صفحة 1
الكتاب: حملة العلم إلى المغرب ودورهم في الدعوة الإسلامية لسيف البوسعيدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) حملة العلم إلى المغرب
ودورهم في الدعوة الإسلامية
تأليف : سيف بن أحمد البوسعيدي
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
تقديم
المقدمة
التمهيد
المبحث الأول : الإمام أبو عبيدة ومنهجه في الدعوة
? منهجية الإمام أبو عبيدة في الدعوة
? أسلوب المناظرات الكلامية
? أسلوب المجالس التعليمية وإعداد الدعاة
المبحث الثاني : حملة العلم إلى المغرب
? التعريف بالمغرب
? من هم حلمة العلم إلى المغرب؟
? ترجمة عبدالرحمن بن رستم الفارسي
? ترجمة عاصم السدراتي
? ترجمة إسماعيل بن درار الغدامسي
? ترجمة أبي داؤد القبلي
المبحث الثالث :آثار حملة العلم في المغرب
أولاً: الآثار السياسية
? إمامة أبي الخطاب
? إمامة عبدالرحمن بن رستم
? الحروب
ثانياً: الآثار العلمية
ثالثاً: الآثار الاجتماعية
الخاتمة
قائمة المصادر والمراجع
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد،،،
فإن التاريخ هو المصدر الأساسي لحضارة الأمم وهو المختبر الذي يقاس عليه صواب الفعل البشري، كل ذلك يستمد من قوله تعالى (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )(1).
وما أجدر شباب المسلمين اليوم بالتفتيش في تراثهم ليكتشفوا مواطن القوة التي أهلت أجدادهم لقيادة البشرية فترة من الزمن وليعلموا مواطن الضعف التي طرأت بعد ذلك فيجتنبوها. (1/1)
صفحة 2
وكتاب (حملة العلم إلى المغرب ودورهم في الدعوة الإسلامية) للأخ سيف بن أحمد البوسعيدي حلقة من الحلقات التي تربط الحاضر المجيد بالماضي التليد، ونحن إذ نقدمه للقراء الكرام، نسأل الله عزوجل أن ينفع به وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه آمين.
يوسف البراشدي
دائرة الوعظ والبحوث الإسلامية
---------------------------
1- الآية 9 من سورة الروم.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إذا كان التاريخ حوادثاً عبرت، ومآثر اندثرت طوتها ليالي الزمن مع ما طوته.
فإن الفرع لابد له من أصل قد انغرس في عمق الأصالة الغابرة، وما الفرع إلا رافد قد استسقى وجرى ماؤه من النهر الأم.
وإذا كنا نحن معاشر الأجيال الحاضرة فروعاً للأمم الغابرة، فلابد لنا أن نبحث عن مآثر أجدادنا، ونظهرها للوجود في صورة تليق بمستوى أولئك الرجال، ربطاً ما بين الغابر والحاضر.
وانطلاقاً من هذا المبدأ الذي اكتن في خاطري ووجداني واستشعرته نفسي، كان اختياري لهذه الدراسة –حملة العلم إلى المغرب ودورهم في الدعوة الأباضية- فاتحاً نافذة صغيرة من التاريخ المشرق الذي عاشه أولئك الرجال، لتطلع عليه الأجيال ونافضاً أتربة الزمن من على سير دعاة الدين الذين كانوا للعلم سراجاً وللحق نبراساً، جامعاً لما تبعثر هنا وهناك في دراسة متواضعة، سال بها لعاب اليراع وسطرتها أسنة الأقلام، خدمة للمكتبة الإسلامية عامة والمكتبة الأباضية خاصة.
ومن المعلوم لكل من درسَ وكتبَ في التاريخ، ما في الدراسة التاريخية من صعوبة جمع المعلومات وتوفير الروايات وتسطير الكلمات وخاصة إذا انتهجت الأسلوب التاريخي المجرد بعيداً عن المداخلات الأدبية التي تجعل من الحبة قبة، ومن القشة جبة. لأن التاريخ حقائق لابد أن تظهر بمظاهرها المعهودة به بعيداً عن الانتحال والتصنع. (1/2)
صفحة 3
وفي كتابتي لهذه الدراسة سلكتُ مسلك الأسلوب التاريخي الوصفي لأنها دراسة صغيرة لا تحتاج إلى نثر الكلام وتمطيط أعناق الأقلام.
فبدأت بتمهيد الدراسة في التعريف بالمذهب الأباضي من ناحية النشأة والتسمية، ثم دخلت إلى المبحث الأول الذي خصصته في شخصية الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ودورها في انطلاقة الدعوة الأباضية في الآفاق، وذلك عن طريق الدعاة وحملة العلم، ثم جريت بالقلم معرجاً بالمبحث الثاني الذي كان يتحدث عن التعريف بالمغرب وحملة العلم إليه مترجماً لكل شخصية بقدر المعلومة المتوافرة لدي، ثم اتجهت إلى المبحث الثالث الذي كان حافلاً بالآثار السياسية والعلمية والاجتماعية لهؤلاء الدعاة في بلاد المغرب، ثم ختمت الموضوع بخاتمة جعلتها في أماكن وجود أتباع المذهب الأباضي في بلاد المغرب في عصرنا الحاضر.
التمهيد
إن الباحث والمتتبع لنشوء المذاهب والفرق الإسلامية ليجد أن الافتراق الأول للجماعة المسلمة في عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب هو البذرة الأولى لانبثاق هذه الفرق.
ذلك أن الإمام علياً أخضع نفسه وأنزلها منزلة الشريك بالخلافة الإسلامية مع معاوية بن أبي سفيان الذي خرج بجيشه من الشام محارباً ومعادياً للخليفة وللجماعة المسلمة، فلما رأى أن الدائرة عليه –في صفين- وأن الموازين ليست في كفته أخذ برأي داهية العرب عمرو بن العاص الذي أشار عليه برفع المصاحف على الرماح، ودعوا الخليفة الشرعي وجيشه إلى تحكيم حكمين. (1/3)
صفحة 4
وقد فطن أمير المؤمنين وبعض من جيشه إلى هذه الخدعة، وعرفوا القصد من هذه الهدنة، ولكنه بدلاً من أن يقف موقفه الحازم ويوالي حربه ضد الثائرين حتى يتحقق النصر، ويلقي البغاة بأسلحتهم ويعودوا إلى صف الأمة الذي انشقوا عنه وبغوا عليه رضي بالتحكيم وقَبِلَ الهدنة، وأمر بإيقاف القتال في الحال، وجعل نصيب البغاة الثائرين من الصواب يساوي نصيب جيش الأمة الذي يدافع عن خلافة شرعية تمت بالشورى وانعقدت بالبيعة، وتداعى الذين فطنوا إلى خدعة الهدنة من أصحاب علي والذين حذروه من قبولها وأخبروه بأن قبولها يعني الشك في خلافته والتنازل عنها، وأنه يساوي بينه وبين أحد عماله في قضية أخذ فيها عهداً من الأمة وأُخذت منه موثقاً وعهداً.
ولكن الإمام علياً رضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم الله. فتداعى أولئك الذين لم يرتضوا التحكيم وانشقوا عن علي إلى موقع حروراء فانعزلوا فيه ينتظرون تجدد الحوادث واتجاه الأمة في قضية الخلافة حتى جرت الأمور بأسرع مما يتوقع لها، فما بلغ الموعد الذي حدده الطرفان لانتهاء الهدنة حتى اجتمع الناس وأعلن أبو موسى الأشعري مندوب علي: عزل علي عن الخلافة وترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون(1)
«ثم قام عمرو بن العاص مندوب معاوية فقال: أيها الناس هذا أبو موسى شيخ المسلمين وحكم أهل العراق ومن لا يبيع الدين بالدنيا وقد خلع علياً وأنا أُثبت معاوية»(2).
لذلك كان رأي الذين عارضوا سقوط إمامة علي بن أبي طالب، وعدم شرعية مطالبة معاوية بن أبي سفيان بالحكم، فانحازوا إلى مكان يسمى «بالنهروان» وقدموا عليهم عبدالله بن وهب الراسبي إماماً. (1/4)
صفحة 5
وعندما أراد علي بن أبي طالب التوجه إلى الشام لمواجهة معاوية دعا المحكمة إلى الانضمام إليه مرة ثانية لمحاربة معاوية وجيشه إلا أنهم امتنعوا عن ذلك ودعوا علياً إلى أن يتوب إلى ربه وينضم إلى جماعتهم.. ومع ذلك كان عزم علي المسير إلى الشام إلا أن قادة جيشه من أمثال الأشعث بن قيس ومن معه استطاعوا أن يثنوا عزم علي بن أبي طالب عن المسير لحرب معاوية وزينوا له محاربة المعارضين للتحكيم.
فوقعت ما بينهم حرب النهروان التي قُتل فيها عدد كبير من المنكرين للتحكيم مما كان لهذه الواقعة الأثر الكبير في زيادة الفرقة وتضعضع القوى وتفرق الصفوف(3) .
ولكننا نستطيع أن نقول أن بظهور المحكمة اتخذ الأمر صورة أخرى، وصار لهذه الفرقة الجديدة شأنها في سير الأحداث وتوجيه الحوادث، وأصبحت تدافع عن آرائها بقوة الدليل ومنطق البرهان غير أنها –شأن كل جماعة- ما لبثت أن ظهر في آرائها(4)التباين بين الغلو والسلم فانبثقت هنالك جماعة بزعامة أبي بلال مرداس بن أدية التميمي آثرت السلم وعدم اللجوء للسيف لفرض آرائها، وكونت هذه الجماعة البذرة التي أنتجت ما عُرف في التاريخ الإسلامي بالفرقة الأباضية(5).
تلك الفرقة التي تولى زعامتها فيما بعد الإمام جابر بن زيد العُماني الذي هذّب مبادئها وأوضح معالمها في سرية تامة في العراق ثم لما توفي تولى قيادتها الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي استطاع بلباقته وحنكته أن ينطلق بالدعوة الأباضية من المرحلة السرية إلى المرحلة العلنية –الذي سوف نتحدث عنه في المبحث الأول إن شاء الله-.
أما الناضر والباحث الدقيق في أصل تسمية الأباضبة يجد معظم المصادر الأباضية وغير الأباضية تشير إلى أن هذه الفرقة سميت بهذا الاسم نسبة إلى عبدالله بن أباض الذي ينتمي إلى قبيلة تميم(6) ،والذي «عاصر معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية وعبدالملك بن مروان المؤسس الثاني للدولة الأموية»(7). (1/5)
صفحة 6
والحقيقة التي لا غبار عليها أن هذه الفرقة لم تنسب إلى عبدالله بن أباض إلا بعد ردح من الزمن(8).
وإذا كان الأمويون أول من سمى هذه الفرقة باسم الأباضية فإن الأباضية أنفسهم لم يقبلوا في بداية الأمر تسميتهم بهذا الاسم ولكنهم قبلوه منذ خلافة عمر بن عبدالعزيز، وبدأ اسم «الأباضية» يظهر في كتاباتهم بعد ذلك(9)
والأباضية قبل انتسابهم إلى عبدالله بن أباض يصفون أنفسهم باسم «جماعة المسلمين» أو «أهل الدعوة» وكان الأباضية يقبلون تسميتهم «المحكمة» لأنهم أبوا تحكيم الرجال في الدين فقالوا «لا حكم إلا لله» وكذلك كان الأباضية يقبلون تسميتهم «الحرورية» وهم الذين رفضوا أن يدخلوا الكوفة مع علي بن أبي طالب بعد موقعة صفين وبعد أن قبِل علي التحكيم ودخلوا حروراء –وهي قرية بظاهر الكوفة تبعد عنها بميلين- وكذلك تسمى الأباضية باسم «أهل الاستقامة» وتسموا باسم «الوهبية» نسبة إلى عبدالله بن وهب الراسبي وكذلك تسموا باسم «أهل النهروان» أو «أهل النهر» وهم الذين اعتزلوا علي بن أبي طالب في النهروان، كذلك كان الأباضية يتسمون باسم «الشراة» من قولهم «شرينا أنفسهم لدين الله فنحن لذلك شراة» أو من الآية القرآنية الكريمة ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(11).
وهنا سؤال يدور في خلد كثير من الباحثين والمتعلمين وهو: لماذا هذه الفرقة نسبت إلى عبدالله بن أباض ولم تنسب إلى الإمام جابر بن زيد؟
وإجابة على هذا السؤال: قد عرفنا سابقاً أن الدولة الأموية هي التي نسبت الفرقة الأباضية لعبدالله بن أباض وذلك لحقيقتين: (1/6)
صفحة 7
الأولى: إن عبدالله بن أباض هو الشخص الذي ظهر على الساحة السياسية مناظراً ومبيناً للمبادئ والأصول التي كانت تدعو إليها الدعوة الأباضية وخاصة بعد أن أرسل رسالته المشهورة إلى عبدالملك بن مروان(12)
الثانية: إن عدم نسبة الأباضية إلى الإمام جابر بن زيد فيه بعدٌ سياسي يخدم الدولة الأموية وذلك من جهة أن الإمام جابر بن زيد قد اشتهر وذاع صيته في العراق بعلمه وفضله وفي نسبة هذه الفرقة إليه، تنجذب الأنظار إليه وتميل نحوه النفوس ولذلك نسبوا هذه الفرقة إلى عبدالله بن أباض وهو أقل منزلة من جابر بن زيد في العلم وإن كان لا يقل عنه في التقوى والورع والصلاح(13).
---------------------------------------------
1-الأباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص22-23-24.
2-الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة ص102.
3-نفس المصدر السابق ص104 بتصرف.
4-نفس المصدر السابق ص103 بتصرف.
5-نشأة الحركة الأباضية ص65 بتصرف.
6-نشأة الحركة الأباضية ص75.
7-حصاد ندوة الدراسات العمانية ج3 ص256.
8- أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق ص60.
9-ندوة الدراسات العمانية ج3 ص256.
10-منظومة كشف الحقيقة ص48.
11-سورة التوبة الآية (111).
12-حصاد ندوة الدراسات العمانية ج3 ص157.
13-الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة ص161-162.
المبحث الأول : الإمام أبو عبيدة ومنهجه في الدعوة
من هو أبو عبيدة ؟
«هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم قطب أهل الاستقامة وإمامهم الثاني بعد جابر بن زيد(1).
اشتهر بصناعة القفاف حتى لقب بالقفَّاف، وهي صناعة يدوية تعمل من سعف النخيل كان يداري بها أعماله السرية(2). (1/7)
صفحة 8
عاش أبو عبيدة في البصرة وأخذ العلم عن جابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر بن السماك وضمام بن السائب العبدي العماني وهو أشهر علماء الأباضية في مرحلة الكتمان ويرى بعض مؤرخي الأباضية أن أبا عبيدة قد أدرك بعض الصحابة الذين أخذ عنهم أستاذه جابر بن زيد وتلقى عنهم العلم وروى عنهم الأحاديث ومن هؤلاء أنس بن مالك وأبو هريرة وعبدالله بن عباس وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبدالله وعائشة أم المؤمنين(3).
فوجد هؤلاء جميعاً في هذا الإمام الأرض الخصبة، فبذروا كل ما لديهم من علم ليؤتي أكله بعد حين(4).
ومن ناحية أخرى وصفت المصادر أبا عبيدة بأنه كان عالماً فذاً من علماء الأباضية الأوائل وفقهائهم البارزين.
فهذا الشماخي يصفه في كتابه السير بقوله: (تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث وأحكمها وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم الاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعضه وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم(5).
ومع هذا فقد كان أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة يتمتع بقدرات سياسية بارعة، وحنكة قيادية رائدة، وأفق واسع، مما ساعده على تنظيم الدعوة الأباضية في مرحلتها الأولى، المرحلة السرية بشكل دقيق وذكي(6)
وذلك بعد أن بوأته الجماعة المكانة التي تليق به ألا وهي الإمامة، إمامة الكتمان.. ولم يكن أبو عبيدة رغم ما آتاه الله من علم ليندفع إلى الاعتماد بالرأي، وإنما أرسى في مدرسته التعلق بالآثار التي حث عليها شيخه جابر بن زيد حيث قال: «ومن ضيّع للناس أمراً مخالفاً للسنة فإنه لا يمكن أن يكون على صواب». (1/8)
صفحة 9
وهاهو ذا أبو عبيدة يسير على منوال شيخه حيث قال: «من لم يكن له أستاذ من الصحابة، فليس هو على شيء من الدين وقد منّ الله علينا بعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن سلام وهم الراسخون في العلم، فعلى آثارهم اقتفينا، وبقولهم اقتدينا، وعلى سيرهم اعتدنا، وعلى مناهجهم سلكنا، فلا قيمة لمذهب ليس له سنده المتين الذي يربطه بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولا قيمة لمدرسة ليس لها مرجع راسخ في العلم «كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال مضل ولولا أن منّ الله علينا بجابر بن زيدرضي الله عنه لضللنا» مما جعل مدرسته مدرسة سنية –على منهج السنة النبوية- راسخة القدم لا تبتغي عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبار صحابته بدلاً(7).
فما أن تولى أبو عبيدة قيادة الجماعة حتى أخذ يعد النفوس في تنظيم سري دقيق بمعنى الكلمة، والسرية في حقيقتها ليست غريبة عن أبي عبيدة المنطلق على منهج السنة النبوية، فالرسول صلى الله عليه وسلم، هو أول من عمل بالسرية في الإسلام، أليس هو الذي دعا قومه في مكة سراً ثلاث سنوات حتى ربّى النفوس وهيأها لكي تحمل تعاليم الإسلام بقوة وعزيمة وصبر، فكان يجتمع بهم سراً في دار الأرقم بن أبي الأرقم.
فمن هذا المنطلق «قام أبو عبيدة بتطوير تنظيمات المجالس السرية –التي سوف نتحدث عنها لاحقاً- وأعمالها التي تُقام في البصرة وتضم مشايخ الدعوة وأتباعها، يتداولون فيها خططهم ويتعلمون فيها مبادئ عقيدتهم، وما يمت إلى دعوتهم بصلة سواء في النواحي الدينية أو الدنيوية(8).
كما كانوا يذهبون لحضور هذه المجالس في سرية تامة «متنكرين على هيئة النساء أو الباعة المتجولين ويقول أبو سفيان قنبر: (كانوا يأتون المجالس في هيئة النساء في النهار وغير ذلك يتشبهون بالنساء وإن كان أحدهم ليحمل على ظهره جرة بماء أو يحمل حملة متاع كأنه بياع حتى يدخل المجلس(9). (1/9)
صفحة 10
وليس هذا فحسب بل قرر أبو عبيدة أن يعزل نفسه وأصحابه من التعامل مع الولاة والحكام وطلب منهم عدم قبول أي منصب وتناول أي مال منهم. كما أن أباعبيدة لم يحبذ التزاوج بين أتباع الدعوة وبقية المسلمين وذلك من قبيل المحافظة على عدم اختلاط أهل الدعوة مع غيرهم ومنع تسرب أية معلومات عن نشاطاتهم وتحركهم، حتى أن أبا عبيدة هجر أحد أتباعه لأنه زوج ابنته لرجل غير أباضي(10).
ورغم هذا التنظيم وهذه السرية ما كان ليسلم أبو عبيدة من أن يقع في فخ المكائد التي تحبك له فقد وقع أبو عبيدة في قبضة الدولة الأموية التي وكلت أمر البصرة لذلك الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي الذي نفى جابر بن زيد إلى عُمان ثم سجن أبا عبيدة وضماماً وكثيراً ممن معهما من أهل الاستقامة(11).
وقد ذكر الدرجيني في طبقاته صوراً من العذاب والمحن التي يلقاها أهل الدعوة من الدولة الأموية وخاصة من واليها الحجاج بن يوسف حيث يقول: «وقال بلغنا عن ضمام حين سجنه الحجاج هو وأبو عبيدة قال: أدخلنا في سجن قال: فلم يكن يوصل إلينا ولا يدخل علينا حديدة ولا جلم(12).، قال وإنما كنا نقص شواربنا بأسناننا وإن كان الرجل منا لينفض لحيته فيتساقط منها القمل قال وإنما كان يطعمنا خبز الشعير والملح الجرش قال ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ثم يؤتى بملح فيلقى في تلك المراكن ثم يضرب حتى تخرج رغوته ثم يقال: يا أهل السجن خذوا ماءكم قال فمن أخذ من أوله كان أمثل قليلاً وأما من أخذ من أسفله فهو العذاب قال فكان ضمام ربما ضاق فيقول له أبو عبيدة ويلك ما هناك على من تضيق وعلى من تدل(13) (1/10)
صفحة 11
إنها عقبات كآداء مرّ بها أولئك الرجال في صبر وجلد، واستمساك بالمبدأ إذ لم يفزع أبو عبيدة هو وصديقه ضمام بن السائب العماني من قسوة سجن الحجاج، وإنما واصلا رسالتهما الدينية والعملية بعد خروجهما من السجن، وظل أبو عبيدة بمعاونة أصحابه وتلاميذه يشرف على الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى الإمامة العادلة حتى أدركه أجله في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري(14)
بعد أن أقام ما كان يصبو إليه من إقامة إمامة الظهور فقد أقامها في اليمن وعمان والمغرب تلامذة هذا البطل المجاهد بتوجيه منه، فانتشر الحق والعدل في آفاق الأرض وانطمس الظلم والجهل بنور الدين والعقيدة فرحم الله أبا عبيدة رحمة واسعة وجزاه الله خيراً على ما بذله في سبيل الدعوة إليه سبحانه.
------------------------------------------
1- أبو حمزة الشاري ص71.
2- سير الشماخي ج1 ص78.
3- نشأة الحركة الأباضية ص103.
4- أبو حمزة الشاري ص71.
5- سير الشماخي ج1 ص78.
6- نشأة الحركة الأباضية ص103.
7- أبو حمزة الشاري ص71.
8- نشأة الحركة الأباضية ص105.
9- المصدر السابق ص107.
10- نشأة الحركة الأباضية ص113.
11- أبو حمزة الشاري ص76.
12- الجلم والجلمان بلفظ التثنية: آلة كالمقص لجلم الصوف (المنجد ص99).
13- طبقات المشائخ بالمغرب ج2 ص247.
14- حصاد ندوة الدراسات العمانية ج3 ص274.
منهجية الإمام أبو عبيدة في الدعوة (1/11)
صفحة 12
لقد سلك أبو عبيدة في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى مسالك عديدة، مما جعل لدعوته الصيت القوي ومكن لحركته الانتشار الواسع في الآفاق البعيدة، إذ بأسلوب هذا الرجل وفكره الثاقب جعل من اللاشيء شيئاً في الوجود يحسب له ألف حساب على الساحة السياسية والعلمية، مما حدا بأتباعه أن يظهروا في الأرض ويدوخوا رؤوس الدولة الأموية هنا وهناك، إنها مشاعل من حقها أن تضيء الكون، وأن تخرج للوجود بعد السرية الطويلة التي فرضتها عليها عواصف الزمن وذلك بفضل أبي عبيدة وأساليبه الحركية فأول هذه الأساليب:
أسلوب الاستقطاب:
لقد عمل الإمام أبو عبيدة رحمه الله تعالى بأسلوب الاستقطاب الذي يعتمد في ماهيته على اختيار رجال –من مركز الدعوة في البصرة- من ذوي الخبرة والدراية بأحوال الناس، وإرسالهم إلى الأمصار المختلفة، سواء كان ذلك في الجزيرة العربية مثل عُمان واليمن والحجاز أو إلى خارجها مثل شمال أفريقيا، وذلك من أجل انتقاء الفئة التي ترى فيها المواصفات التامة للرجل الذي يستطيع بحق أن يقوم بالدور الإيجابي الصالح للدعوة وخاصة أن أهل الأمصار لهم الدراية الكبيرة بمواطنهم و«بأحوال الناس وعاداتهم وتقاليدهم وطرق معيشتهم ومقدار تطورهم الفكري والحضاري ودرجة ولائهم للسلطة الحاكمة وبالتالي يسهل عليهم مخاطبة الناس واختيار الظروف الملائمة والأماكن المناسبة لإقامة مراكز الدعوة ونشر أفكارهم ومعتقداتهم في تلك البلاد، وإذا تفحص الباحث المصادر الأباضية المتوافرة فإنه يجد أن معظم حملة العلم كانوا من بين السكان الأصليين للبلاد التي يبشرون فيها(1). (1/12)
صفحة 13
فحملة العلم إلى عُمان كانوا من نفس الموطن العماني، وحملة العلم إلى المغرب كانوا أيضاً من نفس بلاد المغرب، إذ تم استقطابهم عن طريق الداعية الأباضي الكبير سلمة بن سعد الحضرمي الذي طاف ببلاد المغرب فاختار شباباً من ذوي الكفاءة من ليبيا والجزائر وتونس وأرشدهم بالتوجه إلى البصرة ليعودوا فيما بعد محققين كل ما كانت تطمح إليه الحركة الأباضية، مبرهنين على حسن اختيارهم.
--------------------------
1- نشأة الحركة الأباضية ص108.
أسلوب المناظرات الكلامية
لعل من الصفات التي يمتاز بها الأباضية عن غيرهم أنهم لا يميلون إلى كثرة الجدل، ولا يرتاحون للمناقشة الفارغة التي لا جدوى منها ولا يشغلون أوقاتهم بترديد الأقاويل وإطالة الأحاديث، ولذلك فأنت عندما ترجع إلى أسواق الجدل ومؤتمرات الكلام في التاريخ الإسلامي الطويل فإنك تجد الأباضية أقل الفرق كلاماً وأكثرها عملاً وأخفها حديثاً وأرجحها إيماناً وأبعدها عن الدعوة وأدناها إلى الاهتداء(1).
لا يشغلون أنفسهم بالصخب الداوي الذي ليس له نتائج ولا يلقون بأنفسهم في الكفاح الكلامي الذي يهدف إلى مظاهر العظمة والنفوذ في الدنيا، ولكنهم مع كل ذلك كانوا أحرص الناس على إقامة الحق وإثبات أدلته، وعندما يقتضي الموقف الرد على أباطيل المدعين وترهات المبتدعين وشبهات المفترين فإن علماء الأباضية يكونون أسرع الناس إلى تحطيم الباطل الذي يريد أن يستعلن أو الشبهة التي يبتغي صاحبها أن يكسوها ثوب الحجة، يتبعون سبيل الله الذي حدده الإسلام وأوضحه هدي محمد صلى الله عليه وسلم، كفاح لا تصاحبه ضجة ونصر لا تسبقه دعوى ولا يعقبه تبجح أو افتخار أو مباهاة(2).
وأبو عبيدة قد سلك في منهجيته في الدعوة مسلك المناظرة والجدل الحي الهادي الذي لا يصخب ولا يعلن ولكنه يقطع طريق التحدي عن الأهواء والبدع(3). (1/13)
صفحة 14
وإذا كان هذا الإمام قد سلك مسلك المناظرة فلا غرابة في ذلك فقد عايش وعاصر أكثر الفرق الإسلامية حباً للجدل –وهم المعتزلة- فهذا إمامهم واصل بن عطاء كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول: لو قعطته قطعت الأباضية، فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه فقيل لواصل هذا أبو عبيدة في الطواف فقام إليه واصل فلقيه، وقال: أنت أبو عبيدة؟ قال: نعم، أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: ما هكذا قلت، لكن قلت: إن الله يعذب على المقدور، فقال أبو عبيدة: وأنت واصل بن عطاء قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني عنك إنك تقول: إن الله يُعصى بالاستكراه فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء، ومضى أبو عبيدة وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه يقولون كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة فسألته فخرج وسألك فلم تجب فقال واصل: ويحكم بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمها وأنا قائم، فلم أقعد ولم أبرح مكاني(4).
وأبو عبيدة في انتحاله هذا الأسلوب فإنه لم يأت بجديد وإنما قد سار على نهج أستاذه وإمامه جابر بن زيد في توضيح الحق لكل من يريد أن يعرفه فقد رُوي أن جماعة من الخوارج أرادوا أن يجادلوا جابراً فقال لهم: «أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فقالوا: نعم فقال: وحرم البراءة منهم بدين؟ فقالوا: نعم فقال: أوليس قد أحل دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ فقالوا: بلى، وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين فقالوا: نعم فقال: هل أحل ما بعد هذا بدين؟ فسكتوا، وهكذا استطاع أن يسير بهم خطوة خطوة حتى يضع أيديهم على الحق ويعرفهم أن الأحكام التي تنطبق على المسلمين ليست كالأحكام التي تنطبق على المشركين وأن الموحد إذا ارتكب ما يحل به دمه لا يكون ذلك كافياً لاستحلال ماله، وسبي نسائه وأطفاله(5).
---------------------------
1- الأباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى (نشأة المذهب الأباضي) ص67. (1/14)
صفحة 15
2- المصدر السابق ص68.
3-المصدر السابق ص68.
4-طبقات المشائخ بالمغرب ج2 ص246.
5-الأباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى (نشأة المذهب الأباضي) ص69.
أسلوب المجالس التعليمية وإعداد الدعاة:
أسلوب المجالس التعليمية وإعداد الدعاة:
إن التنظيم الدقيق الذي قام به الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي في سبيل نشر المبادئ الأساسية للدعوة الأباضية ذلك التنظيم العجيب يحتم عليه وهو يعايش في مجتمع واحد من يتربص به الدوائر أن يجعل من أمره سراً يحتاج أذكى أهل العقول أن يحلوه في سنين عديدة، فلذلك قد انتهج نفس الشيء بحنكته ولباقته الفذة في جعل مجالس الالتقاء بينه وبين أصحابه غاية في التنظيم السري بالرغم من وجود هذه المجالس منذ الأيام الأولى لقيام الحركة الأباضية إلا أن أبا عبيدة قد وضّح معالمها وصنف وظائفها ورتب طبقاتها وعرف أفراد كل مجلس من تلك المجالس(1).
التي يرى بعض الباحثين أنها كانت مقسمة على النحو التالي:
مجالس الشيوخ:
هذه المجالس يحضرها زعماء الحركة الأباضية فقط حيث تستعرض المقررات السياسية التي ينبغي أن تتجه إليها مسيرة الحركة بالدراسة الدقيقة والتمحيص المتكامل في سرية تامة بعيداً عن العوام والمبتدئين لإيجاد السبيل التنظيمي والتخطيط المناسب لكل حركة سرية ثورية ولمتابعة جهود الدعاة من حملة العلم وغيرهم في الأمصار ومواجهة كل ما قد يجد من مشاكل في سبيل الدعوة(2).
ومن شروط هذه المجالس كما أسلفنا أنها كانت خاصة بزعماء الحركة مثل الإمام وكبار المشائخ فأي شخص من غير هؤلاء لا يسمح له بالدخول مطلقاً ويدل على هذا تلك القصة التي أوردتها بعض المصادر: من إن شعيب بن عمر وهو من أفاضل شباب أهل الدعوة قد حاول دخول مجالس المشايخ وكان منعقداً في الليل في بيت زوج أخته حاجب الطائي ولما علم حاجب بقدومه رفض السماح له بالدخول وطلب منه العودة إلى بيته الذي يبعد أكثر من ثلاثة أميال(3) (1/15)
صفحة 16
هذه الحادثة تعطينا انطباعاً ظاهراً على مدى المعاناة والمسئولية التي أُلقيت على عاتق أولئك الرواد الأوائل الذين طالما ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل إيصال الحق إلى الناس عن طريق إزاحة كل عقبة تقف حائلاً في طريق مرور القافلة فلا قرابة ولا نسب أولى وأقرب إلى النفوس، لها الحق في تغيير ما اتفق عليه الجميع.
مجالس العامة:
هذه المجالس عبارة عن أماكن لإلقاء الدروس والإرشادات في العقيدة وأمور الدين يحضرها عامة أهل الدعوة ويخصص منها جانب للنساء(4)
ومن جهة أخرى كانت تعقد سراً في بيت أحد المشائخ، أو في سراديب أرضية خاصة، أو في أي مكان بعيداً عن الشبهة كمثل بيوت النساء أو في بيوت الكرائين وذلك كله إمعاناً في الحيطة والحذر(5)
وبما أن هذه المجالس أكثر المجالس رواداً من أفراد الحركة ممن يحبون أن يعرفوا أصول المذهب وتعاليمه السامية كان لابد من إيجاد حراسة مشددة حتى لا يعلم باجتماعهم أحد من المخالفين المناوئين للحركة أو حتى لا تداهمهم الشرطة على غفلة، فلذلك كانوا يعينون أشخاصاً لمراقبة الأحياء والطرق المؤدية إلى أماكن تلك المجالس(6).
«وإذا بدأ أي خطر ينفض المجلس بسرعة وكأن لم يكن شيء(7).
«يقول أبو سفيان قنبر: وما بلغنا أنه ظفر بهم في مجلس قط إلا أنهم كانوا ذات مرة أتاهم الخبر بأن الخيل تريدهم فخرجوا مسرعين وتركوا نعالهم على باب البيت الذي كانوا فيه فجاء الشرط فنظروا إلى النعال فقالوا للعجوز صاحبة البيت: ما هذه النعال؟
فقالت: مكاتب لنا يسأل الناس فيُعطى النعال وغيرها قالوا: بالله ما ذلك كما ذكرته فإن هذا موضع ريبة فقال بعضهم: قد ذكرت العجوز ما ذكرت فلا تعرضوها للبلاء فلعلها أن تكون صادقة قال: فعافاها الله منهم(8). (1/16)
صفحة 17
وإذا كانت هذه المجالس مجالس عوام ومبتدئين فلابد من جعل من يشرف عليهم فكان المشائخ البارزون يشرفون على هذه المجالس العامة فعُرف كل مجلس باسم الشيخ الذي يشرف عليه مثل مجلس عبدالملك الطويل ومجلس أبي سفيان قنبر ومجلس أبي الحر علي بن الحصين ومجلس أبي مودود حاجب الطائي وغيرها(9).
مجالس إعداد الدعاة:
حيث كان الدعاة الذين تم اختيارهم على أيدي رجال مهرة لهذا الغرض من مختلف الأمصار يتلقون العلم وأصول الدعوة وتعاليمها وتخطيطاتها عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وعن شيوخ الأباضية البارزين الموثوقين(10).
في هذه المجالس التي أعدت بإحكام لأداء الغرض المنوط بها وهو إعداد جيل يستطيع أن يضطلع بالمهمة الشاقة التي سوف يتحملها إذا ما غدا خارجاً من سراديب البصرة التي كانت تعتبر بحق «أهم مركز إشعاع عرفه الفكر الأباضي(11).
تلك السراديب التي خرجت أولئك الرجال الأبطال الأفذاذ الذين برهنوا للعالم أنهم أهل للمسئولية التي كانت ترجوها منهم الحركة الأباضية الأولى.
فهم مشاعل خير وآمال أمة وحملة للعلم إلى بلادهم وأمصارهم التي أتوا منها، فقد أسلفنا أنهم أتوا من أماكن مختلفة «فمنهم من أتى من عُمان: كالربيع بن حبيب الفراهيدي وبشير بن المنذر النزوان
------------------------------------
1- نشأة الحركة الأباضية ص106.
2-الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة ص171 بتصرف ونشأة الحركة الأباضية ص107.
3-نشأة الحركة الأباضية ص107-108.
4-أبو حمزة الشاري ص73.
5-نشأة الحركة الأباضية ص106.
6-نفس المصدر السابق ص106.
7-أبو حمزة الشاري ص73.
8-نشأة الحركة الأباضية ص106-107.
9-أبو حمزة الشاري ص73 ونشأة الحركة الأباضية ص107.
10-نشأة الحركة الأباضية ص108.
11-أبو حمزة الشاري ص
المبحث الثاني : حملة العلم إلى المغرب
التعريف بالمغرب: (1/17)
صفحة 18
المغرب «هو اسم أطلقه الجغرافيون على شمال إفريقيا الشامل ليبيا وتونس والجزائر ومراكش، كانوا يقسمونه إلى المغرب الأقصى غرباً وهو ما يعرف اليوم بالمملكة المغربية، والمغرب الأوسط عرف قديماً ببلاد «نوميديا» وهو اليوم الجمهورية الجزائرية والمغرب الأدنى وهو ما دون ذلك»(1).
ولو نظرنا لهذا التعريف لوجدناه تعريفاً عاماً أُطلق على ما يُعرف في عصرنا الحاضر بالمغرب العربي.
أما المغرب الذي نقصده في بحثنا هذا هو أخص من ذلك إذ لا يشمل المغرب الأقصى، لأن الوجود الأباضي كان محصوراً في «المنطقة التي تمتد من برقة إلى مدينة تلمسان وتشمل ما يُعرف الآن باسم ليبيا وتونس والجزائر، وهي البلاد التي كانت تعرف فيما مضى بالمغربين الأدنى والأوسط أو بأفريقية والمغرب الأوسط(2).
«يحد المغرب من الشمال البحر الأبيض المتوسط الذي تقع عليه الموانئ المغربية، ويحده من الجنوب الصحراء التي تفصل بينه وبين أرض السودان(3)
هذا هو المغرب من الناحية الجغرافية أما سكان «المغرب اسمهم الأمازيغ نسبة إلى جدهم مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام، ثم سماهم العرب بربراً بتفخيم الرائين، للغتهم التي لا يفهمونها».
وكان البربر ينقسمون إلى طائفتين متباينتين، البربر البرانس أو الحضر وكانوا ينزلون السهل الساحلي الذي يقع بين الجبال والبحر ثم ينتشرون على طول الجبال الممتدة من الشرق إلى الغرب في السفوح المزروعة والنواحي الخصيبة، أما البربر الرحل، أو البتر فكان يعمرون الصحاري والواحات التي تلي ذلك جنوباً وشرقاً(4).
كانت بلاد المغرب قبل الإسلام وبعد فتحها على يد الفاتحين الأوائل من المسلمين المجاهدين وطناً واحداً وكانت القبيلة تتفرق في كافة أجزائه(5). (1/18)
صفحة 19
وإذا رجعنا إلى دخول الإسلام، بلاد المغرب فإننا نجد أن الفضل الأول كما أسلفنا إلى الفاتحين الأوائل من المسلمين ولكن الفضل الأكبر في نشر الإسلام وازدهاره في بلاد المغرب في الثلاثة القرون الأولى للهجرة يرجع في المقام الأول إلى دعاة الأباضية الذين أنطلقوا من المشرق فربطوا بينهم وبين بلاد المغرب على بعد المشقة من المشرق والمغرب.
وفي القرن الثاني والثالث الهجري ظهر أثر جهد هؤلاء الدعاة فقامت الإمامة الأباضية وتمخض شرق المغرب الأدنى والمغرب الأوسط عن الدولة الأباضية الكبرى التي التزمت في سياستها الدين القويم وأحيت سيرة الخلفاء الراشدين فتقدمت بلاد المغرب في كل نواحي الحضارة الإسلامية وصار المغرب الإسلامي العربي حصناً منيعاً للدين ورمزاً للأخوة الإسلامية والعربية(6).
------------------------------------------------------
1- لمنجد ص676.
2- الأباضية في مصر والمغرب ص12.
3- الخلافة والخوارج في المغرب العربي ص49.
4- حصاد ندوة الدراسات العمانية ج3 ص241.
5- نفس المصدر ص264.
6- نفس المصدر ص279.
من هم حلمة العلم إلى المغرب؟
لقد أسلفنا في المبحث الأول الحديث عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي فتح ذراعيه في البصرة لكل طالب علم أقبل إليه من مشرق الأرض ومن مغربها باذلاً كل ما في وسعه لتبليغ ذلك للناس وتطرقنا إلى أولئك النفر الأربعة الذين أقبلوا إليه من بلاد المغرب –عبدالرحمن بن رستم الفارسي وعاصم السدراتي وإسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داؤد القبلي- الذين أطلق عليهم فيما بعد لقب «حملة العلم إلى المغرب» وذلك بعد أن انظم إليهم أبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري الطالب اليمني الذي التقوا به في حلقات أبي عبيدة.
وفي هذا المبحث سوف نترجم لكل واحد منهم ترجمة مناسبة:
ترجمة أبي الخطاب المعافري
هو أبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح بن عبيد بن حرملة المعافري الحميري اليمني(1) (1/19)
صفحة 20
أصله من اليمن كما ورد في أغلب المصادر وليس من عمان كما قال علي يحيى معمر في كتابه الأباضية في الجزائر حيث يقول:
«وفي البصرة ربطت أواصر الصداقة بين الطلاب الأفارقة الأربعة ثم أضافت إليهم طالباً آخر جاء إلى البصرة من عمان لمثل ما جاءوا إليه هو الإمام أبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري(2).
التقى أبو الخطاب بالنفر الأربعة الذين أقبلوا من المغرب في حلقات الإمام أبي عبيدة بالبصرة ولم يأت معهم من المغرب كما نص مهدي طالب هاشم حيث يقول: «ويبدو أن سلمة بن سعد قد اتفق مع أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ليرسل له مجموعة من أباضية المغرب.. وقد وصل خمسة من هؤلاء الدعاة وهم عاصم السدارتي وإسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داؤود القبلي النفزاوي.. وعبدالرحمن بن رستم الفارسي الأصل وأبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري الحميري من أهل اليمن(3)
كان أبو الخطاب أحد النبغاء الذين تم اختيارهم من اليمن، إذ تم اختيار عدد كبير من اليمن للتوجه إلى البصرة حتى يكونوا على مقربة من المنبع الرئيسي للحركة الأباضية الكبرى التي يديرها أبو عبيدة، فلما وصلوا إلى البصرة والتفت الأرواح وتكاتفت الأنفس وسرت المحبة في قلوب أولئك الفتية النجباء الذين أقبلوا من أماكن شتى فمنهم من أتى من عمان ومنهم من أتى من خراسان ومنهم من أتى من مصر والحجاز وغير ذلك من الأماكن التي ذكرناها سابقاً، أخذت العلاقات ترتبط بينهم، وهذا مقصد من المقاصد التي كانت تطمح إليها القيادة المنظمة لهذا الاجتماع المبارك الذي كان يعقد في سراديب سرية بعيداً عن أعين الدولة العباسية.
الأيام تمر والعلاقات تزداد ترابطاً وخاصة بين أبي الخطاب وبين حملة العلم المغاربة حتى تعاهد هؤلاء الخمسة أن يكون متجههم واحداً أينما ساروا بعد التخرج(4). (1/20)
صفحة 21
وفعلاً ما هي إلا أيام وليال حتى تخرج هؤلاء الرجال من ذلك المعهد العامر الذي ربى فيهم حب الإسلام، والدعوة وبذل كل غالٍ ورخيصٍ في سبيل نشر الدين الإسلامي في كل مكان وإن موطن الشخص هو مكان وجود الإسلام ومكان وجود المسلمين فيما كان من أبي الخطاب ذلك الفتى الذي عاهد أصحابه أهل المغرب إلا أن ينفذ ما تعاهدوا عليه، فالمسلمون عند عهودهم، فانطلق معهم إلى المغرب، فكان اختيارهم وإجماعهم أن تكون ليبيا نقطة انطلاق نشاطهم(5).
هذا من جهة ومن جهة أخرى لا نستبعد أن الحركة الكبرى في البصرة رأت من الضروري إرسال أبي الخطاب إلى المغرب لصفات ومزايا رأتها فيه، وخاصة أن الجماعة عندما استشارت أبا عبيدة في لحظات الرحيل فقالت: »يا شيخنا أرأيت أن لو كانت لنا قوة بالمغرب ووجدنا في أنفسنا طاقة أفنولي علينا رجلاً منا؟ فقال لهم أبو عبيدة: توجهوا إلى بلادكم فإن يكن في أهل دعوتكم من العدد والعدة ما تجب معه التولية عليكم فولوا على أنفسكم رجلاً منكم فإن أبى فاقتلوه وأشار إلى أبي الخطاب رحمه الله تعالى(6).
وفي إشارته لأبي الخطاب دلالة واضحة على علو درجته وقوة شخصيته فإن أمر القيام بشئون المسلمين ليس شيئاً هيناً فلذلك كانت فراسة أبي عبيدة وضعت الرجل المناسب في المكان المناسب. (1/21)
صفحة 22
وبالفعل لما رجعوا إلى المغرب أخذت المشاورات تدور بين أهل الفكر والمعرفة وبين رؤساء القبائل على القيام بأمر الإمامة، ولما تمت الأمور على اختيار ما اختاره إمام الجماعة الأباضية عقدت الإمامة لأبي الخطاب، فأخذ يسوس الناس بمنهج قويم وأخلاق حميدة، فأول ما عمل هو الاستيلاء على طرابلس ثم توجه إلى القيروان فخلص أهلها من ظلم قبيلة -ورفجومة- فأقام فيها العدل، وما زال كذلك يواجه المشاكل من هنا وهناك وخاصة من الدولة العباسية التي ما فتئت ترسل إليه الحملات الواحدة تلو الأخرى حتى كانت تلك الحملة الكبيرة بقيادة محمد بن الأشعث فواجهها أبو الخطاب وأصحابه في «تورغا» على مسيرة ثمانية أيام من طرابلس فلم يبرحوا حتى استشهدوا جميعاً وكانوا في أربعة عشر ألفاً(7).
وذلك في صفر كما يروي ابن الأثير أو ربيع الأول كما يروي النويري سنة أربع وأربعين ومائة(8).
«ولكن ابن الأشعث لم يكتف بهذا النصر الذي أحرزه ولم يقنعه الاستيلاء على هذه البلاد الفسيحة التي كانت تابعة لأبي الخطاب، فعمد إلى رأس أبي الخطاب وهو قتيل في المعركة فاحتزه وبعث به إلى بغداد ليزيده حظوة عند أبي جعفر»(9)
---------------------------------------------------------------
1- كتاب ابن سلام الأباضي ص139 الطبقات ج1 ص44 سير الشماخي ج1 ص113.
2- الأباضية في الجزائر ص130.
3-الحركة الأباضية في المشرق العربي ص88.
4-الأباضية في الجزائر ص130.
5- نفس المصدر ص130.
6-طبقات الدرجيني ج1 ص21.
7-طبقات الدرجيني ج1 ص34.
8-كتاب الخلافة والخوارج في المغرب العربي ص154.
9-الأباضية في ليبيا القسم الأول ص61.
ترجمة عبدالرحمن بن رستم الفارسي
هو عبدالرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى الملك الفارسي(1).
فهو على هذا من أصل فارسي، ولكن مولده كما تذكر المصادر كان بالعراق، نشأ عبدالرحمن بن رستم في أسرة اشتهرت بالتنجيم، فكان أبوه يرى أن ذريته ستلي أرض المغرب. (1/22)
صفحة 23
فتوجه من العراق ومعه عبدالرحمن وزوجته إلى أرض المغرب فلما كان بمكة أو قريباً منها أدركته حمامه وانتقضت أيامه، فلقي عبدالرحمن وأمه الحجاج من أهل أرض المغرب بمكة فتزوج رجل من القيروان أم عبدالرحمن، فأقبل بهما حتى قدموا أرض القيروان ونشأ بها عبدالرحمن(2).
ولما أقبل سلمة بن سعد الداعية الأباضي الأول إلى أرض المغرب وأخذ يدعو إلى المذهب الحق بأصدق الكلمة قائلاً: «وددت أن يظهر هذا الأمر يوماً واحداً فما أبالي أن تضرب عنقي» فلما سمع عبدالرحمن ذلك تعلق به أشد التعلق فاجتهد في طلب ذلك وقال: لا أدري كيف التوصل إليه.
فرآه رجل من أهل الدعوة، وقال له: «يا بني إن كنت جاداً فيما أراك تطلبه فاقصد أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة تجد عنده ما تطلب»(3).
وإن كنت لا أستبعد أن ذلك الرجل هو نفسه سلمة بن سعد، رأى في هذا الفتى بوادر القبول والنبوغ فأرشده بالاتجاه إلى أبي عبيدة.
وذكر الشماخي في سيره: أن «أمه هي القائلة له ذلك(4).
أخذ عبدالرحمن بن رستم بكل ما أوتي من همة وبحب خالص لطلب العلم من ينابيعه الصافية يعد العدة لرحلة شاقة يجوب خلالها الصحاري والقفار ويرحل من دار إلى دار حتى يصل إلى البصرة إلى عند الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي العالم العامل.
وكانت المفاجأة التي لم يكن يتوقعها عبدالرحمن بن رستم -أن صادف مسيره، تحرك بعض الفتيان إلى نفس المكان، فالتأم الشمل وتحرك الركب حتى وصلوا إلى أبي عبيدة، فمكث عبدالرحمن كأصحابه أهل المغرب خمس سنوات يتلقون دروساً في المذهب الأباضي والإدارة والسياسة، فلما قفل أولئك الفتية راجعين إلى أرض الوطن، والآمال تراودهم بمستقبل باهر لأرض المغرب وبخير وفير.
كانت هناك لفتة جميلة وإجازة طيبة من أبي عبيدة لبعض من هؤلاء الفتية، فحظي عبدالرحمن بن رستم بقدر أكبر منها، لما تفرس فيه أبو عبيدة من أهلية للإفتاء، فقد قال الإمام لعبدالرحمن: «افت بما سمعت وما لم تسمع(5). (1/23)
صفحة 24
ولما تم الرجوع إلى أرض المغرب والاستقرار في طرابلس وتنصيب أبي الخطاب إماماً سنة 140ه كان أول أعماله هو تعيين عبدالرحمن بن رستم «قاضياً لطرابلس(6).وما حولها حتى سنة 141ه إذ في هذا العام استطاع أبو الخطاب أن يدخل القيروان من أرض تونس الموطن الأصلي لعبدالرحمن بن رستم فعينه والياً عليها(7).
«ومن أولى من عبدالرحمن بولاية القيروان وهو الذي نشأ فيها ودرس في معاهدها وشب في مغانيها(8).
بقي عبدالرحمن في مصب الولاية حتى مقتل الإمام أبي الخطاب سنة 144ه، ثم هرب من القيروان خوفاً من بطش محمد بن الأِشعث الذي أخذ يلاحق الأباضية في كل بلاد المغرب -متجهاً إلى المغرب الأوسط- الجزائر- متخذاً من جبال سوفجج المنيعة ملجأ له(9).فجاءته جموع الأباضية من كل بلاد المغرب فعقدوا له الإمامة سنة 160ه، فساس الناس سياسة حكيمة وأثنت عليه الرعية وازدهرت دولته ازدهاراً عظيماً سواء كان في النواحي الاقتصادية والاجتماعية أو غيرها من نواحي الحياة، وكان عصره عصر سلم وأمان، وعصر مجد خلده الزمان حتى توفي رحمه الله سنة 171ه، وبعد أن مكث في الإمامة إحدى عشرة سنة رحم الله تلك الأبدان وأسكنها ربي الجنان.
------------------------------------------------------------
1- طبقات الدرجيني ج1 ص34.
2- كتاب الخلافة والخوارج في المغرب العربي ص154.
3- الأباضية في ليبيا القسم الأول ص61.
4- تاريخ أبي زكريا ص54.
5- طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص19-20.
6- طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص20.
7- سير الشماخي ج1 ص113.
8- نفس المصدر السابق ج1 ص129.
9-نشأة الحركة الأباضية ص166.
ترجمة عاصم السدراتي (1/24)
صفحة 25
هو عاصم السدراتي من علماء القرن الثاني نشأ وترعرع في أكناف قبيلته سدراته، وكان ينتقل معها ويجوب الفيافي والقفار خلال تنقلها بين جبال «أوراس» تارة في الشمال وتارة في الجنوب فشب قوي البنية قويم الخلق سليم النفس، ذكي الفؤاد مع شيء من حدة الطبع وصلابة الإرادة وقوة العزم في تصميم وإقدام، أحب العلم أشد الحب وسعى إليه، فقرأ القرآن الكريم وعرف مبادئ الإسلام القويمة وحضر مجالس العلم والعلماء بقلب واعٍ وأصغى إليهم وهم يتحدثون عما يدعو إليه الإسلام ويطالب المسلمين بالاستمساك به، فغمرته أريحية حب العلم والتعلم، ولكن الأحوال التي كانت عليها بلاده -الجزائر- في ذلك الحين من ثورات وحروب، كانت تحول دون استمرار الشباب في الدراسة، ولذلك كان هذا الشاب اليقظ لحب العلم يتألم في صمت لحرمانه، ويتأسف في أسى لوجوده في تلك الظروف المتقلبة.
وفي هذه الأثناء أقبل الداعية الأباضي سلمة بن سعد وأخذ ينشر المبادئ الإسلامية الصحيحة بإخلاص لله(1).واستمر يدعو إلى التفقه في دين الله وفهمه فهماً صحيحاً من المؤمنين الصادقين وكان يدعو الناس إلى السفر إلى منازل الوحي، وإلى مرابع الإسلام حيث ثبت واستقر في قلوب المؤمنين وانعكس على سلوكهم فكانوا مظهراً حقيقياً له(2).
فبلغ عاصماً ما يدعو إليه هذا الداعية وما أخبر به عن حالة المشرق والبصرة بصفة خاصة وما تزدان به المساجد ودور العلم وخاصة بوجود أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة المؤسس الأول لانطلاقة الدعوة الأباضية وما يتميز به من صفات وباع كبير في العلم والمعرفة مما شجع عاصم السدراتي على الرحيل إلى ذلك المنهل العذب.
فصمم على السفر، فأخذ يعد العدة للرحلة الشاقة إلى البصرة وأخذ يلتمس الرفيق والزميل فكانت مشيئة الله أن بلغه خبر ثلاثة فتيان كانوا قد عزموا لمثل ما عزم عليه فاستبشر بذلك وقرر أن ينضم إليهم(3). (1/25)
صفحة 26
وهنا سؤال يطرح نفسه، من الذي أبلغ عاصماً بخبر هؤلاء الفتيان الثلاثة -عبدالرحمن بن رستم وإسماعيل بن درار وأبو داؤد القبلي- وهو في الجزائر وهؤلاء ليسوا منها بل كانوا من ليبيا وتونس، إلا بوجود عبقرية مخططة لذلك وهي عبقرية سلمة بن سعد، وقد صرح بذلك علي يحيى معمر حيث قال: «البعثة العلمية التي كونها سلمة بن سعد(4).
وهو على هذا أن الاتفاق لم يأت من محض الصدفة وإنما كان بتدبير وتخطيط قد أُعد لهذه البعثة العلمية التي انطلقت من المغرب الإسلامي إلى المشرق الإسلامي.
ولما وصل هؤلاء الفتيان الأربعة كان أبو عبيدة في انتظارهم فصافحهم وسألهم عن أحوالهم(5).
فمرت الأيام والشهور وعاصم وأصحابه في معاهد البصرة يغترفون العلم من منابعه، ويأخذون أصول الدين وفروعه من أساتذته.
وبعدما قضى عاصم خمس سنوات في الدراسة يستمع إلى كبار التابعين وتابعي التابعين ويحضر مجالسهم استأذن هو وأصحابه إمامهم وشيخهم أبا عبيدة بالرجوع إلى أهاليهم، وأوطانهم لتفقيه أقوامهم ودعوتهم إلى الاستمساك بدين الله(6).
فأذن لهم شيخهم وأوصاهم بكل خير وحذرهم من الفرقة وبيَّن لهم سبل الدين حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.
فلما رجعوا إلى المغرب وعقدت الإمامة لأبي الخطاب وقسمت المسئوليات على أفراد البعثة كلف عاصم أن يشتغل بالدعوة في مجال حر غير مقيد -مثل ما تقيد أصحابه فمنهم من اشتغل بالإمامة ومنهم بالقضاء ومنهم بالولاية- فأخذ عاصم السدراتي ذلك الداعية يتنقل من مكان إلى مكان بين المدن والقرى الضاربة في الصحراء يُلقي الموعظة الحسنة ويحل المشكلة الناجمة حتى أنه رسم لنفسه خطة يسير عليها إذ كان يركب ناقته ويتنقل بين الأحياء، حتى عرف الناس مواعيد قدومه ومواعيد سفره، ينتظرونه في المواعيد المتوقعة. (1/26)
صفحة 27
ولم يكتف عاصم السدراتي الداعية بهذا فحسب بل أقام عدة مجالس تعليمية على غرار مجالس شيخه أبي عبيدة التي عايشها في البصرة في فترة دراسته فيجتمع عليه الناس للسؤال والاستفتاء ويُلقي عليهم دروس التوجيه والتعليم(7).
وإذا كان عاصم قد اتَّخذ لنفسه منهجاً حراً بعيداً عن مجريات السياسة التي اشتغل بها غيره، كان لابد أن تستغل شجاعته وقوته في القيادات الحربية، إذ كان عاصم «فارساً من فرسان المغرب وقائداً حربياً من قواده المحنكين(8).
فما كاد أبو الخطاب يعد الجيوش لدخول القيروان حتى كان عاصم السدراتي من السابقين إلى الانضمام إلى هذا الجيش، فتحرك أبو الخطاب بجيشه الجرار فحاصر القيروان حصاراً شديداً حتى أذعنت واستسلمت له فأقام فيها الحق والعدل وخلص أهلها من الجور والفساد.
فلما تم هذا النصر رجع عاصم إلى منطقة من جبال «أوراس» وبقي هنالك حتى قُتل الإمام أبو الخطاب.
ولما بايع الناس أبا حاتم الملزوزي في ليبيا، أسرع عاصم لمناصرته بمن معه ولحق به في القيروان(9).
وهكذا قضى عاصم السدراتي حياته بين العلم والتعليم ونصرة الدين الحنيف بالقول والعمل، لأجل رفع راية الدعوة الإسلامية خفاقة في سماء هذه الأرض، ولكي يبقى النور براقاً لكل من يريد النجاة من درب الغواية إلى طريق الرشاد.
توفي عاصم السدراتي البطل الداعية مسموماً إذ تذكر المصادر أن عاصماً كان في ضمن جيش قد حاصر القيروان فمرض مرضاً شديداً فاشتهى أكل قثاء فبلغ أهل القيروان ذلك، فبعثوا قثاءة مسمومة مع صبي يبيعها، فاشتروا تلك القثاة المسمومة لعاصم، فلما أكلها مات، فاستشهد رحمه الله، فجمع له أجر الجهاد وشدة النكاية في الأعداء والمرض والموت بالسم (10).
ولكن بعدما اتفقت أغلب المصادر على وفاة عاصم مسموماً في حصار القيروان، اختلفت في أي عسكر كان ذلك هل هو في عسكر أبي الخطاب أم عسكر أبي حاتم الملزوزي؟؟ (1/27)
صفحة 28
فقد ذكر أبو زكريا في تاريخه أن عاصم السدراتي قتل في عسكر أبي الخطاب حيث يقول: «ولما وصل أبو الخطاب t إلى أرض القيروان حاصرهم بأشد الحصار ما شاء الله ثم إن عاصماً السدراتي مرض مرضاً شديداً(11).ثم ساق القصة السابقة.
وقد علق علي يحيى معمر على هذا بقوله: «ولاشك أن أبا زكريا واهم فأغلب مصادر التاريخ تذكر وقوف عاصم مع أبي حاتم ولو قُتل مع أبي الخطاب لما ذكر، بل أن بعض كتب التاريخ تذكر جميع مواقفه بدقة وعدد جيوشه في كل حركة من حركاته مما يدل على صحة ما قاله ابن سلام(12).
فقد قال ابن سلام: «فبعث المحصورون -يعني أهل القيروان- بفقوس قثاء مسمومة مع صبي يبيعها في عسكر أبي حاتم فاشتروها للمريض فأكلها عاصم فكان فيها موته(13).
وقد أيد الشماخي قبل علي يحيى معمر ما ذهب إليه ابن سلام فقد قال: «والأقرب ما رواه ابن سلام لأنه قال: رويته عن سليمان بن زرقون وفي كتب المخالفين ما يدل على أنه كان حياً بعد أبي الخطاب والله أعلم(14).
وعلى هذا سار علي دبوز في كتابه «تاريخ المغرب العربي الكبير» كما نقل عنه علي يحيى معمر(15).
-------------------------------------------------------
1-- الأباضية في الجزائر ص129.
2- نفس المصدر ص24.
3- نفس المصدر ص129.
4-الأباضية في الجزائر ص24.
5- سير الشماخي ج1 ص113.
6-الأباضية في الجزائر ص130.
7- نفس المصدر السابق ص130-131.
8-تاريخ المغرب الكبير ص79 نقلاً عن كتاب الأباضية في الجزائر ص133.
9-الأباضية في الجزائر ص132.
10- سير الشماخي ج1 ص117.
11-تاريخ أبي زكريا ص62.
12-الأباضية في الجزائر ص133.
13-كتاب ابن سلام ص152.
14-سير الشماخي ج1 ص122.
15-الأباضية في الجزائر ص133
ترجمة إسماعيل بن درار الغدامسي
هو إسماعيل بن درار الغدامسي نسبة إلى بلدة غدامس التي تقع في الجنوب من طرابلس(1).
كنيته «أبو درار» كما ذكر الشماخي(2).و«أبو الزاجر» كما ذكر علي يحيى معمر(3). (1/28)
صفحة 29
ارتحل إسماعيل بن درار، كعضو من أعضاء البعثة العلمية التي اتجهت إلى المشرق الإسلامي، ممثلاً لبلاده ليبيا في التجمع الكبير الذي ضم خيرة شباب المشرق والمغرب وأنجبهم أولئك الشباب الذين أُنتقوا بعناية كبيرة لحمل راية الدعوة الإسلامية ونشر التعاليم والمبادئ السمحة -على يدي رجال كرسوا حياتهم لخدمة الدين وبذلوا دماءهم ونفوسهم رخيصة لكي يبقى الإسلام الأمل لتستضيء بنوره الأمم وترفرف راياته على أعلى القمم وتنحط تحت قدميه جحافل الكفر والطغيان.
ذلك التجمع الذي احتفلت به سراديب مدرسة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة واحتفت به ورحبت بأفراده النجباء الذين قطعوا الفيافي والصحاري وقاوموا شدة الأسفار فنهلوا من معينه الصافي شربة وشربات أطفئت منهم مشقة المسافات، فأمضى صاحبنا كما أمضى أصحابه في ذلك المعهد العامر خمس سنوات من الدراسة والتحصيل.
فلما أتموا دراستهم فكروا في السفر إلى المغرب كتلة واحدة بعد أن انظم إلى الوفد أبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري اليمني فاكتمل عددهم عدد أصابع اليد تتعاون فيما بينها، فقد آخى الإسلام في معهد أبي عبيدة بين بربر وعرب وفرس كما آخى الإسلام من قبل في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين روم وفرس وحبش وعرب، والإسلام لا يعرف الأجناس، ولا العناصر، إنه يصهر كل ذلك في بوتقة واحدة، يخرج منها أمة، لا فرق بين أفرادها، إلا في مدى ما يقدمه كل واحد منهم من بر وخير(4).
ولما أذن الركب بالرحيل خرج أبو عبيدة يودع تلامذته وداع الأب لأبنائه، ينصح ويرشد، ويبين لهم كل ما هو مهم من شئون الدعوة إلى الله والتي أمر بحملها (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)(5). (1/29)
صفحة 30
هذا من جانب أبي عبيدة، أما الطلاب فلم يكن لهم أن يفوتوا آخر فرصة يلتقون فيها بشيخهم تسير هكذا فانبرى أبو درار يسأل ويسأل عن كل ما يدور في خاطره من مسائل الأحكام حتى أن أبا عبيدة اندهش لهذا السيل من المسائل، هيأ الشيخ المركوب لتوديعهم ووضع رجله في الركاب فسأله إسماعيل عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام قبل أن يستوي على متن الدابة، فقال أبو عبيدة مداعباً لتلميذه: أتريد أن تكون قاضياً يا ابن درار؟ فما كان من التلميذ إلا أن يجيب أستاذه: أرأيت أن ابتليت بذلك! فبماذا تأمرني يرحمك الله؟(6).
وفعلاً لقد ابتلي إسماعيل بن درار الغدامسي بالقضاء ذلك الابتلاء الذي أعد العدة لتحمله، وذلك بعدما رجعوا إلى المغرب واتفق رأيهم على جعل محط الركب طرابلس من أرض ليبيا وعقد الإمامة لأبي الخطاب، هنا قُسمت الوظائف الرئيسية والسياسية فكان أبو الخطاب إماماً وعبدالرحمن بن رستم والياً وإسماعيل بن درار الغدامسي قاضياً(7).
«وقام بهذه الوظيفة كما يقوم بها مؤمن يعرف دين الله ويفهم أسرار الشريعة ويخاف الله في مال الله وعباده فيتحرى الحق ويجري العدل ويتبع السير القويم الذي خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم(8).
هذا بالنسبة للوظيفة الأولى التي كُلف بها إسماعيل بن درار أما الوظيفة الثانية التي اشتغل بها بعد ذلك هي تربية الأجيال وصنع الرجال الذين يستطيعون أن يحموا مواريث هذه الأمة إنها وظيفة التعليم تلك الرسالة المقدسة التي ذهب من أجلها إلى البصرة وبذل في طلبها كل ما لديه من طاقة وجهد فحريٌ لمثل هذا الرجل أن يبلغ رسالة الله إلى الناس وينور قلوبهم وعقولهم بنور الإيمان ولذلك كوّن تلك المدرسة، مدرسة الفكرة ومدرسة الحلقة وأعطى لأمته من نفسه ومن وقته الشيء الكثير(9). (1/30)
صفحة 31
حتى استطاع إسماعيل بن درار بذلك الجهد الذي حباه الله إياه أن يخرج من مدرسته رجالاً يعد الواحد منهم عن مائة رجل، فهذا الإمام عبدالوهاب بن عبدالرحمن يطلب من جبل نفوسة مائة عالم من علماء التفسير لمناظرة المعتزلة، فلما وصل الطلب أهل الجبل وتشاوروا في الموضوع لماذا يرسلون هذا العدد الوفير ألا يجدون هذا العملاق الذي يقوم مقام مائة بين هؤلاء الأعلام؟
فاستعرضوا الأسماء فاجتمع رأيهم على اختيار أبي المنيب محمد بن يانس الدركلي، الذي كان أحد تلامذة إسماعيل بن درار فقد ذكر الشماخي في سيره أن محمد بن يانس هذا قد قسم عمره بين طلب العلم والزيارة والحج وقراءة العلم فعام للحج وعام يذهب زائراً إلى تيهرت عند الإمام وعام يقرأ العلم عند إسماعيل بن درار الغدامسي وعام يتعبد في مشاهد الجبل(10).
هذا هو إسماعيل بن درار وأولئك هم تلامذته غرس فيهم المبادئ وأرسى في قلوبهم حب العلم فغدا الواحد منهم يعد عن مائة رجل «رحم الله» ابن درار وأدخله الجنة مع الأبرار.
-----------------------------------------------------------------
1- كتاب سلم العامة والمبتدئين ص7.
2- سير الشماخي ج1 ص127.
3- الأباضية في موكب التاريخ الحلقة الثانية الأباضية في ليبيا القسم الثاني ص13.
4- الأباضية في موكب التاريخ الحلقة الثانية القسم الثاني ص13.
5- سورة آل عمران الآية (104).
6- طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص21.
7- الأباضية في الجزائر ص130.
8- الأباضية في ليبيا القسم الثاني ص16.
9- نفس المصدر السابق ص16.
10- الأباضية في ليبيا القسم الثاني ص17-18
ترجمة أبي داؤد القبلي
«هو أبو داؤد القبلي النفزاوي من نفزاوة(1).وهي مدينة مشهورة من أرض «الزاب(2).تقع «جنوبي أفريقية (تونس(3). (1/31)
صفحة 32
ارتحل أبو داؤد القبلي كفرد من أفراد البعثة العلمية التي اتجهت إلى أرض المشرق ممثلاً لبلاده تونس مع عبدالرحمن بن رستم وذلك بعد التشجيع الكبير الذي لقيه المتحمسون من البربر على الرحيل إلى البصرة للاتصال بالعلماء الأباضية وللتعمق في أحكام الدين الإسلامي وفقهه من الدعاة الأباضية الأوائل كسلمة بن سعد الحضرمي وغيره(4).الذين رأوا أن الحاجة ماسة إلى مزيد من البعثات العلمية للمشرق فحاولوا انتقاء رجال البعثات من بين القبائل البربرية -كهوارة وزناته وسدراته ولواته- وغيرها من القبائل المختلفة حتى يسهل عليهم إقناع قبائلهم -بعد رجوعهم- لتقبل الآراء والأفكار التي يدعون إليها.
والحقيقة أن المصادر التاريخية لا تشير إلى تاريخ رحلتهم إلى المشرق إلا أنها تشير إلى تاريخ رجوعهم عام 140ه ولما كانت المدة التي قضوها في البصرة خمس سنوات فمن المرجح أنهم ولوا شطر المشرق عام 135ه(5).
فلما وصل هؤلاء الطلاب إلى البصرة كان في استقبالهم الإمام الكبير والداعية المخلص أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي استبشر بوصولهم وهنأهم على قدومهم فبقوا عنده يرتعون في مجالسه، وينهلون من معارفه كل بقدر ما حباه الله من فهم(6).
وغدت عجلة الزمن تدور شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة وهؤلاء الطلاب في حلقات البصرة قد فارقوا الأهل والأصحاب لأجل هدف معين ومعنى سام طووا لأجله السبل الطويلة وركبوا لتحصيله كل وسيلة، لينالوا حظهم المكتوب فبذلوا كل جهد في نيل ذلك المطلوب. (1/32)
صفحة 33
فعرف أبو عبيدة منزلة كل طالب من طلابه وقدر ما ناله من علم، ويدل على ذلك أن الإمام أبا عبيدة قد أذن لبعض هؤلاء الطلاب بالإفتاء، لما تفرس فيه من مقدرة لذلك ومنع البعض الآخر من الدخول في هذا الطريق فكانت نصيحة الإمام أبي عبيدة لأبي داؤد بالابتعاد عن الإفتاء فقد ذكر الشماخي «أن أبا عبيدة قال له: لا تفت بما سمعت مني ولا ما لم تسمع وقال للإمام عبدالرحمن إفت بما سمعت وما لم تسمع وقال لأبي الخطاب إفت بما سمعت مني(8).«فكان يحب للضعيف منهم السلامة ويحب لقوي الذاكرة التقدم في الإرشاد ونشر الثقافة الإسلامية واستعمال الموهبة التي منّ الله على من شاء أن يستعملها فيما خلقت له(9).
فلما رجع هؤلاء الطلاب إلى بلادهم بعد أن ظلوا يتلقون العلم في البصرة خمس سنوات، انبثوا في أنحاء المغرب الأدنى والأوسط وزادوا من حماس أهل المغرب إلى قيام الإمامة الإسلامية العادلة وإلى التمسك بأصول الإسلام حتى عُقدت الإمامة لأبي الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري(10).
«أما أبو داؤد القبلي فقد اعتزل الحركة السياسية من أول الأمر واستقر في بلده يُلقي دروس العلم فلما قُتل عاصم السدراتي لحق به جمع من تلاميذ عاصم(11).
فلم يمض وقت طويل حتى برز عدد من العلماء الأباضيين ممن تلقوا العلم من أبي داؤد القبلي وعاصم السدراتي وإسماعيل بن درار وغيرهم من حملة العلم الذين تسميهم المصادر الأباضية تلاميذ حملة العلم ومن أشهر هؤلاء «أبو خليل الدركلي ومحمد بن يانس وعمر بن يمكتن وعبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم وهذا الأخير اختارته الجماعة الأباضية إماماً لها بعد وفاة والده عبدالرحمن(12).
وإذا كان أبو داؤد القبلي قد انقطع عن الكفاح السياسي والعسكري فإن لكفاحه العلمي وإصلاحه الديني أكبر الأثر في تكوين جيل مثقف ثقافة إسلامية صحيحة حريص على المحافظة على دين الله كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/33)
صفحة 34
-----------------------------------------------------
1- نشأة الحركة الأباضية ص137.
2- سلم العامة والمبتدئين ص7.
3-نشأة الحركة الأباضية ص137.
4-حصاد ندوة الدراسات العمانية ج3 ص274.
5-نشأة الحركة الأباضية ص136-137.
6-سير الشماخي ج1 ص113.
7-سير الشماخي ج1 ص129.
8-طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي ص61.
9-حصاد ندوة الدراسات العمانية ج3 ص276.
10-الأباضية في الجزائر ص132.
11-نشأة الحركة الأباضية ص137.
12-الأباضية في تونس ص23.
المبحث الثالث :آثار حملة العلم في المغرب
حملة العلم إلى المغرب كانوا كالشعلة المضيئة بآثارهم -سواء كانت السياسية أو العلمية أو الاجتماعية- تلك الآثار الطيبة التي حفظتها لهم كتب التاريخ على مر العصور والدهور.
وتحت هذا العنوان سوف نقتطف بعضاً من هذه الآثار كدلالة واضحة ومعلم حي لما قدمه هؤلاء الدعاة الذين ضحوا بكل ما لديهم لينشروا دين الله ويطبقوا أحكامه في الأرض.
وأول هذه الآثار:
أولاً: الآثار السياسية:
إن لحملة العلم إلى المغرب آثاراً سياسية لها مكانتها على الساحة السياسية، لما يتميزون به من ذكاء وقاد، قادهم إلى التخطيط لإقامة عدة إمامات استمر وجودها سنوات طويلة على رغم المصادمات العنيفة التي خاضها هؤلاء الدعاة مع المناوئين لهم.
وتحت هذا العنوان نأخذ أهم هذه الآثار:
إمامة أبي الخطاب:
لما رجعت البعثة العلمية من المشرق وهي مفعمة بالجدية والحرص على إقامة الحق في المغرب والأمل الذي كان يراودهم من إقامة الإمامة فقد ذكرت المصادر أن حملة العلم استشاروا أبا عبيدة في شأنهم أن أنسوا من أنفسهم قوة أيؤمرون عليهم واحداً منهم قال: نعم وأشار إلى أبي الخطاب فإن أبى فاقتلوه(1). (1/34)
صفحة 35
فأخذ العلماء الأفاضل يتشاورون ويعدون العدة لإقامة الإمامة فقد نص الشماخي في سيره على ذلك حيث يقول: «اجتمع من اهتم بأمور المسلمين ومن له النظر من الشيوخ وتشاوروا بموضع يقال له «صياد» غربي مدينة طرابلس(2).
فأجالوا النظر وأطالوا الفكر فيما بينهم فيمن يولونه أمرهم حتى أن المصادر تذكر تلك السرية وذلك التخفي بأسلوب عبقري محكم حتى تتم الأمور وتسير في مجراها فقد ذكر أبو زكريا في تاريخه تلك التمهيدات التي تمت قبل عقد الإمامة فقد قال: فكانوا يجتمعون في موضع يقال له صياد.. يظهرون على أنفسهم أنهم يجتمعون على أمر رجل وزوجته اختصما.. فإذا اجتمعوا في ذلك الموضع وفرغوا من كلامهم توجهوا إلى عامل المدينة فيسلمون عليه مداراة له حتى اتفق رأيهم على عقد الإمامة فاجتمعت كلمتهم على مبايعة أبي الخطاب رحمه الله(3).
وذلك بعدما عرضوها على عبدالرحمن بن رستم فاعتذر إليهم قائلاً: إن بيدي أمانة الناس وبضائعهم فقبلوا عذره وتركوه.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن القيادة الكبرى في البصرة لم تشر بعقد الإمامة لعبدالرحمن، وإنما أشارت إلى أبي الخطاب «إذ كان أبو الخطاب أقوى المجموعة شخصية وأصلبهم إرادة وأمضاهم عزيمة وأقدرهم على قيادة الجماهير(4).
ولما تمت الأمور واستقرت الأحوال واتفقت الآراء على تنصيب أبي الخطاب ضرب لذلك يوم معلوم يجتمعون فيه في «صياد» وعلى كل شيخ من شيوخ البربر من نفوسه وهواره وجريشه وغيرهم من أبناء القبائل يأتي بمن معه من الرجال ومن تبعه من الناس على شرط جعل السلاح في غرائر مملوءة تبناً، فتوافد الناس من كل حدب وصوب وقد أخرجوا أبا الخطاب معهم وقالوا: «امض معنا على بركة الله وعونه في هذا الأمر الذي تحيرنا فيه منذ زمان(5).فخرج معهم على نية حل القضايا تلك التي تظاهروا بها ولا يدري ما يكنون في باطنهم من أمر الإمامة. (1/35)
صفحة 36
فلما وصلوا «صياد» قامت طائفة من كبار القوم فتناجوا ساعة ثم رجعوا فتكلم رجل منهم فقال: أليس قد اجتمع أمرنا ورأينا على ما قد علمتموه؟ قالوا: بلى قال: فأتموا أمركم إذاً فقالوا لأبي الخطاب: ابسط يدك لنبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيه e وآثار الصالحين فتعجب أبو الخطاب واندهش من هذا الأمر فقال: ما حسبت أن لهذا كان خروجي معكم فقالوا: لابد لنا من تقليدك أمور المسلمين، ولما رأى جدهم وإلحاحهم عليه بالقبول اشترط عليهم شرطاً فقالوا: كل شرط يجوز فنحن نعطيكه ونعطيك فيه فقال لهم: شرطي عليكم أن لا تذكروا في عسكري مسألة الحارث وعبدالجبار(6).
ومسألة الحارث وعبدالجبار كما تذكر المصادر هي:
إنه كان عبدالجبار والحارث أخوين لأم قاما عام واحد أو اثنين ومائة بناحية من نواحي طرابلس على عامل مروان بن محمد وهو عبدالرحمن بن حبيب فدس إليهما من قتلهما ثم وضع سيف كل منهما في جسم صاحبه ليثير بينهم الفتنة والخلاف وفعلاً قد أدت هذه المسألة إلى جدل طويل بين الأباضية في المشرق والمغرب في مسألة الولاية والبراءة منهما(7).ولأجل ذلك اشترط أبو الخطاب هذا الشرط خوفاً من أن يكون في جماعة المسلمين اختلاف وفرقة، فتمت البيعة سنة 140ه.
فكان أول أعمال أبي الخطاب هو دخول طرابلس التي كانت تحت يد الوالي العباسي الذي لم «يتمكن من الاستعداد للدفاع عن المدينة على أن ينزع نفسه من الولاية فاختار الخروج إلى المشرق واستولى أبو الخطاب على طرابلس وأحسن السيرة وأظهر العدل ولم يتعرض للسكان بأذى(8).
وبعد هذا النصر الذي حققه أبو الخطاب جاءته استغاثة من القيروان وطلب النجدة على قبيلة ورفجومة التي تحكّمت في البلاد والعباد فتوجه أبو الخطاب مسرعاً إلى القيروان فحاصرها حتى استسلمت فأقام فيها الحق وجعل عليها عبدالرحمن بن رستم والياً. (1/36)
صفحة 37
ثم ما لبثت الأمور حتى اشتد حالها بعد التدخل العنيف من الدولة العباسية التي أسرعت لنجدة عمالها وحماية مصالحها، فما انفكت من إرسال حملاتها الواحدة تلو الأخرى وجيوش الأباضية بقيادة أبي الخطاب كانت لها بالمرصاد، فأذاقوا الجيوش العباسية مرارة الهزيمة مرات ومرات حتى أصاب أبا جعفر المنصور الغضب فأرسل حملته المشهورة بقيادة واليه على مصر محمد بن الأشعث الخزاعي، الذي استطاع أن يقضي على الإمامة الأباضية الأولى سنة 144ه ويقتل أبا الخطاب وأربعة عشر ألفاً من أصحابه في واقعة تورغا(9).
-------------------------------------------------
1-سير الشماخي ج1 ص114.
2-سير الشماخي ج1 ص114.
3-تاريخ أبي زكريا ص57.
4-الأباضية في تونس ص42.
5-تاريخ أبي زكريا ص58.
6-طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص23.
7-سير الشماخي ج1 ص114.
8-نشأة الحركة الأباضية ص148-149.
9-تاريخ أبي زكريا من ص66 إلى ص70
إمامة عبدالرحمن بن رستم
انقضت الإمامة الأولى بمقتل إمامها أبي الخطاب ذلك البطل الشجاع المجاهد الذي قضى حياته بين علم وجهاد وعدل وصلاح ونجدة لكل مظلوم على يد ذلك الطاغية -محمد بن الأشعث- الذي اجتاح بجيشه مقر الإمامة (طرابلس) وما حولها من مدن وقرى يقتل وينهب كما سوف نتحدث عنه لاحقاً إن شاء الله.
ولا ننسى دور عبدالرحمن بن رستم، الذي كان والياً على قصبة أفريقية -القيروان- الذي أسرع بجيشه متجهاً لمساعدة الإمام في طرابلس، فلما كان في مدينة قابس تلقى خبر مقتل الإمام وعسكره، فكر راجعاً إلى القيروان بعد أن تفرقت عساكره فدخلها مستخفياً من أهلها الذين «قاموا على عامله وأوثقوه وقدموا عمر بن عثمان القرشي(1).بدلاً منه، ونسوا المعروف العظيم الذي قدّمه أبو الخطاب وأتباعه الذين أنقذوهم من ظلم قبيلة ورفجومة. (1/37)
صفحة 38
فلما قدم ابن الأشعث داخلاً القيروان كان عبدالرحمن بن رستم يعد نفسه للهروب فما كاد يخرج منها حتى أخذ عبدالرحمن بن حبيب يلاحقه بسبب عداوة كان يكنها له إذ تذكر المصادر أن عبدالرحمن بن رستم قال لعبدالرحمن بن حبيب حين أراد بعض المسلمين توليته بعض أمورهم: أن عبدالرحمن بن حبيب إبليس في صورة إنسان فحقدها عليه(2).«فما زال يبحث عن أخباره ويتكشف عن آثاره حتى ظفر به(3).فتشفع فيه رجل من أهل القيروان، فقال له ابن حبيب: كل حاجة لك مقضية إلا ابن رستم فقال: إن لم أسألك ابن رستم فمن ذا سألك فاطلقه له(4).
وتخلص من ابن حبيب وذهب مسرعاً إلى أرض المغرب هو وابنه عبدالوهاب وعبد لهما وليس معهم حمولة ولا مركوب غير فرس واحد فمات الفرس في الطريق فدفنوه مخافة الطلب والتقصي وذلك خارج «قسطيلية» فسُمي ذلك الموضع «قبر الفرس» فما زالوا سائرين يقطعون الصحاري والقفار ويجدون في السير حتى ضعفت قوى عبدالرحمن بن رستم فتعاون عليه ابنه وعبده فتارة يحمله العبد ويقوله عبدالوهاب: إن أدركنا العدو فلا تضعن أبي إذا لم يكونوا إلا دون خمسمائة، فإذا تعب وأعيا العبد حمله عبدالوهاب فقال له العبد مثل ذلك لجلدهما وشجاعتهما حتى وصلوا إلى جبال «سوفجج» من أرض المغرب وكانت جبالاً عظيمة منيعة، فتحصن عبدالرحمن بها(5).
فجاءته جموع الأباضية وعلماؤها -من طرابلس وما حولها- حتى اجتمع إليه ستون شيخاً من شيوخ الأباضية، فلما علم ابن الأشعث بذلك أسرع مجداً في طلبه فأُخبر بأنه متحصن في جبل منيع يسمى «سوفجج» فحاصر الجبل بجيشه وأطال المكث تحته، فوخم عسكر ابن الأشعث بوباء عظيم ألا وهو وباء الجدري فمات منهم خلق كثير، فعند ذلك اجتمع بأصحابه واستشارهم قائلاً: إن هؤلاء في مكان منيع فماذا ترون؟ فأشار بعضهم بالرحيل وأشار آخرون بالإقامة تحتهم فأخذ برأي الذين أشاروا عليه بالارتحال، فارتحل راجعاً إلى القيروان فدخلها وتحصن فيها(6). (1/38)
صفحة 39
أما بقية الأباضية الذين بقوا في مدين طرابلس أحسوا من أنفسهم قوة، فعقدوا إمامة دفاع على ذلك الشجاع إنه البطل أبو حاتم الملزوزي الذي أخذ يكر بجيشه على تجمعات عامل أبي جعفر المنصور حتى استطاع أن يهزمهم ويستعيد السيطرة على طرابلس، فأقام بها ما شاء الله ثم نادى بالخروج إلى أفريقية (تونس) وفي الطريق التقى بجيش قد أقبل من أفريقية -لعله يريد طرابلس- فتقاتلوا قتالاً شديداً فكانت الغلبة على أهل أفريقية فهزمهم الله، وأحسن أبو حاتم فيهم السيرة، ولكنهم أبوا إلا أن يكتبوا إلى أبي جعفر ببغداد يشكون أبا حاتم، فلم يتريث أبو جعفر حتى أرسل جيشاً كبيراً استعمل عليه يزيد بن حاتم الأزدي فلما التقى الجيشان دارت ما بينهما مقتلة عظيمة، فلما رأى أبو حاتم ذلك قال لأصحابه زفوني إلى الموت في سبيل الله زفاف العروس فتقدم أبو حاتم رحمه الله حتى استشهد ومن معه من أصحابه ومن بينهم عاصم السدراتي(7).
أما جماعة المسلمين التي كانت مع عبدالرحمن بن رستم اتفقت على اختيار موضع يبنون فيه مدينة تكون حرزاً وحصناً حصيناً لٌلإسلام بعيداً عن طرق مرور الجيوش العباسية -التي تتمركز عادة على الخط الساحلي فلذلك أرسلوا أهل الخبرة في الأرض ليتخيروا أي المواقع أحسن فدلوهم على تاهرت القديمة التي كانت غياضاً عامرة بالوحوش والهوام(8).سوف نتحدث عنها بشيء من التفصيل في فصل قادم إن شاء الله- وبعدما تم بناء هذه المدينة وأنسوا من أنفسهم قوة نظرت الجماعة من أهل النظر من يصلح للولاية من رؤساء القبائل فوجدوا في كل قبيلة رجلاً أو رجلين من أهل العلم يصلحون لهذا الأمر(9).، فتشاوروا فيما بينهم فاتفق رأيهم على عبدالرحمن بن رستم الفارسي لعدة أسباب وهي:
1-لأنه أحد حملة العلم عن أبي عبيدة، فهو صاحب علم غزير. (1/39)
صفحة 40
2)لأن عبدالرحمن بن رستم قد وقع عليه الاختيار قبل أبي الخطاب فلما اعتذر وامتنع لأمانات وودائع كانت تحت يديه للناس، فبذلك يكون هو الرجل الثاني في الجماعة الأباضية بعد أبي الخطاب.
3) لأنه أهل للإدارة والسياسة إذ تولى قبل ذلك منصب الولاية على القيروان في زمن أبي الخطاب.
4)عبدالرحمن بن رستم فارسي الأصل لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل والحق إلا جماعة المسلمين وعليه لا يستطيع أن ينحاز أو يغيّر سيرة السلف الصالح(10).
فتمت البيعة في سنة 160ه الموافق 776م(11).على الإمامة بكتاب الله وسنة رسول الله e وآثار الخلفاء الراشدين المهتدين، فقبلها على ذلك وأقام بأمر الله، وزهد الدنيا، وأحسن السيرة فلم ينقم عليه أحد في حكومة ولا خصومة(12).
وسيطرت دولته على كثير من بلدان المغربين الأدنى والأوسط وحمد الناس سيرته وعدله (واعتقدوا أن هذا الإمام سوف يملك المشرق ويملؤه عدلاً كما ملك المغرب وملأه عدلاً(13).
وليس هذا فحسب بل اتصلت أخباره وتواترت أنباؤه في المشرق والمغرب، فجاءته المساعدات الأولى من مركز الدعوة الأباضية في البصرة وهي عبارة عن ثلاثة أحمال مالاً، فلما وصلت الرسل إلى تاهرت والتقت بالإمام ورأت منه الفضل والعدل والاستقامة، اتفقت فيما بينها على دفع المال له، ثم رجعت إلى المشرق وهي تزف البشرى لمركز الدعوة على ما رأوه في المغرب(14). (1/40)
صفحة 41
ثم توالت المساعدات المشرقية لإخوانهم أهل المغرب، فرحاً بهذا النصر وتمكيناً لهذه الدولة فجاءت المساعدة الثانية أكبر من الأولى إذ بلغت عشرة أحمال من الأموال أرسلت مع نفس الرسل السابقين فلما وصلوا تاهرت وجدوا البلد قد تغير عما تركوه، إذ بلغ الازدهار الاقتصادي والاجتماعي أعلى درجة حتى أنهم توجسوا في أنفسهم حاجة من هذا التطور الهائل الذي بلغت إليه هذه الدولة، حتى وصلوا بيت الإمام فدخلوا عليه ولم يروا فيه إلا كل خير، فهو لم يتغير عما ألفوه سابقاً فتشاوروا فيما بينهم على دفع الأموال له، ولما أرادوا أن يدفعوها له امتنع عن قبولها واعتذر لهم قائلاً أن الدولة غير محتاجة والأولى بها فقراء المسلمين في المشرق(15).
وهكذا كانت إمامة عبدالرحمن بن رستم إمامة سلام ورحمة، وعصر خير ورخاء فقد أحسن الناس سيرته إذ «لم تقم عليه ثورة ولم يرتفع صوت بالإنكار في أي حكم من أحكامه بل كانت جميع الألسنة تلهج بالثناء عليه والرضا عنه وعن جميع عماله وموظفيه(16).
فتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وسبعين ومائة من الهجرة بعد أن مكث في الإمامة إحدى عشر سنة(17).
وكان رحمه الله قبل وفاته قد جعل أمر الإمامة شورى في سبعة رجال من أهل المعرفة وممن عرفوا بحسن الخصال، وذلك كصنيع عمر بن الخطاب t الذي جعل أمر الخلافة في ستة أنفار، وهؤلاء الأشخاص الذين اختارهم عبدالرحمن بن رستم هم: مسعود الأندلسي وأبو الموفق سعدوس بن عطية وأبو قدامة يزيد بن فندين اليفراني وعبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم وعمران بن مروان الأندلسي وشكر بن صالح الكتامي ومصعب بن سدمان(18).
أما الدرجيني في طبقاته لم يذكر السابع وهو مصعب بن سدمان بل قال جعلها «في ستة نفر.(19).
--------------------------------------------------
1- سير الشماخي ج1 ص120.
2-تاريخ أبي زكريا ص70.
3-المصدر السابق ص70.
4-سير الشماخي ج1 ص120.
5-طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص35-36. (1/41)
صفحة 42
6-تاريخ أبي زكريا ص71-72.
7-راجع سيرة أبي حاتم الملزوزي من: تاريخ أبي زكريا ص73-80 طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص36-40، سير الشماخي ج1 ص121-123.
8-طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص40-41.
9-تاريخ أبي زكريا ص82.
10-سير الشماخي ج1 ص125.
11-الأباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة ص134.
12-سير الشماخي ج1 ص125.
13-الأباضية في مصر والمغرب ص134.
14-سير الشماخي ج1 ص125.
15-سير الشماخي ج1 ص126.
16-الأباضية في الجزائر ص35.
17-أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير ص42 (هامش).
18-تاريخ أبي زكريا ص84-85.
19-طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص46
الحروب
لقد خاض حملة العلم في سبيل تبليغ الحق ومسح الظلم من الأرض وتمكيناً للدولة الناشئة بقيادة أبي الخطاب مداخلات وحروباً ضد كل من يقف حجر عثرة لذلك، فكانت أول حركاتهم:
(أ) دخول طرابلس:
ما أن عقدت الإمامة لأبي الخطاب حتى أخذ يتشاور مع أهل الحل والعقد من العلماء على الخطوة التالية في طريق تمكين الدولة الوليدة، فاجتمع رأي أولئك العلماء على دخول طرابلس مقر الوالي العباسي الذي كان عاملاً لأبي جعفر المنصور ولكن كيف الطريقة وما هي الخطة للهجوم على هذه المدينة؟(1).
فأخذت العقول المفكرة المدبرة تفكر وتفكر حتى اهتدت إلى خطة محكمة لا تخطر ببال أحد أبداً إذ كانت الخطة هي:
«أن يجمع كل رئيس قبيلة حضر مؤتمر (صياد) -الذي تمت في البيعة لأبي الخطاب- أتباعه ويُحملوا في جواليق على الجمال فكان كل جمل من تلك الجمال يحمل رجلين حتى يدخلوا مدينة طرابلس وكل من سيرى الجمال على هذه الهيئة لن يفطن إلى من فيها من الرجال ويظن أنها تحمل بضاعة من البضائع تريد الدخول بها إلى سوق المدينة.
أما الأباضية المقيمون في طرابلس إذا ما رأوا تلك الجمال وهي تتوسط المدينة يشهرون سلاحهم(2). (1/42)
صفحة 43
وفعلاً انطلقت الجمال تحمل الرجال حتى دخلوا المدينة ولم يفطن بصنيعهم أحد، فلما توسطوها فتحوا الجواليق وخرجوا منها وأشهروا السلاح وقالوا لا حكم إلا لله ولا طاعة إلا طاعة الله وطاعة أبي الخطاب(3).
ثم قصدوا عامل أبي جعفر المنصور وأحاطوا به فخيره أبو الخطاب بين الخروج بأمان والقعود على أن ينتزع من الولاية فاختار الرحيل إلى أرض المشرق فأجابه أبو الخطاب إلى ما اختاره بعد أن سلّم مفاتيح بيت المال إلى أبي الخطاب(4).
وبهذا استخلصت مدينة طرابلس لأبي الخطاب.
وما أشبه هذه الأحداث بأحداث تلك القصة التي أوردتها كتب الأدب العربي وهي قصة -قصير والزباء- وكانت أحداثها أن قصيراً أراد الانتقام من الزباء وقتلها فأمر عمرو بن عدي وقال له: (اجمع لي ثقات أصحابك وهيء الغرائر واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه وإن أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف(5).
(ب) دخول القيروان:
القيروان مدينة إسلامية أنشأها عقبة بن نافع وهو يفتتح المغرب الكبير لتكون مركزاً للجيوش الإسلامية الفاتحة(6).فبقيت كذلك حتى عهد الإمام أبي الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري الذي اتخذ من طرابلس عاصمة له، فبلغته أنباء لا تسر عن تحكم قبيلة -ورفجومة- التي استولت على مدينة القيروان فسامت الناس سوء العذاب.
فقد ذكر الدرجيني في طبقاته «أن امرأة من نساء القيروان كتبت بطاقة إلى الإمام أبي الخطاب رضي الله عنه تشكو إليه جور (ورفجومة) تقول فيما كتبت له: «أما بعد يا أمير المؤمنين فإن لي ابنة وقد بلغت في الخوف عليها من ورفجومة والحوطة عليها أن حفرت حفرة تحت سريري وصنتها فيها عنهم خشية أن يفسدوها كما فعلوا بأمثالها فانظر إلينا والسلام» فلما وصلت البطاقة إلى أبي الخطاب رضي الله عنه صادفته وهو يتوضأ فقرأها وجعل يبكي رحمة بما نزل بها(7). (1/43)
صفحة 44
وقيل أن رجلاً من الأباضية دخل القيروان فرآى ناساً من الورفجوميين كابروا امرأة على نفسها والناس ينظرون ولم ينكروا ذلك عليهم فترك حاجته فأتى أبا الخطاب وقال بعض أصحابنا إن ورفجومة أخرجوا امرأة وهي تصيح يا معشر المسلمين أغيثوني فلم يغثها أحدٌ فبلغ الخبر أبا الخطاب فقال لها: لبيك يا أختاه ثلاث مرات(8).
ثم أمر مناديه أن ينادي في الناس بالنفير، فلما اجتمع الناس عسكر بهم طرف المدينة ثم خرج بهم متجهاً نحو القيروان ولما كان في وسط الطريق أمر مناديه مرة أخري أن ينادي «أيها الناس من كان له أبوان كبيران أو أب واحد فليرجع ومن كانت له عروس قريب العهد بها فليرجع ومن كانت له عروس صغار فليرجع ومن أراد منكم الرجوع فليرجع بليل(9).
فاستخلص بهذه الشروط الفئة المحبة للجهاد الذاهبة إليه على حسن نية، لا رغبة في حطام الدنيا بل جاعلة جهادها خالصاً لوجه الله.
ولما اطمأن أبو الخطاب من ذلك وأنه لم يبق من جيشه إلا من له رغبة في الجهاد وعددهم ستة آلاف(10).، واصل بهم المسير إلى القيروان فجاز على مدينة قابس فحاصر أهلها حتى ضعفوا وأذعنوا له بالطاعة وجعل على المدينة عاملاً من قبله.
وعندما وصل أبو الخطاب القيروان حاصر أهلها حصاراً شديداً، فلما طال الحصار، أمر أبو الخطاب أهل العسكر أن يخرجوا بليل أشباه المنهزمين، ولما أصبح أهل القيروان ظنوا أنهم هربوا واتبعوهم، وقد كمن لهم أبو الخطاب فلما تراء الجمعان وقعت ما بينهم ملحمة هائلة أسفرت عن انهزام أهل القيروان وانتصار أبي الخطاب، وعند ذلك أمر أتباعه ألا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يُؤخذ شيء من أموالهم، وأعلن الأمان للناس فخرجوا إلى أعمالهم كعادتهم فمرت امرأة بميدان القتال وعجبت حين رأت القتلى دون أن يمس شيء من أسلابهم فقالت: كأنهم رقود وسمّي المكان منذ ذلك اليوم رقادة(11) (1/44)
صفحة 45
ثم عيّن أبو الخطاب عبدالرحمن بن رستم والياً على بلاده القيروان التي ارتحل منها إلى البصرة لطلب العلم، فرتب عبدالرحمن العمال على مداين أفريقية ونواحيها(12).
(ج) الصراع بين أبي الخطاب والخلافة العباسية:
بعد الانتصارات العظيمة التي حققها أبو الخطاب وأصحابه في بلاد المغرب أخذت الأنباء تتواصل إلى آذان الدولة العباسية في بغداد وأخذت الوشايات تتواتر من الذين كرهوا العدل من أمثال: نافع بن عبدالرحمن وعبدالرحمن بن أنعم وأبي البهلول وجميل السدراتي(13).، وغيرهم إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الذي كان آنذاك مشغولاً بالتخلص «من أعداء خطرين له في المشرق منهم عبدالله بن علي بن العباس عمه الذي دعا لنفسه عام 136 أو 137ه ومنهم أبو مسلم الخراساني الذي قتله أبو جعفر عام 137ه ثم قضى على ثورة الرواندية التي شبت في بغداد وكاد يقتل فيها، قضى عليه عام 141ه(14).
ولما تم له ذلك رنا ببصره صوب المغرب وصمم على بذل كل ما في وسعه لإعادة بلاد المغرب إلى حوزة الخلافة العباسية(15).
وفعلاً ففي عام 142ه عين أبو جعفر المنصور محمد بن الأشعث الخزاعي والياً على مصر وأمره بإعداد الجيوش للمغرب وإعادتها إلى حضيرة الدولة العباسية.
وفور وصول ابن الأشعث إلى مصر أعد حملة بقيادة العوام بن عبدالعزيز البجلي ضد الأباضية فأقبلوا من ناحية «برقة» فخرج أبو الخطاب لملاقاتهم حتى أتى «ودراسة» فوجه إليهم أحد قواده وهو مالك بن سحران الهواري فالتقى الجيشان بأرض «سرت» فهزم الله العوام ومن معه وعادوا إلى مصر.
ثم أن ابن الأشعث وجّه جيشاً آخر بقيادة أبي الأحوص عمرو بن الأحوص العجلي، فخرج إليه أبو الخطاب فالتقاه «بمغمداس» من أرض «سرت» على شاطئ البحر فهزم الله أبا الأحوص بعد أن قُتل من أصحابه بشرٌ كثير(16). (1/45)
صفحة 46
ثم إن أبا جعفر اغتم غيظاً من هذه الانتصارات التي حققها الأباضية على جيوشه فكتب إلى ابن الأشعث يأمره أن يسير بنفسه إلى المغرب وأرسل إليه الجيوش من أهل خراسان والشام بعد أن أيقن أن جيوش مصر وحدها لا تكفي فخرج ابن الأشعث في أربعين ألفاً منهم وقيل خمسين وقيل سبعين ألفاً وفوق هذا لم يطمئن أبو جعفر على جيوشه فقد خاف على جنده الارتباك والفتنة وخاف أن تدب الفوضى والمنازعات بينهم فعيّن ثلاثة قواد غير ابن الأشعث وهم الأغلب بن سالم التميمي يتولى القيادة إن قُتل ابن الأشعث أو حدث له ما يمنعه من قيادة الجيش وإن حدث للأغلب مثل ذلك تولى المخارق بن غفار الطائي القيادة، وإن قتل تولاها بعدها المحارب بن هلال الفارسي ولكن المحارب توفي في الطريق(17).
ولما وصلت الأنباء إلى أبي الخطاب بمسير ابن الأشعث إليه كتب لولاته ليوافوه بالرجال والسلاح لدفع هذا الخطر فجاءته الجموع من كل أنحاء المغرب فاجتمع لديه «زهاء تسعين ألفاً(18). (1/46)
صفحة 47
ولما علم ابن الأشعث بهذه الجموع عن طريق العيون التي كان يبثها هنا وهناك ضاق ذرعاً فتردد في البداية من لقاء أبي الخطاب، حتى لجأ إلى الحيلة في حربه مع أبي الخطاب فأوهمه بالرجوع إلى بغداد إذ أخذ يرجع ببطء إلى الوراء وعيون كلا الفريقين تختلف بالأخبار، فإذا ارتحل ابن الأشعث من أول النهار ارتحل أبو الخطاب من أول النهار فإذا انتصف النهار نزل، فإذا كان الغداة ارتحل والعيون التي لأبي الخطاب كلما رأوا ابن الأشعث ارتحل مرحلة رجعت طائفة منهم وابن الأشعث كلما ارتحل مرحلة أمر خيلاً تقطع الأثر من خلفه إن كان بقي في عسكره من عيون أبي الخطاب شيء أم لا وعيون ابن الأشعث تخيره برجوعه(19)، اطمأن أهل العسكر فأخذوا يستأذنون من الإمام بالرجوع إلى منازلهم وتعللوا بأن الزمان زمان حصاد ولكن الإمام فطن لهذه المكيدة وحذرهم قائلاً: يا قوم إن العرب أصحاب مكر وخداع فلا تفترقوا عن إمامكم، فما زالوا به حتى أذن لهم بالرجوع(20).
فلما تيقنت عيون ابن الأشعث بتفرق جموع أبي الخطاب أسرعوا إليه فأخبروه بذلك فكرّ راجعاً يطوي المراحل ليلاً ونهاراً، ولم يشعر أبو الخطاب إلا وقد دخلوا حيّز طرابلس، «فكان آنذاك في 12 أو 14ألف رجل من أصحابه فاضطر أبو الخطاب لمواجهة ابن الأشعث في معركة عنيفة في ربيع الأول من عام 144ه في «تورغا» قرب «سبرت» قُتل فيها أبو الخطاب وكل أتباعه الذين اشتركوا معه في المعركة(21).
----------------------------------------------
1- تاريخ أبي زكريا ص59.
2-الخلافة والخوارج في المغرب العربي ص139-140.
3-تاريخ أبي زكريا ص59 وكتاب الطبقات ج1 ص26.
4-تاريخ أبي زكريا ص59 وكتاب الطبقات ج1 ص26 وسير الشماخي ج1 ص115.
5-قصص العرب المجلد الثاني ص66 ط4.
6-الأباضية في تونس ص17.
7-طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص26-27.
8-سير الشماخي ج1 ص115-116.
9-تاريخ أبي زكريا ص61.
10-سير الشماخي ج1 ص116.
11-سير الشماخي ج1 ص117. (1/47)
صفحة 48
12-نفس المصدر ج1 ص118.
13-سير الشماخي ج1 ص118.
14-الخلافة والخوارج في المغرب العربي ص151.
15-نشأة الحركة الأباضية ص152.
16-سير الشماخي ج1 ص118.
17-الخلافة والخوارج في المغرب العربي ص151-152 ونشأة الحركة الأباضية ص152.
18-طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص33.
19-تاريخ أبي زكريا ص57-58.
20-سير الشماخي ج1 ص119.
21-نشأة الحركة الأباضية ص153.
ثانياً: الآثار العلمية
إذا كان هؤلاء الرجال هم حملة للعلم، فلابد أن يظهر أثر ذلك العلم، ويعم ضياؤه الأرض.
والحقيقة التي لا مراء فيها إن هؤلاء الدعاة قد أثرت عنهم مآثر علمية جليلة انتفع بها المسلمون، كمثل المجالس العلمية، والحلقات الدراسية، والمكتبات المعرفية، فهم وإن كان قد اشتغل جلهم في مجال التدريس والتعليم إلا أن بعضاً منهم قد اشتهر في هذا المجال، مثل ما اشتهر غيره في مجال آخر، وفي هذا الصدد سوف نتحدث عن أثرين من المآثر العلمية لحملة العلم إلى المغرب.
مجالس عاصم السدراتي:
لقد اشتغل عاصم السدراتي رحمه الله تعالى بالعلم وتعليم الأجيال، وحرص على ذلك أشد الحرص، وليس هذا فحسب بل كان يمزج ما بين العلم والدعوة على طريقة شيخه أبي عبيدة ولا غرابة في ذلك فإن الدعوة أساسها التعليم فكل واحد منهما ممتزج في الآخر.
فمن هذا المنطلق أسس عاصم السدراتي مجالس لتعليم الناس أمور دينهم أينما حل بين المدن والقرى، لا يألو في ذلك جهداً أبداً، وإنما كان همه توجيه الناس الوجهة الصحيحة على نور من الحق وهدي مستقيم. (1/48)
صفحة 49
فقد رسم لنفسه خطة في عمله الحر أن يركب ناقته ويتنقل بين الأحياء ويضرب في البيداء، يعلّم الناس في مضاربهم ويبين لهم ما يجهلونه من أحكام الدين المتعلقة بهم، لاسيما أولئك الذين يعيشون عيشة البداوة ولقد اختار أن يشق طريقه من طرابلس على سهل «الجفارة» ثم يصعد على الجبل يسير معه حتى ييبلغ «تيغيث» قرب «نالوت» فيقيم هناك أياماً ثم يرتحل على طريق «تيغست» ثم درج على «غدامس» ومن هناك يتجه غرباً ماراً بالقبائل الضاربة في البادية حتى يبلغ مواطن سدراته في جبال «أوراس» ويقيم هناك ما يقيم ثم يعود أدراجه مع نفس الطريق ماراً بالأحياء الضاربة في الصحراء، يقيل هنا ويبيت هناك، فيتجمع عليه الناس للسؤال والاستفتاء، وقد اتخذ في طريقه هذا عدة مصليات كان يقيم فيها أياماً يُلقي دروس الوعظ والإرشاد بل دروس التوجيه والتعليم، أما اختياره لتلك المصليات التي كان يقيم فيها آخذاً لنفسه قسطاً من الراحة فقد كان ينبني على كثرة السكان فحيثما وجد كثافة من السكان ورغبة في المعرفة أقام المدة التي تتيحها ظروفه ويقتضيها قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكن في تلك المناطق في ذلك الحين من كبار العلماء من يروي ظمأ الناس فكان يقيم أياماً يتلقى عنه الشباب دروس العلم وبقية الناس الأحكام وحلول المشاكل الدينية، وقد عرف سكان المنطقة الواقعة بين غدامس وطرابلس عاصماً، وعرفوا مواعيد قدومه ومواعيد سفره التقريبية فكانوا ينتظرونه في المواعيد المتوقعة ولعلك لا تجد أحداً من الجيل السابق في هذه المنطقة يجهل اسم عاصم السدراتي.
وقد بقيت بعض مصلياته وأماكن إقامته إلى اليوم معروفة بينما اندثر
البعض الآخر ونسي مكانه(1).
مكتبة المعصومة:
من المآثر التاريخية والآثار العلمية التي عبثت بها يد الزمن، وذهبت مع ما ذهبت، تلك المكتبة الزاخرة بالآثار، كما تذكرها كتب الأخبار. (1/49)
صفحة 50
فقد ذكر المؤرخون أنه كان بتاهرت مركز الإمامة الرستمية، مكتبة ضخمة كبرى تُسمى المعصومة تضم أكثر من ثلاثين ألف مجلد أغلبها في الشريعة الإسلامية وفلسفتها، وفي شرح المذهب الأباضي والاحتجاج له وفي تاريخ الدولة الرستمية.
ولكن وللأسف قد حلت الطامة الكبرى على هذه الكنوز المأثورة، والذخائر المكنونة على يد الفاطميين بقيادة أبي عبدالله الشيعي الذي هجم على مدينة تاهرت مقر الإمامة الأباضية في المغرب ونهبها وأمر بإحراق هذه المكتبة العظيمة ليقضي على الفكر الأباضي المكتوب، بعد أن أخذ ما فيها من كتب الرياضيات والصنائع والحرف وغيرها من كتب العلوم والفنون التي تنفع في بناء دولته(2).
وقد فعل الفاطميون فعلتهم هذه في كل عاصمة احتلوها من عواصم الشمال الإفريقي.
فقد أحرقوا أيضاً المكتبة النفوسية بمدينة «شروس» التي يقال عنها أنها تضم عشرات الآلاف من الكتب العلمية.
وكان أيضاً القضاء على مكتبة مدينة «جادو» الشهيرة على يد بني سليم وهلال في غاراتهم الشعواء على الشمال الأفريقي بإغراء وتشجيع الفاطميين انتقاماً منهم من النفوسيين الذين أبوا الخضوع لسلطانهم(3).
والجدير بالذكر أن المتتبع لمآثر التاريخ الإسلامي عامة والأباضي خاصة ليجد في نفسه مرارة، وفي قلبه حرارة لما حلّ بها.
ونحن المسلمين إذا كنا قد نظرنا بعين السخط لما فعله «التتار» في مكتبات بغداد، وإلقائهم للكنوز العظيمة في نهري دجلة والفرات مع وجود الفارق في المعتقد.
فإنه من واجبنا أن ننظر لكل شخص تسمى بالإسلام وفعل فعلتهم بعين تملأها الكراهية وبقلب تسكنه الضغينة.
وفي عصرنا الحاضر نسمع صرخات، هنا وهناك من بعض المذاهب، داعية أصحابها إلى حرق كتب الفرق الإسلامية المخالفة لها في المذهب، كأنها لم تأخذ من عبر التاريخ عبراً ولم تبصر عقلها بنور الفكر ولكن ماذا تقول فإن الفرع تابع للأصل .
---------------------------------------------------------------- (1/50)
صفحة 51
1--الأباضية في الجزائر ص131-132.
2-الأباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة ص114.
3-مختصر تاريخ الأباضية ص35[
ثالثاً: الآثار الاجتماعية
من الآثار الاجتماعية والإنجازات الحيوية التي خلدتها صفحات التاريخ، ذلك الإنجاز العظيم الذي أسس قبيل عقد الإمامة لعبدالرحمن بن رستم، وهو إنشاء المدينة الحصينة -مدينة تاهرت- التي صارت فيما بعد الكرسي الكبير للإمامة الأباضية، والمنطلق الأول للعلم والعلماء في بلاد المغرب.
ولهذه الأهمية سوف نأخذ بناء هذه المدينة كأهم أثر اجتماعي أنجزه حملة العلم في بلاد المغرب.
بناء مدينة تاهرت:
«تَاهَرْت بفتح الهاء وسكون الراء وتاء فوقها نقطتان اسم لمدينتين متقابلتين بأقصى المغرب يقال لأحدهما تاهرت القديمة(1).التي ترجع في شائها إلى العصر الروماني ثم البيزنطي وجاء ذكرها أيام الفتوحات الإسلامية الأولى سنة 62ه (681-682م) في حملة عقبة بن نافع التي استشهد فيها(2).
أما تاهرت الحديثة فتذكر المصادر التاريخية سبب بنائها أنه لما قتل الإمام أبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري على يد محمج بن الأشعث الخزاعي الوالي العباسي في موقعة تورغا وهرب عبدالرحمن بن رستم بأهله من القيروان متوجهاً إلى المغرب الأوسط –الجزائر- بعدما رأى أن المغرب الأدنى أصبح غير مناسب لإقامة الإمامة الأباضية وذلك لتشبث العباسيين به ولأنه طريق لجيوشهم وأعوانهم من المشرق ومن مصر ووجد عبدالرحمن بن رستم أن المغرب الأوسط مكان أمين لإقامة الإمامة الأباضية وقد كان جزءاً من دولة أبي الخطاب كما أن جمهورها أباضية(3).
فلذلك هرب إليها فجاءته الجموع الأباضية من كل بلاد المغرب ورأوا أن الضرورة تحتم عليهم بناء مدينة عظيمة تكون حصناً حصيناً لهم. (1/51)
صفحة 52
فأرسلوا رجالاً من ذوي المعرفة وفرقوهم في الجهات يتخيرون مكاناً يصلح لما حاولوه، فلما رجعوا وقد وقع اختيارهم على تاهرت القديمة اتفقوا على عمارتها فأمروا منادياً ينادي إلى من بها من الوحوش والسباع: أن اخرجوا فإنا أردنا عمارة هذه الأرض، فرأوها وهي تحمل أولادها في أفواهها خارجة منها فكان ذلك مما رغبهم فيها وزادهم بصيرة في عمارتها وإنشائها.
وكان أول أعمالهم إنشاء المسجد اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حط رحله في المدينة المنورة(4).
ثم شرع الناس في البناء والعمران، وغرس البساتين والأشجار، وشق القنوات واستصلاح الأرض البور، وأقبل الناس عليهم من شتى البلدان وأقاصي الأقطار وساكنوهم وابتنوا معهم الدور والقصور بعد أن رأوا بأعينهم رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وما يتوافر في دولته من أمن وأمان حتى لا ترى داراً إلا قيل هذه لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب(5).
وذلك بفضل موقع مدينة تاهرت الجغرافي إذ تقع «على طريقين تجاريين كانا من أشهر الطرق التجارية في ذلك الوقت أحدهما طريق الشرق والغرب الذي يربطهما بمصر وببلاد المشرق الإسلامي والثاني طريق الشمال والجنوب الذي هيأ لها فرصة التجارة مع بلاد السودان التي تقع جنوب الصحراء الكبرى ومع بلاد البحر المتوسط في الشمال(6).
فغدت «تاهرت حرزاً وحصناً لجماعة أهل الدعوة وسميت المعسكر المبارك وما ذاك إلا لما توافر فيها من الأموال وما ظهر فيها من رخاء الحال وانتعاش الاقتصاد حتى سميت بأنها بلخ المغرب، أو بغداد المغرب أو عراق المغرب(7).
وقد وصفها المقدسي بأنها قد «أحدقت بها الأنهار والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين ونبعت حولها العيون وجل بها الأقاليم وانتعش فيها الغريب واستطابها اللبيب(8). (1/52)
صفحة 53
ووصفها أيضاً القلقشندي بأنها «كانت ذات أسواق عامرة ومزارع وضياع جمة، يمر بها نهر يأتيها من جهة الغرب ولها نهر آخر يجري من عيون تجتمع فيه حتى أن الماء يخترق دور أهلها(9).
ومع هذا الانتعاش الاجتماعي الذي كانت تعيشه مدينة تاهرت كان هناك التفتح العلمي إذ أصبحت تاهرت في عصرها كعبة للدراسات الأباضية ونشط على أرضها العلماء من الأباضية وغيرهم واشتغل كثير من أهلها بالعلم حتى صار فيها عدد وافر من العلماء، يدل على ذلك أنه مات في موقعة مانو التي نشبت بين النفوسيين والأغالبة في عام 283ه/896م أربعمائة عالم(10).
ويكفي تاهرت فخراً أنها كانت عاصمة أعظم دولة في بلاد المغرب حتى نهاية القرن الثالث الهجري إذ كانت الدولة الرستمية الأباضية تشمل في مساحتها على أغلب المغرب الأوسط وأغلب المغرب الأدنى وكانت تفوق في عدد السكان وفي الثروة والماء وفي كثرة الجيوش الدولة الإدريسية العلوية في المغرب الأقصى ودولة الأغالبة السنية في القيروان ودولة بني واسول الصفرية في سجلماسة(11).
-----------------------------------------------------
1- معجم البلدان المجلد الثاني ص7.
2-حصاد ندوة الدراسات العمانية ج3 ص292.
3-نفس المصدر السابق ج3 ص292.
4-تاريخ أبي زكريا ص81-82.
5-الأباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة ص136.
6-المصدر السابق ص185.
7-المصدر السابق ص197.
8-أحسن التقاسيم ص228 نقلاً عن كتاب الأباضية في مصر والمغرب ص198.
9-صبح الأعشى ج5 ص111 نقلاً عن كتاب الأباضية في مصر والمغرب ص199.
10-الأباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة ص119-200.
11-حصاد الدراسات العمانية ج3 ص298
]
الخاتمة (1/53)
صفحة 54
بعد هذه الجولة التي ركبنا فيها بساط البحث، الذي رجع بنا مئات السنين إلى الورى، لكي نعيش وقائع وأحداثاً سطرتها أحرف التاريخ بعبارات من نور على رجال كرسوا حياتهم خدمة للدين وقياماً بالمسؤولية التي من أجلها خلق الإنسان.
فانتقلنا من البصرة في العراق إلى طرابلس في ليبيا وإلى القيروان في تونس وإلى تاهرت في الجزائر، مناطق في المشرق والمغرب عاش فيها رجال يجمعهم مبدأ واحد، ويسعون إلى هدف مشترك لا تهمهم الأجناس بقدر ما يهمهم الأساس، الذي تكاتفوا لأجله وماتوا في سبيله.
وبما أننا قد أشرفنا على نهاية هذه الدراسة فيجدر بنا أن نجعل خاتمة صغيرة كتتميم للموضوع.
والخاتمة التي اخترتها هي التحدث عن أماكن وجود أتباع المذهب الأباضي في بلاد المغرب في عصرنا الحاضر.
ليبيا: كان أغلب سكان ليبيا من المذهب الأباضي وكان لهم نشاط علمي واضح لاسيما في الفترة الواقعة ما بين القرنين الثالث والعاشر وقامت للأباضية هنالك دول في فترات قصيرة متقطعة ما بين سنتي (135-155ه) تولاها ثلاثة أئمة من بينهم أبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري الذي تحدثنا عنه وعن إمامته.
ثم انحسر الوجود الأباضي في عصرنا الحاضر فلم يبق إلا في جبل نفوسة وزواره.
تونس: كان للأباضية في تلك المنطقة نشاط علمي مزدهر وكان اهتمامهم بالتاريخ الأباضي أكثر من اهتمام غيرهم إذ كان أغلب سكان الجنوب التونسي على المذهب الأباضي، أما اليوم فلم يبق إلا في جزيرة «جربة». (1/54)
صفحة 55
الجزائر: قامت في الجزائر دولة فيما بين (160-296ه) اشتهرت باسم الدولة «الرستمية» والتي تحدثنا عن مؤسسها كأحد أفراد حملة العلم إلى المغرب عبدالرحمن بن رستم الفارسي ثم تعاقب عليها خمسة أئمة بعد عبدالرحمن، وشمل نفوذها بالإضافة إلى الجزائر الجنوب التونسي والجناح الغربي من ليبيا، ثم انحسر وجود الأباضية في وارجلان ووادي ميزاب حيث حافظوا على وضع شبه مستقل تحت نظام «العزابة» الذي أصبح نظاماً تربوياً إدارياً اجتماعياً شاملاً(1).
هذا هو الوجود الأباضي في بلاد المغرب في عصرنا الحاضر يلوّح بيديه للتاريخ قائلاً: نحن هنا في ليبيا وتونس والجزائر إن لم تكن تعرفنا فإنك لاشك قد عرفت آباءنا وأجدادنا، فما نحن إلا أشبال لأسود قد سجلت مآثرهم بماء الذهب، وخلدت ذكراهم مع من ذهب وسيبقى وجودنا هنا منارة، وضع حجر أساسها أولئك الأبطال إنهم «حملة العلم إلى المغرب».
وبعد هذه الخاتمة نسأل الله التوفيق
والحمد لله رب العالمين
-------------------------------------------------------
1-الأباضية مذهب إسلامي معتدل ص14-18.
قائمة المصادر والمراجع
قائمة المصادر والمراجع
1)القرآن الكريم.
2الأباضية في الجزائر - علي يحيى معمر - مطبعة الدعوة الإسلامية/ط الأولى 1399ه-1979م.
3) الأباضية في تونس - علي يحيى معمر - مطبعة دار الثقافة بيروت/ط الأولى 1385ه-1966م.
4) الأباضية في ليبيا - علي يحيى معمر - مطبعة الاستقلال الكبرى/ط الأولى 1384ه-1964م.
5) الأباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة - رجب محمد عبدالحليم - مطبعة مكتبة العلوم مسقط - 1410ه-1990م.
6) الأباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى نشأة المذهب الأباضي - علي يحيى معمر - مطبعة النهضة مسقط/ط الثانية - 1410ه-1989م.
7) الأباضية مذهب إسلامي معتدل - علي يحيى معمر - مطبعة الألوان الحديثة مسقط/ط الثالثة - 1988م. (1/55)
صفحة 56
8) أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق - فرحات علي الجعبيري - مطبعة المطابع الذهبية سلطنة عمان - بدون تاريخ.
9) أخبار الأئمة الرستميين - ابن الصغير المالكي - مطبعة مؤسسة جواد بيروت - 1406ه-1986م.
10) الإمام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة - صالح بن أحمد الصوافي - مطبعة الألوان الحديثة - من إصدارات وزارة التراث سلطنة عمان/ ط الثانية - 1409ه-1989م.
11) تاريخ أبي زكريا - أبو زكريا يحيى بن أبي بكر - مطبعة دار الغرب الإسلامي بيروت/ ط الثانية -1402ه-1982م.
12) الحركة الأباضية في المشرق العربي - مهدي طالب هاشم - مطبعة دار الاتحاد العربي للطباعة/ ط الأولى - 1401ه-1980م.
13) حصاد ندوة الدراسات العمانية - إصدار وزارة التراث سلطنة عمان - مطبعة سجل العرب/ط الأولى - 1400ه-1980م.
14) الخلافة والخوارج في المغرب العربي - رفعت فوزي عبدالمطلب - ط الأولى - 1393ه- 1973م.
15) سلم العامة والبمتدئين - عبدالله يحيى الباروني - مطبعة فانزي تونس/ بدون تاريخ.
16) سير الشماخي - أحمد سعيد الشماخي - مطبعة النهضة مسقط/ من إصدار وزارة التراث سلطنة عمان/ 1407ه-1987م.
17) طبقات المشائخ بالمغرب - أبو العباس أحمد سعيد الدرجيني - مطبعة البعث الجزائر - بدون تاريخ.
18) طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي - سالم بن حمود السيابي - مطابع سجل العرب/ من إصدار وزارة التراث سلطنة عمان - 1400ه-1980م.
18) قصص العرب - مجموعة من الباحثين - مطبعة دار إحياء التراث العربي بيروت/ ط الرابعة - 1382ه-1962م.
19) كتاب ابن سلام - ابن سلام الأباضي - مطبعة دار إقرأ/ط الأولى - 1405ه-1985م.
20) كشف الحقيقة - نور الدين السالمي - ط/ الثانية - 1411ه-1991م.
21) مختصر تاريخ الأباضية - أبو الربيع سليمان الباروني - مكتبة الضامري/ط الرابعة.
22)معجم البلدان - ياقوت الحموي - مطبعة دار الفكر - بدون تاريخ. (1/56)
صفحة 57
23) المنجد - مطبعة دار الشروق/ ط الثلاثون.
24)نشأة الحركة الأباضية - عوض خليفات - مطبعة دار الشعب عمّان الأردن/ 1978م. (1/57)