صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد بين الإباضية والمعتزلة مشروع رؤية
المؤلف: سالم فرج مفلح
الناشر: دار حضرموت للدراسات والنشر
مكان النشر: المكلا - اليمن
تاريخ النشر: 2006م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2006/351
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1939&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/778
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 21 رمضان 1446ه/ 21 - شهر 03 - 2025م. حَضْرَمَوْتُ بَيْنَ القَرْنَين الرابع والحادي عشر للهجرة العَاشِرُ والسَّابع عشر للميلاد
بين الأباضية والمُعْتَزِلة
مشروع رؤية
سالم فرج مفلح
دار حضرموت (1/1)
صفحة 2
حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة
العاشر والسابع عشر للميلاد
بين الإباضية والمعتزلة) مشروع رؤية) (1/2)
صفحة 3
رقم الإيداع بدار الكتب - صنعاء: 2006/ 351 م
العنوان: حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة
بين الأباضية والمعتزلة
المؤلف: سالم فرج مفلح
الصف والإخراج: مركز الفاروق - المكلا - 711920383 التنفيذ الطباعي: مطبعة الحظ - عدن - 252762
الطبعة الأولى 2006 م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من المؤلف
إشراف وتنفيذ: دار حضرموت للدراسات والنشر المكلا - ت: 350549
e-mail : dar_hadhramout@y.net.ey
توزيع معرض الحياة الدائم
المكلا - 302859
الجمهورية اليمنية
المعلومات والأفكار الواردة في هذا الكتاب تعبر عن المؤلف ولا تعبر بالضرورة عن الناشر (1/3)
صفحة 4
) ما لم تخضع الفكرة لاختبار البحث العلمي الهادئ النزهيه، فإنها سرعان ما تستهلك في نيران العواطف
والانفعالات الطاغية، أو تذبل في
تعصب ضيق مجدب))
الفيلسوف
كارل يسبيرز (1/4)
صفحة 5
توطئة
بسم
الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وله الحمد في الأولى والأخرى وهو العلي الحميد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله الصادق الأمين ..
وبعد
قد لا يخطر على بال القارئ الكريم، انه لا يوجد أي مصدر تاريخ يتحدث
هي
الحقيقة
عن تاريخ حضرموت الوسيط هو من إنتاج ذلك العصر، ولكن تلك برغم مرارتها، نعم تتحدث بعض المراجع المعاصرة عن مؤلفات تاريخية من إنتاج ذلك العصر، ولكنها في حكم المفقود منها:
(1) تاريخ باعيسى تأليف القاضي أحمد
بن محمد باعيسي (ت 628 هـ).
(2) الياقوت الثمين في تلقين الفطن اللقين: مجهول المؤلف
تاريخ إبن حسان تأليف الفقيه عبد الرحمن بن حسان (ت 808 هـ). (4) تاريخ باشراحيل: تأليف محمد بن عبدالرحمن باشراحيل ت: 5923. ه تاريخ عبدالله بن عمر بامخرمة: ت – 972 هـ.
6) تاريخ عبدالله بن محمد باسخلة أو با سنجلة: ت – 986 هـ ثم تتواصل فترة الغياب المصدري حتى العصر الحديث، حيث يظهر كتاب) تاريخ شنبل) لمؤلفه أحمد عبد الله شنبل العلوي المتوفى سنة (920 هـ) الموافق (1514 م) وهو في تاريخ حضرموت على طريقة حوادث السنين ومواليد ووفيات الأعيان يبدأ من سنة 501 هـ - حتى سنة وفاة المؤلف ولقد بقي هذا الكتاب مخطوطاً محدود التداول حتى تم طبعه مؤخراً سنة 1994 م. هذا الكتاب هو المصدر الوحيد لفترة تقارب عشرة قرون كاملة،
وهكذا يصبح
(°) (1/5)
صفحة 6
غير
هذا المصدر يعاني من نقاط ضعف خطيرة تجعل من اعتماده دون نظر
مسألة فيها نظر، وذلك للسببين التاليين:
،
1 - إن النسخ المحققة هذا الكتاب إنما هي متأخرة ومعاصرة فالنسخة الأولى من تعود إلى سنة 1334 هـ والثانية تعود إلى سنة 1369 م. أي أنها كتبت بعد وفاة المؤلف بحوالي خمسة قرون وبهذا يكون احتمال الحذف والإضافة والتحريف والتشويه للمخطوط الأصلي، مسألة واردة. - أن تلك النسخ المحققة لا تحتوي على أية إشارة إلى المصدر والمراجع التي نقل عنها المؤلف شنبل، وهذا الأمر يعني أنّ الاخبار التي لم يعاصرها المؤلف، وهي أغلب الكتاب ليس لها مصدر معروف أو غير معروف وهذا الأمر يضعفها أيضاً.
أما كتب التاريخ الإسلامي المعروفة فهي نادراً ما تذكر حضرموت إلا استطراداً في حوادث تخص التاريخ الإسلامي العام. على أن المسألة الأغرب في اختفاء مصادر التاريخ الحضرمي هي أن المكتبات الحضرمية الخاصة قد حفظت لنا ذخائر نفيسة من التراث الإسلامي المعتزلي مثل (شرح الأصول الخمسة) للقاضي عبد الجبار الهمداني في نسخة مخطوطة تعود إلى القرن السادس الهجري وغير ذلك من الكنوز الثمينة، فكيف بنا نجد تلك المكتبات الخاصة تخلو تماماً من أية مخطوطة ذات قيمة علمية عن تاريخ حضرموت
الوسيط.
كما إن من تلك المسائل الغريبة في اختفاء المصادر الحضرمية هي وجود كم هائل من القصائد والمعلومات الهامة في الكتابات الحضرمية المعاصرة لم تذكر تلك الكتابات مصادرها، وفي ذلك دليل على ان هناك عملية إخفاء مقصودة لتلك المصادر، وفي الوقت الذي يقر فيه المؤرخ الحداد بهذه القضية فهو يقول حولها
(7) (1/6)
صفحة 7
(لا زلت أعجب من بعض الناس الذين يكتمون مؤلفات سلفهم عن الناس، مع أنها فخر لهم في الدنيا و أجر لهم في الآخرة إن انتفع بها، وما كتم فقد أعدم، والكتم أخو العدم) (1). إلا انه يبدو أنّ ذلك الإخفاء والكتمان لم يمنع من عرض تلك المصادر على (أهل الثقة (للاستفادة منها بطريقتهم (الخاصة)، أما)، مسألة الدافع لهذا الإخفاء والكتمان فإننا سوف نجد لدى المؤرخ الحداد نفسه القول الفصل في هذه القضية
وهو غياب
وهكذا يظل تاريخ حضرموت الوسيط كله تقريباً مجهول الحقيقة لانعدام المصادر التاريخية المعتبرة، حتى إذا أطل القرن الميلادي العشرون ظهرت كتابات تاريخية حضرمية معاصرة تحاول سبر غور ذلك المجهول، غير أن تلك الكتابات المعاصرة ما كان لها إلا أن تعاني ذلك المأزق الحضرمي العنيد،، ألا المصادر، لهذا نجدها تتحدث وهي عن ذلك العصر تأتي بالأقوال دون مصدرية وتصدر الأحكام دون تسبيب تاريخي وعلمي معقول ... وهكذا يتضاعف عبء اللامصدرية وينتقل من (تاريخ شنبل (في القرن السادس عشر الميلادي ليتصل بالكتابات المعاصرة، مما ترتب عليه صعوبة الوصول إلى حقيقة ذلك التاريخ بالاعتماد على ما هو بين أيدينا من مراجع معدودة وحديثة ومعاصرة، ذلك أنّ الذين تناولوه بالكتابة أقروا بصعوبة تلك المهمة، ولقد لخص المؤرخ سعيد عوض باوزير) ت 1978 م (مأزق ذلك التاريخ بقوله (إن كل متتبع لتاريخ حضرموت يصطدم بثلاث حقائق هي 1) نقص خطير في المصادر سواء فيما يتعلق بالتاريخ الجاهلي أو عهود ما بعد
الإسلام
(V) (1/7)
صفحة 8
(2) صعوبة انتقاء الحقائق التاريخية من بين أكواس المعلومات التي لا تدعو إلى الاطمئنان، حيث كتبت تحت عدة مؤثرات عاطفية أو عنصرية أو مذهبية أو سجلت عن غفلة أو سذاجة أو حسن نية.
وجود فجوات واسعة في مجرى الأحداث التاريخية لم تتعرض لها المصادر الموجودة، أو تعرضت له بشيء من التحريف والتشويه يزيد من غموضها
والتباسها.
ويضيف المؤلف باوزير قائلاً) وهكذا يجد المؤرخ لحضرموت نفسه بالإضافة إلى قلة المصادر وعدم تكامل عناصر الاعتماد عليها، أمام عهود تاريخية بكاملها، لا يجد لها مصادر، وأمام عهود أخرى لا تتحدث مصادرها إلا عن وفيات الأعيان ومواليدهم ونواحي حياتهم الشخصية وما أشبه ذلك من الحوادث الشخصية التي شيئاً في تصوير النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحديد الاتجاهات الفكرية والثقافية الأمر الذي يضطر الباحث الحريص على الحقيقة أن يكتفي بالتدوين والتسجيل للحوادث وترتيبها دون أن يجرؤ على إصدار أحكام لم تتوفر لها حيثياتها ومقدماتها (2)
لا
تعني
وهذا المؤرخ علوي بن طاهر الحداد (ت 1382 هـ) يقول: (على أن في، وخفايا لم نجد إلى كشفها
التاريخ
الحضرمي فصولا لا يزال أمرها مجهولاً
سبيلاً)
(3)
وفي هذا يقول الدكتور صلاح الدين المنجد في تقديمه لكتاب المؤرخ الحامد
) تاريخ حضرموت: (إن تاريخ حضرموت أغمض شأناً، بل إن تاريخها غير معروف بالتفصيل والتسلسل المتصل حتى عند خواص أبنائها وان مدارس
حضرموت لا يمكنها أن تدرس تاريخ حضرموت وسكانها لعدم وجود المصدر
(^) (1/8)
صفحة 9
لذلك، وان كتب تاريخ حضر موت لا تعطي صورة واضحة عن كل عصر، بل أن تحقيق ذلك يحتاج لشيء من الدرس والتهذيب، وان ما ألف عنها اليوم لم يؤت الدقة وأعوزته أحيانا الصحة وشابه الخبط والتلفيق)
(4)
إن المحصلة النهائية التي يجدها الباحث أمامه وهو ينظر في تاريخ حضرموت
الوسيط
هي
انه يعاني من نقاط ضعف خطيرة وهي على ما ذكرها المؤرخون الحضارمة المعاصرون فيما تقدم، الأمر الذي جعل ما هو بين أيدينا مجرد محطات منفصلاً بعضها عن بعض ولا رابط بينها، ولهذا أغرقت كتبه بتراجم محددة ومكررة ومختارة تم وصفها بهذه الصفة أو تلك دون أي سند في غالبها الأعم من إنتاج تلك الشخصية أو مصدر معتمد، كل ذلك جعل من أية محاولة لاعتماد تلك التراجم، مسألة غير مجدية في الوصول إلى الحقيقة، بل قد تلعب دوراً معيقاً.
لهذا تظل الصفحات المجهولة من تاريخ حضرموت الوسيط أكثر بمالا يقاس من الصفحات المعلومة منه، وتظل سحابة كثيفة من التساؤلات تغطي سماء الفكر والثقافة والتاريخ السياسي طوال ذلك العصر
ولعل مما يزيد من تعقيد قضية المفقود من ذلك التاريخ، هو تضارب الآراء إلى اليوم، حول مسائل جوهرية وأساسية، كان يجب أن تكون معرفة حقيقتها محسومة، لا أن تظل موضع خلاف وجدل، مثل حقيقة المذهب العقائدي لدولة آل راشد في تريم والتي حكمت طوال ثلاثة قرون (400 هـ - 700 هـ) فليس من المقبول عقلاً شحة المعلومات عن هذه الدولة رغم طول عمرها وإقرار الجميع بان عهدها كان خصباً بالأحداث والرجال والعطاء العلمي، وقل مثل ذلك عن الدويلات المعاصرة لها والمتآخية معها في حضرموت.
(9) (1/9)
صفحة 10
وعندما نحاول أن نبحث في الأقوال حول سر تلك الشحة في المعلومات وندرة أو انعدام مصادر ذلك التاريخ، نجد أن المؤرخ علوي بن طاهر الحداد قد وضع أصبعه على الجرح وحدد حجمه وعمقه المذهبي، فقد كان لديه القول الفصل المقبول عقلاً في هذه القضية عندما أطلق مقولته المشهورة: (إن
(°)
الإخلاف وجدوا في سيرة الأسلاف ما ينكرونه عليهم اليوم فعمدوا إلى إخفائها وإفنائها)، أي إن المؤرخ الحداد يرى أن سبب تلك الشحة في المصادر لا يعود إلى عدم كتابة الأسلاف عن حياتهم وعصرهم وطبيعته، بل يعود إلى) عقدة (الإخلاف من مذهب الأسلاف نظراً لاختلاف مذهب الخلف وهم سنة أشاعرة عن مذهب أسلافهم وهم أهلهم في العصر الوسيط، وان هؤلاء الإخلاف عندما سجلوا في العصر الحديث مذهب الأسلاف العقائدي فانهم سجلوه بما يخالف حقيقته وفرضوا اعتقادهم السني على الأسلاف الذين كانوا على خلافه.
وما كان ذلك ليتم للاخلاف لو لم يعدم تراث السلف ويتم تشويه وتحريف الأحداث التاريخية ومسارها حتى تنسجم مع هدفهم المذهبي، على انه من المهم هنا القول أن ما قاله المؤرخ الحداد لا يخص التراث غير السني لحضرموت وحدها، بل الأعم الأغلب من تراث الإسلام غير السني وخاصة التراث المعتزلي، الخصم العقلي للمذهب السني النقلي، وهذا ما تؤكده الأبحاث الحديثة
بما يشبه الاتفاق عليه
وخير مثال حضرمي على ما نقول هو الاختفاء لأية نسخة قديمة كانت أو حديثة من ديوان الإمام الأباضي الحضرمي أبي إسحاق الهمداني الذي عاش في
(1.) (1/10)
صفحة 11
القرن الخامس الهجري في حين وجودها بكثرة لدى أباضية المغرب وعمان الذين
اعتنوا بهذا الديوان وطبعه عدة مرات
الأسماء
و لم يقف الأمر عند هذا الحد بالنسبة للإمام أبي إسحاق، بل تعداه إلى إنكار حقيقة وجوده أصلاً، فهذا المؤرخ الحداد يقول: (إبراهيم الأباضي أكاد أجزم بانه لا حقيقة له، وان حكايته مفتعلة، وان أشعاره قد نظمها شعراء أباضية زنجبار وعمان والشيخ الباروني (ت: (1914 م)، واستعانوا في إيراد بعض بكتاب صفة جزيرة العرب للهمداني والأنساب للسمعاني ((6) هذا الإنكار لشخصية الإمام من قبل المؤرخ الحداد، لم يكن إلا إنكار المعاند لا غير، ولو لم يكن كذلك لما استشهد بشعره وديوانه في أثناء حديثه عن الشحر حيث يقول: وقد رأيت في قصيدة الشاعر من قدماء الحضارم يقول فيها:
وقد كان لنا من أخواتنا الغرفتية بناحية الأشغاء لهم عقد
وفيهم فتى أكرم من نسل خالد له همة كبرى نحو السماء تعدو
(7)
هذان البيتان هما من شعر الإمام أبي إسحاق ومن ديوانه (8)، وفي ذلك دليل على مدى التناقض في كتابات المؤرخين الحضارمة وسيطرة المذهبية على كتاباتهم إلى الحد الذي يدين البعض نفسه بنفسه.
وإذا كان ذلك هو حكم المؤرخ الحداد على حقيقة وجود الإمام أبي إسحاق الهمداني، انطلاقا من إنكار حقيقة ديوانه (السيف النقاد) فماذا يمكن أن يقال بخصوص كتابه الآخر (مختصر الخصال)
وان كان لنا من
كلمة في مسألة (إنكار الوجود) من خلال مبدأ
) الشك)، فإننا نورد ما قاله المفكر الدكتور محمد عابد الجابري في رده على
(11) (1/11)
صفحة 12
إنكار الدكتور (طه حسين (لحقيقة وجود الشعر والشعراء الجاهليين فهو يقول: ان الشك في مثل هذه الأمور يجب أن يكون في حدود، وإلا فقد كل مبرر منهجي، ذلك لأن بامكان (الوضاع (أن يضعوا بعض الأشعار
فعالة
وينسبوها إلى من تقدمهم، ولكن من المستبعد تماماً أن ينال الوضع شخصيات
(9)
الماضي وما ينسب إليها في آن واحد (1)
غير
ذلك
أن كل ما سبق من تفنيد لما ذهب إليه المؤرخ الحداد في إنكاره لحقيقة الإمام الهمداني وباصطناع ديوانه من قبل الشيخ الباروني وأباضية زنجبار، كل يصبح غير ذي معنى، لأن الإنكار نفسه يصبح هو الآخر غير ذي معنى، حين نعلم أن نسخ مخطوطات ذلك الديوان قد تفرقت بين المغرب العربي وعمان، وهي اقدم من عصر الباروني إذ أن اقدم نسخة اعتمدت في تحقيقه، إنما هي نسخة جزائرية تعود إلى سنة - 1147 هـ، وأخرى عمانية تعود إلى سنة
1195 هـ
(10)
..
-
أن
ولعل نقطة الضعف الخطيرة التي تمحق ما ذهب إليه المؤرخ الحداد، هي إنكاره لحقيقة الإمام ومن ثم ديوانه، لم تعتمد على أي جهد علمي، ليس من
خلال النظر في عدد ومواضع وتواريخ نسخ الديوان، فذلك ربما لم يكن بالأمر الميسور حينها، ولكن من خلال النظر في الديوان نفسه، ومن ثم إثبات اصطناعه على أيدي الوضاع، من خلال إثبات تناقضاته الذاتية والموضوعية، وهو الذي لم يتم ولم يقم به مؤرخنا الحداد، ولهذا فان إنكاره ذاك يفقد موضوعيته ومنطقه العلمي، وانما جاء إنكاره فقط لينسجم مع قوله بذوبان الأباضية في حضرموت كإذابة الملح
على
.
أن دور المذهبية في تحريف وتشويه الأدب لم يقتصر على إعدام
شخصيات أدبية وسياسية وإنكار أشعارهم وتراثهم بدافع إخفاء وإعدام أي أثر
(12) (1/12)
صفحة 13
للتاريخ غير السني لحضرموت، بل نجد ذلك حتى في حالة اعتراف الإخلاف
بامخرمه
بشخصية الشاعر وحقيقة شعره وتراثه ففي قصيدة للشيخ عمر عبد الله (ت 952 هـ (يمدح فيها متولي الدولة الكثيرية عبد الله جعفر الكثيري بن ويصف فيها استبسال آل كثير في معاركهم مع خصومهم، يقول في أحد
أبياتها:
قوم يذيقون الجياد هوانها إذا قال حي على الكريمة حيعل (11)
مع
هذا البيت يقول صراحة أن شعار الدولة الكثيرية في معارك القتال المذهبيين، إنما كان (الحيعلة (الشيعية) حي على خير العمل) وليس
خصومهم
(الحيعلة) السنية (حي على (الصلاة التي لا تصلح شعاراً في المعارك، وفي ذلك تأكيد لما توصلت إليه هذه الدراسة من زيدية الدولة الكثيرية
هذه الدلالة المذهبية الشيعية التي يقول بها هذا البيت دفعت الأخلاف إلى تحريفه وتشويهه بما يفقده دلالاته المذهبية غير السنية، فقد أورده أحدهم على
النحو التالي:
قوم يذيقون الجياد هوانها إذا قال حي على الكريهة عبدل
(12)
وأورده آخر على هذا النحو:
قوم يذيقون الجياد هوانها تحت السوابغ في الوغى المستبسل
(13)
ولسنا في حاجة إلى القول إنّ الأخلاف لم يستهدفوا البيت كله، فليس لهم هدف في شطره الأول، إنما هدفهم في شطره الثاني، لهذا فقد استحق منهم
الجهد في تحريفه وتشويهه
ذلك
(13) (1/13)
صفحة 14
وليست المذهبية هي التي سيطرت على الكتابات التاريخية الحضرمية المعاصرة، بل وحتى المسألة
العرقية أخذت نصيبها مما تعرض له التراث من تشويه وتحريف
حتى في مجال الأدب والشعر، ففي قصيدة للإمام أبي الحب (ت 611 هـ) يمدح فيها مدينته (تريم) وحاكمها الإمام عبد الله بن راشد، يقول أحد أبياتها:
حماها الله من بلد وأبقى أبا بكر ودام لها النعيم
هذا البيت أورده أحدهم على النحو التالي:
حماها الله من بلد وأبقى لها الأشراف مالهم من مضيم
(14)
وأورده آخر على ا
أنه
:
بلاد طاب مسكنها وطابت مباركة لها رب رحيم
(10)
وفي حالتنا الثانية هذه، نجد الحال كما في الأولى، أن المستهدف ليس البيت كله بل شطره الثاني لأنه المعني) بالقضية) ...
ليس هدفنا من هذه التوطئة الدلالة على تناقضات وعيوب الكتابات الحضرمية المعاصرة القائلة بالسيادة المذهبية السنية المبكرة في حضرموت، فذلك الأمر موضعه) نقض الرؤية السائدة (الوارد في هذا الدراسة، وإنما هدفنا منها هو شرح الأساس المذهبي الذي تقوم عليه تلك الكتابات وتبيان أزمة المصادر الحضرمية - على نذرتها - نظرا لما تعرضت له من (اعتداءات) سجلت ضد
مجهول ...
وإذا لم يكن الأسلاف الحضارمة طوال تلك القرون الوسيطة حتى قرون العصر الحديث على الاعتقاد السني، ترى ما حقيقة مذهبهم أو مذاهبهم التي أخجلت الأخلاف ودفعتهم إلى بذل ذلك المجهود الجبار في طمس أي أثر
هي
(14) (1/14)
صفحة 15
يدل على حقيقة اعتقاد السلف، والزمهم صناعة أحداث وشخوص وتراث وتاريخ يفتقد إلى منطقه الداخلي في حواره مع نفسه، قبل حواره مع الآخرين؟ إن هذه الدراسة تحاول الإجابة على هذا السؤال الكبير، ومن ثم وضع) مشروع رؤية (لإعادة كتابة تاريخ حضرموت الوسيط على أسس موضوعية وعلمية، تحاول تجاوز سلبيات الكتابات الموجودة، وهي على ما ذكرها المؤرخ
باوزير وغيره
ولقد وجدت
أن مشكلة ما
هو مكتوب عن ذلك التاريخ:، أنه يقوم على
أساس فرضية تم التعامل معها على أنها الحقيقة الأساسية فيه، تقول تلك الفرضية: انه في القرن الرابع الهجري وإمداداته، أذاب الله الأباضية – في
(16)
حضرموت – كإذابة الملح (1)، ولما كانت تلك الفرضية بعيدة كل البعد عن العلمية والموضوعية ولا يمكن إثباتها، فقد كان طبيعيا أن يأتي كل ما هو مكتوب على أساسها متناقضاً وغامضا ومضطرباً، لهذا نجد الشيخ محمد عوض بافضل (ت 1369 هـ) وفي أثناء حديثه عن عصر شيخ الإسلام شيخ الإسلام سالم بن فضل بافضل (ت 581 هـ) في تريم يقول: (كانت بدعتا الأباضية والمعتزلة إذ ذاك منتشرة بالجهات الحضرمية وفتنتهم طامة على الملة الإسلامية) (17)، هذا القول انه في القرن السادس الهجري إنما كانت الغلبة المذهبية في حضرموت للأباضية والمعتزلة، ولم يكن لهما منافس يستحق الذكر. غير غير أن المؤرخين الحضارمة وفي أثناء حديثهم عن النشاط العلمي الكبير الذي كان في تريم في القرن السادس الهجري، يقولون انه كان بها ثلاثمائة عالم وفقيه ومفت، وكلهم أشاعرة العقيدة، وإذن، تكون محصلة هذا التناقض أن تكون غلبة المذهبين
يعني
(18)
الأباضي والمعتزلي) في لا محل) بلغة علم الكلام، وذلك لأنه كان لدينا ذلك العدد الكبير من أهل العلم الاشاعرة في ظل سيادة الأباضية والاعتزال، و أما أن
(10) (1/15)
صفحة 16
تكون تلك الغلبة لذينك المذهبين) في لا محل (فهذا محال، وكل محال فاسد، وهكذا تتكرر تلك التناقضات بشكل دوري في الكتابات التاريخية الحضرمية المعاصرة، وعليه، يكون ما هو بين أيدينا اليوم من كتابات حديثة حول تاريخ
حضرموت الوسيط، هي في حقيقة الأمر شبه تاريخ، ولكنه ليس تاريخاً وإذا أضفنا إلى جملة تلك المشاكل التي يعانيها تاريخ حضرموت الوسيط
المكتوب ندرة المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في أية محاولة لا عادة قراءته ومن ثم إعادة كتابته، يكون المأزق في أزمة ذلك التاريخ قد وصل إلى حلقة محكمة الإغلاق، وليس من السهولة في شيء الخروج منها بما يمكن أن يكون
يقيناً علمياً.
لهذا، فان ما سوف أشرع في كتابته في هذه الدراسة، ليس أكثر من مشروع رؤية، تحاول الخروج من تلك الحلقة المحكمة الإغلاق، بالاعتماد على تحليل ما تبقى من أدب ذلك العصر، شعراً ونثراً، هذا الأدب نرى انه في ظروف المأزق التاريخي الحضرمي، المصدر الأساسي في تصور المفقود ونقد الموجود، فعليه سوف يكون اعتمادنا في استخلاص المادة التاريخية الأساسية، ومحاولة إعطاء صورة أكثر علمية عن الحياة في ذلك العصر، ذلك أن الأدب يحتوي على معلومات نادرة عن بعض نواحي الحياة، نفتقدها في مظانها الأصلية حتى في حالة وجودها، كما أن الأدب يعتبر وثيقة تاريخية صادقة بالضرورة، لأنه لم يكتب ليكون تاريخاً، ولهذا استحق تلك المصداقية، ولعل الجاحظ أول من فطن إلى دور الأدب في العملية التاريخية حين قال: (ليس بين الأشعار والأخبار فرق، إذا جاءت مجيء الحجج) (19).
(16) (1/16)
صفحة 17
كما إنني في سبيل تحقيق الموضوعية المنشودة في مسار هذه الدراسة، سوف أسعى إلى تحليل الأحداث التاريخية الهامة التي مرت بها حضر موت، وإعادة ربطها بالتاريخ المناطقي والإسلامي العام، هذا النوع من الربط والتحليل غير محسوس، ان لم يكن مفقوداً في الكتابات الحضرمية، فمثلاً: تقول تلك الكتابات إن الحملة الأيوبية على حضرموت سنة 575 هـ قد قامت بمذبحة رهيبة في حق العلماء والفقهاء والقراء الحضارمة السنة الاشاعرة. ولما كانت الدولة الأيوبية نفسها سنية أشعرية، بل متعصبة لاشعريتها، فكيف يمكن فهم وتبرير ما
هي
حدث؟ أن الإدعاء بأن كل من القاتل والمقتول كانوا على مذهب عقائدي واحد، أمر لا يقبله العقل، كما ترفضه ظروف الدولة الأيوبية حينها، التي كانت تسعى جاهدة من أجل وحدة الصف الإسلامي لمواجهة الغزو الصليبي الذي كان في أوج اندفاعه، وبالتالي حاجة الأيوبيين الماسة إلى جهود أولئك العلماء في الدعوة إلى تلك الوحدة المنشودة للصف الإسلامي على أن هناك مصدراً مهماً اخذ بعين الاعتبار في هذه الدراسة، ذلك هو (السقطات) التي تصدر عن تلك الكتابات الموجودة، تلك السقطات التي تتوافق والمسار الموضوعي للدراسة
وهذه السقطات تذكر في تلك الكتابات اضطراراً وغير مقصودة لذاتها، بل تذكر لغرض نفي واقعة معينة أو إخفاء حقيقة يقول بها سير هذه الدراسة، فمثلاً: أن الشيخ محمد عوض بافضل حين قال في فقرة سابقة بسيادة مذهبي الأباضية والإعتزال في حضرموت في القرن السادس الهجري، فانه إنما أورد ذلك ليثبت أن المترجم له: (شيخ الإسلام سالم بافضل) كان (سيفاً في أعناق تلك
(17) (1/17)
صفحة 18
الفرق الآنفة، قاصماً ظهورهم بالحجج الدامغة، فخبت نارهم وبانت آثارهم) ذلك أن ما توصلت إليه هذه الدراسة هو أنّ المترجم له كان رأساً معتزلياً كبيراً وناضجاً، ولهذا فقد أخذنا بتلك السقطات لأنها تتضمن الحقيقة التي أراد الأخلاف إخفاءها وإفناءها، وهي تأتي في سياق هذه الدراسة على طريقة (وشهد شاهد من أهلها).
أنها
على أنني حين أقول ما توصلت إليه هذه الدراسة وما تدعيه من رؤية أرى موضوعية، وتحاول معالجة بعضاً من العيوب الكثيرة التي يعانيها المكتوب عن
تاريخ حضرموت الوسيط، فاني لا أقدم أكثر من مشروع رؤية، أتمنى من كل
قلبي ان أرى مشاريع أخرى معارضة لها، يكون هدفها معالجة تلك العيوب
،
لعل بتعدد الرؤى نصل إلى الحقيقة المطمورة تحت ركام هائل من المعلومات التي تتناقض مع نفسها، على أن تكون الحقيقة ضالتنا، واعتبار إعادة البحث في ذلك التاريخ مهمة وطنية أولاً وقبل كل شيء.
إنني أعتقد أن الوصول إلى الحقيقة المنشودة يحتاج إلى عدة قراءات جديدة،
تستفيذ كل منها من الأخرى.
إن الهدف من وراء البحث عن تلك الحقيقة واستجلائها، إنما المساهمة هو في إعادة صياغة وجدان الأمة والأجيال القادمة على أساس الحقائق التاريخية القادرة على أن تنير لها الدرب، وتمدها بالإرادة والعزيمة للسير في ركب الحضارة الإنسانية المبدعة، بخطى ثابتة نحو أهداف واضحة. ولقد قدم لنا الأسلاف
الكثير المفيد، الذي كان يمكن، بل هو كاف لنكون على بينة من أمرنا ومن
أنفسنا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، غير أننا غرقنا في (الذاتية) وأمراضها
،
(18) (1/18)
صفحة 19
،
فضللنا الدرب واستغرقتنا رؤى الآخرين، لأننا لم نكن نملك بديلا حياً فسارت بنا رؤى الآخرين على دروبهم لا على دروبنا ودروب أسلافنا العظام،
فكان الضياع والتمزق والتخلف وكل أنواع الاغتراب، كل ذلك كان ضريبة لابد منها لفقدان الهوية والأصول ... وبعد، فان فصول هذه الدراسة تقدم مشروع رؤية تقول: إن الأوضاع المذهبية والعقائدية والسياسية في حضرموت في العصر الوسيط، لم تكن سنية، بل كانت بين الأباضية والإعتزال، وظلت كذلك حتى العصر الحديث، عندما الأحداث فيها السلطان بدر بن عبد الله الكثيري الملقب أبو
ظهر على مسرح طويرق، الذي حاول إقامة الدولة الكثيرية على أساس الاعتقاد السني، ومات دون أن يحقق كامل هدفه، أي انه قاد انقلاباً مذهبياً في الدولة الكثيرية والمجتمع، كان من نتيجته أن قضى هذا السلطان سنوات حكمه في حروب لا
الحضرمي
تنتهي
مع أهل حضرموت، استمرت زهاء نصف قرن من الزمان، تلك الحروب التي سفكت خلالها دماء غزيرة واستترفت أموالاً طائلة، هي أموال الشعب بمثلما
أن الدماء هي
دماء الشعب
إن تلك الرؤية التي تحتويها صفحات هذه الدراسة تختلف تمام الاختلاف عما يقوله المكتوب عن تاريخ حضرموت الوسيط والحديث، ولها استحقت ذلك القدر من النقاش والجدل في المحافل الثقافية والصحافة، ولهذا لا أنسى في هذا المقام أن أتقدم بالشكر الجزيل والعرفان بالجميل، إلى كل الأخوة الذين شاركوني هم هذه الدراسة بالرأي والنقاش أو أمدوني بالمادة التاريخية من
(19) (1/19)
صفحة 20
مصادرها ومراجعها، الأمر الذي كان له أثر كبير في إخراجها إلى حيز الوجود،
عد أن كانت تراوح لدي بين الوجود والعدم.
كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل أيضاً إلى الاخوة الذين شاركوني النقاش والجدل سواء في المنتديات الثقافية أو الصحافة، فقد كان لآرائهم المعارضة قبل المؤيدة أثر كبير في أغنائها وتجاوز السلب ما أستطعت إلى ذلك
سبيلا
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ..
(20)
وهو اللطيف الخبير وهو المستعان وإليه المصير حضرموت في 1 يونيو 2004 م (1/20)
صفحة 21
المقدمة
عزيزي القارئ الكريم
أتقدم إليك بهذه الدراسة المتواضعة، وهي تحتوي على (مشروع رؤية) مخالفة لما هو مكتوب قبلا حول موضوعها: أني لأعلم علم اليقين، أنه ليس هناك ما هو أشق وأصعب وأثقل على النفس، من هز الثوابت وزعزعة اليقين المتأصل، ولكن يكون ذلك الحال من العناء، حين تقف تلك الثوابت على قدر معقول من الأساس الذي يعطيها ثباتها، وحين يحمل ذلك اليقين قدراً معقولاً من المنطقية والموضوعية التي تسكن إليها النفس وتطمئن بها.
من
ولكني حين نظرت في موضوع هذه الدراسة، لم أجد لما هو مكتوب قبلها، ما يستحق الثبات عليه أو اليقين به، ومع هذا، فسوف يبقي هناك قدراً المشقة والصعوبة في فهم وقبول ما تقول به هذه الدراسة، ولا أعتقد أن مبعث ذلك يأتي من نقص في علميتها أو خلل في موضوعيتها، فلقد قدمت فيها من الوثائق المحققة، والشهادات الحية، والتحليل العلمي، ما تفتقد إليه الدراسات السابقة، ولكني أرى أن تلك الصعوبة في قبول ما تقول به هذه
الدراسة، إنما يأتي في الأعم الغالب لأسباب ذاتية أو اجتماعية أو سياسية معاذ الله – وحسبي
غير
أن ذلك لا يعني أنني أدعي الكمال لهذه الدراسة – معاذ الله أنى أسميتها (مشروع رؤية) وعذري في ذلك أنني لست من أهل التاريخ ولا من دارسيه في معاهده، ولكني حين نظرت بعلمي المتواضع في ما تنظر فيه هذه الدراسة، وجدت ما هو مكتوب قبلها، بناء هشاً متهالكاً، سقط على رؤوس ساكنيه أكثر من مرة، وخشيت أن يسقط مرة أخرى، على رأسي أو رؤوس
(21) (1/21)
صفحة 22
أبنائي أو أحفادي أو أهلي، فنظرت فيه أخرى، فما وجدت كبير صعوبة في فهم أسباب اهتراء حاله، ولا إمكانية إعادة بناء دعائمه على أساس أكثر ديمومة وقدرة، ليس على الصمود أمام أهل الأهواء فحسب بل وقادر على أن يتحمل تطاول البناء عليه، لمن أراد البناء عليه، لمن أراد أن يعانق السماء، ولن يكون له ما أراد، إلا متى نظر في حاله بالأمس على حقيقته، وتفحصه واعتبر، ثم خطط ونظر، واستقام على الطريقة وشمر للعمل، أما من استغنى وعبس وبسر، فماله أن يأمل مطاولة السماء، وحسبه أن يبقى أبد الدهر بين الحفر
عزيزي القارئ الكريم:-
ها أنا في هذه الدراسة، أعرض عليك عقلي، فلا تنظر فيه بقلبك، وأقدم إليك علمي، فلا تتفحصه بالجفر والودع، وأهديك وثائق محققه، فلا تقابلها بأقوال مالها من سلطان عليك إلا أن توليتها أنت، فاستولت عليك، ولعل في هذه الدراسة ما قد ينكره قلبك، وتستيقنه نفسك، لأنه يسكنك دون أن تحس دبيبه، ويستبطنك دون أن تستثقله، وذلك شان العقائد والمذاهب، التي يظل لها سمت وهيبة في النفوس حتى بعد قرون من زوال سلطتها وحكمها المباشر، فلا ماض إلا سكن بعضه على الأقل الحاضر، ولا حاضر إلا كان له ماض يشده إليه، فانظر في حاضرك من داخله، ترى ماضيك، وانظر في ماضيك على حقيقته ترى حاضرك وآفاقه القادمة وإمكانياتها
عزيزي القارئ الكريم:-
إن أسلوب هذه الدراسة، قد تم عرضه ليكون سهلاً وخالياً من التعقيد، حتى يمكنك الربط بين أبوابه وفصوله، ومتابعة حيثيات كل حكم من خلال علاقته بما قبله من حقائق وأحكام، فقد قسمت الدراسة إلى أبواب أربعة، كل
(22) (1/22)
صفحة 23
باب يخص فترة زمنية من التاريخ، ولقد حاولت جاهداً أن يختص كل باب بقرن من الزمان، غير أنّ ذلك الأمر إن أمكن في تاريخ أي قطر إسلامي، فقد رأيت أنه غير مستطاع لي بالنسبة لتاريخ حضرموت، لعدة أسباب، لعل أهمها النقص الحاد في الوثائق المصدرية، وكذلك لأن تاريخ حضرموت كما تعتني به هذه الدراسة، إنما هو تاريخ مذهبي سياسي محض، وتأتي أحداثه وشخوصه على ذلك المسار والمنهج، فلم يكن ممكنا لدى مثلاً: الحديث عن العصر الأباضي الأول (129 هـ – 400 هـ) إلا من خلال الحديث عن عدة قرون مجتمعة، وهو الأمر الذي أشتمل عليه المسار بالباب الأول، الذي أضفت إليه القرن الخامس أيضاً.، رغم أنّ هذا القرن الأخير لم يكن قرناً أباضياً خالصاً، ولكن أباضيته كانت من القوة بحيث أمكن النظر إليه كسابقيه، و بدءاً من القرن الخامس الهجري، توفرت لنا مجموعة من الوثائق التي تم تحقيقها مذهبيا، وتم عرضها بما يدعم (مشروع الرؤية)، ولقد كان ذلك العمل هو الأصعب والأجهد فكرياً، فقد حاولت أن أجنبك عزيزي القارئ صعوبة فهمها واستيعابها، فقد جاء الحديث عنها مبسطاً قدر المستطاع والجهد،
وخلال الحديث عن القرن الخامس، تم الحديث عن الإمام المجاهد أبي إسحاق الهمداني الحضرمي الأباضي، وعن أحداث عصره من خلال ديوانه (السيف
النقاد).
كان الحديث عن القرن السادس الهجري هو موضوع الباب الثاني، وبدءاً من هذا الباب وذلك القرن، يبدأ (مشروع الرؤية (الذي تقدمه هذه الدراسة، ولقد رأيت أنه من غير الممكن الحديث والشروع في الرؤية قبل نقض الرؤية التأسيسية حول المسألة المذهبية كما تقدمها الكتابات التاريخية الحضرمية المعاصرة، كان لا بد من نقض تلك الرؤية نقضاً ذاتياً، من خلال تبيان تناقضاتها
(23) (1/23)
صفحة 24
الداخلية، ونقضاً ونقضاً موضوعياً خلال تبيان تناقضاتها طبيعة أحداث ذلك
، من
القرن، ثم تلا ذلك عرض رؤيتنا لأوضاع القرن السادس، ولم يكن ممكنا لنا الوقوف عند ذلك الحديث دون تبيان تداعيات تلك الرؤية على مجمل
خصوصيات الحياة في ذلك القرن، ولقد ترتب على مجمل ذلك الحديث جملة
من
تأسست الحقائق
عليها
مجمل
رؤيتنا
الدراسة موضوع
،
فإذا كانت الأوضاع المذهبية والسياسية في هذا القرن، هي التي تأسست عليها الرؤية السائدة في الكتابات التاريخية الحضرمية المعاصرة، فإن تلك الحقائق التي أفرزتها دراستنا لأوضاع ذلك القرن، هي التي تؤسس لرؤيتنا الجديدة حول مسار التاريخ الحضرمي، ولما كان الأمر كذلك، فقد كان لزاماً أن يكون ذلك القرن تفصيلا لا مجملاً، وكان لزاما أن يشمل الحديث عنه وفيه حوالي نصف هذه الدراسة موزعاً على فصول، ولقد مثلت لهذا القرن بشخصيات جوهرية فيه، مثل: شيخ الإسلام سالم بافضل والإمام محمد بن علي القلعي والشاعر التكريتي
الحديث عن
خصص الباب الثالث للقرن السابع الهجري وأوضاعه المذهبية والسياسية، التي جاء الحديث عنها مرتبطاً بالحديث عن القرن التأسيسي، أي القرن السادس الهجري، لهذا، لا أرى عزيزي القارئ أنك سوف تجد صعوبة في دراسته
وفهمه، ولقد مثلت له بشخصية الفقيه الشاعر علي بن عقبة الهجراني بعد ذلك كان يفترض الانتقال إلى الحديث عن أوضاع القرن الثامن مستقلاً، كالحديث عن القرنين السادس والسابع، غير أني وجدت أن ذلك ليس بالمستطاع، لأن أوضاع هذا القرن مرتبطة ارتباطا لا ينفصم بالأوضاع حتى القرن العاشر الهجري وإمداداته اللاحقة، ذلك أن الكيانات المذهبية السياسية التي سادت ذلك القرن، ظلت حية نشطة تمارس صياغة الأحداث بعقائدها
(24) (1/24)
صفحة 25
وفكرها، ليس حتى القرن العاشر فحسب، بل وحتى اليوم، فكان لا بد أن يأتي العصر
الحديث عن القرن الثامن متصلاً بالقرنين التاسع والعاشر، كالحديث عن الأباضي الأول (129 هـ – 400 هـ)
وخلال الحديث عن القرن العاشر الهجري، آخر قرون هذه الدراسة، كان لا بد من تكثيف الطرح ومد البصر بعيداً في أفق الماضي، وإرجاع البصر كرتين إلى الحاضر، لتبيان علاقته الحميمة بالماضي، باعتبار حقيقة: أن أوضاع المجتمعات البشرية عامة، إنما هي محصلة تواريخها الخاصة، وهي في أوضاعها الحالية ليست إلا لحظة في صيرورة تاريخية مستمرة، لهذا فقد أحتوى حديث ذلك القرن شخصيات لا زالت بصماتها الفكرية واضحة المعالم والخطوط في حياتنا العقائدية والسياسية، ففي مجال الفكر والعقيدة، تم الحديث عن: الإمام العلامة محمد بن عمر بحرق، والإمام العلامة عبد الله بن عمر بامخرمة، والإمام العلامة محمد بن عمر باجمال، وفي المجال السياسي كان الحديث عن السيرة السياسية للسلطان بدر بن عبد بن جعفر الكثيري (أبو طويرق)، كما خصص الفصل الاخير للزهد الأباضي والمعتزلي في حضرموت في العصر الوسيط ومدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة، وهو حديث ذو شجون، ولعله أقرب ما يكون دراسة تطبيقية للمسار المذهبي العقائدي للدراسة كلها.
الله
عزيزي القارئ الكريم: سوف تلاحظ أن حديث هذه الدراسة لم يتوقف عند القرن العاشر الهجري، كما هو محدد في عنوانها، بل استمر ليشمل أوضاعاً هي من صميم حياتنا المعاصرة، وما ذلك إلا لأن تلك الأوضاع ليست إلا استمرارا لما سبق من مسار تاريخي، فلو لا ما سبق، لما كان مالحق، وبهذا يمكن
(25) (1/25)
صفحة 26
القول إنّ هذه الدراسة تشمل تاريخ حضرموت المذهبي حتى اليوم، رغم سكوتنا عن الحديث - تحديداً - عن القرون ما بعد القرن العاشر الهجري.
لم انس في ختام هذه الدراسة، أن أرفقها بملحق تحت مسمى (حوار في الصحافة ووثائق)، يشمل على ما دار من نقاش وجدل وحوار، منذ أول محاولة للحديث عن (مشروع الرؤية)، لتنظر بعقلك فيما نظرته في هذه الدراسة، ولتقف على تباين المواقف مما قرأت تواً، ثم تصدر حكماً – سلباً أو - إيجابا – يمتلك حيثياته ومسبباته، تستطيع به أن تسد نقصاً (في الكلام) حول تاريخنا وتراثنا الذي أقترب من أن يكون مسكوتا عنه ...
والله الموفق ..
(26)
المؤلف (1/26)
صفحة 27
الباب الأول
من القرن الأول حتى القرن الخامس الهجري
أقول ماذا يا نسيم الصبـ
أقول ماذا يا نسيم الجنوب
الحرف يحسو قينه في فمـ
والصمت أقسى من حساب الذنوب
وهذه الأحلام تغوي كمـ
تراوغ الأعمى عجوز لعوب
ياشمس هل يدري الضحى والدجى من علم المنشود فن الهروب
كلّ له مأساته لا أرى ....
فرقاً، لكن المآسي ضروب
عبد الله البردوني
من ديوان كائنات الشوق الآخر} (1/27)
صفحة 28
العصر الأباضي الخالص 129 هـ ـ 400 هـ
موقع حضرموت وحدودها:
جاء في دائرة المعارف البريطانية: أنّ اسم حضرموت ضارب في القدم، وقد ورد في سفر التكوين: هزر ما فيت بن قحطان، وتذكر الموارد اليونانية أنّ بلاد اللبان تذكر بأن اسمها: (ادراميتا) و (خادراموتي)، وكان هذا الإقليم بكل تأكيد ينعم برخاء عظيم وبمدنية متقدمة جداً في العصر السالفة، كما تدل على ذلك الخرائب المتعددة المكتشفة في وادي دوعن وعدم
(20)
تقع حضرموت في وسط جنوب الجزيرة العربية، تطل حدودها الجنوبية
على بحر العرب، ومن الشمال صحراء الربع الخالي، ومن الجنوب الشرقي عمان من أبين في الجنوب الغربي، إلى
تمتد
، ومن الجنوب الغربي منطقة أبين، لهذا فهي " عمان في الجنوب الشرقي، ومن صحراء الصيهد الفاصلة بين مأرب وحضرموت في الغرب الشمالي والصحراء الممتدة من منطقة العبر في الغرب الشمالي إلى منطقة مقشن في الشرق الشمالي. تنقسم حضرموت طبيعياً إلى قسمين: وادي حضرموت (حضرموت الداخل)، والشحر) حضرموت الساحل)، ويشمل وادي حضرموت على شبوة والعبر وأودية عرمة ودهر ورخية والسور وعمد و دوعن والعين و منوب
وسر وبن علي وجعيمة والمسيلة والجول الذي تنحدر منه مياه هذه الأودية
ويشمل الساحل: المهرة وظفار، إضافة إلى إقليم الشحر المنتهي بأبين في الغرب
الجنوبي
(21)
(28) (1/28)
صفحة 29
:
إسلام حضرموت
عمرت المملكة الحضرمية القديمة من الألف الأول قبل الميلاد على أقل تقدير، حتى أوائل القرن الرابع الميلادي، بعدها دخلت حضرموت في إطار الدولة الحميرية التي سرعان ما ضعفت، مفسحة المجال لنمو دور الإقبال المحليين الذين شكلوا وحدات قبلية مستقلة
في هذه الفترة شهدت حضرموت الهجرة الواسعة للقبائل الكندية من وسط الجزيرة العربية إليها الأمر الذي زاد من عوامل التفكك والتشتت للجماعات التي يتكون منها المجتمع الحضرمي، إضافة إلى تزايد دور الأعراب وتنظيماتهم القبلية والمؤسسات والقيم المرتبطة بها في المنطقة
وفي هذه الفترة شهدت حضرموت انهيار الاعتقاد القديم بالإلهية الكوكبية الرسمية لأهل حضرموت التي تمثله الإله (سين (أله القمر، وتسربت إليها الديانات اليهودية والمسيحية وانتشرت في أغلب المناطق الحضرمية، وعلى حساب المعتقدات القديمة السابقة.
(22)
وفي النصف الثاني من القرن السابع الميلادي ظهر الإسلام في جزيرة العرب، وكان ذلك بدء مرحلة جديدة في تاريخ العرب وغيرهم من الشعوب، وفي السنة العاشرة من الهجرة النبوية الشريفة توجهت وفود حضرموت إلى الحجاز لإعلان دخولها في الدين الجديد، كان وفد كندة برئاسة الأشعث بن قيس، في حين كان وفد حضرموت القبيلة برئاسة وائل بن حجر، وإضافة إلى وفود المهرة والقبائل الأخرى.
(29) (1/29)
صفحة 30
دخلت حضرموت الإسلام، ثم حدثت في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق أزمة بين أهلها والقيادة الإسلامية في المدينة، تلك الأزمة التي أطلق عليه البعض حروب الردة، والبعض حروب العصيان، ويرى الأستاذ المؤرخ الصبان أنها رفض الانقياد وهو رفض للواقع السياسي وعدم ارتضاء بانحصار الحكم في
المدينة
(23)
شهدت حضرموت بعد انتشار الإسلام فيها نزوح كبير لأغلب سكانها للمشاركة في الفتوحات الإسلامية، وأدوار الحضارمة ساطعة بوصفهم قادة فاتحين وقضاة في مختلف أصقاع الإسلام
كما عرفت حضرموت الحركات الإسلامية الدينية المختلفة التي كان يمور بها العالم الإسلامي، فقد تسربت إليها في وقت مبكر من القرن الثاني الهجري أفكار الأباضية التي أصبحت العقيدة المهيمنة فيها منذ ذلك الوقت، إضافة إلى المذاهب التي كانت محاربة ومطاردة من الدولة الأموية.
كان من نتائج هزيمة حضرموت فيما يسمى حروب ردة، وهجرة القبائل الحضرمية للمشاركة في الفتوحات الإسلامية، أن فقدت بعض القبائل المهمة دورها و وضعها المتميز فيها، وأصبح الولاء للدين (المذهب) أكثر منه للقبيلة
الأباضية في حضرموت:
تنسب الأباضية إلى الإمام عبد الله بن أباض التميمي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وكان قد اشترك يوما ما مع المحكمة الأولى (الخوارج)، وكان من زعمائهم، مثله مثل نافع بن الأزرق ونجدة بن عامر الحنفي، للدفاع عن مكة بجانب عبد الله بن الزبير ضد الأمويين، ثم تعرض
(30) (1/30)
صفحة 31
وبعد
بعد ذلك للسجن مع من شارك معه، وهم يعدون بمائة وأربعين سجيناً ذلك السجن، خرج الإمام ابن أباض على عبدالملك بن مروان، فوجه إليه عبدالله بن محمد بن عطية، فقاتله وهزمه وقتله، وقد كان لمقتل الإمام ابن أباض أثر كبير في إتباع أسلوب العمل السري والعمل به في نشر الدعوة الأباضية في الأطراف البعيدة في جنوب الجزيرة العربية والمغرب العربي. ولقد اتخذت البصرة مركزاً للدعوة الأباضية، ومنها ينطلق الدعاة الذين يعرفون بحملة العلم، ويتوجهون إلى الأمصار بعد تلقينهم أصول الدعوة على أيدي فقهاء المذهب وشيوخه
ه،
والمعروف أن أنصار المذهب بالبصرة كانوا يمارسون مهامهم في سرية وكتمان، فكانت مجالسهم في سراديب تحت الأرض، وإمعاناً في التخفي، كان يجلس أمام السرداب رجل يعمل (القفاف) وعلى فمه سلسلة يحركها إذا رأى شخصاً مقبلاً، لينبه من بالداخل على التزام الصمت حتى يمر من يشتبه في أمره وغالبا ما كانت هذه المجالس تقام في بيوت النسوة العجائز منعا للاشتباه، بل إن رواد تلك المجالس كانوا يتنكرون في زي النساء، وتطلق المصادر الأباضية على هذه المجالس أسم (الحلقة)، وفيها يتلقى الأتباع الأصول والفروع والسير والتوحيد والشريعة وآراء الفرق الأخرى، إلى جانب علوم اللغة والفلك والرياضيات، فضلاً عن تبصيرهم بفنون الحكم وأساليب السياسة وإعدادهم لتلقي المناصب والاضطلاع بأعبائها عند الظهور، وبعد ذلك يشرعون في المجاهرة بالعمل إذا ما توفرت لهم ما يوجب به التولية عليهم من العدة والرجال، ويرجع الفضل في تنظيم أسلوب الدعوة الأباضية إلى الإمام جابر بن زيد
- 21 هـ - 91 هـ حتى أن بعضهم يعتبره أول الأئمة بعد عبد الله بن أباض:
،
(31) (1/31)
صفحة 32
أن النشاط الأباضي في عهد الإمام جابر كان يمثل ضغطاً وقلقا على ويبدو
الحجاج بن يوسف الثقفي، لهذا نجده يعمد إلى نفيه إلى عمان الدعوة المسمى (هبيرة).
مع
أحد مشائخ
وقد خلف الإمام جابر في قيادة الدعوة أحد تلاميذه البارزين المعروف بأبي عبيده مسلم بن أبي كريمة، الذي نصب نفسه لتعليم العلم، بعد أن ظل يتلقى العلم أربعين سنة، وقد تصدى أبو عبيدة لتنظيم الأباضية وتنظيم أسلوب الدعوة، يساعده في ذلك كبار أعوانه، مثل أبي نوح وأبي مودود حاجب والربيع بن حبيب. ولقد كان أبو عبيدة صاحب عقل مرتب ومنظم، خطط للأباضية ودبر ونظم وجمع الأموال الكثيرة، وتمكن من شراء الأسلحة والمعدات لتظهر في الوقت المناسب لاستخدامها في الاستعانة على ظهور المذهب الأباضي، وقد استطاع أعوانه نشر المذهب في أطراف اليمن والمغرب، بل استطاعوا إعلان إمامة الظهور في حضرموت في سنة - 129 هـ وفي المغرب سنة – 140 هـ. ويبدو أن حسن التنظيم وسرية العمل والقيادة الحكيمة لرجال المذهب قد ساعدت على انتشاره، سواء في عهد إمامة جابر أو إمامة أبو عبيدة. على أن الأسباب التي أدت إلى نجاح الدعوة الأباضية في عهد أبي عبيدة، في أواخر العصر الأموي، تكمن فيما يلي:
-
1 نظرة أبي عبيدة ودراسته المستوعبة لمشكلات المناطق التي كانت مستاءة من الحكم الأموي، وعلاقة هذه المناطق بالسلطة المركزية، من حيث القوة والضعف، فقد أدرك أبو عبيدة أنّ الدولة الأموية في طريقها إلى الزوال، وأشار إلى أباضية حضرموت بالتعجيل بالثورة، ولم يخطط لقيامها في البصرة، رغم أنها المركز الأم، لأسباب أهمها قرب البصرة من مراكز الحكم القوية ووجود عدد من الأحزاب الأخرى.
(32) (1/32)
صفحة 33
2 -
القيادة الجماعية للدعوة، إذ توفرت مجموعة من مشايخ المذهب كمجلس شوري، من ذوي القدرات التنظيمية، في مساعدة الإمام أبي عبيدة، مثل صمام بن سائب وأبي الحر بن الحصين وحاجب الذي كان مسئولاً عن النشاطات العسكرية وقد قام بجمع المال والسلاح للثورة بحضرموت
جميع
سنة - 129 هـ
المقدرة الفكرية التي تمتع بها الدعاة الأباضية وجذبهم لقلوب الناس إلى
مذهبهم
، فقد كان أبو عبيدة عالماً بليغاً وفقيها بارزاً، وكان سلفه جابر
بن زيد من علماء الحديث ورجال الفقه الإسلامي الكبار.
4 - الإخلاص والولاء العميق الغور لهؤلاء القادة الذين أوقفوا حياتهم على الدعوة لمذهبهم، دون أية دوافع أو رغبات اجتماعية أو مادية، كقول أحد دعاة المذهب في المغرب: (وددت أن يظهر هذا الأمر – في المغرب – من غدوة إلى ليل، فما أبالي ضربة عنقي).
ه- صلابة الدعاة في مرحلة الكتمان والتخفي وقدرتهم على التنظيم السري، رغم تعرضهم لصنوف التعذيب، وقد ظهر هذا واضحاً من مواقف الدعاة الصلبة وعدم التصريح بوجود مثل هذا التنظيم، مما جعل السلطتين الأموية والعباسية لا تعير أدنى اهتمام سياسي أو عسكري لهذه القوة المتنامية في السر والخفاء. (24)
لقد كانت من ثمرة ذلك التنظيم الأباضي الدقيق والجهود المضنية والإخلاص لقضيتهم.، أن قامت ثورة الإمام عبد الله بن يحيى الكندي الأباضية في حضرموت سنة 129 هـ، وسادت حضرموت، دون إراقة قطرة دم واحدة، ثم اتجهت تلك الثورة إلى صنعاء واستولت عليها، ثم اتجهت إلى
-
(33) (1/33)
صفحة 34
الحجاز واستولت على مكة والمدينة في طريقها إلى الشام لإسقاط دولة بني أمية،
كما سوف نرى.
كما كانت من ثمرة تلك الجهود المناوئة لبني أمية، قيام الثورة الصفرية في عمان بقيادة الإمام شيبان اليشكري (25) متزامنة مع ثورة حضرموت، وكذلك قيام الدولة الرستمية الأباضية في المغرب سنة – 140 هـ التي استمرت طويلاً حتى قضى عليها الفاطميون سنة ـ 296 هـ، كما قامت هناك أيضاً
-
-
دولة بني مدرار الصفرية الخارجية سنة ـ 140 هـ واستمرت حتى سنة - 349 هـ حين قضى عليها الفاطميون أيضاً، ويبقى أن تقول إن المذهب الأباضي لازال قائماً إلى اليوم، وهو مذهب أهل عمان وجنوب طرابلس في المغرب وجبل نفوسة في ليبيا وبعض مناطق الجزائر، كل ذلك كان ثمرة تلك الجهود من التنظيم والدعوة التي قادها المركز الرئيسي في البصرة.
إمامة عبد الله بن يحيى الكندي (طالب الحق) بحضرموت: (36) هو الإمام القاضي عبد الله بن يحيى الكندي، ينتمي إلى قبيلة كندة الرفيعة النسب والمكانة، وأحد دعاة المذهب الأباضي الذين قاموا بنشره بشكل نشط في جنوب الجزيرة العربية منذ عهد الإمام جابر بن زيد الأزدي المتوقي سنة 92 هـ إمام المذهب في مركز الدعوة في البصرة، وظل الإمام الكندي داعية المذهب في عهد خلفه الإمام أبي عبيدة بن مسلم بن كريمة التميمي الذي كان من تلاميذه عدد من الحضارمة، منهم وائل بن أيوب الحضرمي أحد مشاهير العلماء
-
الأباضية الحضارمة
(34) (1/34)
صفحة 35
قام الإمام الكندي بنشر المذهب بين صفوف مواطنيه قبل قيام ثورته بفترة طويلة، وقد كان متولياً القضاء في حضرموت قبل الثورة، وقد لاقى
اختياره إماما للأباضية في حضرموت قبولاً واسعا لدى الحضارمة بجميع فئاتهم،
(27)
وقد حضر مبايعته الإمام الأباضي العماني الجلندي بن مسعود، قاد الإمام
الكندي الثورة الأباضية في حضرموت على الحكم الأموي سنة ـ 129 هـ،
-
وقد اختار هو أبا حمزة المختار الذي كان أحد قيادة المركز في البصرة، قائدا لقوات الثورة، وكان يساعده في قيادة الثورة الأئمة: عبد الله، أبرهة بن الصباح، يحيى بن حرب الحميري.
الحضرمي
عوامل نجاح ثورة طالب الحق:
بن سعيد
رأت قيادة الحركة الأباضية في البصرة أن منطقة جنوب الجزيرة العربية مؤهلة قبل غيرها لقبول الدعوة والانتصار لها، للأسباب التالية:
1 - موقعها البعيد عن مركز الخلافة الأموية
2 - التركيب القبلي المساعد على نشر المذهب عبر رؤساء العشائر
-
ووجهائها.
فساد الولاة الأمويين ونفور الناس من نظام الحكم.
- الأوضاع الاقتصادية السيئة في المنطقة وغلبة الفقر على أهلها، بعد تحول الثقل الاقتصادي إلى الحجاز والشام، وأصبح جنوب الجزيرة لا يلعب أي دور في الاقتصاد أو السياسة
كل تلك الظروف والعوامل كانت مناسبة لنشر المذهب لما تحمله دعوته من
مبادئ المساواة والعدالة ورفض الظلم والجور.
(35) (1/35)
صفحة 36
حين رأى الإمام الكندي أن الظروف مساعدة على قيام الثورة، أعلم
القيادة الأباضية في البصرة بذلك، فأرسلوا له بالموافقة على بدء الثورة في أسرع وقت ممكن، ولقد كان الاختيار الزمني للثورة موفقا جداً، فالجيوش الأموية مشغولة بالقضاء على الثورات والفتن المتوالية في مختلف مناطق الخلافة، ولم يكن باستطاعتها التوجه فوراً في ذلك الوقت إلى جنوب الجزيرة، وفي هذه الظروف الحرجة التي كانت تعصف بحكم بني أمية في دمشق، كانت الدعوة الأباضية في سباق مع الدعوة العباسية للقضاء على الدولة الأموية.
قدمت من البصرة إلى حضرموت فرق من المقاتلين الأباضيين بقيادة الأزديين أبي حمزة المختار وبلج بن عقبة، لمساعدة إخوانهم في العقيدة، كما تبرع أباضيو البصرة بالمال والسلاح لمساندة الثورة الحضرمية، وقد استطاع الثوار السيطرة على حضرموت كلها دون أن تراق في سبيل ذلك دماء، وأخذ أنصار الثورة يتكاثرون يوما بعد يوم، ولقب الثوار الإمام الكندي بلقب طالب
الحق.
انتشر لهيب الثورة بسرعة إلى كافة مناطق اليمن، ففي السنة نفسها ـ 129 هـ أتصل طالب الحق بأنصاره في صنعاء، وتوجه إليها بجيش، بعد عين الإمام عبد الله بن سعيد الحضرمي واليا على حضرموت، وقد استطاع طالب الحق تحطيم قوة عامل الأمويين على صنعاء في المعارك التي دارت بالقرب من (لحج) وحول أسوار صنعاء، وفر عامل الأمويين. وبعد أن سيطر الإمام الكندي على الأوضاع، دخل جامع صنعاء وألقى فيهم خطبة دعاهم فيها إلى إتباع تعاليم الإسلام الأساسية، وقد صنف السكان الذين يتولى أمرهم إلى ثلاث مجموعات: الأولى قبلت المذهب الأباضي وانضمت إلى جيشه، وقد وعدها بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، والثانية قبلت المذهب ولكنها لا
(36) (1/36)
صفحة 37
ترغب في المشاركة في الثورة، وقد دعاها إلى نشر المذهب والدعاية له، والثالثة رفضت قبول المذهب، ولكنها وقفت موقف المحايد، وقد وعدها بحماية أرواحها وأموالها، ذكر ذلك البلاذري في المخطوطة من كتابه (أنساب
الأشراف).
وقد كان من نتائج هذه السياسة المرنة المتسامحة تجاه غير الأباضيين، ارتفاع نسبة أنصاره من أهل صنعاء بعد أشهر قليلة من استيلائه عليها، ثم أصدر طالب الحق أمره بجلب خزينة بيت المال التي كانت بحوزة الوالي الأموي إلى المسجد، ووزع ما فيه من المال على الفقراء، ولم يأخذ أحد من أفراد جيشه شيئاً منها، وهو بهذا العمل قد عمل على كسب أفقر سكان صنعاء إلى جانبه وجعلهم من أنصاره، إلى جانب أنّ هذه الفئات كانت بطبيعتها تقف أية حركة ضد مع النظام الأموي، بحكم وضعها الاقتصادي، لهذا، فقد كان الفقراء من الأساسيين للحركة الأباضية ويشكلون القوة الأساسية لحركة الإمام طالب الحق الكندي، حتى لنجد أن الفرقة العسكرية التي توجهت من صنعاء إلى الحجاز تتكون في أغلبها من الشباب المتحمس للمذهب، وقد وصف سكان المدينة المنورة هؤلاء الشباب المنحدرين من قبائل الجنوب البدوية شبه المستقرة، بأنهم أعراب جفاه، وقد وصفهم أبو حمزة المختار بأنهم (يتعاورون لحافاً واحداً)
الحلفاء
لشدة حالهم. تولى أبو حمزة المختار قيادة كل الفرق التي توجهت إلى الحجاز لاحتلاله، وقد وصل الأباضيون إلى مكة بداية موسم الحج، ووافق أبو حمزة بعد التفاوض مع عامل الأمويين على الحرمين، عبد الوحيد بن سليمان، على عقد هدنة حتى انتهاء الحج، وفي الثاني عشر من ذي الحجة مغادرة أول قافلة حج، خرج عبد الوحيد من مكة المكرمة، مسلماً المدينة بدون قتال إلى القوات
(37) (1/37)
صفحة 38
الأباضية، مما أغضب الخليفة الأموي الذي عزل عبد الوحيد وعين عامله على المدينة عبدالعزيز بن عمر بن عبد العزيز، وأمره بقتال القوات الأباضية جمع عبدالعزيز المتطوعين من قريش والأنصار حتى بلغ عددهم ثمانية آلاف مقاتل، أرسلهم إلى مكة لقتال الأباضيين، إلا أنه رغم كثرة عددهم، لم يكونوا على دراية بفنون القتال لهذا انهزموا هزيمة شنيعة من قبل الأباضيين في المعركة
-
التي وقعت في قرية (قديد (يوم الخميس التاسع من صفر سنة ـ 130 هـ. وعلى أية حال، فقد كانت خسائر أهل المدينة كبيرة وفادحة في الأرواح، فقد بلغت خسائرهم أربعة آلاف قتيل، وقد احتلت القوات الأباضية المدينة بدون قتال في الثالث عشر من صفر سنة ـ 130 هـ كان احتلال المدينة ضربة قاسية للخليفة الأموي في دمشق، وجرح كبير في جبين وشرف الخلافة، لهذا سارع إلى إرسال جيش إلى الحجاز قوامه أربعة آلاف مقاتل، جلهم من أهل الشام، بقيادة عبد الملك بن عطية الذي أعترضه القائد الأباضي بلج بن عقبة في ستمائة مقاتل، واستطاع ابن عطية أن يهزمه، وقتل بلج وجميع قواته تقريباً في معركة أم القرى، وغادر القائد العام للقوات الأباضية أبو حمزة المختار المدينة إلى مكة، بعد أن ترك فيها المفضل أحد أعوانه مع مجموعة من المقاتلين توجه ابن عطية بعد شهر من ذلك إلى المدينة، وهزم القوات الأباضية وأحتل مكة وقتل أبو حمزة وأبرهة وجميع أنصارهما، وبعد ذلك بشهرين توجه ابن عطية إلى اليمن للقضاء على طالب الحق وقواته، حيث دارت بين الطرفين معركة على الطريق بين صنعاء والحجاز، قتل فيها طالب الحق وهزمت قواته، ودخل ابن عطية صنعاء بدون قتال.
(38) (1/38)
صفحة 39
توجه بعد ذلك ابن عطية إلى (الجند (لمواجهة المقاومة اليمنية التي كانت بقيادة علي بن عبد الله الكلاعي أحد أعوان طالب الحق، وقد استطاع إلحاق الهزيمة به، واضطر الكلاعي الفرار إلى عدن مع جمع من أنصاره، حيث
قتلوا جميعا بالقرب منها وعلى الساحل الشرقي لمدينة عدن، نظم يحيى بن کرب مقاومة الأباضيين هناك، واستطاعت القوات الأموية أن تهزمه، وفرت
الفرق الناجية إلى حضرموت
وفي حضرموت قرر الإمام عبد
الله
بن سعيد الحضرمي، عامل طالب
،
غير
الحق عليها أن يستعد مسبقا للدفاع، فخرج من مدينة شبام، ونزل بجيشه في الصحراء إلى الغرب من شبام، لملاقاة جيش ابن عطية القادم إلى حضرموت، بعد أن جمع ما يكفي من ما يكفي من الأغذية والسلاح، وتركها بمدينة شبام، ولم يستطع أي من الفريقين أن يحقق نصراً في اليوم الأول من المعركة، وفي اليوم الثاني استطاع ابن عطية ان يتجاوز معسكر الأباضيين ليلا ويتسلل إلى شبام، وتمكن من احتلالها والاستيلاء على ما فيها من المؤنة التي جمعها الإمام الحضرمي أن الثوار تمكنوا من حصار ابن عطية وقواته، وتحولت شبام إلى سجن مغلق على قوات الأموية، وهو الأمر الذي اضطر ابن عطية إلى عقد صلح مع الأباضيين الحضارمة، وعلى إرجاع ما أخذ من ممتلكاتهم، وأعطي له الأمان في الخروج من حضرموت في مجموعة من جماعته، فخرج متوجهاً إلى الحجاز للحاق بموسم الحج، غير أنّ فرقة أباضية تبعته والتقت به بالقرب من ديار بني مراد، فقتلته وجميع من معه
عندما علم عبد الرحمن بن يزيد، قريب ابن عطية وعامله على الحجاز،
بمقتله، جهز حملة تأديبية بقيادة شعيب البارقي على حضرموت، حيث أعملت
(39) (1/39)
صفحة 40
القتل في الحضارمة بمنتهى القسوة والحشية، إضافة إلى خسائر كبيرة في الأموال
والممتلكات.
-
وبهذا تكون ثورة الإمام طالب الحق قد استمرت زهاء عام ونصف، وحمدت في بداية سنة ـ 131 هـ، ولقد كانت الأزمة السياسية الطاحنة التي أطاحت في النهاية بالدولة الأموية بعد أقل من عامين على مقتل طالب الحق، حجر عثرة أمام القضاء على الحركة الأباضية الحضرمية، ولقد استطاعت الدعوة الأباضية مواصلة انتشارها وتعمقها في وعي أبناء المدن والبوادي، إضافة إلى ان الظروف الجغرافية من حيث بعد حضرموت عن مراكز الخلافة كان لها دور كبير في حماية المذهب والحركة واستمرار قوتها.
حضرموت في العصر العباسي الأول:
أهتم العباسيون في سني حكمهم الأولى بتركيز كافة جهودهم على تعزيز سلطتهم في المناطق الرئيسية لدولة الخلافة، ولم تتصدر قائمة اهتماماتهم مسألة محاربة أباضيي جنوب الجزيرة العربية، والتي لا تشكل أي خطر على نظام الحكم الجديد، ولكن هذا الهدوء النسبي لم يستمر طويلاً في حضرموت، ففي سنة 135 هـ ـ قام أباضيو حضرموت بتأييد الإمام الجلندي بن مسعود الأباضي
-
العماني، واعترفوا له بالإمامة عليهم، وبعد هزيمة الإمام أبن مسعود ومقتله، قرر العباسيون توجيه ضربة قاضية إلى أنصاره الحضارمة، فتوجه معن بن زائدة الشيباني عامل الخليفة المنصور على اليمن سنة ـ 141 هـ ـ إلى حضرموت، وقام بأعمال السيف في أهلها وقتل أعدادا كبيرة منهم، بعد تلك الحملة ظلت
(40) (1/40)
صفحة 41
حضرموت تحت السلطة الاسمية للخلافة العباسية، والفعلية لحكم القبائل
والعشائر، وظل المذهب الأباضي هو مذهب أهلها.
في نهاية القرن الثاني الهجري، ظهرت من جديد الإمامة الأباضية في حضرموت، حيث برز الإمام الوارث بن كعب الحضرمي إمام المنطقة، وفي بداية القرن الثالث استطاع ابن زياد عامل المأمون على اليمن سنة 203 هـ أن يضم حضرموت والشحر مدة قصيرة إلى سلطته، ولكن تلك السلطة كانت اسمية وشكلية وحسب، لهذا فإنّ القول بأنّ حضرموت والشحر استمرت تحت حكم آل زياد، إنما هو قول ليس له أساس من الصحة، نظراً لسيطرة حكم
العشائر عليها
وفي عهد الإمام العماني الأباضي المهنا بن جعفر سنة 226 هـ دخلت حضرموت مرة أخرى في إطار الإمامة العمانية، بينما كانت الشحر والمهرة تابعة لعمان قبل تبعية وادي حضرموت بحوالي عشرين عاما، ولعل للحملات العسكرية المتوالية عليها من قبل عمال الخلفاء، وكذا حملات الحكام المستقلين في اليمن، ابتداء من القرن الثالث، من الدواعي التي اضطرت أباضيي حضرموت إلى طلب مساندة أهل عمان أخوانهم في العقيدة، والدخول معهم في حلف دفاع مشترك من خلال الانضمام تحت لواء القيادة العمانية.
وفي القرن الرابع الهجري، يذكر الهمداني المتوفى سنة ـ 334 هـ
(28)
(أنّ إمام الأباضية الذي يأمر وينهي في حضرموت في مدينة دوعن ((28) ولكنه
لم يذكر اسم ذلك الإمام، كما أنّ المؤرخ المقدسي المتوفى سنة ـ 380 هـ ــ
-
يذكر في كتابه (أحسن التقاسيم) الذي ألفه سنة ـ 375 هـ: (أن الحضارمة
-
لهم في الخير رغبة إلا أنهم شراة ((29)، ومن قول الهمداني والمقدسي، نفهم
سيادة المذهب الأباضي على حضرموت في القرن الرابع الهجري
(41) (1/41)
صفحة 42
ولقد حاول المؤرخ (الحامد (أن يرسم صورة للسيطرة والسيادة الأباضية
على حضرموت في القرن الرابع، فقال: (ولما كان للأباضية في ذلك الحين من الحول والطول وتغلب الأكثرية، فقد كانت دفة السياسة الحضرمية المباشرة بأيديهم تقريباً فيما يظن، وعلى افتراض أن هناك حزبا ضد الأباضية، فإنّ هذا الحزب وهذه الفئة الأقلية، لم يكن لها الصوت الظاهر ولا الكلمة العالية، بل كانت مغمورة في عباب الأباضية المتكاثرة، متروية لا تكاد تصارح برأي ولا تجاهر بعقيدة). (30)
وإذن، فلنغادر حضرموت في نهاية القرن الرابع الهجري، وهي تموج في) عباب الأباضية المتكاثرة).
(42) (1/42)
صفحة 43
الأباضية ..
في القرن الخامس الهجري
) يذودون عن أديانهم كل معتد xx فويل لمن في الحرب يلقى الحضارما)
الإمام المجاهد
أبو إسحاق الهمداني الحضرمي
حضرموت في القرن الخامس الهجري (ظهور أنظمة الحكم الوسيطة المتطورة والصدام الأباضي - الإسماعيلي (الصليحي):
شهد القرن الخامس ظهور دول جديدة في اليمن، ففي سنة 412 هـ ظهرت دولة بني نجاح التي قامت على أنقاض دولة بني قامت على أنقاض دولة بني زياد في تهامة، وقد شجع نجاح مذهب أهل السنة، وكان نجاح نفسه شافعي المذهب، وانتهت هذه 454 هـ ـ وظهرت الدولة الصليحية برئاسة الزعيم
—
-
الدولة في حدود سنة الفاطمي علي بن محمد الصليحي، واستمرت هذه الدولة حتى سنة ـ 532 هـ - وفي حدود سنة ـ 470 هـ ـ غزا المكرم الصليحي عدن وأخرج منها بني
-
-
-
معن، وولى العباس مسعود بن المكرم، وبذلك بدأت دولة بني زريع، التي انتهى حكمها سنة ـ 569 هـ على يد الأيوبيين، وفي أواخر هذا القرن في سنة
-
492 هـ بدأت دولة آل حاتم في صنعاء، وقد ظهرت هذه الدولة في وهن وضعف الدولة الصليحية، وانتهى حكمها سنة ـ 569 هـ ـ على يد الأيوبيين أيضاً
(43) (1/43)
صفحة 44
وقد كان في حضرموت في بداية هذا القرن، دولة آل راشد ومقرها مدينة (تريم)، ودولة آل دغار ومقرها مدينة (شبام)، ودولة آل إقبال ومقرها مدينة (الشحر) ودولة آل منجوى ومقرها مدينة (مرباط) وإذا كان هناك إجماع لدى المراجع الحضرمية على أن قيام دولة آل راشد كان في بداية هذا القرن، فإن هذه المراجع تضطرب بشأن دولة آل دغار في شبام، فهي تقول إن بداية ظهورها كان سنة ــــ 460 هـ، 460 هـ، ثم نجدها تقول:
) لم تكن دولة آل دغار التي ظهرت سنة ـ 460 هـ إنشاء لدولة جديدة لم
—
(31)
يكن لها ماض بعد، وإنما إحياءً لدولة اندثرت واستعادت مجد سابق) على أن هناك شهادة قاطعة على وجود دولة آل دغار في شبام منذ بداية ذلك القرن، وهذه الشهادة للإمام أبي إسحاق الهمداني الأباضي الذي ظهر في النصف الأول من ذلك القرن، وقاد المقاومة الحضرمية للغزو الصليحي، وكانت شبام دار إمامته، حيث يقول في شهادته:
سيعلم دغار بن أحمد والفتى سلالة مهدي وكل مخالف
إذا نزل المستنصرون بجحفل يهزون بيضا كالبروق الخواطف
ودغار بن أحمد الذي يذكره أبو إسحاق هو الذي انتزع شبام من يد أبي إسحاق فيما بعد، ونفهم من قول أبي إسحاق ذاك، أن أبا إسحاق في بداية أمره، كان قد انتزع شبام من الدغار، ثم إن الدغار ظل ينازعه عليها، حتى ظفر بها مرة أخرى وانتزعها من يد أبي إسحاق، لتبقي بعد ذلك في يد آل دغار حتى آخر عهدهم بها. وهكذا يكون ما قاله الأستاذ الحامد صحيحا، من حيث إن استعادة آل
دغار لحكم شبام سنة 460 هـ ـ إنما هو استعادة لحكم سابق لهم عليها، أي
(44) (1/44)
صفحة 45
إنهم فقدوها بانتصار الأباضية عليهم بقيادة أبي إسحاق الذي تولى أمر الأباضية
في شبام وحضرموت.
أما دولة آل فارس وتسمى أيضا دولة آل إقبال وأيضا آل راشد في الشحر، فإنّ المراجع الحضرمية تذكر أن دولتهم ظهرت في بداية القرن السادس، غير ان هذا القول غير مقبول لعدة أسباب أهمها: ان تلك المراجع لا تذكر لنا أحدا من أهل حضرموت حكم الشحر قبل آل فارس، وقد لاحظ المؤرخ الحداد لهذا نجده يقول: (ولم نجد تفصيلا في ذلك فهي فترة من تاريخ أننا نري بأن دولة آل إقبال كان بدء ظهورها بداية القرن
ذلك
،
الشحر)
(32)
على
الخامس، مثلها مثل دولة آل راشد في تريم وآل دغار في شبام، فليس من المنطق
في شيء لا يكون هناك حاكما لهذا الثغر الأساسي لحياة حضرموت ساحلها وداخلها، وإنما لابد له من حاكم ينظم تجارته ومكوسه ويراقب قوانينه وأنظمته، كما أنه ما كانت الأوضاع السياسية لتستقر لأهل الوادي لو لم تستقيم تلك الأوضاع في ميناء حضرموت الأساسي وهو ميناء الشحر، فهي بالنسبة لهم
شريان الحياة.
لهذا فإننا نرى أن أوضاع مدينة الشحر السياسية قبل ظهور إمامة آل إقبال فيها، كانت من جنس تلك الأمامات الأباضية التي لاتشبه نظام الدولة في شيء التي سادت حضرموت خلال تلك الفترة، على أن وجود هذه الإمامة الأباضية في الشحر، هو الذي يضمن تحقيق المصالح الحيوية للأمامات الأباضية في وادي حضرموت، وبالتالي فإن هذا الوجود تفرضه طبيعة الأوضاع المذهبية الأباضية السائدة في حضرموت عامة، كما أن تحول مذهب السلطة في الشحر
عن
المذهب الأباضي يعني ضمان تحقيق مصالح مذهبية وسلطوية غير أباضية
(45) (1/45)
صفحة 46
كما أنه من المهم هنا القول: إذا كانت تلك الفترة أباضية بالضرورة في الشحر، فإنه لا محالة من أن تكون الإمامة فيها لقبيلة (تعين) سكان المنطقة المشقاص وأهل العصبية والغلبة فيها، خاصة وأن أباضية تلك القبيلة ظلت ثابتة مستقرة في
والمشقاص على الأقل، حتى القرن العاشر الهجري تحت قيادة آل أبي دجانة،
كما سوف يأتي الحديث عنه في حينه
وهكذا نفهم كيف كان قيام إمامة آل إقبال في الشحر نقلة نوعية في
نظام الحكم في ذلك الميناء الحيوي الهام
أما إمامة آل منجوي في ظفار، فإن المؤرخ الحداد يقول إنها ظهرت قبل
سنة 480 هـ
(33)
ولم يحدد سنة معينة، وإنما جعلها مفتوحة على ما قبل ذلك التاريخ، ونحن نميل إلى أن ظهورها كان في بداية القرن الخامس، وليس كما ذهب الأستاذ الحامد إلى أن ذلك كان في بداية القرن السادس
وإذا كانت السلطات الإمامية الأباضية في حضرموت قبل ظهور
،
السلطات الجديدة في بداية القرن الخامس، لم تكن تشبه نظام الدولة في شيء فإن ظهور السلطات الجديدة في بداية ذلك القرن يعد من أبرز العلامات المميزة لانتقال حضرموت من العصور الوسيطة المبكرة إلى العصور الوسيطة المتطورة (34)، كما يرى ذلك الأستاذ سرجيس فرنتسوزوف، وسوف نرى في فصول لاحقة ليس صحة رؤية الأستاذ سرجيس فرنتسوزوف في تطور نظام الحكم في الإمامات الحضرمية الجديدة، فحسب، بل وأيضاً سوف نرى أنّ ذلك التطور لم يكن إلا نتيجة تطور مذهبي عقائدي، قامت على أساسه تلك الدول الجديدة في القرن الخامس الهجري.
(46) (1/46)
صفحة 47
الأباضية في القرن الخامس الهجري في حضرموت والغزو الصليحي
في بداية هذا القرن ظهرت الدولة الصليحية في اليمن، وهذه الدولة كانت على المذهب الشيعي الإسماعيلي ومتحالفة مع الدولة الإسماعيلية الفاطمية في مصر، وقد استطاعت الدولة الصليحية السيطرة على كل اليمن، وكانت حضرموت آخر ما استولت عليه، لابتعادها عنها، ولكنها استطاعت إخضاعها
-
—
سنة ـ 455 هـ ـ بعد معارك وقتال عنيف شرس قاده الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الهمداني الحضرمي الأباضي:
قال عنه الشيخ سليمان الباروني المغربي (ت 1914 م) في تقديم ديوانه:) الإمام العلامة الورع الباسل الشاري، كان والده ممن عليه المعول في حضرموت ونواحيها، مسموع الكلمة، مطاع في الأمر والنهي، عالما ورعا الغنى الواسع، لا يستمليه زخرف الدنيا وزهرتها، قاهر النفس
زاهدا متقشفا
مع
مواطنا لها على العبادة مع القيام بواجب الإصلاح، ذا هيبة في قومه وبسالة في مواطن الدفاع والذود عن الدين: وقد عنى قيس بتربية ولده إبراهيم أحسن تربية
، وعلمه كل ما يمكن الحصول عليه من علم ذلك العصر وآدابه، وأمره بالدرس والتحصيل على كبار علماء عصره، حتى نبغ وتفوق وصار أعلى من أبيه شانا وأعظم جاها، و أوسع إطلاعا وأثبت جاشا وأشد إقداما، وشب إبراهيم سالكا سيرة والده في الورع والزهد وحسن السيرة والاستقامة والرغبة في الإصلاح الديني والاجتماعي، وكان نبوغه المبكر وحسن استعداده ووفرة ذكائه ورجاحة من الأسباب والعوامل التي هيأته للمهام التي أضطلع بها فيما بعد.
عقله
،
لا يعرف بالضبط السنة التي ولد فيها، غير أنه في حكم المؤكد أنه عاش
في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، فقد ذكر الباروني أن مبدأ ظهوره
(47) (1/47)
صفحة 48
كان في حياة والده في صدر الخمسين الثانية من المائة الخامسة، أي مبدأ استقلاله بالأمر، وإلا فقد كان عاملا للخليل بن شادان والإمام راشد من أئمة الأباضية بعمان قبل ذلك. (35)
وقال عنه المؤرخ بامطرف: (من أئمة الأباضية، ولد في حضرموت،: واستعان بالخليل بن شادان الإمام الأباضي بعمان، فأعانه بجند، فاستولى على حضرموت باسم الخليل، و أقامه الخليل عاملا عليها، وأقره الإمام راشد بن سعيد، ثم قلد أمر الإمامة بعد ذلك، كان شجاعا جلدا على تحمل المشاق، انتقل إلى الهند، وكانت له غزوات في إقليم كجرات وأطراف السند حيث حاول نشر المذهب الأباضي في تلك البلاد، وكانت وفاته بالهند على أغلب الأقوال، كان شاعرا له مصنفات منها:
) مختصر الخصال) و (سيف النقاد (وهو ديوان شعر، على أن ديوانه يعتبر وثيقة هامة في تصوير الواقع الحضرمي في النصف الثاني من القرن الخامس، ولهذا سوف نعتمد على أشعاره في معرفة طبيعة الأمور في عصره: يقول أبو إسحاق عن مذهبه ونسبه ووطنه وأخلاقه (36):
فإن تسأل عني وعن أهل مذهبي ومن أين داري أنت يا أم حاتم فإني من همدان أصلي وقدوتي فمرداس، والأوطان أرض الحضارم إنا الرجل الداعي إلى الحق الذي أبت نفسه شتم الطغاة الاشاتم انا الرجل الشاري الذي باع نفسه وأصبح يرجو الموت عند التصادم
(48) (1/48)
صفحة 49
وهو يذكر بقدوته من كبار الأئمة الأباضية فيقول:
اني من القوم القيام القوم الباهرين بالمقال المفح كابن بديل وابن حصن المعلم والراسبي الشاري المتعمم
سم
وابن حويل السيد المقدم وطالب الحق ابن يحيى الحضرمي إنا لأهل الحق والتقدم
و ابن حميد ذي الاناة الضيغ
ويقول في نفس المعنى:
خلقت على خلق الرجال فلا أرى سوى الجد فيما جد فيه الاكايس
قريب ورخاف وسهم بن غالب
أئمتنا، والأربعين الفوارس
وعن الوجود الأباضي في حضرموت وعمان، يقول:
فقلت ما يبكيك يا خود لا بكت فقالت بكيت الدين إذ رث حبله فأين الألى ان خوطبوا عن دقائق فقلت لها هم في شبام ومنهم وفي هينن منهم أناس ومنهم
لك عين ما هبت رياح زعازع وللعلماء لما حوتها البلاقع
من العلم انبوا سائليهم وسارعوا
بميفعة قوم حوتهم ميافع
بذي أصبح حيث الرضى والصمادع
بوادي حضرموت منهم جماعة
وأرض عمان سيلهم ثم دافع
ومن الأبيات السابقة نفهم أنه كان هناك وجودا أباضيا في شبام وميفعة
وهينن وذي أصبح وبوادي حضرموت كما نفهم من تقديم الإمام لشبام على
غيرها
من
المناطق، إنما كان لحضورها في ذهنه قبل غيرها، ولعل ذلك الحضور
يعود إلى أنها مركز إمامته، كما أنه يقول إن الوجود الأباضي في حضرموت ليس ذلك الوجود في عمان، حيث أن سيلهم في عمان دافع لما سواه.
في حجم
(49) (1/49)
صفحة 50
وإذن، فقد كان في حضرموت في النصف الثاني من القرن الهجري الخامس منافس قوي للمذهب الأباضي، وإلا لم يكن الوجود الأباضي فيها بأقل منه في عمان، هذا الضعف الذي أصاب الوجود الأباضي في حضرموت مقارنة بعمان، يوضحه الإمام أبو إسحاق حين يصور الظروف التي كانت سائدة قبله، حيث يقول:
إني دعوت إلى الرحمن في زمن فيه الهدى دارس مستطمس الأثـ فاشتد ساعده إذ قمت وارتفعت
راياته
وأضاء البدو
والحضر
ثم إتكت محن الدنيا عليّ ولم تقدم لدي جنود الصبر والظف
ويؤيد ما ذهبنا إليه من القول بالضعف الذي أصاب الأباضية في حضرموت في هذا القرن، أنّ الإمام أبا إسحاق لم يذكر في أبياته السابقة مناطق علم مهمة في حضرموت مقارنة بعمان، مثل تريم ودوعن وظفار ومدينة الشحر، فتريم مثلا كانت حينها مركز علم متقدم وتأتي قبل شبام وغيرها، وكذلك دوعن لها سابقة إمامة أباضية على ماذكره الهمداني في القرن الرابع، وما كانت تلك المناطق لتغيب عن الإمام لو لم يكن قد أصاب أباضيتها ضعف ووهن، وهذا يعني أن ذلك الضعف والوهن في الأوضاع الأباضية إنما كان مصدره قيام تلك الدول التي ظهرت في مدن حضرموت في بداية القرن الخامس الهجري وإن تلك الدول لم تكن أباضية المذهب
وقد لاحظ ذلك الضعف الأستاذ (جرادة (وهو يتحدث عن تريم في القرن الرابع وعن غلبة ثقافة أهل السنة فيها على ثقافة الأباضية، فقال: أصطدمت ثقافة أهل السنة بثقافة الأباضيين واستطاعت ثقافة أهل السنة التغلب على ثقافة الخوارج (الأباضية)، بحيث حصرتها في عمان (37) على أن الأستاذ
(0.) (1/50)
صفحة 51
جرادة لم يحدد نوع الثقافة السنية التي تغلبت على الثقافة الأباضية أهي ثقافة الفروع التي هي المذاهب السنية الأربعة أم ثقافة الأصول العقائدية السنية، إن
ذلك السؤال سوف تكون الإجابة عليه في (مشروع الرؤية).
حين غزا الصليحي حضرموت، قام الإمام أبو إسحاق بأمر قيادة الدفاع عنها، ودعا أهل حضرموت لنصرته، وكان لا بد لأبي إسحاق، أن يخص بالدعوة أولاً ولاة الأمر فيها، وهم آل راشد في تريم وآل إقبال في الشحر وآل دغار في شبام وآل منجوى في ظفار، غير أنه يبدو أن هؤلاء لم ترضهم قيادته لأمر الدفاع، وهو يقول في ذلك مخاطبا الإمام فارس بن راشد صاحب الشحر، داعيا إياه إلى مناصرته، مبينا له ما آلت إليه الأمور بعد الغزو الصليحي، مذكراً إياه بما يقوله هو نفسه عن فضل الشهادة في سبيل الدين والوطن من أنها تحل بصاحبها) في الدارين أعلا المنازل)، حيث يقول:
قد حل خطب جل إن كنت فاهما أباح أباح اليوم بالشر أشام يهيج ويزداد انتشارا ونخوة فان قيل حان المشرفي وفارس وجدت بصنعا رجة ورجاجة أقم للوغى سوقا اثر نار حربها اجب داعيا يدعو على الحق جاهدا سل ابنك اقبال الفتى ومظفرا سل ابن ظهير مع بشير معا وسل أليس التي تدعي لها يا بن راشد قصدتك يا ذا الجود والمجد آما
وأنت لعمري بالورى غير جاهل
غشوم ظلوم جائم بالكلاكل إذا لم تقـ د نيراننا بالقنابل وجاء إمام العدل بدر الجحافل وخوفا وأخباراً كوقع الجادل بقدح زنادا ومضرم للمطاول إذا ما دعا الداعي لفعل باطل وسل محرما ذا الجود يا بن البهال
علي إبراهيم سل سل وسائل تحلك في الدارين أعلى المنازل لنجلك من نصري وكن غير خاذل
(01) (1/51)
صفحة 52
إلى أن يقول عن الغرض من قصيدته هذه إلى الإمام فارس بن راشد:
فإن قال يوما قائل ماجوابها
وما ترجي من فارس ذي النوائل
فقلت جحفل كالليل زاخـ
يصدق ظني فيه بين القبائل
لسنا في حاجة إلى القول إنّ ولاة الشحر، عرفوا فيما بعد بال إقبال،
نسبة إلى إقبال بن فارس وأيضا بآل فارس نسبة إلى فارس بن راشد، بآل
راشد، نسبة إلى جدهم راشد والد فارس وجد إقبال
أما مظفر المذكور في تلك الأبيات، فهو على الأرجح مظفر بن محمد بن
فارس الذي قتل مع أبيه في (الاشحار سنة ـ 502 هـ) (38)
-
ويقول في تلك الإمامات ومعرضا بهم لتخاذلهم ونكوصهم عن مقاومة الصليحيين، ويعد ذلك تفريط بعهد وعقد الإمامة الذي أعطاهم إياه أهل حضرموت، مذكرا إياهم بالدور التأسيسي والريادي لأباضية حضرموت في قيام وتأسيس الأوضاع السياسية المذهبية في حضرموت التي فرط فيها أولئك الأئمة
بتخاذلهم أمام الصليحي، حيث يقول:
أقول لأهل الدين إذ صار دينهم
ألا أيها الساهون كيف استطعتم
يتيما ولم تسفك عليه المدامع رقادا وحولي كل يوم وقائع
ولكنكم من قبل كنتم ولاتنا فأسلمتمونا حين لحن القواطع
وكنتم كقوم لاعبين تعاقدوا
حسبتم عقود الله لعبا وعهده
للعب، وباتوا والكل هاجع
ومن بعد هذه شدة وزعازع
هدمتم منار الدين لما خضعتم كأن لم تشيده الشراة الصمادع
الله وفي قوله (ولكنكم كنتم ولاتنا ( .. ) وقوله: (حسبتم عقود
لعبا
وعهده ( .. دليل على أن حكام المدن: آل راشد وآل دغار و آل إقبال وآل
(52) (1/52)
صفحة 53
منجوي، وقبل ظهور الأمام أبي إسحاق الهمداني وقبل الغزو الصليحي لحضرموت، كانت لهم عقد البيعة و ولاية عامة على البلاد، بما فيها الولاية على الأباضية الذين يتكلم الأمام أبو إسحاق بلسانهم.
ومما لاشك فيه أن تلك الدول لم تكن أباضية المذهب، بدليل موقفها من أمامة أبي إسحاق وموقف الأمام منها، كما أن مخاطبة الأمام أبي إسحاق لقيادات تلك الدول بقوله: (أقول لأهل الدين) يدل على أن تلك الأمامات لم تكن سنية الأعتقاد، غير أن الخطاب بتلك الصيغة يدل أيضا على علاقة مذهبية ما، تربط بين الأباضية و اعتقاد تلك الإمامات، ومما لا شك فيه أن تلك الدول خرجت من رحم المجتمع الأباضي الحضرمي، وفيه ترعرعت ونشأت مذ كانت مشروعا عقائديا يسعى إلى الظهور، حتى أصبحت دولا، كما أنه مما لا شك فيه أن ذلك المشروع العقائدي لم يكن ليوجد ويترعرع داخل المجتمع الأباضي وعلى حسابه ولم يكن الأباضية ليقبلوا به واليا عليهم فيما بعد، لو لم تكن تربط ذلك المشروع وتلك الدول بالعقيدة الأباضية وشائج عقائدية وسياسية متينة، تلك الوشائج التي دعت الإمام إلى مخاطبة تلك القيادات بقوله: (أقول لأهل الدين)، على أنه ما من مذهب يمتلك تلك الوشائج مع المذهب الأباضي سوى مذهب المعتزلة، ذلك أن (أصول الأباضية الكلامية متأثرا إلى حد كبير بمذهب المعتزلة) (39)، فهل كانت تلك الدول على مذهب الاعتزال؟.هذا السؤال
سوف يكون موضع اهتمام (مشروع الرؤية).
وبعد
أن استنهض أولئك الولاة السابقين ومدحهم كي يناصروه، ولما
استيأس منهم، راح يذمهم أقذع ذم وأبلغ تسفيه، حيث يقول:
(53) (1/53)
صفحة 54
لشرق وغرب والأنام قعود
ود
ألم تنظريني يا ابنة الخير وفيت بعهدي والأراذل ما وفوا بعهد وما للأرذلين عهـ عجبت لهم إذا دبروا حيث دبروا وما وردتهم بالسيوف جنود
لقد خضعوا قبل اللقاء و اهطعوا
كما هطعت قبل العذاب ثمود
عجبت لدهر أهله أهل غفلة سواء عليهم يقظة ورقود
مدحت فما اهتزوا ذممت فاعرضوا
سكت فناموا والإله شهيد
رضوا بمحل الذل حلا وإنما
يذل قليل الاحتيال بليد
وصرت فتى سمحا بدنياي مخبت
شحيحا على ديني وعنه أذود
إلى أن يقول مخاطبا إمام عمان، شارحا له ما سبق أنّ بينه في الأبيات السابقة،
حيث يقول:
أبا القاسم أسمع لا عدمتك قصتي لتعجب من أمري وأنت رشيد طلبت بوادي حضرموت فلم أجد بها أحدا ينكي العدا ويكيد فسرت عمانا قلت علي أجد بها شراة تسامي والمكان بعيد فجادوا ببذل المال دون نفوسهم وعدت حميدا والإمام حميد
وعلاوة على ما في الأبيات السابقة من قول صريح بالضعف الأباضي في حضرموت في القرن الخامس، فإننا نفهم منها أنّ الإمام أبا إسحاق إنما طلب عون إخوانه في عمان بعد أن امتنعت أهل الحل والعقد في حضرموت عن نصرته، وما كان لهم أن يمتنعوا في ذلك الظرف الصعب ويتوانوا عن نصرته لو لم تلعب الخلافات المذهبية العقائدية دورا في بذر الشكوك بينهم وبين أبي إسحاق، ولو لم تلعب السياسة دورها في ترك الإمام وقومه من أباضية حضرموت وحدهم
يقارعون الصليحي السجال في معارك الدفاع، وفي هذا يقول أبو إسحاق:
(54) (1/54)
صفحة 55
المجد
لقد جاءني من بعد أرضي و أوطاني رجاء لنصر الدين من نحو أخواني وذكر أمام شاع في الناس ذكره وطاب الثنا فيه الخليل بن شادان
فقطعت غيطانا وجاوزت أبحرا
وكم بلد خلفت فيه مشايخا وما ان أراني في الذي رمت عائدا
إليهم، أجر المجد من آل قحطان
غضارفة يرجون اتيان
ولا ساميا إلا إلى مطلب عانـ وكم كانت الأشياخ، أشياخنا الالى إذا طلبوا أمدوا بأعوان وبالله لو لا الدين أصبح مذحرا لما كان بذل الوجه في الناس من شاني ولكن بذلي الوجه في الناس أرتجي من الأخوة الغر النهى بسط سلطاني
ومن الأبيات السابقة نفهم أنه بقيادته للمقاومة الحضرمية استطاع أن يجر من ((آل قحطان) الذين امتنعوا عن مساندته، على أن المقصود بآل آل راشد ولاة تريم وهم أيضا أصحاب الولاية العامة على
قحطان
هم
حضرموت، كما سوف يتضح، وكذا امتناع باقي إمامات المدن الحضرمية
السابقة لظهور أبي إسحاق.
على أن هناك مرحلتين طلب فيها الإمام أبو إسحاق العون من الإمام الخليل بن شادان، الأولى حين انتزع الإمامة من آل دغار في شبام ــ وربما في
مناطق أخرى -
مخاطبا الخليل:
،
والثانية عندما غزا الصليحي حضرموت، ويقول في ذلك
سل الوفد عني يا أمام ألم أكن تسربلت يوم الروع ثوب العزائم وهل كان همي غير ما كنت ذاكرا وهل نمت عن طرف الجواد وصارمي حرام حرام إن طعمت بمنزل إلى اليوم طعم النوم بين الكرائم ولكنني لما نزلت بعقوتي نشرت لوائي في الكرام القماقم وساروا بحمد الله حولي كانم بدور، ولكن في الوغى كالضراغم فما كان إلا جمعة بعد جمعة وأدت إلى العشر أهل الحضارم
(00) (1/55)
صفحة 56
سل الخطبا لما دعوا لك جهرة على رغم أهل الجور بعد التصادم ولم يبق إلا الصليحي قائما وها هو أيضا سُعده غير قائم وقد نزعت عنه القبائل قصدنا لما نظرت من رغمها في الملاحم
ونحن عليه واردون بجيشنا فما هو أدهى من ملوك الديالم
إن الإمام في الأبيات السابقة يشير إلى (التصادم) الذي كان بينه وبين
يعني
أهل الجور، وأهل الجور في مصطلح الأباضية هم الحكام الظلمة أهل الفساد سواء كانوا على مذهبهم أو على غيره، وهو هنا الدول الحضرمية التي كانت قائمة قبل ظهوره، كل ذلك يعني ان أبا إسحاق قد قضى على تلك الدول، وأن الشوكة في حضرموت قد أصبحت له وللأباضية دون سواهم. والإمام أبو إسحاق حين يستصرخ الإمام الخليل، يتكلم بلسان حضرموت كلها، لهذا نجده يذكر أن الشحر جاهزة للقتال، والشحر تعني ساحل حضرموت والمهرة، ويقول أبو إسحاق:
انصر
أخاك فإن الحرب قائمة والحق يطلب من أهليه أركان وأعلم بأنك قد آثرت مأثرة فارفع لها شرفا فالأمر قد هانا إن الذي عمرت صنعاء دولته بالفسق، أصبح من مولاي فزعانا أضحت مخالفة أرض اليمان له لما رأتك لها حصنا ومعوانا فاحفدهم فهم يدعون ربهم جهرا، لتملكهم سرا وأعلانا لكن لديك ضعيف كاشح وهن أبدى لكم ولنا في الناس أضغانا والشحر لو نظرت خلقا تحاربه أضحت عليه رجال الشحر أعوانا إجعله أول ما تحي البلاد به إنا نؤمل جيشا منك يغشان
كان ذلك في عهد الإمام الخليل بن شادان، أما في عهد خلفه الإمام راشد بن سعيد المتوفى سنة 445 هـ، فإنّ الأمر يختلف تماماً، حيث أصبح
(07) (1/56)
صفحة 57
المذهب الأباضي وإمامته ممثلة بالإمام أبي إسحاق، أصبح هذا المذهب صاحب الصولة والجولة، وأصبح لأئمة عمان المنزلة الكريمة الرفيعة لدى أباضية حضرموت، لدورهم في ظهور الإمامة الأباضية في حضرموت مرة أخرى، يقول أبو إسحاق:
أيا راشد إنا لعمرك نزدهي بذكر كمو في حضرموت تعاظما
إذا ما عماني ألم بأرضنا
أحطنا به نسأله عنكم تزاحما
وإذا كانت أباضية حضرموت في عهد الإمام الخليل بن شادان تطلب العون والمساعدة والنجدة من إخوانهم أباضية عمان، فإن الأمر يختلف في عهد الإمام راشد بن سعيد وبعد ظهور إمامه أبي إسحاق، ذلك أن حضرموت أصبحت من القوة بحيث أصبحت قادرة على رد الجميل وتقديم العون والمساعدة لإخوانهم أباضية عمان، ويقول أبو إسحاق في محاربة الإمام راشد لقبيلتي نهد
وعقيل:
فان عدلوا عن بغيهم وتراجعوا فأهلا وسهلا بالعشيرة إنّهم وإن هم أبوا فاستصرخونا فإننا وما بين وادي حضرموت وبينكم متى يأتنا منكم صريخ نؤمكم كهولا وشبانا صباحا ومساعرا بكل رديني أصم مرهف فنتركهم غرا ونضرب هامهم
إلى عسكر الإسلام والحق وأرتدوا إليكم بإخلاص لرب السماء أدوا قريب، وما للقوم من صحبهم بد إذ أسركم أتينا نحوكم بعد بعسكر جرار يضيق به النجد واردا إلى الهيجاء إذا استصعب الورد كمثل شعاع الشمس تحملنا الجرد
ونقصرهم حتى يجودوا بما أدوا
وإذن، ففي عهد راشد بن سعيد كان الأمر قد استقر للأباضية في حضرموت، وإذا كانت حروب الإمام أبي إسحاق مع الصليحي إنما كانت في
(57) (1/57)
صفحة 58
-
عهد الإمام الخليل بن شادان، فإن هذا يعني. أنها كانت قبل سنة ـ 445 هـ
وأن حضرموت إن كان حقا قد خضعت للحكم الصليحي، فإنّ ذلك في عهد
الإمام الخليل، ثم استقرت الإمامة بعد ذلك للإمام أبي إسحاق، واستمرت ولايته على شبام على الأقل، حتى استعادها منه الدغار بن
أحمد سنة -
460 هـ ـ على ما تذكر المصادر الحضرمية، كما استعاد آل راشد تريم وآل
-
إقبال الشحر في ظروف غير معروفة، عندها رأى الإمام أبو إسحاق المغادرة إلى إقليم كجرات في الهند لنشر الدعوة الأباضية، حتى توفاه الله هناك في نحو سنة
575 هـ
وقبل أن نختتم جولتنا في القرن الخامس الهجري، مع الإمام المجاهد أبي
إسحاق الهمداني وديوانه (السيف النقاد) الذي كان منقذاً لنا متاهة محققة
من
فيما لو اعتمدنا على المصادر الحضرمية في جولتنا تلك، تلك المصادر التي تصمت تماماً عن أي ذكر لأحوال البلاد والعباد في ذلك القرن، بل لم تتوان عن إنكار حقيقة وجود هذا الإمام المجاهد، أما ديوانه المذكور فلم يتحدث عنه أي مصدر حضرمي، بل لا وجود له فيما هو محفوظ من مخطوطات التراث الحضرمي، وإنما وجد لدى أباضية المغرب العربي وعمان الذين عنوا بحفظه ونشره
وتحقيقه، ولو لا هم لما عرفنا شيئا عن حقيقة ذلك الإمام ولا أحوال عصره. أقول قبل الختام، لا بد لنا من الوقوف أمام مواقع القوة الأباضية في حضرموت في القرن الخامس الهجري، كما وردت في (السيف النقاد)، فقد وجدناه في أبيات سابقة يذكر منها شبام، ميفعة وما حولها، هينن، ذي أصبح، كما ذكر كلا من مدودة وتريس وحبوضة وبور وكل هذه المدن تقع متقاربة في منطقة (السليل (في وادي حضرموت، وقد جاء ذكرها في قوله:
وكم في مدودة أو تريس وأختها حبوض وبور من أباضي راغب
(01) (1/58)
صفحة 59
كما ذكر منطقة الشحر بمعنى منطقة المشقاص والمهرة بقوله:
والشحر لو نظرت خلقا تحاربه
أضحت عليه رجال الشحر أعوانا
وقد ذكر من أهل المهرة على الخصوص آل حجوه، وهو يذكرهم باعتبارهم على مذهبه وأنهم كانوا في عهده أهل دولة وإمامه، وآل حجوة هؤلاء كانوا موجودين باسمهم حتى القرن العاشر الهجري، منهم (سليمان بن حيوه، سيد بني عمه، قتل في منطقة زيلع بالصومال في مجموعة من قومه سنة، وقد ذكرهم أبو إسحاق بقوله:
945 هـ
(40)
وعن آل حجوة أهل الدين هل صدقوا والخود قد شهدت أيام حربهـ عيسى بن حجوة هم إبناؤه
هموا فما لبثوا قاموا فما
لا تبتئس لخزان المال أنفسهـ
وهل وفوا بعهد الله وابتذلوا لكنها طلبت بشرى بما فعلوا قدما تركة موسى قامة الدول آلوا فما نكثوا عادوا فما نكلوا كلا وكيف وللأرواح قد بذلوا
كما يذكر منطقة ذي صبح في وادي دوعن، حيث يقول:
وذي أصبح فيها لعمرك عصبة
يطيب الثنا في مردها والإشايب
فأما أعظم قواده العسكريين اثنان، فأولهم الملك الكندي أبو الفضل عباس بن معن بن حوشب، ومقر قيادته وحكمه) وادي عرف) الذي يقع إلى الشمال من مدينة الشحر، حيث كان يأتمر بأمره جموع القبائل والبادية التي كانت تسكن الهضبة الوسطى التي تشرف على الوادي المذكور، ويتضح كل
ذلك من قول الإمام أبي إسحاق في مدح الملك ابن حوشب الكندي: (41)
(09) (1/59)
صفحة 60
ولكن من لا يدخل الناس منزلا
بعرف ومافيه من العرف حاجب
هم الناس قد يلقي غطيط ازدحامها على باب من تقضي لديه المآرب والشاعر في البيت الأول أعلاه، قد حدد موقع سكن ومنزل الملك الكندي بأنه في منطقة) عرف (ومن منطقة وادي عرف تبدأ قوات ابن معن في (الصعاد) إلى الهضبة، وفي هذا يقول الإمام:
فكيف إذا عساكرك استطارت عساكرها وأسرعت الصعادا
وحين تصعد تلك العساكر الهضبة، تنضم إليها قوات قبائل الهضبة، وفي
ذلك يقول الإمام:
بحيث يقول تعلم صدق قولي إذا جاوزت رحبة والغيادا
الرحبة المقصودة هي الهضبة الخالية من الحياة النباتية، وهي هنا التي تلي عقبة العرشة في أقصى وادي (عرف)، حتى إذا تجاوزت تلك الرحبة، تصل إلى منطقة (الغياد (وهي تسمى اليوم (الغياضات) وهي منطقة زراعية معروفة، ومنها يتواصل السير عبر الهضبة حتى الوصول إلى المنطقة (السليل) وهي منطقة بطن وادي حضرموت، وهي التي نعتقد أنها منطقة المعارك مع القوات
الصليحية.
أما مصدر قوة الملك الكندي، فقد حددها الإمام بقوله:
فحولك كهلان وحولك حمير خلائف قحطان ابن هود المتوج إشارة كف منك ثم تكبكبت إليك بنو قحطان من كل منهج
أما الشخصية القيادية الثانية في معركة الإمام أبي إسحاق، فهو سويد بن
يمين الذي حظي مثل سابقه ابن معن الكندي، بإشادة عظيمة من قبل الإمام،
(60) (1/60)
صفحة 61
وتأتي قوة هذا القائد من سلطته على القبائل (نوح) ومن حولهم من البادية التي تقطن المنطقة من وادي حجر حتى اتصاله بوادي دوعن، وفي ذلك يقول الإمام:
سويد الفتى الذي لم يكن له إذا ما اشتدت الهيجا عنها تاخر سلي عنه في وادي (دوفة) هل سطا وكان له في بطن المسيلة محضر
ويقول في أخرى مخاطبا سويد:
فحولك من فرعي نوح قبائل رجال بنو في ذي رعين مصانعا وحولهم من بدوهم كل أشوس
إذا ما رعتهم سلوا رقاق البواتك فنالوا بها عزا كعز البرامك شديد شديد في الروع فاتك
إذا قلت ياللقوم للقوم اقبلوا إليك كموج الأبحر المتدارك
فنادهم يأتوك من كل جانب
بكل صقيل للفماحيد هاتك
أما قوله ((في ذي رعين ((كما يتضح من باقي النسخ المساعدة في تحقيق الديوان، إنما هو تصحيف ل (وادي العين حيث تسكن قبيلة (نوح) قبيلة سويد بن يمين، كما أن قوله: ((رعي (نوح) أنما هو تصحيف لـ ((فرعي (نوح) حيث إن لهذه القبيلة فرعين هما ((الجمارسة وآل باصبارة)) ومنهما تنحدر باقي فروع القبيلة هذه المناطق التي ذكرها الإمام المجاهد أبو إسحاق كمواقع أساسية للوجود الأباضي في حضرموت، سوف تظل على أباضيتها تلك حتى القرن العاشر الهجري على الأقل، على ان ما نلاحظه في ذلك الوجود هو أنه يكاد ينحصر في مناطق القبائل والبوادي وإن كانت مدينة شبام معدودة من ضمن المناطق الأباضية، إلا إنّ المذهب الأباضي لم يكن هو الغالب عليها رغم قوة
(71) (1/61)
صفحة 62
وجوده، كما أن أهل الولاية فيها من آل دغار لم يكونوا على مذهب أبي إسحاق كما قال هو ذلك بنفسه، وكما سوف يتضح في سياق هذه الدراسة
وإذن فلنغادر القرن الخامس الهجري، وأمامنا الحقائق التالية:
أولاً
: بعد اندحار الصليحيين عن حضرموت، عادت الأوضاع السياسية المذهبية في مدن حضرموت الكبرى على ما كانت عليه، من حيث عودة
آل راشد إلى تريم وآل دغار إلى شبام وآل إقبال إلى الشحر
ثانياً: كانت الأباضية على جانب كبير من القوة والانتشار خاصة في مناطق
القبائل والبوادي
الأباضية في أقطار الإسلام في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري:
وإذا كانت الأباضية في حضرموت في تلك الفترة على تلك الحال من القوة التي مكنتها من دحر الصليحيين وحدها دون شريك يذكر، فإنّ أوضاع الأباضية في أقطار العالم الإسلامي حينها، لم تكن تقل عن أوضاعها في حضرموت من حيث القوة والانتشار، وهذا ما نجده واضحا في أشعار الإمام الهمداني، فهو حين يرثي ابنه، يعدد مناطق الأباضية التي هدت أركانها وفاته، وكأنه يسمع أصوات المعزين منها له بوفاته، حيث يقول:
هددت خوارزم ومن حل نحوها ومن بنفوس والعراق وبدبد وأرض عمان واليمان وشامها ويشربها والزنج أصوات عود
ويقول أيضا عن
تلك المناطق:
وفي قدم القريب منهم وفارس نعم وخوارزم كرام أراوع
(62) (1/62)
صفحة 63
بل لقد تجاوز الانتشار الأباضي في تلك الفترة تلك البلاد، ليصل إلى أم القرى مكة المشرفة، وتجاوز حدود الانتشار الاجتماعي المحتمل له، ليصل إلى الدائرة العلوية في مكة نفسها، وفي هذا يقول إمامنا أبو إسحاق:
بلى في أم القرى اليوم قائما أعز من الأشراف ماضي العزائم له عنصر صافي النجار ومنصب تعرق في فرعي علي وفاطم وذاك أبو يعلا الأمير وحوله غضارفة من آله كالضراغم فيا حمزة الخيرات يا حمزة العلا إليك سمت أعناق هذي الاقالم
تلك
هي
أوضاع المذهب الأباضي في حضرموت والعالم الإسلامي كما وردت في أقوال إمام أباضية حضرموت في تلك الفترة، فهل كان لمذهب تلك هي عناصر قوته وانتشاره في حضرموت وأغلب بلاد الإسلام، إلا أن يبقي على
قوته تلك في القرون اللاحقة؟
(63) (1/63)
صفحة 64
المصادر والمراجع:
1) علوي بن طاهر الحداد: الشامل في تاريخ حضرموت / 190.
(2) سعيد عوض باوزير: الفكر والثقافة في التاريخ الحضرمي / المقدمة
الحداد: نفسه / 3.
(4 صالح الحامد: تاريخ حضرموت / المقدمة
ه علوي بن طاهر الحداد: جني الشماريخ / 13
(6) الحامد: نفسه.
(7 الحداد: الشامل / 108.
الإمام إبراهيم بن قيس الهمداني الحضرمي: ديوان الأمام الحضرمي (السيف النقاد) تحقيق: بدر بن هلال اليحمدي: سلطنة عمان 2002 / قصيدة رقم 13. 9) د. محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي / 57. (10) أنظر ديوان الإمام إبراهيم الحضرمي.
(11) سالم بن حميد الكندي: العدة المفيدة / (37/ 1).
(12) محمد بن عمر الطيب با فقيه: تاريخ الشحر / 22
13) عبدالله بن محمد بن حامد السقاف: تاريخ الشعراء الحضرميين: (39/ 1).
14) الحامد: نفسه: (439/ 2).
15) عبدالقادر العيدروس: النور السافر / 74
16) الحداد: الشامل / 13.
(17 محمد عوض بافضل: صلة الأهل في مناقب آل بافضل / 41.
18) محمد بن أحمد الشاطري: أدوار التاريخ الحضرمي (187/ 1). 19) أبو عثمان الجاحظ: الرسائل السياسية / 213.
(20 محمد عبدالقادر بامطرف: الشهداء السبعة / 16
21) نفسه / 18 -
(22
19 د. عبدالعزيز جعفر بن عقيل: مجلة الثقافة العدد 30
1997 م.
(23) عبدالقادر محمد الصبان: مجلة آفاق.
- صنعاء وزارة الثقافة والسياحة.
العدد 6 إتحاد الكتاب والأدباء اليمنيين. (24) للمزيد من التفصيل أنظر: د. عامر النجار: الخوارج عقيدة وفكر وفلسفة / 81 وما بعدها. 25) أبو عثمان الجاحظ: الرسائل السياسية / 125.
(26
المكلا
د. سرجيس فرنتسوزوف، ترجمة د. عبدالعزيز بن عقيل: الحركة الأباضية الحضرمية من أواسط القرن الثامن حتى العاشر الميلادي: مجلة آفاق، حضرموت العدد 19 1998 م. عبدالقادر محمد الصبان: جهاد شعب ج/1 ـــ سعيد عوض باوزير: صفحات من التاريخ الحضرمي. محمد أحمد (1/64)
صفحة 65
الشاطري: أدوار التاريخ الحضرمي: عنهم أخذت المعلومات عن الأمام الكندي وثورته، ما لم نذكر
غيرها.
(27) عبدالله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان ج/1
1.
28 أبو محمد الحسن الهمداني: صفة جزيرة العرب - نقلا عن: علوي بن طاهر الحداد: الشامل في تاريخ حضرموت / 19. 30) صالح الحامد: تاريخ حضرموت 247/ 1.
(29
(31
الحامد: نفسه 418/ 2 أعتمد المؤرخ الحامد على قول نشوان بن سعيد الحميري من أن الهزيلي جد آل دغار تولى حكم شبام من قبل اليعفريين 225 هـ ـ 393 هـ أنظر نشوان: ملوك وأقيال
اليمن ــ 167
(32
(33
الحداد: الشامل.
110
الحداد: عقود الألماس ـ 88/ 2.
-
34) ترجمة د. عبدالعزيز بن عقيل: نفسه.
(35
66
سعيد عوض باوزير: صفحات من التاريخ الحضرمي. (36) أشعار الأمام إبراهيم بن قيس الهمداني الواردة في هذه الدراسة،، يمكن تتبع صفحاتها حسب فهرست القوافي الملحق بديوانه: السيف النقاد تحقيق بدر بن هلال اليحمدي سلطنة عمان
2002 م. محمد سعيد جرادة: الأدب والثقافة في اليمن العصور -
عبر
شنبل: تاريخ شنبل.
أحمد أمين: ضحى الإسلام.
337
محمد الطيب بافقيه: تاريخ الشحر.
252
کانت کنده تدعو رؤساءها ملوكا، حتى و لم يملك أحدهم إلا وادياً. (أنظر الشامل 55) (1/65)
صفحة 66
[صفحة فارغة] (1/66)
صفحة 67
الباب الثاني
القرن السادس الهجري
الرؤية السائدة ونقضها والشروع في الرؤية)
الإهداء
،
) إلى الشهداء من أهل حضرموت، من ضحايا الحملة الأيوبية عليها إلى أولئك الشهداء من العلماء والفقهاء والقراء وأئمة الحكم و الولاية
والمقاتلين المجاهدين من البدو والحضر، إلى ضحايا حكام الظلم
والجور في كل العصور، إليهم اقدم مشروع هذه الرؤية)
المؤلف (1/67)
صفحة 68
[صفحة فارغة] (1/68)
صفحة 69
الفصل الأول
الرؤية السائدة ونقضها
يقول المؤرخ باوزير: (في القرن السادس الهجري أخذت الخلافات المذهبية التي كانت سائدة منذ القرن الثاني إلى أواخر القرن الخامس، تضعف ويقل شانها، فلم تعد هناك طوائف مختلفة ذات شان، وأخذ نفوذ الأباضية وسلطانهم في التقلص والاضمحلال و التلاشي، وحل في حضرموت – بالتدريج - محل الانقسامات المذهبية، إجماع عام وشامل على طول البلاد وعرضها، على اعتماد المذهب الشافعي في الفروع وعلى اعتماد مذهب الأشاعرة في الأصول والعقائد) (1) لقد أوردنا الفقرة السابقة للأستاذ باوزير لكي نعرض اللوحة التي ترسمها كتب التاريخ الحضرمي عن الوضع المذهبي في حضرموت في بداية القرن السادس، تلك اللوحة التي يراد بها أن تنطبق على مدينة تريم قبل غيرها من المدن، نظراً لموقعها العلمي القيادي بالنسبة لعموم حضرموت في ذلك القرن. ونستخلص من تلك اللوحة ما يلي:- 1. أنّ حضرموت ومنذ القرن الثاني الهجري وحتى أواخر القرن الخامس، كانت تعصف بها الخلافات المذهبية، ذلك أن المجتمع الحضرمي حينها،
يتألف الاجتماعية على الأقل، إن لم تكن على السيادة السياسية
من عدة طوائف مذهبية تتصارع فيما بينها على السيادة
2. خلال القرن السادس أخذت تلك الخلافات والانقسامات والصراعات تضعف إلى الدرجة التي لم تعد هناك طوائف ذات شأن اجتماعي كبير،
(79) (1/69)
صفحة 70
حتى أن المذهب والسلطة الأباضية أخذا في التقلص والتلاشي خلال
ذلك القرن.
،
نظرا للفراغ المذهبي الذي تركه التنحي الطوعي للأباضية مذهباً وسلطة فقد عم البلاد في هذا القرن الإجماع العام والشامل على اعتماد
تلك
المذهب السني الشافعي الأشعري.
هي
اللوحة التي ترسمها كتب التاريخ الحضرمي عامة لحضرموت في القرن السادس الهجري، غير أن تلك اللوحة بقدر ما فيها من اختصار مكثف ومضغوط لأكثر من خمسة قرون كاملة من تاريخ الإسلام في حضرموت، فإنها تحمل في ملامحها العامة الكثير من الخطورة، فهي تعطي أحكام قاطعة وقاسية دون تسبيب مقنع أو غير مقنع، الأمر الذي جعل من مسألة الأخذ بتلك الأحكام دون فحص وتدقيق، أمراً لا يفيد في الوصول إلى الحقيقة المنشودة، خاصة وأن للأستاذ باوزير أحكاماً أخرى مسببة في أغلبها، تتناقض مع تلك اللوحة التي رسمها لتلك الفترة، منها:- 1 - حين تحدث عن ثورة الإمام عبدالله بن يحي الكندي الأباضية سنة 129 هـ، قال: (ولقد تم له ما أراد في حضرموت دون أن يريق في سبيله دماء، ولقد بالخلافة وأحبه الناس والتفوا حوله وهابته القبائل وأكبروا همته وسموه
بويع
(2)
طالب الحق ((2). وإذن فقد كانت تلك الثورة سلمية في أساسها، وبتأييد جماهيري وشعبي وصل إلى درجة الإجماع العام والشامل، ومعلوم أنه في تلك الفترة المبكرة من العصر الإسلامي لم تكن هناك مذاهب تتصارع على السيادة فيها، وهو الأمر الذي جعل المذهب الأباضي هو المذهب المؤسس لفقه الفروع والأصول في حضرموت
2 - إن ثورة الإمام طالب الحق الكندي لم تكن وليدة لحظتها أو تمت دون فترة تحضير قد تطول أو تقصر، ولكنها ثورة خططت لها قيادات الأباضية في مركز الدعوة في البصرة على مدى سنوات، وأنها شملت حضرموت كلها
(70) (1/70)
صفحة 71
وأجزاء كبيرة من اليمن، ولقد كان من نتائجها (أن ساد مذهب الأباضية وتمركزوا في عدة مدن ممتدة بين صنعاء وحضرموت) (3)، وأن عماد تلك الثورة وقواها المسلحة، إنما هم قبائل حضرموت وباديتها قبل مدنها وحواضرها، وهي تلك القرى التي سقت وروت الأرض بدماء غزيرة طوال فترة الوجود الأباضي، دفاعا عن خيارها المذهبي السياسي، ذلك الدفاع الذي تمثل في رفضها الخضوع لحكومة دمشق أو بغداد أو صنعاء، فأين إذن تلك الصراعات والانقسامات التي ترسمها تلك اللوحة -3 - إن تلك الثورة ما كان لها أن تتحقق دون إراقة دماء، وما كان لها أن تمتد لتشمل مناطق خارج حضرموت، بل وتندفع نحو الحجاز في طريقها إلى دمشق لإسقاط النظام الأموي، ما كان ذلك ليكون لو لم تكن مبادئ تلك الثورة محل قبول ورضى اجتماعي كبير، قبل قيامها وبعده، وفي ذلك يقول الأستاذ باوزير: (ويدل التأييد الكبير الذي لقيه طالب الحق من الحضارمة،
رغم
ثم تمسكهم بالعقيدة الأباضية بعد مقتله واستماتتهم في الدفاع عنها، رغـ المحن التي قاسوها والحروب التي خاضوها، كل ذلك يدل على أن هذه العقيدة لها جذور في حضرموت وأنصار سارعوا في تأييد طالب الحق عقب إعلانها لأن الأفكار والعقائد لا تنتشر وتتأصل بتلك السرعة، ما لم تجد لها جوا مهيأ وتربة خصبة تساعد على نموها وانتشارها) (4) وكل ما قاله وک
،
الأستاذ باوزير هو عين الحق، فما الذي حدث حتى اقتلعت تلك الجذور الأباضية الأنصار في القرن السادس الهجري. سؤال لا تجيب عليه
وتفرق عن
كتب التاريخ الحضرمي، ولكنه يظل السؤال الكبير.
4 - وعلى رأي الأستاذ باوزير، فإنّه) تسربت (بعض المذاهب إلى حضرموت
مثل السنة والشيعة الإمامية والزيدية والمعتزلة والقرامطة .... وإن بعض
(71) (1/71)
صفحة 72
-0
والخامس
المصادر تشير إلى مثل هذه الفرق في حضرموت خلال القرنين الرابع (3)، فإنّ ذلك القول يعني أن تلك الفرق والمذاهب التي تسربت إلى حضرموت، لم يكن لها حينها كبير وزن من أي نوع، وأنها مجرد (تسرب) من ثقوب في المجتمع الحضرمي الأباضي مذهبا وسلطة، ولعل ابرز تلك الثقوب هو كون المجتمع الحضرمي هو في الأساس مجتمع تجاري مفتوح على الشعوب الأخرى وثقافاتها ومذاهبها، فهذا التسرب تفرضه إذا طبيعة المجتمع الحضرمي على ما ذكرنا
هذه السيادة الأباضية يؤكدها الأستاذ باوزير بقوله: (وكان طبيعيا أن تحول السلطة التي يتمتع بها المذهب الأباضي في حضرموت خلال الخمسة القرون الأولى من الإسلام دون انتشار المذهب الشافعي الذي يقوم على أساس من العقيدة السنية التي تعتبر كثيرا من معتقدات الخوارج (يقصد (الأباضية) نوعا من الضلال) (6)، وإذن، فإنّ ما يحول دون انتشار المذهب الشافعي هو نفسه العائق دون انتشار أي مذهب سني في الفروع أو الأصول، خاصة وإنّ المذهب الأباضي مذهب متكامل في الفروع والأصول، ولكنه يشترك مع المذهب المعتزلي في كثير من ن الأصول الاعتقادية، كما سوف يأتي.
وهكذا نجد أن الحديث عن المذاهب أو الفرق الإسلامية المختلفة التي تتصارع على السيادة في حضرموت خلال الخمسة القرون الأولى من الإسلام، وكذا مسالة التنحي الطوعي للأباضية مذهبا وسلطة، وغير ذلك مما رسمته تلك اللوحة التي ترسمها كتب التاريخ الحضرمي، إنما هو حديث أو حكم لم تتوفر له حيثياته ومقوماته، بالتالي يفقد أية قوة لاعتماده أو الركون إليه.
(72) (1/72)
صفحة 73
6 - يبدو أن الأستاذ باوزير، ولغرض فك حصار المتناقضات الذي يحيط بتلك اللوحة وجد نفسه مضطراً للبحث عن سبب معقول للقول بانتشار المذهب الشافعي وأدى إلى أضعاف المذهب الأباضي، سبب غير نظرية الصراعات المذهبية المزعومة التي يبدو أنه أدرك ضعفها، لهذا نراه يقول: (فلما ضعف نفوذ الخوارج بحضرموت في أوائل القرن السادس الهجري، وحكمت البلاد حكومة شافعية سنية تدين بالولاء لخلفاء بني العباس السنيين، وجد المذهب الشافعي السني متنفساً للذيوع والانتشار (7). على أن الأستاذ باوزير في الفقرة السابقة لم يحدد اسم تلك الدولة السنية الاعتقاد التي حكمت البلاد في أوائل القرن السادس الهجري، إذ إنّه من المعروف أنه كان لدينا في ذلك القرن في حضرموت أربع دول على الأقل حاكمة، ولم تكن حينها موحدة سياسيا، أو على الأقل لم يثبت ذلك، وإذا كان أستاذنا رحمه الله يقصد دولة آل راشد في تريم، فذلك غير مقبول منه، لأنه رفض الحكم على مذهبها، بل تساءل أسنية هي أم أباضية (8)
الكبير
حضرموت
أما مسألة علاقة دول حضرموت الحاكمة في القرن السادس بالدولة العباسية وقيام علاقة ولاء بينها وبين حكومة بغداد، فذاك أمر لم تذكره المصادر الحضرمية ولا الإسلامية، بل إن الأستاذ المؤرخ الشاطرى يقول بخلاف ذلك، حيث قال عن آل راشد: (ولهم اتصالات و روابط أكثرها علمية وثقافية بالبلاد الإسلامية والعربية الأخرى ((9). وإذن، لم يتحدث أحد عن مسألة الولاء السياسي الذي ذكره الأستاذ باوزير، وبهذا نجده يصدر حكماً أو أحكاماً خطيرة لم تتوفر لها حيثياتها ومقوماتها، وهو الأمر الذي حذر منه ونبه إلى
خطورته (10).
(73) (1/73)
صفحة 74
7 - إن الخارطة السياسية الحضرمية لم يطرأ عليها أي تعديل أو تبديل منذ القرن الخامس الهجري على الأقل حتى مطلع القرن السابع، وهذا الثبات في الأسر الحاكمة يلزم عنه بالضرورة ثبات الأوضاع المذهبية فيها، وإذا كانت الخمسة القرون الأولى من الإسلام في حضرموت هي فترة الدور الأباضي فإن هذا يعني استمرار هذا الدور حتى القرن السابع على الأقل، وهو يعني
أيضاً استمرار وجود الموانع المذهبية والسياسية لانتشار الاعتقاد السني
- تحدثت تلك اللوحة عن سيادة المذهب السني في الفروع والأصول على طول حضرموت وعرضها على طريقة (الإجماع العام الشامل)، واعتقد إن القضية أعقد من أن تحسم بتلك الطريقة، إنها ليست عملية (انتخابية)، بل هي عملية تحول مذهبي عقائدي وسياسي من المذهب الأباضي إلى المذهب السني، ولم يكن هذا المذهب الأباضي ليتنحى طواعية، لا من الوجدان الفردي والجماعي ولا من الوعي السياسي، وهو المذهب الذي ترسخ في الأرض والإنسان والوجدان في حضرموت عبر قرون طويلة، وقدم سجلاً حافلاً من التضحيات الجسام، وقدمت حضرموت من أجله دماء عزيزة وغزيرة دفاعاً عنه، وإن مسألة التحول تلك دونها صعاب كثيرة، تحول دون قبول نظرية (الإجماع العام الشامل (، أو التنحي الطوعي للأباضية مذهباً وسلطة من الحياة الاجتماعية الحضرمية، لصالح المذهب السني العقائدي أو الفقهي، ذلك أن الأباضية في هذه الحالة (لا يمكن إزالة شوكتها إلا بالسلاح) (11) بل إن الحقيقة التي رسمتها أحداث التاريخ الحضرمي هي فشل كل محاولات
(11)
الدولة الأموية والعباسية وكذا الدول اليمنية المستقلة والأيوبية في القضاء على
المذهب الأباضي، فكيف الحال إذا حاولت ذلك فرقة حضرمية – إن وجدت
-
(74) (1/74)
صفحة 75
وتلك مهمة فشلت أمام تحقيقها جيوش دول كبرى بمقاييس ذلك العصر. ويدلل الأستاذ باوزير على مدى تأصل المذهب الأباضي في نفوس الحضارمة بقوله: (لقد كان عهد الأباضية في حضرموت عبارة عن سلسلة من الحروب والثورات المتتابعة، بسبب رفضهم الخضوع لبني أمية أو العباس وخروجهم على حكام اليمن ... وظلوا متمسكين بعقيدتهم مخلصين لمبادئهم، رغم المجازر والمذابح التي تعرضوا لها، ولم يخلدوا إلى السكينة أو يلزموا السلم، حتى في أحلك الأزمات التي مرت عليهم، دفاعا عن العقيدة التي لا يبالي الخوارج في سبيلها بالضحايا والأرواح والدماء والأموال) (12) على أن هناك قضية أثارها د. عارف بقولة: (قد يكون الأمر كما ذهب إليه الشاطرى في تحول) تريم) إلى مركز لأهل السنة في وقت مبكر، ولكن ذلك تعوزه الأدلة، أما في القرن الخامس فلاشك أن هذه المدينة كانت تزخر بالعلم والفقه والتصوف، ومع تسليمنا بنفوذ الأباضية في مناطق أخرى غير تريم، أهمها: شبام ودوعن والشحر وعمان، أما السبب الأساسي في أن تكون تريم
(13)
سنية متصوفة، فلقوة النفوذ العلوي فيها الذي حارب الأباضية ((13) وما يهمنا من حديث الدكتور عارف الآن هو الحكم الذي أصدره بأن تريم في القرن الخامس كانت سنية متصوفة، ذلك أنه إذا كان يرى أن حكم المؤرخ الشاطري تعوزه الأدلة، فإنّ حكمه هو الأخر في حق تريم في القرن الخامس تنقصه الأدلة وليس له سند موضوعي، ذلك أن أول وجود علوي في تريم إنما كان سنة أنه سوف ينقضي قرن ونصف منذ بدء القرن الخامس،
561 ه
(14)
،
وهذا يعني
دون أي وجود علوي في تريم
(70) (1/75)
صفحة 76
وإذن، فان الأساس الذي أقام عليه الأستاذ عارف حكمه السابق ليس له وجود تاريخي، وبالتالي تسقط دعواه بأن تكون تريم في القرن
الخامس سنية متصوفة.
-
لـ
أما المؤرخ الأديب الأستاذ الحامد، فيجعل نهاية الدور الأباضي على يد الصليحيين، حيث يقول حول حملتهم على حضرموت: (وإذا انضمت إليهم حضرموت سنة ـ 455 ه وأصبحت جزء من ملكهم ..... ولعل من نتائج هذه الحملة على حضرموت، هو القضاء على شوكة الأباضية وتقلص نفوذهم وسيادتهم، وخفت أرباب هذه النحلة، مع علو كلمة أهل السنة، وبالرغم من تأثير السلطة الصليحية في القضاء على الأباضية، وأنهم بعد ذلك تقم لهم قائمه أو شوكة في هذا القطر، فلم تستمر شدة قبضتها (السلطة الصليحية) على وادي حضرموت، بل ما لبثت أن فترت شيئاً، حتى لم يبق لها أثر يذكر في عزل أو ولاية الأمر الذي نشأ عنه أن صارت حضرموت تحت ولاتها السابقين مستقلين بأمرها، وتقسمت حضرموت إلى ثلاث ولايات أو أكثر: آل قحطان في تريم، آل دغار في شبام، آل إقبال في الشحر (15).
فشيئاً
(10)
ما يمكن استخلاصه من حديث الأستاذ / الحامد هو ما يلي:
1 - إن الحملة الصليحية على حضرموت قد قضت على المذهب والسلطة الأباضية فيها ولم تقم لهم بعدها قائمة
2 - إن البديل المذهبي والسياسي الذي خلف الأباضية هو علو كلمة
أهل السنة
3 - بنهاية الوجود الصليحي في حضرموت الذي لم يستمر طويلا عادت
حضرموت تحت ولاتها السابقين.
(76) (1/76)
صفحة 77
هذه النقاط الثلاث التي يتضمنها كلام الأستاذ الحامد، أرى أنهالا تعطي أية حقيقة أو مشروع حقيقة، ذلك أن تلك النقاط تتناقض كل منها مع الأخرى، تناقضا فاحشا، وذلك للأسباب التالية:-
فهذا يعني
1 - إذا كانت تلك الحملة قد قضت وأنهت السلطة الأباضية في حضرموت، أنها قضت على السلطة الأباضية ممثلة بتلك السلطات التي كانت قائمة قبلها، وهذا يعني الحكم بأباضية تلك الدول، وإذا كان قد أعقب تلك الحملة عودة تلك السلطات إلى الحكم، فهذا يعني عودة السلطة الأباضية إلى مواقعها السابقة قبل الحملة، وعندها تكون محصلة تلك الحملة أنها لم تعط جديدا ولم تغير حالا، وبالتالي يكون الحكم بأنّ من نتائجها سيادة المذهب السني لا يستند إلى طرح موضوعي أو منطق تاريخي.
2 - إن قول الأستاذ الحامد بأنّ علو كلمة أهل السنة إنما كان بعد تلك الحملة، أي بعد سنة ـ 455 ه يعني أن السلطات في حضرموت قبلها لم تكن سنية، إذ كانت سنية الاعتقاد لكان علو كلمة أهل السنة قبل الحملة لا بعدها ونتيجة من نتائجها
لو
-
إن المذهب العقائدي للدولة الصليحية لم يكن سنيا، بل كان على النقيض منه، فقد كانت تلك الدولة على مذهب الشيعة الأسماعيلية، وهو مذهب فلسفي كلامي، وبالتالي فإن عداءهم للأباضية وأهل السنة سواء، بل إن عداوتهم لأهل السنة أشد وأعمق، ليس للسبب المذهبي وحده فحسب، بل وأيضا لسبب سياسي، يتمثل في ارتباط أهل السنة بالخلافة العباسية في بغداد التي ألد أعداء المذهب الإسماعيلي في مصر واليمن، وبهذا فإنّ أهل السنة لن يستفيدوا شيئا إيجابيا من تلك الحملة، بل سوف يكونون من ضحاياها، شأنهم
هي
(77) (1/77)
صفحة 78
الخليفة
شأن الأباضية، خاصة وإن تلك الحملة كانت بتوجيهات مباشرة من الفاطمي المستنصر في مصر (1)، أي أن لها هدف مذهبي مباشر يتمثل في احتواء
الدويلات الحضرمية التي لم تكن سنية الاعتقاد والقضاء عليها، وبالتالي ضم حضرموت إلى دائرة السياسة الفاطمية الإسماعيلية
-
أنه
4 - إن الأستاذ الحامد لم يحدد مواقع أهل السنة في العهد الأباضي أو قبل الحملة، ولا وزنهم الاجتماعي مقارنة بالوزن الاجتماعي الأباضي، حتى يمكن من خلال ذلك مناقشة حكمه بعلو كلمة أهل السنة بعد الحملة، غير حين ربط حكمه ذاك بعامل خارجي هو الحملة الصليحية، فهو بذلك يقر ضمناً بضعف الوجود السني العقائدي وضعف دائرته مقارنه بالدائرة الأباضية
ه - إن الدولة الراشدية القحطانية في تريم كانت قائمة منذ سنة 400 هـ، أي قبل الحملة الصليحية بأكثر من نصف قرن من الزمان، فلما ذا يكون علو كلمة أهل السنة وإعلاء شأنهم بعد نصف قرن من قيامها، ولماذا لم تقم الدولة الراشدية نفسها بذلك الدور قبل الحملة، إذا كانت هذه الدولة سنية الاعتقاد. وعلى ما تقدم، فإننا نرى أن المؤرخ الحامد لم يقدم منطقا تاريخيا علميا على نهاية العهد الأباضي، بالتالي لم يقدم شيئا يفيد القول بسنية اعتقاد أهل حضرموت في القرن السادس الهجري، بل إن ما قدمه يفيد القول بخلاف ما
أراد.
أما المؤرخ علوي بن طاهر الحداد، فقد أراد حسم الأمر مبكرا، فقد
قال: (بسيطرة الخوارج كلاب النار وشر الخلق والخليقة على حضرموت خلال الثلاثة القرون الأولى من الإسلام، ثم إن الله اذا بهم كإذابة الملح) (17)، ثم
نجده في موضع آخر يقول:
(17)
(78) (1/78)
صفحة 79
) وكان الشيخ محمد أبو بكر باعباد ــ ت ـ 801 ه والشيخ الفقية القاض
-
-
المؤرخ عبد الرحمن بن علي بن حسان ـ ت ـ 818 ه وغيرهم يناضلون
الخوارج) (18).
وهكذا نجد أن المؤرخ الحداد لم يقدم فيما سبق سوى طرحا ذاتيا صريحا، فالعقائد لا تذوب كإذابة الملح، ولا أحسب أن ذلك يفوته وهو القاضي والمفتي المتفنن في تمحيص القضايا، وإنّما دفعه إلى ذلك القول نظرته المذهبية إلى المذهب الأباضي وإخراجه من دائرة الإسلام
أما قولة الأخر، فنجده يتناقض مع قولة الأول بذوبان الأباضية، إذ وجدناه يعترف ببقاء الأباضية حتى مطلع القرن التاسع، بعد أن كان قد أذابها كإذابة الملح، وهكذا، نرى أن ما دفع مؤرخنا الحداد إلى ذلك الاعتراف، إنما هو ضغط الحقيقة التي لابد أن تظهر حتى في شكل (سقطات)، هـ السقطات تشكل قاعدة التناقض والغموض والاضطراب في الكتابات التاريخية
الحضرمية المعاصرة.
مذه
وهكذا نجد أن الذين كتبوا في تاريخ حضرموت الوسيط، لم يقدموا دليلا نصيا واحدا يحكم بسيطرة العقائد السنية في القرن السادس الهجري أو بعده، وبالتالي لم يقدموا سوى وجهات نظر تفتقر إلى منطقها الداخلي والتاريخي والموضوعي، ولهذا نجدها يحيط بها الغموض والتناقض من جميع الجهات
والأبعاد
، ويغرقها في محيط متلاطم من الترعة (الذاتية (الإرادية التي بدورها
فرضت عليهم إصدار أحكام خطيرة دون أن تتوفر لها مقدماتها لها مقدماتها وحيثياتها
الحضرمي
على أن ذلك الاضطراب والغموض والتناقض الذي يسود كتابة التاريخ
الوسيط، يعود في اعتقادي في معظمه إلى انعدام المصادر القاطعة، وهو الأمر الذي أدى إلى عدم تحديد المذهب العقائدي لدولة آل راشد في تريم
(79) (1/79)
صفحة 80
700
400 ه - 700 هـ -، ففي الوقت الذي يقطع فيه الأستاذ الشاطري بأشعريتها (1)، وجدنا باوزير لا يقطع برأي، بل يتساءل أهي سنية أم
أباضية (20)
على
، في حين يرى الدكتور عارف أن الأقرب أن تكون أباضية (21)
أنه يحسن بنا قبل الدخول في حيثيات أي حكم في هذه القضية، أن نتعرف على مذهب الدولة الأيوبية وسلوكها اتجاه دولة آل راشد خاصة وحضرموت عامة، أثناء حملتها على حضرموت سنة – 575 هـ وبعدها، على
أن هذه الخطوة البحثية من قبلنا سوف تكون بداية المشروع في الرؤية التي نأمل
أن نقدمها بأكبر قدر ممكن من الموضوعية والحياد
(80) (1/80)
صفحة 81
) الشروع في الرؤية))
1 - مذهب الدولة الأيوبية:
جاء الأيوبيون إلى الحكم في مصر في القرن السادس الهجري، بعد القضاء على الدولة الفاطمية الإسماعيلية المذهب، وهم - أي الإسماعيلية – في كثير من أصولهم يغلب عليهم مذهب الإعتزال، لهذا يأتي علم الكلام لديهم في المنزلة الثانية بعد الفلسفة وعلومها، في حين كان الأيوبيون شافعية في الفروع، وأشاعره في الأصول، متعصبون للمذهب الأشعري خاصة والمذهب السني عامة. لهذا فان السلطان صلاح الدين الأيوبي قد قاد انقلابا مذهبياً عقائدياً في مصر من المذهب الإسماعيلي إلى المذهب السني، ولقد بذل في سبيل ذلك الانتقال جهوداً كبيرة، وسار على نهجه من جاء بعده من سلاطين بني أيوب الذين عملوا على أحياء مذهب أهل السنة والعقائد الأشعرية والقضاء على التعاليم الفاطمية الشيعية وما كان لها من آثار دينية و علمية وعملية
في القرن السادس، عند قيام الدولة الأيوبية، كانت المذاهب الدينية والنظريات الفلسفية تتصارع صراعاً عنيفاً، وكثيراً ما يكون الصراع الفكري أشد ضراوة من الصراع الدموي، وكان الصراع بين الفلسفة والدين على أشده تلك الفترة، وكان الملوك يسايرون العامة في عدائهم للفلسفة، رغبة في استرضائهم لتوطيد سلطانهم.
في
كان السلطان صلاح الدين يرى في المذاهب الفلسفية والفرق الإسلامية السنية صدعاً للوحدة القومية التى تقوم على الإيمان بقداسة الدين، في وقت كانت فيه الأمة الإسلامية أحوج ما تكون للوحدة لمواجهة المد والقوة
غير
(81) (1/81)
صفحة 82
الصليبية، وهذا كان صلاح الدين يكره الفلسفة ورجالها، وكذا الفرق الإسلامية غير السنية، ويرى فيها وفي أفكارها الفلسفية والكلامية مفسدة للعقيدة والعقول، لأنها تخلق الشكوك وتزعزع العقائد وتثير المجادلات، وكان يرى أن في جوهر الدين ما يكفي لكل ما تريده الأنفس التي تريد الإصلاح
وتنشد الحياة المثالية
ولقد أولت الدولة الأيوبية منذ ظهورها عناية خاصة في تشجيع ودعم التصوف والصوفية وذلك من خلال بناء الأربطة والزوايا وصرف الأموال عليها وتنظيم مشيخاتهم، إلا أن ذلك الاهتمام وتلك الرعاية لم تمنع السلطان صلاح الدين من الأمر بقتل الصوفي الشهير شهاب الدين السهروردي الذي قام تصوفه على الفلسفة الاشراقية المتصلة بالفلسفة اليونانية، ما ذاك إلا لشدة كراهيته
للفلسفة ورجالها من حيث جاءت، ومهما كان اتجاهها
ولقد كانت كراهية صلاح الدين للفرق غير السنية لا تقل عن كراهيته للفلسفة ورجالها، لهذا نراه يصدر أمراً سلطانياً يمنع فيه القول والجدل بمسألة خلق القرآن أو التعامل مع علم الكلام وقد جاءت صياغة ذلك الأمر على النحو
الآتي:
(خرج أمرنا إلى كل قائم في خف أو قاعد في أمام أو خلف، ألا يتكلم في الحرف بصوت، ولا في الصوت بحرف، فمن تكلم بعدها كان الجدير بالتكليم، فليحذر الذين يخالفون أن تصيبهم تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، ونسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب، وبسط العذاب، ولا يسمع لمتفقه في ذلك تحيير جواب، ولا يقال عن هذا الذنب تاب، وليعلم بقراءة هذا الأمر على المنابر وليعلم به الحاضر والبادي، ويستوي فيه البادي والحاضر، والله يقول الحق ويهدي السبيل) (22). ويرى المؤرخ أحمد أمين أن المقصود بهذا القرار هم
(22)
(82) (1/82)
صفحة 83
المعتزلة، غير أنه لما كان القول بخلق القرآن يشترك فيه مع المعتزلة كل مر الأباضية والمذاهب الشيعية، فإننا نرى أن المقصود به كل الفرق الإسلامية غير السنية، وإن كان المعتزلة أكثر تلك الفرق اهتماماً بمسألة خلق القرآن لارتباطها بالأصل الأول من أصول مذهبهم وهو (التوحيد).
هذه الأجواء العقائدية العدائية الساخنة التي يعلنها القرار السلطاني الأيوبي ضد المعتزلة وغيرهم من القائلين بخلق القرآن في القرن السادس الهجري، هي التي أوحت إلى الفقيه السني شيث بن إبراهيم بن حيدره المعروف بابن الحاج
القفطي المصري المتوفى سنة 598 هـ بالرد على المخالفين بكتاب أسماه (حـ الغلاصم في إفحام المخاصم عند النظر في أحكام القدر (، ولسنا في حاجة إلى تبيان ما يعلنه عنوان الكتاب من حدة وشراسة الحملة في ذلك القرن على المخالفين، وشدة أهل السنة في خصومتهم للمخالفين من أهل الإسلام.
-2 الأيوبيون في اليمن:
شاه،
دخلت جيوش صلاح الدين اليمن سنة - 569 ه بقيادة أخيه توران 0 وكان الهدف المعلن لتلك الحملة على ما يذكر المؤرخون، هو القضاء على دولة علي بن المهدي التي كانت تسيطر على زبيد وتهامة، ويذكر ابن خلدون أن علي بن المهدي كان أباضي وأنه دعا إلى هذه النحلة (23)، ويرى الأستاذ
(24)
جراده أنه (كان يجمع بين أراء غلاة الخوارج وغلاة المعتزلة)، وكانت
اليمن عند اجتياح القوات الأيوبية لها تشتمل على دولة بني زريع في عدن وما والاها من البلاد، وهم شيعة إسماعيلية، ودولة آل حاتم في صنعاء وما حولها، وهم شيعة إسماعلية أيضا، وكان المذهب الزيدي المعتزلي الأصول في صعدة وما حواليها، ولكن بدون إمام، وفي حضرموت الدول التي أتينا على ذكرها
(83) (1/83)
صفحة 84
سابقا، ويرى المؤرخون أنه:) كان لطبيعة البلاد الوعرة وصعوبة الانتقال بين أجزائها المختلفة، وبعدها عن مركز الخلافة العباسية، أن اختارها الخارجون على بني العباس لتكون ملجأ لهم) (25)
إلى
غير أن أسباب الفتح الأيوبي لليمن كثيرة، منها ما هو سياسي يرمي الصف العربي في مواجهة الصليبيين، وما هو اقتصادي يهدف إلى استثمار جمع النشاط الاقتصادي التجاري لزبيد والشحر وعدن، التي كانت مركز لتجارة العبور من الشرق والهند إلى مصر والبحر المتوسط، وغدت عدن مستودع لتجارة الشرق، وتوفرت فيها حركة نقذيه هائلة. ولقد استطاع الأيوبيون القضاء على جميع الدول التي كانت تحكم في اليمن، بما فيها الدول الحضرمية، وإذا كان الهدف المعلن للحملة الأيوبية على اليمن هو القضاء على دولة ابن المهدي الأباضية، فإنّ هذا يعني أن الهدف المذهبي للحملة يأتي في مقدمة أهدافها، أي إنها جاءت: (من أجل تحقيق سيادة المذهب السني والقضاء على الأنظمة غير السنية في اليمن). وإذا كانت مذاهب الدول المعروفة لم تكن سنية، فهل تكون دول حضرموت سنية؟. ذلك ما سوف نحاول استجلاءه من
خلال تتبع
(26)
الحملة الأيوبية على حضرموت.
الأيوبيون في حضرموت:
في سنة 575 ه قاد القائد الأيوبي أبو عثمان الزنجبيلي حملة عسكرية على حضرموت، وكان توران شاه قد عينه نائبا على عدن وما والاها من البلدان، وفي البدء احتل الزنجبيلي مدينة الشحر الساحلية، وهي ميناء حضرموت الأساسي، وفيها آل إقبال، فنهب البلد وأحرق جانباً منها، وقتل أناساً
(84) (1/84)
صفحة 85
(27)
كثيرين بينهم عدد من الفقهاء والقراء، تم اتجه إلى وادي حضرموت، وكانت مواجه شرسة ضروس يقول عنها الشاطري: (وفيها فني أعداد كبيرة من أبناء القبائل، وأعقبها مباشرة مجازر ونفي علماء البلد وصلحائها وحكامها) (28)، وقال المؤرخ بامخرمه في حديثة عن الزنجبيلي: (ثم غزا
(29)
حضرموت إشرا وبطرا وقتل عالما كبيرا من فقهائها وقرائها، ويقول المؤرخ
الفقيه علي بن سمرة الجعدي المعاصر لتلك الحملة: (قتل الزنجبيلي فقهاء حضرموت وقراءها قتلا ذريعا ((30)، ويقول المؤرخ الصبان عن المقاومة الحضرمية للحملة: (وكانت المقاومة الحضرمية مقاومة شديدة في أغلب المدن والقرى، وجاء الأمير الأيوبي على بن المهدي سنة 612 هـ إلى الشحر، وجاء سنة 615 هـ وعاث في الأرض فساداً، وقتل الحضارم، وكان القتال بينه وبين الحضارمه من قرية إلى قرية، من داخل الوادي، ومن (عرف) و (حجر) و (دوعن) إلى أن قتلته قبيلة نهد سنة 621 ه بوادي حضرموت وبعد تلك الجولة مع الدولة الأيوبية مذهباً وسلوكا في مصر واليمن وحضرموت، وبعد أن عرفنا الأوضاع المذهبية السائدة في اليمن قبل الحملة الأيوبية عليها، فهل نستطيع معرفة الملامح الأساسية للأوضاع المذهبية في حضرموت التي ظلت لغزا محيرا، على ضوء سلوك الحملة الأيوبية عليها لنحاول ذلك.
(31)
من جملة الحديث السابق يمكن وضع النقاط الأساسية الآتية: 1 - قامت الحملة الأيوبية على حضرموت بأبشع عملية قتل جماعي للعلماء والفقهاء والقراء، لم يشهد لها التاريخ الإسلامي مثيلاً منذ سنة 420 هـ عندما قام السلطان محمود الغزنوي في إقليم (الري) في فارس بأبشع وأكبر عملية قتل وحرق ونفي وتعذيب المعتزلة والاسماعيلية والأباضية، وإذا أخذنا بعين الاعتبار
(10) (1/85)
صفحة 86
ما تذكره المصادر الحضرمية من أنه كان يوجد في تريم وحدها في ذلك الوقـ من القرن السادس، مجمع علمي كبير قوامه حوالي ثلاثمائة عالم وفقيه ومفتي، عندها يمكن أن نقدر حجم تلك المذبحة التي قام بها الأيوبيون في حضرموت في حق ذلك المجمع العلمي، تلك المذبحة التي قال فيها المؤرخون ما قالوا، دليلا على كثرة القتل فيهم إن الدولة الأيوبية وهي على ما رأينا من تعصبها للمذهب السني وكراهيتها للفرق الإسلامية غير السنية، ما كان لها أن تقدم على ذلك الفعل الشنيع، لو كان أولئك العلماء من ضحاياها، على مذهبها السني الأشعري، ولكان تعصبها لمذهبها مانعاً لها من الإقدام على ذلك، ولكن تلك المذبحة تكون مبررة ومقبولة عقلاً لو كان أولئك الضحايا على خلاف مذهبها وممن يمارسون الفلسفة وعلوم الكلام ويقولون بخلق القرآن.
2 - إن الإقدام على تلك المذبحة يتنافى كلياً مع الهدف المعلن للحملة على اليمن عموماً، من رص صفوف المسلمين والعمل على وحدة الصف الإسلامي لمواجهة الغزو الصليبي، ذلك لما لعلماء الدين من دور أساسي في الدعوة للوحدة القومية، كما أن التسامح بين الطوائف والفرق الإسلامية هو الأساس لخلق تلك
الوحدة المنشودة، وليس المذابح والمجازر في حق تلك الطبقة المثقفة
- إن الهدف الاقتصادي للحملة تماماً ينتفي من حملتهم على وادي حضرموت المعروف بقلة ومحدودية موارده الاقتصادية والمشهور بتكرار المجاعات الرهيبة فيه، وبذلك يبقى الهدف المذهبي وحده سبب تلك الحملة على الوادي خاصة و حضرموت عامة.
4 - إن طبيعة المواجهة الشعبية الشرسة، والمقاومة العنيفة لتلك الحملة، وكذا تعدد غزوات الأيوبيين لحضرموت، أمر لم يحدث في تاريخ الغزو الأيوبي
(86) (1/86)
صفحة 87
لليمن إلا في حضرموت، الأمر الذي يعني أن هناك عداء تاريخيا بين الأيوبيين
والحضارمة، وأن ذلك العداء ليس إلا عداءاً مذهبياً
ه - إن الأعمال الخيرية التي اشتهر بها عثمان الزنجبيلي وكذا باقي نواب بني
أيوب في اليمن انعدمت تماماً في حضرموت، ولم يكن لحضرموت أي منها يمكن أن يسجل لهم حسنة في تاريخ وجودهم فيها، وإنما كان نصيبها قسوة وشدة قمع وإرهاب طال كل فئات المجتمع الحضرمي، خاصة رجال الدين، الأمر الذي يعني أن عداء الأيوبيين كان للمجتمع الحضرمي بكل فئاته وطبقاته، وذلك لن يكون إلا بسبب مذهبي محض
وهكذا نصل إلى استنتاج عام يقول إن سلوك الحملة الأيوبية تجاه حضرموت يقطع بأنها ومجمعها العلمي التريمي لم تكن على المذهب الأشعري و لم تكن سنية الاعتقاد، وأن هدف تلك الحملة عليها كان هدفاً عقائدياً محضاً، استهدف رجال العلم والدين خاصة، وأن ما قامت به تلك الحملة من مذابح ومجازر، إنما يندرج تحت تنفيذ الأمر السلطاني لصلاح الدين بالتنكيل ومعاقبة كل من
الأباضية والمعتزلة والشيعة وكل الفرق غير السنية التي تقول بخلق القرآن. غير أن قولنا ذاك الذي توصلنا إليه القائل بلا سنية الأوضاع في حضرموت في القرن السادس الهجري، يصطدم باعتراض من قبل القائلين بسنية أوضاعها، وهذا الاعتراض قائم على الادعاء بأنّ القائد الأيوبي الزنجبيلي كان خارجي العقيدة، هذا الادعاء قال به بامخرمه في قلادة النحر وأورده الشاطري وغيره (32)، ومن وجهة النظر تلك يكون ما قام به الزنجبيلي مقبولاً ومبررا
ويؤكد سنية الأوضاع فيها على أن الادعاء بخارجية الزنجبيلي لا يصمد أمام حقيقة أنه ما كان للدولة الأيوبية أن توكل مهمة القضاء على دولة بن المهدي الخارجية إلى قائد خارجي
(87) (1/87)
صفحة 88
بل إنها على تعصبها المذهبي ما كان لها أن تقبله جنديا في جيشها، ناهيك أن يكون قائدا في حملتها على اليمن، نظراً للبعد العقائدي لتلك الحملة، أو أن تعينه نائبا على عدن وما والاها من البلدان، كل ذلك ما كان ليحدث لو كان الزنجبيلي خارجيا، وعلى ما تقدم فأن الاعتراض بخارجية الز فأن الاعتراض بخارجية الزنجبيلي يسقط
منطقياً
غير أن الأستاذ الشاطري ومن أجل تأكيد سنية الأوضاع في حضرموت عامة وتريم خاصة، يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يقول بخارجية قائد أيوبي آخر، هو علي بن المهدي الذي عانت منه حضرموت كثيراً، وهذا الادعاء غير مقبول أيضا مثل سابقه، ولعل الأستاذ الشاطري لو سار على ذلك المنوال، لقال بخارجية صلاح الدين نفسه والدولة الأيوبية.
-
ولحسم هذه القضية، فإننا نجد المؤرخ الجندي المتوفى سنة ـ 732 ه يقول عن الزنجبيلي: (قد كنت قدمت عدن ورأيت ما أوقفه هذا الأمير على الحرم والمسجد) في مكة والمدينة (فكنت استعظم قدره واستكثر خيره، حتى وقفت على ما ذكره ابن سمره من قتله الفقهاء والقراء فصغر وحقر ما فعله من خير في جنب ما فعله من شر) (33)، وعلى ذلك نجد أن لا إبن سمرة المعاصر للحملة ولا الجندي قال بخارجية الزنجبيلي، وأن ذلك الإدعاء ما هو إلا تخريج حضرمي خاص، فرضته الرغبة في فرض المذهب العقائدي السني على حضرموت في القرن السادس الهجري، دون حجة من نص أو وثيقة أو منطق تاريخي موضوعي، وإنما رغبة في الخروج من مأزق السلوك الأيوبي في
حضرموت
ويبدو
أن الأستاذ الشاطري لم يقتنع هو نفسه بالادعاء بخارجية الزنجبيلي لهذا نجده يناقض قوله السابق، بقول آخر، حيث يقول: (ثم جاء الصليحي
(88) (1/88)
صفحة 89
فيما بعد واشتبك معهم) يقصد الأباضية)، ثم جاء الزنجبيلي فيما بعد فزاد الطين بله، وكاد يفني البقية الباقية منهم) (34)، وهكذا يسقط الأستاذ الشاطري دعواه بخارجية الزنجبيلي بنفسه، ويبقى معنا الحقيقة التي نرى أنها منطقية ومتسقة مع سير الأحداث، ألا وهي أن ما فعلته الحملة الأيوبية على حضرموت من مذابح ومجازر وغير ذلك من أساليب التنكيل تجاه العلماء
والفقهاء والقراء وعامة الشعب، وكل ذلك كان عملا مقصودا ومخططا لـ وبدافع من خلاف مذهبي بين الطرفين، ولم يكن نتيجة خطأ سياسي من قبل الأيوبيين، أو نتيجة عملية تحريض غير محسوبة العواقب من قبل العلماء الحضارمه ضد الدولة الأيوبية، بل إن ما أقدمت عليه تلك الحملة كان ينسجم تمام الانسجام مع الإتجاه العقائدي للدولة الأيوبية وهدفها في القضاء على المذاهب والفرق غير السنية الاعتقاد، حتى يتحقق هدفها في طبع حياة ذلك العصر بالطابع السني وأحياء تعاليم أهل السنة.
أما إذا أردنا أن نبحث عن الأقوال بعدم سنية الأوضاع في حضرموت في القرن السادس الهجري، فإننا سوف نجدها تصدر عن نفس القائلين بسنيتها، فهذا الأستاذ الشاطري يقول: (وفي القرن الخامس وأوائل القرن السادس لا تزال للأباضية سلطة في حضرموت ((35)، وكنا فيما سبق قد أوردنا قوله بمحاربة الزنجبيلي للأباضية وكاد أن يفني البقية الباقية منهم. وهذا المؤرخ الحداد يقول في أثناء حديثه عن السلطان عبدالله بن راشد (توفي 616 هـ) (هو الذي جاهد آل النعمان ولاة شبام والفافهم، كما جاهدتهم السكون من كنده، بعد زيغ منهم، حتى أدعنوا بالطاعة وتفرق شمل الخوارج) (36)
أما عن الوجود المعتزلي في حضرموت عامة وتريم خاصة، فإن أول إشارة إلى ذلك الوجود، صدرت عن الشيح محمد عوض بافضل، حيث يقول في ترجمته
(89) (1/89)
صفحة 90
للشيخ سالم بن فضل بافضل، المتوفى سنة - 581 هـ - وعن عهده وعصره) وكانت بدعتا الأباضية والمعتزلة إذ ذاك منتشرة في الجهات الحضرمية، وفتنتهم على طامة على الملة الإسلامية) (31)، ويقول الأستاذ الشاطري في ترجمته للإمام
ابن جديد (توفي 620 هـ) .. (تصدر للردود على بعض الفرق المخالفة
(38)
أنه
من
للمذهب السني ومنهم المعتزلة). ومن كل تلك الأقوال نفهم أنه في القرن السادس الهجري لا زالت السيادة للفرق غير السنية في حضرموت، غير الأهمية أن نذكر أن كل تلك الأقوال بوجود الأباضية والمعتزلة أو سواهم من الفرق غير السنية، إنما هي صادره عن قائلها بدون دليل من نص أو وثيقة، وأنّ تحقيق ذلك يحتاج إلى جهد آخر، وهو ما سوف نحاول تحقيقه في الفصل
القادم ...
(90) (1/90)
صفحة 91
) الأوضاع المذهبية في تريم في القرن السادس)
تحتل مدينة تريم في خارطة الجغرافية الحضرمية موقعا متميزا، جعلها في العصر الوسيط مركزا ذا أهمية خاصة في مجال التواصل بكل أنواعه بين شطري حضرموت الساحلي والداخلي، فلئن كانت ولازالت هي أقرب المدن التاريخية في الوادي إلى الساحل من جهة الهضبة الوسطى، ثم منها يمكن للمرء أن يتصل بباقي أجزاء الوادي والصحراء حتى مأرب، فهي أيضا واسطة العلم والمعرفة بين شطري حضرموت، ذلك أنها ومنذ وقت مبكر من العصر الإسلامي كانت قصبة العلم و المعرفة بالنسبة لعموم حضرموت، وكان دورها المعرفي والعلمي كثيرا ما ينعكس على باقي أجزاء هذا القطر بهذا الشكل أو ذاك، كما كان لابد لدورها الجغرافي التجاري والعلمي أن ينعكس على دورها وأهميتها السياسية
وتأثير ذلك على عموم القطر ولما كان التاريخ العلمي لأية مدينة في العصر الوسيط كثيرا ما يكون انعكاسا لأوضاعها المذهبية السياسية، ولما كانت الأوضاع السياسية في ذلك بعينها الأوضاع المذهبية العقائدية، فأن دراسة الأوضاع العلمية لهذه المدينة العريقة واستجلاء حقيقتها، سوف يلقي ضوءاً كاشفا على أوضاعها السياسية، وبالتالي لابد أن يفصح ذلك عن حقيقة الأوضاع السياسية لعموم البلاد في تلك الفترة التاريخية العلمية.
العصر هي
إن ما توصلنا إليه من معطيات على ضوء ما سبق من هذه الدراسة
تقول: إن الأوضاع المذهبية في حضرموت في القرن السادس الهجري وأثناء الحملة الأيوبية عليها، لم تكن سنية من الناحية العقائدية، وإذا كان الأمر كذلك، فهي أما أن تكون أباضية، باعتبار أن الأباضية هي مذهب حضرموت
(91) (1/91)
صفحة 92
الأساسي، أو أن تكون معتزلية، ذلك المذهب الذي تتحدث عنه وعن وجوده في حضرموت في تلك الفترة بعض المصادر والمراجع، إلا إننا لا نملك دليلا نصيا على أي منهما، غير أننا سوف نحاول الإمساك بأول خيط يخرجنا من محيط هذه المتاهة، وسوف نمسك بالخيط الذي يقدمه لنا العلامة نشوان بن سعيد الحميري، كمدخل لتوسيع دائرة الرؤية:
نشوان بن سعيد الحميري في تريم:
قليلة هي
المصادر التي تتحدث عن نشوان، وعلى قلة هذه المصادر، فقد تميزت الأخبار عنه بالقلق والاضطراب، بحيث لا تكاد تلقي الضوء الذي يبين شخصيته التي تظهرها مؤلفاته في الأخبار والأنساب واللغة والأدب والحكمة والطب وعلم الفلك وعلم الكلام وفقه الشريعة الذي كان فيه طودا شامخا وعلما
باذخا
ولد في مدينة (حوث) التي تبعد عن صنعاء بمسافة يومين ونصف مشيا ولكن
على الأقدام، وهي مدينة علم وعلماء، ولم تحدد الأخبار تاريخ مولده، وفاته كانت ما بعد سنة 575 ه على أرجح الأقوال (39) هذا أنه
، ومعنى
شهد أواخر دولة بني نجاح في تهامة وأيام علي بن المهدي، وأيام بني زريع الذين خلفوا الصليحيين في حكم عدن وما جاورها، وفي أواخر عمره شهد الفتح الأيوبي لليمن، ونهاية الدول اليمنية على يد الأيوبيين (40)
لم تذكر الأخبار شيئا عن شيوخه الذين تلقى العلم على أيديهم، ولكن الأخبار تجمع على علو كعبه وسمو متزلته الثقافية، قال عنه المؤرخ المصري علي بن يوسف القفطي في) أنباء الرواة): (كانت له في الفرائض وقسمتها يد، وكان يفضل قومه اليمنيين على الحجازيين ويفاخر عدنان، وله في ذلك نقائض
(92) (1/92)
صفحة 93
مع الأشراف القاسمية (وترجم له السيوطي فقال: (هو أبو سعيد الفقيه العلامة المعتزلي النحوي اللغوي (كما ذكره الخزرجي فقال: (أوحد أهل عصره وأعلم أهل دهره، فقيها نبيلا مفتيا عارفا بالنحو واللغة والأصول والأنساب والتواريخ وسائر فنون الأدب، شاعرا فصيحا بليغا مفوها، صنف) شمس العلوم) في اللغة من ثمانية أجزاء).
كان نشوان معتزلي المذهب في أغلب آرائه، أما مذهبه في الفقه فقد كان يعتمد على الاجتهاد وترك التقليد، ومن هنا كثرت خلافاته مع فقهاء الزيدية، وخاصة أولئك الذين اتصفوا بالجمود المذهبي، وفي ذلك يرد عليهم
بقوله:
إذا جادلت بالقرآن خصمي أجاب مجادلا بكلام يحي فقلت كلام ربك عنه وحي أتجعل قول يحي عنه وحيا
أما مذهبه في الحكم فيذهب إلى أن الأمر شورى بين الأمة، وليس منحصرا في بطن أو أسره أو سلالة عرقية، وهذا هو مذهب المعتزلة والأباضية، وهو يقول في ذلك:
أيها السائل عني إنني مظهر من مذهبي ما أبطن مذهبي التوحيد والعدل الذي هو في الأرض الطريق البين إن أولى الناس بالأمر الذي هو اتقي الناس المؤتمن كائنا ما كان لا يجهل ما ورد الفرض به والسنن أبيض البشرة أم أسودها أنفة مخرومة والإذن أيها الشيعة هيا فلقد طالما استولي عليك الوسن ما رأيتم لبني عدنان من ورم في الدين قلتم سمن
(93) (1/93)
صفحة 94
وهو يرد على القائلين بأن الحكم حكر على آل فاطمة، بقولة: آل النبي هم أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب
لو كان آله إلا أقاربه صلى المصلي على العاصي أبي لهب
عاش نشوان في عهد الإمام أحمد بن سليمان - ت 566 ه ـ وجرت
-
-
ــــ
بينه وبين الإمام نقائض متبادلة، وعداوة نشوان للأئمة العلويين آتية من جهتين: جهة مذهبية معتزلية تتعلق بمذهبه في الحكم و الإمامة ومن جهة نزعته القحطانية عبر عنها في الكثير من قصائده، غير أن تلك العداوة تحولت إلى مودة في
التي عبر آخر عمر نشوان، واتصلت بينهما المراسلات، تنصل خلالها نشوان مما قاله من شعر المفاخرة والعصبية، ويرد ذلك نشوان إلى نزوات الشباب، حيث يقول: (انقضت النقائض بيني وبين الأشراف الهاشميين، وذلك قبل طرور الشارب وبلوغ المآرب، فأما اليوم فقد زدت على الأشد، وصرت من الهزل إلى الجد، وأتاني نذير الشيب، وزايلني كل ريب، وتحليت بحلية الوقار، ونظرت إلى نفسي بعين الاحتقار، ورغبت عن القريض، وملاهي معبد والغريض، وأخذت القرآن بالشعر بديلا، وتركت الجدال، وكان الإنسان أكثر شيئا جدلا).
مؤلفاته: منها:
-1 - رسالة (الحور العين) وفيها شرح مذهبه في الاعتقاد والتوحيد وآراءه في الملل والنحل والعقائد والمذاهب وعلوم أخرى تتصل بعلوم اللغة والعروض والتاريخ والفلك والأدب وأصول الفقه وغير ذلك من المواضيع.
2 - شمس العلوم: وهو أهم مؤلفاته، وهو معجم في اللغة يتضمن فوائد علمية وفقهية وتاريخية وجغرافية وفلكية وأدبية، فهو أشبه بالموسوعة العلمية
3 - التبيان في تفسير القرآن: أربعة أجزاء
(94) (1/94)
صفحة 95
4 - أحكام صنعاء وزبيد.
ه - الاعتقاد في التوحيد
6 - الفوائد والقلائد في الأدب
7 - النقائض: فيما بينة وبين الهاشميين
وله مؤلفات أخرى.
،
هذا هو نشوان بن سعيد الحميري العلامة المعتزلي الكبير، الذي انتقل من الجوف إلى تريم، وعاش فيها عامين ونصف، يقول الأستاذ جرادة: (ولسنا نعلم لنقلته سببا، ولعلها ناشئة عن مضايقات البيت القاسمي له)، عاش نشوان في تريم يلقي الحفاوة والتكريم من حاكمها وعلمائها الذين قدروا نشوان حق قدره، ولكنه عاد إلى الجوف، ويقول عن رحلة العودة تلك: (لبثت في حضرموت كما لبث يونس في بطن الحوت، لبثت سنتين ونصف، أخصف بها ورق الندامة خصفا، وأتعرض لرزق حلال، فحصل ما فيه سد الخلة، ثم عدت إلى مأرب، فلقيني من بها، فتعرض للعطية، فقاسمتهم ما على المطية، ووصلت الجوف متخليا عن الأخوان والأنصار، ولو شئت لدخلتها بالجيوش الكثار، ولكن قلت ما عند الله خير وأبقى).
لم تذكر المصادر الزمن الذي انتقل فيه نشوان إلى حضرموت، غير أننا نستطيع القول إنّه كان قبل وفاة الإمام أحمد بن سليمان، أي قبل سنة 566 هـ، ويروي صاحب تاريخ آل الوزير أن نشوان قال عن نفسه، إنّها وصلته من العلويين بعد عودته من حضرموت ثلاثمائة قصيدة، فأجابهم بقوله (41):
لو كل ما عوت الكلاب أجبتها تا الله لأصبحت كلبا عاويا
(90) (1/95)
صفحة 96
أي أن نشوان زار حضرموت في فترة شبابه، وقبل مصالحته مع الإمام
أحمد بن سليمان وانقضاء النقائض بينه وبين العلويين، وبما أن تلك النقائض استمرت بعد عودته من حضرموت، فإن زيارته لها تكون قبل وفاه الإمام بفترة ليست بالقصيرة، ونرى أنها تمت في أواخر النصف الأول من القرن السادس وفي فترة حكم شجعنة بن راشد لتريم، الذي بدأ سنة 548 ه واستمر حوالي ثلاثين
عاما
وإذن فقد جاء نشوان إلى تريم في النصف الأول من القرن السادس، بسبب العداوة الطافحة التي كانت بينه وبين العلويين القاسميين، تلك العداوة التي أرهقتة كثيراً، وما كان لنشوان أن يختار تريم لتهدأ فيها نفسه عناء تلك من الخصومة والعداوة المذهبية، لو لم تكن تريم وأوضاعها المذهبية والسياسية مع مذهبه في الإعتزال وآرائه ونظرته للأمور، ولكن لنترك نشوان يتحدث عن كل ذلك في قصيدته (التريمية (التي بعث بها من الجوف بعد عودته إليها من تريم، ولنا بعد ذلك أن نحكم، يقول نشوان في قصيدته:
تتناسب
رعى الله أخواني الذين عهدتهم ببطن تريم كالنجوم العوالم عليا حليف النجدة ابن محمد وابن أخيه الغر أبناء حاتم ومن في تريم من فقيه مهذب وسيد أهل العلم يحي بن سالم أولئك أهل الفضل في ظل فاضل عظيم من الأملاك عالي الدعائم انست بهم من سالف الدهر برهة فكانت لياليهم كأحلام نائم فارقتهم كرها ونار فراقهم تأجج ما بين الحشا والحزائم وهل لزمان الوصل بالوصل عودة وهيهات ليس الصدع كالمتلائم الا هل لأيام تقضين رجعة أو أبكي عليها بالدموع السواجم لئن بعدت أجسامنا فقلوبنا بها الود غير واهي العزائم سلام عليكم من صديق بقلبه جراح فراق مالها من مراهم
(96) (1/96)
صفحة 97
وإذا أردنا أن نشرح تلك الأبيات النشوانيه، فإنها في غنى عن أي شرح
أو بيان، فكل بيت منها يفصح عن مكنونة من المعاني الواضحة الدلالة، فهو يقول لنا أن (إخوانه (من العلماء الذين عاش بينهم تلك الفترة، ليسوا في حاجه إلى المدح والإشادة، فهم مشهود لهم بالفضل والعلم، وهم في ذلك مثل النجوم يستضاء بنور فضلهم وعلومهم، فمنهم علي بن محمد بن حاتم وأبناء أخيه، وتذكر المراجع الحضرمية، أنه كان في تريم حينها ثلاثمائة عالم وفقيه ومفتي، منهم خمسة وأربعون من آل حاتم (42)، ويذكر نشوان فقهاء تريم (المهذبين) بكسر الذال، أي الذين هذبوا الفقه مما علق به من أفكار الجمود والركود د، عن طريق الاجتهاد العقلي، حيث ذلك هو مذهبه في الفقه، ذلك أن كلمة (مهذب) بفتح الذال لا تعطي جديدا، فكل فقيه مهذب في أخلاقه لأن الفقه يهذب النفس والسلوك، وتلك هي سمة الفقهاء في كل المذاهب، ولكن زاد عليهم فقهاء تريم بتهذيب علم الفقه نفسه، ونعتقد أن ذلك هو مقصود
نشوان
ثم يتطرق إلى ذكر (سيد أهل العلم يحي بن سالم) الذي اختلف في مقصوده، هل هو ابن أكدر أم بافضل، وتلك قضية أخرى، ثم يذكر نشوان حاكم تريم من آل راشد، وهو الإمام شجعنه بن راشد، وأسرة آل راشد أسرة علم وأدب وحكم وسياسة معا، ثم نجد باقي أبيات القصيدة تعلن عن الروابط العميقه التي جعلت نشوان يرى أن فترة عامين ونصف التي قضاها معهم، تمر عليه كأحلام نائم، وأنّ فراقهم نار تأججت في قلبه وفؤاده، وأن فراقهم يستحق منه البكاء بغزير الدمع، إلا إنّه يعلل النفس بان ذلك الفراق رغم قسوته على النفس، إلا انه لن يضعف أو يوهن ما تكنه القلوب من ود باق مدى
w
العمر، رغم أن جراح الفراق سوف تظل دامية لا تداويها العقاقير والمراهم.
(97) (1/97)
صفحة 98
إن تلك الأبيات (النشوانية) على ما فيها من بلاغة القول وفصاحة
(43)
وبيان، فهي ناطقة بصدق العاطفة وحرارتها، وكيف لا تكون كذلك والشاعر هنا إنما يعبر عن مشاعره تجاه (إخوانه (في العقيدة، ذلك أن كلمة (أخوان) لا يطلقها العلماء وأصحاب المذاهب والمدارس ومن هم في متزلة نشوان العلمية المذهبية، إلا على من هم على مذهبهم، فهي إذن إخوة مذهبية، على أن تلك الإشادة بفضل وعلم أولئك الأخوة من قبل نشوان، ليست غريبة على الأدب المعتزلي، ذلك أن (اعتداد المعتزلة بالمعتزلي كاعتداد الشيعة بالوصي والمهدية بالمهدي) على قول الخوارزمي إن الانسجام التام بين نشوان العلامة المعتزلي الكبير وبين المجمع العلمي التريمي والقيادة السياسية في تريم، بل وممارسة نشوان النشاط التجاري في تريم في دعة وأمان، كل ذلك أمر جدير بالملاحظة الدقيقة، ذلك أن مجمعا علمياً أشعريا ما كان يمكن أن يقبل أن يعيش بين ظهرانيه رأس معتزلي، حتى بأقل من رأس نشوان، فكيف يقبل بنشوان. لهذا فان السبب المذهبي الذي جعل نشوان يهرب من العيش في مجتمع الجوف الزيدي المعتزلي، هو الذي جعله يعيش في تريم بكل تلك الدعة والتوافق والانسجام، خاصة إذا علمنا رأيه في الفرق المخالفة له، حيث يقول في ذلك: (أكثر من ينتحل السنة، في دجنة، فالعامة في طريق الله الحيرة آمة، والقدرية) الأشاعرة (للطعن درية، وحجة الرافضة عن داحضة، والحشوية (الحنابلة (غوية شويه، وركبت المرجئة مطية غير نجية،
(44)
ومشت الخوارج بأقدام عوارج)، ثم يقول عن مذهبه المعتزلي الخالص:) ونزلت المعتزلة من الفضل بمنزلة، فهم ملائكة الأرض، وأعلم الناس بالسنة والفرض، وفرسان الكلام وذروة أهل الإسلام) (45)، كما يقول أيضا:
) إن المعتزلة ينظرون إلى جميع المذاهب كما تنظر ملائكة السماء إلى أهل
الأرض) (
(46)
(98) (1/98)
صفحة 99
وإذن فإن آراء نشوان في المذاهب والفرق الأخرى تجعل من مدحه وإشادته بعلماء تريم وحكامها لا تنسجم إلا مع نظرته لمذهبه في الاعتزال، وهكذا نكون قد وصلنا مع الخيط الذي تركه لنا نشوان إلى نقطة حرجة، تقول باعتزالية تريم في القرن السادس الهجري
غير
أن التحقيق العلمي لهذه القضية يتطلب أمر مهما وهاما، ألا وهو التدليل بالنصوص القاطعة التي يجب أن تكون من إنتاج المجمع العلمي التريمي في القرن السادس، إلا إنّ العثور على ما هو مطلوب أمر في غاية الصعوبة، ذلك أن النتاج العلمي لتريم الراشدية التي كانت غنية بالرجال والعطاء، إنما هو في حكم المفقود والمعدوم، وقال البعض أن يد الأيام قد سطت عليه. إن فقدان كل الإنتاج العلمي لثلاثة قرون كاملة أمر غير مقبول، خاصة إذا كانت تلك القرون هي عمر دولة بحجم دولة آل راشد التي ضمت ورعت ذلك المجتمع العلمي الكبير الذي بلغ قوامة ثلاثمائة عالم وفقيه، عدد كبير منهم يشتغل بالتأليف، وإذا كان المؤرخ باوزير يرفض تبرير فقدان كل التراث الأباضي الحضرمي من خلال الخمسة القرون الأولى من الإسلام بحجة الفتن والثورات، بقوله: (ومهما قيل في تعليل ذلك من أسباب تتعلق بالحروب والفن التي تعرضت لها البلاد، فإنّ ذلك لا يقنعنا بأنّ هذه الحروب وحدها كانت سببا في اختفاء كل أثر للأباضية في حضرموت، ذلك أنه من الجائز أن تتعرض بعض المصادر للتلف، أما أن تختفي جميعا من الوجود كلية، فهذا مالا يمكن أن يقبل
(47)
(48)
أو يستساغ) وإذا كان ذلك هو رأى الأستاذ باوزير تجاه التراث الأباضي، فإنّ الأمر نفسه ينطبق على اختفاء التراث المعتزلي في العالم الإسلامي كافة، رغم كثرة ذلك الإنتاج وغزارته على ما تذكر كل المصادر الإسلامية: (فما بالنا لا نرى منه بين أيدينا إلا جزء يسيرا ضئيلا لا يكاد يذكر، إذا قيس بهذه الكثرة التي تصفها لنا مصادر التاريخ، إننا نستطيع الإجابة على هذا السؤال إذا تصورنا ما
(99) (1/99)
صفحة 100
كان بين أهل السنة والمعتزلة من أحقاد وضغائن، ثم تصورنا ما يمكن أن يترتب على ذلك من تشف وانتقام حينما ولت دولة المعتزلة وأفل نجمهم، حينما صعد نجم الحزب السني، وعاد إلى سالف قوته وسلطاته، فأغلب الظن أن أهل السنة أرادوا أن يقضوا على كل أثر يمكن أن يجعل للمعتزلة تاريخا مستمرا يخلد ذكرهم ويحفظ مبادءهم، فشنوا الغارة على كتبهم ومصنفاتهم بالإحراق والتدمير، وهذه الحقيقة يمكن تصورها بالبداهة العقلية، إن أهل السنة كانوا ينظرون إلى المعتزلة دائما على أنهم زنادقة، وإلى كتبهم على أنها شنع وضلالات، فكيف بهم إذا تمكنوا منها أن يتركوها سجلا للكفر، كرسوا كل جهودهم لمحاربته والقضاء عليه. إن أبسط ما يمكن أن يتصوره العقل في هذا الموقف، أنهم يقضون على كل تلك الآثار حتى لا يتاح للناس بعدهم أن يطلعوا على تفكير سموه زندقة ومبادئ سموها فضائح) وهكذا فإن كتب التاريخ الحضرمي، وإن كانت تشير إلى الوجود الأباضي والمعتزلي في حضرموت في القرن السادس الهجري، إلا إنها تؤكد على سنية المجمع العلمي التريمي وسنية حضرموت كلها في ذلك القرن، في نفس الوقت الذي تؤكد فيه غلبة الأباضية والاعتزال على الجهات الحضرمية، وهذا التناقض يجعل سيادة وغلبة مذهبي الأباضية والاعتزال في) لا محل) بلغة علم الكلام، وهذا محال وكل محال فاسد
(49)
وبعد أن غاب تراث تلك المرحلة كاملا، فإنّ كتب التاريخ لا تذكر لنا
اسم أحد من علماء حضرموت أباضيا كان أو معتزليا، ولكننا سوف نحاول
البحث عن
شمعة تضئ لنا الطريق نحو الوجود المعتزلي في القرن السادس، شمعة
تضاف إلى تلك التي تركها لنا نشوان.
(1) (1/100)
صفحة 101
المصادر والمراجع:
(1) سعيد عوض باوزير: الفكر والثقافة في التاريخ الحضرمي /89.
2) سعيد عوض باوزير: صفحات من التاريخ الحضرمي / 48
عبدالله محمد الحبشي: مصادر الفكر الإسلامي في اليمن / 93.
(4) باوزير: الفكر والثقافة / 63
ه باوزير: نفسه / 73.
(6) نفسه: 79
نفسه: 080/ 79
باوزير: معالم تاريخ الجزيرة العربية / 272
(9) محمد أحمد الشاطري: أدوار التاريخ الحضرمي 214/ 1. 10) باوزير الفكر والثقافة (المقدمة).
11) أحمد عبدالله عارف: مقدمة في دراسة الاتجاهات الفكرية في اليمن /31.
(12) باوزير: الفكر والثقافة /67
13) عارف: نفسه /32
14) أحمد عبدالله شنبل: تاريخ حضرموت / 43.
15) صالح الحامد: تاريخ حضرموت 403/ 2.
(16) أيمن فؤاد السيد: تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن /133.
17) الحداد: الشامل 16/ 15.
18) الحداد: عقود الألماس 68/ 2
19) الشاطري: نفسه 172/ 1.
20) باوزير: المعالم /272
(21) عارف: نفسه /67
(22 أحمد أمين: ظهر الإسلام 97/ 4.
(23) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 170/ 3
24) محمد سعيد جرادة: الأدب والثقافة في اليمن عبر العصور / 145.
(25) محمد عبد العال احمد: الأيوبيون في اليمن /25.
(26) نفسه: / 80.
27 بامطرف: الشهداء السبعة / 44.
(28) الشاطري: نفسه 178/ 1.
(29) بامخرمة: تاريخ ثغر عدن 131/ 2.
(1+1) (1/101)
صفحة 102
(30) علي بن سمرة: طبقات فقهاء اليمن /220
(31) مجلة آفاق / اتحاد الكتاب والأدباء اليمنيين / حضرموت / العدد 6.
(32) الشاطري: نفسه 179/ 1.
(33) بامخرمة: نفسه / 132
(34) الشاطري: نفسه /151.
35) نفسه: / 154.
(36) الحداد: عقود الألماس 96/ 2.
(37) محمد عوض بافضل: صلة الأهل / 41.
(38) الشاطري: نفسه /206.
39) وقيل أيضاً إن وفاته كانت سنة 573 هـ أو سنة 570 هـ، أنظر الحامد: نفسه /487
40 جرادة: نفسه / 179) وما بعدها، وعليه اعتمدنا في أخبار نشوان وشعره ونثره ما لم نورد مصدر آخر. 41) محمد بن علي الكوع: تاريخ اليمن: نجم الدين عمارة بن علي اليمني: تحقيق الأكوع / 245 تعليق
المحقق.
(42) الشاطري: نفسه 187/ 1.
(43) نقلا عن زهدي حسن جار الله: المعتزلة / 208.
44 نشوان بن سعيد الحميري: الحور العين /39
(45) نفسه
(46) نفسه: / 260.
(47) بافضل: نفسه / 41.
48) باوزير: الفكر والثقافة /68
(49) عبدالحكيم بلبع: أدب المعتزلة حتى نهاية القرن الرابع الهجري 172/ 171.
(102) (1/102)
صفحة 103
الفصل الثاني
) من التراث المعتزلي في حضرموت في القرن السادس)
من
علماء المجمع العلمي المعتزلي في حضرموت في القرن السادس الهجري سوف نقف أمام عالمين جليلين، هما شيخ الإسلام سالم بن فضل بن عبد الكريم
بافضل والإمام محمد بن علي القلعي، إضافة إلى الشاعر التكريتي: أولاً: شيخ الإسلام سالم بن فضل بن عبد الكريم بافضل: لا تعرف سنه ميلاده، غير أن وفاته كانت سنة بتريم 581 ه، مقتولاً على أرجح الأقوال،
-
تغرب عن وطنه أربعين عاما، ولكن المصادر لا تذكر البلدان التي عاش فيها تلك الفترة من حياته، كمالا تذكر شيوخه الذين تلقى عنهم، غير أننا نعتقد أنه عاش في إقليم خوارزم، حيث بقي للاعتزال نشاط هناك في هذا القرن، ولعل من شيوخه الإمام العلامة المعتزلي الكبير محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي المتوفى سنة ـ 538 ه.
وحين عاد شيخنا بافضل إلى وطنه تريم، كان هو قطب العلم
والمعرفة والعلماء، ليس في تريم وحدها، بل في حضرموت كلها.
قال المؤرخ الشاطري: (كان واسع الاطلاع، قوى العارضة، يمتاز بالتوسع في العلوم الشرعية والعربية، وهو شاعر فيلسوف في شعره، وقصيدته (الفكرية) تدل على اطلاع واسع ودقة التفكير وعمقه، له مصنفات في التفسير يظهر أن الأيام سطت عليها)
(1)
(103) (1/103)
صفحة 104
كما أتقن إلى جانب تلك العلوم، علوم الفلسفة اليونانية، شأنه شأن
كل علماء الاعتزال، حيث نراهم يأخدون أنفسهم بثقافة عربية أصيلة، ثم يضيفون إليها ألوانا من الثقافة اليونانية، خاصة الفلسفة وما يتصل بها من المنطق، حيث يقول أبو عثمان الجاحظ: (لا يكون المتكلم جامعا لا قطار الكلام، متمكنا من الصناعة، يصلح للرئاسة، حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة، والعالم عندنا
هو الذي يجمعهما)
(2)
-
يقصد المعتزلة -
ولقد جمع شيخنا بافضل كل ذلك، ولهذا فإنّه ليس مجرد معتزلي، ولكنه
خلال
رأي معتزلي كبير وناضج، وسوف تتضح شخصيته ومكانته العلمية من القصيدة التي قالها فيه تلميذه قاضي مرباط ومفتيها الإمام محمد بن علي القلعي، ومن خلال قصيدة (الفكرية):
أولاً
: قصيدة الإمام القلعي في مدح أستاذ الإمام سالم بافضل (3):
أبرود وشي في المواسم تنشر فمهفهف ومسهم ومحبر ام عقد در بالشذور مفصل زان اللآلئ نظمه والجوهر أم روضة أنف تبسم نورها لما بكى فيها السحاب المطـ أم طرس حبر كاد من أنواره يبيض منه الحبر حين يسطر فالنظم سحر والبلاغة عسجد واللفظ روض بالمعاني مثمر فكأنه نيل الأمان لخائف أو كالفقيد به البشير يبشر أو كالشفاء لمدنف أو كالوصال به المتيم بعد يأس يظفر أهداه أوحد عصره من لم يزل فوق السماك له يشاد المفخر جرت تريم على المجرة ذيلها عجبا وحق لها الفخار الأكبر فالدهر من بعد العطول متوج من مجده ومطوق ومسور نال ابن فضل من الفضائل رتبة لم يستطعها منجد أو مغور
(1.2) (1/104)
صفحة 105
التحليل:
فقه ابن إدريس وإعراب الخليل وما حوى سقراط والإسكندر فبسالم سلمت شريعة أحمد عما يؤد قناتها أو يكسر أضحى يدل على الرشاد مبينا سبل الهدى وعن الضلال يحذر لازال للإسلام ينظم شمله والدين يحمي سربه لا ينفر ثم الصلاة على النبي وآله خير البرية البشير المنذر
يشيد الإمام القلعي بعلوم شيخه الإمام بافضل، ويقول إنّه فيها مثل الثوب الجديد الموشي الزاهي الألوان و الخطوط الذي لا يلبس إلا في المناسبات والأعياد، فهو ليس لكل الأيام، أو هو مثل عقد الدر الذي زانته اللآلئ والجواهر فزادته توهجا وبريقا، أو هو مثل الصحيفة التي يكاد كل حرف من حروفها يضئ علما ومعرفة.
وهو في مرجعيته العلمية مثل الأمان للخائف الجزع، أو مثل البشير الذي يأتي بعد فقد الأمل، ليخبر عن سلامة المفقود، أو هو مثل الشفاء للعليل الميئوس من شفائه، أو كالوصال للمتيم بعد يأس وقنوط. تلك هي منزلة ومكانة شيخ الإسلام بافضل العلمية، فهو أوحد عصره وفريد دهره، و به استطاعت (تريم) أن تجر على (المجرة) ذيلها المضيء، وأصبحت تريم بعلوم بافضل ومعارفه، تضئ الكون كله، فهو تاج علوم الزمان، فما من علم يخرج عن معارفه وعلومه.
وحين نصل إلى قول الإمام القلعي:
فقه ابن إدريس وأعراب الخليل وما حوى سقراط والإسكندر
(1.0) (1/105)
صفحة 106
نجده قد حدد علوم شيخه وعلوم الاعتزال، وهي: علوم العربية، وقد
كنى عنها بإعراب الخليل، والعلوم الدينية وقد كنى عنها بفقه ابن إدريس، وعلوم الفلسفة اليونانية و قد كنى عنها بما حوى سقراط والإسكندر، على أنه من المهم هنا القول إن ما يقصده بـ (الإسكندر) ليس ذلك القائد المقدوني الشهير، فذلك ليس له أية رابطة بعلوم بافضل، وإنما قصد به (الإسكندر الأفروديسي) أحد الشراح الأول لفلسفة أرسطو وعنه وصلت تلك الفلسفة إلى الثقافة العربية، والعرب يقدرون فضله في ذلك. كما أنه من المهم هنا القول إنّ اشتغال الإمام بافضل ومعه المجمع العلمي الحضرمي بالعلوم الفلسفية، ليس شأنا اعتقاديا سنيا، ولعلنا نجد أوضح صورة لموقف أهل السنة من تلك العلوم، فيما يقوله الفقيه والأصولي ابن الصلاح (557 هـ - 643 هـ) في فتاويه، حيث يقول: ((إن الفلسفة أس السفه والانحلال ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت عينه عن محاسن الشريعة المطهرة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن يلبس بها تعليما وتعلما قادته الخذلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر
هؤلاء المشاميم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم، ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد وعقائد الفلاسفة على السيف أو الإسلام، لتجمد نارهم و تمحى آثارهم)) (4).
هذه النظرة السنية للعلوم الفلسفية وعلوم الاعتزال، هي نفسها التي احتواها قرار السلطان صلاح الدين الأيوبي القاضي بالتنكيل بمن يقول بخلق
القرآن، وهي أساس الغزو الأيوبي لحضرموت في القرن السادس الهجري. وفي البيت الثالث قبل الأخير، نجده يفتخر بجهاد شيخه في سبيل الدفاع
عن الدين الحنيف، وذلك تعبير (مذهبي) للدلالة على دوره الرئيس في نشر
(106) (1/106)
صفحة 107
المذهب والدفاع عنه أمام الخصوم، والإمام القلعي يفتخر بذلك الدور بمثل
افتخاره بامتلاك شيخه ناصية العلوم الفلسفية.
وفي البيت الثاني قبل الأخير، نجده يشيد بدور شيخه الإمام بافضل وجهوده في قيام وظهور المجمع العلمي المعتزلي بحضرموت، ويذكر أنه كان ينظم شمل العلماء ويرغبهم في القدوم إلى حضرموت والبقاء فيها، وقد مثل الإمام القلعي هؤلاء العلماء الوافدين من كل حدب وصوب إلى حضرموت الاعتزال، بأنهم مثل (سرب) الطيور المهاجرة الذي ينظم شمله الإمام بافضل ولا يدعه ينفر من طبيعة الحياة القاسية في حضرموت، بل ونجد للإمام بافضل نفسه أبيات في الترغيب والدعوة إلى البقاء في حضرموت رغم قسوة الحياة فيها، وذلك من خلال هذه الأبيات الثلاثة المنسوبة إليه
:
(0)
أصبر على غصص المكاره والمحن فلعلها أن تنقضي ولعلها في كل أرض محنة وبلية ولعل أرضك أن عقلت اقلها
إن الأمور إذا التوت وتعقدت نزل القضاء من السماء فحلها
وفي البيت الأخير من القصيدة، نجد الإمام القلعي من خلال قوله
) البشير المنذر (إنما يشير أي اصل من أصول الاعتزال، وهو الوعد والوعيد. وهكذا، نجد في قصيدة الإمام القلعي كل خصائص الثقافة المعتزلية المتنوعة الغزيرة، فقد مكنته ثقافته الخصبة من الخلق والابتكار والغوص وراء المعاني إلى أعمق غور وأبعد غاية، فقد جاء بالغريب الطريف منها، وأوضح مثال على
ذلك قولة:
جرت تريم على المجرة ذيلها عجبا، وحق لها الفخار الأكبر
(107) (1/107)
صفحة 108
القصيدة،
ولقد فاضت خواطر الإمام القلعي بتلك المعاني الكثيرة والعميقة التي احتوتها لكأنه يغرف من بحر غزير زاخر، وهذا هو مقصود نقاد الأدب حتى بقولهم: إن شعر المعتزلة فلسفي الطابع غزير المعاني. ولسنا في حاجة إلى القول إن الإمام القلعي كان دقيقا في اختيار الألفاظ ووضعها في مكانها المناسب، فذاك أمر مشهور عن المعتزلة، فقد ساعدتهم ثقافتهم اللغوية الواسعة وحسهم بمواقع الكلمات على سهولة اختيار الألفاظ، فهم دائما كما قال الإمام القلعي:
فالنظم سحر والبلاغة عسجد واللفظ روض بالمعاني مثمر
الدقيق
إن قصيدة الإمام القلعي تعتبر من عيون الأدب المعتزلي الناضج، فهي خير مثال على أدبهم في مجال (اعتداد المعتزلة بالمعتزلي) الذي كان (كاعتداد الشيعة بالوصي والإمامية بالمهدي (بلغة الخوارزمي.
(7)
ثانيا: القصيدة (الفكرية (للإمام سالم بن فضل عبد الكريم بافضل:
يقول مطلع القصيدة التي تتكون من مائة وأربعين بيتا
:
(7)
أيا فاتحا بابا عظيما من الفكـ هنيئا لك الحظ الجزيل من الأجر وطوباك إذا أصبحت في خير رفقة مراتبهم تاهت علي رتب الفخر قدم ذا اعتبار وإذكار فانما حياة ذوي الألباب بالفكر والذكر فان شئت فيه شاهدا فاستمع له يزدك نشاطا واشتياقا إلى البحر فقد جاء عن خير الأنام محمد عليه صلاة الله في السر والجهر بأن إشغال المرء بالفكر ساعة عبادتها تفدى بعام من الدهر في أي آيات الإله وصنعه سلكت فلن تحصيه بالعد والحصر
(108) (1/108)
صفحة 109
التحليل: قام مذهب الاعتزال على دعامتين أساسيتين، الأولى: الاعتداد بالعقل وقدرته على تحقيق المعرفة وتقديمه على النقل من الكتاب أو السنة، وجعله مدار التكليف وجعل النقل مدار الإخبار لما قال به العقل.
والثانية: الدفاع عن مبدأ التوحيد وتخليصه من أي شائبة تشيبه أو جبر. وعلى هاتين الدعامتين كان أغلب نشاط المعتزلة طوال تاريخهم. لهذا كان من موضوعاتهم الأدبية النثرية حتى نهاية القرن الرابع الهجري أدب
(الاستدلال بالخلق على الخالق، وفي هذا النوع من الأدب يعالج المعتزلة مسألة
،
توحيد الخالق تعالى عن طريق النظر العقلي والتأمل في الكون ومشاهده من ذلك العظة والعبرة والدلالة على عظمته وقدرته، وهذا (سبيل
ويلتمسون
العلماء منهم في معرفة الله والاستدلال على وجوده، وفي هذا النوع من الأدب تتجلى شخصية المعتزلة وتتضح خصائص شخصيتهم) (8). ولقد أجاد (الجاحظ) في كتابة (الحيوان (في إبراز العظة الإلهية التي تكمن وراء هذه المخلوقات كل الإجادة، وهذا النوع من الأدب يعتمد على (استخدام عنصر العقل الذي يعتمد على ثقافة واعية ناضجة تعين على إبراز الأسرار العظيمة للخلق الإلهي وتدل على لطف الصنعة ودقة التدبير)
(9)
لقد كانت تلك المقدمة ضرورية للتعريف بمنزلة العقل لدى المعتزلة وعلاقة ذلك بأدبهم، قبل الشروع في تحليل القصيدة، نظرا للبعد المذهبي للقصيدة كلها، على أننا سوف نعتني بتحليل الستة الأبيات الأولي منها، لأنها مفتاح فهم مقصود ومضمون القصيدة كلها، وبالتالي فهم شخصية الإمام
بافضل نفسه
(109) (1/109)
صفحة 110
يحتل البيت الاستهلالي للقصيدة مكان الصدارة من الأهمية، فالحديث فيه
عن (الفكر)، بل القصيدة كلها (فكرية (كما سماها المؤرخون الحضارمة المعاصرون، لهذا فإنّ الإمام بافضل يقول لنا في ذلك البيت: إن هناك بابا من
الفكر والنظر العقلي من ولجه ومارس من خلاله التفكر والتأمل، استحق من
الله
تعالى الأجر العظيم والجزاء الوفير، ذلك أن الشاعر يرى أن هذا الباب من النظر العقلي واجب ديني وهو فرض عين، ولهذا كان الجزاء عليه من الله تعالى جزيلا وفيرا، ومعلوم أن العبد لا يستحق الأجر والثواب منه تعالى، إلا إذاقام بما هو مكلف به منه تعالى، ويكون الثواب والجزاء بذلك القدر، إذا كانت المسالة أو الفعل الذي قام به العبد فرض وواجب ديني.
ترى ما هو هذا النوع من النظر الذي يعطيه شيخنا هذا القدر من
الوجوب والجزاء والثواب.
إنه النظر العقلي المؤدي إلى إثبات وجود الخالق الصانع تعالى، وتلك هي وجهة نظر المعتزلة، بل هي أساس الخلاف بينهم وبين الأشاعرة، إذ يرى المعتزلة انه (إذا كان العلم يقتضي النظر، وكان العلم واجبا، كان مالا يحصل العلم إلا به واجبا، ومن ثم كان النظر واجبا، بل هو أول الواجبات التي لا تصح
(10)
أن
ينفك عنها المكلف بحال). ويرى المعتزلة (أن أول الواجبات على المكلف
،
هو النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، وأن معرفة سائر الشرائع من قول وفعل لا تحسن الا بعد معرفة الله تعالى، وأن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا بالنظر، لأنّ الله تعالى قد أكمل عقل المكلف من أجل النظر المؤدي إلى العلم واليقين، ويسر للإنسان سبيل العمل بالقدرة والاستطاعة والتمكن من الآلة (العقل)، من أجل القيام بما أمرهم من الطاعات والفضائل، وبصرهم بما نهاهم عنه من الرذائل والمعاصي، والعقل هو السبيل الوحيد لإرشاد الإنسان في حياته العلمية،
(11) (1/110)
صفحة 111
ويستضئ بنوره ويمتثل لأحكامه، ويستحق بذلك المدح والذم في الدنيا، والثواب والعقاب في الآخرة) (11)
ومن المهم أن نشير هنا إلى أن المعتزلة في نظرية
المعرفة على خلاف الأشاعرة والأباضية الذين يرون أن المعرفة لا تتم إلا بالنقل،
هي
عقلية لدي المعتزلة،
أي إن التكاليف نقليه عند الأشاعرة والأباضية، بينما وهذا هو أساس الخلاف في التفصيلات الجزئية حول قضية المعرفة وغيرها. وعلى ما تقدم، نجد أن شيخنا بافضل في البيت الاستهلالي للقصيدة (الفكرية (قد حدد بدقة وبلاغة وإيجاز مبدع اتجاهه الفكري المعتزلي، ولم يعد أمامنا إلا تتبع ذلك الاتجاه في باقي الأبيات التي نعتني بتحليلها، وهي تأتي لتعطي صورة أكثر وضوحا ودقة لما قاله في البيت الأول، فهو يقول في البيت الثاني: إن الذين يأخدون أنفسهم بذلك النهج في الاستدلال بالخلق على الخالق وعظمة صنعه وتفرده بالخلق والقدم، هؤلاء هم في خير رفقة وصحبة، رفقة تاهت على رتب الفخر الافتخار. ترى ما هي تلك المرتبة العالية في الرفقة والصحبة التي استحقها الذين يمارسون معرفة الله تعالي بالنظر العقلي في خلقه وصنعه؟. إن شيخنا بافضل في ذلك البيت إنّما يشير إلى قولة تعالي: (شهد الله أنه لا إله إلاهو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18 ـ آل عمران. قال ابن كثير في تفسير تلك الآية: (ثم قرن شهادة الملائكة وأولي العلم بشهادته، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام)، وقال الإمام الشوكاني في تفسيرها: (وفي ذلك فضيلة عظيمة لأهل العلم جليلة ومنفعة نبيلة، لقرنهم باسمه واسم الملائكة) (13)
(12)
-
يبدو أن المعتزلة يرون أنفسهم مقارنة بالفرق الإسلامية الأخرى، بمنزلة ملائكة السماء من أهل الأرض، فهذا العلامة المعتزلي الكبير نشوان بن سعيد الحميري المتوفي حوالي 575 ه، يقول في رسالته (الحور العين): (ونزلت
(111) (1/111)
صفحة 112
المعتزلة من الفضل بمنزلة، فهم ملائكة الارض، وأعلم الناس بالسنة والفرض، فرسان الكلام، وذروة أهل الإسلام) (14)
، ويقول فيها أيضا: (إنّ المعتزلة
ينظرون إلى جميع المذاهب كما تنظر ملائكة السماء لأهل الأرض)
(10)
بل ونجد أن الإمام العلامة المعتزلي الزمخشري يؤكد ليس فقط نظرة المعتزلة لأنفسهم على أنهم ملائكة الأرض، بل وإنّهم المعنيون بتلك الآية الكريمة
، فهو يقول في تفسيرها: (فإذا قلت ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم حيث جمعهم مع. الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله. قلت هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل والتوحيد .. وإن قوله: لا إله إلا هو (توحيد)، وقوله: قائما بالقسط
) تعديل (16). ومعلوم أن أهل العدل والتوحيد هم المعتزلة، وذلك هو أحب
الأسماء إليهم.
وهكذا نجد أن علماء المعتزلة، ومنهم الإمام بافضل، يعتنون بتلك الآية الكريمة عناية خاصة، باعتبارها تخصهم وحدهم من دون باقي الناس والمذاهب، وإذن فإن إشارة الإمام بافضل إلى تلك الآية، إنما كان انطلاقا من كل تلك الاعتبارات التي ذكرها الإمام الزمخشري.
وفي البيت الثالث، نرى شيخنا يدعونا إلى أن نكون من أولي الألباب
ولكي نكون كذلك، لابد لنا من أعمال الفكر والذكر، وهو هنا يشير إلى الآيات الكريمة التي تعظم من شأن أولي الألباب، مثل قوله تعالى:
الكثير من
) أمن هو قانت اناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه فهل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر أولى الألباب (الزمر (9) وقوله تعالى: (والله ملك السموات والأرض والله على كل شئ قدير () إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب () الذين
(112) (1/112)
صفحة 113
يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (آل عمران (189 - 191) وفي البيت الرابع يدعونا إلى الاستماع إلى شاهد العقل والفكر واعتباره
المفتاح إلى بحور المعارف والعلوم المؤدية إلى توحيد الخالق الصانع تعالى
وفي البيتين الخامس والسادس يستشهد شيخنا على قوله بتقديم العقل على النقل بحديث للرسول الكريم يقول مضمونه: إن تفكير الإنسان المؤمن ساعة واحدة في مخلوقات الله وعظمة صنعة تساوي عبادة سنة كاملة، كما نجد في وصايا الإمام بافضل نفس الدعوة إلى تقديم العقل على النقل، حيث يقول: (وإذا تقرر أنه لابد للعبد من العلم والعبادة، فالعلم أولى بالتقديم ((17) وبدءا من
(17)
البيت السابع يشرع الإمام بافضل في رصد مشاهده في الاستدلال بالخلق على الخالق، وإثبات وجوده تعالي وعظيم صنعه ودقة تدبيره ولطفه.
لسنا في حاجة إلى شرح باقي أبيات القصيدة، فهي غنية عن أي شرح لوضوح أفكارها ومدلولها في الاستدلال بالخلق على الخالق، بل نرى أن نترك القارئ الكريم (يتأمل معانيها ومعارفها وعلومها الغزيرة الوفيرة، ليدرك بنفسه ذلك المستوى الفكري والعلمي و اللغوي الرفيع الذي وصلت إلية علوم المعتزلة في حضرموت في القرن السادس الهجري، ذلك أنه إذا كان علماء المعتزلة حى نهاية القرن الرابع الهجري قد أتقنوا نثرا أدب الاستدلال بالخلق على الخالق، فإنّ معتزلة حضرموت في القرن السادس الهجري، كانوا قد تجاوزوا ذلك إلى الشعر واستطاعوا ليس تطويع ذلك الموضوع العقلي الجاف للغة الشعر فحسب، بل استطاعوا إغناءه بالابحاث العلمية الناضجة بلغة سهلة عذبة رقيقة، فجاءت قصيدة الإمام بافضل لتكون الوثيقة الوحيدة من نوعها حسب علمي ـ والتي -
-
يمكن أن تعطي صورة واضحة عن ذلك النمط الشعري الذي تتجلى فيه شخصية
(113) (1/113)
صفحة 114
علماء الاعتزال الكبار. وإذاكان الأستاذ عبد الحكيم بلبع في كتابه القيم (أدب المعتزلة) قد لاحظ أن شعر المعتزلة لم يرتفع إلى تلك القمة السامقة التي ارتفع
إليها نثرهم
(18)
، إلا إن قصيدة الإمام بافضل وقصيدة الإمام القلعي السابقة، وقصيدة الشاعر (التكريتي (كما سوف نرى، كل ذلك يأتي ليمثل إضافة جديدة في معارفنا عن تطور ليس الأدب المعتزلي فحسب، بل وعلوم الاعتزال عامة بعد نهاية القرن الرابع الهجري
وعلاوة على ما تمثله القصيدة (الفكرية (من قيم ومعارف علمية وأدبية
هي
معتزلية راقية، ناضجة، فإنّها تحتوي على مسألة مهمة، تلك الإشارة إلى بعض أصول ومبادئ الاعتزال، منها:
1 - التوحيد: إن مبدأ التوحيد ونفي التشبيه عنه تعالى يحتل المكانة الأولى في النشاط المعتزلي، ولقد رأينا أنّ موضوع القصيدة (الفكرية) كلها إنما هو توحيد الخالق تعالى، إلا إن شيخنا يحذرنا من التشبيه بقولة:
إياك وتشبيه الإله بخلقه فتفضي إلى سوء العقوبة و الخسر
والإمام بافضل في هذا البيت يتوافق مع قول الإمام نشوان الحميري:
ما في البرية أخزى عند فاطرها ممن يقول ياجبار وتشبيه
ويقول الإمام الزمخشري في هذا المعنى في تفسيره (الكشاف): (إنّ من ذهب
إلى التشبيه أو ما يؤدي إليه، كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض
(19)
الجور، لم يكن على دين الله الذي هو السلام) الوعد والوعيد: وهو أحد أصول مذهب الاعتزال، وهو يقول في ذلك:
1
فنومك موت وانتباهك بعده حياة، فكن مما وعدت على حذر
(118) (1/114)
صفحة 115
إن الإمام بافضل يطلب منا أن نعتبر من العملية الطبيعية التي نمر بها يوميا نوم ويقظة، واعتبار ذلك مثالا للبعث بعد الموت، وعند البعث يكون الثواب والعقاب، فكن أيها الإنسان على حذر من وعيد الله، ذلك أن البعث حق مثل ما اليقظة بعد النوم. فاعمل لآخرتك حتى تنال منه الوعد بالجنة. والإمام بافضل في هذا البيت ربما يكون أكثر وضوحا من الإمام نشوان في استهلال قصيدته (الحميرية) حين قال:
غير
أن
الأمر جد وهو غير مزاح فاعمل لنفسك صالحا يا صاح
القصيدة (الفكرية (تتضمن أبياتا أكثر وضوحا في الإشارة إلى الوعد
والوعيد)، مثل قوله:
فإن هو زكى النفس الله خشية فسوف يجازي منه بالعفو أو الغفر وإن هو دساها واتبعها الهوى جزي في غد ما قد جناه من الوزر
-3 - مبدأ السببية: وهو يقول في ذلك:
هنا
وفي النار إحراق ونفع وإنها لكامنة في وسط أشجارها الخضر
وفي هذا البيت نجده يقول بالسببية التي يقول بها المعتزلة دون الأشاعرة، وهو أن النار النار وحدها لا سواها سبب عملية الإحراق، بينما يرى الأشاعرة
يري
خلاف ذلك، فقد (صرح الجويني والباقلاني والغزالي أن الأسباب لا تؤثر في مسبباتها، وأنّ العلل لا يلزم عنها بالضرورة معلول، وأن ما نشاهده في الواقع من ترتيب المعلولات على عللها، إنّما يرجع إلى مجرد الاقتران والعادة فقط، فيجوز عندهم أن تجتمع النار والقطن ولا يحدث احتراق، وبهذا الفهم فإنّ الأشاعرة قد أبطلوا خصائص الأشياء التي أودعها الله تعالي فيها) (20)
(110) (1/115)
صفحة 116
4 - التحسين والتقبيح العقليين: وهذا المبدأ لدى المعتزلة أن الإنسان قادر
يعني
على التمييز بين حسن الأشياء وقبحها قبل ورود الشرع بذلك، فإذاما جاء الشرع بتحسين أو تقبيح، فإن ذلك يكون من قبيل الإخبار لا من قبيل الإثبات، وفي هذا يقول شيخنا:
ولم يشتبه صوتان قط السامع ولا اللون في شخصين من سالف الدهر
وتعبير (من سالف الدهر (يعني قبل ورود الشرع، أي إن الله قد أكمل عقل الإنسان بحيث جعله قادرا على التمييز بين الأشياء حسنها وقبيحها، خيرها وشرها، وفي هذا البيت قد جمع شيخنا بإبداع المتمكن بين قدرة الله تعالي في الخلق والإبداع من خلال إكمال عقل المكلف وبين قدرة هذا العقل على التحسين والتقبيح (من سالف الدهن).
-5 - مبدأ الصلاح والأصلح: وهو يعني لدى المعتزلة أنّ الله تعالى لا يفعل إلا ماهو صلاح للعبد، بل ماهو أصلح له، وفي هذا يقول شيخنا:
فسبحان هادي الكل منها صلاحه ورازقها من فضله الواسع الوفر
وقوله (من فضله (يقصد به (الأصلح.). ومن ذلك أيضا قوله:
وقوم منك الأنف في الوجه زينة وزادك حسنا بالشفاه وبالثغر
و (زينة) صلاح، و (حسنا) الأصلح.
6 - مبدأ اختيار العبد لأفعاله: وهو يقول في ذلك:
وأعطاك للبطش اليدين فكيف لا تطيل اعتبارا في أناملك العشر
(117) (1/116)
صفحة 117
إن المعتزلة يرون أنّ الله لا يأمر بالمعاصي ولا يريدها من العبد، والبطش مـ
المعاصي، فماذا يقصد شيخنا من هذا البيت. إنّه يقصد أن الله تعالى قد أعطاك اليدين لفعل الخير والشر بإرادتك، فإن أردت بها البطش والعدوان والبغي بغير الحق، فعليك قبلا أن تفكر في قدرة الله تعالى عليك، وهو الذي أبدع خلق
أناملك العشرة التي هي أهم أجزاء اليدين أداة البطش والعدوان.
-
مبدأ اللطف الإلهي: وهو يعني لدى المعتزلة نوع من التيسير والعون والتوفيق من الله تعالى للعبد بتهيئة الجو المناسب نفسيا وخارجيالمساعدة العبد المكلف لفعل الخيرات والنظر والمعارف تعتبر لطفا لأنها تؤدي بالعارف إلى اعتبار
الأمور ببعضها
(21)
، وفي هذا يقول شيخنا في حديثه عن القمر وهلاله وبدره:
وهذا من الرحمن لطف بخلقه ليحصوا به عد السنين بلا نكر
منع العقل من النظر في المحظور شرعا:
إن اعتداد المعتزلة بالعقل وقدرته هو الذي ميزهم عن غيرهم من الفرق الإسلامية، غير أن هذا الاعتداد كانت تحد منه نواهي الشرع الذي كانوا يخافون
تجاوز حدوده، كما هو الحال في مسألة النظر في (الروح)، وفي هذا المعـ المعني
يقول الإمام:
وفي الروح فامسك فهو من أمر ربنا ودعه لما فيه من المنع والحظر
وذلك امتثالا لقوله تعالى: (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي).
(117) (1/117)
صفحة 118
- العقل مصدر التكليف:
سبق الحديث عن مدى أهمية العقل في الفكر المعتزلي وتقديمه على النقل وجعله مدار التكليف، وما كان لشيخنا بافضل ليغفل عن القول بذلك في قصيدته، لهذا وجدناه يقول في ذلك:
وفي القلب فكر كيف صار ممنعا ومحتجبا في الصدر كالملك في القصر ومهما ترمه التماس تحسه بروحك من تلك البخارات في السحر وسمعك والأبصار والشم والمذاق واللمس دانت منه للنهي والأمر وسخرها الرحمن طوعا لحكمه فيمتهن الأعضاء بالرغم والصغر وهاهو كالأمير مصرف بتدبير ما يأتيه بالطي و النشر
وقد سطرت فيه العلوم بقدرة الإلة، بلا هذا المداد ولا الحـ فإن هو زكي النفس الله خشية فسوف يجازي منه بالعفو والغفر
حديث شيخنا في الأبيات السابقة عن (القلب (باعتباره مصدر التفكير والتعقل، إذ اعتقد علماء العصر الوسيط ذلك، ولم يتوصلوا إلى أن مصدر العلم والمعرفة والتعقل إنّما هو (المخ (كما هو معلوم اليوم، ولهذا ذهب شيخنا إلى ما ذهبت إليه علوم عصره، وهو هنا يتحدث عن القلب باعتباره (العقل)، فهو أنه يري من خلال موقعه في الصدر ممنعا محجبا، فإنّه في مكانة الملك في قصره، لا يراه الناس ولكنهم ينفذون مشيئته وأوامره و رغباته، وكذلك العقل،، فكل ملكات الإنسان من السمع والأبصار والشم والمذاق واللمس، كلها دانت الحكمه، أي إنّ شيخنا يرى أنّ الإرادة الإنسانية مصدرها العقل الإنساني نفسه وليس أي مصدر خارجي، وبهذا يكون الإنسان حرا في اختيار أفعاله الـ تصدر عن عقله وفكره، ذلك أنّ العقل هو المصرف والمدبر، وبالتالي هو
(118) (1/118)
صفحة 119
المسؤول عما يقرره من حق أو باطل أو من الفعل أو عكسه الذي هو بلغة الإمام بافضل: (الطي والنشر)، وبالتالي فإنّ هذا العقل هو مدار التكليف
والمسؤولية:
ولكن من أين امتلك العقل تلك القدرات على التعقل حتى جعله شيخنا والمعتزلة عموما مدار التكليف. يجيب على ذلك السؤال بقوله: (قد سطرت فيه العلوم بقدرة الإلة، بلا هذا المداد ولا الحبر)، أي إنّ الله تعالى قد أكمل عقل الإنسان بالعلوم الضرورية ليقوم بما هو مكلف به، وأول تلك التكاليف الواجبة هي توحيده تعالى من خلال الاستدلال بالخلق عليه جل شأنه، كما أن من تلك التكاليف أيضا أن يزكي الإنسان نفسه بالأعمال الصالحة إن أراد حسن الجزاء بالجنة، وإن هو دساها واتبعها الهوى فعليه أن ينتظر وعيده تعالى بسوء
والخسران المبين.
العاقبة
وهكذا، نجد أنّ الإمام شيخ الإسلام بافضل في قصيدته (الفكرية) قد استطاع باقتدار مبدع التعبير عن المعاني العلمية والفلسفية الغزيرة التي احتوتها القصيدة، بأسلوب أدبي ناضج، وليس ذلك غريبا على الأدب المعتزلي، فقد (كان المعتزلة إلى جانب ثقافتهم العقلية، ذوي نزعات فنية، هذه الترعات كانت تسيطر عليهم، وبهذا استطاعوا إخضاع المعاني العلمية للتعبير الأدبي، أو بعبارة أخرى، كانوا قادرين على تبسيط المعاني العلمية والفلسفية وتجلياتها وعرضها عرضا أدبيا شيقا)
(22)
(119) (1/119)
صفحة 120
موقف المؤرخ الشاطري من القصيدة (الفكرية)
لقد رأينا كيف أن أستاذنا الشاطري يرى أنّ شيخ الإسلام بافضل كان شاعرا فيلسوفاً في شعره، وأن قصيدته (الفكرية (تدل على اطلاع واسع في التشريع وعلى دقة التفكير وعمقه، ولقد كان تعليقه على أهمية تلك القصيدة
بقوله:
حبذالو تصدى لشرحها أحد علماء الطبيعة، فإنّه سيجد القول ذا سعة) ولنا على تعليق الأستاذ الشاطري مايلي:
-
(23)
1 - إنّ القصيدة خالية تماماً من أية أمور تشريعية، فليس لها علاقة بالتشريع لا من قريب ولا من بعيد، بل هي كما قال عنها المؤرخ الأديب الحامد (في التفكير في مخلوقات الله) (24) وهي في محتواها ومضمونها تنتمي إلى أدب المعتزلة
في الاستدلال بالخلق على الخالق، كما أوضحنا ذلك في الصفحات السابقة
2 - وإذا كانت القصيدة كما يرى الأستاذ الشاطري إنما في التشريع، فلماذا هي يطلب إحالتها إلى علماء الطبيعة لشرحها والتعليق على علومها. فليس ثمة علاقة بين علم التشريع وعلم الطبيعة، وعلى ما تقدم يتضح لنا أن أستاذنا الشاطري لم يفهم محتوى القصيدة الفكرية، في حين أنّ الأستاذ الحامد قد أصاب كبد الحقيقة. غير أن الأستاذ الشاطري بعد كثيرا عن محتوي القصيدة حين شبة بعض أبياتها بالأبيات التالية المنسوبة إلى الإمام أبي حامد الغزالي الأشعري العقيدة، يرد بها على الإمام الزمخشري المعتزلي العقيدة، حين سأله هذا الأخير عن تفسير بعض الآيات
الكريمة، وأبيات الإمام الغزالي (25) هي:
(120) (1/120)
صفحة 121
قل لمن يفهم مني ما أقول قصر القول فذا شرح يطول ثم سر غامض من دونه قصرت والله أعناق الفحول انت لا تعرف إياك ولم تدر من انت ولا كيف الوصول لا ولا تدري صفات ركبت فيك حارت في خفاياها العقول أين منك الروح في جوهرها هل تراها فترى كيف تجول وكذا الأنفاس هل تحصرها لا ولا تدري متى عنك تزول أين منك العقل والفهم إذا غلب النوم فقل لي يا جهول
انت أكل الخبز لا تعرفه كيف يجري منك أم كيف تبول
إن القصيدة الفكرية لشيخ الإسلام بافصل تقول بوضوح تام بمحتواها ومضمونها الفكري العقلاني، لأنها تقول بأولويه الفكر والعقل وقدرته على الفهم والإدراك والتعقل والتفسير والتعليل، في حين أنّ الأبيات المنسوبة إلى الإمام الغزالي تحتوي مضمونا هو بخلاف مضمون القصيدة الفكرية تماماً، فهي تقول صراحة بعدم قدرة العقل الإنساني على إدراك الحقائق، لهذا تكررت فيها عبارة (لا تدري (لأنها تنتمي إلى فكر السفسطة الذي يقول بإنكار الحقائق وجحودها، ومن أهل هذا المذهب فرقة تسمى (الاأدريه) وهم الذين يقولون لا نقر بثبوت شيء أو نفيه، بل نتوقف في الأمرين. وموقف الإمام الغزالي رحمه الله من العقل وقدرته على إدراك الحقائق واضح في كتابه (المنقذ من الضلال)
حين استبدل العقل بنظرية (الكشف الصوفي).
وإذن ليس ثمة علاقة أو تشابه بين القصيدتين، بل هما على طرفي نقيض
تماماً، بمثل الاختلاف المذهبي بين الإمامين بافضل والغزالي، وهو الاختلاف
(121) (1/121)
صفحة 122
الذي أدى إلى اختلاف طريق الإيمان لدى كل منهما، فهي عند الإمام بافضل طريق جدلي يقوم على المنطق والمقدمات والنتائج والقياس كما هو واضح في القصيدة الفكرية، بينما هي لدى الإمام الغزالي طريق قلبية لا تقوم على مبادئ عقلية أو مقدمات منطقية.
}
(122) (1/122)
صفحة 123
وصايا شيخ الإسلام سالم بن فضل بافضل
للإمام بافضل ثلاث وصايا، الأولى خاصة بالزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، والأخرتان عامة، ورغم أنّ تلك الوصايا تحمل نفس المحتوي الزهدى والنفس الفكري المعتزلي لشيخ الإسلام، إلا إننا في هذا الفصل سوف نكتفي باستعراض الوصية الأولى، وسوف نستعرض الأخريين في فصل لاحق
(26)
عند الحديث عن مدرسة الزهد الحضرمية.
الوصية الأولى:
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد بسم وآله وصحبة وسلم، وبعد فينبغي لكل راغب في الآخرة، أن لا يهمل نفسه سدى، إهمال البهائم، لا يدري بما يشتغل في كل وقت، فتنقضي أكثر أوقاته ضائعة، وأوقاته عمره، وعمره رأس ماله، وأول ما ينبغي للشخص المبادرة به، ويجب عليه على الفور التوبة من المعاصي صغيرها وكبيرها، فإنّ التوبة عن المعاصي، وإرضاء الخصوم فرض لازم، والذنوب ثلاثة أقسام، الأول ترك واجبات الله تعالى عليك من صلاة وغيرها، فتقضي ما أمكنك منها، الثاني ذنوب بينك وبين الله، فتوطن نفسك على ترك العود إليها، الثالث ذنوب بينك وبين العباد، في المال أو في النفس أو في العرض، وشروط التوبة، ثلاثة، الإقلاع عن المعصية أي تركها والشرط الثاني في الندم على ما قد فعله من ذلك، والشرط الثالث وهو رد ظلامة الآدمي أو استحلاله منها، وعليك رحمك أوقاتك وترتيب أورادك بعد ذلك فتشتغل بما ينفعك في آخرتك
الله
، بتوزيع من تعلم العلوم النافعة، كعلم الفقه وغيره من العلوم، فقد قال: إن نوما على علم خير من عبادة على جهل، فإنّ العامل بغير علم يفسد أكثر مما يصلح،
(123) (1/123)
صفحة 124
وقال رسول صلى الله عليه وسلم في العلم: إنه يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء، قال الغزالي رحمه الله ونفع به المعنى والله أعلم إن أحد شقوتية أن لا يتعلم العلم ثم يشقى ويتعب في العبادة على خبط، فما يكون له من ذلك إلا العناء، نعوذ بالله من
الله
العبادة،
علم وعمل لا ينفع، قال: ولهذا عظمت عناية العلماء الزهاد العاملين، رضـ عنهم بالعلم خاصة، من بين سائر الناس، فإنه مدار العبودية، وملاك والزهد والعمل والخدمة الله رب العالمين على العلم قال ألا أدلكم له على أشرف أهل الجنة، قالوا: بلي، يا رسول الله قال: هم علماء أمتي، ولا بد للمتعبد من العلم، وإلا كان عمله هباء منثورا، فالعلم كالشجرة والعبادة كالثمر فإنه لابد للعبد أن يكون له من العلم والعبادة حظ ونصيب، قال الحسن البصري رحمه الله ونفع به: اطلبوا هذا العلم طلبا لايضر بالعبادة واطلبوا هذه العبادة طلبا لايضر بالعلم، وإذا تقرر أنه لا بد للعبد من العلم والعبادة، فالعلم أولى بالتقديم، فيتعين عليك، من علم التوحيد، ما تعرف به أصول الدين وهو أن تعلم أن لك إلها عالما قادرا حيا مريداً متكلما سميعاً بصيراً واحدا لا شريك له، متصفا بصفات الكمال، مترهاً عن صفات الحدث، منفرداً بالقدم، وأنّ محمداً لله عبده ورسوله، الصادق فيما جاء به عن الله عز وجل، فيما ورد على لسانه من أمور الآخرة، ويتعين عليك من علم الشريعة، ما تحتاج إليه في طهارتك، وصلاتك، وصيامك وأما الحج والزكاة، فلا يتعين فرضه إلا لمن أراد الحج، أوله مال، فوظف أوقات ليلك ونهارك للعبادة والعلم، وينبغي حفظ هذين الوقتين بعد الصبح وبين العشاءين، فاستغرقهما بالعبادة، من قراءة وذكر وصلاة، فبصلاحهما يرجى صلاح سائر الأوقات، وعليك بشدة الاجتهاد، في يوم الجمعة والتبكير إليها، فاكثر فيه من ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة على النبي والمطالعة في كتب العلم النافعة المقربة إلى الله ومذاكرة من لدية شيء من هل
(124) (1/124)
صفحة 125
ذلك، فلعل بصلاح الجمعة يصلح الأسبوع كله إن شاء الله تعالى، وعليك رحمك الله بترك الكلام بعد صلاة العشاء فاتركه رأسا وبادر إلى النوم، فذلك مکروه، نهى عنه له، إلا أن يكون في خير، كإيناس ضيف، وزوجة ومذاكرة
علم، وقراءة قرآن، أو غير ذلك من العبادات وإياك ثم إياك من ترك قيام الليل.
فقم منه ما قدرت، ولو بركعتين، فاحيه بصلاة أو قراءة أو ذكر واستغفار وإن جمعت بين ذلك كله فحسن، واحترز من الكلام المباح فيه، أعني قيام آخر الليل، وعليك بالمواظبة على صلاة الضحى، وأكثرها، ثمان ركعات تقرأ في ركعتين، بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وفي ركعتين بالشمس وضحاها والضحى، والأربع الأخر بما تيسر من القرآن، وتحرم الزيادة على ثمان ركعات، وتأخيرها إلى مضي ربع في النهار أفضل، وينبغي المواظبة على
سنن الفرض، وكمالها أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر وركعتان قبل المغرب وركعتان بعدها، وركعتان قبل العشاء، وركعتان بعدها، وركعتان قبل الصبح. وصلاة الوتر، وأكثرها إحدى عشرة ركعة، وإن أراد الاقتصار على تسع أو سبع أو خمس أو ثلاث، فلا بأس، وتأخيرها ليصليها آخر الليل أفضل إذا له تهجد أوله عادة بالاستيقاظ آخر الليل، وليكن شأنه في صلاته كلها الخشوع والتدبر لقراءته والخضوع فهذا روح الصلاة، وعليك بترك المخالطة لأكثر الخلق، خصوصا من كثر هذيانه وكلامه، فمخالطته خسران مبين، ومصيبة عظيمة، وليكن شأنك نفسك ومخالطة أهل الدين الذين تستفيد منهم، ما يقربك إلى الله، وإياك وكثرة الكلام، فكثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، فإن أبعد الناس من الله القلب القاسي، وإياك ثم وإياك من الغيبة واستماعها فالغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام، وهي أن تذكر إنسانا بما يكرهه لو سمعه، سواء ذكرته في نفسه، أو ولده، أو أهله، أو زوجته، أو
(120) (1/125)
صفحة 126
ماله، وهي مصيبة عظيمة، أعني الغيبة واستماعها، ابتلي بها جملة الخلق إلا من عصمه الله، وقليل ما هم، فنسأل الله العافية والعصمة والتوبة لنا، ولكافة المسلمين، منها ومن جميع المعاصي صغيرها وكبيرها، والتوفيق لما يحبه ويرضاه، إنه على كل شي قدير، وعليك بكثرة الدعاء والالتجاء إلى الله سبحانه وإظهار الافتقار إلى الله تعالى في كل حال، ومن أقرب الحالات المستجاب فيها الدعاء وتنبغي المحافظة عليها، الدعاء خلف المكتوبات وجوف الليل وفي السجود، وبين الأذان والإقامة وعند إقامة الصلاة، وعند نزول الغيث، فينبغي شدة الاجتهاد في الدعاء في هذه الأوقات لنفسه وأولاده ووالديه وإخوانه وقراباتة وأصدقائه ومشايخه وحبايبه وسائر المسلمين، وينبغي الإكثار من الاستغفار في كل الأوقات، فقد قال الله عز وجل، حكاية عن نوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فقال: استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين. وأوصيكم يا أخي لا تنسني من صالح دعائك، وفق الله الجميع لسلوك سبيل المقربين، وعباده العارفين، إنه على كل شي قدير وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
تحليل الوصية:
الخطاب في هذه الوصية موجه إلى الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة،
وفي البدء يدعوه شيخنا إلى التوبة ويبين له شروطها، ثم يدعوه إلى تعلم التوحيد أو أصول الدين وليس علم الفقه كما سوف يتضح، وهو يستشهد على أهمية هذا العلم بأحاديث نبوية شريفة، باعتباره علم توحيد الله تعالى، وأسبقية هذا العلم على العبادة، ويلخص مضمون تلك الأحاديث بقولة (ولابد للمتعبد من العلم، وإلا كان عمله هباء منثورا، فالعلم كالشجرة، والعبادة
(126) (1/126)
صفحة 127
كالثمرة)، ثم يستشهد بقول الإمام الحسن البصري على أهمية علم التوحيد، واستشهاد شيخنا بالإمام البصري يأتي من أنّ المعتزلة يعدونه من رجال الطبقة الثالثة من أئمتهم، فهو يأتي بعد الصحابة لأنه من التابعين، كما يأتي أيضا لارتباط علم التوحيد بالإمام البصري، فللإمام البصري اليد الطولي في ظهور هذا العلم. ثم يقرر شيخنا) أنه إذا كان لابد للعبد من العلم والعبادة فالعلم أولى بالتقديم)، ولسنا في حاجة إلى مزيد من القول بأن المعتزلة يرون أنّ التوحيد أو الإيمان بدون نظر عقلي وعلم لا يكون إيمانا ولا توحيدا، وأن التوحيد أو الإيمان لديهم مسألة جدلية منطقية استدلالية. كما أن تقديم شيخنا العلم على العبادة ليس إلا تقديم العقل على النقل، لأن العبادة نقلية، ثم يعود شيخنا مباشرة إلى ما يجب أن يعرفه الراغب في الآخرة الزاهد في الدنيا من علم التوحيد أو أصول الدين، فيقول: (فيتعين عليك من علم التوحيد ما تعرف به أصول الدين، وهو أن تعلم أن لك إلها عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا واحدا لا شريك له، متصفا بصفات الكمال، مترها عن صفات الحدث، متفردا بالقدم (، وفي ذلك المقطع التوحيدي من حديث شيخنا، نجده كان دقيقا في استخدامه المذهبي للألفاظ، فهو حين قال (يتعين عليك من علم التوحيد (فقد جعل من معرفة علم التوحيد وتعلمه فرض عين، وذلك هو عين مذهب الاعتزال، ذلك أن المعتزلة يرون أنّ هذا العلم (فرض عين)، إذ لا تحسب الطاعات إلا به، ولهذا قال عنه شيخنا إنّه) أولى بالتقديم) على العبادة، كما ان دعوة شيخنا إلى تعلم علم التوحيد أو أصول الدين دعوة للعامة للأخد بعلم الكلام، لأن مسألة التوحيد والصفات الإلهه تعتبر أساس هذا العلم، ما يطلق عليه (جليل الكلام)، ومعلوم أنّ علم الكلام لا يحظى بقبول لدى علماء المذهب الأشعري والسنة عامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بتعلم
وهي
هي
(127) (1/127)
صفحة 128
العامة له، ولنا في كتاب الإمام أبي حامد الغزالي (الجام العوام في علم الكلام) خير مثال على ذلك الحظر في الأخذ بهذا العلم، وقال الإمام الغزالي في (الإحياء): (وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وابن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف)، وقال أيضا) ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من
(27)
الكشف والتعريف) وإذن فإن دعوة شيخنا إلى العامة قبل الخاصة بالأخذ بعلم الكلام لا يمكن أن تصدر عن عقلية سنية العقيدة، وإنما هي من اختصاص واهتمام علماء الاعتزال، لأنهم يرون) أنّ للفقه أقواما يقومون به، طلبا لأسباب الدنيا، وعلم الكلام لا غرض فيه سوى الله تعالى)
(28)
إن شيخ الإسلام بافضل ومعه المجمع العلمي التريمي حين يتخذون مر
يعني
المسجد مدرسة لتعلم علم الكلام أو التوحيد من قبل عامة الناس،، فإن هذا أن نظام الدولة الراشدية في تريم حينها كان ينسجم مع ذلك النشاط العلمي المذهبي المعتزلي، وما كان لدولة أن تعطي لهذا العلم حق الانتشار والذيوع بين مواطنيها إلا أن تكون تلك الدولة معتزلية الاعتقاد، خاصة وإن علم الكلام
وبعد
والفلسفة اليونانية كانا من أهم مكونات ثقافة شيخ الإسلام بافضل. ان ينهي شيخنا حديثه عن العلم الأولى بالرعاية والعناية علم التوحيد، يخلص إلى علم (الفقه) أو علم الشريعة وما يحتاجه منه الراغب في الآخرة الزاهد في الدنيا لا يتعدى أمور بسيطة، وهي معرفة شروط الطهارة والصلاة
والصيام، أما الحج والزكاة فيتعين معرفتها عند الوجوب
(128) (1/128)
صفحة 129
ما تبقى من الوصية وهو أكثر من نصفها، فهو في أمور العبادة وأنواعها من قراءة وذكر وصلاة واستغفار ودعاء، أي في الأمور المقربة إلى الله تعالى وهي التي تشغل كل وقت الزاهد وليس لديه وقت لسواها.
ومما ذكرناه واستخلصناه عن شخصية شيخ الإسلام بافضل، سواء من قصيدة الإمام القلعي فيه، أو من قصيدته الفكرية أو من وصيته هذه، فإن الصورة التي ارتسمت أمامنا عنه، لا تخرج قيد أنملة عن الصورة) التي تستدعي انتباه الباحث في تاريخ المعتزلة، وهي تلك الضخامة في شخصياتهم، وذلك السمو في صفاتهم، فقد جمعوا في أنفسهم بين التبحر في العلم والشغف بالفلسفة والكلف بالأدب والتحلي بالفضائل والانصراف للعبادة والزهد في متاع الدنيا، فكانوا في الدولة الإسلامية طبقة مثقفة ثقافة عالية ومشكاة باعثة نور العرفان وحماسة الإيمان، يدلنا على ذلك إجماع أكثر مخالفيهم من علماء السنة ومؤرخيها على
(29)
(30)
ذلك
تقدير مقامهم واحترام ذواتهم). ولقد (كانوا في مجال التمسك بالدين ومحافظتهم على العبادات مضرب المثل ومثار الإعجاب ... وكان أكثر المعتزلة يميلون إلى الزهد في الحياة والعيش عيشة الفقر والتقشف لأن همهم كان منصرفا إلى خدمة العلم والدفاع عن مبدأ التوحيد، لا إلى العمل، وقد شاع عنهم حتى أطلق على المعتزلة البغداديين اسم (نساك بغداد) وهكذا لقد وجدنا أنفسنا مع شخصية شيخ الإسلام بافضل، أمام رأس معتزلي كبير وناضج، وترتسم في فكره وبكل وضوح كل صفات رؤوس الاعتزال الكبار، كل ذلك من خلال قصيدته الفكرية وإحدى وصاياه، فكيف بنا لو أبقت الأيام كل تراث هذا العلم الشامخ؟
لقد جاء ما تبقى من تراث هذا الرأس المعتزلي الكبير ليغطي جزء من
الفراغ في المكتبة العربية الإسلامية في التراث المعتزلي، فلقد كانت القصيدة
(129) (1/129)
صفحة 130
(الفكرية) حسب علمي حسب علمي – الوحيدة من نوعها الوحيدة من نوعها من حيث وضوح مضمونها الفكري وتمثيلها صورة الأدب المعتزلي في آخر تجلياته، أما وصايا شيخ الإسلام فهي أيضا الوحيدة من نوعها، حيث أنّ المكتبة التراثية الإسلامية تفتقد هذا النوع من الوصايا التي تعطي صورة واضحة عن السلوك الشخصي العبادى المعتزلي الذي تتحدث عنه المصادر دون تدليل من وثيقة من نوع وصايا شيخ الإسلام بافضل
على أن هناك مسألة مهمة نرى ضرورة إلقاء الضوء عليها، تلك هي التأثير الاجتماعي والثقافي المستمر إلى اليوم لتراث هذا الإمام، ذلك أنّ) مما أحياه من السنن هذا الإمام وبقى معمولا به إلى هذه الأيام عند الخاص والعام، إحياء ما بين العشاءين في أغلب مساجد حضرموت، بتلاوة نصف سبع القرآن بعد صلاة العشاء، والنصف الثاني في آخر الليل، و يبدأ من ليلة الجمعة، ويختم بعد صلاة الصبح الجمعة اللاحقة وينسب لهذا الإمام مسجدين في تريم لا تزال معمورة بالصلاة والذكر، وكذلك زاوية معمورة بالتدريس إلى يومنا هذا) (31). كل ذلك يدل دلالة قاطعة على المنزلة والمكانة الرفيعة التي كان يحتلها الإمام بافضل في مجتمع تريم الراشدية خاصة وحضرموت عامة، وهو الأمر الذي يعني أن تأثيره الفكري قد ساد أيضا واستمرت سيادته قرونا أخرى بعد القرن السادس الهجري، وما امتداد تأثيره الاجتماعي إلا امتداد للتأثير الفكري المذهبي المعتزلي خاصة إذا علمنا أنه: (لم يندثر اسم المعتزلة نهائيا في الأقطار التي غلب عليها
(32)
أهل السنة، ولم يتوار عنها ظلهم إلا في القرن التاسع الهجري) (32)، ولما كانت حضرموت عامة وتريم خاصة ليست من تلك الأقطار التي غلب عليها أهل السنة، بل كانت بين الأباضية والإعتزال، فإن هذا يعني استمرار وجود هذين المذهبين إلى ما بعد القرن التاسع، ومما يلقي ضوء على حقيقة ذلك الوجود، قول
(130) (1/130)
صفحة 131
المؤرخ عبد القادر بن شيخ العيدروس – 1048 هـ في ترجمته للسلطان بدر ابن
-
عبدالله الكثيري الملقب أبي طويرق المتوفي سنة 977 هـ: (فكم أباد أحزاب
(33)
الضلال ومزقها، وكم أزال فرق الفساد وفرقها). ولنا هنا أن نسأل عن
أي أحزاب وفرق كان حديث الأستاذ العيدروس، ان لم يكن عن الأباضية والمعتزلة والشيعة الزيديه ذات الوجود العريق في المجتمع الحضرمي.
التدخل في وصية شيخ الإسلام بافضل لهدف مذهبي
بعد أن رأينا كم هي واضحة المعالم المعتزلية الأصلية في وصية شيخ الإسلام بافضل، بمثل وضوحها في قصيدته الفكرية، فقد لاحظنا أن أياد قد تدخلت فيها بالتحريف والتشويه، بغرض فرض الاتجاه الأشعري على صاحبها، ولعل أهم نقاط ذلك التدخل تكمن في ما يلي: 1 - أول ما تذكر الوصية (المنشورة (من العلوم التي يجب أن يأخد بها الراغب في الآخرة الزاهد في الدنيا، وهو علم (الفقه)، إلا أن الأخذ بهذا العلم لا يستقيم مع حاجة الموجه إليه خطاب الوصية، المشغول ليله ونهاره بالأعمال المقربة إلى الله تعالى، الملتزم بخطاب الوصية بعدم) مخالطة أكثر الخلق)، فهو ليس في حاجة إلى هذا العلم الذي لا يأخذ به إلا الراغب في الدنيا المتكسب به في معاشه المخالط لأكثر الخلق، سواءً كان قاضيا أو فقيها أو غيره، الذي لا تأخذ العبادة من وقته إلا ما هو مفروض عليه، والراغب في الآخرة الزاهد في الدنيا ليس لديه الوقت للاشتغال به، فوقته مصروف بين تعلم علم التوحيد والعبادة، ناهيك عن زهده في مردوده المعيشي. أما ما يحتاجه الراغب في الآخرة، فهو علم التوحيد أو أصول الدين، والقدر المطلوب منه معرفته ودراسته
(131) (1/131)
صفحة 132
من هذا العلم، هو أن يعرف ربه قبل أن يعبده و يتقرب إليه، معرفة يقينية عقلية لا يشوبها شك أو ريبة أو يدخلها عيب أو نقص، توحيدا خالصا، ليس فيه تجسيم أو تشبيه، وليعبده بعد ذلك على بينة وإخلاص نية وصدق طوية، ولقد أوضحنا سابقا أنّ المعتزلة يرون أنّ الإيمان أو التوحيد بلا معرفة وعلم ونظر، لا يسمى توحيدا أو أيمانا.
أما ما يحتاجه الراغب في الآخرة من علم (الفقه) وهو العلم الذي ذكره شيخنا تحت اسم (علم الشريعة)، فهو أمور تعبدية بسيطة لا تتعدى الأمور التي تصح بها العبادة ولا تستقيم بدونها، فلم ير شيخنا ضرورة للراغب في الآخرة بتعلم أركان الحج والزكاة إلا عند وجوبها، وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للحج والزكاة، فإن انعدام حاجة الزاهد إلى باقي مسائل الفقه وهي أغلب علم الفقه، تكون مسأله مسلما بها بداهة
أصلها
كما أنه لو كان علم الفقه الوارد في أول الوصية المنشورة من وليس دخيلا عليها، لما استشهد شيخنا بقول الإمام الحسن البصري، وذلك من ناحيتين: الأولى هي أن الإمام الحسن إنّما كان جل اهتمامه بعلم التوحيد، بل ويعتبر مؤسسا له، واشتهر به. وثانيا أنه لم يكن) يقيم كبير وزن للفقهاء، بل ينكرهم، فقد ذكر (عمر أن ابن القصير)، قال سألت الحسن البصري عن شيء، فقلت إن الفقهاء يقولون كذا وكذا. فقال الحسن: وهل رأيت فقيها بعينيك. إنما الفقيه الزاهد في الدنيا البصير بدينه المداوم على عبادة ربه عز وجل)، فهو إذن ينكر علي المتوسمين برسم الفقهاء أنهم فقهاء حقا، لأنهم ليسوا بزاهدين في الدنيا و ليسوا على بصيرة من دينهم إذ هم شكليون لا يرغبون باطن العبادات، لأنهم لا يداومون على عبادة الله، بل يكتفون بالفروض
(132) (1/132)
صفحة 133
أنه ينعي
في أوقاتها، وينسون فيما وراء ذلك، كما أنه
على الفقهاء مماحكاتهم
الشكلية في الشعائر الدينية، دون إي اهتمام بالنيات وخلوصها.
قال (فرقد السبخي (للحسن / يا أبا سعيد إن الفقهاء يخالفونك.
فقال: ثكلتك أمك، وهل رأيت بعينيك فقيها. إنّما الفقيه الورع الكاف عن
أعراض الناس، العفيف عن أموالهم، الناصح الجماعتهم ..
(34)
فكيف إذن يستشهد شيخنا بقول الإمام البصري على أهمية علم الفقه
وهو يعلم موقفه منه ومن الفقهاء، خاصة وإنّ المعتزلة ينظرون للإمام البصري
على اأنه إمامهم وهم على طريقته ونهجه
ولكن الأمر يستقيم تماما لو كان الاستشهاد بقول الإمام البصري جاء
للدلالة على أهمية علم (التوحيد (أو أصول الدين، ولا يستقيم بخلاف ذلك، خاصة إذا أخدنا بعين الاعتبار المكانة الخاصة التي يحتلها علم التوحيد في النشاط الفكري للإمام الحسن البصري والمعتزلة عامة.
كما أن هناك دليلا آخر على أن كلمة (الفقه) الواردة في أول الوصية (المنشورة (ليست من أصلها هذا الدليل يقع في حديث الإمام البصري نفسه، فهو يقول: (أطلب العلم طلبا لا يضر بهذه العبادة، واطلب هذه العبادة طلبا لا يضر بهذا العلم)، ذلك أن فقه العبادة يدخل ضمن دائرة الفقه العام، ولهذا فان حديث الإمام البصري يدل أننا هنا أمام علمين متقابلين هما علم العبادة (فقه) وعلم آخر هو بالتأكيد علم التوحيد، والإمام البصري يرى أن يكون طلب علم التوحيد هادفا إلى الإخلاص في العبادة، وأن تكون العبادة تثبيتا لصحة وخلوص الاعتقاد الله تعالى. هذا من ناحية، ومن أخرى، فإنّه لو كان هو المقصود بالأولوية لذكره شيخنا مكان علم التوحيد، أو لذكره مكان علم الشريعة، لأن علم الفقه هو نفسه علم الشريعة، وما كان لشيخنا
علم
الفقه
(133) (1/133)
صفحة 134
أن
يستخدم مصطلحين للدلالة على علم واحد فيفقد الوصية البساطة وسهولة الخطاب الذي تميزت به، انسجاما مع قدرة الإنسان المحدود المعارف الباحث
عما ينفعه منها في أعماله المقربة إلى الله تعالى
أما المسألة الثانية التي تفصح عن ذلك التدخل في الوصية، فتكمن في الاستشهاد بقول الإمام الغزالي عن أهمية العلم والعلماء، حيث نجد الفقرة الخاصة بذلك قدتم وضعها أو قل دسها بين أحاديث الرسول الكريم وقبل الانتهاء من سردها، وهذا أمر غير مقبول وغير لائق ولم يكن لشخصية عالمة جليلة بحجم شيخنا بافضل أن تقطع أحاديث الرسول الكريم لتأتي بكلام أي من البشر مهما علا شأنه وعظم قدره، ذلك أنّ آداب الاستشهاد المتعارف عليها في كل العصور الإسلامية وإلى اليوم، إنّما تقوم على تسلسل الأولوية، تحتوي على كل معان الالتزام الديني والأخلاقي والأدبي والعلمي، وهو تقديم الآيات الكريمة، ثم أحاديث الرسول، ثم أقوال الصحابة، ثم التابعين ثم المجهتدين الذين ينتمي الإمام الغزالي إلى طبقتهم، فلو أراد شيخنا الاستشهاد بقول الإمام الغزالي لجاء قوله بعد قول الإمام البصري الذي كان من التابعين، لهذالزم تقديمه على الغزالي، إضافة إلى أن البصري كان جامعا عالما كبير العلم رفيعا فقيها ثقة عابدا ناسكا رفيع المتزلة بين علماء عصرة، وله اليد الطولي في إظهار علم التوحيد أو أصول الدين. وإذن، يكون الاستنتاج المنطقي من كل ما تقدم، هو أن ورود الاستشهاد بقول الإمام الغزالي لم يكن هو الآخر من أصل الوصية، وإنما أدخل عليها بطريقة فجة لم تراع ما هو متعارف عليه من أصول الاستشهاد بالقول، والغرض من كل ذلك هو القول بأشعرية الإمام بافضل التي يعني القول بها وادعائها الادعاء بسنية الأوضاع المذهبية و السياسية في حضرموت كلها في ذلك العهد، خاصة أن الإمام الغزالي لم يكن حاضراً شخصاً ولا ثقافة في الحياة الفكرية في
(134) (1/134)
صفحة 135
حضرموت في القرن السادس الهجري، كما اتضح لنا ذلك من خلال كتاب الإمام القلعي) تهديب الرئاسة وترتيب السياسة)، كما وسوف يأتي. ولم يقف التدخل في تراث الإمام بافضل عند ذلك الحد، بل نجد أنه قد حدث مثل ذلك في القصيدة الفكرية، فقد وجدنا كل من اطلع عليها في فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينات من من القرن الماضي، يقول إن عدد أبياتها
،
ثمان
أقل من مائة وأربعين، ثم وجدناها منشورة بمائة وأربعين أي بزيادة على الأصل كما حدث التدخل أيضا في الوصيتين الأخريين للإمام بافضل، ففي إحدهما وجدناه يقول عن صلاة الضحى: (وأكثرها ثمان ركعات وتحرم الزيادة على ثمان)، بينما نجده في الأخرى يقول: (ثم صل الضحي ولا أقل من ركعات (أي أن حدهما الأدنى ثمان، بينما في الوصية السابقة تعتبر ثمان ركعات حدها الأعلى، وهكذا يظهر لنا التدخل في تراث هذا الإمام العلامة الكبير، حتى أظهره ذلك التدخل في مظهر الفقيه الضعيف المتناقض حتى في أبسط مسائل الفقه كصلاة الضحي. غير أنّ كل تلك التدخلات لم تستطع أن تحقق هدفها في طمس المعالم الأساسية في شخصية وفكر هذا الرأس المعتزلي الكبير، بل ظلت تلك المعالم شامخة باستعلاء وكبرياء تأبى الخضوع لرغبة الأخلاف في السيطرة عليها بما تهوى أنفسهم حتى ولو كان ذلك على حساب الأخلاف قبل الأسلاف
على أن الخسارة تكمن في اختفاء وإعدام تراث هذا العلم الشامخ في علم التفسير إذ لو كان حيا لأعطانا صورة واضحة ليس عن مدى تطور علوم الاعتزال فحسب، بل وعن المدى الذي بلغته حضرموت في المجال العلمي في
القرن السادس الهجري.
رحم
الرحيم.
الله
شيخ الإسلام بافضل وغفر له وأسكنه فسيح جناته أنه الغفور
(130) (1/135)
صفحة 136
الإمامان الغزالي وبافضل في إحياء ما بين العشائين
نظر اللاختلاف المذهبي العقائدي بين كل من الإمام الغزالي (الأشعري) والإمام بافضل (المعتزلي)، فقد اختلفت طريقة كل منهما في إحياء ما بين العشاءين، وبالنسبة للإمام الغزالي، فقد قال في ذلك: (وترتيب هذا الورد أن
الله
يصلي بعد المغرب ركعتين أولاً، ويقرأ فيهما (قل يأيها الكافرون، قل هو أحد)، ويصليها عقب المغرب من غير تخلل كلام ولا شغل، ثم يصلي أربعا يطيلها، ثم يصلي إلى غيوبة الشفق ما تيسر له، وإن كان البيت قريبا من المسجد، فلا بأس أن يصليها في بيته، إن لم يكن عزمه العكوف في المسجد، وإن عزم العكوف في انتظار العتمة فهو الأفضل، إذا كان آمناً من التصنع والرياء. الورد الثاني يدخل بدخول وقت العشاء الآخر إلى حد نومة الناس، وهو أول استحكام الظلام، وترتيب هذا الورد ان يصلي سوى فرض العشاء عشر ركعات، أربعا قبل الفرض إحياء لما بين الأذانين وستا بعد الفرض: ركعتين ثم أربعا، يقرأ فيهن من الآيات المخصوصة، كآخر البقرة وآية الكرسي وأول الحديد وآخر الحشر وغيرها، والثاني ان يصلي ثلاثة عشرة ركعة آخرهن الوتر، يقرأ في هذه الصلاة قدر ثلاثمائة آية من السور المخصوصة، والورد الثالث
النوم. (35) هي
تلك
طريقة الإمام الغزالي، ونلاحظ عليها ما يلي:
1 - اعتمادها على الصلاة
2 - جواز إحياء هذا الورد في البيت وليس ضرورة في المسجد
-3 - وقت صلاة الوتر هو أول الليل وعدد ركعاتها ثلاثة عشر ركعة
(136) (1/136)
صفحة 137
أما بالنسبة لطريقة الإمام بافضل فهي تعتمد على: (قراءة القرآن واستماعه
وبعد العشاء مطالعة ومذاكرة، ثم قم قبل الفجر لصلاة الوتر، احدى عشرة
(36)
ركعة، تقرأ فيها سورة يس والواقعة وتبارك. (1)
ونلاحظ عليها ما يلي:
1 - اعتمادها على قراءة القرآن واستماعه
2 - مكان إحياء هذا الورد هو المسجد
وقت صلاة الوتر قبل الفجر وعدد ركعاتها احدى عشرة ركعة
"
وتفصيل طريقة الإمام بافضل المعمول بها إلى اليوم في مساجد حضرموت تقوم على (قراءة نصف سبع القرآن كل ليلة ما بين العشاءين، ثم قراءة النصف الآخر قبل الفجر، بحيث يتم ختم القرآن مرة كل أسبوع).
وهكذا نلاحظ اختلاف طريقتي الإمامين في إحياء هذا الورد، ونرى أنّ ذلك الاختلاف يعود في الأساس إلى العناية الفائقة التي يوليها المعتزلة للقرآن الكريم وعلومه من جهة، ومن أخرى لما أولاه معتزلة حضرموت للمسجد من أهمية كبيرة وتحويله إلى مدرسة جامعية لنشر الاعتزال وعلومه بين العامة، وهو الأمر الذي مكن من استمرار طريقة الإمام بافضل في إحياء هذا الورد إلى يومنا
هذا.
(137) (1/137)
صفحة 138
القيمة العلمية لاحمال الكتب التي أحضرها شيخ الإسلام بافضل من العراق: لقد أورد المؤرخون أن شيخنا بافضل أحضر معه عند عودته إلى تريم بعد غياب دام أربعين عاماً، أحمالاً من الكتب القيمة التي انتفع بها خلق كثير من طلاب المعارف والعلوم. (37) ولكن ما هو المحتوى العلمي لتلك الكتب، إننا نرى أنها لا يمكن أن تكون ذات محتوى عقائدي سني، وذلك لمعتزلية الإمام با فضل، ولأن كتب العقائد السنية موجودة في مراكز أهل السنة في اليمن مثل زبيد والجند وغيرها إضافة إلى الحجاز، وليس هناك ما يستدعي تحمل أعباء نقلها أحمالا من العراق إلى حضرموت، لهذا نرى أنّ تلك الكتب كانت ذات محتوى مذهبي وعلمي معتزلي، خاصة وإن تلك الكتب غير متوفرة في اليمن أو الحجاز في أوائل القرن السادس الهجري. ففي أواسط ذلك القرن بعث الإمام الزيدي أحمد بن سليمان أحد معاونيه إلى العراق وهو القاضي المعتزلي الزيدي جعفر بن عبد السلام لإحضار كتب الاعتزال، التي تؤيد وجهة نظره في الصراع الفكري بينه وبين فرقة المطرفية المعتزلية، (وحين سافر القاضي جعفر إلى العراق لم يجد إلا كتب مذاهب المعتزلة منتشرة هناك، فأخرج معه إلى اليمن كثيراً من كتب المعتزلة). (38) ولقد لعب القاضي جعفر دوراً بارزاً في مناظرة أهل العقائد السنية أيضاً، وله في ذلك كتاب (الدامغ للباطل في مذهب الحنابل) الذي رد عليه الإمام الحنبلي العقيدة يحي بن أبي الخير العمراني بكتابه (الانتصار في الرد على القدرية الأشرار).
(138) (1/138)
صفحة 139
ما أريد أن أخلص إليه من إيراد ما سبق من سفر القاضي جعفر بن عبد السلام وما ترتب عليها من نتائج، منها حسم الصراع بين الإمام أحمد بن سليمان وفرقة المطرفية، هو أن الكتب التي أحضرها الإمام بافضل لن تخرج عن دائرة تلك الكتب التي كانت منتشرة في سوق العراق، وهي كتب ثقافة الاعتزال.
وإذا كانت المهمة التي قام بها القاضي جعفر هي مناظرة ومجادلة فرقة المطرفية الداخلة ضمن مجتمع صعدة الزيدي، من أجل تحجيمها وتبيان عيوبها النظرية الفكرية، باعتبار تلك المهمة السياسية الأولى، فإن مهمة شيخنا
هي
بافضل هي مناظرة ومجادلة الأباضية الداخلة ضمن المجتمع الحضرمي عامة والتريمي خاصة، ليس بغرض تحجيمها فحسب، ولكن أيضا لكسب الفئة العالمة منها إلى
مذهب الاعتزال، وتلك كانت بالضرورة مهمة المجمع العلمي التريمي المعتزلي. إلا إن شيخ الإسلام بافضل بما يتمتع به من غزارة علمية سوف يتحمل القسط الأكبر من تلك المهمة، لأن إنجازها يترتب عليه اتساع دائرة الاعتزال الاجتماعية والسياسية وتقليص الدائرة الأباضية. على أن مجادلة الأباضية و مناظرتهم لم تكن مهمة المعتزلة وحدهم، بل لقد شاركهم فيها علماء الزيدية أيضاً، لهذا نجد في قائمة مؤلفات القاضي جعفر بن عبد السلام كتاباً خاصاً بذلك هو: (إبانة المناهج في نصيحة الخوارج). وبهذا يكون صحيحاً ما أوردته المصادر من أنّ شيخنا بافضل قد جادل الأباضية، ولكن من منظور عقائدي معتزلي الأصول سني الفروع، وكذلك يكون صحيحاً ما ذهب إليه الدكتور (الدجيلي (من أنه (قد وردت إلى اليمن في القرن السادس الهجري)
(39)
(139) (1/139)
صفحة 140
مصنفات عدد غير قليل من أعلام المعتزلة ومفكريهم، كمصنفات القاضي عبد الجبار الهمداني ت - 415 هـ ومصنفات ابن متويه ت – 469 هـ والحاكم الجشمي ت – 494 هـ وغيرهم من العلماء، وبذلك أصبحت اليمن مركز لتراث المعتزلة) (40)
وإذا كان الدكتور (الدجيلي (يرى أن دخول تلك المصنفات المعتزلية إلى اليمن قد تم عبر المذهب الزيدي في اليمن الأعلى، فإن دخول تلك المصنفات إلى حضرموت في ذلك الوقت أولى من دخولها إلى اليمن الأعلى، وذلك لاحتضان (تريم (مذهب الاعتزال الخالص، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لوجود قاعدة زيدية في (ظفار) تحت رعاية حكامها من آل منجوي، ولهذا فقد حفظت لنا مكتبة المخطوطات بتريم عدداً عدداً من المصنفات المعتزلية، منها: (شرح الأصول الخمسة (للقاضي عبد الجبار الهمداني: نسخة عتيقة كتبت بخط نفيس من خطوط القرن السادس. وكتاب (تعليقة المحيط (للحسن بن أحمد بن متوية: نسخة عتيقة كتبت بخط نسخي سنة – 767 هـ وهكذا تكون حضرموت واليمن الأعلى هما مركزا الفكر المعتزلي في القرن
السادس الهجري.
(41)
(140) (1/140)
صفحة 141
ثانياً: الشاعر التكريتي الظفاري: القصيدة التكريتية:
-1 ظفار في العهد المنجوي:
كانت ظفار في القرن السادس الهجري تحت الولاية الخاصة لآل منجوي، وقد كان هؤلاء أسرة علم وأدب قبل أن يكونوا أسرة حكم وسياسة، وإذا كنا قد توصلنا إلى أن حضرموت في هذا القرن قد شهدت زحف علمي معتزلي عليها، فإننا لن نعدم أقوالاً بفارسية آل المنجوي أنفسهم، كما ذهب إلى
(42)
ذلك المؤرخ ابن المجاور المتوفي سنة – 690 هـ، وهو كما ترى قريب من عهدهم، كما لن نعدم أقوالا بأنهم جاءوا إلى حضرموت نتيجة اضطهاد سياسي أو ديني في مواطنهم الأصلية، وهو الأمر الذي كان يقع كثيراً في ذلك العهد، كما ذهب إلى ذلك الأمر (س. ب. مايلز)، الذي لاحظ أيضا أنّ أسرة آل المنجوي قد تركت مؤثراتها العميقة على عقول ووجدان سكان المنطقة وذلك على خلاف أغلب الغزاة (43)، وإن كان لنا من قول في معرفة سر ذلك التأثير العميق لهذه الأسرة، فإنّا نقول إنّ ذلك التأثير جاء نتيجة مباء
لكونهم جاءوا إلى ظفار دعاة وليسوا غزاة
ولغرض تحقيق ما قاله ابن المجاور وغيره، فإننا سوف نعمد ونعتمد
في ذلك على مؤرخ حضرمي، يعتبر كتابه إلى اليوم، هو المصدر الأول في تاريخ حضرموت، ذلك هو المؤرخ أحمد عبدالله شنبل العلوي في تاريخه.
يقول المؤرخ شنبل في أحداث سنة - 599 هـ، وفيها قتل (حوب)
(44)
وفي هذا
في ظفار، ووليها رجل من العجم يدعي أنه ولد حارثة بن .... ) الخبر لم يذكر مؤرخنا من هو هذا (ولد حارثة (ولا من أي أسرة هو، غير قوله عنه إنه من العجم، أمر في غاية الأهمية من حيث دلالته على حكم العجم
(141) (1/141)
صفحة 142
لظفار، غير أن تلك الإشارة تتوضح بمالا يدع مجال للشك في أثناء ذكره
لأحداث سنة – 605 هـ، حيث يقول: (وفيها قتل والي ظفار الذي يدعي
(45)
أنه ولد حارثة بن منجوه) وهكذا نصل مع المؤرخ شنبل إلى أن آل منجوى ولاة ظفار في القرن
السادس وما قبله كانوا من العجم، وفي ذلك تأكيد لما سبق
ابن المجاور وغيره بفارسية آل المنجوي ولاة ظفار.
أن قال به المؤرخ
و ممن هو معروف ومشهور من ولاة ظفار في هذا القرن الإمام محمد بن أحمد المنجوي، الملقب بالأكحل المتوفي قبل سنة – 599 هـ، أي قبل تولي ابن حارثة الذي ذكره المؤرخ شنبل. وفي عهد الإمام الأكحل كانت ظفار تحت الولاية المعتزلية العامة لآل راشد ولاة تريم وأصحاب الولاية المعتزلية العامة في عموم حضرموت، لهذا نجد أنه في سنة - 597 هـ يتولى الإمام فهد بن عبدالله بن راشد ولاية ظفار (4)، وما كان له أن يكون كذلك لو لم تكن ظفار حينها تحت الولاية العامة لوالده الإمام عبد الله بن راشد والي تريم حينها، كما أنه في سنة 596 هـ وصلت قبائل (القرا) وهم قبائل بادية ظفار، وصلوا إلى حضرموت وافدين على عبدالله بن راشد مستصرخين على أهل ظفار، فجهز. وما كان لقبائل القرا أن يستنجدوا بالإمام عبد الله بن راشد دون
العسكر
(47)
غيره، لو لم تكن له الولاية العامة على ظفار.
وإذن فقد كان الإمام الأكحل صاحب الولاية المعتزلية الخاصة على ظفار وإذا كان آل منجوى هم أنفسهم وافدون على حضرموت ونازحون إليها من أوطانهم الأصلية في فارس، فقد كانت ظفار - كما هو الحال بالنسبة للمدن الحضرمية الكبرى - مقصداً لعلماء الاعتزال ورجاله من كل حدب وصوب من
(142) (1/142)
صفحة 143
العالم الإسلامي. ولقد كان من هؤلاء الذين وفدوا إليها كل من الشاعر التكريتي
والإمام محمد بن علي القلعي
2 - الشاعر التكريتي:
لا يعرف اسمه شأنه شأن الأعم الغالب من علماء حضرموت في هذا القرن ويبدو أنه من أدباء العراق وشعرائه، قدم إلى مدينة مرباط عاصمة إقليم ظفار ومدح الإمام الأكحل بقصيدة رائعة بديعة، خلدت اسمه وذكره، وكانت مانعة لاسمه من أن يمحى من ذاكرة التاريخ، ولو لم يبق منه إلا نسبته إلى (تکريت) (48)
القصيدة (اليتيمة) للشاعر التكريتي:
عج برسم الدار فالطلل xx فالكثيب الفرد فالأثل xx فبمأوى الشادن الغزل
بين ظل الضال والجبل
وابك في إثر الدموع دما xx هب كان الدمع قد عدما xx واندب الغيد الدما ندما واقف إثر الظعن والإبل
وإذاما بان بان قبا xx وبلغت الرمل والكثبا xx ناد يا ذا الربع وا حربا وأسبل العبرات ثم سل
آه لو أدركت بينهم xx كنت يوم البين بينهم xx ليت شعري الآن أين هم رب سار ضل في السبل
كيف أثني عنهم طمعي x x وهم في خاطري ومعي xx كف عني اللوم لست أعي ففؤادي عنك في شغل
هاأنا في الربع بعدهم xx أشتكي وجدي وبعدهم ×× أسأل الأيام وعدهم وأقضي الدهر بالأمل
فدموع العين تنجدني xx وحمام الأيك يسعدني ×× فهي تدنيني وتبعدني بالبكا طوراً وبالجدل
خلفوني في الرسوم ضحى xx أتحسى الدمع مصطبحا xx كل سكران وعى وصحا وانا كالشارب الثمل
رق رسم لي ورثا xx وسقامى للضنا ورثا xx ليس سقمي بعدهم عبثا كل من رام الحسان بلي
آه لو جاد الهوى وسخا xx إذهب الأكدار والوسخاً xx والجوى والصبر قد نسخا
وقعتي صفين والجمل
(143) (1/143)
صفحة 144
مالهذا الدهر يطمعنا xx وأكف البين تقمعنا Xxx أترى الأيام تجمعنا بمنى والخيف والجبل
أترى بالمشعرين نرى xx عيسهم والركب قد نفرا xx ونزور الحجر والحجرا ونضم الركن للقبل
كم لنا بالمروتين أسى xx ماله غير الخضوع أسى xx ينجلي عن ربما وعسى والورى في غاية الوجل
يا أصيحابي ويالزمي xx غير خاف عنكم ألمي xx ان أمت لا تأخذوا بدمي غير ذات الدل والكسل
غادة في خصرها هيف ×× دنف كل بها دنف xx فهيام القلب والشغف بين ذاك الخصر والكفل
فبياض الصبح غرتها xx وسواد الليل طرتها xx دمية كالشمس بهجتها وهي في خمس من الحمل
أصل دائي غنج مقلتها xx ودوائي لثم وجنتها xx أترى عمرا بنظرتها أم أمير المؤمنين علي
ريقها والمبسم الشنب xx خندريس فوقها حبب xx لؤلؤ رطب هنا العجب بحره أحلى من العسل
وصفوا هندا وما وصفوا xx عكسوا المعنى وما عرفوا xx قلت هذا منكم سرف أيقاس الكحل بالكحل
فعلت بي غير ما وجبا xx عاقبت ما رقبت رقبا xx صحت في الأحياء وا حربا ايحل القتل في الخجل
كم كرى عن مقلتي منعت xx حبذا لو انها قنعت xx مذ بدت صنعاء ما صنعت جمع ذاك اللحظ بالمقل
ان يكن بالحب هان دمي xx ها صباباتي وها ندمي xx فدمي في سالف القدم ورشادي ضل في الأزل
بدرت من بدر جارية ×× ودموع العين جارية xx ثم قالت وهي جارية ارفقي يا هند بالرجل
،
فاجابت وهي معرضة ومراض اللحظ ممرضة xx انت لي يا سعد مبغضة قد شفيت النفس من علل
قالت البدرية اتندى xx وعدي ذا المبتلى وعدي xx ما الذي ينجي من القود
خلق الانسان من عجل
طال ما فيك الهوى عبدا xxx ما عدي ممالديك بدا ×× ليس يخفى قتله أبدا عن مروي البيض والاسل
الإمام الطاهر النسب x x الزكي الطيب الحسب xx السحاب الساكب اللجب الهتون العارض الهطل
الهزبر المنجوي إذا xx القت الحرب العوان إذى xx هو تاج والملوك حذا بل حضيض وهو كالقلل
طال ما قد ظنت السحب xx واشرأب المحل والسغب xx وغوادي كفه السهب بالضحى تهمي وبالأصل
(144) (1/144)
صفحة 145
لو همت يوماً غمائمه xx بلظى ناحت حمائمه xx فهو مذ ميطت تمائمه مولع بالخيل والخول
يمنح السؤال قبل متى xx سأل المضطر أو سكتا xx لو أتى بعد الرسول فتى كان حقا خاتم الرسل
وعدولاً بات يعذله xx ولديه المال يبدله xx قصده عن ذاك يعذله وهو لا يصغي إلى العذل
حكت الانواء انام ـله ×× وهي تخشى ان تقابله xx فإذاما هز ذابله قرب الارواح للأجل
ماله مثل يماثله xx لا ولا شكل يشاكله xx وله فيما يحاوله همة تعلو على زحل
كف كف الدهر حين سطا xx ونداه نحونا بسطا × × فغدونا أمة وسطا بعد ذاك الخوف والوجل
كيف نخشى بعده الزمنا xx وابو عبد الإله لنا xx ارتدى مجداً والبسنا حللا ناهيك من حلل
هو قس في فصاحته Xx ولؤي في صباحته xx وهو معن في سماحته وأبن عباس لدى الجدل
ان يكن في نظمها خلل xx يعذر الجاني ويحتمل xx خاطر المملوك مشتغل عن كتاب العين والجمل
جد جدا جد فر كراع سمى xx زد مرء انه اسلم تهن دم xx صل أو أصرم صرتب استقم هب تفضل ادن نل ائل
قال عنها المؤرخ بامخرمة: إن أعيان أدباء اليمن قالوا فيها إن كل شعر
يدرس، إلا ما كان من قصيدة التكريتي، وإنه يوردها كاملة لحستها (49)
طولها
وما نفهمه من حكم أعيان أدباء اليمن على تلك القصيدة، هو أنهم رأوها لا تخضع لمقاييس الدراسة الأدبية المتعارف عليها، رغم حسنها وجمالها، وحكمهم ذاك إنما هو حكم خبير، فهم فهم أعيان الأدب ورجاله، وهم أخبر بصناعتهم وقيمة بضاعتهم فهم، بعد أن عاينوا القصيدة وعرضوها على ميزان فنون الأدب وقواعده، وجدوا أنفسهم عاجزين عن إخضاعها لعدتهم ومقاييسهم، فقالوا فيها ما قالوا، معترفين بجمالها وحسنها، بل وتركوها منذ
(145) (1/145)
صفحة 146
قالها شاعرها بكرا عذراء، ولم يحاول أحدهم مجرد الاقتراب منها والتحرش بها،
وصولا إلى فك مغاليقها وسبر مجاهيلها.
على
اقتراب
أني حين أحاول الاقتراب منها، فإن اقترابي ذاك إنّما هو اقتـ حذر، ذلك أن بضاعتي في هذا الفن مزجاة، وحصيلتي من معارفة ضئيلة لا تكاد تبين، فكيف بي أحاول ما لم يقدر عليه أعيان الأدب رجاله، وحالتي في الأمر على ما ذكرت.؟ على أن عزائي في هذه المخاطرة، أنني على طول هذه الدراسة، أحاول أن اقتحم مجال فتح الأقفال على ما تعرض للتشويه والإهمال من تاريخنا الوسيط، وقصيدة التكريتي كانت إحدى تلك المعالم التي كان لابد من الوقوف أمامها لغرض الوصول إلى ما تهدف إليه هذه الدراسة، ذلك أنني لم أبحث عنها وأتعرض لها قاصدالها في ذاتها، ولكني وجدتها تقف أمامي كالقلعة المتقنة التحصين عالية الأسوار، فكان لابد من المخاطرة، فذلك عزائي وعذري، وأسال الله التوفيق، وأسال القارئ الكريم العفو والسماح فيما قد يصدر عن محاولتي هذه.
من عجز أو قصور.
وأبدأ قولي بأن جمال وحسن هذه القصيدة صادر عن استغلاق معانيها، ونفهم ذلك من قول أعيان الأدب فيها، وهذه الميزة – حسب علمي – غير معهودة في الأدب العربي، ولا تعرف لها مثيلاً فيه، فحين نأخذ البيت الثالث
منها ونحاول سبر معناه
من خلال ظاهر ألفاظه وعباراته، حين يقول:
وإذاما بان بان قبا xx وبلغت الرمل والكثبا xx ناد يا ذا الربع وا حربا
وأسبل العبرات ثم سل
(146) (1/146)
صفحة 147
في هذا البيت يخاطب الشاعر صاحبه قائلاً: إذاظهر لك مسجد رسول
الله في المدينة المنورة) مسجد قبا)، حينها تكون قد وصلت إلى الرمل والكتيب المقصود، وعندها عليك أن تصيح في القوم بإعلان الحرب والقتال، وعليك أن تذرف الدمع وتسأل عمن تحب وتهوى.
ذلك هو ظاهر المعنى كما توحي به ألفاظه وعباراته، وهو كما ترى معنى مضطرب، تماماً كاضطراب ألفاظ البيت نفسها، التي تتراوح بين الألفاظ الدينية (قبا) والألفاظ القتالية) وا حربا)، والألفاظ العاطفية (وأسبل العبرات
ثم سل).
وإذن، نحن في هذا البيت أمام معاني مضطربة أظهرتها ألفاظ البيت غير الأمر الذي أفقد البيت وحدته النفسية، غير أن ذلك الاضطراب كان هو سر جمال القصيدة، ذلك أن تلك المعاني أعطت و حسن
المتجانسة،
وهو
إيحاءات متنوعة وكثيرة، ولعل أحدها على الأقل، يتفق الحاجة النفسية
مع
للقارئ أو المستمع، تماماً كما هو الحال عند الناظر للوحة الموناليزا الشهيرة
تأخذه نظرتها إلى عوالم تلذ له ويستمتع بها.
ولتآخذ البيت التالي:
آه لو جاد الهوى وسخا xx إذهب الاكدار والوسخا xx والجوى والصبر قد نسخا
وقعتي صفين والجمل
ولينظر القارئ الكريم إلى ما في هذا البيت من معاني متنافرة، لكنها رغم تنافرها
كانت
إليه
جماله سر وحسنه، رغم جهلنا حتى الآن بمقصود الشاعر منه، وما يرمي
(147) (1/147)
صفحة 148
على أننا سوف نتعرض لهذا البيت في حينه، وأنما أوردناه هنا للدلالة على الطريقة البديعة التي وظفها الشاعر في قصيدته، وكانت جمالها
وإذا كان الأخذ بأسلوب التفسير اللغوي قد لا يسبر غور مقاصد الشاعر في كثير من الأبيات، فإنني سوف أعمد إلى استخدام شئ من أسلوب (التأويل) بالنسبة إلى الأبيات التي يقصر التفسير عن فك مغاليقها ومجاهيلها. وأسلوب التأويل إنما هو أسلوب إجرائي معرفي يهدف إلى معالجة ما في النص من غموض وفهم مقصود صاحبه، لعلنا بذلك نحقق ما نهدف إليه، خاصة بعد أن أوضحنا الأجواء السياسية والعلمية المذهبية المعتزلية التي كانت سائدة في حضرموت عامة وظفار خاصة في القرن السادس الهجري، وسوف يكون ذلك هو دليلنا و مرشدنا في هذه المحاولة الإجرائية المعرفية، وسوف نبدأ من البيت الأول من القصيدة، حيث يقول:
عج برسم الدار فالطلل xx فالكتيب الفرد فالأثل xx فبمأوى الشاذن الغزل بين ظل الضال والجبل
في هذا البيت الاستهلالي للقصيدة، حدد الشاعر المواضيع التي سوف يذكرها
فيها، وهي
: ثلاثة لا رابع لها: وهي
1 - ذكر رسم الدار فالطلل.
2 - ذكر الكثيب الفرد (الذي لا مثيل له)، فالأثل.
3 - ذكر بلاد) مأوى) من رمز بـ (الشاذن الغزل) أي الغزال الذي شب عن الطوق وأصبح مقصد الغيد الحسان، بين ظل الضال
(شجر السدر) والجبل.
(148) (1/148)
صفحة 149
أولاً: ذكر رسم الدار فالطلل:
ويذكر ذلك في بيت واحد فقط هو البيت الثاني وذلك بقوله:
وابك في اثر الدموع دما xx هب كان الدمع قد عدما xx واندب الغيد الدما ندما واقف إثر الظعن والابل
ثانياً: ذكر الكتيب الفرد فالأثل: ويبدأ ذكره من البيت الثالث، حيث يقول:
وإذاما بان بان قبا xx وبلغت الرمل والكثبا ×× ناديا ذا الربع واحربا واسبل العبرات ثم سل
هذا البيت متعلق بالبيت الذي قبله، وفيه يقول الشاعر: إذاما بان وظهر لك الركب والأبل، فاعلم أنه قد بان لك مسجد (قبا) وهو مسجد الرسول الكريم بالمدينة المنورة، حينها تكون قد بلغت الكتيب الطاهر الذي لا مثيل له، وهو الكتيب الذي حول المسجد النبوي. ومن ذلك نعلم أن الشاعر في (ذكر الكتيب الفرد فالابل) إنما كان يودع) سرب (من علماء الاعتزال الذين غادروا مرباط إلى الأراضي المقدسة لإداء فريضة الحج، فهو يقول في هذا البيت: إذا بلغت المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول الكريم، عندها عليك بإعلان الحرب على خطاياك وذنوبك وآثامك وأسبل عبرات الندم والتوبة، وأسال الله المغفرة والعفو والسماح. ويستمر الشاعر في ذكر كتيب المدينة المنورة من خلال ذكر أمنيتة في أن يكون في ركب قافلة رفاقه من العلماء في طريقهم إلى الديار المقدسة، فهم في خاطره ودمه رغم بعدهم عنه، ولكنه لم يقطع الأمل في تحقيق أمنيته تلك في يوم من الأيام، حين تسمح الظروف بذلك، وهو يقول في هذا
المعنى:
(189) (1/149)
صفحة 150
آه لو جاد الهوى وسخا ×× إذهب الأكدار والوسخا xx والجوى والصبر قد نسخا
وقعتي صفين والجمل
وفي هذا البيت يقول الشاعر: لو إن الزمان جاد وسخا وسمح له بزيارة تلك الديار الطاهرة، عندها يتحققأمله في التخلص من الأكدار والأوساخ التي هي ذنوبه وآثامه وخطاياه، وإنّه في شوق عارم إلى تلك الديار، وهو الشوق الذي أنساه الألم الذي يعتصره من أثر ما ترتب على وقعتي صفين والجمل اللتين كانتا ضد أمير المؤمنين على بن أبي طالب ووصول معاوية إلى الحكم وبدء الخلاف والشقاق في صفوف المسلمين. وفي هذا البيت نعلم أن لدى الشاعر ميول شيعية، وهذا شأن أعداد كبيرة من علماء المعتزلة، كما نعلم من هذا البيت أيضا، أنه كان في ظفار في القرن السادس الهجري، وجود شيعي قوى
وملحوظ، كما سوف يتضح في بيت لاحق
ويستمر الشاعر في ذكر اشتياقه لزيارة الديار المقدسة، حيث يقول: مالهذا الدهر يطمعنا xx واكف البين تقمعنا xxx أترى الأيام تجمعنا
بمنى والخيف والجبل
أترى بالمشعرين نرى xx عيسهم والركب قد نفرا xx ونزور الحجر والحجرا ونضم الركن للقبل
كم لنا بالمروتين أسى xx ماله غير الخضوع أسى xx ينجلي عن ربما وعسى
هي
والورى في غاية الوجل
وهذه الابيات الثلاثة يبدأ في ذكر (مأوى الشاذن الغزل (وهو يقصد الإمام الأكحل ومأواه مدينة مرباط، وهو يذكر ذلك على صورة غزل قوي العاطفة بمدينة مرباط، ناظرا إليها باعتبارها الحبيبة الحسناء والغادة ذات الدل والكسل، وفي هذا (الذكر) تتدفق معاني الغزل والعشق على أحسن صورة، ويبدأ هذا الذكر بقوله:
آخر أبيات) ذكر الكتيب الفرد فالأثل)، وبعدها
(10.) (1/150)
صفحة 151
أيا أصيحابي ويالزمي xx غير خاف عنكم ألمي ×× إن أمت لا تأخدوا بدمي
غير ذات الدل والكسل
ثم نجده يقول فيها:
أصل دائي غنج مقلتها xx ودوائي لثم وجنتها ×× أترى عمرا بنظرتها أم أمير المؤمنين علي
وفي هذا البيت نعلم أنه كان بظفار في ذلك القرن وجود قوى لمذهبين في (الإمامة)، وهما المذهب (العمري (ويطلق عليه (البكري) و (العثماني) وهو الذي يقدم أبا بكر وعمر وعثمان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والمذهب الآخر هو (العلوية) وهو الذي يرى تقديم أمير المؤمنين علي على أبي بكر وعمر وعثمان، وفي هذا البيت تأكيد آخر على قوة الوجود الشيعي في ظفار حينها، وهذا الوجود الذي ظهر جليا في زيدية الدولة الكثيرية الأولى في القرن الثامن الهجري والتي كانت ظفار مركزها ومرباط عاصمتها، كما سوف
يأتي في حينه. وحتى لا يظن بالشاعر ظن السوء من ذلك الغزل، وليبين أنه لا يقصد من
ذلك الغزل إلا مرباط، وليست (هند) إلا هي، قال موضحاً ذلك: وصفوا هنداً وما وصفوا xx عكسوا المعنى وما عرفوا ×× قلت هذا منكم سرف أيقاس الكحل بالكحل
وفي قوله:
كم كرى عن مقلتي منعت xx حبذالو إنها قنعت xx مذ بدت صنعاء ما صنعت
جمع ذاك اللحظ بالمقل
وفي هذا البيت يقول الشاعر: إنّ مرباط أصبحت محط همومه واهتمامه، خاصة بعد ما قامت به صنعاء الأيوبيين من اعتداء غاشم وغزو شرس على باقي مناطق
(101) (1/151)
صفحة 152
حضرموت لم تسلم منه إلا ظفار، ذلك العدوان والاعتداء الذي شمل القتل الجماعي للعلماء والفقهاء والقراء في أبشع جريمة في تاريخ الحروب الإسلامية كلها، ويبدو أن كثيراً من علماء المذهب نزحوا هاربين من مدن حضرموت الأخرى إلى ظفار، خوفاً على حياتهم التي استهدفتها الحملة
وإلى أن يقول الشاعر في مرباط، ومخاطباً لها:
طالما فيك الهوى عبدا xx ما عدا ممالديك بدا xxx ليس يخفى قتله أبدا عن مروي البيض والأسل
وفي هذا البيت يؤكد الشاعر المنزلة والمكانة الخاصة التي تحتلها ظفار في وجدانه وضميره السياسي والمذهبي، فهي معبد الهوى الذي يعني به أنها دولة المذهب المعتزلي - الزيدي كما سوف يتضح، إضافة إلى أنها أرض الجمال الساحر الأخاذ القاتل، ذلك الجمال الذي يعلم حقيقته الإمام الأكحل نفسه، وهو الذي رمز إليه الشاعر بقوله (مروي البيض والأسل)، أي الذي روى السيوف والرماح بالدماء في معارك إقامة دولة المذهب والدفاع عنها
ثم يبدأ بعد ذلك في مدح الإمام الأكحل أو الشاذن الغزل، بقوله:
الإمام الطاهر النسب xx الزكي الطيب الحسب xx السحاب الساكب اللجب الهتون العارض الهطل
وفي هذا البيت نود الوقوف قليلا عند قول الشاعر (الإمام الطاهر النسب)، ذلك أن قول الشاعر بالنسب الطاهر للإمام الأكحل، إنما يعني أنه علوي النسب، ذلك من المتفق عليه إسلامياً، أنه لا يطلق النسب الطاهر إلا إذا كان صاحبه متصل بالحسن والحسين أبناء فاطمة الزهراء عليها وعليهم السلام جميعاً، وذلك لقوله تعالى:
(104) (1/152)
صفحة 153
((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)).
وفي هذا المعنى يقول الفرزدق يصف علي بن الحسين زين العابدين: هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلـ إن ء عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير خلق الله قيل هم
مشتقة من رسول الله نبتته طابت عناصره والخيم والشيم
(01)
إن شاعرنا التكريتي يتمتع بثقافة إسلامية عالية وناضجة كما تدل على ذلك قصيدته هذه، وما كان له - على تشيعه - أن يقول بالنسب الطاهر لآل منجوي إلا عن علم ودراية، هذا ناحية، ومن أخرى، فإن قصيدة من التكريتي هذه تداولها أعيان الأدب في اليمن وقالوا فيها ما قالوا، ولكن أحداً منهم لم يحتج على قوله بالنسب الطاهر لآل المنجوي، وإذن، فهم، وإذن، فهم من أهل البيت الطاهر الشريف، وليس صحيحا ما ذهب إليه البعض من القول بأنهم ينتسبون إلى عشيرة (بلخ (العربية (52)، وإنما هم من علوية فارس، غير أنّ البعض يقول إنهم من منطقة (بلخ) في إقليم خراسان، وهذا هو الأرجح لدينا، لأن منطقة بلخ بالذات لها علاقة خاصة ومبكرة بالزيدية نسبا ومذهبا،
(53)
ذلك أن الإمام يحي بن زيد بن علي (رض) المتوفى سنة ـ 125 هـ، كان قد
-
هرب إلى منطقة بلخ، وعاش فيها فترة من الزمن نشر خلالها المذهب الزيدي، ولابد أن يكون قد تزوج هناك وله فيها عقب، وبهذا يكون آل المنجوى أنا هم من عقبه، ومنه وعنه أخذوا النسب الطاهر والمذهب الزيدي، ولعل من عقبهم اليوم آل البلخي العلويين الذين يقطنون وادي دوعن.
كل ذلك يعطي مشروعية لما سبق أن أشار إليه الشاعر التكريتي من
وجود شيعي وعلوي قوي في ظفار في القرن السادس الهجري.
(105) (1/153)
صفحة 154
ونحن حين نقول بزيدية آل المنجوى، فإنّما يصدر حكمنا ذاك من أنه
إذا كانت الأوضاع المذهبية في مدن حضرموت الكبرى، ومنها ظفار على مذهب الاعتزال، وكان أهل البيت هم أهل الولاية في تلك الاوضاع، فلزم من ذلك أن يكون مذهب أهل البيت هو المذهب الزيدي.
غير
أن القول بزيدية آل المنجوى، لا يعني أن الأوضاع العقائدية في ظفار كانت حكراً على المذهب الزيدي، فبالإضافة إلى الوجود الأباضي العريق في البوادي، فقد كان في المدن أيضاً الاعتزال الخالص، ويتضح ذلك من تولي الإمام القلعي مهام القضاء والإفتاء في عهد الإمام الأكحل، والإمام القلعي لم يكن شيعيا، بل كان على مذهب الاعتزال الخالص حيث وجدناه في كتابه) تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة (بذكر بعض من محاسن وفضائل معاوية ابن أبي سفيان، وليس ذاك شأن الشيعة، إضافة إلى تأليفه الفقهية الشافعية
وبعد ذلك يستمر الشاعر في ذكر فضائل الإمام الأكحل في الكرم
والشجاعة، على مذهب (اعتداد المعتزلة بالمعتزلي) إلى الحد الذي يقول فيه: (لو كان بعد الرسول فتى xx كان حقاً خاتم الرسل) وفي ذلك
القول منتهى الاعتداد، وليس مجرد المدح والاشادة ثم يشرع في ذكر فضائل الإمام الأكحل على الاعتزال وأهله وعلمائه ورجاله، وفي إظهار دولتة وإمامته في ظفار، حيث يقول بلغة الجمع:
كف كف الدهر حين سطا xx ونداه نحونا بسطا ×× فغدونا أمة وسطا بعد ذاك الخوف والوجل
كيف نخشى بعده الزمنا xx وأبو عبد الإله لنا xxx ارتدى مجدا وألبسنا حللا ناهيك من حلل
في البيتين السابقين يقول الشاعر: إنّ الإمام الأكحل قد كف يد الدهر عن أهل الاعتزال، وأوقف سطوته عليهم، فقد مد نعمه وخيراته وفضله نحوهم،
(108) (1/154)
صفحة 155
وأظهرهم، وأظهر دولتهم، التي يرى الشاعر أنها دولة الإسلام الحق، وقد رمز إلى ذلك بقوله (أمه وسطا) التي هي بلغة القرآن أمة الإسلام، كما يقول أيضا إنّ الإمام الأكحل قد أنهى عهود الذل والخوف والاستضعاف التي صاحبت أهل الاعتزال قرون طويلة قبل ظهور أمامة آل المنجوي المعتزلية، كما يرى أنّ على المعتزلة بعد اليوم ألا يخافوا غدر الزمان وتقلب الليالي والأيام، وذلك أن أبا عبد الإله لهم وهم له، فقد ألبسهم من مجده مجدا وعزا بعد عهود الذل والهوان. ثم يذكر بعضا من فضائل الإمام العلمية، حيث يقول:
هو قس في فصاحته xx ولؤى في صباحته × وهو معن في سماحته وابن عباس لدى الجدل
وفي قوله (ابن عباس لدى الجدل (نعلم أن الإمام الأكحل كان من أهل الجدل وعلماء الكلام، وتلك ميزة علماء الاعتزال الكبار، على أن ربط الشاعر صفة الجدل هذه بحالة ابن عباس، فإننا نعلم من ذلك أن الإمام الأكحل أنما كان يجادل علماء الأباضية الذين يشكلون النصف الآخر من مذهبية المجتمع الحضرمي حينها، ذلك أن ابن عباس (رض) ا أنما جادل الخوارج عندما بعثه أمير المومنين على بن أبي طالب إليهم لإقناعهم بالعدول عن محاربته والانضمام إليه
في حربه مع معاوية بن أبي سفيان
وفي البيت قبل الأخير، يقول الشاعر:
إن يكن في نظمها خلل xx يعذر الجاني ويحتمل ×× خاطر المملوك منشغل عن كتاب العين والجمل
وفي هذا البيت نجد شاعرنا التكريتي يعتذر عن أي تقصير أو خطأ لغوي ورد فيها، غير أن اعتذاره ذاك إنما هو اعتذار المتواضع المقتدر، فهو يعلم أنه لا عيب
(100) (1/155)
صفحة 156
فيها ولا خلل، و إنما ساقه إلى ذلك الاعتذار تواضعه بعلمه، تماماً كما ساقه تواضعه إلى القول عن نفسه بأنه (المملوك (وما هو مملوك إلا لخالقه العلي
العظيم.
وقبل أن نودع الشاعر التكريتي ورائعته الظفارية (اليتيمة)، نود القول إن الشاعر لم يشأ أن يترك الفاحص المتأمل لقصيدته أن يخرج من ذلك منتصرا عليه، حتى ولو تمكن من فك شفرتها وفهم مغاليقها، لهذا نراه يختتمها ببيت يظل عصيا على التفسير والتأويل معا، فقد اختتمها بقوله:
جد جدا فر كراع سمي xx زد مرانه اسلم تمن دم xx صل أو أصرم صرتب استقم هب تفضل ادن نل انل
هذه الخاتمة العصية حتى على النطق ناهيك عن الفهم، فضل الأستاذ جرادة أننا نعتقد أن الشاعر لم يأت
حذفها من القصيدة، فأوردها بدونها
(54)
غير
بما عبثا بلا قصد أو هدف، فما عهدناه إلا جادا في كل أبياتها، فهو إذن قد جاء بتلك الخاتمة بهدف ومعنى يعلمه ونجهله نحن، ومالنا إلا أن نقول: إن المعنى في بطن الشاعر ولعل ذلك البيت بلغة الأكراد أو الأتراك
آخر ما نعلمه عن الشاعر التكريتي هو أنه وصل إلى عدن بشحنة مركب
من الأموال قادما
(00)
من ظفار، ثم إن نائب السلطان الأيوبي على عدن قبض عليه وصادر أمواله، ولا نرى سبباً لقبضه ومصادرة أمواله إلا أن يكون ذلك عائدا إلى الخلاف المذهبي العقائدي بين الدولة الأيوبية في اليمن ومصر، وبين الشاعر التكريتي ومعه الأوضاع المذهبية والسياسية في حضرموت، ذلك الخلاف الذي دفع الايوبيين إلى غزو حضرموت وأعمال القتل في العلماء والفقهاء والقراء في مذبحة رهيبة، ما كان لها أن تكون لولا الخلاف المذهبي وتعصب الدولة الأيوبية لمذهبها الأشعري، ورغبتها الجامحة في سيادته في باقي
بلاد الإسلام والقضاء على المذاهب المخالفة له.
(107) (1/156)
صفحة 157
ثالثاً: الإمام ابو عبد الله محمد بن علي القلعي الظفاري
المتوفى بمرباط سنة 577 هـ
(56)
في البدء تجب الإشارة إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار، ونحن نحقق في شخصية الإمام القلعي، إلى ما سبق أن لاحظه الأستاذ عجو محقق كتاب الإمام القلعي) تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة)، حيث يقول: كل الذين ترجموا لأبي عبد الله القلعي رددوا ما ذكره بها المؤرخ الجندي في كتابه (السلوك في طبقات العلماء والملوك (وتكاد كل الترجمات أن تكون اختصارا لما أورده الجندي دون زيادة شيء جديد، ويبدو أن الجندي استقى ترجمته للإمام من أفواه الرواة، وفقهاء تلك الناحية وهو يذكر بذلك إذ يقول (أخبرني شيخ قديم من أهل تلك الناحية وأهل الثقة بها، قال: سمعت قدماء بلادنا يذكرون أن هذا الفقيه ... ) (57). أحد علماء الاعتزال الوافدين على حضرموت في عهدها المعتزلي في القرن السادس الهجري، لهذا لا يعرف موطنه الأصلي، فهناك أقوال بشاميته وأخرى. مغربيته (58)، كما أنّ المصادر لا تذكر شيئاً عن شيوخه إلا ما ذكره الأستاذ الشاطري بأنه تتلمذ لشيخ الإسلام بافضل السابق ذكره، غير أن مما يؤيد ما ذهب إليه الشاطرى تلك القصيدة التي قالها الإمام القلعي في الإمام
بافضل.
هو
كان الإمام القلعي قاضيا ومفتيالمرباط في عهد الإمام الأكحل، وفي عهد الأكحل كان الإمام القلعي يحظى بالإجلال والتكريم، نظر اللوحدة
المذهبية التي كانت تربطه بآل المنجوى
(10 V) (1/157)
صفحة 158
الإمام القلعي في حضرموت:
بدأ الإمام القلعي نشاطه في مدينة مرباط عاصمة إقليم ظفار، فأقبل على التدريس ونشر العلم، وأطبقت شهرته النواحي، فقصده طلاب العلم من كل ناحية وتتلمذوا على يديه وأخذوا عنه كتبه في الفقه والفرائض والسياسة وعلوم الاعتزال، و إليه يرجع الفضل في نشر العلم في ظفار، وأهل ظفار يذكرون له هذا الجميل (فيقولون إنه لم ينتشر العلم في ظفار عن أحد بتلك الناحية كما انتشر عن الإمام القلعي) قال عنه المؤرخ الجندي: (وأكثر أصحابه في حضرموت ونواحيها،
(09)
وإن أعيان فقهائها أصحابه وأصحاب أصحابه) (60)
كان الإمام القلعي، شأنه شأن علماء الاعتزال، إماما جامعاً وفقيها موسوعيا، أكثر من التأليف في الفقه الشافعي، غير أنّ ذلك لم يحل دون اطلاعه على المذاهب الأخرى، فقد كان على إلمام حسن واطلاع واسع ببقية المذاهب، ويرشد إلى ذلك ما ذكره الجندى على أنه جمع في مصنفه (إيضاح الغوامض في علم الفرائض (بين المذهب الشافعي وغيره، وأورد طرفا من الجبر والمقابلة والوصايا (61).
وبالإجمال، فإنّ علوم القلعي هي بعينها علوم علماء الاعتزال ومنهم شيخه الإمام بافضل، وهي علوم العربية التي تدل عليها قصيدته في شيخه بافضل وغزارة مؤلفاته، والعلوم الدينية وتدل عليها غزارة مؤلفاته فيها أيضا، وعلوم الفلسفة اليونانية التي هي بلغة الإمام القلعي نفسه ما حوى سقراط والاسكندر) إذ ما كان له أن يفتخر بامتلاك شيخه بافضل بناصيتها، لو لم يكن الإمام القلعي نفسه يتقنها ويعلم قدرها، كما يدل عليها أيضا تأليفه في السياسة
(101) (1/158)
صفحة 159
والجبر والمقابلة، وهذه العلوم كانت في ذلك العهد تدخل ضمن الدائرة
الفلسفية.
مؤلفاته:
علماء
سبق القول إنّه كان موسوعيا في معارفه، وذلك الأمر مشهور عن الاعتزال، لهذا كان طبيعيا أن يكون عطاؤه متنوعا، فما هو منسوب إليه، ما
يلي: أولاً: في الفقه:
1 - قواعد المهذب: مفقود
2 - احترازات المهذب: مفقود
- إيضاح الغوامض في علم الفرائض: مفقود 4 - كتر الحفاظ في غريب الألفاظ، يعني ألفاظ المهذب: مفقود
ه اللفظ المستغرب في ألفاظ المهذب: مفقود
-
1 - أحكام القضاة: مفقود
- أحكام المختصر: مفقود
ثانياً: السيرة:
1 - لطائف الأنوار في فضل الصحابة الأبرار: مفقود
ثالثاً: الفلسفة:
1 - تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة: مطبوع متداول
-
2 - ما في كتابه في الفرائض من علم الجبر والمقابلة
قال الجندي: ومصنفاته أكثر مما ذكرت، وهي توجد بظفار وحضرموت، غير أن تلك المؤلفات على كثرتها مفقودة تماماً في مظانها
ونواحيها)
(62)
(109) (1/159)
صفحة 160
الحضرمية، وليس ذلك الأمر خاصا بتراث الإمام القلعي وحده، بل يشمل كل تراث حضرموت تقريباً في القرن السادس الهجري، وهو القرن الذي شهد غزارة
في الأنتاج العلمي وزحمة في العلماء الذين كان عدد كبير منهم يشتغل بالتأليف
كتاب) تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة (من وجهه نظر محققه
(63)
) تبدو أهمية الكتاب من كونه موجها إلى الحكام والسلاطين والأمراء لكي يستنيروا به فيما يضطلعون به من مهام دينية و دنيوية، فقد دعا الإمام القلعي الخلفاء والولاة إلى العدل الذي هو قوام الدنيا والآخرة، وأن يختاروا الأصلح لأمر الأمة، ودعاهم إلى قبول النصيحة المخلصة الهادفة، وأن يختار والمجالسهم أهل الديانة والأمانة والعلماء والصلحاء، كما دعاهم إلى مباشرة الأمور بانفسهم، فلا يحتجبون عن الناس حتى يصل إليهم المظلوم فينصفوه، ويرهبهم الظالم فيرتدع عن ظلمه، فإنّه لا شئ أضيع لأمر الرعية من شدة، وبين الإمام القلعي لهم عاقبة الظلم السياسي بكافة أشكاله وألوانه والطريقة المثلى لسياسة الرعية، وضرب لهم الأمثلة على ذلك. كما أنه موجه إلى من هم قريبون من الحكام والوزراء والأمراء والحجاب والخدم والندماء، فدعاهم إلى أن يتحلوا بالصفات الحميدة الفاضلة والأخلاق الحسنة والصدق والرغبة في الخير والصلاح، لكي يكونوا بطانة صالحة تكون عوناً على الخير ومناهضة الشر والفساد، لا تأخذها في الله لومة لائم
الحجاب
(64)
كما أنه موجه إلى عامة الشعب في دعوتهم إلى السمع والطاعة في الحق وعدم الخروج على الأئمة، وبين لهم أنّ الإسلام يعتبر الطاعة من الرعية لولاة الأمر فرضاً من الفروض وقاعدة من قواعد الإسلام، لا تستقيم حياة ويزد عمران ولا تحمي ثغور ولا يقام عدل بدونها. فهو إذن يعالج الحياة السياسية
(19) (1/160)
صفحة 161
للدولة الإسلامية، ويصف الحلول الناجعة لها، كما يعالج الأمور الاجتماعية والأدارية، كوصايا الحكام لعمالهم ومتولي أمورهم، فهو يضع أسس واضحة يستنير بما الحكام وهى في أغلبها من الكتاب والسنة وأعمال الخلفاء وما توصل إليه العقل السليم بالخبرة الطويلة، لهذا نراه يورد أقوالا وضعية تواضع العقلاء عليها من أقوال الحكماء والعقلاء.
الحق الذي يجب أن يقال، إنّ هذا الكتاب يعتبر نموذجاً لما كان عليه العلماء العاملون الذين كتبوا في كل فن واستغلوا إمكانياتهم لخدمة العلم والإسهام في توجيه الحياة نحو الأفضل، خاصة في هذا الموضوع الحيوي الحساس الأمة كلها، لأنه بصلاح متوليها تصلح، بالرغم من خطورة البحث
الذي يهم
في هذا الموضوع، وما قد يجره عليه من، وما قد يجره عليه من متاعب، إلا إنه وجد لديه ذخيرة كبيرة قدمها الجيله حسبة الله). وخلاصة القول إن الإمام القلعي قد التزم بالنهج المعتزلي العريق في الاستنارة و الإرشاد والنصح والتوجيه من أجل التغيير نحو الأفضل من خلال ترشيد السلطة أو الوصول إليها، ذلك أن (أراء المعتزلة السياسية والاجتماعية تنطوى على مبادئ إنسانية، رأوا تحقيقها عن طريق الترشيد والإصلاح، بدلاً من الثورات والانقلابات، وحتى حين عمدوا إلى الدعوة والتنظيم السري، فإنهم إنما استهدفوا الثورة الثقافية بالدرجة الأولى) (65). كما أنه قد التزم بمنهج الاعتزال أيضا في توجيه خطابه السياسي إضافة إلى ولاة الأمر، قدمه أيضا إلى عامة الشعب، كما قدم كتابه حسبة الله تعالى، ولم يقدمه إلى حاكم أو سلطان، ذلك أنّ الأصل في توجيه الخطاب السياسي عند غير المعتزلة، إنما يكون موجه إلى الحكام والسلاطين وغيرهم من و ولاة الأمر، الحال بالنسبة للإمام أبي حامد الغزالي الذي وجه كتابه (فضائح الباطنية) إلى الخليفة المستنصر بالله العباسي كما وجه كتابه (التبر المسبوك في نصيحة
كما
هو
(171) (1/161)
صفحة 162
الملوك) إلى السلطان السلجوقي في عهده. أما الأصل في توجيه الخطاب السياسي لدى المعتزلة فإنّه يأتي من رؤيتهم إلى أنّ قيام الظلم إنما هو مرهون بوجود الأعوان والأنصار الذين يتبعون الظلمة والطغاة ويعينونهم على ظلمهم وطغيانهم، ومن ثم فإنه إذا تفرق الأعوان عنهم وأسلموهم، لم تقم لهم دولة ولا تثبت لهم راية (وفي ذلك إشارة إلى دور الجماهير في الذهاب بالنظم السياسية والاطاحة بها أو في استبقائها قائمة دون تغيير، وفيه كذلك إشارة إلى أرضية فكرية آمنت أنّ للنظم الظالمة جذوراً وامتدادات، ومن ثم فإنّ اقتلاعها لابد أن يتطلب من الثوار معالجة هذه الجذور وتلك الامتدادات في المجتمع الذي يدور فيه الصراع)
(66)
لقد عنى الإمام القلعي في كتابه المذكور بالسير والأفعال والأقوال الدالة على السؤدد والحكمة والحنكة السياسية والأخلاق الحميدة، وفي سبيل هذه الغاية كتابه من أسماء الرواة والخلفاء والشعراء والحكماء والوزراء والكتاب والنساء الشئ الكثير، لهذا لم ينس أن يذكر أئمة الاعتزال وأعلامه وخلفاءه الذين
ضمن
لا يكن أهل السنة لبعضهم ذرة أحترام أو تقدير، وممن ذكر منهم:
1 - من علماء الاعتزال: ابن العميد، أحمد بن داؤود، ثمامه بن الأشرس، الصاحب بن عباد،
(67)
عمرو بن عبيد، إضافة إلى الحسن البصري الذي يعده المعتزله من الطبقة الثالثة
منهم.
2 - من خلفاء الاعتزال من بني أمية:
يزيد بن الوليد بن عبدالملك، مروان بن محمد وهما مجمل خلفاء الاعتزال من بني
أمية
(162) (1/162)
صفحة 163
- خلفاء الاعتزال من بني العباس:
المأمون، الواثق، المعتصم، وهم مجمل خلفاء الاعتزال من بني العباس كما لم ينس الإمام القلعي في خاتمة كتابه أن يذكر فضائل الداعي الزيدي في طبرستان محمد بن زيد العلوي
إن حديث الإمام القلعي عن أعلام الاعتزال لم يأت عرضا غير مقصود، وإنما جاء في مهمة استقصاء أهم أخبارهم التي تدل على علو مكانتهم وبعد شأنهم وكبر همتهم ومبلغ حكمتهم في معالي الأمور، فحديثه عن أحمد بن داؤود
استغرق حوالي ثماني صفحات، ونقل عنه عنه أخبار المعتصم الواثق، وهو يقول حين ينقل: قال أحمد بن داؤود القاضي، أو قال ابن أبي دؤود، أو قال ابن أبي
(68)
داؤود القاضي ينقل الإمام القلعي عن خالد بن مزيد الشيباني قوله في أحمد بن داؤود، في شفاعته له عند المعتصم في حكاية طويله: ((سيد العرب بعد أمير المؤمنين
أحمد
أنشط
بن داؤود الذي طوقني بهذه المكرمة))
(79)
وفي شفاعة أخرى يقول الإمام القلعي: ((فانبرى أحمد
بن داؤود كأنما من عقال، يسأله في رجل من أهل اليمامة، فأسهب في الشفاعة وأطنب
وذهب في القول كل مذهب
(70)
وفي نقله أخبار خلفاء الاعتزال عن أحمد بن داؤود يقول الإمام القلعي:
((قال أحمد
بن داؤود القاضي: مارأيت أجمع لفضيلة، ولا أوصل لرحم، ولا أكظم الغيظ وأعفى عن مسيء، وأشد تفقد للصاحب والخادم، وأشجع قلبا، وأحسن سياسة من المعتصم ... )) (71)
وعن الواثق يقول: ((قال ابن أبي داؤود: لقد فرق الواثق الأموال، ماخفت به أن يخلي بيوت المال، فلا يوجد فيها شيء إن جرى أمر أو حدث
(197) (1/163)
صفحة 164
حادث، ولقد كنت أعجب من تفرقة المعتصم الأموال، فلما رأيت الواثق وما فعل أنساني فعل المعتصم ... وقال أحمد بن داؤود: كنت لا أذكره بشيء من
الخير وأبواب البر، وما فيه من الثواب والقربة من الله تعالى، إلا سره ذلك، وشكرني عليه وجزاني خيرا، وحضني على أن أذكره به (((72)
(72)
تلك أمثلة مما يستشهد به الإمام القلعي في فضل القاضي أحمد بن داؤود صاحب محنة خلق القرآن التي ابتلى بها علماء وفقهاء السنة، وكذلك فضل خلفاء الاعتزال المعتصم و الواثق، ولعل القارئ الكريم لا يجد في خطاب الإمام القلعي وعباراته في كل ذلك، إلا ما يدل على تقديره و إجلاله لهم، ولعله أدرك أن ذلك الخطاب لا يصدر إلا عن وحدة مذهبيه بين الإمام وبينهم. ولعله من المفيد هنا القول إن معظم تلك الأخبار التي ينقلها الإمام القلعي عن من سبق ذكرهم، لم يجد لها محقق الكتاب مصادر أخرى، رغم حرصه على ذكر ذلك، وهو الأمر الذي يعني أن الإمام ينقلها عن مصادره المذهبية الخاصة. نظرة الإمام القلعي لأعلام الاعتزال، فما هي نظرة
وإذا كانت تلك
هي
خصومهم أهل السنه إليهم؟
الحقيقة أن أهل السنة أتهموهم) بكل جريحة دينية، حتى أن الأمام ابا يوسف صاحب أبي حنيفة عدهم من الزنادقة، ومالك والشافعي أفتيا بعدم قبول شهادتهم، والإمام محمد بن حسن الشيباني أفتى أن من صلى خلف المعتزلة يعيد صلاته، واتهموهم بالفسق وانتهاك المحرمات ... ، وكثير وكثير من تلك التهم الموجهة إليهم لم تكن منبعثة عن نظر غير متحيز، بل كان التحيز باعثها والتعصب للرأي
دافعها))
(73)
ذلك كلام الإمام أبي زهرة على عمومه، ولكن لنرى كيف هي نظرة أحد أعلام أهل السنة إلى أهل الاعتزال، وليكن ذلك الإمام هو عبدالقاهر البغدادي
(164) (1/164)
صفحة 165
توفى 429 هـ الذي خصص في كتابيه الفرق بين (الفرق و الملل والنحل) فصلا ثابت العنوان في كليهما تحت مسمى (فصل في بيان مقالات فرق الضلال القدرية المعتزلة عن الحق ثم ذهب على طول ذلك الفصل يعدد ما أسماه (فضائح) تلك الفرق ثم تكفيرها تبعا لذلك يقول الإمام البغدادي في حكاية طويلة: (ذكر صاحب تاريخ المراوزة أن ثمامة بن الأشرس سعى إلى الواثق بأحمد بن نصر المرزوي، وذكر له أنه يكفر من ينكر رؤية الله تعالى ومن يقول بخلق القرآن، فاعتصم من بدعة القدرية، فقتله
(الواثق) ثم ندم على قتله، وعاتب ثمامة وابن داؤود وابن الزيات ... )) (74) ولعل القارئ الكريم يلحظ هنا اختلاف لغة الخطاب عن علماء الاعتزال لدى الامامين القلعي والبغدادي، وما ذاك إلا لاختلاف مذهبيهما الذي ترتب عليه اختلاف نظرتهما إلى أعلام الاعتزال.
لسنا في حاجة هنا إلى القول إنّ الإمام القلعي في كتابه المذكور، إنما كان ينظر إلى أهل الاعتزال كنظرة الشيعة إلى الوصي والمهدوية إلى المهدي، فذاك أمر مشهور عن أهل الاعتزال في اعتزازهم ببعضهم البعض.
غير أنّ الأمر لم يقف عند هذا الحد من الاهتمام والعناية بأعلام الاعتزال، انتصاراً لمذهبه، ولكنه أحجم عن ذكر أي من أئمة المذهب الأشعري مثل: الباقلاني، والجويني والغزالي الذي جل تأليفه إنما هو في الأخلاق، كما هو الحال في كتابه (أحياء علوم الدين (كما أنّ له كتاباً في علم السياسة اسمه (التبر المسبوك في نصيحة الملوك)، فما الذي منع الإمام القلعي من ذكر قول واحد من أقواله السياسية على الأقل، وهي التي تتناسب مع موضوع كتاب الإمام
القلعي؟.
(170) (1/165)
صفحة 166
إنّ الإمام القلعي ما كان له لو أراد ليعدم قولاً أو فعلاً للإمام الغزالي أو
غيره من الأئمة الأشاعرة يتناسب مع موضوع كتابه هذا، وإنما
منعه
من
ذلك،
ليس تعصبه لمذهبه المعتزلي فحسب، بل وأيضاً الهدف الخفي من تأليف الكتاب.
الذي نرى أنه الدعاية للمذهب وخلفائه وأعلامه وأفكاره، وهو الأمر الذي لا
،
يتناسب ولا يستقيم مع ذكر ائمة المذهب الخصم المذهب الأشعري. رحم الله الإمام القلعي وجزاه عن الأمة خيراً إنه سميع مجيب. وبعد هذه الجولة المتواضعة مع جزء ضئيل من تراثنا الإسلامي في حضرموت، فأننا نرى أنّ مزيداً من البحث والدراسة سوف تكشف مزيداً من الكنوز والذخائر النفيسة والمعلومات القيمة التي سوف تساعد بلا شك في سد بعض من الثغرات الكثيفة التي يعاني منها تاريخنا الإسلامي المكتوب، خاصة إذا علمنا أن الصفحات المجهولة من تاريخ حضرموت الوسيط هي الأعم الغالب، وأن ما هو معلوم منه ضئل لا يذكر، ولهذا نرى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد العلمي من قبل المؤسسات العلمية الرسمية والأهلية والباحثين والمهتمين، والله الموفق
(166) (1/166)
صفحة 167
الحكم والعلم
(ليس من الممكن فصل الثقافة عن السياسة في التجربة الثقافية العربية،
والا جاء التاريخ لها عرضا لأشلاء متناثرة لا روح فيها ولا حياة)
د. محمد عابد الجابري:
تكوين العقل العربي
الإمام عبد الله بن راشد 553 هـ - 616 هـ:
هو
أحد أئمة الحكم في الدولة الراشدية، قال عنه باوزير: (هو الفقيه المحدث المجاهد، قرأ صحيح البخاري على الفقيه محمد بن أحمد النعمان الهجراني، وأخذ أيضا عن أبي الصيف ابن عساكر والمقدسي سنة
(70)
(-0011
ويضيف المؤرخ الشاطري: (هو أحد الأفراد القلائل الذين جمعوا بين العلم والحكم والعدل والفضل، وقد نشأ في وسط علمي وبيئة مثقفة بموطنه تريم، وحفظ القرآن من صغره، وتوجه لطلب العلوم الشرعية والعربية، حيث يوجد بها أئمتها ورجالها، وهم إذ ذاك كثيرون، وقد تتلمذ للخصيصين كالشيخين يحيى سالم بافضل وأبي جواس وغيرهما، كان ابن راشد من النوع الذي يريد أن يقدم خدمة خالصة لله والوطن بواسطة الحكم والسلطنة، فهو مثالي جعل الحكم وسيلة لا غاية، كما هو واجب ديني وإنساني، كان ابن راشد عالما جليلا قبل أن يكون سلطانا أن كان وبعد، ويوجد من رجال أسرته
(167) (1/167)
صفحة 168
علماء كبار مثل عمه عبدالرحمن بن شجعنة، وأخيه عبدالرحمن بن راشد، وقل أن تجد وصلحاء وأدباء تريم أحدا إلا وله به رابطة زمالة أو مشيخة أو من علماء
صداقة أو معرفة، لم يغادر تريم، كما لم يخلع رداء السلطة إلا كارها، حين ضغطت عليه قوة ابن المهدي وطرده بجيشه، وبقي معتزلا مدة شهور بقارة (العز) جنوب تريم، قرب) مريمة (متعبدا ربه، متألما من عدم موالاة أهل حضرموت له على الحق، كما صرح بهذا عند تركه الولاية حيث أجاب: (ما وجدنا أهل حضرموت يوالوننا على الحق)، قتل سنة ـ 616 هـ عن ثلاثة وستين عاما. ويضيف الأستاذ الحامد -) وترجع شهرة هذا السلطان لعلمه وفقهه وأدبه وعدله وتقواه، مما جعل المؤلفين للتراجم والمناقب يهتمون بذكره، كان محبا للطاعات واكتساب القربات تولي بعد مقتل أخيه السلطان شجعنة بن راشد (77)
(76)
هل كان عبدالله بن راشد سلطاناً أم إماماً:
حين تتحدث المراجع والمصادر عن ولاة الأمر في حضرموت في القرن السادس الهجري، فإنّما تذكرهم كسلاطين، غير أنّ ذلك لا يستقيم مع طبيعة الأمور في حضرموت في ذلك القرن، فالأصل في نظام الحكم في حضرموت إنما هو نظام الإمامة، وجاءت هذه الأصولية من أنه نظام الحكم في المذهب الأباضي، ولما كان هذا المذهب هو المذهب الأساسي لحضرموت خلال الخمسة
القرون الأولى من الإسلام، لزم عن ذلك أن يكون نظام الإمامة هو الأصل. ولما كان المعتزلة والشيعة أيضاً يطلقون على كبرائهم لقب (الإمام)، ولما كنا قد توصلنا إلى اعتزالية الأوضاع في تريم في القرن السادس الهجري، فإنّ
(168) (1/168)
صفحة 169
ذلك
يعني
استمرار الإمامة في دورها المعتزلي، ولغرض دراسة هذه القضية
وللإجابة على ذلك السؤال، فإننا نورد مايلي:
1 - يقول المؤرخ شنبل في أحداث سنة ـ 850 هـ (وفيها توفي عبدالله
-
بن
علي الكثيري وقيل إن عبدالله بن علي هذا أول من بدع الطبول والنفير
بحضرموت وأول من تسمى سلطانا
(
(78)
ومن الخبر أعلاه نجد أنّ المؤرخ شنبل لم يقطع في مسألة الولاية بحضرموت، أهي سلطنة أم إمامة، بل جعلها مفتوحة على الاحتمالين، فليس من المقبول أن تكون هذه المسألة مجهولة حتى وفاة المؤرخ شنبل سنة - 920 هـ، وذلك لسبب بسيط وهو أن نظام الحكم في الدولة الكثيرية في حياة المؤرخ شنبل، كان نظام الإمامة، ففي سنة 910 هـ توفي متولي الدولة الكثيرية عبدالله بن جعفر الكثيري، وخلفه ابنه الأكبر محمد بن عبدالله، ومحمد هذا لم يكن سلطانا بل إماما، جاء هذا اللقب الديني له من قبل شاعر الدولة الكثيرية الفقيه عمر بن عبدالله بامخرمة في قصيدة يطلب فيها من إمام صنعاء الزيدي التنسيق (مع الإمام) بن عبدالله في حربه مع الطاهريين حكام عدن، حيث يقول بامخرمة:
محمد
لا تنس ملقاك الإمام محمد بظفار نعم الدار يا طوبى لها وقت إذ قلت لو جاء الصريخ منكم وقت الصلاة سعوا في إبطالها (79)
ومن شعر الفقيه بامخرمة نعلم أنّ نظام الحكم في الدولة الكثيرية إنما كان نظام الإمامة، وهو النظام الذي يتفق مع زيدية الدولة الكثيرية كما سوف
يتضح.
(179) (1/169)
صفحة 170
-
في القرن السادس الهجري كانت ظفار تحت حكم آل النجوي، ولقد رأينا الشاعر التكريتي يخاطب الإمام الأكحل بقوله: (الإمام الطاهر النسب)، كما
قال مفضلا الإمامة على الملكية: (هو تاج والملوك حذاء)
(^.)
3 - يقول المؤرخ الشاطري: (ثم تولى السلطان عبدالله بن راشد الشهير بالعادل بطلب من أعيان الشعب، حيث انتخبوه سلطانا) ولسنا في حاجة إلى القول إنّ السلاطين لا تنتخب، ولكنهم يتولون حقا
مقررا بقوة السيف، وحق الوراثة، ولكنه انتخاب الإمام ومبايعة الإمامة، وهو أهل لها ومن دارها، وفيه كل مقوماتها الشرعية
(81)
4 - وفي سنة 606 هـ (اجتمعت بنو حرام على طاعة عبدالله بن راشد، وبايعوه على السمع والطاعة علانية في جامع تريم .. ولنا أن نسأل هل تتم مبايعة السلاطين في المساجد أم في القصور. أما أن يتم ذلك في الجامع وعلانية فإن البعد الديني في البيعة واضحا كل الوضوح، ولا
يستقيم ذلك إلا في مبايعة الإمامة التي هي الأساس في النظام الإسلامي
-0
- إن المصادر والمراجع الحضرمية طوال الفترة حتى نهاية القرن العاشر على الأقل، لا تذكر أية مظاهر من مظاهر السلطنة والإمارة، فلا قصور ولا حشم ولا خدم، وإنما إمام لا يتميز عن شعبه بشيء سوى تحمله مسئولية القيادة، ولا تستقيم السلطنة إلا بمظاهرها، وتنعدم بانعدامها وعلى ما تقدم، فإننا نود القول إن النظام السائد في حضرموت حتى عهد المؤرخ شنبل المتوفى سنة 920 هـ، إنّما هو نظام الإمامة، كما هو الحال بالنسبة للإمام محمد بن عبدالله الكثيري، وإن ما ورد في تاريخه من تسميات بالسلطنة في منذ القرن السادس حتى وفاة المؤرخ شنبل، لا يمكن أن تصدر عنه، لكونها مخالفة لواقع الحال أمامه، وأن تلك التسميات إنما هي من عمل النساخ
حضرموت
(170) (1/170)
صفحة 171
الذين اعتمدت نسخهم عند تحقيق الكتاب المطبوع، وهم من أهل القرن الرابع عشر الهجري، ولعلهم قصدوا بذلك القول بسنية الأوضاع في حضرموت في
تلك العصور.
وبهذا نصل إلى أنّ الإمام عبد الله بن راشد لم يكن سلطانا، ولا عرفت حضرموت نظاام السلطنة إلا في العصور الحديثة المتأخرة، بل وتظل مسألة) الإمامة (عالقة بالمذهبية الفقهية والسياسية الحضرمية، حتى أواخر القرن الثالث عشر الهجري، تبعثها إلى الحضور الاضطرابات والفوضى السياسية، فهذا الفقيه الشاعر عبدالله بن معروف بن محمد باجمال المتوفى سنة ــ 1297 هـ يقول:
نصب الإمام على الأنام محتم لا يقبل التأخير بل يتقدم فرض وفي الفرض الثواب بفعله للفاعلين وفي التروك المأثم سيما وسلطان الهوى قد صاح في أحزابه فباره تتلاطم
الله
(82)
بن راشد
هل سمع الإمام عبد الله بن راشد الحديث الشريف: قال المؤرخ شنبل: (وفي سنة 588 هـ سمع السلطان عبد الأحاديث بمكة على ابن ابي الصيف وابن المقدسي وأبن عساكر). وقال أيضا: (قرأ السلطان عبد الله بن راشد صحيح البخاري على الفقيه محمد بن
(83)
أحمد الهجراني) ولغرض تحقيق مسألة السماع تلك، فقد اتضح لنا ما يلي:
1 - وفاة المؤرخ المحدث الكبير ابن عساكر سنة 571 هـ.
2 - وفاة الإمام ابن طاهر المقدسي سنة 507 هـ، وقد أدرك المؤرخ الحامد هذا المآزق في وفاة المقدسي قبل ميلاد الإمام ابن راشد، فقال: سمع عن آل
المقدسي
(84). هكذا بالجمع والإطلاق
(171) (1/171)
صفحة 172
3 - أما ابن أبي الصيف، فقد ذكر الدكتور عارف أنه محمد بن إسماعيل المتوفى سنة 609 هـ، وقال إنه أحد مؤسسي مدرسة التصوف في زبيد على طريقة ابن عربي في وحدة الوجود، كما أن أركان هذه المدرسة حين اعتنقوا هذا
المذهب، لم يكن ذلك عن دراية، بل ليكفيهم مؤونة القيام بالتكاليف الشرعية، ذلك أن جلهم من. جهلة الفقهاء
(10)
ومذهب ابن عربي في التصوف هو مذهب فلسفي وليس نقلي، ولهذا فإنّ مسألة السماع عن ابن أبي الصيف تعاني من ضعف شديد لعدم الاختصاص، أي إنّه ليس من اختصاص هذه المدرسة الاهتمام والعناية بالحديث الشريف إلى الدرجة التي تسمح بالسماع عنهم أما مسألة السماع عن الإمام الهجراني فقد علق عليها الأستاذ الشاطري بقوله: (ولم تحدد المصادر الموقع ((86)، في حين ذكر الأستاذ الحامد أنّ بامخرمة قال: (إنّ ذلك كان سنة ـ 583 هـ أو 580 هـ أو 585 هـ
(87)
4 - وكل ذلك أن مسألة السماع عن الإمام الهجراني تعاني هي الأخرى من
يعني
ضعف شديد لعدم تحديد المكان والزمان
وهكذا نصل إلى أن مسألة السماع كلها غير حقيقية ولم تحدث، خاصة إذا علمنا أن الإمام ابن راشد كما قال الشاطري، لم يغادر البلاد (88)، كما أن أيا من المؤرخين لم يذكر أن ابن راشد كان في الحجاز في سنة السماع المزعوم تلك، كما أنّ لا ابن المقدسي ولا ابن عساكر ولا ابن الصيف زار حضرموت، وهو الأمر الذي دفع المحقق الحبشي إلى القول (لعله سمعه بالحجاز) (89)
إن المصدر الوحيد لخبر السماع هو المؤرخ شنبل في تاريخه، وهو نفس المصدر الذي أورد الخبر التالي: (وفي سنة 568 هـ سمع الفقيه ابن أبي الذئب
(172) (1/172)
صفحة 173
صحيح
البخاري عن الفقيه ربيعة الصنعاني بجامع شبام (90)، وكان للمحقق الأستاذ الحبشي التعليق التالي على ذلك الخبر) وهذا الخبر ليس بشيء، لأن
الصنعاني لم يدخل شبام) (91)
وخبر سماع الفقيه ابن أبي الذئب أقل ضعفا من خبر سماع الإمام ابن
راشد، إذا كان خبر ابن أبي الذئب ليس بشيء، فإن خبر ابن راشد ليس بشيء على الإطلاق (92)
وبعد أن قمنا بتحقيق عملية السماع تلك لأنه يراد بها أو القول بها إنّ
تريم الراشدية كانت على نهج أصحاب الأثر والحديث أو على مذهب أهل السنة الأشاعرة رة، وهو الأمر الذي يتعارض مع مسار هذه الدراسة، خاصة إذا علمنا عدم عناية أهل الاعتزال والأباضية بالحديث وعلومه إلا ما يوافق المذهب، ولهذا نجد الإمام السخاوي وهو الأشعري العقيدة المتوفى سنة 902 هـ يعد حضرموت في القرن العاشر الهجري من البلدان) التي لا حديث يروى بها ولا عرفت بذلك) (93)، وفي ذلك تأكيد على استمرار أوضاعها غير السنية إلى ما بعد القرن
العاشر الهجري
الإمام عبد الله
بن راشد على مذهب الاعتزال:
لما كان المذهب المعتزلي هو مذهب الدولة والعلم والعلماء، فإنّ هذا المذهب
الله
لا بد أن يكون مذهب الإمام عبد بن راشد، ويتضح ذلك مما يلي: 1 - تتفق المراجع على أنّ الأسرة الراشدية أسرة علم وفقه، وأن الإمام عبد الله قد اشتهر بذلك، هذه الأسرة تقول عنها تلك المراجع إنهم كانوا يدفنون موتاهم في صناديق تعظيما لهم، ولهم مقبرة خاصة بقارة أبي جرش، وأخرى تدعى ديار الحجم بتريم، وعلى ذلك نقول إن دفن الموتى في صناديق
(98)
(173) (1/173)
صفحة 174
ليس من مذهب أهل السنة في أي مرحلة من مراحل تطور هذا المذهب، ولا هو من مذهب الأباضية، وإذن يكون المخرج المقبول عقلا، هو أن ذلك السلوك كان نتيجة تخريج مذهبي اجتهادي عقلي هو المذهب المعتزلي. وإذا كانت الأسرة الراشدية هي في الأساس أسرة علم وفقه وإمامة وورع وزهد، يعني أنه ما كان للأسرة الراشدية أن تقدم على دفن موتاها في
فإن هذا
صناديق، لو لم يكن هذا السلوك مقبولا علمياً واجتماعيا في تريم حينها،
وهذا يؤكد ليس معتزلية آل راشد فحسب، بل تريم الراشدية كلها
على
أن مسألة اتخاذ آل راشد مقابر خاصة بهم كأسرة، مسألة فيها نظر، ذلك أن مقبرة واحدة كافية لاحتواء عشرات الأجيال من تلك الأسرة، أما أن يكون لهم أكثر من واحدة، فهذا يعني أن تلك المقابر لم تكن خاصة بهم كأسرة، بل هي مقابر خاصة بالأئمة والعلماء ورجال الدولة وكذا شهدائها الذين قضوا في معاركها، خاصة وإنّ الصفة السلطوية المتميزة عن
الشعب
علماء تريم
كما
غير موجودة في السلوك الاجتماعي لولاة حضرموت في ذلك العهد وبعده 2 - تتفق المراجع على أنّ الإمام عبدالله تتلمذ للاختصاصين من تتفق على أنه أحد كبار ذلك المجمع العلمي الذي توصلنا إلى اعتزاله، لهذا يكون حكمه حكم ذلك المجمع. 3 - بعد أن قضى نشوان بن سعيد الحميري عامين ونصف في تريم الراشدية، عاد إلى الجوف موطنه، ثم وجدناه يقول عن رحلة العودة تلك: (وصلت الجوف متخليا عن الأخوان والأنصار، ولو شئت لدخلتها بالجيوش الكثار)، والسؤال الذي يبرز أمامنا هو: من أين كان يمكن لنشوان أن يأتي بالجيوش الكثار إن لم يكن من تريم الراشدية العائد منها؟ ثم أين موطن هؤلاء الأخوان والأنصار المذهبيين إن لم يكونوا في تريم؟
(174) (1/174)
صفحة 175
هو
لسادته
المذهب
4 - قوله عند اعزاله الولاية (ما وجدنا أهل حضرموت يوالوننا على الحق) يقودنا إلى أنه إنما كان يتحدث بلغة (الجمع) عن مذهبه العقائدي الذي هو (الحق) الذي يلاقي معارضة ومقاومة من مذهب آخر له الغلبة على أهل حضرموت، وهذا يعني أن الإمام ابن راشد كان يحمل عبئاً مذهبياً عقائدياً، يسعى الاجتماعية والسياسية في ظل تلك الغلبة، هذا المذهب الأخير الأباضي، مذهب حضرموت التاريخي والمؤسس، والذي برز دوره في مقاومة الغزو الأيوبي وذكرته المصادر والمراجع، وهذا يعني أن ابن راشد لم يكن أباضي الاعتقاد، غير أن مذهبه والمذهب الأباضي كانا هدفاً مباشراً لحملة دولة العصر السنية الدولة الأيوبية، وهذا يعني أيضاً أنه لم يكن سني الاعتقاد، وإذاً لابد أن يكون مذهبه ومذهب دولته هو مذهب الإمام نشوان بن سعيد الحميري الذي هو مذهب الاعتزال، ومحصلة كل ذلك أنه في القرن السادس الهجري، كانت الغلبة المذهبية العقائدية في حضرموت للأباضية والمعتزلة ولا سواهما، وكان الاعتزال هو مذهب الدولة الراشدية. وأخيرا، أليس في الإجابة على تلك الأسئلة دليلا كافيا على أن آل راشد كانوا على مذهب نشوان في الاعتزال
آل إقبال على مذهب الاعتزال:
أوضحنا في فصل سابق عند حديثنا عن أوضاع القرن الخامس الهجري أنّ آل اقبال – ولاة الشحر – شأنهم شأن آل راشد في تريم وآل دغار في شبام وآل
-
—
منجوي في ظفار، لم يشتركوا في مقاومة الغزو الصليحي الإسماعيلي لحضرموت، تلك المقاومة التي قادها الإمام المجاهد الأباضي أبو إسحاق الهمداني ومعه أباضية
(180) (1/175)
صفحة 176
حضرموت وعمان، ولقد سجل أبو إسحاق موقفهم ذاك في ديوانه، كما حدد
مذهبهم المعتزلي بقوله مخاطباً فارس بن راشد متولي الشحر حينها:
ودع عنك دين الحق فالحق أهله يريدون شمل اللهو يضحى مبددا ومعلوم أن (أهل دين الحق) أو (أهل الحق) هو أحد أسماء أهل الاعتزال، وكان أبا إسحاق في ذلك البيت يقول له: دع عنك مذهب الاعتزال الذي اعتزل الجهاد ضد الغزاة، وانضم إلينا نحن الأباضية لأننا أهل الحق فعلا وقولا في جهادنا ضد الغزاة. كما أن توالي الأحداث في القرن السادس الهجري
ونهاية الغزو الأيوني لحضرموت ـ كما سوف يتضح ـ تثبت بمالا يدع مجالا
-
للشك بأن آل إقبال كانوا على مذهب الاعتزال.
-
آل راشد أصحاب الولاية العامة المعتزلية في عموم حضرموت:
أولا: على ظفار:
(90)
عند الحديث عن الولاية الخاصة لآل منجوي على ظفار في القرن السادس الهجري تحدثنا عن الولاية العامة لآل راشد عليها، غير أن ما نريد إضافته على ما سبق مما يؤيد ذلك، هو ما ذهب إليه المؤرخ الحداد عندما قال:) لسلطة آل المنجوي في ظفار نفوذ وتقدير ((99)، ويقول في موضع آخر: (إنّه لسلطة آل منجوي في ظفار هيمنة على سلطة آل راشد في تريم ((96)، وأن لم طبيعة تلك الهيمنة التي نرى أنها لم تكن إلا هيمنة تحالف قوي ومصيري بين الإمامتين تحت مظلة الولاية العامة لآل راشد على الأوضاع السياسية في مدن
يوضح
حضرموت الكبرى.
(176) (1/176)
صفحة 177
لقد كان لا بد للوحدة المذهبية بين ظفار آل المنجوي وتريم آل راشد
أن تظهر انعكاساتها السياسية في المسألة العلمية المذهبية بين ظفار وتريم، لهذا نجد عددا من الأسر العلمية والعلماء من أهل ظفار تلتحق بالمجمع العلمي المعتزلي في
تريم، مثل: آل أبي الحب وآل ططه وآل أبي ماجد وآل السبتي وآل الظفاري
(97)
وغيرهم، كما أنّ) من علماء حضرموت من تدير ظفار، على أن أبرز
امتزاج علمي مذهبي في ذلك الإطار يتمثل في تتلمذ الإمام القلعي قاضي مرباط ومفتيها على يد الإمام شيخ الإسلام سالم بافضل، وكذا علاقاته الوشيجة
بعلماء حضرموت
أما العلاقات التجارية بين ظفار وحضرموت (الداخل)، فقد كانت
(98)
ومنها
في أزهى صورها وقد كانت ظفار تجلب المتاجر إلى حضرموت) تنقل تلك المتاجر إلى اليمن عبر حضرموت في سلاسة وأمان، نظراً للوحدة
المذهبية التي تربط الحكام والرعية في كل منهما، أما العلاقات بين ظفار آل
(99)
منجوي وآل إقبال ولاة الشحر (فقد كانت حسنة) (99) والعلاقات بينهما وبين شبام (فقد كانت شبام من ظفار وظفار من شبام ((100)
الكامل
وهكذا نجد أنّ العلاقات بين حضرموت وظفار قد بلغت إلى درجة الامتزاج، وما كان لذلك الامتزاج أن يصل إلى تلك الدرجة لو لم يكن تحت ولاية عامة تنظم شئونه وتراعي مصالح كل الإمامات، هذه الولاية كانت لآل
راشد ولاة تريم
(1.1)
ثانيا: على الشحر:
تقع مدينة الشحر على بحر العرب، ترد إليها البضائع من آسيا وإفريقيا
وقد تميز نشاطها التجاري بالتنوع من حيث البضائع الواردة إليها، لهذا فهـ محطة (ترانزيت (من خلالها يتم تزويد باقي مناطق حضرموت بالبضائع، خاصة
(177) (1/177)
صفحة 178
تريم وشبام ودوعن ومأرب، لهذا اتسع النشاط التجاري والسياسي لآل إقبال إلى مناطق كثيرة، أليس غريبا أن يقتل راشد بن إقبال سنة 509 هـ في دوعن أو أن يتوفى عبد الباقي بن فارس بن إقبال سنة 547 هـ في مأرب، أو أن يتوفى فارس بن راشد بن إقبال سنة 608 هـ في تريم. ولذا كانت الشحر سوق) المهرة والحموم) والتي تسيطر على طرقها التجارية، وتعتمد عليها في معيشتها و معاشها، فإن الشحر أيضا سوق كل حضرموت، ومن خلال هذا الميناء ترد أغلب المتاجر إلى وادي حضرموت الشحيح الموارد، لهذا يقول الحضارم: إن القابض على الشحر هو كالقابض على الحنجرة. وما بعد القبض على الحنجرة إلا إزهاق الروح أو وهب الحياة، فهكذا نجد أن السيطرة على الشحر هي السيطرة على شريان الحياة في حضرموت كلها ساحلها وداخلها. وإذا كان الاتجاه العقائدي المذهبي السائد في تريم يفرض نفسه بالضرورة على مدن حضرموت الكبرى، فإنّ الشحر نظراً لأهميتها الاقتصادية الحيوية تتحكم في الاتجاه السياسي في تلك المدن، ذلك أنّ أية سلطة فيها في أي مدينة من تلك المدن لا تستطيع أن تضمن بقاءها كسلطة ما لم تضمن ولاء وتحالف السلطة في الشحر معها من الناحية السياسية المذهبية، حتى تضمن تدفق ذلك الشريان بنبض الحياة فيها، هذا من ناحية، ومن أخرى، فإن الشحر هي مفتاح الخارطة العسكرية لاحتلال منطقة الوادي، لهذا فإن الاختلاف المذهبي بين الشحر ووادي حضرموت يعني تهديد الأوضاع المذهبية المخالفة فيه. لهذا نجد أنه بمجرد سقوط الشحر في أيدي الأيوبيين سنة 575 هـ تتقدم القوات الحضرمية من الوادي باتجاه الشحر لإجلاء القوات الأيوبية عنها، غير أن كثافة القوات الأيوبية
مصير
منطقة
تمكنت من هزيمة القوات الحضرمية، ثم تقدم الأيوبيون واحتلوا منطقة الوادي
الحد من
غير
أن العلاقات بين تريم آل راشد وشحر آل إقبال لم تقف عند ذلك
التحالف المصيري الإستراتيجي المذهبي الأساسي، بل تعداه إلى التدخل
العسكري لآل راشد لحل مسائل الخلاف داخل أسرة آل إقبال، ففي سنة
(178) (1/178)
صفحة 179
607 هـ جاء الصريخ (النداء (من المظفر بن فارس بن إقبال (حاكم ريدة المشقاص) لما حصر في الريدة من قبل آل إقبال الشحر، فخرج فهد بن عبدالله
بن راشد من تريم، فوصل إلى الأسعاء (الشحر) فحصرها إلى أن احتكموا
وأصلح بينهم
(102)
ومن الخبر السابق نجد أن العلاقة بين آل راشد وآل إقبال لم تكن مجرد تحالف عادي يلتزم بحدود عدم التدخل في الشئون الداخلية، بل تجاوز ذلك إلى التدخل في الشئون العائلية، إذ ما كان للإمام عبد الله بن راشد أن يبعث ابنه فهد
،
على رأس قوة عسكرية لفض ذلك التراع العائلي ويصدر حكما ملزما للطرفين ما لم يكن آل راشد ولاة تريم هم المرجعية النهائية في الأمور الداخلية العائلية والأمور الخارجية معا، وتلك هي بعينها الولاية العامة لآل راشد ولاة تريم على إمامة آل إقبال في الشحر أما موقف آل إقبال من آل راشد، فنجده موقف التلاحم الأقوى والرعاية الأسرية، وقد تمثل ذلك بكل وضوح في موقف الإمام عبدالرحمن بن راشد بن إقبال سنة 621 هـ من أولاد عبدالله بن راشد بعد خروجهم من سجن ابن المهدي الأيوبي، فقد لجأوا إلى ظل الإمام عبد الرحمن لعدم ارتياحهم للإقامة تحت آل يماني الذين تولوا تريم بعد انتهاء الغزو الأيوبي (103) ولم يقف الأمر عند حدود الإقامة تحت إمامة آل إقبال، بل تجاوز ذلك إلى محاولة إعادتهم إلى حكم تريم مرة أخرى: ففي سنة 633 هـ خرج ابن إقبال متجهزا نحو داخل حضرموت، وهاجم مدنها وبيعت له تريم وشبام وجميع بلدان الوادي هذا العام جاء فهد بن عبدالله بن راشد، فأعاد له ابن إقبال تريم مقر آبائه
ربيع
(1.2)
وفي
ومحل ولايتهم وملكها أياه. (4) (10). . ويرى الأستاذ الحامد (أن تحول فهد بن عبد الله بمن معه من أولاد عبدالله بن راشد إلى الشحر، هي أول الخطوات للسعي في محاولة استرداد ملك آبائه، وقد تجلى بوضوح عندنا ولاة ابن إقبال على ومن هذا يعرف أن هناك تحالفا بين آل أبي قحطان (آل راشد) في
مدينة تريم .. ومن
(179) (1/179)
صفحة 180
تريم وآل إقبال (105). على أننا نرى أن إعادة ابن إقبال مدينة تريم إلى آل راشد لم يكن لمجرد إعادتهم فقط، بل بغرض إعادة الأوضاع المعتزلية على ما كانت عليه قبل الغزو الأيوبي لحضرموت، لهذا نجد ابن إقبال وفي نفس السنة 633 هـ أعاد مدينة شبام إلى ولاتها آل الدغار (106)
ثالثاً: على شبام:
لاحظ الأستاذ الحامد خلال تتبعه للعلاقة بين آل راشد وآل دغار من ولاة شبام، أن بينهما (تعاون وتآزر (ولقد رأينا كيف أن ابن إقبال أعاد سنة 633 هـ آل دغار إلى مقر إقامتهم في شبام، على أنّ لتلك العلاقة مظاهر تدل على الولاية العامة لآل راشد علي شبام، ففي سنة 593 هـ تولى الإمام عبدالله بن راشد بنفسه ولاية شبام (107)، وفي سنة 604 هـ وصل إلى تريم الإمام راشد أحمد النعمان الدغار ومعه أعيان شبام، فاجتمعت أهل حضرموت على السمع والطاعة و اقامة شعائر الإسلام (108)
بن
رابعاً: على دوعن:
(1.^)
ليس لدينا عن هذه الناحية معلومات تذكر سوى ما ذكره المؤرخ الحداد
عند حديثه عن مدينة (قيدون (الدوعنية، حيث قال: (لا نعلم عن قديمها إلا
أنها قرية يحكمها أمير اسمه (عبد الله بن راشد) في القرن السابع (109). هذه الإشارة من قبل المؤرخ الحداد تعني الشئ الكثير بالنسبة لنا، ذلك أننا لا نعرف أميرا بهذا الاسم في هذا القرن إلا أن يكون الإمام عبد الله بن راشد والي تريم في القرن السادس وبداية القرن السابع، وبهذا تكتمل الولاية العامة لآل راشد على مدن حضرموت الكبرى.
(180) (1/180)
صفحة 181
المصاد روالمراجع:
(1) الشاطري: الأدوار 194/ 1.
2) الجاحظ: الحيوان 134
3) نشر هذا العنوان على حلقات في صحيفة (الأمة) الصادرة في صنعاء بدء من العدد 206 بتاريخ
2000/ 7/12 م.
فتاوي ابن صلاح (ص - 25،24 نقلا عن مصطفى عبد الرازق) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية) ص 85 - 86 - مكتبة النهضة المصرية 1966 م.
محمد عوض بافضل: صلة الأهل / 58، المنظومة اللؤلؤية المسماه القصيدة الفكرية) للإمام سالم بن فضل بافضل نقلها عن أصل مخطوط (صالح بن على بافضل).
(6) زهدي حسن جار الله: المعتزلة /308.
(7) بافضل: نفسه 49 وما بعدها.
د. عبدالحكيم بلبع: أدب المعتزلة حتى نهاية القرن الرابع الهجري / 255.
9) نفسه: 256
(10) الإمام يحيى بن حمزة: العلوم الدينية في العقائد الإلهية /21. 11) د. محمد السيد الجلنيد: قضية الخير والشر في الفكر الإسلامي /18 12) انظر تفسير الآية في تفسير ابن كثير.
(13) انظر تفسير الآية في تفسير (الفتح القدير) للإمام الشوكاني.
(14) نشوان بن سعيد الحميري: الحور العين /39.
15) نفسه.
(16) انظر تفسير الآية في تفسير (الكشاف) للإمام الزمخشري 17) محمد عوض بافضل: نفسه /59.
18) د. بلبع: نفسه /302
(19) الإمام الزمخشري: الكشاف: تفسير الآية 18 آل عمران.
(20) الجلنيد: نفسه /196.
21) نفسه: /138.
(22) بلبع: نفسه /267.
(23) الشاطري: نفسه /195.
(24) الحامد: نفسه /0474
(25) الشاطري: نفسه /196.
(26) محمد بافضل: نفسه 58 وما بعدها + المنظومة اللؤلؤية. (27) الإمام أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 86/ 84/1.
(28) زهدي جار الله: نفسه /61
(29) نفسه: /222. (1/181)
صفحة 182
30) نفسه: 129
31) بافضل: نفسه / 41.
(32) جار الله: نفسه / 180.
(33) عبدالقادر العيدروس: النور السافر في أخبار القرن العاشر / 193. (34) د. عبدالرحمن بدوي: تاريخ التصوف الإسلامي حتى نهاية القرن الثاني / 184.
(35) الإمام الغزالي: نفسه /309.
(36) بافضل: نفسه / 64.
(37) بافضل: نفسه / 41.
(38) د. عارف: الاتجاهات الفكرية /39.
(39) عبدالله محمد الحبشي: مصادر الفكر الإسلامي في اليمن /93
40) د. محمد رضا الدجيلي: الحياة الفكرية في اليمن في القرن السادس الهجري 84/ 83 41) نشرة مكتبة المخطرطات تريم - مايو 1985 – سيئون – حضرموت. 42 جمال الدين أبو الفتح يوسف بن يعقوب الدمشقي ابن المحاور: المستبصر /262. 43) س - ب - مايلز: الخليج وبلدانه وقبائله /412.
44 شنبل: تاريخ شنبل /62.
(45) نفسه: 70.
46) نفسه: 61.
(47) نفسه: 60.
48) ذكر (الصفدي) في (الوافي في (الوفيات) شاعراً تكريتياً اسمه (محمد بن أحمد التكريتي المتوفى سـ
618 هـ.
49) عبدالله الطيب بالمخرمة: تاريخ ثغر عدن 32/ 2.
50) الكحل: بفتح الكاف والحاء: سواد منابت شعر الأجفان خلقة، ومنه المثل (ليس الكحل كالتكحل). 01) محمد الدجيلي: الزعيم السياسي في المخيال الإسلامي، بين المقدس والمدنس – 112 - تونس
1972 م. (52) يبدو أن أول من نسبهم إلى عشيرة بلخ العربية هو المؤرخ بامخرمة في تاريخ ثغر عدن، ثم تبعه آخرون. 53) مايلز: نفسه - ونسب ذلك القول إلى عالم الأثار الإنجليزي كارثر. 54) محمد سعيد جرادة: الثقافة والأدب في اليمن عبر العصور /159. 55) بامخرمة: نفسه /122.
(56) أعتمدنا تاريخ الوفاة المنقوش على قبره: انظر: محمد بن سعيد المعشني: الآثار التاريخية في ظفار/25.
(57) الإمام القلعي: تهذيب الرئاسة / 41.
58) نفسه:
37/
59) نفسه
60) نفسه: /52.
61) نفسه: /45. (1/182)
صفحة 183
62) نفسه: /2 د.
63) نفسه: /64.
64) يبدو أن للمعتزلة موقف موحد تجاه شدة الحجاب وسوء عاقبته على الحاكم والمحكوم، فقد خصص
الإمام الجاحظ رسالة في الحجاب: انظر الجاحظ: الرسائل السياسية /565.
(65) د. محمد إسماعيل: الحركات السرية في الإسلام / 84.
(66) د. محمد عمارة: المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية /75.
67) أحمد بن داؤود: صاحب محنة خلق القرآن في العصر العباسي الأول التي أمتحنى فيها علماء السنة ومنهم الإمام أحمد بن حنبل.
(68) الإمام القلعي: نفسه /372. 69) نفسه: /382.
(70) نفسه: 383.
71) نفسه: /372.
72) نفسه: /385.
(73) الإمام محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية /136.
74) الإمام عبدالقاهر البغدادي: الفرق بين الفرق /159 - بيروت 1987 م.
75 باوزير: الفكر والثقافة / 124.
(76 الشاطري: نفسه /211.
(77) الحامد: نفسه /411.
(78) شنبل: نفسه / 180.
79) محمد بن عمر الطيب بافقيه: تاريخ الشحر /69.
(80) الشاطري: نفسه /171.
(81) شنبل: نفسه / 70، باوزير: صفحات /83. (82) ابن حميد الكندي: العدة المفيدة 365/ 1.
(83) شنبل: نفسه 55/ 52.
84) الحامد: نفسه / 411.
85 عارف: نفسه / 25.
(86) الشاطري: نفسه /211. (87) الحامد: نفسه /411.
(88) الشاطري: نفسه.
89) شنبل: نفسه
90) نفسه: /52.
91) نفسه:/45.
(92) قال الإمام الشافعي: ((إكس ألفاظك أحسنها، لاتقل كذاب، ولكن قل حديثه ليس بشيء)).
(93) الإمام السخاوي: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم علم التاريخ /143. (1/183)
صفحة 184
94 الشاطري: نفسه /173. د الحداد: نفسه / 87.
(96) الحداد: نفسه /88.
(97) الحداد: نفسه /82.
(98) الحداد: نفسه /87.
99) المعشني: نفسه / 134.
(100) ابن حميدالكندي: نفسه /102.
101) جاء الحديث عن العلاقة بين تريم وظفار في القرن السادس الهجري تفصيلا عند الحديث عن الشاعر
التكريتي. والإمام القلعي.
102) شنبل: نفسه /72. 103) الحامد: نفسه /538.
104) نفسه: /539.
105) نفسه: /542.
106) نفسه.
107) شنبل: نفسه /08.
108) نفسه + الحامد: نفسه / 454.
109) الحداد: الشامل /206.
(184) (1/184)
صفحة 185
الفصل الثالث
أحوال معتزلية وأباضية.
كثافة الوجود العلمي في تريم الراشدية في القرن السادس الهجري: تتفق المصادر والمراجع على أنه كان في مدينة تريم في القرن
السادس الهجري حوالي ثلاثمائة عالم وفقيه ومفتي، ظهروا في وقت واحد
—
من
وتناقشوا وتجادلوا معا، كان عدد كبير منهم يشتغل بالتأليف هذا العدد الضخامة بحيث لا يقبله العقل للوهلة الأولى ودون تحقيق، خاصة وإنه لا يتناسب عدد سكان تريم لا أمس ولا اليوم. وإذا صح وجود ذلك العدد من أهل العلم في تريم حينها، فإنّ تلك الظاهرة تكون خاصة بذلك القرن وامتداداته القريبة، خاصة وإن حضرموت ليست محطة عبور و مرور حتى يكثر العابرون فيها، كما أنها بعيدة عن مراكز الكثافة السكانية والعلمية ولا يأتيها إلا القاصد العاني. كل ذلك يجعل من مسألة تلك الكثافة العلمية في حاجة إلى بحث وتدقيق، على ضؤ ما توصلت إليه هذه الدراسة من اعتزالية المجمع العلمي التريمي في القرن السادس، الأمر الذي يستدعي بالضرورة إلى استعراض موجز لتاريخ المعتزلة في دوري القوة والضعف والنصر والهزيمة، والحكم والانتكاب
يعتبر العصر العباسي الأول وخاصة بعد تولي المأمون 198 هـ - 280 هـ هو العصر الذهبي للاعتزال والمعتزلة والفكر العقلاني بصفة عامة، وفي هذا العصر أصبح الاعتزال هو المذهب الرسمي للدولة العباسية، وفيه عاش رؤوس الاعتزال
(110) (1/185)
صفحة 186
الكبار مثل: عمرو بن عبيد ويحيى بن مبارك وتمامة بن الأشرس وأبو هذيل العلاف وأحمد بن داؤود والجاحظ وغيرهم، ولقد كان من قوة ذلك المذهب أن أصبح أحمد بن داؤود وزيرا لكل خلفاء بني العباس الذين تبنوا المذهب المعتزلي حتى عهد المتوكل 232 هـ ـ 247 هـ. 232 هـ
وفي رعاية الوزير أحمد بن داؤود حدثت) محنة خلق القرآن)، حيث كانت لهذا الوزير السلطة والمكانة العليا والكلمة النافذة على جميع أولئك الخلفاء، وحوله تجمع من كل حدب وصوب المعتزلة في ذلك العصر، وبفضل رعاية الدولة للاعتزال، انتشر هذا المذهب وعلومه الكلامية والفلسفية، وفي هذا العصر) كانت الحركة الكلامية في منتهى النشاط، في الدوائر العلمية ـ كما
-
هو الحال بالنسبة لخلق القرآن - وفي مناظرات المجالس وفي المساجد وفي الشوارع.
والجنائز) (1).
ولقد رأينا المعتزلة في المغرب العربي في القرن الثاني الهجري في الدول التي أقامها الأباضية والصفرية هناك، يتجمعون من كل مكان و (يشكلون جماعات متماسكة)، كما أنهم في بغداد العباسية وغيرها من مدن العلم في ذلك العصر
) ظلوا يكونون جماعات مترابطة تتعاون على الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه
(2)
ومهاجمة مخاليفهم، ويتزاوجون فيما بينهم ويتجاورون في مساكنهم ((2) غير أن دوام الحال المحال من، ففي عهد الخليفة المتوكل نكب المعتزلة وتم رفع المحنة عن أهل السنة والحديث وأقصي المعتزلة، فانطلقت حركة جامحة مخالفة للمعتزلة ومحاربة ما أحدثه (المبتدعة) والرجوع إلى أقوال السلف، ولهذا وجد المعتزلة أنفسهم بعد عام 237 هـ في ظروف في غاية الصعوبة والسؤ، فقد أصبحت السلطة التي كانت بالأمس في أيديهم طيعة مطواعة، أصبحت سيفاً مسلطا على رقابهم، وشبحا مرعبا يلاحقهم، ونجد أعداءهم يبتهلون هذه الفرصة،
(186) (1/186)
صفحة 187
فيها جمونهم من كل ناحية، وكالوا لهم الضربات الشديدة الموجعة القاسية، حتى
أصبح اسم المعتزلة مرادفا للكفر ومشفوعا باللعن ومقرونا بالتقبيح والتشنيع. ثم كانت الضربة الثانية بانفصال أبي الحسن الأشعري عنهم وظهور المذهب الأشعري سنة ـ 300 هـ ذلك المذهب المخالف لمذهب الاعتزال في العقائد، وظهور علماء أشاعرة أفذاد يهاجمون الاعتزال في عقر داره علم الكلام والعقائد مثل الإمام الباقلاني والجويني وغيرهم، وبالإجمال فقد وجد المعتزلة أنفسهم بعد ظهور الأشعرية في حال لا يحسدون عليها ولا يستطيعون الاطمئنان إليها، فقد تكالب عليهم الرافضة) الشيعة) والحنابلة والأشعرية، وأمام هذا الظرف العصيب نبذ المعتزلة خلافاتهم ووحدوا صفوفهم، وأصبح تكاتفهم وتضامنهم مضرب المثل في القرن الرابع الهجري، مما دعا الخوارزمي إلى القول بان اعتداد المعتزلة بالمعتزلي كاعتداد الشيعة بالوصي والإمامية بالمهدي
وفي هذا الوقت ـ القرن الرابع - تمت المصالحة بين المعتزلة والشيعة،
-
وتكون نتيجة تلك المصالحة نشر مذهب الاعتزال في أوساط الشيعة، فلقد وجد المؤرخ المقدسي ـ 336 هـ ـ 391 هـ الذي قام برحلات واسعة في العالم الإسلامي، أنّ أكثر شيعة بلاد العجم معتزلة الأصول، وأكثر فقهائهم من المذاهب الشيعية الثلاثة على الاعتزال، والأمير البويهي عضد الدولة يعمل على الاعتزال، ووجد العوام في إقليم (الري) يتابعون الفقهاء، على خلق القرآن وفي خوزستان معظم السكان معتزلة أيضا، أمّا شيعة عمان وصعدة والسروات وسواحل البحرين فكلهم معتزلة، ووجد في العراق كثيرا من المعتزلة لا سيما في الشمال، في حين لم يجد في الشام إلا القليل منهم، وكانوا في خفية (3). ويتضح من ذلك أن المعتزلة كانوا إذلاء في البلاد التي غلب عليها أهل السنة. ولما ظهر الحكم البويهي على المسرح السياسي 334 هـ ـ 437 هـ، وكان بني بويه
-
(187) (1/187)
صفحة 188
شيعة على الاعتزال، فقد كان هذا الحكم بالنسبة للمعتزلة شوكة وسلطة واستعادوا كثيرا من قوتهم، فقد كانت لهم حلقات كبيرة يدرسون فيها أصولهم وقواعدهم بدون معارضة، وكان كثير منهم يشغلون مناصب عالية في القضاء، وزاد تعصبهم لمذهبهم، فصاروا يتظاهرون به ويتفاخرون أمام مخاليفيهم، على أن المعتزلة لم يصلوا في هذا العهد درجة القوة التي يعتد بها ويحسب حسابها إلا في
-
أحمد
وزارة الصاحب بن عباد 336 هـ ـ 385 هـ، فقد اشتغل بالوزارة ثمانية عشر عاما، وكان معتزليا غاليا وداعية للاعتزال، فلما صارت الوزارة إليه واجتمعت السلطة في يده، استخدمها لنصرة الاعتزال و نشره، فاجتمع حوله المعتزلة من كل حدب وصوب، وأسند إليهم المناصب العالية، وأغدق عليهم الأموال الجزيلة، فكانت (الرى (في عهده كبغداد في عهد داؤود. ولقد كان بن الصاحب بن عباد للمعتزلة قوة عظيمة، أعاد إليهم كثيرا من مجدهم وهيبتهم، ولذلك كان فقده خسارة كبيرة وكارثة عظيمة، فبدأت أحوالهم تسير من سيء إلى أسوأ، فبعد وفاته قام السلطان فخر الدولة بمصادرة أمواله وتنكر لأصحابه وأعوانه وقبض عليهم وأخذ أموالهم، ثم تتابعت النكبات وتوالت الضربات بعد أن ضعفت سلطة بني بويه، وهو الأمر الذي شجع الخليفة القادر 381 هـ ـ 422 هـ على أن يصنف كتابه في الأصول الذي أكفر فيه المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وكان كتابه يقرأ كل جمعة في بغداد ويحضر الناس سماعه، قال ابن الجوزي: إن القادر أصدر سنة ـ 408 هـ قرارا ضد المعتزلة يأمرهم فيه بترك
-
الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والمقالات المخالفة للإسلام وينذرهم إن خالفوا أمره النكال والعقوبة (4).
ثم كانت النكبة التالية استيلاء السلطان محمود الغزنوي على إقليم (الري)
و (خراسان) سنة 420 هـ ولما كان هذا السلطان سني العقيدة شافعيا، فقد
(188) (1/188)
صفحة 189
نکل بالمعتزلة والإسماعيلية، حيث نفاهم وأحرق كتبهم وسائر كتب الفلسفة والنجوم في إقليم الري، وقام السلطان محمود بتنكيل وحشي بأهالي (البدع)، ذلك أن الآلاف من المعتزلة والإسماعيلية صلبوا ورجموا حتى الموت، أو قيدوا بالسلاسل واقتيدوا إلى خراسان (5).
ولقد انفرجت مؤقتا تلك المحنة القاسية التي عاناها المعتزلة، وذلك عندما زحف الأتراك السلاجقة بقيادة زعيمهم) طفرلبك (على فارس والري سنة 429 هـ ووصل نفوذه إلى بغداد سنة 447 هـ، وكان المعتزلة قد غلبوا عليه 429 هـ واستخدموه في استرجاع قوتهم وهيبتهم وضرب أعدائهم، وذلك عبر الوزير أبي نصر محمد بن منصور الكندري الذي كان معتزليا متحمسا مبغضا لمخالفيه، لهذا قدم المعتزلة واستعان بهم في إدارة شئون الدولة، وأخذ يكيد للأشاعرة خاصة وأهل السنة عامة، وفي عهده لعن الأشاعرة على المنابر، وصار يقصدهم بالإذى والإهانة، ويمنعهم من الوعظ والتدريس والخطابة في المساجد، وفي عهده حدثت (فتنة خراسان) بين الأشاعرة والمعتزلة، وذلك حين أصدر طفرلبك أمره بسب أهل السنة والقبض على رؤوسهم من الأشاعرة في خراسان، فهرب استطاع منهم إلى الخارج، ومنهم من جاء إلى العراق، حتى قيل اجتمع في تلك السنة ـــ 445 هـ في عرفات أربعمائة قاض من قضاة الشافعية والحنفية، وظلت الفتنة قائمة حتى وفاة طفرلبك سنة ـ 455 هـ، وخلفه أخوه ألب أرسلان 455 هـ ـ 465 هـ، حيث تنكر للوزير الكندري وخلعه من الوزارة وزج به في السجن ثم قتله شر قتلة، وعين بدلا عنه الوزير نظام الملك الذي كان شافعيا أشعريا، فأعاد المذهب الأشعري، وأمر بإسقاط اللعن وتأديب من فعله، فنصر الأشعرية وبنى المدارس النظامية التي لعبت دورا أساسيا في ترسيخ المذهب الأشعري في العالم الإسلامي كله، وقرب إليه العلماء الأشاعرة مثل الإمام الغزالي
من
(189) (1/189)
صفحة 190
الذي لعب دورا مشهودا وبكل طاقاته الفكرية في محاربة المعتزلة والفلاسفة، بل والفكر العقلاني بشكل عام.
وبعد ذلك لا نجد إلا صعودا لنجم الأشاعرة وأفول نجم المعتزلة الذين طردوا من الأقطار التي غلب عليها أهل السنة، فلقد كان كره أهل السنة لهم عظيما، فقد حدث أن أتهم الحكم بن عبد السلام بأنه (معطل) معتزلي، فقام عليه الناس وأخرجوا كتبه، فوجدوا فيها كثيرا من الاعتزال أقوال و من الفلاسفة، فجاءوا بها إلى مكان ببغداد يسمى (الرحبة) ونصبوا منبرا ارتقاه عبيد الله التميمي، فألقى خطبة لعن فيها الفلاسفة ومن يذهب مذهبهم، صار يتناول الكتب واحدا واحدا ويبالغ في ذمها وذم مصنفيها ويطرحها في النار، ثم حبس عبدالسلام معاقبة له على ذلك عاما كاملا، وأفرج عنه سنة 589 هـ آخر مانسمعه عن المعتزلة أنهم لجأوا على إقليم (خوارزم) ونشروا
مذهبهم هناك على يد أبي مضر محمود بن جرير الأصبهاني ـ 7
-
(7)
،
فاجتمع إليه أهل خوارزم وتمذهبوا بمذهبه وتخرج عليه جماعة من أكابرهم الإمام
محمود الزمخشري (7).
و مما تقدم يمكن استخلاص ما يلي:
1 - أن نكبات المعتزلة كانت كبيرة وكثيرة، وكانت كل نكبة يعقبها تنكيل متعدد الصور، من زج في السجون ومصادرة الأموال إلى القتل والصلب والرجم والنفي، مرورا باللعن والتكفير على المنابر 2 - أن المعتزلة تعلموا من نكباتهم نبذ خلافاتهم والعيش معا في شكل جماعات متميزة متجاورة في السكن، مترابطين بعلاقات أسرية، إضافة إلى
الأخوة المذهبية، حتى أصبح ترابطهم في القرن الرابع مضرب المثل.
(190) (1/190)
صفحة 191
3 - أنّ المعتزلة يتجمعون من كل حدب وصوب في المناطق التي تكون السلطة السياسية بأيديهم، ولهم القوة والسيطرة والحرية في ممارسة مذهبهم
وثقافته.
4 - من حادثة الحكم بن عبد السلام في أواخر القرن السادس، نجد أنه لم يعد للمعتزلة مكانا في المناطق التي غلب عليها أهل السنة الذين كان عداؤهم للمعتزلة عظيما
ه - أن آخر وجود معتزلي معروف في القرن السادس، كان في إقليم خوارزم
في فارس.
6 - أن تجمع المعتزلة من كل حدب وصوب حول زعاماتهم السياسية والمذهبية وكذلك رعاية تلك الزعامات لمصالحهم ومصالح الاعتزال كل ذلك أصبح ظاهرة تعادل تجمع الأشاعرة حول زعاماتهم السياسية ورعاية هذه الزعامات لمصالح الأشاعرة ومذهبهم، غير، غير أن الظاهرة المعتزلية كانت أسبق إلى الوجود نظراً لأسبقية ظهور مذهبهم ونكباتهم
السياسية.
واستنادا على ما تقدم من استخلاصات مسيرة النصر والهزيمة لدى المعتزلة، فإنّه لم يعد أمراً غريبا وشاذا أن يجتمع علماء المعتزلة من كل حدب وصوب في تريم الراشدية في القرن السادس الهجري، إنما الأمر الغريب والشاذ هو أن لا يجتمع ذلك العدد الكبير منهم في تريم في وقت لم يعد فيه للاعتزال شوكة وسلطة إلا في تريم وحضرموت. وهكذا تبقى حضرموت عامة وتريم خاصة الاستقطاب المعتزلي الآمن في ذلك العصر، ولقد كان المجمع العلمي المعتزلي في تريم و حضرموت هو هدف الحملة الأيوبية على حضر موت، وبمثل الإصرار
هي
الحصن الحصين ومركز
(191) (1/191)
صفحة 192
-
621 هـ، فقد كانت
الأيوبي العنيد عل كسر شوكة ذلك الاستثناء في الخارطة المذهبية الإسلامية من خلال تكرار محاولات السيطرة ومذابح العلماء والفقهاء الشنيعة والقتال الذي استغرق حوالي نصف قرن من الزمان - 575 هـ - المقاومة الحضرمية عنيفة وعنيدة وواسعة، حتى كانت هزيمة الأيوبيين وانكسارهم سنة ــ 621 هـ، هو بداية النهاية للوجود الأيوبي في اليمن عامة، وبعدها عادت الأوضاع على ما كانت عليه بين غلبة الاعتزال في المدن، والأباضية في البوادي والأرياف، كما كسبت الأباضية مواقع جديدة في بعض المدن على حساب الاعتزال، كما سوف يتضح عند الحديث عن القرن السابع. على أنّ هناك ظاهرة تريمية يصعب تفسيرها بدون ذلك الزحف العلمي المعتزلي عليها، فمثلا: هناك أسماء علماء يبعد كثيرا أن يكونوا حضارمة الأصول، مثل: (أبي زينيج) الذي يبدو من اسمه أنه أسود اللون إفريقي الملامح والأصول، وهناك العلماء من (آل أكدر) الذين قال آل أكدر) الذين قال عنهم المؤرخ الحداد:
أن
) ومنهم يحيى بن سالم بلخ أكدر ((8)، واعتبر (بلخ) عشيرة عربية، غير (بلخ) ايضا منطقة في فارس، لهذا يكون الأقرب ان يكون اسم هذا الإمام الشهيد: يحيى بن سالم بن أكدر البلخي، نسبة إلى إقليم بلخ وليس بلخ العشيرة، خاصة وإنهم اشتهروا بآل أكدر وليس بالبلخي، فإذا كانوا من بلخ العشيرة لاشتهروا بالبلخي، وعلى افتراض أنهم من بلخ العشيرة، فإن اسم شيخنا سوف يكون يحيى بن سالم بن أكدر البلخي، وليس يحيى بن سالم بن بلخ أكدر كما أورده المؤرخ الحداد، ولقد رأينا في فصل سابق كيف قيل لنا إن آل منجوى
ولاة ظفار إنما هم من بلخ العشيرة، ثم اتضح أنهم من علوية بلخ فارس كما تقول لنا المراجع الحضرمية إن المجمع العلمي التريمي في القرن خمسة وأربعين عالما من آل حاتم وحدهم، ظهروا في وقت
السادس كان يضم
(192) (1/192)
صفحة 193
بينهم
واحد وكانوا يجتمعون في مكان واحد كل ليلة يتناقشون (يتناظرون فيما (9)، فالأقرب عقلا أن لا يكون هؤلاء العلماء من آل حاتم حضارمة الأصول، إذ لو كانوا حضارمة لكانوا الطبقة المثقفة والخاصة لقبيلة حضرمية كبيرة، ويلزم من ذلك أن يكون لدينا من هذه القبيلة أعداد كبيرة محاربة ومقاتلة
هي
ومثلها عاملة، باعتبار الطبقة المثقفة الأقل فيها، وإذا كان الأمر كذلك لزم أكبر قبيلة في تريم حينها، أو لعلها في حضرموت
أن تكون قبيلة آل حاتم هي كلها، ولها الغلبة السياسية والاجتماعية، وهذا الأمر غير وارد على الإطلاق، لهذا لزم عقلا أن يكون ذلك العدد الكبير من علماء آل حاتم، إنما جاء نازحا إلى حضرموت من منطقة معتزلية غير حضرمية منكوبة من قبل الخصوم المذهبيين، ولعل طلائع هذه الأسرة قد وصلت إلى تريم في وقت مبكر من العهد الراشدي، فمنهم الإمام يحيى عبد العظيم الحاتمي 480 هـ ـ 540 هـ ويبقى ونحن بصدد التروح العلمي المعتزلي إلى حضرموت أن نشير إلى أن هذا التروح المعتزلي ليس أول نزوح علمي إليها، فقد سبقه نزوح أباضي قبل وأثناء وبعد ثورة الإمام طالب الحق الكندي الأباضي، كما لابد أن يكون دعاة المعتزلة قد وصلوا إلى حضرموت في وقت مبكر من القرن الثاني، بمثل
(10)
عطا
وصولهم إلى مواقع الأباضية في عمان والمغرب العربي، فقد كان واصل بن مؤسس المذهب المعتزلي، يبعث الدعاة إلى الأقاليم النائية للدعوة إلى الاعتزال وخاصة اليمن والمغرب في العصر العباسي) واتبع المعتزلة نظام العمل السري في الدعوة إلى الاعتزال من خلال بعث الدعاة إلى الأقاليم والأمصار البعيدة عن مركز الخلافة، مثل اليمن والمغرب ((11).
(193) (1/193)
صفحة 194
عندما تكون الكثافة العلمية في حضرموت في القرن السادس الهجري) لقية بحر)
في الوقت الذي اتفقت واجمعت فيه المصادر والمراجع الحضرمية على
كثافة الوجود العلمي في حضرموت في القرن السادس الهجري، إلى الحد الذي
كان فيه في تريم وحدها ثلاثمائة عالم فقيه ومفتي، كان جلهم يشتغل بالتأليف تلك الكثافة العلمية. ولقد بينا على صفحات
تماماً
عن بيان سبب
،
فإنها تصمت هذه الدراسة، أن حضرموت في ذلك القرن قد شهدت زحفا علمياً معتزليا من كل أصقاع بلاد الإسلام، ولقد كان ذلك الزحف من تمام الأوضاع المذهبية والسلطوية المعتزلية في مدنها الكبرى.
غير أن تلك المصادر والمراجع بدءا من القرن السابع الهجري، عندما تجد نفسها أمام هامة علمية غير حضرمية الأصول تسهم بفكرها وعلمها في الحركة العلمية الحضرمية التي شهدها ذلك القرن، فإنّ تلك الكتابات التاريخية، ومن تلقاء نفسها، ومن دون أن يطلب منها أحد، تنبري إلى تبرير وجود تلك الشخصية في حضرموت في ذلك القرن، بتبرير كسيح، وفي وزن بيت العنكبوت، لا يستطيع أن يصمد أمام لحظة عقل أو لفتة نظر، والغريب في أمر تلك التبريرات أنها تقف عند) لقية البحر)، كما في ما يلي:
أ- الإمام محمد بن علي القعي: يذكر المؤرخ الجندي المتوفي سنة ـ 732 هـ،
أن
-
سبب مجيئه إلى حضرموت، هو أنه (لما رجع من الحج، دخل مركبه إلى
) مرباط)، ودخل الركاب إلى مرباط ليبيعوا ويشتروا ويتزودوا، فتزل الفقيه من المركب، وضرب خيمته في الساحل، ليستريح من ضنك البحر، بينما يعزمون، فلما علم السلطان) الأكحل) بعلمه وفضله وحاجة أهل البلد إليه،
(198) (1/194)
صفحة 195
فقصده بنفسه إلى الساحل، ولا زمه في الإقامة بمرباط، وشرط له أن يفعل له
(12)
على ذلك ما أحب، فلم يزل يلازم الفقيه في ذلك حتى أجابه إلى ما سأله ((12).
هذا الخبر الذي أسنده بامخرمة إلى المؤرخ الجندي تردد كالصدى في الكتابات الحضرمية المعاصرة، رغم أن ما يحمله من تبرير واضح الصناعة، وحسبنا أن
نذكر من لوازم تلك الصناعة على سبيل الذكر لا الحصر، ما يلي: 1 - على افتراض صحة) حالة العودة من الحج) إلى أرض الوطن، فإنّ الموطن الأصلي للإمام القلعي غير معروف ومحدد على الحقيقة، رغم ادعاء البعض بشاميته أو مغربيته، وفي هذه الحالة، فإنّه يلزم أولا تحديد موطنه العائد إليه، قبل القول إنّه من تمام طريق العودة تلك المرور بميناء مرباط، أما إن صحت مغربيته أو شاميته، فإنّه ليس من طريقه المرور
بمرباط
2 - يقول ذلك الخبر إنّ الإمام الأكحل (المنجوي (السلطان) قد ترك شئون الحكم ولزم الإمام القلعي في خيمته لغرض إقناعه بالاستقرار في ظفار، نظراً) لحاجة أهل البلد إليه). وهذا القول هو الآخر مردود وغير مقبول، إذ ليس من الحقيقة في شئ الزعم بشحة أهل العلم والمعرفة في ظفار في القرن السادس الهجري، إلى الحد الذي جعل الإمام الأكحل يتوسل الفقيه ويلزم خيمته ويترك شئون الحكم، حتى يوافق على الاستقرار في ظفار، فقد رأينا الشاعر التكريتي يتحدث في قصيدته بلغة الجمع عن مجمع علمي كبير في ظفار، ذلك المجمع الذي يقوده الإمام الأكحل، إمام دولة المذهب المعتزلي في ظفار، وذلك من خلال
قوله:
(190) (1/195)
صفحة 196
كف كف الدهر حين سطا xx ونداه نحونا نسطا ×× فغدونا أمة وسطا
بعد ذاك الخوف والوجل
كيف نخشى بعده الزمنا xx وأبو عبد الإله لنا × ارتدي مجدا وألبسنا حللا ناهيك من حلل
ولقد بينا بما فيه الكفاية ذلك الزحف العلمي المعتزلي الذي كان في ظفار في ذلك القرن، والذي يشمل آل المنجوي أنفسهم، ولم يكن الإمام القلعي إلا واحدا من أولئك العلماء اللذين اختاروا حضرموت وطنا لهم كما هي وطن لمذهبهم المعتزلي وسلطته. ب – الشاعر التكريتي: يقول با مخرمة: إنّه خرج من بلاده مسافرا في البحر، فانکسر به المركب على قرب مرباط، وغرق ما كان معه من تجارة وغيرها، وسلم هو نفسه، فدخل مرباط ولا شيء بيده، فقصد سلطانها يومئذ محمد بن أحمد (الأكحل)، وامتدحه بالقصيدة المشهورة ((13) هذا الخبر ــــ التبرير ـــ هو الآخر واضح الصناعة، فهو أيضا لا يتفق ولا يستقيم لا من قريب ولا من بعيد مع ما قاله الشاعر في قصيدته كما شرحناها، وإن كان لنا من إضافة على ما سبق، فإننا نود القول إن الشاعر التكريتي لم يترك لنا أن نحدد موطنه في ذلك القرن، بل لقد الأمر حين تحدث في تلك
حسم
القصيدة عن مرباط باعتبارها (ربعه) أي وطنه، وإنّه لم يكن فيها مجرد عابر سبيل، وذلك حين قال: ها أنا في الربع بعدهم xx اشتكي وجدي وبعدهم ×× أسأل الأيام وعدهم
وأقضي الدهر بالأمل
كما أننا لسنا في حاجة إلى القول إن قصيدة الشاعر التكريتي لا تعطي أية
إشارة على أنه إنما كان في ظفار مجرد عابر سبيل، بل العكس هو الصحيح، فإن
(197) (1/196)
صفحة 197
كل بيت منها وجوها المذهبي والعاطفي يقطع بأنها صادرة عن نفس مستقرة في
وطنها الذي ارتبطت به كما ارتبطت بإمامها الأكحل المنجوى
-
الفقيه أحمد
—
بن محمد أبو العباس الحاسب الحضرمي: ينقل المؤرخ بامخرمة
عن المؤرخ عمارة اليمني المتوفى سنة 569 هـ ـ الذي يقول إنه كانت بينه وبين الفقيه الحضرمي صحبة) كان رجلا عاملا عالما بالقراءات، مجودا للفرائض، دخل عدن سنة ـ 539 هـ قاصدا الحج، نشأ في بلاد كندة مما يلي البحر، فانكسر مركب في ساحل البحر المجاور لهم، فخرج من البحر إليهم رجل عالم بالفرائض وغيرها، فانقطع هناك، فقرأ عليه هذا المذكور (الحضرمي)، واستفاد من علمه) (14).
هذا الخبر رغم أنه منقول عن من يقول إنّه كانت بينه وبين الفقيه الحضرمي صحبة، إلا إنه غني بالمجاهيل إلى الحد الذي تجعله ليس بشئ، إلا من حيث قوله بعالمية الفقيه الحضرمي، فهذا الخبر لم يذكر لنا اسم بلدة الفقيه الحضرمي، ولا المكان الذي تكسر فيه المركب المزعوم، ولم يعين اسم ذلك العالم الذي خرج إليهم من البحر وأخذ عنه الفقيه الحضرمي، كل ذلك لا يقطع بضعف تلك (التفاصيل) وحسب، بل يقطع بصناعتها. ويبقي ما يفهم من ذلك الخبر، مما يستقيم مع مسار هذه الدراسة، وهو أن الفقيه الحضرمي قد أخذ أحد علماء
عن
عن
الزحف المعتزلي على حضرموت في ذلك القرن، ذلك القرن، ولم يشأ ذلك الخبر الإفصاح اسمه أو اسم البلدة التي استقر بها، وفضل التجهيل بدلا عن الإفصاح، وهو كالخبرين السابقين يستند على عامل) الصدفة (التي اعتادت على (قذف) العلماء على سواحل حضرموت في القرن السادس الهجري ولعله لا يغيب عن نظر القارئ الكريم، أنّ الصورة التي ترسمها تلك الأخبار أنها لم تكن في ذلك القرن
الثلاثة
عن حضرموت في القرن السادس الهجري
هي
(197) (1/197)
صفحة 198
بلد علم أو علماء، ولولا (قذف (البحر لعدد محدد من العلماء غير الحضارمة الأصول، لما تأهل للعلم من تأهل من الحضارمة، وهم بعد ذلك عدد محدود لا
يكاد يبين
هذه الصورة البشعة التي ترسمها لحضرموت تلك الأخبار في ذلك القرن، تتناقض تناقضا صارخا وفجا مع الآثار الأدبية التي تمت دراستها في الصفحات السابقة، والتي تنتمي إلى علماء ذلك القرن نفسه، والتي تتحدث صراحة ودون غموض عن كثافة وغزارة الوجود العلمي الذي بينا معتزليته في ذلك القرن، كما قال ذلك نشوان الحميري والإمام القلعي والشاعر التكريتي، وهم شهادات قاطعة لا تقبل النقض حسب المقاييس العلمية التاريخية، وتبطل أقوال من سواهم اللاحقين، مهما علا منزلة في العلم أو السياسة، كما أن تلك الصورة كثافة الوجود العلمي العامل في تريم في ذلك القرن، هذه الصورة السائدة اليوم في أغلب الكتابات التاريخية الحضرمية المعاصرة، فهذا
من
تتناقض مع
البشعة
هي
المؤرخ الحامد يقرر تلك الصورة بقوله: (فلم تكن قوة العلم حينئذ كافية لاكتساح الجهل المتكاثف في أنحاء وادي حضرموت، بل كان كالذبالة الضعيفة بين تلك الدياجي الحالكة) (19). رغم مخالفة المؤرخ الشاطري لتلك النظرة التي أعاد رسمها المؤرخ الحامد (16).
(10)
وبعد، يبرز أمامنا السؤال التالي: إلى ماذا تهدف تلك الأخبار وغيرها من
الكتابات الحضرمية المعاصرة من رسم تلك الصورة البشعة؟
للإجابة على هذا السؤال، نقول ما سبق أن قاله الدكتور بلبع وتكاد تستقر عليه الأبحاث الإسلامية اليوم، من أن خصوم مذهب الاعتزال سعوا جاهدين وبكل الوسائل، إلى محاولة محو أي أثر لهذا المذهب، ومنها صناعة الأخبار الملفقة وتصوير الأمور بخلاف حقيقتها، هذا في حالة الاعتزال النظري، أما في
(198) (1/198)
صفحة 199
حالة المذهب السلطة المعتزلية - كما هو الحال في حضرموت القرن السادس
—
الهجري، فإنّه لا بد أن تكون المحاولة أكثر شراسة وأعمق غورا وأبعد أهدافا
ولا يستبعد أن تكون بمشاركة غير الحضارمة من خصوم المذهب
الإمام الزمخشري يأخذ عن
علماء تريم:
،
هو الإمام أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، ولد في زمخشر في إقليم خوارزم، ولد سنة 467 هـ، وتوفي سنة 538 هـ، لقب نفسه) جار الله (حين أقام بالحجاز مجاورا لبيت الله الحرام، وهو إمام كبير في التفسير والنحو واللغة، وله مؤلفات كثيرة كلها جدة وابتكار وأعظمها تفسير (الكشاف (المشهور، وكان يجاهر باعتزاله في كتبه، وكان قويا كل القوة في اعتزاله وتفسيره وبلاغته وبيان بلاغه القرآن وإعجازه، حتى أن أهل السنة لم يستطيعوا أن يتخلوا عنه، بل انتفعوا به واستخدمه كل المفسرين الذين أتوا بعده
تقريباً (17).
علمه
هذا
عن
هو الإمام الزمخشري على علو مكانته وسمو مقامه واعتزاله، كان يأخذ
علماء تريم الأجلاء.
الحافظ التريمي: هو أبو محمد عبد الملك بن محمد التريمي الحضرمي، أحد حفاظ الحديث، من مشائخه أبو عبد الله محمد البلخي المروي، وأبو كلثوم عيسى بن أبي ذر، ومن تلاميذه أبو القاسم الزمخشري، روى صحيح البخاري بسنده إلى الإمام البخاري نفسه، وكان هذا السند لا يتجاوز ثلاثة أسانيد. وينقل المؤرخ الحداد عن الشيخ محمود بن سليمان الكغوي الحنفي في كتابه (كتائب الأعلام في طبقات الحنفية)، قال في ترجمته للإمام الزمخشري: رأيت مكتوبا بخط أبي طالب بن علي بن محمد الإسترابادي في آخر نسخة من صحيح البخاري، وهذه النسخة أيضا واقعة بخطه في سنة 542 هـ، صورة ما كتبه ـ وجدت بخط الشيخ الأديب أبي القاسم محمود بن عمر
1
وهذه
(199) (1/199)
صفحة 200
الزمخشري رحمه صحيح
الملك
بن
الله البخاري بتمامه حدثنا به الشيخ أبو محمد عبد محمد اليماني التريمي الحضرمي، قرأه عليه بمكة في المسجد الحرام، عند
باب إبراهيم صلوات الله عليه عن أبي مكتوم عيسى بن أبي الذر عن أبيه
المحدث النهدي:
صحيح مسلم بن حجاج بتمامه حدثنا به أبو الحياة عن عبيد بن محمد بن عبدالله ابن يوسف بن رحيم النهدي اليماني الحضرمي
(14)
الحرام (18).
، في المسجد
على أن علاقة الإمام الزمخشري بعلماء تريم ليست الوحيدة في علاقاته بعلماء اليمن، حيث إنّ له علاقة أيضا بالعالم الزيدي الكبير علي بن عيسى بن حمزة الحسني المتوفى سنة – 556 هـ وهو عالم أديب انتقل إلى مكة وتصدر للتدريس فيها، وكانت له مساهمات ثقافية متنوعة ولأجله صنف الإمام الزمخشري تفسيره (الكشاف ((19).
على أننا نود القول: إن عناية المعتزلة والزيدية بالحديث ضعيفة، وإنما جل عنايتهم بالقرآن وعلومه، وهم عندما يدرسون في كتب الصحاح، فإنهم ينظرون إليها نظرة نقدية، ويأخذون منها ما يتناسب مع نظرتهم المذهبية، وبهذا كان للإمام الزمخشري صحيحه الخاص به، وهو (الأحاديث الزمخشرية) وهو الأحاديث التي يرى الإمام أنها صحيحة فقط، ولها نجده في تفسيره (الكشاف (يظهر تلك النظرة النقدية بكل جلاء، فهو يقول عن الحديث الذي صحيح (حديث مرفوع) ويقول عن الحديث الذي يرى أنه ضعيف
يضم
أنه يري
(حديث مرقوع).
لهذا فإننا نرى أن الإمام الزمخشري إنما سمع كتب الصحاح تلك عن علماء الاعتزال الحضارمة بمثل تصنيف تفسيره لأجل العالم الزيدي علي بن
عيسي
(200) (1/200)
صفحة 201
مذبحة العلماء والفقهاء في حضرموت من قبل الحملة الأيوبية عليها
لقد
وجدنا المؤرخ ابن سمرة الجعدي يقول عن تلك المذبحة في طبقاته: إن عثمان الزنجبيلي قتل فقهاء حضرموت وقراءها قتلا ذريعا، وبامخرمة يقول: إنه قتل عالما كبيرا، كل ذلك دلالة على كثرة القتل الذي قامت به الحملة الأيوبية في حق العلماء والفقهاء، ولقد دللنا على أن ذلك السلوك الوحشي من قبل الأيوبيين لم يكن إلا لأسباب مذهبية محضة. غير أن الأهم في أمر تلك المذبحة البشعة الرهيبة هو أنّ الأيوبيين لم يمارسوا ذلك الأسلوب البشع في حق
العلماء إلا في حضرموت من دون باقي مدن اليمن التي استهدفتها الحملة
على أننا نود أن نتعرف على الطريقة والمسوغ الذي اتخذته الحملة لتبرير
تلك المذبحة، فهل نستطيع استنطاق التاريخ الصامت حول هذه القضية الهامة فلنحاول: في البدء نود التذكير بأن المعتزلة كانوا قد شغلوا أنفسهم بمسألة التوحيد، وانبروا يدافعون عنه بما لديهم من حجج عقلية ونقلية، ولما كانت مسألة التوحيد تتعلق بصلب وجوهر العقيدة الإسلامية، فإنّ أي انحراف فيه لابد أن
يؤدي
تعالى
إلى الكفر، لهذا نجد المعتزلة يكفرون الأشاعرة لقولهم بالصفات المعنوية، كما يكفرونهم لقولهم بقدم القرآن، باعتبار أن القدم هو أخص وصف الله تعالى، كما أنّ الأشاعرة يكفرون المعتزلة في نفس الأمور ويتهمونهم بتعطيل الصفات الألهية، لهذا نجد الأشاعرة يطلقون على المعتزلة اسم (المعطلة)، في حين يطلق المعتزلة اسم (الصفاتية (على الأشاعرة، كما يكفر الأشاعرة المعتزلة والأباضية لإنكارهم الشفاعة يوم القيامة في مرتكبي الكبائر، ورؤية الله تعالى في الآخرة.
(201) (1/201)
صفحة 202
ولست بصدد الخوض في مسائل الخلاف العقائدي بين الطرفين، ولكني بصدد التذكير بمسألة هامة في التاريخ الإسلامي الوسيط، وكانت نتاجا مباشرا
لذلك الخلاف، وتلك المسألة ما أطلق عليها المؤرخون: (محنة خلق القرآن)
هي
التي امتحن فيها علماء السنة في عهد خلفاء بني العباس الذين تبنوا مذهب الاعتزال، ولقد كان من أشهر أولئك العلماء الإمام أحمد بن حنبل. لقد كانت تلك المحنة أو الامتحان للعلماء السنة بأن طلب منهم القول بأن القرآن مخلوق محدث وليس قديما، فمن قال إنه قديم أو لم يقل إنّه مخلوق محدث، فهو كافر في اعتقاده يستحق العذاب والقتل، ذلك أنّ المعتزلة يعتقدون أن الذين يقولون إن القرآن قديم غير مخلوق، إنما هم ملحدون مشبهون، ملحدون مشبهون، لأنهم يصفون الله وفعله
بالصفة التي هي الله وحده وهي صفة القدم
ولقد اقتصر ذلك الامتحان أو المحنة على القضاة والمحدثين وسائر العلماء من أهل السنة، و لم يتعرضوا للعامة لأنهم لا نظر لهم و لا استدلال، أما العلماء فهم أرباب النظر والاستدلال وفي مقدورهم أن يفرقوا بين الله وخلقه، ويدركوا أن القرآن لا يمكن إلا أن يكون مخلوقا. أما وقد أصروا على القول بأن القرآن قديم غير مخلوق، فقد اعتقد المأمون ومن خلفه من معتزلة العباس أنهم كاذبون معاندون، فشددوا عليهم وتناولوهم بالأذى والتنكيل
بني
إن مسائل الخلاف العقائدي بين المعتزلة وأهل السنة ظلت حية في الفكر الإسلامي منذ أن ظهرت في وقت مبكر من ظهور مذهب الاعتزال في بداية القرن الثاني الهجري وازدادت حدة عند ظهور المذهب الأشعري في بداية القرن
الرابع
، واستمرت تلك الحدة بعد ذلك طويلا، ففي سنة 408 هـ استتاب الخليفة القادر الشيعة والمعتزلة عن المقالات المخالفة لأهل السنة، ونهاهم عن
(202) (1/202)
صفحة 203
(22)
الكلام فيها وتدريسها والمناظرة حولها ووقع التائبون على محضر بذلك، ثم تمددهم الخليفة بأنهم متى خالفوه حل بهم النكال والعقوبة بما يتعظ به أمثالهم (20). ولم يكتف الخليفة القادر بمطاردة الشيعة والمعتزلة في العراق، وإنما أرسل أيضا إلى السلطان محمود الغزنوي يطلب منه القضاء عليهم في بلاده، فامتثل السلطان لأمره واستن سنته، فتتبع المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة وغيرهم، وصلبهم وحبسهم ونفاهم وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وصار ذلك سنة في الإسلام (21). وفي سنة 409 هـ قرئ بدار الخلافة في بغداد كتاب يوضح مذهب أهل السنة، جاء فيه: (من قال إنّ القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدم) (22). حتى إذا جاء القرن السادس الهجري كانت تلك القضية على حدتها الأولى، فنراها تظهر بشكل جلي واضح في عهد صلاح الدين الأيوبي، ولقد كان القرار الذي أصدره هذا السلطان بالتنكيل بمن يقول بخلق القرآن، صورة طبق الأصل لاستتابة الخليفة القادر للمعتزلة والشيعة سنة - 408 هـ وهو خير دليل على تلك الحدة السنية تجاه تلك الفرق، ولقد كان ذلك القرار في صياغته المشحونة بالوعيد والويل والثبور وبسط العذاب، يدل على أنّ علماء السنة الذين قاموا بصياغته، كانوا يعانون من شدة عدائهم تجاه الفكر المخالف، خاصة الفكر المعتزلي والأباضي، وهم أكثر الفرق قولا بخلق القرآن.
وعلى ماتقدم يمكن استخلاص الأمور التالية:
-
1 - إنّ مسائل الخلاف العقائدي المعتزلي - السني أدت إلى تكفير كل
طرف للآخر.
2 - إن حدة ذلك الخلاف قد استمرت حتى العصر الأيوبي، حيث ظهرت
في تعصب الدولة الأيوبية للمذهب العقائدي السني.
(203) (1/203)
صفحة 204
3 - إن المعنيين بذلك الخلاف والذين يلحقهم الأذى والتنكيل والمساءلة إنما
هم
العلماء والفقهاء، وليس العامة طرف فيه
4 - إن مسألة خلق القرآن تعتبر جوهرية في قضية التكفير بين الطرفين، منذ
أن ظهر ت في العصر العباسي الأول حتى العصر الأيوبي.
محنة (خلق القرآن) تتكرر معكوسة في حضرموت:
لقد رأينا فيما سبق البعد المذهبي العقائدي للحملة الأيوبية على اليمن عامة وحضرموت خاصة، ورأينا أنّ من ثمرة ذلك البعد كانت مذبحة العلماء والفقهاء والقراء الحضارمة الذين تتبعتهم تلك الحملة في المدن والقرى والوديان. وتذكر كتب التاريخ الحضرمي عن استشهاد الأخوين (آل كدر) أنه عندما سبق أحدهما الآخر إلى السياف لينفذ فيه حكم الإعدام، قال له أخوه: (اتسبقني إلى الجنة؟ لا بأس، فلمثلها يكون السباق) (23).
من
إن مقولة (اتسبقني إلى الجنة) لها مدلولات في غاية الأهمية، منها: أنّ المؤمن في المذهب الأشعري، ومهما كان تيقنه من علو درجة إيمانه، ومهما قدم الطاعات وابتعد عن المعاصي، لا يستطيع أن يضمن الجنة، ذلك لأن الله تعالى فعال لما يريد، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، ولا يسأل وأنتم تسألون، يجوز منه تعالى ان يعذب على الصغائر ويعفو عن الكبائر. وخلاصة القول: إنّه ليس في مذهب الأشاعرة وأهل السنة من يضمن لنفسه الجنة من أهل الطاعات، كما أنه ليس هناك ما يلزم دخول أهل الكبائر النار
غير
أنّ الأمر ليس بتلك الصورة لدى المعتزلة بالنسبة لمسألة الثواب
والعقاب، ذلك أن الأصل الثاني من أصول الاعتزال، وهو (العدل) يقول إنّ
(204) (1/204)
صفحة 205
الله تعالى ليس بظلام للعبيد، فهو يجازي كلا حسب عمله، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وكل نفس بما كسبت رهينة، ويغفر لمن يشأ بطاعاتهم ويعذب من يشأ بذنوبهم، ولهذا كان الأصل الثالث لديهم هو: (الوعد والوعيد) وهو يعني في النهاية مجازاة أهل الجنة بالجنة لطاعاتهم، وأهل النار بالنار لذنوبهم
وإذن فإنّ مقولة (أتسبقني إلى الجنة) لا تستقيم مع منطق المذهب الأشعري أو السني، خاصة وإنها صادرة عن أحد كبار العلماء، وليست صادرة عن أحد العوام حتى يمكن أخذها على علاتها دون نظر إلى مدلولاتها العقائدية، ولكن تلك المقولة تستقيم تماماً مع أصول المذهب المعتزلي وأصحاب العدل والتوحيد وعلمائهم. أما لماذا ضمن ذلك الشيخ الجليل لنفسه ولأخيه الجنة، فذاك لا يكون إلا إذا كان ما استشهدا عليه ومن أجله أمراً جليلا يستحق عليه فاعله الجنة، ترى ما هو ذلك الأمر الجليل. إنهما رفضا القول بمقدم القرآن، وأصرا على أنه مخلوق محدث، وهذا يعني أن الحملة الأيوبية قد قامت بمحنة أخرى في مسألة) خلق القرآن (تنفيذا للقرار السلطاني لصلاح الدين الأيوبي بالتنكيل بالقائلين بالخلق، وبسط العذاب لهم.
إن القول بقدم القرآن بالنسبة لأهل العدل والتوحيد والأباضية هو الشرك بالله تعالى، وهو عندهم كفر بواح، وإذن فإن رفضهم القول به حتى ولو كانت عقوبة ذلك الرفض الإعدام، إنما يعني الموت في سبيل الدفاع عن مبدأ التوحيد للخالق تعالى، وأي شرف يفوق شرف الشهادة في سبيل هذا المبدأ العظيم. وبهذا يمكن فهم عبارة الشيخ) أكدر (تلك، كما يمكن فهم قول الأستاذ الشاطري عن الشيخين آل أكدر في تلك اللحظة التي يستقبلان فيها الموت،
(205) (1/205)
صفحة 206
حيث قال: (وكانا راسخي الايمان، لا يخشيان الموت) (24). وكيف لا يكونا
كذلك وهما على يقين بأنهما يستقبلان الجنة والنعيم الخالد
وبهذا تكون الحملة الأيوبية على تريم خاصة وحضرموت عامة قد قامت بتنفيذ القرار السلطاني لصلاح الدين الأيوبي ببسط العذاب للذين يخالفونه،
ونفذت تحذيره لهم بأن تصيبهم (فتنة أو عذاب أليم).
الحياة العلمية في تريم في القرن السادس الهجري:
لقد قام مذهب الاعتزال على أساس متين من إعلاء مكانة العقل والقدرة الإنسانية على الخلق والإبداع، ولهذا فإن أخص خاصية المجتمع يذهب مذهب الاعتزال العقلانية، ذلك أنّ المعتزلة في أية مرحلة من مراحل
هي
تطورهم الفكري، أو في دور قوتهم أو ضعفهم، إنما كانوا يقدمون العقل على النقل، وانطلاقا من نزعتهم العقلية المتأصلة فيهم نراهم لا يقرون بالمعجزات إلا للانبياء، ولا يقرون بالكرامات للأولياء، ولا يقرون الكثير من المعجزات المروية للرسول الكريم، مثل انشقاق القمر، ونبع الماء بين أصابعه، ويعتبرون أن القرآن وحده معجزة نبي الإسلام، كما أنهم لا يقرون أثرا للسحر في الإنسان ولا رؤية الجن، ولا يقرون التصوف من حيث هو علاقة حب أو فناء أو حلول. وبالنسبة للحديث الشريف، فإنهم يقبلون ما يقبله العقل ويرفضون ما يرفضه، وبالاختصار، فإنهم يرون أن هناك قانونا للطبيعة كتب الله على نفسه
اتباعه إلا عند ضرورة المعجزات، ولا يؤمنون بتغيير القوانين إلا بالبرهان
(206) (1/206)
صفحة 207
في تريم القرن السادس الهجري، سادت فيها تلك الأجواء العلمية العقلانية،
في مناخ علمي كثيف، بلغ علماؤه ثلاثمائه عالم وفقيه ومفتي، منهم عدد كبير يشتغل بالتأليف
هذه الأجواء العلمية تفصح عنها القصيدة الفكرية لشيخ الإسلام بافضل، تلك القصيدة التي رأيناها ومن أول أبياتها تقول صراحة بأقدمية العقل على النقل، وأن العقل هو مفتاح العلوم والمعارف، وفيها وجدنا شيخنا بافضل يأخذ حتى مسألة التوحيد كمسألة منطقية استدلالية، تعتمد على النظر العقلي في مخلوقاته تعالى، كدليل على وجوده وتفرده بالقدم والخلق، كما رأيناه، في وصيته يقول: إذا تقرر أنه لا بد للعبد من العلم والعبادة، فالعلم أولى بالتقديم. وفي هذا القول للإمام بافضل كل الوضوح على تقديم العقل على النقل، وهي القاعدة التي تبنى عليها الحياة العلمية العقلانية. وهكذا، فإن الأجواء العلمية في تريم حينها تتعارض مع أي ادعاء بأي قدر من النشاط الصوفي النظري، ولكن، فقد كانت تريم وحضرموت عامة تعج بنشاط زهدي وعبادي مكثف، وهو مشهور عن المعتزلة والأباضية منذ بواكير ظهورهم في التاريخ
بالمقابل
الإسلامي
وإذن، فقد كان المجمع العلمي المعتزلي التريمي في القرن السادس، يزخر بحركة علمية لا مثيل معاصر لها في العالم الإسلامي، من حيث اعتمادها على مذهب الاعتزال، ومن حيث كثافة الوجود العلمي فيها وغزارة إنتاجه العلمي، ولقد لا حظ الدكتور الدجيلي) أنّ الحركة الفكرية في اليمن في القرن السادس الهجري، قد بلغت درجة متقدمة، كما حدثت هجرة معاكسة، أي وصول جماعات بشرية متعددة إلى اليمن، ساعدت في هذه الحركة الفكرية، ويرى أيضا أنه في هذا القرن ظهرت على الساحة اليمنية تيارات فكرية، أبرزها الفكر
المعتزلي الذي يؤمن بسلطان العقل ويدعو إلى التفلسف والجدل (41).
(207) (1/207)
صفحة 208
أما
في العالم الإسلامي فقد بلغت الحالة إلى الدرجة التي يكون فيها الاشتغال بالعلوم الفلسفية وعلم الكلام هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، بين الإسلام والزندقة، ولنا في قرار السلطان صلاح الدين الأيوبي بمنع الخوض في علم
-
الكلام، وفي ما تعرض له الحكم بن عبد السلام سنة ـ 588 هـ، عندما اتهم من قبل العامة بالاعتزال، وكيف شهر به وأحرقت كتبه ثم سجن لمدة عام كامل، في كل ذلك خير دليل على ما وصلت إليه الامور في محاربة تلك العلوم في المجتمعات التي غلب عليها أهل السنة، إضافة إلى النشاط المنظم من قبل الدولة السلجوقية (العباسية (والدولة الأيوبية المعادي لتلك العلوم أيما عداء. إن اشتغال المجمع العلمي التريمي في القرن السادس بالعلوم الفلسفية يحتل أهمية خاصة من حيث مدلولها المذهبي المعتزلي، ومن حيث حيوية الحركة العلمية
ونشاطها الإبداعي لدينا أقوال صريحة على اشتغال ذلك المجمع العلمي بالعلوم الفلسفية، هذه الأقوال لم تأت من قبل مؤرخين معاصرين أو متأخرين، ولكنها تصريحات رجال ذلك المجمع أنفسهم، فلقد وجدنا الإمام القلعي يفتخر بامتلاك شيخه بافضل ناصية ماحوى سقراط والإسكندر (وهو ما قصد به الإمام القلعي علوم الفلسفة اليونانية
وهذا الإمام محمد بن أحمد بن أبي الحب التريمي (ت 611 هـ) يقول
في قصيدة يصف فيه موطنه مدينة تريم:
بلاد طاب مسكنها مباركة لها رب رحيم
فلو نظرت فلاسفة إليها لقالوا جنة الدنيا تريم
و من البيتين أعلاه للإمام ابن أبي الحب، نجده يقول بقدرة الفلسفة والفلاسفة على إعطاء الصورة الأعمق والأشمل إحاطة للحقيقة، ولولا قناعة
(208) (1/208)
صفحة 209
الإمام بقدرة الفلسفة تلك لما اعتبر قول الفلاسفة (جنة الدنيا تريم) حجة على أفضلية تريم على باقي مدن الدنيا، هذا الاعتداد بالفلسفة والفلاسفة لن يأتي إلاّ عن عقلية معتزلية، محبة للعلوم الفلسفية لا كارهة لها
وفي
وحقيقة العلاقة بين الاعتزال والفلسفة، هي أن المعتزلة وقد عهدوا على أنفسهم الدفاع عن العقيدة الإسلامية والدعوة إليها لدى أهل الأديان الأخرى، أثناء جدالهم ومناظراتهم معهم وجدوا أن أهل تلك الأديان بحكم تقدمهم الحضاري لهم اليد الطولى والباع الطويل في الفلسفة والعلوم العقلية، وبالتالي كانوا أقدر عملياً على دحض حجج وبراهين علماء الاعتزال المعتمدة على الكتاب والسنة، أي النقل، وهو الأمر الذي لا يعترف به الطرف الآخر ولا يقره، لأنه لا يؤمن به، ولهذا رأى المعتزلة أن أمر الدعوة والدفاع عن عقيدة الإسلام، لا يستقيم مع تلك الأقوام، إلا من خلال مجادلتهم ومناظرتهم بسلاحهم، أي الفلسفة وعلومها، وهكذا أقبل أهل الاعتزال على الفلسفة والعلوم العقلية وأتقنوها وأصبحت مكونا أساسيا من ثقافتهم، ولكن ليس لذاتها، بل لتكون سلاحا لنشر الدعوة ومقارعة الخصوم، وبهذا فقد (سد المعتزلة الطريق أمام ضعاف العقيدة الذين بهرهم بريق الفلسفة، و لم يستطيعوا فهمها، حتى لا يندفعوا في تيار المروق والزندقة) (42)، وبهذا كان طبيعيا أن تكون الفلسفة وعلومها مكونا أساسيا في ثقافة معتزلة حضرموت، مثل الإمام سالم
بافضل والإمام محمد بن على القلعي والإمام محمد بن أحمد بن أبي الحب.
غير
أن اشتغال المجمع العلمي التريمي المعتزلي بالعلوم الفلسفية، يعني أيضا أنّ العلوم الكلامية كانت في أوج مجدها وازدهارها، ذلك أن تلك العلوم
تتخذ
من الفلسفة قاعدة لها، ومنها يستنبط علماء الكلام قضاياهم.
(209) (1/209)
صفحة 210
ولقد رأينا أنّ القصيدة الفكرية لشيخ الإسلام بافضل كانت (تناظر) في
مسألة عقلية كلامية، هي
مسألة إثبات وجوده تعالى بالحجج العقلية والاستدلال
المنطقي من خلال النظر في عظيم قدرته.
بالإضافة إلى ما تطرقت إليه القصيدة من مواضيع ومبادئ كلامية تحدثنا
عنها في حينها. وفي وصية شيخنا بافضل وجدناه يدعو صراحة إلى تعلم علم التوحيد، وقلنا إن علم التوحيد هو علم الكلام بعينه، وهو يعطي هذا العلم حق الأولوية في مجتمع تريم حينها، ولما كان شيخنا يدعو حتى العامة للأخذ بهذا العلم، فإننا نرى أنّ ذلك العلم قد انتشر في تريم وحضرموت القرن السادس، وأصبح علما متداولا في المساجد والشوارع والمعاهد، بمثل ما كان سائدا في بغداد وإقليم الري في عصورها المعتزلية
وللإمام أبي الحب أقوال شعرية تسمى (القوافي) وهي نوع من النظم التعليمي في التوحيد والأخلاق والعبادة والمعاد والزهد وغير ذلك من المسائل
التعليمية، يقول في مستهلها:
تبارك ذو العلا والكبرياء تفرد بالجلال وبالبقاء (43)
إله قد علا قدراً وذكراً
وخيراً كنهه عقلاً وفكراً
وقدر عدله يسراً وعسراً
و من النظرة الأولى في) القوافي (أعلاه، يتبين لنا أنها في مضمون (العدل الإلهي (على طريقة أهل الاعتزال، وهذا الأصل (العدل) الذي سموا به أنفسهم (العدلية) يقدمه المعتزلة على) (التوحيد) في أحب ألقابهم إلى نفوسهم، وهو (أهل العدل والتوحيد) وما ذاك إلا لأنهم يرون أن توحيد الخالق تعالى لا يستقيم إلا بعد الإقرار بعدله تعالى، وعدله يقتضي نفي القدر في أفعال
(210) (1/210)
صفحة 211
العباد، أي حرية العبد في اختيار أفعاله، ولهذا فقد بذل المعتزلة جهودا جبارة في مقاومة فكر (الجبر) الذي اعتبروه قمة الشرك والكفر بالله، ذلك أنهم رأوا أنّ
القول بالجبر يعني أن أفعال العباد مقدرة عليهم منه تعالى، بما فيها من بغي وشرور ومفاسد ومظالم، وبالتالي نسبة تلك القبائح إلى الله تعالى وذلك بعينه الكفر البواح لدى أهل الاعتزال، ذلك أنهم رأوا أن مريد الخير خير، وأن مريد
الشر شرّير ومريد العدل عادل ومريد الظلم ظالم ومعنى هذا أن إرادة الله لو كانت متعلقة بكل أفعال العباد، خيرها وشرها، لكان الله موصوفا بالخيرية والشرية، والعدل والظلم وذلك قبيح في حقه جل شأنه تعالى، ولهذا لم يبق إلا أن يكون - بلغة الإمام أبي الحب.
-
خيراً كنهه عقلاً وفكراً
وقوله (عقلا وفكرا (إشارة إلى الأدلة والبراهين العقلية والفكرية الدالة
على (خيريته (تعالى، وهي على ماذكرناها أعلاه، والمعتمدة لديهم، من دون الأدلة والبراهين النقلية من الكتاب والسنة وهي كثيرة.
وهم إذ يقولون بحرية العبد في اختيار أفعاله، يرون أنه تعالى لا يفعل إلا الخير، ومحال أن يفعل الشر والقبائح، وهذا القول تفرع عنه قولهم بالصلاح والأصلح، ومعناه أن أفعاله تعالى لا تخلو من الصلاح والخير، وأنه تعالى لا يفعل بعباده إلا ما منه صلاحهم، أي إنه بلغة الإمام أبي الحب أيضا:
وقدر عدله يسراً وعسراً
وهو بلغة الإمام سالم بافضل في قصيدته (الفكرية):
فسبحان هادي الكل منها صلاحه ورازقها من فضله الواسع الوفر
(211) (1/211)
صفحة 212
وهكذا نجد أن الإمام أبا الحب قد حدد مذهبه المعتزلي منذ مستهل
(قوافيه)، تماما كما حدد الإمام سالم بافضل مذهبه المعتزلي في مستهل قصيدته
الفكرية بقوله:
أيا فاتحاً باباً عظيماً من الفكر هنيئاً لك الحظ الجزيل من الأجر
وقد بينا مقصوده من ذلك في حينه
ولما كان الزهد في الدنيا والعمل للآخرة ركنا أساسيا وجوهريا في الفكر
والسلوك المعتزلي، في نفس الوقت الذي يرفضون فيه التصوف فكرا وسلوكا، ويرونه بدعة في الدين لا أساس لها من الكتاب والسنة، كل ذلك كان لا بد أن ينعكس في فكر معتزلة حضرموت، ولهذا نجد الإمام أبي الحب يقول في (قوافيه)
محذرا من التصوف فكرا وسلوكا بقوله:
ألا ينظرون إلى أناس
وما قد قلدوه من لباس
لقد شادوا على غير أساس
فما زهد الفتى بحلق رأس ولا بلبس أثواب غلاظ
هذا الموقف الرافض والناكر للتصوف، سوف نجده
—
وبنفس المعنى
تقريبا ـ في القرن العاشر الهجري، لدى الشاعر والفقيه الزيدي عمر بن عبدالله
بامخرمة في قصيدة منها:
فأحك لأهل الدعاوي والكلام المشوه ذي سعوا في تصوفهم على غير قدوة
وهو ما سوف يأتي الحديث عنه في حينه
ومن الجدير بالذكر والملاحظة أنّ هذه القوافي للإمام أبي الحب لا زالت
وإلى اليوم، تقرأ في مساجد حضرموت كل ليلة من ليالي رمضان بعد صلاة
(212) (1/212)
صفحة 213
التراويح والوتر، ويمكن تعليل ذلك بأن هذه القوافي كانت في الأساس مادة تعليمية معتزلية تدرس في المساجد التي اتخذها المعتزلة مدارس جامعة لعلوم الاعتزال، كما يتضح ذلك من وصايا شيخ الإسلام سالم بافضل، وظلت على حالها ذاك إلى اليوم، رغم ما بذله الإخلاف من تحوير لبعض معانيها ومضامينها المعتزلية، ما استطاعوا لذلك سبيلا
ولقد ارتبط الأخذ بالعلوم الفلسفية اليونانية بالأخذ بعلم الطب، لهذا اشتغل أغلب الفلاسفة بالطب، ولقد رأينا شيخ الإسلام بافضل قد أحاط (بما حوى سقراط والأسكندر (كناية على العلوم الفلسفية مضافا إليها علم الطب بالضرورة، فيلزم عن ذلك أن نرى صدى لعلم الطب في ما تبقى من ثراثه، ولن نبعد كثيرا في العثور على ما نبحث عليه ففي قصيدته الفكرية ما هو كاف للدلالة على ذلك، فنجده يقول فيها بلغة الطبيب الحاذق والجراح الماهر:
وفي الدم أخلاط تكدر صفوه ولو لم تزل ضرت به غاية الضـ
فمن خلطة الصفراء وهي كرغوة فتجذبها منها المرارة في يسـ ومن خلطة السوداء وهي كدودة فيفصلها الطحال بلا عسر فتمتص منه الكليتان بقية الذي فيه من رق فيتخن بالعصر وبالبلغم التأمت طباعك أربعا تصرف فيه الجسم بالجبر والكسر وعدلها سبحانه برطوبة ويبس وأصناف البرودة والحر فلو ضعفت إحدى قواك عن الذي أعدت له عييت و ما استطعت من صبر و بالدم يغذي كل عضو بقسطه فما فيه اخلال بظفر ولا شعر فليس غداء الفخدين في العظم شأنها كمثل غداء الأنف في القسط والقدر
(213) (1/213)
صفحة 214
ويقول أيضاً: وسبحان من أحياك بالروح رحمة وكنت في الأرحام في ظلمة القعر فصرت إذن في بطن أمك قاعدا ووجهك مصروفا إلى جهة الظهر فلما دنا وقت الولادة نكست أعاليك سفلا حين أزعجت بالزحر فصرت إلى الدنيا ومالك حيلة فقيراً ضئيل الجسم كالفرخ في الوكر فأحنى عليك الأم لطفا ورأفة وغداك منها ذلك الوقت بالدر وفي باطن الأعضاء منك عجائب تطول فلا تحصى بعد ولا حصر فلو لم يكن فيها سوى المعدة التي تنضج ما تحوي كطحنك في القدر فيصفو صافيه إلى الكبد التي يصير دما فيها بتقدير ذي القهر ويبقى حثالات الطعام وثقله فينحط منسلا من القبل والدبر
ولسنا بصدد إيراد كل ما في القصيدة الفكرية من مواضيع طبية، فهي غنية بذلك، ولكننا بصدد التدليل فقط على اشتغال المجمع العلمي التريمي المعتزلي بعلوم الطب التي ارتبط الاشتغال بها في العصر الوسيط بالعلوم الفلسفية اليونانية،
وهي
كذلك لدى شيخنا بافضل
وفي العلوم الفقهية، حفظت لنا يد الأيام) اسماء) المؤلفات التالية:
-1 - الإكمال لما وقع في) التبيه) من الإشكال والإهمال: الإمام عبد الله بن
عبد الرحمن بن عبيد التريمي المتوفي سنة ـ 613 هـ.
2 - قواعد المهذب: الإمام محمد بن علي القلعي
احترازات المهذب: الإمام القلعي.
- إيضاح الغوامض في علم الفرائض: الإمام القلعي
ه - المستعذب في ألفاظ المهذب: الإمام القلعي
6 - كتر الحفاظ: الإمام القلعي
(214) (1/214)
صفحة 215
- أحكام القضاة: الإمام القلعي.
يبقى أن نقول إن كل ذلك التراث الفقهي هو في حكم المفقود، شأنه شأن كل
تراث القرن السادس الهجري في حضرموت، الأمر الذي يؤكد ما قيل
تعرض لعملية إعدام مقصودة، لما يحويه من فكر فقهي عقلي.
أنه
من
كما أنه كان هناك نشاطا في كتابة (التاريخ)، ويتضح ذلك مما يلي: 1 - إن أول دليل بذلك يقدمه لنا كتاب (تاريخ شنبل) تأليف أحمد عبد الله شبنل العلوي المتوفي سنة ـ 920 هـ، وهو سجل حافل بأحداث دول حضرموت وقبائلها ومواليد ووفيات أعيانها بدءاً من سنة ـ 501 هـ حتى سنة وفاة المؤرخ، غير أن هذا المؤرخ لم يذكر مصادره التي استقى منها تلك لم الأخبار التي دونت باليوم والشهر والسنة، وفي ذلك دليل على عناية أهل حضرموت المبكرة بكتابة التاريخ.
-2 - إن كتب التاريخ الحضرمية الحديثة والمعاصرة، تحتوي على كم هائل من المعلومات التي لم ترد في تاريخ (شنبل)، هذه المعلومات من الصعب القول بأنها منحولة، لأنها عامة وليس لأحد مصلحة في ادعائها باطلا، مثل قولهم بكثافة الوجود العلمي في تريم في القرن السادس الهجري، وهو ما أكدت
صحته هذه الدراسة
على أية حال تتحدث كتب التاريخ الحضرمي المعاصر عن الكتب التاريخية أو المصادر المفقودة التالية:
-
1 الياقوت الثمين وقوت قلب الفطن اللقين: وهو (يتعلق بالعلماء والفقهاء والأولياء والصالحين، وذكر الحوادث وذكر السلاطين والأعيان من أهل حضرموت، وهو لبعض علماء تريم الأوائل، لأنه مدح مصنفه وأثنى عليه، ثم قال: التريمي الحضرمي انخرم، اسمه من القدم ()
(44)
(215) (1/215)
صفحة 216
2 - تاريخ باعيسي: تأليف الإمام القاضي أحمد بن محمد باعيسى، المتوفي
-
(45)
سنة ـ 628 هـ، قال عنه صاحب (الغرر (إنه تاريخ مشهور أحمد أبي الحب الثعيني التريمي
3 - تاريخ أبي الحب:
ت: 05611
(46)
محمد بن
وفي الأخير نود القول: إنّ علوما كثيرة ونشاطا علمياً عاليا ونتاجا زاخرا، كانت تدفع به تريم ومجمعها العلمي الذي تتفق المصادر والمراجع على أن عددا كبيرا من أفراده كان يشتغل بالتأليف، كما لا يفوتني هنا أن أذكر علم (التفسير) الذي لابد أن يكون له حضور متميز في ذلك النشاط، ليس لأهميته كعلم فحسب، ولكن أيضاً لعناية المعتزلة بالقرآن وعلومه وذلك مشهور عنهم ولهم فيه باع طويل، ولهذا كان طبيعيا أن تذكر لنا المصادر والمراجع أن لشيخ الإسلام بافضل) تصانيف في علم التفسير)، وشيخنا بافضل مؤهل لخوض ذلك العلم لغزارة معارفه وعلومه، كما أخبر بذلك عنه الإمام القلعي
ولقد كان من أثر تلك العناية المعتزلية بالقرآن وعلومه، في مجتمعات
المدن الحضرمية الكبرى عامة، وتريم خاصة، أنه ومنذ القرن الرابع الهجري حفظ القرآن الكريم، رجالا ونساء، أطفالا وشبابا،
) انتشر في
سكان تريم
كهولا وشيوخا، حتى صار في أكثر أهلها، وأصبح لهم بتلاوته دوي كدوي النحل في مساجدها وبيوتها وأسواقها وشوارعها، كما ذكر ذلك علماء
التاريخ) (47).
(216) (1/216)
صفحة 217
حضرموت تحفظ التراث المعتزلي:
تحدثنا في فصل سابق عن ما تعرض له التراث المعتزلي في العالم الإسـ لم الإسلامي
من إعدام وإفناء مقصودة ومتعمدة من قبل الخصوم المذهبيين، إلى الدرجة التي لم يسلم. منه إلا النذر اليسير، مقارنة بغزارة ذلك التراث وتنوعه، حتى إذا أطل القرن الميلادي العشرون، كانت معارف المسلمين بتفاصيل هذا المذهب قليلة ومضطربة، لأنها مبنية على ما كتبه الخصوم عنه، وليست من مصادر معتزلية.
وفي سنة
-
1951 م قامت بعثة من جامعة الدول العربية بزيارة لصنعاء
لتصوير أهم المخطوطات الموجودة فيها، ولقد عثرت تلك البعثة في سقف الجامع الكبير على عدد من المخطوطات النادرة وكان من ضمنها: كتاب (المغني في التوحيد) و (شرح الأصول الخمسة (وكلاهما للقاضي المعتزلي الكبير عبد الجبار أحمد الأسدي الهمداني المتوفي سنة ـ 415 هـ ولقد كان ذلك الكشف
بن
—
النافذة التي فتحت أمام الثقافة العربية الإسلامية لمعرفة مذهب الاعتزال على حقيقته عبر أقلام أعلامه، وليس عبر أقلام الخصوم، ولا زالت كتب القاضي عبد الجبار إلى اليوم هي المصدر الأساسي لمعرفة الاعتزال تاريخيا وتطورا وأعلاما وفكرا وغير ذلك من القضايا، وبهذا استطاع المذهب الزيدي أن يحفظ لنا بعضا من التراث المعتزلي الذي لولاه لما حفظ الجامع الكبير تلك الذخائر النفيسة من
المكتبة المعتزلية
وطالما إننا قد توصلنا إلى اعتزالية الأوضاع في المدن الحضرمية في القرن
السادس الهجري، فإن ذلك يفترض العثور على بعض من ذلك التراث المعتزلي
المفقود، لأن اعتزالية تلك الأوضاع تعني بالضرورة الحفاظ على ذلك التراث
كما أن عدم العثور على شيء من ذلك يعني بالضرورة عدم صحة ما توصلنا إليه.
،
(217) (1/217)
صفحة 218
ومصداقاً لمعتزلية الأوضاع في حضرموت، فإن مكتبة الأحقاف للمخطوطات
بمدينة تريم تحتوي على الذخائر المعتزلية والفلسفية التالية:
1 - شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار الهمداني المتوفي سنة 415 هـ
2
نسخة عتيقة كتبت بخط نفيس من خطوط القرن السادس الهجري
- تعليقة المحيط: للحسن بن أحمد بن متوية المتوفي سنة ـ 469 هـ،
وهو تلميذ القاضي عبد الجبار الهمداني
-
3 - التبيان في تفسير القرآن: لمحمد بن حسن الطوسي المتوفي سنة - 446 هـ نسخة كتبت سنة ـ 595 هـ، وقد عني بهذا التفسير زيدية
اليمن. - كتاب لفرقة المطرفية المعتزلية في القرن السادس الهجري في الرد على مكفريهم، وتفسير.، وتفسير ـ 437 - آية قرانية من زاوية العقل) مكتب
-
-
توثيق جعفر السقاف - سيئون ـ حضرموت
ه - الكشاف في حقائق التنزيل: لمحمود بن عمر الزمخشري التوفى سنة
-
538 هـ، نسخة كتبت سنة - 51039
- النوابغ: المحمود بن عمر الزمخشري بدون تاريخ نسخ
مجموع الإمام زيد بن علي المتوفي سنة ـ 122 هـ.
-
-
و بعد، تلك هي بعض من الكنوز التي حفظتها حضرموت من الإفناء والإعدام، بمثل ما حفظت صنعاء الزيدية من ذلك التراث، مع اختلاف جوهري بين الحالتين، فمخطوطات صنعاء كانت قبل اكتشافها في حكم المفقودة، لا يعلم بوجودها حتى القائمين على الجامع، بخلاف الأمر بالنسبة لمخطوطات حضرموت، فقد كانت جزءا من المكتبات العائلية الخاصة، قبل أن تجمع في مكتبة المخطوطات، أي إنها كانت متداولة يستفاد منها طوال فترة وجودها في حضرموت.
(218) (1/218)
صفحة 219
فضائح السلطان محمود الغزنوي في إقليم (الرى)
في ذاكرة معتزلة حضرموت:
لقد مر بنا أن إقليم (الرى (في عهد الوزير الصاحب بن عباد كان بالنسبة للمعتزلة كبغداد في عهد أحمد بن داؤود من حيث السلطة السياسية والمذهبية وكذا من حيث غزارة نشاطهم العلمي حيث غزارة نشاطهم العلمي، فقد كان هذا الإقليم في عهد البويهيين مركزا علمياً مرموقا، ولقد تجمع فيه المعتزلة من كل حدب وصوب حول الوزير الصاحب بن عباد، ولهذا كان الوجود العلمي المعتزلي كثيفا. ويقول البيهقي إنّه) كان في إقليم الري في عهد الصاحب بن عباد مكتبة عظيمة، وإنه دخلها فوجد فهرست كتبها وحده يقع في عشرة مجلدات وقال إن السلطان محمود الغزنوي عندما احتل الري أخرج كل ما فيها من كتب الكلام والفلسفة والنجوم وأحرقها ((25)، ولقد مر بنا ما قام به السلطان محمود الغزنوي عندما احتل الري سنة ـ 420 هـ في حق المعتزلة والإسماعلية وغيرهم من الفرق
—
غير السنية، من حرق وصلب ورجم ونفي وسجن، ولقد اقدم السلطان محمود على كل ذلك الإرهاب الشنيع إرضاء للخليفة القادر الذي سبق أن تحدثنا عن سلوكه تجاه الشيعة والمعتزلة وكل القائلين بخلق القرآن
وإلى هذا الحد الذي ذكرناه ليس في الأمر جديدا، غير أن الجديد يظهر
بعد قرن ونصف من أحداث إقليم الري البشعة، وبالتحديد عندما قام الأيوبيون
بغزو حضرموت سنة ـ 575 هـ،
وجدنا كتب التاريخ الحضرمي تطلق على الأيوبيين الأكراد لقب (الغز)، علما بأن (الغز) هم القبيلة التركية التي
ينتمي إليها السلطان محمود الغزنوي، ومعلوم أنّ الأيوبيين ليسوا من قبائل الغز
بأي حال من الأحوال، بل هم أكراد خلّص.
(219) (1/219)
صفحة 220
إن أقدم حديث عن الأيوبيين باعتبارهم (غزا) جاء في كتاب (السمط
الغالي الثمن في أخبار الملوك من الغز في اليمن (تأليف المؤرخ اليمني الأمير بدر الدين محمد بن حاتم المتوفي سنة 703 هـ، سليل أسرة آل حاتم الإسماعيلية حكام صنعاء الذين قضت الحملة الأيوبية على حكمهم، فكان طبيعيا أن يتحدث وهو الاسماعيلي الأصول، عن الايوبيين باعتبارهم (غزا) نظراً لسلوكهم تجاه أجداده من إسماعيلية آل حاتم، بمثل سلوك (الغز) في إقليم الري تجاه إسماعيلية القرن الخامس الهجري (26)
أما أول كتاب حضرمي يتحدث عن الأيوبيين باعتبارهم غزا، فهو كتاب المؤرخ أحمد عبدالله شنبل العلوي، المسمى (تاريخ شنبل). إن استخدام
المؤرخ شنبل المتوفي سنة ـ 920 هـ 920 هـ المصطلح الغز للدلالة على الأيوبيين
-
الأكراد، يدل على أن المصادر الحضرمية المتقدمة التي نقل عنها أحداث حملتهم على حضرموت، قد استخدمت ذلك المصطلح، فما كان لشنبل في القرن العاشر الهجري أن يستخدم ذلك المصطلح لو لم يجده مكتوبا لديه في المصادر التي نقل عنها، ولو لم يعلم مدلولاته، ويعلم أنّه معروف متداول عند خاصة الحضارمة على الأقل.
إن القضية التي نحن بصددها تكمن في أنه كيف نفهم أن تريم في القرن. السادس الهجري وعلماءها ومؤرخيها، ما كان لهم أن يعرفوا على بعد المسافة أن هناك جنسا من البشر يطلق عليهم (الغز)، ما لم يكن لهذا الاسم حضور في الذاكرة التريمية المعتزلية، وما لم يكن هناك حدث جديد وكبير استدعى حضور ماض وتاريخ ذلك الاسم القديم من جديد، بعد مسافة زمنية من حدث سابق
(220)
كبير (1/220)
صفحة 221
إن الأقرب عقلا لدينا هو أن ما قامت بها الحملة الأيوبية على تريم
خاصة وحضرموت عامة من مذابح العلماء والصلحاء والفقهاء والعباد والقادة السياسيين لحضرموت، هو الأمر الذي استدعى حضور فضائع قبائل الغز السنة بقيادة الفاتح الرهيب محمود الغزنوي في إقليم الري سنة ـ 420 هـ في حق أجدادهم وآبائهم ومشائخهم من المعتزلة وغيرهم، أي أن الأيوبيين السنة الأكراد قد تشابهوا مذهبا وسلوكا تجاه المعتزلة والاسماعيلية والفرق الأخرى غير السنية، مع الغز الأتراك بعد قرن ونصف من الزمان من أحداث إقليم الري، فكان الأيوبيون هم أنفسهم الغز، وكان عثمان الزنجبيلي الأيوبي هو نفسه محمود الغزنوي، وكانت تريم نفسها إقليم الري. وبالاختصار فإننا نرى أنه لو لم يكن هناك علاقة بين معتزلة الري ضحايا الغز وبين معتزلة تريم في القرن السادس الهجري ضحايا الأيوبيين، لما كان بالإمكان أصلا استدعاء اسم (الغز) من تخوم فارس إلى حضرموت وفي وقت لم يعد فيه للغز ذكر في الأحداث، على أنّ كل ذلك يؤيد ما توصلنا إليه من زحف علمي معتزلي على حضرموت في ذلك العهد، فمعتزلة حضرموت أثناء الحملة الأيوبية عليها، ليسوا إلا أحفاد معتزلة إقليمي الري وخراسان الذين أذاقهم الغز الأتراك الأمرين قبل قرن ونصف،
وقديما قيل: إن المثيل بالمثيل يذكر
(221) (1/221)
صفحة 222
فقهاء حضرموت عند ابن سمرة المجعدي المتوفي سنة 586 هـ
في (طبقات فقهاء اليمن):
في الوقت الذي تردد فيه المصادر والمراجع الحضرمية كثافة المجمع العلمي التريمي في القرن السادس الهجري، فإنها لا تذكر لنا من أسمائهم إلا مالا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من أصل ثلاثمائة عالم وفقيه ومفتي، وبهذا نجد عملية الإفناء والإعدام التي تحدث عنها المؤرخ الحداد قد طالت أيضاً أسماء أعضاء ذلك المجمع إضافة إلى تراثهم الذي لا بد أن يكون غزيرا نظراً للقول بأن عددا كبيرا منهم كان يشتغل بالتأليف أن أما لماذا تم التكتم على أسماء أعضاء ذلك المجمع التريمي، فإننا نرى الأعم الأغلب منه لا بد أن يكون غير حضرمي الأصول أو ربما غير عربيها، وعليه، فإنّ ذكر أسمائهم لا بد أن يكشف عن حقيقة الزحف العلمي على تريم، الأمر الذي قد يكشف عن حقيقة الوجود المعتزلي الكثيف فيها، وهو الأمر الذي يعني عدم سنية الأوضاع العقائدية والسياسية في حضرموت في ذلك العصر وهو القضية التي بذلت جهود جبارة من أجل إخفائها وإعدامها
غير أن الأستاذ المحقق عبد الله محمد الحبشي، محقق كتاب (العدة المفيدة) للكندي، يقول في مقدمته للكتاب المذكور: (ثم أتى المؤرخ الفقيه ابن سمرة الجعدي ليفرد أهل حضرموت بفصول في كتابه (طبقات فقهاء اليمن)، وهو أول مؤرخ يذكر أهل هذه البلاد بالفقه والعلم من المؤرخين القدامى، وقد نبه على فقهاء أجلاء في تريم والهجرين وأحور وشبام وغيرها من
الحضرمية) (27).
البلاد
(222) (1/222)
صفحة 223
قد يتبادر إلى الذهن من حديث الأستاذ الحبشي أننا سوف نعثر على
ضالتنا في التعرف على قدر معقول من أسماء أعضاء المجمع العلمي التريمي الذين كان ابن سمرة معاصر الهم في القرن السادس الهجري، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، فكل ما في الكتاب عنهم لا يزيد عن عشرة أسطر، جاءت ضمن فصل تحت عنوان (أسماء فقهاء وقضاة من بلاد شتى ((28)، وعد من الفقهاء الحضارمة اثنا عشر فقط، وقال (ومن أهل حضرموت أذكر (أبا زينيج) و (أباجحوش) و (أكدر) قاضي تريم جمع بين القراءات السبع والفقه، و (أبابكير) لقيت أبا بكير هذا في عدن، له سمت وهيبة محافظا على الصلاة في أول أوقاتها، قتلا) يقصد أكدر وأبا بكير (شهيدين في تريم سنة 575 هـ في غزاة الأمير عز الدين عثمان، التي قتل فيها فقهاء حضرموت وقراءها قتلا ذريعا، كانوا يقرأون على هذا الفقيه، أعني (أبا بكير (تفسير الواحدي وكتاب النجم، ومنهم ابن أبي الذئب، شاعر مجود، ومنهم محمد بن أبي داؤود، فقيه شاعر، ومنهم شيخي أحمد النعمان، يسكن الهجرين، سمع من أحمد بن محمد السلفي الحافظ، لديه ورع وزهد ونظافة علم، ومنهم ابن أبي الحب). ثم ينتقل ابن
محمد بن
سمرة على باقي البلدان
إن الفقيه ابن سمرة في كتابه المذكور كان أمينا دقيقا، فهو دائما يأتي
بما يعرفه من التفاصيل عن كل شخصية ترجم لها، فهو يقول مثلا: الفقيه فلان كان كذا وكذا، له تصانيف في كذا، أخلاقه كذا، سمع عن فلان في بلاد كذا، توفي سنة كذا، وغير ذلك من التفاصيل.
غير
أن اسلوب ابن سمرة اختلف عندما جاء إلى ذكر فقهاء حضرموت،
فنجده لا يذكر شيئا من تلك التفاصيل التي اعتاد ذكرها في ترجماته،، إلا ما ذكره عن شيخه النعمان الهجراني، كل ذلك يعني أن معلومات هذا الفقيه المؤرخ
(223) (1/223)
صفحة 224
علماء حضرموت عامة والمجمع العلمي التريمي قليلة لا تكاد تذكر مقارنة عن بعددهم الكبير وإنتاجهم الغزير، خاصة وأن ابن سمرة كان معاصرا لهم، وهو معاصر لشيخ الإسلام بافضل، ومع ذلك لم يذكره وهو أشهر شخصية علمية تريمية في حضرموت كلها، بل هو قطب العلم والعلماء، في حين ذكر غيره ممن هم أقل شهرة ورتبة ومكانة منه.
على أنه من الأهمية بمكان أن نذكر أنّ ما أورده ابن سمرة في طبقاته عن فقهاء وعلماء حضرموت، لا يثبت اشعرية او معتزلية هؤلاء العلماء، ذلك أنّ موضوع كتاب ابن سمرة إنّما هو فقهاء وعلماء الفروع، وبالتحديد فقهاء المذهب الشافعي، وليس من اختصاصه علماء الأصول والعقائد
الوجود الأباضي في تريم الاعتزال:
لقد
مر
بنا أنه كان لطبيعة بلاد اليمن الوعرة وصعوبة الانتقال بين
الله
أجزائها المختلفة وبعدها عن مركز الخلافة في دمشق وبغداد، أن اختارها الخارجون على بني أمية والعباس، لتكون ملجأ لهم. ولهذا رأينا مركز الدعوة الأباضية في البصرة يكثف جهوده على أطراف الخلافة في جنوب الجزيرة العربية والمغرب العربي، ولقد كان من ثمرة تلك الجهود قيام الدول الأباضية والصفرية في تلك المناطق، ومنها قيام إمامة عبد بن يحيى الكندي الأباضية في حضرموت سنة 129 هـ، ولقد استمر المذهب الأباضي سائدا حتى نهاية القرن الرابع على الأقل، غير أنّ تلك السيادة لا تعني أنّ المجتمع الحضرمي خلال تلك الفترة كان أباضيا خالصا، خاليا من أي وجود مذهبي آخر، بل إن الحقيقة التي تجلت أمامنا أنّ الوجود المعتزلي القوي الذي ظهر في القرن الخامس، هذا الوجود
(224) (1/224)
صفحة 225
بدأ جنينا في
الحضرمي
رحم
السيادة الأباضية، وليس ذلك بدعا في المجتمع الأباضي
، فقد تعايش المعتزلة مع الأباضية في الدول التي أقامها الأباضية
،
والصفرية في المغرب العربي، حيث شكلوا (المعتزلة) جماعات متماسكة كأقلية في تلك المجتمعات الأباضية والصفرية ((29). وحين نقترب قليلا من
(29)
حضرموت لنرصد المجتمع الأباضي في عمان في تلك الفترة، نجد أنه في عهد الإمام الأباضي العماني عبد الملك بن حميد المتوفي سنة 226 هـ (أظهر قوم من القدرية (المعتزلة (والمرجئة دينهم بصحار، ودعوا الناس إليه، وكثر المستجيبون لهم، حتى صاروا بتوان وغيرها من عمان ((30)
(30)
وإذا كان الأمر كذلك في مواقع الأباضية في المغرب وعمان، فإن ذلك يعني أن الوجود المعتزلي في حضرموت كان مبكرا، ولعله في بدايات القرن الثاني الهجري، حتى إذاجاء القرن السادس كانت بدعتا الأباضبية والمعتزلة إذ ذاك منتشرة في الجهات الحضرمية وفتنتهم طامة على الملة الإسلامية، كما قال الشيخ محمد عوض بافضل. ولقد أوضحنا فيما سبق أنّ الإمام نشوان حين أشار إلى الإخوان والأنصار (في مجتمع تريم في القرن السادس إنما بذلك المعتزلة
والأباضية.
عني
على أن تلك العلاقات الودية والتاريخية بين الأباضية والمعتزلة في حضرموت وغيرها من مواقع الأباضية، لا تعود فقط لكونهم مطاردين من قبل السلطات العقائدية السنية الأموية والعباسية والأيوبية، بل يعود أيضاً لأسباب مذهبية، فإن كلا المذهبين يشتركان في مسائل عقائدية هامة، مثل قولهم في الإمامة أو الخلافة والتوحيد وخلق القرآن والوعيد واستحالة رؤية الله في الآخرة وخلود مرتكب الكبيرة في النار إذامات دون توبة، وغير ذلك من المسائل الاعتقادية. كل هذه المسائل جعلت المذهبين هدفا مباشرا للحملة الأيوبية على
(220) (1/225)
صفحة 226
أن يكون من بين ضحايا تلك الحملة حضرموت، لهذا فليس هناك ما يمنع من من هو على المذهب الأباضي من العلماء والفقهاء والقراء، ولكن الأغلبية منهم كانوا على مذهب الاعتزال.
إن العلاقات السياسية المتينة تقوم في الأساس على الاتفاق المذهبي، ولما كانت مسائل ذلك الاتفاق بين الأباضية والمعتزلة كبيرة، ومخاطر استهدافهم من قبل أهل العقائد السنية واحدة، فإنّ ذلك طرح وحدة المواجهة لتلك المخاطر، ومنها الخطر الأيوبي ممثلا بالحملة الايوبية على حضرموت، ويذكر المسعودي في (مروج الذهب أنّ الخوارج قد اتخذوا مبادئ الاعتزال ذريعة للخروج على بني أمية وإثارة الفتن والاضطرابات، تلك المبادئ التي كانت تتفق في كثير من المسائل وبخاصة فيما يتعلق بالعقيدة الأساسية مع ميول الخوارج (31)
يعني
إن كل ذلك أنه و في ظل اعتزالية الأوضاع والسلطة حينها في مدن حضرموت الكبرى فقد شارك الأباضية الحضارمة في معارك الدفاع عن الوطن المذهب، طالما إنّ العدو كان مشتركا للطرفين. بل لقد تحمل أباضية حضرموت القسط الأكبر والأوفر من عبء مقاومة الغزو الأيوبي وذلك يعود إلى أن القوة المقاتلة الحضرمية الأساسية حينها، إنما كانت أهل البادية وأبناء القبائل، وهؤلاء كانوا على مذهب الآباء الأباضي. إضافة إلى أن قوة أباضية جديدة دخلت حضرموت في نهاية القرن الخامس أو بداية القرن السادس، تلك قبيلة نهد) (32)، التي جاءت من عمان بأباضيتها لتستقر في منطقة الكسر من الوادي، وكانت نهاية الغزو الأيوبي على يدها، لتصبح بعد ذلك القوة الأباضية الأساسية في الوادي، وصاحبة القرار المهيمن في أوضاعه وصراعاته حتى نهاية القرن العاشر على الأقل.
هي
(226) (1/226)
صفحة 227
التحول المذهبي في تريم وحضرموت من الأباضية إلى الاعتزال:
المعتزلة والسلطة
3
لقد كان المعتزلة الأول سيئ الحظ، فقد جلبوا على أنفسهم غضب الأمة وسخطها، وتعرضوا لنقمة الخلفاء الأمويين الذين تتبعوهم بالقتل وتناولوهم بالاضطهاد، فلما ظهر معتزلة العصر العباسي أدركوا ناحية الضعف هذه فيهم، وأيقنوا أن ليس لهم بقاء ما لم يجدوا لهم قوة كبيرة تسندهم وتشد أزرهم، فخطر لهم أن يستعينوا بالسلطة الحاكمة ويستميلوها إلى جانبهم، فبذلك يمكنهم أن يعيشوا آمنين، ويظهروا آراءهم بلا خوف أو وجل ويبلغوا اهدافهم. وقد تهيأ هم ما أرادوا، ولكن بعد جهاد طويل دام قرنا من الزمان، وهكذا راح المعتزلة يلقون شباكهم حول الخلفاء وينسجون حولهم حبائلهم (33)، ولقد عول المعتزلة على اتباع أسلوب الترشيد والتنوير، وقد أسفر نضالهم عن التسلل داخل السلطة
والهيمنة عليها وتطويعها بما يخدم اهداف الاعتزال (34)
إن حديث الدكتور محمود إسماعيل السابق يعني معتزلة العهد الأموي ثم العهد العباسي الأول، حتى نهاية عهد المعتصم، غير أن الهم السلطوي لدى المعتزلة استمر في التبلور والنضوج وأصبح قضية محورية وأساسية في تفكيرهم بعد ذلك العهد، خاصة بعد تلك الضربات الموجعة التي وجهت إليهم في عهد المتوكل والقادر بالله وغيرهما، وكان من الطبيعي أن ينتقل ذلك الهم مع المعتزلة أينما كانوا بعد ذلك، أي بمعنى آخر، كان لا بد أن الهم السلطوي كان قضية أساسية في سياسة معتزلة تريم وحضرموت منذ أن وجدوا فيها في العهد
الأباضي.
(227) (1/227)
صفحة 228
معتزلة حضرموت والسلطة:
لا شك أن المذهب السابق من حيث السيادة في حضرموت إنما هو المذهب الأباضي، وهو بذلك مذهب حضرموت الأول والأساسي، ثم في القرن الخامس الهجري غلب مذهب الاعتزال على مدن حضر موت الكبرى: تريم، شبام، الشحر، مرباط، واستطاع المعتزلة إقامة إماماتهم فيها، تحت الولاية المعتزلية العامة لآل راشد ولاة تريم، غير أن السؤال الذي ينبري أمامنا هو كيف
تمت الغلبة للاعتزال في تلك المدن. وكيف كانت طبيعة المواجهة بين المذهبين
الأباضي والمعتزلي. ولقد أوضحنا من قبل أن التحول من مذهب عقائدي إلى آخر مخالف له، مسألة ليست سهلة ودونها صعاب كثيرة، ذاتية وموضوعية، ذلك أنّ العقائد الدينية لها في قلوب الناس أثر عميق وعلى نفوسهم لها هيمنة قوية، ليس في الإمكان التحول عنها بسهولة ويسر، ولقد رأينا أن الوجود المعتزلي في حضرموت كان في وقت مبكر من العصر الاباضي، إن لم يكن قد تزامن معه، الأمر الذي يعني أن المعتزلة الحضارم كانوا يقومون بنشر مذهبهم والدعاية له خلال ذلك العهد، بكل ما يملكون من مقدرة علمية وأسلوب رفيع في الجدل
والمناظرة العلمية في مختلف العلوم.
إن تريم في عهدها الأباضي كانت أيضاً قصبة العلم والمعرفة بالنسبة لعموم حضرموت، وعليه تكون مسألة المناظرة والجدل العقائدي والفقهي والسياسي بين علماء المذهبين الأباضي والمعتزلي في تريم حينها، مسألة تفرضها مقتضيات التعايش والاحتكاك اليومي في مجتمع واحد، كما تفرضها مواقع الاتفاق العقائدي بينهما خاصة وإنّ الأباضية) كانوا يقبلون الجدل والأخذ حول
(228) (1/228)
صفحة 229
مع
مذهبهم بالطرق السلمية ((35). ويبدو أن المعتزلة ومن خلال احتكاكهم المستمر الأباضية في مختلف الأمصار، قد امتلكوا خبرة كبيرة في الاغتراف من علماء الأباضية إلى مذهبهم، كما يبدو أنّهم يرون أن الأصل في المذهب الأباضي هو الاعتزال، قال أبو قاسم البلخي: (حكى أصحابنا (المعتزلة) إن عبدالله أباض لم يمت حتى ترك قوله ورجع إلى الاعتزال وقول الحق ((36)
طبيعة المواجهة العلمية بين المذهبين:
بن
كان لا بد لأسلوب المعتزلة في الجدل والمناظرة أن يؤثر في دحض الكثير
علماء
من آراء الأباضية التي لا تتفق مع الاعتزال، وبالتالي جذب الكثير من الأباضية إلى الاعتزال، مع الأخذ بعيين الاعتبار مواقع الاتفاق العقائدي بين الطرفين وهي كثيرة، كل ذلك من شأنه أن يوسع الدائرة الاجتماعية للاعتزال على حساب الدائرة الأباضية
إنّ المذهب المعتزلي إنما هو مذهب في الأصول دون الفروع، أي أنه مذهب عقائدي وليس فقهي، فللمعتزلي أن يختار ما يشاء من مذاهب أهل السنة الأربعة في الفروع، شريطة الإيمان بالمبادئ الخمسة للاعتزال، أما المذهب الأباضي فإنه يشترك مع المعتزلي في كثير من الأصول، غير أن له مذهبه الفقهي
الخاص، وعليه فإنّ المواجهة العلمية بين المذهبين، اتخذت المسار التالي:
1 - معركة الفروع: وفيها واجه الفقه الأباضي هجوما من أربع جبهات، هي جبهات المذاهب السنية الأربعة التي يتمذهب بها المعتزلة، وفيها تم توسيع دائرة انتشار مذاهب السنة في الفروع، وما كان للمذهب الأباضي أن يصمد أمام مجادلة
(229) (1/229)
صفحة 230
ومناظرة أربعة مذاهب، وبهذا يكون المعتزلة هم الذين أدخلوا المذاهب الفقهية السنية في حضرموت، وكان ذلك منذ بواكير وجودهم فيها الذي تزامن مع الوجود الأباضي في القرن الثاني الهجري، حتى إذا كان القرن الخامس الهجري، نجد الإمام الأباضي المجاهد أبا إسحاق الهمدان يشتكي من توسع تلك المذاهب على حساب المذهب الاباضي، حيث يقول: (أما بعد: فقد دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب خشية انطماس أصول الأباضية لقلة انتشارها في الأمصار، وخيفة الرغبة عنها في معقل الدعوة الأصلية، بأهواء الشافعية والحنفية وظهور أهلها
الفساق
وشاهدت قوماً ممن قوماً ممن ينتمي لديننا (يقصد الأباضية) زاغت بهم الأهواء عن قصد السلف الصالح في لحن القول ((37)
(37)
وأما في القرن السادس الهجري، فإننا نجد المصادر الحضرمية، تقول بسيادة المذهبين الشافعي والحنفي في المدن الحضرمية الكبرى، وهي التي كانت مقصد النشاط المعتزلي المبكر، ولسنا في حاجة إلى القول إن التمذهب بمذاهب أهل السنة في الفروع إنما يعني التحول عن المذهب الأباضي إلى غيره، وهو هنا
مذهب الاعتزال.
2 - معركة الأصول:
) ترك الاعتزال أثراً سلبيا على الأباضية، فقد عرضها إلى الانشقاق، ولما كانت البصرة هي الموطن الذي ترعرعت فيه الأفكار الأباضية والمعتزلية على السواء، فقد تعرضت الأباضية إلى التأثير المعتزلي الذي تمثل في المناقشات في القول بالقدر الذي قال به بعض الأباضية، وكان كان ذلك أهم أسباب من الانشقاقات بين الفرق الأباضية، هذا الانشقاق الذي أفقد الأباضية الكثير من الأنصار، بسبب الموقف المتزمت لقاداتها، مع أنها تشترك مع المعتزلة في الأسس
(230) (1/230)
صفحة 231
العقائدية، وكان تأثير المعتزلة في الأباضية عقائديا بسبب استخدام المعتزلة العقل
(38)
في مناقشة العقائد الإسلامية)، وكان من نتائج ذلك التأثير أن أصبحت
(أصول الأباضية الكلامية متأثرة إلى حد كبير بمذهب المعتزلة ((39). إن التأثير العقائدي للمعتزلة في المذهب الأباضي لا يعني فقط تأسيس مبادئ الاعزال داخل المذهب الاباضي، ولكنه يعني أيضاً إقناع الأباضية بالتحول إلى الاعتزال كليا، خاصة وإن الانتقال من الأباضية إلى الاعتزال ليست عملية انتقال بين مذهبين بينهما تقاطع معرفي وعقائدي، وليس دونها صعاب كبيرة، وإنما هي بالنسبة إلى المعتزلة عملية احتواء لما هو غير معتزلي في المذهب الأباضي (مثل قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة ونظرية الكسب الأشعرية) ورده إلى الاعتزال، وتلك عملية ميسورة سهلة بالنسبة لهم.
وتبقى لنا كلمة أخيرة في شأن ذلك التحول المذهبي، فقد ترتب عليه ظهور الإمامات المعتزلية في مدن حضرموت الكبرى، مما يعني تحولا في أسلوب الحكم فيها، ذلك أنه إذا كان نظام الإمامة الأباضية التي عرفتها حضرموت منذ القرن الثاني الهجري، لا تشبه نظام الدولة في شيء) (40)، فإن ظهور الإمامات المعتزلية في تلك المدن، يعد من أبرز العلامات المميزة لانتقال حضرموت إلى
نظام الدولة المتطورة في العصر الوسيط.
(231) (1/231)
صفحة 232
الدعوة المعتزلية في حضرموت ودور المسجد فيها
في أواخر العصر الأموي بدأ النشاط السري المنظم للدعوة المعتزلية، بدءاً من إقامة مركز الدعوة الرئيسي في البصرة، كان ذلك في عهد مؤسس المذهب الإمام واصل بن عطا، الذي نظم ذلك العمل ووضع أساليبه وخططه وأهدافه ومراميه، ذكر) الخياط (أنه صنف كتابا عرف بكتاب (الدعوة)، كان واصل هو الذي بعث بأول الدعاة إلى الأقاليم البعيدة، ومنها اليمن الذي تعرف من دعاته فيها الشيخ قاسم الصعدي، وكذلك المغرب العربي، ونعرف دعاته فيه الشيخ عبد الله الحارث الذي أجابه خلق كثير هناك، ففي قرية هناك تسمى (البيضاء) يقال إن فيها مائة ألف يحملون السلاح، يعرف أهلها بالواصلية نسبة إلى واصل، كما أنّ واصلا نفسه كان داعية إلى الإسلام والمذهب، فقد ارتاد الآفاق، حتى أسلم على يديه ثلاثة آلاف رجل، ولقد استمر النشاط السري المعتزلي بعد وفاة واصل من قبل شيوخ المذهب، وتحت رعاية المركز الرئيسي بالبصرة. كان الهدف الرئيس للدعوة هو إقامة دولة العدل والتوحيد، أي دولة
من
المذهب، شأنهم شأن كل الفرق الإسلامية المعارضة لدولة بني أمية والعباس.
قال أحد شعراء المعتزلة يمدح واصلا:
(01)
ملقن ملهم فيما يحاوله
جم خواطره جواب آفاق
وقال شاعر المعتزلة صفوان الأنصاري يصف واصلا وأصحابه وأحوال المذهب في
عصره:
(232) (1/232)
صفحة 233
له خلف شعب الصين في كل ثغرة
إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
رجال دعاة لا يقل عزمهم تهكم جبار ولا كيد ماكـ
إذا قال مروا في الشتاء تطاوعوا
بهجرة أوطان وبذل وكلفة
وإن كان صيفا لم يخف شهر ناخر
وشدة أخطار وكد المسافر
فأنجح مسعاهم وأثقب زندهم وأورى بفلج للخصم قاهر وأوتاد أرض الله في كل بلدة وموضع فتياها وعلم التشاجر وما كان سحبان يشق غبارهم ولا الشدق من حيي هلال بن عامر ولا القالة الأعلون من رهط مكحل إذا نطقوا في الصلح بين العشائر ويجمع من الجفين راض وساخط وقد زحفت بداؤهم للمحاضر يصيبون فصل القول في كل موطن كما طبقت في العظم مدية جازر
ومن تلك الأبيات يمكن أن نستخلص من الأمور الهامة في شأن الدعوة المعتزلية في تلك المرحلة المبكرة من العصر الإسلامي، ما يلي: 1 - إن الدعوة المعتزلية ونشاط الدعاة كان يغطي أغلب بقاع العالم الإسلامي، من الصين حتى بلاد الأندلس) خلف البرابر).
2 - إن دعاة الاعتزال كانوا على درجة عالية من الإعداد والكفاءة والمهارة المذهبية والسياسية وكانوا على استعداد تام لأداء مهامهم على أكمل وجه ومهما كانت الظروف والأحوال. 3 - إن هؤلاء الدعاة كانوا على علم ودراية بأحوال الشعوب والقبائل التي يذهبون إليها، لدرجة أن قولهم هو القول الفصل في التراعات القبلية والعشائرية، وهذا يعني أن الدعاة كانوا يتغلغلون في نسيج تلك المجتمعات، وبذلك يكتسبون المكانة الاجتماعية، إضافة إلى المكانة
الدينية، وصولا على الرئاسة السياسية التي هي الهدف الرئيس للدعوة
(233) (1/233)
صفحة 234
4 - إن مسعى الدعوة المعتزلية في ذلك العهد كان قد أثمر ظهورا مذهبيا على
- {
الأقل، وإنهم كانوا ظاهرين في بعض المناطق،
ويفهم ذلك من قول
الشاعر (فانجح مسعاهم وأثقب زندهم).
-
ه كان دعاة الاعتزال في الأقاليم المختلفة يتمتعون بمقدرة فائقة على إقناع ومحاججة الخصوم، خاصة أبناء البوادي، رغم ضيق عقولهم وثقافتهم وتعصبهم وجهلهم، ويفهم ذلك من قول الشاعر) وقد زحفت بداؤهم
أن يلزموا
للمحاضر). كانت خطة الدعاة عند وصولهم إلى المناطق المحددة لهم، هي المساجد سكنا لمدة عام كامل، لا يغادرونها إلى سكن آخر، حتى يطمئن الناس
،
(09)
إلى ورعهم وتقواهم، فيتصدوا للفتوى في أمور الدين ثم يكون ذلك
مدخلا للتغلغل في النسيج الاجتماعي، حتى يصلوا إلى المرحلة التي تحدث عنها الشاعر الأنصاري، وهي أن يكون لهم القول الفصل في أمور الدين والدنيا وهي بداية الوصول إلى سدة الولاية و الحكم وإظهار دولة المذهب (60) كانت بلاد المغرب العربي واليمن وعمان من المناطق النائية والبعيدة عن مراقبة دولة الخلافة في دمشق أو بغداد، لهذا نشطت فيها الدعوات المعارضة (الخوارج، المعتزلة، الأباضية، الشيعة)، ولقد كان من ثمرة ذلك أن كانت حضرموت هي الحاضنة لأول ثورة إسلامية منظمة، ممثلة بثورة الأباضية بقيادة الإمام طالب الحق الكندي سنة - 129 هـ، ثم تلتها الثورة الأباضية والصفرية في بلاد المغرب العربي، ولقد استطاع أباضية عمان والمغرب العربي ضمان استمرار إماماتهم ردحا من الزمن، كما أن ثورة حضرموت وإن تم القضاء عليها مبكرا، إلا أن المسألة المذهبية العقائدية ظلت السائدة في المجتمع الحضرمي،
هي
وظلت تقاوم كل جهد يحاول أن يزعزع سيادتها الاجتماعية على الأقل
(234) (1/234)
صفحة 235
و إلى تلك البلدان التي انتصرت فيها الدعوة الأباضية وقامت فيها إماماتها وغلبت عليها مذهبيا، اتجهت أنظار دعاة الاعتزال، وفي رأينا أن ذلك كان بسبب التشابك العقائدي بين المذهبين في أغلب القضايا، وبسبب الهدف الجغرافي المشترك، أي البعد عن مراكز القوي للخلافة حتى إذا كان القرن الخامس الهجري، استطاع معتزلة حضرموت إقامة دولة العدل والتوحيد (إمامة المذهب) في مدنها الكبرى، بل ونجح معتزلة حضرموت من غير العرب القادمين إليها من أقطار أخرى، استطاعوا تولي الإمامة في إقليم ظفار، وقد تمثل ذلك في إمامة آل المنجوى العلويين البلخيين
في القرن السادس الهجري كان مجتمع مدن حضرموت يعج بحركة فكرية وعلمية معتزلية لا مثيل لها في بلاد الإسلام، إلى الحد الذي كان في مدينة تريم وحدها ثلاثمائة عالم وفقيه ومفتي، يشتغل أكثرهم بالتأليف يشتغل أكثرهم بالتأليف، ولقد اتضح لنا أن تلك الزحمة العلمية كانت ثمرة زحف علمي معتزلي عليها، من مختلف بلاد الإسلام. وحول تلك الأقوام (العالمة التي كانت تعج بها مساجد حضرموت عامة وتريم خاصة، حدث أن مرض الشيخ العالم يحيى بن سالم بن أكدر (أحد ضحايا الحملة (الأيوبية وغاب عن مسجد آل حاتم الذي كان يلزمه عبادة وتدريساً، فقال فيه تلميده محمد بن علي حاتم:
فاليوم شهر حين غبت وشهرنا من طول مدته علينا عام قد حن مسجدنا لفقدك واشتكى حالاً وإن كثرت به الأقوام
فاسلم لنا يحيى ليحيا ذكرنا وعليك منا في الأزمان سلام (61)
وإذا كانت حضرموت هي ذلك المقصد المتقدم والبارز في الدعوة المعتزلية
منذ عهد مؤسس المذهب واصل
بن
عطا في القرن الثاني الهجري حتى كان ذلك هي سكن العلماء ودار
الزحف العلمي عليها، فإن هذا أن المساجد كانت
يعني
(230) (1/235)
صفحة 236
العلم طوال قرون مديدة، وكلما زاد عدد العلماء في المسجد، كان المسجد أقرب إلى الجامعة العلمية لتدريس علوم الاعتزال لجميع أفراد المجتمع صغارا وكبارا، خاصة وعامة، وهذا الأمر هو ما كان في القرن السادس الهجري، كما يفهم من وصايا شيخ الإسلام بافضل.
ومن خلال ذلك النشاط استطاع العلماء التغلغل في النسيج الاجتماعي الحضرمي، ولا بد أن قول الشاعر صفوان الأنصاري ينطبق عليهم فيما يخص فض النزاعات القبلية والعشائرية، ولا بد أنهم كانوا يملكون فصل الخطاب في ذلك لما لديهم من علوم فقهية وسياسية واجتماعية وعقلية، خاصة مقدرتهم الفائقة على الجدل والمجادلة وقوة العارضة والخاطر، كل تلك الأمور التي يتمتع بها ويتقنها علماء الاعتزال، هي المطلوبة في اكتساب الوجاهة الاجتماعية والدينية والسياسية.
(62)
وهكذا أصبح المسجد هو محور الحياة الدينية والعلمية والاجتماعية والسياسية، ففي سنة 606 هـ اجتمعت بنو حارثة وبنو حرام في جامع تريم واحتلفوا على طاعة الإمام عبد الله بن راشد (62). ومعنى هذا أنّ كل النشاط السياسي كان يتقرر في المسجد، باعتباره دار الإمامة ومقر الولاية، خاصة إذا علمنا أنه لم أن ولاة حضرموت في ذلك العهد قد اتخذوا دورا أو قصورا خاصة
يعرف
للحكم والولاية.
تبع ذلك الدور المحوري للمسجد في حضرموت الاعتزال، فائق التقدير والاحترام لعلماء المذهب على كثرتهم، لدورهم البارز في جميع مسارات الحياة العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية، وبلغ الأمر في تريم مثلا أن تكون هناك
مقابر خاصة لهم من دون عامة الناس، وهذا الأمر بيناه في حينه.
(236) (1/236)
صفحة 237
هذه العلاقة الوطيدة والحميمة بين المسجد وعلماء المذهب وبين جميع مسارات الحياة، كان لا بد أن تنعكس سلوكا اجتماعيا في مدن حضرموت
الكبرى وتنفرد به عن باقي بلاد الإسلام، مثل إنفرادها عنها بالحالة المعتزلية، سلوكا يفصح عن بعده التاريخي والاجتماعي والسياسي ففي بداية القرن الثامن الهجري، أي في عهد الدولة الرسولبية السنية في حضرموت، زار الرحالة المغربي الإسلامي الشهير ابن بطوطة إقليم ظفار، ومما لفت انتباهه وشد عن الظهور في باقي بلاد الإسلام من عادات أهل ظفار: (أن يتصافح في المسجد إثر صلاة الصبح والعصر، فيستند أهل الصف الأول إلى القبلة، ويصافحهم الذين يلونهم، وكذلك يفعلون بعد صلاة الجمعة، يتصافحون جميعا) (63)
هذه العادة (الحسنة (بلغة ابن بطوطة ليست خاصة بإقليم ظفار وحده، بل تشترك معه فيه كل مدن حضرموت الكبرى) تريم، شبام، الشحر .... ) هذه العادة لا زال معمولا بها إلى اليوم، كما هو الحال في مساجد تريم. وإذا كان ابن بطوطة قد رصد تلك العادة في بداية القرن الثامن الهجري، أنها قد ترسخت من خلال قرون من النشاط المعتزلي، حتى إذا
فإن ذلك يعني كان القرن الثامن، كانت (ظاهرة (عامة راسخة الحضور في الوجدان الفردي
والجماعي، و لم يستطع أي جهد مذهبي مضاد أن يؤثر فيها إلى اليوم ولا شك أن تلك العادة أو الحالة الحضرمية، تمثل تكثيفا تاريخيا ليس لدور المسجد المبكر في الدعوة المعتزلية في حضرموت فحسب، بل وأيضاً ذلك الدور
المحوري الذي ظل يلعبه ومعه علماء المذهب لقرون مديدة في جميع ميادين
الحياة.
(237) (1/237)
صفحة 238
لسنا في حاجة إلى القول إن تلك العادة، بالاضافة إلى ما تقدم فإنّها تجعل
الحياة الاجتاعية سهلة ومشاكلها مقدور على حلها والسيطرة عليها، وذلك من خلال ما تبثه تلك العادة من ألفة ومحبة وإخاء بين أبناء المجتمع، وبين الوافدين على البلاد العلماء وغيرهم وبين أهل البلد الأصليين، كما أنها من ترفع أية حواجز بين الحاكم والمحكوم أو بين العامة والخاصة، فليس ثمة حجاب يتحكم في اتصال المحكوم بالحاكم طالما يتصافح هذا وذاك كل يوم في بيت الله الكريم، وفي ذلك تطبيقا لنظرية المعتزلة في الحجاب، فقد خص الجاحظ في رسائله السياسية، رسالة لذم الحجاب والتحذير من عواقبه، وفي حضر موت القرن السادس، وجدنا الإمام القلعي في كتابه (تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة) يذم الحجاب ويحذر من عواقبه، وفي تلك العادة الحضرمية تطبيق عملي لنظرية المعتزلة في الحجاب ونظراتهم السياسية الأخرى.
الهجري
وبعد، أحسب إنني فيما تقدم قد بينت مسار الدعوة المعتزلية في بلاد
رصد
أن الإسلام ونتائجها على الصعيد السياسي والعلمي والاجتماعي، غير تلك النتائج في حضرموت يتطلب عملا ميدانيا متخصصا، نظراً لخصوصية العلاقة بينها وبين الاعتزال، ولا شك أنّ ذلك الجهد سوف يعطى صورة أكثر
وضوحا وإبانة عن القصد
(238) (1/238)
صفحة 239
معتزلة المغرب العربي و الأندلس في حضرموت
في بدء شروعنا في الرؤية، تبين لنا أن الوجود المعتزلي في المغرب العربي وعمان، كان ملازما ومحايثا لإمامة الظهور الأباضية فيهما، ثم تبين لنا أنّ الوجود المعتزلي في حضرموت لم يكن استثناء من تلك القاعدة، بل كان ملازما للوجود الأباضي فيها، حتى إذا كان القرن الخامس الهجري كانت السلطة السياسية في مدنها الكبرى في أيدي المعتزلة، مع غلبة وسيادة الأباضية على البوادي ومناطق القبائل
و من علماء الاعتزال في حضرموت في القرن السادس الهجري، كانت لنا وقفة مع الإمام محمد بن علي القلعي، ولقد وجدنا هناك قولا بشاميته وآخر مغربيته، ولحسم هذه المسألة، رأينا تحقيق العلاقة المذهبية بين حضرموت والمغرب العربي من خلال العنوان أعلاه، بما يلقي مزيدا من الضوء على مدى
الرؤية.
العلاقات المشرقية والمغربية الأباضية:
في العصر الوسيط، كانت الوحدة المذهبية بين الأقوام والطوائف والجماعات تشكل الوحدة السياسية والشعور بوحدة المصير الدنيوي والأخروي، وتحدد طبيعة العلاقة بين أهل المذاهب المختلفة.
في القرن الثاني الهجري قامت إمامة الظهور الأباضية في حضرموت تحت قيادة الإمام طالب الحق الكندي سنة ـ 129 هـ، غير، غير أنها لم تدم طويلا، وقامت
-
بعدها وفي نفس القرن إمامة الظهور الأباضية في كل من عمان والمغرب العربي،
وكان لهما ديمومة وحضور سياسي كبير.
(239) (1/239)
صفحة 240
كانت العلاقة بين أباضية عمان والمغرب العربي قوية ومتينة، وكان
التواصل البشري والمذهبي والسياسي علامة بارزة وواضحة المعالم، وهي مستمرة
(EA)
متواصلة إلى اليوم لم تكن العلاقة الأباضية الحضرمية المغربية لتغيب عن مسرح الأحداث، فقد ظهرت تلك العلاقة منذ بدء الدعوة الأباضية في المغرب العربي، فقد كان من مشاهير الدعاة الأباضيين في المغرب العربي، الشيخ سلمة بن سعد بن علي بن أسد الحضرمي اليمني، وهو الذي تمنى أن تظهر الأباضية في تلك البلاد ولو يوما
(49)
واحدا، من غدوة إلى الزوال، ولا يبالي بعدها ضربة عنقه ولا يوجد
خلاف بين المصادر الأباضية بأنّ سلمة الحضرمي كان أول داعية أباضي في بلاد
المغرب العربي. بعد القضاء على إمامة طالب الحق الكندي، استمر التواصل بين أباضية حضرموت والمغرب، ولعل أبرز من ظهر في تلك البلاد من أهل حضرموت الإمام الحارث بن تليد الحضرمي سنة ـ 131 هـ، كما كان من ثمرة ذلك
-
التواصل عناية أباضية المغرب بالتراث الأدبي والعلمي للإمام أبي اسحاق الهمداني الحضرمي الأباضي المتوفي في أواخر القرن الخامس الهجري.
معتزلة المغرب العربي:
كان الوجود المعتزلي في المغرب العربي متزامنا مع الوجود الأباضي
تلك
والصفري في القرن الثاني الهجري، وكان المعتزلة يمثلون جماعات متماسكة داخل الدولة الرستمية الأباضية ودولة بني مدرار الصفرية، وفي بعض المناطق من الدولتين كان المعتزلة هم الكثرة الغالبة، كما هو الحال في منطقة وادي ميزاب ومدينة البيضاء في القرن الثالث الهجري (50).
(240) (1/240)
صفحة 241
كما كانت الدولة الإدريسية العلوية في المغرب موطنا للاعتزال، وكانت قبيلة أوربة التي ساندت قيامها تدين بالاعتزال، وإن عبد الله والد إدريس كان يعتبر في الطبقة الثالثة من طبقات المعتزلة (51). كما أن ابن تومرت مؤسس دولة
الموحدين تأثر بآراء المعتزلة، ومذهب الاعتزال قديم بالمغرب وقد أشار إلى ذلك
(52)
كل من اليعقوبي والبكري والادريسي. على أنه من المهم ملاحظة أن وجود
دولة الأدارسة العلوية المعتزلية سنة ـ 172 هـ، يكاد يكون متزامنا مع وجود
-
دولة آل منجوي العلوية المعتزلية في إقليم ظفار في حضر موت، ذلك أنه إذا كانت
الدولة الإدريسية قد استمرت في الوجود حتى سنة ـ 375 هـ و 375 هـ وأن دولة آل
يعني
-
منجوي قد ظهرت قبل سنة - 480 هـ على حد قول المؤرخ الحداد، فإن هذا أن الدولتين كانتا متزامنتين، هذه الوحدة العلوية والمذهبية المعتزلية بين دولة الأدارسة وآل منجوي تقتضي التواصل بينهما، وبالتالي بين المغرب العربي وحضرموت، ومما يؤيد هذا الظن، أنّ) هناك فرقة في جنوب شرق آسيا يطلق أحد أفخاد (آل شيبان) من أشراف
عليها اسم (المغاربة)، وهي
حضرموت) (53).
مصير معتزلة المغرب العربي:
بعد نهاية إمامة الظهور الأباضية والصفرية في المغرب العربي على يد الفاطميين الشيعة الاسماعيلية، لم تختف الأباضية من المغرب العربي، بل ظلت تقاوم من أجل البقاء، ولهذا ظل الوجود الأباضي إلى اليوم في جبل نفوسة وجزيرة جربة ووادي ميزاب و وارجلان وإذا كانت الدولة الإدريسية قد تأخر سقوطها في يد، فإن سقوطها في نهاية الأمر، يمثل بالنسبة لمعتزلة
375 هـ الفاطميين حتى سنة
-
(241) (1/241)
صفحة 242
المغرب ضربة قاصمة تجاوزت في إثرها ما مثله سقوط دولتي الأباضية والصفرية بالنسبة لهم، باعتبار تلك الدولتين من مراكز تواجدهم في بلاد المغرب، ولهذا فإن الباحث لا يكاد يعثر على وجود معتزلي بعد القرن الرابع الهجري في بلاد المغرب،
مما يؤيد قسوة الضربة التي تعرض لها وجودهم إثر سقوط المغرب في يد الفاطميين. والذي نراه، هو أنه لما كان المذهب الاسماعيلي مذهب الدولة الفاطمية،
يتقاطع معرفيا مع كل من الأباضية والمعتزلة، فإنّ الأباضية قد استطاعوا اللواذ بالمناطق البعيدة المحصنة جغرافيا والاستقرار فيها، وهي مناطق تناسب الطبيعة الخشنة للحياة الأباضية، لكنها لا تناسب طبيعة العقلية الحضرية لأهل الاعتزال، كما أن المعتزلة لا يستطيعون العيش في الوسط الاجتماعي والعلمي السني المغربي الذي كان يسيطر عليه المذهب المالكي المعروف بحرفيته في فهم النصوص الدينية وكراهيته للجدل وأهله والاعتزال وميوله ورفضه للرأي في الدين واعتماده على النقل في أوسع حدوده، كل ذلك يجعل المجتمع السني المغربي منطقة مغلقة في وجه الاعتزال وأهله، حتى ولو وافق المعتزلة على العيش فيه
أمام هذا المأزق التاريخي لمعتزلة المغرب العربي، الذي تزامن
بدايات
القوة السلطوية المعتزلية في مدن حضرموت الكبرى، فكان أن اتجهوا إليها بأعداد كبيرة، كان الإمام القلعي أحد أشهر أقطاب ذلك النزوح المعتزلي المغربي إلى حضرموت الاعتزال، حتى إذا كان القرن الثامن الهجري، وكانت رحلة الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة، كان الوجود المعتزلي المغربي في إقليم ظفار، قد أثمر سلوكا مغربيا في المجتمع الظفاري، وفي ذلك يقول ابن بطوطة: (ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة (مرباط (أشبه الناس بأهل المغرب في شئونهم، نزلت بدار الخطيب بمسجدها الأعظم، وهو عيسى بن علي، كبير القدر، كريم النفس، فكان له جوار مسميات بأسماء خدام المغرب، إحداهن بخيته، والأخرى زاد المال، لم أسمع
(242) (1/242)
صفحة 243
بهذه الأسماء في بلد سواها ... ، وفي كل دار من دورهم سجادة من الخوص معلقة في البيت، يصلي عليها صاحب البيت، كما يفعل أهل المغرب، وأكلهم الذرة، وهذا التشابه كله يقوي القول بأن صنهاجة وسواها من قبائل المغرب أصلهم من حمير) (54)
غير أننا لا نوافق على رد ذلك التشابه إلى الأصل الحميري لقبائل المغرب، إذ لو كان الأمر كذلك، لكان ذلك التشابه واقعا بين أهل المغرب وكل أهل اليمن
تقريبا، ولما انحصر ذلك التشابه مع ظفار لوحدها، وإنما السبب في ذلك يعود إلى
هجرة مغربية إلى إقليم ظفار، الأرجح لدينا أن تكون هجرة مذهبية معتزلية
على
أن الاستقرار المغربي لم يقف عند إقليم ظفار، فهذا المؤرخ بامخرمة في القرن العاشر الهجري، يقول في (النسبة إلى المواقع والبلدان) عند حديثه عن مدينة (قيدون) الدوعنية الحضرمية: (هي بلد بوادي دوعن، فيها آل العمودي، وبها مشهد الشيخ المغربي، وله بتلك الناحية ذرية صالحون) (55).
نحن اليوم لا نعرف شيئا عن ذلك الشيخ المغربي ولا عن ذريته،
تكون له هناك ذرية، فهذا يعني
ولكن أن أنه كان هناك استقرارا مغربيا في حضرموت، حتى
في المناطق النائية الصعبة المعيشة و الشحيحة الموارد المحدودة الرزق، ولا نرى مبررا
لذلك الاستقرار، إلا أن يكون ذلك ضرورة مذهبية عقائدية لا غير
معتزلة الأندلس:
يبدو أن أمر التروح العلمي المعتزلي على حضر موت، قد شمل أيضاً علماء الاعتزال في أرض الأندلس، فقد رصد لنا الإمام ابن حزم الأندلسي (384 هـ - 456 هـ) وجودا علمياً معتزليا في بلاده إلى منتصف القرن الخامس الهجري، فعند حديثه عن سعيد بن منذر بن سعيد صاحب الصلاة في جامع قرطبة أيام
(243) (1/243)
صفحة 244
المستنصر بالله، قال عن أخيه) حكم بن منذر): إنه كان رأس معتزلة بلاد الأندلس وكبيرهم وأستاذهم ومتكلمهم وناسكهم، وشاعرا وفقيها، وكان أخوه بن سعيد متهما بالاعتزال أيضاً، وكان من أخطب الناس
عبد الملك
بن منذر
(07)
وأعلمهم بكل فن وأورعهم) (56). وهكذا نصل مع الإمام ابن حزم في القرن الخامس الهجري، إلى أنه كان في بلاد الأندلس وجود علمي معتزلي، وكان وجودا ملحوظا، وإن كان ينظر إليه باعتباره تهمة في الدين ونزق في العقيدة.
(OV)
غير أن ذلك الوجود كان قد اختفى في عهد الفيلسوف الأندلسي الكبير أبي الوليد بن رشد (520 هـ ـ 595 هـ) في القرن السادس الهجري، فعند حديثه عن طرق الاستدلال ونظرية المعرفة لدى الفرق الإسلامية، قال عن المعتزلة:) وأما المعتزلة فإنّه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشاعرة) (57). هذا القول لابن رشد يعطي أكثر من دلالة على الضعف المبين الذي أصاب الوجود المعتزلي في بلاد الأندلس، ولا شك أن للخلاف العقائدي النصيب الكبير والأوفر في ذلك الضعف، وعلة ذلك الضعف وسببه على ما نرى، هو أن بلاد الأندلس قد عانت كثيرا من سطوة وتعصب المالكية وأهل السنة فيها، فقد كانت هذه البلد منطقة تعصب سني شديد تجاه أهل الرأي والعقل والبرهان، ولهذا فإن علماء الاعتزال فيها لابد أن يكون قد حاق بهم ماحاق بأخوانهم معتزلة المغرب، من حيث عدم الأمان على أنفسهم ومعتقدهم الذي هو دينهم، والأقرب إلينا هو أنهم سلكوا نفس الطريق إلى حضرموت الاعتزال التي كانت في ذلك القرن في عز مجدها السياسي والعلمي، فقد كانت أوضاعها في ذلك الوقت عامل جذب قوي لأهل الاعتزال من جميع أقطار الإسلام
(244) (1/244)
صفحة 245
قيام دولة الاعتزال في مدن حضرموت الكبرى والوجود الأباضي:
يبدو أن خطة المعتزلة لتحقيق حلمهم في إقامة دولة المذهب في حضرموت
اتخذت المسار التالي:
،
(1) استثمار التأسيس الأباضي: لقد تواجد المعتزلة في كل المجتمعات الأباضية كما هو الحال في المغرب العربي وعمان وحضرموت على ما بيناه فيما سبق، بل لقد تواجدوا أيضاً في المجتمع الأباضي في شرق إفريقيا، إذ يذكر ((توماس أورنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) إلى أن الزيدية بسطوا نفوذهم على طول الساحل الشرقي لإفريقيا، وأن الحقائق التي دونت عن تلك المواطن التي استقر بها العرب على الساحل الشرقي ضئيلة جداً)). (64) غير أن سيادة المذهب الأباضي حتى عهد قريب في أجزاء واسعة من شرق إفريقيا يدل على أن المواطن التي انتشر فيها المذهب الزيدي المعتزلي لابد أن تكون هـ نفسها التي انتشر فيها المذهب الأباضي.
الحقيقة أن التواجد المعتزلي في المجتمعات الأباضية لم يكن صدفة غير مقصودة. بل هو عمل سياسي مقصود من قبل المعتزلة، إذ لاشك أن الوجود الأباضي سابق في الظهور تاريخيا على مذهب الاعتزال، كما أنه سابق عليه في الظهور السياسي في تلك المناطق، والمذهب المعتزلي تربطه بالمذهب الأباضي وشائج مذهبية عقائدية متينة، فالأباضية قالت مع المعتزلة – تقريبا – بأربعة أصول من أصول الاعتزال الخمسة: العدل، التوحيد، الوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واختلفوا معهم في المنزلة بين المنزلتين).، غير أن أسبقية الأباضية ..
(70)
في الظهور التاريخي والسياسي في تلك المناطق التي غلبوا عليها، جعل الأباضية
(245) (1/245)
صفحة 246
هم المؤسسون للوعي الديني العقائدي هناك، الأمر الذي سهل على المعتزلة في
تلك المجتمعات الأباضية تحقيق هدفين في غاية الأهمية للعمل السياسي المعتزلي: أ- إمكانية العيش في وطن تربطهم بأهله روابط عقائدية، فلا يشعرون فيه بالغربة المذهبية ويحقق لهم الاستقرار المعيشي والنفسي ب إمكانية نشر مذهبهم على حساب المذهب الأباضي، على مابيناه فيما سبق في معركة (الفروع و الأصول).
القرن الخامس الهجري، حين اشتكى الإمام أبو إسحاق الهمداني من ظهور أهل الشافعية والحنفية على حساب المذهب الأباضي، أنما كان في حقيقة الأمر يشتكي من نشاط أهل الاعتزال الذين يدينون في الفروع بمذاهب أهل السنة الأربعة، ولم يقصد الاعتقاد الأشعري الذي لم يذكره في شكواه، لعدم وجوده الاجتماعي، إذ لو كان موجودا لكان أولى بالذكر والشكوى من الفروع لخطورته المباشرة على الاعتقاد الأباضي
وهكذا يكون المعتزلة قد استمروا الوطن والتأسيس العقائدي الأباضي، وهو شيئاً
الأمر الذي وفر عليهم جهدا كبيرا، ربما لو بذلوه ما كان ليحقق لهم شـ يذكر، خاصة في التأسيس العقائدي نظراً لما في مذهبهم من مسائل عقلية وفلسفية يصعب هضمها ابتداء، بخلاف المذهب الأباضي الذي يعتمد على الكتاب والسنة فقط. وهكذا يكون الوجود المعتزلي في المجتمعات الأباضية مسألة سياسية مقصودة من قبل المعتزلة وتدل على نظرة سياسية بعيدة هذه الاستفادة المعتزلية من التأسيس الأباضي هي التي قصدها الإمام أبو إسحاق الهمداني، حين خاطب ولاة الاعتزال في مدن حضرموت الكبرى عندما امتنعوا عن المشاركة في مقاومة الغزو الصليحي الإسماعيلي، بقوله:
هدمتم منار الدين لما خضعتم كأن لم تشيده الشراة الصمادع
(246) (1/246)
صفحة 247
(2) تسجيل الحضور الإجتماعي الرفيع والباهر: وذلك في معارفهم الدينية والعلمية والوجاهة الإصلاحية وغير ذلك من أسباب الظهور الاجتماعي على ما ذكره شاعر المعتزلة صفوان الأنصاري في قصيدته حول النشاط المعتزلي وشرحناه في حينه. وحول هذا الحضور الاجتماعي في تريم القرن السادس الهجري، نجد محمد بن عبدالله السقاف يقول: ((كانت الرئاسة الدينية والمراجع الإصلاحية في تريم
(77)
للمشايخ آل بافضل والمشايخ الخطباء)) (66) ويقصد بالخطباء آل الخطيب كما كان من وسائل ذلك الحضور الاجتماعي نشاطهم الاقتصادي، وذلك من خلال تبني المشاريع الأقتصادية الحيوية والكبيرة، مثل التوسع في زراعة النخيل في منطقة الوادي، ويتضح من ذلك من غرسهم النخيل بكثافة عالية في المنطقة المعروفة اليوم باسم حوطة أحمد بن زين الواقعة بين سيئون وشبام، والتي كانت تعرف بـ (خلع راشد نسبة إلى آل راشد ولاة تريم من أهل الاعتزال، وكذلك من خلال اشتغالهم بتجارة الاستيراد والتصدير للمواد الغذائية والمهمة ذلك لمعيشة الناس، ويتضح من خلال الرحلات التجارية البحرية للشاعر التكريتي بين ظفار وعدن، ومن خلال تواجد مشايخ الاعتزال في القرن السادس الهجري في عدن: أبو زينيج وأبو بكير و أبو جحوش أبو أكدر، على ما ذكـ ابن سمرة الجعدي في طبقاته، إذ لا مبرر مذهبي أو سياسي في تواجدهم في عدن الأيوبية أو قبلها إلا أن يكون بهدف التجارة، كما هو الحال عند الشاعر
التكريتي.
-
ويبدو أن أهل الاعتزال الذين هاجروا إلى حضرموت قد جلبوا معهم أموالا طائلة وعظيمة، ساعدت على استقرارهم فيها، كما ساعدت كثيراً في نشاطهم السياسي وحضورهم الاجتماعي، هذا النشاط التجاري استفاد منه
(247) (1/247)
صفحة 248
الإمام نشوان بن سعيد الحميري حين هاجر إلى حضرموت، إذ أخبر بما يفيد اشتغاله بالتجارة حينها، والاحتمال الأكبر أن يكون معتزلة حضرموت قد وفروا له الظروف المناسبة لذلك النشاط.
المراهنة على قبيلة حضرموت: يبدو أن المعتزلة في مشروعهم السياسي راهنوا على قبيلة حضرموت بدرجة أساسية في مد جذورهم في المجتمع الأباضي الحضرمي، سواء من حيث ربطها بالمذهب، أو من خلال المساهمة المادية والمعنوية في دعم سلطتها وهيبتها بين القبائل، هذه المراهنة على أهل الغلبة القبلية المنطقة، تعني فيما تعني احتماء أهل الاعتزال بمصدر القوة والغلبة في البلاد، في أمس الحاجة إليه في مجتمع غلبت عليه الأباضية، ولعل تلك المراهنة وذلك الاحتماء كان جزءًا من خطة المعتزلة أينما حلوا واستقروا في
في
هذا الاحتماء
هم
المجتمعات الأباضية.
وإذا صحت تلك ((المراهنة)) فإن ذلك أن ولاة المدن الثلاث: آل يعني
إقبال ((الشحر)) و آل راشد ((تريم)) و آل دغار ((شبام)) كلهم ينتمون إلى حضرموت القبيلة ((الحضرمي)).
هذا النسب الحضرمي لتلك الإمامات الثلاث، هو ما نفهمه من قصيدة للإمام أبي إسحاق الهمداني يذمها فيها لعدم وفائهم بحقوق البيعة والولاية،
بقوله:
أين الذين حكوا بالأمس أنهم للحق أن نشرت رأياته عمد ما بالهم نموا أيام عزته حتى إذا كثرت أعداؤه قعدوا فالمؤمنون إذا ما أو عدوا صدقوا أو عاهدوا ذا العلا أوفوا بما عاهدوا لا تحمد الفضلاء في السلم إن صبروا ولكن إذا صبروا عند البلاء حمدوا
(248) (1/248)
صفحة 249
إلى أن يقول: لهفي على رجل من حضرموت حكى أن العباد لهم مذ كانت البلد لو كان في ملكهم فخر ومكرمة ما ناله منهم في عصرنا أحدٌ
لكنها دول الأنجاس منتنة قد صاننا عن ذراها الماجد النجد
في هذه الأبيات الأخيرة نجد الامام يتحسر استهزاءاً بذلك الرجل الذي ينتمي إلى قبيلة حضرموت ويفاخر بأن حكم البلاد والعباد لهم وحدهم منذ
كانت حضرموت الأرض، ويعقب الامام على ذلك بقوله: لو كان يحق للأولين
من حكام و ولاة هذه القبيلة الفخر والاعتزاز بتلك الولاية على البلاد والعباد فإنه لا يحق للمتأخرين المعاصرين الافتخار بولايتهم اليوم، ثم يزيد الامام الأمر وضوحاً، فيقول: أن هذه ((الدول)) يحكمها اليوم أهل النجاسة والقذارة، ثم يحمد الله تعالى الذي صانه عن المشاركة في ظهرها السياسي ((ذراها))، ولعل
إقرار الإمام بحق الأسلاف من الولاة الحضارمة بالافتخار إنما يعود لأباضيتهم
في حين أن موقفه و وصفه السلبي للمتأخرين منهم من أهل عصره إنما يعود
لاعتزالهم.
،
،
وهكذا نصل إلى أن أهل الاعتزال في الوقت الذي راهنوا فيه على حضرموت القبيلة، في المدن الثلاث، فأنهم لم يبخسوا أهل الاعتزال الوافدين على حضرموت حقهم في الولاية والمشاركة في الحكم، فقد كان ظفار من
نصيبهم تحت ولاية آل المنجوي العلويين الفرس، على ما بيناه في حينه. هذه الأسر الحاكمة الثلاث لابد أن تمثل ((بيت)) الرئاسة القبلية في قبيلة حضرموت التي لولاها لما كانت لهم الرئاسة السياسية على العباد والبلاد، وعلى ذلك ((البيت)) الرئاسي كان رهان المعتزلة على حضرموت القبيلة في قيام دولة المذهب، التي أصبح ذلك البيت يمثلها في تلك المدن
(249) (1/249)
صفحة 250
هذا البيت الرئاسي لقبيلة حضرموت في ذلك العهد هو ((بيت قحطان)) أو ((آل
قحطان)) بلغة الإمام الهمداني، حين قال:
فقطعت غيطاناً وجاوزت أبحراً إليهم أجر المجد من آل قحطان
والإمام هنا بقوله (آل) (قحطان بالتأكيد لا يعني القبائل القحطانية التي تنتمي إليها كل قبائل اليمن، ومنها قبيلة ((همدان)) قبيلة الإمام نفسه، ثم أنه بجهاده ونضاله إنما ((جر)) المجد والشرف من الذين امتنعوا وهم الأسر الثلاث
الحاكمة
كما نفهم أن بيت قحطان هو بيت الرئاسة الحاكم لقبيلة حضرموت في ذلك، من قول الشاعر أبي حنيفة شاعر حاكم الشحر منذ سنة 619 هـ
العهد
عبدالرحمن بن فارس بن إقبال، في إحدى مدائحه يقول فيها:
هم
أنت في البر وهاب القرى أنت في البحر وهاب الفلوك
إن مدح بالكرم معطي المائة فيما يمتدح معطي اللكوك
كل ملاك قحطان الورى بكفالة
(بيتهم) كفلوك (67)
ما يهمنا هنا هو البيت الأخير، إذ فيه يقول الشاعر: إن (بيت قحطان)
الذين يحكمون العباد ((الورى)) وإنّ هذا البيت هو الذي يكفل ويضمن
سم
بير
حقوقهم ومعايشهم، وفي هذا القول دليل آخر على أن آل قحطان الرئاسة والحكم في قبيلة حضرموت وفي مدن حضرموت الكبرى الثلاث وبعد: نحن نعلم اليوم أن بيت قحطان هو بيت الرئاسة القبلية في قبيلة أو حلف ((الحموم)) التي تقطن تخوم الشحر الشمالية والشرقية، وهي قبيلة لا شك في حضرميتها، فهل كانت لهم رئاسة قبيلة حضرموت وحكومة تلك المدن الثلاث في عهدها المعتزلي؟.
(250) (1/250)
صفحة 251
ومما يؤيد القول بأن تلك الأسر الثلاث تنتسب إلى بيت واحد وأنهم أسرة واحدة، هو ذلك التشابه الحاد بين أسماء ولاة تلك الأسر الحاكمة، ولقد لاحظ المؤرخ الشاطري ذلك، فبعد أن أورد هيكلاً تخطيطياً لولاة تريم من آل راشد، قال: ((توجد مشابهة لهذه الأسماء لأبناء عمومتهم من آل الدغار سلاطين شبام، وفي آل إقبال سلاطين الشحر، ويتميز كل عن الآخرين بتتبع التاريخ)) (68). هذه المشابهة في أسماء الولاة لا تجد تفسيرها في نسبهم إلى قبيلة
حضرموت، بل في وحدة نسبهم القريب، وهو هنا الجد القريب ((قحطان)) ومما يؤيد انتساب الأسر الحاكمة الثلاث إلى بيت واحد هو (بيت قحطان) ما
ورد في (تاريخ شنبل) من الأخبار التالية:
،
في سنة 634 هـ: (وصلت إلى حضرموت) يقصد من الساحل إلى منطقة الوادي) آل أبي قحطان جميعهم، غير فهد (يقصد فهد بن عبدالله بن راشد)، ثم وصل فهد في ربيع آخر، وملك ابن إقبال تريم، وجعل إخوته في (شروم)، ثم خالفوا) يقصد أهل الوادي (على ابن إقبال، وخرجوا عن
طاعته).
ومن
ذلك الخبر ومن قوله (جميعهم (نفهم أن بيت (قحطان) يتكون من عدة أسر، وأنّ من هذه الأسر آل اقبال، وآل راشد (يمثلهم فهد بن عب عبدالله
راشد).
بن
وفي السنة التي تليها سنة 635 هـ) والحديث لازال عن آل قحطان جميعهم) (سار) فهد إلى اليمن، ورجع ابن إقبال إلى بلاده (يقصد الشحر)، وفيها ملك أبناء راشد وأحمد بن النعمان شبام، وامتنعت البلاد، وخالفت ابن
إقبال
، ورجع ابن إقبال إلى شبام).
(251) (1/251)
صفحة 252
1
ومن أخبار هذه السنة نفهم أن آل إقبال ولاة الشحر وآل راشد ولاة تريم هـ
هي
أسرة واحدة أسرة آل راشد، وهذا يعطي تفسيرا لاطلاق المؤرخين (دولة آل راشد (على حكم كلا من آل إقبال في الشحر وآل قحطان في تريم، وإذن فإن هاتين الأسرتين هم أبناء) راشد بن قحطان)، وإن آل دغار ولاة شبام هم فرع اخر من (بيت قحطان)، ومما يؤيد العلاقة الأسرية بين الأسر الثلاث هو اتفاق المصادر والمراجع على أن آل راشد وآل دغار هم أبناء عمومة، أي إنهم بيت واحد
وفي سنة 636 هـ: تولى ابن شماخ) نهدي (حضرموت (يقصد منطقة الوادي، وخرجوا عبيد ابن إقبال، وآل أبي قحطان، سوى (بني) أحمد بقى (بقوا) في دمون (بالقرب من تريم). ومن هذا الخبر نفهم أن آل أبي قحطان المعنيون بالحكم والولاية في ذلك العهد، هم بيت قحطان (العليي، بيت الرئاسة في قبيلة الحموم، كما أن مما يفهم من هذا الخبر هو أن بني أحمد كانوا من ضمن) آل أبي قحطان جميعهم) في خبر 634 هـ. ومما يؤيد هذا الفهم هو ما ورد من خبر (ملك أبناء راشد وأحمد النعمان شبام) أي آل إقبال وآل قحطان وبني أحمد (أبناء راشد)، وابن الدغار
(أحمد بن النعمان)
القبيلة هي
يبدو
سنة
أن حضرموت القبيلة يقصد بها هنا قبيلة ((ثعين)) أو أن تكون هذه ذات الشوكة والغلبة في حضرموت القبيلة، وثعين هذه يعدون من الحموم، وأصلهم من ذرية حضرموت)) (69)، وكانت لها ومنذ القديم الغلبة والسيطرة على سواحل حضرموت من ظفار شرقاً حتى بئر علي غرباً، وإلى هذه القبيلة ينتسب آل قحطان، وهم بيت الرئاسة فيها في ذلك العهد، ونفهم ذلك من خبر المؤرخ شنبل: ((في سنة 662 هـ ملك الثعيني الغيل الأعلى المملكة الأولى)) والغيل الأعلى المقصود في ذلك الخبر هو غيل بن يمين)) في الهضبة الوسطى والقريب من الشحر، وهو اليوم الموطن الرئيس لقبيلة ((بيت علي))
(252) (1/252)
صفحة 253
) بفتح العين، وتتكون من البيوت التالية: بيت قحطان، بيت الداولة، بيـ، بيت العاربة، بيت بني أحمد (الحمومية التي ينتسب إليها بيت قحطان الذين لهم رئاسة قبيلة أو حلف الحموم كله، أما ((الثعيني)) المقصود في ذلك الخبر فهو عبدالرحمن بن راشد بن إقبال حاكم الشحر حينها، ويلزم من ثعينية آل إقبال ثعينية كل من آل راشد وآل دغار، وبالتالي ثعينية آل قحطان أو بيت قحطان. و مما يدل على ثعينية بيت قحطان تواجد السلطان محمد عبدالله بن بن راشد في ريدة المشقاص ووفاته بها سنة 689 هـ، وتواجد الشيخ أحمد بن عبدالباقي بن عبدالرحمن أبا قحطان في نفس الريدة و وفاته بها سنة 733 هـ، خاصة وإن ذلك التواجد كان بعد أفول نجم تلك الدول الثلاث، كما أن ثعينية تلك الدول تفسر لنا لماذا هرب راشد بن شجعنة بن إقبال إلى منطقة ((حصوين)) في العمق الثعيني عندما استولى الرسوليون على الشحر سنة 677 هـ كما أن مما يؤيد ما توصلنا إليه من حمومية وثعينية آل أبي قحطان حكام الولايات الثلاث المذكورة، أنه إذا كانت قبيلة بيت (غراب كما في أحداث سنة 590 هـ آل أبي قحطان ولاة تريم وجزء من قوتها العسكرية، فإن هذه القبيلة مع وإلى اليوم لازالت متحالفة مع آل أبي قحطان بيت الرئاسة في (حل (حلف الحموم) ولازالت إلى اليوم أحدى القبائل الرئيسية في ذلك الحلف
متحالفة
(70)
وهكذا نصل إلى أن معتزلة حضرموت في الوقت الذي راهنوا فيه على قبيلة حضرموت في ظهورهم السياسي، فإنما كان رهانهم ذلك على قبيلة ثعين ومن خلال بيت قحطان بيت الرئاسة فيها في ذلك العهد.
يبدو
أن قبيلة ((الحموم)) التي يتولى رئاستها بيت قحطان اليوم، كانوا في الأصل يتولون رئاسة ثعين، ثم حدث خلاف داخل ثعين، أدى إلى نزوح قبيلة الحموم ومن والاها من الثعين إلى منطقة غيل بن يمين وتخومها الشمالية والشرقية مع مرور الزمن تطور الحموم إلى حلف قبلي، وهو اليوم كذلك
الأقرب لدينا أن يكون ذلك الخلاف الذي حدث في الثعين له طبيعة
مذهبية عقائدية، وأنه بسبب عودة الغلبة المذهبية الأباضية في القبيلة، تلك الغلبة
(253) (1/253)
صفحة 254
التي ظهرت بتولي آل أبي دجانة أمر الأباضية في الشحر والمشقاص موطن الثعين، وهو ما ظهر جلياً في القرن العاشر الهجري كما سوف يأتي في حينه.
ويبقى أن نتحدث عن النسب القبلي لـ آل) (الحبوضي الذين تولوا أمر ظفار وحضرموت كلها بعد زوال حكم آل راشد وآل دغار في كل من تريم وشبام في القرن السابع الهجري، فإنه نظراً لطبيعة الأوضاع والأحوال التي مرت بها دولتهم، ومما تقدم في المسألة القبلية، فإنه من المستبعد أن يخرج نسبهم عن قبيلة ثعين وذلك للأسباب التالية:
أ) أن دولة آل الحبوضي كانت في محيط اجتماعي ثعيني ممثلاً بأغلب قبائل ساحل حضرموت شرقا وغربا إذ لم تكن مرباط وحدها عاصمة لامامة آل الحبوضي، بل نجدهم قد جعلوا ميناء (بروم) في الساحل الغربي لحضرموت عاصمة اخرى لهم، ونفهم ذلك من قول الشاعر عمر بامخرمة في ديوانه، في مدح عبدالله بن جعفر الكثيري:
ب)
خاطر كما خاطر علي جدك وخاض اغمارها
حتى سكن بعد الحبوضي في بروم واختارها
وما كان لأوضاع هذه الدولة أن تستقر وتكون بتلك القوة التي ظهرت
بها، لو لم تستند إلى القوة القبلية الثعينية ذات الصولة والجولة في ذلك العهد. أن دولة آل الحبوضي كانت معاصرة ومتحالفة مع دولة آل إقبال الثعينية في الشحر، وكانت الولاية العامة لآل الحبوضي وليست لآل إقبال، حسب ما تقدم في حينها، وما كان من آل إقبال وثعين عامة أن يقبلوا بولاية آل الحبوضي عليهم لو لم يكونوا منهم، ومما يؤيد الولاية العامة لآل الحبوضي على آل اقبال اتحاد آل الحبوضي من بروم عاصمة أخرى لهم، وميناء بروم يقع في الساحل الغربي لحضرموت وغرب مدينة الشحر، فهو إذن أقرب
هو
(254) (1/254)
صفحة 255
إلى الشحر عاصمة آل اقبال، وما كان لآل اقبال وثعين أن يقبلوا بالوجود الرسمي لآل الحبوضي في بروم، لو لم تكن لآل الحبوضي الولاية العامة على
آل إقبال
والأقرب لدينا أن يكون آل الحبوضي من قبيلة الثعين ومن بيت قحطان أيضاً، والأقرب لدينا أيضاً أن يكون لقب ((الحبوضي)) أطلق أول الأمر على شخص متولي حبوضة ونواحيها من آل قحطان، قبل أن يستقر اسماً على أسرة ذلك
المتولي القحطاني.
وبهذا تكون وزارة آل الحبوضي لولاية آل المنجوي تمثيلاً للحضور القوي لقبيلة ثعين عامة وبيت قحطان خاصة في تلك الولاية، كما أن وزارة آل المنجوي لولاية آل الحبوضي فيما بعد تمثل الحضور القوي لأهل الاعتزال المهاجرين إلى حضرموت في تلك الولاية
وبعد: فإن كان لنا من كلمة أخيرة في هذا المقام، فإنها لابد أن تخص
مسألة انطماس النسب القبلي لامامات المدن الحضرمية في عهدها المعتزلي في المصادر الحضرمية، فإنه ليس لنا إلا أن نضيف ذلك الانطماس إلى انطماس نشاط تلك الإمامات السياسي والمذهبي والعلمي في تلك المصادر، وهنا يتضح لنا البعد السياسي والمذهبي والاجتماعي المقصود والمتعمد لكل ذلك الانطماس، وإن ذلك العمل لا يمكن أن يتحقق بتلك الدقة وذلك الإتقان من دون خطة محكمة أعدها ونفدها (دهاة الأخلاف).
أخذ البيعة بالولاية: بعد اشتهار أعلام الاعتزال بذلك الحضور الاجتماعي الرفيع والباهر في الحواضر والبوادي، دفعوا بالجماعات والوجهاء والأعيان منهم ومن الأباضية كذلك، إلى تبني الأباضية كذلك، إلى تبني أخذ البيعة بالولاية لهم في
(200) (1/255)
صفحة 256
عموم المجتمع الذي لم يعد أباضياً خالصاً، بل هو بين الأباضية والاعتزال، وإلى هذه الولاية والبيعة لأهل الاعتزال اشار الإمام الهمداني بقوله:
أقول لأهل الدين إذ صار دينهم يتيماً ولم تسفك عليه المدامع ولكنكم من قبل كنتم ولاتنا فأسلمتمونا حين لحن القواطع وكنتم كلاعبين تعاقدوا للعب وباتوا والكل هاجع حسبتم عقود الله لعباً وعهده ومن بعده شدة وزعازع
وقوله في أخرى:
وفيت بعهدي والأراذل ما وفوا بعهد، وما للأرذلين عهود
ه السيطرة على المنافذ البحرية للبلاد أولاً: يبدو أن أول ظهور سلطوي للمعتزلة كان على مدينتي الشحر آل) إقبال)) وظفار آل) (المنجوي وبهذا يكون المعتزلة قد تمكنوا من السيطرة ليس على اقتصاديات البلاد فحسب، بل وعلى معائش الناس وأقواتها بدواً وحضراً، ولقد ساعدهم على ذلك الظهور المبكر في هاتين المدينتين نشاطهم التجاري الكبير واشتغالهم بتجارة الاستيراد والتصدير عبر هذين الميناءين. هذه السيطرة المبكرة على الشحر وظفار مكنتهم من تأمين الموارد المالية للتوسع في النشاط السياسي، كما أعطى قوة دفع جديدة لقرارهم السياسي بالسيطرة فيما بعد على مدينتي تريم وشبام (6) إدارة الدولة بالحنكة السياسية: ظهرت تلك الحنكة في القرن الخامس الهجري، وذلك حين امتنعت الإمامات المعتزلية عن البيعة للإمام أبي إسحاق الهمداني بيعة دفاع لمواجهة الغزو الصليحي الإسماعيلي على البلاد، وبالتالي تركوا الإمام والقوى الأباضية وحدهم في تلك المواجهة، ولا شك أن ذلك الامتناع جعل عبء المقاومة على القوى الأباضية ثقيلاً، مما دعا الإمام أبا إسحاق إلى الاستعانة بأباضية عمان
(256) (1/256)
صفحة 257
والحقيقة أن قرار الامتناع ذاك لم يكن قراراً اعتباطياً من قبل أهل الاعتزال، كما لم يكن تخاذلاً عن الدفاع عن الوطن والمذهب، بل كان قراراً سياسياً مدروساً، وذلك للأسباب التالية:
أ) أن عهد ظهورهم السياسي في البلاد ليس له من العمر سوى نصف قرن من الزمان، وأن هذا الظهور كان ثمرة جهود استغرقت قروناً من المعاناه والأموال والتضحيات والنشاط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فليس من الحكمة في شيء التضحية بكل ذلك من خلال البيعة للإمام أبي إسحاق،، تلك البيعة التي تعني التنازل عن كل ما تم تحقيقه من مكاسب للقوى الأباضية ربما إلى الأبد، إذ إن تلك البيعة هي مطلب أبي إسحاق، وفيها يقول:
ب)
مارمت إلا بيعة أورثتها من كابر عن كابر عن كابر
كانت خطة المعتزلة تقتضي ((تجميد)) إماماتهم في كل من تريم وشبام في منطقة الوادي حيث تدور المعارك ويستعر القتال بين الأباضية والصليحيين، ونفهم تلك الأوضاع القتالية في الوادي دون الساحل من قول أبي إسحاق:
سأقدح نار الحرب حتى أثيرها بواد تغطيه ذيول الغياهب
هذا ((التجميد)) السياسي لإمامات الاعتزال في الوادي نفهمه من قول الإمام أبي إسحاق:
عجبت لهم إذ دبّروا كيف دبّروا وما وردتهم بالسيوف جنود
لقد خضعوا قبل اللقاء وأهطعوا كما هطعت قبل العذاب نمود
أما إماماتهم في ظفار والشحر فقد ظلت قائمة على حالها قبل الغزو والحرب، إذ لم تمتد إليهما المعارك والقتال، وهذا يعني أن تبقى تلك الإمامات في حالة حشد واستعداد لأية تطورات، في الوقت الذي تنهك فيه معارك الدفاع القوى الأباضية، تلك الأوضاع المستقرة وحالة الاستعداد والحشد العسكري لإمامات الساحل نفهمه
(257) (1/257)
صفحة 258
من قول الإمام الهمداني مخاطباً فارس بن راشد بن إقبال متولي الشحر حينها، داعياً
إياه إلى الاشتراك في قتال الصليحيين بقوله:
ملكت وأمنت البلاد وأشرقت بعدلك في أنجادها والسواحل فيا فارس إن الجنان وحورها مزخرفة للشارين الأفاضل
إلى أن يقول فيها:
ويبدو
ها أنا بالصوت أدعوك معقلاً فكن يا ابن إبراهيم خير المعاقل إذا ما شئت جمع كتائب أشرت إليها قادراً بالأنامل
أن خطة المعتزلة من ذلك التجميد تهدف إلى الإبقاء على قوتهم العسكرية في الوادي والساحل سليمة ومعافاة وقوية بعد انتهاء المعارك، وأيا كان المنتصر في تلك الحرب، فإنه لابد أن يخرج منها منهك القوى خائر العزيمة، عندها سوف تكون القوى المعتزلية هي الأقوى والأقدر على حسم الموقف لصالحها، ويبدو ما حدث فعلاً، إذ أنه، إذ أنه وبعد انتهاء المعارك مباشرة، عادت إمامات
أن ذلك هو الاعتزال إلى تريم وشبام.
وهكذا استطاع المعتزلة إدارة تلك الأزمة العنيفة التي مرت بها البلاد بحنكة واقتدار، وأن يخرجوا منها منتصرين بلا قتال، محافظين على مكاسبهم التاريخية، ولقد تم لهم كل ذلك من خلال استثمارهم للجهد والجهاد الأباضي حتى في أحلك الظروف، وكأني بهم قد تخصصوا في ذلك وأتقنوه
غير أنه ليس كل مرة تسلم الجرة، إذ يبدو أن القوى الأباضية أدركت خطة المعتزلة فيما بعد، وأخذوها بعين الاعتبار أثناء جهادهم مع المعتزلة ضد الغزو الأيوبي في القرن السادس الهجري، وذلك حين حشدت قبيلة نهد)) كل قواها وأحلافها في نهاية الأمر، وهزمت الأيوبيين شر هزيمة، وسيطرت على تريم وشبام، وأطلقت أولاد عبدالله بن راشد من السجن، وأرسلتهم إلى حلفائهم آل إقبال في الشحر، في رسالة واضحة إلى القوى المعتزلية بأنه لم يعد لهم بعد اليوم مكاناً في منطقة الوادي، وبذلك خسر المعتزلة تريم وشبام إلى الأبد.
(258) (1/258)
صفحة 259
البعد الأيديولوجي - السياسي للغزو الصليحي لحضرموت
عن
ذلك
الحديث عن البعد الأيديولوجي والسياسي للغزو الصليحي لحضرموت في القرن الخامس الهجري، كان يفترض أن يكون موضعه عند حديثنا القرن في الباب السابق، غير أن ظروف الدراسة لم تسمح بذلك، إذ أنه إذاكان الوجود الاباضي فيها في ذلك القرن لم يكن موضع شك، فإن الوجود المعتزلي في ذلك القرن لم تتضح معالمه إلا عند حديثنا عن أوضاع القرن السادس الهجري في هذا الباب،. وهكذا جاء الحديث عن الموضوع أعلاه في غير موضعه الزماني التاريخي. ولكنه مع ذلك جاء في موضعه من الصورة التي رسمتها لنا أحداث القرن السادس الهجري الدولة الصليحية في اليمن، كانت شيعية إسماعيلية المذهب، وهي تشترك في هذا المذهب مع الدولة الفاطمية المعاصرة لها في مصر، ولهذا فقد كانت العلاقة بين الدولتين علاقة تلاحم سياسي عميق، إذ إن المسألة المذهبية العقائدية كانت تحتل المقام الأول والأساسي في العلاقات بين الدول في ذلك العهد وتسيطر عليها
المذهب الإسماعيلي مذهب فلسفي، بمعنى أنه يعتمد العلوم الفلسفية في منطلقاته العقائدية، أما نوع تلك الفلسفة التي يعتمدها فهي الفلسفة الهرمسية الغنوصية، والمسائل التي تعتني بها هذه الفلسفة، تدور حول قضية الألوهية ونشوء العالم وقضية النفس وخلاصها وتطهيرها، وقضية وحدة الكون وتبادل التأثير بين أجزائه، وهذه المسائل الهرمسية يتم تأطيرها في العقيدة الإسماعيلية من خلال تأويل النص القرآني، حيث نجد الإسماعيلية حين يتأوّلون النص القرآني: فإنهم يتأوّلونه تأويلا يخترق حدود وشروط التأويل التي تسمح بها اللغة العربية،
(259) (1/259)
صفحة 260
وبذلك يتحول النص إلى جملة من الرموز والإشارات تحتوي أفكارا ونظريات تجد
مصدرها في الفلسفات الدينية القديمة والهرمسية منها بالذات هذا النوع من التأويل يقول به الشيعه (ما عدا الزيدية) والمتصوفة ومختلف التيارات الباطنية في الإسلام، ذلك هو إذن التأويل الفلسفي العرفاني. ويقف في الطرف الآخر المقابل لهذا التأويل، تأويل آخر يعتمده المعتزلة والأباضية وفقهاء أهل السنة، ورغم اختلافهم حول مدى اعتماد العقل فيه، إلا إنهم كانوا جميعا يتقيدون بالحدود التي تسمح بها وجوه البيان العربي في التأويل ولا يتعدونها، مما جعل تأويلهم يبقى دائما بيانيا خالصا من أية شائبة فلسفية
وفي الوقت الذي قام فيه الصليحيون بغزو حضرموت في القرن الخامس
الهجري، كانت أوضاعها المذهبية - السياسية بين الأباضية في البوادي ومناطق
هذه
القبائل، ومذهب الاعتزال في مدنها الكبرى، وهو ما بيناه فيما تقدم من الدراسة. والمذهب الأباضي مذهب عربي خالص، بل هو مذهب أهل البادية والأعراب الذين لا يدرون ما الفلسفة وما علومها، فلم يعرف عن الأباضية الاشتغال بتلك العلوم، ولا دخلت مذهبهم، فقد كانوا وما زالوا يعتمدون القرآن الكريم وما صح لديهم من السنة النبوية، أما ما خلاف ذلك فلا نجد له صدى في المذهب، لا من قريب أو بعيد
ولهذا، فإذا أخذنا بعين الاعتبار حالة العداء والخصام العقائدي بينهم وبين الإسماعيلية، وتعلقهم بالكتاب والسنة لا غير، وكون الأباضية أقل الفرق (البيانية (ممارسة للتأويل، واعتمادهم في أغلب الأحوال على (ظاهر) النص القرآني، وتشددهم في الدين وإخلاصهم في العقيدة، علينا ـــ والحال هذه ـــ أن نتصور المدى البعيد الذي يحكم علاقة التنافر والعداء والإنكار الذي يسيطر على العلاقة بين الدولة الصليحية في اليمن وأباضية حضرموت، ومن هذا المنطل لمق.
(260) (1/260)
صفحة 261
الأيديولوجي العقائدي يمكن ليس معرفة دوافع الغزو الصليحي لحضرم فحسب، بل وأيضاً شراسة المقاومة الأباضية له، تلك المقاومة التي اشتركت فيها أباضية عمان أيضاً، تحت قيادة الإمام المجاهد أبي إسحاق الهمداني الأباضي
الحضرمي
حالة
، ولقد أبان الإمام أبو إسحاق في ديوانه (السيف النقاد) عن الإنكار والعداء تلك في أقوال كثيرة، فالإسماعيلية في نظر الأباضية ليسوا من أهل الإسلام، بل هم على الكفر الصريح، وفي هذا يقول مخاطبا أهل حضرموت في ظل حكم الصليحيين:
أما تنقمون الثأر ممن يسومكم مسام الإماء في كل شرق ومغرب أراكم خضعتم وأختدمتم لكافر وعلمي بكم لا تخضعون لمذنب
ويقول عن نفسه أيضاً في ذلك المعنى:
لا نلت محبوباً إذا لم انقدال أديان من كف الغوي الفاجر
اني أمروء قد بعت نفسي جهرة في
اني وان لم تعرف التقوى فقد
الله، لا بيع الغوي الخاسر
أعددتها حتفا لحرب الكافر
والإسماعيلية هم أيضاً) دناة الورى (أي أخس ما خلق تعالى، حيث يقول
وأي حياة للكريم إذارأى
وهم أيضاً نجس نجاسة الكلب، حيث يقول:
أما
أمن المكارم ان تركة يعـ
-
عن جهلهم بحقيقة الدين فيقول:
دناة الورى أرباب أهل المساجد
يتخدمون لكل كلب صاحي
ما بال من عرف الأحكام يملكه من ليس يفرق بين الميم والألف
(261) (1/261)
صفحة 262
إذا كان ذلك هو حال العداء والإنكار والخصام الذي يسود العلاقة بين
حالها
الأباضية والإسماعيلية، فإن العلاقة بين المعتزلة والإسماعيلية لا تقل عن الأول، إن لم تفقها، ليس بسبب تمكن كل منهما من علومه التي تنفي الآخـ وتقوض مرتكزاته المذهبية العقائدية، وليس لأن المعتزلة كانوا أشد اعتراضا للتأويل العرفاني من أهل السنة بحكم التصادم المباشر بين نهجهم العقلي ونهج الاسماعيلية الغنوصي غير العقلاني، ولكن أيضاً بحكم طبيعة الصراع بين الطرفين الذي اتخذ طابعاً سياسياً عقائدياً أكثر عمقاً ووضوحاً.
ففي العصر العباسي الأول كانت الفلسفة الهرمسية ممثلة في المانوية والإسماعيلية والصابئة، هي الخصم العقائدي و السياسي للدولة العباسية السنية، وكان ذلك الخصم يحاول بقوة تقويض الأساس العقائدي للدولة العباسية تمهيدا لإسقاطها لاحقاً، الأمر الذي يعني تقويض الدين الإسلامي نفسه، ولقد كان ذلك الخصم من القوة إلى الحد الذي كان من أقوى العوامل التي دفعت الدولة العباسية إلى تبني مذهب الاعتزال لمواجهة تلك المخاطر الأيديولوجية المحدقة، ولهذا فقد كان المعتزلة هم أهل الاختصاص والشأن وأيديولوجيو الدولة الموكلة إليهم رد هجمات الأحزاب الهرمسية، ولا بد للمرء أن يقدر الدور الحاسم الذي قاموا به في تحصين الفكر الإسلامي البياني وتطوير العقلانية العربية الإسلامية، وأن يستحضر في ذهنه تلك المعارك الضارية التي خاضوها، فقد تمكنوا من رد هجمات تلك الأحزاب بكل قوة واقتدار، وإرغام خصومهم على الاحتكام إلى البيان العربي كما تحمله اللغة العربية، الأمر الذي يعني نفي الفكر الهرمسي من أساسه منذ اللحظة الأولى.
وهكذا نجد أنه في القرن الخامس الهجري عندما غزا الصليحيون حضرموت، كان كل من المعتزلة الحضارمة والإسماعيلية الصليحيين يحمل
(262) (1/262)
صفحة 263
إرثاً كبيراً من العداء السياسي والأيديولوجي تجاه الآخر، وممالا شك فيه أن الوجود المعتزلي في حضرموت كان يمثل خطراً كبيرا على الدعوة الاسماعيلية ليس
في اليمن فحسب، بل وفي مصر والفاطمية، ولقد بينا فيما سبق أن ذلك الغزو كان بأمر من الخليفة الفاطمي المستنصر، ولهذا الأمر دلالته على البعد الأيديولوجي السياسي لما حدث، فهو يؤكد المدى الذي كان الوضع المذهبي في حضرموت (الأباضي و المعتزلي) لا يؤرق الصليحيين في اليمن فحسب، بل والدولة الفاطمية في مصر أيضاً.
استخلاص:
لقد رأينا حضرموت في القرن الخامس الهجري تتعرض للغزو الصليحي الإسماعيلي، وتكون المقاومة الحضرمية تحت قيادة الغلبة الأباضية فيها، وفي القرن السادس الهجري تتعرض لغزو الدولة الأيوبية السنية الاعتقاد، مع ما صاحب ذلك الغزو من معارك وعمليات قتل ونفي جماعي للعلماء وأهل الحكم والولاة والأعيان، وفي هذا القرن كان الوجود المعتزلي في مدن حضرموت الكبرى واضح المعالم، وتكون نهاية الوجود الأيوبي على يد قبيلة نهد التي سوف
تتضح أباضيتها في حينه
والنتيجة التي نستخلصها من الغزوين الصليحي الإسماعيلي والأيوبي
السني، هو أن أيضاً لم تكن تنتمي إلى المذهب الشيعي العرفاني (الاثني عشري والإسماعيلي)، وإذن لم يبق معنا إلا ما توصلت إليه هذه الدراسة، وهي أن حضرموت حتى
حضرموت حتى نهاية القرن السادس لم تكن سنية الاعتقاد، وأنها
نهاية القرن السادس الهجري كانت بين الأباضية والاعتزال الخالص والزيدي.
(263) (1/263)
صفحة 264
في هذا الباب، وبهدف البدء في وضع مشروع رؤيتنا قيد النظر، ومن أجل استجلاء حقيقة الأوضاع في حضرموت في القرن السادس الهجري، كان لا بد من البدء بعرض الرؤية السائدة في كتب التاريخ الحضرمي، ثم نقد تلك الرؤية، ولقد وجدنا تلك الرؤية، إضافة إلى ما تعانيه من طرح غير علمي، إن
لم يكن (ذاتي (الترعة، وجدناها تعاني من تناقضات دورية لا تكاد تنقطع تلك التناقضات لم تأت من خارجها، بل من داخلها، ومن نفس القائلين بها،
وإن رؤية تلك هي طبيعتها لا بد أن تكون خارج إطار الكتابة التاريخية العلمية
والموضوعية
،
وفي بدء الشروع في الرؤية، كان لا بد من النظر إلى خارج اليمن، كان لا بد من النظر إلى المحيط الإسلامي الفاعل في ذلك القرن، وفي أهم مرتكزاته، ألا وهي الدولة الأيوبية في مصر، وكيف قامت، وما هو مذهبها العقائدي، وكيف تنظر لأهل العقائد الإسلامية الأخرى. فوجدناها سنية الاعتقاد أشعرية متعصبة، تكره المذاهب الأخرى وتحرم التعامل معها ومع منطلقاتها الفكرية الكلامية والفلسفية ورجالها. هذه الدولة حين غزت اليمن الأعلى والأوسط لم يكن فيه أي كيان سني الاعتقاد، بل هو بين شيعة إسماعيلية وزيدية، ثم وجدنا الأيوبيين يقوضون تلك الكيانات من أساسها، ثم بعد تستقر لها الأوضاع هناك، تتجه الحملة الأيوبية إلى حضرموت، وفيها قام الأيوبيون بأبشع مجزرة في حق العلماء والفقهاء والقراء في تاريخ المشرق العربي كله، وكانت المقاومة الحضرمية عنيفة شرسة، استمرت زهاء نصف قرن کامل، هو عمر الوجود الأيوبي في حضرموت. كان ذلك الرصد التاريخي للدولة الأيوبية في مصر ثم سلوكها في اليمن وحضرموت، هو المفتاح الذي من خلاله تم معرفة الأجواء السياسية التي دفعت إمام ورأس معتزلي كبير بحجم العلامة نشوان بن سعيد الحميري، إلى اللجوء إلى حضرموت والعيش فيها عامين
أن
(264) (1/264)
صفحة 265
ونصف معززا مكرما بين الأخوان والأنصار كما قال هو بلسانه، ولقد كانت رحلة نشوان تلك إلى حضرموت، هي الإشارة الأولى إلى الوجود المعتزلي فيها، إذ لم يكن له أن يعيش وهو على تلك المنزلة العلمية المذهبية إلا في أجواء مذهب الاعتزال وما كان المجتمع سني الاعتقاد أن يقبل نشوان بين ظهرانيه ولغرض تحقيق علمي موضوعي لما تقول به رحلة نشوان إلى حضرموت
(
كان لا بد من البحث في تراث ذلك القرن، وبالذات في ما تبقى من تراثه الأدبي. فوجدناه يقول صراحة وبكل جلاء بتلك الأجواء المعتزلية السياسية والعقائدية التي جذبت العلامة نشوان من موطنه الجوف، للعيش في حضرموت، فقد كان تراث الإمام شيخ الإسلام بافضل، خير مثال على المدى المتطور الذي بلغته علوم الاعتزال في القرن السادس الهجري، ثم جاءت قصيدة الشاعر التكريتي وكتاب (تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة) للإمام محمد بن علي القلعي، لتؤكد بمالا يدع مجالا للشك حقيقة الأوضاع المذهبية المعتزلية السائدة في ذلك القرن في مدن حضرموت الكبرى
ومن
التريمي
استجلاء تلك الحقيقة، تم معرفة حقيقة ذلك المجمع العلمي الكبير الذي بلغ قوامه ثلاثمائة عالم وففيه ومفتي، جلهم على مذهب الاعتزال، وقليلهم من الأباضية، ولقد كشفت ضخامة ذلك المجمع مقارنة بحجم تريم أرضا وسكانا، كشفت عن زحف علمي مذهبي معتزلي على حضرموت الاعتزال من كل حدب وصوب من بلاد الإسلام، وقد كان من ثمار ذلك الزحف أن سادت حضرموت في القرن السادس الهجري أجواء علمية زاخرة بالعطاء، فقد كان عدد كبير من اعضاء ذلك المجمع يشتغل بالتأليف، وسادت حضرموت أجواء علمية عقلانية، هي الوحيدة من نوعها من حيث اعتمادها على المنطلقات الفكرية الكلامية والفلسفية للمذهب المعتزلي، بمثل تفرد حضرموت، ليس باحتضان ذلك المذهب فحسب، بل وأيضاً بمثل تفردها باحتضان دولته الوحيدة في التاريخ الإسلامي كله
(265) (1/265)
صفحة 266
المصادر والمراجع:
(1) أحمد أمين: ظهر الإسلام 4/ 4.
(2) نفسه:
07/ 4:
جار الله: المعتزلة /206.
(4) نفسه: /212.
ه آرتور سعد ييف: أبن سينا /51.
(1) جار الله: نفسه / 217
(7) نفسه
(^
الحداد: عقود /82.
الشاطري: نفسه 187/ 1.
10) باوزير: الفكر والثقافة /121.
11) د. محمود إسماعيل: الحركات السرية /96.
(12) بامخرمة: تاريخ ثغر عدن 195/ 2.
13) بامخرمة: نفسه /23.
14) نفسه: 13/ 12، عمارة: تاريخ اليمن /171.
15) الحامد: تاريخ حضرموت /435.
16) الشاطري: نفسه /187.
(17) أحمد أمين: نفسه 51/ 4.
18) الحداد: نفسه 53/ 52/2.
19) أنظر مقدمة الكشاف.
(20) د. عبد المجيد أبو الفتوح بدوي: التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في الشرق /88.
21) نفسه: /91.
(22) نفسه.
(23) الشاطري: نفسه، 179، باوزير: صفحات / 81، الحداد: نفسه / 74.
(24) الشاطري: نفسه /179.
(25) جار الله: نفسه /213.
(26) د. محمد عبد العال أحمد: الأيوبيون في اليمن /337.
(27) ابن حميد الكندي: العدة المفيدة - المقدمة. (28) عمر بن سمرة الجعدي: طبقات فقهاء اليمن /220. 29) د. محمود إسماعيل: نفسه /97. (1/266)
صفحة 267
(30) عبدالله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان /93.
31) المسعودي: مروج الذهب 191/ 2. 32 سوف يأتي الحديث عن أباضية نهد في حينه. (33) محمود إسماعيل: نفسه /94. 34) نفسه: / 084
(35) الشاطري: نفسه /149.
(36) نشوان بن سعيد الحميري: الحور العين /227.
(37) الإمام إبراهيم بن قيس الهمداني: مختصر الخصال /6.
(38) مهدي طالب هاشم: الحركة الأباضية في المشرق العربي /277 (39) أحمد أمين: ضحى الإسلام 337/ 3
40) ترجمة ابن عقيل: نفسه.
41) د. محمد رضا الدجيلي: الحياة الفكرية في اليمن في القرن السادس الهجري /217.
(42) د. بلبع: أدب المعتزلة /127.
(43) الإمام محمد بن أحمد بن أبي الحب التريمي - توفى سنة 611 هـ: القوافي: مخطوط نسخ سنة 1313 هـ من محفوظات الشيخ الفاضل عبدالله عبيد باصلعة – الديس الشرقية – حضرموت. وفي (القوافي) المطبوعة الصادرة عن دار المهاجر ومكتبة تريم الحديثة 1995 م عن نسخة كتبت سنة 1339 هـ، ورد المقطع أعلاه بتصحيف: وحير كنهه عقلاً وفكراً.
ونقول تصحيف ما لم يكن فعلا مقصودا من الأخلاف، فإن كان مقصودا، فإنه يحتوي على معنى عرفاني صوفي واضح، يقول بأن الله تعالى لا يدرك بالعقل، إذ إن المتصوفة يرون أن الله لا يوصف بوصف ولا يتصور لا بالحس ولا بالعقل ولا يقبل التعريف، فهو هوية مطلقة، فالله عندهم (أحد) ولا يقولون (واحد)، ورتبته عندهم (الأحدية) وهي نوع من الوحدة التي لاتوصف ولا يعبر عنها. غير أن هذا المعنى الصوفي لا يستقيم مع باقي أشطار المقطع، بل يتقاطع معها معرفيا كما تقاطع معها مذهبيا، ذلك ان المقطع يذكر بعضا من صفاته تعالى، وتلك الصفات هي من (كنهه (ضرورة، وذكرها يعني أنه تعالى يدرك بالعقل الإنساني، وهذا يعني أن كنهه لم يحير عقلا وفكرا، هذا من ناحية، ومن أخرى فإن ذلك المعنى الصوفي لا يستقيم مع ما في (القوافي) من
للتصوف فكرا وسلوكا كما سوف يأتي.
44) انظر محمد بن علي خرد: غرر البهاء الضوي /393/ 62/34.
نقد
45) نفسه.
46) نفسه.
(47) محمد الملقب سعد بن علوي بن عمر العيدروس العلوي الحضرمي: الآيات المتماثلات والمتقاربات
والمتشابهات: تقديم سالم بن عبدالله بن عمر الشاطري العلوي الحضرمي: المقدمة
(48) ناصر، محمد صالح، منهج الدعوة عند الأباضية، ص (148).
(267) (1/267)
صفحة 268
49) نفسه
50) د. محمود إسماعيل: نفسه.
51) د. أحمد العبادي: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس /107.
52) نفسه.
(53) محمد حسن العيدروس: أشراف حضرموت و دورهم في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا /43. 54) رحلة ابن بطوطة /269.
55) نقلا. عن محمد أحمد الحجري: مجموع بلدان اليمن وقبائلها 658/ 2.
(56) ابن حزم: طوق الحمامة - تحقيق إحسان عباس /72.
57) أبو الوليد بن رشد: فلسفة ابن رشد /60.
(58) عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين 25/ 1.
59) محمود إسماعيل: نفسه /83 وما بعدها
60) يقول المؤرخ البكري عن آل راشد ولاة تريم (وكان آل راشد على قلة عددهم ومع أنهم ليسوا من أرباب المال، يتصدون للحكم بين المتخاصمين والمتنازعين، ولقد ذاع صيتهم و انتشرت شهرتهم في أرجاء البلاد، وصاروا يضرب بهم المثل في العدل، ولذلك كان يهرع إليهم المتخاصمون من مسافات بعيدة، وكانوا أهل زهد و ورع، ولشدة حبهم للخير وحرصهم على الحق، أن اتخذهم الناس ملجأ يلجؤون إليهم للفصل فيما هم فيه مختلفون (انظر تاريخ حضرموت السياسي 80/ 1.
61) عبد الرحمن الخطيب – ت: 855 هـ - الجوهر الشفاف / مخطوط.
(62) شنبل: تاريخ شنبل /70.
63) رحلة ابن بطوطة /268.
64) د. أحمد عبدالله عارف: الصلة بين الزيدية والمعتزلة /32. 65) د. محمد عمارة: المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية /46. (66) محمد عبد الله السقاف: تاريخ الشعراء الحضرميين 54/ 1. (67 عبدالله الطيب بالخرمة: تاريخ ثغر عدن /66. (68) الشاطري: نفسه / 174.
69) الحداد: الشامل /107.
(70) انظر حوادث السنين المذكورة في تاريخ شنبل.
(268) (1/268)
صفحة 269
الباب الثالث
القرن السابع الهجري (1/269)
صفحة 270
[صفحة فارغة] (1/270)
صفحة 271
الأوضاع المذهبية والسياسية
نهاية الغزو الأيوبي:
انقضى القرن السادس ولا يزال الغزو الأيوبي على حضرموت مستمراً والمعارك لا تكاد تهدأ، ويوالي الأيوبيون حملاتهم الواحدة تلو الأخرى، وعلى أثرها يستمر أوار المقاومة وتزداد شدة وقوة تحت قيادة آل راشد ولاة تريم أصحاب الولاية المعتزلية العامة على حضرموت، وتتحالف القوى الأباضية والمعتزلية معاً لصد تلك الحملات، فالعدو واحد، وكل منهما هدف مذهبي للحملة الأيوبية، ففي سنة 604 هـ وصل راشد بن أحمد النعمان الدغار صاحب شبام إلى تريم، ومعه يحيى بن عبدالله باجبير، للسمع والطاعة وإقامة شرائع الإسلام (1). وفي سنة ـ 606 هـ اجتمعوا بني حارثة وبنو حرام على طاعة عبدالله بن راشد الذي أحلفهم على ذلك في جامع تريم
-
(2)
وفي سنة 604 هـ اجتمعت أهل حضرموت وحلفوا على السمع والطاعة وإقامة شرائع
الإسلام (3)
كان الإمام عبد الله بن راشد يسعى من وراء تلك التحالفات إلى
ذلك إلا متى
تخلت
وحدة الصف الحضرمي لمواجهة الغزاة الأيوبيين، ولن يتم قبائل حضرموت عما بينها من أحقاد وضغائن، سواء كانت قبلية أو مذهبية، وفي ظل تلك الأجواء الملبدة بغبار المعارك والقتال، يقتل الإمام عبد الله بن راشد من قبل أحد أفراد القوات الأيوبية وذلك سنة ـ 616 هـ
-
(4)
غير أن مقتل الإمام ابن راشد لم يفت في عضد المقاومة الحضرمية، بل
زادها عزيمة ومضاء، حتى إذا كانت سنة ـ 621 هـ كانت هزيمة الأيوبيين
-
-
بقيادة عمر بن المهدي على يد قوات قبيلة نهد وأحلافها التي بدورها استولت على
(271) (1/271)
صفحة 272
شبام وتريم ومعظم منطقة الوادي، وأول ما قامت به نهد في تريم هو إطلاق سراح أولاد الإمام عبد الله بن راشد من سجن ابن المهدي، الذين توجهوا بدورهم إلى الشحر للإقامة تحت ظلال حلفائهم آل إقبال، ثم إن قبيلة نهد أقامت آل يماني ولاة على تريم بدلا من ولاتها السابقين آل راشد، ثم استولى آل يماني على شبام وحكموها بدلا من ولاتها آل دغار. وهكذا كانت نهاية الحملة الأيوبية على حضرموت.
المذهب العقائدي لقبيلة) نهد (وآل يماني
حملت نهاية الحملة الأيوبية على حضرموت وهزيمتهم على يد قبيلة نهد وأحلافها، تغييرات مهمة على الخريطة السياسية الحضرمية في القرن السابع الهجري، وأبرز تلك التغييرات هو نهاية الولاية المعتزلية لآل راشد في تريم، وبالتالي نهاية ولايتهم العامة على حضرموت، وكذلك نهاية الولاية المعتزلية لآل دغار في شبام، رغم المحاولات المحمومة التي بذلها آل إقبال ولاة الشحر لإعادة الأوضاع في تريم وشبام على ما كان عليه قبل انتصار نهد وأحلافها. وهكذا تقلصت الولاية المعتزلية في مدن حضر موت الكبرى وإن بقيت كذلك في كل من الشحر بيد آل إقبال، وفي ظفار بيد آل الحبوضي كما سوف يأتي ـ علما بأن ظفار لم تصل إليها جحافل القوات الأيوبية الغازية. كما أن من نتائج نهاية تلك الحملة ظهور شوكة قبيلة) نهد (وقيام إمامة آل يماني في تريم وشبام ونحن هنا نسعى إلى تحقيق المذهب العقائدي لكل نهد من وآل يماني، على أننا من قبيلة نهد، التي لا تعطينا المصادر أي ذكر لمذهبهم العقائدي إلا في القرن
نبدأ
-
التاسع الهجري، وهو بلا شك امتداد لمذهبهم في القرن السابع وما قبله، هذا
(272) (1/272)
صفحة 273
المذهب لا بد إن يكون مذهبا غير لأننا
،
سني
غادرنا القرن السادس الهجري
وأوضاع حضرموت المذهبية العقائدية لازالت بين الأباضية والاعتزال
وفي سنة 837 هـ أخذ عبد الله بن محمد بن عثمان العمودي (الخريبة)
بدوعن الأيمن جميعه (5)، وفي السنة التي تليها سنة - 838 هـ أخذ فارس بن سليمان (النهدي) ومخالفه الأيمن جميعه من
العمودي، ورجع كل منهم إلى بلده (1)
840 هـ
عبدالله
بن محمد
عثمان بن
ثم إن العمودي هذا هرب بعد هزيمته إلى (ذمار) حيث توفي هناك سنة
(7)
ويقول المؤرخ الحداد عن تلك الأحداث إن الشيخ عبدالله العمودي كان يهدف من استيلائه على الجانب الأيمن من دوعن (إقامة الشريعة ومحو البدعة) (8)، وينقل المؤرخ الحداد عن أبي مخرمة أن أعداء الشيخ العمودي بعد هزيمته قاموا (بحرق كتبه ((9)
نمد
وإذن فإنّ البعد الديني المذهبي واضح في الصراع بين العمودي وقبيلة وهو لن يكون إلا صراعاً مذهبياً أباضياً معتزلياً، لهذا نجد المؤرخ الحداد يقول حول تلك الأحداث: إن ابن فارس النهدي هو الذي قاوم الشيخ عبدالله بن محمد العمودي لما هجم على (الخوارج) - يقصد نهد ــ واستولى ــ يقصد العمودي ـ على دوعن كله وأخذه من يد الخوارج، في حديث مذكور في
-
التاريخ (10). غير أننا لم نعثر على ذلك الحديث المذكور في كتب التاريخ كما أرشدنا المؤرخ الحداد، غير أنه لا بد أن تكون له مصادره الخاصة التي لم يفصح عنها، على أنّ الأمر المهم في ما حدث هو حدة الصراع المذهبي العقائدي بين قبيلة نهد الأباضية وآل العمودي وأهل دوعن المعتزلة، ذلك الصراع الذي وصل
إلى حد حرق الكتب التي لا بد أن تكون حاوية للمذهب المعتزلي ــ الزيدي
(273) (1/273)
صفحة 274
و مما يؤكد قول المؤرخ الحداد بأباضية قبيلة نهد، وكشفه عن البعد المذهبي ومما
الأباضي لنشاط قبيلة نهد في أحداث دوعن بينها وبين آل العمودي، هو ورود ذكر) نهد) في أشعار الإمام المجاهد الأباضي أبي إسحاق الهمداني في القرن الخامس الهجري، حيث يقول في قصيدة موجهة إلى الإمام العماني راشد بن سعيد يعرض له فيها إرسال نجدة من حضرموت إلى عمان لمساعدته في حروبه مع قبيلتي نهد وعقيل قال فيها:
وما كان من أبناء نهد وأختهـ
عقيل أولي البغي الذي أهلك والحسد لقد زال عن آراء عقيل لنصرهم لشبل الفتى شاذان والديلم الرشد كذلك نهد قد أذلت رقابها لنصرهم الأعداء لقد عجزت ند
وإلى أن يقول: فإن عدلوا عن بغيهم وتراجعوا إلى عسكر الإسلام والحق وارتدوا فأهلاً وسهلاً بالعشيرة إنهم إليكم بإخلاص إلى ربّ السماء ردوا
وإنهم أبوا فاستصرخونا فإننا قريب وما للقوم من صحبهم بـ
هذه الأبيات للإمام أبي إسحاق الهمداني، تقول صراحة بأن قبيلتي نهد وعقيل كانتا في الأصل تحت الولاية الأباضية العمانية وأنهما كانتا ضمن القوة العسكرية المذهبية الأباضية، ثم أنهم اختلفوا مع الإمام راشد بن سعيد وناصروا
نهد
غيره داخل الدائرة الأباضية، فالإمام أبو إسحاق في تلك الأبيات يطلب من أن يرجعوا إلى الحق وهو هنا الولاء للإمام راشد بن سعيد (إليكم
وعقيل
بإخلاص). ويقول المؤرخ السالمي: (نهد وعقيل قبيلتان قد خالفوا الإمام راشد و ناصروا عليه عدوه، وسار إليهم بجيش فرق جموعهم، واستأصل به بغيهم،
وكانت لهم قوة وافرة وصولة قاهرة، وكانت منازلهم بعيدة من نزوى ((11).
(274) (1/274)
صفحة 275
كان ذلك في القرن الخامس الهجري، أما في القرن السادس فإن نهد
وعقيل كان قد استقر بهما المقام في منطقة الكسر من وادي حضرموت وهما فيه
إلى اليوم، وكان منهما ما كان في مقاومة الغزو الأيوبي لحضرموت.
تلك
هي
إذن قبيلة (نهد) وذلك هو مذهبها الأباضي، فهل كان لها
وبعد انتصارها وأحلافها في معركتها مع الأيوبيين وما قدمت فيه من دماء غزيرة طوال نصف قرن تقريباً، أن تقدم تريماً هدية واصلة الخصم مذهبي معتزلي. إن ذلك مالا يقبله عقل أو يستسيغه منطق، أما ما يقبله العقل هو أن تسلم نهد تريم لبعض أحلافها الأباضية، وأقرب هؤلاء إلى تريم وأولى بما هم آل يماني الذين هم
-
على مذهبها الأباضي. غير أن موقف مسعود بن يماني ـ أول متولي إمارة آل يماني ـ من تريم نفسها، ما يؤكد أباضية آل يماني، أنه
في
سنة.
-
636 هـ
عندما استعاد الإمام فهد بن عبد الله بن راشد تريم من آل يماني، دخل مسعود
بن يماني تريما ونهب سوقها وشيئا من دورها، ولم تصل في تريم جمعة باقي رجب وشعبان وثلاث جمع من رمضان إذ أخلى الناس تريم (12)، ويعلق المؤرخ الحامد أنه على ذلك بقوله: (من صنيع مسعود عامل أهالي تريم معاملة انتقامية، ويشهد على ذلك نهبه سوقها وبعض دورها وطرد أهلها إلى القرى المجاورة ولو مؤقتا (13). ترى لو كان ابن يماني معتزليا، شأن تريم ومجمعها العلمي المعتزلي
- هل كان يقدم على هذا العمل الشنيع والسلوك الشائن؟
(270) (1/275)
صفحة 276
ظفار في عهد آل الحبوضي:
بعد وفاة الإمام محمد بن أحمد المنجوي الملقب بالأكحل في نهاية القرن
السادس الهجري، وبعد فترة اضطراب قصيرة، آلت الولاية فيها إلى آل
الحبوضي، نسبة إلى قرية حبوضة في حضرموت، وقد كان آل المنجوي وزراء لدى آل الحبوضي عندما آلت الإمامة إليهم، ومن هؤلاء الوزراء كان أبو محمد سعد بن سعيد بن مسعود المنجوي كان الحبوضيون يقولون بمشورته ووزر لأحمد
بن
محمد الحبوضي ثم لابنه إدريس)
(14)
كل ذلك يعني بقاء الأوضاع المذهبية المعتزلية في ظفار على اعتزالها السابق في عهد آل الحبوضي الذين خلفوا آل المنجوي، خاصة وإن الإمامة آلت إلى الحبوضيين سلمالا حربا، ولو كان آل الحبوضي أباضية لما آلت إليهم الإمامة إلا حربا، كما أنه طوال العهد الحبوضي لم يحدث أي تقارب بينهم وبين الإمامة الأباضية في عمان، ولو كانوا أباضية لظهر التقارب بين الإمامتين واضحا جليا، وإذن فإن المذهب المعتزلي وكذا الإمامة المعتزلية ظلا في ظفار الحبوضي في القرن
السابع الهجري
وبعد أن آلت الإمامة في تريم إلى آل يماني الأباضية، أصبح الوجود المعتزلي فيها في خطر وبلا حماية، وهو الأمر الذي استدعى آل الحبوضي إلى إرسال حامية عسكرية إلى كل من تريم وشبام سنة 623 هـ) (15)، أي في وقت مبكر من إمامة آل يماني، على أننا نرى في ذلك مؤشراً أولياً لانتقال الولاية المعتزلية العامة في حضرموت إلى آل الحبوضي، غير أن قيام آل الحبوضي بحقوق تلك الولاية يتطلب منهم أكثر من إرسال الحاميات العسكرية، وهو الأمر الذي ظهر في عهد الإمام سالم بن إدريس الحبوضي الذي سيطر على الأوضاع في
(276) (1/276)
صفحة 277
حضرموت عندما اشترى شبام ودخل تريم وحصر فيها أبن يماني وفتح (دمون) والعجز والغيل الأعلى وسيئون، وأرسل ابن يماني ولده إلى الغز (آل رسول) فلم يجئ معه بأحد، وأقبل ابن شماخ النهدي (حليف ابن يماني) في عسكر، فحاذر معهم ابن الحبوضي، وانتقل إلى دمون ثم إلى شبام، كان ذلك في أحداث سنة 673 هـ. وفي السنة التي تليها سافر مسعود بن يماني بنفسه إلى
(16)
آل رسول طلبا للنجدة ولكنه لم يجئ بأحد كابنه من قبل (17).
قال المؤرخ الحامد عن الإمام سالم الحبوضي) هو الملك الشهم المتدين ذو الهمة العالية والنفس العصامية). ولقد استمر الوجود الحبوضي في حضرموت، ولهذا يقول المؤرخ الشاطري عنه: (فقد ترك آثاراً عديدة وأموالا كثيرة: أطيانا ونخلا وغيرها، منها صدقاته وأوقافه على المعوزين بكثير من المقاطعات الحضرمية، وقد انتفع بها الأهالي ولا يزالون ينتفعون بها ((18).
غير أن المؤرخ الخزرجي يقول في مسألة الوجود الحبوضي في عهد الإمام سالم بن إدريس: (إن مجاعة عظيمة وقحطا وقعا بحضرموت اضطرا أهلها إلى أن أقبلوا إلى صاحب ظفار سالم بن إدريس وطلبوا منه ما يدفعون به كلب الجوع وسلموا إليه مصانعهم وحسنوا له ذلك، فأجابهم إلى ما طلبوا وخرج معهم إلى حضرموت، ولم يعلم مكرهم ـ كما قال الخزرجي ـ فلما أخذوا منه ما طلبوا سلموا إليه المصانع (القلاع) فقبضها وعاد إلى ظفار، ورأى أنه قد أفلح وأن حضرموت كلها قد صارت في يده، فعند ذلك مالوا ميلة واحدة على مصانعهم وأخذوها طوعا وكرها، وأصبح لا مال له ولا بلاد، فكاد يهلك أسفا على ما فرط في أمواله في غير مواضعها) (19)
-
ويناقش المؤرخ الحامد ما أورده المؤرخ الخزرجي من جميع الجوانب،
وقال إن كلامه (غير مستساغ عندي (وهو يخالف ما أورده المؤرخ شنبل من أنّ
(277) (1/277)
صفحة 278
سالم الحبوضي اشترى شباما من أهلها وأنه استفتح باقي المناطق، أما بالنسبة لقلاع الحبوضي في حضرموت فقد ظلت بيده حتى آخر لحظة من حياته وهي
(20)
التي قاومت الزحف الرسولي عبر حضرموت إلى ظفار (20). ومن مجمل ما فند به الأستاذ الحامد لأقوال المؤرخ الخزرجي، لم يبق من الأسباب التي دعت إلى الوجود الحبوضي في حضرموت إلا السبب الذي تقول به هذه الدراسة، ألا وهو السبب المذهبي والوحدة المذهبية المعتزلية بين الإمام الحبوضي والقاعدة العلمية والاجتماعية في مدن حضرموت الكبرى.
سر
تلك
في عهد الإمام سالم بن إدريس الحبوضي، قام الملك المظفر الرسولي سنة - 678 هـ بغزو حضرموت واستولى عليها وقتل الإمام الحبوضي، وبسقوط ظفار سقطت حضر موت، هذا الحدث الكبير لا بد أن يحمل في ثناياه الحملة الرسولية على حضرموت، وهل كانت تحمل بعدا وهدفا مذهبيا كما هو الحال في حملة أسيادهم بن أيوب على حضرموت في القرن السادس الهجري، لهذا سوف نتابع المؤرخ الخزرجي في (عقوده)، حيث يقول واصفا عملية الزحف إلى ظفار عبر حضرموت (الداخل):
) وسارت الفرقة الثالثة مع الشيخ ابن الحيد، وهم العرب، وكانوا ثلاثمائة فارس ساروا على طريق حضرموت، قهرا على رقاب أهلها، وهي مشحونة بقلاع الحبوضي وأحلافهم، و لم يكن في تلك الجهة أحلاف السلطان من (المظفر (إلا ابن شماخ والشيخ عمر بن علي بن مسعود (بن يماني)، وفيهم أيضاً ميل إلى الحبوضي ((21).
(278) (1/278)
صفحة 279
وما يمكن استنتاجه من ذلك النص للمؤرخ الخزرجي، هو ما يلي:
1 - إن تلك الفرقة التي اتخذت مسارها إلى ظفار عبر وادي حضرموت، قد لاقت مقاومة عنيفة من قبل أحلاف الحبوضي، وأن مرورها كان قهرا وغصبا وعلى رقاب أهل حضرموت. 2 - إن أحلاف المظفر في حضرموت كانت ضعيفة ركيكة، وحتى من عدهم الخزرجي من أحلافه، فيهم ميول تأييد ومؤازرة لعدوه اللدود الإمام الحبوضي، أي إن أعداء السلطان هم الغالبون على حضرموت، ويشمل الأمر الحكم والرعية، لهذا نجد الخزرجي يقول عن هذه الفرقة إنها ما فارقت الحرب ليلة واحدة حتى عبرت حضرموت ترى لماذا طفحت لهجة العداوة والتشفي في عبارات المؤرخ الخزرجي عن أهل حضرموت، مثل قوله (قهرا على رقاب أهلها)، أليس في ذلك دليلا على أنّ أهلها جميعا هم على خلاف مذهبه العقائدي السني. ترى ما هو مقصوده بقوله أحلاف المظفر في حضرموت لهم ميل إلى الحبوضي، فهل يمكن أن يكونوا مع ميلهم إلى الحبوضي حلفاء للملك المظفر. لندع تلك الأسئلة تبحث عن إجاباتها ونحن نتابع الخزرجي وهو يقول:
حتى
(22)
(يقول صاحب (السيرة المظفرية (يمدح المظفر لما أخضع ظفارا وحضرموت: فسأل شبام وحضرموت ومن بها أو عيد يوسف صادق أم مخلف أم راضها بالسيف أغلب لم يزل للحق ينصف الاعادي وينصف
يرمي
فيه لمعوج
الطغاة مثقف
العدى بشواظ كل مثقف إلا بسيف أبي المهند تقطف فهناك ما بقيت لغي هامة
(23)
(279) (1/279)
صفحة 280
في البيت الأول من الأبيات السابقة لا نجد أمامنا إلا التشفي واضحا بهزيمة حضرموت، هذا التشفي جاء من قول الشاعر) ومن بها)، إذ أنه لو قال:) وأهلها) لاستقام البيت، ولكن الشاعر لم يشأ أن يذكر أهل حضرموت بلسانه، تكبرا واستعلاء، فقال (ومن بها)، وكان أهل حضرموت ليسوا بشرا من وجهة نظره، هذا التشفي المغالي لا يأتي إلا متى كانت العداوة دافعة لأي قدر من الرحمة والشفقة ناهيك عن أدب المخاصمة والاختلاف، ولا تكون العداوة بتلك الحدة الإ بين المسلمين والأعداء من الكفار، ولكنها تصل إلى تلك الدرجة من التشفي بين المسلمين متى كانت تلك العداوة ذات أبعاد عقائدية مذهبية، وهو الأمر الذي سيتضح لاحقاً
أما الثلاثة الأبيات الباقية، فلا نجد فيها إلا السباب لأهل حضرموت، فهم (الأعادي) و (العدى) و (معوج الطغاة) و (أهل الغي)، على أن ذلك السباب يعني الحاكم قبل الرعية، وهو رجل الخير الذي امتدت صدقاته واوقافه إلى جميع حضرموت، هي لا زالت ناطقة بفضله وإحسانه إلى اليوم، إن ما يقوله شاعر الملك المظفر الرسولي لا يحمل وراءه إلا الاختلاف المذهبي بين الطرفين، وتعصب آل رسول لمذهبهم العقائدي السني الذي يتمذهب أهل حضرموت بخلافه. ولكن علينا أن نواصل متابعة) الخزرجي) في عقوده،
حيث يقول: (وقال صاحب (العقد الثمين): وقال أخوه (الكندي) مهنئا السلطان المظفر) بانتصاره على أهل حضرموت: الله بسم الرحمن الرحيم، فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (مطالع صدق بالنصر ونورها، و تباشير صدق تضاعف على العالمين سرورها، وسطوات ملك دفع من البدعة
(280) (1/280)
صفحة 281
باطلها، وجيوش نصر عقدت الأرض مشارق قساطلها، وهدمت من ربوع
الغي منازلها، حتى حلت الخسار وأحمد بسيفه نار المبطلين (24).
..
وهكذا نجد في رسالة (التهنئة (الوضوح الكافي والجواب الشافي، لمجمل قصة الغزو الرسولي لحضرموت في القرن السابع الهجري، فنجد فيها أن أهل حضرموت من وجهة نظر آل رسول الأشاعرة، هم أهل بدعة، وليسوا من أهل السنة، لهذا استحقوا محاربة السلطان المظفر لهم، انتصارا (للحق) الذي هو بلغة المذاهب الإسلامية مذهب القائل به، وهو هنا مذهب آل رسول العقائدي السني، أما أهل حضرموت فهم أهل بدعة وضلالة لأنهم أباضية ومعتزلة، وهي نفس القوى المذهبية التي هاجم الأيوبيون حضرموت بسببها في القرن السادس الهجري، وفعلوا فيها الأفاعيل، وهكذا نجد أنّ الغزو الرسولي ليس إلا امتداداً لغزو أسيادهم الأيوبيين الأشاعرة.
ولقد رأينا المؤرخ الخزرجي، يأتي بأقوال وحكايات عن قصة الغزو الرسولي لحضرموت، لا يقبلها عقل، وتحمل من التشفي مالا يليق بعمل المؤرخ، ولقد رأينا شاعر آل رسول وصاحب رسالة (التهنئة) يكيلا السباب والشتائم لأهل حضرموت وأمامهم الحبوضي، وهم، بخلاف ما تقوله البطانة الرسولية عنهم، فكل ذلك مردود ومرفوض، أولا لما بيناه في هذا الفصل، وثانيا اعتمادا لقول الإمام السخاوي رحمه الله: (لا ينبغي أن يقبل قول مخالف في العقيدة على الإطلاق ((25)، بدليل قولهم بالباطل في الإمام الحبوضي الذي قتل وهو يحمل مصحفه، ولولاه لما تم التعرف عليه من بين القتلى (26)، ناهيك عن قوله في أهل
حضرموت وإمامهم الحبوضي بأنهم (مبطلون) التي تعني بلغة القرآن الكفار وأهل
الشرك.
(281) (1/281)
صفحة 282
الأباضية
-
(27)
ولقد أصبح واضحا ما هو مقصود المؤرخ الخزرجي عن ابن يماني وابن شماخ، اللذين عدهما من أحلاف السلطان المظفر، وقال إن لهما ميل إلى الإمام الحبوضي، ونقول: كيف لا يكون لهما ميل إلى الحبوضي وهما من زعماء، إذا كان الخصم هو المذهب العقائدي السني الذي يحارب باسمه آل رسول، فالإمام الحبوضي المعتزلي في هذه الحالة أقرب إليهما من صاحب أي مذهب آخر، بل ويؤكد الخزرجي نفسه أن أبن يماني كان أكبر زعماء حضرموت قوة وعداء ومحاربة للرسوليين منذ بداية غزوهم لحضرموت لقد وجدنا ابن يماني في سنة ـ 673 هـ عندما آلت الأوضاع في حضرموت إلى الإمام سالم الحبوضي، وجدناه يرسل ابنه مستصرخا مستنصراً الملك الظفر الرسولي، ولكنه عاد خالي الوفاض، كما أنه في المرة الثانية يذهب بنفسه إلى الملك المظفر، ولكنه عاد كما عاد ابنه، بلا نجدة أو مساعدة، وليس لهما إلا أن يعودا كما عادا، فليس صحيحا ما ادعاه المؤرخ الخزرجي من أن ابن يماني من أحلاف السلطان المظفر، فليس ثمة مجال للتحالف بين الأباضية وأهل السنة، ولم يحدث في التاريخ الإسلامي كله حتى يحدث في حضرموت، وإنما كان طلب النجدة من الملك الرسولي من أعمال السياسة التي لم تكن تنطلي على الملك الرسولي، فليس من التحالف في شيء أن يترك السلطان الرسولي حليفه ابن يماني يكابد الإمام الحبوضي وأحلافه الحضرمية، وإنما ذاك لأنه لم يكن هناك ثمة حلف ولا تحالف بينهما، كما أنه لم يكن للسلطان الرسولي أن يرمي برجاله في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، ذلك أنه سواءً انتصر في تلك المعركة ابن يماني أو الحبوضي، فليس له مصلحة في ذلك، وتقديم الدعم والمساعدة لابن يماني في تلك المعركة ليس من الحكمة والسياسة في شيء، وما كان للملك الرسولي أن يقدم عليها بأي حال من الأحوال.
(282) (1/282)
صفحة 283
على أن موقف آل يماني من الوجود الرسولي في حضرموت اتضح في مطلع
-
(28)
القرن الثامن الهجري، ففي سنة ـ 723 هـ، هاجم ابن يماني القوات الرسولية في حضرموت، أخذ
منهم
الحول وحاصر شبام وأخذ دمون، كان
ذلك بعد أن أخذ تريم نفسها منهم واتخذها قاعدة لحكمه ولمنازلة الرسوليين وفي هذا القرن توالت هجمات حلفاء ابن يماني على القوات الرسولية في مواقع
من
كثيرة في حضرموت. يقول المؤرخ الحامد عن الوجود الرسولي في حضرموت: (إنه لم يسفر عن أي أثر، إذ لم يترك الرسوليون وراءهم معهدا ولا معبدا ولا مدرسة أو أي شيء مما يحفظ لهم جميل الذكر وحسن الأحدوثة. ويظهر الأمر جليا إذاقسنا ذلك بما تركه أثر الحبوضي على حضرموت، مع قصر مدة دولته بحضرموت، من المآثر والمؤسسات مالايزال موجودا حتى الآن، ناطقا بكرم الحبوضي وشاهدا له بالبر والفضل ورعاية الجميل) (29) ولنا أن نقول تعليقا على تلك الملاحظة القيمة للأستاذ الحامد: وهل كان عهد الرسولييين إلا كعهد أسيادهم الأيوبيين الذين لم تعرف حضرموت في عهدهم الذي امتد على مدى نصف قرن، إلا الدماء والقتال والعسف والاضطهاد، وهل ترك الأيوبيون أثرا واحدا طيبا يحسب لهم حسنة؟
وإذا كان الهدف الأساسي من الحملة الأيوبية على حضرموت لم يكن إلاّ الهدف المذهبي، أي القضاء على الأوضاع غير السنية فيها، وليس هدفهم إصلاح أحوال الرعية، فالأمر نفسه ينطبق على خلفائهم آل رسول الذين كان هدفهم الأساسي مذهبيا بالدرجة الأولى، و لم يكن إصلاح أحوال الرعية من شأنهم، وهذا ما حدث فعلا، فلم يكن لآل رسول أن يبنوا مدرسة أو معهدا أو مسجدا يكون في نهاية الأمر مركز اللمذهب الخصم، على أن سلوكهم هذا هو بخلاف سلوكهم في المناطق السنية من اليمن التي سيطروا عليها، حيث نجد اهتمامهم بالإصلاح بارزا
مائلا
(283) (1/283)
صفحة 284
آل إقبال وآل رسول:
بعد هزيمة الأيوبيين في حضرموت سنة 621 هـ، عاد آل اقبال إلى حكم
الشحر، وقاموا بعدة محاولات لإعادة الأوضاع على ما كانت عليه قبل الغزو
أن
الأيوبي، من حيث إعادة آل راشد وآل دغار إلى مواطن حكمهم، غير محاولاتهم تلك باءت بالفشل، وعندما آلت الولاية العامة في حضرموت إلى الإمام
سالم بن إدريسي الحبوضي، أصبحت الشحر وآل إقبال تحت تلك الولاية، وفي سنة 676 هـ او ــ 677 هـ هجم الملك المظفر الرسولي على الشحر واحتلها وأخذ ريدة المشقاص وهرب ابن اقبال إلى الجبل وحصوين بالقرب من قشن من بلاد المهرة (30)، و لم يكن الإمام الحبوضي وهو صاحب الولاية العامة في حضرموت، أن يقف مكتوف الأيدي أمام هذ الاعتداء على أحد مراكز الاعتزال العتيدة في حضرموت، لهذا نجد فى نفس السنة، جهز الحبوضي جهازات فيها عساكر، فجاوزوا البحر ووصلوا إلى بندر الشحر، ووقع بينهم وبين الرسوليين قتال وقتل قتلى من الفريقين، غير أن تلك المحاولة الحبوضية لاسترداد الشحر من أيدي آل رسول باءت بالفشل، وأحكم الرسوليون قبضتهم على الشحر، أما الإمام راشد بن إقبال، فقد وصل إلى ظفار مقر الولاية المعتزلية العامة، وعندما حدث الغزو الرسولي على ظفار في السنة التي تليها، كان ابن إقبال أسيرا أودعه
بن
شجعنة
(31)
الملك المظفر السجن في زبيد، ثم أفرج عنه وبقي في زبيد حتى وفاته
وليس صحيحا ما يتردد في بعض المراجع من أن ابن إقبال كان يدفع أتاوة سنوية لآل رسول قبل هجومهم على الشحر، ثم إنه حين ظهر الإمام الحبوضي تحالف معه وقطع تلك الأتاوة (32)، وهو الأمر الذي دفع الرسوليين إلى مهاجمة الشحر. فليس من المنطق في شيء أن يدفع ابن إقبال لآل رسول أتاوة في حين لم
(284) (1/284)
صفحة 285
تكن لهم آية علاقة بحضرموت قبل نزولهم الشحر وقبل هجومهم على حضرموت
سنة ـ 678 هـ
على أن آل إقبال لم يقطعوا الأمل في استرداد الشحر من أيدي آل رسول حتى أواخر القرن السابع الهجري، رغم وجود الإمام راشد بن شجعنة في سجن زبيد، ففي سنة ــ 691 هـ وصل عبد الرحمن بن راشد بن إقبال وأبو هبري وآل
حاجة (33)
باعودين وآل صيف (من مناطق دوعن (في عسكر من بني همام العوابثة، رجل ورماة ومائة وعشرين فارسا، وحصروا الشحر ستة أيام، وانتقلوا بغير قضاء. ومن الخبر السابق نجد أن الوجود المقاوم من آل إقبال ممثلا بعبد الرحمن ابن راشد قد انتقل إلى وادي دوعن، بدلا من ظفار والشحر بعد أن سيطر عليهما الرسوليون، وفي ذلك إشارة على بقاء الأوضاع المذهبية المعتزلية في دوعن حتى أواخر القرن السابع الهجري. على أن الأمر الذي يدعو إلى الملاحظة في أمر منطقة صيف وأهلها في تلك الفترة المتأخرة من القرن السابع، وكما ينقل المؤرخ الحامد عن بامخرمة، وفي سنة ـ 689 هـ، قاموا بإزالة الوجود الرسولي في منطقتهم، وانتزعوا منهم حصونها (34) ثم نجدهم بعد ذلك بعام تقريباً يهاجمون بمعية عبدالرحمن الذي نعتقده أنه ابن راشد بن الشجعنة الذي أخذ أسيراً إلى زبيد، نجدهم يهاجمون الشحر ويحاصرونها، فهل يعني ذلك أنه كانت في ذلك الوقت في صيف من وادي دوعن قيادة معتزلية تحاول استرداد شيئا من المجد السلطوي المعتزلي؟.
(280) (1/285)
صفحة 286
الخلاصة:
في القرن السابع الهجري، تعرضت حضرموت لغزو عقائدي سني آخر، وكان هذه المرة من قبل آل رسول خلافاء الأيوبيين في اليمن، وكان هدفه الأساسي هو استكمال المهمة التي لم ينجح فيها الأيوبيون، ألا وهي القضاء على ما تبقى من الوجود السلطوي المعتزلي في حضرموت، ممثلا بإمامة آل الحبوضي في ظفار وإمامة آل إقبال في الشحر، ولقد استطاع الرسوليون إكمال تلك المهمة على أكمل وجه وأحسن مقام، غير أنّ المقاومة الحضرمية الأباضية والمعتزلية لم تهدأ أو تستكين طوال هذا القرن، وكان من نتيجتها إضعاف الوجود الرسولي في حضرموت، خاصة في منطقة الوادي، وإن بقي قويا في منطقة الشحر الساحلية.
(286) (1/286)
صفحة 287
من أعلام الأباضية في القرن السابع الهجري
الفقيه الشاعر أبو الحسن علي بن عقبة الهجراني المتوفى سنة 695 هـ
قال عنه بامخرمة (هو أبو الحسن علي بن عقبة بن أحمد بن محمد الزيادي الخولاني، كان فقيها فاضلا لا سيما في علم الأدب، وله شعر جيد، منه:
أعدائه
إذا لم يكن للمرء ذي العلم جاهلا يدافع عن أعراضه ويناضل الأعداء إليه تعمدا ونال السفيه عرضه وهو غافل
حطت قدم
وكان ممن قدم على المظفر الغساني، وله منه رزق يعتاده، فحسده بعض وكاد له عند المظفر، فأمر بحبسه في عدن، فعمل قصيدة يعتذر فيها، وأرسلها إلى السلطان، فلما وقف عليها المظفر جوب له بقول ابن دريد: ومن لم يقف عند انتهاء قدره تقاصرت عنه فسيحات الخطا
فجوب ابن عقبة عن هذا البيت بقول ابن دريد (أيضاً):
وهل أنا بدع من عرانين علا جار عليهم صرف دهر فاعتدي
فلما وقف السلطان على جوابه صفح عنه وأمر بإطلاقه (35).
وقال عنه السقاف: هو الفقيه العلامة والأديب الشاعر، مولده بمدينة الهجرين في أجواء سنة ـ 635 هـ، وبها نشأ بين ظهراني عشيرته آل عقبة الخولانيين،
-
بيت العلم والفضل، متخطيا أدوار النمو حتى اكتمل رجلا، فكان عالما وأديبا وشاعرا، وفي أجواء سنة ـ 670 هـ غادر وطنه هاربا من آل جعفر الكنديين
أمراء الهجرين ونواحيها، خوفا على نفسه منهم لسبب غامض
(287) (1/287)
صفحة 288
ويضيف السقاف: ويحدثنا (الجندي (عن اتصاله بالملك المظفر الرسولي، وكثرة تردده على مدينة تعز، مقدما إليه مدائحه فيه، وقد كان من حق الشيخ أن يبتعد عن السياسة ومنافسة أربابها، ما دام قد اكتوى بنارها وسقط في ميادينها منكوبا، ولكنه من مدمنيها، وكيف يتخلى عنها وقد أصبحت كيفا لا دواء له، وداء لا شفاء له، فيزج بنفسه في السياسة اليمنية، وتتمخض عاقبته عن وشاية عند الملك، وتذهب به إلى قلعة عدن مسجونا لشهور، يقدم في أثنائها ابنه العلامة الشيخ أحمد إلى عدن متشفعا لأبيه من الاعتقال ومقاساة
متاعبه.
ثم يورد السقاف خروج الفقيه بشفاعة بيت الشعر لابن دريد، كما
أورد ذلك بامخرمة
ويضيف السقاف: وفي مدينة عدن وافته المنية في أجواء سنة ـ
_
695 هـ منكوبا بائسا في حياة مضطربة، وبها دفن بتربة القطيع. ولو لم يكن الشيخ على حظ في شيء كما وقع له من الحظ الحسن في شعره، لاسيما في قصيدته الرائية التي أرسلها من الجوف إلى أصدقائه الأمراء الكنديين، فقد لاقت ذيوعا عظيما وشهرة مستفيضة في الاوساط الحضرمية حتى ندر أن يجهلها أديب حضرمي، وشعره كما سترى أنموذجا منه طلي في جودة وطراوة، وما ديوانه سوى نزر يسير من كثير لم يدون
(36)
وقال الحامد عن القصيدة الرائية وصاحبها ابن عقبة: وهذه القصيدة تدل على تمرس صاحبها في الأدب والشعر، وقد سبق ان قلنا أن له ديوانا، ولكن لم يسعفنا الحظ الاطلاع عليه، وعلى كل حال فالقصيدة المشار إليها صورة صادقة على مبلغ مالدى هذا الأديب من الموهبة الشعرية وقوة الملكة
فيه (37).
(288) (1/288)
صفحة 289
(38)
رائية ابن عقبة (كما هي منشورة)
أصبرت نفس السوء ام لم تصبري بيني وما تموين يوم إني امرء عف الإزار عن الخنا لم أغش منذ نشأت باب المنكر والله ما صافحت كف بغية كلا، ولا نادمت شارب مسکر إلا على كسب العلوم مخيما وبكاي في طلب العلا وتحسري ما همتي إلا اقتناء مكارم قصر الزمان وهمتي لا تقصر و قسمت حالاتي ثلاثا دونها يكبو الهمام المضرحي الشمري كر ما تدين له العفاة وحالة ظهر جواد، وحالة للمنبر فكفى بذا فخرا على كل امرء يسعى على أثري ليدرك مفخري بما أوتيته من همة قعسا تنيف على السماك الأزهر إني من العرب الذين نجادهم من خالص العقيان لب الجوهر من شم خولان بن عمر و منصبي وهم قبيلي في الأنام ومعشري وإذا اعتزوت فآل عقبة عزوتي وبنو زياد الغر منبت عنصري وخلصت من كهلان من بين الورى لا جرهم قومي ولا من حمير واتخذت أصحابا إذا نادمتهـ لم أخش منهم من ينم ويفتري علمي وحلمي والحصان وصارمي وندى يميني والعفاف و دفتري يا راكبا لشملة مهرية و جناء دوسرة سلالة دوسر تطوى القفار البيد تنتهب الفلا كالبرق يلمع من خلال العثبر من شط ميناء الرديف ترحلت سحرا، وعاد الفجر لما يسفر قطعت ضحى رمل الكديف ومنحصا والقرى جازت ولم تتحير وبمذنبي أنصاص ثم بجـ نفرت نفور الخشف خوف المنسر
وردت قبيل الفجر علقم شبوة والآل يمكر بالصدى ويفتري وسط مطار في الفلاة وتجتري
وتروحت عصرا وأمست ترتعم
حتى إذا ما الليل أبرد شره وسرت على الوجناء أم حبوكر با در تها بالرحل ثم نسأتها فجرت كجري الأجدل المتحدر
(289) (1/289)
صفحة 290
و بدهر جازت ثم رخية بعدها وعلى المزاد كمثل برق مغـ ومدورة جازت ولم تلبث كبا إلا مقام مسل م ومخبر وبدأ الصباح من كندة بقرار عرصتها سلالة جعفر أهل المكارم والفضائل والعلا وملاذ كل مطرد و منفر وملوك كندة في القديم وبعد ما جاء البيان على لسان المنذر من تلق منهم تلق أروع ماجد جلت مآثره ولما تحصر يتبادر أن سنانه و بنانه ذا علقم مر وذا من سكر فسنانه حتف على أعدائها و بنانه غيث على المستمطر أعددتكم عونا لكل مكسر عرضي، فكنتم عون كل مكسر وتخذتكم لي محجرا، فكأنما ختل العدو مقاتلي من محجري فلا نفضن الكف يأسا منكم نفض الأنامل من تراب المقبر ولأ بعدن وفوق بعدي مثله وأقول للنفس الضعيفة اصبري ثم الصلاة والسلام على النبي الشافع المقبول يوم المحشر
تلك
هي
المعلومات التي تمدنا بها المصادر الحضرمية عن الفقيه الأديب
علي بن عقبة، إضافة إلى قصيدته الرائية، غير أن تلك المعلومات في حاجة إلى
وقفة تحقيق قبل التحليل، حتى يمكن القول بأباضية الشاعر
تحقيق شخصيته ومذهبه:
ورد اسمه في تلك المراجع على أنه (علي بن عقبة بن
بن محمد الزيادي الخولاني)، غير أن هذا الاسم لا ينسجم مع قوله
أحمد
نفسه عن
(وإذا اعتزوت فآل عقبة عزوتي) أي إن (عقبة (ليس اسم أبيه كما تورد ذلك
المراجع، بل هو اسم الفرع القبلي، وبهذا يكون اسمه: علي بن
بن عقبة الزيادي الخولاني
أحمد
بن
محمد
(290) (1/290)
صفحة 291
التدخل في القصيدة:
القصيدة كما هي منشورة من قبل الأخلاف، تتكون من سبعة وثلاثين بيتا، بدأها الشاعر بمخاطبة النفس على طريقة الخوارج والأباضية، باعتبارها أمارة السوء والفحشاء، ونهيها عن الهوى هو الطريق إلى الفوز بنعيم الآخرة، وذلك لقوله تعالى:
(ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها) (39).
وقوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فان الجنة هي المأوى} (40) هذا من ناحية، ومن أخرى، فإن الخوارج والأباضية، إنما سموا أنفسهم (الشراة (لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فهم لا يسعون إلا إلى نعيم مقيم، ولهذا يعملون، ولقد وجدنا هذا الخطاب يكاد يسود أغلب قصائد الإمام أبي إسحاق الهمداني في القرن الخامس الهجري، وديوانه مثال الأدب الأباضي الحضرمي وبعد البيت الاستهلالي، يبدأ في ذكر فضائله ومكارمه المكتسبة التي حققها بفضل همته وعزيمته وجده واجتهاده، وينهي ذلك بقوله:
وحسبي بما أوتيته من همة قعسا تنيف على السماك الأزهر
ثم ينتقل إلى ذكر مفاخره في النسب العربي الصريح الصافي، وهو في هذا لا يخرج عن مفاخرة الخوارج والأباضية بأصولهم العربية الخالصة، إذ إن الأصل في التنظيمين الصفري والأباضي أن يكونا حكرا على العناصر العربية، قبل أن يفتح الباب أمام الموالي (41)، وينهي ذلك بقوله:
وخلصت في كهلان من بين الورى لاجرهم قومي ولا من حمير
(291) (1/291)
صفحة 292
ثم يعود الشاعر ــ كما في القصيدة المنشورة ـ مرة أخرى إلى ذكر
فضائله ومكارمه المكتسبة من خلال البيتين التاليين:
-
واتخذت اصحابا إذا نادمتهم لم أخش منهم من ينم ويفتري علمي وحلمي والحصان وصارمي وندى يميني والعفاف ودفتري
ثم ينتقل إلى ذكر رحلته من (الجوف) إلى مدينته (الهجرين) في وادي دوعن، ثم ينهي قصيدته بالصلاة والسلام على سيد المرسلين، وهذه الخاتمة تصم كل قصائد ديوان الإمام أبي إسحاق الهمداني الأباضي في القرن الخامس
الهجري.
إن التدخل الذي نرى أنه قد حدث في القصيدة، يأتي من خلال نقل البيتين أعلاه) واتخذت، علمي (من مكانهما وبترهما من سياق ذكر فضائله ومكارمه المكتسبة، وإذا أردنا إعادتها إلى سياقها الموضوعي، فإنه يأتي على النحو التالي:
أصبرت نفس السوء أم لم تصبري المحن بيني وما تهوين يوم إني امرء عف الإزار عن الخنا لم أغش منذ نشأت باب المنكر الله ما صافحت كف بغية کلا، ولا نادمت شارب مسکر إلا على كسب العلوم مخيمـ وبكاي في طلب العلا وتحسري واتخذت أصحابا إذا نادمتهم لم أخش منهم من ينم ويفتري وما همتي إلا اقتناء مكارم قصر الزمان و همتي لم تقصر علمي و حلمي والحصان وصارمي وندى يميني والعفاف دفتري و قسمت حالاتي ثلاثا دونها يكبو الهمام المضر حي الشمري كرما تدين به العفاة وحالة ظهر الجواد وحالة للمنبر وهكذا نجد أن البيتين المعنيين بالنقل والتحويل ـ كما حددت المراجع
موقعها ـ تعطي معنى يقول: إن شاعرنا ليس له رفقة أو صحبة في الحياة، إلا
—
(292) (1/292)
صفحة 293
علمه وحلمه وحصانه وسيفه
،
وهذا المعنى الذي أرادته المراجع لا يليق أن
يقوله شاعر فقيه عن نفسه، إضافة إلى أنه معنى سقيم لا يليق لابن عقبه أن يأتي به، وهو فعلا لم يأت به، فلو كان أراده حقا وافتراضا، فما ضره لو ذكره في سياق حديثه عن مكارمه وفضائله المكتسبة، لا أن يأت به استئنافا لحديث سبق وانتهى، وجئ بعده بحديث آخر.
أما موقع البيتين كما أوردناه أعلاه، فإن كلا منهما جاء في ترابط مع ما سبق ومالحق من أبيات القصيدة، فهو عندما تحدث عن تعلقه بكسب العلوم
لهم
وطلب العلا، بين لنا أن طريقته في ذلك كانت اتخاذ صحبة ورفقة علمية، صفاتهم الخاصة التي ذكرها، فهي إذن صحبة ورفقة علمية مذهبية اتضح لنا أباضيتها، كما سوف يأتي، وهذا المعنى الأخير الذي يعطيه موقع البيت كما
حددناه، هو المعنى الذي أرادت المراجع إبعاده وإقصاءه من القصيدة، من خلال نقل البيت من مكانه وسياقه، وربطه بالبيت الآخر، حتى يأتي المعنى على ما أرادته لا على ما أراده الشاعر، كل ذلك حتى يضيع أي بعد مذهبي غير سني في القصيدة، تأسيسا لدعوى النهاية الأباضية المبكرة في حضرموت. على أنه من المهم هنا القول، إن التدخل والتعرض للقصيدة بالتشويه والتحريف من قبل المراجع، ليس الأول بالنسبة لابن عقبة، فلقد رأينا كيف أنّ ذلك الأمر لم يسلم منه حتى اسمه الذي حولت وحورت فيه رغم وضوح الأمر فيه، وما حدث في القصيدة هو بعينه ما حدث في الاسم، حتى أن المؤرخ الأديب الحامد عندما لاحظ بعضا من الخلل في قصيدة ابن عقبة، لم يستبعد تعرضها للتحريف أو
الزيادة (42)، ونحن هنا نحقق شكوكه، وهو الأعلم بشئون الأدب وعيوبه منا
(293) (1/293)
صفحة 294
أباضية القصيدة:
لقد خلصنا عند حديثنا عن الأوضاع المذهبية في حضرموت في القرن السابع الهجري، أنها كانت، بل ظلت على سابق عهدها بين الأباضية والمعتزلة، رغم ظروف الغزو الرسولي السني الذي داهمها في أواخر ذلك القرن، فما كان للوجود الرسولي فيها أن يغير شيئا في مذهبية حضرموت غير السنية التي ترسخت خلال قرون عديدة، وأصبحت أعمق غورا في الحياة العلمية والاجتماعية الحضرمية، ومسيطرة على الوجدان الفردي والجماعي، وإذا كان الأمر كذلك فإن فقيهنا الشاعر ابن عقبة أما أن يكون معتزلياً أو أباضياً، ولا احتمال لثالث.
الأدب
وإذا حاولنا المقارنة بين قصيدة ابن عقبة وبين النماذج السابقة من المعتزلي في حضرموت في القرن السادس الهجري: قصيدة الإمام القلعي في شيخه بافضل، القصيدة الفكرية للشيخ بافضل، قصيدة الشاعر التكريتي، لما وجدنا ثمة علاقة موضوعية أو فنية أو أدبية تربط تلك القصيدة بالأدب المعتزلي، وإذن فإنها تنتمي إلى الأدب الأباضي و الخوارجي
(43)
إن قصيدة ابن عقبة تمثل خير تمثيل النفسية والحياة البدوية العربية، بما فيها من ترحال وانتقال بين الفيافي والقفار، وفخر وافتخار بالأصول العربية، وإشادة بأخلاق التقوى والصلاح والبعد عن المعاصي والآثام، والنفس العصامية التي تأبى إلا أن تكون نموذجا في طلب العلا والتفوق على الآخرين، كما أن ثقافتها اللغوية الأدبية خالية أو تكاد من أية مؤشرات فنية جمالية كانت قد دخلت في صميم الأدب العربي منذ زمن بعيد من العصر الإسلامي
تلك الخصائص التي تحملها قصيدة ابن عقبة تجعلنا نحكم بأباضيتها لا محالة، فقد وصف المؤرخ أحمد أمين أدب الخوارج في القرن الثاني الهجري بقوله:
(لقد كانت ثقافة الخوارج - بحكم غلبة البداوة عليهم ـ ثقافة عربية خالصة، لا
—
(294) (1/294)
صفحة 295
أثر فيها لفلسفة اليونان، كما هو الحال في ثقافة المعتزلة، ولا أثر فيها لثقافة الفرس، كما هو الحال لدى الشيعة، فقد ثقف الخوارج انفسهم ثقافة أدبية لغوية
تفهم
على نمط العرب في ثقافتهم، وثقافة إسلامية على النمط المعهود في عصرهم، من الكتاب والسنة، في سهولة ويسر فكان على أدبهم هذا الطابع ((44) وهكذا نجد أن التحليل الفني المذهبي لقصيدة ابن عقبة يقودنا إلى الحكم بأباضية تلك القصيدة، ورغم مجيء تلك النتيجة متفقة مع ما سبق أن توصلت إليه هذه الدراسة، من حيث استمرار السيادة الاجتماعية والسياسية لمذهبي الأباضية والاعتزال في نهاية القرن السابع الهجري، إلا أنّ ذلك لا يعفينا من مقارنة قصيدة ابن عقبة بالأدب الخوارجي والأباضي في القرون السابقة.
ليس بدعا في الأدب الخوارجي والأباضي أن يبدأ ابن عقبة قصيدته بمخاطبة النفس بإرغامها على مواجهة المكاره والمحن وقهرها لتبتعد عن مواطن السوء والفواحش، والإقبال على أعمال الخير والتقوى وطلب العلا، فالنفس الخوارجية والأباضية نفس عصامية مكافحة، تقتحم المهالك دون خوف أو وجل، حتى ولو كان الأمر يتعلق بمواجهة الموت واقتراب الأجل، فهذا الشاعر الخارجي قطري بن الفجاءة (ت - 78 هـ) يقول وقد تيقن من حتفه وهو يلفظ أنفاسه
الأخيرة:
أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال ويحك لن تراع فإنك لو سألت بقاء يوما على الأجل الذي لك لن تطاع فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلو د بمستطاع ولا ثوب البقاء بثوب عز فيطوي عن أخي الخنع اليراع سبيل الموت غاية كل حي فداعية لأهل الأرض داع و من لا يغتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع
(290) (1/295)
صفحة 296
وهذا الشاعر المقاتل الخارجي طرماح بن الحكيم يقول:
إذا قبضت نفس طرماح أخلفت عرى المجد واسترخي عنان القصائد
وفي نفس موضوع قصيدة ابن عقبة، يقول الإمام الأباضي الحضرمي أبو إسحاق الهمداني مخاطبا نفسه:
لا ترفعي طرفا إلى دار الفنا فالموت آت والقضاء آت واستعملي التشمير في طلب العلا إن التوان في الخدر للغادات
ويقول مثل ابن عقبة في كبر الهمة والعزيمة واباء السكوت على الضيم:
وأورديني في الأمر والنهي همتي وعزمي وما أوتيته من بصائر وكان عزيزا أن أقيم بمترل إقامة وهن راغم الأنف صاغر
ويقول أيضاً عن نفسه:
عزت عليه نفسه فاغتاظها بالهون كي يحظى بعز في غد
كما اشتهر الأباضية والخوارج بالاعتزاز بأصولهم العربية القحطانية، كما هو الحال
عند ابن عقبة، وفي هذا يقول أبو إسحاق:
فيا آل عبد المدان عمومتي و يا آل همدان يا آل منصبي
وحين يستنهض همم الحضارم لقتال الصليحيين، يقول: كانت بنو قحطان لا تغضى على ضيم ولا تكبو على الغـ
سارات (45)
وهم يشتهرون بالفروسية وشدة العزيمة في الحرب وعشقهم للترحال في سبيل العلا
والمجد، وقول ابن عقبة في وصف ناقته، كقول طرماح:
كان المطايا ليلة الخمس علقت بوثابة تنضو الرواسم شحشح
(296) (1/296)
صفحة 297
وكقول أبي إسحاق مخاطبا بعض عساكره:
فشدوا على بكريكما وتروحا عشياً واستدلا بالنجوم الزواهر إلى أن تنيخا بالذي شاع ذكره وعم نداه كل باد و حاضر
ومنه قوله أيضاً:
فشمرت تشمير امرء لو تسنمت له ريح جذ، وطار فوق الأعاصر عبرت شناخيبا وجبت مهامها وكابدت لجات البحار الزواخر
وإذا نظرنا في أسلوب ابن عقبة في الهجاء، فنجده يبدأ بذكر فضائل السلف من كندة، ثم يأتي على ذكر مثالب الخلف منهم، وذاك بعينه أسلوب الإمام أبي إسحاق الهمداني، فعندما أراد ذم الإمامات الحضرمية التي لم تشاركه قتال
الصليحيين، قال:
كانت
بنو قحطان لا تغضي على ضيم، ولا تكبو على الغارات فاستخلف من بعدهم خلف رضوا من دهرهم بالرغم والذلات
وهكذا نصل إلى أن قصيدة الفقيه ابن عقبة لا تخرج قيد أنملة عن الأدب الأباضي، ليس كما تحدث عنه المؤرخ أحمد أمين فحسب، بل وجاءت مطابقة
للنماذج المعروضة منه، بما في ذلك استخدام نفس الألفاظ والعبارات، خاصة أشعار الإمام أبي إسحاق الهمداني.
على
أنه، من المهم القول إنه ما كان لأدب الخوارج والأباضية أن يستمر في حضر موت حتى القرن السابع الهجري، بنفس خصائصه ونفسه الأدبي المذهبي، لو لم يكن يتحصن بفكر مذهبي حي، يمده بعوامل البقاء والاستمرار، ومقاومة الجديد الطارئ، غير أن الخوارج لم يعد لهم وجود في بلاد الإسلام منذ قرون خلت، فقد اندثرت مذاهبهم و اندثر معها أدبهم، ولكن الأباضية بقيت حية
(297) (1/297)
صفحة 298
نشطة،
، وهي
كذلك إلى اليوم، وإذن، ما سوف يبقى من أدب مشترك بين الخوارج والأباضية، هو الأدب الأباضي وحده، وهو إذ يبقى ممثلاً بقصيدة أبن عقبة في القرن السابع الهجري، فإنه إنما يبقى حياً في موطن الدعوة الأصلية بلغة الإمام الهمداني، في حضرموت، حيث لازال المذهب الأباضي بها من القوة والحضور على ما بيناه عند الحديث في أوضاعها المذهبية والسياسية في هذا القرن.
إشارة ابن عقبة إلى أباضيته:
لم يفت أبن عقبة ان يشير في قصيدته إلى مذهبه الاباضي، وذلك من
خلال البيت الذي تعرض للنقل والتحويل، وهي اشارة فقهية ولكنها صريحة الدلالة على مقصده:
وتخذت أصحابا إذا نادمتهم لم أخش منهم من ينم ويفتري
في البدء نود القول ان كلمة (أصحاب (إذا جاءت على لسان فقيه، فانه يقصد بها الصحبة المذهبية، هذه الصحبة هي مقصود الفقيه أبن عقبة في البيت
المعني.
واما حكمنا بانه يقصد الصحبة المذهبية الأباضية ولا سواها، فان ذلك يأتي من ان الأباضية ترى أن مرتكب الكبيرة كافر نعمة لا كفر شرك، وإذا خرج
من الدنيا غير مقلع عن الكبيرة فهو كافر مخلد في النار، وهم بذلك يخالفون باقي المذاهب الإسلامية السنية.
مع
المعتزلة
اما مرتكب الصغيرة، فإن أباضية المشرق) عمان وحضرموت) يرون ان مرتكبها المصر عليها كافر هالك في النار، وحكمه في الدنيا انه موحد، لا يوصف بالفسق و الضلال، ثم ولا بالكفر، حتى يعلم منه الاصرار عليها، والعزم على عدم
(298) (1/298)
صفحة 299
تركها و التوبة عنها، ومن تلك الصغائر الكذب الخفيف والرقص واللعب غير
المباح (46).
هذا التشدد من الأباضية تجاه مرتكب الكبيرة والصغيرة معا، انما يأتي من ربطهم بين الايمان والعمل، فالايمان لديهم يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ولهذا فان ما يراه أهل السنة صغائر لا توجب تكفيراً، يرونه الأباضية كبائراً عظيمة توجب التكفير، وقد تمحق الايمان، وعدم التوبة عنها يعني الكفر والخلود في النار، ومن تلك الاعمال الغيبة والنميمة والكبر والخيلاء، بل ويرى الأباضيون أن الغيبة والنميمة مفطرة للصوم و مبطلة للوضؤ (47). ذلك إن الاباضية يرون إن من نواقض الوضوء: الكذب والغيبة والنميمة، وايمان الفجور ولعن من لا يستحق اللعن او لعن المسلمين او شتمهم او الطعن في دينهم او الكلام بالشرك والكفر والفحشاء والمنكر، وكذلك عمل الكبائر (48).
وأبن عقبة في ذلك البيت، انما يتحدث عن علماء مذهبه الاباضي الذين اتخذهم اصحابا، الذين يرون تلك الاعمال كفرا، لذا فهم (أي العلماء) عندما يجالسهم، فانه مطمئن إلى أنهم أهل ايمان وتقوى، فلن ينموا او يتغيبوا او يكذبوا على احد، وبالتالي فان مجالستهم لن تكسبه ذنباً او اثما، بل هي مجالس علم وخير وفضل وفيها حسن الجزاء من الله تعالى
وبهذا المعنى، فان أبن عقبة لا يفتخر بأباضيته وبتميزها عن باقي المذاهب
فحسب، بل وأيضاً يلمز إلى تعصبه لمذهبه
.
على ان ما نراه في قصيدة أبن عقبة من صلاح وتقوى واخلاص في العقيدة، انما
هو من صميم
المذهب الاباضي، حسب نظرتهم في الكبائر والصغائر، وهذا الامر
معروف عن الخوارج والأباضية واشتهروا به
(49)
وهكذا نصل إلى أباضية الشاعر والقصيدة، ويبقى ان نرى كيف انعكست
مذهبيته الأباضية وتعصبه لها، على نشاطه السياسي، فإذا تحقق لنا ذلك، فانه يدفع
(299) (1/299)
صفحة 300
باي مذهبية اخرى للشاعر، خارج مجال الامكان والتوقع، ويوافق ما تقول به هذه الدراسة باستمرار وثبات الاوضاع المذهبية والسياسية في هذا القرن بين الأباضية
والمعتزلة.
نشاطه السياسي المذهبي
فيما اورده السقاف، وجدناه يقول ان أبن عقبة قد مارس السياسة واكتوى بنارها في منطقته الهجرين ونواحيها، وكان ذلك النشاط السياسي سبب هروبه إلى (الجوف)، وانه قد مارس السياسة أيضاً خارج حضرموت عند اتصاله بالملك المظفر الرسولي في مدينة (تعز)، وكان نشاطه الأخير سبب نكبته وحبسه في معتقل عدن. نحن لا نعتقد ما قيل عن مدائح أبن عقبة للملك الرسولي، لأنه اولا لم يعرف عن الخوارج والأباضية تكسبهم بالشعر، وثانياً ان ذلك يتناقض مع تلك النفسية المتعالية في عزة وعفة التي تكاد تصم قصيدته، وثالثاً ما جدوى التكسب بالشعر او غيره من القول لقوم اشتروا الآخرة ببيع الدنيا ومتاعها وتركها لأهلها وهجر ملاذها، ما جدوى ذلك لقوم اسس مذهبهم على الزهد والعبادة وخشونة العيش، ثم ما جدوى ذلك لرجل مثل أبن عقبة قسم حالاته ثلاثا لا رابع لها: كرما تدين له العفاة ويبقى ذكره ابد الدهر، وحالة ظهر الجواد، وحالة للمنبر؟. لهذا فاننا نرى أن القول بتكسب أبن عقبة بالشعر مسألة مختلقة أساسها، صنعت لغرض الايهام بالوحدة المذهبية العقائدية بينه وبين الملك المظفر
الرسولي.
من
والسقاف فيما قاله عن النشاط السياسي لأبن عقبة، انما يصدر عن
اطلاعه على ديوانه واشعاره غير المدونة الأخرى، ويتضح ذلك من خلال قوله:
(وما ديوانه سوى نزر يسير من كثير لم يدون).
(300) (1/300)
صفحة 301
لا فرق في ذلك العصر بين النشاط السياسي والنشاط المذهبي العقائدي، فأبن عقبة عندما يمارس السياسة، فانه في حقيقة الامر يقوم بنشاط مذهبي عقائدي اباضي، والملك الرسولي عندما يقوم بنشاط سياسي فانه يمارس نشاطا مذهبيا عقائديا سنيا، وما كان للمؤرخ السقاف ان يتحدث عن نشاط أبن عقبة السياسي لو لم يعلم مذهبيته الأباضية من خلال اطلاعه على تراثه الادبي.
ليس بدعاً ان يسجن في عدن اعلام حضرموت غير السنية الاعتقاد، مثل ما سجن أبن عقبة، فقد كانت عدن معقلا لآل راشد ولاة تريم في القرن السادس الهجري، كما قام الايوبيون في ذلك القرن أيضاً بسجن الشاعر التكريتي فيها ومصادرة امواله، لا لجناية ارتكبها، ولكن لأنه من اعلام حضرموت الاعتزال، ومن خاصة الإمام المعتزلي الاكحل والي ظفار حينها، وعندما ارادت المراجع الحضرمية السنية ابعاد واقصاء البعد المذهبي لاعتقاله ومصادرة امواله، قالت ان الملك الايوبي (طغتكين (اغتاظ من قول التكريتي في مدح الإمام الاكحل: (هو تاج والملوك حذاء)، ولعمري فان ذلك عذر اقبح من ذنب، وتبرير واضح الصنعة والاختلاق، فلو كان من شيم الملوك والأمراء معاقبة الشعراء على مدائحهم في الآخرين، لا متلأت سجون بلاد الإسلام بالشعراء، ولكنا اليوم ندرس فيما ندرس نوعا من الادب الإسلامي، لعل اسمه سوف يكون: ادب القبض والاعتقال)، هذا إذا بقي لنا شعر وشعراء.
وحين ارادت تلك المراجع اقصاء البعد المذهبي العقائدي لاعتقال أبن عقبة، راحت تتحدث عن وشاية به لدى الملك الرسولي، دون ان تحدد ماهيتها واطرافها وملابساتنا، هذا الغموض والإبهام الذي يحيط بأمر تلك الوشاية، لا يحكم بفساد ادعائها فحسب، بل وان ذلك الغموض يوحي بان هناك أمراً يراد
(301) (1/301)
صفحة 302
اخفاؤه، ولا تخفي تلك المصادر الا ما هو عقائدي لا يستقيم مع عقيدة الأخلاف
اليوم.
وفي الوقت الذي لا نشك فيه بحدوث موقف سياسي، كان سبباً في اعتقال الفقيه إبن عقبة، فاننا لا نستبعد حدوث وشاية) استخبارية) سياسية مذهبية، كشفت نشاط أبن عقبة المذهبي الاباضي في عقر دار الحكم الرسولي السني، خاصة وان أبن عقبة لم يكن مجرد فقيه اباضي، بل داعية مذهبي متخصص في الدعوة، ويتضح ذلك من قوله: (وحالة للمنبر)، فتلك الحالة تعني انه داعية مذهبي وليس مجرد فقيه، وان ذلك العمل انما هو من صميم حياته، وليس عملا طارئا لا لزوم فيه ولا وجوب. وتوضيحا لما حدث وبعده المذهبي العقائدي، فاننا نتوقع ان الفقيه أبن عقبة اثناء وجوده في تعز او عدن، قد دخل في جدل مذهبي مع احد علماء السنة، او انه انتقد السياسة المذهبية الرسولية، او دعا من اعلا احد المنابر إلى خلاف ما يقول به أهل السنة، ولعله افرط في الامر، وهو الذي رفع إلى الملك المظفر او اعوانه، فصدر الامر بقبضه واعتقاله، هذا الأمر على ما نتوقعه نراه هو المقبول عقلا، بمثل ما ان المسألة المذهبية كانت سببا في اعتقال الشاعر التكريتي بأمر السلطان (طغتكين (الايوبي، فقد كان الملك المظفر الرسولي متأثرا به و (سلك سبيله، وكأن الله سبحانه وتعالى قد فطره على شاكلته، فلا اجد فرقا بينهما ذا بال ((50)، نعم، لا فرق بينهما حتى في غزو حضرموت واعتقال اعلامها في عدن، وما تلك المشاكلة الا نتيجة المشاكلة المذهبية العقائدية المتعصبة التي جمعت بينهما. ان وقوع تلك الوشاية على النحو الي توقعناه، لا يبرر الاعتقال فحسب، بل ويبرر رفض قبول الملك المظفر شفاعة الأبن في ابيه، وهذا يكشف السر المذهبي وراء ورود تلك الوشاية في المراجع الحضرمية على ذلك الغموض المطبق.
(302) (1/302)
صفحة 303
غير ان لقضية الفقيه أبن عقبة وجها آخر، غير معاقبته على نشاطه السياسي المذهبي الاباضي في عقر دار الحكم الرسولي، ذلك الوجه هو معاقبة مدينته (الهجرين) من قبل الحملة الرسولية على حضرموت، فالمراجع الحضرمية تورد خبر تلك الحملة على الوجه التالي
(في سنة - 678 هـ: اخرج الملك المظفر يوسف عسكرا إلى ظفار عن طريق
-
حضرموت، اميرهم أبن الجنيد، فاخذوا الهجرين، واعطوها أبن شماخ .. ) (51). من ذلك الخبر ومما سبق ان اورده المؤرخ الخزرجي في عقوده عن تلك الحملة، نفهم انها واثناء مرورها عبر حضرموت (الوادي)، وقتالها مع أهلها (أهل فهي
البدعة)، لم تستقر تلك الحملة في أي مدينة حضرمية سوى مدينة الهجرين، وحدها التي حظيت منهم بذلك) التكريم (فقد كانت المدينة الوحيدة التي يتم احتلالها والاستقرار فيها قبل ان يعطوها لأبن شماخ لينوب عنهم مؤقتا، وريثما يقضون على ما يرونه) دار بغي وفساد) في ظفار الحبوضي، وكأن الرسوليين بالسيطرة على الهجرين اولا، قد ضمنوا تقدمهم إلى ظفار دون مشاكل، وهذا يعني ان الهجرين كانت مركزا خطيرا من مراكز المقاومة الحضرمية حسب له الرسوليون حسابه، هذا الدور الجهادي لمدينة الهجرين ظل صداه يتردد حتى القرن العاشر الهجري، فهذا الإمام العلامة عبد الله عمر بامخرمة، يقول عن اهله وأهل مدينته الهجرين ودورهم الجهادي عبر التاريخ:
لا يخضعون لجبار اخافهم وقد رجت الارض من شر كتائبه لايدينون في سر ولا علن الا بحق بدت صحوا مذاهبه
كل ذلك يعني
ان نشاط الفقيه أبن عقبة السياسي، ليس الا امتدادا وتواصلا لدور
الهجرين المذهبي في القرن السابع وربما قبله، ولهذا استحق أبن عقبة ومدينته عقاب
(303) (1/303)
صفحة 304
الملك الرسولي، خاصة وان آل عقبة اسرة علم وسياسة ولهم مكانة خاصة في مدينة الهجرين إلى اليوم (52).
لم تقف معاقبة أبن عقبة من قبل خصوم المذهب الاباضي عند حدود ما حدث في القرن السابع، بل استمرت معاقبته المذهبية إلى اليوم، وقد تمثل ذلك العقاب في اختفاء ديوانه بعد ان اطلع عليه المؤرخ السقاف المتوقي سنة 1387 هـ. وليس لنا ان نتوقع العثور على المزيد من التراث الاباضي الحضرمي، ذلك ان هذا التراث من الوضوح المذهبي بحيث لن يجد خصومه كبير عناية في اكتشافه، وهو الامر الذي يعني اعدامه أيضاً، وليس الامر بتلك السهولة بالنسبة للتراث المعتزلي.
(304) (1/304)
صفحة 305
المصادر والمراجع:
1) شنبل: تاريخ شنبل /66. (2) نفسه: /70.
(3) نفسه
الشاطري: الأدوار / 214.
ه شنبل: نفسه / 174.
(6) نفسه
7) نفسه: /170.
(8) الحداد: الشامل / 161.
9) نفسه: / 130.
10) الحداد:: جني الشماريخ /13.
(11) عبدالله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان /205.
12) شنبل: نفسه /89.
(13) الحامد: تاريخ حضرموت /502.
14) بامخرمة: تاريخ ثغر عدن 90/ 2.
15) شنبل: نفسه /82.
(16) نفسه: /100.
(17) الحامد: نفسه /297.
(18) الشاطري: نفسه /182.
19) الخزرجي: العقود اللؤلؤية 181/ 1. (20) الحامد: نفسه / 600.
21) الخزرجي: نفسه /182.
(22) نفسه: /183.
(23) الخزرجي: نفسه / 184.
(24) الخزرجي: نفسه 180 & بامخرمة: نفسه /85.
(25) محمد بن عبدالرحمن السخاوي: التوبيخ لمن ذم التاريخ /75.
(26) الخزرجي: نفسه /187.
(27) نفسه: /185.
(28) شنبل: نفسه /116.
(29) الحامد: نفسه /556.
(1.0) (1/305)
صفحة 306
(30) شنبل: نفسه / 103.
31) نفسه.
(32) الحامد: نفسه /543.
(33) شنبل: نفسه / 107.
(34) الحامد: نفسه /668.
(35) بامخرمة: نفسه / 154.
36) عبدالله محمد السقاف: تاريخ الشعراء الحضرميين 65/ 1.
(37) الحامد: نفسه /653.
(38) السقاف: نفسه. الحامد: نفسه.
39) سورة الشمس.
40) سورة النازعات.
41) د. محمود إسماعيل: الحركات السرية /20.
42) الحامد: نفسه / 651.
(43) أنظر الفصل الخاص بالتراث المعتزلي في القرن السادس الهجري من هذه الدراسة.
(44) أحمد أمين: ضحى الإسلام 344/ 3.
45) أشعار الإمام الهمداني: أنظر ديوانه & أشعار الخوارج أنظر البيان والتبيين للجاحظ.
(46) د. صابر طعيمة: الأباضية عقيدة ومذهباً / 12.
(47) الشيخ أحمد حمد الخليلي: الحق الدامغ /227. 48) الشيخ عامر بن علي الشماخي: الأيضاح 135/ 1.
(49) د. عامر النجار: الخوارج عقيدة وفكر وفلسفة / 133، الإمام محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية
77/ 1
(50) أحمد محمد الشامي: تاريخ اليمن الفكري 243/ 3.
51) شنبل: نفسه /103.
52) الحامد: نفسه /796.
(306) (1/306)
صفحة 307
الباب الرابع
من القرن الثامن الهجري حتى
العاشر الهجري
مررت بوادي حضرموت مسلّماً فألفيته بالبشر مبتسماً رحبا ألفيت فيه من جهابذة العلا أكابر لا يلقون شرقاً ولا غرباً
الفقيه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن اسعد اليافعي
حول زيارته لحضرموت سنة 794 هـ (1/307)
صفحة 308
[صفحة فارغة] (1/308)
صفحة 309
الفصل الأول
الأوضاع المذهبية والسياسية
في بداية القرن السابع الهجري، تعرض الوجود السلطوي المعتزلي في حضرموت إلى ضربة قوية من قبل الايوبيين السنة الاشاعرة، ادت تلك الضربة إلى تقويض امامتين معتزلتين هما: إمامة آل راشد في تريم وأصحاب الولاية العامة المعتزلية في حضرموت، وامامة آل دغار في شبام، وفي أواخر ذلك القرن تعرض ما تبقى من ذلك الوجود إلى ضربة أخرى من قبل دولة بني رسول في اليمن، وهم ايوب وعلى مذهب العقائدي السني، ولقد ادت تلك الضربة إلى تقويض آخر إمامتين معتزليتين وهما: امامة آل الحبوضي في ظفار وإمامة آل اقبال في الشحر، وبذلك خلت حضرموت تقريباً من أي وجود سلطوي معتزلي، واصبحت القيادة السياسية الحضرمية في يد القوى القبلية الأباضية، وهي القوى التي جاهدت آل رسول في القرن الثامن الهجري وما قبله.
خلفاء
بني
غير انه في اواخر القرن الثامن ظهرت على المسرح السياسي الحضرمي قوتان جديدتان، هما امامة آل ابي دجانة في (حيريج (وسلطتها في اقليم الشحر والمهرة والمشقاص، ودولة آل كثير في شبام وظفار، اما امارة آل ابي دجانة، فقد وجدنا المؤرخ الحداد يؤكد اباضيتها، فقد عد ابا دجانة مدافعا عن الأباضية (1) كما قال بأباضية قبائل المهرة في ذلك العهد (2)، وما كان ما قاله المؤرخ الحداد ليكون حجة لو لم يكن ما قاله يؤكده مسار الاحداث التي سوف نأتي عليها في هذا الباب، خاصة في علاقاتها مع دولة آل كثير، ولهذا فانه من غير الممكن فهم احداث
هذه الفترة التاريخية ما لم يتضح لنا اولا المذهب العقائدي للدولة الكثيرية
(309) (1/309)
صفحة 310
مذهب الدولة الكثيرية عند التأسيس ودولة آل جعفر الكثيري:
الأصل في آل كثير انهم كانوا القيادة العسكرية للإمام سالم بن ادريس الحبوضي في القرن السابع الهجري، وهي القيادة التي فرضت الوجود الحبوضي المعتزلي على القوى الأباضية ممثلة بآل يماني وقبيلة نهد، وما كان للإمام الحبوضي ان يختارهم قيادة عسكرية لمشروعه السياسي، لو لم يكونوا على مذهبه في الاعتزال. غير ان المصادر التاريخية الحضرمية في الوقت الذي تصر فيه على القول بسنية اعتقاد هذه الدولة، لا تقدم لنا دليلا نصياً يحدد مذهبها، أياً كان هذا المذهب، غير ان
-
الادب يأتي - كما هي عادته في كل مرة - لينقدنا من هذه المتاهة، ويأتي هذا الدليل في قصيدة الشاعر الفقيه عمر بن عبد الله بامخرمة، شاعر الدولة الكثيرية والمتحدث الرسمي بأسمها خلال تولي جعفر بن عبدالله الكثيري المتوفى سنة 905 هـ، وأبنه عبد الله بن جعفر المتوفى سنة ـ 910 هـ، وحفيده محمد بن عبد
-
الله بن جعفر الكثيري وهو الذي وقعت احداث القصيدة في عهده.
ففي سنة ـ 910 هـ في شهر شعبان، استولى الطاهريون حكام عدن على مدينة صنعاء وانتزعوها من ايدي الإمام محمد بن علي الوشلي والامير الشريف محمد بن حسين البهال، ووقع الإمام الوشلي في اسر الطاهريين. ولم يكن ذلك الحدث عادياً، بل لقد كان اشبه بالزلزال الذي كاد يهد الإمامة الزيدية من أساسها، ولهذا كان صداه مدوياً في نفوس زيدية اليمن عموماً، فقد تجاوز ذلك الصدى حدود إمامة الوشلي والأمير البهال، ليصل إلى حضرموت، فقد قال: في ذلك الفقيه شاعر الدولة الكثيرية عمر بن عبد الله بامخرمة القصيدة التالية التي سوف نعتني بدراستها، علها تخبر عما صمتت المصادر الحضرمية دون البوح به، الا وهو
مذهب الدولة الكثيرية التي ينطق الشاعر بامخرمة بإسمها: تقول القصيدة:
(310) (1/310)
صفحة 311
قصيدة الفقيه الشاعر عمر عبد الله بامخرمة يمدح بما الشريف الأمير محمد بن حسين
البهال ويحثه على تخليص صنعاء من ايدي الطاهريين ويطلب منه التنسيق في تلك المهمة مع الإمام محمد بن عبد الله الكثيري في ظفار: (3)
مجروحة الخدين من هطالها
مالها قال الفتى الجوهي عيني لم يهنها طيب المنام ولا رنت يوما إلى ذي منظر يحلى لها لما بدا شعبان في افق السماء ليت السماء إذ ذاك خر هلالها وبحق بيت الله يا غادي على مهرية قد شفها ترحالها
حامي
يمم بها نحو الأمير محمد مستأسر الابطال بل قتاله أعلى قريش همة واجلها قدرا ورب الصدق من اقوالها لو نادت الاكوان من ذا للعلى ربا، لقالت ربما بمالها الحمى بالسمهرية والظبا طعان خيل القوم في اكفالها تلقاه في يوم الكريهة ضاحكا فرحاً، وقد شابت رؤوس اطفالها تختال منه الخيل في وقت الغزا علما بان في كفه آجالها والله لو دك الجبال بخيله ما قاومته يد بطول الطوالها في عصبة حمزية حسنية ذات الذراع الصافنات أجدالها قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم كالحائمات إلى ورود زلالها يا سائلا عن مجدهم متحاملا عندي علومهم على اكمالها فهم بنو المنصور ما عرف الخنا ابواب دورهم ولا استهدى لها كلا ولا عرف الشدائد جارهم إذ في الوغى يستأسرون ابطالها تعدوهم نحو السواد صواهل قد عودوها في الحروب اقبالها يرخون في وقت الطراد صدورها ما ينثني ليمينها وشمالها ما قابلت خيل الاعادي خيلهم الا سقتها سم كأس وبالها
تأتي بفتيان ترى ان الفن
تحت القنا الخطى خير فعالها
يا أبن الحسين عناك يا ابا قاسم تخليص صنعا اليوم من اغلالها
شمر وقم فيها بممة ماجد يا فاتحا في النائبات اقفال
ها
(311) (1/311)
صفحة 312
التحليل
فعليك في هذا المقام فريضة منصوصة والمصطفى قد قالها
ان شئتها للدين او لقرابة مظلومة تؤخذ بغير اعمالها حاشاك ما ترضى بآل المصطفى
تضحي حماك الله
حماك الله في انكالها
دارت على درب البلاد عساكر مسخورة ضاقت هناك احوالها
جم إذا عدوا قليلا إذا دعوا للطعن لا يصل الوغى اقبالها ما بين حمال وبين مزين سالها غوغا وأهل الخيل منهم جروا عليهم غارة علوية لا تنثني عن قصدها عذالها فإذا قضيت وطرا فيما عندهم اسحب دواميك بضرب ادوالها لا تنس ملقاك الإمام محمد بظفار نعم الدار يا طوبى لها إذ قلت لو جاء الصريخ منكم وقت الصلاة سعوا في ابطالها فوحق عزك لو تسير إليهم ما قربوا الاحمال من اجمالها ما يرقبون يقوضون خيامهم يخشون من ساعة تطول اهوالها اغنم حرام القوم قبل حلالها
فهلم بالضمنا لفظ جموعهـ
يعدون اشباه الجراد إذا اتـ
نحو الزروع يذوذها بهالهـ
وإذكر رعاك الله فيما قلته فيها وما من آمال
.
ها
فانجز لهم تلك العهود ولا تخن تلك العهود ودم على اجلالها إذ لم تقد الخيل من كل القرى من كل قوم تصطفي جهالها قابت وصدت عنك كل خريدة قد زانها في ساقها خلخالها لكن ظنوني في علاك جميلة ولك الجمائل فرعها واصالها ثم الصـ لاة على النبي وآله ما غرد القمري في اطلالها
:
قصيدة الشاعر الفقيه بامخرمة تنتمي إلى الأدب الشيعي الصريح الواضح المعالم، ويتميز هذا الأدب بانه) في حق الإمامة وطلبها، والإرث وغصبه، ثم يبكون على حق ضاع ودم اريق وحرمات انتهكت وبيوت دمرت وجثث صلبت لهذا وذريت، وهو يتميز بعاطفتين قويتين: عاطفة الغضب وعاطفة الحزن، اما
(312) (1/312)
صفحة 313
الغضب فانهم اعتقدوا أهم سلبوا حقهم وغصبوه، واخذ منهم ظلماً وعدواناً فغضبوا لذلك، ودعتهم سورة الغضب ان يقولوا ويقولوا كثيراً في هجاء غاصبهم،
وفي بيان حقهم، وفي شرح مظلمتهم وإظهار حججهم إلى غير ذلك، واما الحزن فلما اصابهم من مظالم على يد مخالفيهم، فالعاطفة الأولى تعطي ادباً قوياً ثائراً، والثانية تعطي ادباً حزيناً باكيا، فاجتمع في ادبهم القوة والضعف واللين
والعنف) (4).
فالقصيدة بكائية من اول ابياتها، فهي تبكي سقوط صنعاء في ايدي الطاهريين، فالشاعر لم ير في ذلك حدثاً عادياً، بل نكبة عظيمة وبلية كبيرة، فلو ان قمر السماء خر من مداره، وهوى بعيدا عن الأرض، واصبحت السماء بدونه، والأرض بلا ضوئه، لكان ذلك أهون على شاعرنا بامخرمة من سقوط صنعاء في يد الطاهريين السنة.
ثم يعرج الشاعر إلى الحديث عن الأمير البهال، فهو البطل المغوار، أعلى قريش همة وأجلّها قدرا، وأمير المجد والعلا، المجاهد أمير الحرب والقتال، من عصبة الحسن بن علي بن أبي طالب أهل الجهاد في سبيل نصرة الدين، ثم يرد على المتحاملين على أهل البيت قائلاً) عندي علومهم على أكمالها) أي ان شاعرنا يفتخر بثقافة الزيدية الشيعية، تلك الثقافة التي تدحض اقوال المخالفين المتحاملين عليهم، ثم يوجه خطابه مباشرة إلى الأمير البهال يستنهضه لتخليص صنعاء بهمة ماجد كريم عزيز، باعتبار تلك المهمة فريضة من الدين قال بها الرسول الكريم، وهي فريضة من الدين لأن في تخليصها من الطاهريين انما هو انقاذها وأهلها من أيدي أعداء أهل البيت، وهي فريضة من الدين لأن فيها تخليص أهل بيت المصطفى من أسر أعدائهم ..
،
(313) (1/313)
صفحة 314
ثم يبدأ الشاعر في هجاء الطاهريين وجيشهم، فهم وإن كانوا كثيري العدد، الا انهم قليل عند القتال، فهم ما بين حمال وبين مزين، وليسوا أهل طعن وقتال، لهذا فهم لن يصمدوا أمام غارة علوية واحدة إذا شنها الأمير البهال وجنده
عليهم.
ثم نأتي على بيت القصيد الذي يحدد مذهب الدولة الكثيرية التي ينطق
بأسمها شاعرنا، ويأتي ذلك في قوله:
لا تنس ملقاك الإمام محمد بظفار نعم الدار يا طوبى لها إذ قلت لو جاء الصريخ منكم وقت الصلاة سعوا في ابطالها فوحق عزك لو تسير إليهم ما قربوا الاحمال من اجمالها
ما يرقبون يقوضون خيامهم يخشون من ساعة تطول اهوالها
هذه الأبيات الأربعة لا تحمل الا معنى واحداً، ذلك هو الوحدة المذهبية الزيدية بين زيدية صنعاء والدولة الكثيرية، فالشاعر بامخرمة في تلك الابيات ينطق باسم الدولة الكثيرية، وهو يطلب من الامير البهال التنسيق في أمر تخليص صنعاء، مع الإمام محمد بن عبد الله الكثيري في ظفار، بل هو يؤكد له انه في حالة وصول النداء إليهم، ولو كان ذلك وهم يصلون، لأبطلوا صلاتهم وهرعوا لتلبيته، ولو وصل النداء وأهل الاحمال والتجارة يحملون جمالهم، لأبطلوا تجارتهم واسفارهم واسرعوا إلى تلبية النداء، لأنه نداء الجهاد في سبيل الدين الحنيف ولأن الإمام محمد ورجال الدولة الكثيرية، يخشون من غضب الله تعالى عليهم في حالة تخلفهم عن اداء هذه الفريضة الدينية.
ثم يواصل الشاعر بامخرمة خطابه إلى الأمير البهال ويشدد عليه ضرورة
الهجوم على القوات الطاهرية التي لن تكون الا كالجراد الذي يذوده الأمير البهال
(314) (1/314)
صفحة 315
عن الزروع، كما يذكره بضرورة الحفاظ على العهد، عهد الدفاع عن إمامة
المذهب أمام عاديات الدهر و مؤامرات الأعداء
...
وبعد، فهل ترك شاعرنا بامخرمة أي شك لدى القارئ الكريم حول زيديته وزيدية الدولة الكثيرية؟، لا نعتقد ذلك، فالأدب انما
هو للبيان والوضوح، ولقد
كانت قصيدة الفقيه الشاعر تملك كل الوضوح والبيان لما بيناه.
وان كان لنا من كلمة أخيرة نختتم بها شرح أبيات تلك القصيدة، فاننا نود القول: ان للشاعر بامخرمة روابط شخصية عميقة تربطه بعدن آل طاهر، ففيها عاش والده واعمامه، كما انه شخصيا عاش فيها ردحا من حياته في كنف والده وأعمامه، ولهذا فان موقفه العدائي منها، انما يدل على مدى تأصل العقيدة الزيدية لديه ولدى الدولة الكثيرية التي ينطق شاعرنا باسمها، ذلك التأصل الذي استطاع تجاوز كل تلك الاعتبارات الشخصية التي تربط بين الشاعر وعدن آل طاهر
صح
ما ذهبنا
وإذن، فقد اصبحت زيدية الدولة الكثيرية حقيقة واقعة، وإذن إليه من ان زيديتها جاءت من اعتزلية آل الحبوضي، ومعتزلية آل الحبوضي جاءت
من معتزلية آل المنجوي ولاة ظفار في القرن السادس الهجري وما قبله
الصراع الكثيري - الاباضي او (الزيدي ــ الأباضي):
—
لقد توصلنا فيما سبق إلى انه بالقضاء على إمامة آل الحبوضي في ظفار، وامامة آل اقبال في الشحر، في أواخر القرن السابع الهجري من قبل دولة آل رسول السنة الأشاعرة، فقد خلت حضرموت تقريباً من أي وجود سلطوي معتزلي، واصبحت القيادة السياسية فيها في ايدي القوى القبلية الأباضية، ترى كم من العداء سوف تكابده الدولة الكثيرية الزيدية الناشئة في خضم متلاطم من القوى القبلية الاباضية، فلقد كان العداء لها كبيرا من قبل تلك القوى، كل تحاول ان يكسر جانبا من جسدها الغض الطري، ولكنها استطاعت بحنكة قيادتها ان تصارع
(315) (1/315)
صفحة 316
تلك الأمواج وتواصل المسيرة حتى عهد شاعرنا بامخرمة. ولقد حاول المؤرخ أبن
هاشم ان يحدد ملامح مسار هذه الدولة، فقال:
يظهر لمن تتبع مجاري السياسة الكثيرية في ذلك العصر وقيامها
إلى انها تسعى
إلى محو آثار المذهب الأباضي .. وأنها تود ان تشيد على انقاضه دولة سنية شافعية المذهب نزيهة الاعتقاد) (5).
وهكذا نجد الأستاذ أبن هاشم يقر بلا سنية الاوضاع قبل قيام الدولة
الكثيرية و تأصل المذهب الاباضي في المجتمع الحضرمي حينها
على أننا ولغرض تحقيق الصراع الزيدي الكثيري الاباضي، سوف نعرض قصيدة أخرى لشاعرنا الفقيه عمر بن عبد الله بامخرمة، يخاطب فيها الإمام عبد الله
جعفر
بن جعفر الكثيري متولي الدولة الكثيرية في ذلك الوقت، تقول القصيدة: قصيدة الفقيه الشاعر عمر عبد الله بامخرمة يمدح بها الإمام عبد الله بن الكثيري يحثه فيها على انتزاع) تريم) من آل يماني، قال صاحب (تاريخ الشحر):
(6)
وجدت القصيدة كلها كاملة بخط ولده الفقيه العلامة عبد الله بن عمر بامخرمة: (1)
كفى ملامك يا سعاد فان لي قلباً نهاني عن سماع العذل
والله ما اصغى لقول
اني عن الاحي
ابک
عنف
لو ان فيما لام عنه مقتل
فازدد عذولي همة لا تأتـ
ــل
اقسمت بالقبر المطيب بطيبة قبر الـ حبيب مد المزمل لا انثني دأبا لاني مولع بثلاث حالات فأقصر او طل حب الغواني الساكنات على اللوى بين الحديبة والكتيب الأهيـ حمر الشفاه الساحبات ذيولها تيها بيانات الغوير وحومل هيف تميل إذا احتسى خمر الصبا تمشي الهوينا في المدارج والحلي اتراب عن حي جهينة دأبها صرع الاسود بكل طرف اكحل
(316) (1/316)
صفحة 317
ترنو بلحظات المها لكن لهـ في كل قلب خرق ذات الانصل يا طالما قد نلت منها مسمرا في حندس الليل البهيم الأليل إذاغيب الواشي ونام رقيبها عنا وبات الحاسدون بمعزل
حيا الحيا تلك الربوع بموشح سامي الذرا الطود المنيف الأجبل وغدت معالية السماك وروحة تهمي على مغناه بالامر العلـ دار نشوت بها وكنت مصدرا في كل ناد للفخار ومحفل حالا هوى سلمي، وثاني حالة جودي بموجودي لكل مؤمل والله ما خيبت طالب حاجة لو انها تقضي ببيع المتزل وختام حالاتي الثلاث وخيرها صوغي المدائح في الهمام أبي علي الماجد الملك المظفر خير من يدعى إلى الـ خطب المهول المعضل رب الفصاحة والسماحة والندا غوث البريا في الزمان الأمحل مولى ملوك الارض عبد الله زالت به عنا الشغائب تنجلـ
رحب
الجدا للطارق المستعجل جم
الفنا للنازلين بابه وهاب ما ظن الكرام به على طلاب
افديه سلطانا إذا شبت لظـ
، من غير من مبطل عرب عوان كان اول مصطل وهناك يبدو ضاحكا متبسما والخيل عشرى من صعاد العسل يا فاتحا بالسيف كل مدينة ومذيق أهليهـ ا مرير الحنظل نبطت بك العليا فقمت بحقها وفتحت منهـ اكل باب مقفل واتيتنا طفل بكل عجيبة عنها يقصر كل شيخ لو بلي وسلكت كل طريقة مرضية في نصرة الدين الحنيفي الجلـ
وبنيت بيتا في المعالي عاليا حتى سما فوق السماك الأعـ ــزل فانهض وكف عن لبس كل مطرف لا، وبالدرع الثقيل استبدل واشهر مواضي العزم واركب للوغى في سبق الفلك العتاق الكمل فالملك ليس وريفة اغصانه حتى تطأ الغنا نعال الجحفل وتقود نحو تريم كل طمرة تعدو بليث بالحديد مسربل نبغي عليها كل يوم غارة شعواء يذوب بها صميم الـ جندل
(317) (1/317)
صفحة 318
و (
(
على هاماقهم بالارجل
ـــــل
تحت القنا عين الفخار الاكمل
(7)
يمسون اسري بعد قتل سراقهم ونص تدهمهم شعث النواصي فوقها اولاد جعفر الكرام المفض فتيان حرب ايقنوا ان الفن قوم يذيقون الجياد هوانها ان قال على الكريمة حيعل حي كم طعنوا بالسيف من خصم عتى واستلمت ارماحهم من معقل سل عنهم (باجلحبان) ووقعة في (باعطيس) وعج بحبان سل واستفت سكان الخليف وخيلة ما شاهدوا من بأسهم في المدخل و (تبالة) اتوا بما بعجائب ينبيك عنها كل خشن مطفل وشبام يوم (الخبه (انظر كم بها من شارد او عاط ــــــب بالمنهل ورثوا المكارم كابر عن كابر آخرهم ينبيك فعل الاول فاخرب بها دور الاعادي جهرة وابحث عن عرق الخصوم وزول واحذر وحاشاك ان تكون مصدقا او واثقا بمودة من مسفل يبدون لنا ضدا ويخفون ضده عنا فوها علينا تنطلـ تنطلي ولئن تلاقينا ووافينا الردى كلنا جزاهم كيل مديون ملـ نقيضهم بالمد صاعا وافيا لغواته وللمتبتل هذا وختمي بالصلاة بحقها از کي السلام على النبي الافضل والآل والاصحاب ما هب الصبا او زمزم الحادي بعيس بـ
ي
ــزل
التحليل:
تنقسم القصيدة إلى ثلاثة مقاطع أساسية، الاول في الغزل والتشبب، والثاني في مدح الإمام عبد الله بن جعفر، والثالث هو الذي سوف نعتني به، يخاطب فيه الإمام عبد الله مذكرا اياه بجهاده السابق في (نصرة الدين الحنيفي الجلي (والذي هو بلغة الأدب المذهبي، المذهب العقائدي للقائل به، وهو هنا المذهب الزيدي، مذهب الدولة الكثيرية، ثم يحثه على النهوض لقتال الاعداء، وان
(318) (1/318)
صفحة 319
تطأ
تريم
يترك مباهج الملك والسلطة، فلا زالت المملكة والإمامة ناقصة حتى (الغناء) جحافل الجيش الكثيري الذي يقوده الإمام عبد الله، ثم نجد الشاعر
بامخرمة يتحدث بلغة المستشار العسكري، ويضع الخطة التالية لاحتلال تريم وانتزاعها من ايدي آل يماني الأباضية:
وتقود نحو تريم كل طمرة تعدو بليث بالحديد مسربل نبغي عليها كل يوم غارة يذوب بما صميم الجندل يمسون اسرى بعد قتل سراتهم ونطأ على هاماتهم بالأرجل تدهمهم شعث النواصي فوقها اولاد جعفر الكرام المفضل فتيان حرب ايقنوا ان الفنى تحت القنا عين الفخار الاكمل قوم يذيقون الجياد هوانها ان قال حي على الكريمة حيعل
في الابيات السابقة للخطة العسكرية المقترحة، نجد شاعرنا بامخرمة كان قاسيا بما فيه الكفاية على آل يماني) سراتهم)، فهو قد حدد مصيرهم بالقتل مسبقا، ولم يكتف بذلك، بل نجده يشير إلى ان تطأ هاماتهم بالأرجل بعد قتلهم، وذاك لعمري منتهى القسوة، وهو سلوك غير جائر من الناحية الدينية، فكيف يأتي ذلك على لسان فقيه. انه التعصب المذهبي ولا سواه الذي يعمي البصر والبصيرة. وفي البيت الأخير من تلك الأبيات نعلم ان (الحيعلة (الشيعية (حيا على خير العمل) هو شعار الجيش الكثيري في القتال والمعارك.
ثم نجد شاعرنا بامخرمة يذكر الإمام عبد الله بامجاد آل كثير في المعارك التي انتصروا فيها على القوى الأباضية، وهي المعارك التالية:
1 - با جلحبان: موقع بالقرب من تريم: (سنة ـ 855 هـ: وفيها ثارت الحرب
-
بين آل كثير وراصع بن يماني وآل احمد والصبرات ومن والاهم، صالوا على
بور (موضع لآل كثير) وقطعوا خريفها (نخيلها وقت الثمر) الا القليل، ثم
(319) (1/319)
صفحة 320
الله
جاء بدر بن عبد وجمع من أصحابه وحلفائه، وصالوا على أهل المسفلة) تريم وما والاها (، فتلقوه قبائل حضرموت بقرب كحلان، بموضع يسمى (با جلحبان)، فهزمهم بدر بن عبد الله، وقتل من أهل المسفلة نحو المائة، اشهرهم راصع بن دويس بن يماني، ومن آل عامر) نهد) عشرة، ومن آل جسار) آل احمد (عشرة، اشهرهم عمر بن جسار، ومن الصبرات فوق
العشرة) (8). ومن المعركة المذكورة، نلاحظ ضخامة الحلف المعادي لآل كثير في منتصف القرن التاسع الهجري، فقد كان مكونا من: آل يماني ولاة تريم وأهل المسفلة (آل احمد والصبرات) وقبيلة نهد، وحلفاء آخرين لم يذكرهم المصدر، واشار إليهم فقوله (ومن والاهم). 2 - وقعة) باعطيس سنة ـ 875 هـ): وفيها (غاروا آل دويس من تريم في
-
بن
سلطان
جبل على بور، وقتلوا دواب كثيرة ورجعوا سالمين، فخرجوا آل بور مقرعين مع السلطان جعفر بن عبد الله حتى وصلوا تحت (مقيبل)، فتبع احمد الغاير من اصحابهم برجال، والتقى الفريقان بموضع من (صوح) يسمى) باعطيس الحربون)، فهزم جعفر آل تريم، وقتل عشرة من رجالهم اشهرهم اولاد راصع بن دويس بن يماني وعبدالله بن علي الكثيري الاسقع، واثنين من الجعافر وواحد من آل شحبل (نهد) (9).
ومن هذه المعركة نعلم ان فرعا من آل كثير كان على المذهب الاباضي ومتحالفا مع آل يماني وحلفائهم.
3 - وقعة (تبالة) سنة ـ 900 هـ: (وفيها في رمضان، جيش السلطان جعفر
-
بن عبد الله الكثيري على الشحر وحاصرها، وأقام في عقولها (حاراتها) ثم
انتقل في شوال إلى تبالة) من قرى الشحر (فخرج عليه بادجانة وعسكره،
(320) (1/320)
صفحة 321
ومن
فقتل منهم نحو المائة، ثم خرج منها صلحا وسلمها إلى جعفر هي وما والاها
من عراص الساحل، وخرج بيت محمد (المهرة) من حصنهم صلحا و شرطوا عليهم اخرابه، فخرب) (10).
دجانة
هذه المعركة او الوقعة، انضاف إلى اعداء آل كثير السابقين آل ابي حكام الشحر والمهرة والمشقاص وحلفاؤهم بيت محمد المهرة، ولقد رأينا المؤرخ
الحداد قد قال باباضيتهم اعتمادا على مصادره.
غير ان آل ابي دجانة وبيت محمد لم يكونوا وحدهم حلفا، فقد كان في حلفهم فرع من آل كثير، هم آل عبدالودود الكثيري، ففي سنة 902 هـ، صال عبدالودود بالريدة هو وسعد بن مبارك بادجانة وبعض بيت محمد على الشحر، وفيها يومئذ جعفر بن عبد الله، فجلسوا تحتها سبعة ايام ورجعوا بغير وجه (11).
-
4 - وقعة (الخبة) بالقرب من شبام سنة - 902 هـ: وقتل من الفريقين ثمانية وخمسون قتيلا اشهرهم) من الطرف الاول): عبد الله بن محمد الكثيري وأبن (اخيه عمر بن بدر ومن جنده نيف واربعون، منهم يماني بن راصع) بن يماني) وعيسى بن محمد الصبري) من الصبرات (وأبن احمد بن زيد الاظلفي (الظلفان (وأبن علي بن حسن المخاشني) من الكسر) وجماع من آل عامر ((نهد) وبعض من آل سلم (من أهل المسفلة) وجماعة من عبيد آل يماني، ومن آل احمد جماعة. ومن قوم جعفر الكثيري (الطرف الثاني) جماعة اشهرهم بدر بن جعفر ولد عنبرة وعامر بن عبدالعزيز (الكثيري) ومن آل جابر (الكثيري) اثنين، واولاد احمد بن شملان وعبدالله بن عيسى الصلوي، والقصة ان آل محمد بن عبد الله الكثيري دخلوا شبام على ولد جعفر، هم والمحلف من آل الكسر وآل المسفلة، وحصروه مدة عشرة ايام فأنقذه اخوه بدر بن جعفر وآل كثير وآل عامر (الكثيري) (12)
،
(321) (1/321)
صفحة 322
بن
محمد
وفي هذه المعركة، يظهر جليا مدى قوة التحالف الاباضي الذي كان يناوئ الدولة الكثيرية، فقد شمل تقريباً كل قبائل منطقة الوادي، فقد كان ذلك التحالف مكونا من آل يماني وأهل المسفلة والمحلف الذي يضم قبيلة نهد في منطقة الكسر اضافة إلى فرع قوي من آل كثير هم آل محمد بن عبد الله الكثيري، وتتمثل قوته في ان قيادة الحلف الاباضي في هذه المعركة كانت تحت قيادة عبد الله الكثيري، بينما نجد ان آل جعفر الكثيري في هذه المعركة يكاد ان يكونوا لوحدهم بلا حليف او نصير هذا العداء الشامل لدولة آل جعفر، لا نجد له سببا الا الصراع المذهبي بين الأباضية والزيدية، وهو عداء تاريخي، وهو امتداد للعداء الشيعي - الاباضي، فاللقاء بينهما في الظروف العادية صعب التحقيق، ولم يحدث طوال التاريخ الإسلامي، ولكن ذلك اللقاء يكون ضرورة لازمة في حالة مواجهة الخصم
السني. نعود إلى المعارك التي ذكرها الشاعر بامخرمة مذكرا بها الإمام عبد الله بن جعفر، فقد ذكر أيضاً معركة (حبان)، ونحن نعتقد ان أهل حبان وما حولها من كانوا على الااضية، فقد ذكرها الإمام ابو اسحاق الهماني في منتصف القرن الخامس، باعتبارها من مواقع الأباضية المهمة، حيث قال عن تلك المواقع:
المواضع
(
فقلت لها هم في شبام ومنهم بميفعة قوم حوتهم ميافع
ومما يدل على بقاء الأباضية في تلك المواقع من منطقة (شبوة) حتى القرن العاشر الهجري، انه في سنة ـ 940 هـ نجد سعد بن رابضة - وآل رابضة من أهل حبان
-
-
كان متنقلا بين مواقع الأباضية في منطقة الكسر ومنطقة غيل بن يمين
(13)
وفي القرن العاشر، عندما هاجم السلطان بدر ابو طويرق تلك المنطقة من
شبوة، قامت عليه قبائل حضرموت التي ظهرت في معركة (الخبة) في الجانب
(322) (1/322)
صفحة 323
الاباضي
، قامت عليه قومة واحدة، عجزت قواته عن الصمود في وجهها، وفي
ذلك مما يؤيد القول باباضيتها.
ان شاعرنا بالمخرمة لم يكتف بما اقترحه في خطته السابقة لاقتحام تريم وقتل قيادتها من آل يماني ثم وطئ هاماتهم بالارجل كما قال: بل نجده يعزز ذلك المقترح
بقوله:
فاخرب بها دور الأعادي جهرة وابحث عن عرق الخصوم وزول واحذر وحاشاك ان تكون مصدقا او واثقا بمودة من مسفل ولئن تلاقينا ووافينا الردى كلنا جزاهم كيل مديون ملي ونقيضهم بالمد صاعا وافيا الغـ اويهم وللمتبتل
بن
وفي الابيات السابقة تجد شاعرنا بالمخرمة يقترح على الإمام عبد الله جعفر تدمير (تريم (جهرة وفي وضح النهار، لتكون عبرة لمن يعتبر، ثم نراه يحذر من تصديق أهل المسفلة مسفل)، فهو يرى انهم لا عهد لهم ولاذمة، وفي حالة الانتصار عليهم، فان الشاعر يقترح ان يكون الكيل على أساس ان يصيبهم من العذاب صاعا ملآن مقابل كل مدّ منه اصاب آل كثير منهم، ويرى شاعرنا ان يتساوى في ذلك العذاب الغاوي الفاسق مع ذلك الناسك المتبتل لربه، على ان تلك الرؤية ما كان لها ان تصدر عن فقيه لولا التعصب المذهبي.
اما الاوضاع المذهبية في وادي دوعن في القرن العاشر الهجري، فلن نجد من يفصح عنها أفضل من شاعرنا الفقيه عمر بامخرمة الذي لم يعد في زيديته أي شك او بعض شك، فهو يقول عن أهل وادي دوعن بفرعيه الايسر والايمن: فاعلموني فددتكم روحي اليوم يا من هم مرادي وميرادي بهم خاف وآمن بل هم الكل وأهل الكل لييسر وليمن ذه عقيدتي وذا ديني وذا العصب الامكن 14
(323) (1/323)
صفحة 324
ومن البيتين اعلاه للشاعر بامخرمة، نجد ان أهل دوعن انما هم على عقيدته ومذهبه الزيدي، ولسوف يكون لأهل دوعن وقيادته من آل العمودي دور واي دور في الصراع المذهبي الزيدي السني، بين الأخوين محمد وبدر أبناء عبد الله بن جعفر، كما سوف نرى لاحقاً.
وبعد، فقد أورد الشاعر الفقيه عمر بن عبد الله بامخرمة في قصيدته السابقة بعضا من معارك الصراع المذهبي العقائدي بين الدولة الكثيرية عند التأسيس ودولة آل جعفر بن عبد الله الكثيري الزيدية المذهب من جهة، وبين القوى الأباضية المناهضة لها، غير ان تلك المعارك التي ذكرها الشاعر بامخرمة لا تمثل سوى جزءاً يسيراً من ذلك الصراع، ولسوف نورد تفصيلا له على ما ذكره المؤرخ (شنبل) في تاريخه، وهو حسب التالي:
2. سنة 824 هـ: صال علي بن عمر الكثيري) مؤسس الدولة الكثيرية) على شبام وقطع خريفها وتناصفوا آل عمر بن عامر) ولاة شبام من قبيلة نهد) والكثيري شبام.
3 سنة 826 هـ: عدا علي بن عمر الكثيري على شبام وخلص بها. 831.4 هـ: عدا علي بن عمر الكثيري على آل كثير في جعيمة (بالقرب من شبام) واخذها واخربها
5. سنة 832 هـ: صال محمد بن علي بن عمر الكثيري على الكسر) موطن قبيلة نهد). 6. سنة 833 هـ: صال محمد بن علي بن عمر على تريم (مقر سلطنة آل
يماني).
7. سنة 833 هـ خرج عبد الله بن علي بن عمر من ظفار وصال على تريم.
(324) (1/324)
صفحة 325
8. سنة 840 هـ: سار أبن فارس (شيخ قبيلة نهد) إلى ظفار يريد حصرها ومعه بعض آل كثير
9. سنة 845 هـ: اجتمعوا آل حضرموت: آل يماني وآل احمد والصبرات و بعض آل كثير وآل بن ثعلب وصاحب مريمة، وحربوا آل كثير) دولة
آل كثير) ... 10. سنة 858 هـ: عدا بعض آل كثير في بور) من مواقع الدولة الكثيرية)، وهم: علي بن محمد الكثيري وبدر بن عمر وآل يماني بن جعفر، على علي بدر بن عبد الله بن علي.
-
بن
علي
11. سنة 860 هـ: عقد الصلح تجديدا بين بدر بن عبد الله وسلطان بن دويس) بن يماني: متولي تريم)، وكل من محالفه وحلاله. 12. سنة 860 هـ: وقع بين أبن كثير وصاحب مريمة (كثيري) الحرب. 13. سنة 883 هـ: صال عبد الله بن محمد الكثيري (متولي دولة آل محمد بن الله الكثيري (على سيئون) تحت ولاية دولة آل جعفر بن عبد
عبد
الكثيري).
الله
14. سنة 883 هـ: دخل ال محمد الكثيري شبام وهي يومئذ في يد جعفر بن
عبد الله
15. سنة 885 هـ: صال جعفر بن عبد الله الكثيري علي شبام (وهي في يد آل محمد الكثيري) واحرق شيئاً من نخيلها، وفيها أيضاً: صال ثانيا وخرب المضلعة) سد مائي). وفيها أيضاً اصطلحوا جعفر واولاد محمد
شيئا من
وعدلوا شبام وجفل) بالقرب من شبام) وسيئون عشر سنين.
16. سنة 892 هـ: اتفق آل كثير: جعفر واولاد اخيه محمد واصطلحوا
وتناصفوا العراص.
(325) (1/325)
صفحة 326
17. سنة 901 هـ: نظفت سيئون لآل محمد، وحصر حصنها جعفر بن عبد
الله وهي يومئذ في يد اولاد محمد بن عبد الله الكثيري بدر وعبدالله. وفيها
أيضاً: حصر عبدالله بن جعفر الغرفة وهي يومئذ في يد بدر بن محمد
18. سنة 902 هـ: صالوا أهل المسفلة (تريم وما والاها) وأبن ثعلب على سيئون وفيها عبد الله بن جعفر.
19. سنة 902 هـ: صال عبدالودود (الكثيري (بالريدة (المشقاص) هو
وسعد بن مبارك بادجانة) متولي الشحر والمشقاص والمهرة) وبعض بيت
محمد (عشيرة بادجانة (على الشحر وفيها يومئذ عبد الله
بن جعفر
وفيها أيضاً: اصطلحوا آل كثير، فاعطي آل محمد شبام وما والاها
والوادي، والجعفر الغرفة.
20. سنة 906 هـ: قتل عبد الله بن جعفر اخوته بدر وعمر، يقال لامر جرى
منهما عليه.
21. سنة 913 هـ: اطلق محمد بن عبد الله بن جعفر شبام لبدر بن محمد. 22. سنة 914 هـ: سدوا آل كثير: بدر بن محمد وآل جعفر، فاعطوا بدر حدية وذي اصبح مقابل غلة والفي دينار في كل سنة، وعدلوا عليه شبام
وحذية، وضمنوا آل كثير.
(326) (1/326)
صفحة 327
دولة آل محمد بن عبدالله الكثيري الأباضية:
لا تجد مؤرخا حضرميا تطرق إلى الدولة الكثيرية، الا وكان همه وفكره محصورا في الدولة الكثيرية عند تأسيسها ودولة آل جعفر الكثيري، وحتى هذه فقد
تم طمس حقيقتها المذهبية الزيدية، وشاع الحديث عن سنيتها الاعتقادية، اما دولة آل محمد الكثيري فقد تم تغييبها وطمس تاريخها وشخصيتها بشكل يكاد ان يكون كاملا في الكتابات التاريخية الحضرمية، ولقد عودنا الخلف في تلك الكتابات انهم لا يطمسون الا ماكان اباضيا او غير سني الاعتقاد.
تنتمي دولة آل محمد الكثيري إلى محمد بن عبد الله بن جعفر الكثيري،
المتوفى فجأة سنة ـ 855 هـ وقامت على اكتاف ولديه بدر وعبدالله
-
لا بد ان القارئ الكريم قد لاحظ ان الدولة الكثيرية ومنذ وقت مبكر على
ظهورها، كانت تصارع - فيما تصارع - قوة كثيرية تحاول وأدها والقضاء
-
-
عليها، وكان كثيرا ما تظهر تلك القوة الكثيرية ضمن الخلف الاباضي القوي الذي تقوده قبيلتا نهد وآل يماني، حتى إذا كانت وقعة (الخبة) سنة 902 هـ ظهرت تلك القوة الكثيرية الأباضية ممثلة بآل محمد بن عبد الله الكثيري، ويبدو ان تلك القوى الكثيرية الأباضية قد استطاعت توحيد كلمتها وارادتها وانضوت تحت راية دولة آل محمد الكثيري المتحالفة مع باقي القوى الأباضية في منطفة الوادي. المذهب الأباضي في القبيلة الكثيرية ليس مذهبا جديدا او طارئا، بل لابد ان يكون هو المذهب التأسيسي لهذه القبيلة، شأنها شأن كل القبائل الحضرمية والمجتمع الحضر مى منذ ثورة طالب الحق الكندي سنة - 129 هـ، وإذا كان هناك من هذه القبيلة من اعتنق المذهب المعتزلي - الزيدي، باعتباره مذهب حضرموت التاريخي الثاني بعد الاباضي، فان ذلك بالضرورة ان هناك يعني من القبيلة الكثيرية
(327) (1/327)
صفحة 328
من ظل على اباضيته، مذهب الاسلاف والاجداد، تماماً بمثل من ظل من هذه
القبيلة على طريقة حياته البدوية والقبلية
لا شك ان أسلوب إدارة الحكم يمثل نوع الفكر الحاكم، فقد وجدنا أن
أسلوب إدارة الإمامات المعتزلية في القرنين الخامس والسادس (تريم آل راشد ـ
شبام آل دغار - شحر آل اقبال - ظفار آل (منجوي كان يمثل تطورا في اسلوب
-
-
الحكم عما كان قبله في ادارة الإمامات الأباضية حتى القرن الرابع الهجري، ولقد اتضح ان ذلك التطور كان نتيجة لتطور فكري حدث في القيادة السياسية التي كانت على مذهب الاعتزال. ولهذا، فإننا سوف ننظر في أسلوب حكم إمامة آل محمد الكثيري في شبام لنحقق تعلقه بالمذهب الاباضي.
اسلوب ادارة الإمامة الأباضية لآل محمد الكثيري في شبام:
عندما نظرنا في الاوضاع الأباضية في حضرموت حتى القرن الرابع
الهجري، وجدنا الباحث الروسي - سرجيس فرنتسوزيف ـ يقول عن اسلوب
-
تلك الإمامات في الحكم: (لم تكن تشبه نظام الدولة في شئ)، وهو يعني انها
تدير المجتمع باسلوب بسيط خال من المظاهر الادارية او المالية، فهي اشبه بادارة الخليفتين ابوبكر وعمر رضي الله عنهما.
ويصف لنا الإمام باجمال اسلوب ادارة المجتمع الشبامي في عهد امامين من ولاتها من آل محمد الكثيري، الأول هو: بدر بن محمد الكثيري، إذ يقول عنه:) كانت له شفقة تامة على الرعية، وكان يقول: تدخل المسرة علي إذا نظرت احدا من رعيتي مسرورا، وافرح بحسن حالهم وجمالهم في المال والأهل والولد، و قيل له: فلان من رعيتك عليه كساء فائق، لا يصلح الا لمثلك، فقال: اف لوال يسلب
(328) (1/328)
صفحة 329
رعيته كسوتهم، ويفرح نفسه بما يحزنهم. وكان يقول: ولاة هذه الجهة ينبغي لهم ان يعيشوا بالحراثة في الارض، ويعتمدوا عليها، ويقنعوا بما حصل منها، ولا ينبغي لهم ان يقتدوا بملوك العجم في بذل المال وفي السعة والرفاهية والبطر بالنعم، فان هذه الجهة ضنكة المعيشة، قليلة المدد، لا تحتمل سوى الرفق والاقتصاد في الانفاق، فافهم، فكان بدر يأكل من حراثته ذرة ودخنا ونحوه، ويتأدم بالبصل والكراث
ونحوه) (
(10)
والثاني هو عبد الله بن محمد الكثيري، يقول عنه: (كان له تفقد في رعيته ورعاية حسنة وحماية لهم، ودفع تام عنهم فرأى يوما بعض الجبارين يبطش ببعض الضعفاء من أهل بلده، فنظر إليهم من بعيد، فقيل له: أن هذا الضعيف اشترى من هذا الجبار فهو يلازمه في الثمن، فذهب إليه فدفعه عن الضعيف، وضربه بيده، وقال له: ما يصنع معك الفقير العديم؟، امهله واصبر حتى يوسر، وانت قد
شاة
ضيعت نفسك حيث بعت المعسر شاتك، لا تعد تؤذيه ابدا حتى يوسر والا عاقبناك عقوبة شديدة، من للضعيف الا نحن إذا لم نحميه فمن يحميه، ولقد صدق في كل ذلك. وحكي عنه: ان قطاع طريق نهبوا الرعية مالا، فتبعهم حتى رده كله، ففقد منه حمارا، فلم يزل يبحث عنه حتى استرده من بلد (ابراد) المعروف،
مسيرة ثماني مراحل) (16).
(329) (1/329)
صفحة 330
ادارة الإمامة الأباضية ببلدة (تريس) من قبل ولاتها آل ابن ثعلب:
يقول الإمام باجمال: (ذكر بعض الاخوان الثقات: ان والي (تريس)
بحضرموت، وكان عمر بن سليمان بن ثعلب رحمه الله، كانت له احوال محمودة، وشفقة على الرعية صالحة، ونظر وتفقد تام، ذكر انه اعد لحوائج أهل بلده من الحمير اربعة، ولنفسه اثنين، ومن البقر لحاجتهم ثورين، ولنفسه اثنين، وكان كل ما عنده من الماعون والآلة للحرث وغيره مبذولا لهم، وكان يتفقد أهل الفقر والحاجة فيها ويواسيهم ويحسن إليهم، ولا يترك المتخاصمين فيها حتى يصلح بينهم، ويطيب خواطرهم، بعضهم على بعض، ولو ان يتحمل في ذلك مالا
جزيلا)
(17)
هذا من ناحية الإدارة، اما من ناحية طريقة تولي تلك الولاية في تلك الإمامات الأباضية، فيوضحه الإمام باجمال في حكاية عن عمر بن سليمان بن ثعلب نفسه، حيث يقول ان هذا المتولي وفي احدى جولاته التفقدية على رعيته، اشتكت إليه إمرأة من ان عشاءها من غير ملح لأنها تفتقده، (فقال في نفسه): ان الولاية لا تجوز لي وهذه المرأة بلا ملح ((18)، ومن تلك العبارة نفهم ان الولاية في الإمامات الأباضية حتى القرن العاشر الهجري، كانت تتخذ طريق البيعة الشرعية، تنتفي شرعيتها بتقصير المتولي في رعاية وضمان عيشة رعيته وسلامتهم وهكذا نجد ان اسلوب ادارة الإمامات الأباضية الذي كان سائدا حتى القرن الرابع الهجري، ظل على سيادته تلك في مناطق القبائل (تريس مثلا) والبادية، بل انه عاد إلى الظهور في بعض مدن الاعتزال السابقة (شبام) بعد انتصار القوى الأباضية على الحملة الايوبية على حضرموت، حيث كسبت
الأباضية مواقع كانت قد خسرتها منذ قرون خلت لصالح القوى المعتزلية.
(330) (1/330)
صفحة 331
عقائد أهل حضرموت في القرنين التاسع والعاشر الهجريين
عند ابن خلدون والإمام السخاوي
إذا كنا قد توصلنا فيما تقدم من هذه الدراسة إلى ان الاوضاع العقائدية والسياسية في حضرموت لم تكن سنية خلال القرن التاسع واوائل القرن العاشر الهجري، فان هذا الوضع كان لابد ان نجد صداه عند مؤرخي تلك الفترة التاريخية
ولسوف نعمد إلى رصد اقوال المؤرخ أبن خلدون المتوفي سنية ـ 808 هـ
والإمام السخاوي المتوفي سنة - 902 هـ كل فيما يخصه من الزمن.
تحدث المؤرخ أبن خلدون عن حضرموت في عهده في موضعين:
الأول قوله: (ويقال ان في حضرموت نحلة الأباضية لهذا العهد) (19)
—
والثاني قوله: (ان أهل حضرموت يحكمون بأحكام علي وفاطمة، ويكرهون عليا
للتحكيم) (20).
واما قوله الاول ففيه من الابانة والموضوح ما يكفي في تأييد ما دل عليه مسار الاحداث في دراستنا هذه بوجود الأباضية لهذا العهد في حضرموت ويأتي قوله بانهم (يكرهون عليا للتحكيم (تأييد القوله الأول، فما من فرقة اسلامية افترقت عن علي بسبب التحكيم وكرهته على قبوله به، الا الخوارج و الأباضية. واما قوله بانهم يحكمون بأحكام علي وفاطمة، فذاك يصدق علي الزيدية والأباضية، اما الزيديية فلأنهم شيعة، وذاك شأن كل الفرق الشيعية، واما الأباضية فانهم وان اختلفوا وافترقوا عن علي بسبب التحكيم وعليه يبغضونه، الا انهم يأخذون بأحكامه، فمثلا في مسألة خلق القرآن، يرى أباضية المغرب الذي اطلع أبن خلدون على كتاباتهم، ان القرآن غير مخلوق (قديم) أي انهم يقولون في ذلك بقول أهل السنة، ويدعمون ما ذهبوا إليه بقولهم: (ان الاجماع اثبت ان القرآن
(331) (1/331)
صفحة 332
غير مخلوق، بدليل ما ثبت ان علياً بن ابي طالب لما انكر عليه جماعته (الخوارج) تحكيم القرآن، قال: (انا ما حكمت مخلوقا، انما حكمت القرآن،) ... ، أي ان الرجل (علي) عندهم غير مرفوض، بل حجة في اقامة بعض الأحكام التي تشكل جزء من معتقدهم) (21).
وهكذا نجد ان المؤرخ ابن خلدون يقول بما تقول به هذه الدراسة من حيث
سيادة الزيدية) مذهب الدولة الكثيرية (والأباضية (مذهب البادية والقبائل) على حضرموت القرن التاسع الهجري.
اما الإمام السخاوي في شهادته على الاوضاع المذهبية والسياسية في
حضرموت في القرن العاشر الهجري، فانها في غاية الأهمية، فهي اولا تصدر عن الاعتقاد، وثانيا لأنها شهادة عن قرب، فقد عاش الإمام السخاوي فترة
إمام سني
طويلة من حياته في ارض الحرمين وبها دفن، كما كان على معرفة بتلك الاوضاع وترجم لعدد من علماء حضرموت في مؤلفاته. ولقد جاءت شهادته في موضعين: الأول: قوله: (اليمن يوجد في علمائه الحنفية وكثير من الزيدية وهم بصنعاء ونحوها، ومن العثمانية وهم بحضرموت، ومن الاسماعلية وهم بالجبال، وغيرهم من الطوائف) (22)
والثاني: حين عد حضرموت من البلاد) التي لا حديث يروى بها ولا عرفت
بذلك) (23)
العثمانية التي يتحدث عنها الإمام السخاوي، هي مذهب في الإمامة والحكم، يرى صحة ولاية ابي بكر وعمر وعثمان، وهي حين تقول بتلك الصحة لا تربطها بصلة النسب القرشي للخلفاء الثلاثة، فقد) انكر العثمانية أو البكرية مبدأ الأرث في الخلافة، وقالوا انها شورى، وان النبي لا يورث، واعتمدوا في ذلك على موقف ابي بكر من فاطمة عندما منعها الإرث اثر موت ابيها، وقال لها عندما
(332) (1/332)
صفحة 333
الحت بالطلب واحتجت وتظلمت، انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انا معشر الانبياء
لا نورث، وما تركناه فهو صدقة. وهم يرون ان موقف ابي بكر من الارث صحيحاً، والدليل على صحته ان الصحابة لم يستنكروه.
وقال العثمانية: اما حديث الإئمة من قريش، فقد قاله عمر يوم السقيفة، ولكنه خالف هذا المبدأ عندما قال شاكيا من الستة الذين حصر فيهم المشورة بعده: لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك. وسالم ليس قرشيا، بل هو عبد لإمرأة من الانصار، ومع ذلك لم ينكر عليه احد موقفه ودعواه (24). ولهذا فان العثمانية في الإمامة وغيرها، تساوي بين الناس الا بالتقوى، وترى أن الرئاسة (لا تنال بالقرابة من الرسول الكريم، بل بالدين)
(25)
يطلق على العثمانية أيضاً (البكرية) و (العمرية)، ويقابلها مذهب (العلوية)، وهذه الاخيرة ترفض وتنكر صحة امامة الخلفاء الثلاثة الأول، وترى احقية علي بها بعد الرسول، وذلك هو شأن الشيعة الأثنا عشرية والاسماعيلية، ويطلق على هؤلاء اسم (الروافض (لذلك السبب، اما أهل السنة فانهم ليسوا عثمانية، وذلك لاعتمادهم حديث (الأئمة من قريش).
اما المذاهب والفرق العقائدية التي تنتمي إلى العثمانية فهي: المعتزلة والأباضية وفرقة (المطرفية (من الزيدية، وقد بينا في صفحات سابقة موقف
مسألة الأباضية والمعتزلة من الإمامة، اما الزيدية فانها على تشيعها فانها لا تنكر صحة امامة من سبق علي، وذلك لقولهم بجواز امامة المفضول مع وجود الفاضل، والفاضل لديهم هو بالطبع الإمام علي بن ابي طالب، هذا من ناحية، ومن اخرى، فانه (لم يثبت عن زيد (مؤسس المذهب (رأي او حكم يقول ان الامامة من اصول الدين، وانها محصورة متوارثة في أبناء علي وفاطمة. وعلى هذا الأساس
(333) (1/333)
صفحة 334
قالت فرقة المطرفية (الزيدية (التي لا تشترط حصر الإمامة في أبناء علي وفاطمة
الزهراء) (26)
وإذن، فان هذه المذاهب الثلاثة هي التي تمثل العثمانية (السياسية)، وحسب ما تقدم من هذه الدراسة، هي التي سيطرت على الحياة المذهبية والسياسية في حضرموت، منذ ثورة طالب الحق الكندي سنة، 129 هـ، وحتى عهد الإمام السخاوي وشهادته في القرن العاشر الهجري، و لم تعرف حضرموت سلطة مذهبية سواها، وكأن الإمام السخاوي بقوله بعثمانية حضرموت، انما قصد انها لم تعرف تاريخيا بسواها طوال عهدها الإسلامي، وهو ما تقول به هذه الدراسة
في
هذا المعنى والقصد من قول الإمام السخاوي بعثمانية حضرموت، يؤكده
قوله الآخر، حين عدّ حضرموت من البلدان التي لا حديث يروى بها ولا عرفت بذلك، وهو يقصد عدم عناية أهلها بكتب الحديث السنية، مثل صحيح البخاري ومسلم واحمد وغيرهم، فالأباضية لا يعتنون بتلك الكتب، ولهم صحيحهم المعتمد الخالص بهم، وهو صحيح الربيع بن حبيب، وهو اقدم من صحيح البخاري، وكذلك الزيدية الذين شأنهم شأن المعتزلة في تعويلهم على القرآن الكريم أدلة الأحكام، اضافة إلى انهم انما يعتمدون الاحاديث الشريفة الموافقة للمذهب المروية عن الإمام علي وبنيه، غير ان مما يؤيد الإمام السخاوي في عدم عناية أهلها بكتب الحديث السنية، هو ان المراجع الحضرمية، تشير إلى ذلك ايحاء وهمسا دون التصريح بذلك، فمثلا فان الإمام سالم بافضل في القرن السادس الهجري، وفي وصاياه الثلاث في الوقت الذي كان فيه يؤكد على ضرورة العناية بالقرآن الكريم وعلومه فانه لم يتطرق إلى علم الحديث على الطلاق، وعند حديث تلك المراجع عن الإمام عبد الله بن راشد في القرن السادس الهجري، وجدناها تقول انه قد الحديث الشريف في الحجاز، وهذا الادعاء بينا بطلانه في حينه، وها هي
سمع
عند
(334) (1/334)
صفحة 335
حديثها عن الإمام عبد الله العيدروس واخذه الحديث، تضطرب أيما اضطراب، إذ تقول أنه أخذه في اليمن والحجاز، ويفند المؤرخ الحامد ذلك القول، بقوله: (ولم يعرف للإمام العيدروس سنة 869 هـ سفر إلى اليمن او الحجاز، وجاء في (المشرع) انه اخذ الحديث عن جماعات في اليمن والحجاز، وقال تلميذه الإمام عبدالله بن علوي الحداد فيما رواه تلميذه احمد بن زين الحبشي: ان ذلك غير معروف، لأن الشيخ العيدروس لم يعرف له سفر إلى اليمن أو الحجاز () ولنا ان نتساءل، لماذا يكون السماع المزعوم لأبن راشد في القرن السادس والعيدروس في القرن التاسع، في اليمن او الحجاز من دون موطنهم حضرموت، ولماذا كل ذلك الاضطراب في روايتها. أليس في كل ذلك تأكيد لشهادة الإمام
السخاوي.
(27)
لم يكن الإمام السخاوي اول قائل بعثمانية حضرموت، فقد سبقه إلى ذلك الشاعر التكريتي في القرن السادس الهجري، فقد جاءت شهادته على ذلك بقوله عن الاوضاع المذهبية السياسية في ظفار في ذلك القرن بقوله:
أصل دائي غنج مقلتها xx ودوائي لثم وجنتها ×× أترى عمرا بنظرتها أم أمير المؤمنين علي
وقلنا حينها ان هذا البيت يقول بوجود شيعي قوي في ظفار، وتبين لنا انه وجود زيدي، وكان ممثلا بحكم وولاية آل المنجوي العلويين، غير ان هذه (العلوية) الحاكمة كانت تتعايش بوئام ووفاق مع الترعة والوجود (العثماني) او (العمري) بلغة الشاعر التكريتي، وتتقاسم معه السيطرة السياسية والاجتماعية في ظفار، وكان ذلك التعايش الآمن مصدر اعجاب الشاعر وتقديره الذي صاغه في ذلك البيت، وما كان لذلك الوفاق والوئام بين الاتجاهين ليكون لو ان آل المنجوي
(335) (1/335)
صفحة 336
كانوا يرون لهم حقا شرعيا في الولاية والحكم، إي لو كانوا (علويين) في مسألة
الإمامة.
ولقد تجلت (عثمانية (آل المنجوي في احسن صورها وابهاها عندما آلت الولاية بعدهم إلى آل الحبوضي القحطانيين سلماً،، واصبح آل المنجوي وزراء لدى آل الحبوضي الذين كانوا قبلا وزراء لدى آل المنجوي (28).
لم يكن الشاعر التكريتي هو الشاهد الوحيد في القرن السادس الهجري على عثمانية حضرموت، فقد كانت هجرة الإمام المعتزلي الكبير نشوان بن سعيد الحميري إليها، شهادة اخرى، ليس على عثمانيتها فحسب، بل وعثمانيته أيضاً. ففي اثناء حديثنا عن الاوضاع السياسية في تريم في ذلك القرن، رصدنا هجرة الإمام نشوان إلى حضرموت هربا من العداوة والخصومة السياسية الطافحة التي كانت بينه وبين ائمة الزيدية القاسميين العلويين في بلاده الجوف، تلك الخصومة التي أساسها رأى نشوان في مسألة الإمامة الذي يتصادم مع وجود ولاية علوية النسب والمذهب في بلاده، فقد كان الإمام نشوان قحطاني الترعة عثماني الهوى في السياسة، ولن نجد ابلغ دلالة على ذلك من قوله:
حصر الإمامة في قريش معشرا هم باليهود أحق بالالحاق جهلا كما حصر إليهود ضلالة امر النبوة في بني اسحاق (29)
على ان هناك دليلا آخر على عثمانية حضرموت في القرن السادس الهجري، هذا الدليل يأتي من غياب حديث (الأئمة من قريش) في كتاب الإمام
في
القلعي (تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة)، فلو ان هذا الحديث كان معتمداً في حضرموت حينها، ومعتمدة مترتباته السياسية (العلوية)، لوجدنا له ذكرا او اشارة إليه في ذلك الكتاب الذي لا حديث لصاحبه فيه الا حديث الإمامة والحكم
(336) (1/336)
صفحة 337
والولاية، وما كان لهذا الحديث (السياسي (ليغيب عن الإمام القلعي لو كانت حضرموت في ذلك القرن علوية او سنية في الامامة والسياسة، بل ان الإمام القلعي اورد في كتابه المذكور حديثا آخر لا يتفق مع حديث (الأئمة من قريش) إذ اورد قول الرسول (لو استعمل عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف يقودكم بكتاب الله فاسمعوا واطيعوا) (30).
هذه العثمانية التي تجلت في القرن السادس الهجري، لم تكن الا امتداد لعثمانيتها (المذهبية (ممثلة في الأباضية والاعتزال، فما كان لحضرموت في ذلك القرن الا ان تكون عثمانية، وما كان لزيديتها ألا ان تكون كذلك.
في القرن العاشر الهجري، عهد الامام السخاوي وشهادته، كان المذهب الزيدي هو مذهب الدولة الكثيرية و مذهب امامة آل العمودي في وادي دوعن، وما كان لولاية آل كثير وكذا العمودي لتصح عقائديا لو كان مذهبهم في الإمامة (العلوية) ولو لم يكونوا عثمانيين فيها، وهم بذلك بخلاف زيدية صعدة وصنعاء التي كانت علوية النسب والسياسة والهوى.
على انه من المهم هنا القول ان العثمانية السياسية كانت جزءا مكونا وأساسيا في الثقافة المذهبية والسياسية لآل كثير قبل ظهورهم على المسرح السياسي، ليس بحكم اصولهم الظفارية فحسب، بل وأيضاً بحكم ارتباطهم بشئون الحكم والولاية مذ كانوا قيادة عسكرية للإمام المعتزلي سالم بن ادريس الحبوضي، وربما قبل ذلك، فما كان لهم وقد اسسوا دولتهم على المذهب الزيدي الا ان يكونوا عثمانية، أي قيادة قحطانية لدولة شيعية، او ان شئت دولة شيعية بقيادة غير علوية النسب والمذهب.
وهكذا نجد ان كلا من المؤرخين أبن خلدون والسخاوي يشهدان
شهادة عيان بصحة ما توصلت إليه هذه الدراسة من استمرار الأوضاع المذهبية
(337) (1/337)
صفحة 338
والسياسية غير السنية في حضرموت حتى القرن العاشر الهجري على الاقل، ولقد
رأينا تلك الاوضاع تظل على حالها ذاك حتى عهد الولاية الخالصة للإمام محمد بن عبد الله الكثيري المتولي سنة ـ 910 هـ.
-
غير انه كان لاحوال البلاد والعباد شأن آخر بظهور السلطان بدر بن عبدالله الكثيري (ابي طويرق)، وهو ما سوف نأتي إليه في حينه.
الأصول المبكرة لعثمانية حضرموت في الإسلام:
العثمانية هي إذن مذهب في الامامة لا يرى ضرورة في احتكارها في قريش،
ولا يرى حقا شرعيا في ذلك، إذ يرى العثمانيون ان الإمامة لا تنال بحق القرابة من الرسول الكريم، بل بالدين، وهم في ذلك بخلاف أهل السنة الذين يقولون بصحة حديث (الائمة من قريش)، كما انهم بخلاف الرافضة من الشيعة التي ترى حقا شرعياً اللإمام علي بن ابي طالب في تولي الإمامة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده بنيه، وهذا المذهب الأخير هو (العلوية) في الإمامة وهو يقابل العثمانية. العثمانية تقول بصحة امامة الخلفاء الثلاثة الاول، وهم حين يقولون بذلك، لا يرون ذلك استحقاقا لقرشيتهم، بل لدورهم في الدين لا غير، والفرق التي تذهب المذهب العثماني في الإمامة هي الأباضية والمعتزلة والزيدية (المطرفية)، وعلى مذهب المطرفية الزيدية كانت ولاية آل المنجوي في ظفار في القرن السادس الهجري، وولاية آل
كثير حتى امامة الامام محمد بن عبد الله الكثيري المتولي سنة ـ 910 هـ، و ولاية
آل العمودي في دوعن.
-
(338) (1/338)
صفحة 339
هذه المذاهب العثمانية الثلاثة هي التي سيطرت على الاوضاع الحضرمية
منذ ثورة الإمام طالب الحق سنة ـ 129 هـ وحتى القرن العاشر الهجري، عهد شهادة الإمام السخاوي
ورغم الإختلاف في مسارات البحث ونتائجه في هذه الدراسة عن المسارات والنتائج التي توصل إليها المؤرخون الحضارمة المعاصرون، الا ان ذلك لم يمنع البعض، ومن خلال تأملهم في الاحداث التي مرت بها البلاد في عهدها الإسلامي، ان يلاحظوا ما يقول بعثمانيتها المبكرة، دون ان يدركوا ذلك فهما ودرسا، فهذا المؤرخ الصبان حين نظر في ما تسمى بحروب الردة، وبعد ان انكر ان تكون هناك ثمة ردة او ارتداد عن الدين الحنيف، قال ان الحضارمة: (اعلنوا الطاعة للسلطة بالمدينة وحصر الخلافة في قريش، وصموا بانهم ارتدوا عن الإسلام، وشنت عليهم حرب ابادة ((31)، ويقول عن حروب الردة بشكل عام: (واعلنت القبائل العصيان لأنهم كرهوا سيادة قريش التي ظنوا انها سلبتهم حريتهم وادخلتهم تحت طاعتها بحكم الدين) (32)
عدم
هذا الاستنتاج الذي يقدمه المؤرخ الصبان، كان تقييما لاحداث تمت في
،
السنة العاشرة للهجرة، كانت حضرموت حينها في سنتها الاولى من الإسلام وحينها لم تكن هناك ثمة مذاهب عقائدية او غيرها، ولنا ان نتساءل، لمإذا رفض أهل حضرموت خلافة أبي بكر وانحصار الحكم في قريش إذا لم تكن لديهم نزعة (عثمانية). بمعنى ما، قبل دخولهم في الإسلام، نزعة استعلاء وكبرياء حضاري، نتيجة لتاريخهم الموغل في القدم منذ دولته القديمة قبل الإسلام، وقبل الميلاد، وعلينا ان نقيس الامر على اوجهه إذا علمنا ان تاريخ قريش لا يتجاوز قرنين من الزمان
قبل الإسلام
(339) (1/339)
صفحة 340
ضد
بني
وهذا المؤرخ باوزير، يقول عن حروب حضرموت في عهدها الاباضي امية والعباس، ومقاومة حملاتهم عليها خلال الخمسة القرون الإسلامية الاولى: (كان عهد الأباضية في حضرموت عبارة عن سلسلة من الحروب والثورات المتتابعة بسبب رفضهم الخضوع لحكم بني امية والعباس). وإذن فان المؤرخ باوزير لا يختلف في تقييمه للأمر عن المؤرخ الصبان، فلا فرق بين رفض حكم قريش ورفض حكم بني امية والعباس فكلهم من قريش
وإذا كان الامر كذلك، فان الظهور المبكر) لعثمانية) حضرموت ومنذ سنة اولى إسلام، واستمرار تلك العثمانية حتى عهد الامام السخاوي في القرن العاشر الهجري، يعني انه لا بد ان تظهر تلك العثمانية في مشاهد تاريخية مبكرة من العهد الإسلامي، ولرصد تلك المشاهد الدالة على الاستعلاء والكبرياء الحضاري على قريش، سوف نعرض للقارئ الكريم اربعة من تلك المشاهد،
الحضرمي ولسوف نترك له الامر ليحكم ويقرر ما يشاء:
المشهد الأول:
وائل بن حجر الحضرمي: (33)
كان ملكا عظيما في حضرموت، قدم إلى المدينة في السنة العاشرة للهجرة، فرحب به الرسول صلى الله عليه وسلم، وادنى مجلسه، وبسط له رداءه، الشريف، ليجلس عليه، مبالغة منه عليه السلام في اكرامه، وقال لمن حوله: هذا وائل بن حجر اتاكم من ارض بعيدة من حضرموت، طائعا غير مكره، راغبا في الله ورسوله وفي دينه، بقية أبناء الملوك. ثم ان الرسول الكريم ع ل ل ل ل له اقطعه ارضا وكتب له عهدا بها، وامر معاوية بن ابي سفيان ان يصحبه إلى المنزل الذي اعد لإقامته بالحرة في ضواحي المدينة، فخرج وائل ومعاوية في الهاجرة، معاوية يمشي وهو راكب راحلته، فاشتدت الرمضاء، فا وجعته، فقال معاوية:
(340) (1/340)
صفحة 341
أعطني نعلك اتوق به الرمضاء
وائل: لا يبلغ أهل اليمن ان سوقه لبس نعل ملك
معاوية: اردفني إذن.
وائل: لست من ارداف الملوك.
معاوية: ان الرمضاء قد احرقت قدمي
وائل: امش في ظل ناقتي كفاك بها شرفا
ويعلق المؤرخ باوزير على ذلك بقوله: (وخضع معاوية القرشي لزهو الملك
الحضرمي). المشهد الثاني
الأشعث بن قيس الكندي:
تتواتر في المصادر الإسلامية اخبار اسلام قبيلة كندة في السنة العاشرة للهجرة،
وحول قدوم وفد كندة على الرسول لا اله الا في المدينة، قال الراوي:
كنا جلوسا على باب مسجد النبي الله، إذ اقبل وفد كندة برئاسة الأشعث بن قيس، فاستشرف الناس له. قال: فما رأيت احسن منهم هيئة، فلما دخل رجل متوسط القامة يضرب شعره على منكبيه قلت: من هذا؟ قالوا: الاشعث بن
قيس.
وفي رواية: كان الوفد يلبس الحرير، ثم ان النبي الله نهاهم عن لبسه، فمزقوه عن اجسادهم. فمكثوا في المدينة اياما، ينحرون الجزر، ويطعمون الناس، ويذكر الاخباريون ان الاشعث لم ينصرف إلى حضرموت حتى خطب ام فروة بنت ابي قحافة، اخت أبي بكر الصديق وعمة ام المؤمنين عائشة، ثم ان ابا بكر وافق على تلك الخطبة التي كانت بمعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وموافقته
(341) (1/341)
صفحة 342
الاشعث في معركة صفين:
كان الاشعث قائدا في جيش علي بن ابي طالب، يقاتل جيش معاوية بن ابي سفيان، ثم ان معاوية بعث اخاه عتبة إلى الاشعث، وقال له: الف إلي الاشعث كلاما، فانه ان رضي بالصلح رضيت به العامة. فخرج عتبة حتى إذا وقف بين الصفوف نادى على الاشعث، فاتاه، فقال عتبة: ان معاوية لو كان لاقيا احدا غيرك وغير علي للقيك، وانك رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن ومن سلف له من عثمان ما قد سلف من الصهر والعمل، ولست كاصحابك الاشتر وعدي وسعيد بن قيس وغيرهم، ولقد حاميت عن أهل العراق تكرما، وحاربت أهل الشام حمية، وانا لا أدعوك إلى ترك علي ولا نصرة معاوية، ولكنا ندعوك على البقية التي فيها صلاحك وصلاحنا
فأجابه الاشعث: يا عتبة، أما قولك ان معاوية لا يلقى الا عليا، فلو لقيني ما زاد
ولا عظم في عيني، ولا صغرت عنه، وان احب ان اجمع بينه وبين علي لافعلن واما قولك اني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن، فالرأس والسيد المطاع وهاتان لعلي، واما ما سلف الي من عثمان فوالله ما زادني صهره شرفا ولا عمله غنى (34).
المشهد الثالث:
حارثة بن سراقة الكندي:
(
يورد الواقدي وغيره، قول حارثة بن سراقة الكندي، احد أمراء كندة، اثناء مع جيش المدينة الذي ارسل لقتالهم فيما يسمى حرب الردة، في القصيدة
القتال
التي مطلعها:
(35)
اطعنا رسول الله مذ كان بيننا فيا قوم ما شأني وشأن ابي بكر أيورثها بكر لمن جاء بعده فتلك لعمر الله لقاصمة الظهر
(342) (1/342)
صفحة 343
ومنها
حلفت يمينا غير حنث مشوبة واني لأهل أن اوفي بها نذري على ما ترجو قريش ودون ما يرجون طعن بالمثقفة السمر
وضرب يزيل الهام من مستقره كما كانت الاشياخ من سالف الدهر انعطي قريشا مالنا ان هذه لتلك التي يخزى بها المرء في القبر
(
فيا قوم لا تعطوا اللئام مقادة وقوموا وان كان المقام على الجمر فكندة ما زالت ليونا لدى الوغى وغيث بني حواء في العسر واليسر
فمالبني تيم بن مرة امرة علينا، ولا تلك القبائل من فهر
المشهد الرابع:
المهاجر بن امية القرشي: بعد هزيمة كندة:
بعد هزيمة كندة من قبل جيش المدينة، جمع زياد بن لبيد الانصاري ما بقي
من ملوك كندة، وهم ثمانون رجلا، فصفدهم في الحديد، ووجه بهم إلى ابي بكر، فانشأ المهاجر بن امية القرشي يقول:
هلا وقفت بربع سلمى المقفر فسألت عن خود كعاب معصر مملوءة الساقين طاوية الحشاء وفرانة من الغزال الاحور بانوا بها، فدموع عينك بعدها مثل الجمان بخدك المتحدر ودع ذکر خود وجمال اروع تسبي القلوب بنور وجه مقمر وإذكر وقائع حضرموت فانها تشفي غليل الهائم المتحير إذ نحن نجزر بالسيوف رؤوسهم والخيل تعثر بالقنا المتكسر وملوك كندة في الهياج كانهم اسد عرين لذي العاج الاكدر يمشون في الحلق المضاعف بالقنا وبكل صافي الشفرتين مكدر كم فارس منا هناك ومنهم تحت العجاجة في الثرى لم يقبر ولنعم فرسان الكريهة في الوغى كانوا ونعم ذوو السنا والمفخر كانوا الملوك على البرية كلها بتسلط وتكبر وتجبر فالبغي اوردهم فاصبح جمعهم في معرك مثل الهشيم المحضر
(343) (1/343)
صفحة 344
السلطان بدر بن عبد الله الكثيري (ابو طويرق)
سنة 902 هـ ـ 977 هـ
لقد كان لأزمة كتابة التاريخ الحضرمي الوسيط، من حيث الشحة الشديدة في المصادر ونذرتها، ان فرضت نفسها بشدة وقوة على المؤرخين الحضارمة المتأخرين، فقد فرضت عليهم ـ فيما فرضت ـ الاسراف في صناعة ــــ التراجم الشخصية، أي كتابة التاريخ الحضرمي كتابة فردية، وفرضت عليهم الاستمرار في تلك الصناعة حتى ايامنا هذه، لعلهم بذلك يسدون بعضا من الفجوات الكبيرة والواسعة في المسارات التاريخية، ويرسمون صورة لطبيعة الاوضاع السياسية والفكرية والاجتماعية لتلك الفترة التاريخية. ولكن ما كان لذلك الجهد الكبير الذي بذلوه في هذا المجال إلا ان يعاني من ذاك المأزق الوثائقي العنيد وغياب المصادر وندرتها، فكانت ان جاءت تلك التراجم على الاعم الأغلب منها، مجرد اقوال لا يسندها سند من وثيقة او مصدر معاصر محلي او اسلامي، واصدرت أحكاما تفتقر إلى شروط الكتابة التاريخية.
ولما كانت الكتابة التاريخية مسألة وثائقية ولها منطقها من حيث محاكمة الزمان والمكان، بما يؤدي إلى (تطويق (المكان التاريخي وتحقيق هوامش و احتمالات وشروط ظهور الحالة المعنية بالبحث، فاني ارى ان اعتماد تلك التراجم كما هي مقدمة لنا والادعاء بصحتها واحيانا عصمتها، مسألة ليست علمية. ولا موضوعية، بل ان اعتمادها يلعب بالضرورة دورا خادعا وبالتالي معيقا في الوصول إلى الحقيقة التاريخية، التي هي هدف وغاية علم التاريخ
وتكون العلمية والموضوعية بذلك القدر من الأهمية، خاصة عندما نتناول
بالدراسة شخصية سياسية بحجم السلطان بدر ابي طويرق وعصره وسياساته
(344) (1/344)
صفحة 345
وصراعاته العاصفة التي امتدت على مدى سني حكمه الذي طوى نصف قرن من الزمان، علينا في مثل هذه الحالة ان نضع مبررا وتعليلا علمياً ومنطقيا لتلك الاحداث ووقوعها على صورتها تلك في ذلك العصر بالذات دون غيره، وفي ذلك المكان دون غيره، وبتلك الشخوص دون غيرها، وعلينا ان نتساءل لماذا سارت تلك الاحداث ذلك المسار دون غيره، وبذلك نكون اكثر قربا من الحقيقة التاريخية، لعلنا بذلك نضع لبنات قد تكون اولية، ولكنها تتمتع بقدر معقول من التماسك لابحاث قادمة تحاول سبر غور ذلك الماضي بأدوات اكثر علمية
وموضوعية.
وتأتي أهمية دراسة الحياة السياسية لهذا السلطان وعصره، ليس لدوره المحوري والأساسي في احداث عصره فحسب، بل وأيضاً من ذلك التباين والاختلاف في نظرة المؤرخين الحضارمة إليه، وفي هذا يقول الأستاذ بامطرف:) ان شخصية ابي طويرق سوف تظل جدلية اليوم، كما كانت قبل عدة قرون ولقد كان المؤرخ الطيب بن عبد الله بامخرمة (ت 947 هـ بعدن) صاحب كتاب (قلادة النحر (الشهير، غير محبذ لسياساته، في حين ان المؤرخ محمد بن عمر بافقيه (صاحب كتاب تاريخ الشحر في القرن العاشر، من رجالات القرن الحادي عشر) يرى عكس ما يراه بامخرمة ((38).
مضت،
وعلى ما تقدم، فإننا سوف ندرس السيرة السياسية لهذا السلطان من خلال ما تقدم من هذه الدراسة التي تقترب من نهايتها، أي ان دراسة هذا السلطان يجب ان تتوائم وتتوافق مع ما توصلت إليه هذه الدراسة، من ان الاوضاع المذهبية والسياسية في حضرموت لم تكن سنية الاعتقاد حتى القرن العاشر على الاقل،، أي اننا نأخذ دراسة هذا السلطان بما يمكن ان تكون دراسة) تطبيقية) على واقع
احداث عصره.
(345) (1/345)
صفحة 346
ان القضية المحورية التي سوف تتحكم في مسار احداث عهد هذا السلطان،
القضية المذهبية العقائدية، ممثلة في زيدية الدولة الكثيرية التي يمثلها أخوه الإمام
مي
محمد
دوعن
عبد بن
الله الكثيري المتولي سنة ـ 910 هـ، وزيدية الاوضاع في وادي
-
تحت قيادة آل العمودي، وأباضية امارة آل يماني في تريم والمسفلة وكذا أباضية قبيلة نهد في مطقة الكسر وأباضية قبائل المهرة والمشقاص تحت قيادة آل ابي
دجانة، وتمثل هذه القوى الثلاث الحلف الاباضي وقواه الأساسية.
توفى الامام عبد الله بن جعفر الكثيري سنة – 910 هـ، وتولى بعده إبنه الإمام محمد بن عبد الله، وكان مقر امامته الزيدية اقليم ظفار، كان الإمام محمد كأسلافه خصما عنيدا للقوى الأباضية وأحلافها الواسعة، فقد كانت المعارك بينه
وبينهم لا تهدأ ولا تكف طوال فترة تفرده بالسلطة حتى سنة ـ 920 هـ
-
(39)
وفي سنة 925 هـ، طلب السلطان بدر بن عبد الله أخيه الإمام محمد
المقاسمة في الحكم، كان عمره حينها اثنين وعشرين عاما، فكتب محمد إلى خطيب المسجد الجامع بالشحر باسقاط اسمه من الخطبة وابداله باسم أخيه بدر
كان الوجود الاباضي خنجرا مغروزا في خاصرة الحكم الكثيري منذ نشأته، فقد كان عامل ضعف مزمن في قيام الدولة الكثيرية الزيدية المذهب، فقد كانت الدولة الكثيرية ومنذ نشأتها، عبارة عن جزيرة في بحر متلاطم من القوى الأباضية، ولقد بينا فيما سبق مدى قوة الأحلاف الأباضية التي كانت تقاوم وتصارع الوجود الكثيري الزيدي.
كان ذلك الوضع يحز في نفوس كل المتولين من آل جعفر الكثيري، خاصة وان الحلف الاباضي كان يضم فرعا من آل كثير آل كثير، ظلت الاوضاع والصراع بين الطرفين على حاله السابق، حتى إذا جاء السلطان بدر إلى الحكم وهو في تلك السن
(346) (1/346)
صفحة 347
المبكرة وطموحاتها الفوارة، كان طموحه طافحا في القضاء على الوجود الاباضي ومد الحكم الكثيري على كامل التراب الحضرمي، مهما كان الثمن ومهما كانت
التضحيات.
غير ان ذلك مطلب عسير وخطب جلل، فقد عجزت الدولة الكثيرية في عهود قادتها الافذاذ من السلف عن تحقيقه، وهذا أخوه الإمام محمد بكل خبراته وحنكته يصارعهم ويقاتلهم في حروب لا تهدأ ولا تكف، فكيف به وهو الجديد على شئون الحكم وفي هذه السن المبكرة. غير ان السلطان بدر لم يكن يجهل عواقب الامور ومترتباتها، فقد كان يرى أن تحقيق ذلك الهدف من خلال الاعتماد على قوى حضرمية خالصة،، أمر غير عملي وجهد ضائع، ذلك ان جيشا من أبناء البادية الحضرمية لا بد ان يكون اباضي المذهب، وبالتالي فإن محاربة الأباضية بهذا الجيش انما يعني فشل المشروع كله
لهذا يقول الأستاذ أبن هاشم ان بدرا رأى: (أن القوى التي لديه غير كافية لمكافحة المشاكل السياسية المحيطة به، وان الثقة بينه وبين عسكره من الحضارم غير وطيدة، والروح العسكرية بين عسكره، خامدة هامدة، يشتم منها زفرة العصيان وزهومة التكاسل ((40). وما كان انعدام الثقة وزفرة العصيان التي لاحظها المؤرخ أبن هاشم، الا نتيجة لانعدام التوافق بين مذهبهم الاباضي ومرامي السلطان بدر في الزج بهم في مقاتلة أهلهم قبائل حضرموت الأباضية.
علاقات
في تلك الفترة كان العثمانيون الأتراك يجوبون مياه المحيط الهندي وبحر العرب لمحاربة البرتغاليين، وكانوا كثيرا ما يترددون على الشحر للتزود بما يحتاجونه من ماء وغذاء وغير ذلك، ولقد استطاع السلطان بدر ان يخلق معهم جيدة من خلال تسهيل مهامهم في الشحر، ولا بد انه وهو يرسم تلك العلاقات يرى فيهم القوة الضاربة المنشودة التي يستطيع بها تحقيق حلمه وحلم
معهم،
كان
(347) (1/347)
صفحة 348
الاسلاف في انهاء الوجود الاباضي المزمن في البلاد واقامة الدولة الكثيرية على كامل التراب الحضرمي، اما وقد كسبهم إلى جانبه واصبح صديقا حميما لهم، فلابد انه افصح لهم عما يجول بخاطره من هموم وطموحات يقف على رأسها ضرورة القضاء على الهم الاباضي الذي يؤرقه كما ارق الاسلاف من قبل، ولا بد انه قد حرك في العثمانيين الترعة المذهبية العقائدية السنية التي كانت أساسية في سلوكهم السياسي، فهم دولة الخلافة السنية المكافحة للفرق والاحزاب غير السنية
(41)
لهذا فان السلطان بدر قد خطط وعمل) على ان يكون اكثر جيشه مؤلفا من عناصر غير حضرمية، فكونه من الاتراك ويافع والموالي و الأفريقيين وقبائل اليمن الزيود وغيرهم، كي يطمئن إلى ولائهم وعدم ثورتهم وانتفاضهم وإذا كان محاربة قبائل حضرموت الأباضية أمراً لم يقبله عسكره وجنده من الحضارمة، فكيف يقبل به اولو الشأن من اعيان البلاد ووجهائها، ثم كيف يقبلون محاربتهم بجيش اجنبي لا تربطه بالارض والتراب الحضري رابطة. كل ذلك يعطي مبررا لسلوكيات السلطان بدر من عزل وسجن ونفي للاعيان منذ اولي سنوات
حكمه.
-
-
في سنة ـ 926 هـ، وبعد ان استكمل تكوين جيشه او كاد على تلك الصورة) تحرك بالترك إلى منطقة الوادي، مقدمهم رجب التركي، مسلحين بالبنادق التي دخلت حضرموت لأول مرة، وهاجم بهم تريم آل يماني، وبعد قتال استمر عشرين يوما، ابلى فيه آل يماني واحلافهم أهل المسفلة (آل حمد والصبرات وغيرهم) بلاء حسنا، تدل عليه مقاومتهم التي استمرت تلك الفترة، رغم عدم التكافئ بين الطرفين في العدة على الأقل، سقطت بعدها تريم في يد الاتراك والسلطان بدر، ثم توجه بعدها إلى شبام حيث امامة أبناء عمه آل محمد الكثيري، واستولى على شبام وقبض عليهم ثم افرج عنهم، فخرجوا إلى مدينة (هينن) عند
(348) (1/348)
صفحة 349
حلفائهم حكامها الظلفان الأباضية، غير ان هينن لم تكن لتغيب عن مخطط السلطان بدر، فقد كان الظلفان الد أعداء بني جعفر الكثيري، وبينهم دخول وضغائن مذهبية قديمة، فتوجه إليها وحصرها حتى إذعنت له في نفس السنة، كما اخذ (الاحروم) من وادي عمد وما والاها من اصحابها آل عبد الله (42). وهكذا استطاع بدر ان يحقق ما لم يستطعه الاوائل من اسلافه، ولكن هل يستطيع ان يحقق له الاتراك وعناصر جيشه غير الحضارمه استقرار الاوضاع ودوام تلك المكاسب؟. لا شك ان هزيمة تلك القبائل الأباضية من قبل تلك العناصر ما كان له الا ان يزيد النار اشتعالا، ويزيد التحالفات الأباضية عزيمة ومضاء وقوة وتلاحما، وعلى ذلك يكون السلطان قد حقق نصرا لا يملك صفة الدوام والاستقرار، وهذا ما حدث، ففي سنة ـ 927 هـ في شهر صفر كانت وقعة (المحرقة) بين قوات السلطان وأهل المسفلة بقيادة آل يماني التي هزم فيها أهل المسفلة، وبعدها يبدأ
بالفعل
-
مسلسل الثورات والانتفاضات من قبل القوى الأباضية ضد السلطان واحلافه
لقد كان ابو طويرق سياسيا ذكيا حين بدأ اولا بمحاربة القوى الأباضية،
فهو بذلك قد ضمن تأييد القوى المعتزلية والزيدية في البلاد، خاصة وأنه في تلك الفترة المبكرة من حكمه لم تتضح بعد مراميه السنية العقائدية، لقد كان يقف على رأس تلك القوى المعتزلية والزيدية أخوه الإمام محمد الذي كان يراقب نشاط اخيه السياسي والعسكري بعين حنكته وخبرته السياسية، فلا بد أنه كان يرى في تزايد قوة اخيه بدر و استمرار اعتماده على القوات التركية خاصة، كان يرى في ذلك تمديدا او على الأقل اضعافا لهيبته وسمعته كامام مذهبي قبل ان يكون حاكماً سياسياً
مع
، كان السلطان بدر كما يبدو قد انغمس في تحالفات مذهبية سنية وازداد تحالفه الاتراك قوة، ولكي يبعد الشكوك المذهبية عنه، فلا بد ان يقدم دليلا على انه لا زال على طريقة الاسلاف الزيدية ومدافعا عن مصالحهم ضد الأباضية، لهذا نجده
(349) (1/349)
صفحة 350
-
في سنة ـ 935 هـ في شهر رمضان اخذ علي بن فارس (النهدي) قرية (تولبة) في دوعن من اصحابها آل بايحى، وفي نفس السنة في شوال عزم بدر من الشحر إلى حضرموت ثم إلى دوعن، حيث حصر تولبة بمساعدة الشيخ العمودي، وتسلمها السلطان، وابقى آل بايجي على اموالهم بشفاعة الشيخ العمودي. وفي الحجة من نفس السنة، اخذ السلطان بدر المخارم في وادي رخية من آل فارس بن عبد الله النهدي، وردها لأهلها آل شحبل حلفاء العمودي. ومن مجمل احداث تلك السنة، نعلم ان العلاقات بين السلطان بدر والجانب الزيدي الذي يمثله اخوه الإمام محمد وآل العمودي ن لا زالت بخير، وانه لم يحدث ما يعكر صفوها
غير انه في السنة التي تليها، أي في سنة - 936 هـ حدث ما كان متوقعاً حيث استولى بدر على منطقة غيل بن يمين وأخرج آل يمين منها، فاغتاظ الإمام من ذلك، وراجع أخاه بدر في اعادتها إلى أهلها، غير ان بدرا رفض ذلك،
محمد
وزاد الطين بلة ان الامام مُنع من دخول الحصون العسكرية التي رتبها بدر في هينن و تريس وتريم. وهكذا يمكن القول ان السلطان بدر في تلك السنة قد رأى في نفسه القوة الكافية للتمرد على اخيه محمد وحلفائه. غير ان هناك أمراً يدل على ان الإمام محمد نفسه قد رتب اموره لذلك الامر، فمن ذلك الخبر وجدنا الإمام محمد يغتاظ من تصرف ف اخيه بدر تجاه آل يمين ومنطقتهم، ذلك ان آل يمين لم يكونوا الا حلفاء لآل يماني واعداء آل كثير، فلماذا يغتاظ الإمام محمد من أجلهم ان لم يكن قد اعاد ترتيب اوراقه من جديد، وتحالف مع اعداء الامس أباضية حضرموت، بعد ان اتضحت له الاهداف العقائدية السنية لأخيه السلطان بدر، كما ان الإمام محمد ما كان له ان يقدم على تلك الخطوة التحالفية اعداء الامس الأباضية الا في حالة
مع
مواجهة خطر سني داهم، وهو الامر الذي يعني انه في ذلك الوقت قد احاط علما بمرامي اخيه بدر العقائدية السنية. يبدو ان الجانب العمودي هو الآخر كان يراقب
(350) (1/350)
صفحة 351
الموقف عن كثب، وكانت تساورهم الشكوك حول تصرفات بدر وتحالفه مع الاتراك العثمانيين، حتى إذا كان الخلاف بين السلطان وأخيه محمد حول منطقة غيل بن يمين، ومنع الإمام محمد من الدخول إلى حصون تريم وتريس وهينن، تحققت تلك الشكوك لدى بعضهم، وكان الامر موضع درس ومراجعة داخل الدائرة العمودية، فقد كان هناك من يرى ضرورة فك عرى التفاهم مع بدر، وهناك من يرى ضرورة التريث والاستمرار في مراقبة الموقف، ولقد كان من نتيجة ذلك الجدل والدرس والمراجعة ان تنازل الإمام عمر بن احمد العمودي عن الولاية لأخيه الإمام عثمان بن احمد وبذلك بدأت مرحلة جديدة، هي مرحلة صراع آل السلطان بدر الذي قاده الامام عثمان العمودي، وبدأت بذلك
العمودي مع تحالفات جديدة ولكنها تكاد تكون صورة طبق الاصل من التحالف الاباضي - المعتزلي الذي قاوم الغزو الايوبي في القرن السادس الهجري.
ففي سنة 938 هـ تحالف الإمام عثمان قبيلة نهد الأباضية المذهب والتي قاومت وافشلت محاولة الإمام عبد الله بن محمد العمودي سنة 838 هـ من القرن التاسع الهجري، في الاستقلال بدوعن واقامة امامته الزيدية فيه، ولقد كان تحالف الإمام عثمان قبيلة نهد في منطقة الكسر، خطوة ما كان لها ان تتم لو لا مواجهة الخطر السني الداهم الذي يقوده بدر وحلفاؤه الاتراك العثمانيون، ولقد كان من ثمرة ذلك التحالف في تلك السنة بين العمودي ونهد، ان عدلت (تقاسمت) نهد مدينة الهجرين مع الإمام العمودي، ثم استولى العمودي على منطقة الجبل من نواحي دوعن وهو من جملة المناطق التي وضع فيها بدر حاميات عسكرية، وفي نفس السنة وصل سليمان باهبري وهو من اتباع العمودي، في جمع من انصاره، نحو مائة وخمسين رجل من البدو، وصل إلى) تباله (من أعمال الشحر لغرض الاغارة، ثم استولى العمودي على القرين وحصر الحصن التابع للسلطان بدر، كما
(351) (1/351)
صفحة 352
هاجم (الخريبة) في دوعن بمساعدة أهلها، وكانت فيها قوة عسكرية لبدر، وحصر الامير عطيف قائد القوة البدرية في حصن الخريبة، كما اخذ (الدوفة) من دوعن، وفي نفس السنة عدل العمودي) بضة (في دوعن لقبيلة نهد حلفائه، على النصرة والمساعدة، وفي هذه المدة، اجتهد باهبري ومن معه من قبيلة سيبان في حصر اصحاب السلطان في وادي دوعن، بحيث لا يقدر احد ان يصل إليهم بطعام و لا غيره، ودخل السلطان وادي دوعن على قصد محاصرة الإمام العمودي، فلم
يكن المحصور لا هو
-
وفي سنة ـ 940 هـ ظهر ان الإمام محمد قد اعاد الحياة إلى احلاف ابيه السابقة، ففيها حشد ثلثمائة من مهرة بيت زياد وزحف بهم على الشحر، وتقاتل مع قوات أخيه بدر، وفي نفس السنة تحالف مع قبائل الحموم وآل يمين ضد أخيه بدر، وفيها تخوف آل احمد اصحاب اللسك أهل المسفلة حلفاء آل يماني، تخوفوا السلطان بدر، فانتقلوا إلى المشقاص عند الإمام محمد.
من
يبدو من احداث تلك السنة المذكورة، ان الامور كانت متأزمة جدا بين السلطان بدر من جهة، وأخيه محمد وآل العمودي والقوى القبلية الاباضية من جهة اخرى في الداخل والساحل، وقد ظهر ذلك التأزم في احداث السنة التي تليها، أي في سنة 941 هـ في شكل توزيع المنطقة إلى حلفين سياسيين عقائديين، واحد سني والآخر غير سني، ففي تلك السنة في اثناء المحرم، انتقل الإمام محمد من المشقاص إلى غيل بن يمين من أجل الصلح بينه وبين أخيه بدر، وانعقد الصلح بينهما على ان تكون المسفلة (تريم وما والاها من جهة الشرق) وظفار للإمام محمد، والمعلاة (أعلى الوادي) وهينن والشحر للسلطان بدر، على ان ظفار او ثلاثة حصون في المسفلة تعدل لبدر، والشحر او ثلاثة حصون في المعلاة تعدل لمحمد، على ان آل احمد وآل يماني وبني سعد رباعة محمد (أي في وجه او ضيافة)،
(352) (1/352)
صفحة 353
وآل عبد الله والعمودي حلفاؤه، وبيت زياد في صلح محمد، وبيت محمد في صلح
بدر (43).
هذا الصلح في صيغته تلك، يمثل خير تمثيل واقع الحالة السياسية التي وصلت إليها البلاد بعد حوالي خمسة عشر عاما من مشاركة بدر اخاه محمد في الحكم ومحاربته لأهل حضرموت، فهو يصور لنا مدى الضعف والفقر الشديد في تحالفات بدر الحضرمية، فهو لم يجد امامه الا بيت محمد المهرة خصوم بيت زياد ليضمهم إليه، وما هم من حلفائه على الأطلاق، ولا كانوا في يوم من الايام حلفاء لأي متولي من آل جعفر الكثيري، بل هم من الد اعدائه، واعداء اسلافه، وهو يحاربهم منذ اولي سني حكمه ولا يزال يحاربهم ويحاربونه، فهم عشيرة آل ابي دجانه الأباضية، وهم حين ضمهم السلطان بدر إليه في اتفاق الصلح، كانوا قد تحالفوا مع الإمام محمد ضده، فعندما يكون الإمام في المشقاص، فانه يكون في ضيافتهم، وهكذا لم نجد مبررا لضم بدر لهم حسب ذلك الاتفاق، الا ان يكون حلف محمد، ثم ينفرد بضربهم دون حماية من
ذلك مجرد خديعة منه ليبعدهم من تحالفات السلطان بدر كما جاءت في اتفاق الصلح. اما
الامام محمد. تلك هي احلاف الإمام محمد فهي قد مثلت خير تمثيل التحالف الواسع الذي ضم القوى المعتزلية الزيدية والقوى الأباضية، ولم يخرج من تلك القوى الا قبيلة نهد، ولكنها لم تكن الا ضمن تحالف الإمام العمودي، وهو الامر الذي يعني انها تدخل ضمنا
داخل تحالفات الإمام محمد
لهذا فقد كانت موافقة السلطان بدر على ذلك الصلح بصورته المذكورة، يمثل ضربة قاصمة لأية إمكانية لضرب قوى الحلف الاخر عن طريق الانفراد بكل جماعة لوحدها ثم ضربها، فها هي القوى المضادة له يضمها حلف واحد يقوده أخوه، كما انه بمقتضى ذلك الصلح يكون بدر قد وافق طوعا على تكوين ذلك
(353) (1/353)
صفحة 354
الحلف المضاد له، لهذا ما كان له بعد ان يراجع حساباته وما يترتب على ذلك، الا ان ينفض يده مما تم الاتفاق عليه، لهذا، وإذا كان ذلك الاتفاق قد تم في شهر المحرم، فان السلطان بدر في شهر جماد الآخرة، يدخل على أخيه في المسفلة طالبا منه الغاء ذلك الاتفاق، ويقول له: بينك وبيني المملكة جميعها. أي ان تعود الامور عل ماكانت عليه قبل الصلح، وهو الامر الذي يلغي كل المكاسب التي حققها الإمام محمد من خلاله، لهذا لم يكن الإمام محمد ليوافق على طلب اخيه، و لم يكن غريبا ان يرد عليه قائلا: ما يمكن هذا الكلام. وبعد جدل ونقاش، تم الاتفاق على ابطال التعديل في البلدان المذكورة في اتفاق الصلح، وتقرر كل منهما على الجهة المذكورة له اولا، وهذا يعني ابقاء تحالفات الإمام محمد كما جاءت في ذلك
الاتفاق.
و
النشاطات
تلك
لقد كان من نتيجة ذلك الافاق، ان ظهرت تحركات السياسية لكل من الامام محمد والعمودي على سطح الاحداث في نفس السنة، لهذا نجد العمودي يلتقي بحلفائه آل عبدالله وآل عقيل في (الاحروم) بمنطقة عمد، ويصل الإمام محمد إلى قيدون في دوعن ليلتقي بالعمودي، حيث مكث اياما ثم عاد إلى داخل الوادي، كما ظهر فيها تحالف الإمام محمد مع قبيلة نهد، ففيها سار محمد بأهل المسفلة) تريم وما والاها وأهل المعلاة (تضم الكسر موضع قبيلة نهد) وغيرهم إلى الكسر على انه يريد يبني (قرية (المنبعث، ومن ذلك الخبر يظهر جليا تحالف الإمام محمد مع القوى الأباضية في منطقة الوادي. ولم يقف الأمر عند تحالف الإمام مع تلك القوى، بل نجده في تلك السنة يقوم ببناء قرية (مشطة) للصبرات وقرية (اللسك) لآل احمد، وقرية (بيت سلمة) لآل سلم،
ذلك الحد من
أعداء الامس وحلفاء اليوم.
(354) (1/354)
صفحة 355
وفي السنة التي تليها، يتحقق ان ما ادعاه السلطان بدر في اتفاق المصالحة
مع اخيه محمد تحالفه
من مع قبيلة بيت محمد المهرة، يتحقق ان ذلك مجرد ادعاء لا
أساس له الصحة
من، وانه كان يهدف من ضمهم إليه في ذلك الاتفاق إلى ابعادهم من تحالف اخيه محمد، ثم الانفراد بهم وضربهم، وهذا ما حدث فعلا في
سنة ـ 942 هـ، ففيها سار بدر إلى (حيريج) عاصمة آل ابي دجانة
—
وعشيرته بيت محمد ـ بجماعة من اشراف الجوف الزيدية، نحو ثلاثين فارسا
-
وخمسة عشر فارسا من جماعته، ونحو اربعمائة راجلا أغلبهم بدو ومعاض، وبعد قتال دخل حيريج وهرب أهلها منها إلى الجبال، ثم حصن حصنها وجعل فيه اربعين راميا وملأه اسلحة وطعام.
وفي نفس السنة، اراد بدر ان يحشد قبائل الوادي لغزو المشقاص (ارض بيت محمد)، فامتنع عليه آل احمد والصبرات وانضم إليهم عبيد آل يماني، إذ ما كان لهم ان يقاتلوا اخوانهم أباضية الساحل، كما انهم جميعا من حلفاء الإمام محمد الذي اوعز إليهم بالتجمع في (مشطة) وامدهم بالمال والسلاح والطعام ليكونوا قوة جاهزة للقتال متى امرهم بذلك، وهو الأمر الذي ازعج السلطان بدر، وحدث بينهما نزاع وشقاق على ذلك، ثم ان الناس سعوا إلى الاتفاق بينهما، وتم الاتفاق على ان تكون (حيريج) خالصة لمحمد الذي بدوره أرجعها إلى أهلها بيت محمد، على ان تكون غيل باوزير خالصة للسلطان بدر مقابل حيريج.
وفي السنة التي تليها، أي في 943 هـ اخذ علي بن عمر بن جعفر الكثيري شبام لنفسه وخلع طاعة بدر، وتلك كانت ضربة قاسية لاتقل قسوة عن الضربات التي تلقاها من اخيه محمد واحلافه أباضية وزيدية حضرموت، ولقد (شغل خروج على بن عمر قدرا كبيرا من تفكير السلطان بدر، خاصة بمناصرة جماعة من فقهاء حضرموت له، وكان لهذا الثائر مسلك يستهوي الباب رجال
(355) (1/355)
صفحة 356
-
الدين والعلماء، فجمع جمعا عظيما واعلن تمرده .... فوجه بدر همته لتأديبه وانتزاع شبام منه، فتابع عليه الهجمات و وإلى نحوه الكتائب، وفلم يجده سهلا سائغا، بل علقما مرا، صعب المراس، قوي البأس، فلم يزل به حتى ظفر به واستولى على شبام سنة ـ 958 هـ) (44). غير ان الامر لم ينته عند استيلائه على شبام، فبعد ان القى القبض على قائد الثورة علي بن عمر، القى القبض أيضاً على الإمام معروف باجمال الذي كان بمثابة القائد الروحي للثورة، واهانه بان امر ان يعلق حبل في عنقه وان يطاف به في البلد وينادى وراءه (هذا معبودكم يا أهل شبام)، وفي ذلك التصرف من قبل السلطان بدر تجاه الامام باجمال دلالة واضحة على البعد المذهبي العقائدي لتلك الثورة التي نرى انها لن تخرج عن الدائرة غير السنية، غير ان التجاء الإمام باجمال بعد ذلك إلى دوعن، يعطي مؤشرا على دور الزيدية في تلك الثورة، خاصة إذا علمنا العلاقة الوطيدة التي ربطت العمودي والإمام باجمال ويبقى ان نقول ان تلك الثورة لم تكن بعيدة عن تحالفات الإمام محمد، ويتضح من احداث سنة ـ 947 هـ، ففيها سار علي بن عمر وآل يماني إلى
ذلك
—
حضرموت واعطوا آل يماني تريم بالعدالة، أي تقاسم تريم بين علي بن عمر وآل يماني، وبهذا يمكن القول ان ثورة علي بن عمر قد صورت مدى القوة في تحالفات الإمام محمد غير السنية، ومدى الضعف والانكسار الذي وصلت إليه سياسات بدر
وتحالفاته.
وفي السنة التي تليها، أي في ـ 944 هـ، قرأ الإمام عبد الله
بن عمر بامخرمة الله بن في جامع الشحر المرسوم السلطاني العثماني بتولية بدر نائبا عن الدولة العثمانية في
حضرموت، وبعدها خطب في الجامع للسلطان العثماني، وبذلك اصبحت حضرموت (البدرية) ولاية عثمانية.
(356) (1/356)
صفحة 357
وبعدها تستمر المعارك بين الاخوين بدر ومحمد ولا تكاد تتوقف، ويبدو
ان بدرا رأى ما هو عليه حاله من الضعف والانكسار، فنراه يكثف من العناصر غير الحضرمية في جيشه، فقد كثف من العناصر الزيدية التي جاءته من الجوف ليحارب بهم القوى الأباضية فقط من دون زيدية حضرموت، وكان ذلك عاملا اضافياً زاد المعارك حدة وشراسة، ذلك ان) تسليط بدر لقبائل الجوف على أهل حضرموت، ولد له الكراهية في نفوس الامة بدوا وحضرا، وتوالت المناوشات والوقائع بين عسكره وأهل حضرموت، حتى اصطلح مع (نهد) على ان يعطيهم (حريضة) واشترطوا عليه ارجاع عساكر (القبلة) إلى بلادهم) (45)، كان ذلك في
سنة 948 هـ
احداث
غير ان الامر لم يقف عند حد اشراك زيدية الجوف في محاربة أباضية
حضرموت، بل لقد سبق في سنة - 945 هـ، ان اشرك بدر البرتغاليين النصارى في محاربة أهل الوادي وأهل المشقاص (46)، وهكذا نجد ان الحرب قد اتخذت منحنى آخر من جانب السلطان بدر، منحنى لا يلتزم حتى بحدود الدين في محاربة المسلمين، فلا يسوغ له أي مذهب كان محاربة المسلمين بالنصارى، وطالما انه قد سلك ذلك السلوك، فليس غريبا ان يسلك ما هو قريب منه،، ففي سنة ـ 948 هـ في آخر شهر رمضان المبارك هجم السلطان بدر على قيدون في وادي دوعن، ونهبها نهبا ذريعا، وفعل عسكره افعالا قبيحة، وخرج النساء والصبيان إلى المساجد، ودخل عسكره جماعات إلى جامع قيدون وقت صلاة الفجر، وكان امامه القاضي الفقيه الزاهد العابد عبد الله بن عمر بابشير في المسجد يريد ان يصلي الفجر، فلما دخلوا عليه من الباب صاحوا في وجهه وهربوا، فانزعج وشهق
ومات في مقامه، ثم ان السلطان وصل واخرب كريف (خزان الماء) قيدون.
(357) (1/357)
صفحة 358
ومن
ذلك الخبر نعلم مدى القسوة والرعونة التي كان يسلكها بدر وجيشه في محاربة المسلمين، فلا رحمة للنساء والاطفال والشيوخ، ولا حرمة حتى للمساجد ولا لشهر رمضان المبارك، ولا للعشر الاواخر منه، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل نجد السلطان شخصيا يأمر باخراب وتدمير خزان المياه للمدينة والناس صيام، وليس لنا ان نعلق على هذا التصرف الاخير للسلطان، فهو غني عن أي تفسير او تأويل، انه الحقد المذهبي في ابشع صوره وتجلياته، ولعل الإمام محمد بن عمر باجمال يعلق على ذلك الحدث، حين قال: كان عادة الولاة خصوصا في حضرموت يتجنبون حرب الخصم والضرب في رمضان خاصة، وكذا في الاشهر الحرم وأيام العيد، لتأكد حرمتها، وتشديد الشرع عقوبة الجاني فيها، كما يعرف ذلك من بحث عن ايامهم السالفة) (47).
يبدو ان القبائل الحضرمية وحتى المتحالفة معه، قد ضاقت ذرعا بسياسات بدر الرعناء، وسلوكات عسكره الطائشة، ورأت انه لا بد ان تتحد لوضع حد
لتلك الغطرسة التي يسلكها بدر، ففي سنة ـ 955 هـ، اتحد العمودي وآل عامر
-
وآل عبد العزيز والعوامر والشنافر اجمعين ضد بدر، وحاصر آل عامر جيش السلطان بدر في شبوة، وانهزم عسكر السلطان بدر، ولم تقو على الوقوف امام القبائل الثائرة (48).
سلسلة
وبالجملة، فقد (كان الجانب الأكبر من عهد بدر ابي طويرق عبارة عن من الاضطرابات والثورات، لا تنطفئ ثورة حتى تندلع نيران أخرى، ولا تهدأ فتنة حتى تنشب فتنة أخرى ((49) وهكذا، تكاد ان تتحطم طموحات بدر التي حملها على عاتقه منذ ان كان شابا غضا، امام مذاهب حضرموت العريقة، و امام اصرار أهل حضرموت على رفض ما سبق ان رفضه اسلافهم عبر تاريخهم الإسلامي الطويل.
(358) (1/358)
صفحة 359
السلطان بدر والبرتغاليين:
في الوقت الذي كان فيه البرتغاليون يتمادون في اعمال القرصنة البحرية، على المراكب العربية والحضرمية وغيرها في الموانئ الحضرمية ومياه بحر العرب
والمحيط الهندي، ويهاجمون الموانئ الحضرمية وينهبون ويأسرون ويحرقون، كان
موقف السلطان من كل ذلك موقف المتفرج، وكأن الامر لا يعنيه من قريب
او
بعيد، ويقول الأستاذ بامطرف في تفسيره لهذه الظاهرة: (كان السلطان واقعا
تحت تأثير عقدة الشعور بالعجز ((50).
ونقول
مع الأستاذ بامطرف: نعم انه الشعور بالعجز، ولكنه عجز في الرجال وليس في المال الذي تمتلئ منه خزائنه، انه العجز في الرجال المقاتلين الذي كان نتاجا مباشر لسياساته الرعناء تجاه قبائل حضرموت، فما من قبيلة حضرمية ولا قرية ولا مدينة ولا سهل ولا جبل، الا وله ثأر عنده، ولقد رأيناه يقضي جل سنوات حكمه في مقاتلة أهل حضرموت بجيش من الغرباء، ولم يستح من الاستعانة بالبرتغاليين في ذلك عند الحاجة
وإذا كنا قد رأينا ومنذ اولي سنوات حكمه، انعدام الثقة بينه وبين أهل حضرموت، فان تلك الحالة قد سيطرت عليه حتى في احلك الظروف، فحتى عندما قدم إليه اعيان القبائل عارضين عليه السماح لهم بالجهاد ضد البرتغاليين، نجده يرفض ذلك رفضا قويا وقاطعا، وهو بهذا السلوك المدمر، قد اتاح للغطرسة البرتغالية ان تعربد ما شاءت لها العربدة على طول السواحل الحضرمية، لولا
المقاومة المهرية المجاهدة الباسلة التي قامت بما لم يستطعه سلطان العصر ابو طويرق
وبالجملة فان بدراً وعلى مدى سنوات حكمه الممتد نصف قرن كامل
،
قد عادي حضرموت ارضا و سكانا، بادية وحضرا، علماء ووجهاء واعيان
(359) (1/359)
صفحة 360
ورعية بسطاء، لقد اراد استعبادهم باقوام غرباء في سبيل تحقيق انقلابه المذهبي العقائدي السني، وهو في سبيل ذلك الهدف، لم يرع لشيء حرمة أو عهد أو ذمة، فكان كالثور الهائج، ولكن حضرموت لم تكن بيتا من الخزف، بل كانت ومنذ عهدها الاباضي الاول، شعبا مجاهدا مناضلا، يرفض الضيم والاستبداد، وما تاريخها الإسلامي في مجمله إلا رفضا لقبول اعتقادات الآخرين وفرضها عليها بالقوة، وها هو بدر يسلك نفس السلوك، ويكون منها نفس الرفض، وتكون المعارك والقتال الذي امتد طوال عهد مشروعه الانقلابي، فكان من ننتيجة ذلك ان عانت البلاد اضطرابا لم تعهده من قبل ولا من بعد، ولقد استحق عن جدارة أن يقول فيه الشاعر الشعبي:
قدها عليه هتفة يضم ويضيع
يوقظ الفتنة
وهي
نعسانة
حلان كم من دار صبحهم طير بشوره العاثر غدت حزنانة ما فادت الحملات قل له هون الجند فشلت والعرب تلفانة ضيعت رزق الخلق في كثر السفه ألوف ذي ضيعتها حنانة (51)
وإذا كان ذلك هو رأي الشاعر الشعبي، ترى ماذا قال فيه أهل العلم والفقه والادب، نحن نعرف ما قالوه عنه من خلال سلوكه العنيف معهم، وامامنا ما فعله في حق الإمام باجمال خير مثال على سلوكه معهم.
وفاة السلطان واستمرار الصراع:
كان اولاده يراقبون الموقف عن كتب وقرب، ويرونه وهو يدمر كل
شيء، ولعل انضمام قبائل آل كثير من آل عبد العزيز والعوامر والشنافر، في
(360) (1/360)
صفحة 361
احداث سنة ـ 955 هـ في شبوة، إلى القبائل الثائرة، وقد كانوا من أشد حلفاء
-
بدر في حروبه، لعل ذلك قد اشعرهم بخطورة الموقف الذي وصلت إليه سياسات والدهم، وخافوا ان ينفض عنه ما تبقى معه من آل كثير وعندها تكون النهاية مأساوية، وإذن لا بد من تدارك الامر قبل فوات الاوان، وربما طاشت تصرفات الوالد بعد تلك السنة في تجاوز المعقول، ففي سنة – 976 هـ، طلع إليه ولده عبدالله في حصن سيئون وقبض عليه وتولى الامر بعده، و لم يطل العمر بعدها بالسلطان، حيث توفي سنة ـ 977 هـ
قال عنه صاحب (النور السافر: () كم أباد احزاب الضلال ومزقها، و کم ازال فرق الفساد وفرقها) (52)، ولقد أوجز وأفاد بقوله ذلك في الدلالة على البعد المذهبي السياسي لحروب بدر مع أهل حضرموت، ولكننا ما وجدناه أباد وأزال ولا فرق تلك الاحزاب المذهبية الحضرمية العريقة الوجود، بل ان ما وجدناه هو أنه زادها وحدة وتلاحماً واتحاداً، نعم لقد حاول بدر ما حاول، ولكنه فشل في
مرماه أيما فشل
توفي السلطان بدر و لم تهدأ العاصفة، لأن الحلف البدري ـــ العثماني لا زال قائما، ولا زال المشروع البدري قيد التنفيذ، فقد مات بدر دون أن يحقق ما
أراد، ويظهر استمرار ذلك الصراع واضحا جليا في احداث سنة ــ 1014 هـ، ففي عهد أبنه عمر بن بدر دارت معركة (النقعة) في منطقة الكـ ر، بين قوات السلطان عمر وقوات الشيخ عبدالرحمن العمودي، ويصف الشاعر عبدالصمد باكثير، شاعر الدولة الكثيرية والناطق الرسمي باسمها، تلك المعركة
بقوله:
(361) (1/361)
صفحة 362
جر الوجيه خميسا من عساكره مذ جره التيه والطغيان والغرر فجندوا جندهم بالغيل إذ عميت ابصار افکارهم، هذا هو الخطر حتى رماهم ابو بدر ومزقهم بجحفل قاده التأييد والظفر ظلت اسود الشرى حشو الدروع على الجرد المذاكي ونار الحرب تستعر تفري جماجمهم ضربا وتوسعهم فكم صرعوا قتلى وكم اسروا وللبنادق وقع في عساكرهم وللنحور، فيالله كم نحـ ــــــروا والترك لم يتركوا رأسا على جسد ولا بضرب القصيري منهم اقتصروا الله بالنقعة الغراء معترك دسنا الاعادي به والنقع معتكر (53)
ومن الابيات السابقة للمتحدث الرسمي ورئيس ديوان الانشاء والرسائل السلطانية، في مطلع القرن الحادي عشر، نجد انفسنا امام نفس الصراع في عهد السلطان بدر، فالشاعر يقول لنا: ان الخطر الذي يمثله الشيخ العمودي واحلافه، انما هو خطر فكري مذهبي، وقد صاغه الشاعر بقوله: (عميت ابصار افكارهم، هذا هو الخطر)، كما نجد انفسنا امام نفس الحلفاء، فالأتراك البدري في عهد أبنائه، والأباضية وهم من اطلق عليهم الشاعر (اسود الشرى) أي الشراة، هم. عماد الجيش العمودي، بل ونجد نفس السلوك الذي لا يراعي للميت المسلم حرمة، حتى وصل الامر بالاتراك إلى قطع الرؤوس عن اجساد الخصوم بعد
قتلهم بالبنادق
هم
عماد الجيش
في أواخر هذا القرن الحادي عشر، لم تعد زيدية وادي دوعن وقيادته العمودية موضع شك او بعض شك، ففي سنة 1070 هـ نجد الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن العمودي يطلب من الإمام الزيدي في صنعاء ان يعقد له الولاية الزيدية
(02)
على وادي دوعن، فاجابه الإمام وكتب له بذلك، ولم يكن طلب الشيخ عبدالله العمودي ذاك طفرة منه ليست لها مقدمات تاريخية، بل جاءت امتدادا
(362) (1/362)
صفحة 363
لتاريخ طويل من الاعتقاد الزيدي، ذلك انه إذا كان الشيخ الإمام عثمان العمودي في القرن العاشر الهجري قد تحالف مع الإمام الزيدي في صنعاء، وكون جبهة سياسية تعارض الحلف البدري - العثماني، فان) خلفاءه من آل العمودي ظلوا (
(00)
موالين لأئمة اليمن الزيود طوال حكمهم السياسي لوادي دوعن ((55)، هذا الحكم
الذي امتد حتى القرن الميلادي العشرين. وبذلك جاز لنا القول: ان الصراع المذهبي العقائدي هو أساس التاريخ السياسي الإسلامي لحضرموت، وان هذا الصراع قد امتد واستمر إلى ما بعد وفاة السلطان بدر، أي إلى ما بعد القرن العاشر
الهجري.
اختلاف المؤرخين حول السلطان بد روسياساته:
لقد رأينا فيما سبق كيف ان الأستاذ بامطرف اتخذ من اختلاف المؤرخين بامخرمة وبافقيه حول بدر وسياساته، معيارا لاستمرارية الجدل حول ذلك الامر إلى اليوم، غير اننا نرى القضية من زاوية اخرى، زاوية تعتمد على سبب الاختلاف في تقييم بدر وسياساته، لا إلى الاختلاف حول انتصاراته وهزائمه في هذه المعركة او
تلك.
وفيما سبق، وجدنا ان السلطان بدر قد اختلف إلى درجة الافتراق مع أهل حضرموت خاصة وعامة، بدوا وحضرا، ولقد كان اول خلافه واختلافه وافتراقه مع أخيه الإمام محمد، ثم مع علماء البلاد وفقهائها وأدبائها، ولهذا استحقوا عذابه وتنكيله بهم بطريقة تنم عن بطريقة تنم عن حقد عليهم وحنق سلبه رشادة التصرف تجاههم، كما هو الحال في تصرفه مع الإمام معروف باجمال، كان ذلك السلوك الارعن تجاه
(363) (1/363)
صفحة 364
اعيان البلاد يعكس في جوهره بعدا خلافيا عقائديا، ولقد عبر السلطان بدر نفسه
عن ذلك البعد العقائدي عندما خاطب أهل شبام مشيرا إلى الإمام باجمال: هذا معبودكم يا أهل شبام)، فأي قول اكثر وضوح وابانة عن ذلك البعد
)
العقائدي لأزمته مع أهل حضرموت اكثر مما نطق به السلطان نفسه
على ان الامر لم يكن يخص الإمام باجمال وحده، فقد شد عضد تلك الثورة وأقسى عودها جمع كبير من علماء شبام ونواحيها، وكانوا علامة بارزة وهامة في صمودها أكثر من عشر سنوات في وجه حملات بدر وهجماته، حتى إذا انكسرت وانتصر عليها بدر، اعطى اعيان تلك الثورة حق اختيار منافيهم، عندها بان وظهر بعد آخر لتلك الثورة، فقد اختار الإمام معروف باجمال وآخرون دوعن حيث الإمامة الزيدية لآل العمودي، واختار آل محمد الكثيري ولاة شبام وقيادتها السياسية مدينة هينن حيث الولاية الأباضية للظلفان، ذلك نفهم ان الأباضية ومن والزيدية كانوا أهم القوى الحضرمية المقاومة للمشروع البدري التركي لاقامة أول
سلطة سنية الاعتقاد في حضرموت
طويرق
وهكذا، ونحن في ختام هذه النظرة للسيرة السياسية للسلطان بدر أبي، نرى ان احداث عصره، بكل ما فيها من صراعات وتحالفات وتحالفات مضادة، ما كان لها ان تحدث بالصورة التي حدثت بها لولا صلتها الحميمة والوثيقة بالواقع المذهبي في حضرموت على ما بيناه في هذه الدراسة، فلا شيء في عالم السياسة يحدث طفرة ومصادفة بلا مقدمات تدفع إلى ظهوره على سطح الاحداث، فبمثل ما كان الغزو الايوبي السنى العقيدة لحضرموت في القرن السادس الهجري، كان عامل توحيد لقوى المقاومة الحضرمية الغير سنية من أباضية ومعتزلة، فكذلك كان المشروع البدري التركي في اقامة اول كيان سياسي في حضرموت على
الاعتقاد السني، عامل توحيد لتلك القوى الحضرمية في القرن العاشر الهجري.
(364) (1/364)
صفحة 365
وإذا كان المشروع الايوبي قد فشل بهزيمتهم وانتصار قوى المقاومة
الحضرمية، فان المشروع البدري التركي وان لم يتحقق كاملا في حياة السلطان بدر، الا انه استمر قيد التنفيذ في عهد ولديه عبد الله وعمر، غير انه انتكس في عهد الاحفاد الذين عادوا إلى المذهب الزيدي مذهب الدولة الكثيرية الأساسية والمؤسس، حتى إذا كان أوائل القرن الثاني عشر) كانت البلاد تموج بالاحقاد، حيث انقسم الناس سياسيا ومذهبيا إلى فريقين: فريق يجنح إلى الزيدية
والضغائن
وفريق إلى الشافعية (السنية) (56)
وهكذا نجد انه ليس عهد ابي طويرق وحده كان موصولا بالماضي المذهبي غير السني لحضرموت، بل وحتى عهد احفاده ظل موصولا بذلك الماضي، ذلك ان للعقائد سلطة وهيبة في النفوس، ولها استقلالها الذاتي في الضمير والوجدان، وتبقى حية حتى بعد انقضاء مجدها وعزها وسلطتها السياسية أيضاً.
ومن وجهة نظر المؤرخ الصبان، فان هذا الماضي المذهبي لحضرموت في العصر الوسيط والحديث المتقدم، قد فرض سطوته وقيوده وأحكامه حتى على المؤرخين الحضارمة المتأخرين، فهو يرى: (ان لكتاب التاريخ الحضرميين المعاصرين، اتجاهات مختلفة، وتكاد تكون متضاربة، نابعة من المذاهب المتصارعة في حضرموت والتي بقيت ردود فعلها إلى تاريخ قريب ... وتؤيد الأحداث الجارية في (حضرموت) في القرن التاسع والعاشر الهجري، وتصارع حكام المنطقة وانتماء البعض منهم إلى العثمانيين والآخر إلى الزيدية و غزو الزيدية لحضرموت، وإن كان ذلك في القرن العاشر الهجري إلا أنه يعطي ضوءاً ودليلاً على أن الشيعة موجودة في
حضرموت منذ قديم
(OV)
إن موقف المؤرخ بامخرمة غير المحبذ لسياسات بدر لا يخرج عن موقف أهل حضرموت عامة، وما كان له ان يخرج عنه، عنه، ولو كان بامخرمة موجودا في
(365) (1/365)
صفحة 366
حضرموت حينها، لما سلم من بدر وتنكيله. على انه من المهم هنا القول اننا لم نجد فيما هو بين ابينا من مصادر، موقفا واحدا لشخصية معاصرة لبدر تؤيد سياساته، وانما جاءت المواقف المؤيدة والمناصرة له في كتابات القرن الحادي عشر، وبعد مرور اكثر من قرن على تلك الاحداث وابعادها المذهبية المعقائدية، وبالتحديد في عهد ولديه عبدالله وعمر اللذين انتهجا نهجه وبنفس القوى والوسائل، واول ما نجد من مواقف التأييد تلك، هو موقف بافقيه الذي اشار إليه الأستاذ بامطرف. والمؤرخ عبدالقادر العيدروس لم يخف البعد المذهبي العقائدي لموقفه المؤيد لبدر وسياساته، وذلك من خلال اشادته بجهود السلطان في ابادة احزاب الضلال وتمزيق فرق الفساد.
وعندما نصل إلى مواقف المتأخرين والمعاصرين من مؤرخي حضرموت، فاننا لا نجد الا مواقف التأييد والأعجاب ليس بدوره المذهبي العقائدي الانقلابي، وهو الدور الذي لم يذكره أحد ولكن التأييد والاعجاب باعتبار ما لدى السلطان
من مشروع لتوحيد حضرموت والقضاء على الكيانات القبلية الأخرى،، على اننا نرى انه حتى ولو عرف الأخلاف حقيقة الانقلاب العقائدي الذي أراده بدر، فان ذلك لن يزيدهم الا تأييداً ومناصرة له، كيف لا وهم اليوم على المذهب الذي أراده، ووضعهم المذهبي اليوم ثمرة من ثمار المشروع البدري التركي. وهكذا يظهر لنا جلياً ان المذهبية هي أس الأسس في فهم حقيقة التاريخ
الحضرمي الوسيط والحديث المبكر، وان المذهبية سوف تظل تطاردنا وتلاحقنا، سواء وعينا ذلك ام لا، ومهما حاولنا ان نكابر عليها ونتجاوزها.
(366) (1/366)
صفحة 367
المصادر والمراجع
1) الحداد: جني الشماريخ /13.
(2) نفسه
الطيب بافقيه: تاريخ الشحر /68.
(4) أحمد أمين: ضحى الإسلام 300/ 3، وما بعدها.
ه محمد بن هاشم: تاريخ الدولة الكثيرية /2.
(6) أعتمدنا القصيدة كما وردت في (العدة المفيدة) لأبن حميد الكندي 35/ 1، أنظر تاريخ الشحر /20.
يقصد بـ (الحيعلة) حي على الصلاة أو حي على خير العمل.
(شنبل: تاريخ شنبل /183.
(9) نفسه: / 194.
198/:
10) نفسه: /212.
11) نفسه: 213.
12) نفسه: 214/ 213.
13) بافقيه: نفسه /219.
14) لجنة من أهل هينن: كشف مغالطات السقاف في تاريخ بامخرمة والشواف /22.
15) الأمام محمد عمر باجمال: مقال الناصحين / 280.
16) نفسه
17) نفسه
18) الكندي: العدة المفيدة 131/ 2.
19) إبن خلدون: تاريخ ابن خلدون 214/ 3. 20) نفسه: / 174.
21) د. صابر طعيمة: الأباضية عقيدة ومذهب /102.
(22) الإمام السخاوي: الأعلان بالتوبيخ / 140. 23) نفسه: /143.
(24) عمرو بن بحر الجاحظ: الرسائل السياسية / 34. 25) نفسه: /127.
(26) قاسم غالب و آخرون: إبن الأمير وعصره /42.
(27) الحامد: تاريخ حضرموت 766/ 765. (28) بامخرمة: تاريخ ثغر عدن / 90.
(367) (1/367)
صفحة 368
29) عمارة بن علي اليمني: تاريخ اليمن / 246، تعليق المحقق: محمد بن علي الأكوع
(30) الأمام القلعي: تهذيب الرئاسة /109.
31) محمد عبدالقادر الصبان: جهاد شعب 17/ 1.
(32) نفسه:
31/:
33) محمد بن حبان البستي: مشاهير علماء الأنصار / 44 & تاريخ أبن خلدون 277/ 2 & باوزير: صفحات 29/
(34) باوزير: صفحات 45/ 24.
35) محمد بن عمر بن واقد: كتاب الردة /172.
(36) تيم: الفرع القرشي لنسب أبي بكر الصديق فهر: أبو قريش وأصلها المؤس (37) الواقدي: نفسه /212.
(38) محمد عبد القادر بامطرف: الشهداء السبعة 83/ 82.
سس.
(39 أنظر حروب الأمام محمد مع تلك القوى خلال الفترة (910 هـ - 920 هـ) في تاريخ شنبل.
(40 إبن هاشم: نفسه /37.
41 باوزير: صفحات / 120.
(42) حوادث السنين الواردة في هذا الموضوع، أنظر: بافقيه: تاريخ الشحر.
(43) بافقيه: نفسه /226.
44) ابن هاشم: نفسه / 50.
45) نفسه /46
(46) بافقيه: نفسه /253.
(47) باجمال: نفسه /276
48) ابن هاشم: نفسه /49.
(49) باوزير: نفسه /128.
(50) بامطرف: نفسه / 105.
51) بامطرف: نفسه 82/ 81، وقد نسب القصيدة إلى الشاعر عبدالله بن عبود مدحج الذي سجنه بدر ومات في سجنه.
52) عبدالقادر العيدروس: النور السافر /293.
(53) باوزير: نفسه /156.
(54) نفسه.
55) نفسه
(56) باوزير: معالم / 284. 57) الصبان: نفسه /162. (1/368)
صفحة 369
الفصل الثاني
الحياة الفكرية والعلمية في القرن العاشر الهجري
الثقافة ظاهرة اجتماعية، تتجدد وتتطور بقدر تعاملها مع عامل النفي
يعني
والتجاوز لكل ما يظهر سلبه وفساده فيها، وابداله بالايجابي، وهذا ان الثقافة لأي شعب من الشعوب في مرحلة معينة، انما عملية تراكمية، مرت عبر
هي
قرون، بقدر معين من النفي والتجاوز حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. وفي فصل سابق من هذه الدراسة، تحدثنا عن الحياة الفكرية والعلمية في
العطاء،
حضرموت في القرن السادس الهجري فوجدنا البلاد تعج بحركة هائلة من يقودها مجمع علمي معتزلي كبير وناضج، عدد كبير منه يشتغل بالتأليف، وكان ذلك المجممع الكبير ثمرة زحف علمي معتزلي على حضرموت الاعتزال من شتى اقطار الإسلام، على ان الأهم في ثقافة وعلوم القرن السادس الهجري هو انها كانت تعتمد في حركتها ونشاطها على العقل و منطقه وأحكامه، باعتبار الترعة الأساس في مذهب الاعتزال وعلومه، هذه الترعة العقلية المعتزلية كان
العقلية هي
قد تم طردها ومطاردتها في اقطار الإسلام التي غلب عليه أهل السنة، وهي الأعم
الغالب من بلاد الإسلام.
هذه الترعة العقلية التي كانت تقود الحركة الفكرية والعلمية في حضرموت في القرن السادس الهجري، مكنت تلك الحركة من ممارسة أكبر قدر ممكن من النفي والتجاوز لكل ما يظهر فساده وسلبه، وابداله بالايجابي العقلي، هذه الخاصية التي كانت تتمتع بها تلك الحركة في القرن السادس، حققت لها امكانيات التجديد
(369) (1/369)
صفحة 370
والتطور والابداع والانفتاح على مختلف العلوم، دون خوف او وجل او تحفظ،
طالما انها سوف تحاكم محاكمة انتقادية عقلية.
كان لا بد لحركة فكرية وعلمية تتمتع بذلك القدر الكبير والمتميز من الامكانيات والتحرر من عقد التقليد ومنع التجديد والاضافة والاجتهاد، ان تعطي ثمارها في القرون اللاحقة، او على الأقل تحافظ على ذلك المستوى الرفيع الذي تمتعت به في القرن السادس
ففي القرن الثامن الهجري، وبالتحديد سنة - 794 هـ، زار حضرموت الفقيه الشيخ عبد الرحمن بن اسعد بن عبدالله اليافعي المكي، فوجدها تزخر بأكابر العلماء الذين ليس لهم ولالعلومهم نظير في باقي بلاد الإسلام، هكذا يمكن فهم قوله عن زيارته تلك:
مررت بوادي حضرموت مسلما فألفيته بالبشر مبتسما رحـ
ألفيت فيه من جهابذة العلا أكابر لا يلقون شرقا ولا غربـ
نعم، لا يلقون شرقا ولا غربا من بلاد الإسلام، فلم يعد، ومنذ زمن بعيد، في بلاد الإسلام ما خلا حضرموت أرض تقبلهم وتقبل علومهم المعتزلية العقلية، وبهذا نرى ان الفقيه اليافعي كان صادقا نفسه ومع التاريخ فيما اصدره مع من حكم عن الحالة الفكرية والعلمية في حضرموت في أواخر القرن الثامن
الهجري.
نحن نعلم ان الرسوليين (آل رسول (السنة، قد حكموا حضرموت منذ أواخر القرن السابع الهجري حتى أواخر القرن الثامن، الا ان دولتهم وحكمهم لم ينعم بلحظة هدوء او استقرار، فقد كانت المقاومة العسكرية الأباضية له عنيفة في الداخل تحت قيادة قبيلة نهد، وفي الساحل تحت قيادة آل ابي دجانة ومعهم أهل
(370) (1/370)
صفحة 371
المهرة والمشقاص، وكذلك الحال بالنسبة لعلماء الاعتزال وأهل المدن الحضرمية
الكبرى، وكان محصلة تلك المقاومة ان تم حصر الوجود الرسولي في حضرموت في مدينة الشحر وحدها. ورغم مكوثهم في الشحر قرنا من الزمان، الا انهم لم يتركوا
(1)
وراءهم بها معهدا او معبدا او مدرسة، واكتفوا منها بتحصيل المكوس والضرائب على نشاطها التجاري، ومن ذلك نفهم ان الرسوليين لم يكن لديهم مشروع انقلابي مذهبي، يهدف إلى فرض السيادة العقائدية السنية عليها، بدلا من أوضاعها التاريخية الأباضية والمعتزلية، والحقيقة التي نراها، هي ان الدولة الرسولية لم تكن تملك القدرة العلمية على الأقل للقيام بانقلاب مذهبي عقائدي سني في حضرموت، حتى ولو لم تكن المقاومة بذلك القدر من القوة والشراسة والإنتشار فقد كان الواقع المذهبي غير السني على قدر من الرسوخ والثبات بحيث يفشل أمامه أي جهد رسولي للانقلاب عليه.
،
وفي نهاية القرن الثامن الهجري ظهرت الدولة الكثيرية الزيدية المذهب لتكون بذلك ركناً قوياً واضافة مهمة في ترسيخ الفكر والعلم المعتزلي، فالعلوم الزيدية ومنطلقاتها العقلية، هي نفسها علوم ومنطلقات المذهب المعتزلي، وإذن لا بد ان يكون ظهور الدولة الكثيرية عامل دفع قوي، كان يحتاج إليه مذهب الاعتزال وعلومه، بعد ان زالت إمامات الاعتزال في المدن الحضرمية منذ حوالي قرن من الزمان، واصبح المذهب الأباضي وزعاماته هو صاحب الولاية السياسية في
البلاد.
لهذا لم يكن غريبا ان يكون القرن العاشر الهجري من أحفل القرون الحضرمية بالعلم والعلماء، فقد ضمت هذه المائة العاشرة جمهرة كبيرة وعظيمة من أكابر العلماء في العلوم العربية والعقلية والدينية، بل لم يكن غريبا أيضاً أن يكون تلك الكثرة والغزارة والتنوع في الإنتاج العلمي والفكري، كما هو
للواحد منهم
(371) (1/371)
صفحة 372
الحال لدى الإئمة محمد بن عمر بحرق وعبدالله بن عمر بامخرمة و محمد بن عمر
باجمال:
أولاً: الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بحرق
المتوفي في الهند سنة 930 هـ:
تذكر المراجع من مؤلفاته ما يلي:
1 - عقد الدرر في الايمان بالقضاء والقدر
2 - ذخيرة الأخوان من كتاب الاستغناء بالقرآن.
الحسام المسلول في الرد على منتقصي اصحاب الرسول: ويبدو انه في الرد على
الرافضة والأباضية.
4 - التبصرة الأحمدية في السيرة المحمدية
ه - تجريد المقاصد عن الاسانيد والشواهد: ويبدو انه عنى بالمقاصد كتاب
(المقاصد الحسنة) للإمام السخاوي المتوفي سنة - 903 هـ وهو في الجرح
والتعديل. (علم الحديث).
6 - حلية البنات والبنين فيما يحتاج إليه في أمر الدين.
- العروة الوثيقة: نظم.
- الحديقة الانيقة في شرح العروة الوثيقة: مطبوع.
- العقيدة الشافعية في شرح القصيدة اليافعية
10 - الحواشي المفيدة على أبيات اليافعي في العقيدة. 11 - النبذه المختصرة في معرفة الخصال المكفرة للذنوب 12 - متعة الأسماع بأحكام السماع.
(372) (1/372)
صفحة 373
13 - ترتيب السلوك إلى ملك الملوك
14 - مختصر نهاية الناشري في علم القراءات.
15 - شرح الجزرة في علم التجويد.
-16 - رسالة في اثبات رسالة هارون وكفر فرعون. 17 - شرح ملحمة الاعراب في النحو للحريري. 18 - فتح الرؤوف في شرح منظمة معاني الحروف 19 - فتح الأقفال في شرح بنية الأفعال. 20 - أرجوزة في الطب وشرحها. 21 - أرجوزة في الحساب وشرحها.
22 - مختصر الخلاصة لابن مالك.
23 - رسالة في علم الميقات
24 - مختصر شرح الصفدي على لامية العجم.
25 - البهجة في تقويم اللهجة
26 شرح على مظومة العروض.
27 - مختصر الإذكار.
28 مختصر الترغيب والترهيب
29 - العقد الثمين في اثبات القول بالتقبيح والتحسين.
وهذا الكتاب الأخير هو ما نود الوقوف أمامه، وهو من الكتب المفقودة، انه وقضيته هي يورد تحت عنوان: (العقد الثمين في ابطال القول بالتقبيح والتحسين)، وهذا العنوان القائل) بالابطال (كاف لوحده للدلالة على اشعرية وسنية إمامنا بحرق، فأهل السنة والاباضية وحدهم القائلون بذلك الابطال الذي يرتبط به بالضرورة بقولهم بجبرية افعال العباد، في حين يرى المعتزلة والزيدية خلاف
(373) (1/373)
صفحة 374
قول أهل السنة والاباضية، أي حرية اختيار العباد لأفعالهم، ويرتبط لديهم من
قولهم في اثبات القول بالتقبيح والتحسين العقليين.
وإذا كان إمامنا بحرق سني الاعتقاد، وله تأليف في (ابطال) قول الخصوم بقدرة العقل الإنساني على التقبيح والتحسين، فإن موقفه هذا يجب أن يكون ثابتا لا يناقضه في مؤلف آخر له، غير أننا وجدناه يقول بخلاف ما يقوله عنوان (الإبطال)، حيث قال عن قدرة العقل وقوته: (فاعتدالها وحسنها ان تصير بحيث يدرك بها الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال، وبين الجميل والقبيح في الافعال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات) (2).
وفي هذا النص لإمامنا بحرق، نراه يقول صراحة بقدرة العقل على التقبيح
المسألة
والتحسين على نهج علماء الاعتزال، بل ونجد موقفه أكثر وضوحا وإبانة من العقلية، عندما تناول مسألة إيمان أهل (الكهف)، حيث قال: (ان قولهم ابتداء من غير واسطة من نبي مرسل: (ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إله) دليل على ان العلم بالله ووحدانيته ووجوب عبادته، كما تحصل بالنقل (ارسال الرسل (فقد يحصل بالعقل كذلك، وذلك بالتفكير في ملكوت السموات والأرض والاستدلال على أن هذه الصنعة العجيبة، لا بد لها من صانع حكيم
قادر)
(3)
ها نحن هنا مرة أخرى أمام أدب الاستدلال بالخلق على الخالق تعالى، ادب رؤوس الاعتزال الكبار الذي كان محتوى القصيدة (الفكرية) لشيخ الإسلام بافضل في القرن السادس الهجري وأمام الإيمان عن طريق النظر العقلي، هذا النوع من النظر هو واجب سمعا وعقلا لدى المعتزلة والزيدية والشيعة، اما الصوفية فانهم يبطلونه ويرونه بدعة في الدين
(374) (1/374)
صفحة 375
موقف الأمام بحرق من قضية خلق أفعال العباد
عند حديثنا عن ((قوافي)) الإمام أبي الحب التريمي في القرن السادس الهجري، أوضحنا موقف المعتزلة من قضية أفعال العباد وقلنا حينها إن المعتزلة يرون إنها مخلوقة منهم أنفسهم، وليست مخلوقه الله تعالى، بل يرون أن الله جل شأنه جعل الناس مخيرين فيما يأتون من أفعال، وعلى قدر إختيارهم يكون الثواب والعقاب منه تعالى، والمعتزلة في هذا الموقف هم بخلاف المجبرة ومنهم الأشاعرة الذين يرون أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وأن العباد ليس لهم إرادة فيها، أو لهم الكسب لا
غير
الحقيقة أن المعتزلة لم يستطيعوا أن يهضموا نظرية الجبر أبداً، ولهذا نفوا
القدر بشدة، ورفضوا أن يكون الإنسان العاقل مجرد آلة صماء لا رأي له ولا حرية ولا اختيار وأنما تسيرها يد (القضاء) من وراء الستار (4).
و ((مذهب الأفعال الأختيارية في فهم المعتزلة يعني تطبيقا لنظريتهم في التحسين والتقبيح، وهو يعني تنزيه الله تعالى عن القبائح من ظلم وقتل وتدمير وأنتهاك الحرومات، وما إلى ذلك من صور القبح المشينه التي يفعلها الإنسان)) (). وإذا كنا قد وجدنا الأمام بحرق يقول صراحة بالتحسين والتقبيح على مذهب المعتزلة فإنه يلزم من ذلك أن يكون موقفه من قضية خلق أفعال العباد، هو نفسه موقف المعتزلة، ذلك انه لا يجوز ان يكون له موقفا أخر غير موقفهم، ذلك ان مسائل علم الكلام مترابطة بصورة دقيقة تجعل اتخاذ موقف من واحدة منها، يلزم عنة اتخاذ موقف موافق لها مذهبيا في المسائل الاخرى.
يقول صاحب ((تاريخ الشحر)) فيما وجده مكتوبا بخط الفقيه بحرق على حاشية مختصره شرح الصفدي:-
(370) (1/375)
صفحة 376
قال أحد المعتزلة:-
زعم الجهول ومن يقول بقوله إن المعاصي من فعال الخالق إذا كان حقا ما يقول فلم قضى حد الزنا وقطع يد السارق
فقال الفقيه بحرق ردا عليه:-
يا تائها جعل القضاء مطابقا للأمر وهو غير مطابق أن القضاء أعم إذ ما كلما يقضي الأله لأمره بموافق فالحد مشروع لعاصي أمره وقضاؤه لا عذر فيه لفاسق
(6)
التحليل:
النص الأول:
هذا القول لأحد المعتزلة واضح الدلالة والمعنى فهو يتحدث مفندا موقف القائلين بالجبر، في قولهم أن أفعال العباد مخلوقة الله تعالى ويصفهم بالجهلة لأنه يراهم بذلك القول، قد جعلوا المعاصي منسوبه إلى الله تعالى، وهو ما يرى فيه المعتزلة تجويرا له تعالى، ويرد عليهم بقوله: إذا كانت تلك المعاصي التي يرتكبها العباد، أنما هي مقدرة عليهم من الله تعالى، فلماذا إذن قضى الله بالحدود عليهم؟ ونلاحظ هنا أن الشاعر المعتزلي قد أستخدم فعل (قضى) منسوبا إلى الله تعالى في مسألة إقامة الحدود، بمعنى ((أمر))، غير أن أستخدام القضاء منسوبا إلى الله تعالى لا يستعمله المعتزلة، مثل قولنا قضى القاضي على السارق بالقطع أو الحبس بمعنى ألزم وحتم ووجوب تنفيذ هذا الحكم كرها أو اضطرارا، هذا المعنى لا يستعمله المعتزلة في حق الله تعالى). وهذا يعني أن فعل (قضى) في النص جاء في غير محله المذهبي المعتزلي. النص الثاني للإمام بحرق:
(376) (1/376)
صفحة 377
أول ما نلاحظه على نص الإمام، أنه لم يتعرض للبيت الأول من النص
الأول وهو بيت القصيد في عرض قول المجبرة ونقد المعتزلة لهم، هذه الملاحظة لا يمكن إلا أن تعني شيئا واحدا وهو، أن الأمام يقف نفس موقف اصحاب النص الأول ((المعتزلة ((من تلك القضية، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن أنبرى للرد على نص يتفق ومعتقده؟
الحقيقة أن الأمام بحرق قد حدد في البيت الأول من نصه، ليس سبب رده على صاحب النص الأول ولكن سبب أحتجاجه عليه، إذ يقول أنه ((جعل القضاء مطابقا للأمر، وهو غير مطابق ((ويقصد الأمام بذلك قول النص الأول ((قضى الأله حد الزنا وقطع يد السارق)). ولقد بينا في ملاحظتنا على ذلك القول: أن هذا الأستخدام لفعل ((قضى)) بهذا المعنى لا يستعمله المعتزلة، لأنه يوحي بالجبر. الحقيقة أن إحتجاج الأمام أنما يصدر عن مرجعية معتزلية ورأس معتزلي كبير، يحافظ على نقاوة الفكر المعتزلي من أية شائبة جبر، ويسعى إلى تصحيح المفاهيم والأفكار المذهبية المعتزلية، حتى ولو كان مصدرها أهل المذهب أنفسهم، كما هو الحال بالنسبة لصاحب النص الأول
وفي البيتين الثاني والثالث يوضح الأمام بحرق المسألة بقوله: - ((أن القضاء. الرباني أعم، بمعنى أنه حتمي الوقوع ولا راده له، وليس الأمر كذلك بالنسبة للأمر الرباني. ثم يزيد الأمام المسألة وضوحا من حيث أخطأ و ((تاه)) صاحب النص الأول فيقول الحدود مسألة ((شرعية)) - الحد مشروع لعاصي أمره أي أن مسألة
يحكم بها وينفذها البشر ((الولاة) والحكام وهي غير حتمية التنفيذ لأي عذر كان، إذ أنها من أفعال العباد إن شاؤوا نفذوها وإن شاؤوا عطلوها، ولو أن الله ((قضى)) بالحدود على العصاة وكانت حدود الله قضاء ربانيا لما كان ثمة عذر لفاسق من
عقابه تعالى، لأن قضاء الله لا راده له، حتمي الوقوع كرها أو إضطرارا.
(377) (1/377)
صفحة 378
إن خير مثال معتزلي حضرمي (شعري) للدلالة على مقصود المعتزلة من مفهوم (القضاء) الذي يحتج لأجله الإمام بحرق، هو قول الإمام المعتزلي الكبير شيخ
الإسلام سالم بافضل الذي سبق أن أوردناه في حينه، القائل:
إذا الأمور ألتوت وتعقدت نزل القضاء من السماء فحلّها
وفي هذا البيت لم يأتِ (القضاء) بمعنى (الأمر) كما هو الحال في النص الأول، وإنما جاء للدلالة على معنى الحسم والحتم والإلزام و الاضرار الذي لا خيار فيه ولا عذر ولا راد له من الله الذي إذا أراد شيئاً إنما يقول له كن، فيكون. وهكذا نجد أنفسنا، مع الأمام بحرق أمام رأس معتزلي كبير ومرجعية مذهبية لا تفوتها صغيره أو كبيره من الذين تستفزهم لفظة القضاء إذا نسبت إلى الله تعالى، فيبادرون إلى إستيضاح القائل أو السائل: ماذا تقصد بقولك هذا؟ ثم يذهبون في يوحي به القول من معاني الجبر في أفعال العباد لينفوا قضاء الله بها (8). ولهذا، فليس لنا أن نعجب كيف إستطاع أمامنا خلال ثلاث أبيات فقط، ومن بيان خطأ النص الأول، ونقده، وتصحيح خطائه، بأسلوب جميل بديع وواضح الدلاله، في قضية عقائدية فلسفية، فذاك أمر أتقنه رؤوس الاعتزال على ما بيناه فيما سبق
تفنيد كلما
عند حديثنا عن أدب المعتزلة
وبهذا لعل القارئ الكريم يقدر المدى البعيد الذي تعرض له تراث الأسلاف من
تشويه وتحريف حتى ينسجم مع الواقع المذهبي اليوم، خاصة إذاعلم ان كتب هؤلاء الأخلاف تتحدث عن إمامنا بحرق ليس بأعتباره سني الاعتقاد فحسب، بل وأيضاً علماً من أعلام التصوف في القرن العاشر الهجري، ولهذا لزم ان نتعامل مع تراث الأسلاف الحضارمة كما ينشره ويذيعه الأخلاف، بأكبر قدر من الحيطة والإحتراس، وبعيداً عن السطحية والسذاجة.
وبعد: فاننا ونحن نتعرض للحياة العلمية والفكرية للإمام بحرق، نذكر انه كان
قد تصدى للتدريس والافتاء في مدينته الشحر، ثم تولى القضاء فيها، وكان مثلا للعدالة
(378) (1/378)
صفحة 379
والتراهة وقول الحق، ثم تذكر المراجع انه حدث خلاف بينه وبين الأمير مطران نائب السلطان بدر أبي طويرق على الشحر، فاستقال من القضاء، ثم ساءت حالته المالية، واضطرته إلى المغادرة إلى عدن، ومنها إلى الهند، حيث وافاه الأجل المحتوم، على اننا ترى ان إختلاف الإمام بحرق لم يكن في حقيقة الأمر مع الأمير مطران، بل مع السلطان بدر نفسه، وان كان الأمير مطران طرفاً فيه، فلابد ان يكون ذلك بتوجيهات السلطان، كما انه يصعب فهم ان تسوء حالته المالية بمجرد استقالته القضاء من، فليس بالقضاء وحده يمكن ان يعيش الإمام بحرق، فلديه ألف طريقة وطريقة تضمن له عيشة كريمة، ولكن الأقرب عقلاً ان خلافه السلطان بدر كان خلافاً سياسياً (عقائدياً)، ثم ان مع السلطان منعه من ممارسة أي عمل يرتزق منه، وأمر بإبعاده من البلاد، هكذا يمكن فهم ان تسؤ حالته ومغادرته البلاد
ثانياً: الإمام العلامة: عبد الله بن عمر بامخرمة
المتوفي في عدن سنة 972 هـ:
هو احد اصحاب الكفاءات النادرة والمواهب الخارقة والقوى العقلية الممتازة في التاريخ الحضرمي، ولقد ادهش كثيرا من معاصريه بسعة اطلاعه وكثرة معلوماته ووفرة ذكائه، حتى قالوا عنه ما نحسبه اليوم من قبيل المبالغات (9).
تذكر المراجع من مؤلفاته ما يلي
1 - حاشية على اسنى المطالب شرح على الروض
2 - الفتاوي الكبرى.
- الفتاوي الصغرى الهجرانية.
4 - المصباح: شرح العدة والسلاح في أحكام النكاح.
ه - نكت على تحفة المحتاج لأبن حجر.
(379) (1/379)
صفحة 380
6 - شرح الرحبية في الفرائض
7 - شرح مظومة له في ذوي الفروض والرد عليهم.
- شرح مظومة له في قسمة التركات.
9 - تراجم تاريخية كتكميل لطبقات الأسنوي.
10 شرح مظومة له في ظل الاستواء.
11 - رسالة في علم الجبر والمقابلة تتعلق بالبيوع والضمان والاقرار والوصايا
والعتق.
12 - رسالة في المناسك
13 - رسالة في علم المساحة
14 - رسالة في الربع المجيب
15 - رسالة في سمت القبلة
16 - رسالة في معرفة الاوقات والساعات.
17 - رسالة في اختلاف المطالع واتفاقها
18 - رسالة في القهوة.
19 - كتاب في التاريخ.
20 - حقيقة التوحيد وصحيح الاعتقاد في تكفير طائفة الوحدة والاتحاد 21 - الفضيحة في النصيحة: قال عنه هو: {انه يرد فيه على كتاب الإمام الغزالي) التبر المسبوك في نصيحة الملوك (الذي اهداه إلى السلطان السلجوقي في
عهده
عند النظر في الحياة العلمية والفكرية لهذا الإمام العلامة، لا بد من القول انه كان مفتيا على جميع مذاهب الفروع الإسلامية، فقد (أقبل عليه الناس من كل
(380) (1/380)
صفحة 381
بلد، وقصد بالفتيا من الهند، والسواحل، وملبيار وآشي، وعمان، وهرمز
وجميع مذاهب أهل اليمن وحضرموت والشام، وفي هذا يقول امامنا:
لو أردت فوق النجوم علا ما فاتني ذاك في شام ولا يمن
ومدحه أحد أصدقائه بقوله:
فتي يبرز للفتوى وأي فتى له فتوى أهل الشام واليمن
ومدحه الأديب زكريا الدمشقي لإجادته الفتوى على المذهب المالكي بقوله:
يا عمري الأصل، انت مالكي
ها قد رفعت إليك مسندي
ونافعي
بفضله بين
البشر الك لنافع لإبن عمر
(10)
وفي كتابه (المصباح في شرح العدة والسلاح (كثيرا ما نجده ينفرد برأي
خاص به، ولا يلتزم في ذلك مذهب معين، وإذن فقد كان إمامنا بامخرمة مجتهدا،
ولهذا كان يجيد الفتوى في كل الفروع.
غير ان الاجتهاد لدى أهل السنة كان قد اغلق منذ عهد الخليفة العباسي
المتوكل في القرن الرابع الهجري، واصبح التقليد هو سيد الموقف لديهم، وإذن فان إمامنا ليس سني الاعتقاد، ترى ما هي حقيقة مذهب بامخرمة الذي يتطابق مع حالته
في الاجتهاد.
انه المذهب الزيدي، وهو مذهب الدولة الكثيرية، ومذهب والده الفقيه عمر بن عبد الله بامخرمة، قبل ان يتحول عنه في أواخر عمره إلى التصوف
الفلسفي معين، كما هو شأنهم في أصول الدين، بل تقوم على الاجتهاد المحض، لذا فانها احيانا تخالف أقوال الإمام زيد، والزيدية على الإطلاق لا يقولون بجواز التقليد في
، ذلك ان (قواعد الزيدية في أصول الفقه لا تقوم على أساس مذهب
(381) (1/381)
صفحة 382
أصول الفقه، اما الاجتهاد فيكفي في ذلك قولهم بوجوبه على كل مسلم، على ان الباحث المدقق، والفاحص المنصف، يجد في طبقات الزيدية العدد الكبير ممن ينطبق
ذلك
عليهم شروط ما يسمى عند الأصوليين بـ (الاستقلال الاجتهادي) (11). وهكذا يمكن فهم مقصود تسميه الحضارمة له بـ (الشافعي الأخير او الشافعي الصغير)، فليس ذلك لأنه شافعي الفروع او سني الاعتقاد، ولكن لأنه مدرسة مستقلة من النمط الاجتهادي الزيدي. وحالة إمامنا بامخرمة الاجتهادية حالة زيدية اليمن في القرن العاشر الهجري، حيث انهم وحتى تتناسب مع القرن الذي عاش فيه بامخرمة، لم يكن لهم فقه محدد بذاته، بل يأخذون أفضل ما في المذاهب الإسلامية تيسيرا، وهذا الأمر يفرض على الفقيه الزيدي الإلمام بالمذاهب الفرعية الإسلامية، اما الإمام المجتهد فشأنه ليس مجرد الإلمام فحسب، بل اجادة العلم بتلك المذاهب، وبالتالي جاز له الفتوى عليها جميعا، كما هو حال امامنا
بامخرمة.
زيدية الإمام بامخرمة لابد ان تنعكس فكرا مضادا للمذهب المعقائدي السني وامتداداته الصوفية، ومعلوم ان الفكر العقائدي السني قد استقر وإلى اليوم على فكر الإمام الغزالي، ففي كتاب بامخرمة المفقود (الفضيحة الواقعة في النصيحة) الذي يقول هو عنه انه يرد فيه على الإمام الغزالي، دلالة واضحة على ان بامخرمة لا يكن ودا عقائديا للإمام الغزالي، فعنوان الكتاب وحده كاف على ان بامخرمة لم يكن في كتابه ذاك يرد على الإمام الغزالي فحسب، بل ويشهر به عقائدياً، كما ان عنوان كتابه الآخر المفقود) حقيقة التوحيد وصحيح الأعتقاد في تكفير طائفة الوحدة والاتحاد (يدل دلالة واضحة أيضاً على موقفه العقائدي المكفر لأصحاب التصوف الفلسفي، اما نكرانه لما يسمى بالتصوف السني على طريقة
(382) (1/382)
صفحة 383
الإمام الغزالي، فيدل عليه الكثير من اشعاره في العقيدة، مثل قوله في اصحاب ذلك التصوف (12):
وانصب لكسب المال كي تكفي به منن اللئام في الاحتجاج لبدلها فركوبك الاهوال في تحصيله عين الرجالة ان تكن من رجلها بالمال يصفو الدين والدنيا معا والمال في ايدي الرجال كعقلها واحذر كلام عصابة من عجزها رضيت لباس الافتقار وذلها ج في تفضيله بأدلة جهلت حقائق شرطها في نقلها
فالفقر كاد يكون كفرا في الورى قد قال ذلك فيه خاتم رسلها والنهي عن جمع الحطام محله من ليس يقصد عند ذلك عدلها اما الذي ينوي الحلال كي يصن عن وجهه، ولكي يمن بفضلها من غير ما حرص وغير تكاثر فثوابه متعين فاقصد لها وموقف الإمام بالمخرمة من التصوف هو بعينه موقف الزيدية والمعتزلة والأباضية، حتى ان المؤرخ الزيدي يحيى بن الحسين اطلع على كتابه (حقيقة
(13)
التوحيد) في القرن العاشر الهجري، وهذا يعني عناية الزيدية بهذا الكتاب لأنه على مذهبهم، على ان زيدية الإمام بامخرمة تبرر عدم اعتماد الأخلاف الحضارمة على فتاويه وآرائه الفقهية الشافعية، واعتمادهم بدلا عنها على فتاوي الإمام أبن حجر الهيتمي المكي المعاصر له.
تذكر المراجع ان مدينة الهجرين موطن آل بامخرمة، كان فيها في القديم مذهبان: شافعي وحنفي، وهذا يعني وجودا بارز اللاعتزال والزيدية، اضافة إلى المذهب الأباضي، مذهب أهل الكسر عموما، ولقد برز دور الهجرين الجهادي المذهبي في القرن السابع الهجري، عندما كانت مقصدا متقدما للقوات الرسولية في غزوها لحضرموت، اضافة إلى ما تعرض له الفقيه الشاعر الاباضي علي بن عقبة
(383) (1/383)
صفحة 384
على يد الرسوليين، وهو ما بيناه في حينه. وبذلك الدور الجهادي لمدينة الهجرين
تجاه حملات الخصوم المذهبييين عليها، يفتخر الإمام بامخرمة، بقوله:
انا الذي السعد والعلياء تخدمني وطالع المجد في بيتي وغاربه من معشر زان في الآفاق نعتهم كالدر ينظمه في السمط ثاقبه عن كل مضطلع بالعلم متصف بالجود تهمي على الدنيا سحائبه من كل طود من الامجاد تحسبه إذا تكلم بحرا هاج صاخبه لا يخضعون لجبار اخافهم قد رجت الأرض من شر كتائبه
ولا يدينون في سر ولا علن الا بحق بدت صحوا مذاهبه
ومن البيتين الأخيرين نفهم أن جهاد أهل الهجرين ومنهم آل بامخرمة ضد الغزاة
الذين قصدوها، إنما كان لسبب مذهبي عقائدي محض، وهذا الأمر ينطبق على
عموم حضر موت كما سبق بيانه
سيرته مع السلطان بدر
تحت اصرار السلطان بدر تولى الإمام بامخرمة قضاء الشحر مرتين،
كما كان مستشارا سياسيا له، ويبدو ان السلطان استطاع بدهائه، ان يخفي اهدافه ومراميه الانقلابية السنية، ويوهم من حوله ومنهم امامنا بامخرمة، بانه يسعى من سياساته إلى اقامة دولة مذهب الأسلاف الزيدي على كامل التراب الحضرمي، وانه انما يجاهد الأباضية ويحربها لذلك. الا ان الحقيقة لابد ان تظهر ولو بعد حين، خاصة أمام من حوله لأنهم من أهل السياسة ورجالها ومنغمسين فيها بحكم مناصبهم وقربهم من الأحداث، ولابد ان يتضح للإمام بامخرمة التناقض بين أقوال السلطان وأفعاله وسياساته، فكان الصدام والافتراق بينهما، ويبدو ان السلطان بدر قد سلك مع بامخرمة نفس المسلك الذي كان مع الإمام بحرق، فتسوء
(384) (1/384)
صفحة 385
حالته المالية، فيغادر إلى عدن، كما غادر قبله بحرق، ويقول عن ظروف تلك
المغادرة:
فوالله ما فارقت ارضي عن قلى ولكن لعجزي عن حقوق لوازم
وما العذر اني كنت عند قرابة يرجون نفعا من فقير معدم وما اشتهي طول الحياة للذة يعيش ذوي اللذات عيش البهائم ولكن لكسب المجد ما عشت والثنا ونفع الورى طرا وبذل المراحم
ومن منفاه الاختياري، يبعث الإمام بامخرمة بقصيدة لصديق في حضرموت، يشرح فيها الأسباب المذهبية والسياسية لمغادرته، حيث يقول:
والدهر من طبعه الاضرار فهو إذا ما سر، ابدله في الحال بالحزن وان يجمع احبابا يفرقهم وان يؤلف اغرى القوم بالفتن وغير مستغرب من أمر عادته رفع النذول ووضع الفاضل الحسن أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم واتينا الزمان حين فني ثم يصف ما حدث وما ظهر له من السلطان:
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت مسافة الخلف بين الفعل واللسن لست ممن يلهه طمع يذله او يبيع الدين بالثن
لكن
ولا ارى الذل لي خدنا وان بعدت بي النوى عن الأوطان والسكن (14)
ومن هذه الأبيات الأخيرة نفهم أن خلافه وافتراقه مع السلطان بدر إنما كان بسبب
سياسات السلطان المذهبية العقائدية.
(380) (1/385)
صفحة 386
ثالثاً: الإمام محمد بن عمر باجمال المتوفي في دوعن سنة 964 هـ
وثورة مدينة شبام من سنة 943 هـ حتى سنة 958 هـ
المقدمة:
الإمام محمد بن عمر باجمال، هو احد العلماء البارزين في القرن العاشر
الهجري، الذين سبق ان تحدثنا
عن
اثنين
منهم
،
هما الإمامان بحرق وعبدالله
بامخرمة، ولقد تبين لنا انهما كانا على مذهب - الاعتزال - الزيدية، ولم تكن معرفة حقيقة مذهبهما سهلة المنال ميسورة، بعد ان عبثت ايادي الأخلاف بحقيقته، وجاهدت كثير الطمسه، ليتناسب مع مذهبهم اليوم، وبعد ان ادعت تلك الأيادي انهما من أعلام أهل السنة والتصوف، وادخلت على تراثمها الكم الكثير من الأفكار والآراء التي تؤكد ما يقوله الخلف، غير ان الحقيقة التاريخية كما يقول علماء التاريخ يخدمها اعداؤها أكثر من اصدقائها، ذلك ان أولئك الخلف، لم يكونوا على مستوى المسئولية التي نهضوا لها، فقد غاب عنهم الكثير او القليل من الافكار الحقيقية للإمامين بحرق وبامخرمة، ولم يستطيعوا معرفة المعين العقائدي الذين تنتمي إليه تلك الأفكار، او ظنوها من أصول الاعتتقاد السني، او لعل تلك الافكار غير السنية هي نفسها افكار الأخلاف، ومروثة عن السلف، حتى اصبحت مكونا أساسيا من ثقافتهم اليوم، فاثبتوها فيما نشروه من تراث السلف، فكان ذلك شهادة على حقيقة مذهب السلف ودور الخلف
ولم تكن المهمة مع الإمام باجمال سهلة ميسورة، بل لقد كانت أكثر
صعوبة مما هي مع الإمامين بحرق وبامخرمة، وتعود تلك الصعوبة في اننا مع الإمام باجمال نكون مع رجل تجسد فكره المذهبي العقائدي في موقف رفض صريح
(386) (1/386)
صفحة 387
وثوري من سلطة السلطان بدر ابي طويرق، كما ان للسلطان بدر نفسه موقف عدائي منه ومن موقفه هو وكوكبة العلماء الحضارمة الذين وقفوا نفس موقف الإمام باجمال، وبهذا، فاننا عندما نحقق مذهب الإمام باجمال، فاننا في الحقيقة انما نحقق ـ اجمالاً - موقف كل العلماء الذي شاركوا الإمام باجمال موقفه، ولهذا،
-
فان هذا الموقف الثوري الرافض للإمام باجمال تجاه سلطة السلطان بدر، كان يجب ان ينعكس فكرا مذهبيا عقائديا يتفق ويبرر ذلك الموقف من خلال كتابه (مقال الناصحين (، خاصة وان الإمام انتهى من كتابه ذاك سنة ـ 953 هـ، أي أثناء
-
ثورة مدينة شبام التي شارك فيها لإمام باجمال، والتي استمرت على مدى خمسة عشر عاما كاملة، كما انه على أساس ذلك الوقف الثوري، تترتب أمور عقائدية جوهرية، كان يجب ان يتطرق إليها الإمام في كتابه المذكور، غير ان اكتشاف ما كان يجب ان يقوله الإمام، لم يكن أمراً سهلا، فقد كان كتاب (مقال الناصحين) اضافة لكبر حجمه، يعج بالفكر العقائدي الصوفي، وهو الأمر الذي جعل من الصعوبة بمكان السيطرة عليه وعلى تناقضاته العقائدية، وبالتالي تحديد المسار العقائدي للإمام باجمال.
وأمام هذه الصعوبة) النوعية (التي نواجهها مع الإمام باجمال وكتابه) مقال الناصحين (فاننا سوف نعتمد نفس الأسلوب الذي اتبعناه سابقيه، لاتنا لا نملك غيره سبيلا، وهو استخلاص الفكر العقائدي الذي يتناقض مع القول بسنيته وتصوفه، ويبرر سلوكه تجاه السلطة وسلوك السلطة تجاهه، بإعتبار ذلك يمثل حقيقة مذهبه واعتقاده الذي جاهد السلف لطمسه واعدامه والادعاء بخلافه، وتلك لعمري مهمة صعبة، ارجو منه تعالى التوفيق في انجازها، وهو المستعان في كل أمر وشأن.
(387) (1/387)
صفحة 388
ترجمة الإمام كما صاغها الأخلاف في مقدمة الكتاب:
هذه ترجمة مؤلف الكتاب، ذكرها الشيخ العلامة الفقيه محمد بن
عبدالرحمن بن سراج الدين جمال، في كتابه: الدر الفاخر في تراجم القرن العاشر قال في مصنف كتاب (مقال الناصحين):
هو الشيخ الكبير، الولي الشهير، الكامل التحرير، ذو القلب الطاهر
المستنير، الزاهد المنير، شيخ الطريقة، وإمام أهل الحقيقة، الفقيه العلامة المحقق،
محمد بن الشيخ الفقيه عمر بن عبد الله بن ابراهيم بن احمد باجمال
كان رضي
الله عنه
من المشايخ الكمل العارفين، والأئمة العلماء العاملين،
متمكنا
من
العلوم الشرعية، راسخا في المعارف الحقيقية، وفي سائر العلوم التي
حارت فيها الأفهام والحلوم، متضلعا في جميع الفنون من العلوم، المعقول منها
والمنقول.
ولد رضي الله عنه قبيل طلوع الشمس يوم الثلاثاء السابع من شهر رمضان المعظم سنة خمس وتسع مئة، نشأ من صغره وعليه لوائح السعادة، وقرأ القرآن، ثم اشتغل بالعلوم الشرعية على والده حتى صار اوحد أهل زمانه، ثم اقبل على العبادة والاجتهاد. وفارق الأهل والاولاد، وتفرغ للرياضات والمجاهدات، ثم صحب الشيخ العارف بالله معروف بن عبد الله مؤذن باجمال، نفع الله به، وأمره بالخلوات وتتابع الاربعينيات، صام الدهر اربعين سنة، لم يفطر سوى العيدين والتشريق، وطوى اربعين يوما لم يأكل فيها شيئا و لم يشرب، وكانت له اليد الطولى في كتب الرقائق، وكان من خواص تلامذة الشيخ معروف ومريديه الذين لا يخرجون عن أمره ونهيه، ولا يفارقونه في اقامته وسفره، وانفق جميع املاكه في وجوه البر،
(388) (1/388)
صفحة 389
وشهد له شيخه بتقدمه وسبقه ورسوخه، والتمكن في علوم اليقين، وله مصنفات
عظيمة كثيرة النفع، ورسائل في التفرقة والجمع، منها:
مقال الناصحين ومنال المفلحين ـ وهو هذا الكتاب. الكفاية الوفية في أيضاًح بعض الكلمات الصوفية اوضح الحجج والمسالك في طريق المريد والسالك.
حقائق السنة وطرائق الجنة
عيون العلوم النبوية الجامعة وفنون الفهوم في الوصايا النافعة. منحة الطالب المتوف ونفحة الراغب المتعرف.
سبيل العبادة ودليل السعادة.
كتر المتسبب للتقي المتورع.
تيسير العمل وتقصير الأمل.
مراد المريدين.
هداية العازم المتيمم إلى آداب العالم والمتعلم.
الحصون الأكيدة والقوانين السديدة للمملكة السعيدة.
مراتب الرجال.
العقد المنظوم من جواهر كلام القوم.
وقال لبعض خواصه من النساء يوصيها: يا مريم، الله الله في الصلاة وحب المساكين، ولا تغبطين أهل الدنيا ومن يفتخر بزينتها وفراشها وقماشها، فعن قريب يتركونه، ويلقون بعد الموت حسابه وعقابه، والله الله في الصبر على طاعة
الله وطاعة الزوج.
وقال عند خروجه وشيخه معروف من شبام: ان قلب الدنيا أهون علي من
نزع خاتمي هذا
(389) (1/389)
صفحة 390
وكان غلب عليه آخر عمره الشوق إلى لقاء ربه، فكان يقول: لو خيرت
بين الحياة إلى غد وحال الشيخ عبدالقادر، او اموت الساعة لأخترت الموت
(يقصد الشيخ عبدالقادر الجيلاني.
وكانت وفاته يوم الأحد من جمادي الآخرة سنة اربع وستين وتسع مئة،
ودفن شرقي قبة الشيخ معروف رضي الله عنه بظرفون بدوعن، وقبره معروف
مقصود بالزيارة والتبرك.
نفع الله به وبجميع عباد الله الصالحين. 1. هـ.
استخلاصات عامة من الترجمة:
ان ترجمة المؤلف كما
هي
في كتابه، تقدمه لنا اماما مغرقا في التصوف
السني منه والفلسفي، ولا ادل على ذلك مما جاء فيها من ان امامنا باجمال: (شيخ الطريق، وإمام أهل الحقيقة، تفرغ للرياضات والمجاهدات، وصام الدهر اربعين سنة، وطوى اربعين يوما لم يأكل فيها شيئا ولم يشرب، وكانت له اليد الطولى في كتب الرقائق ـ التصوف الفلسفي). كما ان غلبة السمة الصوفية
-
على مصنفاته العلمية، دليل آخر على ما تقوله ترجمة الخلف له.
خطبة الكتاب: وهي مقدمة الكتاب التي يفترض فيها تعريف المؤلف بكتابه
والغرض من تصنيفه.
(390) (1/390)
صفحة 391
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا كريم
(خطبة الكتاب)
فانه جل ذكره ما ذكر اسمه عند امر مهم .. الا كفاه، ولا على ذي ضر وسقم .. الا شفاه، والحمد لله الذي بحمده يدرك الانسان من الإحسان غايته ومنتهاه، المتفضل بالفضل والجود والإمتنان، وصلوات الله وسلامه على المكرم بالقرآن، المخصوص بجوامع الكلم والبيان، محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه على مر الجديدين وسلم كثيرا. وبعد:
،
فقد
فهذه النبذة اليسيرة، اشتملت على الفوائد الكثيرة، النافعة الجامعة لكثير من قواعد الإسلام، وفوائد الأحكام، ممالا ينبغي جهله، ويتأكد علمه وعمله، على قدر ما فهمناه من العلوم الدينية، والرسوم الشرعية، والغرض منها: تنبيه الغافل، وتوجيه العاقل، والمشاركة لحزب الله المفلحين، وعباده الصالحين بالمعاونة والنصيحة والوصية والرحمة لهم، ايناسا بالمذاكرة لهم، والتماسا للدعاء أمر الله ورسوله بالتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، والنصيحة بالحق والصبر عليه، والنصيحة الخاصة والعامة، وسميتها: (مقال الناصحين بحفظ شرائع الدين، ومحال الصالحين بحفظ حرمات المؤمنين المهتدين، ومنال المفلحين بحسن الظن بالله سبحانه وتعالى وبحسن الاعتقاد في السادة
المعتقدين).
منهم
قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان
واتقوا الله ان الله شديد العقاب} المائدة 17.
وقال تعالى: {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} البلد 17.
(391) (1/391)
صفحة 392
وقال تعالى: {والعصر ان الانسان لفي خسر. الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} العصر – 1 – 3.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: عجبت للناس من إهمالهم لهذه السورة مع علمهم بها، ما اعظمها من سورة.
وقال رسول الله الله: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله. قال: الله، ولكتابه، ورسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) حديث صحيح.
وقال تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
الكهف 29.
أحكامه، وتفهم
عنهم
وفي الحديث: (قل الحق ولو كان مرا). فعليك يا أخي بتفهم القرآن، وأكثر من تلاوته بالتدبر له واسراره، ومجالسة علماء الدين والمشايخ العارفين وعباد الله الصالحين، خذ العلوم الشرعية السنية، فخذها من أفواههم اقرب لجمعك، واعون على نفعك، فقد عرفوا المقاصد، فليلقوا إليك من سني الفوائد، فكن لهم مجالسا، وللعلوم قابلا، وبها عاملا، وعلى ذلك صابرا ومصابرا، وفقنا الله واياك لكل خير، وحفظنا من
كل شر. آمين
(392) (1/392)
صفحة 393
ملاحظات عامة على خطبة الكتاب:
الملاحظة الأولى:
الغرض من تصنيف الكتاب كما جاء في الخطبة، هو (تنبيه الغافل، وتوجيه العاقل، وتقديم العون بالنصيحة والوصية والتذكير)، هذا الغرض يتفق تماماً مع ان مع اسم الكتاب، من حيث هو (مقال الناصحين)، كما ان الإمام باجمال يتفق مع الإمام محمد بحرق في الغرض الذي من اجله صنف كتابه (الحديقة الانيقة)، حيث يقول الإمام بحرق في خطبة كتابه: (وإذا كان الدين النصيحة الله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين كما قال سيد الانبياء والمرسلين، فقد رأيت من النصيحة اقتناص قلوب نجباء الأبناء من الولاة والمشايخ والرؤساء، بنظم قصيدة فريدة مشتملة على أصول الحكم
والأحكام).
والحقيقة ان اسلوب توجيه الخطاب إلى الجميع من منطلق (النصيحة)، هو الأسلوب الذي اعتمده شيخ الإسلام بافضل في قصيدته الفكرية، والتي بدأها
بقوله:
أيا فاتحا بابا عظيما من الفكر هنيئا لك الحظ الجزيل من الأجر
وهو أيضاً الاسلوب الذي اعتمده شيخ الإسلام بافضل في وصاياه، وهو أيضاً اسلوب الإمام القلعي في كتابه (تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة)، وإذا كنا قد توصلنا إلى معتزلية هؤلاء الثلاثة الأعلام، فهل موافقة اسلوب الإمام باجمال لأسلوبهم في توجيه الخطاب، يعطي مؤشرا إلى معتزليته ولو احتمالا، خاصة وان
المعتزلة قد عولوا على أسلوب الترشيد والتنوير في نشاطهم المذهبي والعلمي.
(393) (1/393)
صفحة 394
الملاحظة الثانية:
احتوت خطبة الكتاب على حديثين فقط، الاول حديث (النصيحة)، والثاني (قل الحق ولو كان مرا)، والحديثان مناسبان تماما لموضوع الكتاب من حيث هو (مقال الناصحين)، إذ ان النصيحة إذا خرجت عن (الحق)، اصبحت كذبا ونفاقا، غير ان الخطبة حوت أيضاً على سورة الناس كاملة (ثلاث آيات)، وثلاث آيات أخرى، كما احتوت أيضاً على دعوة وتوجيه (بتفهم القرآن والإكثار من تلاوته والتدبر له)، وبالمقابل فان الخطبة لم تذكر (علم الحديث)، الله مما يجعل تتمة الخطاب (ومجالسة علماء الدين والمشايخ العارفين وعباد
الصالحين .... ) معنيا به علوم القرآن وعلماءه، من دون علم الحديث. والحقيقة ان عناية الأمام باجمال بالقرآن الكريم وعلومه كما وردت في خطبة الكتاب، هي، هي نفسها عناية شيخ الإسلام بافضل، فالقصيدة (الفكرية) تعتمد على مضمون من القرآن الكريم، بل وتكاد تكون القصيدة تفسيرا لتلك الآيات، وهي أيضاً عماد جميع وصاياه الثلاث، إذ يقول في احداها: (فمن صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، لا تشتغل الا بتلاوة كتاب الله وتدبر معانيه، وتلذذ بحلاوة الفاظه)، وبالمقابل، فهو لا يذكر علم الحديث في تلك الوصايا، فهل يعني ان الإمام باجمال كان على نهج الاعتزال، شأنه شأن الإمام بافضل، خاصة وان المعتزلة عموما قد اشتهروا بالعناية الفائقة بالقرآن الكريم وعلومه، وهو عمادهم في الأحكام وعليه عولوا، مع ضعف عنايتهم بالحديث الشريف الا ما يوافق نظرتهم
المذهبية العقلية.
ذلك
(394) (1/394)
صفحة 395
هذه الأسئلة التي تثيرها (خطبة الكتاب) سوف تظل حائرة، ما لم يتحدد مذهب الإمام باجمال، ولن يتحدد مذهبه مالم يحدد لنا هو نفسه موقفه من بعض القضايا الأعتقادية الحاسمة في المنظور العقائدي الإسلامي.
(395) (1/395)
صفحة 396
كتاب (مقال الناصحين) بين المطبوع والمنسوخ
الكتاب المطبوع صادر عن داري (الحاوي (ببيروت، ودار (السنابل)
بدمشق، الطبعة (الثانية (سنة 2003 م، طبعة (مصححة ومزيدة). الكتاب) منشور (ولكنه غير محقق، وهو مطبوع عن نسختين غير محددة تاريخ النسخ، ومجهولة الناسخ، احدى النسخ تجعل اسم الكتاب: (مقال الناصحين بحفظ شعاير الدين (وهي التي اشار إليها الناشر بالنسخة الأولى والنسخة الثانية تجعل اسمه (مقال الناصحين بحفظ شرايع الدين)، والفرق كبير بين (الشعائر) و (الشرائع)
فوايد
(10)
.
ورد في الصفحة الأخيرة من النسخة الأولى، وبعد انتهاء المؤلف من الكتابة وختمها بالصلاة على الرسول الكريم، جاء في تلك الصفحة ما يلي: (أعلم ان كتاب مقال الناصحين بحفظ شعاير الدين هذا كثير الفوايد حسب العوايد، سلس العبارة، رايق الاشارة، مجمع الفوايد، مشتمل على احدى واربعين فايدة، كل فايدة قائمة مقام باب، تفصل في اربعة فصول، كل فصل يحتوي على عشر ... )، هذا الحديث عن تقسيم الكتاب على ابواب وفصول يدعونا إلى القول ان تكنيك تقسيم المباحث إلى ابواب ثم تقسيم الأبواب إلى فصول، انما هو تكنيك حديث، ولم يكن معروفا في العالم الإسلامي لا في القرن العاشر الهجري ولا في القرن الذي يليه، انما كان المعتمد حينها الكتابة السردية، فهذا الإمام السخاوي التوفي سنة ــ 902 هـ، وهو من له باع طويل في الكتابة والتأليف، يكتب مصنفه - (التوبيخ لمن ذم علم التاريخ (باسلوب سردي خال من التقسيم، وقد نجد بعض الكتب التراثية المطبوعة مقسمة إلى ابواب، غير ان تلك الأبواب لم تكن تفصل إلى فصول، على اننا نعتقد ان ذلك التقسيم إلى ابواب فقط، انما هو
-
(396) (1/396)
صفحة 397
من عمل الناشرين، وليس من عمل اصحابها، وبهذا فان ذلك التقسيم الوارد في آخر المخطوطة الاولى، ليس من اصل الكتاب، ولكنه من عمل الناسخ المجهول، ويبدو ان ذلك هو ما فهمه الناشر، إذ لم يورد تلك الفقرة الخاصة بتقسيم الكتاب، لم يوردها في الكتاب (المطبوع)، ويبدو ان الناسخ اراد من إضافة تلك الفقرة، اراد الايحاء للقارئ بان ما هو بين دفتي المخطوطة، انما هو كتاب الإمام باجمال دون حذف او اضافة، على اننا نرى من اضافة تلك الفقرة، اننا امام ناسخ على قدر كبير من المعرفة بفنون الكتابة والتأليف، وليس امام ناسخ عادي
على اية حال، فان ما جاء في تلك الفقرة حول تقسيم مبحث) مقال الناصحين (يعني انه مكون من احدى واربعين فائدة، كل فائدة مفصلة في عشر مقالات، إذ لا معنى لما جاء في تلك الفقرة بأن كل فائدة مفصلة في عشر فوائد، وإذن فان الفائدة تفصل في مقالات، وإذن وبناء على ذلك التقسيم، فان الكتاب يجب ان يحتوي على احدى واربعين فائدة مفصلة في اربعمائة وعشر مقالة، غير ان الكتاب جاء في احدى واربعين فائدة فقط من دون مقالاتها التفصليلة المفترضة، فان ما فهمناه من فقرة التقسيم، فان هذا ان كتاب الإمام باجمال قد تعرض لعملية اختصار وحذف واضافة ومما يؤيد ذلك الظن ويعززه ما يلي:
صح
يعني
1 - يورد المؤرخ الكندي في كتابه العدة المفيدة نقلا عن كتاب (مقال الناصحين)
حكاية عن والي (تريس) عمر بن سليمان بن ثعلب
(17)
، وهي حكاية طويلة
ولها دلالات مهمة في اسلوب الحكم والولاية في بلدة تريس، هذه الحكاية غير موجودة في الكتاب المطبوع، رغم أن محقق كتاب الكندي الأستاذ (الحبشي)
يؤكد وجودها وصحة نقلها عن مخطوطة مقال الناصحين
2 - ورد في الكتاب المطبوع قوله: (ويستولي الشيطان على اهله ويلعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة ((17)، جاء ذكر (الكرة) في تلك العبارة على الإطلاق
(17)
(397) (1/397)
صفحة 398
ودون تخصيص، مما يدل على أن ذكرها جاء كذلك لشهرتها كلعبة جماعية، وهذا الحال في شأن لعبة الكرة لم يكن معروفا في زمن حياة الإمام باجمال لا في شبام ولا حضرموت، ولا حتى في بلاد الغرب، وهذا يعني ان تلك العبارة ليس من اصل الكتاب، بل هي مضافة إليه من قبل الأخلاف
للعبادة
.
جاء في الكتاب في حديث طويل عن (الحوط - مفرد حوطة) منه قوله: (قال بعض العلماء: كان مشايخ الجهة أهل التربية بجهة اليمن وحضرموت ينفردون بانفسهم عن القرى والعمران، ويسكنون بأهلهم في حافة منفردة بقرب القرى، يسمونها الحوطة او نحوها، يسكن عندهم من سلك طريقهم، وتشبه بهم في ترك الاشتغال والإنقطاع عن العلائق، والانفراد عن الخلائق، والصبر على الفقر، واختيار القلة، والرغبة في الخلوة والعزلة للتفرغ (18)، هذا الحديث عن (الحوط - مفرد حوطة) المنسوب إلى الإمام باجمال، يظهر ان الإمام يتحدث عن ظاهرة منتشرة ومعروفة منذ زمن بعيد، وإذا صح هذا، فانه يفترض) من الناحية التاريخية على الأقل) ان تكون لدينا عدة مواقع مكانية تحمل اسم (الحوطة)، غير ان ذلك الواقع الذي يفترضه الحديث لا وجود له على الخارطة الجغرافية الحضرمية، إذ أنه لا يحمل اسم (حوطة) الا موقع واحد فقط، هو (حوطة احمد بن زين الحبشي الواقعة في منطقة الوادي، بين مدينتي شبام وسيئون، وهي منسوبة إلى من يفترض أنه مؤسسها الشيخ احمد بن زين الحبشي، المتوفي سنة ـ
1145 هـ، وإذن فان هذه الحوطة الوحيدة في حضرموت التي يزعم
أنه
اسسها صاحبها المنسوبة إليه بعد اكثر من قرنين على وفاة الإمام باجمال، وقصة هذه الحوطة كما يوردها الأستاذ بامطرف حيث يقول: ((ففي
(398) (1/398)
صفحة 399
منطقة ما يسمى اليوم حوطة أحمد بن زين الحبشي، الواقعة على بعد عشرة اميال تقريباً إلى الغرب من مدينة سيئون، غرس ال راشد (ولاة تريم (اعدادا كثيرة من النخيل فعرف المكان والقرية التي قامت حول تلك الاغراس بـ (خلع راشد)، وعندما هاجر السيد أحمد بن زين الحبشي من الغرفة إلى مدينة خلع راشد، ثم وفاته بها سنة ـ 1145 هـ سميت مدينة خلع راشد) حوطة (أحمد بن زين الحبشي وهي تعرف بهذا الاسم إلى يوم الناس هذا، والمنطقة التي اختارها آل راشد لغرس احراش نخيلهم كانت عبارة عن منبسط فسيح من وادي حضرموت (وادي سر) عامر بالاطيان والزراعة يسر الناظرين، ثم غدى بفضل آل راشد اكثف منطقة بالنخيل البواسق بين شبام وسيئون)) (19)
غير أننا لا نوافق على القول بأن مدينة) خلع راشد) قد اتخذت أسم (الحوطة) بعد أن هاجر إليها الشيخ الحبشي أو وفاته بها، ذلك أننا نجد أن أسم خلع راشد يتردد للدلالة على ذلك المكان حتى سنة 1302 هـ لدى المؤرخ إبن حميد الكندي في العدة) المفيدة، والمؤرخ الكندي هو إبن المنطقة قبل أن يكون مؤرخا، فلو أن ذلك المكان قد اتخذ إسم الحوطة قبل ذلك التاريخ لوجدنا صداه عند الكندي قبل غيره، فهو يقول مثلا عن أخبار سنة
بن
أن ذلك المكان قد
1302 هـ: ((في ربيع الثاني توفى الحبيب الصافي الفاضل محمد بن أحمد جعفر بن أحمد بن زين الحبشي بخلع راشد))، وهذا يعني اكتسب أسم الحوطة بعد تلك السنة (20).
فلا يعقل ان يتحدث الإمام باجمال عما لم يكن له وجود عياني في حياته، وحتى بعد مماته، لم تكن) الحوط (ظاهرة مرصودة تركت اثرها على
(399) (1/399)
صفحة 400
الخارطة الجغرافية الحضرمية، وإذن، فلا بد ان يكون ذلك الحديث عن تأليفهم
) الحوط (ليس للإمام صلة به، وانما هو من صناعة (الخلف) و نيابة عن (السلف)، واما الغرض البين الواضح من ذلك (الوضع)، فهو
الزعم ليس بتصوف الإمام باجمال فحسب، بل وتصوف الاجيال قبله حين يتحدث الإمام باجمال عن (حكاية)، يبدؤها بقوله (ذكر بعض الاخوان الثقات، حكى) (21)، وكان ينهي حكايته عن طريق التعليق عليها، او الانتقال إلى فقرة جديدة، ولكن يورد في الكتاب بعض الحالات المشابهة تماماً، ويبدؤها بقوله (حكي (أيضاً، غير ان تلك الحكاية تنتهي بإشارة) انتهاء الكلام المنقول عن مصنفات الآخرين (أ. هـ)، في حين ان تلك الحكاية غير منقولة عن مصنف محدد، كما ان اشارة انتهاء الكلام المنقول إلى ان اشارة وتكنيك حديث جدا، وعلى كل ذلك ننتهي تلك الحكايات المنتهية بتلك الاشارة، ليست من اصل كتاب الإمام باجمال، وانما هي من نقل (الخلف (من كتب اخرى، واضافوها إلى كتاب الإمام
تلك، انما
باجمال.
هي
وبعد، فاننا لسنا بصدد ايراد) الشبهات (التي تحيط بالكتاب (المطبوع)، ولا تتبع (الصناعة (في (المنسوخ)، وانما نحن بصدد الدلالة على اسلوب (الخلف) في تعاملهم مع تراث) السلف (، باعتبار ذلك مثلا ومصداقا لمقولة الؤرخ الحداد: (ان الأخلاف وجدوا في سيرة الاسلاف ما ينكرونه عليهم اليوم، فعمدوا إلى افنائها واعدامها)، ولهذا فاننا سوف نتعامل مع كتاب (مقال الناصحين) كما تعاملنا مع غيره من تراث السلف الذي نشره) الأخلاف)، بأكبر قدر ممكن من الحيطة والحذر، حتى لا نقع في مطب السذاجة والغفلة، التي تهز مصداقية الكتابة التاريخية من اركانها، وتتردى بها في مهاوي الهزالة والعبثية.
(400) (1/400)
صفحة 401
موقف الإمام باجمال من مسألة وجوب الإيمان والتوحيد العقلي:
يتفق أهل المباحث العقائدية الإسلامية على صحة مقولة المؤرخ الشهرستاني (548 هـ): (ماسل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان)، ولعله يصح القول: ان الأمة لم تفترق وتتباين تباينا واضحا في قضية، كما افترقت وتباينت في موقفها من مسألة العقل والنقل، فقد اتفق أهل
السنة والأباضية على ان الايمان والتوحيد انما يكون بالنقل عن الرسل ورسالاتهم
وان العقل الانساني يقصر ـ بدون هداية الرسل - بدون هداية الرسل - عن بلوغ القدرة على الإيمان
-
-
،
بالله وتوحيده تعالى، وان دور العقل هو تأكيد ما جاء به الرسل عن ربهم، ولهؤلاء اسانيدهم من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث
الأعتقادية
رسولا) وقوله: (او لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) وغير ذلك كثير الأمر على نقيضه لدى المعتزلة والزيدية، إذ يرى هؤلاء وجوب المعرفة بوجود الله تعالى وتوحيده من خلال الفكر والنظر العقلي قبل النقل عن الرسل ورسالاتهم، وحجتهم في قولهم بالوجوب العقلي هي انهم يرون انه تعالى قد خلق الكون ليكون دليلاً على وجوده جل شأنه، ثم انه تعالى قد أكمل الآلة العقلية للانسان للنظر في ذلك الدليل، وبالتالي فالنظر في الكون الذي هو امارة ودليل، لابد ان يؤدي إلى اثبات المدلول الذي هو الله تعالى، ومن هنا كان العقل عند المعتزلة والزيدية يقضي بوجوب النظر لمعرفة الله حتى ولو لم يكن هناك نبي او رسول يدعو إلى ذلك، بل إن النظر في طريق معرفة الله تعالى هو أول الواجبات عندهم، وهذا هو مضمون قولهم (العقل قبل ورود السمع)، هذا الخلاف بين الطرفين كما هو واضح يؤسس مذهبا دينيا في المسؤولية والجزاء وليس فقط مجرد خلاف في نظرية المعرفة، وعلى أساس ذلك الخلاف والاختلاف دار بين الفريقين جدل
(401) (1/401)
صفحة 402
و مناظرات أغنوا بما علم الكلام بمباحث شيقة وعميقة. وهكذا نصل إلى القول بان المعتزلة والزيدية يرون بان قول أهل السنة والأباضية باولوية النقل على العقل، في مسألة الايمان والتوحيد، ماهو الا الاستدلال بالفرع على الأصل، وذلك لا يصح، إذ ان الايمان بالله وتوحيده مقدم وسابق على الايمان بالرسل وصحة رسالاتهم. واما الصوفية فانهم يبطلون النظر العقلي ويرونه بدعة في الدين، بل هم يرون (ان العقل حجاب، لأنه في نظرهم يمنع الانسان من الاتحاد بالله، او على الاقل يحجب الانسان - كما يقولون - عن معرفة الله معرفة يقينية، ومن هنا تشددهم على
-
-
(22)
ضرورة الاستغناء عن العقل وأحكامه) (22)
وبالأجمال، فإن المعتزلة والزيدية يرون أن) اول واجبات النظر هو
تحصيل المعرفة بتوحيده وعدله و وجوب شكره على نعمائه وما يترتب على ذلك من الإخلال بها، وهي معرفة إجمالية في حق المكلف العادي، كما أنهم لا يجوزون التقليد في هذه المعرفة بأعتبارها من الفروض العينية والجاهل به تعالي کافر
إجماعا وتقليد الكافر في كفره كفر إجماعا (23).
وفي مسألة النظر العقلي المؤدي إلى معرفة الله تعالى وجوباً، يقول الإمام
باجمال (معرفة الوصف بالتمييز بين القديم والمحدث (الله ومخلوقاته) هو فرض متعين، فإمعان النظر في ذلك واجب، وتعلم حدودها لازم وقال جماعة من
سلف الأمة: لا بد للمؤمن في إعتقاده من البحث والنظر ووقوف على الادلة،
حتى تترسخ عقائده بما عنده من البراهين عليها، ولا يكفي التقليد) (24).
في النص أعلاه، نجد الإمام لكي يؤكد موقفه بوجوب النظر العقلي، اعتمد على حشد أكبر عدد ممكن من الالفاظ الدالة على ذلك، وهي: فرض -
-
متعين ـ واجب ــ لازم ـــ لا بد - البراهين - الأدلة - لا يكفي ـــ، كل ذلك
-
—
—
لا يعطي مجالا للشك بان الإمام باجمال يرى في المسألة رأي أهل الاعتزال والزيدية،
(402) (1/402)
صفحة 403
الا
على انه من المهم القول ان الدعوة إلى ممارسة النظر العقلي في المسألة الألهية، لا تتم من خلال ممارسة) علم الكلام)، ولقد رأينا علماء السنة يقولون بتحريمه اما المعتزلة والزيدية فانهم يرونه العلم المؤدي إلى معرفة الله تعالى وتوحيده، وفي ذلك يقول الإمام محمد أبو زهرة: (إذا سمعت الشافعي وأبن حنبل يذمان علم الكلام ومن يأخذ العلم على طريقة المتكلمين، فإنما المعتزلة وطريقتهم ارادوا بذمهما) (25). كما ان قول الإمام باجمال بانه في العقائد) لا يكفي التقليد) فهو أيضاً قول المعتزلة والزيدية، خلافا لأهل السنة الذين قال فيهم (الجاحظ): (هم العوام الذين يقلدون ولا يحصلون ولا يتخيرون، والتقليد مرغوب عنه في حجة العقل منهي عنه في القرآن) (6
(26)
ويقول الإمام باجمال أيضاً: (أعلم ان أول كل شيء يجب على العبد معرفة صانعه وكيف صنعه،، ثم التعبد له، وكيف يعبده، وبضد هذين الفصلين، وهو الجهل والعصيان، وعلى هذين الفصلين اللذين هما العلم والتعبد، مدار الأمر لوجود الحق سبحانه ذاته وصفاته قديمة أزلية، كاملة مترهة، وما سوى
کله
.
الحق حادث ناقص، موجود بإجاده على وفق مراده وفي الحديث القدسي:
كنت كتراً مخفيا لم أعرف، فخلقت خلقا لكي اعرف)
(27)
وفي النص السابق للإمام باجمال نجد انفسنا امام نص صريح الدلالة باولوية المعرفة العقلية ووجوبها في المسألة الألهية، ولقد استخدم الإمام اداة العطف) ثم) للدلالة على (تالية) النقل، إذ ان العبادة لا تعرف الا عن طريق الرسل الكرام، ومن ناحية اخرى، فان قوله: (فوجود الحق ذاته وصفاته قديمة أزلية، كاملة مترهة، وما سوى الحق حادث ناقص) يعنى ان الإمام قد جعل الصفات الإلهية (صفات ذات) غير زائدة عنها، وهو قول المعتزلة والزيدية والأباضية، خلافا لأهل السنة
والمتصوفة.
(403) (1/403)
صفحة 404
كما ان الإمام باجمال وهو يؤكد قوله بوجوب النظر العقلي في المسألة
الألهية وتقديمه على النقل، لم ينس ان يورد ذلك الحديث القدسي، باعتبار الخلق
الالهي لا بد ان يقود إلى وجوده وتوحيده،
، كل ذلك يتم من خلال نهج علماء
الاعتزال الكبار في الاستدلال بالخلق على الخالق الصانع تعالى.
(28)
وفي نص آخر، يقول إمامنا باجمال: (وإعلم ان العقل به شرف الانسان على الحيوان، ولإجله توجه الخطاب والعقاب والتكليف، ولولاه ما وحد الله وعرف وعبد، وعلى قدر العقل ينال صاحبه شرف الدرجات)، وفي آخر، يقول عن العقل: (فانه لا تصح العبادة الله الا بالعلم، ولا تصح النية الا به، ولا يصح الزهد ولا تحتسب الأخلاق الحميدة الا به) (29)، وهكذا يقول الإمام باجمال قول أهل الاعتزال والزيدية بقدرة العقل على معرفة رفة الله وتوحيده، وهو الأصل في الخطاب الألهي عن طريق الرسل الكرام، ولولاه ما عبد ولا كان تكليف.
وكذلك قوله: (فانه لا تصح العبادة الله الا بالعلم ... )، فان المعتزلة والزيدية يوحدون بين (العلم) والعقل، فإذا كان هناك حديث منهم عن العلم، فانما ارادوا به العقل .. وفي ختام مقالة (العقل) عند الأمام باجمال، نورد قوله في، باعتباره ليس مذهبه فحسب، بل ومذهب الأسلاف من أهل حضرموت، حيث يقول: (اعلم ان أهل السنة من السلف والخلف، ومن له عناية
المسألة
بدينه، وشفقة على نفسه، يكون المقدم عنده والأهم عليه بحثه ونظره وتفحصه في
تصحيح عقائده في الدين، وترسيخها وتوكيدها بانوار العبادة الخالصة لله
،
وتأييدها بالادلة والبراهين الصحيحة السليمة عن الرأي الفاسد والهوى المتبع) (30). نعم، انها طريقة السلف من أهل حضرموت، ليس في الايمان والتوحيد على طريقة ونهج الاعتزال فحسب، بل وحتى في الدعوة إليه والعناية به، حتى يكون
(404) (1/404)
صفحة 405
الرجل مسؤولا عن تعليمه لخاصته، وإذ يقول في ذلك الإمام باجمال: (ويجب عليك ان تعلم من يليك، من أهلك وولدك وعبيدك ما يلزمهم في دينهم من عقائد أهل الحق .... ) (31)، وهذا هو عينه قول الإمام سالم باقضل في القرن السادس الهجري، حيث قال في أحدى وصاياه: (وأوصيك بتعليم أهلك وخاصتك ما يحتاجون إليه من فروض الطهارة والصلاة وواجب العقيدة ... )
(32)
وهكذا نجد أن جملة أقوال الإمام باجمال في المسألة الإيمانية لا تكاد تفارق
ما يقوله الإمام الزيدي القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي 169 هـ - 246 هـ أحد أئمة الزيدية في اليمن، ومعروف أن الزيدية لم تكن تختلف عن المعتزلة إلا في
مسألة
الإمامة وبعض القضايا الجزئية، فهي من ناحية العقيدة على مذهب المعتزلة إجمالا، حيث نجده يقول في المسألة الإيمانية: ((أن العبادة تنقسم على ثلاثة
ما
وجوه: أولها معرفة الله، والثاني معرفة ما يرضيه وما يسخطه، والثالث إتباع يرضيه وإجتناب ما يسخطه، فهذه ثلاث عبادات من ثلاث حجج أحتج بها المعبود على العباد، وهي: العقل والكتاب والرسول، فجاءت حجة العقل بمعرفة المعبود، وجاءت حجة الكتاب بمعرفة التعبد، وجاءت حجة الرسول بمعرفة كيفية العبادة، والعقل أصل الحجتين الأخيرتين لأنهما عرفتا به ولم يعرف بهما، فافهم
ذلك)) (33)
(405) (1/405)
صفحة 406
موقفه من مبدأ البيعة السببية:
رأينا فيما سبق من هذه الدراسة، ان أهل السنة والصوفية ينكرون قانون السبية، سواءً كانت هذه السببية كونية او انسانية، إذ انهم (يرفضون الاعتراف بقيام علاقة الضرورة بين الاسباب ومسبباتها، والإمام الغزالي يسميها (الاقتران) الذي جرت العادة بملاحظته بين الشيئين عند حدوث التغيرات لاحدهما، وينكر ان يكون هناك تلازم او علاقة بين الشيئين بحال من الاحوال وهم يرون فيها رأيا خاصا يناقض رأي المعتزلة والفلاسفة .. وهم أيضاً: يحجبون عن مواد الكون وذات الانسان استطاعة الفعل والخلق والتأثير، ومن ثم لا يخضعون وجود الاشياء او عدمها، ولا ظهور الافعال او انتفاءها، ولا التحولات التي تجري في الكون والانسان، لا يخضعون شيئا من ذلك للمقاييس العادية او البشرية) (34)، في حين) يتفق المعتزلة على قيام السببية وعلاقة الضرورة بين الاسباب والمسببات، وهم بذلك يخالفون ويتجاوزون المجبرة) أهل السنة والمتصوفة (الذين ردوا كل الاسباب إلى الله تعالى، ورفضوا ان يعترفوا بمبدأ السببية بين الانسان والافعال.)
،
(35)
واما موقف الإمام باجمال من هذه المسألة، فيوضحه قوله: (تعرض
لنفحات
ربك باسبابها، وآتوا البيوت من أبوابها، سنة الله التي اجراها بحكمته في عباده ترتيب المسببات على اسبابها، فبالحركات تتتزل البركات، والهز للشجرة تسقط
(36)
الثمرة، واما العجز فهو ابدا عقيم)، نعم، سنة الله التي اجرها بحكمته، هي
ترتيب الاسباب على مسبباتها، وذلك هو موقف أهل الاعتزال والزيدية والفلاسفة، خلافا لأهل السنة والصوفية
(406) (1/406)
صفحة 407
موقفه من قدرة العقل على التحسين والتقبيح العقليين:
لقد بينا فيما سبق الموقف المعتزلي للإمام باجمال من مسألة الايمان والتوحيد العقلي، ومعنى هذا انه يقول أيضاً بموقفهم بقدرة العقل على التحسين والتقبيح العقليين، أي ان القبح والحسن صفات ذاتية في الأشياء والافعال، قادر العقل على ادراكها، وان دور الشرع، هو الاخبار عنها بالمدح للحسن، والذم للقبيح، وفي هذا يقول الإمام باجمال: (قال: (ص): الحياء من الدين) حديث مشهور، فهو (الحياء) ركن قوي في الدين، يبنى عليه كثير من اموره، ويمتنع المرء بسببه عن كثير من الافعال القبيحة في العقل أو المذمومة في الشرع.) (37)، وذلك هو موقف أهل الاعتزال والزيدية، خلافالقول أهل السنة والمتصوفة، الذين يرون عكس ذلك، أي ان الاصل في التحسين والتقبيح انما هو الشرع.
موقفه من قدرة العبد على اختيار أفعاله
8
يرى أهل السنة والمتصوفة، ان الانسان لا يخلق افعاله باي حال من
الاحوال، وانما هي مخلوقة لله تعالى، فهو وحده الخالق لها، وما الانسان الا
كالريشة في مهب الريح، يحركها كيف يشاً.
وليس الامر كذلك عند المعتزلة والزيدية في هذه المسألة، فقد اتفقوا على
ان افعال الانسان غير مخلوقة الله تعالى، وان من قال ان الله خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه، ذلك لأن هذه الافعال متعلقة بالانسان، فلا يصح ان تتعلق بالذات الإلهية، لأنه يستحيل ان يكون فعل واحد مفعولا لفاعلين، ومقدور القادرين، واثر المؤثرين، كما اتقفوا على ان افعال العباد من تصرفهم وحادثة من جهتهم، على معنى (الحدوث) وليس على معنى (الكسب) كما اتفقوا على ان العقلاء
(407) (1/407)
صفحة 408
على اختلاف احوالهم يعترفون بان الفاعل المختار، انما يأتي افعاله بحسب قصده ودواعيه هو، كما ان هذه الافعال تنتفي بحسب الكراهة والصوارف عنها والموانع التي تمنع من مباشرتها، كما إنهم رأوا ان وصف الانسان بانه (فاعل) لافعاله هذه، انما هو وصف على جهة (الحقيقة) وليس على جهة (المجاز).
ورداً على قول الأشاعرة بأن قدرة العبد غير صالحة للإيجاد (الخلق)، وفي المعنى الذي ذهب إليه الإمام باجمال، يقول الإمام الزيدي يحيى بن حمزة 669 هـ - 749 هـ في دفاعه عن حرية العباد في إختيار أفعالهم: ((إنا نعلم بالضرورة أن كل عاقل يعلم من نفسه أن وقوع أفعاله موقوف على حسب دواعيه، ولولاها لما وقعت، وأنه متى مسه الجوع وأمكنه تناول الطعام وقع أكله لا محالة، ومتى
فيه سماً أنصرف
عنه
فلو كانت أفعالهم فعلا لغيرهم لبطل ما نعلمه
من
الدواعي لها وجوداً وعدماً) (38)
اعتقد
مطابقة
ويرى الإمام باجمال: (ان القلب يكون فعله المنسوب إليه المواخذ به عن ارادة واختيار، لا يغلب عليه بالاكراه، فلهذا تجاوز الله عن المكره، فلو اكره انسان على فعل، ففعله مكرها، لم يضره، لعدم اختياره وقصده، إذ القلب مطمئن بضده، ومتميز عن رغبته ووده، وانما الاعمال بالنيات.)
(39)
نحن هنا امام فعل منسوب إلى فاعله الذي فعله عن ارادة واختيار وبلا
اکراه، ولقد استخدم الإمام باجمال عدة ألفاظ في ذلك النص للدلالة على الاختيار
والمسؤولية - المنسوب ـ المواخذ به ـ ارادة ـ اختيار ـ لا يغلب عليه الاكراه
-
-
-
-
القصد – رغبته ـ وده ـ وعلى ذلك فان النص اعلاه مشبع بالدلالة على
-
-
-
موقف الإمام باجمال الذي يرى الأمر على مذهب المعتزلة والزيدية، وخلافا لأهل
السنة والمتصوفة.
(408) (1/408)
صفحة 409
ولما كانت المعرفة وتحصيلها لا يتم الا من خلال فعل، فقد كانت المعرفة خلال
الانسانية وتحصيلها أحد الامثلة التي تحدث عنها أهل العدل والتوحيد من وليدة التجربة الانسانية وطريق
حرية الانسان، وقرروا ان المعرفة الانسانية انما
تحصيلها تجربة الانسان في الحياة (40)
هي
فليست المعارف الانسانية إذن نتيجة لكشف رباني، كما ذهب إلى ذلك
المتصوفة، او نتيجة ومقدرة الله تعالى، ليس للانسان يد في تحصيلها حسب نظرية
أهل السنة
وفي هذه القضية المتفرعة من مسألة) افعال العباد) يقول الإمام باجمال:
) والعقل أصله الغريزي، انما محاله يتسع ويرتفع مقامه، باعماله بالفكر والنظر الصحيح الصائب بالفهم الثاقب ودوام التجارب) (41).
وهكذا نجد أن معتزلة حضرموت، شأنهم شأن المعتزلة والزيدية، يولون عناية كبيرة إلى مسألة أفعال العباد، ليس فقط من أجل بيان وإبراز العدل الإلهي في مسألة الثواب والعقاب، أو تتريهه تعالى عن القبائح التي يقوم بها الإنسان، بل ولا للمسألة بعداً آخر عقائدي أيضاً، ولكنه أكثر عمقاً وأبعد غوراً، وأشد خطورة المسألة الإيمانية، ويكاد يقوضها من أساسها، ذلك البعد يوضحه الإمام يحيى بن حمزة بقوله: ((إن القول بأن الله خالق أفعال العباد يسد باب معرفة إلهية الصانع والعلم بصحة النبوة وكونه تعالى صادقاً في خبره ومعرفة صحة الشريعة ويفضي إلى
على
(42)
خرق الإجماع، ومجمعها أمور خمسة))، وبعد أن يشرح ويفصل تلك الأمور الخمسة، ذهب إلى بيان قول المجبرة بقوله: ((واعلم أن المجبرة متفقون على عدم إستقلال العبد بالتأثير في فعله، ثم اختلفوا بعد ذلك، فذهب الأشعري إلى أن الإيجاد بقدرة الله تعالى، وأن معنى كون العبد مؤثراً مقارنة قدرته لمقدور حصل من جهة الله تعالى، وهذا هو الكسب عنده، وذهب القاضي (لعله الباقلاني) منهم إلى
(409) (1/409)
صفحة 410
أن الإيجاد بقدرة الله تعالى، وأن تأثير العبد في كونه طاعة أو معصية، وهذا هو الكسب عنده، وذهب الجويني إلى أن الإيجاد كما هو حاصل بقدرة الله تعالى، فهو حاصل بقدرة العبد عند الإختيار، ولا معنى للكسب عنده، هذه خلاصة مذهبهم في الكسب)) (43).
موقفه من تصوف الحلول والاتحاد
يحدد الإمام باجمال موقفه من التصوف الفلسفي، من خلال الاستشهاد بقول الشيخ ابراهيم بن محمد باهرمز (من أعلام مدينة شبام في القرن العاشر الهجري)، حيث يقول: (اشهد ان الله سبحانه موصوف بكل كمال، برئ من كل نقصان، وان الله سبحانه لا يحل في شيء ولا يحله شيء، بل هو على ما هو عليه كان قبل تكوين الأكوان) (44)
موقفه من أهل التصوف على طريقة أهل (الفقر)
التصوف السني على طريقة الإمام الغزالي:
يقول الإمام باجمال وهو يرصد تغير الاحوال في القرن العاشر: (واعلم ان الناس اليوم في عقائدهم في زعمهم للصالحين، هم فيها كخبط عشواء، تصيب خطوة، وتخطئ خطوة، او كحاطب ليل، ربما جمع في حطبه من الأفاعي والحيات ما فيه عطبه، فترى كثيرا من الناس يساعد (الموسومين بالفقر) في هذه الجهة على المعاصي والخطايا في مواطن كثيرة، او يشاهد بعينه منهم ذلك، فإذا فإذا سألته عن معهم، يقول: (انا أحبهم الله، ولي فيهم حسن ظن، وحسن عقيدة.) فهذا القول والزعم غاية الضلال عن الحق المبين، ومنتهى كيد ابليس اللعين، فقد ظفر
حاله
(410) (1/410)
صفحة 411
بهم جميعا، فلما افتضحوا بالمخالفة .. اصطلحوا على الموافقة، وضحكوا بما به
هلكوا.) (45).
موقفه من المسألة التأويلية:
من المعلوم ان كل من الشيعة الاثناعشرية والاسماعيلية والمتصوفة هي الفرق الإسلامية التي اسرفت في تأويل النصوص الدينية القرآن الكريم والحديث الشريف)، وخرجت في تأويلها له بعيدا عن الالتزام باساليب اللغة العربية وخصائص البيان العربي، أي انهم لا يعتمدون في التأويل على المواضعة وقصد المتكلم والقرينة او الدليل، وفي الدائرة الصوفية والشيعية) أهل العرفان (نجد ذلك الاسلوب في الاسراف التأويلي هو عماد كتاب (فصوص الحكم (لإبن عربي صاحب التصوف الفلسفي، وهو أيضاً عماد الإمام أبي حامد الغزالي في تفسيره: (جواهر القرآن) الذي قدم فيه قراءة هرمسية بمعنى الكلمة للقرآن وعلومه اللغوية والدينية. اما فقهاء أهل السنة والمعتزلة والزيدية والأباضية فقد التزموا بظاهر النصوص وعدم الخوض بتأويلها الا عند الضرورة القصوى مع الالتزام بشروط التأويل خاصة مقتضيات
لسان العرب وبيانهم. وموقف الإمام باجمال يوضحه قوله: (لا تعدل عن ظاهر النصوص في الأحكام، واعزل عقلك عن التأويلات الفاسدة، فقد ضل بها من لا خلاق له في
الآخرة.) (46).
وقوله (من لا خلاق له في الآخرة (تعبير قرآني يقصد به الذين لا
يرحمههم الله يوم القيامة، والذين لا رحمة لهم يوم القيامة هم المغضوب عليهم من أهل الكفر والشرك، فهل اخرج الإمام تلك الفرق التأويلية من دائرة الإسلام ورمى
(411) (1/411)
صفحة 412
(47)
بكم في دائرة الكفر والعذاب المقيم (4). هذا من ناحية، ومن أخرى، فان الإمام ومن خلال ما سبق ان اوردناه من نصوصه، قد خرج من دوائر أهل السنة والأباضية والتشيع الاثناعشري والاسماعيلي ودائرة التصوف، ولكنه بقي متمترسا متحصنا في دائرة الاعتزال والزيدية، وإذن، فان موقفه من المسألة التأويلية يصدر عن موقف أهل الاعتزال والزيدية
موقفه من الحياة ومعضلاتها وبناء الشخصية العصامية وطلب المعالي
لما كان الفكر المعتزلي والزيدي هو في جوهره) فكر بناء، يعلي من متزلة الفرد ويحطم القيود التي تحد من حريته في الرأي والعمل، ويفتح أمام العقل آفاقا للتفكير والابداع، وذلك من خلال مبدأ) الاختيار)، وعلى العكس ذلك من الفكر (الجبري) المثبط الذي يجعل الفرد ريشة في مهب الريح، خانعا مستسلما) للقضاء والقدر (عاجرا متواكلا باهت الشخصية) (48)، فقد اهتم المعتزلة والزيدية ببناء الشخصية وحثها وتربيتها على طلب المعالي والسؤدد في الحياة الدنيا، وهو الأمر الذي طبع شخصية علماء الاعتزال، على ما اوضحه زهدي جار الله وذكرناه في حينه، وحتى في مجال الارزاق يرى المعتزلة انه يجوز انه تزيد وتنقص بالطلب والتواني، وفي هذا المجال يقول الإمام باجمال: (اعلم انه لا يرغب عن معالي الأمور ومكارم الاخلاق ويزهد فيها، الا خسيس النفس، دنئ الهمة، معدود من الاراذل اللئام، اما السادة الكرام والقادة الاعلام فانما رغبتهم فيها، وحرصهم بكل حال عليها، وتطاولهم ومنافستهم فيها وعليها، واقوالهم في الثناء عليها وعلى اربابها مشهورة، وافعالهم منشورة) (49).
(412) (1/412)
صفحة 413
ويقول أيضاً: (فتعود علو الهمة وارتفاع العزيمة في كل الاحوال والافعال
فهي اصل كبير وأساس أكيد، لتحصل خصال السادة من الرجال المقتدى بهم في الأفعال والأحوال، دون المتصفين منهم بصفات الانذال، الذين دنت بهم هممهم وهدت بهم عزائمهم إلى حضيض الخصال، فصاروا من الدناة الاراذل اللئام في غالب الأحوال، فكم من رجل قد انحط من المراتب الرفيعة بعد نيله لها، إلى حضيض البقاع الوضيعة، فصاروا من أهلها، بتعاطي الهمة الدنية النازلة، ويقول أيضاً: (عود نفسك فعل المعالي، وترك الدنايا، وتحمل في ذلك المشاق، وصابر وجاهد على اعتياد ذلك، فتظفر بالهمة العالية في كل
فافهم)
(0.)
(01)
خير) (51).
ويقول أيضاً: (أعلم تحقيقا، ان علو الهمة، وارتفاع العزيمة، مطلوب في
كل امر من الأمور، مرغوب فيه جدا عند العقلاء والحكماء والرؤساء وذوي
الصيانة والمرؤة والديانة.)
(52)
وبعد، ليس من حقنا ان نحاسب امامنا باجمال على اسلوب الانكار
بالالفاظ الشديدة القسوة والجارحة على المخالفين، مثل (خسيس النفس، دنيء
الهمة، الأراذل، اللئام) التي هي بالتأكيد القاطع ليست من الفاظ أهل
الكلام
التصوف او الفقه المجرد، وانما هي من أساليب الانكار المذهبي العقائدي وعلماء، وتصدر عن خطابهم الذي هو خطاب دفاعي قطعي لا يقبل المغايرة والاختلاف، وهو هنا يصدر عن خطاب أهل الاعتزال والزيدية في ردهم على
نظرة (المجبرة) المخالفة لهم.
الهمة
ان موقف الإمام باجمال من الحياة ومعضلاتها والدعوة والحث على علو
والعزيمة في طلب المعالي، يتطابق مع نظرة الإمام عبدالله بن عمر بامخرمة الذي توصلنا إلى زيديته فيما سبق، حيث يقول الإمام بامخرمة: (
(or).
،
(413) (1/413)
صفحة 414
زم الركاب وحلها من عقلها ودع المطايا ترتمي فسبلها وابعد عن الاوطان في طلب العلا واترك ديار الذل عنك وخلها ولا ترض من دون النجوم بمترل وترق من طل لطائل ويكها لا ترجعن القهقرى مثل التي نقضت وحلت بعد عزم غزلها وترق في العلياء إلى غاياتها فيجمعك الخيرات تجمع شملها وانصب لكسب المال كي تكفي به من اللئام في الاحتجاج لبذلها فركوبك الأهوال في تحصيله عين الرجالة ان تكن من رجلها
وحتى الموقف من المال وتحصيله، فان موقف الإمام باجمال هو بعينه موقف الإمام بامخرمة الوارد في تلك الابيات، حيث يقول الإمام باجمال: (فبذل المال محمود بكل حال، طلبا لمكارم الاخلاق، او اكتسابا وجلبا لها، او دفعا لرذائل الصفات ودنئ الشيم، ووقاية لعرض المرء عن ثلب السن السفهاء، او طلبا للأجر والثواب، او اعانة بالمال على النوائب وسد الخلات ودفع المصائب، او
-
سماحة ــ خلقا وطبعا ـ والكل محمود، وهو به مشكور مأجور.) (54). وقوله أيضاً: (وأهل الفضل والمرؤة يتناولون المال بسماحة النفس مع سلامة الدين، صيانة للنفس عن مواقف المذلة فيه، والعوض على اللوم، والانذال يجمعون المال وان تسمخت منه الأحوال، فانما خلق الله المال عونا على الدين، وصونا عن الشين، وأهل الفضل والعقل يسمحون بالكثير من المال، لجلب جميل الاحوال، او لدفع قبيح الخصال، واللئام بعكس ذلك المثال (.)) نعم انه نفس الموقف تماماً، حتى في استخدام لفظة (اللئام) في الانكار على
(00)
المخالفين، وان كان الإمام باجمال قد زاد عليها لفظة (الانذال). وان كان لنا ان نمثل لموقف أهل السنة والمتصوفة من الحياة والسعي لكسب المال الحلال، والكد في سبيل تحصيله، فاننا لن نجد مثالا أفضل من موقف الإمام أبي
(414) (1/414)
صفحة 415
حامد الغزالي الذي يمثلهم جميعا، ففي كتابه (مكاشفة القلوب المقرب إلى حضرة
علام الغيوب (نجده يخصص ابوابا للمواضيع التالية: في ترك الدنيا وذمها ـ في ـ
القناعة
-
في فضل الفقراء ـ في ذم المال - في التواضع والقناعة ـ في الصبر
والرضا والقناعة - في ذم الدنيا والتحذير منها ـ.
-
واحسب اننا لسنا في حاجة إلى القول بان موقف المعتزلة والزيدية من الحياة و معضلاتها، وسعيهم إلى بناء الشخصية العصامية، انما هو امتداد لموقفهم الفكري من الحياة وقولهم بقدرة العبد على اختيار افعاله، وبالتالي قدرته على تغيير احواله
من
خلال ممارسة العقل والعلم ودوام التجارب، بعيدا عن النظرة (الجبرية) وما فيها
من تواكل واستسلام للمشكلات والمصاعب واعتبارها مقدرة على العبد من
الله
تعالى.
موقفه من الإمامة المغتصبة او الجائرة او الفاسقة:
يرى أهل السنة والمتصوفة عدم جواز الخروج على الإمام المغتصب للولاية الشرعية او الإمام الجائر او الفاسق، وذلك مخافة الفتنة، حسب مبدأ (درء المفاسد مقدم على جلب المنافع)، هذا من الناحية الفقهية المجردة، اما من الناحية العقائدية الصوفية، فان التصوف بما انه يعني خلع العناية بالدنيا والخلق، واتخاذ السلوك إلى ملك الملوك، فانه يتقاطع تمام التقاطع مع مجرد التفكير في الثورة او الحكم والولاية والسلطة، ذلك ان الولاية تعني فيما تعني الملك والمجد والعزة و منازعة الغلبة والقهر والاستئثار وممارسة التخاصم والتنازع مع الغير، وكل ذلك قمة اعمال أهل الدنيا المقبلين عليها، وعلى ذلك الأساس يتقاطع التفكير في الثورة او في الحكم والولاية مع الفكر السني والصوفي) وهل يكون الفكر السني الا صوفيا)، ومن الناحية
(810) (1/415)
صفحة 416
العقائدية أيضاً فان أهل السنة والمتصوفة انطلاقا من قولهم بعدم قدرة العبد على اختيار اعماله وأفعاله، فانهم يرون ان كل ما في الكون انما هوة مقدر الله تعالى، وبقضائه وقدره، وان الظلم والجور الذي يقع على الناس، انما هو كذلك مقدر عليهم منه تعالى، ولو لم يكن مقدر عليهم لما استطاع الجائر او الظالم ان يظلمهم او يجور عليهم، ولهذا فان مقاومة الظلمة وأهل الجور انما هو رفض لقضاء الله وقدره. وإذن فان الثورة والخروج على الإمام الجائر او الفاسق تتقاطع مرة اخرى مع الفكر السني والصوفي. (56)
هذا الموقف لأهل السنة والصوفية من السلطة المغتصبة والإمام الجائر او الفاسق، يتعارض مع مواقف مذاهب حضرموت التاريخية: الأباضية والمعتزلة والزيدية، فالأباضية يوضح موقفهم الفقيه العالم الاباضي ابو يعقوب يوسف الورجلاني 500 هـ - 570 هـ في كتابه (الدليل والبرهان)، حيث يقول:) أعلم يا أخي ان مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائزة وليس كما تقول السنية انه لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم بل التسليم لهم على ظلمهم) (57). ولسنا في حاجة إلى القول ان ذلك الموقف الاباضي من الظلم والجور واهله
انما يأتي من حرصهم والتزامم بمبدأ) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). واما موقف المعتزلة والزيدية، فانه نفس موقف الأباضية في رفضهم التسليم لأهل الظلم والجور والمغتصبين للإمامة والوالاية من أهلها بالشوكة والغلبة، خلافا لأهل السنة والمتصوفة، ويأتي ذلك الموقف من مبدئهم وقولهم بقدرة العبد على اختيار أفعاله ولهذا فقد تبنوا الفكر المناهض لفكر الجبر، أي فكر الحرية والاختيار، في تقويض النظم الجائرة وتحرير الناس من الطغيان والطغاة.، كما ان مبدأ
(01)
الاختيار عند المعتزلة والزيدية (ينطوي على بعد سياسي مؤداه الحض على محاربة
(817) (1/416)
صفحة 417
السلطة المغتصبة على أساس أن وجودها نتيجة لفعل بشري واسقاطها لا يتم الا
بفعل بشري مضاد ما دام الانسان حرا في صنع افعاله) (59)
ولسنا في حاجة إلى القول بان موقف المعتزلة والزيدية على ما بيناه أعلاه،
لا ينفصل عن تمسكهم بمبدأ) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وان ارتبط
(نظريا) بقولهم بالاختيار.
وموقف الإمام باجمال من تلك السلطات لا يخرج عن مواقف مذاهب
حضرموت التاريخية، إذ نجده يقول:
(قال (ص): سيأتي زمان، من تمسك فيه بعشر ما انتم عليه اليوم .. نجا)، قال المحققون: {من السلف والخلف: معناه محمول على النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، ففي الصدر الأول لا يكاد يبدو منكر الا تبادروا لأزالته فأزالوه، ولا معروف الا تسابقوا له وفعلوه، فانحسم الشر، وانقطع كيد اللعين، وفي آخر الزمان تكثر المنكرات، ويتظاهر بها أهل الفساد، وتسلب الشوكة والغلبة، فلا يكاد احد يقوم بعشر الانكار فيها والزجر لأهلها، لكثرتها وخوف الحتف والتلف من أهلها.) (60). .)
ان الإمام باجمال في النص السابق، يرى ان طريقة اهل حضرموت (السلف)، وطريقته هو وامثاله من (الخلف)، انما هو طريقة صحابة الرسول الكريم في صدر الإسلام، فهم إذ ينهون عن المنكر، فانهم إنما يقومون بأزالته ومحوه، وليس مجرد الدعوة إلى انكاره، ولهذا فقد انحسم الشر في عهدهم وزال الباطل والفساد، وفي عهد الإمام باجمال (آخر الزمان (فانه قد كثر المنكر وسلبت الشوكة والغلبة الحق من أهله، وتظاهر بالمنكر، فلا بد من إزالة المنكر ورد الحق إلى أهله، وإذا كان الناس لم يقوموا بما هو مطلوب منهم على طريقة السلف
(417) (1/417)
صفحة 418
والخلف، فما ذاك الا مخافة بطش السلطان المتغلب الجائر، وليس مخافة الفتنة
الدين المؤدية إلى انشقاق الأمة وضعف دار الإسلام امام أعدائه
في
كما ان الإمام باجمال يورد احاديث نبوية تدعو ضمنا إلى اقتلاع الظلم
(61)
وولاته والثورة عليهم، منها: (من أعان فاسقا، فقد اعان على هدم الإسلام) (1)، و (من دعا لظالم بالبقاء فقد احب ان يعصي الله في أرضه) (62)، على ان هذا الحديث الأخير له بعد آخر مذهبي عقائدي اضافة إلى بعده السياسي الثوري، ذلك انه يعني ا ان الله تعالى يعصى في ملكه ملكه، وذلك من خلال خروج البشر عن اوامره ونواهيه، وظلم الظالم وجور الجائر، انما هو عصيان لامره تعالى، وهذا ما تقول به المعتزلة والزيدية (63)، خلافا لأهل السنة والمتصوفة وغيرهم، إذ المعتمد لدى أهل السنة والمتصوفة هو قولهم: (ما شاء الله كان ومالم يشالم يكن)، أي انه تعالى لا يعصي في ارضه وملكه.
لقد كان الإمام باجمال احد قادة ثورة شبام وعلماء حضرموت ـ 143 هـ 958 هـ وتعرض بعدها، هو وشيخه الإمام معروف باجمال لعسف السلطان بدر أبي طويرق، ولهذا يصرف موقف الإمام من السلطة المغتصبة والجائرة والفاسقة إلى انه يعني السلطان بدر وولاته وحكامه، والإمام لا يخفي تبرمه وضيقه وانكاره لما آلت إليه الأمور في البلاد في عهد السلطان بدر، (خاصة وان الإمام قد انتهى من كتابه (مقال الناصحين (سنة ـ 953 هـ ـ 953 هـ أي اثناء الثورة وصنفه في ظل اشتعال اوارها، لهذا نجده يقول: (ولكن عز الولاة أهل الصلاح، وغلب هذا الوقت ولاة الفساد والجور، وأحق الناس بصحبتهم من ساعدهم على ظلمهم وعاضدهم على غشهم، وخاب وخسر الوالي والوزير والمشير والمتشير.) (64)، وقوله أيضاً: (وقد قل القائم النافع لفساد الولاة والأمراء) (65)، وأيضاً قوله: (فما اثقل وزر الولاة بهذه الجهة، فانهم السبب في اهمال الامور وانتشار الشرور،
-
(418) (1/418)
صفحة 419
وضنك المعيشة على أهلها والتجاهر بالفواحش وعموم الجهل وانقراض العلم وشبه (66)، ومنه أيضاً: (وسبب فساد هذه الجهة في دينها ودنياها، جهل ولاتما
ذلك)
وسلاطينها، واهمالهم للرعية وعدم الحماية والدفع عنهم، فتناقصت الأمور بسببهم، فالتبعة والموآخذة أيضاً عليهم)
(67)
سقوط إمامة آل محمد الكثيري الأباضية في شبام في يد السلطان بدر:
أطل القرن العاشر الهجري وشبام تحت سلطة الإمامة الأباضية لآل محمد
بن
عبد الله الكثيري المتحالفة مع بقية القوى الأباضية في منطقة الوادي لمواجهة الدولة الكثيرية الأخرى الزيدية المذهب) دولة آل عبد الله)، ولما ظهر على المسرح السياسي السلطان بدر ابو طويرق ومشروعه الانقلابي السلطوي السني الاعتقاد، كان القضاء على الكيانات الأباضية في البلاد أول المهام التي وضعها السلطان بدر نصب عينيه، ولهذا لم تغب شبام آل محمد الكثيري عن مخطط السلطان بدر، وإذا كان السلطان بدر قد تولى مشاركة أخيه الإمام الزيدي محمد بن عبد الله الحكم سنة ـ 926 هـ، فانه في نفس تلك السنة باشر مهاجمة الكيانات الأباضية، مبتدئاً بامامة آل محمد الكثيري في شبام: (فتلقوه آل محمد الكثيري، وهم عيال عبد الله بن محمد وسيف بن محمد فقبضهم هم ومن معهم، واقبل إلى شبام، فاراد قتالها، ولم يكن فيها الا آل محمد بن بدر، فخيروه بين ان يقاتلهم ويأخذونها عنوة، وبين ان يديها، فوداها في ذلك اليوم، هي وباقي عراصهم، وهي: ذي اصبح، وموشح، والغريب، وحذية، فأخذهن (بدر)، وخرجوا آل محمد إلى همينن) (18)
(74)
(419) (1/419)
صفحة 420
فذاك
ما يهمنا من حديث المؤرخ (الكندي (هو ان آل محمد الكثيري تلقوا
السلطان بدر وقواته (المتعددة الجنسيات (تحت القيادة التركية والمسلحة بالبنادق التي لم تعرفها حضرموت من قبل، ثم انهم انهزموا نظراً لعدم تكافئ السلاح على الأقل، ثم ان السلطان بدر اسر قيادتهم المقاتلة، ثم هجم على شبام، وحينها ادرك ممثل آل محمد في المدينة انه لا طاقة له ببدر وقواته، فسلم المدينة والعراص التابعة لها، واما أن تختار القيادة السياسية لأمامة آل محمد مدينة (هينن) منفى اختياريا لهم، هو عين الصواب والحكمة السياسية، إذ انهم هناك سوف يكونون في حماية حلفائهم (الظلفان) ولاة هينن، وتحت حماية قبيلة نهد الأباضية القوية الشكيمة والمنعة في منطقة الكسر، وربما خطط الطرفان الكثيري والنهدي في قادم الأيام لانتزاع شبام من يد السلطان بدر، غير ان السلطان لم تفته خطورة وجود القيادة السياسية لآل محمد الكثيري في منطقة الكسر وفي حماية قبيلة نهد، لهذا نراه في سنة 930 هـ يعتقل قيادة آل محمد، ممثلة في محمد بن بدر بن محمد و محمد بن عبد
ولقد مات الأول في السجن بعد ستة عشر عاما، واطلق الثاني سنة 948 هـ.
ثورة الأباضية والزيدية في شبام 943 هـ ـ 958 هـ:
الله
(74)
مما لا شك فيه انه كانت لآل محمد الكثيري امامة أباضية في شبام، هذه الإمامة كانت قد اخذت مشروعيتها من البيعة على الطريقة الإسلامية، و لم تكن امامة الشوكة والغلبة، ومما لا شك فيه انه كان في شبام واعراصها وجود اباضي قوي سوغ شرعية تلك الإمامة او الولاية، فلو اخذنا احدى عراص تلك الإمامة،
مثل قرية ذي اصبح، فاننا نجد المحقق الحبشي يقول عنها: (من قدامى بلدان حضرموت، وكان بها كثير من الأباضية) (70).
(70)
،
(420) (1/420)
صفحة 421
فلقد
غير ان ذلك لا يعني
ان شبام كمدينة كانت في حالة نقاء مذهبي اباضي، مرت شبام بمرحلة السيادة السلطوية المعتزلية ممثلة بامامة آل دغار، مما يعني ان الوجود الأباضي القوي في شبام في القرن العاشر الهجري كان يتعايش مع الوجود المعتزلي - الزيدي، ولولا ذلك الوجود لما كان للإمام محمد بن عمر باجمال مسوغ لوجوده ونشاطه العلمي والسياسي.
ولعل القارئ الكريم يستغرب مثل ذلك التعايش الاجتماعي والعلمي بين الأباضية والمعتزلة ـ الزيدية في المجتمع الحضرمي، غير ان ذلك الاستغراب ينتهي إذا أخذنا بعين الاعتبار ان زيدية حضرموت لم تكن علوية الهوى، بل هي زيدية (عثمانية (كما قال عنها الإمام السخاوي وبيننا مقصوده في حينه، هذه (العثمانية) تتسع برحابة صدر لذلك التعايش، بل هو أساس (العثمانية)، هذا من ناحية، ومن أخرى، فان المعتزلة يقدمون الأباضية والخوارج على أهل السنة في الفضل والعبادة، فهذا الإمام الجاحظ يرد على أهل السنة بقوله:
) واما قولهم (أهل السنة): النساك والعباد منا. فعباد الخوارج (مصطلح الخوارج لدى المعتزلة يضم الأباضية أيضاً) وحدهم أكثر عددا من عبادهم على قلة عدد الخوارج في جنب عددهم، على انهم (الخوارج والأباضية) اصحب نية واطيب طعمة وابعد عن التكسب و أصدق ورعاً وأقل زياً وادوم طريقة وأبذل للمهجة، و أقل جمعاً ومنعاً وأطهر زهداً وجهداً) (1) ومما لا شك فيه ان استيلاء السلطان بدر على شبام واسقاط امامة آل محمد الكثيري فيها، انما يعني من المنظور الاباضي المعتزلي - الزيدي ان حكم سلطته، انما هو حكم السلطان المغتصب لحق الولاية الشرعية من أهلها بالشوكة والغلبة، ولقد بيننا فيما سبق ان الإمام باجمال ينظر إلى سلطة السلطان بدر على انها سلطة الغلبة والشوكة والجور والفساد، وما من شك ان الإمام باجمال يصدر في حكمه على سلطة السلطان بدر عن رأي مجتمع
(421) (1/421)
صفحة 422
شبام أباضية وزيدية، وامام هذه الحالة فانه يجب على الأمة مقاتلة ذلك السلطان وانتزاع الحق منه ورده إلى أهله، وإذن لم يكن لأباضية ومعتزلية شبام السكوت عن اغتصاب السلطان بدر لإمامة آل محمد ولا على جوره وفسقه وظلمه حسب تعبير الإمام باجمال، تماماً كما هو الحال بالنسبة لكل القوى الأباضية والمعتزلية في
حضرموت التي هبت كلها لمقاتلة السلطان بدر واستعادة اماماتها الشرعية العقد والبيعة إلى مواقع السلطة والولاية، ومما لاشك فيه ان انكشاف المشروع الانقلابي السني العقائدي للسلطان بدر قد دفع بالأمور في البلاد إلى ذلك الانفجار المقاوم له، على طول وعرض البلاد، ومن اقصاها على أقصاها
قائد الثورة: الإمام علي بن عمر بن جعفر الكثيري:
عبد
الله
أبوه عمر بن جعفر الكثيري الذي قتله أخوه متولي الدولة الكثيرية عب بن جعفر سنة ــ 906 هـ وقتل معه أيضاً أخاه الآخر بدر، و لم تبين المصادر سبب
-
قتلهما، على اننا نرى ان ذلك القتل لا يخرج عن السبب المذهبي والصراع العقائدي بين الدولة الكثيرية والقوى الأباضية، بما فيها القوى الأباضية داخل الدائرة الكثيرية، ولعل هذه تكون اكثر خطورة عليها من أباضية الآخرين، مما قد
يدفع بالأخ لقتل أخيه، وهو الأمر الذي حدث كثيرا في التاريخ الإسلامي. مع ملاحظة صرف أي قول بالتصوف إلى الأباضية والزهد الاباضي، قال: {عن المؤرخ أبن هاشم: السلطان علي بن عمر بن جعفر بن عبد الله بن علي بن عمر بن كثير، فحل من فحول سلاطين الدولة الكثيرية، علما وفضلا وهمة ونشاطا ودراية وحماسا، لم يفت في عضد بدر أبي طويرق غيره، و لم يقلق مضجعه سواه، ويعتقد
(422) (1/422)
صفحة 423
العامة وكثير من الخاصة بأن عليا هذا من أجلة أولياء الله، وانه من خواص الأبرار، ولم يكن إعتقادهم هذا في غير محله، فالرجل رحمه الله قد ساعدته الله قد ساعدته مواهبه الطبيعية على التحلي بما يتحلى به الكمل من الرجال، معرفة وتقوى وخلقا صالحا وسمتا ووقارا وجلالا. ولد سنة - 906 هـ وحفظ القرآن واشتغل بتحصيل العلم وحصل طرفا منه، وحج وزار وصحب الأخيار، تولى سلطنة حضرموت وكانت ايام ولايته ايام رضى وأمن، وكان شجاعا اشتهر في وقائع هائلة ... لازم الشيخ معروف باجمال مدة طويلة، كان يحمل السمك من السوق بنفسه وقد يعمل مع البنائين في الطين وتوقظه الأيام وهو في غمار حياته الصوفية بهجوم أبن عمه
السلطان بدر ابي طويرق على شبام واستيلائه عليها في 16 شعبان سنة 926 هـ، ومن المعلوم ان يهرب من شبام بعشيرته كغيره من أمراء الأسرة السلطانية، وفي مقدمتهم السلطان محمد بن بدر بن محمد بن عبد، وقد عجز عن الدفاع عن
عاصمة سلطنته، متخذا من مدينة (هينن) موئلاً.
الله
ولا ريب ان يسوء أهل شبام تشتت سلاطينهم واستعمار بلادهم، وتتجه انظارهم إلى صاحب الترجمة (السلطان علي بن عمر)، وبعد محادثات ومواثيق قبل (مبايعتهم) بالسلطنة على شبام. ويقول أيضاً أبن هاشم: (والذي شغل قدرا كبيرا من تفكير السلطان بدر، هو خروج علي بن عمر، بعد ان استبد بشبام، وخلع طاعة بدر، وناصره جماعة من وجهاء حضرموت، وكان لهذا الثائر مسلك يستهوي الباب رجال الدين وعلماء التصوف، فجمع مجمعا عظيما، واعلن تمرده فوجه بدر همته لتأديب علي بن عمر، وانتزاع شبام منه، فتابع
عليه الهجمات ووإلى نحوه الكتائب، ولم يجده سهلا سائغا، بل علقما مرا، صعب المرأس، قوي البأس، فلم يزل به حتى ظفر به، واستولى على شبام سنة 958 هـ، وسجنه في سجن مريمة) (72)
(423) (1/423)
صفحة 424
واما شيخه الإمام معروف باجمال، فقد نكل به بدر بان علق حبلاً في عنقه، وجعل يطاف به في المدينة، ويهتف عليه: هذا معبودكم يا أهل شبام، وعندما خير في منفاه الذي يرتضيه، اختار دوعن آل العمودي، اصحاب مذهبه
الزيدي، وليواصل نضاله ضد بدر.
امامة علي بن عمر في شبام (الثورة):
يقول أبن هاشم نقلا عن (السناء الباهر (: ومن مزاياه انه لم يأخذ
معشرات ولا ضرائب من الرعية لتموين خزينة الدولة، واكتفى بتموينها من
(73)
حاصلات مزارعه ونخيله الخاصة)، ويعلق المؤرخ الشاطري على اسلوب
الإمام علي بن عمر في ادارة شبام، بقوله:) ونحن حين ننظر إلى هذا الأجراء المالي الذي اتخذه لا نستطيع الا ان نحمل
لها
ذلك على انه اجراء مؤقت حتى تستتب الأمور وتترتب مالية الحكومة بما يضمن البقاء، على ان المذهب الشافعي الذي هو المذهب الرسمي لهذا السلطان ولمن قبله
ومن بعده، لا يقول بلزوم هذا، وانما يقول بسن نظام يشمل القادرين (المياسرة)
من أبناء الشعب لتموين الدولة)
(74)
وان كان لنا من تعليق على تعليق المؤرخ الشاطري، فاننا نود القول: ان الأمر لم يكن مؤقتا، بل هو نهجا سياسيا وعقائديا مقصودا في ذاته، ذلك ان الإمام علي بن عمر اقام دولته وهو في حالة حرب ونزاع وصدام مسلح مع السلطان بدر، وإذا لم يكن ذلك الظرف القتالي الذي دام خمسة عشر عاما كافيا لدفعه إلى فرض الضرائب على المياسرة، فمتى تكون الحاجة إذن لذلك الإجراء. وهنا تنتفي دعوى
شافعية الإمام علي بن عمر
(424) (1/424)
صفحة 425
هذا
من
ناحية، ومن أخرى، إذا كان المذهب الشافعي لا يؤيد اسلوب
الإدارة المالية لدولة علي بن عمر، فان ذلك يعني بالضرورة انه على خلاف المذهب الشافعي، وهو على ما بيناه المذهب الأباضي. وإذا كانت تلك الإمامة بسيطة وسهلة الإدارة، فانهالا تقل بساطة عن صاحبها، فهو يشتري السمك بنفسه من السوق، ويعمل بالبناء مع عمال الطين، فهل هذا السلوك المعيشي ينتمي إلى أهل السلطان ام إلى أهل التقوى ومخافة الله، ولقدر أينا تلك البساطة في ادارة المجتمع هي اسلوب ادارة الإمامات الأباضية في حضرموت حتى القرن الرابع الهجري، حين لم تكن في حضرموت سلطة الا للأباضية ولا سواها، فهل يمكن القول ان ذلك النهج الأباضي كان مؤقتا أيضاً. ثم وجدنا ان ذلك الأسلوب هو عينه اسلوب إدارة امامة آل محمد الكثيري في شبام واعراصها وإمامة آل ثعلب في تريس أيضاً، فهل كان ذلك الأسلوب في إدارة تلك المجتمعات مؤقتا أيضاً، وإذن فاننا مع الإمام علي بن عمر واسلوب ادارته لامامته في شبام في القرن العاشر الهجري، لا نكون الا مع ذات النهج الأباضي في إدارة المجتمع، وهو نهج متأصل في المجتمع الحضرمي، منذ ثورة الإمام طالب الحق الكندي في مطلع القرن الثاني الهجري، اما لماذا لم يكن نظام الإمامة الأباضية يشبه نظام الدولة في شيء فانما ذلك يعود إلى ان الأباضية (لا يرون الامير الا كأحدهم ولا العظيم الا خادمهم).، وهنا تنتفي تماما صفة (الزعامة) عن الأمام الاباضي، وتصبح الرعية هي الحاكمة والامام هو المحكوم، يتحملهم ويتحمل عنهم اعباءهم، ويتقدمهم برضاهم واختيارهم شرعاً لا قهراً، ولا يقدم عليهم في شئ وهنا تختفي معالم (الدولة تماما، ويكون الامام الاباضي رئيس (جماعة) مؤمنة لا غير، جماعة موحدة الفكر والسلوك، وهنا تنتفي الحاجة إلى وسائل الحكم والتسلط والقهر التي هي من اهم سمات (الدولة) وهيبتها، وإذن فإن هذه الامامة الاباضية هي حقا لا تشبه نظام الدولة في شئ، كما هو الحال في
(Yo)
(425) (1/425)
صفحة 426
ولاية آل بن ثعلب في (تريس)، وآل محمد الكثيري و علي بن عمر الكثيري في شبام. هذه البساطة في نظام الامامة الاباضية كما عرفتها حضرموت، وثيقة الصلة بنظرة الاباضية إلى الامام والامامة على ماذكرها الاستاذ أحمد امين، هذا من ناحية، ومن اخرى نظرتهم إلى الكبر والخيلاء باعتبارها من الكبائر، خلافا للمذاهب الاخرى التي تراها من الصغائر، ولسنا في حاجة إلى القول ان بساطة الامامة الاباضية انما تعكس بساطة الحياة الاجتماعية للاباضية، تلك الحياة التي تعتمد الزهد في الدنيا والعمل للاخره، وبالتالي) التقوى) لا غيرها مقياسا للتفاضل بين الناس، وسوف يكون حديث الزهد الاباضي في الفصل القادم.
(426) (1/426)
صفحة 427
العلاقة بين مصير التراث الأباضي وازمة التأسيس في الكتابات التاريخية الحضرمية
اولا: مصير التراث الأباضي:
خلال رحلتنا من القرن الخامس حتى العاشر الهجري، كان لنا عدة لقاءات
مع التراث المعتزلي، غير اننا لم نوفق في العثور على شيء من التراث الأباضي، سوى ما كان من ديوان الامام أبي اسحاق الهمداني الذي حفظته لنا أباضية المغرب و عمان، والقصيدة الرائية للفقيه أبن عقبة الهجراني.
الأخلاف
التراث المعتزلي رغم إستهدافه من قبل الأخلاف بالأخفاء والإفناء، إلا أن
ما يطبع ذلك التراث من عمق فكري وعقلي، مكن بعضه من الإفلات من محرقة، ويعود ذلك أما إلى أن الأخلاف لم يدركوا البعد العقائدي في تلك النصوص لأستغلاقها عليهم، فتركوها وشأنها، أو أن تكون تلك النصوص هي اليوم جزء من التكوين الفكري والعقائدي للأخلاف أنفسهم، ولهذا أبقوها، ظانين أنها من اصول مذهبهم الأشعري.
غير أن الأمر ليس كذلك بالنسبة للتراث الأباضي، إذ أن هذا التراث يعتمد بشكل مباشر على الكتاب والسنة، ونسبة النظر والفكر فيه محدودة ومحكومه بهما، رغم تميز الاباضية بالثراء الفكري والاجتهاد، خاصة وأن الأباضية ينكرون أولوية العقل التي يقول بها المعتزلة، ولهذا فإن تراثهم لابد ان تكون مذهبيته واضحة جلية، كان سهلا على الأخلاف معرفته وتمييزة، ومن ثم إخفاؤه وإفناؤه أن للحقيقة التاريخية حيلها في السخريه وفنها في الاستهزاء بالخصوم، إذ لابد أن يبقى منها شيء يطل برأسه من بين حروف كتاباتهم، بل أن تلك الحقيقة
غير
(427) (1/427)
صفحة 428
تكاد نضغط على عقل الكاتب وقلمه ليقول شيئا وإن يسيرا عنها، وحتى وإن كان ذلك الشيء اليسير متشابه وغير واضح، بل يحتاج لشيء من المعالجة لبيانه، ليظهر واضحا جليا، كاشفا بإستهزاء عن حيل خصوم الحقيقة.
مشكلة بل مأزق التاريخ والتراث الأباضي مع الأخلاف، أنه الخصم الذي
الأعتقاد
لابد من الخلاص منه وإنكاره حتى يمكنهم كتابة تاريخ آخر غيره سني للأسلاف، غير أن الأخلاف لا يمكنهم إنكار أباضية حضر موت حتى القرن الخامس الهجري، وكانت (معقل الدعوه الاصلية بلغة الامام الهمداني، ولكن يمكنهم القول بالنهاية المبكرة للدور الأباضي، وذلك متى تمكنوا من إخفاء وأفناء التاريخ والتراث الأباضي بعد ذلك القرن، ولهذا لم يكن غريبا أن ينكر المؤرخ الحداد حقيقة الأمام المجاهد الأباضي أبي إسحاق الهمداني الحضرمي في الوقت الذي يستشهد فيه بقصائده واشعاره، و لم يكن غريبا أن يدعي أنه في القرن الرابع الهجري أو نحوه،
أذاب الله الأباضية كإذابة الملح، كل ذلك لم يكن غريبا أن يصدر عن الأخلاف
إذ أن المطلوب هو أقصاء الأباضية تماما أقصاء الأباضية تماما من ساحة التاريخ الحضرمي، كشرط
أساسي وجوهري للشروع في كتابة التاريخ الحضرمي بما يتناسب مع (عقدة) الأخلاف من حقيقة عقيدة الأسلاف.
(
غير أن الحقيقة التاريخية الأباضية راحت تضغط على أصابع المؤرخ الحداد وهو يكتب في التاريخ الحضرمي، ليسطر بقلمه سقطات على قدر كبير من الأهمية، تلك السقطات التي تتناقض مع ادعائه بالنهاية المبكرة للدور الأباضي، وتقوض من الاساس كل مابناه على الادعاء بالنهاية المبكره للدور الاباضي، تلك السقطات التي أكدها مسار هذه الدراسة، منها قوله: ((وكان المدافع عن الأباضية هو أمير حيريج أبن فارس، ويقال له أبو دجانه الكندي، كما كان أبن الدغار الكندي من آل عامر بن معاوية في الرشيد (دوعن) ولهم منازل أخرى، وأبن فارس النهدي
(428) (1/428)
صفحة 429
وهو الذي قاوم الشيخ عبدالله بن محمد العمودي الذماري لما هجم على الخوارج) يقصد الأباضية) واستولى على دوعن كله وأخذه من يد الخوارج في حديث مذكور في التاريخ)) (26).
هذا النص للمؤرخ الحداد يقف على بداهة تقول ليس ببقاء الاباضية قوية حتى القرن العاشر الهجري فحسب، بل وإن تلك القوى الاباضية كانت العنصر الفاعل المؤثر في مقاتلة السلطان بدر ومشروعه الانقلابي السني الاعتقاد، تلك
انها
المقاتلة التي يؤكدها النص بقوله (بمدافعة (القوى الاباضية وهو الامر الذي يعني الـ السلطان بدر وضده قتالا مذهبيا عقائدياً دفاعا عن وجودها
كانت تخوض مع
التاريخي في حضرموت.
غير ان النص غني ودسم بالدلالات التي لم يقلها صراحة، ولكنه يتأسس
عليها كضرورة لازمة، منها:
1) ان الوجود الاباضي القوي حتى القرن العاشر لابد ان يكون استمراراً للتأسيس المذهبي العقائدي في القرن الثاني الهجري، ومنه اكتسب قوته
ورسوخه.
(2) ان اباضية تلك الزعامات تعني بالضرورة اباضية تحالفاتهم القبلية ومناطق سكنهم وسلطتهم، وهذا يعني اباضية قبيلة (نهد) التي يتزعمها آل فارس منطقة (الكسر) ومنه مدينة (هينن)، واباضية قبيلة (ثعين
النهدي ومعهم
) التي يتزعمها آل أبي دجانة ومعهم مدينة (الشحر) ومنطقة (المشقاص)
شرق الشحر.
يعني
ان
(3) إذا كانت حروب السلطان بدر حروبا سنيه عقائدية، فإن هذا ذلك الحلف الواسع الذي كان يقاتله، والذي شمل حضرموت من اقصاها
(429) (1/429)
صفحة 430
إلى اقصاها، والذي تزعمه في مرحلته الاولى أخوه الامام محمد عبدالله.
كان حلفا عقائديا غير سني، ولقد اتضح لنا انه كان اباضيا معتزليا
،
(4) ان تلك المقاومة الشرسة والواسعة التي قاومت بما حضرموت المشروع البدري العثماني السني الاعتقاد، تعني ان كل ما تعرضت له البلاد من غزو خارجي منذ اختيارها الاباضي في القرن الثاني الهجري، إنما كان يستهدف عقائد الحضارمه وسياساتهم.
وهكذا نجد ان النص السابق للمؤرخ الحداد يتوافق تمام التوافق مع ما توصلت
اليه هذه الدراسة، ويقول بما قالت به، ان تصريحاً او تلميحاً أو تأسيساً.
وبعد، فان عشرة قرون كاملة من تاريخها الإسلامي لا تملك حضرموت عليها شاهدا منها، انه تاريخها الحقيقي كاملا، وتلك قضية لا نجد لها شبيها لدى أي شعب، وهو عمل لابد ان يكون مقصودا، ولقد اصاب المؤرخ الحداد كبد الحقيقة وفؤادها حين قال في اشهر سقطاته على الاطلاق: (ان الاخلاف وجدوا في سيرة الاسلاف ما ينكرونه عليهم اليوم، فعمدوا إلى اخفائها وأفنائها.)، فاذا كان بعض جيل من الاخلاف قد تصرف بحرمان حضرموت من حقها في امتلاك تراثها الإسلامي الذي يشكل هويتها وخصوصيتها ضمن خارطة التنوع للحضارة الإسلامية ومنتجاتها، فلقد اقترف جريمة لا تغتفر ومستديمة ومتجددة في حق الاجيال اللاحقة، وإذا كان ذلك البعض قد تصرف ذلك التصرف الاناني الارعن بقصد صياغة وجدان الاجيال اللاحقة على ما قرره لها سلفا، فأنه في حقيقة الامر انما قرر حرمان تلك الاجيال من وصايا الاسلاف واحلامهم وأحكامهم وخبراتهم في ادارة احوالهم عبر عشرة قرون كاملة، وإذا كان ذلك البعض قد اصطنع بديلا لتراث الاسلاف، فكان لابد ان ياتي ذلك البديل محكوما تاريخيا ومأزوما بأزمة صانعيه، تلك الازمة التي دفعته دفعا إلى التصرف بأفناء تراث شعبه واعدامه، وكان
(430) (1/430)
صفحة 431
أن جاء ذلك البديل بقدر ما هو عاجز عن تفسير الماضي والحاضر، فهو أيضاً عاجز إلى درجة الكساح عن استشراف المستقبل استشرافا استراتيجيا، فلقد اورث حالة) عمى (لا تجد علاجها إلا في جهد وطني مضني لامتلاك الحقيقة، حقيقة الهوية
والاصول
ثانيا: ازمة التأسيس:
1) من شيوخ الأباضية في القرنين الثامن والتاسع الهجريين:
يقول المؤرخ الحداد في أحدى سقطاته: ((كان الشيخ فضل وشيخه محمد أبو بكر باعباد قاضي شبام، ت - 801 هـ) والفقيه القاضي عبدالرحمن بن علي بن حسان (قاضي المشقاص، ت - 818 هـ) وغيرهم يناضلون الخوارج، تظاهروا بانهم نواصب فقط، وذهبت نحلتهم الأباضية من حضرموت)). هذا النص للمؤرخ علوي بن طاهر الحداد، تمت صياغته ليكون من متشابه القول، ولهذا يفرض علينا أن نمارس عليه شيئا من التفكيك للوصول إلى حقيقته: ما يمكن فهمه من النص السابق مايلي: (1) أن الشيوخ المذكورين وغيرهم كانوا يتظاهرون بأنهم نواصب، ولكنهم في الحقيقه كانوا يناضلون ضد الأباضية. هذا المعنى الظاهر من النص موضوعيا لا شيئا عن الإطلاق، ذلك أنّ كلمة (نواصب) تعني مذهبياً الذين ناصابوا عليا كرم الله وجهه العداء لقبوله بالتحكيم، ومعلوم إن الذين ناصبوه العداء حينها هم الخوارج والأباضية، فإذن يكون المعنى: أن هؤلاء الشيوخ حاربوا الأباضية من
يعني
خلال تظاهرهم بالأباضية، وهذا لا يعني شيئا
(431) (1/431)
صفحة 432
(2) قوله بتظاهر أولئك الشيوخ بالأباضية يعني بالضرورة أنه اطلع على تراثهم
فوجده أباضيا، ولكن لأن المؤرخ الحداد
معني
باقصاء الأباضية من التاريخ
الحضرمي، أضطر إلى القول أن ذلك التراث الأباضي الذي خلفه أولئك الشيوخ لم يکن نتيجة أباضيتهم حقيقة، بل تظاهرا فقط لاغير، وهذا لايجوز ولا يعقل وتبرير
فاسد وليس بشيء. قوله: ((وذهبت نحلتهم الأباضية من حضرموت)) الضمير في (نحلتهم) لا يمكن إلا أن يعود على أولئك الشيوخ، إذ أن الحديث في ذلك النص أنما كان عنهم، ولو كان الضمير يعود على الأباضية لكان سهلا عليه القول: ((وذهبت نحلة الأباضية من حضرموت))، وإذن فالنص يقول بإباضية أولئك الشيوخ
بإستحياء.
(4) من قوله: (يناضلون الخوارج) ويقصد بالخوارج الاباضية، نفهم ان الاباضية كانت قوية في عهد من ذكرهم من الشيوخ (القرن التاسع)، إذ لولا قوتها لما استحقت النضال ضدها، وهذا الامر تؤكده قوتها في القرن العاشر، حسب نصه السابق عن (المدافعين) عن الاباضية.
غير أننا ورغم ما يقول تحليل النص السابق، ومن خلال نصوص المؤرخ الحداد نفسه، سوف نقوم بدراسة (حالة) أحد أولئك الشيوخ، لنرى مذهبيته، ثم نحكم ليس على حقيقة مذهب أولئك الشيوخ، بل وأيضاً نحكم على ما لم يقله النص
صراحة ولكنه يتأسس عليه.
(432) (1/432)
صفحة 433
الفقيه القاضي المؤرخ عبدالرحمن بن على بن حسان
توفى سنة 818 هـ:
تتفق المراجع، ومنها (عقود الألماس) للمؤرخ الحداد، على أنه كان قاضي المشقاص، وبها توفى، ومن تصانيفه: ((شرح جامع المختصرات، نكت على المهذب، ونبذة في ادلة التنبيه، وكلها في الفقه الشافعي، وله أيضاً تاريخ يسمى (البهاء)، وكلها مفقوده (77).
ولما كانت تصانيف ابن حسان الفقهية شافعية، فهذا يعني ان تلك المراجع تقول انه سني الاعتقاد شافعي الفروع، ومن هنا لزم ان يكون من ذكروا معه في ذلك النص مثله من اهل السنة والجماعة، غير ان للقضية وجها آخر، توضحه
الامور التالية:
1) إذا كان ابن حسان قاضيا على منطقة المشقاص، وهذه المنطقة تقع تحت سلطة آل أبي دجانة، وسكن قبيلة ثعين قبيلة آل أبي دجانة وقومه، وإذا كان آل أبي دجانة قيادة مدافعة عن المذهب الأباضي، فأن هذا المذهب الأباضي، فأن هذا يعني بالضرورة اباضية الأوضاع في منطقة المشقاص أيضاً، ويلزم من ذلك أباضية الفقه والقضاء فيها، ويلزم أيضاً أباضية القاضي أبن حسان لا محالة، ويلزم عن ذلك أن الإدعاء بتصانيفه الشافعية
ليس بشيء، ولا يعني عدم وجودها أنها مفقوده، إلا إذا عد المعدوم شيئا. (2) أما إختفاء تاريخه المسمى البهاء، فيبرره أنه يحتوي على الحقيقه الأباضية، وهي ما سعى الأخلاف إلى إخفائها وإفنائها، حسب منطق المؤرخ الحداد نفسه، خاصة وانه يقصد ب (البهاء) اسم موضع في منطقة المشقاص
(78)
(433) (1/433)
صفحة 434
أباضية القاضي والمؤرخ أبن حسان تعني بالضرورة أباضية الشيوخ المذكورين
معه في النص وغيرهم ممن تم إستيلاء الأخلاف مذهبيا على تراثهم، لأغناء تراث حضر مي سني وهمي بالأعلام والمشاهير.
(2) ازمة التأسيس في تصوف وديوان الشيخ عمر بن عبد الله
بامخرمة - 884 هـ - 952 هـ:
حين تتحدث المصادر الحضرمية عن الشيخ الصوفي الكبير عمر بامخرمة أو غيره من الشخصيات التي تقول تلك المصادر بتصوفها، فأنها تتحدث عنهم كمتصوفة وحسب، وحسب، أما اعتقاداتهم ومذاهبهم الحقيقية قبل التصوف، فذاك امر مسكوت عنه تماما في تلك المصادر، ذلك السكوت مفهوم المقصد، طالما ظلت (عقدة (مذاهب الاسلاف غير السنية تؤرق الاخلاف وتدفعهم دفعا لاعادة كتابة تاريخ حضرموت كتابة سنية الاعتقاد، تأسيسا على تزييف حقيقة مذاهب الاسلاف باساليب وطرق شتئ، والسكوت عنها احدها.
والشيخ عمر بامخرمة يخبرنا بأنه كانت له اقوال قديمة (دوال) واخرى جديدة تخالف أقواله السابقه على تصوفه، ويطلب من سامع اقواله قديمها وجديدها ان يبث ويذيع وينشر قوله الجديد على من يلتقي به ولو كان في اطراف البلاد البعيده، ويعلن براءته وتوبته ألف توبه عما كان له من أقوال او افعال أو اعتقاد قبل ان يتمذهب بمذهب اهل الصفات، أي الاشاعرة (الصفاتية)، وفي ذلك يقول (79):
ناقل اقوالي إن كانت دوال أو جديدة سالك بالقاهر القابض نواصي عبيده اصغ سمعك إلى ما أبديه لك تستفيده انه النور ذي يستضاء به مريده قوله عني وبثه حين تلقى قعيدة واستدر به في اطراف البلاد البعيده
(434) (1/434)
صفحة 435
إلى ان يقول:
والطريق الذي لاريب فيه ان تريده منهج اهل الصفات الصافيات الحميده فان ما لا ترى ذا العصبة أو تستجيده من اقوال أو افعال أو كان لي من عقيده تبت منه الف توبة محكمة صدق اكيدة توبة ارجوا بها محيا الحياة السعيدة اعتقد اننا لسنا في حاجة إلى القول بان الشيخ با مخرمة ماكان له ان يعلن براءته من اقواله واعتقاده السابق على تصوفه بتلك القوة ويطلب نشر تلك البراءة في اطراف البلاد البعيدة، لو لم تكن تلك الاقوال و الاعتقادات غير الصوفية وغير السنية مشهورة عنه ولازمته اکثر سنوات عمره.
متى تصوف الشيخ بامخرمة؟:
تصوف الشيخ بامخرمة في آخر حياته، ونفهم ذلك من قوله: (80)
يقول بو عليا مضت الاعمار في الحال النكيد افعال مذمومة عواقبها ردية ماتفيد لا ترضي الباري ولا فعالها معدود جيد القيتها فرحان واوهمت ان ذا رأى سديد
ويقول أيضاً في ديوانه:
قضيت ايام الشبيبة طائعا نفسي الخبيثة في رضا شيطانها فغدت وراحت في مراعي غيها وجرت مع الشهوات في ميدانها
ولطالما جرت ذيول آثامها و حست عقاب الاثم من ادمانها وتبخترت في حلة مرموقة بالعجب والتطريف من عدوانها
(435) (1/435)
صفحة 436
وضع التصوف في عهده:
يخبرنا الشيخ بامخرمة بأن التصوف في عهده كان منكورا غير معترف به عند قومه واهله علماء حضرموت، ناهيك عامتها، وانه كان وحيدا على ذلك المذهب، حيث يقول: (81)
قالوا اهل الهوى بامخرمة فيه خلة ذي يخبط علينا في مقاله وفعله
جاعل انه استهدى وهو في مزلة في غيابات، له ملة ولناس ملة
قلت خلوني إن كلين عينه تدله
ويقول أيضاً: (82)
فيه لي ذوق ماذاقوه قومي وناسي حين يسري سرى به من عيوني نعاسي
وأيضاً يقول مؤكداً اختصاصه وحده بالتصوف وعلومه، من دون الفقهاء (أهل
الكتب) والزهاد والعباد (اهل المسابح): (83)
ما هو مع اهل الكتب ولو معهم الفي مجلد لا ولا اهل المسابح من دنا منهم اوجد ماهو إلا معي والله بذا القول يشهد فادع ماجاك واحلف حين تحكيه وشهد
و في ذلك المعنى يقول ابنه الامام عبد الله في مرثاته فيه: (84)
الغريب الذي ماكان له حد ينقاس الفريد الذي ما يرى له شبه في الناس
وإذا كان الشيخ بالمخرمة يذكر في بعض الابيات السابقة انكار علماء حضرموت (أهل الهوى) أي اهل الزهد والتقوى والعبادة لمذهبه الصوفي، فانه في قصيدة اخرى يصف لنا كيف ان تصوفه) دفع الفقهاء للانكار عليه علنا، وتأليب الناس في (هينن) ضده، فقاطعه الناس، واندفع بعض الطائشين صوبه اثناء مروره برميه بالحجارة وحرقه بالنار، وإطلاق صيحات الانكار والتهديد، بل وصل الامر حد اطلاق كلاب السبق (المطاردة)
عليه.) (80)
(436) (1/436)
صفحة 437
ويقول في تلك القصيدة: (86)
الاستاذ
يا ابن سكران انا اليوم ما بين الشقاء والنار حرت في الناس، ومن دار في دلهم حار شفتهم في طبايعهم وسيماهم أغيار ما لهم صدق، فالله يا ابن سكران محتار جيت هينن ولي فيها مواثير وأثار جيت إليها ولي فيها دواير وادوار باسط آمال في هينن وبابني بها دار واعتكس الامر حتى عقنا منها البار لا الذي حب رحب ولاثار لي جار غير من شافنا مقبل نحوه أزوار فأنكرونا و كل من ناكر اهل التنار يا الله اليوم لا تبقي على الدور ديار حرقوني وآذوني رموني ونا مار لي رمتهم مراميهم بلا نبل واوتار قلت يا أهل المرامي ايش باب الشوار ما يليق المشار إلا لمن لا له ايثار وأنتم اطلقتم السبق على العابر المار جور يا قوم، فايد الله على كل جوار ما لبامخرمة حرمة ولا جنا ولا غار في حماكم ولاستغرا عليكم ولادار في مضرة ولا قرب إلى بابكم ضار والله إن الخطأ منكم عليه اكبر العار فان تجيكم بذه نقمة تخليكم ابتار
وهكذا فقد كان الصدام والافتراق بين الشيخ بامخرمة وعلماء حضرموت ومذاهبهم العريقة الوجود اباضية ومعتزلة وزيدية (امرا محتوما، وفي هذا الصدام يقول حسن عبدالرحمن السقاف: كان للشيخ عمر بامخرمة تخريجات (تأويلات)، حتى قال بعض منتقديه: لو أن حضر موت استولى عليها حاكم نصراني، لكان ذلك اقل ضررا مما احدثه بامخرمة من بدع.) (87)
اعتقد اننا لسنا في حاجة إلى القول بان ذلك النقد القاسي الذي تعرض له بامخرمة لتصوفه، والذي يقترب من التكفير، إن لم يكن هو التكفير بعينه، لن يصدر إلاّ عن من يرون في التصوف بدعة وزندقة وتجديف في الدين، وذلك هو شأن مذاهب حضرموت المذكورة. اما في الدائرة السنية (فقد تم تعميم كامل للرؤية العرفانية
(88)
الصوفية، خاصة بعد القرن السادس الهجري.)، واصبح بعدها الفكر الصوفي منتميا اصيلا لبنية علم الكلام الاشعري كما) جدده (الامام ابو حامد الغزالي المتوفى سنة
05
و من غريب الكتابات التاريخية الحضرمية انها تذكر لنا اعدادا كبيرة من الشخصيات التي تدعي تصوفها بدءا من القرن الرابع الهجري، غير ان تلك الكتابات
(437) (1/437)
صفحة 438
لاتذكر ان احدا منهم تعرض لشئ من الانكار عليه، سوى الشيخ بامخرمة، وفي ذلك دليل على انهم لم يكونوا حقيقة على مذهب التصوف، وإنما كانوا زهادا وعبادا وعلماء لا غير، بل لقد استمر الانكار على التصوف والمتصوفة في حضرموت من قبل الفقهاء والعلماء والعامة حتى القرن الثاني عشر الهجري، اذ يفيد الخبر بان الشيخ (الصوفي) أحمد بن زين الحبشي المتوفى سنة 1148 هـ) كان بالغرفة) بالقرب من سيؤن) يصلي جماعة في مسجد ينسب لبعض الفقراء من اهل الغرفة، يدرس لهم العلم، فحصل من أولئك الفقراء المنسوب إليهم المسجد المسمى (الحمام (أذى، فتحمله، ومازالوا به حتى اخرجوه من المسجد، واخرجوا كتبه، وآذوا من يتردد عليه، فلم يتزحزح، ولم يظهر منه إلا الصبر والثبات) (89).
وإذا كان الشيخ بامخرمة قد اخبرنا بانه كان وحده على مذهب التصوف، فإن يعني انه قد تصوف عن طريق النظر والاطلاع والنهل من الثقافة الصوفية، وليس عن طريق الاخد عن الشيوخ، وهنا يكون الحديث عن شيوخه في المذهب حديثا غير
هذا
ذي معنى.
كيف تم التأسيس لتصوفه المبكر:
تتفق المراجع على ان الشيخ بامخرمة قد اخذ تصوفه عن الشيخين: سهل بن عبدالله بن اسحاق (ت قبل 914 هـ) وعبد الرحمن بن عمر با هرمز (ت: 914 هـ)، حيث لازمهما في مدينة هينن واخذ عنهما المذهب (90)، خاصة الشيخ باهرمز، حيث تذكر تلك المراجع ان الشيخ بامخرمة قال: (وقفت بين يدي سيدي وشيخي عبد الرحمن بن عمر باهرمز (رض) واسعفني بطلبي إلى مسألتي عشية الاثنين ثاني رجب سنة 913 هـ، و وقفت بين يديه ليلة قبلها، وقلت له: حكمني والبسني الخرقة. فقال: انت الحاكم. (91).) والمحكم. قلت: فألبسني الخرقة على قاعدة الصوفية غير ان ماتتفق عليه تلك المراجع يفتقر إلى التأسيسات التالية: 1 - إن الادعاء بوجود التصوف والمتصوفة في مدينة (هينن يفترض ان يتأسس على قاعدة الحكم بسنية الاوضاع العقائدية فيها، وهذه المسألة معدومة التأسيس في تلك
(438) (1/438)
صفحة 439
المراجع، ويستعاض عنها بالزعم بوجود التصوف والمتصوفة، باعتبار ان ذلك الوجود
هذه
هو لاحق للاعتقاد السني، غير ان الاوضاع في تلك المدينة – حسب ماتقدم من الدراسة - كانت اباضية، بل مركزا متقدما وقياديا لاباضية منطقة (الكسر) وقبيلة (
تلك
نهد) بالذات، كما ان الادعاء بسنية مدينة هينن لايستقيم، بل يتقاطع تماما المعارضة والانكار الشديدين اللذين واجهت كما هينن قيادة ورعيه تصوف الشيخ بامخرمة، ومن بعده الشيخ الصوفي سعيد بن سالم الشواف الذي تم نفيه إلى منطقة المشقاص ليموت وحيدا غريبا مجهولا لا يعرف له قبر ولا مقام. 2 - ان الادعاء بصوفية الشيخين ابن اسحاق وباهرمز هو الآخر ليس له تأسيس في تلك المراجع، وإنما هو زعم اطلق على عواهنه، فليس لهما تراث صوفي او غيره يمكن النظر فيه والحكم على اساسه.
- إن التصوف من حيث هو موقف من الحياة، ونظام معرفي فلسفي، ورؤية للعالم وموقف منه، وهو بالدرجة الاولى موقف نفسي وفكري ووجودي، بل هو موقف من العالم يشمل الحياة والسلوك والمعاد، إن هذا الموقف (الصوفي) لا يستقيم ولا يتحصل لدى الانسان إلا بعد معاناة الحياة ومكابدتها، وهذا يحتاج إلى انقضاء (الأعمار) بلغة الشيخ بامخرمة نفسه، ولا يكون حاصلا في مرحالة الشباب وصبواته وعمايته، والشيخ بامخرمة صريح بقوله بتصوفه بعد انقضاء تلك الاعمار. غير ان الادعاء بتصوفه على يد الشيخ با هرمز سنة 913 هـ، يعني ان شيخنا تصوف وهو في سن التاسعة والعشرين، وهو الامر الذي لا يتعارض مع طبيعة التصوف وحسب، بل ومع قول الشيخ بامخرمة وشهادته على نفسه.
ولما لم يكن شيخنا بامخرمة في سنة 913 هـ وهي السنة التي تزعم المصادر تحكمه على مذهب التصوف على يد الشيخ عبدالرحمن باهرمز، في سن تسمح له بتبني الفكر الصوفي الفلسفي كما ظهر في شعره فيما بعد، ولا تسمح له أيضاً بامتلاك العقلية الفقهية، فقد كان طبيعياً أن لا نجد أثراً ليس للنفسية الصوفية فحسب، بل وأيضاً لا نجد أثراً للعقلية الفقهية في شعره في تلك الفترة الزمنية من عمره، ففي سنة 914 هـ أرسل الفتي بامخرمة بقصيدة إلى متولي دولة آل محمد الكثيري في شبام بدر بن محمد، يحرضه فيها على قتال قبيلة نهد) والأخذ بثأر ابن عمه محمد بن جعفر الذي قتله أحد رجال
(439) (1/439)
صفحة 440
(الظلفان) أهل الزعامة والقيادة في قبيلة نهد، ومما جاء في تلك القصيدة مخاطباً قبيلة نهد
قوله:
والله علي و الله يمين صدق و الباري كفيل لو طاعني فيكم محمد واتخذني الدليل خيم على هينن إلى ما ينقطع منها الوصيل وأمسي دم الظلفان عندي مثل طعم السلسبيل يا قاتل الظلفان أنا بينك وبين الله جميل أنك في الجنة كما من هو مجاهد في السبيل
وهكذا، ومن خلال تلك القصيدة، نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام الفتى عمر بامخرمة رجل السياسة والحرب والقتال والثأر والدماء، وفي الأبيات المذكورة من تلك القصيدة يقسم الفتى بامخرمة اليمين (الصادقة) ويشهد الله على قوله، بأنه لو أطاعه بدر بن محمد في مقاتلة (نهد وولاة أمر القيادة، فإنه سوف (يخيم) على مدينة (هينن) عاصمة منطقة (الكسر) ومقر قيادة نهد (الظلفان)، بمعنى أنه سوف يوالي عليهم الحرب والحصار حتى ينقطع منها الوصيل)، أي تتم إبادتهم وينقطع نسلهم (الوصيل)، ولسوف يشرب من دم (الظلفان الذي سوف يجد فيه طعم الماء القراح، ثم يصدر الفتى بامخرمة (فتوى) تقول بأن قتل (الظلفان) يتساوى في الأجر عند الله مع الجهاد في سبيله، وهو يضمن
الجنة لقاتل القوم. وهكذا نجد ان تلك الادعاءات التي تؤسس عليها المصادر تصوف الشيخ بامخرمة المبكر، تنهار تماما، حسب قاعدة الامام الجويني (ماليس عليه دليلا يجب نفيه)، وهو الامر الذي يدعو إلى أعادة تأسيس تصوفه على قواعد علمية ومنطقية. ولقد جاءت تلك التأسيسات في تلك المصادر على تلك الحالة من الضعف المبين والركاكة، لانها في الحقيقة لم تات لتؤسس لتصوف الشيخ بامخرمة الذي لاشك فيه ولا غموض، وهو ليس في حاجة إليها، ومستقيم بدونها، ولكنها جاءت لتؤسس على حقيقة تصوفه سنية الاوضاع العقائدية في مدينة هينن ومنطقة الكسر، ليحقق بذلك الاخلاف استيلاءهم على مواقع الاباضية وتاريخها واعلامها.
(440) (1/440)
صفحة 441
ديوان عمر بامخرمة:
لاشك ان ديوان الشيخ بامخرمة يعج بتاكيد علاقة الاتصال والمواصلة بينه وبين الشيخ عبدالرحمن باهرمز على قاعدة التصوف، وهو الامر الذي لم نجد له ما يسنده ويتأسس عليه، وهذا يعني بدوره ان الديوان بماهو متداول اليوم، قد تعرض
للتدخل من قبل الاخلاف بالحذف والاضافة، ولهذا نرى ضرورة التعامل معه بحذر، بل بحذر شديد، فلن يجد الاخلاف اسهل واسرع مطية من الشعر، منه بالذات، لنشر وإذاعة ما يودون قوله نيابة عن الاسلاف ورغما عنهم،
والشعبي
خاصة وان شعر بامخرمة سهل التقليد في أوزانه وبعض اغراضه.
إن الاخلاف في تعاملهم مع ديوان الشيخ بامخرمة، قد تطاولوا حتى على التاريخ السياسي المذهبي لزيدية صنعاء وصعدة، فنحن نعلم يقينا لا ظنا، ان السادة آل البهال كانوا قيادة المذهب والامامة الزيدية في صنعاء حتى سنة 910 هـ، عندما انتزع السلطان عامر بن عبد الوهاب حاكم عدن السني الاعتقاد صنعاء منهم و من الامام (الوشلي)، هذه الحادثة تأتي في المصادر الحضرمية بما يقرر زيدية السادة آل البهال، ومنها قول صاحب (النور السافر): (في سنة 910 هـ كانت الواقعة المشهورة بين السلطان عامر بن عبدالوهاب والامير محمد بن حسين البهال صاحب صعدة على باب صنعاء، فانهزم فيها البهال وعساكره هزيمة عظيمة ما سمع بمثلها قط، وأسر فيها إمام الزيدية محمد بن علي الوشلي إمام أهل البدعة ورئيسهم في جمع عظيم .. وأخذ السلطان عامر مدينة صنعاء (92). آل البهال هؤلاء هم من قال فيهم الشيخ بامخرمة قصيدته البكائيه التي ينعي فيها سقوط صنعاء الزيدية في يد
آل طاهر السنة، والتي بدأها بقوله:
قال الفتى الجوهي عيني مالها مجروحة الخدين من هطالها
(441) (1/441)
صفحة 442
وقد اوردناها وتعرضنا لها بالتحليل في حينه. وإذن لا يستطيع احد ان
يتطاول على السيرة السياسية المذهبية الزيدية للسادة آل البهال في القرن العاشر الهجري، وفي ذلك القرن، وبعد ظهور السلطان بدر أبي طويرق، قدم إلى حضرموت بعض من آل البهال مع قوة عسكرية، لمساعدة السلطان بدر في القضاء على الوجود الاباضي فيها، كان زعيمهم وقائدهم احمد بن ناصر البهال، وفي الديوان قصيدة موجهة إلى احمد البهال، يقول فيها: (93)
رب استجب مني، وبعد اوصيك ياركن الجهاد يا ناصر بن احمد ولو رأيك في التعليم ساد
في الشطر الثاني من البيت أعلاه، يقول إن مذهب آل البهال ليس الزيدية كما هو معروف تاريخيا، وإنما هو المذهب (التعليمي (الباطني الاسماعيلي القائل بوجوب اخذ (العلم الديني) عن الامام المعصوم دون غيره، إذ انهم يرون ان ما ختم ببعثة محمد (ص) هو الرسالة، أي نبوة التشريع التي تعني بيان الفروض والأحكام، أما النبوة بمعنى تلقي الكلام الالهي، فهي مستمرة في اشخاص المتهم، ولهذا يطلق عليهم (التعليمية) وهو ما قصده الشطر الثاني أعلاه، ومعلوم ان التصوف والمذهب الاسماعيلي لهما فلسفة واصول واحدة هذا الزعم بباطنية آل البهال لن يصدر عن الشيخ بامخرمة، لانه الأدرى بحقيقة زيديتهم، وهو أيضاً ليس من أهل الكذب والافتراء، ولس له مصلحة في ذلك. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ان المذهب الزيدي الذي هو معتزلي الاصول، يتقاطع معرفيا وايديولوجيا مع المذهب الاسماعيلي ومع التصوف، بل ومع كل انواع العرفان، فإننا ندرك مدى خطورة مثل ذلك الدس على الحقائق التاريخية
(442)
والعلمية (1/442)
صفحة 443
قولنا بضرورة التعامل بحذر شديد مع ديوان الشيخ بامخرمة كما هو متداول اليوم، لا تمليه نظرتنا النقدية الداخلية له، بل وأيضاً التاريخ (الخارجي) للديوان، أي تاريخ علاقته بالآخر، أو إن شئت علاقة (الآخر) به. ولنبدأ من المهجر الحضرمي، فقد) أعلنت المطبعة الإسلامية في سوربايا (اندونيسيا) بطبع ديوان الشيخ عمر بامخرمة سنة 1333 هـ، وعند ظهور الاعلان تباشرت الناس ببروز افصح وانصح ديوان لعامة الناس وخاصتهم، وكيف لا وهو أكبر شاعر حضرمي، وبعد بروز الاعلان، وصل إلى سوربايا (جاوه) أحد الأشخاص البارزين من زعماء آل السقاف، وكانت الجلسات الخاصة والعامة تعقد بوصول الزعيم، والحديث يدور حول طبع الديوان، وعندما تحقق لدى الزعيم ان النسخة التي مع صاحب المطبعة مستعارة وليست ملكه، بل هي شخص آخر صديق للزعيم، طلب الزعيم إحضار النسخة لقصد التبرك، بعد ان ألتزم في رجوعها بعد ليلتين، فاختفت النسخة، وكانت القاضية على روحها، وقبرت في حقيبة الزعيم، بعد أن ترايا (حلم) أن الشيخ بامخرمة لايريد طبع ديوانه) (94)
ملك
مايفهم من تلك الحادثة، هو انه في النصف الاول من القرن الرابع عشر الهجري، تمت مطاردة النسخ (النقية) من ديوان بامخرمة، في داخل حضرموت وخارجها من قبل الاخلاف، بغية السيطرة عليه بالحذف والاضافة، وكان من نتيجة تلك المطاردة اجهاض محاولة طبعه في اندونيسيا واختفاء ليس النسخة التي كانت تحت عناية صاحب المطبعة فحسب، بل وكل النسخ التي تنتمي إلى ما ما قبل سنة 1333 هـ، حتى إذا أراد الأستاذ عبدالرحمن بن عقيل النظر في الديوان في
أيامنا هذه، لم يجد أمامه إلا نسخا تنتمي كلها إلى ما بعد تلك السنة. (95)
(443) (1/443)
صفحة 444
كما ان هناك شاهدا آخر على علاقة الديوان كما هو متداول اليوم بآلاخر،
وهذا الشاهد يأتي من اننا نجد كثيرا من قصائده مبتورة السياق او ناقصة المعنى، مما يعني تدخل الآخر فيها بالحذف و الاضافة، أو بتغيير ترتيب ابياتها او أشطارها، فاذا اخذنا قصيدته التي قالها في آل البهال، فسوف نجد انها تعرضت لكل ذلك، فمثلا فان ابياتها الدالة على زيديته وزيدية دولة آل عبدالله الكثيري حتى عهد الامام محمد بن عبدالله كما اوردها صاحب (تاريخ الشحر) هي على النحو التالي:
لاتنس ملقاك الامام محمدا بظفار نعم الدار يا طوبي لها اذ قلت لو جاء الصريخ منكم وقت الصلاة سعوا في ابطالها
فوحق عزك لو تسير اليهـ
ما يرقبون يقوضون خيامهـ
وهي في متداول الديوان على النحو التالى (96)
:
ما قربوا الاحمال من اجمالها
يخشون من ساعة تطول اهولها
لاتنس ملقاك الامام محمدا تظفر بنعم الدار يا طوبى لها فادرك رعاك الله ماقد قلته فيها وما آملت من آمالها قد قلت جاء الصريخ منكم وقت الصلاة سعيت في ابطالها
انجز لهم تلك الوعود ولاتخن تلك العهود ودم على اجلالها
وهكذا تم طمس تلك الدلالات الدالة على زيديته وزيدية دولة آل عبدالله الكثيري، وذلك احد اساليب الاخلاف المتعددة والمتنوعة في السيطرة على
التراث، بما يحقق لهم القول بالسنية العقائدية المبكرة للاوضاع في حضرموت. كما ان المؤرخ الحداد يخبرنا بأن (للشيخ عمر بامخرمة قصيدة (مشهورة)، ينكر فيها أي تأثير للاولياء احياءاً وأمواتاً، ومن اعتقد للولي او غيره تأثير في شئ فهو كافر (97)، هذه القصيدة غير موجودة في متداول الديوان، وهي لابد ان تنتمي
(444) (1/444)
صفحة 445
إلى شعر بامخرمة السابق على تصوفه، لانها تتعارض تعارضاً تاماً مع التصوف، إذ ان المتصوفة يرون ان نفوذ الاولياء (يسري في الامة كلها، بل وكيان الكون كله .. ولولا الاولياء لفسد نظام العالم وانمار كما تنهار الدول بدون موظفين و حراس وجنود) (98). وأما لماذا كانت تلك القصيدة مشهورة، فانما اشهرتها تلك الاجواء الاجتماعية والمذهبية غير السنية السائدة في حضرموت حينها.
غير ان اهل مدينة (هينن) يفخرون بان لديهم نسخة (نقية) وصحيحة من
هي
ديوان بامخرمة، ومخافة منهم من التدخل في الديوان بالحذف والاضافة، فقد اوردوا ثبتا بقصائده كما هي لديهم، فاذا خمسمائة وثلاث عشر قصيدة (99)، غير أن ما يفخرون به لا أساس له، ذلك ان نسختهم تحتوي على نفس القصائد المتداولة عن علاقة التواصل بين بامخرمة والشيخ باهرمز، وهي العلاقة التي لم نجد لها مايسندها، هذا من ناحية، ومن اخرى فان السيد سارجنت قد اطلع على نسخه في وادي دوعن، كتبت سنة – 1299 هـ، وكانت تحتوي على ستمائة وست عشر قصيدة (100)، وهذا يعني ان نسخة (هينن) ناقصة وتم التدخل فيها، شأن النسخ
المتداولة اليوم.
وعلى ماتقدم نصل إلى ان شعر بامخرمة في مرحلة ماقبل تصوفه كان هدفا مباشرا لمحرقة الاخلاف، لما يحويه من حقائق تكشف التاريخ العقائدى غير السني لحضرموت حتى القرن العاشر الهجري.
ان ازمة التأسيس تكاد تكون هي السمة الغالبة على الكتابات التاريخية الحضرمية، المصدرية منها والحديثة، وتلك نتيجة لازمة لغلبة الترعة الارادية عليها، نزعة فرض عقيدة الاخلاف على الاسلاف، فليس لنا ان نعجب ان وجدنا انفسنا تجاهها امام تمثال من البرونز ذي قدمين من الصلصال، لا يكاد يقف عليهما
(445) (1/445)
صفحة 446
إلا ليهوي على هامته، في منظر يثير الشفقة والرثاء، فإن شئت اصلاح الحال، لزم
ان تكون قدماه من جنس هامته، ولا يصلح الامر بخلاف ذلك.
ان كان لنا من كلمة اخيرة في هذا المقام، فاننا نود القول: ان ازمة الكتابات التاريخية الحضرمية تأتي من عدم اعتمادها على هيكل عام لمسارات تاريخ حضرموت الإسلامي، هيكل تتحرك فيه الاحداث والافكار بسلاسة منطقية، وتجد تبريراتها فيه، كما ان غياب مثل ذلك الهيكل يأتي من أزمة المصادر المعتمدة في البحث والتحقيق، ذلك ان الأعم الغالب من تلك المصادر المخطوطة منها والمطبوعة، تنتمي - حسب علمي - إلى نسخ القرن الرابع عشر الهجري، وهذه الظاهرة المعيبة لم تكن إلا نتيجة مباشرة وحتمية لجهود الاخلاف في طمس الحقائق واعدام الاصول، ولهذا فأن اعتماد تلك المصادر بدون نظر، مسألة فيها نظر، ولا تخدم الحقيقة على الاطلاق، ويلزم من هذا ان تكون المهمة الاولى والاساسية هي نقد تلك المصادر من خلال تحقيقها تحقيقا علميا من قبل اهل الاختصاص، ومن ثم العمل على افتراض هيكل تاريخي عام المسارات تاريخ حضرموت الإسلامي، هيكل يدافع عن نفسه ويفرض احترامه على الآخرين.
إن اعداء الحقيقة التاريخية يخدمونها اكثر من اصدقائها، ذلك انه اذا كان اصدقاؤها يأتون بها في حلة جميلة وقشيبة، فان اعداءها وخصومها يجعلونها تاتي – متى جاءت - عارية، ذلك انه لا حقيقة بدون اعداء او خصوم، مهما كانت تلك الحقيقة بينة سافرة ظاهرة، ولهذا فلا حقيقة بلا حجب، والحقيقة التاريخية اكثر الحقائق اعداء وخصوما، وبالتالي اكثرها حجبا وامتناعا، وكلما اسرفت الحقيقة في حجبها وامتناعها، كان ظهورها اكثر عريا وافتضاحا
.
(446) (1/446)
صفحة 447
المصادر والمراجع:
(1) صالح الحامد: تاريخ حضرموت /556
(2) الامام محمد عمر بحرق: الحديقة الانيقة في شرح العروة الوثيقة /79 3) نفسه /197
(4) زهدي جار الله: المعتزلة / 112
ه احمد عبدالله عارف: الصلة بين الزيدية والمعتزلة /223
(1) محمد بن عبدالله الطيب بافقيه: تاريخ الشحر / 166
الجلنيد: قضية الخير والشر / 61
نفسه / 62
(9) سعيد عوض باوزير: صفحات من التاريخ الحضرمي / 135 + مجموع أحكام النكاح
10) نفسه.
(11) احمد حسين شرف الدين: تاريخ الفكر الإسلامي في اليمن / 167
12) عبد القادر العيدروس: النور السافر /153
13) عبدالله محمد الحبشي: الصوفية والفقهاء في اليمن /102
14) اشعار بامخرمة: أنظر باوزير: صفحات + بافقيه: تاريخ الشحر + العيدروس: النور السافر. 15) اورد الناشر في بداية الكتاب صورا من الصفحتين الاولى والثانية من المخطوتتين
16) سالم بن حميد الكندي: العدة المفيدة /130/ 2
(17) الامام محمد عمر باجمال: مقال الناصحين /248
18) نفسه / 280
(19) صالح عبدالرحمن المفلحي: ديوان خواطر وانغام /7 20) ابن حميد: نفسه / 164،403،305
(21) باجمال نفسه /276 - 277 - 302
22) محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي / 214
(23) عارف: نفسه / 115
24) باجمال: نفسه / 62
(25) الامام محمد ابو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية / 133/ 2
26) نفسه / 135
(27) با جمال: نفسه / 159
28) نفسه / 77
(447) (1/447)
صفحة 448
29) نفسه / 237
30) نفسه / 62
31) نفسه / 54
32) محمد عوض بافضل: صلة الاهل / 40
(33) محمد عمارة: رسائل العدل والتوحيد /1 - 96
(34) محمد عمارة: المعتزلة ومشكلة الحرية الانسانية /153
(35) نفسه.
(36) باجمال: نفسه / 285
(37) نفسه / 278
(38) الامام يحي بن حمزة: المعالم الدينية في العقائد الالهية /62
(39) باجمال: نفسه/ 236
40) محمد عمارة: نفسه / 101
(41) باجمال: نفسه / 77
(42) يحي بن حمزة: نفسه / 64
(43) نفسه / 65
44) باجمال: نفسه / 165
45) نفسه /307
(46) نفسه / 60
47) قال تعالى (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا اؤلئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم) آل عمران - 77
(48) محمود اسماعيل: الحركات السرية في الإسلام /88
49) باجمال: نفسه / 224
50) نفسه / 44
51) نفسه / 45
52) نفسه / 42
(53) العيدروس: نفسه / 254
54) باجمال: نفسه / 228
55) نفسه / 254
(56) عندما تطرق المؤرخ محمد بن هاشم في كتابه (تاريخ الدولة الكثيرية (إلى ثورة شبام وعلماء حضرموت سنة 943 هـ ضد السلطان بدر ابي طويرق، قال بأنها ثورة الصوفية، وتبعه في قوله الشاطري في (ادوار التاريخ الحضرمي)، ثم اخيرا الاستاذ عبدالرحمن جعفر بن عقيل في كتابه (عمر بامخرمة السيباني). (1/448)
صفحة 449
57) صابر طعيمة: الاباضية عقيدة ومذهبا / 142
(58) محمد عمارة: نفسه / 75
59) محمود اسماعيل: نفسه / 93
60) باجمال: نفسه / 61
61) نفسه / 281
62) نفسه.
63) محمد عمارة: نفسه /91
64) باجمال: نفسه / 126
(65) نفسه / 258
(66) نفسه / 272
67) نفسه / 271
68) ابن حميد: نفسه / 164/ 1
69) نفسه / 188
70) نفسه /418/ 2
71) ابو زهرة: نفسه / 135
(72) محمد بن هاشم: تاريخ الدولة الكثيرية / 51 وما بعدها
(73) نفسه.
74) محمد احمد الشاطري: ادوار التاريخ الحضرمي / 243
75) احمد امين: ضحى الإسلام / 340/ 3
(76 اقوال المؤرخ الحداد الواردة تحت هذا العنوان سبق ذكر مصادرها، ما لم نذكر مصدر (77) احمد عبدالله شنبل: تاريخ شنبل / 162 + علوي بن طاهر الحداد: عقود الالماس / 52/ 1 (78) باوزير: الفكر والثقافة / 126
(79) عمر بن عبدالله بامخرمة: ديوان بامخرمة. مخطوط. نسخة فضل محمد بافضل. ت. ن 1382 هـ
80) عبدالرحمن جعفر بن عقيل: عمر بالمخرمة السيباني / 107
81) نفسه / 233
(82) نفسه / 90
83) عمر بامخرمة: نفسه.
84) ابن عقيل: نفسه / 165
85) نفسه / 154
86) نفسه / 155
(87) مجلة الحكمة / عدن / العدد 29 /يوليو / 1974 م (1/449)
صفحة 450
(88) اجابري: نفسه / 347
19) عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف: ادام القوت / 578
(90) ابن عقيل: نفسه / 95
91) العيدروس: نفسه / 59
(92) نفسه 50
(93) ابن عقيل: نفسه / 149
94) نفسه / 110
95) نفسه / 111
96) عمر بامخرمة: نفسه
97) الحداد: عقود / 35/ 1
98) الجابري: نفسه / 364
99 لجنة من اهل هينن: مغالطات السقاف / 60 وما بعدها
100) آر. بي – سارجنت: حول مصادر التاريخ الحضرمي / جامعة عدن / ترجمة النوبان / 67.
(450) (1/450)
صفحة 451
الفصل الثالث
الزهد المعتزلي والأباضي في حضرموت في العصر الوسيط
ومدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة
(للتاريخ انتقامه وحيله وسخريته، ولهذا فهو يعود على أسوأ ما يكون العود وأرهبه، إذا طمست حقائقه وأغتصبت وقائعه)
المفكر الانساني
جورج بالانديه
(201) (1/451)
صفحة 452
الزهد المعتزلي والأباضي في حضرموت في العصر الوسيط
ومدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة
المقدمة:
يسود الكتابات التاريخية الحضرمية المعاصرة حديث طويل عن ظاهرة التصوف ورجاله وأعلامه، كما كثرت تناقضات من تناولوا هذه الحالة الحضرمية وخصائصها، فتارة يتم الحديث حول تلك الحالة باعتبارها تصوفا، وتارة باعتبارها زهدا خالصا، وشتان بين الحالتين، ويبتدع البعض مصطلحات خاصة لوصف هذه الحالة، مثل قولهم بالتصوف المنخول، وغير ذلك من المصلطحات التي تنفرد بها الكتابات الحضرمية
غير اني سوف اتناول هذه الحالة الحضرمية من خلال ما يلي:
1 - وبعد ان نقر جميعا بالحقيقة الاساسية في التاريخ الحضرمي، وهي ان المذهب الأباضي الذي ينكر التصوف ويعتبره بدعة في الدين، هو مذهب حضرموت، وعلينا ان نحدد ونشخص ظروفا تاريخية انهت الوجود السياسي
الأساسي والاجتماعي لذلك المذهب، او ان نثبت استمرار وجوده، وبالتالي عدم وجود الأجواء العقائدية المناسبة لحالة التصوف.
2 - علينا ان نحدد ونشخص الظروف التاريخية - السياسية التي ادت إلى وجود
-
ظاهرتي التصوف او الزهد، او حالت دون وجود احداهما دون الآخ
أعتقد ان دراستنا هذه، قد اعطت جوابا (مشروع رؤية) على
المسألتين
أعلاه، فقد وجدنا انه لا يعرف ـ تاريخيا ـ خروج سياسي للمذهب الأباضي.
-
-
(
وان ذلك المذهب قد تزامن مع الوجود المعتزلي في حضرموت، حتى إذاكان القرن
(452) (1/452)
صفحة 453
العاشر الهجري، كانت اول محاولة لادخال السلطة السنية الأعتقاد إلى البلاد،
وهي تلك التي حاولها السلطان ابو طويرق.
ولما كان مذهبا الأباضية والاعتزال ينكران التصوف ويعتبرانه بدعة في
الدين، فانه يلزم عن ذلك ان الوضع العقائدي في البلاد حتى القرن العاشر، سوف يظل ما نعا ومحاربا للفكر الصوفي والفكر العرفاني بشكل عام.
على انه من المهم هنا القول، ان أي ادعاء بوجود تاريخي للتصوف في حضرموت، فانه يلزم ربطه و اشتراطه بوجود تاريخي للسلطة السنية واستقرارها، ونفي اية علاقة بين وجوده وبين مذهبي التشيع العرفاني (الأسماعيلي والاثنا عشري، لأنه لم تعرف تاريخيا اية سلطة شيعية من ذلك الاتجاه، كما ان علاقة حضرموت بالمذهب الاسماعيلي تمت اثناء الغزو الصليحي في القرن الخامس الهجري، كانت علاقة صدام مسلح قوي وعنيف، لم تدم طويلا، انتهى على اثرها الوجود الصليحي دون ان يترك أثراً فكرياً يذكر، وعادت اوضاع البلاد على ما كانت عليه سابقاً بين الأباضية والاعتزال، وكانت نفس الحالة تتكرر في حالتي الغزوين الأيوبي والرسولي، وكل ذلك تم بيانه في حينه
التأسيس:
مقام الزهد لدى المعتزلة والأباضية في التاريخ الإسلامي:
اولاً: المعتزلة:
لقد كان المعتزلة في مقام الزهد والعبادة مضرب المثل ومثار الأعجاب، فقد
كان واصل بن عطا مؤسس المذهب يقضي الليل يتعبد ويقرأ القرآن، وكان ابو الدهر، ومنهم من لم يشتغل او يفكر الا في العبادة مثل أبي
سعيد السمان
يصوم
(453) (1/453)
صفحة 454
عثمان العسال، الذي كان لا يخرج من بيته الا مرة في السنة، قال فيهم شاعرهم
صفوان الانصاري، يصف حالهم:
تراهم كأن الطير فوق رؤوسهم على عمة معروفة في المعاشر سيماهم معروفة في وجوههـ وفي المشي حجاجا وفوق الأباعر في ركعة يأتي على الليل كله وظاهر قول في مقام الضمائر وقص اهداب واحفاء شارب وكور على شيب يضيئ لناظر
فتلك علامات تحيط بوصفهم وليس جهول القوم في جرم خابر
ولقد كان اكثر المعتزلة يميلون إلى الزهد في الحياة والعيش عيشة الفقر والتقشف لأنهم كانوا منصرفين إلى العبادة وخدمة العلم والدفاع عن مبدأ التوحيد، لا إلى العمل وكسب القوت، وقد شاع ذلك عنهم حتى اطلق على المعتزلة البغداديين اسم (نساك بغداد)، وكان من كلامهم: (من جرعته الدنيا حلاوتها لميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها .. وقد كان اهل الاعتزال في تزهدهم، وعلى شدة فقرهم واحتجاجهم، يسلكون سبيل المروءة ويترفعون عن الوسائل الخسيسة في الكسب، ويبتعدون عن مواطن الشبهات، فلم يقبل اكثرهم ان يشتغل بالقضاء، خشية ان لا يعدلوا في أحكامهم، لأن غايتهم كانت خدمة العلم والتوحيد لا جمع المال، وكانوا يأبون مخالطة الحكام والملوك والأمراء، لأن الذي يتبعهم لا بد ان يمائلهم ويقرهم على افعالهم التي قد لا تخلو من الجور، وكانوا يرفضون اعطاياتهم وهباتهم، لأن اموالهم قد يخالطها الحرام، وكان اكثرهم يتعشقون الكرم والجود ويحبون فعل الخير ولا يقيمون للمادة وزنا
قال الرئيس أبو المنصور علي بن الحسن بن الفضل يصف المعتزلة واخلاقهم:
(454) (1/454)
صفحة 455
مر
لم يشبهوا الانسان الا انهم مكونون من الحما السمنون نجس العيون إذا رأتهم مقلتي طيرتها فترح ماء جفوني
الخليفة المنصور على قبر عمرو بن عبيد في منطقة مران، فقال:
صلى الله عليك من متوسد قبرا مررت به علي مران قبرا تضمن مؤمنا متخشا عبد الاله ودان بالقرآن إذا الرجال تنازعوا في شبهة فصل الحديث بحجة وبيان ولو ان الدهر ابقى صالحا ابقى لنا عمرا ابا عثمان
سأل احدهم الإمام الحسن البصري عن عمرو بن عبيد، فقال: لقد سألت عن رجل كان الملائكة أدبته و كأن الانبياء ربته، ان قام لأمر قعد به، وان قعد
لامر قام به، وان أمر بشئ كان الزم الناس له، وان نهى عن شئ كان اترك الناس
له، ما رأيت ظاهرا اشبه بباطن منه،
ثانيا: الأباضية:
(1)
تلك احوال المعتزلة في الزهد والعبادة والاخلاق الفاضلة، اما احوال الأباضية فهي لا تفرق عن ذلك كثيرا، فقد كانوا أهل اخلاص في عقيدتهم، ويروى ان عبد الله بن عباس (رض) لما بعثه الإمام علي بن أبي طالب إلى الخوارج يناقشهم، قال: رأيت منهم جباها قرحة من طول السجود وايد كثفنات الإبل، عليهم قمص مرحضة. (2). كما كانوا أهل تقوى وورع، كما كانوا اهل زهد في الدنيا، انصرفت نفوسهم عن الشهوات المادية وملذات الحياة، واتجهت بكليتها إلى
(200) (1/455)
صفحة 456
نعيم
الآخرة، كما اشتهر عنهم انهم اهل شدة في الدين). وكيف لاتتجه نفوسهم
بكليتها إلى نعيم الآخرة وهم الشراة الذين اشتروا الآخرة بالدنيا.
وعلى الاجمال، فأنه مشهور عن الاباضية والخوارج (كثرة العبادة وزهدهم في الحياة الدنيا، فقد كانوا يقضون الليل في التهجد والصلاة بينما الناس
في هجوع، يستريحون من عناء النهار، فأن هؤلاء القوم لا يستطيعون لذة النوم
،
لان خوف الله قد اطار الكرى من عيونهم، فتراهم سجدا يتلون كتاب الله، فاذا مروا بآية فيها ذكر الله، استدروا الدمع من مآقيهم، بكوا شوقا إليه، وهكذا جعلوا من الليل - الذي جعله الله سباتا للناس - قياما مستمرا ومكابدة لا تنقطع. وبالاضافة إلى كثرة عبادتهم وشدة تقواهم، فقد سيطر عليهم شعور الخوف من عذاب الآخرة، فاذا هم ركع سجد في الليل، صائمون في النهار، ويبدو ان هذه المكابدة في العبادة قد دفعتهم إلى السأم من الحياة الدنيا، وصار من الجهل عندهم التعلل والتلهي بآمال كاذبة وسراب خادع، في حين ان الانسان يدفع إلى منيته كل دفعا، وكان من العبث لديهم ان ينشغل الانسان بحطام الدنيا الذي يجمعه لغيره، فبدلا من ذلك ليتزود بثروة الايمان والتقوى التى تساعده على مواجهة ايام الفقر البائسة في دار الخلود الابدية. وهكذا يظهر لنا ان الخوارج والاباضية قد عافوا الحياة الدنيا وملوها واستصغروها، وتعلقوا بالآخرة وتعشقوها، و لم يروا في الحياة الدنيا إلا جسر عبور إلى الآخرة.) (4)
يوم
ان كتب التاريخ الإسلامي لا تعطينا أكثر من تلك الصورة عن أحوال الزهد والعبادة لدى المعتزلة والأباضية، فهي مثلا لا تصف لنا طريقتهم في العبادة من خلال كتاباتهم وآثارهم الأدبية والعلمية، خاصة المعتزلة نظراً لغزارة انتاجهم الفكري الذي تم افناؤه واعدامه من قبل الخصوم، ولكن ذلك التراث لم يكن ليعدم كاملا بتلك السهولة في حضرموت، ليس فقط بسبب طول عمر الاعتزال فيها، بل
(456) (1/456)
صفحة 457
أيضاً بسبب طول عمر دولته، وهي الدولة الوحيدة في التاريخ الإسلامي، لهذا، بمثل ما كانت القصيدة (الفكرية (لشيخ الإسلام سلام بافضل هي الوحيدة من
نوعها في ماتبقى من التراث المعتزلي عامة في ادب الاستدلال بالخلق على الخالق
كذلك الحال بالنسبة لوصايا هذا الإمام التي تعد مثالا وحيدا ــــ حسب علمي ــــ
،
في معرفة طريقة المعتزلة في العبادة والزهد، كيف كانوا يقضون ليلهم ونهارهم بين الفكر والذكر والعبادة والاستغفار والدعاء وهي تصور ما وصلت إليه اخلاقهم من السمو والرفعة، ولقد رأينا في القصيدة (الفكرية (كيف كان المعتزلة ينظرون إلى انفسهم على انهم ملائكة الأرض، ولقد رأينا قول الرئيس أبي منصور فيهم بانهم ملائكة الأرض حقا، من خلال قوله:
لا يشبهون الانسان الا انهم مكونون من الحمأ المسنون
الزهد المعتزلي الحضرمي:
سوف نعرض هنا وصيتين لشيخ الإسلام سالم بن فضل بن عبد الكريم
بافضل المتوفي في تريم سنة ـ 581 هـ
الوصية الأولى:
-
بسم الله الرحمن الرحيم
وبعد، فاوصيك يا أحمد ونفسي بتقوى الله وطاعته، فلا عاقبة الا للتقوى، ولا هدى الا هدى المتقين، قال تعالى: {يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}، وقال {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} وقال: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له اجرا}، والتقوى امتثال اوامر
(457) (1/457)
صفحة 458
الله تعالى واجتناب مناهيه، كبيرها وصغيرها، واوصيك بالزام قلبك معرفة الله تعالى، وهي ان يلزم قلبك قربه منك وقيامه عليك وشهادته وعلمه بك، وانه
واحد لا شريك له في ملكه، وانه عند ما وعد صادق، وعند ما ضمن واف
،
وعندما دعا إليه وندب العباد ملي له، وعد ينفذه في من يشاء، ومقام يصير إليه الخلائق، ومصدر يتصرف من عنده، وثواب وعقاب، ليس له شبيه ولا مثل، وانه الكافي، كل يوم وهو في شأن، لا يشغله شأن عن شأن، يعلم الخفي والضمير والخطرات والوساوس والهمة والارادة والحركة والطرفة والغمزة وما فوق ذلك وما
دون ذلك.
وأوصيك بمحاربة عدو الله ابليس، ومجاهدته في السر والعلانية، وفي الطاعة والمعصية، وتعلم انه قد عادى الله في عبده آدم، تنام ولا ينام، وتغفل ولا يغفل، وتسهو ولا يسهو، مجتهدا في هلاكك، في نومك ويقظتك، في سرك وعلانيتك، في الطاعة ليبطلها وفي المعصية ليوقعك فيها، امنيته ان تدخل معه جهنم اعادنا الله منها، واسأل الفقهاء العالمين بالله عز وجل، بأمره ونهيه، حتى يدلوك، على طريق الله ويعرفوك داءك ويدلوك على اعدائك، فهم اطباء القلوب، ولا تغتر بطول القيام وكثرة الصيام والطاعات الظاهرة بغير معرفة منك لعملك
وأوصيك رحمك الله بترتيب اورادك من صباحك إلى مسائك، فبذلك تظهر بركة الأوقات واوصيك بحفظ ما بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وما بين العشاءين، وأوصيك بتعليم اهلك وخاصتك ما يحتاجون إليه من فروض
الله
الطهارة والصلاة وواجب العقيدة وشئ من إذكار الصباح والمساء، فان يهدي بك رجلا خير لك من حمر النعم، ومن دل على خير فله مثل اجر فاعله، واوصيك بكثرة ملازمة التضرع إلى الله والالتجاء إليه سبحانه في جميع الحالات، والاستعانة به في كل الأمور، وفقنا واياك لما يحبه ويرضاه، ورزقنا واياك حسن الخاتمة عند
(458) (1/458)
صفحة 459
الممات وتجاوز عنا كبائر الذنوب المهلكات، وعنى عنا جميع ما ارتكبناه من المخالفات، انه قدير عل كل شئ سبحانه وتعالى لا اله الا هو إليه المصير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. أ. هـ.
الوصية الثانية:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، اوصيك يا ولدي
ونفسي بتقوى الله
وطاعته وامتثال اوامره واجتناب مناهية، ما حرم منها وما كره،
وما خف وما ثقل، فربما كان غضب الله في معصية صغيرة، ولا رخصة في ركوب
مصية في وقت من الاوقات
أوصيك بترتيب اوقاتك، فتجعل لكل وقت ورد لا تتعداه ولا تودع فيه
سواه، فيه تحصل البركة، فمن صلاة الصبح إلى طلوع الشمس لا تنشغل الا بتلاوة
كتاب الله
وتدبر معانيه وتلذذ بحلاوة الفاظه، واضف إلى التلاوة في هذا الوقت
شيئا من إذكار الصباح والمساء والأدعية المأثورة، فإذا طلعت الشمس قدر رمح، فصل الضحى ركعتين أو أربعا، وإذا فرغت من هذا الورد، فاشتغل بمطالعة ما تيسر من دروسك التي تقرأها او تسمعها، فهذا الوقت مبارك يتفتح فيه الذهن من آثار تلك التلاوة والذكر. ثم بعد ذلك فاشتغل بقراءة دروسك واستماعها واحضار قلبك عند الاستماع والقراءة، واقصد بذلك جميعه وجه الله وازالة الجهل عن، واقصد العلم للعمل ونفع المسلمين، فما ثمرة العلم الا العمل، فإذا فرغت من هذا كله، فبادر إلى مطالعة ما تيسر مما قرأته او سمعته، حتى يتبين في قلبك ويرسخ، ثم صل باقي الضحى، ولا أقل من اتمام ثمان ركعات، ولا اقل من ما قرأته عشرين مرة وشرحه، وعلته خمس مرات وما سمعته كذلك، ولو وقع اقل
نفسك
مطالعة
(459) (1/459)
صفحة 460
من هذا فلا بأس، ثم نم نومة خفيفة قبل الزوال، ولا تطلها ايام الشتاء لكثرة
،
كسلها وفتورها، ثم صل الظهر اول وقتها، فقد سئل (ص) أي الأعمال افضل فقال: الصلاة اول وقتها. وبعد الظهر اتمم بقية مطالعاتك وذاكر من تستفيد منه، ثم طالع شيئاً من كتب الرقائق قليلاً (5)، فانه ينور القلب مطالعتها، ثم صل العصر أول وقتها، واشتغل بقراءة او سماع ما يقرأ من العلوم، فإذا اصفرت الشمس عد إلى الإذكار والأدعية المأثورة التي فعلتها بعد صلاة الصبح، وبين العشاءين: قراءة القرآن واستماعه، وبعد صلاة العشاء مطالعة ومذاكرة.
قم قبل الصبح لصلاة الوتر احدى عشر ركعة، تقرأ فيها سورة ياسين والواقعة وتبارك، وعليك بحفظ لسانك من جميع الالفاظ القبيحة، فالبركة كل البركة في ذلك، والحمد الله (1)
وبعد تلك الوصيتين لشيخ الإسلام بافضل، فاننا لسنا بصدد الحديث عن النشاط الثقافي والسياسي الذي كان يقوم به شيخنا بافضل ومعه المجمع العلمي التريمي المعتزلي في نشر ثقافة الاعتزال في القرن السادس الهجري، ولسنا بصدد الحديث عن دور علماء الكلام في ذلك المجمع في نشر وإذاعة مبادئ التوحيد على مذهب الاعتزال لدى العامة من الناس، ولسنا بصدد شرح تلك الوصيتين، ولكن حسبنا القول انها تحتوي على الكثير من المعاني التي من خلالها يمكن معرفة خصائص الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية على مذهب الاعتزال في القرن السادس الهجري، تلك الحياة التي يقول عنها الاستاذ ابن عقيل: (ان الحركة العلمية والثقافية في حضرموت - لها بدايات تمتد إلى القرن الرابع الهجري) ()، وهذا
-
القول يأتي مصداقا لما توصلنا إليه من ان الجذور العميقة للوجود المعتزلي قد تلازمت مع الوجود الأباضي فيها في القرن الثاني الهجري.
(460) (1/460)
صفحة 461
اما ما نحن بصدده هنا هو ايراد الدليل النصي على ان مدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة لم تكن الا امتداداً لمدرسة الزهد الاباضي والمعتزلي التي سادت حتى القرن
العاشر الهجري، ومن خلال ما قاله شيخنا بافضل في وصاياه، نفهم ونعلم ماهو مقصود المؤرخين بمداومة المعتزلة على العبادة والذكر والفكر، وما هو المدى الذي يذهبون إليه في زهدهم في الدنيا وسعيهم في طلب الآخرة وحسن الجزاء فيها، وبعدهم عن الدنيا ومباهجها، وبل ونعلم اجمالا ليس تلك المعاني ومدلولاتها وحسب، بل وأيضاً نفهم من محصلة ذلك ما هو الاعتزال، انه بالاختصار الزهد والعبادة والعمل لليوم الآخر ومخافة الله في الحركات والسكنات، وهو في النهاية
ماقاله شيخ الإسلام بافضل في وصاياه.
(461) (1/461)
صفحة 462
الزهد الأباضي الحضرمي:
إذا كان ذلك هو شأن الزهد المعتزلي في حضرموت في العصر الوسيط، كما أبانه شيخ الإسلام بافضل في وصاياه، فان الزهد الأباضي الحضرمي لا يفرق عنه في شئ، ان لم يكن نسخة طبق الأصل منه اويزيد عليه، فالزهد لديهما يقوم على أساس مشترك بينهما الا وهو (التقوى)، باعتبارها الطريقة المثلى للزهد في الدنيا والعمل للآخرة.
ولن نجد موثقا المدرسة الزهد الأباضية الحضرمية افضل مما سجله في ديوانه الإمام المجاهد ابو اسحاق الهمداني في القرن الخامس الهجري، ومن المهم هنا القول ان ذلك الزهد انما هو زهد مقاتل ومجاهد في سبيل الله، يسعى إلى الدار الآخرة من خلال صليل السيوف، فلقد ترتب عن سلوك) الشراة) الذين اشتروا الآخرة بالدنيا والزهد فيها، ان رأوا ان ما سوى نعيم الآخرة لا يساوي جناح بعوضة، وان الجهاد في سبيل الله هو شرط الزهد في الدنيا والفوز بالآخرة، وفي ذلك يقول
ابو اسحاق:
(^)
فليس كنصر الله للمرء عدة كما ان تقوى الله خير الذخائر
ويقول أيضاً:
وأيضاً:
اني امرء قد بعت نفسي جهرة في الله لا بيع الغوي الفاجر واني وان تعرف التقوى فقد اعددتها حتفا لحرب الكافر
واني قد بيعت نفسي جنة وعيش نفيس دائم غير زائل ولست كمن يشري بأخراه مترلا يزول وعيشا زائلا بيع جاهل
(462) (1/462)
صفحة 463
وابو اسحاق في سلوكه الزهدي وتقواه،
انما يسير على نهج اسلافه
الخوارج الاول، او كما يسميهم هو (المحكمة) الذين قاتلوا الإمام علي وقاتلهم،
فقد كانوا مثالا للزهد والتقوى، وفي هذا المعنى يقول ابو اسحاق:
وأيضاً:
نحن الشراة ومن نسل الشراة على نهج السبيل وما في ديننا اود اهل الحقيقة مذ كنا محكمة وما من زمان مضى الا لنا قود
واني من القوم الذين لباسه
إلى اليوم مذ عهد النبي التعفف
لكن بني الدنيا يميلون ميلها وحيث تولت بالصروف تصرفوا
والإمام ابو اسحاق في ديوانه قد خصص قصائد كاملة للدعوة إلى الزهد والتقوى، منها القصيدة التالية:
ماذا غفولك يا عبدالاله وقد أمسيت في طرف من آخر العمر تأوى وتسرح والايام سارحة والعمر ينفذ والأحكام للقدر ولست تدري أهذا السعي سعي رضا ام لا فانت لذا في أعظم الخطر هلا اتعظت بمن كنت تصحبه فبان منك كذا في حل من الحفر و اصبحت داره خلوا معطلة منه وحل بها قوم على سفر ماذار جاؤك في الدنيا وقد كشفت لك القناع وابدت عن يد العبر وجرعتك كؤوسا من مكارهها ولم تفدك الذي املت من الظفر وانبرى لك صفو شابه کـــدر المذاق، فأبصر غاية البصر ولا تكن راكنا يوما إلى دعة فيها دعها وكن منها على حذر وخذ من الزاد منها ما كفاك ولا تكثر على القلب هول الهم والسهر وان سهرت فلا تسهر جفونك في مال تحوز ولا تسعى إلى الأثر وسدد السعي واجعله الخالقنـ محضا تجد ذاك يوم الحشر والنشر
وقلل السعي فيما انت قائله واجعله مع ذاك مقصورا على الوطر
(463) (1/463)
صفحة 464
فالصمت اجمل من نطق تفوه به الا بذكر اله الشمس والقمـ وإذكر الهك في الساعات مجتهدا ولا تفوه بغير الذكر والسور وراقب الله فيما انت طالبه كيما تفوز بخير الورد والصدر وان طلبت فلا تطلب تكاثر من انسته دنياه، هول الموقف العسر وتنه النفس عما لا يحل وكن مستيقظا وجلاً من ذلك الخبر يا ويح نفسي ماذا تطلبين وقد علمت حقا ما في الكتب الزبر اما قرأت كتاب الله ناظرة ما قد أتى النص بالأحكام والنذر يا أيها النفس ما عذري إذا طلبت مني البراهين يوم الفصل ما عذري بالسعي في صالح الاعمال والبشر
وما الجواب إذا لم أغتنم عمـ قومي بما اوجب الله القيام به
والصبر عن طلب اللذات فاصطبري
ولا تخونين عهدا كان منك إلى ثم باريك فما مضى من دهرك العسر
الصلاة على المختار سيدنا
محمد المصطفى المبعوث من مضر
وإذا كان لنا من قول أخير في طبيعة الزهد الأباضي والمعتزلي في حضرموت
في العصر الوسيط، كما اتضح لنا من وصايا شيخ الإسلام بافضل وقصائد الإمام أبي اسحاق الهمداني، فاننا نود القول ان ذلك الزهد قد اعتمد على (التقوى) التي هي عماد الزهد كما ورد في القرآن والسنة، ولم يغادرها إلى ما سواها من النظرات الفلسفية، رغم اشتغال المعتزلة بتلك العلوم، اما الأباضية فلم يعرف عنهم اشتغالهم بالفلسفة، وكان ايمانهم قرآنيا خالصا كما هو الحال في اشعار الإمام أبي اسحاق الهمداني.
وبعد: احسب إنني قد عرضت في الوثائق السابقة طبيعة الزهد والعبادة في المذهبين الأباضي والمعتزلي، فوجدناه يعتمد على التقوى التي اوضحت تلك الوثائق انها تعني امتثال اوامر الله تعالى و اجتناب مناهيه صغيرها وكبيرها، هذا النوع من الزهد هو الذي كا عليه صحابة رسول الله الكرام، وهو المعتمد لدى المذهبين المعتزلي
(464) (1/464)
صفحة 465
والأباضي، لهذا جاء فكرهم الزهدي خال من اية مفاهيم او رموز صوفية حتى في شكلها الجنيني المبكر، وهذا امر طبيعي طالما ان المذهبين ينكران التصوف ويحاربانه باعتباره بدعة في الدين، يقول الأستاذ عفيفي:
(ان الأصل في الزهد الإسلامي هو تعاليم الإسلام نفسه، فان القرآن حث على الورع والتقوى وهجر الدنيا وزخرفها، وحقر من شأن هذه الحياة، وعظم من شأن الآخرة ودعا إلى العبادة والتبتل وقيام الليل والتهجد والصوم ونحو ذلك مما هو من صميم الزهد) (9)
هذا النوع من الزهد هو الذي شاع وذاع في حضرموت منذ القرن الثاني الهجري، حتى إذاكان القرن السادس الهجري، وهو عصر شيخ الإسلام بافضل (تشبع الناس بروح الدين، واصبح الخوف من الله تعالى طابعا
العامة
يسم
حياة الناس
، وترك اثره في علاقات الناس فيما بينهم، وبرز في صورة التكافل
الاجتماعي) (10).
مدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة:
وإذا كانت تلك صورة الزهد والعبادة والسلوك الأخلاقي الذي ساد
هي
حضرموت في القرن السادس الهجري، لاعتبارات مذهبية خاصة بها دون غيرها من حيث سيادة المذهبين الأباضي والمعتزلي، فان صورة هذا النوع من الزهد كانت قد تغيرت في اقطار الإسلام السنية وتحول الزهد إلى (تصوف)، يقول الأستاذ قاسم غني عن التصوف الإسلامي (ان التصوف قد استقر على أساس نظري وعلمي ثابت في اوائل القرن الخامس، وفي القرن السادس اصبح التصوف اكثر عمقا وترتيبا ويرتكز على أصول فلسفية ... واتخذت عقائد الصوفية وآراؤهم التي كانت
(890) (1/465)
صفحة 466
تستند على القرآن والحديث، تتجه رويدا رويدا إلى التعليلات الفلسفية
والكلامية (11).
(11)
ويقول الأستاذ
يوسف زيدان: (ان الفكر الفلسفي هو في الحقيقة فكر
التصوف الفلسفي كله في المرحلة الواقعة بين القرنين السادس والتاسع
الهجريين)
(12)
وإذن نحن هنا في حضرموت امام ظاهرة فريدة خاصة، الا وهي بقاء الزهد الإسلامي فيها على نقاوته الخالصة من اية مؤثرات فكرية ونظرية فلسفية، كانت قد دخلت في صميم الزهد وحولته إلى تصوف، بدءاً من أوائل القرن الخامس، حتى إذاجاء القرن السادس الهجري، ظل الزهد هنا زهدا خالصا و لم تدخله شائبة تصوف، وظل اهل الزهد على زهدهم، ولم يكن ثمة تصوف ولا صوفية في
حضرموت.
حتى إذا اطل القرن العاشر الهجري، ظل ذلك الزهد على حاله خاليا من
التصوف، فهذا الإمام محمد بحرق المتوفي سنة - 930 هـ، الذي عده القائلون
-
بالتصوف في حضرموت صوفيا، يقول في كتابه (الحديقة الانيقة في شرح العروة الوثيقة): (وعند ذلك يعلم ان الشريعة باسرها مندرجة تحت التقوى، وان قصيدتنا قد أسس بنيانها على التقوى) (13). أي ان (القوى) التي هي أساس الزهد
الإسلامي ظلت حتى القرن العاشر أساس الحركة الزهدية في حضرموت. هذه الظاهرة الحضرمية الفريدة تجد تفسيرها في طبيعة الأوضاع المذهبية العقائدية والسياسية التي سادت في حضرموت حتى القرن العاشر الهجري، الا وهي سيادة مذهبي الأباضية والاعتزال، ذلك انه إذا كان مذهبا الأباضية والاعتترال هما في الأساس مذهبا زهد وعبادة وخوف من الله وطلب رحمته وغفرانه، وهما
(466) (1/466)
صفحة 467
يرفضان التصوف من حيث هو فكر فلسفي، لزم من كل ذلك سيادة زهدهما
طوال فترة سيادتهما
ولما كنا قد توصلنا في سياق هذه الدراسة إلى ان الأوضاع المذهبية والسياسية في حضرموت، ظلت على ما هي عليه من حيث سيادة الأباضية والاعتزال حتى نهاية القرن العاشر الهجري على الأقل، مع الأخذ بعين الأعتبار محاولة السلطان بدر أبي
طويرق المتوفي سنة ـ 977 هـ اقامة أول دولة حضرمية سنية الاعتقاد، وتوفي قبل
-
-
ان يحقق كامل حلمه وهدفه، فان كل ذلك يعطي حكما لازما ملزما، الا وهو بقاء مدرسة الزهد الحضرمية على نقاوتها السابقة، دون ان تتحول إلى مدرسة صوفية، ولقد بقيت فعلا وحقا كذلك إلى اليوم، ولقد رأينا في فصل سابق ان طريقة الإمام سالم بافضل في أحياء ما بين العشاءين ظلت هي المعمول بها إلى اليوم في مساجد حضرموت، الا ان حقيقة الأمر ان الذي ظل معمولا به ليست طريقته تلك فحسب، بل طريقته في الزهد والعبادة الخالية من اية مؤثرات صوفية. لهذا نجد الأستاذ ابن عقيل وهو يؤرخ لما اسماه تصوفا في حضرموت في القرنين التاسع والعاشر الهجريين، وبعد بحث ودراسة في تراث الفترة التي حددها، استخلص ان) تصوف (أهل حضرموت، تميز بما يلي:
1 - التمسك بآداب الشريعة الإسلامية
2 - البعد عن
الفلسفة والآراء التجريدية.
- غلبة الجانب السلوكي
(14)
كما يقول أيضاً: (يمثل الزهد الجانب العملي للتصوف أمام الحضرميين الذين
التزموا بالجانب التعبدي السلوكي من التصوف، وابتعدوا عن الجانب النظري الفلسفي، فالزهد هو أساس تصوفهم وعماد سلوكهم).)
(10)
(467) (1/467)
صفحة 468
هذا الاستخلاص القيم للاستاذ أبن عقيل، يتفق تماماً مع ما تقول به كتب
التراجم الحضرمية من انه حتى اواخر القرن العاشر الهجري سنة ـ 979 هـ سنة
-
وفاة الشيخ حسين عبد الله بن الحاج بافضل، لم تكن كتب التصوف الفلسفي معروفة في حضرموت الا عن هذا الشيخ، وكان علماء حضرموت ينهون عن قراءتها (16)، غير اننا وان كنا نقر بندرتها في ذلك القرن، الا اننا لا نستطيع الإقرار بحصر وجودها عند شخص بعينه، والا من اين اكتسب الشيخ عمر بامخرمه والشيخ سعيد الشواف ثقافتهم الصوفية الفلسفية في نفس القرن.
وإذن فان تصوف حضرموت، انما هو تصوف سلوكي خال من الجانب النظري، ولا يكون الجانب النظري في التصوف) أي تصوف) الا فلسفيا، وهذا النوع من التصوف هو الزهد بعينه، أي ان الزهد هو جانب سلوكي خال من الفكر والتجريد النظري. وفي هذا يقول اللاساتإذ الجابري عند حديثه عن مكونات التصوف الإسلامي: (ان التصوف كسلوك ومظهر من مظاهر التقوى والعبادة لا يعنينا هنا، وسيكون من التعسف رد مظاهر التقوى والعبادة في الإسلام إلى مظاهر التقوى والعبادة في دين آخر او فلسفة دينية أخرى، فالدين بماهو دين، هو تقوى وعبادة، ولكل دين طريقته في ممارستها جسمانيا وروحيا، والإسلام له طريقته الخاصة في ذلك، وبها تميز عن الأديان الأخرى، ما يهمنا إذن ربط التصوف في الإسلام بالتصوف الهرمسي (الفلسفي (هو الجانب النظري، اعني ما يدعيه المتصوفة على ان مشاهداتهم وما اتعتبره بعضهم (الحقيقة) في مقابل (الشريعة)، او (الباطن) في مقابل (الظاهر (، وهنا نكرر القول مرة اخرى، بان الآراء التي يفصح عنها المتصوفة في مسائل الإتحاد والحلول والفناء والشهود ووحدة الوجود وحقيقة النفس واصلها ومصيرها، ان ما يقوله المتصوفة بخصوص هذه المسائل، لا
(468) (1/468)
صفحة 469
يمكن التوصل إليها بمجرد تأمل النص القرآني والتعمق في فهمه، بل ان أقوال
المتصوفة في تلك المسائل مستمدة اساسا من الأدبيات الهرمسية) (17)
وإذن نحن هنا امام ظاهرة الزهد الحضرمية مرة أخرى، فتلك السمات الثلاث التي استخلصها الأستاذ أبن عقيل للمدرسة الحضرمية، لا تعطي تصوفا على الأطلاق، بل اعطت زهدا في الدنيا وسلوكا عباديا يقوم على (التقوى) وخاليا من أي فكر صوفي، وهو ما قاله الأستاذ أبن عقيل.
وإذن نحن هنا امام ظاهرة الزهد الأباضي والمعتزلي الأصيل، وهو الأمر الذي يوكد سيادة هذين المذهبين خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين موضوع دراسة الاستاذ أبن عقيل، بل نجده يضع مؤشرا على بقاء الأوضاع على ما كانت عليه ولا سنيتها خلال تلك الفترة هذا المؤشر سبق ان قال به المؤرخ باوزير: يقول الأستاذ أبن عقيل (ويجب ان نشير هنا على ان حضر موت في مسيرتها الصوفية لم تشهد خلافا بين الفقهاء والصوفية، فقد عاشت الترعتان الفقهية والصوفية على وئام في حضرموت، ولا يمكن الفصل بين الترعتين) (18).
(14)
هذا الوئام غير المبرر بين النزعتين الفقهية والصوفية غير مقبول تاريخيا
و موضوعيا، فيما إذا كانت الأوضاع المذهبية والسياسية في حضرموت خلال تلك
الفترة، هي
نفسها التي سادت اقطار العالم الإسلامي من حيث غلبة اهل السنة عليها، ففي تلك الأقطار عرف صراع مرير وقاسي بين الفريقين الفقهي والصوفي،
وصل إلى حد اصدار الفقهاء فتاويهم بتكفير طائفة ابن عربي وحكموا عليهم
بالقتل، ولقد كان الصراع كذلك في اليمن
(19)
وإذن، لم يكن هنا في حضرموت ثمة صفاء ووئام بين الفقهاء والصوفية
،
لأنه
لم يكن ثمة تصوف ولا صوفية كظاهرة في حضرموت، وانما كان هناك صفاء
ووئام عريق مد جذوره عبر التاريخ بين الزهاد والفقهاء والمتكلمين الذين كانوا
(469) (1/469)
صفحة 470
جميعا بين الاباضية والاعتزال، فقد كان كل اؤلئك زهادا وعبادا بحكم المذهب، بمثل ماكان عليه الحال في القرن السادس الهجري، حتى اطلق شيخ الإسلام سالم بافضل على الفقهاء والمتكلمين مقولة (الفقهاء العارفين بالله عز وجل وبأمره ونهيه)، فقد كان الفقيه زاهدا وكذلك المتكلم، وكان الورع والتقوى ومخافة الله في كل شيئ سمة العلم والعمل حقا.
لهذا لا نستطيع ان نفسر ظاهرة بقاء الزهد الحضرمي على صورته النقية الخالية من أي تصوف إلى اليوم، الا إذا كان لحضرموت مسارها التاريخي الخاص بها، وهو الأمر الذي جعل لمسيرة الزهد فيها مساره الخاص بها أيضاً، وتأتي تلك الخصوصية من طول عمر مذهبي الأباضية والاعتزال في حضرموت الذي امتد إلى ما بعد القرن العاشر على الأقل. وتبقى لنا كلمة أخيرة حول خصائص مدرسة الزهد الحضرمية، وهي ان هذا الزهد كان تحت مظلة مذهبي الأباضية والاعتزال، فهو إذن يحمل بعدا وموقفا ايديولوجيا وسياسيا مناهضا لفكر وسياسة السلطات الأموية والعباسية والأيوبية. فهو إذن زهد أهل العمل لا أهل الكسل والخمول، ومن هنا نعلم تلك الثورة العارمة من الانكار والتكفير والتي تزعمها علماء وزهاد وعباد حضرموت ضد السلطان بدر ابي طويرق، وما كان لهم ان يواجهوا بدرا بما واجهوا لو كانوا على مذهب اهل السنة و التصوف. إذ ان الصوفية لا يخرجون على الولاة ولو كانوا
ظلمة جائرين.
وحول خصوصية مدرسة الزهد الحضرمية، يقول الأستاذ المشهور: (ان التربية التي نشأ عليها هؤلاء الشيوخ، خاصة الفقيه المقدم والشيخ سعيد العمودي (من شيوخ القرن السابع هـ) جعلت تصوفهم تصوفا خاصا غير متأثر بالمنهج
(470) (1/470)
صفحة 471
الشعيبي ولا غيره في كثير من المسائل، وهذا يؤكد تفرد مدرسة حضرموت عن غيرها من المدارس.) (20).
نعم انها التربية الخاصة، ولكنها التربية الأباضية والمعتزلية ولا سواها هي التي أسست لتلك المدرسة خصوصيتها، من خلال عدم سماحها بظهور السمات الأساسية للتصوف من حيث هو فكر فلسفي موغل في الرمز والاشارة والاستغلاق والتعمية، على نحو ما نجده في المؤلفات الصوفية الفلسفية، وهو الأمر الذي فصلناه عند حديثنا عن البعد الايديولوجي – السياسي للغزو الصليحي لحضرموت، في القرن الخامس الهجري. وعلى ما تقدم، يكون صحيحا ان نفهم كل قول بالصوفية والتصوف في حضرموت، انما يقصد به على التحقيق الزهد الأباضي والمعتزلي، وليس تصوفا لعدم امتلاكه الأساس الفلسفي للتصوف، ولكنه زهدا حضرميا اصيلا وخاصا، من الأصالة ما يمتلكه فكر مذهبي مد جذوره في المجتمع والتاريخ الحضرمي
امتلك
على مدى قرون عديدة
كما نود القول ان ذلك الفكر المذهبي وما يرافقه من زهد بالضرورة، قد امتد تأثيره المباشر ليشمل المجتمع الحضرمي كله، بما في ذلك البوادي، حيث قام باسلمة العرف القبلي الحضرمي، واستطاع تحويل العيب القبلي إلى حرام ديني. كما نود القول ان الحضارمة كانوا يحملون معهم فكرهم وزهدهم وسلوكهم الملائكي حيثما حلوا واستقروا في مهاجرهم، وكانوا من خلال ضرب المثال الحسن، عامل جذب لأهل تلك البلاد إلى حظيرة الإسلام الحنيف، وبذلك تمكنوا من نشر الإسلام في تلك الأصقاع التي هاجروا إليها:
(471) (1/471)
صفحة 472
نظرية المعرفة الدينية بين أهل البيان وأهل العرفان وموقف أهل
حضرموت في القرن العاشر الهجري
نظرية المعرفة الدينية تعتني بالأساس او الأسس التي تنتج (الحقيقة)،
-
ونظرية المعرفة لدى أهل البيان (معتزلة زيدية ــ أباضية) تقوم على أساس التفسير او التأويل للنص القرآني أو الحديث، بحيث يقوم التفسير لديهم على أساس ربطه بالمعنى اللغوي الحقيقي ويقوم التأويل على أساس ربطه بالمعنى المجازي الذي اعتادت العرب ان تصرفه إليه في تجوزها في الكلام، أي انهم اشترطوا في التفسير والتأويل التقيد بحدود المجال التداولي للكلمة العربية في عهد الجاهلية وصدر
الإسلام.
الله تعالى
ونظرية المعرفة لدى أهل العرفان) شيعة ما عدا الزيدية، متصوفة) تقوم على أساس ان لكل نص ظاهر وباطن او شريعة وحقيقة، اما الظاهر فهو معرفة أهل البيان، واما الباطن فهو علمهم وهو الحقيقة الصوفيه، هذا العلم الباطني للنص ومعرفة حقيقة المقصود منه يصلون إليه من خلال (الكشف والالهام) من للمتصوف من غير واسطة، وإذن فالحقيقة الصوفية التي ترفض الالتزام بقيود وحدود المجال اللغوي الحقيقي للغة، يراها المتصوفة عين الحق، لانها صادرة عن رب العزة جل جلاله. وفي هذا المعنى يقول القشيري في رسالته، وهو من اوائل اهل السنة الأشاعرة المدافعين عن التصوف والمتصوفة، في شرحه لمعنى الشريعة والحقيقة في اصطلاح الصوفية:
(472) (1/472)
صفحة 473
(الشريعة أمر بالالتزام بالعبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية (الله)، فالشريعة ان تعبده والحقيقة ان تشهده، فالشريعة قيام بما امر، والحقيقة شهود لما قضى وقدر واخفى واظهر.) (21).
ويرى المتصوفة ان الأخذ بعلم الظاهر لا يكفي ليكون الانسان مؤمنا حقيقيا، بل لا بد من الأخذ بعلم الباطن والا بقي المرء مسلما فقط، يحمل معه نوع من الشرك الخفي، وفي هذا المعنى يقول ابو طالب المكي حول مقصود النص
القرآني:
ان من نظر إلى قول مفسر يسكن إلى علم الظاهر، او يرجع إلى عقله، او يقضي مذاهب أهل العربية واللغة في باطن الخطاب، هؤلاء كلهم (أهل البيان) محجوبون
بعقولهم مردودون إلى ما يقدر في علومهم، موقوفون على ما تقرر في عقولهم .. هؤلاء مشركون بعقولهم وعلومهم عند الموحدين (المتصوفة) وهذا داخل في
(22)
الشرك الخفي) وهكذا نرى ان هناك تقاطعا في نظرية المعرفة بين اهل البيان واهل العرفان، ولهذا نجد ان المعتزلة ينكرون التصوف، وان الأباضية كانت اول فرقة اسلامية تنكره وترفضه، اما فقهاء السنة فقد كفروا الصوفية قبل ان يصبح الفكر الصوفي
جزءا من بنية علم الكلام الاشعري بعد القرن السادس الهجري
موقف أهل حضرموت من مسألة الحقيقة الصوفية:
لقد بينت هذه الدراسة ان الأوضاع العقائدية في حضرموت حتى القرن العاشر الهجري، كانت بين الأباضية والمعتزلة، أي ان اوضاعها المعرفية تنتمي إلى أهل البيان، هذا الأمر يجب ان ينعكس في موقفهم من مسألة) الحقيقة (الصوفية
كما بيناها سابقا، فهل كان اهل حضر موت حقا من أهل البيان؟.
(473) (1/473)
صفحة 474
يقول الشيخ ابوبكر بن عبدالله العيدروس 815 هـ 914 هـ
-
المحسوب حسب المتداول، من أكابر متصوفة حضرموت وأصحاب النظر الصوفي،
في بيان مسألة الشريعة والحقيقة:
) وعلى الجملة ان الشريعة اتباعك اوامره وهي الإسلام، وان الحقيقة بأمره كأنك تراه وكأنه يراك، وهو مقام الأحسان) (23).
اقامتك
هي
رحم الله الشيخ العيدروس، فانه بتعريفه ذاك للشريعة والحقيقة، قد اعفانا من أي جهد نظري او عقلي للمقارنة او التحليل لكشف مكنونه المعرفي، فقد أورد نصاً بيانياً خالصاً من أي تفسير او تأويل، نصاً لا علاقة له بالتصوف النظري لا من قريب او من بعيد، وأصل قوله وتعريفه حديث شريف طويل متفق عليه، عن ابي هريرة الله قال: كان النبي ل ا ل ل له وبارزا يوما للناس، فجاءه رجل، فقال:
ما الايمان. قال: الايمان ان تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: وما الإسلام. قال: ان تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: وما الإحسان. قال: ان تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه سبحانه وتعالى، فإنّه يراك. قال: متى الساعة. قال: وما المسئول أعلم بها من السائل وفي آخر الحديث يخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ان ذلك الرجل
السائل، انما هو جبريل جاء يعلم الناس دينهم. وإن كان لنا من تعليق على تعريف الشيخ العيدروس، فإننا نجده رحمه الله
الله
يقول لنا ان الشريعة هي تقوى، وان الحقيقة (اتقان - احسان - تلك التقوى، فأين نحن من تعريف القشيري وابي طالب المكي والشهود لما قضى وقدر وأخفى وأظهر، أين نحن من الشرك الخفي.
رب قائل يقول: لعل الشيخ العيدروس يقول بقول فقهاء أهل السنة الداخلين ضمن دائرة اهل البيان
(474) (1/474)
صفحة 475
وعلى ذلك نقول: ان الشيخ العيدروس لم يكن من المعارضين للصوف،
بل هو من المعدودين من رجاله ومن رجال الفكر فيه، هذا من ناحية، ومن أخرى، فانه قبل عصر العيدروس بقرون، كان قد حدث تداخل معرفي قوي ومتين بين فقهاء اهل السنة والمتصوفة، كما هو الحال بالنسبة للفقيه القشيري الذي أوردنا تعريفه فيما سبق، وهكذا نرى ان تعريف الشيخ العيدروس، لو كان صادرا عن عقلية سنية، لكان تعريفه عرفانيا وليس بيانيا خالصا
ان الأقرب لدينا في هذه الحالة، انه في القرن العاشر الهجري، كان البعض من معتزلة الحضارمة، قد حدث لديهم تداخل واستيعاب مقصود لمصطلحات التصوف مع السلوك الزهدي العبادي المعتزلي الأصيل، كان من نتيجة ذلك التداخل ان ظهر وانعكس في شكل تعريفات بيانية للمصطلحات الصوفية، ولعل هذا يفسر الحالة الحضرمية من التصوف التي تعتمد الجانب السلوكي منه، دون الجانب التجريدي الفلسفي، وهذا يفسر الموقف الحذر من قضية التأويل لدى مدرسة الزهد الحضرمية المتأخرة، التي يمثلها الإمام عبد الله بن علوي الحداد المتوفي سنة ـ 1130 هـ حيث يقول في ذلك: (والقرآن على ظاهره، وليس لنا ان نزيله عن ظاهره الا بحجة، والا فهو على ظاهره (.) (24)، هذا الموقف من التأويل، هو بخلاف موقف الصوفية والعرفانيين عامة، فهو يعتمد على التضييق قدر منه، بينما يعتمد المتصوفة والعرفانيون على التوسع فيه، نظر الاعتمادهم على نظرية (الظاهر والباطن) في تعاملهم مع النصوص. اما موقفهم من المؤلفات الصوفية، فانه لا يقل حذرا من موقفهم من قضية التأويل، وفي ذلك يقول الإمام الحداد (وكان السلف ينهون عن (فتوحات الحاتمي وتائية أبن الفارض بل وجل لقصائده ورجال التستري، تأليف شيخه أبن سبعين، وكتاب (خلع النعلين) لابن قسي، وابن سكين، والعفيف التلمساني، والعجمي الأيكي الأقطع، وابن
الامكان
(475) (1/475)
صفحة 476
جلا ومن نحا نحوهم)، وعذرهم في ذلك المنع انه لا يجرح في شخصياتهم ولكن يجرح كتبهم ويقول بخطأ ما فيها) (25). كما انهم (ينهون عن مطالعة ما يشتمل من رسائل التصوف على الامور الغامضة والرقائق المجردة، كمؤلفات ابن عربي وبعض رسائل الغزالي كالمعراج والمضنون به على غير أهله، وغيرها من الكتب والرسائل التي تجري مجراها، حيث ان كثيرا ممن عكفوا على مطالعة هذه الكتب صاروا إلى الزندقة والإلحاد وقالوا بالحلول والاتحاد) (26).
عن
مطالعة
لسنا في حاجة إلى القول ان الامام الحداد، وهو إذ يقول بنهي السلف تلك الكتب والؤلفات الصوفية، لان من طالعها صار إلى الزندقة والاحاد، انما يقول بتكفير اصحابها ومريديها، ومن هنا نقول: إذا لم يكن التصوف هو كتب الامام الغزالى ومن بعده ابن عربي، فما هو التصوف إذن؟. ثم أليس في قول الامام الحداد شهادة على ان اسلافه من أهل العلم الحضارمة لم يكونوا على نهج التصوف
والصوفية؟.
(476) (1/476)
صفحة 477
التوحيد
عند الإمام ابي بكر العدني بن عبدالله العيدروس
815 هـ ـ 914 هـ
سبق ان اوضحنا ان المراجع الحضرمية تقول بان الامام العدني من مشاهير أئمة التصوف في حضرموت حيث ولد وأخذ العلم، وكذا في عدن حيث استقر به المقام وبها دفن، كما سبق ان اوردنا قوله في مسألة الشريعة والحقيقة، حيث وجدناه يقول في تلك المسألة بقول اهل البيان .. خلافاً لأهل (العرفان) كما اوردنا قوله بان والده غضب وضربه حين رآه يقرآ كتب ابن عربي صاحب التصوف الفلسفي، وبذلك فان الامام العدني كفانا مؤنة مزيد من الحديث حول اية علاقة له و اسلافه من العلويين الحضارمة وبقية علماء حضرموت، بالتصوف على طريقة أبن عربي حتى القرن العاشر الهجري.
غير ان ماسوف ننظر فيه في هذا المقام، هو فيما إذا كان الامام العدني متصوفا سنيا على طريقة الإمام ابي حامد الغزالي الأشعري، ولما كان المرء لا يكون متصوفا سنيا الا إذا كان اشعري الاعتقاد، فاننا سوف ننافش قوله في مسالة مسألة تعين وتحدد مذهب القائل به ثم ننظر في مدى اتفاق نظرته
التوحيد، وهي مع النظرة الاشعرية في المسألة الاعتقادية.
قال صاحب الغرر: وله) الإمام العدني (كلام في التوحيد: قال رضي
الله عنه: ان الله قادر مهيمن قيوم، اول و آخر، ظاهر وباطن، ابدي أزلي،
سميع
ليس لأزليته ابتداء، ولا لآخرته انتهاء، ليس له شريك او قرين، ولا نظير ولا معين، تقدست عن الاشباه ذاته، وتترهت عن الامثال صفاته، يسمع من غير اصمخة وأذان، ويرى من غير احداق واجفان، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير، ليس هو من شيء، ولا من فوق شيء، لأنه لو كان من شيء
(477) (1/477)
صفحة 478
لكان
لكان مسبوقا، ولوكان في شيء لكان محصورا، ولو كان فوق شيء محمولا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، جل وعلا عما يقول الظالمون علواً
كبيرا.
وقال رضي الله عنه في قوله تعالى (والرحمن على العرش استوى): استواء ليس هو استواء وقوع وحلول، بل هو استواء ملك وحكم. (27) ولنا على قول الإمام العدني في التوحيد مايلي:
1 - قوله انه تعالى (يسمع بلا اصمخة وأذآن، ويرى من غير احداق وأجفان) يعني ان الإمام العدني ان لم ينف بذلك (الجوارح (عن الذات الالهية، فانه ينف (الوجه (على الاقل، وهذا هو قول المعتزلة والزيدية والأباضية، خلافا للاشاعرة الذين يثبتون كل ذلك، ولا يتأولونه كما هو الحال عند الفرق
الثلاث المذكورة.
(28)
2 - لقد اورد الإمام العدني قوله تعالى) لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، وهو اللطيف الخبير (الاستشهاد بهذه الآية انما هو شأن المعتزلة والزيدية والاباضية في مجال قولهم باستحالة رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة، خلافا للأشاعرة الذين يرون جواز رؤيته في الآخرة، وخلافا للمتصوفة الذين يرون جواز رؤيته في الدنيا أيضاً، ويكون ذلك من خلال تجربتهم في (الفناء).
(29)
لكان
3 - يرى الإمام العدني انه تعالى (لا من فوق شيء وانه لوكان فوق شيء محمولا) وذلك هو قول المعتزلة والزيدية والأباضية، خلافا للأشاعرة الذين يرون انه في السماء وفوق العرش. (30) - قوله في (الاستواء) بانه (استواء ملك وحكم. وليس استواء وقوع وحلول) إنما هو قول المعزلة والزيدية والأباضية، خلافا للأشاعرة الذين يرون انه استواء استقرار وتمكن. (31)
(478) (1/478)
صفحة 479
الاعتقاد
وهكذا نجد ان الإمام العدني في مسألة الاعتقاد والتوحيد لا يتفق مع الاشعري، بل لا يتفق مع الاعتقاد السني بعامة، وهو مطابق لما تقوله الفرق غير
السنية المذكورة، وهي المذاهب التاريخية لأهل حضرموت، ولم تعرف سلطة
وسيادة لسواها طوال تاريخها الإسلامي حتى القرن العاشر الهجري، وهي تنكر التصوف وترى فيه بدعة في الدين.
مذاهب
نعم، لقد استخدم الإمام العدني، المصطلح الصوفي ولكنه اعطاه مضمونا غير صوفي، كما هو الحال في تعريفه (للحقيقة (بانها مقام الاحسان، وبمعنى آخر، ان
الإمام العدني تكلم بلسان اهل (العرفان) وبقلب اهل (البيان). لقد تحدث الإمام العدني بلسان أهل العرفان اثناء اقامته في موطنه (تريم) المركز التقدم لأهل (البيان (الحضارمة، فكان لا بد من الصدام بينه وبين اهله وقومه وعشيرته، بل ومجتمع تريم عامة، وكان ذلك الصدام بسبب نزوحه من تريم إلى عدن، وسبب ازمته النفسية، ولهذا نجده يكتب عن ذلك في رسالة ارسلها إلى احد افراد الاسرة العلوية في تريم كان قد نحا نحوه في حديث التصوف، قائلاً:
(وفي النفس من الضيق بهذا الوقت من عدم المجانس كثير، فلما آنست منك الانس، وعرفت منك انك تحب البسط، كان كمن جرّ نهراً محبوساً، فلا تعتب علي كثرة البسط، فانه من صفاء المودة، وفي القلب نصائح يحب المملوك ان يبديها لكم لما غلب الود وصفا القلب
أعلم ان هذا الزمان خصوصا عندكم الغالب على أهله عدم الوفاء وإظهار القبيح والجفاء، وصار بين أظهر اعداء للدين، وجلبوا على محبة إذاعة مثالب اهل المناصب، وقبيلتنا (32) الغالب عليهم عدم الاحتراز في الاقوال والتلبيس في الافعال،
فلا يجروا على انفسهم الا زيادة سوء ظن فوق ما جلبوا عليه.
(479) (1/479)
صفحة 480
الحافة
وانت بسلامتك قد جعلك الله مفرداً من غير اختيار من زمان أبيك في (الحارة) والبيت والمسجد والطبع، فالصواب اعتزالك منهم قلبا وقالباً، وابق لك على ما اختار الله لك، فهو اعلم بالخيرة، ولا تدخل نفسك في الامور الصادرة ما بين اخوانك، وقل: الكبار سادة والصغار اولاد، ولا يمكن العصبية مع احد على أحد، وقل: حالي يضعف عن الخصومات ومخالطة ارباب الدول، وقل انا منفصل من زمان الوالد، ورغبت في الاعتزال عن كله، لعلمي بضعف حالي، فلا تكلفوني سوى اني احبكم جميعاً، فهذا هو الاصلح لأنهم لا يتبعون ما أمرت، ولا يحسن بك العصبية مع أحد دون احد، وفي المخالطات من الآفات ما يذهب الدين والجاه والمروءة، وأكثر ما يتعبنا قول الشامتين الحاسدين، راحوا أهل الخير وبقي من لا ينفع، ولا عاد على رسم الفقراء سواك، فبالله عليك ورسوله لا تدنس قميص سلوكك مخالطة اوباش تريم ورعاعها أف لررئاسة تناط بهم فوالله ما
،
تجشمت الفرقة وحليت لي الغربة الا لكراهة تلك المخالطات والمعاملات من
خسران الدين والدنيا
وبعد فاعلم سيدي اني إذا ذكرت بعدي عن الترب المنيفة والضرائح الشريفة وعدم زيارة المشايخ يحصل لي التعب الكلي، وإذا رجعت إذكر ما قاسيت من مرير عشرة العشيرة، وعدم احتفالهم بمراعاة المودة، وقل امتثال العاقل، وعدم رمق العواقب، وسيان عندهم عدوهم وصديقهم في افشاء غوابي اسرارهم، احببت الغربة، وذقت لها حلاوة كائنا ما كانت، ولا شيء يتعبني سوى ان اموت في غير، فالدعاء الدعاء ان الله تبارك وتعالى سبحانه جل ذكره ان يجعل موتي في تريم وبعد فخاتمة كتابي نسأل الدعاء ان يختم للجميع بخير الدنيا والدين والآخرة بحق محمد وآله آمين.). (33)
تريم
(480) (1/480)
صفحة 481
وبعد، فلاشك ان الإمام العدني قد قال الكثير فيما أوردناه من رسالته تلك غير اننا لسنا بصدد الوقوف طويلا امامها، و حسبنا ان نرصد ذلك الصدام العنيف الذي حدث بين الإمام العدني والمجتمع التريمي وعلى رأسه اهله وعشيرته من العلويين الحضارمة، في مطلع القرن العاشر الهجري، وقبل ظهور السلطان بدر ابي
طويرق ومشروعه الانقلابي المذهبي العقائدي.
وعلى ذلك الصدام يمكن ملاحظة ما يلي:
1 - ان الإمام العدني في حديثه في تلك الرسالة، ينطلق من خلال معاناته النفسية الصعبة وتلك المعاناة التي كانت نتاجا لعدم وجود (المجانس) له في نهجه الصوفي في موطنه (تريم)، خاصة من اسرته العلوية، ولهذا فقد وجد الإمام العدني في شخص المرسل إليه) وهو من اسرته (ضالته النشودة، لينطلق معه في حديث الشجون وكأنه (نهر محبوس)، وما حبسه الا عدم وجود (المجانس). 2 - ان الإمام العدن يتقدم بنصائح إلى المرسل إليه، هي من صميم تجربته مع اسرته العلوية في تريم، وهو يخاطبه باعتباره) مفردا (لا ناصر له فيها ولا مريد، وهنا يقع المرسل إليه في نفس وضع اللإمام العدني في عدم وجود المجانس له، وفي
تجربته.
ان الإمام العدني يكثر من تحذيراته ويشدد فيها على المرسل إليه باعتزال الاسرة العلوية في تريم، وما ذاك الا لعدم مجانستهم له في نهجه الصوفي، أي ان خلاف الإمام العدني وصدامه مع اسرته العلوية، انما هو خلاف فكري عقائدي، وهو الامر الذي يبرر تلك القوة والحدة في الصدام بين الطرفين، وهو ما دفع الإمام إلى ان يصف عشيرته بانهم) اوباش ورعاع (أي سفلة الناس واخلاطهم، ولا يصلحون للرئاسة
(481) (1/481)
صفحة 482
4 - يصرح الإمام العدني بان عشيرته هي سبب اغترابه و افتراقه عن تريم، ولكنه راض بكل ذاك رغم مرارته، إذا ما قيس الامر بمرارة معاناته من الأهل، وهو إذ يعتزلهم، فإن ذلك ليس الا لكراهة مخالطتهم ومعاملاتهم التي فيها (خسران الدين والدنيا) وهو الامر الذي يعني اشهارا للبعد العقائدي للخلاف والصدام. ه - ان اسلوب النقد الجارح للكرامة الذي وجهه الامام العدني لعشيرته العلوية، هو ابعد ما يكون عن النقد الصوفي الذي لا تفارقه المسامحة والرأفة والرقة والدعاء بالتوفيق والسداد، حتى مع الخصوم و يغلب عليه النصح والتوجيه ويسيطر عليه، كل ذلك يعطي مؤشرا آخر على ان فكر الإمام العدني في حديثه الصوفي، انما هو فكر علماء الكلام، ولا يتفق مع العقل الصوفي، إذ ان العقل الكلامي من حيث هو عقل توحيدي دفاعي، يتسم بالقطعية، لا يقبل الاختلاف والمغايرة، وهو بعكس العقل الصوفي من حيث هو انفتاح اقصى على الوجود وقبول لكل مغايرة واختلاف. ان غلبة العقلية الكلامية لدى
نجد
الطرفين، تبرر حدة واتساع ذلك الصدام بين الإمام وعشيرته غير ان العقلية الكلامية في حضرموت حتى بداية القرن العاشر الهجري، اما ان تكون أباضية او معتزلية، غير ان احدا من أهل النظر الحضارمة لم يقل بأباضية الإمام احمد بن عيسى العريضي مؤسس الأسرة العلوية الحضرمية، بل من يقول باعتزاله من داخل الدائرة العلوية الحضرمية، فالمؤرخ عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف العلوي، يرى ان الاقرب ان يكون الإمام المؤسس معتزلي الاصول (34)، وبهذا يكون الاعتزال هو المذهب الأساسي للعلويين الحضارمة، ومن منطلقات العقلية الكلامية المعتزلية، كان موقف العشيرة من الإمام العدني وحديثه الصوفي.
(482) (1/482)
صفحة 483
الإمام العدني والسياسة:
السياسة والتصوف أمران متعاكسان ولا يلتقيان على الجزم والإطلاق، من حيث أن السياسة عمل أهل الدنيا ومن أجلها، والتصوف عمل أهل الآخرة ومن أجلها، وإذن فالعلاقة بينهما علاقة تقاطع تام، ولقد أوضحنا ذلك بما فيه الكفاية عند حديثنا عن ثورة شبام سنة 943 هـ. وعندما تحدثنا عن اوضاع وأحوال القرن العاشر الهجري، وتحديدا عن أحداث سنة 910 هـ، قلنا أن السلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري حاكم عدن السني الأعتقاد، أستطاع في تلك السنة أنتزاع صنعاء من يد الزيدية، عندها قامت ثائرة الفقيه الشاعر عمر بن عبدالله بامخرمة، الذي أرسل إلى الأمير الزيدي محمد بن حسين البهال بقصيدة بكائية من النمط الشيعي، ينعي فيها سقوط صنعاء في يد الطاهريين، ويستصرخه أنقاذها من أيديهم، ويدعوه إلى تنسيق الأمر مع الأمام بن عبدالله الكثيري متولي الدولة الكثيرية حينها، تلك القصيدة التي بدأها
910
محمد
بامخرمة بقوله:-
قال الفتى الجوهي عيني مالها مجروحة الخدين من هطالها
قصيدة الفقيه بامخرمة تلك حركت الشجون السياسية للإمام العدني، فرد عليه
بالقصيدة التالية:-
يا كاذبا فيما تقل قد زلزلت الأرض مما قلته زلزالها لو نادت الأكوان من ذا للعلا ربا، لقالت ربها بمالها هذا مقالة إفتراء بلا مرى تبت يد أ يا ربنا من قالها أي المعالي نالها بالكم كلا هو المشهور من جهالها لا دين يردعه ولا علم له إلا رويعي شاتها وإبالها لو جاءت الزهراء بعض فعاله لنفته حقا أن يكن من آلها
(483) (1/483)
صفحة 484
إن قيل هذا في الوغى بطل فقل لا ذا من الأبطال بل بطالها قل أينه في وقت ما اشتد الوغى وحمى الوطيس بخيلها ورجالها واعتم مولانا وقام بنفسه أنا عامر رب العلا وأنا لها وعطف بكل جنوده و آلاته قهرا فهو رب العلا و جمالها هذا الأمام اللوذعي الأسد الذي وقت الهزاهز لا يخاف أهوالها بالحلم والدين الحنيفي والندى وفي الشدائد حامل أثقالها هيهات ما مثل الأمام الظافري بزماننا في سهلها وجبالها روحي الفدى لأنامل كفه قد عم كل الخافقين نوالها ما في السياسة والرئاسة يا فتى من مثله بملوكها وأبطالها هذا لبيت المال يصرف دائما وفتاكم نهب النفوس و مالها لو قدر الله العلا ينطق لنا نادت بأعلى صوتها و مقالها حكمت بأن الظافري هو تاجها وأبن الحسين على الصحيح نعالها أن الحروب سجال في حكم القضا لابد أن تلقي عليك سجالها لابد يا ابن الحسين تذوق ما لم تذقه من شرها ونكالها صبرا قليلا أن دولتكم لنا قد آذن الرحمن لي بزوالها يا الله يا رب السموات العلا يا رافع الدرجات يا متعالها عجل لطائفة الفساد هلاكـ فلقد تزايد ظلمها وضلالها (35)
ــها
وبعد: إذا كان الأمام العدني ومن قصيدته تلك، أنما كان يمارس السياسة والمذهبية في أنصع صورها وتجلياتها، ويسبح في عالم السياسة والرئاسة وتياراتها المتصارعة المتهالكة على الملك والسلطان، ويقول بما تقول به من حروب ودمار وسلب ونهب وأموال وشرور ونكال ومدح وذم وتحقير، وإذا كان كل ذلك هو أبعد ما يكون عن عمل أهل التصوف او فكرهم، وإذا كان عهد تلك القصيدة هو سنة 910 هـ، أي قبل وفاته بأربع سنوات فقط لاغير، فأنه يحق لنا أن نتساءل: متى طرح الأمام العدني عن كاهله كل ذلك العبء الدنيوي الثقيل، متى انخلع عن
(484) (1/484)
صفحة 485
الدنيا بالكلية وتركها لأهلها غير آسف عليها، وحتى قبل أن يقبل الأمام العدني على التصوف - إن كان قد تصوف حقا - كيف كانت مرحلة الأنتقال بين الحالين؟ وتلك مرحلة لابد منها ومن معاناة أنشطار الذات فيها، كالتي مر بها الأمام أبو حامد الغزالي وشرحها في كتابه (المنقد من الضلال)، ثم كم استغرقت من الزمن حالة الإنشطارتلك، وبعد كل ذلك لنا أن نتساءل: متى تصوف الأمام العدني إن كان قد تصوف حقا؟.
(485) (1/485)
صفحة 486
الترغيب في كتب الإمام الغزالي
في وقت مبكر من القرن الرابع الهجري، كانت قد عصفت المذهبية العقائدية بالدولة الإسلامية، وتفتتت دويلات عدة، لكل مذهبها العقائدي الذي ينكر شرعية الدويلات الاخرى انطلاقا من انكار مصداقية مذهبها العقائدي، وكان طبيعيا ان تعتني كل منها بمذهبها إذاعة ونشرا ودرسا وتدريسا، في نفس الوقت الذي تحارب فيه المذاهب الاخرى بكل الوسائل والسبل، حتى وصل الامر في احيان كثيرة إلى احراق كتب الخصوم العقائديين ومصنفاتهم في محافل كبيرة، تلك المحاربة واساليبها لها ما يبررها في مجال الصراع السياسي الايديولوجي قديما
وحديثا.
حضرموت كانت احدى تلك الكيانات المذهبية الإسلامية، وكانت منذ القرن الثاني الهجري تحت سيادة مذهبي الأباضية والاعتزال، وهما من اكثر المذاهب الإسلامية خصوما، حتى لنجد الإمام الزمخشري صاحب) الكشاف) المتوفي سنة 528 هـ، يقول في تفسيره لآية (الكرسي): اعلم ان اشرف العلوم واعلاها متزلة عند الله علم اهل العدل والتوحيد، ولا يغرنك كثرة اعدائه)،هكذا نجد كثرة اعداء مذهب الاعتزال في القرن السادس الهجري.
غير ان القرن السادس الهجري حضرميا، كان العصر الذهبي للاعتزال وعلومه ودولته الوحيدة اليتيمة في التاريخ الإسلامي، فكانت حضرموت حينها تعج بحركة علمية لا مثيل لها في العالم الإسلامي، وكان المجمع العلمي المعتزلي فها من الكثرة بحيث انه اجتمع في تريم وحدها ثلثمائة عالم وففيه ومفتي وجلهم يشتغل
(486)
بالتأليف (1/486)
صفحة 487
في ظل تلك القوة السياسية والعلمية لمذهبي الأباضية والاعتزال في
حضر موت القرن السادس الهجري، فان كتب الخصوم العقائديين ومصنفاتهم لم تكن تشكل أي خطر من أي نوع على تلك الاوضاع، بل على العكس تماماً، فان تلك الكتب والمصنفات سوف تشكل مادة خصبة للنقد المذهبي العقلي، بما يعزز الموقف العقائدي والسياسي للمذهبين الاباضي والمعتزلي، ولهذا لم تذكر المصادر أي حادثة احراق او ملاحقة للخصوم العقائديين ومصنفاتهم في حضرموت، وذلك في اعتقادنا بعود إلى قلة عددهم وضعف تأثيرهم الذي ساعد على هشاشته وضعفه الاستقرار الاجتماعي والمعيشي في البلاد، وهو الذي اشار إليه مفتخرا الإمام عبد الله بن بن راشد متولي تريم حينها وصاحب الولاية العامة في حضرموت، بقوله المشهور: (في بلادي ثلاث خصال افتخر بها: لا يوجد فيها حرام ولا سارق ولا محتاج). ويصف الإمام محمد بن أحمد بن أبي الحب الأوضاع في حضرموت في القرن السادس الهجري في قصيدة يمتدح فيها الإمام عبد الله بن راشد، يقول فيها (36):
يا علم الأفضال والجود والكرم وعلامة الأدب والعلم والحكم ياعصمة الله التي للناس ترجى له دولة يرعى فيها الذئب والغنم
غير ان الموقف اختلف تماماً في القرن العاشر الهجري، نتيجة مشروع السلطان بدر ابي طويرق الانقلابي الهادف إلى قيام اول كيان سلطوي في التاريخ الحضرمي على الاعتقاد السني، فكان ان عم البلاد من اقصاها إلى اقصاها اضطراب واقتتال لا يكاد يقف او يكف على مدى نصف قرن من الزمان، هو عهد هذا
السلطان
(487) (1/487)
صفحة 488
لقد كان المشروع البدري يقتضي اول ما يقتضي دعم وتقريب وتسييد علماء وعلوم المذهب الاشعري والمتصوفة، وهما الاكثر شهرة في خصومتهم ومعارضتهم وعداوتهم لمذهبي الأباضية والاعتزال، هذا التسييد والتقريب كان يعني بالنسبة لعلماء حضرموت من اهل البيان الذي يمثلهم الامام عبدالله بن عمر بامخرمة
بقوله: (رفع النذول ووضع الفاضل الحسن. (فكان من نتيجة ذلك ما حدث من
(.
صدام وتقاطع حاد وعنيف بين السلطان بدر وحضرموت عامة.
هذا من ناحية، ومن أخرى فان تلك الاجواء المضطربة التي سادت وعمت عهد السلطان بدر، تعتبر اجواء مثالية من الناحية النفسية على الاقل لقبول الفكر الصوفي باعتبار اعتماده على فكر الجبر الذي يريح من تكاليف المسؤولية ويغني من هم التفكير فيما كان ويكون، وباعتبار ان الضيق والرفض لوضع من الاوضاع فيه ما يشبه الاعتراض على ارادة الخالق ومشيئته، وباعتبار ان المؤمن لا يعاند القدر، وان ما هو حاصل ما اضطراب مفجع لا علاقة له بالسلطان بدر او بغيره، وإنما هو قدر وقضاء رباني يجب التسليم به، قد كتب على الخلق من قبل الخالق قبل تكوين
الاكوان.
ويصور الإمام محمد بن عمر باجمال المتوفي سنة 964 هـ، وهو من عرفنا معتزليته ومناهضته الثورية للسلطان بدر ومشروعه الانقلابي، يصور تلك الاوضاع المضطربة بقوله:
(ان اهل الكذب والافتراء الملبسين في هذا الزمان من اهل كل فن كحصى البطحاء كثرة، اقتناصا للدنيا، ولكن الملبس باسم الفقه المدعي الفقه لا يخفى تلبيسه على له ادنى تمييز، فان فن الفقه امر ظاهر، والقول فيه شاهر، اما فن التصوف
من
فيكثر التلبيس به، واهل الدعوى الكاذبة فيه، لدقة مداركه وخفاء مسالکه
وعدم اهل البصيرة النفادة فيه، المميزين الطيب من الخبيث، الخبيث، والسمين من الغث،
،
(488) (1/488)
صفحة 489
فتأمل ما ذكرنا). (37)، ويقول أيضاً: (وقد عمت الفتنة بعموم الجهل في قبائل هذه الجهة، وزادهم فتنة وغرورا انتماء الاولاد بالنسب المجرد إلى من سلف من علماء الاجداد والتعزز بعلمهم وصلاحهم، واتخذوا ذلك لهم عدة، فكرعوا في منهل كل فساد، وهمعوا بنفوسهم في كل واد، وفقدوا من قلوبهم النور الواعظ، ومن عشيرتهم المعلم الناصح. ومع ما هم فيه من الجهل والفسق، فالعوام تجلهم وتكرمهم، فتنة على فتنة، وظلمة فوق ظلمة، كل ذلك من عموم الجهل في الكل، فيلعب بهم الشيطان كما يريد، فالاحمق الغافل هو المغتر الهالك، والجاهل سلك يجهله اخبث المسالك، فتأمل يا اخي هذه النصيحة، واعمل بما هناك، مسكين من لا فهم فيه مسكين.) (38)
الانتساب
لا شك ان الإمام باجمال في ما قاله، انما شن هجومه القاسي والشرس على التصوف وأهله، ذلك ان حكمه على التصوف بدقة مداركه وخفاء مسالكه انما يعني به ان التصوف غير مقبول عقلا، ولا يمكن اثبات حقيقة من يدعي إليه، وقوله باحتوائه على الطيب والخبيث والسمين والغث، يعني به انه فكر متناقض لا يصح الاعتقاد به، وفي كل ذلك نفي وانكار للتصوف، ومادام ذلك هو معتقده في التصوف، فقد كان طبيعيا ان يصف اهله بانهم اهل دنيا وادعياء علم
وجهلة، ولاشك ان الامام باجمال يتحدث من هنا عن متصوفة (الدروشة). ويقول الشيخ عمر بامخرمة عن اوضاع العلم والعلماء في عصره المضطرب: (39)
ما هي
يا معلم بکي باكي وجاوبه مثله شوف الاعمال مهجورة فما من محله عامرة، لا ولا راغب في الخير واهله واصبح الحق مرفوض مبغوض كله امرنا مندرس ماعاد شيء في محله الامقالة كل من بان بطله نطق ناطق بكلمة طافحة فوق عقله عاملوا بالرخص وامسوا على خس مله في جدال في تأويل ما منه نقله من هنا صاب اهل المعصية كل علة
(489) (1/489)
صفحة 490
يا عجب من قلوب لم تزل مشتغلة واعرضوا عن صفاء نور الصفات المطله الله الحاد يا غماه من ذا المزلة آه من فتنة اهل العلم كيف المحلة او إلى اين المسير إن حارت اهل الادلة فاز والله من ايقظ خالقه عين عقله من خلص في رضا مولاه بسره وشغله ختمها استغفر الله فإنها خير وصله
في هذه الابيات
ينعي شيخنا بامخرمة حال العلم والعلماء في اجواء تلك) الفتنة)، فيقول ان مجالس العلم مهجورة، ولم يعد هناك من يرغب فيه أو في أهله، واصبح قول الحق مرفوض مبغوض، واصبحت السيادة لمقالات أهل الباطل، اهل الجدل والتأويل الذين ينطقون بما لا يفقهون في مسائل الغيب (علم الكلام)، وهو الامر الذي ترتب عليه غضب الله عليهم بما يصيبهم من فتنة القتال
والاقتتال بين احزابهم وفرقهم.
ويعجب شيخنا من استمرار العلماء في تعلقهم بمسائل الجدل والتأويل
دون ان يتحولوا عنها قيد انملة، مع اعراضهم عن التمذهب بالمذهب الاشعري الذي هو مذهب) صفاء نور الصفات المطلة) أي الصفاتية
ويتألم شيخنا من ما آلت إليه امور اهل العلم واستمرار الفتنة بينهم، ويرى
،
في ذلك غمة اصابت الامة، ثم يأتي بالحل الذي يراه، فيقول: أذا كان علماء الجدل والتأويل (علماء الكلام) قد حارت عقولهم، و لم تصل إلى يقين في مسائل الغيب، وهي لن تصل ابدا، بدليل اختلاف فرقهم، إذ ان العقل الانساني يقصر الله دون ذلك، فإن الحل هو بالتخلي عن الخوض في مسائل الغيب والاخلاص تعالى، عندها يرجون رحمته تعالى بأن ينعم عليهم بأيقاظ (عيون عقولهم) لا
عقولهم، فينكشف لهم الحجاب ليروا (الحق) عيانا، على طريقة الصوفية. ا
(490) (1/490)
صفحة 491
هذا الموقف من مسائل علم الكلام والجدل والتأويل الذي انفجر في عهده في ظل
تلك (الفتنة) يؤكده قوله: (40)
واعن وستعن به واتبع امره وجله من دعاوي العتاة اهل الدعاوي المضلة ذي يخوضون في ذاته بما لا يحله وإنف عنه ان يحيط العقل والنقل واهله به وعن درك فهم او وهم وصف اثبته له فأنه غاية منال العارفين اهل وصله
ويقول عن اوضاع تصوف (الدروشة) (41):
فاحك لاهل الدعاوي والكلام المشوه ذي سعوا في تصوفهم على غير قدوه مالهم في رسول الله والاصحاب قدوة غير تاهوا مع الشيطان من حيث توه فاستطابوا باسماعه يوم غنى ودوى واستظلوا بغيمه ذي ملا الجو منه يا عبيد الهوى يا من قدلهى لهوه ما التصوف عكاز ولاحمل ركوة لا ولا لبس خرقه وحبوة ما هو إلا لقتل النفس يا ناس عنوه
في هذه الابيات يصف الشيخ بالمخرمة موجة التصوف على طريقة (الدراويش) التي هاجت وماجت في عصره، فيقول انه تصوف اهل الدعاوي الباطلة (يقصد الكرامات والكلام المشوه الذي لا وجه له من التصوف الحقيقي، وانه سلوك قوم لا علاقة لهم بالإسلام ورسوله وصحبه، وان اهله ليسوا اكثر من اتباع الشيطان يتجه بهم حيث يشاء، فالقوم قد استطابوا السماع وادمنوا الغناء على طريقته، واستظلوا بسحابته (الفتنة (التي ملئت اجواء البلاد بلاء، فهم اهل هوى لا اهل هدى، يخادعون الناس بمظهرهم الرث البائس، ليدعوا به تصوفهم،
وهم في الحقيقة ابعد ما يكونون صلة بالتصوف الذي هو نهي النفس عن الهوى
ويقول في التصوف أيضاً (42):
(491) (1/491)
صفحة 492
فان ذا وقت مجرانا على خس مجري من لبس ملحفة غبرة فرا الغرب وافرا وان قنص مسبحة بلا قلب يقرا قال لي منزلة وهو قيم برا فاحتلقن اللحى وامسوا في الفتنة اسرى لا ادركوا لذة الدنيا ولا فوز الآخرى
وفي هذه الابيات يؤكد شيخنا ماقاله في الابيات السابقة عن تصوف عصره، حيث يقول انه يجري في اسوأ محرى، ذلك ان كل من لبس رث الثياب) ملحفه غبره) اكل السحت وافترى وكذب) فرى الغرب وافرى)، وان من اخذ بيده مسبحة راح يقراء ((القرآن بلا فهم او تدبر، ثم راح يدعي بان له منزلة ومقام عند الخالق الكريم، وهو في حقيقة الامر (قيم (برا) أي يقف مغضوبا عليه خارج باب الرحمة الربانية، لا متزلة له ولا مقام في الدنيا والاخرة
ولعل ذلك هو حقيقة التصوف وأهله في حضرموت في القرن العاشر الهجري، وهو واقع مبرر تاريخيا وموضوعيا، ذلك ان دخول التصوف الدائرة العلمية والاجتماعية الحضرمية قد تم فجأة وبدون مقدمات مذهبية وسياسية، إذ ان الاصل هو ان يسبق ذلك السيادة السلطوية السنية الاعتقاد، وهو الامر الذي لم يحدث في حضرموت، وانما بدأ الشروع السلطوي السني الاعتقادي بتولي السلطان بدر ابي طويرق في بداية القرن العاشر الهجري، ولهذا فقد تم ادخال الفكر السني الاشعري والتصوف معا وفي وقت واحد ضمن ذلك المشروع البدري الانقلابي، فكان طبيعيا ان يأتي حال التصوف وأهله على ما قاله الإمام باجمال والشيخ بامخرمة وهما في هذه الحالة شاهدا عيان على عصرهما المضطرب. ولما لم يکن امام السلطان بدر ورجاله ومشتشاريه في سبيل تحقيق ذلك المشروع الانقلابي من خيار سوى إذاعة ونشر الاعتقاد الاشعري والتصوف معا لمواجهة مذاهب حضرموت التاريخية العريقة الوجود، فانهم لن يجدوا افضل من كتاب (أحياء علوم
(492) (1/492)
صفحة 493
الدين) للإمام ابي حامد الغزالي المتوفي سنة 505 هـ فهو جامع للفنين معا، في اسلوب يستجيب لحاجات النفس المضطربة وشروخها التي احدثتها احداث القرن العاشر الهجري وسياساته. ففي تلك الاجواء المضطربة عقائديا وسياسيا واجتماعيا، كانت الحاجة هي الداعية إلى ضرورة التعامل مع كتب الامام الغزالي والدعاية لها والدعوة إلى الاطلاع عليها، ليس من باب نقدها العلمي كما كان الحال في السابق، بل من باب حقيقتها العلمية والنفسية والسياسية من وجهة نظر المشروع البدري.
سبق الحديث على ان كتاب الامام محمد بن عمر باجمال (مقال الناصحين ومنال المفلحين (قد تعرض من قبل الأخلاف، إلى عملية حذف واضافة، لأسباب تقدم ذكرها فيما سبق، غير ان ما لم نقله في حينه، هو ان الإمام باجمال وقد تبين لنا وللقارئ الكريم، عند الحديث عنه، مذهبه المعتزلي، الزيدي، ودوره الثوري المناهض للسلطان بدر وسياساته، ما كان له ان يفتتح كتابه المذكور بـ (فائدة) تحت عنوان (الترغيب في كتب الإمام الغزالي جملة) فهذه (الفائدة) تتعارض وتتقاطع معرفيا ومذهبيا وسياسيا مع تاريخه السياسي ومذهبه المعتزلي، وما يتفق مع العقل وشروطه ان تكون تلك الفائدة انما هي من عمل (الأخلاف)، في تعاملهم مع تراث الاسلاف بغرض عرض مذاهبهم على خلاف حقيقتها، وقد سبق هذا فان عنوان تلك الفائدة (الترغيب) يؤكد هذا الامر. ومع الدخول المتأخر لكتب الإمام الغزالي إلى الدائرة العلمية والاجتماعية الحضرمية، كما تؤكد ان تلك الكتب كانت قبل ذلك القرن غير مرغوب فيها طبعا لأسباب مذهبية وسياسية، والا لمإذا تأتي الدعوة إلى الترغيب فيها متأخرة حتى منتصف القرن العاشر الهجري، وفي ظل المشروع البدري وظروفه وحاجياته وضروراته؟ من ناحية، ومن أخرى، فان طابع الترغيب ذاك قد جاء بلغة الإمام باجمال
الحديث عن
هذا
(493) (1/493)
صفحة 494
بأسلوب فيه الكثير من (التلبيس)، رغبة من القائمين على المشروع الانقلابي البدري، في سرعة انتشارها بين الناس لمحاربة فكر الخصوم العقائديين من اهل
الأباضية والاعتزال، فقد جاء في تلك الفائدة، باستشهادات من قبل مشايخ:
منها:
،
1 - قال الشيخ عبدالله بن ابي بكر العيدروس العدني: (لو بعث الاموات، لما أمروا الأحياء الا بمطالعة (الاحياء).
2 - وقال غيره من المشايخ (من لم يطالع الاحياء فانه ما به حياء). - قال الشريف محمد بن علي عيديد: (من لا يحب كتب الغزالي، فليس هو من أبناء الآخرة، بل هو من أبناء الدنيا).
4 - وقال بعض العلماء: كاد كتاب (الإحياء (ان يكون قرآنا، فانه ما فرط فيه من شيء، قد أعجز العلماء من مزاحمته ومشاكلته.
ه - قال الفقيه الشيخ محمد بن ابي بكر باعباد رحمه الله تعالى للشيخ احمد بن عفيف (صاحب الهجرين): هل لديكم كتاب (الإحياء)؟، قال: لا. فقال له:
واظلماه واضعف اسلاماه)
لعل القارئ الكريم، قد ادرك اسلوب التلبيس الذي تم به الترغيب والدعاية لكتب الإمام الغزالي فبالاجمال قد تم تصوير الامر على انه لا يكتمل اسلام المرء ان لم يطلع على تلك المؤلفات، وانها من تمام الدين، والضمان للفوز بجنة النعيم، وبالاختصار وبلغة التلبيس تلك: كاد الاحياء ان يكون قرآنا.
غير ان الحوار الذي يزعم انه دار بين الشيخ باعباد قاضي شبامت 801 هـ) والشيخ ابن عفيف صاحب (الهجرين (في الوقت الذي يدل على ان تلك الفائدة (مدسوسة (على كتاب الامام باجمال من قبل الاخلاف، وذلك من خلال ما توصلت إليه هذه الدراسة فيما سبق، من خلال مناقشة (نص الشيوخ) للمؤرخ
(494) (1/494)
صفحة 495
الحداد، من ان الشيخ باعباد كان هو ومن ذكر معه في ذلك النص، على المذهب الاباضي، وبالتالي لم يكن الشيخ باعباد معنيا بالامام الغزالي ولا فكره ولا كتبه، ورغم كل ذلك، فإن ذلك الحوار يضيف شيئا مهما، فهو في الوقت الذي يحكم بان الهجرين حتى القرن العاشر لم تكن اشعرية الاعتقاد ولا تعرف عن التصوف شيئا، وإذا ربطنا كل ذلك بما تردده المراجع والمصادر من ان الهجرين ومنذ القديم قد عرفت المذهبين الشافعي والحنفي، وانه كان فيها مايقرب من ستين فقيها وقاضي وعالماً من المذهبين، فان ذلك يعني ان سنية الاوضاع الفقهية فيها لم تكن بالاتجاه العقائدي السني او الاشعري، بل كانت بالاتجاه المعتزلي، وان اوضاعها السياسية المذهبية حى القرن العاشر الهجري ظلت على حالها القديم بين الأباضية والاعتزال، وهو شأن لا يخص الهجرين وحدها، بل كل المدن الحضرمية والمجتمع الحضرمي عامة.
ذاته،
وبهذا نصل إلى ان الادعاء بصوفية وسنية الاوضاع الاعتقادية والسياسية في حضرموت، منذ عهد مبكر من العصر الإسلامي، انما هو ادعاء يتناقض مع وإذا تناقضت قضية مع ذاتها وجب تصديق عكسها، كما يقول ذلك اهل المنطق الفلسفي، وهم يقصدون بذلك انه إذا قال قائل: (انا ميت) فان قوله ذاك يتناقض نفسه، لأن الميت لا يتكلم، وإذن، وجب تصديق عكس ما يقوله وهو (انا حي) وهنا يكون العكس صادقا بالضرورة. وهنا نجد ان الادعاء بالسنية المبكرة للأوضاع في حضرموت، لا يتناقض مع ذاته فحسب، بل ويتناقض مع موضوعه الاحداث والفكر والسلوك والاعلام) ولذلك فان الامر يدعو إلى تصديق عكسه، وهو ما بينته هذه الدراسة.
(495) (1/495)
صفحة 496
الموقف من التصوف في تريم في منتصف القرن الثاني عشر الهجري:
في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، كان قد مر اكثر من قرنين من الزمان على بداية مشروع السلطان بدر ابي طويرق الانقلابي المذهبي العقائدي السني، وكان لابد ان تختلف الاوضاع المذهبية في حضرموت عامة وتريم خاصة، عما كانت عليه في بداية القرن العاشر الهجري، عصر الإمام العدني، فإذا كان الإمام العدني في ذلك القرن، لم يجد له نصيرا او مريدا في مجتمع تريم يؤيد حديثه باسم التصوف، فان قرنين من الزمان من وجود سلطة سنية الاعتقاد، وان لم تكن مستقرة وثابتة وغير متفردة بالسلطة، كان لابد ان يؤثر ايجابيا لصالح الاعتقاد السني والاتجاه الصوفي، ففي منتصف القرن الثاني عشر الهجري: (كانت الدهماء في ذلك العصر المؤسف منقسمة سياسيا ومذهبيا، فمن الناس من يجنح إلى الزيدية، وهم اتباع السلطان (علي بن عبد الله الكثيري) الذين يفضلون سلطة الأئمة (في صنعاء) على سلطة يافع الشوافع التي يعضدها (السلطان) بدر بن محمد (الكثيري)
وتعضده
(43)
ان ما يقوله المؤرخ ابن هاشم عن الانقسام العقائدي للمجتمع الحضرمي في ذلك العصر، نلاحظ عليه ليس انقسام (الدهماء (فحسب، بل وانقسام (السلطة) أيضاً، وانقسام الدهماء والسلطة يلزم عنه انقسام العلماء، إذ ان الانقسام يقع في دائرة اختصاصهم قبل غيرهم، ناهيك عن ذلك الارتباط المتين بين اهل العلم واهل السياسة في التاريخ الإسلامي، ولبيان حالة الانقسام داخل الدائرة العلمية وافتراق موقف اهل العلم من التصوف، نورد ما اسماه المؤرخ ابن هاشم) قصة التابوت)، حيث تقول القصة) وفي سنة 1161 هـ ــ كانت وقعة التابوت الذي ارسله الشيخ العمودي لضريح سيدنا غوث البلاد والعباد الحبيب عبد
(496) (1/496)
صفحة 497
الله علوي الحداد (ت – 1132 هـ ـ) كمثل التابوت الذي على ضريح سيدنا
-
>
الغوث القطب الحبيب عمر المحضار، فاختلفت عند ذلك آراء السادة (يقصد العلويين (فبعضهم ارتضى ذلك مثل سيدنا الحبيب الشيخ احمد بن علي بن الشيخ ابوبكر بن سالم، ومن جرى مجراه، ومنهم من لم يرتضه مثل السادة آل العيدروس، وكذلك اختلفت آراء القبائل على ذلك، حتى وقعت الحرب على وضعه، فوقعت رصاصة في السيد صالح بن الحبيب علي بن احمد، ونفدوا به إلى عينات، وبقي التابوت هناك في بيت بأمر من بعض يافع، اشهرهم احمد بن غرامة البعسي (اصحاب السلطة في تريم) وتحتم (اصر) سيدنا الحبيب احمد بن علي على وضعه على الضريح، فجاء الرتبة يافع فوضع بحضورهم، قيل على رضاء من آل همام (يافع) ممزوج بخداع، فبعد وضعه على الضريح نكف (صاح واستنجد) السادة آل العيدروس على الشنافر) حلف قبلي برئاسة آل كثير) بالسير إلى عندهم في تريم، وحصل ما حصل من حريق تلك التوابيت التي على القبور، فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، فبذلك وقعت العقوبة على اهل حضرموت، ثم
بعد ذلك
اجتمع الرأي على ارجاع التوابيت على القبور، ورجعت على حالها الاول وصلحن بعيدان هندية مصهرة، وابطلوا خزائن سفر لصلاحها، فالحمد لله على
كل حال. (44)
(
لا شك اننا قصة التابوت، امام حالة ذلك الانقسام العقائدي الذي تحدث عنه المؤرخ ابن هاشم، على انه من المهم هنا القول ان قصة التابوت تقول صراحة بالانقسام داخل الدائرة العلوية الحضرمية في تريم، وان ذلك الانقسام قد من مسألة التصوف مكانا له، ذلك ان الانقسام حول شرعية وضع التوابيت على القبور واشهارها وتمييزها عن قبور الآخرين، انما يعني الانقسام حول مدى شرعية الاتجاه الصوفي ذلك ان الموقف من القبور والتوابيت والقبب يقع في صميم
اتخذ
(497) (1/497)
صفحة 498
دائرة الفكر الصوفي ولهذا أطلق خصوم التصوف على المتصوفة مصطلح
(القبورية)، نظراً لعنايتهم المادية والمعنوية بالقبور.
وإذا كان موقف آل العيدروس هو موقف الرفض القاطع لوضع التابوت
على القبر، فان ذلك يعني ان موقفهم ذاك ليس الاستمرارا لموقفهم من تصوف الإمام العدني في مطلع القرن العاشر الهجري.
ولقد لاحظ المؤرخ ابن هاشم البعد العقائدي لقصة التابوت، فهو يقول:) الذي يظهر ان نفسيات السراة والزعماء من السادة وغيرهم من أهل ذلك القرن قاسية متصلبة لا تعرف المرونة، ولا تجنح إلى المجاملة، وربما تغلب على القوم التعسف الأناني والتعصب الأعمى الذي تنكره العقول وتمجه الأذواق، وتقف الطباع السليمة حسرى دون شأوه .... ، وقضية التابوت يستنتج منها ما ذكرناه، ويعلم منها أيضاً مبلغ التخبط السياسي الذي تعانيه حضرموت في ذلك العهد (45). على أنه من المهم هنا أن نلاحظ ان مسألة ارسال الشيخ العمودي للتابوت إلى
لنا
تريم، مسألة ليس من السهل المرور عليها مرور الكرام، خاصة بعد ان اتضح المذهب الزيدي لآل العمودي وتحالفهم الوطيد مع أئمة صنعاء، ء، فإذا ان فإذا صح الشيخ العمودي هو الذي أرسل التابوت، فلعله اراد من ذلك خلق فتنة داخل الدائرة العلمية العلوية في تريم، التي يعلم مسبقا انقسامها العقائدي، ولقد تحقق له ذلك واكثر، ويؤكد ذلك الاعتقاد ما ورد في القصة من أن آل همام قد وافقوا على اعادة التابوت، موافقة (ممزوجة بالخداع)، فلماذا لا يكون ذلك الخداع السياسي العقائدي) مشتركا بينهم وبين العمودي؟
هذا الانقسام المذهبي والاجتماعي والسياسي الذي ظهر في واقعة (التابوت) في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، يدل دلالة واضحة على أن
موقف أهل حضرموت الأساسي والتأسيسي من مسألة الأولياء وكراماتهم
،
(498) (1/498)
صفحة 499
وبالتالي من تعظيم قبورهم وتمييزها عن غيرها من قبور المسلمين، وبالتالي موقفهم من التصوف في القرن العاشر الهجري، وقبله إنما يقوم على الإنكار والرفض، بدليل ظهور تلك الأزمة العاصفة لأول مرة في تاريخ حضرموت الإسلامي بعد القرن العاشر لا قبله، وبدليل عدم وجود أية قباب أو توابيت تعود إلى تلك الفترة في مقابر تريم التاريخية. هذا الإنكار والرفض للتصوف يتأسس على المذهبية الأباضية والمعتزلية المتحكمة في الوعي الديني والثقافي الحضرمي منذ القرن الثاني الهجري، قرن التأسيس الأباضي في حضرموت ثقافة الإنكار والرفض للتصوف تلك، كان لا بد أن تسيطر على المسألة الفقهية كما سيطرت على المسألة العقائدية، ولهذا نجد الإمام المعتزلي الكبير محمد بن عمر بحرق في القرن العاشر يقول في مسألة القبور: (وينبغي أن لا يزاد في القبر على ترابه، وأن يرفع قدر شبر، وتسطيحه أفضل من ويكره تحصيصه والبناء عليه ولو أوصى بأن يبنى عليه في مقبرة
تسنيمه
المسلمين، لم تنفذ وصيته، بل ذلك حرام، ويقاس على ذلك غيره) *، وفي قوله (ويقاس على ذلك غيره (فإن الإمام بحرق يقطع بتشديد الرفض والإنكار لأية محاولة للتجاوز أو المسامحة باتجاه التصوف، مهما كان قدر ذلك التجاوز، وأما قوله في أول النص السابق بكراهة البناء على القبور، ثم قوله في آخره بتحريم ذلك، وإن كان الإمام بحرق في كلا الحالين لا يقر البناء، إلا أن الكراهة غير التحريم، ونعتقد أن ما ورد في ذلك النص من ارتباك واضطراب في الحكم على تلك المسألة، لا يعود إلى الإمام بحرق نفسه، وإنما كان ذلك من صنع (الأخلاف) وجهودهم في طمس حقيقة مواقف الإسلام، فقد سبق أن رأينا الإمام سالم بافضل، بفضل تلك الجهود، يتناقض مع نفسه في مسألة عدد ركعات صلاة الضحى.
وبعد: اذاكان المجتمع الحضر مي قد انقسم على نفسه في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، بين اهل البيان واهل العرفان، فإن هذا الانقسام قد انعكس عقائديا في
(899) (1/499)
صفحة 500
( ... )
(حالة) فكر مدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة، من خلال تأرجحها بين الاتجاهين البياني والعرفاني، هذا التأرجح يمثل اخص خاصية لهذه المدرسة، وسبب ازمة (هويتها) اليوم، هذا التأرجح والانقسام نرى انه يمثل (مرحلة) انحطاط الفكر البياني الحضرمي (الاباضي والمعتزلي)، تلك المرحلة التي كان لابد ان يصل اليها من خلال مسار البلاد السياسي والمذهبي في القرن العاشر وبعده .... وهكذا يمكن القول انه إذا كان الفكر الاشعري كما جدده الامام ابو حامد الغزالي في مطلع القرن السادس الهجري، يمثل حالة) مصالحة (عامة وشاملة بين البيان والعرفان، فأن فكر مدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة، يمثل حالة) مصافحة) متأخرة ومشروطة وحذرة بين الاتجاهين، (مصافحة) تؤكد الخصومة وتقرها وتعترف بها، هذا النوع من المصافحة لم يشهد لها التاريخ الإسلامي مثيلا من قبل، وهي خاصية حضرمية، اكتسبتها حضرموت من خلال تفردها بمسارها التاريخي العقائدي الخاص بها ...
العلاقة بين آخر المسار والمآل:
أغلبه
الاعتقاد
إذا كان المسار التاريخي لحضرموت، بعد القرن العاشر الهجري، قد ارتبط في بالسلطة السنية الاعتقاد، إلا أن ذلك المسار لم يستطع أن يمحي الكثير من المشترك بين الأباضية والمعتزلة، الذي ظلت (بيانيته) مخبوءة في ثنايا الفكر الزهدي الحضرمي الذي تسمّى باسم (التصوف) تقية، إلا أن ذلك المسار قد أفضى إلى سيادة شبة تامة للفقه السني في عموم البلاد، بما فيها مناطق القبائل والبادية التي كانت قد خاضت في القرن العاشر قتالاً عنيفاً وشرساً دام نصف قرن من الزمان، دفاعاً عن أباضيتها وضد المشروع الانقلابي السني للسلطان بدر أبي طويرق، بل
ولقد استمر نضالها ذاك حتى بعد وفاة هذا السلطان. (1/500)
صفحة 501
ظاهرة السيادة شبة التامة للفقه السني تجد تفسيرها في أن المأزق التاريخي للمـ الأباضي ومنذ بواكير حضوره في حضرموت، ظل يعاني من هجوم المذاهب السنية الفقية الأربعة التي حملها المعتزلة معهم إلى المجتمعات الأباضية عامة، وكانت تلك
هي طريقتهم المثلى في توسيع الدائرة الاجتماعية والسياسية للاعتزال، على حساب المذهب الأباضي، وهو الأمر الذي اشتكى منه الإمام المجاهد الأباضي أبو إسحاق الهمداني الحضرمي في القرن الخامس الهجري، هذا من ناحية، ومن أخرى، فإنه وبعد القرن العاشر الهجري، كان لابد أن تزداد وطأة الحملة على الفقه الأباضي، التي لابد أن تتزعمها وترعاها وتدفع بها السلطة السنية الحاكمة بمشاركة فاعلة من قبل الفعاليات المعتزلية بخبراتها التاريخية، بعد أن تحولت - حقاً أو تقية - إلى مذهب السلطة الحاكمة. وكان لابد أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه اليوم من
السيادة الفقهية السنية شبه التامة، وهو الأمر الذي يعني نهاية المذهب الأباضي. وبهذا يكون المعتزلة ومن خلال ارتباطهم بالسلطة السنية بعد القرن العاشر، قد استطاعوا تحقيق ما عجزوا عنه في ظل دولتهم، ألا وهو سيادة المذاهب الفقهية السنية والقضاء على المذهب الأباضي، وإن كان ذلك على حساب الكثير من مبادئ الاعتزال وأصوله، فالسياسة دائماً لونها رمادي.
على أنه من المهم هنا القول أن هذه الظاهرة لا تخص حضرموت وحدها، بل تشاركها فيها بلدان شرق إفريقيا بلاد الزنج: تنزانيا – زنجبار – لامو – ممباسا - مدغشقر - جنوب الصومال – جزر القمر .... ، هذه البلدان سبقت غلبة الأباضية عليها منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين، وقد انحسر عنها المذهب الأباضي اليوم، وغلب مذهب أهل السنة، تماماً كما هو الحال اليوم في حضرموت. هذه النهاية التدريجية والمتأخرة للأباضية هي التي جعلت الأستاذ أحمد أمين يعد حضرموت وبلدان شرق إفريقيا من بلدان الأباضية اليوم.
(0.1) (1/501)
صفحة 502
العقلانية مقابل التصوف والغنوص
يقول العلامة محمد عابد الجابري: (ان من نتائج الانقلاب السني الذي قاده الخليفة العباسي المتوكل المتولي سنة 232 هـ، انقطاع الصلة بين الفلسفة والاعتزال، بين المعقول الديني العربي في انصع صوره والمعقول العقلي في ارقى مظاهره، مما فسح المجال لللامعقول العقلي لاحتلال مواقع جديدة داخل الثقافة العربية الإسلامية، وبالذات الفلسفة، علاوة على المواقع التي كان قد احتلها من
(87)
قبل) (46)
ان مقصود العلامة الجابري من تلك الفقرة، هو ان من نتائج ذلك الانقلاب الذي تم على المعتزلة والاعتزال، ان انقطعت الصلة بين المذهب المعتزلي والعلوم الفلسفية التي كانت من اهم خصائص الفكر المعتزلي، هذا الانقطاع ادى إلى افساح المجال للفكر المغنوصي والصوفي إلى ان يدخل في صميم الفكر العربي الإسلامي منذ ذلك الوقت، على حساب الاتجاه العقلي الفلسفي والكلامي الجدلي الذي كان يسم الفكر المعتزلي، أي ان الفكر المعتزلي بعد ذلك الانقلاب، بدأ يكف عن نزوعه الفلسفي الكلامي، حتى غلب عليه وعلى الفكر الإسلامي عامة الفكر الغنوصي والصوفي، أي انه تم احتواء الاعتزال داخل الدائرة السنية حتى ذاب فيها وانتهى امره.
هذا الاستنتاج الذكي الذي وصل إليه العلامة الجابري، نراه ينطبق تمام الانطباق على الاقطار التي سادت فيها منذ ذلك الوقت النظرة العقائدية السنية، وهي الاعم الأغلب من بلاد الإسلام، الا انه لا ينطبق على حضرموت او المناطق الزيدية من اليمن، وذلك الانعدام السبب، فلم تكن حضرموت من الاقطار التي غلب عليها اهل السنة، حتى القرن العاشر على الاقل، فقد ظلت على وضعها
(0.9) (1/502)
صفحة 503
التاريخي بين الأباضية والمعتزلة، وهما يرفضان الفكر الغنوصي والصوفي، وعند حديثنا عن الحركة الفكرية والعلمية في تريم في القرن السادس الهجري، وجدنا العلوم الفلسفية (ما حوى سقراط والاسكندر بلغة الإمام القلعي) تحتل مكانة خاصة ومتميزة في تلك الحركة، وهذا يؤكد قول المستشرق الالماني (ماكس مايرهوف)، من انه (بازدياد قوة اهل السنة في بغداد في القرن الخامس الهجري، بدأ انحطاط الدراسات الفلسفية التي رحلت منذ ذلك الحين إلى المراكز الصغيرة
ذلك يعني
(47)
المستقلة في العالم الإسلامي)، ونفس الامر ينطبق على باقي علوم الاعتزال، بل تحول المسجد إلى جامعة شعبية لتعليم علوم الاعتزال حتى للعامة، وفي القرن العاشر الهجري، وجدنا الإمام العلامة بحرق وغيره يمثل فكرا معتزليا ناضجا، كل يعني تفرد حضرموت عن باقي اقطار الإسلام، ليس من حيث احتضانها لدولة الاعتزال الوحيدة في التاريخ الإسلامي فحسب، بل وأيضاً بسبب ما نتج عن ذلك من استمرار الصلة بين الاعتزال والعلوم الفلسفية، بعد ان اصبح الفكر الغنوصي والصوفي مكونا اساسيا في صميم الفكر العربي الإسلامي منذ القرن السادس الهجري، لهذا لم يكن غريبا ان يغلب على حضرموت اليوم جانب الزهد فحسب، دون الافكار النظرية التجريدية للتصوف.
وان كان لنا من ملاحظة حول العلاقة بين اهل حضرموت واسلوب التفكير العقلي والتجريد النظري، فانه يبدو لنا ان العقل الحضرمي، ومنذ وقت مبكر من العصر الإسلامي، كان لديه الاستعداد على التعامل مع التجريد النظري، ويتضح ذلك من خلال تولي عدد كبير من الحضارمة لمهام القضاء في الامصار الإسلامية التي سكنوها او سكنها الآباء والاجداد، ففي العصر الاموي، نجد مركز الدعوة الأباضية في البصرة يعج بفقهاء وقضاة المذهب، منهم عدد من الحضارمة، حتى إذا قامت الثورة الأباضية في حضرموت سنة 129 هـ، نجدها تحت قيادة
(0.5) (1/503)
صفحة 504
قاضيين هما عبدالله بن يحيى الكندي وسعيد الحضرمي، وفي مصر في عهدها
الاموي، برز فيها في مجال القضاء تسعة من الحضارمة، كانوا مضرب المثل في أحكامهم ونزاهتهم واستقامتهم وورعهم، وحول هؤلاء التسعة وانتشار القضاة الحضارمة في الاصقاع الإسلامية، يقول الشاعر (48):
لقد ولى القضاء بكل ارض من الغر الحضارمة الكرام رجال ليس مثلهم رجال من الصيد الجحاجحة الضغام
ويقول أيضاً:
يا حضرموت هنيئا ما خصصت به من الحكومة بين العجم والعرب في الجاهلية والإسلام تعرفه اهل الدراية والتفتيش والطلب
وما نفهمه من البيتين الأخيرين، هو اشتهار اهل حضرموت بين العجم
والعرب في الجاهلية والإسلام، بالحكمة وفصل الخطاب، وان هذه المسألة لم تكن ظاهرة اسلامية فقط، بل لها جذور وامتدادات من العصر الجاهلي، أي منذ دولة حضر موت القديمة، التي كانت دولة تجارية بالدرجة الاولى، والتجارة تستدعي النظام والقانون والعقلانية في ادارة الاحمال والاموال، ولما كانت تجارة حضرموت كثير من شعوب الشرق والغرب، فكان طبيعيا ان تشتهر تلك الحكمة الحضرمية بين العجم والعرب، كما قال الشاعر، تماما كاشتهارهم بالامانة، فقد كتب معاوية بن ابي سفيان إلى عامله على مصر مسلمة بن مخلد، يقول له: (لا تول
القديمة
عملك الا ازديا او حضرميا، فهم اهل الامانة)
(49)
عقلية كهذه، ما كان لها ان تقف عند حدود الابداع الفقهي والقضائي،
وما كان لها الا ان تسهم بقسط متميز في تأسيس وتشييد دعائم الثقافة العربية
(504) (1/504)
صفحة 505
الإسلامية منذ بواكير الشروع في التأصيل لها، فتذكر طبقات النحاة، ان عبدالله بن
اسحاق الحضرمي المتوفي سنة ـ 117 هـ، كان اول من بعج النحو ومد القياس
وشرح العلل، وكان شديد التجريد والقياس
وكان ابو يعقوب الكندي هو مؤسس الفلسفة العربية في منتصف القرن
الثالث الهجري، وابو سعيد الحضرمي الذي ذكره ابو حيان التوحيدي، وقال عنه
انه
(01)
من حذاق المتكلمين في القرن الرابع الهجري (51)، ويحيى بن حمزة المتوفي سنة ــــ
(52)
183 هـ، تولى قضاء دمشق ثلاثين عاما، وكان من المعتزلة الأول، وعبد
الرحمن بن خلدون مؤسس علم الاجتماع الحديث، وغيرهم من مشاهير واعلام الحضارة الإسلامية. إن حضرموت كانت طوال تاريخها جذوة قوية، تدفع بالحرارة والدفئ والنور لها وللآخرين، تكاثف عليها الرماد حتى جهلت نفسها، فجهلها الآخرون، ولقد آن الأوان أن تحاول بجهود المخلصين الصادقين أن تزيل عن نفسها ذلك الرماد
المتكافث ...
(0.0) (1/505)
صفحة 506
المصادر والمراجع:
1) مقام الزهد لدى المعتزلة انظر: زهذي جار الله: المعتزلة / 228 وما بعدها
(2) محمد ابو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية / 60/ 1
(3) نفسه.
(4) د. نائف محمود معروف: الخوارج في العصر الاموي، نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، ادبهم 272/ 1 ه) كتب الرقائق تعني كتب التصوف الفلسفي، وورودها في الوصية لا يتعدى ان يكون دسا عليها، كما سوف
يتضح لاحقا.
(1) محمد عوض بافضل: صلة الاهل / 58 وما بعدها.
(7) زين سالم بن احمد بن عقيل: الشعر الصوفي في حضرموت في القرنين التاسع والعاشر الهجريين: رسالة ماجستير، بغداد، الجامعة المستنصرية /11
قصائد الامام الهمداني انظر ديوانه (السيف النقاد).
(9) ابن عقيل: نفسه /19.
10) نفسه / 11
11) نفسه / 22
(12) عبد الكريم الجيلي: قصيدة النادرات العينية: تحقيق يوسف زيدان / 8
(13) الامام محمد عمر بحرق: الحديقة الانيقة / 39.
14) ابن عقيل: نفسه /35
15) نفسه / 52
16) العيدروس: النور السافر /308
(17) الجابري: تكوين العقل العربي / 213
18) ابن عقيل: نفسه / 12 - 13 + باوزير: الفكر والثقافة / 107 19) عبدالله محمد الحبشي: الفقهاء والصوفية في اليمن / 97 (20) ابوبكر العدني بن علي المشهور: الاستاد الاعظم الفقيه المقدم /30 (21) عبد الكريم بن هوازن القشيري: الرسالة /43
(22) ابو طالب المكي: قوت القلوب في معاملة المحبوب / 69/ 1
(23) ابن عقيل: نفسه.
(24) علوي بن طاهر الحداد: عقود الالماس / 93/ 2
25) نفسه / 101
(26) نفسه / 100
(0.7) (1/506)
صفحة 507
(27) محمد بن علي خرد العلوي: غرر البهاء الضوي /420
(28) الامام ابو الحسن الاشعري: الابانة في اصول الديانة / 60 + صابر طعيمة: الاباضية /96
(29) الاشعري: نفسه / 30 + صابر طعيمة: نفسه / 104
(30) الاشعري: نفسه /55+ صابر طعيمة: نفسه / 97 31) نفسه
32) تتكون القبيلة العلوية الحضرمية، من الاسر التالية: آل القدري، آل مطهر، آل الحداد، آل شيبان، آل مدهر، آل خينمان، آل العيدروس، آل شهاب، آل الشيخ ابوبکر، آل السقاف، آل بافقيه، آل حمل الليل، آل الحبشي، آل الشاطري، آل البيض، آل عيديد - انظر: محمد حسن العيدروس: اشراف حضرموت ودورهم في نشر الإسلام في جنوب شرق اسيا /43
(33) ابوبكر العدني بن علي المشهور: جلاء الهمم والحزن بذكر صاحب عدن / 84.
(34) عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف: نسيم حاجر / 17 + الحامد: تاريخ حضرموت / 325. 35) محمد بن عمر الطيب بافقيه: تاريخ الشحر /70.
(36) الحامد: تاريخ حضرموت / 411.
(37) محمد بن عمر باجمال: مقال الناصحين /307.
38) نفسه / 301
39) عمر بن عبدالله بامخرمة: ديوان بامخرمة (مخطوط).
40) نفسه.
41) نفسه
42) نفسه
(43) محمد بن هاشم: تاريخ الدولة الكثيرية / 116
44) ابن حميد الكندي: العدة المفيدة / 301/ 1
45) ابن هاشم: نفسه / 144
) الإمام مح محمد عمر بحرق: الأسرار النبوية في اختصار الأذكار النووية - 93 - 95. (46) محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي / 290
(47) عبدالحمن بدوي: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية / 100 (48) الشاطري: الادوار / 103 + صلاح البكري: حضرموت وعدن / 65 (49 صلاح البكري: نفسه / 66
50) الجابري: نفسه / 124
51) ابو حيان التوحيدي: الامتاع والمؤانسة / 3/ 192 (52) زهدي جار الله: المعتزلة / 161
(0. V) (1/507)
صفحة 508
[صفحة فارغة] (1/508)
صفحة 509
الخاتمة:
احسب إنني في هذه الدراسة، قد رحلت مع القارئ الكريم عبر قرون مديدة، وخضنا معا غمار الأحوال والاوضاع المذهبية والسياسية على مدى تلك القرون، واحاطت بنا متاهات عديدة، فرضتها شحة المعلومات ونذرة المصادر الموثوقة، وكان الأدب منقذا، ولنا فيه ومنه نفاد إلى ما نراه حقيقة، فالادب صادق بطبيعته، لأنه وثيقة تاريخية لم يشأ لها أصحابها ان تكون كذلك
وأحسب إنني في هذه الدراسة قد قدمت مشروعا لرؤية جديدة في موضوعها، تخالف ما تدعيه الكتابات الحضرمية الحديثة والمعاصرة، من ان الاوضاع المذهبية والسياسية في حضرموت قد استقرت على الاعتقاد السني منذ القرن السادس الهجري، إذ ان هذه الدراسة تقول ان حضرموت لم تعرف الاعتقاد السني
الا في العصور الحديثة المتأخرة، اما قبل ذلك فقد كانت بين الأباضية والاعتزال. وكان بدء ترحالنا من اقرار حقيقة لا خلاف عليها، الا وهي استمرار سيادة المذهب الاباضي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، ثم بدأ الافتراق مع الرؤية السابقة بدءا من القرن الخامس الهجري، الذي ظهرت فيه امامات جديدة على الساحة السياسية الحضرمية، وهي: آل راشد في تريم وآل دغار في شبام وآل المنجوي في ظفار وآل أقبال في الشحر. كانت تلك الامامات قفزة نوعية في اسلوب الحكم، تختلف تماماً عن نظام الحكم في الإمامات الأباضية، وما كان ذلك التطور الا نتيجة لتطور فكري في نوعية القيادة الحاكمة في تلك الإمامات الجديدة. و من خلال بحثنا عن حقيقة الاوضاع المذهبية في تلك الإمامات، وجدناها على مذهب الاعتزال كان ذلك في المدن المذكورة، اما في مناطق البادية
والقبائل، فقد ظلت على المذهب الأباضي، مذهب حضرموت الأساسي.
(0.9) (1/509)
صفحة 510
على اننا نرى ان قيام دولة الاعتزال الوحيدة في التاريخ الإسلامي على ارض حضرموت، ليس الا تتمة لتاريخ المذهب المعنزلي، الذي كان العصر العباسي الاول عصره الذهبي في بغداد، حتى إذا تولى الخليفة العباسي المتوكل سنة 232 هـ كانت نكتبتهم ونكبة الفكر العقلاني عامة، واصبح اهل الاعتزال مطاردين متهمين في عقيدتهم بالابتداع على الدرجة التي لم يكن هناك كبير فرق بين الاعتزال والزندقة في الأعم الغالب من اقطار العالم الإسلامي التي غلب عليها اهل السنة، ولقد تعرض اهل الاعتزال لشتى انواع التنكيل والعسف والجور، وصلت الامور إلى حد الحرق احياءا من قبل السلطان محمود الغزنوي سنة 420 هـ ولقد رأينا الفرق الإسلامية المعارضة لبني امية والعباس تتخذ من اليمن مركزا لنشاطها وتحاول كل منها قدر جهدها اقامة لها كيان مذهبي سياسي فيها، حتى إذا كان الغزو الأيوبي لليمن لم يكن فيها الا تلك الفرق والمذاهب غير السنية وكياناتها السياسية ومنها الأباضية والمعتزلة في حضرموت.
لابد ان المعتزلة قد فكروا كثيرا في معاناتهم واضطهاداتهم منذ نكبتهنم في
عهد الخليفة المتوكل، و لم يجدوا - وهم اهل فكر وسياسة ـ مخرجا يحفظ عليهم
-
انفسهم وعقيدتهم، الا ان يسعوا بجد وعزم ونشاط وتخطيط محكم في اقامة دولتهم، ولا بد انهم بعد ان قلبوا الامر على اوجهه، ونظروا وتدارسوا الامر
الخاصة
بهم
مليا فيما هم مقدمون عليه، استقر الرأي لديهم على ان تكون حضرموت هي
الوطن - المذهب، والصدفة التي تحتوي لؤلؤة الاعتزال وعلومه ورجاله
-
على ان الوجود المعتزلي في حضرموت كان اسبق بقرون لقرارهم اختيارها وطنا ودولة لمذهبهم، فقد كان الوجود المعتزلي ملازما للوجود الاباضي فيها في القرن الثاني الهجري، بمثل ما كان الوجود المعتزلي ملازما للوجود الاباضي في عمان والمغرب العربي في تلك الفترة.
(01.) (1/510)
صفحة 511
وهكذا يمكن القول، ان الوجود المعتزلي المبكر في حضرموت، كان
مصدرا هاما ورئيسيا في معرفة قيادة الاعتزال المركزية في البصرة بطبيعة الاوضاع فيها، وكانت تلك الاوضاع محل تحليل ودراسة عميقة من قبلهم، قبل ان يتخذوا قرارهم باقامة دولة المذهب فيها
على ان هناك عوامل اساسية لعبت دورا حاسما في اختيار الفرق غير السنية من اليمن مركزا لانشطتها، منها بعدها عن مراكز الخلافة السنية القوية وصعوبة تضاريسها ووعورة سبلها، ووجود العصبيات القبلية القوية التي متى ما تم استقطابها مذهبيا، كانت عونا وقوة لهذا المذهب او ذاك. ولا شك ان قيادة الاعتزال قد اخذت بتلك العوامل في اختيارها لحضرموت وطنا لمشروعهم السلطوي، غير انهم رأوا سيادة المذهب الاباضي على مناطق البادية والقبائل، ومن الصعب، بل من المستحيل عليهم زحزحة البادية عن اباضيتهم، كما رأوا ببعد نظرهم ان العصب الرئيس لأية دولة، انما هو ضمان الموارد المالية المستديمة لاستقرار الاحوال والاوضاع، وان مناطق البادية والقبائل تكاد تخلو من تلك الموارد، ثم انهم وجدوا ان تلك الموارد تكاد تنحصر في المدن التالية: تريم و شبام والشحر ومرباط، ثم ان لهم، أي المعتزلة، وجود عريق فيها، ولديهم خبرة في كسب علماء المذهب الاباضي فيها إلى مذهب الاعتزال، لهذا فقد استقر الرأي لديهم على اقامة مشروعهم السلطوي في تلك المدن، وهذا ما تم بالفعل، على ما اوضحت هذه الدراسة، حتى إذا كان القرن السادس الهجري، وجدنا زحفا علميا معتزليا قد غلب على تلك المدن، إلى الحد الذي كان في تريم وحدها ثلثمائة عالم وففيه ومفتي، واصبح في كل مدينة قاضيان واحد حنفي والآخر شافعي، ومفتان: واحد حنفي والآخر شافعي، وهو الأمر الذي يعني سيادة الاعتزال على تلك المدن. كل ذلك يعني حقيقة واحدة، الا وهو نجاح الخطة المعتزلية في اقامة مشروعهم السلطوي في
(011) (1/511)
صفحة 512
حضرموت، الحد الذي وجدنا آل المنجوي وهم علويون من اقليم بلخ الفارسي يتولون الحكم في اقليم ظفار، وهكذا تحقق لاهل الاعتزال ما كانوا يحلمون به وخططوا له على مدى اكثر من قرن ونصف من الزمان من نكبتهم على يد الخليفة المتوكل الذي قاد الانقلاب السني على المعتزلة، وهي الفترة التي عانوا فيها ما عانوا مما تقشعر له الابدان وتنفطر له القلوب، ولن نجد هناك قولا افضل من قول المعنيين بالامر، أي المعتزلة، الذين يمثلهم الشاعر (الكريتي (في وصف حالهم في عهد آل المنجوي، حين قال:
كف كف الدهر حين سطا ويداه نحونا بس ــطا
فغدونا امة وسطا
بعد ذاك الخوف و الوجل
لقد كان العهد المعتزلي في تلك المدن الحضرمية هو العصر الذهبي للعلم والمعرفة في العالم الإسلامي، فقد تطورت العلوم العقلية والتجريبية التي هي من صميم المذهب المعتزلي على النحو الذي تعكسه القصيدة (الفكرية) لشيخ الإسلام بافضل وقصيدة الإمام القلعي وغيرهما من اعلام الفكر في ذلك القرن، في الوقت الذي سادت فيه افكار التصوف والغنوص في البلاد التي غلب عليها الاعتقاد السني، وهي الأعم الغالب من اقطار بلاد الإسلام، ذلك ان (الصوفية لم يحرضوا على تحصيل العلوم ودراستها وتحصيل ما صنفه المصنفون في البحث عن حقائق الأمور (على حد قول الامام الغزالي، وسادت برعاية الدول السنية الايديولوجية السنية القائلة بعدم جواز الخروج على السلطان الجائر، مخافة الفتنة، وهو الامر الذي يخالف نظرية المعتزلة والأباضية في ضرورة بل بوجوب مجاهدة الظلم والجور وأهله بكل الوسائل، وهذا لديهم من صميم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
(012) (1/512)
صفحة 513
وعلى هذا الأساس الايديولوجي كانت الحروب والمعارك بين الأباضية وبني امية والعباس، تلك الحروب التي كانت شوكة في خاصرة الدولتين الأموية والعباسية فهل كان يسلم نظام الحكم المعتزلي الذي نجح المعتزلة في اقامته في
حضرموت، من كيد دولة العصر السنية المتعصبة، دولة بني ايوب في مصر، على ما يمثله ذلك من خطورة فكرية وعلمية على الايديولوجية السنية التي ترعاها
الدولة الايوبية
في الحقيقة لقد
حسم
السلطان صلاح الدين الايوبي الأمر منذ اول عهده،
حين سن قانونا يشرع للتنكيل بالمعتزلة والأباضية والشيعة، لهذا فان الحملة الايوبية على اليمن سنة 569 هـ، انما كان هدفها الرئيس هو القضاء على تلك الفرق التي كانت تسيطر على حكم اليمن كله، حتى إذا كانت سنة 575 هـ كانت حملتهم على حضرموت، تلك الحملة التي مارسوا فيها ابشع انواع التنكيل والقتل والنفي، وقاموا خلالها بأبشع مجزرة في حق العلماء والفقهاء والقراء، من منطلق
والسجن
الحقد المذهبي لا غير
وبعد قتال لا يقف ولا يكف يستمر حوالي نصف قرن، يقوده حضرميا
التحالف الاباضي - المعتزلي ينتهي بهزيمة الايوبيين سنة 621 هـ، وكان من نتيجة
-
تلك الحروب، ان قويت شوكة القوى الأباضية، التي استولت على تريم وشبام،
وهو الامر الذي يمثل خسارة للوجود المعتزلي. ويبقي من الوجود السلطوي المعتزلي
امامة آل الحبوضي في ظفار الذين خلفوا آل المنجوي، وإمامة آل اقبال في الشحر
وينتهي الوجود الايوبي في اليمن سنة 626 هـ، ليخلفه مباشرة حكم
ربائبهم آل رسول الذين ورثوا عن اسيادهم بني ايوب مذهبهم وتعصبهم المذهبي، لهذا نجدهم في سنة 677 هـ يجهزون حملة عسكرية بحرية وبرية تستهدف ما تبقى من الوجود السلطوي المعتزلي في الشحر وظفار، ويتحقق لهم ما ارادوا بانهاء
(513) (1/513)
صفحة 514
ذلك الوجود، غير ان ذلك الانتصار الذي حققوه لم يكن يعني استقرارا الاوضاع لهم في حضرموت، فقد تزعمت القوى الأباضية مجاهدة آل رسول في داخل البلاد وساحلها: آل يماني ونحمد واحلافهم في الداخل، وآل ابي دجانة وقبائل المهرة والمشقاص في منطقة الساحل ..
وفي النصف الثاني من القرن الثامن تكون نهاية الوجود الرسولي في حضرموت، على يد القوى الأباضية السالفة الذكر، اضافة على قوة جديدة، هي القوة الكثيرية التي كانت زيدية المذهب، والتي استولت في بداية امرها على بعض قرى الوادي، ثم انتزعت اقليم ظفار من ايدي الرسوليين، واتخذت من مرباط عاصمة لها، وذلك سنة 807 هـ، كان الوجود الكثيري عبارة عن جزيرة صغيرة في بحر متلاطم من الوجود الاباضي، لهذا كانت الحروب بينها وبين تلك القوى الأباضية تكاد تسم تاريخ العلاقة بينهما حتى عهد الإمام محمد بن عبد الله الكثيري
المتولي سنة 910 هـ، الذي سار على نهج اسلافه في محاربة القوى الأباضية. غير انه في سنة 925 هـ او نحوها، ظهر فارس جديد داخل الحلبة السلطان بدر بن عبد الله الكثري الاخ الاصغر للإمام محمد بن
الكثيرية، ذلك هو
عبد الله
، وإذا به يطالب اخاه بالمشاركة في شئون الحكم، ويكون له ما اراد.
غير ان السلطان بدر لم يسر على النهج المذهبي الكثيري العريق، المذهب الزيدي، الذي يمثله اخوه الإمام محمد، بل نهج طريقا لم تعرفه حضرموت طوال تاريخها الإسلامي، ذلك هو نهج الاعتقاد السني، وإذا به يتحالف الدولة العثمانية السنية، ضد كل اهل حضرموت، من اباضية ومعتزلة وزيدية، ويكون الافتراق ليس بينه وبين اخيه الإمام محمد فحسب، بل وأيضاً بينه وبين حضرموت كلها، وفي عهده شهدت حضرموت حروبا من اقصاها إلى اقصاها، واضطرابات سياسية واجتماعية ومذهيبة لم تشهدها طوال تاريخها الإسلامي على الاقل،
كان
(018) (1/514)
صفحة 515
السلطان بدر وجيشه المكون من عناصر غير حضرمية وحفاؤه الاتراك في جهة، وفي الجهة الأخرى اخوه الإمام محمد ومعه كل القوى الأباضية والمعتزلية والزيدية المتحالف مع الإمامة الزيدية في صنعاء.
ويتوفي الإمام محمد سنة 950 هـ ويخلفه في قيادة التحالف الإمام عثمان بن احمد العمودي امام الزيدية في وادي دوعن، وفي سنة 977 هـ يتوفي السلطان بدر، ويستمر نفس الصراع بنفس القوى، حتى إذا كان القرن الثاني عشر الهجري، كان المجتمع والسلطة الكثيرية نفسها، منقسما إلى فريقين: فريق يؤيد الزيدية والآخر يؤيد اهل السنة
وهكذا، فاننا كلما ابتعدنا عن القرن السادس الهجري نحو العصور الحديثة، اتسعت مساحة الافتراق بيننا وبين الكتابات الحضرمية المعاصرة، وينضم الينا ومعنا في ذلك الافتراق عن تلك الكتابات الإمام السخاوي والمؤرخ أبن خلدون، في القرنين التاسع والعاشر الهجريين و المؤرخ الكبير احمد أمين المتوفي سنة
1954 هـ
ورغم الاختلاف والافتراق مع تلك الكتابات السابقة، فلقد كانت مادة دسمة واساسية لوضع التصور الذهني لهذا الدراسة، فلقد اثارت لدى من الاسئلة ما كاف وحافز للتفكير في حقيقة ازمة التاريخ الحضرمي، كما ان تلك الكتابات قد احتوت على ماد تاريخية، كانت اساسا جوهريا في المسار الذي اتخذناه، فلولا ما سبق لما كان ما لحق
هو
عزيزي القارئ لعلي أحسن الظن بنفسي، وبما قدمته هذه الدراسة المتواضعة، حين أقول لعلها قدمت إجابات على بعض الأسئلة، غير أن قيمة أي جهد علمي اليوم لاتقاس من خلال ما يقدمه من إجابات، بقدر ما تقاس بقدرته على فتح مساحات واسعة و جديدة، لاسئلة جديدة، ولهذا فإني لست معنيا بتلك
(010) (1/515)
صفحة 516
الأجابات إن وفقت فيها، بقدر ما أني معني بمدى قدرة هذه الدراسة على فتح المجال لأسئلة جديدة في سبيل الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الإقتراب من الحقيقة
التي تظل أبدا مطمورة تحت ركام الفعل الأنساني المقصود منه وغير المقصود تاريخ الإسلام السياسي ليس أكثر من صراع أفكار، ذلك أن كل خلاف سياسي في تاريخ الإسلام له طابعه الفكري والعقائدي، هذه الأفكار المتصارعة هي بعينها المذاهب الفقهية والكلامية، وهي حين تتصارع فإن سلاحها أنما هم الناس والدول والخلفاء والأمراء، أي أن سلاحها أنما هو الشعوب الإسلامية، ولهذا فإن
كناية عن
،
تاريخ الإسلام السياسي أنما هو في حقيقة الأمر تاريخ الصراع المذهبي والعقائدي وليس تاريخ الخلفاء والملوك والأمراء والزعماء، أنما هؤلاء جميعا هم أدوات ذلك الصراع الفكري، ومن هنا فلا معنى لدي لمصطلح الإسلام السياسي الذي راج اليوم للدلالة على بعض التيارات الإسلامية المعاصرة يقول المثل الحضرمي: (من بيده القلم، ما كتب نفسه شقي.)، القلم هنا السلطة و الارادة والقوة والولاية، وكم يكون ذلك المثل صادقا عند تطبيقه على الكتابة التاريخية الإسلامية، ذلك انه خلال التاريخ الإسلامي وصراعاته وحروبه، كان المنتصر هو الذي يكتب التاريخ، وهو حين يكتب ويدون، أنما كان يمارس إنتصاره على الآخر، إذ يبادر أول ما يبادر إلى طمس حقيقة ذلك الآخر المهزوم، وهنا تختفي أو تكاد الحقيقة، وتندرس آثارها، غير أن أختفاء الحقيقة عن المكتوب المدون، لا يعني إختفاءها عن اللاشعور والسلوك والموروث الشعبي، بل تظل موجودة فيه، ولكنها في حالة (كمون) تائهة ضائعة، ويكون من نتائج ذلك أن تعيش الشعوب الإسلامية شخصية مزدوجة وفي حالة إنفصام، بين المكتوب الذي لا يقول الحقيقة، وبين اللاشعور والثقافة الشعبية التي لا تتفق مع
ذلك
(017) (1/516)
صفحة 517
المكتوب، عندها يكون العقل الإسلامي أشبه بالهيولي)، قابلا لكل صورة باهرة
وصوت مرتفع، وتلك لعمري قاصمة الظهر
ومن هنا تأتي أهمية البحث في التاريخ العقائدي الإسلامي، والحفر
والتنقيب في نصوصه وآثاره ومساره بعقلية متفتحة على العصر ومرنة، تحاول من خلال ذلك الجهد ليس الإجابة على أسئلة الماضي، بل لتفتح بتلك الأجابات آفاقا
واسعة لأسئلة الشوق والحنين إلى المستقبل الأفضل ...
على أنه من المهم هنا القول، أن ذلك المكتوب الذي لا يقول الحقيقة، ليس بالضرورة أن يكون كاذبا، لكنه لم يتأسس ليقول الحقيقة كلها، بل جزء منها، فجاء على ذلك الحال المهترئ الذي لا يحتمل البناء عليه على أن الخطورة الكبرى تأتي حين يكون ودائما ما يكون – ذلك المكتوب هو المعتمد في النظر إلى الحاضر والمستقبل، عندها يكون عاجزا عن أداء مهمته في حشد إمكانيات النهوض والبعث الجديد، ويكون عندها الأحباط والتخبط والضياع والصراع والأغتراب ثمنا لابد منه وضريبة لابد من سدادها لإنتقام التاريخ
الذي لا يرحم ..
عزيزي القارئ: إن النظر إلى المستقبل لا يتم من دون النظر إلى الحاضر والماضي، إذ أن فهم حقيقة الحاضر تجعل الماضي مفهوماً، غير أن معرفة حقيقة الحاضر شيء ومعرفة حقيقة أثره وانعكاساته على المستقبل شيء آخر، إذ أن الناس غالباً ما يعيشون حاضرهم بشيء من السذاجة والغفلة، وبالتالي فهم يعجزون عن إدراك تأثيره وانعكاساته على مستقبلهم، ولهذا فلابد للحاضر أن ينسحب إلى الخلف قليلاً، أي أن ما ضياً، حتى يمكنه أن يقدم بعضاً من نقاط ارتكاز مهمة يصبح
ومفيدة في بناء المستقبل، وفي كل الأحوال، كلما كانت معلوماتنا ومعارفنا عن الماضي والحاضر قليلة و شحيحة، سيطرت وغلبت الشكوك والريب والظنون على
(011) (1/517)
صفحة 518
أحكامنا المستقبلية، وبالتالي غلب التخبط والفوضى وغياب الترتيب والنظام في
إدارة الحاضر نحو المستقبل.
إن مشكلة المستقبل (التقدم العربي هي أنه لا ماض له، وبالمقابل له حاضر ممتد من جاهليته حتى اليوم، هذا الحاضر (الممتد) يرفض أن يتزحزح عن موقعه، يرفض أن قليلاً إلى الوراء ليكون ماضياً يمكن النظر فيه والإفادة منه، ولهذا فإن ينسحب محاولة النظر في ذلك الحاضر الممتد، هي أشبه بمن يضع المرآة أمام أنفه ليرى وجهه، فلا هو نظر وجهه ولا نظر المرآة، ولهذا فإن ذلك الحاضر لا يمكنه أن يعطي مستقبلاً مفهوماً ومتوقعاً، ولكنه بالمقابل يملك قدرات وطاقات هائلة لتوليد زخماً من الإحباطات والانهيارات المتعاقبة والمتوالية عبر كل الأجيال، وتلك النكبات ليس لها إلا أن تدور في فلك ذلك الحاضر الممتد وهنا تأتي كتابة الماضي العربي على غير حقيقته وبما يرضي (الأخلاف عبر العصور لتصب ليس في إغناء ذلك الحاضر الممتد بالمآثر والانتصارات الوهمية فحسب، بل ولتصب في مجال الاستغناء عن الآتي عن الآخر وفي الختام، فإنني أتمنى من كل قلبي أن أرى مشاريع رؤى أخرى، لعل بتعدد الرؤى وتنوعها، نسد بعضا من النقص والثغرات في معارفنا التاريخية، وبذلك تتاح فرصة أكبر للاقتراب اكثر من الحقيقة التاريخية، والله الموفق ..
(011)
المؤلف
سالم فرج مفلح
حضرموت / اليمن
2006/ 1/15 م (1/518)
صفحة 519
ملحق
حوار في الصحافة
و وثائق
(019) (1/519)
صفحة 520
تريم في القرن السادس الهجري
(مشروع رؤية)
بقلم: سالم فرج عوض مفلح
يظل الاضطراب والغموض يسود تاريخ حضرموت الوسيط، وكان ذلك نتاجا طبيعيا لاختفاء مصادر التاريخ الحضرمي الأساسية، وهي: 1 - كتاب (الياقوت الثمين: مجهول المؤلف التريمي الذي وصفه المؤرخ (خرد) في) غرر البهاء الضوي (بأنه (فيما يتعلق بالعلماء والفقهاء والاولياء والصالحين والحوادث وذكر السلاطين والاعيان من أهل حضرموت، لبعض علماء تريم الاوئل، لأنه مدح مصنفه واثنى عليه، ثم قال: {(التريمي) وانخرم اسمه من
القدم).
2 - تاريخ باعيسى: الشهاب الدين احمد بن محمد بن أبي أبي عيسى المتوفي سنة
628 هـ.
3 - تاريخ أبن حسان الساكن بريدة المشقاص، وله ثلاثة تواريخ في وفيات الاعيان
ومواليدهم، توفي سنة ـ 818 هـ.
-
4 - تاريخ باشراحيل: (مجهول)
ه - تاريخ عبدالله بن عمر بامخرمة توفى-972 هـ
6 - تاريخ عبدالله محمد باسخلة توفي – 986 هـ
ونحن انما ننقل اسماء هذه المراجع على عهدة من شاهدوها ونقلوا عنها باعترافهم ان النقل عن تلك المصادر الأساسية، ثم اختفاءها اختفاء كليا من الوجود وكأنها لم
(520) (1/520)
صفحة 521
تكن، مسألة تدعو إلى الريبة في كل ما قيل انه نقل عنها، إذ لو كان الناقل سليم النية لعمد إلى نسخ واظهار مرجعه الأساسي وجعله متداولا مشهورا. والغريب في أمر ماهو مكتوب عن تاريخ حضرموت الوسيط، منقولا عن تلك المصادر، أنه محدد ومضبوط باليوم والشهر والسنة بالنسبة للحوادث، وبزحمة في التراجم للاعيان والشخصيات والسلاطين والدول، الامر الذي يعني ان تلك المصادر الثلاثة الأساسية المذكورة، كانت تحتوي على الاجابة الصحيحة للأسئلة التي يطرحها اضطراب وغموض تاريخ حضرموت الوسيط المنقول عنها، ويجعل ما هو منقول عنها بعيوبه، المصدر الأساسي المتين اليوم.
ان مسألة التحريف والتشويه مسألة واردة، في كل ما هو بين ايدينا مما كتب حول التاريخ الحضرمي الوسيط، ولقد اشار إلى تلك المسألة اكثر من مؤرخ
معاصر.
من ذلك الغموض والاضطراب ان يقال لنا ان الدولة الراشدية التي حكمت خلال الفترة بين ـ 400 هـ ـ 700 هـ، والتي كانت تريم عاصمتها، انها سنية المذهب او شافعية اشعرية، ثم يقال لنا ان بدعتي الأباضية والمعتزلة كانت
-
منتشرة في ذلك الوقت وطامة على الملة الإسلامية في حضرموت، وانه كان في تريم حينها ثلثمائة عالم وففيه ومفتى، كلهم كانوا على المذهب الشافعي - الاشعري. ولتحقيق هذه القضية الخاصة بمذهب الدولة الراشدية الذي تضاربت حوله الآراء، وجدنا ما يلي:
1 - ان هذه الدولة كانت ضحية لضربة قاسية من قبل الحملة الايوبية عليها سنة - 576 هـ، ومعلوم ان الدولة الايوبية كانت شافعية ــ اشعرية متعصبة، ولقد تعرض علماء تريم وفقهاؤها لمذبحة رهيبة من قبل تلك الحملة على تريم الراشدية، هذا بخلاف الاسر والنفي والقتل الذي شمل أبناء القبائل والحكام
(521) (1/521)
صفحة 522
والاعيان. ولو كانت تريم الراشدية شافعية اشعرية لما تعرضت لكل تلك الفضائع الرهيبة، كما ان ما قامت به تلك الحملة ينسجم مع الامر السلطاني الذي اصدره السلطان صلاح الدين الايوبي بالتنكيل بكل من الأباضية والمعتزلة
والشيعة.
2 - في ظل هذه الدولة عاش العلامة المعتزلي نشوان بن سعيد الحميري عامين ونصف في تريم، محل تقدير واعتزاز واكرام من قبل علمائها وفقهائها وحكامها، وقال نشوان عن تلك الفترة شعرا ونثرا يجعل الوحدة المذهبية بينه وبين تريم الراشدية مسألة تدفع أي احتمال آخر، وتجعله خارج مجال
الممكنات، خاصة إذا عرفنا مدى العداء السني - المعتزلي في ذلك العصر كل ما بين ايدينا من تراث نصي عن تلك الفترة الممتدة على مدى ثلثمائة عام، هو قصيدتان: الاولى للإمام القلعي الظفاري في مدح استاذه شيخ الإسلام بافضل، والثانية لشيخ الإسلام بافضل نفسه وتسمى القصيدة (الفكرية)، وان التحليل لتلك القصيدتين يثبت انهما تنتميان إلى الادب المعتزلي دون غيره.
4 - ان القائلين بسنية هذه الدولة لم يقدموا لنا دليلا نصيا واحدا للدلالة على ذلك،
أي انهم قدموا أحكاما دون نصوص محققة تقطع بذلك هان آل راشد حكام هذه الدولة انفسهم كانوا على مذهب الاعتزال، وان هناك من الدلائل والقرائن ما يدل على ذلك، منها:
أ - ان آل راشد كانوا يدفنون موتاهم في صناديق، وذلك السلوك لا علاقة له بمذهب السنة أو الأباضية
ب - ان السلطان عبد الله بن راشد تتلمذ على يد الإمام يحيى بن سالم بن فضل بافضل، الذي وصفه نشوان بانه اخوه وسيد اهل العلم، وما كان لنشوان ان
يقول ذلك عن الإمام يحيى لو لم يكن على مذهبه في الاعتزال.
(522) (1/522)
صفحة 523
ج - لغرض تأكيد سنية هذه الدولة، قالت كتب التاريخ ان السلطان عبد
الله
بن راشد قد سمع الحديث الشريف في الحجاز سنة ـ 588 هـ عن ائمة
-
الحديث الكبار، وهم ابن عساكر المتوفي سنة - 571 هـ والمقدسي صاحب
التصانيف المتوفي سنة - 507 هـ والإمام الهجراني غير محدد مكان وزمان
-
-
السماع، ابن ابي الصيف المتوفي سنة ـ 609 هـ ومسألة السماع عنه فيها نظر لأن هناك من يقول ان هذا الصوفي كان على مذهب ابن عربي في وحدة الوجود، وهو مذهب فلسفي وليس نقلي. كل ذلك يجعل من مسألة وجود
السلطان عبد الله في الحجاز في تلك السنة، محل شك قاتل.
- الاختفاء المريب لكل تراث العهد الراشدي، على الرغم من زحمته بالرجال والاحداث والعطاء العلمي الذي امتد على مدى ثلثمائة عام.
كل ذلك ان هذا العهد لم يكن سنيا او شافعيا اشعريا، ويؤكد ذلك قول يعني المؤرخ الحداد (ان الاخلاف وجدوا في سيرة الاسلاف ما ينكرونه عليهم اليوم، فعمدوا على اخفائها وافنائها (ونضيف على ذلك تحريفها وتشويهها بما ينسجم مع الواقع المذهبي اليوم. وعلى ما تقدم، فان خلاصة البحث تقول مسألة واحدة، وهي ان الدولة الراشدية 400 هـ ـ 700 هـ كانت على مذهب الاعتزال، وهي الدولة الوحيدة في التاريخ الإسلامي التي قامت على هذا المذهب وكان عهدها هو العهد الذهبي للنشاط العلمي والفقهي في تاريخ تريم إلى اليوم.
(523)
(صحيفة (شبام) - العدد / 42 - 1999/ 7/14) (1/523)
صفحة 524
تعليق على مقال
تريم في القرن السادس الهجري: مشروع رؤية
1 - فرع الدراسات والمناهج وخدمة التراث / عدن. اربطة التربية الإسلامية ومعاهدها التعليمية والمهنية
نشر الباحث الأخ سالم مفلح مقالاً في العدد (42) بتاريخ 7/ 14 بعنوان (تريم
-
في القرن السادس الهجري مشروع رؤية -)، وهي محاولة بحثية مختصة في تاريخنا، نسر بها ونشجع مثيلاتها من الاطلالات البحثية الصاعدة، ولكن العنوان كان اكبر من ان يحتمله مقال صغير كهذا، ولقد لفت نظرنا خلوه من المنهج الأكاديمي الحديث (ACADEMIC MOTHED) حيث ارتكب عدة هفوات وهنات اضعفت من مقالته وانزلتها من سماء البحوث الاكاديمية الرصينة إلى ارض الكتابات الشبابية الحماسية غير المتزنة، وهنا نجعل تعليقنا على المقال في نقاط: 1 - ان تاريخ القاضي باعيسى (ت: 638 هـ) وتاريخ ابن حسان (ت: 818 هـ) يوجد من كليهما نسخة مخطوطة في مكتبة السيد احمد بن حسن العطاس في مدينة حريضة بوادي دوعن، وقد نقل عنها واستفاد منها الكثير من المؤرخين كالمؤرخ ابي مخرمة والعلامة علوي بن طاهر الحداد وغيرهما، (انظر مجلة الرابطة العلوية ج 2 العدد عام ـ 1348 هـ). 2 - اما التاريخ المجهول الذي ذكره فلم يذكر لنا من هذا المؤرخ الذي وصفه ومدحه، وقد قام الباحث بالحكم على هذا الكتاب وغيره بعدة أحكام لم يذكرها المؤرخ الذي وصفه، دون ان يقف الاخ الباحث عليه، وهذا عيب اكاديمي ينبغي ان ينزه الباحث نفسه عنه، إذ كيف تحكم على كتاب بحكم
(524) (1/524)
صفحة 525
ما دون الوقوف عليه، ومع ان الوصف الذي نقله عن المؤرخ لم يذكر هذه
الأحكام. 3 - انکار خبرما لمجرد عدم وجود مؤرخ معايش لهذا الحدث، يعني انكار تاريخنا الإسلامي كله، إذ يستحيل ان يقوم كل مؤرخ بمعاصرة كل الاحداث، ولذلك فقد اعتمد المؤرخون على الاستفاضة كأصل توثيقي في الصناعة التاريخية، ولو تتبعنا اكابر المؤرخين لما وجدناهم عايشوا كل الاحداث التي ارخوها، فضلا عن انكار تاريخ باكمله. 4 - الطعن في النيات لا يليق اكاديميا بالباحث، كما انه ليس من الواجب العلمي على كل مؤرخ ان يعمد إلى اظهار جميع مراجعه واستنساخها للعامة، بحيث نشك في نيته إذا لم يطبعها وينشرها، هذا في زمن الطباعة، فكيف بزمن الدواة
والقرطاس.
هي
ه - فترة البحث والمؤرخ ابن حسان في التاسع، إذن ليسا اساسيين في القضية، لذا يلزم على
القرن السادس الهجري، والمؤرخ باعيسى في القرن السابع
الباحث البحث عن مؤرخين معاصرين للقرن السادس
6 - الحملة الايوبية على اليمن كان هدفها الرئيس عسكريا بحتا لا المذهب، والدراسة الاكاديمية التي قام بها د. جميل حرب محمود حسين (الحجاز واليمن في العصر الايوبي (كفيلة بذلك، حيث ناقش الدكتور ستة اسباب للحملة
الايوبية بدراسة مستفيضة (ص 92 - 99)، وكذلك (تاريخ اليمن الفكري
في العصر العباسي (للشامي.
-
7 - اما عن نشوان فقد قام الدكتور محمد علي زيد في دراسته (تيارات معتزلة اليمن في القرن السادس الهجري (الذي نشره المركز الفرنسي للدراسات اليمنية بدراسة رحلته إلى حضرموت (ص 117 وانتهى إلى ان نشوان زار
(525) (1/525)
صفحة 526
9
حضرموت قبل موته بسنوات ورجع من تريم محملا بعطية اكرمه بما اهلها، مما
جعله
يسر كما وبهم ويرسل لهم الاشعار في مدحهم، وانه قد رجع عن تمرداته واعلن عن تصالحه مع جميع عصره، ولزم المحراب والعبادة والزهادة بعد عودته، ونقل اقواله الدالة على ذلك من كتبه، وهو يؤكد في كتابه انه لا معتزلة في اليمن عبر التاريخ إلا فرقة المطرفية المخترعة التي ظهرت في صنعاء وما حولها
- اما القلعي فهو من اكابر اهل اسنة المحدثين، كما نص عليه الجندي في (السلوك) تحقيق الاكوع، وخرد في (بهاء الغرر)، اما الشيخ سالم بافضل فهو يضامن اهل اسنة وله ذيل على تفسير الإمام القشيري السني (لطائف الارشادات) كما ذكره بامخرمة في (النسبة إلى مواقع البلدان) مخطوط، ومن العيب ان يتكي الباحث على قصيدة تحتمل معان كثيرة، ويترك مؤلفاته ليحكم
على عقيدته
- وقد امتلأ عصره ومصره بالمحدثين وعلماء اهل السنة من اقرانه، كالمحدث ابن جديد (توفي ـ 620 هـ) والمحدث ربيعة الشبامي (تـ ـــ 609 هـ)، وابن العماد، والفقيه باعبيد الذي امتدحه فقيه الحرم الحافظ أبن ابي الصيف الآتي ذكره، وكثير لا يتسع المجال لذكرهم. 10 - السلطان عبدالله بن راشد قرأ على الحافظ ابن عساكر (ت: 629 هـ) و ترجم له بن السبكي في طبقاته، وقد أخطأ في سنة وفاته الباحث سالم خطأ كبيرا و لم يرجع لاية مصادر ترجمت له، وعلى الحافظ ابن ابي الصيف السني الذي لم يعرف التصوف ووحدة الوجود في حياته كما في (السلوك)، والمحدث محمد الهجراني الذي كان يحدث في عدن، كما ذكره (تاريخ ثغر عدن)، كما كاتب الإمام عبدالله بن حمزة الزيدي الذي كان مناصرا له
(526) (1/526)
صفحة 527
ولدعوته بالإمامة لنفسه كما في (أئمة اليمن - زبارة)، ولو كان اباضيا لما
سلم له بالإمامة.
11 - لو كان الثلثمائة فقيه الذين كانوا في تريم أباضية لذكرت واحدا منهم على الاقل غير الشيخ سالم بافضل طبقات الأباضية على قدمها، كطبقات السالمي المتأخر زمنا، وتاريخ ابي زكريا وغيرها.
وفي الختام نتمنى لأخينا سالم محاولة افضل في المرة القادمة، ونوصيه بالهدوء والتريث في اصدر الأحكام حتى يحقق جهدا أفضل.
(527)
صحيفة (شبام (العدد / 47 1999/ 8/18) (1/527)
صفحة 528
تعقيب على تعقيب
تريم في القرن السادس الهجري: مشروع رؤية
بقلم: سالم فرج عوض مفلح
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وتبارك احسن الخالقين، الذي خلقه ثم هدى، والذي جعل القرآن عربيا، ونزله وانزله، واحكم
اعطى كل شيء آياته وفصلها وبينها لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون، لقوم يفقهون، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله البشير المنذر، بعثه ربه بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون والفاسدون والمفسدون في الأرض بعد اصلاحها، الذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون ....
وبعد
فلقد سررت كثيرا حين طالعت على صحيفة) شبام (صدى مقالي الموسوم) تريم في القرن السادس الهجري: مشروع رؤية)، خاصة وان ذلك الصدى لم يأت من افراد بعينهم، بل من مؤسستين تعنيان بالدراسات والمناهج والتراث والتربية الإسلامية، وما كان لي ان انشغل بالرد على أي تعقيب يتصل بمقالي المذكور أعلاه، لأنه مجرد) مقال (، لو لم يأت ذلك التعقيب من تلك المؤسستين وهما على ذلك الحال من المسؤولية تجاه تاريخنا وتراثنا، ولدي على ذلك التعقيب الأمور التالية:
1 - جاء عنوان التعقيب تحت مسمى (تعقيب على مقال)، ويرى المعقبون ان موضوع المقال المعقب عليه اكبر من ان يحتمله مقال صغير، ان كل ذلك القول شيء جميل ورؤية سليمة، غير ان زمام تلك الرؤية السليمة سرعان
(528) (1/528)
صفحة 529
ما انفلت من عقول المعقبين، حين قالوا) انه لفت نظرهم خلوه (المقال) من المنهج الأكاديمي الحديث)، ذلك انه لا علاقة اطلاقا بين كتابة) المقالات (وما يبحثون عنه من منهج اكاديمي قديما كان أو حديثا، فان ذلك شأن الابحاث وليس المقالات الصغيرة، وان كان لي من تعليق على ذلك (الخلط) بين ذلك النوعين من الكتابات فاني ارى انه لايليق، بل غير مقبول اطلاقا ان يأت هذا الخلط من مؤسستين تدعيان العناية بالدراسات والمناهج والتراث التربية الإسلامية، إلا إذا كان القائمون عليها مجرد موظفين وكتبه، وليسوا اصحاب بحث ودراسات ومناهج، أو ان يكون ذلك الخلط مقصودا وصادرا عن عصبية من نوع ما.
2 - ان موضوع المقالة المعقب عليها يقول ان تريم والمجمع العلمي فيها وكذا السلطة السياسية كانت على مذهب الاعتزال في القرن السادس الهجري، وذكرت في المقال بعضا مما لدي من اقوال واحداث تدل على ذلك، الا ان الاخوة المعقبين لم يتعرضوا لها بالمناقشة والتفنيد أو الحكم بفسادها، وهذا الامر يضع المعقبين في موقف صعب، ذلك انه إذا لم يكن محتوى التعقيب الطرف الآخر، فان التعقيب لا يكون إلا محاولة
هو
مناقشة وتفنيد حجج للهروب من مواجهة تلك الحجج والادلة، وهم بذلك الهروب يعطون
تلك الحجج والادلة صفة الحقائق لعدم نقضها، اضافة إلى ان ذلك الهروب
يعد اشهارا للعجز العلمي للمعقب
3 - ومن ضمن الأساليب التي اتبعها المعقبون للهروب من مواجهة الحقائق الواردة في المقال، اسلوب انكار الحقائق البديهية والتي لا يتطلب اقرارها أي جهد ذهني، ويعد انكارها اقرب إلى الفضيحة العلمية حين يأتي ذلك الانكار عن مؤسستين تدعيان العلمية والمنهاجية والاكاديمية البحثية،
(529) (1/529)
صفحة 530
-
ويتمثل اسلوب الانكار ذلك في ادعاء المعقبين بان المؤرخ باعيسى المتوفي سنة ـ 628 هـ انما هو من رجالات القرن السابع الهجري، وليس من مؤرخى القرن السادس، كل ذلك لأن الرجل قضى آخر سنوات حياته في القرن السابع، وفضلوا تجاهل انه قضى جل حياته ونشاطه وعطائه في القرن السادس الهجري، ولا نجد مبررا لمحاولة المعقبين ابعاد واقصاء المؤرخ باعيسى من القرن السادس، إلا ان يكون ذلك السلوك محاولة لاعدام وافناء القليل الباقي من تراث حضرموت في العصر الوسيط، واصرارا على الالتفاف على الحقائق مهما كانت هذه الحقائق بديهية وانكارها يحط القدرة التفكيرية للمعقبين.
من
4 - ومن ضمن اسلوب المعقبين في الهروب من مواجهة الحقائق انكار الحقائق المتفق عليها، ومن ذلك اختراع تاريخ وفاة جديد للمحدث ابن عساكر، حيث زعموا ان وفاته كانت سنة ـ 629 هـ، وتساءلوا عن مصادري
-
التي قالت ان وفاته كانت سنة ـ 571 هـ، وعليه فاني اعيد التأكيد على
-
ان وفاة المؤرخ الحافظ الرحالة علي بن الحسن بن هبة الله، ابو القاسم ثقة
الدين بن عساكر الدمشقي كانت على ما ذكرت سنة ـ 571 هـ، ولا
-
الدين
يوجد خلاف بين المؤرخين حول ذلك، وعليهم الرجوع إلى: خير الزركلي - الاعلام ـ 273/ 4. كما انكروا تصوف ابن ابي الصيف
-
-
على مذهب ابن عربي في وحدة الوجود، وبهذا الخصوص عليهم الرجوع إلى د. د. احمد عبدالله عارف - مقدمة في دراسة الاتجاهات الفكرية والسياسية في اليمن فيما بين القرنين الثالث والخامس الهجريين ص 25، وحسنا فعل المعقبون باعترافهم بطريقة غير مباشرة بوفاة المؤرخ المحدث المقدسي كما ذكرت سنة 507 هـ، أي قبل ميلاد السلطان عبدالله
بن
(530) (1/530)
صفحة 531
راشد المولود سنة 553 هـ، وبالتالي اعترافهم باستحالة
سما
سماع
السلطان
عنه، لاستحالة سماع الاحياء عن الاموات، وهي نفس الاستحالة بالنسبة
-
لسماع السلطان عن ابن عساكر سنة ـ 588 هـ لوفاة المحدث قبل ذلك التاريخ المحدد للسماع.
على ان المسألة الاساسية الثانية التي تعرضت لها المقالة و لم يتعرض لها المعقبون، مسألة وجود السلطان عبدالله
هي
بن راشد في الحجاز سنة 588 هـ سنة عملية السماع المزعومة، حيث لا يوجد دليل، ولم يقل احد من المؤرخين ان السلطان كان في الحجاز في تلك السنة، وهذا الامر جعل المحقق الأستاذ
الحبشي يعلق على عملية السماع تلك بقوله (لعله سمع عليهم في مكة، إذ لا
يعرف لهؤلاء المحدثين رحلة إلى حضرموت) - تاريخ حضرموت، الكندي 72/ 1 هامش المحقق.
،
ه - قال المعقبون ان الإمام القلعي كان سنيا، وهذا القول لس شيئا جديدا، فهو وغيره من معتزلة حضرموت كانوا سنيين في الفروع، ولما كان حديثنا في الاصول، فعليهم اثبات ان الإمام القلعي كان سنيا اشعريا وليس معتزليا، حتى يمكن مناقشة شيئا جديدا ومفيدا.
6 - يقول المعقبون عند حديثهم عن شيخ الإسلام بافضل، انه العيب ان من يتكي الباحث على قصيدة تحتمل معاني كثيرة، ويترك مؤلفاته ليحكم على عقيدته. وفي البدء اود القول ان الحديث عن مؤلفات الامام بافضل هو من باب الدجل الصريح والكذب البواح، فلم يبق من تراث هذا العالم الجليل غير قصيدتين وثلاث وصايا، اما باقي انتاجه العلمي فقد قالوا ان يد الايام قد سطت عليه، ولم تبق له باقية، شأنه شأن كل تراث تريم الراشدية المعتزلية التي امتد عمرها على مدى ثلاثة قرون، اما مسألة
عدم صحة
(531) (1/531)
صفحة 532
-
الاعتماد على القصائد والآداب عامة، شعرا ونثرا، باعتباره مصدرا اساسيا، خاصة في حالة انعدام الوثائق الاخرى، فذلك القول يدل على جهل بالمصادر التاريخية وترتيبها من حيث الاهمية، كما ان ذلك القول لا يصدر عن عقلية متزنة مهما كان نصيبها من النظرة العلمية بالقيمة العلمية التاريخية للأدب بانواعه. وتأتي هذه المحاولة الفاسدة من قبل الاخوة المعقبين لأقصاء دور الادب في العملية التاريخية لعلمهم بان ما بقى لنا من تراث القرن السادس وتريم الراشدية لا يتعدى حدود القليل من الادب نثرا بهذه المحاولة انما يسعون إلى اعدام ما تبقى من تراث تلك
وشعرا،
وهم
المرحلة العقائدية المعتزلية والأباضية، وبالتالي تنعدم اية وثيقة تاريخية يمكن
ان تكشف حقيقة الاوضاع المذهبية في العهد الراشدي يقول المعقبون: (ان الطعن في النيات لا يليق اكاديميا بالباحث ... الخ)، وهنا اود القول انه قد استقرت الابحاث المعاصرة على ان الاشاعرة يتحملون المسؤولية المباشرة في اخفاء واحراق واعدام التراث المعتزلي، رغم اعترافهم بكثرته وغزارته، وهذا بحد ذاته طعن في نوايا الاشاعرة تجاه المعتزلة وتراثهم، وعلى الاخوة المعقبين الرجوع إلى د. عبد الحكيم بلبع: استاذ ورئيس قسم الدراسات الادبية - كلية العلوم ـ جامعة القاهرة:
-
الادب المعتزلي ص 147 هـ)، غير ان ذلك الطعن في نوايا الاشاعرة اقل حدة وقسوة من طعن المؤرخ علوي بن طاهر الحداد في نوايا الأخلاف الاشاعرة الحضارمة تجاه اسلافهم غير الاشاعرة، حين قال مقولته المشهورة: (ان الأخلاف وجدوا في سيرة الاسلاف ما ينكرونه عليهم اليوم فعمدوا إلى اخفائها وافنائها)، فهل وجه المعقبون نقدهم إلى المؤرخ الحداد للطعنة النجلاء التي غرزها في خاصرة الأخلاف الاشاعرة الحضارم
(032) (1/532)
صفحة 533
في تعاملهم مع تراث اجدادهم حين كانوا على مذهب او مذاهب اخرى غير المذهب الأشعري؟.
- يقول المعقبون: (لو كان الثلثمائة ففيه الذين كانوا في تريم أباضية لذكرت واحدا منهم على الاقل، غير الإمام سالم بافضل، طبقات الأباضية على قدمها .. )، هذا القول لهم ولم يرد في مقالي ولست مسؤولا عن تبيان تهافته، غير اني اود القول: ان اول اشارة إلى ان هؤلاء العلماء لم يكونوا اشاعرة العقيدة، جاءت من الشيخ محمد عوض بافضل في كتابه: (صلة الأهل في مناقب آل بافضل) وذلك في ترجمته للشيخ سالم بافضل في أثناء حديثه عن عصر الشيخ في القرن السادس، حيث قال: وفي عهده كانت بدعتا الأباضية والمعتزلة طامة على الملة الإسلامية في جميع حضرموت)، إذ كيف يكون الأباضية والمعتزلة (طامة (ويكون هذا المجمع العلمي التريمي الكبير بخلاف مذهب الأباضية والمعتزلة، آخذين بعين الاعتبار المكانة العلمية الخاصة التي تحتلها تريم في ذلك الوقت بالنسبة لعموم حضرموت، إذا لم يكن هذا المجمع العلمي التريمي الكبير أباضية ومعتزلة،
فهذا يعني ان غلبة هذين المذهبين كانت في) لا محل) بلغة علماء الكلام. - حول اسباب الحملة الايوبية على اليمن، يقول المعقبون انه ليس من اسبابها المسألة المذهبية، وهذا القول محاف لقول كل الباحثين في هذه المسألة، ولم يوردوا قولا لاحد بذلك، فهذا الدكتور محمد عبد العال احمد في كتابه (الايوبيون في اليمن (في (ص - 80 (يقول: اما حملة اليمن سنة 569 هـ، فقد كانت من اجل تحقيق سيادة المذهب السني بالقضاء على دولة علي بن المهدي والتخلص من بقايا التشيع الذي اصبحت اليمن
مركزا له، خاصة بعد القضاء على الخلافة الفاطمية في مصر).
(033) (1/533)
صفحة 534
-
10 - أما عن زيارة نشوان بن سعيد الحميري لتريم في القرن السادس ومكوثه
فيها عامين ونصف على ما ذكرت في مقالي، فاني اود ان انقل قول نشوان وهو يغادر تريم إلى الجوف) وصلت الجوف متخليا من الاخوان والانصار، ولو شئت لدخلتها بالجيوش الكثار)، وإذن فقد ترك نشوان في تريم (الاخوان والانصار)، ثم هو يقول (ولو شاء لدخل الجوف بالجيوش الكثار)، ترى من كان يمكن لنشوان ان يتحصل على الجيوش الكثار ان لم يكن من تريم العائد منها، وهل كان يمكن لدولة سنية اشعرية في تريم ان تمده بالجيوش الكثار لاقامة دولة معتزلية في الجوف؟ وهل يمكن لشخصية علمية مذهبية مثل شخصية نشوان ان تستخدم كلمتي (الاخوان والانصار) في غير محلها المذهبي السياسي؟.
ين
وفي ختام هذا الرد، فاني اعذر المعقيين على عدم ذكر اسم شخص بعينه يمثل مؤسساتهم (العلمية)، إذ ان ذلك يمثل احراجا اضافيا للمعقبين، حيث لم يرتفع المعقبون إلى مستوى ذلك المقال البسيط الذي عقبوا عليه، خاصة وانهم على ذلك المسمى العلمي، ولقد كان المقال رغم صغره، اكبر منهم حتى بمداده وعدد السطره القليلة، وإذا كانت تلك وإذا كانت تلك هي المنزلة (العلمية) للمؤسسات المعقبة على المقال، فليس لنا الا ان نقول: رحم الله الدراسات
هو كما قلت مجرد
والمناهج والتراث والتربية الإسلامية، والحمد لله والحمد لله رب العالمين كما اود ان اشير إلى ان ما نشر لي تحت ذلك العنوان انما) مقال (تعريفي لبحث مطول، استغرق اكثر من مائتي صفحة من الحجم الكبير، تحت عنوان: (تريم في القرن السادس الهجري: الدور الثاني على مذهب الاعتزال - مشروع رؤية)، ارجو ان تتاح له الفرصة ان يرى النور قريبا، والله من وراء القصد
-
صحيفة (شبام (العدد / 48 1999/ 9/8)
(534) (1/534)
صفحة 535
تريم في القرن السادس الهجري: تعقيب على المقال والتعقيب
بقلم / ابو بدر محمد عوض الخامر / جدة
ـ لقد طالعت العدد ـ 43 ـ بتاريخ 41/ 7، من صحيفة شبام،
-
والمتضمن مقالة الباحث سالم مفلح، بعنوان: تريم في القرن السادس (مشروع رؤية)، وأيضاً طالعت العدد الصادر بتاريخ 1999/ 8/18 م، والذي يحمل ردا على مقالة مشروع الرؤية، موقع بالاسم التضامني: سادة فرع الدراسات والمناهج والتراث (عدن)، والاربطة الدينية، وطالعت أيضاً الرد التوضيحي لصاحب الرؤية الصادر في عدد 1999/ 9/8 م، وهنا نعطيبكم تعليقا على تلك المواضيع المنشورة حسب بيانها، آملا منكم التكرم بنشر هذا التعليق على صفحات صحيفتنا الغراء) شبام):
1 - تناول الاخ الباحث حادثة مقتل المئات من العلماء والفقهاء في جامع تريم) تاريخ حضرموت للحامد وصلاح البكري، ادوار التاريخ الحضرمي للشاطري (التي تمت على يد الجيش الايوبي بقيادة عثمان الزنجبيلي قائد الحملة في سنة ـ 576 هـ، بموضوعية و تجرد، فجاءت خلاصة بحثه
وتحليله المنطقي اجابة شافية لفصل مهم من حقب التاريخ الحضرمي ظلت يكتنفه الغموض والتناقض، وذلك من خلال تسليطه الضوء على وجود معتزلي شهدته تريم في تلك الحقبة، وان ما حدث لمعتزلة تريم كان امتدادا للصراع والتنكليل والملاحقة التي تعرض لها المعتزلة في العراق وخراسان واقليم الري على يد الحكام من السنيين الاشاعرة (الكامل في التاريخ لأبن الاثير، تاريخ المذهب السني في المشرق الإسلامي).
(535) (1/535)
صفحة 536
2 - لقد اطلق الاخ الباحث حكما مشرعا فيما يخص فترة سيادة امارة آل راشد في تريم على مدى ثلاثة قرون كما جاء في البحث، إذ شهدت حضرموت في مطلع القرن الخامس الهجري قيام الإمام ابراهيم بن قيس بن سليمان ابو اسحاق الهمداني الحضرمي (475 هـ) بالدعوة للإمامة الأباضية واستعانته بالإمام الخليل بن شاذان الصلت بن بن مالك الخروصي (ت 425 هـ) امام الأباضية في عمان، والذي اعانه بجهد ومال، ومكنته هذه المساعدة من الاستيلاء على حضرموت (ديوان الإمام ابراهيم بن قيس تحقيق الشيخ الباروني، الاعلام للزركلي، شوقي ضيف في تاريخ الادب العربي) وعلى ما اسلفنا، فان تاريخ قيام امارة آل راشد في تريم في حاجة إلى مزيد من البحث والتعمق الموضوعي لتكوين صورة متكاملة غير منقوصة او مضطربة، ويعيب على الباحث خلطه بين العهد الاباضي الثاني في القرن الخامس الهجري وبين امارة آل راشد بن قحطان الحميري التي ابتدأت في منتصف القرن السادس الهجري وحتى أواخر القرن السابع، وانحصرت في مدينة تريم (س غالب القعيطي: تأملات في تاريخ
-
حضرموت)، اما ماجاء في مقالة الباحث ان الدولة الراشدية المعتزلية قد
امتدت طيلة ثلاثة قرون، أي من
و بيان مصادره.
400 هـ ـ 700 هـ يلزمه اقامة الدليل
من ..
-
ان الرد التضامني لفرع الدراسات والاربطة لم يتطرق إلى حادثة مقتل العلماء والفقهاء في جامع تريم عام 576 هـ بموضوعية، وفضل الهروب
منها بالاشارة على دراسة د. جميل حرب) الحجاز واليمن في العصر
الايوبي (علما ان هذه الدراسة لم تأت بأي اشارة عن احداث جامع تريم
،
(536) (1/536)
صفحة 537
وكان الاجدر بهم ان يقدموا تفسيرا وتحليلا لهذه الواقعة التي تعد محورية
حسب البحث، ودحض لاطروحات الباحث.
- جاء في التعقيب التضامني للسادة الدراسبات والاربطة، ان هناك نسختين مخطوطتين، الاولى من تاريخ باعيسى المتوفي ــ 628 هـ، والاخرى من
تاريخ ابن حسان المتوفي - 818 هـ، موجودتين في مكتبة العلامة احمد
-
حسن العطاس، وقد استفاد مهما ونقل عنهما المؤرخ بامخرمة
ت 0947.، وأيضاً المؤرخ الحداد (وفاته متأخرة).
-
ما جاء في هذه الفقرة عبارة عن خلط بين الامور، فالعلامة احمد بن حسن
العطاس توفي عام - 1334 هـ فكيف يأخذ التقدمون عن المتأخرين، إذ كان
-
الواحب الدقة والموضوعية تقتضي ان يشير الرد على نقل المؤرخ بامخرمة والحداد عن كتابي باعيسي و ابن حسان) وهذا في الاصل ليس موضع خلاف)، ثم التدليل على وجود نسختين مخطوطتين في مكتبة العلامة احمد بن حسن العطاس، حسب المصدر، اما السؤال الذي يفرض نفسه هو لمإذا لم يبذل مركز الدراسات ادنى جهد للحصول ولو على صورة لهذه المراجع والمصادر التاريخية المهمة والنادرة، لكون ذلك من صميم مهام عمله، فعلى عاتقهم يقع حفظ وخدمة التراث.
ه - جاء في الفقرة الخامسة من تعقيب السادة الدراسبات والاربطة، رفض جعل مؤلف المؤرخ باعسى والمؤرخ ابن حسان مفيدين في دراسة حقبة القرن السادس الهجري، لأنهما متأخران، وهذا كلام فيه مغالطة بينة،
وغريب ان يصدر عن جهة علمية تدرك اصوليات المهنة، فالعلامة القاضي 628 هـ ولكنه أيضاً امضى قسما محمد باعيسى توفي سنة بن
احمد
-
مهما من حياته في القرن السادس، والاحداث موضع البحث حدثت في
(537) (1/537)
صفحة 538
الربع الاخير للقرن السادس، لهذا ليس هناك ما يمنع ان يكون شاهد حال
والاحداث وقعت في مدينته تريم
اما القول عن العلامة ابن حسان، فسوف استعين بالفقرة الثالثة من رد الابحاث: (انکار خبر ما لمجرد عدم وجود مؤرخ معايش لهذا الحدث يعني انكار تاريخنا الإسلامي كله، إذ يستحيل ان يقوم كل مؤرخ بمعاصرة جميع الاحداث، ولذلك اعتمد المؤرخون على الاستفاضة كاصل توثيقي في الصناعة التاريخية، ولو تتبعنا اكابر المؤرخين لما وجدناهم عايشوا كل الاحداث التي ارخوا لها، فضلا ان يوجدوا في جميع المواقع التي ارخوا لها، وانما كانوا يعتمدون على الاخبار المستفيضة عن الجهات التي يؤرخون لها، ولذا لا يسوغ لاي باحث انكار خبر ما لأنه نقل بواسطة مؤرخ متأخر). هذا الكلام جاء في رد السادة الدراسات والاربطة، فنعيده إليهم ليدركوا مدى التناقض الصارخ الذي لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يصدر بدوافع علمية بحتة. 6 - التقليل من اهمية النظومة) الفكرية (للإمام سالم بافضل المكونة من وثلاثين بيتا، امر يدعو إلى الدهشة والغرابة، ويطرح الأسئلة التالية: ألم تصلنا كثير من اخبار العرب قبل الإسلام وبعده من خلال ما وصل الينا من نظمهم الشعري.؟ ألم نعرف الكثير من اخبار اليمن وملوكه واصقاعه و مذاهبه وحروبه من خلال المنظومة الحميرية للإمام نشوان بن سعيد الحميري.؟ أليس الشعر مرآة عاكسة.؟ اما الاهمية البالغة لهذه المنظومة فلكونها سفرا فكريا ساميا، قدم فيها صاحبها وصفا بديعا لعناصر الطبيعة، وشرحا لتطور الانسان وسبر غوره، ولأنها الاثر الوحيد الذي بين إيدينا مع قصيدة أخرى والوصايا من تراث الامام بافضل، فالقول بالحكم من خلال القصيدة وترك مؤلفاته الاخرى، هو قول يدل على السطحية
مائة
(538) (1/538)
صفحة 539
7
و هشاشة كاتب التعقيب لفرع الدراسات والاربطة، فان كان صادقا في ما
يقول، فليثبت لنا اسما واحدا لاحدى مؤلفات الإمام بافضل سلمت من الطمس والافناء وما زالت باقية إلى يومنا هذا.
- الإمام نشوان بن سعيد الحميري (توفي - 573 هـ) امير محارب اقام
-
سلطته في جبل صبر والمناطق المحيطة به، وكان له نشاط ادبي وعلمي، ومن مؤلفاته: (كتاب أحكام صنعاء وزبيد، الحور العين، المنظومة الحميرية، شمس العلوم ودواء الكلوم) معجم لغوي وفقهي وتاريخي واسع)، هذا هو الامام نشوان واحد من رواد واعلام الثقافة العربية الإسلامية، فلماذا التجني عليه وتصويره بالمداحين والعصاة كما جاء في الفقرة السابعة من تعقيب مركز الدراسات والاربطة، واي خدمة للتراث تتفق مع تشويه الاعلام وذوي العقول النيرة (التاريخ العربي والمؤرخون: د. شاکر مصطفي)، اما عن وجود معتزلة في حضرموت، فهناك اشارات عديدة في مصادر التاريخ الحضرمي (الحامد والشاطري) تدل على وجود كان لهم.
- المؤرخ المحدث ابو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، الشهير بابن عساكر 499 هـ ـ 571 هـ (الاعلام للزركلي، اما شاكر
-
-
الدمشقي مصطفي في (التاريخ العربي والمؤرخون (فحدد حياته (499 هـ ــــ 572 هـ، اما سنة وفاته التي ذكرت بـ (629 هـ) في تعقيب السادة الدراسات والاربطة فلا ادري من أين أتوا بها، فعليهم أيضاح مصادرهم، فابن خلكان وصاحب البداية والنهاية وابن الوردي وطبقات الشافعية والارجح هي التي ذكرها الباحث سالم مفلح في مشروع الرؤية المنشور، اما المقدسي، فان كان المقصود ابي الفضل محمد بن طاهر بن علي بن الحمد
(39) (1/539)
صفحة 540
-9
-
الشيباني الشهير بالمقدسي القيسراني، فولادته سنة - 448 هـ، وتوفي في
بغداد سنة 7.، ولا خلاف عليه
-
الدين ابو عبدالله محمد بن اسماعيل بن ابي الصيف المتوفي) 609 هـ
1212 م)، له كتابان مفقودان: الاول: زيارة الطائف، والثاني: بلغة المسافر في منهج الاكابر. اما تأثره بمذهب ابن عربي، فقد استدل عليه الباحث بدراسة الدكتور احمد عبدالله عارف (الاتجاهات الفكرية والسياسية في اليمن فيما بين القرنين الثالث والخامس الهجريين)، وفيها ما يؤكد مذهبه، اما عن القلعي ابي عبدالله محمد بن علي بن الحسن المتوفي في مدينة مرباط (630 هـ ـ 1233 م) له أيضاً كتاب مفقود عنوانه
-
(تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة).
أختفاء كتاب هنا وكتاب هناك، او اعدام كتاب هنا وكتاب هناك، سؤال
مشروع في حاجة إلى اجابة
الخلاصة:
ان اطراقة الباحث سالم مفلح، بداية مبشرة ببدء عهد جديد في تناول المادة التاريخية تقوم اساسا على الموضوعية والتجرد والحيادية واحترام العقل للوصول إلى الحقيقة، مقارعة الحجة بالحجة وعدم التسليم برأي ما لم يثبت بدليل يزكيه، وعدم رفض رأي ما لم يوجد دليل يضعفه
كما اتوجه إلى الدكتور الفاضل علي هود باعباد رئيس جامعة حضرموت والفريق التعليمي والقائمين عليها، لكي تتبنى هذه الجامعة الواعدة مشروعا وطنيا يهدف إلى تصوير وتوثيق الآلاف من المخطوطات والكتب الموجودة في عدد من المكتبات الخاصة لدى بعض العائلات والافراد الكرام الذين ترك لهم اسلافهم مكتبات تعج بعدد من النفائس والذخائر التي حان الوقت لتوثيقها بواسطة الاجهزة
(540) (1/540)
صفحة 541
المتطورة، حفظا لها من عوامل تقادم الزمن والعبث والاهمال والضياع، ولوضعها
في خدمة العلم وطلابه.
اما الدراويش - ونحن على عتبة الألفية الثالثة - فنقول لهم (كفانا دروشة) او ـ
كما قال نشوان الحميري:
-
الأمر جد وهو غير مزاح فاعمل لنفسك صالحا ياصاح
(021)
صحيفة (شبام (العدد / 59 1999/ 11/2) (1/541)
صفحة 542
حول اعادة قراءة تاريخ حضرموت الوسيط
بقلم / سالم فرج عوض مفلح
الحمد لله رب العالمين، وتبارك الذي خلق كل شيء واحصاه عددا، وهو بكل خلق عليم، الذي جعل آية النهار مبصرة ومد الظل، ولو يشاء لجعله ساكنا، لعلكم تبصرون، والذي جعل الاموال والايام دولة بين الناس ليبلوكم فيما آتاكم وهو الرؤوف الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبدالله الذي بعثه ربه رسولا ومبشرا ونذيرا، وهاديا إلى الحق وسراجا منيرا، ليتمم مكارم الاخلاق، وجعل التقوى ذروة سنام المكارم والفضائل، فاتقوا الله لعلكم ترحمون
وبعد.
يعني
.
هذه دعوة لاعادة قراءة تاريخنا الوسيط، ونقول اعادة قراءة وليس اعادة كتابة، لأن هذه الأخيرة ان لم تسبقها اعادة قراءة، تكون الكتابة تكرارا لما سبق، ولا تعطي جديدا، وعندها يحدث (دور) في قول غير الحق والحقيقة، الامر الذي اضاعة الوقت والجهد في عمل غير ذي مردود معرفي جديد. ولكي تكون اعادة القراءة مفيدة، لا بد اولا من الاقتناع الكامل الذي لا تشوبه شائبة شك او ريبة، بان تلك الاعادة قد تأخر القيام بها كثيرا من قبل الجيل الجديد من الاخلاف الحضارمة، وهذا الشرط اساسي يهدف إلى شحذ الهمة واليقظة الذهنية، وتوجيهها نحو هدف لا تحيد عنه. وثانيا: الاقتناع التام من قبل الباحث بان ما يقوم به يعد عملا وطنيا ملحا وعاجلا، تفرضه وتفرض سرعة انجازه والقيام به، ما يخلقه تاريخ يقف على رأسه من وجدان مضطرب وقلق، لا يستطيع رؤية مواقع اقدامه، وبالتالي لا يستطيع ان يرى افقا تلوح فيه معالم المستقبل.
(542) (1/542)
صفحة 543
ولعله في هذا المقام، لا بد من القول، ان الحضرمي الوحيد ـ حسب علمي –
الذي قدم عملا اكاديميا جديدا في تاريخ حضرموت العام، هو الدكتور محمد عبدالكريم عكاشة الفلسطيني، الذي قدم رسالته العلمية حول (قيام الدولة القعيطية)، ويكفي ذلك دليلا على مدى تقصير الأخلاف في القيام بدورهم تجاه تلك القضية الوطنية الكبيرة
لقد
وجه
ان الدعوة إلى اعادة تلك القراءة ليست من (اكتشاف) هذا الجيل، بل
تلك الدعوة الجيل السابق من المؤرخين الحضارمة رحمهم الله وجزاهم عنا
خيرا، وهم حين قالوا ودعوا إلى اعادة تلك القراءة،،انما وجهوا خطابهم إلى الاجيال اللاحقة، وهذا الجيل هو اول المخاطبين بتلك الدعوة.
فهذا المؤرخ علوي بن طاهر الحداد يقول صراحة: (ان الأخلاف وجدوا
في سيرة الاسلاف ما ينكرونه عليهم اليوم، فعمدوا إلى افنائها واخفائها)، وهذا المؤرخ عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف يقول في اثناء دفاعه عن قوله بشيعية اسلافه من العلويين الحضارمة وعن سبب إخفائهم حقيقة ذلك المذهب: ما كان مؤرخو العلويين المتأخرين ليذكروا مثله، مع الدواعي إلى كتمه، لأن العادة قد احالته إلى القدح)، وهذا المؤرخ صالح الحامد العلوي يقول: (ان كتب تاريخ حضرموت لا تعطي صورة واضحة عن كل عصر، بل ان ذلك يحتاج إلى شيء من الدرس والتهذيب).
كل تلك الدعوات الصريحة لا عادة القراءة وغيرها كثير، تقول ان ما هو مكتوب عن حضرموت في العصر الوسيط لا يمكن ان يسمى تاريخا، كل ذلك قاله الجيل السابق من المؤرخين الحضارمة، وهم بذلك انما يدعون الجيل اللاحق إلى التواصل معهم من خلال اعادة قراءة ما كتبوه وصنفوه، ان العيب الاساسي والقاتل في ما هو مكتوب، هو انه يقوم على فرضية تقول: انه في القرن الرابع
(543) (1/543)
صفحة 544
الهجري إذاب الله الأباضية كإذابة الملح، وانتهى امرها وشأنها، وصفا الجو للمذهب الشافعي الاشعري في جميع حضرموت بعد ذلك التاريخ، ولما كانت تلك الفرضية غير مقبولة عقلا، ولا يمكن اثباتها، فان تلك الفرضية لم تعط تاريخا، بل اعطت شبه تاريخ، ولهذا كان التناقض والغموض هو السمة البارزة لكل ما هو مكتوب اعتمادا على تلك الفرضية القاتلة، ولهذا نراهم في كتاباتهم يقرون ببقاء الأباضية حتى اواخر القرن السابع الهجري على الاقل، وسوف تبقى الأباضية تلاحقنا بمثل مالاحقت الأولين، لأن تاريخ حضرموت الوسيط هو في حقيقة امره تاريخ الاباضية وقواها في صراعها مع المذاهب الاخرى خاصة المذهب المعتزلي الذي حاولت كتب التاريخ الحضرمي التغافل والتعامي عن وجوده بكل الوسائل والاساليب، تماماً كما حاول الاخلاف التعامي والتغافل عن حقيقة مذهب
الاسلاف.
ولقد ترتب على القول بالنهاية المبكرة غير المبررة للمذهب الاباضي، اعتماد ذلك القول أساسا لكتابة تاريخ حضرموت الوسيط، ان جاء ذلك المكتوب عليلا مريضا او جامدا وعتيقا جماليا وباهتا فكريا، إضافة إلى العيوب المنهاجية التي تحاصره من جميع الجهات والابعاد. ولقد حاول ذلك المكتوب عن حضرموت في العصر الوسيط الخروج من تلك الورطات المتعددة عن طريق صناعة التراجم) السوبرمانية (التي لا تستند في أغلبها الاعم على أي مصدر من انتاج تلك الشخصيات او من انتاج عصرها، هذه (اللامصدرية (تم السيطرة عليها بالاغراق في السوبرمانية في صناعة التراجم الحضرمية الوسيطة التي لا تلتزم بحدود العقل ناهيك بحدود العصر غير معروف الملامح والهوية.
وإذا كنا اليوم وبعد التطورات العلمية الهائلة التي حققت القدر الكبير من علمية) علم التاريخ، لا نستطيع ان نقبل نظرية او فرضية إذابة الأباضية كالملح،
6
(544) (1/544)
صفحة 545
فاننا لا نستطيع أيضاً ان نقبل ما ترتب عليها من اقوال بحافية للعقل والعلم والمنطق التاريخي، التي تجعل التاريخ عملا فرديا، لا تاريخ الناس في الزمان والمكان، ولقد كانت (الفردية (في كتابة التاريخ سببا مباشرا في طمس التبدلات التاريخية البعيدة الأثر والامتداد في حياة المجتمع، كما ان الكثير مما هو مكتوب عن تاريخ حضرموت الوسيط يعطي صورة عن حياة جرداء مجدبة وخالية من أي معنى للعطاء الحضاري، الذي يتحدث عنه ذلك المكتوب عرضا ودون دليل يمكن قراءته ومطالعته ودون ان يبرر سبل ذلك العطاء مناخاته الدافعة.
وإذن تكون اعادة القراءة مهمة وطنية من الدرجة الأولى، وهي سابقة على عملية اعادة الكتابة لأن اعادة الكتابة تتطلب مادة تاريخية جديدة متصورة في الذهن، تحتوي على العناصر المنطقية المتخيلة، او على الخيال المنطقي لتصور المفقود في افضل صورة ومرتكزاته الاساسية، ثم تأتي اعادة الكتابة عملا لاحقا. والمقصود باعادة الكتابة هو البحث عن المصادر والمراجع والوثائق لوضع ذلك التصور الذهني في شكله المكتوب على ان المادة التاريخية المطلوبة لن تكون بعيدة عن ما هو مكتوب، بل انها موجودة في احشائه وثناياه، فهو يحتوي على كم المادة التاريخية التي تأتي فيه على اشكال متعددة، فقد تأتي لغرض اخفاء
هائل من حقيقة يقول بها التصور الذهني، او تأتي على شك وثيفة هامة لم يفهم المؤرخون محتواها ومكنونها، فاوردوها للدلالة على ما ليست دليلا عليه، او تأتي في شكل (سقطات) غير مقصودة ادى إليها ضغط الحقائق التي تفرض نفسها على الكاتب، غير ان الاهم من ذلك كله هو ان ما هو مكتوب حول تاريخ حضرموت الوسيط غني ودسم بالمعلومات الغزيرة التي يساعد على اكتشافها وجود تصور ذهني علمي للمفقود، فان ذلك سوف يساعد كثيرا في اعادة القراءة والكتابة معا
(020) (1/545)
صفحة 546
غير ان الأمر الاهم في اعادة الكتابة، اضافة إلى احتوائها على المنطق الذي
مع
يفترض ان يكون محمولا إليها من التصور الذهني الجديد، ان تكون منسجمة التاريخ البشري العام والتاريخ المناطقي، ذلك انه من العبث محاولة كتابة او فهم
تاريخ اي بلد اسلامي منفردا، ومن غير ان يكون ضمن الهيكل العام للتاريخ الإسلامي، كما ان اعادة تلك الكتابة يجب ان تكون منسجمة مع التطور التقني الذي شهده علم التاريخ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، من خلال ارتباطه بعدة علوم مساعدة في تحقيق اكبر قدر ممكن من (العلمية)، فان لم تمتلك اعادة من عناصر التجديد ما يكفي، فسوف تكون تلك الاعادة تكرارا ودورا لما سبق، رغم وجود التصور الذهني المنطقي.
الكتابة
ان المشكلة في اعادة القراءة والكتابة معا، ليست مسألة تنظيمية، وانما هي مشكلة تحليلية فكرية، وان الصفة الاكثر اهمية في الباحث، وهو يقوم بتلك المهمة، ليست الكفاءة في الطريقة البحثية، وانما امتلاكه قوة المنطق والتخيل لما هو
مفقود
ان العلمية والموضوعية في اية اعادة، لا يمكن ان تتحقق ما لم ننخلع من الأمراض (الذاتية)، سواء كانت عاطفية أو مذهبية او عرقية، تلك الامراض التي جعلت المكتوب من تاريخ حضرموت الوسيط والحديث اقرب ما يكون إلى التاريخ العائلي او الاسري، ولكنه ابعد ما يكون عن التاريخ الاجتماعي، لهذا كان طبيعيا
ان يقول عنه المؤرخون انفسهم انه لا يحتوي على صور عن الحياة في كل عصر وانما احتوى على اهم الحوادث التي هي اشبه برؤوس العناوين عن ذلك العصر، وهي لا تغني ولا تعطي صورة عن الحياة الاجتماعية بكل مجالاتها، تلك الحياة التي تتابع سيرها على طول الزمن حتى وصلت الينا او وصلنا إليها من خلال حياتنا
اليوم، وهي اكثر اهمية من الحوادث الكبرى التي تستأثر برؤوس العناوين.
،
(546) (1/546)
صفحة 547
ان اعادة القراءة المطلوبة، تتطلب التداول الجمعي للقضايا او التفكير
الجماعي في حلحلتها، الامر الذي يعني ضرورة خلق اجواء بحثية سليمة خالية من الامراض، على ان البذرة الأولية لتلك الاجواء تكمن في عقد اللقاءات الاخوية، واقامة صلات تعارف شخصي بين ذوي الشأن من المهتمين بهذه القضية، وتعتبر تلك دعوة من شخصي المتواضع لقيام (الجمعية التاريخية) في المحافظة، والدعوة موجهة إلى جميع المعنيين، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم الأستاذ الفاضل د. عد العزيز
بن عقيل مدير عام الآثار والمتاحف والمخطوطات بالمحافظة، لرعاية هذه الدعوة. ارجو ان تجد هذه الدعوة لاعادة القراءة لتاريخ حضرموت الوسيط صداها الذي تستحقه من قبل المعتمين، باعتبارها اولا وقبل كل شيء قضية وطنية من الدرجة الاولى، ترتفع فوق القضايا الصغيرة التي ان ظهرت اثناء العمل، فسوف تعكر سمو المشاعر الوطنية والحياة الاجتماعية، وليكن شعارنا جميعا (الوطن فوق الجميع) والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
(547)
صحيفة (شبام (العدد / 72 (2000/ 2/1) (1/547)
صفحة 548
حول اعادة قراءة تاريخ حضرموت الوسيط
دعوة ..... فأين المشمرون.
بقلم: صالح عصبان
اتحفنا الأستاذ سالم فرج مفلح / مقالة جريئة في العدد (73) من صحيفة
-
—
) شبام)، وأقول (جريئة (لمافيها - أولاً ـ من اقتحام مناطق كانت تسبقها - ـ لافتات كتب عليها (يمنع الاقتراب)، - وثانيا حملت اضاءات وشارات وتساؤلات تراود إذهان كثير من المهتمين بتاريخ حضرموت، وآخر ــ وليس اخرا ـ حددت ملامح التفكير العلمي الموضوعي الذي يجب ان يسلكه من ارد البحث والكتابة في هذا التاريخ، وذلك بما اشترطه من اعادة القراءة قبل اعادة
الكتابة
-
وقد حفلت المقالة بتصورات وخطوط رئيسية واسقطت احجارا في مياه آن لها ان تتحرك لتشكل دوائر تكبر ... والحق ان هذا العرض المنطقي للطرائق التي يتوخاها الكاتب من الجميع لاعادة القراءة والكتابة، سيساعد على وضع الخطوات الصحيحة نحو تنقية وتدوين تاريخ حضرموت ...
وما اشار إليه هو المنهج العلمي الصحيح في البحث .. حيث تبدأ مرحلة التعليل او الافتراضات .. ثم جمع المصادر والمراجع والغوص فيها، وهو ما عبر عنه بالتصور الذهني وبالتالي الوصول إلى نتائج البحث، وهو ما يسميه العلماء بالنقد لما هو مدون، او الاضافة او اثبات فرضية.
وكاتب المقال حسب علمي - لم يقف موقف الناقد فقط، بل كان
-
سباقا إلى الادلاء بدلوه في هذا الموضوع الشائك، وجرد قلمه لخوض غمار هذا
(548) (1/548)
صفحة 549
المعترك، مستفيدا مما توفر له من المراجع وقد قرأنا له في صحيفة (شبام) مقالات عن تاريخ تريم الامر الذي أحدث ردرد فعل متباينة كشفت عن حالات من الترقب والاهتمام، وربما الخوف لدى البعض، والكاتب كان ذكيا في طرحه، حيث
استطاع أن يحصل على ما يشبه – جس النبض ـ حول هذا الموضوع .. ، وقد
-
ـــ
تطرق إلى الموضوع أيضاً في مجلة (الفكر (الصادرة عن جمعية اصدقاء المؤرخ سعيد
عوض باوزير.
ان
حركة التغيير المتسارعة وانتشار العلم والإلمام بمناهج البحث ووسائله،
اتاح قدرا كبيرا من الثراء الفكري وانتج عقولا قادرة على التساؤل والتمحيص لما يكتب وعدم التسليم لكل ما هو من الجهد البشري، الا بعد تثبيت وتحقيق، والنظر إلى ما يتطرق إليه الاحتمال بعين فاحصة. ولن نستقصي هنا كل ما نبه إليه كاتب، وحسبنا ان نقف
مع قضية تعد من القضايا المهمة، الا وهي (الفردية) في كتابة التاريخ.، ونضيف إلى ما قال: ان السنوات الاخيرة حملت لنا نسخا مكررة من هذا الهراء، اما باعادة اجترار الماضي او السير على منواله بطريقة تثير الرثاء على حملة هذا التفكير السطحي والخواء الفكري، ممن حنطوا عقولهم وبرمجوها ـــ ان صح التعبير ـ على قنوات
فقدت اهليتها على العطاء.
شك
ان العمل الذي يدعو إليه الكاتب ليس بالامر الهين ـ وهو يدرك ذلك بلا
من
امتلك
لهذا فان من الامانة ان لا يمتطي صهوة جواد هذا الامر، الا العلم والدراية والاخلاص والحياد، فمجال كهذا لا يترك لكل من هب ودب، حتى لا يلجه محبو الظهور ومروجو حكايات العجائز وحاطبو الليل، فتعاد (الاسطوانة) او يشطط الخيال بالبعض، فيهيل التراب على كل شيء وحينها ندور في حلقة مفرغة .. فيتأبط كل واحد قناته موجهها نحو الآخر.
(029) (1/549)
صفحة 550
نشارك ـ مفلح ــ الدعوة ونرى بوادر طيبة في الافق، متمثلة في ابحاث
-
—
تنشر هنا وهناك، واجتهادات في طور المراجعة والبحث والنشر
انها دعوة
يفترض من الجميع المبادرة إلى تلبيتها مع التجرد وقبول الحق ... فهل من مشمر
صحيفة (شبام (العدد / 77 (2000/ 4/12)
(00.) (1/550)
صفحة 551
باوزير .. المؤرخ المحقق المدقق
بقلم: سالم فرج متنح
التاريخ عند المؤرخين المسلمين هو استحضار للتجارب الماضية، وقد عبر
كل منهم عن ذلك باسلوبه الخاص، فهو (مرآة الجنان) عند سبط ابن الجوزي، وهو (وقائع الدهور (عند ابن وصيف شاه، وهو (خبر من غير) عند الذهبي وابن اياس، وهو (اخبار الزمان) عند المسعودي، وهو (تجارب الامم) عند مسكويه. اما عند مؤرخنا باوزير فهو) تدوين الاحداث بامانة ويقضة وتجرد وحياء، ثم تفسير هذه الاحداث واجتلاء معناها و کشف آثارها في مسيرة الناس). هذا التعريف الذي اصدره باوزير هو في الحقيقة تعريف خاص به، فيم اجد من المؤرخين من عرف التاريخ بهذا التقييد الصارم، ان باوزير بذلك التعريف قد وضع لنفسه منهجا في الكتابة التاريخية تميز به دون غيره، وهو فوق ذلك وضع لنفسه قيودا وضوابط ما سبقه بها احد في مجملها، وان وجدت متفرقة ندى الآخرين. هذه القيود والضوابط مجتمعة، هي التي اعطت لكتابات باوزير التاريخية
نكهة خاصة تجعل من القارئ لها يشعر برهبة التاريخ وعظمة ذلك المؤرخ. وحين نستعرض تعريف باوزير للتاريخ لا نستطيع فهم ابعاده الجديدة، ما لم ننظر إليه نظرة فاحصة متأملة، فهو حين يشترط الأمانة، فهو لا يتركها فضفاضة لا تخضع لضابط مقيد يحد من نسبيتها، بل يقيدها بقيد (اليقضة) وهي تعطي معنى مضادا لكلمة (الغفلة) والتي هي من أخطر العيوب في عملية التدوين التاريخي، ان صفة (الغفلة (تلغي الامانة تماماً، في حين ان (اليقظة) تجعل من الامانة عينا ساهرة مفتحة وعقلا يقظا، وإذن، فان باوزير انما يقصد الأمانة اليقظة
(001) (1/551)
صفحة 552
کشرط اول و اساسي لعملية التدوين. ان الامانة بدون يقظة تجعل الأمانة غير حاصلة لتسرب غير الحق في عملية التدوين وذلك بفعل الغفلة التي يتساوي في نتائجها الخطيرة سوء النية وحسنها.
ذلك هو اول قيد وضعه باوزير لنفسه للتدوين التاريخي، اما القيد الثاني فهو (التجرد)، وهو يقصد التجرد من العواطف في كتابة التاريخ، وذلك ليس بالامر السهل، ان الانسان مهما حاول ان يتجرد منها إلا انه يبقى منها شيء، فالعواطف ليست ثوبا يمكن خلعه، متى نشاء ... انها كامنة موروثة فينا، وقد تستعبد بعض الناس فتستبد بأحكامهم ونظراتهم وقد تكون خفيفة لا تحس كدبيب النمل، ولكن لها اثرها في الكتابة التاريخية، ولكن ما يقصده باوزير هو التجرد الذي تكون فيه العاطفة في حكم العدم، وذلك لعمري مقصد عسير المرام، ومؤرخنا باوزير خير من يعرف ذلك، لهذا نراه يقيد التجرد بقيد وجداني ضميري نفسي، ذلك القيد هو الحياء.
ذلك
ان الحياء الذي يقصده باوزير هو ذلك الشعور الذي يمتلك نفس وشعور المرء ويقف حائلا بينه وبين الباطل، لا ليحسب ذلك فضيلة في حياته، بل وأيضاً ليحسب له كذلك في مماته، خاصة وان ذلك المرء مؤرخ مهمته صياغة وعي الاجيال القادمة، وهي اخطر من مهمة حاكم أو سلطان زائل، حيث تبقى كتابات المؤرخ يتردد صداها عبر الاجيال
ما اريد ان اخلص إليه، هو ان المؤرخ عندما يكتب بتجرد حيي
، فانه
يكون اقرب إلى رجل المختبر لا تعرف العاطفة إلى عمله طريقا، وإذا كان رجل
المختبر بطاطئ رأسه خضوعا وحياء امام الحقائق المخبرية، فان المؤرخ يجب ان
يطاطئ رأسه خضوع وحياء امام حقائق التاريخ.
(552) (1/552)
صفحة 553
ان باوزير عندما اضاف قيد الحياء، يكون بذلك قد اضاف بعدا وحدا وشرطا حضرميا خالصا، خاصة وانه انما يكتب في التاريخ الحضرمي الذي لدى باوزير مآخذ كثيرة وكبيرة عليه، استدعته لاضافة ذلك القيد الحضرمي.
قبل ان يبدأ باوزير الكتابة في التاريخ الحضرمي، تأمله جيدا، وتصفحه
مرارا وتكرارا، وقلبه يمنة وشمالا، فوجد نفسه مصدوما بحقائق ثلاث هي: 1 - نقص خطير في المصادر سواء منها ما يتعلق بالتاريخ الجاهلي او عهود ما بعد
الإسلام. 2 - صعوبة انتقاء الحقائق التاريخية من بين اكداس من المعلومات التي لا تدعو إلى الاطمئنان، كتبت تحت عدة مؤثرات عاطفية وعنصرية ومذهبية، أو
سجلت على غفلة وسذاجة وحسن نية
وجود فجوات واسعة في مجرى الاحداث التاريخية لم تتعرض لها المصادر الموجودة إطلاقاً، أو تعرضت لها بشيء من التحريف والتشويه، يزيد من
غموضها والتباسها.
تلك الحقائق التي يتصف بها التاريخ الحضرمي كما رآها باوزير، هي اول واصعب واخطر تطبيق قام به لتعريفه لعملية (التأريخ)، انها حقائق قاسية ومؤلمة ومرة، اقر بها باوزير قبل ان يدخل في عملية التدوين، وكأنه بذلك قد اضاف إلى قيود التعريف قيود الحقائق التاريخية الثلاث، وانطلاقا من كل ذلك، نراه يصرح بلا غموض أو لبس أو اعتزاز بالذات على حساب الموضوع، وبتجرد وحياء حضرمي أصيل، قائلا بانه ليس بامكانه تجاوز المرحلة الأولى (التدوين) إلى المرحلة الثانية وهي (الحكم والتفسير). ليس هذا وحسب، بل هو يحكم على ضوء كل ذلك بان كل ما كتب اليوم عن تاريخ حضرموت ليس في مستوى البحث العلمي
(553) (1/553)
صفحة 554
الواضح العميق الشامل المحيط بموضوعه، وهو يوكل مهمة سد النقص فيما كتب
اليوم إلى الاجيال القادمة من الباحثين.
ان
منهج باوزير في كتابة التاريخ هو ذلك المنهج المقيد بضوابط تفرد بما وطبقها على كتاباته باكبر قدر مستطاع من الصرامة في تعامله مع تاريخ يعاني اكثره من الاضطراب والغموض والفجوات الكبيرة، فهو لا يستسهل اصدار الأحكام والنعوت كما يفعل الآخرون، بل لقد فرض عليه منهجه ذاك ان نرى كتاباته تعج بالاسئلة دون الاجابات، والحيرة دون اليقين، والقول بالغموض دون الوضوح، كل ذلك وغيره ميز مؤرخنا باوزير عن غيره من المؤرخين الحضارمة، ولاقى في سبيله الهجمات الشرسة والنقد الصريح والمبطن
ولعل فضل باوزير على الاجيال اللاحقة من الباحثين وطلاب العلم والمعرفة التاريخية، هو انه فتح باب الشك الموضوعي على مصراعيه، ولولاه لظل تاريخ حضرموت مستقرا ثابتا على عيوبه وثغراته القاتلة التي ذكرها، فهو وحده الذي اشار إليها وحددها وقال بخطورتها وضرورة تجاوزها، وتلك لعمري فضيلة ما بعدها فضيلة.
نماذج من تطبيقات باوزير المنهجية:
ا موقف باوزير من التاريخ الاباضي الحضرمي خلال الخمسة القرون الاولى من
الإسلام:
يقول باوزير) نحن لا نملك ان نصدق ان مئات السنين التي عاشها الاباضيون في حضرموت دون ان يتركوا اثرا علمياً أو ادبيا أو تاريخيا يعبر عن عقيدتهم ومذهبهم ويسجل اخبارهم ويعطينا صورة واضحة عن حياتهم السياسية والثقافية والاجتماعية وانه لم يصل الينا إلا نتف يسيرة بواسطة مصار غير حضرمية، كانت
(554) (1/554)
صفحة 555
تشير اشارات عابرة مقتضبة إلى تاريخ الأباضية في حضرموت، تاركة وراءها كثيرا
من علامات الاستفهام.
-2
حسم
عند تحقيقه في مسألة دخول المذهب الشافعي إلى حضرموت وما يعترض تحقيق هذه المسألة من صعاب، يقول باوزير: (ان مزيدا من البحث سيقود
إلى الحقيقة القاطعة في هذا الموضوع التاريخي المهم).
هذه المسألة
الاباضي
انه بهذه العبارة القصيرة، يعطينا درسا في التحقيق التاريخي، فهو يرى ان كل ما قيل حول هذه المسألة غير مقنع، وهي مسألة مهمة لم تحسم إلى اليوم، وتأتي اهمية من كونها مفتاحا للغز المحير، وهو كيفية وزمان نهاية العصر، حيث انه لا يمكن موضوعيا الحكم بتمذهب الحضارمة في زمن محدد بالمذهب الشافعي، قبل ان يسبقه حكم موضوعي اخر، هو زمن وكيفية نهاية العصر الاباضي، وكلا الامرين لم يحسم يقيناً إلى اليوم، على ان تلك المسألة المهمة التي اشار إليها باوزير هي سبب مباشر فيما تميز به التاريخ الحضرمي الوسيط كثرة متاهاته وغموضه واضطرابه
من
ان باوزير بذلك الموقف قد رفض بحاراة الآخرين الذين وضعوا مخارج غير مبررة تاريخيا أو منطقيا وعقليا لحل تلك المسألة، لقد رفض القبول باثبات ما لم يتم اثباته، وهو بهذا قد اثبت انه رجل منهج ومؤرخ محقق ومدقق عظيم.
موقف باوزير من مذهب الدولة الراشدية 400 هـ 700 هـ:
في كتابه (معالم تاريخ الجزيرة العربية (تساءل باوزير عن مذهب هذه الدولة: أهي سنية ام أباضية.؟ هذا التساؤل اعتبره الأستاذ الشاطري في الجزء الاول من (الادوار (انه تساؤل لا داعي له، بعد ان قطع بسنية هذه الدول، دون ان يقدم دليلا واحدا نصيا على ما يقول، وبالتالي بعدم جدوى تساؤل باوزير. وتساؤل باوزير صادر عن موقف علمي ومسؤولية تاريخية، وهو محق فيه للاسباب التالية:
(000) (1/555)
صفحة 556
-
ان الجميع يؤكد ان تراث هذه الدولة التي دام حكمها ثلاثة قرون، قد سطت عليه يد الايام، وهو الامر الذي يعني عدم وجود الوثائق النصية التي هي
من انتاج تلك المرحلة التي يمكن الاعتماد عليها في اثبات مذهب هذه الدولة ب ـ ان القول بسنية هذه الدولة يعني ان مسألة زمن وكيفية نهاية العصر الاباضي قد اصبحت محسومة، وهو الامر الذي لم يحسمه احد يقيناً، والمذهب الاباضي هو المذهب الاساسي والاول في حضرموت، فكيف يمكن اثبات
-
المذهب الشافعي حاكما، قبل ان نثبت نهاية العصر الاباضي مذهبا وحكما جـ ان من يقول بسنية هذه الدولة لا يملك كما قلنا الدليل النصي، وكذلك من يقول باباضيتها، وهنا تساوت سنية وأباضية هذه الدولة في عدم وجود الدليل القاطع.
ولهذا نرى ان موقف باوزير هو الموقف العلمي والحق معـ معه وإلى جانبه، ويعود ذلك لمنهجه الصارم في التحقيق الذي وضعه لنفسه في كتابة التاريخ
- موقف باوزير في تحقيق النصوص الغامضة:
يورد باوزير الابيات التالية للإمام ابي اسحاق الهمداني الذي ظهر في حضرموت في منتصف القرن الخامس الهجري
فأين الالي ان خوطبوا عن دقائق من العلم انبوا سائليهم وسارعوا فقلت لها: هم في شبام ومنهم بميفعة قوم حوتم مافع بذي اصبح حيث الرضى والصمادع ومنهم بوادي حضرموت جماعة وارض عمان سيلهم ثم دافع اني من القوم الصيام القوم الباهرين بالمقال المفح
وفي هينن منهم
أناس ومنهم
(007) (1/556)
صفحة 557
وهنا يتساءل باوزير: ولكن من هم هؤلاء الباهرين بالمقال المفحم والذين يسارعون في الاجابة إذا سئلوا عن دقائق العلم. ما هو مبلغهم من العلم. واين وكيف اخذوا علومهم وتلقوا دراستهم. وما هو انتاجهم العلمي والادبي
و اين هو؟.
ان باوزير لم يتطاول على غموض العصر الاباضي كما تطاول غيره وحكموا دون دليل واستنتجوا دون نصوص، ولكنه فضل على كل ذلك واحتراما لمنهجه ولنفسه ـ كما هي عادته في مثل هذه المواقف ـ ان يضع الاسئلة بدلا من
-
الاجابات الملفقة التي سرعان ما يظهر فسادها وتظهر الشكوك حول مراميها
واهدافها.
ان ما اريد ان اخلص إليه في هذه العجالة، هو ان باوزير كان مؤرخا من طراز خاص في فهمه لكتابة التاريخ وخطورة مهمة المؤرخ، انه مدرسة متكاملة المنهج والاسلوب، وان دوره في كتابة التاريخ الحضرمي قد فتح اعين معاصريه ولاحقيه على حقائق في غاية الاهمية والخطورة، وهو بذلك ومن خلال كتاباته التاريخية كان حارسا امينا على مهمة البحث في حقيقة التاريخ الحضرمي.
ان من حق باوزير على الاجيال اللاحقة ان يسجل اسمه في انصع الصفحات كأحد الذين اضافوا إلى البعد الحضاري الحضرمي اضافة جديدة في علم (التاريخ)، استحق عليها وسام وشهادة المؤرخ العربي، تقديرا لاسهاماته المتميزة في خدمة التاريخ العربي، من قبل اتحاد المؤرخين العرب، فهل تبخل اليمن على أبنائها ويكرمهم الآخرون.
الديس الشرقية في 1998/ 11/1 م
الفكر / نشرة فصلية ثقافية تصدر عن جمعية اصدقاء المؤرخ سعيد عوض باوزير / حضرموت / العدد 11 ابريل 1999
(557) (1/557)
صفحة 558
(voo)
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، وتبارك أحسن الخالقين، الذي اعطى كل شئ خلقة ثم هدى، ويسر القرآن للذكر، فجعله عربيا، ونزله وأنزله، واحكم آياته وفصلها وبينها لقوم يعقلون، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبدالله، الفاتح لما اغلق، الخاتم لما سبق، الناصر الحق بالحق إلى صراط العزيز الحميد، بعثه ربه برسالة التقوى ليتمم مكارم الاخلاق، فبلغ عن ربه ان العاقبة للمتقين الذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما امر الله به ان يوصل ويخشون ربهم، ويخافون سوء الحساب. الداعية الاستاذ الفاضل السيد / ابوبكر العدني بن علي المشهور المحترم
الموجه العام لاربطة التربية الإسلامية ومراكزها التعليمية والمهنية
الاخوة اعضاء الهيئات الادارية لاربطة التربية الإسلامية ومراكزها التعليمية والمهنية
المحترمون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
في البدء ارجو ان تتقبلوا جزيل شكري وتقديري لدعوتكم الكريمة لي لحضور جلسات هذه الندوة المباركة باذنه تعالى، واعتبر ذلك تشريفا كبيرا لشخصي ارجو ان اكون عند حسن ظنكم الكريم.
السيد الموجه العام، الاخوة اعضاء الهيئات الادارية:
،
كم هو عمل جليل وفضل كبير ومهمة عظيمة، ان تعهدوا على انفسكم قيادة
العمل على احياء خصائص وفضائل مدرسة حضرموت الإسلامية، من حيث ان
هذه المدرسة التاريخية علامة مضيئة وبارزة المحاسن في الحياة الفكرية الإسلامية
، (1/558)
صفحة 559
تقوم على بناء المجتمع المسلم على المحبة والاخاء والتسامح بين اهل الإسلام قاطبة، بلا افراط او تفريط
ان هذه المهمة وتلك الرسالة العظيمة التي تتحملون اليوم عبء قيادتها، تاتي في موعدها مع القدر، بعد ان اصاب أمة الإسلام ما اصابها من عوامل الفرقة والعداء والصراع والتراع، وهو الامر الذي اضعفها، وجعلها محط تشفي وستهزاء الاعداء وعدوانهم منذ قرون، ذلك العدوان الذي يزيد شراسة كلما زادت تلك العوامل من فعلها السلبي في جسد الأمة وعقلها.
الاخوة الافاضل، لم يعد مقبولا اليوم، ولا مفهوما، أي قدر من الانكار للوجود التاريخي لمدرسة حضرموت الإسلامية ودورها العظيم عبر التاريخ الإسلامي، فقد تواترت شهادات الرجال العدول على وجودها ودورها المتميز فكرا وسلوكا وعطاء، كما شهد على حالها ذاك اهل العلم والدراية بالمكونات الحضارية القويمة للحياة الاجتماعية الحضرمية التي كانت نتاجا مباشرا للوجود التاريخي العريق للمدرسة الحضرمية ورجالها الافذاذ.
ففي
القرن الثامن الهجري، عندما زار حضرموت الشيخ الفقيه عبدالرحمن بن
عبدالله بن اسعد اليافعي، قال عنها:
مررت بوادي حضرموت مسلما فألفيته بالبشر مبتسما رحبا
الفيت فيه من جهابذة العلا اكابر لا يلقون شرقا ولا غربا
وفي قول الشيخ اليافعي شهادة حية على واقع حي، بوجود المدرسة الحضرمية الإسلامية، التي لا مثيل لها ولا شبيه في شرق بلاد الإسلام او غربها،
كما يفهم ذلك من كلام الشيخ اليافعي.
(559) (1/559)
صفحة 560
هذه المدرسة كانت في القرن السادس الهجري، قد اثمرت مجتمعا حضرميا يقوم على التقوى ومخافة الله في الحركات والسكنات، ولقد اوجز الامام عبدالله بن راشد، متولي تريم حينها، حالة ذلك المجتمع بقوله: احمد الله انه لا يوجد في بلادي حرام ولا سارق ولا محتاج.
قال عن
حتى اذا كان القرن التاسع الهجري، وزيارة الرحالة المغربي لحضرموت،
اهلها انهم اشبه بالملائكة في زي البشر.
إن لمدرسة إسلامية هذا هو نتاجها وثمرتها الاجتماعية، لأحق بان توصف
بانها ملائكية الفكر والسلوك والرجال، وأحق بان تأخذ اليوم مكانها المتميز في الفكر الإسلامي المعاصر، والحياة الاجتماعية الإسلامية المعاصرة.
نعم، قد نختلف في صفة هذه المدرسة، فيجوز ان نقول انها فقهية او صوفية او زهدية او اخلاقية، غير ان ذلك الاختلاف في الرؤى لا يغير من حقيقة الامر شيئا، بل ان ذلك الاختلاف ان كان مبعثه الحرص على ابراز هذه المدرسة، فانه يعطي دافعا لكل صاحب رأي لابراز الوجهة التي يقول بها، وبالتالي تنطلق كل السهام نحو ذلك الهدف السامي النبيل.
الاخوة الافاضل: ان جاز لى ان اقول شيئا بخصوص هذه المدرسة الحضرمية الإسلامية، فاني ارى انها كانت بارزة المعالم في الحياة العلمية والاجتماعية منذ القرن السادس الهجري، حتى اذاكان القرن الثامن الهجري، شهد الشيخ اليافعي على وجودها وتفردها عن باقي المدارس الإسلامية. ولقد كان اس الاسس الذي تقوم عليه هذه المدرسة، هو مخافة الله وتقواه في كل فعل وقول، بل لا اجد نفسي اخالف الحقيقة اذا قلت ان كل ماهو معروف اليوم من نتاجها العلمي والفكري يقوم على ذلك الاساس الذي يحكم الحياة الاجتماعية ويسيطر عليها، وفي وقت مبكر من ذلك العهد، انتقلت تلك الثقافة وذلك الفكر من حلقات العلم
(07.) (1/560)
صفحة 561
والدرس، لتستقر ثقافة اجتماعية، يتربى ويشيب عليها الجميع في الحو
والبوادي العرف القبلي الحضرمي، وحولت عيبه إلى حرام ديني، وتلك لعمري فضيلة ما
، ولقد استطاعت هذه الثقافة بجهود علمائها ودعاتها من السلف، اسلمة
قبلها إلا فضيلة الإسلام والدعوة إليه والجهاد في سبيله.
الاخوة الافاضل: ان الانسان الحضرمي، بما يتخلق به من اخلاق رفيعة وسلوك قويم وفكر سديد، ان تلك الشخصية التي تحظى باحترام وتقدير ابناء العروبة والإسلام وغيرهم، لم تكن إلا نتاجا مباشر للوجود التاريخي العريق للمدرسة الحضرمية الإسلامية، ولقد كان الانسان الحضرمي في مهاجره، ليس مضرب المثل على السلوك القويم والفكر السديد وحسب، بل وشهادة حية وملموسة، لدى الاقوام الأخرى، على حقيقة الدين الإسلامي، ولقد كان ذلك هو السبب الرئيس في دخول امم كثيرة في الإسلام، وتلك حقيقة لا مراء فيها ولا خلاف، فلله الحمد من قبل ومن بعد.
الاخوة الافاضل: ان المدارس الفكرية العظيمة، انما تمتحن عظمتها وتتمحص بقدر ما تواجه من تحديات، وبقدر صمودها وقدرتها على التعامل الجيد مع ما يستجد من ظروف واحوال، وبالامس القريب واجهت مدرسة حضرموت الإسلامية ومتراسها العنيد الفكر الاجتماعي الحضرمي، تحد قوي وعنيف من قبل الفكر المادي الشرقي، الذي كان يمتلك من القدرات المادية امكانيات دولة وسلطة، ولم يكن المجتمع الحضرمي ومدرسته الفكرية تملك من الامكانيات إلا الثقافة والفكر الاجتماعي الاصيل المتأصل في الضمير والوجدان، ورغم فارق الامكانيات الرهيب، فقد استطاعت تلك المدرسة ان تجهض المشروع الفكري
البديل
، وان تحد إلى درجة كبيرة من تداعياته الفكرية والاجتماعية.
الاخوة الافاضل: واليوم ارى ان مدرستنا تواجه تحديين في وقت واحد:
(091) (1/561)
صفحة 562
الاول: فكر التعصب والتشدد والتكفير
الثاني:: تحديات العولمة الثقافية وتداعياتها.
وكلاهما يمتلك من الامكانيات الشئ الكثير، ومخزونا رهيبا من المخاطر
التي تمدد في الصميم الوحدة الاجتماعية التي هي الهدف والمضمون والمحتوى للمدرسة الحضرمية طوال تاريخها.
الاخوة الافاضل: لا شك انكم امام مهمة ورسالة عظيمة وجسيمة، ولاشك انكم تدركون ان الامر يتتطلب اعادة بناء ماتدعو الظروف المعاصرة إلى اعادة بنائه من الناحية الفكرية والاجتماعية، واعداد ادوات جديدة، وحشد قدرات المجتمع المادية والمعنوية، بما يحقق مدرسة حضرمية اصيلة ومعاصرة، تسطع بنورها وضيائها لتنير الدرب عبر مسالك ومتاهات الحياة المعاصرة، للجيل الحاضر والاجيال القادمة، مستلهمة تراث السلف العظيم ومآثرهم الخالدة، من اجل حياة اجتماعية يسودها السلام والمحبة والاخاء والتكافل وكل فضائل الخير ومكارم
الاخلاق.
اشد على ايديكم متمنيا لكم التوفيق والسداد، ايدكم الله وثبت بالحق وعلى الحق خطاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(562)
اخوكم سالم فرج مفلح
سيؤن / 10 / مارس / 2003 (1/562)
صفحة 563
المنظومة اللؤلؤية
المسماة بالقصيدة الفكرية
للإمام شيخ الإسلام / سالم بن فضل بن عبد الكريم بافضل المتوفي في تريم سنة 581 هـ
الفكر xxx
أيا فاتحاً باباً عظيماً من الفكر وطوباك إذ اصبحت من خير رفقةً قدم ذا اعتبار وادكار فانما فان شئت فيه شاهداً فاستمع له
فقد جاء عن خير الانام محمد
هنيئا لك الحظ الجزيل من الأجر xxx مراتبهم تاهت على رتب الفخر xxx حياة ذوي الألباب بالفكر والذكر xxx يزدك نشاطاً واشتياقاً إلى البحر عليه صلاة الله في السر والجهر الدهر
XXX
بان اشتغال المرء بالفكر ساعة xxx عبادتها تفدي بعام من
ففي أي آياتِ الآله وصُنْعِه xxx
سلکت فلن تحصيه بالعد والحصر
فمنها الطباق السبع فأبصر بعبرة xxx إلى شمسها تبصر إلى أعجب الأمر
XXX
XXX
فحيث تراها في النهار جميعه وقدر لو ان الشمس يوماً تغيبت وفي البدر فكر كيف يبدو هلاله xxx
ومن بعد هذا صار ينقُصُ ضوءه ومن أعجب الأشياء تحويل ثوره لطف بخلقه
الفقر
يراها جميع الناس في البر والبحر لعاينت ما يدعو إليها من وكيف تناهى نوره ليلة البدر xxx إلى ان يرى مثل القلامة للظفر xxx إلى ما عليه كان في أول الشهر
وهذا من الرحمن وسبحان من حلى السماء بزينَةٍ xxx وأتقن ما فيها من الانجم الزهر
xxx ليحصو به عَدَّ الحِساب بال تكر
ومنها رجوم للشياطين حصب xxx
ومنها الذي يهديك في البر والبحر
ومنها الذي يجري إلى الشرق دائباً xxx
xxx ونحو غروب الشمس أكثرها يجري
ويولج في الليل النهار ويولج النها xxx على الليل البهيم الذي يسري
سبحان من للطول والقصر الذي
xxx تعاقب منه فيهما أبدا مُجري
وسبحان مجري الكل منها بقدرة xxx فتسبح في أفلاكها أسرع الجر
(563) (1/563)
صفحة 564
تجوز الطباق السبع والسبع ليلة و فصل أوقات الزمان جميعها ربيع وصيف مع خريف وبعده
xxx ويوماً فيالله من أعجب الأمر xxx بأربعة معتادة العود والكر
XXX
شتاء إلى يوم القيامة والحشر وسبحان من أجرى الرياح فبعضها xxx لقاح وبعض ذو عذاب وذو ضر صَبَا وَدُبُورٍ مع جنوب وشَمَالِ xxx يُصرفها الرحمن بالقهر والقسر و منها مثير للسحاب و بعضها وسبحان من لِلمُزْنِ في الجَوِّ مُمْسك xxx
يُجَلجِلُ فِيهَا الرَّعدُ زَجراً وتَلَمَعُ ال
xxx يُعفيه لا يبقى لذلك من أثر
XXX
xxx
بلا عمدِ ينهل بالوبل والقط بوارق فيها والرياح لها تمري ومنها الذي تلقاه أخف من الذر ملائكة تزجيه للبدو والحضر وفيها فجاج للسُّلوكِ بلا وعر xxx بأطوادِها ذات الشناخِب والصخر
XXX
فيتزل فيها كالجبال ودوئها xxx وتحفظه من ان ينشفه الهوَى وسبحان داحي الأرض سبعاً مُقِلَّةُ xxx
وَوَتَّدَها كَيلا تميد بأهلها وأخرج منها مَاءَها وثباتها
xxx فكم ماء عين في البلاد وكم نهر
وأودع في الأحجار وهي جَوامِدٌ xxx لطافَةَ مَاءٍ ذِي رَوَاءِ وذي غُزرِ
وفي النار إحراق ونفع والنها
XXX
فَمَن جَمَع الصِّدِّينِ هَل يُعْجِزئه xxx وأودع في الأرض المعادِنَ بَعضُها xxx
XXX
لكامنة في وسط أشجارها الخضر إعادة ما انشأه إذ صار في القبر خفي ومنها ظاهر غير ذي ستر وباطنها مثل الرصاص وكالصفر وبأس شديد للغواة أولي الختر ضريبة نقد من لجين ومن تبر xxx مررت به يوماً وكم صحصح قفر
وظاهرها كالملج في مُشبَهاتِها وللناس منها في الحديد منافع xxx ومنها الذي في كل مال مُحَتَّم xxx أَلَم تَرَكُم مَيتٍ من لأرض مُجدِب فأحياه محصي كل شيء بعلمه فصار دليلا للعباد على النشر وسبحان من انشأ من الحب والنوى xxx حدايق قد زُيِّنَ بالطَّلح والزَّهـ ترى الطلع منها أبيضاً ثم أخضراً xxx ينقل من أطوارها مدة النمر وبيناً تراه أخضراً ثم أصفراً راً ثم أصفراً xxx فأعجب بمصفر أتى بعد محمر
ويصبح مُحمَراً وأسود بعد
ده
XXX
XXX
فناهيك مسواداً أتى بعد محمر
(564) (1/564)
صفحة 565
مختلف في الأكل فيه تفاضل xxx ومتفق في السقي والغرس والبذر
في ساير الأشجار منها فوائد xxx ونفع عظيم في اللباب وفي القشر
ومالحاً
ومن مرج البحرين عذباً وما لحاً xxx بغير اختلاط فهو مستوجب الشكر
و اطعمنا لحماً طرياً يسوقه XXX لنا سالماً في حالة المد والجزر
فشكرا لمن عم الانام بنفعه XXX ومن هو من أصدافه مخرج الدر
أعجب منه الفلك تجري بأمره xxx بمخر يشق الماء ناهيك من مخر
تقاذفه الأمواج وهي مُقلّةٌ xxx لاضعافها في الوزن وقراً على وقر
سبحان من للطير في الجو مُمسك xxx فمن بين عصفور ومن بين ما نسر
وتؤذننا وقت الصلاة ديوكها XXX ويُوقِظُنا تقليلُها مطلع الفجر
وفيها يُغَاثُ بين ذاك توسطت ذاك تَوسطت xxx وفيها سباع كالبزاة وكالصقر
XXX
ومنها جراد يملأ الأفق ماله شبيه سوى نشر الخلائق في الكثر ولو لا جناح للنعام يخصها xxx لأبصرت منها الحقل في صورة البكر وفي صورة الفيل البعوضة صُورت xxx وزيدت جناحاً مكملاً شدة الأسر وفي النحل فكر في اختلاف شرابها xxx فمن أبيض فيه فمن أبيض فيه الشَّفاء ومُصفَرٌ وفي نسج بيت العنكبوت تحيرت xxx عقول وحارت في بناء هذه الدير وكم دابة في الأرض بث إلهنا xxx ولسنا بمحصيها بجهد ولا حبر وفيها انيس في البلاد وبعضُها xxx وحوش تجوب الأرض في كلما قطر xxx ورازقها من فضله الواسع الوفر
فسبحان هادي الكل منها صلاحه
فان تك قد أضحت جميعاً سوائباً xxx
XXX
فقد
منع الله الأسود عن العقر
و هيا بغالاً مع حمير مراكبا xxx وخيلاً وخص الخيل بالكر والفر
وانعم بالانعام في حل أكلها xxx وفي جلدها والحمل عن كل مضطر أثاث لنا بالدني ولا النزر لنا لبناً ينساغُ في الحلق والصدر
وفي الصوف والأوبار والشعر لم يزل xxx وأخرج ما بين الدماء وقرثها xxx
XXX
لما قد قضى من سابق الخير والشر
xxx قرار مكين من غوي ومن بر
وسبحان من انشأ من الطين آدما وسوى من الماء المهين بنيه في xxx يُصور في الأرحام مهم أجنة
xxx وكم نسب ممن ذراه ومن صهر (1/565)
صفحة 566
ورُكبت يا مسكين أحسن صورة XXX سميعاً بصيراً محكماً شدة الأزر
تنقل خلقاً بعد خلق بلطفه XXX بال خبر إذ ذاك منك ولا خبر يرى كُرَةً فالحمد للبارئ البـ
XXX
وكور منك الرأي حتى كأنما
وطَوق فيك الوجه طاقاً معدلا
XXX
وقَوْمَ من ك الانف في الوجه زينة xxx
وعوج فيك الإذن حتى تُحِس ما
وقوس منك الحاجبين وكل وا
وأعجب أمراً ما ترى العين وسعه
XXX
XXX
XXX
XXX
فلاتك مما فيك بالجاهل الغم وزادك حسنا بالشفاه وبالثغـ يدب على تعويجها وبه تدري حد فيك من أهداب عينيك كالسطر على صغر منها لدى الفتح والشغرِ بفيك من الريق الرحيق بلا حفر وفيه بيان الذوق للحلو والمر ولا اللون من شخصين من سالف الدهر xxx ومن بين ذي قطع ومن بين ذي كسر فيطحن من سفل وتُحكم ما تفري xxx تطليل اعتباراً في اناملك العشر xxx فشكرا لجدواه وانعامه الغمر مهيأة للمد والقبض والهصر
و أنبع عينا لا يغُورُ مَعِينُها وفيه لسان ناطق ومترجم xxx ولم يشتبه صوتان قط لسامع xxx وأعطاك أسناناً فمن بين طاحن وفكاك في الإرحاء تخالف طحنها xxx وأعطاك للبطش اليدين فكيف لا وركب فيك الرجل للمشي حكمة وفصل في الأعضاء منك مفاصلا XXX
وسبحان من أحياك بالروح رحمة xxx وكنت من الأرحام في الظُّلم القُعرِ
فصرت إذا في بطن أمك قاعداً فلما دن وقت الولادة تكست فصرت إلى الدنيا ومالك حيلة فأحنى عليك الأم لطفاً ورأفة
فنومك موت وانتباهك بعده وفي باطن الاعضاء منك عجائب فلو لم يكن فيها سوى المعدة التي
فيصفو صافيه إلى الكبد التي XXX
ويبقى حثالات الطعام وثقله
ووجهك مصروف إلى جهة الظهر xxx أعاليك سفلاً حين أزعجت للزحر
xxx فقيراً ضئيل الجسم كالفرخ في الوكر وغذاك منها ذلك الوقت بالذر حياة فكن مما وُعِدت على حذر xxx تطول فلا تحصى بعد ولا حصر
XXX
XXX
XXX
XXX
XXX تنضج ما تحوي كطبخك في القدر تصير دما فيها بتقدير ذي القهر فينحط منسلاً من القبلى والدبر (1/566)
صفحة 567
وبين سبيل النجو والبول حاجز
XXX
وقد جمعا عند الدخول بلا حجر
و في الدم اخلاط تكدر صفوه xxx ولو لم تزل ضرت به غاية الضر
فمن خلطه الصفراء وهي كرغوة xxx
فتجد بها منه المرارة في يسر
ومن خلطه السوداء وهي كدودة xxx فيفصلها
فتمتصُّ
فيفصلها منه الطحال بلا عسر منه الكليتان بقية xxx الذي فيه من رق فَيُنحَنُ بالعصر
وبالبلغم التأمت طباعك أربعاً xxx تصرف فيه الجسم بالجبر والكسر
XXX
و عد لها سبحانه بر طوبة ويبس وأصناف البرودة والحر فلو ضعفت إحدى قواك عن الذي xxx أعدت له أعيت وما اسطعت من صبر
و بالدم يُغذى كل عضو بقسطه
XXX
فماى فيه إخلال بظفر ولا شعر
فليس غذا الفخدين في عظم شأنها xxx كمثل غذاء الانف في القسط والقدر
xxx ملائكة الرحمن فيك مدى العمر
وذاك بتوزيع تولّت جميعه وفي القلب فكر كيف صار ممنعا xxx ومحتجباً في الصدر كالملك في القصر
و مهما ترمه بالتماس تحسه
وفي الروح فامسك فهو من امر ربنا XXX
XXX
XXX بروحك من تلك البخارات بالسحر
ودعه لما فيه من المنع والحظر واللمس دانت منه للنهي والامر xxx فيمتهن الاعضاء بالرغم والصغر بتدبير مايأتيه بالطي و النشر xxx كمثل السخا والصبر والبشر والشكر xxx كمثل الريا والبغي والبخل والكبر xxx الإله بلا هذا المداد ولا الحبر فسوف يُجازى منه بالعفو الغفر
وسمعك ولابصار والشم والمذاق وسخرها الرحمن طوعا لحكمه وها هو منها كالامير مصرف xxx و فيه على هذا خصال حميدة وفيه صفات مهلكات ذميمة وقد سطرت فيه العلوم بقدرة فان هو زكى النفس الله خشية
وان هو دساها وأتبعها الهوى وأصبح في بحر الظلام مُد هَمَا xxx
XXX
وصار كمصباح تلألأ ضوءه xxx زجاجته في النور كالكوكب الدري جزي في غدٍ ما قد جناه من الوِزرِ xxx وفي خزي أفعال الملامة ذا خسر xxx يقيناً بلاشك وعرفاً بلا نكر xxx فتفضي إلى سوء العقوبة والخسر
فسبحان من هذا عَجايب صُنعه وإياك تشبيه الإله بخلقه (1/567)
صفحة 568
XXX
وفكر و ذكر كل من طلب الهدى فهذي دلالات وان هي أشرقت xxx كما ان نور الشمس يعمي ضياؤُه xxx ولكن أعمى العين يُعذر ان يرى وكم حكم فيما أرانا إلهنا
وهب ان أذن الرأس ساء استماعها
xxx
ففيما ذكرناه بيان لذي الحجر فلا غرو ان أعمت عيون ولي الكفر عيون الخفافيش الضعيفة بالظهر وما لعمي القلب في ذاك من عذرِ
xxx إلى غير مالم ندر من غامض السر فهل لأصم القلب ويحك من وقر
XXX
وكم نعم لسنا نحيط بوصفها xxx فشكرا لما أولى من النَّعمِ الغُزرِ
فلوان ما في الأرض من شجر يكون xxx
وصار يمد البحر سبعة أبحر لأضحوا جميعاً عارفين بعجزهم فد و نكها بكراً نضيراً شبابها وفعلك للخيرات والبر مهرها
وصلى إله الخلق والعز والبقا
XXX
أقلامها والعالمون لها تجري مداد عداد الشفع منها وللوتر xxx ولم يبلغوا أدنى العشير من العشر xxx على حقب الأيام ناهيك من بكر
XXX
XXX
فبادر به وأسمح لها منك بالمهر على المصطفى خير الورى أحمد الطهر
وسلم تسليماً عليه وزاده xxx سلاماً على طول المدى طيب النشر
به ختم الله النبيين كلهم xxx
له رتب فوق المراتب فضلت
XXX
وخير نبي طاف بالبيت والحجر كما في الليالي فضلت ليلة القدر
(071) (1/568)
صفحة 569
قائمة المراجع والمصادر
القرآن الكريم.
تفسير ابن كثير.
تفسير الفتح القدير للإمام الشوكاني.
تفسير الكشاف للإمام الزمخشري.
1
O
ابن المجاور، يوسف بن يعقوب الدمشقيت. 690 هـ: المستبصر: ليدن 1951 م. 2. ابن بطوطة: ت - 779 ه رحلة ابن بطوطة - بيروت ـ 1996 م. ابن حمزة، الإمام يحيى، ت ـ 749 هـ: المعالم الدينية في المعقائد الالهية ــــــ 1988 م
بيروت.
4. ابن خلدون، عبد الرحمن، ت ـ 808 هـ تاريخ ابن خلدون ــــ 1971 م. ابن رشد الاندلسي، محمد بن احمد، ت 595 هـ: فلسفة ابن رشد ـ بيروت ـ 1987 م. 6. ابن عقيل، زين سالم بن احمد: الشعر الصوفي في حضرموت في القرنين التاسع والعاشر الهجريين بحث لم ينشر - رسالة ماجستير - الجامعة المستنصرية ــ العراق ـــ 1999 م.
-
ابن عقيل، عبد الرحمن بن جعفر: عمر بامخرمة السيباني ــــ دمشق ــــ 2002 م. ابن هاشم، محمد:: تاريخ الدولة الكثيرية ـ 1948 م.
9. ابن واقد، محمد بن احمد ـ ت ـ 207 هـ كتاب الردة ـــ بيروت ــ 1990 م. 10. ابن ابي الحب، محمد بن احمد، ت 611 هـ: القوافي) مخطوط) الديس الشرقية -
حضرموت – ت – 1317 هـ
القوافي (مطبوع) 1995 م مكتبة تريم الحديثة – حضرموت.
110. ابن الحاج القطفي، شيث بن ابرهيم بن حيدره، ت 598 هـ: حز الغلاصم في افحام المخاصم عند النظر في القدر - 1985 م - بيروت
12. ابو زهرة الامام محمد: تاريخ المذاهب الإسلامية ــ القاهرة ـ 1987 م.
13. احمد، د. محمد عبدالعال: الايوبيون في اليمن – 1989 م ـ القاهرة.
14. اسماعيل، د. محمود: الحركات السرية في الإسلام - بيروت 1973 م. 15. الاشعري، ابو الحسن ت 342 هـ: الابانة في اصوال الديانة - 1991 م - بيروت. 16. امين، احمد: ظهر الإسلام - 1969 م - بيروت
: ضحى الإسلام - الطبعة السابعة ـ القاهرة.
17. الاندلسي، ابن حزم ـ ت 456 هـ طوق الحمامة ـــ بيروت ـــ 1993 م. 18. بافضل، صالح بن علي - المنظومة اللؤلؤية، المسماة القصيدة الفكرية لشيخ الإسلام سالم بن
(569) (1/569)
صفحة 570
فضل بافضل، جمعها عن اصل مخطوطة (صلة الاهل) ـ بيروت ــــ 1416 هـ
19. بافضل، محمد عوض، ت ـ 1369 هـ: صلة الأهل في مناقب آل بافضل 1420 هـ. 20. بافقيه، محمد بن عمر الطيب: تاريخ الشحر واخبار القرن العاشر ــ صنعاء ــ 1999 م. 21. بالخرمة، الطيب بن عبد الله بن احمد: تايخ ثغر عدن ــ 1991 م ـــ القاهرة. 22. بالمخرمة، عمر بن عبدالله، ت 952 هـ: ديوان بامخرمة (مخطوط) نسخة فضل محمد بافضل
ت 1382 هـ.
-
23. بامطرف، محمد عبد القادر، ت ــــ 1988 م: الشهداء السبعة ـ 1983 م ـ عدن 24. باوزير، سعيد عوض، ت ـ 1978 م -: الفكر والثقافة في التاريخ الحضرمي ــ 1961 م.
القاهرة.
—
صفحات من التاريخ الحضرمي ـ 1975 م ـ القاهرة.
معالم تاريخ الجزيرة العربية ـ 1966 م ـ عدن.
25. بجمال، الإمام محمد بن عمر: ت ــــ 964 هـ، (مقال الناصحين) ـــ بيروت ــــ دمشق
2000 م.
26. بحرق، الإمام محمد بن عمر ـــ ت ـ 930 هـ: الحديقة الانيقة في شرح العروة الوثيقة -
القاهرة ـ 1977 م.
الأسرار النبوية في اختصار الأذكار النووية: 1995 م - دار الحاوي.
27. بدوي، د. عبد المجيد ابو الفتوح: التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي بين القرن الخامس حتى سقوط بغداد ـــ 1983 م ـ جدة
-
28. بدوي، عبد الرحمن: تاريخ التصوف الإسلامي حتى نهاية القرن الثاني الهجري ـ الكويت
1993 م.
التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية – 1980 م - الكويت
29. البستي، محمد بن احمد ـــ ت ــــ 354 هـ مشاهير علماء امصار ــــ بيروت ــــ بدون. 30 البغدادي، الامام عبد القاهر، ت 429 هـ: الفرق بين الفرق - 1987 م - بيروت. 31. البكري - صلاح: حضرموت وعدن - جدة ــ 1960 م. تاريخ حضرموت السياسي – 1956 م - القاهرة.
32. بلبع، د. عبدالحكيم: ادب المعتزلة حتى نهاية القرن الرابع الهجري ــ الطبعة الثالثة. القاهرة. 33. التوحيدي، ابو حيان ـــ ت 414 هـ: الامتاع والموانسة ــ بيروت ـــ بدون. 34. الجابري، د. محمد عابد: تكوين العقل العربي – 1988 م ــ بيروت.
بنية العقل العربي - 1986 م - بيروت
35. الجاحظ، ابو عمرو، ت ـ 255 هـ: الحيوان ـ 1965 م ـ بيروت.
-
البيان والتبيين - تحقيق هارون – 1961 م. القاهرة.
(570) (1/570)
صفحة 571
الرسائل السياسية. 1987 م - بيروت
36. جار الله، زهدي حسن: المعتزلة ـ 1947 م ـ القاهرة.
37. جرادة، محمد سعيد، الادب والثقافة في اليمن عبر العصور ـ 1985 م. 38. الجعدي، عمر بن علي بن سمرة ــ ت ـ 586 هـ طبقات فقها عاليمن ـــ دار القلم بيروت 39. الجلنيد، د. محمد السيد: قضية الخير والشر في الفكر الإسلامي – 1981 م ـ جدة. 40. الجويلي، محمد: الزعيم السياسي في المخيال الإسلامي بين المقدس والمدنس – 1972 م -
تونس.
41. الجيلي، عبدالكريم ـ ت ـ 826 هـ - قصيدة الناذرات العينية ــ بيروت ــ 1988 م. 42. الحامد، صالح، ت – 1387 هـ: تاريخ حضرموت ـ 1976 م ـ جدة. 43. الحبش، عبد الله محمد: مصادر الفكر الإسلامي في اليمن. مركز الدراسات اليمنية. صنعاء. الصوفية والفقهاء في اليمن - 1976 م - مصر.
44. الحجري، محمد بن أحمد: مجموع بلدان اليمن وقبائلها ـ صنعاء ـ 1984 م. 45. الحداد، علوي بن طاهر ـ ت ـ 1383 هـ ـ: الشامل في تاريخ حضرموت ومخاليفها -
1940 م.
جني الشماريخ اجوبة اسئلة في التاريخ 1390 هـ عدن.
عقود الألماس في مناقب الحبيب العطاس 1949 م – سنغافورة.
46. الحضرمي الإمام، ابراهيم بن قيس الهمداني ـ ت ـ 475 هـ: السيف النقاد ــ سلطنة
عمان ـ 2002 م. مختصر الخصال - 1984 م - سلطنة عمان
—
47. الحميري، نشوان بن سعيد، ت - 573 هـ: الحور العين ـ 1948 م ـ القاهرة.
ملوك اليمن واقيال حمير - بيروت - صنعاء - 1978 م
48. خرد، محمد علي: غرر البهاء الضوي في مناقب آل باعلوي ـ 1405 هـ. 49. الخزرجي، علي بن حسن ـ ت ـ 812 هـ: العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية - القاهرة ـ 1911 م.
50. الخطيب، عبد الرحمن - ت: 855 هـ: الجوهر الشفاف. مخطوط.
51. الخليلي، احمد بن حمد: الحق الدامغ - 1992 م – سلطنة عمان 52. الدجيلي، د. محمد رضا: الحياة الفكرية في اليمن في القرن السادس الهجري العراق ـ
053
1985 م.
سارجنت، آر - بي: حول مصادر التاريخ الحضرمي – جامعة عدن
54. السالمي، عبد الله بن حميد: تحفة الاعيان في سيرة اهل عمان ـ بدون تاريخ الهند.
-
-
55. السخاوي، الإمام محمد بن عبد الرحمن ت - 902 هـ: الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ -
بيروت ــ بدون.
(071) (1/571)
صفحة 572
56. سعد بيف، د. آرثور: ابن سيناء ــ بيروت ــــ 1987 م. 57. السقاف، عبدالرحمن بن عبيد الله: إدام القوت بذكر بلدان حضرمون نسيم حاجر في تاكيد قولي عن المهاجر – عدن
58. السقاف، عبدالله محمد: تاريخ الشعراء الحضرميين ـ 1353 هـ.
ام بيروت
59. السيد، د. ايمن فؤاد: تاريخ المذاهب الإسلامية في بلاد اليمن - 1988 م ـ القاهرة. 60. الشاطري، محمد بن احمد، ت ــــ 2002 م -: ادوار التاريخ الحضرمي – 1972 م - المدينة المنورة.
61. الشامي، احمد بن محمد - تاريخ اليمن الفكري ــ بيروت ـ 1987 م. 62. شرف الدين، احمد حسين: تاريخ الفكر الإسلامي في اليمن صنعاء ــ 1989 م. 63. الشماخي، عامر بن علي، ت 792 هـ: الأيضاح - 2004 م - سلطنة عمان. 64. شنبل، احمد عبدالله: ت - 20 920 هـ تاريخ حضرموت (تاريخ شنبل) ـ 1994 م -
صنعاء.
65. الصبان، عبدالقادر محمد، ت -: جهاد شعب ــ ورق استنسل.
66. طعمه، د. صابر: الأباضية عقيدة ومذهبا: بيروت ـ 1986 م. 67. عارف، د. احمد عبدالله: مقدمة في التاتجاهات الفكرية في اليمن فيما بين القرنين الثالث
والخامس الهجريين ـ 1992 م ــ بيروت.
الصلة بين الزيدية والمعتزلة - بيروت - صنعاء - 1987 م
68. العبادي، د. احمد مختار: دراسات في تاريخ المغرب والاندلس. الاسكندرية – 1982 م.
69. عبد الرازق، مصطفى: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية - 1966 م - القاهرة. 70. عمارة، د. محمد: المعتزلة ومشكلة الحرية الاسانية ــ بيروت ـــ 1988 م. رسائل العدل والتوحيد – 1971 م – القاهرة.
71. ناصر، محمد صالح، منهج الدعوة عند الأباضية، مسقط 2002 م.
-
72. العيدروس، عبدالقادر بن شيخ، ت ـــ 1048 هـ النور السافر في اخبار القرن العاشر ـ
1985 م ـ بيروت.
73. العيدروس، محمد حسن: اشراف حضر موت ودورهم في نشر الإسلام في جنوب شرق
آسيا.
74. غالب، قاسم (وآخرون): ابن الامير وعصره ــ صنعاء ــ 1983 م .. 75. الغزالي، الإمام ابو حامد: ميزان العمل - بيروت ـ 1983 م.
إحياء علوم الدين - دمشق - بدون
جواهر القرآن - بيروت – 1981 م
76. القشيري عبد الكريم بن هوازن ــ ت ـ 465 هـ ــــ الرسالة ـ بيروت ـ بدون.
(572) (1/572)
صفحة 573
77. القلعي، الإمام محمد بن علي ت - 77 ده: تهذيب الرئاسة وترتيب السياسة ــ الاردن
1985 م.
78. الكندي، سالم محمد بن حميد - 1310 هـ تاريخ حضرموت (المعدة المفيدة) - 1961 م ــ صنعاء.
79. لجنة من أبناء هينن: مغالطات السقاف في تاريخ بامخرمة والشواف ــــ جاوه ــــ بدون.
80 مايلز، س، ب: الخليج بلدانه وقبائله - سلطنة عمان – 1983 م.
81. المعشني، سعسد بن مسعود: الآثار التاريخية في ظفار - سلطنة عمان ــــ 1995 م.
82. مجموع أحكام النكاح: دمشق ـ المطبعة الهاشمية ـ 1961 م.
-
83. محمد، الملقب سعد بن علوي بن عمر العيدروس العلوي: ترتيب: الآيات المتماثلات،
المتقاربات، المتشابهات - سنغافوره – بدون.
84. المسعودي، أبو الحسن، ت - 346 هـ: مروج الذهب ومعادن الجوهر ـ 1346 هـ،
القاهرة.
-
85. المشهور، ابوبكر العدني: الأستاذ الاعظم الفقيه المقدم ـ عدن ـ 1999 م. 86. معروف، د. نائف محمد: الخوارج في العصر الاموي، نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، ادهم
- 1977 م - بيروت.
المفلحي، صالح عبد الرحمن: ديوان خواطر وانغام - تقديم بامطرف – الكويت. . المكي، ابو طالب ـ ت ـ 386 هـ قوت القلوب ـــ القاهرة ــ 1933 م. 89. النجار، د. عامر: الخوارج عقيدة وفكر وفلسفة ـ 1986 م - بيروت. 90. هاشم، مهدي طالب: الحركة الأباضية في المشرق العربي لندن ـ 2001 م. 91. الهمداني، ابو محمد الحسن، ت ــــ 344 هـ: صفة جزيرة العرب ـ 1974 م -
الرياض.
-
92. اليمني، عمارة ــ 569 هـ: تاريخ اليمن، تحقيق الاكوع - 1985 م - صنعاء.
الدوريات والنشرات:
1. مجلة (الثقافة) وزارة الثقافة والسياحة / صنعاء ـ العدد _ 30.
-
2 مجلة (آفاق) المكلا - حضر موت ـ العددين 6، 11.
نشرة مكتبة المخطوطات - سيئون / حضرموت - مايو - 1985 م.
4. مجلة الحكمة - عدن - العدد 29 – يوليو – 1974
(573) (1/573)
صفحة 574
[صفحة فارغة] (1/574)
صفحة 575
(010)
اسوله
المرجع: الشاطري: الأدوار
حضرموت في القرن العاشر الهجري
التجميل الأخضر
ام مكه
اس مول
ردية
حضرموت في القرن العاشر الهجري
أسماء
احد
الم الكافر
عامية
بلدة أو قرية
حدود
مقياس الرسم 11 3,000,000
:
الحطان
اعجاز
بيني مشهد ظهران
فر هر بيني مالك
فيما وبني مالك
st (1/575)
صفحة 576
(الجواب)
الم لدرس العالمين وبعد ما كان يوم الستة
مبنا
فقد وقفوا وتصدقوا احمد و عبيد و سالم الباطي احداث حدث عنهم وعن والديهم بعد القوانيي علي مسجد الجامع بلد الياس وفقا ضحايا سنا الادباع ولا يوري من يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين قمنا بد لله بعد مکنم
فانا الحميه على الدايت گوشد
ان الله سميع عليکم
الصفحة الأولى من مخطوطة الديس الشرقية - حضرموت من (قوافي) الإمام أبي الحب التريمي
(576) (1/576)
صفحة 577
حرب الاق.
الله الرحمن الرحيم
باسم الله انس دَاللّهِ حَسْن الْأَبْتَدَا على احمد صَلَ يارب العلاء
تَبَارَكَ ذُو العَلاء والكبرياء تعديا
قَدْراو
إله قدعلى قدر اور
وقدر عدلهُ يُسْرًا
وساوة الموت بين الخلق مارا
ملوا
فعَلُهـ
رهائن لِلف
عنها
سُعْنادِ العَاتِ
وَدْمَا نَا وَإِنْ مِلْنَا الباء وطالبة طالبها المتاع الى انقضاء
غفلنا عن فلاح في شهور
کام
لَا إِنَّ الرَّحْوي
على
غرور، الرذا
قل الغرمة يا مغرور
مَخَارفها الخفية أوعَتَيْة
النوار
وَفَاطِهَا سَرِيعُ العَوْفِ عَنْهَا وَإِن كَانَ الحديد على التو
الصفحة الثانية من مخطوطة الديس الشرقية - حضرموت من (قوافي) الإمام أبي الحب التريمي
(577) (1/577)
صفحة 578
[صفحة فارغة] (1/578)
صفحة 579
الفهرس
التوطئة
المقدمة
الباب الأول: من القرن الأول حتى القرن الخامس الهجري
موقع حضرموت وحدودها.
إسلام حضرموت
إمامة عبدالله بن يحيى الكندي (طالب الحق)
عوامل نجاح الثورة
حضرموت في العصر العباسي
حضرموت في القرن الخامس
الإباضية في القرن الخامس.
الإباضية في أقطار الإسلام في النصف الثاني من القرن الخامس
الباب الثاني: (القرن السادس الهجري)
الفصل الأول: الرؤية السائدة ونقضها) الشروع في الرؤية).
الشروع في الرؤية
مذهب الدولة الأيوبية
الأيوبيون في اليمن.
الأيوبيون في حضرموت
الأوضاع المذهبية في تريم.
الفصل الثاني: التراث المعتزلي في حضرموت.
شيخ الإسلام سالم بن فضل بن عبدالكريم بافضل
قصيدة الإمام القلعي
القصيدة الفكرية.
وصايا شيخ الإسلام بافضل
الإمامان الغزالي وبافضل في إحياء ما بين العشائين.
ظفار في العهد المنجوي
الشاعر التكريتي.
(579) (1/579)
صفحة 580
الإمام محمد بن علي القلعي
القلعي في حضرموت
الحكم والعلم
الإمام عبدالله بن راشد
آل إقبال على مذهب الاعزال
آل راشد أصحاب الولاية العامة المعتزلية في عموم حضرموت
الفصل الثالث: أحوال معتزلية وإباضية.
كثافة الوجود العلمي في تريم الراشدية ........ عندما تكون الكثافة العلمية مجرد لقية) بحر). الإمام الزمخشري يأخذ عن علماء حضرموت مذبحة العلماء والفقهاء من قبل الحملة الأيوبية
محنة خلق القرآن تتكرر معكوسة في حضرموت
الحياة العلمية في تريم
حضرموت تحفظ التراث الإسلامي المعتزلي
فضائح السلطان محمود الغزنوي في إقليم الري في ذاكرة معتزلة حضرموت
فقهاء حضرموت عند ابن سمرة الجعدي
الوجود الإباضي في تريم الاعتزال
التحول المذهبي من الإباضية إلى الاعتزال.
الدعوة المعتزلية في حضرموت ودور المسجد فيها.
معتزلة الغرب العربي والأندلس في حضرموت
قيام دولة الاعتزال في مدن حضر موت الكبرى والوجود الأباضي
البعد الأيديولوجي - السياسي للغزو الصليحي لحضرموت في القرن الخامس الهجري.
الباب الثالث: القرن السابع الهجري:
نهاية الغزو الأيوبي
المذهب العقائدي لقبيلة نهد
ظفار في العهد الحبوضي.
من أعلام الإباضية: الفقيه الشاعر: علي بن عقبة الهجراني
رائية ابن عقبة
(01.) (1/580)
صفحة 581
نشاطه السياسي
الباب الرابع: من القرن الثامن حتى القرن العاشر الهجري
الفصل الأول: الأوضاع المذهبية والسياسية
مذهب الدولة الكثيرية عند التأسيس ومذهب دولة آل عبدالله.
دولة آل محمد بن عبدالله الكثيري الإباضية
عقائد أهل حضرموت عند ابن خلدون والإمام السخاوي
الأصول المبكرة لعثمانية حضرموت في الإسلام
السلطان بدر بن عبدالله الكثيري (أبو طويرق)
الفصل الثاني: الحياة الفكرية والعلمية في القرن العاشر الهجري
الإمام محمد بن عمر بحرق
الإمام عبدالله بن عمر بامخرمه
الإمام محمد بن عمر باجمال.
ثورة شبام سنة 943 هـ
العلاقة بين مصير التراث الإباضي وأزمة التأسيس في الكتابة التاريخية الحضرمي
مصير التراث الإباضي.
من شيوخ الإباضية في القرنين الثامن والتاسع
أزمة التأسيس في تصوف وديوان الشيخ عمر بامخرمه.
متى تصوف الشيخ بالمخرمة ....
وضع التصوف في عهده
كيف تم التأسيس لتصوفه
ديوان بامخرمه
الفصل الثالث: الزهد المعتزلي والإباضي في حضرموت في العصر الوسيط ومدرسة الزهد
الحضرمية المعاصرة.
المقدمة
التأسيس
مقام الزهد لدى المعتزلة والإباضية في التاريخ الإسلامي
الزهد المعتزلي الحضرمي
الزهد الإباضي الحضرمي (1/581)
صفحة 582
مدرسة الزهد الحضرمية المعاصرة
نظرية المعرفة الدينية بين أهل البيان وأهل العرفان وموقف أهل حضرموت في القرن العاشر.
التوحيد عند الإمام أبو بكر العدني
الإمام العدني والسياسة
الترغيب في كتب الإمام الغزالي
الموقف من التصوف في تريم في منتصف القرن الثاني عشر
العلاقة بين آخر المسار والمآل
العقلانية مقابل التصوف والغنوص ...
الخاتمة
ملحق: حوار في الصحافة ووثائق.
قائمة المصادر والمراجع.
الفهرس.
(582) (1/582)