صفحة 1
الكتاب: جبل نفوسة وعلاقته بالرستمية
من منتصف القرن الثاني الهجري
إلى أواخر القرن الثالث الهجري
تأليف: صالح معيوف مفتاح
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] جبل نفوسة
وعلاقته بالدولة الرستمية
من منتصف القرن الثاني الهجري
إلى أواخر القرن الثالث الهجري
تأليف: صالح معيوف مفتاح
بسم الله الرحمن الرحيم
رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
صدق الله العظيمطه
الإهداء
إلى روح والدي العزيزين اللذين لهما الفضل الأول بعد الله في تربيتي وتعليمي، وكم كنت أتمنى أن يكونا موجودين ليفرحا بتمرة إنتاجهما ورعايتهما.
نسأل الله أن يتغمدهما بواسع رحمته ويجعل مثواهما الجنة.
كما أهدي هذا العمل المتواضع إلى زوجتي الغالية التي تحملت جزاء كبيرا من هم البحث، بما وفرته لي من طيب وقت وتشجيع مستمر، حيث تحملت عني معاناة الأبناء وتربيتهم في أغلب الأحيان، فجزاها الله عني خيرا.
كما أهديه إلى أبنائي وبناتي الأعزاء الذين تحملوا ألم الفراق والانتظار أن هذا العمل كان على حساب حقوقهم ورغباتهم في كثير من الأحيان.
نسأل الله تعالى التوفيق لهم جميعا في دراستهم والنجاح والسداد في مستقبلهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباحث
مقدمة (1/1)
صفحة 2
إن المتتبع لما نشر من أبحاث وإصدارات تاريخية عن ليبيا خلال الحقبة الوسيطية، وفي فترة مبكرة منها تحديدا يجد هذه الكتابات قليلة وجزئية، ناهيك عن كونها تهم أقطار مجاورة في المشرق والمغرب. لذلك جاءت متأثرة بمحلية ضيقة، مما جعلها محدودة في دراسة تاريخ شامل يفترض أن تتم دراسته وإبرازه بشكل عام كتاريخ المغرب الإسلامي أو تاريخ إفريقيا الشمالية، بل نجد هذه النظرة تنعدم أحيانا كثيرة، وهو ما يعبر قصورا أو ضعفا في الرؤية التاريخية المتكاملة لتاريخ المغرب الإسلامي الذي تعبر ليبيا حلقة جغرافية وتاريخية في بنائه. وبالتالي فإن الغاية من كتابة تاريخ ليبيا الإسلامي أو الاهتمام بالدراسة الجزئية (monographe) لبعض أقاليمه هي رغبة تتوخى تسليط الضوء على هذا الجزء الهام من المغرب الإسلامي الذي بدونه يظل فهمنا لتاريخه فهما منقوصا(1).
وبالإضافة إلى ذلك فالدراسات التاريخية المتوفرة يغلب عليها طابع التعميم، وتهم أساسا التاريخ السياسي العام دون التعمق في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي او الحضاري للمنطقة، مما يجعله تاريخ الحاكمين الذي برز بشكل كبير، في حين أن تاريخ العامة التي صنعت مادة هذا التاريخ وأحداثه ظل مغيبا.
والملاحظ أيضا أن بعض الكتابات المتأخرة تناولت إقليم طرابلس بصفة خاصة، وهي عادة لا تتعدى الجانب السياسي، كما أنه يوجد فراغ شبه كامل في الكتابة التاريخية بالنسبة للحقبة الوسيطية.
__________
(1) د. محمود أبو صنوه، مقال "رؤية جديدة للفتح الإسلامي لليبيا"، مجلة البحوث والدراسات التاريخية، العدد 1، منشورات مركز دراسات جهاد الليبيين، يناير 1986. (1/2)
صفحة 3
من هنا انصب اهتمامي بهذه الحقبة الهامة فتبين لي أن موضوع: جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية في منتصف القرن الثاني الهجري إلى أواخر القرن الثالث الهجري هو موضوع يستحق الدراسة لما لجبل نفوسة من مساهمة تاريخية وحضارية في تاريخ ليبيا الإسلامي، وخاصة في الفترة موضوع البحث، بحيث تعاظم خلالها دوره كمركز للمعارضة السياسية والمذهبية في شمال إفريقيا. وقد تنامى هذا الدور منذ منتصف القرن الثاني الهجري؛ تاريخ إعلان الدولة الخطابية في طرابلس سنة 140 ه/ 757 م، بل وقبل هذا التاريخ كانت هناك ثورات معارضة لدولة الخلافة ولولاة طرابلس والقيروان، بل إن إعلان الدولة الخطابية كان تتويجا لتلك المحاولات من الصراع الإباضي مع الدولة المركزية في المشرق، وبعد ذلك أصبح جبل نفوسة مرتبطا ارتباطا وثيقا بدولة خارجية المذهب، وشكل معها مصدرا للمعارضة لدولة الخلافة، وقد استطاع بسط النفوذ المذهبي والسياسي الإباضي في إفريقيا وبلاد المغرب، كما أن اختيار المعارضة لجبل نفوسة كملجأ حصين لبسط نفوذها لم يأت صدفة، بل نتيجة حيثيات وظروف معينة أهلته لأن يتميز بها، منها تضاريسه وصعوبة مسالكه، وكثرة حصونه، وطبيعة أرضه الخصبة، والأودية المنسابة التي يتوافر عليها وما تمثله من رافد اقتصادي مهم. (1/3)
صفحة 4
نعم هناك بعض الكتابات الإباضية حول الجبل لكنها لا تعدو أن تكون إشارات أو استشهادات بدوره في الحركة الدينية والمذهبية بصفة عامة، كما أن هذه الكتابات تناولت علماء الجبل ومناقبهم، منها كتاب أبي زكرياء "السيرة وأخبار الأئمة"، وكتاب "سير نفوسة" للشماخي، وكتاب "الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية" لمؤلفه سليمان الباروني، و"الإباضية في موكب التاريخ" لمؤلفه علي يحي معمر، وكذلك كتاب البغطوري الذي مازال مخطوطا. هذه المصادر تختزن معلومات مهمة تهم الجانب الاقتصادي والاجتماعي، كما تفيد أيضا في معرفة الأقليات الثنية والدينية المتعايشة بنفس الجبل.
إن دراستنا تسعى إلى إبراز الأهمية الجغرافية والاقتصادية والسياسية التي كانت لجبل نفوسة.
وتأتي أهمية هذا الموضوع من كونه يعتبر مساهمة مهمة في إرساء دراسة "مونوغرافية" عن منطقة جبل نفوسة تنجز لأول مرة بشكل معمق ومفصل.
لاشك أن هذه الدراسة المونوغرافية (الجزئية) لجبل نفوسة ستسهم بالتالي في تكوين دراسة متكاملة لتاريخ المنطقة، والتي تعد قيمتها التاريخية وجلاء غموضها من الأهمية بمكان لسبر غور التاريخ الحضاري في الشمال الإفريقي، ومن ثم في المغرب الإسلامي.
وأتي الأهمية التي حظي بها جبل نفوسة كذلك من دوره كمركز حضاري في منطقة تجاذبتها الحروب والصراعات السياسية منذ البدايات الأولى للفتح الإسلامي لشمال إفريقيا. وإن هذه الأهمية تثير بحث الإشكالية التي أهلت جبل نفوسة للقيام بهذا الدور منذ البداية دون غيره من مناطق ليبيا. وبصورة أوضح ما هي الخصوصية التي امتاز بها الجبل حتى يستأثر بهذه الأهمية السياسية والحضارية؟... وكذلك الدور الذي لعبه الجبل في الحياة الاقتصادية عبر عدد من المحطات والطرق التجارية عبر الصحراء في الجنوب وفي اتجاه البحر المتوسط من خلال طرابلس كميناء على البحر المتوسط. (1/4)
صفحة 5
كما تأتي أهمية البحث من كونه يتناول إشكالية العلاقة بين جبل نفوسة في ليبيا والدولة الرستمية وعاصمتها تيهرت في المغرب الأوسط، وامتداد هذه الدولة السياسي والاقتصادي والمذهبي داخل إقليم طرابلس: أي العلاقة بين الجبل والدولة الرستمية. إذا ما هو دور الجبل في قيام الدولة الرستمية والمحافظة على بقائها.
سيحاول هذا البحث الإجابة على هذا التساؤل، وسيبرز الأهمية الجغرافية والاقتصادية لجبل نفوسة، ويعلل الأسباب التي ساهمت في بروز مراكز حضارية في وقت مبكر من تاريخه الإسلامي، والتي كان بعضها قائما قبل الفتح، والتي من أهمها: جادو وإجناون وشروس.
كما أن هناك جملة من الأسباب الذاتية والموضوعية دعت لتناول هذا الموضوع بالبحث والدراسة، ومنها أن جبل نفوسة لم يحظ بالاهتمام الكبير من قبل الباحثين والمؤرخين المعاصرين.
إن جبل نفوسة ساهم في صنع الأحداث المبكرة من الحقبة الوسيطية لتاريخ ليبيا، وشكل في ذات الوقت مركز المعارضة السياسية والمذهبية في إفريقية وخاصة في إقليم طرابلس.
إن تناولنا لتاريخ جبل نفوسة بالبحث والدراسة يعد عاملا مشجعا لمن يتناول بقية المناطق الليبية بالبحث والتنقيب الأثري، والتي تعتبر في مجملها بكرا، وخاصة في مجال بحث للتاريخ الحضاري والاجتماعي للمنطقة.
تعتبر هذه الأطروحة مساهمة في كتابة تاريخ نفوسة الذي اكتنفه الغموض والإهمال أو التجاهل نتيجة لموقفه السياسي. وباعتباري طالبا باحثا من ليبيا أجد لزاما علي المساهمة ولو جزئيا بالبحث والتنقيب في تاريخ هذا البلد الذي أنتمي إليه وفاء وعرفانا بجميله وفضله الذي ننعم به، وذلك لأقدم محاولة متواضعة على طريق البحث تكون حافزا لمن يأتي لتعميق البحث في تاريخ ليبيا، وإماطة اللثام عن تاريخ غاب جزء هام منه في غياهب النسيان وخاصة الحقبة الوسيطية. (1/5)
صفحة 6
أما من حيث الفترة الزمنية لهذه الرسالة فهي تتناول الحقبة التاريخية منذ بدايات العقد الثالث للقرن الثاني الهجري، باعتبار العقدين الثالث والرابع هما بداية الإرهاصات السياسية والمذهبية الأولى للثورات الخارجية الإباضية تحديدا في إقليم طرابلس. وتمتد هذه الفترة التي نتناولها بالدراسة إلى أواخر القرن الثالث الهجري؛ وذلك لأنها تعتبر أهم فترات النشاط السياسي لجبل نفوسة، وتتزامن في نفس الوقت مع قيام الدولة الخطابية في طرابلس وانتهائها في زمن قصير جدا، لتحل محلها _أو بصورة أكثر دقة امتدادا لها_ الدولة الرستمية في تهيرت بالمغرب الأوسط التي تفاعل الجبل مع مجريات تاريخها بين مد وجزر.
مما يعني أن فترة الدراسة كانت مرتبطة بوعاء زمني محدد هو قيام الثورات والمعارضة في إقليم طرابلس كمرحلة أولى، ثم ارتباط الجبل بالدولة الرستمية بعد قيامها في تيهرت إلى حين سقوطها على يد العبيديين في أواخر القرن الثالث الهجري.
وتأسيسا على ذلك فقد قسمت هذا البحث إلى بابين، يتضمن كل باب عددا من الفصول والمباحث لتسهيل الاطلاع على جزئيات البحث بشكل ميسر، وهما:
الباب الأول: وتناولت فيه الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية بجبل نفوسة بعد التمهيد لذلك بنبذة مختصرة عن الفتح العربي الإسلامي لطرابلس، وكذلك تم إبراز الأهمية الجغرافية والاقتصادية لجبل نفوسة والقبائل والأقليات السكانية التي كونت النسيج الاجتماعي لسكان الجبل، ورصد ظاهرة التمدن في الجبل خلال العصر الوسيط، والتعرف بأهم مدنه، وإبراز دورها الاقتصادي والسياسي الذي لعبته خلال تلك الحقبة في علاقتها بمحيطها الجغرافي في المغرب الإسلامي وجنوب الصحراء. (1/6)
صفحة 7
وفي الباب أيضا تم التركيز على الوضعية الاقتصادية للجبل وما يحويه من نشاط زراعي، وما يتوفر عليه من منتوج الزيتون والكروم والتين الذي يعتمد في طريقة سقيه على مياه الأمطار والعيون التي كان يزخر بها. كما تناولت هذه الدراسة في المجال الزراعي طريقة تقسيم الملكيات الزراعية.
كما كان لحرفة الرعي دور مهم في اقتصاد الجبل، والتي تتمثل في تربية المواشي من الأغنام والإبل نظرا لتوفره على أودية خصبة جعلت لحرفة الرعي أهمية أساسية في الجبل، حيث كانت تتوفر لها أسواق خاصة تقام لها الغرض، مثل سوق جادو.
ومن الحرف والصناعات التي كانت تتواجد في الجبل الصناعات التجارية والخزفية والتي تستعمل لأواني الطهي وجرار الحنظل للزيوت والتجارة بها، وكذلك صناعة الجلود كان لها حرفا بها مثل الدباغة وصناعة المنسوجات الصوفية وصباغتها.
ويشتمل هذا القسم من الدراسة على التجارة المحلية والخارجية وأنواع الصادرات والواردات للجبل وخطوط التجارة مع الدول والأقاليم الأخرى، مثل التجارة عبر الصحراء، وكذلك المحطات التجارية وتنظيم القوافل، والصعوبات التي كانت تواجه تلك القوافل في الصحراء.
ومن ضمن ما تناوله الباب الأول الحياة الفكرية وروادها في الجبل وخصائصها التي تركزت في مجملها على الثقافة الدينية، مثل الفقه وعلوم القرآن والآداب والفلك.
وفي الجانب السياسي تناول البحث نظام الحكم في الجبل والنظام الإداري مثل تعيين القاضي والمحتسب ودور كل منهما.
وفي الباب الثاني من هذه الأطروحة انصب الاهتمام على الجانب السياسي، وهو ما يمثل العلاقة بين جبل نفوسة والدولة الرستمية، وما اعترى تلك العلاقة من مؤثرات وإرهاصات لقيام كيانات سياسية في كل من طرابلس وتيهرت، والثورات المسلحة لتي خاضها دعاة المذهب الإباضي في طرابلس والمغرب الأوسط، وما نتج عنها من تحويل الإباضية إلى تيهرت بعد أن فقدوا كل أمل في الاحتفاظ بطرابلس كحضارة لهم. (1/7)
صفحة 8
وبالتركيز على النظام السياسي للحكم في الدولة الرستمية وانتقاله من مبدأ الشورى إلى النظام الوراثي تأخذ العلاقة بين جبل نفوسة وتيهرت منحى آخر وهو مقاومة مبدأ النظام الوراثي ونزوع الجبل إلى الاستقلال عن تيهرت، والدعوة إلى إقامة إمامة ثانية في الجبل، وهي أحد عوامل الانفصال التي أرخت بظلالها على الدولة الرستمية، وجعلها عرضة للفتن الداخلية والثورات المتسارعة في ولايات الدولة، مما أنهك قدرة تيهرت في السيطرة على كبرى ولاياتها الشرقية وهي جبل نفوسة.
وذيلت هذا العمل المتواضع بملحق يتحدث عن زيارة ميدانية أثرية قمت بها لمنطقة جبل نفوسة، شملت مدن: جادو- إجناون- كاباو- نالوت، وتم أخذ صور ضوئية لتلك المناطق الأثرية لتقريب الصورة أكثر للقارئ والتعريف ببعض تلك المدن ونظام السكن ونظام الري الذي كان موجودا في العصر الوسيط.
ومن حيث المنهج الذي اتبعته في هذه الرسالة فهو المنهج الوصفي لمعالجة الباب الأول كما أسلفت. والتجأت إلى المنهج التحليلي الاستقرائي لمعالجة الباب الثاني وعلاقة جبل نفوسة بالدولة الرستمية، وذلك لما يتضمنه من نصوص وآراء تحتاج إلى تحليل واستقراء واستخلاص النتائج على قدر من الأهمية من بعض الأحداث التي وردت نصوص عنها في بعض المصادر بشكل عرضي دون أن تعطي تلك المصادر الصورة المثلى لما نصبوا إليه من معلومات أو حقائق في حالة ما إذا بقيت نصوصا بدون تحليل.
كما أن أحداث ومصادر الباب الثاني تعتمد على وجهات نظر مؤرخين، البعض منهم غير حياديين، وخاصة المصادر الإباضية التي نجدها تغلب أو تساند إمامة تيهرت وما يصدر عنها من أعمال أو مخالفات يغض هؤلاء المؤرخين الطرف عنها، بل ينسبون ما يحدث من صراع أو خلاف حول السلطة إلى أفراد معينين من المعارضة لهم أهداف وأطماع ذاتية، مما يجعل الباحث يلتزم بقراءة ما بين السطور وتحليل النص ليصل إلى رأي موضوعي في تلك الوقائع. (1/8)
صفحة 9
إن البحث في موضوع جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية من منتصف القرن الثاني الهجري إلى أواخر القرن الثالث الهجري يطرح جملة من الصعوبات قد تؤدي بالباحث إلى اليأس وخيبة الأمل إذا لم يصمد أمامها.
ولعل أولى هذه الصعوبات: هو أن هذا البحث يتناول دراسة منوغرافية في حقبة مبكرة من التاريخ الإسلامي في العصر الوسيط لم يتناولها الجغرافيون إلا عرضا في إشارات عابرة متناثرة في ثنايا المصادر. وإلى جانب ذلك فهذه الحقبة الزمنية (القرنان الثاني والثالث الهجريان) لم تنضج عنها كتابات بالمعنى الحقيقي لتنوير الباحث في هذا السياق، وحتى ما كان مكتوبا كالسير والمناقب فهي في معظمها مازال مخطوطا محفوظا في خزانات خاصة لم يصل إلى الخزانات والمكتبات العمومية ليسهل اطلاع الباحث والدارس عليها. وليس أدل على ذلك أن ما تحصلت عليه وجمعته من مخطوطات وكتب من مكتبات أو مقتنيات أفراد وأشخاص عاديين ربما لا علاقة لهم بالكتابة التاريخية أو البحث، بل نجدهم يحتفظون بتلك المخطوطات لأنهم ورثوها عن أسلافهم، ولا يسمحون حتى للنور أن يصل إليها. وإن سنحت له فرصة للاطلاع عليها فإن ذلك يتم في نطاق ضيق وزمن محدود جدا، وربما بوساطات ووجاهات، والاستعانة بالمعارف والأصدقاء لإقناع ذلك المقتني الكشف على ما بحوزته من وثائق وليس كل الوثائق بل هو من يختار لك ذلك. (1/9)
صفحة 10
ومن الصعوبات التي واجهتني لإنجاز هذا البحث ما يتعلق بالسفر إلى عدد من الدول ذات العلاقة بموضوع البحث مثل الجزائر وتونس، حيث احتجت إلى أن أزور الجزائر مرتين استغرقت إحداهما شهرا من أجل الذهاب إلى الجنوب ومنطقة غرداية تحديدا، ولكن تلك الزيارة لم تتم للأسف، وذلك في وقت كانت الجزائر فيه تمور بالاضطرابات الأمنية، مما جعلني أتردد على مطار الجزائر لأكثر من أسبوع دون طائل. وكان عزائي الوحيد من تلك الرحلة ما وجدته من دعم ومساندة من أساتذة معهد التاريخ بجامعة الجزائر وخاصة أساتذة التاريخ الوسيط جزاهم الله عني خيرا، نظرا لما تفهموه من معاناتي وإصراري على الوصول إلى مدينة غرداية، فتكفل أحد الأساتذة مشكورا وهو الأستاذ حساني مختار لمرافقتي لمدة أسبوع إلى المكتبة الوطنية بالجزائر والبحث عن كل ما له علاقة بموضوع البحث من مخطوطات وكتب ودوريات قمت بتصويرها فله مني جزيل الشكر وعظيم التقدير، كما لا أنسى بقية الأساتذة مثل الأستاذ محمد بن عميرة مدير معهد التاريخ الذي تكفل بنفسه تصوير بعض المقالات المتعلقة بموضوع البحث، وأعارني بعض الدوريات، والأستاذ ناصر الدين سعيدوني، وغيرهم من الأساتذة الكرام الذي أعاروني كتبهم خاصة.
وتأتي صعوبة البحث أيضا من التنقل الدائم بين كل من تونس وليبيا، حيث كان الحصول على بعض الوثائق يحتاج إلى مشقة وتكوين صداقات ومعارف مع الشخص المقتني لتلك الوثيقة أو المخطوطة.
دراسة مصادر البحث
1- المصادر الإباضية: (1/10)
صفحة 11
إن ما توفر من مصادر بهذا الخصوص لا يلتزم معظمها مبدأ الموضوعية أحيانا، فالمصادر الإباضية والتي انصب اهتمامها على مناقب العلماء وسير الأئمة قد أترعت أقلام مؤلفيها في المديح والإطراء لأصحاب تلك المناقب والسير دون التبصر لكتابة تاريخ موضوعي يلتزم بالحيادية حتى تجاه المعارضين من علماء ورجال السياسة من المذهب الإباضي أنفسهم، فنجد تلك المصادر الإباضية تنساق في تأييد إمامة تيهرت ومهاجمة معارضيها من الفرق الإباضية الأخرى مما لا يعطي رأيا موضوعيا وواقعيا لتلك المصادر، بل وجب التعامل معها بكل حيطة وحذر.
2- المصادر غير الإباضية:
أما المصادر غير الإباضية فإنها أهملت هذا الموضوع وتناولته برؤيتها الخاصة وهو النظر إلى الدولة الرستمية ومن دار في فلكها بأنهم خوارج معارضون لدولة الخلافة، وبالتالي يجب معارضتهم والقدح في كل أعمالهم. أي أن كل الكتابات سواء المؤيدة او المعارضة كانت في مجملها غير موضوعية، مما جعلني أقوم بقراءة النص أكثر من مرة واحدة والبحث عن مصدره ورؤية مؤلفه لتلك الحقبة التاريخية. ومع ذلك لا نعدم مؤرخا موضوعيا إلى حد ما مثل ابن الصغير المالكي، وهو مؤرخ معاصر للدولة الرستمية، عاش في تيهرت على مقربة من الدولة الرستمية وبعض من عاصرهم من أئمتها، مما أعطانا صورة شبه كاملة عن الحياة السياسية وجوانب من الحياة الاجتماعية في تيهرت. (1/11)
صفحة 12
أما مخطوط البغطوري المغرق في سير العلماء ومناقبهم لا نعدم أن نجد فيه بين الفينة والأخرى معلومات عن الأقليات أو عن تقسيم الأرض الزراعية ونظام الري أو بعض الحرف والصناعات. أما فيما يتعلق بكتابات المعاصرين في هذا الموضوع فهي تتراوح بين الأحكام المسبقة والمتعمقة في أسباب الصراع والثورات في إفريقيا والمغرب بصفة عامة، رغم محاولة التزامها الموضوعية والتمحيص في أسباب هذه الثورات أو قيام الدول المستقلة في المغرب الإسلامي، ونظرا لاعتماد هؤلاء المؤلفين في معظم الأحيان على كتابات المستشرقين أو المؤرخين الفرنسيين الذين تخصصوا في الحقبة الوسيطية للغرب الإسلامي فقد جاءت كتاباتهم مغرقة في التحليل والتأويل، فحملت النص التاريخي أكثر مما يحتمل.
ومع ذلك لا ننكر أن هناك كتابات جادة ذات منهجية موضوعية، من أمثلتها كتابات الأستاذ محمود إسماعيل "الخوارج في بلاد المغرب" و"التاريخ الإسلامي قضايا ومناهج"، ودراسات الأستاذ الحبيب الجنحاني في كتابه "دراسات اقتصادية واجتماعية في تاريخ الغرب الإسلامي"، وكذا دراسات الأستاذ محمد بن عميرة حول "دور زناتة في الحركة المذهبية في العصر الوسيط".
ومن أهم هذه الكتابات أيضا كتاب جاك تيري "الواحات والصحراء الليبية في العصور الوسطى" الذي قام بإلقاء الضوء على المحطات التجارية وطرق القوافل عبر الصحراء.
وأخيرا ختمت هذا البحث بخاتمة تقدم النتائج التي توصل إليها بخصوص جبل نفوسة وأهميته كمركز حضاري وحلقة التقاء عدد من طرق القوافل والمدن التي برزت كمحطات أو مراكز اقتصادية هامة، إضافة إلى النتائج التي توصل إليها البحث في علاقة جبل نفوسة بالدولة الرستمية، وإلى أي مدى كانت هذه العلاقة منسجمة بين الطرفين، وأسباب الخلاف والنزاع الذي كان ينشب أحيانا بين الجبل وتيهرت. (1/12)
صفحة 13
وفي الختام لا أدعي لنفسي الكمال في هذا البحث، وقد حاولت ما استطعت إلى لك سبيلا بتمحيص الأخبار والمعلومات المتوفرة للتقرب من الحقيقة التاريخية.
وفي ختام هذه المقدمة لا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل والاحترام العظيم لأستاذي الفاضل الدكتور محمد حمام الذي كان له الفضل بعد الله في التوجيه وتقديم الملاحظات الهامة التي كان لها دور كبير في تصويب البحث والوصول به إلى بر الأمان، كما أشكره على عطفه وسعة صدره واستقباله لي بمنزله، وتقديم النصح والإرشاد وإبداء الملاحظات كلما التقيت به، وكانت توجيهاته وتشجيعاته الحافر الأكبر لاستمراري في هذا البحث.
الباب الأول
الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية
بجبل نفوسة
الفصل الأول
الوضعية الاجتماعية
تمهيد: الفتح العربي الإسلامي.
افتتح عمرو بن العاص طرابلس سنة 22 ه/ 642 م بعد حصار دام شهرا، حيث كان يسكنها الروم الذين لم يبدوا أية مقاومة تذكر نتيجة لمفاجأة اقتحام المدينة من قبل العرب الفاتحين(1)
__________
(1) عبد الرحمن عبد الله بن الحكم، فتوح إفريقية والأندلس، تحقيق عبد الله أنيس، طباعة الشركة العالمية للكتاب، دار الكتاب اللبناني، دار الكتاب العالمي، 1987، ص 30.
- الطاهر أحمد الزاوي، تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار المعارف، مصر، 1963، ص 22. (1/13)
صفحة 14
. ولما انتهى عمرو بن العاص من فتح طرابلس (أطرابلس؟؟؟) أمر الخيل بالإسراع بالمسير إلى صبراته (صبره) لفتحها، فصبحوها برياسة عبد الله بن الزبير من ليلتهم على غرة، فوجدوا أبواب السور مفتوحة وأهلها مشغولون بإخراج... ؟؟؟ إلى المرعى، فأوقعوا فيهم القتل حتى استسلموا. ورتب المسلمون أمر المدينة بغزالة سورها خوفا من احتماء الروم بها مرة ثانية(1)، ثم ارتحلوا عنها قاصدين مدينة شروس بجبل نفوسة التي لم نعرف أي شيء عن تفاصيل فتحها، هل فتحت صلحا أم عنوة؟ وهل وجد العرب المسلمون مقاومة من الروم والسكان الأصليين الذين كانوا على دين النصرانية؟ ومما يجدر ذكره أن عمرو بن العاص قفل عائدا إلى مصر من مدينة شروس بعد أن استأذن الخليفة عمر بن الخطاب في التقدم نحو فتح إفريقيا فرفض ذلك عمر بن الخطاب(2).
ومن هذا نفهم أن مدينة شروس هي أقصى ما وصل إليه عمرو بن العاص في أول مرحلة من مراحل الفتح لإفريقيا.
أما وضعية جبل نفوسة الدينية قبيل الفتح فالمصادر تجمع على أن سكان الجبل كانوا يدينون بالمسيحية كما أن عددا منهم كان يعتنق اليهودية.
ومما قاله ابن خلدون في هذا الصدد أن من بينهم "من تهود وتنصر وآخرون مجوس يعبدون الشمس والقمر والأصنام"(3). وواضح من هذه الإشارة أن هناك إلى جانب الديانتين المسيحية واليهودية توجد الوثنية في الجبل.
كما أن أول اتصال لشمال إفريقيا باليهودية يعود إلى عام 588 ق.م، عندما افتتح الملك البابلي نبوخذ نصر مدينة أورشليم (القدس) وطرد اليهود منها. وفي أعقاب ذلك التجأ اليهود إلى أبناء عمومتهم الكنعانيين البربر والفنقيين.
__________
(1) الزاوي، المصدر السابق، ص 30.
(2) نفسه، ص 56.
(3) عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، المسمى: ديوان المبدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1988، ج 6، ص 63. (1/14)
صفحة 15
وهكذا تعرف البربر على اليهودية واعتنقها عدة قبائل مثل جراوة في جبل أوراس، وقبيلة مديونة(1). أما اتصال شمال إفريقيا بالإسلام فكان _كما أشرنا_ في فتح طرابلس في النصف الأول من القرن الأول الهجري، وذلك لما فتح المسلمون مصر، واستقر بهم الوضع إذ ذاك وجهوا أنظارهم إلى منطقة إفريقيا الشمالية، فبدأ عمرو بن العاص في إرسال السرايا لاستكشاف المنطقة والتعرف على سكانها. وكانت أول كتيبة يسيرها عمرو إلى منطقة برقة بقيادة عقبة بن نافع الفهري، وعاد إليه بأخبار مشجعة خاصة فيما يتعلق بالثورة التي أعلنتها قبيلة لواتة ضد البزننطيين في برقة، مما شجع عمرو أن يقود شخصيا حملة حربية استطاعت فتح برقة صلحا، وتضمن الصلح أن تدفع لواتة الجزية للمسلمين(2): "دينار على كل حالم"(3). وهذا الصلح في حد ذاته يجعلنا نطرح عدة أسئلة منها: هل دفع الجزية من طرف هؤلاء السكان مرده كونهم ظلوا على ديانتهم القديمة أم أنهم رغم إسلامهم أرغموا على دفع الجزية؟ علما بأن الجزية في الإسلام لا يؤديها المسلمون. فهذه النقطة وغيرها غير واضحة فيما تناقلته الروايات التاريخية المتواترة بالمصادر العربية.
وقد ذكر ابن عذاري في بيانه أن سكان "إطرابلس لما داهمهم عقبة بن نافع استغاثوا بقبيل من البربر يقال لهم نفوسة، إذ كانوا دخلوا معهم في دين النصرانية"(4). وهذه الإشارة تفيد أن سكان نفوسة كانوا أيضا على دين النصرانية.
__________
(1) عبد الرحمن الجلالي، تاريخ الجزائر العام، دار الثقافة، العدد الأول، مايو 1993، ص 77.
(2) موسى لقبال، المغرب الإسلامي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط 2، ص 198.
- مزهودي المعارف، مصدر سابق، ص 77.
(3) ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 1، تحقيق ومراجعة: ج.س وإ. ليفي بروفنصال، دار الثقافة بيروت، ط 2، 1400 هـ، 1980 م، ص 8.
(4) ابن عذاري، ن.م.س، ج 1، ص 8. (1/15)
صفحة 16
وتوالت الفتوحات في مواطن هوارة ونفوسة وزواغة وفي سرت وصبراته (صبره) وودان، واستطاع الفاتحون أن يؤسسوا قاعدة إسلامية في برقة.
ثم توقفت الفتوحات نظرا لعدم الحصول على إذن من الخليفة عمر بن الخطاب كما أسلفنا، حيث توقف الفتح بمدينة شروس بجبل نفوسة، وهكذا كان أول اتصال لجبل نفوسة بالإسلام.
المبحث الأول
موقع جبل نفوسة
إن الحديث عن جبل نفوسة يعني تحديدا موقع دراستنا للموضوع الذي نتناوله بالبحث.
ولما كان جبل نفوسة هو الإطار الجغرافي في هذه الدراسة فيجدر بنا أن نحدد موقع هذا الجبل، وهو من ضمن سلسلة جبلية طويلة تمتد من المحيط الأطلنطي إلى الغرب من مدينة مراكش، ويتجه شرقا مرورا بالجزائر وجنوب تونس إلى أن يصل امتداده إلى مدينة الخمس على الساحل الليبي. من هنا يتضح أن لهذا الجبل أهمية جغرافية طبعت الأحداث التي دارت في الجبل وحوله.
لكل هذه المواقع من سلسلة جبال الأطلس أحداثها التاريخية التي ساهم الجبل في صنعها بسبب طبيعته المنيعة ومدنه الحصينة، ففي جبال الأطلس وجبل درن تحديدا ترعرعت الدولة الموحدية على يدي ابن تومرت، وفي جبال أوراس كانت مملكة الكاهنة، وفي جبل نفوسة شهد قيام دولة أو جزء من دولة تختلف مذهبيا عن بقية محيطها، كما أن ارتباط اسم الجبل بقبيلة نفوسة البربرية ربما أوحى للكثيرين منا لماذا نفوسة ولم تكن هوارة أو زناته القبيلتان المعاصرتان لنفوسة. (1/16)
صفحة 17
يقع جبل نفوسة في ليبيا الحالية، وهو عبارة عن سلسلة جبلية تمتد عرضا إلى حوالي مائتي ك.م من الشرق إلى الغرب، يحده من الشمال مدينة نالوت (لالوت)، ومن الجنوب مدينة تغرمين، وفي الغرب الأحواض، وفي الشرق المروج(1)، وهو جزء من سلسلة جبال الأطلس التي تبتدئ من المحيط الأطلسي غربا، وتمر بمراكش والجزائر وتونس وطرابلس، وتنتهي إلى جبال قماطة، وهي الهضاب التي تسمى النقازة غرب مدينة الخمس بقليل(2).
وقد أشار أغلب البلدانيين والجغرافيين ولو أن إشارة بعضهم كانت مقتضبة وعابرة إلى موقع جبل نفوسة وأهميته الاقتصادية والسياسية؛ فقد وصف ياقوت الحموي جبال نفوسة قائلا: "...جبال في المغرب بعد إفريقية على نحو ثلاثة أميال، وفيها منبران في مدينتين: إحداهما سروس في وسط الجبل... والأخرى يقال لها جادو من ناحية نفزاوة... وطول هذا الجبل مسيرة ستة أيام من الشرق إلى الغرب، وبين جبل نفوسة وطرابلس ثلاثة أيام، وبينه وبين القيروان ستة أيام، وبها قبيلة يقال لهم بنو زمور، لهم حصن يقال له تيرفت في غاية المنعة، لا يقدر عليه أحد، وفيه نحو ثلاثمائة قرية وعدة مدن... ويجتمع مما حوله من القبائل إذا تداعوا ستة عشر ألف رجل..."(3).
__________
(1) مزهودي، جملة المعارف، ص 79. إن هذا التعريف عام ومبهم ولكنه إطار عام لتحديد المسميات فيما بعد.
(2) الطاهر الزاوي، ليبيا منذ الفتح العربي، ص 55. والخمس مدينة ساحلية تقع على البحر المتوسط إلى الشرق من مدينة طرابلس بحوالي 90 ك.م.
(3) ياقوت بن عبد الله الحموي، معجم البلدان، ج 5، ص 296، 297. (1/17)
صفحة 18
كما تشير هذه المصادر إلى كثرة العمران بالجبل، فإضافة إلى ما أشار إليه ياقوت من تعداد موجز السكان وخاصة المقاتلين في حالة الحرب والنفير (ستة عشر ألف رجل)، كذلك نجد صاحب كتاب الاستبصار في مدينة شروس يذكر أن بالجبل حوالي "ثلاثمائة قرية... وأمم كثيرة على مذاهب شتى وأكثرهم إباضية"(1).
كما نجد الحميري صاحب كتاب الروض المعطا، يهتم بمدى خصوبة أرضه وزراعته حيث يقول: "جبل نفوسة من قفصه إليه نحو ستة أيام، وهو جبل عال نحو من ثلاثة أيام طولا، وفيه كروم ومياه جارية وأعناب وتين، وأكثر زرعهم الشعير المتناهي طيبا، ولأهله في خبزه صنعة وحذق وتمييز فاقوا به كل الناس... ويقال: إنه متصل بجبل درن"(2).
__________
(1) مؤلف مراكشي مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، نشر وتعليق د. سعد زغلول عبد الحميد، دار النشر العربية، الدار البيضاء، 1985، ص 144.
(2) محمد بن عبد المنعم "الحميري"، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت، 1975، ص 578. (1/18)
صفحة 19
كما في لفتة هامة من اليعقوبي وهو معاصر لفترة دراستنا في القرن الثالث الهجري يشير إلى مدى الاستقرار الاقتصادي المحيط بجبل نفوسة من طرابلس إلى قابس، وأثر لك في اقتصاديات الجبل وانعكاسه على الأهمية السياسية التي حظي بها الجبل، حيث قال: "من طرابلس إلى أرض نفوسة وهم قوم عجم الألسن، إباضية كلهم، لهم رئيس يقال له إلياس"(1)، لا يخرجون عن أمره، ومنازلهم في جبال طرابلس في ضياع وقرب مزارع وعمارات كثيرة، لا يؤون خراجا إلى سلطان ولا يعطون طاعة إلا لرئيس لهم بتاهرت، وهو رئيس الإباضية يقال له عبد الوهاب(2) بن عبد الرحمن بن رستم فارسي.
__________
(1) وهو منصور إلياس، كان واليا على جبل نفوسة من قبل الإمام ابن اليقظان محمد إمام تيهرت. سليمان الباروني، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ج 2، تحقيق محمد علي الصليبي، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1987. وقد كانت فترة إمامة أبي اليقظان من 261- 281 هـ. محمود إسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن 4 هـ، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 1985، ص 777. كما تذكر بعض المصادر أنه من أصل مسحي، يشير الباروني أنه من أصل الحملة ولعلها الذمة. الأزهار، ص 311. وحبيب الجنحاني يذكر أن أبا منصور إلياس والي جبل نفوسة وأحد شيوخ الدعوة من أصل نصراني. الحبيب الجنحاني، دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي، ط 2، دار الغرب الإسلامي، ص 200، السنة 1980.
(2) هنا يقع خلط عند اليعقوبي فولاية أبي منصور لم تكن في عهد عبد الوهاب بل تتأخر عن ذلك كثيرا، حيث وقعت في عهد أبي اليقظان 261- 281 كما أسلفنا في هامش ص 8. (1/19)
صفحة 20
"وديار نفوسة متصلة مما يلي القبلة إلى قريب من القيروان، ولهم قبائل كثيرة وبطون شتى، ومن طرابلس على الجادة العظمى إلى مدينة يقال لها قابس عظيمة على البحر المالح عامرة، كثيرة الأشجار والثمار والعيون الجارية، وأهلها أخلاط من العرب والعجم، وبها عامل من قبل ابن الأغلب صاحب إفريقية خمس مراحل عامرة، يسكنها قوم من البربر من زناتة ولواتة والأفارقة الأول يقال لها... ويله أول مرحلة من طرابلس ثم صبره وهي منزل بها أصنام وحجارة قديمة ثم قصر بني حيان"(1).
ومن خلال إعادة قراءة نص اليعقوبي لوصف المنطقة من طرابلس جنوبا إلى قابس بتونس الحالية غربا، وهي المنطقة التي تمثل جبل نفوسة وما جاوره، نستطيع استخلاص الحقائق التالية، وبالتالي نستطيع أن نمضي في طريق إجابتنا على سؤالنا الأساسي عن أهمية جبل نفوسة كمركز حضاري، وتبيان علاقته بالدولة الرستمية. وهي ماعدا طرابلس بشريط ساحلي ضيق، فهي تقع تحت سلطان الأغالبة في القيروان.
أما جنوب طرابلس في اتجاه جبل نفوسة، وهي المنطقة التي تسمى سهل جفارة وما بها من كثافة سكانية وعيون جارية وأرض خصبة فهي خاضعة لنفوذ الدولة الرستمية.
كذلك إن منطقة نفوسة التي تضيق وتتسع حسب غلبة الصراع، فأحيانا تشمل السهل والجبل كما في هذا النص، وأحيانا تنحصر في الجبل، فهي منطقة مستقلة سياسيا عن الأغالبة تحت حكم وال يتبع إمامة تاهرت.
__________
(1) أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، كتاب البلدان، ج 1، ليدن، 1892، ص 347. (1/20)
صفحة 21
لم تتوفر أية معلومات عن جبل نفوسة أثناء سيطرة الوندال، والسنوات الأولى للسيطرة البيزنطية، وقد تعرضت المنطقة لهجوم من طرف القبائل البربرية الآتية من الجنوب والشرق، وربما كانت من بين هذه القبائل قبيلة نفوسة، وهي بلا شك تتطابق تسميتها مع قبيلة نفوس (Navusi) للمؤرخ (Corippus)، وهي قبيلة بربرية كانت تقطن في سنة 546م جبال أوراس في ضواحي هذا الجبل، وبالتالي تمركزت بعد هذا التاريخ في الجبل الذي سمي باسمها جبل نفوسة(1).
وتسمية الجبل باسم قبيلة نفوسة يدل على غلبة هذه القبيلة وسيادتها والتأثير القوي الذي بلغته تلك القبيلة البربرية الإباضية(2).
أشار ابن خلدون في تاريخه إلى نفوسة وعدد القبائل الأخرى التي تقطن هذا الجبل حيث قال: "وأما نفوس فهم بطن واحد تنسب إليه نفوسة كلها، وكانوا من أوسع قبائل البربر، فيهم شعوب كثيرة مثل بني زمور وبني مسكور وماطوسة.
وكانت مواطن جمهورهم بجهات طرابلس وما يليها، وهناك الجبل المعروف بهم، وهو على ثلاث مراحل من قبلة طرابلس، يسكنه اليوم بقاياهم"(3).
كما يشير إلى وجود قبائل أخرى تسكن الجبل مبتدئا من الغرب إلى الشرق، فأولها من جانب الغرب جبل دمر ويسكنه أمم لواته، ويتصلون في وسطه إلى قابس وصفاقص من جانب الغرب، وأمم أخرى من نفوسة من جانب الشرق، وفي طوله سبع مراحل، ويتصل به شرقا جبل نفوسة، تسكنه أمم كبيرة من نفوسة ومغراوة وسدراته، وهو قبلة طرابلس على ثلاث مراحل منها، وفي طول سبع مراحل، ويتصل به من جانب الشرق جبل مسلاته، ويعتمره قبائل هوارة إلى بلدة مسراته وبرقه وهو آخر جبال طرابلس. وكانت هذه الجبال مواطن هوارة ولواته ونفوسة.
__________
(1) Lewicki. Etudes Ibadites. Nord –Africaines. P51- 52.
(2) Lewiki Studi. AIBADY. P331.
(3) ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 128. (1/21)
صفحة 22
ويحيل (Lewiki) على نص الشماخي عن الحدود الجغرافية للتسمية بأن جبل نفوسة هو تلك المواضع بين لالوت نالوت من جهة الغرب وقرية تاغرمين في إقليم زناته الحالي من جهة الشرق. ومع هذا التحديد تنقصه الدقة؛ لأنه في العصور الوسطى تعتبر قرية وازن التي تقع إلى الغرب من نالوت القريبة من الحدود التونسية الطرابلسية من ضمن جبل نفوسة(1).
ولا نستغني عن تحديد الزاوي باعتباره مؤرخا ليبيا، ولمعلوماته أهمية أثر في هذا الموضوع الشائك بين التسمية والموقع أو الحدود الجغرافية لجبل نفوسة، رغم أنه لم يضف جديدا لكل التعريفات السابقة إلا أنه أفادنا في موضوع المسافات بالمقاييس الحديثة حيث قال: "جبل نفوسة هو سلسلة جبال صخرية تمتد من الغرب إلى الشرق، وهو جزء من سلسلة جبال أطلس تبتدئ من بحر الظلمات، وتمر بمراكش والجزائر وتونس وطرابلس، ويبتدئ جبل نفوسة من الغرب من غربي نالوت، وينتهي بحدود غريان الشرقية، وطول هذه المسافة حوالي 200 ك.م، وتستمر سلسلة الجبل إلى النقازة، وكلما مرت ببلاد سميت باسمها إلى مدينة الخمس، وتبلغ هذه المسافة حوالي 400 ك.م"(2).
وكيفما كان رأي الأستاذ الزاوي فإن تسمية نفوسة _رغم أنها تشمل الجبل_ لا تنحصر في موقع محدود وعلى طول التاريخ؛ لأن التسمية تطول وتقصر عبر فترات الحقب التاريخية المتعاقبة، أي أنها تسمية متحركة تحكمها عدة ظروف؛ منها بروز تسميات محلية لبعض المناطق التي يمر منها الجبل، مثل ترهونه مسلاته، أو مثال جبل تكوت أو جبل منطروس(3) قطعة من جبل نفوسة قرب جبل غريان(4).
__________
(1) Lewiki Studi. P331- 332.
(2) الطاهر الزاوي، معجم البلدان الليبية، ج 1، 1968، ص 84.
(3) هذه التسميات توجد داخل جبل نفوسة بالقرب من غريان الحالية.
(4) الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 96. (1/22)
صفحة 23
فمجمل القول أن جبل نفوسة يأخذ حيزا بمدنه وقراه والقبائل التي استوطنته، ولكن هذا المجال أو الحيز من حيث التسمية غير ثابت، ويتحرك شمالا وجنوبا وشرقا وغربا: أي تسمية جبل نفوسة تتسع في بعض الأحيان تشمل كل المنطقة جنوب طرابلس إلى الخمس شرقا وإلى الحدود مع تونس غربا، وتضيق في فترات أخرى.
والطريف في الأمر أن جبل نفوسة ليس الحالة الوحيدة في اتساع التسمية وتقلصها وخاصة إفريقية، بل هناك تسميات أخرى خضعت لنفس الظروف، مثال ذلك أن إفريقية أصبحت ولفترة غير قصيرة تشمل الساحل الجنوبي للبحر المتوسط من طرابلس إلى الجزائر، وأحيانا لا تدخل طرابلس ولا الجزائر في التسمية، بل تنحصر في تونس. فهذه التسمية أصبحت مثار نقاش في تحديد الأماكن التي تشملها، وكذلك كلمة لوبيا أو ليبيا فنجد هذه التسمية في فترة من فترات التاريخ شملت كل إفريقيا.
وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة السودان التي أصبحت مدلولا متحركا أو رجراجا إلى فترة من الزمن، حيث يطلق على المنطقة جنوب الصحراء بالسودان الشرقي أو الغربي أو الأوسط وهكذا...
وبناء على المعطيات السابقة يمكن القول: إن أهمية جبل نفوسة تكمن في كونه يقف جاثما في وسط ما كانت تسميه المصادر العربية بإفريقية، مما أكسبه شخصية متميزة حافظ عليها باستمرار. إلا أن ذلك لم ينفع من جعله منطقة مرور في كل الاتجاهات شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.
المبحث الثاني
السكان وظاهرة التمدين (1/23)
صفحة 24
نعني بالسكان أهل الجبل من القبائل البربرية التي استوطنته من قبل الفتح وطوال العهد الروماني. جاء الفتح ووحد قاطنة الجبل والنواحي المحيطة به في إقليم طرابلس. ورغم تحرك هذه القبائل من مكان إلى آخر لعدة أسباب أهمها: الانتجاع والبحث عن الكلإ والماء، وكذلك البحث عن الأمن والاستقرار، إلا أن مواطن ثابتة ترجع إليها دائما. ومن خلال ما ذكره الحموي نلاحظ أن الجبل كان مأهولا بالسكان، ويؤكد ذلك صاحب كتاب "الاستبصار" رغم تأخره عن فترة دراستنا، ففي حديثه عن مدينة شروس _إحدى أهم مدن الجبل_ يذكر أن بالجبل حوالي ثلاثمائة قرية، وأمم كثيرة على مذاهب شتى أكثرهم إباضية(1).
أما القبائل التي اتخذت من الجبل موطنا لها فهي كثيرة أهمها قبيلة نفوسة، وهي من البربر البتر تنسب إلى نفوس بن مازحيك بن مادغيس، وهو مادغيس الأبتر جد البربر البتر، ومن أشهر بطونها بنو زمور مكسورة وماطوسه(2).
ومن أشهر القبائل المقيمة كذلك في الجبل هوارة، وهي بطن من البرانس تنسب إلى هوار بن أوريغ بن برنس جد البرانس. ومن بطون هوارة غريان وورفل ومسراته ومسلاته ومجريس(3) وبنو اللهيان ومليلة وورسطفه. فبطون اللهيان بنو درها وبنو مرزيان وبنو رفلة وبنو مسراته(4). وإضافة إلى العنصر المسلم هناك عناصر أخرى غير مسلمة من يهود ونصارى، مكنتنا نصوص جديدة من التعرف عليها شيئا ما لأول مرة، ومن هذه النصوص مخطوط البغطوري.
__________
(1) الاستبصار، مصدر سابق، ص 144، وكذلك مزهودي، مجلة المعارف، ص 76.
(2) ابن خلدون، العبر، مصدر سابق، ج 6، ص 149.
- الطاهر الزاوي، تاريخ الفتح، ص 22. وكذلك مزهودي، مجلة المعارف، مصدر سابق، ص 76.
(3) الطاهر الزاوي، تاريخ الفتح، ص 21. وكذلك مزهودي، مجلة المعارف، مصدر سابق، ص 76.
(4) محمد سليمان أيوب، جرمة منذ تاريخ الحضارة الليبية، دار المصراتي للطبع والنشر، ص 52. وكذلك مزهودي، مجلة المعارف، ص 76. (1/24)
صفحة 25
كما وجدت بالجبل إضافة إلى القبائل المشار إليها آنفا أقليات أخرى غير مسلمة، مثل الصقالبة الذين استخدمهم أئمة تاهرت كجنود وموالي استجلبوهم للخدمة في الدولة، وكان يتم نفي المغضوب عليهم إلى ولايات الدولة البعيدة، مثل جبل نفوسة، أو الاستعانة بهم في إعانة حكام الولايات، وبذلك شكلوا أقلية نصرانية غير مسلمة في جبل نفوسة(1).
كما وجدت إشارة أوردها الدرجيني في طبقاته تؤيد ما ذهبنا إليه؛ وهي أن أبا منصور إلياس حاكم الجبل في عهد أبي اليقظان _أحد أعلام المذهب الإباضي_ كان على دين النصرانية، حيث قال الدرجيني: "ذكر المشائخ أنه لم ينقطع من بيت أبي منصور (إلياس) وذريته ثلاثة أشياء، ولم تتبدل منذ فارقوا النصرانية..."(2).
كما أشار الجنحاني إلى أن أبا منصور إلياس والي جبل نفوسة وأحد شيوخ الدعوة من أصل نصراني(3).
__________
(1) إبراهيم فخار، أستاذ التاريخ الإسلامي، معهد التاريخ وهران، مقابلة بمدينة وهران بتاريخ 2/12/1992.
(2) الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 329، في ترجمته لأبي منصور إلياس.
(3) الحبيب الجنحاني، دراسات، مصدر سابق، ص 200. (1/25)
صفحة 26
وفي إشارة أخرى أكثر إيضاحا أوردها البغطوري في (مخطوطه) المشار إليها آنفا تدل على تعايش هذه الأقلية النصرانية في الجبل مع السكان الأصليين رغم أنهم بقوا على نصرانيتهم، حيث كر عملية مصاهرة تمت بين أحد سكان الجبل، وهو من مشايخ المذهب الإباضي وبين أحد النصارى في قصة مفادها: "أن أبا يحي من أهل أزوال صرم عنبه فأرسل على صاحب له نصراني ليأكل العنب فأتاه هو وبناته، فتعجب الشيخ من جمال بناته (أي النصراني) فقال له الشيخ: هل عندكم جمال هكذا؟ فقال النصراني: إن كان بناتي حلالا لكم أزوجك واحدة منهن إن شئت. فقال الشيخ: نعم حلالا لنا نتزوج (أي زواج) المعاهدات منهن، فقال له (أي النصراني): اختر أيتهن شئت، فاختار أم الخطاب مليانه فزوجها له، فأتى بها إلى داره فقال لها: أسلمي أو ارجعي إلى أهلك. فعظم الأمر عليها، وكان عندهم (أي النصارى) الخروج عن الزوج حرام وهو عار... كان التزويج عند النصارى أن لا فرقة إلا بالموت، فلم تجد بدا من الإسلام فأسلمت..."(1).
ومن هنا يتأكد لنا وجود أقلية مسيحية في الجبل دون أن نعرف حجمها السكاني، وضعها الاجتماعي، وكل ما نفهمه أنها كانت متعايشة مع سكانه المسلمين في نفوسة، واستخدم بعض أفرادها كعبيد أو خدم لأهل الجبل. وفي حديث مقرين عن أبي مهاصر _أحد علماء الجبل أشار_ أشار إلى حوار دار بين هذا الأخير وعبد له رومي، قال أبو مهاصر لعبده الرومي: فما الذي بلغ فيكم؟ فقال له يا مولاي فما يبلغ بنا أن تأكلوا القمح ونأكل الشعير، وتلبسوا الكتان ونلبس الصوف(2). إذا الأقلية المسيحية كانت أحد عناصر النسيج الاجتماعي للجبل، ومشاركة أهله في كافة شؤونهم ومن يسلم منهم يصل إلى أعلى مراتب الحكم كما كان مع أبي منصور إلياس حاكم الجبل.
__________
(1) مقرين البغطوري، مخطوط، تاريخ وسير جبل نفوسة، ورقة 183.
(2) البغطوري، مصدر سابق، ورقة 132. (1/26)
صفحة 27
ونكتفي بهذه الإشارة التي لا تكفي لتأريخ وجود النصرانية بالجبل. ونحن بدورنا نرجع إلى هذا التواجد إلى سببين: إما إلى بقايا النصارى الذين كانوا بالجبل قبل الإسلام، وبقوا على نصرانيتهم، أو إلى ما تسرب من تاهرت من جند الصقالبة الذين استخدمهم الرستميون بشكل كبير، وهذا ما أسلفنا الإشارة إليه.
أما الأقلية اليهودية في الجبل فهناك إشارات مهمة عن وجودهم وبشكل مؤثر في الحياة الاجتماعية لسكانه، وخاصة في مدينة جادو كبرى مدن الجبل، لتميزها بالدور الاقتصادي الذي لعبته في العصور الوسطى.
وفي رواية مقرين البغطوري لسيرة أبي يحي الإرجاني حاكم جبل نفوسة قال: "... وروى أنه ولد عنده صبي فأهدى له يهود جادو أربعين دينارا، فأتوه فوجوه يصرم العنب في فدانه، فقدم إليهم العنب فأكلوا، فقال لهم: ارفعوا ما فضلتم فحملوه، فلما أكلوا استخلوا به، فتكلم واحد منهم قال: هذه أربعون دينارا لخرص ولدك يا شيخ، فقال لهم: لو قدرت أن أصونكم (أحميكم) لأخذت منكم أكثر من ذلك (يعني الجزية)..."(1).
وقد أشرنا سابقا إلى اشتغال اليهود ببعض الحرف مثل الصباغة. ومن هنا نفهم أن الأقلية اليهودية كان لها وجود فاعل في الجبل، وأن الجزية سقطت عنهم بسبب اضطراب الأوضاع السياسية بشكل عام. كما أن البغطوري يذكر أن اليهود قد اشتغلوا بالتجارة، كما يذكر حادث مقاضاة بين مسلم ويهودي أمام قاض مسلم بسبب اختلافهم في بيع السوائم(2).
كما تعاطى اليهود لبعض الصناعات النفيسة مثل الصياغة الحياكة، مما يؤيد حضور الأقلية اليهودية في مختلف الأنشطة الاقتصادية للجبل. وقد جاء في هذا الصدد رواية مقرين البغطوري عن سيرة أبي القاسم البغطوري ما يلي: "فقد أشرفت عليه حين أصابه الضرر، فزاره المشائخ يوما من الأيام وقد تعمموا بعمائم حسنة، وفي أصابعهم خواتم الفيروزج وثياب الطيقان من عمل اليهوديات"(3).
__________
(1) البغطوري، ورقة 153.
(2) البغطوري، ورقة 68.
(3) البغطوري، ورقة 78. (1/27)
صفحة 28
ومهما يكن من أمر فإن الأقلية اليهودية كانت تمارس نشاطها الاقتصادي بشكل كبير، كما أنها كانت متعايشة مع بقية السكان المسلمين. وتبرز إشارات متعددة عند البغطوري عن المعاملات بين اليهود والمسلمين، والسكن المتجاور مع بعضهم بعضا، كما يبرز تواجد هذه الأقلية بحجم كبير في الجبل.
كما سبق الذكر فإن غالبية سكان جبل نفوسة كانوا من أصل أمازيغي؛ من قبيلة نفوسة وهوارة وما تفرع عنهما من فروع. وكما سبق الذكر أيضا فإن هذه القبائل توزعت عقيدتها بين النصرانية واليهودية، في حين ظلت جموع منها تدين بالوثنية.ويبدو أن كل هذه المعتقدات ظلت في تعايش إلى أن جاء الإسلام فانتشر شيئا فشيئا في أواسط هذه القبائل كلها. غير أن انتشار المذهب الخارجي بعد ذلك أثر على الجبل وسكانه الذين تأثروا خاصة بالمذهب الإباضي.
وبعد مرور الوقت وصلت إلى الجبل أقليات بشرية من أصول مختلفة عربية وأوربية (الصقالية) وغيرها، فتكيفت مع السكان الأصليين وفق التعاليم السمحة للدين الجديد الذي هو الإسلام.
المدن: (1/28)
صفحة 29
إن أول ما يثير انتباه الباحث هو وجود مدن كثيرة بهذا الجبل منذ تاريخ موغل في القدم. إلا أن التأريخ لها صعب المنال لقلة المعلومات إن لم نقل انعدامها، ولعل البحث الأركيولوجي الدقيق هو الذي بإمكانه أن يسد بعض الثغرات ويجيب عن بعض الأسئلة في هذا الباب، ذلك أن كثيرا من مدن جبل نفوسة المذكورة في المصادر اندرست ولا يعرف موقعها على وجه الدقة، فمن المدن التي اندرست ولا تتوفر عنها معلومات كافية مدينة إفاطمن، رغم انتساب عدد من العلماء إليها، كما أنها أول مدينة يدرس بها القرآن(1) وتفتح بها مدرسة في الجبل بل في إفريقيا، وكذلك إجناون التي اشتهرت بأنها مدينة العلماء، وهي قرية في سفح جبل جادو اجتمع فيها سبعون عالما أيام أبي عبيدة عبد الحميد الجناون والي الإمام عبد الوهاب على الجبل(2).
وأغلب المدن التي تناولناها بالدراسة هنا قد أصبحت أثرا بعد عين، ولكنها كانت خلال الفترة التي يعنيها البحث عامرة وآهلة بالسكان.وهكذا سنقوم بدراسة أهم هذه المدن المشهورة وقتئذ كل واحدة على حدة، بغية تتبع تاريخها ومدى إسهامها في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي شهده الجبل.
1- شروس:
__________
(1) الشماخي، سير نفوسة، مخطوط، ورقة 142، أحمد مختار عمر، النشاط الثقافي في ليبيا منذ الفتح الإسلامي حتى العصر التركي، منشورات الجامعة الليبية لكلية الآداب، ط 1، 1971، ص 133.
(2) مختار عمر، مصدر سابق، ص 135. (1/29)
صفحة 30
وهي حاضرة الجبل وأهم مدنه، ذكرها الحميري في الروض حيث قال: "هي أم قرى جبل نفوسة، وهي مدينة جليلة فيها آثار الأول، وأهلها إباضية... وفي قطرها أكثر من ثلاثمائة قرية"(1). كما أنها آخر مدينة وصل إليها العرب الفاتحون في عهد عمرو بن العاص كما أسلفنا، وذكرها الحموي في "معجم البلدان" معرفا معناها اللغوي: "سروس أوله مثل آخره، ويجوز أن تكون مفعولا من سرس الرجل إذا صار عنينا لا يأتي النساء. وسروس ربما قيل بالشين المعجمة في أوله: مدينة جليلة في جبل نفوسة من ناحية إفريقيا، وهي كبيرة آهلة بالسكان، وهي قصبة ذلك الجبل، وأهلها إباضية خوارج... وهي نحو ثلاثمائة قرية، وبين شروس وطرابلس خمسة أيام(2) كما أشار إليها الزاوي إشارة عابرة في حديثه عن الفتح العربي لإفريقيا حيث قال: "شروس هي أكبر عواصم البربر القديمة في جبل نفوسة والتي كانت موجودة زمن الفتح وما زالت خرائبها إلى اليوم، وكانت إحدى عاصمتي الجبل، وكانت تحتوي على ثلاثمائة قرية. والعاصمة الأخرى هي جادو على ما نقله الحميري وغيره..."(3). وكذلك ابن حوقل في كتابه "صورة الأرض" في حديثه عن جبل نفوسة يتحدث عن مدينة شروس وعن أهميتها الاقتصادية بشيء من التفصيل دون التعرض لتاريخ بنائها فقال: "أما جبل نفوسة فجبل عال منيف يكون نحو ثلاثة أيام في أقل من ذلك، وفيه منبران لمدينتين: إحداهما تسمى شروس في وسط الجبل، وفيها مياه جارية وكروم وأعناب طيبة وتين غزير، وأكثر زروعهم الشعير وإياه يأكلون، وإذا خبز كان أطيب طعما من خبز الحنطة، ولشعيرهم لذة ليست لخبز من أخباز الأرض؛ لأنه يتفرد بلذة ليست في حيز إلا ما كان من سميد أو حوارس قد تأنق صانعه فيه. وبالجبل مدينة ثانية تعرف بجادو من ناحية نفزاوة وفيها منبر جامع، والجبل
__________
(1) الحميري، الروض المعطار، مصدر سابق، ص 316.
(2) الحموي، معجم البلدان، ج 3، ص 85، الاستبصار، ص 144.
(3) الزاوي، تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ص 56. (1/30)
صفحة 31
بأجمعه دار هجرتهم على قديم الأيام ولهم به معشر الإباضية الوهبية(1).
يستخلص من المعلومات السابقة ما يلي:
قدم المدينة.
- شرح التسمية يظل عالقا رغمأن الحموي أدلى بدلوه في هذا الصدد، وفك دلالة هذا الاسم (شروس أو سروس أو شروش) ممكن بالرجوع إلى اللغة الأمازيغية القديمة المتداولة بالمنطقة.
- دور العاصمة الذي لعبته هذه المدينة في جبل نفوسة جعل منها مركز استقطاب لساكنة مهمة كانت تزاول أنشطة اقتصادية حيوية.
- مساهمة النشاط الفلاحي في الازدهار الاقتصادي الحيوي للمدينة؛ ذلك أن المدينة كان لها محيط زراعي خصب كان يزودها بكل ما تحتاج إليه من منتجات فلاحية، الشيء الذي جعل سكانها ينعمون ببعض الرخاء الاقتصادي.
- سكوت المصادر عن ذكر المؤسسات السياسية والعسكرية للمدينة، إلا أن مدينة بهذه الأهمية لابد وأنها كانت تتوفر على قصر الحاكم وعلى الحاميات العسكرية التي كانت تقوم بحمايتها.
- الأهمية الثقافية لهذه المدينة كمركز تأصيل للمذهب الإباضي في هذه المناطق.
2- جادو:
__________
(1) ابن حوقل، أبو القاسم محمد بن علي النصيبيني، صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، ص 93.
- ليبيا في كتب الجغرافيا والرحلات، اختيار وتصنيف محمد نجم، إحسان عباس، دار ليبيا للنشر والتوزيع، بنغازي، 1968، ص 24. (1/31)
صفحة 32
وتأتي في الأهمية مع مدينة شروس وربما تفوقها شهرة، نظرا لأهميتها كسوق تجاري ومحط القوافل وانطلاقها من الجبل، أشار إليها البكري إشارة عابرة وطفيفة، ولكنها ذات أهمية أفادتنا في معرفة التكوين السكاني للجبل، حيث أورها في كتابه "المسالك والممالك" في حديثه عن مدينة طرابلس فقال: "ومن طرابلس إلى جبل نفوسة مسيرة ثلاثة أيام، وجبل نفوسة على مسيرة ستة أيام من القيروان وطول جبل نفوسة من الغرب إلى الشرق. وتليهم قبيلة يقال لها بنو زمور، ولهم حصن يسمى تيرقت في غاية المنعة، ولا يطمع فيه ولا يقدر أحد عليه، وبعد هذا الحصن قبيلة بني تدرميت لهم ثلاثة حصون، وفي وسط هذه القبائل مدينة كبيرة تسمى جادو لها أسواق ويسكنها يهود كثير"(1).
رغم هذه الإشارة المقتضبة التي لا تعطي أهمية لحجم هذه المدينة أو تحدد تاريخ بنائها إلا أنه يذكر أن بها أسواقا وهو ما يكشف عن دورها الاقتصادي كمركز تجاري دون ذكر تفاصيل عن نوعية البضائع أو السلع الرائجة في تلك الأسواق، والتي بدون شك لا تتعدى الإنتاج الزراعي والحرفي والحيواني في منطقة الجبل، مثل الحبوب والزيتون والتين والمواشي، إضافة إلى المصنوعات الصوفية مثل الملابس والأكسية. وإلى جانب ذلك كله فهي مركز للقوافل التي كانت تتعامل مع السودان والذي كانت تجلب منه الرقيق والذهب ومواد أخرى.
وما هو جدير بالاهتمام أيضا في إشارة البكري هو وجود اليهود بالجبل وفي جادو بشكل خاص، والذين لاشك أنه كان لهم دور في حركة التجارة والحرف التي عادة ما يمارسها اليهود، مثل الصباغة وغيرها.
__________
(1) أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، تحقيق أدريان فان لبوفن، أندريه فيري، الدار العربية للكتاب، ج 2، 1992، ص 655. (1/32)
صفحة 33
ومما أورده الدرجيني في هذا الصدد في ترجمته لأبي در إبان بن وسيم النفوسي: أن شيوخ الجبل شكروه (أي إبان بن وسيم النفوسي) لأنه رخص للنساء في ثلاث مسائل... والثالثة: إن هن عملن غزلا قد صبغها اليهودي فأمسسنه رأين أن وضوءهن قد انتقض لمسه؛ لأن اليهودي نجس، فقال لهن: أيما امرأة مست صباغ يهودي فليس عليها إلا غسل يديها وليس عليها وضوء(1).
كما أشار الزاوي في كتابه "معجم البلدان الليبية" إلى مدينة جادو قائلا: "إن مدينة جادو من المدن البربرية القديمة في جبل نفوسة، وكانت زمن الفتح الإسلامي إحدى عواصم الجبل، فتحها عمرو بن العاص حينما فتح شروس (22 ه)، وهي غير موجودة الآن (1968 م) ومازال اسمها معروفا، وقد أنشئت مكانها أو تقربا منها مدينة فساطو، وتبعد عن طرابلس إلى الجنوب الغربي بحوالي 187 ك.م، وتقع وسط الجبل"(2).
ورغم قلة المعلومات المتوفرة عن مدينة جادو فإننا نخلص إلى ما يلي:
_ أقدمية الإسكان بالمدينة.
_ مدينة تجارية كبيرة بدليل كثرة أسواقها.
_ تعاملها مع السودان يجعلنا نتساءل عن دورها في التجارة المتوسطية الإفريقية. فرغم الصمت الذي لزمته المصادر في هذا الباب فليس مستبعدا أنها من مدن إفريقية التي تستقطب التجارة الإفريقية في اتجاه البحر الرومي (الأبيض المتوسط).
_ وهذا الدور الذي لعبته في هذا الباب كان فيه لليهود الحظ الأوفر، علما بأن من سماتهم التعاطي للتجارة والوظائف المربحة، وهذا في حد ذاته يفسر إلى حد كبير الحركة التجارية المزهرة التي شهدتها المدينة خلال الحقبة المدروسة.
3_ كاباو:
__________
(1) الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طلاي، ج 2، ص303.
- إبان بن وسيم النفوسي: عده الدرجيني من علماء الطبقة الخامسة (200- 250 هـ) الدرجيني، طبقات، ص 291.
- الجنحاني، دراسات في التاريخ، مصدر سابق، ص 200.
(2) الطاهر الزاوي، معجم البلدان، مصدر سابق، ص 84. (1/33)
صفحة 34
وهو اسم لمدينة مازالت موجودة في المنطقة الغربية لجبل نفوسة، وهو موقع قديم جدا، حيث كان موجودا زمن الرومان، وهذا الاسم يربطه (Lewicki)(1) بالاسم البربري الذي يعني ملجأ أو مأوى. غير أنه من المحتمل أن تكون له علاقة باسم كابون (Capon) القائد البربري الذي كان يحكم القبائل المجاورة لمدينة طرابلس في نهاية السيطرة الوندالية. بينما ينسبه لويكي (Lewicki)(2) إلى قبيلة كبا (فرع من هوارة) فنجد الأستاذ محمود أبو صوة(3) يقول: "استطاع ... لواتير ليبيا تحت زعامة ملكهم (Capon) من أن يفرضوا سيطرتهم على المناطق الساحلية الممتدة من لبدة إلى طرابلس ... سعى (Capon) بعد أن سيطر على المناطق الساحلية لطرابلس لتحرير تونس من النفوذ الوندالي، وتمكن (Capon) بالفعل من هزيمة جيش الوندال جنوب تونس (Byzacena). وبالإضافة إلى عراقة اسم مدينة كابو فإن هذا النص يشير إلى مدى المقاومة التي لقيها الوندال في إفريقيا (ليبيا تونس)، وأن قبائل المنطقة بسطت نفوذها عليها بزعامة ملك منهم هو كاباون والذي تسمى المدينة الآن باسمه رغم عدم معرفتنا بتاريخ بنائها، وربما تكون عبارة عن حصن أو قلعة بنيت لمقاومة الوندال كما يفهم من اسمها البربري.
ويوجد بمدينة كاباو إلى يومنا هذا آثار لقصر كاباو، وكان له دور اقتصادي هام في تخزين المؤن والأقوات، وبه غرف متدرجة على هيئة طوابق بعضها فوق بعض، ولا نعرف تاريخا محددا لبنائه؛ لأن ظاهرة القصور كانت قديمة بالجبل ومرتبطة بحياة الأهالي الاقتصادية نظرا لخروجهم في مواسم الربيع للبادية، وتخزين غلالهم في مواقع حصينة جدا لا يصل إليها القاصد إلا بمشقة وعناء كبيرين (انظر الملحق ص 371).
__________
(1) Lewicki. P48.
(2) Lewicki. P48.
(3) د. محمود أبو صوة، رؤية جديدة للفتح الإسلامي في ليبيا، مقال بمجلة البحوث التاريخية، العدد الأول، يناير 1986، ص 50، منشورات مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي. (1/34)
صفحة 35
تبين المعطيات التاريخية المتوفرة عن هذه المدينة ما يلي:
_ عراقة المدينة كمثيلاتها السابقة.
_ أهمية هذه المدينة للتصدي للغزو الوندالي خلال القرن الخامس الميلادي، لذا فليس مستبعدا أن تكون بالأساس مركزا عسكريا. وما يؤكد هذا الطابع العسكري للمدينة هو وجود أطلال مخزن جماعي للحبوب في موقعها، وهذا المخزن يشبه إلى حد كبير مخازن الحبوب الجماعية المعروفة بجنوب المغرب باسم إكودار (مفرد أكادير). ومن المحتمل أن المنطقة التي كانت تسيطر على كاباو كانت محط هجمات المغيرين، مما حذا بالسكان إلى الاحتماء بهذه المدينة، وتجميع أقواتهم بها في هذه المخازن.
4_ ويغو:
بعض المصادر الإباضية تكتبها ويغوا، والمنتسب إليها يدعى الويغوي. هذه المدينة موجودة في المنطقة الغربية لجبل نفوسة على بعد بضع كيلومترات جنوب شرق شروس القديمة، وربما كانت هذه المدينة ذات أهمية كبيرة نظرا لاتساع رقعة أطلالها التي من بينها مسجد كان معروفا في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري(1)، وقد سمتها بعض المصادر الإباضية القديمة "المنزل" خلال عهد الشيخ المشهور المهدي؛ لأنها كانت في الطريق الذي كان يمر على جبل نفوسة، وفيها توقف الإمام الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن لما قدم على رأس حملة إلى طرابلس سنة 196 ه/ 811 م.
وحسب تسمية "مشاهد الجبل" كان في ويغو مسجدان: واحد باسم أجلمام ويعني البحيرة(2)، والثاني باسم الشيخ أبان. وربما يكون اسم احد المسجد هم اسم المسجد النفقي الذي تحت الأرض. كما أن اسم أجلمام يتطابق مع موقع جبل نفوسة باسم قلمم أو جلمم الذي سمع منه أذان الصلاة لأول مرة في الجبل حسب الوسياني. ولهذا تصبح ويغو مع القرية المجاورة لها لإفاطمان أقدم مركز إسلامي في جبل نفوسة(3).
__________
(1) Lewicki. P47.
(2) .Lewicki. P47
(3) .Lewicki. P48 (1/35)
صفحة 36
_ إذا لم نعرف البدايات الأولى لهذه المدينة فإن اتساع المساحة التي تغطيها أطلالها إلى يومنا هذا تبين بوضوح أننا بإزاء مدينة كبيرة لعبت أدوارا سياسية واقتصادية وثقافية. فهي أولا وقبل كل شيء بوابة من بوابات جبل نفوسة، ولذلك لابد وأن تتوقف فيها القوافل الذاهبة من وإلى الجبل ومدنه.
_ ويبدو أنها كان لها دور سياسي بدليل نزول عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي بها أثناء رجوعه من حملة قادها إلى طرابلس سنة 196 ه/811- 812 م.
كما أنها كانت مركزا إسلاميا مهما بالجبل بحجة وجود مسجدين مهمين بها.
وسف تكشف بعض ملامح تاريخ المدينة بصورة واضحة حينما سيتقدم البحث الأركيولوجي بها.
5_ أدوناط:
اسم قرية في إمناج (العليا) في الناحية الغربية لجبل نفوسة. وحسب الشماخي: أدوناط تقع بالقرب من أمرسون بقرب الحمدان في أرض الرحيبات، ويبدو أن أصل هذا الاسم ويأتي من الكلمة اللاتينية (Donat)، ويبدو واضحا أن هذا الاسم تم تمزيغه بإدخال الألف عليه في أوله فأصبح أدوناط. وكما هو معروف فهذه الصيغة صيغة المذكر في الأمازيغية.
وربما عاشت هذه القرية في النصف الثاني من القرن الثاني، وكانت مأهولة في عهد الرومان والبيزنطيين، كما أنه من المحتمل أن نرى في هذه القرية آثار مجموعة المنشقين الدوناطيين المشهورين في التاريخ، فعرفت ثورتهم "بثورة الدوناطيين" الذين لجأوا إلى جبل نفوسة فارين من قمع المسيحيين الأرثوذكس. فحسب موتيلانسكي يوجد سبع عشرة قرية أطلال في أرض الرحيبات أغلبية أسمائها عربية، وبلا شك تحت اسم من هذه تختفي القرية القديمة أدوناط(1).
__________
(1) Lewicki. P39. (1/36)
صفحة 37
وما يمكن استنتاجه مما سبق هو أن أدوناط كانت مركزا سكانيا ربما أقل أهمية من المراكز السكانية الأخرى بدليل وصفها بالقرية، غير أن أهميتها التاريخية تكمن في كونها ترمز إلى ثورة الدوناطيين ضد المسيحيين المحافظين، ويبقى البحث الأركيولوجي قمينا بكشف النقاب عن جوانب كثيرة من تاريخ وحضارة هذه القرية المدينة إن صح التعبير.
تبين اللمحة السابقة أن ظاهرة التمدين بجبل نفوسة كانت عريقة جدا، وأن أصول السكان كانت إلى حد كبير متجانسة؛ إذ كانت قبل وصول الإسلام إلى المنطقة تتكون أساسا من الأمازيغ، وأن هذه الساكنة كانت في أغلبها متدينة إما بالمسيحية أو اليهودية، وصل الإسلام إلى هذا الجبل يؤرخ لمرحلة حضارية مهمة في المنطقة المغاربية كلها، لهذا فإن وجود هذه الشبكة من المدن والقرى بهذا الجبل يبين أهميته الاقتصادية والثقافية في المنطقة.
الفصل الثاني
الوضعية الاقتصادية
تمهيد:
نبذة عن الوضعية الاقتصادية في إقليم ليبيا برقة- طرابلس عبر العصور:
لكي يكتمل البحث عن اقتصاديات الجبل يجدر بنا أن نضعه في إطاره العام كجزء من التراث الليبي، وإعطاء لمحة تاريخية موجزة عن الوضعية الاقتصادية والمعيشية في ليبيا بصفة عامة عبر مراحل وحقب تاريخية مختلفة، علنا نخلص إلى تكوين فكرة عن محيط الجبل وإقليم ليبيا في العصور القيمة والوسيطية الإسلامية.
كان إقليم ليبيا ينقسم إلى منطقتين تختلفان من حيث تاريخهما باختلاف احتلالهما من أطراف خارجية مختلفة. فإذا كانت مدينة طرابلس قاعدة الجهة الغربية فإن مدينة برقة كانت حاضرة المنطقة الشرقية. (1/37)
صفحة 38
لقد ارتاد الفينيقيون ساحل طرابلس في القرن الثاني عشر قبل الميلاد(1) بقصد التبادل التجاري مع أهلها الليبيين، وكان الفينيقيون شعبا ملاحيا عريقا يحترف التجارة، مما جعلهم يجوبون سواحل إفريقيا الشمالية وأسبانيا. وفي أول الأمر كانوا يقنعون بإقامة مؤقتة أثناء تبادل العروض (السلع التجارية) مع شعوب الأقاليم والمناطق التي نزلوا بها، ومع مرور الزمن آثروا أن يقيموا لهم مدنا أشبه بمستعمرات ليتخذوا لهم مراكز ثابتة لما يحملون وينقلون من عروض تجارية.
وفي تاريخ غير معروف بالتحديد يعود ربما ما قبل أو بعد القرن الثامن قبل الميلاد أقاموا على ساحل طرابلس ثلاث مدن متقاربة هي: طرابلس، وكانوا يسمونها وايات (Vaiat) وحرفها الرومان فسموها (Oea)، وأقاموا غربيها مدينة صبراته، وسماها العرب صبره، ومعناها بالفينيقية سوق القمح(2)، وهو اسم يرمز إلى ما ستؤول إليه المنطقة في عهد الرومان، حيث جعلوها مخزن قمح لهم.
وأقام الفينيقيون شرقي أويا (أو طرابلس) مدينة لبدة(3) وصبره (سوق القمح) هي أقرب المدن إلى منطقة البحث التي هي جبل نفوسة. وقربه من هذه المدن أثر على حياته الاقتصادية والاجتماعية. وهذه المدن الثلاث سماها اليونان (Triplis) أي المدن الثلاث. وأطلق العرب هذا الاسم على أويا (Oea) فأصبح اسمها طرابلس، وسميت بها المنطقة جميعا فيما يقابل برقة في المنطقة الشرقية من ليبيا(4).
__________
(1) شوقي ضيف، عصر الدول والإمارات، ليبيا تونس صقلية، دار المعارف القاهرة، 1292، ص 23.
(2) نفسه، ص 23.
(3) نفسه، ص 23
(4) نفسه، ص 23 (1/38)
صفحة 39
وإقامة الفينيقيين لهذه المدن الثلاث الكبيرة تشير إلى نقلهم لليبيين نقلة كبرى من حياة التجوال والرعي إلى حياة الاستقرار والزراعة. ويعتقد أنهم أدخلوا إلى منطقة طرابلس زراعة الفواكه مثل الخوخ والتين والبرقوق والكروم والنباتات التي تنتج الحناء والزعفران وبعض الأشجار مثل اللوز والزيتون أيضا، وبذلك بثوا في ليبيا نشاطا زراعيا إلى جانب نشاطهم التجاري(1).
وخلفهم في المنطقة في القرن الخامس ق.م أبناء عمومتهم القرطاجيون الذين وسعوا نشاطهم التجاري والزراعي في طرابلس. وفي عهدهم أخذت تنظم الصلة بين مدن الساحل الطرابلسية (المدن الثلاث) وبين الواحات الداخلية: غدامس وغات وفزان، بل أخذت القوافل التجارية في التوغل في قلب إفريقيا، وتنقل من تلك الأنحاء الرقيق والعاج وريش النعام(2).
وتتوالى الحقب حتى إذا اصطدم القرطاجيون بالرومان، وتمت الغلبة للآخرين، واستولوا على طرابلس ومدنها من أيدي القرطاجيين سنة 146 ق.م. وفي عهدهم زاد ازدهار المدن الطرابلسية الثلاث، وجهوا حملة إلى غدامس وفزان، فاستولت عليهما، وتوسعوا بالنشاط التجاري إلى قلب إفريقيا، وأرسلوا لذلك ثلاث حملات استكشافية: أولاها للتعرف على مناطق طرابلس الجنوبية، الثانية والثالثة لاستكشاف السودان والسودان الغربي(3).
واعتنت روما عناية فائقة بازدهار الزراعية في طرابلس، إذ كانت تعدها مخزنها الضخم من الغلال والزيت وغير ذلك من الطيبات، وهو ما يجعلها تهتم بالقنوات لحمل مياه الأمطار من الجبال، كما كثرت الخزانات والصهاريج والسدود على الوديان لخزن مياه الأمطار وتوزيعها على الزروع، مما جعل القرى والبلدان تكثر في الأنحاء الشمالية من منطقة طرابلس، كما جعل السكان يزدادون بها زيادة كبيرة(4).
__________
(1) نفسه، ص 24.
(2) نفسه، ص 24.
(3) نفسه، ص 24.
(4) نفسه، ص 25. (1/39)
صفحة 40
أما فيما يخص منطقة اليونان نزلوا هذه المنطقة إثر تزايد عدد السكان في إحدى جزر بحر إيجه كما يتحدث عن ذلك هيرودوت. فأرسوا في سنة 650 ق.م بعثة منهم إلى الشاطئ الإفريقي في اتجاه برقة لعلها تجد لهم أرضا صالحة للنزوح إليها، ونزلت البعثة في جزيرة بلاتيا بخليج بمبة شرقي درنة، وبعد عدة سنوات نزحوا منها إلى الشاطئ الإفريقي وأسسوا مدينة سيرين (Cyrene) (شحات الحالية غربي درنة)، ثم أسسوا أربع مدن أخرى غربيها هي على الترتيب: (سوسة الحالية) (Appollanise)، سميت منذ القرن السادس الهجري باسم المرج، وطوكره الحالية (Barca) (بنغازي الحالية) (Arinolnoe). وأطلق اليونان على هذه المدن بنطابلس: أي المدن الخمس(1).
وعلى نحو عناية الفينيقيين والقرطاجيين والرومان بالتجارة في طرابلس عنى بها اليونان في الساحل الشرقي، مما جعلها تنشط في عهدهم بين مدنها الخمس وبين الواحات الداخلية من جهة وبينها وبين السودان من جهة ثانية. فكانت القوافل التجارية تسير منحدرة وصاعدة بين بنغازي وسيرين في أقصى الشمال وواحات الكفرة وأوجلة وفزان، ويتغلغل بعضها إلى السودان وخاصة دارفور وواداي، حاملة من هناك الرقيق، وسن الفيل، وريش النعام، والكركم(2).
هذه التوطئة كانت ضرورية لإعطاء لمحة عن محيط مركز دراستنا وهو جبل نفوسة.
__________
(1) نفسه، ص 25.
(2) نفسه، ص 25. (1/40)
صفحة 41
لقد خلق هذا الكيان الاقتصادي الذي أسلفنا الحديث عنه أنواعا من حركة التبادل التجاري بين الدول المطلة على حوض البحر المتوسط وإقليم ليبيا من جهة والدول الواقعة جنوب الصحراء من جهة ثانية، ونتج عن هذا النشاط الاقتصادي التوسع في بناء المدن والمراسي شرقا وغربا على طول الساحل الليبي، مثل زوارة إلى الغرب من طرابلس، وزليطن ومصراته وسرت إلى الشرق منها، وبذلك أصبحت طرابلس حاضرة اقتصادية هامة. وإلى ذلك أشار ابن حوقل بقوله: "...وبها من الفواكه الطيبة اللذيذة كالخوخ والكمثرى اللذين لا شبه لهما بمكان، وبها الجهاز الكثير من الصوف والأكسية الفاخرة الزرق والكحل النفوسية، والسود والبيض الثمينة(1).
ولا يلبث أن يذكر النشاط التجاري بها قائلا: "...وإلى مراكب ترسو ليلا ونهارا، وترد التجارة على مر الأوقات والساعات صباحا ومساء من بلد الروم وأرض المغرب وضروب الأمتعة والمطاعم"(2).
ويقول البكري: "لطرابلس أسواق حافلة جامعة"(3).
وتعتبر طرابلس منفذا تجاريا لمنتجات جبل نفوسة، ومن ثمة فهي بوابته البحرية للانفتاح على العالم المتوسطي والخارجي بصفة عامة، ومن جهة أخرى يتبين جليا أن جبل نفوسة كان يلعب دور الوسيط بين طرابلس في اتجاه العالم المتوسطي والسودان.
__________
(1) ابن حوقل، مصدر سابق، ص 72، وكذلك كتب الجغرافيا، ص 23.
(2) ابن حوقل، مصدر سابق، ص 78، وكذلك كتب الجغرافيا، ص 23.
(3) البكري، المسالك والممالك، مصدر سابق، ص 653. (1/41)
صفحة 42
وبهذا ظلت ليبيا قرونا طويلة المنفذ الكبير نحو البحر المتوسط وبلدانه الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية، وكان ذلك عاملا قويا في ازدهار التجارة بطرابلس وبرقة والمدن الساحلية. بالإضافة إلى ما كان في ليبيا من سلع كثيرة مثل القمح والشعير والزيت والملح والجلود والتمور والعسل والبسط والسجاجيد(1). كما هيأت المراعي الكثيرة في إقليمي طرابلس وبرقة وما وراءهما من السهول والجبال والصحاري لكثرة الأصواف والأوبار من الأغنام والماعز والإبل، مما أتاح قيام صناعات واسعة من النسيج (نسيج الملابس الرجالية والنسائية والسجاجيد والبسط) التي يلائهما أشد الملاءمة الصوف الليبي لخشونته الطبيعية، فيما تلائم أوبار الإبل صناعة الخيام(2).
عندما نضع جبل نفوسة في سياقه كجزء من إقليم طرابلس الذي تحدثنا عن اقتصادياته بشكل عام نستطيع أن نميز جبل نفوسة عن غيره من مناطق الإقليم بخصوصية جعلته مركز تجمع سكاني وخزانا بشريا كبيرا. فالمتمعن فيما ذكره الجغرافيون عن مدن الجبل _رغم اقتضابه_ يمكن أن يتعرف على الملامح العامة للوضعية الاقتصادية به.
المبحث الأول
الزراعة والرعي
أولا: الزراعة:
__________
(1) شوقي ضيف، مصدر سابق، ص 48.
(2) نفسه، ص 49. (1/42)
صفحة 43
لقد اشتهر جبل نفوسة بزراعة أنواع معينة من الأشجار نتيجة ملاءمة التربة والمناخ، من أهمها الزيتون والكروم والتين، كما اشتهر أيضا بوفرة الحبوب وخاصة منها القمح والشعير اللذان شكلا أحد مصادر الغذاء والتموين الأساسية لمدينة طرابلس. وقد أشار ابن سعيد في كتابه "بسط الأرض" باقتضاب إلى الغلال المنتجة بهذا الجبل قائلا: "... وفي شرقيها (جربه) على مرحلتين جبل نفوسة المتصل بجبل دُمر وما يتصل به من الجبال إلى جبال درن الذي يدخل في البحر المحيط وطوله ستة أيام، وعرضه ثلاثة أيام، وفيه مدن وعمائر، وخلق كثير ومياه وخصب، ومنه تمتار طرابلس أنواعا كثيرة من الخيرات حتى الخضر والفواكه، وفيه الزيتون والتين والزبيب والتمر..."(1). ورغم أن هذه الإشارة متأخرة فإنها تعكس وضعية اقتصادية سابقة عن فترة ابن سعيد.
هذا وترد إشارات كثيرة ومقتضبة عن الزراعة في الجبل، ولكن أغلبها تشير إلى نوعية المزروعات دون أن تعطينا صورة واضحة عن نظام الزراعة أو طرق الري في الجبل الذي يعتمد على مياه العيون والآبار، وهي مصدر أساسي للزراعة المروية في الجبل، حيث يتم الري بواسطة قنوات (سواقي)، وهي الإشارة الوحيدة التي ذكرها البغطوري في مخطوطه في أكثر من موقع عن إصلاح الساقية وانكسار الساقية، وما عدا ذلك فدائما يرد الحديث عن نوعية الأشجار والمزروعات، فنجد البكري يشير في كتابه "المسالك" إلى أن في وسط جبل نفوسة النخيل والزيتون الكثير والفواكه(2).
كما أشار إلى ذلك ابن حوقل في حديثه عن مدينة شرو حاضرة جبل نفوسة فقال: "... شروس وسط الجبل وفيها مياه جارية وكروم وأعناب طيبة وتين غزير(3).
__________
(1) ابن سعيد، بسط الأرض، ليبيا في كتب الجغرافيا، مصدر سابق، ص 81.
(2) البكري، المسالك والممالك، ج 2، ص 656.
(3) ابن حوقل، صورة الأرض من كتاب ليبيا في كتب الجغرافيا، ص 24. (1/43)
صفحة 44
كما وصف بدقة شعيرها ولذة خبزها... و"أكثر زروعهم الشعير وإياه يأكلون، وإذا خبز كان أطيب طعام الأرض؛ لأنه ينفرد بلذة ليست في خبز إلا ما كان من سميد أو حواري قد تأنق صانعه فيه"(1).
وفي مجال الزراعة إن وجدت إشارات عن كيفية نظام الزراعة فهي إشارات عابرة، ولكن ربما استفدنا من بعضها بشيء رغم ندرة المعلومات في هذا الموضوع، ولكن من خلال استقراء النوازل وسير الأئمة التي حفل بها علماء الجبل كثيرا دون الاهتمام بغيرها من العلوم والتي اتسمت في معظمها بالمغالاة وشيء من الخرافة، إلا أننا بين ثنايا السير والنوازل لا نعدم أن نجد إشارات للوضعية الزراعية والملكيات الزراعية، حيث كانت تسمى المزارع بالفدادين. وفي مخطوط البغطوري نجد كلمة فدان تعني المزرعة، حيث يذكر فدان فلان أو يعمل في فدانه، دون أن توجد تفاصيل عن حجم هذا الفدان أو مساحته، وكذلك طريقة الري التي هي عبارة عن استخدام القنوات (السواقي).
ويذكر البغطوري في روايته لسيرة أبي محمد سعد بن يونس أحد أئمة الجبل: "... أنه كان يعزق في فدانه ويزج مزراقه في عزقه كله، ويغرس الغروس ويحفظها بالماء، فيمر المتسوقون من أهل فرسطا (قرية من قرى الحبل) فيشربون من أحواض الغروس ويتوضئون لصلاتهم"(2).
__________
(1) نفسه، ص 24.
(2) مقرين البغطوري، تاريخ جبل نفوسة، مخطوط، المكتبة البارونية، جربة، ورقة 60. (1/44)
صفحة 45
أي أنه حول الأشجار تعمق الحفر لتمكين الأشجار من الارتواء. وفي رواية أخرى للبغطوري عن ورع أبي مهاصر أحد علماء الجبل الذي سبقت الإشارة إليه نستقرئ منها أن الفدان يعني مزرعة أو ضيعة دون أن تكون له مساحة محددة. وحدث عن أبي مهاصر أنه جاز على رجل من أهل منزله في فدان (يعني التين) فنظر إلى الكراميس قد وقعت من الشجر فقال لصاحبها: إن لم تكن لك بها حاجة فألتقطها. فقال لا حاجة لي بها التقطها. فالتقطها الشيخ وجعلها في قلة (وعاء من فخار) حتى وقعت الشدة والقحط في البلد، فنادى صاحب الفدان فدانه للبيع فاشتراه منه أبو مهاصر بتلك الكراميس، حتى أخلف الله ونزل المطر على البلد، وحرث أبو مهاصر فدانه وسواه حتى أيام التين، فأتى أبا مهاصر فقال له: لما تركت يا شيخ تينك لم تجنه وقد جزت عليه اليوم وأشجاره محمرة بالتين، فقال له أبو مهاصر: شق عليك فدانك يا مسكين..."(1).
__________
(1) البغطوري، ورقة 124. (1/45)
صفحة 46
من خلال هذا النص نفهم أن الفدان ما نعنيه اليوم بالمزرعة دون أن تنطبق كلمة فدان كمقياس حقيقي على رقعة الأرض المملوكة، ولكن ربما دل على صغر حجم الملكية القزمية للأرض والتي عادة ما تعود ملكيتها لصاحبها عن طريق الوراثة بعد أن تقسم على عدد الورثة المستحقين لذلك، فينقص حجم الملكية وتتوزع بين الورثة إلى فدادين قزمية صغيرة. كما أن هذا النص يفيدنا بأن هذا الفدان يشتمل على أشجار التين والتي تخزن في قلل من الفخار بعد نضجها وتصبح صالحة لسنوات وللتسويق إلى أماكن أخرى قريبة أو بعيدة. كما أن هذه الزراعة تعتمد على مواسم الأمطار: أي زراعة بعلية، ومع ذلك فإن زراعة الحبوب تعتبر حرفة أساسية إضافة إلى أشجار الزيتون الكثيرة في الجبل. فالبغطوري يورد رواية مفادها أن قافلة محملة بالزيت متوجهة من الجبل إلى بلدة درج على طريق غدامس، وكان بهذه القافلة شيخ نصح صاحبه في التأخر في بيع زيته بعد أن باع رفاقه جميع زيوتهم إلى أن جاءت إلى السوق رفقة آخرين يطلبون الزيت فباع لهم وربح ما لم يربحه أصحابه كلهم(1).
__________
(1) البغطوري، ورقة 60. (1/46)
صفحة 47
هذه الرواية تبين ما يتوفر عليه الجبل من أشجار الزيتون والاتجار في زيوته مع البلدان الأخرى، ولكن هذه الإشارة المقتضبة لا تسعفنا في معرفة مساحة الملكيات الزراعية وحجم الأرض المزروعة في الجبل بقدر ما نفهم منها مدى الاستقرار المرتبط عادة بالزراعة. وفي حديث عن مدى خصوبة التربة وجودتها بالجبل ومدى ملاءمتها لمختلف أنواع المزروعات يعطينا الوزان إضافة مهمة عن ذلك رغم تأخره عن الفترة موضوع الدراسة، ويتعلق بمدى خصوبة الأرض وجودة تربتها، وهو أمر يمكن القياس عليه لعدم تعارضه مع فترة البحث، فالأمر يتعلق بظاهرة طبيعية خاضعة لعوامل مناخية لا تتغير بسرعة، حيث يذكر الوزان أنه في جبل غريان (جزء من جبل نفوسة) "جبل مرتفع بارد، طوله نحو الأربعين ميلا، عرضه نحو خمسة عشر ميلا، ينتج الكثير من الشعير والتمر الممتاز الذي ينبغي أن يؤكل طريا، كما ينتج كثيرا من الزيتون التي تستخرج منه كمية عظيمة من الزيت تنقل إلى الإسكندرية والمدن المجاورة، ويكثر فيه أيضا الزعفران الممتاز لونا وجودة، وهو أحسن بكثير من الزعفران المستورد من أي جهة في العالم"(1).
إشارة إلى الوزان هذه رغم تأخرها (القرن التاسع الهجري) مهمة من حيث الدلالة على مدى جودة التربة، خاصة إذا علمنا أن نبات الزعفران من النباتات التي تحتاج إلى تربة جيدة طينية رملية، وهو نبات دقيق وحساس. هذه الإشارة مع ذلك لا تدلنا على تاريخ هذه الزراعة في هذه المنطقة، وعمن أدخلها إليها، وكيف تطورت.
هذه الأسئلة تبقى دون جواب ما لم تتوفر لدينا معلومات أخرى جديدة.
ثانيا: الرعي
__________
(1) الحسن محمد الوزان، (ليون الأفريقي)، وصف أفريقيا، ترجمة الأستاذ محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 2، ص 106. (1/47)
صفحة 48
كانت الثروة الحيوانية متوفرة بجبل نفوسة، مما تطلب من سكانها رعايتها وتعهدها للاستفادة مما تنتجه من لحوم وألبان وأصواف وجلود وغير ذلك. غر أن هذه المصادر التي بين أيدينا لا تتحدث عن مقدار هذه الثروة ومجالاتها وأنواعها، حيث ترد بصفة عابرة في كتب السير والتاريخ العام، لهذا فهي إشارات شحيحة ونادرة لا تفي بإعطاء صورة واضحة عن هذا النشاط الذي لاشك أنه كان مرتبطا بالنشاط الزراعي.
كما أن طبيعة المنطقة وما تتوفر عليه من أودية صالحة للرعي تؤكد توفر الجبل على كميات كبيرة من الأغنام، خاصة إذا علمنا أن حرفة صناعة الصوف وأن اللباس الأساسي لأهل الجبل كان من هذا الإنتاج الحيواني. وإن مصدرنا لمعرفة هذا النشاط هو مخطوط مقرين البغطوري، حيث يشير إشارات خاطفة إلى تربية الأغنام والإبل والأبقار، وأن بعضهم يمتلك أعدادا هائلة من رؤوس الأغنام. فبالنسبة لقطاع تربية الأغنام يشير إلى أن أحد شيوخ الجبل ويدعى أبو عثمان المزاتي عندما أراد الحج أودع غنمه الجبل لترعى(1). وهو ما يدل على توفر الأمن والاستقرار وعدم الخوف على قطعانه من الأغنام.
كما أشار البغطوري إشارة مهمة لوجود سوق للأغنام بالجبل له نظام خاص، حيث يشرف عليه أحد المشايخ، ولا يدخل السوق داخل أو خارج إلا وفق أمر معين من شيخ السوق.
__________
(1) مقرين البغطوري، مصدر سابق، ورقة 121. (1/48)
صفحة 49
ففي رواية للبغطوري لسيرة أبي يوسف وجدليش جاء ما يلي: "وروي عن أبي يوسف أنه كان هو الذي يأذن لمن يبيع الغنم في سوق جادو، وفي عهده أحدث المشائخ ذلك النظام لكي يمنعوا أتباع المسودة(1) دخول السوق، واختلاف (لعلها واختلال) الأمور، فأتاه رجل فسأله أن يأذن له في بيع غنمه، فقال: من تكون؟ فقال: أنا ولد فلان من أهل أينر يا شيخ. فقال له: هذه الغنم تلد عندكم: قال: نعم. فقال: بع غنمك..."(2).
نفهم من هذه الإشارة وغيرها بأن هناك أغنام كثيرة ولها سوق قائمة بذاتها في مدينة جادو التي اشتهرت بأسواقها، إلا أنها لا تبين حجم هذه القطعان من الماشية وإنما دلت دلالة واضحة على توفر الجبل على هذا النوع من الماشية. إضافة إلى ذلك توجد وضعية خاصة تميز بها ساكنو المدن في الجبل، وهو ما يسمى بالهجرة الموسمية من المدينة إلى البادية مع بداية فصل الربيع، حيث يخرج الأهالي مع قطعانهم، وهو ما يعطي صورة واضحة على مدى اهتمام أهل الجبل بتربية الماشية التي يجمعون إنتاجها من الحملان والصوف في نهاية هذا الفصل.
__________
(1) المسودة: المقصود بهم العباسيون؛ لأن شعارهم هو السواد، مقرين البغطوري، مصدر سابق، ورقة 121.
(2) مقرين البغطوري، مصدر سابق، ورقة 157. (1/49)
صفحة 50
وموسم الإنتاج هو فصل الربيع، حيث ينتجع مربو المواشي مع حيواناتهم إلى بطون الأودية ومصادر المياه. وظاهرة الانتجاع هذه كما أنها كانت موجودة في المجتمع الجبلي فهي ظاهرة موجودة حتى حول الحاضرة الرستمية تاهرت. فهذا ابن الصغير أقدم مؤرخ للدولة الرستمية يذكر ظاهرة الانتجاع هذه؛ وهي الانتقال في فصل الربيع والانتجاع حول تاهرت، حيث أتى إلى "أن قبائل مزاته وسدراته وغيرهم كانوا ينتجعون من أوطانهم التي هم بها من المغرب وغيرها في شهر الربيع إلى مدينة تاهرت وأحوازها لما حولها من الكلأ"(1).
إن ظاهرة الانتجاع ربما تعني طلبا للكلأ كما يشير هذا النص، ولكنها تعني أيضا الخروج من المدينة إلى البادية في فصل الربيع، وهو ما تعنيه في الجبل _موضوع بحثنا_. إن الخروج في هذا الفصل هو من المدن والقصور في الجبل إلى الأودية المجاورة لتلك المدن، حيث تكون تلك المواشي متواجدة مع سُراحها، فالخروج هنا بغرض الاستفادة من أصواف هذه المواشي وأشعارها، حيث يتم جز الأغنام في نهاية فصل الربيع والعودة بالأصواف إلى المدينة لتتحول إلى ملابس وأغطية بفضل أيدي نساء الجبل كما أشرنا سلفا.
__________
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق: الأستاذ محمد ناصر وإبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1986، ص 47. (1/50)
صفحة 51
وفي رواية لمقرين البغطوري عن سيرة الشيخ أبي مرداس يفهم منها أن الخروج في موسم الربيع من المدينة إلى البادية يتم بشكل مؤقت، حيث تخلو المدينة من معظم سكانها؛ وذلك لالتحاق السكان بمواشيهم في بطون الأودية طوال فترة الربيع، وحتى المنازل التي تبنى أثناء عملية الانتجاع تكون بشكل مؤقت على هيئة أقبية (جمع قبو) أو خيام من الشعر وخصوصا من سعف النخيل، وفي ذلك قال مقرين: "... وطلع ذات مرة (يعني أبا مرداس) على الجبل فوق منزله فنظر إلى بنيان كثير حدث في المنازل فقال لهم: متى حدث هذا البنيان، وذلك من قلة التفاته وكثرة أدبه، وإنما التفت في ذلك الوقت لأنه لم يكن في المنزل أحد قد خرجوا في الخصوص إلى الربيع"(1).
إن هذا الانتجاع ظاهرة اجتماعية تعكس مدى العلاقة بين المدينة والبادية وما فيها من التعاون والتكامل، كما أن سكان المدينة قد يصبحون أهل البادية في فترة محدودة مثل موسم الحرث والحصاد وموسم الخروج في فصل الربيع، أي أن حياة السكان منقسمة بين البادية والمدينة، خصوصا إذا علمنا أن غالبية أفراد المجتمع كانت تعتمد على تربية الحيوانات المختلفة، فهم بحاجة دائمة لإيجاد علاقة وطيدة مع البادية ومواردها الطبيعية من الماء والكلأ. إذا ظاهرة الانتجاع نجدها تتكرر في الجبل بل نجد صداها في هذا المجتمع بصفة عامة، مما يؤكد على أن المجتمع الرستمي يغلب عليه الطابع البدوي؛ وهو التنقل وعدم الاستقرار في معظم أرجائه.
يتضح من التحليل السابق أن جبل نفوسة كان يتوفر على موارد اقتصادية مهمة وعلى ثروة بشرية نشطة، استغلت تلك الموارد لفائدتها، مما ساهم بدون شك في ازدياد ساكنته.
المبحث الثاني
الحرف والصناعات
الحرف والصناعات:
__________
(1) مقرين البغطوري، مصدر سابق، ورقة 46. (1/51)
صفحة 52
رغم وجود حرف وصناعات تتفق والاحتياجات المحلية من ملابس وحرف صناعية أخرى تعتمد على الإنتاج الزراعي، مثل عصر الزيتون والصناعات الفخارية وأدوات الحرث، إلا أن المصادر لا تشير إلى هذا الجانب بشيء من التفصيل، وإن أشارت إلى صناعة من تلك الصناعات والحرف فهي إشارة عرضية ليست مقصودة بذاتها، بل تأتي في إطار الحديث عن سيرة شخص معين. وكما نعلم فإن التاريخ الموجود بين أيدينا هو تاريخ سياسي مرتبط بوجود الحكام، ولا يهتم بالتأريخ للأوضاع الاجتماعية والحضارية إلا فيما يخدم التاريخ السياسي.
ومهما يكن من أمر فإن الحرف والصناعات في العصور الوسطى لا تتجاوز بوجه عام سد الحاجيات البسيطة للمواطن من غذاء وكساء، ولذلك هناك صناعات لا يمكن تجاهلها حتى وإن أشارت إليها المصادر إشارة عابرة، مثل الصباغة ودبغ الجلود وعصر الزيوت وصناعة الفخار وصناعة الأوعية لحفظ التمور والتين (وهي تسمى القفاف جمع قفة، وتصنع من سعف النخيل). فالمنسوجات الصوفية من أغطية وملابس كانت أكثر عمل المرأة في الجبل، حيث رخص لها الفقهاء في ذلك نظرا لتناسب هذه الصناعة مع طبيعتها(1).
كما يشير مخطوط البغطوري إلى العمل الجماعي لنساء الجبل في أنوال مشتركة، وهي إشارة تدل على وجود نساج أو محلات للنسيج مخصصة للنساء(2).
كما أن نساء الجبل يجتمعن في أحد البيوت للقيام بعمل جماعي في صنع الصوف وغزلها ونسجها(3)، وكذلك الإشارة إلى وجود معاصر للزيت دون إعطاء أي تفاصيل عن حجمها أو عددها.
__________
(1) مقرين البغطوري، مصدر سابق، ورقة، ص 46.
(2) مقرين، مصدر سابق، ص 69.
(3) مقرين البغطوري، مصدر سابق، ورقة 69. (1/52)
صفحة 53
وفي إشارة بسيطة أوردها البغطوري تدل على وجود معاصر الزيت، وذلك في حديثه عن أحد مشايخ الجبل الذي دخل معصرة زيت فتغير ثوبه(1) نتيجة ما يخالط عملية عصر الزيوت من مواد يجب الاحتراز منها. كذلك قامت حرفة أخرى مرتبطة بالتمور والتين المجفف، وهي صناعة أوعية من سعف النخيل تسمى القفاف(2). كما أن الجبل اشتهر بصناعة الفخار والأواني الفخارية ذات الأغراض المتعددة نظرا لتوفر مادتها الترابية الملائمة لهذه الصناعة بالجبل، وكذلك لارتباط هذه الحرفة بالحياة اليومية، مثل صناعة القلل والخوابي، وهي أوان فخارية تستعمل عادة لحفظ الزيوت. كما نجد أن هذه الصناعة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجبل إلى يومنا هذا، حيث تصنع أجود أنواع الأواني الخزفية والفخارية.
وهكذا يظهر جليا أن هذه الحرف التقليدية هي أشد ارتباطا بالعمل الفلاحي للسكان.
المبحث الثالث
التجارة الداخلية والخارجية
التجارة الداخلية:
إن التجارة هي أبرز الأنشطة الاقتصادية سواء في الجبل أو في شمال إفريقيا والمغرب عامة نظرا لما يمثله الموقع الجغرافي لكل منها في حلقة التجارة بين إفريقيا وأوربا عبر الصحراء من ناحية الجنوب وعبر البحر الأبيض من ناحية الشمال. فمن السهولة بمكان أن ندرك أن هذا الجبل ربما يكون قد لعب كذلك دورا في التجارة والتواصل بين المشرق والمغرب، فالموانئ والمرافئ التي أقيمت على البحر من طرابلس إلى طنجة فهي كلها لخدمة أغراض التجارة وتسهيل سبلها عبر بقاع العالم المختلفة.
__________
(1) نفسه، ورقة 120.
(2) نفسه، ورقة 79. (1/53)
صفحة 54
وبتناولنا موضوع التجارة في الجبل نجد أن هذه التجارة ذات اتجاهين: محلي وخارجي. فالأول: هو ما يربط بمحيط الجبل من طرابلس وإفريقيا وشمال المغرب، وما يربط ذلك من طرق رئيسية وثانوية كثيرة أشارت مصادر الجغرافيين إلى بعضها. أما الاتجاه الثاني وهو الاتجار مع السودان جنوب الصحراء وتجارة أوربا التي تكون أول محطاتها الموانئ المنتشرة على الساحل، مثل ميناء طرابلس.
من خلال استعراضنا للإنتاج الزراعي والحيواني والحرفي يتضح لنا نوع السلع والعروض التجارية التي كان يدور حولها النشاط التجاري والتي تشمل المنتجات الزراعية التي يزخر بها الجبل، مثل الحبوب (القمح والشعير) والزيت والفواكه والمنتجات الحيوانية، مثل الأصواف والجلود والمصنوعات التي أقيمت عليها.
وهذا ابن سعيد يورد في كتابه "بسط الأرض" نوعا من التجارة المحلية بين جبل نفوسة وطرابلس، والسلع التي كانت تمتارها طرابلس من الجبل فيقول: "... ومنه (جبل نفوسة) تمتار طرابلس نوعا من الخيرات حتى الخضر والفواكه، وفيه الزيتون والتين والزبيب والتمر..."(1). نفهم من هذه الإشارة أن الجبل كان يشكل مصدرا اقتصاديا هاما لتزويد مدينة طرابلس بما تحتاجه من غلال وخضر وفواكه، وذلك لقرب الجبل من المدينة، وسهولة تسويق هذه المنتجات كما يشير البغطوري إشارة واضحة إلى نشاط التجارة المحلية التي بين المدن المتقاربة في المسافة، حيث أورد أن قافلة محملة بكمية من الزيت باعت بضاعتها في مدينة درج، وهي على الطريق بين ناولت وغدامس(2).
__________
(1) ابن سعيد، بسط الأرض، ص 79، وكذلك ليبيا في كتب الجغرافيا، مصدر سابق، ص 81.
(2) مقرين البغطوري، مصدر سابق، ص 63. (1/54)
صفحة 55
إذا فالتجارة المحلية تعتبر من أساسيات التبادل التجاري بين الجبل والمناطق المحيطة به إلى سرت، وتمتد إلى برقة وإلى مصر أيضا، وكذلك إلى المشرق. وتوجد إشارات تبين أن هناك تجارا وفدوا من البصرة إلى تاهرت والذين لاشك أن تكون طريقتهم تمر بجبل نفوسة أو إحدى عمالاته الكثيرة التي يعين على كل منها عامل من قبل إمام تاهرت(1).
إذا نستطيع أن نؤكد بأن إطار التجارة المحلية كان يشمل بلاد المغرب الكبير ومنطقة المشرق إلى مصر، وكذلك جنوبا إلى زويلة وغدامس، باعتبار تلك المناطق تخضع لنفوذ الدولة الرستمية المذهبي على الأقل. ورغم أن هذه الإشارة تعرفنا على نوع من التجارة المحلية أو التبادل التجاري الداخلي الذي لا يتجاوز في معظمه المنتجات المحلية، مثل الغذاء والكساء التي تأتي عادة من محاصيل زراعية ومنتجات حيوانية تزخر بها المنطقة في ذلك الوقت، إلا أن هذه المناطق لم تصل إلى مرحلة الوحدة في الإنتاج التي تتيح قيام دولة أو دول اعتمادا على اقتصاديات المنطقة على ما نشاهده في الخريطة السياسية للمغرب الكبير بصفة عامة وإلى منطقة المغرب الأوسط تحديدا أنه قامت كيانات سياسية ما تلبث أن تسقط وتنصهر في كيان سياسي آخر أمام أي ضربة خارجية، مما يؤكد لنا أن اقتصاديات المنطقة لم تكن لتؤسس وهي متفرقة كيانات لها شأن. فالصفرية في سجلماسة، والأغالبة في إفريقيا (القيروان)، والرستمية في تاهرت. هذه الكيانات السياسية ما كانت لتزول أمام ضربات العبيديين لو أنها شكلت في مجملها كيانا سياسيا واقتصاديا واحد له من أسباب القوة ما يستطيع به الصمود والاستمرار في البقاء.
__________
(1) إبراهيم بحاز، الدولة الرستمية، رسالة لم تطبع، ص 210، كما سنتناول موضوع العمال والحكام في الجبل في العلاقة السياسية بين الجبل والدولة الرستمية. (1/55)
صفحة 56
ونحن نتناول جبل نفوسة بالدراسة الاجتماعية والاقتصادية "الجزئية" فهو يقع أيضا في إطار سياسي واقتصادي لدولة الرستميين في تاهرت، وبالتالي فإن الجبل في إطار هذه الدولة يعتبر أحد مراكزها الاقتصادية والسياسية الهامة، والذي انطلقت منه القوافل شرقا وغربا داخل بلدان المغرب الكبير، وشمالا وجنوبا بين السودان جنوب الصحراء وطرابلس شمالا على البحر المتوسط، وكانت من دمشق والبصرة في المشرق الإسلامي وفاس وسلجماسة في المغرب الإسلامي المحطات الرئيسية لهذه التجارة.
إذا فالتجارة الخارجية لجبل نفوسة كان لها نطاقها وطرقها ودنها التي تصل إليها أو تنطلق منها أو تمر بها، كما كانت لها سلعها التجارية التي تعتمد عليها في التبادل التجاري، إلا أن المعلومات المتوفرة في هذا الباب لا تمدنا بالتفاصيل الدقيقة، الشيء الذي لا يسهل علينا معرفة حجم هذه التجارة، مما يجعلنا نلجأ على الإقرار بوجود تماثل أو تقارب في نوعية السلع التجارية في العصور الوسطى والتي لم يطرأ عليها تحول كبير من قرن إلى قرن، وبالتالي نستفيد من الإخباريات التي ترد بعد فترة بحثنا مباشرة، أي أننا لن نجد تغيرا جوهريا طرأ على نوعية السلع التجارية المتبادلة بين السودان وأوربا عبر المدن والموانئ الليبية في إقليمي طرابلس وبرقة، فهي لا تتجاوز تقريبا الغذاء والكساء، وإن أضفنا أدوات مواد بعض الصناعات مثل الأسلحة وأدوات الحرب فهي لا تغير من قيمة السلع التجارية أو حجمها أي شيء، خاصة فيما يتعلق بالمنتجات المحلية في إقليم طرابلس وجبل نفوسة فهي لا تتجاوز الصناعات القائمة على الإنتاج الزراعي والحيواني. فلو ألقينا نظرة على البضائع المغربية التي كانت متداولة في ذلك الوقت لاستطعنا أن نفهم قياسا على ذلك بقية المتطلبات التجارية. (1/56)
صفحة 57
فقد كانت البضائع المغربية بصفة عامة تتمثل عند الأصطخري في اللبود المغربية والبغال والسروج والمرجان والعنبر والذهب والعسل والزيت والسفن والحرير والسمور(1).
ويضيف ابن حوقل إلى بضائع الأصطخري بضائع أخرى مثل الأكسية الصوفية الرفيعة الدفيئة، أي الجباب الصوفية وما يعمل منه الأنطاع والحديد والرصاص والزئبق، والخيل النفيسة من البرادين والبغال الفرهة والإبل والغنم، ومن ماشية البقر وجميع الحيوان الرخيص(2).
وإذا أخذنا في تحديد التجارة الخارجية نجدها ذات خطوط متقاطعة بين شمال وجنوب وشرق وغرب يقع جبل نفوسة بمدنه العديدة في نقاط هذا التقاطع أو مقصدا لتلك التجارة أو منتهى لبعض تلك الطرق، فالتجارة مع الشرق مثل مدن بغداد أو البصرة إلى بلاد المغرب تمر بالأنبار وهيت والرقة وحران والرها وتل موزن وحلب ودمشق وطبرية والرملة والفسطاط والإسكندرية ومنها إلى برقة(3)، فحدود الدولة الرستمية من الشرق وإقليم طرابلس وربما تقصد القيروان عن طريق طرابلس وتمر عليها، خاصة إذا كانت لا تقصد سوقا بعينه وإنما تستفيد من كل الأسواق التي تمر عليها في طريقها، وهدفها الربح المستمر(4). فمن خلال هذا النص نعرف مدى استفادة الجبل الواقع في طريق هذه التجارة المشرقية والمغربية وما تشكله من حركة رواج اقتصادي للمدن التي تستقبل تلك السلع.
يمكن القول مرة أخرى أن الموقع الاستراتيجي الذي كان يتمتع به الجبل (ولا يزال) جعل منه منطقة استقطاب للتجارة الدولية خاصة بين أطراف العالم الإسلامي المختلفة شرقا وغربا، ومن جهة أخرى بين السودان والبلاد المتوسطية خاصة الشمالية منها.
الصادرات من المغرب وإفريقيا
بصفة عامة إلى بلاد السودان
__________
(1) بحاز إبراهيم، الدولة الرستمية، مصدر سابق، ص 210.
(2) بحاز، نفسه، نقلا عن ابن حوقل، ص 210.
(3) بحاز، نفسه، نقلا عن ابن خردداب، ص 79، وكذلك محمود إسماعيل الخوارج، ص 207.
(4) بحاز، نفسه، ص 205. (1/57)
صفحة 58
لا تذكر المصادر المكتوبة المتوفرة الآن تفاصيل دقيقة عن نوعية الصادرات، سواء من جبل نفوسة أو من الدولة الرستمية إجمالا، بل يكمن أن نضع هذه الصادرات في إطارها العام الذي هو العلاقة بين المغرب الأوسط وبلاد المغرب عموما وبلاد السودان. وكما سبق الذكر فقد اشتهر الجبل بإنتاج الأكسية والملابس الصوفية لوفرة الأغنام به، وكذلك الجلود الغدامسية والزويلية(1).
ومن بين البضائع التي تصدرها الدولة الرستمية إلى تلك المناطق بالإضافة إلى ما تنتجه من فواكه يمكن تجفيفها كالزبيب والتين أو ما تصنعه من أوان فخارية(2).
لقد أشرنا إلى شهرة الجبل بزراعة الكروم والتين والزيتون، وكذلك صناعة الفخار المستعمل لحفظ الزيوت، مثل الجرار (جمع جرة)، والخوابي (جمع خابية).
وقد ذكر ياقوت في إشارة واضحة إلى نوع من العروض والسلع التجارية التي كانت متداولة قائلا: "وربما كان التجار الإباضيون يأخذون بعض الأكسية والألبسة الصوفية الكثيرة الاستعمال في بلاد السودان، ومنها الألبسة الكتانية والقطنية والحريرية، كما أنهم يحملون إلى بلاد السودان بعض البضائع المشرقية، مثل الأواني الزجاجية والعطور، وربما آلات حديدية وتحف معينة"(3).
والواقع أن المصادر لا تذكر شيئا مفصلا عن هذا الجانب الهام عن التجارة المغربية السودانية، ولكن الشك لا يتطرق إلى كثرة تنوع البضائع المصدرة إلى بلاد السودان، وهو ما عبر عنه الإدريسي جملة عندما قال: "والخيرات مجلوبة إليهم (أي السودان) من أطراف الأرض وأقاصيها"(4). ويعتبر معدن الملح أهم بضاعة على الإطلاق في التجارة مع السودان، وهو مادة يفتقر إليها أهل السودان كثيرا(5).
__________
(1) اليعقوبي، البلدان، ص 28، الاستبصار، ص 145.
(2) بحاز، مصدر سابق، ص 239.
(3) بحاز، مصدر سابق، ص 239.
(4) ياقوت، معجم البلدان، ج 2، ص 12، محمد علي دبوز، المغرب الكبير، ج 3، ص 347.
(5) الإدريسي، مصدر سابق، ص 9، بحاز، مصدر سابق، ص 239. (1/58)
صفحة 59
وقد أشار الوزان إلى أن معدن الملح في جبل نفوسة(1) مازال معروفا في زمانه، وكان موضوع تبادل بين هذه المنطقة وبلاد السودان التي كانت تصل إليها المادة الحيوية من أماكن أخرى من بلاد المغرب الكبير. وكان ملح أوليل في الطريق الغربي، وملح توتك في الطريق الأوسط من أكثرها شهرة(2).
أما الواردات فقد انحصرت في الذهب (التبر) الذي كان السلعة التجارية الرائجة في ذلك العصر، كما كان الملح يقايض بالذهب نتيجة لندرة الملح في السودان. كما أن هناك سلعا تجارية نالت شهرة كبيرة، مثل تجارة الرقيق وسن الفيل وريش النعام.
لمحة عن ممالك بلاد السودان
إن العرب أول من أطلق لفظ السودان أو استعمل هذه التسمية للشعوب السوداء التي تسكن جنوب الصحراء الكبربى، و سميت تلك البلاد و فقا لذلك بلاد السودان(3).
و السودان في الواقع تسمية عامة لذلك اصطلح على تقسيمه الى مناطق:
1- السودان الشرقي: و هو يشمل مناطق النيل وروافده جنوب بلاد النوبة، و ربما أطلق عليه في فترة متأخرة بلاد الزنج و لكن كلمة السودان كانت تلازمه.
2- و يشمل المناطق المحيطة ببحيرة تشاد (وهو مقصد رحالنا أو ما يهمنا من تلك السوادين).
3- السودان الغربي: و يشمل كل ما عدا ذلك إلى المحيط الأطلسي مثل النيجر الأوسط و فولتا العليا و غامبيا و حوض السنغال(4).
__________
(1) الوزان، مصدر سابق، ص 240.
(2) بحاز، مصدر سابق، ص 240.
(3) - (1) بحاز، نفسه، ص 219، كل الكتب الجغرافية القديمة تستخدم هذه الكلمة، اليعقةبي، ص111، الاصطخوي، ص34، دائرة المعارف في مادة السودان، م12، ص 327، 334، 347.
(4) - بحاز إبراهيم، مصدر سابق، نقلا عن عبد القادر زباديه - مملكة سنغاي -، ص .219 (1/59)
صفحة 60
في عهد الدولة الرستمية كانت تقوم في بلاد السودان الغربي ة الأوسط أكثر من دولة : مملكة غانا في السودان الغربي، و نخله في السودان الأوسط ذكرها المسعو مثل عن الفزاري صاحب كتاب - الزيج و القصيدة...- و هو كتاب لم يصلنا - و كان الفزاري معاصرا لإدريس الأول - 172-177 ه - ملك الأدارسة في فاس بالمغرب، مما يضفي أهمية كبرى على معلوماته حول السودان لمعاصرتها تاريخ الدولة الرستمية. وكانت غانا إمبراطورية كبيرة تتوسط دولة ورام في الغرب منها، ودولة نخله إلى الشرق منها(1).
والحقيقة إن الممالك التي ذكرها الفزاري في نهاية القرن الثاني الهجري لم يعد يذكرها اليعقوبي في نهاية القرن الثالث الهجري، مما يوحي بوقوع تغيير في بلاد السودان.
فإلى جانب مملكة غانا التي ذكرها الفزاري والتي يعتبرها اليعقوبي أيضا عظيمة وبها معدن الذهب يذكر مملكة أخرى باسم مملكة الكوكو، ويقول عنها بأنها أعظم ممالك السودان وأجلها قدرا وأعظمها أمرا(2).
وكان ملك كوكو في العهد الرستمي قويا بحيث هيمن على جميع الممالك المجاورة لمدينته، ويذكر اليعقوبي منها ثمانية تابعة بالاسم لملك غانا من الصعب تحديد مواقعها بالضبط(3).
ونخلص إلى القول بأنه كانت في السودان الغربي مملكتان كبيرتان معاصرتان للرستميين هما: مملكة غانا ومملكة كوكو أو جوجو حسب المصادر الإباضية(4).
__________
(1) بحاز إبراهيم، مصدر سابق، ص 222، المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسن بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 2، ط 4، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت، 1981، ص 222- 223.
(2) بحاز إبراهيم، مصدر سابق، ص 222.
(3) بحاز إبراهيم، مصدر سابق، ص 223.
(4) الوسياني، سير الأئمة، مخطوط، ورقة 39، الدرجيني، ج 2، ص 320. (1/60)
صفحة 61
أما في السودان الأوسط فتنتصب مملكة نخله في جنوب بحيرة تشاد والتي تقع في شمالها بلاد كانم القريبة من مدينة كاوار، والتي كان يربطها ببلاد المغرب طريق شرقي يعتبر أقصر طريق إلى بلاد السودان(1). ونحن نعلم أن كاوار هي آخر نقطة في الفتح الإسلامي وصل إليها عقبة بن نافع أثناء فتح طرابلس، وبالتالي نعلم مدى قرب هذه المدينة وعلاقتها التجارية المباشرة بطرابلس وجبل نفوسة عبر الطريق التجاري الذي كان يصل إليها عبر زويلة في جنوب إقليم طرابلس فزان حاليا.
الطرق والمحطات التجارية وتنظيم القوانين
أما من حيث الطرق التجارية بين الشمال الإفريقي والمغرب من ناحية وبلاد السودان المشار إليها من ناحية أخرى فهي كثيرة ومتعددة، ولكن نقصر إشارتنا على طريقين أساسيان كانا يربطان جبل نفوسة بالسودان:
الطرق إلى بلاد السودان:
المسلك الأول: طريق جبل نفوسة غدامس تادمكه كوكو.
وينطلق هذا الطريق من مدينة شروس حاضرة جبل نفوسة في اتجاه غدامس، ويبدوا أن هذا الطريق لم يندثر، وإليه الأستاذ ج. ديسبوا (Despois) في كتابه "جبل نفوسة" وذكر أنه يعرف إلى يومنا هذا باسم طريق السودان(2).
ولاشك أن التسمية ترجع في جذورها إلى وقت أقدم من ذلك بكثير. ومسافة هذا الطريق سبعة أيام في الصحراء تفصل جبل نفوسة عن غدامس، وهي مدينة لطيفة كثيرة النخل والمياه(3)، تطرق إلى ذكرها ابن خلدون وقال بأن موقعها جعلها محطة لركاب الحج من السودان وقفل التجار إلى مصر والإسكندرية عند إراحتهم من قطع المفازة ذات الرمال المعترضة طريقهم دون الأرياف والتلول، وبابا لولوج تلك المفازة للحاج والتجار في مرجعهم(4).
__________
(1) بحاز إبراهيم، مصدر سابق، ص 223.
(2) نفسه، ص 232.
(3) البكري، المسالك والممالك، ص 182.
(4) ابن خلدون، العبر، ج 7، ص 122. (1/61)
صفحة 62
غير أن جاك تيري (Thiry jacques)(1) كشف النقاب عن طريقين آخرين كانا يصلان تادمكة بغدامس وجبل نفوسة وطرابلس، وذلك باعتماده على مجموعة من نصوص بعض الجغرافيين أمثال اليعقوبي والبكري.
فتادمكة: كانت تمثل مفترق طرق بعضها كان يؤدي إلى كاوكاو، ومرحلته تسعة أيام، ويسميه بطريق تجارة الملح، والطريق الثاني إلى غانا وبعدها إلى "مالي وإلى التوات وإلى ورقلة وإلى القيروان". ومن الهقار إلى غات بجنوب ليبيا، وإلى فزان بعدها في اتجاه طريقين يؤديان من تادمكة إلى غدامس:
الطريق الأول: وتستغرق الرحلة خلاله أربعين عبر الصحراء، حيث يوجد الماء بعد مسيرة يومين أو ثلاثة، بعد أن يحفر المسافر في الرمال ليصل إلى الماء على نصف قامة الرجل، وهو ربما خط سير التوات.
والطريق الثاني: تطلب مشيا في منطقة تسكنها قبائل إسمقرن لمدة ستة أيام، وسير بدون ماء لمدة أربعة أيام، وهذا الخط يمتد مباشرة من الهقار مرورا بتاسيلي وغدامس وجبل نفوسة فطرابلس: أي أن هذا الطريق يعتبر منطقة جبل نفوسة منطقة عبور إلى طرابلس، مما يؤكد أهمية جبل نفوسة ودوره في حركة التجارة العالمية، سواء المنطلقة من طرابلس والعابرة للحزام الصحراوي لبلاد السودان، أو ما يتصل بمدينة طرابلس عبر البحر المتوسط.
ويحدثنا (Thiry)(2) عن الممر الجنوبي الذي يربط جبل نفوسة بتيهرت. ونظرا للعلاقة السياسية التي تربط جبل نفوسة بتيهرت فإن هذا الطريق كانت له استخدامات عسكرية، حيث كان ممرا للنجدات التي كانت تصل من جبل نفوسة إلى تيهرت، إضافة إلى استخدامه كطريق تجاري بين جبل نفوسة وبلاد الجريد وتيهرت ومدن المغرب الأوسط.
__________
(1) Jacques Thiry. Le Sahara libyen dans LA fique du noud – medievale 1995 E d. Peters leuven PP. 419-421.
(2) PG 163. .Jacques Thiry (1/62)
صفحة 63
ونظرا لخطورة هذا الطريق العسكرية على دولة الأغالبة فقد تعرض لمحاولات قطعه أو تحويل اتجاهه إلى مدن خاضعة للدولة الأغلبية قصد الاستفادة من القوافل التجارية.
يقول (Thiry): كان هذا الممر يشكل خطرا على دولة الأغالبة في إفريقيا، والأخطر من ذلك كان يستخدم معبرا للتجارة مع السودان. ففي سنة 224 ه(1) قام القائد الأغلبي عيسى بن ريان الأزدي بحملة عسكرية ضد قبائل لواته وزواغه ومكناسة، وخرق الحصار الذي كانت تضربه تلك القبائل، وقطع خط سير هذا الطريق (كاوار زويلة نفوسة) في اتجاه الغرب نحو تيهرت مرورا بتوزر وبلاد الجريد، وحول وجهته إلى طرابلس التي كانت تحت سيطرة الأغلبية.
ربما يكون هذا الإجراء قد تم بشكل مؤقت ولفترة محدودة إذا لم نسمع عن قطع الاتصالات بين جبل نفوسة وتيهرت، وإن حركة التجارة كانت تمر بشكل اعتيادي من جبل نفوسة نحو طرابلس لتصدر عبر الموانئ إلى أوربا حتى وإن لم يحاول الأغالبة القيام بذلك.
وكذلك انطلاقا من غدامس مغربا يتصل هذا المسلك بالطريق الثاني (تيهرت كوكو) في مرحلة من المراحل ما بين وارجلان وتادمكة في مسافة طولها أربعين يوما من غدامس إلى تادمكة، ومنها (أي تادمكة) إلى كوكو تسعة أيام(2).
ويذكر البكري طريقا آخر من غدامس إلى تادمكة ولكنه غير واضح وغير دقيق المراحل. ولا يستبعد أن يكون أهل نفوسة الذين ذكرهم البكري في مدينة أودغشت قد أخذوا الطريق إلى كوكو، ومنه إلى غانا بعد عبور نهر النيجر، ومنها صعدا نحو أودغشت(3).
إن هذا الطريق الذي يستغرق السير فيه أقل من شهرين للوصول إلى بلاد السودان انطلاقا من جبل نفوسة يوازيه مسلك آخر أقصر منه ينتهي إلى منطقة الكانم إحدى مناطق السودان الأوسط(4).
__________
(1) PG 163. .Jacques Thiry
(2) بحاز إبراهيم، مصدر سابق، ص 233.
(3) البكري، المسالك والممالك، ص 182، بحاز الدولة الرستمية، مصدر سابق، ص 233.
(4) بحاز إبراهيم، مصدر سابق، ص 233. (1/63)
صفحة 64
المسلك الثاني: جبل نفوسة، زويلة، كاوار الكانم.
إن القوافل التجارية التي تخرج من جادو (إحدى مدن الجبل الأساسية في جبل نفوسة) تتجه جنوبا نحو زويلة أول حد بلاد السودان، قاطعة المسافة في ثلاثة عشر يوما. وباعتبار هذا الطريق يمر في إقليم طرابلس من شماله إلى جنوبه فيجدر بنا أن نعتمد رواية البكري الذي يتحدث عن محطات هذا الطريق من جبل نفوسة إلى مدينة زويلة، حيث قال: "ومن أراد الطريق من نفوسة إلى مدينة زويلة فإنه يخرج إلى مدينة جادو... ثم يسير ثلاثة أيام في صحراء ورمال إلى موضع يسمى تيري، وهو في سفح جبل، فيه آبار كثيرة ونخيل، ثم يصعد في ذلك الجبل فيمشي في صحراء مستوية نحو أربعة أيام لا يجد ماء، ثم ينزل على بئر يسمى (أودرف)، ومن هنا يلقى جبالا شامخة تسمى تاغرين (لعلها تراغن الحالية جنوب سبها على بعد 130 ك.م) يسير فيها الذاهب ثلاثة أيام حتى يصل إلى بلد آخر يسمى تامرما فيه نخيل كثير، يسكنه بنو قلدين وفزانه ... وتسير من هذا البلد إلى بلد آخر يسمى سباب يومين، وهو بلد كثير النخيل... وأهل سباب يزرعون النبات الذي يكون منه الصبغ المعروف بالنيلج، وتسير من سباب في صحراء مستوية لا شيء فيها غير رمل دقيق لا يشوبه حجر ولا مدر، ومن هذه الصحراء _وهي أول حد بلاد السودان وبها جامع وحمام وأسواق_ يجتمع بها الرفاق من كل جهة، ومنها يفترق قاصدهم، وتتشعب طرقهم، وبها نخيل وبساط للزرع يسقى بالإبل(1). وبين زويلة وبلد كانم أربعون مرحلة، وهم وراء صحراء بلاد زويلة... وبين زويلة ومدينة سبهي (سبها الحالية) مسيرة خمسة أيام... وبين زويلة ومدينة ودان مسيرة اثني عشر يوما(2)، ولعل هذا الطريق يأخذ في الاتجاه شرقا إلى مصر.
لقد كان جبل نفوسة على اتصال دائم ومستمر مع بلاد السودان، فتوثقت الصلات التجارية والثقافية بينهما عبر هذه المسالك المختلفة.
__________
(1) البكري، المسالك والممالك، ص 657.
(2) نفسه، ص 658. (1/64)
صفحة 65
من الأهمية بمكان أن تكون لكل طرق التجارة عبر الصحراء محطات للتوقف للراحة والبيع والشراء والتزود بالمؤن أو لتغيير الاتجاه إلى خط سير جديد. إذا أهمية المحطات في حياة الخطوط التجارية لا يمكن أن تغفل أو تهمل الإشارة إليها وإن أهملتها المصادر الجغرافية التي تناولت تلك المحطات، وخاصة ما يتعلق بتفاصيل أكثر وضوحا عن كيفية الإقامة في تلك المحطات والخانات أو بيوت الإقامة بها، أو نوعية الخدمة التي كانت تقدم للمسافر في تلك الخانات، خاصة إذا علمنا أن التجار كانوا يمضون أياما كثيرة في بعض الأحيان في تلك المحطات من أجل تصريف نوع من التجارة التي لا يمكن الاستمرار بها إلى آخر خط الرحلة، مثل تجارة الرقيق وما تكلفه من مأكل ومشرب ورعاية صحية، فهي من السلع التي يرغب التجار في التخلص منها بسرعة.
وبالتالي يحتاج إلى أن يقيم في تلك المحطات بعض الوقت لتصريف تلك البضاعة. كما أن تلك المحطات من ميزتها وجود موقع بعضها بعد نهاية رحلة تستمر ثلاثة أو أربعة أيام، وأنها عادة ما تكون في منطقة تتوفر فيها المياه الكافية. كما أن بعض المحطات تكون مركز التقاء عدد من خطوط التجارة مثل زويلة في جنوب ليبيا وغدامس في غربها، وذلك لتسهيل عملية التبادل التجاري بين تلك القوافل القادمة من مختلف الأنحاء، وبعضها يوجد بها ما يتزود به من التموين والبضائع التجارية.
وبصفة عامة من الضروري أن يتوفر بها الأمن للمسافر وللبضائع التجارية لتتم عملية التبادل التجاري بأمن وسلام. (1/65)
صفحة 66
كل هذه المعلومات التي نتاجها عن تلك المحطات لم تسعفنا المصادر الجغرافية بشيء منها، اللهم إلا المسافة بين المحطة والأخرى، بالإضافة إلى إشارة بسيطة إلى نوعية السلع التي تتميز بها بعض المحطات مثل الجلود الغدامسية في محطة غدامس، وشب الكاوار في محطة زويلة، أو ملح أوليل في جنوب المغرب. كما تتوفر بعض تلك المحطات على خطوط فرعية وثانوية لربط المدن القريبة منها أو التي لا تكون في خط السير الرئيسي للقوافل.
ونستطيع القول أن هناك نوعان من المحطات: محطات رئيسية كبيرة، وهي عبارة عن مدن أو واحات للتبادل التجاري ولاستقرار بعض التجار والذين يقومون بدور الوسيط بين مختلف القوافل القاصدة المدينة أو العابرة منها، وفي هذا النوع من المحطات تكون عادة فرص البيع والشراء أو التبادل أوفر حظا. وهناك محطات أخرى صغيرة ربما تخصص للراحة وللتزود بالماء الذي يشتد الطلب عليه في تلك المفاوز والصحاري.
فالفرق كبير بين مدينة غدامس وسيناون التي تبعد عنها بحوالي 110 ك.م على طريق جبل نفوسة غدامس فسيناون، رغم كونها سوقا لتصريف التجارة الداخلية ولها بعض الطرق الثانوية، فهي لا تصل إلى مكانة غدامس من حيث شبكة الخطوط التجارية التي ترتبط بها عبر الصحراء وشمال إفريقيا ومصر والمغرب، ولذلك برزت أهمية غدامس كمركز التقاء التجارة القادمة من الشمال إلى الصحراء ومن المغرب والمشرق.
ونظرا لأهمية زويلة وغدامس في حركة التجارة عبر الصحراء يجدر بنا إعطاء لمحة مبسطة عن تلكم المدينتين نظرا لموقعهما على أطراف الأراضي الليبية في الجنوب الغربي غدامس، وفي الجنوب زويلة، وهما معبران رئيسيان نحو بلاد السودان والواحات في الصحراء.
ومن أهم المحطات التجارية:
- زويلة: (1/66)
صفحة 67
هي واحة في جنوب ليبيا مدينة مزدهرة، تقع في إقليم فزان، وتبعد عن طرابلس بحوالي (1300 ك.م) تقريبا، كانت موجودة قبل الفتح الإسلامي حسب الإدريسي، وشهدت ازدهارا كبيرا في القرن الثالث الهجري، بها عدد من الأسواق، ومنها كانت تنطلق الخطوط التجارية إلى كافة بلدان السودان، وهي ملتقى تلك القوافل عبر الصحراء التي كانت تدر عليها مدخولا كبيرا من الرسوم التي كانت تفرض على حركة التجارة بها، فكانت تصدر شب الكاوار إلى مصر وإلى ورقلة وإلى المغرب الأقصى. فالخط التجاري كاوار ورقلة كان يمر بمدينة زويلة ثم شمالا نحو جبل نفوسة، ومن هنا يتجه غربا نحو ورقلة، وبهذا تصبح هذه الخطوط التجارية في الأراضي الإباضية(1).
كان نشاط أهل زويلة يتعدى حدود مدينة قاو أو كاو(2)، وكانت الخطوط التجارية تنطلق من زويلة إلى كاوار حتى غرب بحيرة تشاد، وإلى وادي بكاملة، وإلى حدود النوبة(3). وتقع كاوار إلى الجنوب من زويلة على بعد خمسة عشر يوما(4). ومدينة زويلة هي ملتقى الطرق القادمة من مصر وشمال ليبيا وجبل نفوسة. فتمركزها في الصحراء جعل منها محطة أساسية للانطلاق نحو السودان جنوب الصحراء.
غدامس:
تقع في الجنوب الغربي من ليبيا، وتبعد عن طرابلس بحوالي 600ك.م، وهي واحة في الصحراء بين العرق الكبير والحمادة الحمراء، وكانت موجودة قبل الفتح الإسلامي، وتسمى: صادموس(5)، ثم فتحها على يد عقبة بن نافع سنة42ه(6).
تعتبر غدامس بوابة متقدمة في الصحراء، وكانت مهمتها منذ القديم حراسة ومراقبة الطريق الصحراوي الذي يمر بها إلى السودان الغربي، وربما كان لها دور في مراقبة القبائل الجرمنتية(7)، في جنوب ليبيا، الأمر الذي جعل موقعها استراجياَّ وذا أهمية كبيرة.
__________
(1) Thiry. PG371.
(2) Thiry. PG364.
(3) .363Thiry. PG
(4) .358Thiry. PG
(5) - thry,opcit,p339.
(6) - ibidem.
(7) - ibidem. (1/67)
صفحة 68
وغدامس تتمتع بثروة اقتصادية مهمة بسبب موقعها في القوافل التي كانت تتردد عليها(1)، كانت غدامس ترتبط بعلاقات وثيقة مع جبل نفوسة، حيث تبعد عنها بحوالي 110 ك.م،ومدينة درج أو ادرج حسب المصادر الإباضية، ويقارنه ليفسكي مع اسم قبيلة زناتية وهم بنو أدرج، وهي التي ذكرها ابن حوقل من ضمن القبائل البربرية(2) في القرن الثاني الهجري.
كان سكان غدامس ودرج مثل جبل نفوسة إباضية، وكان نظامها السياسي يشبه النظام السياسي بجبل نفوسة حيث كان لها أشياخ يحكمونها(3).
كانت غدامس تقع في مفترق طريقين هامين هما شرق وغرب مصر إلى السودان عبر سجلماسة(4) وطريق آخر مباشر جنوب، وهو خط التجارة الإباضية للذهب والرقيق(5).
ونظرا لوقوع غدامس جنوب الجريد فهي تأتي في طريق التجارة مع السودان، عبر"كانم" مما كان يسمح لها بجباية مهمة من الضرائب على تلك التجارة(6)، بالإضافة إلى هاتين المحطتين غدامس وزويلة وما يمثله موقعها من أهمية كبيرة في حركة التجارة، توجد محطات أخرى في إقليم ليبيا، ولكن لا تضاهي في أهميتها تلك المدينتين، نظرا لكونها بوابة الصحراء، أو المحطات الأولى في الاتجاه نحو الصحراء، فعلى الطريق التجاري بين مصر وزويلة يوجد عدد من المحطات منها جالو وأوجلة واجدابيا في النصف الشرقي من ليبيا وهي واحات هامة ومدن تجارية كبيرة.
درس الباحث جاك تيري(thiry)(7) عددا من الطرق والمسالك من المشرق إلى المغرب ابتداءً من مصر مروراً بإقليم برقة في شرق ليبيا، معتمدا في وصفه هذاعلى تحليل عدد من نصوص الجغرافيينالمسلمين أمثال: ابن خرداذابة واليعقوبي وقدامة والمقدسي وابن حوقل والبكري والإدريسي، وهكذا ميَّز الطرق التالية:
__________
(1) - ibidem.
(2) - ibidem.
(3) - ibidem.
(4) - ibidem,p 339.
(5) - ibidem.
(6) - thiry.pg.339.
(7) - thiry.pg.406. (1/68)
صفحة 69
الطريق من برقة إلى طريق برنيق بالقرب من أجدابيا مسافته يومان وهو طريق إلى إفريقيا مرورا باجدابيا، وكانت في بدايته يمر بمدينة سلوق وهي تقع إلى شمال الشرقي من اجدابيا وتقطع هذه المسافة في أربعة أيام. ويذكر أن عدد محطاتها هي ستة(1) دون التعريف بها وبأهميتها. فليس مستبعدا أن تكون محطات صغيرة للتزود بالماء و الكلأ للوصول إلى اجدابيا.
وأِشار نفس البحث(2) إلى طريقين آخرين يرتبطان باجدابيا هما الطريق الأول: الذي كان منطلقة من المحلى على خط الإسكندرية برقة الداخلة في اتجاه الجنوبي الغربي(3)، وهو ربما الطريق المتجه نحو زويلة، أما الطريق الثاني فهو بمثابة تكملة للخط الأول الذي كان منطلقه ميناء برنيق اجدابيا وصولا على سرت على مسافة 380 ك.م في خمس أو ستة مراحل(4)، وهذه المراحل التي لم يتم التعريف بها، غير أن مدة الرحلة عبر هذا الطريق كانت تستغرق عشرة أيام(5). هذا الخط كان يسير في اتجاه المغرب بمحاذاة ساحل البحر، فمن سرت على طرابلس كان السفر يستغرق بهذا الخط ما يزيد عن عشرة أيام، تتخللها ثماني محطات مرورا بمحطة مغمداس إلى الغرب من سرت إلى تاورغاء على البحر الأبيض بالقرب من طرابلس وإفريقية(6).
__________
(1) - thiry.pg.406.
(2) - thiry.pg.406.
(3) - thiry.pg.406.
(4) - thiry.pg.406.
(5) - thiry.p.406.
(6) - thiry.pg306. (1/69)
صفحة 70
وهذا الخط كان يمر بمحطات أخرى ذات أهمية كبيرة هي مدينة لبدة الواقعة على البحر، الشيء الذي جعل منها ميناء، وهي تتميز بوجودها في منطقة زراعية مشهورة بخصوبتها، وحينما وصل هذا الخط إلى إقليم طرابلس كان يتفرع إلى طرق أخرى ثانوية داخل الإقليم، إلى جانب استمرار الخط الأساسي في سيره من طرابلس إلى صبره، وعبور سهل جفارة بمحاذاة شاطئ البحر وصولا إلى قابس قبل أن يأخذ الطريق الداخلي في الاتجاه نحو القيروان(1). وكانت رحلة القافلة من طرابلس إلى القيروان تستغرق عشرة أو أحد عشر يوما تتخللها خطوط داخلية في أفريقيا، أما مدة الرحلة من طرابلس إلى جبل نفوسة فكانت تتفاوت بين ثلاثة أو خمسة أيام.
حسب موقع المدينة وقربها من طرابلس، فشروس عاصمة الجبل مثلا كانت المسافة إليها من طرابلس تستغرق خمسة أيام. والجدير بالملاحظة أنَّ هذا الخط التجاري الساحلي هو طريق عسكري، إذ كانت الجيوش تمر عبره من مصر إلى أفريقيا في مختلف فترات التاريخ غير أن هناك عددا من الطرق الثانوية التي تربط بين القرى القريبة في إفريقية، وقد ميَّز الباحث البلجيكي جاك تيري بعض الخطوط الخاصة منها، التي كانت تمر بتونس الحالية، فهناك خط من طرابلس إلى قابوس بتونس مسافته ستة أيام، إلى القيروان مسافة أربعة أو خمسة أيام، وهناك خط آخر كان يؤدي على صفاقص، ومنها إلى المهدية وتونس وخط ثالث كان يربط صفاقص بقفصة والجريد(2).
وفي معالجتنا للخطوط الثانوية من جبل نفوسة إلى المدن المحيطة به هناك عدة خطوط التي تربط طرابلس بجبل نفوسة منها خط طرابلس جادو الذي كانت الرحلة عبره تستغرق ستة أيام، في حين أنها من طرابلس على شروس كانت لا تتعدى خمسة أيام كما أشرنا.
__________
(1) - thiry.pg.406.
(2) - thiry.pg.406. (1/70)
صفحة 71
أما من جبل نفوسة على نفزاوة وغلى الجريد فكانت تستغرق ستة أيام، ونفس المدة إلى قفصة، في حين أنها كانت تستغرق من جبل نفوسة إلى القيروان وإلى الركلة اثني عشر يوما. وهناك طريق ثانوي آخر كان يربط غدامس بقابس، وكانت الرحلة تستغرق عبره أربعة أيام(1).
إن مختلف هذه الطرق الرئيسية منها و الثانوية تبين بوضوح مدى الحيوية التي لعبتها التجارة الإفريقية _ المتوسطية في هذه المناطق التي كانت تمر منها الشيء الذي ساهم إلى حد كبير في إعمارها وازدهارها واتساع إشعاعها.
تنظيم القوافل:
إن حركة التجارة عبر الصحراء تعتبر مصدرا مهماً لعدد من التجارة بل الكثير من المدن والأقاليم التي تتعامل بتجارة الصحراء، فهي مصدر رواج مهم لعدد من البضائع و المنتوجات، كما أنها تشكل حلقة وصل بين المواني المطلة على البحر الأبيض، والتي بدورها تعتبر الرابط الأساسي للتجارة مع أوربا وخاصة الجنوبية منها، ولهذه الأسباب كان من الضروري اتخاذ جملة من الترتيبات والاستعدادات لتنظيم القوافل لتسير في أفضل الظروف محافظة على ما تحمله من بضائع وسلع تجارية بعضها سريع العطب ويحتاج إلى نوع معين من العناية و الاهتمام، مثل تجارة الرقيق و الذهب، الأولى لسهولة عطبها وعدم تحملها، والثانية لقيمتها الثمينة وما يعترض تجارتها من المخاطر.
فجاك تيري (thiry) يقدم لنا وصفا لكيفية تنظيم القافلة ولو أنه مختصر ولا يتضمن الأعداد التي تتكون منها القافلة، إلا أنه يعطينا صورة واضحة عن التنظيم القافلة، ويقول في هذا الشأن: إن لكل شخص في القافلة ثلاثة جمال، أحدهما لركوبه والثاني لحمل الماء والثالث لنقل التموين، ويضيف أن على كل رأس القافلة شيخ يقوم بتدبير أمورها طيلة مدة الرحلة، وبعض هذه القوافل، وخاصة ذات العدد الكبير هي بمثابة " مدينة تسير على الطريق" فتجد من بين أعضائها الإمام والقاضي و المؤذن إضافة إلى الشيخ(2).
__________
(1) - thiry.pg.406.
(2) - thiry.pg.406. (1/71)
صفحة 72
ومما ورد عند بحاز(1) في هذا الموضوع نقلا عن bengeirc"" ربما كان تاجر لوحده كان يتخذ ثلاثين جملا إلى بلاد السودان. وبمجرد وصوله إلى هناك كان يبعها كلها ولا يبقى منها إلا ثلاثة أو اثنين واحد لمركبه و الآخر يحمل عليه ماءه، وثمن الجمال المباعة يأخذه ذهبا على بعير ثالث، ربما كان هذا الوصف لنوع من القوافل فهي ليست كلها على نمط واحد أو بصورة واحدة فهناك قوافل تتعامل في المبادلات بدل الذهب نقدا مقابل السلع، فهي ربما تعود محملة بسلع تجارية من السودان تحتاجها أفريقيا وبلاد المغرب.
إذاً ما عرض له بحاز ربما لا ينطبق على كل القوافل التجارية العابرة للصحراء. ولعل ما ذكره ابن خلدون(2) عن عدد جمال القوافل تجارية ما بين فزان وبلاد السودان، والذي بلغ تعدادها اثني عشر ألف راحلة ليس بالأمر المستبعد؟
وتنظيم القافلة وسرعة سيرها تتحكم فيها جملة من الظروف، منها نوعية البضاعة التي تحملها القافلة والفصل التي تسير فيه. ففي فصل الصيف عادة تكون المسافة بين المحطات متقاربة نظرا لحرارة المناخ ووهج الرمال الحارقة، وكذلك خط السير والرمال التي تعلو تلك الطريق، وتوفر المياه على خط المياه على خط القافلة، ووجود قطاع الطرق كل هذه الظروف تحكم سير القافلة وتنظيمها.
فالقافلة التي كانت تحمل الملح من ملاحات جنوب الصحراء إلى بلاد السودان، كانت تسافر في الربيع والخريف، و القوافل التي كانت تعبر الصحراء تسافر في الخريف و الشتاء وكان معدل سير القافلة في اليوم تسع ساعات، تتعدى اثنتي عشر ساعة في اليوم(3).
__________
(1) - بحاز، مصدر سابق، 238.
(2) - ابن خلدون، العبر، ج7، ص108، بحاز، الرستمية، ص 237.
(3) - thiry.pg.464. (1/72)
صفحة 73
كانت القافلة يحكمها شيخ يساعده عدد من العمال إذا كانت القافلة ضخمة، ويكون مصحوبا بخبير على الدراية بمسالك الطريق وموارد الماء، وبعض الأحيان يكون شيخ القافلة هو الخبير، وهو الذي يقرر خط السير، ويعطي معلوماته للتكشيف الذي في أغلب الأحيان يسبق القافلة، ومهمة اختيار المسالك الآمنة، والتي تتوفر على الماء و الكلأ.
ومهمة شيخ القافلة تشكيل أفراد الجيش لحماية القافلة من قطاع الطرق، ومن مهامه أيضا حل المشاكل داخل القافلة، والاتصال معه القبائل التي كانت تمر القافلة على أرضيها، لتسديد ضرائب المرور والحماية، فالقافلة الكبيرة كانت تشبه المدينة الكبيرة المتحركة يكون عادة لها مؤذن وإمام، وكل فوج داخل القافلة يكون له رئيس ومجموعة الرؤساء يحكمها شيخ القافلة(1)، وكانت هذه القوافل تنتقل البضائع كالمصنعات من الزجاج والرصاص والنحاس إلى السودان(2).
وكان يصدر من برقة الحرير و الصوف التي اشتهرت بهما، وكان جبل نفوسة يصدر الكتان عالي الجودة(3)، كما كانت برقة تشتهر بتصدير الخيول التي كانت ثمنها غالي جدا في السودان(4).
بينما يستورد من السودان جلد الماعز الذي يستخدم صناعة الأحذية، وكانت بلاد المغرب تصدر الزرابي المصنوعة من الجلد نحو المشرق، وكانت أفريقيا تصدر المزاود والقرب والمجوهرات والعاج(5).
ومن الصعوبات التي تواجه القوافل طبيعة الصحراء القاسية، وقلة الماء بها(6)، إلا أن تلك الصعوبات يمكن تجاوزها بقطع القفار في فصل الشتاء أو الخريف، وهو ما أشار إليه ابن حوقل والإدريسي(7).
__________
(1) - thiry.pg456.
(2) - thiry.pg.487.
(3) - thiry.pg.489.
(4) - thiry.pg492.
(5) - thiry.pg.492.
(6) - thiry.pg.495.
(7) - بحاز، الرستمية، ص235. (1/73)
صفحة 74
ولتفادي خطورة فقدان الماء يلجأ التجار المسافرون إلى حفر آبار لا يتعدى عمقها نصف قامة في بعض المناطق التي يكون فيها المياه الجوفية قريبة من السطح، و الحقيقة أن سر هذه الدلالة على المياه الجوفية تحتفظ بها في بعض القبائل دون غيرها(1)، كما أن لقبيلة مسوفة معرفة بأوضاع البر وأشكاله والهداية والدلالة على مياهه(2).
ومن الصعوبات التي تعاني منها الخطوط الصحراوية مشكلة تنقل الرمال التي كانت تضيع معها معالم الطريق لولا وجود الأدلاء الذين اشتهروا بمعرفة تلك الطرق وحركة الرمال بها حيث اكتسبت بعض القبائل خبرة واسعة في تلك الطرق لما استمرت تلك التجارة قرونا طويلة. ولتجنب خطورة قطع الصحراء فإن التجار جندوا كل الأسباب لضمان نجاح رحلاتهم، ومن ذلك ما يرويه الإدريسي عندما يقول في وصفه:"السير بها أنهم يوقرون أحمالهم في السَحَر الأخير ويمشون حتى تطلع الشمس، ويكثر نورها في الجو ويشتد الحر على الأرض فيحطون أحمالهم ويقيدون جمالهم، ويخيمون على أنفسهم ظلالا تكنهم من حر الهجير وسموم القائلة ويقيمون كذلك في وقت العصر، وحين تأخذ الشمس في الميل و الانحطاط في جهة المغرب يرحلون من هناك، ويمشون بقية يومهم ويصلون المشي إلى وقت العتمة، ويعرسون أينما وصلوا ويبيتون بقية ليلهم إلى وقت الفجر الأخير، ثم يرحلون وهكذا سفر التجار إلى بلاد السودان(3).
__________
(1) - بحاز، الرستمية، ص235، نقلا عن الإدريسي، ص11.
(2) - بحاز، الرستمية، ص235، نقلا عن ابن حوقل، ص101.
(3) - بحاز، الرستمية، ص236، نقلا عن الإدريسي، ص18. (1/74)
صفحة 75
إن هذا النص يبين ما يعانيه التجار من مشاق السفر لطبيعة الصحراء القاسية، وكيف يقسمون الوقت ويختارون الأنسب للسفر والراحة عندما تكون الراحة ضرورة ملحة. إضافة إلى ما ذكر من مشاق الصحراء ومتاعبها فعلى التجار أن يكونوا حذرين من هوام الأرض ودوابها فهي كثيرة(1). وكذلك الاحتراس من الأعداء وقطاع الطرق.ولعل أخطر ما تواجهه القوافل المتجهة أو القادمة من السودان تلك الرياح العاصفة التي تشتت شمل التجار وقافلتهم وتنفر الجمال وتمحي آثار المسالك فيقع الكثيرون منهم ضحية لها ضائعين تائهين(2).
هذه جملة من الصعوبات التي تواجه حركة التجار عبر الصحراء ويلاقي التجار منها ما يلاقون، ولذلك نجد لا يسيرون لا يكون إلا في جماعات منتظمة، ووسيلة نقلهم هي جمل أدى في تجارية الصحراء، ما لم تؤده السفن في التجارة البحرية، وهذا السِّر الحقيقي في نجاحها.
إذن، كانت القوافل خاضعة لنظام محكم تجنبا تلك المخاطر التي قد تعترض سبيلها مما جعلها تصل بانتظام إلى مقاصدها في النهاية.
الفصل الثالث
الوضعية الفكرية
المبحث الأول الخصائص الفكرية:
__________
(1) - بحاز، الرستمية، ص236، نقلا عن الإدريسي، ص18.
(2) - بحاز، الرستمية، ص235. (1/75)
صفحة 76
اهتم سكان جبل نفوسة منذ القرن الأول الهجري بعلوم القرآن والفقه والسير بالدرجة الأولى، مما جعل المنحى الديني والانحياز للمذهب الإباضي أو سير الأشياخ الذين عاشوا في الجبل، يطغى على الكتابات التي وصلت إلينا. كما أن النشاط الثقافي في ليبيا بصفة عامة يشوبه افتقار أي لم تكن حركة علمية مزدهرة بالمفهوم المتعارف عليه في حواضر الدول الأخرى. وقبل أن نتطرق إلى الحركة الثقافية في الجبل بشكل خاص يجدر بنا إعطاء لمحة عن ضعف أو ندرة الحركة الثقافية في إقليم طرابلس بصفة عامة، وذلك بالإشارة إلى بعض الآراء التي أوردها المهتمين بالثقافة وتاريخها في ليبيا، والتي ربما يكون بعضها موضوعيا ويعطي تفسيرا لضعف الحركة الثقافية والنشاط العلمي في إقليم طرابلس (ليبيا) ولماذا تمَّ التركيز على لون معين من الثقافة وإهمال المجالات الثقافية الأخرى؟
وقد ورد الأستاذ إحسان عباس أسباب تلك الظاهرة إلى:
أن ليبيا وجد بها علماء وأدباء، ولكن لم يشتهر منهم إلا الذين رحلوا عن ليبيا واتصلوا بعالم أو الأديب أو البلاط مشهور بينما ظلت البقية الباقية مغمورةفذهبت أخبارها طي النسيان والضياع(1).
أنَّ ليبيا لم تنشأ بها عاصمة إسلامية مشهورة (وخاصة في العصور الوسطى)؛ ولذلك لم تنجب أدباء وشعراء من الطراز الأول؛ لأن الأدب ولاسيما الشعر هو وليد العواصم السياسية(2) بينما يقتصر تعليل القاضي النعمان للفقر الشعري في ليبيا على عاملين:
__________
(1) - عبد اللطيف محمود البرغوثي، تاريخ ليبيا الإسلامي من الفتح حتى بداية العصر العثماني، منشورات الجامعة الليبية، دار الصادر، بيروت، 1393هـ، ص297.
(2) - البرغوثي نفسه، ص297. (1/76)
صفحة 77
أ). إن معظم القوات التي فتحت ليبيا كانت من عرب اليمن وموهوبة الشعر مضرية وليست يمنية(1).
ب). إن المؤرخين والرواة كانوا في مجملهم من العراقيين فسجلوا ما يتعلق بالعراق فقط، ولذلك ضاع الشعر الذي نظم في الفتوحات الإسلامية بغربي الدولة العربية ومنها ليبيا(2).
كما يضيف البرغوثي إلى أن هذه الآراء أو جهات النظر أسبابا أخرى تعلل ضعف الحركة الأدبية في ليبيا أو إقليم طرابلس منها:
بعد ليبيا عن مركز الخلافة، فقد تسبب بعدها عن المدينة المنورة ودمشق وبغداد ومصر في شبه عزلة عن الدوافع والتيارات الفكرية، ولذلك ظلت الحركة العلمية الأدبية فيها حركة محلية تتسم بالضعف والركود(3).
اتساع ليبيا وفقرها وقلة عدد سكانها فالعالم أو الأديب الذي يطمع في الثروة لابد أن يطمع في الشهرة، إذا فلا نتوقع من أي الصنفين أن يأتي ويستوطن ليبيا؛ لأنها لا تضمن له ثروة بسبب فقرها ولا شهرة بسبب بعدها عن مركز الدولة(4).
__________
(1) - القبلية الوحيدة التي اشتهرت بالشعر هي قبيلة بني هديل التي ينتمي إليها الشاعر أبو دؤيب الهدلي المشهور، ولكن هذه قبيلة استقرت بمصر، البرغوثي، مصدر سابق، ص297.
(2) - نفسه،ص297.
(3) - نفسه، ص298.
(4) - البرغوثي، ص298. (1/77)
صفحة 78
ولنا على وجه النظر هذه تعليق، فإن ليبيا أو طرابلس على وجه التحديد كان أهم المراكز التجارية منذ عهد الفينيقيين والرومان بما اشتمل عليه من موانئ تجارية لها علاقة مع الدول أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وأيضا مع الصحراء وجنوب الصحراء (بلاد السودان) عبر تجارة القوافل، وبذلك شهدت ازدهارا اقتصاديا كبيرا على مدى عصورها الفينيقية والرومانية والعربية الإسلامية، إضافة إلى ما تشتمل عليه من ثروات زراعية وحيوانية أوردناها في حينها. إذا رأي الأستاذ البرغوثي تنقصه الدقة و الموضوعية في تحليل أسباب ندرة أو عدم ازدهار الحياة الثقافية في إقليم طرابلس بشكل له شأن، فإذا أخذنا بوجه النظر القائلة ببعدها (ليبيا) عن مراكز التأثير الثقافي والعلمي، يمكن أن نضيف سببا آخر وهو أن إقليم طرابلس يعتبر دائما (وخاصة في فترة دراستنا) منطقة الحروب و صراعات، وما نتج وعنها من إتلاف للعمران والمكتبات وهجرات للسكان، فالصراع الأغلبي و القبائل المحيطة بطرابلس كان سببا في عدم الاستقرار في المنطقة يكن ومهما يكن من أمر فإقليم طرابلس وجبل نفوسة لم يعدم العلماء الأجلاء في مختلف العلوم وإن ليس بما هو في الحواضر الكبرى التي حظيت بالاستقرار والأمن، ولكن قد أخذت نصيبها في ذلك. وما يهمنا في الموضوع دراستنا هو التركيز بشكل خاص على جبل نفوسة.
لقد اتسمت النهضة العلمية في الجبل نفوسة بالتركيز على الدراسات والمؤلفات الدينية وخاصة فيما يخدم أغراض المذهب الإباضي ويدعو له. (1/78)
صفحة 79
كما تركزت الحياة الفكرية على لون آخر من فنون الأدب وهو كتابة السير وخاصة المتعلقة بالعلماء وأشياخ المذهب والحكام (الأئمة)، وما عدا هذين اللونين من الثقافة فهناك علم الكلام والجدل وهو يخدم أهداف المذهب في المناظرات التي كانت تجري في الجبل ولتجنب الإطالة في هذا الموضوع سنشير إلى عدد من العلماء هم رموز الحركة العلمية في الجبل، مما يعطينا صورة كافية عن اهتمام أهل الجبل بالعلوم وخاصة الدينية منها والتي نفق سوقها وقلت
منافستها في بقية العلوم و الآداب الأخرى.
هذا بالنسبة للأدب العربي فقط، أما الأدب الأمازيغي وإن لم تصلنا عنه أصداء فلا بد أن يكون مزدهرا في ذلك بحكم أهمية السكان الأمازيغ في تلك البقاع يومئذ.
لا ينبغي كذلك نسيان الصراع بين الفقهاء السنيين وغيرهم. فانتشار المذهب السني في المغرب الكبير جعل فقهاء هذا المذهب يقفون في وجه من خالفهم فأتلفت مؤلفاتهم الخ...
المبحث الثاني
رواد الحركة الفكرية
علماء القرن الثاني
من علماء الجبل الأوائل في هذه الفترة:
1- عمر بن يمكتن:
كان يعيش في أوائل الدولة العباسية(140ه)، ويذكر الشماخي أنه أول من علم القرآن بجبل نفوسة؛ علمه بقرية يقال لها إيفاطمان ويذكر أن عمر بن يمكتن تعلم القرآن بطريق مغمداس (مكان إلى الغرب من مدينة سرت) يلتقي فيها السابلة من المارة من المشرق فيكتب عنهم لوحة من القرآن وينصرف، فإذا حفظه رجع إلى المحجة فيكتب من المارة والرفاق كذلك حتى حفظ القرآن وتعلم العلم، وذلك لحرصه على طلب العلم والقرآن في أول الإسلام وقلة المتعلمين في البلدان(1)
2-محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي الجناوني:
__________
(1) - الشماخي، السير، ص148، أحمد مختار، النشاط الثقافي في ليبيا، ص133. (1/79)
صفحة 80
وقد سافر إلى أبي عبيدة(1) ورجع قبل وفود الخمسة حملة العلم الآخرين أي من قبل عام135ه ويقال إنَّه أول من جمع القرآن كله في جبل نفوسة. وقد قال عنه الشماخي: "كان سيخا فاضلا فقيهاً مفتياً... وكان محل الثقة من أمير المؤمنين عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم. وحينما كان الأمير بجبل نفوسة اختصم عنده رجلان فلم يسمح لنفسه بالفصل بينهما، وإنما درهم لابن مغطير نظرا لعلمه وفصله".(2)
هذا النص بقدر أن نفهم من خلاله مدى ما وصل إليه بعض علماء الجبل من مكانة وتقدير لدى حكام تاهرت فإننا نجد أن هناك نهضة علمية مبكرة قد شهدها الجبل.
3- إسماعيل بن ضرار الغدامسي:
وهو أحد الذين ذهبوا إلى البصرة وتتلمذوا على يد أبي عبيدة مسلم، وقد مكث مع أستاذه خمسة أعوام، وحين عزم على مفارقته أخذ يسأله عن مسائل بلغت ثلاثمائة مسألة حتى قال
أبو عبيدة: أتريد أن تكون قاضيا يا ابن ضرار؟ فأجابه أرأيت إن ابتليت بذلك(3)؟
4- نفات بن نصر النفوسي:
__________
(1) - هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، عده الدرجيني من علماء الطبقة الثالثة، أما رجال الطبقة الأولى فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما رجال الطبقة الثانية فمنهم جابر بن زيد وعبد الله بن إباض وأبو بلال مرداس وكتاب الطبقات مقسم على اثني عشرة طبقة كل طبقة تشمل تراجم خمسين سنة وفد وصف الدرجيني أبا عبيدة بقوله:"كبير تلامذة جابر وممن حسنت أخباره، حافظ على خفية على الدين يعني المذهب"حتى ظهر على الخمسة (ألميامين) يعني بذلك تلاميذه الذين حملوا عنه العلم ونشروه. الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، طبقات الأئمة وسير العلماء. تحقيق: إبراهيم طلاي. 1/21. كذلك الشماخي السير ص124. أحمد مختار. مصدر سابق؟،ص134.
(2) - الدرجيني، طبقات،ص21.
(3) - الدرجيني، طبقات، مصدر السابق،1/21. أحمد مختار، النشاط الثقافي في ليبيا، 134. مصطفى مفتاح، تاريخ ليبيا، مصدر سابق، 251. (1/80)
صفحة 81
لم يكن على وفاق مع الأئمة الرسميين وخاصة الإمام أفلح (190ه). سنتناول ذلك في الجانب السياسي. ولذا ترك بلاد المغرب وذهب إلى العراق. وقد ذكر الباروني"في أزهاره" أنه أثناء إقامته في بغداد طرأت للسلطان مسألة فقهية أشكل عليه فيها الأمر وعجز العلماء عن إجابتها، فأمر أن ينادي في الأسواق بأن كل من أجاب عنها بجواب مقنع فله ما يسأله من السلطان، وسمع نفات هذا النداء وذهب إلى السلطان وأخذ يستشيرهفي مسائل أخرى ففعل، وذلك في مجلس حافل من العلماء والفقهاء والأدباء وذوي الوجاهة(1).
5-أبو داود القبلي:
__________
(1) - سليمان الباروني، الأزهر الرياحنية في تاريخ أئمة ملوك الإباضية، تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة الأزهار البارونية، ص195. أحمد مختار، النشاط الثقافي، ص134. مصطفى مفتاح، تاريخ ليبيا، مصدر السابق، ص252. (1/81)
صفحة 82
وهو من أكابر علماء القرن الثاني الهجري ومن حملة العلم الخمسة عن أبي عبيدة، وعندما رجع من العراق اشتغل بالتدريس، وكان الإمام عبد الوهاب على غزارة علمه يجلس بين يديه كالتلميذ الصغير أمام أستاذه، وعنه أخذ كثيرا من علمه. ويبدو أن اهتمام إباضية نفوسة بالدراسات الإسلامية وخاصة فيما يتعلق بالمذهب الإباضي يفوق غيرهم من أهل المذاهب الأخرى، فقد روى أنه اجتمع في بلدة إجناون وهي في سفح جبل جادو سبعون عالماً أيام أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني والي الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة(1).بل أكثر من ذلك فقد لجأ الإمام عبد الوهاب حين ضايقه جماعة الواصلية بتاهرت إلى جبل نفوسة وطلب من واليه على الجبل أن يرسل إليه من له القدرة على الجدل والمناظرة، مما يدل دلالة واضحة على تبحر علماء الجبل في علم الكلام والمناظرات وهو ذلك اللون من العلم الذي كان يتقنه الواصلية. مما يفيدنا في هذا السياق أن أهل الجبل إضافة إلى اهتمامهم بعلوم الفقه والسيرة قد برعوا في علوم أخرى منها علم الكلام والذي
لا غنى للدولة الرستمية عنه للدفاع عن معتقداتها وآرائها المذهبية، مما يؤكد حقيقة أخرى أكثر أهمية وهي الدور الثقافي الذي لعبه الجبل لصيانة مذهب الدولة الرستمية (والتنظير له إذا صح هذا التعبير): أي أن الجبل بعلمائه شكل هيكلية ثقافية هامة اعتمدت عليها الدولة الرستمية في تاهرت لمقارعة خصومها من الفرق والمذاهب الأخرى.
6-أبو خليل صال الدركلي (نسبة إلى دركل إحدى قرى نفوسة):
أخذ العلم عن محمد بن يانس عن حملة العلم عن أبي عبيدة، وضعه الدرجيني في الطبقة الخامسة، وقد توفي وله من العمر مائة عام(2)هذا العالم من علماء الطبقة الخامسة، ولكن مازال يحمل اسما غير عربي بل اشتهر باسم قريته البربري دركل.
__________
(1) - أحمد مختار، النشاط الثقافي، مصدر سابق، ص 135، نقلا عن قناطر الخيرات، للجيطالي،2/90.
(2) - أحمد مختار، النشاط الثقافي، مصدر سابق، ص135. (1/82)
صفحة 83
هذه العينة من الأسماء تبين بوضوح مدى تقبل سكان جبل نفوسة وتجاورهم مع الإسلام إلى درجة أن منهم من أصبح يتبحر في علومه ومعارفه.
الفصل الرابع
الوضعية السياسية والإدارية
المبحث الأول
نظام الولاة
إن الحديث عن الوضعية السياسية والإدارية في الجبل يتسم بشيء من الغموض والتشابك وخاصة في مراحل بنائه السياسي الأولى، إذ إن المصادر التي بين أيدينا لم تشر إلى نظام سياسي وإداري قائم بذاته وخاصة في مرحلة الثورة والخروج عن الدولة العباسية وولاتها والتي تشير المصادر إلى آخر معركة وقعت في جبل نفوسة سنة 155ه(1) .وكانت نفوسة وهوارة تخوضان هذه الحرب بقيادة أبي حاتم الملزوزي الإباضي، والذي قتل في تلك المعركة مع عدد كبير من أصحابه.
كما أن النصوص التي استطعنا إعادة قراءتها واستنطاقها وإن أشارت إلى بعض المناصب والوظائف فهي بشكل عرضي لا تشفي غليل الباحث في مدى رسوخ المؤسسة الإدارية والمدنية في الجبل، أو المهام والخصائص السياسية والإدارية لتلك الوظائف مثل مهام الوالي ووظيفته الأساسية والوظائف التي كان يتقلدها إلى جانب عمله كحاكم للجبل. ورغم هذا لا نعدم الإجابة في بعض الأحيان من خلال نازلة أو حادثة وقعت في الجبل كان فيها دورا للوالي أو العامل أو المحتسب أو القاضي أو المقدم إلا ما نجده في مدينة تيهرت حاضرة بني رستم.
فمن بين الوظائف التي وصلتنا عنها معلومات مهمة أو تم تناولها من خلال إبراز دور قبيلة نفوسة في تيهرت هي وظيفة المحتسب.
__________
(1) - الرقيق، تاريخ أفريقيا والمغرب، ص124. (1/83)
صفحة 84
فابن الصغير، المعاصر للدولة الرستمية وخاصة في مراحلها الأخيرة، يعطينا وصفا مهما للمحتسب ومعنى الحسبة وإن لم يسمها باسمها، وذلك في نص يتحدث من خلاله عن دور نفوسة وهيمنتها على الإدارة في تيهرت. كما يفيدنا هذا النص في معرفة الدور الذي كانت تلعبه قبيلة نفوسة في تيهرت والدولة الرستمية بصفة عامة، وهو ما يبين تأثير الجبل وقبائله في مهام الإدارة والسياسية في الدولة الرستمية،قال ابن الصغير، "ثم أمر(1)قوما من نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فإن رأوا قصابا ينفخ في شاة عاقبوه، وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها، وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قدرا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه"(2).
إن هذه الوظيفة التي وردت في نص ابن الصغير هي وظيفة المحتسب وإن لم يذكر باسمه فالمهمة ذاتها هي التي كانت موكولة إلى المحتسب في المدينة الإسلامية(3) في العصر الوسيط. كما أن هذا النص أفادنا إفادة تامة في أن هذا العمل أنيطت به نفوسة الجبل مما يسهل لنا مهمة المطابقة بين النظام المحتسبي في الجبل وفي مدينة تيهرت وإن لم يذكر ابن الصغير وجود ديوان للمحتسب أو نظام إداري ينظم سير عمل هذه الوظيفة، بل إن هذا العمل تقوم به قبيلة نفوسة بتكليف من الإمام الرستمي.
وما نود الإشارة إليه أن وظيفة المحتسب وإن أسندت إلى شخص أو قبيلة بعينها، فإن الوالي والعامل والقاضي يمكنهم القيام بها خاصة إذا علمنا إن أساس هذه الوظيفة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل حتى عامة الناس من المسلمين من مسؤوليتهم النهوض بهذا الأمر.
__________
(1) - المقصود بمن أصدر الأمر هو أبو اليقظان محمد بن أفلح.
(2) - أخبار الأئمة ص88.
(3) - الأستاذ إبراهيم حركات، عن محاضرة من المدينة الإسلامية ألفاها عن طلبة السلك الثالث للعام 90-1991. (1/84)
صفحة 85
ولكي نعرف الوضع السياسي والإداري في الجبل لابد من تحديد الوظائف التي كانت موجودة في الجبل من سياسية وإدارية وشرعية ومهام كل وظيفة بهذا نستطيع تكوين صورة واضحة إلى حد ما وفق ما تتيحه المصادر التي تناولت هذه الوظائف ولو بإشارات عابرة مما يمكننا إثارة أسئلة حولها.
ووظيفة الوالي أو الحاكم هي من الوظائف التي يرد ذكرها في أغلب المصادر، وهي ذات أهمية قصوى؛ لأنها كانت تأتي على رأس هرم السلطة في الجبل، فهي الوظيفة الأساسية التي كانت محل نزاع وجدال وتجاذب بين الأئمة في تيهرت وجبل نفوسة، مما أدى إلى بعض الانشقاقات في الجبل، ولذلك فكثيرا ما كان النزاع ينشب بين الجبل وتيهرت بسبب هذه الوظيفة وصلاحيتها وتسميتها ومن له حق اختيار الوالي من الأهالي في الجبل وعامة الناس منهم أو يعين من قبل الإمام ومن الوظائف المشار إليها وظيفة العامل إلا أن المصادر صمتت عن الدور المنوط بها.
وهي وظيفة تأتي في الأهمية بعد وظيفة الوالي، حيث تتكون الولاية من مجموعة من العمالات يعين على كل عمالة شخص يسمى العامل، وهي وظيفة أقل مستوى في المسؤولية من سلطة الوالي، ويأتي تعيينه حسب أهمية العمالة إما من قبل الإمام الرستمي مثل ما حدث في عمالة قنطرارة وما حدث حولها من خلاف واتفاق من أهل الجبل على شخصية معينة، وتتم المصادقة على هذا الاتفاق من قبل الإمام إذا كانت الأوضاع السياسية بين الجبل وتيهرت في حالة تقارب وتفاهم.
ومن الوظائف الأساسية في جبل نفوسة وظيفة القاضي الذي لا تكاد تخلو منه مدينة أو حتى قرية في الجبل خاصة قاضي الجماعة أو قاضي الأحوال الشرعية الذي تنحصر مهمته في المناكح والمواريث وكل ما يعن من أمور شرعية.
وهذه الوظيفة يزاولها الوالي أو العامل في بعض الأحيان، خاصة إذا كانت القضايا المراد البث فيها ذات طابع جنائي أو إداري أو تحكيمي تحتاج إلى سلطة جزائية لتنفيذ الأحكام. (1/85)
صفحة 86
وإلى جانب هذه الوظائف الأساسية، وظيفة المحتسب التي تجدر الإشارة إليها والحديث عنها نظرا لأهميتها في حياة العامة اليومية وإن غاب عنا تنظيمها الدقيق والأشخاص الذين كلفوا بها فمن الأهمية بمكان أن نفحص ما لدينا من مصادر ونصوص وإشارات عابرة عن هذه الوظيفة أما وظيفة الأشياخ والمقدمين فيبدو أنها وظيفة ضبطية لحفظ الأمن، والاختيار فيها يتم في إطار اجتماعي يعود إلى وجوه كل قبيلة وحنكتهم وتصدرهم لمهام الأمور، وتتحكم فيه عوامل اجتماعية مثل اختيار الشيخ للقبيلة، فهذه الوظيفة تتم وفق وجاهة الشخص المراد تعيينه وسلطة عشيرته داخل القبيلة ووضعيته الاقتصادية، وما يملكه من المال والنعم.
الوالي (الحاكم) في الجبل:
يمكن القول إن هذه الوظيفة هي الوحيدة التي وصلتنا عنها معلومات أكثر من غيرها من الوظائف حيث كانت محل نزاع في أغلب الأحيان بين الإمام الرستمي في تيهرت وسكان جبل نفوسة وسببا مباشرا في المحاولات التي ظهرت في الجبل لقيامة إمامة مستقلة في جبل نفوسة عن إمامة تيهرت.
ومن حسن الحظ بالنسبة لهذه الوظيفة أن احتفظت لنا بعض المصادر الإباضية بأسماء عدد مهم ممن تقلدوها، وما صاحب ذلك من نزاعات سياسية وعسكرية بشأنها. ويبدو أنها تداخلت مهامها مع بقية الوظائف الأخرى أو استوعبتها كوظيفة في إطار منصب القاضي أو المحتسب كما سنرى مع أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني الذي مارس مهنة الحسبة بالإضافة إلى ولاية الجبل عندما حجر على أهل قرية إجناون(1) جمع محصول الزيتون قبل أوانه وعاقب من خالف ذلك.
__________
(1) - البغطوري، مخطوط ورقة 145. (1/86)
صفحة 87
فرغم أن المصادر الإباضية تحديدا احتفظت لنا بعدد من أسماء ولاة الجبل، إلا أن تلك المصادر سكتت عن تحديد مهام الوالي تحديدا مفصلا. فهل له مجلس يساعده في تسيير شؤون الولاية أم لا؟ رغم الإشارة إلى بعض الاستشارات التي يبديها بعض الأشياخ والعلماء للوالي، كما أنه لم تكن هناك على ما يبدو مدة زمنية محددة لولاية الوالي وعزله، بل غالبا ما تنتهي بالوفاة أو بالعزل في حالات نادرة وقد رسم الباحث لويكي (lewicki) صورة مبسطة عن الوظائف الحكومية المهمة في الدولة الرستمية، مظهرا أنها وظائف تتماشى مع بساطة الأئمة وطبيعة الإسلام. فمن وظائف المهمة الموجودة في الإدارة الرستمية وظيفة العامل (الوالي) على جماعة دمر وجبل نفوسة لبعدها القاضي الخطيرة، ثم وظيفة صاحب بيت المال، ووظيفة صاحب الشرطة والمحتسب.
"وتجدر الإشارة إلى أن عامل جبل نفوسة كان يدير الجماعات البعيدة باسم الإمام، وكانت له نفس السلطة ونفس النفوذ غير أنه كان مقيداً بنفس القيود التي يخضع لها المتمثلة في المشايخ الذين يرشدونه ويراقبونه". وبالإضافة إلى ذلك فإن نفس الباحث (أي لويكي) يشير إلى وجود مجلس استشاري، وهذا لا يتفق مع سير الأحداث.
والأهم من ذلك ما لم تشر له المصادر التي بين أيدينا على الأقل وهو وجود ولاة في أول عهد إمام رستمي وهو عبد الرحمان بن رستم مؤسس الإمامة في تيهرت، ذلك أننا لم نجد إشارة تفيد بوجود علاقة سياسية بين الجبل وتيهرت أو مراسم تنصيب والي على الجبل في تلك الفترة، كما يتضح ذلك في عهد الإمام الثاني عبد الوهاب. (1/87)
صفحة 88
كما أن المصادر سكتت عن الفترة الممتدة من155ه(1)إلى 162ه(2)، أي تاريخ مقتل أبي حاتم الملزوزي في التاريخ الأول وتولى عبد الرحمان بن رستم الإمامة في تيهرت في التاريخ الثاني. وكان أبو حاتم يقود إمامة الدفاع في حيز طرابلس، وقتل في إحدى مدن الجبل يذكرها الزاوي باسم جندوبة(3) بينما في نفس الموقع- وهو غربي جبل نفوسة- يوردها أبو زكريا باسم جنبي(4).
إلا أن أبا زكريا أشار إلى أن أبا حاتم كان يرسل الصدقات إلى عبد الرحمان قبل أن يتولى إمامة الظهور.
فمنذ تاريخ مقتل أبي حاتم المشار، إليه وخلال فترة حكم الإمام عبد الرحمان بن رستم في تيهرت سكتت المصادر عن وجود أي نشاط سياسي في الجبل. اللَّهم إلا حروب هوارة مع عمال طرابلس، وقد أشار محمود إسماعيل إلى "أن إباضية طرابلس قد استكانوا وغلبوا على أمرهم بعد فشل حركة أبي حاتم"(5)، أي أن فترة ما بعد أبي حاتم تعبر فترة ركود سياسي في الجبل، كما إن بعض المصادر تشير إلى أن ستين من الأشياخ من نفوسة طرابلس قد رافقوا عبد الرحمان بن رستم أو لحقوا(6)به إلى المغرب الأوسط.
__________
(1) - الزاوي، تاريخ ليبيا، ص154، محمود إسماعيل، الخوارج، ص95.=
(2) - أبو زكرياء، السيرة،ص85.
(3) - الزاوي، تاريخ ليبيا، ص154، أبو زكرياء، السيرة ص83.
(4) - أبو زكرياء، السيرة ،ص 145.
(5) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص 95.
(6) -يذكر أبو زكرياء" أن عبد الرحمان بن رستم لحقه بسوفجج ستون شيخا من مشايخ الإباضية في طرابلس" (أبو زكرياء، السيرة ص77) (1/88)
صفحة 89
بينما ينفي علي يحي معمر هذا السكون في الجبل ويؤكد على أن الجبل خلال هذه الفترة" عاش مستقلا عن جميع الحكومات فعمال الدولة العباسية لا يجرءون على مطالبتهم بشيء، وعبد الرحمان بن رستم لم يطلب منهم الطاعة، رغم الولاء المتبادل واعترافهم بإمامته"(1). والذي لم يفصح عنه هذا النص هو الكيفية التي تم بها الاعتراف بإمامة عبد الرحمان من قبل جبل نفوسة إذا سلمنا أن الولاء المتبادل يمكن أن يتم باعتبار الطرفين ينضويان تحت مذهب واحد هو المذهب الإباضي.
وكيفما أولنا هذا النص؛ فإن جبل نفوسة لم تكن له علاقة سياسية واضحة مع الدولة الرستمية خلال فترة حكم عبد الرحمان بن رستم. ولم تكن له أي ولاية سياسية على الجبل، مما يوضح بأن الجبل لم يدخل ضمن البناء السياسي للدولة الرستمية على عهد عبد الرحمان.
وبهذا نستطيع القول بأن أول علاقة سياسية ربطت بين الجبل والدولة الرستمية تمت في عهد الإمام عبد الوهاب الذي تولى الإمامة بعد وفاة أبيه عبد الرحمان(171ه)(2). وقد قدم عبد الوهاب إلى الجبل على أرجح الاحتمال بين عامي 188ه- 189ه على اعتبار أن حصار طرابلس تم في آخر مدة بقائه في الجبل وهو 196ه. فكل المصادر سكتت عن ذكر وصول الإمام إلى الجبل الذي أمضى فيه سبع سنوات (3).
__________
(1) - علي، يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ص 77.
(2) - الباروني، الأزهار ص 218. هكذا ذكرها الباروني بأن جعل تاريخ وفاته 190هـ أي مدة حكمه تسعة عشر سنة، هذا لا يستقيم مع سير الأحداث، حيث كان عبد الوهاب محاصرا لمدينة طرابلس على إثر نجدته لهوارة ومهاجمة عاملها الأغلبي سنة 196هـ ، (ابن عداري، ج1، ص 95).
(3) - أبو زكرياء ، السيرة، ص 116 ، الباروني، الأزهار، ص 194. (1/89)
صفحة 90
والحديث عن مقدم الإمام عبد الوهاب وبداية العلاقة السياسية مع الجبل رأينا تأجيله إلى أن نأتي على نظام القضاة في الجبل ونظام الحسبة نظرا لارتباط قدوم عبد الوهاب بتعيين عدد من الولاة، وما حدث من جدال حول هذا الموضوع.وبالتالي رأينا أن ترك موضوع الولاة المعينين في الجبل يتزامن مع الحديث عن علاقة الإمام عبد الوهاب مع أهل جبل نفوسة وما نتج عن ذلك.
المبحث الثاني
نظام الإدارة
نظام القضاء والحسبة في جبل نفوسة:
لقد حرص أهل جبل نفوسة على وجود وظيفة القاضي، وخاصة القاضي الشرعي أو قاضي الأحكام الشرعية، الذي يفصل في أمور المعاملات اليومية وتحري مطابقتها للشريعة وخاصة فيما يتعلق بالمناكح والمواريث وما في حكمها من معاملات تتطلب وجود قاض قار لهذه النوازل للبث فيها وإصدار أحكامه عليها.
وإذا علمنا أن نفوسة كانت تتولى هذه الوظيفة في تيهرت بتفويض من أئمة الدولة الرستمية؛ فإنه من باب أولى أن تحرص على هذه الوظيفة وعلى اختيار رجالها في جبل نفوسة الذي يعتبر موطنها الأول، وعليه تقع مسؤولية القيام بنفوذها الواسع في الدولة الرستمية. (1/90)
صفحة 91
وفي أمر تولي نفوسة للقضاء قال ابن الصغير:" وكانت نفوسة تلي عقد قديم القضاة وبيوت الأموال".(1)في هذا النص يخبرنا ابن الصغير عن مدى القوة التي بلغتها نفوسة في تيهرت وما لها من نفوذ، فهي تلي عقد أخطر وظيفتين: القضاء وأمناء المال إضافة إلى الحسبة التي أشرنا إليها آنفا، وكانت تلك الوظائف يتولاها بتفويض من أئمة تيهرت، نظرا لدور نفوسة الأساسي في بقاء الدولة الرستمية والحرص على استمرارها. ورغم أن المصادر التي بين أيدينا لا تسعفنا كثيرا في هذا الموضوع، فقد احتفظت لنا باسم شخصية أحد القضاة في زمن حاكم الجبل أبو منصور إلياس، وهذا القاضي هو عمروس بن فتح النفوسي الذي عده الدرجيني من علماء الطبقة السادسة (250ه-300ه)(2)، وكان هذا القاضي شديدا في أحكامه. قال عنه الشماخي:(3)
"قال لأبي منصور إلياس إن لم تأذن لي بثلاث فخد خاتمك عني يا إلياس، قتل مانع الحق، والطاعن في دين المسلمين، والذال على عوراتهم"
يستخلص من هذا النص أن القاضي عمروس كان معينا من قبل حاكم الجبل أو(الوالي على الجبل)، وأن إرجاع الخاتم لأبي منصور الذي هو حاكم الجبل دليل على أنه هو من قلده وظيفة القضاء كما نفهم من النص مدى تشدد القاضي عمروس في أحكامه وتهاونه في الدماء، وإلا فإن الحدود التي تجبر بالقتل فقد شرعها الله تعالى في الإسلام في نطاق محدود جدا لئلا يمتهن الإنسان المسلم ويتعرض لهدر دمه لأتفه الأسباب.
والقاضي عمروس كان ممن حضر وقعة "مانو" حيث قتل فيها من ضمن من قتلوا 283ه(4)،كما ألف كتابا في الأصول عرف بالعمروسي بناء على رغبة علماء أهل فزان من الإباضية(5).
__________
(1) - ابن الصغير، الأئمة، ص63.
(2) - الدرجيني، الطبقات، ص 319 وما بعدها.
(3) - الشماخي، سير، ورقة 226.
(4) - أبو زكرياء، السيرة ، ص 153، الشماخي، سير، ورقة 229.
(5) - الباروني ، الأزهار، ص 214. (1/91)
صفحة 92
أما وظيفة المحتسب: فقد كانت موجودة في الجبل كما هي في تيهرت، عندما تولت نفوسة أمرها في تيهرت في حين كان الوالي في الجبل هو الذي يتولى هذه الوظيفة بنفسه. ولا ندري ما إذا كانت هذه المهمة قد أسندت إلى غيره من العلماء إذ لم تصلنا أية معلومات عن أشخاص بعينهم تم إسناد هذه المهمة إليهم.
ومعلوم أن صاحبها كان يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراقبة الأسواق والمكايل والموازين. والمحافظة على السابلة، وإزالة الأذى عن طريق المسلمين، وتخفيف الأحمال على الدواب وكل هذه المهام التي كانت من مهام المحتسب مارستها نفوسة في تيهرت.
ويورد البغطوري في هذا الشأن أن الوالي أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني قد زاول وظيفة المحتسب وهو يتولى ولاية الجبل عندما منع أهل إجناون من جني محصول الزيتون قبل نضجها، فقال" إن أبا عبيدة حجر على أهل إجناون أن لا يخرطوا زيتونهم إلا في وقت معلوم، فكسر واحد منهم حجره وخرط من زيتونه قليلا ليجعله للرزق وللدباغ، فضربه أبو عبيدة على ذلك"(1).
يفيد هذا النص في أن وظيفة المحتسب تتعدى ما أشرنا إليه من حماية الأسواق إلى الإنتاج ذاته عندما لا يزال في حقله ولم يتم نضجه بعد، كما أن العقوبة كانت زجرية، أي عقوبة الضرب مباشرة من قبل الوالي.
وفي نص آخر للبغطوري عن دور الحسبة في السوق يذكر بأن هناك شخصا مسؤولا عن السوق، وهو الذي يعطي الإذن لمن يحق له أن يبيع مواشيه في السوق لتحري منع اللصوص من بيع المسروق في الأسواق. وقد أشار إلى ذلك في حديثه عن العالم أبي يوسف وجدليش" أنه كان شديدا في الأمر والنهي...وأنه كان هو الذي يأذن لمن يبيع الغنم في جادو..."(2).ويتحرى عن الغنم المباعة في السوق.
__________
(1) - البغطوري، مخطوط، ورقة 145.
(2) - نفسه ، ورقة 157. (1/92)
صفحة 93
"فأتاه رجل فسأله أن يأذن له في بيع غنمه، فقال له: من تكون؟ فقال له أنا ولد فلان من أهل أنير يا شيخ. فقال له: هذه الغنم تلد عندكم؟ قال: نعم. فقال له:بع غنمك".
يستخلص من هذا النص أن وظيفة المحتسب كانت قائمة في جبل نفوسة، وأن الوالي كان يمارسها بنفسه أحيانا أو توكل إلى أحد الثقاة من العلماء مثل أبي يوسف وجدليش-المشار إليه-مثل مراقبة السوق، والتحري على المباع، وتخصيص شخص للقيام بذلك. وهذا ما أسعفتنا به المصادر عن مزاولة الحسبة في الجبل.
الباب الثاني
العلاقة السياسية لجبل نفوسة
بالدولة الرستمية
تمهيد
قبل التطرق إلى العلاقة السياسية التي تكونت بين جبل نفوسة والدولة الرستمية في تيهرت يستلزم الأمر الانطلاق من نقطة البداية وهي محاولات تكوين دولة إباضية في إقليم طرابلس. وهي المحاولات التي سبقت قيام الدولة الرستمية في تيهرت، وكانت سببا أو حافزا لتكوينها بل امتدادا لها في الهدف وفكرة التكوين.
وربما تعود بنا هذه المقدمة إلى أوائل القرن الثاني الهجري، حيث قامت ثورة الإباضية في طرابلس وما نتج عنها من محاولات لإرساء حكم إباضي خارجي يعتمد مبدأ الشورى في الحكم ويرفض الحكم الوراثي السائد على عهد الدولة الأمية ومن بعدها الدولة العباسية.
يمكن اعتبار هذه الأهداف الإباضية من الناحية النظرية محاولة تطبيق مبدأ الشورى في الحكم التي نجدها قد انهارت في النظام الخارجي عند أول محاولة لتطبيقها بعد وفاة أول إمام رستمي وهو عبد الرحمان بن رستم مؤسس الدولة الرستمية وفق المذهب الإباضي ، كما سنرى فيما بعد.
الفصل الأول
العوامل المؤثرة في العلاقات بين
إباضية الجبل وإباضية تيهرت
تمهيد (1/93)
صفحة 94
كانت هناك محاولات للإباضية في بداية القرن الثاني الهجري لقيام كيان سياسي في طرابلس، ولكن المصادر الإباضية تسقط تلك المحاولات من اعتبارها كنشاط للإباضية سابق على حركة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (140ه757م) فتعتبره أول الأئمة وتؤرخ لثورته باعتبارها بداية لمرحلة الظهور(1).
وإذا كانت ثورة أبي الخطاب تعد في الواقع أول ثورة إباضية ذات طابع شامل وبشكل منظم فقد سبقتها حركات أخرى لم تتمخض عن شيء سوى إضعاف الحركة الإباضية قبل أن يشتد عودها(2).
ولكن مهما يكن من أمر تلك المحاولات فقد كانت الدافع القوي الإباضية لإعادة تنظيم صفوفها والإفادة من تلك المحاولات والاستعداد لإمامة الظهور(3)على يد أبي الخطاب.
ومن تلك المحاولات أو الثورات التي سبقت إمامة أبي الخطاب في طرابلس ثلاث ثورات قامت أولاها:سنة126ه744م بزعامة عبد الله ابن مسعود التجيببي الذي ترأس بربر هوارة في منطقة طرابلس متحديا حكم عبد الرحمان بن حبيب في القيروان، وأخمدت هذه الثورة دون عناء بعد أن قبض أخ عبد الرحمان وعامله على طرابلس على التجيببي وضرب عنقه(4).
__________
(1) -محمود إسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن 4هـ ، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب،ط2، 198، ص 82.
(2) - نفسه، ص 83.
(3) - فيما يتعلق بهذا المصطلح وهو ترتيب الإمامة عند الإباضية سنفرد لهذا الموضوع مبحث خاص لشرح ذلك النظام.
(4) - محمود إسماعيل ، الخوارج ، ص 84. (1/94)
صفحة 95
وثانيها: هوارة على اثنين من زعمائها هما عبد الجبار بن قيس المرادي والحارث بن تليد الحضرمي، وزحف الحارث وعبد الجبار إلى طرابلس وضربا عليها الحصار حتى استسلم عاملهما(1)، وأخذا بثأر التجيببي واقتصا من قاتله وهو نصير بن راشد مولى الأنصار(2). وأمام هذا الوضع الجديد عين عبد الرحمان بن حبيب واليا جديدا لطرابلس هو يزيد بن صفوان المعافري(3).
وأنفد عبد الرحمان ثلاثة جيوش لاسترداد طرابلس، هزمها الإباضية جميعا فلجأ إلى الحيلة واستمال أحد شيوخ هوارة دون جدوى فعقد العزم على الخروج بنفسه وقاد جيشا لاسترداد طرابلس وصل به حتى قابس، ثم عاد أدراجه إلى القيروان لما علم بتآمر أهلها على خلعه.
لكن حادثا مفاجئا أفضى إلى مقتل الحارث وعبد الجبار سنة(131ه)، كفى عبد الرحمان بن حبيب مئونة قتالهما(4).
__________
(1) - كان عامل طرابلس المشار إليه هو حمد بن عبد الله العكي، ابن عبد الحكيم ، فتوح مصر وأفريقيا، ص 224.
(2) - ابن عبد الحكيم ، نفسه، ص 244، ليبيا في كتب التاريخ، ص 37.
(3) - البرغوثي ، تاريخ ليبيا، ص 238.
(4) - الحارث وعبد الجبار تختلف المصادر حول كيفية اشتراكهما في الحكم فذكر البرادي "أنهما كانا شريكين في الملك" أما الشماخي فيرى أن أحدهما كان إماما والآخر وزير * ونفهم من رواية بن عبد الرحمان وهي الأرجح أن عبد الجبار كان إمام الصلاة والحارث إمام الحرب ، هامش 121 ص 83. (1/95)
صفحة 96
وتختلف المصادر حول دوافع هذا الحادث، والراجح أنهما اختلفا حول مسائل فقهية أو تنازعا حول الحكم. كانت تلك رواية الشماخي التي أيده فيها محمود إسماعيل(1) فاحتكما إلى السيف فقتل كل منهما صاحبه، ومهما كان الأمر فقد تمخض هذا الحادث عن حدوث انشقاق بين جماعة الإباضية بالمغرب على غرار ماكان يحدث بين الخوارج في المشرق، ولم تجد نفعا نصائح فقهاء المذهب بالبصرة بالكف عن ذكر هذه المسألة، فظلت تشغل إباضية المغرب حتى تولى أبو الخطاب الإمامة سنة 140ه757م(2).
أما ثالثها فكانت من نصيب قبيلة نفوسة إذ بادر زعيمها إسماعيل بن زياد النفوسي، بعد أن عظم شأنه وكبر بيعه بالاستيلاء على قابس سنة 132ه751م(3)، فخرج إليه عبد الرحمان بن حبيب وانفد طلائعه من الخيالة ليسبر غوره، لكن عامله على طرابلس التحم بنفوسة الإباضية وقتل زعيمها وأسر كثيرا من رجالها، واصطحب عبد الرحمان بن حبيب أسرى الإباضية إلى طرابلس وذبحهم وامتحن بهم فكان يأتي بالأسير منهم فيأمر من يتهمه بتحريم ذمة بقتله كما عهد لعامله على طرابلس بتوزيع الغنائم على جنده وأعاد بناء سور المدينة(4).
لاشك أن هذه المحاولات التي وقعت من قبل الإباضية في طرابلس بإعلان الثورة على ولاة القيروان وما صاحبها من هزائم وفشل ذريع جعلت الإباضية تعيد حساباتها وتنظم صفوفها بشكل يضمن لها النجاح في المحاولات اللاحقة.
__________
(1) - محمود إسماعيل، الخوارج، مصدر سابق، ص 83.
(2) - أبو زكرياء، السيرة ، ص 64 ، محمود إسماعيل ، الخوارج، ص 84.
(3) - محمود إسماعيل. الخوارج. ص 84.
(4) - الرقيق، تاريخ أفريقيا والمغرب، ص 92، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 54. (1/96)
صفحة 97
وبذلك نجد زعماء الإباضية في المغرب الأدنى ونتيجة للجهود التي قام بها سلمة بن سعيد في نشر المذهب الإباضي في المغرب(1) حسب ما ذكره أبو زكرياء في كتاب"السيرة"، وكان من أهم التبدلات في السياسة الإباضية هو الاتجاه نحو المشرق والاسترشاد بمشايخ المذهب في الإعداد للثورة المنظمة بعد أن بذرت بذور الإباضية كما سلفنا على يد سلمة بن سعيد ومن بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغطير الذي تتلمذ على أبي عبيدة بالبصرة وفي أيامه انتشر المذهب بين بربر نفوسة في مستهل القرن الثاني الهجري.
ومنذ ذلك الحين أصبح جبل نفوسة"دار هجرة المذهب الإباضي في بلاد المغرب"(2)، وكان من ضمن هذا التواصل بين المغرب الأدنى أو بلاد إفريقية والمشرق ومدينة البصرة تحديدا هو ذهاب الخمسة حملة العلم إلى البصرة.
بما أن رسوخ المذهب الإباضي في جبل نفوسة قويا وواضحا، وامتد انتشاره بين القبائل الأخرى مثل هوارة وزناته وسدرا ته وزواغة ولواته(3) أما مطماطمة فلم تعتنق المذهب إلا في عهد الأيام عبد الوهاب بن رستم(4).
رغم انتشار المذهب الإباضي في أفريقيا ووجود مناصرين له من القبائل القاطنة في إقليم طرابلس مثل هوارة ونفوسة وغيرها، إلا أن ما تعرضت له الإباضية من هزائم في محاولاتها الأولى للسيطرة على طرابلس جعل رجال المذهب يعيدون حساباتهم في البناء السياسي والفكري الذي كان سائدا في إفريقية وعلى إثر ذلك قرروا إرسال عدد من رجالهم إلى المشرق والتتلمذ على علماء المذهب الإباضي في البصرة.
__________
(1) - أبو زكرياء ، السيرة، ص 26- الشماخي، سير، ورقة 97- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 54.
(2) - أبو زكرياء، ص 32- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 54.
(3) - ابن خلدون، العبر، ج6، ص 120- 121.
(4) - محمود إسماعيل، ص 55، نقلا عن " الجربي مؤنس الأحبة". (1/97)
صفحة 98
بخصوص سلمة بن سعيد ومن بعده ابن مغطير أنهما كسبا أنصارا أنهم في حاجة لتدعيم المذهب في المغرب، فاتفق الرأي على إرسال ممثلين عن الجهات التي انتشر فيها المذهب للتوجه إلى البصرة لمزيد من الدرس؛فاختير عاصم السدراتي من غرب الأوراس، وأبو داود القبلي النفزواي من نفزة جنوبي إفريقية، وإسماعيل بن ضرار من غدامس جنوب طرابلس، وانضم إليهم عبد الرحمان بن رستم من القيروان، وتوجه هؤلاء النفر الذين عرفوا بحملة العلم إلى البصرة حيث ظلوا صحبة أبي عبيدة مسلم لمدة خمس سنوات(1) يتلقون العلم على يديه ويعدون العدة للظهور، ويتعلمون أصول الحكم وفنونه.
__________
(1) - إذا علمنا أن البعثة عادت إلى المغرب سنة 140هـ فيكون رحيلهم إلى البصرة 135، ( محمود إسماعيل، الخوارج، ص 55) ينما الطاهر الزاوي ويقول: فرجعوا في زمن غير معين، ويظهر أنه فيما بين الخمسة والعشرين والأربعين( قرن 2 هـ)، (الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 121). (1/98)
صفحة 99
وجدير بالذكر أن أبا عبيدة أشار عليهم بأحد أتباعه من العرب ويدعى أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري(1) ليتولى إمامة الظهور(2)
__________
(1) - هو عبد الأعلى أبو زكرياء، السيرة الخطاب بن عبد الرحمان بن السمح ( بن عبيد بن حرملة) المعافري اليمني، من كتاب الأنساب والأسرات الحاكمة ( الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 32). ويضيف أبو زكرياء، اسم المعافري- ومعافر اسم قبيلة من العرب باليمن، ( كتاب السيرة وأخبار الأئمة ص 57)، وبإضافة النصين يكتمل لنا تعريف أبي الخطاب أنه معافري من اليمن ومن بقايا حمير اليمن.
(2) - إمامة الظهور ، لقد تعددت أنواع الإمامة عند الإباضية الذين تمذهب بمذهبهم سكان جبل نفوسة والدولة الرستمية فقسموها وفق نظرية " مسالك الدين" إلى أربعة مراحل من الإمامة، أما مسالك الدين اصطلاحا فهي الطرق التي يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية، وهي تعبر عن مراحل الإمامة الإباضية التي يمكن أن تجتازها في مختلف أدوار حياتها إزاء واجب الدعوة إلى الله، وخلاصة ما يهدف إليه هذا الأصل أو النظرية ( مسالك الدين ) هو التخطيط لإقامة دولة إسلامية عادية دستورها القرآن والسنة وحكامها خبراء في أمور الدين والدنيا. وتشتمل " نظرية المسالك " هذه على أربعة مراحل من الإمامة : إمامة الظهور، إمامة الدفاع والشراء ، والكتمان والظهور هو الأصل والمأمور به ويمثل المرحلة الأولى من مسالك الدين وتعتبر أفضل المراحل وأحبها ، وعادة ما تكون تتويجا للمساعي والجهود للحالات الثلاث : الكتمان، الدفاع ، الشراء . وعند الانتصار تسمى هذه الحالة ( ) كما استدل الإباضيون على مشروعيتها من الآية 8 من سورة المنافقون ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) وبالآية 104 من آل عمران ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) . (عدون جهلان ، السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش . جمعية التراث. القرارة. الجزائر. بدون تاريخ ). (1/99)
صفحة 100
لما له من دراية بأحوال المغرب ولحصافته ودربته بأصول السياسة وفنون الحكم(1) ولعل من أقوى أسباب اختيار إمام من المشرق له ما يبرره، وهو ضمان الاتصال والتبعية للمشرق.
المبحث الأول
قيام كيان سياسي في طرابلس
وصل الخمسة حملة العلم إلى بلاد المغرب وإلى إقليم طرابلس تحديدا سنة 140ه 757م(2) وما إن وصلوا حتى بادروا بالاتصال بالقبائل المحيطة بطرابلس وتحسيسها للقيام بالثورة.
وقد ذكر أبو زكرياء في كتابه "السيرة" أن أبا الخطاب هو من أشار به أبو عبيدة بتقلده زعامة الحركة(3).
وقد أبدى نشاطا ملحوظا في الكتمان فاتصل بمشايخ القبائل للتشاور في إعلان إمامة الظهور وقد كللت مساعيه بالنجاح، فانضم إليه جمهرة من الإباضية وكسب كثيرا من الأتباع، وأجمع رؤساء المذهب على مبايعته بالإمامة، وانضوت قبائل نفوسة وهوارة وزناته(4).
بينما يورد الطاهر الزاوي ذكر قبائل لماية ونفزاوة ومغيلة ومغراوة وبني يفرن من زناته(5).
__________
(1) - محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص 85.
(2) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص 86.
(3) - أبو زكرياء، كتاب السيرة ، مصدر سابق ، ص 60.
(4) - محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص 86.
(5) - الطاهر الزاوي، تاريخ الفتح، مصدر سابق، ص122. (1/100)
صفحة 101
وقد تحدث أبو زكرياء(1) عن تفاصيل اختيار الإمام أبي الخطاب ومبايعته سرا في بداية الأمر في قرية غرب طرابلس تدعى جنزور(2)، ومن ثم اقتحموا طرابلس على عاملها من قبل والي القيروان. وفي هذا الموضوع تحدث البرغوثي (3)عن عملية مبايعة أبي الخطاب إماما لطرابلس حيث قال: كانت بعثة العلم قد عادت من البصرة واستقرت في طرابلس فاستدعى أربعة منهم زميلهم الخامس أبا الخطاب عبد الأعلى إلى قرية صياد المجاورة لجنزور إلى الغرب من طرابلس، وعرضوا عليه أن يبايعوه إماما عليهم وهددوا بقتله إن رفض ذلك العرض، وقبل أبو الخطاب ولكنه اشترط عليهم ألا يذكروا مسألة الحارث وعبد الجبار في عسكره، وتمت بيعة الإباضية لأبي الخطاب فتقدم بجموعه إلى طرابلس سنة 140ه/(4)757م(5) فدخلها وقبض على عاملها عمرو بن عثمان القرشي(6) فخيره بين البقاء أو الخروج فاختار عمرو الخروج إلى المشرق.
__________
(1) - أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 62.
(2) - جنزور لا زالت تحمل هذا الاسم إلى يومنا هذا وتحولت إلى مدينة شاسعة وتبعد عن مدينة طرابلس بحوالي 20 كم.
(3) - عبد اللطيف محمود البرغوثي، تاريخ ليبيا الإسلامي، منشورات الجامعة الليبية ، دار صادر، بيروت، ط1، 1972.
(4) - أبو زكرياء، كتاب السيرة مصدر سابق، ص 64- الزاوي، تاريخ الفتح، ص 133، نقلا عن الشماخي .
(5) - محمود إسماعيل ، الخوارج، مصدر سابق، ص 85.
(6) - هكذا ذكره محمود إسماعيل، ص 86، بينما يذكر الزاوي اسمه عمرو بن سويد المرادي ( على سبيل التقريب ) لأنه هو الذي عينه عبد الرحمان بن حبيب قبل موته عاملا على طرابلس ولا يبعد أن يكون أبو جعفر أقره بعد وفاة " عبد الرحمان " ( الزاوي، ص 133 ). (1/101)
صفحة 102
بعد ذلك قرر أبو الخطاب أمور الدولة، وعين عبد الله بن رحيمة واليا على طرابلس، كما أسند أمر القضاء لابن ضرار الغدامسي، وولى عمر بن يمكتن من قرية إفاطمان بجبل نفوسة على سرت وما والاها(1).
ثم أخذ في الاستعداد لإنقاذ القيروان من قبيلة ورفجومة البربرية الصفرية، ولما تمت له كافة الاستعدادات زحف على القيروان سنة 141ه(2) فاستولى في طريقه على قابس دون عناء، ثم واصل سيره إلى القيروان حيث هاجم جموع ورفجومة وهزمهم خارج المدينة، فالتجئوا إلى المدينة للاحتماء بأسوارها وضرب عليهم الحصار حتى أضطرهم للخروج وهزمهم عند رقادة ودخل المدينة بعد مقتل عبد الملك ابن أبي الجعد مقدم الصفرية(3).
وباستيلاء أبي الخطاب على القيروان أصبح أول وال على أفريقية من الإباضية(4).
كما أنها المرة الأولى التي تصبح فيها القيروان تابعة لطرابلس حيث نصب أبو الخطاب صاحبه عبد الرحمان بن رستم عاملا على القيروان(5).
وفي سنة 142ه أرسل محمد ابن الأشعث والي مصر من قبل الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور قواته الموجودة في برقة بقيادة العوام بن عبد العزيز البجلي(6) لإخماد حركة الإباضية.
__________
(1) - البرغوثي، تاريخ ليبيا ، ص 44- الزاوي، تاريخ الفتح ، ص 134.
(2) - ابن عذارى، ج1، ص 71- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 86.
(3) - البرغوثي، مصدر سابق، ص 44- محمود إسماعيل ، مصدر سابق، ص 86.
(4) - الزاوي، مصدر سابق، ص 135.
(5) - البرغوثي، مصدر سابق، ص 144.
(6) - هكذا ورد اسمه عند البرغوثي ص 144، بينما ذكره ابن عداري بلفظ " أبو الأحوص " فقط . البيان ، ص 71، بينما الزاوي يذكر بأنه عمر أبو الأحوص العجلي تاريخ الفتح. 136. (1/102)
صفحة 103
وندب أبو الخطاب أحد رجاله وهو مالك بن سحران الهواري على رأس قوة للتصدي لجيش العوام فجابهته في موقع مغمداس(1) في أرض سرت فانتصر عليه بعد معركة حامية ألحقت فيهما خسائر بالطرفين هزم فيها أبو الأحوص(2).
كما يشير البرغوثي استنادا إلي مصادر إباضية إلى وقوع مجابهة أخرى بين الجيش العباسي بقيادة أبي الأحوص الذي أرسله ابن الأشعث وبين الجيش الإباضي بقيادة أبي الخطاب المعافري وذلك قرب سرت(3).
وربما تكون هي نفسها الوقعة السابقة التي أشرنا إليها حيث إن أغلب المصادر أشارت إلى وجود أبي الأحوص في هذه المعركة، كما أن البرغوثي يؤرخ لها في نفس التاريخ(142ه)الذي اتفقت فيه بقية المصادر(4) وربما تكون محاولة العوام التي انفرد بها الشماخي هي عبارة عن طليعة من طلائع ابن الأشعث لتسقط أخبار أبي الخطاب وقواته ومدى استعدادها واستحكاماتها القتالية.
__________
(1) - مغمداس. مكان على شاطئ البحر إلى الغرب من سرت في منتصف الطريق بينها وبين قصور حسان ، ( الزاوي، مصدر سابق، ص 13).
(2) - الزاوي، مصدر سابق، ص 136- البرغوثي، مصدر سابق، ص 145.
(3) - الشماخي، السير، ص 130- البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص 145.
(4) - الزاوي، مصدر سابق، ص 145- البرغوثي، مصدر سابق، ص 145- السيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، ص 537- محمود إسماعيل ، الخوارج ص 87. (1/103)
صفحة 104
ومهما يكن من أمر فإن المعول عليه هنا هو أن هذه الهزيمة التي تعرضت لها الجيوش العباسية استثارت الخليفة المنصور مما جعله يستصرخ وإليه على مصر محمد ابن الأشعث ابن عقبة الخزاعي وهو حسب ما ذكره الزاوي، أول أمير على إفريقية من قبل العباسيين(1) ويأمره أن ينهض بنفسه لمحاربة الإباضية على رأس جيش قوامه أربعين ألف مقاتل(2) بلغ عدد قواده ثمانية وعشرين قائدا(3)، كان بينهم الأغلب بن عقال بن خفاجة بن سواد التميمي، وهو جد الأغالبة الذين حكموا إفريقية(4). والمحارب بن هلال الفارسي، والمخارق بن غفار الطائي(5).
__________
(1) - الزاوي، مصدر سابق، ص 137.
(2) - البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص 145.
(3) - نفسه، ص 145- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 88.
(4) - الزاوي، مصدر سابق، ص 137.
(5) - محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص 88. (1/104)
صفحة 105
واتصلت أخبار بن الأشعث بأبي الخطاب في طرابلس فخرج للقائه في جيش بالغت الروايات في عدده، حيث ذكر بن عذاري أن قوامه مائتي ألف مقاتل(1)، وعسكر في ورداسة(2) بالقرب من تاورغاء، وعلم بذلك بن الأشعث فقطع أفواه السكك حتى انقطع خبره عن أبي الخطاب وبث العيون لاستطلاع أحواله مما جعل أبا الخطاب يطمئن جانبه إلى أن الجيوش العباسية قد عادت أدراجها من حيث جاءت مما ساعد في الركون إلى الراحة ولو قليلا.
__________
(1) - ابن عداري، ج1، ص 71- الزاوي، ص 137، البرغوثي، ص 145.
(2) - ورداسة: حدد الزاوي موقعها بدقة حيث قال: "كانت المعركة بين ابن الأشعث وأبي الخطاب في ورداسة قرب قصر قداس غرب تاورغا وهو قصر قديم بين سوف الجين وزمزم وهي كلها أودية على طريق سرت ويمر به وادي لا زال يعرف بوادي ( قداس. واتضح أن ورداسة التي وقعت فيها المعركة هي المعروفة الآن بقداس. وفي سنة 1340هـ كشفت السيول عن بئر رومانية بقرب قصر قداس كثيرة الماء وكانت مغطاة بالتراب وهذه البئر وأمثالها هي التي كانت تمد قصر قداس بالماء مما جعله مركزا يصح أن تستند إليه تلك الجيوش المتقاتلة في إمدادها بالماء وإلا لما أمكن أن تنزل على غير ماء في تلك الصحراء القاحلة " ( أ، هـ، الزاوي، ص 138 ). (1/105)
صفحة 106
وكانت تلك هي الفرصة التي ينتظرها ابن الأشعث إضافة إلى عوامل أخرى ساهمت في إلحاق الهزيمة بجيش أبي الخطاب إمام الإباضية، سنذكرها في حينها، وفي سنة 144ه(1) التقت جيوش ابن الأشعث القائد العباسيوهو والي مصر في نفس الوقت مع جيوش أبي الخطاب في موقعة ودراسةالمنوه عنها في الهامشعلى حين غرة من جيش أبي الخطاب مما جعل الهزيمة قوية والضربة مميتة لأبي الخطاب وجيشه حيث قتل أبو الخطاب مع آلاف(2) من رجاله ونجا منهم نفر قليل لادوا بالقلاع والحصون في الجبال(3).
ودخل ابن الأشعث طرابلس وعين المخارق بن غفار الطائي واليا(4) عليها حيث ظل على ولايتها من 144-150ه(5).
وقبل الاستطراد في التحولات التي طرأت على احتلال ابن الأشعث لطرابلس ومن ثم التوجه غربا نحو القيروان يجدر بنا أن نقيم الأوضاع التي أحيطت بسحق جيش أبي الخطاب ومقتله رغم ما ذكرته المصادر من الأعداد الكبيرة التي كان يتألف منها جنده.
وتأتي أهمية الإشكالية السياسية وما ترتب عنها فيما بعد من انقسامات وصراعات داخل الحزب أو المذهب الإباضي الواحد.
وهناك عدة أسباب وراء الهزيمة التي تعرض لها أبو الخطاب وجيوشه رغم كثرة عددها فاقت المأتي ألف(6)مقاتل حسب بعض المصادر.
__________
(1) - ابن عداري، البيان، ج1، ص71- الزاوي، تاريخ الفتح، ص 137، البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص146، محمود إسماعيل، ص 86.
(2) - أبو زكرياء، السيرة ، ص 79، حيث ذكر أن أبا الخطاب استشهد واستشهد معه أربعة عشر ألفا ، فيما ذكر بعض الرواة وذكر آخرون أثنى عشر ألفا /أ.هـ،فلاحظ أن أبا زكرياء يذكر كلمة استشهد بدل قتل، لكونه مؤرخ لنفس المذهب، وكذلك الشماخي. ص 139.
(3) - أبو زكرياء، السيرة، ص 79.
(4) - البرغوثي، تاريخ ليبيا، 164- سعد زغلول عبد الحميد ، المغرب العربي، ص 346.
(5) - البرغوثي، نفسه، ص147.
(6) - ابن عذارى، البيان، ج1، ص71- البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص 145. (1/106)
صفحة 107
من جملة الأسباب التي يمكن أن نسوقها في هذا المجال هناك سبب رئيسي كان دائما ملازما للإباضية في مختلف مراحل حكمها فيما بعد، يتمثل في الانقسامات الداخلية بين القبائل المنضوية تحت مذهب الإباضية، وكذلك بين رجالات الحكم الرستمي فيما بعد، فأسفر ذلك عن ظهور فرق جديدة وانقسامات متعددة(1) تسمت بأسماء منها الخلفية، والوهبية، والنكارية(2).
فجيش أبي الخطاب لم يكن بالجيش النظامي التقليدي، بل هو عبارة عن مجموعة من قبائل نفوسة وهوارة وزناته وغيرها من القبائل، وكانت لكل قبيلة منها مطامحها ومصالحها الخاصة.
كما أن هذه القبائل لم تكن تتلقى نصيبا ثابتا من بيت المال بل تعتمد على كسبها الذاتي ومواردها الخاصة. وفي إشارة إلى ذلك ذكر أبو زكرياء " أن ليس لهم بيت مال يرتزقون منه وإنما معاشهم من كسب أيديهم"(3).
لاشك أن هذا عامل أساسي من عوامل ضعف الإمامة وعدم قدرتها على الاحتفاظ بعدد كبير من الجيوش جاهزة باستمرار لمواجهة أي خطر، بل كانت لهذه القبائل زروع ومواش خاصة لا تحتمل الاستمرار المنظم في المرابطة للقتال.
__________
(1) - سنفرد لهذه الانقسامات فصل خاص في الحديث عن إمامة تيهرت.
(2) - سعد زغلول، المغرب العربي، ص 32.
(3) - أبو زكرياء، مصدر سابق، ص71. (1/107)
صفحة 108
أما الشماخي (في مخطوط سير نفوسة) فيرى أن أسباب هذه الهزيمة كانت تتمثل في انصراف القبائل التي كانت مع أبي الخطاب إلى موسم الحصاد(1)، ومما أورده أيضا في هذا الصدد: أن ابن الأشعث عندما عاين قوة أبي الخطاب هاله ما كان معه من القوة وضاق بلقائه فلا بد من مكيدة للإيقاع بأبي الخطاب وجيوشه، فأعلن في الناس أن الخليفة قد أمره بالرجوع إلى مصر، فرجعت عيون أبي الخطاب فأخبروه بذلك وشاع الخبر في جيشه وكان الوقت زرع، فأراد الناس التفرق إلى زروعهم وأوطانهم، ولم تجد محاولات أبي الخطاب بأن تلك خدعة من ابن الأشعث فلا تتفرقوا عن إمامكم، فما زالوا به حتى أذن لهم بالرجوع.
فلما رجعت عيون ابن الأشعث إليه أخبروه بتفرق أصحاب أبي الخطاب فطوى المراحل ليلا ونهارا ولم يشعر أبو الخطاب إلا وقد دخلوا حيز طرابلس(2).
هذه الرواية تنفرد بها المصادر الإباضية في تبرير أسباب الهزيمة التي لحقت بأبي الخطاب وجيوشه وما تكبده من خسائر منكرة كانت غير متوقعة بأي حال، ولكن الذي أجمعت عليه المصادر السنية الأخرى هو النزاع الذي حدث في صفوف أبي الخطاب بين هوارة وزناته ويذكر ابن عذارى أن هوارة وزناته تنازعت فيما بينها واتهمت زناته أبا الخطاب في ميله إلى هوارة ففارقته جماعة منهم(3).
كما أن زناته التي اعتنقت مبكرا المذهب الصفري في المغرب الأقصى وقادت الثورة على ولاة الأمويين سنة 122ه(4) بقيادة ميسرة المطغري يعتبر مكان تواجدها الأساسي في المغربين الأقصى والأوسط، كما أنها قد دأبت على الخلاف مع الإباضية عندما يتعلق الأمر بعصبيتها القبلية.
__________
(1) - الشماخي، السير، ص131-132.
(2) - نفسه، ص132.
(3) - ابن عذارى، البيان، ج1.ص72، وكان هذا النزاع سبب قتل بعض أفراد من هوارة لرجل من زناته، (محمد بن عميره، دور زناته في الحركة المذهبية بالمغرب العربي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ج1، هامش ص162).
(4) - سعد زغلول، المغرب العربي، ج1، ص288. (1/108)
صفحة 109
وفي هذا الشأن قال محمد ابن عميرة:"... وكانت أول حركة مذهبية عرفها المغرب هي حركة الخوارج الصفرية التي اعتمدت بالدرجة الأولى على البتر وخاصة زناته التي شاركت إلى جانب ميسرة المطغري، وبعد قتله خلفه أحد أفرادها هو خالد بن حميد الزناتي"(1).
من هنا نرى أن زناته وإن انضوت مذهبيا في بعض الأحيان تحت المذهب الصفري أو الإباضي فهي تلجأ دائما للعصبية القبلية وترجحها لبسط نفوذها على بقية القبائل وإن كانت من نفس المذهب.
ومما يؤكد ذلك تلك المحاولة التي قامت بها زناته لمواجهة ابن الأشعث بعد انتصاره على أبي الخطاب وتمزيق عسكره والتي كانت بدورها محاولة يائسة ولم يكتب لها النجاح، وفي هذا الصدد يقول البرغوثي:"يبدو أن زناته ندمت على تخليها عن أبي الخطاب فقامت بثورة جديدة على ابن الأشعث في ستة عشر ألف رجل يتزعمهم أبو هريرة الزناتي، ولكن ابن الأشعث تمكن من هزيمتهم في ربيع الأول من السنة ذاتها (144ه)"(2).
أما عبد الرحمان بن رستم الذي كان عاملا على القيروان من قبل أبي الخطاب عندما أدركته أنباء الكارثة التي حلت بأبي الخطاب والإباضية في طرابلس أدرك أن النجاح في منطقة تقاتل عنها الجيوش العباسية بكل شراسة وتعتبره ممرا مصيريا لبقية المغرب، أمر غير مكفول(3).
__________
(1) - ابن عميره، مصدر سابق، ص306.
(2) - ابن عداري، البيان، ج1، ص72- البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص146، بن عميرة دور زناتة ، ص103.
(3) - البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص146. (1/109)
صفحة 110
فترك بن رستم القيروان وسار نحو المغرب الأوسط حيث سيبني مدينة تاهرت الجديدة التي أصبحت عاصمة الإباضية في المغرب الأوسط (1) كما سيأتي بيانهوهكذا وضعت معركة ورداسة بتاورغاء نهاية لإمامة الظهور التي استمرت أربعة أعوام، سيطر فيها الإباضية على أفريقيا والمغرب الأدنى، فلم يقو الإباضية بعدها على الظهور ولو مؤقتا، واضطروا إلى العمل في تستر وكتمان وهو ما يعرف في اصطلاحهم بإمامة الدفاع(2).
وقبل أن نتجاوز أحداث هذه الموقعة التي قطعت الطريق على إقامة نظام حكم إباضي في طرابلس، يجدر بنا إثارة جملة من النقاط، منها إصرار الإباضية علىإقامة الإمامة في طرابلس ونواحيها رغم ما لاقته من مقاومة شديدة في هذا الإقليم، وكذلك المحاولات المستميتة التي بذلتها الدولة العباسية في المحافظة على هذا الإقليم خاليا من أي نظام دخيل. وقد نتج عن المحاولة الأولى لقيام إمامة إباضية في طرابلس جملة من التحولات: فعند مقتل أبي الخطاب وجملة من أتباعه، تحصنت بقية فلوله بالجبال والقلاع التي كان أهمها جبل نفوسة، نظرا لحصانته ومنعته ولأهمية موقعه الجغرافي الذي تميز به عن بقية المنطقة المحطة به، ولكونه مخزنا اقتصاديا لتموين حركات الإباضية وثوراتهم على الدولة العباسية وولاة القيروان وعمال طرابلس، كذلك استبداد الصفرية بالمغرب الأقصى وانتشار مذهبهم بين قبائله مثل مطغرة ومكناسة وزناته وبرغواطة، وعنصري الأفارقة والسودان، كما امتد نفوذه إلى بعض جهات المغربين الأدنى والأوسط(3).
كما أن الصفرية كانوا السابقين في ثوراتهم والخروج على الدولة الأموية قبل سقوطها 132ه حيث خرج عليها ميسرة المطغري زعيم الصفرية (121ه)(4).
__________
(1) - سعد زغلول. المغرب العربي. ج1. ص346.
(2) - محمود إسماعيل. الخوارج. ص89.
(3) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص62.
(4) - محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص50. (1/110)
صفحة 111
وكذلك أصبح مجال الحركة الإباضية أو المتاح لها هو إقليم طرابلس وإفريقية، كما يفهم من محاولات الإباضية المستمرة في التصميم على الاحتفاظ بإقليم طرابلس تحت حكم الإباضية المستمرة في التصميم على الاحتفاظ بإقليم طرابلس تحت حكم الإباضية هو لقطع الطريق على ولاية إفريقية في القيروان، والتي كانت تأتي إليها النجدات والإمدادات من المشرق ومن مصر أغلب الأحيان والتي كانت تنهض بمهمة استعادة أفريقيا لحظيرة دولة الخلافة في المشرق أو الحكومة المركزية بشكل أكثر دقة.
كما أن أنصار المذهب والمتحمسين له كانت مواطنهم جبل نفوسة وحيز طرابلس وأهمها قبائل نفوسة وهوارة التي ساندت المذهب وثبتته كأسلوب حكم زمني وديني.
ويرى الإباضية أن استيلائهم على إقليم طرابلس كان يتيح لهم التوجه غربا إلى إفريقية وبسط نفوذهم على القيروان عاصمة ولاية إفريقية، والتي كانت مطمح كل الثورات الخارجية على الدولة المركزية في الشرق حيث احتلت من قبل ورفجومة 139ه(1).
وكانت فرصة سانحة للإباضية بقيادة أبي الخطاب المعافري في طرابلس للتوجه إلى القيروان واحتلالها وطرد الصفرية منها في 141ه (2)وولى عليها عبد الرحمان بن رستم(3). وبذلك أصبحت القيروان لأول مرة تابعة لطرابلس كما أسلفنا الحديث في ذلك.
__________
(1) - ابن عذاري ، في سنة 138 قام بربر إفريقية على حبيب بن عبد الرحمان بن حبيب ولم يحدث أن هذه السنة هي سنة دخولهم للقيروان وكذلك لم يذكرها في أحداث 139 لبيان 69، وبينما الزاوي يذكر أنها في 139هـ ، تاريخ الفتح، ص 134، وكذلك محمود إسماعيل، الخوارج، ص406.
(2) - ابن عذاري، البيان، ص71.
(3) - نفسه، ص71. (1/111)
صفحة 112
إذا كان هدف هذه السياسة الإباضية في احتلال طرابلس وأفريقيا وهو قطع الطريق على الجيوش العباسية القادمة من مصر والشرق، وتكوين دولة حاضرتها طرابلس، وامتد نفوذها إلى سرت شرقا وإلى فزان جنوبا، وتهدف إلى التوجه غربا إلى ناحية المغربين الأوسط والأقصى بعد احتلال القيروان.
هذه السياسة الإباضية في التمسك بإقليم طرابلس جعلت الإباضية يدفعون الثمن باهظا من إمكاناتهم المادية وقدرتهم البشرية ومن مواقعهم وتحصيناتهم. حيث جعل الإباضية أنفسهم مباشرة في وجه أي حملة عسكرية عباسية تأتي من المشرق أو أي تجريدة يقوم بها ولاة القيروان لاسترجاع طرابلس، مما فت في عضدهم وجعلهم يفكرون في التخلي عن طرابلس وقد احتفظوا بالجبل(جبل نفوسة) كمعقل أخير وحصن منيع عن جيوش الخلافة، مما حدا بعبد الرحمان بن رستم فيما بعد إلى التوجه إلى المغرب الأوسط بعيدا عن متناول الجيوش العباسية حيث استطاع أن يقيم دولة لأنصاره من الإباضية الذين رحلوا معه من طرابلس(1) أو لحقوا به هناك، وتقريبا نفس الدوافع الإباضية التي تحركهم للتمسك بإقليم طرابلس هي أهداف العباسيين، وهي اعتبار طرابلس المحطة الأولى في إفريقية، وأنها في طريق التواصل مع القيروان حاضرة الولاية، وأن أي تواجد خارجي في إقليم طرابلس معناه قطع الصلة بين إفريقية والدولة المركزية في المشرق.
ولذلك نجد العباسين يجردون الحملة تلو الأخرى في سبيل الحفاظ على هذا الطريق سالكا إلى إفريقية والمغرب، كما أن احتلال إقليم طرابلس يعتبر تهديدا لمصر الولاية الكبرى، والتي تأتي منها الإمدادات والجيوش لاستعادة الاستقرار في إفريقية.
__________
(1) - قال أبو زكرياء في كتاب السيرة: " وحدث أبو الربيع سليمان بن خلف عمن حدثه أن عبد الرحمان بن رستم لحقه بسوفجج ستون شيخا من مشايخ الإباضية في طرابلس ( السيرة، ص76-77- الدرجيني، طبقات، ص36). (1/112)
صفحة 113
ومن ضمن هذه التحولات بعد أن أخفق الإباضيون في إقامة كيان سياسي وفق مذهبهم الإباضي وتجسيد إمامة الظهور أمام الضربات الموجعة التي تلقتها الدولة الإباضية الفتية (140-144ه) على أيدي جيوش الدولة العباسية وقائدها محمد بن الأشعث وذلككما أشرنا سلفا.
وما يهمنا من هذا الصراع هو ما نتج عنه من اختفاء إمامة الظهور التي حاول الإباضية إقامتها في إقليم طرابلس، والعودة من جديد إلى إمامة الدفاع ذلك ما سوف نبرزه من خلال الصفحات القادمة حتى يتيسر التركيز على مواطن هذا الصراع وأطرافه ونتائجه. (1/113)
صفحة 114
لقد ظهر على مسرح الأحداث قائد إباضي جديد لقيادة إمامة الدفاع(1) وهو يعقوب بن حبيب(2)، الملزوزي الهواري(3)، وكنيته أبو حاتم، وكان ذلك في سنة 150ه767م (4)
__________
(1) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص89.
(2) - ابن سلام الإباضي، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية ، تحقيق د.ف شنارتز وسالم بن يعقوب،دار إقراء، ط1، 1985، ص151، وهو يعتبر أقدم مؤلف تحصل عليه من تاريخ بحثنا ، فقد عاش ابن سلام في النصف الثاني ق 3 هـ، نفسه، ص5.
(3) - اختلفت آراء المؤرخين حول أصل أبي حاتم الملزوزي، فبينما ينسبه الزاوي إلى هوارة ( تاريخ الفتح ص 143 )، ويتفق هذا مع رأي محمود إسماعيل الذي يرجح رواية الدرجيني معللا أن هوارة من أشد قبائل الإباضية قوة وأكثرها عددا ومشاركة في ثورات الإباضية ، ( محمود إسماعيل ، الخوارج، ص89 )، بينما محمد بن عميرة ، يعطي رواية أخرى مختلفة استنادا إلى محمد علي دبوز، ( تاريخ المغرب الكبير ، ج3،ص 58 )، إنه من ملزوزة وهي فرع من مغيلة كانت تسكن المغرب الأوسط وانتقل أبو حاتم أو أجداده إلى طرابلس فنزل في هوارة فصار ينتمي إليها، ( أ.هـ ، ابن عميرة، دور زناته، ص105 )، ومهما يكن من أمره فهو ينسب إلى هوارة سواء بالنسب أو الإقامة .
(4) - اضطربت الأخبار عن تاريخ ولاية أبي حاتم الملزوزي لإمامة الدافع، بينما الزاوي يثبت هذا التاريخ 150هـ - 767م ، فنجد الدجيني يحدد تاريخ 154هـ ولذلك ينقل عنه الشماخي، وفي الوقت الذي استشهد محمود إسماعيل بهذه الرواية خطأ يثبت تاريخا آخر عندما استشهد به وهو 145هـ - 762م ( محمود إسماعيل، الخوارج، ص89 )،ونجد ابن عذاري يشير إلى حوادث في نفس الفترة في إفريقية " في سنة 145هـ اشتغل ابن الأشعث ببناء سور القيروان وأخصبت بلاد إفريقية وكان قد بعث إلى زويلة وودان ففتحها وقتل من بهما من الإباضية وسكن ابن الأشعث أحوال إفريقية في هذه السنة فلم يكن بها حركة له " ( أ.هـ، ابن عذاري، البيان، ج1، ص73 )، بينما يذكر ابن عذاري أحداث 151هـ " واشتراك أبي حاتم في حصار القيروان وكان الوالي عليها عمرو بن حفص بن قبيصة واتاها ( القيروان ) أمراء القبائل من كل فج واجتمعوا في اثني عشر ألفا ... وكان أمراء المغرب ورؤساؤهم أبوقرة الصفري في أربعين ألفا... وأبو حاتم في عدد كبير " ( ابن عذاري، البيان، ج1، ص75 ). ومهما يكن أمر هذه الأحداث فإننا نرجح رواية الزاوي نقلا عن ابن حداش ( الزاوي، تاريخ الفتح، ص143 )، لاتساقها مع الأحداث وتوافقها مع الواقع ، أو ربما تاريخ البيعة ليس هو تاريخ ( إعلان الخروج على جند طرابلس) وذلك في محاولة من محمود إسماعيل للتوفيق بين التاريخين 145-150 " بويع أبو حاتم بالإمامة 145-262 وظل مستترا طيلة أربع سنوات " (محمود إسماعيل ، الخوارج، ص89 ). (1/114)
صفحة 115
وذلك بعد أن اجتمع إباضية طرابلس وولوه عليهم وكان قبل هذا التاريخ مستترا قضاها في جمع شمل الإباضية.
وكان يرسل في الوقت ذاته بما جمع من الصدقات للإمام عبد الرحمان بن رستم قبل أن يتولى هذا الأخير إمامة الظهور(1) في تيهرت.
ويبدو أنه في سنة 150ه أنس أبو حاتم من نفسه القوة فأراد الخروج على جند طرابلس وعامل أبي جعفر المنصور(2).
تنبه عامل طرابلس لما يدبره أبو حاتم وجماعة الإباضية في نواحي طرابلس فخرج إليه على رأس جنده وطلب من الإباضية الإذعان لطاعته والدعوة للخليفة العباسي، فرفض الإباضية ذلك واقتتلوا مع عامل طرابلس فكان النصر لأبي حاتم الملزوزي ودخل طرابلس التي لم يستقر بها إلا أشهرا(3) حيث توجه لمحاصرة القيروان. وكان عامل طرابلس الجنيد بن سيار(4). قد أرسل إلى عمر بن قبيصة يستمده بأمده بأربعمائة فارس بقيادة خالد بن يزيد المهلبي(5). والتقى مع أبي حاتم في معركة لكنه انهزم وسار إلى قابس.
كما فشلت المحاولة الثالثة أيضا وهي التي أرسل فيها عمر بن حفص حملة بقيادة سليمان بن عبادة المهلبي حيث طارده الإباضية وعاد من حيث أتى(6).
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة وأخبار الأئمة ، ص78.
(2) - نفسه، ص79- محمود إسماعيل ،الخوارج، ص 90. يذكر الزاوي: " وولى عمر بن قبيصة والي القيروان... ولى على طرابلس الجنيد بن سيار الأسدي (أ.هـ الزاوي، ص 142).
(3) - هنا تضطرب رواية الزاوي حيث يحدد دخول أبي حاتم طرابلس 154هـ وبعد هذا التاريخ يشارك في " حصار طبنة وبها عمرو بن حفص " وهذا يتناقض مع رواي ابن عذاري السابقة هامش (4)أن حصار طبنة كان 151هـ، ( الزاوي، ص142، ابن عذاري، البيان،ص75 ).
(4) - بينما الزاوي يذكر أن الجنبد هو عامل طرابلس عند احتلالها من قبل أبي حاتم، يرى محمود إسماعيل، أنه هو الذي جاء على رأس قوة لنجدة طرابلس، ( الزاوي، ص42، محمود إسماعيل، ص90 ).
(5) - محمد ابن عميرة، دور زناته، ص106.
(6) - محمود إسماعيل، ص90. (1/115)
صفحة 116
لقد أراد أبو حاتم أن يجعل قاعدة انطلاقه من طرابلس مثل ما فعل سلفه أبو الخطاب إمام الظهور نتيجة لتواجد القبائل المؤيدة لحركته الإباضية في طرابلس وجبل نفوسة الذي يعتبر معقلا حصينا يلتجئ إليه عسكر الإباضية كلما واجهوا مقاومة من جند طرابلس والقيروان.
إذا إقليم طرابلس وجبل نفوسة بما يمثلانه من حصانة كان هدفا أساسيا للإباضية لقيام دولتهم به، وأن محاولاتهم التي استمرت منذ سنة 130-155ه تاريخ القضاء على ثورة أبي حاتم، كانت كلها تقريبا تسعى للسيطرة على هذه المنطقة وجعلها قاعدة انطلاق وحصنا وملاذا لهم.
في الوقت الذي يتصدى فيه أبو حاتم وعسكر الإباضية معه لنجدات عمر بن حفص التي كان يرسلها من القيروان لإنقاذ طرابلس.
تعرضت إفريقية لثورات أخرى شارك فيها اثنا عشر جيشا(1)؛ اشترك فيها الإباضية إلى جانب الصفرية وتوجهوا إلى منطقة الزاب(2) وكان يقود كل جيش رئيس، ذكر منهم
__________
(1) - ابن عذاري، البيان، ص75- ابن عميرة، دور زناته، ص106.
(2) - ابن عذاري، البيان، ص75- محمود إسماعيل، الخوارج، ص91. (1/116)
صفحة 117
بن عذارى، أبا قرة الصفري في أربعين ألفا، وعبد الرحمان بن رستم الإباضي في خمسة عشر ألفا، وأبو حاتم في عدد كثير(1)، والمسور بن هاني الزناتي في عشرة آلاف فارس (2)، وعبد الملك بن سكردير الصنهاجي الصفري في ألفين سوى جماعات أخرى(3) ... ورغم اضطراب المصادر التي تروي تلك الأحداث وتداخل رواياتها وتعارضها مع بعضها البعض ولكن نستطيع أن نجمل القول بأن المصادر الإباضية لم تشر إلى ولاية أبي حفص الذي واجه الإباضية ومنهم أبا حاتم الملزوزي، بل تنسب تلك المواجهة إلى الجيش الخلافي بقيادة ابن الأشعث(4).
__________
(1) - ابن عذاري، البيان، ص75، بينما يذكر الرقيق رقمين لجيش أبي حاتم الأول والذي كان فيه عمرو بن عثمان الفهري وكان عدده مائة ألف وثلاثين ألفا، كما يشير إلى تكاثر البربر وهو ما يعني انضمام جموع أخرى لجيشه بعد مغادرته لحصار ( طبنة ) وتوجهه للقيروان قال الرقيق "... كان أبو حاتم الإباضي في ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا، ( الرقيق. تاريخ أفريقيا، ص 108 )، ونفهم من التعليل الذي وضعه محمود إسماعيل أن سبب هذه الزيادة هي التحاق المسور الزناتي ومن كان معه بجيوش أبي حاتم. الكامل. ج5. ص222. محمود إسماعيل . الخوارج، ص91 ).
(2) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص91.
(3) - ابن عذاري ، البيان، ص75.
(4) - محمود إسماعيل ، الخوارج، ص91. (1/117)
صفحة 118
بينما المعروف أن بن الأشعث غادر القيروان سنة 148ه(1) بعد ثورة الجنيد عليه، بينما الأحداث التي نتناولها في بحثنا هذا تقع بعد(150ه)وهو تاريخ إعلان ثورة أبي حاتم الملزوزي في طرابلس وإعلان إمامة الدفاع –كما أشرنا سلفا- ورغم الحصار الذي تعرض له عمر بن حفص في طبنة من قبل الخوارج الإباضية والصفرية تحت لواء أبي قرة الصفري المغيلي الذي أعلن نفسه إماما(2)، استطاع عمر بن حفص أن يكسره ويفر بحياته عائدا إلى القيروان وخرج الإباضية بأجمعهم ليجهزوا عليه قبل قدومه لكنه، أخذ طريقا مغايرا فسلك طريق تونس بدلا من الأربس(3).
وبادر فشحن القيروان بالمؤن والأقوات والميرة والرجال وأدوات الحصار(4)، وحفر خندقا على باب أبي الربيع(5) وجعل عسكره خلفه مؤثرا سياسة الدفاع، وقد عادت هذه السياسة على أبي حفص بأوخم العواقب فلم يتوان الإباضية عن قتاله وأضطر للخروج لفك الحصار الذي فرضه على نفسه فانهزم وارتد إلى خندق أبي الربيع(6)، وتبعه أبو حاتم حتى جاوز مشارف الخندق كما وزع رجاله على سائر أبواب المدينة فمنع المحاصرين داخلها من الخروج، وظلوا كذلك حتى نفذت أقواتهم(7).
وزاد الأمر سوءا تقاعس قواد عمر بن حفص واختلافهم في القيام بمحاولة يائسة لفك الحصار المضروب عليهم.
__________
(1) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص91، بينما يذكر الزاوي أن ثورة الجنيد على ابن الأشعث كانت بقيادة موسى بن عجلان 147 ولما أخرجوا بن الأشعث إلى المشرق ولوا عليهم عيسى بن موسى الخرساني ، في ربيع 148هـ ، ( تاريخ الفتح، ص139 ).
(2) - ابن وردان، تاريخ مملكة الأغالبة ، تحقيق ودراسة محمود زينهم عزب ، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1988، ص1.
(3) - الأربس : إحدى مدن إفريقية تقع غربي القيروان بمسيرة ثلاثة أيام، ( الناصري، الاستقصا ) بأخبار دول المغرب الأقصى ، ج1، ص 118 .
(4) - الرقيق، تاريخ أفريقية،ص106.
(5) - نفسه، ص106.
(6) - نفسه، ص107.
(7) - ابن عذاري، البيان، ج1، ص76. (1/118)
صفحة 119
وحين وصلته أخبار يزيد بن حاتم(1) لنجدته استنكف عن الانتظار، وآثر الموت فظل يقاتل الإباضية حتى قتل في منتصف ذي القعدة سنة 154ه (2).
وفي هذا التاريخ تضرب رواية الرقيق عن قدوم يزيد بن حاتم إلى إفريقية وهو بن أخ لعمر بن حفص يقول الرقيق عن سبب قدوم يزيد بن حاتم إلى إفريقية" أنه عندما اتصل بأبي جعفر المنصور أن عمر بن حفص قتل، غمه ذلك وشغله، وأخبر بفساد البلد وكثرة اجتماع البربر وصنعهم بجنده، رأى أن يوجه يزيد بن حاتم إلى أفريقيا لعلمه بقيامه وحزمه ونكايته، ولأن عمر بن حفص عمه فهو لا يألو في طلب ثأره"(3).
بينما يشير الرقيق في رواية أخرى أن عمر بن حفص استنكف عن الانتظار وخاصة عندما علم بمقدم قريبه يزيد بن حاتم لنجدته، وذكر عنه عندما قيل له وما عليك أن يأتي رجل من أهلك فتخرج من الحصار..."(4).فقال تتحدث نسوة العتيك أن يزيد أخرجني من الحصار؛ إنما هي رقدة حتى أبعث للحساب. ويستخلص من الروايتين السابقتين مدى تضاربهما؛ فالأولى تشير إلى أن يزيد بن حاتم قدم أفريقيا بناء على الأخبار التي جاءت للخليفة العباسي بمقتل قائد جنده عمر بن حفص وخشيته من فساد أفريقيا وخروجها من قبضته، بينما نفهم من الرواية الثانية أن عمر بن حفص لا يزال حيا حين قدوم بن أخيه يزيد إلى إفريقية.
ومهما يكن من أمر الروايتين فالذي يهما هو أن أبا جعفر المنصور علم بتحرج موقف جيشه في أفريقيا بقيادة عمر بن حفص في مواجهة الإباضية بقيادة أبي حاتم الملزوزي وخشيته من ضياع إفريقية وخروجها من قبضته.
__________
(1) - هو يزيد بن حاتم بن قبيصه بن المهلب ويكنى أبا خالد، ولاه أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور العباسي ( أ.هـ، ابن عذاري، البيان، ج1.ص78.
(2) - الرقيق، تاريخ أفريقيا، ص108- 109، ابن عذاري، البيان ، ج1،ص78.
(3) - الرقيق، نفس المصدر، ص123.
(4) - الرقيق، نفسه، ص109. (1/119)
صفحة 120
وما يجدر تتبعه في هذا السياق هو مصير أبي حاتم الإباضي الذي كان جيشه يتكون من إباضية هوارة ونفوسة وهويشة(1).ونتائج المحاولات التي قام بها الإباضية في حيز طرابلس وجبل نفوسة بعد مقتل عمر بن حفص في حصار القيروان الذي ضربه عليها أبو حاتم.
بايع الناس جميل بن حجر وكان أخا لعمر لأمه، ودخل في صلح متساهل مع أبي حاتم" فصالحهم على أن جميلا وأصحابه لا يخالفون طاعة سلطانهم ولا ينزعون سوادهم (شعار العباسيين)، على أن كل دم أصابه الجند من البربر فهو هدر، وعلى أن لا يكرهوا أحدا من الجند على بيع سلاحهم ودوابهم فأجابهم إلى ذلك أبو حاتم"(2).
وكانت هذه الشروط متساهلة نظرا لأن أبا حاتم علم بمقدم يزيد بن حاتم من المشرق، فكان مضطرا لمغادرة القيروان إلى طرابلس.
بينما كان أبو حاتم في طريقه إلى طرابلس لملاقاة جيش الخلافة بقيادة يزيد بن حاتم جاءته الأخبار بقيام الجند العرب بثورات على عماله في تونس والزاب، مما اضطره للعودة ثانية إلى تونس، فنجح في تفريقهم، وعهد إلى بعض قواده بمهمة القضاء على البعض الآخر، ومضى إلى طرابلس لمواجهة يزيد بن حاتم.
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة، ص83.
(2) - الرقيق، تاريخ أفريقيا، ص 108. (1/120)
صفحة 121
والواقع أن أبا حاتم كان في موقف لا يحسد عليه، ففضلا عن ضخامة حملة يزيد بن حاتم وحسن استعدادها، دب الخلاف داخل معسكره، فانحازت قبيلة مليلة (1)الهوارية إلى يزيد بن حاتم وكذلك بعض رجال من نفوسة(2) الذين استرشد بهم يزيد في الوقوف على عورات البلاد، وخاصة في جبل نفوسة نظرا لصعوبة مسالكه وطبيعته الجبلية.
ورغم تصدي أبي حاتم لطلائع جيش يزيد بن حاتم التي قادها سالم بن سوادة التميمي وذلك قبل وصول هذه الطلائع إلى طرابلس، إلا أن هذه المواجهة ورغم أنها كانت لصالح أبي حاتم، لم تغير من مجرى الأحداث التي تداعت بشكل متوالي على جيش أبي حاتم الذي حاول الاعتصام بجبل نفوسة في موضع حصين خلف خندق حفره الإباضية على وجه السرعة أن يزيد فاجأ الإباضية وأفسد خطتهم بأن اقتحم عليهم هذا الخندق، والذي تذكر المصادر أنه في مدينة تسمى جنبي(3) عند الرقيق وأبي زكرياء، بينما ترد عند الزاوي باسم جندوبة وهو الاسم الحالي لنفس المكان المختلف على تسميته.
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة ، ص83، ذكر أبو زكرياء، "فمدت قبيلة من هوارة يقال لها مليلة يزيد بن حاتم على أبي حاتم ، فسأل أبو حاتم عمن أعان عليه من البربر ومن كان مع يزيد ؟فقالوا له ليس معه خلا مليلة فقال أبو حاتم: اللهم ذل مليلة ( أبو زكرياء، السيرة .ص83-84).
(2) - وبلغنا أن مع يزيد بن حاتم رجلا من نفوسة يقال له عمر بن مطكود النفوسي ، (أ.هـ، نفسه،ص84).
(3) - جنبي: موضوع غربي جبل نفوسة، (الرقيق، ص159أبو زكرياء، ص83)، وعند الزاوي هي جندوبة مشيدا لنفس الموقع " وقد وقعت بها المعركة الفاصلة ضد الإباضية " (أ.هـ، الزاوي،ص145). (1/121)
صفحة 122
ونتيجة لتعاون بعض القبائل التي كانت مع أبي حاتم مثل قبيلة مليلة من هوارة وبعض الرجال من نفوسة كما أسلفنا، وكذلك نتيجة لاقتحام يزيد بن حاتم بجنده لمدينة جندوبة وتحطيم تحصينات البربر الإباضية، لكل ذلك دارت الدائرة على أبي حاتم وجيشه. وعندما شعر أبي حاتم بوقع الهزيمة، وقد نظر إلى أصحابه وقد كثر فيهم القتل، أقدم على عمل يائس دون جدوى، حيث قال لأصحابه" زفوني إلى القتل في سبيل الله زفيف العروس وقفوا إليّ قليلا"(1).
فقتل أبو حاتم في هذه الموقعة(2)، وبذلك انتهت حلقة من حلقات الصراع في التمسكبإقليم طرابلس كموطإ قدم للإباضية يحصنه جبل نفوسة كمعقل نهائي بعد الانسحاب من طرابلس، ولكن لم ينتهي هذا الصراع بشكل حاسم كما يتبادر إلى الذهن منذ الوهلة الأولى.
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة ، ص84.
(2) - قتل أبو حاتم في ثلاثين ألفا من أصحابه في يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة خمسة وخمسين ومائة .)أ.هـ ، الرقيق.ص124- الزاوي هامش، ص145). (1/122)
صفحة 123
بعد موقعة جندوبة المشار إليها ومقتل أبي حاتم 155ه، تحصن بربر الإباضية في جبل نفوسة، وبمقتل أبي حاتم أصبح يفصلنا عن قيام الدولة الرستمية في تيهرت خمس سنوات والتي كان قيامها على يدي عبد الرحمان بن رستم الذي فارقتنا أخباره منذ كان واليا على القيروان لأبي الخطاب إلى حين مقتل هذا الأخير في سنة 144ه وإن ورد ذكره ضمن الجماعات التي حاصرت القيروان سنة 153ه (1)/770م. وخلال هذه الفترة لا يعني أن القضاء على ثورة أبي حاتم هو انتهاء شأفة الثورة بشكل نهائي ، فها هو يحي بن قرياس الهواري يعلن الثورة في ناحية طرابلس 156ه(2)، واجتمع إليه الكثير من البربر وكان بها - أي طرابلس – عبد الله بن السمط الكندي قائدا من قواد يزيد، فالتقوا على شاطئ البحر واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو يحي وقتل عامة أصحابه وتهدنت إفريقية ليزيد بن حاتم وضبطها(3).
وقد علق محمود إسماعيل على ذلك بقوله: فثورة هوارة بزعامة أبي يحي بن قرياس سنة 165ه -773م بنواحي طرابلس انتهت بكارثة إباضية هوارة على يد عبد الله بن الصمط الكندي الذي قتل أبا يحي وعامة أصحابه"(4).
وكما نلاحظ فإن الثورات الإباضية رغم تعرضها لضربات مميتة أضعفت من قوتها وقللت من شأنها، فنجدها تظهر بين الحين والآخر حتى بعد قيام الإمامة في تيهرت في المغرب الأوسط كما سنرى.
ففي سنة 180ه -796 م(5) قامت إباضية هوارة بثورة بزعامة عياض بن وهب الهواري ولكن تم إحباطها.
ويرى محمود إسماعيل أن إباضية نفوسة قد استكانوا وغلبوا على أمرهم بعد فشل حركة أبي يزيد(6).
__________
(1) - ابن عذاري، البيان، ج1، ص75، حيث ذكر: " وعبد الرحمان بن رستم الإباضي في خمسة عشر ألفا "، ( محمود إسماعيل، الخوارج، ص91).
(2) - ابن عذاري، البيان، ج1،ص79.
(3) - نفسه، ص79.
(4) - محمود إسماعيل.الخوارج. ص 94.
(5) - نفسه، ص94.
(6) - نفسه،ص94. (1/123)
صفحة 124
لكن ما نراه في جوهر الأمر أن إباضية نفوسة وجهت أنظارها بل جهودها ودعمها لعبد الرحمان بن رستم، الذي أقام دولة إباضية في المغرب الأوسط، وكانوا هم دعامتها وسندها الذي قامت عليه الإمامة الرستمية.
المبحث الثاني
قيام الدولة الرستمية في تيهرت
قبل أن نتناول موضوع الدولة الرستمية ككيان سياسي قائم بعد تلك الثورات التي استعرت في إفريقية وخاصة في إقليم طرابلس والقيروان وما صاحبها من فشل لجهود الإباضية في ترسيخ أقدامهم في إقليم طرابلس أو القيروان، يجدر بنا البدء بتوطئة لهذا الموضوع تجيب عن بعض التساؤلات حول النظام السياسي الإباضي مثل نظام الإمامة وأنواعها، وكذلك شخصية مؤسس الدولة الرستمية( عبد الرحمان بن رستم)، ودور نفوسة الجبل وإباضية طرابلس في مساندته ومؤازرته منذ الوهلة الأولى لانتقاله إلى المغرب الأوسط، وكذلك الحديث عن العاصمة تيهرت ودوافع الاختيار.
أولا قبل الإجابة عن تلك التساؤلات نذكّر بملاحظة هامة وهي ظاهرة تكاد تكون قد طالت كل الدول المستقلة في إفريقية والمغرب خلال القرنين الثاني والثالث الهجري وهي أن رؤوس تلك الثورات ومن بعد حكام دول وقادة بعد نجاح تلك الثورات هم دائما رؤوس مشرقية سواء بالواقع العملي أو التوجيه الفكري والسياسي والقاعدة دائما إفريقية والمغرب: أي أن ما يطلق عليه اليوم"مبدأ تصدير الثورة" بالمفهوم الحديث يكاد أن يكون هو النظام الذي ساد في تلك العصور: أي أن أفكار هذه الثورات الخارجية في إفريقية والمغرب سواء كانت إباضية أو صفرية أو غيرها من الأنظمة الأخرى كالتي تعاقبت على القيروان مثل الأغالبة والفاطميين بعدهم أو الأدارسة في المغرب الأقصى هي أفكار مصدرها المشرق. (1/124)
صفحة 125
وفيما يتعلق بالخوارج فهم من البصرة تحديدا (معقل أئمة تلك الفرق)، كما أن الصراع لم يأخذ دائما طابعا عرقيا أو قبليا بل يتعداه إلى تضارب المصالح بين بعض الأطراف المختلفة في المبادئ والأفكار، مما يضفي على هذه الثورات مهما تزيت بزي مذهبي، طابع ثورات سياسية ذات دوافع وأطماع سياسية لم تتمكن من تحقيقها في المشرق، فانتقلت إلى أطراف دولة الخلافة في أفريقيا وفي جنوب الجزيرة اليمن وعمان.
أما فيما يخص تحالف المصالح، فنجد أثناء الصراع بين يزيد بن حاتم قائد الجند العباسي وأبو حاتم الملزوزي قائد الإباضية، انحازت قبيلة مليلة الهوارية إلى يزيد بن حاتم(1)، كما يذكر الرقيق تحالفات بعض أفراد الأسرة الفهرية مع قبائل ورفجومة ضد أبناء عمومته"...وهرب عبد الوارث بن حبيب(2) ومن كان معه من قل من عسكر إلياس إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة"(3).
كما يروي الرقيق أن هناك تحالفا تم بين البربر والخوارج وزعيمهم عاصم بن جميل وبين بعض العرب..." فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرم بالبربر ومن لجأ إليهم من العرب بعد أن هزموا حبيبا"(4).
وعلى إثر هذا التحالف دخلت ورفجومة القيروان بزعامة عاصم بن جميل ودمرتها واستحلت محارمها(5) ثم ولى عليها عبد الملك بن أبي الجعد (6).
__________
(1) - محمود إسماعيل،.الخوارج،.ص93.
(2) - عبد الوارث بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، لقد هرب من بطش ابن أخيه حبيب بن عبد الرحمان واستعان بقبائل ورفجومة ( الصفرية )ضد ابن أخيه، الرقيق، تاريخ أفريقيا، ص 101.
(3) - الرقيق، مصدر سابق، ص 401.
(4) - نفسه، ص 102.
(5) - نفسه، ص102.
(6) - عبد الملك بن أبي الجعد النفزي، الرقيق، ص 103، ويذكره ابن عذاري "اليفرني"، ( البيان، ج1، ص70 ). (1/125)
صفحة 126
وكذلك فعل حبيب بن عبد الرحمان عندما تغلب عليه عاصم وقبيلة ورفجومة، فنجده التجأ إلى جبال أوراس واحتمى بأخوال أبيه من البربر وأغزى بهم القيروان ولكنه هزم أمام قبيلة نفزة بزعامة عبد الملك بن أبي الجعد.
وما يهمنا من أمر هذه التحالفات والتحالفات المضادة لها والتي اتفقت فيها مصالح الخوارج مع أهداف المعارضين من الأسرة الفهرية الحاكمة هو أن هذا الصراع لم يكن صراعا عرقيا ولا مذهبيا، بل صراع مصالح، تلتقي فتتفق ويقاتل الأخ أخاه، في سبيل أغراض سياسية مستعينا بأعداء الأمس مهما كانت تلك النتيجة، وهذه التبدلات السياسية في المواقف والمصالح تخرجنا من وهم الآراء الحديثة والقاطعة التي تصنف أن هذا الصراع مذهبي أو عرقي دائما، بل الصراع ذو أطماع سياسية ومصالح آنية تختلف بين مختلف الأطراف، وإن تزيت بالزي المذهبي أو القلبي.
وعندما نتحدث عن النظام السياسي الإباضي الرستمي الموسوم بسمة مذهبية مغايرة للأنظمة القائمة، يتبادر إلى الذهن أن هذا النظام ارتبط بعامل مذهبي ديني وهو المذهب الإباضي، وتسمى بالرستمي. إن هذا النظام اتسم بالطابع العائلي الوراثي، مما خلق تناقضا وتنافرا منذ الوهلة الأولى في هيكلة النظام بين ما يدعو إليه النظام الإباضي وهو مبدأ الشورى وبين التسمية السياسية للدولة الرستمية: أي الحكم لعائلة بني رستم وليس لغيرهم، وطبعا هذا المسمى لم يظهر أو بالأحرى لم نجده منذ بداية تأسيس الدولة الرستمية، ولكن ربما أطلق عليها لاحقا بعد انتهاء أمرها، نتيجة لما شهرت به الأحداث السابقة، وللسمة التي اتسم بها نظام الحكم في تيهرت بالمغرب الأوسط من سنة 161 إلى 297 ه.
إن المبدأ الذي كان يقاتل من أجله أتباع المذهب الإباضي هو مبدأ الشورى بين المسلمين في اختيار الحاكم أو الإمام، ولا تقتصر فقط على قريش أو العرب بل الصالح من المسلمين. (1/126)
صفحة 127
كما أن اختيار الإمام يجب أن يتم من قبل مجلس الشورى الذي ينتخب هذا الإمام بشروط أهمها: العلم والقدرة على تنفيذ الأحكام.
فهل استطاع الإباضية من خلال إمامة الرستميين في تيهرت تحقيق هذا المبدأ؟ أو المحافظة عليه إلى النهاية في دولتهم التي أقاموها؟
وقبل الإجابة على سؤالنا هذا، لا بد من إشارة موجزة نستطيع من خلالها إظهار مدى الحرص على الهدف السياسي للإباضية، وذلك من خلال التعريف بنظام الإمامة عندهم.
نظام الإمامة يقسمه الإباضية إلى أربعة مراحل أو فترات حسب الظروف السياسية لكل مرحلة، وكل إمام في مرحلة أو فترة تاريخية معينة من مراحل الإمامة له مهام وتسمية خاصة، وهذه التقسيمات هي:
1- إمام الظهور:
الهدف: إقامة الدولة العادلة.
دليل المشروعية: الآية (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(1).
الشرط الموجب: توفر القدرة الكامنة في العدد والعدة(2).
نوع السلطة: تأسيس الرعية، وإنفاذ أحكام الشرع(3).
المثال(4): النبي صلعم بعد الهجرة، الخلفاء الراشدون،
الدولة الرستمية(5).
هذا بإيجاز مقومات إمام الظهور وشروطه لدى الإباضية من الناحية النظرية.
2- إمام الدفاع:
الهدف: الدفاع عن الدين ومحاربة الفساد(6)، أي إعلان الحرب على ما سواهم ولو كانوا من المسلمين وفق ما أقام به الإباضيون في إفريقية وعمان واليمن، وبالتالي ما تعنيه الإباضية بالدين هو المذهب الإباضي.
دليل المشروعية: (وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون)(7).
الشرط الموجب: انتشار الفساد، أو ظهور عدو.
__________
(1) سورة المنافقون، الآية 8.
(2) عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية، جمعية التراث القرارة، الجزائر، بدون تاريخ، ص 165 وما بعدها.
(3) نفسه، ص 175.
(4) نفسه، ص 175.
(5) نفسه، ص 175.
(6) نفسه، ص 175.
(7) سورة التوبة، الآية 35. (1/127)
صفحة 128
نوع السلطة: إمام ينعزل بانتهاء الحرب(1). هل طبق هذا المبدأ مع عبد الرحمن بن رستم قبل أن يصبح إمام ظهور، عندما كان يقاتل جند الخلافة، وخاصة في القيروان وطبنة في إقليم الزاب مع بقية الخوارج من الصفرية؟ طبعا لم يطبق ذلك.
أسلوب العمل: المجابهة بالقوة بعد التصدي والتحرير.
المثال: عبد الله بن وهب الراسبي(2).
3- إمامة الشراة:
الهدف: الثورة ضد الحكم الجائر.
دليل المشروعية: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم...)(3).
الشرط الموجب: تسلط حاكم جائر أو عدو كافر.
نوع السلطة: قائد مؤقت ينتصر أو يموت.
نوع العمل: الثورة عند الظلم أو المراقبة في السلم.
الإمكانيات: ما يحتاجه الفدائي من قوة الإيمان.
4- إمامة الكتمان:
الهدف: المحافظة على الدين وإصلاح المجتمع.
نوع السلطة: سلطة اجتماعية أو ما عرف نظام العزابة فيما بعد، حيث ظهر هذا النظام _أو بالأحرى تسميته_ متأخرا عن موضوع بحثنا وهو عهد الدولة الرستمية، وكان ذلك أوائل القرن الخامس الهجري، على يد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر(4).
هذه لمحة موجزة عن نظام الإمامة عند الإباضية، والتي يفهم منها أن التأكيد على العامل السياسي في المذهب الإباضي هو مطلب أساسي لمقارنة المخالفين لهم من الفرق وأصحاب المذاهب الأخرى.
__________
(1) عدون جهلان، مصدر سابق، ص 175.
(2) نفسه، ص 175.
(3) سورة التوبة، الآية 111.
(4) عدون جهلان، مصدر سابق، ص 169. (1/128)
صفحة 129
وبعد هذه اللمحة الموجزة التي شكلت مقدمة لمعرفة البناء الأساسي الإباضي والرستمي فيما بعد، يجدر بنا أن نحصر سياق بحثنا في هذا النسق من المنهجية، وهو أن نتناول أئمة تيهرت بالدراسة، ووضعية جبل نفوسة خلال فترة كل إمام منهم، وذلك لمعرفة الثوابت والمتغيرات التي حكمت تلك العلاقة، وعليه أن تكوين خلفية تاريخية كافية عن كل إمام لهو ضروري، دون التشعب في مواضيع وسياسات الدولة الرستمية _التي لا تخدم موضوع بحثنا_ أي حصر ما نتناول عن كل إمام من أئمة الدولة الرستمية في التعريف بشخصيته، وعلاقته السياسية والإدارية والمذهبية بالجبل.
عبد الرحمن بن رستم
عبد الرحمن بن رستم: هو كغيره من الشخصيات التاريخية التي أثرت في مجرى الأحداث في ذلك العصر، وقد اكتنف تاريخه الغموض، وخاصة فيما يتعلق بنسبه ومولده وحياته الأولى.
وهذا الغموض له أسبابه، وهو أن عبد الرحمن بن رستم الذي اضطلع بدور مذهبي وسياسي كبيرين في المغرب، لم يكن شخصية مغربية أو إفريقية: أي ليس من البلاد التي برز فيها دوره السياسي، بل هو شخصية وافدة من الشرق، وبالتالي هذا الغموض يكتنف بالدرجة الأولى مراحل حياته الأولى، وأصوله التي ينتمي إليها. ويرجع سبب ذلك إلى أن هذه الشخصية التاريخية هي التي صنعت جانبا من الأحداث في إفريقية والمغرب، ولم تكن وليدة بيت حكم أو رئاسة حتى يتم الاهتمام بنشأته وأصوله الأولى، بل لم يعرف من تاريخ حياته بشكل جلي واضح إلا ما كان في إفريقية، وربما تغيب بعض من أحداثه ومسيرته في حركة الخوارج الإباضية.
وبذلك يبقى على تواجد عبد الرحمن بن رستم في إفريقية محل غموض وتشويش يحاول المؤرخون أحيانا تكييفه وفق مدارسهم وأهوائهم، ووفق ما وصل إليه من شأن وعلو منصب، فتنسج حول نسبته ونشأته الأولى الأساطير بما يتوافق مع ما وصل إليه من سلطة ورئاسة. (1/129)
صفحة 130
وشخصية عبد الرحمن بن رستم كغيرها من الشخصيات التاريخية لم تسلم من هذا الغموض والتشويش، خاصة في أصله ونسبه إلى حكام فارس لتبرير أن ما وصل إليه من رئاسة أنه ليس بالدخيل عليها، بل هو سليل حكام وبيت رئاسة.
وبذلك تجدنا عندما نتصفح نسب عبد الرحمن وأصوله من خلال عدة آراء، بعضها يرفعه إلى مصاف الملوك، وبعضها الآخر يضعه في صف الموالي والأتباع، ذلك كله بين مؤيد ومعارض له. ففي المصادر الإباضية نجد دائما أنها ترفع نسب عبد الرحمن إلى ملوك فارس، وأنه موعود بأنه سيلي المغرب، ويكون له شأن وأي شأن! وذلك حسب ما قول أبي زكرياء أحد مؤرخي السيرة عند الإباضية: "عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى الملك الفارسي ... وكان أصله من العراق، وكان أبوه رستم عنده من العلم أن ذريته ستلي أرض المغرب"(1).
بينما نجده عند ابن عذاري المراكشي بنسب مغاير لذلك قليلا فقال: "عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، وكان مولى عثمان بن عفان- رضي الله عنه -"(2).
وما يجدر ذكره أن المصادر كلها سوى الإباضية الموالية، أو المصادر الأخرى المعارضة للإباضية لا تختلف على انتماء عبد الرحمن بن رستم إلى الفرس، حتى القديمة منها، والذين عاصروا الرستميين مثل اليعقوبي يجعلهم من الفرس في حديثه عن تيهرت، قال: "تغلب عليها قوم من الفرس يقال لهم بنو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي"(3).
إلا أن ابن الصغير المعاصر هو الآخر للرستميين لا يشير صراحة إلى هذا النسب، وإنما يذكر "أن عبد الرحمن بن رستم لا قبيلة له يشرف بها ولا عشيرة له تحميه"(4).
__________
(1) أبو زكرياء: السيرة، مصدر سابق، ص 58.
(2) ابن عذاري، البيان، مصدر سابق، 1/196.
(3) إبراهيم بحاز، الدولة الرستمية، مصدر سابق، ص 95، نقلا عن اليعقوبي، البلدان، ص 164.
(4) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 29. (1/130)
صفحة 131
ويذكر المسعودي في "مروج الذهب" "أن سلالة عبد الرحمن بن رستم التي حكمت المغرب، وعمرت الديار من الأشبان الذين اختلف في نسبهم، فمنهم من يقول إنهم من أصبهان من ملوك فارس الأولى، ومنهم من يرى أنهم من ملوك الأندلس اللذارقة، وأحدهم لذريق"(1).
والمسعودي بهذا الرأي يفهم من أنه لا يجعل الرستميين من الفرس(2).
هكذا نلاحظ أن عبد الرحمن وإن اتفقت كثير من المصادر على أنه فارسي فإنه كان عربي المولد والمنشأ والمربى والثقافة واللغة، ولد بالعراق، وتربى بالقيروان، ثم عاد إلى العراق فتعلم بالبصرة. فلا شك أن هذه العوامل كلها قد أثرت في حياته فعاش عيشة عربية، ولد بالأرض العربية، كما نشأ بأول مدينة عربية بنيت في بلاد المغرب وهي القيروان(3).
والجدير ذكره أن المستشرق زامباور في معجمه للأنساب والأسرات الحاكمة جاء على ذكر نسب الرستميين الفارسي فقال بأنه نسب خرافي(4).
__________
(1) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت، ج1، ط 4، 1981، ص 186، 357، 358.
(2) بحاز الدولة الرستمية، مصدر سابق، ص 95.
(3) نفسه، ص 98.
(4) نفسه، ص 98، نقلا عن زامباور، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي، ج1، ترجمة زكي محمد حسن بك وآخرون، مطبعة جامعة فؤاد الأول، القاهرة، 1951، ص 100. (1/131)
صفحة 132
كما أن الدكتور إبراهيم فخار يرى من الخطأ الفادح مسايرة من يدعي أن عبد الرحمن بن رستم فارسي فيقول: "إني أبادر إلى القول بأنه من الخطورة بمكان أن نساير هذا الاتجاه الذي يجعل أرومة ابن رستم من الساسانيين. وما لم يثبت لدينا من الأدلة القطعية بأن عبد الرحمن بن رستم من أصل فارسي فلا يمكن قبول هذه الدعوة، ولو قبلناها على علاتها فمؤسس الدولة الرستمية قد نشأ نشأة عربية، وظهر في العراق مع والديه قبل رحيله إلى المغرب مع زوج أمه التي تزوجت حاجا مغربيا في موسم الحج"(1).
ولا شك أن تضارب الروايات حول نسب ابن رستم واضطراب بعضها مثل الرواية الإباضية التي تذكر أن والد عبد الرحمن كانت له نبوة أو علم بحكم أسرته المغربية. ويرجع سبب هذا التضارب إلى خمول نسبه الأول، وهو ما يرجح رواية ابن عذاري التي تتسق مع واقع الأحداث عن نشأة رستم وابنه عبد الرحمن بالحجاز، وتعتبر أكثر قبولا، حيث أشار إلى أن بهراما كان من موالي عثمان، وبموت والده تزوجت أمه أحد الحجاج المغاربة الذي اصطحبه معهما إلى بلاد المغرب(2).
والراجح أن وصول عبد الرحمن إلى بلاد المغرب حدث في أواخر القرن الأول الهجري(3)، وأنه كان شابا يافعا عندما التقى سلمة بن سعد داعية المذهب الإباضي في إفريقية والمغرب، وتعلقه به وشغفه بتعاليمه، كما أشار إلى ذلك الشماخي(4).
__________
(1) إبراهيم فخار، مقال بعنوان: دور الرستميين، مجلة الأصالة، عدد 42، ص 39، بحاز إبراهيم، الدولة الرستمية، هامش ص 99.
(2) ابن عذاري، البيان، 1/277، محمود عباس، الخوارج، ص 145.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 145. بينما يورد بحاز احتمال آخر: أن الاحتمال الأكبر يجعل عبد الرحمن بن رستم من مواليد العقد الأول من القرن الثاني الهجري (100- 110) (بحاز، شخصيات لها تاريخ عبد الرحمن بن رستم، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990، ص 8).
(4) الشماخي، السير، مخطوط، ورقة 123- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 145. (1/132)
صفحة 133
وما يهمنا من أمر عبد الرحمن بن رستم فهو إن كان فارسي الأصل، فهو عربي اللسان والثقافة(1)، وأحد دعاة المذهب الإباضي الذين تتلمذوا على أشياخ المذهب في البصرة، عندما غادروا القيروان، وانضم إلى حلقة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة سنة 135ه- 752م(2). حيث أمضى خمس سنوات في حضرته يتلقى أصول المذهب وفروعه، وعاد إلى المغرب 140ه(3)، حيث وصل إلى طرابلس وتولى ولاية القيروان للإمام أبي الخطاب المعافري.
وبعد مقتل أبي الخطاب كما أسلفنا توجه عبد الرحمن إلى المغرب الأوسط، ولحقت به فلول الإباضية من أتباع أبي الخطاب.
ويذكر الدرجيني أنه "وتصحن بجبل سوف جج، ولحقه ستون شيخا من إباضية طرابلس(4). ولا شك أن هؤلاء الشيوخ لهم أتباعهم، وهم نواة الدولة الرستمية التي سيؤسسها ابن رستم في تيهرت، ويمتد نفوذها إلى مدينة سرت شرقا، مما يؤكد على دور نفوسة الجبل وإباضية طرابلس في تكوين الدولة الرستمية والدفاع عنها، وتسيير شؤونها المحلية، والمناظرة والمجادلة عن مذهبها وآراءها كما سيأتي مفصلا عن دور جبل نفوسة في دعمه لكيان الدولة الرستمية، والعلاقة القائمة بين الجبل وتيهرت.
ولا شك أيضا أنه تكيف مع الوسط المغاربي بحكم زواج أمه من حاج مغربي، وقد يكون أيضا تعلم اللغة الأمازيغية التي كانت يومئذ اللغة السائدة حتى يتسنى له التواصل مع السكان.
بعد تناولنا للبدايات الأولى لحياة عبد الرحمن بن رستم، وانتقاله من المشرق إلى المغرب، ودوره السياسي في إقامة أول دولة إباضية ببلاد المغرب، نعرض الآن للبوادر السياسية لتكوين الدولة الرستمية، وكيفية انتقالها من نمطها السياسي البسيط إلى ما وصلت إليه من التقاطعات في مشكلة الحكم.
__________
(1) بحاز، الدولة الرستمية، ص 28.
(2) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 145.
(3) نفسه، ص 145.
(4) الدرجيني، طبقات، ص 36. (1/133)
صفحة 134
بعد أن استقر ابن رستم في تيهرت(1) الجديدة التي بناها جماعة الإباضية، والتأكد من اختيار موقعها الذي توفرت فيه عدة شروط كفيلة برعاية كيان سياسي فتي، مازال في مراحل تطوره الأولى، كانت تيهرت منطقة داخلية منطوية على نفسها، فرغم أنها على رأس الطريق الموصل من منطقة التلول إلى أسافل وادي شلف المؤدي إلى البحر، ورغم أنها معلقة في أعلى منطقة جبلية تلول منداس على ارتفاع 100 متر، إلا أنها على السفح الجنوبي للجبل (جبل كزول) الذي يرتفع إلى 1200 متر، بمعنى أنها توجه أنظارها نحو الداخل، وتدير ظهرها للبحر.
وموقع تيهرت موقع استراتيجي ممتاز بالنسبة لجماعة يحيط بها الأعداء من كل جانب، وترجو أن تعيش في أمان في حاضرتها على الأقل، بعد أن فشلت في الاحتفاظ بانتصاراتها في حواضر المغرب الشرقية (طرابلس والقيروان)(2).
ورغم وعورة المنطقة وقسوة طقسها وخاصة في فصل الشتاء حيث تغزر الأمطار، وتسقط الثلوج، وتشتد البرودة فإن المنطقة عرفت بثروتها الزراعية وكثرة مراعيها الغنية على وجه الخصوص، وهي مدينة بذلك لكثرة مياهها.
__________
(1) تيهرت: كلمة "بربرية"، يرى مستشرقان فرنسيان مختصان في اللسان البربري أن تيهرت كلمة تعني عند أحدهما محطة، وعند الآخر إقامة، ويبدو أن لا فرق بين المعنيين؛ إذ المحطة للإقامة، أو الإقامة بالمحطة، فكلاهما جائز. (بحاز، الدولة الرستمية، ص 92).
(2) سعد زغلول، تاريخ المغرب، ص 292. (1/134)
صفحة 135
فتيهرت على نهر كبير يأتيها من ناحية الغرب يسمى مينة ميناس(1)، ولها نهر آخر يجري من عيون تجتمع تسمى نانس، ومنه تشرب أراضيها وبساتينها، وبالقرب منه نهر سيرات، وهو نهر كبير يقع في البحر عند مدينة ازوارة(2)، وهي مدينة قديمة رومية ينوه كل الجغرافيين بكثرة زروعها وبساتينها(3)، ولكنهم يؤكدون على شهرتها كإقليم للمراعي والإنتاج الحيواني. وقد جاء عند ابن حوقل في هذا الصدد أن تيهرت "هي أحد معادن الدواب والماشية والغنم والبغال والبرادين الفارهة ..."(4).
والحقيقة أن صفة الرعي هي الغالبة على بلاد المغرب الأوسط، فهي كثيرة الخصب والزرع، وكثيرة الغنم والماشية، طيبة المراعي، ومنها تجلب الأغنام إلى بلاد المغرب وبلاد الأندلس لرخصها وطيب لحومها. وعلى أساس طبيعة المنطقة يفسر جوتييه طبيعة الإمارة الرستمية... فهي مملكة بترية أي بدوية، على عكس الممالك الحضرية في القيروان وفاس(5).
بعد استقرار ابن رستم في تيهرت الجديدة التي بناها جماعة الإباضية لاتخاذها حاضرة لهم بدأ التفكير في اختيار إمام أو حاكم لتسيير شؤون الدولة الجديدة، والتي سميت بالرستمية فيما بعد.
وفي هذا الصدد ذكر ابن الصغير الكيفية التي تولى بها ابن رستم إمامة الإباضية في تيهرت، وهي الرواية التي تكاد تتفق مع الرواية الإباضية في ذلك "لما نزلت الإباضية مدينة تيهرت وأرادوا عمارتها اجتمع رؤساؤهم فقالو: قد علمتم أنه لا يقيم أمرنا إلا إمام نرجع إليه في أحكامنا، وينصف مظلومنا من ظالمنا، ويقيم لنا صلاتنا، ونؤدي إليه زكاتنا، ويقسم فيّنا..."(6).
__________
(1) نفسه، ص 292.
(2) نفسه، ص 292.
(3) نفسه، ص 292.
(4) نفسه، ص 293.
(5) نفسه، ص 294.
(6) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 28-29. (1/135)
صفحة 136
حدد هذا النص وظيفة الإمام التي يجب أن يقوم بها، وهي وظيفة شرعية دينية تمكنه من الحكم أو الاحتكام إليه في ما عن لهم من مسائل شرعية ورد المظالم، وأن يؤمهم في صلاتهم، ويجمع زكاتهم، وتوزيع الغنائم والفيء بينهم، وهي أحكام مستنبطة من سيرة الخلفاء الراشدين الذين كانت هذه المهام من أولى مسؤولياتهم.
هكذا كانت مسؤولية أو وظيفة الإمام في المقام الأول، دون الإشارة إلى إدارة شؤون الحرب والسياسة، مما يعزو إلى بساطة التفكير في اختيار الحاكم، أو أن هذه الإمارة _إن صح التعبير_ كانت تنحو بنفسها عن الدخول في صراع مسلح مع من جاورها من القبائل أو الدول، مما يبين رغبتها في العيش في دعة وسلام، ولو في بداية أمرها وإلى حين أن يشتد عودها.
وبما أن مجتمع تيهرت كان مجتمعا قبليا تحكمه الولاءات للقبائل المكونة لنسيج المذهب الإباضي، فإنه من الصعوبة بمكان اختيار إمام يجتمع هذه المتناقضات القبلية والمصالح المتضاربة دون أن يكون ذلك لقبيلة على حساب الأخرى، مما جعل زعماء القبائل المختلفة لا يميلون بل يرفضون أن يسلم أمر الإمام لأحد هؤلاء الزعماء أو الأشياخ حتى لا ينحاز لقبيلة دون القبائل الأخرى.
واحتفظ ابن الصغير بنص صريح يبين مدى حيرة زعماء القبائل في اختيار إمام من بينهم، مما يعتبر ذلك خطرا على وحدة تلك القبائل والتي وإن اعتنقت المذهب الإباضي، فإن ذلك لم يكن رباطا قويا لإزالة الاختلافات فيما بينها، بل إن لتلك القبائل البدوية مصالحها ومجالاتها الرعوية والتجارية التي ينشب النزاع بينها بسببها فقال: "فقلبوا أمرهم فيما بينهم فوجدوا كل قبيل منهم فيه رأس أو رأسان أو أكثر يدير أمر القبيل ويستحق أمر الإمامة، فقال بعضهم لبعض: أنتم رؤساء ولا نأمن أن يتقدم واحد على صاحبه فتفسد نيته، ولعل المتقدم أن يرفع أهل بيته وعشيرته على غيرهم فتفسد النيات، ويكثر الاختلاف ويقل الائتلاف"(1).
__________
(1) نفسه، ص 29. (1/136)
صفحة 137
وهكذا شخّص ابن الصغير الوضعية الاجتماعية والسياسية التي كان عليها سكان تيهرت، وما كان بينهم من تضارب المصالح، بل عدم الثقة، مما يبين مدى هشاشة النظام القبلي أو الكيان الاجتماعي بصفة عامة وعدم تماسكه، وهذه أحد الأسباب الأساسية التي لازمت الدولة الرستمية حتى ضعفت وانهارت أمام أول ضربات العبيديين، ولكي يخرج زعماء القبائل من هذا المأزق السياسي والديني، حتى لا تبقى الدولة بدون رأس أو إمام، كان لابد من التفكير في شخص يقل خطره عن خطر الأشياخ ورؤساء القبائل، ويتم اجتماع الكلمة عليه دون أن ينحاز إلى قبيلة دون الأخرى. وكان عبد الرحمن بن رستم نموذجا لهذا المطلب(1).
فذكر ابن الصغير مستطردا في كيفية اختيار الإمام "ولكن هذا عبد الرحمن بن رستم لا قبيلة له يشرف بها، ولا عشيرة له تحميه، ولقد كان الإمام أبو الخطاب رضي لكم عبد الرحمن قاضيا وناظرا فقلدوه أموركم، فإن عدل فذلك الذي أردتم، وإن سار فيكم بغير عدل عزلتموه، ولم تكن له قبيلة تحميه ولا عشيرة تدفع عنه...".
هذه رغبة زعماء القبائل في اختيار الإمام، ولكن هل يعني ذلك أن ابن رستم كان زاهدا في هذا المنصب السياسي والديني الهام؟.
هذا ما لم تجب عنه المصادر، ولكن تجيب عليه الأحداث السابقة لهذه المرحلة من قيادة عبد الرحمن لجيش من الإباضية قوامه خمسة عشر ألف مقاتل لحصار طبنة القيروان أثناء الصراع مع أبي الحوص القائد العباسي في إفريقية.
__________
(1) ابن الصغير، الأئمة، ص 31. (1/137)
صفحة 138
إذا عبد الرحمن بن رستم كان قد أهل نفسه ووطن عزيمته لهذا الأمر، بما جمع حوله من جند وأتباع، وهي من أمور الرياسة والحكم، مما يجعل تجاوزه إلى أي شخص آخر أمرا محفوفا بالمخاطر، أي أن ابن رستم لم يكن من عامة الناس شخصا لا دور له في تسيير الأحداث، وإنما وقع تحت تأثير زعماء القبائل لاختياره مرغما إماما وهو زاهد في ذلك حسب ما يريد أن يصرح به النص السابق، لا بل كان ابن رستم عقد العزم وأعد العدة حتى لا يتم تجاهله، خاصة أن له جيشا بدأ عدده يتزايد منذ وصوله إلى تيهرت، وبدأ يوطن نفسه على الظهور بمظهر الزاهد الذي يقوم بمأمور بيته بنفسه.
ويذكر ابن الصغير مدى الإجماع الذي تم على اختيار ابن رستم ومبايعته إماما "فأجمعوا رأيهم على ذلك _أي اختيار عبد الرحمن إماما_ ثم نهضوا إليه بأجمعهم، وقالوا: يا أبا عبد الرحمن رضيّك الإمام في ابتدائنا ونحن الآن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا، فقد علمت أنه لا يصلح أمرنا إلا إمام نلجأ إليه في أمورنا، ونحتكم عنده فيما ينوب من أسبابنا..."(1).
طبعا لم تذكر المصادر معارضة عبد الرحمن بن رستم لهذه المهمة أو زهده فيها، مما يوضح أنه كان مستعدا بإمكانياته لتولي هذا الأمر.
وذكر أبو زكرياء في كتاب السيرة الميثاق أو العهد الذي بايع على أساسه الإباضية والقبائل في تيهرت الإمام عبد الرحمن بن رستم، وأن الإمامة سلطة أكثر منها سلطة زمنية، حيث قال: "... إن الإباضية بايعوا لعبد الرحمن بن رستم على الإمامة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار الخلفاء الراشدين المهديين، فقبل عبد الرحمن إمامتهم، ولم ينقم عليه أحد في حكومة ولا خصومة، ولم يقع في عهده افتراق"(2).
__________
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 30- 31.
(2) أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 87- الدرجيني، طبقات، 1/42. (1/138)
صفحة 139
عند قراءة هذا النص الذي يمثل وجهة النظر الإباضية يمكننا أن نصل يمكننا أن نصل إلى مفهوم أساسي كان الإباضيون يسعون إلى ترسيخه، أو على الأقل حاولوا أن ....؟؟؟ وفق نظرتهم للحاكم أو الإمام، وهي أن سلطة الإمام يجب أن تكون سلطة روحية شرعية تستمد أصولها من سيرة الخلفاء الراشدين، أي أن الإمام يقع اختياره أو تنصيبه كحاكم وفق مواصفات يجب أن تتوفر فيه، بالإضافة إلى مبدأ الشورى في اختياره.
وإن استطاع الإباضية أو القبائل المنضوية تحت المذهب الإباضي التوصل إلى اختيار إمام وفق الشروط السابقة، وفي حقبة زمنية محددة، فنجد أن شرطا ....؟؟؟ به اختيار ابن رستم إماما لدولتهم هو شرط مؤقت، بل لا يمكن توافره في كل ....؟؟؟ الحكام فيما بعد، وهو أن الإمام لم تكن له عصبية من عشيرة أو قبيلة تحميه إذا ....؟؟؟ عن الشروط أو المبادئ التي وضعت لاختيار الإمام، أو عن رغبة القبائل التي أجمعت على اختياره لكونه لا ينتمي إلى قبيلة من تلك القبائل.
فنجد أن هذا الشرط أو تلك المواصفات التي وجدوها في عبد الرحمن بن رستم هو شرط مؤقت، ولا يمكن الاحتفاظ به دائما. (1/139)
صفحة 140
فالإمام عندما يتولى مقاليد السلطة كحاكم زمني وروحي فهو سيخلق الأتباع والحاشية والجند والطماعين في الولاء للإمام، مما يقوي لديه الرغبة في التمسك بالسلطة، بعد أن تمكن من أدواتها من مال ورجال. وهذا الشرط لاشك أنه أحد الأسباب الأساسية الذي أوقع تلك القبائل في الاختلاف والتطاحن وظهور الفرق والمعارضة السياسية بتسميات متعددة مثل النكارية والوهبية والخلفية والنفاتية وغيرها من التسميات، أو الفرق التي خلقت معارضة سياسية قوية داخل الدولة الرستمية، وبرزت بمجرد اختفاء ابن رستم الذي كان إماما جاهزا بشروطه، ولا يمكن تطبيقها على من يخلفه من الأئمة، ولم يكن هناك مجلس شورى من ضمن مهامه، إضافة إلى اختيار الإمام مراقبته ومحاسبته وعزله مهما كان قبيله، وإيجاد ضمانات للحاكم أو المحكوم، ضمانات للحاكم أن يكون عرضة لتنفيذ الأهواء التي تعرض عليه من بعض القبائل، مثلما حدث في عهد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الذي خلف أباه في إمامة الدولة الرستمية باختيار مشبوه من مجلس شورى تم اختياره هو الآخر بشكل مشبوه أيضا. (1/140)
صفحة 141
ولقد رأينا الاستطراد في هذه المسألة الخلافية والحديث عنها لتأسيس فكرة الإمامة وما نتج عنها من مشاكل أو تجاذب وتنافر بين الدولة الرستمية وجبل نفوسة، لنضع القارئ أمام بعض الإشكالات السياسية التي حكمت العلاقة بين جبل نفوسة والدولة الرستمية في تيهرت، وما نتج عن هذه الوضعية السياسية القلقة من خلاف في كيفية إدارة الحكم في جبل نفوسة، النتائج التي وصلت إليها تلك الوضعية السياسية بعد وفاة عبد الرحمن بن رستم، الأمر الذي يجب أن يفهم منه بأن هذه التوطئة كانت ضرورية للوقف على مجرى الأحداث وتفاعلاتها وانعكاساتها على النظام السياسي والإداري في الجبل، بل وحتى الافتراق المذهبي الذي كان جبل نفوسة يرفع لواءه في محاولة منه للاستقلال عن الدولة الرستمية، أو تطبيق مبدأ الشورى الذي حاول الإباضية المناداة به في مبدأ حكمهم.
وبناء على ذلك يجدر بنا أن نطرح تساؤلا لاشك أنه يقودنا إلى إجابة تحسم الأمر في بعض الإشكاليات أو الوقفات التاريخية التي تناولها مؤرخو الإباضية بشكل أكثر تحيزا لإمامة تيهرت، الأمر الذي لم ينجل عنه الموقف بشكل كلي عن تلك العلاقة بين جبل نفوسة وتيهرت، حيث كانت كتابات المؤرخين من الإباضية تحمّل المعارضة في الجبل مسؤولية الخلاف والخروج عن الإمام، بل تنعت أصحاب تلك الآراء المعارضة لسياسة الحكم الرسمي بنعوت غير واقعية، وتتهمهم بالمارقين أو الخارجين عن المذهب. (1/141)
صفحة 142
والسؤال المطروح: من هو الأحق بالإمامة أو بتولي السلطة الزمنية والروحية بعد وفاة عبد الرحمن بن رستم؟ إذا لم يكن الحكم وراثيا فلا يمكن أن يكون من أحد رؤساء القبائل المتآلفة تآلفا مصلحيا في إطار المذهب الإباضي، وتغليب المصلحة الآنية على ما سواها، متى شعرت أحد القبائل بالقوة العسكرية والسياسية لفرض سيطرتها على بقية القبائل، وهو ما يتفق إلى حد ما مع رأي بعض المؤرخين المحدثين بأن المجتمع الرستمي مجتمع بدوي تغلب عليه البداوة، ولذلك لم تقم فيه مؤسسات دولة بالمعنى الدقيق والمتعارف عليه لهذا المفهوم فيما جاورها من دويلات المغرب وشمال إفريقيا.
وعلى أساس طبيعة المنطقة الرعوية يفسر جوتيه (gautier) طبيعة الإمارة الرسمية، فهي مملكة (بتريه) -من البربر البتر- أي إمارة بدوية على عكس الممالك الحضرية في القيروان وفاس(1).
ومهما يكن مدى صحة هذا الرأي أو عموميته وعدم دقته هذا الحكم فإن المؤرخين المعاصرين لتلك الحقبة يقدمون بعض المعلومات عن النظام السياسي والإداري للدولة الرستمية، وهي لا تتفق بطبيعة الحال مع رأي جوتييه، فإن مكونات المجتمع الرستمي في تيهرت من مختلف الفئات الاجتماعية من علماء وتجار وأصحاب حرف، كما وجدت إرادة سياسية تنظم شؤون المدينة من قاض ومحتسب ينظم شؤون الأسواق، كما أن تلك الأسواق نظمت حسب الاختصاص". وأن قبائل معينة تولت هذا الأمر في بعض الفترات.
__________
(1) سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ج 2، تاريخ دولة الأغالبة والرستميين وبني مدرار والأدارسة حتى قيام الفاطمي، نشر منشأة المعارف الإسكندرية، 1979، ص 293، 294. (1/142)
صفحة 143
وفي نص صريح لابن الصغير(1) ورد فيه ما نسميه بالهيكل الرسمي للإدارة، وكان ذلك عندما اشتكى سكان المدينة لرؤساء القبائل المنتجعين بمواشيهم حول تيهرت من بعض الانحرافات التي ظهرت في تسيير أمور الدولة "فخلت مزاته ببيضات المزاتة ومقاديمهم، وخلا كل قبيلة من سكان المدينة بمن انتجع إليهم من رؤسائهم فقالوا لهم: الأمور قد تغيرت، والأحوال قد تبدلت، قاضينا جائر، وصاحب بيت المال خائن، وصاحب شرطتنا فاسق، وإمامنا لا يغير من ذلك شيئا..."(2).
إن هذا النص يعطينا صورة لما آلت إليه الأوضاع الإدارية والسياسية في عهد عبد الوهاب -الإمام الثاني- إلا أن ما يهمنا في هذه الظرفية أمران:
أولا: أن الوظائف التي كانت تقدمها الدولة الرستمية مثل وظائف القاضي والخازن لبيت المال وصاحب الشرطة هي وظائف منتاظرة في كل الأنظمة الإسلامية القائمة وقتئذ.
ثانيا: أن أيلولة نظام الحكم إلى النظام الوراثي وما نتج عن ذلك من التبدل بين عهدي عبد الرحمن وابنه عبد الوهاب حيث استشرى الفساد الإداري في عهد هذا الأخير، وظهور معارضة بدأت تنمو وتظهر على السطح، وظهور بوادر الانحلال والتفسخ المبكر في كيان الدولة.
إن ولاية عبد الحمن تمت بإجماع رؤساء القبائل ومقدميهم دون خلاف للأسباب السالف ذكرها، كما أنه سار في إدارة الدولة سيرة حمدت له ولم ينقم عليه ناقم، فقد كان متقشفا في ملبسه ومسكنه رغم ما شهدته تيهرت من نمو اقتصادي وتمدن.
__________
(1) وكانت نفوسة تلي عقد تقديم القضاة وبيوت المال وإنكار المنكر في الأسواق والاحتساب على الفساق (ابن الصغير، مصدر سابق، ص 47).
(2) نفسه، ص 47. (1/143)
صفحة 144
وقد عرض ابن الصغير(1) في أخبار الأئمة لشيء من سيرة ابن رستم، يظهر مدى زهده في المال وتمسكه بالتقشف. عندما وفد عليه من المشرق وفد من إباضية البصرة قادمين بالمعونة المالية للإمامة في تيهرت وجدوه يصلح سطح داره بنفسه، ويعاونه غلامه في ذلك، حتى أن وفد البصرة استراب في الأمر أن يكون هذا هو الإمام عبد الرحمن أم لا حين دعاهم إلى دخول داره بعد فراغه من عمله، كما أن الطعام المقدم لهؤلاء الضيوف يشير إلى تقشف ابن رستم الذي كان يمارسه على نفسه، حيث قدم إليهم خبزا وسمنا(2).
كما أن الأموال التي قدم بها وفد البصرة لم يبادر عبد الرحمن إلى استلامها قبل أن يرى فيها وجوه القبائل رأيهم: أي أنه لم يقطع برأيه دونهم.
__________
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 34.
(2) نفسه، ص 33. (1/144)
صفحة 145
وفي هذه الواقعة ورد نص مفصل في كتاب ابن الصغير نجتزئ منه ما يتناسب للاستدلال ولتباين أن ابن رستم لم يكن له مجلس شورى راتب ومنتظم، بل يستعين في تنفيذ سياسته بوجوه القبائل ومقدميهم إذا حزب له الأمر. قال ابن الصغير متحدثا عن وفد البصرة: "فقالوا: أعزك الله معنا ثلاثة أحمال من المال، بعث بها إليك إخوانك لتنفق بها على زمانك وتصلح بها شأنك، فقال: هذه الصلاة قد حضر وقتها ونحن نخرج إلى المسجد الجامع فنصلي بالناس، ونعلمهم ما جئتم به، فقالوا: الأمر إليك. فخرج وخرجوا حتى أتوا المسجد الجامع فصلى بالناس، فلما انصرف من صلاته نادى مناد ألا يتخلف من كل قبيلة وجوههم، ففعل الناس ذلك، فلما انفض الناس وبقي من يُفوض إليه الأمر من وجوههم قال للرسل: أعلموا إخوانكم لما جئتم له، فأعلموهم بما ما أعلموه، ثم عطف على الناس فقال: ما ترون؟ فقالوا: إن هذا رزق ساقه الله إلينا من طوع إخواننا بلا سؤال منا، فنرى أن ترسل إلى هذا المال وتحضره بين يديك فنجعل منه ثلثا في الكراع، وثلثا في السلاح، وثلثا في فقراء الناس وضعفائهم"(1).
الذي أبان هذا النص هو أن سياسة عبد الرحمن بن رستم في إدارة شؤون دولته كانت تدار وفق مبدأ الشورى، أي أنه كان شوريا في اتخاذ القرار السياسي، وخلافا لما زعمه أنصار الإمام عبد الوهاب من أن دور مجلس الشورى هو اختيار الإمام فقط، كما أن هذا المجلس لم تكن له ديمومة الانتظام، بل يتم الإعلان عنه كل ما حدث أو احتيج في رأي.
وهذا المجلس كان يتكون من وجوه القبائل وليس من عامة الناس، أي أن عضوية هذا المجلس كان يحق لطبقة معينة حضوره والاستماع إليها، وهو مجلس ظرفي.
__________
(1) ابن الصغير، ص 34، 35. إن هذا النص رغم إطالته نورد جزءا هاما منه ليتضح لنا مدى السياسة التي كان يتبعها بن رستم، لنقارنها مع سياسة خلفه وابنه عبد الوهاب فيما بعد؟؟؟، لتتضح أسباب الخلاف للباحث. (1/145)
صفحة 146
كما أن ابن رستم لم يفصل في أمر الأموال التي وصلته من إباضية البصرة بنفسه دون الرجوع في ذلك إلى رأي أولئك النفر من وجوه القبائل ومقدميهم، وهو يعتبر حجة واضحة لما اشترطه "أبو قدامة يزيد بن فندين اليفرني(1) عندما أراد أن يبايع عبد الوهاب بن عبد الرحمن بالإمامة بعد وفاة والده حيث قال: نبايع عبد الوهاب بالإمامة بشرط ألا يقضي أمرا دون جماعة معلومة"(2).
وكان ابن فندين يرمي من وراء ذلك أن يستمر عبد الوهاب على ما كان عليه والده من التزامه بمبدأ الشورى في أي أمر من أمور الإمامة، ولكن عبد الوهاب ومن تحالف معه رفضوا هذا المطلب، وحصل الانشقاق(3) في صفوف الإباضية إثر هذا الخلاف على مبدأ الشورى التي اختلفوا على كيفية تفسيرها.
وقد تضاربت الروايات حول السنة التي تولى فيها عبد الرحمن الإمامة بتيهرت، فالدرجيني قال: "إنه حدث غير واحد من أصحابنا _يعني الإباضية_ أن عبد الرحمن تولى بتيهرت على رأس ستين ومائة هجري". كما أشار إلى أن هناك من يرجح سنة اثنين وستين ومائة. وربما حدث هنا خلط بين تاريخ ولاية عبد الرحمن وتاريخ بناء مدينة تيهرت، حيث يذكر محمود إسماعيل بأن بناء تيهرت تم في سنة (161ه 778 م)، ومبايعة عبد الرحمن بالإمامة (162ه 779م)(4) إلى (171ه 788م)(5).
الفصل الثاني
مراحل تطور العلاقات
بين تيهرت وجبل نفوسة
المبحث الأول
البدايات
__________
(1) زعيم "النكار" (حسب التسمية الإباضية) الذين أنكروا على عبد الوهاب إمامته، واشترطوا لمبايعته الرجوع لمجلس الشورى في أي أمر من أمور الدولة، (أبو زكرياء، السيرة، ص 89).
(2) نفسه، ص 90.
(3) الدرجيني، طبقات، ص 40.
(4) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 150.
(5) ابن الصغير، هامش ص 29. (1/146)
صفحة 147
إن إمامة عبد الوهاب أو وراثته للحكم الرستمي بشكل أكثر دقة هو ما نستطيع من خلاله تشخيص العلاقة السياسية بين جبل نفوسة والدولة الرستمية في مختلف تقلباتها، بل إن التحول الخطير في مجرى السياسة الإباضية في تيهرت من نظام الإمامة إلى النظام الوراثي هو ما سيكون له انعكاسات هامة على تلك العلاقة مع الجبل، الأمر الذي يجعلنا نركز على هذه الحقبة من تاريخ الدولة الرستمية وتتبع التحولات التي طرأت على نظام الإمامة وحركة المد والجزر بين الجبل وتيهرت، حيث يعتبر عهد عبد الوهاب فترة مفصلية في تاريخ العلاقات مع الجبل، وما نتج عن هذا التبدل من ظهور حركة المعارضة داخل تيهرت وفي جبل نفوسة.
إذ أن عهد الإمام الأول عبد الرحمن بن رستم يعتبر مرحلة تمهيدية لوصول إلى هذا النظام الوراثي، ولم تبرز أي علاقات سياسية في عهده مع جبل نفوسة ماعدا الانضواء تحت المذهب الإباضي الذي كان مذهب أهل الجبل، ومن ثم مذهب تيهرت، أي أن العلاقة التي ربطت الجبل مع تيهرت كانت علاقة مشايعة أو موالية للمذهب الإباضي دون أن ترقى إلى التأثير السياسي.
وفي تنصيب عبد الوهاب حاكما لتيهرت حاول مؤرخو الإباضية إضفاء صبغة شرعية على عملية اختياره، متناسين أو غاضين الطرف عن المعارضة التي نشأت عن هذا التنصيب، ناعتين تلك المعارضة بنعوت لا تتسم بالواقعية، وتبرر أن اختيار عبد الوهاب أو تعيينه كان وفق ما سار عليه السلف من الخلفاء الراشدين.
ولكن هذا الزعم تدحضه الأحداث التي وقعت في عهد الإمام المشار إليه. (1/147)
صفحة 148
فابن الصغير المالكي في تأريخه للأئمة الرستميين يورد نصا صريحا بخصوص ولاية عبد الوهاب الحكم بعد أبيه، وهذا النص تأتي أهميته من كون ابن الصغير كان معاصرا للدولة الرستمية، وهو يخالف ما ذهب إليه مؤرخو الإباضية من أن إمامة عبد الوهاب كانت ن طريق الاختيار بمجلس شوري معين من قبل الإمام عبد الرحمن. كما تأتي أهمية نص ابن الصغير من كونه استقى معلوماته من بعض الإباضية المعاصرين له، حيث يقول: "أخبرني بعض الإباضية أن عبد الرحمن بن رستم لما مات قامت الإباضية فعقدت الإمامة لابنه عبد الوهاب، فكان ملكا ضخما وسلطانا قاهرا، وعلى يديه افترقت الإباضية"(1).
وقد تولى عبد الوهاب الحكم في تيهرت بعد أبيه من سنة 171ه إلى 298ه 788م- 824م(2).
وقد أكد الباروني في الأزهار على حقيقة وراثة عبد الوهاب للحكم عن والده، فقال: "وكان قد نشأ له في أيامه ولد يعرف بعبد الوهاب، وكان محمود الفعال، وكان قد رشحه للقيام بعده، فلما انقضت أيامه صيرت الإباضية إليه الأمر بعده"(3). أ.ه
إذن فالباروني المؤرخ الإباضي يؤكد ما ذكره ابن الصغير رغم تباعد الفترة الزمنية بينهما. ونذهب إلى ان الحكم بعد عبد الرحمن أصبح حكما ملكيا بالتوريث وليس كما تزعم المصادر الإباضية التي تشير إلى وجود مجلس شورى.
__________
(1) ابن الصغير، مصدر سابق، ص 43.
(2) محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص 155.
(3) الباروني، الأزهار، ص 98، بحاز، الدولة الرستمية، ص 120. (1/148)
صفحة 149
وفي هذا الصدد ذكر أبو زكريا ما يلي: "وجعلها شورى في ستة نفر صنيع عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_، أحدهم: مسعود الأندلسي... وأبو قدامة يزيد بن فندين اليفرني، وعمران بن مروان الأندلسي، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن، وأبو الموفق سعدوس بن عطية، وشاكر بن صالح الكتامي، ومصيب بن سدمان"(1).
وتبالغ المصادر الإباضية بأن هذا الاختيار شبيها بعمل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وربما كان هذا التشبيه مسوغا لتجعل من الاختيار أو التعيين دق شرعيا للوصول إلى سدة الحكم.
بينما في حقيقة الأمر أن الخليفة عمر قال: "يحضر ابني عبد الله وليس له من الأمر شيء"، ثم قال: يا عبد الله إياك ثم إياك أن تتلبس بها"(2) :أي كان ابنه مستشارا لا غير، يحضر مجلس المرشحين ويبدي رأيه ولا يتولى من الأمر شيئا.
لذلك فإذا صدقنا الرواية الإباضية وسايرناها في تعيين عبد الرحمن لمجلس السبعة ومن بينهم ابنه عبد الوهاب فإننا لا نصدقها في دعواها أن ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب صلعم، بل يتبادر إلى الذهن أن ذلك المجلس وكأنه مجلس الحل والعقد، كان لتعيين عبد الوهاب وتأمين وصوله إلى الحكم بعد أن رشحه أبوه للقيام بعده.
__________
(1) يذكر ستة نفر ويجعلهم سبعة. (أبو زكرياء، السيرة، 89)، لم يرد السابع عند الدرجيني، وهو مصعب بن سدمان الذي ذكره الباروني من ضمن السبعة. (الدرجيني، طبقات، ص 46، الأزهار، ص 148).
(2) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) المعروف بتاريخ الخلفاء، مطبعة الحلبي، مصر، ط1، ج1، 1957، ص 24، بحاز، الدولة الرستمية، ص 120. (1/149)
صفحة 150
وبذلك فإن الشك يرقى إلى قصة الاختيار(1) من أساسها. مما يؤكد هذا الشك حدوث فتنة (معارضة) ابن فندين بعد تولية عبد الوهاب مباشرة، وهي المعارضة التي طعنت في إمامة عبد الوهاب، وسمي أنصارها بالنكارية(2) لإنكارها تلك الإمامة، مما يوحي إلينا أنها كانت ضد نظام الوراثة في الحكم(3)، وهو النظام الذي رفضه الخوارج عامة والإباضية خاصة(4).
فالمبدأ المقرر عند الإباضية في قضية الخلافة أو الإمامة هو أن تكون شورى بين المسلمين يتولاها أصلح المسلمين(5). ويبدو أن ابن فندين وأصحابه عرفوا أن لتولية عبد الوهاب الإمامة له عواقب وخيمة أخطرها الاستمرار في وراثة الحكم.
وبالفعل لقد تولى إمامة الدولة الرستمية منذ نشأتها إلى حين سقوطها أبناء عبد الرحمن وحفدته(6).
ولا يمكن أن نتفق مع بعض الكتابات(7) الحديثة التي تريد أن تعلل أو تبرر أن نظام الدولة الرستمية شوريا ولا يختلف عن عهد الخلفاء الراشدين، رغم أن الذين تولوا الحكم في تيهرت كلهم كم أبناء الأسرة الرستمية. ومن الذين يرون هذا الرأي هو علي يحي معمر حيث يرى أن كل أئمة الإباضية الذين وصلوا إلى الحكم في المغرب نهجوا نهج الخلفاء الراشدين، حيث قال: "ولم تكن لولاية العهد أي اعتبار أو نظر، بل لم يكن لهم فيها أي حدث أو تغيير"(8).
__________
(1) بحاز الدولة الرستمية، مصدر سابق، ص 120- 121.
(2) أبو زكريا، السيرة، ص 58- 66، بحاز، الدولة الرستمية، ص 121.
(3) بحاز، الرستمية، مصدر سابق، ص 121.
(4) نفسه، ص 122.
(5) نفسه، ص 122.
(6) نفسه، ص 122.
(7) يطلق دبوز على حكام الدولة الرستمية لقب الجمهوريين، بينما يطلق على سواهم لقب الملكيين (محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج3، 527- 530، الدولة الرستمية، مصدر سابق، ص 122).
(8) علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، ص 56. (1/150)
صفحة 151
ولنعد إلى دراسة وضعية مجلس الشورى إذا افترضنا أنه موجود لنقف على جلية الأمر في أن تنصيب عبد الوهاب حاكما لتيهرت لم يكن ليتسق مع ما سقته المصادر الإباضية التي أسلفنا الإشارة إليها؛ فمجلس الشورى تم تعيين أعضائه من أناس مغمورون أو لا قبيلة لهم يحتمون بها من أمثال مسعود وعمران الأندلسيان(1) اللذان لا عصبية لهما تساندهما، وابن فندين اليفرني يحتمل تأييده لعبد الوهاب لصلة النسب(2) التي ميت بها عبد الوهاب إلى (بني يفرن(3)(4). وشكر بن صالح الكتامي الذي يرجع نسبه حسب تسميته إلى قبيلة كتامة بالمغرب، والتي لم يرد أي ذكر عن تواجدها في تيهرت بشكل مؤثر في الأحداث، مثل نفوسة وزناتة وسدراتة وهوارة، وبذلك يعتبر ابن صالح أحد الغرباء الذين لا قبيلة لهم.
__________
(1) جودت عبد الكريم يوسف، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1989، ص 64.
(2) كانت أم عبد الوهاب من بني يفرن (زناتية) (الشماخي، السيرة، ص 145، جودت، العلاقات، ص 64).
(3) يفرن مدينة قديمة في جبل نفوسة، لازالت آهلة بالسكان إلى يومنا هذا، وهي من ضمن جبل نفوسة القديمة، مما يؤكد تواجد هذه القبيلة في الجبل، حيث يطلق على ساكني هذه المدينة (اليفرني).
(4) ينقل محمد بن عميرة عن ابن تاويت الطنجي "إن زناتة انحازت لعبد الوهاب؛ لأن أمه من بني يفرن، وهي فرع من زناتة، كما انحازت إليه الفرس لهذه العصبية أيضا، فكانت النتيجة أن تغلب فكرة التنصيب بالتوريث على التنصيب بالانتخاب، وأصبح عبد الوهاب ملكا. (ابن تاويت، دولة الرستميين، ص 113، محمد بن عميرة، دور زناتة، مصدر سابق، ص 119). (1/151)
صفحة 152
وبقية أعضاء مجلس الشورى لم تسعفنا المصادر التاريخية التي تناولت تلك الحقبة بأي معلومات عنهم أو نشاطهم، أو دورهم الاجتماعي، سوى أنهم من أئمة المذهب الإباضي وعلمائه، فيطلق عليهم الباروني(1) لقب العلامة لكل واحد منهم، والنص الذي أورده أبو زكرياء في كتابه السيرة يعطينا صورة واضحة عن الوضعية التي سارت فيها عملية الاختيار، عندما اجتمع مجلس الشورى على من يولونه، فتدافع بعضهم إلى بعض(2).
ويبدو أن عامة الناس لها رأي في عملية الانتخاب، أو في من يتولى الإمامة، فيذكر أبو زكرياء: "إلا أن عامة الناس مالت نفوسهم إلى اثنين منهما، هما مسعود الأندلسي، والآخر عبد الوهاب بن رستم(3). ويبدو أن العامة انقسمت على نفسها في ولائها إلى طرفين: أحدهما موال لمسعود الأندلسي، والآخر لعبد الوهاب. واستمر هذا الجدال شهرا تقريبا(4)، يديرون الرأي فيما بينهم "إلا أن العامة مالت إلى مسعود، فبادروا ليبايعوه فهرب لهم واختفى، وابتدر عبد الوهاب ليبايعوه"(5).
ويفهم من نص أبي زكرياء أن مسعود الأندلسي قد حاز على الإجماع في نهاية الأمر بعدما يزيد على الشهر من الجدال وتدارس الأمر، أو نقل بصورة أكثر دقة بعد اختلاف الآراء، وفي آخر الأمر يختفي مسعود الأندلسي على مسرح الصراع فجأة.
ويمكن أن نطرح تساؤلات حول هذا الاختفاء الغامض وأسبابه، هل كان هذا الاختفاء اختياريا من مسعود نفسه أم قسريا من جماعة عبد الوهاب ليخلو لهم الأمر؟
ونحن نشك أن يكون هذا الاختفاء اختياريا من مسعود الأندلسي نفسه، وإلا لماذا لم يحسم هذا الأمر من البداية، ويعلن انسحابه قبل مضي شهر من الجدال والتوتر والتحفز.
__________
(1) الباروني، الأزهار، ص 148.
(2) أبو زكريا، السيرة، مصدر سابق، ص 89.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 89.
(4) نفسه، ص 89.
(5) نفسه، ص 89. (1/152)
صفحة 153
وكما ورد في نص أبي زكرياء "فتدافع بعضهم إلى بعض"(1) أي كادت تعلن الحرب، وخرج الأمر من مجلس الشورى المصغر لتدلي عامة الناس بدلوها في هذا الأمر.
وبعد أن حسم الأمر لصالح عبد الوهاب نجد أن مسعود الأندلسي يظهر فجأة ويكون أول من يبايع عبد الوهاب(2) بالإمامة.
تحت أي تأثير فعل مسعود الأندلسي هذا؟ لا شك أن مسعود الأندلسي آثر السلامة على المجابهة مع عبد الوهاب الذي انحازت إلى جانبه زناته وهم أخواله زنا تيه، وكذالك انحازت إليه جماعات الفرس الذين كانوا يكونون جالية قوية في تيهرت(3).
إذا مسعود الأندلسي أجبر على عدم الحضور والاختفاء عندما حاز على الإجمال في نهاية الأمر، ومن تم فرضت عليه المبايعة لعبد الوهاب تحت تأثير نفوذ هذا الأخير، وإلا كيف تفسر تجشمه مشقة الدخول في الصراع منذ البداية إذا كان راغبا عن هذا الأمر؟ومن خلال الرواية الإباضية نرى أن عبد الوهاب لم يكن مجمعا عليه لتولي الإمامة أو الحكم من قبل العامة في تيهرت، ولكن جعلها تصل إليه أو يتقلدها بعد سياسة الترغيب والترهيب التي استعملت ضد منافسيه من أعضاء مجلس الشورى الموصى به من قبل عبد الرحمن بن رستم، والذي كان يهدف إلى تزكية ابنه عبد الوهاب إماما بعده.
__________
(1) نفسه، ص 89.
(2) نفسه، ص 89.
(3) محمد عيسى الحريري، مقدمات البناء السياسي للمغرب الإسلامي، الدولة الرستمية، ط2، دار القلم الكويت، 1983، ص 110. (1/153)
صفحة 154
أما ابن فندين زعيم النكارية التي هي أولى الفرق المعارضة التي خرجت على رأي إمامة تيهرت نتيجة الانحراف على المبدأ الأساسي الذي حاول الإباضية المناداة به، وهو مبدأ الشورى في الحكم. فهو كان أحد أعضاء مجلس الشورى، وكانت معارضته للإمام عبد الوهاب _حسب الروايات الإباضية_ تتركز على انفراد الإمام بالحكم دون مجلس شورى يرجع إليه في تسيير الأمور، ولم يتقيد بسيرة والده عبد الرحمن عندما كان يعقد مجلس شورى من وجوه القبائل ومقدميهم، إذا حزبه أمر من أمور الدولة _كما أسلفنا في قضية أموال وفد البصرة وتقسيمها_، وإن لم يكن هذا المجلس يتمتع بالديمومة أو بعدد معين، بل يأتي حسب الظرفية التي تقع فيها النازلة أو الأمر المهم المراد البث فيه.
فابن فندين لم يكن بدعا من هذا الرأي أو المبدأ السياسي؛ وهو ضرورة وجود مجلس شورى مع الإمام يشاركه في تسيير دفة الحكم، ويمنعه من الانحراف والانفراد بأمور الدولة. كما تأتي وجاهة الرأي في جانب آخر؛ وهو أن عبد الوهاب لم يكن مجمعا عليه من عامة الناس ولا حتى من قبل مجلس الشورى، مما يعبر أي رأي ينفرد به عبد الوهاب مجل نظر أو خلاف. كما وقع توزيع مناصب الدولة بين من تعصبوا له، وإهماله لمن يشكلون معارضة له أو اختلافا معه في الرأي كابن فندين.
وقد ورد عند أبي زكريا في "السيرة" رأي ابن فندين فيما اتخذه عبد الوهاب من قرارات. قال ابن فندين وجماعته إنما كانت ولاية عبد الوهاب على شرط أن لا يقضي أمرا دون جماعة معلومة(1).
__________
(1) أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 92. (1/154)
صفحة 155
نفهم من هذا النص أن مجلس الشورى المختلف على مهامه كان لابن فندين فيه رأي، هو على حد كبير من الوجاهة والدقة في تسيير شؤون الدولة وفق مبدأ الشورى، وهو نظرة سياسية متقدمة على عصرها إذا ما نظرنا إلى أهداف عبد الوهاب وأتباعه من أن مجلس الشورى ينحصر دوره في اختيار شخص منهم للإمامة، وتنتهي مهمته ويترك الأمر للحكم الفردي الذي كانت تخشاه وتمقته العامة ومختلف المذاهب المعارضة لبني أمية والعباسيين من بعدهم، ومن ضمنهم أتباع المذهب الإباضي.
كما يعطينا أبو زكرياء لمحة عن أهم الآراء التي تمسك بها ابن فندين، وعارض من أجلها عبد الوهاب، بالإضافة إلى الشرط أو المبدأ السابق وهو عدم الانفراد بالحكم دون جماعة معلومة.
كذلك كانت هناك معارضة فيما اتخذه عبد الوهاب من قرارات فقال أبو زكرياء: "رأى ابن فندين وجماعته أنه حما بعض الناس علينا وولاهم الأمور دوننا، ونحن أولى بالأمور ممن ولاه على الناس؛ لأنه إنما كانت ولايته على أيدينا"(1).
ومبررهم "أنه لا يجوز تولية رجل إذا كان في جماعة المسلمين من هو أعلم منه"(2). ونظرا لوجاهة هذه الآراء شعر عبد الوهاب بأن الأمور قد اختلطت(3) عليه، أو وجد نفسه منساقا إلى رأي طائفة دون أخرى، كما شعر أن المعارضة في تزايد مستمر، وربما يستدعي الأمر إعادة النظر في إمامته من جديد، ولكي يخفف من حدة الخلاف الدائر حاول أن يكسب الوقت لصالحه. واتفق مع النكار الذين يتزعمهم ابن فندين على طلب الشورى من أئمة المذهب في المشرق.
__________
(1) نفسه، ص 92.
(2) نفسه، ص 92.
(3) الباروني، الأزهار، ص 106، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 157. (1/155)
صفحة 156
وفي هذا الصدد ورد نص من كتاب "السيرة" أبي زكرياء يتضح من خلاله مدى التوتر والخلاف بين ابن فندين وجماعته من جانب وعبد الوهاب ومن لفه من طرف آخر. بل يؤكد هذا النص أن الأمر وصل إلى درجة التقاتل والحرب بين الطرفين، فذكر "أن جماعة المسلمين(1) لما اصطلح أمرهم مع ابن فندين وأصحابه على أن يضعوا أوزار الحرب حتى يراسلوا إخوانهم بالمشرق، ويكف بعضهم عن بعض. فما أجابوهم به أخذوه، فبعثوا برسولين، فتوجه الرسولان إلى المشرق، فلما وصلا مصر وجدا بها شعيب بن المعرف(2)، وهو أحد علماء المذهب في مصر، بعد أن أخبراه بموت عبد الرحمن واستخلاف ابنه عبد الوهاب مكانه، والمعارضة التي أبداها ابن فندين، وادعائه الشرط في إمامة عبد الوهاب(3). ولما سمع شعيب ذلك من الرسولين خلا بطائفة من أصحابه منهم أبو المتوكل، واتفقوا على المسير إلى تيهرت(4).
هذه أول محطة لوفد المشورة الذي أرسل من تيهرت، وكانت وجه الوفد الثانية إلى مكة، حيث التقوا بأبي الربيع عمرو بن حبيب الفراهيدي، من تلامذة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي(5). وبعد عرض موضوع الخلافة على الربيع وجماعته رأى هؤلاء تدارس الأمر للوصول إلى رأي واضح في هذه الفتوى.
وبعد أن آلوا جهدهم في ذلك أعطوهم جوابا يبدو أنه في صالح عبد الوهاب كما تذكر المصادر الإباضية، حيث ذكر ذلك أبو زكرياء: "الإمامة صحيحة والشرط باطل(6)". وبذلك ترى المصادر الإباضية أن شيوخ المذهب في مصر ومكة أفتوا لصالح عبد الوهاب.
__________
(1) يقصد بكلمة جماعة المسلمين في الكتابات الإباضية أنهم أتباع المذهب الإباضي.
(2) أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 93.
(3) نفسه، ص 93.
(4) نفسه، ص 93.
(5) نفسه، هامش 12، ص 93.
(6) أبو زكرياء، السيرة، ص 94، الشماخي، السيرة، ص 146. (1/156)
صفحة 157
وفي هذا السياق يورد محمود إسماعيل تحليلا لهذه الفتوى وأسبابها، ونرى أن هذا التحليل يتسم إلى حد كبير بالوجاهة والأهمية. إن قبول ابن فندين مبدأ التحكيم من فقهاء المذهب في الشرق في قضية الإمامة يؤكد إيمانه بعدالة موقفه، وشرعية قضيته، ويدحض دعوى المصادر الإباضية في أنه ثار لأسباب شخصية(1).
وملخص القول في تحليل محمود إسماعيل قوله: "ويُخيل إلينا أن فتوى المشارقة كانت لصالح ابن فندين، بدليل وصول فقهاء مصر ورئيسهم شعيب بن المعرف إلى تيهرت، وانضمامهم إلى ابن فندين في الثورة على عبد الوهاب"(2). وكذلك وردت عبارة عند الشماخي توضح أن المشارقة "عابوا على عبد الوهاب أشياء، وأمروه أن يرجع عنها"(3). كذلك ضعف الرواية الإباضية الوهبية التي تصور تريث الربيع(4) وإخوانه في إصدار فتواهم ريثما يجهدوا ويتباحثوا في مسألة تعد من بديهيات الفقه الإباضي.
ودون كثير من الاستطراد في هذه المسألة الخلافية المذهبية تجدر الإشارة إلى ما دعانا لمتابعة ولاية عبد الوهاب، نظرا لأن هذا الإمام تبرز في عهده العلاقة بوضوح بين جبل نفوسة وتيهرت حاضرة الدولة الرستمية، كما أن معارضة ابن فندين سيكون لها صداها السياسي في الجبل، أي أن الظرفية التي وصل فيها الإمام عبد الوهاب إلى الحكم هي ما سينجم عنها من علاقة سياسية بين الجبل وتيهرت.
__________
(1) ترى المصادر الإباضية مثل أبي زكرياء أن ابن فندين قام بالثورة؛ لأن الإمام عبد الوهاب لم يخصه بأحد المناصب في دولته التي اختص بها أهل العلم والبصيرة في الدين. أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 92، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 157.
(2) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 157.
(3) الشماخي، مصدر سابق، ص 147.
(4) أبو زكرياء، مصدر سابق، ص 93. (1/157)
صفحة 158
وخاصة إذا علمنا أن ابن فندين يفرني من بني يفرن بجبل نفوسة. أشار الشماخي لوجود بني يفرن بالجبل أثناء الخلاف القائم بين العباس والي الإمام أفلح على الجبل وابن خلف بن السمح "وقد بلغنا أن العباس خرج إلى بني يفرن..."(1). وكان ذلك في ثورة خلف على إمامة تيهرت. والتي سنتناولها من ضمن علاقات الجبل مع تيهرت.
وأن ما يهمنا من هذا النص هو وجود بني يفرن بالجبل واستمرارهم في المعارضة لإمامة تيهرت، وكذلك كان جماعة النكارية(2) وهم أتباع ابن فندين قد انضموا فيما بعد إلى خلف بن السمع الذي أعلن مخالفته لإمام تيهرت وإعلان الإمامة في الجبل _كما سيأتي_. وقد أشار الشماخي إلى ذلك إشارة عابرة، يفهم منها وجودهم ورغبتهم في إقامة إمامة بالجبل، والانفصال عن إمامة تيهرت "فأتى أبا عبيدة(3) رجل نكاري فقال له: لا طاقة لك اليوم بخلف وعساكره، ولا حاجة لك في لقائه، فحلف أبو عبيدة بكل لغة يحسنها من عربية وبربرية وكانمية وغيرها لأقاتلنهم ولو لم ألقاه إلا بسيفي هذا"(4).
يفهم من هذا النص أن حركة النكار كانت غير متحمسة لقتال خلف، بل وتقف إلى جانبه في إعلان إمامة في الجبل. كما يفهم من هذا النص مدى الارتباط الثقافي بين الجبل ودول جنوب الصحراء التي تسمى بدول السودان، والتي تعد كانم أحد ممالكها، الشيء الذي يبين مدى تأثير هذا التواصل بين الجانبين، وهذا التواصل اقتصادي بالدرجة الأولى، لعبت فيه تجارة القوافل دورا أساسيا.
وإلى جانب ذلك فهذا التواصل أدى إلى انتشار الإسلام في جنوب الصحراء من جهة، وإلى انتشار لغة أهل كانم في جبل نفوسة من جهة ثانية.
__________
(1) الشماخي، السير، ص 97.
(2) سنفرد موضوعا خاصا عن الفرق المعارضة ومن ضمنها "النكارية".
(3) أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني: أحد ولاة الجبل. نأتي على هذا الموضوع في البناء السياسي والإداري للجبل.
(4) الشماخي، مصدر سابق، ص 185. (1/158)
صفحة 159
الفرق الإباضية التي ظهرت في الدولة الرستمية أو (المعارضة) داخل إمامة تيهرت.
قبل أن نستطرد في حديثنا عن إمامة تيهرت لابد لنا من وقفة لتوضيح الفرق أو الاتجاهات المعارضة التي عارضت السياسية الرستمية وأسباب ذلك، والتي من خلالها نستوضح البناء السياسي لتلك الإمامة، وإلى أي مدى استطاع الرستميون وفق مذهبهم الإباضي أن يحققوا ما قاتلوا من أجله الدولة العباسية وولاتها في إفريقية، وهو بناء كيان سياسي أساسه الشورى. كما أن الجدير بالاهتمام تحديد الموقع أو المدى الجغرافي لتلك الانقسامات لنستطيع من خلالها معرفة مدى تماسك ولايات الدولة الرستمية وارتباطها بتيهرت.
لقد عرفت هذه الفرق بالانشقاقات أو الافتراقات حسب تسمية المصادر الإباضية(1) أو المعاصرة لها، ويمكن الإشارة إلى ما ذكره الأستاذ محمود إسماعيل عن أهداف هذه الحركة، وهي لاشك رؤية معاصرة وحديثة تم الوصول إليها من خلال دراسة التاريخ السياسي لتلك الفرق في فترة دول الخوارج بصفة عامة، حيث يجمل أهداف تلك الفرق المعارضة والتي تعتبر افتراقات أساسية في الدولة الرستمية، كما أنها تتميز بزعمائها الذي قادوا تلك الانشقاقات الواحد تلو الآخر، ولكن ما يجمعها هو أنها تمثل معارضة سياسية للدولة الرستمية.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 91، ابن الصغير، مصدر سابق، ص 47. (1/159)
صفحة 160
وقد حدد محمود إسماعيل تلك الأهداف في ثلاثة: "كان الانشقاق الأول نتيجة خلافات فقهية حول مسائل الإمامة وسياسة عبد الوهاب في تعيين عماله. وكان الانشقاق الثاني بسبب قضية تعدد الأئمة وحق الرعية في اختيار عمالها. أما الخلاف الثالث فكان من جراء الإخلال بشرعية الإمامة وإهدار رسومها على يد أفلح(1) بن عبد الوهاب، فضلا عن سياسته في استعمال العمال والسعاة لجباية الحقوق الشرعية ومطالبة بيت المال من الرعية"(2).
من خلال هذا الإجمال لتلك الانشقاقات نعرف أن الدولة الرستمية واجهت معارضة مستمرة أدت في نهاية الأمر إلى إضعافها وسكون ريحها.
والملاحظ أن المصادر الإباضية تسمي هذه المعارضة بالافتراق، وصنفتها إلى مجموعة افتراقات الأول- الثاني(3)... فربما للتخفيف من حدتها أو للتقليل من أهميتها، كما تصفها بأنها مخافة ومارقة وضالة، وتنعت أصحابها بنعوت غير موضوعية (الخبيث(4) بن الطيب- النفاثية- النكارية).
ويجدر بنا أن نوضح أهداف كل حركة لنصل إلى جلية الأمر من خلال استعراض أسباب لتلك الانشقاقات أو الافتراقات حسب رأي الإباضية.
أولا: الحركة (النكارية) (اليزيدية)(5).
__________
(1) أفلح بن عبد الوهاب: الإمام الثالث للدولة الرستمية 208- 258 هـ. (ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 57، أبو زكرياء، السيرة، ص 129).
(2) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 166.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 92، 129.
(4) أبو زكرياء، السيرة، ص 124، كذلك توجد في مختلف صفحات الكتاب عند الحديث عن تلك الفرق، وتوجد عند الدرجيني في الطبقات والشماخي في السير.
(5) يرى ابن الصغير أن تسمية اليزيدية هم أتباع "عبد الله بن يزيد"، ولكن ما ذهب إليه الدكتور عوض خليفات من أن النكار سموا باليزيدية نسبة ليزيد بن فندين له جانب من الصحة. (ابن الصغير، هامش 1، ص 49، عوض خليفات، النظم الاجتماعية عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان، عمان، الأردن، ص 116). (1/160)
صفحة 161
إن تسمية هذه الحركة بالنكارية هي من ضمن التسميات التي أطلقها عليهم الإباضية من أتباع عبد الوهاب. وقد نعتهم أبو زكرياء بعدة نعوت أو تسميات تدخل في باب القدح في مذهبهم ومعارضتهم فقال: "فصاروا يجتمعون ويتناجون فلذلك سموا بالنجوية"(1). ثم بعد ذلك اجتمعوا بكدية بحيال المدينة فأظهروا إنكار إمامة عبد الوهاب فسموا النكار، وسموا الشغبية لإدخالهم في الإسلام الشغب، وسموا الملحدة حين ألحدوا في أسماء الله، وسموا النكاثة لنكثهم بيعة الإمام بغير حدث"(2).
إن هذه النعوت التي ذكرها أبو زكرياء تخرج المؤرخ عن موضوعيته وتمس بمدى صدقه في ذكر الأحداث من جانب واحد يشوبه التحامل على المعارضين له في الرأي دونما إنصاف أو تباين حقيقة الأمور وفق طبيعتها التي حدثت بها.
وما يهمنا من هذا العرض هو أن حركة النكار أصبحت تشكل حزبا معارضا حقيقيا إذا جاز التعبير، وأن آثار هذه المعارضة هي التي ستشكل أحد عوامل العلاقة بين جبل نفوسة وتيهرت.
كما أن هذه المعارضة أصبحت ذات مبادئ أساسية في الشريعة العقدية بين الإمام ورعيته، وتمثل جوهر نظام الحكم عند الرستميين وهو مبدأ الشورى. والخلاف في هذا المبدأ هو: إلى أي مدى تستمر صلاحيات هذا المجلس في ممارسة المهام السياسية؟ وهل ينتهي دوره عند اختيار الإمام فقط أو تعيينه بصورة أدق؟
ثانيا: الحركة الخلفية(3).
وهم أتباع خلف بن السمح بن أبي الخطاب المعافري الحميري اليمني(4) الذي تولى ولاية جبل نفوسة برأي من أهل الجبل بعد أن هلك والده السمح الذي تم تعيينه من قبل الإمام عبد الوهاب وبطلب من أهل الجبل(5)، ولكن الإمام عبد الوهاب رفض ولاية خلف على الجبل رغم مراجعة أهل الجبل للإمام عبد الوهاب في ذلك.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 95.
(2) نفسه، ص 95.
(3) سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ج 2، ص 333.
(4) الشماخي، السير، مصدر سابق، ص 123.
(5) أبو زكرياء، السيرة، ص 119، الباروني، الأزهار، ص 200. (1/161)
صفحة 162
سنتناول هذا الافتراق بشيء من التفصيل في حديثنا عن العلاقة السياسية بين الجبل وإمامة تيهرت، حيث يدخل هذا الافتراق أو المعارضة فيما نسميه بإعلان الاستقلال في الجبل عن إمامة تيهرت، ومحاولة أن يكون الجبل إمامة مستقلة بذاتها، كما كان يسعى إلى ذلك خلف بن السمح(1).
وما نود إثباته في هذا المنحى هو تعداد أوجه المعارضة التي واجهتها إمامة تيهرت مع تحديد مجال هذه المعارضة الجغرافي. فهذا الافتراق الثاني _على رواية الإباضية_ أو المعارضة السياسية بطبيعة الأمر في جبل نفوسة، وهي إحدى ولايات الدولة الرستمية في الجهة الشرقية مما يعني أن تلك الولاية كانت تنزع إلى الاستقلال أو الانفصال عن إمامة تيهرت طالما أن تلك الإمامة حادت عن مبادئها في إدارة الحكم وانتفاء مبدأ الشورى في اختيار أئمتها.
أضف إلى ذلك أنه لا يوجد ما يمنع ظهور أكثر من إمام في وقت واحد طالما انقطعت الحوزات(2) وتباعدت الشقة بين أطراف الدولة.
إذا هذه المعارضة كان لها دور خطير في ؟؟؟؟ الدولة الرستمية وفي علاقتها بالجبل، وهو إعلان الانفصال بالجبل عن تيهرت وتكوين إمامة إباضية مناظرة لإمامة تيهرت، وبعد أن أوضحنا أهداف هذا الافتراق أو المعارضة في الجبل نترك الخوض في تفاصيله إلى موضوع علاقة جبل نفوسة السياسية بتيهرت وما شابها من تجاذب وتنافر لكي لا نقع في تكرار المواضيع، ومن تم التركيز على جوهر موضوعنا وهو علاقة جبل نفوسة بالدولة الرستمية.
__________
(1) إن خلف أرسل رسولين إلى أبي عبيدة "عبد الحميد وإلى الإمام عبد الوهاب ومن بعده ابنه أفلح على الجبل" يدعونه إلى خلع ولاية أفلح وإثبات ولايته هو أي خلف. (أبو زكرياء، السيرة، ص 131).
(2) نفسه، ص 131. (1/162)
صفحة 163
وقد رأينا استعراض هذه الحركات أو الثورات لتأسيس معالجة واضحة لموضوع دراستنا الأساسي وهو علاقة الجبل، وخاصة أن هذه المعارضة أو الثورات كانت من أهم ما صاحب العلاقة بين الجبل وتيهرت، لنستخلص بشكل جلي جوانب تلك العلاقة كلما ساعدتنا المصادر التي بين أيدينا على ذلك، وكلما؟ استطعنا قراءة النصوص الواردة في المصادر الإباضية بشكل موضوعي.
ثالثا: الحركة النفاتية(1) أو الافتراق الثالث.
إن هذا الافتراق أو المعارضة وإن أخذت طابعا سلميا وهو ما نسميه الاختلاف في الآراء أو الأفكار لم يتطور إلى مرحلة التقاتل وتجريد السلاح كما حصل في الحركتين السابقتين، بل كمن في جملة من الآراء الفقهية التي نادى بها زعيم هذه الحركة فرج بن نصر(2) النفوسي(3)، وهي انتقاد الإمامة في تيهرت عندما حاد الإمام أفلح عن تعاليم المذهب، وهو الذي أطلق عليه اسم نفات(4)، ومنه اشتقت جماعة حملة هذا الاسم وهم النفاتية.
__________
(1) ورغم أن مصادرنا عن هذا الحركة هي إباضية وهبية، أي من أنصار عبد الوهاب، ومنحازة إلى أئمة تيهرت، فإننا من خلال قراءة تلك المصادر استطعنا أن نعرف أوجه نسبتها إلى نفات زعيم الحركة. ويذكر أن الباروني ينسب هذه التسمية إلى أنه من قرية "نفاتة" بجبل نفوسة المعروفة الآن بنفاتة العامرة. (الباروني، الأزهار، ص 252) بينما يرى سعد زغلول عبد الحميد "إن أصحاب الإمام أفلح هم الذين أطلقوا اسم نفات على فرج النفوسي كلقب تجريبي، كما فعلوا مع النكار" (تاريخ المغرب العربي، ص 348).
(2) الدرجيني، الطبقات، ص 77.
(3) "النفوسي" إضافة من الباروني، الأزهار، ص 251.
(4) بحاز، الدولة الرستمية، ص 128. (1/163)
صفحة 164
ورغم أن مصادرنا عن هذا الحركة هي إباضية وهبية، أي من أنصار عبد الوهاب، ومنحازة إلى أئمة تيهرت، فإننا من خلال قراءة تلك المصادر استطعنا أن نعرف أوجه الخلاف بين ابن نصر النفوسي والإمام أفلح(1)، فهذه المصادر خلقت لنفسها أو للإمام مبرر العداء مع ابن نصر ومحاربته، وإن هناك أسبابا من الطمع الشخصي تلصق بابن نصر، فإن تلك المصادر لا تستطيع إخفاء هذا الخلاف برمته أو تظهر تلك المعارضة بأنها نوع من الخروج على الطاعة للإمام، فتذكر تلك المصادر أن من بين تلك الأسباب خيبة أمل ابن نصر (نفات) في عدم توليه ولاية قنطرارة(2) التي كانت من نصيب صاحبه في طلب العلم في تيهرت سعد بن وسيم بن يونس النفوسي(3).وتجمع المصادر الإباضية على رواية واحدة لهذه الحادثة وخاصة في مقدماتها، ومفادها: أن أبا يونس وسيم والي قنطرارة من قبل الإمام أفلح أرسل ابنه سعدا إلى الإمام ليتعلم العلم، وكان برفقته ابن نصر (نفات)، وعندما هلك والي قنطرارة المشار إليه كان سعد ابنه وصاحبه (نفات) قد أتما تعليمهما في تيهرت، وأراد الإمام أن يستعمل واليا على قنطرارة فاختار سعدا ابن الوالي الهالك، مما سبب حنقا وغضبا لابن نصر (نفات) الذي يرى أنه أحق بهذه الولاية نظرا لذكائه وتميزه
__________
(1) أفلح هم الإمام الثالث للدولة الرستمية، اختلفت المصادر حول تاريخ ولايته كما اختلفت حول تاريخ وفاة سلفه عبد الوهاب. فالباروني ذكر مبايعة أفلح 190 هـ، أي سنة وفاة عبد الوهاب، فيما محمود إسماعيل يرجح رأي جورج مارسيه وهو 208 تاريخ وفاة عبد الوهاب وولاية أفلح، استنادا إلى أن عبد الوهاب أرسل سفارة إلى الأندلس من أحد أبنائه 207. (الباروني، الأزهار، ص 221، محمود إسماعيل، الخوارج، هامش 391، ص 165).
(2) قنطرارة "تيجي" الحالية في سفح جبل نفوسة. (الباروني، الأزهار، ص220، تاريخ ليبيا، ص 17).
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 236، الدرجيني، الطبقات، ص 77، الباروني، الأزهار، ص 253. (1/164)
صفحة 165
بالعلم(1). وقد أجرى الباروني مقارنة بين سعد وابن نصر في مدى تبحرهما في العلم "وكانت تظهر في تلك المدة (يقصد مدة التعليم في تيهرت) من سعد دلائل للصلاح وتلوح عليه سماء العفة والاستقامة أكثر من نفات، وإن حاز نفات قصب السبق في الذكاء والفهم على كثير من أترابه"(2). إن الصفات التي اتصف بها سعد ليست صفات رجل سياسة أو حكم. كما أن المصادر الإباضية(3) أجمعت على علم ابن نصر وذكائه، وأنه فاق أقرانه في العلم، فهي لا تعترف له بأحقيته في ولاية قنطرارة.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 236، الدرجيني، الطبقات، ص 77، الباروني، الأزهار، ص 253.
(2) الباروني، الأزهار، ص 253.
(3) ومن ضمن ما ذكرته المصادر الإباضية عن ذكاء ابن نصر وفهمه وعلمه "سألته امرأة عن بيض طاهر طبخ في ماء نجس هل سينجس البيض أم لا؟ فقال لها: قفي مكانك حتى أخرجك إليك، فدخل الدار وأخذ نيلجا (نوع من الأصباغ) فجعله في الماء وطبخ فيه بيضا، وعندما قشر البيض وجد النيلج قد خلص إلى داخل البيضة فعلم أن القشر لا يمنع النجس، فخرج إلى المرأة يعلمها أن البيض غير طاهر". (البغطوري، مخطوط، ورقة ص 33، أبو زكرياء، السيرة، ص 139، الدرجيني، الطبقات، ص 79). (1/165)
صفحة 166
إذا أخذنا بوجاهة هذا السبب الذي تذكره المصادر الإباضية التي كان ميولها مع أئمة تيهرت ويعارضون من عارضهم وينكرون عليه معارضته لهم، ومن نفس هذه المصادر يأتي النكير والإفتاء على ابن نصر (نفات) بأنه خالف الشرع وخالف الإمام وأظهر البدع في الإسلام، ونسبت إليه آراء في الفقه (المواريث)(1) تحديدا. ما نود التنويه له والوصول إليه من خلال هذه النصوص المعارضة لابن نصر أنه كان صاحب رأي في مسألة الإمامة وطرائقها، رغم أن المصادر التي تنصفه لم تصل إلينا ربما لتغلب الطرف المناوئ (لنفات) وهم الوهبية الذين يعتبرونه مارقا على الإمامة لأسباب ودوافع ذاتية.
__________
(1) قال أبو زكرياء: وله مسائل انتحلها لا أصل لها، منها: الخطبة خطبة الجمعة رغم أنها بدعة. وسئل عن مسألة فقيل له: "رجل مات وترك أخاه من الأب وبني أخيه من الأب والأم" فقال: بنو الإخوة من الأب والأم أولى من الأخ من الأب، فزاد خللا إلى خللاته. (أبو زكرياء، السيرة، ص 138، الباروني، الأزهار، ص 251، 252). (1/166)
صفحة 167
وفي الإبانة عن آراء ابن نصر (نفات) قال بعض المحدثين محمود إسماعيل محللا آراء (نفات) في الإمامة وبعض المسائل الفقهية التي نسبت إليه(1): "إن ذلك لا ينفي قط كون نفات ثائرا صاحب آراء واجتهادات في المذهب الإباضي، وداعية لانقاد الإمامة الإباضية مما تردت فيه من امتهان على عهد أئمة بني رستم. فقد آلت الإمامة إلى أفلح بن عبد الوهاب توا بعد وفاة أبيه (208 ه- 823 م) مما يؤكد استقرار مبدأ الوراثة واختفاء مبدأ الاختيار في الحكم الرستمي، وكان مثل هذا الانتهاك لتعاليم المذهب كفيلا بإثارة عالم فقيه مثل فرج بن نصر... ومن ثم عول على الخروج على إمامة أفلح، واتخذ من قريته(2) المجاورة لقنطرارة مركزا لدعوته وأنصاره، ولقيت دعوته إقبالا كبيرا بين إباضية نفوسة وزواغة. وعبثا حاول عمال قنطرارة إقناعهم بالعدول عن آراء نفات والالتزام بطاعة الإمام"(3).
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 167.
(2) ورد ذكرها عند الباروني في الأزهار باسم النفاتية، ولكن هذا الاسم لم يذكره الباروني أو يحدد تاريخه هل هو قبل أحداث حركة "نفات" أو بعدها، ولا شك أن هذا الاسم لحق بها بعد حركة نفات حيث ينقله عن أبي زكرياء الذي عاش في القرن 6 هـ. (الباروني، الأزهار، ص 252). ومع هذا نجد الباروني يحدد موقعها بدقة وهي في قمة جبل صعبة المراقي سمت بلدة تترعت من جهة الشمال الشرقي تلي بلدة اجريبن من جهة الشمال، وبينها وبين تمزين مسيرة 5 ساعات إلى ناحية الغرب، ويحدد قربها من قنطرارة مسيرة 4 أو 5 ساعات. (الباروني، الأزهار، ص 252، 254).
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 167. (1/167)
صفحة 168
وإن ما نادى به ابن نصر من آراء وأفكار لتصحيح أوضاع الإمامة التي رآها تنحرف عن مسارها الذي وضعه لها أئمة المذهب ولو من الناحية النظرية أزعجت الإمامة في تيهرت، مما جعلها ترسل عددا من المناشير(1) المتلاحقة إلى الولاة والعمال في الجهات الشرقية من الدولة الرستمية تتضمن تحذيرات وتوصيات لمقاومة خطر نفات وتحذير العامة من فتنته، خاصة إذا رأينا أن بعض هذه الآراء أو المطالب تتماشى ورغبة العامة(2).
__________
(1) لقد ذكر الباروني بالنص عددا من تلك الرسائل (أو ؟؟؟؟) حسب تسمية الباروني، وكذلك الرد على تلك الرسائل التي بعث بها الإمام أفلح إلى الولاة العمال ولعامة الناس أولها رسالة ؟؟؟؟ عامة المسلمين للتحذير من خطر نفات، والثانية عبارة عن رد على رسالة نفات للإمام أفلح، والتي لم يذكر نصها الباروني، حيث ذكر أنه لم يعثر عليها. ويبدو أن أخطر تلك الرسائل هي التي وجهها الإمام أفلح لولاته وعماله بحق نفات هي إظهار البراءة منه ؟؟؟؟ وإبعاده، وهي نوع من العقوبات السياسية. (الباروني، الأزهار، ص 251، 261).
(2) كان من ضمن ما نادى برفضه نفات أو أنكره على الإمام؟؟؟ استعماله العمال والسعادة لجباية الحقوق الشرعية ومطالب بيت مال المسلمين من الرعايا. (انفرد بهذا النص الباروني، الأزهار، ص 251). ويبدو أن هذه المسألة يحفها الغموض، فلم نفهم منها سب الاعتراض، طالما هي حقوق شرعية. هل هو على حماية أو على من استعمل لها من العمال؟ وهل يدخل ضمن هذه الجباية خراج أو زكاة أو جزية؟ إذا كان بعض الرعايا غير مسلمين ربما أراد نفات تخفيض هذه الجبايات التي أثقلت كاهل العامة، وهذا نسب تجاوبها معه. وعموما يبقى نص الباروني قلقا بما ؟؟؟؟ نفات وهما. (1/168)
صفحة 169
ومجمل القول فإن المراسلات والتحذيرات التي كان الإمام أفلح يرسلها إلى الولاة والعامة يبدو أنها قد آتت أكلها في نفوس العامة التي أبدى الإمام أفلح يظهر استعداده للقيام بإصلاحات لإيجاد حلول مشاكلها مع الولاة، وسمح لهم بأن يشتكوه من عماله وولاته في أسلوب مبطن بالتهديد لكل مخالف.
ويمكننا أن نورد مقطعا من إحدى رسائله رغم طوله لتبيان مدى خطورة ونوفذ نفات وانزعاج الإمام أفلح من هذا الخطر.
قال في رسالة عامة لكل المسلمين: "فإنا نشهد الله على من كان من أهل هذه الدعوة وعمالنا وقوادنا وأهل العلم من أصحابنا ومن التف إليهم من رعيتنا أن لا يسمع أحد يبتدع في دين الله أو يسلك طريقة غير طريقة أصحابنا الماضين من أسلافنا إلا ويكون قد غير ذلك وأطفأه استتاب من أظهره. فإن لم يثب خلعه. فهذه مني عزيمة واجبة وأمر لازم وفرض محرم أن يتعدى أو يقال بخلافه. فمن قري عليه كتابي هذا فليسمع وليطع إلى ما أمرت به، فإن من انتهى إليه كتابي هذا في حرج إن قصر عما أحدث به، ومن عاب أحدا من عمالنا بخصلة من الخصال أو أنكر عليه شيئا فليرفع ذلك إلينا فنكون نحن الذين يغيرونه إن كان مما يغيره، وليس للرعية الوثوب على السلطان حتى ترفع ذلك إلينا"(1).
هذا نموذج للرسائل التي كانت توجه من الإمام أفلح إلى عماله ولاته بالجبل وإلى سائر الأقاليم الشرقية التي انتشرت فيها دعوة الحركة النفاتية أو المعارضة للرسوم التي ابتدعها أفلح في حق الإمامة.
ونفهم من خلال هذا النص أن الرسالة موجهة إلى عامة الإباضية (المسلمين) وإلى القواد والعمال وأهل العلم: أي إلى دواوين الولايات وموظفيها وإلى العامة ومن كان معهم من غير الإباضية، كما تتضمن تحذيرا من تبني أفكار نفات دون أن تكون هناك حرية لمناقشة الآراء أو الرد عليها بنفس الآراء ومعارضتها.
__________
(1) مقطع من الرسالة الثانية للإمام أفلح إلى (المسلمين) في حق نفات. الباروني، الأزهار، ص 259-260. (1/169)
صفحة 170
كما مفهم من رسالة أفلح أن نفات ربما طعن حتى في سيرة بعض العمال وسلوكهم، وهذا يؤكد ما أشرنا إليه سابقا من اعتراضه على العمال في جميع الحقوق الشرعية تفاديا لاستشراء الفساد في ذمم بعض الولاة والعمال (أي الأداة الإدارية) في مختلف دواوين الدولة، أو أنهم استعملوا الشطط في تلك الجبايات. ومما يؤكد رأينا أن نفات أنكر على بعض العمال تلك التصرفات. وما جاء في رد أفلح على رسالة نفات التي لم تصل إلينا "أن كل من ابتدع في ديننا خلاف أسلافنا وزعم أن عمالنا أساقفة، وأنهم لا طاعة لهم في حال كتمانهم فهو محقوق البراءة"(1).
وبذلك استعمل أفلح أسلوب التهديد بالقتل أو عقوبة النفي والبراءة والإبعاد.
وعندما شعر نفات بحرج موقفه أمام أفلح وخاصة يقود معارضة فكرية أو ذات رأي في بعض رسوم الإمامة دون اللجوء إلى استعمال القوة أو تجهيز الجيوش لذلك، حيث نفهم من إحدى رسائل أفلح أنه ربما يكون عرضة للقتل.
وقد ذكر الباروني نص هذا التهديد على لسان أفلح "ليأت إلينا نفات فيوضح لنا ما أنكره منا فإن كان حقا قبلناه، وإن كان باطلا فأيه"(2) فاعتبر نفات أن "إيه" من السلطان تعني القتل عينه، فإلى أين أذهب"(3).
أمام هذا الجو السياسي المشحون الذي وجد نفات نفسه محاصرا به رغم أنه يعتبر أحد المصلحين الدينيين لكيان الإمامة، وما كان يتميز به من ذكاء وفقه وذهن وقاد، وهذا بشهادة معارضيه أو حسب ما ورد في المصادر الإباضية التي كانت موالية لإمامة تيهرت كما أشرنا إلى ذلك سلفا.
__________
(1) من رسالة أفلح إلى (نفات). الباروني، الأزهار، ص 261.
(2) الباروني، الأزهار، ص 255.
(3) نفسه، ص 255. (1/170)
صفحة 171
انسحب نفات إلى المشرق(1) تاركا الأمور إلى حين، ولكن رحيله إلى المشرق طرح بعض التساؤلات هل هو لتطبيق عقوبة النفي والإبعاد؟ أم أن هذه الهجرة أرغم عليها عندما شعر بالخطر على حياته؟ولكن الباروني يؤكد إجابة السؤال الأخير: "فلما قرأ نفات هذا الكتاب وفهم إشارات الإمام فيه، وأدرك ما ترمي إليه آخر عبارة، وهي قوله: وأني غير كاتب إليك كتابا بعد هذا"(2).
من هنا نفهم أن دور المعارضة السلمية التي بدأها نفات قد انتهى وإن بقيت الأفكار بين عامة الناس وتبناها بعض الأفراد، فإن الداعي الأول إليها وهو نفات قد حزم أمره على الخروج إلى المشرق والوصول إلى بغداد(3).
انتهى طور من أطوار المعارضة التي تعرضت لها الإمامة الرستمية والتي كان ميدانها هذه المرة كسابقتها هو جبل نفوسة، وإن اتسمت هذه المعارضة بالطابع السلمي، والتنكير على ممارسات الإمام الرستمي والولاة والعمال فهي كانت أخطر من سابقتها من حيث الطعن في أسلوب الحكم السياسي الذي يستند على شرعية دينية تبناها (المذهب الإباضي) وهو (مبدأ الشورى) لاختيار الإمام.
ولكن أفلح الذي آلت إليه الإمامة توا بعد وفاة أبيه عبد الوهاب (208 ه)(4) يؤكد استقرار مبدأ الوراثة واختفاء مبدأ الاختيار في الحكم الرستمي، مما يعتبر انتهاكا لتلك المبادئ التي تبناها الإباضية وثاروا من أجلها على نظام الحكم الوراثي في المشرق.
وما يهمنا في هذا الأمر أن هذه المعارضة المتوالية لنظام الحكم الرستمي وما نتج عنها من انقسامات قد هيأت الأمر للمطالبة بإقامة إمامة إباضية في جبل نفوسة والدعوة لها. وتأسيسا على تلك الافتراقات التي قادها رجال من الجبل منهم من رأى أحقيته للإمامة وأن قيامها في الجبل هو من الضرورات الشرعية لانقطاع الحوزات بين تيهرت وجبل نفوسة، فمنهم من أنكر انحرافات إمامة تيهرت برأي فقهي دون عنف.
__________
(1) نفسه، ص 262.
(2) نفسه، ص 262.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 167.
(4) نفسه، ص 167. (1/171)
صفحة 172
تقودنا هذه الحركات التي ظهرت إلى تأسيس نوع من العلاقة بين الجبل وتيهرت: أي أن ما تناوله في العلاقة السياسية بين الجبل وتيهرت يتفق مع التعريف الذي أوجزناه عن تلك الحركات لنضعها فيما بعد في سياقها المناسب وفق ظرفية العلاقات السياسية بين الجبل وتيهرت.
ونخلص إلى القول بأن ما تم التعريف به من حركات الافتراق أو المعارضة إنما ينصب في علاقة التجاذب السياسي بين تيهرت وجبل نفوسة. وقبل أن نتعرض لتلك العلاقات خلال حكم كل إمام رستمي حكم تيهرت وموقفه من الوضعية التي كان عليها جبل نفوسة يجدر بنا التعرف على النظام السياسي والإداري الذي كان قائما في جبل نفوسة كولاية تتبعها مجموعة عمالات لنصل من خلال ذلك إلى مدى ما وصل إليه الجبل من استقرار سياسي وهيكلة إدارية، أو ما يعبر عنه بالتطور السياسي والاستقرار المؤسساتي.
المبحث الثاني
الارتباط
نظرا لأهمية هذه الوفادة التي قام بها الإمام الرستمي إلى جبل نفوسة، وما لها من تأثير سياسي على علاقات الجبل بالدولة الرستمية، رأينا إفراد مبحث خاص لها، مع تناولنا للنظام السياسي، وكيفية تعيين الولاة أو اختيارهم، وما صاحب ذلك من تجاذب وتنافر بين الجبل والدولة الرستمية، مما نأمل أن يساعدنا ذلك في إماطة اللثام عن تلك العلاقة في جوهرها الحقيقي، والنفوذ الذي يمتع به الجبل في صنع الأحداث في تيهرت، وإلى أي مدى كان هذا النفوذ مؤثرا وحاسما في بعض الأحيان. (1/172)
صفحة 173
إن تناولنا لرحلة الإمام عبد الوهاب إلى الجبل ستمكننا من تحليل الوقائع والأحداث التي رافقت تلك الرحلة، لنصل إلى إجابة كافية قدر المستطاع وبقدر ما تتيحه المصادر والمراجع، إضافة إلى آراء المحدثين وتحليلاتهم، حيث إن المصادر الإباضية نجدها لا تتحدث عن السبب الحقيقي لتلك الرحلة وتحصرها في موضوع أو اثنين هما: القيام بأداء فريضة الحج وتعليم الصلاة لسكان الجبل إلى حين عودة من أرسلهم للمشرق للفتوى في أمر هذا الحج وسلامة الطريق إليه. والملاحظ أن فريضة الحج لا يمكنها أن تستغرق مدة طويلة. إضافة إلى أن جبل نفوسة كان يعج بالعلماء والفقهاء الذين كان لهم دور أساسي في نشر تعاليم الإسلام بما فيها تعليم كيفية أداء الصلاة.
من هنا يظهر أن مكوث عبد الوهاب لمدة طويلة سبع سنوات كانت لأغراض أخرى.
ويبدو أن رحلة عبد الوهاب وإقامته بالجبل تمت ما بين سنتي 188 ه و 196، حيث إنه في هذه السنة الأخيرة قام بحصار طرابلس(1)، ويمكن اعتبار هذا بداية أول اتصال تم بين الجبل وتيهرت، وقد حصرت المصادر الإباضية أهداف هذه الرحلة في رغبة الإمام عبد الوهاب في أداء فريضة الحج، وأن نفوسة منعته أو نصحته بصورة أصح خوفا عليه من بني العباس (المسودة)، وأن الطريق غير آمن وهي إحدى شروط الحج(2).
__________
(1) الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 162، الباروني، الأزهار، ص 218، علي يحي معمر، الإباضية وكتب التاريخ، ص 77.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 116، الشماخي، سير، ص 158، الباروني، الأزهار، ص 193. (1/173)
صفحة 174
إن هذه الزيارة ومن ثم الإقامة الغامضة في جبل نفوسة لمدة سبع سنوات باتفاق المصادر الإباضية وغيرها كانت مثار اجتهاد المؤرخين المحدثين لإيجاد سبب أو أسباب مقنعة لتلك الزيارة والإقامة في الجبل، ولا يمكن حصرها في موضوع أداء فريضة الحج التي احتاج فيها الإمام عبد الوهاب إلى الفتيا من علماء المشرق(1)، وإن تلك الإقامة التي طالت في الجبل انحصر دور الإمام فيها على تعليم الصلاة لأهل الجبل(2) في انتظار أن يصله من علماء المشرق ما يطمئن إليه من فتوى في أمر الحج.
ولقد كان من علماء الإباضية في المشرق أبو الربيع بن حبيب وابن عباد اللذين طلب عبد الوهاب فتياهما فيما اعترضت عليه نفوسة وهو تعذر الحج.
ولقد ورد عند أبي زكرياء رد علماء المشرق على رسل عبد الوهاب. "وكان المقدم في لك العصر في الفضل والعلم والورع أبو الربيع بن حبيب وابن عباد، وكان من إجابة ابن عباد من كان على هذه الصفة المذكورة من العناء في أمور المسلمين فليس عليه حج لأن أمان الطريق من الشروط التي يجب بها الحج على من استطاعه"(3). كانت إجابة أبي الربيع لا تختلف(4) عن إجابة ابن عباد. ولقد أباح علماء المشرق لعبد الوهاب القعود عن الحج وندب من يحج عنه.
ومهما يكن من أمر هذه الفتيا وأخذ عبد الوهاب بها فإن ما يهمنا في هذا الشأن هو الأسباب التي دعت عبد الوهاب للرحيل إلى الجبل، والإقامة فيه طوال المدة المشار إليها.
وسنناقش أراء المحدثين وتحليلاتهم لعلنا نصل إلى أسباب موضوعية لتلك الإقامة في الجبل.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 116، الباروني، الأزهار، ص 193.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 116.
(3) أبو زكريا، السيرة، ص 116.
(4) نفسه، ص 116. (1/174)
صفحة 175
كما سبق الذكر فالمصادر الإباضية لم تهتم لسبب انتقال الإمام الرستمي إلى الجبل، وسكتت عن هذا الموضوع لدواعي سياسية رأت عدم الخوض فيها، وحصرت كل أسباب هذه الرحلة في موضوعين اثنين غير جوهريين: موضوع المرور لأداء فريضة الحج، وطلب الفتيا من علماء المشرق، رغم أن في جبل نفوسة من العلماء ما يغني السائل عن أي مسألة في الفقه.
ولا أعتقد أن قضية كهذه يعجز أمامها علماء جبل نفوسة أو الإمام عبد الوهاب نفسه، كما أن أمن الطريق شرط أساسي في كل المذاهب وهو يتبع شرط الاستطاعة.
كذلك الموضوع الثاني الذي ترى المصادر الإباضية أن الإمام الرستمي أنفق سبع سنوات من أجله وهو تعليم الصلاة في الجبل، والذي تناقلته المصادر الإباضية دون تمحيص وراء هذا السبب، أو تجاهلا من تلك المصادر للسبب الأساسي لبقاء عبد الوهاب في الجبل.
وللوقوف على جلية الأمر قبل مناقشة آراء المؤرخين المحدثين في هذه القضية لابد من الإحاطة بالظروف السياسية في تيهرت التي غادرها الإمام عبد الوهاب إلى جبل نفوسة.
بعد أن هلك الإمام عبد الرحمن _أول إمام رستمي_ تولى ابنه عبد الوهاب الإمامة، الذي واجه معارضة سياسية حقيقية في كيفية تولية الإمامة، تزعمها ابن فندين اليفرني، وهم ما سموا بالنكارية فيما بعد، وقد فصلنا الحديث عنها آنفا. (1/175)
صفحة 176
وبعد تلك المعارضة واجه الإمام حركة معارضة أخرى تدعى الواصلية(1). كانت هذه الجماعات الواصلية تؤلف حزبا ي الدولة الرستمية، ويقدر عددهم بنحو ثلاثين ألف، يعيشون في بيوت كبيوت الأعراب يحملونها(2).
وتتكون من زناتة، فقد نجحوا في إثارة الكثير من بطونها ضد عبد الوهاب(3).
ويعزو أبو زكرياء(4) سبب خروجهم على الإمام عبد الوهاب إلى كونهم أحسوا ببعض الفرقة في الإباضية وخاصة لما أوهنت النكارية على يدي عبد الوهاب، وأرادوا أن ينتهزوا هذه الفرصة. بينما يعزو السيد عبد العزيز سالم(5) خروج الواصلية وثورتهم نتيجة لمقتل ابن فندين الزناتي النكاري لكونه من بني يفرن أحد بطون زناتة.
__________
(1) بعض المصادر تنسبهم إلى واصل بن عطاء، أبو حذيفة البصري ولد سنة 80 هـ- 699 م، 770، توفي 131 هـ، وهو رأس المعتزلة، طرده الحسن البصري من مجلسه لقوله بالمنزلة بين المنزلتين. (ابن تعزى بردي، النجوم الزاهرة، ج 1، ص 123- 214، محمد بن عميرة، دور زناتة، هامش 1، ص 128).
(2) البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، ص 67، الحريري، مقدمات، ص 119، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 161.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 104، الدرجيني، طبقات، ص 57، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 167.
(4) أبو زكرياء، السيرة، ص 104.
(5) السيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، ج 2، العصر الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت لبنان، ط 1، 1981، ص 553، عيسى الحرير، مقدمات ص 120. (1/176)
صفحة 177
كما يورد السيد عبد العزيز أسبابا أخرى لثورة الواصلية بحيث يجعها ذات منشأ عرقي قبلي وهو الانتماء إلى قبيلة زناتة، وانضواء هذه القبيلة تحت حكم الأدارسة بفاس حيث قال: "ولأن إدريس بن عبد الله بن الحسن كانقد غزا محمد بن خزر الزناتي أمير تلمسان (173 ه) فانضوى ابن خزر تحت لواء الأدارسة، وأقره إدريس على تلمسان. ولكي يوسع ابن خزر نفوذه شرقا أخذ يحرض قومه الزناتيين في شمال تيهرت على الثورة والانفصال عن الرستميين، وكان بعضهم من الواصلية، ولأن محمد بن إسحاق الأوربي كان زعيما للواصلية في وليلي، وهو الذي ناصر الأدارسة وأسس دولتهم، وكان يطمع في مد نفوهم على كل بلاد المغرب، فعمد إلى إثارة الواصلية في تيهرت على الإمام وحرضهم في الانفصال عن الدولة الرستمية(1).
يفهم من هذا النص الذي ساقه السيد عبد العزيز كصفة مذهبية أو اعتقادية تتلاشى أمام الحشد الزناتي الذي كان مدعوما من الأدارسة وعاملهم ابن خزر على تلمسان، مما يعطي هذا الصراع طابعه السياسي والاقتصادي على مناطق النفوذ دون اعتبار للدعوة التي انطلقت منها زناتة أو انضوت تحتها، وهي الفكرة الواصلية المعتزلية التي لا تختلف من حيث المبدأ عما ينادي به الإباضيون ويدعون إليه. وكان هؤلاء الواصلية يدعون إلى الإمامة الإسلامية باللسان فقط، أي كان مجرد ادعاء بالحرص على مبدأ الشورى.
ولذلك لم يختلفوا مع الإباضية في الدولة الرستمية(2). ولكن هذا المبدأ الذي نادى به الإباضية لم يعد قائما بمجيء عبد الوهاب إلى السلطة بعد وفاة والده الذي كرس مبدأ الحكم الوراثي، وهذا ما أثار جماعة ابن فندين الذين تسموا بالنكارية.
__________
(1) السيد عبد العزيز، المغرب الكبير، ج 2، ص 553.
(2) نفسه، ص 47. (1/177)
صفحة 178
والذي لا نستبعده هو أن أسباب ثورة الواصلية هو نفس أسباب الحركة النكارية أو أحد الأسباب الأساسية، إضافة إلى ما ذكره السيد عبد العزيز وهو مبرر لإعلان الثورة وعدم الاعتراف بشرعية الإمامة الرستمية، وبذلك يمكن الدعوة للدولة الإدريسية التي لم يتضح مبدأ الحكم فيها بعد، وإن كان النسب الشريف للأدارسة جعل كل القبائل ومنها زناتة لا تنازع في شرعية الإمامة الإدريسية.
ما أردنا الوصول إليه في هذا السياق هو تبيان الظرفية التي كان عليها الحكم الرستمي، ووضعية الحاضرة الرستمية، وما تنازعها من تيارات أهمها المد الإدريسي من المغرب، والذي ربما شكل عاملا مهما في إعادة التفكير لدى الإمام الرستمي بالبحث عن ملاذ آمن لحاضرة دولته الناشئة بعيدا عن خطر الأدارسة.
أما ما يتعلق بالصراع مع الواصلية وكيف تمت إدارته ونتائجه فسنتركه مؤقتا إلى موضوع علاقة جبل نفوسة بالدولة الرستمية نظرا لأن نفوسة الجبل هي التي حسمت هذا الصراع لصالح عبد الوهاب فكريا وعسكريا. (1/178)
صفحة 179
وقبل مغادرته لتيهرت واجه الإمام عبد الوهاب ثورة قبائل مزاته وسدراته المنتجعة هناك، نتيجة لما أحدثه الإمام عبد الوهاب من اختيار المقربين إليه لوظائف الدولة، وضجت العامة من هذا الاختيار. وقد ورد نص لابن الصغير يوضح الأوضاع الاجتماعية والإدارية التي كانت تسير خلالها الإمامة في تيهرت، جاء فيه: "أن قبائل زناتة وسدراته وغيرهم كانوا ينتجعون من أوطانهم التي هم بها من المغرب وغيرها في أشهر الربيع إلى مدينة تاهرت وأحوازها لما حولها من الكلإ"(1). وخلال هذا الانتجاع يدخل عادة مقدمو القبائل إلى المدينة للاتصال بقبائلهم القاطنة في المدينة والاطلاع على أحوالهم. "وخلا كل قبيلة من سكان المدينة بمن انتجع إليهم من رؤسائهم فقالوا لهم: "إن الأمور قد تغيرت والأحوال قد تبدلت، قاضينا جائر، وصاحب بيت مالنا خائن، وصاحب شرطتنا فاسق، وإمامنا لا يغير من ذلك شيئا، وقد جاء الله بكم فادخلوا إلى هذا الإمام واسألوه عن قاضيه وصاحب بيت مالنا وصاحب شرطتنا وأن يولى علينا خيارنا"(2).
نفهم من هذا النص الذي احتفظ به ابن الصغير المؤرخ الوحيد غير الإباضي الذي عاصر الدولة الرستمية وكتب عنها من داخلها أن الأوضاع الإدارية والسياسية للإمامة في تيهرت وصلت إلى درجة من الفساد والترهل جعلت العامة تنعت موظفي عبد الوهاب بأقذع النعوت، وتشنع عليهم، كما يوضح من هذا النص النظام الإداري الذي كان معتمدا من قبل الرستميين.
__________
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 47.
(2) نفسه، ص 47، 48. (1/179)
صفحة 180
ورغم أن الإمام عبد الوهاب أبدى استعداده لإصلاح ما فسد من أمور الإدارة وتقبل النصيحة من رؤساء القبائل ومقدميهم، إلا أنه تراجع عن هذه الوعود أمام ضغط حاشيته وممن استفاد من هذه الوضعية، مما جعل الخلاف ينشب من جديد، ويضطر الإمام وبطانته إلى حسم الأمر بقوة السلاح، الأمر الذي كان له رد فعل سلبي، وأحدث شرخا في نظام الحكم الرستمي رغم انتصاره على المعارضة والتنكيل بها. وفي ذلك قال ابن الصغير(1): "واستمسك الأمر لعبد الوهاب، وبقيت حزازات النفوس في قلوب عشائر من قتل، ثم اشتد أمر عبد الوهاب وقوي عليه، وانتقل من حال الإمامة إلى حال الملك".
هذه الظروف وغيرها التي أحاطت بإمامة عبد الوهاب ورغم أنه استطاع أن يتغلب عليها _كما أشار إلى ذلك ابن الصغير_ ولو ظاهريا، ولكن ستترك أثرها إلى مدى بعيد.
ومما جعلنا نستعرض هذه المصاعب التي واجهت عبد الوهاب أثناء توليه الإمامة هو فهم دواعي وأسباب خروج عبد الوهاب من تيهرت حاضرة ملكه إلى جبل نفوسة، والذي كان إلى وقت وصول عبد الوهاب إليه يتبع تيهرت تبعية اسميه، رغم إشارة الشماخي إلى وجود علاقة سياسية بين الجبل وتيهرت، وخاصة عندما يتحدث عن التصدي للواصلية، وطلب الإمام عبد الوهاب المساعدة من جبل نفوسة، فقال الشماخي(2): "أرسل إلى جبل نفوسة وإلى عامله بها...".
كما أن بقية المصادر الإباضية تؤكد هذه النجدة أو المساعدة العسكرية والفكرية لمناظرة الواصلية _وسنشير إليها في حينها_ دون أن يذكر الشماخي سم هذا العامل أو كيفية تعيينه وتاريخه، وربما اعتقد الشماخي على وجود ولاء مذهبي ساعد الإمام عبد الوهاب في طلب المساعدة من جبل نفوسة دون أن تكون له يد اختيار ذلك الوالي أو الحاكم على الجبل.
__________
(1) نفسه، ص 51.
(2) الشماخي، سير، ورقة 154. (1/180)
صفحة 181
ويشير عيسى الحرير أن الإباضية بجبل نفوسة يتمتعون بنوع من الاستقلال (الذاتي) عن الدولة العباسية من زمن عبد الرحمن بن رستم، وفي عهد عبد الوهاب ازدادت الصلات بينه وبين أهل الجبل قوة(1).
ونرى أن ما قدمته نفوسة الجبل من دعم للإمام عبد الوهاب لمقاومة الواصلية والقضاء عليهم هو أحد الأسباب التي جعلته يفكر في أمر الجبل ومدى إمكانية تحويل الحاضرة الرستمية إليه.
وربما للأسباب السالفة الذكر مجتمعة رأى عبد الوهاب أن حاضرة الدولة الرستمية (تيهرت) أصبحت غير مؤهلة للقيام بهذه المهمة وهي استمرار الحكم الرستمي، وخاصة أن المعارضة السياسية جاءت من ساكني تيهرت وما حولها من القبائل التي تمثل قوة الإمامة الرستمية السياسية والعسكرية.
وبذلك تطلع الإمام عبد الوهاب في هذه الظرفية لنظام حكمه إلى البحث عن مكان أكثر أمنا وولاء للبيت الرستمي ليضمن استمرار حكمه في أسرته. وبما أن طرابلس وجبل نفوسة هما مركز الإباضية في إفريقية وأكثر ولاء للمذهب الإباضي، وكذلك لما تعنيه طرابلس بالنسبة للإمام عبد الوهاب ومن معه من إباضية نفوسة بأنها حاضرة أول دولة إباضية أول دولة إباضية قامت في إفريقة والمغرب وهي التي أعلنها أبو الخطاب المعافري سنة (140 ه) رغم قصر مدتها ونهايتها المريعة على يد ابن الأشعث القائد العباسي وجيشه. ومع ذلك لازالت عيون الإباضية ترنو نحو طرابلس رغم وقوعها تحت حكم الأغالبة، حيث أصبحت تابعة للقيروان يحكمها عامل من قبل بني الأغلب.
أضف إلى ذلك الولاء التام الذي أعلنه سكان جبل نفوسة للدولة الرستمية في مقاومة الواصلية.
__________
(1) الحرير، مقدمات، ص 121. (1/181)
صفحة 182
كما يضيف سعد زغلول(1) سببا آخر لبقاء عبد الوهاب في جبل نفوسة، وهو لجوء شعيب بن المعرف _أحد أنصار ابن فندين ضد الإمام عبد الوهاب_ إلى حيز طرابلس، وبدأ في نشر دعوته المناهضة لإمام تيهرت بين الحجاج الوافدين من المشرق، فكان السبب المتاعب للإمام عبد الوهاب، وربما خشي من انقضاض جبل نفوسة وحيز طرابلس عليه إذا تركت الأمور على ما هي عليه من تنامي الحركة النكارية بزعامة شعيب. وربما كان هذا أحد الأسباب التي قرر على إثرها الارتحال إلى جبل نفوسة لتقوية روابط العلاقة السياسية، بالإضافة إلى العلاقة المذهبية القائمة أصلا مع الجبل، وبذلك يقطع الطريق على خصومه من الاستحواذ على الجبل، وربما الاستقلال بحيز طرابلس نهائيا عن تيهرت.
ووفق هذه الأحداث التي تتسق إلى حد بعيد مع أسباب مجيء عبد الوهاب إلى جبل نفوسة قرر عبد الوهاب إعلان الرباط السياسي مع الجبل بتعيين وال من قبله على جبل نفوسة، وهذا ما يصل بنا إلى بداية العلاقة السياسية بين الجبل وتيهرت متمثلة في تعيين وال أو حاكم للجبل.
تمهيد:
لقد ارتبط ظهور أول وال على الجبل بوصول الإمام عبد الوهاب إلى جبل نفوسة، حيث لم تشر المصادر التي بين أيدينا _الإباضية وغيرها_ إلى وجود وال في الجبل، اللهم إلا إشارة الشماخي الآنفة الذكر والتي لم يحدد فيها _كما أشرنا_ تاريخ تعيين الوالي أو اسمه، ومن الذي قام بتعيينه، هل هم أهل الجبل أو إمامة تيهرت؟
__________
(1) سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ج 2، ص 323. (1/182)
صفحة 183
واعتبارا من هذه الرحلة والإقامة في الجبل ظهر نوع من النظام السياسي المرتبط بتيهرت. كما أن المصادر لم تتناول قبل ذلك أي علاقة سياسية أو تنظيم سياسي قائم باستثناء صراع هوارة الإباضية مع الأغالبة حول طرابلس، والذي شارك فيه الإمام عبد الوهاب لدعم روابطه مع قبيلة هوارة، ومحاولة منه للسيطرة على إقليم طرابلس، انتهى بمعاهدة صلح مع الأغالبة أسفرت عن بقاء مدينة طرابلس والشريط الساحلي تابعان على للأغابة ، على أن تبقى أحواز طرابلس وما حولها للإباضية التابعين للدولة الرستمية(1).
وبخصوص هذا التقسيم يورد الزاوي نصا يحدد من خلاله المجال الذي حصلت عليه الإباضية بقيادة عبد الوهاب، وما صح لعبد الله بن الأغلب فقال: "وفي أثناء حصار عبد الله بن الأغلب في طرابلس بلغه وفاة أبيه إبراهيم فصالح ابن رستم على أن تكون المدينة _داخل السور_ والبحر لعبد الله بن الأغلب، وخارج السور إلى سرت لعبد الوهاب بن رستم. وبهذا أصبحت جميع الأرض الطرابلسية داخلة تحت حكم الإباضية ماعدا المدينة داخل السور فبقيت تحت حكم عبد الله بن الأغلب"(2).
__________
(1) "أثناء حصار طرابلس من قبل عبد الوهاب 196 هـ ومعه قبائل هوارة وصل الخبر إلى الإمام بموت إبراهيم بن الأغلب، فأخبر بذلك المحصورين وابنه عبد الله بن الأغلب، فتصالحا على أن تكون المدينة والبحر للمسودة، وما كان خارجها للإمام عبد الوهاب". (الشماخي، سير، ورقة 161).
(2) الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 163. (1/183)
صفحة 184
وهكذا عندما قرر الإمام عبد الوهاب العودة إلى تيهرت يكون قد أمن حدود دولته إلى سرت، ووثق صلاته بجبل نفوسة. ولكي يضمن ارتباطه سياسيا بتيهرت قرر تنصيب وال من قبله على الجبل ينوب مكانه ويحل محله في تسيير شؤون الجبل مع ضمان تبعيته لتيهرت. ويبدو أن هناك خلافا حدث حول اختيار هذا الوالي، فأهل نفوسة الذين تذكر المصادر الإباضية أنهم طلبوا من الإمام عبد الوهاب تعيين وال أو حاكم على الجبل يقوم بشؤونهم لم يرتضوا إلا بالسمح ابن عبد الأعلى أبي الخطاب بن السمح المعافري(1) وهو ابن إمامهم أبو الخطاب إمام طرابلس (140 ه 757م)، وكانت معارضة الإمام أو عدم موافقته في أول الأمر على هذا الاختيار بحجة أن السمح "وزيري وأحب الناس إليّ وأنصحهم لي، ولم أرد مفارقته، فإذا أردتم أن استعمله فقد آثرتكم على نفسي واستعملته"(2).
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 119، الشماخي، سير، ص 161.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 119. (1/184)
صفحة 185
وربما كان للإمام عبد الوهاب مبرراته التي لم يفصح عنها ولم تذكرها المصادر الإباضية، ولكن أفصحت عنها الأحداث اللاحقة فيما بعد عندما هلك الوالي الذي حدث جدال في توليته وكذلك بعد وفاته. مما يؤكد أن معارضة الإمام عبد الوهاب أو تمنعه كان صائبا في عدم تولية السمح على الجبل، نظرا لما يمثله لأهل الجبل من ارتباط روحي بإمامتهم الأولى في طرابلس وخاصة أنه ابن إمامهم، مما يهيئ هذا الأمر إلى خلق ظرفية سياسية ومذهبية جديدة، يبدو أن الإمام تنبأ بها من خلال معارضته تلك، وهي انشقاق كبرى ولاياته الشرقية حيز طرابلس وجبل نفوسة عن الدولة الرستمية في تيهرت. وأن تولية السمح ابن الإمام أبي الخطاب ستخلق مبررا لتوارث الحكم في الجبل مثلما حدث في تيهرت، بل المناداة بشرعية السمحيين(1) وأحقيتهم في الإمامة دون غيرهم، وهذا ما يبدو من أسباب معارضة الإمام عبد الوهاب في أمر هذه الولاية، وخاصة إذا علمنا أنه بانتقال الإمامة من عبد الرحمن بن رستم إلى ابنه عبد الوهاب أصبحت نظاما ملكيا وراثيا، مما أثار معارضيه عليه لمخالفته مبادئ الحكم الإسلامي وأهداف المذهب الإباضي في تحقيقها، وهو مبدأ الشورى في الحكم. فقد رأى الإمام عبد الوهاب أن هذا المبدأ الذي لم يلتزم به فقمين بوالي جبل نفوسة وحيز طرابلس أن يتنصل هو الآخر من هذا المبدأ ويعلنها ملكية وراثية في جبل نفوسة، مما يشكل خطرا يتهدد كيان دولته في تيهرت.
ولذلك _في رأينا_ فإن معارضة الإمام عبد الوهاب لتولية وزيره السمح المقرب والأثير لديه في ولاية جبل نفوسة ترجع لتلك الأسباب.
__________
(1) هم أتباع السمح بن أبي الخطاب، وقد وردت هذه الكلمة عند ابن الصغير على هذا النحو "واتصل ذلك بأبي بكر فابتدر إليه خاصته من السمحيين والرستميين...". (ابن الصغير، الأئمة، ص 79). (1/185)
صفحة 186
ومما يؤكد ذلك ما حدث بعد وفاة السمح وتولية أهل جبل نفوسة عليهم ابنه خلف بن السمح، ومعارضة الإمام عبد الوهاب في ذلك رغم مراجعتهم في هذا الأمر أكثر من مرة، مما جعل خلف يعلن الإمامة في جبل نفوسة، ولم يرض بمنصب الوالي التابع لتيهرت.
وهو ما سنفصله في العلاقة بين الجبل وتيهرت.
أولا: ولاية السمح بن أبي الخطاب.
بعد أن أمضى الإمام عبد الوهاب سبع سنين في جبل نفوسة وتوصله إلى معاهدة مصالحة مع بني الأغلب في طرابلس سنة 196 ه 812 م، العودة إلى حاضرة ملكه تيهرت، واجتمع إليه أهل الفضل والصلاح من نفوسة وغيرهم، فسألوه أن يولي عليهم واليا قبل سفره. وسكتت المصادر الإباضية التي تناولت موضوع الولاية في الجبل عن ذكر تاريخ محدد تم فيه اختيار والي للجبل، ولكنه من خلال نسق الأحداث التي سارت بها الأوضاع، وهي توقيع معاهدة السلام في طرابلس مع الأغالبة سنة 196 ه 812م(1)، فربما يكون تعيين السمح في آخر هذه السنة أو في أول السنة اللاحقة (197 ه)، حيث نرى أن عبد الوهاب قد قفل عائدا إلى تيهرت بعد حصار طرابلس.
وكانت طريقة تعيين هذا الوالي قد تمت باختيار من أهل الجبل وخاصة من أهل العلم والفضل والصلاح، وبموافقة الإمام عبد الوهاب على رأي هؤلاء العلماء أو المجلس الاستشاري.
وكانت سلطة الوالي هي سلطة الإمام تقريبا أو من ينوب عنه في ممارسة اختصاصه نظرا لبعد المسافة بين الولاية والحاضرة تيهرت. وهنا يشير لويكي(2) (Lewicki) إلى أن الحاكم أو الوالي له كل السلطة الإدارية والسياسية، وفي نفس الوقت هو قاض كان يحكم حسب الشريعة بين الأفراد.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 119، الباروني، الأزهار، ص 200.
(2) Lewicki. P98. (1/186)
صفحة 187
وكما أن المصادر الإباضية سكتت عن إعطاء تفاصيل عن مهمة الوالي وعن وجود مجلس استشاري ثابت يرجع إليه في ذلك. وما ورد في نص الدرجيني نجده لا يعطي من جلية الأمر شيئا، حيث قال: "فلما ولي السمح حيز طرابلس أحسن فيهم السيرة وعدل في أحكامه فصلحت أحوالهم، فلم يزل مقرا بإمامة عبد الوهاب وناصحا له في رعيته حتى حضرته الوفاة، وقد كان عماله على نواحي طرابلس سالكين مسلكه في حسن السيرة"(1).
وما يستفاد من هذا النص هو أن هذه السيرة يفترض أن تكون من صفات أي حاكم أو والي.
وما ذكره الدرجيني عبارة عن شهادة حسن السلوك _إن صح التعبير_ دون أن يعطينا صورة واضحة عن كيفية إدارة الحكم.
ولكن يسعفنا الباروني بعض الإسعاف، ولم نعلم من أين استقى معلوماته عن ذلك، حيث لم يشر إليها بل قال: "..... وعدل في الأحكام، وساس الرعية بأقوم سياسية، ورتب العمال والقضاة ورجال الشرطة من أمناء الأهالي في النقط المهمة ومراكز العمران وفق مرغوب إمامه"(2).
إن نص الباروني ربما يعتبر أكثر جلاء لحيرتنا تجاه إيجاد مهام محددة للوالي؛ وهي أن من ضمن مهامه اختيار عمال العمالات التابعة له، وتعيين القضاة وقادة الشرطة في الأماكن التي يرى أنها تحتاج إلى ذلك. ولكن في إطار توجيهات الإمام ورغبته التي على شكل رسائل ومناشير توجه للولايات والعمالات.
ويضيف يحي معمر إلى تلك المهام أعمالا أخرى لاشك أنها من أساسيات عمله حتى ولو لم تشر لها المصادر فقال: "وتولى السمح تنظيم الولاية وترتيب القضاة وأمراء الجند وجباة الزكاة، فساد الأمن وانتشر السلام"(3).
__________
(1) الدرجيني، طبقات، ص 67- 68.
(2) الباروني، الأزهار، ص 200- 201.
(3) علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ص 79. (1/187)
صفحة 188
إن نص يحي معمر على أهميته _باعتباره أحد شيوخ الجبل_ لاشك أنه وضع يده على مصادر مهمة عن تاريخ الجبل، ولكن يمكن مناقشته في دقة العبارة. فترتيب أمراء الجند والتي لعله يقصد بها قادة الشرطة أو صاحب الشرطة؛ لأن تكوين الجيش أو العسكر في عهد الدولة الرستمية كان على شكل تجريدة من القبائل دون أن يكون هناك جند نظامي أو مؤسسة عسكرية قائمة بذاتها. ومما لاشك فيه أن هذا أحد أسباب ضعف الدولة الرستمية، وهو اعتمادها على ولاءات القبائل المتبدلة من حين إلى آخر حسب مصالح تلك القبائل.
وما يهمنا في هذا الأمر أننا من خلال هذه النصوص التي أوردناها استطعنا أن نحصل على معلومات مهمة عن وظيفة الوالي وإن كانت غير متكاملة.
ولكن لاشك أن هذه هي أساسيات وظيفة الوالي وعمله، كما أن مدة الوالي في حكم ولايته غير محددة بزمن معين، تنتهي عادة بالوفاة أو إذا جاء من الأعمال ما يخالف توجيهات الإمام أو رغبة الأهالي وخاصة العلماء في الجبل، أو يكون اختيار الوالي دون رغبة الإمام أو رأيه، وهو ما حدث بعد وفاة السمح بن أبي الخطاب، والذي لم نعرف مدة ولايته، ولكنها على أية حال كانت من القصر بحيث لم تثر خلالها أية قضايا أو مشاكل.
ثانيا: ولاية خلف بن السمح.
إن تعيين الوالي كان باقتراح من أهل الجبل وخاصة العلماء كما أسلفنا، وبموافقة إمام تيهرت على رأي هؤلاء العلماء أو ما يعتبر تزكية أو إقرار لما اقترحوه.
وكانت ولاية خلف بعد وفاة والده في تاريخ غير محدد، ولكنها كانت في عهد الإمام عبد الوهاب الذي وافق على ولاية والده السمح تحت إلحاح أهل الجبل، وكانت معارضته لتلك الولاية ربما لها أسبابها الموضوعية وهي استقراء المستقبل وما سينتج عنه من متاعب لإمامة تيهرت في حالة ما إذا فكر أهل جبل نفوسة في الانفصال أو حتى في الاستقلال الذاتي. (1/188)
صفحة 189
تمت مبايعة خلف بن السمح من غالبية سكان أهل الجبل، وكذلك من عدد من العلماء، ذكر منهم الشماخي "... سائد (أو سادين)، ومنيب بن إسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو سيف حجاج بن وفتين"(1).
وأرسلت تلك المبايعة للإمام عبد الوهاب مع إعلان مهلك الوالي السابق _السمح_ رجاء موافقة الإمام على اختيار إباضية الجبل للوالي الجديد خلف.
وقبل أن نتطرق لرد الإمام عبد الوهاب على تلك المبايعة أو المطلب تجدر بنا الإشارة إلى دواعي اختيار خلف كوال على الجبل من قبل العلماء وسكان الجبل قبل الاستشارة مع الإمام في تيهرت.
لقد رأى سكان الجبل أو هكذا كان اعتقادهم أن خلف سليل بيت عريق في خدمة المذهب الإباضي في بلاد المغرب، فهو حفيد أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري أول أئمة الظهور، وأبوه السمح وزير الإمام عبد الوهاب وعامله على جبل نفوسة.
ولذلك اكتسب آل الخطاب منزلة كبيرة بين إباضية المغرب الأدنى. وقد جاء رفض الإمام عبد الوهاب لتلك المبايعة مغايرا لما أمله إباضية الجبل.
ويبدو أن الإمام خشي على نفوذه في هذه النواحي (حيز طرابلس وجبل نفوسة) من جراء قيام حكم وراثي فيها. وبذلك يكون قد أنكر على آل الخطاب ما استباحه لنفسه هو وأسرته من الخروج على مبدأ الوراثة في الحكم(2).
وقد أشار أبو زكرياء والباروني إلى رد الإمام عبد الوهاب على تلك المبايعة، أنه جاء على شكل خطاب موجه لأهل الجبل بتخطئة من ولي خلفا من غير رضاء إمامه، وبتصويب من أبا تلك التولية، كما أمرهم بأن "يرجع كل عامل استعمله منكم السمح إلى عمالته التي ولي عليها إلا خلف بن السمح فحتى يأتيه أمري وتوبوا إلى ربكم..."(3).
__________
(1) الشماخي، سير، ورقة 187.
(2) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 163.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 121، الباروني، الأزهار، ص 202- 203. (1/189)
صفحة 190
من هذا المقتطف من خطاب الإمام عبد الوهاب نستبين اللهجة الغاضبة التي قابل بها عبد الوهاب مطلب أهل الجبل في اختيار والي لولاية الجبل دون الدخول في فتح حوار حول هذه المسألة، ما يؤكد ما أشرنا إليه من خشية الإمام من انفصال الولايات الشرقية عن دولة بني رستم، كما يؤكد هشاشة العلاقة السياسية بين الجبل وتيهرت وأنها علاقة حذرة ما تزال محل اختبار وخشية من الطرفين.
وبرغم ذلك أعاد أهل حيز طرابلس وجبل نفوسة الطلب للإمام عبد الوهاب بالموافقة على ما اختاروه لأنفسهم، وهو تولية خلف.
وفي الرد الثاني ورد نص أبي زكرياء بخصوص وصول كتاب الإمام إلى حيز طرابلس وجبل نفوسة واجتماع أهلها على ذلك الخطاب وما احتواه من رد بالرفض على تولية خلف "فكتبوا إلى الإمام... وطلبوه أن يجوز لهم ثانيا ما فعلوه من توليتهم خلفا"(1).
ورغم أن ما بحوزتنا من المصادر حول هذه المسألة هي مصادر إباضية منحازة بلا شك لرأي الإمام عبد الوهاب وللدولة الرستمية بصفة عامة، فهي لم تذكر وجهة النظر المخالفة لها، ولم تتناولها بموضوعية. رغم ذلك كله نستطيع أن نستوضح مدى المعارضة القوية التي بدأت تتنامى في الجبل لإمامة تيهرت، وكذلك وجاهة هذه المعارضة وأسبابها.
كما نجد أن الأمر سينتقل فيما بعد من خلاف على ولاية تابعة لإمامة تيهرت لم يرض الإمام عن شخص واليها المعين حديثا من قبل أشياخ وعامة السكان في الجبل، إلى إعلان الإمامة في جبل نفوسة وحيز طرابلس. وقد أورد أبو زكرياء الرد الثاني من رسالة الإمام عبد الوهاب الذي جاء فيه: "إن ما سألتموني من ذلك لم يسعني فيما بيني وبين ربي، ولو وسعني ذلك لفعلته لكم، وأن تتوبوا من فعلكم ذلك"(2).
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 121.
(2) نفسه، ص 121. (1/190)
صفحة 191
مما يعني تسارع الأحداث في اتجاه غير متوقع من قبل الإمام الذي كان يظن أن باستطاعته من خلال ما أرسله من خطابات للجبل أن ينهي هذا الخلاف وتعود الأمور إلى نصابها، معولا على الولاء المذهبي لإمامة تيهرت الذي بدأ يضعف أو نستطيع القول يتلاشى _نتيجة لما أحدثه الإمام نفسه من تغيير_ في مبادئ المذهب.
وبدأت ترجح كفة العامل السياسي في تسيير العلاقة بين الجبل وحيز طرابلس من جهة وإمامة تيهرت من جهة أخرى.
وباعتبار ولاية خلف من الموضوعات أو الإشكاليات الأساسية التي برز فيها الخلاف واضحا بين الجبل وإمامة تيهرت، وبالتالي تعتبر مسألة التجاذب هذه هي أحد جوانب العلاقة التي كانت سائدة بين الجبل وتيهرت، وخاصة ما نتج من رغبة الجبل في الاستقلال بإمامة منفصلة عن تيهرت، وهو ما يصب في موضوعنا الآتي "علاقة الجبل بالدولة الرستمية".
لذلك رأيت تأجيل الخوض في أوجه الخلاف حول هذه المسألة باعتبارها أبرز سمات الصراع السياسي مع تيهرت، مع الاستمرار في تناول النظام السياسي والإداري في الجبل، وكذلك الولاة الذين حكموا بموازاة خلف وكانت لهم تبعية لإمامة تيهرت.
أسماء الولاة الذين حكموا الجبل أثناء
معارضة خلف لإمامة تيهرت
بموازاة مع ولاية خلف التي رفضتها إمامة تيهرت، أو بعبارة أكثر دقة في محاولة من إمامة تيهرت لشق وحدة الجبل، وزرع بذور الخلاف بين من يقطنه من القبائل أو بين المدن والمناطق داخل الجبل. وبعد معارضة خلف لرأي الإمام بعدم التنحي عن ولاية الجبل تم تنصيب وال آخر نظيرا لخلف في محاولة للقضاء على معارضته والتصدي له من داخل الجبل، ولذلك تم تنصيب والي يتبع تيهرت، وكان أولهم:
أولا: أبو الحسن أيوب بن العباس النفوسي(1):
__________
(1) النفوسي: وردت عند الشماخي الذي عده من علماء الطبقة الرابعة، النصف الثاني، القرن الثاني الهجري. (الشماخي، سير، ورقة 165). (1/191)
صفحة 192
وكانت ولايته بتكليف من الإمام عبد الوهاب _حسب الشماخي_. وقد جاء أمر تعيين أبي الحسن هذا بشكل عاجل من الإمام عبد الوهاب دون الرجوع إلى استشارة أهل الجبل مع العلماء.
ويذكر الشماخي(1) أن أتباع خلف بعد أن وصلتهم فتوى أهل المشرق بتخطئة من ولى خلفا، وأمرهم بتقوى الله وطاعة إمامهم أنكروا إمامة عبد الوهاب.
وهنا تجاوز الأمر مجرد التمسك بولاية الجبل، فالإمام عبد الوهاب نظرا لما عهده في أبي الحسن أيوب من شجاعة وقوة بأس كقائد عسري، وأنه أحد الأربعة الذين أرسلتهم نفوسة إلى تيهرت لمناصرة الإمام عبد الوهاب في صراعه مع الواصلية.
وكان أبو الحسن مشهورا بقوة المبارز(2)، فرمى به جبل نفوسة وأتباع خلف الثائر عليه في الجبل ظنا منه أن الأمر؟ سيحسم قبل أن يستفحل في بقية الولايات، ولكن أبا الحسن أيوب عاجلته المنية. ولم تشر المصادر الإباضية إلى أي عمل قام به خلال ولايته، أو احتكاك وقع له مع خلف وأتباعه، مما يبدو لنا أن تلك الولاية كانت من القصر بحيث لم ينجز خلالها أي عمل يستحق الذكر.
كما أن تلك المصادر لم تشر إلى سبب الوفاة مما يؤكد أنه مات حتف أنفه.
__________
(1) الشماخي، سير، ورقة 181.
(2) نفسه، ورقة 182. (1/192)
صفحة 193
ثانيا: أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني(1).
عده الدرجيني من علماء الطبقة الخامسة ما بين 200 و250 ه(2)، وأنه أحد علماء نفوسة الموصفين بالأخلاق النبيلة.
لم تحدثنا المصادر عن تاريخ ولايته إلا أنه عاصر الإمام عبد الوهاب الذي انتهت مدة إمامته بوفاته سنة 208 ه على أرجح الآراء كما أسلفنا.
__________
(1) الجناوني: نسبة إلى قرية إجناون إحدى قرى الجبل (من البربرية إغناون). (أبو زكرياء، السيرة، هامش 3، ص 124)، كما أن اسم إجناون أو إغناون هناك بعض تفسيرات لها جاء من غاني أو القن الذي من غانا وهم العبيد حسب رأي محمد المبروك. (العلاقات الليبية الإفريقية، وإبراهيم فخار في مقبلة معه بوهران). كذلك سكان إجناون يسمون اليون قبيلة الرقيق. من خلال زياراتي لأطلال قرية إجناون وجدتها قد انتقلت إلى ثلاثة مواقع خلال تاريخ إنشائها الغير معلوم تحديدا، فموقعها الأول وهو موضوع دراستنا يقع في قاع واد سحيق أسفل مدينة جادو من الجهة الغربية، حيث تأتي في سفح الجبل أو عند قدم الجبل يتعذر الوصول إليه في الوقت الراهن نتيجة لتبرد طبيعة الأرض وحدوث انجرافات تحتها. وفي مخطوط البغطوري يتحدث عن مكانة إجناون قديما: "لا ينبغي للرجل أن يوطن (يستوطن) إلا منزلا اجتمعت فيه خمس: الطبيب الحاذق، والنهر الجاري، والسوق القائم، والعالم الورع، والحاكم العدل. وقد اجتمعت في إجناون زمن أبي عبيدة عبد الحميد". (البغطوري، مخطوط، ورقة 35).
(2) الدرجيني، طبقات، ص 291. (1/193)
صفحة 194
وقد تولى أبو عبيدة ولاية الجبل بعد مهلك أبي الحسن أيوب، ورغم أن الكيفية التي تم بها تعيين أبي عبيدة واليا تختلف عما حدث مع سلفه، فإنه تمت توليته برضاء الإمام عبد الوهاب الذي لبى طلب نفوسة الجبل ومن حولها من نواحي طرابلس _بعد أن أبلغوه بمهلك الوالي السابق_ طالبين فيه تعيين عامل آخر عليهم. وإثر ذلك طلب منهم أن يعلموه برجل يرضى لأعمالهم وتتفق عليه كلمة أهل الفضل منهم فسموه له، فكاتبوه باتفاق كلمتهم على أبي عبيدة. فكتب بتوليته على أعمالهم والنظر في أمورهم، ولا علم له بما أرادوا(1) (أي أبو عبيدة).
ورغم معارضة أبي عبيدة في هذا التعيين الذي يبدو أن لا دخل له فيه والشكوى من عدم قدرته وضعفه عن القيام بمهمة الولاية خاصة في ظل تلك الظرفية المضطربة التي يمر بها الجبل وحيز طرابلس، وهي وجود ثورة انفصالية أعلنها خلف بن السمح والتي لم تهدأ بعد، بل شملت معظم مدن الجبل وغالبية سكانه وخاصة الجهة الغربية من الجبل وهي الأكثر عمرانا وأكثر خصوبة من حيث الزراعة.
وقد ورد نص الدرجيني يدعم ذلك فقال: "... وثم عظمت صولته، واشتدت شوكته (أي خلف) حتى استمال كثيرا من الناس فمالوا إليه، وأكثر ميلهم خصب جانب خلف، وجذب حيز أبي عبيدة، فكانوا معه طلبا لمعاشهم ورغبة في الدنيا، وكانوا على رأيه وبدعته"(2).
وهذا النص رغم تحيزه الواضح للإمام عبد الوهاب فإنه يظهر مدى تنامي المعارضة وشمولها لأغلب سكان الجبل ورفضها لحكم إمامة تيهرت ورغبتها في الاستقلال، ولعل هذا من أهم الأسباب التي جعلت أبا عبيدة يتردد في قبول ولاية الجبل لما يراه من خطر محدق ورفض الغالبية من سكان الجبل لأي وال يتم تعيينه من قبل إمامة تيهرت.
__________
(1) الدرجيني، طبقات، ص 72- 73.
(2) الدرجيني، طبقات، ص 70- 71، أبو زكرياء، السيرة، ص 124- 125، الباروني، الأزهار، ص 206. (1/194)
صفحة 195
قبل أبو عبيدة ولاية الجزء المتبقي من الجبل على ولائه للإمامة تيهرت، وأراد موادعة خلف وعدم التعرض له "وأرسل إلى خلف: إذا ما فعلت ما فعلت فكن في حيزك وأكون في حيزي وضع الحرب"(1).
من هنا ندرك مدى ضعف والي الإمام الرستمي وعدم قدرته على تحرير ما وقع في قبضة خلف من أرض ومدن، بل أراد أن المسالمة والموادعة نتيجة لما كان عليه خلف من القوة والأتباع. ولا تسعفنا المصادر بأي أعمال أخرى قام بها أبو عبيدة خلال نزاعه مع خلف، وبقي على هذه الحالة من الترقب إلى أن مات عبد الوهاب وخلفه ابنه أفلح في إمامة تيهرت الذي لم يستطع مساندة واليه هو الآخر، مثل ما فعل والده عبد الوهاب، حيث اعتمد على نصح واليه باستخدام أسلوب الملاينة إلى أن تأتي الفرصة المناسبة للتخلص من خلف، وهكذا أصبحت الأحوال بين كر وفر بين خلف وأبي عبيدة إلى جاءت سنة 221 ه، حيث تذكر المصادر الإباضية(2) أن أبا عبيدة تمكن من الانتصار على خلف وتشتيت شمله.
ولكننا نعلم أن حروبا وقعت بين خلف وبين العباس بن أيوب خليفة أبي عبيدة عند فاغيس قرب تمتي(3)، الأمر الذي يشكك في رواية تلك المصادر واستمرار الصراع بين خلف والولاة المكلفون من تيهرت.
__________
(1) الدرجيني، طبقات، ص 73.
(2) البغطوري، مخطوط، ورقة، 150، أبو زكرياء، السيرة، ص 134، الباروني، الأزهار، ص 228، انفرد الدرجيني بتاريخ 211 هـ، طبقات، ص 76.
(3) الباروني، الأزهار، ص 175، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 166. (1/195)
صفحة 196
وبذلك طغت تلك الأحداث على أي نشاط قام به الوالي أبو عبيدة في الجبل، بل ربما أهملت تلك المصادر ما قام به من نشاط إداري وسياسي، أو أن انكماش نفوذ سلطته السياسية على جزء قليل من الجبل إلى أن انحصر في مركز ولايته وهي قريته إجناون، حيث مارس وظيفة المحتسب على المزارعين في قريته وخاصة أصحاب البساتين الذين يهتمون بغراسة الزيتون، حيث ذكر الشماخي "وفيها (أي مدة ولايته) حجر على أهل إجناون خرط زيتونهم إلى وقت وعلوم"(1).
ولقد توفي الوالي أبو عبيدة في تاريخ لم تذكره المصادر التي بين أيدينا، إلا أننا نعلم أنه توفي في عهد إمامة أفلح(2) بن عبد الوهاب الذي عين مكانه واليا على الجبل هو العباس بن أيوب.
ثالثا: ولاية العباس بن أيوب(3).
وفي معرض حديث الباروني(4) عن ولاية العباس قال: "لما توفي أبو عبيدة كتب المسلمون من نفوسة الجبل ومن معهم إلى الإمام أفلح بذلك يعزونه فيه ويطلبون منه تعيين غيره، فأرسل في الحال أمر الولاية إلى العلامة العباس، ولما وصله لم يجد عذرا لدفعه والتزم بقوله، وجمع أهل الرأي ومن عليهم المدار من رجال نفوسة وتلاه عليهم فأملوا حسن مستقبلهم، وضمنوا لأنفسهم الراحة والأمن".
من هذا النص ندرك أن الإمام أفلح قرر اتخاذ أمر تعيين والي جبل نفوسة بنفسه، وذلك مثلما حدث مع والد هذا الوالي الذي كان واليا على الجبل قبل أبي عبيدة، ولم يترك اختيار الوالي لأهل الجبل من نفوسة وغيرها كما فعل في اختيار أبي عبيدة الذي تم اختياره باقتراح أهل الجبل وموافقة الإمام عبد الوهاب.
__________
(1) الشماخي، سير، ص 179.
(2) أفلح بن عبد الوهاب (208- 258 هـ) ثالث الأئمة الرستميين (ابن الصغير، الأئمة، هامش ص 57).
(3) العباس بن أيوب بن العباس، والده تولى ولاية الجبل قبل أبي عبيدة بأمر من عبد الوهاب، وهو أحد الأبطال الذين استعان بهم عبد الوهاب لمحاربة الواصلية في تيهرت.
(4) الباروني، الأزهار، ص 230. (1/196)
صفحة 197
ومن جهتنا نعزو سبب ذلك إلى أن اختيار أهل الجبل لمعاملهم السابق ربما كان غير موفق حين لم يتمكن من القضاء على ثورة خلف في الجبل، وذلك راجع ربما لكهولته وكبر سنه(1) وتحججه بالضعف، وأنه كان رجلا متدينا عالما فقيها كما تتحدث عنه السير، دون أن يكون رجل سلاح مثل آل عباس، حيث يعتبر العباس بن أيوب هو ثاني شخصية تتولى ولاية الجبل من أسرة آل العباس نظرا لما اشتهرت به من قوة بأس في القتال والمبارزة، ووالده أبو الحسن أيوب هو من تصدى للواصلية في الجانب العسكري كما أسلفنا، ولكن لا تسعفنا المصادر بتاريخ انتهاء ولايته أو أعماله التي يمكن أن يكون قام بها، عدا عن مقارعته لخلف وأتباعه في الجبل.
في هذا الصدد يتساءل الباروني عن مدة ولاية العباس فيرجح باستمرارها إلى نهاية مدة الإمام أفلح(2)، فقال: "إذ لم نعثر على قط على مكاتبة تدل على شيء من ذلك، ولم نقف على من ولي الجبل بعد العباس وقبل ابنه أفلح (ابن العباس) إلا ما ذكروه عن ولاية أبي در أبان"(3).
والباحث في أمر ولاة الجبل من عهد أبي عبيدة يجد أن الصراع السياسي والعسكري قد طغى على بقية المهام السياسية والإدارية والتطوير العمراني في الجبل وبذلك لا نجد أي ذكر للإصلاحات العمرانية التي ربما تكون قد قام بها الولاة إلى جانب مقاومتهم لثورة خلف في الجهة الشرقية من الجبل، أو ربما سخر كل مجهود للعمل العسكري الذي لم يتوقف حتى باختفاء خلف من مسرح الأحداث.
رابعا: ولاية أبي در أبان.
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 165.
(2) وفاة الإمام أفلح يجعلها الباروني 240 هـ، بينما يجعلها زامباور 258 هـ. (الباروني، الأزهار، ص 221، السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب الكبير، ص 559).
(3) الباروني، الأزهار، ص 176. (1/197)
صفحة 198
بعد وفاة العباس بن أيوب في تاريخ غير محدد ولكنه في عهد الإمام أفلح كتب أهل الجبل إلى الإمام أفلح في ذلك، فولى عليهم أبا در أبان بن وسيم النفوسي(1) من بلدة ويغو(2)، لم تتجاوز مدة ولايته سبعة أشهر(3)، كما لا نعلم سبب نهاية ولايته هل هو بالعزل أو الوفاة. ونتيجة قصر مدته لم تذكر المصادر الأعمال التي قام بها.
خامسا: ولاية أفلح بن العباس.
هو أفلح بن العباس بن أيوب بن العباس، لقد تولى جده ولاية الجبل في عهد الإمام عبد الوهاب، وتولى والده ولاية الجبل في عهد الإمام أفلح بن عبد الوهاب.
كانت ولاية أفلح في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح(4) الذي تولى إمامة تيهرت بعد عزل(5) أخيه الإمام أبو بكر عن الإمامة.
__________
(1) نفسه، ص 277.
(2) ويغو: قرية فوق جبل مدينة شروس، وهي قرية جميلة المنظر، تدل أطلالها ورسومها على إتقان صنعة بنائها. (الباروني، الأزهار، ص 190).
(3) نفسه، ص 277.
(4) نفسه، ص 305.
(5) تولى أبو بكر بن أفلح الإمامة بعد وفاة والده والإمام أفلح 258 هـ، ولكن العامة والجند انتفضوا عليه وعزلوه بعد فتنة صهره ابن عرفة الذي دبر له أبو بكر مكيدة فقتله بها نتيجة تحريض من حاشيته وأقاربه، وبذلك لم يبق في الإمامة طويلا حيث عزل بعد سنتين من توليته، وبقيت الإمامة شاغرة لمدة عام نتيجة الفتن والحروب بسبب اغتيال ابن عرفة الذي كان محبوبا من عامة الناس، وبعد أن هدأت الفتنة تم تنصيب محمد الملقب بأبي اليقظان سنة 261 هـ إماما لتيهرت إلى 281 هـ. (بحاز، الدولة الرستمية، ص 130 وما بعدها). (1/198)
صفحة 199
غير أن الملفت للنظر هو وجود شخصية تولت ولاية الجبل بعد ولاية أبي در أبان وقبل ولاية أفلح بن العباس ولم تذكرها المصادر، حيث نعلم أن الوالي ابن العباس تولى بعهد من الإمام أبي اليقظان. وأبو اليقظان هذا تولى إمامة تيهرت سنة 261 ه، ولم يتمكن من ممارسة مهامه إلا بعد مضي سبع سنين أمضاها في الحروب وهو خارج تيهرت، ولم يتمكن من السيطرة عليها إلا في سنة 286ه.
وبعد أن وصل إلى تيهرت انشغل في إصلاح ما انتلم في أثناء تلك الحروب، حتى عاد الناس إلى خط سيرهم القديم في سبيل العمارة والتجارة والبنيان.
من هنا نود الوصول إلى التاريخ الذي تولى فيه أفلح بن العباس ولاية جبل نفوسة: أي بعد فراغ أبي اليقظان من ترتيب أوضاع تيهرت التي دخلها بعد سبع سنين من مبايعته بالإمامة.
وبعد دخول المدينة تلقى مبايعة أخرى من الذين كانوا معارضين له ضمن ولاء القبائل داخل المدينة وخارجها، فرتب الولاة والعمال والحكام والقضاة وأصحاب الشرطة في الولايات كلها(1) والتي لاشك من بينها ولاية جبل نفوسة وتولية أفلح بن العباس عليها، وبذلك تكون ولايته بعد 269ه.
وقد ذكر الباروني الكيفية التي تم بها اختيار أفلح واليا على الجبل: "وأتت وفود نفوسة لتقدم عليهم أميرا من أنفسهم... فقال: اكتبوا أسماءكم كلكم وارفعوها إلي، وأمر الكاتب أن يكتب السجل ويترك بياضا لموضع المقدم، فلما رفع الكتاب إليه كتب بخط يده اسم المقدم، وطواه وطبعه ولم يعلم أحدا من الناس من قدم، ثم جمع القوم وقال لهم: هاكم السجل ولا تفتحوه إلا بجبل نفوسة إذا بلغتم منازلكم"(2).
__________
(1) نفسه، ص 298.
(2) ابن الصغير، الأئمة، ص 98، الباروني، الأزهار، ص 305. (1/199)
صفحة 200
بهذا الأسلوب في تعيين الولاة أعاد أبو اليقظان ما فعله والده في تعيين والي قنطرارة عندما كتب هذا الأخير كتابا إلى كل من سعد بن أبان بن وسيم النفوسي وفرج بن نصر المعروف بنفات، وما نتج عن ذلك من فتنة وخلاف عرفت بفتنة نفات، وما نتج عنها من انشقاق في حيز طرابلس.
ونتساءل: هل الإمام أبو اليقظان أراد أن يعيد نفس الفتنة ليشغل القوم بأنفسهم وخاصة إذا علمنا أن وفد نفوسة قد غضبوا من هذا الإجراء واستنكروه نتيجة للحيرة التي أوقعهم فيها أبو اليقظان، فقال الباروني: "فأخذ القوم السجل وقد اغتموا إذ لم يعلموا القدم عليهم"(1).
ونتيجة لذلك الغموض في موقف أبي اليقظان حاول وفد نفوسة معرفة المقدم عليهم قبل سفرهم إلى الجبل، وأرادوا استقصاء الأخبار من المقربين من الإمام الذين أنكروا معرفتهم بذلك إلا شخص واحد وقد اتهمه أبو اليقظان بالجنون وهو الذي أخبرهم ويدعى عبد العزيز بن الأوز(2).
إلى هنا تجنبت المصادر الإباضية ذكر هذه الحادثة إلى أن يشير الباروني إلى أن ولاية أفلح بن العباس لم تدم طويلا فانفصل عنها، ولم نعرف سبب انفصاله وكيفيته(3).
كما لم يذكر الباروني أن نهاية هذه الولاية كانت طبيعية والتي عادة ما تنتهي بالوفاة. "وعلى كل فهو بعزل أو استعفاء"(4) أن يتحدث عن أعماله أو إنجازاته، مما يوحي بأن هذا التعيين الذي اكتنفه الغموض وإجراء بعض الحيلة من قبل أبي اليقظان في اختياره كان له السبب في التعجيل بإنهاء أمر ولايته دون التعرض إلى أعماله، وكذلك تاريخ انتهاء ولايته.
سادسا: ولاية أبي منصور إلياس.
__________
(1) الباروني، الأزهار، ص 305.
(2) عبد العزيز بن الأوز: من علماء الإباضية الذين كانت لهم رحلة نحو الشرق. (ابن الصغير، الأئمة، ص 99).
(3) الباروني، الأزهار، ص 311.
(4) نفسه، ص 311. (1/200)
صفحة 201
تولى أبو منصور إلياس ولاية الجبل بعهد من الإمام أبي اليقظان بن أفلح إمام تيهرت (261- 281 ه) (875- 895 ه)(1) ودون أن تحدد المصادر التي بين أيدينا تاريخ ولاية أبي منصور، ولكن مما تجدر الإشارة إليه أن أبا منصور تولى ولاية الجبل قبل سنة 267 ه- 881 م، حيث كان في هذه السنة أبو منصور إلياس واليا على الجبل، وأنه حارب العباس بن أحمد بن طولون أثناء حصاره لطرابلس(2) بمساعدة الأغالبة. ولكن أبا اليقظان الذي تمت مبايعته بالإمامة (261 ه- 875 م) لم يتمكن من دخول تيهرت وممارسة صلاحياته كإمام إلا سنة 268 ه، أي بعد مضي سبع سنين في محاربة ابن مسالمة مقدم هوارة(3) الذي استولى على تيهرت، وبعد هذا التاريخ استطاع أن يرتب العمال والقضاة وأصحاب الشرطة في نواحي الدولة(4) إلا أن ما يجعلنا نرجح التاريخ المشار إليه وهو تعيين أبي المنصور إلياس قبل سنة 267 ه من قبل أبي اليقظان ضد محاربيه من خصومه هوارة وغيرهم بعد أن أرسل في طلب المساعدة منهم(5)، مما يؤكد أن بإمكانه تعيين وال على جبل نفوسة حتى قبل أن يحسم أمر تيهرت لصالحه لضمان استمرار المدد من حليف قوي وهو جبل نفوسة برغم انشغال نفوسة الجبل بالتصدي لحملة ابن طولون على طرابلس.
ومهما يكن من أمر فإن أبا منصور إلياس أبرز الشخصيات التي نقلت ولاية الجبل، إذ يعتبر حاكم الجبل المطلق في تاريخ عبثت فيه الفتن بمركز الإمامة تيهرت.
__________
(1) الشماخي، سير، ص 222، بحاز، الدولة الرستمية، ص 132 وما بعدها. الباروني يجعل إمامة أبي اليقظان 245 هـ، وهذا لا يستقيم. الأزهار، ص 295، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 175 وما بعدها.
(2) ابن عدي، البيان، ج 1/ ص 119، الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 171، عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب الكبير، ج 2/ ص 562.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 175، بحاز، الدولة الرستمية، ص 132.
(4) الباروني، الأزهار، ص 298.
(5) نفسه، ص 296. (1/201)
صفحة 202
وذلك نظرا لما قام به هذا الحاكم من إنجازات عسكرية ضد العباس ابن طولون وضد قبيلة زواغة(1) التي احتمى بها الطيب بن خلف وهم على رأي أبيه (الخليفة).
كان أبو منصور إلياس على دين النصرانية في أول أمره ثم اعتنق الإسلام. قال الدرجيني: "...ذكر المشايخ أنه لم تنقطع ثلاثة أشياء من بيت أبي منصور إلياس منذ فارقوا النصرانية"(2)، مما يؤكد استمرار وجود المسيحية إلى عهد أبي منصور إلياس في الجبل. ويعرفه الباروني: "أبو منصور إلياس النفوسي التندميرتي من إحدى قرى الجبل تندميرة المشهورة بالعلم، تولى ولاية الجبل في عهد محمد بن أفلح (أبو اليقظان) وابنه يوسف بن اليقظان"(3).
مات أبو منصور إلياس في تاريخ غير محدد على وجه الدقة في عهد الإمام أبي حاتم بن أبي اليقظان الذي جدد له عهد الولاية(4). والإمام أبو حاتم تولى إمامة تيهرت سنة 281 ه 895 م، ولكنه توفي قبل وقعة مانو(5) التي مني فيها أهل جبل نفوسة بهزيمة نكراء على يدي الأغالبة، وهي سنة 283 ه 897 م، حيث كان الوالي على الجبل أثناءها أفلح بن العباس(6).
__________
(1) زواغة: قبيلة من قبائل البربر، وتنسب إلى زناته، وتطلق زواغة أيضا على مدينة تقع غربي طرابلس بنحو خمسين ك.م، وهي مدينة ساحلية، ويطلق عليها اليوم اسم صبراته. أبو زكرياء، السيرة، هامش، ص 146.
(2) تلك الأشياء: 1- الصلاح، 2- زريعة القمح، 3- تناس الغنم. (الدرجيني، طبقات، ص 330).
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 145، الباروني، الأزهار، ص 339.
(4) الباروني، الأزهار، ص 339.
(5) مانو: قصر قديم على ساحل البحر يقرب من قابس، الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 172.
(6) أبو زكريا، السيرة، هامش 24، ص 149، الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 172. (1/202)
صفحة 203
ولأهمية وقعة مانو وما ترتب عليها من أحداث سواء في جبل نفوسة أو في الدولة الرستمية وإمامة تيهرت، إذ بوقعة مانو فقدت الدولة الرستمية أكبر حليف وركن أساسي من أركان الدولة وهو جبل نفوسة نظرا لما كانت تشكله نفوسة من دعم لأئمة تيهرت، ونظرا لأهمية هذه الوقعة وما تسارع بعدها من أحداث ويجدر بنا إعطاء لمحة عن هذه الوقعة وانعكاساتها وأسبابها والدوافع التي دعت نفوسة لاعتراض جيش إبراهيم بن الأغلب، حيث دفعت بخيرة فرسانها ورجالها لأتون حرب جلبت لها الوبال والفناء، وساهمت في تغيير الخارطة السياسية فيما بعد.
وقعة مانو (283(1) ه 896 م)
تختلف المصادر الإباضية عن غيرها مت المصادر الأخرى في أسباب هذه المعركة رغم اتفاقها في التاريخ والمكان.
فابن عذاري المراكشي(2) بعد ذكر سنة هذه الوقعة يذكر أن سبب وقعة مانو "هو أن إبراهيم بن أحمد (الأغلبي) اعترضته نفوسة بين قابس وطرابلس، ومنعته من الجواز، وكانوا في عشرين ألفا لا فارس معهم، فناصبهم الحرب وقاتلوهم قتالا شديدا حتى هزموهم وقتلوا أكثرهم".
نفهم من نص ابن عذاري أن إبراهيم بن الأغلب كان متوجها إلى المشرق إلى طرابلس أو مصر، وأن الاعتراض أو الاعتداء تم من جبل نفوسة التي عبأت لهذه المعركة جيشا قوامه عشرين ألف رجل. أي لنفهم أن هذا الحدث لم يكن حدثا عرضا بل كانت له أسبابه وعدته.
كما يشير ابن عذاري في موضع آخر إلى أن ابن الأغلب تمادى في سيره بعد هذه الوقعة ودخل طرابلس وقتل عاملها أبا العباس محمد بن زيادة الله، وتمادى في سيره حتى وصل إلى تاورغاء يريد مصر(3).
__________
(1) ابن عداري، البيان، ج 1، ص 139.
(2) نفسه، ص 139.
(3) نفسه، ص 130. (1/203)
صفحة 204
ولكن نتيجة خلافه مع جنده وخوف انقلابهم عليه كر راجعا، وفي عودته تلك ألحق بنفوسة مقتلة أخرى، وذلك (284(1) ه 897 م) عندما أرسل إليهم ابنه أبا العباس فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم ثلاثمائة رجل قتلهم إبراهيم بن الأغلب في القيروان ومثل بهم(2).
وعن موقعة مانو تذكر المصادر الإباضية رأيا مخالفا لما ذكره ابن عذاري من أسباب هذه الموقعة.
وهنا يورد أبو زكريا(3) رواية أخرى للأحداث وهو أن إبراهيم بن الأغلب أنفذه الخليفة العباسي (المتوكل)(4) بعد أن وصلته أخبار نفوسة، وأن قيام دولة الفرس بتيهرت كان بهم.
فسار إبراهيم بعسكره نحو المغرب، فلما قرب من طرابلس سمعت بخبره نفوسة فأجمعوا رأيهم على ألا يتركوه يمر وألا يتركونه وما يريد من الجواز إلى تيهرت. ومما يؤكد أن هناك خطأ وقعت فيه نفوسة او استدرجت إليه بمعارضتها لجيش ابن الأغلب ما استدركه أبو زكرياء نفسه من أن والي الجبل أفلح بن العباس عارض نفوسة في خروجهم لجيوش ابن الأغلب وكره ذلك حيث دبر لهم مكيدة كانت سبب إبادتهم.
__________
(1) نفسه، ص 130.
(2) نفسه، ص 130.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 150- 151. بطبيعة الحال هذا الكلام لا يستقيم وإنها رواية واهية لسببين بسيطين: أولهما إن الأغالبة كان لهم حكم القيروان قبل هذا التاريخ، أي ولاية إبراهيم بن سالم بن عقال التميمي 184، ابن عداري، البيان، ج1، ص 92، والسبب الثاني هو أن وقعة مانو كانت بقرب قابس الحالية بتونس، وليست بغرب طرابلس حسب أبو زكرياء.
(4) كانت في عهد المعتضد (279- 289) وليس المتوكل. بحاز، الدولة الرستمية، هامش، ص 139. (1/204)
صفحة 205
ويروي أبو زكرياء(1) هذه الحادثة دون تحرج حيث قال: "فأسرع القتل في الفريقين وكثر الجراح والقتل في نفوسة حتى هموا بالانهزام، فصارت تنهدم الرجال من الصفين كالحيطان، فلما رأى ذلك واليهم أفلح بن العباس أمر صاحب البند أن يحفر له في الأرض ويوقفه كي لا ينهزم عن البند أحد".
وكان صاحب البند تحت ضغط أفلح وإلحاحه قد حفر للبند مرغما وقال له: "لقد أمسكته عند جدك فلم يقل لي ذلك، وأمسكته عند أبيك فلم يقل لي ذلك، فإن حفرت له حفر الله لك"(2).
ويؤكد أبو زكريا أن أفلح بعد أن تأكد من ثبات البند ولى هاربا. لماذا فعل أفلح ذلك؟
لاشك أن ما ذهب إليه ابن عذاري هو الأصوب والأقرب إلى الحقيقة؛ حيث أن وجهة سير ابن الأغلب كانت مصر وليس تيهرت كما توهم أبو زكرياء أو هكذا أراد من ذلك، وإلا ما سبب هذا الانشقاق بين الوالي المرغم على القتال والذي استغل موضوع البند وغرزه في الأرض لتباد نفوسة وأهل الجبل حوله. أليس هذا يدل على خلاف في الرأي؟ وإن ما خرجت له نفوسة ومن معهم كان بدون موافقة الجميع ولأسباب واهية لم تبين عنها المصادر التي بحوزتنا.
وعن قصة ثبات هذا البند وأنه كان سببا مباشرا في إلحاق الهزيمة والمذبحة بنفوسة يستطرد أبو زكريا في ذلك قائلا: "فحفر للبند وأوقفه، فولى أفلح مدبرا وتركهم يلودون بالبند ولم يستجيروا أن ينهزموا والبند واقف حتى قتل منهم بشر كثير"(3).
وعن خسائر هذه الوقعة يتحدث أبو زكرياء: "إنه بلغنا عن الثقاة من أهل الجبل أن عدة من قتلاهم اثنا عشر ألفا، أربعة آلافا من نفوسة، وثمانية آلاف من كان معهم من البربر وغيرهم وفيهم أربعمائة عالم"(4).
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 152.
(2) نفسه، ص 152.
(3) نفسه، ص 152.
(4) نفسه، ص 152- 153. (1/205)
صفحة 206
كما لا يخفي الباروني(1) استغرابه معارضة نفوسة ومن معهم من القبائل الأخرى لابن الأغلب في حربه لابن طولون حيث قال: "ولا سبب فيه ولا داعي إلى حمل نفوسة على المعارضة والوقوع في هذه المصيبة، مع أنهم أعانوا بني الأغلب قبل ذلك على ابن طولون".
وكان ذلك في عهد أبي منصور إلياس حاكم الجبل عندما فك الحصار عن طرابلس الذي ضربه حولها ابن طولون.
كما أن الزاوي هو الآخر يبدي استغرابه من معارضة نفوسة لابن الأغلب (وهو مؤرخ غير إباضي) فيذكر أن حكام الجبل كانوا ضد هذه الحرب وضد الخروج لحرب ابن الأغلب: "ويبدو أن معارضة نفوسة لابن الأغلب ليست من مصلحتها في شيء بل المصلحة في ذهابه لأنه سيذهب في جيش كبير يكلفه نفقات كبيرة، وهذا مما يضعف ابن الأغلب ويسهل على نفوسة الثورة عليه... لذلك فقد عارض فكرة خروج كثير من أعيانهم مثل أفلح بن العباس والي الجبل وسعد بن أبي يونس عامل قنطرارة (تيجي الحالية) ومعبد الجناوني. ولكن رجحت كفة الأكثرية"(2).
وكان لابن الأغلب بعد وقعة مانو جولة أخرى حيث زحف إلى قنطرارة مدينة "تيجي فنزل عليها بغتة وحاصرها فقتل من قتل وأخذ منها ثمانين عالما، ورحل إلى نفزاوه"(3).
ومهما يكن من أمر موقعة مانو فإنها كانت بداية النهاية للقضاء على شوكة نفوسة.
ومنذ ذلك العهد لم تعد نفوسة توافي الرستميين بالإمدادات، وكان لذلك أعظم الأثر في اضمحلال دولة الرستميين(4) بعد أن انهارت نفوسة وضعف شأنها التي كانت تشكل عصب الدولة الرستمية الأساسي ودرعها الواقية(5).
__________
(1) الباروني، الأزهار، ص 343.
(2) الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 172، الباروني، الأزهار، ص 342.
(3) الباروني، الأزهار، ص 344- 345.
(4) السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 564.
(5) الحريري، مقدمات، ص 180. (1/206)
صفحة 207
ومن ناحية أخرى كانت تلك الهزيمة التي تعرضت لها نفوسة ومن معها من قبائل الجبل كفيلة بإسقاط هيبة الإمام في تيهرت وعدم قدرته على دعم نفوسة في محنتها رغم المحاولات التي قام بها للسيطرة على الأمور، ولكن الوقت كان قد فات(1).
بعد هذه الوقعة عاشت الإمامة في تيهرت عشر سنوات تخللها حروب ونزاعات داخل البيت الرستمي حول السلة، ولم يستطع أبو حاتم أن يحرك فيه ساكنا، لقد كان محاصرا لعمه يعقوب بن أفلح وطمع في الإمامة بعض أقاربه وهم بنو أخيه، فلم يجدوا صعوبة كبيرة في التآمر عليه وقتله سنة 294 ه- 906 م(2).
بعد إعطاء هذه اللمحة عن معركة مانو ودوافعها وبصورة أكثر أهمية عن انعكاساتها على الدولة الرستمية والتعجيل بأفول نجمها من المغرب الأوسط، وذلك وفق مقتضى السياق التاريخي للأحداث نعود للاستمرار لتحليل العلاقة بين جبل نفوسة وتيهرت.
إن ما نحاول الإجابة عليه في هذا الفصل الأساسي من موضوع بحثنا هو:
* لماذا دراسة علاقة الجبل بالدولة الرستمية أو إمامة تيهرت على وجه التحديد؟
* ما هي الأسباب التي جعلت دور الجبل يبرز أو يفوق مستوى الدولة الرستمية أو مساندا لها؟
* ما هي الظرفية التي خلقت العلاقة بين الجبل والإمامة في تيهرت؟ وما نوعية هذه العلاقة؟
* هل هي علاقة تبعية للدولة؟ أم هل هي علاقة الند للند متساوية في الأدوار؟
* هل هي علاقة دعم ومساندة أم علاقة تنافر وتجاذب؟
* أو هي كل هذه العلاقات مجتمعة استمرت عبر فترات متباينة؟
إن بروز جبل نفوسة كقوة مذهبية وسياسية كان قبل وجود الدولة الرستمية في المغرب الأوسط وتحديدا في تيهرت، أي منذ النصف الأول من القرن الثاني الهجري _وقد أسلفنا الحديث عن قيام الدولة الخطابية في طرابلس_ وذلك بوصول أول الدعاة للمذهب الإباضي ومن بعدها وصول حملة العلم وتكوين الدولة الخطابية سنة 140 ه وفق المذهب الإباضي في طرابلس.
__________
(1) نفسه، ص 181.
(2) نفسه، ص 181. (1/207)
صفحة 208
في كل هذه الإرهاصات كان جبل نفوسة حاضرا ومركزا لتفاعلات تلك الأحداث من خلال قبائله التي كانت تقطنه من نفوسة وهوارة ولواتة وزناتة، وخاصة بنو يفرن منهم وقبائل زواغة القاطنة في حيز طرابلس.
والصراع العسكري الذي خاضته تلك القبائل ضد ولاة القيروان وعمال طرابلس كان قاسيا ومريرا دفع الجبل خلاله الثمن باهضا، وخاصة منذ إعلان دولة أبي الخطاب في طرابلس وما ترتب على ذلك من دخول في الصراع العسكري مع القائد العباسي ابن الأشعث، وما تكبدته هذه الدولة من هزيمة موجعة قضت على آمال الإباضية في طرابلس بتكوين دولة لهم ودخولهم في صراع مسلح تحت إمامة الدفاع، بقيادة أبي حاتم الذي واجه نفس مصير ابن الخطاب، وذلك سنة 155 ه(1)، حيث قتل أبو حاتم على يدي يزيد بن حاتم في معركة جندوبة (وهي قرية من قرى جبل نفوسة)، وقتل معه ثلاثون ألف من أصحابه(2).
بعد هذه الهزيمة النكراء تلاشت أحلام الإباضية في تكوين دولة في حيز طرابلس أو جبل نفوسة، ورنت أنظار النفوسيين إلى عبد الرحمن بن رستم.
__________
(1) ابن عذاري، البيان، ج 1، ص 78.
(2) الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 145. (1/208)
صفحة 209
ويروي أبو زكرياء(1) عن أبي الربيع سليمان أن عبد الرحمن بن رستم بعد فراره من القيروان إلى جبل سوفجج (المغرب الأوسط) لحقه ستون شيخا من مشايخ إباضية طرابلس، ولنا أن نتصور كم مع هؤلاء الأتباع من قبائل نفوسة وهوارة وزناتة. مما يعطي لنا صورة واضحة على مدى ارتباط إباضية طرابلس وجبل نفوسة بالإمامة في تيهرت بعد أن كانت آمالهم هي تكوين دولة في حيز طرابلس أو جبل نفوسة، أي أن جبل نفوسة وحيز طرابلس هم أول من رفع لواء المعارضة لدولة الخلافة. وعندما انحدروا مرتين(2) على أيدي العباسيين وولاتهم في إفريقيا تبدد أملهم في بناء كيان إباضي في مأمن من خطر العباسيين في طرابلس أو جبل نفوسة، نظرا لوقوعها في طرق الحملات العباسية القادمة من المشرق لنجدة ولاة القيروان وتوفير المدد المستمر، مما جعل الإباضية ينأون عن طريق تلك الحملات لضمان استمرار دولة إباضية مستقلة عن دولة الخلافة تطمح في الاستقلال بإفريقية.
ولكن رغم ذلك التفكير الذي نتج عنه إعلان الإمامة في تيهرت (161 ه)(3) فإن قبائل هوارة الإباضية القاطنة في حيز طرابلس لم تيأس من محاولة بناء كيان إباضي في طرابلس، فنجدها تشن الغارة تلو الغارة على طرابلس حتى أواخر القرن الثاني الهجري (196 ه)(4) عندما استنجدت هوارة بالإمام عبد الوهاب أثناء إقامته في جبل نفوسة، وحاصرت مدينة طرابلس عندما كانت هذه الأخيرة عمالة تابعة للأغالبة في القيروان.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 77.
(2) كانت الأولى هزيمة أبي الخطاب وقتله في جملة اتباعه 144 هـ، والثانية هزيمة أبي حاتم ومقتله 155 هـ في جبل نفوسة.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 85.
(4) الباروني، الأزهار، ص 197. (1/209)
صفحة 210
وهذا الأمر يوحي بضرورة إيجاد إمامة إباضية أخرى في حيز طرابلس منفصلة عن إمامة تيهرت. فنجد هذه الفكرة أو الأطماع تتبلور في شكل صراع سياسي وعسكري بين سكان جبل نفوسة وإمامة تيهرت عندما احتج سكان الجبل بانفصال الحوزات بين جبل نفوسة وحيز طرابلس من ناحية وبين تيهرت في المغرب الأوسط من ناحية أخرى.
ولعلهم توصلوا إلى هذه النتيجة من خلال الصراع بين إباضية الجبل وحيز طرابلس مع الأغالبة وعمالهم في طرابلس دون مساعدة أو نجدة من تيهرت التي كانت في أغلب الأحيان منشغلة بصراعاتها الداخلية.
وما حدث من انحراف عن مبدأ الإمامة في الاختيار وانتقال الإمامة من هذا المبدأ إلى حكم وراثي يدعو إلى وراثة الحكم داخل البيت الرستمي، ويعتبر من أكبر المآخذ على إمامة تيهرت، مما جعل أهل جبل نفوسة يفكرون في الاستقلال بإمامة منفصلة عن تيهرت، وظهر ذلك بشكل واضح في عهد الإمام عبد الوهاب ومن جاء بعده، وظهور خلف بن السمح في جبل نفوسة الذي تم اختياره من أهل الجبل وعلمائه واليا على جبل نفوسة.
ولكن الإمام عبد الوهاب الذي وافق على تولية السمح واليا على الجبل مكرها لم يوافق على ما اتخذه أهل الجبل من تولية خلف بن السمح محل أبيه الذي هلك رغم مخاطبة أهل الجبل له ومراجعته في ذلك الاختيار مرتين، ولكنه أبى عليهم ذلك لأمر ما واحتسبه؛ وهو أن مضى جبل نفوسة في اختيار الوالي من البيت الخطابي يعني ذلك خلق إمامة جديدة بالوراثة في جبل نفوسة، فأنكر عبد الوهاب على أهل جبل نفوسة ما قام هو بفعله في تيهرت. (1/210)
صفحة 211
ولاستكمال جوانب هذه العلاقة بشكل أكثر دقة ينبغي معالجة العلاقة بين جبل نفوسة وإمامة تيهرت من خلال شخصية كل إمام رستمي وعلاقته بالجبل، وبذلك يتسنى لنا الإجابة على الأسئلة المطروحة في مقدمة هذا الفصل. كما أن المنهجية العلمية تدعونا إلى تحديد عناصر هذه العلاقة والتي من خلالها نعالج هذا الموضوع؛ وهي علاقة تنحصر في مبدأين أساسيين سادا علاقة حكام تيهرت مع جبل نفوسة وهما:
* علاقة الاتفاق أو التلاقي بين الجبل وإمامة تيهرت ومقومات ذلك الاتفاق.
* علاقة اختلاف وتنافر ومحاولة استقلال الجبل عن إمامة تيهرت.
وهاتان الوضعيتان هما اللتان كانتا تحكمان العلاقة خلال فترة كل إمام رستمي ونظرته إلى جبل نفوسة، أي كانت العلاقة متباينة من حاكم أو إمام إلى آخر.
ولذا يجدر بنا أن نتناول هذه العلاقة من خلال سير الأحداث في عهد كل إمام رستمي ومدى انعكاس سياسته على جبل نفوسة.
في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم
(262- 71 ه/ 778- 788 م)
كانت العلاقة في عهد أول إمام رستمي بين الجبل وتيهرت تكاد تنحصر في الجانب الروحي أو المذهبي فقط، ولم تشر أي من المصادر الإباضية أو المصادر الإسلامية الأخرى التي بين أيدينا إلى وجود أي علاقة سياسية، اللهم إلا ما ذكره أبو زكرياء عن أبي حاتم الملزوزي إمام الدفاع في حيز طرابلس وعلاقته بعبد الرحمن بن رستم: "إنه كان يرسل بما جمع من الصدقات للإمام عبد الرحمن بن رستم قبل أن يتولى عبد الرحمن الأمور وإمامة الظهور"(1).
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 78، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 150. (1/211)
صفحة 212
ولكن ما أشار إليه أبو زكرياء هنا كان قبل سنة 155 ه وتاريخ مقتل أبي حاتم وأصحابه في جندوبة بالجبل كما أسلفنا الحديث في لك. باستثناء هذا النص لم نجد أي ذكر لعلاقة جبل نفوسة مع تيهرت في عهد عبد الرحمن. وهذه العلاقة تتجلى من خلال من صحبه من علماء الإباضية من حيز طرابلس(1) والذين كانوا قوام دولته ومؤسسيها فيما بعد.
وفي هذا الصدد يشير سعد زغلول إلى أثر إقليم طرابلس والجريد والزاب في ترسيخ الدولة الرستمية في تيهرت: "فلكي يستقر ابن رستم وأتباعه الذين جاءوا معه من بلاد إفريقيا وطرابلس في المغرب الأوسط كان لابد لهم من تنظيم دعاية واسعة النطاق لنشر تعاليم المذهب الإباضي بين قبائل المنطقة، واستمر ذلك حوالي خمسة عشر سنة.
ومما ساعد على نجاح دعوة ابن رستم كون المنطقة التي نزلها تعتبر امتدادا لبلاد الزاب، وإن كثيرا من قبائلها من لواتة وهوارة وزواغة ومطاطمة أصلها من أقاليم المغرب الشرقية في طرابلس ونفزاوة وبلاد الجريد مهد الدعوة الإباضية"(2).
وقد سهل هذا الأمر سير كثير من إباضية تلك الأقاليم إلى ابن رستم، حيث أقاموا بين بني جلدتهم في المغرب الأوسط.
وإن هذا النص يوضح مدى الارتباط الذي تشكل بين قبائل طرابلس وإفريقيا من جهة والدولة الرستمية من جهة أخرى، واحتواء تلك الدولة في إطار هذه القبائل، حيث أصبحت هي مادتها ونسيج لحمتها التي كانت عليها مدارها إلى النهاية (أي نهاية الدولة الرستمية) عندما أصابها الوهن من الداخل نتيجة الصراع داخل الأسرة الرستمية الحاكمة على السلطة.
ولكن لا نعلم منه مدى الارتباط السياسي الذي كان موجودا بين حيز طرابلس وجبل نفوسة مع الدولة الرستمية. فالمصادر أحجمت عن ذكر هذه الحقبة ربما لقصرها وانشغال عبد الرحمن بن رستم بتأسيس الدولة وبناء عاصمتها.
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 150، نقلا عن الباروني، الأزهار، ص83.
(2) سعد زغلول، المغرب العربي، ج 2، ص 291. (1/212)
صفحة 213
ولكن بروز هذه العلاقة بشكل جلي وواضح وربما بشكل استراتيجي _إذ جاز لنا استعارة هذا التعبير المعاصر ونقله إلى العصور الوسطى (عصر الدولة الرستمية)_ تم في عهد الإمام الثاني للدولة الرستمية وهو عبد الوهاب بن عبد الرحمن. وكان من أوجه التواصل بين الجبل وتيهرت التعاون العسكري والثقافي وطلب النجدة من أهل الجبل، كما سنوضح فيما بعد، وربما بين لنا هذا عمق العلاقة التي كانت موجودة بين إمامة تيهرت والجبل قبل مجيء عبد الوهاب إلى سدة الحكم في تيهرت.
إن الظرفية التي صاحبت تولي عبد الوهاب لإمامة تيهرت كانت لها انعكاسات ستطال النظام الإباضي في كيفية اختيار الإمام، مما يعد خروجا عن تعاليم المذهب، وساهم في خلق انشقاقات داخل المذهب الإباضي نفسه، بل تجد معارضة شديدة من رعايا الدولة الرستمية في الولايات الأخرى، وتغتنمها حجة الانفصال، كما حدث في الولايات الشرقية.
وتناولنا بالدراسة لعهد الإمام عبد الوهاب وعلاقته بالجبل وحيز طرابلس يؤدي بنا إلى إثارة عدد من الإشكالات التي كانت محل خلاف، وبعضها محل اتفاق بين الجبل والإمامة في تيهرت، لنستبين الوضعية السياسية التي كانت تحكم تلك العلاقة. (1/213)
صفحة 214
تولي الإمام عبد الوهاب إمامة تيهرت وما نتج عنها من خلافات قبيل وفاة الإمام عبد الرحمن بن رستم ترك مجلس شورى كان تكوينه يهدف بصورة أو أخرى إلى إبقاء الإمامة في يد عبد الوهاب _وقد أسلفنا ذلك في حديثنا عن الافتراقات وخاصة النكارية_ إلا أن ما يعنينا هنا أن ابن فندين _وهو يفرني من قبيلة زناتة، وكانت بنو يفرن أحد سكان الجبل إلى يومنا هذا_ قد نادى بمبدأ سياسي في الحكم يعتبر تطورا هاما في الفكر السياسي وهو: "إنما كانت ولاية عبد الوهاب على شرط أن لا يقضى أمر دون جماعة معلومة"(1) أي ضمان رجوع الإمام رغم أنه انحرف عن مبدأ الاختيار إلى مبدأ التعيين والتوريث إلى مجلس لا يقضي أمرا دونه حتى يمنع استبداد الحاكم بأمور الدولة.
ورغم توقف ابن فندين وأنصاره عن محاربة عبد الوهاب وإعلان الهدنة إلى أن تتم استشارة علماء المشرق من الإباضية إلا أن الحرب نشبت بين الفريقين، واستطاع عبد الوهاب في نهاية الأمر التغلب على خصومه بعد مقتل ابن فندين ولجوء شعيب ابن معروف _أحد علماء المهب في مصر من مؤيدي ابن فندين_ إلى طرابلس، حيث انتشرت الحركة النكارية في إقليم الزاب وزواغة في حيز طرابلس(2). مما يعد بداية لرفض إمامة تيهرت من قبل حيز طرابلس لانحرافها عن أهم مبادئ الإباضية وهو مبدأ الشورى.
وتمكن الدوافع الأساسية لهذه الثورة (ثورة ابن فندين) في رفض إمامة عبد الوهاب لعدم اعترافه بجماعة الشورى، ولأن في جماعة الإباضية من يبز عبد الوهاب علما.
ومن ثم يصبح مغتصبا للإمامة، إضافة إلى ذلك نقمته على سياسية عبد الوهاب الإدارية ومحاربته لبعض العناصر والقبائل، واختصاصهم بمناصب الدولة دون غيرهم(3).
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 92.
(2) سعد زغلول، المغرب العربي، ج 2، ص 323.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 156. (1/214)
صفحة 215
وقد شجعت الحركة النكارية _رغم إخمادها في تيهرت_ على قيام ثورات أخرى مناهضة للحكم الرستمي، مثل الحركة الواصلية والتي استنجد عبد الوهاب بنفوسة الجبل للقضاء على هذه الحركة.
وهنا تظهر علاقة التوافق بين الجبل وتيهرت رغم ما كان يمثله ابن فندين من معارضة.
هذا تعريف مبسط للواصلية ذات الأفكار والمبادئ المتصلة بالشرق. بل أراد أبو زكرياء أن يحصرها من ناحية اجتماعية قبلية، وأن ما تمثله المعارضة الواصلية وترفع لواءه هي قبيلة زناتة"(1).
ويبدو أن هذه القبائل كانت مدعومة من أطراف خارجية استهدفت الانسلاخ عن الرستميين بعد ثورة النكار المشار إليها، وربما انتهزت ضعف الدولة الرستمية نتيجة هذه الصراعات.
وتذكر المصادر أن حركتهم لم تقتصر على واصلية الدولة الرستمية فحسب بل ضمت كافة عناصرهم. "فتكاثفت كلمة الواصلية واجتمعوا من كل نقب وجاءوا من كل أوب"(2). وحسب بعض المصادر فإن حركة الواصلية كانت من وراءها قبائل زناتة إلى حدود مقتل ابن فندين اليفرني. وإضافة إلى ذلك فإن إدريس بن الحسن كان قد غزا محمد بن خزر الزناتي أمير تلمسان (173 ه) فانضوى ابن خزر تحت لواء الأدارسة.
ولكي يوسع محمد بن خزر نفوذه شرقا أخذ يحرض قومه الزناتيين في شمال تيهرت على الثورة والانفصال عن تيهرت(3).
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 104.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 105، الدرجيني، طبقات، ص 57، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 160.
(3) أبو عبد الله التنسي، تاريخ دولة الأدارسة من كتاب نظم الدر والعقيان، تحقيق عبد الحميد حاجيات، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص 35، السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 553. (1/215)
صفحة 216
ومهما كانت الأسباب التي دعت الواصلية للقيام بهذه الثورة على إمامة تيهرت، فإن ما يهمنا من الأمر أن الإمام عبد الوهاب لم يستطع القضاء على هذه الثورة أو التمرد إلا بعد أن طلب المساعدة من جبل نفوسة، وجاءته تلك النجدة التي كانت السبب في حسم الصراع لصالح إمامة تيهرت ضد الواصلية.
ولكن ما يستوقفنا في أمر تلك المساعدة أمران:
الأمر الأول: تقول بعض المصادر الإباضية إنه "طلب من عالمه على جبل نفوسة"(1) بل إن أبا زكرياء يصرح بأنه عامل عبد الوهاب على جبل نفوسة...
إن أخبار هذا العامل لم تصلنا ولم تذكر المصادر تاريخ تعيينه وهل كان موجودا منذ عهد الإمام عبد الرحمن؟ وهل كان اختيار هذا العامل من قبل أهل الجبل فقط، وتمت الموافقة عليه من قبل إمامة تيهرت؟ أم أن هذا العامل كان مستقلا استقلالا ذاتيا عن دولة تيهرت، كما توحي بذلك بعض المصادر؟
وفي ضوء هذه الأحداث رأي عبد الوهاب رأى عبد الوهاب أن يطلب المساعدة من إباضية جبل نفوسة. "وكان الإباضية بجبل نفوسة يتمتعون بنوع من الاستقلال الذاتي عن نفوذ الدولة الرستمية منذ زمن أبيه عبد الرحمن. وفي عهد عبد الوهاب ازدادت الصلات بينه وبين إباضية هذا الجبل قوة"(2).
نفهم من هذا أنه قد بدأت علاقة سياسية آخذة في النمو والتماسك بين الجبل وتيهرت مستندة بالدرجة الأولى على الولاء المذهبي الذي كان يربط الجبل بإمامة تيهرت والتي يعتبرها من صنعته، وكنتيجة للثورات التي خاضها الإباضية في طرابلس.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 106، الدرجيني، طبقات، ص 58.
(2) الشماخي، سير، ص 154، إحسان عباس، تاريخ ليبيا، ص 56، عيسى الحريري، مقدمات، ص 121. (1/216)
صفحة 217
وفي فضل نفوسة ودورها في بناء كيان الدولة الرستمية قال الإمام عبد الوهاب قولته المشهورة: "إنما هذا الدين (يعني المذهب الإباضي) بسيوف نفوسة وأموال مزاتة"(1). هذه العبارة التي لم يذكر أبو زكرياء المناسبة التي قيلت فيها، وربما جاءت في معرض احتجاج بعض القبائل الأخرى على تقريب نفوسة وإيثارها بأهم مناصب الدولة، ذات دلالة هامة على مدى ما وصلت إليه نفوسة من مكان ودور مهم في الدولة الرستمية. ومهما يكن من أمر فإن أمر هذا العامل أو الوالي الذي ذكرته المصادر الإباضية دون تفصيل يبقى غامضا أو مجهولا، أو ربما يكون غير موجود أصلا، وإنما أرسل الإمام عبد الوهاب إلى مشايخ الجبل وعلمائه، حيث إن المصادر التي أشارت إلى وجود عامل بالجبل تجنبت ذكر اسمه كما ذكرت أسماء العمال والولاة الذين جاؤوا بعده مباشرة.
الأمر الثاني: الغموض الذي لف حجم تلك المساعدة، فهل هي أربعمائة أو أربعة أشخاص كما يذكر أبو زكرياء؟(2) "فاتفق رأيهم جميعا على أن يبعثوا بأربعة نفر: أحدهم مهدي(3)، والآخر أيوب بن العباس، والثالث محمد بن يانس(4)، والرابع لم يبلغنا اسمه، وقد قيل إن اسمه أبو محمد"(5).
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 150.
(2) نفسه، ص 105، 106.
(3) مهدي النفوسي "الويغي" نسبة إلى ويغو: قرية قرب شروس في الجبل، وهو أحد أربعة استشهدوا في الجبل بعلمهم، وتوفي في حصار طرابلس 196 هـ عندما حاصرها الإمام عبد الوهاب وقبيلة هوارة (أبو زكرياء، السيرة، هامش 8، ص 105).
(4) أبو المنيب محمد بن يانس: تلميذ لأبي درار الغدامسي أحد حملة العلم، ويصنفه الدرجيني من علماء الطبقة الخامسة، فيكون قد عاش في النصف الثاني الهجري، ومات في النصف الأول من القرن الثالث (أبو زكرياء، السيرة، ص 106).
(5) ورد عند الباروني أبو الحسن الابدلاني (الأزهار، ص 170)، بينما الدرجيني مدبدب بين ما ذكره الباروني وما ذكره أبو زكرياء (الدرجيني، طبقات، ص 58). (1/217)
صفحة 218
ومع أن المصادر الإباضية تذكر أن الإمام طلب أربعمائة شخص بين مقاتل وفقيه ومجادل في علم الكلام. ذكر الدرجيني(1) أن الإمام عبد الوهاب "أرسل إلى جبل نفوسة يستمدهم طالبا منهم جيشا نجيبا يكون فيه رجل مناظر عالم بفنون عالم بفنون الرد والكلام، ورجل عالم بفنون التفاسير، ورجل شجاع للمبارزة...".
هذا الأمر لا يستقيم ومطلب الإمام الذي كان في حاجة للمساعدة وفق العدد الذي طلبه، وهو أدرى بظروفه القتالية وما يحتاج إليه، فكيف يتم إرسال عدد يخالف بل ينقص كثيرا عن المطلوب الذي يرغب الإمام في الحصول عليه؟
ولكن ما نرجحه في هذا الصدد أن أهل نفوسة قد أرسلوا للإمام ما طلبه من الجند، إلا أن شهرة هؤلاء النفر الأربعة قد طغت على الباقي من الجند(2).
وما يهمنا في هذا الموضوع أن جهود هذا الجيش قد كللت بالنجاح والتفوق على الواصلية، مما يعطي الفضل لنفوسة الجبل في صد هذا الاعتداء عن إمامة تيهرت، كما يعطي هذا النص صورة عن التفوق الفكري الذي وصل إليه الجبل مقارنة مع تيهرت وما يتوفر في الجبل من علماء في فنون الجدل والكلام والفقه قل نظيرهم في تيهرت. وهذه بدورها تحسب لصالح الجبل.
وهنا يتبادر سؤال إلى الذهن: لماذا لم يطلب الإمام عبد الوهاب هذا المدد من جبل نفوسة عندما كان يقاتل النكار أصحاب ابن فندين الذين أنكروا عليه الكيفية التي تولى بها الإمامة رغم وجود من هو أفضل منه؟
لم ترد هذه القضية في المصادر، ولعل مرد ذلك راجع إلى ما يلي:
__________
(1) الدرجيني، طبقات، ص 57.
(2) ابن عميرة، دور زناتة، ص 130. (1/218)
صفحة 219
فالمعارضة الأولى التي واجهها عبد الوهاب كانت من أجل مبدأ سياسي من مبادئ الإباضية وهو مبدأ الاختيار وليس التعيين والتوريث في الحكم. وإن المعارضين (النكار) كانوا من داخل المذهب الإباضي، مما ألقى في نفس عبد الوهاب أن هذه المعارضة ممكن أن تشمل جبل نفوسة، مما جعله لا يعرف جلية الموقف في الجبل أثناء حربه للنكار وخاصة أن بني يفرن هم جزء من سكان الجبل، وإن ما يربط إباضية الجبل بتيهرت هو الحفاظ على مبادئ المذهب في أغلب الأحيان. وهو ما أضعف موقف عبد الوهاب جعله يتردد في الاستعانة بجبل نفوسة ولو بالمجادلة الفكرية والفقهية.
ويبدو أن طلب عبد الوهاب المساعدة في الثورة الثانية (ثورة الواصلية) يرجع إلى كونه اعتبر أن هناك خطرا يتهدد موقف الإمامة في تيهرت والإباضية بصفة عامة، مما سهل على عبد الوهاب مخاطبة المشاعر وإثارة العواطف في أهل نفوسة للتصدي لهذا الخطر الخارجي، وبذلك يعتبر نجدة نفوسة له مؤكدة حتى أنه وعد عبيده وأن من يأتي إليه بخبر قدوم جيش نفوسة سيعتقه(1).
ما يمكن أن نخلص إليه في هذا الموضوع أنه بانتصار عبد الوهاب على الواصلية بمساعدة نفوسة عسكريا وفكريا جعلته يتجه بنظره إلى المواطن الأولى للإباضية في طرابلس وجبل نفوسة، وخاصة أن الإمامة في تيهرت وجدت نفسها في محيط معاد من النكار والواصلية ومن انضم إليهم من قبائل أخرى ناصبت الإمام عبد الوهاب العداء، وهذا ربما جعلته يفكر في نقل حاضرة ملكه إلى جبل نفوسة.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 107. (1/219)
صفحة 220
لكي نصل إلى نتائج مقنعة لأسباب هذه الرحلة إلى جبل نفوسة يجدر بنا أن نضعها في الظرفية التي أحاطت بها، وخاصة ما تعرضت له إمامة عبد الوهاب من معارضة ومقاومة من مختلف الأطراف في تيهرت بدأ من الحركة "النكارية وما نجم عنها من معارضة للكيفية التي تولى بها عبد الوهاب الحكم، وما نتج عن ذلك من قتل للنكار ومن بينهم ابن فندين، ولجوء شعيب بن المعروف إلى حيز طرابلس"(1) وهو أحد أنصار ابن فندين. وإضافة إلى ذلك فالحركة الواصلية التي كانت وراءها قبائل زناتة تصدى لها عبد الوهاب وساعده في ذلك أهل جبل نفوسة.
برز خطر آخر يعتبر امتدادا للحركة النكارية أو أحد نتائجها وهو ما يمكن أن نسميه هنا ثورة قبائل سدراتة ومزاتة الذين كانوا ينتجعون من أوطانهم التي هم بها من بلاد الزاب وغيرها من الجهات في المغرب خلال أشهر الربيع إلى مدينة تيهرت وأحوازها لما حولها من الكلأ(2)، وإن وجوه هذه القبائل ورؤوسها يدخلون المدينة ويلتقي كل بفرع قبيلته في تيهرت، ويشتكونهم من تصرف الإمام وإساءته في استخدام السلطات، حيث قال سكان المدينة كما ذكره ابن الصغير: "قاضينا جائر، وصاحب بيت مالنا خائن، وصاحب شرطتنا فاسق، وإمامنا لا يغير من ذلك شيئا"(3).
وبناء على هذا التشخيص للفساد الإداري الذي لحق بمختلف السلطات في الدولة طلب سكان تيهرت من مقدمي قبائلهم المنتجعين حول تيهرت أن يخاطبوا الإمام في ذلك: "وأن يولى علينا خيارنا، فأجابوهم ما يسألون من إلى ذلك"(4).
وبناء على ذلك دخل هذا الوفد على الإمام عبد وقدم مطالب أهل المدينة بشأن الإصلاح الإداري ومنع الفساد.
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 158.
(2) ابن الصغير، الأئمة، ص 47، الباروني، الأزهار، ص 181، الخوارج، ص 159.
(3) ابن الصغير، الأئمة، ص 47.
(4) ابن الصغير، الأئمة، ص 48. (1/220)
صفحة 221
ورغم تجاوب الإمام مع ذلك وشكرهم لنصحهم وجميل صنعهم إلا أن رجال عبد الوهاب وقواده وأهل بطانته رفضوا ذلك، وحذروا الإمام من مغبة هذا الأمر، وأن أهالي المدينة ومقدمي القبائل سيطلبون منه فيما بعد التنازل عن الحكم إذا وافقهم في مطالبهم(1)، مما جعل الحرب تنشب من جديد، ويطالب مقدمي القبائل بمحاكمة الإمام عبد الوهاب ويعزلون من سألوا عزله(2)، فاضطربت الأمور وخرجوا من المدينة مغاضبين، فباغتهم عبد الوهاب بجنده فقتل من قتل منهم إلا من شد وولى(3)، "وبقيت حزازات النفوس في قلوب عشائر من قتل"(4).
أمام هذه الظرفية المضطربة التي أحاطت بإمامة عبد الوهاب وبحاضرة الإمامة تيهرت، وفي هذا الجو المعادي الذي أصبحت فيه تيهرت غير آمنة الجانب من مختلف الأطراف سواء من داخل أتباع المذهب الإباضي أو من الواصلية التي تمثلها زناتة، أو من القبائل التي هي امتداد للحركة النكارية، فهي كذلك أنكرت على عبد الوهاب طريقة تعيينه لموظفي الدولة. في ظل هذه الظروف مجتمعة يبدو أن عبد الوهاب فكر تفكيرا جديا في إعادة مركز الإمامة إلى طرابلس أو جبل نفوسة لما لمسه منهم من تأييد ودعم في القضاء على الواصلية. هذا هو الهدف غير المعلن من تلك الرحلة. ويبدو أن الإمام عبد الوهاب كان في حاجة إلى فترة من الاختبار لدراسة أوضاع الولاية الشرقية ومدى نقل ثقل الإمامة إلى هناك، فتذرع بموضوع آخر صرف به أنظار معارضيه ومؤيديه عن الهدف الأساسي.
وهذه الذريعة التي اتخذها عبد الوهاب هو موضوع أداء فريضة الحج.
ونجد كل المصادر التي بين أيدينا اجتمعت على هذا السبب دون تمحيص، أو هي أرادت ذلك الانسياق وراء حجة لا تصمد كثيرا لكل ذي نظر.
__________
(1) نفسه، ص 48-49.
(2) نفسه، ص 50.
(3) نفسه، ص 51.
(4) نفسه، ص 51. (1/221)
صفحة 222
إلا أن هذا السبب سرعان ما يتلاشى أمام جملة من الأسباب المباشرة، وأهمها أن عبد الوهاب هو إمام الدولة الرستمية الخارجية المعادية للدولة العباسية في المشرق، وأن الحجاز التي بها الكعبة وأركان الحج تقع ضمن نفوذ هذه الأخيرة، وعبد الوهاب في نظر العباسيين هو شخص متمرد على السلطة المركزية وولاتها في إفريقية، وهو مطلوب القضاء عليه من قبل الخلافة العباسية حيث الحروب لم تهدأ بعد لمقاومة خطر الخوارج والكيانات التي بدءوا يشكلونها في أطراف الدولة.
إذا أمام هذه الظروف كعدم أمان الطريق فلا يمكن لمسؤول رسمي الإقدام على خطوة تشكل من الخطورة ما يساهم في القضاء على كيان الدولة الرستمية.
فالمصادر الإباضية التي تناولت هذا الموضوع أوردت السبب المعلن دون تعليق، فأبو زكرياء ذكر هذه الحادثة دون تعليق حيث قال: "... وقد عزم على المسير للحج (يعني عبد الوهاب)، فاجتمع إليه جموع نفوسة فأخبرهم بمراده المسير إلى الحج، فقالوا له: يا أمير المؤمنين لسنا ندعك مخافة عليك من المسودة أن يأخذوك ويحبسوك تعطل أمور المسلمين وحدود الله وأحكامه"(1).
وإمعانا في سذاجة طرح هذا المبرر يبدو أن الإمام لم يقتنع بوجهة نظر نفوسة. فيرد نص أبي زكرياء يوضح بن الإمام "أرسل كتبا إلى أهل الدعوة يستفتيهم في ذلك"(2).
فالإمام الفقيه العالم الذي ألف كتابا لنفوسة معروف "بكتاب مسائل نفوسة، للإمام عبد الوهاب"(3) "لأن نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسألة مما سألت عنه"(4).
هل هذا الإمام أو علماء نفوسة هم بحاجة للإفتاء في موضوع الحج وهو من أبسط مسائل الفقه؟.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 115-116، الباروني، الأزهار، ص 192-193.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 116.
(3) كتاب مسائل نفوسة، لعبد الوهاب بن رستم، تحقيق وترتيب: محمد طلاي، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1991 م.
(4) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 45-46. (1/222)
صفحة 223
ومن ضمن الشروط الواجبة للحج أمان الطريق وهو ما يدخل في شرط الاستطاعة.
هل هم بحاجة إلى من يرسلونه للمشرق لتجشم مشاق السفر في هذه القضية؟.
أعتقد أن ذلك غير مقنع، وربما كما أسلفنا أراد عبد الوهاب صرف الأنظار إلى موضوع الحج ليتسنى له اختيار المكان المناسب لنقل حاضرة ملكه بعد الثورات التي داهمته في تيهرت حيث أصبحت في محيط معاد لها.
أقام عبد الوهاب سبع سنين في جبل نفوسة أمضاها في تعليم الفقه ومسائل الصلاة خاصة(1) وهو ينتظر الرسل الذين أرسلهم إلى المشرق يستفتيهم في موضوع الحج "وكان المقدم في ذلك العصر في الفضل والعلم والورع أبو الربيع ابن حبيب وابن عباد، ولما وصلتهم كتب عبد الوهاب أجابه أبو الربيع: من كان مثلك في العناء (يعني العناية) في أمور المسلمين فليس عليه حج لأن أمان الطريق من الشروط التي يجب بها الحج على من استطاعه"(2).
ويذكر سعد زغلول(3) سببا أكثر وجاهة لمجيء عبد الوهاب إلى جبل نفوسة وبقاؤه سبع سنين هناك، وهو ربما التصدي لخصومه في حيز طرابلس بعد فرار شعيب بن المعرف إلى هناك وتأليف العامة ضد الإمام عبد الوهاب، حيث كان شعيب هذا حليف ابن فندين.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 116، الدرجيني، طبقات، ص 66، الباروني، الأزهار، ص 194.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 116، سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ج 2، ص 332.
(3) سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ج 2، ص 332. (1/223)
صفحة 224
ويضاف إلى هذا السبب سبب آخر هو الوصول إلى طرابلس حيث حاصرها سنة (19 ه)(1) بمساعدة هوارة. ويبدو أن هوارة قد خذلته في حصاره لطرابلس وتخلت عن مساعدته بعد أن طلبت النجدة من جبل نفوسة. وذكر أبو زكرياء نصا يوضح هذا الخلاف حيث قال: "إذا أراد أن يتناجى مع أصحابه عن كيد العدو خرج سره، فكان ينقص من يتهمه بإفشاء السر، فيتناجون معه، ثم يخرج سرهم أيضا، فكان ذلك دأبهم حتى لم يبق إلا هو ووزيره مزور بن عمران، فقال لهم ارجعوا لا أحاصر المدينة برجل واحد. ثم توجه راجعا إلى جبل نفوسة وقد أيس من فتح المدينة"(2).
وربما أنقذ موقف الإمام عبد الوهاب في هذا الحصار وفاة إبراهيم بن الأغلب أمير القيروان ووصول خبر وفاته إلى ابنه عبد الله عامل طرابلس الذي كان محاصرا من قبل عبد الوهاب(3).
فخرج عبد الله على عجل نظرا لإسناد إمارة القيروان له بعد والده، مما مكن عبد الوهاب من العودة بشروط مقبولة وهي البحر والمدينة للأغالبة، والبادية وما يحيط بالمدينة للإباضية(4).
ورجع عبد الوهاب إلى جبل نفوسة وقد تم في هذه الرحلة تثبيت حدود الدولة الرستمية في ولاياتها الشرقية إلى سرت، بعد اتفاقية طرابلس.
قال الباروني: "وأبرم معه عهدا على أن تكون المدينة والبحر لعبد الله بن الأغلب، وما كان خارج المدينة إلى نهاية أرض سرت للإمام عبد الوهاب، فدخلت هوارة كلها ومن معها من القبائل في دائرة حكم الإمام، وولى على الكل عمالا"(5).
__________
(1) الباروني، الأزهار، ص 163.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 117.
(3) الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 163.
(4) نفسه، ص 163.
(5) الباروني، الأزهار، ص 163. (1/224)
صفحة 225
وفي هذا الشأن يذكر الباروني عددا من هؤلاء العمال والولاة "وكان من ولاته وعماله المشهورين العلامة وكيل بن دراج النفوسي من بني يخلف عامله على مدينة قفصة وما يليها، والعلامة سلام بن عمرو اللواتي عامله على سرت ونواحيها... والعلامة أبو يونس وسيم التمزيني عامله على قنطرارة (مدينة تيجي الحالية)، والعلامة أبو عبيد الجناوي واليه على جبل نفوسة"(1).
المبحث الثالث
المطالبة بالانفصال عن تيهرت
ومن غرائب الصدف أن الخلاف الذي بدأ يظهر بين جبل نفوسة قد تزامن منذ بداياته مع الارتباط السياسي بين جبل نفوسة وتيهرت وتعيين أول وال للجبل من قبل الإمام عبد الوهاب.
ولهذا نجد أنفسنا بحاجة إلى إعادة دراسة ولاية السمح ابن أبي الخطاب وتحليل عوامل الخلاف التي نتجت عنها فيما بعد.
ستشهد العلاقة بين جبل نفوسة وتيهرت منعطفا خطيرا أدى بها إلى حد الفرقة والمطالبة بالانفصال عن تيهرت.
تولى السمح ولاية جبل نفوسة بطلب من أهل الجبل وحيز طرابلس(2)، وبموافقة الإمام عبد الوهاب.
ويبدو أن هذه الموافقة جاءت على مضض منه. فقال عبد الوهاب: "يا معشر المسلمين إنكم قد علمتم أن السمح وزيري وأحب الناس إلي، وأنصحهم لي ولم أرد مفارقته، فإذا أردتم أن أستعمله عليكم فإني آثرتكم على نفسي فاستعملته"(3).
__________
(1) نفسه، ص 219- 220.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 119.
(3) نفسه، ص 119. (1/225)
صفحة 226
من ظاهر هذا النص نفهم أن الإمام عبد الوهاب ما كان يولي السمح ابن أبي الخطاب بن الأعلى المعافري بن الإمام أبي الخطاب ؟؟؟؟ كان إماما لطرابلس _كما أسلفنا_ على جبل نفوسة وحيز طرابلس لرغبته في ؟؟؟؟؟؟ إلى تيهرت، ولكن اعتبارا لأن الجبل وحيز طرابلس حديثا عهد بالارتباط ؟؟؟؟ مع تيهرت، وما كان عبد الوهاب ليفسد هذا الولاء والارتباط الذي توثق مع جبل نفوسة، بل نزل عند رغبة أهله وأهل حيز طرابلس، حيث كانا ولاية واحدة يسيرها عدد من العمال. قال أبو زكرياء: "استعمل في طرابلس وأحيازها عمالا تحته"(1).
ولكن الوالي الجديد السمح قد عاجلته الوفاة وترك فراغا في ولاية الجبل، مما جعل أهل الجبل من العامة والعلماء يبادرون بتولية خلف بن السمح(2)، حيث اكتسب آل بني الخطاب منزلة كبيرة بين إباضية المغرب الأدنى، ويفسر ذلك إقدامهم على مبايعة خلف بولاية على إثر وفاة والده السمح.
ويبدو لنا أن الإمام عبد الوهاب خشي على ثغوره في هذه النواحي من جراء قيام حكم وراثي بها، فأنكر على آل الخطاب ما استباحه هو لنفسه من الخروج على مبدإ الاختيار إلى مبدإ الوراثة في الحكم(3)، ومن ثم لم يقر شرعية ولاية خلف. وقال في خطاب وجهه لأهل طرابلس وحيز نفوسة: "من ولى خلف من غير رضى إمامه فقد أخطأ سيرة المسلمين، ومن أبى توليه فقد أصاب"(4).
كما ضرب صفحا عن توسلات إباضية الجبل لإبقائه واليا عليهم. ورد عبد الوهاب بخطاب آخر يعتبر أن هذا المطلب نخالف للدين وأنه عمل لا يرضى عنه الله، حيث قال:" إن ما سألتموني من ذلك لم يسعني فيما بيني وبين ربي، ولو وسعني ذلك لفعلته لكم وأن تتوبوا من فعلكم ذلك"(5).
__________
(1) نفسه، ص 120.
(2) نفسه، ص 120.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 163.
(4) أبو زكرياء، السيرة، ص 121.
(5) نفسه، ص 121. (1/226)
صفحة 227
بهذا الخطاب الشديد الذي أرسله الإمام عبد الوهاب وكأن القوم قد كفروا أو مرقوا من الدين إذا هم اختاروا خلفا واليا عليهم بدأت تتسع شقة الخلاف بين الجبل وتيهرت، وبذلك يدخل الجبل في دوامة من الصراع أسفرت عن انسلاخ معظم الأجزاء الشرقية للدولة عن إمامة تيهرت(1). وبذلك ندرك حجم المعارضة التي قاد لواءها خلف في جبل نفوسة، معتمدين في ذلك على المصادر الإباضية المؤيدة للإمام عبد الوهاب، حيث هي المصدر الوحيد المتوفر عن هذا الموضوع، فيما لا نجد أي مصدر معارض لذلك، أو يمكن أن يكون محايدا، ولكن حتى من خلال هذه المصادر الوهبية نستطيع أن نعرف حجم المعارضة لإمامة تيهرت في الجبل.
يذكر أبو زكرياء أن عبد الوهاب أرسل كتابا إلى خلف يحذره من مغبة ما أقدم عليه "ويأمره بتقوى الله والاعتزال لأمور المسلمين"(2).
كما أراد محاربته اقتصاديا وتحريض الأهالي بعدم دفع زكاة أموالهم له "حرم من يدفع إليه صدقات ماله وحرم عليه أخذها حتى يعتزل أمور المسلمين"(3).
بعد وصول هذه الكتب إلى الجبل تأمر خلف بالانصياع لأوامر الإمام والتخلي عن ولاية الجبل ازداد حجم المعارضة، وأبى خلف التخلي والاعتزال مؤيدا من طرف غالبية أهل الجبل.
ويبدو أن لا طاقة في ذلك الوقت لمحاربته وردعه ؟؟؟؟ جنح المؤيدين لعبد الوهاب إلى الجانب السلمي دون مقاومة لخلف بعد أن جاءته كتب عبد الوهاب: "اعتز وأبى واستكبر وامتنع عن الاعتزال، وتمادى على توليته الجبل، فتركه المسلمون في غيه وزيغه"(4).
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 165.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 128.
(3) نفسه، ص 128.
(4) أبو زكرياء، ص 122. نفهم من هذا النص أن لا طاقة لأتباع عبد الوهاب ؟؟؟؟؟ وأنهم كانوا من القلة بحيث ركنوا للدعة والسلم. (1/227)
صفحة 228
كما يذكر أبو زكرياء أن أتباع خلف رفضوا الكتب التي أرسلها إليهم عبد الوهاب والتي يطالبهم فيها بالاعتزال عن خلف والامتناع عن دفع زكاة أموالهم له، بل تقدموا خطوة إلى الأمام في مبدأ المعارضة عندما اجتمعوا وأرسلوا كتابا إلى أبي سفيان(1) ابن الرحيل، وهو آنذاك رأس أهل الدعوة والمقدم في أهل المشرق بعد انقضاء طبقة أبي الربيع بن حبيب وأبي غسان بن مخلد...(2).
وكان الغرض من هذا الكتاب يستفتونه فيما وقع من اختيارهم لخلف كوال عليهم في جبل نفوسة، ولكن يبدو أن جواب أبي سفيان قد جاء لصالح عبد الوهاب كما جرت العادة دائما، حيث مصدرنا في هذا الموضوع هي المصادر الإباضية(3).
على أن غالبية الإباضية في حيز طرابلس وجبل نفوسة أصروا على موقفهم، وأعلنوا الخروج على إمامة عبد الوهاب، وبايعوا خلف بن السمح إماما، وفي هذا الصدد قال أبو زكرياء: "وزعموا أن إمامهم خلف بعد سؤالهم للإمام أن يجوز لهم ما فعلوه في توليته. وزعموا أن الحوزات منقطعة لعبد الوهاب وأنهم في حوزة وهو في حوزة أخرى"(4).
إذن من خلال هذا النص نفهم أن الخلاف بين عبد الوهاب من ناحية وخلف وأهل جبل نفوسة من ناحية أخرى أخذ منعطفا خطيرا، إذ تحول من موضوع تعيين وال من قبل إباضية الجبل إلى إعلان الإمامة في حيز طرابلس وجبل نفوسة. وبذلك أصبح جوهر الخلاف يكمن في أمرين:
أولهما: مدى أحقية الرعية في تعيين العمال والولاة عليها.
والثاني: شرعية وجود إمامين في وقت واحد.
__________
(1) أبو سفيان بن الرحيل آخر الأئمة الإباضية في البصرة، وقد عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وله كتاب في تاريخ الإباضية، وأصله من الأزد. الدرجيني، طبقات، ص 278 وما بعدها، أبو زكرياء، السيرة، هامش ص 120.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 122.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 165.
(4) أبو زكرياء، السيرة، ص 123. (1/228)
صفحة 229
وفي تقديرنا أن تعاليم المذهب الإباضي ترجح خلف وأصحابه(1) وهو ما يعتبر انضمام غالية أهل الجبل إليه، ونجاح خلف في الاستحواذ على معظم أنحاء الجبل دون أن يحرك عامل عبد الوهاب ساكنا. وقع هذا الأمر في عهد الوالي أيوب بن العباس الذي يبدو أن ولايته لم تستمر طويلا وعندما علم عبد الوهاب بوفاة عامله على جبل نفوسة "أرسل إليهم أن يختاروا أفضلهم وأولاهم لأمور المسلمين ويسمونه له فيستعمله عليهم"(2).
ومن ثم وقع الاختيار من قبل بعض أهل الجبل على أبي عبيدة عبد الحميد ليكون واليا على الجبل، وتمت تزكية من قبل الإمام عبد الوهاب، والذي كان من الضعف بحيث لم يستطع مقاومة خلف الذي سمى نفسه إماما على الجبل. وقد طلب أبو عبيدة من خلف أن يكف عنه الغارات فأبى خلف ذلك ولم يشتغل به(3).
وخاطب في ذلك الإمام عبد الوهاب الذي نصح عامله "بالملاطفة ما قدروا عليه"(4) ومع تعاظم قوة خلف وانضمام أغلب أهل الجبل له أصبح وضع أبي عبيدة حرجا. ومما زاد الأمور توترا وفاة الإمام عبد الوهاب ومعظم أجزاء الدولة الشرقية في حوزة خلف(5).
إمامة أفلح بن عبد الوهاب على تيهرت
والعلاقة في عهده مع جبل نفوسة
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 164. ثمة رواية لأبي الربيع الوسياني تقول: إن أحد مشايخ نفوسة ممن تلقوا العلم عن الإمام عبد الوهاب أخذ عنه مبدأ حق الرعية في اختيار ولاتها (سير أبي الربيع، مخطوط، ورقة 79)،وقد أفتى الربيع بن حبيب بجواز تعدد الأئمة بقوله: "لا بأس باجتماع إمامين أو أئمة في وقت واحد إذا فصل بينهم سلاطين لا تطاق أو قوم لا يطاقون أو حال بعد المسافة" (محمود إسماعيل، الخوارج، هامش 386، ص 164).
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 124.
(3) نفسه، ص 127.
(4) نفسه، ص 128.
(5) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 165. (1/229)
صفحة 230
رشح عبد الوهاب ابنه أفلح للإمامة قبل وفاته، حيث كان ذلك أثناء حرب عبد الوهاب لقبيلة هوارة، عندما أفسد عبد الوهاب علاقة ارتباط بالمصاهرة بين قبيلة هوارة، وخاصة مقدمها ابن الأوس وبين قبيلة بربرية أخرى، وهي على الأرجح لواتة حسب ابن الصغير(1).
واعتبر عبد الوهاب هذا التحالف أو المصاهرة موجها ضده "فأرسل عبد الوهاب إلى الرجل فأحضر... وخطب إليه ابنته فزوجه إياها"(2).
وبهذا العمل أراد عبد الوهاب أن يقطع الطريق على هذه المصاهرة التي ربما تؤدي إلى تحالف يشكل خطرا على دولته في المستقبل "فاتصل ذلك بالأوس فقال عمل علي في جارية خطبها ورضي إلي بتزويجها فانتزعها مني بسلطانه لا سكنت بأرض هو بها وغضبت عشيرته لغضبه"(3).
فشبت الحرب بين عبد الوهاب وهوارة التي أبلى فيها ابنه أفلح بلاء حسنا، حيث كان في مقدمة المقاتلين، فقال عبد الوهاب: "لقد استحق أفلح الإمامة"(4).
هذا الإعلان يعتبر تعيينا ضمنيا لابنه أفلح من بعده، ولذلك قال ابن الصغير: "فكان أول يوم عقدت له الإمامة"(5). وبناء عليه وبمجرد وفاة الإمام عبد الوهاب ابتدر جماعة المسلمين بتيهرت أفلح فولوه على أنفسهم"(6): أي وفق هذا النص صار منصب الإمام وراثيا، بل تسمى الإمام في أغلب المصادر الإباضية بأمير المسلمين، وأصبح ملكا عضودا أساسه الوراثة في البيت الرستمي، فكان أحد بذور الانهيار التي زرعت داخل الكيان السياسي للدولة الرستمية الإباضية المذهب.
__________
(1) ابن الصغير، الأئمة، ص 52.
(2) نفسه، ص 52.
(3) نفسه، ص 52- 53.
(4) نفسه، ص 55.
(5) نفسه، ص 55.
(6) أبو زكرياء، السيرة، ص 129. (1/230)
صفحة 231
وما يهمنا من أمر أفلح الكيفية التي سارت عليها العلاقة بين تيهرت وجبل نفوسة، وكذلك دور نفوسة كقبيلة في تيهرت، وهو ما يجب أن يكون بمعزل عن الأوضاع في الجبل. ففي الجبل لم تكن نفوسة لوحدها بل هناك قبائل أخرى ربما جزء منها ينتمي لنفوسة وهوارة ولواتة وزناتة وزواغة، وبالتالي قبيلة نفوسة في تيهرت ربما نالت حظوة أو فرضت نفسها داخل النظام السياسي والإداري في تيهرت أكثر من غيرها.
نعود إلى أوضاع الجبل السياسية في عهد الإمام أفلح حيث ما زال أبو عبيدة عبد الحميد واليا على الجبل من قبل الإمام عبد الوهاب ومن بعده ابنه أفلح.
وفي تبرير لتزايد قوة خلف وانضمام غالبية سكان الجبل إليه تذكر المصادر الإباضية ومنها أبو زكرياء: "ثم إنه استمال كثيرا من الناس بسبب أن ما قبله من الأرض خضب وجذب ما قبل أبي عبيدة فكانوا معه طلبا لمعاشهم ورغبة في الدنيا، وكانوا معه على رأيه وبدعته"(1).
وتذكر نفس المصادر إن قوة جيش خلف أربعون ألفا(2)، بينما لم يكن مع أبي عبيدة إلا قلة قليلة من الناس ثلاثمائة(3) أو تزيد قليلا.
ونتيجة للقوة التي أصبح يمتلكها خلف صار جل سكان الجبل إلى صفه، بينما انزوى أبو عبيدة في قريته الصغيرة إجناون(4) نتيجة لضعفه على مقاومة خلف وأتباعه.
ونتيجة لتلك الأسباب "أرسل خلف رسولين إلى أبي عبيدة يأمره بخلع ولاية أفلح وثبات ولايته هو"(5) _أي ولاية خلف_.
__________
(1) نفسه، ص 130، الشماخي، سير، ص 184.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 130، الشماخي، سير، ص 184.
(3) الشماخي، سير، ص 184.
(4) الشماخي، سير، ص 184.
(5) أبو زكرياء، السيرة، ص 131. (1/231)
صفحة 232
ولمعرفة حجم سيطرة خلف على الجبل وخاصة المدن التي انضمت إليه نورد نص الشماخي الذي يبين لنا الحجم الهائل من الجموع التي انضمت إلى خلف وتقاتل تحت رايته: "إن أهل شروس أقبلوا يريدون خلفا شاكين بالسلاح، فقال أبو عبيدة: هيجوا فينا حرارة الخوف"(1). وكذلك كان النكار(2) أتباع ابن فندين مع خلف ونصحوا أبا عبيدة بالانضمام إلى خلف وخلع ولاية الإمام أفلح، وكذلك بنو يفرن(3) كانوا من أنصار خلف على ما ذكره الشماخي في عهد الوالي العباس الذي تولى بعد وفاة أبي عبيدة.
وكان خلف قد امتد نفوذ ولايته بالقرب من جادو: أي من قرية تيمتي(4) وما يليها من الشرق، كما أشرنا أن أهالي شروس مع خلف وهي تقع في المنطقة الغربية: أي من حيز أبي عبيدة ومن بعده من الولاة التابعين لتيهرت.
"ويعتقد لويكي (Leweiki) أن خلفا كان يسعى لضم الأقاليم التي كانت في نطاق حكم جده أبي الخطاب"(5).
غير أن المصادر الإباضية التي بين أيدينا لم تتحدث عن أي نشاط لخلف خلال فترة حكم الإمام أفلح ماعدا قيام معركة بينه وبين أبي عبيدة سنة 221 ه(6) والتي تذكر نفس المصادر أن خلف تكبد فيها خسائر كبيرة، وربما يصح هذا القول إذا علمنا أن أبا عبيدة ومن ورائه الإمام أفلح قد استعملا أسلوب شراء الذمم وبث الجواسيس بين أتباع خلف.
وفي هذا الصدد نجد الباروني في أزهاره يوضح ما أشرنا إليه قائلا: "انسل إليه (أي أبو عبيدة) رجل من جيش خلف وقال له إني مشير عليك بسبيل إن ظفرت بلاش"(7).
__________
(1) الشماخي، سير، ص 184.
(2) نفسه، ص 184.
(3) نفسه، ص 167. مدينة يفرن هي أحد من الجبل في الوقت الحالي.
(4) قرية تيمتي: هي الرجبان في الوقت الحالي، وهي لا تبعد عن جادوا بأكثر من 15 كم، الباروني، الأزهار، ص 122.
(5) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 165، نقلا عن لويكي (Lweikie).
(6) أبو زكرياء، السيرة، ص 139.
(7) الباروني، الأزهار، ص 226. (1/232)
صفحة 233
لا تنسى أن أبا عبيدة قد استفاد من هذهالنصيحة التي قدمها له ؟؟؟؟ لخونة من جيش خلف، فقال: "نصيحة نزعها الله من عدو"(1) وغير أسلوب التجسس فقد استعمل أسلوب الإيقاع بين خلف وأتباعه، كما بعث إلى أنصار خلف ؟؟؟؟؟ ويمنيهم بالأموال والضياع(2).
وبعد الوقعة المشار إليها يتحدث الباروني(3) وحده عن وقعة أخرى وقعت بين خلف والعباس بن أيوب الذي تولى ولاية الجبل بعد أبي عبيدة.
ودون ذكر لتاريخها يحدد موقعها بموضع يعرف بفاغيس وهو قريب من جادو.
ويبدو أن سيطرة خلف على الجبل استمرت إلى أكثر من أربعين سنة.
وقد مل العلماء في الجبل والمؤيدون لإمامة تيهرت هذه الحرب ؟؟؟؟؟؟ مثل أبي مرداس مع الوالي العباس يأمره بالرجوع ويهدده: "إن لم ترجع ؟؟؟؟؟؟ العسكر فتفرقوا عنك"(4)؛ لأن هذا العالم الجليل كان مسموع الكلمة بين الجند.
كما نجد الباروني يبرر هذا الانفصال عن تيهرت نظرا لوجاهته، حيث قال: "فلا يظن القارئ أن هؤلاء الذين يقاتلهم أبو عبيدة في الأول وأبو العباس في الآخر كانوا على مذاهب أخرى، بل كانوا كلهم من الإباضية وانتحلوا الخلاف في مسائل لا تخرجهم من الانتساب للمذهب طلبا للاستقلال عن خلافة تيهرت لما رأوه في أنفسهم من القوة والكثرة... حيث كان الجبل وحده وفي ظاهره من قبائل نفوسة ومزاتة ما يتجاوز مائة ألف فارس وعشرة آلاف، وكان فيه من الرجال ما لا يحصى"(5).
هنا يجد الباروني مبررا لإعلان الاستقلال والانفصال عن تيهرت، وهو لا يعني بطبيعة الحال خروجا عن المذهب طالما الجبل أنس في نفسه القوة الضاربة التي تكونت فيه من قبائل نفوسة ومزاتة، فهو حقيق به أن يكوّن إمامة مستقلة عن خلافة تيهرت.
__________
(1) نفسه، ص 226.
(2) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 165، نقلا عن الوسياني، مخطوط، ورقة 30.
(3) الباروني، الأزهار، ص 231.
(4) نفسه، ص 234.
(5) نفسه، ص 234. (1/233)
صفحة 234
مع اسمرار الصراع في الجبل لم تشر المصادر الإباضية إلى أي دور لخلف الذي عاش إلى منتصف القرن الثالث، فابن سلام _وهو أقدم مؤرخ إباضي عاصر خلف بن السمح_ ذكر في تاريخه المعروف باسمه كتاب بن سلام الإباضي في حديثه عن خلف: "فأما خلف بن السمح قدمت عليه بجندوبة(1) في إحدى جمادين سنة أحد وسبعين ومائتين(2). وفي هذا التاريخ الذي ذكره بن سلام كان حاكم الجبل أو الوالي عليه هو أبو منصور إلياس من قبل أبي اليقظان الذي تولى الإمامة في تيهرت (261 ه)(3) حيث انتهت إمامته بوفاته (281 ه)(4) وتولى بعده ابنه يوسف ويكنى أبو حاتم، وأقر هذا الأخير أبا منصور إلياس على ولاية الجبل حيث كان ممن ولاه والده على ولاية الجبل(5). ويبدو أن خلف الذي مازال موجودا إلى (271 ه) قد تقدمت به السن او اعتزل العمل السياسي تاركا المجال لابنه الطيب الذي يحدد الباروني زمن حركته بآخر عهد أبي اليقظان وأول عهد أبي حاتم.
قال الباروني: "في صدد مدة الإمام أبو حاتم على حسن التقريب إن لم نقل في آخر أيام والده؛ تحرك ابن خلف... ساعيا في إحياء سيرة أبيه"(6) منذ (27 ه يختفي خلف عن مسرح الأحداث ولا نعرف سببا لذلك إلى أن تحرك ابنه الطيب في أواخر خلافة أبي اليقظان.
__________
(1) قرية تقع في الجهة الشرقية من جبل نفوسة، وهي التي قتل فيها أبو حاتم الملزوزي زعيم الإباضية سن 155 هـ كما أسلفنا.
(2) ابن سلام بن عمر اللواتي، كتاب بن سلام الإباضي في الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، تحقيق شفارتز وسالم بن يعقوب، الذي عاش في القرن الثالث الهجري، دار اقرأ للطباعة والنشر، 1985، ص 153.
(3) الباروني، الأزهار، ص 295.
(4) نفسه، ص 295.
(5) نفسه، ص 327.
(6) الباروني، ص 339. (1/234)
صفحة 235
وما نرجحه في هذا السياق أن خلف ضعف أمره حسب المصادر الإباضية من قبل مجيء أبي المنصور إلياس إلى ولاية الجبل منذ العقد الخامس للقرن الثالث الهجري، حيث كانت ولاية أبي منصور في العقد السادس، وأنه تصدى لابن طولون سنة 267 ه عندما أراد هذا الأخير مهاجمة طرابلس، مما يؤكد وجهة نظرنا فإن خلف أصبح لا يشكل خطرا على ولاية إلياس بل ابنه و من قاد المقاومة في وجه أبي منصور فيما بعد.
ويبدو أن حركة خلف وابنه الطيب فيما بعد كانت قد انتقلت خارج الجبل، مما سهل لأبي منصور إلياس نجدة إباضية طرابلس ضد ابن طولون، وكان لخلف نفوذ في جبل نفوسة، فهو في الجهة الشرقية من الجبل وفي جندوبة تحديدا، حيث قابله ابن سلام كما أسلفنا.
ومهما يكن من أمر خلف فإن ابنه الطيب كانت حركته في حيز طرابلس في منطقة زواغة(1) (صبراته الحالية) بعيدا عن منطقة نفوذ أبيه السابقة وهي الجبل، مما سهل عليه فيما بعد التوجه نحو جربة والاحتماء بأحد قصورها يقال له غردان(2).
وقد استعمل أبو منصور في هذه الحرب أسلوب شراء الذمم للوصول إلى الطيب بن خلف الذي احتمى بقبيلة زواغة، وهي على رأي أبيه في رفض إمامة عبد الوهاب، ولكن أبو منصور استطاع عند وصوله إلى جربة أن يشتري منهم الطيب بن خلف.
قال أبو زكرياء: "لما قرب أبو منصور من جربة أرسل رجلا من بني يهراسن إلى الزواغي الذي منع ولد خلف وأرسل معه مائة دينار درهم في صرة، فأدخل الرجل جربة لما وصل إلى الزواغي وهو معقل من بني مزاتة صار يصلحه ويصب الدراهم من كمه إلى كم الزواغي ويقول له: لو أتيت تريد أولادنا لدفعناهم إليك"(3).
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 146، سبق الحديث عن قبيلة زواغة.
(2) نفسه، ص 148، الدرجيني، طبقات، ص 86.
(3) هذا النص يوضح لنا أن أبا منصور استعمل أسلوب الارتشاء وشراء الذمم، حيث اشترى ذمة شيخ زواغة ومقدمهم مقابل أن يسلمه ابن خلف. أبو زكرياء، السيرة، ص 147، الدرجيني، طبقات، ص 86. (1/235)
صفحة 236
انتهى أمر الطيب بن خلف إلى السجن في جبل نفوسة بعد أن عاد به أبو منصور إلياس حاكم الجبل إلى هناك.
إن أهل الجبل الذين راموا الانفصال عن تيهرت وتشكيل إمامة مستقلة، يعني ذلك في نظرهم كون الحوزات منقطعة، وأن قوة نفوسة ومزاتة التي تنامت في الجبل كانت مؤهلة لقيام إمامة في الجبل منفصلة عن تيهرت، كما ساق ذلك الباروني في الأزهار مبررا لقيام إمامة في الجبل.
وهذا لا يعني انتهاء دور نفوسة في تيهرت التي ترى أنها صاحبة الفضل في قيام الكيان السياسي للدولة الرستمية، وذلك بشهادة الإمام عبد الوهاب الذي قال: "إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة"(1)، وهي المسؤولة عن دعمه سياسيا وعسكريا، ولكن يبدو أن نفوسة وغيرها من قبائل الجبل ترى أن النظام الذي انحرف عن مبدأ الاختيار إلى التعيين في الحكم هي أولى أن تقيم نظاما سياسيا مستقلا عنه، وفق رؤيتها المذهبية والسياسية: أي إمكانية إعلان نظام وراثي في الجبل كما حدث مع خلف بن السمح، طالما أن إمامة تيهرت قد حادت عن مبادئ الإباضية، وأصبح هذا المبدأ غير محترم من قبل أئمة تيهرت.
ولكن لشعور أئمة تيهرت بالمساعدة والدعم الذي تقدمه نفوسة وخاصة في الجانب العسكري منه قرروا التمسك بولاية الجبل نظرا لقوته العسكرية، وفي هذا الشأن أورد ابن الصغير الصفة التي كانت تطلق على نفوسة في تيهرت "ويسمون أيضا بالعسكرية وهو أهل العسكر، وجل من كان عندنا في البلد (تيهرت) من نفوسة يتسمون بهذا الاسم(2)".
__________
(1) الشماخي، سير، ورقة 205. ذكر الشماخي كمثال على حجم ثورة بعض أثرياء مزاتة "يبيب بن زلغين المزاتي بورك له في الحركتين الدين والدنيا أنه كان ثلاثون ألف ناقة، وثلاثمائة ألف شاة، واثني عشر ألف حمار، وإذا جاء العامل وقت الصدقة قال للرعاة اختاروا خيار الإبل" الشماخي، سير، ورقة 204).
(2) ابن الصغير، الأئمة، ص 44- 45. (1/236)
صفحة 237
وكما أسلفنا، ونظرا لاعتراف أئمة تيهرت بفضل نفوسة ودورها في حماية الدولة حيث هم أهل العسكر، فقد كان لنفوسة دور إداري ووظيفي كبير في جهاز الدولة في تيهرت "وكانت نفوسة تلي عقد تقديم القضاة وبيوت الأموال وإنكار المنكر في الأسواق والاحتساب على الفساق"(1).
هذه المهام التي تحدث عنها ابن الصغير، والتي كانت تتولاها نفوسة يبدو أنها بدأت تفقد بعضا منها خاصة في عهد الإمام أفلح، الذي أراد استعمال سياسة الاعتدال وخلق توازن بين القبائل، لما أراد الشراة امتحانه في اختيار قاض يرتضونه لدينهم ودنياهم.
وقد أشار ابن الصغير إلى هذا التحول في اختيار القاضي ومدى المعارضة التي لقيتها نفوسة التي كانت تلي هذا المنصب "وكان أول ما امتحنته الشراة أن قاضيا من قضاة أبيه (عبد الوهاب) مات في أيامه فاجتمعت (الشراة) إليه وسألوه أن يولي القضاة من يستحق ذلك، فقال لهم: اجمعوا جمعكم وقدموا خيركم... وأجمع رأيهم على محكم الهواري الساكن بجبل أوراس، فأتوا إلى أفلح بن عبد الوهاب، فقالوا... ارتضينا جميعا بمحكم الهواري... لخاصتنا وعامتنا وديننا ودنيانا"(2).
وكان اعتراض الإمام على هذا القاضي أنه رجل نشأ في البادية ولا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الشرف شرفه، ولكن نتيجة لإصرار الشراة على هذا القاضي قالوا: "لا نرضى لقضائنا أحدا غيره"(3) وافق الإمام على ذلك.
__________
(1) نفسه، ص 63.
(2) نفسه، ص 57- 58.
(3) ابن الصغير، ص 58. (1/237)
صفحة 238
ويستخلص من هذه الإشارة أن العامة أبدت تذمرها من القضاة الذين كانت نفوسة تلي عقد تقديمهم، كما يفهم من ذلك سياسة الارتضاء والاستمالة التي كان أفلح يستعملها مع كل القبائل المكونة للنسيج الاجتماعي لدولته، إضافة إلى مبدأ سياسة "فرق تسد"(1) التي اتبعها بين بعض القبائل نظرا لما اكتسبته من الأموال، واتخذته من العبيد والخيول، ولما نالها من الكبر والقوة ما نال أهل المدينة(2).
وقد ضمت الدولة الرستمية قبائل متعددة من البربر كهوارة ونفوسة ومزاتة ولواتة وسدراتة ولماية، فضلا عن عناصر أخرى من الجند الإفريقي والعرب والفرس(3). "حتى خاف أفلح أن تجتمع الأيدي عليه فتزيل ملكه، فلما رأى ذلك أرش ما بين قبيلة ومجاورها، فأرش بين لواتة وزناتة، وما بين لواتة ومطماطة، وما بين الجند والعجم، حتى تنافرت النفوس، ووقعت الحرب، وصارت كل قبيلة ملاطفة لأفلح"(4). وبذلك ضمن أفلح فترة من الهدوء النسبي لعهده، وكانت فيها نفوسة من صنف المؤيدين لأفلح.
ويمكن تقسيم القوى المحيطة بتيهرت إلى مؤيد ومعارض للإمام أفلح وحاضرته تيهرت رغم أن هذه المعارضة غير ثابتة على وتيرة واحدة. وكذلك القوى المؤيدة أو المناصرة لأفلح فهي تصنع ولأنها حسب المصالح والظرفية التي تعيشها، فالقسم الموالي للإمامة الرستمية ويشمل نفوسة والفرس والرستمية والسمحية وهو أتباع السمح بن أبي الخطاب الذين انشقوا على خلف بن السمح وهربوا إلى تيهرت ودخلوا في خدمة بني رستم(5).
والقسم المناوئ للدولة الرستمية يضم العرب والجند الإفريقي، فضلا عن بعض القبائل الضاربة حول تيهرت، وإن تأرجحت بعض هذه القوى بين الولاء والعداء لبني رستم(6).
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 169.
(2) ابن الصغير، الأئمة، ص 64.
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 170.
(4) ابن الصغير، الأئمة، ص 63.
(5) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 171.
(6) نفسه، ص 172. (1/238)
صفحة 239
من خلال عرضنا للأوضاع السياسية في عهد الإمام أفلح وعلاقته بالجبل نخلص إلى أن المعارضة التي أعلنها خلف بن السمح ومن بعده ابنه الطيب بن خلف للدولة الرستمية قد انتهت بشكل غامض لا نستطيع أن نجزم بانتهائها بشكل نهائي حيث سكتت المصادر التي بين أيدينا عن أي دور لحركة خلف وأصحابه بعد إلقاء القبض على ابنه الطيب في جربة من قبل أبي منصور إلياس حاكم الجبل، وربما سبب ذلك أن ثورة خلف غطت على أخبارها ثورة أخرى قامت في الجبل وفي منطقة قنطرارة تحديدا، وهي تيجي الحالية التي تقع في سفح جبل كاباو، وهو ما يسمى عند الإباضية بالافتراق الثالث وهي:
* الحركة النفاثية:
بزعامة فرج بن نصر النفوسي الملقب بنفاث من قبل مؤرخي الإباضية، وهي تدخل أيضا ضمن العلاقة المتوترة بين الجبل والدولة الرستمية أو ما نعتبره المعارضة الفقهية لانحراف الإمام أفلح عن تعاليم المذهب الإباضي.
ففرج بن نصر النفوسي رغم امتداح المصادر الإباضية له والثناء على علمه وفطنته فهي تصفه بنفاث أي الذي ينفث سمومه.
وكان من ثناء المصادر الإباضية عليه في علمه وفطنته ما ذكره أبو زكرياء "أنه أعطى في العلم منزلة عظيمة والفقه والفهم حجة كبيرة، ولكنه أفسد ذلك بالحسد وحب الأمور"(1).
كما أثنى عليه الباروني في الأزهار(2) بوصف مماثل قال فيه: "وقد كان ذا فهم عجيب وذكاء غريب وإطلاع وإدراك زائدين، أخذ العلوم من منبعها، والتقط غرائب الفنون من معدنها".
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، ص 138- 139.
(2) الباروني، الأزهار، ص 252. (1/239)
صفحة 240
من خلال النظر إلى هذين النصين اللذين يشيدان بعلوم وفقه فرج النفوسي يستبين لنا أن معارضته كانت على مستوى من النضج والعلمية وذات أهمية جادة في الانتقادات التي وجهها لإمامة تيهرت، خاصة إذا أن ابن نصر كان يتلقى تعليمه في تيهرت مع زميل له اسمه سعد بن أبي يونس، ولا شك أنه اطلع على سير الأوضاع داخل الحاضرة الرستمية، وذلك من خلال مجالسته للإمام أفلح، وقد أورد الباروني ذلك حيث قال: "أقاما هنالك ما قدره الله من الزمن يلازمان فيه مجالس الإمام وغيرها..."(1). أي أن ابن نصر إلى جانب علمه ومنزلته وما تصف به من ذكاء فهم مطلع على أحاول الإمامة وأوضاعها من الداخل فأنكر على الإمام ما رآه من مخالفة لمبادئ المذهب.
وكان من جملة ما أنكره ابن نصر على الإمام من المظاهر "أضاع أمور المسلمين، ويزيد في الخلقة، ويلبس الطرطور، ويخرج إلى الصيد، ويصلي بالأشبر"(2).
وانتقد ابن نصر الإمامة بانتقادات أخرى يراها خروجا عن المبادئ الأساسية، مما جعل الإمام يسارع بإرسال الكتب(3) إلى عماله وولاته في الجبل بالتحذير من فتنة نفات وخطرها على العامة، وقد لقيت دعوته إقبالا كبيرا بين إباضية نفوسة وزواغة. وعبثا حاول عامل قنطرارة إقناعهم بالعدول عن آراء نفات والالتزام بطاعة الإمام. فقد وجدوا في (النفاثية) مبررا لتظلمهم من دفع الأموال والجبايات والرسوم التي يحصلها عمال الإمام(4).
__________
(1) نفسه، ص 253.
(2) أبو زكرياء، السيرة، ص 137- 138، الباروني، الأزهار، ص 251، وقد قصد الباروني هذا النص بقوله "يعني عظيم العمامة، كبير الوجه، طويل اللحية جدا"، الأزهار، ص 254.
(3) يورد الباروني نص ثلاث رسائل أرسلها الإمام أفلح إلى المسلمين والعمال، والثانية إلى نفاث نفسه، الأزهار، ص 256، 258، 267.
(4) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 167. (1/240)
صفحة 241
ومهما يكن أمر المعارضين لآراء نفات خاصة أن ما بين أيدينا من مصادر إباضية غير محايدة بل مؤيدة للإمامة في تيهرت، ومنكرة لكل من يرفع في وجهها صوت المعارضة بالحق أو الباطل فإن ذلك لا ينفي قط كون أبي نصر أو نفاث على رأي الإباضية، ثائر وصاحب آراء واجتهادات في المذهب الإباضي وداعية لإنقاذ الإمامة الإباضية مما تردت فيه من امتهان على عهد أئمة بني رستم، فقد آلت الإمامة إلى أفلح بعد وفاة أبيه مما يؤكد استقرار مبدأ الوراثة واختفاء مبدأ الاختيار في الحكم الرستمي، وكان مثل هذا الانتهاك كفيلا بإثارة عالم فقيه مثل فرج بن نصر(1) كما أشادت بذلك المصادر الإباضية نفسها.
ومجمل القول في هذا الموضوع أن العلاقة التي كانت سائدة بين الجبل وإمامة تيهرت في عهد الإمام أفلح تعرضت إلى هزات شديدة رغم بقاء جزء من أهالي الجبل على ولائهم للإمامة في تيهرت، وما ساعد الإمام أفلح على التخلص من هذه المعارضة الفقهية في الجبل هو أسلوب الترغيب والترهيب الذي استعمله مع رعاياه في الجبل الذين حاولوا إعلان الثورة على عمالهم، فبعث إليهم الإمام متلطفا واعدا إياهم بإجابة مطالبهم في تغيير من شاؤوا من هؤلاء العمال(2).
ويبدو أن سياسة التودد والملاطفة هذه كان لها دور في تثبيط عزيمة نفاث، وتصدى الكثيرين من مشايخ نفوسة لمناهضته وانصراف معظم أتباعه عنه"(3).
وتتحدث المصادر الإباضية ومنها الباروني أن نفاث أمام تهديد الإمام وتوعده له هرب إلى المشرق خارجا من حدود الدولة الرستمية حاملا معه أمواله المنقولة إلى أن حط به المطاف في بغداد مقر خلافة بني العباس(4).
__________
(1) محمود إسماعيل، ص 167.
(2) الباروني، الأزهار، ص 256. جاء في رسالة أفلح إلى رعيته ما يلي: "من عاب على عملنا بخصلة من الخصال أو أنكر عليهم شيئا فليرفع ذلك إلينا فنكون نحن الذين يغبرون..." (الباروني، الأزهار، ص 256).
(3) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 168.
(4) الباروني، الأزهار، ص 262. (1/241)
صفحة 242
ولكن محمود إسماعيل يشك في أمر انتهاء هذه الحركة بسفر نفاث إلى المشرق، حيث يشير بوجود كثيرين ممن اعتنقوا آراءه حتى أواخر القرن الخامس الهجري(1).
ويمكن تلخيص الأدوار التي مرت بها العلاقة بين الجبل والإمامة في تيهرت خلال حكم أفلح الذي ورث عن أبيه حركة خلف وتمرده في جبل نفوسة، وإعلان الإمامة هناك.
وقد شهدت هذه الفترة توترا شديدا في تلك العلاقة خاصة إذا علمنا أن غالبية سكان الجبل كانوا مع خلف كما أسلفنا، ينضاف إلى ذلك حركة النفاثية في عمالة قنطرارة في الجهة الغربية من الجبل بزعامة نفاث أو فرج بن نصر النفوسي، والتي كانت معارضتها تبنى على أسس فقهية تستهدف البناء السياسي الذي سار عليه أئمة تيهرت، مما جعل فترة التوتر تطول إلى ما بعد وفاة أفلح، الذي أحدث تغييرا في نظام القضاء في تيهرت، حيث كانت هذه الوظيفة تسند دائما إلى نفوسة مثل بقية الوظائف الإدارية الأخرى كالحسبة وبيوت الأموال(2).
فتحت ضغط العامة (أو امتحان الشراة)(3) كما ذكر ابن الصغير اختار الإمام أفلح محكم الهواري من جبل أوراس قاضيا له، وقد كانت هذه الوظيفة من مهام نفوسة ليظهر مدى تذمر العامة من دور نفوسة ونفوذها في السياسة الرستمية.
تولى أبو بكر بن أفلح الإمامة في تيهرت بعد وفاة أبيه أفلح (258 ه- 873 م)(4).
والجدير بالذكر أنه بانتهاء إمامة أفلح بن عبد الوهاب دخلت الدولة الرستمية طورا جديدا اتسم بالضعف والفتن والحروب، مما سار بهذه الدولة نحو الانحدار والتلاشي في آخر القرن الثالث الهجري أوائل القرن التاسع للميلاد وتلك الأسباب لم تعمر إمامة أبي بكر طويلا.
كما قال الباروني: كانت قصيرة جدا لم تبلغ سنتين(5).
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 168، نقلا عن (Lawicki. Melonqes Beberes p270).
(2) ابن الصغير، الأئمة، ص 63.
(3) نفسه، ص 57.
(4) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 169.
(5) الباروني، الأزهار، ص 294. (1/242)
صفحة 243
وما يمكن مناقشته خلال هذه الولاية القصيرة أن ولاية أبي بكر لم تكن لتتم لولا دور نفوسة الذي لعبته في مناصرته وإتمام هذه الولاية وخاصة نفوسة القاطنة في تيهرت.
كم أن هذا الدور الذي قامت به نفوسة قد وجد معارضة شديدة من بقية الطوائف والقبائل الأخرى. فابن الصغير يشير صراحة إلى هذا الخلاف وتلك المعارضة، متحدثا عن أحد علماء الإباضية ومقدميهم وهو عبد العزيز، معلنا استنكاره لما تم من قبل نفوسة نظرا لما أنكره ابن الأوز على أبي بكر بن أفلح من مسائل، فيصفه ابن الصغير "لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن كان قبله من آبائه، ولكن كان سمحا جوادا، لين العريكة، يسامح أهل المروءات ويشايعهم على مروءتهم، ويحب الآداب والشعر"(1).
فهذه الصفات لم تكن لتؤهله للإمامة لولا تدخل نفوسة ومؤازرتها له والتي اعترض عليها عبد العزيز بن الأوز قائلا: "الله سائلكم معاشر نفوسة إذا مات واحد جعلتم مكانه آخر ولم تجعلوا الأمر للمسلمين وتردوه إليهم فيختارون من هو أتقى وأرضى"(2).
نفهم من هذا النص الدور الذي كانت تقوم به نفوسة في تنصيب الأئمة دون مراعاة لرغبة الطوائف والقبائل الأخرى، كما أنه جاهز بمعارضة نفوسة عن الدور الذي تقوم به، وكانت هذه المعارضة من مقدمي بعض القبائل وعلمائها مما يعني جدية هذه المعارضة.
ويبدو أن أبا بكر في محاولة منه للخروج من طوق نفوسة الذي ضربته حوله، بادر بالاستعانة بالعرب والجند ووطد علاقته معهم، حيث كانت له مصاهرة مع أحد الزعماء العرب هو محمد بن عرفة الذي سلم له مقاليد الدولة وركن إلي الدعة والخمول "فكانت الإمارة بالاسم لأبي بكر وبالحقيقة لمحمد بن عرفة"(3).
ونظرا للعداء التقليدي بين العناصر المختلفة بتيهرت وبين العرب فقد خسر أبو بكر ولاءها بل حرضت على بذر بذور الشقاق بين أبي بكر وصهره محمد بن عرفة.
__________
(1) ابن الصغير، الأئمة، ص 71.
(2) نفسه، ص 71.
(3) نفسه، ص 72. (1/243)
صفحة 244
وبديهي أن ينقم الرستمية على سياسته وينضموا إلى نفوسة التي ساءها خذلانه إياها بعد أن أوصلته للإمامة، كما ساءها ارتماؤه في أحضان الجند والعرب(1).
لم يستمر هذا الوضع طويلا "إلى أن قدم أبو اليقظان من العراق فوجد أخاه أبا بكر أميرا"(2).
وترى المصادر الإباضية أنه أولى بالإمامة منه لو كان موجودا. فقال الباروني: "إن أبا بكر مترشحا للإمامة بعد أبي اليقظان لو كان موجودا"(3).
وعندما عاد أبو اليقظان لم ينازع أخاه في الإمارة بل رضي بما أسنده له من المهام الإدارية في المدينة، إذ يقول ابن الصغير "وكان أبو اليقظان يركب إلى أعلى مسجد في المدينة فيجلس فيه، فمن تكلم إليه من الناس بين العمال والقضاة وأصحاب الشرطة نظر في ذلك نظرا شافيا وأجرى الحق على من رضي وسخط"(4).
إذا نظرنا إلى هاتين الشخصيتين أبو اليقظان وابن عرفة من خلال ما أوردنا من نصوص توضح دور كل منهما لاتضح لنا ما بينهما من اختلاف في الطموح والأهداف وما يمكن أن يحدث بينهما من تضارب في المصالح، فابن عرف مقدم العرب في المدينة وصهر الإمام أبي بكر، وهو الذي يعتبر الحاكم الفعلي والذي التف حوله أهل المدينة وسار في المواكب التي تفوق مواكب الإمام نفسه، وهذا القادم من الشرق الذي يعتبر أحق بالإمامة من أخيه المنصرف للذات وحب الشهوات(5)، والذي سلم مقاليد الدولة لابن عرفة.
استعمل أبو اليقظان سياسة اللين ليستطيع أن يجد لنفسه موقعا في هذه الدولة، وذلك من خلال تسييره لأمور المدينة ومحاولة صرف العامة عن ابن عرفة ليبدأ الخطوة الثانية وهي التخلص منه فيما بعد ومن نفوذه على أخيه ودولته.
__________
(1) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 170.
(2) ابن الصغير، الأئمة، ص 72.
(3) الباروني، الأزهار، ص 280.
(4) ابن الصغير، الأئمة، س 73.
(5) ابن الصغير، أخبار الأئمة، ص 72. (1/244)
صفحة 245
وكان ابن عرفة يدخل على الإمام ولم يحجب عكس ما عليه أعمام أبي بكر وإخوته ومنهم أبو اليقظان لا يدخلون على أبي بكر إلا بالاستئذان إذا كان في مجلسه أو قصره(1).
وأضمن أبو اليقظان حقدا على ابن عرفة وحزبه وساءه استبداده وتسلطه، وشاركته في ذلك نفوسة والرستمية(2)، وانتهزوا فرصة الخلوة بالإمام، وقالوا: "إنك ذاهب ونحن ذاهبون، قال وكيف ذلك؟ قالوا: ما نحسب أنك تعلم مجيء ابن عرفة إذا جاء فيمن يجيء، ولا انصرافة فيمن ينصرف، ولا اجتماع الناس عند بابك إذا جاء، ولا خلوة إذا انصرف"(3).
وأمام هذا التحريض الذي سجل ابن الصغير تفاصيله خلافا للمصادر الإباضية الأخرى قام أبو اليقظان على التخلص من ابن عرفة. ومما أورده في هذا الصدد ما يلي: "قالوا المنفرد بهذا الكلام أبو اليقظان خاصة دون سائر إخوته وأعمامه"(4).
في هذا النص يتهم ابن الصغير أبا اليقظان صراحة بالتحريض على مقتل ابن عرفة وتأليب أخيه على ذلك "ولما كانت هذه التهمة خطيرة، خاصة وأن ابن الصغير أدرك أبا اليقظان وحضر مجلسه وقال عنه: إنه كان زاهدا وناسكا نجده" في موضع آخر يتحرج من نسبة هذه التهمة بقوله "فالله أعلم أي ذلك كان(5).
مات ابن عرفة غيلة، قتله صهره الإمام "أبو بكر في قصة طويلة ذكرها ابن الصغير"(6).
وما يهمنا أنه نتج عنها فتنة كبرى أطاحت بأبي بكر نفسه بعد أن بدأ الصراع بين الجند والعرب أنصار الإمام، ثم تحول بين العرب والعجم الذين انتهزوا الفرصة للتخلص من العرب والجند. قال ابن الصغير: "فلما رأت العجم ما نزل بين الفريقين (يعني العرب والجند) من السباب والقتل قالوا قد أمكننا في العرب والجند ومواليهم وأتباعهم ما نريد"(7).
__________
(1) ابن الصغير، تاريخ الأئمة، ص 74.
(2) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 170.
(3) ابن الصغير، تاريخ الأئمة، ص 74- 75.
(4) ابن الصغير، ص 74.
(5) نفسه، ص 75.
(6) نفسه، ص 75- 77.
(7) نفسه، ص 80. (1/245)
صفحة 246
اعتزل أبو اليقظان الحرب التي كان السبب في اشتعالها وصار إلى عدوة نفوسة التي هي الأخرى بقيت معتزلة الحرب، والتي يبدو أن هناك أطرافا خارجية ساعدت على تأججها وخلق الفتنة المدمرة لتستطيع تلك الأطراف الخارجية أن تمد نفوذها على حساب الدولة الرستمية، ونقصد بهذا التدخل الخارجي دولة الأغالبة في إفريقية، حيث أشار ابن الصغير إلى تدخل مستمر من قبل الأغالبة في الحرب الدائرة في تيهرت، حيث قال: "وكان قد قبض العرب على مولى من موالي ابن الأغلب يقال له خلف الخادم، وكانت له أموال عظيمة فأعان القوم بنفسه وماله"(1).
ولا شك أن هذا التدخل ربما زاد من حدة الصراع، ولكن يبقى السبب الأساسي هو صراع البيت الرستمي على الحكم وتنازع أصحاب النفوذ للوثوب على كرسي الحكم، وكان هذا التطلع هذه المرة من أبي اليقظان إلى إمامة تيهرت حيث دفع أخاه أبا بكر لتلك الفتنة، والتي لم يستطع أن يعمل خلالها أي شيء. وقال ابن الصغير: "وبقي الإمام أبو بكر في داره لا يأمر ولا ينهى، وقد تشاءم الناس به"(2) وخرج بعد ذلك من المدينة "لا حيا ولا ميتا"(3).
ولمعرفة مجريات الأمور بصورة أكثر وضوحا لابد من تتبع ورصد القوى المتصارعة وأوضاعها وما نتج عن هذا الصراع. وهذا ابن الصغير(4) المعاصر لتلك الفتنة يسعفنا ببعض المعلومات عن وقائعها فيقول: "وإن العجم والنفوسة والرستميين لما نزل بهم ما نزل تفرقوا في أقاصي البلاد، فنزلت العجم بموضع يقال له تنابغيلت وهي على مرحلتين من مدينة تاهرت، وأما الرستمية ومن لف لفها فلحقوا بأبي اليقظان بالموضع الذي يقال له أسكدال وهو بقبلة تاهرت مسيرة اليوم وأزيد قليلا في مجتمع الإباضية، وأما نفوسة فنزلت بقلعة مانعة يقال لها اليوم قلعة نفوسة"(5).
__________
(1) نفسه، ص 81.
(2) نفسه، ص 81.
(3) نفسه، ص 84- 85.
(4) نفسه، ص 84.
(5) نفسه، ص 84، الباروني، الأزهار، ص 294. (1/246)
صفحة 247
وأثناء هذا التشتت والقتال دخل محمد بن مسالة إلى تيهرت، وهو زعيم هوارة المنشق على الإمامة(1)، وآلت فيها السلطة إليه طوال ثماني سنوات(2) عاشت خلالها المدينة هدوءا حذرا إلى أن تحركت النعرات الكامنة بين هوارة ولواتة(3)، وينتهي الصراع بطرد لواتة خارج المدينة ونزولهم بحصنهم القريب من أسكدال، حيث أقام أبو اليقظان والرستمية.
وحدث تحالف بين لواتة وأبي اليقظان فأجمعت على بيعته بالإمامة سنة 261ه- 875م(4).
وبقي بالمدينة أي تاهرت أمم من لا يوالون أبا اليقظان ولا يرون رأيه، ويوالون محمد بن مسألة"(5).
حاول أبو اليقظان دخول تيهرت عنوة ولكن نتيجة للقوة التي لازالت تحتفظ بها المدينة كانت تلك المحاولة دون جدوى، وتكررت محاولاته طيلة سبع سنين(6)، ولم يفز منها بطائل، فبعث يستمد العون من جبل نفوسة.
* مساندة جبل نفوسة لأبي اليقظان:
وهنا تبرز من جديد العلاقة بين الجبل وتيهرت من خلال أتون الحرب التي لم يستطع أي طرف من أطرافها أن يحسمها، ونظرا للفترة الزمنية الطويلة التي قضاها أبو اليقظان في محاولاته للظفر بتيهرت ومن ثم بالإمامة عليها، رأى أنه من اللازم طاب المساعدة والنجدة من جبل نفوسة، وهو ما كان يفعله أسلافه عندما يضيق بهم الحال في تيهرت. وهنا تجدر الإشارة إلى أن دور نفوسة الجبل ربما اختلف بعض الشيء عما قامت به نفوسة تيهرت.
__________
(1) نفسه، ص 84، الباروني، الأزهار، ص 294
(2) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 174.
(3) نفسه، ص 174.
(4) نفسه، ص 175.
(5) ابن الصغير، تاريخ الأئمة، ص 85.
(6) ابن الصغير، تاريخ الأئمة، ص 86، الباروني، الأزهار، ص 296، محمود إسماعيل، الخوارج، ص175. (1/247)
صفحة 248
فنفوسة تيهرت كانت على الحياد في بداية الأمر رغم أنها هي التي مكنت أبا بكر من الوصول إلى سدة الحكم، ولكن عندما تضاربت مصالحها مع مصالح وأهداف أبي بكر تخلت عنه وأعلنت الحياد وعدم مناصرتها له مما يؤكد أن الولاء المذهبي ليس حاسما في بعض الأحيان وإنما تتغلب عليه المصالح الآنية الذاتية عندما تتشابك تلك المصالح مع السياسة أو الولاء المذهبي، وبالتالي يتم الانحياز لمصالح القبيلة، وهذا ما كان من نفوسة في تيهرت.
وفي إشارة واضحة إلى دور الجبل في السابق في نجدة تيهرت وإنقاذها من أي خطر كان يداهمها وما درب عليه الأئمة السابقون من طلب للنجدة من جبل نفوسة كلما أحسوا بخطر يداهم ملكهم ودولتهم، مما يؤكد أن دور جبل نفوسة كان فاعلا وأساسيا في مساندة تيهرت، في هذا الصدد ورد نص للباروني قال فيه: "رأى أبو اليقظان أن يتأسى بجده الإمام عبد الوهاب ويحدو حدوه في الاستمداد من نفوسة الجبل"(1).
كما أشار ابن الصغير إلى المساعدة التي طلبها أبو اليقظان من نفوسة نتيجة لطول الحرب التي لم تحسم لصالح أحد حيث قال: "وإن أبا اليقظان لما رأى من طول الحرب ما رأى إلى جبل نفوسة يستنفرهم"(2).
ورغم أن الباروني يصف هذا الجيش قائلا "فأمدوه ملبين دعوته بجيش عرمرم جامع لكل همام" _يصفه بالقوة_ ولكن لم يسعفنا بعدده ومدى قوته كما فعل ابن الصغير، فاكتفى بنعته بجموع عظيمة، غير أن ما يفهم من سير الأحداث أن هذا الجيش كان من القوة مما جعله يرجح كفة أبي اليقظان مع القوة المضادة له. ونفس الشيء بالنسبة للقبائل الأخرى التي أبدت عدم اعتراضها للإنذار الذي وجهته نفوسة بل أعلنت استسلامها وعودتها للسلم ونبذ الحرب.
__________
(1) الباروني، الأزهار، ص 296.
(2) ابن الصغير، الأئمة، ص 86. (1/248)
صفحة 249
ويبدو أن هذه النجدة لم تتأخر كثيرا وكانت من القوة ما جعلها تحسم الأمر لصالح أبي اليقظان قبل الدخول في أي حرب، فيذكر ابن الصغير أن أول عمل قام به هذا المدد القادم من جبل نفوسة هو تجديد البيعة وعقدها لأبي اليقظان، "وإنهم لما نزلت به نفوسة الجبل اجتمع إلى أبي اليقظان جمع عظيم فرحل بجميع جموعه من نفوسة وغيرها حتى نزل من الغرب من تاهرت"(1).
لم تدخل هذه الجموع القادمة من جبل نفوسة الحرب مباشرة بل إنها عرضت على أبي اليقظان أن تعرف جلية الأمر من الطرف الآخر "قالت نفوسة لا نقاتل حتى نرسل إلى إخواننا وننذرهم فإن جاءوا ورجعوا إلى الطاعة كانت أيدينا وأيديهم واحدة، وإن أبوا من ذلك نزلنا معهم على حكم الله"(2).
لاشك أنها بادرة تحمد لجبل نفوسة في حقن الدماء، خاصة إذا علمنا أن هذا الشرط قد أوتي ثماره نتيجة لتطاول الحرب، وسامت الناس الفتن وأرادت الخلود إلى الأمن والدعة. وقد رغبت كل الأطراف في المصالحة مشترطة ألا يعود أحد الطرفين ويطالب بدماء من قتلوا. قال ابن الصغير في هذا الشأن: "قد تقدمت فيما بيننا دماء وأموال لا منا ولا منهم، ونخشى أن يأخذ الباقي من الغائر، فإن كان عقدوا وصلحا على أن لا يتبع أحد بدم ولا مال فسمعا وطاعة"(3).
__________
(1) ابن الصغير، الأئمة، ص 86، الباروني، الأزهار، ص 296- 297.
(2) ابن الصغير، ص 86- 87، الباروني، نفسه، ص 297.
(3) ابن الصغير، الأئمة، ص 87، الباروني، الأزهار، ص 297. (1/249)
صفحة 250
هذا النص يوضح رأي الأطراف التي أنذرتها بالرجوع عن الحرب وأنها كانت حذرة من إلقاء أسلحتها خوفا من الثأر والدمار التي ترتبت على تلك الحرب، مما جعل أمر تجاوزها يحتاج إلى عقد مصالحة تسقط كل التبعات التي نتجت عن الحرب. وأبو اليقظان الذي بويع بالإمامة منذ سبع سنوات لم يقم بمهامه كإمام للدولة قد مل الحرب هو الآخر، مما جعله يوافق على ما اشترطته الأطراف الأخرى، حيث قال: "معاذ الله أن نأخذ أحدا بما سلف ولا آخذ إلا بما يستقبل. فأعطوهم على هذا ما أحبوا من العهود والمواثيق"(1).
وبذلك استطاع أبو اليقظان أن يتألف القبائل ويجمع كلمتها، فجاءته مبايعة بعد ما قامت به نفوسة الجبل من مصالحة ومساندة في ذات الوقت لأبي اليقظان.
ويبدو أن القبائل الأخرى كانت تخشى سيطرة نفوسة على مقاليد الأمور بعدما أحرزته من نصر سياسي لتهدئة الفتن، وكان لابد لنفوسة أن تعلن سبب مجيئها وكذلك موقفها بعد انتهاء الحرب بأنها لم تكن لترغب في الحرب أو ممارسة أي سلطان سياسي "إنما جئنا لإصلاح بيضتنا وتأليف أمرنا وقوام ديننا، ولم نأت لطلب علو في الأرض ولا فساد"(2).
__________
(1) ابن الصغير، تاريخ الأئمة، ص 87.
(2) نفسه، ص 87. (1/250)
صفحة 251
لم تتحدث المصادر عن عودة جيش نفوسة إلى الجبل بعد انتهاء مهمته في تثبيت حكم أبي اليقظان والقضاء على الفتنة ولتمكين أبي اليقظان من ممارسة سلطاته السياسية قام بتعيين قاض عليهم بعد استشارة أهل المدينة الذين أشاروا له بأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ(1)، غير أن ابن الصغير لا يذكر اسم القبيلة التي كان ينتمي إليها وأنه ليس من نفوسة، ذلك أن ابن الصغير لا يذكر في حديثه عن بقية الوظائف الأخرى ينسب بعض أشخاصها إلى نفوسة، فقال: "ثم ولى على بيت ماله رجلا من نفوسة، ثم قدّم على منبره من ارتضاه هو بنفسه، ثم أمر قوما من نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقولوا: "فإن رأوا قصابا ينفخ شاة عاقبوه، وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قذرا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه ولا يمنعون أحدا من الصلاة في مساجدهم"(2).
فهذا النص يؤكد _مرة أخرى_على الدور الذي كانت تقوم به نفوسة في مجال الحسبة، ويبدو أن هذه الوظيفة كانت منوطة بها منذ عهد الإمام عبد الوهاب، مثلها مثل وظيفة بيت المال، وكذلك وظيفة أخرى كانت تقوم بها نفوسة وهي ما يسمى وظيفة (صاحب الصلاة) في العصور الوسطى مع فارق قليل، وهو أن الإباضية لا يرفعون أيديهم في الصلاة أثناء تكبيرة الإحرام، ولا ينكرون على غيرهم هذا الفعل إلا في "المسجد الجامع إن رأوا فيه من رفع يديه منعوه وزجروه، فإن عاد ضربوه"(3).
ويبدو أن نفوسة التي ساعدت أبا اليقظان على تولي مقاليد السلطة في تيهرت ووفرت له فترة من الأمن والاستقرار استمرت منذ سنة 268ه تاريخ دخوله لتيهرت وطلبه المساعدة من نفوسة إلى سنة 281ه(4) _تاريخ وفاته_.
__________
(1) نفسه، ص 88.
(2) نفسه، ص 88.
(3) نفسه، ص 88- 89.
(4) نفسه، ص 102. (1/251)
صفحة 252
قد كانت نفوسة شديدة الولاء له وربما رفعته إلى درجة التأليه، وقد سجل ابن الصغير بعض تفاصيل هذه العلاقة التي كانت تشوبها الغرابة أو الغموض قائلا: "وكانت نفوسة الجبل مفتونة بأبي اليقظان، حتى أنها أقامته في دينها وتحليلها وتحريمها مثل ما أقامت النصارى عيسى بن مريم، وكان أكثرهم لا يحج إلا باستئذانه، وكانت المرأة تبعث بابنها أو ابنتها يأخذ لها الإذن منه"(1).
والباروني الذي ينقل كثيرا عن ابن الصغير لم يورد هذا النص كاملا ربما تحرجا مما جاء فيه، حيث حذف منه ما كان محل جدال وخاصة ما يتعلق بالمروق عن الدين، وهو تشبيه أبي اليقظان بعيسى بن مرين، فهذا لم يرد عند الباروني، كما أننا لم نجد تفسيرا لهذا النص أو الدواعي التي جعلتهم يقومون بذلك. وابن الصغير الذي رصد هذه الوضعية يورد تفصيلا آخر يتعلق بمجيء وفود نفوسة الجبل إلى تيهرت قائلا: "إذا ضرب سرداقه وأتته وفودهم لا ينامون الليل حول فسطاطه، شأنهم التهليل والتكبير من أول الليل حتى إلى الفجر"(2) ألا يدخل هذا العمل في باب التأليه وعبادة الفرد والانحراف عن الدين؟.
وكان أبو اليقظان على درجة من الورع ناسكا سكينا(3)، ولكن إلى جانب ذلك يذكر ابن الصغير أن صفات أبنائه لم تكن على هذا المنوال، وإلى هذا يشير قائلا: "ما خلا أولاده فإنهم ربما خرجوا عن الواجب من أفعالهم"(4).
__________
(1) ابن الصغير، ص 97- 98.
(2) نفسه، ص 98.
(3) نفسه، ص 92.
(4) نفسه، ص 100. يذكر ابن الصغير أن زكرياء ابن الإمام قد اغتصب بنتا من أمها وقد اشتكت للقاضي الذي لم يستطع القبض على ابن الإمام، فترك القضاء واعتزل أبا اليقظان. ابن الصغير، الأئمة، ص 90- 92. (1/252)
صفحة 253
وما يهمنا من توضيح هذه التفاصيل هو أن العلاقة التي سادت بين الجبل وتيهرت في عهد أبي اليقظان كانت علاقة يسودها التعاون والتضامن، وخاصة الجزء الموالي من الجبل لإمامة تيهرت، حيث عين أبو اليقظان على ولاية الجبل الذي جاءته وفود منه تطلب تعيين وال جديد بعد وفاة أبي منصور إلياس أفلح بن العباس(1).
ويرجع الفضل في إقامة إمامة أبي اليقظان واستمرارها إلى جبل نفوسة نظرا لما قدمه من دعم ومساندة لإمامة تيهرت، ولكن هل يستمر هذا التعاون بعد هذا الإمام طويلا؟.
فقد توفي أبو اليقظان (281 ه)(2)، وبعد هذا التاريخ بسنتين حدثت موقعة مانو (283 ه) التي كانت قاصمة الظهر لنفوسة أولا وللدولة الرستمية ثانيا، وجعلتها تفقد أكبر عون وأكبر مدد عسكري وسياسي، ويحتفظ لنا ابن الصغير بأخبار دقيقة عن مدى التردي الذي وصلته إمامة تيهرت وما أصابها من ضعف أفقدها هيبتها بين القبائل المحيطة بتيهرت. وكصورة من صور الضعف والانحطاط يشير ابن الصغير إلى سيطرة زوجة أبي اليقظان على مقاليد الأمور وتدخلها في شؤون السياسة العامة للدولة، مما جعلها تفرض ابنها أبا حاتم وليا للعهد بعد أبيه "وكان أبو حاتم هذا فتى شابا، وكان يجمع الفتيان إلى نفسه فيطعم ويكسي، وكانت له أم تسمى غزالة، وكانت مالكة لأمور أبي اليقظان وحشمه"(3).
أي أن أمور الدولة أصبحت في تدهور مستمر ينذر بحلول الفوضى والتلاشي.
__________
(1) نفسه، ص 99.
(2) نفسه، ص 102.
(3) نفسه، ص 103. (1/253)
صفحة 254
وفي مدة حكم أبي الأخيرة يبدو أنه عجز عن الخروج للمصلى في الأعياد وضعف نفوذه أمام زوجته التي أحكمت سيطرتها في أمور الدولة، حيث بلغ الأمر بابنها أبي حاتم إعلان إمامته وبايعته العامة، ووالده أبو اليقظان ما يزال حيا في قصره، كما يذكر ابن الصغير في حديثه عن أبي حاتم "فلما كان في بعض الأعياد وأبو اليقظان حي في قصره لم يحضر المصلى مع الناس حملته العامة (يعني أبا حاتم) ونادت بطاعته، فلما اتصل الخبر بأبي اليقظان قال لأمه احذري يا غزالة فقد أصبح اليوم ابنك باغيا"(1).
ولكن من المؤكد أن هذه التحذيرات لم تجد نفعا، فبموت أبي اليقظان في التاريخ المشار إليه "اجتمعت العوام والفرسان دون القبائل فنادوا لا طاعة لأحد إلا لأبي حاتم"(2).
والملاحظ أن المصادر الإباضية لم تشر إلا إشارة عابرة إلى أبي حاتم، حيث يورد الدرجيني أن اسمه يوسف بن محمد، حيث قال: "ولما مات محمد ولي ابنه يوسف، فمكث في الإمامة اثني عشر سنة، وقد اطردت له الأمور ولم يبغ عليه أحد من رعيته في أمر من الأمور"(3).
فهذه الإشارة العابرة لم تكن دقيقة؛ ذلك أن المدة التي تولى فيها الإمامة بعد موت أبيه ما بين 281 ه و295م(4) تخللتها ثورة عمه يعقوب بن أفلح (282- 286/ 896- 900م)(5) الذي مكث في الحكم مدة أربعة أعوام.
__________
(1) نفسه، ص 103.
(2) نفسه، ص 104.
(3) الدرجيني، طبقات، ص 84.
(4) ابن الصغير، تاريخ الأئمة، هامش ص 104.
(5) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 180. (1/254)
صفحة 255
وقبل الاستطراد في الصراع داخل البيت الرستمي على الحكم تجدر الإشارة إلى أن وقعة (مانو) كانت في عهد يعقوب بن أفلح (283ه/ 896م)(1) أي في فترة الصراع بين أبناء البيت الرستمي، يكفي أن نتصور مدى العجز الذي أصاب الدولة الرستمية، حيث لم تستطع إنقاذ نفوسة الجبل ومساندتها في حربها ضد أبي العباس بن إبراهيم بن الأغلب، بل تركها تواجه مصيرها النهائي دون مدد أو مساندة، بل نجد أن قبيلة زواغة التي كانت في إقليم طرابلس خاصة في منقطة صبراتة انشغلت هي الأخرى بمناصرة يعقوب بن أفلح الذي كان مقيما لديها منذ تولي أبو حاتم الإمامة في تيهرت، وذلك ما نفهمه من رواية ابن الصغير، حيث قال: "وأن أبا حاتم منذ ُولي ترحل يعقوب ونزل بزواغة، فلم يدخل للرستمية جمعا ولا أعان ابن أخيه برأي"(2).
ويفهم أيضا من هذا النص أن العوام هم الذين نصبوا أبا حاتم إماما على تيهرت؛ ذلك أن نفوسة الجبل لم يعد لها دورها المعهود في حسم الصراع، حيث نجدها دائما رهن إشارة الأئمة السابقين خاصة الإمام عبد الوهاب الذي استعان بهم في حرب الواصلية. كما استنجد بها أبو اليقظان لحسم كفة الصراع لصالحه عندما جاءت بجموعها من الجبل إلى تيهرت واستطاعت أن تضع حدا للصراع وتقطع الفتنة.
وحسب ما ورد عن أبي زكرياء فإن وقعة مانو اقترنت مع انقراض الإمامة، حيث كانت الإمامة هي الخاسر الأكبر من جراء هذه الوقعة. ويعزو نفس المؤرخ أن أسباب وقعة مانو والقضاء على نفوسة إلى كونها كانت وراء قيام دولة الفرس في تيهرت "فاتصلت أخبار نفوسة بمن كان بالمشرق من الأئمة المسودة يدس لهم الكتب من كان بالقيروان ومدينة طرابلس ويخبرونهم أن قيام دولة الفرس بهم كان"(3).
وقد أدت الهزيمة التي منيت بها نفوسة إلى تأجيج الصراع داخل تيهرت.
__________
(1) أبو زكرياء، السيرة، هامش ص 150.
(2) ابن الصغير، تاريخ الأئمة، ص 109- 110.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 150. (1/255)
صفحة 256
وقبل أن نصل إلى خاتمة الصراع داخل البيت الرستمي نشير إلى أن نفوسة تعرضت إلى هزيمة أخرى نكراء في العالم التالي لوقعة مانو، حيث يسميها ابن عذاري بوقعة نفوسة، حي قال في سنة "(284 ه) كانت وقعة نفوسة لأبي العباس بن إبراهيم، فقتل منهم مقتلة عظيمة وأسرى منهم نحو ثلاثمائة، فلما وصل بهم إلى والده إبراهيم بن أحمد... قتلهم جميعا ونظمت قلوبهم في حبال نصبت على باب تونس"(1) ولنا أن نعرف أحوال الجبل بعد تلك الوقعتين.
إن وقعة مانو لم تتم بموافقة جميع أهل الجبل وخاصة الوالي على الجبل أفلح بن العباس الذي تشير المصادر الإباضية أنه كان السبب في إبادة نفوسة ومقتل غالبية رجالهم البالغ عددهم عشرون ألف حسب ابن عذاري(2) لا فارس معهم، وذلك عندما "أمر صاحب البند أن يحفر له في الأرض كي لا ينهزم عن البند أحد..."(3) وولى أفلح مدبرا وتركهم يلوذون بالبند(4). وقد تسبب ذلك في ظهور شقاق بين أهل الجبل. وذكر أبو زكرياء "أن بقية المجاهدين رجعوا إلى الجبل فتحصنوا فيه وتشاوروا في عزل أفلح بن العباس وتولية ابن عم له"(5) واسم هذا الأخير لم يرد ذكره لا عن أبي زكرياء ولا في المصادر الإباضية الأخرى، لكن أبا زكرياء أضاف أن ولايته دامت مدة ثلاثة أشهر(6) إذ لم يحسن القيام بتلك المهمة مما اضطرهم إلى الرجوع إلى الوالي أفلح.
بعد هذه الهزيمة التي تعرضت لها نفوسة خفت صوتها وضعفت قوتها، مما جعل الأوضاع في تيهرت تتأرجح بين أبناء البيت الرستمي إلى سنة 294 ه، وهي نهاية إمامة أبي حاتم بمقتله على يدي أبناء أخيه أبو اليقظان، ونصبوا مكانه باتفاق مع من شائعهم واحدا منهم وهو أبو اليقظان بن أبي اليقظان، وذلك سنة 294 ه(7).
__________
(1) ابن عداري، البيان، ج1، ص 130.
(2) نفسه، ص 122.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 152.
(4) نفسه، ص 152.
(5) نفسه، ص 154.
(6) نفسه، ص 154.
(7) الباروني، الأزهار، ص 298. (1/256)
صفحة 257
فالمصادر الإباضية اعتبرت هذا الإمام مغتصبا للسلطة، وعزفت تلك المصادر عن تناول سيرته.
والمرجح أن عهد هذا الإمام اتسم بالقلاقل والفتن، سواء من جانب الطوائف الدينية غير الإباضية التي كانت تطمح في الإمامة دون أن تنالها، أو من جانب أبناء أبي حاتم للأخذ بثأر أبيهم.
ويستفاد من رواية لأبي زكرياء "أن بنت أبي حاتم تدعى دوسر لما قتل أبوها وغدره بنو اليقظان خرجت متوجهة مع أخيها إلى الحجاني"(1) قائد جيش أبي عبد الله الشيعي(2) الذي هاجم تيهرت طالبة منه أن يأخذ لها بثأرها من قتلة أبيها مقابل زواجها منه(3)، إضافة إلى هؤلاء خرج إلى الحجاني عند اقترابه من تيهرت وجوه أهلها من المخالفين من المالكية والواصلية والشيعة ومن فيها من الصفرية، وشكوا إليه إمارة الفرس ووعدوه العون من أنفسهم على جميع الرستميين(4).
هذا النص يظهر لنا مدى التمزق الذي عانته الدولة الرستمية في أواخر أيامها ومدى الكراهية للبيت الرستمي الذي نهشته الفتن من الداخل فتقوضت أركانه من الخارج، أي أن عامة الناس بمختلف طوائفها ربما تكون قد نفرت منه وانقلبت ضده.
وعن دخول العبيديين لتيهرت يحدثنا ابن عذاري قائلا: "فدخلها بالأمان وقتل بها من الرستمية يقظان بن أبي اليقظان وجماعة من أهل بيته"(5).
وحسب ابن عذاري فإن تاريخ دخول الفاطميين إلى تيهرت هو سنة 296 ه، ويؤيده في ذلك الباروني، بينما محمود إسماعيل يذكر تاريخ 297 ه- 907 م(6).
__________
(1) أبو زكرياء، 163.
(2) محمود إسماعيل، الخوارج، ص 182.
(3) أبو زكرياء، السيرة، ص 163.
(4) نفسه، ص 163.
(5) ابن عذاري، البيان، ج 1، ص 153.
(6) ابن عذاري، البيان، ص 145، الباروني، الأزهار، ص 361، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 182. (1/257)
صفحة 258
ومهما يكن من أمر فإن الدولة الرستمية التي قامت على مبدأ الاختيار للإمامة في أول عهدها لم يتم العمل بهذا المبدأ طويلا بل كان في إمامة أول حاكم وهو عبد الرحمن بن رستم بينما استمرت في عقبه من بعده ملكية وراثية تطاحن الأبناء عليها فيما بعد، وكانت سبب انهيارها وفنائها.
وما يهمنا في هذا السياق أن موضوع بحثنا الذي ارتبط بهذه الدولة والعلاقة بين جبل نفوسة وبينها يعتبر مكتملا من الناحية التاريخية، وتبقى المعالجة المنهجية لخاتمة البحث في الخروج بتصور جديد لدور جبل نفوسة كقوة فاعلة وليس تابعا سياسيا فقط للدولة الرستمية.
خاتمة
إن جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية الذي أنجزت هذا البحث عنه لم يكن قبل هذه الدراسة قد نال نصيبه من الاهتمام والكشف عن تاريخه الاقتصادي والاجتماعي ودوره السياسي الذي لعبه في الحقبة الوسيطية، مما جعل هذه الدراسة تأتي شاقة ومضنية لعدة اعتبارات منها: أن تناول هذا الموضوع كان في فترة مبكرة من العصر الوسيط _القرنان الثاني والثالث الهجريان_ مما جعل الحصول على مصادر ووثائق تلك الفترة أمرا بالغ الصعوبة، وخاصة إذ علمنا أن الدراسة جزئية مونوغرافية: أي أن تناول الزمان في نطاق جغرافي محدد، أضف إلى ذلك أنه لم يسبق أن أجريت دراسة جزئية لمنطقة معينة من إقليم طرابلس، وأن الدراسات التي أنجزت والأبحاث التي تناولت تاريخ إقليم طرابلس بوجه عام فهي تقع دائما ضمن إطار دول الجوار في المشرق والمغرب وخاصة ما نشر من أبحاث عن المغرب الأوسط وفي الجزائر تحديدا، فهي دائما تشير إلى أن جبل نفوسة ولاية تابعة للدولة الرستمية وحسب دون الدخول في بحث معمق لتاريخ الجبل أو دراسة مدنه واقتصادياته، وهو ما يقع في إطار الكتابة المحلية لتاريخ المغرب الإسلامي. (1/258)
صفحة 259
وتأسيسا على ذلك نعتقد أن هذه الدراسة قد أجابت على بعض الفرضيات وألغت آراء أخرى أو رأت إعادة النظر فيها على ضوء ما توصلت إليه من خلال هذا البحث، والتي من أهمها أن جبل نفوسة لم يكن منطقة منعزلة عديمة التاريخ أو يمكن تهميشها أو تجاهل دورها الاقتصادي والثقافي والسياسي الذي لعبته في العصر الوسيط. فمن النتائج المهمة التي توصل إليها البحث أن جبل نفوسة كان مركزا حضاريا بمدنه وقراه التي انتشرت بكثافة على قممه وفي أوديته. ورغم ضعف البحث والتنقيب الاركولوجي عن تلك المدن إلا أن أطلالها وقصورها واتساع رقعتها ما زالت شاهدة على ماضيها العريق ودورها المهم في حركة الاقتصاد في إفريقيا وبلاد المغرب الإسلامي.
كما أنها كانت حلقة وصل بين دول جنوب الصحراء والشمال الإفريقي. وتعتبر مدينة شروس حاضرة للجبل بحق، وكانت مركز التقاء للقوافل العابرة للصحراء جنوبا والقادمة من طرابلس شمالا ومن المغرب والمشرق الإسلاميين، ومما يؤكد هذا الدور الهام أنها كانت محاطة بالعديد من القرى والقلاع على قمم الجبال كتحصينات لحمايتها من كل اعتداء محتمل. فهذه المدينة رغم شهرتها وما كانت تقوم به من أدوار اقتصادية وثقافية وسياسية فهي لم تحظ بالاهتمام والبحث الأثري بخصوص تاريخ بنائها ومكوناتها العمرانية. (1/259)
صفحة 260
كما أن هذه الدراسة كشفت النقاب عن مدينة أخرى لها من الأهمية ما لشروس بل تفوقها أحيانا، ونعني بها مدينة جادو التي كانت مركزا اقتصاديا هاما ومحطة للقوافل القادمة من جنوب الصحراء عبر غدامس مرورا بمحطات درج وسيناون وهي الأخرى كان لها دور مهم على طريق جادو غدامس_ تادمكة، وفي الوقت نفسه ربطت جادوا بطرابلس والخطوط التجارية الساحلية على البحر الأبيض الأمر الذي ميزها كمركز اقتصادي في جبل نفوسة. إضافة إلى ذلك ارتبط جبل نفوسة بالواحات الليبية في الجنوب، ومن أهم مراكزها مدينة زويلة في جنوب الصحراء الليبية وهي بوابة أساسية نحو دول جنوب الصحراء وشمالا نحو مصر والساحل الليبي والمغرب الإسلامي.
إضافة إلى هذه النتائج التي أشار إليها البحث هناك الدور الثقافي الذي تميز به الجبل في مراحل نشاطه المبكرة بداية من دخول الإسلام للمنطقة وانتشار حركة التعريب والتبحر في علوم الإسلام، وقد تميزت أغلب مدن الجبل بهذا النشاط العلمي والثقافي، ومن أهمها أجناون والتي تعد من المدن الصغيرة في الجبل ولكنها استقطبت العديد من العلماء والفقهاء في الدين والمنطق مما حدا بأئمة الدولة الرستمية لطلب المساعدة الفقهية والفكرية من علماء الجبل للتصدي لخصومهم من الواصلية وغيرهم من الفرق الأخرى التي كانت تستخدم الجدل كأسلوب للاقتناع، إضافة إلى انتشار اللغة الكانمية في الجبل، وهي إحدى لغات دول جنوب الصحراء، فنجد أن أحد ولاة الجبل يتحدث بتلك اللغة مما بين مدى الارتباط الثقافي المبكر الذي تم بين جبل نفوسة ودول جنوب الصحراء، بموازاة مع التواصل الاقتصادي والديني الذي ساهم الجبل في انتشاره بين تلك الدول، مما برهن على أن الصحراء لم تكن عائقا للتواصل الثقافي والاقتصادي بين بلاد المغرب الإسلامي ودول جنوب الصحراء، بل كانت هناك روابط قوية جمعت بين ضفتي الصحراء شمالها وجنوبها. (1/260)
صفحة 261
ومن خلال موقع جبل نفوسة وحصانته الجغرافية وقربه من طرابلس والقيروان أصبح مركزا مهما للمعارضة السياسية الثورات التي كان يعج بها إقليم طرابلس، وقد شكل ذلك تهديدا مستمرا لوجود الدولة المركزية واستمرار نفوذها في إفريقية، مما جعل سكان الجبل من هوارة ونفوسة وغيرها ينحون إلى الاستقلال بإقليم طرابلس وإعلان دولة إباضية فيه رغم إصرار الدولة العباسية واستماتتها في التمسك بإفريقيا، وإرسال الجيوش والنجدات للحفاظ على وجودها في المغرب الإسلامي بصفة عامة.
ومن النتائج التي برزت من خلال هذا البحث إشكالية العلاقة التي كانت سائدة بين جبل نفوسة والدولة الرستمية في المغرب الأوسط وأن هذه العلاقة اكتنفها الكثير من الغموض والتشويش وعدم إنصاف الجبل تاريخيا في هذه العلاقة. ولكن يمكننا من خلال هذه الدراسة وتحليل العلاقة السياسية التي سادت بين الجبل وتيهرت الوصول إلى المعطيات الآتية: (1/261)
صفحة 262
إن جبل نفوسة الذي استمر في صراعه مع الدولة العباسية في إقليم طرابلس رغم سقوط الدولة الخطابية في سنة 140 ه، كان في الوقت نفسه يساهم في تكوين دولة إباضية في المغرب الأوسط من خلال مشايخ الإباضية وأتباعهم الذين غادروا إفريقية إلى المغرب الأوسط على إثر مقتل أبي الخطاب المعافري وانتهاء دولته في طرابلس، بعد أن التفوا حول عامله على القيروان عبد الرحمن بن رستم، الذي ترك هو الآخر ولايته تحت ضغط جيوش الدولة العباسية وولاتها، مما جعلهم يلتقون في هدف واحد هو إحياء دولتهم الإباضية بعيدا عن خطر العباسيين وولاتهم في إفريقيا، وكانت نفوسة هي نواة هذه الدولة الجديدة في تيهرت، ومما يؤكد هذه الفرضية هو الدور السياسي والعسكري والإداري الذي قامت به نفوسة في تيهرت مثل تقلدها أهم الوظائف في الدولة الناشئة، وأهمها القضاء والحسبة وبيوت الأموال والعسكر، فكانت نفوسة في تيهرت تسمى نفوسة العسكر، الأمر الذي يبدو جليا أن نفوسة ومن ورائها الجبل بكل قبائله كان له دور المؤسس لتلك الدولة وليس مجرد ولاية تابعة لتيهرت، ويتدعم هذا الموقف من خلال التجريدة العسكرية التي كان يرسلها جبل نفوسة بين الحين والآخر لدعم إمامة تيهرت. (1/262)
صفحة 263
وتتجلى هذه العلاقة أيضا في الدعم الذي كان يقدمه الجبل لتيهرت نظرا لتضلع علمائه وفقهائه في علم المنطق والجدل والمناظرات الفقهية، وقد كان الجبل يرسلهم إلى تيهرت كلما شعر أئمة تيهرت بخطر يتهدد دولتهم ويشكك في أحقيتهم في الإمامة، وقد استطاع هؤلاء العلماء الرد على الواصلية وغيرهم من خلال مناظرات في علم الكلام والفقه عقدت في تيهرت عندما استنجد عبد الوهاب برجال من نفوسة الجبل مما يبين مدى التفوق العلمي والفقهي الذي حاز عليه علماء الجبل، وليس بمستغرب إذا علمنا أن كل قرية في الجبل كانت لا تحتاج إلى قرية أخرى مجاورة لها في مجال الفتوى نظرا لتوفر تلك المدن والقرى على عدد من العلماء الذين برزوا في علوم الدين وعلومالكلام.
وكان لجبل نفوسة دور بارز في عهد الإمام أبي اليقظان الذي خاض سبع سنوات من الحروب ضد خصومه من القبائل الأخرى، ولم يتمكن من حسم الأمر لصالحه إلا بعد أن هب جبل نفوسة لنجدته وإنهاء الصراع في تيهرت بشكل سلمي على إثر ما قامت به نفوسة الجبل من مصالحات وتسويات أفضت في نهاية الأمر إلى استقرار الأوضاع.
رغم أنها قدمت بجيش ضخم إلى تيهرت، حسب المصادر الإباضية ذاتها، وبتعبير أوضح فإن دور الجبل في قيام الدولة الرستمية كان أساسيا ومؤثرا، وبفضله استطاعت الاستمرار ومقاومة كل محاولة لإجهاضها والقضاء عليها.
ومن جانب آخر يظهر هذا البحث أن جبل نفوسة حمل لواء المعارضة في وجه الدولة الرستمية عندما تخلى أئمتها عن الأهداف والمبادئ التي نادى بها الخوارج ومنهم الإباضية وقاتلوا من أجلها الدولة العباسية وولاتها في إقليم طرابلس وإفريقية، ومن جملة هذه المبادئ مبدأ الشورى والاختيار في الحكم مع رفض النظام الوراثي الذي انتهجه العباسيون. (1/263)
صفحة 264
واجه الإمام الثاني عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم معارضة شديدة من قبل الحركة النكارية التي رفضت تعيينه أولا وطريقة إدارته للحكم ثانيا، وتزعّم هذه الحركة ابن فندين اليفرني وهو من قبيلة بني يفرن إحدى قبائل جبل نفوسة، وخاضت حروبا طويلة مع الدولة الرستمية لخروجها عن مبدأ أساسي من مبادئ الحكم، وكان لابن فندين آراء واجتهادات صائبة تصب في مصلحة إدارة الحكم واختيار الحاكم وفق نظام الشورى، ويمنع النزوع للحكم الفردي الذي كرسه أئمة تيهرت. بالإضافة إلى هذه المعارضة ظهرت في الجبل حركة فكرية كان مركزها مدينة قنطرارة، وهي معارضة فقهية سميت بالحركة النفاثية التي قادها فرج بن نصر النفوسي الذي سمي في المصادر الإباضية باسم نفات. وتتميز تلك المعارضة بإبداء الآراء الفقهية في سلوك الحاكم الرستمي، وما كان يتخذه لنفسه من مظاهر البذخ في ملبسه مما لا يتفق مع التقشف الذي كان يظهر به الأئمة السابقون، كما انصبت اعتراضات تلك الحركة على كيفية جمع الزكاة من الأهالي وكذلك الخراج، وما صاحب ذلك من شطط السلطة، الأمر الذي جعل هذه الآراء تلقى استحسانا لدى العامة والانضمام للمعارضة النفاتية في الجبل، كما كانت تلك المعارضة تنتقد الفساد الإداري الذي انغمس فيه الولاة والعمال.
وتطورت المعارضة السياسية في الجبل إلى مرحلة أخرى أكثر خطورة عندما أعلنت الإمامة في الجبل والانفصال عن تيهرت بحجة انقطاع الحوزات وبعدها عن الجبل. (1/264)
صفحة 265
وكان من أوائل قادة هذه المعارضة خلف بن السمح بن الخطاب الذي كان والده واليا على الجبل من قبل الإمام عبد الوهاب بعد أن كان وزيرا له، وسميت هذه المعارضة بالحركة الخلفية نسبة إلى مؤسسها، وكان ذلك بعد وفاة السمح، عندما قام أهل الجبل بتعيين خلف مكان أبيه، الأمر الذي رفضه عبد الوهاب وقام بإلغائه، مما نتج عنه توتر شديد في العلاقة بين الجبل وتيهرت، ومن تداعيات ذلك بروز حكومتين أو ولايتين في الجبل: إحداهما تابعة لتيهرت وتدار بولاة يتم تعيينهم بالاتفاق مع إمامة تيهرت، والأخرى أعلنت استقلالها بزعامة خلف، وتشمل معظم مدن وقرى جبل نفوسة. واستمرت هذه المعارضة ردحا من الزمن، نتجت عنها انقسامات وحروب بين أهل الجبل أنفسهم، وهذا ما يؤكد أن جبل نفوسة لم يتفق تماما وعلى طول الوقت مع إمامة تيهرت بل يعلن المعارضة ويرفض سياستها عندما لا تنسجم والآراء التي ينادي بها الإباضية أو تعتبر تدخلا في شؤون الجبل الداخلية، الأمر الذي نستخلص منه مدى القوة السياسية التي كان يتمتع بها الجبل، وأن ما يربطه بالدولة الرستمية هو الالتزام بمبادئ حارب الجميع من أجلها، وعند الانحراف عنها أعلن الجبل معارضته السياسية والفكرية دون تردد، مما يوحي بهشاشة تلك العلاقة في أغلب فتراتها، وأن العامل المذهبي الذي كان يجمع الطرفين لم يكن مؤثرا وفاعلا في بعض الأحيان، وتوحي تلك المعارضة بمختلف صورها أن جبل نفوسة لم يكن يمثل دور التابع لإمامة تيهرت التي استمدت قوتها وبقاءها من قوة الجبل واستقراره، ولعل وقعة مانو سنة 283ه/897م(1) التي منيت فيها نفوسة بهزيمة منكرة وخسارة فادحة على أيدي بني الأغلب، حيث استصفت معظم رجال نفوسة وفرسانها، لعلها توحي بمدى الدعم الذي كان يوفره جبل نفوسة للدولة الرستمية، إذ الملاحظ أن أصداء هذه الوقعة ونتائجها المدمرة وصلت إلى تيهرت سريعا، ونتج عنها صراع داخلي بين
__________
(1) أبو زكرياء، كتاب السيرة، هامش 1، ص 150. (1/265)
صفحة 266
أبناء البيت الرستمي، مما سارع بتدهور الوضع السياسي والعسكري للدولة الرستمية وجعلها تقف عاجزة أمام ضربات جيش العبيديين القادم من إفريقية، واستسلمت له إمامة تيهرت دون مقاومة خائرة القوى منقسمة على نفسها دون أي دعم أو مناصرة من الجبل الذي عانى الأمرين من وقعة مانو.
ومجمل القول: إن هذا البحث قد أماط اللثام عن قضايا وموضوعات مهمة سواء داخل الجبل كمركز حضاري أو دوره السياسي في الفترة الوسيطية، ومع ذلك لا أدعي أنني وصلت فيها إلى الغاية المبتغاة والهدف المرجو، بل تبقى محاولة على طريق البحث، وخاصة ما يتعلق بدراسة التمدين خلال العصور الوسطى في الجبل، والتي بدون البحث الأركولوجي لآثارها تبقى أحجار تلك المدن صامتة صامدة لا تجود علينا بأخبارها إلا بالقليل الذي لا يشبع رغبة الباحث في تلك الحضارة.
وأن ما توصل إليه البحث من نتائج فهي تتعلق بموقع جبل نفوسة وأهميته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية ودوره في حركة التواصل عبر بلاد الغرب الإسلامي وجنوب الصحراء، وكذلك تحليل العلاقة التي سادت بين جبل نفوسة والدولة الرستمية، والتي برز فيها دور الجبل كمؤسس وحامي لتلك الدولة، إذ نجدها تنهار وتتلاشى بانتهاء قوة الجبل وهزيمته أمام الأغالبة.
والله ولي التوفيق
والسلام
فهرس
المراجع والمصادر
1- المصادر والمراجع بالعربية:
ابن الأثير، الكامل في التاريخ، الأجزاء.
دار الكتاب العربي، بيروت: لبنان، الطبعة الثالثة، 1980 م.
إبراهيم بحاز بكير، الدولة الرستمية من 160- 276 ه.
دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، رسالة ماجستير، بغداد، نوفمبر 198؟
إبراهيم بحاز، عبد الرحمن بن رستم.
المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1970 م.
إبراهيم بيضون، ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري.
دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت: لبنان 1979 م.
إبراهيم سليمان الشماخي، وصف الطرق والمشاهد في الجبل "مخطوط". (1/266)
صفحة 267
مركز الجهاد الليبي، بدون تاريخ.
إبراهيم عبد العزيز بدوي، دور المدرسة الإباضية في الحضارة الإسلامية.
بحث مقدم لندوة الفقه الإسلامي، جامعة السلطان قابوس، عمان 1988 م.
إبراهيم بن القاسم الرقيق، تاريخ إفريقيا والمغرب، تحقيق عبد الله العلي وعز الدين موسى.
دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1990 م.
ابن حوقل أبو القاسم النصيبني، كتاب صورة الأرض.
دار مكتبة الحياة، بيروت لبنان، مكتبة كليةالآداب، رقم 05/913.
ابن عبد الحكم، فتوح مصر وإفريقية.
بيروت 1978 م.
ابن سلام الإباضي، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية.
تحقيق ر.ف وسالم يعقوب، دار اقرأ للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة 1985 م.
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك.
الجزءان السادس والسابع، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، بدون تاريخ.
أحمد إلياس حسن، ليبيا من خلال كتابي اليعقوبي، التاريخ والبلدان، القرن الثالث الهجري،
مجلة البحوث التاريخية، طرابلس، العدد الأول يناير 1980 م.
أحمد المختار، عمر عمر، النشاط الثقافي في ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر التركي.
منشورات الجامعة الليبية، كلية الآداب 1971م.
إحسان عباس ومحمد نجم، ليبيا في التاريخ والسير.
دار ليبيا للنشر والتوزيع بنغازي، ليبيا، مطابع دار صادر، 1968 م.
ابن الصغير، "ق 3 ه"، أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق محمد ناصر، وإبراهيم بحاز.
دار الغرب الإسلامي، بيروت: لبنان 1406 ه/ 1986 م.
ابن وردان، تاريخ مملكة الأغالبة.
دراسة وتحقيق محمد زينهم عزب، مكتبةمدبولي، القاهرة، 1988 م.
ابن عذاري المراكشي، البيان المعرب في أخبار الأندلس والمغرب.
تحقيق ومراجعة ج بي كولان وإ.ليفي
بروفنسال، دار الثقافة، الطباعة الثانية 1983م.
أبو الحسن علي بن الحسن المسعودي، مروج الذهب، الجزءان الثالث والرابع.
تحقيق محمد الدين عبد الحميد، المكتبةالإسلامية، بيروت، بدون تاريخ. (1/267)
صفحة 268
أبو زكرياء يحي بن أبي بكر، كتاب السيرة وأخبار الأئمة.
تحقيق عبد الرحمان أيوبن، الدار التونسية للنشر، تونس، 1985.
أبو الربيع عبد السلام الوسياني، سير الوسياني، مخطوط
المكتبة البارونية، جربة، تونس.
أبو بكر عبد الله المالكي، رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقيا.
قام على نشره حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1951 م.
أبو العرب أيوب محمد بن تميم، طبقات علماء إفريقية وتونس.
تحقيق علي الشاي ونعيم اليافي، الدار التونسية للنشر، تونس والمؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر.
أبو عبد الله محمد بن خليل غلبون، تاريخ طرابلس الغرب، المسمى بالتذكار.
صححه وعلق عليه الطاهر أحمد الزاوي، المطبعة السلفية، القاهرة، 1349 ه.
أبو منصور العزيز الجودري، سيرة الأستاذ جودر.
تحقيق محمد كمال حسين ومحمد عبد الهادي شعيرة، الناشر: دار الفكر العربي، مطبعة الاعتماد، مصر ب. ت.
أبو عبد الله التنسي، تاريخ دولة الأدارسة "من كتاب نظم الدر والعقيان".
تحقيق عبد الحميد حياجيات، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1989 م.
أبو العباس أحمد سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشايخ بالمغرب.
تحقيق إبراهيم طلاي، الجزائر، 1974.
أبو العباس أحمد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الجزء الأول.
تحقيق جعفر ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1954 م.
أبو العباس أحمد بن يحي البلادري، فتوح البلدان.
تحقيق عبد الله أنيس الطباع، مؤسسة المعارف، بيروت، 1978 م.
أبو الفدا الحافظ بن كثير، البداية والنهاية.
الأجزاء: 9-10-11-12، دار المعارف بيروت لبنان، الطبعة الخامسة، 1983 م.
أبو عبد الله البكري، المسالك والممالك.
تحقيق أدريان فان ليوف وأندري فيري، الدار العربية للكتاب، تونس، 1992 م.
أبو محمد عبد الله أحمد التيجاني، رحلة التيجاني.
قدم لها حسن حسني عبد الوهاب، الدار العربية للكتاب ليبيا- تونس، 1981 م. (1/268)
صفحة 269
أثوري روسي، ليبيا منذ الفتح العربي حتى 1911 م.
تعريب وتحقيق خليفة التليسي، دار الثقافة بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1974 م.
أحمد بن سعيد الشماخي، سير نفوسة.
طباعة حجرية، مركز دراسة جهاد الليبيين.
أحمد بن النائب الأنصاري، نفحات النسرين والرياض فيمن كان في طرابلس من الأعيان.
تحقيق علي مصطفى المصراتي، الناشر: المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، أكتوبر 1963 م.
الحسن بن محمد الوزان الفاسي "ليون الإفريقي" وصف إفريقيا.
ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1983 م.
حبيب الحنحاني، دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي.
دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى يناير 1980.
إسماعيل العربي، الصحراء الكبرى وشواطئها.
المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983.
إسماعيل كمالي، سكان طرابلس، تعريب وتعليق حسن الهادي يونس.
قدم للمكتب العسكري للحكومة الطرابلسية أبريل 1916 م.
طاهر أحمد الزاوي، تاريخ الفتح العربي في ليبيا.
دار المعارف، مصر، الطبعة الثانية، 1963 م.
طاهر الزاوي، معجم البلدان الليبية.
منشورات مكتبة النور، طرابلس، 1968 م.
يعقوبي أحمد بن إسحاق بن جعفر، كتاب البلدان.
الطبعة الثانية، النجف، المطبعة الحيدرية 1957، مكتبة كلية الآداب، الرابط، رقم 913.05.
إ. ليفي. بروفنسال، نخب تاريخية جامعة لأخبار المغرب الأقصى.
مطبوعات لاروز، باريس 1948.
سيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير العصور الوسطى.
دار النهضة العربية، بيروت: لبنان 1981 م.
الفرد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح حتى اليوم.
ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1987 م.
عياض بن موسى السبتي، تراجم أغلبية مستخرجة من مدارك القاضي عياض.
تحقيق محمد الطالبي، نشر الجامعة التونسية، طبع المطبعة الرسمية لتونس، 1962 م. (1/269)
صفحة 270
أمين توفيق الطيبي، دراسات في تاريخ صقلية الإسلامية.
دار اقرأ للطباعة والنشر 1990.
جمال حمدان، الجمهورية العربية الليبية، دراسة في الجغرافية السياسية.
الناشر عالم الكتب، القاهرة د ت.
جنّا وبن فتى وعبد القاهر بن خلف، من علماء القرن الثالث الهجري، أجوبة علماء فزان.
تحقيق عمر النامي وإبراهيم طلاي، مكتبة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1997 م.
جودت عبد الكريم يوسف، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية.
المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1989 م.
جون فرانسيس، من طرابلس إلى فزان، نقله إلى العربية مصطفى جودة.
الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس، 1978 م.
حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والاجتماعي والثقافي.
مكتبة النهضة المصرية القاهرة، الطبعة العاشرة، 1982 م.
حسن حسني عبد الوهاب، ورقات الحضارة العربية بإفريقية التونسية.
منشورات مكتبة المنار، تونس، الطبعة الثانية، 1981م.
حسن مؤنس، تاريخ المغرب وحضارته من قبيل الفتح العربي.
العصر الحديث للنشر والتوزيع، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1992 م.
خليفة محمد التليسي، معجم سكان ليبيا، دار الربان 1991م.
خوليو كولا البريل، محاضرة: دراسة سلالات شمال إفريقيا، يوم 31 مارس 1947، بناية التربية بتطوان.
ترجمة نجيب أو سلهم، مكتبة كلية الآداب، الرباط، رقم 38452.
رابح أبو نار، المغرب العربي تاريخه وثقافته.
الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، الطبعة الثانية 1981 م.
رجب محمد عبد الكريم، دولة بني صالح في تامسنا بالمغرب الأقصى، 125- 499 ه.
دار الثقافة للنشر والتوزيع، الفجالة، القاهرة، د ت.
روب هالين، تجارة الذهب وسكان المغرب الكبير، نقله للعربية الهادي أبو لقمة ومحمد عزيز.
منشورات جامعة قاريونس، بنغازي، 1988 م.
سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ المغرب العربي من الفتح إلى بداية عصر الاستقلال.
منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، 1979 م. (1/270)
صفحة 271
سليمان باشا الباروني، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية.
تحقيق محمد الصليبي، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1987 م.
سعيد بن مالك الكندي، الفكر السياسي الإباضي بين النظرية والتطبيق.
بحث لنيل الإجازة في الحقوق 1989 م.
شاكر مصطفى، دولة بني العباس.
الناشر وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الأولى 1973.
شارل فيرو، الحوليات الليبية من الفتح العربي حتى الغزو الإيطالي.
نقله إلى العربية محمد عبد الكريم الوافي، المنشأة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس، الطبعة الثانية 1982م.
شهاب الدين عبد الله ياقوت الحموي، معجم البلدان، عنى بتصحيحه محمد ابن الخانجي.
مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى، 1906- مكتبة كلية الآداب الرباط، تحت رقم 915.3.
شوقي ضيف، عصر الدول والإمارات، ليبيا- تونس- صقلية.
دار المعارف، القاهرة، 1992.
صالح باجية، الإباضية في الجريد في العصور الإسلامية الأولى.
دار أبو سلامة للطباعة والنشر والتوزيع تونس، الطبعة الأولى 1976.
صالح بن قربة، المسكوكات المغربية من الفتح الإسلامي حتى سقوط دولة بن حماد.
المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986 م.
صالح مصطفى مفتاح، ليبيا من الفتح العربي حتى انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر.
الشركة العامة للنشر والتوزيع الإعلان، طرابلس، الطبعة الأولى، 1978 م.
صدقي علي ازايكو، التأويل النسبي لتاريخ شمال إفريقيا هل يمكن تجاوزه؟
مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، العدد 15. السنة 1989-90 م.
عبد القادر أحمد طليمات، سكان ليبيا عند اليعقوبي.
بحيث مقدم للمؤتمر التاريخي "ليبيا في التاريخ"، الجامعة الليبية، كلية الآداب، مارس 1968 م.
عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون المسمى ديوان المبدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر...
دار الفكر، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1988 م.
عبد العزيز الثعالبي، تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبية. (1/271)
صفحة 272
جمع وتحقيق أحمد بن ميلاد محمد إدريس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1987 م.
عبد اللطيف محمد البرغوتي، تاريخ ليبيا من الفتح حتى بداية العصر العثماني.
منشورات الجامعة الليبية، دار صادر، بيروت، 1972م.
عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم، مسائل نفوسة.
ترتيب وتحقيق محمد طلاي، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1991 م.
عبد الوهاب بن منصور، قبائل المغرب.
المطبعة الملكية، الرباط، 1986 م.
عبد القادر جغلول، مقدمات في تاريخ المغرب العربي القديم والوسيط.
ترجمة فضيلة الحكيم، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1982 م.
عبد الفتح أحمد فؤاد، الأصول الإيمانية لدى الفرق الإسلامية.
دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1990 م.
عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، فتوح إفريقية والأندلس.
حققه وقدم له عبد الله أنيس الطباع، الدار العالمية للكتاب، 1987 م.
عمر فروخ، العرب والإسلام في الحوض الغربي من البحر المتوسط.
دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية 1981 م.
عمر فروخ، تاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية.
دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة 1979 م.
عثمان سعدي، الأمازيغ البربر عرب عاربة وعروبة شمال إفريقيا عبر التاريخ، الجزائر 1986.
عثمان سعدي، عروبة الجزائر عبر التاريخ.
المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985 م.
عبد الله الفقير الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية.
دار اليقظة العربية، سوريا، لبنان.
عبد الله يحي الباروني النفوسي، رسالة سلم العامة، ذو الحجة، 1329 ه.
عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ اطفيش.
نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، ب.ت.
عبد العزيز فيلالي، المظاهر الكبرى في عصر الولاة ببلاد المغرب و الأندلس، دار المعارف للطباعة و النشر، سوسة، تونس ب.ت.
علي مصطفى المصراتي، مؤرخون من ليبيا و مؤلفاتهم و مناهجهم (1/272)
صفحة 273
الشركة العامة للنشر و التوزيع، طرابلس، الطبعة الأولى،1977.
علي مصطفى المصراتي، أعلام من طرابلس،
الدار الجماهرية للنشر و التوزيع و الإعلان و طرابلس، الطبعة الرابعة، 1986م.
عوض محمد خلفيات، الأصول التاريخية للفرقة الإباضية،
وزارة التراث القومي و الثقافة، سلطنة عمان.
علي الميلودي عمورة، طرابلس المدينة العربية معمارها الإسلامي،
دار الفرجاني للنشر، طرابلس، 1993م.
علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية الإباضية في ليبيا،
مكتبة و هبة: القاهرة، ب.ت.
علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق االإسلامية عند كتاب المقالات في القديم و الحديث،
مكتبة وهبة، القاهرة، 1976م.
كارل بروكل مان، تاريخ الشعوب الإسلامية، نقله إلى العربية نبيه أمين فارس و منيرالبعلبكي،
دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العشرة، 1989م.
كوستا ترميو برنيا، طرابلس من 1510-1850م تعريب خليفة التلبيسي،
الدار الجماهرية للنشر، مصراته : ليبيا، الطبعة الأولى، 1985م.
لقبال موسى، "من قضايا التاريخ الرستمي".
مجلة الأصالة، وزارة التعليم في الجزائر، السنة السادسة، العدد 41، جانفي 1977 م.
محمد أحمد حسونة، أثر العوامل الجغرافية في الفتوحات الإسلامية.
دار النهضة، مصر للطباعة والنشر، القاهرة، ب.ت.
محمد مصطفى بازامة، ليبيا هذا الإسم في جذور التاريخ.
مكتبة قورينا للنشر والتزيع، بنغازي، ليبيا، الطبعة الثانية، 1965 م.
محمد المختار العرباوي، البربر عرب قدامى.
منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الطبعة الأولى، 1993.
محمد ناصر، الشيخ اطفيش في جهاده الإسلامي.
جمعية التراث، القرارة، الجزائر، طبع المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1991 م.
محمد بلغراد، الحركة الإباضية في تيهرت وسدراتة وغرداية.
مجلة الأصالة، تصدر عن وزارة التعليم بالجزائر، السنة السادسة، العدد 41، جانفي 1977. (1/273)
صفحة 274
محمد بن القاسم الرعيني بن أبي دينار "المؤنس في أخبار إفريقية وتونس.
دار المسيرة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1993 م.
محمد الطمار، الروابط الثقافية بين الجزائر والخارج.
الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983.
محمد الطالبي، الدولة الأغلبية، التاريخ السياسي، نقله إلى العربية المنجي الصيادي.
دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1985 م.
محمد شفيق، المعجم العربي الأمازيغي.
الجزء الأول، أكاديمية المملكة المغربية الرباط ب.ت
محمد ضيف الله بطانية في الحضارة العربية الإسلامية.
الجزء الثاني، الحياة الاقتصادية في الصدر الإسلامي، دار الفرقان، عمان، الأردن 1987 م.
محمد عبد المنعم الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس.
مكتبة لبنان، 1975 م.
محمد عيسى الحرير، مقدمات البناء السياسي للمغرب الإسلامي "الدولة الرستمية".
دار القلم الكويت، الطبعة الثالثة، 1983 م.
محمد عبد الحي شعبان، الدولة العباسية والفاطميون، من سنة 750 إلى 1055 م.
الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1981 م.
محمد بن عميرة، دور زناتة في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلامي.
المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1989 م.
محمد بن عميرة، "تاريخ الحركة النكارية" الحلقة الثانية.
مجلة التاريخ العدد 20، النصف الثاني من سنة 1985 م.
محمد بن عميرة، "تاريخ الحركة النكارية" ،الحلقة ؟؟؟؟
مجلة التاريخ العدد 21، النصف الأول من سنة 1986 م.
محمد علي دبوز، المغرب الكبير، الجزء الثالث.
مكتبة التوفيقة، القاهرة، 1963 م.
محمد نجيب أبو طالب، الصراع الاجتماعي في الدولة العباسية.
دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة- تونس 1990م.
محمد يوسف نجم و إحسان عباس، ليبيا في كتب الجغرافيا و الرحلات،
دار ليبيا للنشر و التوزيع، دار صادر، 1968م.
مصطفى أحمد الزرقاء، الاستصلاح و المصالح المرسلة في المذاهب الفقهية و
المذهب الإباضي، (1/274)
صفحة 275
مقدم لندوة الفكر الإسلامي، جامعة السلطان قابوس، عمان 1988م.
محمود أحمد أبوا صورة، مقدمة في تاريخ المغرب الاجتماعي و الاقتصادي،
منشورات مركز جهاد الليبين للدراسات التاريخية 1992 م.
محمود اسماعيل عبد الرازق، الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع
الهجري،
دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1985م.
محمود اسماعيل عبد الرازق، دراسات في الفكر و التاريخ الإسلامي،
سينا للنشر، مصر، الطبعة الأولى 1989م.
محمود اسماعيل عبد الرازق، قضايا في التاريخ الإسلامي منهج و تطبيق،
دار الثقافةالدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية 1981.
محمود اسماعيل عبد الرازق، مقالات في الفكر و التاريخ،
دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الولى 1979.
محمود اسماعيل عبد الرازق، الحركات السرية في الإسلام رؤية عصرية،
دار القلم، بيروت، لبنان 1973م.
محمود ناجي، تاريخ طرابلس الغرب، ترجمة عبد السلام أدهم و محمد الأسطى،
منشورات الجامعة الليبية، كلية الآداب، 1970م.
مسعود مزهودي، "جبل نفوسة من الفتح الإسلامي إلى غاية سقوط الدولة الرستمية".
مجلة المعارف، الرابطة الجزائرية للفكر والثقافة، العدد الأول، مايو 1993م.
مقرين محمد البغطوري، تاريخ سير جبل نفوسة "مخطوط".
المكتبة البارونية، جربة، تونس.
موريس لومبار، الجغرافيا التاريخية خلال القرون الأربعة الأولى.
ترجمة عبد الحميد احميدة، دار الفكر، بيروت، 1970.
موريس لومبار، الإسلام في مجده الأول من القرن الثاني إلى القرن الخامس الهجري (8- 11م)، ترجمة إسماعيل العربي.
دار الآفاق الجديدة، المغرب، الطبعة الثالثة، 1990م.
مراكشي مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار.
نشر وتعليق سعد زغلول عبد الحميد، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1985م.
نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، نشأتم وتاريخهم وعقائدهم وأدبهم.
دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 1986م. (1/275)
صفحة 276
نبيه عقيل، تاريخ خلافة بني أمية.
دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1975م.
المجلات
مؤتمر "تجارة القوافل ودورها الحضاري حتى نهاية القرن التاسع عشر".
معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد 1984.
محمود أحمد أبو صوّة، رؤية جديدة للفتح الإسلامي للبيا".
مجلة البحوث والدراسات التاريخية، منشورات مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، العدد 1، يناير 1986م.
مجلة البحوث التاريخية، عدد خاص حول تجارة القوافل عبر الصحراء.
مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، السنة الثالثة، العدد الأول، يناير 1981م.
مجموعة الأطالس الجغرافية والتاريخية:
الأطلس التاريخي للعالم الإسلامي في العصور الوسطى، صنفه وحققه عبد المنعم، رسم خرائطه وحققه علي البنا، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الثالثة ب.ت.
الأطلس العربي العام، سعيد الصباغ، مطابع فردريكو أوغسطين،
ميلانو، إيطالي،1965م.
الأطلس الوطني للجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، أمانة التخطيط، مصلحة المساحة.
إعداد وطبع شركة إيسيليت لخدمة الخرائط، استكهولم، السويد، 1987م.
2 المصادر الأجنبية:
Jaques THIRY, Sahara Libyen dans Iafrique du nord Medievale.
Edite par PEETERS Press et DepartementOriental Studies Boudgenotenlaan 153 B-3000 LEUVIN (BELGIUM). D1995/0602/87
TADEUSZ LEWICKI Les Ibadites en Tunisie au moyen age.
Edite par lAcademie politique des sciences et lettres Bibliotheque de Rome, Conference, Fascicule N6.
Annales de linstitut detudes orientales
Faculte des lettres de luniversite dAlger, Edite par: la Typo-Litho et Jules Carbonel, Alger, Tome XV, 1975.
IZABELLA SJOSTROM, Tripolitania: late Roman to Early Islamic Settement, london 1992.
TADEUSZ LEWICKI, Etudes Ibadites Nord-Africaines, (1/276)
صفحة 277
Premiere partie: tasmiya suyuh gabal natusa wa-qurahum, Edite par: Warszawa 1955.
فهرس الموضوعات
المقدمة
الباب الأول
الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية
لجبل نفوسة
الفصل الأول: الوضعية الاجتماعية
تمهيد: الفتح العربي الإسلامي
المبحث الأول: موقع جبل نفوسة
المبحث الثاني: السكان وظاهرة التمدين
الفصل الثاني: الوضعية الاقتصادية
تمهيد
المبحث الأول: الزراعة والرعي
المبحث الثاني: الحرف والصناعات والتجارة
المبحث الثالث: التجارة الداخلية والخارجية
الطرق والمحطات التجارية وتنظيم القوافل
الفصل الثالث: الوضعية الفكرية
المبحث الأول: خصائص الحياة الفكرية
المبحث الثاني: رواد الحركة الفكرية
الفصل الرابع: الوضعية السياسية والإدارية
المبحث الأول: نظام الولاة
المبحث الثاني: نظام الإدارة
الباب الثاني
العلاقة السياسية لجبل نفوسة بالدولة الرستمية
تمهيد
الفصل الأول: العوامل المؤثرة في العلاقة بين إباضية الجبل وإباضية تيهرت
المبحث الأول: قيام كيان سياسي في طرابلس
المبحث الثاني: قيام الدولة الرستمية في تيهرت
الفصل الثاني: مراحل تطور العلاقات
المبحث الأول: البدايات
المبحث الثاني: الارتباط
المبحث الثالث: المطالبة بالانفصال
خاتمة
ملحق
فهرس المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات (1/277)