صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تراث - تاريخ وتراجم
------------------------------------------
العنوان: رسالة السيد العلامة الرئيس جاعد بن خميس الخروصي إلى السيد الأمير محمد بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعدي
المؤلف: مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي
الناشر: مكتبة محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1422ه/ 2002م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2002/10
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1441&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/510
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 13 جمادى الآخرة 1446ه/ 15 - شهر 12 - 2024م. رسالة السيد العلامة الرئيس
جَاعَدَ بن خميس الخروصي
الى
السيد الأمير محمد بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي
حققها وَقَدم لَهَا
الشيخ مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي
الطبعة الأولى 1422 هـ / 2002 م (1/1)
صفحة 2
رسالة السيد العلامة الرئيس
جَاعَدَ بن خميس الخروصي
الى
السيد الأمير محمد بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي
حققها وَقَدم لَهَا
الشيخ مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي
الطبعة الأولى 1422 هـ / 2002 م (1/3)
صفحة 3
الناشر مكتبة معالي السيد
محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي (1/4)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم (1/5)
صفحة 5
مُقدمة (1/6)
صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الحمد له، من غير حاجة إلى حمد
حامديه، طريقا للإعتراف بلاهوتيته، والإقرار بعظمة ربوبيته، وسببا للمزيد من رحمته برحمانيته، وأشهد أنه الواحد الذي لا إله غيره، شهادة بزغت عن إخلاص الطويه، وبها عبرت ألسنة الموحدين، عن صادق التوحيد لخالق البرية، فهو الرمز المطلسم، والكنز المجسم، في رياض قلوب العارفين للأسرار الخفية.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي استخلصه في القدم على سائر الأمم، وإنفرد بالعلم والحكمة عن سائر الأجناس، إنفراد إسم العلم من بين طوائف الكلم، واختار من أمته حكاما وحكماء، ليقودوا الناس إلى سبيل الحق والإرشاد، وليهدوهم إلى صراط الله المنعم عليهم بالإيجاد (1/7)
صفحة 7
والإمداد، والصلاة والسلام على رسوله المجتبى، ونبيه المصطفى، وعلى آله وصحبه، ومن سلك طريقهم أبدا.
وبعد:
فإن الله أسعدنا بالعثور على رسالة علمية، هي كنز من كنوز التراث العماني، وما هي إلا من ضمن الرسائل والسير، التي تركها لنا علماؤنا العاملون، حيث تحتوي نصائح وإرشادات، لأولي البدايات والنهايات، يستفيد منها الطالب، ويسترشد بها الراغب، وتنمو بها قرائح الأفكار، وتسمو بها همم ذوي الأيدي والأبصار، وقد وجهت هذه الرسالة الودية، والنصيحة الجلية، من مخلص تقي، ومرشد نقي، محررها شيخنا العلامة الرباني المحقق أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي، إلى محبه وصديقه السيد الأمير الممجد، الفاضل العارف المسدد، محمد بن الإمام أحمد البوسعيدي، تغمدهم الله برحمته، وأسكنهم فسيح جنته، وقد آن نشر هذه الرسالة (1/8)
صفحة 8
وإبرازها، من ضمن منجزات (مكتبة السيد العارف، صاحب المعالي محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي، وهو الحفيد السادس من ذرية السيد المذكور، ولعل تأريخ صدور هذه الرسالة، في زمان يوافق العقد الأول من القرن الثالث عشر الهجري - تقديرا - حيث أنها تتواكب مع حياة السيد المذكور، وصاحب الرسالة العلامة المشهور، ضمن أحداث تمليها علينا حلقات التأريخ، في زمن كان فيه السيد يومئذ تارة ببلدة البركة من أعمال نزوى، وتارة ببلدة السويق من أعمال الباطنة، وكلاهما يومئذ بيديه، نالهما بالعطاء من والده (الأمام أحمد بن سعيد).
الاهتمام بمضمون الرسالة
تعتبر هذه الرسالة من الجانب العلمي، أنها دستور، تتمثل في مفرداتها قوانين وتشريعات، وإرشادات وتوجيهات، مع ما تمتزج به من لطائف الحكم، بتهذيب النفوس والأخلاق، وتطهيرهما من شوائب الأدناس (1/9)
صفحة 9
والأعلاق، يتمثل ذلك كله في جزيل ألفاظ مبانيها، وأعماق خضم معانيها، إطنابا وإسهابا، وسلبا وإيجابا، في بلاغة وبيان (1)، وإحكام وإتقان، ولا يقال إنها لوقت محدد، بل إنها مع كل زمان تتجدد، وعلى ألسنة من عرف شرف العلم تتردد، والله الموفق والمعين، {وهو على كل شئ شهيد} (2).
بقلم محققها عبد مولاه
مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي
(1) التزمنا بتحقيق بعض الكلمات اللغوية من هذه الرسالة، تكميلا للفائدة، من المعاجم العربية: المنجد، الهادي، القاموس، في الهامش.
(2) سورة النبأ: 47. (1/10)
صفحة 10
بسم الله الرحمن الرحيم
من الوالد الفقير الذليل، لمالكه العزيز الغني، القدير الجليل القوي، أبي نبهان جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي، إلى الولد الأمير المحب محمد بن الأمام أحمد آلبوسعيدي - عافاه ربه من كل ضير - ونحن من فضل الله في نعمة وخير، لولا زلازل المحن، بنا نازلة في هذا الزمن، لكثرة ما بأهله من الإحن، والحمد لله على كل حال، أعطى أو منع، فرق أو جمع، أعز فرفع، أو أذل فوضع، لا إله إلا هو الملك الحق، له الأمر والحكم في الخلق.
وبعد:
فاعلم أنه قرئ علي ما قد رسم، فوصل إلى ولدي ناصر، على يد / سعيد بن أحمد اليحمدي، فإذا هو في (1/11)
صفحة 11
شأنه، فلم نصدق ما فيه، وإن صدر عنك أن يكون منك، وبعض قال في كتابته: أنها ببنانه، حتى جاء التعريف الثاني من جهة أخرى على يد غيره، وفيه ما بالذي من قبله، فتعجبت من ذلك بما في نفسي إنك لا ترضى بمثله، فأنى هذا ليت شعري ما الذي دعاك إليه، ودلك عليه إن كان عن رأيك، ولما يكن قط أبدا لإساءة ولا تقصير، نعرفها في قليل ولا في كثير، لعل قلبك قد اطمئن إلى ما يأتيك به صاحبك، من هذيانه وزخارفه التي يدعيها على محبتك وهي ذميمة، فيلقيها إليك وإلى غيرك نميمة، وإن لم تكونوا من أعوانه، حتى أظهرها بين الناس فنشرها، وليس هي ما أكثرها، إلا من فضول لسانه، التي ينفتها عن وساوس شيطانه، دع ما يوازره من قد تلبس به، فتدرع بالمكايد والخداع.
وبلغني أنك ممن إطلع على بعض ما به، يقذفها طول زمانه، فيسعى بي وبأولادي، إلى من يرجو به في أوانه، (1/12)
صفحة 12
أن يوقعنا في المهالك، التى يظن أن لا ملجأ عنها، ولا مخرج لنا منها، ولما يزل يتربص بنا الدوائر، من ساكني المحلة السفلى من بلادي، التي هي العوابي، مخرج الوادي، ويأبى الله إلا أن ينجي من يشاء من عباده، رغما لأنفه، وربما يكون سببا لحتفه، أو ما دونه من نكاله وخسفه، بما في الخبر، ولعله عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأله وصحبه، أنه قال: " من حفر لأخيه المؤمن حفرة أوقعه الله فيها "، وفي الأثر، عن المقدسي: إن إبليس - لعنه الله - قال: كم إحتفرت لأدم حفرة السوء، فأبى الله أن يقع
في الحفرة إلا من حفرها، وهو من الصحيح في الأثر بدليل ماله من مشابهة في المعنى من التنزيل، وإن لم يكن بالنص عن مقاله، فإنه قد عبر به عن لسان حاله، وكفى بالإشارة عن صريح العبارة، أو لا تدرى أن أموره ظاهرة بين الأكثرين، من أهل هذه النواحي شاهره، وعلى هذا من أحواله. (1/13)
صفحة 13
أفيجوز لمن عرفه أو جهله، أن يصغي إلى شيء من أقواله، التي يختلقها فيلقيها هذا لأمثاله، ولا ندري مـ الذي دعاه، إلى ما يحاوله فما أعداه، وفي قول الله تعالى ما دل على المنع من جواز قبول مثلها، أم جاز له أن يعمل
قبل ظهور عدلها، كلا فالتبين من صدقها من لوازم حقها فاستمع قول الله العلي، و ما قاله لرسوله النبي: إياك أن تعجل حتى تعلم فتعمل، وإلا فالتأني هو الأوجه حتى يتضح لك فيه أحد الأمرين، أو يخفى عليك فتبقى ملتزما لما به يكون من وقوفك في الحين، لأنه مما يحتمل الصدق والمين (1)، فالحكم فيه بأحدهما على الجهالة من أنواع جنس الضلالة، أم خص بالإجازة من نبأه دون ما سواه، لغير برهان يجيزه في عموم أو خصوص لإنسان، وأنا لا أدريه من الحق فأدل عليه، أو غير الحق، لا وسع فيه على حال في نفس ولا مال، لإن ما عداه هو الباطل شرعا،
(1) المين: الكذب (1/14)
صفحة 14
فقابله والراضي به، وقائله هالك قطعا، ومن وراء هذه الحالة، وما كان عليها من أراد بإيجاز في المقالة.
فقد بلغني أنك ساخط على ولدي نبهان، من قبل ما أشار به من الرجوع إلى من أتاه، فاستشاره من أصحابك الذين بعثتهم إلى بلد البركة، بنصرة من بها قائم في أموالك، وهذه كأنها أعجب من الأولى، لأنه قد نصح لك ولهم في أمر دنياكم، وما أبقى في النصيحة غاية، إذ قد بلغ فيها حد النهاية، أفيجزى بالسخط بدلا من الرضى، على ما كان من حقه أن يشكر، ويحمد فيذكر، لإنك قد عرضتهم لأمر يخشى من ضرره أن يأتي على الأرواح، فضلا عن ما حملها من الأشباح، لأنهم في قلة عدد، وعدوهم في كثرة، لما له في قريته من مدد، ومع ما بأيديهم من رؤوس الجبال ومضايق الأودية، وفي صعودها والنزول منها مشقة، لأن طرقها وعرة المسالك، عسرة على السالك، إلا من ألفها من الرجال والنساء، (1/15)
صفحة 15
وأكثرهم أهل السهل لا ممن اعتادها، وربما أنهم لا يحتاجون إلى غير الرضخ لهم بالحجارة، دون ما عداها
من السلاح، حتى يلاقوا حتفهم (1) أو يثخنوا (1) بالجراح أليس هذا في التقدير من سوء التدبير، بلى فكيف يصح فيجوز فيما أشار به، فدل عليه أن يعد هذا من الغش، فيرد الذي أتصوره في قلبي أنه من النصح، فإن كنتم لا تحبونه من عدو مبين، ولا صديق أمين، فعرفونا لعسى في غير موضع وجوبه أن نغلق بابه، فنكون له تاركين، لأنه مما يسع في هذا الموضع ونحوه تركه وفعله، وإن ظهر لأهل النهى ماله من صلاح، لما به من فلاح، فبان صوابه، وكان من قول الحكيم: " من أحسن إليك، وجب نصحه عليك "، نعم، هو كما قال، إلا أنه ربما كان من حق غيره على من قدره، ولكن أين أهل العقول المبصرة، لقد نزلوا في بطن الأرض، وبقى على ظهرها من لا يعقل،
(1) حتفهم: الحتف، أي: الموت
(2) الإنخان في الجراحة: المبالغة التي توهن عن الحركة. (1/16)
صفحة 16
إلا أمر دنياه غير القليل منهم، فاقبل المعذرة، فإنا - إن شاء الله - لا نعمل به في غير موضع لزومه، ولا نعود إليه إلا لمن عرفنا منه القبول، وأن بعضهم إن تنصح لهم فيما لا يطابق رضاهم، ولا يوافق هواهم، رموك بالعداوة والبغضاء، أو ما زاد عليها من أنواع البلاء، فما أقبح ما هم به من الداء {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمه} ()، ولا لهم في غير العاجلة همه، لما بهم من الكنود، الداعي إلى كراهية من يدعوهم إلى الحق، فيأمرهم بطاعة الملك المعبود، ويزجرهم عن الباطل، فيخبرهم بالصدق، عما لكل منهما من جزاء باليوم الموعود، {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور} ()، عن درك ما توارى عن أبصارهم من الأمور، يراهم الجاهل
أيقاظا وهم رقود، وليس فيهم لأخذ الحق ودود.
فان تقدر على هداهم وردهم إلى مولاهم، وإلا فالجهاد
(1) سورة التوبة: 10
(2) سورة الحج: 46 (1/17)
صفحة 17
لمن إمتنع فأصر على ما أظهره من الفساد، في موضع لزومه أو جوازه، لمن قدره من العباد، وإلا فاعرض عنهم، وتباعد منهم، متوكلا على ربك في قطع الطريق إليه، مطهرا لقلبك من كل دنس، مراقبا له في كل نفس، حذرا من الزلل، ومن المتعلمين لغير العمل، مخافة أن يزلوك في قصدك عن طريق رشدك، وإن تعتزلهم فالسلامة في بعدك، والحذر كل الحذر أن تركن إلى أحد من هؤلاء، فتجعله في شيء من أمر آخرتك دليلا، وإن أفتوك وأفتوك، فلا تقبل من ذلك إلا ما بان لك عدله، فإنه لا جواز لرده، على من جاء به في قربه أو بعده، وإلا
فليس لك أن ترتضيه لنفسك، ولا لغيرك من أبناء جنسك فهؤلاء لما بهم من الخيانة، الموجبة لبعدهم من الأمانة، ولقد نصح لك من أمرك أن تتهمهم على دينك، ونهاك أن تصطفي منهم أحدا، فتتخذه خليلا، تستظهره فيرجع إليك فتستشيره، فيما تجهله من أمر دنياك وأخرتك، فإنه غير (1/18)
صفحة 18
مأمون الغائله (1) لما قد أظهره، فإنه أحق ما به أن تبعده فتهجره، فضلا من أن تقربه فتجعله على شيء من الأمانات، التي من الشرط لجوازه أن يكون من الأولياء، وعلى قول آخر، و ما دونه من الأمناء، ولما لم يكن من هذين القبيلين، فليس لك أن تستحفظه على شيء منها ولا أن تقيمه فيه وكيلا، جل فعز، أو قل فهان، فإنهما في الحكم واحد، وإن كان فتيلا
والذي ينبغي لمن نزل في منزلتك، أن يكون له وزيرا
تقيا، صالحا خبيرا، بما للمملكة من المضار والمصالح حكيما بصيرا، صفيا حليما، فيلقي إليه قياده، ليمر به في صراط ربه الذي مهده لعباده، فيعرفه فيه بما له وعليه،
ويبصره بمعالمه إن جهله، ويرده إليه متى حاد عنه فأتى بما ليس له، وينبهه إن سهى، ويذكره إن نسي فلهى، فإن يظفر به فنعم الظهير، على تحمل كثير من
(1) الغائلة - مفردها غوائل - وهي: الشر، والفساد، والهلاك، والداهية من فعل العدو. (1/19)
صفحة 19
أعباء ما حمل به الأمير، فاشدد به ظهرك، وأشركه في
أمرك، فإن يكن له فقه، وإلا فأقرنه بمن له من العباد بصير بطريق الرشاد، ألا ومن شرطه أن لا يكون جبانا ولا بخيلا، لئلا يدله على الجبن في محل اللقاء، وعلى البخل في موضع السخاء، فإنهما بك مضران، ألا وأن المملكة بالرجال، ولا شك في أنهما بالمال، {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك}، بخلا، {ولا تبسطها كل البسط}، بذلا، {فتقعد ملوما محسورا} ()، دع عنك كلا الطريقين، وكن لازما للوسط بين الحالين، متحريا له بجهدك، فأنه أعدل الأمرين، ولا تبذلن ما بيدك، قليلا ولا كثيرا، في شيء من معاصي الله تعالى، فيعد منك تبذيرا. وما كان من حكم، فلا توله إلا من له ورع في علم يمنعانه
من البطل، ويردانه إلى العدل، خوفا من ربه، فيما يراه من جوره، وعظيم ذنبه
(1) سورة الإسراء: 29 (1/20)
صفحة 20
ولعلي أن أزيدك في هذا الموضع، ما أرجو به أن
أفيدك، فأقول لك: يا من بلي بالأماره، طهر النفس الأمارة، والسريره من كل سوء أصابها في ذاتها من الجريرة، قليلة أو كثيرة، حتى تصلح لخدمة مولاها، وتشكره على ما أولاها، فتؤدي اللوازم، وتتقي المحارم، نية، وفعلا، وقولا، وأن تتقرب إليه بعد التطهر، بما يمكنك فتقدر عليه من النوافل، لما أودع فيها من الفضائل، وأن تجتهد في الإحتراز من شرها مبلغ قدرك، خوفا من ضرها، ومن شر الوسواس، بل من أكثر الناس، وأن تحسن السيرة، فيجعل الوزارة فيمن يصلح، لترجع إليه فيما يخفى من تدبير أمر الولاية عليك، وأن لا تصدر للحكم، إلا من قد عرفته بالورع والعلم، وأن لا ترضى في
ضعنك (1)، ولا في إقامتك بمقامة هزل، ولا برذالة فعل
وأن تتوقى كثرة المزاح، فإنه ربما أدى إلى ضير الحقد، ووغر الصدر، فإن كان ولا بد فيما قل فجاز، لمن أراده
(1) الضعن: السفر (1/21)
صفحة 21
من إزالة ترح، أو مجلبة فرح، وفي الضحك إن قدرت على تركه بين الملأ، أو من حضر من الجلساء، فهو الذي بك أولى، لئلا يزدريك العقلاء، ويسخر منك السفهاء، من الرجال والنساء، ويتجرأ عليك الغوغاء، إلا أن يكون
تبسم، تجعله بين من تلقاه متبسما، إلا من لا حق له فيه وأن لا تكثرن الكلام هذرمة، فتمجه الأسماع، وتنفر عنه الطباع، إلا أن يكون في سؤالك لغيرك متعلما، أو في جوابك له معلما، أو مؤدبا له، أو مفهما، أو لما لك به من حاجة، فيما لك أو عليك، وإلا فأحق ما بك أن تكون زميتا (1)، وعن المقالة لغير فائدة صموتا، فإنه أعز لقدرك، وأسلم لأمرك من قبيح وزرك، {ولا تصعر خدك للناس} (2)، {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق
الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} ().
(1) زمينا: الزميت: الساكن تأدبا) بتشديد الياء).
(2) سورة لقمان: 18
(3) سورة الإسراء: 37 (1/22)
صفحة 22
وأن جاءك غني مؤسر، فلا تؤثره من إقبالك على من
أتاك وهو فقير معسر، إلا أن يكون من حقه لازما، وإلا فلا والذي به تؤمر، فيما تأتى به أو تذر، أن لا تعدو به في زمان، ما له في الحق من مكان، فتضع كل واحد من الشدة واللين، في موضعه الذي له في الحين، أو تكون فيما بينهما في موضع نزولك إليه، فيلزمك أو يجوز لك أن تكون عليه، أو تعفو عن المسيء إليك، فتصفح ما أمكن فجاز، فإنه أصلح، إلا أن يكون براءة بما هو له أرجى وأرجح، وأن لا تكون في أناسك فظا غليظ القلب، فإنهم ربما ينفضوا من حولك فضا، فتبقى ولا ناصر لك مذموما مخذولا، وأن تسمع إلى كلام الحكماء، فتتبع أقوال العلماء، لعسى أن تزداد بهم فهما، وتقوى بذلك علما، ليكون لمن عمل به في دنياه ذكرى، وفي أخرته أجرا، واعد لأهله ذخرا.
هذا، وأني من بعده سألقي عليه، وإلى من بلغ إليه، (1/23)
صفحة 23
قولا ثقيلا، إن من الواجب على من قدر، ومن الجائز في موضع فعله لمن صبر، ولفضله أن يكون بالمعروف آمرا، وعن المنكر زاجرا، ولأهل الخير ألوفا، وبالمؤمنين رؤوفا، وعلى الصالحين عطوفا، فتمسي وتصبح، وعلى أهل الشدائد شديدا، أحرارا أو عبيدا، وأنت في أخرتك من جملة من عمه الخطاب، بالأمر والنهي، لوجود قدرتك على ما قد حوته يدك، فصرت الراعي لمن ترعاه، فندها (1) عن المراعي الدنية، والموارد الوبية، واعدل بينهم في القضية، واجعلهم في الحكم بالسوية، ووقر الكبير، وارحم الصغير، إلا من لا حق له في التوقير، وأجهد نفسك في أن تبلغ كل ذي حق حقه، من مؤمن مسلم، أو منافق مجرم، حتى تنصفه منك ومن غيرك، قرب فدنا، أو بعد فنأى، لا فيما عداه،
فإن للناس منازل، ولا تجاوز بأحد منهم ما هو به نازل،
(1) ذدها (فعل) أمر)، أي: إمنعها أو ردها (1/24)
صفحة 24
ولكن أقض عليه وله بما هو له في منزلته، ولا تكلمه إلا بقدر عقله وفطنته، فإن بان لك رشده، فالولاية له، وإن صح معك غيه، فالبراءة منه، وإن خفي عنك أمره، فالوقوف عنه، حتى يتبين لك أحد أمريه، فتكون عليه، أو تبقى على وقوفك فيه، لازما لك على ما دمت على جهله، وإن لم يكن من رعيتك فكذلك، ولا أعلم أنه يختلف في ذلك.
وبالجملة، فكما تريد أن يكونوا لك، فكن لهم، وكما تحب أن يحسنوا إليك، فأحسن إليهم، فإنك بالغلبة تقهر رقابهم، وبالإحسان تملك من الأحرار رقبائهم (1)، إلا من كان لئيما، فإنه لا يزده التكريم إلا تمردا ولؤما، فاخصص به أهل المرؤة تكريما، وإن نفر عنك لاذ أو تباعد لقلى (2)، فالمصلحة في تأليفه أولى، فأرسل إليه من لدنك رسولا، فإذا أتاك فقربه إجلالا، وانظر إليه نظر من أشفق عليه
(1) الرقيب: الأمير
(2) القلي (بالكسر): البغض (1/25)
صفحة 25
ووالي، فإن وجدته في جزع، فسكن روعه (1)، حتى يزول ما به من فزع، ثم كلمه بما يقربه ويؤلفه، وأنزل
من إحسانك إليه ما تقدر عليه، وقل له قول جميلا، فإنه يوشك أن يكون من إخوانك، وعلى ما به أنت ستجده من أعوانك، وفي ذلك قول أبي حفص عمر بن الخطاب (ه): أن أكيس الكيس (2) ما قرب تلطفا، وسكن النافر تعطفا، ووزن كل أمرئ بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه]، وهذا كما يدل عليه في الأثر، أن المشاهدة بالنظر، أصح علما من الخبر، ما لم يبلغ أحد الشهرة التي لا تجوز أن ترد، وإن لم يكن في قربه نفع، ولا في بعده ضرر، فتركه وما به، فأنهما على سواء.
وإن ظهر لك على أحد أنه يمشى بالنميمة بين العباد، أو يأتي ما هو من أنواع الفساد، فلا بد لك - مع القدرة - أن تأمره وتنهاه، فإن إمتثل الأمر، وقبل النهى والزجر،
(1) الروع: سواد القلب، وقيل: موضع الفزع منه، وهو: الخوف.
(2) الكيس (بفتح الكاف وتسكين الياء: العقل والفطنة والظرافة والفهم والأدب. (1/26)
صفحة 26
فهو المراد المطلوب، وإلا فالعقاب على قدر ما يستحقه بدلا من الثواب المرغوب، فإن أبى من الإنقياد على ما به يراد، فأودعه الحبس، أو ما زاد عليه في موضع جوازه من الأغلال والأصفاد، وإن بقي في الأمر الذي أظهره، مصرا على ما أكفره، صار الله ولرسوله حربا، وللشيطان ومن في طاعته حزبا، فجاز في قتاله، على ما أجيز في أمثاله، حتى يعطى الحق من نفسه وماله، أو تفنى روحه في ضلاله
ألا وأني أقول بحق، أن للجماعة في هذا حكم الواحد، لعدم ما له من فرق، ومهما بدى لك من حق، لتجهيز جيش، فتخرج به لمحاربة من لزمك، أو جاز لك لما أبداه من فسق، فلا تكلف الرعية جبرا، ولا غيرهم من الناس قهرا، فإنه ليس لك عليهم حق في الخروج إلى القتال، ولا ما دونه من بذل المال، ولا تغصب من أموالهم شيئا لما لا يلزمهم من الأعمال، لما بها من تحريم في موضع (1/27)
صفحة 27
الانتهاك (1)، أو الإستحلال (2)
ولا تجعلن على جيشك واليا، ولا على شيء من سراياك (3) قائدا، إلا من عرفته بالتقوى، فرجوته لما به من حزم وعزم، حتى يكون لك مساعدا، تقوى به على كسر عدوك، فإن كان ذا علم وبصر، لما تفوضه إليه وتجعله فيه، فكفى به لنفسه دليلا، وإلا فلا بد لك أن تجعل بحذائه مشرفا من الفقهاء، هاديا يدله لما له وما عليه بكرة وأصيلا، وأن تضطر إلى من دونه من الثقة، من مأمون في طعنه أو ضربه، أو ما دونهما، أن لا يأتي فيهما حالة حربه، ولا في غيره إلا ما جاز، فلا بأس لما تعرفه من توقفه عن الدخول في شيء من أمره بجهالة، على رأي من أجاز له أن يعمل عليه، إلا أنه ليس كل الناس له معرفة بحيل الحماس (4)، فينبغي لك أن تصحبهما
(1) الإنتهاك: فعل المسلم خلاف ما يعتقده.
(2) الإستحلال: فعل المسلم لما يطابق إعتقاده، وإن خالف الحق في إعتقاد غيره من المسلمين
(3) السرية: قطعة من الجيش، وهي التي تسري خفية عن عين العدو
(4) الحماس: المحاربة (1/28)
صفحة 28
عارفا من البصراء بطرقها، ليأخذوا في موضع الحاجة إليها، من دلالة على صدقها، فيما قد ظهر لهما فعرفاه من حقها، فإنه أدنى إلى الظفر، لأن الحرب في قول من نعلمه خدعه، فأنوه لمولاك، لا لرياء ولا لسمعه، ولا لغرض تناله من دنياك، فإن كان ما في رجاك، فالشكر الله على ما أولاك، وإن كان لعدوك، فالصبر على ما إبتلاك، وإن نزل إليهم من أراد أن يبغي في البلد عليهم، لزمهم الدفع عما لها من حريم، فجاز لك أن تجبرهم عليه، لما به من النفع السليم، وما إختلف في جوازه، فاعمل فيه على ما هو أقوم قيلا، وإن ترد أن تباشرها بنفسك، فلا تجزع من حرها، ولا تفزع من ضرها، وأعدد لها مالك من إستطاعه، وكن من مكايد عدوك على حذر في كل ساعة، فإنه لا يدرى في هجومه، متى يكون في ليله، أو في نهار يومه، ولا تظهرن لقومك ما لهم من كثرة، مع ما لك من قله، فإنها من إحدى الدواعي إلى فشل من كان ذليلا، وإن حضرك الناس، فلا تكن جبانا، فتركن إلى (1/29)
صفحة 29
الفرار بين الناس، لضعف ما بك من عزيمه، لأنك تجرهم إلى ما وراك به من هزيمه، بأنها به مقيمه، فاشعر قلبك بأن العمر بيد ربك، وحرض من صحبك على القتال، وقل لهم في الآجال أنها محدوده، وساعاتها معدوده، لا زيادة فيها ولا ناقص على حال، وذكرهم حين اللقاء بما سبق لهم من الضغائن، أو بمن تقدمهم من الأباء والأجداد، لعسى أن تهيج قلوبهم ليكونوا في أشد إستعداد، وحينئذ توري ما إستكن من نار العداوة والبغضاء، فتحملهم على النزال (1)، في موضع جوازه لهم، وأنت في يومك يومئذ بادرة قومك، ضربا بالصفاح، وطعنا بالرماح، ورميا بالحجارة والنبال، فإنهم في إقدامهم على هذا من أمرك أثبت لأقدامهم، وكرر عليهم الغارات بالغدو والرواح، حتى يذلوا، فيتركوا معاداتك فيملوا، ويقضي الله بينكم
أمرا كان مفعولا، {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} (2).
(1) النزال: اسم للحرب وموقع المعركة.
(2) سورة الأنفال: 61 (1/30)
صفحة 30
وكن على حذر من غدرهم، إلا من رجع إلى ربه.
فتاب إليه من ذنبه، ولم يكن في ريبة من قربه، وإلا فلا تأمنه، وإن أمكن أن يكون قد قاربك، ليمكر بك فيأخذك على حين غفله، والناس أكثرهم لا خير فيهم، لما في قلوبهم من داء، فلا تستغرق أوقاتك معهم، فما لدائهم من دواء، فأنه لا بد لك أن تجعل لربك أوقاتا، من ليلك
ونهارك، تعبده فيها وتذكر أسمائه في حضرك وأسفارك وتبتل إليه تبتيلا} (1)، وإن كان في المأمور أن لا تشتغل عن قضاء حوائج المسلمين بنوافل العبادات، فاجعل كلا من الأمور في الوقت الذي خصص به، لما به من الأجر الموفور، ولا تهجرن المنزل من تهجدك، ولا القرآن من تلاوتك، فإذا قرأته في صلاة أو في غيرها، فرتله ترتيلا، وانظر في كل ليلة، لما كان منك في يومك، فإن تجد بأحوالك، أو في شيء من أعمالك، ما لا جواز له في دينك، فبادر صلاحه قبل لومك، متى أمكنك إن عرفته،
(1) سورة المزمل: 8 (1/31)
صفحة 31
وإلا فاسأل عنه أهل العلم إن جهلته، {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} (1)
، ولا تمدن عيني رأسك إلى ما متع الله به عباده في الدنيا، فوسع فيه لبعضهم في الرزق، ولكن أنظر بعين قلبك، إلى ما أو عده من أتقاه من أهل العبادة، فإنه بالصدق أرفع درجات وأكبر تفضيلا، وإلى ما توعده من إتبع هواه، فإنه في دركاته أعظم عذابا من دنياه، وأشد تنكيلا
(ويا من أدناه الملك فاختاره)، لأن يقلده الوزارة، إذا بدى لك الوصول مختارا أو عن دعوة منه، فلا تلجن داره، ولا محلته التي هو فيها، ولا بأي موضع كان فيه، وإن لم ترد إليه في حالة إستقراره، لا بد أن تستأذنه للدخول عليه، فإن أذن لك، فوجدته في أناس، فينبغي أن تكبره (2)، فتبدأه بالمصافحة، وبالسلام على من في جهته،
(1) سورة الإسراء: 36
(2) الإكبار: التعظيم (1/32)
صفحة 32
إلا أن يكون هناك من هو أعلى منزلة في الإسلام، فإنه أحق ما به لخيره، أن يقدم على غيره، إلا لمانع ما له من دافع، وأن تبقى في قيامك حتى يأذن لك بالجلوس، فتقعد حيث يأمرك، إلا من ضرورة، فإنه أعلم لما لبيته من عوره، وأن تغض البصر، فلا تمدن إلى والج (1) منزله بالنظر، ولا تخبرن بما تراه من شيء، لا فائدة من ذكره، ولا تكثر الكلام بين الناس، ولكن بقدر ما تحتاج إليه سؤالا وجوابا لا ما زاد عليه، إلا لمن أوجبه عن رأيه، فيما أجازه لك
ثم ارجع بالنظر إلى ما يكون من أحواله، فإن وجدته فسيح اللبان (2)، رحيب الصدر (3)، قويا على الأمر، جري الجنان (4) جليلا، يتلقى الشدائد بالصبر، لبيبا عاقلا نبيلا يحتمل الزلة ما أمكنه - فيما جاز له - قابل للعذر لا لعجز،
(1) والج: والج الشيء: داخله
(2) اللبان (بالفتح): ما بين الثديين.
(3) الصدر: ما بين الكتفين من الأمام.
(4) الجنان (بالفتح): القلب (1/33)
صفحة 33
ولا لذلة، بعيد الغضب، سريع الرضى، لما به من الحلم، قاهر للنفس، ممسك لها عن التهور في مسالكها، ولا يرضى بالظلم، ولا يأخذ المال إلا من حله، ولا ينفقه إلا في محله، مقربا لأهل التقى من ذوى العلم، ليقتبس من أنوارهم بما به يستضئ في سلوكه إلى ربه بمنارهم، مؤدبا لنفسه وأهله مع تقديره لحقهم، متبعا لأثارهم، متوقفا عما لا يدري جوازه، فالسؤال أولى له في هذا الموضع، فإن حصل فهو البغية لوفور عقله، وأنى يسمح الزمان بمثله، وإن إستوزرك فشاركه في فضله، ودله على ما فيه المصلحة في دينه ودنياه ناصحا، ومهما كان من شيء لا ينبغي لك أن تكتمه إياه، ولا أن تظهره لسواه، فلا تخبره به إلا في السر، وإلا فلا بأس أن يكون له في الجهر به مناصحا، إلا ما تكره ظهوره، فلا تكشفه لمن عاداه فتعد فاضحا، وإياك أن تخالطه في نجواه لغيرك، إلا أن يدعوك إليه، أو أن لا تجتري عليه في (1/34)
صفحة 34
محادثة نسائه، اللاتي من ذوات محارمك في خلوه، وإن كان لخبرة من اللازم والجائز، إلا بإذنه أو بحضوره، أو بواسطة من يأمنه ويرضاه بدلا منه، لئلا تورثه تهمتك وإن كنت في نفسك تقيا، ومن سوء الظن بريئا، فالأولى ترك جميع ما يكرهه من شيء فيسعك تركه، فدعه مهملا كالناسي له، فإنه أجمل لصحبتكما
وإن وجدته ليس به حلم، ولا يقتفي من له ورع وعلم، بل يجري في ليله ونهاره فيما لا يدري، إما لعماه أو في علمه متبعا لهواه، وثابا عجولا، إن تجبر فنهى، أو أمر فدعى، إلى ما فيه هداه، فلم يرض إلا بما يهواه، أو تراه سريع الغضب، بأدنى شيء يحركه فيقدح شراره، ويوري في قلبه ناره، حتى تظهر على جوارحه أثاره، ولا يملك نفسه من التشفي في غير موضع جوازه، متى قدره في علم أو جهاله، لأنه في ركوبه على ضلاله، إما بلسانه في عرضه قدحا وذما، أو في دينه تأنيبا وشتما، إما بفعله أو من يكون من أعوانه، في بدنه أو في ماله، عدوانا (1/35)
صفحة 35
وظلما، لا يبالي لما به يبطش، من ركل برجليه، أو وكز بيديه، أو سجن، أو قيد، أو مطمرة (1) أودعه فيها على عطش، أو جوع، أو ما فوقهما من تعذيبه، وإن أرداه قتيلا لا يرق له حال غضبه إن شكى، ولا يرحم عبرته إن بكي، فإن نصح له أصر وأبى إلا ما يريد، فاعلم أنه شيطان مريد، فاعتزله ولا تدخل عليه، إلا من ضرورة إليه، فقد عرفته لا خير فيه، إنه ظلوم جهول
(ويا من له الحكم)، قد تحملت أمرا ما، بعده فضل عظيم، وخطر جسيم، فاعدل في القضاء، ولا تحكم بما لا تدريه لعمى، ولا تمل فيه إلى أحد لهوى، ولا عليه لقلى في موضع الغضب والرضا، وإياك وقبول الرشا، فتكون الأموال الناس بالباطل أكولا
(ويا معشر القادرين)، من أهل دعوة الحق، كونوا
(1) المطمرة: حجرة مغلقة ضيقة، يسجن فيها أهل الجرائم، وفي اللغة: الطمر: التغطية بالتراب، أو بالثوب الساتر (1/36)
صفحة 36
لدين الله مناصرين، ولمن قام به فيكم مؤازرين
(ويا من طغى في البلاد، وبغى على العباد، فأكثر فيها أنواع الفساد، توبوا إلى ربكم قبل أن تنقلبوا إليه وأنتم كافرون، فإن عذاب الله شديد، وما هو من الظالمين ببعيد.
هذا ما قدره الله أن أقوله للجميع، من عاص ومطيع، ولكن أين من صدع، بأمر الله في دينه الذي شرع، ونهض فدعى إليه من قدر عليه فاتبع، أو أبي فأمتنع، وأنكر من إنتهك ما دان بتحريمه أو إخترع، مما لا جواز له فابتدع، فأني لا أرى لأهل هذه الصفة حق جوازه، ولا أسمع في ذكرهم بشيء من مجازه، ولو أنى ناديت في جميع الأقطار، أهل المعرفة والتقى من الأخيار، ومن أتبعهم فاقتفى أثرهم من ساير الأمصار، لرجوتها أن تجيبني بلسان حالها، فتقول في جوابها رحلوا من الديار، فنزلوا تحت الثرى، ومن بقي فكما تسمع أو (1/37)
صفحة 37
ترى، فإن كان لهم بقية في خفيه، فما أقلهم في البرية،
فكفى به عما زاد عليه لفظا من مقالها
(وهذا ولدنا نبهان) (1)، واصل - إن شاء الله - إليك فإن سرك ما كان من نصيحة لكم، فهو الذي أراده، وإن ساءك الظن به، فالمرجو منك، والمأمول فيك، أن تحمله على اجتهاده، فاقبل المعذرة في الحالتين، أو في أحدهما، فإنه لم يرد به ضرك، وإلا فهذه أعجب من الأوليين، إذا لم ترض عنه بالنصح خيرا، ولا تتركه فتوليه عذرا، أو ليس هذا ما يدل على أنه أقبح الوجوه الثلاثة أمرا، والذي في ظني بك، أنك إن تكن له الصفي، وبه الحفي (2)، فإنك من أهل ذلك، وقد آن لي في هذه الرسالة إليك، أن أختمها بما لا يخفى عليك، (أن أهل عمان فريقان)، ونحن ممن
(1) ولدنا نبهان، هو: نبهان بن جاعد بن خميس، كني به أبوه، وهو أكبر أولاده، قتل ظلما قبل وفاة والده بسنة واحدة، عام 1236 هـ، ببلدة العلياء، فتكا، وله أولاد، ومنهم العقب من ذريته إلى الآن
(2) الحفي: العالم المستقصي الحقائق العلوم، لقوله تعالى: {يسألونك كأنك حفي عنها} - سورة الأعراف: 187 (1/38)
صفحة 38
حولنا الصف النزاري، ومنهم غير آمنين، ومن نصرة الصف اليمني (1)، صرنا آيسين، ومن الأمراء كذلك، الاستماعهم فينا قول الواشين، من سفهاء أوباش الأقربين، ومن حزبهم من أراذل الأبعدين، فعدنا من كثرة الأعداء إلى منازلنا خائفين، نتوقع من البلية حلولها، فلا ندري متى يكون نزولها، من بغاة المتمردين، فكيف إذا خرجنا من أوطاننا مسافرين، وعلى هذا من أمرنا، فهلا عليكم ترك الاستماع لهؤلاء الهمج الرعاع (2)، إلى حد البيان، عملا بما جاء في محكم القرآن، قبل: {أن
تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا}، أن كنتم من المؤمنين {على ما فعلتم نادمين} (3)، وأن تقولوا: بلى، {فنعما هي} (4)، لأنها بكم أولى، لما بها من راحة وسلامة في
(1) الصف اليمني: عبارة عن الشعب اليمني، ومثله النزاري، وهما القحطانية والعدنانية
(2) الهمج الرعاع: الحمقى من الناس الذين لا خير فيهم لأنفسهم ولا لغيرهم؛ وفي الحشرات: الذباب والبعوض:
(3) سورة الحجرات: 6
(4) سورة البقرة: 271 (1/39)
صفحة 39
الآخرة والأولى، وإن قلتم: نعم، خلافا لربكم، فلا تجزي فيه الكتابة بالأقلام، عن الوصول بالأقدام، ولا شك أنها في مثل هذا بمثابة القول باللسان، تنوب منابها في حق من عرفها بالبيان، وقد اكتفي بها في ما هو أعظم من هذا الشأن، فإنا لا نقوى أن نكون حلفاء الطرق مشاتا، أو ركبانا طول الزمان، لما فيه من عناء ونصب، مع ما في ركوبه من خطر لقلة الأمان، وكثرة الرصد من بغاة أهل الإقرار بين البلدان، فأما إذا صرنا إليكم نازلين، فلا
نخشى أن يكون منكم لنا سوءا، ما دمنا في دياركم قائمين وإن أتاكم فأغراكم بنا أحد من المرجفين (1)، لكنا من العدو لا نأمن أن يسمع، فيرصدنا في الطريق، أو يعقبنا على الوطن، وربما يقع منه الضرر، في طول المدة في المال لوجوه عده، خصوصا أوان الزراعة وحصاد الثمار، لا سيما أيام نزول الأمطار، إذ لا يخفى ما في تأخيرها من
(1) الأرجاف: أقوال أهل الكذب والنفاق، مما يخوفون به أولياء الله، لإدخال الرعب عليهم (1/40)
صفحة 40
نقص أو فساد، إن هذا من أمرنا لهو أحد الموانع لنا، أو ليس هو من عذرنا، فلا تظنوا بنا فيه أنه لغنى عنكم، فإنه لا بد لنا منكم، إلا لعلم يوجبه أو يجيزه، وإلا فهو كذلك، وإن كاد أن يكون في غير واحدة من الأمور حقا، فلا، فقد يجوز في مواضع أن يحتمل الإصابة والخطأ صدقا، إلا وأن في كثرة اللجاج على الزيارة، من غير دعوة من المزور، مما تورثه في قلبه بغضاء أو كراهية، من إعتاده من غير حاجه، ولهذا قال النبي (): " زر غبا تزدد حبا "، فينبغي لمن أراد المزور بقاء حبه، أو المزيد منه في لبه، أن يعمل به، وأحسنه أن ينوي به لربه، فخذوا من نصحي لكم ما قد صح فلزم فرضا، أو جاز نفلا.
ولا تقبلوا من قولي إلا ما كان عدلا، وأنا أحق بمناصحة نفسي من غيرها، لما بها من شر موجب في كونه لوجود ضرها، لأنها أمارة بالسوء، فلا نجاة لها إلا (1/41)
صفحة 41
لمن نهاها، عن متابعة هواها، وطهر ما بها من دنس ثم سار بها طوعا أو كرها، طاهرة إلى مولاها، ولم يزل في توكله عليه لازما، لزمام تقواها في كل نفس، حتى تصل إليه على الرضى منه عنها، فترضى عنه بالذي تجده بعد حسابها، مما قد أعده لها من جزيل ثوابها، ولكني بالحق أقول: لكثرة ذنوبها، أنى لي بالفراغ من علاج عيوبها، وإني لا أدريه متى يكون، وإنما دعاني إلى ما كان مني لكم في هذا النصح، من أمر في رفق، أو نهي في غير خرق (1)، ما أتخوفه أن يقع، ما لا يمكن فيه أن يرقع، ولعسى في رتقه بالصلح قبل اتساع فتقه، أن يخمد الله نار الفتنة، فيبقى على حسده في أوار (2) كمده (3)، لا لطمع في نيل ما بأيديكم، ولا فرار لجزع من كون قدر فسبق، لعلمي بأنه قد جرى القلم من الملك الحق، لما هو
(1) الخرق (بضم أوله وإسكان ثانيه: الحمق وسوء التدبير، وضعف الرأي.
(2) الأوار (بضم الهمزة): الحر؛ ومنه: العطش؛ ويوم أوارات: يوم من أيام العرب من حروب الجاهلية:
(3) الكمد: حرقة في القلب (1/42)
صفحة 42
كائن إلى يوم القيامة في الخلق، فلا راد لأمره، ولا مبدل لكلماته، ولا معقب لحكمه، فلا بد من كون ما قد سبق في علمه بإذنه، أن سيكون في وقته وحينه، الذي به خص فلا نقص ولا مزيد، وإن رامه أحد من العبيد، فلا يكون إلا ما يريد، لأن له الأمر والحكم، فلا يصيبنا يوما بالجزم، إلا ما كتبه مولانا تعالى من خير أو شر، نفع أو ضر، وعليه توكلت وإليه أنيب، وما رابكم منى، أو جاءكم عني في تخمين (1)، من ضير (3) أو أشر (3)، فاعرضوه على الكتاب والسنة، والإجماع والأثر، وناظروا فيه أهل العلم
والبصر، فأن وافق ما فيها، أو جاز على رأي في النظر فهو الذي أردت، وما خالف الحق، فالله يعلمه أني ما تعمدت، فاعذروني على هذا من أمري، في موضع جواز عذري، وانصحوا لي، فأني للنصح قابل، وبعدله عامل.
(1) التخمين: الظن.
(2) الضير: الضر والضجر
(3) الأشر: المرح والبطر (1/43)
صفحة 43
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني فاضل
والسلام عليكم، وعلى ذويكم، من العبد المغتر بالآمال، الراجي رحمة ربه الكبير المتعال، الخائف من عذابه يوم المآل، فإن هلك فبئس عمله، وإن نجي فبرحمته الواسعة تعلق أمله، وأنا في توكلي عليه، أستغفره وأتوب إليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
تم بقلم الفقير الحقير، الذليل لمالكه العزيز، عبده حمد بن محمد بن مبارك آلبوسعيدي، كتبه لوالده الفقير لله محمد بن مبارك البوسعيدي، يوم 29 جمادى الآخرة 1267 هـ (1/44)
صفحة 44
وتم نقلها هنا، بعد تصحيح ألفاظها، وتفادى
أغلاطها، والتحري لما هو الأصح والأنسب للكلمات المحرفة، والحروف المصحفة، من أغلاط النساخ، وعدم ضبطهم للأصل المنسوخ منه، حسب الجهد الذي بذلناه، لنقل هذه الرسالة الكريمة، الصادرة من العلامة المحقق الشيخ الرئيس أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي، وقد تم عرضها على نسختين، وكلاهما في الأخطاء متشابه، وفي الأغلاط متماثلة، والحمد لله على ما وفقنا عليه، من الوصول إلى حقيقة ما هو المقصود والمأمول
من إبراز هذه النصيحة الجامعة للخير والإرشاد والموصلة إلى دار المعاد
والحمد لله رب العالمين (1/45)
صفحة 45
تمت بحمد الله (1/46)
صفحة 46
رقم الإيداع: 10/ 2002 (1/47)