صفحة 1
بحث: حياة المرأة المسلمة في شمال إفريقيا من خلال كتاب السير للشماخي
الباحث: الحاج أحمد بن حمو كروم
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين.
سيدي المحترم رئيس الملتقى، شيخنا الدكتور فرحات بن علي الجعبيري حفظه الله ورعاه.
سادتي العلماء الأفاضل،
أيها الطلبة والباحثون المحسنون،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
سيدي رئيس الجلسة العلمية أستسمحكم بكل أسف واعتذار أن أقتحم جمعكم الميمون لئلا تفوتني الفرصة الطيبة من أجل أن أدلي بمداخلة متواضعة عن بعد .. وأنا أتحسر لعدم الحضور الشخصي إلى هذا المجمع العلمي الكريم ..
وقد اخترت لكم موضوع:
«حياة المرأة المسلمة في شمال إفريقيا من خلال كتاب السير للشماخي»
وأقترح عليكم توزيع مباحثه ضمن هذه الخطة:
المبحث الأول: التعريف بكتاب السير ومؤلفه وأهميته
المبحث الثاني: حرية المرأة المسلمة في كتاب السير
المبحث الثالث: حياة المرأة المسلمة في شمال إفريقيا من خلال كتاب السير.
وأرجو أن أكون موفقا في الاختيار والعرض .. وكيف لا تقبلوا مني هذه الصفحات المعدودات وأنا قد شرفت بالمشاركة في تحقيق أحد مصادر هذا الكنز الثمين وهو كتاب «طبقات المشايخ بالمغرب» للدرجيني مع أستاذي الشيخ إبراهيم طلاي حفظه الله .. كما أنني وفقت بفضل الله إلى جمع كتاب «مسلمات صالحات في روضة الإيمان» مع أستاذي الفيلسوف الباحث بكير بن سعيد أعوشت حفظه الله قبل عشرين عاما .. وقد اعتمدنا من أهم المصادر كتاب السير للشماخي والطبقات للدرجيني وكتاب «الإباضية في موكب التاريخ» قسم الإباضية في ليبيا. وبعد ذلك جمعت كتابات الشيخ علي يحي معمر رحمه الله عن المرأة المسلمة في كتاب بعنوان: «الفتاة المسلمة ومشاكل الحياة» مع صديقي الأستاذ حمو بن عمر بوكرموش حفظه الله. كما أنني شرفت بالمشاركة في الندوة الأولى: (1/1)
صفحة 2
فاقبلوا عذري وأكرموا نزلي والعذر عند كرام الناس مقبول.
فما كان فيها من توفيق فمن الله، وما كان فيها من نقص فمني ومن الشيطان .. ومن الله أستمد العون والتوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
المبحث الأول: التعريف بكتاب السير وأهميته ومؤلفه:
المطلب الأول: التعريف بكتاب السير وأهميته:
يعتبر كتاب «السير» للشيخ أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي (ت928هـ) كتاب تراجم لرجال الفكر الإسلامي في المدرسة الإباضية .. وهو كتاب تاريخ المدرسة الإباضية في العصر الوسيط يشرح الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية والتربوية والثقافية للحركة الإباضية في عشرة قرون (ق1هـ إلى ق 10هـ).
مجموع التراجم:
ومن خلال التحقيق الذي حظي به هذا الكتاب الجليل من طرف الدكتور محمد حسن نجده يجمع الأرقام التالية:
1) 06 تراجم تبدأ بحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين إلى قيام الدولة الأموية.
2) 610 ترجمة لرجال الإباضية في المشرق الإسلامي ومغربه.
3) 113 ترجمة لكرامات الأولياء ممن كرر ذكرهم في الصفحات السابقة (من 463 إلى 576)
4) عدد الطبقات 05 طبقات لعلماء المشرق و03 طبقات لعلماء المغرب إلى طبقة الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي (ت240هـ) وكأن المؤلف جارى في هذه الطبقات الشيخ الدرجيني في طبقاته ولكنه لم يتمها إلى عهده في القرن10هـ.
تراجم النساء:
نجده يعرف لتراجم 70 امرأة يتوزع كما يلي:
- ذكر 12 اسما من زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -
- ذكر 04 أسماء من بنات الرسول - صلى الله عليه وسلم -
- ذكر 01لامرأة صحابية
- تراجم 09لنساء من الجزيرة العربية
- 44 ترجمة من جبل نفوسة.
منها 05 تراجم ذكرها بالاسم وهي: أم حسنون الألوتية، وأم ماطوس النفوسية، وسارة الألوتية، زيدية الملوشائية، وأصيل، والباقي كلها مذكورة ضمن تراجم الرجال. (1/2)
صفحة 3
والكتاب قد حققه وأعاد طباعته الدكتور محمد حسن – مشكورا- في ثلاثة أجزاء خصص الجزء الأخير للفهارس الفنية.
اعتماد المؤرخين على الكتاب
لقد اعتمد عليه كثير من المؤرخين في تراجم رجال الإباضية وخاصة تاريخ جبل نفوسة وقد وصفوه وصفا مهما نذكر منهم ما يلي:
1) يقول الشيخ علي يحي معمر: «إن طريقة أبي العباس في كتابه القيم «السير» طريقة فريدة ليس لها مثيل فيما عرضناه من كتب التاريخ.
فإن المؤلفين في التاريخ غالبا ما تتخطفهم حوادث السياسة ويتتبعون المظاهر الخادعة من حوادث الانقلابات والمعارك العسكرية وسير الملوك والحكام، ويعتقدون أنهم بذلك قد أرّخوا للشعوب والأمم، والواقع هو أنهم أرخوا لعدد قليل من الناس وثبوا إلى كراسي الحكم وتصرفوا في عباد الله وأموال الأمة دون حق، ولن يعطي ذلك صورة صحيحة عن تاريخ أمة من الأمم أبدا ... »
إلى أن يقول:
«وقد أدرك العلامة أبو العباس الشماخي هذه الحقيقة فلم ينجرف مع تيار السياسة إلا بمقدار، وإنما قدم لنا الصورة الحقيقية لجانب من الأمة المسلمة، هذه الأمة التي تسكن «سرت» والمغرب الأقصى، وهو يقدم لنا المادة الحقيقية لتاريخ هذه الأمة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض، وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن ينزل المطر ليقوم بعملية الحرث ... »
إلى أن يقول عن المرأة: (1/3)
صفحة 4
«وفي صورة النصيحة التي تقدمها المرأة المخلصة لزوجها أو لصديقتها، وفي سلوكها عندما يتخذ عليها الزوج ضرة أو يقسو عليها في الحياة، وفي حديث البنت الساذجة، عندما تزف إلى أبيها عن زينتها، وفي نقاش البنت المتعلمة لأبيها وإدلالها عليه، وفي كفاح المرأة من أجل العلم، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء والفتاوى والأعمال، وكل المظاهر التي يعيشها الشعب عيشة حقيقية لمجتمع وأسرة وفرد (1) ... »
2) يقول الشيخ سليمان باشا الباروني:
«كتاب السير تأليف جامع لمناقب كثير من علماء وأئمة المذهب من المغاربة وبعض من مشاهد المشارقة مع بيان أسمائهم وتواريخهم غالبا، لا نظير له في بابه (2)»
3) ويقول صالح مصطفى مفتاح:
«كتاب السير يعد تاريخا شبه متكامل لإباضية المغرب وقد امتاز كتاب السير عن غيره من سير الإباضية بأخذ مؤلفه عن مؤرخين غير إباضيين كابن الرقيق وابن الصغير، كما حرص على مناقشة الراويات المختلفة، وإثبات ما يراه صحيحا مقنعا (3)»
4) ويقول الأستاذ الدكتور محمد كمال الدين إمام أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية.
«ويعد كتاب السير إحدى الحلقات الأخيرة لسلسلة من المصنفات في هذا الباب، تلك التي عنيت بتاريخ المجموعات الإباضية وتراجم أعلامها حيثما وجدوا، في جبل نفوسة ودمر وجزيرة جربة أو في واحات الفزان والجريد ووارجلان، وهي تراجم لا تخلوا من المواعظ والعبر وهو ما عناه مفهوم «السيرة» بكونها تسجل التسلسل في طبقات العلماء وتاريخهم ومآثرهم ومناقبهم (4)»
5) وأما الأستاذ صالح سماوي فإنه يقول:
__________
(1) - علي يحي معمر: الإباضية في ليبيا ج2 ص 128 - 129
(2) - سليمان باشا الباروني: الازهار الرياضة ص 14
(3) - صالح مصطفى مفتاح: ليبيا منذ الفتح العربي حتى انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر ص 15.
(4) - د. محمد كمال الدين إمام: مائة كتاب إباضي ج2 ص 151 (1/4)
صفحة 5
«كتاب السير» هذا نفيس ثرى استفاد من الذين سبقوه فحوى ما عندهم فكان كتابه هذا غنيا وثمينا، يعرف الإباضية وآراءهم ومواقفهم، يناقش الروايات ويحللها ويعطي رأيه فيها بحرية (1)»
6) ويقول علي مصطفى المصراتي:
«فالشماخي كمؤرخ في فن الطبقات كان يؤرخ برغبة علمية ويغديه اطلاع واسع واهتمام متزايد برجال المذهب الفقهي الذي يعتز به كل الاعتزاز إلى درجة قد تدفعه إلى قبول حتى المرويات الشعبية (2)»
7) ويقول الدكتور محمد حسن الموجود معنا في دراسته القيمة لهذا الكتاب:
«وفي الجملة تتنوع المادة التاريخية في كتاب السير الذي لم يعد مجرد توثيق لأعلام الإباضية ومشيختها مثلما أراد ذلك مؤلفه، في حقبة شهدت تراجعا كبيرا لأتباع المذهب، إنما أضحى مصدرا أساسيا للدراسات التاريخية والحضارية والفكرية في مشرق البلاد العربية ومغربها (3)»
سبع شهادات علمية درست الكتاب دراسة نقدية تبين قيمة الكتاب وأهميته في المكتبة التاريخية الإسلامية، وأما الشيخ أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى (4) أبو الصحافة الجزائرية فإنه قد وضع له ملحقا قيما
لتراجم أربعة قرون إلى يومنا هذا.
وختم الشيخ كتابه قائلا:
__________
(1) - صالح سماوي: العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب ص 75
(2) - علي مصطفى المصراتي: مؤرخون من ليبيا ص 76
(3) - د. محمد حسن: كتاب السير دراسة وتحقيق ص 81
(4) - ملحق السير: كتاب مخطوط في ثلاثة أجزاء ألفه الشيخ أبو اليقظان من أجل إضافة ما بقي من تراجم رجال المذهب وأرخ بدايتها بتاريخ 15 ذي الحجة 1382هـ/1962 (1/5)
صفحة 6
«وبعد فإلى هنا ينتهي ما رسمناه من خطة لهذا الملحق من علمائنا وأدبائنا الإباضية من حيث انتهى إليه البدر الشماخي رحمه الله وبعض تلامذته الأبرار في سير المشائخ من أصحاب الخمسين الثانية من القرن العاشر 950هـ إلى أصحاب الخمسين الثانية للقرن الرابع عشر 1350هـ وقد بذلنا غاية الجهد في انتقاء تراجم علمائنا الإباضية وتثبيتها في عصورها من رجال نفوسة وجربة ووارجلان ووادي ميزاب حسب استطاعتنا وما وصلت إليه طاقتنا (1)».
سبب تأليف الكتاب:
وقد ذكر المؤلف سببين لتأليف هذا الكتاب في ما يبدو لي وهما:
1) الإجابة على رسالة (2) وردت إليه من عمان في عهد النباهنة زمان الأمير العادل أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الإسماعيلي النبهاني (906 - 942هـ)
2) ولعل بيت القصيد من هذا السفر الجليل هو إثبات وقوع الكرامات عند مشائخنا وفي جبال بلادنا بشمال إفريقيا مثلما هي موجودة عند علماء المذاهب الأخرى وأوليائهم، وقد أطنب في ذلك كثيرا. وقد أشار إلى هذا المعنى عندما قال: وقعت محاورة ومناضرة بيني وبين بعض ملوك إفريقيا عام واحد أو اثنين وتسعين وتمان مئة (891ـ892هـ) فآل الأمر إلى أن قال: ليس فيكم أولياء ولا صالحون (3) فقلت يا سبحان الله إذا لم تكن الأولياء فينا ففي أي القرى تكون؟.
المطلب الثاني: ترجمة لمؤلف السير (4):
أولاً: نسبه ومولده:
مؤلف كتاب السير هو الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد بن سعيد بن أبي الفضل قاسم بن سليمان بن محمد بن عمر بن يحيى بن إبراهيم بن موسى بن عامر الشماخي.
__________
(1) - أبو اليقظان: ملحق السير ص 593 (مخطوط) وأرخ نهاتيها بيوم الأربعاء 09 شوال 1384هـ يوافقه يو الأربعاء 10 فيفري 1965.
(2) - الشماخي: السير ج01ص 108.
(3) - الشماخي: السير ج02 ص772.
(4) الشماخي: السير، ج1، ص13 " مقدمة المحقق د. محمد حسن. (1/6)
صفحة 7
فهو من أسرة الإمام المحقق العلامة النحرير أبي ساكن عامر بن علي بن عامر الشماخي رضي الله عنه صاحب كتاب الإيضاح في الفقه، حيث يلتقي معه في جده عامر الشماخي، لذلك فالمؤلف رحمه الله ينتمي إلى أسرة كريمة المحتد، وعائلة عريقة ضاربة بجذور راسخة في العلم والفضل، وقد لقب المؤلف -رحمه الله - ببدر الدين فهو بدر الدين الشماخي، ويختصر أحيانا فيقال له البدر، ويجد القارئ في الكتب التي تحكي أقواله وآراءه " وقال البدر .... ".
وكان مولده في الأربعينات من القرن التاسع الهجري، وهذا على وجه التقريب ليس إلا، حيث أننا لم نعثر على تأريخ محدد لولادته، بيد أن أباه الشيخ أبا عثمان سعيد بن عبد الواحد الشماخي توفي سنة 865هجرية، والمؤلف لا يزال في طور الشباب، ومرحلة اليفوعة.
ثانيا: تعلمه ومشايخه:
ولكونه من تلك الأسرة، أسرة الشماخي، أسرة العلم والفضل، والصلاح، كان لابد له منذ صغره ونعومة أظافره من الالتحاق في رحاب العلم والعلماء، فلازم أساتذة أجلاّء وعلماء فضلاء، لهم القدم الراسخ في العلم، واليد الطولى في الفهم، فأول ما أخذ العلم عن الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح التندميرتي، من نفوسة بليبيا، ثمّ أتاحت له الظروف التنقل بين أقاليم ليبيا وتونس، وهيأت له الأقدار أشياخا عظماء، فتلقى العلم في تونس على كل من:
العلاّمة الجليل البيدموري.
الشيخ يونس بن محمد.
الشيخ أبو زكريا يحيى بن عامر بن إبراهيم.
الشيخ أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى.
وبلغ الإمام أبو العباس الشماخي -رضي الله عنه- منزلة كبيرة في العلم، ونال درجة عالية منه، وأخذ منه بحظّ وافر.
ثالثا: مؤلفاته:
أمّا التأليف فقد ضرب فيه بسهم ووطئ فيه بقدم، فقد ألّف عديد من المؤلّفات القيّمة، المفيدة التي أصبحت مصادر لا يستغنى عنها، ومن مؤلّفاته:
- كتاب السير (الذي بين أيدينا) وهو في تراجم علماء الإباضية. (1/7)
صفحة 8
- مختصر العدل والإنصاف، اختصر فيه كتاب العدل والإنصاف لإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، في أصول الفقه والاختلاف ثم قام رحمه الله بشرحه.
- شرح كتاب مرج البحرين في الفلسفة والمنطق والرياضيات لأبي يعقوب يوسف الوارجلاني.
- إعراب مشكل الدعائم لابن النضر العماني.
- شرح على متن الديانات للشيخ عامر الشماخي.
- رد على صولة الغدامسي: يتناول فيه قضايا خلافية بين المالكية والإباضية.
رابعاً: وفاته:
وانتقل المؤلف رحمة الله عليه ورضوانه إلى جوار ربه سنة: 928 هـ، بعد حياة حافلة بالجد والنشاط في خدمة العلم والدين، مليئة بأعمال البر والطاعات، وقد اختلف في مكان وفاته، فذهب بعضهم إلى أنه توفي في يفرن بجبل نفوسة في ليبيا، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق أطفيش، بينما ينقل أستاذ مهنّى عمر في مذكّراته عن البدر الشماخي، تحمّس الشيخ سالم بن يعقوب وهو من علماء جربة ومؤخيها المعاصرين، إلى القول بأنه توفي في جزيرة جربة ودفن فيها، «فرضي الله عن بدر الدين لما قدمه من أجل خدمة الدين ... ».
المبحث الثاني: حرية المرأة المسلمة في كتاب السير وحقوقها:
لقد تتبعت كتاب السير للشيخ الشماخي رحمه الله فوجدته يهتم اهتماما بليغا بإبراز المرأة المسلمة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية والدينية حتى دورها داخل الأسرة مع زوجها وأبنائها وجيرانها سواء كانت أما أو زوجة أو بنتا أو معلمة حرة أو أمة.
ومن خلال هذه التراجم التي قصد بها إظهار بطولات الرجال في تاريخ الإسلام في الجزيرة العربية وشمال إفريقيا أظهر التكامل الإيجابي بين دور المرأة ودور الرجل في صناعة تاريخ الدول والطوائف بعيدا عن كمرات المراقبة داخل المجتمع وخارجة .. بل إن المرأة لها من الحرية والمساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات من دون أن يزاحم أحدها الآخر في وظائفه الفطرية الخاصة بالطرف الآخر. (1/8)
صفحة 9
فلا يزال الرجل يحتفظ بحق القوامة كما تحتفظ المرأة بحق النقد والنقض لكل ما هو مخالف للإسلام داخل المنزل وخارجه سواء تقوّم به الرجل أو المرأة، فهي تتمتع بكامل الحقوق وإليك أمثلة عن ذلك:
أ) حرية التعلم والتعليم:
نجد بعض النساء والطالبات تحضر مجالس العلماء ومن بعيد مثل:
ا1) الإمام جابر كان يتعلم من أمنا عائشة (1) بنت الصديق مسائل الدين ويروي عنها الحديث والفقه والتاريخ والشعر والأنساب.
2) الإمام جابر بن زيد يحضر مجلس عاثكة (2) بنت المهلب في منزلها ويجيب أسئلتها الشرعية في فقه المعاملات بعد نقاش وجيه ونزيه.
3) كانت أم يحي (3) زوجة أبي ميمون بعد استشهاده في وقعة مايو سنة 283هـ تفتح منزلها للعلماء والأخيار يتذاكرون ويحيون ليلتهم بالعبادة مرة في الأسبوع حتى أصبحت تحاسب من تغيب عن الحلقة.
4) نساء من أهل تدنيب يحضرن مجلس الشيخ أبي الشعثاء السنتوتي ومعهن أولادهن .. فإذا تفرق المجلس رجعن إلى منازلهن البعيدة على بعد 24 ميلا. (حوالي 40 كلم).
5) كانت إماء نفوسة إذا وردن (4) أو خرجن إلى الحطب لا يرجعن حتى يتذاكرن جميع مسائل كتاب ماطوس بن هارون (5) (ت283هـ) وكان هذا الكتاب يضم 300 مسألة.
ب) حرية اختيار الحاكم والمعارضة السياسية:
في كتاب السير نجد للمرأة المسلمة الحق في معارضة الحكم السياسي الفاسد مثل:
1) البلجاء المخزومية (6) تعارض سياسة الوالي الأموي عبيد الله بن زياد في العراق بكل علانية وتنضم إلى ثورة أبي بلال مرداس بن أدية حتى ألقي عليها القبض فقتلها شر قتلة فرماها في السوق.
__________
(1) - الشماخي السير ج1 ص 184
(2) - الشماخي السير ج1 ص 201
(3) - الشماخي السير ج 2 ص 377
(4) - الشماخي السير ج2 ص 772
(5) - جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية ج4 ص 738 رقم 763
(6) - الشماخي: السير ج2 ص 172 - 173. (1/9)
صفحة 10
2) وأما أبو يوسف حجاج (1) بن وفتين فإنه قد مال إلى خلف بن السمح المعافري الذي ثار على الإمامة الرستمية ويريد أن يكون واليا على جبل نفوسة رغم عزل الإمام له وهو على غير حق فعندما دخل حجاج منزله قالت له زوجته: «إليك عني يا بائع دينه» فبقي إلى الصباح يفكر في الموقف بكل إنصاف ثم عدل موقفه إلى الحق الذي ينبغي أن يكون فيه.
3) امرأة عجوز تحسم الموقف لأبي عبيدة (2) عبد الحميد الجناوني في التقدم لولاية طرابلس التابعة للدولة الرستمية بعد امتناعه عن ذلك في عهد الإمام عبد الوهاب الرستمي إذ قالت له: إن علمت في نفوسة أفضل منك فتقدمت فستكون خشبة في جهنم، وإن علمت ليس فيهم أفضل منك فتأخرت فستكون خشبة جهنم، فقال لها: أما في أمور الرجال فلا أعلم فيهم مثلي، فوافق على تحمل منصب الولاية.
ج) حرية التعبير:
1) نشاهد المرأة في فصول كتاب السير تملك حرية التعبير عن رأيها بكل طواعية لا تخاف في الله لومة لائم مثل أم يحي زوجة أبي ميمون التي حضرت صلاة الجماعة في المسجد فوجدت رجلا يتقدم إلى المحراب ممن لا يستحق التقديم فقالت له: اخرج من المحراب يا رجل سوء لئلا يأتيك من السماء أكثر مما يأتيك من الأرض (3).
2) وأما ابنة أبي مسور يصليتن الأدوناطي شاهد بنته تنشر ثيابا غسلته فقال لها أبو مسور: تمنيت أن الله طهر قلبي مثل تنقية الثياب وصفائها. قالت له: تمنيت أن يكون تطهير قلبي بيدي كهذه الثياب ثم أرسله إلى مولاه .. فقال لها أبوها: إنك أبلغ مني ولو في الأمان (4).
د- حرية التدين:
__________
(1) - الشماخي: السير ج2 ص 318.
(2) - الشماخي: السير ج2 ص 314.
(3) - الشماخي: السير ج 2 ص 376.
(4) - الشماخي: السير ج 2 ص 373. (1/10)
صفحة 11
1) من المشاهد العظمى في حقوق المرأة في كتاب (1) السير للشماخي تقرأ عن غزالة أمة الواحد كان مشتريها قبل أن تسلم يربطها في سلسلة مع العبيد خشية الإباق، فإذا سمعت القراءة قعدت على نفسها وبركت على ركبتيها واستمعت وأسلمت، فاشتراها رجل من أهل ويغو بجبل نفوسة فأصبحت تخدم مولاها بالنهار وعندما ينام أهلها في الليل تحضر مجلس الذكر عند الشيخ أبي محمد عبد الله بن الخير على بعد نيف وعشرين ميلا. (حوالي 30كلم).، وبعد نهاية المجلس ترجع إلى أهلها وتوقظهم للصلاة في آخر الليل بعد أن تحيي الليل في مصلاها.
2) اختيار أبو يحي الأزدالي أم الخطاب (2) النصرانية زوجة له فقال لها: اختاري الإسلام أو الرجوع إلى أهلك، واختارت الإسلام ولم ترجع إلى أهلها بل أسلمت واغتسلت، فشمرت عن ساق الاجتهاد في دين الإسلام بعد أن نصحتها أمها النصرانية أن تكون من أفضل المسلمات في دينها الجديد.
ه) حرية التنقل:
من خلال تراجم الشماخي في السير نشاهد حرية التنقل للمرأة المسلمة من مكان إلى مكان داخل المدينة وخارجها حتى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج.
1) وعلى رأس هؤلاء نجد آمنة (3) زوجة الإمام جابر بن زيد رحمهم الله سافرت إلى الحج بإذن زوجها مع قافلة ولم يخرج جابر معها تلك السنة إلى الحج.
وأما الذهاب من حلقة إلى حلقة فذلك ميسور لجميع الحرائر والإماء بدون أي حرج، وإذا وجدت حرجا فإنها تحتال لذلك، نذكر من هذا النوع أم ماطوس (4) التي كان أخوها يمنعها من حضور مجالس العلم لبعد المسافة فكانت تتركه حتى ينام ثم تخرج بمزراقها وهي بكرا.
2) وكانت جواري من إيجيطال (5) ونساء من أبدلان تزور نهارا العالمة زورغ من مسافة ستة أميال (حوالي 12 كلم) ثم ترجع في وقت المغرب.
و) حرية التملك:
__________
(1) - الشماخي: السير: ج2 ص 356 - 357
(2) - الشماخي: السير ج2 ص 407 - 408
(3) - الشماخي: السير: ج1 ص 185
(4) - الشماخي: السير: ج2 ص 485
(5) - الشماخي: السير ج2 ص 386 (1/11)
صفحة 12
المرأة في سير الشماخي غنية تملك أموالا طائلة ولكنها سخية على أهل زمانها من العلماء والتلاميذ واليتامى والأرامل والضعفاء. نذكر من هذا النوع:
1) أم الربيع الوريورية فقد أقام عندها الشيخ أبو حسان خيران بن ملال الفرسطائي يعقد مجالس العلم للرجال والنساء فأكرمت نزلهم، وعندما أظله عيد الأضحى المبارك وهو عندها جمعت جميع ما يحتاج إليه في العيد فأرسلت به مع الشاة إلى بيته. وكان ينوي الإقامة عندها لأنه ما يجد ما يضحي به عند أهله فقالت له: بادر أهلك وولدك، فلما ذهب إلى أهله وجد كل شيء قد هيئ له في أحسن ما يرام.
1) أفتى المشايخ لأم الخطاب (1) عندما حلفت أن لا تتزوج أخا زوجها وهي تريد أن تتراجع عن حلفها أنه يجب عليها أن تهب مماليكك ثم تتزوجي فدخلت الدار فوجدت الجواري ينسجن فقالت لهن: إنكن معتقات .. فقمن من الفرح فلم تزد واحدة منهن خيطا وكن 13 جارية ..
2) وأما أصيل (2) فإنها كانت تعمل الصوف وتنفق مالها على يتامى بجوارها حيث تطبخ عشاء أهلها وترسل إلى هؤلاء اليتامى سهمهم ويقتسمونه بينهم ثم ينامون.
ومن خلال هذه النماذج نستنتج أن حرية المرأة خلال عشرة قرون التي يجمعها كتاب السير هي: حرية مقيدة بضوابط الشرع الحنيف، فهي ليست حرية مطلقة على النمط الغربي، وهم لا يرقبون في الإيمان إلاًّ ولا ذمة، بل إنها حرية على النمط الإسلامي تمتاز بالاحترام والأخلاق والأمانة والرفق والمشاورة والنصيحة يديرها الرجل وترعاها المرأة سواء كان ذلك في حلقات العلم أو في طريق السفر أو في مجالات السياسة أو أثناء التعبير عن رأيها أو خلال البيع والشراء والصدقات.
هذا هو النموذج الأمثل لنجاح الفتاة المعاصرة في حياتها الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية والله تعالى يكلؤها بعنايته ورعايته قائلاً: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}
__________
(1) - الشماخي: السير ج 2 ص 394
(2) - الشماخي: السير ج2 ص 485 (1/12)
صفحة 13
المبحث الثالث: حياة المرأة المسلمة في شمال إفريقيا:
لقد نشأت في شمال إفريقيا دول وحضارات ساهمت فيها المرأة بحصة الأسد إلى جانب زوجها وأخيها وأبيها وأبنائها وعبيدها بكل إخلاص وصدق.
فإذا تتبعنا كتاب السير للشماخي نشاهد حركة متواصلة لإقامة هذه الدول والحضارات بأعمال جليلة وأعمال بسيطة، بعيدة عن جميع الأضواء والأبواق والكاميرات، ترجو من ورائها رحمة الله وتخاف عذابه لأنها تعتقد جميع هذه الحركات والسكنات عبارة عن قربى إلى الله تعالى وعبادة .. كما نجد من جهة أخرى نساء عاصيات لا ترغب في طاعة الله ولا في إقامة حضارة الصلاح بل هي تريد الوصول إلى أهداف مادية محدودة. وإذا وجد في شمال إفريقيا هذا النوع من النساء فلا غرابة فإننا في مجتمع بشري يصيب ويخطئ مثل غيره من المجتمعات بسبب النفس الأمارة والنفس اللوامة والنفس المطمئنة، فلا إكراه ولا إجبار ..
وهنا نفسح المجال للشماخي حتى يعدد لنا هذه الأعمال بكل موضوعية ونزاهة .. وقد قسمتها إلى خمسة أنواع هي:
أ) أعمال منزلية:
1 - الطبخ:
قدم رجل ليلا من أهل بلده وأراد الخروج (1) ليلا فصنعت له امرأته طعاما لذيذا.
الجارية أم زعرور صنعت طعاما جيدا للشيخ أبي محمد التيغرميني (2) وهي تنقذه من طعام مسموم فاستحسن عملها وحمد فعلها.
2 - جني الفواكه من البستان:
كانت أمة الواحد زوجة أبي عامر (3) التصراري تبكّر فتجني التين صبحا بارد ليأكل الشيخ وزوجته، ثم تعود فتجني غيره ثم تنشره للشتاء.
3 - حمل الحطب:
كانت أمة الواحد زوجة أبي عامر التصراري تحمل (4) الحطب على رأسها من مسافات بعيدة.
4 - سقي الماء من البئر:
- كانت إماء نفوسة تخرج لسقي الماء وجمع (5) الحطب
- أم زعرور تملأ الجرة من الجب لها ولمعلمتها لإسباغ الوضوء وقت الصلاة.
__________
(1) - الشماخي: السير ج2 ص 435
(2) - الشماخي السير: ج2 ص 397
(3) - الشماخي السير ج2 ص 347
(4) - الشماخي السير ج2 ص 347
(5) - الشماخي السير ج2 ص 772 (1/13)
صفحة 14
5 - خدمة الصوف:
- كانت لأم الخطاب جواري ينسجن الصوف (1).ثم أعتقتهن.
- العجائز والنساء يحضرن مجالس أبي حسان خيران (2) بن ملال الفرسطائي ويحملن الصوف ويعملنه.
- مر الشيخ بكر بن أبي بكر بامرأة تغسل صوف شاة ميتة فقال لها: اغسلي صوفك كما تغسلين غيره ويكفي ذلك ولو لم تتربيه سبع مرات (3) بالتراب.
6 - تصليح ساقية المنزل وخيمتها:
- أم يحي كانت تصلح ساقية الغدير المتكسرة (4) في منزل زوجها في يوم ممطر.
- منزو بنت أبي عثمان تصلح خيمتها الممزقة من خارج الخيمة. (5)
7 - رعاية حقوق الزوج:
- زورغ كانت تساعد زوجها في نقل التراب بالبقرة وترعى أخت زوجها في مرضها طاعة لزوجها وإرضاء لضّرتها (6) وتخفيفا على أمتها، وهم جميعا يدعون لها بالجنة.
- ابنة أبان بن وسيم الويغوي لا تبيت في منزل والدها لأن زوجها لم يأذن لها في المبيت (7).
- تزوج الشيخ يخلف الفرسطائي عقيلة الجربية فكانت تصنع له كل عام اثني عشر كساء، وكل ما عند زوجها من الدنيا أصله من عمل يديها (8).
- منزو بنت أبي عثمان تخدم زوجها (9) السيئ العشرة بكل إخلاص.
8 - رعاية حقوق الأولاد:
- كانت أم زعرور ترعى أولادها وأولاد (10) زوجها وتدعوا لهم بالجنة وهم أربعة:
زعرور، أبو عبد الله، توزين، موسى
- كانت عجوز بأندمون قتل ولداها فقطعا قطعا فرزقها الله الصبر فجمعت أعضاء كل واحد مفردة وكفنتهما بعد أن تحير الناس في ذلك (11).
__________
(1) - الشماخي السير ج2 ص 394
(2) - الشماخي السير ج2 ص 474
(3) - الشماخي السير ج2 ص 435
(4) - الشماخي السير ج2 ص 376
(5) - الشماخي: السير ج2 ص 344.
(6) - الشماخي السير ج2 ص 435
(7) - الشماخي السير ج2 ص 453
(8) - الشماخي السير ج2 ص 778
(9) - الشماخي السير ج 2 ص 343
(10) - الشماخي السير ج2 ص 400
(11) - الشماخي السير ج2 ص 405 (1/14)
صفحة 15
- طوست أوصت بنتها زينب حينما جهزتها (1) لزوجها أن تقتدي بها، قالت: ما نمت حتى أصلي خمسين ركعة، ولم يرني والدك عابسة قط، ولم تصدر مني كذبة قط إلا مرة واحدة.
9 - تجهيز العروس:
- أم زعرور الجيطالية تساعد زوجها (2) في إعداد لوازم العرس لبنته ليلة زفافها بدون أن يعلم زوجها.
10 - غسل الثياب:
- امرأة صالحة ولدت صبيا (3) على فقر وقلة لباس فتنام في شق ثوب وابنها في شق سنة، فإذا أصبح الصباح ذهبت إلى ماء بعيد عن البلد، فتغسل بعض الثوب ثم تلبس ما غسلت، وتغسل الباقي كذلك، وكان هذا دأبها شتاء وصيفا.
ب) أعمال دينية:
1) تصحيح الصلاة:
- المرأة في شمال إفريقيا محافظة على الصلاة إلى حد المبالغة، فإن الغاية زوجة أبي القاسم (4) سمعت من المشائخ أن من قرأ سرا ولم يحرك شفتيه في صلاته تنتقض صلاته فأعادت صلاة سنة في ليلة واحدة لأنها كانت تفعل ذلك.
- عرضت زورغ (5) قراءتها على أبان بن وسيم فصحح لها مرارا ولم تستطع تقويم لسانها فقال لها: إعجني عجن الله عظامك في الجنة.
2) الصيام مع الصالحين:
أم ماطوس والعجائز (6) عندما يدخل شهر رمضان يجتمعن للصيام وللعبادة في ضيافة الشيخ أبي الربيع بن أبي هارون التملوشائي.
3) أداء الزكاة:
كانت النساء تطلب من العالم أن يقوّم لها حليّها (7) لتخرج منه الزكاة في رأس الحول.
4) الحرص على أداء فريضة الحج:
وقال الشماخي: (وكان المسلمون من أهل جبل نفوسة (8) أكثر الناس حجا وأزكاهم نهجا وأنهم يحجون بالنساء والذرية وذكر أنه ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة صبي ذكورا).
__________
(1) - الشماخي السير ج2 ص 678
(2) - الشماخي السير ج2 ص 399
(3) - الشماخي السير ج2 ص 372
(4) - الشماخي السير ج2 ص 524
(5) - الشماخي السير ج2 ص 520
(6) - الشماخي السير ج2 ص 384
(7) - الشماخي السير ج2 ص 386
(8) - الشماخي السير ج2 ص 470 (1/15)
صفحة 16
وأوصت أم أبي ميمون (1) عند وفاتها أن يؤدى عنها الحج ابنها الذي في المهد .. وكذلك فعلت أم عمروس بن فتح شهيد وقعة مانو .. وقد كبرا وأديا ذلك الفرض عن والدتهما. بعد التحقق من ولايتها.
5) المحافظة على العرض والشرف:
حضرت أخت عمروس وقعة مانو (2) سنة 283هـ فأخذت أسيرة مع مجموعة من نساء جبل نفوسة فلما خافت عليهن وعلى نفسها الفساد من الفساق أمرت أن تستخلف كل واحد على نفسها من يزوجها لمن أرادها بسوء.
6) السؤال عن الدين
- الغاية زوجة أبي القاسم (3) سألت المشايخ عن امرأة وضعت على رأسها سترة ونزلت تسبح بثيابها في الماء .. فقال لها أبو عمران: أيما امرأة نزلت مكشوفة الرأس في الماء تعوم في سبعة أودية من نار جهنم .. وأما إذا كانت متحجبة بعيدة عن الأنظار فلا حرج عليها ..
- ابنة أبي مسور (4) يصليتين الأدوناطي كان جالسا مع بنته فسألته عن بعض مسائل الحيض المحرجة فقال لها: ألا تستحين. قالت" أخشى إن استحيت منك أن يمقتني الله يوم القيامة.
ج) أعمال اجتماعية:
1) المشاركة في افتكاك رهن:
شاركت نساء من مزاتة في دفع (5) دين 05 دنانير (25غ ذهبا) لأحد التجار حتى يرجع للعزابي بعض كتبه المرهونة عنده.
2) خدمة الطلبة:
كانت امرأة تخدم تلاميذ حلقة أبي عبد الله (6) في أريغ بجنوب الجزائر فغاب عنها زوجها في طرابلس بليبيا فأرسل إليه الشيخ من يبحث عنه حتى وجدوه فأعلمهم بطلاقها.
3) رعاية اليتامى:
- امرأة سقطت لها جمرة على رأس (7) يتيم فعفت لها أمها ذلك فهل تكون في حل من أمرها؟ قال لها الشيخ أبو محمد الكباوي: نعم يجوز ذلك إذا قعدت أمها معه ولم تتزوج وتنفعه بأكثر من ذلك.
__________
(1) - الشماخي السير ج2 ص 375
(2) - الشماخي السير ج2 ص 371
(3) - الشماخي السير ج2 ص 590
(4) - الشماخي السير ج2 ص 373
(5) - الشماخي السير ج2 ص 582
(6) - الشماخي السير ج2 ص 571
(7) - الشماخي السير ج2 ص 504 (1/16)
صفحة 17
- المرأة أصيل (1) كانت تطبخ الطعام ليتامى يسكنون في منزل قريب إليها.
3) التعاون والتضامن:
أم أبي عبيدة وشق ذبحت للطلبة (2) ثور في سنة قحط وجدت وفاة ابنها الذي كان يتكفّل بنفقتهم حتى نفذ جميع ماله في بادية إفريقية
د) أعمال فكرية:
1) الاهتمام بعلم الفلك:
كانت الإماء في الدولة الرستمية (3) غرب الجزائر تهتم بعلم الفلك حتى قال بعضهم: «معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر .. »
3) التفوق في علم التنجيم:
أخت الإمام أفلح الرستمي (4) تفوقت على أخيها الإمام أفلح في علم التجيم وذلك باكتشاف ما يذبح غدا في سوق تهرت فوجدت بقرة صفراء في بطنها عجل وضع طرف ذنبه على جبهته حتى ظنه الإمام غرة.
3) نسخ الكتب:
أخت عمروس تساعد (5) أخاها في نسخ مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني في وقت قياسي بجبل نفوسة حوالي سنة 185هـ.
شاكرة الزعرارية تستعير نسخ كتاب الخليل الصالح (6) وتحرض على نسخه رغم امتناع صاحبه وضنه به
4) مذاكرة الكتب:
كانت إماء نفوسة إذا (7) خرجن لجلب الماء أو جمع الحطب يتذاكرن في طريقهن مسائل كتاب ماطوس وكانت فيه 300 مسألة.
5) حضور مجالس العلماء:
كانت النساء والبنات تحضرن مجالس العلم ومدارسه من مكان بعيد نذكر من بينها عائشة (8) بنت معاذ التي كانت تأخذ العلم عن الشيخ تيبغورين بن عيسى الملوشوطي في أجلو بتقرت (جنوب شرق الجزائر) وكذلك عن الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكير الفرسطائي النفوسي (ت 5041هـ). وتصطحب معها حصيرا لتستتر به داخل المجلس.
هـ) أعمال ثقافية:
__________
(1) - الشماخي السير ج2 ص 485
(2) - الشماخي السير ج2 ص 567
(3) - الشماخي السير ج2 ص 326
(4) - الشماخي السير ج2 ص 327
(5) - الشماخي السير ج2 ص 369
(6) - الشماخي السير ج2 ص 378
(7) - الشماخي السير ج2 ص 772
(8) -الشماخي السير ج2 ص 615 (1/17)
صفحة 18
1) النصيحة: قالت أم زيد لأم زعرور (1):شيعيني أفيدك ثلاثا، فاستأذنت زوجها فأذن لها قائلا: شيعيها ولو ندفنك في إدبيرن – وهو اسم موضع فيه مصلى زوجها أبي محمد- فلما شيعتها قالت:
أ من شيع أخاه في الله، كتبت له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة.
ب ولا ينبغي للمسلم أن يبقى بغير صديق يفشي إليه سره ويشترك معه همومه فإن لم يجده من الرجال اتخذه من النساء والعكس صحيح.
ج وإذا اتفق رجلان على نكاح ولية ثم رجع الخاطب أو المخطوب إليه من غير سبب بعد ما فشا أمرهما فلا يلقي خيرا ولا يجد بركة.
2) حفظ الأشعار:
سمعت أم يحي (2) زوجة أبي ميمون رجلا أندلسيا في طريق الحج (3) ينشد قصيدة تضم ثمانين بيتا فحفظتها كلها.
3) إنشاد الأهازيج:
كانت زيدية بنت عبد الله المالوشائية (4) قاعدة مع النساء، وقد اجتمعت لعمل الصوف، واخذن يغنين، فوعظتهن وزجرتهن، وذكرتهن أمر الميعاد والحساب والقبر والموت بكلام بالبربرية له وزن وحلاوة.
وبعد فإنني أشاهد حضور قويا للمرأة المسلمة في مختلف مجالات حياة بلدتها وعصرها فهي لم تخلد إلى الأرض بل فرضت شخصيتها بكل جدارة واستحقاق فاستجاب لها الرجل الصالح وتعاون معها في تحقيق حضارة الاستخلاف في الأرض التي تعيش فيها .. وأروع ما في هذه النماذج العظيمة أننا نجدها لم تستخدم الدين للدجل والخنوع إلى زاوية المنزل بعيدة عن أحداث منطقتها.
هذه هي المرأة المعول عليها في عصرنا هذا لتحويل الدين إلى حياة سلام وقوة لا تقهر رغم كل الأعاصير التي تحيط بها ..
بنتي الطالبة، أمي الغالية، أختي العاملة هكذا كوني منارة خير للجميع أو لا تكوني.
نساء عاصيات:
__________
(1) - الشماخي السير ج2 ص 403
(2) - الشماخي السير: ج2 ص 376
(3) - الشماخي السير ج2 ص 376
(4) - الشماخي السير ج2 ص 484 (1/18)
صفحة 19
وبعد هذه النساء العالمات العاملات الطائعات المحسنات فإننا نجد الشماخي يذكر النساء العاصيات من باب الترهيب من العاقبة الوخيمة التي تنتهي إليها أمثالها فتحذر المرأة المسلمة من مثل سلوكها ولا ترغب فيه ..
نذكر من هذا النوع:
1) أبا القاسم سدرات بن الحسن البغطوري يعتبر من العلماء الراسخين في العلم الذين عمروا بعد وقعة مانوا ثلاثين سنة وكان عمره في وقعة مانو (120) عاما وكان يفتي للناس حتى توفي سنة 313هـ وهو في كامل قواه الفكرية والأدبية، ولكنه ابتلي في آخر حياته بزوجة (1) سيئة الخلق كانت تؤذيه وأسرفت عليه حتى بلغ الضرر مع الكبر .. وكان الناس ينفقون عليه لفقره ولكنها تمنع عنه هذه النفقة.
2) وأما ماطوس بن ماطوس العالم الصابر فإنه قد ابتلي بامرأة سوء حيث كان مرّة يحدث امرأة أخرى فلم ترض بذلك فألقت على عمامته رمادا .. وما زاد في ذلك إلا الحمد و الشكر .. وقد ضربت ابنه في يوم من الأيام إلى الحائط فخرج دماغه، وما زاده إلا صبرا جميلا .. وإذا قيل له طلقها. يقول: لا أريد أن يبتلى بها أحد غيري (2).
وهذه طبعا سنة الله في عباده فقد خلق منهم الطائع والعاصي .. ولكن مؤرخنا النزيه يريد منا أن نأخذ العبرة من جميع الأصناف ..
خاتمة:
بعد هذا العرض المقتضب في حياة المرأة بشمال إفريقيا نستفيد من هذه السير العطرة خمس حكم بليغة هي:
1) لا يمكن للمجتمع أن يعيش بدون تعاون الجنسين معا لصناعة حضارة متكاملة ..
2) لا يمكن للمؤرخ الواعي والكاتب الموضوعي أن يهمل الحياة العادية للمرأة في مختلف المجالات إذا كان يؤرخ للحضارة الباقية.
3) لا تمثل حياة الملوك والقصور والأميرات التاريخ الحقيقي للشعوب التي تحكمها بل هي تمثل طبقة معينة وجزءا ضئيلا من حياة المجتمع.
4) لقد مارست المرأة المسلمة خلال عشرة قرون جميع حقوقها وواجباتها بكل حرية واجتهاد.
__________
(1) - الشماخي السير ج2 ص 380
(2) - الشماخي السير ج2 ص 421 (1/19)
صفحة 20
5) الإخلاص في الدين لا يمنع المرأة المسلمة من ممارسة حريتها أو أداء واجباتها في جميع مجالات الحياة.
وإلى هنا يتوقف قلمي عن الكلام المباح، وأرجو أن أكون موفقا في هذه المداخلة العاجلة.
أشكر لكم كرم الإصغاء وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .. والسلام عليكم ورحمة الله ..
بقلم ح/أحمد بن حمو كروم
دار إروان العطف – ولاية غرداية – الجزائر
يوم الثلاثاء 06 محرم 1437هـ/20أكتوبر2015
المراجع والمصادر
1) أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي: كتاب السير، تحقيق الدكتور محمد حسن، ط1، دار الدار الإسلامي، بيروت، 1429/ 2009.
2) صالح مصطفى مفتاح: ليبيا منذ الفتح العربي حتى انتقال الخلافة الفاطمية إلى مصر، ط1، الشركة العامة للنشر، بيروت، 1398/ 1978.
3) لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ط1، المطبعة العربية، غرداية 1420/ 1999.
4) علي مصطفى المصراتي: مؤرخون من ليبيا مؤلفاتهم ومناهجهم، عرض ودراسة، ط1، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، مصراته، ليبيا، 1397/ 1977.
5) صالح سماوي: العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب: ط1، المطبعة العربية غرداية – الجزائر. جمعية التراث، 1426هـ/2005م.
6) د. محمد كمال الدين إمام: مائة كتاب إباضي، ط1، نشر وزارة الأوقاف، سلطنة عمان 1434/ 2013.
7) علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة 2 الإباضية في ليبيا، ط1، مكتبة وهبة، القاهرة 1384/ 1964. مطبعة الاستقلال الكبرى.
8) سليمان باشا الباروني: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، تحقيق أحمد حمو كروم وغيره، ط3، دار البعث، قسنطينة، 1423/ 2002.
9) أبو اليقظان ابراهيم بن عيسى: ملحق السير (مخطوط)
10) بكير بن سعيد أعوشت وأحمد كروم: مسلمات صالحات في روضة الإيمان ط1، المطبعة العربية، غرداية،1415/ 1995م
11) علي يحي معمر: الفتاة المسامة ومشاكل الحياة، ط2، مكتبة الظامري، سلطنة عمان،1431/ 2010م. (1/20)