صفحة 1
الكتاب: حضارة عُمان القديمة
المؤلف: عامر بن علي بن عُمير (الأمين العام لمشْروع جَامعَة السلطان قابوس)
إعداد: محمَدُ كامِل
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر: [د.ت]
العدد: الثالث والستون
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومى والثقافة
حضارة عمان القديمة
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
الشيخ عامر بن على بن عُمير
الأمين العام لمشْروع جَامعَة السلطان قابوس
إعداد
محمَدُ كامِل
العدد 63 (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
المحاضرة التى ألقاها
سعادة الشيخ عامر بن على بن عمير الموهوبى
الأمين العام لمشروع جامعة السلطان قابوس
بمناسبة الأسبوع الثقافى العمانى
بالمملكة الأردنية الهماشمية (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إننى إذ أقدم هذه المحاضرة القصيرة الى القراء الكرام، أود أن أؤكد لهم بأننى لست بمؤرخ، إلا أنه كان لى الشرف العظيم عندما كلفنى سمو السيد فيصل بن على وزير التراث القومى والثقافة بتحضير وإلقاء هذه المحاضرة فى أثناء الأسبوع الثقافى العمانى فى المملكة الأردنية الهاشمية فى عاصمتها عمان، وشعرت بذلك أنه أتيحت لى الفرصة لإثارة انتباه وشوق الحاضرين لمعرفة ما استطاع أن ينجزه العمانيون القدامى من حضارة انسانية تبعث من قيمهم الأخلاقية النبيلة، وقوة إرادتهم التى لا مثيل لها، برغم الظروف الصعبة التى كانوا يعيشون فيها، وقسوة المناخ الطبيعى الذى لم تكن لديهم التسهيلات العلمية والتكنولوجية تساعدهم فى التغلب عليها، تلك التسهيلات التى نعتبرها اليوم بغير تمعن كجزء من حياتنا اليومية.
والآن أقدم هذه المحاضرة التى تجمع معلومات من مصادر مختلفة عربية وأجنبية الى الشباب العمانى، آملا أن تكون حافزاً لهم للمزيد من الاطلاع على حضارتنا، وراجياً أن تكون (1/7)
صفحة 8
كذلك مثيرة لاهتمامهم، ومشجعة لجهودهم المتزايدة والمستمرة، للارتقاء بمستواهم الثقافى، والمشاركة الفعالة فى جميع النشاطات التى تعود بالفائدة للمجتمع العمانى والعربى والاسلامى، وذلك تعبيراً لشكرهم وتقديرهم لمولانا جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه لما قام بتوفيره لهم من فرص التقدم والازدهار لبلادنا عمان.
وختاما لا يسعنى إلا أن أقدم شكرى وامتنانى الى سمو معالى السيد فيصل لإتاحته لى هذه الفرصة التى كان من الأفضل أن تعطى لمن هو أهل لأن يقوم بهذه المهمة، وأرجو المعذرة من الجميع عن أى نقصان أو تقصير فيما قدمته فى هذه المحاضرة نابعين من عدم الكفاءة أو من عدم التقبيل. والله ولى التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1/8)
صفحة 9
تقديم
عندما نتحدث عن حضارة الانسان فاننا نعنى تلك الفترة التى بدأ الانسان يتكيف فيها مع بيئته، ويستغلها ويسخر ما حوله لتطوير أسلوب حياته، لكى يستفيد من النعم التى أسبغها الله سبحانه وتعالى على خلقه فى هذا الكون.
وطبقا لما ذكره المؤرخون أن حضارة الانسان قد بدأت فى قرى صغير منعزلة، كان الشاغل الرئيسى فيها هو كسب المعيشة اليومية، وحماية النفس من قسوة العوامل الطبيعية، وضراوة المخلوقات الأخرى.
وقد أدت الاحتياجات الأساسية الى بروز بعض المهن كالصيد والزراعة، ثم تربية الحيوان والنسيج، وصناعة الأوانى والأوعية والأسلحة والبناء. ونظرا لتميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى بالعقل، فانه لم يكتف بالاحتياجات الأساسية لمعيشته فقط، بل بدأ ينمى ويطور هذه المهن من مرحلة الى مرحلة فى مسيرة الحضارة الانسانية، حتى وصل الى عصر التكنولوجيا الذى نحن فيه الآن. والذى لا يزال فى تطور مستمر.
هذا كله نعمة من رب العزة جلّ جلاله كما يقول في (1/9)
صفحة 10
كتابه العزيز: (إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخرة بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) <ح> (1)
صدق الله العظيم.
إننا نعرف القليل عن هذا الكون وعن الحضارات الانسانية القديمة فيه. وقد استقينا ما لدينا من معلومات عن هذه الحضارات من مصادر دينية وتاريخية، واذا ما عدنا الى المصادر التاريخية نجد أن حضارة الانسان بدأت فى الجزء الشرقى من عالمنا فى الفترة ما بين 3500 و 1000 سنة قبل الميلاد، وهى حضارات نمت وازدهرت على شواطئ الفرات ودجلة والنيل فى العالم العربى، ونهر انداس فى الهند.
وسبب ذكرنا هذه الحضارات بالذات هو قربها الجغرافى من منطقتنا، علماً بأن هناك حضارات أخرى قامت فى مناطق أخرى من هذا الكون وازدهرت خلال قرون عديدة قبل الميلاد. <ح>
(1) سورة البقرة الآية 164. (1/10)
صفحة 11
يقدر بعض المؤرخين أن حضارة بلاد ما بين الرافدين بدأت حوالى سنة 3500 قبل الميلاد، وحضارة مصر القديمة حوالى سنة 3000 قبل الميلاد، وحضارة آنداس فى الهند حوالى سنة 3500 قبل الميلاد، وما يمكن أن نستنتجه من هذا هو أن عمان كانت محاطة بهذه الحضارات الثلاث قبل 5000 سنة تقريبا. ومن سمات هذه الحضارات أنها انتقلت من مرحلة الحياة الفطرية والعزلة والانشغال بأساسيات المعيشة للبقاء، الى مرحلة التقدم والارتقاء الاجتماعى والفنى والثقافى، فبدأ الانسان يكفر في بناء مأوى أحسن من مأواه القديم، وفى تشكيل نظام للحكم وسن قوانينه، واختراع طريقة الكتابة والقراءة، كما بدأ أيضا فى التفكير والتأمل فى الحياة بعد الموت، وفى عظمة هذا الكون الذى يوحى بوجود خالق له، فبنى المعابد والمقابر.
ومن سمات هذه الحضارات أيضا أن الانسان لم يكتف بعزل نفسه فى بيئته المحدودة والمقصورة، بل أراد أن يوسع آفاته الى خارج بيئته المباشرة ليتعرف ويستفيد من منجزات المجتمعات الأخرى والبيئات المختلفة عن بيئته، فبدأ باختراع وسائل النقل لتساعده فى انتقاله وترحاله من مكان الى آخر. وقد أدت هذه المحاولات الى شن غزوات من ناحية، والى الاتجار من ناحية أخرى. (1/11)
صفحة 12
أما حول تأثر هذه الحضارات بعضها ببعض، فإن بعض المؤرخين يشكون فى حدوث ذلك، ويؤكدون على استقلالية كل منها فى النمو الازدهار، وإن كانت هناك بعض الصفات المتشابهة والمشتركة. ويعتقد البعض الآخر أن بعض الحضارات الحديثة قد تأثرت بتلك التى سبقتها عن طريق نشر الحضارة، وهذا ما يسميه مؤرخون في الغرب بـ Diffusion of Civilization
وبرغم ذلك ومهما قيل فى هذا الموضوع فإن مما لا شك فيه هو أن بعض المجموعات البشرية الصغيرة التى كانت تقيم حول هذه الحضارات لا بد وأن تكون قد تأثرت بها .. وربما استفادت منها ومن تجاربها. وفى غضون سنوات أو قرون ذاع شأن هذه الحضارات الى مستوطنات أخرى تبعد مسافات منها:
حضارة ما قبل الاسلام:
الحضارة العمانية القديمة
بعد المقدمة الموجزة عن بداية التطور الحضارى للانسان فى المنطقة المجاورة لعمان، نأتى الى لب الموضوع وهو الحضارة العمانية القديمة، وما نستطيع أن نستنتجه من الأدلة التاريخية التى تتوافر لدينا، علما بأن هذه الأدلة لا تزال (1/12)
صفحة 13
محدودة وغير متكاملة أو كافية، مثلها مثل كثير من أدلة تاريخ الحضارات القديمة فى جميع أنحاء العالم. وجهود المؤرخين وعلماء الحفريات والتنقيب، مستمرة فى البحث عن المزيد من الأدلة للتمكن من ربط الأطراف المتنافرة، والوصول الى معلومات دقيقة وموثوق فيها بقدر الامكان.
إن عمليات التنقيب لم تكشف الى الآن عن وجود قرى أو مستوطنات فى عمان تعود للعصر الحجرى. ولكن علماء الحفريات عثروا بالفعل على بعض المقابر القديمة التى ألقت الضوء على أشياء كثيرة مهمة، وعلى سبيل المثال: عثر هؤلاء العلماء على جرار من الفخار فى مقابر بجبل حفيت بالقرب من البريمى، وفى مقابر أخرى غرب عبرى. واتضح أن هذه الجرار تشبه فى شكلها وفى أسلوب صناعتها جرار حضارة «جمدت نصر» التى نمت على شواطئ الفرات ودجلة بين سنة 3000 و 2800 قبل الميلاد.
ويقول علماء الحفريات: إنه وجدت في جزيرة أم النار التي ترجع حضارتها الى الألف الثالث قبل الميلاد آثار تشابه الآثار التى عثر عليها العلماء فى قرية «بات» فى منطقة عبرى فى عمان. ويعتقد بعض المؤرخين أن آثارا مماثلة وجدت فى إيران أيضا. وبالاضافة الى هذه الجرار الفخارية عثر (1/13)
صفحة 14
الخبراء على اثار يرجع تاريخها الى العصر الحجرى، وبعض الأسلحة فى وادى بهلا وأزكى فى عمان الداخل، وعبرى فى منطقة الظاهرة. وإن دل هذا على شئ فإنما يدل على سابق صلات تجارية بين هذه الحضارات المتقاربة جغرافيا .. وما يمكن أن نستنتجه من هذا هو وجود حضارات أخرى. ربما كانت أقل شأنا من حضارة الأكاديين والسومريين، وأنه كانت هناك اتصالات تجارية بين هذه الحضارات، وأكبر دليل على ذلك هو العثور على لوحة من لوحات الملك سرغون ملك الأكاديين من سنة 2371 الى 2316 التى كتب عليها ما يدل على أن سفن مجان ودلمون ومالوخا كانت ترسو فى ميناء أكاد.
كما ورد كذلك فى لوحة من لوحات ملك السومريين أرنامو (2113– 2096) UR. Nammu
بعد مضى قرنين من عمر ملك الأكاديين، أنه فتح للمرة الثانية طريق التجارة بين سومر ومجان ودلمون، وذلك بتسهيل المرور فى قنوات النهر للسفن القادمة من مجان ودلمون. ويظهر أن حضارة الأكاديين والسومريين فى ذلك الوقت كانت أكثر تقدما من الحضارات الأخرى التى كانت حولها، الأمر الذى أدى الى تأثر تلك الحضارات الى حد ما بما أنجزه الأكاديون والسومريون، وخاصة مجان التى يعتقد كثير من المؤرخين بأنها عمان القديمة، ودلمون حسب النظرية السائدة بين علماء التاريخ هى البحرين القديمة. (1/14)
صفحة 15
أما بالنسبة للحضارة الثالثة وهى ما تسمى بمالوخا، فهناك شكوك فى موقعها الفعلى، غير أن الرأى السائد هو أن مالوخا كانت جزءا من الحضارة الهندية القديمة فى وادى نهر انداس فى الهند. وان كان هذا صحيحا فمن الجائز اذن أن نقول إن الصلات التجارية كانت تدور بين هذه الحضارات الثلاث، وتمثلت فى تبادل المنتجات المختلفة، وفى معاملات البيع والشراء، كما يبدو أيضا أن دلمون ومجان كانتا لا تتاجران فى منتجاتهما فقط، بل كانتا تعملان فى نفس الوقت كمراكز تجارية للبضائع التى كانت تأتى من حضارات أخرى.
وهنا نتساءل عن امكانية قيام اتصالات بين حضارتى مجان ودلمون، وحضارات أخرى خارج المنطقة. ومع أنه لا يوجد دليل أكيد يشير الى ذلك فإننا لا ندرى كيف نبرر إبحار مراكب مجان أو دلمون الى ميناء أرو أو أكاد، وهى محملة ببضائع مثل الخشب، علما بأنه لم تكن توجد غابات فى كليهما. ولو أن بعض المؤرخين يذهبون الى إمكانية وجود غابات كثيفة فى تلك العصور التى نتكلم عنها.
أما البضائع الأخرى التى كانت تجرى التجارة فيها بين مجان ودلمون من جانب، وأكاد وسومر من جانب آخر، فهى النحاس ومواد البناء كالحجارة التى كانت مدن حضارة سومر (1/15)
صفحة 16
بحاجة اليها بناء القصور والمعابد، كما جاء فى وثيقة عن أمير مدينة لاجاش Lagash
حيث يقول: إنه كان يتلقى الهدايا من مجان ودلمون ومالوخا وأنه كان يستورد مواد البناء كالخشب والحجارة diorite من تلك الحضارات الثلاث لأجل الإله. وكما جاء كذلك فى وثيقة أخرى أن الكاهن Nin – Gir – Su.Lu, Enlill- الذى كان يشرف على مبعد نانا Nanna في زمن الملك أبى سنين Tbbi-Sin الذي كان ملك أور UR من سنة 2029 – 2006 أنه كانت له صلة تجارية بينه وبين مجان حيث كان هو يصدر بعض البضائع لكى يتمكن من شراء النحاس من مجان.
مجان وتعدين النحاس:
لموضوع النحاس ومجان أهمية كبرى لربط عمان بمجان، وذلك لأن النحاس كان ولا يزال من منتجات عمان الرئيسية أكثر من أى بلد فى الخليج. ولهذا السبب قامت السلطنة بتكليف خبراء من جامعة هارفارد فى سنة (1973) بالتنقيب لاكتشاف مناجم النحاس القديمة فى عمان. الأمر الذى ألقى بعض الضوء على هذا الجزء من الحضارة العمانية القديمة. فقد جاء فى تقرير هؤلاء الخبراء أنهم اكتشفوا سبعة عشر مستوطنة فى عمان، وبعد دراسة الآثار التى وجدت فى هذه المستوطنات من الأوانى الفخارية وطريقة البناء بالحجارة، (1/16)
صفحة 17
وفضلات النحاس، تأكد بأن تاريخ هذه الآثار يرجع الى الألف الثالث قبل الميلاد. ويستطرد هذا الوفد فى تقريره بالقول: إنه كانت هناك مياه متوافرة فى ذلك الوقت فى مواقع الحفر، الأمر الذى أدى الى الاستيطان البشرى فيها. . كما اكتشفوا أيضا نوعا من السدود التى كانت تشيد فى الوديان لكى تتحكم فى سبيل المياه وتسربها الى جوف الأرض، وهناك صور وتفاصيل لبعض هذه الآثار ولمواقعها فى الجزء الأول من مجلة الدراسات العمانية.
ويرجى مراجعتها لمزيد من التفاصيل. .
أما عن النحاس فيقول التقرير: إنه وجدت فعلا آثار تدل على عمليات صهره فى وادى سمد فى المنطقة الشرقية، وفى منطقتى الباطنة والظاهرة، ومما يثير الانتباه هنا هو أن مواقع صهر النحاس كانت قرب الأراضى الزراعية التى يتوافر حولها الماء، الأمر الذى يدل على صهر النحاس فى ذلك الوقت كان نشاطا فرعيا لمواطنى هذه المستوطنات البسيطة، التى ربما كانت تعتمد على الزراعة أساسا، ثم انتقل صهر النحاس بعد ذلك الى مواقع غير زراعية وتطور الى نشاط تجارى، وأصبح النحاس من المنتجات الرئيسية للتصدير الى الخارج.
(م 2 – حضارة عمان القديمة) (1/17)
صفحة 18
والجدير بالذكر أن الشركة التى تعمل فى انتاج النحاس فى عمان حاليا اكتشفت مواقع عدة وجدت فى بعضها كميات وافرة، وفى بعضها كميات غير مجدية اقتصاديا، غير أنه من الجائز أنها كانت اقتصادية فى تلك الأزمان، وكما هو معروف لديكم أصبح النحاس من المصادر الرئيسية لعمان الآن، ويوجد فى مدينة صحار فى منطقة الباطنة مناجم لاستخراج النحاس يقدر إنتاجها بـ 20 ألف طن فى السنة.
وتبين الآثار الأخرى التى تم اكتشافها فى المنطقة، أنماط حياة هؤلاء العمانيين القدامى، فقد كانت تقع مستوطناتهم فى الأراضى الخصبة الزراعية حيث المياه متوافرة، وقد وجدت آثار سدود بسيطة لحفظ الماء فى جرف الأرض، وآثار أخرى تدل على وجود طرق الرى فى ذلك الوقت، ويؤدى كل هذا الى الاعتقاد بأن النشاط الزراعى كان من جملة أنشطتهم، وربما كان نشاطهم الرئيسى. وودود آثار صهر النحاس يؤكد لنا أنهم كانوا يستعملون الأوانى المعدنية، بالاضافة الى الأوانى الفخارية. ومن قول الملك سرجون ملك الأكاديين والملك أرنامو ملك السومريين أن مراكب مجان كانت ترسو فى موانيهم، لذا يمكن أن نستنتج أن المستوطنين العمانيين القدامى كانوا على درجة لا بأس بها من الحضارة، وقد مكنتهم من الانتقال (1/18)
صفحة 19
من بيئتهم المباشرة الى حضارات أخرى أرقى من حضاراتهم، وأن التجارة كانت كذلك من ضمن أنشطتهم اليومية، ولابد أن بناء السفن كان من المهارات التى مارسوها، وإلا كيف كان فى إمكانهم العبور الى أكاديا وسومر، وإرساء سفنهم فى تلك الموانى.
ومما يعزز هذا الرأى إشارة الملك دونجى Dungi ملك السومريين على لوحة من مدينة لاجاش Lagash فى سنة 2050 قبل الميلاد الى وجود بنائين للسفن فى مجان فى ذلك الوقت. وتأكيدا لهذا التعبير القديم أشار الرحالة العربى المسعودى فى القرن العاشر بعد الميلاد الى وجود بنائين للسفن فى عمان.
إن وجود السفن يتطلب بالضرورة أن يكون هناك ميناء لهذه السفن للانطلاق منه والرسو فيه، وقد يسأل البعض عن موقع هذا الميناء أو الموانى فى ذلك الوقت، وعن إمكانية عبور هذه السفن الأولية البحار من مجان الى موانى سومر عن طريق هرمز. ويرى البعض أنه من الممكن أن جزيرة أم النار وحضارتها القديمة كانت تستخدم كميناء فى ذلك الوقت لسفن مجان، ومن الجائز أن اسم مجان كان يشمل عمان كما نعرفها اليوم، والأجزاء المجاورة حولها. وجدير بالذكر أن كل هذا افتراض لا يجب تقبله إلا بأدلة أثرية ثابتة. ومعذرة إن كنت (1/19)
صفحة 20
لا أستطيع الخوض فى هذا الموضوع فى الوقت الحاضر، وامتدادا لهذا الافتراض ربما كان هناك طريق برى يربط مواقع مناجم النحاس فى الباطنة، ووادى الجزى بساحل الامارات العربية. ولكى نعرف المزيد من الدلائل على هذه الحضارة فى عمان أرجو أن تسمحوا لى أن أراجع معكم بعض صفحات تقارير وفود الخبراء الذين قاموا بعمليات الحفر والتنقيب فى عمان من سنة 1973، وأود أن أخص بالذكر تقرير فريق أثرى دانمركى، وتقرير فريق أثرى أمريكى من جامعة هارفارد، وتقرير فريق أثرى بريطانى.
لنبدأ بالفريق الدنمركى الذى قام بعملية حفريات للمرة الثانية فى سنة 1975 حيث يقول هذا الفريق ضمن أشياء كثيرة:
«وكنا فى عمليتنا الأولى فى بات فى يناير – فبراير (كانون الثاني – شباط) عام 1973 قد ركزنا العمل على منطقة دفن من الألف الثالث على منبسط خفيض على بعد 1 – 2 كم من الشمال الغربى من قرية بات الحالية.
وكان الجزء الجنوبى من هذه المقبرة يحوى قبورا من طراز أم النار، كلها قد نالتها يد العبث، ولكن يسهل التعرف (1/20)
صفحة 21
عليها عن طريق نظام الجدار الداخلى فيها والفخار المبعثرة حولها.
وقبور خلايا النحل فى الجزء الشمالى تشبه بنياتها قبور حفيت التى هى أصغر قليلا، والتى كانت تحوى فخاراً من شاكلة جمدت نصر. وهو مما أظهرته شقف الفخار القليلة التى وجدت فى قبور بات.
أما المقبرة الحقيقية فكانت تحوى حوالى 100 قبر كلها مبنية بالحجارة، ويبدر فيها تطور من قبور خلايا النحل الى قبور أم النار التى هى أكثر تعقيدا فى البناء وأوسع.
يضاف الى ذلك أن أقرب منحدرات التلال تحوى ما لا يقل عن 200 قبر من الألف الثالث قبل الميلاد».
وعن عملية التنقيب الثانية يقول التقرير:
«وعندما تم الحفر على البناء بدا بناء مستديرا يحيط به طريق من جدار مسنن، مبنى على حافة واد صغير، وكانت شقفات الفخار القليلة التى وجدت فيه من الألف الثالث».
وخلاصة هذا التقرير هو وجود أوان ومقبرة ومبان حجرية فى بات على بعد حوالى 30 كم من مدينة عبرى، ويعتقد (1/21)
صفحة 22
محررو هذا التقرير أن وجود هذه الآثار يدل على قيام مدينة وليست قرية فى الألف الثالث قبل الميلاد.
والآن نحاول أن نسترشد من تقرير فريق جامعة هارفارد الأمريكية.
دعيت بعثة هارفارد عام 1973 للقيام بأول عملية مسح للآثار فى عمان، وقد استطاعت هذه البعثة الأثرية خلال فصلين من المسح أن تحدد موقع سبع عشرة مستوطنة يعود تاريخها على الأرجح، بناء على قطع الفخار المتصلة بها، والمبانى الحجرية الى الألف الثالث قبل الميلاد وهو العصر البرونزى.
ويقول التقرير:
«ونتيجة لعملية المسح عام 1973 فى وادى بهلا استنتجنا استنتاجا مبدئيا أنه كان من العوامل الأساسية فى اختيار الموقع لمستوطنات الألف الثالث قربه من مصدر للمياه يكفى لاقامة نظام بسيط للرى، وكذلك بالطبع لتلبية الحاجة الى الشرب وسقاية الحيوانات.
ولقد تبين موضع مستوطنة الألف الثالث، التى سميت (1/22)
صفحة 23
وادى الفرع على بعد حوالى خمسة كيلو مترات شمال الرستاق، في موضع مماثل لمواقع مستوطنات الداخل.
ووادى أبرا ووادى الأثلى ووادى الفرع، هى فى الدرجة الأولى مستوطنات، لكن يرتبط بها عدد من الرجوم والحلقات الحجرية شبيهة بنصب قبور أم النار، وقد اكتشف في مستوطنات وادى سمد والباطن والظاهر شواهد على صهر النحاس. ويبدو فى حالة وادى سمد أن المستوطنة كلها كانت مشتغلة بعملية الصهر».
ومما يلفت النظر أن مواقع صهر النحاس فى الألف الثالث التى عثر عليها عام 1975 كانت كلها واقعة قرب الماء والأرض الصالحة للفلاحة.
ويدل هذا على أن انتاج النحاس ف العصور القديمة كان جزءا متكاملا مع حياة الجماعة، على حين أنه صار فيما بعد صناعة خاصة، ربما للتصدير تلبية لطلب جهات أجنبية.
ويرجع تاريخ المستوطنات السبعة عشر الى الألف الثالث، وقد أمكن تحديد ذلك، على أساس مجموعات شقف الفخار وتماثلها مع مجموعات أخرى. (1/23)
صفحة 24
وقد اكتشف فى كل واحدة من المستوطنات السبع عشرة بعض صدفات البحر، ومن المحتمل أن حركة المواصلات بين الساحل والداخل كانت نشيطة مستمرة.
ولعل النحاس والحبوب من الداخل كانت تقايض بالمحار والسمك من الساحل.
وعندنا شواهد حسنة على وجود تجارة خارجية فى عمان فى العصر البرونزى. فهناك بعض الفخاريات التى تماثل ما كان فى بلاد ما بين الرافدين، وأكثر من ذلك مما يماثل ما كان فى جنوب شرق إيران. .
لقد راودت الباحثين دوما فكرة أن يجعلوا عمان مكانا لمملكة مجان التاريخية. والمستوطنات التى كانت تشتغل بصهر النحاس فى وادى سمد والباطنة والظاهرة تدل على وجود جماعة فى الألف الثالث تشتغل بصهر النحاس. (1/24)
صفحة 25
تقرير البعثة الأثرية البريطانية
زارت البعثة البريطانية عمان فى سنة 1974 وخلال وجودها فى السلطنة زارت أجزاء من منطقة الشرقية حيث عثرت على عدد من قبور «خلايا النحل» التى يرجع تاريخها الى أوائل الألف الثالث، ووجدت أن هناك تشابها بين هذه المقابر وتلك التى عثرت عليها البعثة الدنماركية فى بات.
وشوهدت مدافن متأخرة العهد لعلها من الألف الأول قبل الميلاد، مكونة من أبنية من حجارة مسطحة ممتدة صفا طويلا شرقا حتى جعلان.
وتم اكتشاف ثلاث مواقع غربى أزكى حيث كان يكثر الصوان المصنع وقد وجد اثنان منهما على مرتفعين يطلان على وادى مقنيات ويقع الثالث على أرض مسطحة من الحصى في أسفل جبل الكور.
ويقول تقرير هذه البعثة: إن عمان غنية بآثار المدافن وقد تبين من عملية المسح وجود عدد كبير من نماذج متباينة من القبور، وأمثلة من المبانى المتميزة بواجهة مبنية بحجارة مربعة فى جزيرة أم النار. (1/25)
صفحة 26
ويستمر التقرير: «إن من الآثار الأخرى المثيرة للاهتمام قاعات مستديرة ضخمة مسورة بحجارة من نوع كان أول من لاحظه بعثة هافارد للمسح قرب بسيا فى وادى بهلا. وقد دون وجود عشرة على الأقل من هذه المبانى فى أثناء مسح البعثة البريطانية، أربعة قرب بات وأثنان فى فرق والروضة، وواحد فى الغرب قرب بهلا، وأخرى غيرها فى أماكن مختلفة. ولم تقرر البعثة طبيعة هذه المبانى الأثرية، ولكنها تعتقد بأن بعضها ربما كانت مبان للدفاع، ولعلّ غيرها كان لمقاصد دينية. .
وقد وجدت البعثة البريطانية أوان فخارية كثيرة تختلف أنواعها، وقارنتها بالأوانى الفخارية التى وجدت فى مواقع حضارات قديمة فى المنطقة، مثل حضارة أم النار، وحضارات إيرانية فى بامبور فى بلوخستان. وقد سبق أن وجد صندوق عليه زخرفة مماثلة فى مدافن هيلى من طراز أم النار، وقد وجدت أيضا فى أماكن أخرى صناديق ذات حجرات فى مواقع سكنية متأخرة عثر عليها فى موهنجو دارو فى حضارة نهر انداس فى الهند.
وقامت البعثة البريطانية بفحص موقع آخر حيث اكتشفت مدافن أخرى وبناء مربعا، وتعتقد البعثة أن هذا الموقع هو قبر من طراز أم النار. كما أكدت الدكتورة كارين فريفلت (1/26)
صفحة 27
رئيسة البعثة الدنماركية أن الأبنية التى وجدت فى المدافن كانت شائعة فى حضارة أم النار فى المدافن والمساكن.
يدل هذا كله على وجود حضارات قديمة فى عمان فى أماكن مختلفة، وربما كانت هناك اتصالات بين هذه الحضارات والحضارات المجاورة فى المنطقة، وما يجب أن نعرفه هو أن هذه البعثات الثلاث استطاعت أن تكشف الغطاء فقط وأنه هناك الكثير الذى يتطلب جهد بعثات مماثلة للقيام بالمزيد من التنقيب والاكتشاف، لعله يقودنا الى معرفة أدق عن هذه الحضارات. ولكن مما لاشك فيه الآن برغم هذه كله هو أن لعمان حضارة قديمة جدا، ويرجع تاريخها الى ما لا يقل عن 5000 سنة من وقتنا هذا. وأكبر دليل على ذلك ما وجدته البعثات الثلاث من أوانٍ ومبانٍ مماثلة لحضارات المنطقة التى يعرف أنها كانت فى أوج ازدهارها فى الألف الثالث قبل الميلاد.
وحكومة جلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله – حريصة كل الحرص على الحفاظ على تراث البلاد وحضارتها، ومن أجل ذلك أمر جلالته بإنشاء وزارة خاصة بالتراث القومى، وعين سمو السيد فيصل بن على آل سعيد وزيرا لها. (1/27)
صفحة 28
ومنذ إنشائها قامت وزارة الثقافة والتراث القومى بعدة أنشطة تتعلق بالحضارة العمانية، والتراث القومى، ومن ضمنها تشجيع التنقيب عن الآثار القديمة فى مختلف أنحاء السلطنة. وقامت الوزارة فعلا بمتابعة واستمرار عملية التنقيب التى قامت بها البعثات الثلاث التى أوردنا بعض ما جاء فى تقاريرها أعلاه، والتى أجمعت على وجود شواهد من الآثار التى اكتشفوها تدل على قيام حضارة فى عمان يرجع تاريخها الى الألف الثالث قبل الميلاد، وذلك بمقارنة أساليب هذه الحضارة بأساليب حضارة أم النار وحضارة بلاد ما بين الرافدين.
وامتدت أنشطة التنقيب لوزارة التراث القومى الى البقاع الساحلية فى عمان، واكتشفت موقعاً فى القرم فى منطقة العاصمة، يضم آثاراً تدل على تواجد بشرى فى هذا الموقع فى الألف الخامس قبل الميلاد، ويبدو أن إنسان ذلك العصر كان يستغل الموارد البيئية حوله من البحر والبر، وكان يدفن موتاه فى حفر بسيطة فى الأرض مع مجوهرات من الصدف والحجارة.
وقد اكتشف علماء التنقيب فى هذا الموقع حبة لؤلؤ فى يد أحد الموتى.
واكتشف هؤلاء العلماء كذلك فى جبل حفيت وفى منطقة أبرا (1/28)
صفحة 29
فى المنطقة الشرقية مقابر تشبه خلايا النحل، ويرجع تاريخها الى الألف الرابع قبل الميلاد.
وفى سنة 81/ 1982 بدأت عملية التنقيب فى وادى سمد فى المنطقة الشرقية، وظهر من هذه العملية أنه كانت فى هذا الوادى مستوطنات منظمة فى حياتها، وكان سكانها يمارسون فلاحة الأرض، ويدل على ذلك وجد سدود بسيطة بنيت لحفظ الماء لاستعماله للرى، كما سكان هذا الوادى يستخرجون النحاس من باطن الأرض، ويصهرونه فى أفران بنيت لهذا الغرض. ووجدت فى أحد المساكن 22 قطعة من النحاس يتراوح حجمها بين 6 و 22 سم. ويعتقد الباحثون أن النحاس الذى كان ينتجه سكان هذا الوادى وأودية أخرى فى عمان كان يزيد عن الاحتياجات المحلية بكثير، ولذلك لابد أنهم كانوا يصدرونه الى الخارج، وليس من المستبعد أن يكون هذا النحاس من عمان هو الذي كانت تحمله سفن مجان الى بلاد ما بين الرافدين، ومن الجلى أن هذا هر أكبر دليل على أن مجان اسم قديم لعمان.
ومتابعة تسلسل تاريخ الحضارات القديمة أمر فى غاية الصعوبة نسبة لتوالى فترات زمنية يحف بها الغموض والاندثار من كل جانب. هذه الفترات التى لم تلاق الى الآن حظا من (1/29)
صفحة 30
التدوين أو الاكتشاف الأثرى الذي يربطها عضوياً بسابقاتها أو لاحقاتها من العصور، ومن الفترات الغامضة التى لم تفك طلاسمها بعد تلك الفترة ما بين الألف الأول قبل الميلاد وظهور الاسلام فى تاريخ عمان باستثناء منطقة ظفار.
تختلف المنطقة الجنوبية فى عمان «منطقة ظفار» بعض الشئ عن المنطقة الشمالية وذلك فى مناخها العام، وطبيعة أرضها ونباتها لأنها تقع فى خط الأمار الموسمية التى تهطل بكميات كبيرة فى فصل الخريف الذى يبدأ من شهر يونيو الى شهر سبتمبر كل عام، فى الوقت الذى تعانى فيه مناطق شمال عمان من شدة حرارة الصيف والجفاف.
ولمنطقة ظفار تاريخ قديم يرجع الى قرن أو قرنين قبل الميلاد بحسب الآثار التى اكتشفت الى الآن.
ومن أكبر شواهد هذه الحضارة القديمة فى ظفار تجارة اللبان التى كان مركزها الرئيسى مدينة سمهرام فى خور رورى قرب عاصمة المنطقة صلالة.
وقد تم التنقيب فى موقع سمهرام من قبل بعثة أمريكية فى الأعوام 1952 و 1953 و 1958 و 1962، ونتيجة لهذا التنقيب وجدت لوحات مكتوب عليها اسم سمهرام، وأسماء (1/30)
صفحة 31
الملوك الذين كانوا يحكمون المنطقة فى ذلك الوقت. وهناك اختلاف فى الرأى بين علماء الآثار حول اسم المدينة، فالبعض يقول إنها سمهرام، والبعض الآخر إنها سامرام.
وبغض النظر عما اذا كان الاسم سمهرام أو سامارام، فاننا نعلم أنه كانت هناك مدينة وميناء فى خور رورى فى ظفار، وأن هذه المدينة كانت مركزا حضاريا متقدما، وعلى اتصال مع حضارات أخرى عاصرتها مثل الحضارة الاغريقية. كما نعلم أيضا أن هذه المدينة ازدهرت بتجارتها مع عديد من البلدان، وكان من أكبر إنتاجها اللبان الذى كانت تصدره الى الخارج لاستعماله فى المعابد والكنائسى.
وبالنسبة لتاريخ هذه الحضارة تعتقد الدكتورة بيرين أنه كان فى القرن الأول قبل الميلاد، فى حين يعتقد الآخرون انه كان فى القرن الأول بعد الميلاد. وكان يصدر اللبان من ميناء يسمى «موسكا» وبعد نقاش طويل عن موقع هذا الميناء كتبت الدكتورة بيرين أنها تعتقد أن ميناء موسكا كان يقع فى خليج ظفار حيث خوررورى، وهناك آثار قديمة توجد حالياً فى خور رورى عبارة عن بقايا قلعة قديمة فوق تل يطل على البحر، وقد وصفها ويندل فلييس الذى عاش فى ظفار لمدة طويلة بأنها قلعة منيعة لمدينة ذات شهرة منسية، (1/31)
صفحة 32
كانت تحافظ على سلامة أحسن ميناء فى ساحل ظفار، لابد وأن تكون هى موسكا. وكتب رحالة ومؤرخ مجهول يونانى الأصل فى القرن الأول بعد الميلاد فى كتابه عن موسكا، Priplus of the Erythrean Sea وأشار اليه كميناء بحرى أقيم لتصدير منتجات اللبان، وكانت سفن البلاد الأخرى تتعامل مع رجال الحاشية الملكية على أساس مقايضة اللبان بمنتجات الحنطة والسمسم والمنسوجات.
كما وصف الكاتب الرومانى بلينى الجنوب العربى القديم بأنه أغنى بلدان العالم وربما ذلك كان لسبب تجارتها فى اللبان. (1/32)
صفحة 33
الحضارة العربية الاسلامية فى عمان
إننى أخشى ألا تكون لدينا أدلة تاريخية متسلسلة فى هذا الصدد لنسترشد بها فى تحديد تراث أهل عمان قبل وصول الأزد إليها، وقد كتب بعض المؤرخين الأجانب عن هذا الموضوع، ولكننا نرى فى كتابتهم أنهم أخذوا كثيراً من معلوماتهم من مصادر عربية، ولذلك لابد من الاعتماد على المؤرخين المعانيين أنفسهم، وعلى الأخص أشهر هؤلاء المؤرخين وهما «سرحان بن سعيد بن سرحان، وعبد الله بن حميد السالمى».
فى كتابه «كشف الغمة» يقول سرحان عن دخول الأزد الى عمان بقيادة مالك بن فهم: «قال الكلبى: إن أول من لحق بعمان من الأزد مالك بن فهم». ومهما كان سبب خروجه الى عمان. وهناك حديث عن كلب جاره الذى كان السبب لخروجه، ولا داعى للدخول فى تفاصيل هذه الحادثة فى هذه المحاضرة. خرج مالك بن السراة بمن أطاعة من قومه، وسار يريد عمان فكان لا يمر بحى من أحياء العرب إلا سالموه لمنعته وكثرة عساكره.
ويقول سرحان: «إن مالك عمان ومايليها من الأطراف،
(م 3 – حضارة عمان القديمة) (1/33)
صفحة 34
وساسها سياسة حسنة، وسار فيها سيرة جميلة، وله ولأولاده فى سيرهم الى عمان أشعار كثيرة وشواهد تركتها طلباً للاختصار».
ونقول نحن: ياليت سرحان لم يترك هذه الأشعار والشواهد حتى تكون فى حوزتنا لنستفيد منها فى وقتنا هذا.
ويقول السالمى فى كتاب «تحفة الأعيان عن سيرة أهل عمان»: إنه جاءت الى عمان بعد مالك بن فهم قبائل كثيرة من الأزد، فأول من لحق بمالك من الأزد عمر بن عمرو بن عامر (ماء السماء) وولداه: الحجر والأسود، وتفرعت من الحجر والأسود بعمان قبائل كثيرة، ثم جاءت بعدهم قبائل أخرى من الأزد فملئوها، ويقال: إن الأزد سموا عمان عمانا لأن منازلهم كانت على واد لهم بمأرب يقال له عمان فشبهوها به.
لم تزل الأزد تنتقل الى عُمان حتى كثروا بها، وقويت يدهم، واشتدت شوكتهم وملئوها.
ثم نزل عمان من غير الأزد أسامية بن لؤى بن غالب، فنزل فى جوار الأزد، وقال العوتبى: إن بنى أسامة اليوم فى توءم. (1/34)
صفحة 35
البريمى، وقال إن فيها ناساً من بنى سعد وناساً من بنى عبد قيس.
كما نزل بعمان كذلك ناس من بنى متيم، منهم من آل جديمة بن خازم وغيرهم، ونزلها أيضا قوم من الأنصار فى الجاهلية ومنازلهم فى قرية يقال لها: ضنك. ونزل ناس من قطن من الأنصار، ومنازلهم فى عبرى والسليف وناس من بنى الحارث بن كعب ومنازلهم بضنك، ونزلها ناس من بنى رواحة بن قطيفة ابن عيسى.
هذا تاريخ بعض القبائل التى نزلت عمان بعد مالك ابن فهم، وهناك كثير من القبائل العمانية اليوم التى تنتمى الى هذه القبائل.
مالك بن فهم:
كان مالك بن فهم ملكا عظيما، وكانت قبائل اليمن وغيرهم يهابونه ويفخرون به ويتعززون بمنعته، ويقال انه فى ناحية أخرى نزل ملك من ملوك الأزد يقال له: مالك بن زهير، وكان عظيم الشأن كذلك، وكاد يكون مثل مالك بن فهم فى العزة والقدرة، وخشى مالك بن فهم أن يقع بينهما تحاسد، وأن يطمع أحدهما فى ملك الآخر فتقع بينهما الحرب. فخطب مالك (1/35)
صفحة 36
ابن فهم الحزام بنت مالك بن زهير، فزوجه على أن يكون الملك لأولادها من بعده، فأجابه مالك بن فهم الى ذلك، وتزوجها فولدت سليمة بن مالك، وهو أصغر أولاده واحبهم اليه، ولسليمة هذا قصة مع أبيه مالك بن فهم بعد ما كبر وصار شاباً ومات مالك على يده، وهو أحب الناس اليه.
ويقول السالمى: إن سبب ذلك كان أن مالكاً قد جعل على أولاده لحراسة بالمناوبة كل ليلة على رجل منهم مع جماعة من خواصه وأمنائه من قومه، وكان سليمة أحظى ولد مالك عنده وأقربهم اليه، فحسده إخوته وجعلوا يطلبون له زلة عند أبيه وقومه، وكان مالك يعلم سليمة من صغره الرمى بالسهام الى أن أتقنه، وكان يحرس كإخوته.
وأقبل ذات يوم نفر من إخوته الى أبيهم فقالوا: يا أبانا إنك قد جعلت على أولادك الحراسة بالنوبة، وما أحد منهم إلا وهو قائم بها عليه ما عدا سليمة فانه أضعف همة وأعجز، وأنه إذا نزل الليل يعتزل عن فرسان قومه، وتيشاغل بالنوم والغفول عما يلزمه.
لم يصدق مالك كلامهم وقال لهم: إنه لم تزل الإخوة تحسد بعضهم بعضاً لإيثار الآباء بعضهم على بعض ولكن داخله الشك الى أن كانت الليلة التى كانت فيها نوبة ابنه سليمة، وقد (1/36)
صفحة 37
خرج سليمة ذات ليلة فى نفر من فرسان قومه يحرسون كالعادة، ثم اعتزل عنهم سليمة فى مكان يقرب دار أبيه، فبينما هو فى ذلك المكان إذ أقبل مالك من قصره فى جوف الليل مختفياً من حيث لا يعلم به أحد. قاصداً الى ذلك الموضع.
وكان سليمة فى ذلك الوقت قد لحقه نوم على ظهر فرسه، فرأى الفرس شخص مالك من بعيد، فصهلت وانتبه سليمة من غفوته مذعورا ونظر الى الفرس وهى ناصبة أذنيها الى شخص مالك، ففوق سهمه اليه وهو لا يعلم أنه أبوه، فسمع مالك صوت السهم فهتف به يا بنى لا ترم أنا أبوك، فقال سليمة: يا أبت ملك السهم قصده فأرسله، وأصاب السهم مالكا فى قلبه، وبموجب هذه القصة قال مالك قصيدة طويلة قبل موته، نعى نفسه فيها، وذكر سيره الذي ساره من أرض السرات الى عمان. لا نستطيع أن نأتى بها فى هذه المحاضرة إلا هذه الأبيات فقط:
جزاه الله من ولد جزاء *ش* سليمة إنه ساما جزانى
أعلمه الرماية كل يوم *ش* فلما اشتد ساعده رمانى (1/37)
صفحة 38
توخانى بقدح شك لبى *ش* دقيق قد برته الراحتان
فأهوى سهمه كالبرق حتى *ش* أصاب به الفؤاد وما عدانى
جلس سليمة مع إخوته بعد ذلك فترة، حتى بلغه أن أخاه معن كان يطلب غفلته ليغرى به سفهاء قومه من حيث لا يعلم أحد فأٌسم ألا يقيم فى أركن عمان، وأجمع رأيه على ركوب البحر، فخرج هرباً فى نفر من قومه، حتى نزل بفارس وتزوج بامرأة منهم من قوم يقال لهم: «الأسفاهية»، إنه رحل ونزل بأرض كرمان، وله قصة أخرى هناك لا مجال لها فى هذه المحاضرة.
ولا يوجد دليل على الأحداث التى شهدتها عمان فى أعقاب وفاة مالك، وإن كان من المرجع أن أبناءه ظلوا يتناوبون الحكم الى أن انتقل منهم الى أسرة أخرى من الحكام هى أسرة بنى شمس، وهى فرع من قبيلة الأزد التى وفدت الى عمان بعد وصول مالك إليها، وكان يتزعمها معولة بن شمس، ولا تتحدث السجلات التاريخية عن الكيفية التى تم بها انتقال الحكم الى أسرة بنى شمس، وكان ما أعرفه عن الموضوع ما ورد على لسان المؤرخ العمانى الشيخ العالم عبد الله بن حميد (1/38)
صفحة 39
السالمى الذي يقول: «إن أول ملك يتولى الحكم من هذه القبيلة هو عبد العز بن معولة بن شمس» ويصفه أنه كان حاكما قويا ونشيطا امتد حكمه الى أبعد من اليمامة والبحرين.
وإن أمكن الاعتماد على البحث الذى أجراه ح. س. ولكنسن عن دولة بنى جلندى، فعبد العز بن معولة بن شمس يكون من أجداد الجلندى بن المستكبر بن مسعود بن الجرار ابن عبد عز بن معول بن شمس ووالد عبد وجيفر اللذان كانا يحكمان عمان عند ظهور الاسلام، واللذان أسلما على يد عمرو بن العاص رسول النبى صلى الله عليه وسلم إليهم فى السنة الثامنة أو التاسعة بعد الهجرة.
ويتفق جميع المؤرخين على أن أهل عمان اعتنقوا الاسلام خلال حكم الأميرين جيفر وعبد ابنى الجلندى.
وعن كيفية إسلام أهل عمان لابد وأن نلتزم بالاعتماد على المؤرخين العرب الذين تطرقوا الى هذا الموضوع بكثير من الأنصاف والادراك. (1/39)
صفحة 40
أهل عمان فى الإسلام
يقال إن أول من اعتنق الاسلام فى عمان كان رجل يسما مازن بن غضوبة، وكان من سكان سمائل فى الجزء الداخلى من عمان، وكان قبل الاسلام يعبد الأصنام.
وتقول الرواية: إن مازن بعد أن علم بأمر الدعوة الاسلامية سافر الى المدينة، وأسلم على يد الرسول صلاة الله وسلامه عليه.
وفى حديث مازن قال: «وركبت راحلتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عما بعث له، فشرح لى الاسلام ونور الله قلبى للهدى فأسلمت» ثم قال: (قلت: يا رسول الله إنى مولع بالطرب وبشرب الخمر، لجوج بالنساء وقد نفد أكثر مالى فى هذا، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد، ويهب لى ولداً تقر به عينى ويأتينا بالحياة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام حلالا، وبالعهر عفة الفرج، وبالخمر رياً لا إثم فيه وأتهم بالحياة وهب له ولداً تقر به عينه»).
أما عن إسلام أهل عمان فقد جاء عن الواقدى أن النبى (1/40)
صفحة 41
صلى الله عليه وسلم كتب الى جيفر وعبد ابنى الجلندى الأزدى، وبعث عمرو بن العاص بكتابه إليهما. فكان أول من لقيه عمرو عبد بن الجلندى، وكان أحلم الرجلين وأحسنهما خلقا، ثم سلم عبد كتاب النبى صلى الله عليه وسلم لأخيه مختوماً ففض ختمه وقرأه حتى انتهى الى آخره، ودفعه الى أخيه عبد فقرأه مثل قراءته، ثم التفت الى عمرو فقال: إن هذا الذى تدعو اليه من جهة صاحبك أمر ليس بصغير. وأنا أعيد فكرى فيه وأعلمك.
استحضر جيفر وعبد جماعة الأزد، وبعثوا الى كعب ابن برشة العودى فسألوه عن أمر النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «الرجل نبى وقد عرفت صفته وسيظهر على العرب والعجم» فأجاب جيفر الى الاسلام وأسلم هو وأخوه فى ساعة واحدة، ثم بعث الى وجوه عشائره فبايعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأدخلهم فى دينه وألزمهم تسليم الصدقة وأمر عمرو بن العاص بقبضها.
هكذا كان أسلام أهل عمان، وليس كما يقول بعض المؤرخين الأجانب مثل المؤرخ الانجليزى مايلز: إن العمانيين لم يعتنقوا الاسلام من منطق الايمان به، وإنما خوفا منه، وبدافع المصلحة والضرورة وانه بعد أن رأى العمانيون كيف (1/41)
صفحة 42
انتصر محمد صلى الله عليه وسلم على اعتذار بنى قومه عليه. وعلى رسالته النبوية خشوا من زحف قوات المسلمين على بلادهم. أو أنهم وجدوا فى جيوش المسلمين سنداً لهم فى مقاومتهم للاحتلال الساسانى للبلاد)، ولا يوجد أى مبرر لهذه التكنهات إذ إن العمانيين أنفسهم وبدون أى مساعدة عسكرية من أية جهة أخرى قاموا بطرد جيوش الاحتلال عندما رفضوا الدخول فى الاسلام.
وعلى ذلك جاء الاسلام الى عمان ليبقى وينتشر، ولما كان جيفر وعبد نفساهما قد آمنا به فانهما ناشدا القبائل أن تحذو حذوهما.
وبدأ الأزد يتشربون تعاليم الدين الجديد من المبعوث الذى أوفد إليهم لدعوتهم اليه، وهو عمرو بن العاص الذى أقام فى عمان حتى غادرها عند سماعه بوفاة النبى صلى الله عليه وسلم، وعندما اضطرته وفاة النبى صلى الله عليه وسلم الى الرحيل صحبه عبد وعدد من كبار شخصيات الأزد.
وعند وصولهم الى المدينة ألقى سيدنا أبو بكر كلمة ترحيب أمام المهاجرين والأنصار قال فيها: «معاشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعاً لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر، ولا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب، ولم ترموا بفرقة، (1/42)
صفحة 43
ولا تشتت شمل، فجمع الله على الخير شملكم، ثم بعث اليكم عمرو بن العاص بلاد جيش ولا سلاح، فأجبتموه إذ دعاكم على بعد داركم، وأطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم وعدتكم. فأى فضل أبر من فضلكم؟ وأى فعل أشرف من فعلكم؟ كفاكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً الى يوم الميعاد. ثم أقام فيكم عمرو ما أقام مكرماً. ورحل عنكم إذ رحل مسلماً. وقد منّ الله عليكم باسلام عبد وجيفر ابنى الجلندى، وأعزكم الله به، وعزه بكم، وكنتم على خير حال حتى أتتكم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأظهرتم ما يضاعف فضلكم، وقمتم مقاما حمدناكم فيه، ومحضتم بالنصيحة، وشاركتم بالنفس والمال، فيثبت الله ألسنتكم ويهدى قلوبكم، وللناس جولة فكونوا عند حسن ظنى فيكم، ولست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم ولا أن ترجعوا عن دينكم. جزاكم الله خيرا».
وتقول الأستاذة الدكتورة / سيدة اسماعيل كاشف فى كتابها «عمان فى فجر الاسلام»: انه بعد أن اعتنق العمانيون الاسلام اقبلوا بحماس بالغ على دراسة القرآن والتفسير والحديث وآداب اللغة العربية. فأصبحت عمان بفضل فقهائها وعلمائها وأدبائها مركزا هاما لحركة العلمية الدينية. (1/43)
صفحة 44
الإمام جابر بن زيد وعدد علماء من عمان
ومنذ قديم الزمان برز أول فقيه شهير من العمانيين اسمه جابر بن زيد، الذى ولد فى قرية صغيرى تسمى «فرق» قرب نزوى.
قيال إنه ولد بين العام 18 والعام 21 بعد الهجرة خال فترة خلافة عمر بن الخطاب، وإنه قد مضى طفولته فى مسقط رأسه، ودرس القرآن، وهو صغير وتبحر بعمق فى الفقه، وكان تعطشه للعلم لا يروى. ولذا غادر عمان وذهب الى البصرة التى كانت مركزاً عظيما للعلم فى ذلك الوقت.
أمضى جابر بقية حياته بين البصرة والمدينة المنورة، الأمر الذى جعله على صلة بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك، واستوعب منهم كل ما أمكنه من استيعابه من تعاليم العقيدة الاسلامية من كافة جوانبها. وقد تعلم جابر من عبد الله بن عباس الذى وصفه «بالبحر» ومن السيدة عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أبى هريرة وأنس بن مالك وأبى سعيد الخدرى وسيدنا على بن أبى طالب وآخرين كثيرين غيرهم.
ونسب لجابر قوله: إنه أدرك سبعين من الذين شاركوا في (1/44)
صفحة 45
موقعة بدر ضمن جنود النبى صلى الله عليه وسلم. وقد ورد أن ابن عباس قد قال للناس: «اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه» كما أشار ابن عباس الى أهل العراق فى ذلك الوقت وقال: «عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون الينا ومعهم جابر بن زيد».
وعاصر جابر بن زيد كثيراً من العماء والفقهاء، مثل الحسن البصرى وغيره، وكان ينشر العلم فى المساجد، ويجاهد فى سبيل إحياء سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ويدعو سراً وعلناًَ الى ضرورة محافظة الأمة الاسلامية على شريعة الله.
ومن تلاميذ جابر بن زيد وزميله أبو عبيدة مسلم بن أبى كريمة التميمى، والامام الربيع بن حبيب صاحب المسند المعروف باسمه، وكان الربيع من أهل الباطنة من عمان، ثم خرج الى البصرة لطلب العلم، وكان شابا حين التقى بالامام جابر بن زيد. وبعد أن قضى معظم حياته فى البصرة يطلب العلم ويقوم بتدريسه عاد الى عمان وطنه فى عمان حيث انتقل الى جوار ربه فى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى.
وتقول الدكتورة / سيدة اسماعيل كاشف انه نشر «الجامع (1/45)
صفحة 46
الصحيح» للربيع بن حبيب فى القدس فى سنة 1318 هـ وفى دار الكتب المصرية بالقاهرة مخطوطة «مسند الربيع» للربيع بن حبيب تحت رقم 21582 ب. وتستطرد بالقول ان من أهم من حمل العلم عن الامام الربيع بن حبيب من البصرة الى عمان خمسة علماء عمانيون كان لهم الفضل الأكبر فى ازدهار الحياة العلمية فى فجر الاسلام فى عمان، وهم: أبو المنذر بشير بن المنذر النزوانى، ومنير بن النير الجعلانى، وموسى ابن أبى جابر الأزكوى، وحبوب بن الرحيل، ومحمد بن المعلى الكندى.
وهناك عدد كبير من من علماء عمان الذين لعبوا دورا كبيرا وفعالا فى نشر الدين الاسلامى والثقافة الاسلامية، ليس فى عمان فقط بل فى افريقية الشرقية كذلك. وهناك علماء وفقهاء من الذين كرسوا حياتهم فى طلب العلم ونشره، وأكبر دليل على ذلك المؤلفات المخطوطة التى تقوم وزارة التراث القوى فى عمان بجمعها وحفظها وطباعتها فى وقتنا هذا، والتى بلغ عددها الى الآن أكثر من أربعة آلاف مخطوطة منها كتاب «العين» امام الكتب فى اللغة للخيل بن أحمد الأزدى الفراهيدى الذى خرج من عمان الى البصرة وأقام بها. وكتاب الجمهرة لأبى بكر أحمد بن محمد بن أبى حسن بن دريد الأزدي، وكتاب الكامل لأبى العباس المبرد. (1/46)
صفحة 47
وإن كان هؤلاء من بعض العلماء والمؤلفين العمانيين الأولين، فهناك كذلك علماء أتوا بعدهم لا يقلون عنهم شأنا، ومنهم فضيلة الشيخ عبد الله بن حميد السالمى صاحب كتاب «تحفة الأعيان فى سيرة أهل عمان» وله مؤلفات عديدة «كجوهر النظام» وهو كتاب فى الفقه الاسلامى منظوم فى عشرة آلاف بيت. وهذا الفقيه الذى فقد بصره وهو فى سن الثالة عشرة من عمره، ولم يكن قد تجاوز الأربعين عاما عند وفاته فى سنة 1322 هـ الموافق سنة 1914 م قد ألف أكثر من اثنين وعشرون كتابا.
وقد نشر السالمى شرحا لكتاب الربيع بن حبيب «الجامع الصحيح» وفى مقدمة هذا الكتاب التى كتبها عز الدين التنوخى قال: إن ثلاثية الربيع بن حبيب الأزدى وأحاديها فى مسنده من أصحها رواية وأعلاها سنداً ورجال سلسلة الثلاثية الحلقات هم أبو عبيدة التميمى وجابر بن زيد الأزدى، والبحر عبد الله ابن عباس شيخ جابر كلهم مشهورون بالحفظ والضبط والأمانة والصيانة.
هذه أمثلة قليلة عن العلماء والمؤلفين العمانيين الذين ساهموا مساهمة فعالة فى إثراء الفكر الاسلامى وارساء الحضارة العمانية المجيدة حتى أصبحت عمان الاسلامية مركزا علميا هاما. (1/47)
صفحة 48
دور العمانيين فى الملاحة
ولا يسعنا قبل أن نختتم هذه المحاضرة إلا أن نذكر بعض الشئ عن الدور العمانى فى الملاحة. فقد ذكرنا سابقا فى هذه المحاضرة أنه لابد وإن كان العمانيون القدامى يمارسون مهنة صناعة السفن من قديم الزمان، وإلا كيف كان فى إمكانهم العبور الى بلاد ما بين الرافدين، وإرساء سفنهم فى موانى السومريين. كما ذكرنا كذلك أن المؤرخ العربى المسعودى أشار فى القرن العاشر بعد الميلاد الى وجود مهنة صناعة السفن فى عمان.
ويقول المسعودى كذلك: أن أصحاب المراكب الذين كانوا يبحرون الى افريقية الشرقية فى القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادى كانوا عرباً عمانيين من الأزد، وكان أقصى ميناء تصل اليه هو ميناء سفالة فى موزمبيق الذى كان مرفأتجارة الذهب القادمة داخل البلاد، أما السلع التى كانت المراكب تسعى لجلبها من شرقى افريقية فهى الذهب والعاج والأخشاب والتوابل.
وكان إيجار الأساطيل التجارية العمانية الى افريقية ومدغشقر بغرض جلب العاج والصوف وجلود النمور (1/48)
صفحة 49
والعنبر، وهى سلع كان الاقبال عليها شديدا فى العراق والهند والصين. ويبدو هذا واضحا فى البقايا الأثرية الكثيرة لمدينة صحار التى كانت مدينة ذات شأن كبير فى التجارة فى ذلك الوقت. وهناك رواية أن أول ملاح عربى أبحر من صحار الى كنتون فى الصين كان عمانيا اسمه أبو عبيدة عبد الله بن قاسم فى القرن الثامن الميلادى. وتأكيداً لإمكانية مثل هذه الرحلة البحرية قامت وزارة التراث القومى بالتعاون مع البحار البريطانيى تيم سفران ببناء سفينة شراعية بموجب مواصفات السفن العمانية القديمة، وأعدتها للسفر من ميناء مسقط الى كنتون.
وكما يعرف الجميع، فقد قام تيم سفران مع مجموعة من الشباب العمانيين، وبعض علماء العلوم البحرية بهذه الرحلة التى سميت رحلة السندباد بنجاح فى نوفمبر سنة 1980 من ضمن احتفالات العيد الوطنى العاشر لعمان. ووصلوا كنتون فى شهر يوليو بسلام آمنين بعد أن سلكوا طريق البحرى الذى يعتقد انه المسمار الذى طرقه أبو عبيدة سابقا. ولاشك أن ميناء صحار كان أكبر الموانئ ازدهارا. ويذكر المسعودى كذلك أن ازدهار صحار يرجع الى القرن الرابع الهجرى / العاشر الميلادى. ويقال: انه قد اشترك هذا المؤرخ فى كثير من
(م 4 – حضارة عمان القديمة) (1/49)
صفحة 50
الرحلات التجارية مع الملاحين العمانيين ويذكر أن ربابنة السفن فى عمان كانوا يرتادون بحار الصين والهند والسند وافريقية الشرقية، واليمن والبحر الاحمر والحبشة، كما كانوا يقطعون أطول الطريق البحرية التجارية فى فترة القرون الوسطى وهم الذين ألفوا القصص والحكايات التى انحدرت منها قصص السندباد.
ان صناعة السفن العمانية تطورت بعد ذلك حتى استطاعت أن تنافس السفن الأوربية فى تصاميمها. وفى أيام حكم الامامين ناصر بن مرشد، وسيف بن سلطان اليعربيين أصبح جهاد العمانيين موجهاً ضد سفن الأوربيين بصفة عامة، وسفن البرتغاليين بصفة خاصة، حتى فى عام 1652م أبحر أسطول من المراكب العمانية على مراكز البرتغاليين فى ميناء (بيته) قرب زنجبار، ولكن البرتغاليين عادوا اليها بعد قليل واحتلوها.
وفى عام 1655 أبحر أسطول عمانى آخر الى ممباسة، وكان أهلها قد استعانوا بسلطان بن سيف على البرتغاليين، وقد استسلمت المدينة بعد حصار دام خمس سنوات وانسحب البرتغاليون منها ونصب فيها والى عمانى.
وفى أثناء حكم سيف بن سلطان استأنف العمانييون نشاطهم (1/50)
صفحة 51
البحرى على أوسع نطاق، وسارع الامام سيف الى تدعيم الأسطول العمانى، ويقال انه كان يملك 28 مركبا صغيراً و 14 مركبا كبيرا زود أكبرها بثمانين مدفعا، وحل أسطوله محل أسطول البرتغاليين فى السيطرة على منطقة غرب المحيط الهندى. ويقول «هاملتون» الانجليزى ان العمانيين قد فرضوا بهذا الأسطول هيبتهم على الساحل كله الى البحر الاحمر، وامتد نفوذهم الى الخليج بعد أن أقام الامام سلطان بن سيف حامية له فى عام 1777م.
وفى عهد السيد سعيد بن سلطان الذى يعد واحدا من ألمع الحكام العرب فى القرن التاسع عشر الميلادى، كانت أهم ممتلكات عمان هى التى فى ساحل افريقية الشرقية، وقد بلغت السيطرة العمانية على بعض الموانى الى حد اقامة حاميات دفاعية فيها مثل ممباسة ولا مووبيتة وكلوة ومركا ومقديشو.
انتقل السيد سعيد الى زنجبار فى سنة 1832، كان قرار انتقاله هذا قراراً سياسيا من الدرجة الأولى ومن بين الأسباب التى دعت اليه الحاجة الى موقع تجارى على طريق رأس الرجاء الصالح من المحيط الاطلسى الى الهند، بالاضافة الى الانتاج الزراعى فيها الأمر الذى أدى الى أن تصبح المنتجات (1/51)
صفحة 52
الزراعية كالقرنفل وجوز الهند ومنتجات أخرى كالعاج وقرون الحيوان والصدف والعنبر والأخشاب توزع فى جميع أنحاء الميحط الهندى وحتى الى أمريكا وانجلترا.
يقول تاجر أمريكى: إن السيد سعيد بن سلطان وصل الى زنجبار بأسطول كبير فيه 64 مركبا حربيا كبيرا، و 36 مركبا صغيرا، مراكب أخرى شراعية تحمل ما لا يقل من ستة آلاف جندى. وقال الانجليزى بارتون: إن اسطول السيد سعيد فى ذلك الوقت كان يعتبر من أقوى الأساطيل فى القوى البحرية فى المحيط الهندى ولأجل اثراء التجارة بين ممتلكاته والدول الأوربية أرسل السيد سعيد أول سفير عربى الى امريكا في سنة 1840 فى السفينة «سلطانة» بقيادة أحمد بن النعمان الكعبى، كما أرسل أول سفير عربى الى انجلترا فى سنة 1828، وهو على بن ناصر الذى كان واليا في ممباسا، وأرسله مره ثانية فى السفينة «سلطانة» فى سنة 1842 – وكان ذلك فى عهد الملكة فكتوريا. كما أن البارجة كارولينا التابعة لأسطوله زارت ميناء مارسليا فى سنة 1849.
ويعتبر عهد السيد سعيد بن سلطان من أهم العصور بالنسبة لمجالات النشاط الملاحى.
ويقول مؤلف كتاب عمان فى تاريخها البحرى: إنه كانت (1/52)
صفحة 53
هناك تطورات هامة تجرى على فنون الملاحة عند العرب، ومن أهمها استعمال الابرة المغناطيسية، وانه لمن المؤكد أن الفضل الكبير في هذا التطور يعود الى الملاحين العمانيين.
ومن أبرز الشخصيات التى اقترن اسمها بتاريخ الملاحة وعلوم البحار فى تلك الفترة الملاح العمانى شهاب الدين أحمد ابن ماجد صاحب كتاب «الفوائد فى أصول البحر والقواعد» وقد كتب نحو أربعين كتابا تناول موضوعات الملاحة البحرية، غير أن كتاب الفوائد يعتبر غاية ما وصلت اليه الكتابة العربية عن الملاحة، وألفه فى الفترة بين عامى 1486 و 1490. وقد ظل الملاحون فى المحيط الهندى يعتمدون على هذا المرجع الهام فى رحلاتهم حتى نهاية القرن الثامن عشر.
هذه نبذة عن دور العمانيين فى الملاحة وهناك معلومات دقيقة كثيرة فى المراجع التاريخية لمن يريد أن يتعمق فى هذا الموضوع. (1/53)
صفحة 54
خاتمة
وفى ختام هذه المحاضرة أرجو أن أذكر المستمعين الكرام بأن هناك موضوعات أخرى تتعلق بتاريخ عمان وحضارتها القديمة لم يسمح لنا الوقت بتناولها فى هذه المحاضرة، منها معركة دبا التى دار حولها نقاش طويل، وتضارب فى الآراء عما إذا كانت هذه المعركة نتيجة لردة بعض المسلمين فى عمان أم لا.
منها أيضا موضوع الدور الذى لعبه أهل عمان فى الفتوحات الاسلامية في هذه المنطقة ونشر الاسلام فى البلاد المجاورة، وفى افريقيا الشرقية، وكيف نشأ المذهب الاباضى واستقر فى عمان الى يومنا هذا، وماهية هذا المذهب الذى أساء فهمه معظم المعلقين، المسلمين وغير المسلمين.
وأرجو المعذرة إذ أننا لا يمكن أن نعطى هذه الموضوعات حقها فى هذه المحاضرة وربما نتناولها فى مرات قادمة والله ولى التوفيق. . . (1/54)
صفحة 55
الصفحة
المقدمة 7
تقديم 9
الحضارة العمانية القديمة 12
تقرير البعثة الأثرية البريطانية 25
الحضارة العربية الاسلامية فى عمان 33
أهل عمان فى الإسلام 40
الإمام جابر بن زيد وعدد من علماء عمان 44
دور العمانيين في الملاحة 48 (1/55)
صفحة 56
مطابع سجل العرب (1/56)
صفحة 57
[صفحة بيضاء] (1/57)