صفحة 1
الكتاب: جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21 - 442هـ) (642 - 1053م)
تأليف الدكتور: مسعود مزهودي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] جبل نفوسة
منذ إنتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب
(21-442 هـ) (642-1053م)
تأليف الدكتور: مسعود مزهودي
(أستاذ التاريخ الإسلامي بقسم التاريخ، جامعة باتنة، الجزائر)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ?
سورة القلم، آية 7
الإهداء
إلى من جعلوا البيت جنة ننعم فيها بالحب والسعادة والاطمئنان:
زوجتي رفيقة الدرب وأبنائي: هشام، نور الهدى، ريان.
مقدمة
يتناول موضوع هذا البحث تاريخ منطقة من المناطق التي انتشر فيها المذهب الإباضي. هذه المنطقة التي لعبت دورا كبيرا في التاريخ الإسلامي عامة وتاريخ المغرب خاصة، نظرا لموقعها الحساس الذي تقع فيه. فهي الرابطة بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه.
ونظرا لأهمية هذه المنطقة باعتبارها مركز عبور إلى مصر ومنها إلى الحجاز والشام والعراق ارتأينا أن تتناول هذه الدراسة "جبل نفوسة منذ الإنتشار الإسلامي حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ) (642-1053م). هذا الجبل الذي كانت تستوطنه عدة قبائل أشهرها وأقواها على الإطلاق قبيلة نفوسة التي كان لها باع طويل في الحركة الإباضية. وخير دليل على فضلها في نشر المذهب الإباضي ما قاله الإمام عبد الوهاب: "إن هذا الدين - يقصد المذهب الإباضي- قد قام بسيوف نفوسة وأموال مزاتة". ولذلك سمي الجبل – موضوع الدراسة - باسمها نظرا لقوتها عدة وعددا. (1/1)
صفحة 2
ونظرا للدور المميز الذي لعبته بعض القبائل فى الأحداث السياسية مثل: زناتة، وكتامة، وصنهاجة، وغيرها... رأينا أن فهم هذه المرحلة الهامة من مراحل التاريخ المغربي يحتاج الى دراسة أهم قبائل البربر، فوقع اختيارنا على قبيلة نفوسة، والجبل الذى استوطنته ليكون موضوعا لهذا الكتاب. ويرجع اختيارنا لهذا الموضوع الى عدة أسباب منها رغبتنا فى إماطة اللثام عن التاريخ الاباضي. هذا التاريخ الذي يحتاج إلى المزيد من الاهتمام نظرا لضخامة التراث الذي خلفه أتباع هذا المذهب والذي يكشف بين الحين والآخر عن مصادر مخطوطة جديدة تكشف عن حقائق أخرى. كما يهدف هذا البحث إلى إبراز العلاقة بين جبل نفوسة وبين الدولة الرستمية، هذه العلاقة التي كانت بين مد وجزر، فأتسمت أحيانا بالولاء للدولة، وأحيانا أخرى بمحاولة الانفصال وتأسيس دولة إباضية موازية، خاصة وأن الأئمة الرستميين – المتأخرين خصوصا - لم يحققوا طموحاتهم السياسية والمذهبية. كما نريد من خلال هذه الدراسة الكشف عن إسهامات النفوسيين في الحضارة المغربية الإسلامية؛ حيث كان الجبل رافدا من روافد الحركة العلمية والفكرية في بلاد المغرب، بالإضافة إلى تبيان أهمية الجبل ودوره في قوة الدولة الرستمية بشريا، وعلميا، واقتصاديا، ودوره في حمل مِشعل الرسالة في نشر المذهب والحفاظ عليه، خاصة بعد سقوط إمامة الظهور في تيهرت.
أما المنهج الذي اتبعناه في هذه الدراسة فيتراوح بين المنهج التحليلي الوصفي، وبين المنهج النقدي المقارن، خاصة وأن أغلب مصادرنا هي مصادر أباضية وهبية، والتي تتحامل في أغلب الأحيان على المخالفين من أتباع الفرق الإباضية الأخرى التي انشقت عن المذهب الأم. (1/2)
صفحة 3
هذا وقد جاء البحث في مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة. فأما الباب الأول: فيتمحور حول جبل نفوسة من الدعوة الإسلامية إلى الدعوة الإباضية، تناول الفصل الأول منه جغرافية الجبل الطبيعية والبشرية فتطرق إلى موقعه الجغرافي وأهم القبائل التي كانت تستوطنه مع التركيز على أصولهم ومواطنهم. كما تناول أوضاع الجبل قبل الفتح الإسلامي، وديانة النفوسيين، والفتح الإسلامي لهذه البلاد.
وأما الفصل الثاني: منه فتناول دخول المذهب الإباضي إلى الجبل، فتطرق إلى الدعاة الذين مكنوا للمذهب الإباضي من الانتشار في هذه الربوع، وإلى المحاولات الأولى في تأسيس إمامة إباضية كإمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري وإمامة أبي حاتم الملزوزي ثم اختتم الفصل بالحديث عن موقف الخلافة العباسية من تلك الإمامتين.
وجاء الباب الثاني: ليتناول جبل نفوسة والحركة الإباضية منذ تأسيس الدولة الرستمية إلى غاية سقوطها (160-296هـ) أبرز الفصل الأول: منه الحياة السياسية والعسكرية والفكرية والعقائدية في الجبل؛ حيث أثار قضية تبعية الجبل للدولة الرستمية بعرض مختلف الآراء التي قيلت في هذا الموضوع، مع إبداء الرأي فيها و مناقشتها. ثم تطرق إلى الجانب العسكري، فتناول حصار طرابلس (196هـ/811م) والصراع الطولوني – الأغلبي وآثاره على الجبل، وموقعة مانو الشهيرة (283هـ/896م) مبينا خلفياتها، وأهدافها، ونتائجها. واختتم الفصل بالحديث عن الجانب الفكري، والعقائدي، وهو الجانب الذي أثار النزعات الاستقلالية في الجبل ممثلة في الحركة الخلفية والنفاثية. (1/3)
صفحة 4
وأما الفصل الثاني: فقد خصص للحديث عن دور نفوسة ومكانتها في تيهرت، فأشار إلى دورها وموقفها من الأحداث الخطيرة التي شهدتها الدولة كدورها في حرب الواصلية، وموقفها من فتنة محمد بن عرفة وفتنة محمد بن رباح ومحمد بن حماد. كما تناول هذا الفصل سعة نفوذ نفوسة في تعيين الأئمة وسيطرتها على المناصب الحساسة في الدولة كالقضاء والحسبة والإشراف على بيت المال.
أما الباب الثالث: فتمحور حول أوضاع الجبل في العهد الفاطمي، والزيري، فخصص الفصل الأول: منه للحديث عن الحياة السياسية، فتناول النظام السياسي في الجبل بعد سقوط الدولة الرستمية، والحروب الأهلية، والهجرات النفوسية إلى إفريقية، والمغرب الأوسط، ثم أبرز موقف النفوسيين من الدولة الفاطمية، وتناول كل الانتفاضات الإباضية كثورة طرابلس (300هـ) وثورة نفوسة (310هـ) وثورة النكارية (331هـ) وثورة الوهبية (358هـ).
وجاء الفصل الثاني: ليتناول العلاقات النفوسية – الزيرية. فتطرق في البداية إلى رحيل المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر، واستخلافه لبلكين بن زيري على بلاد المغرب، وقيام الإمارة الزيرية ككيان مستقل عن الدولة الفاطمية في مصر. وتناول بالبحث علاقات إباضية الجبل بالإمارة، ثم أشار إلى فكرة الهجرة إلى "جغراف" التي رددتها المصادر الإباضية كثيرا، ومحاولة تقصي موقع هذا الموضع من خلال المعلومات المتناثرة في المصادر. واختتم الفصل بالحديث عن هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب. (1/4)
صفحة 5
وأما الباب الرابع: فخصص للحديث عن الحياة الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية. تناول الفصل الأول: منه الحياة الاقتصادية في الجبل فتعرض للأوضاع الاقتصادية في بلاد المغرب بصفة عامة، ثم الزراعة، والثورة الحيوانية، والصناعة، والتجارة، والمكاييل والموازين، فالعملة، والحسبة، ومستوى المعيشة. وجاء الفصل الثاني: ليدرس الحياة الفكرية، والاجتماعية، مبرزا دور الأئمة الرستميين في النهضة العلمية في الدولة، وانعكاس ذلك على الجهة الشرقية منها. كما تناول الحلقات العلمية، والعلوم والعلماء، وحركة التأليف، والمكتبات، والعلاقات الثقافية بين جبل نفوسة وإباضية المشرق والمغرب. وفي الحياة الاجتماعية تناول نظام العزابة ومدى تطبيقه في الجبل، والتنظيم الطبقي في المجتمع النفوسي، والمرأة دورها ومكانتها في الجبل.
وجاءت الخاتمة حصرا للنتائج التي توصل إليها الباحث من خلال الدراسة.
أما الصعوبات التي واجهتنا فتتمثل في قلة المصادر مما أجبر الباحث على الاعتماد كلية على المصادر الإباضية، وحتى هذه المصادر فإنها تنقل عن بعضها البعض.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أوجه جزيل الشكر والتقدير لأستاذي الدكتور إبراهيم فخار الذي أفادني بملاحظاته وتوجيهاته القيمة، كما أوجه شكري الخالص إلى شيوخ الإباضية بليبيا الذين حاولوا مساعدتي. كما أشكر جمعية حماية التراث بالقرارة على تشجيعاتها لي للمضي قدما في دراسة التاريخ الإباضي. وإني لأرجو بعد هذا كله أن أكون قد وفقت في إبراز دور الجبل في الحركة الإباضية.
والله من وراء القصد…
الدكتور مسعود مزهودي
باتنة فى 12/9/2003
المصادر والمراجع (عرض وتحليل):
1- المصادر الإباضية: (1/5)
صفحة 6
على الرغم من أن أتباع المذهب الإباضي قد خلفوا لنا تراثا ضخما في مختلف فنون العلم، إلا أن التاريخ لم يحظ برعاية واهتمام المشائخ، ولذلك قلت المؤلفات في هذا الميدان. وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن الانتقال من إمامة الظهور إلى إمامة الكتمان جعلهم يهتمون بتأليف الكتب الفقهية حفاظا على استمرار مذهبهم وتراثهم الثقافي بصورة عامة. أما المصادر التاريخية التي وصلتنا فهي:
- الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية: للواب بن سلام الإباضي الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، بتوزر ببلاد الجريد. وتعود أهمية هذا المصدر إلى كونه أول المؤلفات الإباضية في بلاد المغرب إن لم نقل أول مصدر تاريخي للمغرب الإسلامي. فقد كان معاصرا للدولة الرستمية، ولذلك كانت أغلب رواياته شفوية. ويبدو أن المخطوط الذي قام بنشره وتحقيقه ر.ق. شفارتز وسالم بن يعقوب غير مكتمل وغير مستبعد أنهما عثرا على قطع منه فقط. ولذلك غابت أخبار الأئمة الرستميين فيه. وقد استفدنا من هذا المصدر الهام في الحديث عن إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وإمامة أبي حاتم الملزوزي. كما أفادنا بمعلومات هامة عن بعض رجال نفوسة، كعمر بن يمكتن أول معلم للقرآن في جبل نفوسة. وأهم ما يميز هذا المصدر عن غيره من المصادر هو أنه عدد لنا فقهاء وعلماء الإباضية الذين كانوا يقيمون في إفريقية خاصة في مدينة القيروان وأحوازها. كما استفدنا منه في الحديث عن علاقات إباضية المغرب، بإباضية المشرق، حيث أورد لنا نص الرسالة التي بعث بها أبو عيسى إبراهيم إسماعيل الخراساني – أحد الإباضية المشارقة - إلى أهل المغرب، والتي يبدي فيها رأيه في الخلاف الذي نشب بين أهل الدعوة في جبل نفوسة حول تعيين خلف بن السمح واليا على الجبل، ويقدم فيها النصائح لإخوانه المغاربة. (1/6)
صفحة 7
- كتاب السيرة وأخبار الأئمة: لأبي زكريا يحي بن أبي بكر الوارجلاني. عاش هذا الأخير في مدينة وارجلان، ثم غادرها إلى مدينة "تاملست" - الواقعة جنوب شرق إفريقية - للالتحاق بحلقة شيخه أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، صاحب كتاب السير. وقبيل وفاته عاد إلى بلاد أريغ بالمغرب الأوسط وسكن قرية "تين وال". ثم عاد في الأخير إلى مدينة وارجلان واستقر بها إلى أن وافته المنية. ويرجّح أن يكون قد توفي بعد سنة 474هـ وهو آخر تاريخ ورد ذكره في سيره. وقد اعتمد على روايات شيخه أبي الربيع (ت471هـ). ويعد كتاب السيرة من أهم المصادر التي تناولت أحداث الدولة الرستمية، ولا يستطيع باحث الاستغناء عنه نظرا لأهمية الفترة التي عاصرها المؤرخ، بالإضافة إلى أنه تنقل بين العديد من المواطن الإباضية مما أدى إلى تعدد مصادره. وقد استفاد منه الباحث في مختلف فصول البحث، خاصة وأنه زودنا بتفاصيل عن الحركة الخلفية، والنفاثية، والنكارية. كما أسهب في الحديث عن محاربة الواصلية، والدور الذي لعبه النفوسيون في ذلك، وأفاض في الحديث عن حصار طرابلس، وزيارة الإمام عبد الوهاب إلى الجبل، وعن موقعة مانو، وثورة الوهبية. كما أبرز العلاقات بين أهل الدعوة والفاطميين، وأهل المذهب، وبني زيري. كما اشتمل على كثير من الأخبار المتفرقة منها: فكرة الهجرة إلى "جوغراف"، وسير العزابة، وتنقلاتهم، والحلقات العلمية. كما زودنا بمعلومات وافية عن بعض الولاة الذين تعاقبوا على ولاية الجبل. (1/7)
صفحة 8
- طبقات المشائخ في المغرب: لأبي العباس أحمد بن سعيد بن علي بن يخلف الدرجيني، عاش بمنطقة درجين ببلاد الجريد جنوب إفريقية، وإليها ينسب في القرن السابع الهجري (الثالث عشر ميلادي) إذ توفي حوالي سنة 670هـ. وقد ألف طبقاته بناء على طلب إباضية المشرق رغبة منهم في الاطلاع على سير إخوانهم ببلاد المغرب. وقد استفاد الدرجيني كثيرا من سير أبي زكريا حتى إنه كان ينقل عنه دون إضافة خاصة في الجزء الأول. أما الجزء الثاني فقد اعتمد فيه على سير الوسياني، وقسمه إلى اثنتي عشر طبقة كل طبقة تغطي فترة خمسين سنة. وجاء عبارة عن تراجم لشيوخ المذهب، مع التركيز على آرائهم خاصة في الأمور الفقهية. ورغم ذلك فقد أفادنا بمعلومات تاريخية، واقتصادية. وقد استفاد الباحث من هذه الموسوعة استفادة عظمى في مختلف أبواب البحث. فقد زودنا بتفاصيل دقيقة عن شيوخ المذهب، وعلمائه، خاصة النفوسيون منهم، كما استفدنا من الأخبار الاقتصادية العارضة التي ورد ذكرها في طبقاته. (1/8)
صفحة 9
- السير: لأبي الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان الوسياني. نشأ في بلاد الجريد وعاش سنوات في مدينة وارجلان. صنفه الدرجيني ضمن علماء الطبقة الثانية عشر (550-600هـ) ووصفه بقوله: "أحد شيوخ الحلق الكبار، الحافظ للسير والآثار، المروي عنه التواريخ والأخبار، لم تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الأعصار". وقد اعتمد الباحث على النسخة المخطوطة، خاصة الجزء الثاني منها، كما اعتمد على القطعة المطبوعة، التي قام بنشرها وتحقيقها الأستاذ إسماعيل العربي. وما يمكن ملاحظته أن الوسياني خالف الدرجيني في طريقة كتابه فلم يقسمه إلى طبقات وإنما ترجم لكل شيخ من الشيوخ على حده، ثم أورد لكل منطقة عنوان أورد تحته الأخبار الخاصة بها. أفادنا هذا المصدر بتراجم المشائخ الإباضية في بلاد المغرب. كما أفادنا بإسهابه في الحديث عن الحياة الثقافية، والاجتماعية، في التجمعات الإباضية، وعلاقة الإباضية بإخوانهم في المغرب، والمشرق، وحركة التجارة، والأسواق، والسلع الواردة، والصادرة. ولعل أهم وثيقة أوردها الوسياني هي نص الرسالة التي أرسلها الإمام عبد الوهاب إلى نفوسة الجبل، والتي بين فيها حدود الإقطاع الذي أقطعه للمهاجرين من نفوسة إلى الساحل بإفريقية. وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن جبل نفوسة قد حظي باهتماماته. فمن أهم المعلومات التي أوردها تعداده للقرى النفوسية التي لا نجد لها ذكرا في المصادر الجغرافية. كما أفادنا بمعلومات وافية عن علاقات النفوسيين ببني زيري، فحدثنا عن حصار بني زيري للجبل، وعن موقعة الأبراج، وعن جباية الضرائب وغيرها. (1/9)
صفحة 10
- سير نفوسة: لمقرين بن محمد البغطوري. عاش هذا الأخير في القرن السادس الهجري (12م) وقد انتهى من تأليف كتابه سنة 599هـ في قرية "إجناون" بالجبل. ويعد هذا المصدر من المصادر المخصصة للحديث عن نفوسة الجبل. وقد اعتمد عليه الشماخي كثيرا، إذ تردد ذكره في مختلف صفحات سيره، وعلى الرغم من أن النسخة المخطوطة التي تحصلنا عليها من المكتبة البارونية بجربة (تونس)، رديئة وصعبة القراءة إلا أن الباحث استفاد منه في مختلف فصول البحث. فقد زودنا بتراجم عن ولاة الجبل، وبمعلومات عن اليهود في جادو، وعن انتفاضة نفوسة أيام الفاطميين (310هـ).
- الجواهر المنتقاة فيما أهمله كتاب الطبقات: لأبي القاسم محمد بن إبراهيم البرادي، المتوفى في القرن الثامن الهجري (14م). ألف كتابه ليكمل النقص الذي ورد في طبقات المشائخ للدرجيني. وقد استفاد منه الباحث في الحديث عن نظام الحلقة، وفي الحديث عن مؤلفات المغاربة، إذ أحصى ما ألفه شيوخ المذهب في مختلف فنون العلم. (1/10)
صفحة 11
- السير: لأبي العباس بدر الدين أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي المتوفى سنة 928هـ. وهو من نفوسة الجبل، جمع سير أبي زكريا وأبي الربيع المزاتي، وسير الوسياني، وطبقات الدرجيني، وسير البغطوري، وجواهر البرادي، في مؤلف واحد. فجاء سفره عبارة عن موسوعة تاريخية شاملة لأهل الدعوة ببلاد المغرب، وقد استفاد كذلك من مؤرخين غير أباضية كالرقيق القيرواني، وابن الصغير المالكي، والمسعودي. وبما أن الشماخي نفوسي فقد حظي الجبل باهتمام خاص لديه. ولذلك فقد أورد معلومات وافية وغزيرة عن الولاة الذين تعاقبوا على ولاية الجبل، وعن الحلقات العلمية، وعن الأحداث السياسية الساخنة التي مر بها الجبل، كإسهابه في الحديث عن الخلفية، والنفاثية، والصراع القبلي، والحروب الأهلية. كما أورد أسماء ومواقع العديد من القرى النفوسية، ومسالك الجبل. كما زودنا بمعلومات وافية عن حركة التجارة، وعن الحركة الثقافية. ولا نبالغ إذا قلنا إن سير الشماخي هي المصدر الأول الذي اعتمد عليه الباحث.
وإلى جانب هذه المصادر الأساسية هناك مصادر أخرى استفدنا منها جزئيا في هذا البحث مثل: "الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف" لأبي عمار عبد الكافي (ت ق 6هـ/12م)، و"عقيدة التوحيد" لأبي زكريا يحي الجناوني (ت ق 5هـ/11م)، وكتاب "مسائل نفوسة" للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت 211هـ)، وكتاب "فرق الإباضية الست وما زاغت به عن الحق" لأبي عمرو عثمان بن خليفة المارغني (ت أواخر ق 6هـ/12م)، وكتاب "السير" لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت471هـ)، و"سير الحلقة" لأبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي (345-440هـ)، وكتاب "الدليل والبرهان" لأبي يعقوب يوسف إبراهيم السدراتي الوارجلاني (ت570هـ).
2- المصادر غير الإباضية: (1/11)
صفحة 12
تعد هذه المصادر مصادر ثانوية بالنسبة لهذا البحث، وذلك يعود إلى كونها لم تتعرض لتاريخ الجماعات الإباضية، اللهم إلا إذا قاموا بثورات ضد الدول المعادية لهم. ويمكن حصر المصادر فيما يلي:
- فتوح إفريقية والأندلس: لعبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم (187-257هـ) (803-871م). يعتبر هذا المصدر من أقدم المصادر العربية التي أرخت للفتح العربي في بلاد المغرب، وقد ألفه كتكملة لفتح مصر. وقد استفدنا من هذا المصدر في تناول الفتح الإسلامي لبرقة وطرابلس وإفريقية.
- أخبار الأئمة الرستميين: لابن الصغير المالكي (ق 3هـ/9م). يعد ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية. فقد كان من سكان تاهرت، اشتغل بالتجارة حيث كان له دكان في سوق الرهادنة يمارس فيه نشاطه. وقد تناول في كتابه تاريخ الأئمة الرستميين في تاهرت، ولم يتحدث عن أخبار الدولة خارج تيهرت. ولذلك فإن أخبار جبل نفوسة قليلة إن لم نقل منعدمة. وهناك العديد من الأحداث السياسية والعسكرية التي لم يعطها حقها من الدراسة، كحصار الإمام عبد الوهاب لمدينة طرابلس، ومشاركة نفوسة في حرب الواصلية، وموقعة مانو 283هـ. وعلى الرغم من ذلك فقد زودنا ابن الصغير بمعلومات وافية عن نفوذ الجالية النفوسية في تاهرت، واحتكارها للمناصب السامية خاصة القضاء، والحسبة، وبيت المال، بالإضافة إلى تدخلها المباشر في تعيين الأئمة دون الرجوع إلى رأي العامة. كما أفادنا كثيرا في تناول موقف نفوسة من الفتن الداخلية، كفتنة محمد بن عرفة، وفتنة محمد بن رباح، ومحمد بن حماد. (1/12)
صفحة 13
- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب: لابن عذارى المراكشي (توفي بعد سنة 721هـ/1321م). يأتي هذا المصدر بعد ابن خلدون من حيث الأهمية التاريخية.ورغم ذلك فهو لا يؤرخ للإباضية عامة، وأفرد صفحات قليلة للحديث عن أئمة تاهرت. وقد أفادنا المصدر في تحديد أصول بعض قبائل البربر، وفي فتح مدينة سبرت (صبراتة)، وفتح عمرو بن العاص للجبل، كما زودنا بمعلومات وافية عن الصراع بين عبد الرحمن بن حبيب وبين أخيه إلياس، وعن حصار طبنة، والقيروان، من قبل أبي حاتم الملزوزي وحلفائه. كما أفادنا بمعلومات عن حملة العباس بن أحمد بن طولون سنة 269هـ (882م) وقتال نفوسة له بقيادة أبي منصور إلياس. كما تناول الدعوة الشيعية ونجاحها في بلاد المغرب، وتحدث عن حال تاهرت بعد سقوط الدولة الرستمية، وعن الانتفاضات الإباضية في إقليم طرابلس، وعن العلاقات الزيرية الفاطمية وما ترتب عنها من قطع المعز بن باديس للخطبة للفاطمين في بلاد المغرب، وعلى العموم فقد استفدنا من هذا المصدر استفادة كبيرة على الرغم من أن أخبار الإباضية جاءت مقتضبة فيه. (1/13)
صفحة 14
- كتاب العبر: لعبد الرحمن بن خلدون (توفي سنة 808/1406م). يتفق جل المؤرخين على أن كتاب العبر يعد المصدر الأول الذي يجب الاعتماد عليه في دراسة تاريخ المغرب الإسلامي، باعتباره موسوعة تاريخية شاملة. وعلى الرغم من ذلك فإن ابن خلدون تجاهل الإباضية تماما، حتى إن تناوله للدولة الرستمية جاء موزعا بين صفحات كتابه. ولم يفرد لها بابا مثل بقية الدول، وحتى فيما كتبه عن النكارية جاء ملخصا، عكس بعض المصادر المشرقية التي أسهبت في الحديث عنها. ومهما يكن من أمر فقد أفادنا ابن خلدون في دراسة أصول القبائل ومواطنها وعدَّد لنا القبائل التي أخذت بالمذهب الإباضي، والثورات التي قامت بها. كما أفادنا في الحديث عن حملة العباس أحمد بن طولون، وعن مشاركة نفوسة في ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني، وعن الصراع بين زناتة وصنهاجة في إقليم طرابلس، وعن العلاقات بين الإمارة الزيرية والخلافة الفاطمية.
- صفة المغرب: لأحمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي (ت 284هـ). يعد هذا المصدر من المصادر الجغرافية المهمة؛ إذ كان معاصرا للفترة التي نؤرخ لها، أضف إلى ذلك أنه زار المنطقة، وقدم لنا معلومات وافية ودقيقة عن المدن، وعن المسالك، ومراحلها، وعن الموانئ، وعن مواطن القبائل، وحدود تلك المواطن، خاصة مواطن نفوسة. وعلى العموم فإن وصفه لمدن إفريقية والمغرب الأوسط كان مفيدا للبحث في بابه الرابع. (1/14)
صفحة 15
- صورة الأرض: لابن حوقل (توفي في القرن الرابع الهجري/ 10م). إن أهم ما يميز هذا المصدر أن صاحبه عاش في عصر الدولة الفاطمية في بلاد المغرب، وقد أفادنا كثيرا في دراسة الحياة الاقتصادية في هذه الفترة، حيث زودنا بمعلومات دقيقة عن المحاصيل الزراعية، وعن التجارة في كل مدينة، ثم أعقبها بذكر المسافات من برقة إلى البحر المحيط. وقد أفادنا كذلك في حديثه عن جبل نفوسة، حيث زودنا بمعلومات عن منتجاته الغذائية. كما أشار إلى دخول المذهب الإباضي إلى هذه الربوع، كما زودنا بمعلومات دقيقة عن تجارة السودان، وعن المعاملات التجارية.
- المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب: لأبي عبد الله البكري (ت 487هـ). يعد هذا المصدر من المصادر الجغرافية القيمة، خاصة وأنه قريب من فترة البحث، بالإضافة إلى اهتمامه الدقيق بوصف المسالك التجارية، وتحديد مسافاتها ومراحلها، وحركة التجارة، والسلع الصادرة، والواردة، والأسعار، والمكاييل والموازين، وقد أفادنا بوصفه الدقيق للمدن المغربية، والسودانية على حد سواء.
- القارة الإفريقية وجزيرة الأندلس: المقتبس من كتاب نزهة المشتاق لأبي عبد الله الشريف الإدريسي (المتوفي سنة 564هـ). أفادنا هذا المصدر هو الآخر في دراسة الطرق التجارية، والنشاط التجاري في بلاد المغرب، كما زودنا بمعلومات وافية عن حجم المبادلات التجارية بين مدن المغرب، وبلاد السودان. وقد انفرد الإدريسي بمعلومات قلما نجدها في مصادر أخرى: كذكره بان أهل وارجلان كانوا يضربون الدنانير باسم بلادهم، وقد استفدنا منه كثيرا في تحديد مراحل المسالك بين جبل نفوسة وبين مدن إفريقية، ومدن المغرب الأوسط. كما أفادنا وصفه لمدينة شروس ومنتجاتها الغذائية. وعلى العموم فالكتاب حافل بمعلومات قيمة استقاها من مشاهداته ومن مصادر أخرى. (1/15)
صفحة 16
- كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار: لمؤلف مجهول (توفي في القرن 6هـ). اشتمل هذا المصدر على معلومات وافية في التاريخ، والآثار، والعمران، والجغرافية. وقد ذكر المؤلف مشاهداته في الرحلات والأسفار التي قام بها. وبما أنه مراكشي، فقد جاء القسم الذي تناول فيه مدن المغرب غنيا بالمعلومات الدقيقة عن أحوال المدن ومنتجاتها، وأسواقها. وعلى الرغم من أن المؤلف كان معاصرا للموحدين إلا أننا استفدنا منه في وصف مدينة شروس، وقد انفرد بذكر بعض عقائد سكانها الغريبة عن المذهب الإباضي، كما ذكر لنا مراحل الطريق بين الجبل وبعض المدن المجاورة. ومجمل القول فقد أفادنا المصدر في مختلف عناصر الفصل الأول من الباب الرابع.
وبالإضافة إلى هذه المصادر فقد استفدنا من المصادر الجغرافية الأخرى مثل: كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" للمقدسي (ت 388هـ)، وكتاب "الجغرافية" لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزهري (المتوفي في أواسط القرن 6هـ)، و"معجم البلدان" لأبي عبد الله ياقوت الحموي (575-625هـ)، وكتاب "الجغرافية" لأبي الحسن علي بن موسى بن سعيد المغربي (ت 685هـ).
3 - المراجع الحديثة: (1/16)
صفحة 17
اعتمد الباحث على مجموعة كبيرة من المراجع الحديثة المتنوعة العربية منها، والأجنبية. ولعل أهم هذه المراجع هي ما كتبه الشيخ علي يحي معمر (رحمه الله) في سلسلة كتبه "الإباضية في موكب التاريخ". وعلى الرغم من أنه كان متعاطفا إلى حد بعيد مع إخوانه الإباضية، مما جعله يبتعد في بعض الأحيان عن الموضوعية، إلا أن استفادتنا منه كانت كبيرة، خاصة في وصفه للمدن، والقرى في الجبل وصفا دقيقا، مع تزويده لنا بمعلومات غزيرة عن علماء وشيوخ كل مدينة، وقرية. كما أن الباحث اعتمد على ما كتبه المستشرق البولوني تادايوش ليفيتسكي (Tadeusz Lewicki) المختص في التاريخ الإباضي؛ حيث ألف العديد من الدراسات في هذا الموضوع باللغة الفرنسية، والإنجليزية. وقد زودنا بها أثناء لقائنا معه في جامعة كراكوفا ببولندا سنة 1986. ولا نبالغ إذا قلنا بأن أبحاثه أنارت لنا الطريق ويسرت لنا العديد من المعضلات. كما استفاد الباحث من مؤلفات الأسرة البارونية مثل: سليمان بن عبد الله الباروني، وعبد الله بن يحي الباروني. كما أفادتنا مجموعة من الكتب التي تناولت الدولة الرستمية مثل كتاب :الدولة الرستمية، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية" للأخ الفاضل الدكتور بحاز إبراهيم بكير، وكتاب "العلاقات الخارجية للدولة الرستمية" للأستاذ جودت عبد الكريم يوسف، وكتاب"الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي" للأستاذ الدكتور محمد عيسى الحريري.
هذه عينة من أهم المراجع التي اعتمدها الباحث في هذه الدراسة وهناك مراجع كثيرة تردد ذكرها في فصول هذا البحث.
الباب الأول
جبل نفوسة من الدعوة الإسلامية إلى الدعوة الإباضية
الفصل الأول
جبل نفوسة (البلاد والسكان)
1 - الموقع الجغرافي
2- السكان (أصولهم ومواطنهم)
أ - نفوسة
ب - هوارة
جـ - لواتة
د - مزاتة
هـ - سدراتة
و - لماية
ز - زناتة
د - زواغة
3 - أوضاع الجبل قبل الفتح الإسلامي
4 - الديانة
5 - الفتح الإسلامي (1/17)
صفحة 18
1-الموقع الجغرافي:
يمتد جبل نفوسة على شكل قوس أو هلال، وهو امتداد لجبال أطلس المعروفة بجبال "درن" في المغرب الأقصى، من بحر الظلمات، مرورا بكل من المغرب الأقصى، والأوسط، والأدنى إلى أن تصل وتلتحم بجبال "قماطة"، وهي الهضاب التي تسمى "النقازة" غربي مدينة الخمس الليبية الحالية(1). ويحيط الجبل بمنطقة طرابلس الساحلية كالهلال حيث يفصل بينها وبين الصحراء فى فزان.ولذلك تسمى الأقاليم الساحلية من طرابلس بـ "الجفارة"، والأقاليم الداخلية المرتفعة بـ "الجبل"، والهضبة القاسية التي تنحدر بالتدريج نحو الصحراء بـ "الظهر" (2).
__________
(1) - أحمد الطاهر الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار المعارف، القاهرة، (د، ت)، ص71.
T. Lewiki: Les Noms berbères employés chez les Nafusa médiévaux (VIII-XVI) Folia Orientalia Varsovie, 1972-73, Tome 14, p05.
(2) - سعد زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي، دار بورسعيد للطباعة، الإسكندرية، 1979، ج1، ص66.
عبد الجليل الطاهر: المجتمع الليبي، دراسات اجتماعية وأنثروبولوجية، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، 1969، ص18. كذا عند المؤلف "الظهر" والاصح هو تسميتها بـ طّاهر، كما هو متعارف عليه عند أهالي نفوسة. (1/18)
صفحة 19
وقد تسبب موضع جبل نفوسة بهذا الشكل في ضيق إقليم طرابلس حتى أن الرحالة والجغرافيين المسلمين لم يجعلوه كيانا خاصا، بل عدوا مدينة طرابلس أول مدينة إفريقية. كما تسبب في سهولة اتصال إقليم فزان ببرقة وتونس والجزائر أكثر من اتصاله بطرابلس(1). ويبلغ طول الجبل حوالي مائتي كيلومتر، ويلتقي في جزئه المركزي بسلاسل جبلية أخرى تصل سفوحها إلى مدينتي قابس، وليبتيس leptis(2)، ويقع قبلة طرابلس على ثلاث مراحل (3) أو ست مراحل(4) ويبلغ من الطول سبع مراحل يتصل به من الشرق جبل مسلاتة(5).
ويبعد عن مدينة سفاقس بتسع مراحل، وعن قسنطينة بست مراحل، وعن جبل دمر بثلاث مراحل(6)، وعن غدامس بمسيرة سبعة أيام في الصحراء(7)، وعن قفصة بنحو ستة أيام، ويتصل بجبل "درن" (8).
__________
(1) - سعد زغلول، المرجع نفسه ،ج1 ص67.
(2) -Jean Despois: Le Djebel Nafusa, étude géographique, édition, Larousse, Paris, 1935, p1.
(3) - ابن خلدون: العبر، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت، 1968، مج6، ص290.
(4) - الشريف الإدريسي: القارة الإفريقية وجزيرة الأندلس، تحقيق: إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص199.
(5) - ابن خلدون:المصدر السابق، مج6، ص290؛ أحمد بك النائب الأنصاري: المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب، مطابع دار الغندور، بيروت (د، ت)، ص68.
(6) - الإدريسي: المصدر السابق، ص199-200.
(7) - مجهول: كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد، مطبعة جامعة الإسكندرية، 1958، ص145.
(8) - عبد الجليل الطاهر: المجتمع الليبي، ص18. (1/19)
صفحة 20
كان جبل نفوسة في القديم يمتد حتى جبال "نالوت"، في "تغرمين" وهي قرية آهلة تقع في منطقة الزنتان، وآخر حد جغرافي له هو مدينة القلعة. يرتفع من الشرق إلى الغرب حيث يبلغ ارتفاعه في نالوت 650م، وكباو640م، وبـ "قيقيلة" 740م، وجادو 659م، ويفرن 715م، وككلة 805م. ويبلغ انحداره في السفح 320م في "دهيبات" و342م في الجوش، وتبلغ مساحته إجمالا حوالي أربعة آلاف كيلومتر مربع، ويبلغ عمقه حوالي عشرين كيلومترا (1).
ويرى ليفيسكي أن الجبل يشمل مدن "نالوت"، و"فساطو"، و"يفرن"، وتشكل كل من: "غريان"، و"ترهونة"، و"مسلاتة"، الجزء الشرقي منه، في حين أنه كان في العصور الوسطى يضم "نالوت"، و"فساطو" فقط، أما منطقة "يفرن" فإنها تمثل حيزا خاصا. وإذا سايرنا رواية "الشماخي" فإن حيز قبيلة نفوسة كان يشمل كل المنطقة الممتدة من "نالوت" في الغرب، إلى مدينة "تغرمين" في الشرق. ويبدو أن هذا التحديد – يضيف ليفيتسكي- غير مكتمل، لأننا نلاحظ أن مدينة "وازن" الواقعة غرب "نالوت" قرب الحدود الطرابلسية - التونسية كانت في العصور الوسطى تدخل ضمن الإطار الجغرافي للجبل(2).
__________
(1) - عبد الجليل الطاهر: المرجع نفسه، ص21.
(2) - T. Lewicki, La répartition géographique des groupements Ibadite dans l'Afrique du nord au moyen age, Rocznik Orientalistyczn y, 1957, T 12, p332. (1/20)
صفحة 21
ويمتاز جبل نفوسة بتكامل طبيعي، واقتصادي، بين الجفارة، والظهر، والجبل. فالجفارة هي ذلك السهل الفسيح الذي يحيط به من الجهة الشمالية، ويمتد إلى غاية البحر الأبيض المتوسط. أما الظهر فهو عبارة عن مرتفعات صعبة المسالك، ووديان مفتوحة متعددة. وهي الوديان التي أقام النفوسيون حولها أغلب قراهم، وجنانهم. ونظرا لتنوع البيئة الجغرافية نلاحظ تعددا في الأنشطة الاقتصادية، ذلك أن منطقة "الجفارة" عرفت بزراعة الحبوب، في حين قامت الزراعة في الجبل على الأشجار المثمرة خاصة أشجار الزيتون. أما الظهر فتنمو فيه الأعشاب الصالحة لتربية الأغنام والإبل (1).
وقد أثرت طبيعة الجبل على توزيع السكان خاصة وأن المجتمع النفوسي مجتمع يعتمد على الزراعة، وبما أن كمية الأمطار في الشرق تفوق عن الغرب، فإن عدد السكان في الجهة الشرقية، يتجاوز بكثير عددهم في المنطقة الغربية، خاصة وأن الأراضي الشرقية تمتاز بخصوبتها وصلاحيتها للزراعة (2).
وتتناثر المدن والقرى في الجبل حول مصادر المياه خاصة الوديان. فعلى ضفة وادي "لالوت" تقع مدينة "تيغيت" التي تعرف حاليا باسم "أولاد محمود"، وإلى الشمال من "لالوت" وعلى بعد عشرين كيلومترا تقع بلدة "تاغرويت" المشهورة بعيونها وغزارة مياهها. وإلى الجنوب منها تقع قرية "تكوت" المعروفة بكثرة نخيلها، وإلى الشرق من "تيغيت" تنتشر مجموعة من القرى أشهرها قديما قرية "تالات"، ومنها إلى بلدة تسمى "تيركت" (3).
__________
(1) - عبد الجليل الطاهر: المرجع السابق، ص18.
(2) -نفسه، ص19.
(3) -علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، مطابع دار الكتاب العربي بمصر، ط1، القاهرة، 1964، ص173. (1/21)
صفحة 22
أما "وادي إكرّاين": فهو واد عميق، ينحدر من الجنوب إلى الشمال، ثم يتفرع إلى فرعين عند عين جارية تسمى "عين الثرارة" بالقرب من مدينة "كباو"، وتقع على ضفافه مجموعة من القرى، والمدن، مثل: مدينة "إبناين"، و"القلعة" و"تلات"، و"بودير"، و"نململ". وغير بعيد عن هذه القرى تقع مدينة "تمزين"، ومعناها "مدينة الشعير" (1).
وإلى الشرق من "كباو" تقع بلدة "فرسطا"، التي ينتسب إليها العديد من مشاهير العلماء النفوسيين، وفي شمالها تقع بلدة "قنطرارة" المسماة حاليا بـ "تيجي"، وعلى ضفاف وادي شروس تقع أهم حواضر الجبل وهي مدينة "شروس"، التي تسمّى الوادي باسمها، وهي مدينة اشتهرت بمياهها الجارية، وكرومها وأعنابها (2). وتقع على الضفة الشرقية لهذا الوادي بلدة "الجزيرة"، وإلى الغرب منها نجد مجموعة من القرى المشهورة في الجبل مثل: "دركل"، "بغطورة"، "دجي"، "تنزغت"، و"جريجن"، و"ويغو"، و"تمنكرت"، و"زعرارة"، وغيرها (3). وغير بعيد عن "ويغو" تقع مدينة "تندميرة" التي ينتسب إليها أبو منصور إلياس التندميري - الذي تولى رئاسة الجبل في إمامة أبي اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب (261 - 281هـ) (874 - 894م) - وإلى الغرب من هذه المدينة تقع مدينة "تملوشايت" (4).
__________
(1) -المرجع نفسه، ص178.
(2) - ابن حوقل: صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت (د، ت)، ص92.
(3) - معمر: المرجع السابق، ص184.
(4) - R. Basset: les sanctuaires du djebel Nafusa, les cahiers de Tunisie, Tunis, 1981. T 29, N? 115-116, p383, T. kwicki: Tasmiya Suyuks Nafusa Wa Qurahum, Rocznik Orientalistyczny Varsovie, 1961, T 25, p103. (1/22)
صفحة 23
وتقع على وادي "أمسين"، ووادي "جلازن"، مجموعة من القرى منها "فسّاطو". وعلى ضفاف وادي الزرقاء تقع "الجمارى"، و"تيندباس"، و"مزغورة"، و"ويفات"، و" توكيت" المعروفة كذلك باسم "تمزدة"، وقرية "إرجان". وإلى الشمال من هذه الأخيرة تقع مدينة "جادو"، أم قرى الجبل ومركز الرئاسة فيه. وتقع في أرباضها قرى عديدة منها: "إجناون"، و"تموقط"، و"طرميسة" (1).
وعلى ضفاف وادي الآخرة الذي ينحدر هو الآخر من الجنوب إلى الشمال تنتشر مجموعة من القرى مثل: "تاردية"، و"سنتوت"، و"ميري"، و"أدرف"، و"تغرمين"(2).
ومما سبق، يتضح بأن البيئة الجغرافية كان لها دور كبير في التوزيع السكاني، وأن حياة السكان ارتبطت بمجاري الوديان.
2 - السكان (أصولهم ومواطنهم):
__________
(1) - معمر: المرجع السابق، ص193-202.
(2) - نفسه: ص211-213. (1/23)
صفحة 24
إنه ليس من السهل بمكان أن نعرف بدقة القبائل التي كانت تتخذ الجبل موطنا؛ ذلك أن المصادر التاريخية أو الجغرافية التي تحدثت عنه تذكر دائما "نفوسة"، فقوتها وتعدادها جعلا أخبارها تطغى على بقية القبائل، إضافة إلى ذلك عدم الاستقرار الذي عرفته بلاد المغرب قبل الفتح وبعده جعل القبائل في حركات مد وجزر مما يصعب وضع خريطة جغرافية لمواطن القبائل وتتبعها. فنفوسة نفسها انتشرت في العديد من المناطق مثل: بلاد الجريد، وتونس، والقيروان، وتاهرت، وأريغ، بل هاجرت حتى إلى سجلماسة بالمغرب الأقصى، إذا صحت رواية اليعقوبي(1). ولا تختلف عنها هوارة، ولواتة. هذه الأخيرة كانت ضمن القبائل التي انضمت إلى إدريس بن عبد الله في المغرب الأقصى مثلها مثل قبيلة زواغة، وغياثة، ونفزة...(2) ويؤكد ذلك ابن عبد الحكم في قوله: "فتفرقوا هناك (أي البربر) فتقدمت زناتة، ومغيلة، إلى المغرب وسكنوا الجبال. وتقدمت لواتة فسكنت أرض أنطابلس - وهي برقة - وتفرقت في هذا المغرب، وانتشروا فيه حتى بلغوا السوس. ونزلت هوارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرت، وجلا من كان بها من الروم من أجل ذلك"(3). ويمكن أن نعدد القبائل التي استوطنت الجبل كما يلي:
أ - نفوسة:
__________
(1) - ينظر: تاريخ اليعقوبي، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1960، ج1، ص154.
(2) - ابن خلدون: كتاب العبر، ، ، مج7، ص24.
(3) - ينظر: فتوح إفريقية والأندلس، تحقيق عبد الله أنيس الطباع، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1964، ص28. (1/24)
صفحة 25
صنف المؤرخون قبيلة نفوسة ضمن البربر البتر، وذكروا أن جدهم الأول هو "مادغيس"، وتشعبت من ابنه "زحيك" بطون عديدة، فقد ترك هذا الأخير أربعة أبناء هم: "نفوس"، "أداس"، "ضرا"، "لوا". وإلى نفوس تنتسب قبيلة نفوسة، فهم بطن واحد تنسب إليه نفوسة كلها. وكانوا من أكبر قبائل البربر، فيهم شعوب كثيرة مثل بني زمور، وبني مكسور، وماطوسة. وكانت مدينة "صبرة" قبل الفتح الإسلامي ضمن مواطنهم(1). فأما بنو زمور فقد كان لهم حصن منيع يسمى: "تيرقت" (تيركت)، تجاورهم قبيلة "بني تدرميت" التي تملك هي الأخرى ثلاثة حصون قرب مدينة "جادو"، (2) وغير بعيد عن مدينة "جادو" وعلى الطريق الذي يربط "أدرف" بقرية ميري – موطن بني زمور - توجد قرية "ماطوس"، والتي تعود تسميتها إلى قبيلة ماطوسة النفوسية(3)، كما نجد قرية تسمى "تين مسكورة"، وربما تعود تسميتها إلى "بني مسكورة"، إحدى فروع نفوسة(4)، وهي القبيلة التي ذكرها ابن خلدون باسم "بني مكسور"(5) وقد شكك ليفيسكي في أن هذا البطن من نفوسة لأن له ما يشابهه ضمن بطون زناتة وهم بني مصكورين(6). ويبدو أن القرية المسماة "مصغورة" الواقعة في الجزء الشرقي من الجبل أخذت اسمها من قبيلة "بني مسكور" هذه(7). كما أن قبيلة "أمسنان" هي فرع من نفوسة، وهناك بلدة تسمى "نفوسة أمسنان"، لا يعرف موقعها ولكن يبدو أنها تقع في بلاد الجريد ولا تبعد كثيرا عن مدينة "تقيوس"، و"قنطرار" (8).
__________
(1) - ابن خلدون: المصدر السابق، ج6، ص230.
(2) - البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، طبعه دي سلان، الجزائر، 1957، ص7.
T. Lewicki, La répartition géographique, p335.
(3) -ibid, p335.
(4) - ibid, p334.
(5) - ينظر: كتاب العبر، مج6، ص230.
(6) - T. Lewicki, op, cit, p334.
(7) - T. Lewicki, Du Nouveau Sur La Liste Des Tribus Berberes D'ibn Hawkal, Folia orientalia 1971, T 13. p182.
(8) - Ibid, p185. (1/25)
صفحة 26
ومهما يكن من أمر فإن هناك من يرى بأن نفوسة سميت بهذا الاسم لأن أفرادها أسلموا بنفوسهم، وأذعنوا للإسلام من تلقاء أنفسهم دون داعي قاهر(1)، والحقيقة أن القبيلة معروفة ومشهورة بهذا الاسم قبل قدوم الفاتحين العرب.
ب - هوارة:
هي بطن من البربر البرانس تنسب إلى هوار بن أوريغ بن برنس، جد البرانس، وتتفرع إلى عدة بطون أخرى مثل: غريان، وورفل، وسراتة، ومجريس(2). ولا يستبعد أن تكون مدينة غريان الحالية الواقعة في محافظة الجبل الغربي (جبل نفوسة) تنسب إلى هذا البطن. ورغم اتفاق نسابة العرب والبربر في أنهم من هوارة إلا أن بعضهم يزعم أنهم من عرب اليمن، وينتسبون إلى المسور بن السكاسك بن واثل بن حمير. ويذكرون أن هوار بن أوريغ هو ابن خنون بن المثنى بن المسور، وأن هوارة، وصنهاجة، ولمطة، وكزولة، وهسكورة، يعرفون جميعهم بـ "بني ينهل" وأن المسور هو جدهم جميعا. وقد نزلوا على بني زحيك بن مادغيس الأبتر جد البربر البتر. ولهوارة بطون أخرى غير التي ذكرناها أعلاه، تنتشر في العديد من المناطق منها: بنو نبه، أوريغ، وبنو كهلان. ولا يستبعد أن تكون قبيلة مليلة بطن من بطونهم (3).
__________
(1) - محمد بن يوسف أطفيش: رسالة شافية في تاريخ وادي ميزاب، مخطوط بمكتبة القطب، غرداية (الجزائر)، ص11.
(2) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج6، ص284؛ أحمد الطاهر الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ص27-28.
(3) - ابن خلدون: نفس المصدر والمجلد، ص282-284. (1/26)
صفحة 27
وتزعم هوارة أن مزاتة، ولواتة، كانوا منهم ثم فارقوا ديارهم، وانتقلوا إلى برقة وغيرها(1). وكانت مواطن هوارة إبان الفتح الإسلامي في نواحي مدينة طرابلس وما يليها إلى برقة، وسرت، وكانت تجاور نفوسة، ومنهم من ارتحل إلى الجنوب الغربي ونزل قرب قبيلة لمطة، إحدى قبائل الملثمين فيما يلي بلاد كوكو من السودان، ويعرفون بـ "هكارة" وقد حول الأعاجم واوها إلى كاف أعجمية تخرج بين الكاف والقاف العربيتين فقالوا: "هگارة"(2). وقد سكنت طائفة من هوارة جبل نفوسة(3) ولعل مسجد "إيمصراتن" الواقع غير بعيد عن مدينة "جادو" من الجهة الشرقية تعود تسميته إلى القبيلة الهوارية "مسراتة" (بنو مصراتة) والتي تواجدت بصورة رئيسية في المنطقة الساحلية لطرابلس(4).
__________
(1) - اليعقوبي: صفة المغرب المأخوذة من كتاب البلدان، نشره دي خوية، مطبعة بريل 1850، ص7؛ محمد سليمان أيوب: جرمة من تاريخ الحضارة الليبية، دار المصراتي للطباعة والنشر، طرابلس (د.ت)، ص52.
(2) - ابن خلدون: المصدر السابق، مج6، ص286؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص28.
ملاحظة: الأرجح أنها أمازيغية حيث أن الامازيغ يحولون الواو المشددة إلى گ معكوفة كما في قولهم للشيء المحمر يزوغ وعندما يحولونه إلى لون يشددون واوه لتصبح أزوگّاغ. أو الشعر زاو عندما يحولونه إلى صيغة الجمع تشدد واوه فتصبع ئزاگّن... والدليل الأهم من ذلك أن اله گار قبيلة أمازيغية، فلماذا يلجأون الى لغة الأعاجم لصياغة إسمهم.
(3) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص125.
(4) - T. Lewicki, La répartition géographique, p335. (1/27)
صفحة 28
كما انتقلت هوارة إلى تاهرت واستوطنت أحوازها. ففي عصر ابن الصغير كان لهم رؤساء يقال لهم الأوس، ويعرفون ببني مسالة. وعلى بعد عشرة أميال عن تاهرت يوجد واد يسمى "وادي هوارة" (1). كما تواجدت في جبل وانشريس ولبدة(2) وتيجيس(3) وآجلو قرب واد آسوف(4) وبالمسيلة(5) وغيرها.
جـ - لواتة:
هي إحدى بطون البربر تنسب إلى لوا الأصغر بن لوا الأكبر بن زحيك. ولوا الأصغر هو نفزاو ولوا هو اسم أبيهم. ولا يستبعد أن يكون العديد من الهواريين قد اتخذوا جبل نفوسة موطنا لهم، خاصة ونحن نعلم أنه لا يبعد كثيرا عن طرابلس وعن موطن هوارة الأولى. فابن خلدون يقول: "ويتصل به شرقا (أي جيل دمر) جبل نفوسة تسكنه أمة كبيرة من نفوسة، ومغراوة، وسدراتة، ويتصل به من جانب الشرق جبل مسلاتة، ويعتمره قبائل هوارة إلى بلد مسراتة، ويفضي إلى بلد سرت، وبرقة، وهو آخر جبال طرابلس، وكانت هذه الجبال من مواطن هوارة، ونفوسة، ولواتة" (6).
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق محمد ناصر، بحاز إبراهم بكير، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986، ص52-53.
(2) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص154-155.
(3) - إدريس عماد الدين القرشي: عيون الأخبار وفنون الآثار، تحقيق مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت، (د.ت)، السبع الخامس، ص73.
(4) - الوسياني: السير، مخطوط، بمكتبة القطب غرداية (الجزائر)، ج2 و36.
(5) - مجهول: الاستبصار، ص172.
(6) - ينظر: العبر، مج6، ص290. (1/28)
صفحة 29
ويرى ابن حزم أن نسابة البربر يزعمون أن سدراتة، ولواتة، ومزاتة، من القبط في حين يفند ابن خلدون ذلك(1). ويذكر اليعقوبي أنه وقع خلاف في نسبها؛ فالبعض يرى بأنهم من ولد لواتن بن بر بن قيس غيلان، وبعضهم يعتبرهم من لخم، أصلهم من بلاد الشام وانتقلوا إلى هذه الربوع، والبعض الآخر يرجع أصلهم إلى الروم(2). وترجح بعض الروايات أن اسم لواتة هو الاسم القديم الذي عرفت به هذه القبائل، وحوره اليونان إلى لوبيين أوليبيين(3) وأن البربر إذا أرادوا الجمع أضافوا الألف والتاء فقالوا: "لوات"، ولما عربته العرب حملوه على الأفراد وأضافوا إليه الهاء فقالوا: "لواته"(4) .
وتتفرع لواتة هي الأخرى إلى قبائل وبطون كثيرة مثل: سدراتة بن نيطط بن لوا، وعزوزة بن ماصلت بن لوا، وأكورة، وجرمانة، ومغانة، وبنو زائد بن لوا، وأكثر بطونهم مزاتة(5).
__________
(1) - نفس المصدر، والمجلد، ص290.
(2) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص4.
(3) - سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج1، ص93.
(4) - ابن خلدون:العبر، مج6، ص235؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص29.
(5) - نفس المصدر، والجزء والصفحة؛ حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، نشر مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، (د.ت)، ص53. (1/29)
صفحة 30
وكانت لواتة تستوطن نواحي برقة في أثناء الفتح. فالمصادر تذكر أن عمر بن العاص صالح أهلها على الجزية، ويزودنا اليعقوبي بتفاصيل دقيقة عن مواطن بطونها، حيث يذكر بأن ببرقة جبلين، أحدهما يقال له "الشرقي" والآخر يقال له "الغربي" وهذا الأخير تسكنه بطون "زكودة، ومقرطة، وزنارة". ولبرقة أقاليم كثيرة تسكنها هذه البطون منها مدينة "برنيق" التي سكنتها بطون سوه، مسوسة، مغاغة، وأهلة، ووجدانة. كما تتواجد هذه البطون في مدينة إجدابية، ولهذه الأخيرة أقاليم، وساحل على مسافة ستة أميال منها ترسوا به المراكب، وهي آخر ديار لواتة من المدن، كما تتواجد في مدينة قابس(1)، وفي تاهرت حيث كان لها حصن يسمى "نماليت"،(2) وفي بعض مدن الواحات بين إفريقية ومصر(3) وفي جبل أوراس(4). وذكرها ابن خلدون ضمن القبائل التي انضمت إلى إدريس بن عبد الله في المغرب(5)، ولا يستبعد أن تكون أسر عديدة من لواتة تقيم في الجبل أو في أطرافه. والدليل على ذلك أن عمر بن يمكتن اللواتي – أحد علماء الإباضية - سكن الجبل بعدما كان في طريق مغمداس. وهو الذي تولى الإمارة في سرت، وقاد كتائب لواتة في الثورة التي فجرها أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري – كما سنرى في الفصل الموالي - وقد اعتمد الأئمة الرستميون على بعض رجال لواتة في تعيينهم على النواحي، مثل تعيين الإمام عبد الوهاب لسلام بن عمرو اللواتي على سرت ونواحيها(6).
د - مزاتة:
__________
(1) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص3-4.
(2) - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص85-107.
(3) - مجهول: الاستبصار، ص148.
(4) - ابن سعيد: كتاب الجغرافيا، تحقيق إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، ط2، الجزائر، 1982، ص144.
(5) - ينظر: العبر، مج6، ص300.
(6) - الشماخي: السير، طبعة حجرية، القاهرة (د.ت)، ص142-203.
T. Lewicki: Lawata, Encyclopédie De L’islam, Nouvelle Edition, 1979, p700-701. (1/30)
صفحة 31
مر بنا أن مزاتة هي من أكبر بطون لواتة. وقد انتشرت هي الأخرى في العديد من الأماكن مثل "باغاية"(1)، وجبل نفوسة، فهناك إشارات توحي بأنها كانت متواجدة فيه بكثرة، ولها قصور ومدن معروفة بها، فقرية "دجي" (2) كانت تسكنها قبيلة "دغمة"، وهي فرع من فروع "مزاتة". كما أن مسجد "طوفت"؛ الذي يقع بين "ويغو" ووادي "بقالة"، تعود تسميته إلى بني "يطوفت"، وحسب ابن عذارى فإن بني يطوفت ينحدرون من "نفزاوة"،(3) بينما يذكرها ابن حوقل (يطوفة) كفرع من مزاتة، ولواتة، وهوارة(4). وينسب إلى هذا الفرع الزعيم الإباضي أبو حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي، لأن يطوفت ينحدر من ملزوزة.
وإلى الشمال من جادو توجد بلدة تسمى "أرجان"، تعود تسميتها إلى قبيلة تنحدر من مزاتة، وإليها ينسب الشيخ أبو يحي زكريا الأرجاني، الذي تولى رئاسة الجبل في بداية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وفي شرق مدينة ميري توجد قرية "درف"، المنسوبة إلى "بني درف"، والذين ذكرهم ابن حوقل ضمن قبائل مزاتة، ولواتة، وهوارة(5).
__________
(1) - البكري: المغرب، ص144-145.
(2) - (دجي) بكسر أوله وثانيه مع الشدة وتنطق أيضا في بعض المناطق (دَجِّي) بفتح الأول.
(3) - ابن عذارى: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق: ج.س كولان وليفي بروقنسال، دار الثقافة، ط2، بيروت، 1980، ج1، ص66.
(4) - ينظر: صورة الأرض، ص103.
(5) - نفس المصدر، ص103؛ وينظر كذلك: T. Lewicki, La répartition géographique, p333-336. (1/31)
صفحة 32
كما نجد العديد من الشيوخ الساكنين بالجبل ينحدرون من أصول مزاتية، مثل: أبي عثمان المزاتي في "دجي"،(1) و"ييران الزمرتي"، عامل عبد الوهاب وأبي نوح سعيد بن زنغيل المطكودي(2)، وينتسب هذا الأخير إلى بني مطكوداسن (مصكوداسن، مطكودازن). ويرى ليفيسكي أن بني مطكود فرع من مزاتة، وأن الجزء الأخير من الكلمة (اسن) غير مفهوم على الرغم من شيوع استعماله عند البربر مثل: (جلداسن)، (يغمراسن)، و(سمداسن). كما أن هناك بلدة تقع على شاطئ طرابلس تسمى "سويقة ابن مطكود"،(3) أما الإدريسي فيسميها سويقة ابن مثكود، ويذكر بأنها تبعد عن مدينة زويلة بستة عشر مرحلة(4).
وكانت مزاتة زمن الفتح تسكن مدينة الرمادة، وسرت، وودان، وتنقطع منازلها ابتداء من "تاورغا"، حيث تبدأ منازل هوارة(5). كما تواجدت بطون منها في أرباض تاهرت. فابن الصغير يذكر أن المزاتيين، والسدراتيين، كانوا ينتجعون من أوطانهم في المغرب في فصل الربيع إلى مدينة تاهرت وأحوازها بحثا عن الكلأ(6). ويبدو أنهم كانوا أعدادا كبيرة حتى إنهم أمروا عليهم أبا يعقوب المزاتي، أحد أثرياهم(7). ويذكر الإدريسي بأن لهم أقواما قرب "لك" وهو موضع لا يبعد كثيرا عن "طلمثية"، بين برقة وطرابلس،(8) وفي عصر الدرجيني كانت أقوام كثيرة منها تعيش في إفريقية، حيث قال: "كانت مزاتة بإفريقية في قوة عظيمة، من مال، وحال، ورجال، وخيل، وقالوا إنهم كانوا إذ ذاك في إثني عشر ألف فارس، وأما الرجال فلا يحصون كثرة"(9).
هـ - سدراتة:
__________
(1) - الشماخي: السير، ص205.
(2) - المصدر نفسه، ص591.
(3) - T. Lewicki, Du nouveau sur la liste , p183.
(4) - ينظر: القارة الإفريقية، ص214.
(5) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص2-4-5-6.
(6) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص7.
(7) - المصدر نفسه، ص113.
(8) - ينظر: القارة الإفريقية، ص214.
(9) - ينظر: طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة (د.ت)، ج1، ص124. (1/32)
صفحة 33
هي إحدى بطون لواتة، اتخذت هي الأخرى الجبل موطنا لها، حيث نجدها في بلدة "تاغرويت"، قرب مدينة نالوت، وفي "تبرست"، و"تين ونزيرف"، و"إنير"، وفي بلدة "مرغاس"، التي تعود تسميتها إلى قبيلة "بني مرغاس"، السدراتية(1). وتذكر المصادر علماء أجلاء من أصل سدراتي مثل: أبي مرداس مهاصر السدراتي الساكن بتبرست، والذي كان معاصرا للإمام عبد الوهاب (171-208هـ) (787-823م)، فهو الذي كان يجمع أموال الوصايا بالجبل، فيحملها معه إلى بيت مال تاهرت(2). كما تواجدت في مدينة بسكرة ببلاد الزاب، رفقة بني مغراوة(3). ويشير ابن خلدون إلى أن "بني جابر" المقيمين في "ورديقة" - في سفح جبل تادلا - بالمغرب يزعمون أنهم بطن من بطون سدراتة(4). كما استوطنت سدراتة جنوب وارجلان، وأسس أفرادها مدينة لهم عرفت باسمهم. وقد ساهمت هذه القبيلة في تموين أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني بالمؤن عندما فجر الثورة ضد العبيديين(5).
و - لماية:
__________
(1) - T. Lewicki, La répartition géographique, p333.
(2) - الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص292؛ الشماخي: السير، ص595.
(3) - البكري: المغرب، ص53.
(4) - ينظر: العبر، مج6، ص67-68.
(5) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، تحقيق جلول أحمد البدوي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، ص41. (1/33)
صفحة 34
هي بطن من بطون بني فاتن من ضريسة، إحدى بطون البربر البتر، وكلهم من ولد فاتن بن تمصيت بن ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر(1). ولها بطون كثيرة نذكر منها: بنو زكوفا، مزيزة، مليزة، بنو مدينين. وكان جمهورهم بالمغرب الأوسط في تاهرت(2). كما اتخذت إقليم طرابلس موطنا لها، حيث اجتمعت جموعها عند عيون "تمولست" بين طرابلس، وإفريقية(3). وهناك موضع يعرف باسمها يقع بين "زنزور"، و"الزاوية"(4). ويبدو أن بطونا منها كانت موجودة في الجبل، خاصة وأنها كانت – فيما بعد - سندا قويا للمذهب الإباضي. وقد اشتهر بعض رجالاتها بالعلم وحلقات التدريس(5).
ز - زناتة:
__________
(1) - ابن خلدون، المصدر السابق، مج6، ص239.
(2) - نفس المصدر والمجلد، ص246.
(3) - أبو زكريا: كتاب السيرة وأخبار الأئمة، تحقيق: عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس، 1985، ص271.
(4) - الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص29-30.
(5) - منهم أبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي، أحد علماء النصف الأول من القرن 5هـ (11م) وهو أحد الجماعة التي ألفت ديوان العزابة ينظر: أبو زكريا، المصدر السابق، هامش 13، ص241. (1/34)
صفحة 35
هي قبيلة بربرية كبيرة اعتبرها ابن خلدون فرعا قائما بذاته عن سائر البربر، ونسبها إلى البربر البتر. وكانت فروع منها مقيمة في الجزء الشرقي من الجبل. ففي ناحية "فساطو" وغير بعيد عن بلدة "واسين"، نجد موضعا يسمى "حارة بني انغاسن"، فهذه التسمية تعود إلى القبيلة البربرية الإباضية "بني ينغاسن"، وهي إحدى فروع زناتة. كما أن "يوجلين" الواقعة قرب "جادو" تعود تسميتها إلى "بني يوجلين" المنسوبة إلى زناتة(1). وإليها ينسب الشيخين العالمين: أبا محمد عبيدة بن أفلح الياجلاني، وأبا الربيع اليجلاني (الياجلاني)(2). كما أن إيدرج (يدرج، تدرج) هي من دون شك اسم لقبيلة زناتية، كانت تسكن واحة "درج" والتي لا تبعد كثيرا عن غدامس(3).
حـ - زواغة:
هي بطن من بطون البربر البتر، من ولد سمكان بن يحي بن ضرى بن زحيك بن مادغيس الأبتر، ويتفرعون إلى ثلاثة بطون هي: دمر، بنو واطيل، وبنو ماخرين، وأما مواطنهم فهي جبال شلف، وفاس، وقسنطينة(4). ولا تذكر المصادر الجغرافية، أو المصادر التي اهتمت بذكر مواطن القبائل وتحركاتها إن كانت زواغة متواجدة في الجبل أو لا على الرغم من أن هناك مدينة تقع غربي طرابلس بنحو خمسين كيلومترا، وغربي صبراتة بنحو عشرة كيلومترات تسمى "زواغة" نسبة إلى القبيلة(5).
__________
(1) - T Lewicki, La répartition, p335.
(2) - ينظر: السير، ص334-335.
(3) -T Lewicki: Du Nouveau Sur La Liste Des Tribus Berbères, p185.
(4) - ابن خلدون:العبر، مج6، ص261-264.
(5) - الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص29. (1/35)
صفحة 36
وبالإضافة إلى القبائل التي ذكرناها، هناك قبائل أخرى كانت موجودة في الجبل مثل: تناوة، زنداجة، ويزمرتن وبعض العرب من معافير اليمن(1). ويرى الباروني أن هناك بعض القبائل قدمت من المشرق الإسلامي إلى الجبل. ويعلل قوله بأن هناك أماكن وقبائل تسمى بأسماء أماكن في المشرق منها: قبيلة "الحمران" التي نزلت بجبل فساطو، وعمّرت بلدة تعرف باسمها، ومنها "جزوى" وهو موضع في ظاهر جبل فساطو، ومنها قبيلة "طرميسة" التي سكنت الموضع الذي يعرف باسمها والواقع على رأس جبلبين "جادو" و"تاردية"، ومنها المكان المسمى بـ "جندوبة" بناحية ككلة قرب جبل يفرن(2).
ومهما يكن من أمر فإن جبل نفوسة كان عامرا بالسكان من قبائل متعددة، على الرغم من أن المصادر تذكر بأن العرب لم يجدوا عند الفتح في إقليم طرابلس سوى لواتة ونفوسة. وتجمع المصادر الجغرافية على عمارته، فاليعقوبي يقول: "ومنازلهم (أي نفوسة) في جبال طرابلس في ضياع، وقرى، ومزارع، وعمارات كثيرة... وديار نفوسة متصلة من حد طرابلس مما يلي القبلة إلى قريب من القيروان، ولهم قبائل كثيرة وبطون شتى" (3). فلا غرابة -إذن- أن تحيط بمدينة "شروس" وحدها أزيد من ثلاثمائة قرية(4).
__________
(1) - الشماخي: السير، ص596-597.
(2) - سليمان بن عبد الله الباروني: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، تحقيق محمد علي الصليبي، المطابع العالمية، روى سلطنة عمان 1987، ج2، ص137.
(3) - ينظر: صفة المغرب، ص7.
(4) - مجهول: الاستبصار، ص144. (1/36)
صفحة 37
وإذا عدنا إلى المصادر الإباضية نجدها تشير إلى المئات من القرى، إضافة إلى الحواضر المعروفة مثل: "جادو، شروس، ويغو، إفاطمان، كاباو، ابديلان، تندميرة (تندميرت)، ميري، تمزين، فساطو، جناون، تملوشايت، وغيرها من المدن. وتجدر الإشارة في الأخير أنه وبالإضافة إلى القبائل البربرية التي ذكرناها، هناك بعض الروم الذين استقروا في الجبل، أما العبيد من السودانيين فقد كثرت أعدادهم في الجبل عندما راجت تجارة الرقيق في بلاد المغرب.
وأما عن سبب تسمية هذا الجبل بجبل نفوسة، فيعود إلى قبيلة نفوسة وهي أشهر القبائل التي سكنته، على الرغم من أنها كانت تستوطن جزءا منه فقط، ويبدو أن التسمية شملت كل أطرافه فيما بعد أي بين وزان وحدود يفرن الغربية؛ ضامة بذلك كل المناطق الآهلة التي لا ينحدر سكانها أصلا من قبيلة نفوسة، ولكنهم دخلوا في تحالف معها. ويبدو أن نفوسة كانت في العصور الوسطى تسيطر فقط على الجهة الغربية من الجبل والتي تسمى "أميناج" في حين أن الجهة الشرقية - أي جهة جادو - والتي تحدها غربا منطقة الرحيبات كانت تسكنها قبائل عديدة لا تنحدر من نفوسة(1)، وقد اندمجت معها منذ وقت مبكر، فابن خلدون يعد قبائل بني زمور، وبني مصكورة، وماطوسة، كبطون منها(2).
ولا نعرف بالضبط متى أصبح الجبل يسمى باسمها، ولكن يبدو أن ذلك يعود إلى القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) خاصة عندما أخذت بالمذهب الإباضي وتزعمت ثورة الخوارج في إفريقية، ولعبت دورا كبيرا في تأسيس الدولة الرستمية سنة 160هـ (776م)، ولم تذكر المصادر تسمية أخرى لهذا الجبل اللهم ما ذكره اليعقوبي بقوله: "أرض نفوسة"(3).
3 - أوضاع الجبل قبل الفتح الإسلامي:
__________
(1) - T. Lewicki, La répartition, p.332
(2) - ينظر:العبر، مج6، ص229-230.
(3) - ينظر: صفة المغرب، ص7. (1/37)
صفحة 38
تتفق المصادر على أن جبل نفوسة كان عامرا بالسكان قبل الفتح الإسلامي، حينما كان ضمن إقليم طرابلس، وقد لاحظ J.Despois أن تكاثر العمارة بالجبل قد أكده علم الآثار، ويحتمل أنه يعود إلى عصر ما قبل التاريخ عندما كان الجبل ملجأ – مثل الواحات ووادي النيل والوديان الصحراوية - لمخلوقات العصر الحجري الجديد، الذين تخلوا عن المساحات الفسيحة المستخدمة في العصر الحجري القديم بسبب الجفاف. وبما أن إمكانيات الجبل محدودة، فإننا نلاحظ أن سكانه اعتمدوا على سهل الجفارة الممتد جنوب مدينة زوارة الحالية لمسافة تفوق مائة كيلومتر(1).
__________
(1) -Jean Despois: Le djebel Nafusa, p280. (1/38)
صفحة 39
وإذا كنا لا نجد المادة الكافية التي تضيء لنا تاريخ الجبل كوحدة جغرافية، فلأن أخبار إقليم برقة وطرابلس طغت على تاريخ المنطقة. إلا أن البحوث الأثرية أكدت وجود حضارة فيه بلغت درجة كبيرة من التقدم والازدهار. فقد قام عدد من العلماء الإيطاليين بدراسة عصر ما قبل التاريخ في كل من برقة وطرابلس، وقام الأثري جرازيوزي Graziozi بعدة أبحاث، ثم جاء بعده عالم الآثار الفرنسي دالوني Dalloni ليكمل البحوث في إقليم فزان. وسمحت هذه البحوث بالكشف عن العديد من الرسوم والنقوش التي تصور حياة الإنسان في تلك الفترة الزمنية الغابرة، وكانت هذه الرسوم الصخرية ممتدة من جبل نفوسة شمالا إلى تاسيلي جنوبا. أما الرسوم فهي عبارة عن حيوانات مفترسة، وحيوانات برية، ورجال يقودون عربات تجرها الخيول، أو يركبون الخيول بأنفسهم، ورجال يرعون الجمال (1). ويذكر محمد سليمان أيوب أن سكان جبل نفوسة هم أول من استورد الجمال بعد سكان لبدة. هذه الأخيرة التي كانت مركزا لبيع الإبل في هذه المنطقة في القرن الرابع الميلادي، ثم اشتهرت قبائل مزاتة، ولواتة، وهوراة بتربيتها واستعمالها كوسيلة نقل للتوغل في الصحراء. ويرى بأن تسمية الجمل في الصحراء بـ "الزايلة" مرده أن هذا الحيوان جاء إلى الصحراء الكبرى لأول مرة مع أهل "زلة". وزلة (2)مدينة هوارية تقع جنوب سرت (3) وإذا كانت كلمة "زايلة" يقصد بها في بعض الجهات "الجمل"، فإنها تعني في مناطق أخرى من بلاد المغرب كل حيوان يستعمل للركوب والتنقل، وهذا يجعلنا نستبعد أن تكون كلمة
__________
(1) - محمد سليمان أيوب: مختصر تاريخ فزان منذ أقدم العصور حتى 1811، المطبعة الليبية، طرابلس (د.ت)، ص36-38.
(2) - يسميها الإدريسي (زالة) وهي مدينة تبعد عن أوجلة بعشر مراحل، وعن زويلة بعشرة أيام، وعن ودان بثلاثة أيام وعن سرت بتسعة أيام، ينظر:القارة الإفريقية، ص213.
(3) - محمد سليمان أيوب: جرمة من تاريخ الحضارة الليبية، ص205-206. (1/39)
صفحة 40
"زايلة" تعود تسميتها إلى هذه المدينة. ولعل أول ما يسترعي الاهتمام هو أن جبل نفوسة كان منذ القدم عامرا ومأهولا بأقوام إفريقية عريقة في القدم، تعرضت لغارات وغزوات آتية من البحر، أو من الصحراء، ويعد هؤلاء أنفسهم أجدادا للبربر(1). وقد ذكر صاحب الاستبصار أن مدينة شروس قديمة وفيها آثار للأول(2) مما يعني أن عمرانها يعود إلى الأزمنة الغابرة.
وتجدر الإشارة إلى أنه ليست لدينا معلومات كافية عن الجبل في العصور الغابرة لأن المصادر أغفلت هذه المرحلة، ولكن يمكن القول إن المنطقة الواقعة بين الساحل والواحات الصحراوية هي المنطقة الوحيدة التي تتوفر على موارد المياه في العصر الحجري القديم والجديد وبالتالي يمكن أن توجد هناك حياة تمكن الإنسان النفوسي من الاشتغال بالزراعة. وبعد مجئ الفينقيين احتل هؤلاء بعض الموانئ مثل: ليبتيس، وماجنا، وأويا، وصبراتة. وقد أشار سنزابون إلى أن سكان الجفارة في القرن الأول الميلادي هم من الليبيين والفينقيين. كما تحدث هيرودوت بعد أربعة قرون عن "اللوتوفاجيين"، و"الجندانيين"، و"الجارمانت" في فزان ووصفهم بأنهم من الأثيوبيين، وبينهما تواجد الجيتول البدو في القبلة والظهر، والجيتول هؤلاء هم سكان الجبل(3).
__________
(1) - عبد الجليل الطاهر: المجتمع الليبي، ص15.
(2) - ينظر: ص144.
(3) - عبد الجليل الطاهر: المرجع السابق، ص66. -Jean Despois: Le djebel Nafusa, p281 (1/40)
صفحة 41
ومهما يكن من أمر فإن معرفتنا بإقليم طرابلس تبدأ مع القرن العاشر قبل الميلاد، حيث كانت تسكنه أقوام تدعى "الليبيين"، ذكر هيرودوت (ق 5 ق م) بعض أسمائهم مثل: الناسمون (Nasmoni) سكان خليج سرت، وبسيللي (Psylli)، وماكاي (Macae)، وجندانس (Gindanes)، في المنطقة الواقعة بين خليج سرت الصغير (خليج قابس)، وفي المناطق الداخلية نجد "الجارمانت" (Garamanti)، و"الغانفسنتي" (gamfasanti). أما سنزابون فإنه يضيف عما ذكره هرودوت الجيتول باعتبارهم هم كذلك من سكان المناطق الداخلية. وتعد الأخبار التي أوردها بروكوبيوس (القرن السادس الميلادي) الأكثر دقة؛ حيث ذكر أنه كانت تعيش بطرابلس قبائل لواتة فيما بين خليج سرت الكبير ومدينة طرابلس (أوئيا)(1).
وتشير المعلومات المتوفرة أن الليبيين كانوا من البدو الرعاة، يتحدثون لهجات ليبية، وهي اللهجات التي تحولت فيما بعد إلى لهجات بربرية، وقد احتك هؤلاء بالفينقيين، واتصلوا بهم واستعملوا لغتهم البونيقية القرطاجبية في الوقت الذي اشتد فيه الصراع والتنافس بين القرطاجنيين واليونانيين (الدوريين الإغريق). هذا الصراع الذي سمح لليونانيين (631ق م) باستعمار سواحل برقة وتأسيس مدينة "قورينا"، في حين سيطرت قرطاجنة على المراكز التجارية الكبيرة - المعروفة عند اليونان باسم "امبوريا"(2).
__________
(1) - روسي إتوري: ليبيا منذ الفتح العربي حتى سنة 1911، ترجمة: خليفة محمد التليسي، الدار العربية للكتاب، ط2، بيروت، 1991، ص26-27.
(2) - روسي إتوي: المرجع نفسه، ص30. (1/41)
صفحة 42
وتوحي بقايا الآثار الموجودة الآن في الجبل إلى وجود قصور كثيرة يعود تاريخها إلى الفترة الرومانية في شمال إفريقيا(1)، ففي القسم الغربي من الجبل بقايا قصور في حاجة إلى دراسة أثرية مثل: القصور الموجودة في كل من نالوت، وكباو، وأولاد محمود، والمجابرة وفرسطا، والرجبان، وقصر قرية "أولاد عنان"، وقد كانت هذه القصور تستعمل كمخازن للغلال والمحاصيل الزراعية (2).
وتتحدث الدراسات عن معاصر الزيتون المنتشرة في الجبل، والتي تعود إلى فترة الحكم الروماني للمنطقة. ويختلف جبل نفوسة عن جبل "ترهونة" و"مسلاتة" التي تشهد فيها آثار وأطلال المعاصر على تطور زراعة الزيتون حيث لا نجد في الجبل آثارا لبقايا المعاصر وإنما نجد الكهوف التي شيدت فيها المعاصر. ويعد هذا النوع قديما جدا، حيث يستعمل فيه الخشب والطواحين من الحجر، وتذكر الروايات أن الرومان قلدوا الأهالي في طرق عصر الزيتون(3).
ويبدو أن الرومان أقاموا في القرن الثاني بعد الميلاد حصونا ومراكز للمراقبة على الطريق الساحلي من قابس إلى لبدة، وعند المواقع المرتفعة، وتبع ذلك إنشاء تحصينات أخرى سميت بـ "الحدود الطرابلسية" (Limites Tripolitains) أنشئت على شكل قوس ينتهي طرفاه عند تونس ولبدة مرورا بالجبل، كما شيدوا الحاميات الدفاعية لصيانة الطرق التي تمتد نحو الداخل حتى "فزان" عن طريق "غريان" الواقعة في الجبل(4).
__________
(1) - Jean Despois: Le djebel Nafusa, p282.
(2) - عبد الجليل الطاهر: المجتمع الليبي، ص23.
(3) - المرجع نفسه، ص67؛ Jean Despois: op. Cit. P283-284.
(4) - روسي إتوري: ليبيا منذ الفتح العربي، ص41. (1/42)
صفحة 43
أما في فترة حكم الوندال فلا نجد معلومات كافية عن الجبل بل تتحدث الروايات فقط عن الثورات التي ظلت تتزعمها طرابلس. ولا يستبعد أن يكون سكان الجبل قد شاركوا في هذه الثورات، لأنه ولقرب المسافة فإن أي اضطراب يحدث في طرابلس إلا ويكون له تأثير على الجبل، خاصة وأننا نعلم أن ثورة "كباوون" Cabaon – أحد الزعماء الليبيين - ضد الوندال الذين جهزوا حملة من قرطاجنة لغزو طرابلس، جرت في سفوحه عند السهل الواقع بين طرابلس وقابس (1).
وبالقضاء على الوندال، تمكن البيزنطيون من السيطرة على طرابلس عندما طلب سكانها العون والنجدة. ولم يعمر الاستقرار طويلا في المنطقة، إذ قامت لواتة بعدة ثورات بين سنتي 545 و546م والانتصار على حاكم إفريقية كلها وقتله. وانتهت في الأخير بأن تمكن البيزنطيون من إخمادها بعد جهد شاق، ويبدو أن قبائل البربر في المنطقة كانت لهم قوة سمحت لهم بإقامة دولة أو دويلات وطنية لها قوانينها وحكامها. وكانت لواتة، وهوارة، ونفوسة، على جانب عظيم من القوة. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه القوة لم تعمر طويلا، ولم تستمر إلى أواخر عهد البيزنطيين، فالحروب الطويلة أنهكت قواها مما جعلها تجنح إلى السكون والخضوع للحكم البيزنطي على الرغم من تذمر أفرادها من الضرائب المفروضة عليهم، وظلوا يتوقون إلى التخلص منه خاصة عندما بلغتهم أخبار الفاتحين العرب ووصولهم إلى مصر(2).
4 - الديانة:
__________
(1) - روسي إتوي: ليبيا منذ الفتح العربي، ص34.
(2) - حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، ص51؛ صالح مصطفى مفتاح: ليبيا منذ الفتح العربي حتى انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر، منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ط1، بيروت، 1978، ص25-26. (1/43)
صفحة 44
من المعروف أن المسيحية كانت منتشرة بين الأفارقة والجاليات الرومية، أما البربر فلم تدخل المسيحية بينهم بصورة واضحة وجلية إنما كانوا وثنيين(1)، وكانوا يمارسون بعض الطقوس الدينية السحرية التي كانت مستعملة في الديانات الوثنية الإفريقية، وهذا قبل أن يحتل الفينيقيون والرومان هذه البلاد، وما صاحب هذا الاحتلال من فرض عبادة آلهتهم على الأهالي. ولا يستبعد أن يكون البربر قد أخذوا هذه الطقوس الوثنية من إفريقيا السوداء وربما العكس خاصة وأنهم كانوا على صلات وثيقة مع سكان تلك البلاد(2).
وتجدر الإشارة إلى أن البربر لم تكن لهم أفكار معينة عن الإله وعن مصير الإنسان، وإنما كانت لهم بعض المعتقدات البدائية مثل عبادة الشمس، والقمر، والأصنام، والاعتقاد في السحر، والشعوذة. وقد أشار البكري إلى وجود أصنام مثل الصنم الذي شيدته القبائل القاطنة في "ودان" القريبة من جبل نفوسة حيث كانوا يقدمون له القرابين ويتبركون به في أموالهم، وقد أقامته القبائل المحيطة به على ربوة أطلقوا عليه اسم "كرزة"(3).
__________
(1) - حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار ومطابع المستقبل، ط1، القاهرة، 1980، ص29؛ أحمد مختار العبادي: في تاريخ المغرب والأندلس، دار النهضة العربية، بيروت، 1978، ص16.
(2) - مورس لومبار: الإسلام في مجده الأول، القرن 8-11 (2-5هـ)، ترجمة وتعليق إسماعيل العربي، المؤسسة الوطنية للكتاب، ط1، الجزائر، 1984، ص83.
(3) - ينظر: المغرب، ص12. (1/44)
صفحة 45
وتشير الروايات إلى بعض مشاهد الجبل المقدسة والتي كانت تحظى بزيارات المشائخ ربما للتبرك، مما جعل ليفيتسكي يرجح أن تكون عبادة الكائنات والظواهر الطبيعية منتشرة في الجبل، فقد ذكر الشماخي أن النفوسيين كانوا يقصدون صخرة الوادي ومصلى "تزروت" (الصخرة)(1). وعلى الرغم من أن الشماخي يربط هذه الأماكن بشخصيات إباضية كانت تتعبد فيها إلا أنه – وحسب ليفيسكي - لا يستبعد أن تكون مراكزا للعبادة منذ زمن بعيد، أي قبل الإسلام. وهناك مجموعة أخرى من الصخور المقدسة مثل صخرة "توكيت"، وصخرة "تيناولوتين" أبو خليل. وبما أن هذه الأخيرة كانت مقدسة، فقد أقام أبو خليل الدركلي (ق 3هـ/9م) مصلى له فيها، فاشتهرت باسمه(2).
كما كانت النفوسيات يمارسن بعض الطقوس عند بعض عيون الماء التي اشتهرت في الجبل بأن الاغتسال من مائها يشفي ويقي من الأمراض، فغير بعيد عن القلعة توجد عين تسمى عين "نانا تالا" كانت النساء يأتين بأولادهن لغسلهم(3).
وإبان الاحتلال الروماني حاول الرومان فرض ديانتهم على البربر بعبادة آلهتهم مثل أوزير، وإيزيس، وخاصة عبادة الإمبراطور الروماني، ولكن البربر لم يقبلوا عليه بل ظلوا يحتفظون بعبادة آلهتهم مثل آلهة "تانيت"، والآلهة القرطاجية مثل الإله "بعل حمون" (4).
__________
(1) - ينظر: السير، ص599.
(2) -T. Lewicki: Survivances chez le berbères medieveaux d'êre musulmane de cultes anciens et de croyances Paennes, Folia Orientalia, 1967, t 8, p15-16.
(3) - T. Lewicki: op. Cit. P18.
(4) - رشيد الناضوري: المغرب الكبير، دار النهضة العربية، بيروت، 1981، ج1، ص342-343. (1/45)
صفحة 46
ولما أرسل الله عيسى ونشر الحواريون هذا الدين في مختلف بقاع العالم، وصل هذا الدين إلى المغرب في القرن الثاني الميلادي وانتشر بين البربر على الرغم من احتفاظهم ببعض معتقداتهم، فقد كانوا يشنون الغارات على المدن الساحلية وينهبون كنائسها للحصول على أواني لاستخدامها في طقوسهم الدينية(1).
وحارب الرومان في البداية هذه الديانة، وتعرض المسيحيون من البربر والرومان على السواء لاضطهاد كبير من قبل الأباطرة في القرن الثاني الميلادي، خاصة من لدن الإمبراطور (صوكليسيان) الذي تولى الحكم سنة 274م، حتى إن فترة حكمه عرفت بـ "عصر الشهداء"، نظرا لمقتل أعداد كبيرة منهم. ولما ارتقى الإمبراطور قسطنطين عرش روما سنة 312م أصبحت المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية. ونظرا للكراهية الشديدة التي يكنها البربر للرومان كرهوا ديانتهم واعتنقوا الدوناتية - وهو مذهب مخالف للمذهب الأرثوذكسي الكاثوليكي الذي تبناه الرومان(2).
ولما تفاقم الخلاف بين الأسقف دوناتوس وأسقف قرطاجنة إلتجأ دوناتوس إلى البربر وأعلن الثورة ضد الرومان. وحاول هؤلاء إرغام الأهالي على التخلي عن مذهبهم والأخذ بمذهب كنيسة القسطنطينية، حتى إنهم كانوا يحاصرون المدن ويعدمون كل شخص يرفض التخلي عن مذهبه، مما أدى إلى فرار العديد منهم إلى إيطاليا، وإسبانيا، وألمانيا، وتقلص شيا فشيئا عدد المسيحيين في البلاد(3).
__________
(1) - يحي هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية (الشمال الإفريقي)، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1965، ج1، ص15-17؛ زاهر رياض: شمال إفريقيا في العصور الوسطى، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1981، ص33.
(2) - محمد علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير، دار إحياء الكتب العربية، ط1، القاهرة، 1963، ج1، ص406.
(3) - زاهر رياض: المرجع السابق، ص34. (1/46)
صفحة 47
ولما جاء الوندال اضطهدوا أتباع المسيحية بمختلف مذاهبها، وقد أدى ذلك إلى ضعفها فارتد عنها الكثيرون. وحاول جستنيان إعادة نشرها في البلاد، فبنى الكنائس ونشط حركة التبشير فانتعشت المسيحية من جديد، وأقبل عليها البربر في مدينة صبراتة وطرابلس وتمكنت المسيحية من التوغل في المناطق الداخلية مثل أوجلة Augila، وغدامس Cydames. أما في العصر البيزنطي فقد ضعف دور الكنيسة الإفريقية، وتعرض دعاة الدوناتية للاضطهاد من جديد، فدعوا مرة أخرى إلى الثورة(1).
وأقبل النفوسيون على المسيحية كبقية البربر، وظلوا محافظين عليها، فعندما فتح عمرو بن العاص الجبل وجد سكانه على دين النصرانية(2)، وتتحدث المصادر عن كثرة الكنائس وانتشارها في المدن النفوسية مثل: كنائس "فرسطا، الجزيرة، بغطورة، تنبطين، أغرمينان، تمزدا، توكيت، ونسيم"(3).
وعاش بقايا النصارى بين نفوسة في هدوء واستقرار بل هناك من العلماء من تزوج من النصرانيات، مثل: أبي يحي الأزدالي الذي تزوج أم الخطاب، وبفضله أسلمت، وحفظت القرآن، وتعمقت في الدين الإسلامي حتى أصبحت مرجعا من مراجعه. وأنشأت معبدا لها في "تغرمين" سمته "إغرم إيمان"، ومعناه "قصر النفس في مجلس الذكر"،(4) كما كانت أم أبي يحي تكسنيت نصرانية الديانة(5). ويرجع الفضل لشيوخ نفوسة في نشر الإسلام بين المسيحيين، واليهود على المذهب الإباضي، فهناك من النصارى الذين اعتنقوا المذهب من تقلد الرئاسة في الجبل مثل: أبي منصور إلياس(6).
__________
(1) - حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، ص29-31.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص8؛ مجهول: الاستبصار، ص144.
(3) - الشماخي: السير، ص598-599؛ R. Basset, Les sanctuaires, p372-373.
(4) - المصدر نفسه، ص256؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص245-246.
(5) - المصدر السابق، ص245.
(6) - نفسه، ص224. (1/47)
صفحة 48
وأما اليهودية فقد وصلت إلى المنطقة مع موجات الهجرة المتواصلة منذ أقدم العصور بعضها يهودية، وبعضها سامية، وبعضها هندوأوروبية، كاللاتين، والوندال، والإغريق، وبعضها زنجية(1). وليس مستبعدا أن تكون اليهودية قد وصلت إلى جبل نفوسة من الحبشة، وشرق إفريقيا، ذلك أنه لما احتل بختنصر البابلي مدينة بيت المقدس وشرد اليهود إلتجأ العديد منهم إلى الحبشة في أواخر القرن السادس ق م، وفيها أنشأوا المراكز التجارية التي لعبت دورا كبيرا في نشر ديانتهم بين الأحباش وفي شرق إفريقيا عموما (2).
إن المصادر تشير إلى وجود جاليات كبيرة من اليهود اتخذت الجبل موطنا لها، ونظن أنها من بقايا الفترة التي تسبق الفتح الإسلامي، فجادو مثلا كان أكثر أهلها يهود(3). ويذكر ليفيتسكي بأنه كان لهم حي خاص بهم(4)، وقد استمر تواجدهم في الجبل إلى فترة متأخرة، حيث اشتغلوا بالتجارة شأنهم في كل مكان وزمان، وظل اليهود يحتفظون بمكانتهم عكس النصارى الذين اختفوا تدريجيا.
__________
(1) - السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، نشر مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر، الإسكندرية، (د.ت)، ص48.
(2) - محمد عبد الله النقيرة: انتشار الإسلام في إفريقية ومناهضة الغرب له، دار المريخ للنشر، الرياض، 1982، ص46-47.
(3) - البكري: المغرب، ص9؛ مجهول: الاستبصار، ص144؛ ياقوت الحموي: معجم البلدان، مطبعة السعادة، ط1، القاهرة، 1906، مج5، ص92.
(4) - T. Lewicki, La répartition, p 335. (1/48)
صفحة 49
ويعود تاريخ التواجد اليهودي في بلاد المغرب إلى عهد الفينيقيين، ثم تكاثرت أعدادهم مع قدوم المهاجرين الجدد بعد الاضطهاد الروماني، واستقروا في بعض المدن المغربية مثل: طلميثة، وطرابلس، وجادو، ومارسوا التجارة، ونظرا لاضطهاد الرومان لليهود فقد فروا إلى المناطق الداخلية. ولا يستبعد أن يكون يهود جادو من الفارين من السلطة الرومانية. كما استقر اليهود في مدينة أجدابية، ودرنة، قرب برقة، وسرت. فهناك قرى خاصة بهم مثل "اليهودية" ويرى صالح مصطفى أن هؤلاء اليهود قد انحدروا من نسل البربر الذين اعتنقوا اليهودية بعد قدوم يهود فلسطين إلى هذه المنطقة بعد طردهم في القرن الأول الميلادي(1).
ولا نستبعد أن يكون بعض يهود جادو قد أخذوا بالمذهب الإباضي على غرار النصارى رغم أننا نفتقر للشواهد التاريخية، فالمصادر الإباضية لا تشير إلى ذلك.
5 - الفتح الإسلامي للجبل:
على الرغم من المحن التي مر بها جبل نفوسة في الفترة التي سبقت الفتح الإسلامي، إلا أن القبائل التي كانت تستوطنه ظلت تحتفظ بقدر من القوةK حتى إن العرب الفاتحين عندما تمكنوا من فتح مصر كانوا على علم ودراية بقوة نفوسة. وعندما وصلوا إلى هذه المنطقة كان تعاملهم مع هذه القبيلة. يقول ابن خلدون: "كانت البطون التي فيها الكثرة والغلب من هؤلاء البربر البتر لعهد الفتح: أوربة، وهوارة، وصنهاجة، من البرانس، ونفوسة، وزناتة، ومطغرة، ونفزاوة، من البتر" (2).
__________
(1) - ينظر: ليبيا منذ الفتح، ص191-194.
(2) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص296. (1/49)
صفحة 50
وكما هو معروف فإن المحاولات الأولى لفتح بلاد المغرب تمت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (13-23هـ) وذلك سنة 22هـ. فلما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية سنة 21هـ توجه رفقة جنده قاصدا بلاد المغرب، حتى قدم مدينة برقة (انطابلس) فصالح أهلها على جزية مقدارها ثلاثة عشر ألف دينار، يبيعون فيها من أبنائهم من أحبوا بيعه. وكتب لهم كتابا بذلك، وأصبح من يومها أهل برقة يرسلون بخراجهم إلى والي مصر من غير أن يأتيهم جابي خراج (1).
__________
(1) - البلاذري: فتوح البلدان، راجعه رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978، ص225-226.
؛ ابن الآبار: كتاب الحلة السيراء، تحقيق حسين مؤنس، الشركة العربية للطباعة والنشر، ط1، القاهرة، 1963، ج1، ص13-14؛ ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج4، ص389؛ ابن عبد الحكم: فتوح إفريقية، ص30؛ حسين مؤنس: معالم، ص31؛ صالح مصطفى: ليبيامنذ الفتح، ص29-30؛ محمد زيتون: المسلمون في المغرب والأندلس، دار الوفاء للطباعة (دون مكان)، 1984، ص9-10؛ محمد فرج: عمرو بن العاص، دراسة مستحدثة لحياته وحروبه، دار الفكر العربي، القاهرة، 1960، ص265. (1/50)
صفحة 51
وبعد أن خضعت برقة للفاتحين، واصل عمرو بن العاص طريقه سالكا الساحل متقدما إلى طرابلس، وفي طريقه تمكن من فتح المدن المنتشرة في أرباض برقة مثل توكير (توكرة)، ويرنيق (بنغازي)، ومنها انتقل إلى اجدابية في السنة نفسها أي 22هـ (642م)، فافتتحها صلحا على خمسة آلاف دينار(1). ولتأمين ظهره أرسل عمرو عقبة بن نافع إلى ودان، وزويلة فافتتحها. وبعد هذا الانتصار الذي حققه المسلمون في هذه الربوع راسل عمرو بن العاص الخليفة عمر يخبره بأنه ولى عقبة بن نافع المغرب وأنه بلغ مدينة زويلة، وأن كل البلاد الممتدة بين برقة وزويلة يسودها السلم، وأهلها يحسنون الطاعة، كما أخبره بأنه قد فرض على أهل زويلة ما رأى أنهم يطيقون دفعه، وأعطى أوامره للعمال بأن يأخذوا من الأغنياء الصدقة وتوزع على الفقراء والمحتاجين، ويأخذوا الجزية من أهل الذمة فتحمل إليه بمصر(2).
__________
(1) - ياقوت الحموي: المصدر نفسه، مج1، ص100؛ صالح مصطفى: المرجع نفسه، ص30-31.
(2) - البلاذري: المصدر السابق، ص225-226؛ صالح مصطفى: المرجع نفسه، ص31. (1/51)
صفحة 52
ووصل عمرو إلى مدينة طرابلس وحاصرها حصارا شديدا دام حوالي شهر. وتذكر الروايات أن أهلها استنجدوا واستغاثوا بقبيلة نفوسة، وكانت مدينة سبرت (صبراتة) من أهم معاقلها، ولكن بعض المؤرخين يستبعدون هذه الرواية لأن المقاومة التي لقيها الفاتحون لا تتعدى تحصن سكان المدينة خلف الأسوار، ولذلك فإن كانت هناك نجدة فعلا – كما تذكر الروايات - فإنها لم تصل لأن عمرو بن العاص أسرع في إرسال كتيبة من الجيش إلى سبرت (صبراتة) للحيلولة دون وصول النجدة، وعادت دون أن تحقق أي انتصار لأنها وجدت سكان المدينة متحصنين تحصنا منيعا، فشل الجند في اقتحامه. ولما اقتحم عمرو مدينة طرابلس من ناحية البحر، وتمكن من فتحها أعاد الكرة مرة أخرى، فتمكنت جريدة من الخيل بقيادة عبد الله بن الزبير من دخولها دون عناء شديد؛ خاصة وأنهم وجدوا الأبواب مفتوحة لانشغال أهلها بإخراج الكراع للمرعى(1).
__________
(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص69؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب، ص60؛ إبراهيم بيضون: الدولة العربية في إسبانيا من الفتح حتى سقوط الخلافة، (92-442هـ) (711-1031م)، دار النهضة العربية، بيروت، 1980، ص23؛ محمد فرج: عمرو بن العاص، ص272؛؛ سعد زغلول: تارخ المغرب، ج1، ص140؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص62؛ حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، ص63. (1/52)
صفحة 53
وبعد الاستيلاء على سبرت وتهديم سورها، اتجه عمرو إلى مدينة شروس وهي إحدى حواضر جبل نفوسة فافتتحها، ولا ندري هل تم الفتح صلحا أم عنوة؟ لأن المصادر لا تشير إلى ذلك. ووفق رواية ابن أبي دينار فإن عمرو لما أقام في طرابلس بعث "بسر بن أرطاة" ففتح ودان، وجبل نفوسة(1). وفي مدينة شروس وصله كتاب أمير المؤمنين يمنعه من مواصلة الفتح ويطلب منه العودة إلى مصر. وبعد رجوعه ترك عقبة بن نافع ببرقة يدعو أهلها وما جاورها من القبائل إلى الإسلام، وتمكن في وقت قصير من نشره بين قبائل لواتة، ونفوسة، ونفزاوة، وهوارة، وزواغة(2).
وللحفاظ على هذا النجاح اهتم عمرو بإرسال السرايا إلى المنطقة فكان الجند يستحوذون على الغنائم، ويعودون إلى قواعدهم. ولم يكن القصد من هذه الغارات جمع الغنائم – كما يقول بعض المستشرقين - وإنما لإشعار سكان المنطقة بقوة المسلمين، بالإضافة إلى تحسس واستطلاع الأخبار لتهيئة الظروف والاستعداد التام لتكملة الفتوحات في بقية بلاد المغرب، خاصة وأن الخليفة منعه من المجازفة في هذه الربوع(3).
ويبدو أن طلائع الجند القادمة من مصر إلى شرق إفريقية كان الهدف منها هو إخضاع قبائل البربر القاطنة بمدينة برقة، وطرابلس وضواحيها نهائيا، خاصة وأن المضي قدما إلى إفريقية يحتاج إلى استعداد خاص لأنهم سيواجهون خصما قويا يتمثل في الروم المقيمين في حاضرتهم سبيطلة.
__________
(1) - ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، مطبعة الدولة التونسية، ط1، تونس، 1386هـ، ص230.
(2) - حسين مؤنس: فجر الأندلس، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط2، جدة، 1985، ص37؛ محمد زيتون: المسلمون في المغرب، ص14؛ السيد عبد العزيز سالم: المرجع السابق، ص66.
(3) - محمد زيتون: المرجع نفسه، ص14-15. (1/53)
صفحة 54
وتهمل المصادر بعد هذه الأحداث أخبار نفوسة، فلا ندري هل أذعنت للمسلمن واعتنقت دينهم وتركت وثنيتها؟ وهل رأت في الفتح الإسلامي خلاصا لها من الحكم البيزنطي الجائر الذي عانت منه الويلات طيلة وجوده في المنطقة؟ وعلى الرغم من أن المصادر تشير إلى حملات أخرى تأديبية، لكننا لا نجد أدنى إشارة لأسماء القبائل التي ارتدت ونقضت الصلح. فهناك جرائد خيل أرسلت إلى أطراف إفريقية بأمر من عبد الله بن سعد بن أبي سرح في خلافة عثمان(1). وحتى في إمارة عقبة بن نافع، تذكر المصادر أن أهل ودان نقضوا العهد، ورفضوا تقديم ما فرضه عليهم بسر بن أرطات من جزية، كما تشير إلى أنه افتتح بلد مزاتة(2).
ونعتقد أن نفوسة رأت في الفاتحين الخلاص من الاضطهاد، ومن مصادرة أراضيهم، وأموالهم، فأسلمت وأذعنت للفاتحين العرب. وعندما عانت مثل بقية قبائل البربر من جور الولاة الذين تداولوا على حكم بلاد المغرب، رأت في مبادئ الإباضية مسلكا للانتفاضة، والإطاحة بأولئك الولاة الذين أصبحوا لا يختلفون كثيرا عن عمال الحكم البيزنطي. وتظهر نفوسة كقوة من جديد إبان انتشار دعاة الإباضية فأشعلت الثورة.
الفصل الثاني
دخول المذهب الإباضي إلى جبل نفوسة
1 - دعاة الإباضية في الجبل.
2 - حملة العلم المغاربة.
……3 - إمامة عبد الله بن مسعود التجيبي والحارث بن تليد الحضرمي.
4 - قيام الإمامة الخطابية في طرابلس (140-144هـ) (757-761م).
أ - تولية أبي الخطاب الإمامة.
ب - استيلاؤه على طرابلس.
__________
(1) - ابن عبد الحكم: فتوح إفريقية، ص34؛ البلاذري: فتوح البلدان، ص227؛ أبو العرب: طبقات علماء إفريقية وتونس، تحقيق علي الشابي ونعيم حسن اليافي، الدار التونسية للنشر، تونس، 1968، ص65؛ المالكي: رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1951، ج1، ص14؛ السيد عبد العزيز سالم: المرجع السابق، ص67.
(2) - ابن عبد الحكم: المصدر نفسه، ص50-53. (1/54)
صفحة 55
جـ - استيلاؤه على القيروان.
5 - موقف الخلافة العباسية من الإمامة الخطابية.
6 - إمامة أبي حاتم الملزوزي.
أ - استيلاؤه على طرابلس.
ب - حصار طبنة والقيروان.
1 - دعاة الإباضية في الجبل:
كان فشل الإباضية في تحقيق أهدافهم في المشرق الإسلامي سببا في توجيه أنظارهم إلى الأمصار الإسلامية النائية عن حاضرة الخلافة الأموية في دمشق(1)
__________
(1) - ظهر المذهب الإباضي وترعرع في البصرة، ومنها انتشر إلى مختلف الأصقاع. ففي اليمن استطاع عبد الله بن يحي الكندي أن يؤسس إمامة سنة 129هـ (747م) غير أن قربه من مركز الخلافة أثار له المتاعب، فقد أرسل إليه الخليفة مروان بن محمد جيشا ألحق به الهزيمة وبصاحبه أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي. أما عمان فقد ظهر فيها المذهب بصورة جلية بعد سقوط إمامة اليمن، إلاأنها لم تنج من بطش جيوش الخلافة العباسية. ومن هنا نلاحظ أن بلاد المشرق لم تكن أرضا خصبة لإثمار المذهب فرأى الدعاة وكبار الأئمة أن المشرق قد ضاق بهم وبدعوتهم فوجهوا أنظارهم إلى مناطق أخرى من العالم الإسلامي.
للمزيد من التفاصيل ينظر:
السيابي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، مطابع سجل العرب، 1980، ص71-79؛ الحارثي: العقود الفضية في أصول الإباضية، عمان، 1983، ص187 وما بعدها؛ فلهاوزن: أحزاب المعارضة في الإسلام (الخوارج والشيعة)، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1968، ص143-145؛ محمد عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، 1978، ص116-132؛ فاروق عمر فوزي: ملامح من تاريخ الخوارج الإباضية، مجلة المؤرخ العربي، منشورات اتحاد المؤرخين العرب، بغداد، 1975، عدد2، ص173 وما بعدها. (1/55)
صفحة 56
. فكانت بلاد المغرب إحدى هذه المناطق التي جلبت انتباه أئمة المذهب الإباضي في البصرة، وحظيت باهتمام كبير. ويبدو – وحسب المصادر - أنهم كانوا على دراية وافية بتذمر البربر من عمال بني أمية، فأرسلوا دعاتهم إلى هذه المنطقة لإثارتهم، وبث مبادئهم السياسية، وتعاليمهم الدينية بينهم.
ولا يعرف على وجه التحديد تاريخ دخول دعاة الإباضية إلى بلاد المغرب، وبالضبط إلى جبل نفوسة، بسبب تضارب الروايات وتباينها. فابن حوقل يقول في حديثه عن الجبل: "والجبل بأجمعه دار هجرتهم على قديم الأيام لهم، وبه معشر الإباضية، والوهبية، ثووا بعد عبد الله بن أباض، وعبد الله بن وهب الراسب،ي لأنهما قدماه وماتا به. ولم يدخل أهل هذا الجبل في عهد الإسلام إلى سلطان، ولا سكنه غير الخوارج منذ أول الإسلام، بل منذ عهد علي عليه السلام وقت انصرافهم عنه بمن سلم منهم من أهل النهروان، وقد أقام من خلفهم على منهاج سلفهم به، وبما قاربه من مدن الخوارج"(1).
إن هذه الرواية مشكوك فيها لأن عبد الله بن وهب الراسبي(2)
__________
(1) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص93.
(2) - عبد الله بن وهب الراسبي شخصية معروفة في التاريخ الإسلامي عرف بالزهد والعبادة حتى لقب بذي الثفنات. أختير إماما لأهل النهروان بعد خروجهم على علي بن أبي طالب. أدرك النبي (ص) وشهد فتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص، وكان من جملة الذين حضروا التحكيم بين علي ومعاوية، وقتل في معركة النهروان سنة 38هـ.
ينظر: الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص201-202؛ السيابي: طلقات المعهد الرياض، ص21. (1/56)
صفحة 57
قتل في معركة النهروان(1). ولا يستبعد أن يكون بعض من فروا بعد هذه المعركة قد التجأوا إلى جبل نفوسة، ولكنهم لم يتركوا أثرا واضحا. ذلك أن الانتشار الحقيقي والكثيف للمذهب الإباضي يعود إلى أواخر القرن الأول، وأوائل القرن الثاني للهجرة(2) فالإدريسي يقول: "وأهل جبل نفوسة كلهم إسلام، لكنهم خوارج نكار، على مذهب ابن منبه اليماني"(3). وإذا كان هذا الأخير يعتبر سكان الجبل خوارج نكارا، فإن ياقوت الحموي يذكر بأن جميع سكانه شراة وهبية وأباضية(4)، كما يذكر اليعقوبي بأن أهله أباضية، كلهم دون تمييز، بالإضافة إلى قبائل مزاتة، وسكان زويلة(5).
__________
(1) - هي معركة دارت رحاها بين جيش علي وجيش الخوارج في منطقة النهروان بعد خروج هؤلاء على علي كرم الله وجهه. وكانت قواتهم لا تتجاوز أربعة آلاف مقاتل انشق منها في بداية القتال حوالي النصف واشتبك الباقون مع جندعلي، فقتل من زعمائهم عبد الله بن وهب الراسبي وزيد بن حصين حرقوص بن زهير. ينظر: الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص201-202؛ محمد عبد الله عنان: تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والشر، ط2، القاهرة، 1954، ص14.
(2) - محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، دار العودة، بيروت، 1976، ص36.
(3) - ينظر: القارة الإفريقية، ص200.
(4) - ينظر: معجم البلدان، مج8، ص305.
(5) - ينظر: صفة العرب، ص4-6. (1/57)
صفحة 58
ولا يستبعد أن يكون قدوم دعاة الإباضية إلى بلاد المغرب قد حدث قبل هذا التاريخ، أي أوائل القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، خاصة إذا عرفنا أن دخول أتباع المذهب إلى مصر كان قبل هذا التاريخ بكثير. فلعل دخولهم إليها كان بعد سنة 78هـ (697م). ففي هذه السنة فرق الحجاج بن يوسف الثقفي شمل الخوارج في العراق، ولربما وصلوا إلى المغرب أيضا(1). ويرى رفعت فوزي عبد المطلب أن لمصر دورا هاما في نقل المذهب الخارجي إلى بلاد المغرب. فقد انتقل الخوارج إلى مصر في عهد مسلمة بن مخلد (47-62هـ) (668-681م)، (2)وقاموا بعدة ثورات بها. ويعلل قوله بأن هناك جماعات من البربر كانت تعيش مع الخوارج في واحات مصر، وعندما فر دجية بن المصعب الذي ثار إبان ولاية إبراهيم بن صالح (165-167هـ) (781-783م) التجأ إلى خوارج الواحات. ويحتمل أن هؤلاء البربر هم الذين نقلوا المذهب الخارجي إلى جبل نفوسة، بعد مغادرتهم مصر، وعملوا على نشره بين سكانه. أما الحجة الثانية – في رأيه - فتظهر جلية في أثناء الخلاف الأول الذي حدث بين الإباضية في الدولة الرستمية. فقد ارتحل أحد علماء الإباضية وهو الربيع بن حبيب(3) مسرعا إلى
__________
(1) -T. Lewicki: Ibaddiyya, E.I, p58-59.
(2) - هو مسلمة بن مخلف بن صامت بن نيار بن لوذان بن عبدو بو يزيد بن ثعلبة، ولاه معاوية بن أبي سفيان على مصر بعد عزل عقبة بن عامر الجهني سنة 47هـ (668م)، ينظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1965، ج3، ص466؛ ابن شغرى بردى: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، مطابع كوستاتسوماس القاهرة (د.ت)، ج1، ص132.
(3) - هو أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو من تلامذة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وجابر بن زيد، تولى رئاسة الإباضية بالبصرة بعد وفاة أبي عبيدة. ويعتبر مسنده من أهم كتب الحديث المعتمدة لدى الإباضية إلى يومنا هذا، ينظر: السيابي: طلقات المعهد الرياضي، ص30. (1/58)
صفحة 59
تاهرت لفض النزاع، وهذا يدل على وجود اتصال بين رجال المذهب قبل ذلك، ثم إن الكندي يذكر أن والي مصر "غوث بن صالح" (140-144هـ) (757-761م) اتهم بمراسلة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري. والظاهر أن خوارج مصر لم تكن لهم قوة كافية بحيث يثورون، فكان من نتيجة ذلك أن انضووا في مختلف واحاتها. ويحتمل أن يكون فشل دعوتهم في مصر سببا في نقلها إلى بلاد المغرب(1).
هذا ومع قناعتنا بأن انتقال الأفكار من بلد إلى آخر، أو انتشار المذاهب الدينية من الصعب تحديده تاريخيا لأنها تنتشر تدريجيا، وتتسرب ببطء شديد إلا أننا نرجح ما ذكره ابن خلدون حيث قال: "لم يستقر إسلامهم حتى أجاز طارق وموسى بن نصير إلى الأندلس... وتناسوا الردة، ثم نبضت فيهم عروق الخارجية فدانوا بها، ولقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق"(2). فبعد سنة 95هـ (713م) شهدت حركة الدعوة نشاطا كبيرا كلل بالنجاح، ولا نشاطر أحمد الطاهر الزاوي الرأي عندما حدد أول دخولهم إلى إفريقية سنة 120هـ (737م)، وهو في الوقت نفسه يذكر في موضع آخر بأن ظهور دعوتهم قد اقترن بقتل يزيد بن أبي مسلم سنة 102هـ (720م)(3).
__________
(1) - ينظر: الخلافة والخوارج في المغرب العربي (الصراع بينهما حتى قيام دولة الأغالبة)، ط1 (بلا مكان للطبع)، 1973، ص30-32.
(2) - ابن خلدون: العبر، ج7، ص110.
(3) - ينظر: تاريخ الفتح العربي، ص103-105. (1/59)
صفحة 60
تذكر المصادر أن أول من جاء يدعو إلى المذهب الإباضي سلمة بن سعد، الذي أرسله الإمام أبو عبيدة مسلم(1) من البصرة، قدمها مصحوبا بعكرمة مولى ابن عباس(2) على راحلة واحدة، وكان هذا الأخير يدعو إلى المذهب الصفري،(3) غير أن علي يحي معمر ينفرد بالقول بأنه جاء منفردا، فلم يصحبه في انتقاله من الجزيرة إلى العراق ومنه إلى إفريقية إلا إيمانه بصحة العقيدة،(4) وهو الرأي الذي نرجحه، ذلك أننا لا نجد ذكرا لسلمة بن سعد في ترجمة عكرمة في كتاب أبي العرب. ولم تذكر المصادر أنه انتقل في البلاد يدعو إلى الصفرية، وإنما تذكر أنه امتهن التعليم في القيروان. وكان مجلسه في مؤخرة المسجد الجامع، في غربي المنارة في الموضع الذي يسمى بـ "الركيبية" ثم غادرها عائدا إلى المشرق. وتوفي في المدينة بين سنتي 104 و108هـ (722-727م)،(5)
__________
(1) - هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم، كان مولى لعروة بن أدية التميمي أخ مرداس بن أدية. عاش في مدينة البصرة وأخذ العلم عن جابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر بن السماك وصمام بن السائب العبدي العماني، وهم أبرز علماء وفقهاء الإباضية في مرحلة الكتمان، ويذكر أن أبا عبيدة أدرك بعض الصحابة منهم: أنس بن مالك، أبو هريرة، عبد الله بن عباس، أبو سعيد الخذري، وعائشة أم المؤمنين. ينظر: الشماخي: السير، ص83-84؛ خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص103.
(2) - هو أحد المفسرين المشهورين اشتهر بعلمه واجتهاده، قيل إنه بربري الأصل اشتراه ابن عباس فتتلمذ على يديه وأصبح من كبار العلماء. دخل إفريقية في زمن بني أمية واستقر بالقيروان حيث كان له مجلسا يجلس فيه في مؤخرة المسجد الجامع في غربي المنارة في الوضع الذي يسمى الركيبية. ينظر: أبو العرب: طبقات علماء إفريقية وتونس، ص82-83؛ محمد علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج2، ص280.
(3) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص42.
(4) - علي يحي معمر:الإباضية في ليبيا، ص26.
(5) - أبو العرب: طبقات علماء إفريقية، ص83؛ المالكي: رياض النفوس، ج1، ص92. (1/60)
صفحة 61
ومعنى هذا أن عكرمة دخل القيروان في أواخر القرن الأول الهجري (السابع الميلادي)، وإن صح قدومه مع سلمة ! فيمكن أن نحدد تاريخ دخول الإباضية إلى بلاد المغرب عامة وجبل نفوسة خاصة إلى التسعينات من القرن الهجري وهو التاريخ الذي حدده ابن خلدون.
ومهما يكن من أمر فقد مكن سلمة بن سعد لمذهبه الانتشار في جبل نفوسة وطرابلس، فكان ينتقل في الجبال والصحاري مبتعدا عن مقر الولاة، فنزل نفوسة، ودمر، نفزاوة، وما جاورها وهي المناطق التي أصبحت فيما بعد تضم تجمعات إباضية كبيرة. ومما سهل له المهمة أنه في كل منطقة يحل بها يكون فيها أتباعا يخلفونه عند مغادرته لها(1). فاعتنقت المذهب قبائل عديدة أهمها: نفوسة، وهوارة، ولماية، وزناتة، وسدراتة، وزواغة، ولواتة، ونفزاوة، ومغيلة.(2) وتذكر المصادر أن سلمة بن سعد كان يدعو إلى مذهبه بحماس، ولعل قوله: "وددت لو يظهر هذا الأمر يوما واحدا ولا أبالي أن تضرب عنقي" لدليل على ذلك، فنجح في كسب عدد كبير من الأتباع المخلصين، الذين رفعوا رايات المذهب في هذه البلاد. كما أن سلمة كان يختار النابغين ممن لهم ميل إلى العمل الجاد من أجل المبادئ التي آمنوا بها. وسنرى فيما بعد أنه يختار جماعة من البربر ليرسلهم إلى البصرة، لتلقي تكوين مذهبي لدى إمام المذهب أبي عبيدة مسلم(3).
__________
(1) - عبد العزيز المجدوب: الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر، ط2، تونس، 1985، ص111.
(2) - الزاوي: تاريخ الفتح العربي ص159؛ بحاز إبراهيم بكير: الدولة الرستمية (160-296هـ) (777-909م)، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، مطبعة لافوميك، ط1، الجزائر، 1985، ص63.
(3) - سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص288-289. (1/61)
صفحة 62
ويبدو أن عدد الدعاة كان كبيرا لأن الأمان عند البربر كان مضمونا لهم. ولعل أوضح صورة لهذه الدعوة هي التي صورها ابن الأثير بقوله: "فلما دب إليهم أهل العراق استثاروهم قالوا: إنا لا نخالف الأئمة بما تجني العمال، ولا نحمل ذلك عليهم، فقالوا: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا: لهم: لانتقبل ذلك حتى نخبرهم"(1).
وبما أن البربر كانوا ساخطين على الحكم العربي، فقد رحبوا بالدعاة وحموهم، وسهلوا لهم مهمتهم، فكثرت وفودهم وركزوا دعوتهم في منطقة طرابلس، وجبل نفوسة، والمغرب الأقصى لابتعاد هذه المناطق عن القيروان من جهة، ومن جهة أخرى فإن إقليم طنجة، ونواحي السوس الأقصى، كانت مواطن ثلاث قبائل تعد من أكبر القبائل الزناتية الأكثر استعدادا للثورة وهي: غمارة، برغواطة، مكناسة، وانضمت إليها أعدادا من صنهاجة(2).
ونشير في هذا المضمار إلى أن هناك من يعتقد بأنه لا يوجد دليل واضح على صفرية الدعاة، أو إباضيتهم، ويفضل تسميتهم "خوارج" فحسب، لا خوارج سياسيين ولا دينيين. فالدكتور حسين مؤنس يذكر بأنه لا يعرف بالضبط لماذا كان معظم دعاة الثورة في المغرب من هذين الفريقين، ولا السبب في إقبال المغرب عليها. ففي رأيه أن مبادئ هاتين الفرقتين ليست مما تجتذب البربر، فالصفرية، والإباضية، هما أكثر الخوارج ميلا إلى المسالمة والتسامح مع المخالفين، ونعرف أن الإباضية لا تحل قتال غير الخوارج من المسلمين، ولا تستحل الغنائم عدا السلاح والخيل، وحسب رأيه دائما فإن البربر لا يميلون إلى الاعتدال في العقائد، ويشك في نسبة هذه الحركات إلى الصفرية والإباضية لأن أسبابها كانت سياسية قبل أن تكون دينية(3).
__________
(1) - ينظر: الكامل في التاريخ، ج3، ص45.
(2) - حسين مؤنس: فجر الأندلس، ص164.
(3) - المرجع نفسه، ص149. (1/62)
صفحة 63
ويرى "ألفرد بل" أن دعاة الخوارج كانوا خير رسل للإسلام في بلاد المغرب. فقد جاءوا من بلادهم ليدعوا البربر إلى الثورة، ويسري في قلوبهم إيمان عميق ألهم أعمالهم وأقوالهم. وكانوا يدعون باسم الدين والدين وحده، وهذا يتوافق مع مزاج البربر المستقل المتدين، وأدرك البربر أنهم لا يستطيعون أن يكونوا ثوارا صادقين إلا إذا كانوا مؤمنين صادقي الإيمان بالمذهب الذي كانوا يدعون إليه، فسعوا لتحصيله بقدر ما مكنتهم لذلك وسائلهم. وهكذا نشأ البربر في ثقافة إسلامية تتوافق مع مزاجهم وهي ثقافة الخوارج(1).
والرأي عندي أن ثورات البربر جاءت نتيجة لتحريض الإباضية والصفرية هذا، وإن كنا لا نستطيع أن ننفي وجود بعض أفراد الفرق الخارجية في صفوف الإباضية، إلا أننا وبمراعاة للنتائج التي تمخضت عنها هذه الثورات، فإننا نلاحظ قيام دولة صفرية المذهب، هي دولة "بني مدرار" سنة 140هـ (776م)، ودولة إباضية المذهب هي الدولة التي أسسها عبد الرحمن بن رستم الفارسي سنة 160هـ (776م).
2 - حملة العلم المغاربة:
__________
(1) - الفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1981، ص147. (1/63)
صفحة 64
كان من بين المغاربة الذين أرسلهم سلمة بن سعد إلى البصرة لأخذ العلم من إمام المذهب، عبد الحميد بن مغطير الجناوني. فقد ظل هذا الأخير مدة من الزمن في البصرة يتتلمذ عند أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ثم عاد إلى طرابلس، فعكف على التعليم والفتوى في جبل نفوسة، وساهم بدوره في نشر مبادئ المذهب بين بربر هذه المنطقة، وأصبح الجبل دار هجرة للإباضية(1). كما لعب عمر بن يمكتن دورا هاما في التمكين للمذهب في هذه الربوع، فهو الذي أبرز أهميته الثقافية فبنى لأول مرة في قرية "إفاطمان" بجبل نفوسة مدرسة لتعليم أبناء المنطقة القرآن الكريم، وأصول المذهب. وتعده المصادر الإباضية أول من علم القرآن بالجبل، وقد تعلمه هو في طريق مغمداس(2)، حيث كان يمر به المتنقلون من المشرق إلى المغرب والعكس، فيكتب عنهم لوحة من القرآن ثم يعود إلى منزله، فإن حفظها عاد ثانية إلى الطريق وكتب غيرها، وظل على هذا النحو إلى أن حفظ القرآن كله. وهذا يدل على رغبته الشديدة في تحصيل القرآن لقلة المعلمين وندرة المصاحف في ذلك العصر(3).
__________
(1) - الشماخي: السير، ص143؛ محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص44؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص27-28.
(2) - هي مدينة تبعد عن برقة وقصور حسان بمرحلة، ومغمداس هو صنم قائم على شاطئ البحر حوله أصنام، وبه قصر بناه الأعرابي عامل سرت لبني عبيد الله. وبمغمداس التقى أبو الأحوص عمرو العجلي –كما سنبين لاحقا- مع أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري سنة 142هـ (759م) ينظر: البكري: المغرب، ص7.
(3) - الشماخي: المصدر السابق، ص142؛ موسى لقبال: المغرب الإسلامي منذ بناء معسكر القرن حتى انتهاء ثورات الخوارج (سياسة ونظم)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط2، الجزائر، 1981، ص165. (1/64)
صفحة 65
أما البعثة العلمية التي أرسلها سلمة بن سعد إلى البصرة، والتي كان لها الدور الفعال في نشر المذهب هي البعثة التي يعرف أصحابها بـ"حملة العلم المغاربة" أو "حملة العلم الخمسة". تكونت هذه البعثة من: عبد الرحمن بن رستم، وعاصم بن جميل السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وأبي داود القبلي النفزاوي. فقد حدث أن التقى عبد الرحمن بن رستم بالداعية سلمة، فراقه كلامه وأعجبه فدله قائلا: "يا فتى إن كنت تريد علم هذا الأمر الذي كلفت به وعلقته ببالك فدونك أرض البصرة، فإن بها عالما يكنى أبا عبيدة واسمه مسلم بن أبي كريمة التميمي، فإنك تجد عنده ما تطلبه"(1).
واتجه عبد الرحمن بن رستم إلى البصرة مع رفقائه الأربعة، وعند وصولهم رحب بهم وسألهم عن بلادهم، فأخبروه بأنهم من المغرب، وأنهم جاءوا لأخذ العلم، فظلوا يتعلمون عنده عدة سنوات، وكان أبو عبيدة يعلم تلاميذه في سرية تامة خوفا من أمراء البصرة(2).
__________
(1) - البغطوري: سير نفوسة (مخطوط)، ورقة 2؛ الشماخي: السير، ص124؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص57؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص20؛ محمد عيسى الحريري: الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي (حضارتها وعلاقاتها الخارجية بالمغرب والأندلس)، دار القلم، ط2، الكويت، 1987، ص81.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص36. (1/65)
صفحة 66
وكانت الدروس التي يتلقونها في حلقة أبي عبيدة متنوعة، فشملت مختلف العلوم، ويرى الدكتور محمود إسماعيل أنها كانت في الأصول، والفروع، والسيرة، والتوحيد، والشريعة، وعلوم اللغة، والفلك، والرياضيات. ويضيف بأن هذه الدروس لم تقتصر على العلوم الدينية فحسب، بل كانت فنون الحكم والسياسة وقد أخذت حيزا لا بأس به، وأن التلاميذ كانوا إلى جانب تكوينهم الديني يتكونون سياسيا لتولي المسؤولية وتقلد المناصب، وبما أنهم سيصبحون في المستقبل دعاة للمذهب فقد علموا تعليما جيدا لتأدية الرسالة على أحسن وجه، وضم أكبر عدد ممكن من المسلمين إلى صفوفهم(1).
ونعتقد أن أعضاء البعثة كانوا يتلقون مبادئ المذهب الإباضي، والآراء التي خالفوا فيها بقية الفرق، وأساليب الإقناع، والاستمالة، والأحكام، والتفسير، والسيرة، ودليلنا على ذلك أنه قبيل مغادرتهم البصرة سأل إسماعيل بن درار الغدامسي شيخه عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام(2). أما العلوم الأخرى كالأصول، والفروع، والفلك، والرياضيات، وفنون الحكم، والسياسة، فلم تأسس بعد علميا ولذلك فإننا نستبعدها.
__________
(1) - ينظر: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص43.
(2) - الشماخي: السير، ص124. (1/66)
صفحة 67
ولما عزم حملة العلم المغاربة مغادرة البصرة والعودة إلى بلدهم كلموا شيخهم أبا عبيدة واستشاروه في إقامة إمامة في بلاد المغرب إذا ما آنسوا من أنفسهم قوة. ويذكر أبو زكريا بأنهم قالوا له: "يا شيخنا إن كانت لنا في المغرب قوة ووجدنا من أنفسنا طاقة أفنولي على أنفسنا رجلا منا أو ما ترى؟ فقال لهم أبو عبيدة: توجهوا إلى بلادكم فإن يكن في أهل دعوتكم ما يجب به عليكم التولية في العدد والعدة من الرجال فولوا على أنفسكم رجلا منكم فإن أبى فاقتلوه"(1). وأشار إلى أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري. وعندما وصلوا إلى طرابلس واستقروا بها، وساهموا بدورهم في تنشيط الدعوة وأصبحوا علماء للمذهب، انقطع عبد الحميد بن مغطير الجناوني عن الفتوى وحجته في ذلك أن حملة العلم هم أولى بالفتوى، لأنهم أخذوا عن الإمام بعد أن حرر جميع الأقوال(2).
__________
(1) -ينظر: كتاب السيرة، ص60.
(2) -الشماخي: المصدر السابق، ص143؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص28. (1/67)
صفحة 68
وهكذا نلاحظ أن الدعاة استطاعوا نشر مذهبهم في بلاد المغرب في مدة زمنية قصيرة، فلم يمض على قدومهم عشرون سنة حتى أصبحت الإباضية أكثر المذاهب انتشارا بين قبائل البربر. هذه القبائل التي عكفت على دراسة تعاليم المذهب فأعجبوا بمقالات أصحابها، خاصة المقالات التي تدعو إلى المساواة والتي لم يحس بها البربر، وكانت السبب في اعتناق البربر لمذهب الإباضية. لا مندوحة إذن أن تلقى الإباضية إقبالا كبيرا عند البربر، فانتشرت بين قبائل كثيرة أهمها "نفوسة" فابن رسته يصف سكان جبل نفوسة موطن هذه القبيلة بقوله: هم قوم عجم الألسن إباضية كلهم(1). ويذكر ياقوت الحموي بأن كل نفوسة شراة وهبية وإباضية متمردون على طاعة السلاطين(2). كما انتشرت بين قبائل مزاتة، فاليعقوبي يقول: ومزانة كلها إباضية على أنهم لا يفقهون ولا لهم دين.(3) ويبدو أن قبائل مزاتة انقسمت إلى قسمين: قسم تمذهب بالإباضية وقسم أخذ بالواصلية(4). ويؤكد ذلك ابن حوقل بقوله: "وتجاورهم – أي سكان جبل نفوسة - من البربر زناتة، ومزاتة قبيلتان عظيمتان الغالب عليهم الاعتزال من أصحاب واصل بن عطاء"(5).
__________
(1) -ينظر: الأعلاق النفيسة، مطبعة بريل، ليدن، 1891، مج7، ص346.
(2) -ينظر: معجم البلدان، مج8، ص305.
(3) -ينظر: صفة المغرب، ص5.
(4) - هي فرقة تنسب إلى واصل بن عطاء مولى بني مخزوم، وقيل مولى بني ضبة. ولد سنة 80هـ بالمدينة وتوفي سنة 131هـ، وواصل هذا هو رأس المعتزلة، فلما كفّرت الخوارج مرتكب الكبيرة قال واصل بل فاسق لا مؤمن ولا كافر فهو في منزلة بين المنزلتين. ولذلك اعتزل حلقة الحسن البصري رفقة عمرو بن عبيد، ومن يومها سمي أتباعه بالمعتزلة. ينظر: ابن تغرى يردى: النجوم الزاهرة، ج1، ص313-314.
(5) - ينظر: صورة الأرض، ص94. (1/68)
صفحة 69
كما انتشرت بين قبائل هوارة، لواتة، مكناسة، مطماطة، لماية، نفزاوة، مغيلة، مغراوة، بني يفرن، وزواغة(1)، وتجدر الاشارة إلى أن جبل نفوسة قد لعب دورا كبيرا في نشر المذهب فإلى سكانه يعود الفضل في نشره بين القبائل البربرية. ولتدعيم هذا الانتشار مر بنا أن سلمة بن سعد أرسل من كل جهة رجلا يتعلم تعاليم المذهب، فمن غدامس (جنوب الجبل) أرسل إسماعيل بن درار الغدامسي، ومن نفزاوة أرسل أبا داود النفزاوي، ومن الأوراس عاصم السدراتي، ومن القيروان عبد الرحمن بن رستم(2).
وإذا بحثنا عن أي فريق من البربر نهض يساند حركة الخوارج، فإننا نجد أن قبيلة زناتة هي التي قدمت الدعم للإباضية والصفرية، ذلك أن زناتة وبطونها مثل "غمارة، برغواطة، مكناسة"، كانت أكثر استعدادا للقيام بالثورة، وهي النتيجة التي توصل إليها "جوتييه" الذي قام بتحليل التركيبة البشرية التي تشكلت منها الحركة، فتبين أن الذين قاموا بها كانوا في الغالب زناتيين، ففي رأيه أن الثورة انفجرت في البداية في "طنجة" بالمغرب بالأقصى، ثم امتد لهيبها إلى القيروان. ومن خلال تتبعه لمعارك البربر مع الجيوش العربية لاحظ أن مواقعها هي مواطن زناتة. فموقعة الأشراف وقعت قرب مجرى نهر الشلف سنة 122هـ (739م)، ووقعت المعركة الثانية وهي موقعة بقدورة على نهر "سبو" سنة 124هـ (741م)، ووقعت الثالثة عند "القرن" قرب القيروان سنة 125هـ (742م)، أما الرابعة فكانت في جنوب إفريقية وفيها استولى الخوارج على مدينة طرابلس، فكل هذه المراكز هي مواطن زناتة(3).
__________
(1) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص121؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص108 بحاز: الدولة الرستمية، ص63.
(2) - الشماخي: السير، ص124؛ الحارثي: العقود الفضية، ص184؛ محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص44؛ الزاوي: المرجع نفسه، ص158.
(3) - E.F Gautier: Les Siècles Obscurs Du Maghreb, Payat, 1952, p262-264. (1/69)
صفحة 70
ونؤيد "جوتييه" في رأيه خاصة وأن ابن عذارى، وابن خلدون يتفقان في القول في أن برغواطة، ومغيلة، وهوارة، وبني يفرن، هم السباقون إلى تعبئة الحركة الخارجية الأولى (1). ويرى حسين مؤنس أن هذا التحليل مقبول، خاصة وأن زناتة آزرت المسلمين أملا أن تنتصف بهم على الروم، والنصارى، والأفارقة، وصنهاجة، لكن آمالها خابت، مما جعلها تقبل على الأخذ بمبادئ الإباضية والصفرية للانتقام من العرب(2).
والحقيقة أن البربر أعجبوا بالنظريات الإباضية خاصة نظرية الإمامة، لأن الإباضية لا يشترطون أن تكون الخلافة في قريش، بل ولا في العرب عامة، وهم بذلك لا يختلفون عن فرق الخوارج، وفي رأيهم أن كل من اتقى الله كان أحق بها ولو عبدا حبشيا، ودسوا مع هذا المبدأ بعض تشديداتهم وتعمقاتهم، فظهر للبربر أن تعمقهم ذلك إنما هو زيادة في الخشية من الله، وأن ذلك هو التقوى الذي أمر به الشرع(3).
والملاحظ أن أعداد الموالي لم تكن كثيرة في صفوف الخوارج، وقد كثر عددهم عندما أسرف بنو أمية في اضطهاد الموالي وإذلالهم، وبما أن المذهب الإباضي كان ينادي بالثورة على الجور وممثليه من الولا،ة فقد وجد البربر في اعتناقه مبررا لثورتهم على الحكم العربي. والشيء المؤكد أن بلاد المغرب كانت أكثر المناطق تهيئا للثورة، لأنه بعد أن تم الفتح الإسلامي فيها برزت جميع الخلافات السياسية، والمذهبية التي كانت بين العرب ببلاد المشرق بصورة أعنف، وانتقلت هذه الخلافات من المشرق إلى المغرب. ولما تمت عملية الفتح في الأندلس ومشاركة البربر بكثرة جعلت رد فعل البربر عنيفا ضد السياسة العربية، وضد المظالم التي تعرضوا لها من بعض الولاة.
__________
(1) - ابن عذارى: البيان، ج1، ص52-53؛ ابن خلدون: العبر، مج6، ص221.
(2) - ينظر: فجر الأندلس،ص113.
(3) - السلاوي: الاستقصاء، ج1، ص60. (1/70)
صفحة 71
ويرى صالح مصطفى مفتاح بأنه على الرغم من أن مبادئ وعقائد الخوارج تتميز بالغلو إلا أنها نجحت بسهولة في بلاد المغرب أكثر من المناطق الأخرى، وأن سبب ذلك يعود إلى طبيعة البربر التي تتسم بالعنف، إضافة إلى ذلك أن البربر كالفرس من أكثر الشعوب الإسلامية تأثرا بالدعوات السياسية المناهضة للأمويين(1).
ولا نتفق مع الأستاذ صالح مصطفى فيما ذهب إليه من وجهين:
أولا:
إنه يجب التمييز بين الإباضية وبقية الفرق الخارجية، لأن الفرقة الإباضية ليست فرقة غالية ومتطرفة، فمبادؤها وآراؤها السياسية دليل على ذلك.
وثانيا:
إن الفرس يختلفون على كل فرق الخوارج لأنهم ساندوا وتنبوا هذه الدعوات لا رغبة في الإصلاح أو تقويم سلوك الخلفاء والأمراء، بل رغبة في السيطرة على الحكم، فالفرس ثاروا ضد العرب عامة وما لبثوا أن ثاروا ضد الإسلام نفسه بإحيائهم لمعتقداتهم القديمة.
ولم يكتف بعض المؤرخين بتشبيه البربر بالفرس بل اتهموا الإباضية بأنها حركة شعوبية كانت تطمح إلى تأسيس دولة إسلامية غير عربية، فاستغلت الدين حتى لا يفهم أنها ضد العنصر العربي. فشعوبية الإباضية – كما يرى الشيخ بكري - تظهر في صورة جلية أثناء تأسيس الدولة الرستمية من قبل الفرس، فهم الذين ظلوا يديرونها ويتحكمون فيها، بالإضافة إلى هذا أن المصادر الإباضية تحتوي على أحاديث نبوية هي نفسها التي استعملها الشعوبيون في المشرق والتي تظهر فضائل الفرس والبربر(2).
__________
(1) - ينظر: برقة وطرابلس من الفتح العربي حتى انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر، رسالة ماجستير مخطوطة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 1976، ص55-56.
(2) - Cheikh Bekri: Le Kharredjisme Berbère, Extraits Des Annales De L’institut d étude Orientales (Alger), 1957, T 5, p58-59. (1/71)
صفحة 72
ويرى البعض الآخر أن البربر دخلوا الإسلام رغبة في الحصول على الغنائم، ولما لم يغير شيئا من حياتهم أخذوا بمذهب الإباضية والصفرية. فالبربر – حسب جيفر - تغلبت المصلحة في إسلامهم على الإقناع، لأن العرب عمدوا إلى تجنيدهم في جيوشهم فأسلموا طمعا في الغنائم(1).
كما أن أرنولد توماس هو الآخر قال بشكلية إسلام البربر، ويرى بأن هذا الدين الجديد لم يرسخ بين البربر إلا بعد أن أخذ شكل حركة قومية، وأصبح مرتبطا بتوليهم الحكم في الدول التي أنشأوها، وهذه الدول هي التي دخل في عهدها البربر إلى الإسلام، أما قبل ذلك فكانوا يعدون قبول الإسلام رمزا على ضياع استقلالهم السياسي(2).
__________
(1) - رفعت فوزي: الخلافة والخوارج، ص32-33.
(2) - أرنولد توماس: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة: حسن إبراهيم حسن وآخرون، مطبعة الشيكني، القاهرة، (د.ت)، ص266-267. (1/72)
صفحة 73
ومهما يكن من أمر فنحن نستبعد نزعة البربر المادية أو الرغبة في الوصول إلى المناصب، فلو كان البربر كذلك لماذا أعادوا محمد بن يزيد واليا عليهم بعد قتلهم ليزيد بن أبي مسلم،(1) فلوا كانوا فعلا يهدفون إلى الاستيلاء على الحكم لنصبوا واحدا منهم، بل نجدهم يرسلون إلى الخليفة الأموي يزيد يعتذرون له، ويبلغونه ما قاموا به، وإذا كان الإسلام يحتاج إلى عدة قرون على حد قول أرنولد توماس لنشره بين البربر، فبماذا نفسر قول عبد الرحمن بن حبيب: "إن إفريقية الآن إسلامية، وقد انقطع السبي..."(2).
3 - إمامة عبد الله بن مسعود التجيبي، والحارث بن تليد الحضرمي:
__________
(1) - هو يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف وصاحب شرطته وكاتبه. كان إنسانا ظالما حل بإفريقية سنة 102، وسار سيرة الحجاج في المشرق فثار به حرسه وقتلوه، لأنه أراد أن يفرق بين حرسه وبين بقية البربر بأن يشم في أيديهم كلمة "حرسي" ليميزهم بذلك عن عداهم، فأدى ذلك إلى غضبهم لأنهم رأوا أنه شبههم بالحيوانات التي توشم جلودها لتتميز. ينظر: ابن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 1963، ج1، ص88؛ المسعودي: الخلاصة النقية، ص13؛ السلاوي: الاستقصاء، ج1، ص46؛ ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج1، ص245؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص103.
(2) - المسعودي: المصدر نفسه، ص16. (1/73)
صفحة 74
رأينا فيما سبق أن أول ثورة خارجية مغربية كانت صفرية المذهب، اندلعت في طنجة وامتد لهيبها إلى مناطق أخرى، أما الإباضية فقد تأخرت ثوراتهم نوعا ما، لأن تمركزهم كان قريبا من القيروان مقر الإمارة، ومركز الجند العربي وقريبة نسبيا من عاصمة الخلافة وولاتها في مصر. ولما نجحت ثورات الصفرية في المغرب الأقصى حفز ذلك الإباضية على التعجيل بالظهور، فقد تزعم التجمع الإباضي في منطقة طرابلس عبد الله بن مسعود التجيببي الذي اعتمد على قبيلة هوارة، والتي كانت تسيطر على المنطقة التي تقع شرق هذه المدينة إلى سبخة تاورغا. فلما قام الإباضية بتوليته الإمامة، خشي عبد الرحمن بن حبيب خطر هذه الإمامة فولى أخاه إلياس بن حبيب عاملا على طرابلس، فتمكن هذا الأخير من قتل إمامهم(1).
ويبدو أن إلياس قام بذلك لإثبات هيبته بين الإباضية وليزرع في قلوبهم الذعر حتى لا يحاولوا الانفصال عن الإمارة، لكن هذا العمل جعلهم يطالبون عبد الرحمن بدم أخيه، ولتهدئة الأوضاع اكتفى بعزله؛ وتولية حميد بن عبد الله العكي مكانه(2).
__________
(1) - محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص62؛ إحسان عباس، تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى مطلع القرن 9هـ، ط1، بيروت، 1967، ص43.
(2) - ابن عبد الحكم: فتوح إفريقية، ص106؛ موسى لقبال: المغرب الإسلامي، ص128. (1/74)
صفحة 75
ولما لم يتحقق مطلبهم قاموا بتولية الحارث بن تليد الحضرمي سنة 130هـ (748م)، يؤازره عبد الجبار بن قيس المرادي. فقاما بشن حصار على العامل الجديد وخيروه بين البقاء أو مغادرة طرابلس، فغادرها بعهد وأمان، لكن عبد الجبار قام بقتل نصير بن راشد أحد أصحاب حميد آخذا بثأر قتيلهم، ثم استولى على بلاد زناتة، ولما بلغت الأخبار عبد الرحمن بن حبيب ولى يزيد بن صفوان المعافري على طرابلس، وأرسل مجاهد بن مسلم الهواري إلى هوارة، يدعوها للوقوف في صفه، لكنه طرد بعد أن أقام عندهم شهرا، والتحق بيزيد بن صفوان وفي هذه الأثناء أرسل عبد الرحمن جيشا يقوده محمد بن مفروق، وكتب إلى يزيد يأمره بالخروج معه، فكان النصر حليف الإباضية حيث قتلوا كلا من يزيد بن صفوان ومحمد بن مفروق. أما مجاهد بن مسلم فقد فر إلى هوارة بعد أن هزمه الإباضية، ولما فشلت كل هذه المحاولات عزم عبد الرحمن بن حبيب على الخروج بنفسه، فجمع قواته وزحف على الإباضية، لكنه مني هو الآخر بالهزيمة. وكان من نتيجة ذلك أن سيطر الإباضية على منطقة طرابلس كلها، خاصة بعد القضاء على الحملة التي قادها عمرو بن عثمان ومجاهد بن مسلم(1).
__________
(1) - ابن عبد الحكم: المصدر نفسه، ص106- 108؛ موسى لقبال: المرجع نفسه، ص128. (1/75)
صفحة 76
لم ييأس عبد الرحمن بن حبيب على الرغم من كل هذه المحاولات الفاشلة، لأن القضاء على الإمامة الإباضية كان ضرورة حتمية، لأنها ستقطع صلة الشام والمشرق عامة بالمغرب، فيصبح في عزلة تامة لا تأتيه الإمدادات في حالة ثوران المغرب كله. وفي هذه الظروف غيّر من استراتيجيته القتالية بالتجائه إلى الحيلة للتخلص من هذا الخطر الذي يهدده، فآثر بث الشقاق والخلاف بين الإباضية، عندما أوعز إلى شخصين مهمة قتل عبد الجبار، والحارث. وعندما تمكنا من ذلك جعلا مقبضي سيفهما متقابلين وكأن عبد الجبار والحارث تقاتلا. حينئذ انقسمت الإباضية إلى فريقين: فريق رأى التبرئة من القتيلين، والفريق الآخر خالف ذلك، لأنه لا يعرف بالضبط الباغي منهما حتى يتبرأ منه(1).
وحولت هذه المسألة للمشرق للإفتاء فيها من قبل علماء المذهب، فدعاهم الإمام أبو عبيدة وحاجب الطائي إلى عدم ذكرها تجنبا للخلاف(2)، ولكن الشقاق ظل موجودا حتى قيام الإمامة الخطابية سنة 140هـ (757م)، بل حتى إلى عصر أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي - أي القرن الخامس الهجري (11م)(3)، ولذلك فإننا لا نستبعد أن يكون مقتل الحارث وعبد الجبار كان نتيجة لخلافات داخلية لا علاقة لها بعبد الرحمن بن حبيب.
وفي خضم هذه الأحداث تولى إسماعيل بن زياد النفوسي الإمامة سنة 132هـ (750م) ولقب بـ "إمام دفاع"، فحاول جمع شمل أتباعه لكن دون جدوى، مما سهل لعبد الرحمن القضاء على إمامته بعد مدة قصيرة، حيث خرج إسماعيل متجها إلى مدينة "قابس" فالتقى الجيشان وانتهت المعركة بمقتل إسماعيل وعدد كبير من أفراد جيشه، ثم اتجه عبد الرحمن إلى طرابلس ففتحها وولى عليها عمرو بن سويد المرادي(4).
__________
(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص24؛ موسى لقبال:المغرب الإسلامي، ص168.
(2) - الشماخي: السير، ص125.
(3) -الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص153.
(4) - ابن عبد الحكم: فتوح إفريقية، ص108؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص171. (1/76)
صفحة 77
وعاد عبد الرحمن إلى القيروان سنة 132هـ (747م) بعد أن حقق ما كان يصبو إليه، إلا أن الجو تعكر بينه وبين أخيه إلياس. والسبب في ذلك يرجع إلى أنه كان يرسل إلياس لقتال البربر كلما حقق انتصار نسبه لابنه حبيب، فاستغل إلياس فرصة مرض أخيه وطعنه بسكين بين كتفيه، أنهت حياته، واستولى على السلطة سنة 137هـ (754م)(1).
4 - قيام الإمامة الخطابية في طرابلس (140/144هـ) (757/761م):
أ - تولية أبى الخطاب الإمامة:
عندما عاد حملة العلم المغاربة، واستقروا في مدينة طرابلس، ساهموا بدوره في تنشيط حركة الدعوة، وعملا بنصيحة شيخهم في البصرة تشاوروا سرا حول عقد الإمامة، فلقيت هذه الفكرة إقبالا وتشجيعا، حينئذ أخبروا أبا الخطاب أن يذهب معهم إلى موضع يسمى "صياد" (قرب طرابلس) لإقامة الصلح بين متخاصمين على قطعة أرض، (وقيل عقد صلح بين رجل وزوجته). وكان أبو الخطاب يجهل أن أصحابه يريدون مبايعته، فتم الاجتماع في الموقع المتفق عليه وعرضوا عليه الإمامة. وتذكر المصادر أنه امتنع، لكنهم ذكروه بوصية شيخهم أبي عبيدة فوافق على الدخول في الولاية(2).
__________
(1) -ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص67؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج1، ص332.
(2) - الشماخي: السير، ص124-125؛ السيابي: طلقات المعهد الرياضي، ص53؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا،ص49؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص65. (1/77)
صفحة 78
وتجدر الإشارة إلى أن الإمامة عرضت في البداية على عبد الرحمن بن رستم، إلا أنه اعتذر فقبلوا عذره لأنه كان – حسب المصادر الإباضية - مشغولا بتأدية أمانة للناس، وقد اتفق في أثناء مبايعة أبي الخطاب بأن يأتي كل واحد بأتباعه، ورجال عشيرته مسلحين، وأخبروهم سرا بأن أبا الخطاب هو الإمام. فلما كان اليوم المحدد جاء شيوخ نفوسة، وهوارة، وهويشة، وزناتة، وغيرهم وقالوا لأبي الخطاب: "أبسط يدك لنبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله، وسنة نبيه (ص)، وآثار الصالحين". ولما رأى أبو الخطاب إصرارهم على ذلك اشترط عليهم أن لا يذكروا في عسكره مسألة الحارث وعبد الجبار، خوفا من استمرار الخلاف بين الجماعات الإباضية(1).
ب - استيلاؤه على طرابلس:
لما أنشأ الإباضية إمامتهم، وأعلنوا الظهور، واستولوا على مدينة طرابلس، وطردوا منها عامل أبي جعفر المنصور، عمرو بن سويد المرادي. وقد اتبع الإباضية خطة ذكية في فتحها، حيث عمدوا إلى رجال بأسلحتهم فحملوها في الجواليق على الجمال وكأنها عيرا أقبلت إلى المدينة، فلما توسطوا المدينة، ولم يفطن أحد بما صنعوا، فتحوا الجواليق فخرج الرجال والسلاح في أيديهم فقصدوا عامل أبي جعفر ليقتلوه، لولا أن نهاهم أبو الخطاب على ذلك، وخيروه بين البقاء أو المغادرة فاختار الأخيرة، وسلم لأبي الخطاب مفاتيح بيت المال(2).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص62-63؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص22-23.
(2) - الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص24؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص174. (1/78)
صفحة 79
وباستيلاء أبي الخطاب على طرابلس، اشتد ساعد الإباضية وعظمت شوكتهم، فاتخذ طرابلس عاصمة لإمامته، وشرع في تعيين العمال على النواحي، فولى كلا من عمر بن يمكتن الأفطماني على سرت، وعبد الرحمن بن رستم على القيروان، وأرسل إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة يخبره بقيام الإمامة، فاغتبط لذلك وأوصاهم بالعمل على المحافظة على التضامن، واقتفاء أثر السلف الصالح(1).
جـ - استيلاؤه على القيروان:
بعد أن قتل عبد الرحمن بن حبيب، تحارب بنو عبد الرحمن وبنو أخيه إلياس، وتكونت لكل نفر منهم شيعة، فاضطربت البلاد وكثرت الحروب ففر عبد الوارث – أحد قواد إلياس - مستنجدا بقبيلة ورفجومة، فلقي الترحيب لدى عاصم بن جميل، ويزيد بن سكوم أمير ولهاصة. وانضمت إلى هذا الحلف قبيلة نفزاوة، وزحفوا إلى القيروان، فدخلوها بالقوة سنة 135هـ (752م)، فلم يستطع حبيب بن عبد الرحمن المقاومة، ففر إلى قابس، ولكن فراره لم ينجه من قبضة الورفجوميين، حيث لاحقه عاصم وتمكن من قتله، ولما عاد عاصم إلى القيروان ولى عبد الملك بن أبي الجعد عليها(2).
__________
(1) - الشماخي: السير، ص143؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص41؛ محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي، ص64.
(2) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص224-225. (1/79)
صفحة 80
وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن خلدون يذكر أن عبد الملك بن أبي الجعد، ويزيد بن سكوم كانا على مذهب الإباضية(1)، ونحن نستبعد ذلك لأنه من خلال اطلاعنا على ثورات الإباضية لم نجد تجاوزا في الحرب، بل إنهم لا يحاربون إلا إذا استحل عدوهم دماءهم، ثم إن الإباضية حاربوا هذين القائدين وأخرجوهما من القيروان. أما ما ارتكبته ورفجومة، ممثلة في قائدها عبد الملك بن أبي الجعد من ربطهم للدواب في المسجد، وانتهاك الحرمات، فهذا لا يمت بصلة إلى الإباضية، كما أن معظم المصادر تتفق على أن هذه القبيلة كانت صفرية المذهب، وهو المذهب الذي عرف بالغلو، وحب الحرب أكثر من السلم، فهم الذين فجروا أول ثورة في المغرب الأقصى بقيادة ميسرة المطغري.
وورفجومة هذه هي أوسم بطون نفزاوة الزناتية، استبدت بشؤون إفريقية، وكانت شراً خالصا على أهلها، فقد أثخنت القتل في العرب من قريش، واستباحت كل محرم، مما أدى إلى استياء جيرانهم بربر نفوسة، وهوارة، وبعض زناتة(2). ويصف ابن عذارى أعمال هذه القبيلة بقوله: "تغلب على إفريقية بعض القبائل الصفرية بعد مقتل حبيب وعاصم، فدخلوا القيروان، وربطوا دوابهم، وأساءت ورفجومة لأهل القيروان سوء العذاب، وندم الذين استدعوهم أشد ندامة"(3).
__________
(1) - المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص231.
(2) -ابن خلدون: المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص231-232؛ حسين مؤنس:فجر الأندلس، ص184.
(3) -ينظر: البيان المغرب، ج1، ص70. (1/80)
صفحة 81
ومن أسباب دخول الإباضية القيروان، تذكر المصادر أن امرأة من القيروان هي التي أرسلت كتابا إلى أبي الخطاب تبلغه أن لها ابنة جعلتها في مطمورة، خوفا عليها من ورفجومة، وبعضها تقول أن رجلا من الإباضية دخل القيروان فرأى بعض رجال ورفجومة قد كابروا امرأة على نفسها والناس ينظرون، ولم ينكر ذلك عليهم. وقال البعض بأن جماعة من رجال هذه القبيلة أخرجوا امرأة وهي تصيح: يا معشر المسلمين أغيثوني، فلم يغثها أحد فمد الله في صوتها فسمعها أبو الخطاب، فاستغل هذه الفرصة وزحف برجاله لتطهيرها من الصفرية. وفي طريقه استولى على مدينة قابس (140هـ) (757م)، بعد حصار لم يدم طويلا، وترك عليهم عاملا. كما استولى على جزيرة جربة، وجبل دمر في السنة نفسها(1).
وهنا نلاحظ أن المصادر الإباضية تريد أن تعطينا مبررا لهذا الحملة، وأن القصد منها هو النهي عن المنكر. والحقيقة أن الإباضية عندما شعروا أنهم أقوياء أرادوا توسيع الرقعة الجغرافية للإمامة. وما فتح قابس وجبل دمر إلا دليل على ذلك. وهناك سبب آخر له أهميته هو الآخر وهو الصراع التقليدي بين فرق الخوارج، هذا الصراع الذي انتقل من المشرق إلى المغرب. فهذه الظروف كانت مهيأة للإباضية للقضاء على منافسيهم، وفي الوقت نفسه الاستيلاء على القيروان مركز الإمارة، والانتقام من الدولة الأموية وعمالها في العدوة المغربية.
ولما استولى أبو الخطاب على قابس وما جاورها، انتقل إلى القيروان، فلما علم عبد الملك بوصول الحملة أرسل إليه جيشا لكنه هزم وتمكن كذلك من قتل عبد الملك (صفر 141هـ) (758م)، وعند وصوله القيروان خرجت إليه ورفجومة وقاتلته قتالا شديدا، فانهزم أهل القيروان شر هزيمة وتمكنوا من السيطرة على المدينة. حينئذ عين أبو الخطاب زميله في الدراسة عبد الرحمن بن رستم واليا عليها ثم غادرها(2).
__________
(1) -الشماخي: السير، ص127.
(2) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص112؛ ابن الأثير، الكامل، ج2، ص127. (1/81)
صفحة 82
والملاحظ دائما أن المصادر الإباضية تبرر أعمال أهل المذهب بأنهم لا يحاربون إلا إذا استحل عدوهم دماءهم. ففي حصار القيروان مثلا يذكر أبو زكريا والدرجيني أنه حدث وأن مرض عاصم السدراتي فاشتهى قثاة، فبعث أهل القيروان رجلا يبيع القثاة فسموا له واحدة وأمروا البائع بأن يعطيها لعاصم فأكلها فمات، ثم صاح أهل القيروان يخبرونهم بما فعلوه. ولما وصل خبر الجريمة إلى أبي الخطاب أمر أصحابه بالانسحاب ليلا وكأنهم انهزموا، فلاحقوهم إلى أن وجدوهم مختبئين قرب مدينة "رقادة" فهجم عليهم الإباضية وظلوا يلاحقونهم ويقتلونهم إلى أن دخلوا المدينة معهم، وذلك سنة 141هـ (758م)(1).
كما تظهر المصادر الإباضية رغبة إخوانهم في الإصلاح، وأن ثوراتهم هي وسيلة للإصلاح وليس للتخريب والاستيلاء على السلطة، فمثلا عند دخولهم القيروان تذكر أن أبا الخطاب منع أصحابه من إفساد الزرع، فلما رأى الناس سلامة زرعهم، تعجبوا من عدله، وسيرته، وطاعة أصحابه له فيما يأمرهم به من الحقوق(2).
وإذا كانت هذه المصادر تؤكد على أن خروج الإباضية إلى القيروان كان تلبية لدعوة تلك المرأة التي استنجدت بهم، والعمل على القضاء على المناكر التي ارتكبتها ورفجومة، فإننا لا نستبعد العامل الاقتصادي. ففي هذه السنة شهدت منطقة طرابلس قحطا شديدا أرغم سكانها على أكل الجراد(3).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص40؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص26.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص40.
(3) - الشماخي: السير، ص127. (1/82)
صفحة 83
وتذكر المصادر الإباضية كذلك أن مدينة "رقادة" سميت بهذا الاسم لأنها كانت موقع معركة كان فيها القتلى مزملين في ثيابهم كأنهم رقود(1). والحقيقة أن تسمية المدينة بهذا الاسم كان متأخرا عن هذه الفترة، فمدينة رقادة بناها إبراهيم الأصغر الأمير الثامن في دولة الأغالبة سنة 263هـ (876م) وانتقل إليها من العباسية مع أهله ورجال دولته، وبنى بها القصور ونصب في إحدى عماراتها بيت الحكمة التي جلب إليها علماء في الطب والحكمة وغيرها من العلوم من بغداد ومصر(2).
ونلاحظ كذلك أن الإباضية يحاولون دائما تطبيق مبادئهم في أثناء غزواتهم، وفي الميدان، فالمعروف عنهم أنهم إذا غنموا لا يأخذون سوى السلاح، والكراع، وما عدا ذلك فإنه لا يستحلونه لأنفسهم. ففي القيروان تفقد أبو الخطاب القتلى فوجد قتيلا مسلوبا وعندما عثر على السلب عند رجل من سدراتة أقام عليه الحد، فراح السدراتي غاضبا إلى بغداد وترجى الخليفة المنصور كي يبعث معه جيشا إلى بلاد المغرب. وأنفذ هذا الأخير جيشا يقوده محمد بن الأشعث الخزاعي(3).
5 - موقف الخلافة العباسية من الإمامة الخطابية:
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص129.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص117؛ البكري: المغرب، ص27؛ رابح بونار: المغرب العربي تاريخه وثقافته، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط2، الجزائر، 1981، ص31.
(3) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص41. (1/83)
صفحة 84
ظلت الخلافة الأموية والعباسية تحارب الإباضية في كل مكان، فلما قضى الأمويون على إمامتهم في حضرموت، وقضى بنو العباس على دولتهم في عمان في فترة متأخرة، أوعزوا إلى الولاة في المغرب مهمة محاربتهم والقضاء عليهم بسرعة قبل أن يشتد ساعدهم، خاصة وأنهم استولوا على القيروان مركز الإمارة. كما وضع الخلفاء الجيوش تحت تصرف الولاة. فعندما بلغ الخبر إلى المنصور سواء عن طريق الرجل السدراتي، أو عن طريق العرب الذين فروا من القيروان قاصدين بغداد ليشكوا ما حل بهم من الصفرية، أرسل محمد بن الأشعث إلى مصر مكلفا إياه بالقضاء على الفتنة في إفريقية، قام ابن الأشعث في البداية بإرسال قوة من مصر يقودها أبو الأحوص العجلي سنة 142هـ (759م)، فهزمه الإباضية بسرت، وعاد من حيث أتى(1). حينئذ طلب المنصور من ابن الأشعث الخروج إليهم بنفسه، فقدم إفريقية على رأس أربعين ألف، وبث عيونه في المنطقة ليزوده بأخباره، فعادت عيونه تقول له: "رأينا رهبانا بالليل، أسرابا بالنهار، ويتمنون لقاءك كما يتمنى المريض لقاء الطبيب، لو زنى صاحبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوه، وخيلهم من نتاجهم، ليست لهم بيت مال يرزقون منه، وإنما معاشهم من كسب أيديهم"(2).
__________
(1) - المسعودي: الخلاصة النقية، ص18؛ إحسان عباس: تاريخ ليبيا، ص47.
(2) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص44؛ الشماخي: السير، ص131. (1/84)
صفحة 85
أثر هذا الخبر على معنويات ابن الأشعث، وما أن علم بحدوث خلاف وانقسام في صفوف أبي الخطاب عندما تنازعت هوارة، وزناتة، فيما بينها حيث اتهمت زناتة أبا الخطاب بميله إلى هوارة، سُر بذلك ولجأ إلى الحيلة بإبلاغ عمر بن يمكتن – عامله في سرت - بأنه لا يحاربه إلا في النهار، ثم أظهر العودة وكأن أبا جعفر استدعاه، فأدى ذلك إلى انصراف أصحاب أبي الخطاب بالرغم من تحذيره لهم قائلا: "إن العرب أصحاب مكر وخداع فلا تفترقوا على ملككم حتى تتيقنوا برجوع القوم"(1). لكن دون جدوى ولما علم ابن الأشعث بذلك كر على طرابلس ونفوسة، واستنفر أبو الخطاب أصحابه، والتقى الجيشان بموضع قرب طرابلس يعرف باسم "تاورغا"، وانتهت المعركة بمقتل أبي الخطاب وانهزام أصحابه سنة 144هـ (761م). أما الذين نجوا من القتل فقد فروا لائذين بالجبال والمرتفعات في طرابلس، ومنهم من فر إلى المغرب الأوسط. وعلى الرغم من هذه الهزيمة التي منوا بها، إلا أنهم التفوا مرة أخرى حول أبي هريرة الزناتي في السنة نفسها وأعادوا الكرة لكنهم هزموا(2).
ولما علم عبد الرحمن بن رستم ما حدث غادر القيروان متجها إلى إباضة المغرب الأوسط صحبة ستين شيخا من مشائخ الإباضية، فنزل على قبيلة لماية، لحلف كان بينه وبينهم، فقصده ابن الأشعث وحاصره في جبل منيع يقال له "سوفجج" وطال الحصار حتى تفشى المرض في صفوف ابن الأشعث فاضطر إلى العودة إلى القيروان(3).
__________
(1) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص45.
(2) - السلاوي: الاستقصاء، ج1، ص57؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص42؛ إحسان عباس: تاريخ ليبيا، ص47-48.
(3) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص47. (1/85)
صفحة 86
وفي طريقه تتبع أثر الإباضية في كل من "ودان وزويلة" فقتل عبد الله بن حيان زعيم زويلة سنة 144هـ (761م)، ولما دخل إلى القيروان قام بتعيين مجموعة من العمال، حيث أمر على أهلها عمرو بن عثمان القرشي، وولى على طرابلس المخارق بن غفار الطائي، وعلى طبنة والزاب الأغلب بن سالم(1).
ومهما يكن من أمر فإن معركة تاورغا كان لها تأثير كبير على نفوس إباضية طرابلس ونفوسة، فهي التي أنهت أكبر دولة أسسوها في إفريقية حتى هذا التاريخ، ولكن نفوسهم لم تهدأ فسرعان ما فجرت زناتة ثورة أخرى قادها أبو هريرة الزناتي آلت في النهاية إلى الفشل، حيث تمكن ابن الأشعث من القضاء عليها في ربيع الأول سنة 144هـ (761م). كما تعرض إباضية طرابلس والجبل إلى بطش شديد من قبل المخارق بن غفار، الذي أسرف في تقتيلهم وسبي ذراريهم فأرغموا إلى الجنوح إلى السلم، ودانوا لابن الأشعث بالطاعة مكرهين.
وما أن استقرت الأوضاع في إفريقية، وعاد الهدوء حتى اضطربت الأمور في المغرب الأقصى، فظل الإباضية يتتبعون عن كثب ما ستسفر عليه ثورة أبا قرة المغيلي الصفري، لعلهم يستفيدون من ثورته في تمثيل دور الحكم العدل. لكن انهزام هذا الأخير حال دون ذلك، مما أدى إلى تنظيم صفوفهم من جديد، وبايعوا يعقوب بن لبيب مولى كندة المعروف بأبي حاتم الملزوزي، إماما خلفا لأبي الخطاب سنة 151هـ (768م)، وبنوا خطتهم هذه المرة على التنسيق بين بقية الطوائف البربرية للظفر بالحكم(2).
6 - إمامة أبي حاتم الملزوزي:
__________
(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص72-73؛ ابن خلدون، العبر، مج4، ص411.
(2) - محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص66؛ موسى لقبال، المغرب الإسلامي، ص170-171. (1/86)
صفحة 87
لما قتل أبا الخطاب بايع الإباضية في طرابلس وجبل نفوسة وغيرهما أبا حاتم يعقوب بن حبيب بن مرين بن يطوفت، ويسمى كذلك أبا قادم، وتختلف المصادر في قبيلته، فابن خلدون يذكر أنه من أمراء مغيلة(1)، في حين يرى البرادي بأنه من هوارة(2)، وقيل إنه من سدراتة. ونشاطر محمود إسماعيل الرأي حين رجح انتماءه إلى قبيلة هوارة، لأن هذه الأخيرة كانت من أهم القبائل التي أخذت بالمذهب الإباضي، وشاركت في أغلب الثورات الإباضية، أما قبيلة مغيلة فقد كانت على المذهب الصفري، وأما سدراتة فلم يكن لها دور فعال في هذه الفترة(3).
وعن تولية أبي حاتم الإمامة تردد المصادر الرواية نفسها التي قيلت حول مبايعة أبي الخطاب، فقد أظهر الإباضية لأبي حاتم أن امرأة أساء إليها زوجها فطلبوا منه الخروج معهم لإقامة الصلح بينهما، وهم في الوقت نفسه يريدون الخروج على جند طرابلس لما آنسوا من أنفسهم قوة. فلما سمع عامل طرابلس "الجنيد بن بشار الأزدي" أرسل إليهم قوة بلغت خمسمائة فارس إلا أنها هزمت، وتتبع أبو حاتم فلول الجيش إلى أن دخل طرابلس واستولى عليها. كما قضى على الحملة التي قادها الجنيد نفسه، والتي تكونت من أربعمائة فارس، أتته كإمداد من عمرو ابن حفص بقيادة خالد بن المهلبي، انهزم الإثنان ولجآ إلى مدينة قابس(4).
أ - استيلاؤه على طرابلس:
__________
(1) - ابن خلدون: المصدر السابق، ج6، ص226.
(2) - البرادي: الجواهر المنتقاة فيما أهمله كتاب الطبقات (طبعة حجرية)، القاهرة، (د.ت)، ص173.
(3) - ينظر: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص66.
(4) - الشماخي: السير، ص134؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج1، ص335. (1/87)
صفحة 88
ظل أبو حاتم مقيما في طرابلس إلى أن وصل عمرو بن حفص الملقب بهزار مرد (يعني ألف رجل)، إلى إفريقية سنة 151هـ (768م). حاول عمر استرداد المدينة بأن أرسل لهذا الغرض ثلاثة جيوش هزمها الإباضية كلها، كان أولها بقيادة الجنيد بن بشار الأزدي، والثاني بقيادة خالد بن يزيد المهلبي(1).
ولم يكتفوا بهذا الانتصار، بل طاردوا سليمان بن عبادة المهلبي إلى القيروان، وفرضوا عليه الحصار سنة 153هـ (775م). وفي هذه الأثناء كان عمرو بن حفص غائبا عنها منشغلا ببناء مدينة طبنة، بأمر من الخليفي العباسي أبي جعفر المنصور، حينئذ غادر أبو حاتم القيروان متجها إلى مدينة طبنة التي حاصرها هي الأخرى حصارا شديدا، واشترك في هذا الحصار الإباضية والصفرية جنبا إلى جنب(2).
ب - حصار طبنة والقيروان:
__________
(1) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص226؛ محمود إسماعيل، المرجع السابق، ص68.
(2) - المصدر نفسه والجزء والصفحة ذاتهما، المرجع نفسه والصفحة ذاتها. (1/88)
صفحة 89
تذكر المصادر أن اثني عشرة جيشا أحاطوا بمدينة طبنة، منهم أبو قرة الصفري في أربعين ألف، وعبد الرحمن بن رستم في خمسة عشر ألف، وعاصم السدراتي في ستة آلاف، والمسعود الزناتي الإباضي في عشرة آلاف فارس، إلى جانب جيش أبي حاتم(1)، بالإضافة إلى جيش عبد الملك بن سكرديد الصنهاجي الصفري الذي بلغ ألفين، وأتباع جرر بن مسعود من قبيلة مديونة(2)، ولما رأى عمرو بن حفص ما أحاط به من العساكر جمع قواده واستشارهم في الأمر، كان مصمما على لقائهم على الرغم من قلة عدده وعدته، فأشاروا عليه ألا يخرج من المدينة خوفا من مقتله فلجأ إلى الحيلة بإثارة الشقاق بين محاصريه، حيث صالح أبا قرة ووعده بأن يعمل على صرف أخيه وتفريق الصفرية عنه لكنه أبى فأغرى أخاه بمبلغ مالي قدره أربعة آلاف درهم، وثيابا كثيرة، على أن يعمل على صرف أخيه، فأجابه وانسحب، واضطر أبو قرة إلى اتباعهم. ويذكر ابن الأثير أن عمرو عرض على أبي قرة مبلغا قدره ستين ألف درهم وقال: "بعد أن سلم علي بالخلافة أربعين سنة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا"(3).
وبعد أن تمكن عمرو من فك الحصار عاد إلى القيروان وشحنها بالقوات والرجال وعدة الحصار لاحقه أبو حاتم ثم ضرب عليه الحصار بجيش بلغ تعداده مائة وخمسين ألف مقاتل.
وتجدر الإشارة أن عمرا بعد أن استطاع تفريق الصفرية عن الإباضية، أرسل جيشا تمكن من إلحاق الهزيمة بعبد الرحمن بن رستم، الذي فر لائذا بتاهرت. أما أبو قرة فقد عاد إلى طبنة بعد خروج عمرو ومنها، لكن قوات هذا الأخير ألحقت به الهزيمة(4).
__________
(1) - ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج5، ص241.
(2) - ابن خلدون: المصدر السابق، مج6، ص226؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص186.
(3) - ابن الأثير: المصدر السابق، ج5، ص241.
(4) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص76؛ محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص69؛ موسى لقبال، المغرب الإسلامي، ص172. (1/89)
صفحة 90
واشتد الحصار على سكان القيروان حتى أنهم أكلوا دوابهم وكلابهم. وكان يخرج إليهم في كل يوم يحاربهم، ثم آثر سياسة الدفاع بحفره خندقا على باب أبي الربيع، لكن هذه السياسة عادت عليه بالعواقب الوخيمة، خاصة وأن العديد من جنده فر من المدينة والتحق بالإباضية. وقام أبو حاتم بتوزيع رجاله على سائر أبواب المدينة مانعا المحاصرين من الإفلات، وفظلوا كذلك حتى لم يبق لهم شيئا من الأقوات فاضطربت أمورهم، واختلف القواد على عمرو(1).
وعندما علم هذا الأخير بقدوم يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب والذي أرسله الخليفة العباسي لنصرته على رأس ستين ألف جندي قال: "لا خير في الحياة بعد أن يقال يزيد أخرجه من الحصار، إنما هي رقدة وأبعث إلى الحساب". فخرج عمرو واشتبك مع الإباضية في معركة قتل فيها، وفتحت أبواب المدينة لأبي حاتم في ذي الحجة سنة 154هـ (770م) فما كان من حميد بن صخر الذي تزعم الجند بعد مقتل أخيه إلى عقد الصلح على شرط أنه وأصحابه لا يخلعون طاعة سلطانهم، ولا ينزعون سوادهم مما أغضب أبا حاتم، فأمر بإحراق أبواب المدينة وإخراج أهلها إلى منطقة الزاب(2).
__________
(1) - ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء والصفحة ذاتهما؛ محمود إسماعيل: المرجع نفسه والصفحة ذاتها.
(2) - ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص76؛ السلاوي: الاستقصاء، ج1، ص58؛ ابن أبي الضياف: أتحاف أهل الزمان، ج1، ص94-95. (1/90)
صفحة 91
ولما بلغ الخبر أبا حاتم بوصول جيش يزيد من المشرق غادر القيروان لملاقاته، واستطاع أن يهزم طليعته التي قادها سالم بن سوادة التميمي. ثم انتقل إلى طرابلس ليستنفر قبائل البربر الإباضية من نفوسة، وهوارة، وضريسة، وغيرهم، ومنها عرج إلى تونس للقضاء على ثورات جند العربي على عامله عبد العزيز بن السمح في الزاب. ذلك أنه لما غادر طرابلس أمر صاحبه بالقيروان أن يأذخذ السلاح من الجند، وأن يفرق بينهم فخالف بعض أصحابه وقالوا: "لا نغدر بهم". وكان على رأس المخالفين عمرو بن عثمان الفهري، وقام بقتل أصحاب أبي حاتم فعاد إليه(1).
ويبدو أن شقاقا آخر حدث في صفوف الإباضية حيث انحازت قبيلة مليلة الهوارية بزعامة يوسف الفرطيطى إلى يزيد، وكذلك بعض رجال نفوسة أمثال عمرو بن مطكود، وساعدوه بكشفهم له عورات البلاد(2). والتقى الجيشان في منطقة جندوبة ووقعت معركة هائلة في ربيع الأول سنة 155هـ كانت فيها نهاية أبي حاتم وتمزق جيشه. وشرع يزيد في تتبع فلول جيشه في طرابلس ونفوسة ومختلف المناطق الآهلة بالإباضية. وكانت هذه الضربة قاضية على الإباضية، ففقدوا إمامهم المشهور، الذي قاد ثوراتهم مدة خمس سنوات (150- 155هـ) (767-772م)، وانتهت أحلامهم في إقامة إمامة الظهور في طرابلس ونظرا لمكانة هذا الإمام نسجت حوله أحداث خرافية، فالشماخي يروي في سيره أن مكان المعركة يستضيء نورا كل ليلة(3).
__________
(1) - ابن الأثير: الكامل، ج5، ص242.
(2) - الشماخي: السير، ص136.
(3) - المصدر نفسه، ص137. (1/91)
صفحة 92
هذا وتجدر الإشارة أن نشاط الإباضية العسكري تواصل بعد موت أبي الخطاب. فقد قامت هوارة بثورة تزعمها أبو يحي بن فوناس سنة 156هـ (773م) في نواحي طرابلس، وتمكن عبد الله بن السمط الكندي من القضاء عليها بسهولة، لأنها كانت تفتقر إلى التنظيم. ويذكر ابن عذارى أن الإباضية لم تقم لهم قائمة طول حكم يزيد الذي امتد إلى غاية سنة 170هـ (786م) بقوله: "تهدنت إفريقية ليزيد بن حاتم"(1).
الباب الثاني
جبل نفوسة والحركة الإباضية
(160-296هـ) (776-909م)
الفصل الأول
الرواد النفوسيون في المجال السياسي والعسكري والعقائدي
1 - المجال السياسي.
2 - المجال العسكري.
أ - حصار طرابلس.
ب - نفوسة والصراع الطولوني الأغلبي.
جـ - موقعة مانو.
3 - المجال الفكري والعقائدي.
أ – الخلفية.
ب – النفاثية.
1 - المجال السياسي:
تضاربت الآراء وتباينت حول حدود الدولة الرستمية وتبعية الجبل للإمامة في تاهرت. فهناك من يرى أنها لم تتعد مدينة تاهرت، وبالتالي فهي دولة مدينة، وهناك من قال إن هذه الدولة تضم إليها بعض المناطق القريبة من العاصمة، ويستبعد البعض الآخر أن يكون جبل نفوسة خاضعا لسلطة الرستميين، وإنما كان تابعا لها روحيا فقط، مثل بقية القبائل الإباضية المنتشرة من تلمسان غربا إلى برقة شرقا.
__________
(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص79. (1/92)
صفحة 93
ومن خلال المصادر المتوفرة نستنتج أن هذه الآراء غير صحيحة، فالمتتبع لتاريخ الجبل يلاحظ بأن "أهل الدعوة" كانوا في أغلب الأحيان يطلبون من المركزية في تاهرت أن تعين عليهم عاملا أو واليا أو أميرا، بل حتى المناطق الأخرى مثل قابس، وقنطرارة، وقسطيلية، ونفزاوة كان عمالها يعينون من قبل الإمام الرستمي، ويبدو أن نواحي الجبل كانت تابعة لعامله، والدليل على ذلك ما سنراه في حديثنا عن التجاء حفيد خلف إلى قبيلة زواغة بجربة، إذ من الحلول التي اقترحها الوسيط أبو سلامة اليهراسني للزواغيين أن يسلموا حفيد خلف لأبي منصور إلياس، ويكاتبوا الإمام أبي حاتم يوسف (281-294هـ) (894-906م) يطلبون منه أن يولي عليهم واليا منهم، وبذلك يستقلون عن حكم نفوسة(1).
والجدير بالذكر أن الإمامة الرستمية قد أعطت في بعض المرات الحرية لسكان الجبل في اختيار من يولونه، ويرتضونه، وفي بعض الأحيان لا تعطيها لهم مثل رفضها لتولية خلف بن السمح.
ومن خلال تصفحنا للمصادر ارتأينا أن نذكر النصوص الآتية كقرائن على أن الجبل كان تابعا للإمامة الرستمية، على الرغم مما ظهر من بعض النزاعات الاستقلالية التي شكلت في وقت معين خطرا على الوحدة الترابية.
1 - "وأتته (أي أفلح بن عبد الوهاب) نفوسة الجبل يسألونه أن يقدم عليهم من رآه"(2).
2 - "لما استقام له ملكه (أي أبو اليقظان) أتته وفود من نفوسة من الجبل، المعروف بجبل نفوسة ليقدم عليهم أميرا من أنفسهم"(3).
3 - "طلبه (أي السمح بن أبي الخطاب) أهل طرابلس إلى الإمام أن يوليه عليهم ،وكان به ظنينا فآثرهم على نفسه وقدمه عليهم"(4).
__________
(1) - ينظر: ص100.
(2) - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص57؛ البرادي: الجواهر المنتقاة، ص174.
(3) - ابن الصغير: المصدر نفسه، ص98.
(4) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص119؛ الشماخي: السير، ص163-164. (1/93)
صفحة 94
4 - "لما توفي السمح ولوا على أمورهم خلف بن السمح، فجاء الرد من الإمام عبد الوهاب "من ولى خلفا من غير رضا إمامه فقد أخطأ سيرة المسلمين، ومن أبى توليته فقد أصاب"(1).
5 - "فلما وصل إليهم (أي الخلفية) جوابه أنكروا إمامة عبد الوهاب من غير حدث وزعموا أن إمامهم خلف، واعتلوا أن حوزة طرابلس منقطعة عن حوزة تاهرت وبعيدة منها، فلما أبوا من قبول الحق استعمل الإمام أبي الحسن أيوب بن العباس"(2).
6 - "ولما حضرته الوفاة (أي أبو الحسن أيوب بن العباس) أرسلوا إلى الإمام أن يولي عليهم، فأجابهم: أن يختاروا أفضلهم... وكتبوا إليه أنه ليس مثل أبي عبيدة لهذا الأمر، عبد الحميد الجناونى فأرسل الإمام إليهم أن يولوه بأمره"(3).
7 - "ذكر غير واحد من أصحابنا أن الإمام رضي الله عنه استعمل على قنطرارة أبا يونس وسيم النفوسي، وأصله من جبل نفوسة"(4).
8 - "ومنهم وكيل بن دراج عامل الإمام عبد الوهاب على قفصة"(5).
9 - "ومنهم سلام بن عمرو اللواتي عامل الإمام عبد الوهاب على سرت ونواحيها"(6).
10 - "ومنهم ميال بن يوسف عامل الإمام أفلح على نفزاوة"(7).
11 - "ومنهم سلمة بن قفطة عامل الإمام عبد الوهاب على قابس ونواحيها"(8).
12 - "ومنهم جارون بن القمري عامل الإمام عبد الوهاب وصهره وهو زناتي"(9).
13 - "ومنهم نهدي بن عاصم الزناتي عامل الإمام عبد الوهاب"(10).
14 - "ومنهم ييران من بني يزمتن المزاتي عامل الإمام عبد الوهاب"(11).
15 - "اختار الإمام أفلح (بن عبد الوهاب) سعد (بن أبي يونس وسيم) لإحكام الناس في موضع أبيه (قنطرارة)"(12).
__________
(1) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص121.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص181.
(3) -نفسه، ص182.
(4) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص136.
(5) - الشماخي: المصدر السابق، ص203.
(6) - نفسه، ص203.
(7) - الشماخي: ص203.
(8) - نفسه، ص203.
(9) - نفسه، ص203.
(10) - نفسه، ص203.
(11) - نفسه، ص203-204.
(12) - نفسه، ص214. (1/94)
صفحة 95
16 - "ومنهم أبو ذرابان بن وسيم الويغوي... كان عاملا على جبل نفوسة"(1).
17 - "ومنهم ابو منصور النفوسي عامله (أي عامل أبي اليقظان) على نفوسة وطرابلس"(2).
18-"ومنهم أبو يحي زكريا الأرجاني... قدمته نفوسة حاكما أو إماما مدافعا"(3).
19-"ومنهم أبو محمد الدرفي... كان حاكما على أهل جادو"(4).
20 - "وأن نصر بن أكبت مقدم فساطو"(5).
21 - "وكان أبو يحي يوسف متفننا في العلوم وعارفا بالنجوم، وتولى بعد أبيه (أبو محمد الدرفي) حكومة جادو"(6).
22 - وأما أبو داود سليمان وأبو عبد الله محمد بن أبي يحي فكانا حاكمين في أهل زمور"(7).
23 - "ومنهم أبو عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس التندنميرتي عزله أهل نفوسة من غير حدث، فولوا مكانه أبا زكريا الأرجاني"(8).
24 - "ومنهم أبو عبد الله (الويغوي) الكبير حاكم على أهل ويغو"(9).
من خلال هذه النصوص يتضح لنا أن جبل نفوسة كان تابعا للدولة الرستمية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن النفوسيين حاولوا عدة مرات الاستقلال مع الحفاظ على الرابطة الروحية، وهي المسألة التي سنتعرض إليها لاحقا. ونلاحظ كذلك أن نفوسة كانت تقوم بتعيين العمال على بعض القرى دون العودة إلى الإمامة، بل حتى أخذ رأيها، وهذا مما يدل على أن ولاة الجبل كانت لهم حرية التصرف على المستوى الداخلي. كما نلاحظ أن نفوسة اشترطت على الإمامة أن يكون العامل منها دون اقتراح شخصية معينة (10) وفي حالة أخرى اقترحت اسما معينا(11) وفي حالة ثالثة قام النفوسيون بتولية رجل على أمورهم دون استشارة الإمامة أو تزكيته وترشيحه في انتظار موافقة الإمام(12).
__________
(1) - نفسه، ص215.
(2) - نفسه، ص224.
(3) - نفسه، ص243.
(4) - نفسه، ص285.
(5) - نفسه، ص285.
(6) - الشماخي: المصدر نفسه، ص287.
(7) - نفسه، ص288.
(8) - نفسه، ص318.
(9) - نفسه، ص326.
(10) - ينظر: النص رقم 2.
(11) - ينظر: النص رقم 3-6.
(12) - ينظر: النص رقم 4. (1/95)
صفحة 96
وإذا كان في بعض الأحيان يتولى شيوخ الجبل تولية عامل عليهم فربما يعود ذلك إلى ظروف الإمامة التي لا تهتم لما يحدث في الجبل خاصة في الفترة التي سادت فيها القلاقل والفتن فمن خلال النصوص السابقة نلاحظ أن نفوسة عينت أو عزلت مرتين فقط(1).
وعلى الرغم من ورود كلمة (عامل)، و(إمام)، و(حاكم)، و(أمير)، في المصادر إلا أن هناك من الباحثين من راح يناقش كلمة (عامل) للوصول إلى نتيجة وهي أن مهمة العامل تكمن في جمع الصدقات، وجباية الأموال فقط، وإرسالها إلى الدولة. ومن هؤلاء "محمد الطالبي" الذي يذكر بأن الشماخي أورد ما يوحي بذلك. وإذا عدنا إلى سيره نجده يقول: "ومنهم يبيب بن زلفين... كان له... ثلاثون ألف ناقة، وثلاثمائة شاة، وإثنى عشر ألف حمار. وإذا جاء العامل وقت الصدقة قال للرعاة: اختاروا خيار الإبل فغيبوها فيأمر العامل بأخذها"(2).
ونعتقد أن هذا النص لا يحيط بمفهوم (العامل) فقد يكون لكل وال على الجبل عاملا يساعده في جباية الأموال. وفرضا أننا أخذنا برأي محمد الطالبي فبماذا نفسر المصطلحات الأخرى التي وردت في كتاب السير (حاكم) (إمام) وفي كتاب "أخبار الأئمة الرستميين" (أمير).
والحجة الأخرى التي يرتكز عليها محمد الطالبي هي أن هناك العديد من الإباضية الذين كانوا يعيشون في أماكن لا تخضع للسلطة الرستمية، وبالتالي فإن مسألة الجباية تطرح دون شك وفي هذه الحالة كلف عامل رضي به الإمام، وكأنه رئيس للإباضية للسهر على مصالحهم والحفاظ على تطبيق المذهب. وما العمال الذين ذكرهم الشماخي إلا عمال جباية، لأن الإباضية كانوا ينتمون روحيا إلى الإمامة في تاهرت، وسياسيا إلى الأغالبة، وبالتالي كانوا يدفعون الضريبة مضاعفة(3).
__________
(1) - ينظر: النص رقم 18-23.
(2) - ينظر: النص رقم 204.
(3) - محمد الطالبي: الدولة الأغلبية (التاريخ السياسي 184-296هـ)، ترجمة: المنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت، 1985، ص389-391. (1/96)
صفحة 97
وإذا كان هذا الرأي صحيحا من جانب، فمن جانب آخر نجد أن هذا العامل كان يعين العمال على قرى الجبل، ويعين القضاة، ويسير الجيوش، ويعلم الناس أمور دينهم ودنياهم، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذه الأعمال كلها ليست من صلاحيات جابي الأموال، وإذا كنا لا نعثر على لفظ (عامل) في المصادر بعد سقوط الإمامة الرستمية، فلأن إمامة الظهور انتهت وحلت محلها إمامة الكتمان، وتشتت الجماعات الإباضية وراحت كل جماعة تسير شؤونها بما يناسبها، فسكان الجبل مثلا ظلوا يعينون "حكاما" يشرفون على شؤونهم، مما يمكن لنا أن نقول بأن النفوسيين أحيوا الدولة الإباضية بعد اندثارها، ولما تأسس نظام العزابة أصبح مجلس العزابة يقوم مقام العامل، ضف إلى ذلك إذا سايرنا قول محمد الطالبي فلماذا لم تعين الدولة الرستمية عمالا لجباية الصدقات على وارجلان التي كانت شريانا حيويا لتجارة السودان، تدخلها الأموال الكثيرة ؟ بل لماذا لم يعينوا الولاة أصلا على هذه المدينة ؟ أيعني هذا أن المدينة كانت مستقلة عن تاهرت، وكانت تابعة لها روحيا لها فقط ؟ (1/97)
صفحة 98
وكان الأجدر بالأئمة الرستميين الاهتمام أكثر بهذه الجهة التي تدر على بيت مالهم بالذهب المتدفق من السودان، اللهم إلا إذا كانوا ينظرون إلى هذه الجهة على أنها مضمونة ولا تحتاج إلى حماية لأن حدودها لا تتاخم دولة عدوة أو قبائل تعتمد في حياتها على السلب، والنهب، والغارات. وحتى جبل نفوسة على الرغم من أهميته السياسية والثقافية والعسكرية لأنه يقع في أحد الجبهات الحامية، إلا أنه لم يحظ هو الآخر باهتمام الأئمة إلا في حدود المصالح، فكلما احتاج الأئمة لنفوسة بعثوا يطلبون نجدتها، مثلما حدث إبان حرب الواصلية. وفي المقابل ظل النفوسيون يواجهون أعداءهم لوحدهم دون أن تقدم إليهم الإمامة السند القوي كالذي حصل في "مانو"، وفي غزوة ابن طولون. واكتفت الإمامة بتعيين العمال، والحرص على تبعيته للإمامة، بالوقوف ضد أي محاولة للانفصال. ويكفي أن نقول إن هذا الجبل الذي كان لأهله الفضل في قوة هذه الدولة، قد حظي بزيارة واحدة من قبل الأئمة تتمثل في زيارة الإمام عبد الوهاب واستقراره فيه سبع سنوات، وحتى هذه الزيارة تحتاج إلى وقفة لمناقشتها. (1/98)
صفحة 99
أما عن التبعية الروحية والتي أراد بعض المؤرخين التركيز عليها، منهم الشيخ بكري الذي يستبعد تبعية الجبل للإمامة سياسيا، ويرى بأن سلطتها لا تتعدى تاهرت وأرباضها(1). فإننا نميل إلى الأخذ بهذا الرأي جزئيا فقط ذلك أن التبعية الروحية، وحتى الجبائية يمكن أن نحدد بدايتها بموقعة "مانو" سنة 283هـ (896م)، لأنه من خلال النصوص السابقة نجد أن كلا من الأئمة: عبد الوهاب، وأفلح، وأبو اليقظان قد عينوا ولاة على الجبل، وهذا يعني أنه كان تابعا للإمامة طيلة الفترة الممتدة من سنة 160هـ (776م) – وهو تاريخ تأسيس الدولة - إلى غاية 281هـ (894م)، وهي السنة التي توفي فيها أبو اليقظان، وتولى أبو حاتم يوسف الإمامة (281-294هـ) (894-906م). ومما يدعم كلامنا ما ذكره اليعقوبي في وصف الجبل بقوله: "هم قوم عجم الألسن، إباضية كلهم لهم رئيس يقال له إلياس (أبو منصور إلياس) لا يخرجون عن أمره... لا يؤدون خراجا إلى سلطان، ولا يعطون طاعة إلا إلى رئيس لهم بتاهرت وهو رئيس الإباضية يقال له عبد الوهاب" (2).
ولما انهزمت نفوسة في "مانو" أصبح شيوخها يعينون الحكام دون الرجوع إلى تاهرت وأصبحت الصلة الوحيدة التي تربطهم بالدولة هي وحدة المذهب. وعلى الرغم من ذلك فإن النفوسيين عجزوا عن تقديم أية مساعدة لإمامتهم التي كانت تحتضر. فموقعة مانو كانت ضربة قاضية فيها حد سيفهم. وفي هذه الفترة (281-294هـ) (894-906م) يصح القول بأن الدولة الرستمية أضحت دولة مدينة لانقطاع الرابطة السياسية بينها وبين الأقاليم التي كانت تابعة لها في السابق.
2 - المجال العسكري:
أ - حصار طرابلس:
__________
(1) - chikh bekri, le kharrejisme, p77-80.
(2) - ينظر: صفة المغرب، ص7. (1/99)
صفحة 100
من الأحداث المهمة والخطيرة التي شهدها جبل نفوسة في عهد عبد الوهاب بن عبدالرحمن بن رستم (171-211هـ) (787-826م)، حصار مدينة طرابلس، ذلك أنه لما تمكن من الإمامة واستقرت له الأمور بعد أن قضى على الخلافات التي شهدتها فترة حكمه(1) شد الرحال رفقة زوجته متجها إلى مكة للحج. وفي طريقه نزل بجبل "دمر"(2) وأخذ البيعة منهم، ثم ولى عليهم رجلا يسمى (مدرار المنتصر)(3) زوج (أروة) أخته، وقيل اسمه (فزار)،(4) ومن دمر واصل مسيره فنزل بلدة "ويغو"،(5)
__________
(1) - من الحركات المناوئة لإمامته حركة النكار التي تزعمها يزيد بن فندين فقد أنكر هذا الأخير إمامة عبد الوهاب بحجة أن عماله ليست لهم الكفاءة، وغير مؤهلين لإدارة شؤون الدولة، وأن بيعته باطلة لأنه لا يجوز تولية المفضول مع وجود الفاضل، ويجب أن تكون للإمام جماعة من أهل الحل والعقد لا يقطع أمرا دون استشارتها. وقد تحولت هذه المعارضة إلى معارضة مسلحة نتجت عنها محاولة لاغتيال الإمام وحدوث معارك قتل فيها عدد كبير من النكار، أما الخلافات الأخرى فقد أثارها كل من الواصلية وبعض القبائل كهوارة ومزاتة وسدراتة؛ ينظر: ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص47-56؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص113-127.
(2) - هو جبل يبعد عن جبل نفوسة بثلاث مراحل، تسكن أطرافه أقوام من البربر يسمون (رهانة) كانوا في زمن الإدريسي يعيشون على الغارة والسلب ينظر: القارة الإفريقية، ص200.
(3) - هو الذي ولي سجلماسة في النصف الثاني من القرن 2 هجري (8م) بعد وفاة أبيه القاسم سمعون بن واسول المكناسي الملقب بمدرار (155-167هـ) وأنجب من (أروة) ولده ميمون. توفي سنة 253هـ، ينظر: السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص502.
(4) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص65-66.
(5) - هي قرية تقع في الجزء الغربي من الجبل جنوب شرق مدينة شروس اشتهرت بالعلم، فهي أحدى الحواضر العلمية التي لا تحتاج فيها بيت إلى بيت أخرى في مسألة علمية. فإليها ينسب العلامة مهدي النفوسي الويغوي وفرج النفوسي، ينظر: علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص186-187.
T. Lewicki: Tasmiya Suyukh Nafusa, p98. (1/100)
صفحة 101
ثم توجه الإمام إلى "تلالت"(1) والتي طالت فيها إقامته، حتى إنه بني له مصلى. ومنها انتقل إلى "ميري"، قرب حصن "بني زمور"،(2) وبني له مسجد آخر في بلدة تيطاوين غير مسقف، مشهور بمسجد عبد الوهاب، وقد اجتمع فيه الشماخي مع بعض المخالفين(3).
ويبدو أن الإمام استغل هذه الفرصة للاطمئنان على الرعية وتفقد أحوالها، فكان ينتقل من قرية إلى قرية، وفي كل واحدة يمكث أياما، يجتمع مع وجوهها فيقدم لهم النصح ويعلمهم أمور دينهم.
__________
(1) - تقع "تلالت" على الضفة الغربية لوادي الشيخ وهي ليست بعيدة عن "القلعة وتومات" وهي قرى تطل كلها على الوادي، اشتهرت "تلالت" بعلمائها منهم أبي سليمان داود بن إبراهيم. ينظر: معمر: المرجع نفسه، ص177.
(2) - ميري: قرية صغيرة تقع في أرض بني زمور غرب وادي الآخرة وهو ما يطلق اليوم على هذه الجهة اسم "الرجبان"، ينظر: معمر: المرجع نفسه، ص207؛ الباروني: الأزهار، ص192.
(3) - السير: ص158-159. (1/101)
صفحة 102
وفي مدينة "ميري" اجتمع به "أهل الدعوة" من الجبل ولما علموا مقصده منعوه خشية أن يقع في قبضة العباسيين، "فتتعطل أمور المسلمين وحدود الله وأحكامه"(1). وأصبحت الحاجة ملحة – كالعادة - إلى أخذ ورأي رؤوس المذهب في المشرق، فكتبوا إليهم مع رجل من "تمزدا"(2) يستفتونهم في هذه النازلة. وكان رأس الجماعة هناك وقتئذ أبو الربيع بن حبيب، وابن عباد المصري، فلما بلغهما الكتاب، أجابه الربيع بأن يبعث بحجه وهو حي، وأجابه ابن عباد بأنه ليس عليه حج، لأن الطريق غير آمن، ومن شروط وجوب الحج الاستطاعة، وأمان الطريق. فلما وصلت ردود علماء المذهب، أخذ الإمام برأي أبي الربيع فأرسل من يحج بدله، ومدد الإمام إقامته في الجبل بين "أهل الدعوة" يعلمهم مسائل الصلاة فقط، وتقدر المصادر مدة إقامته في الجبل بسبع سنوات، ورغم ذلك لم يكمل أبوابا من مسائل الصلاة، وهذا يدل على سعة علمه بالفرائض(3).
ولم يكتف الإمام بالتعليم فقط، بل عقد وحضر مجالس القضاء، فالمصادر تذكرأنه اختصم إليه رجلان، وعندما لم يكن أبن مغطير حاضرا راح يؤجل الجلسة إلى أن حضر، وأصدر حكمه على أحدهما بأن وطئه بركبته وهو يصيح حتى طلب الغوث من الإمام فأمر بتركه. ونعتقد أن الإمام طلب حضور ابن مغطير لأن أحد المتخاصمين لم يفهم ما قاله الإمام فكان يسأل: "ماذا يقول الحضرمي"(4).
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص65-66.
(2) - تسمى كذلك توكيت هي إحدى القرى الكبيرة في ناحية جبل فساطو، ينظر: الباروني: الأزهار، ص194؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص199.
(3) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص117؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص66.
(4) - الشماخي: السير، ص161. (1/102)
صفحة 103
كما عين الإمام العمال على بعض المناطق، فولى سلام بن عمرو اللواتي على سرت، وزقون بن عمير على "قسطالية"(1) واستغل طول إقامته في الجبل لتوطيد أركان الدولة، وتأمين الجبهة الشرقية، وخاصة وأن حدودها تتاخم دولة الأغالبة (184-296هـ) العدو التقليدي لبني رستم، ففي أثناء وجوده في الجبل حدثت مناوشات بين قبيلة هوارة الإباضية يتزعمها عياض بن وهب(2) – الذي لم يرد ذكره في المصادر الإباضية - وبين جند طرابلس(3) هذه المناوشات التي لم يتحدث عنها ابن الصغير المالكي بينما تناول الخلاف الذي تزعمه الأوس من هوارة(4).
__________
(1) - الشماخي: المصدر السابق، ص161.
(2) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص286-287.
(3) - لم تكن هذه أول ثورة تشعلها هوارة في طرابلس، فقد ثارت سنة 189هـ ضد عاملها "سفيان بن المهاجر" في عهد إبراهيم بن الأغلب، حيث أخرجوه من داره إلى المسجد وقتلوا عامة أصحابه ثم على أن يغادر المدينة فخرج منها بعد شهر فقط من ولايته. واستعملوا عليهم "إبراهيم بن سفيان التميمي" فأرسل إليهم إبراهيم بن الأغلب العساكر فهزموهم واسترجعوا طرابلس.
ينظر: ابن خلدون: المصدر نفسه، مج4، ص420.
(4) - يذهب سعد زغلول بعيدا في تأويل صمت ابن الصغير حتى إنه يذكر أن الافتراق الثاني الذي تحدث عنه هو نفسه الذى حدث في طرابلس رغم أن الرواية واضحة وصريحة وتبين أن الحرب كانت بين هوارة وبين الإمامة بسبب مصاهرة تمت، ويرى سعد أن نفوسة كانت ممثلة بقوة في الجيش مما يؤيد أن اللقاء بين الإمام عبد الوهاب وبين أوس هوارة كان غير بعيد عن جبل نفوسة إن لم يكن قد وقع في الجبل نفسه، والمعروف أن اللقاء تم على مجرى نهر جاف يقال له (أسلان) أو (أسلن) يبعد عن تاهرت بأربع مراحل وعن أرشقول بمرحلة، وهذا يفند ما قاله سعد زغلول.
ينظر: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص330. (1/103)
صفحة 104
ويرى الباروني ومحمود إسماعيل أن ثورة هوارة وتشبثها بمخالفة الأغالبة مرده إلى رغبتها في الانضمام إلى الدولة الرستمية، الموافقة لها في المذهب، مستغلين وجود الإمام في الجبل وطمعا في مساعدته(1).
ومهما يكن من أمر فقد خرج الجند إلى "وادي الرمل" لقتال "هوارة"، ودخلا في حرب كانت الغلبة فيها لهذه الأخيرة، وفتحوا طرابلس وخربوها، فولى الجند مدبرين تلاحقهم قوات "أهل الدعوة". وما كان من إبراهيم بن الأغلب (184-196هـ) (800-812م) إلا أن جهز جيشا يقوده ابنه عبد الله، وتمكن هذا الأخير من تحقيق الانتصار واسترجاع مدينة طرابلس، فأعاد بناءها. وحين طلبت هوارة النجدة من الإمام عبد الوهاب أقبل ومعه نفوسة حتى نزل طرابلس، وشن حصارا عليها(2) فكان عبد الله يقاتل من باب "هوارة" بعد أن سد باب "زناتة"(3).
__________
(1) - الباروني: الأزهار، ص198؛ محمود إسماعيل: الأغالبة (سياستهم الخارجية)، مطبعة النجاح الجديدة، ط2، الدار البيضاء، 1978، ص104-105.
(2) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص286-287؛ الباروني: المرجع نفسه، ص197.
(3) - الشماخي: السير، ص159. (1/104)
صفحة 105
ويبدو أن الإمام واجه صعوبات جمة في فتح المدينة لحصانتها من جهة، فهي على "صور صخر جليل البنيان"(1)، ولما أبلاه أهلها من بسالة المقاومة من جهة أخرى، حتى إنه طلب من قواته العودة إلى الجبل. ومما يوحي أن نفرا من جنده كان غير متحمس لهذه الحرب إن لم نقل كان يتعاون مع الأغالبة، إذ إن المصادر تشير إلى أن خطط الهجوم التي كان يرسمها تفشى وتنتشر،(2) ولا نستبعد أن يكون قد حدث انقسام في جيشه بانضمام بعضهم إلى عبد الله، مما أجبره على العودة إلى الجبل، خاصة وأن المصادر لا تتحدث عن إمدادات جديدة تزود بها الإمام بعد عودته، فلا يعقل أن يحدث هذا الانسحاب هكذا دون قتال وبعد أن شدد الحصار على المدينة، وتنتقل المصادر إلى الحديث عن مناوشات بين الفريقين، هذه المناوشات التي قتل فيها عالم نفوسة مهدي الويغوي، الذي تثني عليه المصادر الإباضية كثيرا، ذلك أنه خرج من المعسكر إلى شاطئ البحر - ربما رفقة مجموعة(3) يريد الدخول إلى المدينة من الجهة المطلة على البحر، لأن المدينة محصنة تحصينا جيدا من الجهة البرية، وعندما رآه العسكر سبحوا إليه وقتلوه(4).
__________
(1) - البكري: المغرب، ص7.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص116-117؛ سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ج2، ص332؛ محمود إسماعيل: الأغالبة، ص106
(3) - يذكر الشماخي في سيره بأنه كان منفردا، ينظر: ص161.
(4) - أبو زكريا، المصدر السابق، ص116. (1/105)
صفحة 106
وتصادف عودة الإمام إلى الجبل وفاة إبراهيم بن الإغلب مما جعل ابنه عبد الله يجنح إلى السلم، فصالح الإمام على أن "تكون المدينة والبحر للمسودة، وما كان خارجا فللإمام عبد الوهاب"(1).
وبهذا الاتفاق طويت مرحلة من مراحل الصراع الأغلبي – الرستمي، وأصبحت قبائل هوارة التي كانت تستوطن أحواز طرابلس تابعة للدولة الرستمية وهي: بنو اللهان، ومليلة، وورسطفة، أما منازل هذه القبائل فهي – كما حددها اليعقوبي - من آخر عمل سرت إلى طرابلس(2)، ولم تكن هوارة وحدها معنية بهذا الاتفاق، بل هناك "بنو يسمكان" من بني دمّر، ودمر بطن من بطون زواغة يقع بنواحي طرابلس(3).
كما أرسل الإمام عبد الوهاب بعد عودته من حصار طرابلس حملة عسكرية على مدينة قابس، قادها "قطعان بن سلمة الزواغي"(4). وتشير الروايات إلى أن عامل بني الأغلب امتنع عن الدخول في الطاعة فشدد عليه الحصار إلى أن استولى عليها، ثم انتقل إلى ما يليها من القرى التي تقطنها قبائل مطماطة، زنزفة، دمّر، وزواغة فأخضعتها ورتب العمال عليها(5).
__________
(1) - الشاماخي: المصدر السابق، ص161؛ محمود إسماعيل: الأغالبة، ص106؛ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والقفافي والاجتماعي، مكتبة النهضة المصرية، ط9، القاهرة، 1986، ج2، ص214؛ محمد بن تاويت: دولة الرستميين أصحاب تاهرت، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية، مدريد، 1957، مج5، ص115-116.
(2) - ينظر: صفة المغرب، ص7.
(3) - ابن خلدون، كتاب العبر، مج6، ص264.
(4) - الشماخي: السير، ص161؛ وفي ص203 يذكر بأن سلمة بن قطفة كان عاملا للإمام عبد الوهاب على قابس ولا ندري هل هو اسم لشخص واحد أم لشخص آخر نظرا لتشابه الأسماء إلى حد بعيد.
(5) - الشماخي: المصدر نفسه والصفحة ذاتها؛ الباروني: الأزهار، ص199. (1/106)
صفحة 107
ولم نتمكن من خلال المصادر المتوفرة لدين من معرفة أسباب هذه الحملة التي عقبت الصلح مباشرة، وهل حققت الأهداف المرجوة منها ؟ وهل تمكن "قطعان" هذا من الاستيلاء عليها فعلا وأصبح يدير شؤونها ؟ فاليعقوبي (ت 284هـ) يذكر بأن بها عاملا من قبل ابن الأغلب(1).
ولما عزم عبد الوهاب على العودة إلى عاصمة ملكه اجتمع إليه "أهل الدعوة" من النفوسيين، وطلبوا منه أن يولي عليهم عاملا. ويبدو من خلال رواية الدرجيني أن الإمام اختار لهم أحد وزرائه ولكنهم رفضوه، إذ كانوا يميلون إلى تولية السمح بن عبد الأعلى وزيره. ولبى الإمام طلبهم رغم أن السمح كان أحب الناس إليه وأنصحهم له، ثم توجه عائدا بركبه إلى تاهرت(2).
ولنعد الآن إلى مسألة حج عبد الوهاب، وإقامته المطولة في الجبل وحربه مع الأغالبة وما يحوم حول هذه الزيارة من شكوك وغموض. وقد تناول بعض الباحثين هذه المسألة بالتحليل وأبدوا رأيهم فيها، ومن بينهم محمود إسماعيل الذي يرى بأن خروج الإمام إلى المشرق لم يكن لأداء فريضة الحج إذ من غير المعقول أن يغيب عن تاهرت زهاء سبع سنين ينتظر فتوى من شيوخ المذهب المشارقة، والأرجح أنه كان يعد العدة للتوسع على حساب الأغالبة(3). أما سعد زغلول فيرى رأيا آخر، وهو أن خصوم الإمام في منطقة طرابلس كانوا سيسببون له المتاعب، خاصة لما لجأ إلى هناك "شعيب المصري" حليف يزيد بن فندين النكاري. ويضيف أن هذه الرواية تشبه إلى حد كبير الرواية الأغلبية الخاصة بالأمير إبراهيم بن أحمد عندما ترك المارة وسار للجهاد في صقلية فقيل إنه كان يقصد الحج(4).
__________
(1) - ينظر: صفة المغرب، ص7.
(2) - ينظر: الطبقات، ج1، ص67؛ وينظر: علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص79.
(3) - ينظر: الأغالبة، ص105.
(4) - ينظر: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص329-330. (1/107)
صفحة 108
إن بقاء الإمام عبد الوهاب طيلة هذه المدة في جبل نفوسة بعيدا عن مركز سلطانه أمرا يدعو إلى الحيرة، فهل انتظار فتوى من المشرق تجعله ينتظر هذه المدة ؟ وهل كان انتقاله إلى المشرق للحج فعلا ؟ ومن كان طيلة هذه الفترة يسير شؤون تاهرت ؟
وأمام هذه التساؤلات فإننا نستبعد ما روته المصادر الإباضية من أن الإمام كان متوجها إلى الحج، ولكنه توقف بالجبل لأن شيوخ نفوسة منعوه من جهة، ومن جهة أخرى ظل ينتظر وصول فتوى من المشرق. ذلك أنه لا يعقل أن إماما عالما مثل عبد الوهاب ظل مدة سبع سنوات يعلم النفوسيين "مسائل الصلاة" ورغم ذلك لم يكمل أبوابا منها، ويجهل أن من شروط الحج الاستطاعة، وأمان الطريق. ضف إلى ذلك أن ابن الصغير – وهو أحد المعاصرين للإمامة وعاش في تاهرت - لم يذكر أن عبد الوهاب خرج إلى الحج، بل سمع أنه حاصر مدينة طرابلس،(1) ويتضح جليا أن رواية الحج قيلت في فترة متأخرة نقلها أبو زكريا في سيره. ونحن نعرف أنه ألف كتابه بعد سنة (471هـ) (1078م). وإذا قارنا بين رواية خروج عبد الوهاب إلى الحج، ورواية سفر أبي اليقظان إلى مكة حاجاً، نلاحظ أن مخاوف نفوسة هي التي حدثت لهذا الأخير، فقد روى ابن الصغير بأن بني العباس بلغهم أن "مقدم الشراة" بالمغرب أرسل ابنه يرتاد البلاد ويتصل بأهل المذهب لتعبئتهم في انتظار قدوم أبيه من تاهرت، فألقي عليه القبض في مكة، وحبس في بغداد رفقة خادمه النفوسي(2). ونستنتج مما ذكرناه أن رواية حج أبي اليقظان أسقطت على الإمام عبد الوهاب، فلما لم يجد مؤرخو المذهب تفسيرا لسفره إلى طرابلس – وهي أول زيارة يقوم بها إمام للمنطقة - وبقائه هناك مدة سبع سنوات، قالوا إنه سافر إلى الحج، ولكنه توقف بالجبل لأن "أهل الدعوة" هناك أدركوا أن إمامهم لن يلفت من قبضة العباسيين في مكة، فأرسلوا في طلب فتوى من المشرق.
__________
(1) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص45.
(2) - المصدر، ص64-65. (1/108)
صفحة 109
وأما عن أسباب إقامته في الجبل فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن الإمام كان يهدف من هذه الزيارة إلى تحقيق هدفين: الهدف الأول: يتمثل في العمل على الحفاظ على الوحدة الترابية للدولة، خاصة وأن الإمامة تكون قد أحست بوجود نزعات استقلالية بالجبل، قد يدعمها "شعيب المصري" حليف النكارية الذي قدم إلى منطقة طرابلس. ومادام أن الدولة الرستمية هي الجبل، والجبل هو الدولة الرستمية فإن عبد الوهاب أراد أن يقضي هو شخصيا على هذه المتاعب المستجدة في بدايتها قبل أن تستفحل، وما انقسام الجبل فيما بعد إلى قسمين: قسم مال إلى تولية خلف بن السمح، وقسم رفض التولية دون استشارة الإمامة لدليل كاف على أن الإرهاصات الأولى للاستقلال، ظهرت قبل حركة خلف وأتباعه. وأما الهدف الثاني: فيتمثل في تأمين الجبهة الشرقية التي عانى سكانها من مضايقات الأغالبة. ولحسم الموقف ارتأى أن يقود العمليات العسكرية بنفسه. وبالإضافة إلى ذلك قام بتعيين العمال على النواحي، وهذه العملية ليست سهلة فى مجتمع تطغى فيه في أغلب الأحيان روح العصبية القبلية على العصبية المذهبية إن صح التعبير. أما عن تسيير شؤون تاهرت مدة غيابه فإننا نميل إلى القول بأن ابنه أفلح هو الذي كان يشرف على تسيير دواليب الحكم.
ب - نفوسة والصراع الطولوني – الأغلبي: (1/109)
صفحة 110
يعد قدوم العباس بن أحمد بن طولون سنة (269هـ) (882م) إلى بلاد المغرب على رأس جيش للاستيلاء على دولة الأغالبة من الأحداث التي لم تعطها المصادر حقها من الدراسة، فاعتبرتها حادثة عارضة على الرغم من القوات والحشود التي سخرتها في هذه الغزوة. ولاشك أن هناك ظروفا وأسبابا مهدت لها أهملها المؤرخون، واكتفت المصادر بالقول إن الأمير استغل غياب أبيه عن مصر فسولت له نفسه التوجه إلى إفريقية وإخضاعها لسلطانه، خاصة وأن مستشاريه حطوا له من شأن إبراهيم بن أحمد الأغلبي (261-289هـ) (874-901م)، أمير هذه البلاد ولا تتفق المصادر عن تاريخ خروج ابن طولون من مصر، قيل سنة 265هـ (878م)(1) و267هـ (880م)(2) و269هـ (882م)(3) وتذكر أنه خرج في قوة كبيرة قدرتها المصادر بثمانمئة فارس وعشرة آلاف رجل من سودان أبيه، وحمل معه من بيت المال في مصر ثمانمائة حمل دنانير. وفي الطريق أشار عليه أبو عبد الله أحمد بن محمد الكاتب بان يؤخر التقدم إلى طرابلس حتى يصانع البربر، فرفض لأنه كان يخشى عودة عساكر أبيه من بلاد الشام قبل تحقيق طموحه، وفي الوقت نفسه حتى لا يعطي فرصة لإبراهيم بن أحمد للاستعداد(4).
__________
(1) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج4، ص434؛ النويري: نهاية الإرب في فنون الأدب، تحقيق حسين نصار، مراجعة عبد العزيز الأهواني، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1983، ج24، ص129.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص118.
(3) - محمود إسماعيل: الأغالبة، ص109.
(4) - ابن عذارى: المصدر السابق،ج1، ص118؛ محمد زيتون: المسلمون في المغرب والأندلس، ص138. (1/110)
صفحة 111
وأرسل العباس كتابا إلى إبراهيم مدعيا فيه أن أمير المؤمنين المعتمد (256-279هـ) قلده أمر إفريقية، وأنه يأمره بالدعاء له على منابرها والخروج لاستقباله. واستولى العباس على برقة وكان عاملها محمد بن قهرب، ثم انتقل إلى لبدة(1) فخرج إليه عاملها الأغلبي لاستقباله. وعلى الرغم من ذلك أباح لجنده نهب أهلها وقتل رجالها وسبي نسائها، فاستغاث أهلها بأبي منصور إلياس عامل جبل نفوسة،(2) وأرسل العباس كتابا إلى زعيم نفوسة يأمره الدخول في الطاعة(3)، فأرسل إليه هذا الأخير جيشا من خيرة رجاله من نفوسة والقبائل الإباضية الأخرى، يقدر عدده باثني عشر ألف فارس(4)، ولم يكن القصد من تجهيز هذه الحملة هو حماية الأغالبة، وإنما كان الهدف هو حماية ونجدة الإباضية التابعين له، لأن بعض سودان العباس تعدوا على حرم البوادي(5).
__________
(1) - هو حصن يقع بين طرابلس ومدينة شروس، ذكر البكري أن به آثار تعود إلى أزمان غابرة، سكنه في عصره قوم من العرب عرفوا بغاراتهم لجميع القبائل القريبة إليهم من البربر، ينظر: المغرب، ص9.
(2) - قيل إن الاستغاثة كانت من أهل طرابلس عندما حاصرها العباس فيما بعد، ينظر: الباروني: الأزهار، ص317.
(3) - رد إلياس عن رسالة أبي العباس بقوله: "قل لهذا الغلام: أما إنك أقرب الكفار مني وأحقهم بمجاهدتي، فقد بلغني من قبيح أفعالك ما لايسعني التخلف معه عن جهادك، وأنا على إثر رسالتي إليك".
ينظر: الباروني: المرجع نفسه، ص318؛ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي، ج3، ص166-167.
(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج4، ص645-646؛ حسن إبراهيم حسن: المرجع نفسه والجزء ذاته، ص166-167؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص120-121.
(5) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص119؛ الباروني: المرجع السابق، ص317؛ محمود إسماعيل: الأغالبة، ص109. (1/111)
صفحة 112
ولما علم إبراهيم بن الأغلب بقدوم ابن طولون قاصدا طرابلس أخرج إليه أحمد بن قرهب في ألف وستمائة فارس ليلا، فدخل طرابلس قبل وصول العباس إليها، وفيها حشد الجند، ثم اتجه إلى لبدة فالتقيا على خمسة عشرة ميلا منها، وقد تأخرت جِمال العباس التي كانت تحمل البنود، فلم يكن بينهم إلا مناوشة يسيرة، انهزم خلالها ابن قرهب وعاد إلى طرابلس معتقدا أن مقدمة الجيش هي التي ناوشته. وسار العباس متقدما إلى طرابلس حتى وصلها فنصب عليها المجانيق، وحاصرها حصارا شديدا دام ثلاثة وأربعين يوما، ولما استغاث أهل طرابلس بإلياس – وهي الرواية الأرجح - قام هذا الأخير "محتسبا وناصرا جيرانه من المسلمين"(1).
__________
(1) - ابن عذارى: المصدر السابق، ص119. (1/112)
صفحة 113
وزحف إلياس بعساكره، وتمكن من إلحاق الهزيمة بالعباس فخرج إلى برقة بعد نهب أهل طرابلس لجميع عسكره، ولما بلغت أخبار ابن طولون إلى ابن الأغلب وأنه وصل إلى طرابلس، حشد الجند، ووفر الأموال حتى إنه ضرب حلي نسائه دنانير ودراهم. وخرج بنفسه لملاقاته ولما علم بانهزامه استغل هذه الفرصة وراح يبحث عن الأموال التي أخذت من ابن طولون "فكان الرجل من أهل العسكر يبيع مثاقيل ابن طولون سرا بما أمكنه خوفا أن تؤخذ منه"(1). وعاد إلياس بقواته إلى الجبل، بينما راح ابن الأغلب يعيد الأمن إلى دولته، فقد فتك بأهل الزاب سنة 268هـ (881م)، وفي سنة 280هـ (893م) أوقع برجال بلزمة بعد أن هدأت ثورة الدراهم* سنة 275هـ (888م)(2).
__________
(1) - المصدر نفسه، ص119.
(2) *- قامت هذه الثورة عندما ألغى إبراهيم بن الأغلب قطع النقود الصغيرة التي جرى التعامل بها، وضرب بدلها الدراهم الصحاح من الفضة. وبما أن هذا التبديل أحدث متاعب للتجار، أغلقوا حوانيتهم وخرجوا في تظاهرات حدثت خلالها مناوشات بينهم وبين الحرس، ولكن الأمور هدأت بعد تدخل إبراهيم بن الأغلب والفقيه أبو حفص أحمد بن مغيث، ينظر: ابن عذارى، المصدر نفسه والجزء ذاته، ص120-121؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص128.
- ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص120-123. (1/113)
صفحة 114
ومجمل القول فإن حملة ابن طولون فشلت فشلا ذريعا، خاصة وأنه وجد نفسه أمام قوتين: قوة نفوسة، وجند الأغالبة، ويبدو أنه لما أشار عليه أبو عبد الله أحمد بن محمد الكاتب بمصانعة البربر، كان يقصد استمالة القبائل الإباضية المناوئة للدولة الأغلبية لتقف إلى صفه، ولكن تعجله حال دون إتمام الصفقة. أما عن إدعاء العباس بأن أمير المؤمنين المعتمد قد ولاه إفريقية، فهذا أمر غير مؤكد تاريخيا، لأنه إذا كانت الخلافة غاضبة – كما سنرى فيما بعد - عن تصرفات إبراهيم بن أحمد، فإنها قد أمرته بالتنازل عن الحكم لابن عمه محمد بن زيادة الله، ولم تخبرنا المصادر بأن المعتمد ولى ابن طولون على إفريقية، ولذلك فلا نستبعد أن يكون قد استغل غياب أبيه فعلا عن مصر، وكذلك الظروف السياسية التي كانت تمر بها الخلافة العباسية نتيجة ثورة الزنج والصراع بين المعتمد وأخيه الموفق لتحقيق طموح كان يعتقد أنه سهل المنال.
أما الإمامة الرستمية فلم تحرك ساكنا نظرا للضعف والهوان الذي بدأ يدب فيها، وتركت النفوسيين يواجهون أعداءهم دون دعم مادي أو حتى معنوي، والغريب في الأمر أنه أثناء الخلافات المذهبية بين أتباع المذهب تكثر الاتصالات بين نفوسة وتاهرت، بينما لا نجد ذلك سواء في حملة ابن طولون، أو في حربهم ضد الأغالبة في "مانو".
جـ - موقعة مانو 283هـ (896م): خلفياتها، أهدافها، ونتائجها: (1/114)
صفحة 115
اتسمت العلاقات الرستمية – الأغلبية بالطابع العدائي، وكان السبب في ذلك تشابك الحدود بينهما، خاصة وأن الرقعة الجغرافية للدولة الرستمية تحيط بالدولة الأغلبية من الشرق والغرب، ولم يكن هناك مانعا من تنقل القبائل من مكان إلى آخر، فهناك العديد من المدن الأغلبية تعيش فيها جاليات وإباضية تابعة روحيا للإمامة الرستمية، مثل طرابلس، ومدن بلاد الجريد، وجبل أوراس، وكثيرا ما كان يحدث الصدام بين رعايا الدولتين. ولا غرو أن يستغل بنو الأغلب المنشقون من الإباضية في إثارة القلاقل، والفتن، مثل: هوارة النكارية، وزواغة الخلفية. وقد بنى الأغالبة مدينة "العباسية"، التي لا تحدد المصادر الجغرافية موقعها، سنة 239هـ (854م) لتكون قاعدة انطلاق الغارات على تاهرت، وقد خربها الإمام أفلح. وفي المقابل حاول الإباضية في جبل نفوسة الاستيلاء على مدينة طرابلس كما مر بنا، وموقعة مانو التي سنتناولها بالدراسة ما هي إلا نتيجة لهذا الصراع الذي دام طويلا إلى غاية سقوط الدولتين. (1/115)
صفحة 116
تتفق أغلب المصادر على أن هذه الموقعة كانت أعنف ضربة وأقسى هزيمة تحل بالإباضية، بل إن هذه الهزيمة كانت – حسب المصادر الإباضية - السبب المباشر في انهيار الدولة الرستمية ككل، وعجزت عن الصمود أمام الزحف الشيعي. فقبيلة نفوسة كانت الساعد الأيمن للإمامة، فهي التي أقامتها بسيوفها، كما بلغت مبلغا عظيما في العلم والتقى والعدل والورع(1) ولذلك انتشرت أخبارها مشرقا ومغربا حتى هابها من في هذه الجهات، فكثرت المكاتبات عن قوتها إلى بغداد من قبل القيروانيي،ن وأهل طرابلس، وتوحي المصادر الإباضية إلى أن اهتمام الخلافة العباسية بالرستميين في تاهرت وطرابلس بدأ منذ عهد الخليفة المتوكل (233-247هـ) (847-861م)، حتى إن أبا زكريا في روايته يظهر إبراهيم بن أحمد الأغلبي وكأنه يزحف بقواته من شرق طرابلس قاصدا تاهرت، بناء على أوامر بغداد(2).
ومما لاشك فيه أن الخلافة العباسية حرضت الأغالبة ضد الرستميين، ضف إلى ذلك فإن الأمير الأغلبي أراد من خلال ضرب الإباضية أن يغطي على أعماله الإجرامية وقساوته ضد رعاياه في تونس، وطرابلس، بأن يكسب رضاها وودها، وفي الوقت نفسه قد تكون قساوته ضد الإباضية من قبائل هوارة في طرابلس سببا مباشرا في خروج نفوسة لقتاله. فالشماخي يذكر بأنه كان ظالما وقد أفسد حين قدم إلى طرابلس(3).
__________
(1) - الشماخي: السير، ص267.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص150؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص388.
(3) - ينظر: السير، ص268. (1/116)
صفحة 117
وخرج إبراهيم بن أحمد من تونس في العاشر من محرم 283هـ فأقام بمدينة "رقادة" إلى سبع بقين من صفر، ثم غادرها متجها إلى طرابلس متتبعا أثر ابنه عبد الله الذي سبق وأن سيره على رأس جيش لتأديب بوادي طرابلس، والاستيلاء على المدينة، وذلك سنة 281هـ (894م)، أو متجها إلى مصر للثأر من ابن طولون. وفي الطريق اعترضته نفوسة، بين قابس وطرابلس، في موقع تسميه المصادر الإباضية بـ "مانو"، وكانت نفوسة مصممة على قتاله، على الرغم من اعتراض عامل الجبل أفلح بن العباس الذي تولى الولاية بعهد من الإمام أبي حاتم يوسف (281-294هـ) (894-906م) وسعد بن يونس عامل قنطرارة، ومعبد الجناوني، لأن إبراهيم بن أحمد كان يريد التوجه إلى مصر للثأر من ابن طولون، ويبدو أن ابن الأغلب لم يكن ينوي مواجهة نفوسة، بدليل أنه طلب منهم أن يتركوا له ساحل البحر مقدار نشر عمامته ليمر هو وجيشه إلى وجهته فرفضوا(1).
ولما رأى الأمير الأغلبي أن نفوسة مصممة على عدم ترك مجاز له تهيأ لقتالهم، ولكنه آثر أن لا يبدأ هو القتال، فقد خاطب أصحابه قائلا: "خذوا عدتكم، وشمروا على أنفسكم، وجوزوا على ساحل البحر ولا تتعرضوا لهؤلاء القوم، فإن هم تركونا وطريقنا، وإلا ناصبناهم"(2).
__________
(1) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص151؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص268؛ الباروني: الأزهار، ص343-344؛ سعد زغلول: المرجع السابق، ج2، ص389؛ محمد الطالبي: الدولة الأغلبية، ص326.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص151. (1/117)
صفحة 118
وظل الخلاف قائما بين نفوسة، بين مؤيد، ومعارض لترك جيش الأغالبة وشأنه، حتى إن سعدا اتهم بالجبن والخيانة، وأنه أراد العودة إلى عمالته "قنطرارة"، واقتتل الجيشان أعنف قتال، فلم تصمد نفوسة كثيرا حتى هموا بالانهزام، "فصارت تنهدم الرجال من الصفين كالحيطان"،(1) وتطارح منهم خلق كثير في البحر حتى أحمر لون مائه من دمائهم، فلا عجب إذن أن قال ابن الأغلب "لو كان هذا القتل لله لكان إسرافا"(2).
وفي خضم هذا القتل أمر أفلح بن العباس صاحب البند "شيبة الدجي" بأن يركزه كي لا ينهزم عنه أحد، فرفض ثم اقتتلوا مليا، وعندما أصر أفلح حفر له وأوقفه، وفر أفلح من ميدان المعركة، وترك رجال نفوسة يسقطون قتلى قرب البند، فرأى ذلك رجل من ذوي البصائر، فضربه بسيفه حتى وقع وعندما رأى ذلك بقية العسكر ولوا مدبرين(3) وحملت نفوسة أفلح بن العباس هذه الهزيمة، فاتهمته بأنه صمم على تركيز البند رغم أن القوتين غير متكافئتين، ولأنه كان من الكارهين للخروج، وخرجت نفوسة من هذه المعركة بخسارة فادحة، إذ تقدر المصادر عدد القتلى فيها اثني عشر ألف، منهم أربعة آلاف من نفوسة أما البقية فمن مختلف القبائل، منهم حوالي أربعمائة عالم فقيه، في حين لم يتعد عدد الأسرى ثمانين أسيرا(4).
ولم يرحم ابن الأغلب الأسرى، فعمروس بن فتح قاضي الجبل في عهد أبي منصور إلياس – وهو أحد الأسرى - أخذوا يقطعونه بالحديد من إبهامه حتى وصلوا إلى مرفقه، فاستشهد رافضا طلب العفو(5).
__________
(1) - النويري: نهاية الإرب، ج24، ص133.
(2) - النويري: المصدر نفسه والجزء والصفحة ذاتهما.
(3) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص152؛ الشماخي: السير، ص269؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص185-186؛ محمد الطالبي: الدولة الأغلبية، ص327-328.
(4) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص152؛ الشماخي: المصدر السابق، ص269.
(5) - البغطوري: سير نفوسة، و2؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص89؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص269. (1/118)
صفحة 119
ومهما يكن من أمر، فإن موقعة مانو هي الموقعة التي فل بها حد سيف نفوسة، وهي الموقعة التي فقدوا فيها أشهر علمائهم، والكثير من رجالهم، ولعل أصدق وصف لنتائجها ما عبر عنه الوسياني في قوله: "ذكر أن نفوسة لما قتلوا في وقت مانو فبقي من بقي منهم ولم يجدوا من يبين للناس أموالهم من الأشجار إلا العسفاء يعني الأجيراء"(1). وفعلا فالموقعة كانت لها نتائج وخيمة على إمامة الظهور في بلاد المغرب، فعندما عادت نفوسة أدراجها تحصنوا في الجبل وتشاوروا في عزل قائدهم أفلح بن العباس، وتولية ابن عم له واتفقوا على ذلك، ما عدا أبي معروف ويدرن بن جواد حاكم شروس، الذي كان يخشى الخلاف، وسرعان ما أعيد إلى منصبه بعد مضي ثلاثة أشهر فقط، لأن ابن عمه لم يحسن السيرة.
__________
(1) - ينظر: السير، ج2، و11؛ يذكر أبو زكريا أنه لم يبق من علمائهم إلا أبي القاسم البغطوري وعبد الله بن الخير، وكانا يتوليان الفتوى في الجبل بعد النكسة، فلولاهما لعطلت إلى يوم القيامة، ينظر: كتاب السيرة، ص154. (1/119)
صفحة 120
واستغل ابن الأغلب أفول "نفوسة" وانشغالها بتضميد جراحها، فانتقل إلى طرابلس وقتل ابن عمه، وأراد الزيادة فتفرق عنه أصحابه وعادوا إلى إفريقية، وكر من جديد على نفوسة سنة 284هـ (897م)، حيث نكل الرجال واستباح النساء ،وقتل منهم الكثير وعاد محملا بالأسرى(1) ثم قصد "قنطرارة" فباغت سكانها وقتل منهم الكثير، ثم اختار ثمانين من العلماء والفقهاء فألقى عليهم القبض، ومنها اتجه إلى "تيزاج" - إحدى قرى نفزاوة - فأسر عالمها أبا يوسف النفوسى أحد مستجابي الدعاء، وقد استطاع الإفلات من قبضته عندما هبت عاصفة مظلمة حالت بينه وبين جند ابن الأغلب، ثم اتجه رفقة ابنه عبد الله إلى تناونت "قرب نفزاوة" (2). أما علماء وفقهاء قنطرارة فقد أخذوا إلى القيروان وقتلوا عن آخرهم ونظمت قلوبهم في حبال ونصبت على باب تونس (3).
إن المصادر الإباضية وغير الإباضية تتفق وتجمع على قساوة ابن الأغلب مع الأسرى من الإباضية وينفرد النويري برواية تؤكد ذلك بقوله: "قال له بعض رجاله: ليدع الأمير بعض من أحب من مشائخهم، ويسأله عن اعتقاده فإذا سأله علم أن ذلك لله، فأحضر بعضهم فقال: "ما تقولون في علي بن أبي طالب، فقال: نقول إنه كافر في النار من لم يكفره فقال إبراهيم: فجميعكم على هذا الرأي ؟ فقالوا: نعم، قال: الآن طابت نفسي على قتلكم وجلس على كرسي وبيده حربة، فكان يقدم إليه الرجل منهم فيقد أضلاعه من تحت منكبيه ثم يطعنه فيصيب قلبه حتى قتل منهم خمسمائة رجل بيده وحده في وقت واحد" (4).
__________
(1) -الشماخي: السير، ص269-270؛ ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص130؛ محمد الطالبي: الدولة الأغلبية، ص328.
(2) -الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص90-91؛ أبو زكريا: المصدر السابق، ص156.
(3) -الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص91.
(4) -ينظر: نهاية الإرب، ج24، ص134. (1/120)
صفحة 121
إن هذا النص يدعم وصف المصادر الإباضية لقساوة ابن الأغلب في التعامل مع الأسرى وفي الوقت نفسه يشير إلى أن الإباضية كانوا يكفرون علي ويكفرون من لم يكفره. والصحيح أن الإباضية لم يكفروا على بن أبي طالب كرم الله وجهه بل كانت خطبه تتلى على ألسنة الأمة في مساجد تاهرت خاصة في الأعياد والمواسم الدينية (1). ولذلك فإن النويري لا يميز بين الإباضية وبين فرق الخوارج.
ويبدو أن إبراهيم بن أحمد قد أصيب بالجنون في آخر أيامه فقد "استحال طبعه وغلب عليه سوء المزاج فتغير عقله وساءت حالته وأسرف في قتل أصحابه وأولاده وبناته وحجابه" (2). ويتفق ابن عذارى مع الشماخي في القول بأنه اختل عقليا (3) ويضيف المؤرخون أن فترة مرضه دامت سنوات كاملة حتى خافه الناس لأنه بالغ في القتل، فقتل من خدمه ونسائه وبناته، وقتل ابنه أبا الأغلب لظن ظنه به ولذلك قرروا خلعه وبعثوا إلى الخليفة يشكون من عماله ويطلبون عزله، ولكنه تفطن لنفسه شيئا فشيئا قرب نهاية حكمه خاصة وأن الشيعة أصبحوا يهددون ملكه ويطرقون أبواب إفريقية والمغرب عامة، ففى سنة 289هـ (901م) أعلن التوبة، وعمل على استمالة العامة فرد المظالم وأعفى الفلاحين من خراج سنة وأعتق مماليكه ووزع الأموال على الفقهاء ووجوه الناس (4).
__________
(1) -ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص121-122؛ دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج2، ص384-285.
(2) -الشماخي: السير، ص271.
(3) -ينظر: البيان المغرب، ج1، ص129-130.
(4) -ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص131-132؛ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص93؛ محمد زيتون: المسلمون في المغرب والأندلس، ص107. (1/121)
صفحة 122
ونعود مرة أخرى إلى مناقشة خلفيات وأهداف ونتائج موقعة مانو للتوصل إلى معرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اصطدام نفوسة بالأغالبة. إن المصادر لا توضح لنا وجهة إبراهيم بن أحمد الحقيقية: هل كان متجها إلى طرابلس لتأديب محمد بن زيادة الله ؟ أم إنه استشعر ضعف الدولة الرستمية في تاهرت، وانشغالها بحربها الأهلية فأراد أن ينهي مرحلة التعايش السلمي ويعتدي على نفوسة بغية القضاء عليهم ؟ أم إنه كان متجها إلى مصر للثأر من أبي العباس أحمد بن طولون ؟
وإذا بدأنا بالمصادر الإباضية فإن هذه الأخيرة تجمع على أن القصد من الحملة هو القضاء على نفوسة، يقول الدرجيني: "انشهر الصيت على نفوسة حتى اشتهر في بلاد المشرق عند ملوك المسودة لمكاتبات أهل بلاد القيروان وأهل طرابلس وغيرها من بلاد المغرب التي انتشرت بها دعوتهم. وكان ذلك أيام المتوكل ببغداد (1)، فلما تواترت الكتب إليه من الجهات الغربية أن دعوة الرستميين قد تمت وأيامهم قد استقامت لا ينازعهم منازع، ويستنفرون من عنده جيشا ينتظم به إليهم ملك طرابلس والمغرب، فاهتز لذلك وتحرك إليه خاطره فوجه عسكرا إلى المغرب وأمر عليه إبراهيم بن أحمد من بني الأغلب فتوجه إبراهيم بعسكره إلى المغرب قاصدا تاهرت فلما قرب من طرابلس سمعت بخبره نفوسة" (2).
__________
(1) -أخطأ الدرجيني حين ذكر بأن واقعة مانو حدثت في عهد المتوكل (232-247هـ) بل حدثت في خلافة المعتضد (279-289هـ).
(2) -ينظر: الطبقات، ج1، ص87. (1/122)
صفحة 123
من خلال هذا النص –وهو لا يختلف عن رواية أبي زكريا- نلاحظ أن الحملة أرسلت من المشرق للتوجه إلى تاهرت وكلفت إبراهيم بن أحمد الأغلبي باعتباره ممثلا للمسودة في هذه الربوع بقيادة هذا الجيش ولما علمت نفوسة بوجهة هذا الجيش خرجت من عرينها للتصدي له والحيلولة دون وصوله إلى حاضرة الإمامة. ونحن نستبعد مطلقا هذه الرواية ولا يمكن الأخذ بها لسببن: أولهما: أننا لا نجد ذكرا لهذه الرواية في المصادر التاريخية الأخرى ولم نعثر على أدنى إشارة تدل على أن الخليفة المعتضد (279-289هـ) (892-901م) قد سير جيشا إلى بلاد المغرب لمؤازرة الأغالبة في القضاء على الدول المستقلة التي لا يذكر على منابرها اسم الخليفة العباسي أضف إلى ذلك أن ظروف الخلافة في ذلك الوقت لم تكن أبدا تسمح بتسيير الجيوش إلى إفريقية. ثانيهما: أن الحملة لم تتجه إلى تاهرت بعد القضاء على نفوسة فلو أرسل هذا الجيش من المشرق لما تخلى العديد من أفراده عن مواصلة القتال. إذ تذكر المصادر أنه عندما اتجه إبراهيم بن أحمد إلى "عين تاورغا" خارجا من طرابلس رجع كثير ممن معه إلى إفريقية، ولم يبق معه إلا أقل من النصف، فلما رأى ذلك انصرف إلى رقادة ثم إلى تونس"(1). وتضيف المصادر أنه عاقبهم بدفع غرامة مالية مقدارها ثلاثين دينارا سميت بـ "غرم الهاربين"(2).
__________
(1) - النويري: نهاية الإرب، ج24، ص134.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص130. (1/123)
صفحة 124
ونستنتج من هذا النص أن جل أفراد هذا الجيش هم من إفريقية وليسوا مشارقه. وإذا أردنا أن نذهب بعيدا في تحليل رواية أبي زكريا والدرجيني نقول: بأن اهتمام الخلافة العباسية بالدولة الرستمية ازداد منذ عهد المتوكل (232-247هـ) (846-861م) عندما ألقي القبض على أبي اليقظان رفقة خادمه النفوسي في مكة، يقول ابن الصغير "لما طاف وسعى (أي أبو اليقظان) كشفته رسل بني العباس إذ قدموا معه من عندهم، وقيل لهم إن ابن مقدم الشراة، قد قدم من المغرب من عند أبيه يرتاد البلاد ويرسل رسله في كل الآفاق إلى من كان على رأيهم ومذهبهم ليأخذوا إلى أنفسهم إلى أن يأتيه والده من المغرب. فحمل أبو اليقظان من مكة وحمل معه رجل من نفوسة كان يخدمه حتى ورد بهما مدينة السلام، والعامل إذ ذاك المتوكل"(1).
أما الرواية الثانية: فتذكر بأن وجهة إبراهيم بن أحمد هي مصر، للانتقام من العباس بن أحمد بن طولون الذي استفزه وأهانه سنة 267هـ (880م) طالبا منه التنحي عن إفريقية لصالحه. يقول النويري: "في سنة 283هـ تحرك إبراهيم يريد محاربة ابن طولون بمصر"(2) وقد يبدو أن هذه الرواية صحيحة، لأنه مر بنا أن ابن الأغلب لم يكن يرغب أبدا في قتال نفوسة، بدليل أنه طلب منم أن يتركوا له مجاز نشر عمامته فقط، وهو – في رأينا - أقصى تنازل قدمه لنفوسة، كما أنه واصل زحفه إلى أن وصل "تاورغا"، وبلاد الأغالبة كما هو معروف تنتهي في لبدة. وكانت تاورغا تشكل أقصى ولاية برقة الخاضعة لبني طولون. ولذلك فقد وصل ابن الأغلب فعلا إلى البلاد المصرية، ولكن إذا كان إبراهيم قد امتلأ قلبه حقدا على العباس بن أحمد بن طولون وأنه قرر منذ سنة 267هـ (880م) أن ينتقم منه، فإنه بالضرورة لا ينتظر ست سنوات حتى يتوفى ابن طولون، وابنه العباس، وإلا ما الفائدة من الانتقام إذن ؟
__________
(1) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص64-65.
(2) - ينظر: نهاية الإرب، ج24، ص 133. (1/124)
صفحة 125
أما الرواية الثالثة: فتقول بأن وجهة إبراهيم كانت طرابلس، وقد تعرض في طريقه للقبائل الإباضية، من لواتة، وهوارة، وزواغة، وغيرهم، فأفسد(1). فخرج إليه أبو منصور إلياس عامل الجبل "محتسبا، وناصرا جيرانه"(2). فإبراهيم كان يريد الوصول إلى ابن عمه أبي العباس محمد بن زيادة الله المثني، لأنه من النتائج التي تمخضت عن حملة إبراهيم على طرابلس هي مقتل أبي العباس ومقتل أهله بقساوة شديدة. فالمصادر تذكر أنه كان يكن حقدا دفينا وكراهية شديدة لابن عمه الذي تصفه المصادر بأنه كان أكثر اقتدارا منه. وبالتالي فإن سمعة هذا الأخير كانت أحسن عند الخلافة. يقول النويري: "كان إبراهيم كثير الحسد له من صغره على علمه وأدبه"(3).
وفي الحقيقة فإن السبب الحقيقي هو أن أبا العباس أصبح ينافس ابن عمه في الإمارة بالتزكية من الخلافة. يقول ابن عذارى: "وسبب قتله أن المعتضد بالله العباسي كتب إلى إبراهيم بن أحمد يعنفه على جوره وسوء فعله بأهل تونس ويقول له: "إن انتهيت عن أخلاقك هذه، وإلا فسلم العمل الذي بيدك لابن عمك محمد بن زيادة الله"(4). بينما تفيد رواية النويري أن الخليفة المعتضد أرسل رسولا إلى تونس سنة 289هـ (901م) واستقبله إبراهيم في سبخة تونس، وبين الرسول للأمير أن الخليفة أرسله بناء على غضب وسخط لشكوى أهل تونس منه، وأن الخليفة أمره باللحاق به، وأن يعتزل عن إفريقية، ويولي عليها ابن أبا العباس. وتضيف الرواية بأن إبراهيم كره المسير إلى المعتضد فأظهر التوبة ورفض الملك، واستدعى ابنه أبا العباس من صقلية ليؤول الملك إليه(5).
__________
(1) - الشماخي: السير، ص267.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص119.
(3) - ينظر: نهاية الإرب، ج24، ص ص134.
(4) - المصدر السابق، ج1، ص129.
(5) - المصدر السابق، ج24، ص135. (1/125)
صفحة 126
ويبدو أن هذه الشكوى هي الثانية التي رفعها سكان تونس، وأن توبيخ الخليفة هو الثاني كذلك ما دام أن الخليفة قد أمر إبراهيم أن يتنازل عن الملك لابنه وليس لمحمد بن زيادة الله المقتول.
ويرى محمد الطالبي ان إظهار إبراهيم بأنه يريد الخروج إلى مصر هي حيلة منه فقط للظفر بابن عمه وقتله. هذا الأخير الذي وصله التأييد الأدبي والرسمي للخلافة، وكأنه في الجملة نوع من المبايعة. ولذلك فعندما أقبل إبراهيم على فعلته تلك إنما كان يستهدف الخليفة عبر ابن عمه. وإذا كان قد أشاع بأنه سيغزو مصر، ومصر كانت مبدئيا ولاية تابعة لأمير المؤمنين في بغداد، هو رد آخر على رسالة الخليفة التي نقلها الرسول، وتطاول فيها عليه، وما الصدام مع نفوسة سوى حادثة عارضة لم تكن ضمن مخطط الأمير(1).
ويعارض هذا الرأي محمود إسماعيل الذي يرى أنه من غير المعقول أن يجهز إبراهيم بن أحمد حملة من عشرين ألف مقاتل، ويدخل في حرب مع نفوسة، حتى إن ماء البحر أحمر لونه من كثرة الدماء من أجل تحقيق هدف جزئي يتمثل في قتل ابن عمه. ويضيف أن الخليفة المعتضد لم يتدخل لإقصاء إبراهيم عن إفريقية إلا سنة 289هـ (901م) حين أمره – كما تقدم - بالتنازل عن الحكم لابنه(2).
__________
(1) - ينظر: الدولة الأغلبية، ص325-326.
(2) - ينظر: الأغالبة، ص80-81. (1/126)
صفحة 127
ويبدو أن محمود إسماعيل عندما اقتنع بأن هدف الحملة كان غزو مصر هو وقوفه على الرسالة الثانية المؤرخة سنة 289هـ (901م). ومن غير المعقول أن يفكر إبراهيم في الانتقام من أبي العباس بن أحمد بن طولون بعد أكثر من عشرين سنة 267-289هـ. إذن فإن هدف الحملة هو القضاء على منافسه في الإمارة، والرد على الخلافة، وفي الوقت نفسه تأديب القبائل الإباضية القاطنة بأحواز طرابلس، والتي كانت تسبب مشاكل لعماله في هذه الجهة مستغلا الفترة الحرجة التي كانت تمر بها الدولة الرستمية، وهي الفترة التي شهدت فيها فتنة محمد بن رباح، ومحمد بن حماد في إمامة أبي حاتم يوسف (281-294هـ) (894-906م).
2 - في المجال الفكري والعقائدي:
أ - الخلفية:
لما توفي السمح بن الأعلى المعافري عامل الإمام على جبل نفوسة لم يوصي لأحد من بعده على الرغم من طلب الناس ووجوه أصحابه ذلك. واكتفى فقط بأن دعاهم إلى تقوى الله وطاعة إمامهم عبد الوهاب مادام في الطريق المستقيم، وكان لموته صدى عظيم في نفوس "أهل الدعوة" النفوسيين حتى إن العامة من الناس بادرت إلى تولية ابنه "خلف"(1) تقريرا وعرفانا لأبيه. وتصف المصادر الإباضية هؤلاء بأنهم "أناس لا بصيرة لهم بالأمور، وأنهم ظنوا بأن عملهم ذلك هو أرفق بالمسلمين، وأوفق بأمير المؤمنين"(2).
__________
(1) - يتساءل سعد زغلول إن كان خلف هو اسمه الحقيقي أم إنه اسم تجريح أطلقه عليه المؤرخون من خصومه كما سيطلقون عليه لقب "الخبيث بن الطيب" وهو التساؤل الذي نميل إليه نحن كذلك لأن المصادر الإباضية تتخذ دائما مواقف معادية ضد المخالفين خاصة أن مصادر الوهبية هي التي وصلتنا دون غيرها. ينظر: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص333.
(2) - الشماخي: السير، ص180؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص120؛ الباروني: الأزهار، ص201؛ سعد زغلول: المرجع نفسه والجزء والصفحة ذاتهما. (1/127)
صفحة 128
وقد عارض هذه التولية أهل الصلاح منهم: أبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو الحسن أيوب بن العباس، وغيرهم، معتبرين ذلك خروجا عن التقاليد السياسية المعمول بها، والمتمثلة في موافقة الإمامة في تاهرت على ذلك، ورد بعضهم قائلا: "نوليه فإن أبي أمير المؤمنين عزلناه"(1). وأرسل الجناح المعارض لتولية خلف وهو الجناح الذي أصبح يعرف بـ "السمحيين" رسالة إلى الإمام. وجاءهم الرد بأنه: "من ولى خلفا من غير رضى إمامه فقد أخطأ سيرة المسلمين، ومن أبى من توليته فقد أصاب. فإذا أتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمله منكم السمح على عمالته التي ولي عليها "خلفا" حتى يأتيه أمري"(2).
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه والصفحة ذاتها.
(2) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص121؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص69. (1/128)
صفحة 129
ويبدو من خلال كتاب الإمام عبد الوهاب أن "خلفا" مارس فعلا مهامه كحاكم للجبل، فعين العمال على النواحي دون انتظار تزكية المركزية في تاهرت. ولذلك يمكن أن نعتبر حركة خلف حركة استقلالية تهدف إلى استقلال حيز طرابلس على تاهرت. ونشاطر الباروني الرأي عندما قال بأن خلفا كان يرغب في الاستقلال لما رأى وأتباعه في أنفسهم من القوة والكثرة. فعدد قبائل نفوسة ومزاتة تتجاوز مائة ألف فارس(1).
وقد بلغ هذه الخلاف علماء المذهب في المشرق لأنهم ظلوا يتتبعون أخبار إمامة الظهور منذ تأسيسها سنة 160هـ (776م)، فالمصادر تورد رسالة بعثها العلامة أبو عيسى الخراساني إلى أهل المغرب يحثهم ويرشدهم فيها إلى إتباع الحق، وجمع الكلمة ويثني فيها على الإمام عبد الوهاب، وعلى عامله السمح والد خلف، وينكر على خلف وأتباعه(2).
__________
(1) - تزودنا المصادر الإباضية بمجموعة من التسميات كانت تطلق على أتباع المذهب الإباضي منها: "أهل الدعوة" وهو اسم أطلقه الإباضية على أنفسهم منذ بداية الحركة في الفرن الأول الهجري. كما أطلقوا على أنفسهم اسم "جماعة المسلمين" أما تسمية "أهل الاستقامة" والتي يقصد بها كذلك أتباع المذهب فكانت تطلق في المشرق أكثر من المغرب. وأما التسمية الواردة في رسالة أبي عيسى فهي غير مستعملة بكثرة والمقصود منها فيما نعتقد أهل المغرب من الإباضية ليس إلا. ينظر: عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان، ط1، عمان، 1982، ص98-99.
(2) - ابن سلام: الإسلام وتاريخيه من وجهة نظر إباضية، تحقيق: ر.ت. شفارتز وسالم بن يعقوب، دار إقرأ، ط1، بيروت، 1985، ص165؛ الباروني: المرجع السابق، ص229. (1/129)
صفحة 130
وانقسم سكان الجبل إلى قسمين: قسم يدعم ويساند هذه التولية، وقسم آخر يرجئ ذلك إلى أخذ رأي الإمامة. وممن وقف مع خلف من العلماء: منيب بن إسماعيل بن درار الغدامسي، ويوسف بن سادين (سائد الفرسطائي)، وأبو يوسف حجاج بن وفتين، الذي تراجع فيما بعد عن رأيه وعاد إلى صفوف أبي عبيدة عامل الجبل(1). وانضم إليه كذلك "عبيد بن سيدي"الذي كان – كما قال الشماخي - ممي يدعي النسك والتقى. وكان يحمل القمح والكباش للمشائخ(2). فكان يبلغ الإمام كتابيا بكل ما يسمعه من أخطاء في القول أو في العمل من وجهاء أهل الدعوة، مع الزيادة زورا وبهتانا، دون أن يطلب منه الإمام ذلك، مدعيا أنه بذلك يقدم خدمة جليلة للدولة. ولما تفطن الإمام لمكائده كتب إليه قائلا: "أعاذنا الله يا عمرو بن يانس من النزول بعد الطلوع، ومن الترك بعد الاجتهاد، ومن بغض المسلمين بعد محبتهم، ومن نفاق تخفيه الصدور، ومن اقتحام الأشياء من غير تجارب"(3). وتشير المصادر إلى أن هذا الكتاب لم يصله لأنه توفي. ولا نستبعد أن يكون قد تعرض للاغتيال اتقاء لشره.
__________
(1) - الشماخي: السير، ص187؛ الباروني: المرجع نفسه والصفحة ذاتها.
(2) - المصدر نفسه، ص186.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، و41؛ الباروني: المرجع نفسه، ص227. (1/130)
صفحة 131
إن هذا النص يريد من خلاله المؤرخون أن يوحوا لنا بأن الإمام عبد الوهاب كان له موقف مناهض لأتباع خلف، إذ اتهم عمرو بن يانس بالنفاق وببغض المسلمين من أهل الدعوة، وفي الوقت نفسه يعبر عن عدم رضا النفوسيين عن سلوك وجهاء "أهل الدعوة" في المنطقة. كما يمكن أن نستشف منه رغبة النفوسيين في الانفصال عن الإمامة، خاصة وأن أتباع خلف لم يكونوا كلهم من دهماء المجتمع الذين ليست لهم بصيرة بالدين مثلما تقول المصادر، بل انضم إليه مجموعة كبيرة من العلماء المعروفين وهذا ما يدعم فكرة الانفصال. أضف إلى ذلك أن القبائل التي آزرت "خلف" كثيرة. وعلى الرغم من أننا لا نعرفها بدقة إلا أن المصادر تشير إلى بعضها كزواغة، بني يفرن، نفوسة وسكان مدينة شروس(1). ويذكر ليفيسكي بأن الخلفية انتشرت في أماكن أخرى مثل كيكلة، وبابل، وتقبال، وفي المنطقة الشرقية من جبل نفوسة وساحل إقليم طرابلس, وظل أتباع خلف موجودين في هذه النواحي إلى غاية القرن السادس الهجري. ويضيف نقلا عن L. Massignon بأنهم موجودون إلى الوقت الحاضر في مدينة "غريان"(2) وتجدر الإشارة في هذا السياق أن النزعة الاستقلالية بين الإباضية لم تقتصر على إباضية حيز طرابلس، بل انتشرت في جزيرة جربة كذلك. وسنرى أن قبائل زواغة القاطنة هناك قد آوت حفيد خلف وآزرته.
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص84-85؛ الباروني: المرجع نفسه، ص227.
(2) - T. Lewicki: Les Subdivisions De L'Ibadiyya, Studia Islamica Larousse, Paris, 1958. T9, p79-80. (1/131)
صفحة 132
لقد أحدثت "الخلفية" بتزعمها للحركة الانفصالية في الجبل شرخا عميقا في علاقة الإمامة بالولايات التابعة لها. فظلت المراسلات مستمرة بين الإمامة والجبل، وعندما وصل إليهم الكتاب الأول من تاهرت وعلموا ما فيه من تصويب للجماعة التي رفضت التولية وتخطئة أتباع خلف راسلوه ثانية يلتمسون منه أن يجيز توليته فرفض، وأرسل كتابين: أحدهما موجه إلى خلف يأمره فيه بتقوى الله واعتزال أمر المسلمين كافة، والآخر فيه توليته. وطلب منهم الإمام أن يدفعوا إليه الأول، فإن امتثل لأوامر الإمام أطلعوه على الكتاب الثاني، وإن رفض تركوه. وفي رواية ثانية أن الإمام أرسل أمناء من قبله إلى جهة طرابلس، وعهد إليهم توليت خلف على جهات طرابلس إن وجدوه قد اعتزل وأطاع الله، وإن وجدوه مصرا على الخلاف رافضا أمر الإمام رفضوه. وقد طلب منهم الإمام أن يبلغوا أهل الصلاح بأنه تبرأ منه، ويجب عليهم اجتنابه "حتى يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين"(1).
إن الاختلاف في الروايات يحتم علينا طرح مجموعة من التساؤلات محاولين معرفة الأسباب التي جعلت الإمام عبد الوهاب يبعث برسالتين إحداهما تدعو خلف إلى الدخول في الطاعة وإعلان التوبة، والأخرى يقبل فيها الإمام تعيينه. أما التساؤل الثاني فالغرض منه معرفة الدوافع التي جعلت نفوسة تراسل الإمام ثانية تطلب منه أن يجيز لهم توليته على الرغم من أن الإمام كان قد حسم موقفه في الرسالة الأولى والمتضمنة – كما مر بنا - تصويب الجماعة التي رفضت توليته.
__________
(1) - الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص69. (1/132)
صفحة 133
وللإجابة على هذه التساؤلات فإننا نميل إلى القول بأن الكتابين اللذين أرسلهما الإمام عبد الوهاب لم يرسلا –على الأرجح - في وقت واحد، بمعنى أن الإمام خاطب "خلف" في الرسالة الأولى داعيا إياه الدخول في الطاعة، ولما كان رد هذا الأخير سلبيا بعث إليه بكتاب التعيين معترفا بولايته وانفصاله عن الإمامة، وآثرا لسياسة الأمر الواقع. ولما توفي عبد الوهاب وتولى ابنه أفلح الإمامة تراجع عن قرار أبيه فاستمر الخلاف. أما مراسلة نفوسة الثانية فهي الأخرى تجعلنا نرجح القول بأن الاستقلاليين كانوا يمثلون الأغلبية، وبالتالي فإن الأقلية الباقية هي التي ترجت من الإمام توليته خوفا على حياتها ومصالحها، ثم بماذا نفسر اعتذار أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني للإمام حين ولاه أمور الجبل بقوله: "أنا ضعيف، أنا ضعيف، أنا ضعيف"(1). ألا يعني هذا الاعتذار هروبا من المسؤولية وإدارة الظهر للإمامة ؟ أيفهم من ذلك أن أبا عبيدة اقتنع بأنه يتعسر عليه تسيير شؤون الجبل في الوقت الذي مالت فيه الأغلبية إلى خلف ؟
__________
(1) - الشماخي: السير، ص182؛ الباروني: الأزهار، ص206. (1/133)
صفحة 134
ومهما يكن من أمر فالمصادر تذكر أنه لما اطلع خلف على الكتاب أبى واستكبر، ورأى أتباعه أن يكتبوا إلى أبي سفيان محبوب بن الرحيل يستفتونه إذ هو يومئذ واسطة العقد ورأس من بالمشرق، والمقدم في الأمور بعد الربيع، وأبي المهاصر، وأبي غسان، وأبي أيوب(1). فأجابهم بمثل جواب الإمام عبد الوهاب بتخطئة من ولى خلفا، ونصحهم بتقوى الله وطاعة الإمام، ولما جاءت الفتوى في غير صالحهم صعدوا الموقف وأعلنوا إنكارهم لإمامة عبد الوهاب، وزعموا أن إمامهم هو "خلف" مدعين أن حوزة طرابلس منقطعة عن تاهرت وبعيدة عنها، مما يحق لهم أن يكون لهم إمامهم الخاص. حينئذ قام عبد الوهاب بتولية أبي الحسن أيوب بن العباس الذي اشتهر في حرب الواصلية ونال إعجاب الإمام ورعيته في تاهرت(2). ونظرا لبأسه وشجاعته وقوته في الحق هابته، فلم تحرك الخلفية ساكنا إما لخوفهم منه، وإما لعدله واستقامته(3).
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص181؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص70؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص122.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص181-182؛ الدرجيني: المصدر نفسه والجزء والصفحة ذاتهما؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص335.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص182. (1/134)
صفحة 135
ويبدو أن اتصال نفوسة بعلماء المشرق مرة أخرى هو لإحراج الإمامة، بإبلاغها بالخلاف الذي بدأ يشتد بين أهل الدعوة، لأن القضية هي قضية سياسية أكثر منها دينية، وبالتالي لا تحتاج إلى فتوى لأن المطلب الوحيد لخلف وأتباعه هو الفوز بتسيير شؤونهم بكل حرية دون حاجة ماسة إلى تدخل الإمامة. فلو كان الخلاف في المذهب نفسه لقلنا أن طلب الفتوى ضروري بل واجب، ونلاحظ بأن فكرة الاستقلال المذهبي لم تطرح أبدا سواء في الحركة الخلفية أو في غيرها. وإذا قارنا هذه الفتوى بالفتوى التي طلبتها الإمامة إبان حركة يزيد بن فندين النكاري، فإننا نقول بأن هذه الأخيرة كانت من صميم الدين، إذ كان الهدف منها هو الإجابة على سؤال مهم وهو: هل تجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل ؟
وظل الجبل على هذا الوضع إلى أن توفي أبو الحسن، فراسل وجهاؤه الإمام يطلبون منه أن يولي عليهم أفضلهم - وهو أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني – لتقواه، وزهده، فوافق الإمام لأنه كان يميل إلى من ليست له رغبة في تولي المناصب. ويبدو أن أبا عبيدة لم يكن يعلم بذلك حيث أخبروه برسالة الإمام عبد الوهاب وما أمرهم به من توليتهم إياه على أنفسهم، فامتنع معتذرا بأنه ضعيف لا يستطيع تحمل هذه المسؤولية خاصة في هذه الظروف التي يمر بها الجبل وأحوازه. فكاتبوا الإمام ثانية يخبرونه بامتناعه فأجابهم بأنه لا يقلد أمورهم إلا رجلا يقول: "أنا ضعيف". وكتب إلى أبي عبيدة يأمره بالدخول في أمور المسلمين(1).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص124-125؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص71؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص182. (1/135)
صفحة 136
ويتضح جليا مما سبق أن موقف الإمامة اتسم باللين عكس المواقف السابقة، ولم تتدخل في تعيين عامل على الجبل، بل تركت الأمر لنفوسة لتختار من تراه مناسبا لهذا المنصب ويحظى قبوله بالإجماع. وأمام هذا التغيير في المواقف يبدو أن الإمامة رأت أن تدخلاتها المباشرة في شؤون الجبل قد سبب لها متاعب جمة، وبالتالي ارتأت ترك الأمر شورى بين النفوسيين، ولو صعدت في مواقفها ربما حدثت القطيعة وهذا ما تخشاه الإمامة لأنها تعي جيدا فضلهم في إقامة إمامة الظهور، فآثر الإمام عبد الوهاب عدم التدخل تجنبا للمشاكل خاصة وأن التجارب أثبتت أن الإمام معرض في كل حالة إلى عرض مشاكله على المشارقة من طرف رعيته وهذا طبعا ما لا يرضيه، لأنه من مصلحته أن تحافظ دولته على السمعة نفسها التي كسبتها عند المشارقة في عهد أبيه عبد الرحمن. يذكر ابن الصغير على لسان المشارقة قولهم: "قد ظهر بالمغرب إمام ملأه عدلا وسوف يملك المشرق ويملأه عدلا"(1). وفي موضع آخر يضيف قائلا: "اجتمعت الإباضية بالمشرق وتراسلوا فيما بينهم، وقدم القوم وجمعهم البصرة فقال بعضهم لبعض، إذ اتصلت بهم الأخبار من كل الأقطار مع ما جاءتهم به رسلهم مما عاينوه وشاهدوه، إمامكم بالمغرب خلف من أبي بلال مرداس بن أدية ومن حمزة الشاري فلا تدخروا عليه مالا ولا تحبسوا عنه عطاء"(2).
جاء في سير نفوسة أن أبا عبيدة امتنع واعتذر بحجة أنه ضعيف المال، والبدن، والعلم. وكتب إليه الإمام: "إن كنت ضعيف البدن فادخل في أمور المسلمين يقوي الله بذلك بدنك، وإن كنت ضعيف العلم فعليك بأبي زكريا يصلتن التوكيتي، وإن كنت ضعيف المال فبيت المال يسعك ويسع غيرك"(3). ونلاحظ من خلال هذا النص أن الإمامة وكأنها تغريه بأن وضعت بيت المال تحت تصرفه إذا كان في حاجة إلى المال، وتقترح له من يساعده.
__________
(1) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص32.
(2) - المصدر نفسه، ص37.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، و62؛ الشماخي: السير، ص182. (1/136)
صفحة 137
وتضيف المصادر أن أبا عبيدة طلب مهلة ليستشير، واستشار عجوزا تسكن في موضع يقال له "إرجي أزمار" معروفة بعلمها وورعها وتدينها، فأشارت عليه بالدخول في أمور أهل الدعوة. وتولى أبو عبيدة شؤون الجبل فأحسن السيرة، وساس الرعية ولم ينكر عليه أحد بل رضي عنه وجهاء نفوسة، مثل: أبي زكريا وأبي مرداس، وأبي الحسن الأبدلاني، وغيرهم، وفي ولايته أصبح خلف يشن الغارات ويتفاقم خطره يوما بعد يوم مما حدا بأبي عبيدة أن يكاتبه طالبا منه الكف عن الغارة، فأبى معلنا عدم اعترافه بولايته. عندئذ اتصل بالإمامة طالبا منها السماح له للتصدي لغاراته. ويبدو أن الإمام لم يكن يرغب في اقتتال الأخوة فطلب من عامله أن يلاطفه ويلاينه إلا إذا فاجأه(1).
__________
(1) - البغطوري: المصدر نفسه والورقة ذاتها؛ أبو زكريا: المصدر السابق، ص127؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص71-72؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص337. (1/137)
صفحة 138
ولم يمض وقت طويل حتى توفي عبد الوهاب (211هـ) واعتلى عرش الإمامة ابنه أفلح (211-258هـ) (826-271م)، فاستغل هذا الظرف بأن جمع أتباعه في ناحية "تيمتي"(1) وما يليها من الشرق معلنا العصيان. ومرة أخرى يطلب أبو عبيدة الإذن لقتال "خلف" من الإمامة بعد أن تولى أفلح الحكم. ويأتي الرد بوجوب الملاطفة والملاينة رغم تمادي خلف في الفساد ونهب الأموال وقتل الأنفس. وقد ساعدت الظروف الطبيعية على انضمام العديد من الناس إلى صفه وانتقالهم إلى حيزه في "تيمتي". ذلك أن جفافا حل بجهة أبي عبيدة فمال الناس إلى خلف طلبا للخصب(2). ولا ندري هل كان انضمامهم إلى خلف بسبب الجفاف حقا ؟ أم إن خلفا كسب أنصارا جددا يدعمونه ويساندونه في مطلبه الانفصالي ؟ خاصة وأن أفلح أبدى هو الآخر مرونة في التعامل مع خلف، إن لم نقل أثبت عجزه في التصدي للمعارضة، فصرف النظر عن الجبهة الشرقية، خاصة وأن بوادر معارضة شديدة بدأت تظهر في عاصمة دولته نفسها، وهي التي تشكل خطرا عليه أشد من خطر الخلفية. فالإمام أفلح مستعد للتنازل عن تبعية الجبل لحكمه، وغير مستعد بالتأكيد لفقدان ملكه في تاهرت. ومما يدعم ذلك ما ذكره ابن الصغير: "كانت القبائل المنتشرة حول مدينة تاهرت لما اكتسبت الأموال واتخذت العبيد والخيول قد نالها من الكبر ما نال أهل المدينة، حتى خاف أفلح أن تجتمع الأيدي عليه فتزيل ملكه. فلما رأى ذلك أرش ما بين كل قبيلة وما جاورها فأرش بين لواتة، وزناتة، وما بين لواتة، ومطماطة، وما بين الجند والعجم، حتى تنافرت النفوس ووقعت القلوب"(3).
__________
(1) - هي إحدى قرى "جادو" تقع في الجزء الشرقي من الجبل سكنها في زمن الباروني عرب الرجبان، ينظر:الأزهار، ص222.
(2) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص129-130.
(3) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص63. (1/138)
صفحة 139
وأمام كثرة عدد خلف وعدته قرر الخروج قاصدا أبي عبيدة، فقام هذا الأخير بحشد قواته مهيئا نفسه للدفاع وخرج بعيدا عن الجبل للقائه. وقبل أن يلتحم الجيشان أرسل خلف سرية من الجند للاستخبار أو لمناوشة طلائع أبي عبيدة. ولم يشعر بهم حتى غشوهم نهارا فأمر أصحابه بالكف حتى يعلموا ما يريدون. ولما أغاروا على "أدرف"(1) وقتلوا نحو عشرة من سكانها ونهبوا الأموال أمر أبو عبيدة أصحابه بقتالهم، فقتلوا منهم الكثير وأرغموا على الأدبار وعاد خلف إلى "تيمتي" ورجع أبو عبيدة إلى إجناون(2). وكلاهما ينتظر المعركة. ويبدو أن أبا عبيدة أرهبته ضخامة عدد قوات خلف، فنراه يعترف له باستقلال حيزه عن ولايته، حيث كتب إليه قائلا: "إذا نزعت يدك من الطاعة، فكن في حيزك، وأكون في حيزي"(3). ولكن خلف أبى وتمادى في النهب والقتل مدة سنة، ورفض التعايش السلمي على أساس أن ينفرد كل منهما بناحيته. ونعتقد أنه كان يطمح في رئاسة الجبل كله لا حيز طرابلس فقط. وحاول بمختلف الوسائل الترغيبية والترهيبية، ترجيح كفته، فاستمال الرجال بالأموال والإقطاعات، وبالغ في إرهاب الناس، حتى إنه قتل خطأ بعض أتباعه ظنا منه أنهم من رعية أبي عبيدة(4).
__________
(1) - هي قرية تبعد عن جادو بمسافة قصيرة، ورد ذكرها باسم "ويدرف" و"تسمات درف" ينظر: الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاتها، ص72-73.
(2) - هي قرية تقع في أرباض "جادو" في سفح الجبل،تبعد عن "طرميسة" بأربعة أميال، اشتهرت هذه القرية بكثرة العلماء فكان يجتمع في مسجد أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني سبعون عالما لا يرد أحدهم السؤال إلى الثاني إلا في طريق الأدب. ينظر: معمر الإباضية في ليبيا، ص202.
(3) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص131؛ معمر: المرجع نفسه، ص96؛ سعد زغلول: المرجع السابق، ج2، ص344.
(4) - الشماخي: السير، ص183. (1/139)
صفحة 140
واشتعلت الحرب من جديد، حيث اتجه خلف بعساكره نحو أبي عبيدة، وخرج هذا الأخير بدوره للقائه بعيدا عن الجبل، في قلة من الرجال لا يتعدى عددهم ثلاثمائة أو سبعمائة، في حين بلغت قوات خلف أزيد من أربعين ألف(1).
إن هذا التفاوت في العدد بين الطرفين الذي تورده المصادر الإباضية هي ظاهرة نلاحظها في كل مصادر التاريخ الإسلامي، ولكن القصد هنا من هذا التفاوت هو الإيحاء بأن أصحاب أبي عبيدة – كالبدريين - فرغم قلتهم فهم "أهل بصائر يموتون على ما بأيديهم من الحق، لا يأسفون على ما فاتهم من دنياهم"(2). ويمكن كذلك أن نستنتج من هذا التفاوت – إن كان صحيحا طبعا - ان خلفا كان في مركز قوة لا يستهان به، وبعبارة أخرى إن أعداد المطالبين بالاستقلال تفوق عدد المتمسكين بالوحدة.
وقبل بداية المعركة أرسل خلف رسولين إلى أبي عبيدة يطلب منه خلع ولاية الإمام أفلح، ويثبت ولايته بغير سبب ولا حدث. واحتج عليه أبو عبيدة بطاعة والده السمح الإمام عبد الوهاب، ورفض حجة انقطاع الحوزات التي ادعاها. وعاد الرسولان ليخبرا زعيمهما بما قاله. حينئذ أمر عسكره بالاستعداد للقتال بترتيب الصفوف. وتذكر المصادر أن نكاريا أراد أن يثبط عزيمة أبي عبيدة، بأن نصحه بأن لا طاقة له بخلف، وعساكره، ولكنه لم يأخذ بنصيحته بل حلف له بكل اللغات التي يعرفها من بربرية، وعربية، وكانمية، بأن يقاتله(3).
__________
(1) - المصدر نفسه، ص184.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص73.
(3) - الشماخي: المصدر السابق، ص185. (1/140)
صفحة 141
ونفهم مما سبق أن النكار من بقايا أتباع يزيد بن فندين كانوا في صف خلف مما يدعم كذلك فكرة الانفصال. وأما السؤال الذي يتبادر إلى الذهن لماذا خاطب أبو عبيدة ذلك النكاري بالعربية، والكانمية ؟ أيمكن أن نستشف من ذلك وجود جماعات من العرب، وجماعات من الخدم الكانميين في صفوف خلف ؟ خاصة وأن المصادر أشارت – كما سنرى - إلى تجارة الرقيق في الجبل خاصة في قرية "ويغو"، وللأسف فإن هذه التساؤلات تبقى دون إجابة نظرا لصمت المصادر.
ويبدو أن شقاقا قد حدث في صفوف خلف، حيث إن أحد أصحابه نصح أبا عبيدة حين اقترب الجيشان بالرجوع إلى الجبل قائلا له: "آوي إلى الجبل بأصحابك، فإن كانت لكم الدائرة أدركتم ما رجوتم، وإن كانت عليكم كنتم في حصن من عدوكم"(1). وأخذ أبو عبيدة بنصيحة النكاري. ويرى الباروني أن المكان يسمى "قصبة المصلى" وهو قريب من الجبل وفيه مصلى ينسب إلى أبي عبيدة، وربما هو المكان الذي يوجد فيه المسجد الجامع المسمى "أمي بيدت"، لأن اللفظ يبدو أنه منحوت من "عمي عبيدة" نحتا بربريا بعد تصحيف لفظ (عمي) وموقعه في وسط جادو(2).
وظن خلف أن ذلك هروبا من الميدان، خاصة وأن قواته تعززت بأهل شروس الذين أقبلوا بسلاحهم لمؤازرته،(3) فهيجوا حرارة الخوف في صفوف خصومه. ولرفع المعنويات ألقى أبو عبيدة خطبة يرغب فيها أصحابه في الجهاد، وتم اللقاء غير بعيد من قرية "اجناون" بالجبل، عشية الخميس 13 رجب 211هـ (836م) وكانت البداية المبارزة حيث خرج من عسكر خلف "عبيد بن سيدي" بين رجلين، وخرج من الجانب الآخر أبو عبيدة، وأبو مرداس والعباس بن أيوب، وتمكن هؤلاء من قتل خصومهم(4).
__________
(1) - البغطوري: سير نفوسة، و63.
(2) - ينظر: الأزهار: ص226.
(3) - المرجع نفسه، ص227.
(4) - البغطوري: سير نفوسة، و63؛ الشماخي: السير، ص186؛ الباروني: المرجع نفسه، ص227-228. (1/141)
صفحة 142
وأبلى أبو عبيدة ورجاله حيث أمعنوا القتل في الخلفية حتى ولوا مدبرين، وتتبعهم إلى أن خرجوا من حوزته، مما يدل على أن هدف أبي عبيدة دفاعي أكثر مما هو محاولة للقضاء على هذا الشقاق نهائيا، ودخول سكان المنطقة إلى الطاعة. وتتحدث المصادر عن بطولة العباس بن أيوب في هذه المعركة، حيث كان "يضرب في أعراض الخيل ويكشفها يمينا وشمالا، قد حمى الميمنة والقلب والميسرة"(1).
وعاد أبو عبيدة إلى مركز حكمه بالجبل، وانسحب خلف مهزوما إلى "تيمتي"، وبدل أن يتراجع هذا الأخير عن مواقفه نراه يتمادى في أعماله العدوانية ضد أتباع أبي عبيدة، فأبو زكريا يذكر بأنه أخرج من "تيمتي" جميع من فيها من نفوسة، وغيرهم، من غير المتعاطفين معه، وأمهلهم ثلاثة أيام فمن وجد بعد ذلك هدر دمه، ولم يستثن من ذلك اليتامى والأرامل والمساكين(2).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص134.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه والصفحة ذاتها. (1/142)
صفحة 143
ووضعت الحرب أوزارها، وأظهر العديد من أتباع خلف التوبة كما تقول المصادر، وربما استسلموا. وصادف وقف الاقتتال وفاة أبي عبيدة، وفي الفترة التي كان أهل الدعوة يتشاورون فيها مع الإمامة فيمن يخلفه، تحرك "خلف" من جديد وبدأ في إعداد العدة وتجهيز الجيوش. وبمجرد تولي العباس بن أيوب بن العباس الولاية بعث إليه طالبا منه الكف عن العدوان والاعتداء على أموال الناس، وإزهاق أرواحهم. ولما علم بقدومه إليه استعد له وتشابك مع قواته. ولما لم ينهزم "خلف" بسرعة طلب أبو مرداس مهاصر التوبة من العباس قائلا له: "تب إلى ربك فما تأخر عنا النصر إلا لأن شيئا ما وقع منك، وما كان للباطل أن يقف أمام الحق هذا الوقت الطويل"(1)، ورغم ذلك اندفع العباس إلى الميدان وتمكن من إلحاق الهزيمة بخلف، وطارده حتى تجاوز "وادي الآخرة"(2) وهو آخر حد لحوزة العباس، ولكن أصحابه ظلوا يغيرون. أما أبو مرداس فظل هو الآخر يقدم النصيحة للعباس حيث طلب منه أن يعطيهم فرصة لعلهم يتوقون ولكنه صمم على لقائهم وتخليص الجبل من شغبهم مما جعل أبو مرداس يهدده بالنداء في الناس بأن يرجعوا. فلما رأى هذا الإصرار استجاب له موضحا لأصحابه بأن الزاد نفذ والكراع ضعف، وهذا لا يسمح لهم بمواجهة خصومهم (3).
__________
(1) - البغطوري: سير نفوسة، و38.
(2) - هو واد عميق ينحدر من الجنوب إلى الشمال شاقا جبل نفوسة، وتنتشر على ضفتيه مجموعة من القرى؛ ينظر: معمر: الإباضية في ليبيا، ص207.
(3) - البغطوري: المصدر السابق، و38. (1/143)
صفحة 144
ولم يعط هذا التريث أية نتيجة حيث واصل خلف حملاته. ولما جهز له العباس حملة للرد عليه فر من أمامه، ثم عاد العديد من رجال العامل إلى أوطانهم بعد أن استأذنوا من قائدهم، خاصة وأن الموسم موسم زراعة، وأغلبهم متطوعون، وكانوا في حاجة إلى استغلال الأمطار التي هطلت وهم في ميدان المعركة. وبعد انقضاء موسم الحرث، والبذر، جهز العباس حملة أخرى. هذه الحملة التي تغيب عنها أبو مرداس، وأبو الحسن الأبدلاني، ولم يشأ أن يسير دون مرافقتهما له حيث رجع يلتمسهما مخافة أن يكون قد وقع حدث دون أن يعرف، ولكن الشيخين تعبا من المسير ففضلا الاتجاه إلى "أغرميمان"(1) بـ "تغرمين"(2) لزيارة "أم الخطاب" وهي عجوز عرفت بالصلاح والتقوى. ولما علم العباس سبب تخلفهما، تعقب خلف، واستطاع أن يقضي على أسباب الفتنة، عندما هزمه في موضع يسمى "فاغيس" القريب من "تيمتي" (3).
__________
(1) - هي بلدة تقع ناحية "تغرمين" بالجبل، ومعناها بالبربرية "قصر النفس" وردت بعدة أسماء تختلف جزئيا، فقد سماها الشماخي "إغرم إينان" وعند البغطوري فهي "أغرمينان" ويقال في اللغة الأمازيغية اليوم "تادارت نيمان" بمعنى الدار الشخصية، و"أغرم نيمان" بمعنى "القصر الخاص" أي السكن الفردي، ينظر: ص198؛ سير نفوسة، و39؛ الباروني: الأزهار، ص234.
(2) -هي قرية تقع على الضفة الشرقية لوادي الآخرة (وادي متلالة) تقع شرق لالوت وهي التي تسمى اليوم "الزنتان"؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص212.
T. Lewicki: La Répartition Géographique, p332.
(3) - الباروني: الأزهار، ص234؛ معمر: المرجع نفسه، ص110. (1/144)
صفحة 145
وطلب العباس من أصحابه عدم اتباعهم، ولكن أصحاب الرأي اتفقوا على إخراجهم من حيزهم، فاقتفوا أثرهم حتى تجاوزوا مدينة لالت (لالوت)،(1) وهو نهاية حكمهم آنذاك وتمكن العباس أن يخلص سكان الجبل من غاراته، وتبين المصادر أن قتال "خلف" كان شغله الشاغل حتى إنه "لم يخلع الدرع من عنقه، من يوم إلى يوم فوجد صدأ الحديد في فيه"(2).
وبعد أن وهنت قوة خلف لم يحرك أتباعه ساكنا ردحا من الزمن. ولا يعني هذا انهم جنحوا إلى السلم، بل نجد أن فلولهم ظلت متشبثة بأفكاره، حيث انضمت إلى حفيده، وظهروا على مسرح الأحداث في ولاية أبي منصور إلياس عامل الجبل في عهد الإمام أبي اليقظان (261-281هـ) (874-894م). ولا تتحدث المصادر عن غارات قام بها بقايا الخلفية ضد أبي منصور، بل تكتفي بالقول بأن هذا الأخير خرج في عهد الإمام أبي حاتم يوسف (281-294هـ) (894-906م) لطلب حفيد خلف، والذي نجهل اسمه هو الآخر، وقد لجأ هذا الأخير إلى قبائل زواغة، ونزل ببلدة تسمى "ريصو" (ريضة) بجزيرة جربة، فالتفوا حوله وعاهدوه على الوقوف معه ضد نفوسة، إذ كانوا على مذهب أبيه(3).
__________
(1) - هي مدينة مشهورة في الجبل، فالمصادر تصفها بأنها مدينة الأشياخ، تقع على قمة صخرة تطل على وادي يحمل اسمها (وادي لالوت) وهو الوادي الفاصل بين (الزنتان) من جهة (تغرمين) و(الرجبان) من جهة فساطو والمسمى بوادي الآخرة. أنجبت هذه المدينة علماء أجلاء منهم:أبو زكريا يحي بن جرنار اللالوتي وأبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي. ينظر: معمر: المرجع نفسه، ص171-172؛ الباروني: المرجع نفسه، ص222.
(2) - الشماخي: السير، ص197.
(3) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص146؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص85؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص384. (1/145)
صفحة 146
ووصل أبو منصور إلياس التندميرتي إلى مواطن زواغة، ووجد أعدادا هائلة ملتفة حوله، وقبل بداية القتال جرت مفاوضات تدخل أثناءها أحد وجوه "بني يهراسن"، يعرف بأبي سلامة، وقيل أبو سلمة في رواية أخرى، وعرض على زواغة مجموعة من الحلول، يراها حلولا ناجعة لحقن الدماء وهي:
1 - أن يترك الزواغيون من أتباع خلف البرية - أي بادية "ريصو" - ويعبروا إلى داخل جزيرة جربة. وبذلك يخرجون من حيز أبي منصور، ويحق لهم الدفاع عن زعيمهم.
2 - أن يكاتبوا الإمام أبي حاتم يوسف يطلبون منه أن يولي عليهم واليا منهم، وبذلك يستقلون عن حكم نفوسة.
3 - أن يسلم الزواغيون زعيمهم إلى أبي سلامة اليهراسني، ويذهب به إلى نفوسة، والتعهد لهم بحفظ أمنه وسلامته(1).
وفشلت هذه الوساطة عندما اتهم بعض الزواغيين أبا سلامة بأنه يريد الوقيعة بزعيمهم، فآثر التنحي عن الوساطة رغم نداء العقلاء من الزواغيين بضرورة استمرارها، وأصبحت المواجهة هي آخر ما تبقى من الحلول. وانتهت بانهزام زواغة بعد قتال شديد راح ضحيته العديد من الزواغيين الذين لم يتمكنوا من الفرار، بسبب وقوعهم في الحبال الممدودة بين الأشجار لمنع الوحوش من إفسادها(2).
__________
(1) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص147؛ الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص85؛ الشماخي: المصدر السابق، ص255؛ سعد زغلول، المرجع نفسه والجزء ذاته، ص385.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص148؛ الشماخي: المصدر نفسه والصفحة ذاتها، سعد زغلول: المرجع نفسه والجزء ذاته، ص385-386. (1/146)
صفحة 147
والتجأ حفيد خلف إلى الجزيرة، فنزل عند رجل زواغي تسميه المصادر "معقل"، من "بني مزانت" (بني تامستاوت)، وأسكنه في قصر يقال له "غردانت". وعندما وصل أبو منصور إلى ساحل جربة لجأ إلى طريقة الإغراء حيث أرسل رجلا من "بني يهراسن" إلى معقل يعرض عليه مبلغ مائة دينار مقابل تسليمه. ونجح أبو منصور في خطته حيث تسلمه وسار به إلى الجبل وسجنه، وتذكر المصادر أنه ظل مكرما في سجنه معززا لشرفه، وعلمه، وفقهه، حتى إنه إذا نزلت نازلة، ولم يجدوا لها حكما يرجعون إليه حتى إنه تساءل متعجبا: "يسجنونني ويسألونني". وتنتهي الرواية بأنه عاد إلى مذهب الحق وأصبح الإباضية يسمونه بعد ذلك بـ "الطيب بن الخبيث بن الطيب"(1).
__________
(1) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص148-149؛ الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص86؛ سعد زغلول: المرجع نفسه والجزء ذاته، ص386-387؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص20. (1/147)
صفحة 148
ومما تقدم يتضح أن الحركة الخلفية لم تكن مجرد خلاف في الآراء بين أتباع المذهب، بل كانت حركة تعبر عن نزعة استقلالية اختارت السلاح وسيلة لتحقيق تلك الرغبة. وانضم إلى هذه الحركة حتى العلماء. ويبدو أن أبا مهاصر، وأبا الحسن الأبدلاني، كانا يميلان إلى خلف لأن أبا مرداس طلب من العباس التوبة إلى الله بقوله: "تب إلى ربك فما تأخر عنا النصر، إلا لأن شيئا ما وقع منك، وما كان للباطل أن يقف أمام الحق هذا الوقت الطويل". ويمكن أن نستشف من هذا النص بأن هناك خلافا بين أبي مهاصر، والعباس، ربما في السياسة المتبعة من طرف هذا الأخير، خاصة وأن النص يوحي بأن أتباع خلف على حق، وأتباع العباس على باطل. أضف إلى ذلك أن أبا مهاصر هدد بالنداء في الناس بأن يرجعوا إذا أصر العباس على قتال خلف. كما أن أبا مهاصر وأبا الحسن الأبدلاني انسحبا من الجيش، وتبرر المصادر ذلك بحجة أنهما تعبا من السير، فانتقلا إلى اغرميمان للاستراحة عند عجوز. ولا يعقل أن يتركا ميدان المعركة من أجل زيارة عجوز صالحة ! أليس أبو مرداس هو القائل: "لا أخاف على عسكر فيه أبو الحسن الأبدلاني"(1). وتبرر المصادر كعادتها الانسحاب من المعركة تارة بحجة أن الزاد نفذ، والكراع ضعف، وتارة بأن الموسم موسم حرث، وبذر، وهو التبرير نفسه الذي تورده المصادر في حديثها عن هزيمة أبي الخطاب عبد الأعلى أمام ابن الأشعث سنة 144هـ عندما أرجعت أسباب هزيمته إلى انسحاب الكثيرين من رجاله لأنها وقعت في وقت الحصاد، ورجاله أغلبهم من المزارعين.
__________
(1) - الشماخي: السير، ص172. (1/148)
صفحة 149
ومما نستنتجه كذلك أن ميزان القوى كان غير متكافئ، لأنه مر بنا أن أصحاب أبي عبيدة كانوا يرغبون في الصلح مع الاعتراف باستقلال حيز "خلف" عن الجبل. ويتجلى ذلك في الرسالة التي أرسلها قائدهم إلى خلف يقول له فيها: "إذا نزعت يدك من الطاعة، فكن في حيزك، وأكون في حيزي". وإذا كان الخلفية قد رفضوا هذا العرض إلا أننا نلاحظ بأنهم في عهد حفيد زعيمهم تنازلوا عن المطالبة باستقلال حيز طرابلس، وطالبوا فقط باستقلالهم عن نفوسة، وجاء هذا المطلب في اقتراحات أبي سلامة.
ومما نلاحظه كذلك أن المصادر الإباضية – وأغلبها وهبية - تشنع على خصومها السياسيين ومخالفيهم في الرأي، فنراها تطلق على خلف اسم "الخبيث بن الطيب"، وتطلق على حفيده بعد توبته الطيب بن الخبيث، ولذلك فإننا نشاطر سعد زغلول حين شكك في صحة هذه الأسماء، واعتبرها أسماء اصطنعها المؤرخون من الوهبية، لنعت خصومهم ونعتقد أن "خلف" سمي بهذا الاسم لإظهاره الخلاف والشقاق، ولو استمر حفيده في الخلاف لأطلقت عليه اسم "الخبيث بن الخبيث بن الطيب".
ب - النفاثية:
تنتسب هذه الفرقة إلى "فرج بن نصر النفوسي" أحد العلماء النفوسيين، المعاصرين للإمام أفلح بن عبد الوهاب (211-258هـ) (826-871م). وقد أخذت اسمها من "نفاث"، وهو لقب أطلقه الإمام "أفلح" على "فرج" لأنه "له نفاث ينفث في الأسماع بدعته"(1). وقيل أن "نفاث" اسم قرية من قرى الجبل، وهي المعروفة في عصر الباروني بـ "نفاثة" والتي تقطنها قبيلة مالكية المذهب تعرف بالاسم نفسه(2).
__________
(1) - الوسياني: السير (مخطوط)، ورقة 9.
(2) - الباروني: الأزهار، ص252؛ علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، مطابع سجل العرب، ط1، القاهرة، 1976، ص264. (1/149)
صفحة 150
ويرى سعد زغلول أن هذا اللقب هو الآخر لقب تجريح لا يختلف عن غيره من الألقاب التي أطلقها الإباضية الوهبية على مخالفيهم كالنكارية، والخلفية. وأغلب الظن – حسب رأيه - أن اسم نفاث مشتق من الفعل: نفث ينفث أي ينفث سموم الخلاف والفرقة(1). ونميل إلى الأخذ بهذا الرأي لأن فرج تنسبه المصادر إلى بلدته "ويغو"(2) وليس إلى نفاثة، ويحتمل أن هذه الأخيرة عرفت بهذا الاسم ربما لانتشار آراء فرج بين سكانها، أما تسمية أتباع هذه الفرقة بـ "الكتمانية"(3) فلم نجد لها ذكرا أو تعليلا في المصادر.
__________
(1) - ينظر: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص347-348.
(2) - الشماخي: السير، ص179.
(3) - المارغني: فرق الإباضية ليست وما زاغت به عن الحق، طبعة حجرية (د.ت)، ص56. (1/150)
صفحة 151
تذكر المصادر أن فرج سافر رفقة زميله سعد بن أبي يونس وسيم النفوسي إلى تاهرت، للتعلم عند الإمام أفلح بن عبد الوهاب (211-258هـ) (826-871م)(1). فلما بلغا من العلوم ما شاء الله أرادوا العودة نحو بلادهما قنطرارة(2)
__________
(1) - يرى علي يحي معمر أن نفاثا لم يسافر إلى تاهرت للتعليم هناك رغم إجماع المصادر لأنه من خلال ما ورد في رسائل الإمام أفلح يدل على أن فرج لم يدرس عندهم. فقد جاء في رسالته إليه: "لم أشاهدك ولم أشاهد موافقتك حتى يجب لك على الأصل ولاية". وجاء في رسالة أخرى أرسلها إلى عماله في شأنه قائلا: "لم يبلغ العلماء فيقتبس منهم، ولم يصحب أهل الورع، ولكنه نشأ وحيدا وأقام متوحشا من العلماء، فتقلب في جوانحه الشيطان". والراجح أنه درس في تيهرت ولما طعن في الأئمة أنكروا ذلك ونعتوه بأنه نشأ وحيدا لم يصاحب العلماء ولم يتلق العلم عن الأئمة على الرغم من أن المصادر تثبت سعة علمه وفهمه عندما سافر إلى بغداد وتمكن من الإجابة على مسألة عجز علماء المشرق عن الإجابة عنها. ينظر: الإباضية بين الفرق الإسلامية ، ص264.
(2) - تباينت الآراء في تحديد موقع قنطرارة. فـ "ليفيسكي" يرى أنها مدينة تقع قرب قسطيلية في بلاد الجريد وهي "قنطنار العليا" التي ذكرها الشماخي والتي يحددها خارج مدينة درجين السفلى الجديدة، عندما أشار إلى أحداث وقعت في عهد الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي السوفي (ق 6هـ) أما الدرجيني فيسميها "قنطنار الفوقية". ومما يؤكد ذلك أن أبا يعقوب يوسف بن نفاث -أحد شيوخ الإباضية المشهورين- عاش في قنطرارة وقتل في درجين عندما خربها المعز بن باديس سنة 440هـ. أما صالح باجية فيحدد موضع قنطرارة قرب نفطة شرقي درجين. ويرى بأن منابع المياه بواحة نفطة والمعروفة باسم "عين قطارة" يبدو أن اسمها محرفا من "قنطرارة" في حين يذهب علي يحي معمر إلى اعتبارها "تيجي" وهي قرية تقع شمال "كباو" تحت سفح جبل نفوسة، ينظر: معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص264؛ صالح باجية: الإباضية بالجريد، دار بوسلامة للطباعة والنشر، تونس، 1976، ص12؛ T. Lewicki, Tasmiya Suyukh Nafusa, p104-105. (1/151)
صفحة 152
. وعندما بلغ الإمام أن عامله عليها أبا يونس وسيم النفوسي قد أدركته الوفاة، أراد أن يعين من يخلفه فاختبر الناس ولم يجد إلا ابنه سعد، فكتب له سجلا بالتعيين وطواه وختم عليه بخاتمه، ولم يبين لهما عمن وقع عليه الاختيار، وطلب منهما عدم الاطلاع عليه حتى يصلا إلى قنطرارة، وبما أن فرج بن نصر كان يطمح إلى تولي الولاية والرياسة، لم يلتزم بتلك الوصية واطلع على السجل، وعندما وجد أن "سعدا" هو العامل أضمر في قلبه العداوة(1).
وعندما وصل "فرج" إلى موطنه أظهر الطعن في الإمام، متهما إياه بأنه أضاع أمور المسلمين. ولما بلغ ذلك الإمام أرسل إليه يستدعيه ليوضح له ما ضيعه من أمور المسلمين، ويبدو أن الرسالة تحمل تهديدا ولذلك خشي على حياته فلم يلب الدعوة(2).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص137؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص77؛ معمر: المرجع نفسه، ص265؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص350؛ T Lewicki, melanges berberes, ibadites (sur la vieille litterature ibadite en langue berbere) , revue des etudes islamique, 1936, cahiers n? 2, p270-271.
(2) -أبو زكريا: المصدر نفسه، ص138؛ الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص77. (1/152)
صفحة 153
ونلاحظ من خلال ما مر بنا أن طبيعة الخلاف بين الجبل وبين الإمامة اتخذ منحى آخر، فبعد أن كان بعض النفوسيين يطالبون بانفصال واستقلال حيز طرابلس، أصبحوا يطعنون في الأئمة مباشرة، متهمين إياهم بتضييع أمور المسلمين، وهي سابقة خطيرة. وعلى الرغم من أن المصادر الإباضية الوهبية تريد أن ترجع منشأ الخلاف إلى التنافس على ولاية قنطرارة، وطموح فرج في تولي هذا المنصب، إلا أننا لا نستبعد أن يكون حلقة أخرى من الصراع بين الجبل والإمامة حول الانفصال. وأن النفوسيين من غير الوهبية أعلنوا صراحة عن عدم رضاهم بحكم الأئمة. وتجدر الإشارة في هذا السياق بأن طعن فرج في الإمام لم يكن الأول من نوعه، فقد رويت المصادر عن الشيخ أبي مسور يصلتن، أحد المعاصرين للإمام عبد الوهاب أنه قال: "عشت حتى لم أجد في الإمام(1) ما أريد، ولا في نفسي، ولا في الأولاد، ولا في الإخوان، ولا في القبيل، قولوا للمسلمين يدعو (يدعون) علي"(2). وعلى الرغم من أن المصادر تنفي أن يكون القصد من ذلك هو الطعن في الإمام عبد الوهاب، لأن أبا مسور عمر طويلا حتى ضعف جسمه وقل ما بيده وعجز عن فعل الخير، كالذي كان يقوم به في ريعان شبابه، فنقم على الكل، إلا أنه يمكننا القول بأن قوله يعبر فعلا عن سخط وعدم رضا. ألم يقل أبو عبيدة للإمام عبد الوهاب في أثناء زيارته إلى الجبل عندما ترك هذا الأخير الرعاة يرعون ماشيتهم في المزارع: "إنه الرعاة عن المضرة، إن لم تعرف فقد أعلمناك، والإ فصل بيننا هذا يعني السيف".(3)
__________
(1) - نقل الدرجيني كذلك هذا القول مع تغيير كلمة (الإمام) بـ (الأيام) وإضافة عبارة أرى مكملة للنص حيث قال: "عشت حتى لم أجد في الأيام ما أريده ولا في نفسي ولا في الإخوان ولا في الأولاد ولا في القبيلة فأدعو الله أن يريحني مما أنا فيه"، ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص315.
(2) - الوسياني: السير، و9.
(3) - الشماخي: السير، ص189. (1/153)
صفحة 154
ولا نستبعد أن تكون العصبية القبلية وراء هذه الحركات المناوئة للإمامة، وأن البربر أضحوا يشعرون بفقدان مستقبلهم السياسي تدريجيا مع بقاء سيطرة الفرس على زمام الأمور في الدولة، والبربر الإباضية لا يختلفون عن بقية القبائل الأخرى خاصة وأننا نعرف جيدا أسباب الصراع بين زناتة، وصنهاجة، وكتامة، وغيرها من القبائل. ولا عجب إذن ان يتهم فرج الإمام أفلح بأنه "يزيد في الخلقة، ويلبس الطرطور، ويخرج إلى الصيد، ويصلي بالأشبر"(1). ويعني هذا انه كان ضد مظاهر الترف والبذخ التي بدأت تتفشى في قصر الإمامة.
واتخذ الخلاف منحى آخر، حيث تحول إلى خلاف ذو طبيعة فقهية، مذهبية. واجتهد فرج في بعض المسائل التي أنكرها عليه أهل الدعوة من الوهبية، ويمكن إجمالها في ما يلي:
1 - أن خطبة الجمعة بدعة وضلال، وأن الله هو الدهر الدائم.
2 - أنكر استعمال الإمام للعمال والسعاية لجباية الحقوق الشرعية، ومطلب بيت مال المسلمين من الرعايا.
3 - أن ابن الأخ الشقيق، أحق بالميراث من الأخ للأب(2).
وما يمكن أن نستشفه من هذه المسائل ان فرجا كان يدري رأي الدهريين في قدم العالم، وهو الرأي الذي خالف فيه الإباضية الوهبية. ونحن نعرف أن مؤلفاتهم احتوت فصولا للرد على الدهريين(3). أما المسألة الثانية فيبدو أنها نسبت إليه على أساس أنه عندما لم يفز بولاية قنطرارة، أنكر على الإمام توليته العمال.
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص137-138.
(2) - المارغني: فرق الإباضية الست ومازاغت به عن الحق، ص56-57؛ الباروني: الأزهار، ص251-252؛ علي يحي معمر: الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، مطبعة التضامن، ط2، القاهرة، 1987، ص67؛ المؤلف نفسه: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص267؛ صالح باجية: الإباضية بالجريد، ص63؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص472.
(3) - عمار طالبي: آراء الخوارج، دا رالعلم للطباعة، الإسكندرية، 1971، ج1، ص244 وما بعدها. (1/154)
صفحة 155
وعلى الرغم من هذه المسائل التي ابتدعها في الدين كما يقول الوهبية، إلا أنهم يعترفون بغزارة علمه، وكانت له مجالس علمية وحلقات في الجبل يقول الباروني: "كان (أي فرج) ذا فهم عجيب، وذكاء غريب، واطلاع، وإدراك زائدين، أخذ العلوم من منبعها، والتقط غرائب الفنون من معدنها"(1).
وحسب المصادر فإن "سعدا" ظل يكرر له النصائح خوفا من انتشار أفكاره بين الناس، فكلما اجتمع به وبخه وهدده، وفي بعض الأحيان يلاينه حتى إنه اشترى دارا بجنب داره، وشرع في توسعتها فكان "فرج" ملازما له يقدم له المساعدة، فهو بناء ماهر له دراية بطرق البناء، وإذا رأى سعد الناس قد اجتمعوا قال له: "متى تترك كفرك وضلالك يا نفاث ؟" خوفا من أن يتوهموا بأنه راض عنه وأنه في ولايته. ويرد عليه منزها نفسه بقوله: "معاذ الله أن أكفر أو أضل يا شيخ". وقد بين سعد لجلسائه أن قوله ذلك ما هو إلا ليعلم الناس أنه غير راض عن سيرته، فلا يأخذوا بأقواله(2).
وقد تصدى العلماء لدعوته خاصة عندما ألف كتابا يشرح فيه آراءه، وممن تصدى له ابو مهاصر مرداس، ومهدي النفوسي الذي وضع كتابا للرد على تعاليمه بلغة البربر حتى يسهل على الناس فهمها(3).
__________
(1) - الباروني: الأزهار، ص252.
(2) - البغطوري: سير نفوسة، و28؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص139؛ الباروني: المرجع نفسه، ص254-255؛ معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص265.
(3) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص314. (1/155)
صفحة 156
ولما لم تأت بنتيجة، ولم توقف الخلاف، أرسل العمال يستشيرون الإمام في أمره، مما يدل على أن آراءه تجاوزت قنطرارة وانتشرت في مختلف مواطن الإباضية. ذلك أن الرد جاء موجها إلى عامله على نفزاوة "ميال بن يوسف" ويعلل الباروني ذلك أنه لشدة خوف العمال من الخلاف والشقاق كاتبوا كلهم الإمام. وجاءت الرسالة موجهة إلى جميع عماله يحثهم فيها على عدم مجالسته، وهجرانه، حتى يعود إلى سنة المسلمين، ثم رد عليه وأبطل مسائله بحجج وبراهين(1). وظل "نفاث" في غيه – كما تقول المصادر الإباضية - فكثرت الكتابات في حقه إلى الإمام، فجاءت رسالة ثانية تطلب منهم مرة أخرى هجرانه، والبراءة منه. ويبدو من نص الرسالة أن كاتبها طلب من الإمام أن يستدعيه إلى تاهرت لأن أفلح قال في رده: "ما أحوجكم إلى مجيئه وأشخاصه، وإن كنتم تريدون ان تعلموا ما نحن عليه فنحن على ما مضى عليه سلفنا ومقرون لما حكيتموه عنه"(2).
__________
(1) - ينظر: المرجع السابق، ص256.
(2) - المرجع نفسه، ص259. (1/156)
صفحة 157
وطلب الإمام من الرعية في الجبل الامتثال لأوامره، والرضا عن العمال الذين عينتهم الدولة، ومن عاب أحدا منهم او أنكر عليه شيئا فليرفع ذلك إليه، وهو الذي يغيره إن كان يستحق ذلك. وليس للرعية الوثوب على السلطان(1). كما اشتملت الرسالة على أجوبة لمسائل وردت في كتاب نفوسة للإمام، وهذه الأجوبة ربما هي التي أصبحت تعرف فيما بعد بـ "مسائل الإمام أفلح" على غرار مسائل والده عبد الوهاب. ولما بلغ خبر المكاتبات إلى "نفاث" وإعلان البراءة منه حتى يتوب، أرسل إلى الإمام كتابا يلتمس منه معرفة أسباب البراءة منه وإخراجه من ولاية "أهل الدعوة". فجاءه الرد مشحونا بالغضب حتى إن أفلح لم يفتتح رسالته بالبسملة والسلام، يقول له فيها: "كتبت إليك غير كتاب أنصح لك فيه، وأدعوك إلى رشدك وفي كل ذلك لا يبلغني من عمالنا فيك ما أكره... فكتبت إلي كتابا كأنك تسخط ذلك... ثم قلت إنا أمرنا في كتابنا بالبراءة منك، فإن كنت كما كتب به إلينا عمالنا، فأنت محقوق بالبراءة، ومقص من جماعتنا... وإن لم تكن كذلك، فاظهر الانتفاء من ذلك... وإني غير كاتب إليك بعد هذا إلا إن انتهى إلينا منك ما نحبه"(2).
إن هذه الرسالة توحي لنا أن "نفاث" أنكر ما نسب إليه من مسائل، وأن كل ما قيل فيه لا يعدو أن يكون باطلا، وبهتانا، وبالتالي لا يحق للإمام إعلان البراءة منه خاصة وأنه اعتمد في ذلك على ما نقله إليه عماله، وتبين الرسالة كذلك أن الإمام أفلح لم يكن متأكدا من أن كل ما وصله عنه صحيح، بدليل أنه قال له: "وإن لم تكن كذلك فأظهر الانتفاء من ذلك".
__________
(1) - المرجع نفسه، ص260.
(2) - نفسه، ص261-262؛ عثرنا على نسخة مخطوطة لمسائل للإمام عبد الوهاب وأجوبة للإمام أفلح ونفاث بن نصر بالمكتبة البارونية بجزيرة جربة بتونس، ولكنها وللأسف رديئة جدا بحيث لم نتمكن من معرفة مضامينها. (1/157)
صفحة 158
وبعد فشل "نفاث" في البقاء في ولاية أهل الدعوة، جمع ما عنده من مال، وفر بنفسه إلى أن تجاوز حدود الإمامة في سرت. وواصل رحلته إلى بغداد، وأقام فيها مدة طويلة في ضيافة صديق بغدادي نعتقد أنه من الإباضية، ولما علم بنزول نازلة على الخليفة وعجز العلماء على حلها تقدم إليه وأجابه، إجابة مقنعة فأعجب بذكائه وفطنته، وقربه إليه، وصار الخليفة يسأله عن معضلات المسائل وهو يجيب دون عناء، واشتهر فأصبح مجلسه يحفل بالعلماء، والأدباء، والأمراء، وعندما أراد السلطان أن يكافئه طلب منه "نفاث"السماح له بنسخ الديوان – أي ديوان جابر بن زيد - الموجود في مكتبته فلبى طلبه، وحدد له فترة النسخ بيوم واحد، لأن وزراءه كانوا يعارضون ذلك فرضي بالشرط، واستأجر لهذا العمل الكتاب الذين مكنوه من نسخ أجزاء، ولم يبق له إلا جزء واحد فقط، سمح له بالاطلاع عليه فحفظه بعد قراءة واحدة، وأعاد سرده على مسمع الخليفة، ووزرائه(1).
وتذكر المصادر بأنهم دبروا له خطة لكي يأخذوا منه الديوان، حيث اتفقوا على طرح أسئلة عليه قبل سفره، فإن عجز أخذوه منه، وعندما فشلوا في ذلك قرروا أن يبعثوا وراءه من يأخذه منه عنوة. ويبدو أن "نفاثا" علم ما في صدورهم فغير الطريق، واتجه إلى مكة ومنها إلى طرابلس. وعندما وصلها خشي – كما تقول المصادر - أن ينتفع من الديوان "أهل الدعوة" فحفر له في الأرض فدفنه. ولم يلبث أن تاب ورجع عن مسائله التي خالف بها أهل الدعوة. ولم يعد من الناس من يردد آراء "نفاث" إلا القليل، بعضهم في الجبل، والبعض الآخر في مطماطة(2).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص139-140؛ الدرجيني: طبقات المشائخ،ج1، ص80-81؛ الباروني: المرجع نفسه، ص264-266؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص348-349.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص42؛ الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص82؛ الباروني: المرجع نفسه، ص266-267. (1/158)
صفحة 159
ويذكر ليفيسكي بأن آراءه انتشرت في "زيزو" قرب جزيرة جربة، وفي نواحي غمراسن، وفي غريان بجبل نفوسة. وظلت أفكاره موجودة إلى زمن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي والذي تصفه المصادر ضمن الطبقة العاشرة (450-500هـ) واستمرت إلى غاية القرن الثامن الهجري (14م)(1).
وهكذا ينتهي هذا الخلاف دون اقتتال، ولعل سلميته هي التي جعلت ابن الصغير لا يتعرض له، واصفا عهد أفلح بقوله: "لم يكن الشراة تطعن عليه في شيء من أحكامه ولا في صدقاته ولا في أثماره"(2). وعلى الرغم من أن المصادر الإباضية تذكر أن هذا الخلاف المذهبي لم يصل إلى المشرق لأخذ الفتوى كما جرت العادة، إلا أننا نشك في ذلك خاصة وأن الخلاف هذه المرة قد مس مسائل دينية بحتة. وبما أن مصادر الإباضية الوهبية هي الوحيدة التي وصلتنا فإنه تعذر علينا إيجاد تفسير للعديد من الإشكاليات في هذا البحث. أضف إلى ذلك أن المصادر السنية لم تتناول إلا الجانب العسكري. وبالتالي فإننا لم نتمكن من معرفة أي سلطان تقصده المصادر ؟ لأن نفاثا كان معاصرا للخليفة المأمون (198-218هـ)، والمعتصم (218-221هـ) (833-842م)، والواثق (227-232هـ) (842-847م)، اللهم إلا إشارة واحدة ذكرها السيوطي عن استقبال الخليفة المأمون لرجل من الخوارج، لا يذكر اسمه أو بلاده(3)
__________
(1) - T. Lewicki:, La Répartition Géographique, p311. / Les Subdivisions De L'ibadiyya, p79. / Melanges berberes, p271.
(2) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص57.
(3) - ذكر السيوطي أن رجلا من الخوارج دخل على المأمون فقال له المأمون: ما حملك على خلافنا ؟ قال: آية في كتاب الله قال: وما هي ؟ قال: قوله تعالى: <<ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون>>. قال ألك علم بأنها منزلة ؟ قال: نعم، قال: وما دليلك ؟ قال: إجماع الأئمة، قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل، قال: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين.
ينظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دون مكان الطبع (د.ت)، ص319-320. (1/159)
صفحة 160
.
وإذا كانت المصادر التي اعتمدناها تريد أن تحط من مكانة فرج، حين ذكرت بان السلطان أو الخليفة أعجب بذكائه "مع سخافته ونسبه وقلة أدبه"،(1) إلا أنها في الوقت نفسه تشيد – ربما عن غير قصد - بسعة علمه، واشتهاره بين علماء بغداد. أما قولها بأنه نسخ ديوان جابر وأخفاه حتى لا يستفيد منه الناس فهذا أمر غير مقبول من وجهين: أولهما أن الرجل بعد عودته تراجع عن آرائه، فلماذا لم يكشف عنه ؟ وفيما يخص التوبة نرى أنه من المحتمل جدا أنه إبان إقامته في المشرق خاصة في مكة، التقى بعلماء المذهب هناك، وبما أنهم كانوا على علم بخلافه أقنعوه بالتراجع فأعلن التوبة، ثم عاد إلى بلاده. ولذلك لم يرد ذكره في الرسالة التي بعث بها أبو عيسى إبراهيم بن إسماعيل الخراساني إلى أهل المغرب في حين أشارت إلى خلف وأتباعه(2)، وثانيهما أن ديوان جابر بن زيد يعد من أهم مصادر الحديث عند الإباضية على الإطلاق مما نرجح أن يكون وصوله إلى بلاد المغرب قد تم في وقت مبكر. ربما ضمن قافلة الكتب التي أرسلها الإمام عبد الوهاب بل ربما قد نقله حملة العلم الخمسة معهم بعد عودتهم من البصرة.
الفصل الثاني
نفوسة دورها ومكانتها في الدولة الرستمية
1 - نفوسة وواصلية تاهرت.
2 - نفوسة وفتنة محمد بن عرفة.
3 - نفوسة وفتنة محمد بن رباح ومحمد بن حماد.
4 - نفوسة وتعيين الأئمة.
5 - نفوسة وتولي المناصب.
1 - نفوسة وواصلية تاهرت:
يتفق الإباضية والمعتزلة في العديد من المسائل الكلامية التي اختلف حولها عامة المسلمين مثل: القول بالوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخلق القرآن، وتأويل كل تشبيه ظاهر تأويلا مجازيا، ويختلفون في مسألة القدر، وحرية الإنسان في أفعاله، وفي المنزلة بين المنزلتين، وفي التحكيم وغيرها من المسائل.
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص140.
(2) - ينظر: ابن سلام، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص161-166. (1/160)
صفحة 161
وبما أنهم كانوا يلتقون في العديد من المسائل ذكرت المصادر أنه قد كان يقيم في أحواز تاهرت ما يقرب من ثلاثين ألف واصلي في خيام(1). ولا يعرف على درجة الدقة تاريخ قدوم دعاة هذه الفرقة إلى بلاد المغرب. ولكن الشيء المؤكد أن ذلك تم في زمن واصل بن عطاء (ت 131هـ/748م). يقول القاضي عبد الجبار: "لحق بعض أولاده (أي أولاد بشير الرحال) وأصحابه بالمغرب فغلبوا على مدن منها، وأظهروا الحق فيها. وكان واصل من قبل وجه عبد الله بن الحارث ومعه كتبه. ثم غلبت المعتزلة على تلك المدن، ويسمون أنفسهم بالواصلية"(2).
__________
(1) - ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج5، ص8؛ البكري: المغرب، ص67؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص119؛ جودت عبد الكريم يوسف: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، ص103.
(2) - ينظر: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، ط2، تونس، 1986، ص227. (1/161)
صفحة 162
وبفضل هؤلاء انتشرت أفكار واصل بن عطاء شمال تاهرت، وفي جنوبها في موقع يسمى "تيلغمت"(1)، وفي بعض المناطق الصحراوية كمدينة العطف في وادي ميزاب. فالمصادر تذكر بأن أهلها ليسوا إباضية، بل كانوا معتزلة ينتقلون إلى تاهرت لمحاربة الإباضية. وقد تمكن أبو عبد الله محمد بن بكر أن يردهم بالوعظ والتعليم إلى مذهب الإباضية، بعد انقراض الإمامة الرستمية(2). ومن أشهر علمائهم في المنطقة: سليمان بن عبد الجبار المدفون بقرية العطف في وادي ميزاب(3).
__________
(1) - لا تحدد المصادر الجغرافية موقع هذا الموضع ويرى بحاز ومحمد ناصر أنها ربما القرية المسماة "تيلغمت" الواقعة على الطريق بين مدينة الأغواط ومدينة غرداية، ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، هامش ص108.
(2) - أطفيش: رسالة مختصرة في تاريخ وادي ميزاب، و11؛ معمر: الإباضية في الجزائر، ص409؛ دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص480-481.
(3) - يوسف بن بكير الحاج سعيد: تاريخ بني ميزاب، المطبعة العربية غرداية (الجزائر)، 1992، ص16. (1/162)
صفحة 163
كما انتشر المذهب المعتزلي في "البيضاء" وهي كورة كبيرة لم تحدد المصادر الجغرافية موقعها، يقال إن فيها مائة ألف واصلي يحملون السلاح(1). وانتشر كذلك في شمال المغرب الأقصى في "وليلي" التي تبعد مسير يوم واحد عن فاس، وكون أتباعه تجمعا كبيرا تزعمه اسحق بن محمد بن محمد بن عبد الحميد الأوربي المعتزلي. فإلى هذه المدينة التجأ إدريس بن عبد الله في ربيع سنة 172هـ (787م)، ولقي كرم الضيافة حيث استضافه اسحق، وأنزله في داره، وتولى هو شخصيا خدمته، والقيام بشؤونه عدة أشهر. ثم جمع أخوته وأعيان قبيلة أوربة وعرفهم بنسب إدريس وقرابته من النبي، فرحبوا به وبايعوه "بأوليلي" في يوم الجمعة 14 من شهر رمضان سنة 172هـ (787م)(2).
ونعتقد أن للأدرسة يد في تحريك واصلية تاهرت، والدليل نجده جليا عندما اتجه إدريس الأكبر بقواته إلى تلمسان سنة 173هـ (789م) وهي حينئذ قاعدة المغرب الأوسط، تقطنها قبائل مغراوة، وبني يفرن. واستطاع إخضاع أميرها محمد بن خزر بن صولات المغراوي، الذي طلب من إدريس الأمان، وقبل الاعتراف بإمامته فبايعه، وبايعته قبائل البربر(3).
__________
(1) - أبو القاسم البلخي: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص109.
(2) - أبو عبد الله التنسي: تاريخ دولة الأدارسة من كتاب نظم الدرر والعقيان، تحقيق عبد الحميد حاجيات، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، ص34-35؛ البكري: المغرب، ص118؛ مجهول: كتاب الاستبصار، ص194؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص119؛ محمد الطالبي: دولة الأغالبة، ص402؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص383؛ إسماعيل العربي: دولة الأدارسة ملوك تلمسان وفاس وقرطبة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص63-64.
(3) - التنسي: المصدر نفسه، ص35؛ السيد عبد العزيز سالم: المرجع نفسه، ص384؛ رابح بونار: المغرب العربي، ص38-39. (1/163)
صفحة 164
وقد حاول أمراء تلمسان ضم أجزاء من الدولة الرستمية إلى دولة الأدارسة التابعين لها. فقد أشار ابن خلدون إلى ذلك بقوله: "لم يزل الملك في بني رستم هؤلاء بتاهرت، وحاربهم جيرانهم من مغرواة وبني يفرن على الدخول في طاعة الأدارسة، لما ملكوا تلمسان وأخذت بها زناتة من لدن ثلاث وسبعين ومائة، فامتنعوا عليهم سائر أيامهم إلى أن كان استيلاء أبي عبد الله الشيعي على إفريقية والمغرب سنة ست وتسعين"(1).
ويذكر الباروني والحريري أن اتصالات ومكاتبات تمت بين واصلية تاهرت وبين إسحق الأوربي. وكان هذا الأخير يهدف إلى إثارتهم على أئمتهم الرستميين(2)، ويضيف ابن تاويت سببا آخر لخروج الواصلية أيام عبد الوهاب، يتمثل في غضبهم بمقتل يزيد بن فندين اليفرني زعيم النكارية، وقبيلة يفرن كما هو معروف فرع من زناتة، التي ينتمي إليها أغلب واصلية بلاد المغرب. ويؤكد ذلك انضمام فلول النكار بعد مقتل زعيمهم لهؤلاء الواصلية، وخاصة الرابضين منهم في شمال تاهرت. وقد انضمت إلى حركة بن فندين الواصلية الذين رأوا كما رأى الإباضية، أن عمل عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم خروج صارخ على مبدئهم في الإمامة. ولذلك اشتعلت الحرب بين يزيد وبين عبد الوهاب(3)، وهو الأمر الذي أشار إليه أبو زكريا عندما عرّف الواصلية بقوله: "قوم من البربر أكثرهم قبائل زناتة"(4).
__________
(1) - ينظر: العبر، مج6، ص248.
(2) - ينظر: الأزهار، ص169؛ الدولة الرستمية، ص120-121.
(3) - محمد بن تاويت: دولة الرستميين، ص114.
(4) - ينظر: كتاب السيرة، ص104. (1/164)
صفحة 165
ونميل إلى الأخذ بهذا الرأي، ذلك أن الخصومة بين الواصلية والرستميين قد اتخذت فعلا طابع الصراع القبلي أكثر من الصراع الطائفي، مثل ما حدث مع النكار. هذه الخصومة التي لم يتحدث عنها ابن الصغير. فبعد مقتل يزيد بن فندين اتحدت بطون بني يفرن للانتقام من مقتله. هذه البطون التي كانت تستوطن المنطقة الواقعة غرب مدينة "منداس"(1)، إحدى مدن كورة تاهرت. كما كانت تاهرت نفسها مركزا لتجمع بني يفرن. وكانوا يشكلون قوة لها ثقلها حتى إنهم تدخلوا في بعض الأحيان في اختيار الأئمة، ونافسوهم حتى في الجلوس على كرسي الحكم. يقول ابن الصغير: "كانت القبائل المنتشرة حول مدينة تاهرت لما اكتسبت الأموال، واتخذت العبيد والخيول قد نالها من الكبر ما نال أهل المدينة، حتى خاف أفلح أن تجتمع الأيدي عليه فتزيل ملكه"(2).
ومن خلال النصوص التاريخية نلاحظ أن جدلا ونقاشا حادين قد حدثا في الدولة بين مختلف الفرق والطوائف. وقد أقحم زعماء الواصلية أنفسهم في هذا النقاش، خاصة في المسائل التي كانت موضع خلاف بين أهل المذهب. ويورد لنا ابن الصغير، والبرادي، مثلا عن ذلك عندما ذكرا أن عبد الله اللمطي كان يناظر المعتزلة (الواصلية) وسائر الفرق في المغرب في عهد أبي اليقظان (261-281هـ) (874-894م)(3).
__________
(1) - تقع اليوم في الطريق الرابط بين زمورة ووادي السلام في اتجاه تيهرت ولا تبعد عن هذه الأخيرة إلا بـ 60كلم.
(2) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص63.
(3) - اجتمع جمع من المعتزلة والإباضية بنهر مينة للمناظرة. وكان كثير من هوارة ممن حضر يتسمى عبد الله بكسر الدال. ونادى رجل من المعتزلة عبد الله اللمطي وقال له: هل تستطيع الانتقال من مكان لست فيه إلى مكان لست فيه، فقال: لا فقال: هل تستطيع الانتقال من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه فقال إذا شئت فقال: خرجت منها يا ابن اللمطي. ينظر: المصدر نفسه، ص93-94-95؛ الجواهر المنتقاة، ص179-180. (1/165)
صفحة 166
أما الواصلية في عهد عبد الوهاب فقد ترأسها زعيم أهملت المصادر ذكر اسمه، وإنما ركزت فقط على ابنه الذي تصفه بأنه كان فارسا مغوارا صعب المنال، وأنه كان فيهم رجلا مناظرا يجيد فنون الكلام، وكثيرا ما ناظر الإمام(1).
وتذكر المصادر أن الإمام عبد الوهاب استنجد بعلماء نفوسة لهذا الغرض. ويبدو أن الإمامة كانت في حاجة ماسة إلى جيش مقاتل للقضاء على شغب الواصلية في أحواز تاهرت. ففي هذه الأخيرة كان يعيش العديد من العلماء البارعين في علم الكلام أمثال عبد الله اللمطي، وأبي عبيدة الأعرج الذي كان "في غاية العلم، والعمل، والورع، والأدب"(2). وكانوا كلهم "مقرون له بالفضل، مسلمون له بالورع، إذا اختلفوا في أمر من الفقه، أو من الكلام صدروا عن رأيه"(3). أضف إلى ذلك أن الإمام عبد الوهاب نفسه كان عالما. فالبيت الرستمي هو بيت للعلم في جميع فنونه من الأصول، والفقه، والتفاسير، وفنون الرد عن المخالفين، وعلم النحو، واللغة، والإعراب، وعلم النجوم(4). ولعبد الوهاب كتاب معروف بـ "مسائل الجبل"، لأن نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسألة مما سألت عنه. وكان هذا الكتاب مشهورا عند الإباضية(5) كما كان ابنه أفلح ممن "أوتي من العلم، والجمال، والعقل، والشجاعة كثير"(6).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص105؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص57.
(2) - الشماخي: السير، ص223؛ الباروني: الأزهار، ص112.
(3) - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص95.
(4) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص102.
(5) - ابن الصغير: المصدر السابق، ص45-46.
(6) - البغطوري: سير نفوسة، و47. (1/166)
صفحة 167
ومهما يكن من أمر فإن عبد الوهاب كان في حاجة ماسة إلى قوة نفوسة، أليس هو القائل: "إن هذا الدين قام بسيوف نفوسة، وأموال مزاتة". وكان قد أنذر وأعذر الواصلية عدة مرات. ولما تمادوا في الخلاف استنجد في آخر المطاف بقبائل نفوسة، طالبا منهم أن يرسلوا إليه جيشا يتألف من أربعمائة رجل، مائة يكونون من خيرة فرسانهم، ومائة من المتضلعين في علم التفسير، ومائة من علماء الكلام المطلعين على نزاعات الفرق، والعارفين بالرد على المخالفين، ومائة من المتبحرين في مسائل الحلال والحرام(1).
ولما بلغ كتابه إلى أبي الحسن أيوب بن العباس عامله على الجبل، جمع أصحاب الرأي وعرض عليهم مطلب الإمام. وبعد نقاش وتبادل لوجهات النظر اتفقوا أن يرسلوا أربعة أشخاص لأن إرسال جيش يكلفهم ويكلف الإمام مؤونة وتعبا. وقد وقع اختيار النفوسيين على:
1 - مهدي الويغوي.
2 - أيوب بن العباس.
3 - محمد بن يانس.
4 - قيل اسمه محمد أبو محمد وقيل أبي الحسن الأبدلاني(2).
__________
(1) - البغطوري: المصدر نفسه، و39؛ الشماخي: السير، ص154؛ الباروني: الأزهار، ص118؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص83.
(2) * - يسميه البغطوري (مامد بن يانيس) ينظر: المصدر نفسه والورقة ذاتها.
- الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص58؛ البغطوري: المصدر نفسه والورقة ذاتها؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص155. (1/167)
صفحة 168
يعد هؤلاء من خيرة رجال الجبل. وحسب المصادر الإباضية فإن كل واحد منهم يقوم مقام مائة ممن طلبهم الإمام. فكان كل واحد يختص بعلم من العلوم، مهدي بعلم الكلام، وأبو الحسن بالفقه، ومحمد بن يانس بالتفسير. أما أيوب بن العباس فهو الفارس الشجاع، والبطل المشهور المكلف بمبارزة الفتى الواصلي. ويبدو أن اختيار هؤلاء للسفر إلى تاهرت ونجدة إمامهم قد تم في غيابهم. ذلك أن أيوب – عامل الجبل - أرسل إليهم يخبرهم باتفاق إخوانهم على إرسالهم إلى المغرب تلبية للنداء، فأجابوا بالسمع والطاعة. وسافر الوفد قاطعا هذه المسافة الطويلة، يخدمه محمد بن يانس حيث كلما نزلوا منزلا هيأ لهم الطعام، والمصلى، وتكفل بخيلهم(1).
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: لماذا لم تلبي نفوسة طلب الإمام المتمثل في إرسال جيش لمحاربة الواصلية ؟ وهل كان الإمام فعلا في حاجة إلى هذا العدد الضئيل لكي يرجح ميزان القوة لصالحه ؟ ألا يمكن أن يكون الإمام قد طلب فعلا أربعة رجال فقط، ولكنه وفي إطار الحرب النفسية أشاع في تاهرت بأن نفوسة عزمت على إرسال جيش يضم أشجع الفرسان للحط من معنويات الواصلية ؟ وهل كانت الظروف فعلا تسمح بانتقال جيش من الجبل إلى تاهرت ؟ خاصة وأن الأغالبة ظلوا يتربصون بهم، ومن المؤكد بأنهم لم يسمحوا لهم بالمرور بأراضيهم.
__________
(1) - البغطوري: المصدر نفسه، و46؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص57؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص 105؛ الباروني: المرجع السابق، ص118-119. (1/168)
صفحة 169
حاول بعض المؤرخين المحدثين إيجاد تفسير لذلك، فعلي يحي معمر علل عدم إنفاذ نفوسة الجيش إلى أن ذلك سيكلفهم، وسيكلف الإمامة مؤونة وتعبا(1) بينما لا يستبعد محمد بن عميرة أن يكون عامل الجبل قد لبى الطلب فعلا وأرسل جيشا يقوده هو أو أحد العلماء الذين ذكرت المصادر أسماؤهم، ولكن شهرة هؤلاء غطت أخبار بقية الجيش التي اختفت بالتدريج ولم تنقلها المصادر(2).
وأمام هذه الاختلافات فإننا نستبعد أن يكون النفوسيون قد جهزوا جيشا، وأنفذوه إلى تاهرت لأن ظروف الجبل السياسية كانت لا تسمح بذلك، إذ كانوا منشغلين بحركة خلف وأتباعه. ومن غير المنطق أن يهمّوا لإنقاذ الإمامة وجبلهم يمر بأخطر حركة استقلالية، ولا يستبعد أن يكون طلب الإمامة قوبل بالرفض لأنه لما وصل الوفد إلى تاهرت اتهمه بالتقصير في إمداده عندما علم بأنهم أربعة فقط، وهو قد طلب أربعمائة وقيل أربعة آلاف. أضف إلى ذلك أن ابن الصغير لم يرد أي إشارة عن ذلك الوفد، ولا عن المناظرة، ولا عن الحرب، وكل ما ذكره كان حول النكار وثورتهم، وثورة الأوس(3).
ومهما يكن من أمر فإن عبد الوهاب كان ينتظر جيشا كبيرا، حتى إنه وعد من يبشره بوصولهم من عبيده بالحرية. وظل العبيد يخرجون كل يوم يترقب وصوله، حتى قيل في المثل التيهرتي "فاز بها الأعرج"(4).
__________
(1) - ينظر: الإباضية في ليبيا، ص83.
(2) - محمد بن عميرة: دور زناتة في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلامي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، ص129-130.
(3) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص47-56.
(4) - البغطوري: سير نفوسة، و46. (1/169)
صفحة 170
ولما وصل الوفد أمر بإنزاله في دار الضيافة ليستريح من عناء السفر، وبعد أن أخذ قسطا من الراحة اجتمع بهم فأخبروه بوظائفهم وبمهمة كل واحد منهم، ووعدوه بالوفاء فاكتسبوا ثقة الإمام، ثم عرض على الإمام ما جرى بينه وبين الفتى الواصلي من محاورات ليكون على بينة وبصيرة بمناظره. وكان مهدي "كلما رأى خطأ في كلام المعتزلي قال: هنا حاد عن جادة الصواب، وزاغ عن الحجة، وسفسط. وكان من الصواب أن تجيبه يا أمير المؤمنين بكذا وكذا"(1). وبذلك أطلع مهدي الإمام على جميع الأخطاء التي وقع فيها المعتزلي ولم ينتبه إليها، فعرف مهدي أسلوب المعتزلي المنتحل للمناظرة، وكيف كان يحيد عن الجواب. وهنا أيقن الإمام بأن مهديا سينال من المعتزلي وتأكد بأنه وأصحابه يقومون مقام العسكر(2).
أما أيوب بن العباس فقد أذهل سكان تاهرت بقوته، أليس هو القائل: "لا أعلم من فاس إلى مصر فارسا يبارزني"(3). والدليل على قوته أنه عندما أراد اختيار فرس من خيل الإمامة لم تعجبه كلها لأنه كان يجذبها إليه حتى تكاد أن تقع محاولا اختبار قوتها، حتى انتهى في آخر المطاف إلى علاج فرسه الذي تعب من مشاق السفر فأصابه الحفا(4).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص108؛ الشماخي: السير، ص155؛ الباروني: الأزهار، ص121.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص59.
(3) - الشماخي: المصدر السابق، ص165؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص81.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص15؛ الباروني: الأزهار، ص12؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص327-328. (1/170)
صفحة 171
ونادى الإمام في القبائل للاجتماع وفتح باب المناظرة وضرب موعدا مع الواصلية بعد ثلاثة أيام. ويذكر أن النفوس من الفريقين المتخاصمين كانت مشتاقة لرؤية النفوسيين، فمجيئهم كان له صدى أطبق الأقطار كما يقول الباروني(1)، وامتلأت قلوب الواصلية خوفا وساءت ظنونهم حتى إنهم باتوا في غم شديد(2).
وخلال الثلاثة أيام التي احتاج إليها رجال نفوسة للراحة كان مهدي يتغيب عن رفاقه يوميا لمناظرة العلماء من المخالفين، فقد تمكن من الانتصار على تسعين(3) وقيل سبعين(4) عالما خلال هذه المدة، فهو القائل: "لا أخاف بإذن الله مخالفا أن يدحض حجتي، إلا إن داهنت في دين الله"(5).
وانتهت المهلة وخرج الإمام عبد الوهاب بعساكره ومعه رجال نفوسة وتم اللقاء فدعا الإمام المعتزلة مرة أخرى إلى الطاعة فأبوا وطلبوا المناظرة فنادى مناديه بالحضور إلى المناظرة والمبارزة، "فهرعت من الفريقين أمة كالجراد"(6). واصطف الطرفان، وخرج الفتى الواصلي المناظر، وخرج مهدي بعد أن امتنع محمد بن يانس. وللدلالة على قدرة مهدي في الرد والمناظرة تذكر المصادر الإباضية بأنه أرهب مناظره حتى إنه عرف بأنه مغلوب في النهاية ولذلك قال له: "إني إذا ناظرتك وغلبتني أريد أن تستر علي، وإن غلبتك سترت عليك، وليس فينا أحد يدري لمن الزيادة على صاحبه"(7).
__________
(1) - ينظر: المرجع نفسه، ص121.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص60.
(3) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص109.
(4) - الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص60.
(5) - الباروني: الأزهار، ص122.
(6) - المرجع نفسه والصفحة ذاته.
(7) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص110. (1/171)
صفحة 172
وشعر مهدي أن طلبه هذا ما هو إلا مكيدة فأخبر أصحابه بأنه عاهده على الستر، ولكن إذا نزع طاقيته ووضعها تحت ركبته فليعلموا بأنه فاز عليه وانتصر. وكان كل واحد من المتناظرين قد اصطحب معه خواصه من العلماء، ولا ندري هل كان خواص مهدي من الجبل، أم كانوا من تاهرت ؟ فالمصادر تذكر أنه لما بدأ الجدل الفقهي كان الإمام عبد الوهاب يستمع إلى النقاش الدائر. مما يرجح أن حاشية الإمام وبعض علماء تاهرت كانوا ضمن الحضور. وتضيف المصادر أن النقاش بدأ بسيطا في المسائل الخلافية، ولكن عندما طال ولم يفلح أحد على صاحبه دخلا في فنون العلم صعب على الحاضرين فهمه. وما لبث أن عجز المعتزلي واستسلم. فنزع مهدي عمامته كما وعد أصحابه من قبل فكبروا تكبيرة رجل واحد. حينئذ بهت الواصلي لأن مهديا غدر به، وخالف العهد، وبرز فارس الواصلية وابن رئيسهم يُظهر للجميع من أنواع الفروسية والشجاعة، كما خرج أيوب بن العباس هو الآخر إلى الميدان يستعرض قوته كما جرت العادة في المعارك(1). وصال وجال في الميدان ثم هجم على خصمه فقتله، والتحم الفريقان، وعظم التقتيل، وكان بطلا هذه المعركة أفلح بن عبد الوهاب، وأيوب بن العباس. وانتهت المعركة بانهزام الواصلية حيث ولوا الأدبار، واستسلموا وأقروا الطاعة التامة للإمامة. وعاد الإمام إلى حاضرة ملكه ظافرا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ولم يبق من المعتزلة إلا العدد القليل(2) فمنهم من بقي تحت الحكم الرستمي، ومنهم من كون إمارة مثل إمارة إيزرج(3)
__________
(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص60-62؛ الباروني:المرجع السابق، ص124.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص62؛ الباروني:المرجع السابق، ص125؛ سعد زغلول:تاريخ المغرب العربي، مج2، ص328-329.
(3) - هي إمارة تقع بين تلمسان وتاهرت تقع إلى الغرب من إمارة محمد بن مسالة، يقول اليعقوبي: "ومن مدينة تاهرت... إلى مملكة رجل من هوارة يقال له ابن مسالة الإباضي... ثم من مملكة ابن مسالة الهواري إلى مملكة بني محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن أيضا سوى المملكة التي ذكرناها وهي مدينة مدكرة ومسكنهم في المدينة العظمى التي يقال لها تمطلاس وأهل هذه المملكة قوم من بطون البربر... وأكثرهم... بنو مطماطة... ولهم في مملكتهم مدينة عظيمة يقال لها إيزرج"، ينظر: صفة المغرب، ص17. (1/172)
صفحة 173
قرب تاهرت، ومنهم من غادر المنطقة واتجه إلى المغرب الأقصى أين التفوا حول إسحق بن محمد الأوربي(1).
وتجدر الإشارة إلى أن نفوذ المذهب المعتزلي ظل موجودا في أحواز المدينة، فابن خلدون يقول: "ولى عبد الوهاب ابنه ميمون وكان رأس الإباضية، والصفرية، والواصلية، وكان أتباعه من الواصلية وحدهم ثلاثين ألف ظواغن ساكنين بالخيام"(2). ودام هدوء الواصلية إلى غاية سقوط تاهرت سنة 296هـ (909م)، وإذا كان باب الحرب قد أغلق فإن باب المناظرة قد ظل مفتوحا نظرا لما عرفته الدولة الرستمية من تسامح وحرية التعبير ؟
ومما سبق يتضح أن نفوسة قد لعبت دورا كبيرا في دعم الإمامة الرستمية، سواء في الميدان العسكري، أو في الميدان العلمي، خاصة وأن الدولة لا تملك جيشا نظاميا مما جعلها عرضة للعديد من المتاعب. كما يمكن القول بأن موقف الإمامة أصبح مهزوزا هشا، وأصبحت عاجزة عن الدفاع عن نفسها ضد الحركات المناوئة، وراحت كل مرة تستنجد بنفوسة في أبسط الأمور، ولاشك أن هذا الضعف كان هو السبب في تعجيل الإمامة في إقامة الصلح مع الأغالبة، وتوثيق علاقاتها مع بني مدرار والأمويين في الأندلس والأدارسة في المغرب الأقصى،وبذلك ظلت علاقاتها مع هذه الدول تميزها سياسة حسن الجوار. وانطلاقا من كل هذا فلا نستغرب عدم تمكن الدولة من مؤازرة نفوسة في خلافاتها الداخلية وفي مقاومة الاعتداءات الخارجية.
2 - نفوسة وفتنة محمد بن عرفة:
__________
(1) - الحريري: الدولة الرستمية، ص122؛ محمد بن تاويت، دولة الرستميين، هامش ص10.
(2) - ينظر:العبر، مج6، ص248. (1/173)
صفحة 174
لسنا هنا بصدد التأريخ للدولة الرستمية، فهناك دراسات كثيرة ولكن سنركز الحديث فقط عن دور نفوسة وموقفها إزاء هذه الفتنة، تذكر المصادر أنه لما تصاهر محمد بن عرفة مع الإمام أبي بكر بن أفلح (258-261هـ) (871-874م) أصبح له نفوذ كبير، حتى أضحت الإمارة لأبي بكر بالاسم أما الإمام الحقيقي فهو محمد بن عرفة(1)، وكانت لهذا الأخير شيعة تمشي معه حتى إن "الرستمية" كرهت ذلك واعتبرته خطرا يهدد مستقبلها السياسي. ورغم ذلك فقد ظلت الأحقاد كامنة في القلوب إلى أن عاد أبو اليقظان من المشرق وتولى تسيير شؤون البلد، لأن أخاه تفرغ إلى الملذات والشهوات فمال الناس إلى أبي اليقظان. ولما رأى أبو بكر ما بلغه ابن عرفة من القوة نصحه ناصح بان يتخلص منه خارج تاهرت، بعد عودته إلى موضع منتزههما وهو موضع يعرف بـ "جنان الأمير" فأقاموا يومهما هناك، ولما حانت صلاة العشاء دعاه الإمام إلى الصلاة، وبينما هما قائمان إذ أشار إلى غلامه فقتله ثم رميت جثته في مكان وعر يسمى "الشفة الحمراء" وعاد إلى المدينة(2).
ولما علم إخوانه وشيعته بمقتله أمر محمود بن الوليد –وهو أحد خاصة ابن عرفة- الناس بأخذ السلاح والمسير إلى أبي بكر لقتاله. ولما نشبت الحرب استغلها العجم فدخلوا فيها حفاظا على مصالحهم، وسرعان ما قاتل الجند العرب والعجم فقتلوا منهم الكثير (3).
__________
(1) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص72.
(2) - المصدرالسابق، ص75-77.
(3) - نفسه، ص78-81. (1/174)
صفحة 175
اعتزل أبواليقظان الفريقين، وانتقل إلى عدوة نفوسة. أما الإمام أبو بكر فقد ظل في داره لا يحرك ساكنا. أما نفوسة ففضلت هي الأخرى البقاء بعيدة عن الأحداث تترقب تطور الأمور فلم تشارك في القتال. وعندما وقعت حربة بجوار درب النفوسيين الذي كان ميدانا للقتال، واستولت العرب والجند على الدرب – وكان أغلبهم للعجم وبعضه لنفوسة - انضمت هذه الأخيرة إلى العجم وتمكنت من استمالة أبي اليقظان والرستمية، ومالت الكفة إلى هذا التحالف الجديد والذي تمكن من دفع العرب والجند إلى أطراف مدينتهم، والاستيلاء على أكثرها، ثم حدثت عدة وقائع منها موقعة "قنطرة الدمتس"، و"قنطرة سليس"، كانت الغلبة فيها لنفوسة والعجم(1).
وكانت للمتقاتلين موقعة أخرى تعرف بـ "يوم الرد المعوج"، وفيها أوثقت نفوسة أرجل رجالها ليثبتوا في الحرب ولا يدبر أحد. وبعد قتال شديد مالت الكفة إلى العرب، والجند، حتى أبعدوهم عن المدينة، فتحصنت نفوسة والعجم والرستمية في عدوتها المعروفة "بعدوة نفوسة"(2).
__________
(1) - نفسه، ص81-82.
(2) - نفسه، ص83. (1/175)
صفحة 176
وعلى الرغم من ذلك لم يصمدوا طويلا حيث تفرقوا في أقاصي البلاد، فنزلت العجم في موضع يسمى "تنابغيلت"، يبعد عن المدينة بمرحلتين. أما الرستمية فقد التحقوا بموضع يعرف بـ "إسكدال"، وأما نفوسة فقد نزلت بقلعة منيعة تسمى باسمها، وفي هذه الظروف استغل محمد بن مسالة(1) خروج القبائل من تاهرت فقدم إليها.
__________
(1) - هو أحد الزعماء الذين كونوا إمارة في ضواحي تاهرت في عهد الإمام عبد الوهاب بعد الخلاف الذي نشب بين هذا الأخير وبين الأوس. وإذا كان ابن الصغير لا يعطينا معلومات كافية حول موقع الإمارة ومناطق نفوذها فإن اليعقوبي يذكر بأن الإمارة كانت في أرباض المدينة وتضم مدينتين الأولى تسمى يلل والثانية تسمى "الجبل" وهذا الجبل يبعد اليوم بـ 19كلم جنوب مدينة هلل (يلل) الواقعة جنوب شرق مستغانم. أما البكري فيسمي هذا الموضوع بقلعة هوارة أو تاسقدالت. ينظر: اليعقوبي: صفة المغرب، ص17؛ البكري: المغرب ص69. (1/176)
صفحة 177
ولما حدث خلاف بين هوارة ولواتة لجأت هذه الأخيرة مرغمة إلى حصنها المعروف باسمها. وأرسلت إلى أبي اليقظان ليلتحق بها، فأنزلته بجوارها في موضع يسمى "تسلونت"، كما التحق به شيعته من تاهرت. وصارت الإمامة لأبي اليقظان خاصة وأن الإباضية وفدوا إليه من كل الجهات، وألغي ذكر أبي بكر ومحمد بن مسالة. حاول أبو اليقظان الاستيلاء على تاهرت ولكن دون جدوى، حتى إن الحرب دامت سبع سنوات، ولذلك استنجد بنفوسة وارتحلت مجموعة إلى غرب المدينة. واقترحت نفوسة على أبي اليقظان مراسلة سكان المدينة من أهل الدعوة ليطلب منهم الدخول في الطاعة، فإن أبوا فعند ذلك يقتحمونها ثانية. وعادت الرسل تبلغ نفوسة بأن الناس كرهت الحرب وأنهم يريدون الصلح على "أن لا يتبع أحد بدم ولا مال"(1). ولما أعلمت نفوسة أبا اليقظان بذلك أعطاهم العهود في اجتماع تم بين أهل المدينة وعسكر أبي اليقظان، وعندئذ ارتحل الإمام ونزل قلعة نفوسة، وضرب سرادقه في انتظار إتمام بناء داره التي تهدمت(2). وهكذا استقرت الأوضاع في تيهرت وتمكنت نفوسة من إعادة الطمأنينة والسلم وهدأت الأمور إلى أن توفي أبو اليقظان سنة 281هـ (894م).
وتكشف لنا هذه الفتنة مرة أخرى حالة الضعف التي بلغتها الدولة الرستمية، وأصبحت هذه المرحلة تتسم بالقلاقل، والفتن، والصراع القبلي، مما أدى إلى دخول البلاد في حرب أهلية. ونلاحظ مرة أخرى أن نفوسة كان لها الفضل في مؤازرة الأئمة وإعادة الاستقرار إلى المدينة.
3 - نفوسة وفتنة محمد بن رباح ومحمد بن حماد:
__________
(1) - ابن الصغير: المصدر السابق، ص87.
(2) - نفسه، ص87. (1/177)
صفحة 178
وقعت هذه الفتنة في إمامة أبي حاتم يوسف (281-294هـ) (894-906م)، عندما قام هذا الأخير بإخراجهما من المدينة. ذلك أنهما اقترحا عليه مرة من المرات اغتيال والده، ليصير الأمر إليه عندما اشتكى منه. وبلغ أبا حاتم بأنهما قالا الكلام نفسه لمشائخ المدينة ووجوهها. وظلا في منفاهما في موضع يسمى "المثلث"(1)، على بعد أميال من تيهرت يبعثون الرسل إليها يتهمون الإمام بأنه أخرجهم دون جناية. واتفق إخوانهم في المدينة على استدعائهما وإدخالهما إلى المدينة رغم إرادة الإمام. فلما دخلا كبر الناس مما أفزع الإمام، ويبدو أن عددا كبيرا من التيهرتيين كانوا متعاطفين معهما إلى درجة أن أبا حاتم جمع قومه وأهل بيته للنظر في هذا الأمر. وتذكر المصادر أنهم اقترحوا عليه الخروج إلى حصنهم المسمى بـ "تماليت"(2) في طرف لواتة، والاتصال بهذه القبيلة وغيرها من القبائل، فإن ناصروهم أوجب على الإمام اللحاق بهم، وخرجت الرستمية إلى الحصن المذكور، والتحقت كل من العجم ونفوسة بحصنها، ثم جمع أبو حاتم قواته وهاجم المدينة من ثلاثة مواضع من القبلة، والمشرق، والمغرب. تولت نفوسة الزحف من المغرب، والعجم وصنهاجة من المشرق، والإمام والرستمية (السمحية) ولواتة من القبلة. واشتعلت الحرب مما جعل سكان المدينة يتصلون بيعقوب بن أفلح لعقد الولاية له، لأنهم رأوا بأن الإباضية لا يكفون عن قتالهم ما لم يكن عندهم رئيس إباضي من الرستميين(3).
__________
(1) - لا تشير المصادر المتوفرة لدينا إلى موقع هذا الموضع، ويبدو أنه لا يبعد عن تاهرت.
(2) - لعلها "نمالتة" التي أشار إليها ابن حوقل، عندما تحدث عن مراحل الطريق الذي يربط فاس بمدينة المسيلة، ينظر: صورة الأرض، ص87-88.
(3) - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص106-109. (1/178)
صفحة 179
وبمجرد تولية الولاية انقسمت جموع الإباضية حيث انضمت إليه جماعة من لواتة، وظلت الحرب مستمرة بين الأخوين، حيث أمر يعقوب بإغلاق أبواب المدينة إلا بابا واحدا كان يقاتل منه. ولما انهزم أبو حاتم حين حاول الهجوم غرة على الباب الشرقي انصرف عنه أحد كبار مساعديه وهو الذي تسميه المصادر "وانودين"، وبذلك ضعفت الحرب، ورغب الناس في السلم، فطلبوا من أبي يعقوب المزاتي أن يصلح بين الأخوة الأعداء. وتم الاتفاق على أن يختار كل طرف ممثلا له لعقد الهدنة. ولما التقوا في اليوم المحدد اتفقوا على توقيف القتال وتوقيف أبي حاتم ويعقوب عن النظر لمدة أربعة أشهر حتى تعود الطمأنينة إلى الناس، ويتمكنوا من قضاء مآربهم، فقد "قطعت السبل، ونزع من أيد الناس الحرث والنسل"(1).
وفي أثناء الهدنة استمال أبو حاتم الناس فمالت قلوبهم إليه، في حين فضل الباقي البقاء مع يعقوب، وتمكن أبو حاتم من الدخول إلى المدينة، بينما خرج يعقوب في قلة إلى زواغة، واستقرت الأمور لأبي حاتم فحاول إصلاح ما أفسدته الحرب فعين القضاة والشرطة وأمن السبل، وشرد قطاع الطرق(2).
ونلاحظ مما سبق أن النظام الحاكم في تيهرت أصبح هشا لدرجة أن أعيان البلد لهم من القوة ما يمكنهم من الوقوف ضد إرادة الأئمة. كما يتضح أن تيهرت ما هي إلا مجموعة من الحصون، كل حصن تسكنه قبيلة معينة ترتبط بمجموعة من المصالح، فإن تعارضت يحدث نزاع قبلي وطائفي يصعب على الإمامة التحكم فيه. ومرة أخرى يقدم النفوسيون المقيمين في عدوتهم الدعم العسكري للإمامة بمؤازرتهم لأبي حاتم ومساعدته في استرجاع ملكه رغم انقسام البيت الرستمي على نفسه.
__________
(1) - المصدر السابق، ص113.
(2) - نفسه، ص114-116. (1/179)
صفحة 180
كما نستنتج أنه في هذه المرحلة التي مرت بها الدولة أصبح بمقدور الأعيان والوجهاء تنحية إمام واستبداله بآخر. وبدل أن يطرد الإمام ابن رباح وابن حماد ثانية غادر هو المدينة، ويمكننا أن نتساءل قائلين: ألا يعد ذلك انقلابا ؟ وخاصة وأن سكان المدينة اتفقوا على توقيف أبي حاتم ويعقوب عن النظر لمدة أربعة أشهر، ومن كان يشرف على تسيير شؤون الدولة طيلة هذه المدة ؟ يبدو أن هذه الفترة اختلط فيها الحابل بالنابل وأصبحت الكلمة العليا لزعماء القبائل وكبار الأعيان. وتحول اهتمام الأئمة إلى الصراعات الضيقة والتصفيات الجسدية، والإيقاع بين القبائل. وفي الأخير نقول إنه للدلالة على قوة الأعيان ونفوذهم يكفي أن صاحب الشرطة في عهد أفلح كان لا يتجرأ على دخول سوق ابن وردة هيبة منه(1).
4 - نفوسة وتعيين الأئمة:
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص62-63. (1/180)
صفحة 181
كانت قبيلة نفوسة تشكل عصبية قوية لها وزنها وثقلها في تاهرت. ورغم أن المصادر لا تقدر عدد النفوسيين المقيمين فيها، إلا أنه يمكن القول بأن أعدادهم كانت كبيرة، فالعدوة التي كانوا يسكنونها والمعروفة باسمهم مشهورة في كتب التاريخ، ونشير هنا إلى أن التواجد النفوسي في المدينة بدأ مع مرحلة التأسيس. فالباروني يذكر بأنه اجتمع عند عبد الرحمن بن رستم ما يزيد عن ستين عالما من طرابلس ونفوسة(1). ولذلك كانت تحظى بمرتبة عالية عند الأئمة. فالإمام عبد الوهاب عندما خرج بعساكره لقتال بني أوس، جعل عديله وقائد راحلته من نفوسة(2). وعندما سافر أبو اليقظان إلى المشرق تولى نفوسي خدمته(3). وكانت نفوسة معجبة بهذا الإمام حتى إنها اعتمدت عليه في دينها وتحليلها وتحريمها، وكان أغلبهم يستأذنه قبل الخروج إلى الحج(4)، ولا غرو إذن ان يتخذوا مجلسه كالمسجد "طائفة يصلون، وطائفة يقرأون الكتاب، وطائفة يتذاكرون في فنون العلم"(5). وقد قرّب هذا الإمام النفوسيين فكان عيسى بن فرناس – مثلا - يقابله نصب عينيه في مجلسه(6).
__________
(1) - ينظر: الأزهار، ص44.
(2) - ابن الصغير: المصدر السابق، ص54.
(3) - نفسه، ص64-65.
(4) - نفسه، ص97-98؛ الباروني: الأزهار، ص304.
(5) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص83.
(6) - ابن الصغير: المصدر السابق، ص92-93. (1/181)
صفحة 182
وقد ساعدت قوة نفوسة على أن تكون لها الكلمة الأولى في الدولة، ولذلك سميت "العسكرية" أي أهل العسكر(1). وبلغت من النفوذ حتى أصبحت تولي الأئمة دون أخذ رأي بقية القبائل. وكان العديد من وجهاء الإباضية يرفض ذلك، حتى إن عبد العزيز بن الأوز نادى بأعلى صوته في السوق: "الله سائلكم معاشر نفوسة إذا مات واحد جعلتم مكانه آخر، ولم تجعلوا الأمر للمسلمين وتردوه إليهم فيختارون من هو أتقى وأرضى"(2). وعلى الرغم من ذلك لم يلتفتوا إلى كلامه ولم يولوه أدنى اهتمام. وقد بايعوا أبا بكر بن أفلح بالرغم من إنكار العامة لأن هؤلاء كانوا يطالبون بتطبيق مبدأ الاختيار بشكل عام، أضف إلى ذلك أن أبا بكر بن أفلح لم تكن فيه من الشدة في دينه مقارنة بالأئمة السابقين له(3).
__________
(1) - السابق، ص44-45.
(2) - نفسه، ص70-71.
(3) - نفسه، ص71. (1/182)
صفحة 183
ومما يمكن ملاحظته أن الرستميين تخلوا عن مبدأ هام وهو الشورى، وتحولت الإمامة إلى ملك يتوارثه الآباء، ويعد ذلك خرقا صارخا لأهم مبدأ نادى به الإباضية منذ خلافة علي بن أبي طالب، وأصبح مجرد شعار يستغل ليلتف حولهم الموالي والمستضعفين. ونعتقد أن كل الثورات والقلاقل التي عرفتها تيهرت ما هي إلا تعبيرا عن رفض الرعية لهذه الممارسات. ولعل يزيد بن فندين هو أول من تفطن لهذه المسألة عندما تولى عبد الوهاب الإمامة، فأنكر إمامة عبد الوهاب باعتبارها لا تجوز شرعا. ويعبر سكوت البقية عن هذا الخرق وانضمامهم إلى الأئمة تراجعا كبيرا عن مبادئ المذهب الإباضي التي ناضل من أجلها أبي عبيدة مسلم، وعبد الله بن أباض، وأبي حمزة الشاري، وعبد الله بن طالب الحق، وغيرهم. واتخذت القبائل الإباضية هذا الخرق قاعدة لها في تعيين العمال، وسنرى بأن النفوسيين أنفسهم حصروا ولاية الأقاليم والمدن في الجبل في أسر معينة. ومما نلاحظه كذلك هو أنه إذا كان التيهرتيون اختاروا عبد الرحمن لتولي الإمامة نظرا لعدم وجود عصبية تحميه، ويسهل تنحيته إذا حاد عن الطريق المستقيم، فإن الأئمة الذين تولوا بعده اعتمدوا أساسا على العصبيات للحفاظ على الحكم، وكانت نفوسة إحدى العصبيات القوية التي استعان بها الأئمة في الاحتفاظ بالحكم. ونلاحظ كذلك انتشار مظاهر الفساد والمجون في البيت الرستمي نفسه، وفي مصالح الدولة. وتجدر الإشارة كذلك إلى أن الإباضية في تيهرت تحولوا بعد مدة زمنية إلى أقلية، خاصة بعد هجرة العديد من المسلمين إليها، وأصبحت الأقلية هي التي تحكم الأغلبية وتفرض عليهم مبادئها السياسية والدينية. وتحول المجتمع التيهرتي إلى فسيفساء يتشكل من المالكية، والواصلية، والصفرية، والشيعة، والمسيحية من العرب، والبربر، والعجم، وبذلك استحال التعايش بين مختلف القبائل، ومختلف المذاهب، والطوائف. (1/183)
صفحة 184
ونشير في الأخير إلى أن نفوسة وقفت إلى جانب الأئمة في حروبهم مع مختلف القبائل، فشاركت أبا بكر في القضاء على العصيان الذي ترتب عن مقتل محمد بن عرفة. وانضمت إلى أبي حاتم يوسف في صراعه مع أخيه يعقوب بن أفلح، ولذلك فقد حظيت نفوسة باهتمام الأئمة لما كان لها من فضل في انتشار المذهب، وفي إقامة إمامة الظهور، سواء في منطقة طرابلس، أو في المغرب الأوسط. كما كان لها الفضل في الدفاع عن المذهب بواسطة علمائها وشيوخها.
4 - نفوسة وتولي المناصب في الدولة: (1/184)
صفحة 185
كان القضاء من المناصب التي استحوذت عليها نفوسة، فكانت هي التي تشرف على تعيينهم. فقد ذكر ابن الصغير في حديثه عن إمامة أفلح بأنها كانت تلي عقد تقديم القضاة(1)، ويفهم من هذا أنه في حالة عدم تعيين القضاة منها فقبولهم مشروط بموافقتها، فمثلا عندما أراد أبو اليقظان أن يختار قاض شاور جماعة منها فأبدوا موافقتهم عندما اقترح أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ(2). كما أن أفلح شاور الشراة في اختيار من يوليه القضاء. والشراة هم فئة تتكون من شيوخ المذهب، ومن مشائخ تاهرت سواء من الإباضية أو من غير الإباضية، وكانت نفوسة ممثلة بقوة في هذه الفئة. وتذكر المصادر أن الشراة اختاروا محكم الهواري لتولي هذا المنصب، رغم تحفظ الإمام قائلا: "ويحكم دعوتم إلى رجل وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في بادية ولا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الشرف شرفه"(3). وتم استدعاء محكم من جبل أوراس، وتولى هذا المنصب وحكم بالعدل فلم يميز بين أبي العباس أخ أفلح، وبين خصمه عندما مثلا أمامه للحكم في نزاع حول قطعة أرضية. وقد أعجب بذلك وجوه الإباضية وسروا بعدالته(4). وهذا يدل على أن القاضي كان يتمتع باستقلالية في فض النزاعات، فلم يكن الأئمة يتدخلون في عمل القضاء، فعلى الرغم من أن أبا العباس اشتكى إلى أخيه من معاملة محكم الهواري له إلا أن هذا الأخير أقر بأن ما فعله هو الصواب، والحق أولى من أن يؤثر(5).
__________
(1) - المصدر السابق، ص63.
(2) - نفسه، ص88.
(3) - السابق، ص57-58.
(4) - نفسه، ص60؛ الشماخي: السير، ص195.
(5) - نفسه، ص61. (1/185)
صفحة 186
كما تولت نفوسة الإشراف على بيت المال. فالمصادر تذكر أن أبا اليقظان ولى على بيت ماله رجلا من نفوسة. كما تولت مهمة الاحتساب وإنكار المنكر في الأسواق. وسخرت نفسها لإصلاح هذه الأسواق، وقمع الفساق الذين استغلوا فترة الحرب الأهلية فأفسدوا وأضروا(1). وقد أمر أبو اليقظان أهل الحسبة بالمشي في الأسواق، فإن رأوا قصابا ينفخ في شاة عاقبوه، وإن رأوا إنسانا حمل دابته أكثر مما تطيق أنزلوا حملها وخفقوا عنها، وإن رأوا أوساخا طلبوا من صاحب المكان أن يكنسه. وكانوا لا يمنعون أحدا من الصلاة في مساجدهم، ولو رأوه رافعا يديه ما عدا المسجد الجامع فإنهم يمنعون من يرفع يديه في الصلاة(2). ونلاحظ أن نفوسة كانت تتولى المناصب الحساسة في الدولة لثقة الأئمة في رجالها وتبجيلهم عن بقية رجال القبائل الأخرى، ولذلك فإننا نشاطر سعد زغلول الرأي حين قال بأن اختيار صاحب بيت المال كان محددا في نفوسة أو مشروطا بموافقتها(3).
الباب الثالث
جبل نفوسة بين ثلاث قوى
الفاطميون - الزيريون - الهلاليون
296-442هـ (909-1053م)
الفصل الأول
جبل نفوسة والخلافة الفاطمية.
1 - النظام السياسي في الجبل بعد سقوط إمامة الظهور.
أ - الرئاسة العامة.
ب - مقدمي النواحي.
2 - الحروب الأهلية.
3 - الهجرة النفوسية إلى إفريقية والمغرب الأوسط.
4 - قيام الدولة الفاطمية في بلاد المغرب وموقف الإباضية منها.
5 - الانتفاضات الإباضية:
أ - ثورة طرابلس (300هـ/912م).
ب - ثورة نفوسة (310هـ/922م).
جـ - ثورة النكارية (322هـ/933م).
د - ثورة الوهبية (358هـ/968م).
1-النظام السياسي في الجبل بعد سقوط إمامة الظهور:
__________
(1) - نفسه، ص88؛ الشماخي: المصدر السابق، ص221.
(2) - ابن الصغير: المصدر نفسه والصفحة ذاتها؛ الباروني: الأزهار، ص298.
(3) - سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص366. (1/186)
صفحة 187
رأينا في الفصول السابقة أن قوة نفوسة كانت كبيرة، وأن المذهب قام بسيوفها ولكن هذه القوة لم تعمر طويلا لأنها تعرضت لأكبر هزيمة على يد الأغالبة في موقعة مانو الشهيرة سنة 283هـ (896م) وعجزت على إنقاذ الإمامة التي كانت تحتضر، خاصة مع تفاقم الصراع الأسري حول السلطة، ونجاح الدعوة الشيعية في بلاد المغرب. فعندما استطاع أبو عبد الله الشيعي دخول تاهرت سنة 296هـ (909م) دون قتال خرج يعقوب بن أفلح مع أهله وجمع غفير من التيهرتين متجهين إلى وارجلان خوفا من بطش الشيعي، ويبدو أن رفقاء يعقوب كانوا كثيرين حتى إنه ولد لهم في الطريق في ليلة واحدة سبعون ذكرا عدا البنات(1).
ويبدو كذلك أن عددا غير قليل منهم فضل البقاء في المدينة على الرغم من أن المصادر الجغرافية تتحدث عن ازدحام بعض المناطق بالإباضية خاصة منطقة الزاب وجبل أوراس. فابن سعيد يشير إلى أن معظم سكان أوراس كانوا من لواتة الإباضية(2). كما تضاعف عدد الفارين إلى الزاب، وقسطيلية، وقفصة، وبشرة، وسوماطة في منطقة نفزاوة. والتجأ بعضهم الآخر إلى جبل نفوسة، وجزيرة جربة(3). كما زادت أعدادهم في مدينة باغاية. فالبكري يذكر أن سكانها من مزاتة، وضريسة كلهم إباضية، كانوا يضغنون في الشتاء إلى الصحراء حيث لا توجد الأمطار خوفا على نتاج إبلهم(4).
__________
(1) - الشماخي: السير، ص365 وما بعدها؛ حمو محمد عيسى النوري: دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، دار الكروان، باريس، 1984، ج1، ص107.
(2) - ينظر: كتاب الجغرافية، ص144.
(3) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص93؛ موسى لقبال: دور كتامة في قيام الخلافة الفاطمية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط1، الجزائر، 1979، ص348؛ موسى لقبال: من قضايا التاريخ الرستمي، مجلة الأصالة، منشورات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1977، عدد41، ص57.
(4) - ينظر: المغرب، ص144-145. (1/187)
صفحة 188
ولاشك أن حركة الهجرة من تاهرت كانت كبيرة، حتى وإن لم تكن دفعة واحدة نظرا للظروف الصعبة التي مرت بها المدينة بعد وقوعها في يد الشيعة. وقد عبر عن تلك الظروف ابن حوقل بقوله: "تغيرت تاهرت عما كانت عليه، وأهلها وجميع من قاربها من البربر في وقتنا هذا - (توفي في القرن 4 الهجري) - فقراء بتواتر الفتن عليهم، ودوام القحط، وكثرة القتل والموت"(1). وكانت بالأمس القريب مدينة جليلة المقدار، عظيمة الخيرات، حتى سميت "عراق المغرب"(2).
ومما لاشك فيه كذلك أن جزءً مهما من الجالية النفوسية فيها قد غادرتها هي الأخرى مثل كل إباضية المدينة. فمنهم من رحل إلى وارجلان مع آخر الأئمة، ومنهم من التجأ إلى جبل نفوسة، خاصة وأنه يتوفر على كل أشكال الحماية من مناعة وصعوبة في المسالك بعيدا عن ضغوط الشيعة المذهبية.
ومهما يكن من أمر، فإن يعقوب بن أفلح قد رفض رفضا قاطعا إحياء الإمامة المندثرة بطلب من سكان وارجلان قائلا لهم: "لا يستتر الجمل بالغنم"* معبرا عن الضعف الذي حل بأهل الدعوة. وبذلك انتقل الإباضية من إمامة الظهور(3) إلى إمامة الكتمان(4)
__________
(1) - ينظر: صورة الأرض، ص93.
(2) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص14.
* - وفي رواية أخرى "لا يستتر الجمل خلف الغنم".
(3) - هي الإمامة الكبرى المعلنة، ويشترط في إقامة هذه الإمامة أن يكون للإباضية عدة وقوة في المال والعلم بدين الله مثل الدولة الرستمية، ينظر: أبو عمار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978، ج2، ص236.
(4) - أي الحفاظ على الدين دون إعلانه حتى لا يمنع تطبيقه مثلما كان حال شيوخ الإباضية الأوائل أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة، ينظر: الجناوني: عقيدة التوحيد نشرت ضمن:
Extrait du Bulletin d'études orientales, 1980, T32-33, p49. (1/188)
صفحة 189
. وأصبحت الجماعات الإباضية تعيش لأول مرة دون كيان سياسي يحميهم، ويلم شملهم، إذ حل الحكام المحليون محل الإمامة ودخل الإباضية مرة أخرى في مرحلة الستر والكتمان، خاصة في مدن المغرب الأوسط.
وعلى الرغم من سقوط دولتهم إلا أن ذلك لم يقض على النفوذ الإباضي في بلاد المغرب، بل ظل جبل نفوسة معقلا رئيسيا للإباضية، حيث تمكن أهل الدعوة فيه من الحفاظ على استقلاليتهم مدة طويلة من الزمن. وأصبحت الرابطة المذهبية والثقافية هي الرابط الوحيد بين التجمعات الإباضية في كل مكان. وسنحاول في هذا المضمار أن نتناول النظام السياسي في الجبل من خلال المعلومات المتوفرة في المصادر، هذه المصادر التي تشير إلى أن النفوسيين أمروا عليهم في كل تجمع رجلا سموه (حاكم) أو (سيد) أو (مقدم). وكان هؤلاء بمثابة حكام يعوضون الأئمة، لهم كافة صلاحيات الإمام السياسية، والإدارية، والاقتصادية.(1) هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد كانوا في الوقت نفسه قضاة يحكمون بين المتخاصمين وفق المذهب الإباضي، كما حملوا على عاتقهم مسؤولية تنظيم الحلقات العلمية وتدريس التلاميذ فمعظم الحكام الذين أفادتنا المصادر بسيرهم كانوا من أهل العلم، وبتعبيرها "أصحاب القلنسوات".
__________
(1) - كان الإمام الرستمي يتمسك بالسلطة التامة، فهو أمير المؤمنين والقائد الأعلى للجيش والقاضي الأكبر والعالم بالعقيدة والتوحيد والمحتسب، ورغم سعة السلطة التي تمتع بها فإنه لا يمكن له أن يطبق سياسة إلا على أساس امتثاله لما جاء في القرآن والسنة، وإذا خرج عنها فإن الفقهاء والعلماء المعترف بكفاءتهم بين أهل الدعوة هم الذين يقررون عدم أهليته للقيام بالحكم فيعزل. ينظر: محمد ولد دادة: مفهوم الملك في المغرب، دار الكتاب اللبناني، ط1، بيروت، 1977، ص27. (1/189)
صفحة 190
والإشكالية التي نواجهها في دراسة النظام السياسي في الجبل هي أن مصادرنا الرئيسية لا تعطينا قائمة متسلسلة تاريخيا للحكام، بل تكتفي بالحديث عن سيرهم وحلقاتهم العلمية. أما طبيعة النظام السياسي في الجبل فيكمن في أن النفوسيين يعينون رجلا يشرف على تسيير شؤون الجبل ويتخذ في الغالب مدينة جادو مركزا له، وتكون رئاسته شاملة. أما المدن والقرى الأخرى، فكان يشرف عليها مقدم أو سيد يعين في أغلب الأحيان من قبل الرئاسة في جادو، ويكون بمثابة مقدم محلي يساعد الرئاسة العامة في تسيير شؤون مدينته، وتدخل في هذا التعيين اعتبارات قبلية وعلمية.
أ-الرئاسة العامة:
إن أول من تولى رئاسة أهل الدعوة في الجبل هو أبو محمد عبد الله بن الخير، نصب مباشرة بعد هزيمة نفوسة أمام الأغالبة في مانو. وكان من العلماء القلائل الناجين من هذه المعركة، إذ لم يبق من علمائها سوى أبي القاسم البغطوري، وعبد الله بن الخير اللذين توليا الفتيا في نوازل أهل الجبل، ولولاهما لعطلت إلى يوم القيامة على حد قول أبي زكريا(1). والحقيقة أن أبا القاسم كان هو المفتي بينما كان عبد الله يشرف على ولاية الجبل، وعلى الرغم من تقدم الأول في السن إلا أنه كان يسير كل ليلة من "ويغو" إلى "بغطورة"(2) لكثرة النوازل. وقد قيل إنه جلس للإفتاء بعد مانو ثلاثة أيام بلياليها، وقيل يوما وليلة(3). وهذا دليل على ندرة العلماء في الجبل في هذه الفترة، ويبدو أن المفتي كان مساعدا رئيسيا للرئاسة، ولذلك كان يختار من العلماء الأكفاء المعترف بأهليتهم في هذا الميدان بين أهل الدعوة.
__________
(1) - ينظر: كتاب السيرة، ص154.
(2) - ذكرتها المصادر بأسماء عديدة: بغطورة يقطورة بغطورة، وهي قرية تقع قرب الجزيرة المشهورة التي تطل على وادي شروس. وهي لا تبعد كثيرا عن دركل ودجي وزعرارة وويغو. ينظر: معمر: الإباضية في ليبيا، ص184.
(3) - الشماخي: السير، ص235. (1/190)
صفحة 191
تصنف المصادر عبد الله بن الخير ضمن علماء الطبقة الخامسة (200-250 هـ)، تولى الرئاسة باتفاق أهل الحل والعقد. نشأ في قرية "تين زيرف"(1)، وفيها تعلم مبادئ الدين ثم انتقل إلى حلقة العلامة أبي ذر أبان بن وسيم. وفيها تخرج وأصبح عالما فاضلا، مما جعل سكان الجبل يقدمونه للصلاة، والمعروف أن أبا ذر كان واليا بالجبل ممثلا للإمامة الرستمية في عهد أبي اليقظان بن أفلح (261-281هـ) (874-894م). تولى عبد الله ولاية الجبل مباشرة بعد وفاة أفلح بن عباس، وقد عمر طويلا إذ توفي عن عمر يناهز مائة وعشرين سنة(2). فقد كان على قيد الحياة سنة 310هـ (922م) عندما حاصر الفاطميون قرية "الجزيرة" الواقعة في الناحية الغربية للجبل، وظل أبو عبد الله يحتفظ بمقامه العالي والمرموق بين أهل الدعوة رغم أن مقاليد الولاية انتقلت إلى أبي يحي زكريا الأرجاني. ويرى ليفيسكي أن أبا محمد لم يتول الولاية مباشرة بعد "مانو" - أي بعد سنة 283هـ (896م) - لأن الوالي وقتها كان أفلح بن العباس، فهو الذي قاد قوات نفوسة، ولكن بعد عودة منْ تبقى من فلول الجيش عزل لأن أصحابه حملوه مسؤولية الهزيمة،وعينوا مكانه ابن عمه، ولا تذكر المصادر اسم هذا الأخير، وتكتفي فقط بالقول بأنه عُزِلَ هو الآخر بعد ثلاثة أشهر، لأنه لم يحسن السيرة، فرجع الناس مرة أخرى إلى أفلح وولوه أمورهم، ويرجح ليفيسكي أن تعيينه كان بعد وقت قصير من الموقعة - أي بين سنتي 285هـ (898م) و290هـ (902م) - واستمر في السلطة إلى ما بعد سنة 310هـ (922م)(3)
__________
(1) - تقع هذه البلدة على قمة جبل يطل على واد يفصل بينها وبين (تميجار) اولاد بوجديد اليوم في منطقة الرحيبات الحالية عند وادي الرومية. ينظر: معمر: المرجع نفسه، ص147.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص237؛ معمر: المرجع نفسه، ص147-149.
(3) -T. Lewicki : Les Hakims Et Les Mukaddams Du Gabal Nafusa Au Moyen Age, Rocznik Orientalistyczny Warazawa, 1962, T 26 (2eme Episode), p99-100. (1/191)
صفحة 192
.
وسار أبو محمد سيرة حسنة في أهل الدعوة، وعمر كثيرا حتى غلب عليه الكبر، وأصبح يجهر بصوته في القراءة السرية في الصلاة. واضطر إلى القدوم إلى منزل أبي القاسم ليعاونه في تسيير شؤون الناس(1).
ونظرا لتقدمه في السن أوْكَلَ قيادة جيش نفوسة إلى أبي يحي زكريا الأرجاني عندما حاصر الفاطميون الجبل سنة 310هـ (922م). ولا يعرف على وجه التحديد متى توفي عبد الله، ومتى تولى أبو يحي زكريا السلطة، ومن المحتمل جدا أنه تولى الرئاسة بعد سنة 310هـ (292م) لأن المصادر تشير إلى أن اختياره لهذا المنصب كان بعد إمامة أبي حاتم يوسف (281-294هـ) (894-906م)(2).
ومهما يكن من أمر فإن أبا يحي تولى ولاية الجبل باتفاق أهل الشورى، بايعوه إمام دفاع وليس مجرد مسير لشؤونهم، ذلك أن الخطر الشيعي ظل يهدد وجودهم، واستقلالهم، ولذلك فإننا نلاحظ بأنه هذه المرة هي المرة الأولى التي يحمل فيها زعيم إباضي اسم "إمام" بعد سقوط الدولة الرستمية. فالشماخي يسميه: "القاضي العادل العالم الكامل الإمام الفاضل". ومما يجب الإشارة إليه هو أن لقب الإمام تطلقه المصادر على من تولى السلطة فقط، لأن الشماخي يقول: "قدمه (قدمته) نفوسة حاكما أو إماما مدافعا"(3). ومعنى ذلك أن إمامته هي إمامة دفاع، وهي لا تختلف عن إمامة أبي حاتم الملزوزي.
__________
(1) - الشماخي: المصدر السابق، ص237-238؛ معمر: المرجع السابق، ص149-150.
(2) - T. Lewicki : Les Hakims, p100.
(3) - ينظر: المصدر السابق، ص243. (1/192)
صفحة 193
كان أبو يحي ينتقل يوميا من "أرجان"(1) إلى جادو حاضرة الجبل لممارسة مهامه ويعود إليها في آخر النهار. ولم يفكر في الاستقرار في جادو رغم أن هذا التنقل اليومي قد أنهكه حتى إنه يضطر للاستراحة في الطريق العديد من المرات من كثرة التعب والضعف رغم أن المسافة غير بعيدة(2).
ودام حكمه قرابة الخمسة عشر سنة، اعترضته خلالها عدة متاعب داخلية وخارجية، ففي فترة حكمه وقعت حرب أهلية بين بني زمور، وسكان بلدة "طرميسة".(3) راح ضحيتها العديد من رجال هذه الأخيرة. وإذا كنا نجهل أسباب ودوافع هذه الحرب إلا أنه يمكن إرجاعها – على الأرجح - إلى تفشي الصراع القبلي والخلافات المذهبية، خاصة وأن الجبل شهد مختلف الطوائف من نكارية، وخلفية، ونفاثية، وربما السكاكية(4)
__________
(1) - هي قرية تقع في الجهة الشرقية من الجبل على ضفاف وادي الزرقاء. اشتهرت هذه البلدة بكثرة العلماء مثل زورغ الأرجانية، أبو الخير الأرجاني، وغيرهم. ينظر: معمر: الإباضية في ليبيا، ص199؛ R. Basset: Les sanctuaires, p395.
(2) - البغطوري: سير نفوسة، و65؛ الشماخي: المصدر السابق، ص244.
(3) - هي بلدة تقع على بعد أربعة أميال من "إجناون" بنيت فوق قمة جبل، وحفرت حولها خنادق، فلا يمكن العبور إليها إلا على معابر توضع في النهار وتزاح بالليل، ينظر: معمر: المرجع السابق، ص20.
(4) - تنسب الفرقة إلى رجل من قنطرارة اسمه عبد الله ويكنى بأبد الله واشتهر بلقب "السكاك" تعلم فنبغ في العلم وكانت له آراؤه الخاصة التي خالف فيها أهل المذهب وهي: 1-أنكر السنة والإجماع والقياس.
2 - اعتبر صلاة الجماعة والآذان بدعة.……3 - لا تجوز الصلاة إلا بما عرف تفسيره من القرآن.
4 - لا تجوز الصلاة بثوب فيه القمل.……5 - إذا بالت الدواب في الأندر لا يطهر إلا بالغسل.
للمزيد من التفاصيل عن هذه الفرقة: ينظر: الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص118-119؛ المارغني: فرق الإباضية الست، ص59؛ معمر: أضواء على الإباضية، المطابع العالمية روى، سلطنة عمان (د.ت)، ص31؛ يحي هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام، ج1، ص48؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص402-403. (1/193)
صفحة 194
. أما المتاعب الخارجية فتتمثل في الحملة التي شنها الفاطميون – كما سنرى - على الجبل(1).
وتشيد المصادر الإباضية بعدالته وورعه، فقد أهداه يهود "جادو" أربعين دينار بمناسبة ميلاد صبي له، ولكنه رفضها لأنه لا يقبل الهدايا وخاصة وأنه في هذا المنصب قائلا لهم: "لو قدرت أن أصونكم لأخذت منكم أكثر من هذا، يقصد الجزية". فتعجبوا من ورعه حتى قال قائلهم: "ما رأينا مثل هذه البلاد بلدة لا يأخذ سلطانها، ولا يطمع في أموال الناس"(2).
ورغم إشادة يهود جادو بعدله، إلا أن هناك من إخوانه من كان غير راض على سيرته. حيث تمكن أحد الجند من بلدة تسمى "تين بكر" من قتله، متهما إياه بالظلم عندما خرج لقتال الفاطميين في "تيرقت"(3).
__________
(1) - الشماخي: السير، ص243. T. Lewicki : Les Hakims, p100.
(2) - البغطوري: سير نفوسة، و64؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص152-153.
(3) - معمر: المرجع نفسه، ص154. T. Lewicki : op. Cit, p101. (1/194)
صفحة 195
وبعد مقتل أبي يحي اجتمع رأي المشائخ على تولية أبي عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس التندميرتي، وذلك سنة 325هـ (936م). ولم يدم حكمه طويلا حتى عزل من غير حدث(1)، ربما لم يحسن السيرة وربما لأسباب أخرى نجهلها، وعوض بأبي زكريا بن أبي يحي الأرجاني لكفاءته وقدرته على مواجهة الأحداث. ولم يدم حكمه هو الآخر إذ اغتيل مثل أبيه اغتاله رجل من "طرميسة" عندما كان عائدا من قتال الشيعة، وهنا تختلف الروايات حول خليفته من بعده، فإذا كان البغطوري يذكر بأنه بعد عودة نفوسة رجع مشائخها إلى أبي عبد الله بن أبي عمرو وطلبوا منه الرجوع في الأمور وقبل ذلك بدليل أنه قال لهم: "لولا أني خفت أن أكون كمن قتل نفوسة مرة أخرى لم أرجع في أموركم أبدا"(2). فإن الشماخي يذكر أن أبا زكريا قبيل وفاته اقترح عليهم "زيد بن أفصيت" المعروف بأبي محمد الدرفي(3) في حين يرى ليفيسكي أن أبا عبد الله بن أبي عمرو عين مرة أخرى ودامت ولايته طويلا إلى غاية منتصف القرن الرابع الهجري (10م)(4). وهو الشيء الذي أكده أبو زكريا حين تحدث عن مقتل أبي القاسم يزيد بن مخلد. ذلك أنه لما أرسل أباضية إفريقية أبا نوح سعيد بن زنغيل لاستنفار نفوسة، وكان شيخهم ومن ترفع إليه من الأمور أبا عبد الله بن أبي عمرو(5) ويحتمل أن قدومه إلى الجبل كان سنة 355هـ (965م)(6).
__________
(1) - البغطوري: المصدر السابق، و22؛ الشماخي: السير، ص244.
(2) - البغطوري: المصدر نفسه والورقة ذاتها.
(3) - ينظر: المصدر السابق، ص244.
(4) - ينظر: Les Hakims, p102.
(5) - ينظر: كتاب السيرة، ص201.
(6) - T. Lewicki :op. cit, p102. (1/195)
صفحة 196
والمؤكد أن أبا محمد الدرفي تولى السلطة في الجبل وتولى بعده ابنه أبو يحي، ولكن ولايتهما كانت على أهل جادو فقط، ولم تشمل الجبل كله كما أوصاهم أبو زكريا(1). اتخذ أبو عبد الله مدينة جادو مركزا للولاية حتى إن منزله – الذي كان يدير منه دفة الحكم - أصبح مشهورا في الجبل، فالإباضية يسمونه "دار بني عبد الله" وتكمن شهرته في أنه كان مجلسا وملتقى للمشائخ. وقد عايش أبو عبد الله أحداثا ساخنة كثورة النكار بزعامة أبي يزيد، رغم أن الوهبية كانوا غير معنيين بها حسب ما روته المصادر. كما شهد التحضير لثورة الوهبية فهو الذي وعد أبا نوح بإمداده بفرق من الجند رغم ضعف نفوسة وانكسارها بعد مانو، ولا نعرف بالضبط متى توفي لأنه مباشرة بعد انهزام الوهبية توجه أبو خزر إلى الجبل، وكان الوالي وقتها أبو زكريا عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس، فقد كان هذا الأخير "القائم على شأن أبي خزر والحافظ له"(2) ويمكن تحديد تاريخ وفاته بين سنتي 355هـ (965م) و358هـ (968م).
__________
(1) - الشماخي: السير، ص285.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص231. (1/196)
صفحة 197
تولى أبو زكريا السلطة باتفاق المشائخ، ودام حكمه ستين سنة وقيل سبعين، فإذا كان تعيينه قد تم بأشهر قليلة قبيل هزيمة الوهبية، فمعنى هذا أن حكمه دام إلى غاية سنة 418 هـ (1027م) أو (1036م)(1). عرف أبو زكريا – كغيره من الولاة - بغزارة علمه ورغم ذلك كان يستعين بأبي محمد الكباوي، وأبي يحي الفرسطائي حتى إنه كان يحكم بما اتفقا عليه. وكان لا يتوانى في ملاحقة الجناة في مختلف حواضر الجبل. فقد قيل له إن أحدهم في "إجناون" فتوجه إليه صبيحة العيد، وطلب من عزابتها تسليمه لحبسه في جادو، وسمع بآخر في بلدة "ويفات" (2) فألقى عليه القبض ونفذ فيه حكم الشرع(3)، ولا نستغرب إذا أشاد البغطوري بتقواه وحزمه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: "لا ينام كل ليلة حتى يميز نفوسة كلها قويهم وضعيفهم، ومن فيه الحق ومن لم يكن فيه الحق، وذلك من كثرة خوفه من التقصير"(4).
حاول في العديد من المرات التخلص من هذا العبء، لكن المشائخ رفضوا فهو الذي جنبهم سيوف الفاطميين وبني زيري – كما سنرى فيما بعد - بحنكته السياسية، وظل على هذه السيرة إلى أن اشتد عليه المرض. فلما سأله المشائخ رأيه فيمن يولونه أمورهم اقترح عليهم أحد الثلاثة: أبو زكريا اللالوتي، أبو يعقوب البغطوري، أو أبو داود سليمان الدرفي، ولكن نفوسة رفضت الأول لبعد منزله، ورفضت الثاني لأنها تأبى أن تتقدم قبيلته، فعين لهم ابنه أبا موسى عيسى بشرط أن ينال تزكية أبي داود سليمان الدرفي، مقدم بني زمور، أهم قبيلة إباضية وهبية في الجزء الشرقي من الجبل. وعندما علم أبو داود بالوصية عمل كل ما في وسعه لتنفيذها(5).
__________
(1) - T. Lewicki : Les Hakims, p103.
(2) - هي قرية تبعد عن جادو بعشرة أميال.
(3) - الشماخي: السير، ص319؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص182.
(4) - ينظر: سير نفوسة، و22.
(5) - الشماخي: المصدر السابق، ص321؛ معمر: المرجع السابق، ص185؛ T. Lewicki : Les Hakims, p102. (1/197)
صفحة 198
ولما كان أبو زكريا يحتضر أراد المشائخ نقله على محمل إلى "تندميرة" (1) مسقط رأسه ليُدفن هناك، ولكنه توفي في الطريق في موقع يسمى "تمزدة" فدفن فيه(2) وتولى الولاية بعده ابنه موسى عيسى باتفاق أولي الأمر. ولا نعرف الكثير عن فترة ولايته، ويبدو أنها كانت قصيرة إذ آلت إلى أبي سليمان التندميرتي، ومنه إلى أبي عمرو ميمون بن محمد الشروسي، الذي تصنفه المصادر ضمن الطبقة الثامنة (350-400هـ) (961-1009م)، فقد كان هذا الأخير معاصرا للأمير المعز بن باديس (406-453هـ) (1015-1061م)، اتخذ مدينة شروس – مسقط رأسه - مقرا للولاية. عرف بشدته في الأمر والنهي، وبمحاربة الآفات الاجتماعية، فقد انتقل إلى "الفحص وهو موضع يبعد عن شروس بستة أميال ليقيم الحد على جماعة بلغه أنهم يشربون الخمر، فلما أمسك بهم كسر آنيتهم وأراق شرابهم، وأحضر أحدهم موثقا فحبسه في منزله حتى يبت المشائخ في أمره، وقد حاول الجاني اغتياله لكن المحاولة باءت بالفشل(3). وتجدر الإشارة إلى أنه يفهم من حديث الشماخي بأن الوالي وقتئذ كان غيره، لأنه عندما حمل المشائخ الجاني إلى الوالي قال هذا الأخير لأبي عمر: "كدت أن تعمي الإسلام"(4).
__________
(1) - هي إحدى المدن المشهورة في الجبل، ينتسب إليها العديد من العلماء والزعماء مثل أبي منصور إلياس وأبي زكريا وغيرهم، عرفت كذلك باسم "تندميرت" و"تندنميرت" و"تندنميرة" تقع في الجزء الغربي من الجبل في بلاد الحرابة، ينظر: معمر: المرجع نفسه، ص187؛ T. Lewicki : Tasmiya Suyuks Nafusa, p103..
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص321؛ معمر: المرجع نفسه، ص185.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص273؛ معمر: المرجع نفسه، ص165.
T. Lewicki, Les hakims, p105. R. Basset :Les sanctuaires, p386.
(4) - ينظر: المصدر، ص274. (1/198)
صفحة 199
وتولى ولاية الجبل بعد أبي عمرو ميمون أبو الفضل سهل، أحد علماء الطبقة الثامنة حسب تصنيف الدرجيني (350-400هـ) ولا نعرف تاريخ توليته، بل كل ما نعرف انه تولى الرياسة في ظروف صعبة تتمثل في كثرة الغارات. هذه الغارات التي هددت أمن الجبل واستقراره مما أجبره على تعيين حاميات في كل نواحي الجبل لتحسس الأخبار. كما تذكر المصادر أنه جهز حملة عسكرية توجهت إلى "غدامس" لوقوع فساد فيها. ورغم بعدها عن مركز ولايته بسبع أو بثماني مراحل إلا أنه صمم على قتال أهلها رغم معارضة المشائخ له. وتمكن من إلحاق الهزيمة بالغدامسيين وإصلاح الفساد(1).
ولا نعلم هل غدامس كانت تابعة للجبل تبعية سياسية أم روحية ؟ أم إن تأديب أهلها يدخل في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ ويحتمل أن هذا الأخير هو الأرجح لأن المشائخ اتفق رأيهم – كما مر بنا - على رده وعدم تركه يواصل تلك المغامرة. فقد أودت فعلا بحياته رغم الانتصار الذي حققه. ويرى ليفيسكي أن سكان غدامس هم الذين طلبوا المساعدة من نفوسة باعتبار أن سكانها من المذهب نفسه(2). ويحتمل كذلك أن هذا الفساد الذي تحدثت عنه المصادر هو من صنع قبائل بني هلال، لأن أبا الفضل عايش هجرتهم إلى بلاد المغرب وما صاحبها من تخريب وغارات على أملاك الناس.
وبعد مقتله اتفق أهل الحل والعقد على تولية أبي زكريا يحي بن إبراهيم الباروني النفوسي وذلك في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (11م)، وتواصل تعيين الشيوخ على ولاية الجبل بعد الفترة التي نؤرخ لها. مثل أبي هارون موسى بن هارون الذي نقل مركز السلطة من "جادو" إلى "إبناين"، وأبي الربيع سليمان بن أبي هارون، وأبي يحي بن ماطوس وغيرهم.
__________
(1) - المصدر نفسه، ص275؛ معمر: المرجع السابق، ص169-170.
(2) - ينظر: Les hakims, p105-106. (1/199)
صفحة 200
ومما يمكن ملاحظته من خلال ما مر أن رياسة الجبل لم تقتصر على شيوخ من جهة ما، بل تولاها كل من رأى فيه النفوسيون الكفاءة. فقد تولاها شيوخ من أدرف، إرجان، شروس، بغطورة، تندميرة، لالوت. كما أن مركز الرياسة كان تارة في جادو، وتارة في شروس، وأخرى في "إبناين". وكان بالإمكان أن يرتقى مقدم بلدة ما إلى رياسة الجبل كله مثلما حدث مع مقدم بني زمور. ومما يجب الإشارة إليه هو أن سكان الجبل حافظوا على مبدأ الوراثة في تداول السلطة في أغلب الأحيان. وفي الأخير نقول بأن النفوسيين اكتفوا في هذه المرحلة بحكم خاص بهم حيث يجتمع أهل الحل والعقد فيختارون أكفأهم، وتكون صلاحيات رئيس أهل الدعوة سارية على جميع إباضية الجبل والمناطق التابعة له. وقد مر بنا أن الوالي سير الجيوش، وحارب الآفات الاجتماعية وحبس الجناة، وفض النزاعات، واتخذ مساعدين له من العلماء والأعيان. ولا نعلم إن كان هناك بيت للمال ؟ فالمصادر لا تعطينا معلومات عن مؤسسات الولاية. وإذا كنا قد ذكرنا سابقا بأن المصادر أوردت لنا مجموعة من المصطلحات مثل (حاكم)، (إمام)، (مقدم)، و(أمير) فإن الوسياني يردد كثيرا عبارة "رئيس أهل الدعوة"،(1) وإذا كان أهل الدعوة كذلك قد سهروا طيلة حياتهم على ضرورة الحفاظ على وحدة سكان الجبل تحت رياسة واحدة، وظلوا ينصبون رؤساء عامين عليهم، فإنهم قد نصبوا كذلك مقدمين على القبائل والمدن.
ب - مقدمي النواحي:
يبدو أن الهدف من تنصيب هؤلاء "المقدمين" هو تخفيف العبء على الوالي العام، ولكنهم كانوا تابعين للسلطة المركزية في جادو أو شروس. وكان لهؤلاء تأثير قوي ونفوذ كبير. وقد مر بنا أن أبا زكريا بن أبي عبد الله رشح ابنه عيسى لتولي السلطة بعده بشرط موافقة أبي داود سليمان الدرفي حاكم بني زمور(2)
__________
(1) - ينظر: السير، ج2، و31.
(2) - بنو زمور هم أحد فروع قبيلة نفوسة، كانوا يستوطنون جزء من منطقة الرجبان الحالية والتي تقع شرق فساطو.
T. Lewicki, Les hakims, p122. (1/200)
صفحة 201
وهذا يدل على مدى تأثير زعماء القبائل في القرار الصادر في مركز الرياسة. كما تجدر الإشارة إلى أن "رئيس أهل الدعوة" قد يعين هو شخصيا مقدما لقبيلة من القبائل. فقد روي أن رجلا من بني زمور طلب من أبي الربيع بن هارون تعيين مقدم منهم(1).
وتذكر المصادر أن أول مقدم على بني زمور هو أبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب الدرفي، وهو ابن لأبي يحي يوسف بن أبي محمد زيد بن أفصيت الدرفي مقدم جادو، تولى رئاسة القبيلة مع نهاية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وبداية القرن الخامس (الحادي عشر الميلادي). وكانت فترة حكمه قصيرة حيث عزل وآلت الرياسة لأخيه أبي داود وتصف المصادر فترة رياسته بأنها من الفترات الزاهية، وهي الفترة التي تعاصر تولية أبي زكريا بن أبي عبد الله التندميرتي(2).
__________
(1) - البغطوري: سير نفوسة، و14.
(2) - الشماخي: السير، ص287-288. -T Lewicki, op. cit, p112-113 (1/201)
صفحة 202
وجاء في المصادر أن نفوسة قد ترفض تولي شخص ما السلطة، فقد حدث ذلك عندما أبى أبو زكريا التندميرتي تعيين أو حتى ترشيح أبي يعقوب البغطوري، بحجة أن نفوسة تأبى أن تتقدم قبيلته(1) ويفهم من ذلك أن الاعتبارات القبلية كانت ضمن المقاييس الهامة في اختيار المقدمين، وكانت نفوسة تميز بين القبائل ذات النفوذ، والقوة، والسعة، والسلطان، منذ قيام الدولة الرستمية وما زيارة الإمام عبد الوهاب لمدينتهم "ميري" واستقراره فيها عدة أيام لدليل على ذلك، وخشية المشاكل كانت نفوسة تتجنب الدخول فى صدام مع القبائل الكبرى مثل قبيلة مزاتة، التي ينسب إليها أبو يحي زكريا الأرجان،ي وأبو مرداس مهاصر، أو قبيلة هوارة، ولواتة، وزناتة، وسدراتة، وزواغة. أما القبائل المستضعفة فنذكر منها تناوتة، وزنداجة، ويزمرتن، وبعض العرب من معافير اليمن.
__________
(1) - قال له ابن ومار (أي لأبي زكريا) من ترى لنا ولنفوسة بعدك، قال: ما تجرأ أن يسألني عن هذا أحد غيرك قال: قد فعلت فأخبرني، قال: أبو زكريا اللالوتي يبلغ مثل ما أبلغ أو أكثر ولكن منزله في الطرف، وأبو يعقوب البغطوري مثل ذلك لكن نفوسة يأبون أن تتقدم قبيلته، ينظر: الشماخي: المصدر نفسه، ص321. (1/202)
صفحة 203
وقد يتولى شخص ما السلطة في جادو فقط، وفي بعض الأحيان جادو ونواحيها، حتى وإن كان الوالي العام قد اتخذ المدينة نفسها مقرا له. فقد تولى – مثلا - أبو محمد زيد بن أفصيت الدرفي، ومن بعده ابنه يحي ولاية مدينة جادو، وقد كان أبو محمد معاصرا لأبي زكريا بن أبي عبد الله التندميرتي، وهو غير أبو محمد ملي الإيدرفي الذي تحدث عنه الدرجني(1) لأن هذا الأخير ينتمي إلى الطبقة السادسة (250-300هـ) وكان معاصرا لعمروس بن فتح قاضي أبي منصور إلياس، عامل الإمام أبي القيظان محمد بن أفلح على الجبل(2). ولذلك يرى الشماخي بأنه يحتمل أن يكون "ملي" لقبا له، وإما اسما لشيخ آخر(3). وكان أبو محمد الدرفي يملك دارا في سوق جادو تسمى "دار بني عبد الله"، وقد اشتهرت هذه الدار حتى إنه دفن أمامها بطلب منه، لأن الشيوخ حملوه وهو مريض يبتغون منزله حتى بلغوا "ماطس" فلما أفاق من غيبوبته طلب منهم إعادته إلى موضع الرباط والجهاد(4).
__________
(1) - ينظر: طبقات المشائخ، ج2، ص332.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص145.
(3) - ينظر: السير، ص284.
(4) - المصدر نفسه، ص286. T. Lewicki, les hakims, p110. (1/203)
صفحة 204
وكان لويغو مقدمون محليون منهم أبو عبد الله الويغوي الكبير، وأبو عبد الله الويغوي الصغير، تزعما البلدة في نهاية القرن الرابع الهجري (10م) أو في بداية القرن الخامس الهجري (11م)(1). وفي شروس عين أبو الشعثاء بن البغطوري مقدما عليها في زمن رياسة أبي زكريا بن أبي عبد الله التندميرتي على الجبل(2). وكان لفساطو هي الأخرى مقدم يسمى نصر بن أكبت، ولي في أواخر القرن 4هـ (10م) أو بداية القرن 5هـ (11م) كان معاصرا لأبي محمد الدرفي مقدم جادو(3)، وفي لالوت (نالوت) تولت مجموعة من الشيوخ أمور أهل الدعوة منهم: أبو عبد الله محمد بن جلداسن اللالوتي النفوسي (الطبقة السابعة 300-350هـ). وإذا كان على يحي معمر قد ذكر بأنه كان واليا عاما على الجبل(4) فإن ليفيسكي، وباسيه Basset يريان بأنه كان مقدما على (لالوت) دون غيرها، في إمامة أفلح بن عبد الوهاب (211-258هـ) (823-871م)، وبذلك يصنفانه ضمن طبقة علماء القرن 3هـ (9م)(5). وهذا ما يؤكده الشماخي ولكنه لا يذكر أنه كان مقدما على لالوت(6). وخلف أبي عبد الله تلميذه أبو زكريا يحي بن سفيان اللالوتي. وإذ كنا نجهل التاريخ الذي ولي فيه، إلا أننا نعرف أنه عاش في القرن 4هـ (10م) وهذا يسمح لنا كذلك بتحديد فترة حكم سابقه، وهي إما نهاية القرن الثالث الهجري (9م)، أو بداية القرن الرابع الهجري (10م).
__________
(1) - المرجع السابق: ص326. T. Lewicki, les hakims, p110
(2) - نفسه، ص326. Ibid, p110.
(3) – نفسه، ص2285. Ibid, p11.
(4) - ينظر: الإباضية في ليبيا، ص177.
(5) - T. Lewicki, op. cit, p109. R. Basset :Les sanctuaires, p373.
(6) - ينظر: السير، ص289. (1/204)
صفحة 205
وفي "تغرويت"(1) تداول على تسيير شؤون أهل الدعوة شيوخ منهم: أبو ويسجمن (أبو ويسجيممان) الذي ولي في منتصف القرن 4هـ (10م)(2). أما عاصمة الجبل الغربية "شروس" فقد تولى السلطة فيها بعد موقعة مانو أبو يحي سليمان بن ماطوس الذي يصنف ضمن علماء الطبقة السابعة (300-350هـ). وقد كان هذا الأخير معاصرا لأبي عبد الله محمد بن جلداسن اللالوتي. أما في تغرمين(3) فلا نعرف أكثر من مقدمين هما أبو محمد عبيدة بن زارود التغرميني، وأبو يعقوب التغرميني. اشتهر الأول بالعلم والورع، أما الثاني فهو الذي كلفته نفوسة بحمل ما يدارون به عن الجبل من ضرائب إلى عامل بني زيري. وكان ذلك في فترة رياسة أبي زكريا بن أبي عبد الله التندميرتي، ويبدو أن أبا يعقوب كان في البداية مقدما على تغرمين وبني زمور أيضا، لأن هؤلاء طلبوا منه أن يعين عليهم مقدما منهم فتم لهم ذلك(4).
__________
(1) - تقع هذه البلدة غرب "لالوت" كانت آهلة بالسكان عرفت بثقلها العلمي حيث كانت من أهم المراكزالعلمية بالجبل، فقد عاش فيها سبعون عالما من أصحاب القلنسوات. وكان جل سكانها من قبيلة زناتة، وقد غادروها إلى وارجلان. ينظر: الشماخي: المصدر نفسه، ص296.
(2) - المصدر نفس،ص296. T. Lewicki, les hakims, p109.
(3) - تعرف كذلك بـ "تاغرمين" تقع على الضفة الشرقية لوادي الآخرة وهي التي أصبحت تعرف اليوم بـ "الزنتان" ينسب إليهاأبي يعقوب التغرميني. ينظر: معمر: الإباضية في ليبيا، ص212.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص248-251. T. Lewicki, op.cit, p112-114. (1/205)
صفحة 206
ومهما يكن من أمر فإن إباضية جبل نفوسة حافظوا على وحدتهم بتعيين شيوخ على ولاية الجبل لرعاية مصالح أهل الدعوة، وظلت الرياسة في العديد من المرات تنتقل من الأب إلى الابن، ومحصورة في طبقة معينة من الناس(1) مع مراعاة مجموعة من المقاييس كالكفاءة، والعلم، والعدل، والشدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالإضافة إلى ضرورة إجماع القبائل. ومما يجب الإشارة إليه في الأخير هو أن الولاة اتخذوا كتابا يساعدونهم في أعمالهم، فالمصادر تذكر أن أبا عبد الله محمد بن جنون كان كاتبا لأبي زكريا بن أبي عبد الله التندميرتي(2).
2 - الحروب الأهلية:
__________
(1) - نلاحظ سيطرة بعض الأسر على الرياسة في الجبل، فقد انتقلت السلطة من أبي الخطاب عبد الأعلى إلى ابنه السمح. كما انتقلت من أبي منصور إلياس إلى ابنه أبي زكريا ثم إلى حفيده أبي موسى عيسى. وانتقلت السلطة في جادومن أبي محمد الدرفي إلى ابنه يحي ثم إلى حفيده محمد بن أبي يعقوب. وفي ويغو ظلت السلطة بيد أسرة أبي عبد الله الويغوي.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص323. (1/206)
صفحة 207
كان المذهب الإباضي القاسم المشترك بين القبائل، ورغم ذلك نشبت خلافات عديدة بينها. وقد أدت في بعض الأحيان إلى وقوع حروب أهلية عانى الشيوخ الكثير من أجل إخمادها. ورغم أن مصادرنا لا توضح الدوافع الحقيقية التي تقف وراءها، إلا أننا نعتقد بأن الخلافات المذهبية والصراع القبلي كانا السبب المباشر في حدوثها. فالشماخي تحدث عن حرب وقعت بين أهل ويغو وأهل شروس، في زمن أبي عبد الله الويغوي، وأبي الشعثاء بن البغطوري في نهاية القرن 4هـ (10م) أو في بداية القرن الخامس الهجري (10م). كما حدثت حرب أخرى في زمن وارسفلاس بن مهدي(1) دامت سبع سنوات، وأشار الشماخي إلى اقتتال حدث بين "شروس" و"تندميرت"، في زمن ماطوس بن هارون، وماطوس بن ماطوس أي في نهاية القرن الثالث الهجري (9م)، لأن ماطوس بن هارون قتل في موقعة مانو سنة 283هـ، وباشتعال الفتنة خرجا من شروس خشية ما يلحقهما من إثم(2).
كما نشب قتال في زمن أبي خزر (الطبقة السابعة 300-350هـ) بين بني واسين وبني يفرن، انتهى بانهزام بني واسين. وتمكن أبو خزر من إقامة الصلح بينهما(3). ومما يؤكد هذا الصراع القبلي أن أبا يحي زكريا الأرجاني خص كلا من بني زمور وطرميسة بسوق واحدة في الأسبوع في جادو، لا يجوز للفريق الآخر حضورها حتى لا يقع الشغب الذي طال مداه. فكان لبني زمور يوم الخميس، ولطرميسة يوم الأحد(4).
__________
(1) - يدعى كذلك "وارسفلاسان بن مهدي" وهو عالم مشهور مثل أبيه، اهتم بمطالعة الكتب ودراستها، فقد مكث في خزانة نفوسة إثني عشر سنة يستفيد من كتبها. ولما وقعت الحرب اعتزل الفتنة، وظل في داره المدة كلها لا يخرج من بيته إلا للحاجة. ينظر: الشماخي: المصدر نفسه، ص327. T. Lewicki, Tasmiya Suyuks Nafusa, p103.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص266.
(3) - المصدر نفسه، ص355-356؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص218.
(4) - البغطوري: سير نفوسة، و64؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص153. (1/207)
صفحة 208
وإلى جانب هذا التطاحن الداخلي تعرض الجبل لغارات قبيلة زناتة، الظاعنة بمنطقة طرابلس. ففي زمن أبي يحي بن أبي محمد زيد بن أفصيت الدرفي – حاكم جادو - (النصف الثاني من القرن 4هـ) (10م) هجمت زناتة بجيش على قصر "أدرف"(1) فخربوه، تزعم زناتة رجل يدعى "مجدول بن يوسف الطرميسي"(2).
وخلاصة القول نقول إنه إذا كانت المصادر الإباضية الوهبية تحاشت الحديث بإسهاب عن هذه الحروب الأهلية، وشحت في ذكر دوافعها، إلا أنه يمكننا إرجاعها إلى مجموعة من الأسباب منها الصراع القبلي الذي أشرنا إليه سابقا خاصة وأن الوازع الديني والرابطة المذهبية تقلص مفعولهما. وأصبحت القبائل الكبيرة هي المهيمنة على الجبل من حيث الجاه والنفوذ والسلطة، وقد سبق الذكر أن صراعا حادا نشب بين بني زمور، وطرميسة. إن الخلافات المذهبية كانت سببا في انقسام المجتمع النفوسي إلى شيع متناحرة حتى اضطر المشائخ إلى إشراك مختلف الطوائف في أمور المسلمين، فقد روى الشماخي أن أبا الربيع سليمان بن زرقون النفوسي (الطبقة السابعة 300-350هـ) عندما مر في طريقه على بلدة "ريصو" بجزيرة جربة جعل القضاء والأحكام لأبي الخطاب، وسيل بن سنتين الزواغي، والفتيا للنكار، وإمامة رمضان للخلفية، والآذان للنفاثية(3).
__________
(1) - يقع هذا القصر جنوب مدينة ميري بنحو ميلين تقريبا وهي إحدى مدن بني زمور، ينظر: معمر: المرجع نفسه، ص212.
(2) - الشماخي: السير، ص287-288؛ معمر: المرجع نفسه، ص171-172.
(3) - ينظر: السير، ص281-282. (1/208)
صفحة 209
وقد استفحل هذا الصراع واشتد بين أتباع هذه الطوائف، خاصة وأن بعض القبائل القوية أخذت بمذاهبها. فقد انضم مثلا بنو يفرن إلى حركة النكارية، وكان لهم دور كبير في محاربة الإمام عبد الوهاب، وفي مؤازرة أبي يزيد مخلد بن كيداد، ولذلك فغير مستبعد أن يستمر هذا العداء التاريخي بين الوهبية وبين النكارية سواء من بني يفرن أو من لواتة، ومما زاد في تدهور العلاقات بين الوهبية والنكارية والخلفية والنفاثية والسكاكية مسألة البراءة، ذلك أن الوهبية تبرأوا من كل مخالف لمذهبهم، مما أدى إلى تفشي الأحقاد بين الأخوة الأعداء، وأصبحوا كالتيوس إذا اجتمعوا تناطحوا وإذا افترقوا تصايحوا. مثلما قال أبو عبد الله محمد بن بكر، ولا يستبعد أن يكون تحول بعض القبائل من المذهب الإباضي إلى المذاهب الأخرى سببا في الحروب التي وقعت في الجبل. وكمثال على ذلك أن سكان مدينة ميري المشهورة في التاريخ تحولوا لاحقا إلى المذهب المالكي(1).
__________
(1) - الباروني: الأزهار، ص192. (1/209)
صفحة 210
وعلى العموم فإن المجتمع الإباضي في بلاد المغرب – ومع مرور الزمن - لم يحافظ على روح الجماعة والتكتل بل حتى على روح المذهب، فسرعان ما انتشر الفساد كشرب الخمر والزنا. وقد عبر عن ذلك أبو نوح عندما زار وارجلان بقوله: "إني رأيت فيكم ثلاث خصال غير مرضية ولا ناهيا عنها، إحداهما أن نكاح السر فيكم فاش، فإذا مر أحدكم برجل وامرأة مجتمعين في موضع التهمة اشمأز قلبه، فإن زجرهما عن الاجتماع في موضع الريبة قالا إنا متناكحان فكادت أن تظهر فيكم الفاحشة بل ظهرت، والثانية أن أحدكم يطلق عبيده فلا يعولوهم، ولا يمونهم، ولا يكفيهم طلب معاشهم، فينطلقون في أموال الناس على غير رضى أصحاب الأموال، وعلى غير إذنهم فيكاد أحدكم يكون سارقا وهو في محرابه جالس، والثالثة أنكم أظهرتم فيما بينكم التحزب، والتفرق، فطائفة منم يقولون مسجدنا ومسجدكم، وطائفة يقولون حضيرنا وحضيركم، ويهودينا ويهوديكم"(1).
3 - الهجرة النفوسية إلى إفريقية والمغرب الأوسط:
عرف جبل نفوسة حركة هجرة تعددت وجهاتها، فمن النفوسيين من انتقل إلى تاهرت واستقر في العدوة المعروفة باسمهم، ومنهم من اتجه إلى بعض مدن إفريقية وصحراء المغرب الأوسط، أما عن دوافع هذه الهجرة فهي متعددة، فمنها القحط، وحدوث مجاعات في الجبل، ومنها فترات عدم الاستقرار التي مر بها. أضف إلى ذلك أن ضرورة استمرار حركة الدعوة تتطلب من الشيوخ وتلاميذهم الاستقرار في بعض مدن إفريقية والمغرب الأوسط.
__________
(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص154-155. (1/210)
صفحة 211
من المجاعات التي حلت بالجبل واضطر خلالها السكان إلى أكل الميتة تلك التي حدثت في عصر أبي ميمون الجيطالي (ط 5) (200-250هـ)(1) وفي زمن أبي الخطاب وسيل بن سنتين (ط ) (7 300-350هـ) وفدت إلى أبي أيوب بن كلابة الزواغي المقيم بـ "ريضة" قرب جربة جماعة من سكان الجبل بسبب القحط فاستضافهم لمدة شهر(2). وعرفت مدينة طرابلس وضواحيها سنة 430هـ (1038م) جفافا أجبر السكان على التفرق والاتجاه إلى المناطق الخصبة التي يتوفر فيها الغذاء، وقد عرفت هذه السنة في المصادر باسم (فرورار) أو(فرور)(3). وهناك العديد من الشواهد وردت في سير الشماخي تؤكد بأن هجرة كثيفة حدثت بسبب القحط والجدب(4).
__________
(1) - الوسياني: السير، ج2 و8؛ الدرجيني: المصدر نفسه، ج2، ص295-296.
(2) - الشماخي: السير، ص282-284؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص189.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص400؛ أبو زكريا: المصدر نفسه، ص305.
(4) - ينظر: ص232-256-300. (1/211)
صفحة 212
وكانت أكبر مجموعة قد اتجهت إلى إفريقية واستقرت في الساحل منذ إمامة عبد الوهاب (171-211هـ) (787-826م)، ذلك أن هذا الأخير أقطع نفوسة أرضا في هذه المنطقة ووضع لها حدودا. وقد أورد الوسياني (ت ق 6هـ/12م) نص الرسالة التي بعثها الإمام إلى نفوسة،(1) والتي بين فيها حدود هذا الإقطاع حيث تبدأ من "ورد قلورية" إلى "تنوجدت" إلى "قبر الصياد" إلى "فج المصابيح" إلى "زيتونة العصافير". وقد ذكر الوسياني نقلا عن أبي يحي بن ويجمن (ط 9) ( 400-450هـ) أن الساحل كله يدخل ضمن هذه الحدود(2).
__________
(1) - قال الوسياني: "ذكر عن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه "كتب إلى نفوسة الراحلين من الجبل كتابا وهم الخارجون عنه وكانوا في ألف رجل، وخاف مما يعتريهم من التغيير والتتيت فكتب إليهم كتابا مع عامله عليهم، وقطع لهم أرضا كثيرة وهي هذه الحدود التي نذكر "ورد قلورية" إلى "تنوجدت" إلى "قبر الصياد" إلى "فج المصابيح" إلى "زيتونة العصافير" لنا وللمسلمين أغرسوا فيه بأمرنا وأحرثوا فيه بإذننا". ينظر: السير، ج2، و29.
(2) - ينظر: المصدر نفسه والجزء والورقة ذاتهما. (1/212)
صفحة 213
وقد قام ليفيسكي بتحليل محتوى هذه الرسالة ودراستها، واستنتج بأن الساحل – حسب الرسالة - هو كل المنطقة الممتدة من "هرقلة" في الشمال إلى غاية "راس قبودية(1) في الجنوب الشرقي لإفريقية. وكانت هذه المنطقة في السابق تشمل كل البلاد الممتدة بين صفاقس وقابس(2). ويرى اليعقوبي أن بلدة "قبيشة" التي تبعد عن صفاقس بمرحلتين فقط هي آخر بلد الساحل (3). ونرجح أن الموضع الوارد في الرسالة باسم "زيتونة الصعافير" (العصافير) هو نفسه المكان المسمى بـ "عين الزيتونة" الذي أشار إليه كل من اليعقوبي والبكري والذي يقع على الطريق الرابط بين قابس وصفاقس. أضف إلى ذلك أن الموضع المعروف بـ "تاورقي" الذي لا يبعد كثيرا عن عين الزيتونة هو في طرف ساحل الزيتون(4). والملاحظ أن هذه المناطق كانت مواطن لقبائل لواتة، ولماية، ونفوسة، ومزاتة، وزواغة، وغيرها(5). ونحن نعلم أن هذه القبائل كانت إباضية المذهب وتابعة للدولة الرستمية في عهد عبد الوهاب. ولما توجه هذا الأخير إلى طرابلس في طريقه إلى الحج، أرسل قطفان بن سلمة وحاصرها ثم استولى عليها، وانتقل بعدها إلى ما يليها من القرى والجبال. مثل مواطن مطماطة، وزنزفة، ثم جزيرة جربة، فاستولى عليها ورتب فيها العمال(6). ويرى ليفيسكي أن النفوذ الرستمي في هذه المناطق ظل متواجدا بقوة خاصة في عهد الإمام عبد الوهاب، فالأغالبة كانوا منشغلين بالثورات الداخلية ولم يتمكنوا من
__________
(1) - ذكر البكري أن مرسى "هرقلة" يقع بالقرب من مدينة متوسة، وأن مرسى "قبودية" لا يبعد كثيرا عن المهدية. ينظر: المغرب، ص84-85.
(2) - T. Lewicki, Un document ibadite inédit sur l émigration des Nafusa du Gabal dans le sahil tunisien au VII/IX S Folio Orientalia, T2, 1959, p185-186.
(3) - ينظر: صفة المغرب، ص11.
(4) - اليعقوبي: المصدر نفسه، ص8؛ البكري: المغرب، ص19.
(5) - البكري: المصدر نفسه، ص18.
(6) - الباروني: الأزهار، ص199. (1/213)
صفحة 214
حماية حدودهم الجنوبية، وقد انتهى هذا النفوذ بعد سنة 224هـ (838م) عندما سحق الأغالبة تحالف القبائل الإباضية من لواتة وزواغة ومكناسة، بين مدينتي قسطيلية وقفصة(1).
ومن المؤكد أن جالية كبيرة من النفوسيين كانت تعيش في الساحل الشرقي لإفريقية بين قابس وصفا قس. وقد حددت الرسالة عددهم بحوالي ألف رجل، مما يعني أن هذا العدد يشكل في الحقيقة أرباب الأسر، وبالتالي فإن عددهم يفوق العدد المذكور. وقد استمر تواجد هؤلاء في المنطقة إلى عصر أبي زكريا يحي بن ويجمن الهواري (ط9 ) (400-450هـ)(2).
__________
(1) - T. Lewicki, Un document ibadite inédit, P185-186.
(2) - T. Lewicki, ibid, P187. (1/214)
صفحة 215
وقد أورد ابن سلام أسماء مجموعة من العلماء كانوا يسكنون في الساحل منهم "سعيد الحداي"، وأبو سعيد عربي، في موضع يقع في قبلة "المرج"، وحارث أبو الغدير مهراني "بالسبخة" قبلة سوسة، وسليمان بن جاس بـ "قلوط" غرب سوسة، ويوسف الفتاح (ت260هـ) كان يسكن في موضع غير معروف استوطنه حوالي خمسمائة رجل من أهل الدعوة، ورجل آخر يدعى أبو حبيب كان يسكن بقفصة الساحل قبلة سوسة. (1) ويرى ليفيسكي أن قفصة الساحل سميت لهذا الاسم تميزا لها عن قفصة بلاد الجريد، وربما هي الموضع نفسه الذي ذكره البكري باسم "رباط قفصة"، الواقع قرب المهدية أو "قصر قفصة" الذي ذكره المالكي. وحسب هذا الأخير فإن "قصر قفصة" يعرف كذلك باسم "الديماس". وقد ذكر الإدريسي أنه يقع على بعد ثمانية أميال شمال المهدية(2). ويرى ليفيسكي أن تسمية "قفصة الساحل" هي نفسها "قبيشة" الواقعة على الساحل، والتي تبعد مسيرة يومين عن صفاقس(3). ونحن نرى بأن بلاد الساحل تشمل كل المنطقة الممتدة من قبلة القيروان إلى غاية مدينة قبيشة التي تبعد عن صفاقس بمرحلتين، وليس كما ذهب إليه ليفيسكي، لأن اليعقوبي يقول: "ومما يلي القبلة من القيروان بلد يقال له الساحل وليس بساحل بحر، كثير السواد من الزيتون والشجر والكروم، وهي قرى متصلة ببعضها في بعض، كثيرة ولهذا البلد مدينتان يقال لإحداهما (!) وللأخرى قبيشة. ومن بلد الساحل إلى مدينة يقال لها أسفاقس على مرحلتين"(4).
__________
(1) - ينظر: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص157-159.
(2) - ينظر: القارة الإفريقية، ص203.
(3) - T. Lewicki, Un document ibadite inédit, P189-190.
(4) - ينظر: صفة المغرب، ص11. (1/215)
صفحة 216
كما استوطنت جماعة أخرى ساحل المهدية منها الطاهر بن يوسف، وهو عالم فقيه، كان معاصرا للأمير المعز بن باديس (404-454هـ) (1013-1062م)، ومنها أبو الخير توزين الزواغي، وأبو عبد الله محمد سودرين، وأبو سعيد يخلفتن النفوسي، وأبو زكريا فصيل الزواغي(1).
وبالإضافة إلى الساحل اتجهت مجموعة من المهاجرين إلى القيروان. وقد ذكر ابن سلام أسماء بعض العلماء الذين استقروا فيها أو في أرباضها منهم: أبو عبد الله الذي كان يسكن حارة بن محرز في وسط سوق الأحد غرب مدينة القيروان. وكان هذا الأخير يخرج كل سنة إلى مكان يسمى "منزل أبي الأزهر" ليجتمع بإخوانه من هوارة وزناتة. وضم "باطن المرج" ثاني تجمع إباضي بعد الساحل من حيث الكثافة إذا قدر ابن سلام عدد النفوسيين فيه بحوالي خمسمائة رجل أو أكثر، اشتهر منهم أبو عمر حفصون النفوسي بعلمه وورعه (2).
__________
(1) - T. Lewicki, op.cit, p189-190.
(2) - ينظر: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص157-159. (1/216)
صفحة 217
كما هاجر النفوسيون إلى بلاد الجريد خاصة وأن إخوانهم في المذهب متواجدون بكثرة في قفصة، وتوزر، والحامة، وقسطيلية، ونفطة. وقد مر بنا أن الإمام عبد الوهاب عين وكيل بن درج النفوسي عاملا على قفصة. ويبدو أن هذه الأخيرة كانت كبيرة في القرن الثاني والثالث للهجرة (8-9م) إذ قام المهاجرون بالاستيلاء على مدينة قنطرارة (قنطنار، قنطرارة) التي تقع قرب نفطة شرق درجين(1). وأصبحت بذلك عاصمة لمقاطعات جديدة تابعة للدولة الرستمية، في إمامة أفلح (211-258هـ) (826-871م). وقد عين أفلح أبا يونس النفوسي حاكما على قنطرار، ومن بعده ابنه سعد الذي عاصر موقعة مانو، وكان من المعارضين لنفوسة عندما قررت عدم السماح لابن الأغلب بالمرور. وظل سكان هذه المدينة مرتبطين ببلادهم الأصلية. فعندما اتهم سعد بأنه كان يخاف على قنطرار أجابهم قائلا: "خشيت أن تذبح البقرة فيتبعها عجلها"(2) يعني بالبقرة نفوسة وبالعجل قنطرار(3). ويفهم من هذا أن قنطرار كانت تابعة للجبل إقليميا.
__________
(1) - الباروني: الأزهار، ص253.
(2) - كثيرا ما يضرب شيوخ الإباضية الأمثال بالجمال والأغنام والعجول والطبيعة والفلاحة، وقد احتوت المصادر جملة من هذه الأمثال مثل (لا يستتر الجمل خلف الغنم) (إنما مثل أهل هذا الزمان مثل السبخة التي بفنائها إذا ابتلت أزلقت وإن نضبت وتيبست خدشت وجرحت) (إن أهل هذا الزمان مثل الكرانيف في الشبكة إذا رفعت الشبكة اختلفت الرؤوس خارجها) (إن أهل زماننا هذا كالتيوس إذا اجتمعوا تناطحوا وإن افترقوا تصايحوا). ينظر: الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص386؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص179-324.
(3) - الدرجيني: المصدر نفسه، ج1، ص77-78؛ أبو زكريا: المصدر نفسه، ص136-137؛ صالح باجية: الإباضية بالجريد، ص12.
T. Lewicki, Tasmiya Suyuks Nafusa, p103-104.
T. Lewicki, Un document ibadite inédit, P176-177. (1/217)
صفحة 218
وفي العصر الفاطمي اتجهت مجموعة أخرى من المهاجرين إلى إفريقية. وكانت الأغلبية منهم من نفوسة، وهوارة حتى إن الخليفة القائم أمر – حسب البكري - ببناء مدينة "قلمجنة" ليسكنها الوافدون الجدد. وتقع هذه البلدة في جبل زغوان القريب من تونس(1).
كما انتقلت جماعات أخرى إلى بعض مدن المغرب الأوسط فسكان "تاغرويت" الزناتيين تركوا بلدتهم واتجهوا إلى مدينة وارجلان(2). وفي المقابل كانت هناك هجرات إلى الجبل، ومنطقة طرابلس، خاصة عندما تتعرض إفريقية لبعض النكبات الطبيعية، فقد ذكر الدرجيني أن مزاتة إفريقية اتجهوا إلى إخوانهم بنواحي طرابلس عندما ضربت الزلازل بلادهم(3).
وتجدر الإشارة في الأخير إلى أننا لم نتناول الهجرات التي كان الغرض منها الالتحاق بحلقات العلم، وسنتحدث عنها في حينها.
4 - قيام الدولة الفاطمية في بلاد المغرب وموقف الإباضية منها:
قام الشيعة منذ تأسيس الدولة الأموية بمحاولات متعددة لإقامة خلافة يتزعمها آل البيت، وباءت كل هذه المحاولات بالفشل نتيجة انقسامهم إلى فرق متعددة تختلف فيما بينها في العديد من الفروع، لذلك صوبوا توجهاتهم إلى مناطق نائية عن مركز الخلافة في دمشق واتجهوا إلى بلاد اليمن التي أصبحت بمرور الوقت معقلا من معاقلهم، ومركزا هاما لدعوتهم، خاصة وأن اليمن قريبة من مكة والمدينة قبلة الحجاج.
__________
(1) - البكري: المغرب، ص46.
(2) - الشماخي: السير، ص296.
(3) - ينظر: طبقات المشائخ، ج2، ص369.
*- نلاحظ أن أغلب الفرق تكتفي بداعية أو اثنين لتمهيد الطريق ثم ترسل دفعة ثانية. فالخوارج أرسلوا سلمة بن سعد وعكرمة مولى عباس إلى بلاد المغرب، والمعتزلة أرسلوا عبد الله بن الحارث إلى هذه المنطقة، والشيعة أرسلوا ابن حوشب إلى اليمن والحلواني وأبي سفيان إلى بلاد المغرب، وقدم حملة العلم المغاربة، وأبي عبد الله الشيعي وأولاد بشير الرحال. (1/218)
صفحة 219
وقد تولى الدعوة في هذه الربوع رجل كوفي يدعى أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب. ويرجع إلى هذا الأخر الفضل في إرسال الدعاة إلى مختلف الأمصار الإسلامية، سواء إلى اليمامة، أو البحرين، أو عمان، أو مصر، أو بلاد المغرب، وكانت هذه البلدان – خاصة بلاد المغرب - مهيأة سياسيا واجتماعيا لتقبل أفكارهم، وتشير المصادر إلى أن الإمام جعفر الصادق أرسل إلى هذه الجهة داعيين* هما: الحلواني، وأبو سفيان، وأمرهما أن ينشرا الدعوة قائلا لهما: "اذهبا إلى المغرب فإنكما تأتيان أرضا بورا فاحرثاها، وكرباها، وذللاها إلى أن يأتيها صاحب البذر مذللة فيبذر حبة فيها"(1).
واتجها سنة 145هـ (762م) إلى بلاد المغرب فنزل أحدهما في "مرماجنة"(2) في موضع يقال له "تالا"، ونزل الثاني ببلد "سوجمار" (سوف جمار). وابتنى أبو سفيان مسجدا، اتخذه مركزا لترويج الفكر الشيعي، فكان سكان تلك الناحية يأتون إليه ليسمعهم فضائل أهل البيت، وتمكن من نشره بين أهل مرماجنة، والإربس، ونفطة(3).
__________
(1) - القاضي النعمان: كتاب افتتاح الدعوة، تحقيق فرحات الدشراوي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، الشركة التونسية للتوزيع، ط2، تونس، 1986، ص29.
(2) - تبعد عن القيروان بمرحلتين وعن مجانة بمرحلة وعن تيجس بستة مراحل. ينظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص84.
(3) - القاضي النعمان: المصدر السابق، ص27؛ مولى أحمد عبد الفتاح: القوى السنية في المغرب من قيام الدولة الفاطمة إلى قيام الدولة الزيرية (296-361هـ)؛ دار المعرفة الجامعية، ط1، الإسكندرية، 1985، ج1، ص116-117. (1/219)
صفحة 220
أما الحلواني فقد توغل في أرض البربر بعيدا عن مرماجنة، واستقر في سوجمار (سوف جمار) ببلاد الجريد. فالتفت حوله القبائل من كتامة، ونفزة، وسماتة، وتمكن من نشر الدعوة بينهم،(1) وكان رؤوس الدعاة في المشرق ومنهم ابن حوشب يتتبعون أخبارهم، وينتظرون آثارهم في المنطقة. ويبدو أنه علم بنجاحهما وتمهيدهما للطريق، ولذلك فبمجرد أن علم بوفاتهما كلف داعية آخر ليخلفهما وهو أبو عبد الله الشيعي. وقد اختار هذا الأخير موسم الحج ليخرج فيه إلى مكة، وذلك سنة 280هـ (894م) وفيها التقى بمجموعة من زعماء قبيلة كتامة ممن حج تلك السنة منهم: موسى بن حريث الجميلي وموسى بن مكارمة،(2) وأبو القاسم الورفجومي، ومسعود بن عيسى بن ملال الساكتي(3).
__________
(1) - القاضي النعمان: المصدر نفسه، ص29؛ مولى أحمد: المرجع نفسه والجزء ذاته، ص118-119؛ موسى لقبال: دور كتامة في تاريخ الخلافة الفاطمية، ص220.
(2) - يسميه القاضي النعمان: "موسم بن مكارم" في حين يسميه ابن الأثير "موسى بن مكاد"، ينظر: الكامل في التاريخ، ج8، ص32.
(3) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص124؛ القرشي: عيون الأخبار، السبع الخامس، ص45؛ القاضي النعمان: المصدر السابق، ص509؛ مولى أحمد: القوى السنية، ج1، ص123. (1/220)
صفحة 221
ويذكر ابن عذارى أنهم كانوا نحو عشرة رجال كلهم ملتفين حول شيخ منهم، فسألهم عن بلادهم، ومذهبهم، فعلم أن شيخهم يميل إلى مذهب النكارية(1). ثم أخذ يستدرجهم خاصة وأنه كان فصيح اللسان، عالما ومجادلا فطنا وأنهم هم الذين سيقيمون دولتهم في هذه الربوع، واستبشر أبو عبد الله خيرا عندما أجابه قائلا: "أنا أرغب فيما رغبتني فيه، وأبذل فيه مهجتي ومالي أنا ومن اتبعني، وأنا أطوع إليك من يدك"(2).
وانتشر خبر هذا المشرقي ودعوته فانتقلت بذلك الدعوة من السر إلى الجهر والتزمت كتامة بالطاعة له، وظلت تنتظر وصول عبيد الله الإمام المعصوم من آل البيت(3).
__________
(1) - يتفق القاضي النعمان والدرجيني في أنهم كانوا شيعة، تشيعوا بفضل الحلواني. ينظر: المصدر نفسه، ص34، وينظر: طبقات المشائخ، ج1، ص92.
(2) - ابن عذارى: المصدر السابق، ج1، ص127؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص551.
(3) - المصدر نفسه والجزء ذاته، ص128. (1/221)
صفحة 222
وفي فترة وجيزة استقامت له الأمور بكتامة، وعجيسة، وزاوغة، وكثر المعجبون بهذه الدعوة الجديدة من البربر، واستفحل خطره خاصة بعد أن ألزم أتباعه بالجندية، وقد شعر بهذا الخطر الأمير الأغلبي إبراهيم بن أحمد فأخذ في ترتيب الأمور والسعي للقضاء على هذا السيل الجارف قبل أن يفسد رعيته بمبادئه، ويقضي على دولته فأرسل رسولا إلى أبي عبد الله يحذره وينذره، وفي الوقت نفسه يستميله ويستلطفه إن كان طالب دنيا. وبقدر ما كان خطابه قاسيا(1) كان الرد أعنف. فقد رد عليه بقوله: "أما ما ذكرت من التهديد فما أنا ممن يروع بالإبعاد. وأما تخويفك أياي برجال دولتك أبناء حطام الدنيا فإني في أنصار الدين حماة المؤمنين الذين لا تروعهم كثرة أنصار الظالمين مع قول الله ?كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ?(2) وإما ما أطمع به من دنياه فلست من أهل الطمع فيما عنده"(3).
__________
(1) - ينظر ملحق 3.
(2) - البقرة، الآية 249.
(3) - السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص511. (1/222)
صفحة 223
وللحيلولة دون نجاح الدعوة بين رعيته، والقضاء عليها في المهد قام بمجموعة من الإصلاحات لاستمالة قلوب العامة، والفوز برضاهم كرده للمظالم وإعلانه التوبة(1). ولكن الدعوة الشيعية انتقلت إلى المرحلة الحاسمة وهي مرحلة الصدام المسلح، فقد شن أبو عبد الله غارة على طبنة في الزاب، وهزم أبا عبد الله الأحول الذي سيره أبوه أبو العباس بن إبراهيم بن أحمد مرتين. وذلك فعندما تولى الإمارة زيادة الله بعد مقتل ابيه استدعى أخاه من طبنة وانتقل إلى رقادة(2).
__________
(1) - كما أسقط القبالات وأخذ العشر طعاما وترك لأهل الضياع خراج سنة وسماها العدل. وأعتق مماليكه وأعطى فقهاء القيروان ووجوه أهلها أموالا ليوزعوها على الفقراء ولبس الصوف وأظهر النسك، ينظر: ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص131-132؛ القاضي النعمان: كتاب افتتاح الدعوة، ص77.
(2) - القاضي النعمان: المصدر نفسه، ص173-174؛ السيد عبد العزيز سالم: المرجع السابق، ص512. (1/223)
صفحة 224
وفي هذه الأثناء كانت جيوش أبي عبد الله تتوسع في البلاد خاصة بعد موقعة كينونة (كبونة) سنة 292هـ (904م)، التي هزم فيها الجيش الأغلبي الذي جهزه زيادة الله بقيادة إبراهيم بن حبسي، وهي المعركة التي غنم فيها الشيعة غنائم كثيرة، فلبسوا أثواب الحرير وتقلدوا السيوف المحلاة، وركبوا بسروج الفضة، وكثر عندهم السلاح،(1) ولما أحس من نفسه قوة وأنه مهد الطريق لوصول الإمام المعصوم، كتب إلى عبيد الله المهدي بسلمية من أرض حمص يطلب منه القدوم عليه ليشهد مرحلة التأسيس لأول كيان سياسي شيعي. فخرج هذا الأخير من سلمية إلى مصر متنكرا في زي التجار، ومنها إلى القيروان فقسنطينة. وقد اضطر إلى تجنب المناطق المراقبة خشية أن يقع في أيدي الأغالبة، الذين كانوا على علم برحلته(2) فاتجه إلى سجلماسة، مرورا بوارجلان لينزل ضيفا عند أميرها اليسع بن مدرار. وفي الوقت ذاته استمر أبو عبد الله في اجتياحه لمناطق النفوذ الأغلبي. وقد تمكن من الدخول إلى مدينة سطيف فخربها وأمن أهلها، كما استولى على بلزمة، وطبنة (293هـ/905م)، وباغاية، وقرطاجنة، وتيفاش، وتبسة، والقصرين (294هـ-908م)، وقسنطينة، وقسطيلية، وتيجيس، وقفصة (295هـ907م)، والأربس، ورقادة، والقيروان (296هـ/908م)، وبهذه الانتصارات تمكن من القضاء على دولة الأغالبة(3)
__________
(1) - ابن عذارى: المصدر السابق، ج1، ص138.
(2) - أثناء مروره بطرابلس توقف فيها لنشر دعوته فأرسل زيادة الله إلى أخيه أحمد العامل بها يطلب منه القبض عليه لكنه أفلت منه. ويقال إنه رشاه بمال كثير ويقال كذلك بأن الرسول الذي بعثه عبيد الله إلى كتامة يبلغهم بوصوله هو الذي وقع في قبضة زيادة الله. ينظر: القاضي النعمان: المصدر السابق، ص163؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص238؛ روسى أتوري: ليبيا منذ الفتح العربي، ص85؛ ألفرد بل: الفرق الإسلامية، ص158.
(3) - لمزيد من التفاصيل: ينظر: ابن الآبار، الحلة السيراء، ج1، ص191؛ النويري: نهاية الإرب، ج24، ص146؛ القاضي النعمان: المصدر نفسه، ص165-173-178-182-198-203-222-227-233؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص513. (1/224)
صفحة 225
.
واكتشف أمر عبيد الله في سجلماسة، فبعد أن كان مكرما في قصر اليسع بن مدرار أصبح هو وابنه أبو القاسم حبيسي زنزانته. ولما بلغ الخبر إلى أبي عبد الله عزم على المسير إلى سجلماسة لفك أسر سيده، وإمامه، فاستخلف على إفريقية أخاه أبا العباس، وأبا زاكي تمام بن معارك(1). وفي طريقه عرج على تاهرت التي كانت تمر بقلاقل كثيرة خاصة وأن "دوسر" ابنة الإمام يوسف بن محمد بن أفلح اتصلت به بعد مقتل أبيها تطلب نجدته، ووعدته بالزواج إن هو أخذ بثأرها، فلما وصل إلى المدينة خرج إليه المخالفون من غير الإباضية، من صفرية، ومالكية، وشيعة، ليشكون إليه إمارة الفرس ويعلنون له عن ولائهم وتقديم الأزر له. ولما قابل اليقظان وبنيه قتلهم، ثم دخل المدينة، ونهبها، وانتهك حرمتها، وأحرق خزانة الكتب الموجودة بها، بعد أن أخذ منها كل ما يصلح للملك والحساب(2).
__________
(1) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص21؛ ابن الأثير: الكامل، مج8، ص39؛ مولى أحمد: القوى السنية، ج1، ص135
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص163؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص94؛ لقبال: دور كتامة، ص340؛ الباروني: الأزهار، ص358؛ الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، مطبعة الإرادة، تونس، 1938، ص49؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص396-397؛ دبوز: تاريخ المغرب، ج3، ص616.
André Nègre: La fin de l état Rostemide, RHCM, Juillet, 1967, N? 6-7, p18. (1/225)
صفحة 226
ولما سمع يعقوب بن أفلح بقدوم أبي عبد الله غادر تاهرت متوجها إلى وارجلان، ويبدو أن العبيديين ظلوا يتخوفون من فرار هذا الرستمي فأنفذ إليه أبو عبد الله خيرة رجاله لملاحقته. ولاتقاء شر هذه الحملة اعتصم أصحابه بجبل "كريمة" القريب من وارجلان، ودام الحصار دون الحصول على نصر يذكر فدخلوا المدينة وخربوها(1).
ومهما يكن من أمر فقد استقبل يعقوب بن أفلح من قبل أبي صالح جنون بن يمريان شيخ وارجلان، ومن قبل سكانها بالترحاب وطلبوا منه أن يتولى أمورهم بغية إحياء الإمامة المندثرة لكنه رفض قائلا لهم: "لا يستتر الجمل بالغنم" معبرا عن الضعف الذي حل بهم(2). وبذلك يكون الإباضية قد طووا إمامة الظهور مؤقتا لينتقلوا إلى إمامة الكتمان، وتولى حكم عاصمة دولتهم تاهرت أبو محمد دواس بن صولات اللهيصي، وإبراهيم بن محمد اليماني - المعروف بالهواري - وكان يلقب بالسيد الصغير (3). أما عبد الله الشيعي فقد تابع سيره إلى سجلماسة، وفيها استطاع أن يخلص مولاه، وأقاما فيها أربعين يوما، ثم ارتحلا نحو القيروان بعد أن عين أبا عبد الله إبراهيم بن غالب المزاتي، وفي القيروان بويع للمهدي البيعة العامة (297هـ/910م)، وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين، وضرب السكة باسمه ورتب الدواوين وبهذا تأسست أول دولة شيعية في بلاد المغرب(4).
__________
(1) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص164-165؛ الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص95؛ الباروني: الأزهار، ص359؛ دبوز: المرجع نفسه والجزء ذاته، ص606-607؛ André Nègre: Ibid, p16.
(2) - الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص105؛ الشماخي: السير، ص365-366؛ قطب الأئمة: الرسالة الموسعة، و108؛ لقبال: من قضايا التاريخ الرستمي: ص57.
(3) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص153.
(4) - ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص154-155؛ ابن الآبار: الحلة السيراء، ج1، ص191؛ السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص541-515. (1/226)
صفحة 227
وهكذا تمكن الشيعة من تصفية نظام الإمامة الرستمية بعد تاريخ طويل حافل بالأحداث دام 136سنة، ونجحت في القضاء على قوة الإباضية، وأصبح هؤلاء دون كيان سياسي مما جعلهم يتفرقون في وارجلان ونواحيها، وجبل نفوسة، وبلاد الجريد، وجبل أوراس، وغيرها من المناطق، لكن المذهب الإباضي ظل متواجدا بعد أن حافظ عليه المخلصون من أتباعه من العلماء والمشائخ.
ومن الطبيعي أن تتسم العلاقات الإباضية الفاطمية بالعداوة. فمن الوجهة السياسية فالشيعة هم الذين أسقطوا إمامة الظهور، ومن الوجهة الدينية المذهبية هناك خلاف كبير بينهما، فإذا كان هناك تقارب في العقيدة بينهما حيث يميلون إلى الفكر المعتزلي في الصفات، وخلق القرآن، والرؤية، فإنهما يتباينان في الفروع تباينا جوهريا خاصة في مسألة الخلافة، فقد بالغ الشيعة في تقديس الإمام، وحصر الإمامة في آل البيت باعتبارها وراثية، أما الإباضية فإنهم لا يقولون بالوراثة - رغم أنهم حصروها في آل رستم - ويرفضون حصرها في قريش عامة، وإنما يرونها انتخابا حرا، وحقا مشاعا بين المسلمين، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، فالكفاءة هي المعيار الوحيد. كما أن الإباضية لا يقبلون بما أدخله الشيعة من تحريف في بعض الأمور الدينية كمنعهم صلاة التراويح(1).
__________
(1) - صالح باجية: الإباضية بالجريد، ص106؛ معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص356-357؛ عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش 1818-1914، نشر جمعية التراث القرارة، (د.ت)، ص87-89. (1/227)
صفحة 228
فلا غرابة إذن أن يصطدما ولو مؤقتا، لأن وجود الفاطميين في بلاد المغرب ما هو إلا مرحلي. فمصر كانت دوما حلمهم وهدفهم البعيد، وقد عزموا أن يجعلوها في يوم ما قاعدة لدولتهم للعبور إلى المشرق والسيطرة على الحجاز والقضاء على دولة بني العباس. وسيمكنهم ذلك في الأخير من بسط سيادتهم على حوض البحر الأبيض المتوسط(1). ورغم ذلك فإن سياسة الفاطميين تجاه المذاهب الدينية الأخرى كانت تجمع بين المسألة والاضطهاد، فبالنسبة للإباضية فقد عانوا الكثير من سياسة القمع التي سلكها معهم عبيد الله، والقائم، والمنصور، في حين كان المعز مسالما لهم حيث قربهم إليه مع أخذ الحيطة والحذر، وظل يداريهم ويستعين بعلمائهم ومجادليهم لمناظرة مخالفيهم من معتزلة وواصلية وغيرهم. ومهما يكن من أمر فإن هذا الاضطهاد كان أقل مما لحق بعلماء السنة عامة والمالكية خاصة(2).
ولم تكن هذه المداراة من جانب العبيديين فقط، بل حتى من الإباضية فقد قبلوا بالشيعية في شيء من المهادنة، وإن لم يعتنقوا مذهبهم، والدليل على ذلك أن بعض علماءهم تقربوا من المعز لدين الله الفاطمي والتحقوا بمجالسه العلمية رغم أن المشائخ قالوا: "إذا رأيتم العالم يمشي إلى أبواب السلطان فاتهموه على أمر دينكم"(3).
__________
(1) - عارف تامر: القائم والمنصور الفاطميان أمام ثورة الخوارج، دار الآفاق الجديدة، ط1، بيروت، 1982، ص20-21.
(2) - المجدوب: الصراع المذهبي، ص215؛ صالح باجية: المرجع السابق، ص107؛ محمد الصالح مرمول: السياسة الداخلية للخلافة الفاطمية في بلاد المغرب الإسلامي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص140.
(3) - الشماخي: السير، ص384. (1/228)
صفحة 229
وعلى الرغم من هذا التقارب فإن الإباضية عانوا الكثير خاصة في عهد أبي عبد الله فقد فرض عليهم الضرائب الباهضة، واستبد الجباة في جمعها استبدادا مبالغا فيه، ولولا صبرهم، وتحملهم للأذى، وحكمة شيوخهم لأبيدوا إبادة جماعية، وكان هؤلاء يجمعون أموال الضرائب ويسلمونها للعمال اتقاء لشرهم، مثلما فعل أبو الخطاب وسيل بن سنتين الزواغي(1).
5 - الانتفاضات الإباضية:
أ - ثورة طرابلس (300 هـ/912م):
من خلال ما مر بنا يتضح أنه من الطبيعي ألا يتعاطف الإباضية مع العبيديين لعنفهم وتعصبهم، بالإضافة إلى أنهم وافدون طارئون. ولذلك فبمجرد أن عين عبيد الله "ماكنون بن ضبارة اللحياني"(2) عاملا على طرابلس حتى استغل بربر هوارة الإباضية فترة عدم الاستقرار وبداية العهد الجديد وثاروا بزعامة أبي هارون الهواري، تؤازرهم قبائل زناتة، نفوسة، ولماية، وغيرها وحاصروا المدينة فأرغم ماكنون على التحصن داخل السور في انتظار وصول الإمدادات لفك الحصار عليه. وأرسل إليه عبيد الله المهدي فرقا من الجند يقودها أبو زاكي تمام بن معارك الأجاني. وتمكن هذا الأخير من تحقيق الانتصار عليهم، إذ قتل كثيرا منهم، وأرسل برؤوس عدد كبير من قتلاهم إلى المهدي برقادة. ورغم ذلك فقد اتهم بالخيانة وأنه كان يتآمر عليه بتحريض الناس ضده، فأوعز إلى ابن أخيه ماكنون ليقتله، فتم له ذلك سنة (298هـ/910م).(3)
__________
(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص114؛ المجدوب: المرجع السابق، ص215-216.
(2) - يسميه ابن عذارى (ماقنون بن دبارة الأجاني) ينظر: البيان المغرب، ج1، ص168.
(3) - ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص164؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص242؛ روسي أتوري: ليبيا منذ الفتح، ص86؛ T Lewicki, La repartition, p325.
Ferhat Dachraoui:Le Califat Fatimide au Magherb 296-362 H Imprimerie Officielle De La République Tunisienne, Tunis, 1981, p135. (1/229)
صفحة 230
ولما تمكن ماكنون من تأمين المنطقة وإعادة الاستقرار إليها تطاول في الحكم وبالغ بنو عمومته في سلب أموال العامة وانتهاك حرماتهم، فأثارت هذه المعاملة السيئة التي سلكتها كتامة انتفاضة أخرى سنة (300هـ/914م)، حيث قام سكان طرابلس بقتل أفراد من كتامة اضطر حينها ماكنون إلى ترك المدينة فارا إلى رقادة. عندئذ قام سكان المدينة بتقديم محمد بن إسحاق القرشي المعروف بابن القرلين، وفي هذه الأثناء أرسل عبيد الله خمسة عشر سفينة محملة بالجند لإخماد هذه الثورة، لكنها هوجمت وأضرمت النار فيها. وقدم جيش آخر يقود هذه المرة ابنه أبو القاسم على طريق البر في جمادى الأولى سنة 300هـ فاعترضته هوارة فأوقع بها الهزيمة. وحاصر طرابلس حصارا مشددا حتى اضطر أهلها إلى أكل الميتة نظرا لفراغ الأقوات والمؤن التي كانت تمدها هوارة للسكان. ولم يصمد ابن إسحاق كثيرا إذ طلب سكان طرابلس الأمان من أبي القاسم، فآمنهم على أن يسلموا إليه محمد بن إسحق، ومحمد بن نصرو رجلا آخر يقال له "الحوححة"، فقبلوا ذلك وسلموهم إليه، ودخلوا طرابلس وفرض على أهلها غرامة مقدارها ثلاثمائة ألف دينار، وقتل ما تبقى فيها من الأغالبة بتهمة تدبير هذا العصيان، وتولى جباية هذه المغارم رجل يقال له خليل بن إسحاق. وبعد أن استقرت الأمور، وعادت إلى حالتها الطبيعية، استخلف عليهم أبا مديني بن كناوة اللهيصي، وترك معه حباسة بن يوسف الملوسي، وعاد أبو القاسم إلى رقادة ومعه الرجال الثلاثة فقتلهم، وشهر بهم في شوارع القيروان(1).
__________
(1) - ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص168-169؛ ابن خلدون: العبر، مج4، ص78. (1/230)
صفحة 231
وظلت طرابلس لفترة زمنية وجيزة آمنة، وفضّل أهلها مداراة الشيعة، حيث تقبلوا عمالهم، وجباتهم، وقضاتهم، إلى أن حلت سنة (322هـ/933م) حيث استغلوا وفاة عبيد الله المهدي في منتصف ربيع الأول من تلك السنة، وتولي ابنه أبو القاسم (القائم بأمر الله) الخلافة، وقيام ثورات في العديد من المناطق فثاروا بزعامة رجل عربي من العراق يدعى محمد بن طالوت. وقد ادعى هذا الأخير أنه ابن المهدي. وتمكن من استمالة الناس حوله فقاموا معه واتبعوه ثم زحف على طرابلس وحاصرها، لكن حامية من جندها وبمساعدة الأهالي تمكنت من التصدي له، وإلحاق الهزيمة به، خاصة وأن جماعة من أصحابه تبينوا أمره فقتلوه وأتوا برأسه إلى القائم(1). وتجدر الإشارة إلى أن معارضة الشيعة قد استمرت في طرابلس وأرباضها، ولم تكن من طرف الإباضية فقط بل حتى من السنة. ورغم ضعف نفوسة إلا أنها اغتنمت هي الأخرى تردي الأوضاع الأمنية فأعلنت ثورتها سنة (310هـ/ 922م).
ب-ثورة نفوسة 310هـ (922م)(2):
__________
(1) - ابن غلبون: تاريخ طرابلس الغرب المسمى التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخبار، تحقيق: الطاهر أحمد الزاوي، المطبعة السلفية، القاهرة، 1349هـ، ص16-17؛ القاضي النعمان: كتاب افتتاح الدعوة، ص325؛ القرشي: عيون الأخبار السبع الخامس، ص125؛ ابن الأثير: الكامل، مج8، ص77؛ لقبال: دور كتامة، ص404-405؛ إدريس عماد الدين: تايخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب (القسم الخاص من كتاب عيون الأخبار)، تحقيق محمد اليعلاوي، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت، 1985، ص192؛ مرمول: السياسة الداخلية، ص78-79؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص243-244؛ روسى أتوري: ليبيا منذ الفتح، ص86-87؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب، ص517-518؛ Ferhat Dachraoui:Le Califat Fatimide, p135-136.
(2) - يرى ابن عذارى أن الثورة كانت في سنة 309هـ (921م) واستمرت إلى غاية 311هـ (923م)، ينظر: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص187. (1/231)
صفحة 232
ما أن انتهى العبيديون من القضاء على الاضطرابات التي وقعت في طرابلس حتى شق سكان جبل نفوسة الطاعة وقاموا بثورة يتزعمهم رجل تسميه المصادر "أبابطة"، ورغم أن المصادر لا تعطينا الدوافع الحقيقية لهذه الثورة إلا أننا نعتقد أن الفاطميين أرادوا إخضاع الجبل لحكمهم خاصة وأنه أصبح ملاذا لثورات الإباضية، وأصبح سكانه يدعمون كل حركة عصيان تظهر في المنطقة، لأن أغلب قبائلها إباضية المذهب وبالتالي فهي تابعة لمشائخ الجبل. ضف إلى ذلك إحياءهم للإمامة الرستمية. أما فيما يخص زعيمهم أبو بطة فإن المصادر لا تزودنا بمعلومات وافية عنه إلا أن ليفيسكي، ومحمود إسماعيل يتفقان على أن اسمه ما هو إلا كنية لأبي يحي زكريا الأرجاني الذي تولى قيادة جيش نفوسة(1). وإذا كان ليفيسكي يرى بأن قيادته للجيش كانت بتكليف من رئيس أهل المذهب وقتها ألا وهو أبو محمد عبد الله بن الخير على أساس أن هذا الأخير كان شيخا مسنا(2). إلا أن المصادر الإباضية تذكر بأن أبا يحي بويع في هذه الفترة إمام دفاع لمحاربة المسودة(3).
__________
(1) - T. Lewicki, Les hakims, p101. ؛ محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص176-177.
(2) - T. Lewicki, ibid, p101.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، و65؛ الشماخي: السير، ص243؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص154. (1/232)
صفحة 233
ومهما يكن من أمر فقد أنفذ إليهم عبيد الله المهدي جيشا بقيادة علي بن سليمان الداعي،(1) فشن هجوما على قرية "الجزيرة"، لكنه هزم إذ تمكن النفوسيون من صده ومن قتل العديد من جنده فتفرق أصحابه مما جعله يولي الأدبار إلى طرابلس. وأرسل إلى عبيد الله يخبره بالهزيمة ويطلب منه ضرورة إرسال الإمدادات إليه، فكتب الخليفة لعامله على قابس علي بن لقمان يأمره بقتل كل من مر به من المنهزمين ففعل، جزاء تركهم لقائدهم وخذله في ميدان المعركة، وفي الوقت نفسه زوده بقوات إضافية ليتجه علي بن سليمان مرة أخرى إلى الجبل، وشن حملة على "تيركت" - وهي قرية تقع بين "نالوت" و"كباو" - وتمكن من إلحاق الهزيمة بنفوسة في 18 شعبان 310هـ. وهدم حصونهم، وقتل العديد من رجالهم، وسبي نسائهم وأطفالهم(2).
__________
(1) - في رواية القرشي فإن القائد يسمى "سليمان بن كافي الأجاني" ينظر: إدريس عماد الدين: التاريخ الحلفاء الفاطميين، ص214.
(2) - البغطوري: المصدر السابق، و65؛ الشماخي: المصدر السابق، ص243؛ ابن عذارى، البيان المغرب، ج1، ص187؛ روسى أتوري: ليبيا منذ الفتح، ص87؛ محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص176-177؛ مرمول: السياسة الداخلية، ص83؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص248. T Lewicki, Les hakims, p99-101. .R. Basset :Les sanctuaires, p385. (1/233)
صفحة 234
ورغم ذلك، فالمصادر الإباضية تذكر بأن النفوسيين تمكنوا هذه المرة كذلك من إلحاق الهزيمة بعلي بن سلمان رغم مقتل قائدهم أبي يحي، قتله رجل من أصحابه من "تين بكر"(1) أو من "تنكتر" من أهل "تمجدال"(2). والحقيقة كانت غير ذلك إذ أصبح النفوسيون منذ ذلك الحين يدفعون المغارم للجباة الفاطميين الذين كانوا يشتطون ويبالغون في تقديرها، وكانوا كل مرة يهددونهم إذا تأخر دفعها. يقول الشماخي: "لما تولى (أي أبو الفضل سهل) أدرك الناس في ذلك من المسودة، وزناتة، والعرب، وواحد من أولئك يقدم على عشرة من نفوسة، لما ملأوا قلوبهم من العرب، فلم يبرح حتى عكسها، وصار النفوسي يقدم على عشرة من أهل البادية، ورفع الجور على نفوسة"(3).
ويبدو أن النفوسيين أرادوا الثأر من الفاطميين، فخرجوا مرة أخرى لقتالهم في عهد أبي زكريا بن أبي يحي الأرجاني، لكنهم انهزموا شر هزيمة وقتل منهم خلق كثر، وتعرض أبو زكريا هو الآخر لمثل أبيه حيث قتله رجل من طرميسة من أصحابه(4).
ويجب الإشارة في هذا السياق إلى أن المصادر الإباضية تسمي كل من الفاطميين وبني زيري بـ "المسودة" مما يصعب لنا في بعض الأحيان تحديد الدولة المقصودة، خاصة إذا تعذر وجود إشارة نستطيع من خلالها تحديد تاريخ الحادثة. وقد وقع علي يحي معمر – وهو إباضي - في هذا الخطإ عندما ذكر بأن جيوش العباسيين هجموا على الجبل إبان حكم أبي زكريا بن أبي يحي الأرجاني(5).
جـ - ثورة النكارية 322هـ (933م):
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص243-244.
(2) - البغطوري: المصدر السابق، و65.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص275.
(4) - البغطوري: المصدر السابق، و65؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص244.
(5) - ينظر: الإباضية في ليبيا، ص155. (1/234)
صفحة 235
أطلقت تسمية "النكارية" على الجماعة التي أنكرت إمامة عبد الوهاب (171-211هـ) (787-826م). كما عرفوا بأسماء أخرى مثل "النجوية"، لأنهم أكثروا من النجوى في إبطال إمامة عبد الوهاب، و"الشغبية" لأكثارهم الشغب في تاهرت وأرباضها، و"النكاث" لأنهم نكثوا بيعة عبد الوهاب بعد مبايعته(1).
وقد اتخذت معارضة هذه الجماعة طابعا سياسيا في البداية برفض زعيمها يزيد بن فندين إمامة عبد الوهاب، ثم ما لبث أن تحول هذا الصراع إلى طابع ديني وأصبحت لها عقائد مناوئة ومختلفة عن المذهب الإباضي، وعن الإسلام عموما، منها أنهم قالوا إن حجة الله لا تقوم إلا بسماع، وأنكروا عذاب القبر(2)، كما قالوا بأن ولاية الله تتقلب بالأحوال، وأن الإمامة غير مفترضة ومن لم تبلغه دعوة الإسلام ودعا إلى دين سماوي آخر لا يجوز له أن يجيب. وقالوا إن صلاة الجمعة غير جائزة خلف أئمة الجور، وإن عطايا الملوك لا يحل أخذها، وإن الله لم يأمر بالنوافل. كما قالوا بلزوم العمل بالفرائض دون لزوم العلم بها، ولا من معرفتها شيء، وأن الحرام المجهول حلال،(3) كما قالوا بشرب الخمر على التقية، وقالوا لا تجوز إمامة أحد المسلمين وفي المسلمن أفضل منه، وهذا الشرط هو الذي خالفوا فيه الإمام عبد الوهاب ورفضوا الاعتراف بإمامته(4).
__________
(1) - الشماخي: المصدر السابق، ص148؛ أطفيش: رسالة شافية، و4؛ يحي هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام، ج1، ص45.
(2) - المارغني: فرق الإباضية، ص45؛ الوارجلاني: الدليل والبرهان، تحقيق سالم بن أحمد الحارثي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1983، مج2، ص318؛ معمر: الإباضية دراسة مركزة في أصولهم، ص75.
(3) - المارغني: المصدر نفسه، ص55؛ صابر طعيمة: الإباضية عقيدة ومذهبا، دار الجيل، بيروت، 1986، ص52؛ معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص263.
(4) - المارغني: المصدر نفسه والصفحة ذاتها، طعيمة: المرجع نفسه والصفحة ذاتها. (1/235)
صفحة 236
وتجدر الإشارة إلى أنه بظهور هذا الخلاف انقسم المجتمع الإباضي إلى فريقين، فريق النكار، وفريق الوهبية، وهذا الأخير وقف إلى جانب الإمام عبد الوهاب فسمي باسمه(1). ورغم وصول الفتاوي من المشرق ببطلان أقوال النكارية في الإمامة، إلا أن الخلاف استمر ونشبت حروب بين الفريقين، انتهت بانتصار الوهبية وتفرق أتباع يزيد في بعض مدن المغرب الإسلامي. ولم ينته هذا الخلاف السياسي المذهبي بوفاة عبد الوهاب بل استمر لزمن طويل حيث ظلت بقاياهم في جبل أوراس، وجبل نفوسة، وبلاد الجريد، وغيرها. وظل الصراع قائما بينهما خاصة الصراع الفكري المتمثل في المناظرات التي كانت تعقد بين الطرفين.
__________
(1) - يرى البعض أن نسبة الوهبية تعود إلى عبد الله بن وهب الراسبي لا إلى الإمام عبد الوهاب لأن (ها) الوهاب مشددة وبعدها ألف ليس ذلك في لفظ الوهبيةاللهم إلا أن يقال من ترخيم النسب شذوذا والواقع أن هذه التسمية لم تظهر قبل تأسيس الدولة الرستمية. ينظر: أطفيش: رسالة شافية، و44-45؛ مجهول: كتاب كشف الغمة فيما تشاجرت به الأمة (كشف الغمة وبيان كل فرقة)، ورقة94. (1/236)
صفحة 237
أما أعنف ثورة قام بها النكارية فهي ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد ابتداء من سنة 322هـ (933م)(1). فعندما انتشرت أفكاره وكثر أتباعه "أخذ على نفسه بالحسبة على الناس وتغيير المنكر"(2). ولما بلغ خبره الخليفة الفاطمي القائم بأمر الله (322-334هـ) (933-945م)، أرسل في طلبه من عامله على قسطيلية وتم زجه في السجن بمدينة توزر ولكنه تمكن بعد فترة زمنية قصيرة من الفرار بمساعدة أصحابه الذين اقتحموا أبواب السجن، حينئذ وبعد فك أغلاله بالحامة شرع في الترحال بين القبائل يستنفر أتباعه والبربر عامة لمحاربة الفاطميين، فنزل في قلعة بني درجين وجبل أوراس، واتصل ببني واركلا، وبني برزال، وبني زنداك، وفي الوقت نفسه كان الخليفة القائم يترصد ويتحسس أخباره و يرسل إليه الجيوش، لكنه لم يتمكن من توقيفه لسرعة تحركاته. واستمرت الثورة إلى عهد خليفته المنصور. ولا نريد أن نتناول بالتفصيل أحداث هذه الثورة والأشواط التي قطعتها لأن المصادر والمراجع أفاضت في الحديث عنها، ولكننا نريد أن نركز فقط على مساهمات سكان جبل نفوسة فيها، هل كانت مجرد تعاطف وتأييد ومساندة؟ أم كانت مدعمة
__________
(1) - هو مخلد بن كيداد بن سعد بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ورينت بن حونيفر بن سميدان بن يفرن بن جانا، وكنيته أبو يزيد. وهو من بني واركو إخوة مرنجيصة من بطون بني يفرن الزناتية. ولد بمدينة كوكو السودانية. ولما عاد أبوه منها أصبح أبو يزيد يتردد بين توزر وبين تقيوس من بلاد الجريد فحفظ القرآن وخالط النكارية فتأثر بمذهبهم ومال إلى اعتقاداتهم. ثم أنشأ مدرسة في توزر لتعليم الصبيان ثم انتقل إلى تاهرت ثم عاد إلى تقيوس. وظل يعلم بها إلى أن بدأ دعوته إلى الثورة ضد العبيديين. ينظر: ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص216؛ ابن خلدون: العبر، مج7، ص26؛ ابن أبي دينار: المؤنس، ص57-58.
(2) - ابن خلدون: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص84؛ ابن الأثير: الكامل، مج8، ص422. (1/237)
صفحة 238
بالسلاح والكراع والمحاربين، خاصة بالنسبة للوهبية الذين هم على غير رأي النكارية ؟
إن النصوص المتوفرة لدينا تفيد بأن الإباضية الوهبية سواء في جبل نفوسة أم في غيره من المناطق كانوا غير معنيين بهذه الثورة، وبالتالي لم يشاركوا فيها، إذ إن مسارة بن غني – أحد أصحاب أبي يزيد - قال له: "لا تظن أن الوهبية خرجوا معك فإنهم في مساجدهم"(1). ومن خلال هذا النص يتبين لنا أن الوهبية لم يشاركوا في هذه الثورة، وحتى قبيل قيامها كان الوهبية لا يختلطون بالنكارية كنوع من المقاطعة. فقد روي الدرجيني أن عالما من علماء الإباضية يدعى "أبو الربيع" خرج برفقة أبي يزيد. وأثناء مرورهم بحي من أحياء الوهبية لم يكترثوا بهما، وعندما مر بالنكارية أكرموهما وأحسنوا استقبالهما(2).
وتضيف المصادر كذلك أن أبا يزيد عندما توجه إلى الحج بعد فراره من عبيد الله المهدي طولب بمكس فاستعظمه. فلما عاد ووصل قرب جبل نفوسة فارقه من كان معه من أهل الجبل قاصدين منازلهم فقال لهم: "إقرأوا إخواننا السلام وقولوا لهم قد فاتنا منكم كثير، وفاتكم منا كثير، وإنه ليس الله علينا أن نشتري حجة". يشير بهذا إلى المكس الذي طولب به، ويريد بهذه الرسالة اختلاف القلوب(3).
وقد استمر هذا الصراع والخلاف. فالمصادر تشير إلى نزاعات بين الفريقين بلغت درجة الحروب، وإلى مناظرات بينهما دعت إلى حمل السيوف، فقد ناظر وهبي نكاري من مدينة توزر، وجرى بينهما نقاش وجدل بلغ درجة الشتم ثم ما لبث أن تحول إلى حرب عندما اشتكى كل واحد منهما لحيه، وانهزم فيها النكارية وتتبعهم الوهبية إلى غاية تقيوس وحاصروها، وانتهى القتال في الأخير بهزيمة الوهبية(4).
__________
(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص105.
(2) - المصدر نفسه والجزء ذاته، ص110-111.
(3) - نفسه، ص97.
(4) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص227-228؛ الشماخي: السير، ص359. (1/238)
صفحة 239
كما حاصر الوهبية النكار علميا فضايقوهم في حلقاتهم العلمية بعقدهم لحلقات موازية. فقد روي أن أبا صالح بكر بن قاسم اليراسني (اليهراسني) لما سمع بان النكار استولوا على جبل دمر بحلقة، فخرج من جربة وكابد صعود الجبال – لتقدمه في السن - إلى أن وصل إلى زيري بن كملين – رئيس أهل الجبل - فلامه وعاتبه(1).
واختار بعض العلماء وسيلة أخرى لمحاربة الفكر النكاري وهي أنهم رفعوا الأقلام بدل السيوف والجنود للتأليف للرد على أباطيلهم. فقد وضع محمد بن أبي خالد إثنى عشر كتابا يرد فيها على من أنكر إمامة عبد الوهاب(2).
وكانت الرسائل تبعث من علماء الوهبية إلى كافة الوهبية إينما كانوا سواء في الجبل أم في غيره من المناطق تحذرهم من مغبة فسح المجال للنكار لكي ينشطوا علميا، ويكثروا من حلقات الدرس، وقد حفظت لنا المصادر نصوص رسائل منها رسالة أبي القاسم يونس بن أبي زكريا إلى أبي مكدول الزنزفي يقول له فيها: "أما بعد فإني سمعت أن جماعة من النكار طلعوا قبلكم فإياكم ثم إياكم أن يردوا أرضكم، ولو للضيافة فإن القوم أخدع للأمة، وأنت ممن لا يحتاج إلى أن يوصى"(3). ويروي كذلك أن أبا مسور يسجا بن يوجين اليراسني (اليهراسني) الساكن بجربة تعرض لأذى النكار فجاءته ثلاث رسائل من وهبية نفوسة، وزواغة، وجبل دمر تتفق كلها في المحتوى. ومما جاء فيها: "بلغنا أن النكار يسيئون إليك فإن صح نصرناك بعسكر أوله عندك وآخره عندنا"(4). ورغم أن أبا مسور لم يشتك من أذاهم، إلا أن الرسائل جاءته تباعا، وكأنهم اتفقوا وتواعدوا مما جعل النكار يزدادون رعبا فأصبحوا يحترمونه ويوقرونه.
__________
(1) - الوسياني: السير، ج2، و15؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص357؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص368.
(2) - الوسياني: المصدر نفسه والجز ذاته، و37؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص418.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص408-49؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص420.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص345. (1/239)
صفحة 240
وقد انتقل هذا الصراع كذلك إلى المساجد حيث كانت الفرقتان تتنازعان حول إمامة الصلاة فيها(1) بل إن علماء الوهبية كانوا يرفضون الزواج منهم(2). وقد تعرض علماء الوهبية لمحاولات اغتيال من قبل النكار مثلما حدث لأبي القاسم يزيد بن مخلد(3).
والآن وبعد كل هذه الشواهد التاريخية يبدو لنا من الوجهة الموضوعية والمنطقية أن وهبية الجبل لم يشاركوا في هذه الثورة بأي حال من الأحوال رغم أن العدو مشترك، ورغم وجود بعض الإشارات وهي قليلة يبدي فيها الوهبية تسامحا كبيرا مع مخالفيهم من النكار. فالشماخي يذكر أنه لما جاز أبو الربيع سليمان بن زرقون(4) على قرية "ريصو" فوجد(5) بها أربع فرق من الإباضية: وهبية، وخلفية، ونكارية، ونفاثية، فأمر القضاء والأحكام لأبي الخطاب وسيل بن سنتين الزواغي، والفتيا للنكار، وإمامة الصلاة في رمضان للنكارية، والآذان للنفاثية .
__________
(1) - الوسياني: السير، ج1، و64.
(2) - ذكر أن رجلا من أهل جربة أراد أن يزوج ابنته لرجل من النكار فكرهت ذلك ولم ترض فشكته إلى المشائخ فاستخلف أحدهما فزوجها للآخر ولما سمع والدها راح يصيح: "يا للوهبية لا نكاح إلا بولي". ينظر: الوسياني: المصدر نفسه، ج2، و63.
(3) - الشماخي: السير، ص347.
(4) - هو أحد علماء الإباضية الوهبية تصنفه المصادر ضمن علماء الطبقة السابعة (300-350هـ) ولد في قرية "تابديوت" بجبل تيرشوين بجبل نفوسة. ينظر: الدرجيني: طبقات المائخ، ج1، ص109.
(5) - الشماخي: المصدر السابق، ص281+282. (1/240)
صفحة 241
وإذا كان ليفيسكي يرى بأن نفوسة قد زودت أبا يزيد بفرق من الجند سنة 333هـ (944م)(1) فإن مؤرخي الإباضية الوهبية يجزمون بأنه لم يتلق أية مساعدة منهم. فأبو عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس – وهو أحد رؤساء أهل الدعوة في ذلك الوقت - لم يقم بأي تصرف يوحي بتقديم يد المساعدة. ذلك أن جرائمه تبرأ منها الوهبية. ولعل هذا الانقسام وهذا التباين هو الذي حال دون استفادة سكان الجبل – وهيبتهم على الأقل - من هذه الفرصة التي أتاحتها لهم هذه الثورة للانتقام من قتلة الإمام يقظان. وعلى الرغم من استقلالهم المذهبي عن الفاطميين إلا أنهم استكانوا على عكس السنة الذين استغلوها وشاركوا فيها بدعوى من علمائهم بالقيروان. ومع ذلك فإننا نعتقد أن نكارية الجبل قد شاركوا فيها خاصة وأننا نعلم أنهم كانوا منتشرين في مجموعة من القرى مثل: يفرن، ككلة، بابل، تاكبال، وهو ما أشار إليه ابن خلدون في حديثه عن حصار أبي يزيد للمهدية حيث ذكر أن بربر قابس، وطرابلس، ونفوسة، شاركوا في هذا الحصار(2). وإذ كان الشماخي يذكر تسمية أخرى للنكار وهي مستاوة،(3) فإن الباروني يوضح بأن مستاوة –وهي فرقة غير معروفة - تنسب إلى عالم يدعى عبد الله بن يزيد المستاوي، وإن الحسنية التي تنسب لأحمد بن الحسين وكلتاهما تنكر إمامة عبد الوهاب(4).
__________
(1) - T. Lewicki: Les hakims, p102.
(2) - ينظر: العبر، مج7، ص30.
(3) - ينظر: السير، ص282.
(4) - ينظر: مختصر تاريخ الإباضية، ص54. (1/241)
صفحة 242
ويبدو أن مساهمة نكارية الجبل كانت محدودة لأن المصادر التاريخية الإباضية – وأغلبها وهبية - لم تتحدث عنها ولو بإشارة واحدة. وربما كان إهمالها مقصود. ضف إلى ذلك أن هذه المساعدات – إن كانت حقا - لم تؤد إلى تأزم الوضع في هذه الجهة. ولم نسمع عن قيام عصيان أو تمرد أو حتى عن حملات تأديبية فاطمية بعد فشل الثورة، ولا تتحدث المصادر المتوفرة عن مثل هذا منذ تعيين زيان الصقلي عاملا على طرابلس في خلافة المنصور حيث أحسن السيرة، وظل على ولايتها حتى خلافة المعز لدين الله(1).
د - ثورة الوهبية 358هـ (968م):
__________
(1) - صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص151. (1/242)
صفحة 243
يعد مقتل أبي القاسم يزيد بن مخلد(1) الشرارة الأولى التي أدت إلى ثوران الإباضية الوهبية ضد خلفاء بني عبيد. فقد عرف هذا الشيخ بعلمه وأدبه، واشتهر في القيروان في زمن المعز لدين الله حتى إنه "إذا دخلها اضطربت المدينة يسألونه عن المشكلات ويستفتونه، بل يدخرونها لوروده من موافق ومخالف"(2). فلا غرابة إذن أن يقول فيه المعز: "أما يزيد بن مخلد فلم تلد العرب مثله"(3). ولذلك فقد قربه المعز وأشركه في مجالسه لمناظرة علماء النحل الأخرى. ورغم هذه الحظوة التي نالها أبو القاسم إلا أن المعز ظل يخشاه ويهابه نظرا لمكانته عند الإباضية، فكان دأبه مراقبة تحركاته وتحركات غيره من العلماء ذوي النفوذ والشهرة. وكثرت الروايات ضده خاصة من وزراء المعز يحذرونه من خروجه عليه خاصة وأنه كان كل ربيع يخرج رفقة المشائخ إلى مواطن قبيلة مزاتة الإباضية. وكانت هذه الأخيرة – كما سبق الذكر - قوة كبيرة قدرت بإثني عشر ألف فارس(4).
__________
(1) - هو عالم من علماء الطبقة السابعة (300-350هـ) ولد في مدينة الحامة ببلاد الجريد، وفيها تتلمذ على كبار شيوخها مثل سحنون بن أيوب وأبي الربيع سليمان بن زرقون النفوسي ثم انتقل إلى القيروان ومنها إلى سجلماسة ثم عاد في الأخير إلى القيروان وعكف على مطالعة الكتب ودراستها رفقة أبي خزر يغلى بن زلتاف. ينظر: الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص119-120؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص51-52؛ صالح باجية: الإباضية بالجريد، ص126.
(2) - الشماخي: السير، ص347.
(3) - الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص132؛ المجدوب: الصراع المذهبي، ص217.
(4) - الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص124. (1/243)
صفحة 244
ولما كثرت التحذيرات أرسل المعز إلى عامله على مدينة الحامة يأمره بقتله. وتذكر المصادر أن هذا العامل كان معجبا بشخصية أبي القاسم ولذلك لم ينفذ أمره بل نراه ناصحا له بالسفر إلى مصر أو إلى وارجلان للحيلولة دون الوقوع في أيدي جند المعز. ولما تباطأ أرسل المعز سرية من الجند لتتمكن في النهاية من قتله(1).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص139؛ المجدوب: المرجع السابق، ص217؛ سنوسي يوسف إبراهيم: زناتة والخلافة الفاطمية، شركة سعيد رأفت للطباعة، ط1، القاهرة، 1986، ص273. (1/244)
صفحة 245
وبلغ مقتله مبلغا عظيما في أهل الدعوة فاتفقوا على القيام بالثأر له. وبدأ شيوخ الوهبية يتصلون بإخوانهم في مختلف مواطن للتنسيق بينهم والإعداد للثورة. ومن الرسل الذين أرسلوا إلى الجبل لهذا الغرض أبو نوح سعيد بن زنغيل، جاء ليستشير أبا عبد الله بن أبي عمرو حاكم الجبل، وليطلع على ما يمكن أن تساهم به نفوسة، وقد وعده هذا الأخير بتقديم العون، رغم ضعفهم بعد مانو. ثم توجه أبو نوح إلى جزيرة جربة لاستنفار إباضيتها، ولكن شيخهم أبا صالح اليهراسني أبدى تخوفا من هذه المغامرة لأن العبيديين كانوا أكثر عددا وعدة وأجابه قائلا له: "ليس لكم في مزاتة ما تقومون به"،(1) وأخبر أبو نوح أبا خزر بنتائج اتصالاته، ويبدو أن هذه النتائج غير المشجعة هي التي جعلتهم يتصلون بأمويي الأندلس، ويطلبون منهم النصرة والعون خاصة وأن علاقاتهم مع العبيديين كانت متوترة جدا حيث قامت مراكب أندلسية بأعمال قرصنة ضد بعض السفن الفاطمية. وفي المقابل غزا الأسطول الفاطمي مدينة المرية وأحرق المراكب الراسية في مينائها مما جعل الناصر يستنجد بالروم(2).
__________
(1) - أبو زكريا:المصدر السابق، ص202.
(2) - لمزيد من الاطلاع على الصراع الفاطمي – الأموي في عصر المعز. ينظر: القاضي النعمان: كتاب المجالس والمسايرات، تحقيق: الحبيب الفقي –إبراهيم شبوح - محمد اليعلاوي، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، تونس، 1978، ص164 وما بعدها. (1/245)
صفحة 246
وتذكر المصادر أن المعز لدين الله اكتشف مراسلاتهم دون أن توضح كيفية بلوغها إليه. ولا نستبعد أن يكون للنكار يد في ذلك للانتقام من الوهبية الذين لم يؤازروهم في ثورتهم. وشعر المعز بالخطر الذي يحدق به فبعث إليهم يدعوهم إلى المسالمة، ويطلب منهم أن يعودوا إلى بلادهم التي تولوها من تاهرت وبلاد الجريد. حينئذ أرسل المشائخ أبا محمد جمال إلى الزاب وأريغ ليستنفروا إباضيتها. وبويع أبا خزر إماما للدفاع على أمل أن يولوه إمامة الظهور إن كان النصر حليفهم(1).
وبادر أبو خزر بالهجوم على باغاية قبل أن تلتحق فرق الزاب وأريغ ووارجلان. ورغم أن المواجهة المصيرية لن تبدأ بعد نجد أن فخذا من مزاتة (بنو يليان) انسحب من جيشه بعد أن أغراهم عرض سكان باغاية والمتمثل في حصولهم على مال كثير مقابل الانسحاب. وانهزم الجيش وفر أبو خزر إلى جبل نفوسة واختفى هناك في جبل "تلتماجرت". أما أبو نوح فقد تنكر بزي الرعاة. وأما إباضية المغرب الأوسط فقد عادوا من حيث أتوا لما علموا بما وقع لإخوانهم وكانوا على مقربة من باغاية إذ لم يبق لهم من المسير سوى نصف يوم(2).
__________
(1) - أبو زكريا:المصدر السابق، ص202؛ الشماخي: السير، ص350؛ مرمول: السياسة الداخلية، ص182.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص351. (1/246)
صفحة 247
وأرسل المعز في طلبهما فألقي القبض على أبي نوح وزج به في السجن، لأنه كان يعتقد أنه هو الذي راسل بني أمية(1). أما أبو خزر فقد أمنه الخليفة(2) فسار إليه إلى القيروان في الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة 359هـ (969م) حيث رفع مرة أخرى منزلته وأصبح مجلسه على سريره دون بقية الجلساء. كما بعث المعز إلى أقاليم الوهبية كلها بأمان(3).
ولما عزم المعز على الانتقال إلى مصر أراد أن يصحبهما معه ربما لتخوفه من بقائهما بين إخوانهم. فالمصادر تذكر انه لما علم المعز بقدوم أبي خزر من نفوسة أرسل أبا نوح ومعه ثمانون فارسا من مزاتة لاستقباله في قابس، طعن جلساؤه في تزويده بهذه القوة إذ قالوا له: "إن أبا نوح أصاب ثمانين فارسا – كما طلب - يمنع أبا خزر إن أراد ذلك" فتفطن المعز لذلك وأرسل وراءهم من يقلل عدد الفرسان(4).
__________
(1) - دبر أحد يهود المعز حيلة للتأكد من كاتب الرسالة بأن أعطى أبا نوح ورقا ومحبرة لكي يكتب طلب عفو من المعز حتى يقارن بين الرسالتين ولكن هذا الأخير تفطن للحيلة فغير الخط. ينظر: أبو زكريا:المصدر السابق، ص207-208.
(2) - يذكر ابن الأثير أن أبا خزر هو الذي طلب الدخول في الطاعة. ينظر: الكامل، مج8، ص599.
(3) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص136؛ مرمول: السياسة الداخلية، ص183-184.
(4) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص213-214. (1/247)
صفحة 248
ومهما يكن من أمر فقد قبل أبو خزر الدعوة، ورفضها أبو نوح، وانتقل الأول إلى مصر وأقطعه المعز أرضا رغم أن أهل الدعوة كانوا يحبذون بقاؤه بينهم. وتذكر المصادر أن جماعة من الإباضية فرت من جيش المعز حينما خرج في طريقه إلى مصر. والتحقت بالجبل(1) وبذلك تنتهي مرحلة من مراحل الصراع لتبدأ مرحلة أخرى مع بني زيري. وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن مصادرنا لم تتحدث عن حجم القوات النفوسية التي شاركت في المعركة، هذا إن شاركت أصلا. وربما لم تصل إلى باغاية مثل أهل أريغ ووارجلان، كما تشير بعض الروايات إلى مشاركة النكارية(2) على الرغم من أن المصادر الوهبية لا تذكر ذلك.
الفصل الثاني
نفوسة الجبل والصراع الفاطمي - الزيري
1 - رحيل المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر.
2 - علاقات إباضة الجبل ببني زيري.
أ - قيام الإمارة الزيرية.
ب - النفوسيون وبني زيري.
3 - استراتيجية جديدة للفاطميين.
4 - جوغراف والهجرة إلى المجهول.
1 - رحيل المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر:
__________
(1) - ابن الأثير: الكامل، مج8، ص621؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص159؛ الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، ص50؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص257.
(2) - ابن الأثير: المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص598. (1/248)
صفحة 249
سبقت الإشارة إلى أن الفاطميين منذ أن تمكنوا من الاستيلاء على بلاد المغرب، والقضاء على دولة بني مدرار بسجلماسة، ودولة بني رستم بتاهرت، والأغالبة برقادة، ظلوا يخططون ويمهدون للانتقال إلى مصر ليتخذوها قاعدة لهم ينطلقون منها إلى الحجاز. ذلك أن الدخول إلى مصر يسهل لهم السيطرة على الأماكن المقدسة – قبلة المسلمين من مختلف أصقاع العالم الإسلامي - وعلى أهم الحواضر الإسلامية كدمشق، وبغداد عاصمة العباسيين. فلا غرو إذن أن أولى بنو عبيد عناية خاصة لهذا المشروع منذ تأسيس دولتهم بالمغرب سنة 296هـ (909م)، ومبايعة عبيد الله المهدي بالخلافة، على الرغم من أن البربر لم يخضعوا نهائيا لسلطانهم خاصة بربر زناتة. (1/249)
صفحة 250
فقد جهز عبيد الله المهدي ثلاث حملات عسكرية لفتح مصر كانت الأولى سنة 301هـ (913م)، والثانية سنة 306هـ (918م) أو سنة 307هـ (919م)،(1) والثالثة سنة 322هـ أو 323هـ (933م) و(934م)(2). ففي الحملة الأولى سير ابنه أبا القاسم محمد فأستولى على الإسكندرية والفيوم، وتمكن من جباية خراجها وخراج بعض أعمال الصعيد، لكنه أرغم على الجلاء والعودة إلى بلاد المغرب بعد أن انهزم أمام الجيش الذي أرسله الخليفة العباسي المقتدر (295-320هـ) (907-932م) بقيادة مؤنس الخادم(3). أما الحملة الثانية فقد فشلت فشلا ذريعا لأن المقتدر وجه لمواجهته مؤنس الخادم مرة أخرى حيث اشتبك مع حباسة بن يوسف الكتامي – أحد قواد كتامة - وهزمه(4). ولم تكن هذه الحملات برية فقط بل كانت بحرية كذلك اذ أن الأسطول كان يبحر على الساحل بجوار المشاة. ففي الحملة الثانية وصل ثمانون مركبا من المغرب لنجدة أبي القاسم لتواجه خمسة وعشرين مركبا أرسلها المقتدر من طرسوس(5).
__________
(1) - الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص23؛ محمد بن عميرة: دور زناتة، ص238؛ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي، ج3، ص145.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص209؛ أحمد مختار العبادي: في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص247. أرسل هذه الحملة في أواخر أيامه، ذلك أنه توفي يوم الإثنين الرابع عشر من ربيع الأول من هذه السنة.
(3) - الصنهاجي: المصدر السابق، ص23؛ الوزير السراج: الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تحقيق: محمد الحبيب الهيلة، الدار التونسية للنشر، تونس، 1970، ج1، ص896.
(4) - الصنهاجي: المصدر نفسه والصفحة ذاتها.
(5) - الوزير السراج: المصدر السابق، ج1، ص897؛ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج3، ص145. (1/250)
صفحة 251
وقد استغرقت كل حملة سنتين على الأقل، وكان مصيرها الفشل الذريع، وحتى الحملة التي سيرها عبيد الله سنة 322هـ لم تحقق له ما كان يصبو إليه، إذ تمكن الأمير الإخشيدي العباس بن محمد بن طغج الإخشيد من صدها(1).
وتجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أن الخلافة العباسية كانت متفطنة لهذا الخطر الفاطمي خاصة وأنها كانت من القوة بحيث تمكنت من صد هذه الحملات. وتوقفت الحملات نتيجة انشغال الخليفتين القائم بأمر الله (322-334هـ) (933-945م) والمنصور (334-341هـ) (945-952م) بإخماد ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني. ورغم ذلك لم يحل دون قيام الفاطميين بمحاولات أخرى ولكنها ليست عسكرية، فقد اتصل القائم بمحمد الإخشيد عدة مرات محاولا كسبه واستمالته ليقطع الخطبة لبني العباس. وكاد أن ينجح خاصة عندما ساءت العلاقات بينه وبين الخليفة العباسي الراضي (322-329هـ) (933-940م)، لولا أن تراجع الإخشيد عن هذه الفكرة لأن عواقبها غير محمودة(2).
__________
(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص209.
العبادي: في التاريخ العباسي والفاطمي، ص248.
(2) - العبادي: المرجع نفسه والصفحة ذاتها. (1/251)
صفحة 252
وبعد القضاء على ثورة أبي يزيد مخلد، بعثت فكرة إعادة المحاولة من جديد إبان خلافة المعز لدين الله (341-362هـ) (952-972م)، حيث أمر بحفر الآبار وبناء الحصون والقصور على طول الطريق المؤدي إلى مصر. ونعتقد أن هذه الحصون هي نفسها التي أشار إليها المراكشي في قوله: "ما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب خمسة وأربعون مرحلة. وكانت العمارة متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مدينة القيروان تمشي فيها القوافل ليلا ونهارا. وكان فيما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب حصون متقاربة جدا، فإذا ظهر في البحر عدو ونور كل حصن للحصن الذي يليه، واتصل التنوير فينتهي خبر العدو من طرابلس إلى الإسكندرية، أو من الإسكندرية على طرابلس في ثلاث... أو ربع ساعات من الليل فيأخذ الناس أهبتهم ويحذرون عدوهم"(1).
__________
(1) - ينظر: تاريخ الأندلس المسمى، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المطبعة الجمالية، ط1، القاهرة، 1914، ص196. (1/252)
صفحة 253
ولما بلغته الأخبار بوفاة كافور الإخشيدي حاكم مصر أواخر جمادى الآخرة سنة 355هـ (955-956م)، واضطراب الأمن في ولايته، وانشغال العباسيين بمشاكلهم الداخلية، خاصة وأن قيام دولة معادية لهم مثل الحمدانيين في الشمال، والقرامطة في الجنوب، حال دون وصول جيوشهم إلى مصر لصد الخطر الشيعي كما كانوا يفعلون في السابق(1). وفي هذه الأثناء كان جوهر قد خرج على رأس حملة إلى المغرب. ولما عاد في أواخر محرم سنة 358هـ (969م) ومعه الرجال والأموال أمره المعز بالخروج إلى مصر(2). ويمكننا أن نشير هنا إلى أن عاملا مهما شجع الخليفة الفاطمي على إنفاذ هذا الجيش، وهو أن جماعة من مصر كتبت إلى المعز تستدعيه وتطلب منه التعجيل في إرسال العساكر إليهم(3). ولاشك أن هذه الجماعة هي ممن بعثهم المعز إلى مصر لتحسس الأخبار ونشر الدعوة الشيعية وإطلاعه عن الأوضاع هناك.
__________
(1) - حسن إبراهيم حسن: تاريخ جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله، مطبعة السعادة، ط2، القاهرة، 1963، ص23-24؛ العبادي: في التاريخ العباسي والفاطمي، ص248-249؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص253؛ بن عميرة: دور زناتة، ص238.
(2) - ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، (د.ت)، مج5، ص266؛ حسن إبراهيم حسن: المرجع نفسه، ص29.
(3) - ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج4، ص24. (1/253)
صفحة 254
حشد المعز الجيوش وجمع الأموال اللازمة، فأنفق في العسكر الخارج مع جوهر أموالا كثيرة، وغمرهم بالعطاء لشراء جميع ما يحتاجونه ورحلوا ومعهم ألف حمل من المال والسلاح(1). وخرج الجيش من القيروان في 14 ربيع الأول سنة 358هـ (5 فبراير 969م) تصحبه بعض القطع البحرية من المهدية. وأمر المعز أولاده واخوته الأمراء وسائر رجال الدولة أن يترجلوا مشاة في أثناء تشييع جوهر وهو راكب إجلالا وتقديرا له. وأرسل لسائر عماله يأمرهم أن يترجلوا مشاة حين مروره. ولما وصل برقة أنف "أفلح بن ناشب الكتامي" – عامله عليها - من الترجل فأعطى لجوهر خمسين ألف دينار ذهبا مقابل إعفائه، ولكن جوهر ردها إليه وفرض عليه الترجل كسائر العمال والقواد(2).
وكان المعز واثقا من أن هذا الجيش سيحقق له الحلم الذي ظل يراوده ويراود جده عبيد الله. ولذلك قال المشائخ المتوجهين مع جوهر: "والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، ولتدخلن مصر بالأردية من غير حرب"(3). وبعد مسير خمسة أشهر دخل جوهر مصر يوم الثلاثاء 17 من شعبان سنة 358هـ. ولم يعان كثيرا في فتحها إذ كانت الظروف مواتية. وتمكن من القضاء على المقاومة الإخشيدية بسهولة خاصة وأن أغلب أعيان الإخشيد كانوا قد فروا من مصر إلى الشام قبل وصول جوهر(4). ضف إلى ذلك أنه في هذه السنة انتشر الوباء فقضى على حياة الآلاف من الناس، وحدث غلاء عظيم بالبلاد(5).
__________
(1) - ابن خلكان: المصدر السابق، مج5، ص226؛ حسن إبراهيم حسن، تاريخ جوهر الصقلي، ص29.
(2) - ابن تغرى بردى: المصدر السابق، ج4، ص28-29؛ ابن الضياف: أتحاف أهل الزمان، ج1، ص160؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص254.
(3) - ابن أبي الضياف: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص160.
(4) - الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص50؛ العبادي: في التاريخ العباسي والفاطمي، ص250.
(5) - ابن خلكان: وفيات الأعيان، مج5، ص226. (1/254)
صفحة 255
وأرسل جوهر إلى مولاه يبشره بالفتح ودخوله إلى الديار المصرية ويحثه على المسير إليه، ثم سير إليه من يخبره بانتظام الأمور في مصر والشام والحجاز، وإقامة الدعوة له في هذه البقاع فسر المعز بذلك(1). ولم يبق للمعز إذن إلا الرحيل فخرج في 22 شوال سنة 361هـ (971م) من المنصورية إلى سردانية، وأقام بها لكي يلتحق بها رجاله وعماله وأهل بيته، وكل ما كان له في قصره من أموال وأمتعة وغير ذلك(2).
__________
(1) - المصدر نفسه والمجلد والصفحة ذاتهما.
(2) - ابن أبي دينار: المؤنس، ص65؛ النويري: نهاية الإرب، ج24، ص155؛ ابن خلكان: المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص227؛ القرشي: تاريخ الخلفاء الفاطميين، ص717؛ الوزير السراج: الحلل السندسية، ج1، ص916؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص159؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص256؛ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي، ج3، ص150. (1/255)
صفحة 256
وقبل أن يرتحل إلى مصر نظر فيمن يوليه أمر أفريقية والمغرب ممن له مقدرة في الرئاسة وصدق في التشيع، فوقع اختياره على بلكين بن زيري بن مناد. ويمكننا أن نشير هنا إلى أن المعز استقدم في البداية جعفر بن علي بن حمدون وعرض عليه أن يكون نائبه في هذه البلاد، ولكن هذا الأخير اشترط شروطا تجعله شبه مستقل عن مصر، إذ قال له: "أترك معي أحد أولادك أو اخوتك يجلس في القصر، وأنا أدبر ولا تسأل عن شيء من الأموال، لأن ما أجبيه يكون بازاء ما أنفقه، وإذا أردت أمرا فعلته دون انتظار ورود أمرك فيه، لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره إلى"(1) فقوبلت شروطه هذه بالرفض وغضب المعز لذلك حتى إنه قال له: "يا جعفر عزلتني عن ملكي وأردت أن تجعل لي فيه شريكا في أمري، واستبددت بالأعمال والأموال دوني، قم فقد أخطأت حظك"(2).
__________
(1) - ابن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان، ج1، ص162؛ العبادي: في التاريخ العباسي والفاطمي، ص315.
(2) - المصدر نفسه والجزء والصفحة ذاتهما؛ المرجع نفسه والصفحة ذاتها؛ إبراهيم أحمد العدوي: بلاد الجزائر (تكوينها الإسلامي والعربي)، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1970، ص267. (1/256)
صفحة 257
ورست في الأخير نيابة الفاطميين في بلاد المغرب على بلكين بن زيري، وكان حينئذ متوغلا في المغرب منشغلا بإخماد الاضطرابات، وتمكن المعز من إقناع بلكين بعد تردده، وقلص من اختصاصاته، فلم يجعل له الحكم على صقلية، وطرابلس، وأجدابية، وسرت. فقد عين على صقلية حسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، وعلى طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي(1). وجعل على جباية أموال إفريقية زيادة الله بالانقياد لبلكين(2). ونلاحظ أن المعز عينه واليا للحرب فقط، إذ جرده من ولاية القضاء، وجباية الضرائب، وأوصاه بأن لا يرفع السيف عن البربر، والجباية عن أهل البادية، ولا يولي أحد من أهله. وعهد إليه غزو المغرب وإخضاعه واستئصال النفوذ الأموي فيه(3).
__________
(1) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص318؛ النويري: نهاية الإرب، ج24، ص169؛ Farhat Dachraoui: Le Califat Fatimide, p274.
(2) - ابن الأثير: الكامل، مج6، ص620-621.
(3) - ابن خلدون: المصدر السابق، مج6، ص318؛ النويري: المصدر السابق، ج24، ص170؛ الوزير السراج: الحلل السندسية، ج1، ص937؛ محمد جمال الدين سرور: سياسة الفاطميين الخارجية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976، ص225؛ محمد حمدي المناوي: الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي، دار المعارف، (د.ت)، القاهرة، 1970، ص188؛ بن عميرة: دور زناتة، ص239-240. (1/257)
صفحة 258
وفي يوم الأربعاء العاشر من ربيع الأول سنة 362هـ (972م) خرج المعز من قابس – بعد أن ودعه بلكين في نواحي صفاقس - في طريقه إلى مصر، فدخل طرابلس يوم الأربعاء 24 من الشهر المذكور. وفي أثناء مسيره من طرابلس إلى برقة فرت جماعة من الإباضية لتلتحق بإخوانها من أهل الدعوة في الجبل، وقد طاردهم المعز لكنه لم يتمكن من إعادتهم إلى جنده(1)، بينما ارتحل أبو خزر – أحد علماء المذهب البارزين - رفقة المعز رغم استياء إخوانه من قبيلة "لماية". في حين تمارض أبو نوح حتى لا يفارق أهل مذهبه. وكان المعز يهدف من وراء استصحابهما معه إلى مصر للحيلولة دون خروجهما مرة أخرى على نوابه في بلاد المغرب(2). ووصل المعز إلى مصر يوم السبت الثاني من رمضان سنة 362هـ (972م).
ويستشف مما سبق ذكره أن خلافا حدث بين أبي خزر وأبي نوح فيما يخص تأييد أو مواصلة معارضة الفاطميين. ويبدو أن الإباضية الذين التحقوا بالجبل كانوا عرضة للضغوط التي مارسها عليهم الشيوخ المناوئون لتطبيع العلاقات مع الفاطميين.
2 - علاقات إباضية الجبل ببني زيري:
أ - قيام الإمارة الزيرية:
ظل بنو زيري يحكمون إفريقية باسم الفاطميين. وكان أول عمل قام به بلكين هو غزو المغرب الأقصى – كما أوصاه المعز لدين الله - للقضاء على النفوذ الأموي فيه، وإعادة السكينة والاستقرار إلى بلاد المغرب، خاصة وأن توليته الإمارة قد أثارت حفيظة منافسه جعفر بن علي بن حمدون أمير الزاب، حيث شق عصا الطاعة للفاطميين، والتحق بالأمويين في الاندلس طالبا اللجوء في بلاط الخليفة المستنصر (350-366هـ) (961-976م)، كما خرجت عليه قبيلة زناتة، وثار عليه سكان تاهرت(3).
__________
(1) - الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، ص50؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص159.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص138.
(3) - السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص556. (1/258)
صفحة 259
ولما توفى أبو الفتوح سنة 373هـ (1080م) في طريق عودته إلى إفريقية بين سجلماسة وتلمسان خلفه ابنه أبو الفتح المنصور بن بلكين في أوائل سنة 374هـ (1081م). وجاءه التقليد من الخليفة الفاطمي العزيز بالله (365-386هـ) (975-996م). فواصل سياسة أبيه فى محاربة زناتة المغرب الأفصى، واستمالة بعض بطونهم لتفتيت صفوفهم. وقد انضم فعلا فريق منهم إلى المنصور بن بلكين، ومنهم سعيد بن خزرون الذي وفد إليه سنة 379هـ (1086م)، فولاه على مدينة طنجة، وتزوج ابنه وروا من ابنة أبي الفتوح. وفي عهد المنصور بدأت الخلافات تتوتر بين الإمارة والفاطميين فى مصر، حيث برزت نزعة الاستقلالية إلى السطح، فعندما تسلم المنصور كتاب الولاية قال للذين جاءوا لتهنئته بأشير عندما كان واليا عليها: "إن أبي وجدي أخذا الناس بالسيف قهرا، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، وما أنا في هذا الملك ممن يولى بكتاب ويعزل بكتاب لأني ورثته عن آبائي وأجدادي، وورثوه عن آبائهم وأجدادهم حمير"(1).
__________
(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص240؛ النويري: نهاية الإرب، ج24، ص177-178؛ ابن الأثير: الكامل، مج9، ص34؛ جمال الدين سرور: سياسة الفاطميين الخارجية، ص225؛ العبادي: في التاريخ العباسي، ص317؛ إسماعيل العربي: دولة بني حماد ملوك القلعة وبجاية (ش و ن ت)، الجزائر، 1980، ص75-76.
George Marcais: La Berberie Musulmane et l'orient au moyen age Imprimerie Typolithom Edition Montaigne, Alger 1946, p159-160. (1/259)
صفحة 260
ويتضح من كلام المنصور أنه كان يميل إلى الاستقلال عن مصر، وأن الخليفة الفاطمي لا يحق له عزله. فهو ليس ممن يولى بكتاب ويعزل بجرة قلم. وقد أحس العزيز باشتداد بأسه وقوته فبدأ يخطط ويعمل على إضعافه وزعزعة استقرار إمارته ببث الفوضى والعصيان بين القبائل خاصة كتامة التي ظلت وفية للدعوة الفاطمية. وأرسل العزيز داعية إلى قبيلة كتامة يدعى "أبو الفهم" واسمه "حسن بن نصر" يدعوهم إلى طاعته والوقوف إلى جانبه لحمايته إن حدث له مكروه. وكان الهدف من ذلك هو استمالة كتامة ليتمكن من محاربة المنصور وبالتالي استخلاص إفريقية منه، وقد وصل هذا الداعية إلى كتامة، وتمكن من تحقيق نجاح معتبر حيث كثر أتباعه واشتد بأسه وعظمت شوكته. وقد أزعج هذا التصرف المنصور، فأرسل إلى العزيز يخبره بأمر هذا الداعية، فكان رده أن أوفد إليه رسولين يحملان رسالة منه يمنعه فيها من التعرض لأبي الفهم وكتامة وأمره أن يتركه وشأنه(1). وقد استقبلهما المنصور استقبالا فاترا أغلظ فيه الكلام لهما وللعزيز. ثم جهز جيشا واتجه به إلى بلاد كتامة للقضاء على هذا الداعية قبل أن يتفاقم خطره، وتمكن من إلحاق الهزيمة بأتباعه، في حين فر هو لائذا بجبل صعب المسالك يقع في منازل كتامة، ونزل عند أناس يقال لهم "بنو إبراهيم" وبعد تهديد هؤلاء بالقتال أرسل المنصور سرية فأمسكت بأبي الفهم وعذبته ثم قتل في الأخير. كما قتل المنصور جماعة من الدعاة ووجوه كتامة. وعاد الرسولان إلى العزيز وأخبراه بفشل المحاولة(2).
__________
(1) - ابن الأثير: المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص53؛ جمال الدين سرور: المرجع نفسه، ص225-226.
G. Marcais: Ibid, 160.
(2) - ابن عذارى: المصدر السابق، ج1، ص241-243-244؛ العبادي: المرجع السابق، ص318؛ G. Marcais: Ibid, 161. (1/260)
صفحة 261
وعقب هذا الإخفاق اتبع العزيز سياسة اللين والمهادنة، وآثر سياسة التودد والملاطفة مع المنصور، فأرسل إليه هدية ثمينة مرفقة برسالة مودة، دون أن ترد فيها أدنى إشارة عن أبي الفهم رغم أن العزيز لم يهضم تلك الهزيمة التي منيت بها كتامة، حيث كرر المحاولة مرة أخرى فأثار كتامة من جديد سنة 379هـ (1086م) بقيادة رجل يسمى "أبو الفرج الخراساني" فقد اتخذ هذا الأخير البنود وضرب السكة. وتمكن المنصور في النهاية وبعد قتال شديد من التخلص منه هو الآخر(1).
__________
(1) - ابن الأثير: المصدر السابق، ص67؛ العبادي: المرجع السابق، ص318-319؛ إسماعيل العربي: دولة بني حماد، ص84-85؛
G. Marcais: Ibid, 161. (1/261)
صفحة 262
وفي عهد باديس بن أبي الفتوح المنصور (386-406هـ) (996-1015م)(1) استمرت العلاقات الودية بين الفاطميين وبين بني زيري، رغم ما تخفيه هذه العلاقات من خلافات بين الحاكم وباديس. وعكف الحاكم بأمر الله (386-411هـ) (996-1020م) على تدبير المؤامرات استمرار السياسة سابقيه. وكان مركز الصراع هذه المرة إقليم طرابلس حيث أمر الحاكم بأمر الله يانس العزيزي – واليه على برقة - بالاتجاه إلى طرابلس والاستيلاء عليها وكان ذلك سنة 390هـ (999م). وبما أن طرابلس أصبحت تابعة للإمارة اعتبر باديس ذلك اعتداء سافرا على سلطته، ولذلك لم يتوان في قتال يانس والنيل منه، فقد أنفذ له جيشا يقوده جعفر بن حبيب ليصده عن المدينة، تمكن في آخر المطاف من قتله. والتحق بطرابلس قائد من قواده يدعى فتوح بن علي فحاصره جعفر مدة زمنية. وبينما هو كذلك إذ وصله كتاب من عامل قابس يوسف بن عامر يخبره أن فلفل بن سعيد وصل قابس في طريقه إلى طرابلس فتنحى جعفر عن المدينة إلى ناحية الجبل - ربما جبل نفوسة - ولما حل فلفل بمكانه وضاقت الحال بجعفر وجنده ارتحل إلى قابس تاركا فلفل (فلفول) يدخل المدينة خاصة وأنه استقبل من أهلها استقبالا حارا وفتحت له الأبواب(2).
__________
(1) - هو أبو مناد باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد والد المعز بن باديس كانت ولايته بعد أبيه المنصور المتوفى سنة 386هـ. ينظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان، مج1، ص265.
(2) -ابن خلدون: العبر، مج7، ص85. (1/262)
صفحة 263
وفي هذه الأثناء سير الحاكم جيشا آخر يقوده يحي بن علي بن حمدون الذي لجأ إلى مصر بعد مقتل أبيه جفعر. وبعد انضمامه إلى عسكر فلفل بن سعيد تراجع في الأخير خشية الاصطدام مع باديس خاصة وأن حاله قد اختل، ففضل العودة أدراجه إلى مصر بدل المواجهة(1).
__________
(1) -ابن الأثير: الكامل، مج9، ص154؛ ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص256؛ جمال الدين سرور: سياسة الفاطميين الخارجية، ص226-227؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص265-266؛ العبادي: في التاريخ العباسي، ص319-320. (1/263)
صفحة 264
وبعد فشل هذه المحاولة لجأ الحاكم بأمر الله إلى حث قبيلة زناتة على الاستيلاء على مدينة طرابلس، ونجح في ذلك إذ تمكن فلفل - زعيم زناتة - من السيطرة عليها. أما عن القطيعة الحقيقية عن الخلافة الفاطمية فتبدأ منذ تولي المعز بن باديس الإمارة سنة 406هـ (1015م)، ذلك أن هذا الأخير انحرف عن المذهب الشيعي وأخذ بالمذهب السني، وحمل أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك. ورغم انحرافه عنه علنية فإن الخليفة الحاكم بأمر الله لم يبد اعتراضه على سياسته المذهبية بل عمل على ملاطفته واستمالته بأن أضاف إليه لقبا آخر وهو "شرف الدولة" في رسالة بعثها إليه سنة (407هـ/1016م)، كما بعث إليه هدايا مع رسول أوفده إليه سنة 411هـ (1020م). وقد اتبع السياسة نفسها خليفته من بعده ابنه الظاهر للإعزاز دين الله (411-427هـ) (1020-1035م) حيث أضاف إليه لقبا آخر سنة 414هـ (1023م) وأصبح يدعى "شرف الدولة وعضدها". ورغم هذه الألقاب التشريفية إلا أن العلاقات الودية لم تعمر طويلا إذ أعلن المعز بن باديس سنة 440هـ (1048م) في خلافة المستنصر بالله (427-487هـ) (1035-1094م) خروجه عن الطاعة فأمر بحذف اسم الخليفة من الخطبة والسكة والطرز، وأعلن ولاءه للخليفة العباسي القائم بأمر الله (422-467هـ) (1030-1074م). كما أمر بلبس السواد شعار العباسيين واستقل بنو زيري نهائيا عن الخلافة في مصر، وانقطعت بذلك الدعوة الفاطمية في بلاد المغرب(1)
__________
(1) - ابن خلدون: المصدر السابق، مج6، ص325؛ ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، ج5، ص50؛ الداوداري: كنز الدرر وجامع الغرر، تحقيق صلاح الدين المنجد، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1961، ج6، ص331؛ النويري: نهاية الإرب، ج24، ص209؛ ابن أبي الضياف: إتحاف أهل الزمان، ج1، ص172؛ الزهري: كتاب الجغرافية، تحقيق: محمد حاج صادق، المركز الإسلامي للطباعة، القاهرة (د.ت)، ص109-111؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص573؛ جمال الدين سرور: سياسة الفاطميين الخارجية، ص227-228؛ حسن أحمد محمود: محنة الشيعة في إفريقية في القرن الخامس الهجري، مجلة كلية الآداب، مطبعة جامعة فؤاد الأول، القاهرة، 1950، مج12، ج2، ص93-94؛ محمد ولد دادة: مفهوم الملك، ص89؛ George Marcais: La Berberie Musulmane, p166-168. (1/264)
صفحة 265
.
ب - النفوسيون وبني زيري:
تأرجحت العلاقات النفوسية – الزيرية بين العداء تارة وبين المسالمة تارة أخرى. ويمكن لنا أن نقسم هذه العلاقات إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة تميزت بالتسامح المذهبي، ومرحلة اتسمت بالعداء والقتال ومضايقة أهل المذهب، ليس في الجبل فقط بل في إفريقية والمغرب الأوسط كذلك، خاصة بعد أن تم القضاء على أتباع المذهب الشيعي، وأضحى المذهب المالكي هو المذهب الرسمي – إن صح التعبير - ويمكن أن نحدد بداية المرحلة الأولى بأواخر خلافة المعز لدين الله الفاطمي في بلاد المغرب وتنتهي في أوائل القرن الخامس الهجري (11م). ففي هذه المرحلة كانت العلاقات حسنة بين الطرفين حيث كان أمراء بني زيري – ومن قبلهم المعز لدين الله - يفتحون أبواب قصورهم لعلماء ومشائخ الإباضية لحضور المجالس العلمية، ومناظرة خصومهم أتباع المذاهب والفرق الأخرى. فالمصادر تذكر أن أبا نوح – وهو أحد مفجري ثورة الوهبية في خلافة المعز - كان مقربا وذا حظوة لدى المنصور الصنهاجي، وكان أبو نوح يسافر إليه إلى القيروان فيكرم مثواه، ويفضله على العديد من مجالسيه، ويمكنه من الرد على أصحاب الفرق. وكان المنصور يجيزه ويغدق عليه الأموال، رغم أن أبا نوح كان يرتاب من هذه الزيارات، حتى إنه استشار في إحداها مقدم بني درجين. يقول الدرجيني: "لما جاءه الرسول بهذا الخبر – أي خبر استدعاء المنصور له - قلق أبو نوح وتجددت عقابيل الخوف... فاستشار وحنين (وحنين بن وريغول) في المسير إليه، وهل هناك أمر يخافه عليه... فقال له وحنين: إن طاب على نفسك المسير فسر فإني لا أخاف عليك، وإن كرهت المسير فأقم وأنا أمنعك وأخالف عليه من أجلك"(1).
__________
(1) - ينظر: طبقات المشائخ، ج1، ص146-147. (1/265)
صفحة 266
وسافر أبو نوح إلى القيروان فأحسن المنصور إليه وطمأنه بكلام ليزيل خوفه يقوله: "اعلم يا شيخ بأن رمحي وهبي وسيفي وهبي"(1). كما كان مقدم بني درجين في بلاد الجريد مقربا من المنصور، كثير الوفادة عليه، وذا مكانة مرموقة عنده(2)، كما كان الإباضية يقدمون الهدايا لأمراء بني زيري رغبة في التقرب منهم واتقاء لشرهم وغضبهم، منها الهدية التي قدمها رجل يقال له "أبو باديس" والمتمثلة في فرس ومهر(3). وحتى في عهد المعز بن باديس (406-454هـ) (1015-1062م) كانت العلاقات طيبة بينهما. فقد ذكر الوسياني أن أم ماكسن بن الخير(4) كانت تربطها علاقات حسنة بأم سوسو "زوجة المعز بن باديس"(5).
__________
(1) - المصدر نفسه والجزء ذاته، ص147.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص223؛ الشماخي: السير، ص358.
(3) - الوسياني: السير، ج1، و45-46؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص383-384؛ معمر: الإباضية في الجزائر، ص156؛ محمد بن يوسف أطفيش: رسالة إن لم تعرف الإباضية يا عقبي يا جزائري، طبعة حجرية، القاهرة، 1323هـ، ص59.
(4) - هو أبو محمد ماكسن بن الخير أحد علماء الإباضية المشهورين توفي سنة 401هـ. ينظر: الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص430.
(5) - ينظر: المصدر السابق، ج2، و35. (1/266)
صفحة 267
وفي المقابل أهدى المعز بن باديس سيفا لمشائخ الجبل رغم أن هذه الهدية اختلف في قبولها أو رفضها(1). وهناك من الإباضية من تولى مناصب في دولة بني زيري، ومنهم من كان قائدا في الجيش، فقد ذكر الوسياني أن رجلا يدعى "إبراهيم بن ونمو" كان قائدا من قواد المعز بن باديس وهو إباضي من مزاتة القيروان(2).
وهناك من الإباضية من كان يرفض التعامل مع صنهاجة اتقاء شرهم. فإذا كان أبو صالح بكر بن قاسم – وهو أحد العلماء المشهورين - شديدا على العصاة، إلا أنه كان لا يضرب اللصوص من صنهاجة متى أمسك بهم تقية لا مهادنة(3). ومنهم من كان لا يتعامل تجاريا معهم "لتجبرهم وغصبهم للناس أموالهم"(4) فقد روي أن رجلا يقال له عبد السلام اشترى خرفانا من إفريقية، فلما علم أن بائعها صنهاجي تصدق بها(5).
__________
(1) - قال بعضهم: "ردوه أولى بالريبة من وحل فيها"، وقال بعضهم: لا تفعلوا فإن ذلك عون له على باطله وجوره، وقال آخرون: أكسروه وأدفنوه، وقال آخرون: أمسكوه فإن عطايا الملوك جائزة لمن يأخذها عند جمهور الأمة لمن يدخل أمورهم الفاسدة. ينظر: الوسياني: المصدر نفسه والجزء ذاتها، و2-3-4.
(2) - ينظر: المصدر نفسه والجزء ذاته، و18.
(3) -نفسه، و14؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص354.
(4) -الشماخي: السير، ص400.
(5) -أبو زكريا: كتاب السيرة، ص306-307؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص408. (1/267)
صفحة 268
أما المرحلة الثانية فقد اتسمت بالعداء، وقد تأثر الجبل كثيرا بالصراع الذي احتدم بين الفاطميين وبين بني زيري من جهة، وبين بنى زيري وزناتة طرابلس من جهة أخرى. ورغم أن النفوسيين لم يكونوا طرفا في هذا النزاع، إلا أن آثاره قد امتدت إلى الجبل فوجدوا أنفسهم مضطرين للدفاع عن أنفسهم ضد أي عدوان ومن أي طرف. ولعل الشرارة الأولى التي أدت إلى تدهور العلاقات – دفاعا عن النفس والأرض - هو - كما ذكرنا - التنافس على إدارة إقليم طرابلس، فقد شهد هذا الإقليم أحداثا كثيرة غذاها الفاطميون في مصر بتقديم المال والسلاح لأعداء صنهاجة التقليديين من أجل إضعافها، والوقوف ضد أطماعها الانفصالية. فعند فشل حملة يحي بن علي بن حمدون وعودته إلى مصر تثور زناتة في إقليم طرابلس وتستولي على المدينة سنة 393هـ (1002م) بتشجيع من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. فقد استنجد بها وأطمعها في الاستقرار هناك لكي يشغلها للوقوف ضد أطماع بني زيري. وقد أدى إلى حدوث قلاقل واضطرابات، والعديد من المعارك الطاحنة التي راح ضحيتها خلق كثير من الزناتيين وامتدت هذه الاضطرابات إلى الجبل. ويبدو أن غارات كثيرة قامت بها زناتة ضد سكانه. وقد أشار الشماخي إلى ذلك – كما سبق الذكر - في حديثه عن ولاية أبي الفضل سهل على الجبل حيث عانى النفوسيون الكثير من هجومات المسودة (بنو زيري)، وزناتة، والعرب. وإذا كان الشماخي يذكر بأنه في زمن أبي الفضل سهل (ط 8 )(350هـ-400م) خرجت نفوسة لقتال زناتة، ونزلت موضع قرب طرابلس يسمى "الأبراج" وأن المعركة انتهت بهزيمة زناتة(1). فإن الوسياني، والدرجيني يذكران أن موقعة الأبراج كانت بين زناتة وصنهاجة(2). ويبدو أن هذا الموقع كان مركزا لإمارة زناتة، وهو مركز شبيه إلى حد كبير بالموضع المسمى "قيطون زناتة" الذي كان موطنا لبني خزرون(3)
__________
(1) -ينظر: المصدر السابق، ص275.
(2) - ينظر: السير، ج2، و56؛ وينظر: المصدر السابق، ج1، ص169.
(3) - T. Lewicki: Les hakims, p105. (1/268)
صفحة 269
.
أما أكبر هجوم تعرض له الجبل من لدن قبيلة زناتة طرابلس فقد حدث في زمن أبي الخطاب عبد السلام بن منصور بن أبي ورجون (ط8 )(350-400هـ) ولم يتمكن النفوسيون من صده إلا بعد مدة طويلة(1).
ويبدو أن هذا الهجوم كان سببا في هجرة سكان "تاغرويت" إلى المغرب الأوسط(2). ويعتقد ليفيسكي أن بني خزرون استولوا دون شك على جبل نفوسة، وأنه من خلال الحروب التي خاضتها زناتة ضد المعز بن باديس بين سنتي 430-440هـ (1038-1039م) و(1048-1049م) عانت نفوسة الويلات(3).
ومن المعروف أن إمارة زناتية تأسست في هذه المنطقة أسسها بنو خزرون بقيادة زعيمهم فلفل بن سعيد بن خزرون سنة 391هـ (1000م). وأعلن هذا الأخير الطاعة للحاكم بأمر الله الفاطمي في السنة نفسها. وقبل الحاكم طاعته، ولكنه لم يعينه حاكما على طرابلس بل عين يحي بن حمدون الأندلسي. ولكن هذا الأخير لم يتولى المنصب، ذلك أن فلفل أعرض عن ذلك واستولى على العديد من خيله مما أجبره على العودة إلى مصر. واستقل فلفل بطرابلس سواء عن الفاطميين أو عن بني زيري. وبعث بطاعته إلى المهدي محمد بن هشام حاكم قرطبة، وتوفي فلفل قبل أن يصله الرد(4).
ولما توفي فلفل تولى أخوه "ورو" الولاية على طرابلس، وفي ولايته هاجمه باديس واضطر إلى التسليم بعد أن خذله جنده وانضموا إلى جيش باديس. وطلبت زناتة الأمان فأمنهم بشرط أن يغادروا طرابلس. وأقطعهم إقليم نفزاوة وقسطيلية(5).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص304.
(2) - الشماخي: السير، ص296.
(3) - T. Lewicki: Les hakims, p105.
(4) - ابن خلدون: العبر، مج7، ص85-86؛ ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص256؛ الزاوي: تاريخ الفتح العربي، ص270-271.
(5) - ابن خلدون: المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص86؛ ابن عذارى: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص258؛ الزاوي: المرجع نفسه، ص274-276. (1/269)
صفحة 270
وقبل أن يغادر باديس المنطقة عين عاملا على طرابلس يدعى "محمد بن حسن"، ولم يستقر هذا الأخير طويلا في منصبه، إذ جمع ورو زناتة وهاجمه مرتين بعد أن انضم إليه أخوه خزرون. ويبدو أنه فشل في الاستيلاء عليها لما أبداه عاملها من بلاء حسن في الدفاع عنها، إذ اضطر إلى تقديم الطاعة مرة أخرى إلى باديس. ولما توفي ورو في شوال سنة 405هـ (1015م) حدث نزاع وصراع على الزعامة بين ابنه "خليفة" وأخيه "خزرون"، مما تسبب في انقسام زناتة إلى فريقين، انضم القسم الأكبر إلى خليفة وحارب هذا الأخير عمه خزرون حتى تغلب عليه وبعث بطاعته إلى باديس معاهدا إياه على المحافظة على الأمن وعلى عهده بطرابلس فقبل ذلك(1).
__________
(1) - ابن خلدون: المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص87. (1/270)
صفحة 271
وهكذا نلاحظ أن إقليم طرابلس لم يعرف الاستقرار طيلة حكم بني زيري. ولا ندري بالتدقيق هل حافظ الجبل على استقلاليته أم أصبح تابعا لإمارة بني زيري أو لبني خزرون ؟ فإذا عدنا إلى المصادر الإباضية فإنها تتحدث عن شيوخ تولوا الرئاسة في الجبل في هذه الفترة، وفي المقابل نلاحظ بأن هؤلاء كانوا يجمعون الضرائب ويقدمونها لبني زيري. وهذا يعني ولو نسبيا أن سكان الجبل دخلوا في الطاعة. ولعل تأسيس نظام العزابة في هذا الوقت يرجع إلى هذه الظروف المستجدة التي تستدعي التستر والتكتم. وقد ذكرت المصادر أن جابيا من القيروان قدم إلى الجبل وطلب من سكانه مبلغ ألف دينار، وقد تولى أبو زكريا بن أبي عبد الله التندميرتي جمع هذا المبلغ(1). وكما سبق الذكر فإن أبا زكريا هذا دامت رئاسته إلى غاية سنة 418هـ (1027-1028م) أو 428هـ (1036-1037م). وإبان رئاسته أرسل أمراء إفريقية إلى نفوسة يأمرونهم بالدخول في الطاعة والاعتراف بهم، فرفض أبو زكريا مما جعل الزيريين يجهزون حملة عسكرية على الجبل، ويحاصرونه مدة اثني عشر سنة. ومن النتائج التي تمخضت عنها هذه الحملة أن سكان الجبل أصبحوا يدفعون الضرائب(2). وظل النفوسيون يجمعون المال ليداروا به عن الجبل ويكلفون أحدهم بحمله إلى الجابي المعين في هذه الجهة مثلما حدث مع أبي يعقوب مقدم "تغرمين"(3).
__________
(1) - البغطوري: سير نفوسة، و31؛ الشماخي: السير، ص320.
(2) - T. Lewicki: Les hakims, p103-104.
(3) - الشماخي: المصدر السابق، ص253؛ T. Lewicki: Ibid, p114. (1/271)
صفحة 272
واتخذت العلاقات النفوسية - الزيرية منعرجا خطيرا في عهد المعز بن باديس (406-454هـ) (1015-1062م)، ويبدو أنه عندما تخلص هذا الأخير من المذهب الشيعي وأتباعه وجه اهتمامه إلى الإباضية. وأصبح سكان نفوسة يتلقون التهديدات من القيروان(1) ربما لخروجهم عن الطاعة، أو رفضهم لتسديد الضرائب، ولذلك شنوا عليهم حملات عسكرية فقد حاصر أمير من بني زيري – لا تذكر المصادر اسمه - الجبل وخندق على نفسه وتحصن. ولما لم يبق له إلا عمل يوم واحد قام أحد الإباضية ممن كانوا ضمن جيش المعز بن باديس وأخبر إخوانه بالجبل بالثغرة الموجودة بالخندق فقام رجال نفوسة بالهجوم ليلا فقتلوا جند المعز قتلا ذريعا، وجمعوا أموالهم وأحرقوها، وعقروا الدواب حتى ماتت، وأضرموا فيها النيران حتى إن لهيبها رآه سكان قابس(2).
وفي زمن أبي عمرو ميمون بن محمد الشروسي (ط8)(350-400هـ)، أغارت صنهاجة على الجبل، ولا نعرف الكثير عن نتائج هذه الغارة، لأن المصادر تذكر أن أعضاء هذه الحملة انصرفوا عندما علموا أن أخبارهم سبقتهم إلى رئيس أهل المذهب أبي عمرو ميمون(3).
__________
(1) - " كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ " (الآية) فأجابهم أبو عبد الله محمد بن جنون الشروسي بكتاب تضمن قوله تعالى: "أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ" (الآية). ينظر: الشماخي: المصدر نفسه، ص323-324؛ البغطوري: سير نفوسة، و42.
(2) - الوسياني: السير، ج2، و12.
(3) - الشماخي: المصدر السابق، ص274؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص166. (1/272)
صفحة 273
كما أغارت صنهاجة على قرية "تغرمين" في زمن أبي عبد الله بن أبي محمد عبيدة بن زارود (زارور) التغرميني. هذه الغارة التي فقد فيها اثنين من أبنائه، وتعد هذه الحملة العسكرية حلقة أخرى من الحرب التي دامت قرابة اثني عشر سنة بين النفوسيين والزيريين، والتي ابتدأت منذ سنة 406هـ (1015-1016م)(1).
ونشير في هذا المضمار إلى أن إباضية جبل نفوسة لم يكونوا الوحيدين الذين استهدفهم بطش بني زيري، بل تعرض إباضية إفريقية للمعاملة نفسها(2). ولذلك نلاحظ ان أعدادا كبيرة من الأسر الإباضية انتقلت من إفريقية إلى المغرب الأوسط، خاصة وأنه في هذه الفترة قد شرع إخوانهم في هذه المنطقة في تأسيس المدن في وادي ميزاب. فمن الوافدين على مدينة "أسوف" بالمغرب الأوسط مزاتة قلعة درجين ببلاد الجريد بعد تخريبها من قبل عساكر صنهاجة سنة 440هـ (1048م)(3). كما انتقلت مزاتة إفريقية إلى نواحي طرابلس بسبب الزلازل التي ضربت المنطقة ويبدو أن هذه الزلازل قد حدثت في عام الأبراج(4). وقد تحدث ابن عذارى عن هذه الزلازل في أحداث سنة 395هـ (1004م) حين قال: "كانت بإفريقية شدة عظيمة انكشف فيها المستور، وهلك فيها الفقير، وذهب مال الغني، وغلت الأسعار، وعدمت الأقوات، وجلى أهل البادية عن أوطانهم، وخلت أكثر المنازل. فلم يبق لها وارث ومع هذه الشدة وباء وطاعون هلك فيه أكثر الناس من غني ومحتاج"(5).
__________
(1) -المصدر نفسه، ص252.
(2) -تذكر المصادر أن قوات المعز هاجمت جزيرة جربة وقتلت العديد من الشيوخ منهم: أبو عمرو النميلي وأبو محمد كموس وغيرهم، وفرضت عليهم الضرائب الباهضة. للمزيد من التفاصيل ينظر: الشماخي: المصدر نفسه، ص336-337-400؛ باجية: الإباضية بالجريد، ص147؛ معمر: المرجع السابق، ص207-209.
(3) -الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص407.
(4) -المصدر نفسه والجزء ذاته، ص368.
(5) -ينظر: البيان المغرب، ج1، ص256-257. (1/273)
صفحة 274
ومهما يكن من أمر فقد مر سكان الجبل بظروف صعبة عانوا فيها الكثير، مما دعاهم إلى التفكير في وضع استراتيجية جديدة تحمي مذهبهم فكان ميلاد نظام العزابة الذي أسسه أبو عبد الله محمد بن أبي بكر النفوسي مع بداية القرن الخامس الهجري (11م)، كما أن هذه الظروف المستجدة وما تبعها من عدم استقرار إفريقية والمغرب الأوسط هي نتيجة كثرة الحروب بين زناتة وصنهاجة، وبين بني زيري وبني عمومتهم الحماديين. بالإضافة إلى هجرة بني هلال إلى المغرب وما نجم عنها من تخريب ونهب وانقطاع السبل. وإذا كانت المصادر الإباضية قد تناولت علاقات النفوسيين، فإنها لم تعطنا معلومات وافية عن علاقاتهم ببني خزرون أو ببني حماد.
3 - استراتيجية جديدة للفاطميين: (1/274)
صفحة 275
تتفق المصادر على أن قطع الخطبة الفاطمية في بلاد المغرب من قبل المعز بن باديس، والدعوة للخليفة العباسي القائم بأمر الله (422-467هـ) (1030-1074م) ولبس السواد شعار العباسيين كان السبب المباشر في إرسال بني هلال إلى بلاد المغرب. ونلاحظ أن الفاطميين سلكوا استراتيجية جديدة في التعامل مع بلاد المغرب، والمتمثلة في التخلص من شغب الهلاليين في صعيد مصر، وفي الوقت نفسه الانتقام من بني زيري. فلما بلغ الخبر الخليفة المستنصر بالله الفاطمي قامت قيامته، وأرسل إلى المعز يرغبه ويرهبه ويتوعده بإرسال الجيوش إليه. ولكن هذا الأخير كتب إليه كتابا عنيفا قائلا له: "إن آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن تملكه أسلافك ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم، ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم"(1). حينئذ استشار المستنصر وزيره أبا محمد الحسن بن اليازوري فأشار عليه بإرسال بني سليم وبني هلال إلى إفريقية وتوليتهم أعمالها وبذلك تحقق هدفان أساسيان: أولهما التخلص منهم إذ كانوا يغيرون على الأراضي في صعيد مصر ويفسدون فيها، وثانيهما الانتقام من صنهاجة خاصة وأن الدولة كانت عاجزة عن اتخاذ أي إجراء آخر ضده، ويبدو أن أسبابا أخرى كان لها باع طويل في بلورة هذه الفكرة وتنفيذها ميدانيا وهي أن العلاقات كانت متوترة بين اليازوري والمعز.
__________
(1) - النويري: نهاية الإرب، ج24، ص209-210. (1/275)
صفحة 276
ومن المعروف أن اليازوري لم يكن من أهل الوزارة ولا من الكتاب، وإنما كان من أهل الزراعة والفلاحة حين كان بالشام. وجرت العادة أن أمراء الأمصار كانوا يخاطبونه في رسائلهم على عادة الوزراء إلا المعز فإنه رفض ذلك. وكان يكاتبه بصنيعته مما أغضبه. وللنيل منه أقنع الخليفة بالفكرة حتى إن هذا الأخير أرسله إلى أحيائهم لإقناعهم وإغرائهم بالسير إلى إفريقية بأن وعدهم بتقديم المال والمدد والسلاح. وأعطى لكل فرد منهم دينارا وبعيرا، وأخبرهم بأن الخليفة المستنصر قد أقطعهم إفريقية. وهكذا انطلقت اول موجة هلالية إلى بلاد المغرب، وكان ذلك سنة 442هـ (1050م)(1) وأنفذ اليازوري كتابا إلى المعز يقول فيه: "أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولا، فحولا، وأرسلنا عليها رجالا، كهولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا"(2).
وجاءت هذه القبائل البدوية إلى مدينة برقة فوجدوها خالية تقريبا من السكان. ذلك أن المعز بن باديس أباد أهلها من الزناتيين، فتوقفوا بها، وكاتبوا إخوانهم بشرق النيل يرغبونهم في اللحاق بهم فأجازوا إليهم، وخربوا المدينة الحمراء، وأجدابية، وأسمرا، وسرت، ويمكننا أن نشير إلى أن القبائل التي نزلت برقة هي من بني سليم، في حين تقدم بنو هلال إلى إفريقية فوصلوها سنة 443هـ (1050م)(3).
__________
(1) - ابن خلدون: العبر، مج6، ص30-31؛ رابح بونار: المغرب العربي، ص193؛ المناوي: الوزارة والوزراء، ص189-190؛ الأنصاري: كتاب المنهل العذب، ص116؛ George Marcais: La Berberie Musulmane, p193-194.
(2) - ابن خلدون: المصدر نفسه والمجلد ذاته، ص31.
(3) - نفسه، ص31؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص581-582؛ أتوري روسي: ليبيا منذ الفتح، ص96-97؛ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب، ص148. (1/276)
صفحة 277
أما القبائل التي استقرت في إقليم طرابلس فهي: زغبة ورياح، ولا شك أن هذه القبائل هي التي سببت متاعب لسكان الجبل. يقول البكري: "بين طرابلس ومدينة شروس حصن لبدة يسكن هذا الحصن قوم من العرب... وهم محاربون لجميع من يجاورهم من قبائل البربر"(1).
وتشير المصادر الإباضية إلى غارات شنها العرب على إباضية المنطقة، ولكننا لم نتمكن من تحديد تاريخها بدقة، مثل الغارة التي أغارها بعض عرب "معقل" على "بني واشية"، واغتصبوا بنات أحد شيوخ المذهب(2). ومن جهة أخرى تعامل النفوسيون مرغمين مع الوافدين الجدد. فقد أرسل نفوسي يدعى "أبو محمد عبيدة التلاتي النفوسي" ناقته ترعى وديعة عند العرب(3).
وتذكر بعض الروايات أن القبائل العربية النازلة بطرابلس وضواحيها ضربت خيامها في منطقة "الجفارة" الواقعة في سفح الجبل من جهة الساحل، وربما حتى داخل الجبل نفسه. وقد أدى إلى مغادرة العديد من النفوسيين للمنطقة متجهين إلى الغرب، وإلى الشمال الغربي من الجبل، وإلى إفريقية وقد استولى العرب على هذه الأماكن المهجورة(4).
ويبدو أن الهجرة كانت كثيفة فيما بعد أي بعد سنة 442هـ (1053م) – وهي فترة خارجة عن البحث - خاصة بعد وصول الموجات الهلالية الأخرى القادمة من مصر. فقد هددوا الطرق فعطلوا الحج والتجارة والرحلة، وقد أثر ذلك تأثيرا سلبيا على الحياة الاقتصادية في المنطقة، بما حصل من خراب ودمار للعمران والزرع، يقول ابن غلبون: "ضاق الناس بالأمر وساءت أحوالهم وانقطعت أسفارهم، ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها مثله قط"(5).
4 - جوغراف والهجرة إلى المجهول:
__________
(1) - ينظر: المغرب، ص9.
(2) - الوسياني: السير، ج2، و29.
(3) - الشماخي: السير، ص300.
(4) - Jean Despois: Le djebel Nafusa, p294.
(5) - ينظر: تاريخ طرابلس الغرب، ص25-26. (1/277)
صفحة 278
نعتقد أن فكرة الهجرة إلى "جوغراف" التي انتشرت بين أهل الدعوة قد ظهرت في هذه الفترة، وهي فكرة إن لم نقل أسطورة تدور حول نهاية العالم. ووفق المصادر الإباضية فإن أهل الدعوة الذين حافظوا على دينهم سيجتمعون في هذا المكان قبيل آخر الزمان. ذلك أنهم سيضطرون إلى الخروج إلى جوغراف لكثرة الزلازل والحروب فيهربون بدينهم وأنفسهم(1).
ويقع موضع "جوغراف" في الرمال، يمتاز بكثرة المياه الجارية يجتمع فيه بقايا الإباضية، ويظلون به إلى غاية نهاية العالم، ولن يدوم البقاء فيه أكثر من ثلاثين سنة، (2) ويحكمهم في هذه المدة "ملك جوغراف" وقد أوردت المصادر روايات كثيرة حاول أصحابها تحديد تاريخ هذه الهجرة منها رواية رجل يدعى يونس بن مايل نقلا عن أبي صالح اليهراسني (اليراسني) حيث قال: "إذا انتقل بنو درجين من قنطرار إلى أسوف، وانتقل أهل أسوف إلى أريغ وانتقل أهل أريغ إلى وارجلان. فإذا اجتمعوا في وارجلان ارتحلوا إلى جوغراف"(3).
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص381.
(2) - المصدر نفسه والصفحة ذاتها.
T. Lewicki: Une Croyance Des Ibadites Nord-Africains Sur La Fin Du Monde: Le Pays De Gugraf, Ve Gongres International D’ Rabisantd et D’ Islamisations, Bruxelles, 1970, N11, p321.
(3) - المصدر نفسه، ص377. (1/278)
صفحة 279
ويبدو جليا من خلال هذه الرواية أن فكرة الهجرة إلى جوغراف ظهرت في الفترة العصيبة التي مر بها الإباضية وهي فترة إمارة المعز بن باديس، وهجرة بني هلال، والحروب الدامية التي دامت بين بني زيري وأبناء عمومتهم بني حماد، وبين بني زيري العرب وبين الهلاليين، ولذلك لا يستبعد أن تكون هذه الأسطورة محلية، ظهرت فقط في الشريط الذي يمتد من بلاد الجريد إلى وارجلان. ولم تكن منتشرة بين الجماعات الإباضية في جنوب شرق إفريقية ومنطقة طرابلس، ولكن هناك من كان له إيمان قوي بها حتى من العلماء، منهم على سبيل المثال لا الحصر: أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي – مؤسس نظام العزابة - فقد كان كثيرا الحديث عن "جوغراف" رغبة منه في التعرف على موقعه. وقد حاول الوصول إليه رفقة جماعة من رفقائه عندما خرجوا من وارجلان في اتجاه القبلة. وقد لحق بهم مشائخ وارجلان لردهم، فأدركوهم في مكان يسمى "أزلج".
وتضيف الرواية أن أبا عبد الله سيتوفى في "جوغراف" في المصادر الإباضية، إلا أنها اختلفت في تحديد موقعه جغرافيا. فهناك روايات جعلت وارجلان هي "جوغراف"، وأخرى حددت موقعه بموقع "اريغ" وهي رواية رجل يدعى "زيري بن لقمان الخارجي". في حين ذكر أبو نوح صالح بن إبراهيم بن يوسف المزاتي أن قرية "أجلوا وتين يسلي" الواقعتين قرب وارجلان تقعان في بلد جوغراف. أما أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني اعتبر "أجلوا الغرب" التي لا تبعد كثيرا عن أريغ هي جوغراف. وهناك إشارة في المصادر تفيد بأن موضع جوغراف يبعد عن وارجلان مسير ستة عشر يوما فقط. (1/279)
صفحة 280
وإذا رحنا نبحث عن هذا الموضع في الصحراء جنوب وارجلان، فإننا نجد موقعا يحمل الاسم نفسه، يقع في سلسلة جبال "مويدير (ايميدير) الواقع غرب الهقار، وكان يشق الجبل مسلك تجاري يتجه إلى وارجلان مروروا بالقليعة وعين صالح الحالية. وتتفرع إلى مجموعة من المسالك منها مسلك يؤدي إلى مدينة أغاديس Agadis وجاو Gao. أما عن الطريق التي تربط الهقار بـ "جاو" فإنها تمر بـ "سيلات"، و"تين زواتن"، و"كيدال"، و"بورام". ففي العصور الوسطى كانت هذه الطريق تمر بتادمكة، ذلك المركز التجاري الهام، والمعروف أن لهذه المدينة علاقات تجارية مكثفة مع الجماعات الإباضية في منطقة طرابلس ووارجلان. ونلاحظ أن قبائل البدو من الطوارق المقيمين في هذه الصحاري يتداولون اسم جوغراف (زغراف) (جقراف) وهو عبارة عن واحة صغيرة تقع فوق هضبة توجد بها آثار لثقافات الأولين، كما أن هناك عينا جارية تسمى "عين جوغراف"، وهي غير العين الموجودة في الواحة التي ذكرناها، ويبدو أن هضبة جوغراف كانت تمر عليها القوافل التجارية، وكانت هذه الطريق مستعملة في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري (9م) من قبل التجار الإباضية المتجهين إلى "تادمكت"، أو "جاو". ومادام أن هذا الموضع وهذا المسلك معروف لدى التجار الإباضية فلاشك أن أبا عبد الله محمد بن بكر النفوسي كان يرغب في الوصول إلى هذه الواحة، والأرجح إما أن يكون الإباضية قد نسوا مسالك هذا الطريق وظلت ذاكرتهم تحتفظ فقط باسم "جوغراف"، وإما أن يكون هذا الموقع سرا بين الإباضية حتى لا يعلمه أعداؤهم، وبمرور الزمن تعرض للنسيان وإما أن يكون الإباضية يبحثون على وادي ميزاب غضوا النظر عن جوغراف خاصة وأن هذه الأخيرة تقع وسط القفار. (1/280)
صفحة 281
ومهما يكن من أمر فإن انتشار هذا الاعتقاد قد أدى إلى هجرة جماعات كثيرة من إباضية إفريقية ومنطقة طرابلس إلى صحراء المغرب الأوسط واستقروا في قراها ومدنها مثل وارجلان، أريغ، أسوف، تين يسلي، أجلو، وقرى وادي ميزاب.
الباب الرابع
الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية
الفصل الأول
الحياة الاقتصادية في الجبل
1 - الأوضاع الاقتصادية في بلاد المغرب عامة.
2 – الزراعة.
3 - الثروة الحيوانية.
4 – الصناعة.
5 – التجارة.
أ - الطرق التجارية.
1 - الطرق البرية.
2 - الطرق البحرية.
ب – الأسواق.
جـ - السلع الصادرة والواردة.
د - تجارة السودان.
6 - المكاييل والموازين.
7 – العملة.
8 – الحسبة.
9 - مستوى المعيشة.
1 - الأوضاع الاقتصادية في بلاد المغرب عامة
شهدت بلاد المغرب الإسلامي تقلبات سياسية أثرت إيجابا وسلبا على الأوضاع الاقتصادية. فإبان الفتح الإسلامي لم تعرف البلاد الاستقرار نتيجة انشغال العرب بالفتوحات، والبربر بالمقاومة، وما نجم عن ذلك من تخريب الكاهنة للمدن، وإحراق للغابات، وقطع للشجر وتهديم للحصون.(1) وازداد الوضع الاقتصادي تدهورا عندما اشتط عمال بني أمية في جباية الضرائب، وما تبع ذلك من ثورات البربر بإيعاز من الإباضية والصفرية، وما خلفته من تخريب للبلاد إذ تحولت البلاد إلى ميدان للقتال والتناحر بين البربر وبين الجيوش الأموية والعباسية.(2)
__________
(1) - الرقيق: تاريخ إفريقية والمغرب، ص31؛ ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص36؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص198-199.
(2) - الحبيب الجنحاني: المغرب الإسلامي، ص20-21؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص321. (1/281)
صفحة 282
ومع تأسيس الدول المستقلة واتسام هذه الفترة بالتعايش السلمي رغم الاختلافات المذهبية، وعدم انتهاج أي دولة لسياسة التوسع، عرفت البلاد فترة استقرار سياسي مكنت أئمة وأمراء هذه الدول من الاهتمام بالبناء الاقتصادي، فأمنت السبل، ونشطت حركة التبادل التجاري، وازدهرت الصناعة والزراعة، فاهتم الأغالبة بتنشيط الآلة الاقتصادية وتعميم الرخاء في البلاد. ولم تشهد إفريقية إلا بعض الأزمات الاقتصادية كالتي حدثت سنة 260هـ في عهد أبي الغرانيق حيث انتشرت المجاعة والأوبئة، والتي حدثت سنة 266هـ في عهد إبراهيم بن أحمد حيث كان القحط والغلاء المفرط.(1)
ويرجع الفضل في انتعاش الحياة الاقتصادية في إفريقية إلى الإصلاحات المالية التي قام بها أمراء بني الأغلب كتحديد وتنظيم الضرائب وتحسين العملة. وأضحت القيروان في عهدهم من أهم المراكز التجارية حيث كانت "أعظم مدن المغرب قطرا، وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا، وأوسعها أحوالا... وأربحها تجارة، وأكثرها جباية، وأنفقها سلعة".(2)
وشهد المغرب الأوسط تحت حكم بني رستم ازدهارا اقتصاديا كبيرا، خاصة وأن الأئمة وثقوا الصلة بدولة بني مدرار، ودولة الأدارسة، والدولة الأموية في الأندلس، وأقاموا علاقات تجارية وطيدة مع بلاد السودان.
__________
(1) - ابن عذارى: المصدر السابق، ج1، ص116-117؛ السيد عبد العزيز سالم: المرجع نفسه، ص322.
(2) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص185. (1/282)
صفحة 283
ولما أسس الشيعة دولتهم، اهتم ملوكهم بالحياة الاقتصادية فشجعوا الزراعة والتجارة على الرغم من أن سياستهم كانت تقوم على جمع المال قدر الإمكان بغية تحقيق الحلم الذي ظل يراودهم وهو الانتقال إلى المشرق والسيطرة على الحجاز، فكانوا يجبون الأموال الطائلة ويصادرونها ظلما. وقد عاشت الدولة بعض السنوات العجاف، ففي سنة 317هـ عم إفريقية وباء عظيم، وغلاء في الأسعار.(1) ولما اندلعت ثورة أبي يزيد بن مخلد بن كيداد سنة 331هـ (942م)، أصاب البلاد الخراب حتى إنه "لم يبق بإفريقية منزل عامر".(2)
وتأرجحت فترة حكم بني زيري بين الرخاء تارة والقحط والجدب تارة أخرى، فقد عرفت في سنوات 396هـ و430هـ رخاء وأمان.(3) في حين عرفت سنة 395هـ غلاء فاحشا حيث "ذهب مال الغني، وغلت الأسعار، وعدمت الأقوات، وجلي أهل البادية عن أوطانهم... ومع هذه الشدة وباء وطاعون هلك فيه أكثر الناس".(4)
وقد تأثر جبل نفوسة كغيره من مناطق بلاد المغرب بالأحداث السياسية التي حدثت في بلاد المغرب، فمر هو الآخر بالظروف نفسها.
2 - الزراعة:
__________
(1) - ابن عذارى: المصدر السابق، ج1، ص194.
(2) - ابن أبي دينار: المؤنس، ص59.
(3) - ابن عذارى: المصدر السابق، ج1، ص257-258.
(4) - المصدر نفسه والجزء ذاته، ص256-257. (1/283)
صفحة 284
تعتمد الزراعة في جبل نفوسة على مياه الوديان التي تشق الجبل، وارتبطت حياة السكان فيه بالأمطار. فالمنطقة تتميز بأنها تجمع بين مناخ البلدان البحرية، والسهوب التابعة لمناخ البحر الأبيض المتوسط، وبين الأراضي الصحراوية القاحلة، وبالرغم من قساوة الطبيعة وتفاوتها من منطقة إلى أخرى فقد تعلم النفوسيون كيف يستغلون ويستثمرون كل قطرة من المياه التي تتجمع من سقوط الأمطار في وديان الجبل، كوادي لالوت، وواد إكراين، ووادي شروس، ووادي أمسين، ووادي الزرقاء، ووادي الآخرة... وغيرها.(1) وقد أقام النفوسيون السدود الصغيرة، والأحواض لجمع المياه. كما أقاموا الجسور في بساتينهم لسقيها من مياه الأمطار، فقد ذكر الدرجيني أن مهدي النفوسي – أحد علماء القرن الثاني الهجري/ الثامن الملادي - كانت له سدود كثيرة في أرضه قد خربت، ولم يتمكن من إعادة بنائها لوحده، مما جعله يتزوج بإمرأة أخرى لتساعده في إصلاحها.(2) ويضيف الدرجيني بأن الجبل قد أصابه القحط في سنة من السنين فدعا "باثمان" ربه فنزلت المطر حتى فاضت جسور بستانه.(3)
__________
(1) - عبد الجليل الطاهر: المجتمع الليبي، ص21؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص170 وما بعدها.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص114؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص148.
(3) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص309. (1/284)
صفحة 285
وكان الهدف إذن من بناء هذه الحواجز حول البساتين هو حجز مياه الأمطار لسقي وحماية التربة من الانجراف. وقد اعتمدت حياة السكان في الجبل على زراعة الأشجار المثمرة، وتعد زراعة أشجار الزيتون العمود الفقري للحياة الزراعية في الجبل. فقد روى الشماخي أن عين قرية "إجناون" وحدها كانت تسقي إثني عشرة ألف زيتونة(1) فما بالك ببقية القرى الأخرى. فقد روي أن زيتون قرية "تغرمين" كان مشهورا حيث كان الناس يتمنون رؤيته لمذاقه وجماله وكثرته.(2) وقد تحدث الباروني عن مدينة تيجي فقال بأنها تنتج ثمارا متنوعة، وأن أشجارها كثيرة، وعيونها تسيل على وجه الأرض لارتفاع كثير من منابعها.(3)
وكان جني الزيتون يتم في وقت محدد معلوم. ففي السير أن أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني منع أهل "إجناون" من خرط زيتونهم إلى وقت معلوم، وقد عاقب من كسر هذا الحجر.(4) ونظرا لكثرة إنتاج الجبل من الزيتون فقد أقيمت له معاصر يشتغل فيها العبيد المجلوب من بلاد السودان، وكانت هذه المعاصر تبنى في باطن الأرض وهي معاصر بدائية تستخدم الخشب والطواحين من الحجر.(5)
ويعد زيت الزيتون من أكثر السلع التي يصدرها النفوسيون إلى المدن، خاصة في المواسم الجيدة، حيث يكثر الإنتاج. وقد يقل ذلك نتيجة قحط أو جدب. فقد ذكر الشماخي أن النفوسيين في زمن أبي محمد الدرفي كانوا يجعلون الزيت على المغرف لقلته،(6) وقد كانت القوافل تأتي إلى مدن الجبل كمدينة "درج" لشراء الزيت.(7)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص189.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص260؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص148.
(3) - الأزهار، ج2، ص253.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص197.
(5) - عبد الجليل الطاهر: المجتمع الليببي، ص67؛ Jean Depois: Le djebel Nefussa, p283-284.
(6) - الشماخي: المصدر السابق، ص287.
(7) - المصدر نفسه، ص315. (1/285)
صفحة 286
كما اهتم النفوسيون بزراعة أشجار النخيل والتين. فقد روي أن أبا محمد عبيدة التلاتي النفوسي غرس ثلاثمائة كرمة بيده. ويبدو أنه كان من كبار المزارعين في الجبل، ذلك أنه عندما وقع قحط أخذ ينفق على أهل قريته مدة طويلة حتى إنه قال لهم: "من أراد أن يأخذ نصف صاع لغذائه ونصف صاع لعشائه من أي نوع شاء من شعير أو تمر أو تين"(1) وذكر أن أبا هارون الجلالمي كان غراسا للشجر، حيث جنى من أشجار التين وحدها ثلاثمائة مديا، أو مائة وخمسون وسقا.(2) وروي في السير أن أبا الربيع بن أبي هارون كان يصيب في السنة ثلاثمائة مج تينا، فينفق مائة على عياله، ومائة لتلاميذه، ومائة يطعمها للأضياف.(3)
__________
(1) - نفسه ، ص300-301.
(2) - نفسه، 278.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، (مخ)، و14. (1/286)
صفحة 287
وبالإضافة إلى التين والزيتون والخضر والفواكه فقد اهتم النفوسيون بزراعة الحبوب خاصة الشعير، فقد كان أغلب النفوسيين من المزارعين المرتبطين بفلاحة الأرض وغرسها. فإذا عدنا إلى تراجم الشيوخ نلاحظ أن أغلبهم كان يشتغل بالزراعة، فلا غرو إذن أن ينسحب العديد من أفراد الجيش الذي سيره أبو الخطاب لقتال ابن الأشعث سنة 144هـ (761م) والعودة إلى الجبل لأن الموسم كان موسم حصاد.(1) ومما يدل على كثرة إنتاج القمح والشعير أن أبا أيوب صنو أبي الخطاب إذ جمع زرعه في الأندر لدرسها بريضة (ريزو، ريصوا) رآه من كان بجزيرة جربة لكثرته،(2) ومما يدل كذلك على وفرة إنتاج الحبوب قول أبي يوسف المجدولي النفوسي: "لو تمادت الشدة عشرين سنة أو ثلاثين سنة لم أبال فيها لعيالي ولا لحيواني، لما أدخر لكل نوع ما يليق به".(3) وكانت لأبي عثمان المزاتي غرفة يملأها شعيرا. وقد تصدق بها كلها في مجاعة وقعت بالجبل.(4) وقد أقام النفوسيون المخازن الكبيرة لخزن الغلال، وهي عبارة عن غرف محصنة لازالت بعض أطلالها شامخة في مدينتي نالوت وكباو.(5)
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص73؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص149.
(2) - أبو زكريا: المصدر نفسه، ص188-189؛ الشماخي: السير، ص283.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص331.
(4) - نفسه، ص203؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص149-150.
(5) - عبد الجليل الطاهر: المجتمع الليببي، ص65-36. (1/287)
صفحة 288
واشتهرت مدينة شروس بكرومها، وأعنابها، وتينها، وحبوبها خاصة الشعير، الذي كان أكل سكانها الأساسي، فإذا خبز كان أطيب طعما من خبز الحنطة. وقد انفرد خبزهم بلذة لا توجد في خبز آخر.(1) فلا غرابة إذن أن يذكر الشماخي في سيره أن أبا مرداس مهاصر السدراتي الساكن بقرية "تبرست" بالجبل كان يجلس على طريق رجوع الخدم من الاحتطاب فيعطيهن قبضة من دقيق مبلول يسمى "الصميت" (البسيسة).(2)
ورغم هذا الإنتاج الوفير من الحبوب إلا أن الجبل مر بفترات قحط وجدب عانى فيها النفوسيون الكثير. فقد روي أن السنة التي خرج فيها أبو الخطاب إلى القيروان لطرد قبيلة ورفجومة منها كانت سنة قحط، حتى إنهم أكلوا الجراد.(3) وقد اضطر السكان في بعض الأحيان إلى السفر إلى المدن المجاورة لشراء ما يكفيهم من مؤونة، وقد منعهم أبا أيوب صنو أبي الخطاب في مرة من المرات عندما أرادوا النزول إلى جربة، فأنزلهم عنده وأنفق عليهم.(4) وتضيف الروايات ان أبا مرداس مهاصر السدراتي عندما جاز على أهل قرية "إكراين" وهو في طريقه إلى أرضه ليحرثها وجدهم في حالة من الفقر والحاجة نتيجة قحط أصابهم فتصدق عليهم بالزريعة ثم عاد أدراجه.(5)
__________
(1) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص92؛ ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج5، ص296.
(2) - ينظر: ص173.
(3) - المصدر السابق، ص127.
(4) - المصدر نفسه، ص175.
(5) - نفسه، ص175. (1/288)
صفحة 289
أما عن نظام غراسة الأرض في الجبل فإن المصادر لا تمدنا بمعلومات وافية عنه عكس ما كان معروفا عند إباضية بلاد الجريد حيث كان سكان مدينة "تقيوس" يعمرون غاباتهم بالمناصفة فيكون لهم النصف عن غلالها، وللسلطان النصف، بالإضافة إلى تأديتهم العشر من النصف.(1) وبما أن المناطق الزراعية محدودة في الجبل فقد كان لكل عائلة قطعة من الأرض تستغلها. وقد لجأ النفوسيون كذلك إلى الخروج من الجبل لاستصلاح الأراضي في الجفارة. فقد روي الدرجيني أن أبا محمد علي حرث ذات سنة أرضا ولما حصد زرعها ودرسه وقف عليه رجل وقال له: "اللهم إنك تعلم أني لم آذن فى حرث أرضي، ولا بعت، ولا وهبت، وإنها لأرضي لم تخرج عن ملكي" فقال الشيخ لابنه: "أفرغ الطعام".. ومضى تاركا له كل الغلة.(2)
ويبدو أن نظام ملكية الأراضي في الجبل يعتمد على الملكية الخاصة أو العائلية فالمصادر الإباضية لا تشير إلى تعاون جماعي في استغلال قطعة من الأرض. وهذا يعود إلى الطبيعة الوعرة للجبل والتي لا تسمح بوجود شراكة في استغلال أراضي صالحة للزراعة.(3) ولعل مشاركة التلاميذ إلى جانب شيوخهم في الحصاد تدخل فقط في إطار التعاون المعمول به إلى أيامنا هذه.(4) وبما أن الأراضي الصالحة للزراعة محدودة في الجبل فقد مر بنا أن الإمام عبد الوهاب اقطع النفوسيين النازحين من الجبل أرضا لاستصلاحها.
__________
(1) - الشماخي: السير، ص459؛ صالح باجية: الإباضية بالجريد، ص148.
(2) - الدرجيني: المصدر نفسه، ج2، ص334.
(3) - بحاز: الدولة الرستمية، ص155.
(4) - الشماخي: السير، ص239. (1/289)
صفحة 290
وقد استعان النفوسيون في زراعة الأراضي بالعبيد المجلوب من السودان، وحتى بالروم واستعملوهم كذلك في معاصر الزيتون. ومما يوحي بتشغيل العبيد في الحقول والمزارع بعض الإشارات المتناثرة في المصادر. فقد ذكر الوسياني أنه كان عند يوسف بن زيري خادم رومي يشتغل في جنانه.(1) وقد اهتم تجار نفوسة بجلب الخدم من بلاد السودان لاستخدامهم في التجارة والزراعة، واشتهرت قرية "ويغو" بتجارة الرقيق.(2) وقد مر بنا أن أبا مرداس مهاصر السدراتي كان يجلس على طريق رجوع الخدم ليتصدق عليهم، كما كان يبيب بن زلغين - وهو أحد أثرياء الجبل - يستخدم العبيد في رعي الأغنام.(3)
3 - الثروة الحيوانية:
__________
(1) - ينظر: السير، و44.
(2) - الشماخي: السير، ص218.
(3) - المصدر نفسه، ص204.س (1/290)
صفحة 291
تتحدث المصادرالإباضية كثيرا عن وفرة الأغنام بالجبل، فإذا كان ابن حوقل قد وصف تاهرت بأنها أحد معادن الدواب، والماشية، والغنم.(1) فإن هذا الوصف ينطبق كذلك على الجبل. فقد كان يبيب بن زلغين يملك ثلاثين الف ناقة، وثلاثمائة ألف شاة، واثني عشر ألف حمار. ورغم مبالغة المصادر – على ما يبدو - في هذا العدد إلا أن شهادة الإمام عبد الوهاب تؤكد على أن يبيا كان من كبار ملاك الأنعام. فقد قال: "لولا أنا ومحمد بن جرني، ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين، أنا بالذهب ومحمد بن جرني بالحرث، وابن زلغين بالأنعام".(2) كما أن أبا منصور إلياس ورغم أنه كان عاملا للإمام على الجبل إلا أن ذلك لم يمنعه من تربية الماشية، فقد كانت غنمه كثيرة التناسل.(3)
__________
(1) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص86.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص204-205؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص161؛ الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، ص41.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص329-330؛ بحاز: المرجع نفسه، ص161؛ يقول الدرجيني: "ولم ينقطع من بيت أبي منصور وذريته ثلاثة أشياء ولم تتبدل منذ فارقوا النصرانية... وهي الصلاحية، وزريعة القمح وتناسل الغنم". (1/291)
صفحة 292
ومما يدل على كثرة الأغنام في الجبل واهتمام النفوسيين بتربيتها أن أبا علي النفوسي عندما وقعت شدة في الجبل نزل إليه بعض المشائخ ولبثوا عنده مدة طويلة، وكان يذبح لهم كل يوم شاتين، ثم زادها إلى أربعة، وهذا لكثرة ماله من الحيوان.(1) وينطبق الكلام نفسه على أبي نوح سعيد بن يخلف، حيث وصفه الدرجيني قائلا: "كان كثير المال كثير الأضياف... فإذا نظرت إلى خيامه رأيت جلود الشياه منشورة عليها لفائف قطن لكثرة ما يغشاه من الأضياف، فيكثر الذبائح".(2) ولم تقتصر تربية الماشية على العامة فقط بل مارسها الشيوخ من العزابة. فأبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي مؤسس نظام الحلقة كان له قطيع من الغنم يرعاه. فقد روى الوسياني أن غنمه استولى عليها بنوغمرة في غارة أغاروها في أودية "أندرار" بالجبل.(3)
وبالإضافة إلى الأغنام اهتم النفوسيون بتربية الإبل، فكثرت حتى أصبح يعرف أهل الجبل أنهم ينتجونها ويركبون أسرعها، ويعود اهتمام النفوسيين بالإبل إلى اشتغالهم بالتجارة خاصة التجارة الصحراوية، إذ كانوا يتوغلون إلى بلاد السودان.(4)
__________
(1) - الشماخي: المصدر السابق، ص336.
(2) - المصدر نفسه، ج2، ص368.
(3) - ينظر: سير مشائخ المغرب، ص49.
(4) - صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص207. (1/292)
صفحة 293
وإلى جانب الأغنام والإبل اهتموا بتربية الخيل لإعدادها للظهور باعتبارها وسيلة من الوسائل المستعملة في المعارك ضد الأعداء.(1) فقد كان أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي يكثر من اقتنائها لما كان "يأمله من الخير في نصرة الدين ومدافعة المعتدين"(2) كما اهتم النفوسيون بتربية الأبقار، ويبدو أن أعدادها كانت هي الأخرى كثيرة، إذ لم يتجاوز سعر الثور في الجبل أربعة دنانير لكثرة العرض.(3)
4 - الصناعة:
__________
(1) - ذكر أن أبا باديس أبخت بن باديس –وهو من شيوخ الإباضية بفحص بونة بالمغرب الأوسط- كانت له خيل كثيرة يعدها ويجهزها لإمامة الدفاع أو الظهور. ينظر: الشماخي: السير، ص382-383.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص374؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص368.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص306. (1/293)
صفحة 294
تعد الصناعة في جبل نفوسة ذات أثر محدود، فهي عبارة عن صناعة بسيطة تعتمد على المنتوجات الزراعية والحيوانية. فكانت الصناعة تشمل العسل، والتين المجفف، والتمور، ومختلف المواد الغذائية مثل صناعة عصر الزيتون، وصناعة طحن الحبوب، وصناعة الكحل، المعروفة بالكحل النفوسية، وصناعة الزبيب.(1) ولعل أهم صناعة برزت في الجبل هي صناعة النسيج لما يتوفر عليه من مادة خام لكثرة الأغنام، فكان الجبل ينتج أنواعا من الملابس الصوفية. وقد أشارت المصادر إلى اشتغال النساء بالغزل والنسيج حتى إنهن يحضرن مغازلهن إلى المجالس العلمية.(2) وكانت تقوم بهذه الأعمال في الغالب الجواري.(3) وانتشرت في الجبل كذلك صناعة الأصباغ حيث كانت الجالية اليهودية في "جادو" وغيرها مختصة في هذا النوع من الصناعة، حتى إن النساء كانت تعدن الوضوء لأنه نجس، فرخص لهن أبو ذر إبان بن وسيم بأن يغسلن أيديهن فقط، وليس عليهن إعادة الوضوء.(4) ومما يؤكد اشتهار جبل نفوسة بصناعاته النسيجية المتنوعة الألوان ما ذكره ابن حوقل في وصف جودته حيث قال: "وطبقات الأكسية الفاخرة الزرق، والكحل النفوسية، والسود، والبيض الثمينة".(5)
__________
(1) - صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص209؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص232.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص309.
(3) - نفسه، ص247؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص167.
(4) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص303؛ بحاز: المرجع نفسه، ص168؛ الحبيب الجنحاني: دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، ط2، بيروت، 1986، ص200.
(5) - ينظر: صورة الأرض، ص71-72. (1/294)
صفحة 295
كما عرف الجبل صناعة الأواني الفخارية، والخزف، خاصة الأواني التي تستعمل كمواقد للجمر، المستخدمة في الطبخ أو في التدفئة. وقد اشتهرت بهذه الصناعة في العصر الرستمي قرية ويغو.(1) يقول الباروني: "تعجب القوم من استحضار فرج إبن خالة مهدي في أقرب وقت على حين غفلة تلك الكوانين كلها، ويقال إنها مجالس فخار كان أعدها للغرس".(2) وهذا إبان زيارة الإمام عبد الوهاب للجبل، وهذا يدل على أن النفوسيين كانوا يستعملون الأواني الفخارية لغرسها بالأزهار لتزيين بيوتهم.
وهكذا نلاحظ أن أغلب الصناعات في الجبل كانت عبارة عن صناعات بسيطة تقوم على الثروة الزراعية والحيوانية، لتلبي حاجيات السكان من ملبس، وزينة، وأواني منزلية، ولا تشير المصادر إلى وجود صناعات حديدية على الرغم من أن جبال طرابلس بها معادن كثيرة، من فضة، وحديد، وفحم، وكبريت، وغيره.(3) أما الصناعات الجلدية فنعتقد أنها كانت متطورة بالجبل، لارتباطها بالثروة الحيوانية، وتوفر المادة الخام، وإن كانت لم تشتهر مثل نظيرتها في غدامس.
5 - التجارة:
أ - الطرق التجارية:
1 - الطرق البرية: كانت تربط الجبل عدة طرق تجارية بمختلف المدن المغربية، وبلاد السودان خاصة وأن موقعه الجغرافي ساعده على توسط شبكة من المسالك التي تربط المشرق الإسلامي بمغربه. ولا جدال في أن للطرق والمسالك دورا هاما في إنعاش الحركة التجارية وازدهارها، خاصة وأن الجبل لا يبعد سوى مسيرة ثلاثة أيام عن طرابلس، وستة أيام عن القيروان.(4)
__________
(1) - الباروني: الأزهار، ج2، ص191؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص232-233.
(2) - الباروني: المرجع نفسه، والصفحة ذاتها.
(3) - ابن غلبون: المنهل العذب، ص21.
(4) - البكري: المغرب، ص9؛ البغدادي: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، دار المعرفة، ط1، بيروت، 1955، مج3، ص1382. (1/295)
صفحة 296
والمعروف أن طرابلس الغرب ترتبط بمجموعة من المسالك التجارية البرية والبحرية، بالإضافة إلى المسالك الداخلية التي تتوغل إلى أسواق المدن الصحراوية. وبما أن الجبل يقع على مسافة قصيرة من هذه الحاضرة فقد استفاد سكانه من هذه المسالك.
أ- جبل نفوسة – وارجلان:
لعل أهم طريق صحراوي يربط الجبل بالمدن الصحراوية في المغرب الأوسط هو الطريق المؤدي إلى مدن أريغ، آجلو، أسوف، ووارجلان. ونحن نعلم أن هذه المدن كانت مكتظة بالإباضة خاصة بعد أن نزح إليها التاهرتيون بعد سقوط الدولة الرستمية. ويبدو أن لإباضية جبل نفوسة علاقات تجارية منذ فترة مبكرة مع سكان هذه المدن، فأول إشارة لهذا الطريق أوردها الإدريسي، حين ذكر بأن هناك طريقا يربط الجبل بوارجلان مسيرته اثنتا عشر مرحلة، لكنه لا يشير إلى مراحله.(1) ويرى ليفيسكي بأنه يمر بنفزاوة ثم أسوف ثم إلى وارجلان.(2) وهذا ما أكده أبو زكريا حين ذكر أن أبا يعقوب يوسف بن الوالي – أحد علماء الإباضية - عندما أراد مغادرة "تين يسلي" إلى نفزاوة، سار إلى أسوف صحبة قافلة، وفيها وجد أخرى اعتزمت السفر إلى نفزاوة فاصطحبها.(3)
__________
(1) - ينظر: القارة الإفريقية، ص180.
(2) - T. Lewicki: Etudes Maghrebines- Soudanaises, Editions Scientifiique de Pologne, Varsovie, 1976, p29.
(3) - ينظر: كتاب السيرة، ص330. (1/296)
صفحة 297
وأسوف هذه لا تبعد كثيرا عن مدينة نفطة الواقعة في بلاد الجريد بإفريقية، ومنها يتجه الطريق إلى نفزاوة. فالإدريسي يصف مراحل طريق قفصة - نفزاوة بقوله: "من مدينة قفصة إلى نفطة مرحلتان صغيرتان... ومن قفصة إلى نفزاوة جنوبا يومان وبعض يوم، ومن توزر إلى نفزاوة يوم ونصف يوم، ومن وارجلان إلى قفصة ثلاثة عشر مرحلة"(1). أما مجموع المراحل بين واجلان وبلاد الجريد فهي أربعة وعشرون يوما من السير.(2)
ب - جبل نفوسة - نفزاوة:
وهناك طريق آخر يربط جبل نفوسة بنفزاوة، مرورا بمدينة لوحقة، التي تتصل بها غربا مدينة بسكرة، وباديس في الزاب.(3) ولا يعرف موقع مدينة لوحقة هذه ولكنها تقع على ما يبدو بين جبل نفوسة ونفزاوة. فالطريق يبدأ من قابس متجها إلى الجبل إلى الجنوب الشرقي مرورا بمدينة "يغمراسن" التي تقع شمال غرب "تطاوين" ثم يتجه الطريق شرقا إلى "زغاوة". كما يمر بمدينة "تلالت" التي ذكرتها المصادر الإباضية.(4) فقد كان فيها مصلى للإمام عبد الوهاب عندما زار منطقة طرابلس في القرن 3هـ (9).(5)
__________
(1) - ينظر: القارة الإفريقية، ص179-197.
(2) - الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: إحسان عباس، مكتبة لبنان، ط1، بيروت، 1984، ص6.
(3) - الإدريسي: المصدر السابق، ص180.
(4) - T. Lewicki: Etudes Maghrebines, p30.
(5) - الشماخي: السير، ص159. (1/297)
صفحة 298
ويحتمل أن هذا الطريق يمر بمدينة شروس، فقد كانت هذه المدينة تمثل مرحلة من مراحل القوافل التي تسلك طريق وارجلان، وطريق التكرور (السودان الغربي). وغاية هذه القوافل الوصول إلى طرابلس التي تبعد مسيرة خمسة أيام عن شروس.(1) كما أن هناك طريقا آخر يربط الجبل بفزان وبلاد كانم في السودان الأوسط، ومدينة غدامس التي تقع على الطريق الذي يمر ببلاد كانم، وهي ليست بعيدة عن جبل نفوسة إذ يحدد البكري المسافة بسبعة أيام في الصحراء.(2) أي سبع أو ثمانية مراحل.(3) وربما كانت غدامس المحطة الرئيسية بين جبل نفوسة وتادمكت، لأنه يوجد طريق بين هذه الأخيرة وغدامس مسيرته خمسة وعشرين يوما.(4) ويؤدي هذا الطريق كذلك إلى بلاد كوكو التي تبعد نحو تسع مراحل عن تادمكة.(5) ولاشك أن التجار النفوسيين قد استعملوا هذه الطريق، خاصة ونحن نعرف بأن سكان مدينة غدامس إباضية، وكانت تربطهم علاقات تجارية متميزة مع إخوانهم في الجبل.(6) أضف إلى ذلك إلى أن هناك طريقا يربط غدامس بمدينة وارجلان مسافته نحو عشرين يوما في صحراء قليلة المياه.(7) فعبر هذا الطريق وصل تجار نفوسة إلى تادمكت، منهم أبو الربيع بن أبي هارون الذي كان يسافر كثيرا إلى هذه المدينة للتجارة، وقد عرف بثرائه.(8) وتتحدث المصادر الإباضية كذلك عن سفر أبي نوح سعيد بن زنغيل إلى هذه المدينة.(9)
جـ - جبل نفوسة - زويلة - ودان:
__________
(1) - البكري: المغرب، ص9.
(2) - البكري: المصدر نفسه، ص182.
(3) - الشماخي: المصدر السابق، ص275.
(4) - البكري: المصدر السابق، ص182؛ Henri Lhote: La saline d'amadror et le geographe, El Bekri, Bulletin de liaison Saharienne n?14, 1953, p54-55.
(5) - نفسه، ص182-183.
(6) -T. Lewicki: Tasmiya Suyuh Nefoussa, p100.
(7) - مجهول: الاستبصار، ص224.
(8) - البغطوري: سير نفوسة، و14.
(9) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص367. (1/298)
صفحة 299
أما الطريق من نفوسة إلى زويلة فإنه ينطلق من مدينة "جادو" حاضرة الجبل إلى موضع يسمى "تيري" في الصحراء، والذي يبعد عنه مسيرة ثلاثة أيام. ويقع هذا الموضع في سفح جبل يمتاز بكثرة العيون الجارية والنخيل، ثم يشق الطريق الجبل، ومنه إلى صحراء لا ماء فيها نحو أربعة أيام من السير. وأول بئر يجده المسافر على هذا الطريق بئر يسمى "اودرف"، ثم يجد جبالا شامخة تسمى "تارغين". وبعد مسيرة ثلاثة أيام يصل إلى بلد "تامرما" ومنه إلى موضع يسمى "سباب" مسير يومين، ومن سباب إلى زويلة مسير يوم.(1)
والمعروف أن مدينة زويلة بحكم موقعها الجغرافي عرفت حركة تجارية نشيطة. فقد كان يجلب إليها الرقيق من الميريين، والزغاويين، والمرويين لقربهم منهم، ومنها يخرج الرقيق إلى بلاد إفريقية وغيرها من البلاد،(2) فلا غرابة إذن أن تكون هذه المدينة مجمع الرفاق. يسكنها أخلاط من التجار من خراسان، والبصرة، والكوفة. وبما أن سكانها إباضية فلاشك أن تعاملهم التجاري مع إباضية جبل نفوسة كان كثيفا.(3)
__________
(1) - البكري: المغرب، ص10؛ صالح مصطفى مفتاح: ليبيا منذ الفتح، ص216.
(2) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص3؛ مجهول: الاستبصار، ص146.
(3) - اليعقوبي: المصدر نفسه، والصفحة ذاتها. (1/299)
صفحة 300
ومن أراد الاتجاه إلى تاجرفت فإنه يخرج من زويلة إلى مدينة سبها مسيرة خمسة أيام، ثم إلى مدينة "هل" المسافة نفسها، وهي مدينة عامرة كثيرة النخل، من "هل" إلى "ودان" مسيرة يومين، ومن "ودان" إلى "تاجرفت" ثلاثة أيام، ومنها إلى مدينة "سرت"، وبين سرت وزويلة إثنا عشر مرحلة، وبينها وبين ودان المسافة نفسها. وهناك طريق آخر غير هذا يربط زويلة بتاجرفت، فمن زويلة إلى مدينة "تمسى"، ومنها إلى مدينة "زلهى" ثم الفاروج، فسرت ثم إلى أجدابية، ثم إلى قصر زيدان الفتى فأوجلة. ومن أوجلة إلى تاجرفت. وتبلغ المسافة بين زويلة وتاجرفت مسير ثلاث وعشرين يوما وخمس مراحل.(1)
وهناك طريق آخر غير هذا، يربط زويلة بتاجرفت، فمن زويلة إلى مدينة "تمسى"، ومنها إلى مدينة "زلهى"، ثم الفاروج، فسرت، ثم إلى أجدابية، ثم إلى قصر زيدان الفتى، فأوجلة، ومن أوجلة إلى تاجرفت. وتبلغ المسافة بين زويلة وتاجرفت مسيرة ثلاث وعشرين يوما وخمس مراحل.
وهناك طريق يربط جبل نفوسة بـ "ودان" عبر طرابلس. فمن الجبل إلى طرابلس مسيرة ثلاثة أيام، ومن طرابلس يسير المسافر في بلد هوارة، نحو الجنوب إلى أن يصل قصر ابن ميمون، ثم من هذا القصر ثلاثة أيام إلى صنم من حجارة مبني على ربوة عالية يسمى كرزة، ومن كرزة إلى ودان مسير ثلاثة أيام.(2)
د - جبل نفوسة - كوكو:
__________
(1) - البكري: المغرب، ص11-12؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص21؛ محمد سليمان أيوب: مختصر تاريخ فزان، ص87-88.
(2) - البكري: المصدر نفسه، ص12؛ صالح مصطفى: المرجع نفسه، ص217؛ محمد سليمان أيوب: المرجع نفسه، ص88-89. (1/300)
صفحة 301
أما الطريق الذي يربط جبل نفوسة بكوكو مرورا بغدامس وتادمكة، فإنه ينطلق من مدينة شروس ليصل المسافر إلى غدامس بعد مسيرة سبعة أيام في الصحراء(1) وغدامس هذه كانت محطة لقوافل الحجاج المتجهين إلى البقاع المقدسة، وللتجار المتجهين إلى بلاد السودان ومصر. وقد كانت هذه المدينة منذ العصر الفينيقي، والروماني، حصنا تجاريا وحربيا لروما على طريق جرمة جنوبا. وفي العصر الإسلامي لعبت دورا هاما في العلاقات التجارية عبر الصحراء. فقد ربطها التجار الإباضية بنشاطهم التجاري الواسع، وظلت تحتفظ بمكانتها التجارية حتى عصر محمد بن الحسن الوزان المعروف بـ "ليون الإفريقي" الذي وصف أهلها بالثراء الناجم عن تجارتهم الكثيفة مع بلاد السودان. وأشهرها ما تنتجه هذه المدينة الجلود المصنوعة.(2)
ويخرج الطريق من غدامس في اتجاه الغرب ليتصل بالطريق الذي يربط تاهرت عاصمة الدولة الرستمية بكوكو، بين وارجلان وتادمكة، ثم يتجه جنوبا نحو تادمكة. وتقدر المسافة بين غدامس وتادمكة خمسة وعشرين مرحلة، ومن تادمكة إلى كوكو تسعة مراحل.(3) أما المسافة بين تاهرت وكوكو فتقدر بمسير ثلاثة أشهر.(4)
وهناك طريق آخر يربط غدامس بتادمكة لا يذكر البكري مراحله، ولا يستبعدأن يكون تجار جبل نفوسة الذين وصلوا إلى اودغست قد سلكوا هذا الطريق قاصدين كوكو ثم غانة بعد عبور نهر النيجر، ومنها جنحوا نحو اودغست.(5)
هـ - جبل نفوسة - الكانم:
__________
(1) - مجهول: الاستبصار، ص145؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص218-219.
(2) - أحمد إلياس حسين: الطرق التجارية عبر الصحراء الكبرى حتى مستهل القرن السادس عشر، كما عرفها الجغرافيون العرب، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، 1977، ص89-90.
(3) - البكري: المغرب، ص182-183.
(4) - الباروني: الأزهار الرياضية، ج2، ص239.
(5) - بحاز: الدولة الرستمية، ص218-219. (1/301)
صفحة 302
وهناك طريق صحراوي آخر ساهم فى ازدهار التجارة مع بلاد السودان هو الطريق الذي يربط جبل نفوسة بكوار بالكانم. فقد كانت القوافل التجارية التي كانت تخرج من جادو تتجه إلى مدينة زويلة جنوبا، لتصلها بعد مسير ثلاثة عشر يوما. ويمتاز هذا الطريق بأنه يشق قفارا لا ماء فيها. ومن مدينة زويلة إلى مدينة كوار مسيرة خمسة عشر يوما،(1) وهي مدينة بها قوم من المسلمين أغلبهم بربر يتاجرون بالرقيق.(2) وتقع كوار هذه في إقليم كانم شمال بحيرة تشاد. ويبدو أن هذا الطريق هو أقصر المسالك المؤدية إلى بلاد السودان، إذ لا تتعدى مسافته أكثر من مسير شهر. كما أنه اختص بجلب الرقيق وبيعهم في الأسواق، أو لتشغيلهم في الزراعة، والصناعة.(3)
__________
(1) - البكري: المغرب، ص10.
(2) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص6.
(3) - بحاز: الدولة الرستمية، ص219-220. (1/302)
صفحة 303
أما الطريق الذي يخرج من غدامس إلى "غات" و"إيري" وممالك الهوسا، فإنه يتجه من غدامس إلى فزان وطرابلس، أو إلى مصر سواء عن طريق بحيرة تشاد، أو عن الطريق الذي أشار إليه البكري، والذي يربط بين الواحات الليبية والواحات المصرية، ويمتاز هذا الطريق بكثرة خطورته ومشقته يصفه صاحب الاستبصار بقوله: "لولا قلة الماء في هذه الصحراء لكان الطريق من إفريقية إلى مصر على الواحات أقرب".(1) ويبدو أن هذا المسلك هو الذي هلكت فيه قافلة من أهل الجبل ماتوا من العطش، ولم ينج منهم إلا عبد حبشي أخبر نفوسة بموتهم.(2) وكان هذا الطريق أي طريق الواحات يمر بالواحات الخارجة من صحراء مصر الغربية، ومنها إلى الواحات الداخلة إلى أن يصل إلى أوجلة. وقد ذكر البكري مفصلا مراحل هذا الطريق. فمن أوجلة إلى بلد سنترية عشر مراحل، وهي مدينة كثيرة العيون والثمار والحصون يسكنها قوم من البربر، ومن سنترية إلى بهنسى عشر مراحل، ومن بهنسى إلى أريش ثماني مراحل، ومن أريش إلى الفرفرون ثلاثة أيام، ومن الفرفرون إلى الواح الداخل أربع مراحل في صحراء لا ماء فيها ولا عمارة. وفي هذه الجهة توجد حصون منها حصن يسمى بالقصر، ثم يسير المسافر في قرى متصلة إلى حصن يسمى قلمون، ثم إلى قرية كبيرة تسمى "القصبة". ومن هذا الواح إلى الواحين الخارجين ثلاث مراحل، وهو آخر بلاد الإسلام. وبينه وبين بلاد النوبة في صحراء ست مراحل.(3) ومن المحتمل أن يعبر هذا الطريق الوحات إلى أن يصل إلى غدامس، وغات، ثم يتجه إلى سجلماسة في أقصى بلاد المغرب، وغرب إفريقية حيث تقع مناجم الذهب.(4)
__________
(1) - ينظر: ص147.
(2) - الوسياني: السير، (مخ)، ورقة 10.
(3) - البكري: المغرب، ص14-15.
(4) - صالح مصطفى مفتاح: ليبيا منذ الفتح، ص227-228. (1/303)
صفحة 304
أما الطريق الذي يمتد من طرابلس ولبدة إلى غاية فزان، وكوار، وبرنو، وبحيرة تشاد، فإنه يعد شريانا حيويا ساهم في انتعاش التجارة، وتنوع السلع الصادرة والواردة. ويرجع تاريخ وجود هذا المسلك إلى العصر الروماني، ذلك أن الرومان أدركوا أهمية مدينتي جرمة، وفزان خاصة هذه الأخيرة التي تقع على الطريق الرابط بين مصر وشمال إفريقيا. وقد استعمل الفاتحون العرب هذا الطريق إبان فتحهم لبلاد المغرب.(1)
وقد تحدث "بوفيل" عن تجارة الرقيق بين برنو وطرابلس فقال: "وعلى الرغم من أن طريق فزان - كوار حمل كمية هائلة من الملح فمما لاشك فيه أنه كان طريقا للرقيق. سجل كل أوروبي سافر عن هذا الطريق فزعه من آلاف الهياكل البشرية التي انتشرت على جانبيه".(2)
و - جبل نفوسة - مصر:
من بين الطرق التي تربط جبل نفوسة بمصر، الطريق الساحلي وهو الطريق الذي يوفر سبل الأمن والراحة للتجار لكثرة الحصون المنتشرة فيه، ووجود نظام أبراج المراقبة على طول الساحل. يقول المراكشي: "كانت العمارة متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مدينة القيروان تمشي فيها القوافل ليلا ونهارا، وكان فيما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب حصون متقاربة جدا فإذ ظهر في البحر عدو نوّر كل حصن للحصن الذي يليه، واتصل التنوير فينتهي خبر العدو من طرابلس إلى الإسكندرية،(3) وقد ذكر اليعقوبي مجموعة من الحصون مثل حصن "وادي مخيل"، "أجية"، "الجبل الشرقي"، و"الجبل الغربي"، ببرقة "، أجدابية"، "لبدة"، وغيرها".(4)
__________
(1) - المرجع السابق، ص219.
(2) - المرجع نفسه، ص219.
(3) - المراكشي: المعجب، ص196.
(4) - صفة المغرب، ص2. (1/304)
صفحة 305
يخرج هذا الطريق من جبل نفوسة إلى طرابلس مسير ثلاثة أيام، ومن طرابلس إلى وادي الرمل عشرون ميلا، ومن وادي الرمل إلى المجتني المسافة نفسا، ومن المجتني إلى ورداسة إثنان وعشرين ميلا، ومن ورداسة إلى دغوغا ثمانية عشر ميلا، ومن دغوغا إلى تاورغا عشرون ميلا، ومن تاورغا إلى المنصف أربعة وعشرين ميلا، ومن المنصف إلى مغمداس أربعين ميلا، ومن مغمداس إلى القرنين عشرين ميلا، ومن القرنين إلى سرت ثمانية عشر ميلا، ومن سرت إلى قبر العبادى أربعة وثلاثون ميلا، ومن قبر العبادى إلى اليهوديتين أربعة وثلاثين ميلا، ومن اليهوديتين إلى قصر العطش أربعة وعشرين ميلا، ومن قصر العطش إلى منهوشة أربعة وثلاثين ميلا، ومن منهوشة إلى حي نجوة ثلاثون ميلا، ومن حي نجوة إلى أجدابية عشرون ميلا، ومن أجدابية يتجه الطريق إلى سلوق، ومن سلوق إلى أوبران ثم إلى قصر العسل فإلى برقة.(1)
ومن أراد أن يسلك من برقة إلى مصر اتجه إلى وادي مخيل والذي يبعد عن برقة بثلاث مراحل، ومنه إلى جب الرمل، ثم إلى قصور الروم، ثم إلى مغاير رقيم، ثم إلى القصر الأبيض، ثم العقبة، ثم الرمادة - وهي آخر منازل البربر يسكنها قوم من مزاتة والعجم والعرب - من بلّى وجهينة وبني مدلج وغيرهم. ومن الرمادة إلى قصر الشماس أو خربة القوم ثم إلى منزل "معن"، ثم إلى منازل بني مدلج، ثم إلى ذات الحمام، ثم إلى بومينا، ومن إلى "المنى"، ثم إلى ترنوط، ومنه إلى مدينة الفسفاط.(2)
ز - جبل نفوسة - تاهرت - فاس:
__________
(1) - البكري: المغرب، ص4-6؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص225-227.
(2) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص2-3. (1/305)
صفحة 306
أما عن الطريق الذي يربط جبل نفوسة بتاهرت عاصمة الرستميين فإنه يمر ببلاد الجريد. فالنفوسي إذا أراد السفر إلى تاهرت فإنه يتجه إلى مدينة قفصة، وهناك يجد ثلاثة مسالك: مسلك يتجه إلى القيروان مسافته مسيرة سبع مراحل، ومسلك يتجه إلى تاهرت عبر سطيف. هذه المدينة التي تبعد عن تاهرت بعشرين مرحلة، وعن القيروان بعشرة مراحل، ومسلك ثالث كان مستعملا في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) يمر بمدينة مجانة والمسيلة وأشير مسيرته أربعة عشر يوما، وهو أقصر الطرق. أما الطريق الذي يربط بين مدينتي قفصة والمسيلة، فقد عدد لنا ابن حوقل مراحله. فمن قفصة إلى قسطيلية، ومن قسطيلية إلى نفطة بعض مرحلة، ومن نفطة إلى مدالة مرحلة، ومن مدالة إلى تادميت مرحلتان، ومن تادميت إلى باديس مرحلة، ومن باديس إلى تهودا مرحلة، ومن تهودا إلى بسكرة - قاعدة الزاب - مرحلة، ومن بسكرة إلى طبنة مرحلتان، ومن طبنة إلى مقرة، ومن مقرة إلى المسيلة.(1)
وإذا رغب المسافر أن ينتقل من تاهرت إلى عاصمة الأدارسة فاس فإنه يسير خمسة وعشرين يوما إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى فاس أربعة وعشرين ليلة. وبالتالي فإن المسافة لا تتعدى الخمسين يوما.(2) وإذا أراد الخروج من تاهرت إلى سجلماسة فإنه يسلك الطريق التي تمر بـ "أوزكا" وهي مدينة تبعد بثلاثة مراحل عن تاهرت. ومن أوزكا إلى سجلماسة سبع مراحل.(3)
جـ - جبل نفوسة - غانه:
__________
(1) - صورة الأرض، ص87.
(2) - جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجية، ص205؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص189.
(3) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص20-21؛ جودت: المرجع نفسه، ص224-225؛ بحاز: المرجع نفسه، ص190. (1/306)
صفحة 307
وهناك مسلك صحراوي آخر يربط جبل نفوسة بغانة مرورا بوارجلان، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن أقدم مسلك يؤدي إلى غانة كان ينطلق من مدينة طرقلة حاضرة السوس الأقصى، قبل تأسيس مدينة سجلماسة سنة 140هـ (757م). وتشير المصادر الإباضية إلى أن التجار الإباضية قد سافروا إلى غانة مرورا بوارجلان. ولا يستبعد أن يكون هؤلاء قد جاؤوا من إفريقية إلى أودغست، عبر المسلك الذي يمر ببلاد الجريد، ووارجلان، ومسيرته أربعة عشرة يوما.(1) وعلى الرغم من أن المصادر لا تعطينا معلومات وافية عن مراحل هذا الطريق ومحطاته إلا أن ليفيسكي يرجح أنه كان يمر بمدينة القليعة وقرارة (حاليا).(2) أما عن المراحل التي يقطعها المسافر بين سجلماسة وغانة فقد ذكرها البكري بدقة، وحدد المسافة بينهما بمسير شهرين في صحراء غير عامرة .(3) أما محطاته الرئيسية فهي: تامدلت، إيزل واودغست. فأودغست تبعد عن سجلماسة بإحدى وخمسين مرحلة. وفي موضع آخر يذكر البكري أن المسافة بينهما مسيرة شهرين.(4) أما المسافة بين أودغست وغانة فقدرت بإثني عشر مرحلة، وبين أودغست ووارجلان إحدى وثلاثين مرحلة.(5) وتبقى بعض المحطات غير معروفة، فـ "إيزل" مثلا هي كدية إيجيل، التي ظهر على مقربة منها في فترة متأخرة موضع يسمى "حصن الملح"، وهو الحصن الذي كان التجار يأخذون منه الملح لبيعه في بلاد السودان.(6) أما تامدلت فهي إحدى قرى بني درعة وسكانها بنو ترجا من البربر،(7) وقدوصفها صاحب الاستبصار بأنها مدينة كبيرة حافلة بالأسواق، كثيرة العمارة،تبعد عن درعة مسيرة ستة أيام.(8)
__________
(1) - الحميري: الروض المعطار، ص60.
(2) - T. Lewicki: Etudes Maghrebines, p45.
(3) - ينظر: المغرب، ص149.
(4) - المصدر نفسه، ص159-164-168.
(5) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص89.
(6) - ابن سعيد: كتاب الجغرافيا، ص113؛ T. Lewicki: Etudes Maghrebines, p45.
(7) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص27.
(8) - ينظر: ص213. (1/307)
صفحة 308
وقد اكتفى اليعقوبي بذكر محطتين فقط بين سجلماسة وبلاد السودان، فالمحطة الأولى هي مواطن قبائل أنبية من صنهاجة والتي تبعد بخمسين مرحلة عن سجلماسة. أما المحطة الثانية فهي غسط وهي مدينة تقع في واد عامر كثير المنازل.(1) وتوجد محطة أخرى ذكرها ابن سعيد وهي "أزقي"، التي تبعد مسير سبعة أيام عن حصن الملح.(2) ويبدو أن الطريق إلى غانة يبدأ من هذه المحطة. يقول الحميري: "هي أول مراقي الصحراء، ومنها إلى سجلماسة ثلاثة عشر مرحلة، ومنها إلى نول لمطة سبعة مراحل... ولابد من الدخول على هذه المدينة لمن أراد تكرور وغانة من بلاد السودان".(3)
ظلت غانة لحقبة طويلة ملتقى للقوافل التجارية، ففيها كان يجتمع التجار، ومنها ينتقلون إلى بلاد التبر، ومنه كانوا يتزودون بالمؤن.(4)
وهناك طريق آخر يربط بلاد "جدالة" بغانة. فجدالة تقع شمال مجرى نهر السينغال الأدنى، فهي أقرب بلاد الإسلام إلى بلاد السودان، وأقرب مدينة من مدن السودان إليهم مدينة صنغانة التي تبعد عن جدالة مسير ستة أيام، وتلى مدينة صنغانة مدينة تكرور،(5) وهناك مسلك يربط غانة بمدينة تادمكة مسيرته خمسين يوما، والطريق بين غانة وبين سفنقو آخر عمل غانة مسيرته ثلاث مراحل، ثم إلى بوغارت، ومنها إلى مدينة تيرقي، ثم إلى تادمكة.(6) فأما تيرقي فهي مدينة عامرة آهلة، بها أسواق حافلة يجتمع فيها التجار من مختلف الأمم. وتبعد تادمكة عن غانة بحوالي خمسين مرحلة.(7)
__________
(1) - المصدر السابق، ص22.
(2) - كتاب الجغرافيا، ص113.
(3) - الروض المعطار، ص28.
(4) - ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4، ص184.
(5) - مجهول:الاستبصار،ص217
(6) - البكري: المغرب، ص181.
(7) - مجهول: المصدر السابق، ص222. (1/308)
صفحة 309
كما يربط غانة طريق آخر بمصر يمر على كوكو، ومرندة، وزويلة، وأجدابية، فمن غانة إلى كوغة مسير شهر، وهي مدينة آهلة يتجهز إليها بالملح، والودع، والنحاس المسبوك. واشتهرت بوفرة الذهب لكثرة معادن التبر به. ومن كوغة إلى سامة أقل من شهر، ومن سامة إلى كزم شهر كذلك، ومن مرندة إلى زويلة شهران، ثم إلى أجدابية شهر، ومن زويلة إلى فزان خمسة مراحل، ومن فزان إلى زغاوة شهران. وقد أهمل هذا الطريق وتركه التجار لصعوبته، وذلك في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فقد ذكر ابن حوقل أن العديد من القوافل التي سلكت هذا الطريق قد هلكت بسبب تعرضها للعواصف الرملية، ولقطاع الطرق، وأصبحت القوافل تجتاز بالمغرب إلى سجلماسة.(1)
ورغم وجود هذا الطريق الذي يربط فزان بغانة إلا أن التجار الإباضية قد سلكوا الطريق المار بوارجلان. فقد عرج أبو موسى هارون بن أبي عمران الوسياني - أحد شيوخ المذهب - على وارجلان في أثناء سفره إلى غانة وغيارو،(2) التي تقع في السودان الغرب، وهي من الأماكن التي يوجد فيها أفضل أنواع التبر، تبعد عن غانة عاصمة المملكة بسبعة أيام.(3) كما أن تاجرا إباضيا آخر يدعى عمران بن محمد بن رستم سافر إلى غانة انطلاقا من وارجلان.(4)
__________
(1) - المصدر نفسه، ص65.
(2) - الشماخي: السير، ص372-373.
(3) - البكري: المغرب، ص177.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص516؛ T. Lewicki: Etudes Maghrebines, p43.
T. Lewicki: Quelques Extraits Inedites Relatifs Aux Voyages Des Commercants Et Des Missionnaires Ibadites Nord-Africains Au Pays De Soudan Occidentale F.O, 1960, T2, p19-20. (1/309)
صفحة 310
كما قدم الشيخ إسماعيل بن علي النفزاوي من "تين بمر" الواقعة قرب "نفزاوة" قاصدا غانة. وفي طريقه بات في قرية "توات" إحدى قرى مدينة وارجلان في ضيافة أبي العباس أحمد بن محمد بن علي (النصف الثاني من القرن الخامس الهجري).(1)
وهكذا نلاحظ بأن التجار الإباضية وصلوا إلى المدن النائية لشراء السلع التي تدر عليهم أرباحا طائلة، رغم مخاطر الطريق وبعد المسافة إذ أن في أغلبه مفازة. يقول ابن خلدون: "(إن) نقل السلع من البلد البعيدة المسافة أو شدة الخطر في الطرقات يكون أكثر فائدة للتجار أو أعظم أرباحا... ولهذا تجد التجار الذين يولعون بالدخول إلى بلاد السودان أرفه الناس، وأكثرهم أموالا، لبعد طريقهم، ومشقته، واعتراض المفازة الصعبة، المخطرة بالخوف، والعطش".(2) فلا غرابة إذن أن يبعث تملى الوسياني من تادمكة ستة عشر كيسا، كل كيس فيه خمسمائة دينار إلى أبي عمران موسى بن سدرين ليوزعها على الفقراء والمحتاجين.(3) وقيل ستة عشر كيسا مملوءة ذهبا.(4) كما أن الشيخ عبد الحميد الفزاني وهو عالم كبير من علماء أهل الدعوة يسافر إلى بلاد السودان، ولا نعرف الطريق الذي سلكه، فالوسياني يذكر أن المسافة بين جبل نفوسة وبلاد السودان مسير شهر.(5)
وبفضل تجار نفوسة توغل الإسلام وانتشر في مدينة غانة وما جاورها من بلاد السودان فالفضل يرجع إلى العالم التاجر علي بن يخلف النفوسي التميجاري.(6)
__________
(1) - T. Lewicki: Etudes Maghrebines, p43.
(2) - ينظر: المقدمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1968، ص706-707.
(3) - الشماخي: السير، ص411.
(4) - مجهول: كتاب المعلقات، مخطوط بمكتبة العطف غرداية، و9-10.
(5) - السير، ج2، و4.
(6) - عبد الله بن يحي الباروني: رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين، مطبعة النجاح، القاهرة، 1324هـ؛ ص21-22. (1/310)
صفحة 311
وفي المقابل جاءت قوافل التجار من التكرور إلى جبل نفوسة في زمن أبي عمرو ميمون بن محمد الشروسي، وقد جمعوا له أربعمائة دينار لكن أبا عمرو رفضها وأمر بإغلاق الأسواق والبروز إلى التكرور من أجل الانتفاع بالبيع والشراء.(1)
ط - جبل نفوسة - مدن إفريقية:
كما ارتبط جبل نفوسة بمجموعة من المسالك مع مدن إفريقية، فمن الجبل إلى طرابلس ثلاثة أيام، ومن طرابلس إلى قابس ست مراحل إلى جهة القيروان، وهي جادة الطريق.(2) وقيل خمس مراحل،(3) وقيل عشر مراحل.(4) ومن قابس إلى مدينة سفاقس سبعون ميلا، ومن سفاقس إلى قفصة ثلاثة أيام، ومن سفاقس إلى المهدية مرحلتان، وهي مدينة آهلة عامرة كانت مرفأ للسفن التجارية القادمة من بلاد المشرق والمغرب والأندلس وبلاد الروم.(5) كما اشتهرت مدينة سفاقس هي الأخرى بكثرة حماماتها، وفنادقها، كما أنها كانت محطة للسفن، يقصدها التجار من مختلف الآفاق بالأموال الكثرة لشراء السلع الواردة إليها، من الإسكندرية والشام وبرقة.(6)
ومن أراد المسير إلى القيروان فإن المسافر يخرج من سفاقس إلى "طرفى" وهو بلد عامر بالسكان، ومنه إلى قصر رباح ثم إلى القيروان.(7) ومن القيروان إلى رقادة أربعة أميال.(8) وقيل ثمانية أميال. ومن القيروان إلى سوسة مرحلة، ومن القيروان إلى الجزيرة مرحلة، ومن القيروان إلى باجة ثلاثة مراحل. ومن القيروان إلى الأربس مرحلتان، ومن القيروان إلى مجانة أربع مراحل، ومن القيروان إلى بلاد الزاب عشرة مراحل.(9) ومن مدينة القيروان إلى تونس مرحلتان.(10)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص273؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص167.
(2) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص72.
(3) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص8.
(4) - المراكشي: المعجب، ص197.
(5) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص182.
(6) - البكري: المغرب، ص20.
(7) - المصدر نفسه، ص20-21.
(8) - نفسه، ص27.
(9) - اليعقوبي: صفة المغرب، ص8-11.
(10) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص186. (1/311)
صفحة 312
وهناك طريق مباشر يربط الجبل بمدن بلاد الجريد، فمن قفصة إلى الجبل في جهة الجنوب نحو مسير ستة أيام، ومن قفصة إلى نفطة مرحلتان ومن نفطة إلى قابس ثلاثة مراحل وبعض مرحلة،(1) وعلى العموم فإن أغلب المسافات التي تربط الجبل بالمدن الإفريقية قصيرة فمن الجبل إلى سفاقس تسع مراحل، ومن الجبل إلى قسطيلية ست مراحل، ومنه إلى جبل دمر ثلاث مراحل،(2) وبين الجبل ومدينة القيروان مسيرة ستة أيام.(3)
ونظرا لقرب المسافة فقد كانت هذه المدن تعج بالتجار الإباضية خاصة وأن جاليات منهم تسكن في جزيرة جربة، قابس، القيروان وأغلب مدن بلاد الجريد. فمن هذه المدن كان النفوسي يشتري السلع القادمة من مختلف الأمصار البعيدة التي تأتي بها السفن وعن طريق موانئ طرابلس، قابس، المهدية، جربة، كان يصدر منتجاته التي اشتهر بها الجبل.
__________
(1) - الإدريسي: المصدر نفسه، ص179-180.
(2) - نفسه، ص199-200.
(3) - مجهول: الاستبصار، ص144. (1/312)
صفحة 313
ونظرا للدور الذي تلعبه الطرق التجارية في ازدهار حركة التجارة فقد اهتمت بها الدول الإسلامية في بلاد المغرب، فعملت على صيانتها وحمايتها، وبناء المحطات والحصون على طول الطرق الهامة حتى توفر الأمن للتجار. ومنذ أن فتح العرب هذه البلاد واستقروا فيها أولوا عناية كبيرة للطرق فمهدوها، وأنشأوا المحطات المزودة بالخيل على مسافات متقاربة، فلما قامت الدولة الرستمية في المغرب الأوسط (160-296هـ) ساهم أئمتها مساهمة فعالة في تنشيط حركة التجار، فمهدوا السبل إلى مختلف الأصقاع. كما كانت للأئمة قوافلهم الخاصة التي كانوا يرسلونها إلى بلاد المشرق للتجارة، مثل القافلة التي رحل رفقتها الإمام أبو اليقظان في طريقه إلى الحج، يقول ابن الصغير: "استعملت السبل إلى بلاد السودان، وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب، بالتجارة وضروب الأمتعة... والعمارة زائدة، والناس والتجار من كل الأقطار تاجرون".(1) فجاء التجار إلى تاهرت من كل الأمصار واستوطنوها، ومما شجع التجارة وأنعش الحياة الاقتصادية في الدولة الرستمية هو أن بعض أئمتها مارسوا التجارة. فقد كان الإمام عبد الوهاب تاجرا أيام أبيه.(2) وقد تزايدت أهمية التجارة في عهد أفلح، فكثرت الأموال، وجاءت الوفود من كل الأمصار والآفاق بمختلف أنواع السلع، فازدادت رفاهية الناس، فأبتنوا القصور، والضياع خارج تاهرت.(3) وانتشرت القبائل حول المدينة، وكثُرت الأموال بأيديهم. ويرجع سبب هذا الرخاء كما ذكرنا إلى الاهتمام بطرق القوافل، وتوفير الأمن لها، وتأديب قطاع الطرق، رغم صعوبة تحقيق مثل هذا الأمر. فقد خرج الإمام أبي حاتم على
__________
(1) - أخبارالأئمة الرستميين، ص36-37.
(2) - الباروني: الأزهار، ص189.
(3) - ابن الصغير: المصدر السابق، ص61-62؛ جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب الأوسط خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين (9-10م)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992، ص196. (1/313)
صفحة 314
رأس حاميته لحماية قوافل قدمت من المشرق فيها أموال لا تحصى خشية أن ينالها قطاع الطرق من قبائل زناتة.(1)
كما اهتم الأغالبة هم الآخرون بالطرق التجارية، فاعتنوا بها، وأقروا الأمن فيها بإقامة محارس ومخافز على طول الساحل. وقد أدى هذا إلى ارتباط المدن المغربية بقوافل التجارة. فكان التجار الإباضية في الحدود الشرقية للدولة الرستمية يقومون بدور كبير في نقل السلع القادمة من مصر إلى المدن الرستمية بالمغرب الأوسط.(2)
__________
(1) - ابن الصغير: المصدر نفسه، ص104؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص500.
(2) - صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص222. (1/314)
صفحة 315
ولم يهمل خلفاء بني عبيد كذلك هذه الطرق، بل أعطوها عناية كبيرة، حيث أنشأوا أماكن الاستراحة على طول الطرق، وحفروا الآبار، وأنشأوا الأساطيل لحماية سواحلهم من أعمال القرصنة. ولعل أهم طريق حظي باهتماماتهم هو الطريق المؤدي إلى مصر. فقد أمر الخليفة المعز لدين الله سنة 355هـ (965م) عمال برقة بحفر الآبار، لتوفير المياه على طول الطريق. كما وضعوا الحاميات العسكرية في الحصون والقلاع الممتدة على طول الساحل،(1) وقد سبقت الإشارة إلى أن المراكشي قد ذكر أن العمارة كانت متصلة من الإسكندرية إلى القيروان، وأن القوافل كانت تمشي ليلا ونهارا في هذا الطريق في مأمن، وأن حصونا كثيرة متقاربة موجودة بين الإسكندرية وطرابلس.(2) وقد ذكر اليعقوبي بعض أسماء هذه الحصون مثل: حصن وادي مخيل، وحصن بلبدة، وحصن بأجدابية، ومحارس بمدينة يقال لها أجية.(3) وانتشرت الأربطة، والحصون، والقصور، فقد بلغ عدد القصور الموجودة بين قابس وطرابلس خمسة وعشرون قصرا،(4) وبين طرابلس وسلوق ثمانية وثلاثون قصرا. فلا مندوحة إذن أن يقول القاضي النعمان في وصف الأمن والاستقرار والطمأنينة على هذا الطريق: "إن التجار يسافرون بالأموال الصامتة، والنعم الظاهرة، يمر بها الواحد والإثنان في الجبال، والشعارى، بالفلوات، والبراري، فيبيت حيث أمسى، ويسير حيث أحب واشتهى، كأنما في سوقه يبيت آمنا ويصبح سالما".(5)
ورغم حدوث ثورات وحروب كثيرة في العهد الفاطمي، إلا أن ذلك لم يكن عائقا يشل حركة التجارة إذ ظل الخلفاء حريصين على تأمين الطرق لأنهم كانوا في أمس الحاجة لذهب السودان، ورقيقه ليتمكنوا من تحقيق أغراضهم السياسية البعيدة المدى.(6)
__________
(1) - صالح مصطفى: المرجع نفسه، ص223.
(2) - المعجب، ص196.
(3) - صفة المغرب، ص2-3-4-6.
(4) - صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص224.
(5) - جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، ص195.
(6) - جودت عبد الكريم: المرجع نفسه، ص195. (1/315)
صفحة 316
وظلت أوضاع هذه الطرق على هذه الحال حتى بعد انتقال الفاطميين إلى مصر، وقيام الدولة الزيرية، ولكن بعد الغزو الهلالي أضحت المسالك التجارية صعبة وخطيرة خاصة الطريق الساحلي الذي يربط بين إفريقية والإسكندرية. فقد كانت المدن الليبية مثل برقة، أجدابية، سرت، وطرابلس، أول متضرر من هذا النزوح حيث عمت الفوضى، وانتشرت أعمال السلب، والنهب، لكثرة قطاع الطرق، وقد تضرر جبل نفوسة هو الآخر من انتشار البدو الهلاليين حوله.(1)
وقد حرص إباضية جبل نفوسة قبل قدوم الهلاليين على حماية الطرق التجارية والضرب بقوة قطاع الطرق، وقد مر بنا أن أبا الفضل سهل جهز حملة عسكرية إلى غدامس لوقوع فساد فيها.
كما رتب على جهة من الجهات المعرضة للسلب والنهب حامية لضرب اللصوص.(2) كما حافظوا على صيانتها دوريا، فالشماخي يخبرنا بأن أبا محمد القنطراري - وهو أحد مستجابي الدعاء - كان عندما ينتقل إلى جادو يصلح طريق جبل تالكيت بقنطرارة، والمسافة بين قنطرارة وجادو أربعة وعشرين ميلا.(3)
ي - مسالك الجبل:
__________
(1) - صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص225.
(2) - علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص169-170.
(3) - ينظر: السير، ص255. (1/316)
صفحة 317
ومن نافلة القول أن نتعرض للمسالك التي تربط بين المدن والقرى النفوسية، بعد أن تناولنا الطرق التجارية المعروفة التي تربط الجبل بمختلف المدن المغربية ومصر وبلاد السودان. لقد ارتبطت هذه القرى بشبكة من الطرقات سهلت السفر للتجار وللعلماء والطلبة، خاصة الطرق المؤدية إلى حواضر الجبل المشهورة مثل جادو، شروس، ميري، إجناون، وغيرها. فحاضرة شروس وحدها توجد في أرباضها حوالي ثلاثمائة قرية. وقد امتدت هذه الطرق إلى سفح الجبل، وهي المنطقة المعروفة بالجفارة المحاذية لإقليم طرابلس. وتعد هذه الطرق طرقا محلية حيث لم نجد فى مصدر من المصادر الجغرافية ذكرا لأي جادة تعبر الجبل. فالطريق الساحلي الذي يربط المشرق بالمغرب يمر شمال الجبل، والطريق الصحراوي يسلك إلى جنوبه. وهكذا نلاحظ أن موقع الجبل يتوسط الجادتين. أما عن الطرق الداخلية فهناك طريق يربط مدينتي شروس وجادو بلالوت الواقعة على ضفاف الوادي الذي تحمل اسمه وهو وادي عميق، غزير المياه كثير الأشجار حتى إن البساتين الموجودة على طرفيه تمتد إلى مسافة أربعين ميلا تقريبا نحو الغرب، حتى تتصل بقرية تسمى "وازّن" والتي تبعد بمرحلة عن لالوت.(1) أما المسافة بين "ويغو" وتنورزيرف فهي نيف وعشرون ميلا.(2) وبين كباو وقنطرارة خمسة عشرة ميلا.(3) وبين إجناون و "أوملن" أربعون ميلا.(4) وبين قنطرارة وجادوعن طريق جبل "تالكيت" أربعة وعشرون ميلا.(5) وإلى الجنوب من جادو تقع قرية "أرجان"، وإلى شمالها تقع مجموعة من القرى مثل: القصير، اشبارى، ويوجلين. وإلى الشمال الشرقي من هذه القرى تقع قرية "طرميسة" التي تبعد عنها نحو أربعة أميال.(6)
__________
(1) - الباروني: رسالة سلم العامة، ص33؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص171-172.
(2) - الشماخي: السير، ص218.
(3) - علي يحي معمر: المرجع السابق، ص180.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص319.
(5) - المصدر نفسه، ص255.
(6) - علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص201-202. (1/317)
صفحة 318
أما الطريق بين جادو وميري فمسافته مسير نصف ميل.(1) وإلى الجنوب من ميري بنحو ميلين تقع أدرف.(2) والتي تبعد عن جادو مسير ساعتين،(3) ومن أرجان إلى إيجيطال ستة أميال، فمن أرجان إلى إيمرساون ثم تيمجار ثم إدوناط، ومن هذه الأخيرة إلى إيجيطال.(4) أما المسافة بين "سنتوت" و"تدينة" فتزيد عن أربعة وعشرين ميلا،(5) والمسافة بين "تندوزيغ" واجناون عشرة أميال.(6) ونلاحظ أن المسافة بين مدن وقرى الجبل غير بعيدة، تربطها مسالك جبلية وعرة. وقد صعب على الباحث معرفة المسافات لأن المصادر الجغرافية - كما قلنا - لم تفصل لنا ذلك وحتى المصادر الإباضة أهملت هذا الجانب.
2 - الطرق البحرية:
كانت هناك بعض الخطوط المنتظمة بين الموانئ المصرية والموانئ المغربية. ومن أهم هذه الخطوط الخط الذي يربط مدينة الإسكندرية بمدينة سبتة. ونظرا لأهمية النقل البحري اهتم الأغالبة والرستميون والفاطميون والأدارسة بالموانئ وبصناعة السفن، فأقاموا المراسي، وبنوا السفن بها. ولا نريد أن نتناول كل الموانئ المغربية وإنما سنكتفي بالحديث عن الموانئ القريبة من جبل نفوسة والتي كان النفوسيون يصدرون منها منتجاتهم.
__________
(1) - الباروني: الأزهار، ج2، ص192.
(2) - علي يحي معمر: المرجع السابق، ص211-213.
(3) - الباروني: رسالة سلم العامة، هامش ص34.
(4) - الشماخي: السير، ص241.
(5) - المصدر نفسه، ص247.
(6) - نفسه، ص317. (1/318)
صفحة 319
ولعل أكبر ميناء في المنطقة هو ميناء طرابلس، ففي عصر ابن حوقل (القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي) كانت ترسوا به المراكب ليلا ونهارا قادمة من بلد الروم والمدن الساحلية المغربية بمختلف أنواع السلع.(1) فلا غرابة إذن أن يكون أكثر سكانها تجار يسافرون برا وبحرا.(2) أما ميناء صبراتة فقد كان هو الآخر مركزا تجاريا كبيرا إذ يعد منفذا إلى الجبل ودواخل إفريقيا، مما ساعد المدينة على التبادل التجاري. ومما يدل على أهمية المدينة أن اسم طرابلس القديمة لازال يطلق عليها إلى يومنا هذا. ولا يستبعد أن يكون التجار الإيطاليون هم الذين أطلقوا عليها هذا الاسم.(3) كما كانت ترد على ميناء أجدابية المراكب محملة بالمتاع وتبحر منه مثقلة بضروب الأمتعة من أكسية وغيرها.(4) وكان يصدر من ميناء سرت الشب السرتي، والصوف، ولحوم المعز.(5) أما ميناء طبرقة فقد اشتهر بورود مراكب الأندلسيين،(6) ومنه يحمل الخشب، والقصب الفارسي الجيد إلى تونس.(7)
__________
(1) - ينظر: صورة الأرض، ص72.
(2) - مجهول: الاستبصار، ص110.
(3) - روسي أتوري: ليبيا منذ الفتح، ص70.
(4) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص70.
(5) - المصدر نفسه، ص71.
(6) - نفسه، ص76؛ الإدريسي: القارة الإفريقية، ص190.
(7) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص143. (1/319)
صفحة 320
كما عرفت موانئ إفريقية القريبة من الجبل نشاطا تجاريا كثيفا. فقد ذكر البكري أن مراكب جزيرة جربة كانت تخرج إلى مرسى الأندلسيين.(1) كما ذكر ابن حوقل والبكري أن الزيت المصدر إلى مصر يجلب منها.(2) ويضيف صاحب الاستبصار أن المراكب المحملة بالزيت تخرج منها إلى بلاد الروم لتموين سكان صقلية، وإيطاليا، وانكبوردة، وقلورية، وغيرها.(3) أما سوسة فقد عرفت بكثرة الأمتعة، وجودة الثياب. فالثياب السوسية مشهورة وكان التجار يحملونها إلى جميع البلاد.(4) وأما ميناء المهدية فقد كان هو الآخر محطة للسفن التجارية القادمة من بلاد المشرق والمغرب، والأندلس والروم،(5) ولكنه فقد مكانته عندما انتقل الفاطميون عن المدينة.(6)
__________
(1) - ينظر: المغرب، ص85.
(2) - ينظر: صورة الأرض، ص73؛ والبكري :المصدر نفسه، ص20.
(3) - ينظر: ص116.
(4) - نفسه، ص119.
(5) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص182؛ البكري: المغرب، ص30؛ محمود إبراهيم عبد الله عفيفي: أحوال بلاد المغرب الاقتصادية في ظل االسيادة الفاطمية، (296-442هـ) (909-1058م)، رسالة دكتوراه بكلية الآداب جامعة القاهرة، 1977، ص158.
(6) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص73. (1/320)
صفحة 321
ولاشك أن تجار نفوسة قد استغلوا قرب هذه الموانئ من الجبل لتصدير منتجاتهم والسلع التي يجلبونها من بلاد السودان. ولا يستبعد أن يكون ليهود جادو دور كبير في التجارة البحرية خاصة عبر ميناء طرابلس. فقد ذكرت الوثائق أن أربع سفن أبحرت من الإسكندرية إلى ميناء طرابلس في يوم واحد، وأن العديد من تجار الشمال الإفريقي اهتموا بتجارة الشرق. وامتلأت الموانئ في جنوب الجزيرة العربية، والهند، وسيلان (سرلانكا)، بالتجار القادمين إليها من هذه الجهة سواء من برقة أم من طرابلس أم من جبل نفوسة. ولا يستبعد أن تكون هجرة البهود من هذه المنطقة إلى الشرق كان بدافع التجارة حيث استقر العديد منهم في مصر، واليمن، والهند. وقد ازدادت هذه الهجرة خاصة مع انتقال الفاطمين إلى مصر.(1) وفي المقابل جاءت وفود التجار الآسيويين من نيسابور وسمرقند وغيرها إلى بلاد المغرب بغية الثراء نظرا لتدفق الذهب إلى هذه البلاد من السودان.(2)
ب - الأسواق:
قامت الأسواق في جبل نفوسة في المدن الكبرى نظرا لتوسعها العمراني ووجود تجمعات سكانية كبيرة فكانت لمدينة جادو مثلا أسواق كثيرة. كما كانت بمدينة شروس أسواق يقصدها التجار من كل ناحية مما يصعب إيجاد مسكن بها، فقد روت السير أن أبا يحي الفرسطائي قدم إلى شروس ليتعلم عند ابن ماطوس فلم يجد له بيتا يسكن فيه فقال: "ما أوسع شروس وما أضيق شروس".(3)
__________
(1) - صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص230-231.
(2) - المرجع نفسه، ص231.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، و24. (1/321)
صفحة 322
وقد اشتهرت أسواق الجبل بسلع معينة نظرا لوجود فائض كبير في إنتاج بعض المواد الغذائية كالقمح، والشعير، والتين، والزيتون، والعنب، والتمر، فكانت القوافل تقصدها من قريب ومن بعيد خاصة وأن حكام الجبل قد وفروا الأمن في هذه الأسواق وأشرفوا على تنظيمها. فقد استعمل أبو الربيع سليمان بن هارون أناسا مخصوصين لرقابة الأسواق لمنع ما لا يحل من الأموال فيها بهدف الحيلولة دون دخول الحرام إلى الجبل.(1) وكان الإشراف على سوق جادو موكلا لأبي يوسف وجدليش حيث كان يأذن لمن شاء أن يبيع ويمنع من في ماله شبهة. وقد استحدث نظام مراقبة الأسواق نظرا لدخول الريبة إلى إقليم طرابلس.(2) كما كان الشيوخ يتدخلون في تحديد أسعار السلع. فقد روي أن وكيل يتيم باع زيتونة بأربعة دنانير لرجل مجاملة ومحاباة له، فلما بلغ الخبر الشيخ أبي المهاصر أنكر ذلك.(3) هذا وتجدر الإشارة إلى أن وظيفة المحتسب لم تكن حكرا على شخص ما بل كان يقوم بها العزابة والشيوخ فكلما رأوا منكرا غيّروه.
وحفاظا على الأمن في أسواق جادو قام أبو يحي زكريا الأرجاني بتنظيمها بين القبائل. وقد مر بنا أن سوء تفاهم حدث بين بني زمور وطرميسة أدى في العديد من المرات إلى الاقتتال عندما يلتقون في جادو، فخص أبو زكريا لأهل زمور يوم الخميس من كل أسبوع، ولطرميسة يوم الأحد.(4)
__________
(1) - الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، ص53.
(2) - الشماخي: السير، ص334.
(3) - المصدر نفسه، ص201.
(4) - البغطوري: سير نفوسة، و64؛ الشماخي: السير، ص243؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص153. (1/322)
صفحة 323
ويبدو أن أسعار المواد الغذائية التي كان ينتجها الجبل كانت رخيصة الثمن لكثرة العرض، فقد كانت القوافل تأتي إلى سوق "درج" لشراء الزيت بأرخص الأثمان.(1) وقد بيعت شجرة زيتون في مدينة شروس بأربعين دينارا،(2) وبيعت شجرة تين بثلاثة أرباع دينار.(3) ويبدو من خلال ذلك أن النفوسيين عرفوا طريقة غرس الأشجار المثمرة. كما عرفت الأغنام أسعارا رخيصة، فقد بيعت الشاة بأربعة دراهم،(4) وبيع جلدها لاستخدامه في المصنوعان الجلدية بخمسة دراهم، وبيع الثور في سوق جادو بأربعة دنانير. ويلاحظ في هذا المضمار أن بعض المزارعين كانوا يلجأون إلى قطف غلاتهم من الثمار قبل أوانها ليكسبوا غلاء الأسعار. وقد مر بنا أن أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني قد منع أهل اجناون من خرط زيتونهم قبل نضجه. وتجدر الإشارة إلى أن التعامل في الأسواق كان وفق المذهب الإباضي. فقد ورد سؤال من نفوسة إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم عن شخص ما يقوم بشراء الطعام من الأندر ليبيعه، هل يعد هذا احتكارا أم لا ؟ وقد أجابهم الإمام بقوله: "إن الاحتكار لا يحل ولا يسع لأحد أن يطلب الضرر للمسلمين".(5)
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص315.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص418.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، و4-5.
(4) - الوسياني: السير، و21.
(5) - عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم: كتاب مسائل نفوسة، تحقيق: إبراهيم طلاي، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1991، ص131. (1/323)
صفحة 324
كانت أسواق جبل نفوسة آهلة بالتجار، قدموا إليها من كل مكان. فقد أشارت المصادر إلى قدوم قوافل مثقلة بأموال التجارة السودانية من التكرور، وأراد أصحابها تقديم أربعمائة دينار لرئيس الجبل أبي عمرو ميمون بن محمد الشروسي فأبى أخذها.(1) ويبدو أن هؤلاء التجار قد تعودوا على دفع الضرائب مقابل السماح لهم بدخول الأسواق للبيع والشراء. ولا نعرف بالضبط هل هذا النظام كان معمولا به أم لا ؟ رغم أن الرواية صريحة. ويبدو أن الضرائب في الجبل لم تخرج عن حد الضرائب الشرعية لأنه لا توجد لدينا معلومات وافية عن ذلك.
ومما يدل على كثرة التبادل التجاري بين بلاد السودان والجبل، وتعامل النفوسيين مع تجار الكانم والتكرور، أنهم كانوا يتقنون اللغة الكانمية، فقد أشارت المصادر إلى أن أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني كان يتقن عدة لغات منها اللغة الكانمية.(2)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص273-274؛ الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، ص51-52.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص18؛ T.Lewicki: traits dhistoire du commerce transaharienne marchands et missionnaires ibadites en soudan occidental et central au cours des VIII-XII, Ethnographia Polska Varsovie 1946, vol 8, p309. (1/324)
صفحة 325
ويرجع الفضل في ازدهار الأسواق في جبل نفوسة، وازدحام التجار فيها إلى وجود اليهود بكثرة في العديد من المدن خاصة في جادو وفي "تمنكرت". والمعروف أن احتراف اليهود للتجارة قام منذ بدايته على الجماعات اليهودية التي انتشرت في مختلف أنحاء العالم، فكونوا شبكة من العلاقات التجارية تعمل وفق الطرق التقنية المعروفة والشائعة في العالم الإسلامي القديم، خاصة وأنهم كانوا يتقنون بعض الحرف دون غيرهم، مثل صناعة المعادن الثمينة، والدباغة، والزجاج، وغيرها.(1) وكان هؤلاء اليهود المعروفون بـ "الراذانية" يسافرون من المشرق إلى المغرب، ويستوردون من هذه الأخيرة الخدم، والجواري، والديباج، وجلود الخز، وغيرها.(2)
ونظرا لكثرة اليهود في جادو فقد كان لهم نشاط تجاري كبير في أسواقها، إذ كانت لهم حوانيت كثيرة يمارسون فيها أعمالهم التجارية، إما كمخازن يكدسون فيها مختلف السلع القادمة من المشرق، أو من المغرب، أو من أوروبا، وإما كمحلات يمارسون فيها بعض الأعمال الصناعية كالدباغة، والصياغة، وغيرها. وكان هؤلاء اليهود أثرياء مياسير حاولوا التقرب من شيوخ الجبل للحفاظ على مصالحهم. فقد أهدوا أربعين دينارا لأبي يحي الأرجاني عندما علموا بازدياد صبي له، ولكنه أبى من أخذه.(3)
__________
(1) - موريس لومبhv: الإسلام في مجده الأول، ص309.
(2) - Hadj Sadok Mohamed: Description du Maghreb et de l'europe, au 3e S, editions carbonel, alger, 1949, p20.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، و64 (1/325)
صفحة 326
ولم تقتصر أسواق المدن النفوسية على منتجات الجبل فقط بل كانت تباع فيها السلع المجلوبة من مختلف مدن إفريقية وبلاد السودان ومصر وفزان وجرمة وسجلماسة، فقد قامت – مثلا - تجارة العبيد في مدينة ويغو.(1) ولم تقم الأسواق من أجل بيع السلع فقط بل كانت تؤدي وظيفة ثقافية كذلك. ففيها كانت تعقد حلقات الدروس والمناظرة، وفيها يلتقي العلماء والمشائخ لفض النزاعات بين القبائل. كما كانت للسوق وظيفة أخرى تتمثل في البحث عن المسروقات. فقد ذكر الدرجيني أن يتيما جاء إلى أبي معروف بدران بن جواد وأخبره بأنه رأى سيف أبيه معروضا للبيع في يد دلال في السوق، وأن زوج أخته هو الذي سلمه له، وحقه في السيف باق، فاستحضر أبو معروف الدلال وقال له: "أشهر نصيب الابنة دون نصيب أخيها".(2)
جـ - السلع الصادرة والواردة:
مر بنا أن معيشة سكان الجبل كانت تعتمد على ما ينتجونه من غلات، ومحاصيل زراعية كالقمح والشعير وزيت الزيتون والتين والزبيب، والمواد المصنعة كالمنسوجات والأواني الفخارية وغيرها من المواد. وكانت هذه المواد – ونظرا للفائض الكبير في الإنتاج - تشكل أهم صادرات الجبل إلى مختلف الأصقاع سواء إلى مدن المغرب أو إلى أسواق المشرق وأوروبا وبلاد السودان. فقد كانت قوافل نفوسة تخرج من جادو وشروس وغيرها من المدن محملة بالقمح والشعير وزيت الزيتون والتين. فقد رويت السير أن أبا زكريا يحي بن سفيان اللالوتي حاكم الجبل كان يرسل حماره محملا بالزيت إلى إفريقية ليبيعه.(3) كما كانت القوافل تخرج مثقلة بالثمار لبيعها عند أهل البوادي،(4) وأسواق القيروان.(5)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص218.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص326؛ جودت عيد الكريم: الأوضاع، ص137.
(3) - البغطوري: سير نفوسة (مخ)، و6.
(4) - الوسياني: السير، ص32.
(5) - مجهول: كتاب المعلقات، (مخ)، و18. (1/326)
صفحة 327
وقد لاقت هذه السلع التي تمتاز بقابليتها للتخزين مدة زمنية طويلة رواجا كبيرا في الحركة التجارية. فقد كان التين المجفف والزبيب والحبوب من أهم الصادرات، بالإضافة إلى بعض المصنوعات اليدوية، كالأواني الفخارية والتي اشتهرت بها قرية ويغو، والملابس الصوفية، والأحذية، ومواد الزينة كالكحل النفوسية، التي أشادت بجودتها المصادر.
وقد استفاد النفوسيون من موقع موطنهم الاستراتيجي فهو من جهة قريب من الطريق الساحلي الذي يربط المغرب بالمشرق، وقريب من الموانئ التجارية كميناء طرابلس، وصبراتة، وقابس والتي كانت تغص بالسفن التجارية، ومن جهة أخرى قريب من الطرق الصحراوية المؤدية إلى بلاد السودان، أو إلى صحراء المغرب الأوسط، مرورا ببلاد الجريد والزاب. ولهذا فإننا نعتقد أن التبادل التجاري لم يكن مقتصرا على السلع التي ذكرناها سابقا، وأن تجار نفوسة كانوا يقومون بدور الوسيط، خاصة وأن اليهود قد كونوا طبقة من التجار ربطوا بلاد المشرق بالمغرب. ولم يتخصصوا في سلعة واحدة، بل كانوا يتاجرون في مختلف أنواع السلع التي تعود عليهم بالأرباح الطائلة. وتأتي في المرتبة الأولى الأقمشة، ومنتجات الحرير في العالم الإسلامي، والنسيج المقصب، والديباج المجلوب من بيزنطة، وفي المرتبة الثانية تجارة الحبوب.(1)
ولاشك أن الجالية اليهودية الكبيرة التي كانت تقيم في مدينة "جادو" كانت لها علاقات تجارية وطيدة مع اليهود المقيمين في المدن المغربية، فمدينة "فاس" مثلا كانت: "أكثر بلاد المغرب يهودا يختلفون منها إلى جميع الآفاق".(2)
__________
(1) - موريس لومبار: الإسلام في مجده الأول، ص314-315.
(2) - البكري: المغرب، ص115. (1/327)
صفحة 328
وقد تحدث ابن خرداذبة عن اليهود الراذانية فقال: "إنهم يسافرون من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق برا، وبحرا، يجلبون من المغرب الخدم، والجواري، والغلمان، والديباج، وجلود الخز، والفراء، والسمور، والسيوف، ويركبون من فرنجة في البحر الغربي، فيخرجون بالفرما، ويحملون تجارتهم على الظهر إلى القلزم... ثم يركبون البحر الشرقي من القلزم إلى الجار وجدة، ثم يمضون إلى السند، والهند، والصين، فيحملون من الصين المسك، والعود، والكافور، والدارصيني وغير ذلك".(1)
__________
(1) - Hadj Sadok Mohamed: Description du Maghreb, p20. (1/328)
صفحة 329
وقد كان تجار جبل نفوسة يتاجرون في العديد من السلع ويتجولون في مختلف الأسواق المغربية خاصة في المدن التي يتواجد بها إخوانهم في المذهب، فقد كانوا يشترون اللباس ومواد الزينة من طرابلس ويبيعونها في سوق الخميس بجربة.(1) كما كانوا ينتقلون إلى تاهرت وهي عاصمة دولتهم لشراء مختلف السلع القادمة من الأندلس، ومن سجلماسة بالمغرب الأقصى، ومن بلاد السودان. فقد أشادت المصادر بكثافة النشاط التجاري فيها، يقول ابن الصغر: "وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار... واستعملت السبل إلى بلد السودان، وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة، فأقاموا على ذلك سنتين، أو أقل من ذلك، أو أكثر، والعمارة زائدة، والناس والتجار من كل الأقطار تاجرون".(2) فلا مندوحة إذن أن تكون أسواق تاهرت مكدسة بالسلع خاصة وأن علاقات بني رستم مع الأندلس ومع بني مدرار كانت تتسم بالمحبة والمودة وحسن الجوار. فهي أحد معادن الدواب والبغال والبراذين والأغنام، ويكثر عند سكانها العسل والسمن،(3) وبها المصنوعات النسيجية بمختلف أنواعها من وصفية وكتانية وحريرية، وبها من المعادن الحديد والزئبق وغيرهما.(4) وكان تجار نفوسة يسافرون دوما إلى عاصمة دولتهم، خاصة وأن جالية كبيرة من النفوسيين كانت تقيم فيها. وقد تحدثت المصادر كثيرا عن تلك الأسفار. يقول الوسياني: "إذا أراد الزيارة للولاة (يقصد أبا مرداس مهاصر)أخذ الوصايا من أهل الدعوة أهل الجبل... فيرفعها لتاهرت لنفع بيت مال المسلمين، ولنفع أرباب الوصايا بالرخص، فإذا وصلها وهيأها ويجمعها جميعا فى موضع عرمة واحدة يؤذن للمساكين فيرفعون ما قدر لهم
__________
(1) - الوسياني: السير، (مخ)، و55.
(2) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص36-37.
(3) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص86؛ الإدريسي: القارة الإفريقية، ص157.
(4) - محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص206؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص232. (1/329)
صفحة 330
وهن مختلطات بغير دليل".(1)
ولا شك أن تجار نفوسة كانوا يحملون الى تاهرت بعض السلع القادمة من المشرق أو من بلاد السودان عن طريق زويلة وغدامس. ذلك أن زويلة وغدامس اشتهرتا بغزارة ثروتهما الحيوانية، وبصناعة الجلود التى فاقت غيرها فى الجودة، كأنها ثياب الخز فى النعمة والإشراق.(2) كما انتفع تجار نفوسة من السلع التى تنفرد بها مثل القطران وما يباع فى أسواقها من صوف وفلفل وعسل وشمع، ومختلف السلع، خاصة وأن أسعارها رخيصة، ويبيعونها فى الأسواق البعيدة التى تفتقر لمثل هذه السلع.(3)
__________
(1) - السير (مخ) ورقة7
(2) - ياقوت الحموي: معجم البلدان،مج4،ص187 ؛ أبو الفدا: كتاب تقويم البلدان، صححه رينود والبارون ماك كوكين دوسلان، دار الطباعة السلطانية ، باريس 1830 ،ص137 ؛ مجهول : كتاب الإستبصار، ص145؛ القلقشندي: صبح الأعشى فى صناعة الانشا، عرض وتحليل عبد اللطيف حمزة، المؤسسة العامة للطباعة والنشر القاهرة (د.ت)ج5،ص105 ؛محمد سليمان أيوب: تاريخ مختصر فزان، ص85-86 ؛صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص 208 CH :solvet :déscription des pays du maghreb,p130
(3) - ابن حوقل: صورة الأرض ص 86 (1/330)
صفحة 331
ومن المحتمل أن تكون لنفوسة علاقات تجارية كثيفة مع بلاد الجريد نظرا لوجود أعداد هائلة من الإباضية ترتبط روحيا بالجبل. فقد اشتهرت مدينة قفصة بالفستق الذي تنفرد بإنتاجه. كما اشتهرت بدهن البنفسج، وخل العنصل الذي يجلب منها إلى مختلف الأمصار،(1) وبإنتاج التفاح المسمى بـ "السدسى"، وبالرمان، والأترج، والموز، والتمر المسمى بـ "الكسبا"، وبصناعة الأردية، والعمائم الصوفية، والأواني الخزفية، والزجاج.(2) أما درجين فقد عرفت بصناعة الكسى المعروف باسمها، وهو شبيه بالكسى السجلماسي، ولكنه أقل جودة.(3) واشتهرت قابس بكثرة الثمار. فالموز الذي تنتجه حقولها ليس له شبيه بإفريقية. كما عرفت بإنتاجها الوفير من الحرير،(4) وبصناعة دبغ الجلود بالقرظ والذي صدرته إلى مختلف المدن المغربية.(5) وكان تجار نفوسة يسافرون إلى القيروان للانتفاع بضروب الأمتعة المتوفرة في أسواقها. وقد روى أبو زكرياء أن أبا القاسم يزيد بن مخلد كان له عشرون جملا يسافر بها إلى القيروان.(6) ولاشك أن هذه الجمال كانت محملة بالسلع. كما أشار صاحب كتاب المعلقات إلى خروج قافلة من الجبل محملة بالثمر يريد بها صاحبها القيروان.(7)
__________
(1) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص126؛ نجاة باشا: التجارة في المغرب الإسلامي من القرن الرابع إلى القرن الثامن للهجرة، منشورات الجامعة التونسية، تونس، 1976، ص60.
(2) - مجهول: كتاب الاستبصار، ص157-158.
(3) - المصدر نفسه، ص159.
(4) - نفسه، ص113.
(5) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص180؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص232؛ مرمول: السياسة الداخلية، ص256.
(6) - ينظر: كتاب السيرة، ص196.
(7) - ينظر: ورقة 9. (1/331)
صفحة 332
كما اتصل تجار نفوسة بأسواق ريغة، ووارجلان في المغرب الأوسط، خاصة وأن هذه الأخيرة كانت بوابة لولوج كل مسافر إلى بلاد السودان. ففي ريغة (أريغ) أسواق عامرة بالتجار، منها سوق تعقد يوم الجمعة يقصدها التجار.(1) أما وارجلان فقد تخصص سكانها في قيادة القوافل التجارية إلى بلاد السودان. وقد حافظت على نشاطها التجاري حتى بعد سقوط الدولة الرستمية. فمن وارجلان يدخل العبيد إلى المغرب الأوسط وإفريقية، ومنها تصدر مختلف أنواع السلع إلى بلاد السودان، وقد كان لتجار نفوسة علاقات تجارية ودينية مع سكان وارجلان. فإذا عدنا إلى كتب السير فإننا نجدها تتحدث كثيرا عن تنقل التجار والعلماء من الجبل إلى وارجلان. ومما يدل على كثرة الوافدين إلى هذه الأخيرة ما رواه أبو الربيع سليمان بن يخلف حيث قال: "طلعنا مع أبي عبد الله (أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي) إلى وارجلان زائرين في جماعة كثيرة، وفينا قبائل أهل الدعوة بأجمالهم حتى جعل ببعض الطريق أبو عبد الله على كل قبيلة منهم عريفا وسفيرا يرعاهم ويتفقدهم".(2)
وتجدر الإشارة إلى أن هناك من التجار ممن يتوقف في وارجلان، ومنهم من يواصل الطريق إلى سجلماسة، أو إلى بلاد السودان بتجارته، والعودة بالتبر. يروي الشماخي في سيره أن أبا يحي زكريا بن صالح اليراسني وصل ذات مرة من سجلماسة إلى وارجلان وخرج يريد جربة رفقة أصحابه ومعهم نحو مائتي ألف وخمسين ألفا ذهبا تبرا.(3) ويحتمل أن هذه القافلة جاءت من غانة مرورا بأودغست وسجلماسة.
__________
(1) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص155.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص321-322.
(3) - الشماخي: السير، ص449. (1/332)
صفحة 333
وفي مقابل السلع التي كان تجار نفوسة يصدرونها، كانوا يستوردون العديد من ضروب الأمتعة لسد إحتياجاتهم، ولإعادة بيعها. فقد كانوا يستوردون الكسوة من أسواق سجلماسة.(1) كما كانوا يستوردون التمر من فزان، لجودته وشهرته بالمنطقة، حيث كان الإقبال عليه من مختلف مدن إفريقية رغم أن بلاد الجريد والزاب معروفة بإنتاجها للتمور. وقد ذكر الدرجيني أن أبا زكريا بن أبي مسور اليراسني الساكن بجربة أرسله أبوه إلى قرى "يزمرتين" بنفزاوة لشراء التمر.(2) كما تجار نفوسة يستوردون التمر من جرمة،(3) لأن أشجار النخيل في الجبل لا تنتج أنواعا جيدة. ورغم أن النفوسيين اهتموا بتربية الماشية إلا أن المصادر تذكر بأنهم كانوا يشترون الخرفان من إفريقية، ربما لرخص أسعارها.(4)
أما عن السلع الصادرة إلى المشرق الإسلامي فهي كثيرة ومتنوعة، منها الأكسية الصوفية الرفيعة، والحرير، والعنبر، والزئبق، والرصاص، والمولدات الحسان، والغلمان، والزيت، والفستق، والزعفران، واللوز، والبرقوق، واللبود المغربية، والبغال، والمرجان، والذهب، والعسل، وزيت الزيتون، والخدم المجلوبين من السودان، والدرق اللمطية، وغيرها من السلع.(5)
__________
(1) - المصدر السابق، ص334.
(2) - طبقات المشائخ، ج1، ص160.
(3) - الشماخي: المصدر السابق، ص288و 335.
(4) - الوسياني: سير مشائخ المغرب، ص27.
(5) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص94-95؛ جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، ص220-221؛ نجاة باشا: التجارة في المغرب الإسلامي، ص60. (1/333)
صفحة 334
وقد ساهم التجار الإباضية بدور كبير في نقل هذه السلع إلى مصر، ومنها إلى مختلف الحواضر الإسلامية، فكانت قوافل هوارة تخرج من نفوسة وطرابلس مثقلة بالسلع المغربية وتعود محملة بالسلع المصرية.(1) وكانت القوافل تحمل المنسوجات القطنية والصوفية والجلود الغدامسية والعبيد من زويلة، والقطران والعسل والشمع من برقة،(2) ويبدو أن القوافل النفوسية كانت تسلك طريق الواحات الذي يربط بلاد المغرب بمصر، بالإضافة إلى الطريق الساحلي. فقد أشار الوسياني إلى قافلة خرجت من الجبل ومات أفرادها عطشا في طريق القبلة، فلم ينج منهم إلا عبد حبشي،(3) ذلك أن هذا الطريق محفوف بالمخاطر كما أشرنا سابقا.
وكان موسم الحج فرصة إضافية للتبادل التجاري، خاصة وأن النفوسيين كانوا يحجون بأعداد هائلة. فقد كانوا أكثر الناس حجا، يحجون بنسائهم وأولادهم، حتى إنه ولد لهم في قافلة واحدة ثلاثمائة مولود ذكر عدا البنات.(4) وكان الحجاج يجتمعون بعد عودتهم في مكان يدعى "تمصرون"، حتى يتفقوا على السير إلى الحج في الموسم القادم. ولما سقطت الإمامة الرستمية أصبح "أهل الدعوة والاستقامة" من طرابلس وجربة وإفريقية يجتمعون في موضع يقال له "اماسن".(5) ذلك أنه من عادة نفوسة إذا خرجوا مسافرين أمروا عليهم رجلا يشاورونه في مصالح سفرهم يدعى "النقيب".(6)
د - تجارة السودان:
__________
(1) - السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب، ص486.
(2) - عفيفي: أحوال بلاد المغرب، ص132-162.
(3) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، و10.
(4) - الوسياني: المصدر نفسه، و3؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص325.
(5) - البغطوري: مشائخ نفوسة (مخ)، ورقة 2-3.
(6) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص332؛ الوسياني: سير مشائخ المغرب، ص48. (1/334)
صفحة 335
اتصلت الدولة الرستمية اتصالا تجاريا كثيفا بالسودان. فقد أولى الأئمة الرستميون عناية فائقة بتجارة السودان حتى أن الإمام أفلح بن عبد الوهاب كاد يسافر إلى "كوكو"(1) للتجارة لولا أن منعه والده لعجزه عن إيجاد إجابة لمسألة من مسائل الربا.(2) ولما تولى الإمامة أقام علاقات حسنة مع ملك "كوكو" الذي لا تذكر المصادر اسمه، حيث أرسل هذا الأخير هدية نفيسة لتوثيق الصداقة والاعتراف له بالجميل، لما كان يلقاه التجار الإباضية في مملكته من معاملة حسنة.(3) ومما يدل كذلك على اهتمام النفوسيين بالتجارة، أن أبا معروف ويدران بن جواد – وكان ضريرا - كان يمارس التجارة.(4)
__________
(1) - هي مدينة من مدن السودان، تقع على ضفة نهر، تبعد عن غانة مسير شهر ونصف وعن مدينة تملمة شرقا أربع عشرة مرحلة، وعن تمبكتو مسافة أربعمائة وخمسين كلم. وقد أصبحت كوكو عاصمة لإمبراطورية صنغاي في القرن الحادي عشر الميلادي، ينظر: الإدريسي: القارة الإفريقية، ص44-45 وهامش ص44.
(2) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، و24؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص320؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب، ص487؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص210؛ T. Lewicki: etudes maghrebines, p13.
T. Lewicki: Traits d'histoire, p303.
(3) - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص71؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص499؛ دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص346؛ محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص21؛ T. Lewicki: Traits d'histoire, p302.؛ الحارثي: العقود الفضية، ص244.
(4) - الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص328؛ بحاز: المرجع السابق، ص177. (1/335)
صفحة 336
وهكذا نلاحظ أن العلاقات التجارية بين الدولة الرستمية وبلاد السودان كانت متينة. وكان من نتيجة ذلك أن أضحت وارجلان أهم قاعدة تجارية جنوب العاصمة تاهرت. فمنها كانت تخرج القوافل المتجهة إلى بلاد السودان. كما يمكن للتجار السفر إلى غانة مرورا بسجلماسة وأودغست. أما تجار نفوسة فكانوا يمرون بمدينة زويلة للوصول إلى بلاد كانم، والتي تبعد عنها بأربعين مرحلة. وزويلة هذه هي أول حد بلاد السودان، بها أسواق يجتمع فيها الرفاق من كل جهة ومنها يفترقون.(1) ونعتقد أن القافلة التي قدمت إلى الجبل من التكرور قد سلكت هذا الطريق.
ويبدو أن الطريق الذي يربط طرابلس بفزان يمر بجادو أهم مركز تجاري في الجبل، وهو الطريق الذي استعمله تجار نفوسة وفزان بدليل أن طبيبا من فزان يدعى عبد الحميد الفزاني عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري أقام مدة في بلاد السودان الذي يبعد مسير شهرين عن الجبل.(2) كما أن المصادر أشارت إلى خروج قافلة من فزان في اتجاه بلاد السودان قدرت ركاب أصحابها باثنتي عشر ألف راحلة.(3)
ومهما يكن من أمر فإن تجار نفوسة أولوا عناية كبيرة للتجار السودانية، وقد وردت العديد من الإشارات في المصادر والتي توحي بأن حجم المبادلات التجارية بين بلاد السودان (غانة – كانم – كوار – التكرور – تادمكت -غياروا) وبين جبل نفوسة ووارجلان كان كبيرا. والدليل على ذلك وجود جالية كبيرة من الإباضية تقيم في تادمكت وإليها يعود الفضل في نشر الإسلام هناك. وفي المقابل نلاحظ وجود جالية سودانية بالجبل في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) بحجة أن الكثيرين من سكانه أجادوا لغة الكانم.(4)
__________
(1) - البكري: المغرب، ص10-11؛ عفيفي: أحوال بلاد المغرب، ص165.
(2) - T. Lewicki: Traits d'histoire, p310.
(3) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج7، ص108؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص223.
(4) - محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص211. (1/336)
صفحة 337
أما عن السلع التي كان يصدرها التجار فهي كثيرة ومتنوعة، وعلى الرغم من عدم إشارة المصادر إلى سلع معينة تصدرها الدولة الرستمية، إلا أن المصادر الجغرافية أشارت إلى مختلف أنواع السلع التي يحتاجها السودان. يقول الإدريسي: "وليس في بلاد السودان شيء من الفواكه الرطبة إلا ما يجلب إليها من التمر من بلاد سجلماسة أو من بلاد الزاب يجلبه إليهم أهل وارجلان".(1) وقد لعب تجار نفوسة وهوارة دورا كبيرا في تجارة السودان، فلاشك أنهم كانوا يزودون السودان بالحبوب فابن حوقل يذكر أن القبائل الساكنة بين سجلماسة وأودغست لا يعرفون القمح والشعير.(2) وعند حديثه عن أودغست ذكر البكري بأنه يجلب إليها القمح والتمر والزبيب من بلاد الإسلام، وأشار إلى أن سكانها من أهل إفريقية، وبرقجانة، ونفوسة، ولواتة، ونفزاوة. وقد كان أحد رواته تاجر نفوسي يدعى "أبو رستم النفوسي".(3)
__________
(1) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص34.
(2) - ينظر: صورة الأرض، ص98.
(3) - البكري: المغرب، ص158-159. (1/337)
صفحة 338
كما كان التجار يصدرون إلى بلاد السودان زيت الزيتون، والفواكه المجففة، كالزبيب، والتين، وعسل التمر، وقد عثر في بلاد السودان على بعض القلل التي كانت تستعمل في جمع العسل.(1) وتعد المنسوجات والألبسة بمختلف أنواعها، والمصنوعات الجلدية، وربما حتى الأواني الزجاجية إلى جانب الأواني الفخارية من أهم الصادرات. وقد أكدت المصادر تصدير الثياب، فذكرت أن أبا صالح الياجراني (ق 3هـ/9م) من بني غريست ساق جمالا له من القبلة ليبيعهم في وارجلان، فاشترى منها رجلان جمل. وعندما طلب منه ثمنه قال له: "ثمن جملك في تادمكت". وعندما جهز ابو صالح جملا ليركبه قال له رجل آخر: "احمل لي على جملك حمل ثياب".(2) ومن السلع الصادرة كذلك التوابل والعطور الواردة من المشرق الإسلامي، والنحاس الأحمر والملون، والأصداف والأحجار.(3)
كما كان التجار يصدرون إلى بلاد السودان الإبل، وكانت بمدينة تادمكة سوقا رائجة لبيع الجمال. فأبو زكريا يذكر بأنه تباع فيها بكثرة واندهش عن عدم تمكن تاجر من بيع جماله قائلا: "ما سمعنا بجمل رجع من تادمكت قط إلى وارجلان".(4)
__________
(1) - Jean Lethilleux: Ouargla cite saharienne des origines, au début du XX, Paul Geuthner, Paris, 1983, p54.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص313؛ الوسياني: سير مشائخ المغرب، ص30؛ جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، ص218؛ ص274.
(3) - الباروني: الأزهار، ص241؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص224؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص234؛ دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص346-347؛ عفيفي:أحوال بلاد المغرب، ص177؛ جودت عبد الكريم: العلاقات، ص274؛ إبراهيم طرخان: إمبراطورية غانة الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة 1970، ص65.
(4) - ينظر: كتاب السيرة، ص313؛ والرواية نفسها أوردها الوسياني، ص30. (1/338)
صفحة 339
ولا يستبعد أن يكون التجار الإباضية قد حملوا معهم الحجارة الشبيهة بالعقيق من معدن يقع بين وارجلان وغدامس نظرا لغلاء سعره في السودان. يقول الحميري: "وفي هذه الصحراء معدن حجارة يشبه العقيق وربما كان في الحجر الواحد منها ألوان من الحمرة، والصفرة، والبياض، وهو أنفق شيء ببلاد السودان عامة، وغيرها، وهو عندهم أجَلُّ من الياقوت".(1)
ويعد الملح من أهم صادرات بلاد المغرب إلى بلاد السودان، إذ كان يكثر عليه الطلب حتى إن أهل كوكو جعلوه نقدهم.(2) ونعتقد أن تجار نفوسة استغلوا غلاء هذه المادة فصدروا منها الكثير خاصة وأن السبخة الكبيرة موجودة قرب طرابلس، قال عنها البكري بأنه يرفع منها الملح الكثير.(3) كما أن هذه المادة متوفرة بكثرة في أوليل، فمنها يحمل الملح إلى التكرور، وبريسى، وغانة، وسائر بلاد ونقارة، وكوغة، وعامة السودان.(4) وتوجد كذلك في "توتك" الواقعة في الطريق الأوسط. ولا يستبعد أن يكون تجار نفوسة يسافرون إلى سجلماسة مثقلون بمختلف ضروب الأمتعة، فيبيعونها هناك، ثم يشترون الملح ،ويتوغلون إلى بلاد السودان.(5)
__________
(1) - ينظر: الروض المعطار، ص600؛ والرواية نفسها أوردها صاحب الاستبصار، ص224.
(2) - البكري: المغرب، ص183.
(3) - المصدر السابق، ص8.
(4) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص32.
(5) - بحاز: الدولة الرستمية، ص225. (1/339)
صفحة 340
وقد عادت تجارة الملح بالثراء الواسع على التجار، ذلك أن العبد كان يباع بحذائه أي نعله، ذلك أنه يجعل تحت قدم العبد منه مقدار نعل فيكون ثمنا له.(1) كما أن حمل الملح كان يباع بحوالي مائتين إلى ثلاثمائة دينار.(2) وكان التجار يبادلونه بوزن أو وزنين من الذهب، ويذكر جودت عبد الكريم – نقلا عن Devisse - أن حمل الجمل الذي يتراوح بين 125 و150 كلغ يعود بكمية من الذهب يتراوح وزنها بين 760 و1140غ من الذهب على أساس أن القيمة المتوسطية للدينار تعادل 3.8غرام ذهب.(3)
وتجدر الإشارة إلى أن سعر الملح قد انخفض فيما بعد لكثرة العرض، وأصبح حمل جمل يعادل ثمن عبد. وقد فرضت غانة الضرائب على هذه التجارة الرابحة قدرها ديناران ذهب على كل حمولة حمار من الملح يدخل البلاد، وديناران على كل حمولة تخرج من مملكته. كما قرر ملوك غانة ضريبة مقدارها خمسة مثاقيل على حمل من النحاس وعشرة مثاقيل على حمل من المتاع.(4)
__________
(1) - جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، ص273؛ أحمد بن الأمين الشنقيطي: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، مطبعة السنة المحمدية، ط2، القاهرة، 1958، ص521-522.
(2) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص98؛ جودت عبد الكريم: المرجع نفسه، ص273؛ إبراهيم طرخان: إمبراطورية غانة، ص636؛ الحبيب الجنحاني: المغرب الإسلامي، ص183.
(3) - جودت عبد الكريم: المرجع نفسه، ص273.
(4) - البكري: المغرب، ص176؛ إبراهيم طرخان: المرجع السابق، ص67. (1/340)
صفحة 341
وتعد مدينة "تادمكة" إحدى الحواضر السودانية التي كانت تضم جالية كبيرة من التجار الإباضية. فقد أشارت المصادر إلى أسماء تجار كانوا يرتحلون كثيرا إلى بلاد السودان منهم: أبو نوح الصغير، وأبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي، وأبو القاسم يونس الفرسطائي، وأبو موسى هارون بن أبي عمران،(1) وأغلب هؤلاء عاش في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)،(2) ومنهم من توغل إلى "غياروا" أمثال: هارون بن أبي عمران وموسى بن سدرين،(3) وأبي الربيع بن أبي هارون،(4) وأبي طاهر إسماعيل بن علي النفزاوي الذي وصل إلى غانة،(5) وفلحون بن إسحاق النفوسي (ق 4هـ/10م).(6)
ولعل أشهر أثرياء التجار الإباضية هو تملى الوسياني. فقد كان هذا الأخير يسافر كثيرا إلى تادمكت مما مكنه من جمع ثروة هائلة حتى إنه كان يرسل كل سنة ستة عشر كيس، كل كيس فيه خمسمائة دينار، وقيل ذهبا إلى أبي عمران موسى بن سدرين ليوزعها على الفقراء والمحتاجي.(7)
__________
(1) * - تذكر المصادر أن أبا موسى خرج إلى وارجلان فطلب منه سكانها الجلوس للحلقة فأبى وعزم على السفر إلى غانة. ينظر: الشماخي: السير، ص472. T. Lewicki: Etudes Maghrébines et soudanaises, p43. T. Lewicki: Quelques extraits, p19-20.
(2) - جودت عبد الكريم: المرجع السابق، ص282-283.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص472-473.
(4) - البغطوري: سير نفوسة، (مخ)، و14.
(5) - الشماخي: المصدر السابق، ص484.
(6) - T. Lewicki: Traits d'histoire, p304.
(7) - الوسياني: السير، (مخ)، ج2، و22؛ مجهول: كتاب المعلقات، (مخ)، و9؛ الشماخي: المصدر السابق، ص411؛ أحمد إلياس: الطرق التجارية عبر الصحراء، ص176؛
T. Lewicki: Quelques extraits, p18. T. Lewicki: Les origines et l’islamisation de Tadmekka, d’après les sources arabes, bibliothèque d’outre mer, Paris, 1981, N° 5-6, P440. T. Lewicki: op. cit, p308. (1/341)
صفحة 342
أما عن السلع الواردة من بلاد السودان فأهمها على الإطلاق الذهب الذي اشتهرت به بلاد غانة، خاصة ذهب منطقة ونقارة. فبلاد ونقارة هذه هي "بلاد التبر المشهورة بالطيب والكثرة".(1) كما يوجد الذهب في مدينة "غياروا" التي تبعد عن غانة مسير عشرين يوما.(2) فقد كان نهر النيجر يجرف معه أثناء فيضانه المعادن، وعند وصوله إلى جاو وتمبكتو يتسع مجراه، وبعد أن تنحصر المياه بانتهاء موسم الفيضانات تترسب المعادن على جانبي النهر فيبقى الذهب من دونها مميزا بلمعانه فيجمعونه ويبيعونه.(3)
وتتفق المصادر على أن غانة كانت أكثر بلاد السودان ذهبا. فقد روى البكري هو الآخر أن أجود أنواعه بغانة هو ذهب غياروا.(4) أضف إلى ذلك معادن التبر الموجودة قرب مدينة كوغة.(5) ويضيف أبو حامد الغرناطي أنه يظهر في رمال غانة الذهب والتبر وهو متوفر عندهم بكثرة.(6)
أما السلعة التي تأتي في المقام الثاني فهي العبيد المجلوبون من بلاد "لملم"، حيث كان أهل سلى، وتكرور، يغيرون عليها فيسلبون أهلها، ويبيعونهم للتجار الداخلين إليهم.(7) وبلاد لملم هذه تبعد عن غيارو (غيارة) بثلاثة عشر مرحلة، ومن غيارو إلى غانة إحدى عشر مرحلة.(8)
__________
(1) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص39.
(2) - مجهول: الاستبصار، ص221.
(3) - الإدريسي: المصدر السابق، ص39؛ دريدي عبد القادر نوري: ازدهار الصناعة والزراعة في بلاد السودان الغربي بعد القرن 5هـ- 11م كما وصفته المراجع العربية الإسلامية، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت 1986، مج6 عدد21، ص26.
(4) - ينظر: المغرب، ص176-177.
(5) - البكري: المصدر نفسه، ص179.
(6) - أبو حامد الغرناطي: كتاب تحفة الألباب، نشر ضمن Journal asiatique, TCC XII, p41.
(7) - الحميري: الروض المعطار، ص511؛ إبراهيم طرخان: إمبراطورية غانة، ص72.
(8) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص41. (1/342)
صفحة 343
وقد اهتم التجار الإباضية بتسويق هذه السلعة في بلاد المغرب. فقد كانت تجارة العبيد تجارة رائجة خاصة في العصر الفاطمي، حيث كانوا يستخدمون في الجيش والأعمال الأخرى. فقد ذكر المراكشي بأن الفاطميين عندما بنو مدينة زويلة أستوطنوها سائر الناس من الرعية والسودان.(1) كما استخدم بنو زيري العبيد في الجيش.(2) ومر بنا أن النفوسيين استعملوهم في الزراعة والعمل في المنازل. وكانت مدينة وارجلان وزويلة وسجلماسة من أكبر المراكز الموردة للعبيد. كما كان يجلب الرقيق من أودغست، فقد تحدث البكري عن سودانيات أودغست، ووصفهن بأنهن طباخات تحسن عمل الأطعمة الطيبة، وأصناف الحلويات، وغير ذلك.(3)
وبما أن أسعار العبيد كانت زهيدة فقد اشترى التجار أعدادا كبيرة منهم لتصديرهم إلى مختلف الأصقاع. وقد ذكر ابن حوقل أن من بين ما يصدر إلى المشرق الخدم المجلوبون من السودان.(4) وقد اهتم الإباضية بهذه التجارة التي تعود عليهم بالأرباح الطائلة، فقد روى الشماخي أن أبا محمد عبد الله بن محمد السدراتي سافر رفقة حضرى إلى بلاد السودان جعل تجارته عبيدا.(5)
__________
(1) - المراكشي: المعجب، ص197.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص238؛ إسماعيل العربي: عواصم بن زيري، بيروت، 1984، ص141.
(3) - البكري: المغرب، ص158؛ وينظر كذلك: الجنحاني: المغرب الإسلامي، ص186.
(4) - ينظر: صورة الأرض، ص95.
(5) - ينظر: السير، ص509.
- المصدر نفسه، ص218؛ R. Basset: Les Sanctuaires Du Djebel Nafussa, p391. (1/343)
صفحة 344
وتتحدث المصادر عن جارية سودانية اشتراها رجل من أهل ويغو تسمى غزالة، أخذت بالمذهب الإباضي وأصبحت من العالمات الشهيرات في الجبل. فقد كانت في كل ليلة بعد نهاية العمل تقطع مسافة عشرين ميلا لكي تحضر مجلس الشيخ عبد الله محمد بن الخير في "تنور زيرف"، فإذا انقضى المجلس تعود فتأتي مصلى لها في كهف معلوم فتصلي. كما تذكر المصادر أن أم عبد الله بن الأمير كانت آمة سوداء.(1) وأن أم الخطاب – وهي إحدى العالمات بالجبل - كانت تملك ثلاثة عشر جارية.(2) كما أن الشماخي استعمل في العديد من المرات عبارة "جالب الخدم".(3)
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص405.
(2) - علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص210.
(3) - ينظر: السير، ص295. (1/344)
صفحة 345
وإلى جانب الذهب والعبيد، استورد التجار العاج، وريش النعام، وجلود الحيوانات، خاصة جلود النمور، والسباع.(1) وقد ذكرت المصادر أن لباس سكان كوكو من الجلود،(2) ولباس سكان غانة من جلود النمور،(3) مما يدل على أن إنتاجها كان وفيرا عندهم. كما استوردوا الدرق اللمطية، التي تصنع من جلد حيوان اللمط، وميزتها أنها خفيفة لينة لا ينفذ منها النشاب ولا يؤثر فيها السيف.(4) ولاشك أن تجار نفوسة قد استوردوها لحاجتهم إليها في معاركهم. كما كان يجلب من كوار الشب وربما اشتروه من وارجلان.(5) فالإدريسي يذكر أن تجار مدينة "أنكلاس" الواقعة قرب كوار كانوا يصلون إلى وارجلان. كما كان تجار نفوسة يستوردون بعض الأدوية، فالمصادر تذكر أنه لما أصيب أبو معروف ويدرن بن جواد في بصره أرسل كتابا إلى الشيخ عبد الحميد الفزاني المقيم بالسودان يطلب منه تزويده بدواء للعيون.(6)
__________
(1) - الحريري: الدولة الرستمية، ص234؛ دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص347؛ جودت عبد الكريم، العلاقات الخارجية، ص267؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص225-226.
(2) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص45.
(3) - Solvet: Description du Maghreb, p50.
(4) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص59؛ أبو حامد الغرناطي: تحفة الألباب، ص43؛ جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجية، ص280؛ الحبيب الجنحاني: المغرب الإسلامي، ص210-211.
(5) - الإدريسي: المصدر نفسه، ص39-40.
(6) - الوسياني: السير، (مخ)، ج2، و4؛ الدرجيني: الطبقات، ج2، ص327. (1/345)
صفحة 346
ولم يكتف التجار الإباضية بعمليات التصدير والاستيراد، بل ساهموا في نشر الإسلام كذلك. فالشماخي يذكر أن أبا يحي زكريا بن أبي القاسم يونس الفرسطائي تمكن بفضل دعوته أن يعتنق ملك السودان الإسلام.(1) وهي الرواية نفسها التي أشار إليها البكري دون أن يذكر اسم الداعية.(2) وقد أثبتت الدراسات المعمارية من خلال مقارنة الطراز المعماري للمساجد في بلاد المغرب والسودان وجود تشابه كبير في المآذن المستطيلة.(3) كما أن الباروني يذكر أن أقواما في بلاد السودان كانوا لا يرفعون أيديهم في الصلاة عند تكبيرة الإحرام كالإباضية.(4)
6 - المكاييل والموازين:
__________
(1) - الشماخي: السير، (مخ)، ص312؛ وينظر كذلك: J. Schacht: Sur la diffusion des formes d'architecture religieuse musulmane à travers le Sahara, Travaux de l'institut de recherches sahariennes, T 11, 1954, p73.
(2) - ينظر: المغرب، ص178.
(3) -Marcel Mercier: Notes sur une architecture berbère saharienne Hespreris, T8, 1928, P422-424.
(4) - ينظر: رسالة سلم العامة، ص23. (1/346)
صفحة 347
لا تعطينا المصادر التي عنيت بالحياة الاقتصادية في بلاد المغرب معلومات وافية عن المكاييل المستعملة في جبل نفوسة، غير ما ذكره الدرجيني في حديثه عن أبي معروف ويدران بن جواد الذي كان له دكان في الجبل حيث قال إن هذا الأخير كان "إذا وزن لأحد من الناس زاده من نفسه خروبة، وإذا أراد أن يأخذ لنفسه من أحد نقص خروبة".(1) ويضيف الشماخي في سيره أن أبا هارون الجلالمي كان يجني من أشجار التين ثلاثمائة مديا، أي مائة وخمسون وسقا، والمد بالجبل ثلثي الوسق.(2) أما في يفرن فإن المد كان بعرف بـ "يفرن" إثنا عشر ويبة.(3) والويبة هي وحدة لكيل الحبوب تسوي أربعة أثمان - أي 24 مدا قرويا - وتساوي 25.5 مدا بمد النبي.(4) والكر عند أهل الجبل مثل مد النبي وهو المن عند أهل عمان.(5) ويبدو أنه مكيال لكيل الحبوب مقداره ستين قفيزا.(6) وإذا كان الأستاذ بحاز يرى بأن الاختلاف في المكاييل والموازين بين المدن الرستمية اختلاف في الكم والعدد وليس في الأسماء.(7) إلا أنه يبدو أن هناك اختلافا حتى في الأسماء فالمد مثلا يسمى في الجبل "المودي".(8)
__________
(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص328؛ وينظر كذلك: الوسياني: السير، (مخ)، ج2، و4؛ الشماخي: السير، ص264؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص177.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص278.
(3) - نفسه، ص323.
(4) - البكري: المغرب، ص26؛ جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، ص187.
(5) - الوسياني، السير، (مخ)، ج2، و24.
(6) - جودت عبد الكريم: المرجع السابق، ص189.
(7) - ينظر: الدولة الرستمية، ص181.
(8) - الشماخي: السير، ص313. (1/347)
صفحة 348
ومهما يكن من أمر فإن المقدسي قد تحدث بإسهاب عن مكاييل وموازين بلاد المغرب، فذكر أن أرطاله كانت بغدادية، ماعدا الذي يوزن به الفلفل فإنه ينقص على البغدادي بعشرة دراهم، وأن القفيز في القيروان كان يساوي إثنان وثلاثون ثمنا أي 192 مدا بمد النبي. وأما الدوار – وهو مكيال فاطمي - فهي التي تشف على ويبة مصر بشيء بسيط قد ألجم رأسها بعارضة من حديد وأقيم عمود من قاعها إلى العارضة فوقه حديد يدور على رأس الويبة فإذا أترعها أدار الحديد فمسحت الويبة وصح الكيل.(1) وكان هذا الكيل يستخدم فقط في كيل الحنطة.(2)
__________
(1) - المقدسي: أحسن التقاسيم، ص220؛ وينظر كذلك: Golvin: Le Maghreb central, p83.
(2) - عفيفي: أحوال بلاد المغرب الاقتصادية، ص152. (1/348)
صفحة 349
وبالإضافة إلى المكاييل التي ذكرناها هناك المد، والمطر، والصحفة، والقادوس، والعمورة، والقليلة، واللوح، والقنفل، والزلاقة. وتجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أن هذه المكاييل لم تكن موحدة القيمة في سائر بلاد المغرب، فلذلك فهي تختلف من موضع إلى آخر. فأما مكاييل سكان تاهرت فهي حسب المكاييل القرطبية، فمدهم الذي يكتالون به يساوي خمسة أقفزة ونصف قرطبية، أما قنطار الزيت وغيره فإنه يساوي عندهم خمسة أرطال.(1) وأما المد فهو كيل مدينة "مليلة"، وهو خمسة وعشرون مدا بمد النبي، ورطلهم إثنتان وعشرون أوقية، والأوقية خمسة عشر درهما، وقنطارهم من جميع الأشياء بهذا الرطل.(2) وأما المطر فهو كيل يسع خمسة أقفزة من الزيت،(3) في حين أن الصحفة تساوي ثمانية وأربعين قادوسا، والقادوس ثلاثة أمداد بمد النبي وهو كيل مدينة تنس.(4) أما العمورة فهي كيل مدينة أرشقول وتساوي ستين مدا بمد النبي.(5) في حين أن القليلة هي مكيال للزيت في مدينة أصيلة يساوي مائة وإثنتاعشرة أوقية، وفي القنطار عشرون قليلة،(6) واللوح هو مد مدينة "فاس" يسع ثمانين أوقية من الطعام.(7) أما القنفل فيساوي ثماني زلاقات، والزلاقة تساوي ثمانية أمداد بمد النبي.(8) كما عرفت الصاع كأداة للكيل، فقد أجاب الإمام عبد الوهاب ردا على سؤال رجل نفوسي حول العشر قائلا: "إن العشر يجب من ثلاثمائة صاع، وهي خمسة أوساق،
__________
(1) - البكري: المغرب، ص69؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص235؛ الحبيب الجنحاني: المغرب الإسلامي، ص135.
(2) - البكري: المرجع نفسه، ص89.
(3) - البكري: المرجع نفسه، ص27؛ جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، ص189؛ الجنحاني: المغرب الإسلامي، ص69.
(4) - البكري: المرجع نفسه، ص69؛ جودت: المرجع نفسه، ص188؛ Golvin: le Maghreb, p83.
(5) - نفسه، ص78؛ Golvin: ibid, p84.
(6) - المرجع نفسه، ص112.
(7) - البكري: المرجع نفسه، ص117.
(8) - عفيفي: أحوال بلاد المغرب الاقتصادية، ص1. (1/349)
صفحة 350
والوسق ستون صاعا، فيجب فيه نصف الوسق".(1)
أما الموازين في بلاد المغرب فهي القنطار، والرطل، والأوقية، والدرهم. أما الرطل فإن قيمته تختلف من سلعة إلى أخرى، فالرطل المستعمل في وزن الفلفل، يختلف عن الرطل المستعمل في وزن اللحم، وذلك يعود إلى سعر السلعة نفسها. كما أن هذه الأوزان تختلف من مكان إلى آخر، ومن الأمثلة على ذلك أن رطل مدينة تونس يساوي 12 أوقية، في حين أن رطل مدينة تنس مثلا يساوي 67 أوقية، وهو رطل خاص بوزن اللحم. وقد نجم عن ذلك أن اختلفت قيمة القنطار من منطقة إلى أخرى، فقنطار مدينة مليلة مثلا يساوي 100 رطل، أي 2200 أوقية، في حين أن قنطار مدينة أصيلة يساوي 2240 أوقية.(2) ونلاحظ هذا الاختلاف في حاضرة الرستميين تاهرت حيث إن قنطار الزيت فيها كان قنطارين وثلثا، أما الفلفل وغيره من السلع فقنطار عدل. أما الرطل فكان رطلا بغداديا.(3) كما استعمل المغاربة أوزانا أخرى منها الأوقية، الدرهم، القيراط، والمن.(4) كما استعمل المغاربة في العصر الفاطمي وزنا يسمى "الصنوج"، وهو قطعة مستديرة مصنوعة من زجاج مطبوع رسم على إحد وجهيها مقدار ما تساويه كتابة. وكانت تضرب في دار الضرب مثل السكة وتوزع على التجار والصيارفة حتى يتأكدوا من وزن النقد.(5)
7 - العملة:
__________
(1) - عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم: كتاب مسائل نفوسة، ص73.
(2) - البكري: المغرب، ص62-89-113؛ عفيفي: المرجع السابق، ص147-148.
(3) - البكري: المرجع نفسه، ص69؛ جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، ص179-183؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص235.
(4) - للمزيد من التفاصيل ينظر: جودت عبد الكريم: المرجع نفسه، ص181-182.
(5) - عفيفي: أحوال بلاد المغرب الاقتصادية، ص149. (1/350)
صفحة 351
لم تذكر المصادر المتوفرة لدينا عن عملة معينة كان يتعامل بها سكان الجبل، في حين تذكر المراجع أنه كانت للرستميين عملة تعاملوا بها. وقد أكد ذلك الأثريان الفرنسيان G. Marcais وD. Lammart اللذان قاما بتنقيبات في تاهرت وعثرا على مجموعة من النقود الرستمية. ولا يستبعد الأستاذ بحاز أن تكون دنانير ذهبية وفضية ذلك أن الرستميين يكونون قد ضربوا سكتهم منذ إمامة عبد الرحمن بن رستم على القيروان. فقد سك فلوسا من النحاس كتب على أحد وجهيها: "ضرب هذا الفلس بإفريقية (كذا)"، وفي الوجه الثاني كتب: "سنة إثنتين وأربعين ومائة".(1) كما أن الإمام أفلح بن عبد الوهاب قد ضرب دنانير ودراهم تعامل بها الناس في سائر المغرب، وهي مدورة الكتابة.(2) فأما الدرهم فكان له نصف يسمى "القيراط" وربع ثمن يسمى "الخرنوبة".(3)
__________
(1) - ينظر: الدولة الرستمية، ص183.
(2) - الحريري: الدولة الرستمية، ص235.
(3) - عفيفي: أحوال بلاد المغرب الاقتصادية، ص153؛ Golvin: Le Maghreb central, p84. (1/351)
صفحة 352
ويبدو أن هناك قيراطا من الذهب، فقد ذكر الدرجيني والشماخي أن رجلين اختصما إلى أبي بكر صالح بن بكر بن قاسم - وهو أحد علماء جزيرة جربة - باع أحدهما للآخر سلعة بستين قيراطا، ولم يبين له من أي جنس، فقال المشتري بأنه اشتراها بقراريط الحندوس، وقال البائع إنما له عليه بالذهب. وكان المشتري لا يعرف الذهب، فطلب أبو صالح من البائع أن يأخذ منه ما ذكر لأن أهل جربة - وهم إباضية - كانوا يتعاملون بالحندوس، ولا يعرفون الذهب،(1) ولذلك أفتى سليمان بن ماطوس - وهو أحد العلماء المعروفين - "من باع شيئا بقراريط وهو يعني دراهم الحندس (الحندوس)، إن ذلك جائز لأن القيراط في أوزان الذهب، والدرهم من أوزان الفضة".(2)
ومهما يكن من أمر، فمما لاشك فيه أنه كانت للرستميين عملة خاصة بهم، وعلى الأرجح أنها ذهبية، نظرا للتدفق الهائل للذهب القادم إليها من بلاد السودان، ففي حديثه عن سكان وارجلان ذكر الإدريسي بأنهم كانوا يشترون الذهب من بلاد ونقارة، ويخرجوه إلى دور ضرب السكة في بلادهم "فيضربونه دنانير ويتصرفون بها في التجارات والبضائع".(3) والشيء نفسه بالنسبة لإمارة بني الخطاب الإباضية بزويلة، فقد ضربت دنانير ذهبية عثر مؤخرا على عدد منها في الحفريات التي أجريت بالمدينة،(4) وقد مر بنا أن تجار زويلة كانوا من الأثرياء يمتلكون قوافل كبيرة من الجمال لعبت دورا كبيرا في تجارة السودان.
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص354-355؛ الشماخي: السير، ص367.
(2) - الوسياني: السير (مخ)، ورقة 16؛ الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص358؛الشماخي: المصدر نفسه، ص369؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص187.
(3) - الإدريسي: القارة الإفريقية، ص39.
(4) - محمد سليمان أيوب: مختصر تاريخ فزان، ص90. (1/352)
صفحة 353
وبعد سقوط الدولة الرستمية وقيام الدولة الفاطمية ضرب الفاطميون الدينار الذهبي، واشتهرت النقود التي ضربها الخليفة المعز لدين الله الفاطمي سنة 342هـ (954م)، حيث تعامل بها الناس في كافة أرجاء بلاد المغرب. وقد ضرب هذا الدينار في صقلية ونقش عليه:
…"ضرب هذا الدينار بصقلية سنة ثلث وأربعين وثلثمائة
…لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى أفضل الوصيين
……المعز لدين الله أمير المؤمنين.
…دعا الإمام معد لتوحيد الإله الصمد".(1)
وظل التعامل بهذا الدينار إلى أن أعلن المعز بن باديس الانفصال عن الفاطميين وضرب السكة باسمه سنة 441هـ، فنقش على الوجه الأول: " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الآية)" وعلى الوجه الثاني " لا إله إلا الله محمد رسول الله".(2)
__________
(1) - Henri la voix: Catalogue des monnaies musulmanes de la bibliothèque nationale de Paris, V2,(Espagne et Afrique) Paris, 1891, p40.
(2) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج1، ص278. (1/353)
صفحة 354
ولا ندري إذا كان النفوسيون قد تعاملوا بالدينار الذي ضربه أبو يزيد مخلد بن كيداد بعد استلائه على القيروان سنة 333هـ. فقد أصدر هذا الثائر عملة نقدية مكتوب على أحد وجهيها: "ربنا الله لا حكم إلا الله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحق المبين" وعلى الهامش: "بسم الله الرحمن الرحيم ضرب هذا الدينار بالقيروان سنة ثلث وثلاثين وثلثمائة" أما عن الظهر ففي المركز: "العزة لله محمد رسول الله خاتم النبيين" والهامش الداخلي: "الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون" أما الهامش الخارجي: "محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون".(1)
وبالإضافة إلى الدينار الذهبي، والدرهم، تعامل المغاربة بالسفانج وهي عبارة عن أوراق مالية تعوض التسديد نقدا، فهي بمثابة خطابات يتعامل بها التجار خوفا من قطاع الطرق.(2) كما استعملت الصكوك كذلك في المعاملات فقد ذكر ابن حوقل أنه رأي صكا بأودغست بإثنين وأربعين ألف دينار.(3) كما كانت المقايضة وسيلة هي الأخرى في المعاملات التجارية، فقد روى البكري أن تجار زويلة كانت مبايعاتهم بثياب قصر حمر.(4)
8 - الحسبة:
__________
(1) - محمد باقر الحسيني: دراسات عن نقود الثوار والشعارات والمناسبات المضروبة في إفريقية، مجلة المسكوكات، عدد7، بغداد، 1976، ص36.
(2) - عفيفي: أحوال بلاد المغرب الاقتصادية، ص154؛ مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص242.
(3) - ينظر: صورة الأرض، ص65.
(4) - المغرب، ص11. (1/354)
صفحة 355
تعد الحسبة من الوظائف الدينية التي أولى لها العلماء والفقهاء أهمية قصوى لأن المحتسب يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك كان لزاما على من يتولى هذه المهمة أن تتوفر فيه شروط معينة ليكون أهلا لها، منها أن يكون فقيها عارفا بأحكام الشريعة ليعلم ما يأمر به وينهي، وأن يكون مسلما، ذكرا، بالغا، عدلا، لا يخاف في الله لومة لائم. وأن يكون ورعا، عفيفا، غنيا حتى لا يأكل أموال الناس بالباطل.(1)
__________
(1) - للمزيد من التفاصيل حول شروط القيام بالحسبة ينظر: عبد الرحمن بن نصر الشيزري: كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق السيد الباز العريني، دار الثقافة، ط2، بيروت، 1981، ص6 وما بعدها؛ ابن عبدون: رسالة في القضاء والحسبة، نشرها ليفي بروفنسال ضمن Journal Asiatique, Avril- Juin 1934, p18.؛ أحمد سعيد المجيلدي: كتاب التيسير في أحكام التسعير، تحقيق: موسى لقبال، ش و ن ت، ط2، الجزائر، 1981، ص42-43.؛ عبد الرحمن الفاسي: خطة الحسبة في النظر والتطبيق والتدوين، دار الثقافة، ط1، الدار البيضاء، 1984، ص46-47؛ موسى لقبال: المغرب الإسلامي: ص182 وما بعدها. (1/355)
صفحة 356
وقد أولى شيوخ الإباضية اهتماما كبيرا للحسبة، فأول من خرج محتسبا هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، عندما بلغته أخبار المناكر التي اقترفتها قبيلة ورفجومة بالقيروان.(1) وعندما قامت الدولة الرستمية كانت نفوسة في تاهرت هي التي تلي عقد تقديم القضاة وإنكار المنكر في الأسواق، والاحتساب على الفساق.(2) وكان النفوسيون في عهد الإمام أبي اليقظان إذا رأوا قصابا ينفخ في شاة عاقبوه، وإن رأوا دابة تحمل فوق طاقتها أمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن لاحظوا تراكم الأوساخ في الطرقات أمروا سكان الموضع بكنسه.(3)
ولا تعطينا المصادر المعلومات الكافية حول ولاية الحسبة في الجبل، إلا ما ورد من إشارات متناثرة. فقد ذكر الشماخي مثلا أن أبا يوسف وجدليش الذي كان يشرف على سوق جادو كان "يأذن لمن شاء أن يبيع، ويمنع من فى ماله شبهة" فقد منع رجلا من قرية "أغل" الدخول إلى سوق جادو قائلا له: "أفي سوق جادو تبيع حرام أبيك".(4) وحسب المصادر فإن ولاية الحسبة لم يكن مكلفا بها شخص ما - باستثناء الإشراف على سوق جادو - بل كان يقوم بها كل الشيوخ المشهود لهم بالعلم والورع، فقد عرف كل من ابن مغطير النفوسي وأبي مرداس مهاصر السدراتي بأنهما كانا شديدي الشكيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.(5) ورويت المصادر أن أبا عمر وميمون بن محمد الشروسي لما سمع بمجلس خمر في الفحص، وهو موقع يبعد عن شروس ستة أميال، انتقل إليهم، وكسر آنيتهم، وأراق خمرهم.(6)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص127-129.
(2) - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص63؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص192؛ الحارثي: العقود الفضية، ص243.
(3) - ابن الصغير: المصدر نفسه، ص8؛ البرادي: الجواهر المنتقاة، ص177؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص230؛ الحارثي: المرجع نفسه، ص244-245.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص334.
(5) - الشماخي: المصدر نفسه، ص144-173.
(6) - نفسه، ص273. (1/356)
صفحة 357
ولما وقع فساد بمدينة غدامس خرج إليهم أبو الفضل سهل لتأديبهم.(1) وعندما رأى أبو محمد جمال المزاتي تاجرا يطفف الكيل لطمه، وأمره بأن يفي الكيل.(2) كما حارب الشيوخ كل عمل مخل بالآداب العامة، فقد خرج أبو هارون التملوشائي إلى "تندنميرت" - إحدى قرى الجبل - عندما علم بأن أهلها يلعبون بالدف في عرس فأنزلهم السجن.(3)
كما كان الشيوخ يأمرون الناس بالمحافظة على الطرقات العامة، فعندما أضاف أبناء الشيخ ماكسن أرضا من الطريق إلى عتبة الباب أرغمهم على هدم ما بنوه.(4) وإذا وجدت أغصان أشجار تعيق المارة فإنها تكسر.(5) وكان أبو المنيب محمد بن يانس يتفقد المزارع والحقول والطرقات محتسبا، فمتى وجد شخصا أفسد شيئا ما، وأقام بعمل يضر الآخرين منعه.(6)
وكانت العقوبة تتفاوت بين الجلد بالسياط، أو بالحبس في المسجد، أو في منزل الحاكم، أو العزابي. فالشماخي يذكر أبا محمد التغرميني سجن شخصا يسمى "أبازكار" من "أغرم اينان" بمسجد "ايمسراتن" تأديبا له عن رعي غنمه في مكان غير مخصص للرعي.
ويروي البغطوري أن أبا مسور كان يضرب رجلا مغلولا بالسياط أمام مسجد منزله، ولما رأى رجلا يمشي في المقبرة قال: "لا أخرج حق الأحياء حتى أخرج حق الأموات".(7) فأمسك عن الأول وطلب إحضار الثاني فأدبه.
وظل الاحتساب في جبل نفوسة يقوم به ولاة الجبل وشيوخه من العلماء، وفقهاء المذهب، إلى أن قام نظام العزابة، فأصبح لهؤلاء دور كبير في الأمر بالمعروف والنهي عن أي منكر يظهر في قرى الجبل ومدنه.
9 - مستوى المعيشة:
__________
(1) - نفسه، ص275؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص169.
(2) - نفسه، ص291.
(3) - نفسه، ص305.
(4) - الوسياني: سير المشائخ، (مخ)، ج2، و37.
(5) - المصدر نفسه والجزء ذاته، و4.
(6) - الشماخي، السير، ص248.
(7) - ينظر: سير مشائخ نفوسة، (مخ)، و57. (1/357)
صفحة 358
عم الرخاء جبل نفوسة مثل سائر المدن والمناطق التابعة للدولة الرستمية خاصة قبل موقعة مانو سنة 283هـ، إذ كان ذهب السودان يتدفق باستمرار على الدولة. وعادت التجارة بالثراء على سكان الجبل خاصة الذين كانوا يسافرون إلى بلاد السودان. وقد مر بنا أن تملى الوسياني اجتمع عنده ستة عشرة كيسا مملوؤة بالذهب، وأضحت بذلك مظاهر الثراء من ترف وبذخ تظهر في الجبل، فقد كان أبو القاسم يزيد بن مخلد يركب دابة لها سرج محلى بالذهب.(1) حتى إن رجلا من نفوسة لما رآه قال له: "يا شيخ ليس هذا من سيرة أهل الدعوة".(2) كما توصف المصادر أبا ذر ابان بن وسيم النفوسي بأنه كان ذا سعة في المال والعلم.(3) وتذكر المصادر كذلك أنه لما انتقل الإمام عبد الوهاب إلى الجبل في طريقه إلى الحج، نزل ضيفا عند مهدي النفوسي الويغوي فوجد داره "دار مترف في نعمة قد انبسطت عليه الدنيا".(4) وأخرج مهدي للإمام ورفقائه ثيابا جديدة وفراشا وأوسع عليهم في الخير.(5)
واهتم سكان الجبل بالدنيا وبترفها إلى درجة تعاطي الخمر في "الفحص".(6) ورغم هذا الرخاء إلا أن الجبل شهد – كما سبق الذكر - في العديد من المرات مجاعات اضطر فيها السكان إلى الهجرة إلى إفريقية. ويمكن القول في الأخير ومن خلال النصوص، أنه كان هناك ثراء واسع، يقابله زهد بعض الشيوخ والعلماء، الذي لم تغوهم الدنيا وملذاتها.
الفصل الثاني
الحياة الفكرية والاجتماعية في جبل نفوسة.
أولا - الحياة الفكرية:
1 - تاهرت عاصمة الإشعاع الفكري.
2 - النهضة العلمية بالجبل.
أ - حلقات العلم.
ب - تمويل طلبة العلم والإنفاق عليهم.
جـ - التنافس العلمي.
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص196.
(2) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص122.
(3) - المصدر نفسه، ج2، ص301-302.
(4) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص114.
(5) - المصدر نفسه والصفحة ذاتها، دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص503.
(6) - الشماخي: السير، ص273؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص257. (1/358)
صفحة 359
د - إرساء تقاليد الحلقة.
3 - العلوم والعلماء.
أ - العلوم.
ب - العلماء.
4 - حركة التأليف.
5 - المكتبات.
6 - العلاقات الثقافية بين جبل نفوسة وإباضية المشرق والمغرب.
أ - مع إباضية المشرق.
ب - مع إباضية المغرب.
ثانيا - الحياة الاجتماعية.
1 - نظام العزابة.
2 - التنظيم الطبقي في المجتمع النفوسي.
3 - المرأة.
أولا - الحياة الفكرية:
تعد الحياة الفكرية والثقافية من الجوانب التي أولاها النفوسيون والإباضية عامة اهتماما بالغا. ولا نبالغ إذا قلنا إن علماءهم أبدعوا في هذا الميدان خاصة في العلوم الدينية. ومما يدعم كلامنا ذلك التراث الضخم الموزع بين المكتبات والذي يعد نشره والتعريف به فريضة على كل باحث. وسنقتصر الحديث في هذا المجال عن دور الأئمة الرستميين في النهضة العلمية، وعن الحركة العلمية بالجبل بما في ذلك حلقات الدرس والعلوم والعلماء، وحركة التأليف والمكتبات وعن العلاقات الثقافية بين إباضية جبل نفوسة وإباضية المشرق والمغرب.
1 - تاهرت عاصمة الإشعاع الفكري: (1/359)
صفحة 360
كان الأئمة الرستميون تواقين إلى العلوم والمعرفة فكرسوا حياتهم لدراسة الكتب والتأليف، وتشجيع الناس على طلب العلم بمختلف فنونه، وإقامة الحلقات العلمية في المساجد والبيوت. وكانت للأئمة أنفسهم حلقات علمية أقاموها في المساجد أمها الطلبة من كل حدب وصوب، ومن مختلف المذاهب والنحل خاصة وأنهم كانوا متسامحين مع مختلف الآراء، فلا غرابة إذن أن يعبر الباروني عن ذلك بقوله: "بلغت هذه الأمة بمدينة تاهرت من العلم والأدب والفضل والعدل المقام السامي حتى قال البعض منهم: "معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعرف القمر في أية منزلة هو في كل ليلة".(1) وقد اشتهر مؤسس الدولة الإمام عبد الرحمن بن رستم (160-171هـ) (776-787م) ببراعته في علوم الدين واللغة والفلك مما جعله يقبل على تأليف كتاب يفسر فيه القرآن الكريم،(2) كما أنه ترك ديوانا يحتوي على خطب ورسائل وأجوبة كثيرة في مختلف فنون العلم،(3) ويبدو أن ابن الصغير لم يطلع على هذه المؤلفات إذ قال في حديثه عن عبد الوهاب: "لم يكن لأبيه عبد الرحمن كتاب معروف من تأليفه".(4)
ولم يختلف عنه ابنه وخليفته من بعده الإمام عبد الوهاب (171-211هـ) (787-826م). فقد كان له هو الآخر باع طويل في دفع الحركة الثقافية في تاهرت إذ ألف كتابا يعرف بـ "مسائل نفوسة" عبارة عن أجوبة لأسئلة بعثت بها إلى الإمام فأجاب عنها.(5)
__________
(1) - الباروني: رسالة سلم العامة، ص15؛ وينظر كذلك: الشماخي: السير، ص162.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص193؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب، ص488.
(3) - الباروني: الأزهار، ج2، ص147.
(4) - ينظر: أخبار الأئمة الرستميين، ص45.
(5) - ابن الصغير: المصدر نفسه، ص45-46؛ الباروني: المرجع السابق، ص218؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص237. (1/360)
صفحة 361
وبغية تعميم الثقافة والاستفادة من مؤلفات علماء المذهب المشارقة أرسل الإمام عبد الوهاب ألف دينار إلى إخوانه ليشتروا بها الكتب. ولما وصلهم المال اشتروا بها ورقا ونسخوا له الكتب مقدار أربعين حملا وأرسلوها إليه. فلما وصلته عكف على قراءتها حتى ختمها.(1) ونظرا لاتساع معارفه في فنون العلم وقوة فهمه قال: "الحمد لله إذ وجدت جميع ما فيها محفوظا عندي، ولم أستفد منها إلا مسألتين، ولو سئلت عنها أجبت فيها قياسا".(2) ولاشك أن هذه الكتب كانت النواة الأولى التي تشكلت منها مكتبة المعصومة الشهيرة التي أشادت بها المصادر، والتي كانت تضم نحوا من ثلاثمائة ألف مجلد في مختلف أنواع العلوم والفنون من رياضيات وفلك وهندسة وطب وغيرها.(3)
ومما يدل على اهتمام البيت الرستمي بالعلم وتضلعه فيه أن الإمام عبد الوهاب بات مع أخته يقرآن مسائل الفرائض حتى تعلماها جميعا قبل طلوع الفجر.(4) وقد حرص الإمام على تحصيل أبنائه العلوم خاصة العلوم الدينية حتى يكونوا قدوة لغيرهم فقد مر بنا أنه منع ابنه أفلح من السفر إلى كوكو ببلاد السودان للتجارة عندما عجز هذا الأخير عن الإجابة عن مسألة من مسائل الربا.(5)
__________
(1) - الشماخي: السير؛ ص162؛ الحارثي: العقود الفضية، ص275.
عثر الباحث أثناء زيارته للمكتبة البارونية بجزيرة جربة التونسية على مخطوط يحتوي على مراسلات تمت بين الإمام عبد الوهاب وبين نفاث بن نصر.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، والصفحة ذاتها؛ الباروني: الأزهار، ج2، ص219؛ الباروني: رسالة سلم العامة، ص15.
(3) - السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب، ص490؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص237.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص162.
(5) - الوسياني: السير، (مخ)، ج2، و24؛ الدرجيني: الطبقات، ج2، ص320؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص526. (1/361)
صفحة 362
وتتحدث المصادر كثيرا عن الإمام أفلح (211-258هـ) (826-871م) وما اشتهر به من شجاعة وإطلاع كبير على فنون العلم من فقه ونحو وأصول وغير ذلك. وذكرت كتب السير أنه تولى شخصيا التدريس في مساجد تاهرت. فقد كانت تجلس بين يديه سبع حلقات،(1) وقيل أربع حلقات من الطلبة يأخذون عنه العلوم التي برز فيها كعلم الغبار والنجامة وعلم الكلام واللغة والفقه.(2) كما كان أديبا شاعرا ينظم الشعر. وقد حفظت لنا المصادر قصيدة يحث فيها الطلبة على العلم واستهلها بقوله:
العلم أبقى لأهل العلم آثارا ... وليلهم بشموس العلم قد نارا
يحي به ذكرهم طول الزمان وقد ... يريك أشخاصهم روحا وأبكارا
حتى وإن مات ذو علم وذو ورع ... إن كان في منهج الأبرار ما مارا (3)
__________
(1) - الباروني: رسالة سلم العامة، ص16.
(2) - الشماخي: السير، ص193 و222.
عثرنا بالمكتبة البارونية بجربة على مخطوط عنوانه "جوابات الإمام أفلح" يجيب فيها عن أسئلة وردت إليه، منها جواب مرسل لشخص يدعى "البشير بن محمد".
(3) - الباروني: الأزهار، ج2، ص245؛ الحريري: الدولة الرستمية، ص150-151؛ دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص376؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص270. (1/362)
صفحة 363
وممن نبغ في العلوم في البيت الرستمي أخت الإمام أفلح التي عرفت ببراعتها في علم الحساب والفلك والتنجيم.(1) كما كان الإمام أبو بكر بن أفلح (258-261هـ) (871-874م) محبا للأدب والأشعار وأخبار الأولين.(2) كما بلغ الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح (261-281هـ) (874-894م) مبلغا عظيما في العلم حتى إن نفوسة الساكنة بتاهرت كانت تجعل باب داره كالمسجد منهم من يقرأ القرآن، ومنهم من يصلي، ومنهم من كان يتحدث في فنون العلم. وقد ألف هذا الإمام العديد من الكتب منها موسوعة في "الاستطاعة" تتكون من أربعين كتابا، بالإضافة إلى كتب أخرى ألفها في الرد على المخالفين.(3)
وقد انعكس تشجيع الأئمة للنشاط الفكري والعلمي على الجهة الشرقية للإمامة حيث عرف جبل نفوسة نشاطا علميا وفكريا مزدهرا، فانتشرت حلقات الدرس في مختلف قرى الجبل، وبرز العديد من العلماء الذين ذاع صيتهم في المشرق والمغرب فألفوا الكتب خاصة في العلوم الشرعية يقول الشماخي: "إن جبل نفوسة احتوى على الكرامات وعلى كثرة الصالحين والعلماء ما لا يوجد بغيره، وذكر أن بعض الأزمنة لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا إلا "إجناون" و"ويغو" و"تندميرة" لا تحتاج دار إلى دار".(4)
2 - النهضة العلمية بالجبل:
أ - حلقات العلم:
__________
(1) - الباروني: رسالة سلم العامة، ص16؛ السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب، ص489.
(2) - ابن الصغير: أخبار الأئمة، ص1؛ الحارثي: العقود الفضية، ص244.
(3) - الشماخي: السير، ص222؛ الباروني: المرجع السابق، ص14-15.
(4) - ينظر: المصدر السابق، ص545. (1/363)
صفحة 364
يرجع تاريخ الحركة العلمية في جبل نفوسة إلى العقد الأول من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) حين قدم سلمة بن سعد إلى بلاد المغرب داعيا سكانه إلى الأخذ بالمذهب الإباضي. وقد مر بنا أن سلمة هذا أرسل محمد بن عبد الحميد مغطير النفوسي الجناوني إلى البصرة لأخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ولما عاد أصبح مفتيا، ويقال إنه أول من جمع القرآن كله في الجبل وحفظه.(1) ثم أرسل سلمة بعثة علمية أخرى تكونت من: عبد الرحمن بن رستم، وأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وعاصم السدراتي، وأبي داود القبلي النفزاوي وإسماعيل بن درار الغدامسي، وهي البعثة التي أصبح أصحابها يعرفون بـ "حملة العلم المغاربة". ولم تمض مدة زمنية طويلة بعد عودتها حتى برز العديد من العلماء الذين تلقوا عنهم العلم مثل أبي خليل الدركلي، عبد الوهاب بن عبد الرحمن، محمد بن يانس، وعمرو بن يمكتن. وتذكر المصادر أن هذا الأخير يعد أول من أسس حلقة الدرس في منطقة طرابلس حيث كان يمر القادمون من المشرق فكان يكتب عنهم لوحة من القرآن، ويعود إلى أهله فإذا حفظها عاد مرة أخرى إلى قارعة الطريق ليكتب غيرها. وظل على هذه الحال إلى أن حفظ القرآن كله.(2) ويعود هذا الفضل في تكوين أول مدرسة لتعليم القرآن ومبادئ المذهب الإباضي في قرية "إيفاطمان" بالجبل.(3) ولاشك أن هذه المدرسة التي كانت ملتقى للعلماء والطلبة وفاتحة لحلقات أخرى نظمت في مناطق متعددة بالجبل، مما كان لها الفضل الكبير في نشر المذهب الإباضي في هذه
__________
(1) - نفسه، ص143؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص251.
(2) - ابن سلام: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص149؛ الشماخي: السير، ص142-143؛ عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص137؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص277؛ موسى لقبال: المغرب الإسلامي، ص166.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص142؛ لقبال: المرجع نفسه والصفحة ذاتها؛ بحاز: المرجع نفسه، ص278. (1/364)
صفحة 365
الربوع.(1)
ولما قامت الدولة الرستمية في تاهرت (160-296هـ) انتقل العديد من رجال نفوسة إلى عاصمة الإمامة للتعلم على يدي الأئمة الذين نبغوا في مختلف فنون العلوم، فقد سافر كل من سعد بن أبي يونس، ووسيم بن سعيد، ونفاث بن نصر النفوسي إلى تاهرت للتعلم عند الإمام أفلح بن عبد الوهاب (211-258هـ) (826-871م). ولما بلغا من العلوم مبلغا عظيما عادا إلى بلدهما.(2)
وبدأت الحلقات العلمية تنتشر تدريجيا وفي كل قرى الجبل مثل "جادو، شروس، لالت، تندميرة، إجناون، ابديلان، قطرس، إيفطمان ونويرف، تميجار، إجيطال ويغو، وميري" وغيرها. ولاقت هذه الحلقات إقبالا كبيرا من التلاميذ والطلبة، فمنها تخرج أشهر العلماء النفوسيين وغير النفوسيين. فلا غرابة أن يتعجب الإمام عبد الوهاب عندما قدمت إليه جماعة منهم "لكثرة علمهم، وشدة ورعهم، ورزانة أحلامهم".(3) واستنجد بهم في حربه مع الواصلية في أحواز تاهرت.
__________
(1) - بحاز: المرجع نفسه، ص277؛ عوض خليفات: المرجع السابق، ص137.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص214.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص171. (1/365)
صفحة 366
وقد شجع العلماء القائمون على شؤون الحلقة التلاميذ للالتحاق بحلقاتهم، فكثرت أعدادهم حتى إن حلقة علمية انتظمت ببلاد "أدرج" بالجبل بلغ تعداد تلاميذها نحو ثلاثمائة تلميذ يقرؤون العلوم والسير.(1) كما أن مدينة "شروس" أم قرى الجبل شهدت العديد من حلقات الدرس. فقد كان شيوخ أهل "تمنكرت" يجتمعون بشيخ من أهل شروس لا تذكر المصادر اسمه كل يوم جمعة في مسجد "أجلمم" يتذاكرون ويتناقشون في أمور دينهم.(2) كما كانت للعالم "عبود الكزيني" حلقة علمية أمها التلاميذ من مختلف الجهات.(3) ويبدو أن هذه الحلقات العلمية كانت تضم مختلف المذاهب. فقد ذكرت المصادر أن جماعة اجتمعت في مكان يسمى "تنين أودرشل" (تنين إن دركل) لطلب العلم منهم أبو نصر التمصمصي، نفاث بن نصر، عمروس بن فتح ومهدي النفوسي.(4)
__________
(1) - الوسياني: سير مشائخ المغرب، (تحقيق: إسماعيل العربي)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1985، ص29.؛ الدرجيني: الطبقات، ج2، ص373.
(2) - الشماخي: السير، ص326.
(3) - المصدر نفسه والصفحة ذاتها.
(4) - نفسه، ص170؛328. (1/366)
صفحة 367
وكانت أغلب هذه الحلقات تتم في المساجد المنتشرة في الجبل، وقد حرص العلماء والمشائخ على بناء المساجد وتعميرها إذ كان أغلب العلماء يتخذون مصليات خاصة لهم يتعبدون فيها.(1) وقد ذكرت السير أن أبا المنيب محمد بن يانس كان له سبعة مساجد، بعضها في الجبل، وبعضها في السهل، كان ينتقل إليها يوميا للصلاة.(2) ومن المحتمل أن دروسا كانت تنظم في هذه المساجد حرص أبو المنيب على حضورها. ويرى الأستاذ بحاز أنه من المحتمل أن تكون ملحقات لهذه المساجد استعملت لتعليم المبتدئين.(3) ولما أقام الإمام عبد الوهاب (171-211هـ) (787-826م) بجبل نفوسة ينتظر قدوم موفده بالفتوى من المشرق فيما يخص حجه ظل لمدة سبع سنوات بمسجده بقرية "ميري" ببني زمور يعلم النفوسيين مسائل الصلاة. وانقضت هذه المدة دون أن يكمل هذه المسائل لتعمقه فيها. ويحتمل أن عبد الوهاب ألقى دروسا أخرى في المسجد المعروف باسمه الذي بني في جبل دمر، ومصلاه بقرية "تيطاوين" ومصلاه بقرية "تلالت".(4)
__________
(1) - عن أسماء هذه المصليات والمساجد وأمكنتها ينظر:الشماخي: المصدر نفسه، ص598 وما بعدها؛.R. Basset: Les Sanctuaires dudjebel Neffussa, p361-365 .
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص170؛ الدرجيني: الطبقات، ج2، ص298.
(3) - ينظر: الدولة الرستمية، ص278.
(4) - الشماخي: السير، ص158-159؛ الباروني: الأزهار، ج2، ص190 وما بعدها. (1/367)
صفحة 368
كما كانت لأبي هارون التملوشائي حلقة علمية في قرية "إجناون" ثم انتقل إلى "إبناين" عندما ولي الأمور فبنى مسجدا أصبح "كهفا ومأوى لأهل الإسلام"،(1) وبالإضافة إلى المساجد كانت الحلقات العلمية تقام في المنازل مثل "دار بني عبد الله" وهي دار أبي محمد الدرفي الذي كان حاكما للجبل.(2) وكان يحضر مجلسه ليلا العلامة أبو يوسف وجدليش.(3) كما كان منزل أبي ذر أبان وسيم قبلة لطالبي العلم من الرجال والنساء،(4) ومنزل أبي هارون الجلالمي الذي يعد من مشاهير المشايخ بالجبل، وأغزرهم علما، إذ ظل ثلاثين سنة يتعلم على يدي أبي القاسم الأصول والحجة والمناظرة، فهو الذي قال فيه ابن ماطوس: "لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند دار أبي عبيدة بالبصرة".(5) كما اتخذ عمر بن يمكتن داره في إفاطمان مدرسة لتعليم الصبيان القرآن الكريم.(6)
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص301.
(2) - نفسه، ص305.
(3) - نفسه، ص333.
(4) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص301-303؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص215-217؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص113-116؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص286.
(5) - الشماخي: المصدر نفسه، ص278؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص161.
(6) - الشماخي: المصدر نفسه، ص142؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص278؛ لقبال: المغرب الإسلامي، ص166. (1/368)
صفحة 369
وقد اتخذ العلماء الغيران(1) كمراكز خاصة بعد أن دخل أتباع المذهب الإباضي في السرية بالعودة مرة أخرى إلى إمامة الكتمان بعد إنقراض الإمامة الرستمية سنة 296هـ (908/909م)، مثل غار "أجلو" الشرقية بالمغرب الأوسط،(2) وغار "تين يسلى"،(3) وغيران "بني أجاج" بجربة.(4) ونظمت الحلقات العلمية بالخيم لأنه من عادة العزابة إذا انتقلوا إلى البادية يطوفون بين الأحياء يتفقدون أحوال أهل الدعوة الدينية والدنيوية "بنو لهم خيمة فيكونون في عزمهم مجتهدين".(5) وكانت الحلقات تقام في الهواء الطلق خاصة في الربيع. ففي جربة مثلا كانت حلقتان في موضع يسمى "يأتيجان" تحت شجرتين. أما تلاميذ أبي الربيع سليمان بن يخلف بالجزيرة فقد بنوا عريشا عند عيون "تمولسة" يجتمعون فيه مع شيخهم.(6)
وتشير الروايات إلى أن العلماء كانوا في ترحال دائم ينتقلون بين مواطن إخوانهم في الجبل وغيرها من المواطن للحفاظ على سير أهل الدعوة، فكانوا يعلمون التلاميذ والطلبة خاصة يوم الجمعة حيث كانوا "يختلفون بين سائر وراجع مثل النمل، وتبيض الجبال من كثرتهم".(7)
__________
(1) - جرت العادة أن يتخذ الإباضية الغيران كمراكز للتدريس، فقد كان إمام المذهب أبو عبيدة مسلم يعلم تلاميذه وطلبته في سرداب في مدينة البصرة. وقد سبق الذكر أن حملة العلم المغاربة تخرجوا من حلقته. ينظر: أبو زكريا: كتاب السيرة، ص36.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص391.
(3) - أبو زكريا: المصدر السابق، ص255.
(4) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص289.
(5) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، و77.
(6) - الدرجييني: المصدر السابق، ج1، ص193.
(7) - الشماخي: السير، ص301. (1/369)
صفحة 370
ولعل أول عالم سن هذه السنة الحميدة عاصم السدراتي - أحد حملة العلم المغاربة - حيث كان يركب ناقته ويتجول بين الأحياء يعلم الناس في مواطنهم، ويبين لهم أحكام الدين. فكان يتوجه إلى قرية "تيغيت" قرب نالوت فيقيم بها أياما ثم يمر على "تيفست" وأدرج (درج) ثم غدامس. ومنها يتوجه إلى مواطن سدراتة في جبل أوراس. وقد اتخذ في طريقه العديد من المصليات، كان يلقي قيها دروس الوعظ والإرشاد والنصح. وتذكر الروايات أنه من كثرة ترحاله وتجواله بين مواطن الإباضية نسجت حول ناقته العديد من الأقاصيص. ويرجع الفضل إلى عاصم في تكوين أول طبقة من العلماء الذين اشتهروا فيما بعد في الجبل كأيوب بن العباس وأبي مرداس مهاصر وأبي الحسن الأبدلاني وغيرهم كثير.(1)
وقد اشتهر مشايخ بعض القرى، دون الأخرى بكثرة الاجتماع والتزاور مثل مشايخ قرية "ولون"،(2) وكان هؤلاء المشايخ يحثون الطلبة على التعلم والتفقه في الدين. ففي السير أن أبا خليل صال الدركلي أحد علماء الطبقة الخامسة (200-250م) كان يحرض تلاميذه على المواظبة على حضور حلقات الدرس بقوله: "سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى فإن رجلا قد سار من الجبل إلى فزان وإلى غدامس وإلى الساحل رغبة في الحلقة وفيما يستفيده".(3) ولذلك انتظمت حلقات عديدة ما بين فزان وقابس وبين الجبل وتاهرت، التحق بها الطلبة من مختلف الأصقاع للتفقه في الأصول، والفروع، والسير، وعلوم الشريعة، واللغة العربية، وآراء الفرق والمذاهب الأخرى.(4)
__________
(1) - علي يحي معمر: الإباضية في الجزائر، ص130-131؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص283-284.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص301.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص299-301.
(4) - بحاز: الدولة الرستمية، ص285. (1/370)
صفحة 371
ولم يستقر العلماء في مكان محدد بل كانوا ينتقلون من المغرب الأوسط إلى إفريقية، أو إلى الجبل والعكس صحيح، فالعالم أبو نوح مثلا أنشأ حلقة في وارجلان، ثم انتقل إلى أماكن أخرى في بلاد المغرب، واستقر به المقام أخيرا في زويلة.(1) وهذا عالم نفوسي يدعى أبا يخلف استقر بجربة، وكان متقنا لمسائل الحيض فمتى وردت مسألة من هذه المسائل على عالم جربة أبي صالح بكر بن قاسم رفعها إلى أبي يخلف ليتكلم فيها.(2) كما كانت عادة أبي الخير توزين الزواغي التردد بين الجبل وبين زواغة طالعا نازلا.(3)
وكان فى أغلب الأحيان يرافق التلاميذ والطلبة شيوخهم أينما تحركوا، فقد كانت لأبي ميمون الإيجطالي (من علما الطبقة الخامسة) (200-250هـ) حلقة من الطلبة ترافقه من مكان إلى آخر.(4) كما كان جلدين البغطوري يرتحل بتلاميذه إلى قرية "إتلجام" قاصدا العلامة أبا يعقوب فيمكثون عنده شهرا.(5) وقد سن علماء المذهب سنة حافظ عليها أتباع المذهب منذ القدم وتتمثل في خروجهم إلى البادية خاصة في فصل الربيع للترويح عن النفس ونشر العلم والفضيلة بين سكانها. فقد خرج أبو القاسم وأبو خزر في سنة من السنين إلى البادية ليعلما سكانها "ما جهلوا من فهم أمور دينهم".(6) ويذكرانهم ما نسوا، ويتفقدان أحوالهم لئلا يضلوا عن طريق السلف الصالح. ومن أجل ذلك انتشر إثنان وثلاثون عالما من علماء المذهب بالبادية ليكتفوا بالحلقات العلمية.(7)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص361؛ عوض خليفات: النظم، ص24.
(2) - الوسياني:السير (مخ)، ج2، و16؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص358.
(3) - الشماخي: المصدر السابق، ص377؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص150.
(4) - الوسياني: المصدر السابق، ج2، و14؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص294-296؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص284.
(5) - الشماخي: المصدر السابق، ص329.
(6) - الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص121؛ خليفات: النظم، ص23.
(7) - الشماخي: المصدر السابق، ص381. (1/371)
صفحة 372
وتجدر الإشارة إلى أن هناك حلقات علمية تنظم في الجبل يحضرها المشايخ والعلماء فقط للنظر في أمور أهل الدعوة. فقد روت السير أن العالم أبا القاسم سدرات بن الحسن البغطوري النفوسي - وهو من الناجين من موقعة مانو - كان يسير في كل ليلة من بغطورة(1) إلى "ويغو" التي اشتهرت بحلقاتها رغم بعد المسافة فيحضر المجلس ثم يعود بعد انقضائه. ويعد أبو القاسم هذا من العلماء الذين أنقذوا المذهب بعد "مانو" إذ أباد الأغالبة حوالي أربعمائة عالم من نفوسة. فجلس يفتي ثلاثة أيام بلياليها، وقيل يوم وليلة نظرا لقلة العلماء. وظل يعلم بعد الموقعة ثلاثين سنة إلى أن توفي عن عمر يناهز مائة وعشرين سنة.(2)
وكان أبو حسان خيران بن ملال الفرسطائي ينتقل بين المنازل لإحياء الدين وتعليم الجهال، فكان يغيب مدة طويلة عن أهله. وكانت مجالسه تؤمها العجائز والنساء والطلبة.(3) ولم تقتصر المجالس على الحواضر الكبرى بل انتشرت في كل قرية وفي كل حي. ففي قرية "فرسطا" كان يجلس لأبي الخير الأرجاني، وأبي يحي الفرسطائي، وأبي محمد الكباوي.(4) وفي "تاغرويت" اجتمع سبعون شيخا من أصحاب القلنسوات حسب تعبير الشماخي.(5) ومن الحلقات التي كانت تعقد في "تنين" و"تماوطت" تخرج العديد من العلماء منهم أبو سعيد يخلفتن النفوسي.(6)
ب - تمويل طلبة العلم والانفاق عليهم:
__________
(1) - تسمى كذلك "بقطورة" لأن الغين تنطق قافا لدى بعض قبائل الجبل.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص235.
(3) - نفسه، ص309.
(4) - نفسه، ص165.
(5) - نفسه، ص296.
(6) - نفسه، ص480. (1/372)
صفحة 373
مما شجع العلماء وطلبتهم على التجوال بين أهل المذهب هو أن المشائخ كانوا يتبرعون للإنفاق على الطلبة وعلى العزابة الذين كرسوا حياتهم لنشر الدعوة وإحياء الدين. ففي زمن أبي نوح سعيد بن زنغيل (الطبقة الثامنة 350-400هـ) أحضر المشايخ سراويل مملوؤة بالدراهم لتوزع على سائر العزابة على قدر ما يرون لكل واحد منهم.(1) كما كان العلماء ينفقون على الطلبة من مالهم الخاص. فقد كان أبو عبد الله محمد سليمان النفوسي (من علماء الطبقة التاسعة 400-450هـ) ممن وسع الله عليه في العلم والمال، فكان يعلم التلاميذ ويطعمهم ويكسيهم من ماله الخاص، فإذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء، وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخف لبسه.(2) وكان أبو القاسم يزيد بن مخلد هو الآخر ينفق على طلبته تشجيعا لهم على الاستمرار في ملازمة الحلقة فهو القائل: "لو علمت مكان مسألة أستفيدها ممن فاتني بها لشددت إليها رحلي في مشرق أو مغرب ولا أخشى أن يعذبني الله إلا على الجهل".(3) كما كانت قبائل "زنزفة، ولماية، ومزاتة، وما يحيط بهم من القبائل يبذلون الجهد في مساعدة الطلبة بتقديم المعونة والهدايا لهم،(4) ولذلك نلاحظ أن الطلبة وحتى المشايخ كانوا يرتحلون إلى حواضر أخرى للإستفادة من حلقاتها، فهذا أبو يحي بن أبي القاسم الفرسطائي انتقل من فرسطاء إلى شروس للالتحاق بحلقة ابن ماطوس (ط7- 300-350هـ) فلم يجد مسكنا يأويه حتى أنه قال: "ما أوسع شروس وما أضيقها".(5)
جـ - التنافس العلمي:
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص357؛ الوسياني: سير مشائخ المغرب، ص66.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص418؛ الشماخي: المصدر السابق، ص406.
(3) - خليفات: النظم، ص22.
(4) - الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص193.
(5) - الشماخي: السير، ص310. (1/373)
صفحة 374
مما يمكن ملاحظته من خلال النصوص أن حلقات الدرس لم تكن للوهبية فقط، بل حتى لإتباع الفرق الأخرى التي تخالفها في بعض المسائل الفقهية. فقد ذكرت السير أن نفاث بن نصر الذي خرج عن طاعة الإمام عبد الوهاب كانت له حلقة في "تنين إن دركل".(1) ونعتقد أنه كانت للخلفية إتباع خلف بن السمح حلقات علمية يبينون فيها للناس آراءهم. وقد ساهم هذا الصراع الفكري في إزدهار الحركة الثقافية في الجبل، فألف الشيوخ العديد من الأسفار للرد على آراء مخالفيهم.
وتجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أنه بعد ازدهار الحركة الثقافية وكثرة العلماء تخصص البعض منهم في مستوى معين من التدريس. فقد كان أبو يعقوب بن محمد بن يدر الدرفي (الطبقة العاشرة 450-500 هجري) يجلب العزابة إلى "أمسنان"، فيبتدئون عنده فيعلمهم السير والآداب، ثم ينتقلون إلى الشيخ محمد بن سدرين الوسياني فيقرؤون عنه الإعراب والنحو، ثم ينتقلون إلى أبي عبد الله محمد بن بكر فيعلمهم العلم والكلام والأصول والفقه.(2)
3 - إرساء تقاليد الحلقة:
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص170.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص397؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص517؛ عمرو خليفة النامي: ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان، الأصالة، عدد42-43، منشورات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1977، ص22. (1/374)
صفحة 375
كانت الدروس التي تلقى في المساجد أغلبها دروس الوعظ والإرشاد وتعليم ما لا يسع المسلم جهله من أمور الدين. أما دروس المجالس فكانت كثيرة ومتنوعة منها: التفسير والحديث والفقه والأخلاق وعلوم العربية وسير السلف الصالح.(1) كما كانت كتب متداولة في هذه المجالس يقرؤها الطلبة خاصة كتب الفقه. وقد أبدى أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي رأيه في بعض هذه الكتب فقال: "من يدرس كتب اللقط كمن يهيل أنواع الثمر إلى غرارته، وأن كتاب أبي غانم (مدونة أبي غانم الصفري) قد أوضح قول كل عالم من مشائخه.(2) وقد كانت أكثر مجالس أبي عبد الله محمد بن بكر في التحذير والتخويف".(3)
__________
(1) - الدرجيني: المصدر نفسه، ج1، ص119؛ خليفات: النظم، ص22.
(2) - الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص389.
(3) - الوسياني: سير مشائخ المغرب؛ (تحقيق: إسماعيل العربي)، ص47. (1/375)
صفحة 376
ويعد العالم الجليل أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي من الأوائل الذين اهتموا بإقامة الحلقات العلمية بعد انقراض الإمامة الرستمية. وقد وضع تقاليد جديدة لنظام الحلقة لم تكن معروفة في السابق مثل استعماله "الخطة والهجران" لأحد تلاميذه المدعو أبو عبيدة وشق بسبب مسألة أفتى فيها.(1) وتعد الخطة من أهم قواعد الحلقة التي أسسها مؤسس نظام العزابة في بداية القرن الخامس الهجري العالم أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي. والخطة والهجران إذن هي عقوبة يعاقب بها التلميذ أو الطالب متى أجرم في قول أو عمل وأن الصلاح من الإباضية يهجرونه ولا يكلمونه ولا يحق له العودة إلى المجلس إلا إذا أعلن التوبة واستغفر، فإذا قبلت توبته عاد إلى الجماعة.(2) وتعد هذه الإجراءات الجديدة التي أدخلها على نظام الحلقة هي مقدمة لكل التنظيمات والتقاليد التي أسسها من جاء بعده. وقد ساهم كذاك تلميذاه أبو القاسم يزيد بن مخلد وأبو خزر يغلى بن زلتاف الوسيانيان اللذان عاشا في النصف الأول من القرن الرابع الهجري في تطوير نظام الحلقة، بحيث أصبحت لها سمات وملامح مميزة وقواعد ثابتة، حيث أجبر أبو القاسم تلامذته الحضور إلى الحلقة في أوقات معينة، وتناول الطعام جماعيا في وقت محدد، خاصة وأنه كان ينفق على تلامذته من ماله الخاص. ونجد أن أبا القاسم منع على طلبته الزواج فكان يقول لهم: "لأن يبلغني موت أحدكم أهون علي من أن يبلغني أنه تزوج". والغرض من ذلك رغبته في تفرغ التلاميذ للتحصيل العلمي والمعرفة. ومن التنظيمات الأخرى التي استحدثها أبو القاسم نوم الهاجرة حيث كان يلزم تلاميذته النوم في أوقات معينة.(3)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص382؛ عزض خليفات: النظم، ص20-21.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص177؛ صالح باجية: الإباضية بالجريد، ص186.
(3) - الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص174؛ عوض خليفات: المرجع السابق، ص22. (1/376)
صفحة 377
وبعد رحيل أبي القاسم إلى مصر صحبة المعز لدين الله الفاطمي قام أبو نوح بإدخال بعض الإضافات على التقاليد السابقة، وظهرت مصطلحات لم تكن مستعملة في السابق منها "ختمة الغداة وختمة العشاء". وظل الإباضية طيلة القرن الرابع الهجري "العاشر الميلادي" يقيمون الحلقات العلمية ويجتهدون في خلق نظام دقيق يحافظ على استمرار المذهب في مرحلة الكتمان، ولكنهم لم يتوصلوا إلى وضع نظام متكامل الجوانب يطبق في مختلف المناطق التي يتواجد بها الإباضية. واستمر الوضع على هذه الحال إلى بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). عندما تمكن أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي من وضع نظام الحلقة، فهو "أول من ألهم سلوك الطريقة التي حفظ بها هذا المذهب فرسم المهمل وقيد الشارد"،(1) فبعد أن درس عن الشيخ أبي زكريا فصيل بن أبي ميسور بن وجين اليراسني بجربة، وأبي نوح سعيد بن زنغيل، انتقل إلى مدينة القيروان لدراسة اللغة العربية والنحو. وظل بالقيروان يحضر دروس اللغويين والنحويين والبلاغيين حتى تمكن من اللغة العربية وفنونها، وانتقل إلى الحامة ببلاد الجريد ليدرس علم الفروع على يدي الشيخ أبي عمران موسى بن زكرياء. وفي تقيوس طلب منه زكريا ويونس بن الشيخ فصيل أن يرتب الحلقة فرفض، واشترط عليهم أن يبقوا معه دون أن يسألوه مدة أربعة أشهر، ثم وقع اختياره على بلاد أريغ في صحراء المغرب الأوسط وارتحل إليها رفقة طلبته. وكان في انتظارهم أبا القاسم يونس بن ويزكن الوليلي الذي هيأ لهم غار في "تين يسلي" قرب أريغ وأصبح هذا الغار أول مقر لحلقة العزابة التي كونها أبو عبد الله سنة 409هـ وسمي الغار بالتسعى نسبة إلى تلك السنة.(2)
__________
(1) - الدرجيني: المصدر نفسه والجز ذاته، ص167.
(2) - أبو عبد الله محمد بن بكر: سير الحلقة، نشر ضمن Annali Instituto Universitario Di Napoli, Nuova Serix 10 Napoli 1960, p10.؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص252 وما بعدها؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج1، ص167؛ معمر: الإباضية في الجزائر، ص177-178؛ خليفات: النظم، ص24-26. (1/377)
صفحة 378
وفي الأخير نقول إن الحلقات العلمية في الجبل قد أنجبت علماء أجلاء عجب الإمام عبد الوهاب من كثرة علمهم وشدة ورعهم عندما زارته جماعة منهم إلى تاهرت.(1) ولا غرو أن يستنجد بهم الإمام عبد الوهاب لمناظرة واصلية تاهرت. وقد مر بنا أن مهديا النفوسي تكفل بالجدال والمناظرة، وأيوب بن العباس بالمبارزة ومحمد بن يانس بتفسير القرآن، وأبو الحسن الأبدلاني بالحلال والحرام.(2) كما كثر العلماء في الجبل حتى غدوا فى عصر واحد إثنى عشر شيخا مستجاب الدعاء وهم: أبو مرداس مهاصر التبرستي، وأبو المنيب محمد بن يانس الدركلي، وأبو عامر التصراري، وأبو الحسن الأبدلاني، وماطوس بن ماطوس الشروسي، وأبو مهاصر موسى بن جعفر. وهؤلاء من الجهة الغربية من الجبل أما الجهة الشرقية ناحية جادو فهم: أبو زكريا التوكيتي، وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني، وأبو زيد المصغوري، وأبو يحي تسكينت التارديتي، وأبو الشعثاء السنتوتي، وأبو يحي الأصغوي.
3 - العلوم والعلماء:
أ - العلوم:
كانت العلوم التي يتعلمها الطلبة في الحلقات والمجالس العلمية في أغلبها دينية، كالتفسير، والحديث، والفقه. أما بالنسبة للمبتدئين فعندما يلتحقون لأول مرة بالحلقة كانوا يحفظون ما تيسر لهم من سور القرآن الكريم، ويتلقون مبادئ اللغة العربية. فإذا تمكن التلميذ من ذلك انتقل إلى مستوى أعلى فيتوغل في علوم الفقه وعلوم العربية وأساليب المناظرة.(3)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص171.
(2) - المصد نفسه، ص155.
(3) - بحاز: الدولة الرستمية، ص293-294. (1/378)
صفحة 379
وقد تخصصت بعض الجهات في فن من فنون العلم. فعندما أتقن أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي علم الأصول في الجبل انتقل إلى جربة ليتعلم بها علوم الفروع على فقهاء بني يراسن (يهراسن). وبجربة كون هو الآخر حلقة في علم الكلام من طلبة الجزيرة وغيرهم.(1) ولما تعلم أبو محمد ويسلان بن يعقوب الدمجي المزاتي القرآن وحفظه رجع إلى علم الأصول والحجة والكلام فمكث فيه ستة عشر سنة على يدي أبي القاسم يزيد بن مخلد. ولما تمكن من علم الكلام انتقل إلى الجبل ليتعلم الفقه على علمائها، ظل فيه مدة سبع سنوات حتى بلغ مبلغا عظيما في العلوم وجمع ديوانا كبيرا دون فيه ما درسه من معارف ثم عاد إلى بلاده.(2)
وقد أولى إباضية الجبل عناية خاصة بالتفسير لحاجتهم الماسة إليه في فهم القرآن الكريم، وقد برع فيه أبو المنيب محمد بن يانس فهو الذي تكفل بعلم التفسير في مناظرة الواصلية في تاهرت.(3) كما اهتم النفوسيون بالفقه فأنجب الجبل العديد من الفقهاء الذين تولوا الفتوى. وقد مر بنا أن الجبل في عصر من العصور كانت لا تحتاج فيه دار إلى دار أخرى في الفتوى. وممن اشتهر بذلك عبد الحميد بن مغطير الجناوني، حتى إن الإمام عبد الوهاب أثناء زيارته للجبل لم يفت ثلاثة أيام، وظل ينتظر قدوم ابن مغطير.(4) ولما حدثت النكسة في موقعة مانو لم يبق من العلماء الذين تولوا الإفتاء سوى أبي القاسم البغطوري.(5)
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص191-193.
(2) - الوسياني: سير مشائخ المغرب، (تحقيق إسماعيل العربي)، ص18-19.
(3) - الشماخي: السير، ص166؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص298-299.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص144.
(5) - البغطوري: سير نفوسة، و49. (1/379)
صفحة 380
أما فيما يخص علوم الحديث فإن الإباضية ظلوا يعتمدون على مؤلفات المشارقة، كديوان جابر بن زيد الذي نسخه نفاث بن نصر في بغداد،(1) وكتاب مختصر ابن محبوب الذي وصل منه جزء واحد فقط إلى الجبل - وهو الجزء السادس - على الرغم من أن الديوان يتألف من سبعين جزءا،(2) وكتاب الخليل الصالح لمؤلف مجهول والذي كان المصدر المعتمد عليه عند أهل "أمسين" بالجبل.(3) وآثار الربيع عن ضمام عن جابر رواية أبي صفرة(4) عبد الملك بن صفرة، ومدونة أبي غانم الصفري التي نسخها عمروس بن فتح عندما قدم أبو غانم من المشرق زائرا.(5) وقد حاول علماء المذهب في الجبل تأليف الكتب في علوم الحديث، مثل عمروس بن فتح الذي عزم على "أن يعلق تأليفا في الفقه لم يسبق في طريقته عزم أن يفرق العلم إلى ثلاثة أوجه: التنزيل، والسنة، والرأي، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل فيرتب كل باب من أبوابه، ويبينه على القواعد الثلاثة".(6)
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص141.
(2) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، و16.
(3) - الشماخي: السير، ص235.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص405.
(5) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص323؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص137-138.
(6) - الدرجيني: المصدر نفسه والجزء ذاته، ص320-321. (1/380)
صفحة 381
كما أولى النفوسيون عناية خاصة بعلم الكلام، والتفنن في أساليب الرد والجواب نظرا لوجود خلافات وتباين في الآراء في بعض المسائل بين أتباع المذهب الواحد، فظهرت النكارية، والخلفية، والنفاثية، والفرثية، والنفوسية، أو التمزينية أصحاب أبي يونس وسيم النفوسي التمزيني، بالإضافة إلى الواصلية والشيعة. ولذلك فإن الحركة الثقافية امتازت بكثرة الجدال، والمناظرة، فتعددت مجالس المناظرة، وكثرت المؤلفات في هذا الصنف من العلوم، وأقبل الطلبة على حلقات علم الكلام، وتخصص العديد من العلماء فيه، كمهدي النفوسي، وأبي نوح سعيد بن زنغيل الذي يصفه الدرجيني بقوله: "كان عالما بفنون المناظرات والرد على أصحاب المقالات".(1) كما كرس أبو نصر التمصمصي حياته لمناظرة النفاثية، فقد دار في الجبل أربعين مرة يحذر الناس من فتنة نفاث وقيل من فتنة خلف.(2) وتذكر السير أن أبا محمد عبد الله بن مانوج (من علماء الطبقة التاسعة 400-450هـ) قال: "ندمت على ثلاث فاتتني من الدنيا قراءة كتاب الجهالات وهو كتاب في الكلام عظيم الشأن، وزيارة أهل الدعوة، وحضور مجالس أبي عمران موسى بن زكريا".(3)
وظل علماء الوهبية في الفترة التي نؤرخ لها يحاجون الفرق المخالفة، فقد كان عمروس بن فتح من الذين تصدروا لنفاث بن نصر رفقة مهدي النفوسي الذي اشتهر أنه كان "أحد من صد مكايد نفاث بن نصر النفوسي، ومنع انتشار بدعه في الآفاق".(4)
__________
(1) - المصدر السابق، ج1، ص147.
(2) - الشماخي: السير، ص202.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص401.
(4) - نفسه، ص170. (1/381)
صفحة 382
أما في العلوم التطبيقية - كالطب مثلا - لا تفيد مصادرنا بأسماء أطباء نفوسيين، ويبدو أن عددهم كان ضئيلا جدا اللهم ورود بعض لإشارات منها أن نفوسيا أرسل في طلب دواء العيون من السودان.(1) وآخر طلب دواء الريح.(2) ويبدو - كما قال الأستاذ بحاز - أن أغلب الأطباء في الدولة الرستمية كانوا من اليهود والنصارى.(3) ونحن كذلك لا نستبعد ذلك خاصة وأن اليهود كانوا متواجدين بكثرة في الجبل.
وفيما يخص علم الحساب والفلك والتنجيم فقد برع عدد قليل من النفوسيين في هذا الميدان، فالمصادر تذكر مثلا أن أبا يحي بن أبي محمد الدرفي كان متفننا في العلوم عارفا بالنجوم،(4) وأن أبا أيوب التمنكرتي كان هو الآخر متضلعا في علم النجوم.(5)
وأما العلوم العربية فإن النفوسيين لم يضعوها ضمن أولوياتهم العلمية إذ صبوا كل اهتماماتهم - كما قلنا - على العلوم الدينية. وعلى الرغم من ذلك فقد ترك لنا شيوخ الجبل بعض الخطب والرسائل كالخطبة التي ألقاها أبو الخطاب المعافري على سكان طرابلس يحثهم فيها على الجهاد وقتال قبيلة "ورفجومة" وإخراجها من القيروان بسبب المناكر التي ارتكبتها بها. فبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال: "أطمع لمن مات في هذه الغزوة الجنة، إلا من فيه إحدى ثلاث خصال قاتل نفس ظلما، وقاعد على فراش حرام، ومن في يده أرض مغصوبة، والمخرج منها أن يتبرأ من المرأة ويتوب إلى الله ويتبرأ من الأرض، وليشهد على تركها، ولتعد نفس القاتل لأولياء المقتول، فإن لم يجدهم فليدفع نفسه في سبيل الله".(6)
__________
(1) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، و4؛ الدرجيني:طبقات المشائخ، ج2، ص327.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص190.
(3) - بحاز: الدولة الرستمية، ص373.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص286.
(5) - نفسه، ص326.
(6) - الشماخي: المصدر نفسه، ص128؛ صالح مصطفى: ليبيا منذ الفتح، ص269. (1/382)
صفحة 383
وفي فن الرسائل حفظت لنا المصادر نص رسالة بعث بها أبو منصور إلياس التنمديرتي عامل الإمام أبي اليقظان على الجبل إلى العباس بن طولون يقول له فيها: "أما أنك أقرب الكفار مني وأحقهم بمجاهدتي، فقد بلغني من قبيح أفعالك ما لا يسعني التخلف معه عن جهادك، وأنا على إثر رسالتي (آت) إليك".(1)
وتؤكد المصادر على أن النفوسيين اهتموا بالأدب، فقد كان أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي ممن برع في الأدب وعلم اللسان.(2) وكان أبو القاسم وأبو خزر يعلمان الطلبة علوم العربية بالإضافة إلى العلوم الأخرى،(3) في حين أن محمد بن سدرين الوسياني كان يكثر في حلقاته من دروس النحو.(4)
__________
(1) - الباروني: الأزهار، ج2، ص318؛ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي، ج3، ص166-167.
(2) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج1، ص119.
(3) - المصدر السابق، ص120.
(4) - نفسه، ج2، ص397؛ الشماخي: السير، ص517. (1/383)
صفحة 384
واهتم النفوسيون كغيرهم من الإباضية بكتابة الأشعار باللغة البربرية، منها أشعار وضعها مهدي النفوسي باللسان البربري ليتناقلها البربر،(1) ومواعظ كتبها أبو ميدول مصكداسن،(2) وأشعار في الحساب والقبر والموت أنشدتها إمرأة صالحة تدعى "زيديت بنت عبد الله الملوشائي"،(3) وأشعار لمنزو بنت عثمان المزاتي.(4) وتجدر الإشارة إلى أن البربرية كانت تستعمل بكثرة في المجالس خاصة مجالس الوعظ والإرشاد لأن عزلة الجبل جعلت سكانه لا يتقنون اللغة العربية. كما أن كتب السير احتوت على العديد من الفقرات المكتوبة بالبربرية، ورغم ذلك فإن العلماء كانوا يشجعون الناس دوما على تعلم اللغة العربية، فقد رويت السير أن أبا عمران موسى بن زكريا - أحد العلماء الذين ألفوا ديوان الأشياخ - قال: "إن تعلم حرف من العربية كتعلم ثمانين مسألة من الفروع، وتعلم مسألة من الفروع كعبادة ستين سنة، ومن حمل كتابا إلى بلده لم يكن فيه فكأنما تصدق بألف حمل دقيقا على أهل البلد".(5)
ب - العلماء:
__________
(1) - الدرجيني: المصدر نفسه، ج2، ص314؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص343.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص409.
(3) - المصدر نفسه، ص317؛ معجم أعلام الإباضية، ج3، ص335.
(4) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص310-311.
(5) - الشماخي: السير، ص402؛ دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص397-398. (1/384)
صفحة 385
لا نبالغ إذا قلنا إن الجبل امتلأ بالعلماء حتى إنه يصعب على الباحث أن يفيهم حقهم من الدراسة، ذلك أن الحركة الثقافية التي عمته أثمرت في ميلاد العديد أو بالأحرى الآلاف من العلماء الذين ذاع صيتهم مشرقا ومغربا، وإذا كانت موقعة مانو يعدها أهل المذهب ضربة قاضية تعرضت لها نفوسة والثقافة عموما، إلا أن إصرار ممن نجوا - وهم لا يتعدون أصابع اليد - على استمرار المذهب مكنهم من تكوين جيل آخر من العلماء، وذلك بتكثيف الحلقات العلمية حتى إننا لا نجد قرية أو مدينة أو بطن من بطون نفوسة لا ينتسب إليها مجموعة من العلماء. أضف إلى ذلك أن التنافس العلمي والثقافي بين القرى والمدن كان سببا في إنعاش الحياة الثقافية، وما دام أنه من الصعب التعريف بجميع علماء المذهب، فإننا سنكتفي بالحديث عن أشهرهم خاصة الذين جمعوا بين العلم والحكم، والذين كانوا من مستجيبي الدعاء كما تقول المصادر.
ومن بين العلماء الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) أبو الحسن الأبدلاني، فهو أحد الإثنى عشر الذين اشتهروا بإجابة الدعاء(1) في عصر واحد بالجبل. وهو الذي سافر إلى تيهرت ضمن وفد نفوسة لنصرة الإمام في حربه مع الواصلية. وعرف أبو الحسن بقوته وشجاعته في الحروب، فقد شارك في المعركة التي دارت في الجبل في مكان يسمى "فاغيس"، بين أفلح بن العباس - عامل الإمامة - وبين أتباع خلف بن السمح، وفيها قال أبو مرداس مهاصر: "لا أخاف على عسكر فيه أبو الحسن الأبدلاني".(2)
__________
(1) - عددت المصادر هؤلاء فهم: أبو مرداس مهاصر، أبو عامر التصراري أبو المنيب محمد بن يانس، ماطوس بن ماطوس الشروسي، أبو مهاصر الفاطمي، أبو الشعثاء السنتوني، أبو يحي الأصغوي، أبو يحي تسكنيت، أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني، أبو زيد المصغوري (البصغوري)، أبو زكريا التويكتي، ينظر: الشماخي: السير، ص172.
(2) - المصدر نفسه والصفحة ذاتها. (1/385)
صفحة 386
ويعد أبو مرداس السدراتي من العلماء الذين بلغوا مبلغا عظيما في العلم، كان يسكن قرية "تبرست" بالجبل عرف بتعبده، حيث كان له كهف خصصه للعبادة. كما اشتهر بشدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبكرمه حيث كان ينفق ماله على الضعفاء خاصة في الشدائد. وقد سبق الذكر أنه كان يجلس على طريق رجوع الخدم من أعمالهم ليتصدق عليهم بالأكل. عاش أبو مرداس في إمامة عبد الوهاب (171-211هـ) (787-826م)، وعاصر أيوب بن العباس، وأبا عبيدة عبد الحميد الجناوني، والعباس بن أيوب، عمال الإمام على الجبل. عمَّرَ أبو مِرداس طويلا حتى إنه كان يجر سيفه وهو منحني إذا مشى أمام الجيوش أثناء القتال. تولى الفتيا في الجبل وبلغت شهرته الآفاق، فقد رويت السير أن أهل المشرق عندما قدموا زائرين إلى تاهرت اختاروا من تاهرت الإمام ووزيره من أهل الجبل أبا مرداس، وأبا زكريا التوكيتي، والعباس بن أيوب. وكان الإمام عبد الوهاب يقدره ويحترمه حتى إنه إذا دخل عليه قام له إجلالا وتقديرا له. وقد سبقت الإشارة أن أبا مرداس كان يسافر كثيرا إلى تاهرت بوصايا أهل الدعوة من الجبل لنفع بيت المال.(1)
__________
(1) - للمزيد من سيرته ينظر: الشماخي: السير، ص172-178؛ البغطوري: سير نفوسة، و17-18. (1/386)
صفحة 387
أما أبو زكريا يصلتن التوكيتي فهو أحد العلماء الأجلاء الذين أنجبتهم نفوسة، قال فيه أحد المشارقة الذين مروا بالجبل في طريقهم إلى حاضرة الإمامة "تاهرت" بأن "الجبل هو أبو زكريا وأبو زكريا هو الجبل"،(1) كان معاصرا لعامل الإمامة على الجبل العباس حيث خرج معه لقتال بني يفرن. كما كان يحضر رفقة أبي مهاصر مرداس مجلس الذكر عند أم الخطاب - إحدى العالمات المشهورات في الجبل - في "إغرم إينان" (أغرميمان).(2) واحتل أبو زكريا مكانة مرموقة حتى إنه عندما اعتذر أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني عن تولي الأمور بالجبل بسبب ضعفه أجابه الإمام عبد الوهاب بقوله: "إن كنت ضعيفا في البدن فأدخل في أمور المسلمين يقوي الله بدنك، وإن كنت ضعيفا في العلم فعليك بأبي زكريا يصلتن (يصلاتن) التوكيتي".(3)
__________
(1) - المصدر نفسه، ص178.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص178-179.
(3) - نفسه، ص182؛ أبو زكريا: كتاب السيرة، ص125. (1/387)
صفحة 388
ومن مشاهير الجبل العالم عمروس بن فتح فهو أعلم أهل زمانه فـ "لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس وعفر أثره واندرس".(1) ينتمي عمروس إلى الطبقة السادسة (250-300هـ) ولد ونشأ في قرية "قطرس" الواقعة على ضفاف وادي "تالة" بالجبل. اهتم منذ صغره بدراسة الكتب حتى أصبح من كبار أئمة العلم والدين، فأقواله وفتاويه وآرائه تداولتها المصادر. وقد سبق الذكر أنه عزم على تأليف موسوعة علمية يبين فيها الأحكام المستخرجة من القرآن والسنة والإجماع والقياس، ولكن موته حال دون إنجازه لهذا العمل. وقد ذاع صيت هذا العالم بين الإباضية، فعندما طلب منه عبد الخالق الفزاني أن يؤلف له كتابا في الأصول أرسل إليه كتابه المعروف بـ "العمروسي"، ولما درسه اعترف بأن عمروس أغزر منه علما، ولما طلب منه العامل أبو منصور إلياس أن يتولى القضاء اشترط عليه عمروس قائلا: "إن لم تأذن لي بثلاثة يا إلياس فخذ خاتمك عني: قتل الطاعن في دين المسلمين، ومانع الحق، والدال على عورات المسلمين".(2) وتولى عمروس القضاء بعد قبول أبي منصور لهذا الشرط، ويعد عمروس أول من دون أقوال المتخاصمين، وهو ما نسميه اليوم بـ "محاضر التحقيق".(3) ذلك أن قافلة تجارية استولى عليها قطاع الطرق، فجاء أصحاب القافلة والقطاع إلى الجبل، ومثلا أمام عمروس لأن كليهما إدعى ملكية القافلة فعزل أصحاب القافلة على حدة وانفرد بكل واحد منهم ليسأله عن علامة متاعه، وكتب أقواله، وانفرد بالقطاع فسألهم الأسئلة نفسها، ثم أخرج ما في الأحمال، فوجد أقوال أصحاب القافلة تنطبق على ما كتبه حينئذ طلب من أبي منصور حبس القطاع.(4)
__________
(1) - الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص320.
(2) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، ورقة 1.
(3) - علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص137-141.
(4) - الوسياني: المصدر السابق، (مخ)، ج2، و1-2؛ الدرجيني: الطبقات، ج2، ص321-322؛ الشماخي: السير، ص226. (1/388)
صفحة 389
شارك عمروس في موقعة مانو الشهيرة، والتي أبلى فيها بلاء حسنا، إلى أن وقع في حيلة دبرها له جند الأغالبة، حيث ثبتوا له حبالا فتعثر فرسه، وأخذ أسيرا فعذب تعذيبا شنيعا حيث قطعت يديه إلى المرفقين، رافضا ترك مذهبه وطلب العفو.(1)
ومن العلماء الذين نجوا من موقعة مانو أبو محمد عبد الله بن الخير التنوزيرفي. ولد في "تنوزيرف" بالجبل، تعلم على يدي العلامة أبي ذر أبان بن وسيم، حتى أصبح من العلماء الكبار الذين يضرب بهم المثل فقيل: "من ضيع كتاب كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير". جلس بعد مانو للتدريس والفتوى كما تولى الأمور في الجبل، وقد عمر طويلا إذ توفي عن عمر يناهز مائة وعشرين سنة.(2)
أما أبان بن وسيم بن نصر الويغوي شيخ عبد الله بن الخير فقد تلقى العلم في كبره على يدي الشيخ أبي خليل صال الدركلي. تولى الحكم في الجبل بعد وفاة أفلح بن العباس في إمامة أفلح بن عبد الوهاب (211-258هـ) (826-871م). وكان إلى جانب تسيير دواليب الحكم يشتغل بالزراعة. وعرف عنه أنه كان فقيها حيث لا تخلو كتب الفقه من فتاويه. وقد فتح مدرسة في بيته لتعليم الفقه أقبل إليها الرجال والنساء، وتخرج على يديه مجموعة من العلماء منهم: أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري، وأبو معروف ويدرن بن جواد، وابدين الفرسطائي، والعالمة زروغ الأرجانية.(3)
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص153؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص229؛ علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا، ص142-143؛ الباروني: الأزهار، ج2، ص345؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص391.
(2) - الوسياني: السير، (مخ)، ج2، و7؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص236-237؛ علي يحي معمر: المرجع نفسه، ص147-150.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص301-303؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص215-217؛ علي يحي معمر: المرجع نفسه، ص113-116؛ إبراهيم بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية (مخطوطة)، ج2، ص4. (1/389)
صفحة 390
وعرف أبو ذر أبان بن وسيم بانتقاداته لسكان الجبل عن الحالة التي وصل إليها. فقد قال: "أدركنا الناس الذين همّ الناس، أحاديثهم ذكر الله، وزيارتهم في الله، ومعانقتهم بالمودة والصحبة والمحبة، وبقيت حتى صحبت أناسا أحاديثهم الدنيا، وزيارتهم الحوائج، ومعانقتهم بالنطاح".(1) ولا يفوتنا أن نشير إلى أن لأبان مسائل كثيرة في الفقه.(2)
ومن تلاميذ أبان نذكر أبا القاسم سدرات بن الحسن البغطوري الذي نجا هو الآخر من موقعة مانو، لأنه كان شيخا معمرا فلم يشارك فيها، وتذكر المصادر أنه كان يسافر يوميا من بغطورة إلى ويغو ليصلي مع شيخه أبان. عاش أبو القاسم مائة وثلاثين سنة قضاها كلها في نشر العلم والفضيلة.(3)
وبالإضافة إلى هؤلاء نذكر أبا يحي سليمان بن ماطوس الشروسي النفوسي الذي ينتمي إلى الطبقة السابعة، حسب تصنيف الدرجيني، أي من علماء النصف الأول للقرن الرابع الهجري (300-350هـ). كان أبو يحي غزير العلم حيث وردت أقواله وفتاويه في مختلف المصادر، وانتشرت في مختلف مواطن الإباضية خاصة في زويلة. فتح هو الآخر مدرسة تخرج منها العديد من العلماء، رغم أنه تولى الحكم في الجبل بإتفاق أهل الحل والعقد. وهو أحد الذين "انتعش بهم الدين وأحي بهم قلوب الجاهدين بعد مانو".(4)
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص215.
(2) - نفسه، ص216.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص235؛ إبراهيم بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج3، ص343-344.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص276-278. (1/390)
صفحة 391
ومن المعاصرين لأبي القاسم سدرات، نذكر أبا هارون موسى بن يونس الجلالمي، الذي اهتم هو الآخر بنشر العلم، وتشجيع الطلبة للإقبال علىحلقات الدروس، فهو الذي قال فيه ابن ماطوس: "لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة في البصرة".(1) تعلم أبو هارون على يدي أبي القاسم سدرات، فأتقن علوم الأصول والمنطق. أما الفقه فكان يسميه "علم العجائز". جمع أبو هارون بين العلم والمال فكان ينفق جزءا من ماله على طلبته القادمين من كل مكان، ولا تخلو كتب الفقه و الأصول من فتاويه، وكتب علم الكلام من آرائه.(2)
أما أبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي فقد عاش في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، أخذ العلم عن أبي يحي زكريا بن يونس الفرسطائي، والربيع بن سليمان بن هارون اللالوتي. كانت له حلقة علمية في قريته "تمصمص"، تخرج فيها مجموعة من العلماء أمثال: أبي زكريا يحي بن سفيان اللالوتي، وأبي هارون موسى بن هارون، أم ماطوس. وبعد وفاة أبي محمد الكباوي أصبحت الفتاوى توكل إليه.(3)
__________
(1) - الشماخي: المصدر السايق، ص278.
(2) - نفسه، ص278؛ علي يحي معمر: الإباضية من ليبيا، ص160-162.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص313-314؛ إبراهيم بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج3، ص271-272. (1/391)
صفحة 392
ومن العلماء الفطاحل الذين أنجبتهم قرية "تملوشايت" بالجبل أبو الربيع سليمان بن موسى أبي هارون الملوشائي الذي عاش في القرن الرابع الهجري. تعلم على يدي أبي زكريا يحي بن سفيان اللالوتي، وأبي سهل البشر بن محمد التندميرتي، وأبي يوسف وجدليش، وغيرهم من العلماء الذين عاصرهم. كان أبو الربيع مفتيا، يلقي الدروس بمسجد "إيناين". ومن حلقته تخرج كلا من: أبي زكريا يحي بن الخير الجناوني، وأبي محمد وافي بن عمار الزواغي، وأبي محمد عبد الله المجدولي. ترك لنا أبو الربيع مجموعة من المراسلات التي تحتوي على فتاوي فقهية إلى مختلف العلماء نذكر منهم: أبا يعقوب تالوف بن أحمد، وأبا زكريا يحي بن إبراهيم، الذي تولى الحكم في الجبل.(1) جمع أبو الربيع بين الإمارة والقضاء والتدريس، فكان يفتتح حلقة الدرس للطلاب بعد صلاة العشاء، ثم يذهب إلى داره ليقرأ الكتب رفقة محمد بن زكريا البغطوري، ومحمد بن يفون، ويستمروا في القراءة إلى آخر الليل ثم يقوم إلى الصلاة إلى غاية الفجر، ثم يشتغل بالدراسة حتى شروق الشمس، ثم يفتتح مرة أخرى حلقة العلم. فإذا انصرف الطلبة جلس للقضاء والحكم إلى الزوال. وقد احتار بعض رفاقه فقالوا: "لا ندري متى ينام"، وهذا حرصا منه على التعلم ونشر العلم وتسيير شؤون الجبل.(2)
ومن "لالوت" اشتهر زكريا يحي بن سفيان اللالوتي الذي تصنفه المصادر ضمن علماء الطبقة السادسة (350-400هـ). عرف أبو زكريا بغزارة العلم واتساع المعارف، كانت له حلقة علمية التحق بها الطلبة من كل الجهات. أما شيوخه فهم: أبو محمد خصيب التمصمصي وأبو عبد الله محمد بن جلداسن اللالوتي. وكان إلى جانب تقديم الدروس اليومية ينتحل الزراعة لكسب قوته.(3)
__________
(1) - بحاز: المرجع نفسه والجزء ذاته، ص427.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص301-307.
(3) - البغطوري: سير نفوسة (مخ)، و5؛ الماحي: المصدر نفسه، ص296-298؛ علي يحي معمر: المرجع نفسه، ص173-176. (1/392)
صفحة 393
ومن "تابديوت" (تاديوت) - وهي قرية تقع قرب "تيرشوين" بالجبل - برز أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي كأحد أعلام عصره. تعلم في سجلماسة رفقة كيداد على يدي شيخهما ابن الجمعي. ولما حضرت هذا الأخير الوفاة سلم لأبي الربيع ديوانه الذي عاد به إلى قسطيلية ببلاد الجريد. وقد اشتهر أبو الربيع - كما سبق ذكره - بأنه أول من سن بعض تنظيمات الحلقة خاصة وأنه أصبح من مشاهير العلماء في المنطقة. فعندما خالف النكارية الإمام عبد الوهاب ظل أبو الربيع يناظر ويحاجج النكار، إلى أن عاد الكثير منهم إلى الطريق السليم. وعلى يديه أخذ العلم أبو القاسم يزيد بن مخلد، وأبو خزر يغلي بن زلتاف، خاصة الفقه والإعراب واللغة. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن أبا الربيع ألف ديوانا يعرف باسمه هو فىحكم الضياع.(1)
ومن علماء القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) نذكر سعد بن ييفاو النفوسي. فقد كرس حياته للتعليم حيث التحق الطلبة بحلقته التي نظمها في "أمسنان" بالجبل. كما عرف بمناظراته الكثيرة مع شيوخ "أمسنان" في بعض المسائل الفقهية. أما الطلبة الذين تتلمذوا عنده وأصبحوا بمرور الوقت في مرتبة العلماء منهم: حمو بن أفلح، وعبد الرحيم بن عمرو، وأحمد بن أبي عبد الله، وأحمد بن ويجمن، وأخوه يحي والمعز بن تاغرايت.(2)
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص112 وما بعدها، معمر: الإباضية في ليبيا ص162-163؛ بحاز: معجم أعلام الإباضية، ج3، ص401-402.
(2) - الشماخي: السير، ص376-377؛ بحاز: المرجع نفسه والجزء ذاته، ص349. (1/393)
صفحة 394
وفي الأخير نكرر ما قلناه وهو أنه من الصعب جدا أن نتناول بالحديث في هذا الفصل جميع العلماء، فالجانب الثقافي يحتاج إلى دراسة مستقلة كاملة. وكان من نافلة القول أن نتحدث في هذا المضمار عن أبي محمد عبد الله بن بكر النفوسي باعتباره أشهر العلماء النفوسيين على الإطلاق، ولكننا قد تطرقنا إليه في حديثنا عن نظام الحلقة كما سنتناوله بالحديث في الحياة الاجتماعية بحكم أنه مؤسس نظام العزابة. وإذا كنا قد أغفلنا ذكر العديد من العلماء فهذا لا يعني أننا قلصنا من دورهم في الحياة الثقافية في الجبل.
4 - حركة التأليف:
اهتم النفوسيون كغيرهم من الإباضية بتأليف الكتب ونسخها والعمل على نشرها وتعميمها بين الناس لتكون الاستفادة أعم. فهذا عمروس بن فتح يستغل وفادة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني إلى الجبل في طريقه إلى تاهرت وتركه لنسخة من مدونته الشهيرة المكونة من إثني عشرة جزءا عنده، فأسرع عمروس في نسخها دون أن يطلب إذنا بذلك حتى إنه استعان بأخته. فما إن عاد من تاهرت إلا وقد أنهى نسخها، ولذلك سماه بِشر "سارق العلم" عندما لاحظ نقطة حبر على إحدى ورقات المدونة. ولما أحرقت مكتبة "المعصومة" ظلت نسخة عمروس هي المعتمد عليها، ولولاها لبقي أهل المذهب من غير ديوان.(1)
وذلك نفاث بن نصر عندما طلب منه الأمير المشرقي في بغداد أن يسأل حاجته كمكافئة له لما حواه من العلم وتمكنه من الإجابة على المسألة التي عجز عنها علماء بغداد وفقهاؤها، طلب السماح له بنسخ ديوان جابر بن زيد. وحرصا منه على الظفر بنسخة منه اشترى الحبر والورق ودفع لكل ناسخ دينار وللملي نصف دينار. ورغم أن مدة النسخ كانت ضيقة، والمقررة وفق شروط الأمير بليلة ويوم فقط، إلا أنه ما إن طلع الفجر إلا وقد نسخ الديوان كله إلا كتابا واحدا تمكن من حفظه بعد قراءة واحدة.(2)
__________
(1) - الشماخي: السير، ص228؛ الباروني: الأزهار، ج2، ص313-314.
(2) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص140-141. (1/394)
صفحة 395
وتذكر المصادر أن السبب الذي عجل سفر أبي محمد عبد الله بن محمد اللواتي إلى قلعة بني حماد بالمغرب الأوسط هو أن رجلا يدعى سليمان بن مدرار النفوسي أخبره بأنه عثر على تفسير القرآن لعبد الرحمن بن رستم يباع في سوق القلعة، فسافر من أجل الظفر بهذا التفسير وإقتنائه ليستفيد منه.(1)
إن هذه الصور التي أوردناها لدليل كاف على اهتمام الإباضية قديما وحديثا بالكتاب. ولا غرابة أن يترك لنا أتباع هذا المذهب الآلاف من الأسفار التي تغص بها المكتبات في مختلف فنون العلم، لأن انتشار الكتاب هو انتشار للعلم، وانتشار العلم يعني بقاء المذهب، واستمراره رغم كيد خصومهم وبطشهم خاصة في مرحلة الكتمان.
__________
(1) - الشماخي: المصدر السابق، ص438. (1/395)
صفحة 396
وبناء على ذلك فإن تنظيم الحلقات العلمية وتأليف الكتب كان الشغل الشاغل للعلماء. ويكفي أن نقول إن أحد علماء المذهب يدعى أبا مكدول مطكداسن ألف أحد عشرة كتابا في عشرة أيام.(1) على الرغم من المبالغة في العدد، فربما المقصود هنا كراسا أو مقالة. وقد سبقت الإشارة أن عمروسا بن فتح قاضي أبي منصور إلياس عزم على تأليف كتاب يعالج فيه مسائل الفقه ولكنه توفي قبل إنجازه. وذكرت المصادر أن له كتبا في الأصول والفقه.(2) منها كتاب في الأصول يعرف بـ "العمروسي" في أربعة أسفار ألفه بطلب من أحد علماء الكلام بفزان.(3) ويضيف إليه عبد الرحمن بكلي كتبا أخرى مثل "كتاب أعلام الملة"، و"كتاب الحكم والمعارف"، و"كتاب الدينونة".(4) وألف يحي الجناوني "كتاب الجناوني" في سفرين. وألف أبو زكريا يحي الأبدلالي "كتاب الوضع" و"كتاب المناسك".(5) وينسب إلى سعد بن ييفاو، وكتاب يتضمن العديد من المسائل الفقهية.(6) ذكر الشماخي أجوبة اطلع عليها لأبي حسن جناو بن فتى المديوني بعث بها إلى عبد القاهر الفزاني، وأجوبة لأبي بكر أسدين وأجوبة لأبي وزيون بن الحسن.(7) كما دون سحنون بن أيوب - أحد علماء الطبقة السابعة (300-350هـ) مؤلفات تحتوي على مسائل وفتاوى كانت منتشرة في منطقة طرابلس. كما ألف أبو العباس بن أبي عبد الله بن بكر النفوسي أثناء إقامته بقرية "تمولست" كتبا عديدة منها "أصول الأراضين" في ستة أجزاء، والسيرة في فى الدماء فى عدة
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص291؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص348.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص225-229؛ الباروني: الأزهار، ج2، ص312؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، ج2، ص383.
(3) - البرادي: الجواهر المنتقاة، ص219؛ الباروني: المرجع نفسه، ص314؛ الحارثي: العقود الفضية، ص280.
(4) - بحاز: الدولة الرستمية، ص327.
(5) - بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج3، ص340.
(6) - ينظر: السير، ص190-192.
(7) - المصدر نفسه، ص292. (1/396)
صفحة 397
أجزاء، والجامع المسمى بأبي مسئلة.(1) و"كتاب القسمة"، وكتاب "تبيين أفعال العباد" - في ثلاثة أجزاء - وكتاب الألواح. و ألف في آخر حياته كتابا لا تذكر المصادر عنوانه يتكون من خمسة وعشرين جزءا.(2) وترك ابن ماطوس كتابا في الشريعة.(3) وذكر أن مسألة الإنسان في الجهالات، ومسألة التفرقة بين الكفر والشرك، ومسألة الدلائل، ألفها أبو إسماعيل بن ملال البصير المكطودي.(4)
كما ألف أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي ديوانا ومجموعة من الكتب لا تذكر المصادر عناوينها.(5) وترك تبغورين بن عيسى- وهو معاصر لأبي العباس بن أبي عبد الله بن بكر - تآليف كثيرة في العقائد.(6)
كما ألفت العديد من الأسفار في الرد على النكار. فقد دون محمد بن أبي خالد إثني عشرة كتابا في الرد على من أنكر إمامة عبد الوهاب. وكانت هذه الكتب منتشرة في الجبل.(7) وألف نفاث بن نصر كتاب يبين فيه المسائل التي خالف فيها الوهبية.(8) وقد رد علي مسائله وآرائه مهدي النفوسي.(9)
__________
(1) - يذكر الوسياني أن سبب تسمية هذا الكتاب بأبي مسئلة أن أبا عبد الله محمد بن سليمان النفوسي أرسل من "أبديلان" بالجبل يلتمس منه أن يضع تأليفا مختصرا في الفروع فرأى في منامه أن قائلا قال له: "اذكر أبا مسئلة" فسماه بهذا الاسم، ويسمى أبضا بـ "الجامع" وهو جزئين. ينظر: السير (مخ)، ج2، و34.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص423؛ البرادي: الجواهر المنتقاة، ص220.
(3) - دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص545..
(4) - الوسياني: السير، ج2، و29.
(5) - الشماخي: السير، ص279.
(6) - المصدر نفسه، ص432.
(7) - الوسياني: السير (مخ)، ج2، و37؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص418.
(8) - الشماخي نفسه، ص193-194؛ T Lewicki: Melanges Berberes, p271.
(9) - بحاز: الدولة الرستمية، ص343؛ T Lewicki: Ibid, p269. (1/397)
صفحة 398
أما أشهر تأليف على الإطلاق فهو ديوان العزابة، المعروف أيضا بـ "نوازل نفوسة"، رغم أن البعض يرى أن ديوان الأشياخ الذي ألف في غار أمجماج بجربة.(1) هو نفسه "ديوان العزابة". ألف هذا الديوان جماعة من العزابة هم: يخلفتن بن أيوب النفوسي، ومحمد بن صالح النفوسي المسناني، ويوسف بن موسى القنطراري، ويونس بن عمران بن أبي عمران، وموسى بن أبي زكريا المزاتي من "تيجريت"، وجابر بن حمو الزنزفي، وإبراهيم بن أبي إبراهيم، وعبد السلام بن سلام من أريغ. ويتألف هذا الديوان من خمسة وعشرين جزءا.(2) وتضيف المصادر أسماء أخرى يبدو أنها شاركت في تأليف بعض أجزائه منها عالم يسمى: إسماعيل بن يدير الذي انفرد بكتاب الصلاة، وأبو العباس بن بكر الذي كتب "كتاب الحيض". أما "كتاب الوصايا" فهو من تأليف محمد بن صالح، و"كتاب النكاح" فمن تأليف يخلفتن بن أيوب.(3)
ورغم هذا الإنتاج الغزير من المؤلفات، إلا أن تأليف علماء المشرق ظلت تحتفظ بمكانتها لدى النفوسيين فظلوا يعتمدون عليها، كمختصر ابن محبوب، ومدونة أبي غانم، ومسند الربيع بن حبيب، وديوان جابر بن زيد، وغيرها. وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن المصادر تشير إلى العديد من المؤلفات، ولكنها لا تذكر عناوينها. ويبدو أنها ضاعت فلم يتمكن كتاب السير والطبقات من الإطلاع عليها. ولذلك تجاوزناها ولم نشر إليها في هذا البحث.
5 - المكتبات:
__________
(1) - ألف هذا الديوان الفقهاء السبعة: أبو عمران موسى بن زكريا وهو الذي تولى نسخه وأبو عمرو النميلي وعبد الله بن مانوج وأبو زكريا يحي بن جرناز النفوسي وجابر بن سدرام وكباب بن مصلح وأبو مجبر توزين. يتكون هذا الديوان من إثني عشر كتابا. ينظر: الوسياني، السير (مخ)، ج2، و27؛ الشماخي: السير، ص401.
(2) - الوسياني: المصدر نفسه، ج1، و114؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص431؛ صالح باجية: الإباضية بالجريد، ص56.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص431. (1/398)
صفحة 399
نلاحظ من خلال ما مر بنا أن إباضية المغرب الإسلامي عامة، والنفوسيين خاصة قد اهتموا بالكتاب تأليفا ونسخا، وصرفوا الأموال الطائلة في شراء الكتب. فاشتهرت تاهرت بمكتبة المعصومة التي أشارت المصادر بكتبها وتتأسف تأسفا عميقا لما وقع لها. كما تتحدث المصادر عن خزانة نفوسة التي لا تختلف كثيرا عن "المعصومة" إذ كانت تحتوي على الآلاف من الكتب. كما تتحدث المصادر عن ديوان بالجبل إشتمل على مؤلفات كثيرة. وقد زار هذا الديوان أبو العباس بن عبد الله بن بكر النفوسي، ومكث فيه أربعة أشهر يقرأ الكتب لا ينام إلا فيما بين آذان الصبح إلى آذان الفجر. وقد احتوى هذا الديوان على تآليف المشرق والمغرب، وأن تآليف المشرق وحدها قارب عددها ثلاثة وثلاثين ألف جزء كلها مؤلفات لأهل المذهب.(1)
كما تشير المصادر إلى خزانة أخرى في قصر "ولم" بالجبل، وهي الخزانة التي مكث فيها وارسفلاس بن مهدي -أحد العلماء الذين عاصروا أبا عبد الله محمد بن بكر - مدة إثني عشر سنة يدرس الكتب.(2) ولم تسعفنا مصادرنا من التأكد هل أن هذه الإشارات يقصد بها خزانة أو مكتبة واحدة، أم هي فعلا مجموعة من المكتبات إحداهما في شروس أم قرى الجبل والأخرى في قصر "ولم". والثالثة تسمى "الديوان" ؟
ومهما يكن من أمر فإننا لا نستبعد أن تكون هناك مجموعة من المكتبات موزعة على قرى الجبل، كما لا يمكن أن ننكر وجود مكتبات أخرى في زويلة وغدامس وفزان وغيرها من المناطق القريبة من الجبل والتي يتواجد بها الإباضية.
6 - العلاقات الثقافية بين جبل نفوسة وإباضية المشرق والمغرب:
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص414؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص289؛ الحارثي: العقود الفضية، ص275؛ عمرو خليفة النامي: ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان، ص24.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص327. (1/399)
صفحة 400
لا نبالغ إذا قلنا بأن موضوع العلاقات الثقافية بين أباضية جبل نفوسة وأباضية المشرق والمغرب موضوع يستحيل الإلمام به في هذه العجالة نظرا لسعة الموضوع والذي يقتضي رسالة جامعية وبحثا مستقلا لغزارة المادة فيه. ولذلك سنحاول الإقتصار على الأهم مبرزين أهمية هذه العلاقات ودورها في التواصل الثقافي بين المشرق الإسلامي ومغربه.
أ - مع أباضية المشرق:
ظل التواصل الثقافي بين أباضية الجبل وأباضية المشرق وإفريقية و المغرب الأوسط مستمرا منذ أن وطئت أقدام الداعية سلمة بن سعد أرض المغرب، وتعددت البعثات العلمية إلى البصرة لتلقي العلم والمبادئ عن أئمة المذهب هناك، وعمل المشارقة بكل ما في وسعهم على تقديم المساعدات لإخوانهم المغاربة، خاصة بعد إعلان إمامة الظهور. وقد أخذت هذه المساعدات أشكالا متعددة فجاءت تارة في صيغة معونات مالية، وتارة ثقافية ومذهبية. وقد نقل إلينا إبن الصغير ما قاله المشارقة في إمامة عبد الرحمن بن رستم حيث قالوا: "لا تدخروا عنه مالا ولاتحبسوا عنه عطاء، إبعثوا إليه بجميع مابأيديكم ليتقوى به على دينه ودنياه، فإنكم تنالون بذلك شرفا عاجلاوغناء آجلا".(1)
__________
(1) - ينظر: أخبار الأمة الرستميين، ص37-38. (1/400)
صفحة 401
أمافي الجانب الثقافي فإننا نعتقد أن المشارقة كانوا يزودون مكتبات الجبل بالكتب على غرار تزويد مكتبة المعصومة في إمامة عبد الوهاب. فالديوان الذي ضم ثلاثين ألف كتاب من تأليف علماء المذهب بالمشرق لا شك أنه من تزويدهم. ويمكن أن نستدل على ذلك بقدوم بشر بن غانم بمدونته إلى الجبل. كما أن أباضية المغرب الإسلامي ظلوا يعودون إلى علماء المشرق يستشيرونهم في كل المسائل التي أشكلت عليهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بخلاف بين أهل الدعوة، فقد استشاروا شعيب بن المعروف بمصر، وأبا عمرو الربيع بن حبيب، وأبا غسان محمد بن العمري الغساني بمكة في مسألة النكارية، وهل تجوز إمامة المفضول مع وجود الأفضل؟ وجاءهم الرد بأن الإمامة صحيحة (أي إمامة عبد الوهاب) والشرط باطل.(1)
وعندما منعت نفوسة الإمام عبد الوهاب من المسير إلى الحج، خشية أن يحبسه المسودة "فتتعطل أمور المسلمين وحدود الله وأحكامه" أرسل الإمام كتبا إلى أئمة المشرق الربيع بن حبيب وابن عباد يستفتيهم في ذلك فجاءه الرد: "من كان على هذه الصفة المذكورة من العناء في أمور المسلمين، فليس عليه حج لأن أمان الطريق من الشروط التي يجب بها الحج على من استطاعته".(2)
ولما تزعم خلف بن السمح الشقاق في الجبل أرسل النفوسيون كتابا إلى أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وهو آنذاك رأس أهل الدعوة بالمشرق، يستشيرونه في أقوال خلف وأتباعه. وجاءهم الرد بتخطئة من ولى خلف دون موافقة الإمام.(3)
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السير، ص93-94.
(2) - المصدر السابق، ص116.
(3) - نفسه، ص122-123. (1/401)
صفحة 402
لقد عمل النفوسيون دوما على توثيق علاقاتهم الثقافية بالمشرق وتدعيمها بالزيارات المتبادلة، وفي المقابل ظل علماء المشرق يتحسسون أخبار إخوانهم في المغرب، سواء في مرحلة الظهور، أم في إمامة الكتمان. وكان موسم الحج فرصة للالتقاء بين أهل الدعوة. فهذا عمروس بن فتح عندما توجه إلى مكة حاجا استغل وجوده هناك ليحضر ومن معه مجلس العلامة محمد بن محبوب ويسأله في "مسائل الدماء" وغيرها من المسائل.(1) وتضيف المصادر أن نصر بن سجميمان - وهو أحد علماء قرية "أصلابونن" بالجبل - التقى بأئمة عمان بمكة، وسألهم عن السخط والرضا، وعن القرآن.(2)
ومر بنا أن ابن الجمعي - أحد علماء المذهب المشارقة - زار المغرب واستقر فيه وكانت له حلقة في سجلماسة منها تخرج أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي. وعموما فقد كان المشارقة يفدون كثيرا إلى الجبل للاطلاع على أحول إخوانهم.(3)
ب - مع إباضية المغرب:
__________
(1) - البغطوري: سير نفوسة (مخ)، و60؛ الوسياني: السير، ج2، و3؛ الدرجيني: الطبقات، ج2، ص324؛ الشماخي: السير، ص227؛ الباروني: الأزهار، ج2، ص313.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص486. قرية غير معروفة فى الجبل وقد انفرد الشماخي بذكرها.
(3) - البغطوري: المصدر السابق، (مخ)، و17-18؛ الدرجيني: المصدر السابق، ج2، ص293؛ الشماخي:المصدر نفسه، ص178. (1/402)
صفحة 403
أما علاقات إباضية الجبل بإباضية إفريقية والمغرب الأوسط، فإن أهم ما يميزها هو كثرة تنقل العلماء بين مواطن إخوانهم، سواء للمساهمة في تأسيس الحلقات العلمية، ومجالس الذكر، أو الاطلاع على أحوالهم. ويروي أبو زكريا أن أبا الربيع سليمان بن يخلف المزاتي قال: "طلعنا مع أبي عبد الله (محمد بن بكر النفوسي) إلى وارجلان زائرين في جماعة كثيرة، وفينا قبائل أهل الدعوة بأجمالهم حتى جعل ببعض الطريق... على كل قبيلة منهم عريفا وسفيرا يرعاهم ويتفقد أمورهم خوفا مما يحدثون في وارجلان".(1) وتشير المصادر إلى زيارة العديد من علماء نفوسة إلى وارجلان وإسهامهم في إنعاش الحياة الفكرية فيها منهم: أبو عبدالله محمد بن سليمان النفوسي،(2) وعيسى بن زاور الأمسناني،(3) وأبو يعقوب يوسف بن زرار النفوسي.(4)
كما انتقل بعض علماء أريغ إلى الجبل منهم: بكر بن أبي بكر، وأبو موسى عيسى بن المسيح، وأبو صالح اليهراسني، يريدون عرض مسائلهم على ابن ماطوس بالجبل.(5) كما كان علماء وارجلان يزورون الجبل باستمرار وقد أشارت المصادر إلى ذلك في العديد من المواضع.(6) كما كانت العلاقات متينة بين النفوسيين وبين أهل جربة وبلاد الجريد، وبين جربة والمغرب الأوسط.(7) فقد كان علماء نفوسة يستقرون طويلا في جربة لإلقاء الدروس. وقد مر بنا أن أبا يخلف تكفل بشرح مسائل الحيض بالجزيرة.
ثانيا - الحياة الاجتماعية:
__________
(1) - ينظر: كتاب السيرة، ص321-322.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص407.
(3) - الوسياني: سير مشائخ المغرب، ص50.
(4) - الشماخي: المصدر السابق، ص484.
(5) - مجهول: كتاب المعلقات (مخ)، و11.
(6) - الوسياني: سير مشائخ المغرب، ص35.
(7) - للمزيد من الاطلاع على هذه العلاقات، ينظر: مقالنا: العلاقات الثقافية بين إباضية جربة وإباضية المغرب الأوسط في القرنين الرابع والخامس للهجرة، مجلة العلوم والاجتماعبة والإنسانية، جامعة باتنة، عدد2، سنة 1994، ص157-165. (1/403)
صفحة 404
1 - نظام العزابة:
يعد نظام العزابة من الأنظمة التي لجأ إليها شيوخ المذهب بعد أن سقطت إمامة الظهور في تاهرت، ذلك أن الإباضية تعرضوا للعديد من النكبات أجبرتهم على البحث عن إطار آخر غير إطار الإمامة، يمكنهم من الحفاظ على مذهبهم خاصة وأنه أصبحت لديهم قناعة - على الأقل في هذه المرحلة - بأنه لا قدرة لهم على إحياء الإمامة من جديد. وقد عبر هذا عن الضعف يعقوب بن أفلح لسكان وارجلان عندما التجأ إليهم بقوله: "افترقوا فقد انقضت أيامكم، وزال ملككم، ولا يعود إليكم إلى يوم القيامة".(1) ولهذه الأسباب ظهر نظام العزابة ليعوض الإمامة المندثرة. فهو بمثابة "السلطان العادل في العدل سواء".(2) والذي يشرف على الجماعات الإباضية إشرافا يشمل جميع مناحي الحياة السياسية، والدينية، والثقافية، والاجتماعية.
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص178.
(2) - أبو عمار عبد الكافي: السير (مخ)، و5؛ فرحات الجعبيري: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المطبعة العصرية، تونس، 1975، ص25. (1/404)
صفحة 405
ويعود الفضل في تأسيس هذا النظام إلى العلامة النفوسي أبي عبد الله محمد بن بكر، وذلك في بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وهو نظام تطور عن نظام الحلقة الذي مر بنا. وقد عرف هذا النظام تطورات مطردة وفق ما تقتضيه الحياة وتغيراتها. وأصبحت المصادر تردد كثيرا كلمة "عزابة" و"عزابي" - وهي مشتقة من "العزابة" ومعناها العزلة، والعزبة، والتصوف، والتهجد على رؤوس الجبال.(1) ويقصد بـ "العزابي" كل إباضي لازم الطريق وطلب العلم.(2) وأما مجلس العزابة فإنه يتكون من أهل العلم والورع والصلاح من الذين تخرجوا من الحلقة. وقدحددت المصادر عددهم بإثني عشر، وقد يزيد وهم: شيخ الحلقة، وإمام الصلاة، والمؤذن، وكيلا المسجد، ومقرؤو المحاضر وعددهم ثلاثة، وغسالو الموتى وعددهم أربعة أو خمسة، وقاضي للبلد.(3)
ولا نريد في هذا المجال أن نتناول هذا النظام بكل تفاصيله، فذلك تناولته العديد من الدراسات.(4) ولكننا سنركز على دور هذا النظام في الحياة الاجتماعية في الجبل.
__________
(1) - أبو عمار: المصدر نفسه، و2؛ أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي: كتاب السير، المطبعة العلمية، تونس، 1321هـ، ص91.
(2) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص170؛ بابا وإسماعيل عمر: وادي ميزاب، مجلة التاريخ، عدد19، سنة 1985، ص106.
(3) - أبو عمار: المصدر السابق، و3-5؛ سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، الطبعة الأولى، تونس 1986، ج1، ص84-86؛ أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، دار المعارف، ط2، القاهرة، 1963، ص105، الجعبيري: نظام العزابة، ص80.
(4) - ارجع إلى الفصل الرابع من رسالتنا: الإباضية في المغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستمية إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (296-442هـ) (909-1058م)، رسالة ماجستير مخطوطة كلية الآداب، جامعة القاهرة، 1988؛ الجعبيري: المرجع نفسه، ص25 وما بعدها؛ باجية: الإباضية بالجريد، ص181 وما بعدها. (1/405)
صفحة 406
ويبدو أن هذ النظام اقتصر وجوده وانتشاره في المغرب الأوسط وإفريقية (بلاد الجريد وجزيرة جربة)، فقط وذلك لأن عزلة الجبل مكنت سكانه من تعيين حكام أو أمراء تولوا الإشراف على الجبل. كما كان هؤلاء يعينون القضاة، وفي بعض الأحيان كان الحاكم يجمع بين الإمارة والقضاء. ولذلك فإننا نشاطر الدكتور إبراهيم فخار الرأي عندما ذكر بأن إباضية نفوسة لم يعرفوا هذا النظام. ذلك أن النفوسيين كانوا يعملون منذ القدم على الحفاظ على استقلالهم عن المغرب الأوسط، وقد ظهرت هذه النزعة بقوة إبان انتفاضة خلف بن السمح،(1) وإذا كان على يحي معمر يؤكد على وجود مجلس للعزابة كامل الأعضاء في كل قرية أو مدينة بالجبل، وأن كل مجلس يرأسه شيخ، ومن جملة هؤلاء الشيوخ تكون المجلس الأعلى للعزابة الذي يرأسه شيخ الجبل في جادو.(2) فإننا نعتقد بأن هذا ربما حدث في فترة متأخرة عن الفترة موضوع الدراسة، وهي الفترة التي عوض فيها مجلس العزابة أمير الجبل، مما يدعم اعتقادنا ما قاله صاحب الاستبصار (عاش في القرن 6هـ) في وصف سكان الجبل بقوله: "ليس لهم أمير يرجعون إلى أمره، وإنما لهم شيوخ وفقهاء في مذاهبهم يرجعون إلى أمرهم".(3) ولاشك أن المقصود بهؤلاء الشيوخ والفقهاء هم شيوخ العزابة.
__________
(1) - Dr. Brahim Fekhar: Les institutions ibadites Maghrebines au moyen age, l’institution des Azzabas, acte du 3eme congres d’ histoires et de civilisation du Magreb Oran 26-28 Novembre 1983, OPU, Alger, 1987, T1, p127.
(2) - ينظر: الإباضية في الجزائر، ص260.
(3) - ينظر: ص144-145. (1/406)
صفحة 407
ومهما يكن من أمر فإن العزابة سواء أكانوا شيوخ الجبل أم من خارجه، والذين كان دأبهم تفقد أحوال إخوانهم، كان لهم دور كبير في الحياة الاجتماعية والثقافية، وساهموا إلى حد بعيد في تقويم سلوكات النفوسيين خاصة لما طبقوا نظام الولاية والبراءة والخطة والهجران. وتورد المصادر شواهد كثيرة عن قيام العزابة بمحاربة الانحراف وحماية مصالح الناس، فقد ذكر الوسياني أن أبا يعقوب يوسف بن نفاث كان يتفقد المزارع والطرق فإذا شاهد من ألحق بها ضررا ضربه.(1) ويضيف أنه إذا نزلت نازلة بالجبل قام رجل معروف ينادي في قرى الجبل يحذر الناس، وذلك لإعطاء الفرصة للشيوخ وللعزابة للتدبر فيها خشية الفرقة والخلاف.(2) وتروي المصادر أن عزابيا لا تذكر اسمه كسر معزف إمرأة كانت تغني في أحد الملاهي.(3) وزج العزابة برجل في السجن بسبب تماطله في تسديد دين عليه، ولم يطلقوا سراحه إلا بعد أن دفع ما عليه.(4) وكان العزابة يوبخون السكان عند صدور عمل قبيح منهم، فقد ذكر أن عزابيا من أهل "اوتلجام" يدعى أبو موسى قال: "أهل" دجي كلهم رجالهم ونسائهم مستحقون للحبس والسياط ،إلا محمدا (وارسفلاس) وأمه".(5)
__________
(1) - الوسياني: السير، ج1، و28.
(2) - المصدر نفسه، ج2، و11.
(3) - نفسه، ج2، و67.
(4) - الشماخي: السير، ص406.
(5) - البغطوري: سير نفوسة، و52. (1/407)
صفحة 408
وبما أن وظيفة العزابة كانت تهدف إلى حماية الدين، وحماية أهله، فإنه من غير المقبول أن يتعرضوا للطعن. فلما تجرأ أحد أعيان (إكراين) وطعن في العزابة جعلوا السلسلة في عنقه وحبسوه عقابا له.(1) وقد تتعدى العقوبة مقاطعة بعض القبائل، فالمصادر تذكر أن الشيوخ منعوا التعامل مع ثلاثة قبائل من بني غمرة، وبني ورسفان، وبني ينجاسن، لأنهم أكثروا من الغارة وأعمال الغصب.(2) وكان العزابة يمنعون أهل الدعوة الوفادة على العمال الجورة. وقد أخرج رجل يدعى عبد الله بن جابر إلى الخطة لاتصاله بأمراء مدينة قابس. فالشيوخ يقولون: "إذا رأيتم العالم يمشي إلى أبواب السلطان فاتهموه على أمر دينكم".(3)
ويتدخل العزابة في حسم العديد من القضايا تجنبا للخلاف فعندما اشتهر طلوع هلال شوال في الجبل، أكل البعض وأمسك البعض الآخر، خرج أبو هارون التملوشائي ليرغم على من تمادى في الصوم بالإفطار.(4)
ولم يقتصر تدخل العزابة عند هذا الحد، بل كانوا يمنعون أهل الدعوة من الاطلاع وقراءة كتب أهل الخلاف، فقد عاقب العزابة رجلا يدعى "عبد الله بن عيسى يوسف" عندما علموا بأنه كان يقرأ كتاب لأهل الخلاف عنوانه "كتاب الأشراف على مسائل الخلاف".(5)
ومن العادات الحسنة التي نعتقد أن العزابة هم الذين سنوها هي أن الجائع كان يغلق بعض بابه ويترك الباقي حتى يلفت انتباه الميسورين فينفقوا عليه، وهذا من باب التكافل الاجتماعي.(6)
2 - التنظيم الطبقي في المجتمع النفوسي:
__________
(1) - البغطوري: المصدر نفسه، و13؛ الشماخي: المصدر السابق، ص305.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص493.
(3) - نفسه، ص384.
(4) -نفسه، ص304.
(5) -الوسياني: السير، ج1، و123.
(6) - الشماخي: المصدر السابق، ص239. (1/408)
صفحة 409
كان المجتمع النفوسي يتكون من عدة قبائل بربرية كنفوسة، وتمثل الأغلبية، ولواتة، ومزاتة، وهوارة، وسدراتة، ولماية، وزناتة، وزواغة، وكانت هذه القبائل تدين بالمذهب الإباضي. ولا يعني هذا أن جميع السكان كانوا على هذا المذهب، بل هناك المالكية. فقد ذكر الأستاذ بحاز بأن فقيها مالكيا يدعى "أهاب بن مازون النفوسي" كان مشهورا في الجبل في نهاية القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) إذ توفي قبل سنة 320هـ (932م).(1)
وكان سكان الجبل يكونون وحدة اجتماعية انصهرت فيها مختلف القبائل والبطون على الرغم من بعض الحروب الأهلية التي اندلعت بين بعض قرى الجبل نتيجة العصبية القبلية، وربما محاولة للاستقلال عن حكام جادو. ولا ننسى الأقليات غير الإسلامية التي وجدت الحرية والتسامح فتعايشت مع النفوسين. وقد سبق الذكر أن جماعات كثيرة من اليهود كانت تعيش في الجبل، ولم نعثر على نصوص تشير بأن هؤلاء اليهود قد تعرضوا لأي مضايقات، بل بالعكس فقد مكنهم تسامح النفوسيين من الانشغال ببعض الحرف والصناعات بالإضافة إلى التجارة. أما بقايا النصرانية من روم وغيرهم فمما لاشك فيه أنهم هم الآخرون كانوا يتمتعون بحرية في ممارسة شعائرهم الدينية. وقد ثبت وجود العديد من الكنائس منتشرة في العديد من قرى الجبل، ويكفي أن نقول إن أبا منصور إلياس أحد مشاهير الجبل ووالي الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح كان نصراني الديانة، أضف إلى ذلك أن الزواج من النصرانيات كان شائعا في الجبل.
__________
(1) -ينظر: الدولة الرستمية، ص324. (1/409)
صفحة 410
بالإضافة إلى هؤلاء هناك طبقة العبيد، الذين كانوا يستعملون كخدم في المنازل، والمزارع، ولم يكن العبيد من بلاد السودان فقط، بل فيهم من الروم. وقد عامل النفوسيون هؤلاء العبيد معاملة حسنة فعملوا على تعليمهم ونشر الإباضية في صفوفهم. فقد ذكر أن إماء نفوسة إذ خرجن للحطب لا يرجعن حتى يتذاكرون جميع مسائل كتاب ماطوس،(1) وكان يسمح لهن حضور المجالس العلمية. فالمصادر تورد إصرار آمة تدعى "غزالة" على التعلم إذ كانت تخدم مولاها بالنهار، وفي الليل تلتحق بمجلس أبي محمد عبد الله بن الخير.(2)
ولا يعني هذا أن العبيد كانوا ميسوري الحال، أو كان أغلبهم ممن حظي بالتعليم، فقد إشتكى عبد رومي لسيده عمروس بن فتح - قاضي الجبل في ولاية أبي منصور إلياس- قائلا له: "يا مولاي فما يبلغ فينا أن تأكلوا القمح، ونأكل الشعير، وتلبسوا الكتان، ونلبس الصوف".(3)
ورغم أن مصادرنا لا تتحدث عن وجود العرب في الجبل، إلا أنه يحتمل وجود جماعات منم استقروا بعد الفتح، ولكنه لم يكن لهم تأثير لأن الغلبة كانت البربر. وهذا باستثناء عبد الجبار بن قيس المرادي، والحارث بن تليد الحضرمي، وأبي الخطاب عبد الله الأعلى بن السمح المعافري، والذين تزعموا ثورات الإباضية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري (الثامن الهجري)، وحتى عندما انتقل بنو هلال إلى بلاد المغرب، فإنهم استقروا في سفوح الجبل المعروفة بمنطقة "الجفارة".
3 - المرأة:
__________
(1) - الوسياني: السير، ج2، و11؛ الشماخي: السير، ص545؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص377-378.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص218؛ بحاز: المرجع نفسه، ص378.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، و60. (1/410)
صفحة 411
يعد موضوع المرأة الإباضية من المواضيع الحساسة، والصعبة في الوقت نفسه، لأن عالم المرأة الإباضية سواء في القديم أم في الحديث عالم لا يستطيع أي باحث فهمه، أو دراسته، إلا من داخل المجتمع الذي تعيش فيه، وهذا يعود إلى انعدام المصادر وسكوتها. وسيقتصر حديثنا في هذا المجال عن دور المرأة ومكانتها في المجتمع الذي تعيشه خاصة في مجال الدعوة، والتعليم، وهو الدور الذي أشارت إليه المصادر المتوفرة لدينا.
حظيت المرأة باهتمام كبير ولم يكن هذا الاهتمام أمرا عارضا، بل هو نابع من صميم الدين الإسلامي، فعملوا على إعدادها إعدادا جيدا لتؤدي رسالتها في المجتمع، ويسروا لها السبل لتلتحق بحلقات الدرس، فكان من عادة سكان قرية "ابناين" مثلا أن يجعلوا ستارا في آخر المسجد لكي تجلس النساء لسماع دروس الوعظ التي تسبق الصلاة.(1)
__________
(1) - الشماخي: المصدر السابق، ص536؛ دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج3، ص408. (1/411)
صفحة 412
وإذا عدنا إلى المصادر نلاحظ اشتهار العديد من النساء بالعلم والورع، فأخت الإمام أفلح بن عبد الوهاب كانت عالمة بالحساب والفلك والتنجيم.(1) وأخت عمروس بن فتح كانت تساعد أخاها في نسخ الكتب ومطالعتها.(2) ويقال إن ابنة أبي مسور يصلتن النفوسي الأدوناطي – كان معاصرا للإمام عبد الوهاب - كانت تجادل والدها في العلم،(3) واشتهرت في "ويغو" إمرأة تسمى "آسية" بالعلم والصلاح، عاشت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (10م) وكانت معاصرة للعالم أبي يعقوب البغطوري، وأبي محمد ورسفلاس بن مهدي.(4) وعرفت "شكرت الزعرارية بكثرة الحفظ حتى إنها حفظت كتاب عنوانه "الخليل الصالح" بعد قراءة واحدة، وذلك لأن صاحبه لم يسمح بنسخه فحفظته، وراحت تملي على كل راغب في نسخه،(5) ومن نوابغ النساء كذلك "أم داود"،(6) و"أم زكار"،(7) وزينب اللألوتية التي كانت مهتمة بالحركة العلمية في الجبل.(8)
ومن النساء الشهيرات كذلك "سرغينت الوريورية"، فقد كانت إمرأة صالحة ورعة عالمة تسأل العزابة لا للاستفتاء فحسب بل لإختبار معارفهم، مما يدل على المكانة العلمية التي كانت تتبوأها في الجبل. وقد ساهمت بدور فعال في نشر العلم والمعرفة بين نساء قريتها "وريوري" في المنتصف الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي).(9)
__________
(1) - أبو زكريا: كتاب السيرة، ص135.
(2) - الشماخي: المصدر السابق، ص228.
(3) - الشماخي: المصدر نفسه، ص230؛ سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي،ج2، ص525؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص243.
(4) - T. Lewicki: Les noms propres, p22.
(5) - البغطوري: سير نفوسة، و17؛ الشماخي: المصدر السابق، ص234-235؛ بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج2، ص207-208.
(6) - الشماخي: المصدر نفسه، ص303.
(7) - نفسه، ص239؛ الدرجيني: طبقات المشائخ، ج2، ص318.
(8) - معمر: الإباضية في ليبيا، ص172.
(9) - بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج3، ص346. (1/412)
صفحة 413
وقد تمكنت بعض النساء من التفوق بفضل عزمهن وجدهن في أخذ العلم والتفقه في الدين، حتى أصبحن حجة في الدين مثل "أم سحنون اللالوتية" (ق4هـ/10م)، التي كان المشايخ لا يفوتون الفرصة لزيارتها والاستفادة من علمها ونصائحها، فقد كانت على حد تعبير الشماخي أفضل عجوز بالجبل، لها أقوال مأثورة في الحكمة، وساهمت في نشر العلم بين النساء وتفقيههن في دينهن.(1) كما اشتهرت "زيديت بنت عبد الله الملوشائية" بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت تذكر النساء دوما بأمر الميعاد والحساب والقبر والموت.(2)
ومن النساء العلماء اللواتي حولهن بيوتهن إلى مدارس لتلقى العلم "زورغ الأرجانية"، هذه المرأة النفوسية التي بلغت مبلغا عظيما في العلم والصلاح والتقوى، حتى قيل إن ثلث علم الجبل معها. وكانت نساء ايجيطال وأبديلان "يزرنها للاستفادة من علمها".(3) ولا نبالغ إذا قلنا بأن بعض النساء سمح لهن بالفتيا لعلمهم وتفقههن في الدين، مثل "أم زعرور نانا"، من "إيجطال"، التي عاشت في القرن الثالث هجري (التاسع ميلاد).(4)
__________
(1) - السير، ص298.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص318؛ بحاز وآخرون: المرجع نفسه، ج3، ص335.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، (مخ)، و59؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص240.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص249؛ بحاز وآخرون: المرجع السابق، ج3ـ ص305. (1/413)
صفحة 414
ومما يدل على أن المرأة النفوسية تسعى دائما لأن تكون عالمة بدينها، مبلغة له ناشرة للفضيلة، ومكافحة للرذيلة، تلك المرأة التي تسمى "أم الخطاب"، والتي عاشت في القرن الثالث الهجري والتاسع الميلادي، في قرية (أغرميمان). فقد كانت هذه المرأة نصرانية الديانة، فتنزوجها أبو يحي الأزدالي - أحد شيوخ الجبل - فاعتنقت الإسلام، وحفظت القرآن الكريم، وجدت في دراسة العلوم الشرعية، وحضور الحلقات العلمية، فأصبحت بمرور الزمن مرجعا في الفتوى، والاستشارة في أمور الدين والدنيا.(1)
كما اشتهرت "أم الربيع الوريورية" (القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) بالفضل والكرم والتقوى، حيث كان المشائخ يفدون إليها، ويجتمعون في بيتها، ويتشاورون، ويتناقشون في المسائل الدينية.(2)
ولعل أهم عامل ساعد المرأة النفوسية على أن تأخذ نصيبها من العلم هو كثرة المجالس العلمية، أضف إلى ذلك إرادتها الصلبة وطموحها الكبير في الوصول إلى مبتغاها. وأحسن مثال على ذلك ما صوره الشماخي في سيره عن إصرار "أم ماطوس" على حضور المجالس، فقال "كانت أم ماطوس بكرا، وأرادت أن تتعلم، وبلدها جار إرصرا" فإذا جنها الليل ونام الناس، أخذت مزراقا في يدها وذهبت إلى أبي محمد التمصمص فتحضر المجلس، فإذا افترق رجعت فسمع أخوها، وصار يغلق عليها وينام على الباب، فكانت تتركه حتى ينام فتفتح وتغلق خلفها، فإذا رجعت دخلت وأغلقت... وذهبت مرة ليلا إلى "إجناون" لتحضر المجلس وبينهما قرب عشرة أميال.(3)
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص249؛ بحاز وآخرون: المرجع السابق، ج3ـ ص272.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص310؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص249؛ بحاز وآخرون: المرجع نفسه، ج3، ص300.
(3) - ينظر: السير، ص317. (1/414)
صفحة 415
ومن النساء الفاضلات كذلك "بهلولة النفوسية"، تعلمت على يدي أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي، وكانت هذه الحلقة - أي حلقة أبان بن وسيم - تعقد في بيتها. ونظرا لصلاحها تزوجها أبا ذر وأصبحت لها هي الأخرى حلقة تؤمها النساء.(1) كما تتحدث المصادر عن نساء أهل "تدينة" وانتقالهن إلى بلدة "سنتوت" ومعهن أولادهن للالتحاق بمجلس أبي الشعثاء والمسافة بينهما أزيد من أربعة وعشرين ميلا.(2) وتتحدث عن أم يحي "تكسليت" من بلدة "جليمة"، والتي اجتهدت حتى صارت أفضل زمانها أي القرن الثالث الهجري (التاسع ميلادي)، وكان عزابة "أمسين" يجتمعون في بيتها كل ليلة جمعة يتذاكرون. وكانت هي الأخرى تعلم النساء إذ فكرت في تخصيص مدرسة للبنات، مجهزة بالأقسام الداخلية.(3)
ومما يدل على المكانة التي أولاها النفوسيون للمرأة أن أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني لما ولاه الإمام عبد الوهاب أمور الجبل استشار عجوزا كانت تسكن بلدة "إرجى أزمار" معروفة بالعلم والصلاح. وقد أشارت عليه بالدخول في الولاية فأخذ بنصيحتها.(4)
وفي الختام نقول إن المرأة النفوسية حظيت باهتمام المشائخ نظرا لدورها الكبير الذي تلعبه في المجتمع، فكانت إلى جانب اشتغالها في الزراعة، وفي غزل الصوف، والاهتمام بأعمال بيتها عموما، تأخذ نصيبها من العلوم والمعارف.
خاتمة
__________
(1) - الشماخي: المصدر نفسه، ص217؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص378؛ بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج2، ص196.
(2) - الشماخي: المصدر نفسه، ص247.
(3) - البغطوري: سير نفوسة، و15؛ الشماخي: المصدر نفسه، ص234؛ معمر: الإباضية في ليبيا، ص238-239؛ بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية، ج2، ص207-208.
(4) - الشماخي: المصدر نفسه، ص182-183؛ بحاز: الدولة الرستمية، ص379-380. (1/415)
صفحة 416
وبعد، ومن خلال هذه الدراسة التي حاولنا أن نكشف فيها عن تاريخ هذا الجبل الذي لعب دورا كبيرا في الحركة الإباضية في بلاد المغرب الإسلامي، يمكن لنا أن نستخلص منها النتائج التالية:
1 - يعود الفضل إلى نفوسة في الحفاظ على أمن وسلامة الدولة الرستمية خاصة وأن الجبهة الشرقية كانت مصدر الأخطار الكبرى على الدولة فكانت نفوسة هي الساعد القوي الذي يقف في وجه المتربصين بها. ولذلك يمكن أن نستنتج بأن نهاية الدولة الرستمية بدأت منذ أن تعرض الجبل لنكبة مانوا (283هـ) التي حد فيها سيف نفوسة، وأصبحت الإمامة تعيش مرحلة التقهقر والانحطاط حتى أصبحت لقمة سائغة أمام الغزو الشيعي.
2 - لعبت نفوسة دورا كبيرا في ميزان القوى المتصارعة في تيهرت خاصة أثناء الحروب الأهلية. وكان لها الفضل في استمرار الأسرة الرستمية في الحكم.
3 - كان الجبل سندا قويا للدولة الرستمية، ومصدرا للجندية، ويمكن القول إن الجبل هو الدولة الرستمية والدولة الرستمية هي الجبل.
4 - تزعمت نفوسة أغلب الخلافات التي نشبت بين السلطة في تاهرت، وبين ولاية الجبل بعد أن لاحظت بأنها اخترقت أهم مبدأ أساسي يقوم عليه الفكر السياسي الإباضي ألا وهو الحرية في اختيار الأئمة.
5 - يرجع الفضل لنفوسة الجبل في الحفاظ على استمرارية المذهب الإباضي بعد سقوط إمامة الظهور، وإحياء الإمامة بعد اندثارها.
6 - كان للنفوسيين السبق في إنشاء نظام الحلقة والذى تطور إلى نظام العزابة. وما كان لهذا الأخير من فضل في الحفاظ على تماسك المجتمع الإباضي وحفاظه على مذهبه إلى وقتنا الحاضر. (1/416)
صفحة 417
7 - ساهمت نفوسة بدور بارز في الحركة الثقافية والعلمية. فخلف النفوسيون المئات إن لم نقل الآلاف من الأسفار في مختلف فنون العلم والمعرفة. وساهمت حلقات نفوسة العلمية في انتشار العلم، فكان الجبل يعج بالطلبة القادمين من مختلف مواطن الإباضية في بلاد المغرب. وإذا كانت تاهرت معدن الدواب والكراع - على حد تعبير الجغرافيين - فإن الجبل كان معدن العلماء ورجال الفكر.
8 - إذا كان عبد الرحمن بن رستم عين إماما لأنه ليست له عصبية تحميه، ويسهل عزله إذا حاد عن الطريق المستقيم، فإن الأئمة الذين جاؤوا من بعده كانوا في حاجة إلى عصبية نفوسة لحمايتهم وللحفاظ على استقرار السلطة في البيت الرستمي. ولذلك حظيت نفوسة بنفوذ كبير مما جعل أفرادها يتولون المناصب المرموقة ويتدخلون مباشرة في تعيين الأئمة.
9 - يمكن القول بأن وحدة المذهب لم تستطع القضاء على القبلية فعرف الجبل عدة حروب أهلية. وأصبح الإخوة كالتيوس إذا اجتمعوا تناطحوا وإذا افترقوا تصايحوا على حد تعبير أحد الشيوخ. وتعددت الخلافات في الرأي بين الفرق مما أدى إلى ضعف الرابطة الروحية، وإظهار الفساد علانية كشرب الخمر وغيره، وظهور الاغتيالات والتصفيات الجسدية.
10 - يرجع الفضل إلى النفوسيين في نشر الإسلام في بلاد السودان، وفي المساهمة في تنشيط حركة التجارة.
الملاحق
ملحق رقم (1)
رسالة الإمام عبد الوهاب إلى جبل نفوسة في مسألة خلف.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله.
من أمير المؤمنين عبد الوهاب إلى جماعة المسلمين بحيز طرابلس.
أما بعد: فإني آمركم بتقوى الله، واتباع ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه. وقد بلغني ما كتبتم به إلي من وفاة السمح، واستخلاف بعض الناس خلفا ورد أهل الخير ذلك. (1/417)
صفحة 418
فإن من ولى خلفا من غير رضاء إمامه، فقد أخطأ سيرة المسلمين ومن أبى توليته، فقد أصاب. فإذا أتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمل منكم السمح إلى عمالته التي ولي عليها، إلا خلف بن السمح فحتى يأتيه أمري وتوبوا إلى ربكم وارجعوا التوبة لعلكم تفلحون.
الباروني، الأزهار، ص202-203.
ملحق رقم (2)
الرسالة الثالثة للإمام أفلح إلىنفاث
من أفلح بن عبد الوهاب إلى نفاث بن نصر، أما بعد:
فالحمد لله المنعم علينا، والمحسن إلينا، الذي بنعمته تتم الصالحات، ولا يهتدي مهتد إلا بعونه وتوفيقه، فله المنة علينا ولا منة لنا عليه، هو المحسن إلينا إذ هدانا لدينه، وجعلنا خلفا من بعد أسلافنا الصالحين وأئمتنا المهتدين الذين في اتباعهم نرجو الهدى، وفي مخالفتهم نخشى الهلكة، ولن يهتدي من خالف العدل ولن ينجو من ابتدع غير الحق، لأن تلك البدعة ضلالة وكل ضلالة كفر وكل كفر في النار.
وقد كتبت إليك غير كتاب، أنصح لك فيه وأدعوك إلى رشدك، وفي كل ذلك لا يبلغني من عمالنا فيك إلا ما أكره، ولا أرضاه لدين ولا دنيا، حتى حررت كتابا منشورا إلى عمالنا أمرتهم فيه بخلع كل من خالف سيرة المسلمين وابتدع غير طريقتهم، وسار بغير سيرتهم وبنفيه وهجره وإقصائه، فكتبت إلي كتابا كأنك تسخط ذلك، أترى أني أؤازر من ابتدع في ديننا (كلا) ما كنت بالذي يفعل ذلك، ولا أؤازر من يسعى في خلافنا ما كنا على الهدى. (1/418)
صفحة 419
ثم قلت: أما أمرنا في كتابنا بالبراءة منك، فإن كنت كما كتب به إلينا فأنت محقوق بالبراءة، ومقصي من جماعتنا، لأننا ما كتبنا كتابنا ذلك إلا على أن كل من ابتدع في ديننا خلاف أسلافنا، وزعم أن عمالنا أساقفة وأنهم لا طاعة لهم في حال كتمانهم فهو محقوق بالبراءة ومقصى من جماعة المسلمين فإن لم تكن أنت منهم فأنت الذي أبحت لنا البراءة منك، وأحللت بنفسك ما لابد لنا أن نفعله بك وبغيرك، وإن لم تكن كذلك فاظهر الانتفاء من ذلك، وكذب عن نفسك ما قيل عنك، لتكون عندنا بالحالة التي تستحقها وتستوجبها.
وأما قولك: (تب مما كتبت به) فهو منك عبث إذ لم أشاهدك ولم أشاهد موافقتك حتى يجب لك علي أصل ولاية، ولم يكن لك عندي تقدمه في الموافقة، وإنما رفع إلينا عنك ما رفعه أهل الثقة عندنا فأمرنا عمالنا أن يسيروا في كل من ابتدع بسيرة المسلمين وكتبنا إليهم بذلك فجعلت تكتب إلينا فيما ليس لك به كتاب، فعلام تتجاهل في الأمور، فإن كانت غايتك إنما هي أن نكتب إليك وتجيب، وتكتب إلينا ونجيب، فهذه غاية قصيرة والسكوت عنك أهنأ وأولى بنا، ونحن بأمنينا به أحق من مجاوبة أهل التكلف، ومن ليس له غاية إلا أن يقال فيه كتب فلان، وقال فلان وفلان يفعل ويفعل فلان، وإن كانت غايتك التصحيح فأنف عن نفسك مما رقي عليك، وكن من جماعتنا وموافقي أسلافنا، فإذا تبينت منك الموافقة والانتفاء مما رقي عليك، كان ذلك هو الذي نحبه منك ومن غيرك، وليس لك عندي غير هذا، وإن يكن حقا ما رقي عليك وما قيل فيك من مخالفة أصحابنا، فأنت وما رضيت به لنفسك، وإني غير كاتب إليك كتابا بعد هذا، إلا أن انتهى إلينا منك ما نحبه فننزلك من أنفسنا بحيث تحب، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الباروني: الأزهار، ص261-262.
ملحق رقم (3)
رسالة إبراهيم بن أحمد الأغلبي إلى أبى عبد الله الشيعي (1/419)
صفحة 420
"يقول لك الأمير: ما حملك على تعرض سخطي والتوثب على مملكتي، وإفساد رعيتي والخروج علي. إن كنت تبتغي غرضا من أغراض الدنيا فإن ذلك مما تجده عندي، وإن كنت تلافيت نفسك وتراجعت عن غيك فأقدم إلي فأنت آمن. فإن أردت المقام ببلدي أقمت وإن أحببت الانصراف إلى الموضع الذي جئت منه انصرفت، وإن كان قصدك قصد من سولت له نفسه الخلاف على الأئمة، واستفساد جهلة الأمة فقد لعلك عرفت كيف كانت عواقب من منته نفسه أمنيتك وسولت نفسك لك من الهلاك العاجل قبل سوء المصير في الآجل فلا يغرنك ما رأيته من إقبال هؤلاء الأوباش عليك، واتباعهم إياك فإني لو قد صرفت وجهي إليك لأسلموك وتبرأوا منك. واعلم أني أردت الاعذار إليك لإظهار الحجة عليك. وهذا أول كلامي إليك وآخره فقد أعذر من أنذرك".
القاضي النعمان: كتاب افتتاح الدعوة، ص56-57.
ملحق رقم (4)
رسالة أبي عيسى إبراهيم بن إسماعيل الخراساني إلى أهل المغرب
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم (1/420)
صفحة 421
من أبي عيسى إبراهيم بن إسماعيل الخراساني وجماعة المسلمين إلى من بلغه كتابي هذا إلى إخواننا من أهل المغرب وأهل ديننا من أهل الحق والرشد سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أسأله أن نصلي على محمد عبده ورسوله (ص) البار الرحيم الذي هدانا وإياكم لدينه الذي لا يرضي إلا به ولا يتولى إلا عليه ولا يبرأ إلا على تركه والذي يثيب به على الوفاء والصدق به جنات النعيم... نوصيكم وأنفسنا بتقوى الله العظيم وما عظم من عظيم حقه وما حرم من حرماته فإنه من يتق الله فهو الآمن المحفوظ الذي لا يضره مع أمان الله شيء من أمر الدنيا والآخرة وكذلك كان أهل اليقين والسداد لأمره فاتقوا الله يا معشر المسلمين في أنفسكن ومعالم دينكم وطريقه المستقيم... جاءنا بعض أصحابكم فذكروا لنا أمرا بلغ إلينا وساءنا من هلاك من هلك قبلكم من أهل دين المسلمين وخلافهم أئمة الهدى عند المسلمين بالمشائخ الذين أدركنا عندنا، فالله المستعان على ذلك وعلى الله التكلان مضى عبد الوهاب رحمه الله على الرضى من المسلمين والاستقامة على الدين لا ينقم عليه أحد من أهل الخي عندنا و عندكم سيرته فيكم سيرة من مضى من أئمة الهدى وحكمه فيكم حكمهم وحربه فيمن حارب حرب من مضى من الأخيار وسيرتهم ولا ينقم عليه أحد في حكم حكمه ولا في قسم قسمه ولا في سيرة سار بها بل كان يدين الله عندنا وعنكم بالحق ودين المسلمين ومشاورة الفقهاء وأهل الرأي من الصالحين والبصيرة في الدين ممن كان قبلنا وقبلكم. حتى توفي عبد الوهاب رحمه الله رحمة واسعة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد أدركنا أبا أيوب وائل بن أيوب وغيره من الأشياخ ومن بعده محبوبا أبا سفيان بن الرحيل وهم راضون عنه لا ينتقمون عليه شيئا والحمد لله. (1/421)
صفحة 422
وقد كان فيما بلغنا استعمل على بعض قراكم وبلادكم السمح فكان السمح على تلك الطريقة والاستقامة لا ينقم عليه أحد من المسلمين في حكم حكمه ولا في قسم قسمه يسير فيهم سيرة صاحبه وأهل التقوى من الأئمة قبله ثم مضى لسبيله رحمه الله... فلما توفي السمح رحمه الله بلغنا أن أصحاب تلك القرية استعملوا خلف بن السمح واشترطوا على ذلك رضى عبد الوهاب إن أجاز ذلك جاز علينا قوله والطاعة طاعته في طاعة الله ومرضاته. فكان هذا لعمري أحسن لو استأذنوا الإمام وخالفوا قول المسلمين حين نزل بهم الأمر من هلاك صاحبهم فاستعملوا عليهم رجلا بغير إذنه والأمر ذلك للإمام الذي هو عليهم فيجب الرجوع إلى رأي الإمام تعقب على رأيهم إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل فهذا الرأي حسن لهم لو استقاموا على هذا. ولكنه بلغنا وانتهى إلينا أنهم لما استعملوه عليهم كتبوا إلى عبد الوهاب رحمه الله في ذلك فلما جاءه كتاب القوم في ذلك أنكر ذلك إليهم وأباه عليهم أشد الإباء فقال لهم: لست أرضى بما صنعتم. وكان ينبغي لهم أن يسمعوا ويطيعوا لقول عبد الوهاب ويخلعوا ما سواه وينتهوا إلى قوله ورأيه لما أبان لهم فيهم وولايته وطاعته واجبة عليهم فمن شاقه وبغى عليه فهو عندنا ضال كافر حتى يرجع ويتوب ويستغفر الله مما صنع وخالف وضيع ويرجع إلى الله والمسلمين وجماعتهم عصمنا الله وإياكم من شر ما خلق.
ثم كان بعد عبد الوهاب أفلح ابنه حفظه الله سار سيرة أبيه من قبله في حكم حكمه ولا في قسم قسمه وفيما بلغنا قوله مطاع ورأيه متبع ومشاورة الفقهاء والمسلمين جائزة بعمل برأي المسلمين ويترك ما خالفه فمتعنا الله بحياته لنا ولكم ونسأله العون على الحق والصبر، فبلغنا أنه أنكر على من دخل في رأي خلف كما أنكره أبوه ومن قبله من المسلمين وأبوا ذلك عليهم فخالف خلف وأصحابه وأبوا إلا رأيهم فالله المستعان وقد فسرنا لهم وإياكم معالم ديننا ووضحنا رأي المسلمين عليهم. (1/422)
صفحة 423
ابن سلام الإباضي: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص161-166.
المصادر والمراجع
المصادر المخطوطة :
1 - أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي (ق 6هـ)
السير
مخطوط بمكتبة الحاج سعيد محمد أيوب –غرداية (الجزائر).
2 - البغطوري (مقربن محمد)( ق6)
سير مشائخ نفوسة
مخطوط بالمكتبة البارونية، جزيرة جربة، تونس.
3 - مجهول: كتاب المعلقات
مخطوط بمكتبة العطف، غرداية (الجزائر).
4 - مجهول: كتاب كشف الغمة فيما تشاجرت به الأمة (كشف الغمة وبيان كل فرقة).
5 - الوسياني (أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان) (ق 6هـ)
السير
مخطوط بمكتبة القطب بني يسقن غرداية (الجزائر).
المصادر:
6 - ابن الأبار (أبو عبد الله محمد بن أبي بكر القضاعي 595-685هـ)
كتاب الحلة السيراء
تحقيق: حسين مؤنس، الشركة العربية للطباعة والنشر، ط1، القاهرة، 1963.
7 - ابن أبي دينار (أبو عبد الله محمد)( ت ق 11هـ)
المؤنس في أخبار إفريقية وتونس
مطبعة الدولة الرسمية، ط1، تونس، 1386هـ
8 - ابن الأثير (أبو الحسن علي (555-630هـ)
الكامل في التاريخ
دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1965.
9 - ابن تغرى يردى (جمال الدين أبو المحاسن)
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
مطابع كوستا تسوماس، القاهرة (د.ت).
10 - ابن حوقل (أبو القاسم محمد البغدادي ت ق 4هـ)
صورة الأرض
دار مكتبة الحياة، بيروت، (د.ت).
11 - ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد ت 808هـ)
كتاب العبر
دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1968.
12 - ابن خلدون: المقدمة
دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1968.
13 - ابن رسته (أبو علي أحمد بن عمر، (ت بعد 290هـ)
الأعلاق النفيسة
مطبعة بريل، ليدن، 1891.
14 - ابن سعيد (أبو الحسن علي بن موسى( ت 685هـ)
كتاب الجغرافية
تحقيق: إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، ط2، الجزائر، 1982.
15 - ابن سلام الإباضي:
الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية (1/423)
صفحة 424
تحقيق: ر.ق. شفارتزر، وسالم بن يعقوب، دار إقرأ، ط1، بيروت، 1985.
16 - ابن الصغير (ق 3هـ)
أخبار الأئمة الرستميين
تحقيق: محمد ناصر وبحاز إبراهيم بكير، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986.
17 - ابن عبد الحكم (عبد الرحمن بن عبد الله 187-257هـ)
فتوح إفريقية والأندلس
تحقيق: عبد الله أنيس الطباع، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1964.
18 - ابن عبدون: رسالة في القضاء والحسبة، نشرها ليفي بروفنسال ضمن
Journal Asiatique, Avril-Juin 1934.
19 - ابن عذارى المراكشي (ق 8هـ): البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق: ج.س. كولان وليفي بروفنسال، دار الثقافة، ط2، بيروت، 1980.
20 - ابن غلبون (أبو محمد عبد الله محمد بن خليل)
تاريخ طرابلس الغرب المسمى (التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار)
تحقيق: الطاهر أحمد الزاوي، المطبعة السلفية، القاهرة، 1349هـ
21 - أبو زكريا (يحي بن أبي بكر ت بعد 474هـ)
كتاب السيرة وأخبار الأئمة
تحقيق: عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس، 1985.
22 - أبو عبد الله الصنهاجي (ت 628هـ)
أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم
تحقيق: جلول أحمد البدوي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984.
23 - أبو العرب (محمد بن أحمد بن تميم القيرواني،( ت333هـ)
طبقات علماء إفريقية وتونس
تحقيق: علي الشابي ونعيم حسن اليافي، الدار التونسية للنشر، تونس، 1968.
24 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978.
25 - أبو الفدا (عماد الدين إسماعيل، ت 732هـ)
كتاب تقويم البلدان
صححه: رينود والبارون ماك كوكين ديسلان، دار الطباعة السلطانية، باريس، 1830.
26 - الإدريسي (محمد عبد العزيز الشريف الفاوي 548هـ)
القارة الإفريقية وجزرة الأندلس
تحقيق: إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983. (1/424)
صفحة 425
27 - البرادى (أبو الفضل بن القاسم بن إبراهيم) (عاش ق6هـ)
الجواهر المنتقاة فيما أهمله كتاب الطبقات، طبعة حجرية، القاهرة (د.ت)
28 - البغدادي (صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، ت739هـ)
مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع
تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، ط1، بيروت، 1955.
29 - البكري (أبو عبد الله، ت487هـ)
المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب
طبعة دي سلان، الجزائر، 1857.
30 - البلاذري (أحمد بن يحي بن جابر البغدادي، (ت279هـ)
فتوح البلدان
راجعه: رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987.
31 - التنسى (أبو عبد الله)، تاريخ دولة الأدارسة من كتاب نظم الدرر والعقيان، تحقيق: عبد الحميد حاجيات، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984.
32 - الجناوني (أبو زكريا يحي، (ت ق 5هـ)
عقيدة التوحيد نشرت ضمن Extrait du Bulletin d'etudes Orientales 1980, T32-33.
33 - الحموي (أبو عبد الله ياقوت، (575-625): معجم البلدان، مطبعة السعادة، ط1، القاهرة، 1906.
34 - الحميري (محمد بن عبد المنعم، (ت ق 8هـ): الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: إحسان عباس، مكتبة لبنان، ط1، بيروت، 1984.
35 - الدرجيني (أبوالعباس أحمد، ت ق 7هـ): طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، (د.ت).
36 - الدواداري (أبو بكر بن عبد الله بن أيبك، (ت736هـ): كنز الدرر وجامع الغرر (الدرة المضيئة في أخبار الدولة الفاطمية)، تحقيق: صلاح الدين المنجد، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1961.
37 - الزهري (أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، ت ق6): كتاب الجغرافية، تحقيق: محمد حاج صادق، المركز الإسلامي للطباعة، القاهرة، (د.ت).
38 - السيوطي (جلال الدين، ت911هـ): تاريخ الخلفاء، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دون مكان الطبع، أو دار النشر والتاريخ. (1/425)
صفحة 426
39 - الشماخي (أحمد بن سعيد بن عبد الواحد، ت928هـ): السير، طبعة حجرية، القاهرة، (د.ت).
40 - الشنقيطي (أحمد بن الأمين): الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، مطبعة السنة المحمدية، ط2، القاهرة، 1958.
41 - الشيزري (عبد الرحمن بن نصر): كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق: السيد الباز العريني، دار الثقافة، ط2، بيروت، 1981.
42 - عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت 211هـ): كتاب مسائل نفوسة، تحقيق: إبراهيم طلاي، المطبعة العربية، غرداية (الجزائر)، 1991.
43 - الغرناطي (أبو حامد): كتاب تحفة الألباب، نشر ضمن Journal Asiatique, 1925, Tome CCXII
44 - القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق: فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، ط2، تونس، 1986.
45 - القاضي النعمان (أبو حنيفة بن أبي عبد الله بن حيون، ت 363هـ): كتاب المجالس والمسايرات، تحقيق: الحبيب الفقي وإبراهيم شيوخ، محمد اليعلاوي، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، تونس، 1978.
46 - القاضي النعمان: كتاب افتتاح الدعوة، تحقيق: فرحات الدشراوي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، الشركة التونسية للتوزيع، ط2، تونس، 1986.
47 - القرشي (إدريس عماد الدين،( ت872هـ): عيون الأخبار وفنون الآثار، تحقيق: مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت، (د.ت).
48 - القرشي: تاريخ الخلفاء الفاطميين في المغرب (القسم الخامس من كتاب عيون الأخبار) تحقيق: محمد اليعلاوي، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت، 1985.
49 - القلقشندي (أبو العباس أحمد بن علي، (ت 821هـ): صبح الأعشى في صناعة الأنشا عرض وتحليل عبد اللطيف حمزة، المؤسة العامة للطباعة والنشر، القاهرة، (د.ت).
50 - المارغني (أبو عمرو عثمان بن خليفة، (توفي أواخر ق 6هـ ): فرق الإباضية الست وما زاغت به عن الحق، طبعة حجرية، (د.ت). (1/426)
صفحة 427
51 - المالكي (أبو بكر عبد الله، ت 453هـ): رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1951.
52 - مجهول (توفي ق 6هـ): كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق: سعد زغلول عبد الحميد، مطبعة جامعة الإسكندرية، 1958.
53 - المجيلدي (أحمد سعيد –1094هـ): كتاب التيسير في أحكام التسعير، تحقيق: موسى لقبال، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط2، الجزائر، 1981.
54 - المزاتي (أبو الربيع سليمان بن يخلف، (ت 471هـ): كتاب السير، المطبعة العلمية، تونس، 1321هـ.
55 - المقدسي (شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد، ت 383هـ): أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مطبعة ليدن، ط2، 1906.
56 - النفوسي (أبو عبد الله محمد بن بكر): سير الحلقة، نشر ضمن
Annali: Instituto Universitario Orientali Di Napoli, Nuova Serie 10 Napoli, 1960.
57 - النويري (شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب، ت733هـ): نهاية الإرب في فنون الأدب، تحقيق: حسين نصار، مراجعة عبد العزيز الأهواني، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1983.
58 - الوارجلاني (أبو يعقوب يوسف إبراهيم السدراتي، ت570هـ): الدليل والبرهان، تحقيق: سالم بن حمد الحارثي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1983.
59 - الوسياني (أبو الربيع: سير مشائخ المغرب، تحقيق: إسماعيل العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، (د.ط)، الجزائر، (د.ت).
60 - اليعقوبي (أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، ت284هـ): تاريخ اليعقوبي، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1960.
61 - اليعقوبي (أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، ت284هـ): صفة المغرب المأخوذة من كتاب البلدان، نشره دي خويه، مطبعة بريل، 1850.
المراجع:
62 - إبراهيم (سنوسي يوسف): زناتة والخلافة الفاطمية، شركة سعيد رأفت للطباعة، ط1، القاهرة، 1986. (1/427)
صفحة 428
63 - ابن أبي ضياف: أتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، تونس، 1963.
64 - أتوري (روسي): ليبيا منذ الفتح العربي حتى سنة 1911، ترجمة: خليفة محمد التليسي، الدار العربية للكتاب، ط2، (دون مكان)، 1991.
65 - أطفيش (محمد بن يوسف): رسالة إن لم تعرف الإباضية يا عقبى يا جزائري، طبعة حجرية، القاهرة، 1328هـ.
66 - أطفيش:رسالة شافية في تاريخ وادي ميزاب (مخطوط بمكتبة القطب، غرداية).
67 - الأنصاري (أحمد بك النائب): المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب، مطابع دار الغندور (دون مكان وتاريخ).
68 - أيوب (محمد سليمان): جرمة من تاريخ الحضارة الليبية، دار المصراتي للطباعة والنشر، طرابلس (د.ت).
69 - أيوب (محمد سليمان): مختصر تاريخ فزان منذ أقدم العصور حتى 1811، المطبعة الليبية، طرابلس (د.ت).
70 - باجية (صالح): الإباضية بالجريد، دار بوسلامة للطباعة والنشر، تونس 1976.
71 - الباروني (سليمان أبو الربيع): مختصر تاريخ الإباضية، مطبعة الإرادة، تونس، 1938
72 - الباروني (سليمان أبو الربيع): الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، تحقيق: محمد علي الصليبي، المطابع العالمية، روى، سلطنة عمان، 1987، ج2.
73 - الباروني (عبد الله بن يحي): رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين، مطبعة النجاح، القاهرة، 1324هـ.
74 - باشا (نجاة): التجارة في المغرب الإسلامي منذ القرن الرابع إلى القرن الثامن للهجرة، منشورات الجامعة التونسية، تونس، 1976.
75 - بكير (بحاز إبراهيم): الدولة الرستمية (160-296هـ) (777-909م): دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، مطبعة لافوميك، ط1، الجزائر، 1985.
76 - بكير (بحاز إبراهيم): معجم أعلام الإباضية (مخطوط).
77 - بل (ألفرد): الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1981. (1/428)
صفحة 429
78 - بن عميرة (محمد): دور زناتة في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلامي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984.
79 - بن يعقوب (سالم): تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، ط1، تونس، 1986.
80 - بونار (رابح): المغرب العربي تاريخه وثقافته، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط2، الجزائر، 1981.
81 - بيضون (إبراهيم): الدولة العربية في إسبانيا من الفتح حتى سقوط الخلافة 92-422هـ/711-1031م، دار النهضة العربية، بيروت، 1980.
82 - تامر (عارف): القائم والمنصور الفاطميان أمام ثورة الخوارج، دار الآفاق الجديدة، ط1، بيروت، 1982.
83 - توماس (أرنولد): الدعوة إلى الإسلام، ترجمة: حسن إبراهيم حسن وآخرون، مطبعة الشكيني، القاهرة، (د.ت).
84 - الجعبيري (فرحات): نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المطبعة العصرية، تونس، 1975.
85 - الجنحاني (الحبيب): دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، ط2، بيروت، 1986.
86 - الجنحاني (الحبيب): المغرب الإسلامي (الحياة الاقتصادية والاجتماعية ق3-4هـ)، الدار التونسية للنشر، تونس، 1978.
87 - جهلان (عدون): الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش (1818-1914)، نشر جمعية التراث، القرارة، (الجزائر).
88 - الحارثي (سالم بن حمد بن سليمان): العقود الفضية في أصول الإباضية، نشر وزارة الثقافة، سلطنة عمان، 1983.
89 - الحريري (محمد عيسى): الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي (حضارتها وعلاقاتها الخارجية بالمغرب والأندلس)، دار القلم، ط2، الكويت، 1987.
90 - حسن (حسن إبراهيم): تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، مكتبة النهضة المصرية، ط9، القاهرة، 1986.
91 - حسن (حسن إبراهيم): تاريخ جوهر الصقلي، قائد المعز لدين الله الفاطمي، مطبعة السعادة، ط2، القاهرة، 1963. (1/429)
صفحة 430
92 - حسين (أحمد إلياس): الطرق التجارية عبر الصحراء الكبرى حتى مستهل القرن 16م كما عرفها الجغرافيون العرب، رسالة ماجستير، كلية آداب القاهرة، 1977.
93 - خليفات (محمد عوض): نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، 1978
94 - خليفات (محمد عوض): النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان، ط1، عمان، 1982.
95 - دبوز (محمد علي): تاريخ المغرب الكبير، دار إحياء الكتب العربية، ط1، القاهرة، 1963.
96 - رياض (زاهر): شمال إفريقيا في العصور الوسطى، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1965.
97 - الزاوي (أحمد الطاهر): تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار المعارف، القاهرة (ج.ت).
98 - زيتون (محمد محمد): المسلمون في المغرب والأندلس، دار الوفاء للطباعة، القاهرة، 1984.
99 - سالم (السيد عبد العزيز): تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، نشر مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر، الإسكندرية، (د.ت).
100 - سرور (جمال الدين): سياسة الفاطميين الخارجية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976.
101 - السلاوي (أبو العباس أحمد): الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، القاهرة، 1316هـ.
102 - السيابي (سالم بن حمود بن شامس): طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، مطابع سجل العرب (دون مكان)، 1980.
103 - طالبي (عمار)، آراء الخوارج، دار العلم للطباعة، الإسكندرية، 1971.
104 - الطالبي (محمد): الدولة الأغلبية (التاريخ السياسي 184-296)، ترجمة: المنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت، 1985.
105 - الطاهر (عبد الجليل): المجتمع الليبي، دراسات اجتماعية وأنثروبولوجية، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، 1969.
106 - طرخان (إبراهيم): إمبراطورية غانة الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970.
107 - طعيمة (صابر): الإباضية عقيدة ومذهبا، دار الجيل، بيروت، 1986. (1/430)
صفحة 431
108 - العبادي (أحمد مختار): في التاريخ العباسي والفاطمي، دار النهضة العربية، بيروت، 1971.
109 - العبادي (أحمد مختار): في تاريخ المغرب والأندلس، دار النهضة العربية، بيروت، 1978.
110 - عباس (إحسان): تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى مطلع القرن 9هـ، دار صادر، ط1، بيروت، 1967.
111 - عبد الحميد (سعد زغلول): تاريخ المغرب العربي، دار بور سعيد للطباعة، الإسكندرية، 1979.
112 - عبد الرازق (محمود إسماعيل): الأغالبة (سياستهم الخارجية)، مطبعة النجاح الجديدة، ط2، الدار البيضاء، 1978.
113 - عبد الرازق (محمود إسماعيل): الخوارج في المغرب الإسلامي، دار العودة، بيروت، 1976.
114 - عبد الفتاح (مولى أحمد): القوى السنة في المغرب من قيام الدولة الفاطمية إلى قيام الدولة الزيرية (296-361هـ)، دار المعرفة الجامعية، ط1، الإسكندرية، 1985.
115 - عبد المطلب (رفعت فوزي): الخلافة والخوارج في المغرب العربي (الصراع بينهما حتى قيام دولة الأغالبة)، دون دار النشر والمكان، ط1، 1973.
116 - العدوي (إبراهيم أحمد): بلاد الجزائر تكوينها الاسلامي والعربي، مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة 1983.
117 - العربي (إسماعيل): دولة الأدارسة ملوك تلمسان وفاس وقرطبة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1980.
118 - العربي (إسماعيل): دولة بني حماد ملوك القلعة وبجاية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1980.
119 - العربي (إسماعيل): عواصم بني زيري، دون دار النشر، بيروت، 1984.
120 - عفيفي (محمود إبراهيم): أحوال بلاد المغرب الاقتصادية في ظل السيادة الفاطمية (296-442هـ) (909-1058م)، رسالة دكتوراه، كلية آداب القاهرة، 1977.
121 - عنان (محمد عبد الله): تاريح الجمعيات السرية والحركات الهدامة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط2، القاهرة، 1954. (1/431)
صفحة 432
122 - الفاسي (عبد الرحمن): خطة الحسبة في النظر والتطبيق والتدوين، دار الثقافة، ط1، الدار البيضاء، 1984.
123 - فرج (محمد): عمرو بن العاص، دراسة مستحدثة لحياته وحروبه، دار الفكر العربي، القاهرة، 1960.
124 - فلهاوزن (يوليوس): أحزاب المعارضة في الإسلام (الخوارج والشيعة)، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1968.
125 - لقبال (موسى): دور كتامة في قيام الخلافة الفاطمية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط1، الجزائر، 1979.
126 - لقبال (موسى): المغرب الإسلامي منذ بناء معسكر القرن حتى انتهاء ثورات الخوارج (سياسة ونظم)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط2، الجزائر، 1981.
127 - لومبار (موريس): الإسلام في مجده الأول، القرن (2-5هـ)(8-11م)، ترجمة وتعليق: إسماعيل العربي، المؤسسة الوطنية للكتاب، ط1، الجزائر، 1984.
128 - المجدوب (عبد العزيز): الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر، ط2، تونس، 1985.
129 - المدني (توفيق): كتاب الجزائر، دار المعارف، ط2، القاهرة، 1963.
130 - مرمول (محمد الصالح): السياسة الداخلية للخلافة الفاطمية في بلاد المغرب الإسلامي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983.
131 - مزهودي (مسعود): الإباضية في المغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستمية إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (296-442هـ)، رسالة ماجستير، كلية آداب القاهرة، 1988.
132 - معمر (علي يحي): الإباضية بين الفرق الإسلامية، مطابع سجل العرب، ط1، القاهرة 1976.
133 - معمر (علي يحي): الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، مطبعة التضامن، ط2، القاهرة، 1987.
134 - معمر (علي يحي): الإباضية في ليبيا، مطابع دار الكتاب العربي بمصر، ط1، القاهرة، 1964.
135 - معمر (علي يحي): أضواء على الإباضية، المطابع العالمية، روى، سلطنة عمان، (د.ت). (1/432)
صفحة 433
136 - مفتاح (صالح مصطفى): ليبيا منذ الفتح العربي حتى انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر، منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ط1، بيروت، 1978.
137 - مفتاح (صالح مصطفى): برقةوطرابلس من الفتح العربي حتى انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر، رسالة ماجستير بكلية آداب القاهرة، 1976.
138 - المناوي (محمد حمدي): الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي، دار المعارف، القاهرة، 1970.
139 - مؤنس (حسين): فتح العرب للمغرب، نشر مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، (د.ت).
140 - مؤنس (حسين): فجر الأندلس (دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية 711-756)، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط2، جدة، 1985.
141 - مؤنس (حسين): معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار مطابع المستقبل، ط1، القاهرة، 1980.
142 - الناضوري (رشيد): المغرب الكبير، دار النهضة العربية، بيروت، 1981.
143 - النقيرة (محمد عبد الله): انتشار الإسلام في شرق إفريقية ومناهضة الغرب له، دار المريخ للنشر، الرياض، 1982.
144 - النوري (حمو محمد عيسى): دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، دار الكروان، باريس، 1984.
145 - هويدي (يحي): تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية (الشمال الإفريقي)، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1965.
146 - ولد دادة (محمد): مفهوم الملك في المغرب، دار الكتاب اللبناني، ط1، بيروت، 1977.
147 - يوسف (جودت عبد الكريم): الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب الأوسط خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين (9-10م)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992.
148 - يوسف (جودت عبد الكريم): العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984.
المراجع الاجنبية:
149-Dachraoui Ferhat: Le califat Fatimide au Maghreb 296-362 H, Imprimerie Officielle de la République Tunisienne, Tunis, 1981. (1/433)
صفحة 434
150-Despois Jean : Le djebel Nafusa, étude géographique, édition larose, Paris, 1935.
151-Encyclopedie de l’islam nouvelle édition 1979 (Lawata).
152-Gautier E.F : Les siècles obscurs du Maghreb, Payet, 1952.
153-Golvin L : Le Maghreb central a l'époque des Zirides, arts et métiers graphiques, Paris, 1957.
154-Hadj Sadok Mohamed : Description du Maghreb et de l’ Europe au 3eme siècle, édition Paul Geuthner, Paris, 1983.
155-idris Hady Roger : La Berberie musulmane sous les Zirides, X-XII, Paris, 1962.
156-La Voix Henri : catalogue des monnaies musulmanes de la bibliothèque national de Paris, V2 (Espagne et Afrique), Paris, 1891.
157-Lethilleux Jean : Ouargla cite saharienne des origines au début du XX Paul Gautier, paris, 1983.
158-Lewicki Tadeusz : Etudes Maghrébines et Soudannaises édition scientifique de Pologne, Varsovie, 1976.
159-Marcais George, La Berberie musulmane et l'orient au moyen age, Imprimerie Tyopolitho Edition Montaigne, Alger, 1946.
160-Solvet C.H : Description des pays du Maghreb, Textes Arabes Traduits D'abul-Feda, Imprimerie du gouvernement Alger, MDCCCXXXIX.
الأبحاث العربية:
161 - بن تاويت (محمد): دولة الرستميين أصحاب تاهرت، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية، مدريد، 1957، مج5.
162 - الحسيني (محمد باقر): دراسات عن نقود الثوار والشعارات والمناسبات المضروبة في إفريقية، مجلة المسكوكات، بغداد، 1976.
163 - عمر (بابا واسماعيل): وادي ميزاب، مجلة التاريخ، منشورات المركز الوطني للدراسات التاريخية، الجزائر، 1985، عدد19.
164 - فوزي (فاروق عمر): ملامح من تاريخ الخوارج الإباضية، مجلة المؤرخ العربي، منشورات اتحاد المؤرخين العرب، بغداد 1975، عدد2. (1/434)
صفحة 435
165 - لقبال (موسى): من قضايا التاريخ الرستمي، مجلة الأصالة، منشورات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1977، عدد41.
166 - محمود (حسن أحمد): محنة الشيعة بإفريقية، في القرن الخامس الهجري، مجلة كلية الآداب ، مطبعة جامعة فؤاد الأول، القاهرة، 1950، مج12.
167 - مزهودي (مسعود): العلاقات الثقافية بين إباضية جزيرة جربة وإباضية المغرب الأوسط في القرنين الرابع والخامس للهجرة (10-11م)، مجلة العلوم الاجتماعية والإنساية، جامعة باتنة، 1994، عدد2.
168 - النامي (عمرو خليفة): ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان، الأصالة، منشورات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1977، عدد42-43.
169 - نوري (دريد عبد القادر): ازدهار الصناعة والزراعة في بلاد السودان الغربي بعد القرن 5هـ/11م، كما وصفته المراجع العربية الإسلامية، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، 1986، مج6، عدد21.
الأبحاث الأجنبية:
170 – Basset Rene: Les Sanctuaires du djebel Nafousa, Les cahiers de Tunisie, Tunis, 1981, t29, N? 115-116.
171 – Bekri Cheikh : Le Kharregisme berbère, extraits des annales de l’institut d études orientales, Alger, 1957, T15.
172 – Fekhar Brahim : Les institutions Ibadites Maghrebines au moyen age, l’institution des Azzabas, acte du 3e Congre d'histoire et de civilisation du Maghreb Oran, 26-28 novembre 1983, OPU, Alger, 1987.
173 – Lhote Henri : la saline d'Amadror et le géographe, El-Bekri, Bulletin de liaison saharienne 1953, N?14.
174 – Lewicki Tadeusz : Les noms berbères empoyes chez les Nafusa médiévaux (VIII-XVI) Folia Orientalia Varsovie, 1972, T14.
175 – : : La répartition géographique des groupements Ibadites dans l'Afrique du nord au moyen age Rocznik orietalistyczny, 1957 T21. (1/435)
صفحة 436
176 – :… : Tasmiya suyuka Nafusa wa qurakum rocznik orietalistyczny varsovie 1961, T25.
177 – :… : Les subdivisions de Libadiyya, Studia Islamica, Larose, Paris, 1958, T9.
178 – : : Mélanges berbères –Ibadites (sur la vieille littérature ibadite en langue berbère), revue des études islamique, 1962, cahiers N?2.
179 – : : Les hakims et les muqqadams du Gabal Nefusa au moyen age Rocznik orientalis-tyczny, Varsovie, 1962, T26.
180 – : : Un document ibadite inedit sur l'émigration des Nafusa du Gabal dans le Sahil Tunisien au VIII/IX e, Folia Orientalia 1959, T 1-2.
181 – :… :Quelques extraits inedites relatifs aux voyages des commerçants et des missionnaires ibadites nord- africains au pays du soudan occidental, Folia Orientalia 1960, T2.
182 – :… : traits d'histoire du commerce trans-saharien marchands et missionnaires ibadites au soudan occidental et central au cours des VIII-XII S, ethnographia Polska, 1946, V8.
183 – :… :Les origines de l'islamisation de Tademekka d'après les sources arabes, bibliothèque d'outre –mer, Paris, 1981, N? 5-6.
184 – :… : Du nouveau sur la liste des tribes berbères d'Ibn Hawkal Folia Orientalia 1971, T 13.
185 – :… : survivances chez les berbères medieveaux des musulmans de cultes anciens et de croyances Paienne, Folia Orientalia 1967, T8.
186 – : Mercier Marcel : Note sur une architecture berbère saharienne, Hesperis, 1928, T8.
فهرس الموضوعات
مقدمة
المصادر والمراجع (عرض وتحليل)
الباب الأول: جبل نفوسة من الدعوة الإسلامية إلى الدعوة الإباضية
الفصل الأول: جبل نفوسة(البلاد والسكان)
الموقع الجغرافي
1 - السكان(أصولهم ومواطنهم)
ا - نفوسة
ب - هوارة (1/436)
صفحة 437
ج - لواتة
د - مزاتة
هـ - سدراتة
و - لماية
ز - زناتة
ح - زواغة
3 - أوضاع الجبل قبل الفتح الإسلامي
4 - الديانة
5 - الفتح الإسلامي
الفصل الثاني: دخول المذهب الإباضي إلى جبل نفوسة
1 - دعاة الإباضية فى الجبل
2 - حملة العلم المغاربة
3 - إمامة عبد الله بن مسعود التجيبي والحارث بن تليد الحضرمي
4 - قيام الإمامة الخطابية في طرابلس (757-761 م)
أ - تولية أبي الخطاب الإمامة
ب - إستيلاؤه على طرابلس
ج - استيلاؤه على القيروان
5 - موقف الخلافة العباسية من الإمامة الخطابية
6 - إمامة أبى حاتم الملزوزي
أ - استيلاؤه على طرابلس
ب - حصار طبنة والقيروان
الباب الثاني: جبل نفوسة والحركة الإباضية (776-909 م)
الفصل الأول:الرواد النفوسيون في المجال السياسي والعسكري والعقائدي
1 – المجال السياسي
2 - المجال العسكري
أ - حصار طرابلس
ب - نفوسة والصراع الطولوني - الأغلبي
ج - موقعة مانو
3 - المجال الفكري والعقائدي
الخلفية
النفاثية
الفصل الثاني: نفوسة دورها ومكانتها فى الدولة الرستمية
نفوسة وواصلية تاهرت
نفوسة وفتنة محمد بن عرفة
نفوسة وفتنة محمد بن رباح ومحمد بن حماد
نفوسة وتعيين الأئمة
نفوسة وتولي المناصب في الدولة
الباب الثالث: جبل نفوسة بين ثلاث قوى
(الفاطميون – الزيريون - الهلاليون)
الفصل الأول:جبل نفوسة والخلافة الفاطمية
1 - النظام السياسي في الجبل بعد سقوط إمامة الظهور
2 - الرئاسة العامة
مقدمي النواحي
3 - الهجرة النفوسية إلى إفريقية والمغرب الأوسط
4 - قيام الدولة الفاطمية في بلاد المغرب وموقف الإباضية منها
الانتفاضات الإباضية
أ - ثورة طرابلس (300 هـ/912 م)
ب - ثورة نفوسة (310 هـ/922 م)
ج - ثورة النكارية (322 هـ/933 م)
د - ثورة الوهبية (358 هـ/968 م)
الفصل الثاني:نفوسة الجبل والصراع الفاطمي –الزيري
رحيل المعز لدين الله الفاطمي الى مصر
علاقات إباضية الجبل ببني زيري
قيام الإمارة الزيرية
النفوسيون وبني زيري (1/437)
صفحة 438
3- استراتيجية جديدة للفاطميين
4- جوغراف والهجرة الى المجهول
الباب الرابع: الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية
الفصل الأول: الحياة الاقتصادية في الجبل
الأوضاع الاقتصادية في بلاد المغرب
1 - الزراعة
2 - الثروة الحيوانية
3 - الصناعة
4 - التجارة
5 - الطرق التجارية
الطرق البرية
الطرق البحرية
أ - الأسواق
ب - السلع الصادرة والواردة
ج - تجارة السودان
6- المكاييل والموازين
7 - العملة
8 - الحسبة
9 - مستوى المعيشة
الفصل الثاني: الحياة الفكرية والاجتماعية في جبل نفوسة
أولا: الحياة الفكرية
تاهرت عاصمة الإشعاع الفكري
النهضة العلمية بالجبل
أ - حلقات العلم
ب - تمويل طلبة العلم والإنفاق عليهم
ج - التنافس العلمي
د - إرساء تقاليد الحلقة
العلوم والعلماء
العلوم
العلماء
حركة التأليف
المكتبات
العلاقات الثقافية بين جبل نفوسة وإباضية المشرق والمغرب
مع إباضية المشرق
مع إباضية المغرب
ثانيا: الحياة الاجتماعية
نظام العزابة
التنظيم الطبقي في المجتمع النفوسي
المرأة
خاتمة
الملاحق
المصادر والمراجع
فهرس الأعلام
فهرس المواقع
فهرس الموضوعات (1/438)