صفحة 1
الكتاب: دراسة في الفكر الإباضي
المؤلف: عمر بن الحاج محمد صالح بَا (عمر با)
تقديم وتعليق: أحمد بن سعود السيابي
الطبعة: الأولى
الناشر: [د. نا.]
تاريخ النشر: 1407هـ / 1986م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] دراسة في الفكر الإباضي
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
عمر بن الحاج محمد صالح بَا (عمر با)
قدم له وعلق عليه
أحمد بن سعود السيابي
الطبعة الأولى 1407هـ/1986م (1/1)
صفحة 2
الإهداء
إلى والدي الروحي، وشيخي الفاضل
الحاج عمر بابلي .. دامت فضائله
شيء من الوفاء
ابنكم الروحي وتلميذكم الوفي
عمر بن الحاج محمد صالح با
عمر با (1/2)
صفحة 3
تقديم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه، وبعد ..
فإنه ليس من الغريب القول بأن العام الأربعين للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، هو عام كانت الأمة الإسلامية فيه على مفترق الطرق.
فقد تمخضت تلك الحروب أو الفتن – إن صح التعبير – عن نشوء فرق أو كيانات إسلامية ذات نزعة سياسية أو عمق سياسي بجانب مرئياتها الفكرية والعقائدية والفقهية ولكنها – بالطبع - تلتقي على مركز واحد وتدور على محور واحد ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، تستخرج كل فرقة منهما ما يؤيد وجهة نظرها وتستنبط منهما ما تراه دليلا لصحة رأيها.
والذي يلاحظ في الأمر أن تلك الفرق أو المذاهب التي وجدت في القرن الأول الهجري كانت يغلب عليها الطابع السياسي، بينما تلك الفرق أو المذاهب التي وجدت في القرن الثاني وما بعده كانت ذات طابع فقهي وعقائدي فقط.
والكتابة في موضوع الفرق والمذاهب الإسلامية أمر شائك وخطير بقدر ما هو ممتع ومفيد أيضا.
أما خطورته فلأن الكتابة فيه تحتاج إلى تجرد مطلق من رواسب العصبية المذهبية المقيتة، تلك العصبية المغرورة المبنية أو الناشئة عن الجهل أو التجاهل.
أما الشيء الممتع فيه فإن الباحث يعرف عن كثب وبعمق ما عند الفرق والمذاهب الإسلامية من آراء واتجاهات وأفكار ومبادئ ليقدم ذلك إلى الآخرين في قالب تقييمي وتحليلي لتلك المبادئ والأفكار، وهو أمر سيتمكن من خلاله من إزالة المفاهيم الخاطئة عن المذاهب الإسلامية التي كانت وليدة الجهل أو الحقد وهو ما عبر عنه المؤلف بقوله: " غير أن المبرر الذي نعتبره أكثر إلحاحا لتعريف الناس بالمذهب الإباضي، هو السعي لإزالة فهم تاريخي خاطئ عن هذا المذهب تداوله الكتاب، وأصبح سائدا في الأوساط العلمية وغير العلمية " التقليدية " وهذا المفهوم يتحمل تبعته كتاب غير دقيقين في كتاباتهم ولا مقدرين مسئولية نحو المادة العلمية التي يقدمونها إلى (1/3)
صفحة 4
الجمهور كشيء خالد له دوره في تكوين الفكر البشري " والمؤلف – والحق يقال – قد تخلّى عن رواسب العصبية المذهبية – بصفته مالكيا – وتحلى بروح الصدق والإنصاف في كتابته عن الإباضية. وفي نظرته إلى المذاهب الإسلامية الأخرى – عرفنا ذلك عنه من ثنايا كتابه الذي بين أيدينا، ومن حديثه أثناء لقاءاتنا معه، وهو لا يتوانى في الرد على أولئك المؤلفين والكتاب الذين كتبوا عن الفرق الإسلامية وأساؤا إساءة بالغة إلى الفرق المخالفة لهم، وعليهم وزرها ووزر من قال بها. يقول المؤلف في شأن أولئك: " والحق أن كتاب المقالات جنوا على التاريخ وجنوا على العلم وجنوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
جنوا على التاريخ لأنهم زوّروه وكتبوا وقائعه على نحو سقيم واعتدوا على قوم أبرياء – قلميا – وزيّفوا مبادئهم، وقالوا في ألسنتهم ما لم يقله هؤلاء.
وجنوا على العلم، لأن كتبهم – مع عدم صحة ما ورد فيها وانتفاء الثقة عنها – أصبحت مراجع يرجع إليها من يريد الاطلاع على آراء الفرق الإسلامية، والتزود بمادة علمية منها. والحال أنها خالية من أية مادة علمية. وجنوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم لمحاولة تفريقها والإمعان في تمزيقها ".
وهذا الكتاب – دراسة في الفكر الإباضي – يدل على اطلاع مؤلفه على المذهب الإباضي فكرا وتاريخا، وهو يمثل رؤية صحيحة وصادقة على التفتح الفكري لدى المؤلف ولدى الشباب المسلم المثقف الواعي. وربما لم تتضح للمؤلف بعض النقاط أو بعض المفاهيم أثناء استعراضه لنشأة المذهب الإباضي وتطوره الفكري، الأمر الذي دعانا إلى وضع بعض الملاحظات على الكتاب، التي سيجدها القارئ مدونة في آخر الكتاب. بيد أن هذا الأمر لم يكن مخلا بالكتاب قط، وإحساس عميق بضرورة الوحدة الإسلامية.
ومؤلف كتاب دراسة في الفكر الإباضي هو الأخ الفاضل الأستاذ عمر محمد صالح با من السنغال، وهو من قبيلة الغلاّني، القبيلة الكبيرة المنتشرة في معظم أقطار غرب أفريقيا.
وقد ولد عمر با في جنوب السنغال وتلقى أول تعليمه بها، ثم سار إلى " مالي " التي كانت المركز الثقافي لغرب أفريقيا، حيث تلقى هنالك بعض العلوم في اللغة العربية وعلم الدين الإسلامي، وبعدها انتقل إلى الخرطوم فدرس في معهد القضاء سنتين، ثم انتقل إلى لبنان حيث التحق بكلية " أزهر لبنان " وبعد ذلك حصل (1/4)
صفحة 5
منحة في إيران فدرس في جامعة طهران حيث حصل منها على الشهادة الجامعية.
ثم حصل على منحة من جامعة جواهر لال نهرو في دلهي بالهند لمواصلة دراسته العليا، فنال منها شهادة الماجستير.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو رسالة تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير من الجامعة المذكورة، وقد حصل بموجبها على الدرجة المشار إليها.
والأخ عمر با – بالرغم من حداثة سنه – فهو كثير القراءة واسع الاطلاع. وقد أفادته هذه الرحلات والجولات في التعرف كثيرا على جوانب فكرية وأدبية متنوعة ومتعددة، وهو ما برح راحلا ومتجولا لا يكاد يلقي عصا الترحال في مكان إلا وتراه حملها مرة أخرى إلى مكان آخر.
وهو يجيد العربية إجادة تامة بطلاقة وبفصاحة كما أنه يجيد اللغات الفرنسية والإنجليزية والفارسية، بجانب اللغة المحلية للسنغال.
أحمد بن سعود السيابي
7 محرم الحرام 1406هـ
22 سبتمبر 1985م
مسقط (1/5)
صفحة 6
تصدير
حتمت الظروف علي، وشاءت الأقدار لي، أن أضرب في الأرض طالبا للعلم وسائحا في آن معا، وكنت أول الأمر مستاء لوضعي؛ حيث لم تسمح لي الظروف في أن أعيش في بلادي مستقرا ودارسا فيها، كما قدر الله لغيري من أبناء بلادي، واستثناهم القدر عن مكابدة صعاب الاغتراب، وحالفهم الحظ السعيد في تلقي العلم في مسقط رأسهم، ووسط أهلهم، بدون أن يتجشموا مشقات الأسفار، ومتاعب الترحال، وعناء الغربة، وويلات مفارقة الأوطان؛ وفي الشرق، حيث قصدت مع من قصد لتحصيل العلم، أرغمتني الظروف أيضا على التنقل في أكثر من بلد لأسباب كثيرة؛ غير أني سرعان ما بدأت أجد فائدة في أسفاري وتنقلاتي، حيث أتاحت لي فرصة الاختلاط مع مختلف الشعوب، وشتى الثقافات، وأضراب من النحل والملل والأديان والفلسفات، وعشت عيانا ما كنت أسمعه كقصص وأخبار، وخابرت مشافهة ما كنت أقرأ وأطالع كحكايات، فإذا هي فائدة كثيرة، فإذا هو علم جم، منّ الله عليّ به، في حين كنت أعتقد، محنة رماني إليها سوء الطالع غير أني – وفي جميع أسفاري – كنت شديد الحرص على الاتصال بالمسلمين حيثما وجدوا، لأسمع عنهم وأستفيد منهم، ولم أتقيد بقيود " المذهبية "، ولم أتأثر قط بدعوتي " الطائفية " وروضت نفسي على عدم القبول لما يقال عن " فرقة " أو " طائفة " حتى اتصل بتلك الفرقة، وأتعايش معهم، وأسمع منهم، وأقرا لهم ما تيسر، وأفهمهم كما هم، حارصا على إقصاء الزائف من العلم والمعلومات عن دماغي قدر الإمكان، واضعا في عين الاعتبار أن البشر هم ذوو تكوين واحد فلا يمتاز بعضهم عن بعض شيئا، ولا تعطينّ فلانا عقلك يحشو فيه ما يشاء من أخبار يسميها المسلمات من حقائق العلم وجواهر المعرفة، وتظل أنت أسير
توجيهاته ومخزن معلوماته، وسوى القرآن الكريم؛ فإن كل وقع في يدك فاعلم أن فيه صوابا وخطأ، ولا تسلم مبدئيا صحة كلام معين من إنسان معين، أو سقم كلام معين من إنسان معين، سوى الأنبياء والرسل لما لهم من منازل إلهية؛ ولما يحيط بهم من عناية ربانية، غير أن كلام هؤلاء أيضا دخل فيه ما دخل، وتلاعبت فيه الأهواء؛ إن أي خبر وصلك افترض وجود نسبة مئوية فيه من الصحة، وعدم الصحة، ما عدا تلك (1/6)
صفحة 7
الأخبار التي جاءنا بها الذكر الحكيم؛ أثبت أنه قال بها الرسول الأمين، لأنه لا ينطق عن الهوى؛ إن هو إلا وحي يوحى وأما مهاتراتنا نحن البشر فإنها – في يقيني – ليس لها عند الله وزن؛ نعم، فسوف تقرأ منافرات بين الفرق الإسلامية المعترف بها؛ وحاول دوما ألا تفاضل بين المسلمين ولا يغرنك ما يقوله بعضهم على بعض، فإنها مجرد انطباعات شخصية واجتهادات فردية ليس لها عند الله أي اعتبار لأنها مجرد انفعالات صادرة من بشريتنا؛ وعندما أقول الفرق الإسلامية فلا أقصد تلك التي وجدت في صدر الإسلام وما تلاها بعيد حين كالبهائية والبابوية والأحمدية أو " القاديانية "، إذا؛ خارجة عن تعريفي؛ فإنها لا تحسب في الفرق الإسلامية لأنها وإن كانت فيها شبه إسلامية، إلا أنها حاولت يوما أن تكون دينا جديدا قائما بذاته ومستقلا، ولكن بتأييد من الإسلام ضمني، ولكن بشهادة مزورة من الإسلام، ولكن أن يبنى وجودها الديني والعقائدي على أنقاض الإسلام، وعلى حساب الإسلام؛ ولما أعيتها الحيل ولما انكشفت خططها واتضح أمرها فإذا هي تحاول الاختفاء وراء الإسلام، وتصطنع سلوك الإسلام وتظهر بمظهر الإسلام، إلا أن الإسلام أعظم من أن تحطمه مكائد البهائية بوحي من اليهود أو تشوهه ألاعيب الأحمدية بتشجيع وتوجيه من الإنجليز، وعندما نقول " الفرق الإسلامية " فإننا نقصد تلك الفرق الإسلامية التي تعتبر محمدا رسولها، ونبيها، تقر به خاتم الأنبياء والمرسلين، وتقر بالله ربا، وبالقرآن كتابا
منزها من عند الله، ولا كتاب بعده سينزل من السماء، ولا نبي بعد محمد سيرسل من عند الله سبحانه وتعالى؛ وأما الخلافات الأخرى فهي قابلة للتأويل، لأنها مجال للاجتهاد، لأنها نتاج ملابسات معينة.
لقد شاء الله لي أن أولد في بلاد تتمتع بوحدة المذهب حيث أن كل أهل غرب إفريقيا من المسلمين مالكيون المذهب، وسنيون اعتقادا، فلم يكن في تلك المنطقة – إلى وقت قريب – أي نزاع ذي طابع ديني؛ أو طائفي مذهبي، إلا ما يكون من قبل الجهال من العوام، أو السذج من المتشيخين الذين ما نالوا ذرة من العلم، يتعصبون لهذا الشيخ أو ذاك، ويفاضلونهم، في الولاية والغوثية والقطبية، إلى آخر ما هنالك من اصطلاحات حشاها الشيخ في أدمغة العوام، ليلقبوا بها (1/7)
صفحة 8
شيوخهم رغم وجود طوائف صغيرة تسمي نفسها " وهابية "؛ والملاحظ أخيرا أن شبكات القاديانية بدأت تعيد بعض الضحايا من الذين لا يعلمون من الإسلام وتاريخه وحقيقته إلا بقدر ما يعرف الضب بالذي يجري في البحار؛ وهذه الظاهرة تزدهر في المستعمرات الإنجليزية القديمة حيث يتكاثر الهنود والباكستانيون الذين هم أصل هذه الدعوة.
إلا أني وما وطئت قدماي أرض الشرق حتى بدأت أسمع وأرى النزاع المذهبي وتنافس الطوائف بشكل حاد، فهو – في الحقيقة – ليس بعجب لأن الشرق منبع الأديان ومصدر الإسلام، فمنتهى الجذور يختلف جوامع منتهى الفروع؛ فعندما تم التحاقي في " أزهر لبنان " كطالب في تلك الكلية الشرعية الإسلامية، وجدتني مضطرا أن أدرس مذهبا – وهو المذهب الحنفي – غير مذهبي الأصلي، وهو المذهب المالكي؛ غير أني – والحق – لم أشعر تعصبا مذهبيا يمارس في تلك الكلية؛ وربما لأجل أزهريتها – وهي شبه فرع من الأزهر الشريف – فأساتذتها إما مصريون أقحاح؛ فمصر معروفة بالتسامح والبعد عن كافة أنواع التعصب، أو العنف في مجال الفكر؛ فأزهريتهم أضافت إليهم شيئا آخر – بالإضافة إلى فطرتهم – من المرونة حيث إن رسالة الأزهر الإسلامية تقتضي عدم التعصب، كما أن رسالتها الإسلامية إلى غير المسلمين تتطلب التسامح ..
وإما أن يكونوا من اللبنانيين الأصليين، أي إنهم ثقافيا وتعليميا أزهريون بحكم التربية والتعليم، بيد أنه بصرف النظر عن الجو الأزهري المتناغم دينا ومذهبا، فإن طبيعة تركيب المجتمع اللبناني تهيئ الطالب الأجنبي تهيئة طائفية، دينيا، كان أو سياسيا، لأن الجو مشبع بخليط من الأفكار والاتجاهات المختلفة؛ فالمدارس بمللها ونحلها، والمعاهد بمختلف الرسالات، والجامعات بمختلف الأهداف والغايات – كلها مؤسسات مبثوثة بثا ومنثوثة نثا من هنا وهناك، تفرز مختلف الأفكار والأيديولوجيات لأنها تدار من مختلف الأمخخة، فهنا – أنا أيضا – بدأت أتصل فكريا بكثير من الأفكار الإسلامية اتصالا مباشرا وعمليا.
فمادة " الفرق الإسلامية " كانت مقررة على طلبة السنة النهائية فدرست بعض الشيء كمعلومات عامة، بل مبادئ أولية عن الفرق، لأن الدراسة المنهجية (1/8)
صفحة 9
بطبيعتها المحددة والمرسومة لا تستطيع أن تقدم دراسة مفصلة تفي بالغرض بيد أن المعلومات العامة التي درسناها عن الفرق أتاحت لي فرصة تعميق المدارك فيها حيث وجدتني مولعا بالمطالعة لكل شيء يتصل بالفرق؛ فدراسة الفرق تثير الفضول لدراسة التاريخ الإسلامي دراسة جادة تحليلية؛ ونظرا إلى كون لبنان – وربما أيامئذ – المركز الثقافي في الشرق الأوسط، فإن الكتب والمراجع هي في متناول يد كل من له شغف من التزود بالعلم، وما على المرء إلا أن يرتاد المكتبات، وما أكثرها.
غير أني لم أكن في الحقيقة خالي الذهن تماما عن بعض هذه الفرق الإسلامية، وبخاصة " الشيعة "؛ وهنا بدأت أقرأ عن التشيع لأن الشيعة ألمع الفرق، وأكثرها إثارة؛ وما فتح الباب أمامي وجود مدرسة شيعية تابعة للإمام موسى الصدر في مدينة صور، بأن وجود مجموعة من التلاميذ الأفارقة من " غرب إفريقيا " فيها؛ وهو أمر أتاح لي فرصة زيارة هذه المدرسة مرات متتالية، وفي أول الأمر كنت أتصرف مع جو المدرسة بشيء من التحفظ والحذر، بل عدم الاهتمام، غير أني يوما – في إحدى زياراتي لها – رأيت شيخا من شيوخهم يدرس النحو " ألفية بن مالك " بشرح وتعليق أعجباني، ورأسه مكور بعمامة سوداء كعادة الشيعة؛ فأنا تلميذ مشغوف ومغرم بقواعد اللغة العربية، فجلست في أخريات الجالسين أستمع منصتا، والشيخ لا يحمل كتابا ولا ينظر إلى قرطاس، أو سبورة، وكأنما الشواهد النحوية منقوشة في ذهنه نقشا، ومحفورة في ذاكرته حفرا، فحينما يستشهد ببيت شعر جاهلي.
ثم يتلو القصيدة التي فيها البيت برمتها، بدون ما داع، وطورا يستحضر آية قرآنية، وربما انساب لسانه فيها انسيابا، حتى آخر السورة، فتارة يقول: قال الأشموني كذا في هذه المسألة، قال المكودي كذا فيها، قال ابن عقيل كذا فيها، وقال ابن هشام فيها كذا، وأما السيوطي في ألفيته، فإنه يقول كذا وكذا؛ ويقوم تلميذ النحو ويحل محله تلميذ المنطق، فإذا الشيخ في المنطق منطقي أكثر منه في النحو نحويا؛ يشرح ويفصل في المقدمات: صغراها وكبراها، ونتائجها ومحمولها، ومصورها، ومصدقها، ودالها ومدلولها، وكأنها اصطلاحات من صنع يديه، لم يسبقه إليها سابق؛ فإذا أنا أجدني منساقا بالتسليم عليه باحترام جم، وابتسم لي فقال: كأني بك ضيفا، ليس لي سابق عهد برؤيتك هنا؟ قلت أي إنك لصادق، (1/9)
صفحة 10
فحدثته بأني أزهري (طالب في أزهر لبنان) فاستحسن، فقال إني لجد سعيد أن أرى ناشئة الإسلام يسافرون من ديارهم إلى الشرق منبع الإسلام، ليتلقوه صافيا خاليا من الشوائب والأدران؛ وطلبت منه أن يرشدني إلى الكتب التي أستطيع التزود منها بمعلومات عن المذهب الجعفري " الشيعي " فقال إن أردت ذلك فمبدئيا عليك بكتب الشيخ شرف الدين الموسوي العاملي، وهكذا اتصلت بهذا المذهب العظيم، عن طريق هذا الرجل العملاق الذي يجهل مقامه كثير من أبناء الإسلام، من غير الشيعة، بيد أني لا أخفي بأني كنت مشبعا عن المذهب الجعفري بمعلومات أدرك الآن – والحمد لله – بأنها في أحسن تعبير كانت سقيمة وفاسدة، ولا تمت إلى واقع الجعفرية والتشيع بصلة.
ولذا فإنني في أول الأمور كنت ربما قرأت مقدمة كتاب، ثم أضعه جانبا متكاسلا عن مواصلة القراءة لأني – نفسيا – لم أكن مهيأ للانسجام مع الموضوع الجديد؛ إلى أن لفت نظري كتيب صغير الحجم – شيعي – أغراني عنوانه بقراءته واسمه " أصل الشيعة وأصولها " أعتقده من مؤلفات الشيخ حسين كاشف الغطاء؛ فقرأته مرة تلو أخرى لاطمئنان نفسي فيما جاء فيه من تقرير، لأنه كتاب وضعه قلم شيعي، فإني – إذا – واثق بأني أحشو عقلي بمعلومات صحيحة عن الموضوع الذي أقرأ فيه (التشيع) والحق أني لم أجد فيه ما يسيء إلى القوم أو ما يجعل عقيدتهم تنسب إلى الخنى؛ فشاورت أحد العلماء الكبار الذين أثق ثقة مطلقة في علمهم وحيادهم – إن جاز استخدام كلمة " الحياد " في المسائل الاعتقادية – من الأزهريين عن حقيقة الشيعة والتشيع، فأفتاني بل أسهب في الفتيا، ومما قاله لي: إن إسلام الشيعة كإسلام أي مسلم آخر لوحدة المصدر، وهو كتاب الله والسنة، فالشيعة في اجتهاداتهم يصيبون ويخطئون، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من أهل السنة.
وهنا شرعت بشيء من الاهتمام أكثر من القراءة لهم، مما دفعني أيضا إلى توسيع حصيلتي عن التاريخ الإسلامي، لمعرفة مزيد من الجذور التاريخية للمذاهب الإسلامية، ومواطن اختلافاتها، وأسباب تلك الاختلافات، ودوافعها، وأتاح لي الحظ زيارة " إيران معقل الشيعة " ودرست في جامعة طهران ردحا من الزمن، مما أتاح لي فرصتين عظيمتين، فرصة الاتصال برجال الشيعة الكبار وعلمائها الأجلاء في مدينة " قم " (المقدسة لدى الشيعة) وغيرها من المدن (1/10)
صفحة 11
الكبيرة، وفرصة قراءة الفكر الشيعي عربيا وفارسيا ومناقشة علماء الشيعة مشافهة (بصفتي سنيا طبعا) والحق أني – شهادة أمام الله – أقول بأني لم أجد فيهم ما كنت أسمعه عنهم من أقوال منكرة وتصرفات بذيئة، ولم أر شيئا يأتي به عوامهم إلا ويأتي بمثله أو أمثاله عوام السنة في مصر، أو في المغرب، أو في السودان، أو في السنغال، مما يدفع عنهم تهمة " تخريب الإسلام والغلو فيه "، والحق أن ما يوجد لدى غير الشيعة من الغلو، كالاعتقاد بجدوى زيارة الأولياء، والتمسح بأضرحة الصالحين، والتضرع إليهم، والإيمان بشيوخ الطرق، لا أعتقد بأنه يوجد مثيل له لدى الشيعة، وهو واقع يجعل المنصف يفكر مليا قبل توجيه سهام الاتهام إليهم بالغلو وممارسة البدع.
وأما اتصالي المباشر بالفكر الإباضي " المذهب الإباضي " فإنه يرجع إلى صيف 1980، وقبل هذا التاريخ ما كانت معلوماتي عن الحركة الإباضية تعدو كونها معلومات سطحية وساذجة؛ وشاءت الأقدار لي أن أكلف بتقديم بحث عن " سلطنة عمان "؛ لقد اعتاد القسم العربي في معهد اللغات التابع لجامعة " جواهر لال نهرو " تكليف طلابه بالكتابة حول دول عربية معينة، تاريخها السياسي، ونظامها السياسي، اقتصادها، وحياتها الاجتماعية الخ؛ واختار زملائي في القسم دولا عربية مشهورة مثل العراق، وسورية، والسعودية الخ ...
نظرا لتوفر المراجع عن هذه الدول، فوقعت عمان في نصيبي، ونظرا لقلة معلوماتي عن عُمان إلا على مستوى ما تقدمه وسائل الإعلام – وهو شيء لا يصلح أن يكون بحثا جامعيا – عزمت السفر إلى عُمان، وحظيت الفكرة بتشجيع من أستاذي، السيد " عبد الحق بن شجاعة علي " مدرس المادة، وقدم لي سعادة سفير سلطنة عمان في دلهي " السيد أحمد حمود المعمري " تسهيلات جمة، وزودني بمجموعة صالحة من كتب تتعلق بتاريخ عمان ونهضتها الحديثة، كما أتاح لي فرصة الاتصال برجال العلم في عمان لتسهيل مهمتي؛ والحق أني لم أندم على ما قمت به، ولقد غنمت من تلك السفرة مغنما ثقافيا وفكريا جعلاني أحِسّ بسعادة تغمرني، فلو كنت اكتفيت فقط بالمعلومات المتاحة من وسائل الإعلام، وتعليقات المسافرين، وانطباعات السياح، لتكون لدي شيء من المعلومات، غير أنها ما كانت لتعدو مستوى الأخبار المسموعة، يتعذر (1/11)
صفحة 12
اعتبارها علما مركزا، اللهم إلا إذا أردت أن أجعل من نفسي نسخة مكررة من " كتاب المقالات " فرغم ضيق ذات اليد، ورغم شح المصادر المادية – كطالب – عكمت عيبتي، وتوكلت على الله، إلى عمان؛ فعمان في الصحيح كانت – إلى زمن قريب جدا – بلاد مغلقة الحدود، لا يكاد الناس يعرفون ما يجري في داخلها، بيد أنها في حقيقتها بلاد واحدة من أغزر وأغنى البلاد الشرقية في المادة التاريخية، ولها صفحة مشرقة في تاريخ الخليج والجزيرة العربية، وكثير من العلماء المسلمين الكبار من أصول عمانية، والحق أن دور عمان التاريخي لم ينحصر فقط في الجزيرة العربية والخليج، وإنما تعداهما إلى إفريقيا حيث خضعت شرق إفريقيا للنفوذ العماني، نقلت عاصمتها من مسقط إلى " زنجبار " ولقد كان للعمانيين علاقة تجارية قديمة جدا مع كل من الهند والصين، كما كان لها قوة بحرية مكونة من أساطيل تجارية تجوب البحار، وأساطيل حربية لحراسة موانئ عمان العديدة.
ولقد هالني عند زيارتي لها معالمها التاريخية، وهي آثار تعبر وتشهد وتتحدث عن ماض عريق وتاريخ حافل بالعظمة، تبهر العين؛ فقلاعها الشامخة، وحصونها المنيعة، وأسوارها الشاهقة، وقصورها العالية، تعد بالمئات وكلها تنبئ عن مدنية عظيمة سادت هذه البلاد .. وهنا بدأت أعيش مع الإباضية، فالإباضية هو المذهب الرسمي للدولة؛ فبادئ الأمر كنت أحسبهم – والذنب ذنب التاريخ – من الخوارج، وكنت قد هيأت نفسي (كمسلم سني) لمعايشة فرقة من فرق الخوارج المتشددين جدا، والذين لا يترددون في إنزال أشد العقاب على أصغر ذنب، وأتفه معصية – إن كان في المعصية ما هو تافه – استنادا إلى التاريخ الذي قرأناه عنهم، غير أني لا أخفي دهشتي حين لم أجد شيئا من قبيل ما كنت أتوقعه منهم، فإذا هم مسلمون عاديون يصلون كما نصلي، ويقومون بسائر العبادات طبق ما تعودتُ ممارسته، والذي رأيت الناس يمارسونه، فقرآننا جميعا واحد لم نختلف فيه حرفا.
والذي لفت نظري فيهم – وهي ظاهرة قلما وجدت في العالم الإسلامي – اكتظاظ مساجدهم بالمصلين في سائر أوقات الصلاة، وانعدام مرض الغيبة من بينهم – وهو مرض متفش في العالم الإسلامي حتى من بين أولئك الذين يعتبرون في مستوى قيادة الأمة فكريا – فلم أسمعهم يسبّون أحدا، وجملة القول أني لم أر منهم ما أنكرت. (1/12)
صفحة 13
وأرجو ألا يكونوا قد رأوا ما ينكرون؛ وجالست علماءهم وأفدت منهم، واستهواني التعرف بمزيد عن مذهبهم – المذهب الإباضي – وهو – والحق – مذهب خليق بعناية المثقفين واهتمام الكتاب والدارسين من المحققين والباحثين لأنه جزء بالغ الأهمية في التاريخ الإسلامي؛ فوجدتني غير مؤهل للكتابة عن عمان بتاريخها الحديث والقديم، وما مر بها من أحداث جسام، وما فيها من أمور تصلح أن تكون موضوعات تستغرق مجلدات؛ فهنا خطر ببالي الكتابة عن المذهب الإباضي والتركيز فيه فقط دون سواه، لعلمي وليقيني أن جلّ المسلمين لا يعرفون عن هذا المذهب إلا نزرا يسيرا لا يتعدى مستوى " السماع العابر " فهو شيء غير جائز فينا كمسلمين؛ فمن الواجب على المسلمين أن يعرف بعضهم ما لدى البعض معرفة مفصلة، بغية تفادي تبادل التهم وسوء الظن.
ولقد حاولت في هذا الكتيب تقديم فكرة صحيحة عن المذهب الإباضي إلى جمهور المسلمين – وليس لي من هدف سوى إنصاف العلم، وإنصاف الذين أكتب عنهم – وإلى الذين أكتب لهم، ما وسعني التوفيق، ثمة آراء للإباضية بدا لي أنها صحيحة جدا، وهي تخالف ما لدى غيرهم، ولم أتردد في تأييدها تأييدا مطلقا، وثمة بعض الآراء أيضا بدا لي أنها ماهية، ولم أتردد في نقدها وإظهار ما رأيته أقرب إلى الصواب؛ فالتاريخ الإسلامي للمسلمين جميعا – سواء منه ما ينسب إلى هذه الفرقة أو تلك – ولا ينبغي أن ننظر إلى شيء منه أو جانب منه، وكأنه يخص طائفة معينة؛ فتاريخ الإباضية جزء مهم من التاريخ الإسلامي، فهو – إذا – تاريخ إسلامي؛ وتاريخ الشيعة جزء مهم من التاريخ الإسلامي، فهو – إذا – تاريخ إسلامي؛ فلا ينبغي أن ندرس أيا من هذه التواريخ على أنه منفصل أو على أنه يخص فرقة معينة، أو أن ندرس تاريخ الفرق وكأنه تاريخ مليء بالافتراءات والأكاذيب، فهذا تحامل سافر؛ فأنا شخصيا قد تكون لدي انطباع مفاده أن تاريخ الفرق أو التاريخ الذي كتب من قبل علماء الفرق تاريخ جدير أن يكون من أصح التواريخ، فهؤلاء لم يكونوا يكتبون مترجمين لوجهات نظر الدولة الأموية، أو وجهات نظر الدولة العباسية، أي إنهم ما كانوا مقربين إلى ذوي النفوذ في هاتين الدولتين اللتين تعتبران البناء المتكامل للعقل العربي الإسلامي؛ فبما أنهم لم يتعاملوا مع هاتين الدولتين، (1/13)
صفحة 14
فإنهم أبعد من أن يكونوا تحت تأثير الناقدين فيجاملوهم في كتاباتهم، أي إن تاريخهم، أو بالأحرى التاريخ المكتوب بأقلامهم، لا يعكس وجهة نظر الدولة الإسلامية فيكون أشبه " بالتاريخ الرسمي " والتاريخ الرسمي تاريخ سياسي، فنسبة الصحة فيه ضئيلة؛ فمن المعلوم أن الإباضية والجعفرية والفرق الأخرى التي كانت تناهض الدولتين – الأموية والعباسية – ما كان قضاتهم مع الحكام والولاة لهاتين الدولتين، فيقوموا بإصدار فتاوى لهم لاستحلال دماء بعض
الناس، أو استخراج حيل شرعية للولاة لتحليل حرام أو تحريم حلال؛ ولم يرو عنهم أنهم كانوا ينتقلون من مذهب إلى آخر؛ طمعا في منصب القضاء، فهم – إذا – عندما يتحدثون عما كان يجري في هاتين الدولتين إسلاميا، فإن شهادتهم تكون أجدر بالقبول لبعدها عن تبرير المواقف.
وإذا كان للفرق عثراتها وزلاتها؛ فإن لغيرهم عثراتهم وزلاتهم، غير أن كثيرا من الناس يغضون البصر عن سيآت ما يحبون، وينقبون عن سيآت ما لا يحبون.
عندي أن المسلمين جميعهم على قدم المساواة لا توجد ميزة تنفرد بها طائفة دون غيرها، فتبادل التهم مهاترات لا تصل إلى السماء؛ لقد آن الأوان للتخلي عنها، فقولك إن مذهبي هو المختار الصحيح المقبول عند الله هو قول قلته أنت، لم يقله الله، ولم يقله رسول الله، فثق أن غيرك راض عن مذهبه ومطمئن فيه، فعندما تفني نفسك بصحة وسلامة اعتقادك، فإن فتواك هذه من باب مدح أعطاف الذات فإن غيرك أيضا يستطيع فعل نفس الشيء، والواقع أنه ينبغي أن تبتعد الانفعالات العاطفية عن المسائل الدينية.
والله ولي التوفيق،،،
عمر بن الحاج محمد صالح با
(عمر با)
نيودلهي – 19/ 6 / 1981م (1/14)
صفحة 15
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا رسول الله
كلمة الافتتاح
لا يخامرني شك في أن معظم المسلمين – غير الإباضيين – في حاجة إلى تعريف بالمذهب الإباضي لأسباب منها عدم انتشار هذا المذهب انتشار باقي المذاهب في العالم الإسلامي، فيطرق الآذان ذكر اسمه كثيرا.
ومنها ظن معظم الناس أننا لسنا في حاجة إلى مزيد من المذاهب، وكأن هذا المفهوم المفترض واقع فعلا، ويمحو وجود باقي المذاهب، فنتج عنه تجاهل المذاهب الصغيرة " عددا ".
غير أن المبرر الذي نعتبره أكثر إلحاحا لتعريف الناس بالمذهب الإباضي، هو السعي لإزالة فهم تاريخي خاطئ عن هذا المذهب، تداوله الكتاب وأصبح سائدا في الأوساط العلمية وغير العلمية " التقليدية " وهذا المفهوم يتحمل تبعته كتاب غير دقيقين في كتاباتهم، ولا مقدرين مسئولية الكاتب نحو المادة العلمية التي يقدمها إلى الجمهور كشيء خالد له دوره في تكوين الفكر البشري.
فنحن ندرك تماما أن معظم الأخوة من المسلمين لا يعلمون حول ما إذا كان هناك مذاهب إسلامية عدا المذاهب الأربعة الموصوفة " بالسنية " وهي المالكية والشافعية والحنبلية والحنفية؛ بل حتى أولئك الذين نالوا قسطا وافرا من الثقافة الإسلامية، وإن كانوا يعلمون أن هناك مذاهب أخرى، فإنهم يعتقدون ويحكمون – مسبقا – بفسادها، لأنها – مسايرة لفلسفتهم – (من الفرق الضالة)، فهم إذا سمعوا عن فرقة اسمها " الإباضية " تعوذوا أو " الجعفرية " استرجعوا، وكأنما آذانهم اقترفت ذنبا من الكبائر.
ولعل العامل في ذلك هو لما لوقع كلمة " السني " من زنين موسيقي مؤثر في النفس، وهي كلمة تكاد تكون محتكرة – اصطلاحا – لتلك المذاهب، وتصف بها نفسها وتتلقب بها.
ذلك لأن كلمة " السنة " رديف مباشر يأتي بعد القرآن الكريم، وعليه فإن المعنى المتبادر إلى الذهن عند قولنا – المذاهب السنية – هو أنها تمشي طبق سنة (1/15)
صفحة 16
الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى ضوء تعاليم القرآن الكريم، ملتزمة بهما التزاما مطلقا لا شذوذ فيه، ولا استثناء، ولا مخالفة مثال ذرة، فهي – إذا استنادا إلى مفهوم هذا الاسم إسلاميا – من الصحة والسداد، بحيث لا يأتيها الباطل من أي مأتى، فمن أين يأتيها هذا الباطل وهي تسترشد بالقرآن، وتهتدي بهدي السنة الغراء!.
وعليه فإن غيرها من تلك التي – لا توصف بالسنية – ليست سنية بكل ما في " عدم السنية " من معنى مبعد عن الحق والسداد، ومن مجافاة جوهر الدين، والتخلي عن مصدرية الصحيحين: الكتاب والسنة.
وبناء على هذا المفهوم فإنها ليست بملتزمة بما ورد في كتاب الله وسنة رسوله، إذ لو كانت ملتزمة بهما لتسمت بتلك التسمية " المذهب السني ".
وهذا المفهوم الخاطئ سبب مباشر " من جملة أسباب أخرى قد نذكرها لاحقا "، لإدبار معظم المسلمين عن المذاهب الأخرى، بل حتى ضنّوا عليها باسم (مذهب) وسمّوها (فرقا، جمع، فرقة " وهذا شأن المسلمين من أنصاف المتعلمين.
وأما العارفون منه بحقائق الأمور، فإنهم إما أن يكونوا قد عرفوها بعد أن فات أوان تصحيح الأخطاء لشيوعها شيوعا فاحشا، وإما لأنهم أخذوا بمبدأ اللامبالاة وترك الأمور كما هي، وإما لأن محاولة تصحيحها تضر وتقلب الموازين التي قد تم استقرارها، وإما لأن " جهلها لا يضر "، وإن معرفة تفاصيل أصول جواهر المسائل العلمية من خصائص المتخصصين، والراسخين في العلم، ولا بأس في انفرادهم بها كامتياز، وأما العوام فلا أحد يسهر على تصحيح عقائد العوام في أمور كهذه.
فهم إن قيل لهم: إن الفرقة الإباضية ليست فرقة بمعناها الموحي بالانعزالية، بل هي مذهب، تساءلوا كيف؟ أيتأتى لها ذلك؟ وإذا قيل لهم: - علاوة على ذلك – إنه ليس مجرد مذهب فقط، بل إنما هو مذهب سني ممعن في سنيته لالتزامه بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، زادوا في غرابة هذه الدعوى، وقالوا من يعترف له بذلك؟ ومن يشهد؟ وكأنه في حاجة إلى معترف يعترف، أو شاهد يشهد. (1/16)
صفحة 17
وعللوا رفضهم بأن أي مسلم يبغي الانصهار في بوتقة المرضي عنهم (إلهيا) فعليه – لا مندوحة – باتباع أحد مذاهب السنة والجماعة.
ولا أعتقد أن أحدا ينازع على ثبات الذي قلته، والحق أنه مفهوم واسع جدا يكاد يعم سائر المسلمين السنيين؛ غير أنه من الملاحظ في أسلوب كثير من المعاصرين من الكتاب الإسلاميين من السنيين التحرر من عقدة الشعور " بالأفضلية " إلى حد ملموس، والميل إلى إعطاء كل ذي حق حقه طبق موازين منطقية علمية معقولة، بعيدة عن روح التعصب المذهبي، أو تكرار أقوال المتعصبين من القدامى الذين عاشوا أجواء مشحونة بصراعات فلسفية، نتيجة ضيق الأفق الفكري، أو إقحام السياسة في المسائل الدينية البحتة مما ولد سوء فهم، وتفاهم، ألحق بالأمة ضررا فادحا.
ثم، لنا أن نتساءل: هل من المسلّم به أن يعكس الاسم حقيقة المسمَّى كشيء بديهي؟ أولا نرى أقواما يحملون أسماء إسلامية في منتهى العظمة والقدسية لدى المسلمين في حين أن سلوكهم سلوك أعتى مشرك، وتصرفهم تصرف أرعن ملحد، وأعند كافر؟ تعيش " الأسماء " فالاسم لا يعدو كونه علما، وفقط، سواء أكان اسم إنسان أم اسم شيء من الأشياء.
وبخاصة في المحيط الديني، حيث السلوك والمحل وسلامة الاعتقاد، المعيار الذي يعرف به رجحان الكفة أو نقصانها، فالله لا يحاسب الناس على أعمالهم يوم قيامتهم على ضوء أسمائهم، إذ لو كانت الأسماء في حد ذاتها نافعة لحامليها، وشافعة لهم مجردا من أي عمل حميد عند الله، أو تحدد رجحان كفة الميزان يوم الجزاء، لما كان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من اسم سوى اسمه " أو أسمائه " صلوات الله وسلامه عليه، ولما حافظ المسلمون على أسماء سلفهم الصالح أمثال أبي بكر، عمر، عثمان، علي (رضوان الله عليهم)؛ بل لقد رأينا أبناء الصحابة في حياة محمد صلى الله عليه وسلم يحملون أسماء غير أسمائه صلى الله عليه وسلم أمثال عبد الله، حسن، حسين الخ .. ولم نسمع بأنه صلى لله عليه وسلم طلب أو أمر بتغيير الأسماء؛ غير أننا سمعنا – والحق – عن حديث يقول: (خير الأسماء ما حمِّد أو عبِّد) على فرض صحته، وأعتقد أن المقصود هو التيمن والتبرك، لا التفضيل بمعناه الديني. (1/17)
صفحة 18
والحق أن اسم أهل " السنة، الشيعة، الإباضية " اصطلاحا، ولا مشاحة في الاصطلاح؛ فالاصطلاح إنما الغاية منه خلق اسم جديد لمسمى جديد، وغالبا ما تكون هذه الأشياء والأفكار المستحدثة والآراء المستنبطة .. لكيلا يحصل التباس يبنها وبين نظيراتها من تلك العواتق من الأسماء: أسماء الأشياء، وليتبادر إلى الذهن ذلك الشيء المقصود في الاسم الجديد فور ذكر اسمه مباشرة.
غير أننا – رغم تسليمنا برونق وجاذبية اسم " السنة " – فإنه اسم كان له في مرحلة من مراحل التاريخ الانتقالي مفهوم لا يدعو إلى التباهي.
إنه كان في الزمان الأول قبيحا، لكون المراد بالسنة التي سنّها معاوية في سب (علي) وشتمه على المنابر، فصار ذلك سنة ينشأ عليها الصغير ويموت عليها، حتى غيرها عمر بن عبد العزيز في خلافته فأهل ذلك الحال هم أهل السنة في ذلك الزمان، ثم اندرس هذا السبب واختفى؛ وفي مرحلة أخرى لاحقة أخذت كلمة " السنة " مفهوما آخر جديدا أقرب إلى حقيقتها في معناها اللغوي والديني، فأخذوها وفسروها بأنها سنة النبي وتمسحوا بها، وجمعوا بين المتضادين في الولاية، وهم يعلمون أن الحق مع فريق منهم، وخالفوا سنتهم الأولى " سبّ الصحابة في المنابر " لحين صارت الدولة لبني العباس من بني هاشم (1).
__________
(1) (العقود الفضية: ص71،نقلا عن المسعودي و الحاكم ( (1/18)
صفحة 19
عبد الله بن أباض والإباضية
المذهب الإباضي الذي نحن بصدد ذكره، ينسب إلى التابعي/ عبد الله بن أباض/ فمن هذا الرجل؟
قال خير الدين الزركلي في الأعلام: عبد الله بن أباض المقاعسي المروي التميمي من بني مرة بن عبيد بن مقاعسي: رأس الإباضية وإليه نسبتهم، اضطرب المؤرخون في سيرته وتاريخ وفاته، وكان معاصراً لمعاوية، وعاش إلى أواخر حياة عبد الملك بن مروان، قال: وأخبار الإباضيين كثيرة في التاريخ القديم والحديث ولا يزال مذهبهم منتشراً، ويردف قائلاً باقتباس عن كتاب "أبو الهول" قال لي لا تزال بقية هؤلاء "الإباضية" في بلاد الجزائر وهم يعيشون على وتيرة منظمة وتقاليد عريقة ولا تحكم بينهم محاكم الدولة، وإذا ماطل مدين دائنه دخل المسجد وأعلن ذلك. وحينئذ يقاطع المدين فلا يسلمون عليه ولا يعاملونه حتى يوفى ما عليه، قلت والقول ما زال لصاحب الأعلام، وهم في المشرق اليوم أكثر أهل المملكة العمانية، ولهم فيها الإمامة والسيادة. أما في الجزائر فبلاد وادي ميزاب معظم سكانها إباضية ولهم في كل بلد منها مجلس يسمى مجلس العَزّابة "بفتح العين وتشديد الزّاي" وهو جمع عازب ويعنون به من انقطع للعلم والدين عزوباً عن الدنيا، ويتألف من عشرة أشخاص، يجتمعون في مسجد البلد، ويفصلون بين المتقاضيين ابتعاداً عن الرجوع إلى المحاكم غير الإسلامية. وهي هناك فرنسية (قبل استقلال الجزائر) ومن أبى حكمهم أعلنوا البراءة منه، فيقاطع حتى يرد الحق ويتوب. أ هـ (1).
قال دونالدهولي: "ينسب المذهب الإباضي إلى عبد الله بن أباض الذي ظهر ذكره حوالي عام 64هـ 683م. وإذ نشأ في عهد معاوية بن أبي سفيان، وتوفي في خلافة عبد الملك بن مروان" (2).
__________
(1) (الأعلام، خير الدين الزركلي، ج4، ص184 (
(2) (دونالدهولي: عُمان ونهضتها الحديثة، ص 167 ( (1/19)
صفحة 20
غير أن المؤرخين مختلفون بعض الاختلاف في شخصية عبد الله بن أباض هذا الذي اشتق منه اسم المذهب الإباضي كما اختلفوا حول حصول الصحبة له وعدمه. ومنهم من ذكر بأن الصحبة حصلت له لوقت قصير. ويشير أطفيش إلى أن عبد الله بن أباض كان صحابياً لفترة قصيرة من الوقت، نقلاً عن كتاب "رسالة شافية" (1).
غير أن الثابت باتفاق المؤرخين هو أنه كان تابعياً. ويذكر بعض المؤرخين الإباضيين أن ابن أباض قد نشأ في زمن معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى زمن عبد الملك بن مروان (4 (2).
والحق أن عبد الله بن أباض نفسه يذكر في رسالته المشهورة التي بعث بها إلى عبد الملك بن مروان بأنه أدرك معاوية وأنكر عليه أشياء من أعماله وتصرفاته، وهذا – إن صح – يدحض كلمة "نشأ في عهد معاوية" لأنه لينكر على معاوية شيئاً من أعماله، فلا بد أن يكون في مستوى من العمر والثقافة يؤهلانه لوعي ما يجري في الدولة الإسلامية من أحداث وأمور، والقدرة على الحكم لها أو عليها، فإنكاره على معاوية شيئاً من الشئون المتعلقة بالشريعة وقضاياها يفهم بأنه كان مهتماً بالأحداث الجارية اهتمام العارف بها والمتتبع لها عن كثب وإن لم يبلغ درجة التورط فيها. وأنه أيضا كان على جانب من الثقافة والإدراك والتمييز ما يسمح بنقد سياسة معاوية نقداً علمياً مستنداً على الكتاب والسنة.
اللهم إلا إذا كان المقصود هو النشوء الفكري وليس نشأة الولادة، ومهما يكن من أمر عُمر عبد الله بن أباض، فإن من المسلم به هو أنه أقدم بكثير من أبي حنيفة ومالك وناهيك عن الشافعي وابن حنبل.
غير أنه لم ينل شهرة في دنيا المذاهب تضارع شهرة أصحاب المذاهب الأربعة الكبرى لموقفه تجاه الحكام وموقف الحكام تجاهه وتجاه مذهبه، لأن الحكام حاربوا مذهبه، وحالوا بين الناس وبين معرفة حقيقة ذلك المذهب سوى كونه من الخوارج المعتدلين.
__________
(1) الدكتور عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 71
(2) نفس المصدر، نقلا عن الأزكوي والحارثي (1/20)
صفحة 21
لأنه كان يمثل إحدى جبهات الرفض السياسية الأموية والعباسية، ذلك لأنه مذهب واكبت نشأته تكون اللّبنة الأولى لبناء دولة الإسلام لعهد ما بعد الخلفاء الراشدين. وتكون المجتمع سياسياً واجتماعياً على ضوء التغييرات التي حصلت بعد انتقال الحكم من خلافة إلى ملك. فكان لزعماء "المذهب الإباضي" رأي ثالث، كما سيظهر خلال الصفحات القادمة من هذا الكتيّب؛ لأنهم – أي زعماء الإباضية والخوارج – أنكروا أن تكون القيادة محصورة في (قريش)، سواء أكانت في يد بني هاشم أم بني أمية. مع العلم بأنهما – رغم اختلافهما فيما بعد اختلافاً حادّاً – فإن القرشية تجمعهما نسبيّاً.
فالزعماء الإباضيون لم يؤيدوا الأمويين طوال حكمهم، بل لم يعترفوا بهم ولاة شرعيين على المسلمين، ما عدا عمر بن عبد العزيز، وكذلك كان موقفهم تجاه العباسيين.
في حين أن قضاة المذاهب الأربعة الأخرى وزعماءها تعاملوا مع الحكم العباسي خصوصاً، مما ينبئ إقرارهم بصحة وشرعية الحكومات المذكورة عدا انتقادات لسلوك بعض الولاة والأمراء من قبل أئمة المذاهب الأربعة. بدرجات متفاوتة غير أن موقفهم عموماً تجاه الحكومات الأموية والعباسية مهما كان متشدداً فلا يشابه موقف كل من الإباضية، والجعفرية، اللتين كانتا ذواتي موقف رافض تماماً، ولم تتعاملا مع الحكومتين قط.
فالإمام الشافعي نفسه مثلاً كان قرشياً فلا ينتظر منه أن ينكر زعامة قريش على المسلمين، أو تكون مسألة نقل الزعامة منها إلى غيرها موضع نقاش بالنسبة إليه، وهذا لا يعني أن المذاهب الأربعة قالت بحصر الزعامة في يد أسرة واحدة أو قبيلة واحدة.
يد أن الزعيم الذي ينسب إليه المذهب الإباضي، عبد الله بن أباض، في وضع مختلف تماماً عن وضع رؤساء المذاهب الأخرى، لاختلاف المواقف نتيجة الاختلاف في تقدير الموقف المتولد عن فلسفة الخلافة.
ذلك لأنه – كما أشرنا – أدرك الحوادث والأحداث وهي لمّا تزل طازجة، وهي تلك الأحداث التي انقسمت الأمة الإسلامية من جرائها إلى مجموعات وفئات (1/21)
صفحة 22
تتطاحن وتتصارع سياسياً إلى حد تبادل الاتهامات بالكفر والشرك، وعايش الصحابة، وسمع منهم حججهم مباشرة. وموقفه – إذاً – موقف متولد عن إدراك الأمور كما هي.
كما أنه اشترك في الدفاع عن الكعبة المشرفة إلى جانب عبد الله بن الزبير ضد الجيش الأموي الشامي. مع أن وقوفه جنباً إلى جنب مع عبد الله بن الزبير لا يعني أنه كان مهادناً له، بل كانا مختلفين في وجهتي نظرهما السياسية. وإنما كان موقفه وأصحابه احتساباً.
إذاً، فإدراكه الأمور ومعرفته أسبابها مباشرة لا عن طريق الرواة والمؤرخين أعطاه ميزة ينفرد بها من بين أئمة المذاهب في رأينا فكان لا بد أن تنعكس مواقفه على أتباعه وتلاميذه. وإن كان هؤلاء الأتباع أصبحوا تلاميذ الأستاذين العملاقين، وهما عبد الله بن أباض. وجابر بن زيد الأزدي.
وعلى ضوء معطيات موقف فلسفة المذهب تجاه الحكام فما كان له أن ينتشر أبداً. لأنه ليس بمذهب يتصف أتباعه بخلو الذهن عن جوهر أسباب الخلافات ومسبباتها. فموقف ابن أباض موقف منبثق عن دراية وإدراك للأمور بكل أبعادها، لا عن تخمين أو تفسير وتأويل للأحداث. والحق أنه كان للمذهب الإباضي – كمذهب – زعيمان، زعيم روحي وهو جابر بن زيد والذي سوف نتناوله بالكلام والدرس. فقد كان جابر هذا عالماً مشهوراً ومشهوداً له بالتبحر في العلم، وكان قد أخذ العلم عن ينابيعه الصافية ومنابعه النقية من الصحابة الكرام أنفسهم مباشرة. لقد كان من بين أساتذته الأجلاء – ولعلهم رؤساء أساتذته – أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وثلاثة من العبادلة المشهورين، وفي مقدمتهم عبد الله بن عباس الملقب (بحبر الأمة) وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزعيم سياسي أو قائد للحركة، وهو عبد الله بن أباض (*).
ونكرر قائلين بأن معلوماتنا عن ابن أباض لا تسمح لنا بتقديم معلومات دقيقة عنه في سائر نواحي حياته. فمثلاً أين ولد؟ وأين مات؟ ومع ذلك، فرغم اضطراب المعلومات عنه فإن معظم المصادر الأجنبية تشير إلى أن اسم المذهب الإباضي مشتق من اسم عبد الله بن أباض، فعرفته بأنه رجل من قبيلة تميم العربية. (1/22)
صفحة 23
وحتى اسم (عبد الله بن أباض) لم يتفق كل المؤرخين على تحديده. لقد ورد في كتاب "نشأة الحركة الإباضية". أما مالطي فينسب الإباضية إلى شخص اسمه "أباض بن عمر" ويذكر أن أتباعه قد خرجوا من سواد الكوفة، فقتلوا وسبوا الذرية. – إذاً – فنحن أمام شخص آخر يحمل اسم "أباض بن عمر" ويزعم المالطي أن المذهب ينسب إليه.
غير أن صاحب كتاب "نشأة الحركة الإباضية" يبادر في نفس السياق إلى دحض هذه المعلومة التي أوردها المالطي؛ لأنه لا يمكن الركون إليها لأنها تخالف جميع الروايات الواردة في المصادر الأخرى المعروفة لدينا (1). ويضيف قائلاً – إمعاناً في نقض معلومات المالطي: "وكما أن المؤلف – يقصد المالطي – يورد أخباراً وأعمالاً منسوبة إلى الإباضية لا تقرها أيضاً المصادر المتوافرة التي تتكلم عن نشأة الإباضية ومبادئها وسلوك أتباعها تجاه الآخرين".
إذاً فالسيد / خليفات / لم يفته أن يفند مزاعم – المالطي – لبعدها عن روح المبادئ الإباضية وسلوك أتباعها واستحالة قيامهم بأعمال تنافي تماماً ما عرفوا به من تحريم التعرض لأعراض المسلمين أو سبي ذراريهم، كما هو ثابت في كتبهم ومشهود – تاريخياً – في تصرفهم. ويضيف أيضاً، فيقول: "أما السمعاني، فيرى أن الإباضية تنسب إلى شخص يدعى الحارث الإباضي ويسمي فرقته بالحارثية، وواضح خطل هذا الرأي، لأن الإباضية لم يطلق عليهم يوماً من الأيام اسم "الحارثية". ويقول: وكذلك المقدسي فإنه ينسبهم – يقصد الإباضية – إلى رجل يدعى الحارث بن أباض. ويرد اسم الحارث هذا وفرقته عند بعض مؤلفي المقالات مثل الأشعري وابن حزم، ولكننا لا نجد ذكراً لهذا الرجل، ولا لفرقته في المصادر الإباضية مما يدل على خطل هذا القول" (2).
أما بعد، فإني أرى أنه من الجدير بالتنويه هنا – إنصافاً – هو أنه رغم
__________
(1) نشأة الحركة الإباضية.
(2) المصدر السابق: نقلاً عن "التنبيه" للمالطي. والبدء والتاريخ للمقدسي. والزينة في الكلمات الإسلامية للرازي (1/23)
صفحة 24
اضطراب حقيقة شخص عبد الله بن أباض في نظر بعض المؤرخين، فإن المصادر الإباضية الموثوق بها في (هذا المجال) لم تختلف في اسمه أو نسبه. بل إنني أزعم بأن هذا الاضطراب ناشئ عن عوامل، منها تعمد بعض الكتاب من المؤرخين لتوافر سوء النية في كل ما يتعلق بالفرق، لأن معظم الذين اختلفوا بشأن شخص عبد الله بن أباض هم من الذين يستخفون شأن هذا الرجل بغية خلق غموض حوله؛ ليتسرب الغموض إلى فرقته ومذهبه، مما يتيح فتح مجال واسع للمعلقين للقول بأنه شخص / وهمي / أو / دخيل / في الإسلام، مجهول الهوية. إلخ .. كحرب نفسية ضد أتباعه.
ومنها ضيق الأفق في النظرة، واستخفاف المراجع الإباضية التي هي مضان وجود كل شيء متعلق بالإباضية، مفصلاً ومغربلاً. وإلا فإن تلك المراجع في متناول يد الجميع من الدارسين والكتّاب، غير أني لا أستبعد حصول الشيئين معاً أي سوء الفهم وسوء القصد – كمحاربة الفرق – بدون إدراك أن محاربة الفرق، لا تقتضي عدم تقصي الحقائق العلمية، لأن ذلك تجن على العلم. فسوء الفهم هنا يكمن في عدم التمييز بين الأسماء، كعبد الله بن أباض، أو أباض بن عمر، أو الحارث الإباضي. فهؤلاء المؤلفون لو تجشموا مشقة استنطاق المراجع وكتب السّير، وأخلصوا النية، لسلموا من الاضطراب أو الحيرة.
وسوء القصد: هو – كما أسلفنا – الاستخفاف وعدم الرغبة في الاستفادة من كتب القوم، واعتبارها موثوقة بها علمياً وتاريخياً، قصد إلقاء ضوء كاشف يقود الراغبين – جدّياً – إلى استقاء معلومات دقيقة إلى هدفهم. فمعظم المؤلفين من الفرق ينطلقون من مبدأ إثبات فساد آراء الفرق. فمن كان هذا وازعه في أول خطة يخطوها، فلا ينتظر منه بأن يأتي بشيء جديد نافع.
وقد يرى البعض من كلامي صفة المبالغة، فإني – وأيم الحق – مسلّم تماماً بصحة هذا الافتراض – فتجاربي الشخصية مع الناس في كل ما يتعلق بالفرق والمذاهب الصغيرة (الغير السنيّة) أثبتت بصورة لا غبار عليها، بأن مثل هذا التفكير والنوايا واردة جداً، وإلا، فقولوا لي بربكم: كيف يجهل شأن رجل تابعي عظيم كعبد الله بن أباض له بصمات واضحة في التاريخ الإسلامي، حيث كان ذا رأي في مسائل إسلامية وسياسية واجتماعية معروفة، رجل شارك في الدفاع عن مكة المكرمة (1/24)
صفحة 25
ضد الجيش الشامي، وهو حدث بارز في التاريخ الإسلامي، ورجل جاهر برأيه فكانت له مكاتبات ومراسلات مع عبد الملك بن مروان، وله مواقف مشهودة مع المتطرفين من الخوارج، بلغت عظمة وتأثير شخصيته أنه انتسب إليه رهط ذو شأن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ورجل له من العلم والمعرفة ما جعله يتصدى لمقارعة السلاطين والغلاة حجة بحجة – إذاً – فإنسان كهذا من المدهش أن يجهله التاريخ أو يطمر صيته في ثنايا غباره، مهما تعددت وكثرت أسماء سميّه. (1/25)
صفحة 26
الإباضية كمذهب
الإباضية – في الصحيح – واحد من المذاهب الإسلامية، ولعله أقدم وأعتق مذهب إسلامي، فله جذور ضاربة في عمق التاريخ الإسلامي ويمكن فهم ذلك بسهولة خلال مقارنة تاريخية بين مؤسسي المذهب الإباضي، أمثال عبد الله بن أباض، وجابر بن زيد الأزدي البصري "التابعيين" وبين مؤسسي المذاهب الأخرى، فالإباضية والجعفرية أعتقدهما لدات بصرف النظر عن الاشتهار وعدمه.
فالمذهب الإباضي ينسب إلى عبد الله بن أباض السابق ذكره، وهو تابعي كبير له مكانة بارزة في التاريخ الإسلامي. غير أن الإباضيين يفضلون نسبة مذهبهم إلى جابر بن زيد الأزدي العالم المعروف المشهور، ويقولون: إن خصومهم هم الذين "فرضوا" عليهم هذه التسمية، أي الإباضية، بدلاً من "الجابرية"، فعبد الله بن أباض كان رجلاً دعا المسلمين إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وذلك عقب الأحداث التي امتحن بها المسلمون وافتتنوا بمحاربة بعضهم بعضاً أيام خلافة الإمام علي، جزاء تمرد معاوية وشقه وحدة كلمة الأمة المسلمة ورفضه الانصياع للإمام الشرعي. ومن خضم تلك الأحداث وما تمخض عنها من ملابسات متشابكة، وما تولد عنها من قضايا معقدة متلاحقة، فيما بعد انبثقت من خلال غبار تلك الصراعات السياسية أفكار ومبادئ أخذت لها حيزاً في الوجود الفكري في المجتمع الإسلامي.
فعبد الله بن أباض كان واحداً ممن عركتهم تلك الأحداث وخرجوا منها باقتناعات معينة، فغدا يدعو الناس (المسلمين) إلى الكتاب والسنة، لا يهاب الجبابرة، ولا يحابي الظلمة، ولا يداهن في الدين، وكما أسلفنا فإن إمام المذهب (فقهياً) هو التابعي الكبير والعالم الجليل جابر بن زيد الأزدي البصري "العماني مولداً" وكان واحداً من الذين اعترف لهم ابن عباس بالباع الطويل في العلم، لقد روى البخاري عنه، وبذا يكون "قد جاوز القنطرة" على حد تعبيرهم.
غير أنه مما يؤسف له حقاً أن المسلمين من بقية المذاهب، ظلوا إلى سحاب نهار يومنا هذا يحملون انطباعات غير أخوية ولا إيجابية "عما يعرف بالفرق" مثل "الإباضية" "الزيدية" "الجعفرية"، نتيجة أوهام مصدرها تخمينات وسوء ظن. (1/26)
صفحة 27
وكان من الممكن ألا يستمر ذلك طويلاً؛ لأن كل ما تولد عن سوء فهم يمكن إزالته بالتفاهم ومبادلة الآراء.
غير أن تباين المواقف، عندما يتصف بالأنانية، فمن النادر أن يؤدي إلى اتفاق وتفاهم، ذلك لأن "أهل السنة" – كأغلبية مطلقة من بين المسلمين – هم المطالبون بالإصغاء إلى شكاوى الأقليات "الفرق" وإتاحة الفرص لها لعرض حججها بروح رياضية دمثة، غبر أن هذا مما لم يحدث، فسرعان ما برى علماء منهم أقلامهم ليكتبوا عن الفرق بعنف لا يقل عن عنفهم عندما يكتبون عن الخصوم من أهل الأديان الأخرى، فوصفوها بالفرق الضالة الهدامة التي على المسلمين محاربتها والحذر من أفكارها. وهي كتابات – في الواقع – ملؤها الوهم والطعن نابعين عن عدم الإخلاص، كما أنها كتابات لم تخل مما يدل على جهلهم بالموضوعات التي طرقوها. ولم يقرهم على ما قالوه المكتوب عنهم. فعجبي لا ينتهي من إنسان يضع نفسه "المقيِّم" لأعمال عباد الله، يكفر من يشاء، ويتوب على من يشاء، فإن الإيمان والكفر ملك يديه يمنع هذا، ويمنع ذاك، وكأنما الجنة مزرعة خاصة له يفتح أبوابها لمن شاء ويوصدها في وجه من يشاء.
ونظراً إلى كون هؤلاء (كتاب مقالات الإسلاميين) يعتبرون من كبار العلماء، لذا أصبحت كتاباتهم ومقالاتهم المراجع الأساسية لمن يريد معرفة شيء عن الفرق، مما أتاح لمعلوماتهم الاستمرارية، فأصبحت منابع للأقلام المتأخرة. والحق أن معظم الكتابات المعاصرة تكاد تكون مجرد اجتراء لما سبق وكتبه الأوائل، فالمكتبة الإسلامية على الرغم من امتلائها بكتب ذات عناوين عصرية موحية بالحداثة، فإن المتصفح لها لا يكاد يجد فكرة جديدة، أو رأياً مستنبطاً بالاجتهاد بديعاً، فكلها نسخ، ونقل، ومسخ، بالمد حيناً، والمط آخر، والتحوير طوراً. فنادراً ما يوجد كتاب يضع المراجع التقليدية، التي فقدت طعمها، من كثرة ما ليكت جانباً، محاولاً الإتيان بجديد في موضوع قديم وكأن هضم أقوال السلف والتشدق بها غاية العلم ومنتهاه.
والذي نرى أن الضرورة قد اقتضته هو الرجوع إلى مراجع الفرق وكتبهم التي كتبوها، لمعرفة أفكارهم وآرائهم سليمة غير محكية على ألسنة غيرهم، فإن مراجعهم متوافرة، وفي متناول يد كل من يريد الاطلاع عليها. (1/27)
صفحة 28
قال السيد مصطفى بن إسماعيل المصري: إن المذهب الإباضي نسبة إلى عبد الله بن أباض هو أقدم المذاهب تاريخياً وأوثقها مصدراً وأصحها تأويلاً وأحفظها للباب طهارة الدين الحنيف، ونقاوته وسماحته وزكاوته. وعلى ذلك فليس ثمة مراء في أنه هو الطريق الحق الذي كان يمضي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة معه ا هـ (1).
ويقول أبو ربيع سليمان الباروني: "ظهر المذهب الإباضي في القرن الأول من الهجرة، فهو أقدم المذاهب الإسلامية على الإطلاق، إذ أن إمامه المنسوب إليه عبد الله بن أباض التميمي هو من التابعين الأولين المعاصرين لعبد الملك بن مروان موطد الملك الأموي المشهور. وكانت لذلك مع هذا مراسلات نصائح غالية لعبد الملك تحتم عليه أن يعمل بأوامر الشرع، فيعدل في الحكم بين الناس ليستوجب الطاعة التي يدعوهم إليها" (2).
وسالم بن حمود بن شامس السيابي السمائلي في كتابه "أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج" يقول: "الإباضية أمة من أمم الإسلام، إمامهم عبد الله بن أباض التميمي المعروف، زعيم ديني وإمام رضيّ، شهر مقامه بين رجال الحق وزعماء الرشد، لم يزل داعياً إلى الله جاداً، إماماً مرشداً، ولياً لأولياء الله، رضياً في دينه، لا يهاب الجبابرة، ولا يحابي الظلمة، ولا يداهن في الدين، ولا يميل إلى أهل الأهواء والبدع. وهذه لهجة أهل الحق في الإسلام، وسيرة الأتقياء الأعلام. فلما فشى خبره بهذا في الأمة الإسلامية، وشاع نبؤه في أقطار الإسلام وعوالمه أضيف إليه من كانوا كذلك من الأمة ونسبوهم إليه، وهو كما ترى لم يكن إماماً له مذهب خاص ولا مسألة واحدة في الدين" (3).
والمستر (دونالد هولي) في كتابه "عمان ونهضتها الحديثة" قال عن المذهب الإباضي ما لفظه: "إذا كانت البصرة المركز الرئيسي للفتوحات الإسلامية، تتبعه غالبية أهل عمان". ويقول السالمي المؤرخ العماني: "إن
__________
(1) العقود الفضية في أصول الإباضية.
(2) مختصر تاريخ الإباضية، ص19
(3) أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج، ص2، تحقيق وشرح الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف: جامعة عين شمس. (1/28)
صفحة 29
الدين الحق هو أشبه بالطير، وضعت بيضته في المدينة المنورة، وفقست في البصرة، ثم طار إلى عمان" (4). إلى أن يقول: "تمسك الإباضيون بمبادئهم التي اتخذت صبغتها وقالبها في الأصل من مدينة البصرة، وهم يخالفون السنة والشيعة في أنهم لا يعتقدون بضرورة وجود إمام أو أمير دائم ظاهر للدولة الإسلامية. ولكن الإباضيين ظلوا ملتزمين بأنه عند وجود الرجل المناسب لولاية المسلمين، فينبغي مبايعته وفق طريقة معينة.
وفي خصوص نشأة المذهب الإباضي يقول، ويقول الإباضيون: إن مذهبهم قد نشأ، وبرز ما يقارب من مائة سنة من نشوء المذاهب الأربعة، وهي مذاهب ابن حنبل وأبي حنيفة ومالك والشافعي. والإباضيون محقون في قولهم هذا إلخ (5).
-----------------------------------
(11) دونالد هولي: عمان ونهضتها الحديثة، ص167.
(12) نفس المرجع. (1/29)
صفحة 30
نظرة شخصية في نسب الإباضية
يفضل الإباضيون _ رغم استقرار الاسم تاريخيا- أن ينتموا إلى جابر عنه إلى ابن أباض (*)، فيرون أن الأول هو الإمام الفعلي لهم فقهيا، وان الثاني ماكان له من دور سوى الدفاع عن الرعيل الأول من اتباع هذا المذهب. وانه ماكان يصدر من عمل إلا بإذن الإمام الروحي الفعلي وهو جابر. وان ذلك كان تكتيكا متعمدا - من الإباضيين، قصد إخفاء الإمام الحقيقي، إتقاء سطوة الجبابرة من ملوك بني أمية وأمرائها. غير أننا - رغم تسليمنا بإمكان وقوع هذه الصيغة – نميل إلى رأي مخالف عن سبب نسب هذا المذهب إلى ابن أباض نفسه، لا إلى جابر. فنحن نرى أن ابن أباض هو الإمام الفعلي للمذهب منذ نشأته.
وابن أباض كان ذا رأي اجتماعي وسياسي في كيف ينبغي أن تصاغ الدولة الإسلامية الناشئة الفتية. ولم يكن مجرد إمام روحي يعظ ويرشد ويذكر، إن نفعت الذكرى. كان ذلك، وإلا يكون قد أدى ماعليه، وهو التبليغ، شان الوعاظ في المساجد والقصاصين فيها، كلا بل إنه اعتبر نفسه أحد أركان الإسلام وجنوده، فلم يؤثر الإنكار باللسان والقلب- وهما أضعف الإيمان _ فمشاركته لابن الزبير في الدفاع عن الكعبة ضد الجيش الشامي يشير بصراحة إلى أنه كان متورطا في الأحداث وضالعا في تلك الاهوال التي كانت تمر بها الأمة الإسلامية أيامئذ.
فمهما استاء الإباضية في وصل إمامهم ابن أباض بحلقة الخوارج، فغن من المعلوم أن ابن أباض كان واحدا منهم بادئ الأمر، وكان ينتمي إلى معسكر الرفض، وذلك قبل أن يختلف معهم في التفاصيل، ويؤثر القعود، فالنصوص التاريخية التي بين أيدينا تقول: بان زعماء المحكمة عندما رجعوا إلى البصرة من الحجاز جرى بينهم نقاش حول مايجب عليهم فعله في تلك الظروف والتطورات، فهل الخروج واجب أو البقاء مع المسلمين والتعايش معهم أفضل وأحمد، وأخيرا اتفق رأي قادتهم على الخروج وكان من بينهم نافع بن الأزرق، وعبدالله بن أباض. غير أن ابن أباض سرعان ماغير رأيه وذلك عندما " جن الليل وسمع " دوي " القراء (1/30)
صفحة 31
ورنين المؤدنين (1) وحنين المسبحين" "مما أثر عليه واتعكس على ماكان مضمرا تنفيذه من برامج واستيقن أن القوم مسلمون ولا يجوز الخروج عليهم. وإن كان نوع إسلامهم بالنسبة إليه في حاجة إلى التقويم والتنقية، ومن هنا قال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معهم. فقرر القعود ورجع وكتم أمره. وهنا - في الواقع- انقسمت قيادة المحكمة إلى قيادتين: معتدلة ومتطرفة. فالمتطرفة أصبحت تعرف بغلاة الخوارج لتكفيرها باقي المسلمين وارتئاها جواز بل وجوب الخروج عليهم، ونتيجة للحروب التي خاضت، والغزوات التي شنت عليها انقرضت، وبخاصة إذا علمنا أنها لم تكن لها روافد تصب عليها، وهي _ إذا _ كانت في تناقص مستمر، بدلا من التنامي والازدياد، حيث كانت مرفوضة من قبل باقي المسلمين، ومحاربة من قبل الدولة أيضا، فضلا عن الإنقسامات التي حصلت فيما بينها مما أفقدها القوة الكمية. فهذه العوامل لم تترك لها فرصة للبقاء. وحفظ النوع (إن جاز هذا التعبير عليها).
واما ابن أباض - مما لاريب فيه - فإنه كزعيم لا بد أن يبقى معه الذين رأوا رأيه، وبما أنه بالأمس فقط كان أحد زعماء الخوارج، فإنه اليوم - بعد انشقاقه عنهم - أصبح رئيس الجناح المفضل للبقاء، فتلقائيا ينعقد لواء الرئاسة له، ونحن نستطيع التصور بأن المحكمة كانوا من الكثرة العددية بمكان، كما كانوا على جانب عظيم من قدرة التأثير، لما لهم من قوة المنطق، وسحر البيان ويكفينا دليلا على هذا انهم قبلئذ كانوا قد أفحموا عبدالله بن عباس سفير الإمام علي إليهم وخصموه وهو من هو علما (2). وهنا يستمر دور ابن أباض وتتعاظم مهمته، وهي الدفاع عن آرائه وخلفه أتباعه المعجبون بآرائه السياسية والاجتماعية والدينية بعد أن انفصل عن القيادة العامة للخوارج. فهنا كان عليه أن يقاتل في جبهتين. فهو
__________
(1) 1 انظر العقود الفضية في أصول الإباضية. قارن نشأة الحركة الإباضية
(2) وهناك من يرتاب في صحة هذه المناظرات التي قيل أنها جرت بين الخوارج وابن عباس فمهما يكن من أمر، فإننا نعلم أن الإمام عليا مع بلاغته لم يستطع ثني الخوارج عما اعترفوا فعله، وان ابن عباس اعتزل معسكر الإمام. ويقال: إن ذلك حدث نتيجة اقناع الخوارج له. (1/31)
صفحة 32
على الرغم من انفصاله عن الخوارج فإن ذلك لا يعني أنه هادن الدولة وتبنى فلسفتها بل إنه باق على رأيه نحوها فلم يتغير. ويدافع عن موقفه الجديد، ويبرره للخوارج ويثبت صحته، فهي مواقف لا شك تطلبت منه أن يقول، ويقول كثيرا.
ففلسفته - إذا - كانت قريبة من أذهان الناس، وآراؤه كانت قابلة للنقاش من قبل السواد الأعظم من جمهور المسلمين، لا كآراء الخوارج المرفوضة جملة، وأخرى يجب القول بها، وهي أن الناس كل الناس كانوا قد تعبوا من المشاكل وسئموا الثورات، وسهكوا من سفك الدماء. فليس حتى من فرط الذكاء القول بان معظم بل الأغلبية المطلقة من علماء الأمة وعوامها - كانوا يكرهون الحكم الأموي ويرون فيه حكاما استبداديين، وبعيدين كل البعد عن الروح الديني والشريعة المحمدية. ولئن كانت الخوارج قد غالوا في تمسكهم في الدين، حتى عسروا على الناس، ونفروهم من أنفسهم. فإن الملوك والأمراء من الأمويين - قد غالوا في استخفافهم للشريعة، وأكثروا في الأرض الفساد وقتلوا الناس بالظنة. إذا: فالناس - كما قلنا - كانوا بين فكي الكماشة، الخوارج المغالية المتطرفة من جهة، والحكومة الغاشمة من جهة أخرى.
لقد كان من بين العلماء الذين لم يخرجوا ممن يعتد بهم أمثال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وابن عباس وغيرهم وغيرهم كثيرون. و أما ابن أباض، فإنه - فيما ظهر- كان ذا آراء مختلفة مع هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم. و أما جابر بن زيد، فآراؤه على ما يظهر كانت آراء غيره من علماء البصرة من التابعين، وإن كانت تتفق مع آراء ابن أباض استنادا إلى الإباضية.
وهذا هو سر تأثير ابن أباض في المذهب أكثر من جابر بن زيد وغطت شهرته شهرة جابر. بالنسبة للقيادة الفكرية، لأنه - قبل - كان قد برز على مستوى النص. وهذا لا يتناقض مع كون جابر م رجع القوم مذهبيا - في وقت لاحق (*) - بعد أن أخذت المعارضة الإباضية تنتظم في سلك التكتل والتحزب المنظم، وتبلورت آراؤها وفق التطورات إلى أن أخذت طابعا متميزا، له صفة وهوية متميزتان، ثم (1/32)
صفحة 33
شيئا فشيئا، شرعت الأفكار السياسية تذوب وتضمحل، وتحل محلها المسائل الفقهية ذات الطابع الشرعي المحض. فيستحيل مذهبا فقهيا خالصا يعني- رئيسيا - بالمواد الشرعية وشرح النصوص القرآنية التشريعية والأحكام والعلل والأصول الخ.
نحن نرى أن جابرا هو الذي انضم إلى الحركة الإباضية فالقرائن تؤيد ذلك (*) فتوطد العلاقة بين الرجلين بتلك السرعة بعد إلتقائهما - يوحي بأن جابرا كان يتتبع أخبار (جبهة الرفض) المتمثلة في الخوارج. فلولا غلو الخوارج لانضم إليها معظم العلماء. وآية ذلك انه عندما رأوا شخصا برز من الخوارج وانشق منهم، ثم دعا إلى أفكار معتدلة ومنطقية لم يتردد جابر في الانضمام إليه، لأنه مهما تكن آراء ذلك الشخص، فإنه سوف تكون أحسن من إسلام الأمويين وولاتهم.
إذا فلو أن الخوارج كانوا قد انتهجوا نهجا لينا يسيرا لالتف الناس حولهم بغية إزالة الأمويين. غير أن الناس رأوا أنه ليس هناك كبير فرق بين إفراط الخوارج، وتفريط الأمويين وتحاشوا منهما معا.
وأثناء ذلك كان ابن أباض يعيد النظر في مواقف الخوارج السابقة، ويشذب مواقفها على ضوء اقتناعاته الجديدة. فكان أن انضم إليه جابر فجاء غيثا على زرع، فجابر قضى عمره كله في العلم والتعلم والتعليم، فكسبه إلى جانب ابن أباض كان نصرا لهذا الأخير.
بالإضافة إلى رصده القومي الضخم " قبيلته " فكسبه إلى جانب العالم القادر على تفريع المسائل وتنقيتها وشرح النصوص وتفسيرها وإلقاء الأضواء على غوامض المسائل والمستغلق من المعضلات فرصة عظيمة لجابر لإيصال آرائه إلى أكبر قدر ممكن من الناس عن طريق ابن أباض، وهكذا كان كل منهما مكملا للآخر. ومما يزيدنا تمسكا بهذا الرأي أي - كون جابر منضما إلى مدرسة ابن أباض الفكرية- هو ان شيخه - أي شيخ جابر وهو عبدالله بن عباس - سبق أن خاض نقاشا " فلسفيا "/اسمحوا لي / بعد انفصال المحكمة، واقتنع بآرائهم، رغم عدم مناصرته إياهم، وهو لا شك كان يتحدث عنهم بشيء من الإجلال لثبات عقيدتهم وجرأتهم في الحرب فهي أمور تستهوي المسلم؟ والإسلام مازال طازجا. وإذا (1/33)
صفحة 34
علمنا أنه كان هناك إعجاب متبادل بين الشيخ - ابن عباس- والتلميذ جابر بن زيد، فهمنا، بالإضافة إلى ما سبق من عوامل - وجود استعداد نفسي لدى جابر للتفاهم مع ابن أباض على ضوء تمهيد ابن عباس للطريق، والذي نقصده بالتمهيد هو الحديث المستمر المفترض من ابن عباس عن الخوارج، فإنضمام أبي الشعثاء لحركة ابن أباض كان قد تم بتشجيع من ابن عباس معنوي – فعبدالله بن عباس هذا في الواقع- كان مناصرا لهذه الحركة، وإن لم يصدع برأيه لأن اللياقة والعلاقة الدموية كانتا تحولان دون المجاهرة بانضمامه إليهم.
وعند إبداء بعض من المحكمة مرونة أكثر انضم إليهم جابر تلميذه، وكان هناك أكثر من عامل مشترك بين ابن أباض وجابر وهو مشاطر الإحساس والشعور بان بني أمية قد استخفوا بالدين وحولوه إلى ملك عضوض باتباعهم سياسة العنف والتعسف والجور على الرعية ولا يستغرب أيضا أن يبغض جابر بني أمية مسايرة لأستاذه ابن عباس - كعامل ثانوي بالنسبة لجابر -فابن عباس كان - في ألطف تعبير - من خصوم الأمويين لأسباب دنيوية وأخروية. دنيوية لأنهم استأثروا بالأمر دون بني اعمامهم من الهاشميين، فليس عجبا أن يرى جابر رأي أستاذه، وهو هاشمي. وأخروية، لأنهم حولوا (النبوة) من خلافة إسلامية إلى ملك كسروي لا يمت إلى الدين بصلة إلا بقدر ماهو شعار للدولة (*).
فنحن مازلنا نرى أن ابن أباض قبل لقياه جابرا كان قد شبع شهرة. فعند التقائهما التقاء فكريا كان ابن أباض منهمكا في شرح مبادئه وأفكاره وهي مبادئ تماطرت وتضافرت في رأسه.
1 - وهو من جملة " الذين خالفوا عليا في قبول التحكيم ثم تحولوا عنه ". فهذا يحتاج إلى شرح وتفسير دائمين للناس لتبرير المواقف.
2 - انه مخالف للدولة الأموية في سياستها للرعية وسياستها الدينية أيضا. وهذا - بدوره - يحتاج إلى شرح وتفسير دائمين.
3 - انفصاله من الخوارج الغلاة وأصبح واحدا من أعدائهم. وهذا يحتاج أيضا إلى تبرير ومناقشات ومحاجات ليوضح المسوغ للقعود. ويحاول دحض وتفنيد (1/34)
صفحة 35
آراء وأفكار رفاقه القدامى الذين رأوا في الخروج الصواب، فعدم خروجه - هو بالذات - يعد خيانة ومهادنة للمشركين " المسلمين الآخرين ".
فهذه الأمور مجتمعة جعلته مشغولا بالدفاع في حين ان الإمام جابرا تفرغ لتفقيه باقي الأتباع – اتباع المذهب، وتكوين الخلايا السرية للحركة " بلغة العصر " ومن هنا وجد زعيمان للمذهب، الزعيم السياسي العتيد للحركة - وهو ابن أباض، والزعيم الجديد الروحي لها، وهو الإمام جابر. وبما أن العلم والسياسة إذا اجتمعا فإن العلم يعلوا ولا يعلى عليه؛ لأن العمل من طبيعته البقاء والسياسة بنت ساعة ومن طبيعتها الاندثار و الإندراس. لأنها بنت أحداث وتطورات معينة تموت بموتها، لذا فإن آراء ابن أباض إما أن تكون قد ماتت بموت الأحداث والأسباب، وإما أن تكون قد ذابت من خلال آراء وأفكار أبي الشعثاء العلمية الفقهية المدونة. وهكذا.
غير أنه على الرغم من بروز اسم جابر وحب الأتباع له وإعجابهم بعلمه. فمن الصعب - فنيا وإداريا - على منتم إلى حركة تدعوا أيدولوجية معينة أن يقفز معه اسمه فورا نحو المقدمه، ويحتل مركز الصدارة في حين أن المؤسسين أحياء يرزقون، اللهم إلا إذا كان إنقلابا.
وهنا يأتي الدارسون للحركة بحجج كثيرة كعلة لبروز اسم ابن أباض كقائد للفرقة في حين أن اسم جابر بن زيد ظل مستورا فيرون السبب هو:
1 - لأن الفرقة كانت في مرحلة الكتمان، فكان على العامل - تقديرا للظروف أن يخفي اسمه، لأنه هو المنظر للحركة والموجه لها وأبوها الروحي.
2 - تصرفات ابن أباض للدفاع عن المذهب كانت بمثابة أعمال صادرة عن جابر نفسه لان الأول كان يصدر في أعماله بأمر الثاني.
3 - أن ابن أباض كان ينتمي إلى قبيلة " تميم " الكبيرة جدا فكان بوسعه أن يجاهر بالعداء للدلوة الأموية، ويقسوا عليها بانتقاداته مسندا ظهره إلى قبيلته ومحتميا بها ومعولا على قوتها.
فهذه هي العلل التي قالوها. غير أني لا أرتاح إليها ولا أسلم بسلامتها، فإني أرى أن غيرها أصوب وأقرب إلى طبيعة الأشياء في رجال مثل جابر بن زيد. (1/35)
صفحة 36
فأرى أن جابرا لم يبرز اسمه وقتئذ ليس لخشية بطش الأمويين - رغم أني لا أنكر احتمال عدم مجاهرته بآراء مضادة لهم - بل كتموا اسمه لان اسمه لم يبرز كإباضي إلا لاحقا. فمسألة كتمان العقائد (1) أجد شيئا في نفسي لقبولها. وإذا علمنا ان سلفنا الصالح كانوا مستعدين دوما لمواجهة أي طارئ مهما اشتد في سبيل الله، وإيثارهم دوما الأخذ بالعزائم دون الرخص، علمنا أن " حكاية " كتمان العقائد هذه حكاية قابلة للنقاش لافتقارها إلى مايؤيدها كقرائن.
فجابر بن زيد كان في الواقع واحدا من بين رجال يشار إليهم بالبنان علما وفضلا، فهم ماكانوا ليلجئوا إلى كتمان أمورهم، وهم الخاصة، وقادة العامة، ومحط انظارها. فنحن نعلم أن سيدنا الحسين بن علي خرج من الحجاز إلى العراق؛ تلبية لدعوات أهل العراق مشددين له المواثيق والعهود بالطاعة والمناصرة. وانه إن رفض القيام بعد تردي الأوضاع الدينية، فسيكون المسؤول أمام الله لضياع ماضاع فذهب رضي الله عنه مع تحذير المحذرين له، ثم كانت النتيجة ان قتل. ولم يأخذ بالرخصة. بل - بعد الحسين - لقد قرأنا تاريخ كثير من أصحاب المذاهب الآخرين ضربوا وعذبوا؛ نتيجة مواقف لهم وآراء، فمنهم من مات متأثرا بالعذاب الأليم كابن حنبل وأبي حنيفة، ولم نأخذ الأمثلة من بعيد وهناك مثل قريب منا. هو موت الشهيد سيد قطب بعد ان رفض الأخذ بالرخصة، وآثر العزيمة علما بأن (الطغمة) كانت (1) قد طالبته بتقديم رسالة استرحام فرفض.
وهنا بهذه المناسبة يحلو لي إن أنقل للقارئ الكريم قولة مشهورة للإمام حسين الهضيبي عندما استأذنه بعض الناس في الأخذ بالرخصة بعد اشتداد محن الإخوان في مصر، فقال:" لا أكره أحدا على الأخذ بالرخصة والوقوف معنا، ولكني أقول لكم، إن الدعوات لم تقم يومابالذين يأخذون بالرخص (2).
__________
(1) انظر: أيام من حياتي: زينب الغزالي ص 183 - دار الشروق
(2) أيام من حياتي: زينب الغزالي ص 27، دار الشروق. (1/36)
صفحة 37
ما أبلغ هذا الكلام وأصدقه، أروع به.
مع العلم أن جابرا ومع مايقال عن كتم حقيقة شخصه، فإنه حبس وعذب وحتى عندما أفتى "بمسألة الخنثى " فإنه كان قد جيء به من السجن، فقد قال لهم يومئذ:" اتستفوني وفي رجلي قيودكم " (1) وعليه فإنه لم يكن هناك مبرر لكتم العقائد خشية التعرض للأذى، لأنه كان قد وقع فيه .. ولماذا الخشيةمنه. وإذا قبلنا المنطق القائل بأنه كان يخفي مبادئه الحقيقية ويجاهر بأخرى، فإن القائلين بذلك يكونون قد لصقوا به تهمة ممارسة " التقية " وهو سلوك يعيرون به الشيعة ويقولون عنهم إنهم يمارسونه وأنه ضرب من النفاق (*) كما أنه نوع من " ذي الوجهنية " مع أني لست مع القائلين بهذا الرأي الساذج، فظروف الحياة تضطر الإنسان أحيانا إلى أن يمارس أسوأ أنواع التقية. فمن منا لم يمارس (2) التقية يوما؟ والذي نراه صحيحا هو انه ماكان بارزا كإباضي رغم أنه كان بارزا كعالم ومعلم. وشكليا ماكان بوسع اسمه أن يضارع اسم المؤسس في التنظيم. نعم فالحركة الإباضية أيامئذ لا يمكن أن يطلق عليها اسم " مذهب " مهما كان لانها - كحركة - ماكانت قد نضجت وتغربلت وأخذت قالبا مذهبيا فقهيا محدود المعالم كما هو اليوم، لأن الفقه وكثيرا من المسائل الأخرى كلامية وفلسفية - ماكانت قد تميزت وهذبت وأصبحت علما له حدوده وتعاريفه الدقيقه. فالناس في أمور دينهم كانوا يعتمدون على النصوص القرآنية وسنة النبي - قولا وعملا - وأعمال الصحابة مع بعض اجتهادات المجتهدين من التابعين، وقد لا ننكر أن جابرا كان أقدر على تفريع المسائل، والنظر في أبواب الفقه من ابن أباض. لذا اشتهر اسمه فقهيا في حين أن ابن أباض كان ركن من أركان الحركة ومرجعها.
__________
(1) العقود الفضية في أصول الإباضية. ص99.
(2) 2 انظر: المهزلة في العقلية البشرية للدكتور علي الوردي. وطالع كتاب الصلة بين التصوف والتشيع " فصل التقية (1/37)
صفحة 38
غير أن المؤرخ الإباضي محمد علي دبوز يرى أن الأمويين هم الذين أطلقوا عليهم " الإباضية " هذا الاسم نسبة إلى عبدالله بن أباض. لأن الأخير كان من علمائهم وشجعانهم والمناظر باسمهم، كما ان الأمويين لا يريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر، حتى لا يجذبوا إليهم الأنظار ولا يبدون في هالة جابر المشرقة. فتميل إليهم النفوس، فنسبوهم إلى عبدالله بن أباض، والحق أني لم أجد مسوغا لقبول هذا الكلام، والذي أراه صائبا- كما قلت كثيرا - هو أن المذهب الإباضي - كمذهب - لم يكن قد تكون بعد، وإن كان قد تكونت نواته فكان لم يتعد حدود بعض المسائل المتداخلة كتداخل سائر الأمور في تلك المرحلة المبكرة في التاريخ الإسلامي حيث كانت المسائل ذات النزعة السياسية البحتة تلبس بألبسة دينية لجلب الجماهير.
فرغم حرصي البالغ على إعطاء الفرق حقها ن وخاصة الإباضية، في هذا المجال، فإنه لا يسعني إلا ابداء مخالفتي لهم، فانا أرى أن الإباضيين قد بالغوا كثيرا في لصق جابر إليهم (*) وفي زعمي أنها محاولة / بوعي تاريخي / لإزالة شبح الخوارج عنهم لعلمهم في أعماقهم أن ابن أباض كان أحد الخوارج (1) ولعلمهم أيضا ان الناس من غيرهم يعلمون ذلك. ولا يمكن محوه - كحقيقة واقعة – من ذاكرة التاريخ. غير اني اعود فاقول أن التاريخ وإن ذكر خارجية ابن أباض، إلا أنه هو نفس التاريخ الذي ذكر بانه خالفهم بالرأي أخيرا، فانفصل عنهم وبين فساد رأيهم - إذا - فلم يعد خارجيا.
واما القول بان الأمويين هم الذين لصقوه بابن أباض، لا إلى جابر حسدا من عند أنفسهم، فقول لا أعده أنا انا من الأقوال الراجحة. وهنا يحلو لي أن أدافع عن الأمويين. فالأمويون لم يكن لهم أدنى مصلحة في ربط أو إبعاد اسم جابر بالحركة الإباضية. فنحن نرى أن الأمويين كانوا يسمون شيعة الإمام علي " شيعة علي " ولم ينسبوهم مثلا إلى عمار بن ياسر تو سلمان الفارسي أو غير هذين ممن لا ينكر تشيعهم لعلي، ولا ينكر أيضا أنهم دون الإمام علي جاها ومرتبة وعلما. فلماذا
__________
(1) انظر نشأة الحركة الإباضية. قارن بـ: الإباضية في موكب التاريخ (1/38)
صفحة 39
يفترض بأن الأمويين حسدوا الإباضية؛ لذا لم يسموهم باسم إمامهم الحقيقي- جابر - وعدلوا إلى تسميتهم باسم أحد تلاميذه - ابن أباض -؟! وكان الاولى - والحالة هذه- أن يحسد الأمويون الشيعة، فينسبوهم إلى رجل دون علي بدرجات. لأن عليا فوق جابر في كل شيء من الأشياء وآلق هالة منه. وجابر دون علي في كل مجال من المجالات. فامويا إن الإمام عليا وشيعته أخطر وأبغض من جابر وأتباع جابر.
وكلمة اخرى أقولها: وهي انه بشيء كثير من التجوز والتسامح نقبل قول الإباضية بان إمامها هو جابر بن زيد. إذا الحقيقة أن التابعين أمثال جابر وسعيد بن المسيب والحسن البصري- كانوا للأمة كلها فنحن لا نرى أن يقال عن أحدهم: غنه كان لهذا المذهب دون ذاك. اللهم إلا إذا كان المسوغ هو ان غالبية الإباضية هم عمانيون، والإمام جابر عماني، لذا وجدوا أنهم اولى به من غيرهم اقليميا.
وهذه الشيعة تنسب عبدالله بن عباس إلى نفسها وتدعيه لقرابته عليا، فنحن لا ننكر تشيعه، إذا ماكان بوسعه إلا أن يتشيع لعلي، لأنه في معرض الاختيار بين علي ومعاوية فلابد ان يختار عليا. فالإباضية تقول إنه أستاذ إمامها - جابر - وهو بالتالي أستاذها (*) والحق الذي نراه هو أن الصحابة الكرام والتابعين ماكانوا أصحاب مذاهب ولا ينتمون إلى أي مذهب، لان المذاهب قد تكونت بعدهم وبالتالي فإنه لا معنى لنسب أحدهم إلى مذهب معين فقهيا، فكل المذاهب الحالية باختلافها بنيت على ضوء الأحاديث التي رووها، او تفسيرات أو اجتهادات لهم.
دعوني أخيرا أكن صريحا وهو ان معاصري جابر كانوايعلمونه كاحدهم لا كإباضي (*) فلو أن جابرا كان مشهورا في البصرة- كأكبر مدينة يومها في العالم الإسلامي _ على أنه قائد لإحدى الفرق لفسدت سمعته.
فنحن نرى أن احدهم ماكانت تقبل منه رواية لانه باصطلاحهم- يتهم بالتشيع- إذا فلو كان جابر من الذين يتهمون بالتشيع أو يرى أفكارا لإحدى الفرق الضالة (*) لما كاناسمه في الوسط العلمي كاسمه اليوم.
اخواني الأعزاء في الإسلام: تعالوا نقل إنه لا تثريب على الإباضية إذا كان إمامها عبدالله بن أباض، كما انه لا تثريب ولا غضاضة على المالكيين إذا كان (1/39)
صفحة 40
إمامهم مالك بن أنس، دعوا التعصب والأوهام والجدال. فخذوا القرآن والسنة فكونوا عباد الله لا إخوان فرقة. والسلام عليكم.
فعندما تكونت الفرقة الإباضية كانت قد مرت بمراحل تكوينية كثيرة، وهي أمور طبيعية لكل تنظيم شبه سري: فحينما دعوا بـ "المسلمين " وطوروا بـ" جماعة المسلمين " وتارة بـ " أهل الدعوة ووو إلخ ... غ‘نني أرى أن هذه هي الجماعة التي كانت مع ابن أباض عند وبعد انفصاله من الخوارج الذين آثروا الخروج. فالأمويون كانوا يعلمون ان تلك الجماعة تحت قيادة عبدالله بن أباض، فلذا كانوا يضيفون تلك الجماعة إليه "ابن أباض" كتمييز لها من الخوارج الخارجين على الدولة والمسلمين جميعا، والقول بأن ابن أباض كان يدافع عن " الإباضية " جهرة لانتمائه إلى قبيلة تميم القوية، قول غير سديد عندنا، فإننا نرى لذلك تفسيرا أقرب إلى المنطق.
ذلك لانه عندما انفصل ابن أباض عن الخوارج الغلاة، وآثر الجنح إلى السلم، والإقناع بالنقاش لا بالمسايفة، كان بذلك قد تخلى عن مبدأ " العنف الثوري" الذي كان يدعوا إليه الخوارج ولا يؤمنون بسواه وسيلة للإقناع. إذا، فانتهاجه نهج " المعارضة المعتدلة" جعلها معارضة كلامية غير ذات خطر. لقد أصبح هو كباقي الصالحين من الأمة الذين ينكرون على الولاة والأمراء أمورا بدون أن يروا الخروج عليهم.
ولقد رأينا الحكومة الأموية تحارب الخوارج أصحاب مبدأ " العنف الثوري" أو الكفير بالقوة إلى نهاية عمر العهد الأموي. في حين أنها_ أي الحكومة الأموية - كانت تهادن القعدة- وإن كان أسلوب معاملتها للقعدة كان يختلفباختلاف أمزجة الأمراء من قبل الأمويين في دمشق وفق تصرف القعدة أنفسهم.
والصحيح أن القعدة كانوا قد أصبحوا - بصيغة من الصيغ - أسرى في يد الدولة. فالحكومة كان بوسعها الانقضاض عليهم متى ما رأت أنهم بدأوا يتخطون حدود المعارضة المعقولة. فنحن - بعد إجازة من القارئ الكريم- لو نظرنا إليهم بمنظار أحداث القرن العشرين، لا تضحت الأمور جلية في معادلة بسيطة. (1/40)
صفحة 41
نعم، لنأخذ: إيران الشاة مثلا. كمثل رائع في الشدة والقمع للخصم،- وهناك كثيرون أمثاله في العالم الإسلامي_ ومن المصادفات ان المعارضة الدينية الإيرانية _ قبل نجاح الثورة _ كانوا يطلقون عليه اسم " يزيد العصر" نعم لقد رأينا ان حكم الشاة - رغم جبروته - قد كان ترك بعضا من المعارضين. لقد كان في ظله - رحمه الله - ثلاثة أنواع من المعارضة هي:
1 - معارضة رجال الدين، ممثلة في شخص آية الله الخميني فهي معارضة جادة، فرأى الشاة أن بقاء الخميني خطر على الشاهنشاهية. وحاول القضاء عليه، وأبعده خارج إيران، وظل سماحته يعمل على إسقاط الشاة حتى نجحت مساعيه فكان له ما أراد وهو القضاء على الشاه.
2 - معارضة الشيوعيين: فهي في الواقع - لو كانت منيعة السور شامخة القلاع- معارضة خطرة. غير انه كان من اليسير تمييعها، نظرا لسهولة بث عناصر دخيلة فيها، وبالتالي الاستحواذ على قيادتها وكشف خططها وبرامجها فجعلها متقوقعة في نفسها. تكثر من الشعارات الثورية واستخدام المفردات ذات المدلولات الراديكالية، بدون أن تكون قادرة على ترجمتها عمليا. لانها في الواقع تقاد من قبل أشخاص مندسين وعناصر دخيلة خادعة تلعب دورين مزدوجين، وهذا عين ماحصل عندما نجحت الحكومة في تسريب عناصرها من - السواك - إلى الحزب الشيوعي الإيراني، فأصبحت أسرارها- تلقائيا في يد الدولة. ومع ذلك فإن الحكومة قد ظلت ترقب حركاتها وسكناتها. وقمعت كثيرا من عناصرها.
3 - معارضة اليسار: وهي المعارضة المكتفية بالتصاريح الرنانة والمواقف ذات المردود السياسي جماهيريا، وهي ليست أكثر من تخدير وتسكين. وهذا النوع من المعارضة في الصحيح تخدم النظام خدمة كبرى، لانها لا تؤثر على الأحداث لا سلبا ولا إيجابا لعدم وجود برنامج واضح او غاية منشودة تسعى إلى تحقيقها. بل إنما هي معارضة لأجل المعارضة كغاية ليس غير. وهي في الواقع معارضة تكرس الألم الذي يعانيه الشعب. وتنفث رقاها على جروح الشعب، ممنية له باندماج الجرح يوما إن عاجلا أو آجلا، غير أنها غير صادقة في نفسها لانها تعلم ان حياتها (1/41)
صفحة 42
مرهونة ببقاء النظام، فموت النظام على يد معارضة فعلية صارمة صادقة يعني موتها هي أيضا وهذا ما حدث للمعارضة الثالثة في إيران ممثلة في شخص الدكتور السنجابي والدكتور يختيار. وهما كانا معارضين للشاه غير أنهما لم ينفيا، ولم يلحق ولم تقترب بهما "فرقة الموت " التابعة للبوليس السري " سواك ".
فهما في الواقع كانا يخدمان الشاة حيث يعلمان أو لا يعلمان لأن الشاه كان يباهي بهما كثوريين حقيقيين وطنيين معقولين مثقفين. ويقدمهما إلى العامل كعلامة للديمقراطية. إذا لولا الجو الديمقراطي .. بالمفهوم الشاهي، لما تمكنا من القيام بالمعارضة.
" أقرأ بعصرك ما الأهواء تكتبه = تنبئك عما مضى في سالف الدهر
فهذا المثل - عزيزي القارئ- ضربته، وهو في عصرنا كتقريب إلى الأذهان لأصل إلى حقيقة وهي ان معارضة ابن أباض بعد انفصاله عن - المحكمة - لم تكن معارضة تشكل أي خطورة على الدولة. بل بالعكس _ لقد استفادت الدولة منه كثيرا من وجوده كمعارض، فلم تقتله إذا لم يكن ثمة أي معنى لقتله.
و أما وجه الاستفادة منه فإنه حيث ان الدولة كانت تقاتل مجموعة شرسة من الأشاوش الأشداء من الخوارج، فغن انقسام هؤلاء يضعفهم. كما انه لم يكن من مصلحة الدولة أن تتحرش بابن أباض فيلحق بأصحابه القدامى فيشكلوا قوة خطيرة. ولسان الحال سوف يقول: إن الأمويين في الحقيقة غير مبالين إلى حقن الدماء، وهو إحساس كان سيساعد مناوئيهم - وهم عديدون - على تأليب الناس على رؤوسهم.
إذا فترك عبدالله بن أباض غاديا رائحا في بحبوحة السلام يبدي ملاحظاته الانتقادية كان أفضل لبني أمية سياسيا لأنهم يكسبون وراء تلك السياسة اللينة أشياء كثيرة (*) منها:
1 - ليبرهنوا للناس انهم لا يحاربون- الخوارج- رغبة في الحرب وسفك الدماء، ولكن السبب هو أن هؤلاء الخوارج خارجون عن الإسلام والجماعة وطاعة أولى الأمر. (1/42)
صفحة 43
2 - أن قعود القعدة لدليل على سلامة رأي باقي المسلمين، ولدليل آخر على خطل رأي باقي الخوارج من الغلاة.
3 - فهاهنا فقط في هذه النقطة نستطيع القول بان الحكومة الأموية تركته لأجل كسب قومه من بني تميم متجاهرة بذلك، فالحكومة هنا ستوهم قومه بأنه "لولا الاحترام " لكان لنا شأن به كشأننا مع باقي الخوارج. فيقول هؤلاء" زادكم الله سلطانا، وأكرمكم كما أكرمتمونا يا بني أمية ".
والصحيح الذي لا مراء فيه هو أنه لو كان ابن أباض بعد قعوده يشكل خطرا على بني أمية لقتلوه أو لتخلصوا منه بوسيلة أو بأخرى، ولا تستطيع أي حامية أن تحميه. بل لكان قتله باسم " حماية أمن الدولة ".
فالأمويون - قبل - كانوا قد قتلوا الحسين بن علي وهو أكثر أهمية لدى العرب والعجم- كمسلمين- من عبدالله بن أباض. فلم يعاقبهم معاقب رغم وجود بني هاشم، بل رغم وجود باقي المسلمين. فالحسين إسلاميا، في مركز فوق القبلية لأنه هو. (1/43)
صفحة 44
((تناقض))
وقعت الإباضية في تناقض واضطراب بشأن تقييم مركز عبد الله بن أباض في المذهب. فهم يريدون إظهاره بمظهر العالم المتبحر في العلوم الإسلامية ليبرروا في لا وعيهم تبعيتهم له كما يتبع المالكيون مالكا لأنه عالم يستحق الاتباع. والحنفيون أبا حنيفة والشافعيون الشافعي .. الخ. ولكن نظرا لرغبتهم الشديدة في " تخفي" ابن أباض مذهبيا، والارتباط بجابر نظرا لاعتراف كل المذاهب به عالما ثقة ليشملهم هذا الاعتراف جعلهم يقعون في تناقض في تقييم شان الرجل. فالمسلمون الآخرون لم يعترفوا بابن أباض عالما موثوقا فيروي عنه العلماء الأحاديث لأنه كان بادي " الإباضية " عكس جابر الذي ينكر السنيون إباضيته في حين يصر الإباضيون على إباضيته سرا. إذا ومن هو منهما أعلى مقاما من الىخر، علميا في المذهب.
فالإباضيون يقولون إنه ماكان ليصدر عنه أي عمل إلا بمشورة جابر، أو بإذن منه. غير انه من الصعب قبول هذه اللهجة. في حين أن الإباضيين أنفسهم يصفونه بأنه " فارق جميع الفرق الضالة عن الحق وهم المعتزلة والقدرية والصفارية والجهمية والخوارج والروافض والشيع. وهو أول من بين مذاهبهم ونقض فساد اعتقاداتهم ابلحجج القاهرة والآيات المحكمات النيرات والروايات النيرات الظاهرات. (1)
والشماخي يقول " وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد ".
فعجب لأمر هذا الرجل الذي يكون إمام أهل التحقيق ورئيس من بالبصرة الذي ناظر الخوارج المتطرفين، وقارع الشيعة بالحجة، وناظر القدرية والمعتزلة ورئيس القعدة. أن يكون هذا مركزه علميا. وان يكون في الوقت نفسه لا يصدر من اعمال وسلوك إلا بأمر من الإمام جابر، أو يقال: ان دوره في المذهب دور إعلامي ثانوي، ليس له صلة بأسّ أساس المذهب فمن المستحيل- علميا - أن يكون تلميذ لجابر ليلا، ومناظرا للخصوم نهارا. فرأي الشماخي على ما يظهر غير صائب.
__________
(1) العقود الفضية (1/44)
صفحة 45
فنحن لم نسمع بأن جابرا نفسه ماكان يصدر إلا بأمر من ابن عباس. رغم ان جابرا نفسه يعترف بالتلميذية لعبدالله بن عباس ويعترف بأن ابن عباس يفوقه علميا. ولولا ذلك لما قال:" أدركت سبعين من أهل بدر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فحويت ماعندهم إلا البحر. يعني ابن عباس. (1)
فنحن نرى - ومن جديد - أن زعامة ابن أباض " للفرقة " استمرت حتى عندما اختلف القعدة أنفسهم في البصرة، وانشقت السفارية عن الإباضية إي أن زعامة ابن أباض قد بقيت على فرقته. وعليه فما جابر إلا عضو انضم إلى الحركة بعد تكونها.
جاء في شرح منظومتي " أنوار العقول " وكشف الحقيقة المسمى " بمشارق أنوار العقول" في ترجمة للمؤلف بقلم الشيخ خالد بن مهنا البطاشي قوله: ولئن سمانا التاريخ فرقة الإباضية كما لغيرنا من الفرق أئمة فإن إمامنا الحق الذي لا نهتدي بغير هدية، ولا نقلد سواه إنما هو محمد صلى الله عليه وسلم. ليس لغيره حق الإمامة إلا بالأسوة الحسنة. وفي هذا المعنى قول المؤلف في كشف الحقيقة:
إن المخالفين قد سمونا= بذاك غير أننا رضينا
وأصله أن فتى أباض=كان محاميا لنا وماضي
مدافعا أعداءنا بالحجة=وحاميا إخواننا بالشوكة
من ذاك لا تلقى له في المذهب=مسألة ترسمها في الكتب (2)
فيفهم من هذا الكلام أن المذهب الإباضي- كمذهب فقهي- لا ينسب إلى عبدالله بن أباض لان البيت الأخير يقول بأنه لن تجد في المذهب مسألة واحدة تنسب إلى عبدالله بن أباض، فنحن نوافق على ذلك - فقهيا- و أما أصول المذهب وجذوره، فأمور تعود إليه. ويقول سالم بن حمود الحائل في كتابه:" أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج" وهو - أي ابن أباض- كما ترى لم يكن إماما له مذهب خاص، ولا مسألة واحدة في الدين .... إلخ. إذا، وكيف نسبت إليه الفرقة ولم تستطع حذف اسمه طوال هذه المدة الممتدة إلى أعماق جذور التاريخ. لو
__________
(1) العقود الفضية في الأصول الإباضية ص 91
(2) مختصر التاريخ الإباضي (1/45)
صفحة 46
أن اسمه كان قد اقترن بهذه الفرقة اقترانا وثيقا في وقت مبكر. قبل أن تتحرك - الحركة - إلى (مذهب فقهي) كباقي المذاهب، ولو لم يكن إمامها الفعلي، لما طغى اسمه عليها بهذه الصفة الملازمة. وليس من الرشيد محاولة نفي زعامة الفرقة عن ابن أباض ونسبها إلى جابر في حين يقولون فيه ان ابن أباض كان يدافع بالحجة وكانه كان مجرد إنسان مستعار ليقوم بدور معين لساعة معينة وبعدها يختفي كالمسرحية، وكيف يستقيم أن يكون هو مقارعا بالحجة وعالما وتابعا وينافح الخوارج، مع القول إنه لم يكن له مسألة واحدة في الدين. إن كل المناقشات التي كانت تجري بينه وبين الشيعة والأمويين والمعتزلة والخوارج نقاشات ذات جذور دينية، وذلك قبل تحول الفرقة تحولا فكريا.
وهناك تساؤل لطيف أورده أبو ربيع سليما الباروني في كتابه " مختصر تاريخ الإباضية " حيث قال:" هذا ولا نرى السبب في عدم نسبة المذهب إليه - يعني جابرا- مع انه أفقه و أعلم أهل زمانه، وقد قيل: ان ابن أباض يصدر في كل شئونه عن فتواه، ولا يبت في أمر من الامور إلا بمشورته ورضاه " () قلت: لعمري إن هذا التساؤل في محله، غير انه لو امعن النظر واطال التأمل لوجد ان السبب هو أنه إما أن يكون اسم جابر قد أقحم في المذهب إقحاما. وإما أنه عندما التحق بالحركة كانت قد تكونت من لدن غير يسير. وكانت شخصية ابن أباض كقائد للفرقة قد رانت واستحوذت عليها، وان الجمهور كان يعمل أن عبدالله ابن أباض هو إمامها وأما ما يقال بان ابن أباض ماكان يصدر إلا بأمر من جابر فقول إنشائي بحت في حاجة إلى دليل، فالديل، دليل الضعف (*).
(1)
__________
(1) مختصر التاريخ الإباضي (1/46)
صفحة 47
الإباضية في أقلام كتاب المقالات
من الواضح أن تضييق الفجوة بين خلافات المسلمين، أو القاء ضوء كاشف على المسائل التي تباينت فيها الآراء، لم يكن هدف كتاب المقالات، بل ان الوازع كان مجرد شعور حزبي كما يكتب أي صحفي، أو كاتب محترف في صحيفة تابعة لحزبه مدافعا عنه ومهاجما الأحزاب الاخرى المعارضة.
وهكذا، فيفهم روح العداء للفرق من أقوالهم واللهجة التي يستخدمونها للتعبير عن الفرق حيث وصفوها (بالفرق الضالة)، فهم –إذا- كانوا منطلقين من مبدأ مقتنع بضلال الفرق، وفي كتاباتهم وضعوا مقاييس ومعايير سموها منطقية ابتدعوها "وهي تخصهم وحدهم"، ولو كان هدفهم هو دراسة هذه الفرق وآرائها واجتهاداتهم، ثم التمييز بين ما قالته هذه الفرق، وبين ما دس فيها من أقوال من قبل خصومها، لنحوا نحوا آخر أكثر منطقية وأكثر اتصافا بالاصلاح لذات البين ولاتخذوا مراجع الفرق وكتبها المعتمدة لديها (وهي أيضا) المصادر، إذ ليس من المنهجية العلمية في شيء أن تكتب عن فئة معينة لها رأيها المستقل وكتبها المدونة، بدون أن تستمع إلى آرائها تلك، ومن فمها مباشرة وتقرأ كتبها التي تعكس أفكارها سالمة مستقيمة، وإلا كنت غير أمين كاذبا فيما ترويه وتكتبه.
فكتّاب الفرق –كما أسلفنا- انطلقوا من مبدأ إثبات فساد معتقدات الفرق الأخرى، ومن هنا فلا ينتظر منهم –مسبقا- أن يكونوا عادلين في أحكامهم، لأن العدل والانصاف ليسا واردين في مقدمة تفكيرهم في الغالب، ولم يجشموا أنفسهم مشقة الرجوع إلى الكتب المعتبرة لدى الفرق التي كتبوا عنها، ولم يستمعوا إليهم مفترضين صحة ما تقوله الفرق مع وضع التفريط والإفراط في عين الاعتبار، شأن البشر كلهم، لا بل، فإن لسان حالهم كان يقول: بما أن هذه الفرق ضالة، وعليه فإن كل ما تقوله (هو ضلال في ضلال) فلا داعي إلى الاطلاع على كتبهم.
والثابت أننا لو وجد فينا روح الإنصاف لقلنا إن ما يقال عن الفرق غير سليم ذلك لأنه الرغم من التآخي بين المذاهب الأربعة، فالاتهامات (1/47)
صفحة 48
وتقاذف كلمات السوء والاقذاع والنابز بالسباب واعتبار كل مذهب هو وحده الصحيح، وجعل أهل المذاهب الأخرى كأهل الكتاب في المعاملات واعتبار مساجدهم كنائس، كل هذا كان موجودا فينا يوما وتجاوزناه لحسن الحظ، فلماذا لم نتجاوز تلك النظرة السطحية التي كان ينظر بها بعض القدامى إلى الفرق. لمجرد سوء ظن لعوامل المعاصرة؟
والحق أن كتاب المقالات جنوا على التاريخ، وجنوا على العلم، وجنوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
جنوا على التاريخ لأنهم زوروه وكتبوا وقائعه على نحو سقيم، واعتدوا على قوم أبرياء – قلميا – وزيفوا مبادئهم وقالوا في ألسنتهم ما لم يقله هؤلاء.
وجنوا على العلم، لأن كتبهم – مع عدم صحة ما ورد فيها وانتفاء الثقة منها – أصبحت مراجع يرجع إليها من يريد الاطلاع على آراء الفرق الإسلامية والتزود بمادة علمية منها، والحال أنها خالية عن أية مادة علمية.
وجنوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم لمحاولة تفريقها. أو الإمعان في تمزيقها. وبالتالي إضعافها. ولم يحاولوا فقط تضييق الهوة الناشئة عن نتائج اجتهادات مجتهديها لمسائل فرعية غير جوهرية في الدين وهي إلى السياسة أقرب منها إلى الدين، أو لأنها بنت سياسة.
والغريب أن بعض كتاب المقالات وضعوا أنفسهم موضع " الحكم " (1) فتراهم قد ذكروا الفرق الناجية منها، والهالكة، عجيب. فكيف عرفوا الناجية من الهالكة؟ ولماذا إصدار الأحكام في صواب رأي هذا وخطأ ذاك، وحصر الإسلام على معتنقي مذاهب معدودة معينة وتقرير الأمر جزافا وبجرة قلم؟
__________
(1) بفتح الحاء و الكاف (1/48)
صفحة 49
والمصيبة أن الكتاب المحدثين أصبحوا يعتمدون على كتب المقالات كمراجع وتجدهم يعددون أسماء فرق لم تكن موجودة يوما ما من الأيام أو وإن كان لها وجود يوما فإنها قد ماتت بل هي لم تعد (1) أن كانت فكرة أشاعها شخص أو شخصان، وانضم إليها بعض قليل من مولعي التهريج وسرعان ما اضمحلت واندرست وذابت في الأثير، ولم تكن فرقة بمعناها الجماعي، ولم يكن لها وجود يستحق الذكر، فالمحدثون يقلونها لمجرد أنها موجودة في كتب المقالات، فأصحاب المقالات كانوا قد وضعوها أو دونوها لمجرد إكثار عدد الفرق لتصل إلى الثالث والسبعين موافقة للحديث الذي يروونه قائلا ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة ... الخ (2)
والصحيح أنهم لو أمهلتهم الأيام إلى آخر الدهر لرأوا أكثر من ثلاث وسبعين فرقة، ولا أدري كيف كانوا سيؤلونه ليفق مع الفرق العديدة، والحق أنهم تعجلوا في تطبيق الحديث وكأن اختلاف المسلمين انتهى في زمنهم، وسوف لا يختلفون فيما بعد.
فزمنيا، ليس هناك مبرر في تدريس الطلبة لفرق وهمية لم يكن لها وجود في مسرح التاريخ، أو لو كان لها وجود فإنها قد اندرست وانتهى شأنها إلى الزوال، فليس هناك داع يدعو إلى نبشها من أحداث التاريخ السحيق، اللهم إلا إذا كان المبرر هو مجرد استهلاك للوقت فقط.
والحق أن كل ما يقال عن الفرق، ليس فقط أمورا لا تقرها الفرق، وتراها مقحمة فيها، بل إنما هي أمور خلقت افتراء، ودست فيها، وهذا الشيخ علي يحيى معمر يقول في كتابه (الإباضية بين الفرق الإسلامية):
(
عندما كنت أقرأ في كتب المقالات ما يتصل بالإباضية تصادفني عجائب في العقائد والآراء التي تنسب
__________
(1) بسكون العين وضم الدال
(2) تأليف الدكتور محمد عمارة ط. المؤسسة العربية للطباعة والنشر 137 قارن بما جاء في كتاب (الخلاقة ونشأة الأحزاب الإسلامية) باب: نشأة الفرق وتعداده ص (1/49)
صفحة 50
إليهم إما بعبارات واضحة صريحة أو بأساليب ملتوية لكنها معبرة، وتصادفني كذلك أسماء لأشخاص كثيرين يعتبرون أئمة لهم، وأنا علي يقين كامل بأن ذلك غير موجود عند الإباضية. فإذا كانت هذه هي الحال مع فرقة ينتشر أتباعها في كثير من البلاد الإسلامية، ولا يخلو قطر من أقطارها من كتبهم فكيف الحال مع من انقرض فلم يبق له أتباع، ولم يترك كتبا مصنفة فيما يختص به) (1)
والمعروف المشهور –بعد احتكاك بعضنا ببعض في الآونة الأخيرة- وكما قرأنا في النص السابق، ان أهل الفرق الأخرى ينكرون بل يتعجبون من وجود أسماء أناس مجهولين مقحمة فيهم، وهنا يتمثل أمامنا شيئان:
1 - ان كتاب المقالات في حربهم مع الفرق كانوا يتخيلون أشخاصا وهميين عمدا، وينسبون إليهم أقوالا تقولوها فاسدة، وبالتالي يسوقون هذه الشخصيات الوهمية إلى هذه الفرقة أو تلك.
2 - ان كتاب المقالات كانوا يعتمدون إذاً في جرح قوم أبرياء لحاجة في نفس يعقوب، فتكون نزاهتم –إسلاميا- موضوع شك واتهام، لتقولهم أقاويل كاذبة لغايات رخيصة كاذبة على أناس أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم رأوا ما رأوه حقا فاتبعوه وتمسكوا به مخلصين، لقد خانوا ودنسوا القداسة العلمية وحرمتها بوضعهم أحداثا من عندياتهم وتزيدهم واصطناعهم مواقف وأقوالا قالوا إنها تمثل آراء الفرق ونسبوها إليهم بغية التشويش والتشويه، ونحتوا أسماء شخصيات لا وجود لها في التاريخ الإسلامي إلا في الخيال على غرار عبدالله بن سبأ (2)، وكل ذلك رغبة في توهين حجة الخصم ولاثبات فساد معتقده، وكأنه انتصار عظيم.
ولا أعتقد أن هذه الظاهرة قد غابت عن أذهان بعض كتاب المقالات أنفسهم –كحقيقة مرئية- وهذا أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري يقول بصراحة: (ورأيت الناس (يقصد الكتّاب) في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويصنفون في النحل والديانات من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره عن
__________
(1) الإباضية بين الفرق الإسلامية ص 8.
(2) انظر عبدالله بن سبأ، وقارون بـ: .... وخمسين صحابي مختلق: للمرتضي المعسكري. (1/50)
صفحة 51
قول مخالفيه، ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه (وشهد شاهد من أهلها)، وبين تارك للتقصي لروايته فيما يرويه من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه أن الحجة تلزمهم به " (1)، فيعلق الشيخ علي يحيى معمر على هذا الكلام فيقول: (فأنت ترى أن أبا الحسن الأشعري –وهو من أوائل من كتب في هذا الموضوع- قد انتقد عدة عيوب في أولئك الذين يقصدون للحديث عن مخالفيهم كالتقصير في التحقيق واعتماد الكذب، وإضافة أقوال، والغلط وعدم التقصي في البحث والزيادة .. الخ
فكل هذا، إذا، بغية تمويه الحقائق إمعانا في تنفير المسلمين عن أهل الفرق، والصحيح أن انطباعا كهذا يؤدي إلى سلوك لا يخدم الإسلام أو المسلمين بأي نحو.
والحق أن من يريد الكتابة في مسألة معينة فعليه بحثها في مظانها، وهذا هو العلم الحي، ليزود الناس علما محترما خالصا.
ولقد تبنت وكالات الأنباء في عصرنا هذا أسلوبا حكيما جدا في تصيد المعلومات الصحيحة، وذلك عن طريق بعث المراسلين إلى مواقع الأحداث، فإذا وقع سوء تفاهم بين بلدين، بعثت الوكالات بمراسليها إلى كلتا الجبهتين بغية نقل خبر حي سليم، دون الاعتماد على ما تبثه إذاعة واحدة من الطرفين المتشاجرين، بل وإمعانا في الحيطة، أنشأت معظم الدول وكالات لها لتقصي الحقائق، مرتابة بسلامة المعلومات التي تبثها الوكالات الاجنبية، لأننا –كبشر ندرك في داخلنا أن مبدأ –التزوير وارد فينا في كلا ما لا نحبه، وأننا دوما نحاول إصباغ الأمور على تهواه ارادتنا وتتمناه، فمبادلة الظنون أمر مفروغ منه في علاقتنا بحكم تكويننا فطريا.
وإذا أردت المبالغة، قلت، على أثر انعدام الثقة فيما نكتبه نحن المسلمين وكتبناه، شرع أبناء الإسلام يسافرون إلى الغرب ليدرسوا في جامعاته تاريخ الإسلام
__________
(1) مقالات إسلامية ص 33. (1/51)
صفحة 52
والمسلمين بل فقه الإسلام والمسلمين ظنا بأن جامعات الغرب ينابيع الحقائق، فليت شعري، وما السبب؟ لأنها فقط غرب مستحوذ، ونحن منهزمون نفسيا 0اقتباسا من اصطلاحات الكاتب الأردني (يوسف العظم) - أم لأن الأوروبيين أقدر على التمحيص، وتقصي الحقائق والحذر في قبول الأخبار على عواهنها؟
أعتقد بأن كلا الاحتمالين وارد، فانهزامنا النفسي كمسلمين –لا جدال حوله- وأما "منطقية" الغربي، فدعوى في حاجة إلى دليل، فنحن نعلم أنهم بشر مثلنا لا يمتازون عنا بيولوجيا، وبالتالي فليس هناك امتياز سوى التباين في العواطف.
فهاهما ذان التوراة والإنجيل مزورين، فلم لم يعصمهما العقل الأوروبي؟ لا بل إن معظم ذوي العقول الناضجة منهم يقولون بعدم صحتهما تاريخيا وعلميا، ويتهمونهما –وخصوصا الإنجيل- بسوء الترجمة، وتصرف المترجم، ونحن نقول نعم ما أتيتمونا بجديد، وعليه فلم التمسك بهما إذا؟
وأما فيما يتعلق بكل شيء إسلامي، فإنهم يجدون فسحة في النقد والانتقاد لأنه شيء لا يخصهم ولا يتعلق بهم، فهم فيه أحرار يشيدون أو يقلعون فسيان.
ولكن الشائع عنهم –افريقيا- أنهم يسيئون إلى تاريخ غيرهم، لقد حاولوا ما وسعتهم المحاولة تزوير التاريخ الافريقي ومسخ وجهه، وصوروا بأن الافريقي إنسان بلا تاريخ "وكأنه قدم على هذه الأرض منذ أيام من إحدى الكواكب السابحة في الفلك العريض، ولذا فإن صلته بهذه الأرض حديثة وعليه فلا ماضي له فيها ولا تاريخ!!
ولا اعتقد بأن الشرقيين يتهمونني باتهام الاوروبيين بما هو منه برآء.
وأما مثقفونا من الأفارقة فلقد أحسنوا –وما أقل ما يحسنون- حين رفضوا التاريخ الذي كتبه الأوروبيين عنا كأفارقة، وحذورا منه ووصفوه بأنه مجموعة من الترهات المنبثقة من الحقد، وحذفوه من كتب التاريخ المدرسية بصفته تاريخا سقيما. وكلاما سفيها، وعدوانا سافرا.
كثر القول بأن المستشرق أفضل من الشرقي في تحليل ظواهر الأمور العلمية، إذ المستشرق يقضي شطرا من عمره في البلاد التي يكتب عنها أو ما يعرف "بالدراسة الميدانية" فإذا لم يتسن له ذلك بإن كأن الحدث الذي يكتب عنه (1/52)
صفحة 53
قديما، أطال النظر، وأمعن في المقارنة، ودقق في العلل والمعلومات، متجردا عن كل عاطفة من شأنها أن تحول بين بصيرته وجوهر الأمور فتأتي كتابته –لهذا محترمة وموثوقا بها، وعلميا تطمئن إليها النفوس، في حين أننا نحن المسلمين لو أراد أحدنا أن يكتب عن منطقة من المناطق الإسلامية أو فرقة من الفرق الإسلامية تراه يعتمد على النقل والنسخ والتخمين والاستيحاء البعيد، ويضيف من عنده ما يشاء من آراء، لذا فضل المنهج الغربي الدقيق الجريء في المسائل العلمية.
قد يكون في هذا شيء من الصحة، غير أني أشم منه رائحة محاباة الإنسان الغربي.
والحق " ان الدراسة الميدانية" منبع ليس من اكتشافات الغرب، ولا بوليدة القرون المتأخرة، فإن القدامى من المسلمين كان أحدهم يقضي شطرا من عمره في البادية مع الأعراب الفصحاء، ليأخذ اللغة من ينابيعها الصافية، تطرق أذنيه كلمات اللغة، ويسمع موسيقى الكلمة وصفير المخارج وهي طازجة فور خروجها من شفة الناطق بها، ويرى بعينه حركة الشفتين من فم الأعراب، ويشاهد كيفية إلقاء الشعر، والقاعدة في قبولها أو رفضها لديهم، وكل ذلك في حركة معايشة حية متفاعلة، وليس كالكلام الميت الجميل جمال النعش المنقوش الذي تضغطه جلود المجلدات التي نفرح بحشوها في مكتباتنا اليوم.
إن المحدث بل وطالب الحديث "كان يقطع القفار والفيافي أياما وليالي سعيا وراء حديث يود أخذه مشافهة من الراوي، وليست الغاية مجرد الأخذ من الراوي هي باعث الطعن إليه، وإنما لمعرفة أحواله شخصيا، فإذا وجده طالب الحديث في حال لا ترضي الله والدين، أو لا تنصهر بالتحشم والمروءة أنكر عليه ورفض قبول الرواية منه، لعدم اطمئنانه على أهلية الرواية".
وأما الحذر والتدقيق فأعتقد بأن أحدا لا يتجاسر على مقارنة الأوروبيين بسلفنا، فيكفي أن يلقي أحدنا نظرة على أو كتاب من كتب "علم مصطلح الحديث" تقع عليه عينه ليرى التروي والدقة والأمانة في العلم، وأعتقد بأن المسلمين وحدهم وضعوا علم الرجال وشروط قبول رواية الراوي أو مصطلحات تشير إلى درجات الثقة، مثل صدوق، عدول ... إلخ، أو صحيح، حسن، مشهور ... إلخ (1/53)
صفحة 54
أو كذوب، ركن الكذب .. إلخ او صدوق يهم، أوينسى .. الخ وليس هذا مقتصرا على العلوم الدينية فحسب، بل تعداه الى العلوم الدنيوية أمثال اللغة والمستشهد بكلامهم من الثقاة –لغويا-.
أما بعد، فإنه منذ أن ماتت هذه الورح فينا وتخلينا عن منهجنا أصبحنا نعجب بغيرنا في حين أن هذا الغير في زعمي لم يتبن إلا عشر أعشار منهجنا القديم، ومنذ أن مات روح التحري والدقة والاعتماد على الموثوق بهم، والاستعداد على اصطياد الخبر الصحيح على حساب الراحة البدنية، عدنا نعتمد على التكهن، والانطباع سماعا، بل على الاستنباطات والاستيحائات، وليس الاستنباط أو الاستيحاء بمذمومين في مجال يقتضيهما، بيد ان الدراسة عن قوم معينين أوفئة معينة لها وجودها –ماديا- يقضي استبعاد أسلوب التكهن والاستنباط والاستيحاء والحق أنها تتطلب العيش معهم، والسماع منهم، ومعاشرتهم، ومشافهتهم فما بفم، ليكون أنصف له وللقراء وللعلم.
فلنرجع –بعد هذه الجملة المعترضة- إلى موضوعنا، فلنأخذ مثلا بالتجني على الفرق والافتراء من قبل كتاب المقالات، وننظر حول ما إذا كان أهل الفرق مقرين صحة ما ينسب إليهم، ويقال عنهم أو يرفضونه، فالنماذج نأخذها طبعا من الإباضية، لأنها مجال دراستنا، ولكنها تعكس ما لدى غيرها من الفرق، معتمدين على كتاب (الإباضية بين الفرق الإسلامية) لمؤلفه المرحوم علي يحيى معمر كمصدر، والسر في ذلك أنه إباضي، وأحد علمائهم فقها وتاريخا "فإباضيا" إن ردوده وتعليقاته حول الكلام الذي يقال عن المذهب الإباضي "كفرقة" تمثل آراء الإباضية خير تمثيل في الواقع.
ونرجو مسبقا ألا يتبادر إلى ذهن القارئ، بأن التحدي والتحدي المضاد بين الفرق والمذاهب هو ما نحث عليه في هذه الدراسة، بل الدافع هو إلقاء ضوء كاشف بنية صالحة، ووازع سليم على أفكار الفرق ومبادئها وعقائدها، والتمييز بين ما قلته، وبين ما قيل على لسانها لكي يقف الباحث المتأمل، والدارس المستزيد على حقائق الأمور وهي سليمة لا زيف فيها ولا غش. (1/54)
صفحة 55
فمن حق الإسلام علينا دفع الشبهات وتنقية الأجواء وتصحيح الأخطاء لتزداد روابطنا متانة، ولنبني تلك الروابط على أسس وافية سلمية القواعد، ولنزيل عنا غشاوة سوء التفاهم الذي ساد بين أبناء الأمة المسلمة نتيجة اختلافهم وافتراقهم إلى فرق ومذاهب متناسقة حينا ومتدابرة أخرى، لنرجع كلنا إلى إمامنا الواحد الوحيد وهو القرآن الكريم، فعندما نصحح أخطاء سادت ردحا من الزمن فإننا نكون قد خدمنا أنفسنا كمسلمين وممنا الصدع الموجود في جسم الأمة الإسلامية، ووحدنا قوتنا بتوحيد هيكلها.
وليست الإشارات إلى أخطاء وقع عليها هذا المذهب أو تلك الفرقة جرحا له أو لها، وإنما هي مجرد محاولة للإنصاف، وتنظيف الممرات من الشوك والأذى، قولنا إن كتاب المقالات بالغوا كثيرا بل تزيدوا أحيانا على الفرق قول لم نقله من عندنا، وإنما كشفه واقع الحقيقة المشاهدة والمعايشة اليوم.
والحق أننا نغبط الحظ السعيد الذي أتاح لنا-وخاصة في هذا القرن- فرصة الاتصال المباشر مع كافة الفرق والنحل لنسمع عنهم مباشرة، ويسمعوا عنا، ونعيش حياتهم وهم في بيوتهم وفي حقيقتهم حيث لا التقية ولا الدبلوماسية، إن انتشار الوعي والثقافة جعل الناس يتجردون عن روح الطن بالآخرين لمجرد الظن والشك وسوء الفهم.
إن افتراق أمة محمد بعد محمد صلى الله عليه وسلم إلى فرق ومذاهب كان رد فعل لحوادث معينة مفتعلة، وبروز كتاب الفرق منههم كان امتدادا لتلك الحروب الدموية حينا، و والكلامية أخرى، ولكنها سلاسل متصلة الحلقات تعود برمتها إلى تلك الحوادث التي حدثت، وإذا، فإن افتراقنا إلى فرق ومذاهب كان سببه يرجع إلى عوامل غير طبيعية.
فالقرآن واحد لا يختلف، والإسلام واحد ليس له ثان، فرسول الإسلام شخص واحد، فليس بشخصين، فالصحابة الكرام كانوا على هديه صلى الله عليه وسلم، وبما أن الأحداث التي أدت إلى بروز الفرق وإلى ولادة اصطلاحات أخذت أصباغا حزبية حادة وبالغة التطرف، قد ماتت لعامل الزمن، فلا مبرر إذا لبقاء المشاحنات التي نشأت نتيجة اختلافات سياسية، فتلك السياسات قد قبرت، وقبر (1/55)
صفحة 56
معها مبادئها وأفكارها، فلم يعد أمامنا، معاوية، ولا علي، ولا يزيد، ولا حسين، ولا حجاج، ولا جابر، ولا الخوارج، ولا المعتزلة ... إلخ
ونحن نعلم أن الكلام الذي كانت تقوله الفرق على غيرها كلام قبل ساعة غضب، ومهاترات اقتضاها الموقف الذي كان مشحونا بالتوتر والتشنج ... وعليه فإن كلاما من هذا الطراز كلام غير راق، ولا يستحق الخلود، لأنه غير ثمين.
بل إني أرى مبررا لاحتفاظنا –نحن الأبناء- بألفاظ المهاترات التي استخدمها الآباء في ساعة العسرة، ألا ترى لو أن جدك وجد (زيد) تخاصما يوما وتعاركا وقال كل واحد منهما على الآخر قولا قبيحا، وتبادلا رسائل السباب والمقاذعة، ثم ماتا، وأنتم –كأحفاد- ترعرعتم، ثم عثر –كل على حدة- على تلك الرسائل التي كان يتبادلها جداكم، فماذا –ترى- تفعلون بها، أتحتفظون بها لتكون دوما مصدر شر وقلاقل وقنابل مؤقتة –كما يقولون- أم أنكم ستبادرون إلى طمرها تحت الرمال أو تصييرها وقودا للنار، كمحاولة لنسيان الماضي المتعكر، بغية انشاء مستقبل جميل من العلاقات؟
واعتقد أن الحل أو السلوك الثاني أحكم وأحمد
فكتب المقالات كردود فعل لأفعال، تمثل هذا النمط من المثل الذي قلناه، فنحن اليوم –كأبناء- في أحوج ما نكون إلى التعاضد لا إلى تحفيظ الأبناء أساليب المناظرة وفنونها التي كانت تجري بين الشيعة والسنة، وبين الخوارج والعلويين، أو بين الإباضية ومتهميهم بالخارجية .. إلخ، لنستمر نحن من جديد على نفس الدرب ليس فقط لأنها أمور مهترة ومفسدة للعقل، بل أنه بالإضافة إلى رجعيته وعدم علميته مضر بنا ومهدم لبنيتنا كمسلمين.
لقد شاهدنا هناك رجالا في إيران، أمثال آية الله القمي –يدعون المسلمون إلى الإسلام ويدعون إلى التفاهم-، وهم في عرفنا فرقة، ورأينا رجالا من الإباضيين في عمان أمثال أحمد بن حمد الخليلي وغيره من علماء الإباضية أمثال علي يحيى معمر يمدون أيديهم إلينا وهم عرفنا فرقة، والحق أنهم يمدون أيديهم إلى باقي المسلمين للتفاهم ونبذ الخلافات، ونسيان ما أفسده سوء التفاهم، ومن حقهم علينا أن نفهمهم وأن نجيب دعوتهم، ولا يجوز أن نتركهم يسبقوننا إلى هذا الخبر العظيم خير محاولة إلى جمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. (1/56)
صفحة 57
وبما أننا نحن السنيين – نحن الأغلبية ونحن – إلى حد ما – الرافضون لقبولهم – فعلينا مراجعة أنفسنا في مواقفنا اتجاههم ومراجعة ما كتب عنهم أيام أن كانوا خصوماً – لا أرجع الله أيام الخصومات – فلهذا نحن نراجع ما كتب عنهم وننظر ماذا يقولون علَّ قارئاً يقرأ هذا الكلام، فيسر، إذا وجد أن الإباضية ليست بعيدة عن المذاهب الأخرى البعد الذي صوره فأحسن صورته أو تصويره كتاب المقالات في ساعات الغضب والانفعال أو على الأقل يجد فرصة الاستماع إليهم وهم يقدمون أنفسهم ويدافعون عن مبادئهم كما هي وليست كما يرويها غيرهم.
الإباضية تتحدى
يظهر أن الإباضيين يتتبعون أخبار الكتب التي تصدر عن الفرق، وإذا وجدوا شيئاً يخصهم، انتقدوه، وبينوا الأخطاء الواردة فيه. وهذا الشيخ على يحيى معمر يدرس كتب المقالات واحداً واحداً ويرد عليها ونحن نقتبس من ردوده – كما أشرنا سابقاً -.
قال تحت عنوان: الإباضية عند الأشعري:
"قد يعجب القارئ الكريم إذا قلت له: إن أبا الحسن الأشعري رغم أنه كتب عن الإباضية كثيراً، فإنه لا يعرف عن الإباضية شيئاً، وإن أكثر ما كتبه عنهم لا علاقة لهم به، ولا علاقة له بهم. وليتضح للقارئ الكريم هذا القول فاني أرجو منه أن يرافقني قليلاً".
وبعد أن أطال الحديث عن الأشعري وتشنيعاته والتناقضات بين ما أورده وذكره وبين واقع الإباضية، أضاف قائلاً وناقلاً عن كلام الأشعري ونحن هنا نكتب ما نقله الأشعري ونضعه بين قوسين، وننقل تعليقاته عليه كما هي:
"والفرقة الثالثة من الإباضية أصحاب حارث الإباضي قالوا في القدر بقول المعتزلة، وخالفوا فيه سائر الإباضية".
وبعد أن يذكر لهم جملة التشنيعات يقول:
"والفرقة الرابعة منهم يقولون بطاعة لا يراد الله بها، على مذهب أبي هذيل. ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعاً لله إذا فعل شيئاً أمره الله به وإن لم يقصد بذلك الفعل، ولا أراده به". (1/57)
صفحة 58
ويعلق الشيخ الإباضي على هذا الكلام فيقول:
"هكذا بدأ أبو الحسن حديثه عن الإباضية، فبمجرد ما ذكرهم، بدأ في تقسيمهم إلى فرق، وجعل ينسب إلى كل فرقة جملة من الآراء والأقوال. والقارئ الكريم عندما يبدأ في قراءة ما كتبه الأشعري عن الإباضية، يفهم أن الإباضية ينقسمون إلى أربع فرق كبرى هي هذه الفرق التي ذكرها، وأن بعض هذه الفرق، قد انقسم أيضاً إلى فرق أخرى فرعية. وذكر الأشعري أقوالاً أخرى وشنائع أخرى، نسب بعضها إلى جميع الإباضية، ونسب بعضها إلى إحدى تلك الفرق، وعند الرجوع إلى كتب الإباضية التي ألفت في عصر أبي الحسن والتي ألفت بعده، فإن القارئ لن يجد فيها شيئاً عن هذه الفرق، ولا عن أسمائها ولا عن آرائها ولا عن أئمتها.
وخذ ما شئت من كتب السير والتراجم عند الإباضية، التي تتقصى أخبار أئمتها وعلمائها ومشايخها، فإنك لن تجد ولا إشارة واحدة عابرة إلى أولئك الأئمة الذين ذكرهم الأشعري واعتبرهم أئمة لفرق كاملة من الإباضية. واقرأ ما شئت في كتب العقائد عند الإباضية فإنك لن تجد ذكراً لهذه الفرق ولا لآرائها، وكل ما نستطيع أن نعتذر به عن إيراد أبي الحسن لهذه التفاصيل أنه وقع فريسة لبعض المشنعين، فكان يتلقى مقالات الفرق عن أناس يثق بهم، ولكنهم ليسوا في المحل الذي يراه لهم، ويضعهم فيه من الثقة والصدق سواء نقله عنهم عن طريق الرواية والسماع أو عن طريق القراءة والاطلاع في كتب مدونة، فهو لم يشر إلى ذلك على كل حال.
ويكفي فيما أعتقد لنفي أن يكون ما قاله أبو الحسن عن الإباضية صحيحاً، جهله بهم وعدم ذكرهم لأي شئ منه في مراجعهم العامة والخاصة المكتوبة والمتحدثة.
ويستمر قائلاً:
"والفرق الثانية يسمون اليزيدية، كان إمامهم يزيد بن أنيسة" وذكر فيما ذكر من آراء هذه الفرقة ما يلي: "وزعم – أي يزيد بن أنيسة – أن الله سبحانه وتعالى سيبعث رسولاً من العجم، وينزل عليه كتاباً من السماء، يكتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة، فترك شريعة محمد، ودان بشريعة غيرها".
وزعم أن ملة ذلك النبي الصائبة، وليست هذه الصائبة التي عليها الناس اليوم الخ .. (1/58)
صفحة 59
ويعلق الشيخ الإباضي على هذا الكلام فيقول:
" والغريب في الأمر أن القارئ الكريم إذا رجع إلى المصادر الإباضية من كتب وأسماء علمائها منذ أوائل القرن الثاني الهجري إلى هذا العصر، فإنه لن يجد عند الإباضية هذا الإمام الذي سماه أبو الحسن الأشعري – يزيد بن أنيسة – ولا يجد عندهم ذكر لفرقته ولا لآرائه، بل أنهم يحكمون على من يدين بمثل تلك المقالات بأنه مشرك وخارج عن الملة، ومن كان مشركاً وخارجاً عن الملة الإسلامية لا يمكن أن يحسب في فرق المسلمين، ولست أدري كيف ساغ لأبي الحسن أن يزيد – هذا اليزيد – إلى الإباضية وأن يحشر معهم فرقته – هذا إن وجد حقاً، ووجدت له فرقة – وكيف ساغ له أن يحسبها في فرقة الإسلام، وينسبها إلى إحدى طوائفه، وهو نفسه يحكم عليها بالخروج عن الإسلام الخ".
ويضيف الأشعري قائلاً في تعداد الفرق الإباضية "والفرقة الثالثة من الإباضية، أصحاب الحارث الإباضي، قالوا في القدر بقول المعتزلة، وخالفوا سائر الإباضية، وزعموا أن الاستطاعة قبل الفعل" ويعلق الشيخ الإباضي على هذا الكلام نافياً صحته ومفنداً "وهذا الحارث أيضاً لم يحرث عند الإباضية، ولم يزرع لا آراءاً ولا حبوباً، ولم يحصد الإباضية عنه أو عن فرقته شيئاً، إن كان حقاً حرث في أي مكان الخ".
قال الشيخ الإباضي على يحيى معمر، "يقول أبو الحسن الأشعري في مقالاته "الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكنهم يرون إزالة أئمة الجور ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شئ قدروا عليه بالسيف أو بغيره" وقال علي يحيى معمر " وترددت هذه الكلمة على أقلام أكثر من كاتب عن الإباضية معتمداً على غير مصادرهم".
ويستطرد قائلاً في نفس السياق، ناقلاً عن فتوى أطفيش "قال قطب الأئمة الإمام محمد يوسف أطفيش " وهو أحد أقطاب الإباضية" في غير موضع من كتبه ما يلي: "ونحن لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين ومن نسب إلينا وجوب الخروج، فقد جههل مذهبنا". فقارن بين ما ادعاه الأشعري ونسبة إلى الإباضية وبين ما يقوله الإباضية حقيقة".
مسألة أخرى: مع ابن حزم: (1/59)
صفحة 60
قال علي يحيى معمر: " يقول ابن حزم " ويوجبون – أي الإباضية – القضاء على من نام نهاراً فاحتلم" ويعقب الشيخ الإباضي فيقول موضحاً المسألة "وليس الأمر هكذا بهذا الإجمال كما زعم ابن حزم، وإنما يوجبون القضاء على من أصبح جنباً مع شئ من التفريط عملاً بالحديث الشريف الذي رواه الربيع بن حبيب والبخاري ومسلم ومالك في الموطأ (1.
مسألة أخرى:
قال علي يحيى معمر: " يقول ابن حزم: "ويتيممون وهم على الآبار التي يشربون منها" "واعترض العالم الإباضي مفنداً، فقال: "ويخجلني أن أقول للعلامة ابن حزم أن هذه الدعوى باطلة لا أساس لها من الصحة"، وبعد أن يستمر في توضيح الأمور بلهجة لا تخلو من الخشونة، أضاف "والذي يحملنا أن نقف هذا الموقف الذي لا يخلو من العنف، هو أن أكاذيب كثيرة جرت على أقلام شهيرة ضد الإباضية، منها ما يناقض بعضها بعضاً، ومنها ما يكذبه الواقع وتبطله الحقائق المعروفة الثابتة، مما يدل على أن تلك الأكاذيب صدرت من مخيلات تتصور، لا عن مشاهدات تبصر، أو حقائق تقع. فكتب الإباضية، - وفي الطهارة خاصة – موجودة ومنتشرة في عصر ابن حزم، وقبل أن يوجد، وليس فيها ما يشم منه رائحة التهاون، وأي نوع من التساهل في قضية الطهارة الخ".
وما زلنا نسوق الأمثلة في دحض الأقوال الشنيعة والمتقولة على الإباضية و"الفرق" والظاهر أن كتاب المقالات ما كانوا أمناء في الذي كانوا يقولونه "بحق الفرق" وانهم لم يطلعوا قط على فقه "الفرق" الذي كتبوا عنه اطلاعاً كافياً يسمح لهم بالخوض فيه، وتبيين هفواته، إن كان فيه هفوات.
مسألة أخرى:
قال علي يحيى معمر: " ذكر الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد، أن من مذهب الإباضية "أن من زنى أو سرق، أقيم عليه الحد، ثم استتيب، فإن تاب وإلا قتل". (1/60)
صفحة 61
وعقب علي يحيى مفنداً فقال: "هذه فرية عن الإباضية أطلقتها شفة آثمة مغرضة – ولسنا نتهم بها الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد، فإنها موجودة في مصادر قديمة وبما أخذ منها – وكل مسؤولية الأستاذ عبد القادر في هذا الموضوع وأشباهه، إنما هو التقصير وعدم التثبت، وعدم النزاهة عند الحديث عن الفرق، وكان عليه أن يتثبت ويتحقق قبل أن يرمي الكلام على عواهنه. ولا أساس لهذا الرأي عند الإباضية، فحد الزنى وحد السرقة ثبت بالنص، وكذلك بقية الحدود، وما ثبت بالنص عند الإباضية، فلا مجال فيه للرأي، ولا يتجاوزون فيه حكم النص (2) الخ.
مسألة أخرى: "قضيب التيس" (3):
قال علي يحيى معمر: "قال ابن حزم "ويحرمون أكل قضيب التيس والكبش". ويعقب قائلاً "لست أدري لماذا هذا الاهتمام الكبير بهذه الألياف التي لا يعمد إلى أكلها أحد، ولا يستسيغها أحد، سواء كانت حلالاً أم حراماً. وقد صدق ابن حزم في هذه القضية فإن الإباضية يبعدونها لسببين: السبب الأول أنها أشياء قذرة تتقزز منها النفوس، وينفر منها الطبع السليم وليس فيها ما يغري على الأكل أو يفيد الجسم. الثاني، أنها حامل بول، ولا تخلو منه، والبول – عند كثير من المذاهب، منها الإباضية – نجس، لأنه قذر خبيث، وقد حرم الله تبارك وتعالى الخبائث. فامتناع الإباضية عن أكل تلك القضبان وتقديمها على موائدهم وفي ولائمهم، يرجع إلى أنها حوامل للخبيث، وأنها مستقذرة على كل حال. أما موضوع الحكم بنجاسة بول ما يؤكل لحمه، فهو أيضاً فقهي عرفي اختلفت فيه أنظار المجتهدين، وتعددت أقوالهم، وطال فيه النقاش والبحث، واستقرت الإباضية على القول بالتحريم والنجاسة وهم لا يقطعون فيه عذر من خالفهم لأنها مسالة فرعية". (1/61)
صفحة 62
وبعد دفاع مرير عن المذهب الإباضي من الشيخ علي يحيى معمر، وبعد إيراده عشرات العشرات من الأمثلة، التي اتضح فيها أن كتاب المقالات، ثم المحدثين الذين تبنوا الأسلوب نفسه، قليلو الحظ في الاطلاع على حقيقة الفرق، يقول علي يحيى معمر "وهذا الجهل بالمذاهب الإسلامية ومقالاتها الحقيقية، والخلط بين ما يذهب إليه كل واحد منها ونسبته إلى الآخر، والتشويه الذي ينتج عن ذلك – سواء كان مقصوداً أو غير مقصود – هو ما يجب أن يبرأ عنه حملة الشريعة الإسلامية والأساتذة الذين يناط بهم تدريس مواد الإسلام وتكوين أجيال تحمل مشاعل النور والهداية (4) الخ.
والحق أنه لا مندوحة لمن يريد معرفة حقيقة أية فرقة من الفرق عن قراءة فقهها قراءة دقيقة وشاملة.
والمعلوم أن المسلمين كلهم مهما اختلفوا في اجتهاداتهم في الفروع، فإن القرآن والسنة يجمعانهم أجمعين. والحق أن الإنسان الحصيف يستطيع فهم أئمة أي مذهب، ولون تفكيرهم ونزعتهم، من خلال معالجتهم للمسائل الفقهية الاجتهادية لأنها عصارة العقل، وعليه فالدارس عن الفرق – بعد دراسته دراسة صادقة ومتجردة لتاريخ نشاة الفرقة التي ينوي الكتابة عنها – أن الخطوة الأولى والأساسية له، هي الفقه، لأنه، كما أسلفنا، بين مدى قرب المذهب أو بعده لمصدري التشريع الإسلامي "الكتاب والسنة" غير أن الظاهر أن معظم – إن لم يكن كل – كتاب المقالات لم يجشموا أنفسهم عناء دراسة فقه المذاهب الصغيرة لسوء ظنهم به مسبقاً وازدراء اجتهادات علماء الفرق.
بيد أن الأمانة العلمية – وقتئذ – كانت تتطلب منهم عدم الخوض في المسائل الدينية التي للفرق فيها كلام وآراء ومواقف كالفقه، والكلام وغيرها وأن يكتفوا فقط بالإشارة إلى مواقف "الفرق" تجاه الحكام لأن ذلك – إلى حد بعيد – شئون سياسية. وإن لبس ثوباً دينياً مزركشاً. والسياسة مجال واسع يقبل الأخذ والرد والتحليل والتعليل بدون ذنب. ولو فعلوا هذا لكانوا قد طبقوا الآية الشريفة " (1/62)
صفحة 63
ولا تقف ما ليس لك به علم" إذ أن من يخض فيما ليس له به علم، يوشك أن يقع في المحذور. وهو "الكذب" ولقد رأينا أن الإباضية اتهمت كتاب الفرق ومن تبعهم من بعدهم بعزو أقوال غير صحيحة "فقهياً" إلى المذهب الإباضي، إما جهلاً، وإما عمداً، فكلاهما لا يغتفر في مثل هذه المواقف، لانه تزوير للحقائق، وتزييف للأمور، وتحريف لكلام الغير ومبدئه. كما اتهموهم أيضاً في التلاعب بتاريخ الإباضية "وربما الفرق كلها" لإقحام رجال مجهولين في تاريخ الإباضية ومذهبها، ونسبتهم إلى ذلك المذهب، واختراع أحداث لم تقع وما شاكل هذه الأمور. (1/63)
صفحة 64
التاريخ: 23 - 08 - 2004 03:53: هل الإباضية خوارج
كل المصادر للتاريخ الإسلامي أجمعت بأن عبد الله بن إباض، زعيم المذهب الإباضي، كان من الخوارج وانشق عنهم. ولذا فإن المؤرخين – غير الإباضيين – يربطون أتباعه " الإباضيين " بالخوارج ويعتبرونهم مجرد فرقة من الخوارج.
قالت دائرة المعارف الإسلامية عن الإباضية:
" يطلق هذا الاسم (الإباضية) في شمال إفريقية على فرقة من الخوارج الذين انفصلوا عن علي عندما قبل التحكيم مع معاوية ".
وفي فلسفة الإباضية حول الخلافة والخليفة تقول دائرة المعارف الإسلامية: " رأي الإباضية في الإمامة، ليس من الضروري أن يمون الإمام قرشيا بل يكفي أن يكون فاضلا ورعا، وأن يحكم طبقا لأوامر القرآن والسنة، فإذا ابتعد عنهما، وجب خلعه " (1).
وقال أحمد أمين في " ضحى الإسلام " عن الإباضية في معرض حديثه عن الخوارج من أجل هذا لم يرد لنا عن الخوارج مذهب مفلسف. ولا فقه واسع منظم ولا نحو ذلك، إلا ما كان من الإباضية، أتباع عبد الله بن أباض الخارجي، الذي مات في عهد عبد الملك بن مروان، فإن هذه الفرقة عاشت وانتشرت في شمالي إفريقية، وفي عمان، وفي حضرموت، وزنجبار.
واستمرت إلى يومنا هذا. فكان من الطبيعي أن يكون لهم أصول اعتقادية وتعاليم فقهية الخ .. " إلى ان يقول " فما استقر السفاح في خلافته حتى تحرك خوارج عمان، وعلى رأسهم الجلندى، وكان هو وأصحابه من الخوارج الإباضية، فأرسل إليهم السفاح جيشا على رأسه أحد القواد العظام، خازم بن خزيمة. فسار في البحر حتى أرسى على ساحل عمان الخ .. " ويقول أيضا " وثار الخوارج أيضا في الغرب (تونس وما حولها) من صفرية وإباضية، فأرسل إليهم المنصور عمر بن حفص من ولد قبيصة بن أبي صفرة اخى المهلب، فدامت المعارك بينهم طويلا، (1/64)
صفحة 65
وانضم كثير من البربر إلى الخوارج وكان على رأس الخوارج أبو حاتم الإباضي الخ " (2).
والأستاذة الدكتورة / سيدة اسماعيل كاشف، قد لاحظت وذكرت تلازم اسمي الخوارج والإباضية في كتب التاريخ وأقلام الكتاب فقالت: " لكننا نلاحظ أن جل المؤرخين وكتاب الفرق والعقائد والنحل القدماء والحديثين، فضلا عن سائر الكتاب، يعتبرون الإباضية إحدى فرق الخوارج، وهذا واضح مثلا في كتابات الأشعري والمالطي الشافعي، وعبد القاهر البغدادي، والخطيب الرازي، وابن حزم الأندلسي، والشهرستاني، والشاطبي الغرناطي، فضلا عن سائر الكتاب المعاصرين، المستشرقين منهم، وغير المستشرقين ". وتضيف قائلة: " وأدخلهم البعض عن جهل أو تعصب ضمن فرق الغلاة الذين غلوا بدينهم وخرجوا عن أصول الإسلام ".
سوى أنها سرعان ما تضع ملاحظة أخرى مهمة لها قيمتها. فتقول وفي اعتقادنا أن إطلاق صفة الخوارج على الإباضية يرجع إلى الجهل بالمصادر الإباضية والفقه الإباضي. (3) الخ.
وقال عنهم الأستاذ الكبير محمد أحمد أبو زهرة " الإباضية هم أتباع عبد الله بن أباض، وهم أكثر الخوارج اعتدالا، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، ولذلك بقوا ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون، ويقيم طوائف منهم في بعض واحات الصحراء الغربية، والبعض الآخر في بلاد الزنجبار، ولهم آراء فقهية، وقد اقتبست القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم الخ .. (4).
غير أن الإباضيين لم يدعوا فرصة سانحة بدون أن ينتهزوها معلنين براءتهم من الخوارج ورفضهم لمبادئ الخوارج وأفكارهم ومعتقداتهم المغالية المتطرفة عقائديا. (1/65)
صفحة 66
فما من عالم إباضي كتب إلا وأبدى تبرأ المذهب الإباضي من الخوارج وأبعده منذ تاريخ نشأة المذهب إلى اليوم، والحق أن الإباضية قدمت نفسها إلى المسلمين بصفتها أحد المذاهب الإسلامية لا كإحدى الفرق المتطرفة المغالية.
غير أنه من الواضح أن المسلمين السنّيين – وهم الغالبية العظمى في الجماعة الإسلامية – ظلت نافرة أو متحفظة عن اعتراف الفرق كإخوان على قدم المساواة، كما تعترف المذاهب الأربعة السنية ببعضها بعضا، معتبرة خلافاتها، بأنها خلافات في الفروع، لا تمس جوهر العقيدة، وأن عقيدتها واحدة في الأمور الأساسية الرئيسية (روح العقيدة).
والسؤال هنا، هو: لماذا يرفض باقي المسلمين الإصغاء إلى حجة الفرق أمثال: الإباضية، الجعفرية، الزيدية الخ .. بروح رياضي؟ ولماذا لا يفتحون لها مجالا في عرض آرائها على الجمهور السنّي بدون أن يضع علماء السنة عراقيل تحول دون فهم العوام، وأنصاف المتعلمين حقيقة الفرق الأخرى؟ ولم يصطنعون التشويش في الجوّ الذي يسود العلاقة السنية الفرقية؟ وما هي المصلحة في إبقاء تلك العلاقة متوترة دوما، وكأن العلاقة من طبيعتها أن تتوتر؟ بيد أني أعتقد – مع وضع الفرق الأخرى غير الإباضية جانبا، لأن الإباضية هي موضوع دراستنا – أن كل المسلمين الذين أتاح لهم الحظ الاتصال بالإباضية يجدون أن ما يقال عنهم غير صحيح، بل إنهم مسلمون كباقي المسلمين، قد يخطئون في اجتهاداتهم حينا، ويصيبون في أكثرها كغيرهم تماما، لأن المصدر واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله بلا أدنى تمييز بين هذا المذهب أو ذاك، غير أن المسلمين السنّيين في الحقيقة ما زالوا يتقلبون في خطأين. وأما الأول: فخطأ تاريخي، والثاني: خطأ منهجي.
والخطأ الراجع إلى التاريخ، هو في رأينا، الاستمرار في خلط الأمور التي تداخلت يوما ثم انفصم بعضها من بعض فيما بعد عمليا، إلا أن المؤرخين بقوا يضعونها في خانة واحدة. أقصد من هذا عدم التمييز بين الإباضية والخوارج، رغم انفصال زعيم الإباضية عن الخوارج، ومحاربته إياهم، ورغم شهادة التاريخ بأن أحد أكبر قادة الجيوش الإسلامية التي حاربت الخوارج حروبا متواصلة ضارية، كان إباضيا عُمانيا وهو مهلب بن أبي صفرة. ورغم اعتراف باقي المسلمين بأن (1/66)
صفحة 67
الإباضية شديدو الغيرة على الإسلام والتمسك به، والتفاني بالإخلاص له، وعدم الاتصاف بالتعصب المذهبي، ومع كل هذا فالمسلمون الآخرون ظلوا ينظرون إلى الإباضية – من خلال صورتهم المرسومة في كتب التاريخ – على أنهم مجرد فرقة من الخوارج، وهو ما جعل الناس تنظر إليهم نظرتها إلى الخوارج في إطار ما قيل عنهم تاريخيا، سواء أكانوا مظلومين في الأحكام التي أنزلت عليهم أم كانوا حقا كما وصفتهم كتب التاريخ التي نقرأها ونستقي منها معلوماتنا عنهم.
تابع هذا الموضوع >
والحق أن الخوارج كانوا مرفوضين من الجماعة الإسلامية ليس فقط لأنهم كانوا من بين أتباع الإمام علي، ثم تمردوا عليه، وانفصلوا عنه وحاربهم، وحاربوه، رغم اتفاق كافة المسلمين بأن إمامته كانت سائغة شرعيا. فلو كان الأمر متوقفا على مخالفة الإمام، لهان، لأن وجهة نظر الخوارج في تخطئتهم الإمام في قبوله التحكيم، وجهة نظر لها حججها، إلا أن من دقق النظر في الملابسات التي أدت إلى قبول الإمام للتحكيم يدرك بأن الإمام كان في وضع وظروف من الدقة والحساسية والخطورة بحيث لم تدع له حرية للتصرف أو مجالا للمناورة سياسيا ليخرج من تلك الدّوامة بربح أكبر وخسارة أقل.
ولكن أمر الخوارج هؤلاء، تمادى واستفحل حتى كان اغتيال الإمام في يد أحدهم لا في يد خصمه المتمرد العائق لرأي الجماعة " معاوية بن هند " فعندما تم اغتيال الإمام علي على يد الخوارج أصبحوا يحملون وصمة يلازمهم عارها أبد الدهر، ومع فداحة الخطب فإننا لا نجدهم قد ندموا، أو يحمّلون الفاعل وحده، " وزر إزهاق تلك النفس الزكية " حيث لا تزر وازرة وزر أخرى، بل إننا نراهم حبارى مسرورين بفعلة زميلهم هذه الشنعاء، " عبد الرحمن بن ملجم " هذا الذي يتشاءم البشر من ذكر اسمه، ويقول قائلهم مشيدا بحادثة الاغتيال:
= =""
يا ضربة من (تقيّ) ما أراد بها = إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه = أوفى البرية عند الله ميزانا (1/67)
صفحة 68
ناهيك عن استمرارهم في تكفير باقي المسلمين واستحلالهم دماءهم وأموالهم مما جعلهم مسهوكين إسلاميا، إذا، فكل ما يرتبط بهم يلحقه ما يلحقهم. وبما أن كتب التاريخ – وإن بطريقة النسب – تربط الإباضية بهم بصلة أو بأخرى، لذا ظلّ الناس ينظرون إلى الإباضية بشيء من " الخوارجية " فكل من تحدث عن الخوارج، تسمعه يقول: " لقد انقرضوا، فلم يبق لهم باقية إلا قيلا في جبال عمان " يقوله بشيء من الاستخفاف.
وأما الخطأ المنهجي الذي وقع عليه المسلمون السنّيون، فهو إصرارهم على اعتبار الكتب التي كتبوها عن " الفرق " هي المصادر والمراجع الصحيحة لكل شيء متعلق بالفرق وشؤونها، وتاريخها، ووجودها، وعقائدها، ومبادئها.
وهنا، في معرض استمرار الإباضية نفي الزعم القائل إنهم " خوارج " والإصرار على ذلك، يقول أحمد بن سعود السيابي في مقدمة له لكتيب صغير الحجم (1) لمؤلفه " أبو إسحاق إبراهيم أطفيش " واسمه " الفرق بين الإباضية والخوارج " يقول: " على أنه ليست ثمة علاقة تربط الإباضية بالخوارج الأزارقة والصفرية والنجدية وغيرها من فرق الخوارج، وإنما هي دعاية استغلتها الدولة الأموية لتنفير الناس من الذين ينادون بعدم شرعية الحكم الأموي كما أن جعل المحكمة " أهل النهروان " الذين هم سلف الإباضية، وليسوا سلفا للأزارقة والصفرية والنجدية من الخوارج، هو من وضع الواضعين، ومن صنع أرباب الأقلام المغرضة. مع أن الخوارج يسيرون في خط معاكس مع الإباضية. يتضح ذلك من خلال المبادئ والأسس التي يقوم عليها مذهب كل من الفريقين، وللإباضية العديد من المواقف ضد الخوارج.
إذاً، فالإباضية يرفضون أن يكونوا من الخوارج فيرون أن تصنيفهم من جملة الخوارج هو من صناعة الدولة الأموية.
إلا أني مع تفهمي لموقفهم أرى أنه ليس من المستقيم جمع قولين متناقضين، فكون الإباضية يعترفون أن المحكمة هم سلف الإباضية معناه. أنهم (1/68)
صفحة 69
يربطون أنفسهم بأس أساس الخوارج، فأهل " النهروان " كما هو معلوم، بذور الخوارج ونواتها. وأنا لا أعلم كيف يتبرؤون من الخوارج في حين أنهم ينسبون أنفسهم إلى أصل أصول الخوارج. وإذا كانت الأزارقة والصفرية والنجدية " كفروع " لا تنتمي إلى المحكمة كأصول، فإلى أين ينتسبون؟ فهل كان هناك خوارج قبل خروج المحكمة من صف الإمام علي؟ والحق أنه لمن الصعب على الإباضية أن ينفوا أنهم ليسوا بخوارج في حين أنهم يثبتون أن المحكمة هم أصل الإباضية، فالمرء يكاد يفهم من قولهم ذاك، أنهم أكثر خارجية من الأزارقة. والنجدية. والصفرية أنفسهم، اللهم إلا إذا كان شافعهم هو أن قصدهم هو أن المحكمة ما كانوا خوارج بالمفهوم المتطرف الذي عرف به الخوارج الغلاة فيما بعد، وهو قصد مقبول إن كان هو المقصود (2) (1/69)
صفحة 70
غير أن بعض الوعاظ والكتاب يظنّون أنهم كلما وفقوا في بيان فساد عقيدة المذاهب الأخرى، نالوا عند الله حظوة، مما ولد كثيرا من تبادل التهم والتهم المضادة، كأنما المسألة غدت وأصبحت مسألة " تنافس وغيره " واحتكار منازل، وجمع الفضائل في اليد والاستئثار بها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا). صدق الله العظيم. النساء آية: 94.
فتعليمات القرآن إلينا واضحة، إذا، وهي: ألا نقول لمسلم إنك لست مسلما، وإنك تعتقد كذا، في حين أنه ينفي عن نفسه الاعتقاد بما نريده أن يعتقد فقط لنجد فرصة التعليق عليه والنيل منه.
ويستمر الشيخ القطب أبو إسحاق إبراهيم اطفيش في تنديده لأولئك الذين ظلوا يسيئون إلى الإباضية لإرجاع نسبهم إلى الخوارج، فيقول " وما خلطوا بين الإباضية والخوارج إلا لطمس معالم الحق والصواب حسدا من عند أنفسهم، وأنى لمن اتخذ التشعيب مطية، أن يعترف بالحق والصواب وقد عميت بصيرته " (1).
ولاشك أننا نلمس أسلوبا متصفا بالرفض العنيف من الإباضية لتهمة نسبهم إلى الخوارج. ويقول عالمهم، أطفيش، الذي تحدثنا عنه، في نفس السياق " فشلوا في قول الصواب، فخلطوا بين الإباضية والخوارج. فتارة ينسبون الإباضية إلى الخوارج وتارة ينسبون الخوارج إلى الإباضية، كما يفعل الكثير من المدوّنين في الأصول والفروع في إضافة أقوال المعتزلة إلى الإباضية والعكس، مما أوجب التخليط والتشويش، فيذهب المؤلفون الذين يعتمدون على " النقل " إلى ما هو أشبه بالتهريج، ولا عذر لهم عندي مطلقا لأن الذي ينشر الحق، يطلبه من ينبوعه، لا عن من يحتك حسب هواه. (1/70)
صفحة 71
وأما السبكي فيقول في طبقاته: " إن المؤرخين على شفا جرف هار، لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما وضعوا في الناس تعصّبا أو جهلا أو عتمادا على نقل من لا يوثق به ".
لقد دأب الشيخ الإباضي علي يحيى معمر على تقصّي تلك الكتب التي تصدر وتعنى بدراسة الفرق، فذكر بان الكتّاب يصنعون رجالا وهميين، ويختلقون أقوالا زائفة وغير صحيحة، وينسبونها إلى هؤلاء الرجال الصناعيين، وبالتالي ينسبونهم بأقوالهم الزائفة تلك إلى الإباضية فيقول:
" إن جميع الأشخاص الذين اعتبرهم (2) أبو الحسن إما رؤساء لفرق من الإباضية، أو من مؤلفيهم ومتكلميهم لا وجود لهم عند الإباضية ".
الإباضية لا يعرفون شيئا عن هؤلاء الرجال وعن فرقهم.
فبعد أن ناقش أقوال القدامى من الكتّاب الإسلاميين كان له لقاء مع الكتّاب الإسلاميين المعاصرين الذين تبنوا نهج القدامى في الكتابة حول الفرق بدون أن يزيدوا في الموضوع شيئا ذا بال. فتحدث عن كتابة الأستاذ عبد القادر شيبة الحمد المدرس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة: فقال مستنكرا تحامل " الأستاذ عبد القادر " على الإباضية، ومفنّدا آراءه ومنتقدا أسلوبه: " وهكذا يستمر الأستاذ شيبة الحمد يحاضر لأبناء المسلمين من سبعين بلدا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة – فلسفة تنسب إلى الفرق الإسلامية لا وجود لتلك الفلسفة عند تلك الفرق، ويتخذ لها أئمة وعلماء لا تعرفهم تلك الفرق، وتعرف عنهم شيئا. بل قد تَبْرَأْ من تلك المقالات ومن يقول بها " (3).
ويضيف: " فكيف تسمح إدارة الجامعة العامرة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدرّس أباطيل عن فرقة من فرق المسلمين على طلاب سبعين بلدا من مختلف بقاع العالم ". ويضيف: " إذا كان التقليد الأعمى أو حب الراحة، أو عدم العناية بالبحث والتنقيب، أو حتى سوء النية، هي الأسباب التي حملت (1/71)
صفحة 72
" شيبة الحمد " على تلك المواقف، فكيف للجامعة العامرة أن تغفل عن مراقبة ما يجري فيها في أهم ركن من أركان رسالتها، وهي القوامة على كلمة الحق، المسئولة عن العمل لجمع كلمة الأمة، المطالبة بالتحقيق والتثبت والصدق في جميع ما تقدمه لأبناء الأمة في مجال العلوم الشرعية.
ويردف قائلا: كنا نأمل أن تعمل الجامعة الإسلامية على التحقيق فيما يقال عن فرق المسلمين وأن تأخذ آراءهم ومقالاتهم من كتبهم وعلمائهم، وبذلك يمكن للجامعة أن تعلن كلمة الحق، وتجمع الشمل، وتوحّد الصف، وتكون مركز القيادة الوحيدة لهذه الأمة بجميع مذاهبها لأنها مهّدت اللقاء بينهم على نور العلم وجعلت كل واحد منهم يعرف ما عند الآخر. اهـ.
قلت: لو توفرت النية الصالحة لدى السعوديين لتبنوا هذه الخطة في رسم المناهج الدراسية في جامعتهم تلك، فأهل من يعرفون بالفرق الإسلامية مجاورون لهم، فالإباضية في عُمان، فعُمان جارة لهم، والشيعة الاثنا عشريون في العراق، فالعراق جارة لهم، والزيدية في اليمن، فاليمن جارة لهم. بل فلا يستبعد أن يوجد أتباع لكل هذه المذاهب في البلاد السعودية نفسها كمواطنين مما يسهّل عليهم مهمة البحث من علماء مؤهلين لتدريس هذه المذاهب تدريسا سليما جادا نقيا بعيدا عن التحامل، بدلا من إناطة ذلك إلى علماء خارج تلك المذاهب، فيكون في الأمر شيء من الاجتهاد. أو الافتراضات فالأخطاء.
ويواصل الشيخ علي يحيى معمر عرض آرائه وتمنياته إلى الجامعة الإسلامية، فيقول: " بل إننا نطمع في الجامعة في أكثر من ذلك، وذلك بأن تكون لجانا للتأليف يشترك فيها علماء الأمة من مختلف مذاهبهم، ويصدرون كتبا حسب المناهج المقررة في الجامعة لتدرس فيها – مشتملة على المقالات الحقيقية للفرق والمذاهب المعاصرة فعلا – وبذلك تقضي على النظرات الضيقة، وتوقف زحف العصبية المقيتة. وتحول دون التأثير الفردي في توجيه الطلاب المسلمين.
إن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة يجب ألا تصطبغ بمذهب معين فهي للمسلمين جميعا، تقدّم لهم الثقافة الإسلامية من منابعها الصافية – كتاب الله وسنة (1/72)
صفحة 73
رسوله – فإذا انتقلت بعد ذلك إلى كلام البشر سواء ما كان منه منسوبا إلى مذهب أو ما كان منسوبا إلى فرد، فإنه يجب أن يعرض بوضوح ومن مصادر ثابتة ".
ونراه يتقدّم باقتراح إلى الجامعة، وهو في رأينا اقتراح بناء، بغية تفاهم المسلمين بعضهم بعضا. وهو اقتراح لو نفذته الدولة السعودية – وهي على ذلك قادرة – لاستحقت الشكر والثناء من كافة المسلمين، لأنه عمل لو نفّذ لكان من شأنه رفع سوء التفاهم وبذر روح التآخي في الأمة ".
وقال " وفي إمكانها أن تعقد مؤتمرا سنويا لعلماء جميع المذاهب الإسلامية سواء كان ذلك أيام الحج أو في غيرها، تطرح فيها القضايا الهامة وتوضح الآراء والعقائد بحججها وبراهينها. وتزود الجامعة بالمراجع المعتمدة لكل مذهب، وإيضاح الأقوال المعمول بها. على أن يكون هذا المؤتمر مؤتمر عرض وإيضاح، لا مؤتمر جدال يريد فيه كل أصاحب مذهب أن يبرهنوا على صحة مذهبهم وبطلان غيره الخ .... ".
فأنا أعتبر هذا الكلام كلاما رائعا وحكيما. بل هو في غاية الروعة والحكمة والصواب. إذا أريد للمسلمين التفاهم وتخلي التنابز بالألقاب، ولو قدّر للفئات الصغيرة " عدديا " طرح آرائها وتصحيح معتقدات الناس بها لظهرت تفاهة ما يكتبه الآخرون عنها. والحق أن هذا الرأي لجدير بالاهتمام.
غير أني أعتقد بأن تنفيذه ليس بالسهولة التي تصورها صاحب الاقتراح، فبعض الناس " من العلماء والحكام " يفضلون بقاء هذه الخلافات وسوء التفاهم، لأن من مصلحة " علماء السوء " (اختلاف الناس) ليجدوا مادة خصبة كمبرر للافتراء على الغير بحجة الدفاع عن المحجة البيضاء، وفلسفة الأمور، وتأويلها على نحو يزيد الأمور سوءا والأوضاع توترا، وأما الحكام فمن المعلوم البديهي أنه كلما تطور سوء التفاهم بين طبقات الشعوب، ازداد انشغالهم عن السياسة ومراقبة لعب الحكام. وهذا من شأنه أن يجعل الناس مشغولين دوما بأمور تتعلق بعلاقات بعضهم بعضا منصرفين انصرافا نهائيا عن مراقبة أعمال الحكام. وهكذا.
" وهل أفسد الدين إلا الملوك – وعلماء سوء وأحبارها ".
ولا شك أننا أطلنا الإنصات إلى الإباضية وهم ينفون عن أنفسهم تهما (1/73)
صفحة 74
نسبت إليهم. فالغاية الوحيدة التي توخيناها هي إتاحة الفرصة لهم ليقدّموا أنفسهم إلينا كما يحلوا لهم، ونفهمهم كما يريدوننا أن نفهم، وليس أن نفهمهم كما نريدهم أن يكونوا (فرضا عليهم).
والحق أن ما ورثناه من تعدد المذاهب واختلاف الفرق والنحل يجب ألا نعتز به. بل علينا أن نعتبره ظاهرة سلبية تستحق المحاربة لا الاعتناء بها، علنا نوحد صفوفنا. نعم .. ومما لا شك فيه أن هذه الفرق أصبحت ذات أصالة تاريخية ومن الصعوبة استئصالها من شأفتها. غير أن (الإسلام بلا مذاهب) زعيم بالقضاء على ظاهرة التشرذم هذه، لو اعتنى بهذه الفكرة، فلم الاستمرار في تدريس التلاميذ مشاكل الفرق. بل لأسماء فرق لم توجد، ولم تكن يوما إلا في أسعار الكتب من وحي كاتبها، دفعتهم إلى إيجادها دوافع لا تعنينا نحن اليوم، والتمسك بتلك الأقوال، وكأنها ماء ذهب أو ذائب ماس.
أليست هذه أساليب تحجير لعقول الشباب المسلم؟ فوالله إنها لهي الرجعية بتفاصيلها.
فالإباضية – على ضوء ما تقدم – ليسوا بخوارج، بل هم مذهب كأي مذهب إسلامي آخر، وإن كان هناك قاسم مشترك بين الإباضية والخوارج فهو ظهورهما إلى حيز الوجود في وقت واحد تقريبا، وظهورهما إلى النور انبثاقا من قضية واحدة، وقاسم مشترك. ألا وهو " رفض التحكيم "؛ وعد إقرار شرعية الحكم الأموي المتمخض عن تمرد معاوية على الإمام الشرعي المنتخب بالشورى نصا (أي الإمام علي) غير أنهما مختلفان باختلاف آرائهما ومبادئهما. بل لقد حارب بعضهم بعضا.
والحق أن علاقة الإباضية بالخوارج كالعلاقة بين الاشتراكية، والشيوعية، مثلا، ولا أعتقدها مقارنة بعيدة الاحتمال سينكرها القارئ عليّ، فبينما نرى في المفهوم الرأسمالي أن الاشتراكية والشيوعية موضوعتان في طابور واحد – رأسماليا – لتشابه المبادئ والبرامج، نتيجة تشابه الظروف الممهدة لولادة هذه المبادئ. فإننا نعلم ونعترف أن الشيوعية غير الاشتراكية، ولا يغرنا تشابه النزعة بينهما – نسبيا – والقاسم المشترك الوحيد بينهما هو رفض الفكر الرأسمالي ذي النزعة الاحتكارية. (1/74)
صفحة 75
فلا أحد منا ينكر اشتراكية جمال عبد الناصر – مثلا – غير أنه لا أحد في الوقت نفسه يتهمه بالشيوعية. لقد رأيناه عنيفا ضد مناوئ البرنامج الاشتراكي في بلاده، ولقد رأيناه – أيضا – حربا على الشيوعيين في مصر وزجهم في السجون وأودعهم غياهبها. وعامل المعسكر الاشتراكي معاملة صديق وزميل في درب الكفاح، لقاسم مشترك بينهما وهو " اليسارية " ورفض الفكر الرأسمالي ذي الجذور الإمبريالية، ولم نتهمه بالتناقض في السلوك، أو الشيوعية البحتة لاستعداد نفسي وثقافي فينا لتفهم موقفه وتفهم الفرق بين الاشتراكية والشيوعية (فلم، إذاً، لا يكون لدينا نفس الاستعداد الثقافي والنفسي لتفهم دوافع المواقف لمختلفة الفرق تاريخيا؟ ثم تفهم سبب اختلاف آرائها في الاعتقادات الأيديولوجية؟
والحق أننا لو ألقينا نظرة على العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، واستعرضنا الأنظمة الحاكمة فيها، لألفينا معظمها اشتراكية الاتجاه والنزعة، في حين أنها ترفض الشيوعية، بل تحاربها بصدق وإخلاص، ولا أحد يصر على تسميتها " أنظمة شيوعية " لإدراك الناس الفرق بين الشيوعية والاشتراكية إدراكا واضحا. وهكذا فقس العلاقة – أيامئذ – في التاريخ السحيق بين الفرق " الخوارج " و" الإباضية " و" التشيع " و" السفيانية " (الولاء لبني أمية) لأن كل هذه الفرق ولدت من أب واحد، وهو اختلاف الناس بعد مقتل ذي النورين أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ثم مبايعة الناس أبا السبطين علي بن أبي طالب وتمرد أبي يزيد معاوية، وما واكبها من أحداث وحروب وفتن الخ ..
فبادئ الأمر كان كل من الإباضية والخوارج والشيعة في صف الإمام علي، تحارب الفئة الباغية " معاوية وعمرو ومن معهما ". وعندما نجحت الحيل السياسية التي نسجها عمرو لمعاوية " كخداع "، لعلي، تزعزع معسكر الإمام علي – وكان ذلك هو قصد عمرو وراء فكرة التحكيم هذه – فانقسم أتباعه إلى قسمين: قابلة للتحكيم ورافضة له، قابلة للتحكيم باعتباره احتكاما إلى قاضي القضاة " القرآن الكريم " فالظاهر أن هذه الفرقة لم تتصور في أن أحدا يجرؤ على اتخاذ القرآن محل مناورة سياسية قصد إحراز نصر دنيوي خالص ومكاسب سياسية بحتة، إلا أن الفرقة الأخرى الرافضة، لم تنطل عليها هذه الحبكة، فأدركت أن وراء الأكمة ما (1/75)
صفحة 76
وراءها. واستيقنت أن الدعوة إلى الاحتكام إلى القرآن مجرد حيلة لم يقصد بها الإذعان لحكم الله، فرفض معاوية – قبل – الدخول فيما اتفق عليه المسلمون – مبايعة علي – رفض سافر وواضح لحكم القرآن، فلا داعي – إذا إلى الاحتكام.
والظاهر في النصوص التاريخية، أن الإمام عليا كان يميل إلى رأي الفرقة الثانية – الرافضة للتحكيم – لأنه كان يقول عنه إنه " كلمة حق أريد بها الباطل " وهو يشير إلى مسألة التحكيم إلى القرآن.
ولا شك أن الإباضية والخوارج، كانوا من أشد رافضي قبول فكرة التحكيم، بيد أن ظروفا أجبرت الإمام علي على قبول فكرة التحكيم أخيرا، وأخيرا ظهرت نتائج التحكيم برسوب الإمام ونجاح " ابن هند " بالتفوق. وشرع صف الإمام يتضعضع تضعضعا دكه فيما بعد، فأضحى رمادا.
وانقسم عليه أتباعه، وانفلت من يديه زمام السيطرة على الأمور وتوجيهها طبق مصلحته وكما يحلوا له، كما كانت الأمور طيعة في يد خصمه، غير أن فصول المآسي لم تنته هنا، إذ عاين معاوية بشائر النصر تلوح له في الأفق، وأصبح لا يرضى عن الانتصار الحاسم بديلا، وذلك بالتوفيق الذي كللت به مهمة مندوبه – عمرو – في بلبلة أفكار مندوب الإمام – أبي موسى الأشعري – وبالتالي بلبلة أفكار أتباع الإمام وإحداث شرخ واسع في صفوف أنصاره. وبهذا كان الإمام علي قد انهزم في المحكمة عن طريق مندوبه الضعيف، ورأت مجموعة كبيرة – من أصحابه – بما فيهم الإباضية والخوارج " كانوا طائفة واحدة يومئذ " أن الإمام لم يعد إماما رسميا وشرعيا للمسلمين، ذلك لأن مجرد قبوله لمبدأ التحكيم – تحت أي ظرف من الظروف – يوحي بأنه لم يعترف بنفسه (الإمام الشرعي) للمسلمين، وأخرى، وهي بما أنه قد قبل التحكيم رسميا، فإنه مرغم – أدبا وقانونا – على قبول النتائج التي سوف تسفر عن ذلك التحكيم وتترتب عليه.
وعلى مستوى القيادة – قيادة الأمة – فإن منصب " الخلافة " أو الزعامة الإسلامية بقي شاغرا مدة أيام الاحتكام حيث أوقف الطرفان الاقتتال (وقف إطلاق النار) للمفاوضة. (1/76)
صفحة 77
وهنا قامت المجموعة الرافضة التحكيم بشدة، إلى تقليد أحدهم منصب " الخلافة "، وهو عبد الله بن وهب الراسبي بدون أن ينتظروا نتائج التحكيم، لأنهم – مبدئيا – رافضون لخلافة معاوية، وزعامته على المسلمين. فلم يكن هناك، بالنسبة إليهم، ضرورة تدعو إلى التريث لحين معرفة المنتصر، وثبت في مفهوم المحكمة، أن الإمام الشرعي قد تنازل عن حقه قبل إجراء انتخاب جديد – بدون شروط مسبقة – وعليه فلم تعد بيعته على عواتقهم.
ويبدو أن قوما آخرين قد تخلوا عن الإمام اثر قبوله التحكيم وانهزامه في نتيجة الاحتكام فضلا عن الخوارج والإباضية.
غير أن قوما كانوا يتعاطفون مع الإمام مائة في المائة، ويناصرونه سرا وجهرة، مناصرة مطلقة، فهم قد ظلوا واقفين معه، مدافعين عنه، لا يتأثرون بأي مؤثر خارجي طارئ، فهم معه معية صادقة وكاملة، لا يراجعونه فيما يقبل أو يرفض، لأنه – في نظرهم – لا يقبل شيئا إلا بحكمة ولا يرفض آخر إلا لسبب. فهؤلاء هم الذين بقوا له شيعة وأتباعا مخلصين له ولذريته من بعده ومازالوا له شيعة، وما زال لهم إماما حيا في قلوبهم " لا مغمز في الإمام ".
غير أن حادثة الانشقاق عنه لم تتوقف، بل لقد استمرت حوادث الانشقاق بين أتباع القدامى – سواء الموالين له، أو الخارجين عليه – فأصبحت ظاهرة مألوفة فيهم، وكأن الله ابتلاهم بها. فالخوارج انشق عنهم الإباضية فأصبحوا يشكلون فرقة خاصة بهم، بعيدة عن الفكر الخارجي. والخوارج الغلاة أنفسهم مضوا ينشق بعضهم عن بعض إلى أن بلغوا فرقا متناوئة ومتقاتلة، ولا أعتقد أن الإباضية نفسها قد سلمت من طاعون الانشقاق هذا، وإن كان بصورة غير حادة، فأصبح لها فرق – وفي الواقع فرق إباضية لا ينكرها الإباضيون لعدم وجود خلاف جوهري بينهم (1) – وشيعة الإمام علي أنفسهم لم يسلموا من وباء الانقسام هذا فانقسموا إلى زيدية وإسماعيلية واثنا عشرية الخ .. على أن التشيع للإمام والولاء له حيا وميتا هو القاسم المشترك بينهم كشيعة. (1/77)
صفحة 78
وأما الإباضية على ما يظهر فإنها سلكت سلوكا وسطا بين الأمرين، فهي ما ناصرت عليا وشايعته بمجرد أنه علي لما له من مزايا ومناقب ومركز عظيم في الإسلام، بل هي – أي الإباضية – كانت معه لاعتقادها أنه على الحق، ويمثل الحق. ولما تغير رأيها تركته بدون أن تكون له أو عليه.
وأما الغلاة من الخوارج فإنهم وقفوا منه موقفا لا يقل عنفا عن موقفهم – وهم معه – ضد خصمهم المشترك " معاوية " أيام الصداقة والصفاء، بل وعلى سائر المسلمين الآخرين، مما يدل على أنهم ما كانوا يتبعونه لأجل شخصه، بل لأجل ما كانوا يعتقدونه به ممثلا لرأيه الحق، فلما تغير، تغيروا، لأن تغير الظروف يؤدي إلى تغير المواقف. (1/78)
صفحة 79
التاريخ: 23 - 08 - 2004 04:15: مع الخوارج: لماذا سمي الخوارج خوارج؟
سبق وأن شرحنا أن الإباضية سموا بهذا الاسم نسبة إلى: إمامهم عبد الله بن أباض، كما وأن لكل حزب رئيسا له وزعيما، وحتى الهراطقة من الشيوعيين، يعتبرون ماركس إمامهم. ولذا ينسبون إليه فيقال لهم " الماركسيون ".
غير أن السؤال هنا لماذا لم ينسب الخوارج إلى إمام لهم؟ فيظل – مثلا – " الراسبيون " نسبة إلى عبد الله ابن وهب الراسبي، فالسنيون – مثلا – على الرغم من اشتراكهم في هذا اللقب (أهل السنة) إلا أن لهم أئمة ينسبون إليهم، فيقال حنبلي، شافعي الخ ... بل ولماذا سميت فئة معينة بالخوارج؟ وما المسوغ لإطلاق كلمة الخوارج عليهم؟ لأنهم خرجوا على الإمام على؟ وإذا كان خروجهم على الإمام هو الذي دفع الناس إلى أن يصوغوا لهم هذا الاصطلاح، فهناك في المواقع من هم أولى بهذا الاسم وأجدر بهذا الاصطلاح.
فالذين يستحقون هذا الاسم، أكثر من سواهم، هم، أم المؤمنين عائشة، وطلحة، والزبير. فهم أول من خرجوا عليه فحاربهم وحاربوه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى معاوية وعمرو بن العاص، فهما – ومن معهما – قد خرجوا على الإمام علي. بل وهم الخوارج الكبار، لأنهم مصدر كل الفتن والمصائب التي حاقت بالمسلمين بتمردهم وعصيانهم وعدم قبولهم على ما أجمع عليه أصحاب النبي وأصحاب أصحابه والتابعون.
غير أن كلمة الخوارج ما وسعتهم، فلم؟
والحق أن أولى الناس بهذا الاسم، تلك الجماعة التي قتلت أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فهم كانوا قد خرجوا عليه وثاروا ضده ولم يهدأوا إلا حين قتلوه، فهل عد هؤلاء خوارجا؟
أما الإباضيون، فلديهم الجواب حاضرا عن سبسب تسمية الخوارج بهذا الاسم، فيقولون أن المقصود بالخوارج هو مفهوم قرشي خالص، وأن معاوية هو الذي أطلق عليهم تلك الكلمة لأنهم بايعوا إماما غير قرشي وهو عبد الله بن وهب الراسبي، (1/79)
صفحة 80
فرأت قريش – بما فيها الإمام علي نفسه – ومعاوية وعمرو أن القوم – الخوارج – قد خرقوا قواعد " اللعبة "، واعتدوا على الأثر القائل " الأئمة من قريش "، والمفهوم من هذا – ضمنا – أن النزاع حول الزعامة لقيادة المسلمين منطقي ومتصور ما دام منحصرا في يد قريش وحدهم " كقبيلة ". وأما إذا جاوزهم وتعداهم فلن يطاق " فهناك الخروج عن المألوف ".
وقال أطفيش – وهو أحد كبار علماء الإباضية – إن الإمام عليا حارب الخوارج في موقعة النهروان، لا لأنهم انشقوا عليه بل لأنه رأى أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشي. وحاربهم قبل أن يتقوى أمرهم، فتخرج الإمامة لغير قريش، وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان. ويضيف قائلا " وليس – إذا – ما يزعمه محرفو التاريخ ومتعفنة المذهبية، أن واقعة النهروان كانت بسبب الخروج على علي لأنهم لم يخرجوا والبيعة في أعناقهم، فليتنبه المتبصر من الزلة في هذا المقام، فإن الأهواء متغلغلة في أصحابها بما لا خفاء فيه ". ويضيف " إن تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أول الأمر، وإنما انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة، كما قلنا ولم تعرف هذه التسمية في أصحاب علي المنكرين للتحكيم والراضين به. ولعل أول ما ظهر هذا اللفظ بعد ثبوت الأمر لمعاوية والاستقرار فيه حين زاره الأحنف بن قيس التمصي وهو من أهل النهروان، فقال معاوية له: " لماذا أحبك الناس، وأنت من الخوارج؟ " فقال له الأحنف: " لو عاب الناس الماء ما شربته ".
ويضيف أطفيش قائلا: " أترى أن معاوية يصف الأحنف بن قيس بالخارجية، لأنه كان مع من حاربهم علي يوم النهروان؟!، أو لأنه لم يكن في بيعة معاوية. ولو كان وصف معاوية للأحنف بالخارجية لكونه من أهل النهروان، لكان معاوية ومن معه أولى بهذا الوصف، لأنه هو الذي سل السيف ضد علي ومن معه يوم صفين ولأنه هو الذي جنح عن بيعة الإمام علي. والحال وقد بايعه أهل الحل والعقد، فأصبحت بيعته حقا يجب اتباعه والدخول فيه على كل واحد من المسلمين " (1). (1/80)
صفحة 81
والحق أن هذا التفسير الإباضي لنشأة اسم (الخوارج) أو سبب إطلاقه على المحكمة فيه شيء من الطرافة بلهجة معبرة، لأنه لو كان كل خارج على السلطة الشرعية سمى خارجيا - كاصطلاح للتمرد والعصيان عامة - لأصبح اصطلاحا مألوفا في اللغة العربية، مما يؤيد – نسبيا – رأى الإباضية. فالعادة الاجتماعية واللغوية ما جرتا على تسمية الثوار " خوارج "، أو الفئات المناهضة للدولة " خوارج ". أو الجنود الذين يتمردون على حكم المدنيين فيقومون بالانقلاب بأنهم " خوارج "، إذا – فإباضيا – أن الخوارج لفظ أطلق عليهم لأنهم رفضوا عليا بعد أن كانوا معه، بل ورفضوا أيضا حصر الزعامة الإسلامية في يد " قريش " وعقدوا لواءها لمسلم يرى الإسلام منتهى النسب لا النسب العرفي.
والصحيح أن كثيرا من الناس الذين كانوا في معسكر الإمام – غير الشيعة والخوارج – قد انضموا إلى معاوية، وأصبحوا له سامعين طائعين بل ومدحوه في خطبهم وشعرهم – وإن مجاملة – فهؤلاء لم يسموا بخوارج لأن انضمامهم إلى صف معاوية، و إظهارهم الولاء له قد شفعا لهم، ونجاهم بالتالي من " وصمة الخوارج " وإن كانوا غير مخلصين له. لأن انتقال الزعامة من يد علي إلى يد معاوية ليس أكثر من تحول اللواء من قرشي جدير ومحقّ ومناسب إلى قرشي " مزاحم " غير جدير ولا محق ولا مناسب. غير أن الحظ بجيوشه وقف وراءه.
يقول أطفيش في المرجع السابق " ولكن الذي يمحص التاريخ بإنصاف وعلم يرى في إطلاق لفظ الخوارج على الإباضية – وهم من الخوارج براء – مغزى، وهو أنهم رأوا أن الإمامة لا تختص بقريش، بل هي تصح لكل من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورياستها. وهذا هو الحق الذي دل على كمال البصيرة إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه وأممه تابعا لقبيلة واحدة أحسنت أو أساءت. الخ ".
وفي ضوء ما تقدم، نفهم من رأي الإباضية أن سبب إصرار الأمويين والعباسيين على السواء على إطلاق اسم الخوارج على الغلاة والمعتدلين هو:
1 - رفض التحكيم، ثم بعد وقوعه وانجلاء نتائجه، استمرارهم الرفض في العودة إلى صف الإمام علي، وانتخاب واحد منهم (من غير قريش) إماما له ودعوة باقي المسلمين إلى الانضمام إليهم والطاعة للإمام الجديد " أزدي ". (1/81)
صفحة 82
2 رفضهم البات و السافر أن تكون الإمامة لقريش وحدهم و هنا فهم في حرب ضد (معاوية و علي) وذريتهما، وهكذا كان الأمر، فالأمويون ظلوا يحاربون " الخوارج " ومعاوية هو أس الحكم الأموي ونواته. وكذا العباسيون، فمن المعلوم أ نهم – العباسيين – كانوا في أول عهدهم علويين وشيعة له، وذلك قبل أن تسمح لهم الظروف والحظ متضافرين فيحولوهم من علوية إلى عباسية.
والشيعة أيضا شأنهم كشأن أولئك الذين انضموا صراحة أو تقية إلى صف معاوية من حيث النجاة من وصمة " الخوارج " فمعاوية لم يصر على دعوة " شيعة الإمام " " خوارج " عليه – معاوية – مما يكاد يؤيد النظرية الإباضية في سبب إطلاق لفظة الخوارج على الخوارج أي رفض حصر الزعامة في يد قريش.
فالشيعة، وإن كانوا ضد الحكم الأموي، والعباسي لاحقا، فأنهم ليسوا ضد " تركيز السلطة في يد قريش" لأن نظرية الإمامة لديهم – وهي بيت القصيد في مذهبهم – تؤكد ولاءهم لقريش عامة، ولبني هاشم خاصة، وأبناء علي في أخص الخاصة. فهم – إذا – " قرشيا " ليسوا بخوارج، وإن كانوا خوارج على " بعض " قريش من الأمويين والعباسيين لأنهم لم يخرجوا على الأثر " الأئمة من قريش ".
غير أني قبل الانتقال إلى نقطة أخرى أود أن أعلق على نقطتين هامتين مبديا رأيا مخالفا لما ذهب إليه العالم الإباضي أطفيش، حيث قال " فرأى علي بن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقريش وحاربهم قبل أن يتقوى أمرهم، فتخرج الإمامة لغير قرشي، " وهذا هو السبب الوحيد لواقعة النهروان ".
فأنا أعتقد أن في هذا التصريح شيئا من المبالغة أو إطلاق الكلام على عواهنه، فلو قال مثلا: وهذا من جملة الأسباب لواقعة النهروان، لجاء كلاما يستحق الإصغاء. وأما التعميم ففيه إسراف في رأيي – فنحن نعلم أن حرب الجمل سبقت واقعة النهروان. فهي حرب خيضت تحت قيادة ثلاثة من زعماء قريش وهم طلحة، والزبير، وأم المؤمنين عائشة، وهم قرشيون لا يفضلهم علي شيئا يوم النسب قبليا. (1/82)
صفحة 83
غير أن عليا حاربهم، بل بدأ بهم، إلى أن هزمهم. فلو كانت المسألة (قضية قبيلة)، لتركهم " علي " وشأنهم.
ومعاوية نفسه لا يُشك في قرشيته، وإن كانت قصة إيمانه تقبل العرض على بساط المناقشة، أو الأخذ والرد، فعلي نفسه لم يشك ولم يشكك في قرشية معاوية يوما، فحتى أولئك الذين أشبعوه حقدا وكرها وازدراء، لم يشككوا في نسبه كقرشي قط، وإن كانوا قد شككوا في صحة نسبه إلى أبي سفيان كأب شرعي له، حيث نسبوا بنوته إلى أحد الشيوخ من قريش " شيخ لامع جدا من بينهم " (2) وأكيد أن معاوية لم يكن يضع وزنا لهذه القيم الاجتماعية والدينية أو يجد غضاضة أو خجلا في هذا القيل والقال، وإلا لما استلحق زياد ابن أبيه، شاهدا لأبيه بذلك ممارسة الخنى ولو كان يحفل ما يقول الناس والشرع لستر شيخه.
وآخر يجب التنويه به، هو أن قوله: " فرأى ابن أبي طالب أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشي، الخ .. " يومئ أن تلك الحرب كانت مجرد حرب قبلية، وهذا غير مستساغ، فعلي ليس من الرجال الذين يغضبون لأجل نعرة قبلية وهو ربيب رسول الله، ورضيع أسلاف الإسلام الأولى. فعلي كان أكبر منتقد لأعمال عثمان حين بدأ يحابي أهله وأقرباءه. بل فعثمان نفسه كان يقول له: " وهم أقرباؤك أنت أيضا " عندما كان علي ينكر عليه تفضيله أقرباءه. " وهم " لا شك من قبيلة " علي " دما، غير أن عليا، وهو علي، لا يمكن بل و يستحيل أن توجد فيه نزعة قبلية.
والنقطة الأخرى، وهي قول أطفيش " وانهم – أي الإباضية والخوارج حقا – رأوا أن الإمامة لا تختص بقريش. بل هي تصح لكل من ينتخبه المسلمون الخ " .. ليس سببا كافيا لتسميتهم خوارج، لأن الأنصار كانوا – قبل – قد جادلوا أبا بكر في مسألة الزعامة فقالوا (منا أمير ومنكم أمير). فلو كانوا مُسَلِّمين بأن (1/83)
صفحة 84
الزعامة الإسلامية تعقد فقط لقريش لما قالوا ما قالوه، وهم أنصار النبي وأصحابه، وقريش لم يسموهم خوارج.
على أني لا أجرد أطفيش عن كل الحق فيما قال، لولا استعماله تعبيرا يفيد الحصر والتحديد في " السبب الوحيد " إذ ليس هناك ما يمنع أن يكون رفض الخوارج هيمنة قريش على الأمر هو ما ألحق بهم هذا الاسم (الخوارج)، ولكنه ليس السبب الوحيد.
التاريخ: 23 - 08 - 2004 04:20: هل الخوارج كفار؟
قد يكون الأمويون يرون أن الخوارج ليسوا بمسلمين، وقد يرى بعض الناس رأي الأمويين، إلا أننا اليوم – كدارسي التاريخ – لا جنود في صف هذا أو ذاك، لنا رأينا الخاص في كلا الطرفين. لأننا لم نعد نخشى سيوف بني أمية، ولا نتقي حذرين عيونهم المبثوثين في كل مكان لرصد كلام الناس أو ميولهم، ثم محاسبتهم، كما أننا لم نعد نخشى غارات الخوارج وحملاتهم أو تسلل مغاويرهم إلينا، لذا نستطيع – بحرية مطلقة إصدار أحكامنا بحقهما بدون تمييز.
صحيح أن القوة زائد " الإعلام القوي " يساوي " الانتصار معنويا "، وهما كافيان لتقليب الحقائق رأسا على عقب، كما هو الحال في عصرنا تماما حيث تقوم الدول الكبرى باعتداءات مكشوفة ضد الدول الصغرى، غير أنها لما لها من قوة عضلية وقوة قولية – إعلامية – تستطيع ذر الرماد على الأعين، وإسكات الخصم وتحويل حقه. الناصع باطلا حالكا.
غير أن النجاح في كم الأفواه حينا من الدهر لا يعني النجاح في إبقائها مكمومة أبد الدهر، وعبر الأجيال المتعاقبة، فكم من زعيم خرج على نظام، واستطاع النظام، ونجح في تشويه سمعته وتسفيه دعوته واستعباط مبادئه وآرائه، وتقزيم عقله ورمي القاذورات بسمعته، وقضى عليه بالنفي أو بالإعدام. فإذا بالناس يعيدون له اعتباره بعيد حين، ويطلقون اسمه على العريض من الشوارع تخليدا لذكراه، فكم الأفواه، ولجم الألسن، وربط الأعين، بخرق سوداء، وسائل غير كافية لإبادة الحقائق إلا زمنا يسيرا. (1/84)
صفحة 85
فالخوارج مهما قيل في شأنهم، فأنهم مسلمون، وإسلامهم قد يكون أنصع من إسلام وإيمان بني أمية، وبعض علماء أموية الذين كانوا يصدرون الفتاوى لهم ويصنعون الأحاديث للرفع من شأنهم.
ولم ير عالم في عصرنا نحن كتب عن الخوارج، وحمل عليهم، وهاجم عقيدتهم، ووصمها ووصفها بالعقيدة الفاسدة، بل لقد أضحى الذين يكتبون عنهم يصفونهم بأنهم يمثلون الإسلام الأول على فطرته قبل أن تدخل فيه تعاليم من الأمم الأخرى، والديانات الأخرى، والتقاليد والنزعات من أهل الملل والنحل التي دخلت في الإسلام بعد، وظل إيمانهم إيمان قلب، لا إيمان علم، يتحلون بعقيدة راسخة لا تزعزعها الأحداث (1)، ووضوح الرؤية في المعتقدات وسلامة في التعبير بها وسلوك واضح لا فلسفة فيه ولا جدل، لا عوج فيه ولا غموض.
والحقيقة أن الخوارج لا يستطيع أحد وصفهم بما يوصف به باقي المسلمين لأنهم أقروا الشهادتين، فكل من شهد بهاتين الشهادتين يغدو مسلما، اللهم إلا إذا أنكر ما ثبت عن الدين بالضرورة من غير تأويل كإنكار الجنة أوالنار، أو البعث أو الحساب مثلا. خطأ أي مسلم محمول عليه، ومع ذلك فالخطأ لا يخرج عن عموم الملة الإسلامية. والحقيقة أن تشريك المسلمين ليس بالأمر الهين.
لماذا ترفض الإباضية الانتماء إلى الخوارج؟
لا يكاد الدارس والباحث لتاريخ الإباضية والخوارج يجد فرقا واضحا بينهم، فهم من حيث المبادئ والنزعة والسلوك شيء واحد أو شديد التداخل والتشابه. ومحاولة التمييز بين الإباضية كفرقة، والخوارج، يقوم بها غالبا الكتاب الإباضيون، لأنهم – كما رأينا – لا يعتبرون أنفسهم خوارج، بل ينفرون جدا ممن يصفهم بالخوارج. فعندما نقرأ لشاعر إباضي قصيدة تكاد قصيدته تلك تأتي نسخة مكررة من حيث المعاني عن تلك القصائد التي تعزى إلى شعراء من الخوارج. تفوح منها رائحة العنف، ضد الظلم، ويثور منها غبار المعارك، غير أنها معارك ضد (1/85)
صفحة 86
المعتدين والمستخفين بحدود الشرع. وأعتقد أن مهمة غربلة الإباضية عن الخوارج، أو استصفاء أحدهما عن الأخر غير هينة.
ولكن الإباضيين يرون أن تشابه المواقف أو الاتفاق والمطابقة في بعض الآراء لا يعني بحال " وحدة المبادئ " ويقولون " لا يعني تقارب المذاهب أن مصدرها واحد، فالإباضية يتفقون مع الخوارج في بعض الآراء، ويتفقون مع الأشاعرة – من أهل السنة – في بعض الآراء، ويتفقون مع المعتزلة في بعض الآراء، أوهل يقال إنهم معتزلة أو أشاعرة أو غيرهم لمجرد اتفاق الآراء، بل إن الأشاعرة يتفقون مع الخوارج في بعض الآراء، ويخالفون المعتزلة، ونجد المعتزلة أيضا يتفقون في بعض الآراء مع الخوارج، ويخالفون الأشاعرة، ونجد المعتزلة أيضا يتفقون مع الأشاعرة في بعض الآراء ويخالفون الخوارج، وهناك تقارب في بعض آراء الشيعة والمعتزلة، أويقال إن تقارب آراء المعتزلة بآراء الشيعة، يجعلهم من شيعة، أو تقارب بعض (2) آراء الشيعة بآراء المعتزلة يثبت أن الشيعة من المعتزلة، وأن الفارق بين الإباضية والخوارج إنما هو في " الغلو والاعتدال " فالإباضية معتدلون، بينما الخوارج غلاة. لقد عُرف الإباضية في اعتقادهم وفي سلوكهم وفي سلمهم وفي حربهم أنهم من أعدل الطوائف، ومن أكثرها التزاما بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في حين أن الخوارج يحكمون على جميع المسلمين بالشرك، ويعاملونهم معاملة المشركين ويستبيحون سفك دمائهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، بينما الإباضية أكثر الفرق اعتدالا من هذه الناحية. فلنسمع إلى أحد علمائهم وقادتهم وهو الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي رحمه الله الذي أعلن في جامع صنعاء قوله، وهو قول يعكس بوضوح عقيدة الإباضية وآراءهم تجاه المسلمين الآخرين. فقال: " الناس منا، ونحن منهم، إلا مشركا بالله، عابد وثن، أو كافرا، أو متسلطا في الأرض يحكم بغير ما أنزل الله ". (1/86)
صفحة 87
وقال الأستاذ عامر علي عمير المرهوبي: " في الماضي كانت كلمة الخوارج تستخدم إشارة إلى هؤلاء المسلمين الذين خرجوا للقتال في سبيل الله، ولكن معناها تحول تدريجيا إلى هذا المعنى المشوه ليصبح وصمة، وهذه الوصمة هي التي يرفضها الإباضية " (3).
ويقول علي يحيى معمر عن رفض الإباضية الانتماء إلى الخوارج: " وجريمة الإباضية أنهم لم يريدوا أن يقفوا في الطابور الذي أراد أن يصنفهم فيه كتاب المقالات المتحيزون، وبعض المؤرخين الموجَّهين، ومن ينعق وراءهم (4)، ويقول أيضا: " وهذا الموقف نفسه ما يريده المؤرخون وكتاب المقالات، وحتى بعض المفكرين المعاصرين من حملة الشهادات العليا، أنهم يريدون أن يفرضوا على الإباضية بأنهم خوارج، وأن ينسبوا لأنفسهم – باعتبارهم خوارج – عقائد وآراء لا يقولون بها، بل يعتبرون القائلين بها كفارا وليس هذا فحسب، بل عليهم أن يعتزوا بذلك الموقف كأنما الإباضية " فرقة مسرحية " تنظر أوامر المخرج " (5).
ويقول أيضا تحت عنوان " مفاهيم يجب أن تختفي ": " يسبق إلى أذهان الناس الثقة بمذاهب معينة، فيتم فيها الرضا على جميع من ينتمي إلى تلك المذاهب دون نظر إلى مقاله أو سلوكه، ويسبق إلى أذهانهم السخط على مذاهب أخرى فيسخطون على كل من ينسب إليه دون نظر إلى مقاله أو سلوكه. وهو مفهوم خاطئ، فإنما يجب أن ينظر إلى كل المذاهب بالثقة، أما الأفراد فينظر إليهم بحكم أعمالهم وأقوالهم، وعليها وحدها تبنى الأحكام " (6).
وتحت نفس العنوان يقول: " سبق إلى أذهان كثير من الناس – بسبب أخطاء المؤرخين وكتاب المقالات – أن الإباضية فرقة من الخوارج، وإنها في عقائدها وآرائها معتدلة بالقياس إلى الخوارج، ومتطرفة بالقياس إلى أهل السنة، وهذا مفهوم خاطئ، ويجب أن يختفي، فالإباضية ليسوا من الخوارج " (7). (1/87)
صفحة 88
التاريخ: 23 - 08 - 2004 04:29: معتقدات الإباضية
معتقدات الإباضية هي نفس المعتقدات التي نزل بها القرآن الكريم، فثبتت فيها السنة الصحيحة التي لا ريب فيها عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. فالإباضية يعتمدون في معتقداتهم على الأدلة القطعية. فلذلك يأخذون بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القطعية المتواترة، وأما الأحاديث الآحادية فإنهم يقبلونها بالأعمال، لا يأخذون بها في المعتقدات لأن الاعتقاد ثمرة اليقين، واليقين لا يحصل بالحديث الآحادي لكثرة التناقضات التي تأتي أحيانا في الروايات لهذه الأحاديث الآحادية في حين أن رواية الحديث المتواتر لا يوجد فيه أي تناقض.
فجميع معتقدات الإباضية تدور حول شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به حق من عند الله، وهذه الجمل الثلاثة يطلقون عليها اسم " الجملة "ويطلقون على ماعداها من تفاسير المعتقدات " التفسير " لهذه الجملة، وهم يكشفون عن أي إنسان بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا ما شهد أحد بهاتين الشهادتين اعتبروه أخا لهم، وجرت عليه جميع أحكام الإسلام عندهم. إلا إذا نقض هاتين الشهادتين باعتقاد شيء يخالف ما ثبت من الدين بالضرورة.
والعَالِم الإباضي نور الدين السالمي يقول مجملا نظرتهم في ذلك:
ونحن لا نطالب العبادا =فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا =إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ما أظهروا ضلالا =واعتقدوا في دينهم محالا (1)
قمنا نبين الصواب لهم =ونحسبن ذلك من حقهم
فما رأيته من التحرير =في كتب التوحيد والتقرير
حل مشاكل ورد شبه =جاء بها من ضل للمنتبه (2)
قمنا نردها ونبدي الحقا =بجهدنا كي لا يضلوا الخلقا (3) (1/88)
صفحة 89
واعتقاد المذهب الإباضي يقوم على تنزيه الله سبحانه وتعالى من مشابهة خلقه، فهم يحاولون جهدهم أن ينزهوا الله سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق بعظمة الربوبية وجلال الألوهية، ولا يصفونه بأي صفة من صفات المخلوقين. وإذا كان اعتقادهم يقوم على تنزيه الحق سبحانه وتعالى عن جميع صفات المخلوقين، فلا بد إذا من أن يؤولوا الآيات المتشابهة ويردوها إلى الحقائق التي ثبتت في الآيات المحكمات وتأويل المتشابهات يبنى على ما عرف عن اللغة العربية أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز (4).
والثابت أن المسلمين باختلاف مذاهبهم فإنهم ليسوا بمختلفين في جوهر العقيدة الإسلامية. والحق أن من ألقى نظرة فاحصة متجردة يجد أن معظم ما اختلفوا فيه اختلافا حادا، أمور لها صيغة دنيوية بحتة، وإن كان قد أقحم في مسائل الدين.
لقد جاء في " أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج " في مسألة الحكم والاعتقاد عند الإباضية قوله: " أسس الحكم عند الإباضية، الكتاب، والسنة، والإجماع، وعلى هذه الثلاثة المعتمد، فحلالها حلال، وحرامها حرام، لا هوادة في ذلك، ولا اختيار لأحد بعد ما جاء في هذه الأصول الثلاثة، ثم القياس، ثم الاستدلال. ومن القدح الكبير في الإباضية قولهم: إن الإباضية لا يقولون بالإجماع، وأنت خبير أن الإجماع أحد الأصول الثلاثة، فكيف لا يقول به الإباضية " (5).
" أعمال الإباضية في الأمور العلمية أعمال رسول الله عليه الصلاة والسلام، لم يفارقوها قيد شعرة، وأعمال الإمامين الراشدين بعده، أبي بكر وعمر، فما كنا لهما فتراه للإباضية، وما مشيا عليه، مشى عليه الإباضية أيضا في كل لحظة، وهكذا ". (1/89)
صفحة 90
وفي الخلافة يقول صاحب أصدق المناهج " ولا يرون القرشية في الإمامة شرطا، لأن ذلك يخالف المعقول، ولم يجعل الله النبوة في قوم خاصين، فكيف يجعل الإمامة كذلك؟ مع أن القرآن لا يدل على ذلك، بل يدل على " أن أكرمكم عند الله اتقاكم "، ويضيف " ولم يثبت الأنصار القرشية في الإمامة، وهم من أعلم علماء الصحابة، ولو أثبتوها لما طالبوا في الإمامة " الخ .. (6).
وجاء في كتاب " عمان في فجر الإسلام " قول الكاتبة سيدة إسماعيل كاشف: " والحق أن فقهاء ومؤرخي الإباضية قديما وحديثا يؤكدون أن مذهبهم هو الإسلام القائم على القرآن الكريم، وعلى الأحاديث النبوية وعلى السنة الشريفة، وعلى الاجتهاد، وعلى آثار أئمة الهدى والعلم بالله (7).
وفي معرض ذكره " الإيمان " عند الإباضية، قال صاحب أصدق المناهج: " الإيمان عند الإباضية قول وعمل واعتقاد. وبالقول تعصم الدماء والأموال، وبالعمل يصح الإيمان العملي، وبالاعتقاد يتحقق الإيمان الصادق. وهو الذي يقول فيه الإباضية بأنه يزيد ولا ينقص بل إذا إنهدم بعضه، ينهدم كله للأدلة الصحيحة الصريحة التي لا يرتاب فيها أحد. أما الإيمان العملي فهو الذي يزيد وينقص كما هو معلوم. فالإباضية موافقون على زيادته ونقصانه. وقول لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر عروة الإيمان، وابتناء الإسلام على قواعده الخمسة صحيح عند الإباضية (8). (1/90)
صفحة 91
الإباضية تقول عن نفسها:
تمشيا مع المنهج الذي التزمناه في هذا الكتاب، وهو الأمانة المطلقة في عرض آراء الإباضية إلى الناس سالمة وسليمة، أجرينا حديثا مع الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مفتي سلطنة عمان، وهو - كما يشير إليه اللقب الذي يحمله - واحد من الأعلام الثقات من العلماء في المذهب الإباضي، والحكمة في ذلك محاولة استقاء المعلومات المتعلقة بهذه الفرقة من ينبوعها الصافي، وبغية نقل القارئ مباشرة إلى الفكر الإباضي، وكأنه يحاورهم ليعرفهم عن كثب وبدون واسطة أو ترجمان. فعندئذ يستطيع أن يكوّن عنهم رأيا خاصا مستمدا من مصدر معتمد به، ووثيق، وهذا المصدر هو الإباضية أنفسهم. ووازعي في ذلك هو الرغبة في إيصال أفكارهم إلى الناس وهي حقا تمثل رأيهم الصحيح، وتعكس معتقداتهم بجوهرها ذلك لأن مبدأ إثبات فساد معتقدات الغير، غير وارد عندي. بل الوارد هو تعريفهم بالناس على حقيقتهم، وهو أنصف لهم، ولغيرهم كي لا يضل الغير وهو أحرى أيضا للعلم، ذلك لأن من حق القارئ على الكاتب أن ينقل إليه معلومات صحيحة من مصادر موثوقة في الحقل الذي يكتب فيه، وإلا تحمل الكاتب - بالإضافة إلى وزر الغش والتمويه في العلم - وزر مسؤولية شحن دماغ القارئ بمعلومات مزورة، يظن القارئ بما لديه من معلومات أنه على جانب من المعرفة في حين أنه لا يعلم بأنه مخدوع، وأنه وقع ضحية لكاتب خدوع مزور غشاش.
وسألت سماحة المفتي لسلطنة عمان أن يتفضل بتعريف القارئ بالمذهب الإباضي، فأجاب سماحته قائلا (1):
" بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا رسول الله، وبعد، إن المذهب الإباضي ذو تاريخ واضح وعميق تمتد جذوره إلى أعماق تاريخ الإسلام والمسلمين. فدعني انتهز هذه المناسبة الأخوية لأعلن للمسلمين جميعا بأن المذهب الإباضي الذي نتبعه قائم على الكتاب والسنة، لا يختلف في ذلك مع باقي المذاهب الإسلامية لأنه لا اختلاف حول الكتب والسنة ". (1/91)
صفحة 92
وأما تسمية مذهبنا " بالإباضية " فإنها تسمية قد بدأت في عصر الإمام عبد الله بن أباض " عند غير الإباضية ".
وأما الإباضية أنفسهم، إنهم - أول الأمر - ماكانوا يقرون هذه التسمية عليهم - كفرقة - ولذلك نجد أن الكتّاب الأوائل من الإباضية كحتات بن كاتب، وسالم الهلالي، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، والربيع بن حبيب، ووائل الحضرمي، وغيرهم من علماء الإباضية، لن تجد في ثنايا كتاباتهم ذكرا لاسم " الإباضية "، بل إنهم كانوا يطلقون على أنفسهم كلمة " المسلمين "، لأنهم يرون - وحق لهم أن يروا - أن خير ما يوصف به المسلم " الإسلام "، وخير ما يتصف به المسلم صفات الإسلام وأخلاقه. فهم ما كانوا يريدون لأنفسهم تسمية تميزهم عن الأمة الإسلامية ولكن بما أن هذه التسمية قد شاعت وانتشرت في أوساط الكاتبين، فلم يجد الذين سُمُّوا بها غضاضة في قبولها بعد ما مضى عليهم، وهم يُسَمَّوْنَ بها غير معترفين بها نحو قرنين من الزمن. فبدأت هذه التسمية في القرن الثالث الهجري تنتشر بين أوساط الإباضية أنفسهم – إذا - لقد وضح – كما رأينا - بان غير الإباضية هم الذي كانوا يُسَمُّون الإباضية بهذه التَّسمِية منذ القرن الأول الهجري، أي في عهد عبدالله بن أباض الذي يفهم من كلامه أنه أدرك معاوية بن أبي سفيان.
وأما الإقرار والاعتراف بهذه التسمية عند هذه الطائفة نفسها – الإباضية - فقد بدأ في القرن الثالث الهجري، وأما تميز واستقلال هذه الطائفة بآرائها وأفكارها وتبلور معتقداتها، فإنه قد بدأ منذ عهد الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد الذي كان يعرض آراءه، لمن يصطفيه ويختاره ويطمئن إليه من المسلمين. فقد كان يبين مخالفة الخوارج لكلمة الحق، حيث يكفرون أهل التوحيد ويحكمون عليهم بأحكام المشركين، فترتبت على ذلك استباحتهم لدمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم. ولقد جاء الرد على الخوارج في كتابات الإباضية القدامى، كسالم بن ذكوان، الذي هو من علماء أوائل القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني، مما يفهم أن الإباضية والخوارج على طرفي نقيض، وليس كما يفهم الناس أي أن الإباضية خوارج أو فرقة من الخوارج. (1/92)
صفحة 93
سماحة المفتى: إنه لمن الصعب على الكاتب والقارئ معا إيجاد رؤية واضحة حول الفرق بين الإباضية والخوارج، ليس فقط هي وجهة النظر التاريخية، بل أن الإباضية والخوارج من تداخل التاريخ وتشابه السيرة والنزعة، بل التراث والأدب المشترك وما شابه، بحيث يكاد يكون من المستحيل وضع حدود فاصلة، وتعريف حاسم يميز الإباضية من الخوارج بوضوح، وهل لكم أن تقوموا بهذه المهمة بصفتكم إماما ومرجعا في المذهب الإباضي، وتوضحوا للناس جوهر الفرق بين الإباضية والخوارج؟
فأجاب سماحته قائلا: " إن الخوارج طوائف عُرفت بتشددها وغلوها في حين أن الإباضية طائفة معتدلة ليس فيها إسراف في التشدد وليس في أمرها غلو. والخوارج كما عُرف عنهم أنهم يحكمون على أهل التوحيد بأنهم مشركون، وتترتب على ذلك استباحتهم لدمائهم و أموالهم وسبي ذراريهم.
بينما الإباضية أعف الناس عن ذلك، كما عُرف من تاريخهم. وحسبنا أن نذكر قصة من قصص بعض أئمة الإباضية، وهو الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي رحمه الله تعالى، فعندما خرج على عمال بني أمية باليمن، الذين كانوا يحكمون الناس بالعنف والجور، ويأخذون أموالهم من غير حلها، ويضعونها في غير محلها، عندما خرج الإمام طالب الحق إلى اليمن واستولى على صنعاء عاصمة اليمن، وكان العامل من قبل الدولة الأموية في اليمن هو القاسم بن عمر الثقفي، الذي عرف بالشدة والصرامة والقسوة والجور والظلم وكان قد جبي كثيرا من الضرائب من أهل صنعاء، فلم يكن من الإمام طالب الحق رحمه الله، إلا أن وزع جميع ما وجده من الأموال في خزائن قاسم بن عمر الثقفي على أهل صنعاء من غير تفرقة بين إباضي وغيره، ولم يستبح أن يأخذ لنفسه، ولا أن يعطي أحدا من أصحابه الذين خرجوا معه مجاهدين، شيئا من تلك الأموال مع شدة حاجتهم. فقد كانوا على ما وصفهم أبو حمزة، نفر كثير منهم يتعاقبون على بعير واحد، ويتعاورون لحافا واحدا عندما خرجوا من حضرموت إلى اليمن، ولكنهم مع ذلك عفوا عن تلك الأموال، وضربوا أروع الأمثال في الطهر والنزاهة وسمو النفس وعفتها، وفي ذلك يقول نور الدين السالمي رحمه الله تعالى: (1/93)
صفحة 94
وطالب الحق بصنعا حكما =بجعلها في أهلها واحتشما
لم يأخذن عند مضيق يومه =شيئا لنفسه ولا لقومه
تعففا منهم ومن كمثلهم =أكرم بهم من عصبة أكرم بهم
كانوا يموتون على ما أبصروا =من الهدى ما بدلوا وغيروا
وهذا لاشك يلقي ضوءا لمن يود إبصار الحق و اجتلاء الحقيقة، والإنصات إلى الصواب فيما يتعلق بسلوك الإباضية وتصرفهم عبر التاريخ، مما يدل على انتهاجهم دوما طريقا وسطا ونهجا مستقيما لا تفريط فيه ولا إفراط.
وأما الخوارج فإن من المعروف عنهم الإفراط في التشدد والإفراط في الغلو. فهم يحكمون على غيرهم من أهل التوحيد بالكفر ولا يجيزون مناكحة سواهم من أهل القبلة والتوحيد ولا يوارثونهم.
فالإباضية كما هو واضح ومعروف - لا يرون رأي الخوارج في هذه المسائل - إطلاقا حيث أن الإباضية يرون مناكحة أصحاب المذاهب الأخرى ويتوارثون معهم من دون تفرقة ولا تمييز. وإذا حدث أن مات أحد من أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، صلوا عليه ودفنوه في مقابرهم. فكل ذلك يوضح أنهم يباينون الخوارج في الحكم على أهل التوحيد مما يدل أن الإباضية والخوارج ليسوا جماعة واحدة ".
سماحة المفتي: هل لكم أن تقولوا لنا ما هي فلسفة الإباضية ورأيهم في مسألة الخليفة والخلافة التي احتدمت يوما وسببت معظم الخلافات التي تولدت منها كثير من النظريات السياسية ذات الصبغة الدينية؟ والمعروف عن الخوارج والإباضية أن لهم موقفا معينا في الخلافة.
فأجاب سماحته قائلا: " إن الإباضية يرون أن الحكم أمانة في الأعناق، ويرون أيضا أن الناس أجل وأمسى وأشرف من أن يكونوا قطعانا من الأغنام يُحْكَمون بالقهر والاستبداد وتتوارثهم قبيلة معينة، فالناس قد خلقوا أحرارا ويجب أن يبقوا أحرارا، والذي يبايعونه فلابد أن يستخلفوه من تلقاء أنفسهم راضين به وبسيرته، ولا يرى الإباضية أي شرط من ناحية النسب، وإنما الشرط الوحيد الذي (1/94)
صفحة 95
يشترطونه على الخليفة، هو - بجانب الكفاءة السياسية - الورع، والعلم، والعفاف، والطهر، والنزاهة، والإخلاص وإذا توافرت هذه الشروط في الإنسان، أيا كان، أسود أو أبيض، عربيا أو غير عربي، فهو عندهم جدير بأن يبايع، وهذا هو الرأي الذي كان عليه السلف الصالح. ولا أدل على ذلك من أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال عندما أراد أن يجعل الأمر بعده شورى بين ستة " لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا، لما خالجني فيه شك " مع أن سالما كان مولى لأبي حذيفة، ولكن عمر رضي الله عنه كان يميل إلى استخلافه أن لو كان حيا. وما الذي يجعل عمر يميل إلى استخلاف ولي من الموالي لولا علمه أن الإسلام جاء للمساواة بين طبقات الناس أجمعين؟ وهذا المبدأ قد نطق به القرآن الكريم صريحا فقد قال: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم " قالتقوى إذا ميزان التفاضل بين الناس، وبقدر ما يكون جديرا بان يؤتمن على أمور الدين والدنيا .. ومن ضمن ذلك الاستخلاف ومنصب الخلافة في الإسلام من الخطورة بمكان، لأن أخلاق الخليفة تنعكس على الهيئة الاجتماعية سيرا وسلوكا، ولا ينبغي بل لا يجوز أن يستخلف إلا التقي الورع والقادر على تسيير أمور الدولة، وتدبير السياسة والسهر على شؤون الناس وجعل علاقاتهم مبنية على المودة والمؤاخاة قدر الإمكان. ووضع ضوابط اجتماعية منبثقة من الشريعة الغراء.
سماحة المفتي: هل لكم أن تصورا مدى التقارب بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى؟
فأجاب قائلا: " إن العلاقة بين الإباضية وبين جميع المسلمين على اختلاف طوائفهم هي علاقة الأخ بالأخ. ولا أدل على ذلك من تلك الكلمات المأثورة التي قالها ذلك القائد الإباضي أبو حمزة الشاري في المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فقد قال: الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركا بالله، عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو متسلطا في الأرض يحكم في رقاب الله بغير ما أنزل الله. وإذا كان هذا هو رأي ذلك الرجل في أقسى الأوقات وأحرجها، فكيف بالإباضية في سائر عصورهم. فهذه هي العقيدة التي يعتقد بها كل إباضي، (1/95)
صفحة 96
وإذا تتبع المنصف كتب الإباضية وجدها محشورة بآراء المسلمين من الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء مذاهب الأربعة الذين جاؤوا من بعد، مع التمحيص والبحث العميق واتباع مايؤيده الدليل، ولو كان ذلك مخالفا للرأي المتبع في المذهب الإباضي، فكم من عالم من علماء الإباضية خالف - في مسألة من المسائل - أهل مذهبه لأنه وجد الصواب في غير ما ذهب إليه علماء الإباضية، وهكذا، فالعاقل يعتبر الدليل الصحيح وهو البرهان وهو المستحق للقبول والاتباع. ولقد رُوي عن أحد أقطاب المذهب الإباضي، وهو الإمام يوسف بن إبراهيم الوارجلاني أنه لما حج وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال مشيرا إلى قبره عليه الصلاة والسلام، لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر، وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال. ويقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله في هذا المعنى:
=" =""
فإنني أقفو الدليل فاعلما =لم أعتمد على مقال العلما
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا =من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجال وسواهم رجل =والحق ممن جاء حتما يقبل
فقال أيضا: ""
فنحن حيث أمر القرآن =لا حيث ما قال لنا فلان
وقال أيضا:
حسبك أن تتبع المختارا =وإن يقولوا خالف الآثار
وهكذا نجد أئمة الإباضية يتتبعون الصحيح من الدليل، ويتقيدون به، أي بالأدلة، ولا يتقيدون بآراء الأشخاص. ولقد سمعت من أحد العلماء الإباضية في الوقت الحاضر، وهو الشيخ بيوض بن عمر يثني ثناء عظيما على أحد علماء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو الشيخ عمر الفلاني، ذلك لأن العالم الإباضي والشيخ بيوض سمعا الشيخ عمر الفلاني يلقي درسا، فتوجه إليه سائل بسؤال قائلا: يا أيها الشيخ، قولك هذا على مذهب من؟ فأجابه الشيخ على مذهب (1/96)
صفحة 97
هذا؟ يشير إلى قبره عليه وابل الرحمة. وكان الشيخ بيوض يتحدث بهذه القصة وملؤه الحبور والسرور والغبطة، بأن يوجد في علماء المسلمين من يتقيد بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم غير خاضع لاجتهادات العلماء ولما قالوا، لأن كل أحد في كلامه مقبول ومردود إلا الذي عصمه الله، وبين سعته بقوله: ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى
سماحة المفتي: ما قول الإباضية في الاجتهاد؟ أهو مزال معمولا به ومسموحا بممارسته أو قفل بابه؟
فأجاب قائلا: " الإباضية يرون أن باب الاجتهاد مفتوح، وكل من لديه من الحصيلة العلمية ما يؤهله للاجتهاد، يجب عليه أن يجتهد ولا يباح له تقليد الآخرين. وهذا هو ما يفهم من منهج السلف الصالح. فلقد رُوي عن الأئمة أن كل واحد منهم كان يقول: " إذا صح الحديث فهو مذهبي "، فيقول إن جاء الحديث، وخالف مذهبي الحديث فليُرْمَ بمذهبي عرض الحائط، وذلك ما كان عليه السلف. ولم يأت أي دليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن إجماع الأمة ما يدل، أو دل على أن باب الاجتهاد يفتح إلى نهاية قرن معين، أو إلى نهاية حقبة معينة. وإنما جاءت الأدلة كلها مطالبة الإنسان أن يستخدم فكره ووعيه وعقله وأن يتقيد بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتاب الله يقول: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)) وفي تقديم الجار والمجرور في قوله ((فِي رَسُولِ اللَّهِ)) ما يدل على أن الأسوة لا تكون في غير شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنحن يجب علينا ألا نتأسى بأي أحد إن كان رأيه أو عمله مخالفا لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك تقدير الأسلوب في قول الله تبارك وتعالى ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) فمن حيث أن التأسي بإبراهيم، ومن كان معه من المؤمنين، كان في شيء معين ولم يكن التأسي بهم مطلقا، أخَّرَ الجار والمجرور في قوله ((إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) والأدلة التي تدل على وجوب التقيد بالكتاب والسنة أكثر من أن (1/97)
صفحة 98
تحصى، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنتي ".
ويقول عليه الصلاة والسلام: " أنه ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم، قيل له: وما المخلص لها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، والحكم ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي من غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ معه الأهواء ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم
سماحة المفتى: هناك من يروج بأن " الفرق" قد كانت تصنع أحاديث على لسان رسول الله لتأييد آرائها، وما هو تعليق الإباضية على ذلك باعتبارها من الفرق؟
هذا من التقول بدون علم، والله سبحانه وتعالى حذر من ذلك، فقال عز وجل: ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)). وهؤلاء الذين يقولون مثل هذا الكلام، لا يتثبتون فيما يقولون، وإنما يغلي الحقد في صدورهم فيفرزون ويزيدون مثل هذه المقالات التي لا تقوم على أساس ثابت وإنما هي نتيجة الانفعال وهيجان العاطفة. ولقد تحدث كثير من الكاتبين الذين كانوا من الصرامة و من الشدة بحيث كانوا يحكمون على من خالفهم بأحكام قاسية كابن تيمية مثلا، فان ابن تيمية على الرغم من عده الإباضية من الخوارج وتشدده البالغ بالذين يسميهم بالخوارج، فإنه قد قال بأن الخوارج قد عُرفوا بالصدق، وعُرفوا بالعبادة. ونحن لا نوافق ابن تيمية على إدراجه الإباضية في الخوارج، ولكننا نوافقه على أن هذه الطائفة التي سميت بالإباضية، قد عُرفت بالأمانة، وعُرفت بالنزاهة كما نوافق أيضا على أن جميع طوائف الخوارج غير متهمة بالكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا على غيره من الناس، لأنهم يعتقدون أن الكبيرة شرك تُخْرِج صاحبها من الإسلام، والكذب من الكبائر، وإذا كان (1/98)
صفحة 99
الكذب عندهم شركا يخرج صاحبه من الإسلام فكيف يتجرأون بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ثم نجد أئمة الحديث كالعلامة ابن حجر العسقلاني يقول: " أصدق الناس لهجة الخوارج ".
إذا وبما أن الناس مصرون على وصف الإباضية بـ " الخوارج " وإلحاقهم بهم، فليس لهم إلا أن يقروا بأن الإباضية ليسوا ممن يضعون الحديث.
سماحة المفتي: ما هو رأي الإباضية في كتاب المقالات الإسلاميين وخاصة فيما يخص الإباضية؟
فأجاب قائلا: إن التاريخ الإسلامي قد تعرض له المغرضون والعابثون، وألصقوا به أشياء هي بعيدة عنه، لذلك وجب على من يدرس التاريخ الإسلامي أن يدرسه دراسة تأمل وتمحيص، وألا يقبل – مسلما – صحة كل ما نسب إلى هذه الطائفة أو تلك من الطوائف الإسلامية، وخصوصا إذا كان بوسعه توفير المراجع التي تبين له آراء تلك الطوائف ومعتقداتها، والمراجع المقصودة طبعا هي تلك التي تُعتمد لدى تلك الطوائف، لئلا يقع في الخطأ، مع إمكان الوصول إلى الصواب. ومن المؤسف جدا أن نجد كُتَّابا معاصرين مع إمكان توصلهم إلى المراجع الإباضية أو مراجع الطوائف المعاصرة الأخرى، ولكننا - بدلا عن ذلك - نراهم عندما يكتبون يربطون أنفسهم، ويتقيدون بكتب كتبت منذ قرون كتبها قوم لم يتقيدوا بالواقع، كابن حزم والبغدادي والأشعري، مع أن المفترض من الكاتب المسلم، بل الواجب عليه هو التمحيص والتدقيق ليصل إلى الحقيقة ما دام يستطيع الوصول.
والسؤال الأخير سماحة المفتي: ألديكم كلمة تودون إيصالها إلى إخوانكم المسلمين؟
فأجاب: نعم إن سمح لي المسلمون بتقديم نصيحة إليهم فإنني أنصحهم بما نصحهم به قبلي أنصح الناصحين وهو: " أن يعتصموا بحبل الله جميعا " أي أن يعتصموا بالقرآن والسنة وألا يتراشقوا بالتهم، وألا يتنابزوا بالألقاب، وألا يسيء بعضهم الظن ببعض، وأن يحرصوا على أن يكونوا إخوانا فالله تعالى يقول: ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً (1/99)
صفحة 100
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ))، ويقول أيضا: ((وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ))، ويقول أيضا: ((وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) بعد أن قال: ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا))، وقد أمرنا سبحانه وتعالى أن نعتصم بحبل الله وحذرنا تعالى أن نقع فيما وقع فيه أهل الكتاب حيث قال سبحانه وتعالى: ((وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ .. )) الآية. فعلينا أن نعتصم بحبل ربنا وأن نتمسك بكتابه وأن نعض بالنواجذ على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن نحرص على التماس العذر لبعضنا بعضا، مادام هناك مجال للعذر. و إنني أدعو المسلمين جميعا بأن يدرسوا القرآن والسنة النبوية بتجرد، وبإمعان من غير تحيز إلى فكرة معينة، فإن القرآن والسنة يجب أن يكونا القاضيين على ما في أدمغتنا، وألا نجعل ما في أدمغتنا قاضيا على القرآن والسنة. والله تعالى ولي التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن كثيرا من الناس يحملون انطباعا عن الفرق مؤداه أنهم - الفرق - يسيئون إلى الصحابة. ولقد أشيع عن الشيعة أنهم يسبون بعض الصحابة وتجد العوام يرددون هذا الكلام بدون وعي. وأنصاف المتعلمين لا يتورعون عن ترويج كلام كهذا مع أن الأغلبية المطلقة لم تعش مع الشيعة، ولم تسمع عنهم كلمة واحدة تخص شأن الصحابة ذما أو مدحا. غير أن الانسياق مع " سمعت " أو " أنهم يقولون كذا " يجر معظم الناس إلى التقول أو ترديد ما يقوله المناوئون لطائفة، غير أنك عندما تتحدى هؤلاء وتطلب منهم أن يحلفوا بأنهم سمعوا بآذانهم ما يرددونه، يأخذهم الارتباك، فيقولون أنهم ما سمعوا، بَيْدَ أن كل الناس يعرفون أن هذه الطائفة تقول كذا وكذا. فقل لمحدثك هذا: هب أن تلك الطائفة تقول كذا. وهل أنت شاهد على ذلك، يقول لك: لا! فقل لمحدثك: هل تتفهم الدوافع النفسية أو الاجتماعية أو السياسية، التي دفعتهم إلى قول ما قالوه؟ سيشرع يفلسف الأمور، ويسفسطها بغية التمويه والتعميم. يقال عن الخوارج - والإباضية معا - أنهم يكفّرون بعض الصحابة، ولا يرضون عنهم وبما أن الخوارج - كخوارج - قد انقرضوا، وبما أن الناس ينظرون إلى الإباضية نظرتهم إلى الخوارج - مع تعديل (1/100)
صفحة 101
طفيف- لذا أصبح بعض الكتاب يصفون الإباضية بالأوصاف التي كانوا يصفون بها الخوارج.
غير أن الإباضية بما أنها أنكرت وتنكر إلحاقها وإدراجها في طابور الخوارج فإنها تنكر أيضا ما ينسب إليها من أقوال الخوارج وأنها ليست مسئولة عن تصرفات الغلاة من الخوارج، بالإضافة إلى إنكارها ما ينسب إليها الناس من أقوال تمس أشخاص الصحابة أو تحط من شأنهم، كبغضهم ولعنهم، وما شاكل هذه الأمور، ولقد ارتأينا أن في هذا الباب " الإباضية تقول عن نفسها " مقالا لكاتب إباضي يرد فيه زعم زاعم أن الإباضية يكفرون علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والحق أنه رأي قديم، ورائج عن الخوارج، فلنسمع رأي الإباضية فيه.
لقد كتب الأستاذ / أحمد بن سعود السيابي مقالا تحت عنوان:" قراء صحيحة في الفكر الإباضي (1) والرد على اتهامات كاذبة " قائلا: " هذا المفهوم الخاطئ لابد من تصحيحه .. كتب الإباضية حافلة بحب الصحابة، وذكر فضائلهم.
الإباضية براء من شتم أهل الاستقامة، لا يجوز لمؤمن أن يكفّر صهر النبي عليه السلام .. وفدُ الإباضية طالب منع لعن " علي بن أبي طالب "، وبعد هذا الاستعراض العام كتب قائلا: " لقد قرأنا الكثير مما كتبه الكاتبون، وسمعنا كثيرا مما تفوه به المتقولون، أن الإباضية يكفرون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أو يشتمون علي بن أبي طالب، و، و، و. وغيرها من الكلمات التي يظهر تحليلها التلفيق والتزوير، خالية من الحقيقة ومجانبة للصواب.
وهي تكوّن طابورا طويلا، هؤلاء الذين كتبوا هذه الكلمات وسطروا هذه العبارات - من المؤكد - أنهم لم يقرأوا ولا كتابا واحدا من كتب الإباضية الذين تنسب إليهم هذه التهمة الشنيعة، ولو انهم قرأوا كتب الإباضية لوجدوها مملوءة بحب الصحابة رضوان الله عليهم، وذكر فضائلهم العظيمة وتدوين مآثرهم مما لا يوجد في كتب غيرهم، يقول أبو العباس الدرجيني - وهو من كبار علماء الإباضية - في كتابه " الطبقات " بعد أن ذكر فضائل الصحابة والأحاديث التي وردت في فضائلهم، قال: ثبت هذا، فاعلم أن من الصحابة من لم يخالفنا في تقديمهم مخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم (1/101)
صفحة 102
الصحف ومنهم من لم ينل حظا من الإنصاف عند أهل الخلاف وهم عندنا من جملة الأكابر والأسلاف، والقول بأن الإباضية يكفرون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قول لا يمت إلى الحقيقة بصلة ولا علاقة له بالصحة مطلقا، فهذا الشيخ سعيد التغاريني يقول في كتابه " المسلك المحمود " ردا على مصطفى بن كامل الطرابلسي: " والعجب كل العجب مما نسبه ابن كامل مصطفى البنا تجاهلا وظلما وتسلطا وشتما، حتى أطال سنان لسانه، وقال كفروا عليا - بزوره وبهتانه - مع اعتقادنا أن الصحابة رضي الله عنهم أنهم عدول أتقياء بررة أصفياء، قد اختارهم الله من بين الأنام لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام "، وقال: " وكيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لا ينام أن يكفر صهر نبيه عليه السلام الذي لم يسجد قط للأصنام؟ " إلى أن قال: " مع أن كتبنا - ولله الحمد - طافحة بالرواية عنه، وبالثناء عليه، وقال الشيخ أبو اسحاق إبراهيم أطفيش، دفين القاهرة رحمه الله، في رده على الأستاذ / محمد عقيل العلوي: " وأما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة، ويعني الإباضية، لأبي الحسن وأبنائه فمحض اختلاق "، من هذا يتبين للقارئ أن الإباضية براء مما نسب إليهم من شتم علي بن أبي طالب، وسلف الإباضية - المحكمة أو أهل النهروان - هم الذين وقفوا مع الخليفة علي بن
أبي طالب في مواقف القتال، وثبتوا بجانبه في أماكن النزال، أمثال زيد بن حصن الطائي وعبدالله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي ومرداس بن حيدره وعروة بن أُدَيّة وغيرهم وغيرهم ممن يطول تعدادهم رضي الله عنهم جميعا، حيث كانوا معه في معركة الجمل التي دارت رحاها بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وطلحة والزبير. وكانوا معه في معركة صفين التي اشتعل أوارها بين الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. وقد تحقق له النصر بشبا سيوفهم، وجرت له الغلبة بنصال رماحهم. وبعد أن ظهر ما كان سرا في ضمير القدر، وحدث ماحدث في أمر التحكيم وانسحاب ذوي الإخلاص - المحكمة - من جيش الإمام علي دارت بينه وينهم معركة النهروان التي نسبوا إليها، فقد الإمام أولئك الرجال المخلصين الذي طالما اعتمد عليهم في حروبه، ولم تعد أموره كما كانت، وإنما قضى بقية أيام حياته في تعب من أصحابه الذين تخلفوا عن الجهاد معه، وركنوا إلى الخمول والدعة، وأخذوا يتسللون عنه لواذا، تصوره لنا تلك الحالة المؤلمة خطبه البليغة الرنانة. (1/102)
صفحة 103
والإباضية وإن كانوا يرون التحكيم خطأ، ويخطئون عليا في قبوله تحكيم الحكمين لأدلة ثابتة عندهم ليس هنا محل بسطها، فإن عدم الرضى على شخص ما، أو الترضِّي عنه، لا يعني تكفيره أو شتمه، على أن الإباضية لا منزلة للأشخاص عندهم إلا على ضوء الحق والتقوى والاستقامة في الدين من منطلق قول الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) وميزة الإسلام وحيويته تتجليان في ثوب المساواة الذي كساه أفراد مجتمعه - لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى - والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأهل بيته، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني أنتم بأنسابكم، واعتقاد الصواب وعدم الخطأ بشخص من الأشخاص ما عدا الرسول صلى الله عليه وسلم، هو من الغلو في الدين، وقد نهى الإسلام عنه، قال الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش: " والأصحاب يتحرون تطبيق حكمي الولاية والبراءة لا تشهيا، وهما ينطبقان على كل فرد مهما عظمت منزلته، ما لم يكن من المعصومين ولا معصوم إلا النبي أو الرسول، أما الصحابة فلهم مرتبة عظيمة وهي مزية الصحبة، والذب عن أفضل الخلق وإراقة دمائهم في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، فنختار الكف عن تلك الحوادث المشؤومة " وقال في نفس الكتاب: " وأيضا فلا غبار على من صرح بخطأ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبت من نذلك والتبين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن، والقول بخطأ التحكيم بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ليس هو قول الإباضية وحدهم بل هو قول الحسن البصري، ومالك بن أنس، والمنذر بن الجارود وغيرهم.
ولسنا هنا بصدد الحديث عن قضية التحكيم وما جرى حولها من نقاش وجدال، فإن الحديث حول هذا الموضوع ذو شعب متعددة وجوانب متفرعة، ويتجلى إنصاف الإباضية واضحا للإمام علي بن أبي طالب عندما ولي الخلافة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حيث أرسل إليه الإباضية وفدا على مستوى رفيع من العلم والفضل والصلاح وكان من أعضاء الوفد جعفر بن السماك العبدي البصري، وأبو الحر علي بن الحصين العنبري، والحتات بن كاتب التميمي العماني، (1/103)
صفحة 104
والحباب بن كليب البصري، وأبو سفيان قنبر البصري، وسالم بن ذكوان الهلالي، وأبو حمزة الشاري، والمختار بن عوف السليمي الصاني القائد الإسلامي الشهير وكان الوفد يحمل معه قائمة تتضمن طلبات تعود بالمصلحة العامة على المجتمع المسلم، وكان البند الأول في تلك القائمة الإصلاحية يطلبون فيه من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن يمنع لعن الإمام علي بن أبي طالب. وقالوا له إن المسلمين يلعنون عليا على المنابر، فأبدل اللعن بقوله تعالى: ((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) في الوقت الذي كان فيه غيرهم يشكوا إلى الخليفة أن أرضا أخذت منه، أو جارية اغتصبت منه، أو قريبا له قد قتل بدون جريرة، مع أن الإباضية لقوا من الاضطهاد ما لم يلق غيرهم، ولكنهم جعلوا ذلك لوجه الله واحتسبوه في سبيل الله، وتلقوا ضربات الظلم التي كالها عليهم عمال بني أمية بصبر وصمود فائقين.
وكان معاوية قد أمر بلعن علي بن أبي طالب في جميع الأمصار، واتخذه الأمويون من بعده سنة، قال الشيخ السعودي في كتابه (صروح الذهب) وارتقى بهم - أي قوم معاوية - الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير " واستمروا في لعنه حتى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حيث منع لعن علي استجابة لطلب الوفد الإباضي " وهي لعمري منقبة إنسانية عظيمة، كما أنه موقف تاريخي خالد. وتشمل القائمة أيضا على بنود عديدة تهدف إلى إصلاح الأوضاع ونشر العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (1/104)
صفحة 105
وقال لهم الخليفة عمر أن أحيي كل يوم سنة، وأميت كل يوم بدعة، وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز موافقا لهم في آرائهم السديدة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد المظالم إلى أهلها، وتوفي عبد الملك بن عمر رحمه الله تعالى والوفد لا يزال مقيما عند الخليفة. وقد بعث إليهم الخليفة وقال لهم جهزوا صاحبكم، فتولوا تجهيزه والصلاة عليه وصلى عليه أبو حمزة الشاري ".
وإن تعجب فعجب أمر هؤلاء المؤرخين الذين سيطر على أسلات أقلامهم الحق المذهبي أو السياسي، حيث لم يذكروا هذه الروح الإنسانية الراقية التي ظهرت من الإباضية، وإنما كتبوا عبارة قصيرة وملتوية حيث قالوا: " وأرسل إليه الخوارج وفدا " ولم يوضحوا من هم هؤلاء الخوارج؟ على فرض أن الإباضية من الخوارج حسب زعمهم، ومن هم أعضاء هذا الوفد؟ وماذا جرى بينهم وبين الخليفة من حديث؟ وهل كان مسيرهم إلى الخليفة لمجرد التسليم عليه وتهنئته بالخلافة؟ أو لتذكيره بأمور المسلمين؟ كل هذا لا تجده في كتب مخالفي الإباضية.
ودعوتنا إلى الشباب المثقف أن يمعنوا النظر ويجيلوا الفكر فيما دُوِّنَ من قضايا تاريخية، لا سيما تلك التي تتعلق بالفرق الإسلامية فإن الأهواء لعبت دورها في توجيه الأقلام، وأنا على يقين أن كثيرا من الباحثين والمفكرين والمتحررين من قيود التقليد أضحوا يدركون هذه الحقيقة وصاروا يعرفون مدى تغلغل الأهواء في أصحابها. وإن أقلام المؤرخين صارت أبواق دعاية للسياسة الظالمة التي أعقبت فجر الإسلام، ونسأل الله أن يوفق الجميع إلى خير القول وصالح العمل. (1/105)
صفحة 106
التاريخ: 23 - 08 - 2004 05:03: من أوائل قادة الفكر الإباضي: جابر بن زيد الأزدي
وهو أبو الشعثاء (1) جابر بن زيد الأزدي الجوفي، البدوي مسكنا، والعماني أصلا، والأزدي نسبا وقبيلة.
يقول المؤرخون أن جابر بن زيد ولد في أواخر خلافة عمر بن الخطاب، غير أنهم لم يحددوا تاريخا معينا لولادته، ورغم ذلك فإنهم كلهم يشيرون إلى أن تاريخ ولادته يتراورح ما بين 18 - 22هـ، وفي هذا العهد المبكر من التاريخ الإسلامي ولد جابر، وتلقى مبادئ العلوم الدينية في بلاده: عمان، غير أنه لم يكتف بما نال، وهاجر نحو المركز العلمي للعالم الإسلامي عندئذ، وهذا المركز هو مدينة البصرة التي غدت فيما بعد ملتقى الفكر الإسلامي وعاصمة العلم حيث اتخذها مسكنا كثير من الصحابة الكرام بعد مفارقتهم منازل الوحي –مكة المكرمة والمدينة المنورة- واستوطنوا البصرة، كما استوطنها كثير من التابعين الكرام الذين تتلمذوا على أيدي الصحابة مباشرة.
ومما ساعد مدينة البصرة على أن تصبح أكبر مركز للنشاط العلمي والفكري الإسلاميين كونها (بندرا) تفد إليها الأجناس المختلفة بالأغراض المتباينة، فبدأ الفكر العربي الإسلامي يعالج فيها معالجة علمية، وتفاعلت فيها العقول الأعجمية والعربية باللغة العربية خير تفاعل، ونتج عنه هذا النتاج الفكري العقلي الرائع الجم، وكان ممن وفد إليها جابر، وكان من حسن حظه أن التقى بقوم هم الينابيع الصافية للعلوم الإسلامية أمثال: عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق وحبر الأمة عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن عمرو بن العاص.
وكان يقول: أدركت سبعين من اهل بدر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حويت ما عندهم إلا البحر يعني عبدالله بن عباس، ويقول (1/106)
صفحة 107
الحارثي موضحا: ان ابن عباس ليس من أهل بدر، فالاستثناء (2) منقطع، غير أن جابرا فيما يبدو كان أكثر ملازمة لعبدالله بن عباس عنه من أي أستاذ آخر من أساتذته، والسبب في ذلك إعجابه وتقديره المطلقين بعلم ابن عباس، فلذا كان يطلق عليه اسم (البحر).
فعلى الرغم من عدم وجود معلومات عن كيفية مجيء جابر إلى البصرة فإننا نستطيع التصور بأنه أتاها وهو فتى يافع لا يحدوه سوى الرغبة في العلم، ونفهم من النصوص التاريخية أن جابرا فرض على نفسه أسلوبا متعبا قاسيا لكسب العلم بعد قدومه إلى البصرة، مما أتاح له فرصة التضلع في العلوم العربية الإسلامية والاحاطة بها، غير أنه لم يتخلّ عن ذلك الأسلوب الذي رسمه لنفسه أيام التلمذة والذي هيأ له فرصة التفوق.
لقد كان متقشفا وزاهدا، حتى عندما غدا مفتيا وعالما يشار إليه بالبنان، وكان يقول سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن، سألت الله عن زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقا كفافا يوم بيوم، ويوم بيوم عبارة تشهد بأنه ما ابتغى كنزا للاكتناز، ولا ثروة يباهي بها الأقران، ولا غنى يستلذ بها طيب الحياة
وكان يقول لأصحابه: ليس منكم رجل أغني مني، ليس عندي درهم، وليس علي دين. والحق أن جابر بن زيد رجل يشهد له أهل السنة والإباضية حقا بالثقة، ويبدوا أن عبدالله بن عباس نفسه كان شديد الثقة بجابر بدرجة أنه كان يقول: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب الله، وتقول النصوص التاريخية أن ابن ابن عباس كان يحيل سائليه إلى تلميذه جابر بن زيد ثقة منه به، وكان يقول: اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه. وعندما كان أهل البصرة يسألونه في مسألة من المسائل، كان يجيبهم متعجبا: كيف (1/107)
صفحة 108
تسألونني وفيكم جابر بن زيد. وقال عنه قتادة بن دعامة السدوس: - أي جابر (1) عالم العرب، وأعلم أهل الأرض، وهذه المكانة التي بلغها تدل على أنه كان قد كسب علما واسعا جعل ابن عباس يقر بأن جابر بن زيد يضارعه في المعرفة، مما أهله تبوأ مكان مرموق وبارز بين كبار العلماء من التابعين وأصبح علما من أعلام الحديث والتفسير والعلوم الدينية الأخرى.
ويقال أن جابر بن زيد كان يدون الأحاديث التي كان يرويها من أساتذته، ويدون معها ملاحظاته وفتاويه في ديوان كبير جدا له، وأن هذا السفر كان من الضخامة بحيث يعجز البعير عن حمله، وأنه كان يقع في عشرة أجزاء كبيرة. ويظهر لي أنه لم يكن كتاب بمعناه المنهجي الدقيق، وإنما كان بمثابة "موسوعة" فيها مختلف العلوم والمعارف في مختلف الفنون.
ويقال أن نسخة من هذا الكتاب كانت موجودة في مكتبات بغداد الكبرى في عهد الخليفة هارون الرشيد، ويبدو أن هذا الكتاب كان قد وضعه جابر في أوائل الدولة الأموية، غير أنه لم يكن كتابا مسموح التداول كأي كتاب آخر، وقيل أن عبدالملك بن مروان وبنيه استولوا (3) على ديوانه وحرّموا دراسته ونشره على الناس.
وروى ان العباسيين أيضا فيما بعد حرّموا على الناس استنساخه، ووضعه في مكتبة دار الحكمة في بغداد، وكانوا يعلمون أنه من دفاتر المسلمين، ويبدو أن هذا الكتاب لم يتناول في أوساط الدارسين على نطاق أوسع، ويروي أن أحد علماء الإباضية من جبل نفوسة في ليبيا (النفاث فرج بن نصر) وهو مؤسس الفرقة النفاثية الإباضية استطاع أن يحصل على نسخة كاملة من الديوان هذا، وأتى بها إلى جبل نفوسة، ولما كان النفاث عدواً للإمام الرستمي في تاهرت، ولعامله في جبل نفوسة، فقد دمر المخطوطة حتى لا يستطيع مناوئوه الحصول عليها أو حتى استنساخها (4). (1/108)
صفحة 109
ويبدو أن جابر بن زيد قد أبعد من البصرة الى عمان مرتين بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، وذلك عندما ثار العمانيون في عمان ضد الحكم الأموي. ولما كان جابر أزديا من حيث الانتماء القبلي، والأزد كان لهم وجود بارز في البصرة، لذا خاف الحجاج من ثوران الأزديين في البصرة مناصرة لاخوانهم الثائرين في بلادهم.
ولا شك أن هذا الأبعاد السياسي كان عاملا مهما لانتشار الإباضية "مذهب جابر" في عمان حيث تمكن من شرح معتقداته لأهله في بلاده الأصلية، فأصبحت قاعدة الإباضية فيما بعد.
التاريخ: 28 - 08 - 2004 04:56: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1):
هو ثالث الأركان، وحامل لوا ء العلم والإمامة في المذهب الإباضي للمغرب، وحضرموت، وعمان (2).
أقدم أبو عبيدة في البصرة شأن الأساتذة الأجلاء من معاصريه، وتلقى العلم من جابر بن زيد.
ولعله اتصل بالفكر الإباضي عن طريق جابر بن زيد، ويعتبره الإباضيون الركن الثالث في المذهب الإباضي بعد ابن عباس وجابر بن زيد، ورغم تتلمذه على يد جابر إلا أنه أدرك أساتذة جابر نفسه وتلقى عنهم بعضا من علمه، ومن بين هؤلاء الأساتذة بعض من الصحابة مثل أنس بن مالك، أبي هريرة، عبدالله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، وغيرهم.
والنص التالي يدل على تلقيه العلم على أيدي الصحابة، حيث يروي أنه كان يقول: من لم يكن له أستاذ من الصحابة، فليس هو على شيء من الدين، وقد منّ الله علينا بعبدالله بن عباس بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن سلام وهم الراسخون في العلم. (1/109)
صفحة 110
وعلى أثرها اقتفينا (3) وبقولهم اقتدينا، وعلى سيرتهم اعتمدنا، وعلى منهجهم سلكنا.
يجمع الإباضيون على أن مذهبهم قد نضج على يد أبي عبيدة، وفضلا عن كونه ثالثة الا ثافي ** في المذهب، فإن حنكته السياسية وقدرته التنظيمية جعلت الفضل الأكبر في تطور الحركة الإباضية يرجع إليه. لقد كان ماهرا في إعداد الدعاة وتشكيلهم ثم بعثهم إلى شتى أنحاء العالم الإسلامي.
ولعل تغير المناخ السياسي بعد موت الحجاج عام 95هـ وتبوأ سليمان بن عبدالملك عام 96هـ العرش في دمشق عامل سهل لأبي عبيدة المضي قدما في تنظيم صفوف الإباضية منتهزا تلك الفرصة وأصبح يعمل في نشر العقيدة الإباضية وشرحها في شيء من الحرية، ذلك لأن الخليفة الجديد (سليمان بن عبدالملك) كانت تربطه بالمهالبة –وهم أزديون- علاقة جيدة. والأزديون كانوا على صلة وثيقة بالإباضية، وكان معظمهم قد انضم إلى هذا المذهب إبان إمامة جابر له، وهو أزدي.
ويذكر التاريخ أن كثير من زعماء المهالبة قد اقتنعوا بالمذهب الإباضي واعتنقوه، إذن فالنفوذ المهلبي في العراق والخراسان هيأ جوا صالحا للإباضية ليلتقطوا أنفاسهم بعد أن ضيق عليهم الحجاج زمنا طويلا، ويمارسوا نشطاهم السياسي والديني بحرية أكبر.
وعند موت سليمان بن عبدالملك انتقلت الخلافة الى الخليفة عمر بن عبدالعزيز، غير أن تغير القيادة لم يؤد إلى تغير الظروف السياسية إباضيا، فعلى الرغم من أن الخليفة الجديد عمر بن عبدالعزيز قد أقدم على عزل الوالي الأزدي أي يزيد بن المهلب المتعاطف مع الإباضية وزجه في السجن وايقافه فيه طوال حكم عمر، فإن العلاقة بين الخليفة من جهة والإباضيين من جهة اخرى لم تتوفر، ذلك لأن الخليفة الجديد قد انتهج نهجا أكثر لطفاً، وأقل جفاء نحو حركات المعارضة –الإباضية من بينها- لتصفية الخلافات بغية حقن دماء المسلمين وإنهاء الحروب (1/110)
صفحة 111
الداخلية في الدولة الإسلامية، ويظهر أن الإباضيين ما كانوا أقل ميلا منه بتنقية الأجواء، وإيجاد صيغة ما وأرضية مشتركة من التفاهم. ولذلك بادروا بارسال وفد إلى الخليفة الجديد لشرح وجهات نظرهم له لما رأوا منه استعدادا لتفهم مواقف الآخرين، وكان الوفد الإباضي تحت رئاسة جعفر بن السماك وهو واحد من علماء الإباضية الأجلاء في البصرة آنئذ، وتقول المصادر الإباضية أن الوفد الإباضي استطاع التأثير على عمر بن عبدالعزيز.
وعلى كل حال فإن أبا عبيدة استطاع أن يستغل هذا الهدوء السياسي في الدولة الإسلامية خلال حكم الخليفة سليمان بن عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز للعمل جاهدا مع الشيوخ الإباضيين على إعادة تنظيم حركتهم وانجاحها والوصول الى الهدف الأسمى وهو تغيير النظام واستبدال آخر به يلتزم بسيرة الخليفتين الأولين: أبي بكر وعمر، واللذان يعتبرهما الإباضيون النموذج المطلوب والمثال الحي للإسلام الصحيح.
فمن هنا شرع أبو عبيدة يمارس العمل التنظيمي على ثلاث مستويات (في سرية مطلقة):
1 - لقاءات عامة يباح لحضورها كل المقتنعين بالمذهب والمستجيبين للدعوة، غير أنه مزيدا من الحيطة كانت الجلسات تعقد في أماكن سرية وغير ملفتة للنظر تجنبا من مداهمة الشرطة إياهم، ولم تكن أمور ذات شأن تقرر في مثل هذه الجلسات العامة بل كان الأعضاء يجتمعون ويناقشون الشئون الدينية ويلقي المؤهلون منهم دروسا في الوعظ والارشاد ومسائل متفرقة في العقيدة وما يتصل بها، وأمور تتعلق بالمذهب الإباضي. ومع كونها لقاءات عامة ومفتوحة فانهم كانو يضعون حراسا منهم لمراقبة المنافذ المؤدية الى مكان الاجتماع كي لا يداهمهم رجال الشرطة على حين غرة.
2 - لقاءات خاصة، وهذه اللقاءات أهم وأخطر اللقاءات كلها ولا يحضرها الا الخواص من الزعماء والقادة الفكريين اللحركة، وفيها يتدارسون الخطوات التالية، ويضعون الخطط التي في ضوئها يتصرفون لانجاح أهدافهم وتحقيقها، وهي في الواقع جلسات سرية خطرة جدا تتخذ فيها قرارات (1/111)
صفحة 112
لمستقبل الحركة، ولا يجوز لأحد غير الإمام وكبار المشايخ حضورها (4).
3 - لقاءات سرية أقل خطرا من السابقة، والغاية منها انتقاء نخبة صالحة من الدعاة لإرسالها الى مختلف الأقطار الاسلامية للدعوة إلى المذهب الإباضي، وفي هذه اللقاءات يتلقى المرشحون مهمة أصول الدعوة وتعاليمها وخططها وغاياتها والدافع إليها مباشرة من فم الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
وكانوا يدرسون احوال المبعوثين، ثم أحوال أهل البلاد التي كانوا سيذهبون إليها سياسيا واجتماعيا، وكانوا دوما يفضلون أن يكون الدعاة من أهل البلاد نفسها لأنهم أعرف بأحوال مجتمعهم وأقدر بالنفوذ إلى دواخل نفوس أهلهم، واعلم بخفايا الأمور فيها، وأقدر على التعامل معهم عن الأجنبي الطارئ الذي يلقى دوما التحفظ من أهل البلاد الأصليين.
فبالاضافة إلى هذه السياسة التنظيمية للحركة الإباضية الناجحة، فإنه قد استطاع أبو عبيدة أن يخلق من الإباضيين جماعة متآلفة ومتضامنة شديدة التآزر والتآخي، وخلق فيهم إحساسا متبادلا بالتعاطف والتراحم، مما جعلهم عبارة عن أسرة واحدة كبيرة، ونجح أيضا في جعل الأغنياء من الإباضيين عونا ثابتا للفقراء كي لا تضطر الحاجة للفقراء الى طلب العون خارج حظيرة التنظيم، مما ينذر بتسرب المعلومات خارج الحركة.
فعلى الرغم من أن أبا عبيدة كان يقيم في البصرة –مركز الدعوة- فإنه كان على اتصال دائم بالجماعات الأخرى من الإباضيين في سائر الأقطار الإسلامية، وكان يعرف ما يجري فيها عن طريق مراسلات بالغة الحيطة من السرية، وكان يتعهد الدعاة منهم بالمال اللازم ليستطيعوا الاستمرار في الدعوة صامدين.
وأنشأ لذلك بيت مال خاص لامداد الدعاة والمحتاجين من الإباضية في المناطق القاصية، وكانت المصادر المالية للحركة هي التبرعات من الإباضيين المتحمسين للدعوة والمخلصين لها، ومن ضرائب معينة فرضها الإمام على طبقة معينة من الأغنياء الإباضيين. (1/112)
صفحة 113
والحق أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي هو الذي استطاع بذكائه بعث نسمة الحياة الخالدة في جسم الحركة الإباضية وتعهد نبتتها الأول بالماء والمناخ اللازمين، حتى غدت الحركة شجرة تصمد أمام العواصف من الرياح والنوائب الى أن أثمرت وأعطت أكلها.
والحق أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي هو الذي استطاع بذكائه بعث نسمة الحياة الخالدة في جسم الحركة الإباضية وتعهد نبتتها الأول بالماء والمناخ اللازمين، حتى غدت الحركة شجرة تصمد أمام العواصف من الرياح والنوائب الى أن أثمرت وأعطت أكلها. (1/113)
صفحة 114
[من صفحة 114 إلى نهاية الكتاب صفحة 135 لم ترقن] (1/114)