرب بن ناصر تهدد على بعض القبائل وخاصة بني غافر وأهل بهلى، فقيل إنه لما قدم محمد بن ناصر الغافري في جماعة من قومه وقع عليهم تهدد من يعرب بن ناصر فرجع محمد بن ناصر بمن معه مغضبا وجعل يكاتب يعرب بن بلعرب وهو المخذول آنفا ويكاتب أهل بهلى ليقوموا بالحرب وركب هو قاصدا إلى البدو من الظفرة وبني نعيم وبني قتب وغيرهم.
وأما يعرب بن ناصر فإنه أرسل إلى رؤساء نزوى أن يصلوا إليه فرأوا منه محلا وكرامة وأمرهم بالبيعة لسيف بن سلطان، ثم أنه سرى سرية وأمر عليها أخاه سليمان بن ناصر وأمره بالمسير من جانب وادي سمائل إلى يعرب بن بلعرب ليأتيه به إلى الرستاق وأمر أهل نزوى أن يصحبوا تلك السرية فلم يزالوا يتشفعون برؤساء الرستاق ليعذرهم من ذلك فعذرهم، ومضت السرية حتى وصلت فرقا وباتت فيها فبعث لهم أهل نزوى بطعام وعشاء فبينما هم كذلك إذ سمعوا ضرب المدافع في قلعة نزوى فسألوا ما الخبر فقيل لهم أن يعرب بن بلعرب دخل القلعة فعند ذلك رجعوا إلى ازكي فأشار من أشار على سليمان بن ناصر بقبض حصن ازكي ففعل ذلك ومكث في ازكي، وكان يعرب بن ناصر قد سرى سرية أخرى إلى يعرب وبعثهم من جانب الظاهرة فلما وصلوا بهلى قبضهم أهل بهلى وقيدوهم بها وبعث سرية أخرى إلى وادي بني غافر فانكسرت ورجعت إلى الرستاق، وأما يعرب فإنه بعث سرية إلى ازكي تسحب مدفعين فلما وصلوا ازكي ركضوا على الحصن وانكسروا وقتل (2/117)
صفحة 473
بمنهم ناس ورجعوا إلى نزوى، ثم سرى سرية ثانية إلى ازكي فأقاموا بالجنى الغربيات يومهم وأصبحوا راجعين من الليل ولم يكن بينهم حرب، ثم سرى سرية ثالثة ووصلوا إلى ازكي ومكثوا بالجنى الغربيات يضربون الحصن بمدفع فمكثوا على ذلك قدر عشرة أيام؛ ثم وصل مالك بن ناصر من الرستاق إلى ازكي، فخرج هو وأهل الحصن إلى قوم يعرب فانكسر مالك بمن معه فأغارت البدو من قوم يعرب على سدّى وحارة الرحاء من ازكي فنهبوا من طرفيهما وأحرقوا مقام حمير بن منير وكان خارجا من حارة الرحاء، ثم ركض ولاة سرية يعرب على أهل اليمن من ازكي فانكسروا وقتل والي السرية محمد بن سعيد بن زياد البهلوي، وقيل لمالك بن ناصر أن أهل النزار خرجوا مع سرية يعرب حتى ركضوا على اليمن فأرسل إلى مشايخ النزار وقيدهم بالجامع من ازكي، ثم أنه أرسل إلى أهل الشرقية فجاءت منها عساكر كثيرة، وجاء بنوا هنأة بخلق كثير، واجتمع
العساكر بإزكي فركضوا على سرية يعرب وأخرجوا الطبول وأناسا قليلا من جانب المنزلية، وخرجت العساكر من جانب العتب يوم الجمعة عند زوال الشمس فكانت بينهم وقعة عظيمة تسمع فيها ضرب التفق كالرعد القاصف وبريق السيف كالبرق المتراسل، فانكسرت سرية يعرب ووقع فيهم قتل كثير، وقتل من الفريقين قدر ثلاثمائة والله أعلم.
ثم إن مالك بن ناصر ارتفع بمن معه من العساكر وقصد قرية منح، وأغارت شرذمة من قومه على فليج وادي الحجر فقتلوا منه ناسا ونهبوا ما فيه وأحرقوا من زكيت بيوتا، كذلك من المحيول حتى وصلوا منح فنهبوا حجرة معمد وأحرقوا بيوتها، وقتلوا من قتلوا وتفرق أهلها ثم ساروا (2/118)
صفحة 474
إلى نزوى ووصلوا إلى مسجد المخاض من فرق فضربوا هنالك معسكرهم وأقاموا محاصرين نزوى وأفسدوا الزرع وأحرقوا سكاكر كثيرة من الحيلي والخضراء وأحرقوا مقامات من فرق وعاثوا في البلاد، ثم خرج إليهم أهل نزوى ومن معهم من عساكر يعرب فوقع بينهم الحرب، ثم رجع كل فريق منهم إلى مكانه وقتل من قتل من الفريقين، وكان الحرب والقتل بينهم كل يوم إلى ما شاء الله، اشتد على أهل نزوى البلاء، ثم وقعت بينهم وقعة عظيمة لم نسمع مثلها إلى ما شاء الله، وكادت تكون الهزيمة على قوم مالك إلا أنهم لم يجدوا سبيلا للهزيمة والهرب إذ قد أحاطت بهم الرجال كحلقة الخاتم بعد ما انهزم منهم أكثر من النصف وبقي من بقى فظنوا أن لا ملجأ من القتل فعزموا عزما قويا وجدوا في القتال.
وأما أهل نزوى فظنوا أنهم غالبون لا محالة فاشتغل أكثرهم بالنهب والسلب واتكل بعضهم على بعض فعطف عليهم القوم بعزم ثابت وجد واجتهاد فولوا منهزمين فكثر فيهم القتل والجراح، واتبعهم القوم يقتلون ويسلبون إلى الموضع المعروف بجنوز الخوصة قريبا من جناة العقر فقتل كثير من أهل نزوى في ذلك اليوم، ورجع قوم مالك إلى معسكرهم ولم تزل الحرب بينهم قائمة كل يوم، ثم إن مالكا خرج بكافة أصحابه إلا قليلا تركهم في المعسكر حتى وصل قريبا من جناة العقر فأراد أن يحاصرهم في بستان مويخ وينقب جدرها لمرامي التفق فخرج
إليهم أهل نزوى، فدارت رحى الحرب بينهم ساعة من النهار، ثم قتل مالك بن ناصر، فانكسر قومه ورجعوا إلى معسكرهم وأقاموا هنالك إلا أن قوتهم ضعفت بموت مالك.
ولم تزل الحرب قائمة بينهم وبين أهل نزوى حتى وصل محمد بن ناصر الغافري (2/119)
صفحة 475
بجيش من الغربية بعد حروب كثيرة، وكانت بها وقعات عظيمة منها بوادي الصقل، ومنها بالجو ومنها بضنك ومنها بالغبي، فلما وصل محمد بن ناصر أمر بالركضة عليهم فركضوا عليهم وأحاطوا بهم، ووقع بينهم الحرب والرمي بالتفق من الصبح إلى الليل، فلما أجنهم الليل أمر محمد بن ناصر أن يفسحوا لهم من الجانب الأسفل من الوادي مما يلي فرق، ففسحوا لهم فأصبحوا منهزمين وأصبح منزلهم من الليل خاليا ليس فيه أحدا وتفرقوا، ورجع محمد بن ناصر إلى نزوى، وكان يعرب بن بلعرب مريضا فأقام محمد بن ناصر بنزوى أياما قلائل، وكان الحصار لنزوى قدر شهرين إلا ستة أيام.
ثم إن محمد بن ناصر أمر بالمسير إلى الرستاق، فسار إليها بجيش فدخلها ونزل بفلج الشراة وأراد أصحابه أن يركضوا على البومة التي فيها علي بن محمد العنبوري فنهاهم على الركضة إلى أن ركض العنبوري وأصحابه فأمر محمد بن ناصر قومه فركضوا ووقع بينهم حرب عظيم فقتل العنبوري وقتل من قتل من قومه وانكسر الباقون ورجع محمد بن ناصر إلى فلج الشراة، ودخل في اليوم الثاني إلى فلج المدرى فالتقاه يعرب بن ناصر مذعنا فصالحه على تسليم قلعة الرستاق فأراد يعرب أن يخدع محمد بن ناصر، وكان محمد فطنا حذرا فأبى أن يدخل إلا أن يدخل جميع القوم، فلما دخل كافة قومه دخل هو ووقع من القوم في البلد السلب والنهب والسبي في الذراري حتى أنها بيعت وجملت إلى غير عمان، وذلك بما كسبت أيديهم جزاء بما كانوا يعملون وبما فعلوا في قاضي المسلمين عدي بن سليمان، وبما فعلوا بإمامهم مهنا وبأفاضل المسلمين، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ومات يعرب بن (2/120)
صفحة 476
بلعرب بنزوى ومحمد بن ناصر بالرستاق لثلاث عشر خلت من جمادى الأخرى من سنة خمس وثلاثين ومائة وألف وكتم أهل نزوى موته خيفة أن يقوى عليهم العدو نحوا من خمسين يوما.
ثم إن محمد بن ناصر أمر بتقييد يعرب بن ناصر بعد ما أمر يعرب بتخليص الحصون التي بيده، ولم تبق إلى مسكد وبركا في أيدي بني هناءة، وفي كوت مسكد جاعد بن مرشد بن عدي اليعربي، واحتالوه حتى أخذوه منه وأوصلوا بلد نخل، وأقام محمد بن ناصر بالرستاق وأشهر أن الإمام سيف بن سلطان هو ومع ذلك كله غير بالغ الحلم وتفرق أهل الرستاق في الجبال والأودية فقيل إنه وجد بكهف من جانب حلاة المهاليل مائة نفس من صبيان ونساء ميتين من العطش خافوا أن يرجعوا إلى الرستاق فيحملهم البدو فيبيعونهم.
وجاءت كتيبة لمحمد بن ناصر بعد أخذ الرستاق بثلاثة أيام قدر ألف ونصف من بني قليب وبني كعب أصحاب تفاق ورماح، ووصل رحمة بن مطر بن رحمة الهولى بقدر خمسة آلاف من بدو وحضر، وفيهم من لا يعرف العربية ولا يعرف صديقا من عدو فكان منهم ما سيأتي ذكره.
باب افتراق أهل عمان بالتعصب الباطل إلى غافري وهناوي
وسبب ذلك هذه الفتن المذكورة فيما مضى وفيما سيأتي، فإن المتعصبين فيها لمحمد بن ناصر الغافري سموا بالغافرية، والمتعصبين لخلف بن مبارك الهنائي سموا بالهناوية،؛ وكان خلف بن مبارك المعروف بالقصير من أهل الغشب (2/121)
صفحة 477
لم يكن بالرستاق في وقت الحرب، فقهر حصن بركا ومسكد في يده ومعه بنو هناءة، فأرسل محمد بن ناصر علي بن محمد الخروصي واليا لحصن بركا؛ فقتل ورجع أصحابه إلى الرستاق مع محمد بن ناصر، فأمر محمد بن ناصر الجيش بالمسير إلى بركا؛ فسار رحمة بن مطر بقومه وحمزة بن حماد القليي بقومه وأحمد بن علي الغافري بالعسكر الذي خرج من عند محمد بن ناصر ومحمد بن عدي بن سليمان الذهلي بالقوم الذين جاء بهم من الصير؛ ومحمد بن ناصر الحراصي بقومه؛ فسار هؤلاء كل وال على قومه حتى نزلوا مصنعه.
ثم ورد كتاب من قرع الدرمكي من بني هناة لرحمة بن مطر: إنك لا تصل إلينا فنحن واصلون إليك على معنى التهدد. فلما قرأه وعرف معناه أمر بالسير إلى بركا وقدم عونا من أصحابه، فوجدوا قرعا وأصحابه مقبلين إليهم؛ فالتقاهم رحمة بمكان يسمى القاسم، فوثب عليهم قضيب الهولي على فرس والقوم على أثره؛ فقتل منهم عشرة رجال وانكسر أصحاب قرع وخرج قضيب جرحا هينا، وسار رحمة مشرقا بالقوم حتى نزلوا بالخفري التي هي للجبور حتى يستريحوا ويأكلوا.
ثم إنه بعث عيونا فوجدوا خلف بن مبارك قد طلع بقومه برا وبحرا بجيش لا يعلم عدده إلا الله، وكان عدد القوم الذين هم أصحاب محمد بن ناصر خمسة عشر ألفا من بدو وحضر من سائل القبائل؛ فالتقوا غربي بركا، فوقعت بينهم صكة عظيمة، وكانت عند أصحاب رحمة مدافع فضربوا الخشب التي في البحر فأغرزت الخشب بحرا؛ وانكسر خلف بن مبارك وأصحابه وركب ناقته واتبعه أصحاب محمد بن ناصر يقتلون ويأسرون؛ فلم يجدوا ملجأ من القتل، وكانوا يدخلون البحر ليتخلصوا في المراكب فأغرزت بحرا فلم ينالوها، والقوم تضربهم بالتفق فهلكوا (2/122)
صفحة 478
جميعا، وأخذوا سلبهم من سلاح وغيره من جميع ما معهم، فلفظهم البحر، فوجد جميع القتلى ألفا واثني عشر رجلا، ولم يزالوا يتبعوهم حتى دخلوا حصن بركا.
ثم نزل أصحاب محمد بن ناصر الغافري بجانب الجبل من بركا؛ فحاصروا الحصن فأقاموا أربعة أيام، ثم إن أهل الحصن تخلصوا في المراكب ومضوا إلى مسكد؛ ولم يبق بهم إلا القليل وليس في البلد أحد؛ ثم إن أصحاب محمد بن ناصر رجعوا إلى الرستاق ورحمة بن مطر رجع إلى بلده؛ فأقام محمد بن ناصر بالرستاق وأصابه جدري شديد، حتى خيف عليه منه فعوفي؛ ثم إنه أمر بالمسير إلى ينقل وجعل في الرستاق محمد بن ناصر الحراصي واليا بالرستاق، وعنده أصحاب بهلى وسنان ابن محمد بن سنان المحذور الغافري قائما بقلعة الرستاق.
وسار محمد بن ناصر وسيف بن سلطان وحمل معه كافة اليعاربة ويعرب بن ناصر مقيدا حتى نزل مقنيات، وكانت إقامته بالرستاق قدر شهرين، فلما نزل بمقنيات أرسل إلى قبائل الظاهرة وعمان يستمدهم وبني ياس فجاء إليه القوم والتقوا عنده عساكر كثيرة قدر اثني عشر ألفا؛ وكان نزوله بفلج المناذرة من طرف ينقل، فأرسل إلى أهل البلد يسلموا له الحصن فأبوا ولم يردوا له جوابا وارتفع وقت الصبح يريد الانتقال منها إلى الجانب الأعلى على شريعة فلج المحيدث من البطحاء؛ فالتقاه بنو علي بمن معهم من أهل ينقل، فوقعت بينهم صكة عظيمة وقتل من بني علي قوم كثير؛ والمعروف منهم ابن شيخهم سليمان بن سالم ومن أصحاب محمد ابن ناصر سالم بن زياده الغافري وسيف بن ناصر الشكيلي وأحد من الجرحى.
ثم إنه نزل شريعة المحيدث من الجانب الأعلى وأقام يحاصرهم ويضربهم بالتفق والمدافع، فوقعت بينهم صكة عظيمة، فقتل خلق (2/123)
صفحة 479
كثير، وقتل من أصحاب محمد ابن ناصر الوالي محمد بن خلف الفيوضي وأحد من بني عمه، ثم إنهم كسروا الماء عن البلد فلم يبق معهم ماء، فعند ذلك صالحوا على تسليم الحصن ووصل الخبر إلى محمد بن ناصر أن سعيد بن جويد دخل السليف مع الصواوفة من بني هناة بقومه، فأمر القوم بالمسير إلى السليف، فلما وصلها أرسل إلى سعيد بن جويد وأهل السليف أن يؤدوا الطاعة فأبوا؛ وواصل إليه الصواوفة من أهل تنعم مؤدين الطاعة؛ ثم إنه أمر بالركضة على حصن المراشيد من السليف فركضوا عليه وهدموه على من فيه من نساء ورجال وأولاد.
ثم أن سعيد بن جويد طلب التسيار إلى بلده هو وأصحابه؛ فسيره محمد بن ناصر وزوده، وبقي بالسليف حصن الصواوفة وحصن المناذرة؛ فأما المناذرة فإنهم لما رأوا ما أصاب المراشيد صالحوا وأدوا الطاعة لمحمد بن ناصر؛ فسلموا ولم يصبهم بأس وأقرهم مكانهم.
أما الصواوفة فلم يأدوا الطاعة فأقام يقطع نخيلهم والقتل فيهم كل يوم؛ وفسح للبدوا من أصحابه إلى بني ياس وقبائل الحضر؛ وكان الحصار فوق شهرين؛ ثم إنهم صالحوا على هدم حصنهم بأيديهم فهدموه؛ وكان خلف بن مبارك بالقصير لما رأى محمد بن ناصر مشتغلا بحرب السليف حاصر الرستاق وقتل واليها الغافري المقيم بالقلعة؛ فخرج محمد بن ناصر الحراصي من حصن الرستاق فدخله خلف وخلصت له الرستاق وكان سباع العنبوري قد أخذ حصن صحار؛ فلم ير محمد بن ناصر الرجوع عن السليف؛ فمضى إلى الرستاق وصحار فيقوى عليه العدو.
ثم إن خلف بالقصير سار على حصن الحزم؛ وكان الوالي فيه عمر بن صالح بن محمد الغافري فحاصروه ورد الفلج عنه؛ وأرسل إليه خلف أن يخرج من الحصن هو وأصحابه بأمان؛ فأبى وكتب إلى محمد (2/124)
صفحة 480
بن ناصر يخبره الخبر؛ وأنهم لم يبق معهم ماء إلا بركة قليلة؛ فسار محمد بن ناصر إلى الحزم بعد ما صالح أهل السليف وهدم حصنهم بجيش عظيم لا يعلم عددهم إلا الله؛ فلما وصل الحزم ركض على أصحاب خلف؛ فقتل من قتل منهم وولوا هاربين وتركوا آلة حربهم من دوي ورصاص وطعام؛ ورجع محمد بن ناصر من الحزم إلى الظاهرة؛ ولم يمر على الرستاق؛ لأنه كان قصده بلاد سيت؛ وحشر من البدو والحضر؛ واجتمع عنده عسكر كثير؛ وسار من الظاهرة إلى بلاد سيت؛ فأرسل إليهم ليؤدوا له الطاعة؛ فأبوا فحاصرهم وأمر القوم بالهجوم عليهم؛ وقتل منهم خلقا كثيرا؛ ثم ركضوا على العارض؛ وهي لبني عدي فأخذوها وأخذوا (غمر) وخلصت له بلدان من بني هناة من العلو ولم يبق فيهم أحد منهم؛ فالذي قتل قتل؛ والذي طلب التسيار سيره بأمان؛ وقتل من أصحاب محمد بن ناصر عند الركضة على باب بلاد سيت قدر عشرة رجال وجرح أناس.
ثم إنه أمر بالمسير إلى نزوى؛ فسار إليها وأقام بها قدر ستة أشهر بعض الشتاء إلى أن جاء القيض؛ وأرسل إلى أهل البلاد من أهل منح أن يؤدوا الطاعة فأبوا فجهز لهم جيشا فحاصرهم الجيش وقطعوا نخيلهم من أهل (الفيقين) و (جرعالي) حتى أدوا الطاعة من بعد ما ذهبت أموالهم، وأمر بالمسير إلى الظاهرة ونزل بالغي وأخذ في جمع القوم حتى اجتمع عنده خلق كثير من البدوا والحضر؛ وأمر على أهل الظاهرة أن يسيروا التمر إلى الحزم، وصحبهم أهل وادي بني غافر ومن ذويهم وسار هو وجميع من عنده يريد بلد العوامر من الشرقية، فالتقوا هم والعوامر وآل وهيبة من بدو وبني هناة، فوقع بينهم حرب عظيم حتى كاد أن تكون الهزيمة على أصحاب محمد بن ناصر؛ ثم إنهم ثابوا وثبتوا فوقعت الهزيمة على بني هناة وقتل منهم خلق (2/125)
صفحة 481
كثير واتبعوهم حتى دخلوا حجرة العاقل؛ فرجع محمد بن ناصر ومن معه غالبا مظفرا، وكان في صحبته سيف بن سلطان إلى يبرين، ثم إنه وصل إلى الظاهرة ليجمع قوما؛ فاجتمع عنده خلق كثير؛ فوصل بهم إلى نزوى؛ وجمع أهل نزوى وبهلى وازكي وبني ريام وسار بهم إلى سيفم، وأرسل إلى سعيد بن جويد الهناوي ومن معه من أهل العقير والغافات فأبوا فحاصرهم.
ثم خرج سعيد بن جويد ومر على الظاهرة ووصل إلى صحار فجمع قوما من صحار وينقل، لأن ينقل نكثت الصلح؛ فاجتمع معه خلق كثير؛ وجاء إلى (عملى) و (ضم) وجمع جملة بني هناة ومن ذويهم من وادي العلا وجميع بلدانهم؛ فلما وصل فلج العيشي وأراد أن يركض على محمد بن ناصر وأصحابه؛ وكان مدة غيبة سعيد بن جويد سبعة أيام؛ ومحمد بن ناصر قد فرق العيون في الأماكن خيفة أن يهجم عليه على غفلة؛ فأخبرته العيون أن سعيد بن جويد أقبل في جمع كثير فأمر أن يلتقوهم دون البلاد فالتقوا في صدر الغافات؛ فوقع بينهم حرب عظيم؛ وقتل سعيد بن جويد الهناوي، وقت من أصحابه غصن العلوي صاحب ينقل، وجملة من أصحابه وانكسر الباقون.
وأمر محمد بن ناصر بالغزوة في كل بلد ملكها بهلى ونزوى وبلدان الظاهرة لإظهار الناموس، وسحب أصحاب محمد بن ناصر سعيد بن جويد بعد أن قتل إلى حصن الغافات وفيه عياله وأولاده وقومه ينظرون ليؤدوا الطاعة فأبوا فحاصرهم قدر شهرين، وفرغ ما عندهم من الطعام حتى أكلوا ما عندهم من الأنعام والقائد لأصحاب محمد بن ناصر مبارك بن سعيد بن بدر لأن محمد بن ناصر رجع من بعد الصكة إلى يبرين.
ثم إنهم صالحوا بعد ما فرغ ما عندهم وقتل من قتل منهم وذهبت أموالهم، وكان الصلح على هدم الحصن فهدموه (2/126)
صفحة 482
بأيديهم ووصلوهم بأمان وبقي حصن العقير محاربا لم يؤدوا الطاعة، وفسح محمد بن ناصر لمبارك بن سعيد بن بدر وجعل مكانه راشد بن سعيد بن راشد الغافري، وأقام محاصرا حصن العقير ومعه أهل بهلى ونزوى وازكي والظاهرة وبنوا غافر وبنوا ريام؛ وداروا به فلا يخرج منه أحد ولا يدخل حتى فرغ ما عندهم وطلبوا الصلح فصالحهم على هدم الحصن فهدموه بعدما تلفت أموالهم ولم تبق لهم نخلة ولا فلج، وقد أكلوا جميع أنعامهم ومواشيهم فعند ذلك صالحوا فأعطوهم الأمان ووصلوهم ورجع القوم كل إلى بلده.
وأما خلف بن مبارك فجمع قوما ونزل وادي المعاول وانتقل بهم إلى نخل فحاصرها وكان فيها مرشد بن عدي فمكث أربعة أيام، ثم خرج مرشد من الحصن فأحرقوه وهدموا منه ما قدروا عليه، ومع ذلك صالحه أهل حجرة الجميمي، ثم عقب عليهم من عقب ودخلوا البلد وهرب أهلها إلى سمائل وبعضهم التجأ في حجرة الجناة مع نبي مهلل.
ثم إن الذين بقوا عند بني مهلل أرسلوا إلى أهل نخل أن يجيئوا من جانب الحمام فجاءوا بقوم من حيث لا يدرون بهم آل مهلل فدخلوا عليهم على حين غفلة منهم وقتلوا منهم من قتلوا فخرجوا إلى وادي المعاول حتى أن المعاول نصروهم وزمروا لهم الحرب إلى حجرة الجناة فمكثوا يحاربونهم ثلاثة عشر يوما لا يهدأ ضرب التفق حتى إنهم انهزموا من الحجرة وكثر فيهم القتل وتخيبوا.
ثم إن المعاول قالوا لا نبغى حجرة في الجناة فهدموها، ومكثت نخل مدة من الزمان لم يوجد فيها من الإنس إلى الكلاب والسباع على القتلى، ومن بعد قسموها على بني هناءة ومكثوا فيها إلى أن ملك سيف بنت سلطان بعد ما بلغ الحلم وأقيم إماما فعند ذلك (2/127)
صفحة 483
سلموها لأهلها. وذلك أوان تخليج النخل فصاروا يتوسلون بالقاضي ناصر بن سليمان المدادي في نزوى فجاءوا بخط إلى المعاول فسلموها لهم.
وأما محمد بن ناصر فجهز جيشا من البدو والحضر، فقصد به بلدان الحبوس من الشرقية من المضيبي والروضة والتقى بجيش خلف بن مبارك بالقصير والحبوس وغيرهم من بني هناءة بالمضيبي؛ فوقع بينهم حرب عظيم، وانكسر خلف بن مبارك وتحصن في حجرة المضيبي، فحاصرهم محمد بن ناصر وقطع أموالهم، فطلبوا الصلح والأمان، فآمنهم وأدوا الطاعة، ولم يعلم محمد بن ناصر أن خلف بن مبارك معهم في الحجرة، فجاءه من جاء وأخبره أن خلفا معهم بالحجرة فلم يستحسن أن ينكث عهده وصلحه.
ثم خرج خلف من المصيبي هاربا فاتبعه محمد بن ناصر بجيشه حتى وصلا ابرى ودخل خلف ابرى ولم يظن أن محمد بن ناصر يتبعه إلى ابرى، فأقام مع الحارث فأرسل إليهم محمد بن ناصر أن يؤدوا الطاعة ويخرجوا خلفا من عندهم فأبوا، فأقام على حربهم كل يوم يقطع نخلهم ويدمر أنهارهم، فظنوا أن ليس لهم قوة على حرب محمد بن ناصر؛ فأخرجوا خلفا من عندهم خفية، وكان خلف رئيس بني هناءة كافة ومضى إلى مسكد، ثم أنهم صالحوا من بعد خروج خلف وأعطاهم محمد بن ناصر الأمان ورجع عنهم، وأقام بيبرين، وكان أكثر إقامته بها.
ثم إنه سار إلى الظاهرة وجمع منها خلقا كثيرا وغرب بهم، ولم يعلم به من قومه أحد أين يريد، فمر ببلدان بني نعيم وجمع بني ياس وبني نعيم وغيرهم وسار بهم، ومر على نجد الجرى ومر على بلدان بني قليب، فصحبه من صحبه منهم ومضى على خط الباطنة حتى خاف منه أهل صحار، فلم يغشهم ثم شرق فخاف أهل فلج الحواسنة أن يدمر واديهم وأصحابه (2/128)
صفحة 484
يأخذون كلما وجدوا من إبل وغنم وفيهم من لا يعرف الصديق من العدو، وعلم به خلف بن مبارك بالقصير فالتقاه عند أفلاج عرعر فوقعت بينهم صكة عظيمة فولى أصحاب خلف هاربين، ودخل خلف في بيت، واتبعه محمد بن ناصر يقومه ولم يعلم أنه في ذلك البيت، وظن خلف أن محمدا تركه بعد القدرة فدخل محمد بن ناصر الرستاق وجعل يدمر من أنهارها ويكاتبهم أن يؤدوا الطاعة فأبوا ودمر فلج الميسر وفلج بو ثعلب والحمام وقط شيئا من النخل، ولم يكن لأهل الرستاق قدرة على الخروج لحربه ومنعه حتى أنهم هموا أن يؤدوا له الطاعة فجاء إلى محمد بن ناصر خبر أن راشد بن سعيد الغافري أخذ حصن مقنيات والوالي فيه مبارك بن سعيد بن بدر، وكان ذلك حسدا منه لمبارك لتقدمه مع محمد بن ناصر فأمر بالنهوض من الرستاق وتركها بعد ما دمر أنهارها ثم إن علي بن ناصر بن حمد الكلباني مضى إلى راشد بن سعيد وناصحه وخلص له الحصن وضمن له أن لا تصيبه عقوبة من محمد بن ناصر، فقبض على ابن ناصر الحصن إلى أن وصله محمد بن ناصر فترك فيه مباركا واليا وترك معه الحواتم، وسار قاصدا إلى يبرين فمكث فيها ما شاء الله، ثم وصل بمن معه إلى نزوى وبويع له فيها بالإمامة على حسب ما سيأتي.
باب إمامة محمد بن ناصر بن عامر بن رمثة بن خميس الغافري
نسبة إلة غافر جد له ووجدت أنه من سامة بن لوى بن غالب وذلك أن محمد ابن ناصر لما كان منه ما ذكرنا من الحروب ووصل إلى نزوى (2/129)
صفحة 485
بمن معه أرسل إلى رؤساء القبائل وأهل العلم من غرب عمان وشرقها فاجتمعت إليه جموع كثيرة فطلب منهم أن يبرأ من الإقامة بالحرب وبأمور المسلمين وأن يقيموا من أرادوا مع سيف بن سلطان واعتذر إليهم فلم يعذره القاضي ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد ووالي نزوى عبدالله بن محمد بن بشير بن مداد ومن حضر من المشايخ من رؤساء القبائل، ولم يزالوا في معالجة هذا الأمر وغلقت أبواب حصن نزوى والعقر فلا يدخل فيها أحد ولا يخرج يومهم ذلك وليلتهم حتى قرب الفجر فعقدوا له الإمامة وضربت مدافع قلعة نزوى ونادى المنادي له بالإمامة والعز والأمان لكل قبيلة تريد المواجهة من يمن ونزار من بدو وحضر.
وكان هذا ليلة السبت لسبع ليال خلون من المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة وألف وانظر في مبايعتهم له بعد تلك الأحداث المنكرة والأحوال المهولة وفي كشف الغمة أنهم بايعوه تقية.
قلت ولا يسوغ ذلك لقضاة المسلمين وعلمائهم، غير أن الأمر يحتمل أحد شيئين: إما أن يكون محمد بن ناصر محقا عندهم في حروبه السابقة لأن يعرب بن ناصر وأشياعه كانوا بغاة على المسلمين، وعلى هذا الاحتمال فيقال إن تلك الأحداث إنما كانت من معرة الجيش، ومن أحداث بعض السفهاء كما وقع بعض الأحداث في جيوش أهل العدل وهم لم يرضوا بذلك؛ ولا صوبوا فاعله، والاحتمال الثاني أن يقال إن تلك البيعة كانت على سبيل الدفاع حتى تضع الحرب أوزارها؛ وللمسلمين أن يقدموا في الدفاع إذا غشاهم العدو من لا ولاية له عندهم إذا رأوا صلاحيته لذلك؛ وإن غيره لا يقوم مقامه؛ فثبتت إمامته عليهم على الشرط الذي شرطوه عليه، وتجب عليهم طاعته إذا (2/130)
صفحة 486
دعاهم لدفع عدوهم على حسب ما بايعوه؛ وإنما جازت الإمامة ها هنا لمن لا ولاية له لأن الدفع واجب على الكل؛ فهم إنما قلدوه واجبا عليه رجوا أن يقوم به وأن يكون لهم به الظفر، ولا تزيده هذه الإمامة إن لم يصلح منزلة فوق منزلته إلا وجوب الطاعة في الدفاع؛ وذلك إن لم يصلح حاله، فإن صلح فلكل درجات مما عملوا، ورب إمام بويع أولا على الدفاع ثم ترقى أمره حتى صار في منزلة الظهور.
وأكثر الأئمة من بعد مهنا بن سلطان إنما بويعوا على الدفاع فيما يظهر من حالهم إذا نظرت إلى فعل المسلمين في أول ظهور أمرهم بعمان، وفي تقديمهم لمحمد بن أبي عفان على ما قيل فيه سهل عليك الأمر واتضح السبيل وبرح الخفا، وعلمت أن الدين سهل يسر.
ثم إن محمد بن ناصر مكث بنزوى حتى صلى الجمعة وارتفع بمن معه إلى يبرين وفسح للقوم وأقام بها قليلا؛ وبلغه أن مانع بن خميس العزيزي هجم على الغبى وقهر حصنها ونهب سوقها، وأفسد فيها؛ وأغار مهنا بن عدي اليعربي وعامر بن سليمان ابن بلعرب الريامي وسليمان بن حمير بن علي اليعربي على غالة البركة وأخذوها، فعلم الإمام محمد بن ناصر بهم، فقصد إليهم وأرسل إلى القاضي ناصر بن سليمان والوالي عبدالله بن محمد ليلحقوه بالقوم من نزوى إلى البركة، ولم يغش هو نزوى ولم يكن عنده إلا قليل من عسكره وخدامه، فهجم عليهم وقت الضحى ولم يرد قتالهم وناصحهم على الرجوع، ورد ما أخذوا من الغالة، فأبوا إلا حربه وقتاله، فصنعوا له بومة في مسجد الشريعة الأعلى من البركة وقبضوا الجبل الشرقي، وكسروا فلج البركة؛ وصنع الإمام محمد بن ناصر بومة في المسجد الأسفل من شريعة البركة والجبل الأسفل؛ فكان بينهما ضرب التفق، وقتل رجل من عزابة الركاب من أصحاب محمد بن (2/131)
صفحة 487
ناصر، وجرح رجل؛ ثم أنه أمر أصحابه بالركضة عليهم فولوا منهزمين وأسر منهم ناصر بن بلعرب الريامي وعلي بن صالح صاحب كمة، وكان هذا قبل أن يصله أحد من المدد؛ وأمر بالتمر أن يحمل إلى يبرين، ورجع هو إلى نزوى وأقام بمساجد الغنتق منها؛ وكان إرادته حرب أهل تنوف وخرابها ثم أصلح الله شأنهم وواجهوه وأخذ منهم عهودا لا يخونوه، فطابت نفسه عليهم وسار إلى الغبي، فغدف عليهم الحصن ومعه ستة رجال فلم يشعروا به إلا وهو في أعلا الحصن، فخرج مانع العزيزي ومن معه من الحصن هاربين خوفا منه وقتل خادم لمانع بن خميس وأخذ الحصن وجعل فيه واليا ورجع إلى يبرين.
ثم أنه أمر بالحشد على جميع من بطاعته من أهل عمان؛ فاجتمعت إليه جموع كثيرة فسار بهم من نزوى يريد ضنك ليرجع الوحاشا إلى بلدهم ويبني لهم حصنهم الذي بضنك الذي دمره عليهم حين كانوا في طاعة خلف بن مبارك؛ فلم يرضوا آل عزيز برجوعهم إلى حصنهم وببنائه، فجمعوا أحدا من البدو ممن يشتمل عليهم وأرادوا حربه ومن معه من الوحاشا، فالتقوا بضنك وأوقع الحرب بينهم ثم انكسروا وتبدد شملهم، فعلموا أن ليس بهم قوة على حربه، وقد مانع بن خميس إلى السنينة مع النعيم، فمضى في طلبه في ناس قليلة من أصحاب الخيل والركاب السيارة، فلم يشعروا به إلا وهو معهم فاسر مانع بن خميس ورجع إلى ضنك، فلما رجع يريد الغبي مر على أفلاج بدو آل عزيز الذين نهبوا سوق الغبي فدمرهن ورجع إلى الغبي وأقام بها ما شاء الله حتى حشد من قبائل الظاهرة من شاء من القوم وقصد يبرين وأقام بها أياما قلائل؛ وجاء إلى نزوى فنزل بيت المزرع حتى يجمع قوما منها ثم مضى إلى ازكي وأخذ منها قوما، من جميع الشرقية، فخافت منه بنوا (2/132)
صفحة 488
رواحة، ثم إنه قصد سمائل، فلم يزل يناصح البكريين وأهل الحيلى وقوم عكاشة؛ فأما أهل الحيلي وأصحاب عكاشة فصالحوه وأدوا الطاعة، فأرسلهم إلى البكريين ليناصحوهم فلم يقدروا عليهم، فأمر بالركضة عليهم في ليلة شاتية مظلمة مطيرة ذات رعد وبرق، فلم يشعروا به إلا وهو في أعلى السور مع الحارس يقول عمن تحرس؟ فقال مخافة أن يهجم علينا محمد بن ناصر، فقال له: هذا محمد ابن ناصر عندك، فخذل أهل الحجرة وخرج الأكثر منهم بأمان منه، ولم يبق إلا برج وشيء من الغرف فيه بكر وأولاده وبنوا عمه؛ فكانوا يضربون بالتفق حتى قتلوا عن آخرهم.
وقتل من أصحاب الإمام محمد بن ناصر أربعة: أحدهم بخيت النوبي مملوك له كان قدمه على سائر العبيد، ضرب بتفق، وهدمت الحجرة عن آخرها وسلمت له سمائل زكاة ثلاث سنين؛ وكان قبل أفسد فيها آل عمير وحازوا جميع أموال الأغياب، فرد كل مال إلى أهله، وقيد أولاد سعيد أمبوا علي وهدم من حجرتهم ثم إنه أمر بالمسير إلى الجبل من الباطنة ليقطع لخلف بن مبارك القصير حين نهوضه من مسكد إلى الرستاق، فكان محمد يصل هو ومملوك له إلى الغبرة ثم علم خلف بن مبارك أن محمد بن ناصر قاطع له فلم يخرج من مسكد، وجعل الحرس على الطرق والأسوار، ولم تكن له قدرة على ملاقاة محمد بن ناصر، وأقام محمد بالحيل قدر نصف شهر وصالحه المعاول؛ ثم نكثوا ورجع هو إلى سمائل، وذلك أن المعاول وقعت بينهم وبين خلف بن مبارك شرهة وعتاب، وأخذوا عليه حصن بركا؛ وأرسلوا إلى محمد بن ناصر فهبط، والتقوه المعاول وعاهدوه على أن يخربوا مسقط.
ثم إن محمد ارتفع مغربا، فظنوا أنه يريد حصن بركا، فساروا ونزلوا الحرادى وكان نزول المعاول (2/133)
صفحة 489
وسط قوم محمد بن ناصر، فجعلوا خادما لهم يعمل طعاما؛ وفرشوا فرشهم؛ وسار كل اثنين منهم إلى نحو الخور ليصلوا المغرب أو العصر حتى خرجوا كلهم متسللين لواذا، فدخلوا حصن بركا ليمنعوه من محمد بن ناصر، وأما ركابهم فإنهم جعلوا عليها طنافا وقالوا له سر كأنك تسير نحو الفلاة؛ فما لبث حتى دخل بهن وادي المعاول.
وأما محمد بن ناصر فإنه أرسل إلى المعاول ما خلفوا من متاعهم في عسكره، وارتفع هو إلى سمائل وحمل أهله، ثم سار يريد البدو من عامر بن ربيعة وآل سعلى ومن اشتمل عليهم من سكان الباطنة؛ فعقر عليهم إبلا كثيرة، وكان راكبا على فرس وبيده كنارة ورمح يضرب يمينا وشمالا يقطع أعناقها ويعرقب أرجلها، ولم يرض لأحد أن يأخذ منها، ووصل إلى فريق من فرقانهم فقتل رجالهم، فصاحت نساؤهم بالأمان يا خلف بن مبارك إنا في طاعتك يظنونه خلفا، فأكثر في قتلهم وهو أمام القوم لم يلحقه إلا أصحاب الخيل والإبل السيارة، وسيف بن سلطان معه لا يفارقه في جميع حروبه وغزواته.
ثم رجع إلى الحزم فأقام بها أياما قليلة ورجع إلى وادي بني غافر فأقام بها أياما وفسح لجميع القوم إلا العسكر والعبيد، ثم قصد الغبى وأقام بها أياما، ثم رجع إلى يبرين؛ وكان أكثر إقامته بها.
وكانت البدو من عمان قد أفسدوا جميع الطرق ينهبون ويقتلون فلا يقدر أحد يسافر إلى مكان إلا في جماعة كثيرة وخاصة آل وهيبة، ولهم رئيس يسمونه بوخرق فحشدهم بجميع أهلهم وإبلهم وغنمهم؛ وأرمهم بالنزول حوالي يبرين؛ وذلك قهر منه لهم حتى ماتت إبلهم وغنمهم وضعف حالهم ولم يقدروا على مخالفته، فلما كانت ليلة أحد عشر من شهر الحج خرج بمن معه من القوم قاصدا آل وهيبة فدمر بلدهم السديرة (2/134)
صفحة 490
وقتل من فيها منهم، فكانوا يهربون إلى الرمل من أسافل عمان وخرابها من كل موضع ليس فيه ماء يظنون أنه لا يتوصل إليهم لقلة اهتداء الحضر لتلك الأماكن وقلة دلالتهم بمواردها؛ فمضى إليهم فقتل ستة وثلاثين رجلا من أكابرهم؛ واسر خمسة وتسعين رجلا، وقتل إبلهم وأغنامهم، وحمل الأسارى إلى يبرين مربوطين في الحبال وأما بوخرق فإنه قصد مسكد ودخل مع بني هناءة، وقيد محمد بن ناصر الأسارى بيبرين شهرا؛ وأرسل بوخرق إلى الإمام أنه لا يضر أحدا ولا يفسد وأمنت الطرق.
ثم أن محمد بن ناصر أمر بالحشد على جميع من أطاعه من عمان من شرقها وغربها فاجتمعت إليه في يبرين جموع عظيمة لا يعلم عددهم إلا الله؛ وأرسل إلى بني هناءة من بلدان وادي العلى والحيل وضم وعملى، فأطاعته جميع بني هناءة ولم يعصه أحد وسار قاصدا إلى ينقل ونزل في أعلا البلد، وأرسل إليهم ليخلصوا له الحصن؛ فأبوا وشدوا الحرب، فخرج ذات ليلة رجل من أهل ينقل يقال له عصام فصالح الإمام محمد بن ناصر، إلا أن البلد ليست في يده؛ فقال له ناصح جماعتك لأجل حقن الدماء فلم يتبعوه وأقاموا بالحرب، وكان بين عصام على السور وله باب صغير، فأدخل محمد بن ناصر ومن معه البلد؛ فقتل من أهل البلد رجلين، ثم طلبوا الأمان فأمنهم، وقيد أشياخهم وحملوا إلى يبرين وترك فيها واليا وأدت له الطاعة؛ ومضى قاصدا بمن معه إلى صحار، وقدم ربيعة بن حمد الوحشي ليناصح بني عمه حتى يهبطوا من حصن صحار؛ فلما وصلهم قال لهم: شدوا الحرب؛ فلما دخل محمد بن ناصر صحار التقته بنو هناءة فوقع بينهم الحرب وقتل من قتل منهم وجرح ربيعة بن حمد وأخذ أسيرا وانكسرت بنو هناءة ورجعوا إلى الحصن (2/135)
صفحة 491
ونزل القوم بالجامع ومحمد بن ناصر في بيت ابن محمود.
وشاور محمد بن ناصر ربيعة بن حمد فقال إن أردت أن تقيم معنا فعليك الأمان وإن أردت تسير إلى أصحابك بالحصن سيرناك بأمان، فأراد المسير إلى الحصن فسيره.
وكان مع محمد بن ناصر اثنتا عشرة فرسا؛ وكان يجعلها عيونا تطالع المشرق، لأنه بلغه أن خلف بن مبارك جمع بني هناءة من الرستاق ومسكد وأنه نزل بحصن صحم، وكان محمد قد خلصت له جميع صحار ورعاياها؛ وآمن أهل البلد من جميع الطوائف، فلم يؤخذ على أحد منهم شيء، وكانت عنده البدو من بني ياس والنعيم ومن اشتمل عليهم والحضر، فأصبحت ليلة من الليالي قد خرب زرع دخن من طوى البلد، فجاء صاحبها إلى الإمام شاكيا، فسأله من خرب زرعك؟ فقال بنو ياس والنعيم والبدو الذين عندك، فقال كم غرامة زرعك؟ فقال خذ مائتي محمدية فأبى، فقال خذ أربعمائة محمدية فأبى، فقال خذ خمسمائة محمدية: فقال لا أرضى إلا أن تنصف لي منهم، فأرسل إلى مشايخهم فحضروا عنده فأمر بهم فصلبوا، وما كانت نصفته إلا الجلد فجلدوهم جميعا وهم يستغيثون بهم فلم يغثهم إلى أن انقضت النصفة فأطلقهم من الحبال.
وكانت هذه حيلة من بني هناءة لينفروا البدو، وكان هذا من محمد بن ناصر عن جهل بالأحكام فإن أمر التعزير والعقوبات راجع إلى نظر الإمام لا إلى صاحب الحق ولا إلى سائر الرعية وإنما لصاحب الزرع غرم زرعه فقط فإن عرض عليه حقه فلم يقبله فلا حق له، وقيل يجبر على قبول حقه وليس له أن يتحكم على الإمام في عقوبة الجاني، ثم إن البدو خرجوا من عند محمد بن ناصر إلى بلدانهم راجعين، فعلم خلف بن مبارك بخروجهم فزحف عليهم بمن معه من القوم وهجموا عليهم بعد طلوع الشمس قليلا، فجاء من جاء (2/136)
صفحة 492
إلى محمد بن ناصر أن خلفا وصل بمن معه من بني هناءة، فقيل أنه قال: هذه ساعة ليست لنا ولا لهم إلا ما شاء الله، ثم ركب فرسه وركب أصحاب الخيل معه والتقوا خلفا ومن معه على باب حصن صحار، فوقع بينهم القتل وقتل خلف بن مبارك وهو يتبعهم حتى وصل جدار الحصن فضرب محمد بن ناصر من فوق الحصن ضربة تفق وأخذه أصحابه، ومات وقتل من أصحابه قدر خمسة عشر رجلا ودفن خلف داخل الحصن ودفن محمد بن ناصر في بيت غربي الحصن عند حجرة الشيعة ومكث بعد ما دفن ثلاثة أيام لم يعلم بموته إلا الخاصة، وكاد أصحاب الحصن أن يسلموه، وقيل والله أعلم أن أحدا بعث محمد بن ناصر من قبره ورمى به خارج البلد، وذلك بعد أن رجع كل إلى بلاده فإن صح هذا فلا أبرئ الشيعة منه والله أعلم.
باب إمامة سيف بن سلطان بن سيف ابن سلطان بن سيف بن مالك
وهو الصبي الذي مات عنه والده صغيرا ومالت إلى تقديمه غوغاء الناس أهل الشقاق من أكابر الرستاق، فكان ذلك سببا للفتنة العظيمة والبلاء الطويل " ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ". فكان بسبب اختلافهم ما قصصناه عليك وما سنقصه إن شاء الله والملك لله الواحد القهار. وكان سيف بن سلطان هذا لم يفارق محمد بن ناصر لأن محمدا كان يحمله معه في جميع حروبه ومواقفه سياسة (2/137)
صفحة 493
منه وطمعا في انقياد الناس بسببه، فلما قتل محمد ابن ناصر بصحار رجع بنو غافر ومن معهم بسيف بن سلطان إلى نزوى، وذلك حين ما بلغ الحلم فأقامه القاضي ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد إماما للمسلمين يوم الجمعة بعد الزوال في العشر الأوائل من شعبان سنة أربعين ومائة وألف، وإنما قدموه إماما لتقدم ولايته بسبب ولاية أبيه، فإن أباه كان إمام المسلمين؛ وكانت ولايته على رعيته واجبة وأطفاله تبع له في ذلك حتى يبلغوا ويحدثوا حدثا يخرجهم من الولاية عند المسلمين. وقيل أن البالغ منهم يكون في الوقوف حتى يعلم منه حال يوالى عليه أو يعادى عليه فتمسك القاضي بأول القولين نظرا منه للأمة وطلبا للسداد ومحاولة لجمع الشمل، ولا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه، فإن سيف بن سلطان لبث ما شاء الله، ثم أحدث أحداثا لا يرضاها المسلمون فعزلوه و" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " وكان سيف قبل عزله طلب من الشيخ سعيد بن بشير الصبحي أن يزيده في الفريضة على ما جعل لآبائه، وذلك أن المسلمين قد جعلوا للأئمة فريضة معينة في بيت مال المسلمين حتى نصب محمد بن ناصر فزادوه عليها، ولما قتل ونصب سيف بن سلطان طلب من المشايخ أن يجعلوا له مثل ما جعلوا لمحمد بن ناصر.
وكان الوالي سالم بن راشد البهلوي قد ألح على الشيخ الصبحي في ذلك فقال الصبحي: لا بل فريضة آبائه لأن العاقدين الإمامة لجده الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله لم يألوا جهدا ولم يتركوا اجتهادا ولو جاز لهم ووسعهم فوق الألف الذي جعلوه لما بخلوا عليه من الزيادة ولو لكل يوم ألف ولو جاز لهم ذلك لجاز للإمام قبوله منهم، إذ لا غرم عليهم في أموالهم ولا دخل على الإمام في قبوله منهم، إذ صار العطاء المفروض في بيت مال الله ولو جاز (2/138)
صفحة 494
لهم ما اختاروه لجاز للإمام ما فرضوه وأرجوا أنه أخذوا ما فعلوا تأويلا من قول الله عز وجل " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " والقوام العدل بين الأمرين فخذها سيدنا فريضة هنية وهبة برية لا وبية خارجة على الحكم التقية، ولا أعلم أن جدك الإمام سلطان بن سيف ولا جدك سيف ولا عمك بلعرب ولا أباك سلطان طلبوا ولا أخذ (أحد) منهم زيادة على ما مضى عليه إمامهم ناصر ابن مرشد وتلك فريضة كافية ومات عليها الأسلاف ولا أريد لك خلاف ما عليه السلف، فهذا اختياري والجهدة مني ولا خفت في أمرك لومة لائم، بل اخترت لك ما اختاره الله لمثلك من الأئمة، واختار المسلمون لهم ذلك نظرا ومعونة وموافقة لكتاب ربهم. قال سالم بن راشد كيف جعلت فريضة الشيخ محمد بن ناصر أكثر من هذا؟ قال الصبحي أخاف أن يكون وقوعها من باب التقية والحلال أولى في حكم الله وحكم البرية. وكان هذا نهار 21 شعبان سنة 1133. ثم غير السيرة بعد ذلك وعزلوه، وسار إلى نخل وكان الوالي بها جساس بن عمر بن راشد الحراصي، فأدخلوا بلعرب بن حمير إلى الحصن وسيف بن سلطان بالبطحاء فلم يدروا بدخوله ومنعوا الحصن من سيف، ونهض سيف بن سلطان إلى بطحاء (افى) من وادي المعاول وأرسل خاله سيف بن ناصر (إلى) مسقط فقبضها وأما بلعرب بن حمير فأقاموه بنزوى إماما.
باب إمامة بلعرب بن حمير بن سلطان بن سيف ابن مالك بن بلعرب اليعربي
بويع له بنزوى بعد عزل سيف بن سلطان في سنة خمس وأربعين (2/139)
صفحة 495
ومائة وألف وتبعته فرقة من عمان وخلصت له سمائل وازكي وبهلى ونزوى ونخل والشرقية وحصون الظاهرة، وأما حصون الباطنة ومسكد والرستاق فإنها في يد سيف بن سلطان، ثم جهز الإمام بلعرب جيشا إلى وادي بني رواحة، وبعث سيف بن سلطان أخاه بلعرب بن سلطان ومن معه من القوم نصرة لبني رواحة؛ فوقع بينهم الحرب وانكسر بلعرب بن سلطان وقومه، وانهزم أكثرهم وبقيتهم تحصنوا في حجرة وبال؛ فحاصرهم الإمام أياما يقطع نخيلهم إلى أن أدوا له الطاعة؛ وفسح للقوم وأمنهم وارتفع عنهم بعدما هدم بروجهم ثم سار إلى بلاد سيت فحاصرها أياما وافتتحها وهدم بنيانها وقطع نخيلها ودمر أنهارها، ثم سار إلى حصن يبرين وكان به بنو هناءة تركهم فيه سيف بن سلطان، فحاصرهم إلى أن أدوا له الطاعة، فسيرهم بأمان هم وعيالهم ومتاعهم وأوصلهم إلى بلدانهم.
وأما سيف بن سلطان فإنه بعث إلى أهل مكران فجاءه قوم من البلوش أصحاب التفاق وحشد من معه من رعيته من الرجال وسار بهم إلى الجو، فالتقاهم بلعرب ابن حمير بقومه، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كادت أن تقع الهزيمة على أصحاب بلعرب فصبروا فوقعت الهزيمة على أصحاب سيف والبلوش وانكسروا ووقع فيهم القتل والنهب في الطرق، ومنهم من مات من العطش.
ثم أن سيف بن سلطان جعل يكاتب الأعداء من العجم لينصروه في ظنه، وهو يريدون ملك عمان وخرابها؛ فأجابوه فنزل جيش العجم بخور، فكان آخر ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ذي الحجة سنة تسع وأربعين ومائة وألف وقصدوا الصير، فخرج سيف بن سلطان من مسكد إليهم؛ وحشد بلعرب بن حمير ومضى ليتلقاهم، وخرج (2/140)
صفحة 496
من نزوى أول شهر المحرم سنة خمسين ومائة وألف، والتقى الجيشان بالسميني: سيف وعجمه والإمام بلعرب ومن معه، وذلك في غرة شهر صفر سنة خمسين ومائة وألف ووقع بينهم حرب قليل آخر النهار وانكسر بلعرب وقومه واعتصموا بالجبل وقتل ناس قليل وبعضهم ضل الطريق، وقتل بعضهم في الطريق ولم يرجع أحد منهم بداية ولا سلاح ولا بشيء من حوائجهم إلا قليل منهم ونهبوهم في الطريق؛ واستولى سيف بن سلطان على الجو وضنك والغبى، وأدت جميع قبائل الظاهرة خراجا عظيما للعجم، ودخلت حجرة عبري ووقع فيهم قتل عظيم، وسلب جميع مالهم وحملت نساءهم وقتلت الأطفال وأصابهم ذل وهوان، وبيعت نسائهم وحملت إلى شيراز، ورجعت العجم إلى الصير.
وأما سيف بن سلطان بن سيف فإنه مر إلى بهلى ووقع الحرب بينهم وبينه؛ ثم تصالحوا وولى عليهم واليا؛ وهو سالم بن خميس العبري، ومضى فبات طيمسا فقيل إن أكثر العسكر من نزوى هربوا من الحصن؛ وكاد بلعرب بن حمير أن يخرج هاربا من نزوى. إلا أن سيفا لم يقصد نزوى، ومضى إلى منح ومر على ازكي وقصد إلى سمائل وأناخ بفلج العد وكاتب قبائل وادي سمائل ليصل إليه مشائخهم؛ فلم يلبث أن واجهوه، فسار مجاوزا إلى مسكد ولم يتعرض للحصون، ثم بعد ذلك وقع الحرب بين والي الغبى من قبل سيف بن سلطان وبين بني غافر، واستولت بنو غافر على الغبى ووقعت المخادعة من أهل بهلى؛ وأدخلوا بلعرب بن حمير الحصن واستولى على بهلى.
ثم أن سيف بن سلطان زاد قوما من العرب من شيراز وضمهم مع أصحابهم في الصير وتوجهوا إلى عمان، وذلك في اليوم التاسع عشر من شوال سنة خمسين ومائة وألف، وصالحتهم قبائل الظاهرة ووصلوا إلى بهلى (2/141)
صفحة 497
فوقع بينهم الحرب وقتل من العجم كثير؛ وكذلك من أهل بهلى.
ودخلت العجم بهلى في ثالث عشر من ذي القعدة واستولوا عليها، فهرب من هرب من أهل البلد، وقتل من قتل من الرجال والنساء والأطفال، واستولوا على جميع ما فيها وتركوا في الحصن رابطة ومضوا إلى نزوى أول شهر الحج؛ وهرب بلعرب بن حمير من نزوى إلى وادي بني غافر، وثبتت بنو حراص في قلعة نزوى وصالح أهل نزوى العجم، فلما تمكنت العجم من نزوى وضعوا عليهم الخراج وعذبوهم بأنواع العذاب؛ وقتلوا الرجال والنساء الكبار والأطفال الصغار وحملوا من النساء من أرادوه؛ وفعلوا في نزوى أفعالا قبيحة وأذاقوهم أليم العذاب؛ حتى قيل أنهم قتلوا من أهل نزوى مقدار عشرة آلاف من النساء والأطفال، ولم يسلم من أهل نزوى إلا من قدر على الهرب وهم قليل، والله المستعان ولسيف ابن سلطان من ذلك النصيب الأوفر من الوزر حي قاد إليهم الأعداء ونسى ما وقع فيهم من آبائه؛ وظن أنهم ينصحون له وهو أعداؤه، وما ينتج رأي السفيه إلا مثل هذه الأفعال القبيحة.
لا تأمنن فتى أسكنت مهجته= ... غيظا وتحسب أن الغيظ قد زالا
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها= ... تبدي عطافا وتخفي السم قتالا
ولم تقدر العجم على القلعة والحصن من نزوى، وخرجوا منها في سادس عشر من الحج ومروا على ازكي فصالحوهم وأدوا لهم الخراج وأقاموا يوما وليلة ومضوا قاصدين إلى الباطنة ودخلوا مسكد في أربعة وعشرين من ذي الحجة واحتووا على البلد وما فيها، ولم يبق سوى الكيتان.
وأقاموا محاصرين الكيتان إلى يوم خامس من صفر سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، (2/142)
صفحة 498
وانكسروا ومضوا إلى بركا وصحار، فرد شر سيف عليه جاء ليقهر بهم صديقه الذي يزعم أنه عدوه؛ فطلبوا قهره بنفسه وحاصروا حصونه وهرب هو عنهم في مراكب في البحر حتى نزل ببركا، وخرج الطوّ وتلقوه أهلها بغزوه وصحبوه إلى نخل، وسار إلى الظاهرة والتقى هو وبلعرب بن حمير بوادي بني غافر ودار نظر من حضر من مشائخ بني غافر وغيرهم أن يستعفوا بلعرب بن حمير عن الإمامة ويرجعوها لسيف بن سلطان رضاء له ودفعا لشره وقطعا للمفسدة العظمى وإنما كان هذا من رؤساء القبائل وشيوخ البلدان دون أهل العلم والفضل، فما بلى أهل عمان هذا البلاء إلا بمخالفة أهل العلم والفضل، فالله يحفظ لنا ديننا ودنيانا وبقية بلادنا.
باب تغلب سيف بن سلطان على الأمر
وذلك أن بلعرب بن حمير استعفى من الإمامة حين رأى ما رأى وطلب منه ذلك من طلب، فتسمى بها سيف بن سلطان، واجتمعوا حين رأوا المكروه من العجم وصاروا يدا واحدة، وانقطع العجم الذين خرجوا إلى حصار مسكد عن أصحابهم الذين ببهلى، وذلك أنهم ساروا من مسكد بعد أن أيسوا منها إلى بركا وصحار، فلما استبطأهم أصحابهم الذين ببهلى وانقطعت عنهم أخبارهم بعثوا منهم نحو مائة فارس ليأتوا إليهم بخبر أصحابهم من مسكد، فمروا على سمائل أول النهار يوم ثامن من شهر صفر، فتلقاهم أهل وادي سمائل وحمير بن منير بقومه، فقتلوا أكثرهم.
ثم سار حمير بن منير بمن معه من العسكر وأهل ازكي وبنو ريام إلى بهلى يوم تاسع عشر صفر، ودخلوها يوم أحد وعشرين واستولوا عليها؛ واحتصن العجم في الحصن (2/143)
صفحة 499
فحاصروهم، ثم خرج منهم قوم فقتل أكثرهم وبقي من بقى من العجم لم يخرجوا من الحصن خوف القتل إلى أن جاءهم سيف بن سلطان ومن معه فأخرجوهم بسلاحهم ومتاعهم ودوابهم وأوصلهم بأمان، وأصحبهم مبارك بن مسعود الغافري إلى صحار، وكان أحمد بن سعيد البوسعيدي واليا على صحار من قبل سيف بن سلطان، فقيل إن العجم لما وصلوا صحار حبسهم أحمد بن سعيد بصحار حتى مات أكثرهم، وأن ذلك من أول الأمور التي ظهر بها أحمد بن سعيد، وأما العجم الذين انكسروا من مسكد فإنهم ساروا إلى الصير وفيها إخوانهم، وركب منهم أناس إلى بلدانهم وبقيت منهم بقية بالصير ما شاء الله من الزمان، وسار إليهم سيف بن سلطان بجيش عظيم من البر، وسير إليهم المراكب من البحر فلما وصل إلى بلد خت قرب الصير جاءه الخبر أن مركب الملك قد احترق وغرق بمن فيه فعزم على الرجوع فرجع عنهم إلى عمان وبقوا هم بالصير؛ ودانت له جميع حصون عمان، وأدت له الرعية الطاعة فلبث على ذلك، ثم ظهرت منه أحداث لم يرضها المسلمون؛ ولا رضوا مبدأ أمره ولا منتهاه؛ ووضع الخراج على الرعية، واتفقوا على غيره، فنصبوا سلطان بن مرشد على حسب ما يأتي إن شاء الله تعالى.
باب إمامة سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي
وهو آخر أئمة اليعاربة فيما انتهى إلينا علمه، بويع له بعد أن استغاثت الرعية من أحوال سيف بن سلطان، فاجتمع ما شاء الله من مشايخ العلم من بهلى ونزوى وازكي ورؤساء القبائل من بني غافر وغيرهم من أهل الظاهرة ووادي سمائل ومشايخ المعاول، فعقدوا له الإمامة بجامع نخل ليلة الحج، أي (2/144)
صفحة 500
ليلة عرفة سنة أربع وخمسين ومائة وألف، فاستقام بحمد الله على الحق والعدل، وخلصت له الحصون من سمائل ونخل وازكي وبهلى والشرقية، وسالمته القبائل من الفريقين والحمد لله كثيرا.
ثم جهز الإمام جيشا إلى الرستاق وسار فيه بنفسه، وكان سيف بن سلطان قد جمع قوما كثيرا من أهل الرستاق وغيرهم خارجا عن البلد نحو ثقاب فلج الميسر يريد لقاء الإمام، فلما أحس أن لا طاقة له بحرب الإمام انهزم ليلا عن أصحابه وترك بعض المانة من تمر وغيره، فلما وصل الإمام صباح الجمعة آخر شعبان لم يجد سيفا، ودخل الإمام الرستاق، فتلقاه أهلها بالكرامة ودخلها على حال السلامة لما رأوه أهلا للإمامة وآزره أهلها واحتوى على جميع رعاياها، ولم يبق إلا الحصن، فلبث في حصاره سبعين ليلة وافتتحه. وقد كان سيف ترك فيه عبيده ووالدته وبعض عياله.
ثم سار سيف بن سلطان إلى مسكد، وجمع قوما من المطرح ومسكد والسيب وبركا؛ ولبث ببركا؛ فبعث إليه الإمام لعض قومه وأمر عليهم أخاه سيف بن مهنا إلى بركا، فالتقاهم سيف بن سلطان بقومه؛ فاقتتلوا؛ فقتل من قوم الإمام قليل؛ وقتل من أصحاب سيف بن سلطان كثير؛ ولم ينج منهم إلا من انهزم أو ألقى بيده وأذعن الطاعة للإمام.
وأما سيف بن سلطان فإنه انهزم إلى مسكد، ورجع سيف بن مهنا إلى الرستاق منصورا من الخلاق؛ ثم جاءت لسيف بن سلطان ثيبة ([1]) من بدو الظاهرة مقدار خمسمائة رجل فيما قيل، فلما وصلوا الحزم طلع هو من مسكد وأقام يجمع قوما من الباطنة، فجاءته عساكر كثيرة من عامر بن ربيعة مرادهم (2/145)
صفحة 501
نصرته؛ وكان من قضاء الله وقدره السابق في علمه أن البدو الذين معه اقتتلوا وقتل من عامر بن ربيعة كثير، وانهزم الباقون منهم وبقي من البدو الذين من الظاهرة مع سيف بالحزم يزعمون دخول الرستاق، ثم إنهم لم يجدوا قدرة على ذلك فرجعوا إلى بلدانهم.
وأما سيف فإنه لما أيس من الناصرين سار إلى مسكد وترك عياله وعبيده محصورين، وذلك قبل فتح حصن الرستاق للإمام، فلما أيس من في الحصن من نصرة سيف لهم أرسلوا يطلبون الصلح من الإمام والأمان ليخرجوا بما عندهم من المتاع؛ فأمنهم الإمام وخرجوا من الحصن بمالهم؛ ودخل الإمام الحصن في اثني عشر من ذي القعدة من هذه السنة وجعل في الحصن واليا ومعه عسكر من جنابه وجعل معهم أخاه سيف بن مهنا، ثم ارتفع منها بعد خمسة أيام ببقية قومه وحشد قوما من الرستاق ومر إلى نخل وحشد منها ومن رعاياها قوما؛ ثم وصل إلى بدبد وحشد من وادي سمائل ومن ازكي ورعاياها، وسار متوجها إلى مسكد يوم الخميس ثاني ذي الحجة من هذه السنة؛ وقد اجتمع عنده قوم كثير، فلما وسل إلى روي ليلة رابع من هذا الشهر ترك المعقل في روي، فسار بأكثر قومه ليلا إلى مسكد وركض عليهم بقومه على الجبال فأحدروهم من الجبال وجميع المقابض وهزمهم الله، وافتتح الإمام مسكد بجميع مقابضها ومعاقلها وقت الضحى من يومه سوى الكيتان فإنهما بقيا محاربين؛ وأما كوت المطرح فبعث له الإمام بعض القوم في تلك الليلة فأخذوه قهرا وحباه الله من لدنه نصرا.
وركب سيف بن سلطان البحر وبعث له الإمام مراكب في طلبه فيهن بجاد ابن سالم وعسكر من قوم الإمام، فجاءتهم ريح وفرقت المراكب دون خورفكان ورجع بجاد بمن معه.
ثم أن سيفا انكسرت من مراكبه بعض دقالته وأجرى (2/146)
صفحة 502
أخشابا توصله إلى خورفكان ونزل بها ومعه قدر ثمانية أنفس على خيل قاصدين العجم، فقيل أنه لما علمت العجم بوصوله أتاه قوم منهم على خيل وأخذوه وساروا به إلى الصير؛ وبقي المركب في خورفكان، فأخذه أحمد ابن سعيد وكاتب سيف بن سلطان أهل شيراز ليأتوه بقوم، فجاءوا إلى عمان ونزلوا بصحار وهم مقدار عشرين ألفا فيما قيل والله أعلم.
فعلم بذلك أحمد بن سعيد وهو يومئذ في بلد العوابي؛ ونزلت العجم حول حصن صحار وحاصروه حصارا شديدا حتى كاد الحصن أن يتهدم من شدة ضربهم إياه بالمدافع، حتى قيل أن رصاصة المدفع وزن ثلاثة أمنان؛ فحاصروه وبنوا فيها بنيانا قويا، وكان الإمام محاصر الكيتان وفيهن عبيد سيف بن سلطان؛ فأرسل الإمام أخاه سيف بن مهنا إلى وادي سمائل والظاهرة، فأخذ منهم قدر خمسمائة رجل أو أكثر فوق من معه وساروا إلى صحار، ووقع الحر بينهم ليلا ونهارا، وقيل أن في يوم واحد ضربت العجم ألفا واثنتي عشر ضربة مدفع، فعلم الإمام بذلك فسار هو وأخوه سيف بن مهنا إلى الظاهرة، فحشدوا منها من بدو وحضر.
وها هنا انقطعت السيرة التي تأخذ عنها هذه القصة ولم تجد تمامها إلا من كلام الشاعر ابن رزيق – قال لبن رزيق في شرحه لبائيته التي في السير، كان عدد العجم المحيطين بصحار ستين ألفا وقيل خمسين ألفا وعدد مراكبهم خمسمائة سفينة وقيل بل أكثر من ذلك.
قال ومضت سرية من العجم عراة إلى وادي المعاول فبلغوا دون مسلمات فكسرهم المعاول ومضت منهم سرية إلى قريات فقتلوا منها خلقا كثيرا وأسروا نساء وصبيانا فبعثوا بهم إلى شيراز فبيعوا بيع العبيد ومضت منهم سرية كثيرة العدد إلى مسقط فواقعهم سيف بن مهنا اليعربي في سيح الحرمل وكان سيف بن مهنا (2/147)
صفحة 503
يومئذ هو القابض لمسقط والمطرح من قبل الإمام سلطان بن مرشد، فوقعت بينهم ملحمة عظيمة، فانكسرت العجم إلى روي.
ثم أتوا في اليوم الثاني فقاتلهم سيف بمن بقي من العرب فقتل هو وقتل معه من اليعاربة ثلاثون رجلا ومن سائر قومه خلق؛ فكان عدد قتلى العرب ثمانين رجلا؛ وقتل من العجم خلق كثير؛ ومضت العجم إلى مسقط فوثبوا على الكوتين فنصبوا عليهما السلالم فانكسروا ثم أتتهم زيادة من أصحابهم المحيطين بصحار فوثبوا عليها فأخذوها وعسكروا بمسقط.
قال: ولما وصل الإمام سلطان بن مرشد الخابورة وكان قد جمع قوما كثيرا من الظاهرة والرستاق بلغه أن العجم بعثوا شرذمة منهم إلى القصير وصحم؛ وأن أهل البلدين قد خرجوا إليهم وهم مشتغلون بالسلب والنهب فوضعوا فيهم السيف فكشفوهم وقتلوا أكثرهم فلم يرجع منهم إلى صحار إلا القليل، قال وأمر خان العجم أشجع فرسانه بالغارة على صحم والقصير، فصادفهم الإمام سلطان ومن معه من القوم دونهما فكشفوهم وقتلوا من فرسان العجم رجالا كثيرة.
ثم سار الإمام بمن معه إلى مناجزة العجم الذين بصحار وكانوا قد تهيئوا لهم وعبؤا صفوفهم؛ فالتحم القتال بين الصفين؛ وكانت وقعة عظيمة وكان جيش العرب عند جيش العجم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود؛ وقتل أمير من العجم يقال له كلب علي، وقتل من خواصهم خلق كثير، وقتل من العرب مهنا بن سلطان وثلاثون رجلا من اليعاربة وكثير من سائر القوم، حتى أنه لم يبق منهم إلا القليل كذا قال؛ ومهنا بن سلطان لم يسبق له ذكر في القصة؛ وإنما سبق ذكر لأخي الإمام من أمه سيف بن مهنا وهو الذي سار معه للحشد من الظاهرة.
قال وأصابت الإمام سلطان بن مرشد جراحات من (2/148)
صفحة 504
العجم ورماحهم فلما أثخنته الجراحات دخل الحصن عند أحمد بن سعيد السعيدي فلبث في الحصن ثلاثة أيام، وقيل يوما واحدا ثم توفي غفر الله له وللمسلمين المجاهدين معه في الدين.
قال وكان سيف بن سلطان يومئذ الحزم؛ وقد استرسل عليه البطن فلما بلغه قتل الإمام سلطان بن مرشد حزن عليه حزنا شديدا، قال ولم يلبث إلا أياما قلائل إلى أن مات، قال ولم تزل الحرب قائمة على ساقها بين أحمد بن سعيد والعجم فلما رأت العجم شدة ذلك ضعفت عزيمتهم وكاعت نفوسهم وطلبوا السلامة والنجاة فصالح أميرهم أحمد بن سعيد على الارتحال بما معهم فأجابهم إلى ذلك وأدخل أميرهم الحصن ومعه عشرة رجال من خاصته للكرامة فقدم لهم الطعام، فلما أكلوا وشربوا قال أميرهم لأحمد بن سعيد وسع لأصحابنا الذين بمسقط يحملوا ما بقي معهم من آلة الحرب وغيرها كما وسعت لنا، وعبرهم في خشب إلى بندر عباس فقال أحمد بن سعيد إن شاء الله ولم يزد على ذلك كلمة.
وخرج أمير العجم ولم يمكث بصحار إلا يومين فركبوا سفائنهم ومضوا إلى بندر العباس، وبعد ما رحل العجم من صحار سار أحمد بن سعيد إلى بركا ومعه من القوم ألفان، فلما وصل استخلص حصنها بغير حرب وكان حصنها يومئذ بيد المعاول وأهل حبرى، ثم رجع إلى صحار فكتب إلى واليه الذي تركه في بركا وهو خلفان بن محمد السعيدي المعروف بالمحل أن ينصب قبابين في بركا لوزن الأمتعة التي تجلب من الهند وعمان وتباع بالوزن كما كان ذلك في أيام دولة سيف بن سلطان بمسقط ففعل خلفان بن محمد ذلك فاستقامت سوق شريفة في بركا وسارت إليها الخشاب والركاب كما كانت تسير إلى مسقط والمطرح، وكثرت فيها التجار وانتهى إليها وفود عمان والظاهرة للبيع والشراء (2/149)
صفحة 505
ما يحتاجون إليه منها فانقطعت المادة عن العجم القابضين بمسقط والمطرح، وضجروا بمقامهم وانقطاع المواد عنهم وارتحال أصحابهم من صحار، وزاد عليهم الخوف لما بلغهم عن سيف بن سلطان أنه مات فبعثوا رسولا منهم إلى الحزم أن يجيء إليهم رجل من اليعاربة وهو أقرب نسبا إلى سيف بن سلطان، فلما بلغ أهل الحزم رسول العجم بعثوا رجلا من أرحام سيف بن سلطان يسمى ماجد بن سلطان، فلما بلغهم أمروه بالمسير إلى شيراز وكتبوا كتبا إلى الشاه يخبرونه فيه بموت سيف بن سلطان، وأن الواصل إليه هو أقرب رحما إليه وأنهم بقوا في مسقط والمطرح في أضيق حصار، وقد قطعت عنهم العرب المادة وقالوا لما لماجد أظهر الطاعة للشاه وجدد العهد بينك وبينه، فإنه إن كتب لنا بتخليص ما بأيدينا من معاقل مسقط والمطرح لخلصناهن لك، فأجابهم ماجد إلى ذلك فمضى على سفينة صغيرة إلى بندر العباس، ثم ارتفع إلى شيراز فلما واجه الشاه وأعطاه الكتاب الذي أعطته أصحابه للقابضون معاقل مسقط والمطرح وقرأه وأقامه في دار الضيافة ثلاثة أيام، ثم كتب له لأصحابه بتخليص ما بأيديهم من المعاقل إليه، فلما رجع أصحاب السفينة التي ركبها الطوفان فقذفها إلى صحار فمضى إلى أحمد
بن سعيد في حصن صحار وأخذ منه خط الشاه إلى أصحابه بتخليص معاقل مسقط والمطرح، وأمر خميس بن سالم البوسعيدي أن يمضي بكتاب الشاه إلى مسقط ويقبض معاقل مسقط، فمضى خميس بن سالم ومعه أربعمائة رجل من قوم أحمد بن سعيد، فلما وصلهم وألقى إليهم الكتاب ظنوا أنه رجل من جماعة ماجد بن سلطان، وقد بعثه ماجد إليهم فسلموا له المعاقل كلها فترك فيها خميس بن سالم أصحاب أحمد بن سعيد الذين أتى بهم من (2/150)
صفحة 506
صحار، قال فكان انتقال ملك اليعاربة إلى أحمد بن سعيد سنة أربع وخمسين ومائة وألف، وقيل سنة ست وخمسين ومائة وألف.
قال وكتب خميس بن سالم إلى أحمد بن سعيد بقبض معاقل مسقط والمطرح من العجم فلما قرأ الكتاب مضى إلى بركا، وكتب إلى خميس بن سالم أن يأتيه بالعجم إلى بركا، وبعث إليه بألفي رجل من رعية صحار وبركا ليتركهم في معاقل مسقط والمطرح ففعل خميس ما أمره به، ولما وصل إلى بركا ومعه العجم ضربوا خيامهم بالقرحة وبعث إليهم أحمد بن سعيد الضيافة ولخيلهم بالطعام.
قال أخبرني أبي محمد بن رزيق عن أبيه جدي رزيق بن بخيت بن سعيد بن غسان والشيخ معروف بن سالم الصايغي والشيخ خاطر بن حميد البداعي والشيخ محسن العجمي القصاب، وقد دخل كلام بعضهم في بعض.
قالوا لما رجع العجم من مسقط إلى بركا في صحبة خميس بن سالم السعيدي وفيها يومئذ أحمد بن سعيد ضربوا خيامهم في القرحة فما يمر أحد على حلة من حلل بركا إلا رأى فيها قدورا تفور بالطعام ضيافة للعجم من أحمد بن سعيد ولا يمر أحد بحلا، وفي بركا ألا يصنع بأمر أحمد بن سعيد حلوى للعجم ولا يمر أحد على زراع إلا يجز زرعه بأمر أحمد بن سيف لخيول العجم، وما بات أحد يدعى أن له فلسا على أحمد بن سعيد فضلا عن الدراهم.
قالوا وكلام الناس على حدة أن العجم لا يستحقون هذا وإنما يستحقون أن تضرب أعناقهم بالسيف، قالوا وبعد ما خيم العجم ببركا ثلاثة أيام خرجت موائد كثيرة للعجم في صواني رحبة، ودخل أكابرهم الحصن مع رسول أحمد ابن سعيد وعدد من دخل الحصن من أكابرهم خمسون رجلا فما كان بعد دخولهم الحصن إلا ساعة من النهار حتى ضرب طبل في الحصن ومعه (2/151)
صفحة 507
ينادي ألا من له وتر في العجم فليأخذه منهم.
قال فما استتم كلامه إلا والصائح على العجم يصيح من كل مكان فخرج الصغير عليهم خلف الكبير من أهل بركا ومن انضاف إليهم من سائر البلدان فوضعوا فيهم السيف ففشا القتل فيهم وما بقى منهم إلا قدر مائتي رجل يصيحون الأمان الأمان يا أحمد، فلما بلغ أحمد كلامهم نادى المنادي من الحصن ارفعوا عنهم السيف فرفع عنهم السيف، قالوا وأما أكابرهم الذين دخلوا الحصن فإنهم قتلوا جميعا.
قلت: ولعل إكرامهم الأول سياسة يحاول بها القبض على الخمسين المذكورين ليتمكن من قتلهم، ولا يقال أنه قتلهم في أمان فإنه لم يذكر في سياق القصة كلمة تدل على التأمين والحرب خدعة.
قالوا ثم أن أحمد بن سعيد أمر بتعبير من بقي من العجم في سفن أهل بركا إلى بندر عباس فلما بلغوا بهم حذا جبل السوادي خرقوا بهم السفن وسبح أهل بركا إلى البر وهلك العجم كافة بالغرق.
قالوا ثم أن أحمد بن سعيد أمر على خميس بن سالم السعيدي برجوعه إلى مسقط وأمر أن يصحبه كل من كان يسكن مسقط ومطرح، وكانوا جميعا قد هربوا خوفا من العجم، فلما وصل خميس ومن معه لم يعرف أهل مسقط حدود بيوت حللها الخارجة من السور لخرابها بمرابط خيل العجم وروثها فاقتتلوا فكان عدد قتلاهم ستين رجلا، ثم قسم بينهم خميس بن سالم تلك الأمكنة بالتحري وبارأ بينهم في الدماء فصارت مسقط والمطرح في عمار بعد الخراب.
ثم مضى أحمد بن سعيد إلى الرستاق ففتحها ومضى إلى سمائل فاستخلصها بغير حرب، ومضى إلى ازكي فأذعنت له فقبض حصنها بغير نزاع، ثم مضى إلى نزوى فسلمت له، ثم مضى إلى بهلى فأطاعته وقبض حصنها، وأتاه سليمان بن محمد بن عدي اليعربي من سمد الشأن، وكان سليمان بن محمد (2/152)
صفحة 508
للإمام سلطان بن مرشد أيام حياته، فسلم محمد له الحصن فقبضه أحمد بن سعيد وأنعم عليه بحصن نخل وتعاهدوا أن لا يخون أحدهما صاحبه.
قال ابن رزيق فهذا سبب انتقال ملك اليعاربة إلى أحمد بن سعيد قال وما بقي لأحمد بن سعيد منازع من اليعاربة إلا بعد مدة طويلة قام عليه بلعرب بن حمير اليعربي، وقتل في وقعة فرق وهي وقعة شديدة كانت بينه وبين أحمد بن سعيد، فكان النصر لأحمد بن سعيد وقتل بلعرب وقتل من قومه خلق كثير.
قال وكان بين هذه الوقعة والوقعة التي بالطيب من الظاهرة من المدة اثنتا عشرة سنة، قال وهي حرب جرت بين أحمد بن سعيد وبين ناصر بن محمد بن ناصر الغافري، وكان النصر فيها لناصر بن محمد، قال وقتل من قوم أحمد بن سعيد اثنا عشر ألفا، هذا من كلام ابن رزيق إلا ما كان من إصلاح في لفظه، وحذف لبعضه لأجل إصلاح التركيب، ولم نجده مأثورا عن غيره فالله اعلم بصحته. ولا يرضون الكذب وإنما نخاف التساهل في النقل فقد رأينا بعض الناس يأخذ الأخبار من لسان العامة ثقة بهم، ولسنا مما يثق بالعامة فإن غالبهم ليس ضابطا وأكثرهم لا يحسن النقل. والله أعلم بحقيقة الأمر.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- تكرر هذا اللفظ، وقد سبق أن صححناه بكثيبة وهو المراد، وكنا نظن أنه تصحيف من الناسخ فإذا هي لغة عمانية، فلينتبه. مصححه.
باب إمامة بلعرب بن حمير
مرة أخرى على معنى ما يقتضيه كلام بعض المؤرخين، فإن سياق التواريخ يقتضي أنه بويع له مرتين: مرة قبل سلطان بن مرشد وذلك في سنة خمس وأربعين، ثن استعفى عن هذه الإمامة وترك الأمر لسيف بن سلطان حين خافوا على عمان من العجم بافتراق سيف وبلعرب على حسب (2/153)
صفحة 509
ما مر، والمرة الثانية بعد ذلك ولم أقف لها على تاريخ غير أن في كلام بعضهم ما يدل على أنه كان ذلك في آخر عمر سيف بن سلطان قبل موته، وفي كلام حبيب بن سالم ما يقتضي أنه بويع له على الدفاع، وحكم هو ومن معه من المشايخ بتفريق أموال سيف بن سلطان لاستغراقها في الجنايات والمظالم.
قال ذو الغبراء – خميس بن راشد – وقد ذكر الشيخ حبيب بن سالم قال وهو الذي حضر مع الإمام بلعرب بن حمير، وكثير من العلماء بحضرتهما فحكموا باستهلاك مال سيف بن سلطان بإتيانه العجم بعمان فسفكوا فيها الدماء وسبوا النساء ونهبوا الأموال.
قال وأما الشيخ سعيد بن بشير الصبحي، فقد مات قبل دخول العجم بعمان، وذكر في التغريق كتبا تاريخ بعضها ثامن ذي القعدة سنة سبع وخمسين ومائة وألف، وبعضها في أول المحرم من سنة ستين ومائة وألف، منها كتاب فيه نصيحة من مشايخ بني خروص للإمام ومن معه من العلماء قالوا فيه بعد البسملة والثناء: طرقت إلينا من جانبكم الشريف العالي المنيف إشارات لائحة وبراهين واضحة تشير إلى الحكومة بأملاك السيد سيف بن سلطان اليعربي يسلك بها سبيل أموال بني نبهان، فذلك قول من أقوال المسلمين ورأي موافق مبين، ولا مطعن فيه إلى من طعن، ولكن هل لكم يا ساداتنا ومشائخنا أن تأخذوا بالقول الآخر وتتأخروا عن هذا المال جهدا وتعرضوا عنه كرما وزهدا، والله أولى بسيف وماله وهو المناقش عن أخذه ومآله وحسبكم الله في الظالمين فإن الله سطوات ونقمات، وقد قال الله في كتابه العزيز " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " وليس هذا منا اعتراضا على المشايخ العلماء والسادة الحكماء الذين لهم في العلم والزهد الدرجة العليا والشرف الأسمى، ولكننا لما (2/154)
صفحة 510
نجد لكم في قلوبنا من المودة وجميل الصحبة فاعذروا وسامحوا واغسلوا دون غيظكم بفيض منكم وفضلكم والأصل كل الأمر لله وما كان وما يكون فبقضاء سابق من الله ألا له الحكم وإليه ترجعون، وعليكم وكالة ذويكم منا السلام جزيلا يتجدد بكرة وأصيلا، وذلكم من أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى رحمة الله أصفيائكم المحبين للحق وأهله؛ محمد ابن خميس بن مبارك. ومن شاء الله من رجال بني خروص، وكاتب الأحرف الواثق بالله عبده سعيد بن محمد بن راشد بن محمد، ومهما سنح لكم من أرب فالمحبون مستقيمون لما يبدو.
تاريخ الكتاب يوم السبت لتسع خلون من شهر المحرم سنة ستين ومائة وألف هجرية إسلامية.
فأجابهم الإمام بما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ من إمام المسلمين بلعرب بن حمير بن سلطان اليعربي إلى المشايخ المحبين محمد بن خميس وسعيد بن محمد بني خروص سلمهما الله تعلى؛ وكتابكم الشريف وصل وسرنا حال سلامتكم وذكرتم في التغاضي والإغفال والإعراض عما خلفه سيف بن سلطان بن سيف اليعربي ما لم تقم الحجة وتنزل البلية؛ فنحن قد تغافلنا وأعرضنا وتغاضينا وقد مات سيف هذا من سنين حتى قامت الحجة ونزلت البلية بأن احتسب من احتسب من المسلمين للمظلومين في مالهم حقوقا وتبعات ومظالم من دماء وفروج وعقور وسبي ذراري وتملك أحرار.
وقامت البينة العادلة التي لا شك ولا ريب بعدالتها وثقتها على صحة هذه المظالم ومع ذلك تؤديها الشهرة القاضية التي لا شك فيها ولا ارتياب لما فعله سيف هذا وقادة من الجيوش الضالة المضلة وبما كان منه من الدلالة على عباد الله بالظلم والطغيان والجور حتى أن المجانين والصبيان يتكلمون بصحة ذلك؛ فما (2/155)
صفحة 511
بذي عقل؟ وما حكمنا إلا بعد هذه الحجة وأن أموال سيف هذا لا تقسط على أهل الحقوق إذ لا تعرف كم هي وإن ماله لا يفي بها؛ فرأينا إذا قامت علينا الحجة؛ إذ لا يسعنا إلا القيام بذلك وإنفاذ حجة الله على القريب والبعيد والقوي والضعيف والدنيء والشريف؛ وهذا قول الله ناطق " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ".
وقد قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا " فعلمنا أن لا محيد لنا إلا القيام بالحق والتكلم بالصدق؛ وقد قال الله تعالى " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم " " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " والظالمون والفاسقون؛ ثلاث آيات يعرفهن من هداه الله البيان وسلك به طريق الرضوان.
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ".
والله الله أحباءنا عن التكلم بمدادة ذلك؛ محجور في دين الله علينا وعليكم؛ والتكلم بالحق أولى؛ واحذر من رضى المخلوقين ورضى الناس غاية لا تدرك؛ ونحن قد دخلنا في ذلك بنظر المسلمين ولم ندخل فيه بهوى ولا ارتدينا فيه برداء العمى؛ فأعجب المسلمين ذلك وسجلوا على صحته وحكمنا به وحكموا به؛ والله قد أمضى ذلك وحكم به؛ ونحن بالله معتصمون وعليه متوكلون وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير؛ ولم نخف في الله في هذا ولا غيره لومة لائم ولا سطوة مخلوق؛ والله يكف بأس الذين (2/156)
صفحة 512
كفروا؛ والله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وليس على الله بعزيز أن يوفقنا وإياكم على سلوك مرضاته التي سلكها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم وماذا بعد الحق إلا الضلال والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه الإمام بيده حامدا لله وحده ومصليا على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم بتاريخ عاشر المحرم سنة ستين ومائة وألف هجرة نبوية إسلامية.
ذكر الأحداث التي ذكرها حبيب بن سالم .......
ذكر الأحداث التي ذكرها حبيب بن سالم
في سيرته للإمام بلعرب بن حمير وخلعه بها من الإمامة
من تلك الأحداث قتل بحاد بن سالم؛ قال له قتلته محقا قد فعل الحق؛ وقال الصدق بخلعه إياك جوعا وعطشا؛ وطمرته في طمورة مقيدا مقطورا مدفونا عليه؛ وفعلت به فعل الجبارين كما قال الله تعالى " وإذا بطشتم بطشتم جبارين " قال وأنت لو رجعت إلى نفسك وعقلك لعرفت أنه على الحق وأنك على الباطل وتعلم أن قتلك له رضى لمن أمسك من الجبارين لينصروك ويعصبوك، قال فهذا أمر أقبح الفعال ولا نصرة منهم لك حاشا لله أن ينصرك بأعداء الله يا عدو الله؛ قال وأنكرت عليه أفعاله الحسنة إذ أنه حرب للبداة قطاعة الطرق المفسدين في الأرض؛ وأنت لهم سلم تعطيهم مال الله وتظلم لهم العباد وتعطيهم إياه.
ومنها سجن صالح بن ربيعة؛ قال: سجنته ظلما وعدوانا بعلم مني يقين أنه أنكر عليك الباطل فحبسته على إنكاره الباطل عليك؛ قال وقد أنكرت عليك أنا بنفسي الذي أنكره باستعمالك الخونة في واديهم لقبض زكواتهم؛ قال وما حبسك إلا حبس طغاة متجبرين أدخلته ضيق السجن مقيدا (2/157)
صفحة 513
مقطورا؛ قال وكذلك سجنك للشيخ محمد بن سالم الندابي، سجنته ظلما بعد أن أعطيته الأمان؛ قال وما سجنته إلا بإنكاره عليك العامل الذي ببلدهم، وليس لسجنك طائل تتعاطى فيه علم الغيب؛ ولم تقبل منهم صدقا ولا عدلا؛ ولا من المتوسلين لهم إليك، قال فهذا فعل الجبارين فالله يحكم بيننا وبينك " يوم لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز من والده شيئا " قال وكم مسجون في سجنك مظلوم سجنتهم على ما تهوى نفسك ورضى لمن تحب.
ومنها قتل عامر بن سليمان بن بلعرب الريامي؛ قال قتلته في مطمرك فيما بلغنا عنك جوعا وعطشا قال وبلغنا من أفعالك القبيحة فيه أنكم تجوعونه وتعطشونه أياما ثم تأتون إليه بالماء وهو على شدة العطش؛ فيشربه عطشانا جائعا فيسرع إليه الموت. قال ما سمعنا بهذا فعل جبار قبلك؛ فيا ويلك من حر عطش النار وجوعها قال وقد صح معنا أنك حبست الشيخ خميس بن محمد بن مبارك البوسعيدي وقيدته؛ إذ أن الشيخ احمد بن سعيد حبس محبك سعيد بن ناصر البحري وضيقت على الشيخ خميس هذا في سجنه وقيده ضيقا عظيما معاقبة بحبس سعيد بن ناصر، وأن المعاقبة في القبيلة لا تجوز فيما عرفنا، ولا نعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم، وقد أجازها من أجازها من أهل العلم في المال دون النفوس، وقد منعتهم المباح في سجنك ومنعتني الطعام والشراب في سجنك وعذبتني ضربا وأخذت مالي غصبا، فيا ويلك من عذاب الله (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فمن أين يخل لك أخذ مالي؟ وأنت قد صح عندك خلع المسلمين لك، تنادي في الأشهاد بلسانك انك قد خلعت، وقبل ذلك قد أبلغك ثقات المسلمين، وقد عذبتني على ذلك عذبك الله بناره، وأنت تعلم (2/158)
صفحة 514
خلع المسلمين أنها قبل تصرفك في بيعك في مال الله، ويومئذ لا تصرف لك خلع المسلمين لك جائز صحيح بقلة الحماية منك لهم وعن حريمهم ويضعفك الذب عنهم، وأنت تعلم أنك أمام دفاع؛ وجائز أمام الدفاع للمسلمين أن يخلعوا أما الدفاع بذلك، فكيف وأحداثك شاهرة ظاهرة ما فعلت بمن كان في سجنك وبنوليتك المفسدين على عباد الله في البلاد.
ومنها تزكي عباد الله بلا حماية وتولي على قبضها الخونة المفسدين، وتأخذ الخراج على غير الحقيقة، وتسلكه على غير الطريقة وتضيعه، ومال الله في البغاة قطاعة الطريق المفسدين في الأرض سفاك دماء المسلمين.
قال وقد صح عندنا جباتك يأخذونها من حيث لا تجب عليه، وقد نصحناك فأبيت إلا ما تهوى نفسك وهذا ظلم، وقد قال الله عز وجل (ولا ينال عهدي الظالمين) قال وإنك حللت دماءنا بخلعنا لك، ونحن قد فعلنا الحق وقلنا الصدق، وأمام الدفاع يخلعه الواحد من المسلمين في بعض القول؛ فكيف وقد خلعتك جماعة المسلمين؛ فأين عنك ذكر الوقوف بين يدي الله عز وجل؛ وأين عنك ذكر مناقشة الله في مائهم وأموالهم.
فاتق الله يا بلعرب بن حمير ولا تتسم بالإمامة؛ ولا تقل إنك على الاستقامة فتكذب على الله.
قال ومن أحداثك أنك متعود الكذب وتنقض العهود، ولا تعاهد فتفي؛ ولا عهد لك ولا وفاء؛ فمن أين لك الإمامة ولا تحصى أحداثك ولا تكن قائدا للبغاة ولا تسعى في الأرض بالفساد ولا تعاضد المفسدين في دماء المسلمين، واتق الله ولا تماد عاصيا، واحذر أن تكون قائدا للبغاة؛ قال ويكفيك ما احتطبته على عنقك أن تعذب به وإنك غير إمام يعرفك الخاص والعام. قال فاعلم علما يقينا إني خالعك والشيخ سالم بن راشد البهلوي والشيخ راشد بن (2/159)
صفحة 515
سعيد الجهضمي والشيخ محمد بن ناصر الحراصي والشيخ محمد بن عامر والشيخ محمد بن خلف والشيخ غانم ابن عامر والشيخ بحاد بن سالم ومن بقلبه إيمان الله؛ ولم يتمسك بإمامتك إلا الجاهل مثلك والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى ونهى النفس عن الهوى من خادم العلم وأهله حبيب بن سالم بن سعيد بن محمد بن خلف بن محمد أمبو سعيدي العقري النزوي؛ وكتبه بأمره عبدالله بن ناصر بن سليمان بيده، وتاريخها يوم سبع وعشرين والجمعة من شهر شعبان من شهور سنة إحدى وستين ومائة وألف من الهجرة.
وقال ذو الغبراء قد عمل بلعرب بن حمير برايه في طمره للمسلمين وقتله لبجاد ابن سالم الغافري والشيخ عامر بن سليمان الريامي، فضعف أمره واجتمع عليه بنو غافر ولزموه بالحيل وأخرجوه من ملكه وأقام بفلج البزيلي.
ذكر مقتل بلعرب بن حمير
وكان قتله بعد أن خلع من الإمامة بسنيات، خرج عليه أحمد بن سعيد البوسعيدي، وذلك بعد أن استولى على حصون الباطنة وما حولها، وخرج إلى نزوى وذكر بعضهم أن أحمد التقى ببلعرب بن حمير، وأنه قال له أنت إمام فوق إمام كيف هذا فقال بلعرب أن سيفا غير السيرة وخالف الجماعة وسد باب الطاعة، واختار المسلمون إماما غيره فلذلك عزلوه، ثم اختاروني وعقدوا لي الإمامة، قال فقاتله أحمد بن سعيد برؤوس القبائل فقتل بلعرب بن حمير بفرق وخلصت نزوى لأحمد بن سعيد، وذلك في سنة سبع وستين ومائة وألف، كذا ذكر بعضهم وهو مخالف كلام ابن رزيق (2/160)
صفحة 516
المتقدم والله أعلم.
باب انتقال الدولة من أيدي اليعاربة إلى أيدي آل بو سعيد
وهم ملوك العصر والله يؤتي الملك من يشاء والأيام دول ولا تبقى الدنيا على حال، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلما غيرت اليعاربة سيرة السلف الصالح وظنوا بغباوتهم أن الدولة ميراث وتكالبوا على الملك أذهب الله ذلك من أيديهم وجعله إلى غيرهم.
وأول هذه الدولة أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي وهو أبو ملوك العصر، قيل أنه كان صبيا صغيرا في (أدم) فلقيه الشيخ خلف بن سنان، وكان من أهل الكشف فوضع يده على رأسه وقال له اتق الله في الرعية فنشأ الغلام وشب، ولما بلغ أشده استعمله سيف بن سلطان فوجد منه الكفاية، ثم ولاه على صحار فوجد منه كفاية لم يجدها من غيره فجعله سيف دولته وموضع شوكته وصولته، فوض إليه الأمور كلها.
وكان أهل نزوى قد عقدوا الإمامة بعد سلطان بن مرشد على بلعرب بن حمير ابن سلطان فلبث بعد هذه البيعة أشهرا، وبعث سيف بن سلطان عامله أحمد بن سعيد ليخلص له حصون عمان ويقاوم بلعرب بن حمير فخلص الحصون وانتهى إلى نزوى وفيها بلعرب فقال له أحمد أنت إمام فوق إمام كيف هذا؟ فقال بلعرب أن سيفا غير السيرة وخالف الجماعة وسد باب الطاعة واختار المسلمون إماما غيره فلذلك عزلوه ثم اختاروني وعقدوا لي الإمامة فقاتله أحمد بن سعيد برؤوس القبائل فقتل بلعرب بن حمير بفرق وخلصت نزوى وعقدوا الإمامة عند (2/161)
صفحة 517
ذلك لأحمد بن سعيد البوسعيدي، كذا وجدته في سيرة متقطعة من أولها ولا تخلو من تخليط، والصحيح الذي يشهد له ظاهر الحال.
وما ذكره ابن رزيق أن سيف ابن سلطان كان قد مات قبل قتل بلعرب وأن أحمد بن سعيد قد تغلب على حصون الباطنة وما حولها بعد موت سيف، وأن سيفا كان قد جعله في صحار وتغلب على صحار في حياة سيف وأنه كان قد انضم إلى طاعة سلطان بن مرشد، فلهذا أحاطت العجم بصحار وفيها أحمد بن سعيد، وذلك في حياة سيف واستولى عليها وأخذ مركب سيف في حياته، وخرج سلطان بن مرشد لكشف العجم من صحار ودخل بعد الجراح في الحصن عند أحمد بن سعيد، ومات عنده ثم مات سيف بن سلطان بعد ذلك بيسير واستقل أحمد بحرب العجم ونصره الله عليهم في مواطن تقدم ذكرها في كلام ابن رزيق وخلصت له حصون الباطنة واستقل بها، وسار إلى بلعرب وهو إمام على نزوى وما حولها، وكان قد خذله أصحابه وخلعوه فقاتله فنصر عليه وقتل بلعرب وعقدت الإمامة على أحمد بن سعيد والعاقد له حبيب ابن سالم الأمبوسعيدي العقري النزوى وابن عريق، وذلك في سنة سبع وستين ومائة وألف، ولم ير أبو نبهان وولده ناصر وغيرهما من الأفاضل صحة إمامته لأن بيعته كانت على غير مشورة من المسلمين ولأنه كان عقدا مشكلا لأنه كان بعد التغلب على ملكهم ولأن حبيبا وابن عريق ليسا مما يلزم المسلمين عقده لا سيما وقد كان عقدا بعد فتنة وتغلب على الأمر، وخاطبه الشيخ سعيد بن أحمد الكندي بالإمامة وأطلقها عليه عامة الناس.
قال أبو نبهان: الخطاب بالإمامة يحتمل وجوها؛ وقال ناصر بن أبي نبهان أن السلطان الذي يسمونه الإمام أحمد (2/162)
صفحة 518
جيش ثلاثين ألفا إلى الظاهرة قال وخرج لهم مقدار سبعين رجلا وكسروا الجيش كله، قال ومات كثير منهم بالجوع والعطش بعد أن ولوا الأدبار، قال وكثير منهم لم يتمكن في الهزيمة أن يستريح مقدار ربع ساعة ولذلك ماتوا.
قال وحكى لي الشيخ محمد بن عامر الكندي أن الشيخ العالم سعيد بن أحمد الكندي والشيخ العالم ([1]) العدوي مرا على امرأة متورعة قد بلغت في السن وصارت قليلة الصحة، فقالت للشيخين أسار الجيش؟ قالا لها نعم قالت كم من سائر فيه وهو في الحكم غير سائر معهم، وكم من واقف في بيته وفي الحكم هو سائر معهم. قال ناصر أرادت كم من مجبور غير راض بذلك ولا يدخل في الباطل معهم فليس هو معهم ولا منهم في الحكم لا يشاركهم في الإثم، وكم من راض مسرور ويهوى الغلبة للجيش ويرضى بفعلهم بغير ما لا يسعهم وهو في بلده وفي الحكم هو منهم ومعهم بمشاركته لهم في الإثم. هذا كلام هؤلاء الأفاضل في إمامة هذا الإمام، غير أن أسم الإمامة ثبت له عند الخاص والعام اسما دون حكم فأولاده يقال لهم أولاد الإمام. والوقعة التي أشار إليها الشيخ ناصر أظنها الوقعة التي ذكرها ابن رزيق وغيره وهي حرب جرت بين أحمد بن سعيد وناصر ابن محمد بن ناصر الغافري؛ وكان النصر فيها لناصر بن محمد، وقتل من قوم أحمد ابن سعيد اثني عشر ألفا.
قال ابن رزيق: وكان بين هذه الوقعة وبين وقعة فرق التي قتل فيها بلعرب اثنا عشر سنة.
وقال ذو الغبراء: لما ملك أحمد بن سعيد وساد ودانت له الخلائق واستقام ملكه وخذل عدوه، دلته نفسه بقتل أكابر بني غافر؛ فلما قتلهم مشى على ديارهم بجيش عظيم؛ فالتقوا بالأثيلة فصح عليه الكسير، وهم فئة قليلة؛ (2/163)
صفحة 519
فثارت بينهم العداوة والبغضاء إلى أن ظهر في الملك سعيد بن سلطان وحمود بن عزان، فعملا في الرعية بميزان البصيرة وإصلاح الفريقين؛ فدانوا لهما انتهى كلامه.
وللشيخ سعيد بن أحمد الكندي؛ رد أحداث على أحمد بن سعيد في سيرة كتبها جوابا له حين سأله عن أمور دخل فيها، قال رحمه الله: فيا معاشر المسلمين ويا حملة القرآن العظيم ويا أهل هذا المذهب القويم، من أ جاز لإمام المسلمين أن يأمر على شيخ قبيلة من رعاياه بكذا كذا رجلا ليخرجوا من ديارهم للمحاربة والقتال بالجبر والقسر، ومن لا يأتي منهم يحبس ويقيد، ويضرب ولا يسمع له عذر ولا مقال، ورؤساء البلد لا يؤمنون ولا تقبل شهادتهم بقيراط لرجل ولى مسلم على يهودي فاسق مخالف لدين رب العالمين، ولا يكونون حجة ولا مأمونين في شيء من أحكام دين الله تعالى إلا في هذا الحرف المخصوص، فإن قولهم على ضعفائهم مقبول أن فلانا عليه من الغرامة لعز الدولة كذا وكذا، وأن فلانا مأمور عليه وواجب عليه الجهاد إلى قتال عدوه؛ ومن يأبى عن ذلك فيحبس في العذاب المهين بقول ذلك الرجل الفاسق اللعين.
أيا معشر المسلمين؛ من أين جاز هذا وثبت من قول الرؤساء على الناس يجب ويلزم على من ألزموه منهم، وينحط عمن لم يجعلوا عليه شيئا من قراباتهم وأرحامهم ولو كانوا أصحاب أموال، إن هذا لهو الزور المفترى والكذب على الله ورسوله والمسلمين؛ فإن قتل ذلك الرجل المجبور بقول ذلك الرئيس على ما وصفنا فهلا يلزم على من جبره دية أو يقاد به أو لا يلزمه شيء، ومن جبره على تسليم شيء من الغرامة على ما وصفنا فهلا يلزم فيه ضمان أو استحلال؟
فالله الله رحمكم الله في أمر الدين ورضى الحي القيوم؛ إلى أن قال: وقد ذكرت تسأل وتناظر أن تستعين (2/164)
صفحة 520
من قبائل أهل الخلاف من غير أهل عمان؛ فلا يعجبنا ذلك؛ ولا تفتح لهم بابا على أهل عمان وتدعوهم إلى نصرتك ومعونتك؛ فإنهم لا تؤمن غوائلهم ومكرهم وخداعهم؛ ولا ترجى منهم النصرة لهذا الدين؛ وهم أعداؤه وحربه، وقد كمنت العداوة في قلوبهم لأهل هذا الدين، أترجى منهم أن يتخطوا الفيافي والقفار؛ ويحتملوا المشاق والمضار، ويسافروا البر والبحار، ويجهزوا الأموال والأبشار، ويفارقوا الأهل والأصهار؛ لنصرة من عاداهم في الدين، وإن كان مجيئهم وإجابتهم لدعوتك من قبل الأطماع، وما تبذله لهم من المال، فعندنا أن ما تبذله لهم من المال لا يقوم بما يغرمونه من أموالهم؛ ولا يبيعون به أنفسهم للقتال؛ وإن لم تجد من أهل عمان على غير الجبر، فكيف تجد من غيرهم إلا على طمع في سلطانك وملكك، فتفكر في ذلك، وتدبر تدبر من أشفق على نفسه طالبا رضى الله؛ وانظر في أمر سيف بن سلطان وأتباعه العجم وما تولد من أمورهم وصنيع حيلهم، فإن لمن تدبر في ذلك وتفكر عظة عن غيره ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها.
انتهى ما أردنا نقله من كلامه. وكان أحمد بن سعيد صاحب همة عالية ومطلب سام وجرأة وإقدام، فصار ملك عمان كله إليه إلا ما شاء الله، ودانت له القبائل وسكن الحركات وأطفأ كثيرا من الفتن، وأمر ونهى وقام بأمر الدولة، وأعطى المملكة حقها، ودافع العجم واستراحت الرعية وتجدد الملك.
وتوفي أحمد الإمام سنة ست وتسعين ومائة وألف، فكانت أيامه أيام راحة واستراحة بعد الفتن والمحن، وكانت مدة ملكه بعد العقد تسعا وعشرين سنة؛ وخلف أولادا منهم سعيد بن أحمد وسلطان بن أحمد وقيس بن أحمد ومحمد بن أحمد وطالب بن أحمد؛ وهؤلاء كلهم يقال لهم أولاد الإمام.
فأما (2/165)
صفحة 521
سلطان فهو أبو ملوك مسكد وزنجبار؛ وأما قيس فهو أبو ملوك الرستاق وكانوا قبل ذلك على صحار وما يليها، وأما محمد وطالب فإنهما وليا من قبل إخوتهما: فولى طالب الرستاق وولى محمد السويق من الباطنة، وأما سعيد فهو الذي ملك بعد أبيه بالحال وتسمى بالإمامة وخاطبه بها أبو نبهان؛ وذكر ذلك لأجل معنى يريد به دفع مظلمة عن بعض الناس، قال إن الخطاب بالإمامة يحتمل وجوها، واشتهر بهاذ الاسم من بين إخوته، فأولاده يقال لهم أيضا أولاد الإمام ابن الإمام، ولم يعدل في ملكه، ولم يرض المسلمون عليه. وكان أديبا لبيبا معدودا من أدباء عصره، ومما ينسب إليه من الشعر قوله متغزلا:
يا من هواه أعزه وأذلني = كيف السبيل إلى وصالك دلني
وتركتني حيران صبيا هائما = أرعى النجوم وأنت في نوم هني
عاهدتني أن لا تميل عن الهوى= وحلفت لي يا غصن أن لا تنثني
هب النسيم ومال غصن مثله = أين الزمان وأين ما عاهدتني
جاد الزمان وأنت ما واصلتني= يا باخلا بالوصل أنت قتلتني
واصلتني حتى ملكت حشاشتي= ورجعت من بعد الوصال هجرتني
لما ملكت قياد سرى بالهوى = وعلمت أني عاشق لك خنتني
ولأقعدن على الطريق فأشتكي= في زي مظلوم وأنت ظلمتني
ولأشكينك عند سلطان الهوى = ليعذبنك مثل ما عذبتني
ولأدعين عليك في جنح الدجى= فعساك تبلى مثل ما أبليتني
وكتب إلى أخيه سلطان بقوله:
إذا شحت الخضراء الوبل فالتمس= تجد جود سلطان على الناس كالمطر (2/166)
صفحة 522
فإن عز مطلوبي فليس شماتة = وإن حصل المطلوب فالفوز بالظفر
ولعل هذه الكتابة كانت منه لأخيه بعد خروجه عليه وأخذه لغالب ممالكه على حسب ما سيأتي إن شاء الله، ونذكر الأحوال الواقعة في ملك سعيد بن الإمام ونفرد لها بابا.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- بياض بالأصل.
باب الأحوال الواقعة في أيام سعيد بن الإمام
ذكر ناصر بن أبي نبهان أن السلطان سعيدا مال إلى شف الهناوية وتنكرت عليه الغافرية. وذكر أبو نبهان بعض ما وقع بينه وبين السلطان وبين بعض الغافرية في رده على السيرة الثلبية، ومن جملة من خالفه العبريون ورئيسهم يومئذ سالم ابن مسعود.
قال أبو نبهان: فكم مرة سار إلى بلدهم الحمراء بجيوش كثيرة وعدد كثير ولم يقدروا أن يشربوا منها شربة ماء.
قال: ويخرجون إلى قتالهم أناس قلة، وفي مرات لم يعلم الجميع بهم أو علموا فيبادرهم أناس قليلون من الخمسة عشر رجلا أو يزيدون قليلا أو أقل، وفيهم كبيرهم هذا؛ فيقتلون فيهم ويولون الأدبار والقتل فيهم وأهل البلد في هيئة البراز لهم، وذلك إن كان مجيء واليهم على غفلة منهم.
قال فلما لم يقدر عليهم صالحهم وأعطاهم العهود والمواثيق بالأمان عليهم جميعا وقرب كثيرا أخا الشيخ سالم بن مسعود خدعة؛ وعرفهم أنه يصلهم زائرا لتمام الألفة وجاء بقوم كثير وجيش كبير وتركهم وراء الحورة ودخل هو في وسط الأموال بأناس قلة، ونزل هنالك فذبحوا له للضيافة وعظموا الكرامة، وقعد آمنا منهم وهم آمنون منه، ولما حضر أكابر البلد وفي نيته أنه يحيط بالأكابر ويهلكهم، فما كان غير قليل إلا وأحاطت القوم بهم وظن الأكابر أن وصولهم من (2/167)
صفحة 523
غير رأيه معهم، بل كما جرت العادة أن السلطان تتبعه الناس حيث يسير يسيرون في طلبه فلم ينظروا إلا والسيوف قد علت وأحاطت بهم فقتلوا أخا الشيخ سالم بن مسعود، وتشمر الشيخ ومن حضره من الأصحاب لقتالهم وكانوا يفرقون منهم لشهرتهم في شدة البأس وذلة مبالاتهم في القتال في الحرب، فانهزم القوم مولين الأدبار منهزمين والقتل فيهم ممن حضر الشيخ لا غير؛ ولم يعلم بهم من في البلد إلا والقوم بعدوا عنهم. قال فهذا الذي قد كان منهم فيهم.
وذكر أبو نبهان وولده ناصر أن أخا السلطان سعيد كاتب عليه المسلمين ووعدهم بالإعانة وواثقهم للقيام عليه، وأن يمدهم بالمعونة في حربه على شرط أن يكون الأمر راجعا إلى المسلمين يولون من يرون أنه أصلح للأمة وأقطع لمادة الفساد وأقوى في أمر الدين، ولم يسموا هذا المكاتب أي أخوة السلطان كان، وأظن أنه سلطان بن الإمام؛ لأنه هو الذي اشتهر بالخروج على أخيه؛ فوفق قيام المسلمين، وفيهم الشيخ أبو نبهان وقوع فتنة بين أهل نزوى، فخرجوا في الظاهر لإطفائها وهم يضمرون غير ذلك، بل كان مرادهم التمكن من السلطان بالحيلة؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام خبرهم مستوفى.
وكان لسعيد بن الإمام ولد يقال له حمد بن سعيد حدثني من أثق به من أولاد الإمام أن هذا الولد كان قد طلع طلعة حسنة وثار ثورة مباركة، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في أيام والده، وكان أبوه بالرستاق وكان هو ببركا، وكان يطوف بقومه على عمان باطنة وظاهرة، ثم يأتي على الجوف والشرقية يصنع ذلك في السنة مرتين يتفقد الممالك والرعايا، وحصلت له في القلوب هيبة ومحبة. قال فدخل على أبيه يوما وكان قد جاء من سفر وأبوه بالرستاق، وكان بارزا في (2/168)
صفحة 524
الصلاة، وكان قد تحزم بديولى، وهو رداء يعمل من الإبريسم والزري؛ فقام له أبيه ليحييه، فلما رأى حمد لباس أبيه لم يتمالك أن تناول الديولى من حزام أبيه فجذبه إنكارا لما رأى؛ فدار أبوه بذلك دورين أو ثلاثة.
قال وكان عمه سلطان بن الإمام عند آل وهيبة ساكنا في سيوحهم الحدرية؛ وكان همه وعزمه هم الملوك وعزمهم؛ فأخذ يوما سبعين راكبا وقصد بركا ليقتل ابن أخيه حمدا خوفا على الملك أن يستولي عليه دونه؛ فلما وصل بركا وافق حمدا خارجا في البلاد على فرس ومعه فارسان أو قال ثلاثة؛ فتلقى حمد عمه بالترحيب ونزل عن فرسه وحياه ثم ركب فرسه وقال أنا قدامكم؛ ومضى إلى الحصن مسرعا فقال أصحاب السلطان: كيف أفلت الرجل وقد عزمت على قتله ولا تجد له فرصة مثل هذه؟ فقال إني هبته؛ وما كان بسلطان من وهن في باب الرجال غير أن الأقران تعترف للأقران؛ ثم أناخ على الكرامة وترخص ومضى؛ فما لبث حمد سعيد بعد ذلك قليلا من الزمان ثم توفى؛ ورثاه أبوه بأبيات قال فيها:
وافا حمامك يا حبيبي بالعجل= ... نارا تلهب في ضميري تشتعل
يا من له شرف وفضل في الورى= ... أمسى وحيدا مفردا دون الأهل
الله أكبر من مصاب عمنا = ... هما وغما لا يبيد ولا يفل
حمد حوى المجد الشريف تغيرت= ... أيامه قد كان يضرب بالمثل
صبرا لأولاد الإمام ومن لهم = ... من إخوة وأقارب فيما نزل
لا غرو هذا قد أتى خير الورى= ... لم تمنع الأموال عنه ولا الدول
وقال أيضا:
لهفي على عيش مضى = ... ... ما ذقت أحلى منه شيْ (2/169)
صفحة 525
لما ذكرت عهوده = ... ... جرت الدموع وقلت أيْ
وفي يوم الخميس لثمان مضين من شوال من سنة ثمانية وتسعين بعد مئة وألف خرج رجال من حارة الوادي من نزوى وهم في حال الريبة والتهمة بالفساد لاختلاط النساء بالرجال، ونزلوا على جبال سمد نزوى في الجانب الغربي عند جبل الحلاة على حذا مسجد الجبل، وقيل معهم بعض النساء المستزابات، فلما كان وقت الظهر خرج عليهم ملأ من سمد نزوى فهجموا عليهم بالبنادق والسيوف فقتلوا منهم أربعة رجال وجرحوا آخرين، فقتل من الخارجين واحد وجرح اثنان، فكتب الشيخ سعيد بن أحمد الكندي إلى السلطان كتابا فيه: أما بعد، فإن السوقة طغوا وبغوا ونهيناهم مرارا لم ينتهوا فالآن قد قتل منهم أربعة رجال ولا يجوز أو لا يعجبنا أن تعاقب أحد منهم في نزوى وأرسل به رسولا.
قال أبو نبعان: فلم يرد السلطان إليه جوابا قال وقوله لا يعجبنا أن تعاقب الفاعلين بنزوى ليس فيه ما يدل على أنه يعجبه في غيرها أو لا إذ قد خصها ولم يذكر ما عداها بشيء جزما فهو ممن يحتمل لأن يكون المشتمل على المندوحة في القول الواسع وكأنه مما يدل على محاولة السلامة في الأمرين الدنيا والدين فما أبلغه في نظر العارفين خلافا لمن عابه من الجاهلين.
ثم خرج بعض أكابر العقر وأتوا عبدالله بن محمد بن عبدالله بن محمد الكندي وهو يومئذ كبير أهل سمد وطلبوا إليه أن يخرج إليهم القاتلين فوعدهم بالغد، فاستشار الشيخ سعيد بن أحمد الكندي وهو يومئذ عالم أهل نزوى فقيل إنه أفتاه وقال له لا تخلص القاتلين إلى أحد لأن الناس في هذا الزمان لا يؤمنون من التعدي في العقوبة وأخذ الحقوق، وعبدالله بن محمد هذا هو الذي بنى بيت (2/170)
صفحة 526
بسمد نزوى في أرض له يقال لها سليط فأضيف البيت إليها.
ثم أن أكابر العقر كتبوا للسلطان بصفة الحال وهو يومئذ بالرستاق فجاء إليهم في رجال وعبيد وجمع غير كثير، فلما وصل نزوى طلب منه ما قد طلبه أكابر العقر سابقا فاعتذر الرئيس واعتل بأن الفاعلين قد اختفوا فلم أجدهم، فطلب منه السلطان سبعة رجال من أهل القاتلين ضمانة يكونون في السجن حتى يأتي بالقاتلين فأجابه إلى ذلك ودفع إليه الرجال واحدهم ولده وألزمه أبو نبهان التوبة من تسليمهم وحاول عبدالله إخراجهم من يد السلطان فلم يقدر وكان يشاور في أمره الشيخ سعيد بن أحمد الكندي.
ثم أن السلطان طلب من عبدالله بن محمد بيت سليط ليجعل فيه رجالا من طرفه فأبى وحرج إلى من حوله من القرى والمساقي والجبال وأتى بالجيوش والحشود واشتد الأمر وقبض السلطان عليهم المقابض وقطع عليهم السبل فصار أهل سمد ومن معهم في بيت سليط، وفي جامع سمد والسلطان ومن معه في الحصن وأهل السفالة في حوائرهم وبقيت الأمور كذلك من تاسع شوال إلى خامس عشر من ذي القعدة من السنة المتقدمة.
قال أبو نبهان: أقاموا بسمد نزوى كأنه لمعنى الدفع عنه ولم نسمع أنها كانت لهم غزوة على أحد وإنما أغير عليهم من السفالة يوما لكن على مجازة النساء فأتوها من علا الحورة فثار الناس إليهم وتراموا بالبنادق حتى هزموهم بعد أن أصابوا رجلا جاموديا برمية فمات منها وغدا يكون الحساب (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).
قال ناصر ابن أبي نبهان: فلما عجز الشيخ سعيد بن أحمد والشيخ عبدالله بن محمد عن إخراج المقبوضين من السلطان استعانا بالشيخ الوالد العالم أبي نبهان بالوصول إليهما (2/171)
صفحة 527
في هذه النازلة ويعملوا فيها على موجب الشرع، ويحتالوا على إخراج المقبوضين بغير الحق خوفا منهم أن يهلكهم أو يعمل فيهم ما لا يجوز له من الضر فوصل الشيخ وعملوا الحيلة أنه إذا سلم لهم المقبوضين يسلموا له المطلوبين، قال فأخرج لهم المقبوضين ولم يبذلوا له المطلوبين لأنهم لا يأمنونه أن يتعدى فيهم الحق، وقال غيره وصل الشيخ جاعد بن خميس الخروصي يوم خامس عشر من ذي القعدة من السنة المتقدمة ونزل بالحذفة من سمد نزوى وكأنه في ظاهر الأمر يريد سد باب الفتنة، وفرح كثير من الناس بوصوله وكتب للسلطان كتابا ساعة نزل قال فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: إلى إمام المسلمين سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي أما بعد، فإني جئت في سد هذه الفتنة وإني نزلت في الحذفة مع نفسي لا مع عبري ولا ريامي ولا كندي ولا مع غيرهم بل مع الحق والحق مع من اتبع الهدى وله أردت، فقد بلغني أنك قبضت رجالا بغير جنية فهذا لا يجوز في دين الله وفك عقالهم الساعة قبل اليوم ولا تتأخر ساعة واحدة وعليك من ذلك التوبة ولجلالة الشيخ وشدة محبته في القلوب تداول هذا الكتاب الخاص والعام وقرأ في المساجد والمجامع فأجابه السلطان بالسمع والطاعة وأرسل له هدية قبلها الشيخ.
وقال السلطان أنا ما أريد إلا الفاعلين القاتلين بأنفسهم فوعدوه بهم على أن يأتوه بهم، وطلبوا منه أن تكون عقوبتهم بالرستاق لا في نزوى، ولعل ذلك كان خوفا عليهم من أهل المقتولين فأجابهم إلى ذلك وأطلق المقبوضين ونادى مناديه بالأمان وربما فسح لشيء من جيوشه؛ وهم بالمسير بالصباح وأرسل السلطان ناسا من أكابر أهل الرستاق، فيهم القاضي ناصر بن سليمان الشقصي ليأخذوا المطلوبين، فلما (2/172)
صفحة 528
وصلوا كلم القاضي رؤساء سمد في أمر السلطان وطلب منهم أن يكلموه فيه، والمعنى أن القاضي كان ميله إلى السلطان وكأنه يصوبه في صنيعه ويطلب من المشايخ الجواب البين في خطائه.
قال أبو نبهان: ورجعوا إليه بالجواب، قال فكأنه اختار على ما عصب، قال ولقد أشار على القاضي من يكلمه أن يحضر الخصمين من هؤلاء الفريقين ليقضي بينهما بالعدل ونحن معه من حوله في جملة الحاضرين لمنع من أراد التعدي منهما على الآخر.
قال فلم يفعل وأعجبه ما عليه الجبار من أخذهم للجزاء، ولم يذكر الآخرين بشيء والقتل والجراح في الفريقين، فقال له من يكلمه عسى أن تكون له حجة فلم يمل إلى شيء من قوله لا عن تكبر يظنه به ولا تجبر لأنه أدنى إلى أن يكون هو الذي أداه إليه رأيه من الاختيار، لأجل سداد الحال برضا الجبار والذي هم به العظيمة، وليس عليه أن يكون موافقا عليها، ثم وقع بعد هذا الكلام سقط في كلام الشيخ أبي نبهان، وحاصل ما نفهمه من سياقه أن أهل سمد ولوا أمرهم رئيس العبريين وهو يومئذ سالم بن مسعود، وقد تقدم ما جرى بينه وبين السلطان من الحروب وأن السلطان كان قد خادعهم واحتال على قبضهم وقتل أخ الرئيس المذكور وأن سالم بن مسعود أبى من دفع المطلوبين فقال يسلمهم إلى ثقات المسلمين لا غير، وذكر السلطان فأغلظ فيه القول لما قد عرفه من قتل أخيه على أمان.
قال أبو نبهان: واحتج في أمره بما لم يقدروا على دفعه وأشار إلى القاضي بهم فلم يقوا على أن يتولى أمرهم في حبس الجبار فيكون هو المسئول عنهم. قال وربما عرض بالشيخ محمد بن خلف بن محمد الشقصي في بذلهم إليهم ولا أدري أنه من معاريض الكلام أو أنه على ظاهر ما أبداه أو أنه على وجه الاختبار إلا أن القاضي (2/173)
صفحة 529
السلطان أنه لم يعرض بذلك.
قال ولما رأينا ما بينهم خلوه بعد فأمره بغير ما هو عليه من الشدة لأن بلوغ المراد من إخراج من أودع السجن جورا أو غيره لا سبيل إليه كمثله، فرجع إليهم بما يرضي السلطان من بذلهم إليه قولا ليس من ورائه عمل فرجعوا بالأمر فأخرجهم وبقى حكم الموعد له بهم.
هذا آخر ما انتهى إليه الأمر في هذه القضية وسنذكر لك بيان ما طلبه الشيخ أبو نبهان وقصده.
[فقرة لم ترقن] (2/174)
صفحة 530
[صفحة لم ترقن] (2/175)
صفحة 531
[صفحة لم ترقن] (2/176)
صفحة 532
[فقرة لم ترقن]
ذكر دخول أبي نبهان ومن معه العقر لأجل إظهار الأمر حين أمكنته الفرصة
قال ناصر بن أبي نبهان: ولم يكن في نفس الشيخ أن يقوم بالعدل في ذلك الوقت قال: وقد قال للشيخ سالم بن مسعود وأصحابه: إن كنتم تريدون بالعلم السر فتركوني في المسجد الذي أنا قائم فيه واذهبوا أنتم على المعقل؛ وإن كنتم تريدون بغير العلم السر فالنظر إليكم , قالوا أنت بما عندك (2/177)
صفحة 533
من العلم النافع لهذا دعه الآن وأخرج معنا قال وفي أنفسهم قوة على ما أرادوه لا يحتاج إلى التيسر بعلم الأسرار فقد تسوروا البلد كانت عند الشيخ حيلة بأن يحملوا الحجارة ويجعلونها بين الرز والباب حين معالجة فتحه؛ فما يهم الشيخ إلا وقد تقدموه على الباب؛ يعني باب الحصى وتقاوموا عليه هم والداخل في المعقل؛ هذا يفتحه وأولئك يسدونه فوقف في الوسط ولم يرموا حجارة بين ما ذكرناه؛ فغلب أهل الداخل لكثرتهم وفله الذين يفتحونه وسدوه وضاع ما كانوا أملوه.
قال ولو أنهم تركوا الأمر على اختيار الوالد وتركوه في الخلوة وساروا هم إلى المطلوب لتوفق؛ ولكن لم يكن ذلك لأمر يريده الله تعالى في عباده ما داموا مستحقين الغضب ولو أنهم أحسنوا أحسن الله إليهم.
قال أبو نبهان: وقد تقدمنا على الداخلين من قبل أن لا يتعرضوا إليها لا لأخذ مال ولا لأحد بالقتال وأن يقولوا لمن عارض بالمنع إنكم غير مطلوبين , إنما المراد فلان؛ يعني بذلك السلطان؛ فكفوا فعليكم الأمان , ومن أبى من بعد أن يستكفي فيدفع بأقل بما به يمتنع إلا أن يقاتل فلا بد من ضربه حتى يرجع أو يقتل , ثم يترك على حاله فلا يأخذ له شيء من ماله؛ فامتثلوا الأمر بعد أن سمعوا الزجر ولم يصحا أنهم خالفوا إلى شيء مما نهوا عنه , وسلم أهل العقر من كل ضر.
وأما نحن فلم نسلم منهم كل السلامة لأنهم أصابوا منا رجلا برمية في وجهه؛ ولعلها أن تكون بلبنه من طين أو ما أشبهها فأضر به وآخر أصابته في رجله جراحه ولعلها بشيء من البنادق فالله أعلم, غير أنا أخذنا في الوضوء لصلاة الصبح فلم نشعر إلا والحرب بين القوم وأهل البغي ممن في الحصن قائمة وبحثنا في المبتدئ فقيل وصح معنا أنهم أهل الحصن؛ ولا خلاف بين المسلمين في جواز (2/178)
صفحة 534
في الحال على ذلك , وذكر غيره أنهم تسوروا سور العقر بالجذوع جذوع النخل في الثلث الأخير من ليلة ثامن عشر ذي القعدة سنة 1198هـ؛ ثماني وتسعين ومائة وألف والسلطان نائم في حصنه.
قال فلما انتبه من نومه قال له بعض أصحابه: نخرج على القوم قبل أن يتكاثروا , فقال لا لأننا لا نعلم الدولة الداخلة قليلة أم كثيرة وخاف الخديعة , فخرج في نفر من باب السوق على خيل وركاب , فقصد إبراء من الشرقية ونواحيها وحشد حشودا منها ومن نواحيها , فأقبل عشية الأحد بعد سبعة أيام كان فيها أبو نبهان ومن معه محاصرين الحصن متمكنين من العقر؛ فلما علموا بوصول السلطان بجيش الشرقية , وكانوا كالجراد المنتشر؛ خرجوا إليهم والتقوا بين حاجر سعال وأبي ذؤابه – نهر بنزوى , وهو بهمزة فموحدة فواو فذال معجمة فواو فألف فباء موحدة فهاء - قال أبو نبهان فأردنا بهم الوقوف لمعنى الترتيب , قال ودعاهم قائد منهم إلى الرجوع ليكونوا في موضع , ولعله رآه أصلح لنزالهم وأولى بقتالهم , فردوا إلى ورائهم من غير ما وقوف إلى ما يأمرهم به , فلم يقدروا على ردهم لأمر سابق في علم الله كونه , وإلا ففي الخارجين أناس من أولى الشدة والبأس يقاتلون كثيرا وإن قلوا يعرفون بذلك غير مرة في قتالهم لهذا الجبار وغيره ممن هو أقوى منه , فلا يقدر عليهم بحيلة.
وفي هذه الوقعة تولوا منهزمين في الحال من غير ما قتل ولا قتال لأمر أراده الله تعالى في بقاء هذا السلطان على ما به من البغي والعدوان والغي والطغيان؛ وعسى أن يكونوا أهلا لذلك الأمر , لا مرد لأمره ولا معقب لحكمه , ولا بد من كون ما في سابق علمه , فكيف يجوز أن يكون في وقت إلا ما أراده فيه ولا محدث سواه , فلا تعبدوا إلا إياه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى (2/179)
صفحة 535
يغيروا ما بأنفسهم) كما كنتم يولى عليكمن , هي المقادير فلمنى أو فذر.
ثم رجع الشيخ بمن معه إلى العقر؛ ونزل السلطان في جامع السوق وجيشه نزل معه وبعضه بين حوائر الوادي وبعضه بالبطحاء؛ ودخلت رجال بالصلح بين السلطان والشيخ.
قال أبو نبهان: إن السلطان أرسل إليه مع أناس من أعوانه كتابا يدعوه إلى الصلح فأجابهم إلى ما طلبوه لما رأى ما يفوته من التخاذل عن قهر البلاد ومجاهدة العناد لرب العباد بعد التشمير لهم، لعسى أن يأتي النصر من عند الله لمن يرجو منه مددا بعد حين فلم يشمروا، ولما أتاه الخبر بوصول أناس من أهل البأس بسمد نزوى أراد منهم أن يكونوا على السور واقفين وفي المقابض قائمين إلى الصباح؛ فلم يجبه إلا القليل من أهل النجدة والبأس ممن له في هذا الأمر قوة وشدة مراس، ولكن ليسهم ممن تقوم به الكفاية، والبعض أبى عن المراد؛ وهم الأكثر، وأظهروا له إنا لنخرج وإن لم يصحبنا خرجنا عنه، وذلك لقتلهم وكثرة قوم السلطان، فلما أيس من نصرتهم أتم لهم ما أرادوه على أيدي من يسعون فيما بينهما؛ ورأى لأصحابه العذر الواضح من قلة ما يأكلونه من المعاش هنالك؛ وعدم ما يدفعون به عن أنفسهم من الباروت والرصاص وميل أهل الدار لا إليهم مع قلة العدد وانقطاع المدد، إلا أنه أشار أحد منهم إليه بجبر أهل البلد على الطعام بالفيمة، فأبى أن يجبرهم عليه؛ إذ لم يصح معه أن لهم فضلا لذلك.
قال ناصر بن أبي نبهان: إن الشيخ أفاد جواز الجبر لأهل البلد على بيع الطعام لمثل هذا الأمر الذي ذكره أن لو عرف أن معهم فيه فضلة عن قوتهم لسنتهم أو غير ذلك من المراد الني عندهم.
قال وأما دخول الوالد في هذا الأمر على قلة ما ذكره في ما سمعته أنه وعده بالمدد و (2/180)
صفحة 536
وبما يحتاج إليه الحرب أخ السلطان، وكان عدو لأخيه حيث انتقل الأمر إليه بعد أبيهما وأراد خروجه منه؛ والوالي من اختاره المسلمون، وأن يقعدوا الإمامة بعد ذلك لمن شاءوا ممن يرونه أهلا لها؛ فلما عرفهم بخط بالخروج على السلطان؛ وإنه خارج من بلده بجميع ما يحتاج الحرب إليه سار الوالد وأضمر في نفسه القهر له بالحيلة كما أخبر عن نفسه فيما مضى من كلامه ولم يتفق له تشمر بعد ذلك إلى أخذ الحصن على حين غفلة فرأوا الباب مفتوحا، فلما ذهبوا إليه أصحابه ورأوهم أهل الحصن سدوه؛ هم يسدونه من داخل والقوم تفتحه من خارج وبقي الباب كذلك. وكان أهل الحصن أكثر من الذين يفتحونه من خارج من القوم، فغلب أهل الحصن وسدوه، فقال لهم الوالد الشيخ: لو كنت عندكم لرميت الحصى بين الباب وبين الرز، فأضمروا أن يحربوا ويصبروا حتى يصلهم أخ السلطان؛ لأن أهل السلطنة تتبعهم الناس أكثر من العشائر طمعا لما في أيديهم، وهذا ما لا ينكره ذو عقل صحيح.
قال فلو وصل أخ السلطان فلا شك أن القلوب تكون مطمئنة به أكثر من حربهم بأنفسهم وهم عشائر فقراء؛ وما كان أرجى لبلوغ المراد؛ فلا شك أنه الرأي الذي فيه السداد في سلوك منهج الرشاد؛ فلما وصل أخ السلطان وادي بني رواحة منعوه عن المسير إلى نزوى إذ كان ميلهم إلى السلطان؛ لأن السلطان ميله بالمحبة والعصبية والحمية الجاهلية إلى كل يمنى يسمعونه هناويا على الحقيقة في نسبه كذلك؛ ولكن كذلك قسموا العوام عشائر من أهل عمان على غير حقيقة النسبة ويلقى كل من كان نزاريا ويسمونه غافريا؛ وأخ السلطان معه هذا وهذا سوى؛ ولذلك كان ميلهم إلى السلطان دون أخيه , فلما وصل الشيخ خبر أخ السلطان أنه منع عن (2/181)
صفحة 537
الوصول إليكم أيس من وجود ما ذكر عدمه , وأيس أصحابه وهو في الأصل ما تشمر لهذا الأمر إلا بثقته بمن واثقه على المدد بجميع ما يحتاج إليه وإلا فهو عالم أن هذا أمر لا يصح إلا بذلك.
قال وقد وفى أخ السلطان بما عاهده عليه الشيخ؛ لأنه خرج بذلك وسعى وحدّ واجتهد؛ ولكن لا يكون في الكون شيء إلا ما سبق في علم الله كونه , والله بصير بالعباد. قال هذا ما عرفته شفاها من لسان الشيخ والدي.
قال أبو نبهان مخبرا عن نفسه بعد أن ذكر تعذر الأمور ورأى الخروج أولى من الدخول فخرج منها بعد أن أعطى من السلطان أمانا على كل حارب , إلا أنه أمان امرأ ([1]) أهل هذا الزمان من البوسعيدي في عمان , فهو الأدنى بما ساغ إلى أن يكون المكر والخداع؛ وأنه تصد إلى سمد نزوى لوقوفه فيها خوفا من العدو عليها , فوجد كبيرها قد عزم على الرحيل منها , وانه أخبر الشيخ سالم بن مسعود العبري كبير قومه أنه كاثره في الوقوف , فكابره وقال له: قد كنا متفرقين الآن صرنا في سمد مجتمعين , إن جاءها قاتلناه دونها , وإن سار إلى بلداننا لاقيناه , قال وقوله ([2]) من وراءه فعل الرجال لأنه من جملة الأبطال معروف بالشجاعة حين النزال وحوله من بني عمه رجال , وأي رجال وأناس آخرون عند الحاجة إليهم لا يقصرون , فأبى إلا الخروج منها والقوم تحتاج إلى طعام , وقد كان القائم به هو لا غيره ولا يرجى أن يقوم به أحد بعده , فلم يمكنه أن يبقى في سمد نزوى بعد خروجه من العقر وذكر غيره أن الشيخ جاعد خرج من العقر أول ليلة الاثنين قال ودخلوا سالمين وخرجوا سالمين , قال ومروا إلى سمد ولم يقعدوا فيها , قال فلما أصبح الصباح نهضت جيوش السلطان إلى سمد (2/182)
صفحة 538
فخربت البلاد وشردت العباد , وقتلت رجالا ويتمت أطفالا؛ وحرقت المنازل والحروث , وخشبت النخيل.
قال أبو نبهان: وذلك كله لعدم إيمانه جرى منه هذا بعد أمانه أخزاه الله في سلطانه , وجميع من أعانه على شيء من ظلمه فهو من أعوانه؛ قال أوله في الحق مخرج إلى الصواب؟ في قتل الرجال أو تخريبه المنازل أو في نهب المال أو في تشريد العباد في الأودية والجبال , أو الحق في حكمه أنه من الضلال لظهور ظلمه قال وهل هن غير واحدة مما تقدم له في مثلها مما لا وجه له في العدل لحكمها قال أفخفي عليك أمره بعد أن شهر في البلاد كفره.
هذا كلام أبي نبهان مختصرا في هذه الواقعة؛ وقد تركت أكثره , وإنما ذكرت منه ما يناسب المقام, وللقصة تمام يأتي ذكره في خروج سلطان بن الإمام.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- هكذا في نسختين ولعل صوابه: امرئ ظالم ومن أظلم من أهل الخ.
[2]- قوله مبتدأ وما بعده خبر.
ذكر خروج سلطان بن الإمام على أخيه سعيد بن الإمام
ذكر ناصر بن أبي نبهان أن سبب ذلك كان من الشيخ أبي نبهان. قال وذلك أنه لما رجع من نزوى إلى وطنه العليا شمر السلطان بالرشاء بالدراهم الجزيلة لقتل الشيخ , وتبين عليه ذلك , قال فشمر الشيخ في العمل الخفيف من عمل السر؛ فأخذ مرتبة مائة ورابعة وخامسة ([1]) مائتين ومزجها بحروف تعطيل حركات فلان حرفا بحرف سطرا واحدا. وكسره بأخذ حرف من أخره وحرف من أوله حتى تم السطر الثاني من وسط السطر الأول , وكذلك بكل سطر حتى خرجت السطر الأخر كالسطر الأول , وهو (2/183)
صفحة 539
المسمى معهم بالزمام , ونظم السطر الثاني أسماء من أوله إلى آخره كل أربعة أحرف منه اسما إن كانت جملة حروفه زوجا , وإن كانت فردا نظم كل خمسة منه اسما؛ وزاد كل اسم منها في آخره يال أوال؛ وأخذ جملته بالجمل الكبير عددا , واستنطق العدد حروفا , أي جعل بدل العدد مما له من الحروف حروفا , وجعلها اسما وألحق آخره ائيل , وهو اسم عبراني معناه بالعربية الله , كما يقولون إسرائيل وجبرائيل؛ يضيفون ذلك إلى الله؛ كما تقول ناصرا لله ومحمدا لله وسماء لله وأرضا لله , أي لله تعالى؛ فيكون هذا هو الروحاني وتلك الأسماء هي القسم؛ ووكل الروحاني بتعطيل حركاته في كاغدة وحثه بالقسم ورقم التكسير في قفا القرطاسة وطواها؛ وقال لولده نبهان علق هذا على الماء في قنطرة فلج؛ كانت عند المسجد الذي قام فيه؛ وهو مسجد الحشاة من بلد العلياء وأمره أن لا يتركه بقدر ما يمس الماء؛ فإنه إذا مس الماء مات به , ولم يرد به موته قال فبطلت همة السلطان وضعفت قوته وذهبت مملكته وخرج عليه أخوه سلطان ابن السلطان أحمد بن سعيد؛ وتولى على جميع ما كان في ولايته؛ ولم يبق في ولايته غير الرستاق.
قال وذهبت هيبته حتى أن السمك يأخذ من يد طارشه إذا حمله من السوق ولا يقدر أن يذب عنه , قال وصار عبرة للناظرين وآية للمعتبرين. قال وعلم الناس جميعا أن ذلك كان من الشيخ فيه؛ وخضع للشيخ وذل له , وصار من أشد الناس هيبة منه وفرقا من عمله ومعرفته.
قال وأمر الشيخ ولده بعد ذلك بزوال العمل وتدميره لئلا يهلكه. قال ويجوز له أن لو تركه إلى أن يهلك في قول بعض المسلمين في قتل الجبابرة غيلة , قال وقد عمل به في غيره من الجبابرة قال ولا فائدة في رسم جميع ذلك. قال وكان أكثر أمره في هذا بالدعاء.
انتهى ما أردنا (2/184)
صفحة 540
من كلام ناصر بن أبي نبهان. وبهذا السبب الذي ذكره صارت الدولة لسلطان ابن الإمام: ولم يذكر أبو نبهان ولا ولده لسلطان هذا شيئا يكرهونه منه في باب الدنيا , وظاهر الحال أن الحركات قد سكنت في أيامه واستراح أبو نبهان وأولاده.
وكان الملك البحري أيام اختلاف اليعاربة متفرقا في أيدي عمالهم , مثل الهند وممباسة وزنجبار وما بعدها , وكل عامل قد استبد برأيه , وانفرد بما تحت يده , وادعى المملكة لنفسه , فسعى سلطان في رد ما أمكنه من ذلك , ولم يتم له الأمر وإنما تم لولده سعيد بن سلطان.
ومات السلطان سعيد بن أحمد وبقيت الرستاق في أيدي أولاده حتى أخذها منهم طالب بن الإمام في أيام سعيد بن سلطان بمعونة من سعيد لعمه على حسب ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ثم قتل سلطان ابن الإمام؛ قتله أهل الشمال , وكانوا قد آذوا عمان في زمانه يغزونها في سفن صغار من جهة البحر؛ ودافعهم سلطان حتى قتل , ثم دافعهم من بعده ولده سعيد بن سلطان حتى استأصلهم , وكان سلطان قد ترك ابنه سعيدا صغيرا؛ وكان مقامهم بمسكد فزحف إليه عمه قيس بن الإمام وكان على صحار وما يليها فحاصره بمسكد ومعه أهل الشرقية وقائدهم عيسى بن صالح, وقام بأمر سعيد ابن سلطان بعض أعمامه وبعض أخواله من الجبور فيقال أن قيسا خلص مطرح وما حولها ودخل مسكد ولم يبق لسعيد إلا الكيتان وما علا من البنيان فعند ذلك أرسلوا لعيسى بن صالح مالا جزيلا في خفيه لبعضهم وكان هو القائد الأكبر , فلما أصبح اعتل بالحمى؛ ففطن له قيس بن الإمام فقال له؛ أو حميت؟ فإن كان ذلك فقم بيننا بالصلح؛ فجرى الصلح بينهم على أن يكون لسعيد مسكد فقط ولقيس باقي المملكة , وافترقوا على ذلك , فما (2/185)
صفحة 541
سعيد يكبر حتى ظهر أعمامه وغيرهم؛ وسعى في تخليص ما بقي من ممالك العرب في أرض الزنج وخلصت له؛ وأخذ جانبا عظيما من أرض فارس , ودانت له الأمور بعد وقائع مشهورة وأحوال معروفة وطالت أيامه حتى قيل أنه عاش في المملكة خمسين سنة , وقيل أكثر من ذلك ولطول مدته كثرة الحوادث في أيامه وخرجت عليه طوائف وحاربته أهل نجد وأهل الشمال وبنوا أبو علي , وكان له في الجميع وقائع كثيرة وحروب متوالية وأخبار يطول بها الكتاب , وقتل عمه قيس بن الإمام في صكة كانت بينه وبين أهل الشمال في خورفكان؛ وقتل فيها كثير من العرب من أهل عمان؛ وترك قيس ولدا اسمه عزان بن قيس وهو جد الإمام الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى , وسنفرد لبعض الأحوال الواقعة في أيامه بابا.
-----------------------------------------------------------------------------
[1]- في نسخه وأربعة.
باب الأحوال الواقعة في دولة السلطان سعيد بن سلطان
ومن جملة ذلك أنه لما شخص نابه قتل ابن عم له كان قائما بأمر دولته على جهة النيابة؛ وهو بدر بن سيف بن الإمام , فسار الوشاة بينهما بالنميمة حتى وثب عليه سعيد فقتله , وكان بنخل وال من اليعاربة يسمى مهنا بن محمد بن سليمان , ثم قتل وصار حصنها لمالك بن سيف بن سلطان صاحب الحزم , ووقعت منه مخالفة على سعيد بن سلطان؛ فحاربه سعيد فأخرجه من الحصن , وصارت نخل لسعيد.
ومن جملة الأحوال الواقعة في زمانه قدوم مطلق بن محمد المطيري , وهو عامل من قبل سعود بن عبدالعزيز الوهابي , جاء إلى عمان بالجيوش بواسطة الغافرية من أهل الظاهرة وأهل جعلان, و (2/186)
صفحة 542
على ذلك كثير من أهل النفاق ممن ينتحل بالدعوى مذهب الحق , فقدم في سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف , فكان قدومه على عمان عذابا واصبا وبلاء وبيلا.
ذكر الشيخ ناصر بن أبي نبهان أنه كان قد استحل دماء المسلمين وشركهم؛ ودعا الناس إلى مذهبه؛ قال ومن لم يدخل في مذهبه قتله وسبى نساءه وذراريه وغنم أمواله. وذكر غيره أن عامل أهل القبلة بمعاملة أهل الشرك؛ فضرب عليهم الجزية وأخذ منهم الخراج وتردد على عمان ثلاث سنين يسير عنها ويرجع عليها , وأعد له السلطان سعيد بن سلطان الرجال للقتال , فما أغنوا شيئا, وجاء له بالعجم والعرب فهزمهم بإزكي وصار إلى مطرح ودخلها ونهبها وأدى إليه السلطان الخراج ليدافعه عن البلاد حين لم تغن الرجال شيئا , وذلك لاختلاف كلمتهم فيما بينهم بزعمهم الباطل أن هذا غافري وهذا هناوي؛ واتخذ توام وهي البريمي معقلا وبقيت فيها عمال أهل نجد حتى أزالهم الله على يد الإمام عزان بن قيس رضي الله عنه.
قال ناصر بن أبي نبهان: قام مطلق بحرب بلدان المعاول ثلاثة أيام , فقلنا للشيخ لازم عليك إعانة المسلمين , فدخل المسجد ودعا عليهم في الحين ثم خرج إلينا في صرح المسجد وعلى الصرح غماء , فقال في هذه الليلة ليذهبوا عنهم , فلم يبيتوا تلك الليلة في بلدان المعاول من غير أن يدركهم أحد لمسيرهم , قال ثم سار إلى الشرقية , فجئنا إلى الشيخ فقال: اعملوا له طريقة المزج بقتل فلان بحروف النارية النحسة , قال ونحن في بلد العليا من وادي بني خروص قال وأمرنا أن نجعله في الموقد الذي نقد فيه وقت الشتاء فما لبث ثلاثة أيام إلا وجاءت الأخبار بقتله؛ والعمل كان ليقتل قال وكنا قد عملنا ذلك بين يدي الشيخ.
قال: وقتله في الشرقية كهول قليلون , وهو في جيش (2/187)
صفحة 543
كبير.
قلت: وهؤلاء القاتلون هم رجال الحجريين؛ وكان قتله عند شكل أولاد عرفه علوي الواصل جاءوا على حين غفلة , فسلطهم الله عليه بعد أن قتل من رجالهم سبعة بيده , لأنه كان فارسا عنيدا, قالوا فأراد أن يجعل الدرع على نفسه فلم يمكنه لضيق الحال , فاستوى على فرسه وكان يطعن بشلفة في يده فسقطوا عليه على غير مبالاة بالموت , فمكنهم الله منه وانهزم قومه بعد قتله وقتل منهم مقتله عظيمة؛ وذهبوا هائمين على وجوههم؛ وأراح الله منهم البلاد والعباد , وكان قتله على ما قيل في سنة خمس وقيل ثمان وعشرين ومائتين وألف.
وجاء ولده سعيد بن مطلق في طلب ثار أبيه في سنة خمسين ومائتين وألف , ركب في قوم من البريمي وجنبوا الخيل وأغاروا على بدية صبيحة العيد وهو يوم الزينة فقتل منهم رجالا وقتلوا منه رجالا , ثم عطف راجعا فلم يعاود منهم أحد بعد ذلك , فهؤلاء الوهابية الذين تراهم في جعلان والظاهرة إنما هم بقايا من أتباع مطلق النجدي الوهابي.
قال ناصر بن أبي نبهان ولما طغى الأمير النجدي في جميع البلدان قلنا للشيخ عليك نصر دين الله ونصر المسلمين واجب فقال إن شاء الله اصبروا وانظروا بما يرسل عليهم من محو آثارهم. قال فما كان بعده مدة غير طويلة فوصل السر إلى سلطان مصر ([1]) ونزل عليهم ومحاهم من نجد وقبض الأمر إلى مصر؛ وأرسل الله على كل من صار إلى مذهبهم من أهل عمان من الشرقية بني بو علي السلطان والنصارى ومحوهم ولم يبق أحد إلا من كتم نفسه أو رجع إلى مذهب السنية.
قلت وقد رجعت بعد ذلك لبني بو علي قوة لكنها (2/188)
صفحة 544
القوة الأولى؛ فإنهم كانوا قبل ذلك أهل عدة وعدد وصولة يضرب بها المثل يعتقدون القتال دينا؛ وكان السلطان سعيد بن سلطان قد جيش لهم الجيوش من أهل عمان فلم يغنوا فيهم شيئا، وكانوا كلما جاءهم بجيش هزموه ثم استعان عليهم بالنصارى ([2]). وجمع معهم أهل عمان فهزمهم بنو بو علي ثم جاء بنصارى آخرين وجاءوا بشدة لا تقاوم، وطلبوا أن يكونوا في قتالهم منفردين لا يكون عندهم أحد من العرب إلا الأدلاء فهجم عليهم بنو بو علي في منزلهم الذي نزلوه فقتلوا منهم خلقا كثيرا وقتلوا منهم كذلك، ثم رجع بنو بو علي وكمنوا للنصارى في موضع منخفض قريب من بلادهم فجاءت النصارى والمدافع تسحب أمامهم، وكانت محشوة بالسلاسل فنظروا فلم يروا أحدا، وظنوا أن القوم قد كمنوا في الموضع المذكور فضربوا عود غاف كان عند الموضع فظن بنو بو علي أن النصارى قد رأوهم فخرجوا من مكمنهم ووثبوا على النصارى وثبة الأسد الباسل، فكانت المدافع تضربهم بالسلاسل فتأخذ منهم جانبا فيلتحمون حتى ضربوا رماة المدافع، وكان قد قتل أكثرهم بالمدافع وانهزم الباقون إلى بلادهم ودانوا حين استشعروا العجز؛ فأسرهم النصارى وسبوا من ذراريهم، وحملوا من نساءهم إلا من شاء الله.
وكذلك استعان السلطان بالنصارى على حرب أهل الشارقة من أرض الشمال فقهر بهم عدوه، وكانت هذه الاستعانة منه أول سبب تدخلت به النصارى في ممالك المسلمين من أهل عمان فبقوا آفة في ذراريه وعلة في مملكته يظهرون الصداقة ويضمرون العداوة وإن أنكى الأعداء من يأتيك في صورة صديقك (2/189)
صفحة 545
محبتك ويضمر هلاكك، ثم خرج على السلطان سعيد بن سلطان بن محمد بن ناصر الجبري واستعان بأهل نجد والغافرية واستولى على سمد نزوى وازكي ومنح وسمائل وسنا ووادم، وكان جبارا عنيدا وكان على غير مذهب الحق ذكر الشيخ ناصر أنه كان حنفي المذهب، والمشهور عند العامة أنه كان وهابيا، ولكن الشيخ أعلم به لأنه قد عاصره وجاوره وذكر من وجوره وظلمه قطرة من بحر.
قال وذلك أني والشيخ ناصر بن محمد بن شايع الخروصي طنينا نسيئة ([3]) مالا له بثمانية قروش إفرنسيات، وجعل عليه الخراج في ذلك المال اثني عشر قرشا ليسلمهن في ذلك الحين، قال وقس على هذا فيما وراءه فمن حصد قيمة عشرين فلسا أخذ عليه ثلاثين هذا في غير زروع الحب، فإن الناس تركوا زراعته أصلا وإن كانت الأمطار تمطر والأنهار تجري فإنهم تركوها تسيح في السيوح لا يزرع بها أحد في خارج البلد فإذا قيل لهم كيف هذا قالوا إذا حصدنا ثلاثين صاعا أخذ منا عليه خراجا دراهم عن ذلك قيمة سبعين صاعا، وتبقى الغرامة علينا لقيامه فوق ذلك، وجعل ابن صاحب الرسالة الثلبية قاضيا له على البلد التي هي من نزوى بسمد، وسيأتي تمام خبره وإنه طلب الشيخ ناصر ليقتله، وإن الشيخ قتله بعلم السر، ونذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى نقلا من كلام الشيخ ناصر.
ذكر ولاية طالب ابن الإمام على الرستاق من قبل ابن أخيه السلطان سعيد بن سلطان
وكان بالرستاق أولاد السلطان سعيد ابن الإمام، وكان طالب أعمى ولكنه يظهر التجلد والتصلب حتى أنه سقط يوما في حفرة حفرت لفسل (2/190)
صفحة 546
نخلة، وكانت الحفرة غريزة نحو قامة فالتحم عليه قومه يقولون طحت طحت في هيئة المتندم على إغفاله فقال لا وإنما أردت أن أقيس غرزها، ثم اخذ ينقد على حافرها يقول لم لا سويتها من هنا ولا حفرتها من هنا، وإنما كان سقوطه فيها لأنه لا يرضى أن يقاد.
وكان هذا في مال بالرستاق بعد أن صارت إليه والمال من بيت المال، وكان قد استأذن ابن أخيه السلطان سعيد أن يسير إلى الرستاق وطلب منه المعونة على ذلك فأعانه، وخرج في هيئة من يحضر للقبض حتى نزل في بيت الوقفان من قرية عينى من الرستاق، وكان قصرا عاليا فجاء ملك الحصن وهو أحمد بن سعيد بن أحمد الإمام ليسلم على عمه. وكان قد هيأ له العسكر ليمسكوه إذا دخل من الباب ويحيلوا بسد الباب بينه وبين من يتبعه من قومه، فلما دخل أحمد قدام قومه سد الباب دونهم وأمسك طالب أحمد بيده، وكان قد قام له في هيئة المحي فقبض هو ومن معه، ثم أمر به فقيد ثم قام إلى الحصن وحاصره حتى فتح له.
وانتقل أولاد سعيد بن أحمد إلى المنصور ومنهم من سكن وبل، وبقى طالب في الرستاق عاملا من جهة ابن أخيه وملكها ملكا شديدا وحمى بعضهم عن بعض وكان ذلك في آخر عمر أبي نبهان رضي الله عنه، وذكروا من ضبطه أنه كان لا يرضى أن يحرص أحد ماله في المصطاح والجنور، وقيل أن رجلا حرص ماله في الجنور ليلة فعلم به طالب فأرسل إليه وهدده وقال أنت ما اكتفيت بحمايتنا ولا أدري قالوا عاقبه أم لا، وإن أهل الوشيل في أيامه كثر فيهم سرقة الزرع وثمرة النخيل فأخبر بذلك فيقال أنه أرسل قدر ثلاثين عسكرا من حيث لا يعلم بهم وأمرهم أن يقفوا على أبواب حارة الوشيل بالليل، فكل من جاء من خارج بزرع أو جداد قبضوا عليه ففعلوا ذلك (2/191)
صفحة 547
وقبضوا على جملة اللصوص وجاءوا بهم إلى حصن الرستاق ومعهم ما سرقوا فسجنهم طالب فأصبحوا مفقودين من الوشيل فتساءلوا عنهم فأتاهم الخبر أنهم بسجن الرستاق فساروا إليه ليكلموه فيهم فما أطلقهم إلا بكفالة من أعيانهم وارتفع الضر عنهم بذلك.
وذكر الشيخ ناصر ابن أبي نبهان أن طالب ابن الإمام كان مضمرا للشيخ أبي نبهان وأولاده كل العداوة وإن أخاه محمد بن الإمام كان محسنا إلى الشيخ غاية الإحسان، ومن فعل الجميل ذكر به والعكس في العكس، قال ولم يزل طالب يحاول للشيخ المكائد ويلتمس له المعاند حتى أجابه الريامي يعني الشيخ سليمان النبهاني، وكان بنو ريام جنده فأجاب طالبا إلى المراد بإظهار العناد، قال فنزل إلى الجار وهم بنو بحري.
قال وكانوا أشد عداوة للشيخ، ولكن لم يقدروا على مخاصمته فيما مضى مجاهرة فوعدهم بالنصرة وأمرهم أن يبدوا بالمضار؛ وذهب عنهم وسار فأصبح الضر في بعض أموال أصحاب الشيخ واحتصنوا في بيت كبيرهم حتى يصلهم الريامي فوصل الناس للإصلاح فلم يقدروا عليهم وحذرهم الشيخ أن لا يبدؤهم بالحرب أبدا فسار إليهم ولد الشيخ نبهان ليكلم كبيرهم في الصلح بغير سلاح، وربما من غير زم لقميصه بزمامها من السرة بل شدها من أمامه بعضها ببعض، ونهاه والده وقال لا تخلف عليّ.
قال وكان كبيرهم أقرب المقربين مع ولد الشيخ نبهان؛ وربما كثر ماله بعطاء الشيخ نبهان له فلما دنا من الباب ومعه أخوه الشيخ سعيد بن أبي نبهان لينادي كبيرهم ضربوهما ببنادقهم فأصابتهما ومات نبهان في تلك الليلة وقتل منهم رجل وانهزموا إلى جبل بني ريام، وأما سعيد فقد عافاه الله بعد زمان ونزل بهم الريامي ووصل العبري وأصلحوا (2/192)
صفحة 548
الحال بين الفريقين بالكف عن بعضهما البعض لا غير. وذكر غيره أن قتل نبهان كان في سنة ستة وثلاثين ومائتين وألف، قال وكان ذلك قبل موت الشيخ بسنة.
قال الشيخ ناصر فلم يكف ذلك الجبار المريد في الشيخ وأولاده، وأخذ كبير الجار إليه وأسكنه في بيته وأحسن إليه وأثاره إلى ما أراده منه؛ وكانت لهم حجرة في السفالة من العليا فأمرهم أن يحتصنوا فيها، وفيها بيت مانع ليتيم وهي على مضيق الوادي ولا طريق للبلدان من العليا إليهن إلا تحت الحجرة، فقطعوا الطريق عن المرور فيها من أصحاب الشيخ؛ وذهب كبيرهم إلى الريامي لينزل معهم وأرسل أصحاب الشيخ إلى عشيرتهم من بلد المشائق، ووصلوا قبل وصول بني ريام وأمرنا الشيخ بحربهم وقلنا حتى يبدأونا.
قال إن المسلمين حربوا من بغي بأقل من بغيهم، حربوهم حتى يهدموا حجرتهم فلم يبتدوهم حتى مر رجل من نسل أحد آباء الشيخ يسمى حنظل في الطريق، فلما كان بحذاء حجرتهم ضربوه ببنادقهم من الحجرة فأصابته ضربة في الورك ولم تقتله، ووقعت الحرب يومئذ واحتمى كل فريق منهم في بيت وتركوا بيوتهم، وأحرقت المنازل وخشيت كثير من أموال الفريقين وأحاط أصحاب الشيخ بحجرة الجار.
قال وكان الوالي يومئذ على الفريقين صاحب نخل الشيخ سعيد بن سيف المعولي ولاه السلطان سعيد بن سلطان بن أحمد؛ قال وهو ابن أخ هذا الجبار؛ ووصل مع الفريقين وقد صح معه المتعدى فقبض الحجرة وأمره الشيخ بهدمها، فقيل له أن البيت المانع فيها الذي هم متحصنون فيه لأيتام؛ قال أهدموه وغرامته فيما بينهم وبين الله، وفي الحكم عليهم لأنهم هم كانوا فيه السبب لهدمه فهدم وصلح الحال بالتوقيف عن الزيادة؛ وبقي كذلك أشهرا ليس لهم قوة على المعاندة ولا للريامي إذ (2/193)
صفحة 549
ليس لهم منع يتحصنون به.
قال فلم يكف الجبار ما قد جرى من المضار، فلم يزل يطلب من ابن أخيه الرخصة في بناء حجرتهم وأنه هو المتكفل بهم إن تعدوا حتى سمح بذلك على غير رضا من الشيخ فحينما بنيت ذهبوا بليل إلى العليا؛ ورصدوا للساقي بالماء في الأموال وقتلوا رجلا من أصحاب الشيخ يسمى عبيد بن سعيد الخروصي ووقعت الحرب بين الفريقين وأحاط أصحاب الشيخ بالبيت؛ ووصل الوالي وقبضه وأمر بهدمه وأمره الشيخ أن لا يتركوهم يسكنون هذه الحجرة ما داموا على أحوالهم هذه، وتوقف الأمر ومات الوالي وجعل أخوه الشيخ خلفان بن سيف واليا بعده فطمع الجبار أن لا يكون مثل أخيه قويا وطلب واجتهد لعمارة الحجرة فطاوعه السلطان، فعمروها في حين، ثم إن أهلها منعوا الطريق عن المرور عن مسير أصحاب الشيخ إلى أموالهم التي بالسفالة، وأقاموا الحرب.
قال وكل ذلك طاعة للجبار ويمدهم بما يحتاجون إليه وأحاط بهم أصحاب الشيخ وقال ووصل هذا الوالي الآخر وقبض أحد من كبرائهم ووقف الحرب والمضار وأخذ الكبير إلى نخل ليذهب به إلى السلطان وألحقه ([1]) أنا للصلح وصار كل منا آمنا من المضاررة في أمواله فسمعنا حسا كأنه أحد تخشى في الأموال خفية في الليل فأرسلنا إليهم فقالوا نخشى بأمر الشيخ، فمنعناهم فعلم بذلك فأحضرنا، فقال من منعني منكم عن الخشي، فقلنا له نحن، فقال هل يجوز هذا في شرع المسلمين أن تمنعوني عن أخذ حق هو لي؟ وجائز لي أخذه، قلنا له إن الوالي قد منع ذلك، فقال هل يجوز للوالي أن يوقفني عن أخذ حقي، فوقف الحرب بحكم باطل ظلمني فيه، لأنه (2/194)
صفحة 550
منهم، ووقف الحرب ولم يهدم البيت، فأنا لم أحرب لأقتل أحدا بل ما كان حربي إلا لهدم البيت، وقد عزمت على القول حتى قرب حصون المطلوب، فضيع عليّ الأمر فيحتاج إلى غرامة أخرى، أليس هذا من الباطل منه لي، ولا شك أنه باطل لو كان عارفا لعرف أن عليه غرامة ذلك لي، والحكم أن عليه أن يحرب معنا حتى يهدمه إن قدر على ذلك، لأنه منكر، وعلى كل من علم به أنه صار في حكم المنكر أن ينكره بهدمه مع القدرة على ذلك أو يعين من ينكره إذا علم أنه كذلك وقدر على الإعانة، وأمره ظاهر أنه على طريق المسلمين وبغيهم ظاهر والإياس من صلاحهم حاصل.
قال فهذا على معنى قوله رحمه الله قال ولم نقدر أن نكفه عن الأمر بالخشي إلا بالوعد مني له أني لا صالح على هدمه، فقال إن لم تهدمه كان منك السبب على تركه؛ فإذا وقع منهم ضرر فأنت شريكهم في الإثم؛ قلت له الطاعة لله ثم لك. قال وذهبت مع الوالي وذهبنا إلى السلطان في مسقط، ووقع صلح السلطان بأن نسلم لهم قيمة البيت ويهدم.
قال ودفع السلطان الثمن إليّ خفية عنهم، ودفعت ذلك إليهم والبيت في قبض الوالي وأمر بهدمه وهدم، ووقفت الحرب لعجزهم عنها بغير منع، ولم تكن حيلة للجبار، إذ لا قدرة لهم إلا بالمنع قال ولم يكفه هذا، إذ ليس له إرادة إلا هلاك لشيخ وأصحابه الساكنين معه في بلده مقدار خمسة وعشرين رجلا، ولكن معه عشيرة وأصحاب من بلدانه التي هي بأسفل من حجرة الجار وجاره مقدار مائة رجل يعني بني بحري قال ولكن ينزل معهم الريامي في مقدار سبعمائة نفس، والله أعلم قال وكان في نفس السلطان من العداوة للشيخ وأولاده وإرادة السوء لهم ما في ضمير عمه لهم، والعلة واحدة.
قال ولكن قد تبين له من قبل بضياع شيء من ماله، فتضعضعت عليه (2/195)
صفحة 551
أموره، فلما صلح حاله معه صلحت أحواله التي كانت تضعضعت عليه، ولم يقدر أن يتبين له خوفا من دعوته إلى الله الجبار أن تؤثر فيه شيئا من آثار الدمار؛ قال ومن حيث أن الوالي ليس في إرادته ذلك، بل لا يرضى في احد الفريقين إلا الإنصاف بالعدل بينهما، وأدب المعتدي بما يستحقه في الحكم، وبقي كذلك الأحوال ساكنة بين الفريقين، قال ولم يقدر المريد طالب الجبار العنيد بعد ذلك على السعي في بناء الحجرة ما دام الوالي حيا، ولم يبق زمانا إلا ومات – يعني الوالي خلفان بن سيف – قال وما كان بينه وبين موت الشيخ إلا مدة قليلة.
وذكر ذو الغبراء خميس بن راشد أن موت أبي نبهان كان يوم ثالث من شهر الحج سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف. قال الشيخ ناصر: وكان عمره تسعين سنة عدد أحرف اسمه تعالى ملك.
قال وأما الجبار فإنه قبل موت الشيخ لم يزل يحاول على ولاية الرستاق لتكون له ولاية الفريقين ليفعل في كل منهما ما يهواه هواه حتى اتفقت له وتولاها؛ ولكن بقي الفريقان في ولاية ولد الشيخ الوالي الأول سعيد بن سيف المعولي الذي ذكرناه، وسار في الفريقين سيرة أبيه، ولم يقدر الجبار أن يعارض وهم في غير ولايته إلى أن مات الشيخ كما ذكرناه؛ فتشمر المريد وابن أخيه جميعا لإظهار ما أكناه من العداوة والإرادة في أولاد الشيخ بسبب عداوتهم لأبيهم، قال ولم يكف الجبار إلا هلاك الشيخ وهلاك نسله وأمواله ومنازله وتدمير ما صنفه من العلوم النافعة؛ وأنه في آخر أمره بعدما تولى الرستاق ليتولى الفريقين فيفعل في كل منهما ما يهواه هواه؛ ولكن بقي الفريقان في ولاية صاحب نخل سيف بن الشيخ الوالي الأول الذي ذكرناه سعيد بن سيف وأخ الوالي خلفان بن سيف، قال وسار الولد سيف في (2/196)
صفحة 552
سيرة أبيه وعمه مدة قليلة.
قال ولم يقدر الجبار يفعل ما يهواه هواه في الفريقين وهما رعية غيره، كذلك مدة قليلة ثم توفي الشيخ، قال فحين توفي الشيخ تشمر الجبار إلى ما أراده في نفسه وقصده؛ قال والتمس من ابن أخيه السلطان ليوليه الفريقين ويفسح له أن يفعل في أولاد الشيخ ما يشاء؛ قال فوجده أشد عداوة منه، وأنه ما كتم في حياة الشيخ ذلك إلا فرقا منه، فخذل بذلك.
قال ولا طفى خدعا أن تأتلف ائتلاف العناصر والخناصر بالبناصر؛ وأكتب له شيئا مما يبطل عنه جميع الأعمال الطلسمانية ولا تؤثر فيه جزما؛ فأجبته لذلك على عهد وميثاق أن يكف أذاه عن إخوتي أولاد الشيخ؛ فأجاب، وجعلت ذلك من أعظم الصلاح لهم، قال فمزجت له من الحروف النارية الممتزجة ذوات النقطة منها بحروف تبطيل السحر من فلان، وأتممت العمل فيه بالطريقة التي عملها الشيخ في المزج بتبطيل حركات فلان المقدم ذكرها وشربه في إناء وفي كاغدة اتخذه حرزا، وهذا من أقوى الأعمال في هذا، حتى قيل في المسحور إنه لو كان قد غاب حسه وانطرحت جثته أفاق من ساعته وحينه إذا شربه، فكل من عمل له ذلك لا يضره عمل.
قال فلما عرف سره تشمر العدو للحرب؛ فأمر الجار بقطع الطرق من حذا حجرتهم عن مرور أولاد الشيخ وأصحابهم إلى سقي أموالهم ومعاناتها؛ وقطعوا سقي أموالهم فأرسلوا عليهم فقالوا لا نخالف طالب بن السلطان فيما أمرنا؛ وهذا بأمره، فلم نصدقهم فراجعنا الجبار فقال لقد كذبوا وهو الكاذب، وكان موضعا في جبل أعلا من بيت الأخوة مرصدا يسمى أهل عمان ما كان مثله بومة؛ وليس حيلة ليدخل البلد إلا إذا قبض ذلك المرصد فهبط الإخوة من بينهم ليأمن السارقون لأموالهم (2/197)
صفحة 553
طريق إلى ذلك لأجل قطعهم الطريق فمروا في الجبل وهم خمسة نفر من أولاد الإخوة وأصحابهم فما كان إلا قليلا حين صاروا بحذاء حجرتهم إلا والجار من أعلاهم يضربونهم بالبنادق؛ وما كان بينهم وبين أصحابنا أكثر من خمسة عشر باعا فلم يصب أحد منا؛ فسلوا سيوفهم؛ فسل أصحابنا سيوفهم؛ فأصابوا منهم رجلين وماتا في الحال وانهزموا جميعا ولم ندر من الجبار أن هذه حيلة منه لقبض المرصاد الذي ذكرناه؛ وهو الذي يحصرنا به عن الماء فأرسل إليه أناسا من بني ريام ونزلوا فيه على غفلة منا؛ ودعى بكل ريامي حيث كان ومن حيث ظن أنه ليجيبه، ونزلوا في مقدار ألف نفس؛ وجاء هو بنفسه إلى حربي وأنا في بلد سوني؛ وهي التي تسمى العوابي، وأنا في بيت صغير عند شريعة الفلج عند بيت كبير لوالدي ولبعض عشيرته جاءنا في مقدار ألف نفس، قال وما معي غير ستة أنفار؛ تركت ثلاثة منهم في بيتي وثلاثة في البيت المنسوب للشيخ وأرسل ابن عمه السلطان إلى العشائر ليعينوا عمه، فإذا جاءوا إلى الجبار قالوا على أي شيء تحربهم وعلى أي سبب، لأن الحرب لا يكون إلا عن سبب فيحربون إلى أن يؤدوا الواجب، فقال لا أدري ابن أخي أمرني بذلك، وهذه خطوطه لي ومكتوب في آخرها بعضها بخط يده حين نظرني إياه: لا بد من هلاككم وإذا ساروا إلى السلطان بذلك؛ قال لا أدري عمي أراد لهم وهذا خطه، فلما عرفوا منهما ذلك سكتوا عنهما.
قال وهو يضربنا بالبنادق والمدافع؛ ولكن جميع القوم لا يضربنا من يضرب منهم إلا بالباروت؛ وقطع الخرق القديمة.
قال وكنت أذهب إليه وأجلس معه في القوم، وقد اتخذ معه شاعرا فاسقا متهما بالرجال يسمى سعيد بن أحمد اليحمدي؛ فيهجو بنظمه من شاء أن يهجو بالصفات. قال وكفاه خبثا أن سماه الشيخ (2/198)
صفحة 554
من الرجال، قال واتخذ متعلما متكلما خبيثا ثنيان بن ناصر المعولي، قال وكان كثير الخبث مطاوعا له في جميع أموره؛ اتخذه ليعمل له سيرا فيمن يريد أن يطعن فيه بالباطل من المؤمنين. قال واتخذ متعلما آخر يسمى سليمان ولا فائدة في تعريفه، وفي ظاهر الأمر أنه عارف، فقال الجبار وأنا معه في الحرب: أتريد أن تعرف ورع سليمان؟ قلت إليك، فنادى الشيخ سليمان؛ فقال لبيك؛ قال حرب أولاد الشيخ جائز أم لا؟ قال جائز حربهم؛ قتلهم وهدم بيوتهم وخشى أموالهم، ولم يدر أني مع الجبار حينئذ. قال فقلت له بأي وجه أجزت ذلك فينا؛ فنكس رأسه استحياء مني ولم يستح من الله وقال كيف نقول؟ لم نقدر أن نسكن معهم إلا أن نقول بما يرضيهم فقلت هذا وجه إذا كان على هذا أي وجه من طرق الشيطان.
قال ودام الحرب كذلك سبعة أشهر، وخشيت ما بقي من أموالنا من العليا، وقطعت الأشجار، ونزل من البيت ولد الشيخ ماجد ومعه أحد عشر رجلا في الوادي وكر عليهم وقتل أنفارا وانهزموا على كثرتهم ولم يقدروا بعد ذلك أن ينزلوا قال وبعد ذلك انقدَّ ([2]) جدار الأجل، يعني بركة الماء التي يوردون منها، وأيقنوا بالغلبة والقتل، فعملت الحيلة وقلت لهم اكتموا الأمر، فصالحته على أن نخرج من بيوتنا ونحول طاعتنا، فأجاب إلى ذلك لظنه أنه لا يقدر علينا ما دام معنا ماء، ولم يعلم بذهابه، فحولنا ذلك وخرجنا وقبض البيوت وهدمها ودعى بنا إلى الصلح ليحسب قيمة الأموال ومبلغ دية القتلى ويقاصص ما بيننا، فقلت ليس الحق كذلك في قول والدنا إن المبتدي بالحرب ظلما عليه كل ما أفسده والمحروب ظلما ليس عليه شيء مما يفسده على من حربه، ولا (2/199)
صفحة 555
على من كان معهم في إعانتهم في ظاهر الأمر لعله سأل وتوقف.
ووقف الحرب وبعد مدة رجع الإخوة إلى بيتهم؛ ولم يسمح ليبنوه إلا بناء ضعيفا؛ وعاش على أذائهم دائما في حياته.
قال ثم انتقلت إلى نزوى وسكنت في العلاية في موضع يسمى الجمى قريبا من مسجد خب القش.
قال وولى أمرها يومئذ وكثير من بلدان تلك النواحي التي تسمى عمان محمد بن ناصر الجيري حنفي المذهب، وبلغ من أمره ما قد بلغ، ثم ذكر من جبره بعضا؛ ثم قال وجعل ابن صاحب الرسالة الثلبية قاضيا له على البلدة التي هي من نزوى سمد، قال وكان هو أعلم من فيها.
قال وأما أفضل من فيها فالشيخ العالم الورع الثقة السميدع الضرير علي بن سليمان العزري رحمه الله؛ وهو من نسل العالم موسى بن علي رحمه الله، ومعهم أصحاب متعلمون ولكن دونه في العلم، وهم أهل زهد وورع؛ وقد بلغوا حدا من حدود الكمال في الفضل قال وكلهم يقولون ذلك القاضي. وقال في موضع آخر:
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- الظاهر أن المراد وألحقه بكتاب فيه: أنا للصلح. الخ.
[
2]- أي انقض.
بيان ما كان من ولد العبادي
من الكلام في أولاد الشيخ، ولاه الحكم في نزوى والي من أهل المذاهب لأربعة تولى على ازكي ونزوى ومنح وأدم ولاية فلم ير أصحابهن أشد منه ظلما، إذ ليس هو على مذهبهم، فلم يدخل قلبه بعض رحمة على أحد منهم حتى مات؛ وكان ولد علي بن مسعود العبادي وهو الشيخ العالم عامر بن علي الذي ولاه الحكم أكثر أهل زمانه في العلم؛ وأما في العمل به فالإعراض عن الكلام في بيان ذلك ورسمه أحرى ولا فائدة لنا في ذلك، ولكن مما يدل على بعض أحواله بعض نظمه في أولاد الشيخ في (2/200)
صفحة 556
هذه الحرب الواقعة عليهم كما ترى، ومن يهد الله فهو المهتدي؛ ومن لم يهد الله فما له من هاد.
قال: وصل كتابك الشريف أيها الشيخ الأبر العفيف الثقة الشيخ سليمان سلمك الله وعافاك وأبقاك ذخرا لنا ولكافة المسلمين، وكفاك ما اكتنف دارك وموطنك وقرارك من غياهب الفتن ما ظهر منها وما بطن، وفهمنا منه ما يشغل القلوب، فيذهل العقول بل القضا قد مضى فانقضى، ولا حيلة في تغيير ما ترجمه القلم في اللوح المحفوظ، نسأل الله أن تكون العقبى في هذا في الآخرة والأولى خيرا إن شاء الله تعالى، ومن المرجو منك أن لا تقطع صغيرك التعريف فيما يحسن كونه منك له كما هو لك كذلك النية والاعتقاد والله الموفق على موافقة ذلك القول بالعمل وعليك مني جزيل الشكر والتحية والإكرام.
وممن ذكرتهم وعرفتهم بالسلام من الإخوان في الإسلام من العبد الفقير الحقير المقر بالزلل والتقصير، عامر بن علي بن مسعود بن علي بن علي بن محمد بن خلف بن أحمد بن علي بن محمد بن عباد بن محمد بن عباد العبادي بيده، وإن بدت حاجة تقضى إن شاء الله، وهاك في معنى هناك هذه الأبيات قلتها حين وفد على كتابك الكريم فذكرت المعاهد وصفاء الموارد الذي كنت إليها واردا وانظر عساها تكون قاضية إلى تلك المعاني؛ قاضية على ما تعلق بها من المباني فقلت شعرا:
محال أن تكون لنا بقاع = مناديسا يدس بها المتاع
وعزا للرجال إذا اعتراها = اعتداء وافتتان أو ضياع
ولكن الرجال لهم طباع = تصان بها المواضع والضياع
فهذا ديدن النجباء منهم= وبعضهم لبعضهم سباع
ألا يا أيها المرتاب فيما = نبأت به فما عنه نزاع (2/201)
صفحة 557
فذاك الصدق والحق المنير = حكى شمس النهار له شعاع
كفاك بما تراه من الرزايا = بوادي بني خروص والسماع
بموت ذوي الحلوم فتى خميس= ورباني الورى وقع الشناع
لقد ذهبت مهابته وضلت = فلا يرجى لها فيه ارتجاع
وتاه المحتمون به فعابوا = وشيكا عاقهم عنه انتجاع
وشتت شملهم وذرى ذراهم= ونال حماهم العالي اتضاع
فلم تحميهم السمر العوالي = ولا ما شيدوه ولا اجتماع
فلم يمنعهم حرص الصياصي = ولا رصد الشوارع والدفاع
لقد اخذوا بهذا الأخذ لما= بليد الرأي صار هو المطاع
تغلب قلبه الأهواء حتى = به جرت مطيته الرعاع
تردد سيره في كل واد تضعضعه الفدافد والتلاع
فصبر ا بادي الآرا جميلا= على ما لا له عنه اندفاع
ولو هو حيث ما نادى أبوه= ونادته المحابر والرقاع
هلم بنا فنحن إليك حصن= به مس العباهلة ارتياع
نناصر دوننا وأبوك يوما= مضى في مضنا البطل الشجاع
فلباها على عجل مجيبا = لصح له على الجوزا ارتفاع
ولكن القضاء عليه جار = وعترته فما عنه انصداع
عساهم غيروا فرموا بهذا = وغيرت المنازل والبقاع
فما ظن التعزز بالصياصي = وبالشم الرواسي له امتناع
إذ اجتثت براثين البرايا = فدع من لا له منا استماع
وإن منح الزمان بمثل هذا = غريبا فهو منه لنا اختداع (2/202)
صفحة 558
فلا تغررك الأحلام دار= بها الغوغا لمذهبها مطاع
فيا الله من زمن رماني = ببلوى لا لها عني انقطاع
سوى كف المنية فهو يقضي = لما يني الزمان به انقشاع
فيا خسر البرايا حين أودى = أبو نبهان حاق به الضياع
قال الشيخ ناصر، وكتب سليمان في القرطاسة بعد هذه:
واصلكم أيها الأخوة المشايخ ثنيان بن ناصر المعولي وسعيد بن أحمد اليحمدي قرطاسة فيها ثلاثون بيتا، فالمرجو منكم أن تنظموا على منوالها كل واحد بعددها وأرسلوا الجميع وبينوا في نظمكم الصور الموجودة زيادة للبيان وللإستحقاق لما وقع وجرى وأنتم محل النفس، فكونوا كما ظننت فيكم، والسلام من سليمان بيده قال الشيخ ناصر: ونحن لا لنا حاجة بأن نتكلم في شرح ما رقمه سليمان. ولا ما نجده عن سعيد بن أحمد، ولا عن ثنيان من الطعن في أهل الإيمان بما لا يجوز في دين المنان، لأنهم لا من ضعفاء أهل العلم، فضلا أن يكونوا من العلماء، بل هم معروفون أنهم من الجهلاء الذين يرضون الأمراء بما يريدونه منهم على ما يحبونه، ولو كان على غير اعتدال الميزان ميلا إلى هوى السلطان.
قال وكفى بسيرة الشيخ أبي نبهان التي لوالي حصن السويق محمد بن السلمان أحمد ابن سعيد بما أبداه فيها من الذم لسعيد بن أحمد اليحمدي، دليلا على حسه، وقد جعله والي نخل قاضيا في بلد نخل، ومات رجل لم يخلف غير خمر؛ وكان لولده حق عليه؛ فحكم أنه يجوز أن يباع لقضاء دينه إذا لم يوجد له لوفاء دينه، فدعي بأهل الفسق وعرفوا أن هذا لا من الحق؛ ونادوا به على سبيل الاستهزاء به ليشهروا أمره شاهرا ظاهرا، ونادى أهل الإيمان بالنكير مع أولي الأمر فلم يسمع لهم وباعوه بلا حياء من أحد؛ فإذا كان (2/203)
صفحة 559
وثنيان بن ناصر إخوته وهو يعلم بما يجري منهم قال والناظم لهذه المنظومة إذا كان يرضى من إخوان هؤلاء الثلاثة ويرضى أن ينزل منزلتهم، فنحن نرضى أن ننزله في الحكم الذي ينزل فيه؛ وإن كان لا نرضى إلا الحق.
وقال في موضع آخر: بقي طالب يعاودهم في الحرب أربع عشرة سنة، والثلاث سنين في زمان والدهم.
قال ولما صرت بنزوى لم أكن أشتغل بأذى الجبار؛ ولم زيل الإخوة دائما مستأذين حتى هموا بالفرار من أرض عمان إلى ما شاءوا من الديار؛ قال وعرفوني أما أنفعنا بشيء من الأسرار، فشمرت وعملت صورتين من شمع إحداهما صورة الجبار والأخرى صورة السلطان.
قلت: التصوير حرام ولا أدري بأي وجه استجازه الشيخ ناصر؛ ولا أقول بجوازه حتى للمعنى الذي أراده. قال وفرقت في الأعضاء أعداد الوفق الثلاثي ومع كل عدد حرف ونكستهما في التعليق واتخذت لوحا من فضة وصورت فيه صورتين إحداهما معكوس رأسها مع قدميها، هي صورة السلطان؛ والأخرى معها قائمة معتدلة ورسمت أنه الملك والانتزاع؛ كل كلمة منها في الصورة التي توافقها من الملك والعز للقائمة ليكون في السؤال ممن هو خير منه، والانتزاع والذل للمنكوسة؛ قال وتلوت عليهما وعلى صورتي الشمع ما قد أشرت إليه في ديوان المصطفى الذي صنفته كله نظما على حروف المعجم في الصنعة الفلسفية والحكمة الربانية، قال وهو أخصر من النثر وأحضر. قال ورسمت المشار إليه في كتابي طرف الألطاف، والسر الخفي في شرح مربع الشكل القافي؛ والشكل الألفي؛ قال والمراد بذلك هلاك الجبار – يعني طالب بن الإمام – وتضعضع ملك السلطان؛ يعني سعيد بن سلطان. قال ولم أرد هلاكه (2/204)
صفحة 560
أن يتولى بعده الجائر الظالم محمد ابن ناصر الجبري؛ وهو حنفي المذهب، فلا يؤمن منه إذا تمكن ملكه في عمان أن يدعو الناس إلى مذهبه بالجور والعدوان.
قال وعرفت الأخوة أن اصبروا السنة ونصف سنة؛ فعند انقضاء ذلك يقضي على الجبار ويتضعضع ملك السلطان؛ قال وإنما احتاجا إلى هذه المدة لما ذكرته من الرسم لهم في تبطيل الأعمال عنهما؛ وكان يأتيني في بعض الأوقات نوم كثير وأعاني على ذلك أهل الورع والتقوى من أهل سفالة نزوى بالقهوة التي هي شربة البن لأقدر على التلاوة في بعض الليل وأقوى فنفعت؛ ويقولون لي أكثر من التلاوة؛ فأقول لئلا يموت في دفعة من الألم، فلا يكون عبرة لغيره من أهل المظالم فطول السقم أشد عذابا وجزاء في النقم.
قال فما كان أشهر إلا وتألم واستقم وصاح وناح وتحير، فلم يمكنه أن يقف في مكان أبدا؛ ولم يزل ينتقل به على سواحل البحر من بلد المصنعة تشريقا من موضع إلى موضع؛ يحمل على أعواد الخشب، لا يقدر على القيام، بل على جنبه يغلب ويتقلب حتى انتهى إلى مسقط فلم يستطع الوقوف فيها مدة لتحيره، وثبت ينقل من موضع إلى موضع تشريقا من مسقط؛ ودام على هذه الحالة سنة كاملة أو أكثر، ولم يزل كذلك يحمل وينقل راجعا إلى الرستاق؛ ووصل ومات فيها عبرة لأولي الألباب؛ ولم نعلم له ولا علمنا أنه علم به غيرنا أنه تاب، بل لم يزل وهو على تلك الحال على الإصرار في الظلم إلى أن قضى نحبه، ومرده ومردنا جميعا غدا إلى الله الملك الوهاب.
قال وأما السلطان فلم يزل يتضعضع عليه التوفيق حتى أخذ عليه شيء من حصون البلدان الشاسعة من ولايته له؛ قال ثم نهض رجل فقير متورع من أهل التقوى في ظاهر حكمه زجر؛ يعني أنه يزجر له في الباطنة بموضع قرب (2/205)
صفحة 561
صحار يقال له القصير، قال واسمه حمود بن عزان بن قيس بن السلطان أحمد بن سعيد البوسعيدي، قال كان أبوه وجده واليين على صحار ونواحيها ومات عنه أبوه وهو في سن الصغر قال: واختلس خفية بأناس قلة؛ فأخذ حصن صحار وهو في ولاية السلطان سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد قال وسعى بغير حرب إلى قبض ما بقي من الحصون التي بنواحيها، وقد انتبهوا له وتشمروا لحربه، فلم ينفعهم حزم وحصلت هل جميع حصونها في أقل من شهر بأناس لا يزيدون على أربعين نفسا، وحصن ينقل أخذه بخمسة وعشرين نفسا وكلهم على حزم منه. قال وسعى إلى الرستاق بسبعين نفسا وما عنده من الطعام شيء؛ بل يأكلون القاشع والتمر الضعيف في النهار، والأرز والعوال في الليل؛ فحصلت له؛ والحروب فيها كانت قائمة في ثلاثة أيام عبرة للأنام.
قلت: وذلك أن الرستاق بعد موت طالب صارت إلى سعود بن علي بن سيف وهو فيما أظن أحد أولاد الإمام؛ فيحكى عنه أنه صار فيها أجبر من طالب؛ واستغاث من ظلمه أهل الرستاق والله أعلم بحاله.
ثم أبق له عبيد وخرج بنفسه في طلبهم حتى نزل بالمنصور، وكان فيها رقيقة، وهو سلطان بن أحمد بن سعيد بن الإمام، فأنزله على الرحب والسعة، فبينما هو نائم في المسجد وقت الظهيرة إذ أتاه صاحب المنصور فضربه بتفق من المصباح، فقتله. ثم جمع صاحب المنصور من حوله من الأعراب وزحف على الحصن وحاصره وعند ذلك قدم عليها حمود بن عزان فدخلها والحرب قائمة، ولعل ذلك كان لرغبة أهل الحصن فيه.
قال الشيخ ناصر: وكلما سار إلى حربهم السلطان بجيش كبير في (2/206)
صفحة 562
مقدار عشرة آلاف هزموهم بمقدار مائتي نفس. قال وجيش عليهم في وقت مقدار سبعة آلاف وثمانين رأس خيل، وقد قلنا لا تخافوا، ولو جيش عليكم ومن الأرض جميعا، فإنهم ليولون الأدبار بسر إلهي قد ستر عنكم؛ فتلقاهم أخوه قيس بن عزان بن قيس بحصان واحد وخمسة وسبعين رجلا؛ فظهر عليهم بعد القتال الشديد، فردهم على أعقابهم وولوا الأدبار، وصح فيهم القتل الكثير والجراح؛ ولم يقتل من أصحاب قيس أحد؛ وإنما جرح اثنان وعافاهما الله تعالى.
قال ورفع حمود جميع المظالم؛ واجتنب جميع المآثم إلا ما دخله عن جهالة أنه يجوز له في ظنه قال وأشهر توبته مع جم كثير من المسلمين؛ ولم تزل تتسهل له الأمور.
قلت: ولما ذكره من صفات حمود بن عزان اجتمع المسلمون عنده وهموا بتقديمه إماما، فلم يتفق ذلك لأمر أراده الله، وكان حمود قد خلع الحصون للمسلمين وقلدهم الأمر وصار كواحد منهم، فاجتمعوا يوما في مسجد البياضة من الرستاق ليعقدوا له الإمامة؛ ثم اختبروه بشروط يشرطونها عليه، وهي الشروط التي يشترطها المسلمون على الإمام الضعيف فأبى أن يقبلها، وتفرقوا عنه وتركوه ومن يومئذ بقيت الرستاق في أيدي أولاد عزان إلى حال التاريخ وأما صحار وما حولها فإنها أخذت منه بالحرب بعد أسر حمود بن عزان هذا، فإنه قد أسره السلطان ثويني بن سعيد باحتيال احتاله عليه في المواجهة، فأمسك وقيد وحمل إلى مسكد، وسجن فيها ومات في السجن.
وكان لحمود في حياته ولد اسمه سيف بن حمود، فطلع طلعة على خلاف سيرة أبيه، واستولى بالغلبة (2/207)
صفحة 563
وما حولها؛ وخاف منه أبوه وعمه؛ فأمر به أبوه بعض الخدم فقتله في صحار.
وأما السلطان سعيد بن سلطان فإنه بعد ما مضى قرب الشيخ ناصر وأدنى منزلته وضمه إليه وأكرمه وأنعم عليه، فكان إذا سار إلى السواحل حمله معه، فصلحت أموره بعد صحبته، وكان الشيخ ناصر لهم فظا غليظا ينكر عليهم في حضرتهم، وكانوا يلينون له ولا يظهرون له ما يكره خوفا أن يصنع فيهم شيئا من السر الإلهي الذي اشتهر به وعرف بعمله بين الخاص والعام ومات الشيخ ناصر في زنجبار وله مع السلطان قصص ولا حاجة لنا بذكرها.
وذكر ذو الغبراء خميس بن راشد العبري قال: سمعت عبدالرحمن – يعني ناصر ابن أبي نبهان – أنه أكل الخبز بالماء والليمون سنة في بلد نزوى من قلة ما في يده، لأنه سافر عن بلده لما خاف على نفسه حين خشى ماله وهدم بيته طالب بن أحمد بن سعيد: وقال الشيخ ناصر في ذلك:
معيشتنا خبز لغالب قوتنا = وماء وليمون وملح وقاشع
فإن حصلت مع صحة الجسم والتقى = فيا حبذا هذا بما هو قانع
قال ذو الغبراء: وعمت هذه الأخبار مع جميع الفرق الإسلامية واليهودية والنصرانية والمجوسية، فتأسفوا في نفوسهم بما أصاب عبدالرحمن، ثم اجتمعوا في بندر مسقط بحضرة سيدهم ومولاهم سعيد بن سلطان، وقالوا هذا عار لبستموه ومن عقبها نار شديدة؛ فلا يرضى أحد بمثل هذا من الأمراء في علمائهم.
قال فكتب السيد إلى عبدالرحمن بالوصول إليه؛ فلما وصل عنده حياه وكرمه وعظمه وكساه؛ وجعل له فريضة معلومة وبيوتا مستورة، وتزوج له من أحسن نساء أهل زمانه، ومهما مشى خطوة في حضر أو في سفر أخذه (2/208)
صفحة 564
في صحبته وأطعمه من طعامه واستشاره في أكثر أموره في طول زمانه إلى أن توفاه الله إلى رحمته. توفاه الله في حجره وجواره في بندر عباس.
وذكر في موضع آخر أن الشيخ ناصر توفي يوم الأحد والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، ومولده ببلد العليا في سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف.
وتوفي الشيخ علي بن ناصر الريامي يوم 18 رجب سنة أربع وستين ومائتين وألف، يوم الثلاثاء وقت الظهر، وقبل موت الشيخ ناصر بيسير، قلد حمود بن عزان أمر المسلمين على حسب ما أشرنا إليه أولا، ونذكره الآن مستوفى.
ذكر تقليد حمود بن عزان للمسلمين
وكان ذلك في أول سنة اثنتين وستين ومائتين وألف، فإن حمودا في هذا الوقت عزل نفسه من الحصون وقلد أمرها للمسلمين، فجعل أمر الرستاق بيد الشيخ سعيد ابن خلفان الخليلي ([1]) وصحار بيد الشيخ حمد بن خميس السعدي، والشيخ جميل ابن خميس السعدي مؤلف القاموس ([2]) وجعل الخابورة بأيدي آل خميس، فغيروا المناكر، وأمروا بالمعروف، أقاموا العدل واجتهدوا طاقتهم، وطلبوا شخصا للإمامة، وكاتبوا إخوانهم من كل ناحية.
قال ذو الغبراء: لزمتنا دعوة علمائنا وإخواننا المسلمين، وقصدنا بالطاعة إليهم (2/209)
صفحة 565
ونزلنا عندهم بمسجد البياضة، والخلق من كل فج مجتمعون، والأمر بينهم شورى في نصب حمود بن عزان في يوم رابع شهر شعبان، فأبى السيد حمود من عذر له لعله خفية.
قال وكذلك اجتمعوا يوم أربعة وعشرين من شعبان فأبى عن ذلك فتغلظت قلوبهم عليه؛ وكذلك خميس بن جاعد الوالي، والزاهد سيف بن محمد تعذرا مع المسلمين لعذر لهم في زمانهم، قال وقد طلب هذا الأمر الشيخ سيف بن مالك اليعربي، وأراد أن يقبض حصن الرستاق، فأجابه الشيخ الخليلي: كن في الحصن كأحد من المسلمين، واجتهد في الأمر والنهي، فلم يرض إلا بالحصن وما ومجد المطلوب فرجع إلى وطنه.
وقال في موضع آخر: قد كثرت كاتبة شيخنا العالم سعيد بن خلفان إلينا يريد منا أن نكون في خدمته ونحن ننظر ما هو فيه وعليه، ونؤخر الوصول من علل كثيرة وسنبينها لئلا يظهر الجفاء، فإن عمان قد مضت عليها سنين مجدبة والأيدي مقلة والانتقال ترى فيه خوفا على الأنفس والأهل.
قال: وأنا قد بان لي من السلطنة والأمراء وأهل اليسر والفقر والذي يدخل معه من إخوانه؛ والذين بيدهم قبض الحصون كلهم ضده ويراءونهم بألسنتهم، وقلوبهم متغيرة عليه هو ومن والاه، وخفت عليه من كيدهم غيلة فاحترق قلبي، وكتبت إليهما – يعني الشيخ الخليلي والشيخ سلطان بن محمد البطاشي – نصيحة مني. قال: وأنا أقول قد ظهر نور المسلمين في سنة اثنتين وستين ومائتين وألف، والسبب في ذلك أن السيد حمود بن عزان قد وصل عند الشيخ العالم سعيد بن خلفان الخليلي وجاء به إلى حصنه بالرستاق، وأمره أن يحكم بين المسلمين، وأمنه الحصن والبلد، فاجتهد الشيخ هو ومن والاه من آل سعيد وغيرهم، وأراد المسلمون أن ينصبوا إماما لهم الوالي سيف بن محمد (2/210)
صفحة 566
السعيدي فأبى عن ذلك، ثم أشاروا على الشيخ خميس بن جاعد الخروصي فلم يجدوا منه سبيلا، ثم عرفوا المسلمين من كل جهة ليجتمعوا بالرستاق؛ فلما صح جمعهم أشاروا بالإمامة للسيد حمود بن عزان، فأراد منهم إرادات فلم يقدروا، فأبى عن البيعة في المرة الأولى والثانية، وصار إلى بيت له في القصير، فالمسلمون احتسبوا واجتهدوا في الأمر والنهي وإصلاح الرعية لله وفي الله؛ والناس تنظر إليهم شزرا، فلما عرفني الشيخ سعيد بن خلفان بالوصول معه لمدينة صحار قائما، والشيخ سلطان بن محمد البطاشي بحصن الرستاق، فألزمت نفسي وكتبت لهما هذا الخط؛ ثم ذكر الخط بطوله، وذكر في أوله العذر الخاص به المانع له عن الوصول؛ وفي آخره نصيحة للشيخين نصها.
في هذه الأيام الناصر معدوم، لأني أرى القائمين بالمساجد المريض والأعرج والسقيم والأعمى والجابن عن الحرب؛ وأخبركم عن السادة الذي نسلهم من أولاد أحمد بن سعيد، قلوبهم مطمئنة بالحصون في أيديهم متى أرادوها سينزعونها من أيديكما؛ لأن العساكر والرعية في أيديهم سرا وعلانية، ولكن أكنوا في صدورهم ما لم تحيطا به في إصلاح دنياهم لا لدينهم، وأنتما عملتما التعزيز والقيود وأخذ الزكاة؛ وقد كان الذي بيده الأمر أقوى عشيرة وأكثر أموالا، والرعية له مطيعة؛ وأمراء القبائل معهم رغبة ورهبة وما يشير عليهم في الأمر إلا بلسانه والحق يحتاج قيامه إلى مال ورجال تكون بأيديهم السيوف المسلولة؛ واقفون في أمر الأمير كل ساعة، يقون بنفوسهم من الرعية حرا وشتاء؛ ليلا ونهارا، لا يخافون في الله لومة لائم؛ وأمرهم شورى بينهم، وأنا أخبركم عن كثير من الأمراء عمل برأيه دون آراء المسلمين، أمره نبذ، فعاقبه ملكه وراء ظهره وقد عمل برأيه بلعرب بن حمير اليعربي في طمره للمسلمين، (2/211)
صفحة 567
وقتله لبجاد بن سالم الغافري والشيخ عامر بن سليمان الريامي، فضعف أمره واجتمعوا عليه بنو غافر وألزموه بالحبال وأخرجوه من ملكه وأقام بفلج البزيلي.
والسيد أحمد بن سعيد لما ملك وساد أطاعت له الخلائق واستقام ملكه وخذل عدوه، فدلته نفسه بقتل أكابر بني غافر. فلما قتلهم مشى على ديارهم بجيش عظيم فالتقوا بالأثيلة فصح عليهم الكسير، وهم فئة قليلة؛ فثارت بينهم العداوة والبغضاء إلى أن ظهر في الملك سعيد بن سلطان والسيد حمود بن عزان؛ فعملا في الرعية بميزان البصيرة وإصلاح الفريقين فاستطاعوا إليهما، فمن عمل برأيهما لإصلاح دنياه؛ فعسى يثبت أمره إلى بعض حين.
وأما إصلاح الدين فقل فيه المساعد؛ إلا إذا بروا إليكما آل سعد، وأنا كما رأيته بعيني وفكرت فيه بقلبي وغيري كمثلي أرى البادي الذي سكن الصحاري يتقوه الذين معهم البلدان؛ وأحاطت بهن السيران.
وكذلك السادة الكبراء يبذلون ما في أيديهم من الدراهم لأمراء القبائل، هذا طبعهم لسداد خللهم؛ والله وعباده مطلعون على أمرهم، وأنتما تنظران ذلك وإن آل رأيكما على قيام الحق والعدل بالسيف، فأريد البيان لأصل إليكما ولنسل سيوفنا ونبايع الله أنفسنا ونقاتل أعداء الله وأعداءنا حتى تنفنا أرواحنا، والابتداء بالسادة ثم الذي يليهم إلى حيث تنتهي؛ والمراد إلى طريق الآخرة، وأما إن وقفتما على هذه الحالة فأخاف عليكما الذهاب مما أنتما فيه وعليه؛ لأن من راغم السلطان ولاعب الثعبان؛ وغاص في البحر مع الحيتان؛ أو صادم الراجل الفرسان والشجعان سيبلى بالذل والامتحان؛ والناصر والمعين معدوم في عمان؛ وأراها أموالكما قليلة وأيديكما غير طويلة وليس معكما عشيرة، فانظرا لأنفسكما من الرأي الذي هو أصلح وأسلم. والناس في هذا الزمان تميل بالكلية إلى (2/212)
صفحة 568
الظلم والفساد إلا قليل من عباد الله كتم إيمانه وعزل نفسه.
والسيد حمود ابتلى بالإمارة فما مراده إلا أن يبليكما من بلائه؛ ولو كان حقاً وصدقاً منه لما عزل نفسه عن الحصون؛ ولو كان صحيحاً منه هذا بتقديمكما وصح مع نسل أحمد بن سعيد لدخل في قلوبهم بالحال والحين، وأنهم سيعزلون رؤوسكما نساؤهم؛ والخدم قبل أولادهم ونسل أجدادهم، وآلهم وعشيرتهم ورعيتهم؛ لأن كلا منهم يطلب الملك لنفسه دون غيره، والنفس أسلم لها مسكنها في الخيام والفيافي والقفار عن سكن الحصون التي لن تحرز بالأمناء ولا تكافح عنها الأمراء والأولياء؛ وأرى من كل جهة عليكم عيوناً؛ ومع العيون عيوناً، لأن أكثر الناس بضد الحق؛ أمراؤهم يبرءون من الدماء والأموال، ولا يجعلون رأيا للأولياء ولا للنساء واليتامى والأرامل؛ فالأقرب يوكل ماله، ولو كان جاهلا والأموال الموقوفة تجري فيها الوكالة على ما سبق وسلف ولم يرضوا بتبطيل دفاترهم وشهادتهم إن كانوا على الحق أو على الباطل يعملون به؛ ويقتدون بنسل الملوك المضلين؛ وهذا أثبتوه بسيوفهم؛ ويحكمون به على بعضهم بعضا؛ فمن كانت له قدرة ومعه عشيرة وأراد الحق ينفذ بينهم ويبدل سيرتهم فلا يأتيهم كلام؛ ولكن يسل سيفه عليهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإذا لم يقدر على ما ذكرناه فينكر عليهم بقلبه، وإما يجتنب عن أهل زمانه لأنهم كلهم في محافلهم يستهزئون بالعلماء والتابعين لهم.
وأنا شاهدت أهل العلم والمطاوعة وهم عدة وأجسامهم قوية وأموالهم جزيلة كل قبيلة عددهم مثل آل سعيد أو أزيد، فسألتهم عن لزوم الجهاد والقيام فأجابوني حملة العلم بالعذر، لأن أهل الجور والظلم شوكتهم قوية في زمانهم، في أيديهم الحصون والرعية، وهؤلاء الأشياخ عملوا بالتقلية لإصلاح دينهم، وهم أعلم بذلك، وفي (2/213)
صفحة 569
زماننا هذا أنتما أئمة مذهبنا وبكما نقتدي وبعلومكما نهتدي، وعليكما السلام من خادم العلماء خميس بن راشد العبري.
هذا كلامه بنص حروفه، وقد أظهر ما توسمه في أهل زمانه.
وقال في كتاب آخر لبعض أصحابه: والسيد حمود قد فتح الباب لهما؛ فلما دخلا سده عليهما وهما لا يشعران بأمره؛ فيجب على من علم سد الباب أن يخبرهما بذلك.
وقال في موضع آخر بعد أن ذكر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، قال: وأقبل معه السيد حمود ظاهر أمره للسؤال وباطنه يريد منه أن يتقوى به ويكتب له لما يريد من الأوفاق، فأقام معه ببلد بوشر أياما، وأخذه في صحبته وأنزله في منزلته وقال له: كن أنت من الرستاق؛ واجتهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاجتهد الشيخ هو ومن معه وآل سعد، وأرادوا نصبه ليكون إماما لهم فأبى: لأنه يعرف نفسه ليس هو من أهل الإمامة؛ فلما صار الأمر في أيديهم احتسبوا فجبوا الزكوات وأصلحوا الأموال الموقوفة، وعملوا في الناس التعزير، والقيود على الشريف والضعيف؛ والسادة والقبائل ينظرون إليهم ويستهزئون بعملهم، مرادهم كشف خللهم مع الناس حتى يكثر عليهم الموشي والحساد، فاستنزع السيد حمود وولده عليهم الحصون ونبذهم وراء ظهره.
قال: والشيخ الخليلي لما خرج من الحصون اجتهد في طلب علم الحرف، فما مضت سنون كثيرة إلا ومات حمود وولده.
هذا كلامه والأمر لله وحده.
ومدة تصرف المسلمين في ممالك حمود بن عزان من أول سنة اثنتين وستين إلى أول سنة ثلاث وستين على ما يظهر من تواريخ خطوطهم؛ فوقت بذلك سنة تامة إلا أن يكون فوقها بعض المدة اليسيرة والله أعلم.
-------------
[1]- هو أحد أئمة العلم في زمانه، فقد تصدى للتأليف وأجاد فيه، وظهرت له مؤلفات جليلة ورسائل كثيرة، فيها من تحقيق المسائل ما ليس بعده؛ وهو رحمه الله جد الإمام الحالي أبي عبدالله محمد بن عبدالله الخليلي.
[2]- أي قاموس الشريعة؛ وهو أكبر كتاب في الفقه ظهر للآن؛ إذ يبلغ تسعين جزءا مستقل كل مها، وقد وقفت عليه كله من خزانة قطب الأئمة رحمه الله؛ فقد استطاع مؤلفه أن يحشر فيه كل أبواب الفقه والأصول والآداب الشرعية وما إليها؛ ويوجد منه أجزاء في المكتبة السلطانية بالقاهرة مخطوطة (2/214)
صفحة 570
ذكر موت محمد بن ناصر الجبري
وكان قبل خلع حمود الحصون للمسلمين بكثير من السنين وإنما أخرنا هذا لأن الكلام خرج بنا إلى ذكر حمود فاستقصينا خبره، ذكر ناصر بن أبي نبهان قال وذلك أنه لما ملك المحمود حمود الرستاق وخاف محمد بن ناصر الجبري على ما تولاه أن يتولاه حمود ويغلب عليه. قال وظن أن التيسير لحمود كان بسبب منى له، قال وأنا سكان في نزوى على إحسان حمود إليّ، قال وسرت من بلداننا إلى نزوى، قال فرأيت الناس من طرف الجبري قد أحاطوا بباب البيت يريدون قتلى، فذهبت عنهم من الجانب الآخر إلى عقر نزوى.
قال وكانوا هم وأهل حوائر الوادي أشد الناس حباً للشيخ وأولاده وقالوا: قد كظنا وكظك ([1]) فإن كان فيك نفع للمسلمين فلا يجوز لك ترك هذا الظلم قال وكان الواقع عليّ أنا ومن معي يوم سبع وعشرين من ذي الحجة في سنة 1249 تسع وأربعين ومائتين وألف.
قال فقلت لهم قريبا يكون إن شاء الله، ظنا أنه يحتاج للمدة كما قد احتاج السلطان والجبار فهما لأجل ما ذكرناه، وأما هذا فأمره قريب، قال فما انقضى من اليوم الذي وقع فيه الأمر إلا شهران يعجز سبعة أيام إلا ومات، وذلك في يوم ثاني من شهر صفر سنة خمسين ومائتين وألف.
قال فإن قلت كيف لا تعمل هذا العمل للحرب فالجواب لم أعمله لما ذكرته من عمل تبطيل الأعمال عن السلطان والجبار، قال والتبطيل يحتاج إلى مدة وفراغ قال وما قصدنا بإظهار هذا فخرا فإن كثيرا من أهل هذا العلم يعلمون العمل قلا ينقضي يوم ولا ساعة من النهار إلا والأمر قد مضى، قال وكلامنا هذا يدل أنا أقل الناس علما فيه. (2/215)
صفحة 571
قال: ومن ملك شيئا من الرياضيات فهو أقوى من هذا كله، قال ومن علم منها علما فلينفع المسلمين به على ما جاز، قال وإذا لم ينتفع به ولم ينفع به من هو أهله لم يكن له فيه نفع، قال ونفع المؤمنين مع القدرة من النصيحة لهم هذا كلامه والله أعلم.
وقد ذكرت فيما تقدم أن السلطان أحسن إلى الشيخ ناصر وأن أموره قد تراجعت في آخر زمانه، وقد تمكن من صحار بعد قبض حمود بن عزان وجعل فيها ولده تركي بن سعيد وجعل في مسكد ولده ثويني بن سعيد وفي زنجبار ولده ماجد بن سعيد، وبقي هو يتردد في ممالكه من زنجبار إلى مسكد ومن مسكد إلى زنجبار وبقيت الرستاق في يد قيس بن عزان أخي حمود وهو أبو الإمام عزان.
وأما السويق فقد كانت في يد محمد بن الإمام، ثم صارت في يد ولده هلال ابن محمد، وكانت الباطنة قد زهرت زهرة حسنة وكثر فيها الأخيار والمتعلمون وفيهم الشيخ جميل بن خميس مؤلف قاموس الشريعة، وكان يسكن القرط وكان شيخهم حمد بن خميس من خيارهم، وكان حبهم وميلهم إلى ملوك الرستاق لأنهم قد تسموا بالدين وعرفوا بالفضل وكانوا كثيرا يزورون قيس بن عزان حتى قيل أنه يجتمع في اليوم الواحد عنده في غرفة الصلاة مقدار أربعين مطوعا وهو اسم لمن تسمى بالدين وكف عن المآثم، وكانوا يقرأون عنده آثار المسلمين فما زال كذلك حتى انقضت أيامه وسيأتي خبر قتله إن شاء الله تعالى في أيام ثويني.
وحدثني الثقة أن أربعين رجلا من خيار أهل الباطنة من أهل البطحاء ذكروا الشراء فراغبوا فيه وتعاقدوا عليه فقام عليهم أقاربهم ليمنعوهم منه لظنهم أنهم لا يقوون عليه فأبوا إلا الشراء وتعاقدوا عليه وأخذوه (2/216)
صفحة 572
لأنفسهم أكفانا وخرجوا ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وقصدوا إلى إخوانهم من أهل القرط، فحين اجتمعوا على ذلك واخذوا في الخروج إذا هم بطير أبيض يسير أعلا من رؤوسهم يتبعهم حيث ساروا فعلم بهم هلال بن محمد بن الإمام صاحب السويق فخرج إليهم بعسكره ليقطع بينهم وبين إخوانهم فلما رآهم على تلك الهيئة هابهم هو ومن معه وكان بطلا شجاعا فقال لقومه أمهلوني حتى أسبرهم، فهوى إليهم بفرسه فاستداروا صفا واحدا كالحلقة المفرغة ليحمي بعض ظهر بعض، فلما وصلت الخيل قربهم برك الذي حاذاها منهم على ركبتيه يريد أن يعقر الفرس فحرفها عنه هلال وأتى من الجانب الثاني ففعل من حاذاه كذلك، ثم من الجانب الثالث ففعلوا كذلك، ثم رجع إلى قومه ومضى بهم إلى حصنه ومضت الشراة والطير على رؤوسهم لم يفارقهم حتى نزلوا عند إخوانهم بالقرط فأقاموا هنالك يأمرون وينهون ولم يخبرنا الثقة أنهم عقوا الإمامة على أحد منهم وإنما فهمنا منه أن أمرهم شورى بينهم وهو اجتماع محمود.
وفي الأثر أن لجماعة المسلمين جميع ما للإمام من أنفاذ الأحكام وإقامة الحدود، وقيل لهم جميع ذلك إلا الحدود فلا يقيمها إلا الإمام. وكان السلطان سعيد ابن سلطان بمسكد فبلغته أخبارهم وخاف أن يعظم أمرهم فأرسل إليهم الهدايا وأعظمها لهم من غير أن يتعرض لهم بحرب ظاهر، وإنما أرسلها على هيئة المعونة وهي الحرب الباطن، وكان ذلك من مكائد الملوك، فلما وصلتهم الهدايا قال بعضهم لا نقبلها وخافوا الفتنة وعرفوا أنها المكيدة وقال آخرون بل نأخذها لنتقوى بها على أمورنا، ثم اتفقوا على الأخذ، فلما أخذوا الهدايا فارقهم الطير الأبيض ووقع فيهم الفشل واختلفت كلمتهم وتفرق جمعهم، ورجع كل إلى منزله (2/217)
صفحة 573
من غير أن يقتلوا أو يقتلوا.
والله أعلم بما كان عليه أول أمرهم أكان عقدا لا يجوز فسخه أم كان أمرا واسعا اختاروه لأنفسهم ويكون لهم فيه الرجوع والظن بهم هذا الوجه الثاني والثقة لم ينقل لنا أنهم توبوا أحدا منهم وعابوه والله أعلم بحقيقة الأمر، وينبغي للعاقل أن لا يدخل في أمر يعجز عن إتمامه والفضائل كثيرة والشراء درجة عظيمة لا يدركها إلا الخواص من الخواص، وليس كل رجل كأصحاب المرداس والله يؤتي فضله من يشاء.
وكان السلطان سعيد عامل من آل بوسعيد يقال له سيف بن محمد البوسعيدي وكان عنده بمنزلة جليلة، قاد له الجيوش وتولى له الأعمال ثم رزقه الله تعالى حسن التوفيق فآب إلى الله وتاب توبة نصوحا وباع أمواله وتخلص مما جناه تخلصا تاما أدى الواجب وزاد عليه الاحتياط وانقطع إلى الله في الفيافي وزيارة العلماء والأفاضل واشتهر باسم الزاهد فظهرت له الكرامات وانفتحت له أبواب الخيرات وشهد له بالفضل كل ناطق يعرفه ووجبت له الولاية على الخاص والعام رضي الله عنه وأرضاه وأخباره كثيرة تحتاج إلى بسط طويل، وأذكر لك بعضها لقرابتها وهي قطرة من بحر.
يقال أنه كان يتعبد في جبل من جبال سمائل فبينما هو كذلك إذا هو برجل غريب لا يعرفه قدم عليه فأخذه في العبادة حوله حتى استحقر الشيخ نفسه واستقل عمله؛ وقال في نفسه هكذا الرجال فأقام ثلاثة أيام على ذلك الحال، ثم أقبل الغريب عليه بعد الثلاث، وقال له يا هذا على أي مذهب أنت فقال الشيخ على مذهب أهل الاستقامة فقال الغريب لو عبدت الله على مذهب أهل السنة لكان خيرا لك ثم تناول هذا الغريب ورقا من شجرة حين كانت قربهما وهي شجرة التفلى فأكل منها، وقال الشيخ لو عبدت الله على مذهب أهل (2/218)
صفحة 574
لصار لك المر حلوا، كما ترى فوقع في نفس الشيخ أنه الشيطان فقال أي عدو الله تريد أن تضلني فتضاءل الغريب بين يديه ثم لم يره فظهر أنه الشيطان فعصمه الله منه. وقيل أنه كان يوما يتعبد بمسجد معتزل في وادي المعاول ومعه عابد آخر أعمى فأرسل إليه هلال بن أحمد البوسعيدي بهدية عند جمال، وكان هلال من أهل مسكد وكان يكثر الصدقات على الأفاضل وهو أخو حمود بن أحمد صاحب رباط مكة فلما وصل الرسول قام الزاهد يعالج له طعاما فصنع له عرسية فغرفها له في ليفة خشى، ثم قال هل ادع الرجل الذي في المسجد ليأكل وهو العابد الأعمى فأتاه فدعاه فقال قد تعشيت فنظر فإذا هناك نويات يسيرة يشك أتبلغ سبعا أم لا فرجع إلى الشيخ فأخبره فقال ذاك ليس مثلي أنا أي لم تغلبه شهوته مثل ما غلبتني فباتوا فلما كان السحر سمع الرسول وهو نائم الشيخ والعابد يصيحان النار النار، فلما أصبحوا قال الشيخ للرسول أتقرأن شيئا من القرآن؟ قال نعم قال فاقرأ، فقرأ عليه " بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها المدثر قم فأنذر – إلى قوله تعالى – فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير، فتلقاها الشيخ يرددها حتى غشي عليه وأخباره كثيرة وفضائله شهيرة.
وقد أدركت بعض من أدركه من الثقاة فأخبروني عنه بالعجب والله يؤتي فضله من يشاء وتوفي الشيخ الزاهد بالشريعة من أرض سمد الشأن وقبره فيها رحمة الله عليه، ثم مات السلطان سعيد بن سلطان في البحر في مسيره إلى زنجبار في مركب كان له فساروا به وهو ميت حتى أنزلوه بزنجبار فدفنوه فيها وذلك في سنة 1237، وكان قد عاش في الملك خمسين سنة، وقيل أكثر وخلف أولادا وبموته اقتسم الملك بين أولاده فصار ملك السواحل لماجد بن سعيد.
ثم ملك من بعده (2/219)
صفحة 575
برغش بن سعيد، ثم من بعده خليفة بن سعيد ثم علي بن سعيد ثم حمد بن ثويني بن سعيد ثم حمود بن محمد بن سعيد ثم علي بن حمود بن محمد ولا حاجة لنا بذكر أخبار زنجبار والسواحل، فإن غرضنا تاريخ عمان ولبرغش ابن سعيد مآثر حسنة فإن خلط عملا صالحا وآخر سيئا جمع الأخيار وقراء الآثار ولازم العبادة وطبع جانبا من كتب المذهب وجعل للحجاج مركبا يحملهم في كل عام من السواحل وعمان من غير نول ([2]) وهم فيه مكفولون ذاهبين وراجعين وحج البيت وزار القبر وأجزل العطاء وأكرم العلماء ورحم الفقراء ونصب القضاء، وبسط أخباره تحتاج إلى مجلد وليس ذلك من غرضنا الآن.
وأما مسكد وأكثر الحصون من عمان فقد صار ملكها إلى ولد ثويني بن سعيد ثم من بعده إلى سالم بن ثويني ثم من بعده الإمام عزان رضي الله عنه ثم من بعده إلى تركي بن سعيد بن سلطان ثم من بعده إلى ولده فيصل بن تركي وهو صاحبها اليوم، وسنذكر لكل واحد باباً إن شاء الله تعالى.
وكان جانب عظيم من أرض فارس في ملك السلطان سعيد بن سلطان، وكان الوالي فيه سيف بن نبهان المعولي وكان له حزم وسياسة، فما زال يستفتح قلاع فارس ويستجلب رعاياها، حتى دخل كثير منهم في طاعته وعظم أمره هنالك وقويت شوكته وبلغ فيها مبلغا لم يبلغه غيره، ثم عزله السلطان ثويني وولى عليها سعيد بن أحمد البوسعيدي، فلم يحكم أمرها، فثارت عليه العجم فأخذوا ما استفتحه سيف بن نبهان من بر فارس، وبقي لملوك عمان ما حول البحر، ثم ذهب أكثره وبقي الأقل منه؛ والله الباقي. (2/220)
صفحة 576
باب الأحوال الواقعة في دولة السلطان ثويني بن سعيد بن سلطان
وكان قد ملك عمان بعد أبيه وانفرد بها دون إخوته وخالفه أهل نخل وقتلوا خادمه سويلم بن سالمين، وكان واليا عليهم من قبله وعصبتهم الغافرية وجاؤا بجابر بن حمير اليعربي وبنوا له ثوارة نخل قلعة تقابل حصن السلطان فقام عليهم السلطان وحاصره جابر بن حمير ومن معه فدخل عليه ناصر بن علي شيخ آل وهيبة يريد أن يسعى بينه وبين السلطان بصلح على أن يخرج ويجعل له جعلا فأبى جابر بن حمير فرشى ناصر السيابيين وخرجهم عن عصبة جابر، وساروا إلى بلدانهم ثم خرج عليه من أخرى ليكلمه فقال له اصنع ما شئت، وذلك حين رأى ضياع الغافرية فجعل له فيما قيل ستة آلاف قرش فخرج من نخل ومضى إلى سيجا. ثم بعد ذلك سار إليه السلطان بجيوشه بعد مدة وحاصر سيجا ودخلها وخرج منها جابر ومضى إلى جعلان وسكن عند بني بحسن حتى مات، وفي أيامه وهو السلطان ثويني اقتتل قيس بن عزان وهلال بن محمد صاحب السويق، وذلك أن هلالا كان ميله عند السلطان لأنه ابن عمه، وكان يمده وكان قد رفع بينه وبين أهل الباطنة بعض المشاحنة وهم آل سعيد، وكان قد كثرت الأفاضل فيهم وكان ميلهم إلى قيس ابن عزان لما يرون فيه من آثار الصلاح، وكان طبعه موافقا لطباعهم وسيرته موافقة لسيرتهم فهموا أن يقوموا به للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان ملكه بالرستاق، وأرادوا أن يضموا إليه ملك الباطنة فجاؤا به إليها وطلبوا من هلال المواجهة له فأنعم لهم بذلك وخرج إليهم في نفر قليل (2/221)
صفحة 577
من أهل الخيل وكانوا قد تواعدوا على مقيل في مال بيت المال يختص به هلال فنزل هلال تحت بيذامة هنالك: والبيذامة شجرة عظيمة لها ورق عريض يقرب من الاستدارة وليس بمستدير، وجاء قيس ومعه خيار أهل آل سعد وكانوا قد أرادوا أن يقيموا الحجة على هلال ليأخذوه ببينة وبصيرة فإن امتنع عن الحق يقتلوه.
وكان قيس راس الأمر، وكان فد هيأ خادما له يقال له رصاص، وقال له إن قلت لك هات بشربه فاقتل هلالا، وكان هلال قد أحس بذلك في نفسه؛ فأخذ خنجره في يده يعبث به يقطع بعض الخوص الذي كانوا جالسين عليه وهو خوص قد اجتمع من عمل القيض يكون كثيرا في المجالس؛ فكلمه قيس وقال له: إن ثويني جبار، ولا يجوز لك أن تعينه على المسلمين؛ ونريد منك أن تكف نفسك عن معونته؛ فقال أنا وثويني ولا نتفارق، فقال له قيس كان على هدى أو ضلال لا تفارقه، قال لا أجد منه بداً، قال لا يجوز لك ذلك، قال أنا وثويني كرجل واحد ولا ينفك بعضنا عن بعض، وكان قد فطن لما يريدون ولكن منعه التكبر عن الحق وكانت في نفسه شجاعة يرى أنهم لا يقدرون عليه بشيء فلما أيسوا منه قال قيس للخادم شربة فوثب الخادم ليأتيه بماء ولا لوم عليه، فإنه هلال فلما رأى قيس ذلك سل كتارته من غمدها، وضرب هلالا في جبينه ضربة يرى أنها كانت تكشف صحلة رأسه، فوقعت بادرة الكتارة في البيذامة، وكانت من هناك ناتئة قليلا فمنعت، كتارة عن استئصال رأس هلال، فمن حين ذلك ضرب هلال بخنجره في غلصوم قيس فقتله ومات قيس من حينه ووثب هلال إلى فرسه، وكان الدم قد غشى عينيه فرماه الحاضرون من أصحاب قيس بالرماح، فقضي عليه ومات الرجلان كلاهما؛ والأمر لله ثم وثب آل سعد (2/222)
صفحة 578
السويق فحربهم (من فيه) وكان فيه أخت هلال جوخة بنت محمد بن الإمام فحربت بمن معها ثمانية عشر يوما ثم وثب آل سعد على الحصن، وكانت تصب عليهم العسل والخل المحررين فكثر فيهم القتل والجراح؛ ولم يردهم ذلك حتى اقتحموا الحصن، وكان رجل منهم قد أمسك بيده في مدفع فنقع المدفع ورفس بقوة النقعة إلى داخل فدخل الرجل معه وقد صمت أذنه من النقعة لأنها كانت مع إذنه، وخلص الحصن وخرجت المرأة بمن معها في أمان وقبض آل سعد الحصن وجاؤا بأولاد حمود بن عزان وهم صغار فجعلوهم فيه ليتبعهم الناس، وبقي في الرستاق عزان بن قيس وهو الذي نصب بعد
إماماً وتولى المطاوعة أمر السويق.
ثم جمع السلطان ثويني الجموع وسار إلى حرب آل سعد فتجمعوا له بموضع يقال له الملدة فاقتتلوا يسيرا، ثم دخل الناس بينهم بالصلح فاصطلحوا ورجع حصن السويق إلى السلطان ويقال أن جوخة بنت محمد كانت قد طلبت من ابن عمها السلطان النصرة على أهل الباطنة فتمادى بها طمعا في الحصن لأنه لا يرى أخذه من يدها وهي مستنصرة به فإذا أخذ آل سعد أمكنه حربهم عليه فتمت له الحيلة بذلك. ثم جمع السلطان ثويني جموعا وسار إلى الرستاق فحاصرها مدة من الزمان وكان فيها عزان بن قيس وبنو عمه فلم تخلص له؛ وجاء الوهابي صاحب البريمي ليصلح الحال في ظاهر الأمر، فحين علم السلطان بمجيئه رجع عن حرب الرستاق ومضى إلى بلاده، ثم خرجت على السلطان خارجة من الوهابية يقدمهم السديري؛ وكانوا من أهل نجد وكانوا قد تولوا أرض الجوَّ؛ وجعلوا البريمي بها ولايتهم، وكان خروجهم بسبب ناصر بن علي شيخ آل وهيبة.
وسبب ذلك أن السلطان قدم عليه أخاه خليفين بن علي (2/223)
صفحة 579
ناصر في نفسه العداوة؛ وأرسل للسديري فجاء به إلى جعلان عند بو علي وكانوا على مذهبه فقام فيهم وأدوا له الطاعة عن حب ورغبة؛ ثم ساروا به فأخذوا حصن صور، وكان شيخنا الصالح صالح بن علي الحارثي في السواحل؛ فوفق مجيئه منها خروج الوهابي المذكور، فطلب من السلطان ثويني الخروج إلى قتاله.
وكان السلطان قد استحقر شأن الوهابي فلم يكن قد قصد الخروج إليه لذلك فقال له أن وراءه دولة وأنه طالب ملك، وله عصبة من الغافرية، وأخشى أن يكبر أمره؛ فما زال به حتى أجابه إلى حربه، وواعده في يوم معلوم وقت الظهر ليصل بمن معه في سفالة أبرى في شريعة الزويد.
قال الشيخ فلم يتخلف وصوله عن ذلك الوقت؛ بل وصل فيه بعينه ثم سارا إلى بدية وأناخا في الواصل، وأرسل إلى ناصر بن علي رسلا ليصل إليه فلم يصل بالحال، فلما كثرت عليه الرسل جاء، فحين رآه السلطان مقبلا أخذ في لعنه وهو لا يسمعه حتى إذا كان غير بعيد ألقى ناصر عصاه إلى السلطان وقال هذا ظهري للضرب ورجلاي للقيد ورقبتي للذبح مكرا وخديعة، فقال السلطان أنت مسموح ما حملك على ما صنعت؟ قال الجلوس عند مدفع للصوص؛ ومراده بذلك أنه قدم على السلطان يوما ببركا فلم يؤذن له بالدخول وجلس قدام الباب عند مدفع تصلب عليه اللصوص ينتظر الإذن فلم يؤذن له، فكان ذلك السبب الذي حمله على مظاهرة الوهابي في الباطن، فقال له السلطان شنعت فارقع، فقال نعم فسار ناصر إلى صور، وقال للسديري رأيت الهناوية قد اجتمعوا عليك ومعهم سلطانهم؛ وقد جاءك مالا قبل لك به ولا أقدر أنا على دفعه، وأخشى أن تقتل وأنا قد جئت بك فارجع إلى مأمنك، فأخرجه من حصن صور، ورجع من حيث جاء.
وكان تركي بن سعيد قد (2/224)
صفحة 580
ضاق عليه الحال بصحار لقلة مدخولها فدفعها إلى أخيه ثويني وانظم إليه في مسكد وصاروا يدا واحدة فحين قام السلطان ثويني على السديري من طريق البر أمر أخاه تركي أن يلاقيه في صور بالمراكب من طريق البحر فسار السلطان ثويني إلى صور، وفي طريق مسيرهم بلغهم خروج الوهابي من صور بسبب ناصر بن علي فأراد بعض الأكابر أن يلاقوه فيقاتلوه فأبى السلطان واختار السلامة لقومه مع حصول المراد فلما وصلوا صور وافقوا تركي في المراكب ولبث السلطان بها قليلا من الزمان ثم رخص قومه، وركب مغربا ولم يدخل مسكد بل قصد صحار وفيها ولده سالم بن ثويني كان قد جعله فيها لمقاومة الوهابية القائمين بالبريمي، ولسالم في أبيه غوائل كان أبوه عنها غافلا، أراد أن يقتله لينفرد بالملك، وكان السلطان قد شركه في ملكه حتى لا يرد أمره، وكان أحب أولاده إليه والمقدر كائن.
إن من ترجو به دفع البلا= ... ... سوف يأتيك البلا من قبله
كم واثق بالناس حتى ما أتت ... = ... نوب الزمان غدوا عليه نوائبا
فبينما السلطان نائما وقت الظهيرة في غرفة صحار إذ دخل عليه ولده سالم فضربه بتفق في فؤاده فيما قيل فمات من ساعته، ثم قيد عمه تركي وجاء إلى مسكد وولى السلطنة والأمر لله وحده، وذلك في سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف باليوم السابع والعشرين من شهر رمضان قبل الظهر بقليل وبقي مطروحا على فراشه بقية يومه ودفن بعد المغرب بساعة بغير تكفين ولا تغسيل ليلة الثامن والعشرين منه، وفي هذا الشهر وقعت سيول عظيمة (2/225)
صفحة 581
بعمان وكان السيل جارفا، ويقال لها جرفة رمضان، وأثرت في عمان خصبا كثيرا وكان أخو السديري قد سمع بخروج السلطان والهناوية على أخيه الذي بصور فركب بمن معه من أهل الخيل والإبل، ووصل إلى منح فسمع به الهناوية من أهل الشرقية فاجتمعوا لدفاعه وأقاموا بالمضيبي فكان جمعا عظيما، فسمع بذلك الوهابي فرجع من منح وجاء على طريق الجبل في طريق الشص، وماتت له هنالك خيل من صعوبة الطريق، ثم نزل من الجبل على وادي بني خروص، ثم إلى الرستاق ثم إلى البريمي وهي ولايته وأقام بها والله أعلم به.
باب الأحوال الواقعة في دولة السلطان سالم بن ثويني
وذلك أنه لما قتل أباه بصحار وجاء هو إلى مسكد ووصله رؤوس القبائل، واستحضر من شاء منهم ليقوى بهم أمره، أظهر المسلمين أنه إنما قتل أباه ليظهر العدل في الأرض؛ واستدعى ببعض أفاضل المسلمين وبعض مشايخ أهل الدين وقال وقال ووعد وأمل، وذلك أنه رأى ما فعله الشنيعة الشنعاء وأراد أن يرفعها ولو بمقال زور، فبينما هم كذلك إذ جاء النصراني وكان قد تدخل عند الملوك وأظهر لهم التودد فلما قتل سالم أباه أظهر السخط لذلك وأطلق تركي من قيده وهو مقيد في صحار، ثم جاء النصراني إلى مسكد وقال لسالم اعتزل لا تصلح للملك وقد قتلت أباك وأظهر له الغضب فشاور السلطان سالم من حضره من أكابر المسلمين فأجابوه بأن لا يصغي إلى قومه ويظهر له الشدة؛ فلما رد إليه الجواب ضرب النصراني (2/226)
صفحة 582
على سطحة المركب وكان يفعل ذلك إذا غضب، ثم قلع مركبه ومضى مسرعا فلم تكن له معاودة في هذا الخطاب.
ثم سار تركي إلى ينقل من الظاهرة وناصره أميرها من الغصون وقام معه وحرب صحار وكادت تخلص له بل يقال أنها خلصت؛ فبينما الأمير العلوي يكتب الخطوط للقبائل بخلوص صحار إذ نقع مدفع من قدام الحصن لا يدري من كواه فأصاب الأمير فمات وانهزم عسكره وبقي تركي يتبعهم ليرجعوا إليه فأبوا وكانوا طوع أمرائهم دون السلاطين ولا ينتظم لهم أمر إلا بأمير من الغصون.
ثم مضى تركي على وجهه في البلاد يلتمس النصرة على ابن أخيه من كل من وجد وكانت له همة وجلدة وجراءة، ثم التمس المسلمون من السلطان سالم ما وعدهم به من إظهار العدل فبقي يمنيهم ويعدهم، وهو مع ذلك يخادعهم؛ ثم أصبح تركي بن سعيد في الكوت الشرقي ركب في خشبة وأخذ معه بعض الشحوح حتى جاءوا إلى الكوت فدخله وفيه البلوش، فلما عرفوه لم يقدروا على منعه فتحصن فيه، وكان ينزل إليهم بليل فيقتل ويرجع، فكان يزورهم زورة الذئب، وممن قتله تركي في هذه الحالة عبدالله بن مشاري بن سعد بن مطلق ولد الوهابي الذي كان عذابا على أهل عمان.
ثم أن تركي لم يجد في الكوت ما يقوم بمؤنة من معه من طعام وشراب، وسعى بينهم بعض الرؤساء أن يخرج من الكوت، فخرج سالما ومضى إلى الجانب الغربي ثم جاء على طريق البر حتى وصل الشرقية وطلب من أهلها القيام على ابن أخيه، وكانوا قد كرهوه لقتله أبيه، فقام معه كثير منهم، بل أكثرهم؛ وهم بنو بو حسن والججريون وبعض الحرث وكبير الخارجين من الحرث سعيد بن علي بن مسعود البرواني.
وكان الشيخ صالح بن علي الحارثي وهو رئيس الهناوية على الإطلاق لم يرض (2/227)
صفحة 583
هذا لما تقدم من وعد السلطان سالم أن يقيم العدل. وكان الشيخ صالح قد خرج من عند السلطان فوافق الجيش بسمد قاصدا لحرب السلطان؛ والمقدم فيهم رئيس بني بو حسن حمد بن مسلم. وكان حمد هذا لا يخالف الشيخ صالح، فلما رأى الشيخ ذلك دخل في جملة الجيش وسار معهم وهو يقول لحمد بن سالم: لا تعجل بالقوم، وأرسل إلى السلطان أن يأخذ حذره، فأكثروا المناخات حتى غضب سعيد بن علي البرواني فنهره الشيخ؛ فلما دنوا من مطرح أراد أن يؤخرهم فقال حمد بن مسلم: ليس عندنا للقوم بهطة – يعني نفقة – فقال الشيخ أنا أعطيك لهم، فبقي يمد حمدا خفية، ثم استأذنهم أن يشرف على السلطان فأذنوا له، ودخل عليه فرآه قد أهمل الحزم، فأخذ يوبخه ويلومه، وأغلظ عليه، فقال السلطان قد أرسلنا إلى القبائل فلم تصل ثم عملوا الحيلة أن يصلهم السلطان بنفسه إلى مطرح في الغد، فجاء السلطان على الوعد، وسار إليه بعض أكابر الهناوية ومناهم بجميع ما طلبوا؛ وذلك أنهم طلبوا أن يكون لتركي من وادي القاسم مغربا فقال لكم ذلك ويصلكم الشيخ صالح في غد بتمام الجواب، فقالوا إن لم يصلنا إلى طلوع الشمس فلا ذمة بيننا، قال نعم.
ثم رجع السلطان إلى مسكد وجاء الشيخ بالغد بعد طلوع الشمس فبينما هو يسير في البحر فرأى القوم قد ركضوا على مطرح ودخلوها من الجانب الغربي وخلصوها في ضحوة النهار ومضوا إلى الرواية فحاصروها، وكان قد دخلهم بعض اختلاف وفشل؛ وكانت مسكد قد امتلأت بالقبائل الغافرية، وكان الشيخ قد رجع إليها بعد أن رأى دخول الهناوية مطرح، وكان قد نصح للسلطان باطنا وظاهرا لما كان يعدهم به من القيام بالعدل.
ثم جاء النصراني فحمل تركي في المراكب وذهب به إلى الهند؛ و (2/228)
صفحة 584
تركي اختار ذلك بنفسه؛ رأى أن العرب لا تنفعه لعدم اجتماعهم عليه، وبقي فيها حتى جاء المجيء الذي حارب فيه الإمام عزان رضي الله عنه، وسيأتي خبر ذلك.
ثم أن السلطان سالما هم بالغدر بالشيخ صالح بن علي ببركا فسيس له أن يمسك في البرزة إذا دخل للوجاه، وكانت البرزة في الحصن، فلما برز السلطان ودخل الشيخ للوجاه لم يلبث أن علم بدو الشيخ بالمكيدة المصنوعة لشيخهم، فانطلق واحد منهم يسعى مسرعا إلى الحصن ودخل البرزة؛ وقال للشيخ أدرك قومك فقد تضاربوا؛ فخرج الشيخ يعدو ولم يتمكن السلطان من مكيدته حتى خرج الشيخ؛ فأخبره أصحابه بالمكيدة ووجدهم قد تهيأوا فركبوا من حينهم مغربين، فانطلقت خيل السلطان في أثرهم وعليها الوهابية، فأدركوا بعض البدو فوقع بينهم بعض التناوش وقتل رجلان من الوهابية أصحاب السلطان وجرح رجل من البدو أصحاب الشيخ وكانت هذه الحالة من أول أسباب النزول للسلطان سالم، بل أول نزوله قتل أبيه فإنه لم يلبث في الملك إلا مدة يسيرة فقد قيل إنه ملك سنتين وأشهرا فقط.
ثم سار الشيخ إلى حمد بن سالم بن سلطان وهو ابن عم أبي السلطان سالم، وكان في المصنعة فتواعدوا على أمر عجز حمد عن الوفاء به وذاك هو الخروج على السلطان سالم ومكث الشيخ معه يومين ثم ركب إلى الرستاق ثم توجه إلى وادي بني غافر وجاء على طريق نجد المخاريم، ثم منها على طريق عمان حتى وصل إلى الشرقية وهي وطنه فبقي الخطاب بينه وبين الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي عالم عمان في ذلك الوقت، وكان الشيخ صالح قد تلمذ عنده وتعلم منه وأخذ عنه الدين، كذلك أخذ عنه (2/229)
صفحة 585
أدركنا من المشائخ ولإخوان؛ وكان عزان بن قيس سلطانا على الرستاق وكان حسن السيرة فيها، وكان الشيخ محمد بن سليم الغاربي في الباطنة وهو أعلم من فيها ذلك اليوم وأفضل؛ وكان مسموعا مطاعا فيهم لعلمه وفضله، وأما الرياسة فلغيره فتكاتبوا وتخاطبوا وكانوا يحاولون ظهور العدل في كل حين، فلم تمكنهم الفرصة وكان الشيخ سعيد بن خلفان قد هيأ لذلك الأسباب وادخر الدراهم، ولم تزل الرسل والمكاتبة بينهم حتى من الله عليهم بظهور العدل واجتماع الشمل؛ فقاموا جميعا على السلطان سالم، فأخرجوه من مسكد وعقدوا الإمامة على عزان بن قيس على حسب ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.
باب إمامة عزان بن قيس بن عزان ابن قيس بن الإمام
وهو الإمام المجتمع عليه من هذه الدولة رضي الله عنه؛ وذلك أن المسلمين تكاتبوا وطلبوا الاجتماع والقيام على السلطان سالم بن ثويني على حسب ما قدمنا ذكره، فكتب الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي عالم ذلك العصر الكتب إلى رؤساء الشرق وأكبرهم منزلة وأكثرهم نصرا شيخنا الولي صالح بن علي.
وحدثني الثقة أنه لما وصلت الكتب إلى الشيخ المذكور سار بها بنفسه رسولا إلى حمد بن مسلم رئيس بني بحسن؛ وكان السلطان سالم قد تجند بأعداء الدين الوهابية ومنهم بنو علي.
قال الثقة فحين وصلت جعلان وقع الطاعون في بني بو علي في ذلك اليوم بنفسه ولم يصب أحدا (2/230)
صفحة 586
عمان غيرهم فشغلهم ذلك عن نصرة سلطانهم؛ وكتب الشيخ سعيد بن خلفان إلى عزان أن يسير إلى بركا، وضربوا لذلك مواعيد وجاء من مطاوعة الحجريين ومن معهم نيف وعشرون رجلا، فمروا على الشيخ صالح ثم تقدموه بيومين إلى سمائل لحضرة الشيخ الخليلي سعيد بن خلفان، وكان قد اشتهر خبرهم وشاع ذكرهم وعرف مطلبهم، فلما سمع بهم كبير حبس استهزأ بهم وقال هؤلاء الخارجون لا يستطيعون أن يسموا حمارا لو أمسك لهم فكيف يأخذون مسكد ولم يعلم أن النصر بيد الله وقد قال تعالى " إنا كفيناك المستهزئين " ثم لحق الشيخ بمن معه بعد يومين وجاءوا إلى سمائل من طريق وادي بني رواحة حتى نزلوا بالعلاية عند الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ثم قام عزان من الرستاق بمن حضر معه من قومه، وكانوا قدر سبعين راكبا ركبوا منها وقت العصر؛ ولحق بعد ذلك من لحق وهجموا بركا من ليلتهم، فدخلوها وقت السحر من ليلة ثاني من جمادى الأخرى سنة خمس وثمانين ومائتين وألف ففتحها من يومه وأقام بها حتى دخل أهل الشرقية مطرحا، وذلك أن الشيخ صالح ومن معه والشيخ سيف بن أحمد الرواحي ومن معه قد خرجوا ومعهم عالمهم الأكبر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي من علاية سمائل إلى جانب مطرح، وكان بنو جابر قد منعوهم الطريق. ثم جاءهم الشيخ علي بن جبر الجبري وسار بهم وكان لهم خفيرا من الغافرية حتى خلصهم من حرم بني جابر، ثم ساروا ونزلوا بفنجاء وهنالك أرسل إليهم السلطان هلال بن أحمد البوسعيدي وبعض أصحابه ليمنيهم ويعدهم بما أرادوا ويرجعوا عنه. ولم يكن المشائخ قاموا لطلب مال ولا لدولة سلطان، وإنما قاموا لإظهار الحق وإقامة العدل.
وكان هلال بن أحمد (2/231)
صفحة 587
سيدا فاضلا، وصار في دولة المسلمين عضوا من أعضائها، وكان من أهل الخير والمعروف؛ فكلمهم فيما جاء به من قبل السلطان، فلم يقبلوا منه مالا ولا وعدا؛ ورجع عنهم من هنالك إلى السلطان فأخبره بتوجيههم إليه وبما أرادوا. ثم ركبوا من فنجاء مشرقين، وفارقهم الشيخ سعيد من طريق ليمر على بوشر، وكان له فيها منازل وأموال، فقال ([1]) فيها ثم لاقاهم ممن معه بموضع يقال له السليعة من أطراف الوطيه.
ثم ساروا جميعا حتى نزلوا بسويح الحرمل أول ليلة تثني عشر من جمادى الأخرى وهو الشهر المتقدم ذكره من السنة المتقدمة، وكان نهوضهم من سمائل ليلة عاشر من الشهر المذكور؛ وأحسب أني سمعت شيخنا يذكر أن مسيرهم من القابل ليلة سادس، أو قال ليلة سادس من الشهر المذكور، فلما أناخوا بالسويح قام أهل الحل والعقد للمشورة يتشاورون من أي موضع يأتون مطرح، فبينما هم كذلك في تلك المشورة إذ أقبل رجل من عسكر السلطان من طائفة يقال لها المشايخ؛ فقال الرجل أين الشيخ، يريد الشيخ صالح بن علي الحارثي فدلوه عليه، فأخذه بجانب عن الناس وقال الشيخ له:
(ما عندك؟)
قال كم تعطوني إن دللتكم على الطريق الذي لا يصيبكم منه بأس؟
فقال الشيخ: لك ما تريد.
فقال أريد أربعمائة قرش. فقال الشيخ لك ذلك، فقال قوموا في أثري، فقاموا في أثره وأرسلوا معه طائفة من الناس؛ وجاء الجمهور على الباب الكبير؛ فجاء المشائخي بمن معه من المثاعيب، وهي منافذ للسيل لم يكن عليها باب، وإنما وضع عليها شرباك من الخيزران فدفعوه (2/232)
صفحة 588
ثم دخلوا ومضوا إلى الباب ففتحوه لأصحابهم، وكان الوالي على مطرح يومئذ سيف بن سليمان البوسعيدي، فوثب القوم إلى بيت الوالي فهرب منه إلى مسكد عند سلطانه، وكانوا قد تقدموا على الجند أن لا يأخذوا من أموال الناس شيئا، فخالف الأمر بدوي وهم أن يسلب بانيان فسلط الله البانيان عليه وسلبه سلاحه، حتى مر الشيخ صالح عليه وسلاحه عند البانيان فزجره وأمر البانيان برد سلاحه. فهل سمعتم ببانيان يسلب بدويا؟ إلا أنها كرامة خصوا بها حين خالف أمرهم. وكان دخولهم وقت السحر من ليلة اثني عشر من الشهر المتقدم فدانت لهم وبقي الكوت فيه البلوش، فلما أصبح الصباح أرسل الشيخ إلى أهل الأعمال أن يصبحوا في أعمالهم ففتحت الدكاكين للتجارة وقامت الصناع في صنائعها وقام السوق كما هو ولم يعتد أحد من الجيش مع كثرتهم على أحد من الرعية مع ضعفهم. وقام البلوش في الكوت إلى وقت العشي فناهمهم بعض المسلمين أن ينزلوا ويعطوهم الأمان فبينما هم يتخاطبون إذ سمع بعض الجيش خطابهم فضربت البراعيم وزحف القوم على الكوت فطلبوا الأمان فأمنوا وخرجوا آمنين بما معهم في أول ليلة ثلاثة عشر، وفي تلك الساعة التي نزل بها أهل الكوت وصل عزان ابن قيس بمن معه من بركا فنزل في البيت الذي كان فيه الوالي.
ومن غريب الاتفاق أن الوالي الذي كان فيها وهو سيف بن سليمان لم يرجع إليها إلا في الليلة التي تم فيها أجله فقتل عند تسور الخارجين على الإمام على سور مطرح؛ وكان الوالي قائد الخارجين على حسب ما سيأتي بيانه، ثم باتوا بمطرح وقالوا في أول ليلة أربعة عشر قصدوا مسكد فتجمعوا أولا بالمطيرح وقعدوا للمشورة كيف يدخلون مسكد، فقال قائل (2/233)
صفحة 589
أهل الباطنة حتى يصلوا فتكون حجتكم أقوى وجيشكم أكثر، وقال آخر للشيخ صالح: لو شاورتنا ما خرجت من بلدك وحين خرجت ووصلت هاهنا فلا تتأخر ساعة، فقام عزان والشيخ ومن معهما من ساعتهم واقفين فقالوا هذا هو الرأي لا غيره.
ثم تقدم عزان على العساكر وخطبهم واقفا أن لا يغيروا ولا يبدلوا ولا يأخذوا من مال الرعايا شيئا وكانوا قد أذنوا لهم في أخذ ما يجدونه في بيت السلطان لأنه في حكم بيت المال، وقد جعلوه لهم مكافأة وترغيبا، ثم مضوا على قصدهم ذلك وركبت طائفة منهم في الهواري في البحر، والتقوا جميعا بريام وصلوا هناك ركعتين في جماعة قربة إلى الله تعالى وطلبا لقضاء الحاجة وهو الفتح المبين.
وكانوا قد أرسلوا إلى قابض العقبة من يخدعهم بالدراهم فركبوا العقبة حتى وصلوا الباب والتفق ينقع فيهم، ولكن بلا رصاص وإنما أزالته الدراهم، ثم زحموا الباب فانفتح ولعله لم يغلق من داخل وإنما أزالت غلقه الدراهم، ثم انحدروا ثم جاءوا على جهة الميابين وانقسموا هنالك طائفتين فجاء الأكثر منهم إلى باب الصغير وجاء الأقل شرقي الخور فقلوا السلالم على السور فاندقت الجنود إلى مدافعة الجمهور وتفرغ الشرقيون فتسورا بعد أن قتل منهم ثلاثة أنفس، وأما الجمهور الذين على الباب الصغير فإنها قصرت سلالمهم ورجعوا متحيزين ولما تسور إخوانهم الشرقيون كبروا في أعلا السور فهربت جنود السلطان من أعلا السور، ومن حول الأبواب فتوجه الداخلون إلى الباب وفتحوه وأرسلوا إلى إخوانهم فدخلوا وهجموا جميعا على بيت السلطان وتحيز السلطان إلى الكوت الغربي، وكان إبراهيم بن قيس قد خرج من الرستاق مغاضبا لأخيه عزان فآوى إلى السلطان سالم (2/234)
صفحة 590
فأكرم نزله فجاءت هذه الدخلة وإبراهيم عند السلطان فتحصن معه في الكوت؛ وكان إبراهيم أشد الناس حربا عند السلطان وكان الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي قد تأخر عنهم في مطرح وإنما لحق بهم من بعد في تلك الليلة وكان الفتح المذكور في ليلة واحدة وهي ليلة أربع عشر من الشهر المتقدم فأصبحت البلاد خالصة إلا الكيتان، فإنها حربت عند السلطان سبعة أيام فحاصرهم المسلمون وتجند سالم بالنصارى فضربوا معه ضربة مدفع واحدة.
ثم جاءهم النهي من دولتهم ومنعوهم أن يدخلوا بين العرب، فبينما الشيخ صالح قاعد في المنزل الذي نزله بعد صلاة الفجر إذ جاء بانيان يبشره بأن دولة النصارى منعت طارفتها من الحرب، وكان مدفع كبير أسود قد سحبه ثويني للرستاق، وكان قد ترك عند باب الجزيرة فأخذوا حبالا، وسار إليه بعضهم فربطها فيه وأحكم ربطها، ثم مدوا الحبال إلى الباب الكبير ثم جذبوه إليهم جذبة صرخوا معها صرخة تزلزلت لأجلها الكيتان؛ فكان سالم بن ثويني يحدث الشيخ بعد أن جاء إليهم في دولة عمه تركي يقول إنكم لما صرختم تلك الصرخة لم يبق عندي أحد على باب الكوت وإنما بقيت هنالك بنفسي فتركوا المدفع تلك الليلة عند الباب الكبير، فلما أصبحوا جاءوا ليخرجوا به من الباب فلم يسعه فقشعوا له الباب وأخرجوه فسحبوه في الوادي؛ ثم شرقوا به إلى الميابين فنصبوه هنالك مواجها للكوت الغربي فكان يضرب الكوت من هنالك وكانت الرصاصة تثقب الجدارين وتسقط في البحر، فلما رأى سالم ذلك دان وسارت الأكابر بينهم على أن ينزل ويكون هو السلطان وعزان سيف دولته؛ فنزل في أحد وعشرين من الشهر المتقدم ونزل في بيت هلال بن أحمد.
ثم أتاه من أتاه في هيئة (2/235)
صفحة 591
له يخوفه من المقام عند المسلمين؛ ويقول له انج بنفسك فإني أخاف أن تقتل، ولم يكونوا قصدوا قتله وإنما هي المكيدة، فطلب منهم مركبا ينجو فيه بنفسه ويتبرى من الأمر باختياره، فأذنوا له في ذلك فركب ومضى إلى القسم؛ فكان يحدث الشيخ بعد رجوعه إليهم بعد انقضاء دولة الإمام يقول هيبة عزان في القسم كهيبته في عمان يخافونه فيها كأنه ملكها؛ ولا جرم فإن الله قد نصر نبيه بالرعب مسيرة شهر؛ ولأهل الحق من هذه النصرة نصيبهم، وعند ذلك دانت الأمور للمسلمين؛ ووضعت الحرب أوزارها من مسكد ومطرح، فاجتمعوا وتشاوروا؛ وكان قد لحق بهم أهل الباطنة يقودهم الشيخ محمد بن سليم الغاربي؛ فتشاوروا في تقديم واحد منهم فوقعت خيرتهم على عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام، فبايعوه إماما في بيت الشجر في مسكد، وهو أول إمام عقد عليه في هذا البلد، وكانت الأئمة قبل ذلك إنما يعقد عليهم بنزوى، وعقد على بعض أئمة المتأخرين بالرستاق وعلى بعضهم بنخل وعقد على بعض بمنح وبعض بينقل والله أعلم بموضع الجلندى وأظن عقده كان بصحار.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- أي استراح وقت القاتلة.
ذكر بيعة الإمام عزان بن قيس
حين وقعت خيرة المسلمين عليه بعد التشاور والتناظر وكان رؤساء الحاضرين يومئذ الشيخ سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي والشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي والشيخ محمد بن سليم الغاربي، ومن معهم من إخوانهم ووجوه القبائل، وخاصة المسلمين وعامتهم؛ فبايعوه يوم الجمعة بعد العصر في يوم اثنين وعشرين من جمادى الأخرى سنة خمس (2/236)
صفحة 592
ومائتين وألف؛ وبايعه الخاص والعام؛ وضربت المدافع إعلاما.
وصفة البيعة الموجودة في جوابات شيخنا الخليلي نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم: قد بايعناك على طاعة الله ورسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ونصبناك إماما علينا وعلى الناس على سبيل الدفاع وعلى شرط أن لا تعقد راية؛ ولا تنفذ حكما ولا تقضي أمرا إلا برأي المسلمين ومشورتهم؛ وقد بايعناك على إنفاذ أحكام الله تعالى، وإقامة حدوده، وقبض الجبايات وإقامة الجمعات ونصرة المظلوم؛ وإغاثة الملهوف وأن لا تأخذك في الله لومة لائم، وان تجعل القوي ضعيفاً حتى تأخذ منه حق الله، والعزيز ذليلا حتى تنفذ فيه حكم الله، وأن تمضي على سبيل الحق، وأن تفني روحك فيه؛ وأن تعطينا على ذلك عهد الله، وميثاقه لنا، ولجميع المسلمين أ. هـ لفظ البيعة.
وهذه الشروط التي ذكروها في هذه البيعة، إنما هي شروط يشترطها المسلمون على الإمام الضعيف كي لا يدخل في أمر لا يسعه الدخول فيه، وإنما اختاروا عزان للإمامة مع أنه في الجماعة من هو أكثر منه علما، ولا يبلغ علمه معشار ما عند بعضهم لكونه من بيت السلطنة، وتفرسوا فيه الصدق اليقين؛ وقوة الإيمان وعزيمة الصبر؛ وشدة الوفاء؛ وحسن الإتباع وغاية الورع فصدق الله فيه ظنهم؛ وقام بما حملوه من الواجبات؛ ووفى بما عليه وزيادة حتى ذهبت في سبيل الله روحه، والمسلمون عنه راضون فرحم الله تلك الأوصال ونور الله ذلك المضجع وقد أثنى عليه علماء عصره ثناء تاما، فمن ذلك ما ستجده في كتاب المسلمين لإخوانهم أهل المغرب.
وقال الشيخ جمعة بن خصيف بن سعيد الهنائي في سيرته؛ وفي يوم اثنين وعشرين من هذا الشهر بعد العصر من يوم الجمعة عيد المسلمين، كان لهم عيد آخر بعقد (2/237)
صفحة 593
للأمين، السيد الأمجد عزان بن قيس الأرشد عن إجماع على ذلك ممن هم حجة الله في بلاده على من بها من عباده من علماء العصر وفقهاء المصر الشيخان العالمان نيرا فلك العلم والعبادة، والورع والزهادة سعيد بن خلفان بن أحمد ومحمد ابن سليم الأوحد، ومن معهم ممن هو الحجة من المسلمين، فهو إمامهم الأمين، والقائم بأمر رب العالمين، الذي وجبت ولايته وحرمت عداوته، ولزمت نصرته وحسنت سيرته؛ ونفذت كلمته، وعند ذلك أخذ في دعوة الناس إلى طاعة الله. وأخذ من تغلب على معاقل المسلمين من الفسقة والمجرمين بالنزول منها والتخلي عنها؛ فاستخلصها طوعا أو كرها. ثم شرع في رد المظالم والأخذ على يد كل ظالم فنسب معالم الإسلام وحمل الناس على موافقة الشرع في الحلال والحرام أ. هـ المراد من كلام الشيخ جمعة.
وكتب المسلمون إلى إخوانهم من أهل المغرب كتابا يبشرونهم بهذه النعمة التي من الله بها عليهم ونص الكتاب – وهو بقلم المحقق الخليلي
قال فيه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أيد الأحكام الشرعية بسيوف الأئمة، وجعل طاعتهم واجبة على جميع الأمة؛ وجعل الحجة لهم وعليهم في ذلك علماء الدين الذين بهم كشف الغمة، وكشف بعدلهم وأنوار هداهم حنادس الجور المدلهية، فهم الدعاة إلى الله تعالى والهداة إليه، وبهم أكمل دينه وأتمه، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله لجميع العالمين رحمة، وعلى آله وصحبه الذين لا تنكر فضائلهم الجمة وسلم، وننهي إبلاغ السلام الوافر وتجديد الثناء الفاخر ونشر هذا الخير العاطر إلى كافة من بأرجاء المغرب وأقطار الأرض من المسلمين أهل الاستقامة في الدين من أهل العلم والفضل والحلم، والفصل والعقد والحل وأرباب العقل والنقل من المشايخ الكرام؛ وجهابذة (2/238)
صفحة 594
وأهل الاجتهاد في الإسلام من هم خيرة الأنام والدعاة إلى دين الملك العلام. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد فالباعث لتحرير الكتاب يا أهل المغرب إعلامكم بأن إخوانكم من أهل عمان قد قاموا لله تعالى في هذا الزمان جهادا في سبيله وابتغاء مرضاته لما كثر الظلم وانتشر الإثم وانتهك المحرمات وعطلت الحدود وسفكت الدماء وتعطلت الأحكام وخربت المساجد وترأس الفسقة وتعاظم الجهلة، فانتدب لذلك أهل العلم وبقية السلف وأولوا الغيرة على دين الله وذوو الحمية فيه، فباعوا أنفسهم لله تعالى وخرجوا على سلاطين الجور، فأمكنهم الله من رقابهم وأذل بهم شوكة الجبابرة فأخرجوهم من الممالك صاغرين وكانوا لهم بحمد الله قاهرين؛ فقدموا لهم إماما ذا ثقة ودين وعقل وشهامة وبطش شديد في المعتدين، وهو الإمام الأوحد والمقدام المؤيد والهمام المسدد ذو السطوات الهائلة والعزمات القوية لنصر الله تعالى إمام المسلمين عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام، فهو الآن القائم بعمان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويظهر السنن ويميت البدع ويغيث الملهوف ويرشد الضال ويفيض الخير ويقبض على يد كل جبار عنيد وفاسق مريد، فينفذ فيهم حكم الله الشديد ولا يتجاوز بهم إلى ما لم يأذن الله به من الوعيد.
ولما كانت هذه من أكمل النعم الدينية والمعارف الإلهية لظهور ما كان درس من الأحكام الشرعية وجب أن نعرفكم بها لأنكم شركاء في كل ما كان من الأمور الدينية المحمدية، هذا ما لزم بيانه والسلام عليكم من كافة إخوانكم أهل عمان، من إمام المسلمين عزان بن قيس، ومحمد بن سليم الغاربي، وصالح بن علي الحارثي، وسالم بن عديم الرواحي، وحمد بن سليمان اليحمدي، وكاتب الأحرف بأمرهم أخيكم سعيد (2/239)
صفحة 595
الخليلي بيده، تاريخ يوم اثني عشر من ذي القعدة سنة خمس وثمانين ومائتين وألف أ. هـ الكتاب بتاريخه، فيكون هذا الكتاب بعد البيعة بأربعة أشهر وبعض أيام ولم نقف على جواب أهل المغرب لهذا الكتاب غير أني وقفت على قصيدة كتبها عالم المغرب وقطب العلماء محمد بن يوسف أطفيش متعنا الله بحياته وهي قصيدة لامية كتبها للإمام يذكر فيها أنه سيصل لنصرة الإمام، وقد غابت عني القصيدة غير أني أحفظ منها قوله:
على ما بحر الروم آتيك مسرعا ... = ... إذا شاء ربي أو ببر كرئبال
فانقضى أمر الدولة قبل وصول العالم المغربي ولكل امرئ ما نوى.
ذكر سرية إبراهيم بن قيس أخي الإمام ....
ذكر سرية إبراهيم بن قيس أخي الإمام
إلى قتل راشد بن عمير البريكي وزير سالم بن ثويني
قتل بشناص من الغربية وذلك أن هذا الوزير لم يزل يطلب الغوائل للدولة ويسعى في هدمها ما أمكنه طلبا لمنزلته الدنيوية؛ فلما ثبت ذلك عند الإمام وتحققه أرسل إليه أخاه إبراهيم في نفر قليلين فنزلوا بلوى وركبوا منها وأخذوا عندهم واليها محمد بن سعيد الهنائي وساروا إلى ذلك الوزير، وكان قد خلف على نفسه وجعل حوله طبنجة، فلما وصلوا دخل إليه الهنائي وناداه فأجابه وقال نتخابر أي نتصافح باليدين فقال الوزير نعم فمد الهنائي إليه يد الشمال وكان قد قبض باليمين خنجره وكذلك مد البريكي اليسرى وكان قد قبض باليمين طبنجته فمكنها من صدر الهنائي فحرفها الله عن لبته وأخذت من جنبه قليلا وضرب الهنائي البريكي بنصله وألقاه ميتا، (2/240)
صفحة 596
ثم خرج إلى أصحابه وركبوا حتى وصلوا لوى، ورجع إبراهيم إلى أخيه وأقام الهنائي بلوى جريحا ثم عافاه الله.
ذكر مواجهة القبائل للإمام
وذلك أنه لما نصب الإمام رضي الله عنه دانت له القبائل وواجهه أكابرها ووجوها وبايعوه البيعة العامة، وكان أكثر الناس قد حضروا البيعة إلا من شاء الله فوفدت عليه الوفود فاهتزت عمان فرحا بطلعته السعيدة وأرسل إلى المعاقل ففتحت له وولى عليها الولاة ونصب القضاة وحث الناس على طلب العلم، وخلصت له جميع حصون الباطنة في أسرع حال، وواجهه حمد بن سالم بن سلطان ابن الإمام وهو صاحب المصنعة، وكان قد جمع بها مالا جزيلا وأكثره من تركة آبائه الملوك، ولعل بعضه كان مما جمعه بنفسه، فطلبوا منه مطلبا لم يذكره الناقل لجهله به، فأبى ووقع بينهم بعض الاختلاف، فأخذوه وأسروه وقيدوه ومضوا إلى بلاده المصنعة فأخذوها وأخذوا ما جمع بعد حكمهم عليه أنه بيت مال وسيأتي إن شاء الله صورة الحكم في هذا وغيره، وأخذ الإمام من بيت حمد بن سالم بعض آنية الصفر فأرسل بها إلى بلدة الرستاق، ولم يكن ذلك عن مشورة من المسلمين، فدخل في نفس المسلمين من ذلك شيء لأن الشرط المتقدم في البيعة يقتضي منعه من ذلك.
قال شيخنا: فدخلت على الشيخ سعيد في بيته في مسكد ليلة بعد المغرب فرأيته متعتبا على الإمام بما صنع، ويقول قد حملنا ولايته على رقاب العباد وهذا صنيعه فنخشى أن يسألنا الله عن ذلك.
قال شيخنا: فقلت أرفق قال وكان بين بيته وبيت الإمام جدار يقتحم بين (2/241)
صفحة 597
السطوح قال فأرسلت أمة تستحضر الإمام فاقتحمت الجدار إلى سطح الإمام، ثم جاء الإمام إليهم من هنالك.
قال شيخنا: فذكرت له ما ذكره الشيخ سعيد، وما وقع في نفوس المسلمين من حمل الأواني من غير مشورة، قال فدمعت عين الإمام وقال: هذا كله في نفوسكم علي ولا تذكرونه لي لو لم يكن لي ديانة في وجوب إتباعكم لكنت مروءتي توجب عليّ ذلك ما نزلت هذه المنزلة ولا نلت هذه الدرجة إلا بسببكم، ما أخذت الأواني تملكا وإنما أخذتها لكون بيت مال المسلمين بالرستاق نستعين بها على ما يجوز لنا من ذلك وظننت أن حملها جائز، قال فتهلل وجه الشيخ سرورا بما سمع من انقياد الإمام وحسن نيته، وأتموا له ما صنع وعذروه بالتأويل.
وكانت الغافرية من سوء رأيهم يرون أن الدولة قد صارت للهناوية فأضمروا العداوة للإمام ومن معه إلا من عصمه الله منهم، فإن أفاضل الغافرية والهناوية كلهم قد دخلوا تحت طاعة الإمام ورضوا أمره، وإنما بقيت رؤساء القبائل وأتباعهم من كل جاهل مارق ومنافق وفاسق فدخلتهم الحمية الجاهلية وتعصبوا العصبية الضالة، وصار أكثرهم يدا واحدة في الضلال والبغي واشتهر بذلك أهل وادي سمائل من سيابيين وبني جابر والرحبيين والندابيين، وحرضهم على ذلك إخوانهم من بني ريام والدروع والجنبة وتشهر بها السيابيون، فأوقع بهم الإمام الوقعة المشهورة.
ذكر وقعة نفعا
وسببها العصبية الجاهلية، وذلك أن السيابيين قد سفكوا بعض الدماء (2/242)
صفحة 598
بالباطل فدعاهم الإمام للإنصاف فأبوا، فقالوا حاكمنا البيض الهندية والسمر الخطية، فجمع لهم الإمام الجموع وركب الشيخ صالح ومن معه من الشرقية ليقطعوا عنهم مدد الجنبة والدروع، فأقاموا في وادي عندام بموضع يقال له غرامة قرب العلية ومعه أكابر آل وهيبة فبقوا هنالك مرابطين.
وأما الإمام فإنه سار بمجموعة وأكثرهم من أهل الباطنة، وأما أهل الشرقية فإن عامتهم قد تغلقت عليهم الطرق لأنهم في أيدي الغافرية، ثم سار الإمام بمجموعه حتى نزل فنجا وكان السيابيون قد جمعوا له جموعا عديدة فزحفوا إليه وزحف عليهم والتقوا بموضع يقال له السعادى بين فنجا ونفعا، فاقتتلوا قتالا شديدا، فولى السيابيون ومن معهم الأدبار ونصر الله الإمام ومن معه فرجعت الغافرية إلى نفعا وتحصنوا بها، وكان هذا في يوم اثنين وعشرين من شوال من سنة خمس وثمانين ومائة وألف وهي سنة الفتح.
ثم زحف عليهم الإمام بمن معه ودخل نفعا يوم أربع وعشرين فركن أهلها إلى الفرار بعد قتل وقتال، وقتل منهم جمع كثير فمكنه الله من بلادهم وأنزلهم من صياصيهم وهدمها لئلا تكون مأوى لبغيهم، وكتبوا بذلك إلى الشيخ الخليلي، وكان بمسكد كتابا حاصله: أن الواقع بفنجا عرفناك به وانتقلنا إلى بلد بدبد، وأراد المحبون مواجهة رجال السيابيين ومن شايعهم من الباغين فثبتوا يعدون بالمواجهة ويخلفون فمضى ذلك اليوم.
وفي اليوم الثاني انقطع جوابهم على الامتناع إغترارا بمن شايعهم من الهمج والرعاغ وظنوا أن مواضعهم لا ترام؛ ومن لجأ إليهم لا يضام؛ فلما كان وقت الزوال ملنا عليهم بجنود الله التي لا تروعها الأهوال؛ ولم يحمهم سهل الأرض ولا الجبال ما جمعوا من كثرة الرجال؛ فثبت المسلمون أقدامهم (2/243)
صفحة 599
خلفهم وأمامهم؛ ولم يزالوا ينتقلون من جبل إلى جبل هاربين؛ وكرار المسلمين لهم طالبين حتى أحلنا الله بساحة دارهم؛ ولم يبق أحد منهم ولا من أنصارهم، وها نحن بها قائمون وفي عقوبتها نازلون؛ وإذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)، وقد أكلت الحرب رجالهم مائة وخمسين رجلا قد تقضت آجالهم: والسلام أ. هـ لفظ الكتاب على ما رواه لنا الثقة.
قال وبعثوا به رسولا إلى الشيخ؛ وكان شيخنا قد ركب من وادي عندام وجاء عقبة السوية قاصدا مناصرة الإمام؛ فلما كان أوايلهم بالمراغة وصلهم خبر الفتح فرجع بعضهم يبشر الشيخ بذلك، ثم سار شيخنا حتى نزل هيل، وكانوا مع البغاة فأسر أكابرهم ومضى بهم إلى الإمام فقيدهم الإمام عقوبة لتمردهم وكسرا لشوكتهم؛ وأقام الإمام بنفعا يهدم بروجهم المشيدة وقلاعهم المنيعة وهدم بروج من ناصرهم وأعانهم على بغيهم من بني جابر وغيرهم؛ وقيد الرؤساء وهرب كبيرهم حتى لحق بسالم بن ثويني، ولحق به أيضا كبير بني ريام؛ وساروا جميعا إلى رياض يستنصرون بأهل نجد فرجعوا بالخيبة.
ويقال أنه لما كان الإمام بنفعا قبل هدم بروجها نزل من جبالها رجلان يعتزيان عزرة بن نزرة يطلبان الإمام للمبارزة فهجموا على مجمع الشورى ورؤوس الجيش وكانوا بارزين فقام علي بن سالم بن حسن العامري؛ وتلقى لأحدهما فمكنه الله منه وقتله وقام سيف بن شيخان العدوي للآخر فكان غاية ما عند سيف أن يتقي عن نفسه ضرب السيف بترسه والنزاري يقطع الترس قطع البطيخ، وكان سيف من شجعان العرب، فلما أدركه النزاري ضحك وهي ضحكة حصلة، فضربه بعض من حضر بتفق فأبقت منه بقية؛ وهوى على رجل يقال له سليمان بن (2/244)
صفحة 600
سعيد، فوقعت ضربته في ثومة سيف سليمان فقطعتها فاحتولوه فقتلوه؛ وكان قبل الدخلة التقى رجلان من سبور الإمام برجلين من أنصار نفعا يسبران أيضا، وكان التقاؤهم عند نخلة هنالك.
قال بعض سبور الأمام: كان صاحبي من أهل الشرقية يقال له سرحان؛ قال فتوجه واحد إلى سرحان وتوجه الآخر إليّ، وكانت رجلي على سقف هنالك فحمل عليّ بسيفه، فحين هممت بالحركة أنخشع السقف فانحنيت على جانب فوقعت الضربة في جذع النخلة فاهتزت من أعلاها إلى أصلها؛ قال وعزيت سرحان وكان قد قتل صاحبه، فقلت له: أكلني الكلب؛ قال فهوى إليه ولمضه بسيف قبل أن أتراجع، فكان هذا السابر يحدث عن هذه القصة متعجبا من شجاعة سرحان والنزاري، وكان هذا المتحدث من أبطال الرجال، ولكن لا غاية للشجاعة والأقران تعترف للأفران.
ثم أن الإمام أرسل المقائيد إلى مسكد فسجنوا في الكيتان والصير؛ وكانت هذه أول وقعة ذلت بها رقاب الأعداء؛ وظهر بها منار الدين وسكنت بها الحركات وتقاصرت بها النفوس عن أمانيها، وما النصر إلا من عند الله والله أعلم.
ذكر سرية فيصل بن حمود إلى نحو المشرق
وذلك أن الإمام جهز ابن عمه فيصل بن حمود بن عزان في جماعة يسيرة؛ فسار بها نحو المشرق ومر على وادي مجلاص ثم شرق إلى صور ثم إلى جعلان مستكشفا لأخبار الدار ومستطلعا على أحوالها، فما نزل منزلا إلا وواجهه من هنالك طائعا وأجابه مستمعا، فلما وصل جعلان نزل في بلاد بني بو حسن، وواجه أمير بني بو علي ونقله للضيافة، ثم أرسل إلى جماعة من (2/245)
صفحة 601
الحرث فوصلوا إليه فركبوا جميعا إلى بدية ثم إلى بلدان الحرث ثم إلى مسكد ورجع بالظفر والفتح المبين.
ذكر الحكم على أموال الملوك من آل بو سعيد
وذلك أن الملوك من قبل الإمام قد أخذوا الجبايات من غير حلها ووضعوها في غير أهلها، فتناظر المسلمون في أمرها وتشاوروا في حكمها؛ فرأى الشيخ الخليلي أن سبيل هذه الأموال سبيل أموال بني نبهان التي حكم فيها الإمام عمر بن الخطاب بن محمد الخروصي رحمه الله تعالى ولم يفهم الشيخ الغاربي مأخذ هذا الحكم ووقع بينهم في ذلك جدال طويل وبسط واسع، وأظهر لهم الشيخ الخليلي في ذك حججا كثيرة؛ وألف فيه رسالة واسعة، فسكت الشيخ الغاربي وتشجع بقية العلماء وأمروا الإمام بالحكم فيها بالاستغراق في يوم ثامن من شهر ذي الحجة من سنة خمس وثمانين ومائتين وألف وهي سنة الفتح؛ فكم الإمام بذلك وكتبوا في ذلك كتابا ذكروا فيه صورة الحكم، ونص الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما حكم به سيدنا إمام المسلمين الولد عزان بن قيس بن عزان في الأموال التي خلفها الإمام أحمد بن سعيد وولده الإمام سعيد بن الإمام، وأولاده قيس وسلطان ومحمد بنو الإمام أحمد بن سعيد، والأموال التي خلفها هلال بن محمد بن الإمام؛ وسعود بن علي بن سيف، وأموال السيد سعيد بن سلطان وابنه ثويني ابن سعيد؛ وسالم بن ثويني وعماله سيف بن سليمان بن حمد وسعيد بن محمد بن سعيد وأموال بنت سيف بن محمد أم السيد سعيد بن سلطان، (2/246)
صفحة 602
وأموال عزا بنت سيف زوجة السيد سعيد، وأموال محمد بن ناصر الجبري، قد حكم بهذه الأموال المذكورة كلها لبيت مال المسلمين، لاستغراقها في الجبايات والمظالم المجهولة أربابها فكان مرجعها لبيت المال؛ وقد حكم الإمام بذلك وأشهدنا عليه، بتاريخ يوم ثامن من شهر ذي الحجة من سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، وكتبه بأمره الفقير سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي بيده. وأنا بذلك شهدت على سيدنا الإمام وكتبته بيدي وأنا صالح بن علي الحارثي هذا مني صحيح وبأمري، وقد حكت به وأشهدت عليه، وأنا العبد الفقير إمام المسلمين عزان بن قيس وكتبته بيدي؛ فمضى الحكم، وأخذ الإمام تلك الأموال وأضافها إلى بيت المال وباع منها جملة أصول وأنفذها في عز الدولة؛ وذلك كله بمشورة المسلمين وبرأي الشيخ الخليلي.
وأما الشيخ الغاربي فإنه توقف في المسئلة وظن أن الحكم بهذا إنما يكون في أموال من مات منهم؛ دون الأحياء فكان بعض شيوخنا يذكر لنا عنه أنه كان يقول إن الحي إذا أراد أن يتخلص وقد أخذ ماله لبيت المال فمن أين ترونه يتخلص، فحكم الحي خلاف حكم الميت؛ ولم ينقل لنا جواب عن اعتراضه هذا والجواب الواضح أن يقال: إن الحكم بالاستغراق لا يكون إلا حيث تعذر على الحي التخلص من اختلاط المظالم والجهل بأربابها والجهل بحقوقهم، فإن الخلاص مع الجهل بذلك أو بشيء منه متعذر قطعا إذ لا يمكنه أن يوصل الحق إلى أهله، فغاية تخلصه إذا شاء التخلص أن يجعله في باب من أبواب منافذ الأموال المجهول ربها، وذلك هو بيت المال والفقراء.
وقيل يكون حشريا لا ينتفع به؛ وقيل يكون أمانة في بيت المال؛ وإذا حكم الإمام فيه بقول من هذه الأقوال (2/247)
صفحة 603
حكمه لوجوب طاعته، وصار ذلك القول بمنزلة المجمع عليه، فخرج عن موضع النزاع إلى موضع الإجماع لإجماعهم على وجوب طاعة الإمام والله أعلم.
ذكر فتح الجو
وكان معقلها البريمي وتسمى في القديم توام، وكان بها السديري عاملا لصاحب نجد، وكانوا قد اتخذوها معقلا لقربها من ناحيتهم، وذلك بعد أن تغلبوا على البلاد بمساعدة الغافرية وبعض الهناوية في أيام سعيد بن سلطان، وسبب ذلك العقوبة التي عجلت على أهل عمان بمخالفتهم شيخهم أبا نبهان وقيامهم عليه حين قام على نزوى لإظهار العدل كما تقدم، فقاموا عليه فسلط الله عليهم عدوا من أنفسهم فجر عليهم أهل نجد؛ فكان منهم ما تقدم ذكر بعضه، وبقي معقلهم بالبريمي إلى أيام هذا الإمام، والجو والظاهرة كل في طاعتهم إلا من شاء الله، فمن الناس من أطاعهم راغبا، ومنهم من أطاعهم كارها والغلب طوع، فبقوا هنالك حكاما على الناس بالجبرية يحكمون بما تهوى أنفسهم، ولهم في الناس عادات ظلم، فقدم رئيس النعيم محمد بن علي، وكان تحت طاعتهم، فجاء حتى وصل الشيخ الغاربي بأرض الباطنة، فذكر له ما جاء به وأنه يريد من الإمام أن يقوم على البريمي؛ فقال له الشيخ الغاربي: أنت لا تستطيع خلافهم لأنهم حكام عليكم ونصحه مخالفة الضرر عليه في دنياه، فقال لا أهمهم إذا كان عندي الإمام وجماعة المسلمين، فركب معه الشيخ الغاربي إلى الإمام ببركا؛ فأخبره بما جاء له محمد بن علي فتشاور المسلمون واتفقوا على القيام، فركب الإمام بمن معه وكتب لأمراء (2/248)
صفحة 604
أن يلاقوه بمن معهم في صحار؛ فتجمعت الناس من كل أوب، واجتمع الجيش بصحار والإمام معهم؛ فركب بالجيش من هناك وبات فلج القبائل، ثم قال بالعوهى، وكان الأمباء بها كثيرا، وكان لحسنه وكثرته فيها يضرب به المثل، فيقال أمباء العوهى؛ وكان ذلك الوقت وقت نضاجه، فذكروا أن ثمر الأمباء كان يتساقط على فرش القوم ولا يتناول أحد منه شيئا؛ فلما هموا بالرحيل نفضوا فرشهم وبقي الأمباء مكانه.
وذكروا أن خادما للإمام؛ وقيل بل مزينه، وهو المحسن أخذ أمباة واحدة فأكلها فآل من الإمام على الزجر والتوبيخ، ولم يبلغ به حد العقوبة لأن الثمرة كانت ساقطة بنفسها وكان الورع تركها كما ترك ذلك باقي الجيش، وذلك الحال من توفيق الله للإمام وحسن رعايته، ثم راح من العوهى وبات بالسهيلات، ثم نشر منها وجاء على وادي الجزي، فوجد الأعداء قد سموا الموارد فنزحوا ماءها الذي فيها وكانت غزارا، ثم سار بمن معه حتى جاء على منازل بني كعب فدانوا له وواجهوه.
ثم سار وساروا معه حتى نزل البريمي، فخرج أهل الخيل من أهل نجد ولاة الحصن؛ وركب أهل الخيل من أصحاب الإمام، وكان في الأعداء فارس يقال له مدغم، وكان قد اشتهر بالشجاعة والبسالة والإقدام في الحروب، فتقدم للبراز فتقدم له من أصحاب الإمام شامس بن حسن العامري، وكان حوله ابن أخيه علي بن سالم، فرأس شامس أن العدو سيأخذه؛ فأرسل إليه الحربة وأطلقها من يده فلما رأى مدغم ذلك التقاها برأس الفرس فرقعت فيه فسقط الفرس ووقع الفارس على الأرض، فضربه علي بن سالم بتفق فقضى عليه، فانهزم الباقون إلى الحصن وتمنعوا به؛ وكان حصنا رفيعا أحيط بخندق فحاصره الإمام وضربوه بالمدافع، وبذل (2/249)
صفحة 605
علي بمن معه من قومه بذلا حسنا شكره المسلمون على ذلك فخاف أهل الحصن يوما أن يضرب الباب بمدفع؛ فخرجوا ليجعلوا على الباب سيبة تقابل المدفع؛ فجاءهم بعض القوم من جانب آخر فناقعوهم فدخلوا الحصن، ولم يخرجوا بعدها لحرب، فأرهقهم الحصار، وكانت عندهم الخيل والإبل فطلبوا الأمان ليخرجوا من الحصن فأمنهم الإمام ونزلوا على يد الشيخ الغاربي وخرجوا بما معهم من خيل وإبل ومتاع ودخلها الإمام بالفتح المبين.
وكانت مدة الحصار خمسة أيام؛ فأقام الإمام فيها لرفع المظالم والأمر والنهي وكان ذلك فتحا جليلا انقاد به كل صعب، وماتت به الأعداء كبدا؛ ورجع منها إلى أرض السر وهي الظاهرة فملك ضنك والغبى؛ وانقاد أهل الظاهرة وواجهه صاحب حصن العينين وهو برغش بن حميد أولاد محمد بن ناصر الغافري المتقدم ذكره في حروب اليعاربة فأخذ لنفسه أمانا وأعطى كلاما فقبل منه الإمام ذلك، وولى على الظاهرة بريك بن سالمين الغافري وجعل عليه عيونا ثم شك في ولايته، وكتب فيه سؤالا للشيخ الخليلي ونصه:
وما تقول شيخنا إنا جعلنا الشيخ بريك بن سالمين واليا في أطراف الظاهرة وبقي وسواس في النفس من قبله إذ اليوم الدنيا وغدا الآخرة، ونحن وإياك ما تكلفنا هذا الشأن إلا رجاء من الله تعالى أن يمن علينا باجره، ونحن لم يرفع إلينا منه شيء، وقد أظهر لنا المناب وأعلن لنا مما كان عليه المآب؛ فهل يسع تركه في فعل الولاية على هذه الصفة إذا لم تشك الرعية منه شيئا فيجب عزله؛ وإنما بقي على حاله التي ذكرتها لك والضرورة إلى مثله داعية إلا إذا منعها عدم الجواز، صرح لنا يرحمك الله وقد جعلنا محمدا (2/250)
صفحة 606
عيونا ورقباء غير أن نظره أبعد من نظرهما؛ وأنت تعرف أحوال الجميع.
فأجابه الشيخ بقوله: يترك على حاله ولا بأس بذلك ما لم يرفع عليه ما يوجب عزله، واستخبروا عنه العيون فإنهم أعلم بما منه يكون والله أعلم، ثم فسح لقومه وركب قاصدا وطنه وهو الرستاق وأقام بها يأمر وينهى وينشر العدل؛ ويبسط المعروف، وفيها واجه هلال بن زاهر رئيس بني هناءة، ومحمد بن علي رئيس بني شكيل، وكانا قد أظهرا الخلاف والتمرد، فقبض عليهما وأوثقهما بالقيود، وكان بنو شكيل أنصار حصن بهلا، وكان حصن بهلا قديما في يدي اليعاربة، ثم صار إلى الغافرية وبإلزام محمد بن علي خلص هذا الحصن، وكان الإمام قد لزمه لذلك وبخلوصه أطلقه الإمام فكان هذا هو السبب في فتح بهلى.
وفي حال قيام الإمام على البريمي انخدع سالم بن ثويني اغترارا بمن وعده بالنصر والمظاهرة على الإمام، فأتى إلى نزوى، وكان قد قصد القسم والرياض ولم تكن نزوى يومئذ في يد الإمام، وإنما كانت في يد حمد بن سيف بن عامر البوسعيد، فلم يجد ما أمله من النصر والمظاهرة ثم قصد آل وهيبة يطلب منهم النصر والمظاهرة على الإمام فآووه فأرسل الإمام إليهم ابن عمه فيصل بن حمود في جماعة من جنود الله يقدمهم النصر فدخل سالم بن ثويني الرعب ولم تحمه كثرة آل وهيبة ولا وسعته سيوحهم فخرج منها خائفا يترقب فرجع القائد بالظفر والله يؤتي فضله من يشاء.
ذكر فتح منح
وكانت تحت صاحب نزوى وكان عسكرها بنو شكيل فركب إليها (2/251)
صفحة 607
شيخنا صالح بن علي بمن حضر معه من قومه؛ وكان في جملتهم علي بن سعيد بن محمد الجحافي، وكان على بدويته ناصحا للدولة تسخيرا من الله وحسن عناية، فقال للشيخ إن جئت منح بمن معك جفلوا منك؛ وتحصنوا عنك ولكني أتقدمكم لعلي أصادف منهم غرة فأنعم له الشيخ بذلك، فتقدمهم في قدر عشرين راكبا وكانوا قد ركبوا إليها من القريتين؛ فدخل علي بن سعيد سوق منح فصادف والي الحصن في السوق فقبض عليه وأسره قال ما شأنك قال هذا الشيخ صالح ورائي ولا خلاص لك إلا بفتح الحصن فوصل الشيخ وفتح الحصن بغير حرب ونزل من كان فيه وصار للإمام والله أعلم.
ذكر فتح ازكي
وكانت في يد علي بن جبر بن محمد بن ناصر الجبري صارت إليه في عهد محمد ابن ناصر وبعد موته صارت إلى ولده جبر، ثم إلى علي بن جبر وكان لأهل هذا البيت شرف ورئاسة في قبائل الغافرية، وكانوا يعتقون لهم منزلة السلطنة، وقد تقدم أول الباب أن علي بن جبر هو الذي خفر جماعة المسلمين بسفالة سمائل عند أول قيامهم، ومن هنالك انقطعت أخباره إلا أن الشيخ الخليلي، ذكره في قصيدة نفعا أنه كان يومئذ في جيش البغاة المتجمعة لحرب الإمام، فلما فتح الله على المسلمين بالنصر على أعدائهم من أهل نفعا وغيرهم، بعث الإمام سرية وولى عليها أخاه إبراهيم بن قيس، فساروا حتى نزلوا بوادي بني رواحة الغربي، وكان بينهم وبين علي بن جبر مخاطبة في تخليص الحصن فخلصه لهم وهم بذلك الوادي ليلة سابع من جمادى الأخرى من سنة ست وثمانين ومائتين وألف، وحسن حال علي بن جبر (2/252)
صفحة 608
والهداية بيد الله.
ثم سار إبراهيم إلى ازكي ونزل حصنها بجنود الله، ودعا أهل النزار إلى السمع والطاعة فأجابوه حين هابوه وسمعوا حين فزعوا، وكانوا قد تجبروا على جيرانهم من أهل اليمن وتعدوا فيهم الحدود حتى هموا بالجلاء من أوطانهم فسكنهم إبراهيم في بلادهم، وأذن لهم في تقوية البناء على أنفسهم لكونهم مستضعفين ودفع عنهم الظلم ومنع عنهم الغشم.
ذكر فتح نزوى وهي بيضة الإسلام وكرسي مملكة العرب
وكانت في يد حمد بن سيف البوسعيدي كان آباؤه فيها ولاة فتغلبوا عليها حين اختلت دولة أولاد الإمام، وصار بعضهم يقتل بعضا على الدنيا فبقوا فيها حتى أخذها الإمام من يد حمد بن سيف، وذلك أن إبراهيم توجه من ازكي إليها ونزل فرق ودعى أهل نزوى للدخول في طاعة الإمام فأجابوه لذلك وتلقوه بالكرامة والسمع والطاعة، إلا القلعة فإنها امتنعت من الإجابة، ودعا إبراهيم سيف بن سليمان النبهاني رئيس بني ريام للسمع والطاعة، وكان سيف قد تغلب على سمد نزوى، وجعل جامعها مرصدا لأنصاره وأحاطه بالقلاع العالية والسيران السامية، فأجابه حين دعاه وواجهه فأزالوا من بيت الله الأحداث الباطلة، وأسلم لهم برج بستان قيس. ثم حاصر المسلمون قلعة نزوى الشديدة الأركان الشامخة البنيان فأظهرت العتو وأقاموا على حصارها وركب الإمام إليها بمن معه فوصلها يوم واحد وعشرين من جمادى الأخرى من سنة ست وثمانين ومائتين وألف، فلما نزلها الإمام سلما سلطانها له، ونعم ما صنع إذ عرف الحق وأهله فأداه له، (2/253)
صفحة 609
الإمام سالم بن عديم الرواحي.
قال الشيخ جمعة بن خصيف في سيرته: ثم نبض عرق النفاق للريامي يعني سيف بن سليمان، فنصب الشقاق ثم خذله الله وقاده إلى الوثاق؛ فواجه الإمام يوم عيد المسلمين من الأيام بعد صلاة الجمعة يوم أربه وعشرين من هذا الشهر، المبارك فعامله الإمام بما هو أهله فركبه الأدهم بعد أن ركب الكميت والأدهم، ولم تحمه تلك العساكر والجنود وما ذلك إلا لطول تكبره وبغيه والسمود أ. هـ كلام جمعة بن خصيف، وذكر غيره أن سيف بن سليمان مات في سجن الإمام والله أعلم.
ذكر غزوة جعلان
وسببها أن بنو علي نزعوا يد الطاعة وخرجوا من الجماعة وخالفوا الإمام، ولم ينقادوا للأحكام ولم يرضوا أن يكونوا تبعا، وذلك لاعتقادهم الفاسد فإنهم كانوا على دين الوهابية وهم بقية من أنصار نجد، وتعرفهم العامة بالأزارقة لأنهم شابهوا الأزارقة في تشريك أهل القبلة، فلم تفرق العامة بينهم وبين الأزارقة، وهم إنما أخذوا من الأزارقة مسألة التشريك، ومن الحنابلة مسئلة التشبيه؛ وأخذوا من كل مذهب أغثه، وقالوا قد أصبنا دينا كما صنعت الصابئة، وكان اعتقاد الوهابية في المسلمين أسوأ اعتقاد، فمن هنالك صعب عليهم الانقياد فحصنوا بلادهم واستعدوا للحرب، وكانوا من قبل ذلك أنصار سالم بن ثويني فهموا بنصرته فرماهم الله بالطاعون، ولم يرتفع عنهم حتى أخذت مسكد؛ ولم يصب غيرهم من أهل عمان فكانت هذه الخصلة من كرامات هذا الإمام، وكان بنو بو علي أهل عدة وعدد وبسالة (2/254)
صفحة 610
وإقدام هائل يعتقدون في الموت الشهادة، ويرون الفرار حراما؛ ولهم سطوات هائلة.
وكانت ملوك عمان من قبل الإمام لم يدوسوا أرضهم إلا ما تقدم من أمر سعيد بن سلطان وانتصاره عليهم بالنصارى، فعزم الإمام بالمسير إليهم بعد فتح نزوى، وكتب لأمراء الجنود أن يلاقوه بمن معهم في بدية؛ وسار هو بنفسه ومن معه من نزوى إلى بدية واجتمع الجيش بها ومن هنالك قصدوا جعلان ونزلوا ببلاد بني بو حسن. وكان بنو بو حسن تحت طاعة الإمام فأرسل إلى بني بو علي، النصائح، وأظهروا في أول مرة العتو ثم انقادوا بعد ذلك لما يرى الإمام فيهم؛ ونزلوا على حكمه.
ويقال أن سبب انقيادهم حصول الرعب في قلوبهم بسبب وقع عند المسلمين من غير احتفال له، وذلك أنه في ليلة من الليالي وقع ضرب تفق في جيوش المسلمين في هيئة النفضة؛ والنفضة ضرب متتابع فضرب الجيش كله؛ كل من سمع الضرب ضرب، فتواصل الضرب بعضه ببعض؛ وقام صاحب الجاردى فضرب من غير أمر فكان يسمع لضرب التفق والمدافع دويّ عظيم؛ وصعقات هائلة ودوران كدوران الرحى، وكان ذلك كله من غير قصد.
فأورث الأعداء رعبا وألبسهم ذلة واستشعروا العجز عن مقابلة ما سمعوا بآذانهم؛ ورأوا بأعينهم فانقادوا متذللين، وجاءوا مذعنين لحكم الإمام على ما يرى فيهم من الأحكام، فأخذ الإمام أكابرهم وأكابر من ناصرهم من بني راسب والهشم وحملوا إلى مسكد فقيدوا بالكيتان وأمر بقلاعهم فهدمت؛ كسرا لشوكتهم وإطفاء لفتنتهم، وكانت عندهم قلعة مانعة فحفروا من تحتها وأدخلوا في الحفر الباروت وقادوا الباروت إلى موضع يأمنونه فأحرقوه بالنار؛ واتصل (2/255)
صفحة 611
حتى ثار بباروت الذي تحت القلعة فنزعها صاعدا؛ فكانت ترى في الجو كمثل السحاب ثم تساقطت قطعا؛ وفي ذلك يقول المحقق الخليلي:
لا تسل عن قلاعهم كيف بالبا ... = ... روت قد أصبحت تشق العنانا
فهي مثل الجبال سيرن تسـ ... = ... يار غمام ثم انبثثن دخانا
وقبض عليهم حصن الميتة وجعله مرصدا للمسلمين، ثم اقتضى نظره بعد ذلك هدمه فهدمه، ثم رجعوا بالنصر والظفر؛ وولى الإمام على بلادهم سيف بن عامر ينفذ فيها الأحكام ويكف الناس بعضهم عن بعض؛ وكان انقياد بني بو علي والتمكن منه في اليوم الرابع عشر من شعبان من سنة ست وثمانين ومائتين وألف قال شيخنا: فلما وصلنا إبرى راجعين من جعلان تلقانا كتاب من الشيخ الخليلي يعاتبنا على ما صنعناه في بني بو علي وأنشد فيه قول القائل:
فإن الجرح ينفر بعد حين ... = ... إذا كان البناء على فساد
قال وكان مراد الشيخ أن يحكم في بني بو علي بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة؛ إلا أنه لا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم، وذلك لخوفه على الدولة منهم؛ وقد ظهر أخيرا ما تفرسه الشيخ الخليلي؛ فكان ذهاب الدولة على أيديهم كما سيأتي ذكره.
وحبس أكابر بني بو علي في الكيتان ما شاء الله من الزمان؛ ثم إنهم خادعوا عقيد العسكر – عسكر الكوت – وعملوا سياسة فيما بينهم فأرسل لهم قومهم من جعلان جراب تمر، وأدخلوا فيه حبلا لينزلوا به من الكوت وواعدوهم على ليلة مخصوصة؛ فأتوهم في تلك الليلة بسفينة صغيرة؛ فنزلوا من الكوت إلى السفينة في الحبل وأصبحوا هاربين.
وهذا العقيد كان من أهل الحوقين من الخضور؛ فيقال إن بني بو علي (2/256)
صفحة 612
يراسلونه وهو ببلده إلى أن مات، وسكنت عمان بعد هذه الغزوة وبها تمت فتوحات البلدان ولم يبق من عمان إلا حصن الحزم؛ وهو حصن لا تبعة له؛ واستفتحه الإمام بعد ذلك؛ وسيأتي خبر فتحه إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ جمعة بن خصيف في سيرته: فها هي الآن مصر عمان قد نعمت بالأمان؛ روضة أنف بالعدل والإحسان؛ مستظلة بظل الإنصاف، مستنيرة بأنوار أهل الفضل والعفاف؛ تنشر فيها الأعلام السامية وتنفذ الأحكام الشرعية وتحي السنن المحمدية وتمات البدع الباطلية، وترد المظالم ويؤخذ بها الظالم فما منافق إلا أذله الله بنفاقه؛ ولا مشاقق إلا رجع بالوبال عليه شقاقه، فسوق الأعداء في كساد؛ وأمرهم حرام عليه السداد؛ وآراؤهم منكوسة، وتدابيرهم منحوسة.
ذكر مسير الإمام بالجنود إلى البريمي لمدافعة أهل نجد وهم ملوك الوهابية
ويقال لهم أولاد ابن سعود والقائم فيهم يومئذ عبدالله بن فيصل؛ وسبب ذلك أنه وصلت تعاريف من جهة الثغور الغربية بقدوم ملك نجد لحرب المسلمين، فأرسل الإمام التعاريف مع بعض الثقات إلى الشيخ الخليلي وكتب له في ذلك؛ وكان بيت المال قد نهكته الدول وأخذته المصاريف لإعزاز الدولة؛ فأجاز الشيخ الخليلي لهم الاقتراض من الرعية على بيت المال لدفع هذا العدو المخوف كما ستراه في كتبه للإمام. وكان ذلك في شوال من سنة ست وثمانين ومائتين وألف؛ وهذا جواب الشيخ الخليلي للإمام في هذه القضية. قال رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى جناب سيدنا (2/257)
صفحة 613
الثقة الأجل الأكرم الأحشم المجاهد في سبيل الله إمام المسلمين عزان بن قيس أعزه الله ونصره، سلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ كتبك الشريفة وصلت، وما بلسان خادمك محمد بن سليمان الخروصي عرفناه؛ وتعاريف فيصل ومحمد بن علي والسمار نظرناهن، وهن صريحات في حالتين، إحداهما الأخبار النجدية؛ والثانية الأخبار العمانية بوجود الضعف والخيانة من أهل تلك الأطراف، وكلهم يستدعي وصولك الحال، ونحن قد كنا نؤخرك لأجل التخفيف لكن نرى الأمر يزيد؛ والداعي حثيث مسرع، وكذلك تعاريف زايد، والآن لا نرى لك التأخير، ولا نحب لك التواهن من يوم إلى يوم ولا تسوى ([1]) مثل بني أمية إذ يدعوهم عاملهم بمصر فيكتبون له: رفع الأمور حتى أخذت مصر. قلت؛ الصواب إنه عامل خراسان؛ وهو نصر بن سيار، والملك الأموي يومئذ مروان بن محمد؛ ومنه أخذت خراسان وجميع الممالك، وانقلبت الدولة إلى بني عباس، رجع إلى كلام الشيخ.
قال وانتزع الملك لكن نقول تشمر وقم على بركات الله تعالى بجنود المسلمين من الشرقية والباطنة وغيرها قبل وقوع الخلل في البريمي، وإذا وصل ابن سعود قبلك نخاف أن تنكشف عن داهية لا يمكن تداركها؛ فلا بد من القيام إن كان مرادك الدفاع عن هذه الرعية من حد بركا إلى البريمي والظاهرة، ونحن من استوى خبر ابن مسعود إلى هذا الوقت الذي غرمناه في البريمي يقارب عشرة آلاف لغير فائدة ولا يمكن المقام على هذا، ولا يحرك ابن مسعود إلا أهل عمان؛ فلا بد من قلع هذه الشجرة الفاسدة من كل مخوف إن كانت في نصرة الله (2/258)
صفحة 614
وإحياء مدة الدعوة؛ وإغاثة الفقراء والمساكين والخروج على هؤلاء البغاة من أهل الشمال وغيرهم في سبيل الله وله حكم الدفاع يلزم جميع أهل عمان بأموالهم وأنفسهم على الأشهر والأصح من قول المسلمين، وقد أجزنا لك دعوتهم وجبرهم إليه وتأديبهم، وليس حد الجفا إذا أحاط بك الخصم وتغلقت عليك البلدان؛ وصارت يدهم القوية وكلمتهم العلية.
وليس جهاد بن سعود أوجب ولا ألزم من جهاد أهل عمان الذين يكاتبون عليك العدو ويجرون عليك الخصم مرادهم نزع ملكك واستئصال دولتك. قال الله تعالى (وأما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) فكيف بمن يكاتب ويعاهد ويرسل وبالجملة فلا يستقيم أمرك ولا يستقر ولا تسلم رعيتك بدون هذا نعم وقد أجزنا لك في هذا الخروج القرض من الرعية على بيت المال ولو بالجبر وأمرناك به فألزمهم إياه عن أمرنا ورأينا، ولا تعطل أمور المسلمين ولا تسمع قول المثبطين، فإن هذا هو الصحيح في النظر، ويشهد بصحته الأثر، وأنا أقول إنك أبلغهم إياه عني، واحكم به عليهم مني، فإني في ذلك مجتهد لله ومتقرب إليه وإن كان في المسلمين من ينكر جوازه أو يرى باطله فأنا أحاكمه إلى آثار المسلمين وسيرهم، وهي بحمد الله موجودة، وإن كانت من مسائل الاختلاف؛ ولكن التوسع في الرأي المختلف فيه في وقت الضرورة أعز للدولة وأنفع للأمة، ولا تنظر إلى ما يقولون من مشقة الحال وذهاب بعض المال؛ فإن المريض لأجل طلب العافية يداوى بالبط والكي وقطع بعض الأعضاء لسلامة العمر؛ وإن كان ضعيف القلب يؤلمه ذلك من غير نظر في العواقب، فالعاقل لا يلتفت إليه؛ والسلام من أحبائك الفقراء إلى الله تعالى وشركائك في المسرة والمضرة هلال بن أحمد وكاتبه والقائل به و (2/259)
صفحة 615
إليه سعيد بن خلفان الخليلي بيده.
ملحاق خير: بحق أقول إن رأينا هذا، ونسأل الله الإعانة عليه، لكن إذا كان قيام هذا الجيش وتكليف الرعية بالقرض والقيام بالأموال والأنفس؛ فإن وصل أهل نجد فقد تحققت الضرورة وتبينت الحاجة وظهر الوجه، فإن أخرهم الله بلطفه؛ فإن كان ليكفيك من هؤلاء الخلق أن يردّوك بكلمة جميلة وطلب مسامحة، ولتكثر الوسائل والأقوال وترجعوا عنهم سالمين من بأسكم مثل بني بو علي إلى شهر وعادوا مخالفين، فالأولى ترك القيام في الحال، فليس هو الوجه الذي أردناه، ولا الطريق الذي اعتمدناه وأمرناك به ودعوناك له؛ وأجزنا لك فيه هذه الوجوه؛ وإن كان قصدك كشف قناع الحياة والتقية، وقهر كل خصم من أهل الشمال والظاهرة المعاندين إلى حد مبلغ القدرة، لا تأخذك في الله لومة لائم ولا قول قائل، فهو الوجه الذي أجزناه لك وأمرناك به، وهو أكرم كل صديق منقطع؛ واستبقائه عضدا لك مثل زائد على ما تظاهرت منه الأخبار عن أنه قاطع بخصامه ابن سعود لأجلكم فيستحق الإكرام، ومثل محمد بن علي لصحبته السابقة وما بان عليه شيء كذلك؛ لكن لا تترك له الرأي فيمن يستحق القهر والضبط بالسياسة ونزع ما في يده مما إذا صرح في المكر يكون في تركه على الدولة وهن وفي العاقبة بلاء مثل أناس لا يخافك أمرهم.
وكل من تعصب لأهل الباطل ولم يكفه واجبه فيضبط معه.
هذا رأينا إن كنت عازما عليه فتوكل على الله وسر على بركات الله؛ والله معك ولا يخذل من الله ناصره؛ ولا يضيع من كان الله معه.
وإن رأيت غير ذلك فليس منا فيه أمر ولا نقول فيه شيء إلا أن كل نازلة لها حكم، والله يتولاكم ويرعاكم؛ (2/260)
صفحة 616
وهو الذي يتولى الصالحين بفضله وكرمه والسلام.
ملحاق خير: واصلك هذا التعريف؛ فاعرضه على الشيخ محمد بن سليم، ويعرضه على كل ذي معرفة، فإن كان غير خارج عن الصواب فقد ألزمنا العمل به إن كنت تراه صالحا وقواما للدولة؛ وهو رأينا ولا نلزمك إياه إن رأيت الصلاح في غيره، وأما نحن فنراه هو الصلاح إن قال أحد ببطلانه فلنقم عليه الحجة أو يصل إلينا ونحاكمه إلى آثار المسلمين وسيرهم.
وإياك والتواهن يا عزان والوهانة يصبح أهل نجد والظاهرة والذين في قلوبهم مرض معسكرين في البريمي، شد على أعداء الله واقهرهم بحكم الله؛ وأذلهم بعزة الله فإن عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، والحليم من فكر في العواقب وزايد ومحمد بن علي أعرف بما هناك؛ وخطوطهم كما ترى؛ فعرف إبراهيم وصالح يلاقوك بجيشهم البريمي يأتوك بالسميع والمطيع كله، ويأخذوا القرض ولزموه الناس، وإياك تسمع الوسائل والمتشفعين جزاهم الله خيرا، وإياك أن تأخذ من الفقراء والضعفاء ومثل أهل السيب وبركا الملدودين بالغرامة؛ والامتحان من زمن ثويني وسالم وتترك الأقوياء والمياسير أهل الباطنة؛ فيكون ذلك خارجا عن العدل، ومخالفا لسيرة الأئمة الصالحين، وإن كان الشيخ محمد لا يقدر يأمر فليسكت، وإن لم يقدر يسكت فدبره يسير إلى صحار أو يجيء عندنا، ولا يتعرض لأهل الرستاق والباطنة وغيرهم إن كان مرادهم قوام الدولة ولا يريد الضياع، وإلا فسينكشف الغطاء عند الله تعالى غدا يوم القيامة، إذا أصبح ابن مسعود حاكما بعمان مستوليا على البريمي والظاهرة والشمال وغاراته تصل السد؛ ولا يكفيه من أهل عمان إلا كما تحكم على ثويني يوم غرمه يجيء مائة ألف وينظر هل يبقى يومئذ حكم وإمامة ودين (2/261)
صفحة 617
للإسلام؛ ليعرف هو وغيره كيف العاقبة في الدنيا والآخرة؛ وهل استعملا مثل هذه الوجوه في الضرورة أقرب إلى مرضاة الله تعالى وإتباع الحق، أم تركها حياء من الناس ومداراة لهم أحسن. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام.
ملحاق خير وسرور: إذا تعين عزمكم على القيام؛ فالذي يحتاجه أهل الشرقية يأخذونه من القرض المسطر من هناك أو من سمد أو من نزوى وازكي وبهلا، ورتبه لهم من تلك الجهة، وأنت مر على أهل الباطنة العزاز، وخذ منهم ومن غيرهم على الترتيب السابق والذي يحصل من هنا لنجعله مددا لكم فوق ذلك والسلام ومن قبل ما جاء بلسان الولد محمد بن سليمان شرحه لنا وجوابه، كذلك خذه من لسانه بالترتيب؛ ونحن تكفلنا بالبيان في هذه المهمة؛ لأنها عظيمة الشأن فلم نشكل بها على جواب باللسان والسلام.
حرر يوم 27 شوال سنة 1286 فعمل الإمام رحمه الله تعالى بمقتضى هذا الإفتاء وأخذ القرض من الرعية وأمر عماله فاقترضوا له؛ وكتب لأمراء الجنود أن يلاقوه بالبريمي؛ فسارت إليه جنود الله من كل جانب، وركب هو بمن معه من جهة الباطنة، وجاء ابن عمه فيصل وأخوه إبراهيم وشيخنا بمن معهم من جهة الشرقية، والتقت الجموع كلها بالبريمي عند الإمام.
وكان رجلان من الدروع قد قطعا الطريق، وقتلا ونهبا، فطلبا للحكم، فجاءت بهم الدروع إلى أمير الجيش الجائلي من جهة الشرقية في هذه السرية، فدفعوهما إليه (ببسيا) فقيدهما الأمير وأرسل بهما إلى مسكد، فلما رجع الإمام إليها من سفرته هذه استحضر الرجلين وسألهما بلطف عما صنعاه، فأقر أحدهما بالقتل والآخر بأخذ الأموال؛ فأنر بقطع رأس القاتل؛ وأمر أن تقطع يد (2/262)
صفحة 618
ورجل المقر بالنهب، فأقيم الحد عليهما بالفرضة قبل نصف النهار وعاش مقطوع اليد والرجل قليلا ثم مات.
وكان قبل ذلك قد قيد رجل هاشمي برجل حبسي صاحبه إلى ازكي فقتله فقبض عليه وإلى ازكي وأرسل به الإمام إلى مسكد، وأرسل الإمام إلى ولي المقتول وأحضر القاتل للخصومة فأقر بالقتل؛ وعرضت الدية على الحبسي فقال لا أقبل إلا القود، فقيد وقتل، وكان بقتلهم إحياء حدود الله.
وكان ملك نجد وهو عبدالله بن فيصل قد جفا أخاه سعود بن فيصل وطرده فوفد المطرود على الإمام فوافق هذا السفر؛ فسار مع الإمام إلى البريمي، ثم ترخص بعد ذلك ونفعوه وحرضوه على أخيه، وأظن أني سمعت شيخنا يقول أنهم أعطوه ألف قرش وفرسا؛ فلما سار من عندهم قتل أخاه. وذلك أنهم التقوا على ماء بنجد فاقتتلوا، فكانت القاضية على عبدالله بن فيصل، وذلك بعد رجوع الإمام إلى وطنه، فإنه قد كان أقام بالجموع في البريمي ينتظر قدوم ملك نجد، وكان زايد بن خليفة أمير بني ياس قد أظهر لأهل نجد الخصومة، وأظهر للإمام المناصرة؛ وطلب منه الإمام المواجهة فواجهه بالبريمي في عدد من الخيل والرجال فأكرم الإمام مثواه، ورجع إلى بلده شاكرا؛ وبلغ ملك نجد انتظار جنود الله له فخمدت همته وسكنت حركته؛ ويقال إنه رجع القهقري من الإحساء والله أعلم بما هنالك، غير أنه لم يصل إلى عمان، ورجعت جنود الله بالظفر والتأييد، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
ذكر فتح الحزم
وهو الحصن الذي بناه الإمام سلطان بن سيف بن سلطان؛ وهو من (2/263)
صفحة 619
أعاجيب الزمان، وكانت فيه بقايا اليعاربة وبعضهم من نسل الإمام الباني، ولمنعة هذا الحصن وقوته لم يقدر أحد على إخراجهم منه حتى أخرجهم هذا الإمام بعد حصار شديد، وكانوا قد بغوا على أهل الرستاق بغيا شاهرا، ولم تتأت حماية الرعية إلا بإخراجهم من حصنهم، فسارت إليهم أمراء الجنود وأحاطوا بالحصن وجعلوا عليه السيب ورابطوا زمانا طويلا.
وكان من سياسة شيخنا أن يرد إلى الحصن كل من خرج منه ليتعاونوا على أكل ما فيه؛ فينفذ بسرعة؛ فكلما أراد أحد منهم أن يخرج، من نساء أو ذرية أمر برده إلى الحصن، واستشكل ذلك بعض من لم يبلغه مبلغه؛ وقال كيف تردون إلى البغي من يريد أن يفر منه، فكان جوابه أنهم ما خرجوا إلا لتقوية البغي، أرادوا أن يستبقوا المتاع للمحاربة؛ والحصن لا يقدر عليه إلا بذهاب متاعهم؛ فلما طال عليهم الحصار واشتد عليهم الأمر بعد أن كانت لهم في المرابطين وقعات وقتل سيدهم، ويقال إنه نقع به محزمه في زورة زارها المرابطين، فلما طال عليهم الأمد واشتد عليهم الأمر خاطبهم الشيخ الغاربي في الخروج من الحصن على أمان بما معهم، فأجابوه إلى ذلك وخرجوا على يديه وبذلك تم الفتح للإمام.
وكتب الشيخ الخليلي إلى والي الإمام على الرستاق عبدالله بن محمد الهاشمي في حرب الحزم كتابا فيه بيان ما يسع في حربه أحببنا ذكره ها هنا لأنه من جملة أحكام الإمام؛ قال وما ذكرته من قبل الرمية التي للحزم فإن جعلت على الأغنياء فجائز وإن جعلت على الأموال جميعا كل بقدره حتى من مال من لا يملك أمره فجائز، فالأول جهاد والثاني دفاع اليعاربة عن الرستاق لبغيهم المشهور أمر غير منكور، وعسى الله أن ييسر المخرج (2/264)
صفحة 620
فإنه لطيف بعباده.
وأما الشيخ خميس بن جاعد فقد سمعت عنه من زمان أنه عائد عاثرا لا قوة له وينبغي أن تكفوه لأنه كبير السن إذا ضعفت قوته وقلت همته (فهو) غير ملوم وأنا أخبرني عنه الشيخ يحيى منذ زمان، إنه كذلك اسأله عنه فيقول لي بنحو هذا من حاله والله يكفي الدولة بمن يستطيعها والله لا يضيعها، ولو اعتذر مثل يحيى ومثلك لرأيت أن نشد عليه والله ولي كل خير بفضله وكرمه والسلام.
وكتب له أيضا ما نصه: وبعد، فقد عرفناك سابقا أن تكفينا شغل الحزم: بجعل أهل الرستاق وكأنك لم تسمح بذلك إلى الإمام لعلك رأيت ذلك أصعب عليك من ضياع دولة المسلمين؛ وعرفتنا سابقا من قبل فلج العوابي فأرسلنا لك تعريفا لوكيله وعرفناك أن تلتمس بالقرض وغيره على دولة المسلمين من أموال محمد بن طالب وغيرها، فلم يبن لنا منك امتثال ونحن لم نقم هاهنا عبثا ولا لعبا وإنما أقمنا لله مقاما نعز به دينه ونرضى به وجهه ونتقرب به إليه لا نرضى بفشل لأهل الحق ولا نخفي جهدا من كل وجه نقدر عليه مما يعز الإسلام وأهله فإن كنت منا فالمراد قيامك بما ذكرناه لك كله قد ألزمناك ذلك ولم نوسع لك في التأخر عن شيء منه.
والله سبحانه قد جعلنا الآن ناظرين في مصالح الإسلام لهذا الإمام، فليس لكم إلا إتباعنا ما دمنا على الحق، وإياك والتواهن بشيء مما أمرناك به بعد وصول كتابي هذا إليك فنعده منك خلافا للحق وأهله، ونحن لو رأينا سبيلا إلى الرفق بالرعية والمساهلة لهم؛ لكنا أحوج إلى ذلك وأولى به، ولكن نرى أمرا جليلا وخطبا جسيما لا يمكن التساهل فيه واحتمال القليل بل الكثير من الأموال أولى من استئصال الدولة، وظهور أعداء الله تعالى على الممالك، ولم نجد الآن السبيل إلا (2/265)
صفحة 621
الرعية. والسلام.
ذكر خروج تركي بن سعيد بن سلطان على الإمام
وذلك بعد أن دانت الأمور وسكنت الحركات وظهر العدل والإنصاف، وأخذ الحق من القوي للضعيف وذلت رقاب الجبابرة والمعاندين، فعند ذلك نجم بالرؤساء نفاقهم وكاتبوا تركي بن سعيد سرا فيما بينهم، وكان قد ركب إلى الهند في دولة ابن أخيه سالم بن ثويني على حسب ما قدمنا ذكره، فجاء تركي في مركب للنصارى ودخل به مكلى مسكد وتوسط بين الكيتان فرأى بيارق المسلمين بيضاء تنور والبيارق ([1]) هي الرايات: سميت بذلك لبريقها ولمعانها، فلما راى ذلك هاله وقال الله يعيننا عليك حتى تكوني حمراء، وكانت الرايات الحمر من شعار آل سلطان ابن الإمام والرايات البيض من شعار آل عزان بن قيس، ثم جاوز به المركب وأنزله في لنجة وركب في خشبة إلى الشمال فتعصبت له الغافرية أجمع وباطنتهم رؤوس النفاق من الهناوية فتجمع غافرية الشمال عند تركي يريدون أخذ البريمي، فقاتلهم زايد بن خليفة دونها فهزمهم الله وفرق جموعهم، فسار تركي إلى محضة؛ وهي من بلاد النعيم، فأقام بها وأظهر غافرية عمان الخلاف، ورئيسهم برغش بن حميد صاحب العينين وباطنهم رؤساء آل وهيبة وغيرهم؛ فخرج الإمام بمن معه وكانوا غير كثير حتى جاء المضيبي وواجهه الرؤساء المنافقون وأرضوه في الظاهر؛ (2/266)
صفحة 622
وفي قلوبهم من الشحناء ما في قلوب إخوانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه.
ثم أمر الإمام شيخنا أن يسير بمن معه مقدمة له إلى جانب الجوف والظاهرة فركب شيخنا ممن معه حتى نزل نزوى، وكان الجنبة والدروع من جملة من خالف الإمام؛ وأبوا عن الانقياد، فخشى شيخنا أموالهم التي لهم بطيمسا والردة ثم جاء البدو؛ وهم الجنبة والدروع فكمنوا في واد هنالك؛ فجاء الصريخ فخرجوا لهم فلم يروا أحدا، ثم رجعوا ثم جاء الصريخ الثاني فرجعوا إليهم، فتراءت الفئتان فوقع بينهما بعض الرياح بالبنادق وأصابت البدو غرة من أصحاب الشيخ ومن أهل نزوى فقتلوا منهم رجالا، ثم انحاز إلى موضعه؛ ورجع الشيخ بمن معه إلى نزوى، ثم لحقهم الإمام بالجيش.
وسمعت شيخنا يقول إن الإمام كان قد عزم على عزم رأى أن يكون فيه الحزم وهو أن يتخذ نزوى وطنا وينتخب معه من شجعان العرب ألف راكب يجعلهم عنده بنزوى يستغني بهم عن جر الجيوش؛ فإن قبائل عمان لا تكاد تتفق القبيلة كلها على حربه بعد ما مضى، وإن اتفقت القبيلة على حربه فإنه يصبحهم بألف راكب وهو فيهم فلا تقاومهم قبيلة وهم منتخبون من شرارة العرب فيخف بذلك المغرم عن بيت المال وعن الرعية، وتستريح الرعية في أوطانها ويكفيهم الإمام بشرارته أمر الحروب.
قال: وعلى هذا كان صمم عزمه؛ قال وصلى في نزوى وطنا في هذه المرة غير أن الداعي كان حثيثا؛ فاختار الله له ما عنده قبل أن يتم هذا الحال؛ ونرجو له من الله أجره أو لو أراد الله بأهل عمان خيرا لأبقى لهم إمامهم وأتم له عزمه.
وأقول أن هذا الرأي لهو الرأي وينبغي أن يوصى به أول المسلمين آخرهم فمن استطاعه منهم فليفعله.
ثم سار الإمام بجيشه من نزوى وكان قد كتب لأمرائه بالباطنة أن يلاقوه بالجموع (2/267)
صفحة 623
بالظاهرة ليرد الخارجين عن طاعته إلى الطاعة، ويدخلهم في الجماعة؛ وكان قد بقى لبرغش بن حميد حصن العينين ويبرين صفح عنهما الإمام حين واجهه بالغبى، وأظهر له الطاعة ثم اغتر بآراء المنافقين، ونزع يده من الطاعة وتجمع معه من عادى الإمام ونزلوا معه بيبرين، فمر عليهم جيش الإمام فناقعوهم قليلا بالتفق أرادوا أن يخرجوهم من يبرين للقتال فلم يخرجوا، وتحصنوا بيبرين وغرّب الإمام بجيشه إلى الظاهرة، وكان أهل الباطنة من جموعه قد سبقوا إليها وخرجت لهم الغافرية من عبري فاقتتلوا بلجمة عبري قتالا ثبتت فيه أهل الباطنة ثباتا حسنا حمدت فيهم مواقفهم فرجعت عنهم الغافرية القهقرى.
ثم وصل الإمام بجيشه الظاهرة؛ وأحاط بحصن العينين وكان فيه عمال برغش ابن حميد فحاصره مدة يسيرة؛ ثم فتحه الله له وألقى الله الرعب في قلوب الأعداء وتشتتوا أيادي سبا؛ وهربوا في البوادي فكبر ذلك على المنافقين من قوم الإمام وكان الإمام قد همّ بالمسير إلى ضنك فأرسل المنافقون إلى رؤوس الأعداء أن لاقوا الإمام بضنك ونحن أهل الشرقية لسنا معه ولا نسير معه؛ وكانت الأعداء تهاب أهل الشرقية أكثر من غيرهم؛ فلما أرسلوا إليهم بذلك تجمعوا بضنك وفيهم تركي وهمّ الإمام بالمسير إليهم فأظهر له رؤساء الشرقية الخلاف؛ وكانوا قد أأشاروا إليه أن يتأخر عن ضنك فلم يسمعهم فجعلوا ذلك سببا للخلاف؛ فأظهروا ما أضمروا وبركوا في مباركهم، فعاتبهم من شاء الله من الأفاضل ونصحوهم عن خذلان إمامهم وخوفوهم عقوبة الخلاف؛ فأعاروهم أذنا صماء؛ فركب الإمام بمن أطاعه من أهل الباطنة وغيرهم فسار بهم وتخلف أهل الشرقية.
فلما غرّب الإمام ركب أهل الشرقية مشرقا إلا شيخنا ومن معه فإنهم ساروا مع الإمام وكانوا من (2/268)
صفحة 624
أكبر أنصاره فجاءوا إلى ضنك من مدخل الوادي؛ وكانوا قد اخذوا معهم بني زيد أهل فدى؛ وكانوا قد قدموهم على مضيق الوادي ليمنعوا العدو مقاعد القتال؛ وكان في نفس بني زيد ما في نفوس الخائنين، وكان الإمام قد أعدهم له فصاروا عليه؛ فلما توسط الجيش الوادي جاءهم الضرب من بني زيد وغيرهم فكانت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم خلق كثير وأكثر المقتولين من أهل الباطنة؛ فاستشهد من أفاضلهم خلق؛ واستشهد سالم بن سيف الفرعي وكان واليا للإمام على بدية وكان فاضلا ناسكا زاهدا معرضا عن الدنيا، ويقال أنه لكما رأى الجيش انهزم؛ تقدم هو نحو العدو، وقال لمثل هذا جئنا يعني الشهادة فاستشهد رحمة الله عليه.
ويقال أنه ما وجد في خرجه بعد موته إلا سروال يصلي به ومسواك يتسوك به ولم يترك إلا كتبا بيعت في صداق امرأته الآجل.
وقيل أنه قيل له أن الناس انهزموا فقال عاهدته على أن لا أفر.
ثم رجع المسلمون فكانت هذه الحالة أول حالة ظفرت بها الأعداء وما هي بالظفر لو عقلوا وإنما عي النار بل أول حالة ظفروا بها بالردة في الوقعة التي كانت بأطراف نزوى ولله الملك الدائم.
ثم رجع الإمام إلى مسكد وخافت الخونة على نفوسها القتل وعملوا أنهم قد أظهروا الخلاف للإمام وما كان الإمام أراد بهم قتلا، وإنما خافوه على أنفسهم في زعمهم فبالغوا في زوال الدولة ونزع الملك من يد الإمام وبذلوا في ذلك كل البذل وتكاتبوا من شرق البلاد وغربها وسار سعيد بن ناصر رئيس آل وهيبة إلى بني بو علي؛ وأقام معهم قدر شهرين يحرضهم على الإمام، وجاء ناصر بن عامر رئيس الحبوس إلى غبى البادية، فقام عند بعض رؤسائها المنافقين وبقيت المكاتبة فيما بينهم؛ والطروس تتراسل من جعلان إلى الغبى، (2/269)
صفحة 625
ومن الغبى إلى جعلان ومنهم إلى الغافرية الذين بعمان والظاهرة فلم يزالوا على ذلك حتى عقدوا من نفاقهم سرايا فجاءت سرية فيها أكثر آل وهيبة وبعض الناس من غيرهم وعليها تركي بن سعيد قصدوا إلى سمد الشان وتلقاهم فيصل بن حمود وشيخنا بجيش، فنزل البغاة بالميسر وجيش المسلمين بسمد، وبقوا كذلك بعضهم يرصد بعضا.
ثم جاء البغاة من واد غربي سمد يريدون أن يدخلوا سمد من أعلاها فوقف لهم حبوس الروضة أعلى الوادي فمنعوهم عما أرادوا ورجعوا القهقرى، وسار تركي إلى سناو وأقام بها، قامت قائمة من جعلان فيها بني بو علي وناس من بني بحسن وقائدهم سيف بن سليمان آل بو سعيدي الذي كان واليا لسالم بن ثويني على مطرح فساروا إلى مسكد من جانب وادي مجلاص حتى نزلوا بسد روي وقامت قائمة من الهشم على وادي بني خالد؛ وقامت قائمة من العبريين وغيرهم؛ وفيها برغش بن حميد على بهلى فأحاطوا بها؛ وكان فيها شيخنا ماجد بن خميس العبري واليا للإمام وعسكره العوامر، وكان قد تهيأ فيها لحصار ثمانية عشر سنة، وبالجملة فكل من كان له ضغن أو حقد ثار يومئذ وجمع الكل البغي وشغل كلا ما يليه، ولم يكن ببال المسلمين أن سرية جعلان تصيب غرضها لقلة عددهم؛ ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فخرج من حضر من المسلمين للبغاة الذين بالسد فيقال انه جاءت سحابة فأمطرت على جماعة المسلمين فبطلت تفاقهم ولم يكن من ذلك شيء على جماعة البغاة فرجع المسلمون إلى السيران.
وسار بالليل إليهم البغاة، فتسوروا مطرح والإمام يقاتل من أعلى السور؛ وجاءت ضربة تفق فأصابت الإمام، فاستشهد رضي الله عنه وقيل إن الضربة كانت من الذين معه في داخل السور والله (2/270)
صفحة 626
بحقيقة الأمر.
وقتل على السور قائد البغاة سيف بن سليمان؛ ودخل البغاة مطرح ثم قصدوا مسكد؛ وكان فيها الشيخ الخليلي وإبراهيم بن قيس أخو الإمام، فسمعت بعض شيوخنا أن الشيخ الخليلي دعا إبراهيم لينصبه إماما على الناس بعد قتل أخيه، فشاور إبراهيم هلال بن زاهر الهنائي، وكان هلال من جملة من نافق، فقال له إن هذه دولة ذاهبة، فتدارك صحار لئلا تذهب عليكم وهي مملكة آبائك. فركب إبراهيم إلى صحار، فقال الشيخ الخليلي خذلك الله كما خذلتنا، فما قامت لإبراهيم بعدها قائمة؛ كلما أخذ بلدة جاء السلطان فأخرجه منها كما سيأتي ذكره.
وتحصن الشيخ الخليلي في الكوت الشرقي ومعه بعض بني رواحة، وأرسل البغاة إلى تركي فجاءهم، وحاصر الشيخ حتى خانه من معه ولم يقدر عليهم أن يحربوا، ويقال أنه جاء للشيخ بعض رؤساء الهناوية أن ينزل على أيديهم فلم يقبل أن ينزل على أيديهم لما علم من خيانتهم، ونزل على يد قنصل النصارى ([2]) ظنا منه أنهم لا يرضون في ذمتهم؛ ورأى أنه قد استوثق لنفسه، فخانه القنصل وسلمه إلى تركي فلما جيء به بين يدي تركي قال له أخرجتمونا من أوطاننا وفعلتم وفعلتم، قال الشيخ ما فعلنا إلا ما تقتضيه الشريعة، فأمر به فقيد هو وولده محمد بن سعيد وحمل إلى الكوت فتركا هنالك؛ فلم يخرج خبرهما، والله سائله عما صنع.
وقيل إن تركي كان منتظرا في قتل الشيخ؛ وأن بعض عماله وهو ثويني بن محمد خاف أن يعفو عنه تركي، فسار إليه بغير إذن فقتله هو وولده، فسلط الله على ثويني من قتله في مأمنه.
ويقال إن الإمام بقي (2/271)
صفحة 627
أيام لم يدفن فلم يتغير، ثم دفن بعد ذلك في جبروه من مطرح، فكان أول إمام دفن بها فيما علمنا، وكان قتله ليلة ثامن من ذي القعدة سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، ودخلت البغاة مطرح يوم ثامن، وكان وصول البغاة بالسد يوم رابع وكانت مدة إمامته سنتين وأربعة أشهر وخمسة عشر يوما رضي الله عنه.
وكان رجل من بني بو حسن وهو منذري الأصل يقال له ابن الصباع؛ واسمه محمد بن حمد بن جميع، وكان من أنصار الإمام وكان مشهورا بالبأس. فلما أخبر عن قتل الإمام هوى على جيش البغاة، فلم يزل يقاتلهم حتى قتل رحمة الله عليه.
ثم سارت بشائر البغاة إلى البلدان يبشر بعضهم بعضا وكان الحصار على بهلى قائما فنادوا الوالي وهو شيخنا ماجد أن الإمام قتل فلمن تحرب؟ قال فظننت أنها خدعة فضربت فألا في المصحف، قال فخرج لي قوله تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات).
قال فعلمت أن الأمر قد قضى وصممت على أن لا أنزل من الحصن بل أدافع عنه قال فقامت عليّ العسكر وقالوا لا نحرب معك بنفسك ونحن نخشى على بلداننا التضييع؛ فإن شئت فخذ لنفسك وجها وإلا خرجنا عنك، وكان معه العوامر. قال فقلت أما أنا فلا آخذ وجها، فأخذت العسكر لأنفسهم أمانا وتدلى الشيخ من الحصن بحبل إلى الأرض، وذلك لئلا يكون قد مكن البغاة من معقل المسلمين ثم نجا بنفسه حتى أصبح من الليل بمسجد البياضة من الرستاق؛ وكانت الرستاق والحزم قد بقيتا في يد فيصل بن حمود عم الإمام؛ وسيأتي تمام خبرهم إن شاء الله تعالى في الباب (2/272)
صفحة 628
ذكر أحكام الإمام عزان بن قيس
وقد تقدم ذكر أكثرها؛ فمن ذلك التغريق لأموال الجبابرة المستغرقة في الجبايات والمظالم. ومنها جبره الرعايا على الجهاد بأموالهم وأنفسهم، لأنه دفاع عن المصر؛ والدفاع يلزم كل بالغ قادر. ومنها جواز أخذ القرض على بيت المال من الرعية لأجل الدفاع عن المصر، وقد فعلوا ذلك في مسيرهم إلى البريمي لدفاع أهل نجد.
ومنها إنقاذ ما فضل من غلة مال مسجد شبيب الذي بالظاهرة في مصالح الدولة الإسلامية وفي نظر مصالح الإسلام على قول من يقول إنها من أموال الله تعالى وهو قول موجود في الأثر.
ومنها حجر أكل الحلوى والفواكه من أموا ل مسجد الرستاق، وكان قد وجد لأهلها فيها التوسع بمثل ذلك؛ وأمر أن ينفذ فضلة غلتها في المتعلمين؛ وكتب في ذلك كتابا إلى والي الرستاق، وهو شيخنا عبدالله بن محمد الهاشمي قال فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: من إمام المسلمين عزان بن قيس إلى الشيخ المحب المكرم المحترم الناصح العزيز الثقة الفاضل الأخ عبدالله بن محمد الهاشمي وكافة المتعلمين سلمكم الله تعالى وعافاكم وحرسكم وحماكم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحن بخير نحمد الله على ما أولانا من سبوغ نعمه؛ ونعرفك فالواصل إليك سالم ابن هاشل الجرادي، قد بعثناه إلى بلدكم معلما في النحو، وقد جعلنا له في كل شهر ثمانية قروش؛ ومن كان من أهل البلد فلا شيء له إلا الفقراء، ومن كان من الغرباء فله قرشان، ويكون ذلك من أموال المتعلمين التي عندكم، من فضلة أموال المساجد؛ وقد حجرنا أكل الحلوى (2/273)
صفحة 629
والفواكه بالفضلة، ورأينا صرفها في هذا الأمر الذي يربي العلم ويقوي الدين، ويكون التعليم في جميع المساجد وكل وقت يقيم المتعلمون في مسجد، فقيامهم ([1]) واحرص على ذلك وذمرهم وشمر بنفسك وانصحهم، وأغلظ لهم القول وسارعوا إلى إحراز هذه الخصلة الشريفة.
ومنها تجويزه أخذ المغرم من أموال أهل الرستاق حتى من لا يملك أمره لينفذ في حرب الحزم لأن اليعاربة الذين كانوا فيه كانوا قد بغوا على أهل الرستاق وعلى أموالهم واشتهر ذلك وعرفوا به فكان الأخذ من الأموال في هيئة الدفاع عنها وقد تقدم ذكر ذلك.
ومنها طني الزكاة في رؤوس النخل فيأخذها المستطني بقيمة مخصومة يدفعها إلى الإمام ويأخذ الزكاة لنفسه، وقد وقع بينهم في جواز هذا الحال مباحثة فأول من أشار بفعله شيخنا صالح واستنكره شيخنا ماجد وطلب الوجه فيه فكتب شيخنا صالح بذلك إلى المحقق الخليلي فأجابه بقوله منك وإليك يعود؛ يعني أنت أجب عنه بنفسك، ثم كتب شيخنا ماجد في ذلك كتابا لشيخنا الهاشمي وإلى الإمام على الرستاق، فأرسل الوالي الكتاب إلى الإمام فأرسله الإمام إلى الشيخ الخليلي فأجاب عنه ونقض ما اعتل به وأثبتوا ذلك رأيا لهم وعملوا به لمصلحة رأوها.
ومنها صلاته الجمعة في أسفاره وكان الأصحاب لا يرون للإمام أن يصلي الجمعة إذا سافر، وممن رأى جواز ذلك عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى وتبعه على ذلك هذا الإمام، ولعلهم رأوا في ذلك مصلحة قد خفيت (2/274)
صفحة 630
علينا وما يراه الحاضر لا يراه الغائب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة في شيء من أسفاره ولا صلاها أئمة المسلمين من قبل عزان بن قيس، إلا في أوطانهم غير صحار فإنها لم تنقطع الجمعة عنها من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، يصلونها فيها خلف البار والفاجر والعادل والجائر، لأنها من الأمصار الممصرة، وقد صلت الصحابة الجمعة في الأمصار الممصرة خلف البار والفاجر والله أعلم.
ذكر كرامات الإمام عزان بن قيس
وقد ذكروا له كرامات كثيرة نحفظ بعضها وغاب عنها الأكثر. فمنها ما ذكروه أنه بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لم يدفن وهو مع ذلك لم يتغير، يذكرون أنه كشف عن وجهه فرأوه كأنه حي.
ومنها ما قدمنا ذكره عند قيامه على سالم بن ثويني أن الطاعون نزل على أنصار عدوه وشغلهم عن نصرته، ولم يصب أحدا غيرهم أصلا، وبقي فيهم حتى خلصت مسكد.
ومنها ما حدث به رجل من أهل الشرقية أنه قال: كان لي مال بوادي بني خالد قد كنزت منه ستين جرابا ولي مال آخر أديت زكاته لعامل الإمام وأخفيت نصف الستين جراب وهي غلة مال الوادي، بل قلت لهم إنه جاء ثلاثون جرابا، فأخذ مني زكاة ثلاثين جرابا قال فأما المال الذي أخرجت جميع زكاته فبقي تزيد غلته، وأما المال الذي أخفيت نصف غلته فلم يزد على ثلاثين جرابا من عهد الإمام إلى وقته هذا وكانت المدة قدر عشرين سنة تقريبا، فقيل له لعلك أو لم تسمده، قال بل زدته ماء وسمادا.
ومنها كثرة الخيرات في زمانه ونمو البركات وزيادة الغلال (2/275)
صفحة 631
على المعتادة زيادة لم يروها قبله ولا بعده، ونعمت في أيامه الرعية وعاشت في ظل عدله وأمانه، يسير الواحد فيها حيث يشاء لا يخشى إلا الله تعالى.
ومنها أن المنافقين الذين جاهروه بالعداوة من قومه ذهب أكثرهم في الفور حتى أن بعضهم لم يصل بيته بل سلط الله عليهم الموت بعضهم بالجدري وبعضهم بغيره وبعضهم مات فجأة من غير مرض، ومن مات منهم مات في أسوأ حال، ومن عاش منهم عاش في شر معيشة، ثم سلط على ذراريهم فمنهم من انقرض ولم يعقب عقبا، ومنهم من سلب عزته التي كان فيها، ومنهم من سلب نعمته.
ومنها أن رجلا من أهل النفاق سمع الثناء على الإمام من الحاضرين، فقال اسكتوا لئلا أتغوط من فمي يعني أنه سيقول كلاما خبيثا، فسلط الله بالحال آفة صار بها يخرج غائطه من فمه ثم مات؛ ومنها أن الله تعالى سلط على المتعاملين عليه الخوف من بعضهم بعض وأغرى بينهم العداوة والبغضاء فهم يتقاتلون ويتناهبون دائما، ووقعت بينهم الملحمات العظيمة فهم على ذلك إلى يومنا هذا.
ومنها أن الله تعالى أرسل عليهم بعد قتله ريحا شديدة قلعت أكثر نخيلهم وصارت عبرة للناظرين ويسمون تلك الريح ضربة الشلى، ولشهرتها بينهم يتذاكرون بها تاريخ ما جهلوا تاريخه.
ومنها أن برغش بن سعيد سلطان زنجبار لما بلغته قتل الإمام ضرب مدفعا فرحا مائة ضربة وضربة، وذلك لأنه خاف على ملكه فأرسل الله عليهم ريحا شديدة حشرت زنجبار وكسرت المراكب وخربت البيوت فيقال إنها كانت تأخذ سقوف البيت ومصابيحه، والتجأ برغش إلى المسجد فقال له بعض الأفاضل هذه المائة ضربة والضربة فلم تبق بزنجبار شجرة قائمة إلا ما غرس بعد ذلك إلا قليلا من ذلك، ويقال إن طرقها (2/276)
صفحة 632
قد تعمت من كثرة ما وقع من جذور الشجر. فاعتبروا يا أولي الألباب.
هذا ما حضرنا من ذكر كراماته رضي الله عنه. وأما فضائله فكثيرة وناهيك أنه قد باع نفسه لله وحسبك بثناء العلماء عليه، وقد أطنبوا في ذلك كما تقدم والله أعلم.
باب دولة السلطان تركي بن سعيد ابن سلطان ابن الإمام
وهو الذي خرج على الإمام عزان وقد تقدم ذكره غير مرة، ولما قتل الإمام رضي الله عنه ودخلت البغاة البلاد أرسلوا إلى تركي وهو بسناو فسار إليهم واستوى على الكرسي ملكا بالقهر والغلبة على طريقة آبائه، وكان إبراهيم بن قيس قد سار إلى صحار وفيصل بن حمود إلى الرستاق، وكان بلوى عامل للإمام يقال له محمد بن سعيد الهنائي، فركب السلطان في مركب وجاء في البحر ومر على صحار وفيها إبراهيم والوالي عنده، فلم يكن منه بصحار أمر بل جاوز عنها إلى لوى فركب عاملها من صحار إليها؛ فلما أصبح أخذ من حضر وهم قدر خمسة وأربعين رجلا؛ ونزل بهم الساحل ليلتقي جنود السلطان عند نزولهم من البحر فوجدهم قد نزلوا في سور هنالك، فدخل الوالي ومن معه في نخل مقابل للسور وترابطوا هنالك قليلا، ثم انحاز الوالي إلى الجانب الغربي من السور وتستروا ببيوت هنالك ووقف الوالي في سكة غير متستر ينظر من يسير ويجيء، فكلما رأى واحدا وثب عليه بالسيف وثبة الأسد وهرب منه بعض القوم حتى دخلوا البحر، ثم جاءت رصاصة فضربته في مدمع عينه فرفعته من الأرض قدر ذراع ثم (2/277)
صفحة 633
سقط ميتا فلما رأى أصحابه ذلك هربوا وبقي منهم أربعة أرادوا حمله؛ فأدركهم الضرب؛ فأخذ واحد منهم التفق والثاني الكتارة والثالث الخنجر بلا قطاعة؛ ثم نجوا بأنفسهم إلى الحصن، وفيه ولده سيف بن محمد وكان شابا، فقام بالحرب أعوانه جاء قوم السلطان فمثلوا بالوالي مثلة منكرة، حتى أنهم قطعوا إحليله وألقموه فاه، وجاءت به من الغد نساء في سمة خباط كاللحم المقطع.
ثم نزل السلطان بمن معه وجر الجاردى على الحصن وقام الحرب ثلاثة أيام وسار بينهم الناس، وواجهه سيف بن محمد ونزل من الحصن، وولى عليه السلطان واليا؛ ثم رجع وجهز جيشا ولى عليه بدر بن سيف بن سليمان البوسعيدي؛ وحاصر صحار وفيها إبراهيم؛ وطاولهم في الحصار حتى خرج إبراهيم منها وجاء إلى الرستاق؛ وفيها ابن عمه فيصل بن حمود.
وكان فيصل هذا قد غلبه أمر السياسة وأحب التخلي عن المملكة؛ واتفق رأيه ورأى من حضر من المسلمين أن ينزل عن الحصون التي في يده ويدفعها إلى إبراهيم، فقطع لنفسه قطعا من بيت المال واشترط أن تكون لنفسه قواما فأنعموا له ونزل من الحصون وأقام ببيت القرن، وكان في حياة إبراهيم مكرما محترما، وقام إبراهيم بأمر المملكة وأرسل إليه السلطان غارة فصبحته أول النهار وهو في الحزم نائم؛ فأتاه الصريخ فقام من فوره وركب حصانا وخرج إلى القوم فهزمهم وهو بنفسه قبل أن يلحق عليه غيره، وفي القوم أو أكثر من لا يحب قتله للعصبية الباطنية؛ وألجأهم هنالك إلى مضيق واستجار به بعضهم فأجاره، ويقال إن في القوم خيالا وهو من خدام اليعاربة، فقصده إبراهيم ليقتله فهرب على فرسه فسقطت خنجره من حزامه، فقال له إبراهيم سقطت خنجرك يا خادم، فقال ما عليها خنجر؛ وما كان همه (2/278)
صفحة 634
إلا النجاة بنفسه، وخلصت للسلطان تركي حصون الساحل كلها.
وأما حصون عمان فإنها تفرقت على الرؤساء الذين كانوا بها قبل الإمام، فرجعت نزوى إلى حمد بن سيف الذي أخذها الإمام من يده، ورجعت بهلى إلى برغش بن حميد الغافري وسمد نزوى إلى الريامي.
ثم إن برغش بن حميد قبض على شيوخ العبريين بسياسة من بعضهم لبعض، وقتلهم في سجنه بعض أقاربهم، ثم سلط الله على برغش أخاه ناصر بن حميد فقتله وقتل أخاه راشدا وصارت بهلى ويبرين إلى ناصر وهو صاحبهما اليوم.
وأما نزوى فإنها بقيت في يد حمد بن سيف زمانا، وكان عسكره بني هناءة؛ وكان قد اتخذ هلالا ابن زاهر رئيس بني هناءة صاحبا خاصا فاحتال هلال على حمد فأخرجه منها وقبضها هلال لنفسه؛ وأظهر للناس أنه فيها نائب السلطان، ثم انكشف الحال بعد ذلك أنه ليس بنائب، بل هو مستقل بها لنفسه، وبقي فيها مدة طويلة حتى مات حمد بن سيف وجاء ولده إلى نزوى فضرب هلالا بتفق فقتله وكان ذلك في أيام السلطان فيصل بن تركي، فأرسل إليها عامله فحربها فأخذها من أولاد هلال بن زاهر وولى عليها سيف بن حمد قاتل هلال.
ثم سار إبراهيم بن قيس إلى المصنعة فأخذها من عامل السلطان؛ فأرسل السلطان إليها مركبا للنصارى فحربها، فخرج منها إبراهيم وجاء سالم بن ثويني إلى الشرقية، وأقام ببدية يطلب النصرة على عمه السلطان تركي فلم يتفق له ذلك ثم مضى إلى الهند ومات بها.
وفي آخر ذي القعدة من سنة تسعين ومائتين وألف خرج شيخنا صالح بن علي الحارثي – وهو المراد عند إطلاق لفظة شيخنا – بمن معه من المطاوعة وغيرهم على السلطان، فساروا وتعجل الشيخ بمن معه من مقدمة الجيش لينال غرة من مسكد فطلع عليهم الفجر دونها، (2/279)
صفحة 635
فرجعوا وأناخوا بسويح الحرمل؛ وتجمع الجيش هنالك وكان قد صادفهم بعض الحطابين فأخبروا عنهم في مسكد؛ وكان السلطان مريضا فخرجت إليهم جنوده وأكثرهم الوهابية، وعليهم رؤساء الدولة؛ فجاءوا إلى السويح بعدّهم وعديدهم، فالتقاهم بوادر الجيش، فاقتتلوا يسيرا ثم انهزمت جنود السلطان؛ فركبهم الجيش قتلا وأوسعهم طعنا وضربا، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم دخلوا مطرح ونزل الجيش بها وسالمهم الكوت.
وأرسل السلطان إليهم عامله بدر بن سيف ليرضيهم بما أرادوا؛ فقال الشيخ لا نرضى إلا بدخول مسكد، فقال العامل أنا أدخلكم إياها، فليصحبني من شئت من قومك، وكان ذلك تلطفا منهم ليتمكنوا من المكيدة؛ فأرسل الشيخ عنده سبعين رجلا؛ وفيهم رئيس الحجريين هلال بن سعيد وحمود بن سعيد الحجافي، فدخلوا مسكد واتفقوا أن يأتيهم الشيخ بالجيش من الغد، وما كان عند السلطان لهم مدافعة لكونه مريضا، ولأن أنصاره من القبائل لم تصله، فاستحضر السلطان حمود الحجافي وشكى له الحال وتلطف به وخلع عليه الخلع ومناه الأماني وقال له ردّ عني القوم بما شئت ولك ما شئت.
قال شيخنا: فلما كان الغد خرجت بالجيش من مطرح إلى مسكد؛ فلما صرنا بالعقبة إذا نحن بمحمود مقبلا، قال فأخذني في ناحية وقال إن السلطان يمد لك الفرائض ويمنيك بما تحب ويعطيك الآن ستة آلاف قرش وترجع عنه، قال فقلت اتق الله ما لهذا جئنا؛ إنما جئنا لإظهار العدل وتقويم الأمر، قال نحن لا نريد ملكا؛ فإما أن تأخذ هذا الوجه وإما أن أفرق هذه الدراهم في الجيش وأخذلهم بها. قال وقد علمت أنه إن لم أقبل سيفعل ما قال، فقلت له إن لم يكن لك بد عن هذا فخذ لنا منه خمسين ألفا، قال يكفيكم هذا.
قال شيخنا فلن نقدر عليه إلا بما يريد، وعلمت أنه (2/280)
صفحة 636
عليّ القوم، فطاوعته وخرجنا من مطرح؛ ثم قاموا على السلطان مرة أخرى وكتبوا لإبراهيم بن قيس أن يلاقيهم فلاقاهم بمن معه؛ وجاءوا على الرواية وحاصروها؛ ثم تخاون القوم ورجعوا من غير شيء. ثم قاموا على السلطان قياما ثالثا وفيهم أخو السلطان عبد العزيز بن سعيد، فساروا حتى أقلوا ([1]) السلالم على سيران مسكد؛ فقصرت السلالم فسقط بعضها على الأرض وجنود السلطان تضربهم من أعلا السيران، فرجعوا عنها من غير شيء.
وسبب خروج عبد العزيز عندهم على أخيه ما وقع بينه وبين أخيه من الضغن على الدولة. وذلك أن عبد العزيز كان بالهند وأرسل إليه أخوه السلطان وضمه إلى نفسه واستعان به على أمره، واستخلصه على مملكته حين خرج لحرب النزار من ازكي، وكان السلطان قد قدم بعض رؤساء الهناوية، فاحتالوا عليه حتى خرج من مسكد وسار إلى جؤاذر وملكوا أخاه عبد العزيز بن سعيد طمعا فيما عنده فلم يجدوا عنده ما تأملوا؛ فكاتبوا السلطان تركي أن يأتيهم إليهم بمسكد وعملوا الحيلة لعبد العزيز، فأخرجوه من مسكد إلى سمائل وعقب السلطان لمسكد، وخرج عبد العزيز من سمائل إلى الشرقية؛ وأقام بسمد الشان زمانا وخرج على أخيه فلم يتفق له مطلوبه. ثم سار إلى الهند في أيام فيصل بن تركي وأقام بها زمانا ومات فيها. ثم أن السلطان بعد رجوعه من جؤاذر قبض على الرؤساء الذين احتالوا عليه وفيهم حمود بن سعيد الحجافي فقيدهم؛ وسكنهم فما فكهم منه إلا شفاعة شيخنا، وكان له عنده كلمة.
ثم خرج إبراهيم بن قيس ملك الرستاق فأخذ المصنعة مرة أخرى وجعل عليها عاملا، ورجع من هنالك (2/281)
صفحة 637
بالعوابي. ثم جاء السلطان بجنوده إلى المصنعة؛ فجاء إبراهيم إلى آل سعد يطلب نصرتهم، وأقام بالملدة يعدونه فلم يفوا له حتى خلصت المصنعة للسلطان ورجع جيش إبراهيم عن العوابي خاليا، ورجع إبراهيم إلى الرستاق؛ ثم جاء أهل سرور يستنصرون على جيرانهم بني جابر، وطلبوا من شيخنا أن ينصرهم، وأقام رئيسهم عند عبد العزيز بن سعيد بسمد الشان يطلب منه النصرة؛ فاتفقوا على نصرته؛ فساروا جميعا حتى مكنوهم في أماكنهم وأذلوا خصمهم. وكان السلطان قد مال بعصبيته إلى بني جابر، فأخرج إليهم بعد ذلك بعض أولاده، فسار شيخنا وأقام بوادي الراك من الجرداء، فرجع جيش السلطان ولم يكن بينهما قتال، ثم خالف السلطان بنوا بطاش، فبقوا كذلك مدة ثم تمكن السلطان من رئيسهم فقتله وجمع لهم جندا فسار إليهم يقدمهم ولده فيصل؛ فدخلوا بلدانهم وتمكنوا منها.
ثم خرج إبراهيم بن قيس وأخذ حصن السويق من الباطنة، فجاءه مركب للنصارى من قبل السلطان، فخاطبه بالخروج فخرج قبل أن يضرب، ثم رجع من هنالك إلى الرستاق، وأقام بها زمانا، ثم خرج فأحاط بالعوابي وحاصرها بضعة عشر يوما وضرب حصنها بمدفع فخلصت له، وكان ذلك آخر عمر السلطان تركي. وفي سنة إحدى وثلاثمائة وألف مات الشيخ محمد بن سليم الغاربي رحمة الله عليه وكان موته بالخبة من الباطنة وفيها قبره؛ وفي هذه السنة أيضا مات بالشرقية الشيخ سعيد بن علي الصقري، وكان رجلا فاضلا (2/282)
صفحة 638
الأخيار ويحب العلماء وبينه وبين علماء المغرب مكاتبة ([2]) وله عندهم خصوصية. وفي آخر سنة خمس وثلاثمائة وألف مات السلطان تركي بن سعيد واستوى من بعده ولده فيصل بن تركي على الكرسي.
--------------------------------------------------------------------------------
[
1]- في الأصل قلوا؛ فإن لم تكن هذه لغة عمانية فصوابه أقلوا، أي رفعوا كما صححناه والله أعلم.
[2]- رأيت له مكاتبات مع شيخنا قطب الأئمة وكان يرسل إليه بعض تآليفه ليبرزها إلى عالم المطبوعات منها كتبه الثلاثة في البلاغة كتب على كل منها بخط القطب: يرسل إلى الشيخ سعيد الصقري ليطبعه ثم يرده.
وقد رأيت مثل هذا على كثير من تآليفه الأولى ويظهر أنه كان عازما على طبع كثير من تآليف شيخنا ولم تسعفه المقادير فعجلته بالموت رحمهما الله وله ثواب نيته فنية المؤمن خير من عمله والحمد لله
باب دولة السلطان فيصل بن تركي ابن سعيد بن سلطان بن الإمام
ولي السلطنة في اليوم الذي مات فيه أبوه، وكان هو أوسط إخوته؛ وكان أحسنهم سياسة وحزما، فاستوى على الكرسي وأرسل رسله إلى شيخنا يذكر له وفاة والده ويطلب منه المهادنة والصلح، فعقدوا الصلح بينهما ثم أخذ في جمع الجيوش وخرج بها إلى الرستاق في أول سنة ست وثلاثمائة وألف، وعسكر ببركا وأتاه بعض الرؤساء بكلمة في الرجوع عن الرستاق وترد إليهم العوابي لأنها أخذت منهم قريبا فظنوا أن الخروج لأجلها فلم يقبل ذلك؛ ومضى بنفسه في الجيش حتى دخل الرستاق وعسكر في برج المزارعة وسحبت المدافع وقربت من الحصن وضرب بها الحصن وفيها يومئذ إبراهيم بن قيس وأولاد أخيه الإمام عزان. وكان ممن اشتهر يومئذ بالدفاع سعود ابن الإمام، فإنه كان أكثر ملوكها دفاعا وبقي الحرب كذلك زمانا، ثم تخاونت جنود السلطان وجاء أهل الباطنة لنصر إبراهيم بجيش عظيم وتبين للسلطان الخيانة في قومه فرجع عنها بدون شيء (2/283)
صفحة 639
العوابي في يد إبراهيم ورجع السلطان إلى مسكد.
وفي أول سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف دخل شيخنا وادي دما؛ وكان بها بنو شهيم قوم أظهروا البغي وطلب منهم شيخنا الحق فأبوا وسار إليهم بالجنود ودخلها بعد أن ظنوا أنها مانعة لا يقدر عليها. ودما هذه غير دما المشهورة في الكتب فإن المشهورة في السيب، وليست بمانعة لأنها أرض من الباطنة، وهذه واد قد اكتنفته الجبال الشامخة، ثم وقع بين السلطان وبين شيخنا بعض أشياء في النفوس وكتب إليه شيخنا كتابا ذكر له فيه أنه لا يملك إلا نفسه يعني أنه لا يعطيه ذمة إلا عن نفسه؛ فقيل إن السلطان استنكر الكتاب وقال له قائل: إن هذا الكتاب يشعر برد البرى فأعرض السلطان عن الكتاب وجعله كلا شيء ولعله إنما فعل ذلك رغبة في استبقاء الصحبة.
ثم خرج عبدالله بن صالح بن علي الحارثي، وسار إلى نزوى في جماعة عديدة لأمر مهم هنالك، ثم رجع من نزوى على طريق ازكي ثم على وادي بني رواحة ثم على سمائل ثم دخل مسكد فقابلهم السلطان بالإكرام، فلما كان بعض الليالي هجموا على بيت السلطان وعلى سائر المقابض فتمكنوا منها وخرج السلطان إلى الكوت، ثم جاء شيخنا بالجيوش ومعه سعود ابن الإمام حتى نزلوا بسويح الحرمل وكتب للسلطان كتابا كشف له فيه القناع أنه حرب له، فقام الحرب في مسكد ونصرت الغافرية السلطان والهناوية الشيخ، وكذلك الرحبيون نصروا الشيخ، وقام الحرب نيفا وعشرين يوما، ثم دخل الناس بالصلح بينهم ودفع السلطان إلى الشيخ اثني عشر ألف قرش وتوثقوا على أشياء لم يف السلطان بشيء منها؛ وكانت هذه الدخلة في شعبان من هذه السنة، ثم رجع الشيخ إلى وطنه القابل من الشرقية وأقام بها. (2/284)
صفحة 640
وفي اليوم السابع من ذي الحجة وقت الضحى من سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف مات عبدالله ابن شيخنا صالح بن علي، وسبب وفاته مرض أصابه بين أهله بعد رجوعهم من واقعة حرب مسقط الأخير بمدة تزيد على الشهرين قليلا، وقد كان في وقته منفردا بالسياسة في الحروب والتدبير في الدول والبسالة في الأمور والشجاعة في الإقدام؛ وكان على وفق مراد والده المذكور، وقد سارت بسمعته الركبان واشتهر بهذا الوصف في جميع البلدان مع صغر سنه فإنه توفي وهو ولد عشرين سنة أو فوقها بقليل، وفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف في يوم الأربعاء وقت العصر لست مضين من ربيع الآخر توفي شيخنا الصالح صالح بن علي بن ناصر بن عيسى بن صالح الحارثي، وسبب وفاته أنه خرج مجاهدا في جيش، فحمل على بلد الجيلة – وكانت من أعوان الجبابرة – في ضحى ذلك اليوم فأصابته رصاصة في فخذه فبقي جريحا حتى توفي شهيدا في وقت العصر؛ ولم يمت رضي الله عنه حتى أقر الله عنه بنيل مطلوبه في أهل الجيلة؛ فإن أولاده الكرام حملوا بمن معهم من الأقوام على أولئك الظلمة، فاستفتحوا دارهم ومحوا آثارهم؛ فبقي القوم بين طريد وأسير وقتيل. ثم أمر به ابنه عيسى فحمل إلى علاية سمائل فدفن فيها، غفر الله له ورحمه ورضي عنه وبرد مضجعه آمين.
وقد كان رضي الله عنه أعلم أهل زمانه في الحلال والحرام وأشدهم حرصا على قوام الإسلام وأكثرهم خصالا في صفات الكرام، وكان أحد الثلاثة الذين دارت عليهم مملكة إمام المسلمين عزان بن قيس رضي الله تعالى عنه.
وأما قريناه الآخران فهما شيخنا سعيد بن خلفان بن أحمد بن صال الخليلي الخروصي وشيخنا محمد بن سليم الغاربي ثم (2/285)
صفحة 641
استشهد ذلك الإمام ووزيره شيخنا الخليلي وبقي هذا الشيخ من بعدهما محاربا للجبابرة ومسارعا إلى أعمال الآخرة؛ وله في ذلك وقائع مشهورة وأحاديث مذكورة.
وقد استشهد رضي الله وعمره يناهز الستين سنة، وتأمر بعده ولده عيسى ابن صالح، ورجع من الجيلة إلى وطنه، فلما وصل وطنه بلغه أن السلطان جمع الجيوش لحرب بني رواحة، وكان بنو رواحة من أنصار الشيخ، وكان السلطان قد طمع بموت الشيخ أن يصيب من أنصاره غرة فجمع الجموع وأرسل إليه عيسى يكاتبه بالتأخير عن الحرب ويمنيه بالوجوه الجميلة فلا يرى في أجوبته إلا الخشونة فجمع السلطان جنوده وسار إلى وادي سمائل ونزل بسيجا، وكان بنو جابر من أعوانه وأنصاره، وركب الأمير عيسى بمن خف معه حتى نزلوا العلاية من سمائل وفيها أولاد الشيخ الخليلي.
وكان أحمد بن سعيد ولد الشيخ الخليلي عالما فاضلا؛ وكان قد رأى في منامه قوله تعالى (سيهزم الجمع ويولون الأدبار)، فاستبشر الشيخ وبشر إخوانه، فلما جاوز السلطان إلى سيجا وكانوا يظنون أنه يقصد العلاية، أراد الأمير عيسى أن يركب إلى الوادي الغربي ليحميه خوفا عليه من السلطان؛ فقال رؤساء العلاية أن هذه مكيدة من السلطان، وأنه لم يقصد الوادي، وإنما قصد العلاية؛ فعمل الأمير ومن معه حيلة، فأرسلوا من يصيح بالقوم فركبوا في هيئة من يثبت الصائح حتى دخلوا الوادي الغربي ونزلوا فيه وأخذوا مقاعدهم للقتال، وكان السلطان قد أرسل إلى رؤساء بني رواحة أن يواجهوا، فواجهوا على يد شيوخ بني غافر ومنهم – وهو كبيرهم – ناصر بن حميد صاحب بهلى، فلما وصلوا أمر بهم السلطان فقيدوا، فكلمه الشيوخ فيهم فأبى أن يطلقهم، ورأى أنه لا خفر لهم عليه لأنه سلطانهم، فدخل ذلك في (2/286)
صفحة 642
نفس الشيوخ لأنهم يرونه نقصا في منزلتهم وتضييعا لذمتهم؛ وكان ذلك سببا لخذلان السلطان، فمشى بعض الشيوخ إلى بعض واتفقوا أن لا يجتهدوا في حربه؛ فأمر بالمسير إلى الوادي وخرج هو في أولهم فخرج الجيش أجمع، فلما قربوا من الوادي انحاز الشيوخ الذين اتفقوا على خذلان السلطان على جانب في موضع يسترهم عن الضرب جبل؛ واندفع باقي جنود السلطان إلى الوادي وأكثرهم بذلا فيهم بنو جابر فوقع الضرب من الجانبين وكانت الصمع يومئذ قليلة لا يوجد منها عند الأمير وأصحابه في ذلك الوقت إلا قدر ثلاثين تفقا وهي التي هزت القوم. وأما جند السلطان فكان عندهم من الصمع شيء كثير قيل أن عددها في دفتر السلطان كان أربعة وعشرين مائة تفق ([1]).
وأما عدد الرجال من جنود السلطان فقد كانوا آلافا كثيرة فوقع الضرب من الفريقين وضرب مدفع السلطان؛ ثم وقعت على المدفع خلة قيل إنها انكسرت رجله ثم انكشفت جنود السلطان بعد أن كادوا يشارفون الوادي فأصيب منهم قتلى تزيد على أربعين رجلا فيما قيل فرجعوا على أعقابهم وكان السلطان بنفسه يحرضهم على فرس قدامهم، فلما انهزموا رجع السلطان إلى حصن سمائل ثم منها إلى مسكد؛ ولم يقتل من أصحاب الأمير أحد إلا رجل كبير السن من بني رواحة كان في زرع هنالك فجاءته رصاصة سائبة فقتلته؛ فرجع الأمير بمن معه بالنصر والسلامة وفي شوال وقت المغرب ليلة أربعة وعشرين من هذه السنة وهي سنة أربعة عشر وثلاثمائة وألف توفي سعيد بن حمد بن عامر بن خلفان الراشدي ببندر مطرح وكان قاصدا لحج بيت الله الحرام بالأجرة عن غيره فأصابه فيها ألم الجدري فمات (2/287)
صفحة 643
منه، ودفن في ذلك البندر بالموضع المعروف بالعريانة، غفر الله له ورضي عنه؛ وكان من أهل سناو فانتقل منها إلى الفتح من بلدان الشرقية، وكان مسارعا إلى الخيرات معروفا بالسكينة والوقار تاركا لحظوظ النفس ومتصفا بالكمالات الإنسانية؛ مجدا في تحصيل العلم النافع وفي الاستفادة والإفادة فيه، ومهر في العلم مع صغر سنه فإنه توفي وعمره نيف وعشرين سنة على التحري، ومات بعد أن شرع في التصنيف فإنه قد صنف منظومتين فائقتين في فنهما: إحداهما في الرد على من يدّعي قدم القرآن نونية سماها فيض المنان، والثانية لامية في الدفاع والجهاد سماها علم الرشاد.
وفي سنة خمسة عشر وثلاثمائة وألف في اليوم التاسع عشر من شعبان توفي أبو عبدالله حمد بن سيف بن سعيد بن راشد البوسعيدي رضي الله عنه؛ وسبب موته رحمة الله عليه أنه خرج حاجا من عمان عن غيره؛ وكان قد حج عن نفسه فتوجه أولا (إلى) أرض السواحل، ومر على ساحل الهند؛ فأصابه ألم الجدري بالبندر المعروف (بمبي) وهو يومئذ في يد النصارى أخزاهم الله تعالى وأذلهم، وقد كان عالما فاضلا نبيها فطنا نزيها اتفق كل من يعرف حاله على تفضيله على سائر فضلاء مصره في دهره، وكان سنه يوم توفى نيفا وأربعين سنة، بل كان إلى الخمسين أقرب؛ وفي سنة ستة عشر وثلاثمائة وألف في اليوم الرابع من المحرم عند غروب الشمس توفي والدي حميد بن سلوم السالمي في بندر جدة من ألم الجدري.
وفي يوم أحد عشر من هذا الشهر المذكور توفي إبراهيم بن قيس أخو الإمام بالرستاق وكان ملكها، وملكها من بعده سعود بن الإمام عزان بن قيس وكان إبراهيم قد خلف ولدين أحدهما صغير جدا يقال له أحمد بن إبراهيم (2/288)
صفحة 644
والثاني رجل شاب يقال له سعيد بن إبراهيم، وكان إبراهيم قد جعل عسكر قلعة الرستاق من بني هشام ورئيسهم ناصر بن محمد المخطوم، فاتفقوا هم ومن حضر من رؤساء الهناوية على تقديم سعود، فلما دخل سعود الحصن هرب سعيد على فرس ومعه رجلان أو ثلاثة أهل خيل حتى جاءوا الحزم، وكانت رؤساء الهناوية قد جعلوا في الحزم نائبا من أهل الباطنة يقال له حمدان ليمنع الحصن من سعيد، فلما جاء سعيد صادف حمدان على باب الحصن فأمسكه، وقال لا بد من فتح الحصن أو أقتلك فناداهم أن افتحوا له ففتحوا له فدخل؛ فلما دخل سعيد الحصن ظهرت حجته على من فيه فأخرجهم منه وبقي هو وأعوانه.
وكان سعود بن عزان ثقة تقيا فاضلا مرضيا، كان شيخنا يفضله على أبيه الإمام قبل عقد الإمامة، وكان قد هم بعقد الإمامة عليه بالقابل من الشرقية؛ وكتب للقبائل أن يحضروا البيعة؛ فجاءت القبائل بعضهم قد وصل وبعضهم في الطريق فكان من الأمر المقدر أن حصلت موانع عن تمام ذلك العزم، ولا حاجة إلى ذكر ما منع.
فلما تولى سعود الرستاق كتب إلى أفاضل المسلمين ورئيسهم عيسى بن صالح فحضروا معه الرستاق، وفيهم أيضا ابن عم الإمام فيصل بن حمود، ووصل شيخنا ماجد بن خميس العبري؛ وقال سعود بن عزان قد كنتم تحاولون معقلا للمسلمين تقيمون فيه العدل؛ وقد مكنني الله من هذا المعقل فقبضته لكم حتى تصلوا؛ فإما أن تكونوا شركائي في الأمر وإما أن أخرج إلى بيتي، فقال له المسلمون: كن مكانك ونحن إن شاء الله تعالى من ورائك ومن أعوانك، وهذه ثقات الرستاق يعينوك على مهماتك الحاضرة وتكلموا فيما بينهم أن ينصبوه إماما على المسلمين وعلى ذلك صمم عزمهم، وكانت الناس من الأطراف ينتظرون تقديمه إماما (2/289)
صفحة 645
بأهليته؛ وكتب بعض الأفاضل من بعض الأطراف في ذلك قصيدة ميمية أحفظ منها قوله:
فإن شاء الإله فمن قريب = يقال له الإمام ابن الإمام
فلم يقدر الله ذلك، ولا يكون إلا ما يريد الله؛ وكما تكونوا يولي عليكم؛ فانفشل الأمر وضعف العزم ورجع كل إلى بلده، ومات حمود بن سعيد الحجافي بالرستاق في هذه المرة، وبقي سعود بن عزان أميرا عادلا على الرستاق وما يتعلق بها والعوابي؛ وسار فيما ملك سيرة حسنة، وولى أمره العلماء والثقات؛ وجعل نفسه كواحد منهم.
وفي شوال من هذه السنة قصد الأمير عيسى بن صالح وبعض أصحابه الحج على طريق البر، فمر على سعود بن عزان بالرستاق، ثم على زايد بن خليفة في بوظبي، ثم إلى قطر، ثم إلى الإحساء ثم إلى نجد ثم إلى المدينة ثم إلى مكة، وكان بنو هشام وهم عسكر قلعة الرستاق قد شق عليهم ما رأوه من عدل سعود وحسن سيرته؛ وشق على رؤساء النفاق من أهل الرستاق وغيرهم ذلك فخافوا أن يكبر أمره وقد رأوه يكبر؛ فعملوا المكيدة فيه واحتالوا عليه بواسطة أخيه حمود بن عزان فأدخلوا حمودا الحصن خفية ليلة ثماني وعشرين من شوال من سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف؛ فلما طلع الفجر خرج سعود بن عزان للصلاة بالجماعة الذين لازموه في غرفة الصلاة، فصلى بهم ركعة من فريضة الفجر؛ فلما قام إلى الثانية نقعت فيه من ورائه التفاق فقتلته من حينه، وضربت رجلا من ورائه من حبوس الروضة كان معه يسمى محمد بن مطر، وهو خال حمود بن عزان؛ والضاربون فيهم بعض رؤساء بني هشام، ومكنوا حمود بن عزان وهو أخو سعود من الحصن. ودفن (2/290)
صفحة 646
تحت الحصن من الجانب الغربي، فقيل إنهم كانوا يرون الأنوار عليه ساطعة، وبقي حمود في يد بني هشام آلة ووسيلة لهم على ظلم أهل الرستاق.
وأما العوابي فإن واليها بعد قتل سعود سلبها إلى سعيد بن إبراهيم، ثم أساء سعيد في أهلها السيرة فتعصبوا بالعبريين فأحاطوا بها وأخرجوا عسكر سعيد، وتمكن منها السلطان فيصل فصارت له إلى اليوم، وفسدت أمور الرستاق وسلط الله عليهم الآفات من جدري وطاعون، وسلط عليهم الظلمة يسومونهم سوء العذاب، قامت قائمة من أكابر آل سعد أهل الباطنة وأرادوا أن يحتالوا على حصن الرستاق ليدخلوه ويمسكوه عن بني هشام، ففطنوا لهم فوقع بينهم ضرب وقتل في الفريقين، وقتل ناصر بن محمد رئيس بني هشام؛ وذلك كله داخل الحصن وترأس بعده أخوه حارث بن محمد؛ وبقيت الرستاق لحمود بن عزان اسما ولحارث ابن محمد معنى؛ وفسدت أمورها واختصمت رعيتها؛ واحترب أهل الغشب وتعصبوا بالقبائل الخارجية ووقعت بينهم الحرب؛ فلما رأى حمود بن عزان وحارث بن محمد فساد الأمور عليهم واختلاف الرعايا كتبوا للأمير عيسى أن يصلهم، وكان الأمير قد تأخر عنها لأنه لا يعرف لها قابضا أمينا، فمن قدر الله تعالى أن أظهر سعيد بن إبراهيم المتاب؛ وكتب بعض ثقات الرستاق بتوبته وكان ذلك منه مخادعة للمسلمين يطلب بها الرستاق فيما ظهر من أمره بعد ذلك.
إذا سبحت قيطون همت بسرقة= فحذرك من قيطون حين تسبح
فركب الأمير ومن معه من الشرقية؛ وكان السلطان قد نشب أظافيره بالرستاق طمعا فيها، حتى قيل إنه كان بنو هشام يعدونه بها، (2/291)
صفحة 647
فأرسل ولده تيمور وخادمه سيف دولته سليمان بن سويلم في مركب فأنزلهم بالسيب ثم ارتفعوا إلى الخوض وأرسلوا قوما من بني جابر فقطعوا عقبة القرط على طريق الأمير، وكان طريقا ضيقا؛ فجاء الأمير على سرور، ثم منها إلى فنجا بعد مناقعة حصلت بين بعض القوم وبين أهل العمقات من السيابيين بعد طلوع الشمس بنحو ساعة؛ ثم قالوا بفنجا ثم راحوا منها وانحدروا في وادي فنجا فوافقوا بعض سبور قوم السلطان هنالك فأمسكوه معهم، فقبل غروب الشمس بقليل وصلوا قرب عقبة القرط، فرآهم الرصد فنقعوا فيهم؛ فعقل القوم ركابهم وركضوا على من بالعقبة فانهزموا وولوا الأدبار، ولا ندري ما الذي وقع فيهم.
وأما قوم الأمير فلم يصب أحدا منهم بأس، لا في أول النهار ولا في آخره. ثم ساروا حتى عرسوا بفليج السيد؛ ثم نشروا حتى قالوا بوادي المعاول في بلد حبرى، ثم راحوا حتى باتوا بين العوابي والرستاق، ثم صبحوا الرستاق فتلقاهم حمود بن عزان بأهل الخيل في علاية الرستاق للتجليل والإكرام ثم ساروا معه حتى أنزلهم مسجد البياضة، وهنالك واجه أمراء العسكر من بني هشام فذكر لهم ما كتبوه له ووعدوه به؛ وهو أن تكون الدار داره والحصن حصنه؛ فلم يجد منهم وفاء، وأقام ثلاثا يراجعهم في الوفاء بما وعدوا فامتنعوا؛ فخرج غاضبا وهو يعزم على أن يأتوا بسعيد بن إبراهيم من الحزم ويقاوموا الحصن بحرب.
وكان حمود بن عزان قد ملّ الإقامة بين بني هشام لكونهم قد استطالوا عليه وحكموا المقابض دونه؛ فأرسل إلى الأمير أن ينتظره أو يصل إليه بصباح الشرجة فأرسل إليه الأمير أني انتظرك بمسجد قصرى فوصل حمود بن عزان مسجد قصرى وأظهر التسليم والإذعان، وقال لا أحب أن أكون هنا بين بني رواحة (2/292)
صفحة 648
تزيلوهم عني، فمكث عندهم، وأرسلوا إلى سعيد بن إبراهيم وجاءوا به؛ وبقي حارث بن محمد يماكرهم، ويعدهم ويمنيهم؛ وكان السلطان قد نزل بالمصنعة وأرسل ولده تيمور بجيش، وأقام في جما، وأرسل خادمه وعامله سليمان بن سويلم بجيش وأقام بالعوابي؛ وكان ولده نادر بن فيصل ببركا ومعه قوم والسلطان في مركبه بإزاء المصنعة، وتارة يشرق به وتارة يغرب، والكل يحاولون الرستاق؛ وحارث يماكر الجميع، وأقاموا على ذلك شهرا.
ثم إن حارث بن محمد وهو أمير الحصن أرسل إلى الأمير عيسى وإلى سعيد بن إبراهيم أن يدخلوا عليه الحصن للمشورة والنظر على شرط أن لا يزيد من دخل على سبعة أنفس؛ فشاور الأمير من حضره يقول: يسعني أن أدخل معه، فأجيب أن الدخول ليس بتمليك، ولو كان سعيد جائرا جاز لك الدخول معه على هذا الحال، فإنه دخول للمشورة فقط، فدخلوا وبقوا في المشورة وحارث يشرط الشروط على سعيد: أنك تكون أنت الملك على شروط ذكرها، فلم يتفقوا تلك الليلة، ثم أصبحوا فلم يتفقوا إلا بعد الظهيرة أو بعد الظهر، وذلك أن حارثا يشترط على سعيد أن لا يبرز في الحصن ولا يدخله إلا بأربعة أعبد وعسكر الحصن كله من جماعة حارث، وكانوا يريدون غير هذه الشروط؛ فأبى حارث إلا التمسك بها، ولا قدرة لهم على زواله بالقهر؛ فلما رأوا ذلك أعطوه ما طلب، وضربت المدافع إعلاما بأن الملك سعيد بن إبراهيم، وأطلق حارث الباب فارتفع الأمير ووجوه قومه في الحصن؛ وأقاموا في الغرف، وحارث مع ذلك يماكر السلطان ويعده ويمنيه، والسلطان مقيم على ما تقدم.
ثم انكشفت لهم أحوال حارث، واطلعوا على بعض مكاتبته للسلطان وكان يعد السلطان بإدخاله في حصن الرستاق؛ وكان حصن المزاحيط في يد (2/293)
صفحة 649
أعطاه إياه حمود بن عزان وقت مخالفته هو وابن عمه سعيد بن إبراهيم، وبقي في يده إلى اليوم، ولم يكن للسلطان منه فائدة لكن له بقبضة غوائل، فوصل ولده تيمور يوما ببعض قومه إلى حصن المزاحيط، ثم رجع إلى جما.
ثم إن الأمير ووجوه قومه قد صمم عزمهم على إخراج حارث ومن معه حين رأوا أنه مخادع فعملوا لذلك حيلة وأظهروا أن الأمير يقيم بالرستاق عند سعيد ابن إبراهيم ويرخص قومه يرجعون إلى الشرقية فقالوا لوجوه القوم من شاء منكم الرخصة فليجيء بكرة عندنا، وكان مقامهم بالحصن وكان مقام البدو خارجا، فلما تعالموا بالرخصة جاءوا وقت الضحى واجتمعوا كلهم بالحصن؛ وحارث لم يفطن للمكيدة وكان من مخادعته أن أظهر أنه تائب يتعاطى النسك.
وكان سالم بن عمير من وجوه القوم، وكان حارث قد اتخذه صاحبا لا يفارقه مكرا وخداعا وأراد سالم بن عمير أن يكتب وصية عند القاضي راشد بن سيف اللمكي فخرج في ذلك الوقت إلى القاضي بقصرى ليكتب له؛ وصحبه حارث والناس يجتمعون بالحصن لأخذ الرخصة في الظاهر.
وكان الأمير ومن معه قد أخرجوا دفتر القوم الذي فيه كتابة نفقاتهم، وأخرجوا كيس القروش وكل من رأى ذلك من البدو قعد، ولم يفارقهم كيلا يكون الإنفاق وهو غائب. ثم أبطأ عليهم حارث، فقال قائل: أرسلوا إليه يذهب من هناك؛ فأبى الأمير إلا أن يأخذه بحجة وبيان؛ ثم خرج إليه الأمير بنفسه ولا أقول منفردا بل يحتمل أن يكون معه رجلان، وكان قبل ذلك قد أرسل إليه فلم يحضر؛ فلما سار إليه تلاقوا بالطريق، فقال حارث – أو سالم – ما هناك؟ قال سعيد بن إبراهيم أبي أن نرخص القوم وجماعة حارث في (2/294)
صفحة 650
وقال أنه يخشى على نفسه منكم ويخاف أن تصنعوا به مثل ما صنعتم بسعود؛ فلما دخلوا الحصن ورأى حارث القوم مجتمعين فيه أيقن بالذل واستشعر العجز وعلم أنه لا محالة خارج من الحصن؛ وقال له الأمير ومن معه قد أعطيناك جوابا ([2]) أن تكون في الحصن واليا ونحن نفي لك بذلك ولكن رخص جماعتك وابق عندك اثني عشر رجلا حتى يأمن سعيد بن إبراهيم من غوائلكم؛ وقال حارث لا أقيم إلا بجماعتي ولا لي مقام بعدهم، فقالوا له إذن يكون ذلك برأيك فلا تقل أخرجناك؛ فحمل جميع ما في الحصن مما قدر على حمله وأعطوه عن الأثقال دراهم بقدر قيمتها وزيادة وأتوه بالركاب وخرج بين المغرب والعشاء وأرسوا معه الخفراء وصحبوه إلى العوابي، وفيها سليمان بن سويلم خادم السلطان وواليه فلما رأى السلطان ذلك أيس من الرستاق ورخص باقي الجنود ورجع إلى مسكد، وكان هذا آخر رجب من سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف.
وكان ركوب الأمير بمن معه من الشرقية إلى الرستاق في أواخر جمادى الأخرى من السنة المذكورة فمدة المرابطة قدر شهر.
ثم بقي سعيد بن إبراهيم في حصن الرستاق والحزم، وكانوا يظنون فيه بعض الخير وكانوا يرون أنهم لم يدخلوه في حصن الرستاق وإنما أدخله حارث لكنهم أخرجوا حارثا عنه وبقي هو وهم في الحصن؛ وكانوا قادرين على إخراجه أيضا غير أنهم لم يجدوا الأصلح في الحال ولم يتهيأ لهم ذلك الحين إلا السكوت عن التقديم والتأخير، وكانوا يظنون منه غير ما وقع، وكان قد أظهر لهم الجميل وأعطاهم العهود؛ فرخص الأمير (2/295)
صفحة 651
وبقي هو ومعه خادم يخدمه عند سعيد في حصن الرستاق ليكون مطلعا على أحواله مقوما لاعوجاجه وبقي سعيد يداريه ما دام عنده.
ثم آنس الأمير منه الانحراف عما كان عاهدهم عليه وكتب إلى بعض وجوه قومه يخبرهم عن الحال الواقعة من سعيد، فسار إليه منهم جماعة ورجعوا جميعا إلى الشرقية وبقي سعيد بن إبراهيم هنالك، وأظهر بعد خروج الأمير عنه ما كان يستره من خبث السريرة وسوء السيرة وظلم الرعية، وأفسد في الأرض ولم تزل اليعاربة تحاول حصن الحزم حتى وجدوا له فرصة في أيام سعيد خادعوا خادما من الخدام قابضا على الحصن فجاء بهم وأخفاهم في خيمة قرب الحصن حتى أصبح الصبح وكان في وقت الضحى يجد لذلك فرصة وكان قد أخرهم لأجلها، فلما كان ذلك الوقت أشار إليهم بدخول الحصن فجاءوا إلى الباب فوجدوه مفتوحا فدخلوا في البرج وكان في البرج رجل من بني ريام يقال له خصيف ومعه ابنه، فلما رآهم ظهروا من الدرجة ضربهم وقتل منهم؛ فرأوا أن يحاصروه لظنهم أنه لا مغيث له ولا شك فهو نازل وبقي يمانعهم؛ وكان سعيد بن إبراهيم في الباطنة وسارت إليه الرسل فركب في الحال وجاء أهل الرستاق وأحاط سعيد ومن معه بالحصن، وأرسل لهم خصيف حبلا من دريشة البرج فصعدوا فيه فلم تشعر اليعاربة إلا والقوم قد ملأوا الحصن فأيقنوا بالغلبة وخرجوا على يد ناصر بن راشد كبير بني غافر بعد أخذ سلبهم وقتل من قتل منهم قبل الأمان فبقي سعيد على سوء سيرته في الرعية حتى أخذه الله بغتة في مأمنه.
وذلك أنه في يوم أربعة وعشرين من ربيع الأول سنة 1330 دخل أولاد فيصل بن حمود بن عزان وهما محمد وإبراهيم مع سعيد بن إبراهيم في الحصن بإذن منه لهم (2/296)
صفحة 652
ومرادهم في ظاهر الأمر ينظرون ولده، وكان ابن أختهم وكان طفلا صغيرا ودخل معهما رجل من أصحابهما يقال له سيف بن حمد القمشوعي؛ وقد باطنوا أربعة من خدامه واحدهم مملوك سعيد، فلكا تمكنوا فوق الحصن ضربوا سعيدا ثلاث ضربات تفق وثلاث ضربات خنجر فوقع صريعا ميتا بالحال وأرادوا قبض أخيه أحمد بن إبراهيم.
وكان في حد الاحتلام فهرب عنهم بالحال وتوجه إلى الحزم، ثم التفتوا إلى باقي الخدام فقتلوا منهم أربعة وركض إلى القلعة اثنان من الخدام الذين مع أولاد فيصل والقمشوعي وخادم قبضوا برج الحديث الذي أعلا من الصباح وواحد من الخدام في برج الريح وهو مملوك سعيد واسمه مسعود وبقي النقع بينهم وباقي خدام سعيد في الصباحات ومع الخدم بنو غافر، ومن أراد من أهل البلاد يسير معهم منعه الخدام وبنو غافر وبقي النقع بينهم من الضحى إلى صلاة الظهر، ثم أن خدام سعيد نادوا خادمة تفتح لهم الصباح الداخل الذي يدخل إلى السكنة من الجانب التحتي، فدخلوا على أولاد فيصل من هناك، فلم يشعروا إلا والضرب من تحتهم وورائهم، فضرب عليهم الخادم المسمى الفيل، فعند ذلك ركضوا إلى القلعة، أعني محمد وإبراهيم فضرب إبراهيم على باب القلعة؛ ثم ضرب الخادم المسمى سالم بن الحميدي على ستار القلعة، ثم ركض بنو غافر والخدام إلى برج الحديث؛ فضربوا الباب فأصابت سيف القمشوعي فمات، فاستجار الخادم المسمى درويش، ثم جاءوا إلى القلعة وبقي النقع بينهم ومحمد بن فيصل، فألجأوه إلى غالة منها بعدما ضرب منهم جملة بين قتيل وجريح؛ فاستجار بهم فلم يجيروه، وتعلق بمن يرجو منه النفع منهم فلم يجبه أحد، فحرقوا عليه بالنار، فلما أحس بالهلاك ألقى نفسه من دريشة (2/297)
صفحة 653
ضيقة إلى خارج الحصن، فضربوه قدر عشر ضربات تفق فمات، والخادم الذي في برج الريح أخذ شملة فدلاها إلى خارج الحصن؛ فهرب إلى بلد العوابي فقبضه عامل السلطان فيصل.
ثم رجع أحمد بن إبراهيم وهو أخو سعيد المقتول إلى الرستاق بوفوده من بني غافر وأهل الحوقين وغيرهم، فدخل الحصن وصار عدد القتلى ثمانية خدام والسادة ثلاثة: الجملة أحد عشر قتيلا وخمسة جرحى، منهم زهران بن شيخان الغافري؛ ثم مات من جراحاته وطرّشوا لآل سعد، ووصلت فرقة منهم لتركيد الأمور؛ وأرسلوا بذلك رسولا إلى الأمير بالشرقية فكتبوا له بهذا الواقع، وذكروا له أن القائم فيها الآن أحمد بن إبراهيم؛ وطلب منه بعضهم الوصول لتركيد الأمر، فلم ير للوصول معنى؛ فلما رأى من انقلاب حال سعيد بن إبراهيم بعدما تمكن، فأحمد بن إبراهيم هو الآن ملك الرستاق؛ فهذه أحوال الرستاق بعد إبراهيم بن قيس إلى الآن، ذكرتها لك متتابعة على طريق الاختصار لاستحضار الفائدة وجمعها في موضع واحد، وإن خالف أسلوب التاريخ.
وأما حارث فإنه لما خرج من الرستاق سار إلى الوادي الغربي من وادي بني رواحة وهو وطنه، فأقام بها حتى قتل، سلط الله عليه ثلاثة أنفس كانوا أعوانه فيما قبل على قتل سعود بن عزان فقتلوه غيلة في مأمنه، ثم قتل الثلاثة بعده قتلهم جماعة حارث. وهذه كلها عقوبات تتبعهم من خيانتهم في قتل الشهيد سعود ابن الإمام عزان رحمهما الله.
وكذلك سلط الله على من عاونه ولو بمشورة، فلم نعلم أن أحدا تشهر بمعونة في ذلك إلا وقد سلط عليه فقتل، ومن بقي منهم ينتظر القتل، وكان شيخ المعاول ناصر بن محمد قد تشهر بذلك، فسلط الله عليه رجلا من جماعته فقتله في مأمنه نهارا، (2/298)
صفحة 654
وما زال أهل الدنيا يتقاتلون على الدنيا؛ يقتل بعضهم بعضا.
تفانى الرجال على حبها = وما يحصلون على طائل
وفي أول سنة تسعة عشر جرى فلج الظاهر بالشرقية بعلاية بدية على يد شيخنا الفاضل جمعة بن سعيد بن علي المغيري رحمه الله؛ فجاء نهرا مباركا، وتوفي هذا الشيخ ليلة رابع من ذي القعدة من سنة ثلاثة وعشرين، ووصلنا نعيه ببكة يوم رابع ذي الحجة، وكان قد مات في صلاة العشاء الآخر بمسجد الظاهر وهو يصلي بالناس وما كان به من بأس، فحين قام إلى الركعة الثالثة خر ميتا رحمة الله عليه.
وفي أول سنة تسعة عشر أيضا خرج من مسكد بالوز الإنجليز؛ ويقال له القنصل؛ ومعناه بالعربية الوالي ([3]) فجاء على طريق قريات؛ ومنها إلى صور، ومنها إلى وادي مسلق؛ وكان قد استأذن السلطان في ذلك، وكان قد هم أن يدخل الشرقية من رفصة المشارفة، وانتدب لمنعه شيخنا الأمير ورؤساء القبائل وتعاقدوا على منعه خوف غوائله؛ وكتبوا بذلك إلى رئيس المشارفة؛ وركب الأمير إلى بدية ثم إلى جعلان في معارفة الناس لدفع الشر المتوقع بمنعه.
وكتب البالوز إلى السلطان فيصل بالواقع فداخلته الحمية في رد هذا القنصل؛ إذ كان عن ابنه خرج، فركب بمن حضر معه البحر ونزل بصور؛ وكان قد حمل معه ما يحتاج إليه، فيقال إن متاعه من الدراهم غرقت به الماشورة عند التنزيل من المركب.
ثم أرسل السلطان إلى بعض رؤساء الصواويع، وهم من شيوخ بني بحسن فذمرهم عند البالوز وأرسل معه ولده تيمور، وكان يومئذ يقارب الاحتلام، فركب الأمير من القابل ومعه وجوه قومه؛ ونزلوا بالمنترب من بدية (2/299)
صفحة 655
معهم رئيس الحجريين هلال بن سعيد ومعه كثير من مطاوعتهم وبعض قومه؛ وساروا جميعا حتى نزلوا بالفليج من بلدان المشارفة؛ ثم ركبوا من هنالك قاصدين الرفصة لمنع البالوز وأعوانه؛ فإذا هم قد دخلوا الرفصة؛ فرجع الأمير ومن معه والبالوز ومن معه يسيرون وراءهم ولم يعاجلوهم سياسة منهم، خافوا الفرقة بين المسلمين ورجعوا متحرفين لقتال ومنتظرين للفرج حتى وصلوا موضعا يقال له أم الخم؛ وهو مرصد للقتال أحاطت به الجبال؛ والطريق بين الجبال في الوادي، فهنالك قبضوا عليهم الطريق؛ وكان الوقت حرا والشمس في كبد السماء؛ فوجهت إليهم التفاق وهموا بقتلهم إن لم يرجعوا إلى أعقابهم.
ثم رأى الأمير أن يكلم تيمور لعله أن يرجع من غير قتال؛ فأتى إليه وسط قومه والنصراني قد جلس في الأرض مادا رجليه متحيرا؛ فكلم الأمير تيمور في ذلك قبل إطلاق التفاق؛ فأجابه برفق ولين واتفقوا على أن ينزلوا جميعا بالفليج ويكتبوا بالواقع إلى السلطان؛ وكان بصور؛ فنزلوا بالفليج وقد أمنوا بعضهم بعضا؛ وقد كان في أول الأمر إنما وصل عند الأمير وجوه القوم؛ وحين نزلوا بالفليج وصارت تأتيهم الرجال متوالية؛ وصار السلطان ينفق على الفريقين؛ ولما آيس البالوز من وصول الشرقية طلب أن يرى معدن الضحام؛ ويسمى الفحم وهو جبل فيه حجر يحمل لوقيد النار في المراكب وغيرها؛ وأكثر علم المراكب عليه، فاقتضى رأيهم أن يسمحوا له برؤيته، ولم يرفض بعض الناس بذلك فقطعوا له في طريق المعدن، وكان معه تيمور بن فيصل وبعض الناس من أصحاب الأمير فأطلق القاطعون فيهم التفاق؛ وأصابت ضربة منهم الحصان الذي تحت (2/300)
صفحة 656
البالوز فقتله ووقع البالوز على بطنه في الأرض، فصار يرفس برجليه كهيئة السابح في البحر؛ فوثب بعض من كان معه من أصحاب الأمير فكفوهم عن النقع؛ ثم ساروا حتى وصلوا جبل الضحام فأروه إياه على عجل وأزعجوه في الرجوع، فلم يتمكن من رؤيته كما أراد.
ثم رجعوا إلى منزلهم وأرسل البالوز إلى الأمير أن يأتيه أو يأذن له في إتيانه، فقال الأمير: لا أراه ولا يراني، ثم رجعوا إلى صور وواجهه رئيس الحجريين السلطان بصور ومعه بعض الناس من وجوه القوم وأعطاهم السلطان عطايا، وأرسل للأمير هدايا (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم بسوء) ورد الله كيد البالوز في نحره. نسأل الله أن يحفظ بلاد الإسلام.
وفي ذي القعدة من هذه السنة قتل شيخ بني علي، وهو حاكم ينقل من الظاهرة وهو هلال بن غصن؛ وكان فيما سمعنا رئيسا فاصلا، آمرا ناهيا، شديدا على أهل المناكر؛ كثير العبادة والتلاوة؛ واصطلحت في أيامه بلدانه واستراحت رعاياه، وكان هلال بن غصن قد جهز جيشا لحرب فدى؛ فقتل والجيش محاصرا لها؛ وكانت قد أمر على الجيش ابن أخيه سليمان بن سنان وكانوا ينتظرون فتحها؛ وبقتله تفرق الجيش عن أميره؛ ورجعوا عنها بعدما عاينوا الظفر.
وكان قتله على يد ابن أخيه خلف بن سنان بن غصن وهو أمير ينقل اليوم، ويقال إن قتله كان عن شورى من السلطان وواليه سليمان ومن رغب في خلف في الملك بعد عمه، ويقال إن هلال بلغه أن خلفا سيقتله، قال ما أصنع به؟ يقضي الله ما كان قاضيا؛ لا يحل لي أن أقتله بالتهمة، ولا يجمل لي أن أشتت أقاربي فبينما هلال جالس بعد صلاة العشاء الأخيرة في المسجد يذكر الله إذ دخل عليه خلف، فقال كيف تأخرت إلى الآن، (2/301)
صفحة 657
يعني على الصلاة، وهو ظن أنه جاء ليصلي، فقال الآن جئت، ثم أرسل أهل بيت هلال إلى هلال الخادمة لتنذره وتحذره من خلف، فدعته ليخرج إليها؛ فيحن خرج إليها نقع فيه خلف من ورائه بتفق فوقع على الأرض وهو يقول: لا إله إلا الله ثم قضى نحبه ولم يتمكن خلف من ملك ينقل إلا بعد أن قتل جملة من أقاربه وخدامهم؛ ثم دانت له الأمور ولله الأمر كله.
وفي سنة ثلاثة وعشرين وثلاثمائة وألف خرجت من بيتي بالقابل قاصدا حج بيت الله الحرام فمررت على السلطان فيصل ذاهبا وراجعا، وقابلني هو وأولاده بالإجلال والاحترام، ومن لم يشكر الناس لن يشكر الله؛ وطلبت منه الخلوة على لسان ولده تيمور، وكلمته في اجتماع الشمل والقيام بالعدل وجمع العرب تحت راية واحدة، فقال إن حصل لكم ذلك بقبول عمي نريد غيره؛ وأراد بعمه عبدالعزيز بن سعيد.
ومعنى قوله إنكم إن اجتمعتم على هذا الحال لا نريدك بل نريد عمك؛ فتجاهلت له كأني لم أفطن لما أراد، وقلت له من غيرك؟ أي لا يوجد غيرك ممن هو أهل لهذا والحجة عليه في هذا، فقال إن الوالي سليمان سيخرج إلى الشيخ عيسى لمواعدة بينهم، والجواب يكون على لسانه، فما ينقله عني فهو مني؛ وكنت قد كتبت له عند رجوعي من الحج في المركب برفع العشور والكرنتينة عن الحجاج، فرفعهما من تلك السنة إلى هذا العام إلا سنة واحدة لم يكن هو فيها بمسكد؛ فكرتن الحجاج وعشروا؛ ثم رجعت إلى الوطن سالما شاكرا والحمد لله تعالى. وكنت قد اجتمعت في مكة برجال من علماء قومنا؛ وكان رجل منهم يقال له الزبير بن علي الأصغر من أهل عظيم أباد من أرض الهند قد سبقني إلى (2/302)
صفحة 658
مكة؛ ولما سمع بوصولي أتى إليّ في بيت الرباط وسألني عن أصول المذهب وفروعه؛ وأهله ومحله، فشرحت له ذلك شرحا وافيا كافيا، وطلب مني بعض كتب المذهب فدفعت إليه مشارق الأنوار، وكان لم يحضر غيرها؛ والكلام في ذكر جميع ما سأل عنه يطول به الكتاب، ثم بقي يتردد عليّ مرارا ويناظرني في الخلاف والواقع بيننا وبينهم، وكان رجلا أديبا حسن الجدال ذا ذكاء وفطنة لا يكابر الحجة إذا رآها، وكان هو السبب في الاجتماع بعلماء الآفاق في ذلك العام، وقد منّ الله عليّ بإظهار الحجة على جميعهم فاعترف بعضهم بالحق الذي في أيدينا؛ فمنهم من قال إن الأباضية أقرب الفرق إلى الحق، وقائل ذلك عبد الرزاق البغدادي؛ ومنهم من قال: أعلم أن الأصلح والأسلم ما أنتم عليه، وقائل ذلك الزبير؛ وكان يكنى أبا عبدالله؛ وقلت له حاشاك أبا عبدالله أن تترك الأصلح والأسلم؛ فسكت ولم يجب، ولم يكن بعد هذه المقالة بيني وبينهم مناظرة.
وفي آخر سنة أربعة وعشرين جاء الوالي سليمان بن سويلم إلى الشرقية للمواعدة التي جرت بينه وبين الأمير؛ فقابله الأمير ووجوه قومه بالإجلال والاحترام؛ وفي ليلة إحدى عشر من شهر الحج من هذه السنة مات الشيخ المرحوم أحمد بن الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي؛ وكان عالما فاضلا فجاء الخبر والوالي عند الأمير بالقابل.
ثم قصد الوالي سليمان راجعا إلى السلطان وصحبه وجوه الناس من أهل الشرقية، وكان السلطان قد جعل سليمان سيف دولته وكان قد أذل له كثيرا من القبائل وكانت القبائل قد أظهرت لسليمان العداوة منم السيابيون فوقف له فتية من رجال السيابيين على طريق العق وكمنوا له في جبل هنالك عل الطريق، حيث (2/303)
صفحة 659
لا يراهم المار فبينما الوالي ومن معه يسيرون ضحى إذ نقعت التفاق في الوالي وهو على ناقته فسقط ميتا وانكب عليه خادم له فضرب فوقه؛ فالتفت القوم إلى الضارب فإذا هم قد صعدوا الجبل كالظباء ونقعوا فيهم فلم يصيبوا أحدا واختفوا عنهم بالجبل.
ثم همّ السلطان بحرب السيابيين وسخط الأمير عليهم بما صنعوا حيث قتلوه وهو خارج من بلاده وعنه وجوه قومه وجاء شيوخهم ليرضوا الأمير فلم يقبل منهم , ثم رجعوا إلى بلادهم وكاتبوا السلطان فكتب لهم بالعفو في الظاهر وهو يريد أن يأخذهم بالحيلة فرجعوا بكتاب السلطان إلى الأمير وأروه إليه وطلبوا منه المسامحة فسامحهم , ثم رجعوا إلى بلادهم وأخرج السلطان ولده نادرا إلى سمائل وولاه عليها وأظهر نادر أنه يأمر فيها وينهى وشد على أهل المناكر وهو مع ذلك يعمل الحيلة لرئيس السيابيين سيف بن محسن.
وكان رجل من بني هناءة يقال له سعيد بن خميس بن حويسن قد واطئ نادرا على قتل سيف , وبقي يعمل الحيلة: يظهر لسيف التودد ويريه الخطوط التي تأتيه من السلطان وأولاده , وكشف له أخبارهم فكان يأتيه بخبر كل حادثه تزيد عنهم وللناس غوائل؛ والمأخوذ غافل فاطمأن سيف بن محسن إلى قوله وصدقه في زعمه وكان لا يمتنع منه متى جاء وهو مع ذلك لا يظن أن مثله يقوى على مثل ذلك فأتاه يوما ومعه رجل من العسكر كأنه يصحبه في الطريق فأرسل إلى سيف بن محسن ليجيئه في موضع من أطراف نفعا فأتاه منفردا , وقيل أن بعض قومه أراد أن يصحبه فمنعه؛ فلما وصل تلقاه سعيد بن خميس بالترحيب واللين وأعطى سيف رجلا بنا ليخدم قهوة ويشغل العسكري ودخل هو وسعيد في مسجد هنالك ليأخذ منه السر الذي جاءه به (2/304)
صفحة 660
سيف على دريشة في المسجد , فجاء العسكري من ورائه ونقع فيه من خارج الدريشة وخر ميتا ووثب سعيد والعسكري الذي معه إلى حصن بدبد , وضربوا المدافع سرورا وكانوا يرون أنهم قد أخذوا ثأر واليهم سليمان بن سويلم , وبعد ذلك رجع نادر إلى حضرة أبيه بمسكد , وترأس من بعد سيف ابن أخيه محسن بن زهران بن محسن , وكان فيما قيل يطلب غره من السلطان وأولاده حتى كان ذات يوم خرج السلطان إلى نخل وأناخ بها , وكان في قومه رئيسا بني عمر: سالم بن مرهون , وخليفة بن عبيد؛ وكان قاتل سيف بن محسن من جماعة هذين الرئيسين , فلما كانا في هجعة من الليل نقعت التفاق في سالم وخليفة فماتا من ذلك وأشتد لذلك غضب السلطان , وقيل له إن السيابيين هم القاتلون , ورجع من نخل حتى وصل فليج السيد وأرسل ولده نادرا وبعض القوم إلى بدبد , ومضى هو إلى مسكد ثم جمع الجموع وأرسلها على ولده ببدبد , ثم أرسل ولده تيمور وغصت بدبد بالجنود وواجه رؤساء السيابيين وهم مع ذلك ينكرون القتل فأخذوا أعيانهم وقيدوهم ثم أرسلوا إلى بعض البنيان بنفعا فهدموه وحملوا المقائيد إلى مسكد وحبسوا بالكوت زمانا ثم أطلقوهم.
وفي يوم اثني عشر قبل العصر بقليل في جمادى الأولى من سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة وألف, مات فيصل بن حمود بن عزان ابن عم الإمام ببلد الوصل من بدية , وفيها قبر وكان قد تردد عليها مرارا وتزوج منها وسكن فيها وحمل المرأة إلى الرستاق , وكانت فاضلة صالحة وماتت بالرستاق , وجاء في هذه المرة الأخيرة في أواخر سنة سبع وعشرين , وأقام أياما وتزوج منها بامرأة أخرى, فما طالت أيامه حتى مات بالتاريخ المتقدم , وكان (2/305)
صفحة 661
معه ولداه محمد وإبراهيم , وبعد أيام العزاء ركب إلى الرستاق وأقاما بها حتى قتلا بالحصن على حسب ما تقدم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم.
قد تم الجزء الثاني من السيرة المسماة (تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان) تأليف شيخنا العلامة نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي رحمه الله وغفر له ونور ضريحه (2/306)
صفحة 662
كلمة لمصحح الكتاب
أحمد على آلائك يا من جعل التاريخ عبرة وذكرى، وأشكرك على عونك وتوفيقك إياي إلى إظهار هذا الكتاب الجامع لكثير من سير الأئمة والسلف الصالح أهل المزايا العظمى؛ والصلاة والسلام على المبعوث بالحسنى، سيدنا محمد رسول الهداية إلى أعظم الزلفى، وآله وأصحابه الذين نالوا بجلائل أعمالهم الدرجات العلى.
وبعد فقد تم طبع الجزء الثاني من (تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان) فكمل به هذا الكتاب الفريد الذي كشف لنا حال قطر من أعظم الأقطار الإسلامية تاريخا وأهمها شوكة ودولة، وقد كان تاريخ عمان – ولا يزال معظمه – عنا غامضا؛ ولكن هذا الكتاب يبين لنا عن صفحات منه جليلة، وأطوار فخيمة، وذكريات تحمل إلينا أنباء جميلة وأخرى عليلة أسيفة، وكم بين طيات التاريخ من عبر، وآيات بينات كان منها نذير للبشر، وتقلبات هي إحدى الكبر.
ولقد أحسن المؤلف رحمه الله في ترتيب أطوار الحكم بعمان من إمامة وملكية حسب الزمان، منذ ظهور الحكم المستقل في عهد التابعين إلى آخر أيام المؤلف؛ فكان حسن هذا الترتيب، إحدى مزايا الكتاب، ولئن فات المصنف أن يضم إلى كتابه كثيرا من رسائل أئمة العلم إلى أئمة الحكم إذ لها علاقة بتاريخهم فإنه لم يدخر وسعا في جمع عهود الأئمة إلى ولاتهم وقوادهم وأمرائهم، وكأنه رحمه الله يرى أن يحفل بشأن الأئمة، حيث كان يذكر ما احتوى كل إمام عليه من كرائم الفعال ومحاسن الخصال، وما ازدهر به عهده من علم وعدل ودين ومساواة بين الناس في الحق، ومشاورة (2/307)
صفحة 663
أهل الحل والعقد من العلماء في تصرفاته؛ بحيث يخرج القارئ من مطالعته؛ وقد تصورت له صفحة من تاريخ الحكم الشوروي كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومقتضى ما يرشد إليه الكتاب العزيز وإنه لتنزيل رب العالمين.
ولم يحفل بذكر أطوار الحكم الفردي وما فيه من سوء الاستبداد واقتراف المنكرات، والظلم من شيم تلك النفوس غالبا؛ وكان من مقتضى التاريخ أن يلم بكل أدوار الأئمة التي يكتب عنها الكتاب إلا أنه ربما يعتذر عن المؤلف بأن علماء الشريعة يتورعون عن ذكر حوادث الجورة؛ وما يأتونه من الجرائم بدعوى أن ذلك من قبيل نشر الباطل؛ والحق أن هذا ليس بعذر وأخطأ من يلتمسه، وإنما المصنف لم يحفل قي تاريخه هذا بعهد الجورة تفصيلا لعدم وقوفه عليه يجعله واثقا مما يكتب، ويدلك على هذا أنه ذكر بعض وقائع من هذا القبيل وكشف عن أسرار بعض المستبدين وما بيتوه من حيل توصلوا بها إلى الحكم وسفك دماء بريئة صعدوا على جثثها إلى أريكة الملك، وامتطوا غواربها إلى أطماعهم فكانوا وبالا على الأمة حينا من الدهر كما وقع في عصر بني نبهان.
والحق أن عمان ليفتخر بعظمته التاريخية: عظمة العلم والفتح ونشر لواء الإسلام في كثير من أقطار الشرق والأقطار الإفريقية وجهاد أئمته، وكثير من ملوكه في حفظ استقلاله، ويحق له أن يباهي بأئمته الهداة الراشدين الذين رفعوا فيه منار الحق والدين؛ وأقاموا حدود الله بلا هوادة، ولم يخافوا لومة لائم (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم؛ يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
(أبو إسحاق) (2/308)
صفحة 664
فهرس الجزء الثاني من تحفة الاعيان
[فهرس لم يرقن] (2/309)
صفحة 665
[فهرس لم يرقن] (2/310)
صفحة 666
[فهرس لم يرقن] (2/311)
صفحة 667
[فهرس لم يرقن] (2/312)
صفحة 668
[فهرس لم يرقن] (2/313)
صفحة 669
[صفحة لم ترقن بها إشهار لشرح النيل وكتاب الرسم] (2/314)
صفحة 670
[صفحة لم ترقن بها إشهار لجوهر النظام وكتاب الملاحن] (2/315)
صفحة 671
[صفحة لم ترقن بها إشهار لشامل الأصل والفرع، ورسالة أسماء الأئمة والعلماء وأمكنتهم ووفياتهم وتاريخهم] (2/316)