صفحة 1
الكتاب: دراسات شمال إفريقية
تأليف: تادايوش ليفيتسكي
ترجمة الأستاذ: أحمد بومزقو
أعدها للنشر وقدم لها: موحمد ؤمادي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية سلسلة دارسات – 1
دراسات شمال إفريقية
جمع وترجمة لبحوث ذات أبعاد تاريخية اجتماعية ولغوية
(الجزء الأول)
تأليف: تادايوش ليفيتسكي
ترجمة الأستاذ: أحمد بومزقو
أعدها للنشر وقدم لها: موحمد ؤمادي
T
مقدمة الناشرT
ضمن أهداف مؤسسة تاوالت الثقافية التي وضعتها على عاتقها هو: ترجمة ونشر الأعمال المهمة والمتعلقة بتاريخ الشمال الإفريقي على العموم، والتاريخ الليبي على وجه الخصوص، ومن الأولويات التي وضعتها على عاتقها كذلك هو: ترجمة أعمال بعض المؤلفين المرموقين في هذا المجال، والتي لم يتسن لمقالاتهم أن تجمع وتنشر بين دفتي كتاب - وكانت قد صدرت على شكل مقالات متفرقة . ومن أهم من كتب في تاريخ شمال إفريقيا في العصر الوسيط هو: المؤلف والمتمزغ البولندي [تادايوش ليفيتسكي]، الذي علي الرغم من أهمية أعماله، فلم يتسن لأحد أن جمعها ونشرها بين دفتي كتاب، إلا لحظة كتابة هذه المقدمة. بالرغم من هذا، فلقد تم نشر بعض الأعمال المفردة للمؤلف في كتاب مستقل من أمثال: (المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية)، والذي ترجمه كل من: ريما وماهر جرّار، ونشر من قبل دار الغرب الإسلامي؛ وكذا كتاب: (تسمية شيوخ جبل نفوسة وقراهم – دراسة لسنية في الطوبونوميا والأنوميا الأمازيغية) ترجمه الأستاذ عبد الله ژارو، ونشر من قبل مؤسسة تاوالت الثقافية. (1/1)
صفحة 2
تكمن أهمية أعمال [ليفيتسكي]، في كونها مركزة ومتخصصة وذات طابع علمي منهجي في البحث والمقارنة، ويعتبر [ليفيتسكي] من القلة القليلة من المستشرقين المتخصصين في المذهب الإباضي، وتاريخه في إفريقيا الشمالية، والبحوث التي ننشرها بين يدي القارئ، تتنوع من بحوث تاريخية صرفة كبحث: "وثيقة إباضية لم تنشر حول هجرة أهل جبل نفوسة"، أو بحث " مملكة إباضية مغمورة - دولة بني مسالة"، أو بحث في مونوغرافيا(1) بحد ذاتها كالتي خصصها لـ " كتاب السير لأبي العباس أحمد الشماخي - مع بعض الملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل شماخ"، وتشمل المقالات المنشورة بحث الجغرافيا الاجتماعية، كالذي خصصه في مقاله المطول والمعنون: "التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية بشمال إفريقيا خلال العصر الوسيط"، أو بحثه المعمق في الفرقة المنشقة "النكار".
نرجو أن تضيف هذه التراجم إلى المكتبة التاريخية لشمال إفريقيا مزيداً من الفائدة، وخصوصاً لغير الناطقين باللغة الفرنسية التي كتبت بها هذه المقالات، وسوف ننشر من ضمن هذه السلسلة المعنونة: "دراسات شمال إفريقية" مقالات متنوعة ومتعددة ذات أبعاد: تاريخية ودينية ولغوية واجتماعية، وبعدة لغات: كالإيطالية والفرنسية والألمانية والإنجليزية.
يندرج هذا العمل الطموح في ترجمة كل الأعمال المنجزة عن تاريخ الشمال الإفريقي والتاريخ الليبي، ضمن برنامج متوسع تقوم به مؤسسة تاوالت الثقافية في برنامجها البعيد المدى للبحث في الجذور، والتعمق بدراسات علمية رصينة في موروث الأجداد.
الناشر
مؤسسة تاوالت الثقافية
الولايات المتحدة الأمريكية
__________
(1) TP PT _ المونوغرافيا (Monographic): متعلق ببحث مختص (بناحية واحدة أو بموضوع واحد). راجع المغني الكبير، لحسن سعيد الكرمي مادة Mono. (الناشر) (1/2)
صفحة 3
"كتاب السير" لأبي العباس أحمد الشماخي(1)
مع بعض الملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل شماخ
يعتبر كتاب "السير" لأبي العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد الشماخي - من أهل القرن الرابع عشر الميلادي - من أهم الأعمال التاريخية للمذهب الإباضي بشمال إفريقيا(2).
ولئن تأخر مؤلفه عن "حولية" أبي زكريا يحيى بن أبي بكر الورجلاني(3)، وكتاب "طبقات المشايخ" لأبي العباسي أحمد الدرجيني(4)، فإنه مع ذلك يستمد قيمته في كونه يختصر ويكمل الحوليات المذكورة أعلاه، فضلاً عن عدد آخر لا يستهان به من الأخبار والسير. والقسم الأكبر منها وصلنا بفضل الاقتباسات المعتمدة في كتاب "السير".
__________
(1) - هذا المقال هو ترجمة لبحث نشر في: [مجلة الدراسات الإسلامية Revue des Etudes Islamiques]، في عددها الصادر سنة (1934م)، بعنوان: [Une Chronique ibadite « kitab as-Syiyar » d’Abul ‘Abbas as-Sammahi avec qulques remarques sur l’origine et l’histore de la famille des Sammahis.] لمؤلفه المتمزغ البولندي: [تادايوش ليفيتسكيTadeusz Lewicki ]. ترجمة الأستاذ: أحمد بومزقو.
(2) - طبع طبعة حجرية بالقاهرة سنة (1301هـ).
(3) - مؤلف إباضي، عاش في نهاية القرن 5هـ، ترجم [مسكراني]، جزءاً من أخباره المسماة "كتاب السيرة و أخبار الآئمة" بشكل رديء، تحت عنوان: سيرة أبي زكريا، الجزائر (1878م)، وتحتوي سلسلة المخطوطات بجامعة [لپوپ] (بولندا) على نسخة جيدة من هذه الأخبار. أنظر كذلك: [دي كالاسنتي موتيلنسكي]، مراجع ميزاب، وكتب المذهب الإباضي في نشرة المراسلة الأفريقية، (1885م)، ج3 ص36 إلى 38.
(4) - كتبت بعد (626هـ) أنظر : نشرة المراسلة الأفريقية، (1885م) ج3 ص38-43، و تتضمن سلسلة [لپوپ] نسخة كاملة منها تحت رقم 275. (1/3)
صفحة 4
والقصد من الموضوع الحالي، هو تحليل عمل الشماخي، الذي لا ينطوي على قيمة في التأريخ للبدايات الأولى للإسلام والمذهب الإباضي فحسب، وإنما كذلك في معرفة تاريخ إفريقيا الشمالية، ودراسة العنصر الأمازيغي. وقبل الدخول في تفاصيل هذا التحليل، يقتضي بنا الأمر الحديث بإسهاب عن أسرة صاحب كتاب "السير".
يعتبر آل شماخ من الأسر الذائعة الصيت والعريقة بجبل نفوسة، وهي التي أنجبت عدداً لا يستهان به من الشخصيات المرموقة والعلماء الذين هم عماد إباضية المغرب، والشيء المؤكد أن أصولها قد ضاعت في غياهب القرون الأولى للهجرة. وحسب ما رواه العالم الإباضي المعاصر الشيخ محمد أطفيش. فإن الجد الأعلى لآل شماخ ينحدر من قبيلة عربية تدعى شمامخة(1).
أعتبِرُ أن هذا الطرح يبدو مبتكراً للأسباب الآتية:
بداية نصادف أسماء أمازيغية داخل نسب أسرة آل شماخ (انظر اللوحة المرفقة بالمقال)، يضاف إلى ذلك أننا نفتقر إلى معطيات أكثر دقة حول القبيلة العربية ببلاد المغرب (بنو شماخ) لا عند ابن خلدون، ولا عند المؤرخين العرب الذين راجعت مؤلفاتهم. ولا غرو أن ما طرحه أطفيش يرتكز فقط على ترجيح النسب العربي لآل شماخ.
ألا يمكن بالأحرى النظر إلى هذه النسبة بمثابة مظهر لاسم مكان وليس لاسم قبيلة؟
__________
(1) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، الجزائر، ص141؛ أنظر هذا المقال لاحقاً كذلك. (1/4)
صفحة 5
نعلم حسبما أورده الإدريسي، - الجغرافي العربي المنتمي إلى القرن الثاني عشر الميلادي - أن هناك في قلب بلاد الأمازيغ والإباضية، وتحديداً على الحدود الحالية بين تونس وطرابلس، بلدة تدعى "قصر الشماخ"(1) في موضع قرب "رأس المحبس" محاطة بالقبائل الأمازيغية الإباضية كـ زواغة(2)، التي كانت تستوطن في نهاية هذه الفترة بضواحي قابس(3)، قبالة جزيرة "جربة"، بمقاطعة تعرف بـ "أرض ريضة"(4). وبعيداً كذلك إلى الشرق على ساحل طرابلس توجد مدينة زواغة(5).
__________
(1) - وصف إفريقيا وإسبانيا للإدريسي، طبع وترجمة [دوزي] و [خويه] نص عربي ص129، ترجمة فرنسية ص153.
(2) - تنتمي قبيلة زواغة الأمازيغية إلى جذم ضاري، وصاهرت زناتة. أنظر: ابن خلدون، تاريخ البربر، ترجمة: [سلان] الطبعة الثانية، باريس، (1925م) ج1، ص255؛ وكانت تعتنق المذهب الإباضي منذ (196هـ)، وأصبح جزءاً منها تابعاً للخلفية. [مسكراني] سيرة أبي زكريا، ص190. بينما بقي الجزء الآخر وفياً للمذهب الإباضي - الوهبي. كتاب السير، ص345؛ أنظر هذا المقال لاحقاً كذلك.
(3) - الشماخي، كتاب السير، ص161.
(4) - هكذا وردت في كتاب السير،ة، مخطوط [لپوپ]، كراسة رقم39، إلى الشمال تسمى هذه المقاطعة ربطة مخطوط [لپوپ] ويجب قراءتها زيطة مع ربطها بالمدينة الرومانية القديمة [زيثا Zitha] المتواجدة بموضع [زيان Ziane] الحالية.
(5) - أو صبراتة زواغة، وهي مركز مقاطعة لا تزال إلى حدود القرن التاسع الهجري، مسكونة من طرف زواغة وتسمى حالياً زوارة. أنظر: وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، [سلان] ص41.
ملحوظة: حري بنا التدقيق في هذه المقارنة لأن المدينتين مختلفتين تماماً، رغم قرب المسافة بينهما. (الناشر) (1/5)
صفحة 6
في اعتقادي تستمد أسرة آل شماخ أصولها على الأرجح من مدينة "قصر الشماخ"، ولربما سمي كذلك تمجيداً لأحد القادة العرب(1). وبالتأكيد فإن سكانها من العنصر الأمازيغي كما هو الشأن بالنسبة لسكان المدن المجاورة. أيا كانت أصول آل شماخ، أمازيغية أم عربية فإننا نجد جدها الأعلى أبا يعقوب يوسف، قد استقر قبل ذلك بجبل نفوسة - حوالي القرن الرابع الهجري(2) - وقد اهتدينا إلى هذا التاريخ التقريببي أسوة بكتاب السير والتراجم الذين يحصرون المدة الزمنية للجيل الواحد في خمسين سنة تقريباً.
إذا سلّمنا أن أبا موسى عيسى بن سلميان بن يوسف بن سلميان بن أبي يعقوب، وهو من حفدة الشيخ المذكور أعلاه، عاش حوالي (599هـ)(3)، فإن هذا الأخير عاش على الأرجح قرنين قبل ذلك، وكان يسكن مدينة تيغرمين على الحد الشرقي لجبل نفوسة جهة إقليم يفرن(4)
__________
(1) - في سنة (177هـ/793م)، تمت الإشارة إلى أحد الشمامخة، وكان في خدمة إبراهيم الأغلب عامل الزاب، الذي أصبح حاكماً على إفريقية إبتداء من سنة (800هـ). أنظر: [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ص260.
(2) - كتاب السير، ص551.
(3) - كتاب السير، ص1- س.
(4) - كتاب السير، 1-س قصر تيغرمين، حالياً عبارة عن خرائب. تقع إلى الشرق من الزنتان. [موتيلنسكي]، جبل نفوسة، (كتابة وترجمة للفرنسية مع بعض الملاحظات النحوية)، (باريس 1899م). وبناء على رواية إبراهيم بن سليمان الشماخي، ص82، أنظر كذلك: [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص108-109. و"تعتبر تيغرمين أقصى مدينة في شرق جبل نفوسة". كتاب السير، ص303.
ملحوظة: ترجم الكتابين من طرف مؤسسة تاوالت الثقافية. (الناشر) (1/6)
صفحة 7
. وأبا يعقوب مما لا شك فيه أنه هو نفسه "حكيم تيغرمين" الذائع الصيت الذي كان معاصراً للشيخ أبي الربيع سليمان بن زرقون النفوسي من أعيان النصف الثاني من القرن الرابع الهجري(1)، حسبما أورده صاحب كتاب السير. وبنفس المدينة يوجد قبر أبى يعقوب يوسف، وبها تعيش ذريته التي تحظى باحترام كبير من لدن سكانها(2). وكما أسلفنا في السابق، فإن أحد حفدته، ويدعى الشيخ أبو موسى عيسى، (كان حياً حوالي 549هـ)، هو مؤلف السير أو تراجم مشايخ إباضية جبل نفوسة(3) أما أبو زكريا يحي بن عبد العزيز، ابن أخ هذا الأخير، فقد كان نساخاً بارزاً، له تعليق على "الدعائم"(4)، كما درس بتيغرمين حوالي (704هـ)(5).
__________
(1) - كتاب السير، ص253. أنظر كذلك: طبقات المشايخ، مخطوط [لپوپ]، رقم 275؛ نشرة المراسلة الأفريقية، ج3، ص41.
(2) - كتاب السير، ص551.
(3) - كتاب السير، ص1. قارب [باسي] عن خطأ بين هذا المؤلَّف و"سير نفوسة" الذي كتب سنة (599هـ) لمؤلف يسمى مقرين بن محمد البغطوري. السير ص548؛ راجع: [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص109.
(4) - ضمن قائمة الكتب الإباضية التي أوردها البرادي، والمترجمة من طرف [موتيلنسكي] في: مراجع ميزاب، وكتب المذهب الإباضي. نجد كتاب "دعائم الأصل" وهو عبارة عن مجموعة يتضمن 41 قصيدة؛ نشرة المراسلة الأفريقية، ج19، ص21.
(5) - كتاب السير، ص552-553. (1/7)
صفحة 8
و مع ابن أخ أبي زكريا المسمى شُعيب، انقطعت معارفنا عن هذا الفرع من نسب آل شماخ(1). و قد غابت عن الأنظار خلال القلاقل والحروب الأهلية التي استفحلت خلال هذه الفترة، وكان من نتائجها إخلاء تيغرمين من سكانها(2) وخلال النصف الأول من القرن الثامن للهجرة طفت أخبار الفرع الآخر من الأسرة على السطح، مع علي بن عامر بن سيفاو. وغالب على الظن أنه كان يسكن بدوره في تيغرمين مع أحد أبنائه، وإن كان- على ما يظهر- يرغب في استبدال مقر إقامته. وهذا ما يستفاد من حيازته آنذاك لملكية عقارية بإقليم يفرن(3)، حيث كان سكانها حديثي العهد بالمذهب الإباضي- الوهبي(4).
في اعتقادي إن أول من استقر من أبناء علي هو أبو ساكن عامر سنة (756هـ) بمعية أسرته. وأقام قرب المسجد الكبير(5)، وهو بلا شك نفس الشخص الذي يتواجد بـ "أت معان" ولا زال يعرف إلى يومنا هذا باسم مقّور (بالعربية "الكبير"). وحسب الروايات المحلية، فإنه يطابق المسجد الذي كان يدرّس به الشيخ عامر(6). ومنذ (756هـ)، أصبحت أخبار عشيرة آل شماخ ترتبط تاريخياً بيفرن، مستقر أفرادها إلى يومنا هذا(7).
__________
(1) - كتاب السير، ص554.
(2) - كتاب السير، ص551.
(3) - نفس المصدر، ص561.
(4) - كان أهل هذه المقاطعة المتواجدة إلى الشرق من جبل نفوسة فيما سبق خلَفِيون أو حسنيون (إباضية متعصبة) كتاب السير، ص342-546.
(5) - كتاب السير، ص559.
(6) - تقع بلدة آت معان قرب أت الحارت. [موتيلنسكي]، جبل نفوسة، ص77.
(7) - إبراهيم بن سليمان أشماخي صاحب (ئغاسرا د ئبريدن دي درارن نـ ئنفوسن)، المترجم من قبل [موتيلنسكي] أصله من يفرن. جبل نفوسة ص115. (1/8)
صفحة 9
ولد الشيخ أبو ساكن عامر في النصف الأول من القرن الثامن الهجري، ثم أقام بـ "متيون"،كفقيه مدرس لمدة ثلاثة عشرة سنة(1). وفي (756هـ) بالتحديد استقر ببلاد يفرن متفرغاً للتدريس، محاطاً بعدد كبير من الطلبة، من أبرزهم على الإطلاق أبا الفضل أبو القاسم البرادي مؤلف "الجواهر المنتقاة"(2). ونظراً للحظوة التي كان يتمتع بها بين سكان إقليم يفرن، فقد كان له الفضل في فظ النزاع بين مدنه التي انشطرت إلى قسمين متصارعين(3). توفي سنة (792هـ)(4)، وحسب ما أورده أطفيش في "سيرة" فإنه دفن بـ القصير(5)، واعتقد أنه ينبغي بالأحرى قراءته "ديسير" وربطه بمسيل بالقرب من أت ؤغاسرو، بيفرن، حيث تتواجد القبور بكثرة ومازال به مسجد يعرف بـ أبي ساكن(6). ومن بين أعماله المكتوبة كلها في أخريات حياته، والتي تعتبر من المراجع الأساسية لإباضية المغرب، نذكر ديوانه الضخم في أربع مجلدات، وهو ذو مضامين دينية، شرعية، إلا أنه مبتور للأسف، كما ألف كذلك قصائد دينية(7).
__________
(1) - كتاب السير، ص559. أنظر كذلك مقال ابن شنب في الموسوعة الإسلامية، ص317. وعلى الأرجح ربط هذا الاسم بـ أت ئميتوين، بلدة أمازيغية، تقع غرب الحمران بجبل نفوسة. [موتيلنسكي]، جبل نفوسة ص97.
(2) - كتاب السير، ص560؛ أنظر كذلك: نشرة المراسلة الأفريقية، ج3، ص43-46.
(3) - كتاب السير، ص561.
(4) - نفس المصدر، ص559.
(5) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا ص141.
(6) - [موتيلنسكي]، جبل نفوسة ص75-76.
(7) - كتاب السير، ص560. (1/9)
صفحة 10
ترك أبو ساكن ولدين: أبو عمران موسى، البارع في علوم الفقه والفروع، توفي (807/808هـ)(1)، ولهذا الأخير بدوره ولدان هما: أبو محمد عبد الله وأبو عثمان سعيد، الأول عاش في النصف الأول من القرن التاسع الهجري، تابع دراسته بجبل نفوسة ويفرن حيث تفرغ للتدريس فيما بعد(2)، وفي أخريات حياته انتقل إلى إگنّاون(3) بجبل نفوسة، بسبب الحروب المستمرة التي كانت يفرن مسرحاً لها. أما أبو عثمان فقد كان ضمن الطلبة الذين أخذوا عن شقيقه ومباشرة بعد أن حج صحبته سنة (829هـ)، تابع تحصيله الدراسي بتونس، حيث درس المنطق والأصول وغيرهما من العلوم. واشتهر عنه أنه كان متضلعاً في فن الطب. وبعد رحيل شقيقه إلى جبل نفوسة، بقي بيفرن إلى أن توفي بها سنة (865هـ)(4). ورزق له ولداً سماه: أبو العباس أحمد؛ مؤلف كتاب "السير".
نجهل الشيء الكثير عن حياة أبي العباس أحمد بن أبي عثمان الشماخي، وما نعرف عنه أنه كان لا يزال في ريعان شبابه سنة (865هـ)، تاريخ وفاة والده. ويعتبر أبو عفيف صالح بن نوح من بلدة مرساون(5) من العلماء الذين أخذ عنهم العلم في بداية عمره. وخلال هذه الفترة أقدم أبو العباس على زيارة الأماكن المقدسة بجبل نفوسة وخاصة أمسين(6)
__________
(1) - كتاب السير، ص562.
(2) - [موتيلنسكي]، سبق ذكره.
(3) - كتاب السير، ص569 وبعدها تقع هذه البلدة بنواحي فساطو، وهي الآن مجردة عن عظمة لأمة سابقة، [موتيلنسكي]، جبل نفوسة ص88؛ [باسي]، مشاهد، ص95. وذكرت خلال القرن الثاني الهجري، زمن الإمام الرستمي الثاني عبد الوهاب. [باسي]، سبق ذكره.
(4) - كتاب السير، ص573.
(5) - تستوطن حاضرة مرساون القديمة موضع الحارت الحالي بمقاطعة يفرن. [موتيلنسكي]، جبل نفوسة، ص77.
(6) - كتاب السير، ص544-543 . حول أبي العباس أنظر:
- نشرة المراسلة الأفريقية، ج3، ص47-41.
- ابن شنب في الموسوعة الإسلامية، ص317.
- [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص424-425.
- [سموقورزفسكي]، بيبلوغرافيا إباضية - وهبية.
الذي أهيئه للنشر. أماسين أو مسين كما ورد في كتاب السير، فهو مسيف كما ورد خلال القرن العاشر الميلادي، من طرف ابن حوقل. [خويه]، ص67. (1/10)
صفحة 11
، وذلك على عادة إباضية المغرب. وبعد وفاة شيخه، واصل المؤلف تحصيله متنقلاً بين طرابلس وتونس. لهذا نراه خلال هذه الفترة في أقصى جنوب تونس بجبل دمر بتيطّاوين (حالياً تطاوين)(1) ثم تلالت المجاورة لها(2).
في نهاية القرن التاسع الهجري (891 أو 892 هـ)، طال مقامه بتونس، وكانت مناسبة تفاوض خلالها مع حاكم إفريقية حول بعض القضايا الدينية(3). وأثناء ذلك تعرف على الحاج محمد بن عبد الله العماني الشمائلي، الذي كان مديناً له بلا شك في ما أورده في كتاب السير من تفاصيل جزئية، خاصة الفصول المخصصة لتراجم مشايخ العراق والجزيرة العربية(4).
الواضح أن أبا العباس يملك عقلاً متفتحاً، ففي مؤلفه لم يتردد بالاستشهاد بالروايات المأثورة عن علماء السنة. توفي سنة (928هـ). حسبما أورده محمد بن زكريا بن موسى الباروني - وهو من كتاب النصف الثاني من القرن العاشر الهجري- في خاتمة نسخه لـ "كتاب السير" الذي أعيد استنساخه في المطبعة الحجرية بالقاهرة(5).
يوجد مزار أبي العباس، حسب الروايات الإباضية، غير بعيد عن قصبة بن مادي بإقليم يفرن(6).
__________
(1) - كتاب السير، ص158-159. خُرِّبَ هذا القصر ثم أعيد بناءه بعد أن كان متواجداً في نهاية القرن الثاني الهجري، على عهد الإمام الرستمي عبد الوهاب الذي أقام به.
(2) - كتاب السير، ص545.
(3) - كتاب السير، ص544-545.
(4) - نفس المصدر، ص565.
(5) - نفس المصدر، ص577. محمد بن زكريا هو صاحب كتاب "نسبة دين المسلمين" ألف سنة (970هـ)، وطبع طبعة حجرية، كملحق لكتاب السير، (ص578-583 خاصة ص578).
(6) - [سموقورزفسكي]، مواد دراسته البيبلوغرافية. (1/11)
صفحة 12
وفي سياق وصفه لجبل نفوسة، أورد إبراهيم بن سليمان أشماخي هذا الموضع تحت اسم خليفة ؤمادي(1) الموجود بموقع مرساون القديم غير بعيد عن شرق آت الحارت، وبالقرب من المكان نفسه، تستقر عشيرة آل شماخ منذ أبي ساكن(2). و بعد أبي العباس، ثمة أشياء كثيرة نجهلها عن تاريخ آل شماخ.
كتاب السير
لنمر الآن إلى دراسة كتاب السير، وهو من الأعمال الرئيسية لأبي العباس. وللأسف، فإن هذا الكتاب الهام بالنسبة للتاريخ السياسي والديني والاجتماعي لمناطق الجزيرة العربية والعراق وإفريقيا الصغرى، لم يكن موضوع دراسة نقدية، على الرغم من أن أول نسخة منه استنسخت بجبل نفوسة ثم نقلها مبكرة إلى أوربا حوالي سنة (1860م)، من طرف الرحالة العلمي [هنري دوفييري](3) وعلى مر السنين، تمكن [إ. مسكوري] من الحصول على نسخة من "كتاب السير" فضلاً عن النُسخ المتوفرة بكثرة وبشكل كاف بالمزاب، وجبل نفوسة(4). وقام بترجمة أجزاء من الفصول الأولى التي تتناول أخبار إباضية الشرق، بشكل جزئي، وصنفها في الملحق الذي ذيل به ترجمة كتاب "أبي زكريا"(5).
__________
(1) - أو (ؤ) في الأمازيغية يقابلها ابن في العربية.
(2) - ونعلم أن هناك مسجد بمرساون غير بعيد عن الحمران إلى الغرب من جادو.
- [موتيلنسكي] سبق ذكره، ص96.
(3) - [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص424.
(4) - [باسي]، سبق ذكره.
(5) - الجزائر، 1878م ص325-390. (1/12)
صفحة 13
و في سنة (1884م) نُشِرَ الكتاب في طبعة حجرية بفضل عناية طالب إباضي من جبل نفوسة يدعى: الحاج سليمان بن مسعود النفوسي، ثم قام بعرضه للبيع بكل من الجزائر والمزاب وقسنطينة حيث مستقره(1). وقد شابت هذه الطبعة عيوباً كثيرة خاصة ما يتعلق فيها بطريقة كتابة أسماء الأعلام البشرية التي لها قيمة كبرى. وذيله الناشر بفهرسة المواد، تسهيلاً للبحث عن التواريخ والتراجم(2).
وفي السنة الموالية، نشر المستعرب والمستمزغ الكبير [موتيلنسكي] كتابه الرئيسي حول بيبليوغرافيا المزاب، خصص فيه مقالاً لكتاب السير، حيث ترجم فهرس المواد المشار إليه أعلاه(3)، كما وضع ملحقاً لأسماء الأماكن والقبائل الواردة في عمل الشماخي. وبالمقابل نتأسف على كونه لم يقم بنفس الإجراء فيما يخص أسماء الأعلام البشرية(4).
كتاب السير عبارة عن مصنف في تراجم مشايخ الإباضية منذ بداية المذهب حتى عصر الشماخي. فإلى جانب المعطيات المتعلقة بالتراجم والتي تشكل جوهر الكتاب نجد مقاطع تاريخية طويلة، إلا أنها للأسف ليست دائماً مرتبة، ويتعلق الأمر بالفترة الإسلامية الغابرة، وظهور الشيعة والخوارج، وتمردات الإباضية،وأخيراً تاريخ الحركات الإباضية بشمال إفريقيا، التي أفضت إلى إقامة أسرة حاكمة قوية من الأئمة الرستميين بإفريقيا الصغرى. وقد وضع كتاب "السير" تاريخاً شاملاً حولها. وثمة كذلك تفاصيل كثيرة عن الحياة الاجتماعية للأمازيغ، وكذا تقاليدهم التي ترد في سياق تراجم مشايخ إباضيي شمال إفريقيا، الذين ينتمون كلهم تقريباً إلى العنصر الأمازيغي.
__________
(1) - [موتيلنسكي] في مواد دراسته البيبلوغرافية. ص47-48؛ [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص425.
(2) - أنظر كذلك كتاب السير، ص600.
(3) - كتاب السير، ص1.
(4) - كتاب السير، ص48-65. (1/13)
صفحة 14
الواضح أن المؤلف قد نهج أسلوباً منهجياً بحيث لم يقتصر فقط على عرض الوقائع المقتبسة من كتب الأخبار الأخرى، وإنما أخضعها للمقابلة والمقارنة وكان حريصاً في الغالب على ذكر المصادر التي يعتمد عليها، ويعزى إليه الفضل في نقل مقتطفات من العديد من الأخبار والسير التي غالباً ماكانت قديمة، والبعض منها يرجع إلى نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني الهجري.
وبما أن فهرس مواد كتاب "السير"، قد سبق نشره، سأكتفي هنا ببعض الملاحظات حول محتوى عمل الشماخي ويمكن تقسيم هذا الأخير إلى جزئين رئيسيين: أولهما ما يتضمن التاريخ القديم لإباضية الشرق (ص1-123) والثاني، الأكثر أهمية، يحتوي على فترات أوج إباضية المغرب، (ص123-577).
القسم الأول: يحكي قصة الرسول (1-61 هـ)، والخلفاء الأربعة، ثم بدايات الحركة الإباضية على إثر أحداث صفين والنهروان (16-53 هـ). ويتضمن تراجم الأئمة والشيوخ الإباضيين بالعراق والجزيرة والبصرة وعمان واليمن وحضرموت حتى نهاية القرن الثاني الهجري (53-123 هـ).
القسم الثاني: هذا القسم من "كتاب السير" (123-138 هـ) يتعرض لانتشار المذهب الإباضي فى إفريقية "القيروان"، والأئمة الأولين بها. بعد ذلك وضع تاريخ أسرة بني رستم الحاكمة ممزوجاً بشكل كبير بالتراجم المروية (136-272 هـ)، عقب سرد تراجم مشايخ الغرب (272-577 ) والتي لم تكن مصنفة لا تصنيفاً أبجدياً ولا كرونولوجياً(1).
__________
(1) - كرنولوجيا: علم ترتيب "تعيين" الحوادث تاريخياً. المغني الكبير، الكرمي. (الناشر) (1/14)
صفحة 15
نقل لنا صاحب "كتاب السير" كذلك بعض الوثائق والرسائل القديمة جداً، فعلى سبيل المثال: أورد رسالة من الإمام عبد الوهاب إلى مشايخ نفوسة (180-181)، وهي مقتبسة على ما يبدو من مجموعة بعنوان "أجوبة الأئمة" الذي أشار إليه البرادي في فهرسه(1). وعلى الرغم من كون الجزء الأكبر من المصادر التي اعتمدها الشماخي ذات مصدر إباضي، فإن المؤلف نهل على حد سواء من أخبار غير إباضية، منها:
(1) - تعتبر الحولية المنسوبة لابن الصغير من أقدم الأعمال الغير إباضية التي استفاد منها الشماخي وقد وردت في "كتاب السير" في سياق الحديث عن تاريخ الرستميين (192-221). والجدير بالذكر، فإن الحولية المذكورة ألفت بتيهرت حوالي سنة (290هـ)، ونشرت من طرف [موتيلنسكي] الذي بسط في تقديمه للكتاب معلومات عن المؤلف وصاحبه(2).
(2) - من المراجع السنية التي اعتمد عليها "كتاب السير"، نجد كتاباً لمؤرخ مشهور وهو أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (345هـ/956م)، يستشهد به الشماخي في عدة مناسبات أثناء الحديث عن تاريخ الخلفاء (ص10-31-32-39-40-59). إن تحليل هذه الإستشهادات حملني على الاعتقاد بان مؤلَّف المسعودي الذي اعتمده الشماخي هو مروج الذهب الذي ترد به مقاطع مماثلة(3).
__________
(1) - [موتيلنسكي] في مواد دراسته البيبلوغرافية. ص46، رقم23.
(2) - أعمال المؤتمر الرابع عشر الدولي للمستشرقين، ج3 ص3-132 وخاصة ص3-5.
(3) - Ed et Trad G. Barbier de Meynard et Pavet de Courteille Paris 1861-1877. V. vol IV p : 256-7, 276-7, 304 (1/15)
صفحة 16
(3) - ثمة مُؤَلَّفْ سني ثالث ذكر في مؤلف الشماخي، وهو لابن الرقيق. وبلا شك فهو المؤرخ العربي نفسه أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم الرقيق، المنتمي إلى القرن الرابع الهجري (توفي 383-399هـ). عاش بالقيروان زمن الدولة الرستمية، ألف ديواناً في الشعر و"تاريخ أنساب البربر"، ومصنفاً حول تاريخ إفريقيا الشمالية، كتبه بعد (377هـ/987م). ومنه كان الشماخي يقتبس المقاطع الواردة في مؤلفه(1) وخاصة ما يتعلق منه بإباضية إفريقية، ومن جملة ذلك حملة أبي الخطاب المعافري، وهو أول إمام إباضي على القيروان (ص127) وكذا قضية حملة ابن طولون (ص268).
(4) - بخصوص المصادر الإباضية القديمة المعتمدة في "كتاب السير"، فإن غالبيتها كتب من لدن الإخباريين المشارقة بالبصرة واليمن. ولعل من أقدمها على الإطلاق رواية تحت عنوان "كتاب النهروان". وقد ذكرت في مؤلف الشماخي عدة مرات (ص51-55) في شأن التحكيم الذي تلا واقعة صفين ومعركة النهروان. وكان الكتاب كذلك معتمد البرادي(2) في "الجواهر المنتقاة". و على الرغم من جهلنا التام بصاحب هذا العمل، فيبدو أنه ألف بإيعاز من عبد الله بن يزيد الفزاري(3)، الذي يروي عن العالم الملقن المشهور حافز بن جابر بن زيد الأزدي المتوفى (96هـ)(4). أما باقي الروايات المحفوظة في "كتاب النهروان" فمصدرها شخصان آخران هما عطّار بن إبراهيم(5) ومسعود بن الحكم الهمداني(6).
__________
(1) - ابن خلدون، تاريخ البربر، ترجمة: [سلان]، ج 1، ص292؛ [كارل بروكلمان]، تاريخ الأدب العربي، ج1 ص155.
(2) - نشر بالقاهرة (1302هـ)، في مواضع متفرقة. والبرادي عاش خلال القرن الخامس عشر الميلادي.
- [موتيلنسكي] في مواد دراسته البيبلوغرافية، ص43-44.
(3) - الجواهر، ص129. أنظر كذلك فهرسة نفس المؤلف عند [موتيلنسكي] سبق ذكره رقم2.
(4) - كتاب السير، ص70-74.
(5) - كتاب السير، ص51.
(6) - كتاب السير، ص54 (1/16)
صفحة 17
(5) - إلى فترة حديثة شيئاً ما، وصلنا مصدر تاريخي إباضي، ذكر من طرف كتاب السير، وهو "مسند" الربيع بن حبيب(1). فالمؤلف الذي عاش حوالي القرن الثاني الهجري(2). كان يسكن البصرة في حي يعرف بالحرسة(3). فيما بعد نراه بمكة، حيث استشير في موضوع مجموعة النكار المنشقة، التي برزت بين صفوف الإباضية بعد وفاة الإمام عبد الرحمن(4) - أول أئمة الدولة الرستمية بتيهرت – الذي كان مبجلاً بشكل كبير لدى أتباعه كعالم مرموق في المذهب، بعد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي كان شيخاً له(5). أما باقي الشيوخ الذين أخذ عنهم الربيع فهما: أبو نوح صالح الدهان(6) وهمام بن سعيد(7).
يتكون عمل الربيع من ثلاثة أجزاء، دون أدنى ترتيب. ويرجع الفضل إلى أحد علماء إباضية المغرب وهو أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي - عاش في "ورجلان" حوالي النصف الثاني من القرن السادس الهجري - في تنظيم وترتيب المواد المضمنة في المسند(8). وحينما يستشهد الشماخي بهذا الكتاب (104-113-117) فيحتمل أنه لا يحيل إلى النص الأصلي وإنما إلى مصنف السدراتي.
__________
(1) - وردت ترجمة أبو عمار الربيع بن الحبيب في طبقات الدرجيني نسخة [لپوپ] ص77. وفي كتاب السير، ص102 وفيما بعد.
(2) - صنف الدرجيني الربيع ضمن الطبقة الرابعة.
(3) - الطبقات ص78.
(4) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا ص64-271.
- كتاب السير، ص147 وكان حياً حوالي (196هـ).
(5) - [مسكراني]، سبق ذكره، ص74.
(6) - أنظر أسفله.
(7) - أنظر أسفله.
(8) - كتاب السير، ص121 وما بعده.
- [موتيلنسكي] في مواد دراسته البيبلوغرافية، ص27 رقم74. (1/17)
صفحة 18
(6) - أما الفصول التي خصصها "كتاب السير" لتاريخ إباضية الشرق وتراجم شيوخ البصرة وعمان وحضرموت، فقد ارتكزت بالأساس على كتاب أبي سفيان الذي يستشهد به في عدة مواضع (67-117) واسمه الكامل هو: أبو سفيان محبوب بن الرحيل، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري(1). وكان لا يزال حياً خلال نهاية حكم الإمام الإباضي عبد الوهاب بتيهرت، حيث عمل وقتئذ حكماً في قضية خوارج الخلفية(2).
تنتمي أسرة أبو سفيان إلى قبيلة عبد قيس العربية(3). وكانت تسكن البصرة بحي الأزد(4)، وذلك أثناء تمرد الإباضية (77هـ) وأجبر أحد أسلاف الأسرة، ويدعى هبيرة، على مغادرة البصرة بإيعاز من الحجاج، ليستقر في بداية الأمر في منفاه ببلاد عمان(5)، حيث لازم الإمام الإباضي جابر بن زيد ومن المحتمل أنه أخذ كذلك عن الشيخ أردون(6) وبعد ذلك واصل تحصيله عند أبي عبيدة مسلم بالبصرة(7).
كان أبو سفيان على اتصال وثيق بالأمير الإباضي عبد الله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق، وهو زعيم متمردي إباضية عمان سنة (129هـ)(8). وفي حوزتنا رسالة من أبي سفيان إلى الإمام المذكور، وهي محفوظة في "كتاب الطبقات" للدرجيني(9).
__________
(1) - الطبقات، ص78.
(2) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا ص137-141.
(3) - يحمل أبو سفيان نسبة العبدي. الدرجيني، كتاب الطبقات، مخطوط ص75 [لپوپ]، وإلى قبيلة عبد القيس ينتسب الكثير من علماء الإباضية أمثال : جعفر بن السماك، (كتاب السير، ص79) وصحار العبدي (كتاب السير، 80-81).
(4) - كتاب السير، ص81.
(5) - نفس المصدر، ص72.
(6) - نفس المصدر، ص116.
(7) - نفس المصدر، ص112.
(8) - المسعودي: مروج الذهب ج4، ص66.
(9) - مخطوط [لپوپ]، خلف78، نص82؛ [موتيلنسكي] بيبلوغرافيا. ص18 رقم11. (1/18)
صفحة 19
الواضح أن عمل أبي سفيان كان معروفاً لدى البرادي الذي استشهد به في كتابه. إضافة إلى كونه يعالج مسائل لها علاقة بالاجتهاد والأصول وقضايا المذهب، فمما أورده عنه أيضاً يتضمن مختلف الروايات(1). لقد توغل هذا المرجع بشكل مبكر إلى إفريقيا الشمالية، حيث أضحى مرجعاً أساسياً كثر عليه الإقبال، وذلك منذ النصف الأول من القرن الثالث للهجرة، خلال فترة حكم الإمام الرستمي أفلح بن عبد الوهاب، الذي أوصى بشدة بدراسة هذا المصنف(2). وكان معتمد هذا الأخير ما أورده "مسند الربيع" وكذا عدد من الروايات نذكر منها على سبيل المثال تلك المنقولة عن أبي عبيدة مسلم الذي أشرنا إليه في السابق. وهو من كبار علماء الإباضية، عاش في النصف الأول من القرن الثاني الهجري(3). جلس للتدريس بالبصرة، وعدّ من بين تلامذته عدد من المبعوثين لحمل المذهب الإباضي إلى بلاد المغرب(4). ألف مصنفاً يتضمن الأحاديث المروية عن مشايخ النصف الثاني من القرن الأول الهجري من أمثال: جابر بن زيد، وجعفر بن السماك(5) وصحار العبدي(6) المعاصر للخليفة معاوية، وكان خطيباً ونسابة مرموقاً. وضمن مؤلفاته أشار ابن النديم في فهرسته إلى كتاب "الأمثال" الذي يشكل بلا شك مصدر معلومات أبي عبيدة في مؤلفه(7)، وضمن مصادر هذا الأخير كذلك نذكر أبا نوح صالح الدهان، من علماء الإباضية - عاش خلال النصف
__________
(1) - [موتيلنسكي] في مواد دراسته البيبلوغرافية. ص17 رقم10.
(2) - طبقات الدرجيني، 82 ؛ [موتيلنسكي]، أنظر أعلاه.
(3) - طبقات الدرجيني، رقم 82؛ [موتيلنسكي] في مواد دراسته البيبلوغرافية. ص17 رقم10؛ [مسكراني]، سيرة أبي زكريا ص19-21؛ السير، ص83-86.
(4) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص4-19-21.
(5) - كتاب السير، ص79؛[موتيلنسكي]، أنظر أعلاه.
(6) - كتاب السير، ص80-81؛ كتاب الفهرست، نشره [فلوغليبزغ Flugeleleipzig] سنة (1871م)، ص9.
(7) - الطبقات ص71؛ كتاب السير، ص89؛ [مسكراني]، أنظر أعلاه. (1/19)
صفحة 20
الأول من القرن الثاني الهجري(1)، ومعاصراً له لكنه أكبر منه سناً: أبو سفيان وائل بن أيوب الحضرمي، وهو صاحب "مسالك الصلحاء"(2).
(7) - إلى نفس الفترة التي ينتمي إليها مؤلَّف أبي سفيان، نجد كتاباً يعرف باسم "الضُمّام"(3)، أورده في (ص77-78). ويحتمل أن يكون هو نفسه الكتاب المشار إليه عند البرادي بعنوان "الحجة على الخلق في معرفة الحق". وحسب ما أورده هذا الأخير، فإنه ألف من طرف الشيخ أبي صفرة عبد الملك بن صفرة من أهل النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، وفق الروايات المنقولة عن الشيخ ضُمّام بن سعيد(4) المعاصر لأبي عبيدة(5).
__________
(1) - نفس المصادر.
(2) - طبقات الدرجيني 78؛ كتاب السير، ص105.
(3) - تعرف باسم روايات ضمّام (الناشر).
(4) - [موتيلنسكي]، في مواد دراسته البيبلوغرافية. ص17؛ [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص139.
(5) - طبقات الدرجيني ص78؛ كتاب السير، ص86. (1/20)
صفحة 21
(8) - من أقدم الحوليات الإباضية ذات أصل شمال إفريقي والمذكورة في "كتاب السير" (ص133-135-141-142-161-162-260-262) نجد مؤلف لعالم إباضي عاش خلال منتصف القرن الثالث الهجري(1). واسمه الكامل هو ابن سلام بن عمر. كان يسكن إفريقية، كما نعرف أنه أقام مدة قبل سنة (240هـ) بتوزر ببلاد قسطيلية (بلاد الجريد حالياً)(2). ويفهم من خلال حديثه عن الأحداث التي وقعت خلال سنة (260هـ)، أن ابن سلام كتب مؤلفه بعد هذه السنة(3). واعتمد فيه على روايات شيوخ إباضية شمال إفريقيا من أمثال صالح النفوسي(4)، ونفاث بن نصر النفوسي - المعاصر للمهدي النفوسي(5)، وسليمان بن وكيل(6). وتنحصر الاقتباسات الواردة في مؤلف الشماخي فيما يتعلق بتاريخ الأئمة الإباضية الأولين بالمغرب وتراجم شيوخ المذهب بإفريقية.
(9) - إن أكثر المصنفات حداثة هي لمؤلف شمال إفريقي ذكر في "كتاب السير" تحت اسم الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت471هـ) ودفن بورجلان(7). ويبدو أن مساهمته في أدبيات إباضية الغرب كانت مهمة جداً، بدليل أنه لفت النظر إلى ما كان منسياً من الوثائق حول تراجم مشايخ المغرب.
__________
(1) - كتاب السير، ص142. لجهله باسم هذا المؤرخ، افترض [موتيلنسكي] أن أقدم وثيقة كتبت من طرف شخصية إباضية، هي حولية أبي زكريا.
(2) - كتاب السير، ص6-1.
(3) - نفس المصدر، ص261.
(4) - نفس المصدر، ص142.
(5) - نفس المصدر، ص161، ينتمي المهدي إلى الشيوخ النصف الأول من القرن الخامس الهجري (الطبقات).
(6) - كتاب السير، ص135؛ الدرجيني ص90. [موتيلنسكي]، المرجع السابق، ص41.
(7) - [سموقورزفسكي]، مواد دراسته البيبلوغرافية. (1/21)
صفحة 22
يحفل عمل الشماخي باقتباسات مهمة من المؤلف السابق (ص276-225-226-227-231-237-289-263-353-433) وقد نشر في طبعة حجرية بتونس سنة (1329هـ) من طرف أطفيش تحت عنوان عام: "كتاب السير"؛ ضمن رسالته المعنونة "التقسي" (الجزء الثاني ص46-88)(1). وأورد البرادي عنوان مؤلف آخر لأبي الربيع وهو "كتاب في الكلام وأصول الفقه"(2).
(10) - لن أدخل في تفاصيل كتاب سيرة وأخبار الأئمة لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر الورجلاني - المؤلف حوالي نهاية القرن العاشر الهجري - باعتباره من المصادر الرئيسية للشماخي فيما يخص تاريخ الرستميين (ص128-135-143-148-151-155-161-162-164-188-192-193-214-221-229-262-268-270-272-279-282-287-319-387-406). لهذا، وفي شأن هذه الحولية، يمكن الاستئناس بمقالات [موتيلنسكي](3)، وكذا الترجمة المتواضعة جداً التي أنجزها [ماسكوري] لكتاب السير(4). وتوجد منه نسخة جيدة ضمن مجموع المخطوطات العربية بمكتبة [لپوپ].
(11) - بفضل "كتاب السير"، وصلتنا بعض الشذرات من مصنف تاريخي لعالم إباضي يدعى أبا عمرو عثمان بن خليفة السوفي، أصله من سوف (جنوب قسنطينة)(5). وقد سماه الشماخي كتاب السؤالات (ص486، ويستشهد به في عدة مواضع (212-262-465-466-486-525-535) كما أشار إليه البرادي في دراسته تحت عنوان: سؤال(6).
__________
(1) - [سموقورزفسكي]، مواد دراسته البيبلوغرافية.
(2) - [موتيلنسكي]، في مواد دراسته البيبلوغرافية. ص24، رقم54؛ البرادي، الجواهر ص220.
(3) - الموسوعة الإسلامية ج1، ص119؛ - [موتيلنسكي]، في مواد دراسته البيبلوغرافية ص36-38.
(4) - أنظر أعلاه.
(5) - كتاب السير، ص519؛ [موتيلنسكي]، سبق ذكره ص27، رقم66.
(6) - جواهر، ص220، سماه (السؤالات). (1/22)
صفحة 23
(12) - ثمة حولية أخرى وردت في كتاب الشماخي، وهي ذات قيمة كبرى في معرفة تراجم مشايخ جبل نفوسة. وتعرف تحت اسم "كتاب سير مشايخ نفوسة"(1) أو بكل اختصار "السير"(2). وهو على ما يبدو لمؤلف من جبل نفوسة يدعى مقرين بن محمد البغطوري، ألفه سنة (599هـ)(3). وقد احتفظ الشماخي باقتباسات مهمة من هذا الكتاب في القسم الأوسط من عمله (143-344). وتتأسس الروايات الواردة فيه على مصدر واحد وهو القاضي البغطوري الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن مسعود الذائع الصيت بسبب درايته بالتراجم(4). والواضح أن البغطوري قد ألف كتابه بإيگنّاون بجبل نفوسة(5). والنسخة المعتمدة منه من طرف الشماخي ترجع ملكيتها إلى الشيخ يحيى بن عبد العزيز الشماخي(6).
إضافة إلى الإخباريين الذين شكلت مؤلفاتهم الركيزة أو الدعامة الأساسية لكتاب السير، تجب الإشارة إلى "طبقات" أبي العباس أحمد الدرجيني التي كتبت بعد سنة (626هـ)، وقد ذكرها الشماخي بشكل مواز مع كتاب "سير مشايخ نفوسة"(7). نذكر كذلك: أبا نوح صالح بن إبراهيم بن يوسف المزاتي، وأبي سهل يحيى، وأبي عمرو عبد الكافي، والثلاثة ينتمون إلى القرن السادس الهجري.
__________
(1) - كتاب السير، ص243.
(2) - كتاب السير، ص178.
(3) - كتاب السير، ص548.
(4) - كتاب السير، ص542-543.
(5) - نفس المصدر، ص148؛ [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص465.
(6) - كتاب السير، ص163.
(7) - [موتيلنسكي]، في مواد دراسته البيبلوغرافية، ص38-43 ؛ [سموقورزفسكي]، مواد دراسته البيبلوغرافية. (1/23)
صفحة 24
ختاماً، من المهم إضافة كون الأسلوب الذي كُتِبَ به مُؤَلَّف الشماخي، يتميز بقدر من الإتقان، واستطاع أن يتفوق به على باقي الحوليات الإباضية المنتمية إلى شمال إفريقيا؛ باستثناء "طبقات الدرجيني". إلا أن حرص الكاتب الجيد علي الدقة يصبح في غالب الأحيان مزعجاً، خاصة إذا تعلق الأمر بإستشهاداته من باقي الحوليات الإباضية التي يصحح أسلوبها ويضبط كلماتها. وهذا التصرف لا يكون دائماً عملاً مرغوباً فيه في فهم واستيعاب الوقائع، ويمكنه بذلك أن يصبح مصدر الكثير من سوء الفهم.
ملحق إضافي
شرعت مؤخراً، في مهمة علمية، قادتني إلى بلاد المزاب(1)، (خلال شهري يوليو وأغسطس (1934م))، وهذه الرحلةكان الهدف منها هو القيام بتحريات تاريخية حول ماضي إباضية شمال إفريقيا، وقد أفضت إلى نتائج جد مرضية، وقد سبق لي أن سلمت هذا المقال إلى المطبعة، وعدت من المزاب محمّلاً بمجموعة من المخطوطات(2)، وبعض المطبوعات الإباضية النادرة، ثلاثة منها مكنتني من الاطلاع علي بعض التفاصيل المتعلقة بنسب آل شماخ وكتاب السير، وهي :
- الرسالة الصفية في بعض التواريخ للشيخ محمد أطفيش(3).
- رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين "للشيخ عبد الله بن يحيى الباروني النفوسي"(4).
- كتاب الأمة للشيخ عبد الله بن حميد السالمي العماني(5).
وهي بعض النقط التي نحن بصددها.
__________
(1) - ما كان لهذه البعثة أن تتحقق إلا بفضل معونة السيد [م. ميشلسكي M.Michalski]، مدير [Fundusz Kultury Narodowej]، بفارصوفيا، وكذا أستاذي الجليل [شيلنسكي Chlinski] المحاضر بجامعة [لپوپ]، وإليهما أسجل عمق الشكر و الامتنان.
(2) - ومن ضمنها قصيدة أمازيغية قديمة جداً ذات مضمون ديني.
(3) - الجزائر (1299هـ).
(4) - كتبت سنة (1290هـ) ونشرت من طرف سليمان بن عبد الله بالقاهرة (1324هـ).
(5) - كتبت هذا المؤلف سنة (1325هـ)، ونشر سنة (1326هـ)، ضمن مجموع الرسائل. (1/24)
صفحة 25
(1) - يقدم الشيخ محمد أطفيش في رسالته فرضية مقبولة على كل حال حول اسم آل شماخ. فقد افترض أن هذه النسبة مستمدة من اسم "شماخ" وهو جبل يدخل في عداد جبل نفوسة. وفي بلدة بها يستقر فرع من ذرية أبي يعقوب يوسف بعد خراب تيغرمين، ومكت بها حتى زمن انتقال أبو ساكن عامر إلى إقليم يفرن(1).
الواقع أن فرضية أطفيش أصبحت مقبولة أيضاً من لدن العالم الإباضي الكبير المعاصر سليمان بن عبد الله الباروني في ملاحظاته حول مؤلف والده. وقد وطن موضع جبل وأطلال شماخ في وسط تراب أولاد ريان على مسافة أربع ساعات تقريباً إلى الغرب من يفرن. ويتوافق هذا التعيين مع المعطيات التي أوردها إبراهيم بن سليمان أشماخي، حيث أشار إلى تواجد "خرائب شماخ"(2) في جزء من جبل نفوسة.
أورد أطفيش كذلك شجرة نسب فرع من عائلة آل شماخ، ونعني به عبد الواحد الشماخي وهو كالآتي: عبد الواحد بن إسماعيل بن عبد الواحد بن صالح بن أبي عبد العزيز سليمان(3) بن يوسف بن سليمان بن أبي يعقوب يوسف(4) بن حيدر بن مزار بن علوان بن مسيان بن شماخ بن عامر بن عسانت بن حاو بن علوان بن عامر بن ختام بن حليب بن صفوان(5) بن حمير بن سبأ. والملاحظ بشكل جلي أن النسابة المجهولون يبدلون قصارى جهدهم لإيصال هذه الشجرة إلى أصول يمينية (إلى بعض القبائل اليمنية). على الرغم من ورود بعض الأسماء الأمازيغية.
__________
(1) - الرسالة، ص29.
(2) - [موتيلنسكي]، جبل نفوسة، ص81.
(3) - وكذلك مع أبي العزيز بن سليمان.
(4) - عاش أبو يعقوب يوسف - حسب أطفيش - في نهاية القرن الرابع الهجري، (رسالة ص29).
(5) - الرسالة، ص28-29. (1/25)
صفحة 26
و يمكن ملاحظة نفس الإتجاه لدى النسابة الأمازيغ في كثير من القبائل الأمازيغية الأخرى كصنهاجة وزناتة وغيرها(1). وحالياً نسجل تواجد فروع عشيرة آل شماخ في جزيرة جربة التي هاجر إليها عبد الواحد بن إسماعيل(2) بعد خراب تيغرمين. أما الفرع الآخر منها فقد استقر ببلاد يفرن(3).
(2) - إلى جانب كتابه في السير، ألف أبو العباس أحمد الشماخي كذلك كتاب "مختصر العدل"، اختصر فيه عمل أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي المعنون بكتاب "العدل والإنصاف" وتجب الإشارة كذلك إلى مؤلف له وهو عبارة عن تعليق على "مرج البحرين"(4).
(3) - أبو الشعثاء جابر بن زيد البصري العماني، حسب الروايات الإباضية، أول مؤرخ إسلامي ولد سنة (21هـ) وتوفي سنة (96هـ)، وحسب البعض الآخر (103هـ). وكان يروي عن بن عباس وعيسى وقد أشار صاحب "كشف الغمة" إلى ديوانه. ومن بين طلبته نذكر: ضُمّام بن شعيب، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وحيان الأعرج، وأبي نوح صالح الدهان(5).
(4) - يتضمن مؤلف الربيع بن حبيب البصري الأحاديث المنقولة عن ابن عباس وباقي الصحابة. بواسطة أبي عبيدة وشيخه جابر بن زيد(6). ومؤخراً، نشر كتاب "المسند" بفضل عناية الشيخ يوسف أطفيش، الذي استعان بـ "ترتيب" الورجلاني(7).
__________
(1) - ابن خلدون، تاريخ البربر، ترجمة [سلان]، ج1 ص174.
(2) - أطفيش، الرسالة، ص29.
(3) - الباروني، سلم العامة، ص37.
(4) - السالمي، كتاب الأمة، ص222.
(5) - السالمي، كتاب الأمة، ص171-172-184-185-194-195.
(6) - نفس المصدر، ص199.
(7) - القاهرة سنة (1329هـ). (1/26)
صفحة 27
(5) - يحتوي كتاب الضُمّام على الروايات المنقولة عن جابر بن زيد(1). وهي أن قبيلة شماخ العربية (التي تدخل في عداد بني سليم)(2)، تستوطن بلاد برقة في عهد ابن خلدون، والتي تمكنت مع زحف بني هلال من الاستقرار بشمال إفريقيا - خلال القرن الخامس الهجري -، ويجب الإشارة إلى أنه خلال هذه الفترة، سبق وأن استقر أسلاف المؤلف بتيغرمين حوالي قرنين من هذا التاريخ، وهذا يتعارض مع هذه الرواية.
لوحة نسب آل شماخ
مملكة إباضية مغمورة(3)
(دولة بني مسالة)
__________
(1) - السالمي، نفس المصدر، ص199.
(2) - تاريخ البربر، ج1 ص136-137.
(3) - هذا المقال عبارة عن ترجمة لبحث نشر في: [النشرة الإستشراقيةRocznik Orietalistyczny 1968] بعنوان: [مملكة إباضية مغمورة (دولة بني مسالة)Un royaume ibadite peu connu: L’Etat des Banu Masala (IXe S.)] لمؤلفه المتمزغ البولندي: [تادايوش ليفيتسكيTadeusz Lewicki ]. ترجمة الأستاذ: أحمد بومزقو. (1/27)
صفحة 28
بلغت المملكة الأمازيغية – الإباضية لبني رستم بعاصمتها تيهرت (قرب تيارت الحالية، ضمن ولاية وهران الجزائرية سابقاً) التي تأسست سنة (761-62م) من طرف عبد الرحمن بن رستم، الإمام الذي وقع عليه إجماع إباضية المغرب ابتداءاً من سنة (776-777م)(1)، والتي بلغت قمة إزدهارها تحت حكم نجله وخلفه الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (784-785/823-824م)(2). وقد استطاع هذا الأخير، على إثر حملات ناجحة في نهاية القرن الثامن وبداية القرن التاسع الميلاديين، من توحيد كافة القبائل الأمازيغية - الإباضية تحت نفوذه تقريباً، وعلى ما يظهر فإنه كاد أن يغزو إفريقية نفسها.
__________
(1) - وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، نص عربي حققه ونشره [سلان]/ ط: ثانية – الجزائر (1911م)، ص67-68، ترجمة الجزائر (1913م)، ص139-141؛ [مسكراي] سيرة أبي زكريا. الجزائر (1878م)، ص49-56؛ سيرة ابن الصغير، في الأئمة الرستميين بتاهرت، نشر وترجمة: [موتيلنسكي] في فصول المؤتمر العالمي 14 للمستشرقين القسم الثالث (تابع) اللغات الإسلامية باريس (1908م)، ص63-72؛ ابن خلدون، تاريخ البربر، ترجمة: [سلان]، ج1، ص220؛ [فورنال]، البربر، باريس (1875م)، ج1، ص387؛ [ج مارسيي G. Marçais]، الرستميون، في الموسوعة الإسلامية، [ليدن] (1936م)، ص1283؛ [ليفيتسكي]، التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية بشمال إفريقيا خلال العصر الوسيط، في النشرة الإستشراقية، ص309.
(2) - [مسكراي] سيرة أبي زكريا، ص57-154؛ [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص16-23، ترجمة ص72-81، [ليفيتسكي]، التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية ص309-311؛ دراسات وهبية إباضية في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، المجلة الإستشراقية، ج3، ص13-16، (1962م). (1/28)
صفحة 29
وأظن في الواقع، أن من أهداف تمرد صالح بن نصير الإباضي، من قبيلة نفزاوة، الذي شهدته إفريقية سنة (787-788م)(1) كما ورد عند كل من ابن عداري المراكشي، وابن خلدون، هو ضم هذا البلد لمملكة تيهرت. ويبدو أن فشل هذه الحركة هو ما حمل عبد الوهاب إلى التصالح مع رواح بن حاتم، عامل العباسيين بالقيروان.
والواقع أن المفاوضات بين تيهرت والقيروان قد بدأت مباشرة بعد نكبة إباضية إفريقية سنة (787-788م)(2) نفسها. وعلى إثرها حل السلم بإفريقيا الشمالية لمدة ربع قرن تقريباً، تحاشى خلالها عمال القيروان، وأمراء الأغالبة من بعدهم إزعاج القبائل الأمازيغية - الإباضية.
وخلال هذه الفترة كانت حدود المملكة الرستمية تحتضن حسب رواية نقلها ابن الصغير - مؤرخ تيهرت - حوالي (902-903م)، جميع بلاد المغرب حتى حاضرة تلمسان في الغرب(3). ويتكون مركز مملكة عبد الوهاب من مدينة تيهرت (تسمى كذلك تيهرت الجديدة)، إضافة إلى المقاطعات المحيطة بها، من جملتها هضبة سرسو، وكانت هذه المقاطعات موطن بطون القبائل الأمازيغية الإباضية: لماية، مطماطة، لواتة، وبني دمر، وزناتة وغيرها(4).
__________
(1) - ابن خلدون، تاريخ البربر، ترجمة: [سلان]، ج1، ص224؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص384، ملحوظة رقم6.
(2) - ابن خلدون، تاريخ البربر، ترجمة: [سلان]، ج1؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص387.
(3) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص17 ترجمة ص73.
(4) - [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص66، 57 و75، ترجمة ص137، 139 و154؛ [سلان]، ابن خلدون، تاريخ البربر، ج1، ص20، 234 و241؛ [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص20 ،27 ،50 و52 ترجمة ص86-87. (1/29)
صفحة 30
ومن المحقق أن حدود المملكة الرستمية من جهة الشمال تحادي البحر المتوسط قرب مدينة مستغانم الحالية(1)، بينما تضم من جهة الجنوب روافد وادي الربيع وورقلة(2). ويشكل الممر المأهول من لدن القبائل الأمازيغية - الإباضية والمكون في جزء منه من الهدنة والزاب، إضافة إلى جبل الأوراس، رابطة تجمع الأجزاء الغربية من مملكة عبد الوهاب بالمقاطعات الإباضية الموجودة بجنوب تونس وطرابلس الجنوبية(3). ترد عند المؤرخين الإباضيين ببلاد المغرب أسماء عدد من الأقاليم ضمن المجالين المذكورين، والتي تدخل في مجال نفود الإمام عبد الوهاب كـ: قسطيلية، قفصة، جبل نفوسة، وسيرته، وتضم هذه الأخيرة الجزء الشرقي من إقليم طرابلس حتى حدود برقة.
والظاهر كذلك، أن قبيلة هوارة الأمازيغية القوية، المستوطنة للمجال الواقع بين سيرته وجبل نفوسة، كانت تابعة للإمام عبد الوهاب. وقد ساندها سنة (811م) عندما دخلت في صراع مع عامل الأغالبة على إقليم طرابلس(4). لهذا، كان ابن الصغير على حق لما كتب في حوليته، اعتماداً على رواية قديمة بتيهرت، أن نفوذ عبد الوهاب على الإباضية وغيرهم وصل في أوج قوته ما لم يصل إليه سابقوه ، بحيث تمكن من إخضاع بعض المجموعات التي لم يستهدفها سابقوه، وجمع بين يديه قوة عسكرية لم يسبق لها مثيل.
__________
(1) - [ليفيتسكي]، التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية، ص310؛ [مارسيي]، خليط تاريخي وأركيولوجي في الغرب الإسلامي ج1، مقالات ومحاضرات [لجورج مارسيي] الجزائر، (1957م)، ص47.
(2) - [ليفيتسكي]، التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية ص27.
(3) - [ليفيتسكي]، أنظر أعلاه.
(4) - أنظر في هذا الموضوع: [ليفيتسكي]، التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية، ص310-311؛ الإباضيون في تونس في العصر الوسيط، محاضرة في: (أكادمية العلوم والأداب)، مكتبة روما، (1959م)، وثيقة إباضيةلم تنشر حول هجرة أهل جبل نفوسة، ص175-191.
ملحوظة: المقال منشور ضمن هذا الكتيب. (الناشر) (1/30)
صفحة 31
وهكذا استمر في الحكم دون أن يعكر التمرد والهجمات أجواء الوحدة والوفاق التي وطدها،حتى في اللحظات التي وقع فيها الشِقاق(1). وترد عند المؤرخين الإباضيين معلومات حول مختلف الانقسامات و وقائع التمرد التي أقلقت ملك عبد الوهاب(2). اثنتان منها وهي: فرقة النكار، وثورة القبائل التي تدخل في عداد الفرع الأمازيغي لزناتة. ثم سحقهما من قبل عبد الوهاب دون أن تمس بصلابة وقوة المملكة الرستمية(3). في حين تبرز مسألة ثالثة: الثورات وخصوصاً التمرد ضد عبد الوهاب، وتنازل مملكة تيهرت عن بعض الأجزاء التابعة لقبيلة هوارة الأمازيغية - الإباضية القوية، والتي كانت تسكن في الأحواز المجاورة لمركز الدولة الرستمية، وهذا الأمر كان له كبير الأثر على مصير المملكة.
__________
(1) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص16-17 ترجمة ص73.
(2) - [ليفيتسكي]، الإنقسامات الإباضية، في (دراسات إسلامية) (1958م)، باريس، ص71-82.
(3) - [ليفيتسكي]، النكار، الموسوعة الإسلامية ص185-186؛ [مسكراي] سيرة أبي زكريا، ص80-115؛ (1/31)
صفحة 32
لنهتم الآن عن قرب بهذه الثورة، وبمصير الدولة الهوارية التي تأسست مباشرة على التراب الواقع إلى الشمال الشرقي من ولاية وهران: فحسب ما أورده ابن الصغير، اعتماداً على شهادة عدد من الرواة الإباضيين المجهولين، فإنه خلال عهد عبد الوهاب، عسكر فرع لقبيلة هوارة بالأحواز القريبة من تيهرت، إلى جانب الفروع الأخرى للقبائل الأمازيغية - الإباضية الأخرى التي كانت تكن الولاء للأئمة الرستميين، وكان على رأس هذا الفرع عائلة بارزة تدعى الأوس، وعرفت فيما بعد (ببني مسالة). ويقال إن زعيم الأوس أبدى الرغبة في الاقتران ببنت - في غاية الجمال - تنتمي إلى إحدى العائلات المرموقة داخل فرع من أمازيغ لواتة المجاورة لها. ويبدو أن والد الفتاة المذكورة قد قبل طلبه، بيد أن عبد الوهاب خوفاً منه من تحالف محتمل بين هوارة ولواتة المستقرة بأحواز تيهرت، والذي يمكن أن يسبب له مشاكل سياسية، أقدم بدوره على طلب الفتاة لنفسه، وهو ما تحقق له.
وفهماً منه لهذه الإشارة، إشتاط زعيم الأوس غضباً، وشاطره كافة أفراد قبيلته، ولهذا السبب ارتحل بمعية قبيلته عن المكان، واستقر بوادي هوارة الواقع على بعد ستة أميال (20 كلم تقريباً) أو أكثر إلى الغرب من تيهرت. لا نعرف على وجه التحديد موقع هذا المكان، إلا أنه من المرجح أن الأمر يتعلق بالرافد الأيسر لواد المينا. وهناك التحق بهم عدد من البطون الهوارية من منطقة تيهرت، إضافة إلى مجموعة من الأشخاص ممن يشاركونهم نفس الموقف. وبوضعهم في حالة حرب ضد عبد الوهاب، أقدموا على قتل أحد أتباعه(1).
وعلى الفور جمع الإمام حوله عدد مهم من القبائل والمحاربين الموالين له، وسار لمحاربة المتمردين على رأس جيش عرمرم. ولما علم الأوس بهذا ركزوا قواتهم على طول مجرى مائي يدعى (نهر إيسلان)، الذي يطابق ربما وادي هوارة - أحد روافد واد المينا.
__________
(1) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص20-21 ترجمة ص78-79. (1/32)
صفحة 33
وفي ذروة المعركة الضارية بين الطرفين، والتي عرفت مشاركة أفلح إلى جانب والده الإمام عبد الوهاب، وأبدى خلالها شجاعة كبيرة (عُيِّنَ في يوم المعركة نفسها وريثاً للإمامة)، سقط عدد مهم من القتلى في صفوف القبائل، وتكبدت هوارة خسائر فادحة، وحسب مخبري ابن الصغير، فإن هوارة أجبرت على الانسحاب إلى جبل إينجان، وهي مقاطعة لا نعرف موقعها بالتحديد(1). ويظهر مع ذلك أن التسمية التي أوردها هذا المصدر، يجب أن تصحح فإن الغالب بصيغة جبل تيجان، من اسم قبيلة زناتية تستوطن جبال بني ونشريس (كتلة وارسنيس حالياً، بني مينا، ومدينة مليانة) تدعى ورتيجان، (أي بنو تيجان) كما سماها الجغرافي الإدريسي - خلال القرن الثاني عشر(2). أيا كانت صحة هذه المعلومة، فالأكيد أن هوارة، بعد اندحارها، في معركة نهر إيسلان، أجبرت على النزوح إلى كتلة وارسنيس الصعبة المنال. غير أن بعض الرواة الذين استشهد بهم ابن الصغير، يرجحون كون هوارة لم تنزح إلى جبل تيجان إلا في وقت لاحق(3). كيف ما كان الحال، فالأكيد أن أتباع الأوسيين، رغم تعرضهم لخسائر فادحة، تمكنوا من الحفاظ على استقلالهم حيال المملكة الرستمية. وقد شكلت معركة نهر إيسلان بداية الدولة الهوارية تحت حكم الأوس (أو بالأحرى بنو مسالة - نسبة إلى عائلة بارزة بفرع قبيلة هوارة - خلال القرن التاسع الميلادي) في قلب منطقة نفوذ الرستميين بأحواز تيهرت.
__________
(1) - المصدر السابق، ص21-23 ترجمة ص79-81.
(2) - [ر. دوزي و م. ج دي خويه] وصف إفريقيا وإسبانيا للإدريسي، ص85، ترجمة فرنسية ص98، نجد اسم جبل تيجان قريب من لفظة جبل توجان (فوحان، فرحان، فرعان لـ توجان) مذكورة في مقطع آخر من مؤلف الإدريسي (ص83، ترجمة فرنسية ص95) مثل تسمية جبل يقع على الطريق المؤدية إلى معسكر إلى الجنوب من تيهرت الجديدة، عاصمة (الرستميين).
(3) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص23 ترجمة ص81. (1/33)
صفحة 34
للأسف لا يقدم لنا ابن الصغير تاريخاً محدداً لانفصال الأوس، ولا وقت وقوع معركة نهر إيسلان، ويبدو مع ذلك أن هذا الحدث لم يقع إلا في نهاية ملك الإمام عبد الوهاب، أي وقت بلوغ أفلح سن الرشد، أي على ما يظهر حوالي عام (820م).
لا نعرف أي شئ عن مملكة بني مسالة على عهد الإمام أفلح الذي حكم تيهرت ابتداءً من سنة (823-4م) إلى وفاته في سنة (871-2م)(1). وخلال فترة حكم ابنه أبو بكر - القصيرة (864-5 إلى 871-2م) - وقع تمرد ضد هذا الإمام، متبوعاً بصراعات مصيرية بتيهرت، حيث تشكلت عدة فرق، وتخلى الكل عن أبي بكر، وأُجبِرَ أتباع الرستميين على مغادرة المدينة، متوزعين في عدة أماكن بعيدة عنها، وهكذا لجأ زعيم الرستميين الأمير أبو اليقظان محمد بن أفلح إلى مكان يدعى أسكدل، الواقع على بعد مسيرة يوم واحد إلى الجنوب من تيهرت(2). آنذاك انبثقت من جديد أسرة بني مسالة، وحسب ابن الصغير، فإن محمد بن مسالة، أخضع عاصمة الرستميين التي هجرها أبا بكر بن أفلح.
وجهلاً منا بالظروف التي وقع فيها هذا الأمر، فإن ما يفهم من رواية ابن الصغير أن المدينة أصبحت تحت رحمة التحالف المكون من هوارة ولواتة، وبلاشك فقد استنجد بهم أحد الأطراف المتصارعة حول الحكم بتيهرت. ولما حل الهدوء والسكينة بالمدينة، قام زعيم هوارة مقام الأئمة الرستميين(3).
وعلى ما يبدو، فإلى هذه الفترة يرجع (قبر مسالة) المعلمة المتواجدة على الأقل منذ عهد ابن الصغير، والمشيدة حسب هذا الأخير، في مكان مُصلّى الإمام عبد الرحمن - مؤسس الدولة الرستمية(4)، ومما لا يرقى إليه الشك، أن هذا القبر هو لأحد الأمراء الهواريين من أسرة بني مسالة.
__________
(1) - [مارسيي]، الرستميون، في الموسوعة الإسلامية، ص1285؛ دراسات وهبية إباضية في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، ج3، ص100-101.
(2) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص39 ترجمة ص102.
(3) - المرجع السابق.
(4) - المرجع السابق، ص11 ترجمة ص65. (1/34)
صفحة 35
لم يدم الهدوء الذي أحله محمد بن مسالة بتيهرت طويلاً، ففي لحظة ما، وقع الانفصام بين لواتة وهوارة، حيث استطاعت هذه الأخيرة أن تستأثر بزمام الأمور، اعتماداً على سكان تيهرت. وعقب ذلك انسحب اللواتيون من المدينة، وارتضوا لأنفسهم الاستقرار بحصن يدعى حصن لواتة إلى الجنوب من تيهرت، ودخلوا في علاقات مع الأمير الرستمي أبى اليقظان الذي استقر بعد مفاوضات شاقة في موضع بالقرب من منابع المينا بأحواز مستقر لواتة(1). وعلى هذا النحو تأسس التحالف الرستمي الجديد ضد هوارة وسكان تيهرت الذين بقوا أوفياء لمحمد بن مسالة لمدة طويلة.
اندلعت الحرب بن الرستميين المدعومين من طرف لواتة، وأتباع بني مسالة. و بحسب رواية ابن الصغير فإن الأمر دام مدة تنيف عن سبع سنوات. ولم يفلح أبو اليقظان من إجبار سكان تيهرت على الاستسلام(2)، إلا في سنة (871/2-878م) فقط بعد وساطة أشخاص من نفوسة - السند الرئيسي للرستميين - ومن جهة أخرى لم يذكر ابن الصغير أي شئ عن ظروف انسحاب الهواريين تحت قيادة محمد بن مسالة من تيهرت، والمرجح أن ذلك تم وفق ميثاق بين زعيم هوارة وابن اليقظان.
فابن الصغير الذي ندين له بالشيء الكثير فيما يخص التفاصيل الناذرة حول أصول دولة بني مسالة، لا يقدم أية معلومات محددة: حول مكانها، ونكتفي بالقول، كما أسلفنا سابقاً، أن مركز هذه المملكة يوجد على بعد "عشرة آلاف ميل" إلى الغرب من مدينة تيهرت، أي أكثر من (20 كلم) من مجرى المينا، الرافد الأيسر لـ "شلف"(3).
__________
(1) - المرجع السابق، ص39-40 ترجمة ص102.
(2) - المرجع السابق، ص40-41 ترجمة ص103-104.
(3) - أنظر أعلاه. (1/35)
صفحة 36
وحول هذا الموضوع، يرجع الفضل إلى الجغرافي والمؤرخ العربي اليعقوبي فيما قدمه من معلومات دقيقة، وهي تكمل بشكل جلي المعطيات التي أوردها ابن الصغير حول تاريخ بني مسالة. ويتعلق الأمر هنا بالدولة الهوارية الواردة في المؤلف الجغرافي المسمى (كتاب البلدان)(1) الذي ألفه سنة (889-891م) في الفقرة المتعلقة بإفريقيا الشمالية. وهي شهادة مهمة حول الدولة التي تأسست بهذه البلاد خلال نهاية ربع القرن التاسع الميلادي، وكذا السكان المستقرين بها، ونظام الحكم الذي يخضعون له.
وحسب ما أورده صاحب كتاب البلدان فإن مملكة بني مسالة الإباضية، المنحدرة من قبيلة هوارة، كانت تستوطن الأحواز المباشرة لدولة تيهرت، التي يحكمها في ذلك الوقت محمد بن أفلح، بموازاة مع دويلة الإمام الرستمي أبي اليقظان محمد بن أفلح، كما ورد في حولية ابن الصغير. وأن ابن مسالة كان منشقاً عن ملك تيهرت وأنه قاد حرباً ضده.
__________
(1) - كتاب البلدان، لأحمد بن أبي يعقوب بن الكاتب – اليعقوبي، ترجمة: [م. ج جوي M. J. de Goeje]، الطبعة الثانية، 1892م، ص355-356. (1/36)
صفحة 37
تبعاً للوصف المتضمن في كتاب البلدان لمملكة ابن مسالة، فإن المملكة تتكون من مدينتين. ويمكن بما لا يدع مجالاً للشك مطابقة إلّيل أو يلاّل - هي بلدة محاطة بقرى وبساتين(1)- مع الهليل الحالية، الواقعة إلى الجنوب الشرقي من مستغانم(2). وحسب ما أورده البكري الجغرافي المشهور خلال النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، فإن مدينة إلّيل كانت دائماً موطنَ هوّارة(3). أما ثاني المدن التي كانت تابعة لابن مسالة فهي الجبل، وبناء على ما ذكره اليعقوبي(4)، فإنها تعتبر مركز ابن مسالة، وتبعد عن الأولى بمسافة مسيرة نصف يوم (حوالي 15-20 كلم)، وقد حدد بالضبط منطقة الجبل غير بعيدة عن القلعة، (تسمى كذلك قلعة بني راشد)، كما هو وارد في الخرائط(5). ولا يشكل هذا الموضع حالياً سوى قرية أمازيغية صغيرة متدلية على سفح جبل شديد الانحدار، على بعد (19 كلم) إلى الجنوب من الهليل(6). وهذا ما يوافق بشكل جليّ المسافة التي ذكرها اليعقوبي، أما البكري فيسمي هذه البلدة قلعة هوارة أو تاسقدلت(7)، وتنتمي إلى مجال جبلي يدعى جبل هوارة، كما هو وارد عند ابن خلدون - المؤرخ المشهور خلال القرن الرابع عشر الميلادي - وقد وضعها بين مجرى المينا، ونهر الحبرا، الذي يصب إلى الغرب من مستغانم(8) ومن المرجّح كثيراً أن جزءاً من تراب مملكة بني مسالة لا يظم مدينة
__________
(1) - المرجع السابق، ص356.
(2) - [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص160 وملحوظة رقم7؛ [فورنال]، البربر، ج2، ص289.
(3) - المرجع السابق، ص143، ترجمة ص274.
(4) - [جوي]، كتاب البلدان، اليعقوبي، ص365.
(5) - [مارسيي]، بربر القرن التاسع، ص47.
(6) - الدليل الأزرق، للجزائر وتونس وطرابلس ومالطة، طبع بعناية السيد [مارشل مونمرشي Marcel Monmarché] في باريس (1972م)، ص95.
(7) - [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص69، ترجمة ص143.
(8) - [سلان]، ابن خلدون، تاريخ البربر، ج1، ص281. (1/37)
صفحة 38
الجبل فحسب، وإنما كذلك كافة جبل هوارة. ولقد حدد كل من البكري وابن خلدون كذلك فرعاً لهوارة بهضبة سرسو إلى الجنوب الشرقي من سهل منداس، على الضفة اليمنى لـ المينا(1). والظاهر أن هذا الفرع الهواري بقي خلال القرن التاسع الميلادي، تحت نفوذ بني مسالة على غرار الهواريين المستقرين بجبل تيجان فوق كثلة (مرتفع) وارسنيس، بعد اندحارهم في معركة نهر إيسلان.
ومن البديهي أن ميلاد دويلة هوارية صغيرة بالأحواز المجاورة لتيهرت، عاصمة دولة بني رستم القوية فيما مضى، والتي عرفت كيف تدافع عن استقلالها على الأقل حتى سنة (889-891م)، إن لم نقل لمدة أطول، لم تكن غير مبالية البتة بمصير هذه الدولة، ويبدو أن هذا الأمر ساهم بدرجة مهمة في اندحار هيبة الأئمة لدى القبائل الأمازيغية، والمخلصين الإباضيين الخاضعين بلا شك لسلطتهم، إلا أنهم لم يتحملوا السلوكيات السيئة لعمال هؤلاء الأئمة على نحو ما نجده في الدول المركزية.
__________
(1) - [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص67، ترجمة ص139. في جنوب تيهرت العاصمة الجديدة للرستميين؛ [سلان]، ابن خلدون، تاريخ البربر، ج1، ص241. على هضبة هوارة الجار المباشر للمينا، أنظر [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص44 ترجمة ص108. (1/38)
صفحة 39
ولقد انكشفت بوضوح الميول الانفصالية للقبائل المستقرة بأحواز مدينة تيهرت على عهد الإمام أفلح، نجل وخلف الإمام عبد الوهاب. وحسب ما أورده ابن الصغير، فإن هذه القبائل اعتباراً لغناها وقوتها، فإنها أظهرت قدراً من الكبرياء، على عكس سكان العاصمة، حتى أن أفلح تخوف من تحالف محتمل لاقتلاع مقاليد الحكم منه، لهذا عكف على زرع الشقاق بين صفوف القبائل القريبة من بعضها البعض. وقد أفضى التهييج بين لواتة وزناتة وبين ولواتة ومطماطة إلى انفصام. مما فسح المجال لصراعات بين القبائل، ومنذ ذلك الحين، سعت كل قبيلة إلى محاباة الإمام خشية دعمه لغريمتها(1).
ولا ريب أن هذه السياسة النفعية، قد سمحت لأفلح الحد ولو لوقت وجيز من غطرسة وقوة القبائل الأمازيغية التي تقطن بأحواز تيهرت، مركز الدولة من جهة الشرق، وليس غريباً طيلة حكمه أن تنفصل أجزاء من الأقاليم الشرقية عن الإمام الرستمي، وفي سنة (838-9م)، أقدم الأمير الأغلبي أبو عقال على القيام بعمليات ضد القبائل الأمازيغية - الإباضية الساكنة بجنوب تونس، مما أدى إلى إلحاقها في وقت لاحق بدولة الأغالبة(2).
وحاول خلفه أبو العباس سنة (840/856-7م) نقل حدود دولته إلى الغرب حتى مشارف تيهرت، بأن أسس مدينة العباسية. ولم يتأتى لأفلح صد الخطر الذي يتهدده من جهة الشرق، وإحراق العباسية(3) إلا بفضل دعم أمويو الأندلس له سنة (853-4م).
__________
(1) - المرجع السابق، ص27، ترجمة ص86-87.
(2) - [فورنال]، البربر، ج1، ص507-508؛ [ليفيتسكي]، الإباضيون في تونس في العصر الوسيط، ص6-14، إعتبر الكتاب العرب السنيون ضم الأغالبة لتونس الجنوبية بمثابة إنتصار لجيش أبي عقال على القبائل الأمازيغية المتمردة ضد الأغالبة.
(3) - [فورنال]، البربر، ج1، ص513؛ وراجع كذلك المراجع التي أحال إليها هذا المؤلف. (1/39)
صفحة 40
وبعد وفاة أفلح تلاحقت وثيرة انهيار الدولة الرستمية، ولما تنفك باقي الأقاليم الشرقية لهذه الدولة تنفصل الواحدة تلو الاخري، منها جبل نفوسة بإقليم طرابلس، المعقل الأكثر إخلاصاً للرستميين، الذي سقط بدوره تحت ضربات الأغالبة سنة (896م)(1)، وإنما عمت موجة من الفوضى حتى مركز الدولة. لهذا أضحت تيهرت نفسها خلال النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي، مسرحاً لأعنف وأطول حرب أهلية(2)، وكانت مناسبة استغلها بنو مسالة لاقتحام المدينة التي كانت معقلاً للعائلة التي تمقتها(3).
__________
(1) - [ليفيتسكي]، التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية، ص329-330؛ [فورنال]، البربر، ج1 ص575؛ [فرانشيسكو بويگوينتو F. Béguinot]، مادة: نفوسة، في الموسوعة الإسلامية، ج3، ص898.
(2) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص31-41 ترجمة ص91-104.
(3) - المرجع السابق، ص11. (1/40)
صفحة 41
غير أن الانهيار النهائي للدولة الرستمية وتيهرت لم يكن بسبب الصعوبات الداخلية فقط، التي كان لبني مسالة اليد الطولى في اندلاعها، وإنما أيضاً بفعل ضربات الفاطميين الذين قضوا بشكل نهائي على الدولة الصغيرة سنة (908-9م) التي تستمد قوتها من عظمة الإمامة الرستمية السابقة(1). والكل يقيم الدليل على أنه خلال هذه المناسبة، فقدت القبائل الأمازيغية - الإباضية استقلالها، خاصة المستقرة منها بالمجال الواقع إلى الشمال الشرقي من ولاية وهران، ومن ضمنها هوارة. وقد اضطرت القبائل تحت وطأة جور الفاطميين (910-1م) إلى التخلي عن مذاهب النحل الإباضية واعتناق الأفكار الشيعية(2). هكذا يبدو تاريخ هذه الدولة الصغيرة التي أسستها قبيلة هوارة قريباً من مركز الإمامة الرستمية ذات الشأن آنذاك. وكذا مساهمتها في انهيار الإمامة التي صمدت بالفعل بعد ذلك، قبل أن يوجه لها الجيش الفاطمي الضربة النهائية.
أعتقد أن هذه الظروف تفسر إلى حد ما حقيقة اهتمامنا بهذا الشكل في العمل الذي كان من أهدافه الرئيسية تسليط الضوء على فترة يمكن وضعها في سياق المرحلة التي اصطلح المؤرخ الفرنسي المشهور [أو. ف. غوتيي E. F. Gautier] على تسميتها بحق بـ: "القرون الغامضة ببلاد المغرب"(3).
النكار(4)
__________
(1) - [مسكراي] سيرة أبي زكريا، ص212-221؛ [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص68، ترجمة ص139-140؛ [سلان]، ابن خلدون، تاريخ البربر، ج1 ص243؛ [فورنال]، البربر، ج2، ص90-91؛ [مارسيي]، الرستميون، ص1283.
(2) - [سلان]، ابن خلدون، تاريخ البربر، ج1، ص244.
(3) - ماضي شمال إفريقيا (الماضي المظلم) باريس (1952م).
(4) - هذا المقال عبارة عن ترجمة لمداخلة نشرت في: [الموسوعة الإسلاميةEncyclopedie de l’islam] مادة: [النكار Al-Nnkkâr] لمؤلفه المتمزغ البولندي: [تادايوش ليفيتسكيTadeusz Lewicki ]. ترجمة الأستاذ: أحمد بومزقو. (1/41)
صفحة 42
من أهم فروع نحل الإباضية الخارجية. وقد سبق لكل من: [موتيلنسكي]، و[أ. مسكراي]، و[ر. ستروثمان R. Strothman] أن برهنوا على تواجدها. بينما لم يتردد [ج. لاپي دولا پيدا G. Levi della Vida] في اعتبار النكار مجرد تسمية مشينة، التصقت بالخوارج على العموم.
وكان السبب في ظهور كلمة النكار هو كون أن أتباع هذه الفرقة لا يعترفون بثاني الأئمة الإباضيين بتيهرت: عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم. أما باقي التسميات التي تنعث بها هذه النحلة فهي: اليزيدية: نسبة إلى أبرز علماء هذه النحلة وهو عبد الله بن يزيد الفزاري(1) الإباضي (مع تمييزها عن فرقة إباضية أخرى تحمل نفس الاسم، أسسها يزيد بن عنيسة) . الشعيبية(2): تستمد اسمها من شعيب بن المُعَرِّف. الملحدة: (يجب تمييزها عن فرقة إسلامية أخرى تحمل نفس الاسم وهم الباطنية). النكاة: (النكاثة) نسبة إلى النكاتي(3) . النجوية. مستاوة: يبدو أن هذه التسمية أمازيغية (وربما يمكن ربطها بقبيلة مزتاوة الأمازيغية المذكورة عند ابن خلدون)، وهذه الصيغة هي الأكثر تداولاً إلى جانب النكار.
__________
(1) - يضيف الدكتور عمرو النامي إحتمال نسبتهم لزعيمهم السياسي في تيهرت يزيد بن فندين. راجع دراسات عن الإباضية، عمرو خليفة النامي. وأنظر مصادره هناك. ص202. (الناشر)
(2) - وردت بصيغة الشغبية (بالغين)، بسبب الشغب الذي أحدثوه. المرجع السابق، ص202. (الناشر)
(3) _ يرجح الدكتور عمرو النامي إلى كون هذا الاسم مستمد من نكثهم لعهدهم للإمام عبد الوهاب. المرجع السابق، ص202. (الناشر) (1/42)
صفحة 43
تُرجِع الكتابة الأسطغرافية(1) الإباضية بإفريقيا الشمالية – والتي ترسخت حوالي نهاية القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، من طرف أبي زكريا بن أبي بكر الورجلاني - ظهور فرقة النكار إلى زمن اختيار عبد الوهاب (168هـ/784-785م) حسب ابن عذارى: البيان المغرب(2)، وسمى مؤسسها أبو قدامة يزيد بن فندين الأفراني، الذي انضم إليه في وقت لاحق عالم إباضي منشق من القاهرة يدعى شعيب بن المُعَرِّف. وهكذا، ووفق نفس الرواية، فإن أصول هذه النحلة تبقى مغربية محضة. فعلاوة على ابن فندين وشعيب، ثمة مؤسسين آخرين لنحلة النكار، ذكروا في الكتابات الإباضية الدينية، خاصة رسالة أبي عمر عثمان بن خليفة المارغني(3)، التي تتناول المذاهب الإسلامية المختلفة(4)، وهم: عبد لله بن يزيد الفزاري، عبد لله بن عبد العزيز، أبو المواردي، وعمر بن محمد السدسي، وحاتم بن منصور.
وبناء على ما ورد في بعض المقاطع من "كتاب السير" لأبي العباس الشماخي، ومُؤَلَّف أبي زكريا، يمكن أن نلحظ ضمن هؤلاء الأشخاص، ممثلين لثلاثة اتجاهات مختلفة في المذهب الإباضي أو بالأحرى ثلاثة انشقاقات متباينة، والظاهر أن جمع مختلف هذه الأفكار، كان من عمل شعيب منذ وفاة ابن فندين(5).
__________
(1) - المؤرخ المعني بالطريقة التأريخية في التحقيق وبدراسة المؤرخين راجع المغني الكبير، لحسن سعيد الكرمي. (الناشر)
(2) - ترجمة [فاغنان Fagnan]، الجزائر (1901م)، ص283.
(3) - كاتب إباضي شمال إفريقي عاش في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، أنظر: [ليفيتسكي]، بعض النصوص غير المنشورة باللغة البربرية القديمة مصدرها مجموعة أخبار إباضية مجهولة. مجلة الدراسات الإسلامية، (8/3 1934م) ص275-296.
(4) - (توجد نسخة مخطوطة منها بمكتبة جامعة [لپوپ]، (بولندا) تحت رقم 1088/II ضمن سلسلة المخطوطات.
(5) - [مسكراي]، سيرة أبي زكريا، ص74-75. (1/43)
صفحة 44
ولعل من أقدمها فرقة عبد الله بن عبد العزيز وأبي المواردي حاتم بن منصور وشعيب، الذين تدين لهم نحلة النكار بالكثير من مبادئها الشرعية.
إن بداية انشقاق هذه المجموعة أقدم بكثير من ثورة ابن فندين، وحسب المصادر الإباضية فإنها انفصلت عن الإباضية منذ عهد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، إمام إباضية البصرة، الذي عاش خلال النصف الأول من القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي(1).
والملاحظ أن عالمين من هذه الفرقة، وهما شعيب وعبد الله بن عبد العزيز، حاربا بدورهما الاتجاهات القدرية في الإباضية والممثلة في أتباع حمزة الكوفي وعطية. ويقال عن شُعيب أنه كان متعاطفاً مع القدرية. وقيل عنه أيضاً أنه كان متعاطفا مع الجبرية كذلك.
__________
(1) - [ليفيتسكي]، سيرة إباضية. مجلة الدراسات الإسلامية، (1934م)، ص72. (1/44)
صفحة 45
من الفرق المعاصرة تقريباً للشعيبية نجد تلك المنسوبة إلى عبد الله بن يزيد الفزاري صاحب النهج التشريعي الذي تبناه لاحقاً النكار، وهو كذلك من الأصوليين المحافظين الذين يقدرهم الإباضيون(1). وللعلم فإن هاتين المدرستين الإباضيتين تم امتصاصهما بعد (168هـ/784-785م) من طرف فرقة ابن فندين، الذي كان عضواً في مجلس الشورى الذي أنشأه عبد الرحمن بن رستم، اقتداءً بنموذج عمر بن الخطاب. ويتكون من ستة أشخاص، ووكل إليهم مهمة اختيار خلفاً له بعد وفاته. ويبدو أن ابن فندين قد يسر انتخاب عبد الوهاب، بأن روج دعاية ناجعة لصالحه بين صفوف الأمازيغ، وطلب منه التقيد بشرطين يتلاءمان بلا شك وعقلية أمازيغ إباضية المغرب، وأن يتخلى عن الإمامة إذا وجد شخص أفضل منه. وبدعم من علماء إباضية المشرق الذين تمت استشارهم، عارض عبد الوهاب أفكار ابن فندين، الذي لقي من جانبه دعماً من طرف شعيب. وقد بادر هذا الأخير إلى الانتقال لتيهرت صحبة أتباعه للالتحاق بصفوف الرافضين. وهكذا هاجر النكار أتباع عبد الوهاب الذين يعرفون بـ الوهبية(2).
وتحدثنا المصادر عن نشوب واقعتين كبيرتين، أفضتا إلى مقتل ابن فندين وانتصار عبد الوهاب، وتراجع النكار على الأرجح نحو شرق بلاد الأمازيغ. وكان شعيب ضمن الفارين، حيث ارتضى لنفسه الاستقرار بطرابلس. وعلى هذا النحو وقعت القطيعة النهائية بين النكار والوهبية داخل المذهب الإباضي، متبوعة بتكفير ومقاطعة شعيب وأتباعه من لدن علماء الوهبية.
__________
(1) - [ليفيتسكي]، سيرة إباضية، ص70.
(2) - حول هذه الكلمة أنظر [ستروثمن]، بربر وإباضية ص274، رقم4. (1/45)
صفحة 46
وبسرعة كبيرة، نشطت الدعاية النكارية، بيد أنه لم ترجح مكانة النكار بين صفوف إباضية إفريقيا الشمالية إلا في نهاية القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، عقب انهيار إمامة تيهرت (296هـ/908-7م) وتأسيس الدولة الفاطمية ببلاد المغرب. حيث أصبح الجنوب التونسي والجزائري كله من جبل نفوسة حتى تيهرت نكارياً. وتحدث المؤرخون عن أوج الدعاية النكارية التي يشكل مركز طرابلس منطلقها الأساسي إلى جانب جبل الأوراس وجزيرة جربة.
وعلى إثر ذلك اعتنقت عدة مقاطعات إباضية – وهبية أفكار الفرقة الجديدة. وبهذا الشكل أنشأ النكار إمامة منشقة عن تيهرت.
وثمة إمام نكاري عاش في نهاية القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، يدعى أبو عمّار عبد الحميد الأعمى، استطاع تلميذه أبا يزيد مخلد بن كيداد خلال النصف الأول من القرن الرابع الهجري، قيادة تمرد نكاري مدهش ببلاد المغرب، وكاد أن يقضي على الدولة الفاطمية. وقد اختير أبو يزيد من طرف النكار المجتمعين بجبل الأوراس "شيخا للمؤمنين الصادقين" بعد أن تنازل له عمر عن الزعامة (طبقاً لتعاليم المذهب: الأفضل(1).
وفي محاولة منه لإنجاح أفكار ابن فندين، كون مجلساً من اثني عشرة عضواً يدعون العزابة لمعاضدته في تدبير شؤون الإمامة النكارية. إلا أنه قرب إليه فيما بعد بعض المتشددين الخارجيين، وأجاز الاستعراض - أي قتل مرتكب الكبيرة - على غرار الأزارقة.
__________
(1) - لا تجوز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. (الناشر) (1/46)
صفحة 47
وبعد اندحار ومقتل أبا يزيد، تراجع نفوذ النكار، ورجعت القبائل إلى الوهبية. غير أن بقايا النكار كانت لهم مشاركة في الانتفاضة الإباضية العامة ضد الفاطميين سنة (358هـ/968م). كما ورد ذكرهم سنة (431هـ/1039-1040م) في سياق الثورة الكبرى التي قادتها هذه الفرقة بجزيرة جربة. وخلال القرن السابع والثامن الهجريين/الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، تمت الإشارة إلى النكار كذلك بمديرية يفرن إلى الغرب من جبل نفوسة، وفي جزيرة جربة، وعند بني ورغامة بجنوب تونس، وفي واحات بلاد الجريد، وبالريغ، وورجلان.
وحسب ما أورده [موتيلنسكي]، فإن بقايا فرقة النكار التي استمرت إلى يومنا هذا، تتركز في كل من جربة وزوارة سنة (1900م).
وبفضل ما عرضه أبو عمر، وقفنا عند القضايا الرئيسية التي تفرق النكار عن الإباضية - الوهبية، وعددها سبعة. فإلى جانب مبدأ الشرط، نجد مسألة جوهرية تتمثل في فرضية كون أسماء الله محدثة. إضافة إلى موقفهم من العلاقة بين الرجل والمرأة. وحول خصوصية مذهب النكار أنظر: البرادي: كتاب الجواهر المنتقاة(1).
وقد تصدى عدد من علماء الإباضية – الوهبية، لدحض أفكار المذهب النكاري في مؤلفاتهم القديمة في بعض الأحيان. على سبيل المثال تحدث البرادي عن رد عالم وهبي، عاش خلال النصف الثاني من القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، يدعى أبا عمر الربيع بن حبيب، على أفكار عبد الله بن عبد العزيز وشعيب(2). كما يذكر الوسياني عالماً من ساحل تونس يسمى محمد بن أبي خالد، عاش قبل القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، كان يرد بدوره على تعاليم النكار في مختلف كتاباته.
__________
(1) - القاهرة (1302هـ)، ص171-172.
(2) - المرجع السابق ص172. (1/47)
صفحة 48
وثيقة إباضية لم تنشر حول هجرة أهل جبل نفوسة(1)
إن وطن قبيلة نفوسة الأمازيغية الإباضية الكبيرة - أي منطقة أهل نفوسة الجبلية(2) - إقليم من أهم الأقاليم الإباضية في بلاد طرابلس، ودعم لا يتزعزع لحكم الأئمة الرستميين في تيهرت ببلاد الأمازيغ الشرقية في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. لقد كان دوماً ولا زال حتى اليوم منطقة مكتظة السكان وقد اضطر سكان جبل نفوسة إلى الرحيل هروباً من الفقر والاحتياج، فقادتهم الهجرة منذ القِدم إلى بلاد تونس المجاورة، التي كانت أكثر خصوبة وغنى من بلاد طرابلس، والتي كانت دوماً "ملجأ لهم في فترات تاريخهم المظلمة"، كما يذكر ذلك بالبرهان السيد [ج. ديبوا J. Despois] في كتابه الشيق حول جبل نفوسة(3)
__________
(1) - هذا المقال عبارة عن ترجمة لبحث نشر في: [النشرة الإستشراقية Folia Orientalia T1-2] الصادرة سنة (1959م) تحت عنوان: [وثيقة إباضيةلم تنشر حول هجرة أهل جبل نفوسة إلى الساحل التونسي في القرنين الثامن والعاشر الميلاديين Un document ibadit inédit sur i’émigration des nafûsa du gabal dans le sahil tunisien au VIIIe-IXe Siècle] لمؤلفه المتمزغ البولندي: [تادايوش ليفيتسكيTadeusz Lewicki ]. ترجمة الأستاذ: أحمد بوعيش باكير، والأستاذ: مسعود مزهودي. وإعتمدنا في الغالبية الساحقة على ترجمة الأول.
(2) - نفوسة الجبل كما ترد في المصنفات الإباضية تمييزاً لهم عن نفوسة الساحل. (الناشر)
(3) -في كتابه المعنون: [جبل نفوسة دراسة جغرافية Le Djebel Nefousa (Tripolitaine) étude géographique] – باريس (1939م)، ص165/69 و294/295.
ملحوظة: لقد ترجم هدا الكتاب ونشر من قبل مؤسسة تاوالت الثقافية، (الناشر). (1/48)
صفحة 49
، من حيث استعرنا الملاحظات السابقة. إننا لا نعرف متى اعتاد سكان جبل نفوسة الرحيل إلى بلاد تونس، ولكن من اليقين أن هذه العادة كانت تستمر قروناً كاملة، وكانت نسبتها في القديم أكثر أهمية مما هي عليه اليوم.
سبق أن ذكر لنا الجغرافي العربي أبو عبيدة البكري - الذي يرجع إليه الفضل في الوصف المفصل لشمال إفريقيا في القرن الحادي عشر الميلادي - أن الإمام الفاطمي أبا القاسم بن عبيد الله (حكم من سنة 934-946م) أسس (أو بالأحرى أعاد بناء) القرية المسماة [فيلا ماجنا Villa Magna]، (فيلا مانيا قديما) بإقليم زغوان، غير بعيدة عن القيروان، حيث عقد النية على إسكان "الغرباء الشحاذين القادمين من بلاد هوارة ونفوسة"(1).
وحسب قول الشماخي (ق 10هـ/16م) الذي ذكر في هذا الشأن المؤرخ المغربي ابن سلام: (كان يكتب بعيد سنة 260هـ/873م)(2)
__________
(1) - وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، نص عربي حققه ونشره [ماك گوكين دي سلان Mac Guckin de Slane]/ ط: ثانية – الجزائر 1911 ص16 (ترجمة الجزائر 1913 – ص98) وفيما يتعلق بنطق لفظ المكان هذا واشتقاقاته التي نسخها البكري بخطأ قلمجة وقرأها [سلان] قلمجنة. أنظر [ليفيتسكي]، لغة رومانية منسية في شمال أفريقيا، ملاحظات مستشرق في المجلة الشرقية 1953 – ج12 – ص450 رقم51.
(2) - عن الشماخي وابن سلام، أنظر [ليفيتسكي]، سيرة الإباضية "كتاب السير،" لأبي العباس أحمد الشماخي في مجلة الدراسات الإسلامية 1934 – ملف 1، باريس 1935، ص59 إلى 78.
ملحوظة: المقال مترجم ومنشور ضمن هذا الكتيب. (الناشر) (1/49)
صفحة 50
إن فرقة أخرى من أهل نفوسة تزيد عن (500 نسمة)(1) كانت تسكن باطن المرج وهو مكان يحتمل أن يكون بائنا على خرائطنا الجغرافية، وهو سهل صغير يوجد بالشمال الغربي من القيروان، ويمتد على جانبي وادي مرق الليل. وحسب قول ابن سلام فإن هؤلاء النفوسيين كانوا إباضية، ولا نعرف شيئاً عن تاريخ هذه الفرقة التي استقرت بضواحي القيروان قبل سنة (873م) بكثير. فليس من المستحيل إذن أن يكون مستعمرو باطن المرج جزءاً من نفس السيل – كان ذلك حوالي القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، أو في النصف الأول من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي - قد جلب إلى البلاد التونسية أعداداً ضخمة من مهاجري جبل نفوسة الذين تحدثنا عنهم السير الإباضية.
__________
(1) - أبو العباس أحمد بن عثمان الشماخي، كتاب السير، مخطوط، القاهرة (1301هـ/ 1883/1884م)، ص261/62. (1/50)
صفحة 51
ويبدو أن الجماعة الأساسية من مهاجري القرنين الثاني والثالث الهجريين/الثامن والتاسع الميلاديين، كانوا قد توجهوا إلى بلاد الجريد حيث استولوا على مدينة قنطرار(1)، التي أصبحت عاصمة الولاية الجديدة للحكومة الإباضية في تيهرت، تحت حكم الإمام الرستمي أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (168–208هـ/323–871م)، وقد عين أفلح أبا يونس وسيم النفوسي الطمزيني والياً على قنطرار، وهذا الأخير مهاجر من جبل نفوسة(2)،خلفه أبنه سعد الذي عاش كذلك في سنة (283 هـ/896–897م) أثناء سحق جيش الأغالبة لأهل جبل نفوسة في واقعة مانو الدامية. وفي هذه الفترة لا زال المستعمرون النفوسيون بقنطرار يشعرون بارتباط وثيق بوطنهم الأصلي، حتى أن سعداً(3) بن أبي يونس قد شبه في أحدى خطبه جبل نفوسة "ببقرة وقنطرار بعجلها"(4)، وقد كانوا يتقاسمون الغنائم مع أهل الجبل، وبعد معركة مانو مباشرة استولى الجيش الأغلبي على هذه المدينة، ومثل بالأهالي(5).
__________
(1) - حول مدينة قنطرار، أنظر [ليفيتسكي] : لغة رومانية منسية في شمال افريقيا، ص466 رقم 66.
(2) - [أميل مسكراي E. Masqueroy] سيرة أبي زكريا. الجزائر 1878م، ص174، الشماخي، كتاب السير، من ص195 إلى 219.
(3) - [مسكراي]، العنوان السابق، ص174/76. الشماخي، ص214/15.
(4) -[مسكراي]، العنوان السابق، ص 199. الشماخي، العنوان السابق ص268.
(5) - [مسكراي]، العنوان السابق ص202. (1/51)
صفحة 52
ومع وجود هذه الفرق الثلاثة من مهاجري الجبل الذين استقروا بشمال القيروان وغربها وبلاد الجريد، يجب أن نذكّر بوجود مستعمرة رابعة في المنطقة الشرقية من البلاد، أي إقليم الساحل للبلاد التونسية في القرون الوسطى. وقد كشفت عن وجود هذه المستعمرة وثيقة قديمة صادرة عن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ونقلت بإيجاز في كتاب السير - وهو كتاب تراجم الإباضية بشمال أفريقيا ألفه أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني - وقد أتيحت لي الفرصة أخيراً أن أتحدث عن هذا الكاتب الذي يعد من أشهر مؤرخي الإباضية ومترجميهم في شمال إفريقيا وقد توفي في النصف الثاني من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي(1).
__________
(1) - [ليفيتسكي]، التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية بشمال إفريقيا خلال العصر الوسيط، في المجلة الشرقية البولونية ج 21 - 1957 ص304/305.
ملحوظة: ترجم هذا البحث وأرفق بهذا الكتيب (الناشر). (1/52)
صفحة 53
ومخطوطات كتاب السير نادرة جداً، وقد سلّم سي داود بن بكير، قاضي الإباضية في الماضي بغرداية - بميزاب، إحدى هذه النسخ للمرحوم [سموغورزوفسكي Smogorzewski]، الذي طلب أن تنسخ له مع مؤلفات أخرى في تراجم الإباضية وكان ذلك سنة (1912 أو 1913م)(1). والنسخة التي نتحدث عنها توجد في الصفحات 1 إلى 139 من المخطوط رقم 297 من المجموعة الإباضية التي جمعها هذا العالم. والفقرة التي تحتوي على موجز رسالة الإمام عبد الوهاب توجد في الصفحتين 75-76 من هذه النسخة وهذا هو النص(2): وذكر عن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه كتب إلى نفوسة الراحلين من الجبل كتاباً وهم الخارجون عنه وكانوا في ألف رجل وخاف مما قد يعتريهم من التغيير والتشتيت فكتب إليهم كتاباً مع عامله عليهم وأقتطع لهم أرضاً كثيرة، وهي هذه الحدود التي تذكر ورد القلورية إلى تانوجدت إلى قبر الصياد إلى فحم المصابيح إلى زيتونة المعاصير(3) لنا وللمسلمين اغرسوا فيه بأمرنا واحرثوا فيه بإذننا، قال أبو محمد قال أبو زكريا يحيى بن ويجمين إن الساحل كله داخل في هذه الحدود الأربعة. فنزلوا فيه، وقطنوه ومن معهم، وهو أبرك خلق الله، وأزكى وأطيب وأجدر الأدباء، وأطوع الطائعين منهم إلى يومنا هذا، فيهم الإبرار والأدب ببركة الإمام نظر الله وجهه، وقدس روحه، وبرد ضريحه، والمسلمين والمسلمات أجمعين. آمين يا رب العالمين.
__________
(1) - [ليفيتسكي]، [سموغورزوفسكي] في المجلة الشرقية البولونية (1933م) ج9 ص189-190.
(2) - ننشر النص العربي من هذه الفقرة بأمانة ولم نصحح إلا خطأ يبدو وأنه جاء من يد الناسخ، الأرقام في الهامش توافق صفحات المخطوط رقم277 من مجموعة [سموقورزفسكي].
(3) - زيتونة الصعافير، سير الوسياني، ص43. (1/53)
صفحة 54
ولم يذكر لنا الوسياني كيف حصل على رسالة الإمام عبد الوهاب التي بعث بها إلى المهاجرين من جبل نفوسة؛ والتي قدم لنا موجزها في مؤلفه. ونظراً لكل الاحتمالات فإن هذه الوثيقة كانت ضمن كتاب عبد الوهاب تحت عنوان "كتاب مسائل نفوسة الجبل"(1) الذي ذكره ابن الصغير في سيرة أئمة تيهرت (كتبه حوالي 290هـ/902-903م)(2)، وإليكم ما قاله ابن الصغير في هذا الشأن: ألف لنا عبد الوهاب كتاباً بعنوان "كتاب مسائل نفوسة الجبل" رداً على أسئلة مريبة في المسائل التي كتبها أهل نفوسة وقد حلها هو بتفصيل – ولهذا الكتاب الذي بين أيدي الإباضية شهرة كبيرة عندهم تناقلوه من جيل إلى جيل حتى عصرنا هذا، والدليل على هذا هو أنني تمكنت من الحصول عليه عند أحد بني رستم فأطلعت عليه ودرسته(3).
__________
(1) - تنبيه: لقد اطلعنا على كتاب مسائل نفوسة، تحقيق وترتيب إبراهيم محمد طلاي. ولم ترد فيه هذه الرسالة، ولعله من الأصح تبديله بكتاب نوازل نفوسة وهو موجود في مكتبات جبل نفوسة ومزاب وجربة، حسب الأستاذ محمد علي دبوز، ج3 ص272، ونسبته للإمام عبد الوهاب تحتاج إلى تحقيق. (الناشر).
(2) - سيرة ابن الصغير في الأئمة الرستميين بتاهرت، نشر وترجمة: [دي كالاسنتي موتيلنسكي A. de C. Motylinski] في فصول المؤتمر العالمي 14 للمستشرقين القسم الثالث (تابع) اللغات الإسلامية باريس (1908م)، ص3-8 (تمهيد).
(3) - المصدر نفسه، ص17 (نص عربي)، ص73 (ترجمة فرنسية). (1/54)
صفحة 55
ويبدو أنه من هذا الكتاب جاءتنا رسائل الإمام عبد الوهاب لأهل نفوسة، والتي استشهد بها أو ذكرها أبو زكريا بن أبي بكر الورجلاني في كتابه التاريخي - وهو مؤرخ إباضي معروف لمع نجمه في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي(1). - وهذه الرسائل تخص عزل خلف بن السمح، وتسمية أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني والياً على نفوسة، ومقاتلة أبي عبيدة لخلف بن السمح(2).
وأعتقد أن نسخة من كتاب مسائل نفوسة الجبل قد عثر عليها الوسياني وهو مؤلف عاش بعد عصر أبي زكريا يحيى بن أبي بكر الورجلاني، ومنها استخرج صاحب كتاب السير رسالة عبد الوهاب إلى الراحلين من أهل نفوسة(3)
__________
(1) - حول هذا المؤلف أنظر الموسوعة الإسلامية، أبي زكريا يحيى بن أبي بكر الورجلاني.
(2) - [مسكراي]، سيرة أبي زكريا، ص133/136، 145، 146، 148، 154.
(3) - كتاب مسائل نفوسة الجبل لم يذكر في جدول كتب المذهب الإباضي الذي ألفه في بداية القرن التاسع الهجري/الرابع عشر الميلادي، أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي وهو عالم إباضي أصله من الجنوب التونسي ويبدو أن هذا الكتاب لم يوجد مستقلاً على حدة في هذه الفترة، وربما ألحق بمؤلف آخر عنوانه "جوابات الأئمة" ذكره البرادي الذي يقول: وفضلاً عن ذلك فإن في هذا الديوان المعني بالذكر لا تدخل إلا رسالة واحدة لعبد الوهاب، ونقلاً عن عبد الله بن حميد السالمي - عالم إباضي معاصر ندين له بالفضل في الحصول على جدول كتب الإباضية القديمة - أن كتاب "جوابات الأئمة" يحتوي على رسائل عبد الوهاب من أبنه أفلح وكذلك من ابن الأخير محمد بن أفلح بن عبد الوهاب، وقد رأى السالمي مجلداً تاماً من هذا المؤلف. وفيما يتعلق بجدول البرادي وجوابات الأئمة راجعوا [موتيلنسكي]، مراجع ميزاب، وكتب المذهب الإباضي في نشرية المراسلة الأفريقية، (1885م)، ج3 ص16 إلى 30 وص43-44 (وخاصة ص23 رقم 46).
السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، مطبوع في "مجموع ستة كتب" يبتدئ بخطبة العيدين لسعيد بن علي الجربي. (1/55)
صفحة 56
، ومن جهة أخرى ليس من المستحيل أن يكون الوسياني قد تعرف على رسالة الإمام عبد الوهاب بواسطة علماء آخرين درسوها ونقلوا محتواها إلى مؤرخها. وفي هذه الحالة يبدو إن الذي نقل محتوى رسالة الإمام عبد الوهاب إلى الوسياني قد يكون شخصاً يدعى أبا محمد كان قد حفظها عن أبي زكريا يحيى بن ويجمن الهواري.
ويستخلص إذن من هذا المقطع من كتاب السير أن هاذين العالمين قد حققا وثيقتنا هذه وإن لم يكن ذلك صحيحاً، فمن المفيد التحدث قليلاً عن هذين الشخصين. وأبو محمد المذكور في الفترة السابقة من كتاب السير للوسياني هو بلا شك أبو محمد عبد الله بن محمد العاصمي اللواتي نفسه. ومن خلال فقرة أخرى من نفس الكتاب كان أستاذاً للوسياني ودليله الأساسي في الإباضية بشمال إفريقيا(1) ويعود نسب هذا الشيخ إلى ميال بن يوسف وزير الإمام الرستمي أفلح بن عبد الوهاب، وقد ولد في النصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي في بلاد برقة.
__________
(1) - الوسياني، كتاب السير، ص1. (1/56)
صفحة 57
وفي سنة (450هـ/1058-1059م) كان يبلغ من العمر 18 سنة حين هاجر من برقة نحو الغرب، واستقر بأجلو في وادي ريغ (أريغ في سير الإباضية) وقد توفي سنة (528هـ/1133-1134م). لقد منحه المذهب الإباضي باستحقاق مكانة شرفية إذ أنه لم يكن مؤرخاً عظيماً فحسب، وإنما كان شاعراً فحلاً كذلكً(1). أما أبو زكريا يحيى بن ويجمن (كذلك ويقمان) الهواري فقد كان أحد أصحاب السير المشهورين، ذاع صيته في النصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي(2)، توفي سنة (487هـ/1074-1075م)(3)، وسكن مدينة أجلو (أجلو الشرقية كذلك بوادي ريغ)(4). كما قضى فترة من عمره بمدينة تامست وهي بلدة أخرى من القطر(5)، ولقد كانت تربطه علاقة وثيقة بأبي محمد عبد الله بن محمد العاصمي اللواتي الذي التقى به بعد سنة (450هـ/1058-1059م) في أجلو وتلمست(6). ومما لا شك فيه أن بين سنة (450هـ/1058-1059م) إلى (467هـ/1074-1075م) نقل لأبي محمد رأيه فيما يخص رسالة الإمام عبد الوهاب للراحلين من جبل
__________
(1) - الشماخي، كتاب السير، ص437-440 وفي أمكنة متعددة، ونقلاً عن سيرة إباضية مجهولة في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، تحت عنوان "سير المشائخ" (مخطوط رقم 277 من مجموعة [سموقورزفسكي] ص190)، هذا الشيخ يحمل اسم أبي محمد عبد الله بن ناصر بن ميال بن يوسف اللواتي، وكان ميال بن يوسف قد عين حاكماً على بلاد نفزاوة من طرف الإمام أفلح بن عبد الوهاب، أنظر أيضاً فيما يتعلق بهذا العالم [ليفيتسكي]، "ملخص سيرة الإباضية"، للدرجيني، في المجلة الشرقية البولونية، (1936م)، ج6 ص162.
(2) - [موتيلنسكي]، مراجع ميزاب، ص42 (حيث كتب اسم هذه الشخصية أبو زكريا يحيى بن ويجمن الهواري)، [ليفيتسكي]، ملخص سيرة الإباضية للدرجيني، ص169.
(3) - سير الشماخي، ص327.
(4) - الوسياني، كتاب السير، ص180/181؛ سير المشائخ، ص327 .
(5) - الوسياني، العنوان السابق، ص189.
(6) - نفس المرجع، ص109-11. (1/57)
صفحة 58
نفوسة وكانت وفاته في هذه الفترة.
والأمكنة التي ذكرتها رسالة الإمام عبد الوهاب كحدود للأرض التي منحها للراحلين من جبل نفوسة لم تذكر على أي خريطة من خرائطنا، كما لم يعرفنا بها أي نص عربي قديم، ولم تذكر في كتب اليعقوبي والمقدسي والبكري والإدريسي، ولا نعرف ما إذا كانت أسماء مدن وقرى أو أمكنة أخرى. لذلك أصبح من المستحيل علينا أن ننطلق من هذا النص لتحديد أسماء هذه الأماكن؛ فهي كلها عربية ما عدا واحدة فقط يبدو أنها أمازيغية، تنقسم إلى حدين متمايزين: تين ووجدت: وتقابل تين في العربية الإضافة وهي كلمة كثيرة الاستعمال في الطوبونوميا(1) الإفريقية القديمة(2)
__________
(1) - علم يدرس أسماء الأماكن والمواقع الجغرافية. راجع رشيد الحسين، وشم الذاكرة. (الناشر)
(2) - نجد هذا العنصر مع عناصر أخرى في تنفاديا الرومانية القديمة (في نوميديا) كذلك في أسم مكان القرون الوسطى، تين طمزين – إضافة للشعير، اسم قرية في جبل نفوسة، أنظر في هذا الموضوع [روني باسي R. Basset ] "تسمية مشاهد جبل نفوسة" في الجريدة الاسيوية: (مايو/يونيو 1899م)، ص450/451؛ [أ. بلغران A. Pellegrin] محاولة في أسماء أماكن الجزائر وتونس، (1949م)، ص74-77.
ملحوظة: راجع (تسمية شيوخ جبل نفوسة وقراهم – دراسة في الطبونوميا والأنوميا الأمازيغية) منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية (الناشر). (1/58)
صفحة 59
. وأما وجدت فيمكننا أن ننطق بها أوجدت إذ نجده في أسم مدينة مغربية (أوجدة) ذكرها البكري (وجدة)(1). أما تسمية ورد قلورنية فهي غريبة، إذ لا نعرف هل تعني اسم نبات ومن ثم أصبح اسم مكان (فضلاً على أنني أجهله)، أم هل توجد فيه إشارة إلى المستعمرين القلوريين الذين استقروا في هذه البلاد؟(2)
__________
(1) - وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري نص عربي، ص87/88، ترجمة فرنسية، ص176/177.
(2) - هؤلاء القلوريين الذين افترضناهم لم يكونوا المستعمرين الإيطاليين الوحيدين الذين سكنوا تونس في أواخر القرون الوسطى، كما يوجد أيضاً في هذا البلد مهاجرون من جزيرة سردينية، قد أعطوا أسمهم إلى سردينية، وهو يوجد في أحواز القيروان، سنة (361هـ/973م)، أنظر في هذا الصدد ابن خلدون، تاريخ البربر، ترجمة [سلان]، ج2 ص550. (1/59)
صفحة 60
ونقلاً عن أبي زكريا يحيى بن ويجمن الهواري تكون حدود الأرض الممنوحة للراحلين من جبل نفوسة موافقة لإقليم الساحل على خرائطنا، ومن هذه التسمية نعرفها اليوم بالمنطقة الساحلية الشرقية للبلاد التونسية، والتي تمتد من هرقلة في الشمال إلى رأس قبودية جنوبا(1). وكانت هذه الأرض في القديم أكثر اتساعاً وتشمل جنوب البلاد الممتد بين صفاقس وقابس. ونقلاً عن اليعقوبي كانت من أولى المدن التي هي الحد بين الساحل وجهة الوسط(2) وكذلك بالنسبة للبكري - كتب في منتصف القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي - غير أن وصفه لشمال إفريقيا كان مركزاً على مؤلفات محمد بن يوسف بن الوراق الجغرافي الذي سبقه بقرن (قد توفي هذا الأخير في سنة 336 هـ/973-974م) والذي مدد حدود الساحل أكثر مما كانت عليه. ونقلاً عن هذا الجغرافي تكون مدينة تاروغا إحدى المحطات على الطريق الرابطة بين صفاقس وقابس، وتقع في منتصف الطريق بين هذين البلدين، وتوجد على طرف ساحل الزيتون(3)، ومن الغرب تفصل القيروان عن الساحل مسيرة يوم(4).
__________
(1) - [ر. برانشفيگ . Brunschig]، بلاد البربر الشرقية في عهد الحفصيين منذ النشأة حتى نهاية القرن الخامس عشر، ط/باريس (1940م)، ص307، أنظر أيضاً عن هذا البلد البحث الجغرافي الجيد لـ [ج ديبوا]، تونس الشرقية الساحل والسباسب المنخفضة دراسة جغرافية، باريس (1955م) خاصة من ص129-157 وفي أمكنة متعددة.
(2) - اليعقوبي: كتاب البلدان، نشر [خويه]، المكتبة الجغرافية العربية، ج 7 ص350.
(3) - وصف افريقيا الشمالية لابي عبيد البكري، نص عربي ص19، ترجمة فرنسية ص45.
(4) - نفس المصدر، نص عربي ص24، ترجمة فرنسية ص56. (1/60)
صفحة 61
نستخلص من هذه الوثيقة التي نسخها الوسياني أن الإمام التيهرتي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم كان يعتبر نفسه على الأقل في فترة من حكمه الطويل الذي دام أربعين سنة (من 168 إلى 208هـ ومن 784-785 إلى 823-824م) صاحباً للساحل الذي منحه لجماعة من الراحلين من جبل نفوسة، وهي قبيلة أمازيغية تمثل السند الأساسي للرستميين في بلاد الأمازيغ الشرقية. وأعتقد أن هذه الشهادة تستحق القبول التام وأن النفوذ الرستمي ليس مستحيلاً في الساحل (خاصة في داخل البلاد) في عهد الإمام عبد الوهاب أيام أوج قوة حكومة تيهرت.
علينا أن نذكر أيضاً أن الساحل متاخم لولايتي إمامة تيهرت: قابس مع نواحيها، وقفصة، حيث كان يقيم في هذه الفترة وولاة يُعيَّنُون من طرف عبد الوهاب، وهم سلمة بن قطفة على قابس، وعلى قفصة(1) وكيل بن دراج النفوسي (من بني يخلف)، ومن هنا نرى أن الطريق مفتوح أمام النفوذ الرستمي على الساحل من الجنوب والجنوب الغربي انطلاقاً من قابس وقفصة اللتين كانتا باباً على أفريقيا في نظر الرستميين، وولاتهم على جبل نفوسة. ويظهر لنا هذا النفوذ بدون شك في فترات ليست بالقليلة، حين اشتغل أخر ولاة العباسيين والأمراء الأغالبة الأولون في إخماد الثورات الداخلية في إفريقية، وكان هؤلاء غير مستعدين لحماية الحدود الجنوبية من محاولات الغزو من طرف أئمة تيهرت.
__________
(1) - الشماخي، كتاب السير، ص203. (1/61)
صفحة 62
وبعد وفاة الإمام عبد الوهاب (210هـ/825-826م) ظهر الساحل عند ابن خلدون أحدى الولايات الأربعة (والولايات الأخرى هي: تونس لكنها أصلحت بقابس – نفزاوة – وطرابلس) التي ظلت على وفائها للأمير الأغلبي زيادة الله الأول أثناء ثورة الجند الكبيرة(1). ولا تبدو هذه الشهادة على غاية من الصحة إذ أن اعتمادنا على سير الإباضية يجعلنا نعرف أن ولاية واحدة على الأقل من هذه الولايات الأربعة لا تنتمي في هذه الفترة إلى الدولة الأغلبية ولكنها تابعة لإمامة تيهرت، وزيادة على ذلك فإننا نعرف أسماء ولاة الإمام عبد الوهاب وخليفته أفلح بن عبد الوهاب (208-258هـ/823/824 – 871/872م) على هذا الإقليم:ميال بن يوسف، ومحمد بن إسحاق الخزري(2)، ومع ذلك لا نعرف من هو الوالي الأغلبي على نفزاوة(3) في هذه الفترة، وكذلك بلاد طرابلس ومنطقة قابس كانتا تحت حكم الإمام أفلح، وجزء منها تحت حكم القائد الإباضي خلف بن السمح(4)، بإستثناء مدينتي طرابلس وقابس. ويغلب الاحتمال أنه حتى سنة (210هـ/825-826م) لم يكن الساحل مرتبطاً كل الارتباط بالدولة الأغلبية كما أصبح عليه فيما بعد، سوى المدن الواقعة على الساحل مثل سوسة التي عرفت حكم هؤلاء الأمراء بينما كان نفوذ أئمة تيهرت هو السائد داخل البلاد. وأعتقد أنه لم يتم القضاء على نفوذ الأئمة الرستميين في جنوب البلاد التونسية وشرقها إلا سنة (224هـ/838-839م) بعد انتصار الأغالبة على
__________
(1) - أنظر في هذا الشأن [هـ. فورنال H. Fournal]، البربر، ط/باريس (1875م)، ج1 ص490/491.
(2) - الشماخي، كتاب السير، ص203.
(3) - [م. فندرهايدن M. Vonderheyden]، بلاد البربر الشرقية تحت نفوذ بني الأغلب، ط/باريس (1927م)، ص50-51.
(4) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص174، وفي أمكنة متعددة. قال [فندرهايدن] متحدثا بصواب عن الوضع السياسي في طرابلس: أن بعد عام (820م) قد ترك آخر البلد إلى الإباضية حتى أبواب طرابلس (المرجع السابق، ص42). (1/62)
صفحة 63
تحالف قبائل لواتة ومكناسة وزواغة الأمازيغية الإباضية التي تسكن بين قسطيلية وقفصة(1).
وبالأحرى لا يمكننا أن نفترض أن هذا التأييد الذي قدمه كل من إقليم نفزاوة وطرابلس وقابس والساحل سنة (210هـ/825-826م) لزيادة الله الأول، كان إما نتيجة لصلح بين الأمير الأغلبي والإمام أفلح بن عبد الوهاب، وإما بين الأمير والولاة الإباضيين الذين يحكمون هذه الأقاليم باسم إمام تيهرت. وعلى حسب الفرض الذي أحتج به [فوندرهايدن] الذي ندين له بالفضل لبحثه القيم في الأمراء الأغالبة - بأن سكان الساحل كانوا مختلطي المذاهب ومتوسطي الاستعراب، ما عدا بعض المسيحيين وخاصة الأرتذوكس منهم(2).
إن مضمون رسالة الإمام عبد الوهاب التي محّصناها آنفاً يسمح لنا أن ننكر هذا الفرض، وتظهر الوثيقة بوضوح أنه وفي آواخر القرن الثامن الميلادي أو أوائل القرن التاسع الميلادي تسربت جماعة لا بأس بها من الأمازيغ الإباضية إلى هذه البلاد. ونقلاً عن هذه الوثيقة فإن عددهم كان يبلغ ألف رجل (ويعني خاصة الرجل البالغ) وهو يقصد بلا شك رؤساء العائلات الذين استقروا حديثاً بالساحل مع نسائهم وأبنائهم ومن كان معهم، كما ورد في نصنا هذا. فإذا كانت ترجمة النص صحيحة، يمكننا مضاعفة عدد الراحلين المصرح به خمس مرات، واعتبار أن عددهم يبلغ على الأقل خمس ألاف شخص.
ونقلاً عن الوسياني، فانه لا يزال يوجد في عصره إباضية في بلاد الساحل، وكذلك في عصر أبي زكريا يحيى بن ويجمن الهواري، وهما شخصيتان استغل نفوذهما في البحث عن رسالة الإمام عبد الوهاب، أي في القرنين الخامس والسادس الهجري/الحادي عشر والثاني عشر الميلادي. ولقد أعاد صاحب كتاب السير علم هؤلاء الإباضية وتقواهم إلى هذا العصر.
__________
(1) - حول هذا الانتصار أنظر [فورنال]، البربر، ج1، ص507– 508.
(2) -[م. فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية تحت نفوذ بني الأغلب ص60. (1/63)
صفحة 64
إن المعلومات التي توجد في فقرة من كتاب السير التي ذكرت أعلاه ليست بالشهادات الوحيدة على وجود سكان إباضية كثيرين في الساحل في آواخر القرون الوسطى، إن سير إباضية شمال إفريقيا تزودنا بمعلومات أخرى، وهذه بعض الأحداث التي استقيتها من هذه المصادر: فمثلاً أبو خليل سهل (من قرية إيدركل) وهو عالم مترجم ومؤرخ إباضي من جبل نفوسة توفي في النصف الأول من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي(1)، يعد الساحل من بين بلدان الإباضية مثل جبل نفوسة وغدامس وفزان، وحدثنا عن وجود الحلق في هذه البلاد، أي حلق الطلبة الملتفين حول مشائخ الإباضية المشهورين(2).
__________
(1) - أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني: كتاب طبقات المشائخ كانت فيما مضى من مجموعة [سموقورزفسكي]، رقم 275 ورقة36 خلف، عاش الدرجيني في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.
(2) - حول هذا التقليد، أنظر [ليفيتسكي]، دراسات إباضية شمال أفريقية، فرصوفيا (1955م)، قسم 1 ص27-28. (1/64)
صفحة 65
والمعلومات التي جاء بها ابن سلام بن عمر تعود إلى فترة متأخرة قليلاً. وهو مؤرخ يحتمل أن يكون أصله إباضياً كان يسكن أفريقية (قبل سنة 240هـ/853-854م بقليل) ونجده بتوزر، والذي كان يكتب بعد سنة (260هـ/873-874م) والمؤلف التاريخي لابن سلام بن عمر انعدم اليوم(1)، ولكن الشماخي نقل إلينا عدة نصوص منه في كتابه السير الذي كتب في أوائل القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي(2). ولقد حدثنا ابن سلام بن عمر عن ثلاثة من مشاهير شخصيات الإباضية الذين كانوا يسكنون بلاد الساحل، كما استنتج الشماخي من فحوى كلماته، وأول هؤلاء الشخصيات الحارث أبو الغدير الهواري الذي كان فقيهاً ومفتياً سامياً، ونقلاً عن ابن سلام بن عمر فإنه كان في جنوب شرقي مدينة سوسة(3)، أي في المنطقة الشرقية من الساحل. ونقلاً عن المؤرخ المعني بالذكر فإن الثاني فقيه يدعى سليمان بن ياسر، كان يسكن في حوزة تدعى بقلوط توجد في شرق القيروان(4). وأعتقد أن اسم بقلطة في القرن الرابع عشر الميلادي كان [بقالطة Bakalita]. وهي بلدة واقعة بين المنستير والمهدية(5)، لا
__________
(1) - تم العثور على مؤلف بن سلام ونشر تحت عنوان: بدء الإسلام وشرائع الدين. وهو مشهور باسم: تاريخ ابن سلام. حققه الشيخ سالم بن يعقوب بمعية المستشرق شفارتس. ملحوظة: هو بلا شك إباضي، حسب شهادته الشخصية في عدة مواضع في كتابة. (الناشر)
(2) - [ليفيتسكي]، سيرة الإباضية، ص73، رقم3.
(3) - الشماخي، كتاب السير، ص261؛ كان حارث مثلما يستخلص من نسبه عضوا من قبيلة هوارة الأمازيغية، جارة نفوسة بطرابلس، وهكذا فأنه محتمل جداً أن قسماً من هوارة الطرابلسيين قد أنظموا إلى النفوسيين المهاجرين من الجبل الذين استقروا بالقيروان.
(4) - الشماخي، المصدر نفسه.
(5) - حول بقالطة (بقلطة) أنظر [برانسفيغ]، بلاد البربر الشرقية تحت نفوذ الحفصيين، ص308. [ديبوا]، تونس الشرقية الساحل والسباسب المنخفضة ص52-151- 283-332-335. (1/65)
صفحة 66
تمثل إلا جمع تكسير في العربية لاسم هذا المكان. وأخيراً فان العالم الثالث هو الفقيه الإباضي: أبو حبيب كان يسكن – حسب قول ابن سلام بن عمر – شرق القيروان في بلدة تدعى قفصة الساحل(1)، لتمييزها عن قفصة المعروفة والموجودة في الجنوب التونسي، ولا وجوب علينا أن نعرف قفصة الساحل بربض قفصة، وهي بلدة اعتبرها البكري ضاحية من ضواحي المهدية على الساحل الشرقي للبلاد التونسية(2). وقصر قفصة التي ذكرت في كتاب "رياض النفوس" لأبي بكر المالكي (5هـ/11م) هي نفسها وبلا شك قفصة الساحل. ونقلاً عن هذا الكتاب فإن قصر قفصة كان يحمل كذلك اسم الديماس(3). وعلى حسب ما ذهب إليه الإدريسي فإنها تقع على بعد ثمانية فراسخ شمال المهدية(4). وظل اسم هذه البلدة [ثيبسوس thapsus](5) قديماً. رأس ديماس حالياً. وأعتقد أيضاً أن قفصة الساحل هي نفسها بلدة قابس، وهي إحدى مدينتين هامتين على الساحل نقلاً عن اليعقوبي الذي عين موضعها على مسافة مسيرة يومين عن مدينة صفاقس [اصفكيسSifax ](6). وأما ما ذهب إليه المقدسي – الذي كتب في آخر القرن العاشر الميلادي - فإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على وجود إقليم آخر كذلك مشتق من هذا الاسم(7)
__________
(1) - الشماخي، المصدر نفسه.
(2) - وصف أفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، نص عربي ص31، ترجمة فرنسية ص68.
(3) - ح. ع. الإدريس: مساهمة في تاريخ أفريقيا، لوحة الحياة المادية والدينية في القيروان تحت نفوذ الاغالبة والفاطميين. نقلاً عن "رياض النفوس" لابي بكر المالكي في مجلة الدراسات الإسلامية (1933م)، ص297.
(4) - وصف افريقيا وإسبانيا للإدريسي، طبع وترجمة [ر. دوزي R. Dozy] و [م. ج دي خويه M. J. de Goeje] نص عربي ص126، ترجمة فرنسية ص149.
(5) - [برانسفيغ]، بلاد البربر الشرقية تحت نفوذ الحفصيين، ج1، ص309.
(6) - اليعقوبي: كتاب البلدان طبع [خويه]، ص350.
(7) - المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، طبع [خويه]، المكتبة الجغرافية العربية، ط/ليدن (1877م)، ج3 ص227؛ حول قفصة/ قابس أنظر أيضاً: [ليفيتسكي]، لغة رومانية منسية في أفريقيا الشمالية، ص462. (1/66)
صفحة 67
.
ومن منطقة الساحل هذه التي أطلقت عليها سير الإباضية اسم ساحل المهدية، كان قد جاء طاهر بن يوسف من هروغة، وهو شيخ إباضي مستجاب الدعاء، ومعاصر للسلطان الزيري المعز بن باديس(1). (404–454هـ/1016-1062م). وفي هذه الفترة نزل بالساحل شيخ إباضي آخر تقي وعالم ليتفرغ للعبادة وهو أبو الخير توزين الزواغي، من مدينة زواغة (وهي اليوم مرسى زواغة في بلاد طرابلس)(2).
__________
(1) - الشماخي، كتاب السير، ص342؛ لا نعرف شيئاً عن هروغة هل يقصد به اسم مكان أو اسم قبيلة؟ ونحن نميل إلى ترجيح هذه التسمية على هراغة وهي قبيلة بربرية ذكرها ابن خلدون (تاريخ البربر، نص عربي، ط/الجزائر (1847-51م)، ج1 ص275).
(2) - الشماخي، كتاب السير، ص336. (1/67)
صفحة 68
شهادة شيخ وادي ريغ الإباضي المشهور أبي عبد الله محمد بن بكر (توفي سنة 440هـ/1049-1050م)، الذي زار أهل الدعوة بالساحل مع حلقة من الطلبة الإباضيين، وكان ذلك في النصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي. ويحكى عن أبو عبد الله أنه زار قرية كان يسكنها خليط من الإباضية والجبابرة (أهل السنة؟)، حيث التقى بقدماء الرفاق الذين تتلمذ معهم(1). ومن بين شيوخ الإباضية الآخرين المشهورين في النصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، والذين كانوا قد اهتموا حقاً بإباضية الساحل وزاروا هذه البلدة، وكثيراً ما كانوا مصطحبين بحلقهم. يجب أن نذكر منهم أبا عبد الله محمد بن سدرين من بلاد الجريد(2)، وأبا سعيد يخلفتن النفوسي، وأبا زكريا يحيى بن أبي زكريا فصيل الزواغي من جربة(3). وبعد تلك الفترة أي نحو النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي زار الساحل الشيخ الإباضي المشهور أبو محمد ماكسن بن الخير الوسياني(4). وفي عصر هذا الشيخ أو قبله بقليل عاش العالم محمد بن أبي خالد صاحب الإثنى عشر كتاباً(5).
وفي فترة مجهولة ولكن، على كل حال قبل منتصف القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، جاءت شهادة أبي يعقوب يوسف العفولي من مديرية يفرن، وحسب نادرة حكاها الوسياني أن في الساحل ثلاث مائة من نساء الإباضية الصالحات يدعون للإسلام(6).
__________
(1) - الوسياني، كتاب السير، ص83-84، الدرجيني: كتاب طبقات المشائخ وجه ص115، الشماخي، كتاب السير، ص390-91.
(2) - الشماخي، المصدر نفسه.
(3) - الوسياني، كتاب السير، ص170، الدرجيني: كتاب طبقات المشائخ ص117، ظهر، الشماخي، كتاب السير، ص394-475.
(4) - الشماخي، كتاب السير، ص480.
(5) - الوسياني، كتاب السير، ص102، سير المشائخ ص324.
(6) - الوسياني، كتاب السير، ص56-57. (1/68)
صفحة 69
فهل يقصد بهذا دعوة إباضية بين مسيحي الساحل الذين ظلوا على دينهم حتى القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي(1)، كما تحدثنا بذلك المصادر العربية، أم دعوة بين المخالفين من المسلمين؟ من المستحيل علينا أن نجيب على هذا السؤال لنقص المصادر الكاملة.
وبعد القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي توقف الكلام في المصادر العربية عن إباضية الساحل، فلقد أصبح مصيرهم بعد ذلك غير معروف تماماً، إلا أنه من المحتمل أن تكون جماعة من أمازيغ الساحل الإباضية قد رحلت إلى جبل نفوسة، وجزيرة جربة، وغيرها، من مراكز الإباضية بشمال إفريقيا. حيث اختلطوا بطوائف أخرى من الإباضية، بينما اعتنقت جماعة أخرى المذهب السني الذي أصبح من المنتصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي المذهب الرسمي لإفريقية، أما البقية فقد اختفوا بدون شك تحت ضربات البدو الهلاليين الذين سحقوا في منتصف القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي دولة بني زيري، وأتلفوا مزارع إقليم الساحل التي لم تجدد غراستها إلا بعد زمن طويل، وعلى مساحة أقل اتساعا مما كانت عليه قبل إتلافها بمجيء بني هلال(2).
التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية بشمال إفريقيا خلال العصر الوسيط(3)
__________
(1) - [ليفيتسكي]، لغة رومانية منسية في شمال أفريقيا، ص419-424.
(2) - فيما يتعلق بهذا أنظر [ديبوا]، تونس الشرقية الساحل والسباسب المنخفضة، ص145-167، وفي صفحات متعددة.
(3) - هذا المقال هو عبارة عن ترجمة لبحث نُشر في: [النشرة الإستشراقيةRoczink Orientalistyczny]، في عددها الصادر سنة (1936م)، بعنوان: [التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية بشمال إفريقيا خلال العصر الوسيط La répartition geographique des groupments ibadites dans l’Afrique du Nord au moyen-âge.] لمؤلفه المتمزغ البولندي: [تادايوش ليفيتسكيTadeusz Lewicki ]. ترجمة الأستاذ: أحمد بومزقو. (1/69)
صفحة 70
المصادر الإباضية(1)
تطغى المصادر الإخبارية على الوثائق المتوفرة حول توزيع التجمعات الإباضية بإفريقيا الشمالية خلال العصر الوسيط. ويمكن تقسيمها إلى مجموعتين متميزتين: المصادر العربية السنية، والمصادر الإباضية. واعتباراً لكون المجموعة الأولى لا تستوجب أي تعليق، فإننا سنحاول الاشتغال على المصادر الإباضية الرئيسية التي وظفت في هذا البحث.
(1) - "كتاب السيرة وأخبار الأئمة" لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر الورجلاني: في الحقيقة لا نتوفر إلا على معطيات قليلة حول حياة هذا الكاتب، ومع ذلك نعلم أن أصوله ترجع إلى "ورجلان" (كذلك وارجلة الحالية) المجاورة لواحة ريغ (كذلك وادي الريغ). وبهذه الأخيرة أخذ عن الشيخ الإباضي أبي الربيع سليمان بن يخلف (أو ئخلف) المزاتي المتوفى سنة (471هـ/1078-1079م)، وحسب رواية إباضية من وارجلة، فإن أبا زكريا توفي ودفن بهذه البلدة، أو بمدينة سدراتة المجاورة.
تقدم حولية أبي زكريا التي كتبت حوالي نهاية القرن الخامس الهجري، والمنقسمة إلى قسمين، معطيات هامة عن بدايات تطور المذهب الإباضي بالمغرب، وتاريخ الدولة الرستمية (بنو رستم)، إضافة إلى الانشقاقات التي طالت إباضية شمال إفريقيا خلال القرون الثاني إلى الخامس الهجريين/الثامن إلى العاشر الميلاديين، وكذا الصراع الإباضي الفاطمي. كما تتضمن تراجم العديد من شيوخ الإباضية – الوهبية المرموقين.
__________
(1) - تم حذف المسرد البيبليوغرافي من المقدمة، لوروده ضمن ثنايا البحث ولعدم أهميته بالنسبة لقراء العربية. (الناشر) (1/70)
صفحة 71
ويبقى أن هذا الكتاب مازال مخطوطاً غير منشور، واعتمدنا هنا على نسخة مخطوطة كاملة وجيدة من هذه الحولية. استنسخها الفقيد [سموغوروفسكي]، (1345هـ/1926-1927م)، اعتماداً على نسخة إبراهيم بن سليمان الشماخي المؤرخة بتاريخ: (جمادى الأولى 1302هـ/ الموافق لـ فبراير 1885م)، سنستعين كذلك بترجمة مسكوري المصححة والمتواضعة جداً، التي اعتمد فيها على نسخة مبتورة (تتضمن فقط القسم الأول من مؤلف أبي زكريا)(1).
2 – كتاب السير لأبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني: لا نملك تواريخ محددة عن هذا المؤلف. وما نعرفه عنه أنه كان تلميذاً لأبي محمد عبد الله بن محمد اللواتي المتوفى سنة (528هـ/1133-1134م). وقد صنفه الدرجيني ضمن الطبقة الثانية من رجالات المذهب، وبذلك يكون قد توفي خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. أصله من بني وسيان القبيلة الأمازيغية – الإباضية المستقرة ببلاد الجريد، حيث قضى شبابه بقرية تدعى أجلو على وادي الرّيغ.
يشكل كتابه أحد المصادر المهمة التي نهل منها ثلة من المؤلفين الإباضيين اللاحقين، كالدرجيني على سبيل المثال. وضمن هذا العمل سنستأنس بنسخة من كتاب السير المضمنة في مخطوط رقم277، في سلسلة المخطوطات بجامعة [لپوپ]، (ص1-189)(2).
3 – كتاب مجهول بعنوان "سير المشايخ" وهو ذو مضمون سيري وتاريخي، ومازالت النسخة من الكتاب غير منشورة، ويوجد منه مخطوط تحت رقم277 بسلسلة المخطوطات بجامعة [لپوپ]، (ص190-344).
__________
(1) - أنظر حول أبي زكريا ومؤ لفه: الدرجيني، مخطوط ورقة 135 – 136؛ وما بعدها. الشماخي، ص427–428؛ وما بعدها، [مسكراني]، سيرة أبي زكريا؛ [موتيلنسكي]، بيبلوغرافيا، ص36-38-39-42؛ [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص424-425؛ [ليفيتسكي]، كتاب السير، ص74.
(2) - الدرجيني، مخطوط رقم156؛ الشماخي، ص454؛ [ليفيتسكي]، ملحوظات، ص163؛ [ليفيتسكي]، خليط أمازيغي عربي، ص276-277-278. (1/71)
صفحة 72
وبفضل الإشارة الواردة في (ص296) من المخطوط، ندرك أن الكاتب المجهول لكتاب "سير المشايخ" كان تلميذاً للشيخ أبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني، (المتوفى كما أشرنا إلى ذلك سالفاً، خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي)، وذيل الكتاب بتاريخ (577هـ /1161-1162م). فعلاوة على غناه من حيث التراجم، فإن الكاتب المجهول لكتاب "سير المشايخ" أورد العديد من الوثائق والمواد النادرة، وهي ذات قيمة كبرى لا بالنسبة لتاريخ إباضية المغرب فحسب، ولكن كذلك في دراسة اللغة الأمازيغية(1).
4 – لائحة لمؤلف مجهول- عن مشايخ الإباضية الوهبية تحت عنوان: "ذكر أسماء بعض شيوخ الوهبية" وتتضمن هذه الوثيقة المطبوعة على الحجر كملحق لكتاب: السير للشماخي، (ص588-597)، أسماء الأعلام الإباضية البارزين، و تبينهم حسب انتمائهم القبلي.
للإشارة فإننا نفتقر إلى تاريخ محدد لكتابة هذه الوثيقة، بيد أننا نرجح كونها ترجع إلى نهاية القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي أو بداية السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي. وبالفعل نجد ضمن الكتاب الإباضيين المذكورين في: "ذكر أسماء بعض شيوخ الوهبية"، الشيخ أبا عمرو الذي تصنفه المصادر ضمن الطبقة الثانية للنصف الثاني من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي(2). بينما لم يُرده المصنَف الهام لأبي العباس أحمد الدرجيني، المحرر حوالي (650هـ/1252-3م) في مؤلف "ذكر أسماء بعض شيوخ الوهبية"(3).
__________
(1) - [ليفيتسكي]، دراسات، ص11-17؛ [ليفيتسكي]، نصوص، ص276-278، وفي مواضع مختلفة.
(2) - أنظر حول شخصية أبي عمار: الدرجيني، ص147-148؛ [موتيلنسكي]، بيبلوغرافيا، ص43؛ [ليفيتسكي]، نصوص، ص278.
(3) - [موتيلنسكي]، بيبلوغرافيا، ص71. (1/72)
صفحة 73
5 – كتاب "طبقات المشايخ" لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني: ينحدر المؤلف من أسرة إباضية أصولها من جبل نفوسة، ثم انتقلت إلى بلاد الجريد حيث استقرت بقرية تدعى درجين الواقعة بالقرب من مدينة نفطة مسقط رأس الدرجيني. وعلى الرغم من جهلنا بتاريخ ولادته ووفاته، فإننا نعلم أنه قد عاش خلال القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، وأنه توفي في النصف الثاني من نفس القرن.
ويبدو أنه كان فتى لما انتقل سنة (616هـ/1219-1220م) إلى ورجلة، حيث قضى سنتين في التحصيل، بعدها رجع إلى بلاد الجريد، وبالتحديد، إلى توزر سنة (613هـ/1235-1236م). كما استقر لمدة محدودة بجزيرة جربة. وكتاب "طبقات المشايخ" هذا و الذي نرجح تاريخ كتابته لحوالي (650هـ/1252-1253م)، ينقسم إلى جزئين:
الأول: عبارة عن إعادة لمضامين ما كتبه صاحب السيرة وأخبار الأئمة "لأبي زكريا الورجلاني"، وأضاف إليها الدرجيني بعض النصوص القديمة.
الجزء الثاني: والذي يمثل صلب عمل المؤلف، يتكون من تراجم مفصلة لأعلام الإباضية المرموقين، مرتبة في اثنا عشر طبقة. وكل طبقة تختزل مدة خمسين سنة، أي ما يمثل جيلاً بشرياً.
لم يتسنى بعد نشر هذا العمل رغم توفر عدة نسخ منه. وقد اعتمدنا على نسخة مكتبة جامعة [لپوپ]، ضمن سلسلة رقم275، والتي تم استنساخها انطلاقاً من أصل كتب بتاريخ (شعبان 1241هـ/مارس 1826م) من طرف شخص يدعى: سعيد بن قاسم بن بابا صالح بن أحمد الداوي، وهو من سكان غرداية، بالمزاب(1).
__________
(1) - الشماخي، ص460-561؛ وما بعدها؛ [موتيلنسكي]، بيبلوغرافيا، ص38-43؛ [ليفيتسكي]، نصوص، في مواضع مختلفة. (1/73)
صفحة 74
6 – "كتاب السير" لأبي العباس أحمد بن أبي عثمان الشماخي: وهو بلا شك من أشمل وأهم المصادر في تاريخ وتراجم إباضية إفريقيا الشمالية. ينتمي الشماخي إلى أسرة تنحدر من قرية تيغرمين شرق جبل نفوسة، ثم انتقلت إلى مديرية يفرن المجاورة سنة (756هـ/1335-1336م). ونجهل تاريخ ولادته، ويبدو أنه كان صغيراً سنة (865هـ/1460-1461م) تاريخ وفاة والده.
أخذ العلم بيفرن وبنفوسة الغربية. وبعد ذلك قام برحلات علمية إلى طرابلس وتونس. ومن جملة المناطق التي تردد عليها هناك تيطاوين (تطاوين الحالية) بالجنوب الشرقي التونسي. وفي نهاية القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، أقام لمدة طويلة بتونس. وتوفي سنة (928هـ/1251-1252م)، ويتواجد قبره غير بعيد عن قصبة بن مادي بيفرن.
الحاصل أن عمل الشماخي يلخص حوليات، أبي زكريا الدرجيني، ويكملها بمقتطفات مهمة من باقي المؤلفات الإباضية الغير معروفة، ومن أهمها: كتاب "السير" لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471هـ/1078-1079م)، وكتاب "السؤالات" لأبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي، القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وكتاب "سير مشايخ نفوسة لمقرين بن محمد البغطوري – كتبه سنة (599هـ/1202-1203م).
توجد نسخ من "كتاب السير" في عدة مراكز إباضية بإفريقيا الشمالية. وقد اعتمدنا على نسخة المطبعة الحجرية، وهي في ملك الحاج سليمان بن مسعود النفوسي، (القاهرة 1301هـ/1884م). وعلى الرغم مما شابها من عيوب كثيرة خاصة ما يتعلق بالأعلام البشرية، فإنها ذات قيمة كبرى. وقد وضع لها [موتيلنسكي](1) فهرساً للمواد، وكذا ملحقاً لأسماء الأماكن والقبائل الواردة في "كتاب السير".
__________
(1) - [موتيلنسكي]، بيبلوغرافيا، ص47-70؛ [ليفيتسكي]، كتاب السير، ضمن هذا الكتيب. (1/74)
صفحة 75
7 – تسمية مشاهد الجبل. الوثيقة، كما يستشف من عنوانها، تتضمن أسماء أضرحة جبل نفوسة. ومن المحتمل أنها كتبت خلال القرن السادس عشر الميلادي، وطبعت في ملحق الطبعة الحجرية "لكتاب السير" ثم نشرت من طرف [روني باسي]، ووضع لها تعليقاً مفصلاً(1).
أصول المذهب الإباضي بإفريقيا الشمالية
وفروعه الثانوية
حوالي أواسط القرن الثامن الميلادي، نقل أمازيغ إفريقيا الشمالية مطالبهم ذات البعد الاجتماعي والوطني إلى الحقل الديني، من خلال اعتناق المذاهب الخارجية(2) كشكل من أشكال الاحتجاج ضد الضغط العربي السني. وقد انضووا تحت لواء نحلتين خارجيتين وهما: الصفرية التي تمثل الاتجاهات المتشددة والإباضية ذات المنزع الإعتدالي بالمقارنة مع الأولى. والحاصل أن الدور التاريخي الكبير الذي اضطلعت به هاتين النحلتين الخارجيتين في بدايات نزوح الإسلام بشمال إفريقيا، كان معروفاً. فالصفرية كانوا من الأولين الذين دافعوا عن قضية الأمازيغ المنتفضين منذ عام (122هـ/739-740م) من طرابلس إلى طنجة(3). ومع ذلك أجبروا منذ وقت مبكر، على ترك المجال للمذهب الإباضي، بسبب الحروب الدامية التي جمعتهم بالعرب السنيين والإباضيين على حد سواء، لكونها أرهقت قواهم.
__________
(1) - الشماخي، ص598-600؛ [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة.
(2) -[ شارل أندي جوليانJulien ]، تاريخ إفريقيا الشمالية، (نسخة فرنسية) ص328-330.
(3) - حول تاريخ الصفرية بشمال أفريقيا أنظر خاصة: [جوليان]، تاريخ، ص330-332؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص278-302، وفي مواضع مختلفة. (1/75)
صفحة 76
وقد تم امتصاص الجزء الأكبر من القبائل الأمازيغية الصفرية من طرف الإباضية، أما الباقي فقد تمركزوا حول دويلة صفرية تأسست حوالي سنة (140هـ/757-758م) بسجلماسة بالجنوب الشرقي للمغرب الأقصى الحالي. وكان يحكمها أئمة أسرة بني مدرار ابتداء من سنة (155هـ/771-772م) وستنمحي بقايا الصفرية في سياق تاريخ شمال إفريقيا خلال أواسط القرن العاشر الميلادي، لما تخلى الإمام المدراري محمد بن الفاتح عن الصفرية، وتبنى المذاهب السنية(1).
لقد نال الإباضيين قبولاًكبيراً، وكان ظهورهم على مسرح أحداث تاريخ شمال أفريقيا حوالي سنة (126هـ/743-744م). واتخذوا من طرابلس الحالية مركزهم الرئيسي في البداية، كما اعتمدوا في الأصل على قبيلة هوارة، التي استوطنت خلال العصر الوسيط طرابلس وأجزاءها الشرقية حتى سبخة تاورغا. وبالفعل كانت طرابلس مستقر عبد الله بن مسعود التجيبي أول زعيم إباضي معروف بشمال أفريقيا(2).
وفي عهد زعيم الإباضية: عبد الجبار بن قيس المرادي، والحارث بن تليد الحضرمي اللذان خلفا عبد الله بن مسعود، ومن تم أخضعا باقي طرابلس الحالية للمذهب الإباضي(3)، اعتماداً على هوارة التي كانت سنداً لهما.
__________
(1) - [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص151، ترجمة 288-289؛ [ج س. كولين G. S. Colin]، سجلماسة في الموسوعة الإسلامية.
(2) - [أ. گاتو A.Gateau]، فتوحات إفريقيا والأندلس، ابن عبد الحكم، ط/الجزائر (1974م)، ص140-141.
(3) - ابن عبد الحكم، ص140-143؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص324. (1/76)
صفحة 77
ومن بين القبائل الأمازيغية التي اعتنقت المذهب الإباضي خلال هذه الفترة، نجد زناتة طرابلس الغرب(1)، ونفوسة المستقرة على هذا الجزء من جبل طرابلس الذي تسمى الجبل باسمها ومنها ينحدر إسماعيل بن زياد النفوسي، وهو من أوائل أئمة المذهب بطرابلس، والخليفة المباشر لعبد الجبار والحارث. وامتد نفوذه حتى حدود نواحي قابس(2).
أما خلفه أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، الذي بلغ منصب الإمامة سنة (140هـ/753م)، بفضل دعم قبائل نفوسة وهوارة وباقي القبائل الأمازيغية بطرابلس له، فقد هاجم ورفجومة الصفرية الذين استحوذوا سنة (143هـ/757م) على مدينة القيروان(3). وألحَقَ بذلك جل إفريقية وتراب كُتامة (منطقة ميل وقسنطينة) لدولته الفتية(4).
وبلا شك فمنذ هذه الفترة بدأ الاعتناق التدريجي للكتل الأمازيغية - بتونس والجزائر الحاليين - للمذهب الإباضي.
__________
(1) - ابن عبد الحكم، ص140-141.
(2) - [فورنال]، البربر، ج1، ص325-326؛ [ليفيتسكي]، دراسة إباضية، ص127.
(3) - [فورنال]، البربر، ج1، ص325-326؛ [ليفيتسكي]، المصدر السابق، ص113.
(4) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا ص34. مخطوط ص11؛ الشماخي، ص130 وما بعده؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص357؛ وفي تقديري كذلك فإن أبو الخطاب كان له نفوذ على بعض الصفرية بسجلماسة (البكري، ص149. ترجمة ص285-286. (1/77)
صفحة 78
وفي سنة (144هـ/761-762م)، وبعد انهزام ومقتل أبي الخطاب أمام القائد العربي ابن الأشعث، تمكن العامل الإباضي على القيروان عبد الرحمن بن رستم من الفرار أمام الجيوش العربية التي اجتاحت إفريقيا، وانتقل نحو غرب الجزائر الحالية، حيث أسس (أو بالأحرى أعاد بناء) مدينة تيهرت(1). وفي ظرف وجيز، وبشكل سريع، وفدت عليه عناصر من الأمازيغ الإباضيين (ولا يستبعد أن تكون تلك المهاجرة من أفريقية) وبفضلها قاد، خلال حصاره المشهور لـ طبنا بالزاب سنة (154هـ/770م)، جيشاً يتكون من ستة آلاف رجل (وفي بعض المصادر خمسة عشر ألف) من الإباضية(2).
__________
(1) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا ص14-41 و ص49-50؛ مخطوط ص14؛ الشماخي، ص133 و 138؛ [فورنال]، البربر، ج1 ص360-362؛ البكري ص68.
(2) - [فورنال]، البربر، ج1، ص370-380؛ [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص115-120. (1/78)
صفحة 79
وقد تمكن الإمام الإباضي أبو حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي زعيم منطقة طرابلس، من أن يسترجع بدوره مدينة القيروان(1) التي كانت تحت نفوذ العرب. وبعد نكبة أبي حاتم سنة (155هـ/772م)، واندحار الإمامة الإباضية بطرابلس، قامت العشائر الأمازيغية الإباضية من طرابلس وتونس بالتوجه نحو الغرب. وفي سياق هذا التحرك انتقلت البطون الخارجية بإفريقية نحو بلاد كُتامة منذ (156هـ/772-773م) كما هو وارد عند ابن خلدون(2). وقد انضم بلا شك هؤلاء الوافدون الجدد إلى عبد الرحمن بن رستم، الذي اختير إماماً سنة (160هـ/776-777م) (3). وبذلك انتقل المركز السياسي للدعوة الإباضية بشمال إفريقيا من طرابلس إلى تيهرت، التي أضحت، حتى قدوم الفاطميين، عاصمة لدولة الإباضية بالمغرب. وشيئاً فشيئاً، أجمع إباضية شمال إفريقيا على الولاء لأئمة تيهرت، وعلى عهد خلفه عبد الوهاب بن عبد الرحمن (168-208هـ/784-785/823/824م) ثم أفلح بن عبد الوهاب (النصف الأول من القرن الثالث الهجري)، بلغ المذهب الإباضي بالمغرب أوج عظمته. وقد نجح عبد الوهاب خلال نهاية القرن الثاني الهجري من تجميع القبائل الأمازيغية – الإباضية بإفريقيا الشمالية تحت نفوذه بعد سلسلة من الحَمَلاَت الناجحة.
__________
(1) - حول هذا الإمام أنظر [ليفيتسكي]، أبو حاتم في الموسوعة الإسلامية.
(2) - [سلان]، ابن خلدون، تاريخ البربر، ص69.
(3) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا ص49، مخطوط ص16؛ الشماخي، ص138؛ [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص9-10، ترجمة ص63-64؛ بالنسبة لإباضية تيهرت أنظر كذلك: [جوليان]، تاريخ، ص333-339. (1/79)
صفحة 80
ويبدو أنه أوشك على احتلال إفريقية، وهذا ما يفهم بالفعل من خلال تمرد نصر بن صالح الإباضي - من قبيلة نفزاوة - الذي اندلع بإفريقية سنة (171هـ/787-788م)، وسبب في هلاك عشرة آلاف من الإباضيين(1). وقد كان القصد من ذلك هو إلحاق هذه البلاد إلى مملكة تيهرت. ولعل هذا الفشل هو ما حمل إمام تيهرت إلى مهادنة رواح بن حاتم عامل العرب على القيروان. وبالفعل، فقد دخل الطرفان في مفاوضات مباشرة بعد نكبة إباضية إفريقية في نفس السنة (171هـ)(2). تمخض عن ذلك إحلال السلم والمهادنة بين تيهرت وإفريقية، وعلى ضوء ذلك تحاشى عمال القيروان إزعاج القبائل الأمازيغية الإباضية لمدة نصف قرن تقريباً.
__________
(1) - [ليپي بروپنصال E. Lévi Provençal]، كتاب البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، لإبن عذاري المراكشي، ليدن (1948م) ج1 ص384؛ [سلان]، ابن خلدون، تاريخ البربر، ج1. ص141، ترجمة ص224؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص384.
(2) - [فورنال]، البربر، ج1، ص387. (1/80)
صفحة 81
إلى حدود هذه الفترة، كانت حدود الإمامة الرستمية تضم، حسب ابن الصغير، جل البلاد الواقعة بين تلمسان وطرابلس(1). فمن الجهة الغربية، كانت الدولة الرستمية تضم أحواز تيهرت، إضافة إلى تراب سرسو، وفي الشمال الغربي، كانت حدودها تدنو من البحر المتوسط قرب مرسى فرّوخ ومرسى الخرز (بين أرزو ومستغانيم الحالية) أو قرب مرسى الدجّاج (بين الجزائر وبوجي)(2). وإلى الجنوب كانت الإمامة الرستمية تحتضن واحات وادي الرّيغ وورجلة(3). وقد شكل الشريط الذي يتشكل في جزء منه من هودنة والزاب وفي جزءه الآخر من جبل الأوراس، والمأهول من طرف السكان الإباضيين، رباطاً يجمع الأجزاء الغربية لإمامة تيهرت بالأقاليم الإباضية بتونس وطرابلس(4). أما المجالات الشرقية، فكانت تحتضن في بداية الأمر (القرن الثالث والرابع الهجريين)، كافة الجنوب التونسي أي: قفصة(5) وإقليم الساحل (السهل حالياً)(6)، وبلاد الجريد (تسميها الحوليات الإباضية القصور) بمقاطعاته التالية: قسطيلية(7)، قنطرارة(8)، نفزاوة وحارة نفطة(9)، ثم جبال الجنوب
__________
(1) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص17، ترجمة ص37.
(2) - الدرجيني، ص102؛ اليعقوبي، كتاب البلدان، ص353؛ [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص81-82، ترجمة 164 و 166.
(3) - الوسياني، ص140.
(4) - [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ص46-48 و 50-54 و 55-58. يبقى أن تاريخ التجمعات الإباضية بالهدنة والزاب والأوراس في حاجة إلى دراسة وافية.
(5) - الشماخي، ص203؛ ذكر شيوخ جبل نفوسة، ص590، [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ص51-52.
(6) - الوسياني، ص75-76؛ [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ص60؛ اعتبر الساحل بلداً سنياً ومستعرب بشكل واسع.
(7) - الشماخي، ص161، أنظر كذلك حول سكان قسطيلية خلال القرن التاسع الميلادي [پوندرهيدن]، سبق ذكره، ص51-53.
(8) - الوسياني، ص58؛ الشماخي، ص214.
(9) - الوسياني، ص196-203؛ ذكر شيوخ، ص594-596. (1/81)
صفحة 82
الشرقي لتونس(1)، إضافة إلى طرابلس كلها باستثناء المدينة نفسها(2).
وهكذا يلاحظ أن مناطق نفوذ الإمامة الرستمية كانت تحيط بدولة الأغالبة من جميع الجهات. لذا أصبح نفوذ هذه الأخيرة خلال الربع الأول من القرن الثالث الهجري محصوراً في شمال تونس والجزائر فقط. ولم يتأتّى للأغالبة كسر طوق الحصار الرستمي، واحتلال جزء من الشريط الإباضي الذي كان يربط بين طرابلس وتيهرت، وخاصة مقاطعات قفصة، والساحل وبلاد الجريد، إلا في سنة (224هـ/788-789م)، على إثر الحملة التي قام بها قائد الأغالبة عيسى بن ريعان الأزدي. فابن عذاري الذي نقل هذا الخبر، لم يذكر مع ذلك أي شيء عن المذاهب التي اعتنقها الأمازيغ بجنوب تونس، واكتفى بالقول أنها تنتمي إلى قبائل: لواتة، وزواغة ومكناسة(3).
وقد أفضت المعركة الواقعة في المنطقة الممتدة بين قفصة وقسطيلية إلى البطش بالقبائل المذكورة، وهذا ما وضع حداً للسيطرة الرستمية على جنوب تونس، كما أدى فضلاً عن ذلك إلى انتشار منطقة نفوذ الإباضية المتراصة إلى جزئين متباعدين.
وجدير بالذكر أن الوحدة الدينية والسياسية لإباضية شمال إفريقيا قد تحطمت منذ وقت مبكر بسبب الانشقاقات والخلافات، التي أفضت إلى انبثاق عدد من الفرق ذات الطابع السياسي والديني. ونعتقد أن من أسباب هذا الانفصام، تلك الأزمات السياسية التي تتخذ دائما نزعات انفصالية داخل نظام (منظومة) لاهوتية، كما هو الحال بالنسبة للإباضية.
ومن أهم البواعث السياسية للخلاف داخل المذهب الإباضي، نجد باعثين لهما أهمية خاصة: قضية تكفير الحارث وعبد الجبار، وفيما بعد مسألة الشرط (الشروط المفروضة على الإمام).
__________
(1) - الوسياني، ص33-34؛ [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص122؛ الشماخي، ص159-161-196-203؛ ذكر شيوخ، ص597.
(2) - الباروني، ص13-14، أنظر كذلك أسفله في مواضع مختلفة.
(3) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص107. (1/82)
صفحة 83
وهذه لائحة بأسماء فروع الإباضية التي لها أتباع بالمغرب:
(1) - الإباضية الوهبية: لقد أثار اسم هذه الفرقة جدلاً كبيراً، فالبعض يرجح كونه مشتقاً من اسم الإمام الرستمي عبد الوهاب(1)، ومع ذلك فإن هذا الاشتقاق يبدو لي مصطنعاً، وثمة طرح آخر حول أصل كلمة الوهبية، يربطه بالإمام الخارجي عبد الله بن وهب الراسبي، وهذا يستحق الالتفات إليه(2).
ويسمى الإباضيون – الوهبيون كذلك "العسكرية"(3). وفي فترة متأخرة كانوا ينعتون أنفسهم في مؤلفاتهم بـ "أهل المذهب" أو "أهل الدعوة"(4). إضافة إلى كون ابن خلدون قد عرف هذه النحلة الفرعية باسم عزّابا(5).
ومهما يكن من أمر، فإن الإباضية – الوهبية كانت الأكثر انتشاراً وأهميةً بين فروع الإباضية. وهي ذات منزع اعتدالي داخل المذهب الإباضي. وتكاد تكون الوحيدة من بين الفرق الخارجية التي استمرت إلى يومنا هذا.
وفضلاً عن الوهبية، فإن بقايا الخوارج الذين نعرفهم اليوم، يشكلون تجمعات صغرى من النكار والنفاثين والخلفيين.
__________
(1) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص16، ترجمة ص72؛ [سلان]، ابن خلدون، تاريخ البربر، ج1 ص387؛ البرادي، ص174.
(2) - الباروني، ص12؛ عبدالله بن حميد السالمي، اللمع المرضية من إشعّة الإباضية، ط/الجزائر (1326هـ) ص187.
(3) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص16، ترجمة ص73.
(4) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص2 رقم2 وص291 رقم1.
(5) - ابن خلدون، تاريخ البربر، ج3، ص278. (1/83)
صفحة 84
(2) - النكار: ترجع أصولها إلى النصف الأول من القرن الثاني الهجري، واضطلعت بدور مهم في تاريخ المغرب: وحول هذه النحلة الإباضية انظر: الموسوعة الإسلامية(1)، وفيها عرضنا تاريخها ومذهبها. ونضيف إلى ذلك ما أورده الإدريسي من أن النكار كانوا يعتنقون مذهب ابن منبه (وهب بن منبه اليمني المتوفى سنة (110هـ)(2). وكانوا يعمدون إلى أسلوب الحلقة على غرار الوهبية(3).
(3) - النفاثية: كانت قنطرارة ببلاد الجريد منشأ هذا الفرع الإباضي في بداية القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي على أكثر تقدير. وقد عاب نفاث مؤسسها على الإمام الرستمي أفلح كونه تهاون في محاربة المسودة (الأغالبة)، وأنه كان يعيش حياة بذخ. وحسب أفكار هذه النحلة، فإن الخطبة تعتبر بدعة يجب رفضها أو نبذها. وقد بسط نفاث أفكاره في مؤلف له، إلا أن الشيخ الإباضي- الوهبي مهدي النفوسي قام بدحضها.
ولسوء الحظ، فإن كِلا المؤلَّفَيْن مازالا مجهولين. وفي آخر أيام حياته، ارتضى نفاث لنفسه الاستقرار بجبل نفوسة، وكان له أتباع به خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي. أما خارج هذا الإقليم فيتواجدون في مقاطعة ريصا (ريزا) قبالة جزيرة جربة، إضافة إلى أقصى جنوب تونس بجوار غومراسن حيث لقيهم التيجاني خلال القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي. وحسب ما أورده [م. ماسينيون]، فإن بقايا النفثيين أو النفاثيين مازالت متواجدة بـ غريان وفي جبل نفوسة(4).
__________
(1) - ترجم مقال المؤلف حول النكار ونشر ضمن هذا الكتيب. (الناشر)
(2) - الإدريسي، ص122.
(3) - الوسياني، ص33-34.
(4) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص174 و185 و278، مخطوط ص35-38؛ الوسياني، ص19-42؛ رحلة للتيجاني، ص113؛ الشماخي، ص281-282؛ [ماسينيون Massignon]، الدليل السنوي للعالم الإسلامي، ص132؛ [ليفيتسكي]، خليط عربي أمازيغي، ص269-272. (1/84)
صفحة 85
(4) - الخلفية: تزعم هذه النحلة خلف بن السمح بطرابلس في نهاية القرن الثاني الهجري بأن أعلن نفسه إماماً، وهو من حفدة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري. وقد اتخذت فيما بعد صورة فرقة متشددة. أما مجالها الترابي فقد كان في بداية الأمر ينحصر في المجالات الجبلية إلى الشرق من جبل نفوسة، إضافة إلى ساحل منطقة طرابلس.
تشكل قبيلة زواغة الأمازيغية دعامة خلف بن السمح، ثم توسع مجالها ليشمل (ريصا)، وحتى القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، على الأقل نجد الخلفية بكل من مديرية يفرن وكيكلا وتاكبال وبابيل شرق جبل نفوسة. وحسب ما أورده [م. ماسينيون]، فإن الخلفيون مازالوا يتواجدون بغريان وجبل نفوسة إلى يومنا هذا(1).
(5) – وخلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وقع انشقاق سياسي بين صفوف إباضية المغرب، ويتعلق الأمر "بالغاصب" ابن مسالة الإباضي من قبيلة هوارة، الذي أسس دويلة مستقلة غرب تيهرت. ولا نعرف إن كانت نحلته قد اتخذت مسلكاً متشدداً(2).
__________
(1) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص130-143-152-168-189-194 مخطوط ص29-30-32-35-39؛ الدرجيني، ص425؛ الشماخي، ص180-183-224-225-281-285-574؛ [ماسينيون]، الدليل، ص132؛ [ليفيتسكي]، كتاب السير، ص61.
(2) - اليعقوبي، كتاب البلدان، ص356؛ [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص20 و 23 و31 ترجمة ص78 و81 و92. (1/85)
صفحة 86
(6) – العميرية: كتبها [موتيلنسكي] أميرية خطأً. تأسست هذه النحلة الإباضية من طرف عيسى بن عمر ( أو عمير ) في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، على الأرجح. ويدعم مؤسسها فكرة أن أهل الكتاب ليسوا إطلاقاً من المشركين. وفيما يخص قراءة القرآن، فإن سنده هو نص عبد الله بن مسعود. ويبدو أن العميرية قد ابتعدت بشكل جلي عن أفكار الإباضية – الوهبية. وفي هذا الصدد لاحظ أبو زكريا الورجلاني مدى التباعد بين أفكار النحلتين، إذا علمنا أن أتباع العميرية ينحصرون في شمال إفريقيا فقط(1).
(7) – الحسنية أو الحسينية: تقترب أفكار هذه النحلة من مثيلتها العميرية، ولم تنتشر إلا في شمال إفريقيا. وتنسب إلى أحمد بن الحسن (أو الحسين) الطرابلسي الإباضي.
ويبدو أنها ظهرت بمنطقة طرابلس زمن الإمام أفلح. وكان "ديوان" أحمد بن الحسين متداولاً بوارجلان منذ بداية القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. أما أتباعه فكانوا يستقرون قبل القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي بمقاطعات يفرن، وككلة، وبابيل، وتاكبال، وطرابلس(2).
(8) – الفارثية: ينسب هذا الفرع الإباضي إلى سليل الأسرة الرستمية، وهو سليمان بن يعقوب بن أفلح، من أهل القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وكان يستوطن بواحة ورجلة. وسميت هذه النحلة بهذا الاسم بحكم أن سليمان حرم استهلاك المعي الغليظ (الفرث). أما باقي نقط الخلاف بينه وبين الوهبية فتختزل كذلك في قضايا أقل أهمية(3).
__________
(1) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص60-61 مخطوط ص18؛ [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص16، ترجمة ص73؛ الشماخي، ص105.
(2) - [موتيلنسكي]، سيرة ابن الصغير، ص16، ترجمة ص73؛ [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص61 رقم1؛ الوسياني، ص59؛ الشماخي، ص546-366.
(3) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص261-265، مخطوط ورقة51 وجه 51 خلف؛ الشماخي، ص366. (1/86)
صفحة 87
(9) – السكاكية: نسبة إلى مؤسسها السكاك (كذلك الشكاك). وهو من أبرز شخصيات قنطرار ببلاد الجريد. لا نعرف أي شيء عن الفترة التي درس فيها. ومن أفكاره، أن الصلاة في الجماعة والآذان يعتبران من البدع، كما رفض السنة. وكان السكاكيون ينعتون من طرف الإباضية – الوهبية بالمشركين. والملاحظ أن أتباع السكاك لم يكونوا كثيرين، وينحصر تواجدهم بمقاطعة قنطرارة. وقد انطفأت آثارهم تماماً خلال نهاية القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي(1).
وهكذا فإن الوهبية تشكل الفرع الإباضي الأكثر أهمية بشمال إفريقيا حتى زمن ظهور الدولة الفاطمية الشيعية، وانهيار إمامة تيهرت. وقد تغيرت هذه الوضعية خلال القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، في سياق الحروب الدموية الطويلة التي جمعت إباضية شمال إفريقيا بالفاطميين، عندما انتقلت أرجحيه العالم الإباضي - وخلال مدة معينة - إلى إتباع التعصب، تحت لواء نحلة النكار بزعامة أبي يزيد مخلد بن كيداد.
وعلى إثر تداعيات هذه الحروب واندحار المتمردين أمام الفاطميين، متبوعاً بقمع هؤلاء للقبائل الأمازيغية – الإباضية، بدأ مسلسل تراجع المذهب الإباضي بشمال أفريقيا. ويبدو أن ذلك تم بوثيرة سريعة بعد هجرة قبائل بني هلال.
__________
(1) - أنظر بالخصوص [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص284-287، مخطوط ورقة55 وجه 55خلف. (1/87)
صفحة 88
وابتداء من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، أصبح إباضية شمال أفريقيا يتحصنون ببعض الجيوب الصعبة المنال، حيث لا يزالوا يعيشون فيها إلى يومنا هذا. وهكذا عززت الأفواج الناجية من إباضية المغرب الأوسط في بداية الأمر التجمعات الإباضية بواحات ورجلة ورّيغ (وادي الريغ). وتمكنوا في فترة لاحقة من تأسيس كيانات جديدة ببلاد المزاب، حيث ستتدفق إليها فيما بعد بقايا إباضية ورجلة وواد الريغ. أما إباضية طرابلس، فتركزوا في نهاية العصر الوسيط بجبل نفوسة. وحالياً لم تعد تمارس تعاليم الإباضية بإفريقيا الشمالية سوى في المزاب وثلثي جزيرة جربة وزوارة على الشاطئ الطرابلسي الغربي وفي نصف جبل نفوسة.
وهم منقسمون دائماً إلى نحلتين رئيسيتين: الوهبية والنكار، أي البقايا الهزيلة لقوة بشرية لعبت في السابق دوراً ريادياً في تاريخ المغرب.
ولنعرج الآن على الموضع الخاص ببحثنا الحالي، ونعني به التوزيع الجغرافي للسكان الإباضيين بشمال أفريقيا خلال العصر الوسيط. وسنبدأ بالشرق أي منطقة طرابلس الحالية مهد إباضية إفريقيا الشمالية.
التجمعات الإباضية ببرقة وطرابلس
برقة والصحراء الليبية: يبدو أن الحدود الشرقية للأراضي الخاضعة للمذهب الإباضي بشمال إفريقيا خلال العصر الوسيط، تطابق بشكل جلي ومضبوط النهاية الشرقية لبلاد الأمازيغ. وفي الواقع نسجل تواجد التجمعات الإباضية بين صفوف لواته، التي تشكل خلال العصر الوسيط الأعلى، القبيلة الأمازيغية الأكثر امتداداً نحو الشرق. (1/88)
صفحة 89
وكانت تستوطن منذ عهود غابرة بمنطقة سيرينكا، أي برقا عند المؤرخين العرب (برقة حالياً)، حيث كانت لها السيادة طيلة فترة الغزو العربي(1)، وكذلك خلال نهاية القرن التاسع الميلادي(2)، ونفس الشيء بالنسبة لبدايات القرن الحادي عشر الميلادي(3).
وإلى الغزو الهلالي، ابتداء من النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، يعزى تغيير الخريطة الإثنية (العرقية) لشمال إفريقيا، بحيث ستختفي لواتة برقة كلها تقريباً، إما أنها أبيدت من طرف بني هلال أو أنها انصهرت في التجمع الجديد.
وللإشارة فإن تراب قبيلة لواتة برقة يمتد خلال العصر الوسيط من جهة الغرب عند النقطة الواقعة على بعد مسافة مسيرة يوم إلى الغرب من أجدابيا (جدابيا حالياً) على حدود برقة بالمعنى الحصري(4). بينما تنتهي حدودها الشرقية قرب القصر الأبيض، الواقع بمحاذاة العقبة(5). وحسب المقريزي (ق 15م) فإن بعض البطون اللواتية كانت تسكن كذلك فيما وراء المنطقة، حيث نصادفها حتى في مصر(6).
__________
(1) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا والأندلس، ص34-35؛ [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص4-5، ترجمة ص13.
(2) - حول فروع قبيلة لواتة المستوطنة ببرقة خلال هذه الفترة. أنظر اليعقوبي، كتاب البلدان، ص342-344.
(3) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص257.
(4) - اليعقوبي، كتاب البلدان، ص344.
(5) - [سلان]، وصف إفريقيا الشمالية لأبي عبيد البكري، ص8، ترجمة ص24.
(6) - [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ص106. (1/89)
صفحة 90
وخلال اللحظة التاريخية التي أسس فيها الإمام أبو الخطاب (سنة 140هـ/757-758م) اتحادية إباضية قوية بشرق بلاد الأمازيغ، رغم زوالها المبكر، نسجل انضمام جزء من لواته برقة إلى هذه الدويلة. وبلا شك، فإلى هذا الفرع اللواتي ينتمي عمر بن يمّكتن اللواتي أحد القادة الإباضيين خلال هذه الفترة. وكان موطنه الأصلي المسلك الكبير الذي يمتد من الشرق مروراً بسواحل برقة وطرابلس نحو مدينة مغمداس [مغمداس سلوروم Macomades Selorum] أو (مغمداس صرت القديمة)، وفي وقت لاحق استقر بجبل نفوسة حيث تفرغ لتدريس القرآن(1)، ثم تقلد منصب حاكم إقليم صرت (سرت الحالية) من لدن أبي الخطاب. وكانت تحت إمرته فرقة من اللواتيين، وهي الوحيدة بجيش هذا الإمام(2).
__________
(1) - الشماخي، ص142-143.
(2) - الشماخي، ص142؛ حول العنصر اللواتي داخل جيش أبي الخطاب أنظر: [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ورقة33، مخطوط وجه 11. (1/90)
صفحة 91
وإلى لواته برقة ينتسب يوسف اللواتي وزير الإمام الرستمي أفلح بن عبد الوهاب (208-250هـ/823-871م)(1). أما خلفه الشيخ الإباضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناصر بن ميال بن يوسف العاصمي اللواتي المنتمي إلى لواته الإباضيين ببرقة، فكان حياً أواسط القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، وسكن في بداية الأمر بقصر خرائب القوم، الذي يحاذي النهاية الشرقية لبرقة، ومنه انتقل سنة (450هـ/1058-1059م) إلى واد ريغ(2). ونضيف كذلك إلى أن ابن يوسف اللواتي المسمى ميال، كان عاملاً على بلاد نفزاوة زمن الإمام أفلح(3).
__________
(1) - الشماخي، ص203.
(2) - الدرجيني، مخطوط ورقة142 وجه؛ الوسياني، ص113؛ يوجد قصر خرايب القوم أو قباب معان إلى الشرق من العقبة (البكري ص4) وهو يطابق بلا شك خربة القوم البلدة التي أشار إليها اليعقوبي (ص 342)، وحددها على الساحل بين قصر أشماس والرمادة، وحسب (المقدسي، أحسن التقاسيم، ص245، طبع [خويه]) توجد خربة القوم على بعد مسيرة يومين إلى الشرق من العقبة، وغير بعيد إلى الغرب من خرائب القوم، بقصر "أبي معاذ نزار بن خالد"، تعيش قبيلة فاضلة (ماصلة) اللواتية، على الترحال، وذلك حسب ما أورده ([سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص4)، (اليعقوبي، ص342).
(3) - الشماخي، ص203. (1/91)
صفحة 92
وكانت لواتة برقة مشاركة في تجمع العشائر الأمازيغية للمنطقة، في ثورة الوليد بن هشام ضد الفاطمي الحاكِم، والتي اندلعت سنة (396هـ/1005-1006م)، وكادت أن تقضي على النفوذ الفاطمي ببرقة(1). ولا تمدنا المصادر العربية(2) بمعلومات عن مذهب الوليد بن هشام، ومع ذلك لا يستبعد أن يكون تمرده بإيعاز من الإباضية. واللافت للنظر بالفعل هو إقدام الأمازيغ المتمردين على إيصاله إلى منصب الإمامة(3). ولم يتأتى للحاكم التغلب على هذه التمردات، وبالتالي تثبيت التواجد الفاطمي ببرقة(4)، إلا بعد ركونه إلى خدعة.
والحاصل أن زوال التجمعات الإباضية ببرقة وقع في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، ويرتبط ذلك بشكل وثيق بغزو العرب الهلاليين الذين استقروا كأسياد بهذه البلاد، بعد القضاء على لواتة. وأثناء مرور شيخ إباضية نفوسة يخلف التمجاري بهذه المنطقة خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، لم يجد بها سوى خيام العرب(5).
طرابلس الشرق تراب قبيلة مزاتة: على عكس برقة التي كانت تضم عدداً متواضعاً من الإباضيين خلال العصر الوسيط، فإن سكان طرابلس المجاورة، كانوا كلهم على مذهب الإباضية ما بين القرنين الثاني والرابع الهجريين/الثامن والعاشر الميلاديين، وحتى خلال الفترات اللاحقة، باستثناء بعض المراكز الحضرية على الساحل (مدينة طرابلس على سبيل المثال) التي كان سكانها من السنة أو المسيحيين.
__________
(1) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص257.
(2) - المصدر السابق، ج1، ص258.
(3) - المصدر السابق، ج1، ص257.
(4) - المصدر السابق، ج1، ص258.
(5) - الدرجيني، ص157 وجه. (1/92)
صفحة 93
ويتشكل سكان طرابلس من الأمازيغ الذين يعتنقون المذهب الإباضي منذ القرن الثامن الميلادي إضافة إلى بعض العشائر ذات أصول عربية أو إفريقية (رومانية). ومن ضمن القبائل الأمازيغية الإباضية بطرابلس نذكر بالخصوص: مزاتة، هوارة، زناتة وضريسة وزواغة ولماية ونفوسة، وهي تشكل النواة الرئيسية لساكنة هذا البلد.
لنبدأ بـ مزاتة: تسكن هذه العشيرة بالجزء الشرقي من طرابلس الحالية، تجاورها كلاً من لواتة برقة من الشرق، وهوارة طرابلس الوسطى من الغرب. أما النهاية الشرقية لتراب القبيلة فيقع على بعد مسيرة يوم من الطريق إلى الغرب من أجدابيا (جدابيا الحالية)(1). بينما حد تراب مزاتة جهة الغرب فيمر قرب تاوورغا (تاورغا الحالية) إلى الجنوب من مصراتة(2). أما الحد الجنوبي، فإن موطن هذه القبيلة يمتد إلى ما وراء جبل السودا على الحدود مع فزان، حيث كان سكانها في صراع مستمر مع مزاتة(3) منذ القرن التاسع الميلادي.
يشكل المزاتيون في فترات سابقة غالبية سكان ودّان، أقدم محطة رئيسية بواحة الجفارة(4) ومع ذلك نسجل حضور بعض العشائر العربية بها(5).
__________
(1) - اليعقوبي، ص344.
(2) - المصدر السابق، ص246.
(3) - المصدر السابق، ص345-356.
(4) - المصدر السابق، ص245.
(5) - المصدر السابق، ص345؛ البكري، ص11، ترجمة ص29. (1/93)
صفحة 94
أما تاگريفت تطابق (تاقرفت الحالية) الواقعة على الساحل بين ودان ومدينة سرت (مدينة سلطان حالياً)، والتي تبعد مسيرة ثلاثة أيام عن المكان الأول، فكانت مأهولة خلال القرن العاشر الميلادي، من طرف سكان ودان أي المزاتيون المختلطون مع العرب(1). ونفس الشيء بالنسبة لواحة زالها (سلّة أو زلّة الحالية) التي كانت، خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين/العاشر والحادي عشر الميلاديين، تدخل في عداد تراب مزاتة، كما يفهم من خلال فقرة من كتاب البكري(2)، وإلى سكان ودان ينتمي، في هذه الفترة، منزل (محطة) مجهول، يقع وسط الطريق بين تاماسّا (تمسّا الحالية بشمال شرق مرزق)، وبين زلّة. وهي تطابق على ما يظهر مع الفوقهة أو (فوگها الحالية)، الواحة الجميلة بأطلالها التي يحتمل أنها أرض الجرمنت (نسبة إلى الگرمنتيون)(3).
يحتضن بلاد مزاتة في بداية العصر الوسيط إقليمان مختلفان وهما: إقليم سرت الذي يطابق المجال الساحلي لطرابلس الشرقية، وإقليم ودان الذي يشغل داخل البلاد كله. فالأول كان يعرف منذ عام (46هـ/666-667م) تحت اسم صرت أو أرض سرت(4)، وأصبحت بذلك جميع القرى المنتمية إلى هذا الإقليم تدعى قصور سرت(5).
__________
(1) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص11-12 ترجمة ص29، (وهذه المعلومة استقاها على لسان محمد بن يوسف ابن الوراق).
(2) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص12 ترجمة ص31-30.
(3) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص12 ترجمة ص30، [ل. پ. بارتارالي L.V. Bertarelli]، - Guida, guida d Italia de Touring club Italiano ميلانو (1929) ص383.
(4) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا والأندلس، ص60-61 و 144-145؛ [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص13 ترجمة ص33؛ الشماخي، ص130؛ [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص71.
(5) - ابن بطوطة، الرحلة، ج1، ص26. (1/94)
صفحة 95
أما ودان الذي ورد ذكره لأول مرة سنة (46هـ/666-7م)، كبلد له مَلِكُهُ الخاص به(1)، فكان يشكل إقليماً مستقلاً(2) خلال القرون التاسع إلى الثاني عشر الميلاديين، (أرض أو عمالة منفصلة)، ومع ذلك كانت له روابط وثقية ببلاد سرت(3).
فعلاوة على الواحة الحالية (الجفرة)، يضم إقليم ودان بلا شك جل المناطق الداخلية لطرابلس الشرقية، التي تستوطنها مزاتة وأهل ودان خاصة منهم: زلّة، وتاقرفت، والفوقهة.
اعتنقت مزاتة المذهب الإباضي(4) منذ وقت مبكر، وأضحت مقاطعة سرت إقليماً ضمن الدولة الإباضية العابرة التي أسسها أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري(5) (757/758-761م). وكان لعدد من أبناء قبيلة مزاتة الدور الريادي في جيش هذا الإمام(6). كما شكل تراب سرت، وبالتحديد في مغمداس مسرحاً لمعركة حاسمة بين أبي الخطاب وقوات القائد العباسي عمرو بن الأحوص العجلي(7) سنة (141هـ/759م). وهكذا، وبعد انهزام أبي الخطاب ومقتله سنة (144هـ/761م)، أصبح القائد العربي ابن الأشعث سيد الموقف بإقليم سرت، وبادر سنة (145هـ/762-763م) إلى اقتحام مركز بلاد ودّان، كما لم يتوان عن البطش بسكانها الإباضيين(8).
__________
(1) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا والأندلس، ص60-61؛ [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص13 ترجمة ص33.
(2) - اليعقوبي، ص345؛ [دوزي] و[خويه] وصف إفريقيا، للإدريسي، ص132-133.
(3) - ابن حوقل، ج1، ص68.
(4) - الشماخي، ص143.
(5) - الشماخي، ص143.
(6) - الشماخي، ص142-143.
(7) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص71. (خطأ 142هـ عوض 141هـ)؛ الشماخي، ص130.
(8) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص73. (1/95)
صفحة 96
ورغم اندحار أبا الخطاب، فلقد بقيت الإباضية متجذرة لمدة طويلة بطرابلس الشرقية، وظلت بلاد سرت إقليماً تابعاً للدولة الرستمية بتيهرت(1) على عهد الإمام الإباضي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (784-785هـ/823-824م). كما استمر مزاتيو طرابلس الشرق في تلقين المذهب الإباضي خلال نهاية القرن التاسع الميلادي(2). والغالب على الظن أنهم مازالوا إلى حدود هذه الفترة يشكلون كياناً مستقلاً بدليل أنهم يحتكمون إلى قائد من صميم المنطقة، وعلى ما يظهر فإنه كان على المذهب الإباضي(3).
انقطعت عنا أخبار إباضية مزاتة طرابلس الشرق خلال الفترات اللاحقة، وأشار الدرجيني إلى تواجد تجمعات مزاتية بضواحي طرابلس خلال النصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي(4)، فلربما يتعلق الأمر بفرع للقبيلة كان يستوطن أحواز قابس التي كانت تدخل في عداد إقليم طرابلس(5) في الفترة الوسيطة. على النحو ذاته لا نتوفر على أدنى إشارة إلى دوناس بن الخير المزاتي الذي كان قائداً على إباضية طرابلس تحت حكم بني خزرون (1100-1145م)(6).
مصادر القرنين الرابع والخامس عشر الميلاديين، يبدو أنها سكتت كلها تقريباً عن ذكر السكان، الذين هم بالتأكيد، من الأمازيغ الإباضيين المستقرين بواحات طرابلس الشرق. ومع ذلك، فإن ذاكرة أهل سوكنة بواحة الجفرة تحتفظ بكونهم كانوا من الإباضيين(7). وهذا دليل على أن الإباضية بقيت حاضرة في هذه النواحي نسبياً إلى عهد قريب.
__________
(1) - الشماخي، ص161-203، ثم الملحق ص596؛ راجع في نفس الموضوع الباروني كذلك، ص13-14.
(2) - اليعقوبي، ص344.
(3) - اليعقوبي، ص345.
(4) - الدرحيني، ورقة 110 وجه (الطبقة التاسعة).
(5) - هذا الفرع من مزاتة سوف يكون موضوع دراسة في الجزء الثاني من هذا البحث.
(6) - الوسياني، ص138.
(7) - [ديبوا]، جبل نفوسة دراسة جغرافية، ص137، رقم1. (1/96)
صفحة 97
طرابلس الشرق (مجال قبيلة هوارة): ينحصر مجال هوارة القبيلة الأمازيغية الإباضية القوية خلال العصر الوسيط في الجزء الأوسط من طرابلس إلى الغرب من سرت. وتتفرع إلى عدة عشائر شبه مستقرة وطبقاً لما أورده ابن خلدون، فإن طرابلس تشكل الموطن الأصلي لاستقرار هذه القبيلة(1). وحسب ما أوردته المصادر العربية القديمة، فإن مستقر هوارة بإفريقيا الشمالية كان بمدينة لبدة [لبتس ماگنا Leptis Magna]، القديمة(2).
وحوالي أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، أصبحنا نقدر علي التمييز داخل إقليم طرابلس (باستثناء ديار سرت)، بين بلاد هوارة (أرض/ديار هوارة) وبلاد زناتة (أرض/ديار زناتة)(3). وتشمل هذه الأخيرة، كما سنرى لاحقاً، المنطقة الموجودة إلى الغرب من مدينة طرابلس.
__________
(1) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص180، ترجمة ص280.
(2) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا والأندلس، ص34-35.
(3) - المصدر السابق، ص142-143. (1/97)
صفحة 98
واعتماداً على ما أورده اليعقوبي خلال نهاية القرن التاسع الميلادي، فإن بلاد (ديار) هوارة تمتد من الحدود الغربية لإقليم سرت، أي من مدينة تاورغا حتى مدينة طرابلس(1). وبناء على ما أورده البكري كذلك، فإن تراب هوارة يبتدئ خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي من على مسيرة يومين جنوب مدينة طرابلس(2)، أي أنه يضم في السابق مقاطعة غريان (جبل غريان حالياً). وفي مقطع آخر لنفس الجغرافي، نجد أن جل البلاد الواقعة في جنوب شرق مدينة طرابلس، أي الحد الفاصل بينها وبين مدينة ودّان (بواحة الجفرة)، تشكل مجال قبيلة هوارة(3). وحسب الإدريسي، فقد كانت مدينة زلّة تحتوي على ساكنة أمازيغية من قبيلة هوارة(4). والظاهر أن هذه البلدة تدخل سابقاً في عداد مزاتة ودان(5). كما تشكل خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي الحد الشرقي لممتلكات قبيلة هوارة بطرابلس.
أما النهاية الغربية للمجال المسكون من طرف العشائر الهوارية، فتكمن في تراب مدينة طرابلس الذي يدخل في عداد قبيلة هوارة(6). ويبدو أن هناك هواريون داخل المدينة نفسها، بدليل أن المصادر العربية القديمة تشير إلى وقوع تمرد لهوارة داخل طرابلس المدينة سنة (196هـ/811م)(7)، كما أن أحد أبوابها يحمل اسم هذه القبيلة(8) (باب هوارة).
__________
(1) - اليعقوبي، ص346.
(2) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص7 ترجمة ص20.
(3) - المصدر السابق، ص12 ترجمة ص31.
(4) - [دوزي] و[خويه]، وصف إفريقيا، للإدريسي، ص133ترجمة ص158.
(5) - أنظر أعلاه، ص318. (تراجع)
(6) - الشماخي، ص132.
(7) - ابن العاطر (196هـ).
(8) - رحلة التيجاني، ج2 ص149؛ [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ج1 ص393. (1/98)
صفحة 99
وخلال القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، نسجل امتداد مجال استقرار القبيلة جهة الغرب حتى أحواز واحة زنزور (أو جنزور الحالية) التي كانت مأهولة في نفس الفترة من طرف بني مجريس(1) وهي من فروع هوارة. ولا يستبعد أن يكون موضع كركودة (كركوزة الحالية) الواقعة على بعد كيلومترات إلى الجنوب الغربي من قرية جنزور، وهي على ما يبدو مشتقة ما اسم فرع لقبيلة هوارة وهو كركوزة(2).
أما الحدود الجنوبية للمجال الطرابلسي الذي تشغله قبيلة هوارة خلال العصر الوسيط، فيصعب تدقيقها، لكون الهواريين يتجاوزون الحدود الشمالية لفزان، أثناء ترحالهم داخل طرابلس الشرق. لهذا لا تخلو هذه المنطقة (أي فزان) من بقايا فروع قبيلة هوارة، كما سنرى ذلك لاحقاً.
وضمن الوحدات الرئيسية لهذه القبيلة، التي اضطلعت بدور مهم خلال العصر الوسيط، نذكر بالخصوص مسراته (مصراتة)، وآل ورفلة (ورفلة حالياً) ومسلاتة وماجار (أو ماقار) وترهونة وغريان وماليلة.
__________
(1) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص180، ترجمة ص280؛ رحلة التيجاني، ج2 ص129-130.
(2) - حول فرع كركودة أنظر: [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص180، ترجمة ص280. وحول بلدة كركوزة أنظر: رحلة التيجاني، ج2 ص128؛ وبالأحواز القريبة من مدينة طرابلس هناك أيضا بعض المستوطنات القبطية في شكل قرى تحيط بها من جهة الغرب والشرق على بعد مسيرة 3 أيام. ([سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص7 ترجمة ص20). من جهة الجنوب نصادف القرى القبطية حتى حدود قراب قبيلة هوارة على بعد مسيرة يومين من المدينة. ويبدو أن هذه التجمعات القبطية قد تم تمزيغها منذ وقت مبكر. (1/99)
صفحة 100
بنو مسراتة: تستوطن الجزء الشرقي للمنطقة الساحلية من أرض هوارة(1)، وتعتبر بلدة سويقة بن مطكود (مصراتة الحالية)(2) مركزها الرئيسي. ويبدو أن عدد أفرادها كان مهماً زمن ابن خلدون. وكانت تتعاطى التجارة، حيث كان التجار المصراتيون يترددون على أسواق بلاد الجريد والسودان.
وتشكل مسافة ستة عشر يوماً الفاصلة بين سويقات ابن مطكود وزويلة ابن خطّاب بفزان (زويلّة الحالية) المسلك الذي يؤدي إلى عدة أماكن من السودان(3).
أما بنو ماجار (ماقر) الفرع الثاني، فكانوا يقيمون على الأرجح بنواحي زليطن الحالية، وظل اسمهم محفوظاً في واد ماجر بجنوب غرب واحة زليطن. وقد ذكروا بمعية بني غريان ونفوسة سنة (681هـ/1282م)(4).
ويبدو أن هذه الأصقاع الطرابلسية، كانت مستقر ماليلة(5) فرع قبيلة هوارة، التي أشارت إليها الحوليات الإباضية خلال القرن الثامن الهجري، إلا أنها انمحت آثارها بشكل مبكر بالإقليم.
__________
(1) - اليعقوبي، ص346؛ [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص177 و180-181، ترجمة ص274-280.
(2) - حول هوارة سويقات ابن مطكود أنظر: [دوزي] و[خويه]، وصف إفريقيا، للإدريسي، ص130 ترجمة ص150؛ [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ج1 ص322.
(3) - الإدريسي، سبق ذكره، ص133 ترجمة ص158، [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص180، ترجمة ص280.
(4) - ابن خلدون، سبق ذكره، ج1 ص177-498، ترجمة ص274-389.
(5) - اليعقوبي، ص346؛ ابن خلدون، سبق ذكره، ج1 ص177 ترجمة ص274. غدرت قبيلة مليلة بالإمام الإباضي أبو حاتم الملزوزي بأن انحازت إلى العرب في معركة جندوبة. [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص74، مخطوط وجه 15. (1/100)
صفحة 101
أما منطقة لبدة، وعلى غرار حامية جبل طرابلس الممتد في شكل سلسلة ذات سفوح شديدة الانحدار، والذي يرسم قوساً من قابس حتى الخمس، فهي مأهولة من طرف مسلاتة وهي فرع لقبيلة هوارة، وقد تسمى باسمها جبل مسلاتة الحالي(1). وكلما توغلنا نحو الداخل إلا وتشير المصادر العربية إلى وجود هوارة بالجزء الشرقي من الجبل. وهكذا نجد قبيلة ترهونة الهوارية تعيش على الترحال بالمقاطعة التي تحمل نفس الاسم(2). وإلى الجنوب الغربي من ترهونة يسكن بنو غريان بمقاطعة غريان الحالية(3) أما بنو وشتاتة، وهم إخوان قبيلة ترهونة، فقد خلدوا اسمهم في موضع مشتات على بعد (33 كلم) تقريباً إلى الجنوب من قصر ترهونة على الطريق المؤدية إلى قصر بني وليد(4) إلى الجنوب والجنوب الشرقي من الأراضي المأهولة من طرف مصراتة ومسلاتة وترهونة وغريان وورفلة(5)، وهي من القبائل الهوارية الكبرى. ومن المحتمل أن يكون الورفليين من أجداد قبيلة ورفلة الحالية، وإنهم كانوا يستوطنون منذ القدم نفس المكان ذاته، بمعنى أحواز بني وليد وبونجم.
وفي بداية العصر الوسيط، عدت هوارة من القبائل الأمازيغية الأكثر إخلاصاً لقضية المذهب الإباضي(6)، وهي على ما يظهر تعتبر من أقدم المناصرين لنحلة الإباضية بإفريقيا الشمالية.
__________
(1) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص177 و181، ترجمة ص275-280؛ رحلة التيجاني ج1 ص138. وحول هوارة لبدة في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي أنظر: [دوزي] و[خويه]، وصف إفريقيا، للإدريسي، ص129-130 ترجمة ص154.
(2) - ابن خلدون، سبق ذكره، ج1 ص180، ترجمة ص276.
(3) - المصدر السابق ج1 ص104 و177 و458، ترجمة ج1 ص262 و ج2 ص275 و385.
(4) - المصدر السابق ج1 ص175، ترجمة ص275؛، [بارتارالي]، Guida، ص349.
(5) - اليعقوبي، ص346؛ ابن خلدون، سبق ذكره، ج1 ص177-180 ترجمة ج1 ص274-280.
(6) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص178، ترجمة ص276. (1/101)
صفحة 102
وبمدينة طرابلس وأحوازها، على الحدود الغربية لتراب قبيلة هوارة، ظهر سنة (126هـ/743-744م)، أقدم زعيم إباضي عرفته إفريقيا الشمالية، وهو عبد الله بن مسعود التُجيبي(1). وبعد مقتله، التف إباضية أحواز طرابلس حول اثنين من زعمائها هما عبد الجبار بن قيس المرادي، والحارث بن تليد الحضرمي (ت 131هـ/748-749م)، وكانت هوارة دعامتها الأساسية(2)، باعتبارهما من صميم هذه القبيلة الأمازيغية كما أورده ابن خلدون(3).
وهكذا شكلت أرض هوارة النواة الأصلية للدولة الإباضية بطرابلس. وفي وقت لاحق أخضع هؤلاء القادة تراب زناتة بطرابلس الغرب لنفوذهم، والشيء نفسه بباقي المناطق(4). بعد ذلك بسنوات انضوت هوارة طرابلس الأوسط تحت قيادة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري أحد حملة العلم، الذين أرسلهم أبو عبيدة التميمي، الزعيم الروحي لإباضية البصرة، إلى المغرب. وفي سنة (140هـ/757-758م)، اجتمع عرفاء ووجهاء هذه القبيلة بمعية نظرائهم بقبائل نفوسة وضريسة في مجمع منعقد بصياد (صياد الحالية) على بعد خمس كيلومترات غرب "جنزور"، وفيه بويع أبو الخطاب بالإمامة(5).
__________
(1) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا والأندلس، ج1 ص140-141.
(2) - المصدر السابق، ص140-143.
(3) - ابن خلدون، سبق ذكره، ج1 ص138.
(4) - ابن عبد الحكم، سبق ذكره، ص140-143.
(5) - أنظر حول هذا الإمام أعلاه. (1/102)
صفحة 103
وهكذا شاركت هوارة في الحرب التي قادها أبو الخطاب ضد العرب. ومن صميم هذه القبيلة نجد مالك بن سرحان الهواري، أحد قادة الجيش الإباضي(1). وعلى تراب القبيلة كذلك، وبالتحديد في تاورغا على حدودها مع سرت. وقعت المعركة الكبرى، بين أتباع أبي الخطاب والجيوش العربية بزعامة ابن الأشعث. وفيها قضى الإمام الإباضي نحبه مع اثني عشر أو أربعة عشر ألفاً من أنصاره(2).
وثمة حضور متميز لهوارة ضمن القبائل الأمازيغية الإباضية المنضوية حول أبي حاتم يعقوب بن حبيب (أو لبيب) الملزوزي، الذي اختير إماما بعد مقتل أبي الخطاب المعافري. وينسب بدوره في موضع آخر إلى نفس القبيلة(3).
استشهد أبو حاتم بعد اندحاره في واقعة مع العرب سنة (155هـ /772م) بغرب جندوبة الواقعة بمقاطعة غريان في قلب تراب هوارة(4). ويشكل ضريحه أحد المزارات الإباضية التي اعتاد الإباضيون زيارتها إلى يومنا هذا(5).
__________
(1) - الشماخي، ص130؛ أنظر كذلك حول الدور الهام لقبيلة هوارة داخل جيش أبي الخطاب: [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص73.
(2) - أنظر مقال: أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح في الموسوعة الإسلامية.
(3) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص46. حول أبو حاتم أنظر كذلك: [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص79-83.
(4) - الشماخي، ص136؛ [باسي]، سبق ذكره ص82. تسمى هذه البلدة بجندوبة حول موقع جندوبة أنظر: H. Barth, Reisen und Forschungen in Nord-und Central – Afrika Gotion 1857 in, I , 42 وحسب الباروني (ص11) فإن جندوبة تقع بنواحي جبل ككلة.
(5) - الباروني، ص11. (1/103)
صفحة 104
ويبدو كذلك أن تمرد يحيى بن فوناس (وحسب بعض المصادر قرياس) الهواري، الذي حمل السلاح ضد العرب بطرابلس سنة (156هـ/772-773م) اعتماداً على جزء كبير من أفراد قبيلته وغيرها من القبائل(1)، لم يكن سوى ثورة إباضية.
وفي وقت لاحق، اعترف الهواريون الإباضيون بطرابلس الأوسط خلال بعض الوقت على الأقل بالإمامة الرستمية بتيهرت. وبديهي أن تتوطد هذه الصِلات أثناء تمردهم سنة (196هـ/811م) تحت زعامة أحد قادتهم وهو إياد بن وهب ضد عامل العرب بطرابلس، حين بادر الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن إلى معاضدتهم على رأس فرقة من إباضية نفوسة(2).
ويبدو أن مزوار بن عمران العامل أو الوزير الذي عينه عبد الوهاب، كان بدوره من صميم هوارة طرابلس(3)، واعتقد أن نفوذ السمح بن أبي الخطاب الذي حكم طرابلس تجاوز (حوزة طرابلس) على عهد الإمام عبد الوهاب(4). وامتد كذلك إلى تراب هوارة.
__________
(1) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص79؛ [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص178، ترجمة ص276؛ [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ج1 ص381.
(2) - ابن خلدون، سبق ذكره، ج1 ص178-179، ترجمة ص276-277؛ [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص121-126؛ الشماخي، ص159-161؛ أنظر: [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ص41؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص469-270. يتواجد مركز التمرد بنواحي وادي الرمل إلى الشرق من تاجورة. وهذا ثاني عصيان لهذا الزعيم الإباضي الذي ثار في مرحلة سابقة ضد العرب سنة (179هـ/795/796م). [فورنال]، البربر، ج1، ص408.
(3) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص126 مخطوط ص28 خلف؛ الشماخي، ص160-165 – ذكر شيوخ جبل نفوسة، ص595؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص469.
(4) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص128-129 مخطوط ص29 وجه. (1/104)
صفحة 105
ويظهر أخيراً أن تمرد فرع بني لاهان سنة (241هـ/859م)؛ الذي ضم إليه العشائر الشرقية من قبيلة هوارة طرابلس، كان حركة إباضية كذلك. وعلى إثرها أُجبِر الأغالبة على الإنسحاب من مدينة لبدة(1).
لا نعرف أي شيء تقريباً عن الدولة العابرة التي أنشأها خلال القرن التاسع الميلادي، الزعيم الأمازيغي ابن الصغير (وردت بصيغة ابن صفير كذلك) المصمودي على جزء من تراب هوارة الممتد إلى الشرق من مدينة طرابلس، إضافة إلى منطقة وادي الرمل (رمل الوادي)(2). وهل كانت هذه الدولة إباضية؟ فإذا كان تقديرنا صائباً، فإنها لا تعدو أن تكون إلا تابعة لإحدى النحل الإباضية الغير الوهبية كـ: الخلفية أو النكار، بدليل أن زعيمها كان مستقلاً عن المملكة الوهبية بتيهرت، التي كان نفوذها خلال هذه الفترة يمتد إلى المقاطعة المجاورة لجبل نفوسة.
والواقع، كما رأينا أن إباضية شمال إفريقيا قد سبق أن انقسموا إلى نحل صغيرة، منها الوهبية أتباع أئمة الرستميين. وينحصر نفوذها على جزء صغير من أهالي المنطقة، بينما تنتمي أغلبية القبائل الأمازيغية-الإباضية إلى الخلفية. لهذا ظل الشعور المضاد للوهبية هو السائد بطرابلس لمدة طويلة.
وجدير بالذكر أن الفروع الهوارية التي تسكن في مقاطعات ككلة وبابيلl (جبل بابل شرق كُلبَه)(3) وتاكبال (تحيط بقرية تاكبال الصغرى حيث توجد أطلال قصر بمقاطعة ككلة)(4)
__________
(1) - ابن العاطر 245هـ؛ [فندرهايدن]، بلاد البربر الشرقية، ج1 ص43؛ [فورنال]، البربر، ج1، ص516.
(2) - ابن خرداذابه، ص88؛ ابن الفقيه، ص80.
(3) - Barth : Reisen 1 carte II.
(4) - [ديبوا]، جبل نفوسة، ص146 و180 و213 و247؛ أنظر كذلك:
- Barth : Reisen 1 p.42. (1/105)
صفحة 106
كانت تدرس المذاهب الإباضية الفرعية كالمستاوة (النكار) والخلفية والحسينية. ولم تتبنى الوهبية(1) على الأقل إلا حوالي القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، زمن الشيخ الإباضي أبو يحيى زكريا بن إبراهيم الباروني. وحسب [م. ماسينيون]، ولا تزال الخلفية موجودة بغريان وبجبل نفوسة(2) إلى يومنا هذا.
وفي عام (298هـ/910م)، ثارت هوارة طرابلس ضد عبد الله الفاطمي بزعامة أبي هارون الهواري(3)، ويستفاد من دعم ومؤازرة لماية لهذا التحرك، أن الثورة كانت بدورها ذات سمة إباضية(4). وإلى حدود سنة (355هـ/927-928م)، لا زالت هوارة طرابلس تلقن المذاهب الإباضية والصفرية(5) على غرار القبائل المجاورة خاصة مزاتة ومطماطة والظاهر أن الجزء الأكبر من هوارة طرابلس الأوسط ستتخلى بشكل مبكر - على الأرجح خلال القرنين الحدي عشر والثاني عشر الميلاديين - عن النحلة الإباضية، لتتبنى المالكية، باستثناء مقاطعات غريان وككلة وبابيل وتاكبال حيث استمرت الإباضية لبضع قرون أخرى.
__________
(1) - الشماخي، ص546.
(2) - [ماسينيون]، الدليل السنوي للعالم الإسلامي، ص132.
(3) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص163.
(4) - [فورنال]، البربر، ج1، ص106.
(5) - [سلان]، ابن خلدون، ترجمة الملحق2، ص527. (1/106)
صفحة 107
وهكذا لم تتحول مقاطعة غريان إلى المالكية إلا في بداية القرن الرابع عشر الميلادي، على عهد الشيخ الإباضي أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت 737هـ/ 1336-1337م)(1) بينما بقيت المقاطعات الأخرى: ككلة وبابيلl وتاكبال وفية للمذهب الإباضي على الأقل حتى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي(2).
وثمة جزء من قبيلة هوارة طرابلس لم يسبق لها أن اعتنقت الإباضية. وهكذا نجد هوارة سنيون (بنو ماليلة) ضمن جيش القائد العربي يزيد بن حاتم الذي حارب الإمام أبا حاتم الملزوزي سنة (155هـ/772م)(3). كما لا يخلو داخل طرابلس بالخصوص من الهواريين كذلك الذين بقوا على الوثنية. فعلى سبيل المثال نجد القبائل الأمازيغية الموجودة بنواحي كرزا (گرزا الحالية على واد زمزم إلى الجنوب الشرقي من قصر بني وليد بتراب ورفلّة) التي تنتمي بلا شك إلى فرع بني ورفلة الهوارية، وفي عصر البكري (محمد بن يوسف بن الوراق؟) أي القرن العاشر والحادي عشر الميلاديين. كانت تقدم القرابين لصنم من الحجارة(4).
__________
(1) - الشماخي، ص556.
(2) - وحسب الشماخي (ص574) لم يتم ضم هذه المقاطعات الثلاثة إلا بعد وفاة الشيخ أبو محمد عبد الله بن عبد العزيز الذي كان تلميذا للشيخ عبد الله بن أيوب الجيلالي المتوفى سنة (829هـ/1425-1426م) الشماخي، ص563، ومازالت بعض قرى مقاطعة ككلة تتذكر أنها كانت إباضية في السابق. وهكذا فإن سكان الجحيش يعتزون بكونهم لم يكونوا مالكيين إلا منذ (180 سنة فقط)، أي أواسط القرن الثامن عشر. [ديبوا]، جبل نفوسة، ص145.
(3) - الشماخي، ص136.
(4) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص12 ترجمة ص31. (1/107)
صفحة 108
الساحل الغربي لطرابلس: لنتحدث الآن عن التجمعات الإباضية بطرابلس الغربية. فالجزء الغربي من السهل الساحلي الفسيح للجفارة (أرض جفارة الممتدة من طرابلس حتى الحدود التونسية الحالية، تستوطنه خلال العصر الوسيط قبائل أمازيغية-إباضية وهي: ضريسة، ولماية وزواغة وزوارة. وقد ذكرت القبيلتان الأوليتان ضمن القبائل المذكورة، كساكنة لهذه المنطقة الطرابلسية منذ منتصف القرن الثامن الميلادي، بينما الثلاثة الأخرى لم تظهر في تاريخ البلاد إلا في وقت لاحق. لنعرج في البداية على هذه الأخيرة.
إلى الغرب من مجال استقرار هوارة، أي غرب مدينة طرابلس (أنظر واحة جنزور) يقطن فرع لقبيلة لماية في محيط قرية لماية الحالية (كذلك ماية)، وخلال القرن الرابع عشر (لماية)(1). والظاهر أن مجال هذه القبيلة يجاور خلال العصر الوسيط من جهته الغربية قبيلة زوارة.
إن أقدم إشارة إلى لماية وردت في سياق تمرد القبيلة ضد الفاطميين (298هـ/911م) بمعية قبائل هوارة وزناتة، كما ساهمت في حصار مدينة طرابلس(2).
تنتمي لماية إلى النحلة الوهبية(3)؛ ويذكر ضمن علماء الوهبية بطرابلس أبو محمد عبد الله بن مانوج الألمعي (النصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي)(4). ويرجح المؤرخون العرب أصل لماية إلى أسرة فاتن بن تامزيت (بن ضاري)(5)، وأنها صنوة قبيلة ملزوزة(6).
__________
(1) - رحلة التيجاني، ج2 ص128.
(2) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص163.
(3) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص153 ترجمة ج1 ص241.
(4) - الدرجيني، ص118 خلف؛ الشماخي، ص396-404.
(5) - ابن خلدون، سبق ذكره، ج1 ص153 ترجمة 241.
(6) - نفس المصدر، ج1 ص158 ترجمة 248. (1/108)
صفحة 109
أما البلاد الواقعة إلى الغرب من المجالات الخاضعة للماية، فكان يقطنها فرع لقبيلة زواغة الإباضية القوية (وحسب ابن خلدون فهي فرع لضاري)(1) التي تتركز كتلتها الرئيسية ببعض المناطق الجنوبية الشرقية من تونس. أما فيما يخص طرابلس، فزواغة تستوطن خاصة ناحية صبرا(2)، أي أحواز مدينة صبراتة القديمة. وخلال منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، لم يبق من المدينة إلا الأطلال(3). وتذكرها أيضاً المصادر العربية في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، باسم صبراتة. ويبدو أنها عوضت بمدينة (بلاد زواغة) التي كانت موجودة منذ عهد السلطان الزيري المعز بن باديس، أي حوالي أواسط القرن الحادي عشر الميلادي(4)، لكونهما متجاورتين(5).
ومن هذا البلد يستمد الشيخ الإباضي – الوهبي المشهور أبا الخير توزين الزواغي أصوله، وهو من أهل القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي. وكان على اتصالات مستمرة بإباضية جبل نفوسة(6). وهناك بلا شك، أتباع باقي النحل الإباضية (خاصة النكار والخلفية) ضمن زواغة، وذلك على غرار إخوانهم بجنوب تونس. بدليل أن ساكنة قصر تليل (قصر تلّيل الحالي) الواقع على بعد أربع كيلومترات إلى الغرب من مرسى زواغة كانت تدرس المذاهب النكارية(7) خلال القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي.
__________
(1) - نفس المصدر، ج1 ص163 ترجمة 255.
(2) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص17 ترجمة 41.
(3) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا والأندلس، ص126-127؛ رحلة التيجاني، ج2 ص124.
(4) - الشماخي، ص336-337.
(5) - رحلة التيجاني، ج2 ص124.
(6) - الشماخي، ص336-338.
(7) - رحلة التيجاني، ص123. (1/109)
صفحة 110
تتاخم زواغة على ما يظهر زوارة القبيلة الأمازيغية – الإباضية التي يصنفها المؤرخون العرب ضمن قبائل زواغة، وأنها تنحدر من سلالة ضاري(1). وتتكون النهاية الشرقية لتراب زواغة خلال القرن السادس عشر الميلادي من قرية تدعى والول(2) التي تطابق موقع قصر بني والول الذي يضعه البكري في الطريق بين قصر كوتين ومرسى مراكّي (مرسى مراكان الحالي)(3). أما أقدم إشارة إلى القبيلة، فنجدها عند البكري، الذي أشار إليها ضمن الفروع الأمازيغية المستقرة بأحواز مدينة گابس (قابس الحالية) وبجوار نفوسة ولماية وأخرى كذلك(4). كما وردت أيضاً في حولية إباضية معروفة تحت اسم: سير المشايخ وذلك خلال القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي(5).
وفي وقت لاحق، أي بداية القرن الثالث عشر الميلادي، ثمة إشارة في مصدر عربي إلى مدينة زوارة الصغرى(6). وخلال القرن الرابع عشر، ذكر موقعان متجاوران يحملان هذا الاسم وهما: زوارة الصغرى (تدعى كذلك بلاد المرابطين) وزوارة كوتيم التي تطابق قصر كوتيم كما ورد عند الإدريسي.
__________
(1) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص163 ترجمة ج1 ص255.
(2) - رحلة التيجاني، ج2 ص123.
(3) - [دوزي] و[خويه]، وصف إفريقيا، للإدريسي، ص129 ترجمة ص153؛ (وردت في النسخ المخطوطة لكتاب الإدريسي بصيغ مركا – مركبا، وصححناها (مركّا). أما [خويه]، فقد قرأها ماركيا.
(4) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص18 ترجمة 42.
(5) - سير المشياخ، ص258.
(6) - ياقوت الحموي، ج2 ص953، ذكرها خطأً زواوة بدل من زوارة. (1/110)
صفحة 111
ومنذ القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، أضحت زوارة إباضية(1). وفيما بعد نعث التيجاني ساكنة قرية زوارة بالخوارج(2). وقد بقيت وفية لمذهبها إلى يومنا هذا(3). وبينما ارتضت قبائل لماية وزواغة وزوارة لنفسها الاستقرار بساحل طرابلس الغربية، فإن فروع قبيلة زناتة عاشت على الترحال على ما يبدو خلال بداية العصر الوسيط، حتى قدوم القبائل الهلالية العربية إلى سهل ورفجومة.
ومهما يكن (فإلى غاية نهاية القرن التاسع الميلادي على الأقل) فإن تجمعات من صميم هذه القبيلة تستقر في المنطقة الساحلية قريباً جداً من المسلك الكبير الذي يصل بقابس(4). وقد ذكر ابن عبد الحكم مجال استقرار هذه القبيلة في منطقة طرابلس، وسماه أرض زناتة بطرابلس تمييزاً له عن أرض هوارة(5).
__________
(1) - سير المشايخ، ص258.
(2) - رحلة التيجاني، ج2 ص121.
(3) - [ر. برانشفيگ]، بلاد البربر الشرقية، 330.
(4) - اليعقوبي، ص346-347.
(5) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا والأندلس، ص142-143. (1/111)
صفحة 112
وفي سنة (123هـ/741م)، ثمة إشارة إلى كون الزناتيين يستوطنون أحواز مدينة صبراتة، وكانوا خلال هذه الفترة على مذهب الصفرية من أتباع عكاشة بن أيوب الفزاري(1). وفيما بعد تم إخضاع بلاد زناتة من طرف القائد الإباضي عبد الجبار بن قيس المرادي(2). وباعتناقها الإباضية، تكون زناتة طرابلس قد التفت حول الإمام الإباضي أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري(3) (سنة 140هـ/757-758م) على غرار المجموعات الأمازيغية الإباضية الأخرى. وفي سنة (144هـ/761م)، ومباشرة قبل المعركة التي جمعت أبا الخطاب بالجيش العربي، انسحبت الوحدات الزناتية، التي كان تعدادها آنذاك (16 ألف رجل) من الجيش الإباضي، غيرة على الاعتبار الزائد الذي يكنه أبو الخطاب للهواريين(4). وفي وقت لاحق، لما ثارت زناتة المغرب ضد الإمام الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن باسم المذهب الواصلي(5). تخلت الفروع الزناتية المستقرة بطرابلس بدورها عن المذهب الإباضي، باستثناء بعض المجموعات المستوطنة بجبل نفوسة ويفرن، التي ستكون موضوع الحديث لاحقاً ويحتمل أن تكون هذه المجموعات الأخيرة هي التي شاركت في تمرد القبائل الأمازيغية ضد الفاطميين سنة (298هـ/911م)(6)، باسم المذهب الإباضي.
أما ضريسة المتبقية فإن مجالها الترابي المضبوط لا يحضرني الآن، وحسب النسابة فهي تنحدر من ضاري أو ضاريس(7). وقد اضطلعت بدور مهم في سياق تاريخ أولى الدويلات الإباضية.
__________
(1) - المصدر نفسه، ص126-127.
(2) - المصدر نفسه، ص142-143.
(3) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص139 ترجمة ج1 ص220.
(4) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص72.
(5) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص80-114.
(6) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص163.
(7) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص172. (1/112)
صفحة 113
ثمة اختلاف في رسم اسم هذه المجموعة البشرية في الحوليات الإباضية وفق المتغيرات التالية: ضريشة، صويشة، طريشة، زويشة، زريشة وغيرها. وتحدد مجال استيطانها بأحواز مدينة طرابلس على غرار نفوسة وهوارة(1)، بما أن هذه الأخيرة تستقر بإقليم طرابلس الأوسط إلى الشرق من خط طرابلس المدينة.ككلة والنفوسيين في الجزء من جبل طرابلس الذي تسمى باسمهم إلى يومنا، والممتد من يفرن إلى نالوت، ولم يبق لضريسة إلا الساحل الطرابلسي غرب مدينة طرابلس (أنظر جنزور). الذي سيؤول فيما بعد إلى لماية وزواغة وزوارة.
يقترب اسم هذه القبيلة من مثيلتها بني تريوش التي كانت تسكن مراسي (طرابلس الغرب؟)(2) وذلك حسب رواية منقولة عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان النفوسي - النصف الأول من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي. وهذا الاحتمال يمكن أن نعززه في الواقع بكون قبائل زواغة وزوارة، التي تستوطن بعض فروعها ساحل طرابلس الغرب، تستمد أصولها من ضاري جد ضريسة(3).
ومما لاشك فيه أن ضريسة من القبائل الأمازيغية التي كانت تابعة لأبي الخطاب عبد الأعلى المعافري، وكان لفيالقها مشاركة في معركة تاورغا التي سقط فيها هذا الإمام(4). وذُكِروا فيما بعد ضمن القبائل الأمازيغية الإباضية الملتفة حول الإمام أبي حاتم الملزوزي(5). أما بنو تريوش التي طابقناها مع بني ضريسة الطرابلسية، فلازالت خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، تلقن الأفكار الوهبية(6).
__________
(1) - الشماخي، ص132.
(2) - سير المشايخ: وبني تيريوش هم على مراسي البحر.
(3) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص163 ترجمة ص255.
(4) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص80-114، مخطوط ورقة15 وجه. كتبها خطأً (شويشة) وأعاد كتابتها (سويشة) ص37-38؛ الدرجيني، مخطوط ورقة12 وجه كتبها (زويشة)؛ الشماخي، ص132.
(5) - أبو زكريا مخطوط ورقة15 خلف، كتبها (شاريشة)؛ [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص46.
(6) - سير المشايخ، ص218. (1/113)
صفحة 114
أما الجفارة الغربية، فكانت مأهولة وقت الغزو العربي من طرف نفوسة، وشكلت مدينة صبرا (صبراتة القديمة)(1) مركزها الرئيسي. وقد امتد نفوذ النفوسيين حتى طرابلس لما استنجد بهم سكانها سنة (22هـ/642-643م) ضد القائد العربي عمرو بن العاص(2).
وفي وقت لاحق كذلك، وانطلاقاً من مركزهم بالجبل، وصل تاثير نفوسة في غالب الأحيان إلى سهل الجفارة الغربية، حيث كانت تؤمّن مراقبة طرق التواصل بين أفريقية ومصر على طول الساحل. وفي سنة (267هـ/880-881م)، استنجد بهم سكان حاضرة طرابلس، كقوة حقيقية بالبلاد، لما اكتسحها المغامر الطُلوني العباس(3).
وفي سنة (283هـ/896-897م) كذلك أقدمت نفوسة على قطع الطريق أمام جيش الأغالبة بقيادة إبراهيم بن أحمد الذي قاد حملة على مصر، وذلك بالقرب من قرية مانو الساحلية. وخلال هذه المواجهة، أبيدت القوات النفوسية، وتكسرت بذلك قوتها القبلية(4).
وبالتأكيد أفضى زحف قبائل بنو هلال إلى دفع جزئي لساكنة الجفارة الغربية الإباضية نحو جبل نفوسة. ولم يتبق منها في نهاية العصر الوسيط، إلا بعض المجموعات الأقل أهمية، منها فقط زواغة التي استمرت إلى يومنا هذا.
__________
(1) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا، ص34-35؛ [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص143 ترجمة ص226.
(2) - رحلة التيجاني، ص138.
(3) - [فورنال]، البربر، ج1، ص575.
(4) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص129؛ [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص194-202؛ الدرجيني، مخطوط ورقة31 خلف؛ الوسياني، ص187؛ سير المشايخ، ص268؛ الشماخي، ص267-268. بالنظر لكون المعركة وقعت على الساحل بين طرابلس وقابس، يمكن تحديد مانو (كذلك قصر مانو أو تين مانو) الذي يرد في المصادر كبلدة قديمة، في الجزء الغربي من الجفارة، ونعتقد أن هذا الموضوع يماثل أد أمونيم عند القدماء. (1/114)
صفحة 115
مديرية يفرن وجبل نفوسة: إلى الجنوب من الجفارة الغربية، نسجل تواجد تجمع إباضي مهم بجبل نفوسة. وندرك من خلال هذه التسمية (في الأمازيغية: أدرار نـ إينفوسن = جبل نفوسة) أن الأمر يتعلق بالجزء الأوسط من كتلة جبلية مقوسة أو بالأحرى منحدرات ملتوية ذات ارتفاعات تتراوح بين (600-800 متر)، وطرفاه تلامسان كلاً من قابس من جهة والخمس من جهة أخرى. ويتشكل جزئه الشرقي من غريان وترهونة ومسلاتة.
وينطبق اسم جبل نفوسة اليوم بشكل عام على مناطق لالوت (نالوت وفساطو) ويفرن، وخلال العصر الوسيط، كانت تسمية جبل نفوسة منحصرة بين المديريتين الأوليتين بينما يفرن (في المصادر ئفران) تشكل مديرية على حدة.
لنبدأ من هذه الأخيرة، فهي تحتل البلاد المنحصرة بين قرى ككلة من جهة الشرق والحد الشرقي من جبل نفوسة بالمعنى الضيق (الذي يمر خلال العصر الوسيط، قرب قرية تيغرمين)(1) في الجهة الغربية.
وحالياً يعتبر سكان يفرن أنفسهم منحدرين من قبيلة نفوسة، لكنهم في الحقيقة من زناتة وهوارة(2). فلفظة يفرن مشتقة من اسم قبيلة بني يفرن الزناتية. وظهرت لأول مرة لتشير إلى مستوطني هذه القرية حوالي منتصف القرن الرابع الهجري على عهد العباس بن أيوب عامل الإمام الرستمي أفلح على جبل نفوسة، وذلك في سياق الحرب(3) التي قادها هذا الأخير ضد بني يفرن بسبب انتصار هؤلاء لقضية خلف بن السمح، زعيم إباضية طرابلس الذي ثار ضد الرستميين. ونعلم، بالفعل، أن خلف بن السمح استطاع أن يفرض سيطرته على أقصى النهاية الشرقية لجبل نفوسة، فضلاً عن المنطقة المتاخمة له من جهة الشرق أي مديرية يفرن(4).
__________
(1) - الشماخي، ص303-535.
(2) - [ديبوا]، جبل نفوسة، ص145؛ أنظر كذلك حول قبيلة بني يفرن (كذلك ئفران) عند: [ج. يپر G.Yver]، في الموسوعة الإسلامية.
(3) - الشماخي، ص178-197-198.
(4) - الشماخي، ص183. (1/115)
صفحة 116
وعلى عهد المعز بن باديس الزيري - القرن الحادي عشر الميلادي - لا زال أتباع خلف بن السمح يشكلون جزءاً مهماً ضمن سكان يفرن، حيث كانوا يعيشون بلا شك إلى جانب أتباع وأنصار المذاهب الإباضية الأخرى مثل الحسنية والمستاوة (النكار)(1).
وخلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وعلى عهد الشيخ الإباضي أبو يحي زكريا بن إبراهيم بن زكريا بن أبي هارون الباروني، تحول أهل يفرن المنشقين إلى المذهب الإباضي- الوهبي المعتدل(2).
ويبدو أن حرص أهل وطن يفرن (بلد يفرن)(3) على استقلالهم الفعلي، هو ما جعل خضوعهم لعدد من الأسر الحاكمة التي تعاقبت على بلاد الأمازيغ كان شكلياً فقط. وخلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، كانوا يسيرون من طرف مقدم يدعى عون بن خريز، وقد استطاعت ذريته أن تحكم بني يفرن لمدة طويلة كذلك(4).
بالإضافة إلى بني يفرن، نجد في نفس المديرية التي تحمل اسم هذه القبيلة، ساكنة تنتمي إلى فرع مديونة، وهي من العشائر الأمازيغية التي تسكن فزان كذلك. لهذا ثمة ذكر الشيخ إباضي – وهبي من بني يفرن يدعى أبا يوسف يعقوب بن أحمد الإفراني المديوني (ت 894هـ/1488-1489م)(5).
__________
(1) - الشماخي، ص342؛ فمنذ هذه الفترة كانت تتواجد قرية تاغما كأحد المراكز الرئيسية بيفرن.
(2) - الشماخي، ص546.
(3) - حول هذه التسمية أنظر الشماخي، ص550. ونسمي هذا البلد كذلك قرى يفرن. الشماخي، ص561.
(4) - الشماخي، ص546-547، ثمة شخص يدعى شقرون بن عياد بن عون بن حريز المنحدر من سلالة مقدم يفرن الذي عاش خلال القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، وسماه الشماخي، ص569، شيخ يفرن.
(5) - الباروني، نسبة دين المسلمين، ص579؛ الشماخي، ص563-564. (1/116)
صفحة 117
أما جبل نفوسة، بالمعنى الضيق: فحسب مقطع من كتاب الشماخي، فإن هذه التسمية تطلق خلال العصر الوسيط على البلاد الواقعة بين لالوت (نالوت الحالية) من جهة الغرب، وقرية تيغرمين (بتراب الزنتان الحالية) من جهة الشرق(1). بيد أن هذا التحديد تنقصه الدقة، على اعتبار أن قرية وازّن (أو ؤوازّن) الواقعة إلى الغرب من نالوت قرب الحدود الليبية - التونسية(2)، تدخل في عداد جبل نفوسة.
يستمد جبل نفوسة اسمه من نفوسة القبيلة الأمازيغية – الإباضية القوية التي لم تكن تستوطن خلال العصر الوسيط، سوى جزء من الهضبة التي تحمل نفس الاسم(3). ولم يتوسع مجال التسمية إلا في وقت لاحق، عندما أصبحت تشمل المساحة الواقعة بين وازّن والنهاية الغربية ليفرن، بالإضافة إلى الأراضي المأهولة من طرف مجموعات لا تنتمي سلالياً إلى نفوسة، والتي انضمت إلى الاتحادية التي شكلتها هذه القبيلة من منطلق كونها أمازيغية – إباضية.
والظاهر أن نفوسة لم تحز خلال العصر الوسيط إلا على الجهة الغربية(4) من جبل نفوسة، التي كانت تسمى في السابق أميناج أو إيناج وناحيته(5). بينما ترد الجهة الشرقية في المصادر تحت اسم جهة جادو التي يوافق حدها الغربي النهاية الشرقية لتراب الرحيبات(6)، وتستوطنه فروع أمازيغية – إباضية ذات أصول مختلفة، اندمجت منذ فترة مبكرة في قبيلة نفوسة. وقد صنف ابن خلدون خلال القرن الرابع عشر الميلادي القبائل النكاثة التي تستوطن جبل نفوسة: بنو زمور، وبني مسكور، وماطوسة، ضمن فروع قبيلة نفوسة(7) بالرغم من أن أصولها زناتية بشكل جزئي.
__________
(1) - الشماخي، ص303-535.
(2) - الشماخي، ص258.
(3) - [فرانشيسكو بويگوينتو F. Béguinot]، نفوسة في الموسوعة الإسلامية.
(4) - الشماخي، ص172.
(5) - أنظر حول هذه التسمية: [ليفيتسكي]، دراسات إباضية شمال أفريقيا، ص83-88.
(6) - الشماخي، ص172؛ [ليفيتسكي]، دراسات، ص88-92.
(7) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص143، ترجمة ص226. (1/117)
صفحة 118
لنرى الآن الفروع الأمازيغية – الإباضية التي كانت تشكل خلال العصر الوسيط اتحادية نفوسة(1). وكما أشرنا إلى ذلك في السابق، فقد كان غرب المنطقة مأهولاً من طرف نفوسة، لهذا دأب الكتاب الإباضيون على نعتهم بنفوسه الجبل(2) تمييزاً لهم عن باقي فروع هذه القبيلة المشتتة هنا وهناك ببلاد الأمازيغ.
وثمة دراسة معمقة ووافرة من حيث المادة البيوغرافية(3) تتعلق بشخصيات إباضية من صميم جبل نفوسة، يرجع الفضل فيها إلى الشماخي. وهي تبرهن على أنه، إلى حدود نهاية القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، لم يكن الاسم الإثني (النفوسي) مستعملاً إلا من طرف السكان المنحدرين من القرى الموجودة في مقاطعة أميناج أي غرب البلاد. أما النقطة الأكثر امتداداً إلى الشرق، والتي تنطبق عليها هذه التسمية الإثنية، فهي قرية تينزاغ الواقعة بين تمزدا ومزغورة(4) على بعد بضع كيلومترات فقط من الحد الشرقي لأميناج. والحاصل أن نفوسة بهذا المعنى تبقى بعيدة على أن تشكل وحدة متجانسة.
إن دراسة أسماء الأماكن بالجزء الغربي من جبل نفوسة تكشف لنا، أن هناك فيما مضى بقايا لعدد من المجموعات الأمازيغية التي انصهرت منذ وقت مبكر في قبيلة نفوسة.
وهكذا، على سبيل المثال يظهر أن قرية كاباو(5) الهامة، تستمد اسمها من قبيلة كابا التي هي فرع لبني ماجر وصنوة بني زمور، أي أنها تجمع ذو أصل هواري أو زناتي(6).
__________
(1) - في القرن التاسع الميلادي، يتفرع النفوسيون إلى عدة قبائل وبطون. أنظر اليعقوبي، ص346.
(2) - الشماخي، في مواضع مختلفة.
(3) - البيوغرافيا: سيرة، ترجمة، أو تاريخ لـ حياة. راجع المغني الكبير، لحسن سعيد الكرمي. (الناشر)
(4) - الشماخي، ص241، أنظر حول هذا المكان: [ليفيتسكي]، دراسات، ص116-117.
(5) - أنظر حول هذه البلدة: [ليفيتسكي]، دراسات، ص64.
(6) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص108-177 ترجمة ص170-174. (1/118)
صفحة 119
إضافة إلى نفوسة بهذا المعنى، نجد بالجزء الغربي من جبل نفوسة، خلال العصر الوسيط، بطون بعض القبائل الأمازيغية الأخرى التي اعتنقت الإباضية. فهكذا نسجل تواجد: سدراتة إلى تاغرويت (كلمة غريبة على نالوت)(1) وفي تابراست (تبرست الحالية)(2) وفي وانزيريف أو تين وانزيريف (ونزريف الحالية)(3) وأنر (إنير الحالي)(4). ويبدو كذلك أن قرية مارگاس (مرگوس الحالية)(5) ترجع تسميتها إلى بني ماركاس(6) وهم بطن من بطون قبيلة سدراتية. كما يقطن السكان المنحدرين من قبيلة داگما (أو داجما) (فرع مزاتة) بديجي (دجوي)(7). أما فرع أولاد واغلان الذي احتفظ باسمه في موقع بين سروس (شروس الحالية) وويغو(8)، فهي تنحدر بلا شك من زناتة. ونعلم حقاً، أن قبيلة واغلانة أو أوغلانات الزناتية كانت تستقر خلال العصر الوسيط بجنوب قسنطينة(9). بالإضافة كذلك إلى أن الاسم الأصلي والجديد لزناتة المزاب هو أغلان(10).
وحسب المصادر الإباضية، فإن مسجد تووفت الموجود بين ويغو ووادي بقّالا (بگّالا الحالية)(11) يستمد تسميته من بني يطوفت القبيلة الأمازيغية التي نجد فرعاً لها خلال العصر الوسيط بواحة الريغ(12).
__________
(1) - الشماخي، ص295، أنظر كذلك حول هذه البلدة: [ليفيتسكي]، ص64.
(2) - ذكر شيوخ، ص595؛ [ليفيتسكي]، دراسات، ص67-68.
(3) - الشماخي، ص238؛ [ليفيتسكي]، دراسات، ص32-33.
(4) - [ليفيتسكي]، دراسات، ص34-35.
(5) - الشماخي، ص213؛ [ديبوا]، جبل نفوسة، ص147-228.
(6) - الشماخي، ص433.
(7) - ذكر شيوخ، ص591-592؛ [ليفيتسكي]، دراسات، ص122-123؛ خليط نصوص أمازيغية عربية، ص279-280.
(8) - [باسي]، تسمية مشاهد جبل نفوسة، ص434-458؛ أنطر حول ويغو وشروس: [ليفيتسكي]، دراسات، ص43-45-47-48.
(9) - الشماخي، ص388-416-424-429-443-453-471-509-512-534.
(10) - [باسي]، تسمية، ص458.
(11) - [باسي]، تسمية، ص435-463.
(12) - الشماخي، ص425. (1/119)
صفحة 120
وحسب ما أورده ابن عذارى، فإن بني يطّوفت ينحدرون من نفزاوة(1). أما ابن حوقل (الذي يكتب اسم القبيلة يطوفة عوض يطوفت) فيضمّهم ضمن القبائل المنحدرة من لواتة ومزاتة وهوارة(2). وأخيراً، ووفق ما جاء عند ابن خلدون، فإن يطوفت اسم لفرع ينحدر من ملزوز الجد الأعلى لقبيلة ملزوزة التي صاهرت لماية. وإلى هذا الفرع ينتسب الإمام الإباضي أبو حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي(3).
لنتحدث الآن عن الجزء الشرقي من جبل نفوسة، أي المنطقة المعروفة خلال العصر الوسيط باسم جهة جادو. للإشارة فهذه المناطق تسكنها بطون أمازيغية – إباضية متنوعة، وتشكل في مجملها الاتحادية الكبرى لنفوسة، وإن كانت، من وجهة نظر سلالي تنتمي بالخصوص إلى زناتة، وترتبط من حيث أصولها بساكنة مديرية يفرن المجاورة.
__________
(1) - [بروپنصال]، كتاب البيان لإبن عذاري، ج1، ص66.
(2) - [خويه]، ابن حوقل، ج1 ص107.
(3) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص158 ترجمة ص248؛ وحسب ما جاء عند ابن خلدون فإن بني يطوفت من أصهار زناتة وبني بارزل. ونضيف كذلك أن يطوفت يستعمل كلقب. وهكذا ذكر الشماخي اسم عيسى بن يطوفت من قبيلة مزاتة (ص143) وهو من الأعيان الإباضيين البارزين خلال القرن الثاني عشر الهجري/الثامن الميلادي. (1/120)
صفحة 121
داخل تراب فساطو الحالي، نصادف غير بعيد عن مدينة ماسين (وهي حالياً عبارة عن اطلال تقع إلى الجنوب الغربي من فساطو) حارة بني أنكاسن(1)، التي تنتسب إلى قبيلة بني أنكوسن الأمازيغية – الإباضية، وهي تطابق بلا شك بني يانگاسن فرع قبيلة زناتة(2)، كما تتواجد، إلى الشمال من المجال الذي تشغله على ما يظهر قبيلة بني أنكاسن، قرية تين مزغورة المهمة والقديمة جداً. ترجع تسميتها إلى بني ماسكور وهم فرع لقبيلة نفوسة حسب ما أورده ابن خلدون(3). ومع ذلك فإن الأصل النفوسي لهذه القبيلة غير مؤكد. وفي الواقع، نجد ضمن القبائل الأمازيغية – الإباضية بنو ماسكور بنو مصغورين الزناتيين(4) والذين يقترب اسمهم من مصغورة.
وبعيداً إلى الشرق، قرب مدينة جادو (جادو الحالية) التي كان يسكنها اليهود خاصة، نجد مسجد إمصراتن (مسجد مصراتة)(5) الذي اقتبس اسمه من قبيلة بني مسراتة الهوارية المستوطنة بالجهة الساحلية من طرابلس الوسطى(6).
أما قرية يوجلين مع مسجدها الذي يحمل نفس الاسم، والواقعة إلى الشمال من حي يهودي بجادو. وحسب رواية محلية فإنه كان موجوداً منذ (700 سنة)(7). ويستمد اسمه بلا شك من قبيلة بني يوجلين الزناتية التي أشير إليها خلال القرن العاشر الميلادي(8). وعلى ما يظهر، فإلى اسم هذه القبيلة ينحدر النسب اليوجليني الذي ألصقه كتاب الأنساب والتراجم الإباضيين لثلاثة شخصيات منحدرة من جبل نفوسة(9).
__________
(1) - [باسي]، تسمية، ص115 و436.
(2) - الشماخي ص416-475-493؛ ابن حوقل، سبق ذكره، ج1 ص106؛ وسمى هذه القبيلة الزناتية بنو يانكاسن (تقرأ ينگاسن).
(3) - [ليفيتسكي]، دراسات، ص116-117.
(4) - ذكر شيوخ، ص592-595.
(5) - الشماخي، ص200-248-256-334؛ [باسي]، تسمية، ص99.
(6) - أنظر أعلاه، ص321.
(7) - [ديبوا]، جبل نفوسة، ص245-248.
(8) - [خويه]، ابن حوقل، ج1 ص106.
(9) - الشماخي، ص296-304-335. (1/121)
صفحة 122
وغير بعيد إلى الشرق من جادو، توجد فيما سبق، على الطريق المؤدي إلى إيدرف (يدرف الحالي) بلدة تدعى ماطوس(1). الأخذة اسمها من الفرع النفوسي ماطوسة المذكورة عند ابن خلدون.
في الشمال من جادو توجد قرية معتبرة تسمى أرجان أو أركان (حالياً اطلال أرجان ليس بعيداً من مزّو)(2) الذي يذكرنا باسم فرع لقبيلة مزاتة. وفي هذا الصدد نجد بالفعل أن الأرجاني كان ضمن الشخصيات الإباضية التي تنتسب إلى مزاتة، وتستقر بواد ريغ(3).
وحسب البكري، فإن التراب الحالي للرجبان المتواجد إلى الشرق من فساطو، كان خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، مجالاً لقبيلتين أمازيغيتين هما: بنو زمور، وبني تادرميت. وقد صنفهما بجانب نفوسة(4). أما بنو زمور التي عدّها ابن خلدون ضمن الفروع الثلاثة لنفوسة(5)، فقد أوردها ابن حزم ضمن القبائل الهوارية المنحدرة من ماجر(6). وبرزت بمجال نفوسة الجبل كقبيلة إباضية منذ فترة قديمة جداً، أي حوالي نهاية القرن الثاني الهجري (بداية القرن التاسع الميلادي) وهي صاحبة قرية ميري (جنوب تاردية الحالية) التي اضطلعت بدور مهم في تاريخ إباضية طرابلس(7).
__________
(1) - الشماخي، ص286-334.
(2) - [ليفيتسكي]، دراسات، ص98.
(3) - ذكر شيوخ، ص592.
(4) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص9 ترجمة 25.
(5) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص143 ترجمة ص226.
(6) - المصدر السابق، ج1 ص177 ترجمة ص274.
(7) - الشماخي، ص159-180؛ [ليفيتسكي]، دراسات، ص103. أنظر كذلك حول بنو زمور الشماخي، ص243-287-288-306-505؛ تصنفهم المصادر الإباضية ضمن قبيلة زناتة، (أنظر ذكر شيوخ، ص593). (1/122)
صفحة 123
إلى الشرق من ميري في عمق تراب بني زمور نفسه، تتواجد قرية وقصر إيدراف أو دارف القديم، وحالياً تدعى خرائب يدرف(1). ويمكن ربط اسم هذه البلدة بـ بني دارف. وفي هذا السياق ذكر ابن حوقل هذا التجمع ضمن القبائل المنحدرة من لواتة ومزاتة وهوارة(2). والظاهر أن السكان الإباضيين لدارف لهم علاقات قرابة مع بني زمور(3).
أما اسم ثاني تجمع قبلي بالجهة الشرقية من جبل نفوسة، أي بنو تادارميت فقد وصلنا مصححاً. وفي اعتقادي، فإنه يجب تصحيحه هكذا: ترديت التي تطابق تسمية قرية تاردايت (تردية الحالية أو أت ترديت)(4) المشار إليها منذ بداية القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي(5). ويبدو أن سكانها قد انقسموا إلى قبائل فرعية(6).
للإشارة، فقد انضمت نفوسة منذ وقت مبكر إلى المذهب الإباضي. فمنذ مقتل عبد الجبار بن قيس المرادي والحارث بن تليد الحضرمي حوالي أواسط القرن الثامن الهجري، اختار الأمازيغ الإباضيون إسماعيل بن يزيد النفوسي زعيماً لهم، وكان يحظى بمكانة بارزة، كما انضوى حوله أتباع كثيرون حسبما أورده المؤرخون العرب(7). وذكر النفوسيون كذلك ضمن القبائل الأمازيغية الإباضية التي أوصلت أبا الخطاب عبد الأعلى(8) إلى منصب الإمامة. وكانت لهم مشاركة في معركة تاورغا(9). كما أن لهم مشاركة ضمن جيش الإمام أبو حاتم الملزوزي(10).
__________
(1) - [ليفيتسكي]، دراسات، ص103-104؛ [ديبوا]، جبل نفوسة، ص240-268.
(2) - [خويه]، ابن حوقل، ج1 ص106.
(3) - الشماخي، ص243-288.
(4) - أنظر تردية في: [ديبوا]، جبل نفوسة، ص228-229-268؛ [ليفيتسكي]، دراسات، ص141-142.
(5) - الشماخي، ص247.
(6) - الشماخي، ص297-298.
(7) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا، ص142-143.
(8) - [مسكراني]، سيرة أبي زكريا، ص22، مخطوط ورقة8 وجه.
(9) - المصدر السابق، ص38، مخطوط ورقة13 وجه؛ الشماخي، ص132.
(10) - أبو زكريا، ص46، مخطوط ورقة15 خلف. (1/123)
صفحة 124
وكانت نفوسة الجبل من القبائل التي اعتنقت ودرست أفكار المذهب الإباضي - الوهبي المعتدل، بإعتبارها من الأتباع المخلصين لأئمة تيهرت(1) الرستميين. غير أنه تجب الإشارة إلى أن جزءاً من سكان الجبل ساندوا خلال النصف الأول من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، خلف بن السمح، الذي كان انشقاقه ذا طبيعة سياسية(2). وفي وقت لاحق، خلال القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، كان لزعيم النكار المشهور أبو يزيد مخلد بن كيداد أتباع كثيرون بين صفوف نفوسة الجبل. كما كان لجزء منها على الأقل مشاركة في الحروب التي أعلنها هذا الزعيم ضد الفاطميين(3). وربما هذا ما حذا بالإدريسي في وقت سابق إلى نعت سكان نفوسة بالخوارج النكار(4).
غدامس ودرج: فيما وراء جبل نفوسة نحو الجنوب الغربي، كان للإباضية، خلال العصر الوسيط، حضور في واحة غدامس الصحراوية (في المصادر العربية غداميس). ومنذ عهد ما قبل التاريخ القديم الأعلى. كانت تشكل محطة صحراوية مهمة (وهي سيداموس عند القدماء) (5)
__________
(1) - يقال في هذا الصدد: إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة (الشماخي، ص267-268).
(2) - أبو زكريا، ص128-168، مخطوط ورقة29-35؛ الشماخي، في مواضع مختلفة؛ وحسب [ماسينيون]، الدليل السنوي للعالم الإسلامي، فإننا نجد أتباع الخلفيين ضمن سكان جبل نفوسة إلى يومنا هذا.
(3) - [سلان]، ابن خلدون، ج2 ص20 ترجمة ج3 ص208؛ [فورنال]، البربر، ج2 ص245.
(4) - [دوزي] و[خويه]، وصف إفريقيا، للإدريسي، ص122 ترجمة ص144؛ الترجمة التي أوردها [خويه]، (المسلمون المنشقون) ليست صحيحة، ونحن هنا لسنا بصدد التأريخ المفصل للتجمعات الإباضية بجبل نفوسة خلال العصر الوسيط، الذي سنخصص له بحثا خاصاً في المستقبل. أنظر كذلك: [ليفيتسكي]، دراسات، في عدة مواقع.
(5) - أنظر حول تاريخ غدامس راجع: [موتيلنسكي]، دراسة في اللهجة الأمازيغية لواحة غدامس، (المقدمة).
ملحوظة: ترجم هذا الكتاب ونشر من قبل مؤسسة تاوالت تحت عنوان أيت عديمس قّارون (الناشر)
وراجع كذلك: [ج. يپر]، في الموسوعة الإسلامية، مادة: غدامس. (1/124)
صفحة 125
. تستمد أهميتها من موقعها الجغرافي، حيث كانت في الواقع بوابة لمرور التجار نحو السودان. وحسب البكري، فإن الطريق الذي كان يسلكه هؤلاء التجار يصل مدينة غانة بالسودان بطرابلس المدينة، مرورا بمدينة تادمكّا الصحراوية (شمال جاو الحالية). عبر غدامس وجبل نفوسة(1).
يتشكل سكان غدامس من بطون أمازيغية منهم: بنو تيناوت (كذلك تيناوتا أو تناوت)، التي ذكرت منذ منتصف القرن الثامن الهجري، وإلى هذه القبيلة يتصل نسب العالم الإباضي المشهور أبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي، الذي عاش خلال هذه الفترة(2) ونجد لاحقاً خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين/العاشر والحادي عشر الميلاديين. فرعاً إباضياً من هذه القبيلة بورجلان (ورجلة)(3) وفي القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، كان سكان غدامس يتشكلون من قبيلتين أمازيغيتين هما: بنو ورتاجين وبني وطّاس وكلاهما ذات أصول زناتية(4).
والظاهر أن سكان غدامس قد اعتنقوا المذهب الإباضي منذ وقت مبكر، وبلا شك في نفس الفترة التي اعتنقه فيها جيرانهم في الشمال. خاصة نفوسة الجبل، التي كانت على علاقة دائمة ومستمرة معها.
__________
(1) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص180-182 ترجمة 338-340.
(2) - الشماخي، ص203؛ ذكر شيوخ، ص596.
(3) - الشماخي، ص441-442 و513-514؛ يستقر فرع لهذه القبيلة ببلاد نفزاوة (جنوب تونس). [ليفيتسكي]، خليط نصوص أمازيغية عربية، ص279-280.
(4) - [سلان]، ابن خلدون، ج2 ص84 ترجمة ج3 ص303؛ وحسب هذا المؤرخ، فإن بني وطاس ينحدرون من فرع مرين الزناتيين أما بنو ورطاجين فيطابقون القبيلة الزناتية لـ بني واطاجين المذكورة من طرف ابن حوقل: ج1 ص106. (1/125)
صفحة 126
ومنذ منتصف القرن الثامن الميلادي، برز العالم الإباضي المشهور أبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي، أحد طلبة العلم بالعراق، وكان فيما بعد ضمن حملة العلم الإباضيين الخمسة المرسلين إلى المغرب قبل عام (140هـ/757-758م) من طرف زعيم إباضية الشرق أي أبي عبيدة مسلم(1). ومن ضمن مريديه الثلاث: إثنان منهم كانا على مذهب الإباضية – الوهبية، بينما الثالث أصبح من أنصار خلف بن السمح، الزعيم الإباضي المنشق ومؤسس نحلة الخلفية التي ثارت ضد الرستميين في بداية القرن التاسع الميلادي(2).
وحوالي نهاية القرن التاسع وبداية القرن العاشر، أصبحت غدامس إباضية بأكملها. ومال سكانها خلال هذه الفترة نحو المذاهب المنشقة (الخلفية والنكار). ولم تتمكن الوهبية من استعادة مكانتها إلا بفضل تدخل نفوسة بقيادة الشيخ الورع أبو الفضل سهل(3).
وعلى غرار إباضية جبل نفوسة(4)، كان سكان غدامس يدبرون أمورهم بواسطة الشيوخ. وخلال القرن الرابع عشر كذلك مازال سكان غدامس يعتنقون المذاهب الإباضية(5). وثمة ساكنة إباضية – وهبية بواحة درج (دارج وفي المصادر الإباضية القديمة أدراج) الواقعة على مسافة قريبة إلى الشرق من غدامس.
__________
(1) - الشماخي، ص124-141-142-168؛ [موتيلنسكي]، دراسة، (المقدمة).
(2) - الشماخي، ص203.
(3) - الشماخي، ص275؛ [موتيلنسكي]، دراسة، (المقدمة).
(4) - أبو الفداء، ص147 ترجمة ص202.
(5) - الدمشقي، ص239 ترجمة ص339. (1/126)
صفحة 127
وأثناء استقرار الشيخ الإباضي أبو صالح اليجراني من ورجلة ببلاد أدراج، في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، تشير المصادر إلى تواجد حلقة من ثلاثمائة طالب إباضي – وهبي، يلتفون حول عدد من علماء هذه النحلة(1). وقد داوم إباضية نفوسة على ربط الاتصال بإخوانهم الإباضيين بأدراج. وفي هذا السياق تسجل حوليات النحلة الإباضية قيام مشايخ الإباضية بهذا البلد (نفوسة) بزيارتين لواحة أدراج وذلك خلال القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي والخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي(2). كما يروي مصدر إباضي مستملحة طريفة تتعلق بشخصين من هذه الواحة رفعا قضيتهما إلى مشايخ جبل نفوسة في القرن الخامس الهجري/التاسع الميلادي(3).
ومن المرجح كثيراً أن السكان الأصليين لدرج ينتمون على غرار أهل غدامس إلى قبيلة بني تيناوت. وظل هذا الاسم محفوظاً بلا شك في موقع مجاور يدعى وادي تناراوت أو وادي تنراوت في الخرائط الإيطالية وادي تينورت حسب [رولفس Rohlfs](4). ومن جهة أخرى لا يستبعد أن يكون اسم درج مشتق من قبيلة يدرج الزناتية (هكذا يمكن تصحيح كلمة تدرج المصححة كما وردت عند ابن حوقل بجانب وارجمة وبني بوليت مع باقي القبائل الزناتية الأخرى بجنوب تونس(5).
مزدة: هناك تواجد إباضي خلال القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، بتيري، وهي محطة (منزل) صحراوية مفصولة عن جبل نفوسة. وثمة إشارة إلى تواجدها عند الشماخي(6). ويمكن مطابقة هذه البلدة بموضع مشابه ذكر من طرف البكري، ويتضمن حسب هذا الأخير، عددا من الآبار وأشجار النخيل، ويقع على المسلك الذي يربط جادو بزويلة بفزان على مسافة سير لثلاثة أيام(7).
__________
(1) - الدرجيني، ورقة109 وجه.
(2) - الشماخي، ص315 و535.
(3) - الوسياني، ص28.
(4) - Quer durch Afrika I, 60.
(5) - [خويه]، ابن حوقل، ج1 ص106.
(6) - الشماخي، ص238.
(7) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص10 ترجمة ص26-27. (1/127)
صفحة 128
كما لا نجد على الخرائط الجغرافية أي موقع يمكنه أن ينطبق على هذا المكان. هل يتعلق الأمر بمزدة التي كانت تسمى قديماً [موستي پيكوس Musti-vicus]، وهي محطة تقع على أقصر مسلك يربط طرابلس المدينة بفزان؟(1).
فزّان: أو فَزَانْ في المصادر العربية القديمة. وهي عبارة عن مجموعة من الواحات الممتدة بشكل واسع من جبل السودة في الشمال إلى تومّو في الجنوب، وسفوح الدرع الطوارقي بالغرب إلى صحراء ليبيا في الشرق. وخلال العصر الوسيط، ثمة إشارات إلى تواجد ساكنة إباضية بها.
برزت فزان في سياق تاريخ إفريقيا الشمالية منذ عهود غابرة (كانت تسمى فزان الجرمنتيون على عهد الرومان). ومنذ (46هـ/666-667م)، خضعت للاحتلال العربي على إثر حملة عقبة بن نافع الفهري، الذي اقتحم جرمة (جرمة القديمة) عاصمة البلاد عبر مسلك يمتد من مغمداس (تكتبها المصادر العربية مصحفة هكذا غدامس) بتراب سيرت مرورا بواحة ودان، إضافة إلى جرمة. كما تذكر المصادر بلدة أخرى بفزان تدعى زويلّة في سياق حملة عقبة، وهي التي أصبحت فيما بعد عاصمة للبلاد(2).
تتكون ساكنة فزان خلال القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، حسب اليعقوبي من أهل فزان، وهم "أخلاط من الناس"(3) وفي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، نعت ابن حوقل هذا التجمع بأجار فزان(4) بينما سماها البكري (5هـ/11م) فزانة(5).
__________
(1) - أنظر حول هذا المركز الهام في السابق: [بارتارالي]، Guida، ص344.
(2) - [گاتو]، ابن عبد الحكم، فتوحات إفريقيا، ص61-67؛ [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص13-14 ترجمة ص33-34.
(3) - اليعقوبي، ص345-346.
(4) - [خويه]، ابن حوقل، ج1 ص106.
(5) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص10 ترجمة ص27. (1/128)
صفحة 129
وإلى هؤلاء السكان الأصليين، المنتمون حسب الطبري إلى العرق الأسود(1)، سيضاف عدد من البطون الأمازيغية القادمة من الشمال، على إثر التأثيرات الجنوبية التي لم تتمكن فزان من التحرر منها باعتبار موقعها على المسلك الهام الذي يوصل المراكز التجارية الموجودة على ساحل طرابلس إلى بلاد السودان.
وفي سنة (306هـ/918-919م) ظهرت بزويلّة أسرة أمازيغية تدعى بنو الخطاب، أصلها من هوارة(2). ونفس الشيء بالنسبة لبني قلدين (گيلدين) الذين كانوا يستوطنون خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، مدينة تامرمة(3). والظاهر أنهم يطابقون آل قلدين. (حسب ابن خلدون، فهذه القبيلة الأمازيغية، لها علاقة قرابة بهوارة وماغار وملد)(4).
أما قبل مديونة الأمازيغية المستقرة منذ القدم بشمال غرب طرابلس فقد كانت حاضرة بدورها في فزان خلال العصر الوسيط، كما سنرى ذلك في موضع لاحق. ويبدو أنها صاهرت ضريسة حسب ما أورده ابن عذاري(5) أو بني ورتاغين الغدامسية كما عند ابن خلدون(6).
والأكيد أن فزان كانت تشكل في عهد عقبة بن نافع الفهري مملكة مستقلة، يحكمها ملك مقره جرمة. وفي وقت لاحق، وبعد الغزو العربي، واعتناق السكان للديانة الإسلامية، تكونت بها دويلتان هما زويلة، وفزان. الأولى تضم مدينة زويلة المهمة وأحوازها المباشرة؛ وكان لها ذكر منذ منتصف القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، في سياق الحروب التي شنتها القبائل الأمازيغية بطرابلس ضد العرب السنيين.
__________
(1) - [خويه]، أخبار الرسل والملوك للطبري، ط/ليد (1879م)، ج1 ص212 و216 و217.
(2) - [دوزي] و[خويه]، وصف إفريقيا، للإدريسي، ص37-38 ترجمة ص44.
(3) - [سلان]، وصف إفريقيا للبكري، ص10 ترجمة ص27.
(4) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص177 ترجمة ج1 ص274.
(5) - [بروپنصال]، كتاب البيان المغرب، لإبن عذاري المراكشي، ج1 ص66.
(6) - [سلان]، ابن خلدون، ج3 ص239. (1/129)
صفحة 130
وفي سنة (145هـ/762-763م)، عقب النصر الذي حققه الجيش العربي بقيادة ابن الأشعث على إمام إباضية أفريقية أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح، توغل هذا القائد في مدينة زويلة، مما عرض سكانها للقتل وخاصة، زعيمها عبد الله بن حيان الإباضي(1).
ومهما يكن من أمر، فإن زويلة بقيت لمدة طويلة أيضاً مركزاً إباضياً مهماً. وأشار اليعقوبي إلى تواجد ساكنة إباضية تمتهن التجارة مع السودان،(2) والظاهر أن وزيلة شكلت خلال هذه الفترة دويلة صغيرة، ويجب تمييزها عن التي تأسست بفزان بهذا المعنى. وكانت تحتضن، إضافة إلى المدينة، بعض الواحات المجاورة المسماة عند المؤرخين العرب بناحية زويلة.
أما فزان التي كانت تشكل خلال القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، دويلة أخرى، يحكمها زعيم محلي، فقد كانت في صراع دائم مع قبيلة مزاتة الأمازيغية، التي كانت تستقر بودان المجاورة(3). للأسف لم يذكر اليعقوبي أي شيء عن المذهب الذي يعتنقه سكان فزان. ومع ذلك نعلم أنها كانت إباضية منذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، على عهد الإمام الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن (168-208هـ/784-4م).
وهكذا تشير الحوليات الإباضية بشمال إفريقيا إلى عدة شخصيات بارزة تنحدر من فزان، منها: عبد الخالق الفزاني، وهو من العلماء الإباضيين – الوهبيين(4)، عبد القهار بن خلف(5)، إدريس الفزاني(6)، وأبو الحسن جناو بن فتى المديوني(7) وبكار بن محمد الفزاني(8).
__________
(1) - [بروپنصال]، البيان، ج1 ص73.
(2) - اليعقوبي، ص345.
(3) - اليعقوبي، ص345-346.
(4) - الدرجيني، ورقة83 وجه؛ الشماخي، ص189-190؛ ذكر شيوخ، ص590.
(5) - الشماخي، ص190-191. عبد القهار يسكن سبها، وهي مطابقة لسابها عند البكري وهي بلدة كبيرة تقع بين زويلة وسيرت (البكري ص11 ترجمة ص29-30) وهي محافظة سبها أومركز سبها الحالي.
(6) - الشماخي، ص191.
(7) - الشماخي، ص190-191.
(8) - الشماخي، ص192. (1/130)
صفحة 131
ويظهر أن إباضية فزان قد انضمت في بداية القرن التاسع الميلادي، إلى المنشق الإباضي خلف بن السمح الذي ثار ضد الأئمة الرستميين بتيهرت، مما جعله سيد طرابلس تقريباً باستثناء جبل نفوسة الذي ارتضى سكانه لأنفسهم النحلة الإباضية الوهبية، وبالتالي ظلوا أوفياء للأئمة الرستميين. ومع ذلك نسجل بفزان تواجد أتباع الأسرة الحاكمة بتيهرت، والذين حاولوا بلا شك استعادة السيادة على البلاد، من خلال خلق جبهة ضد خلف بن السمح. وأظن أن هناك تمرد مشابه أشار إليه كتاب "السير" للشماخي في مقطع مفاده أن الشيخ الإباضي عبد القهار بن خلف - المشار إليه أعلاه - الذي كان من مساعدي زعيم الإباضية – الوهبية وزيون بن الحسن: هو من تزعم تمرد فزان بمعية زعيم إباضي آخر يدعى إبراهيم بن أسدين(1).
وجهلاً منا بمآل هذه الانتفاضة التي تم سحقها(2)، يبدو أن الوهبية هي التي انتصرت أخيراً على حساب أتباع خلف بن السمح. وبالفعل، وخلال النصف الأول من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، زمن الشيخ الإباضي – المشهور بجبل نفوسة أبا خليل صال الدركلي، أضحت فزان بلداً ذا ساكنة إباضية-وهبية(3). وإليها كان ينتمي خلال هذه الفترة شيخان إباضيان وهبيان بارزان وهما: أبو مرداس(4) وأبي إسحاق إبراهيم بن زياد بن أماركا(5).
__________
(1) - الشماخي، ص191.
(2) - الشماخي، ص192.
(3) - الدرجيني، مخطوط ورقة86 وجه، حول العلماء الإباضيين الوهبيين بفزان خلال هذه الفترة أنظر: الشماخي، ص211.
(4) - الوسياني، ص16-17؛ وكان هذا الشيخ يسكن كذلك جبل نفوسة، ويزور من حين لآخر تيهرت.
(5) - الوسياني، ص17، ويدعى كذلك أبو إسحاق بن إبراهيم بن زناد (ذكرة خطأً زياد) الفزاني (ذكر شيوخ ص590). (1/131)
صفحة 132
وفي وقت لاحق أي خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، عاش ببلاد فزان عالم دين إباضي–وهبي معاصر للشيخ عمروس بن فتح المسكاني النفوسي(1)، وكذلك العالم الطبيب عبد الحميد الفزاني معاصر الشيخ أبي معروف ويار (ويدران)(2).
وفي بداية القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، أنشاء القائد الأمازيغي عبد الله بن خطاب الهواري، المنحدر من فرع بني مزليكش(3)، دويلة بفزان، واتخذ مدينة زويلة القديمة(4) مقراً لها سنة (306هـ/918-919م). ومن ذلك اشتق اسم: زويلة ابن الخطاب التي كان المؤرخون العرب(5) يطلقونه على هذا المكان، وقد استمرت هذه الدويلة حتى نهاية القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، أي حتى لحظة اقتحام المغامر التركي قرقوش لمنطقة فزان انطلاقاً من مصر، حيث قضى على آخر حكام أسرة آل الخطاب(6).
__________
(1) - الشماخي، ص229.
(2) - الوسياني، ص9، الشماخي، ص264، الدرجيني، ورقة94 خلف.
(3) - [خويه]، ابن حوقل، ج1 ص106؛ أدرج ابن حوقل خطأً بني الخطاب على غرار البطون الهوارية، في عداد القبائل لمنحدرة من زناتة، ولواتة، ومزاتة.
(4) - [دوزي] و[خويه]، وصف إفريقيا، للإدريسي، ص37-38 ترجمة ص44.
(5) - [سلان]، ابن خلدون، ج1 ص181 ترجمة ج1 ص281.
(6) - المصدر السابق، ج1 ص181-251 ترجمة ج1 ص281، ج2 ص92؛ رحلة التجاني، ج1 ص160. (1/132)
صفحة 133
ويظهر أنه في ظل حكم هذه الأسرة، كانت تحرص على تلقين تعاليم المذهب الإباضي(1). وهذا ما ضمن استمراريته بفزان. كما لم تكن هذه المرحلة قط خالية من العلماء الإباضيين–الوهبيين البارزين، لهذا نجد على سبيل المثال: العالم الذي التقى به شيخ إباضية جبل نفوسة أبو يحي الفرسطائي(2) خلال القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، بمنطقة زويلة. ومن ضمن الشخصيات الإباضية المرموقة بفزان خلال هذه الفترة نذكر: أبو بحر الفزاني المنحدر من تامزاوات(3) التي يمكن تحديد موصفها في تامزوا أو تامزوا الحالية، الواقعة شيئاً ما إلى الشمال من براك على الخط المؤدي من مزدة إلى سبها(4).
وثمة ما يشير إلي حركة علمية – أدبية بهذا البلد، بحيث نجد أن الشيخ الإباضي من جبل نفوسة أبا الربيع التملوشائي يتوصل ببعض الكتب المخطوطة من فزان(5).
وقد سكتت المصادر العربية كلها عن الحديث عن السكان الإباضيين بمنطقة فزان ابتداء من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، ومع ذلك فمن من المحتمل أنهم قد صمدوا لبضعة قرون(6) أخري على غرار مثيليهم بغدامس. وحالياً أضحت ساكنة هذه البلدة كلها سنية.
فهرس عام
مقدمة الناشر
كتاب السير
ملحق إضافي
لوحة نسب آل شماخ
مملكة إباضية مغمورة
النكار
وثيقة إباضية لم تنشر حول هجرة أهل جبل نفوسة
التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية بشمال إفريقيا
المصادر الإباضية
__________
(1) - وحسب العالم الإباضي أبو زكريا الوجلاني، لما قدم العالم الإباضي أبو نوح سعيد بن زنغيل (عاش حوالي أواسط القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)، إلى زويلة واستقبله أبو الخطاب بإجلال. أبو زكريا، مخطوط ورقة71؛ الدرجيني، مخطوط ورقة41 خلف. أنظر كذلك حول مقام أبي نوح بزويلة: الشماخي، ص361-362.
(2) - الشماخي، ص276.
(3) - الشماخي، ص344-345.
(4) - [بارتارالي]، Guida، ص385.
(5) - الشماخي، ص305.
(6) - Nachtigall, Sahara und Sudan, Berlin, 1879-1889, I, 191. (1/133)
صفحة 134
أصول المذهب الإباضي بإفريقيا الشمالية وفروعه الثانوية
(1) - الإباضية الوهبية
(2) - النكار
(3) - النفاثية
(4) - الخلفية
(5) دويلة مستقلة غرب تيهرت
(6) – العميرية
(7) – الحسنية أو الحسينية
(8) – الفارثية
(9) – السكاكية
التجمعات الإباضية ببرقة وطرابلس
برقة والصحراء الليبية
طرابلس الشرق تراب قبيلة مزاتة
طرابلس الشرق (مجال قبيلة هوارة)
بنو مسراتة
الساحل الغربي لطرابلس
مديرية يفرن وجبل نفوسة
غدامس ودرج
مزدة
فزّان
فهرس (1/134)