صفحة 1
الكتاب: دراسات عن الإباضية لعمرو النامي- مقدمة - ترجمة حسن طه - تعليق باباعمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) دراسات
عن
الإباضيَّة (1)
الدكتور عمرو خليفة النامي
مقدِّمة
الإباضيَّة أو الأباضيَّة، هي إحدى أقدم المذاهب الإسلاميَّة، ويرجع تاريخ نشأتها إلى النصف الأوَّل من القرن الهجري الأوَّل، ولقد أخذت هذه المدرسة العقديَّة اسمها مشتقًّا من «عبد الله بن إباض» وَهُوَ أحد علمائها الأوائل.
والاسم «الإباضيَّة": يطلق على مجموعة من المسلمين اعتبرها معظم الكتَّاب فرعًا معتدلَ الاتجاه من حركة الخوارج، والموالون لهذا المذهب لا يزالون يكوِّنون مجموعات مستقلَّة ومتمسِّكة بإحكام بتعاليمها ومبادئها الإسلاميَّة، وأكبر هذه المجموعات المعاصرة لهذه الطائفة تعيش حاليا في «مسقط عُمان» ، وهذه التسمية هي التي كانت معتمدة في بعض المصادر التاريخية لمَا يعرف الآن بـ «سلطنة عُمان» في جنوب شرقي الجزيرة العربية؛ وهنالك بعض الأقليَّات من أتباع هذا المذهب تعيش في: زنجبار الواقعة على الساحل الشرقي لأفريقيا، وفي جبل نفوسة وزواره في ليبيا، وفي جزيرة جربة في تونس، وكذلك في منطقة وادي ميزاب بالجزائر.
__________
(1) - هذا المقال هو في الأصل مقدِّمة لرسالة دكتوراه قدَّمها الدكتور النامي في جامعة كمبردج 1971م، باللغة الإنجليزية، وتبنَّت جمعية التراث - للقرارة - مشروع ترجمة الرسالة إلى اللغة العربيَّة بسعي من الدكتور محمَّد ناصر.
وقد تَمَّت ترجمة البحث كاملا من طرف الأستاذ حسن طه، وراجعه كلٌّ من الدكتور محمَّد ناصر، والأستاذان: فوزي بن يونس بن حديد، ومحمَّد بن موسى باباعمي.
وفي النية طبع هذا البحث القيم، الذي لا شكَّ أنَّه يعتبر أوَّل بحث أكاديمي في الدراسات العقدية عند الإباضيَّة، وهو عمل جادٌّ طالما انتظره الباحثون والدارسون. وقد تَمَّ إدراج طبعه ضمن مشاريع جمعية التراث لسنة 1419هـ/1998م. والله ولي التوفيق. (1/1)
صفحة 2
إنَّ ما تواتر من معرفة حقيقيَّة عن الإباضيَّة وجذورهم، ومبادئهم وتعاليم مذهبهم نزر يسير، هذا بينما ساهم الباحثون الأروبيون المحدثون بدور مفيد من خلال دراساتهم التي قاموا بإعدادها عن الإباضيَّة.
تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ تلك الدراسات قد خصِّصت في معظمها للجانب التاريخي للمجتمعات الإباضيَّة، وعن أوجه حياتهم الاجتماعيَّة والدينية المعاصرة، وباستثناء بعض مقالات كتبت عن نظرية وفلسفة مذهبهم، فإنَّ تعاليمهم ومبادئهم الدينيَّة لم تتناولها دراسات جادَّة ومتعمِّقة ومحايدة في الوقت ذاته، بل إنَّ ما كتبه الباحثون والمؤرِّخون الأروبيون قد اعتمد أساسا على مصادر تاريخية عامَّة دون الأخذ في الاعتبار بتحقيق استفادة موضوعية من كتابات ومؤلَّفات العلماء الإباضيَّة أنفسهم حول كنه ومحتوى نظرية مذهبهم، وحول فلسفتهم في العقيدة وفي الفقه وأحكامه، ولعلَّ صعوبة وصول المؤرِّخين الغربيين للمصادر المذكورة قد جعلها خارج نطاق اعتباراتهم.
إنَّ أقدم الكتابات التي تناولت المخطوطات الإباضيَّة قد أعدَّها المؤرِّخ: موتيلينسكي في بحثه بعنوان: «مخطوطات ميزاب» ، والتي سجَّل فيها مؤلَّفات (البرَّادي) عن الإباضيَّة، مضيفا ملاحظاته الشخصية وما خلص إليه من آراء دون أن يتعمَّق في أيِّ جانب بعينه من محتويات تلك المخطوطات متفحِّصا أو محقِّقا، على أنَّه لم يقدِّم وصفا متكاملاً لها، والاستثناء من ذلك ربَّما يمكن في وصفه إيَّاها بأنَّها مخطوطات تاريخية فحسب، وعليه فإنَّ قيمة دراسته تتجسَّد في إطارها التاريخي لكونها قد جاءت إنجازا مبكِّرًا، الأمر الذي جعل منها خطوة تمهيديَّة ومقدِّمة سهَّلت وشجَّعت القيام ببحوث لاحقة في هذا المضمار، كان آخرها أكثرها فائدة وتحقيقًا في مخطوطات ميزاب الوثائقية نفسها. (1/2)
صفحة 3
تلك الكتابات التي قام بإعدادها البروفيسور الراحل: (جيه اسكانت)، وضمَّنها دراسته التي سمَّاها: «قائمة المخطوطات الإباضيَّة» ، وبالفعل فقد تضمَّنت دراسته تلك قوائم بالوثائق المعنية ضمن مجموعة مخطوطات ميزاب والتي لا تزال باقية، مبيِّنا ترقيمها وتسلسل موضوعاتها، وموضِّحا أسماءها وعناوينها.
والقوائم الأخرى التي تناولت المجموعات الوثائقيَّة والمخطوطات الإباضيَّة قد قام بتسجيلها باحثون حديثون، منها على سبيل المثال: «قائمة كاراكاو» (ببولندا) أعدَّها الباحث: (لاديسلاو كوبياك)، وقد نشرها في مقالته: «المخطوطات العربيَّة في بولونيا» ، وذلك في مجلَّة معهد المخطوطات العربيَّة.
كذلك هنالك قائمة أخرى بالمخطوطات الإباضيَّة في المعهد الشرقي في نابولي سجَّلها الباحث: (روبيناتشي).
وأيضا هنالك ورقة وصفٍ للمخطوطات الإباضيَّة أعدَّها الباحث العربي الراحل: (فؤاد السيِّد)، وهذه الورقة هي بحوزة دار الكتب المصرية بالقاهرة، وقد أدرجت ضمن مواد الفهرسة البيانية المصوَّرة لدار النشر المذكورة. (1/3)
صفحة 4
لقد قمت أثناء فترة إعداد هذه الدراسات بزيارتين للمجتمعات الإباضيَّة في شمال إفريقيا بحثا عن مخطوطات تاريخية وعن مادَّة توثيقية لأبحاثي، الزيارة الأولى كانت بين شهري يونيو وسبتمبر 1968م، وكانت الزيارة الثانية في الفترة بين نوفمبر وديسمبر 1969م. وبحكم كوني إباضيًّا فلقد تيسَّر لي الوصول إلى المكتبات الخاصَّة، وكذا الاطلاع على العديد من المخطوطات التاريخية، وَهُوَ الأمر الذي لم يكن ليسهل لغير الإباضيَّة. ولقد كان مثار دهشة بالنسبة لي حين وجدت معظم وأهمَّ الأعمال المغربيَّة من مؤلَّفات ووثائق بما فيها تلك التي كان يعتقد أنَّها مفقودة وجدتها باقية وبحالة جيِّدة، وعليه فإنَّ الأمل كبير وواعد بالمزيد من الاستكشاف والتحقيق مستقبلا في هذا المجال (1) ، ومن جهتي فقد قمت بإعداد وصف متكامل للمخطوطات التي وفِّقت للكشف عنها لأوَّل مرَّة أثناء زيارتي الأولى، ونشرت مقالا بذلك في مجلَّة الدراسات السامية، وآمل بمشيئة الله أن أوفَّق إلى إعداد قائمة متكاملة ووصف أكثر دقَّة لكافة المخطوطات التي فحصتها واضطلعت عليها، وذلك في المستقبل بإذن الله تعالى.
__________
(1) ـ لعلَّ من المفيد أن نذكِّر أنَّ أكبر عمل بيبليوغرافي في مجال المخطوطات، هو دليل المخطوطات الذي تصدره جمعية التراث بالقرارة، وقد بلغ عدد المخطوطات الموصوفة أكثر من 5000 مخطوط، في مختلف الفنون، ومن مختلف العصور. وقد تَمَّ طبع ستَّة أجزاء من الدليل، في انتظار الأجزاء الأخرى. علما أنَّ الجمعية أعدَّت برنامجا خاصا للبحث في الفهارس عن طريق أحدث وسائل الإعلام الآلي. (محمَّد باباعمي) (1/4)
صفحة 5
هذا وتظلُّ هنالك منطقة لم تُكتَشف بصورة كاملة رغم أنَّها ودون شكٍّ أو جدال تمثِّل موقعًا حافلا بكثير من الوثائق والمخطوطات الإباضيَّة الأكثر قيمة وأهميَّة، تلكم هي عمان، وما فيها من ذخائر بهذا الشأن يتطلَّب عناية خاصَّة من الدارسين للشؤون الإباضيَّة، وفيما لم أتمكَّن شخصيًّا من زيارة تلك البلاد لكنَّ بعض الأصدقاء العمانيين قد زوَّدوني بمخطوطات إباضيَّة هامَّة احتوت على مؤلَّفات قديمة في الفقه والعقيدة، كما اشتملت على سير موثوق بها للعلماء الإباضيَّة الأوائل. وبالفعل لقد كانت تلك المخطوطات عونا عظيما لي في دراسة جذور مذهب الإباضيَّة، وفي تحليل صلة هذا المذهب بحركات المعارضة الإسلاميَّة الأولى. (1/5)
صفحة 6
ولمَّا كانت عمان مركزا رئيسًا للإباضية، وفيها تكامل تأسيس إمامة إباضيَّة فذَّة لحقب من الزمان، فقد حظيت باهتمام كبير من الباحثين الأروبيين، ولقد أشار المؤرِّخ (جيه ويلكنوت) بذلك في رسالته لدرجة الدكتوراة في الفلسفة بعنوان: «الاستيطان العربي في عمان» ، جامعة أكسفورد 1969م. وليس واردا أن أتناول محتوى تلك الرسالة في هذه الدراسات، لكنِّي أشير هنا أنَّه وعلي ضوء حقيقة ثراء عمان في هذا المقام، فإنَّ الحاجة تظلُّ قائمة بضرورة استكشاف وبعث المزيد من المادَّة الوثائقيَّة، مِمَّا هو كامن في هذه البلاد، الأمر الذي لا شكَّ في أنَّه سيكوِّن صورة واضحة المعالم لمذهب الإباضيَّة ولمراحل تطوُّره في كافة مواقع العالم التي أقام فيها الإباضيَّة وباشروا تطبيق تعاليم ومبادئ مذهبهم؛ بيد أنَّ مهمَّة الاستكشاف والتدقيق هذه ليست سهلة التحقيق، لكنها تبقى حقيقةَ أنَّ عمان غنيَّة بتراث تاريخيٍّ عظيم الفائدة في هذا المجال هي حقيقةٌ لا جدال فيها، ذلك لأنَّ الرموز القياديَّة الأولى للإباضية والتي اطَّلعت بمهام الريادة والقيادة التأسيسيَّة لمدرستهم قد انتقلت من البصرة إلى عمان حيث أنشأوا إمامة قويَّة، وقد تهيَّأ للباحثين والمؤرِّخين الذين عاصروا نشأة تلك الإمامة إعداد دراسات وبحوث حول الحركة الإباضيَّة من أساسها، مع مراجعة وتطوير آرائهم ومعتقداتهم عن الإباضيَّة، والإسهام التلقائي من خلال كتاباتهم وبحوثهم بنقل بعض من ملامح أدب وسيرة الإباضيَّة من مراكز الإمامة إلى بلدان إباضيَّة أخرى، بينما ظلَّت عمان وما فتئت مركز الأصالة لمبادئ وتعاليم المذهب الإباضي منذ نشأته الأولى، ولا تزال مكنونة بمادة وفيرة من تراث الإباضيَّة، والاحتمال قويٌّ جدًّا بأن تثمر المستقبليِّة البناءة عن المزيد والجديد من الموروثات التاريخية لهذا المذهب مِمَّا تزخر بِهِ عمان. (1/6)
صفحة 7
كذلك أفرد الباحثون الأوروبيون اهتمامًا دقيقًا بالكيانات الإباضيَّة في شمال إفريقيا، والدراسات التي أنجزت في هذا الشأن قد بدأها المؤرخ: (ماسكوراي) الذي ترجم سيرة أبي زكرياء الوارجلاني إِلىَ اللغة الفرنسية، وكان من آثار تلك المبادرة المبكِّرة جذب انتباه باحثين ومؤرِّخين آخرين ساهموا بالفعل بإعداد بحوث في مجالات متباينة من حياة المجتمعات الإباضيَّة. ففي مجال التاريخ كتب المؤرِّخ (موتيلنسكي) مقالة عن المؤلَّفات الإباضيَّة سجَّل فيها قوائم شاملة وسعت محتويات تلك المؤلَّفات عن أئمَّتهم وشيوخهم، ومنها «السيرة» لأبي زكرياء، «وطبقات المشايخ» للدرجيني، وكتاب «الجواهر المنتقاة» للبرَّادي، وكتاب «السير» للشماخي؛ ثمَّ قام المؤرخ المذكور في وقت لاحق بعد ذلك بإعداد ترجمة بالفرنسية لتاريخ ابن الصغير المالكي عن أئمَّة الدولة الرستمية، ثمَّ أعدَّ ذلك المؤلِّف للنشر.
وتلا ذلك ظهور مراجعات كاملة لتلك المؤلفات الإباضيَّة، فقد قام المؤرخ: (لفتسكي) بمراجعة «طبقات المشايخ» للدرجيني، وكتاب «السير» للشماخي؛ كما قام الباحث (روبيناتسي) بمراجعة كتاب «الجواهر» للبرادي، ولمَّا كانت لديه نسخة من كتاب «السير» للوسياني فقد نشر سلسلة من المقالات معتمدًا على تحقيقات ونصوص هذا الأخير، وعلى مصادر تاريخية إباضيَّة أخرى، ولقد احتوت تلك المقالات على مجموعة مواضيع تتعلَّق ببحوث ورسائل الإباضيَّة، وبمجتمعاتهم وبمختلف أنشطة حياتهم الفكرية والتجارية والسياسية في العديد من الأقطار وخاصَّة تلك التي تقع في إقليم شمال إفريقيا؛ هذا وتشير الدلالات الموضوعية على أنَّ دراسات ذلك الباحث هي الأكثر واقعية بين كافة الدراسات التي ورد ذكرها آنفا، على الرغم من عثرات ثانوية ومحدودة جاءت نتيجة التضليل، وذلك بسبب الافتقار إلى المعلومات الأساسية التي يُعتدُّ بها. (1/7)
صفحة 8
أمَّا المؤرخ (استروتمان) فقد كان سابقا في تحقيقه التاريخي الموجز عن إباضيَّة شمال أفريقيا وذلك في مقالته بعنوان: «البربر والإباضيَّة».
وأمَّا البحث الأكثر شمولية عن الإباضيَّة وفرق الخوارج الأخرى في شمال أفريقيا فقد أعدَّه في فترة لاحقة بعد ذلك الباحث: الشيخ البكري في مقالته: «البربر الخوارج»، هذا بينما استفاذ المؤرِّخون الإيطاليون حديثا من المصادر والمؤلفات الإباضيَّة وذلك في كتاباتهم عن النزاع السياسي الإسلامي في طبقة الفتنة الكبرى، وأبرز من تناول هذا الموضوع هو الباحث: (قالفيري) وذلك في بحثه حول النزاع بين علي ومعاوية، يليه الباحث: (روبيناتشي) في دراسته التي تناولت العلاقة بين الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان والإباضيَّة.
من ناحية أخرى تناول باحثون أوروبيون النظرية الإباضيَّة في العقيدة من خلال مجموعة من المقالات ظهرت بعد أن قدَّم (موتولينسكي) ترجمة فرنسية لكتاب: «العقيدة الإباضيَّة» لمؤلفه عمرو بن جميع وذلك في تمام 1905م؛ وفي وقت لاحق بعد ذلك كتب (نالينو) ملاحظاته حول ما اعتبره تأثير المعتزلة على العقيدة الإباضيَّة، وتبعه زميله المؤرِّخ: (مورينو) على النمط بخاتمة من التوجه البحثي حسبما يستشف من مقالته: «ملاحظات حول العقيدة الإباضيَّة». (1/8)
صفحة 9
وفي هذا المجال كتب مؤرخ آخر هو (الهولندي سموقرزويسكي) مقالة أشار فيها إلى نقاط الخلاف بين الإباضيَّة والمالكية معتمدًا فيما ذهب إليه على بعض أبيات منظومة لشاعر من الإباضيَّة مجهول، وسمَّى مقالته تلك: «شعر إباضي لمصدر مجهول حول الخلاف بين المالكيَّة والإباضيَّة»؛ هذا بينما أعدَّ الباحث (لفتسكي) دراسة موضوعية عن تفرُّعات الإباضيَّة، و(روبيناتسي) أضاف لأعماله ترجمة باللغة الإيطالية للدراسة التي كتبها أبو زكرياء الجناوني في العقيدة الإباضيَّة، كما أعدَّ تحقيقًا عن تلك الدراسة تناول فيه موضوع العقيدة لدى الإباضيَّة ولدى المذاهب الإسلاميَّة الأخرى.
ومن ناحية أخرى فإنَّه وحتَّى هذا التاريخ لم يتمَّ البحث والتدقيق في مضامين الفقه وفلسفة التشريع عند الإباضيَّة بصورة جادة وبنهج متعمِّق، لقد ظهرت مقالات قليلة تناولت هذه المواضيع، وعلى قلَّتها فقد تطرَّقت فقط لبعض الجوانب الثانوية، فالباحث: (روبيناتسي) قدَّم دراسة مقارنة عنونها بـ: «Un anticodoumento di vita conobitica musulmana»، وتناول فيها موضوع الطهارة عند الإباضيَّة وعند المذاهب الإسلاميَّة الأخرى، وهناك مقالة أخرى باللغة الإيطالية كتبها المؤرِّخ (جربي لاروزا) وتحدَّث فيها عن الدعاة الذين قاموا بنشر تعاليم مذهب الإباضيَّة في شمال إفريقيا معتمدًا في ذلك على كتاب: «سلَّم العامَّة والمبتدئين» لمؤلفه عبد الله بن يحيى الباروني.
والأعمال الكتابيَّة التي أعدت في هذا المجال باللغة الفرنسية تشمل الدراسة التي كتبتها الباحثة: (جواشون) (Goichon) بعنوان:(La vie feminine au M’zab)، وأيضا تلك التي أعدَّها الباحث: (مِيو) (Millo) بعنوان:(Receuil de d’eliberations des Djamaa du M’zab) والدراستان تطرَّقتا لبعض النقاط والمسائل في القوانين الشرعيَّة عند الإباضيَّة. (1/9)
صفحة 10
هنالك أيضًا بضع مقالات عُنيت بدراسة نظام العزابة الإباضيَّة، فقد كتب: (لفتسكي) عن لحلقة، ثمَّ تبعه (روبيناتسي) بمقالة في الموضوع ذاته حيث تناول قوانين الحلقة.
هذه المقالات والبحوث هي الأعمال الرئيسة التي كُتبت باللغات الأوروبية وتناولت مؤلفات الإباضيَّة المغاربة، وفي حواشي تلك المقالات وردت ملاحظات محدودة حيثما جاء ذكر موضوع التعصُّب المذهبي الذي كان وليد حركة الانقسام الإسلامي في حقبة الفتنة، ويستنتج من تلك الكتابات أنَّ كافة الباحثين الأوروبيين يعتبرون الإباضيَّة من بين الخوارج.
أمَّا الغالبية العظمى من الباحثين المسلمين من غير الإباضيَّة فإنَّهم يعتبرون الإباضيَّة خوارج منشقِّين ومتعصِّبين، ولم يبذلوا أيَّ اهتمام جادٍّ لدراسة أسس وتعاليم مذهب الإباضيَّة من خلال نظرة منهجية وموضوعية حتَّى تتَّضح لهم الرؤية الحقيقية للمرتكزات الأساسية التي أقام عليها هؤلاء مذهبهم، وقد حدث مؤخرًا فقط أن اعتبر مذهب الإباضيَّة ضمن المذاهب الإسلاميَّة السائدة وذلك بعد صدور الموسوعة العلميَّة للفقه الإسلامي في مصر والكويت، هذا الحدث الذي كان له ثقله لم يأت من فراغ، وإنَّما كان نتاجا طبيعيا لجهود الإباضيَّة المتواصلة لكسب تفهُّم وقناعة جيرانهم المسلمين بوجود مذهبهم وأصالة مبادئه وتعاليمه. (1/10)
صفحة 11
تلك الجهود الحثيثة قد بدأها سليمان باشا الباروني من منطقة جبل نفوسة، لقد كان مسلما سياسيا نشطًِا، وقام بدور رئيس بارز في الصراع والجهاد ضدَّ الغزاة الإيطاليين في ليبيا في عام 1911م، ومن هنا كانت الانطلاقة لاهتمام مسلمي المذاهب الأخرى بالشؤون الإباضيَّة كنتيجة حتمية لروح النضال الوطني الغيور التي انتهجها الباروني والتزم بها وسط الإباضيَّة بجبل نفوسة في حربهم تلك، هذا إلى جانب ولائه الثابت للإمبراطورية العثمانية، ولجهاده المخلص والصارم لنصرة قضايا المسلمين ولتمكينهم من حقوقهم الوطنية المشروعة في وجه الغزو الاستعماري الشرس في تلك المرحلة. (1/11)
صفحة 12
هكذا كان سليمان الباروني، وتلك كانت شخصيته التي أهلته تلقائيا بأن يكون في موقع مكَّنه من استمالة وكسب تأييد وسند الجموع الإسلاميَّة على اختلاف مشاربها المذهبية، فكان من أوائل الدعاة لأصل ملَّته من المسلمين بأن يضعوا جانبا تلك الخلافات التي أفرزها التعارض في الرأي في بعض المسائل بين زعماء المذاهب الإسلاميَّة «وأتباعهم من أهل العالم»، وأن يحتكموا لتعاليم القرآن الكريم وهدي السنَّة المطهرة، وَإِلىَ جانب ذلك فإنَّ الهيبة التي كتبتها الدوائر الإسلاميَّة عالميا من جرَّاء النضال البطولي للباروني ضدَّ الغزو الاستعماري الغربي قد أكسب مساهمة الإباضيَّة - في بُنية الوحدة الإسلاميَّة - التقدير والاعتبار، تلك الوحدة التي كانت شعارًا لمعظم القادة الإسلاميين في ذلك الوقت، ومن ثمَّ كان من الطبيعي أن تتهيأ العقليَّة الإسلامية لسماع آراء وأفكار الإباضيَّة، هذا وبالإضافة لتأسيس المطبعة البارونية الحجرية التي كان مقرُّها القاهرة وذلك قبيل نهاية القرن الماضي؛ فقد قام سليمان الباروني بتأسيس مطبعته الخاصَّة في مطلع هذا القرن وقد أصدر براسطتها صحيفته: «الأسد الإسلامي» والتي اتَّخذ منها وسيلة لنشر آرائه باذلا الجهد لتوضيح الرؤية عن الإباضيَّة، كما قام بطباعة ونشر عدد محدود من الكتب لمؤلفين وكتاب عمانيين ومغاربة بما في ذلك مؤلَّفه الخاص عن تاريخ الإباضيَّة المسمَّى بـ«الأزهار الرياضية». وأمَّا بقيَّة أعماله ونشاطاته الفكرية التي بدأها في مصر فقد تابعها من بعده المؤرِّخ والمؤلف الإباضي العلامة أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الذي نفاه الفرنسيون من موطنه في وادي ميزاب في الجزائر ليستقرَّ في مصر (1) ،
__________
(1) - الواقع أنَّ أبا إسحاق نفي إلى تونس من الجزائر، ثمَّ من تونس إلى مصر، فهو قد نفي مرتين، ولذا قال زميله أبو اليقظان الشاعر الصحفي (نفي النفي إثبات) كان ذلك سنة: 1923م ... (د..محمَّد ناصر) (1/12)
صفحة 13
وسرعان ما شرع في إصدار مجلَّة «المنهاج»، كما ساهم في طباعة ونشر مؤلفات العلامة الإباضي: امحمد بن يوسف أطفيش، وكذلك طبع ونشر بعض مؤلَّفات العالم العماني الفقيه: الشيخ السالمي، ولقد كان أبو إسحاق طيلة فترة إقامته الطويلة (1) في مصر مبعوثا وممثلا غير رسمي للإباضيَّة، ومدافعا عن مواقفهم وعن آرائهم وداعية لنشرها، وكان إلى جانب ذلك مرجعا متميِّزا للإفتاء والاستشارة في التراث الفكري للإباضيَّة، ولا جدال في أنَّ مساهماته الإعلامية لذلك التراث قد كانت ذات أهمية بالغة الأثر في بلورة رؤية أكثر وضوحا لمذهب الإباضيَّة، ولعلَّ أوضح الدلائل على ذلك وأكثرها مصداقية على مساهماته تلك قد تمثلت في إصداره لمجلة «المنهاج»، وفي ملاحظاته التي سجلها عن المؤلفات والكتابات الإباضيَّة التي كان يعدها للنشر، هذا إضافة لملاحظاته الأخرى التي كان يصحِّح بها وجهات النظر والآراء الخاطئة عن مذهب الإباضيَّة.
__________
(1) - أقام بمصر من سنة 1923م حتَّى سنة 1965م. ينظر د. محمَّد ناصر: أبو إسحاق اطفيش في جهاده الإسلامي. (1/13)
صفحة 14
وفي تونس وفي الجزائر كذلك كانت هنالك حركة فكرية مماثلة لمَا قام بِهِ العالم أبو إسحاق بن إبراهيم أطفيش، وتبنى هذا الدور في الجزائر نخبة من قياديّ «حزب الإصلاح» الذي تمركز في ميزاب، ولقد شارك هؤلاء في فعاليات «جمعية العلماء»، وتجاوز نشاط هؤلاء وأولئك نطاق محلِّيتهم فامتدَّ والتقى بذلك التيار المماثل والذي كان يتفاعل في تونس تحت قيادة الحزب الدستوري بزعامة «عبد العزيز الثعالبي» (1) ، ومن بين أبرز الشخصيات الإباضيَّة التي قامت بدور فكري هام في تونس، يأتي الراحل محمَّد الثميني (2) ، وأصله من ميزاب على رأس القائمة، وقد أسس مكتبة في تونس، وساهم في نشر أدب الإباضيَّة والترويج له، ثمَّ يليه الشيخ الراحل: سليمان الجادوي من جزيرة جربة، وقد كان محرِّرا للصحيفة المشهورة والمسماة: «مرشد الأمة»؛ وفي الجزائر نجد على رأس قائمة القياديين في نفس الاتجاه: أبو اليقظان إبراهيم، الذي أصدر ثمانية صحف إخبارية مختلفة أثناء الحكم الفرنسي، وكذلك الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر الذي تبنَّى مسؤولية حركة الإصلاح الديني الحديثة التي شهدتها ميزاب بما في ذلك ما تفرَّع من تلك الحركة من مدارس ومعاهد خاصَّة بها، والرجلان كانا من العناصر النشطة لجمعية العلماء، وكانا من بين المقرَّبين للعلماء السنيين القياديين لتلك الجمعية، وأخلصا في سعيهما الهادف لخلق تفاهم متطوِّر وحميم مع جيرانهم السنيين، ويلاحظ أنَّ هذه الجمعية التي تأثرت بدرجة كبيرة بنهج الباروني وأفكاره قد قامت بدور فاعل في تهدئة مواقف المعارضة السنية اللدودة للإباضيَّة، بل هيأت للطرف الأخير المناخ المناسب لعرض وتوضيح آرائه بأسلوب معتدل.
__________
(1) - عبد العزيز الثعالبي: (ت1940م) ... (م.ن)
(2) - محمَّد بن صالح بن يحي الثميني (1897-1970م) (عن معجم أعلام الإباضيَّة لجمعية التراث، ترجمة 905) (1/14)
صفحة 15
ولعلَّ أحدث ثمار ذلك النهج هو ما تواصل حديثا في هذا المجال من قيام الباحث المؤرخ علي معمر من جبل نفوسة مؤخَّرا بنشر عدَّة أجزاء من مؤلفه بعنوان: «الإباضيَّة في موكب التاريخ»، هذا بجانب خطة عمل يهدف من خلالها إلى إعداد دراسة عامَّة عن الإباضيَّة في مختلف بلدانهم (1) ، علما بأنَّه سبق لهذا الباحث أن قام بنشر كتب أخرى من تأليفه تتعلَّق بالدين وبمسائله المتعددة والمتباينة في الفقه والعقيدة إلخ.... ويعزِّز هذا المسار مؤلّف آخر هو: محمَّد علي دبوز (2) ، من القرارة (3)
__________
(1) - الإشارة هنا إلى مؤلّف الشيخ علي يحيى معمر (الإباضيَّة بين الفرق الإسلاميَّة) الذي طبع مرَّات عديدة في الجزائر ومصر وعمان. ولقي رواجا واسعا وسمعة طيِّبة. (م.ن)
(2) - محمَّد علي دبوز، (ت1981م).
(3) - في الأصل هو من بريان وليس من القرارة..وسكن القرارة متعلما ومعلما إلى آخر عمره (1/15)
صفحة 16
بميزاب، والذي اضطلع بمهمة إعادة كتابة تاريخ المغرب من وجهة النظر الإباضيَّة، وحتَّى تاريخ إعداد هذه الدراسات كان قد أنجز كتابةً ونشر سبعة مجلدات من أصل عشرة يعتزم بها تكملة مؤلفه المذكور، وقد تناول في المجلدات الثلاثة الأولى الأحداث التاريخية القديمة للمغرب، في حين أنَّ المجلدات الباقية قد خصصها لمسيرة تاريخ الجزائر الحديث، حيث تناول ثورة الجزائر ونهضتها المباركة، وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذين المؤلِّفين: علي معمر، ومحمَّد علي دبوز، هما في الأصل من طلاَّب الشيخ بيوض، وقد تأثرا بدرجة كبيرة بآرائه الإصلاحية، فكان أن اتسمت كتابتهما بأسلوب مقنع لحثِّ المسلمين للرجوع للتعاليم الإسلاميَّة الصحيحة والتمسُّك بكتاب الله وبسنة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، والابتعاد عن الخوض في الفرقة والخلاف الناتج عن التَبَعِيَّة لنفر من العلماء مِمَّن تأثروا بالميول والاتجاهات السياسية المختلفة، هذا الاتجاه يمثل مساهمة الإباضيَّة الصرفة للحملة الإسلاميَّة الحديثة التي تنادي بالتمسك بالجذور الأصيلة لديننا الحنيف على هدي الكتاب والسنة، هذه النزعة الإسلاميَّة الغيورة التي دعا إليها الإمام محمَّد عبده، وصفوة طلابه ومن بينهم رشيد رضا ومن بعدهم طلابه الذين اتبعوا نهجهم من خلال جهودهم الحثيثة قد نادى بها كذلك الإباضيَّة وقوي عملهم في قيام الأطراف الإسلاميَّة الأخرى بمحاولة الفهم والمتعمق لآرائهم وتعاليمهم، ذلك لأنَّه تبين لهم أخيرًا أنَّ خصومهم من الطوائف الإسلاميَّة قد تهيأت لهم ظروف موضوعية سياسية في مجملها ليتفهموا المواقف والآراء الإباضيَّة التي التزم بها الإباضيَّة أنفسهم ودعوا إليها منذ نشأة مذهبهم، خاصَّة وأنَّ هؤلاء قد شاركوا وبقدر كبير في إذكاء روح الصحوة الإسلاميَّة من خلال انخراطهم في معارك الصراع السياسي لتحقيق الاستقلال الوطني لبلدانهم على اختلاف مواقعها وظروف نضالها، ووقفوا جنبا إلى جنب مع (1/16)
صفحة 17
جيرانهم السنيين ضدَّ تيار الغزو الاجنبي، وفي غضون حقبة النضال الوطني تلك لم يدَّخروا وسعا في عرض وتوضيح مواقفهم وآرائهم النابعة من أسس ومبادئ مذهبهم سعيا لإزالة سوء الفهم القديم، ولتحرير أنفسهم من آثار العزلة التقليدية التي كانوا يعيشونها بين الطوائف السنية في مجتمعاتهم.
هذا وقبل تذييل هذه المقدِّمة بأهداف هذه الدراسات، أرى ضرورة أن أثبت هنا أنَّ المساهمات والجهود التي بذلها الإباضيَّة تجاه تراثهم الديني والتاريخي، وتجاه تراثهم الفكري عموما، قد اتخذت لها اتجاهين يكمل بعضهما بعضا.
الاتجاه الأوَّل تمثَّل في الاهتمام النشط والمؤثِّر في تدوين أدبهم بِكُلِّ تصانيفه، ومن ثمَّ طبعه ونشره بدءا من قديمه ومرورا بنتاج الحقبة الزمنية التي أعقبت فترة تأسيس مذهبهم، وشهد آخر عهدها بروز الوطنيَّة القطريَّة في مواجهة حدَّ الغزو الأجنبي، ووصولا لمؤلَّفاتهم وكتاباتهم الحديثة التي تلبِّي متطلَّبات المعاصرة الحاليَّة.
وأمَّا الاتِّجاه الثاني الذي سلكه الإباضيَّة فقد تمثَّل في التزامهم المتواصل والمتجدِّد في عرض وتوضيح أفكارهم وآرائهم الدينيَّة وسيرتهم التاريخيَّة واستمراريتهم في هذا النهج دون كلل أو ملل، والأخذ بمبدأ الجدل المنطقي الذي يستدلُّ بالهدي الكريم من القرآن ومن السنَّة المطهَّرة، وذلك سعيا للإقناع ولكسب تفهُّم بقيَّة المسلمين من غير الإباضيَّة لتلك الآراء والمواقف. (1/17)
صفحة 18
كما أودُّ أن أشير هنا إلى أنَّه وفي مقابل ذلك فإنَّه وبالنسبة للغالبيَّة العظمى من الباحثين والكتاب الإسلاميين من خارج محيط الطائفة الإباضيَّة فإنَّه يوجد لديهم الاِتِّجاه العملي الجاد والمستمرِّ لإثراء ساحة البحث بدراسات متعمِّقة وفاحصة للإباضيَّة من المصادر الأصليَّة الخاصَّة بالإباضيَّة أنفسهم، وهي مصادر تنبّئ الباحث فيها عن منهج مذهبي مستدلٍّ وعن تراث دينيٍّ غنيٍّ في مادته، لكنَّما ولحسن الطالع هنالك بعض الظواهر التي تؤكِّد حدوث مثل هذا التوجُّه والذي بدأ تبنِّيه من قبل بعض الأساتذة المتخصِّصين في بعض الجامعات الحديثة، وهذا الاهتمام الذي هو بدوره اهتمام نوعي وحديث جدًّا، قد تكون إحدى بواعثه القويَّة نابعة من مبادرة الباحثين والمؤلِّفين الأروبِّيين بما قدَّموه من دراسات وكتابات عن الإباضيَّة من مصادر إباضيَّة، هذا على الرغم أنَّ تلك الدراسات لم تكن متعمِّقة ولم تبحث في جذور فكر الإباضيَّة، حتَّى توكن دراسات ذات شموليَّة وتكامل، والريادة في التوجُّه المشار إليه، كان قصب السبق فيه بجامعة القاهرة التي تمَّ الإشراف فيها على دراسة مقارنة بين قوانين الملكيَّة عند الإباضيَّة وبين قانون الشريعة في ليبيا، وقد أعدَّ تلك الدراسة الطالب: محمَّد حنبولة، بإشراف الدكتور محمَّد سلام مذكور (1) ، وليس من شكٍّ في أنَّ أصالة الموضوع وما يتيحه من قنوات متجدِّدة للبحث، سيشجِّع المزيد من البحوث والدراسات المماثلة في المستقبل.
__________
(1) - ظهرت رسائل أكاديميَّة كثيرة في هذا الاتِّجاه لطلاب إباضيَّة وغير إباضيَّة في جامعات عربيَّة وأجنبيَّة ساعدت كلّها على تقريب الفهم بين المسلمين ... ... ... (م.ن). (1/18)
صفحة 19
إنَّ الهدف من وراء هذه الدراسات التي نحن بصددها الآن هو إلقاء المزيد من الضوء لإبراز صورة أكثر وضوحا لمذهب الإباضيَّة، وذلك من خلال عرض ما هو أصيل من نتاج إباضيٍّ مكتشف حديثا، هذا وبينما تُعنى هذه الدراسات بشمال إفريقيا من حيث الموقع المكاني، فقد كان لزاما أن تهتمَّ أيضًا بأصول الحركة الإباضيَّة وبمؤسِّسيها الأوائل في البصرة والعلاقة مع حركة الخوارج، وتفاعل الإباضيَّة مع الأحداث التاريخيَّة الإسلاميَّة المبكِّرة، ومع مرحلة التطور السياسي التي أعقبت تلك الأحداث، وأثر ذلك على آرائهم وأفكارهم، ثمَّ توسُّع وانتشار آرائهم في شمال إفريقيا.
كذلك تهدف هذه الدراسات لإعطاء صورة واضحة حول نهج الإباضيَّة في الفقه والعقيدة وإبراز مسائل الاتِّفاق والخلاف مع الطوائف والمذاهب الإسلاميَّة المعاصرة لهم، هذا مع الإشارة والتركيز على بعض الملامح المميِّزة والناقصة من تعاليم ومبادئ الإباضيَّة، ومنها على وجه التحديد نظام الولاية والبراءة، ونظام مسالك الدين، وهو بعبارة أخرى مراحل تطوُّر مجتمع الإباضيَّة.
لقد تَمَّ إعداد وتحرير ثلاثة موضوعات ذات سمة إباضيَّة محضة، وثلاثتها جزء من هذه الأطروحة، وذلك لعرض نمادج تفصليَّة من الفكر الديني للإباضيَّة في مجال العقيدة والفقه وأصوله وأحكامه، ثمَّ موضوع الولاية والبراءة الذي يقع في إطار المجالين السابقين، هذا وسيتمُّ نشر تلك الموضوعات الثلاثة بصورة منفصلة. (1/19)
صفحة 20
هذه الدراسات التي بين أيدينا هي ــ وبقدر كبير ــ الأولى من حيث تخريجها اعتمادا على ما تَمَّ اكتشافه حديثا من مادَّة غزيرة وأصيلة من تراث جيل العلماء الإباضيَّة الأوائل، وتابعيهم من أهل العلم، هذا بجانب التدقيق في المؤلَّفات والكتابات الإباضيَّة المعاصرة في مختلف المجالات التي تتناولها البحوث والدراسات، والأمل كبير بأن تفتح هذه المحاولة الأكاديميَّة العلميَّة أفقا جديدا في ميدان الدراسات الإسلاميَّة، وأن تكون حافزا لمزيد من البحث والتدقيق في ضوء المادَّة الجديدة التي تمَّ تناولها وما تَمَّ التوصُّل إليه من خلاصة، وعلى ذلك فإنَّها ضمنيًّا الخطوة الأولى على المستوى الأكاديمي الشخصي لمؤلَّفها الفقير إلى الله تعالى؛ وآمل أن تكون خطوة موفَّقة تضاف لحصيلة البحوث، والدراسات البنَّاءة لدراسة مذهب الإباضيَّة دراسة منهجيَّة على أساس من الواقع، والتزاما بالتجرُّد والموضوعيَّة، على أنَّه ما من شكٍّ في أنَّ هناك الكثير مِمَّا تبقَّى وينبغي إنجازه، والمؤلِّف على ثقة وقناعة بالمسار الذي صار ممهَّدًا لتلك الغاية من خلال النتائج التي توصَّلت إليها هذه الدراسة. (1/20)