صفحة 1
الكتاب: رسالة سُلَّم العامّة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدِّين
المؤلف: عبد الله بن يحيى الباروني النفوسي
الناشر: مطبعة النجاح، مصر، لصاحبها محمد حسين الترزي
تاريخ النشر: [د. ت.]
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) رسالة
سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف:
العلامة الهمام النحرير الإمام زهرة زمانه
الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني النفوسي
رضي الله تعالى عنه وأرضاه آمين
ألفه بطلب من الفاضل الحاج سليمان بن زيد اليفرني أحد وجهاء بلد تقربوست من جبل نفوسة وذلك في سنة 1290 تقريبا
محلاة ببعض كلمات كالحاشية لا تخلو من فائدة حررها ابن المؤلف حفظه الله
[هذه الحاشية لم ترقن]
حقوق الطبع محفوظة
طبع بمطبعة النجاح بمصر- لصاحبها محمد حسين الترزي
(بأول درب سعادة بجوار المحافظة) (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة و السلام على رسوله الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين و على آله و أصحابه الطاهرين. أما بعد:
فاعلم أيدنا الله وإياك بتوفيقه، و أرشدنا إلى معرفة الصواب من دينه وطريقه، إن المسلمين كانوا في حياة النبيء - صلى الله عليه وسلم - على رأي واحد لا خلاف بينهم في معتقدهم لوجوده - صلى الله عليه وسلم - بينهم يقلدونه في جميع نوازلهم، ولمشاهدتهم الوحي ونزول القرآن في بيان ما شكل عليهم ولما مات - صلى الله عليه وسلم - بقي المسلمون على ذلك ولم يقع بينهم خلاف إلا في بعض أمور اجتهادية، لا تعلق لها بالمسائل الإعتقادية، ولا توجب كفراً ولا إيماناً، ولا زيغاً ولا طغياناً، ثم صار الخلاف يتدرج شيئاً فشيئاً إلى آخر أيام الصحابة [رضوان الله عليهم] ومع ذلك لم تنزل عقائدهم وديانتهم واحدة لا خلاف بينهم فيها إلى أن ظهر رجل يقال له: معبد الجهيني، وآخر يقال له: غيلان الدمشقي، وآخر يقال له: بونس الاسواري، وخالفوا المسلمين في القدر ونسبوا فعالهم إلى قدرتهم ونفوا عنها قدرة الله تعالى فزاغوا بذلك وضلوا عن مسلك الحق، ولم يزل الخلاف يتدرج ويتشعب وكثرت الآراء والأقوال وعظمت الفتن والأهوال حتى تفرق أهل الإسلام وأصحاب المقالات إلى ثلاث وسبعين فرقة كما أخبر بذلك رسول هذه الأمة - عليه السلام - حزب قال أو كما قال، (1/2)
صفحة 3
افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة كلها هالكة ما خلا واحدة ناجية وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الفرقة (1) ويقول إن الحق بيده دون غيره وصار كل حزب بما لديهم فرحون، وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الفرقة الناجية، فقال: الذين يعملون بكتاب الله تعالى وسنتي.
فإذا فهمت هذا وانتقش في صحيفة ذهنك فاعلم أن أصحابنا وأئمتنا - رضي الله عنهم - هم المتمسكون بكتاب الله ورسوله، المقتفون آثار الصحابة العدول قد قادهم الإرشاد والتفوق فاخذوا على يمين الطريق آثار الصحابة وأسسوا قواعد مذهبهم على الصدق والتحقيق فبراهينهم عليه نيرة واضحة ولا دلائلهم على إثبات صحته مقبولة راجحة موافقة للكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح من هذه الأمة ولم يزالوا بحمد الله تعالى على المنهج القويم والصراط المستقيم يتوارثون دين الله خلفاً بعد خلف وطبقةً بعد
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/3)
صفحة 4
طبقة وجيلاً بعد جيل من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هلم جرا كما قال - عليه السلام - يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
فالغافلون هم: الصفرية والأزارقة ومن شايعهم فإنهم غلوا في دين الله وتعدوا حدوده وحكموا بأن المعاصي كلها شرك ومرتكب الكبيرة كافر كفر شرك يحل دمه وماله وسبي ذريته وكفروا بعض الصحابة الراشدين - رضي الله عنهم - إلى غير ذلك من قبائحهم.
وأما المبطلون فهم: المشبهة والمجسمة ومن وافقهم فقد شبهوا الله تعالى بخلقه ووصفوه بكونه جسماً فأبطلوه بذلك جل وعلا، وكذلك المرجية فإنهم قالوا أن المعاصي لا تضر مع الإقرار بالتوحيد فأبطلوا بذلك فائدة الحلال والحرام والأمر والنهي والوعد والوعيد.
وأما الجاهلون فهم المتأولون لكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - على غير تأويلها.
وأصحابنا - رضي الله عنهم - قد سلموا من هذه الزلات ونزهوا دين الله عن هذه الهفوات فصدق عليهم الحديث المنقول وثبت بذلك أنهم القادة العدول المصدقون في كل فعل وقول مما جاء عن الله والرسول فلذلك صدقنا أخبارهم واقتفينا آثارهم وعلمنا أنهم هم الحاملون لهذا الدين المشيدون له على أساس الصحة واليقين أماتنا الله على منهاجهم موفقين لا مبدلين ولا مغيرين بجاه خاتم النيئين [صلى الله عليه وعليهم أجمعين].
وإذا قد ذكرنا أصل الاختلاف الواقع بين المسلمين فلنرجع إلى ما قصدناه من تسمية أئمتنا ومشايخنا المهتدين الذين أخذنا عنهم هذا الدين وصاروا وسيلة لنا إلى رب العالمين فنقول وبالله التوفيق.
اعلم وفقنا الله وإياك لمرضاته أن سلفنا وقدوتنا وعمدتنا وإمام مذهبنا (1/4)
صفحة 5
ووسيلتنا إلى ربنا بعد رسوله الصادق الأمين، وأصحابه الأئمة الراشدين [صلى الله وعليهم أجمعين]، هو الإمام الماهر، والبحر الزاخر عمدة كل مريد أبو الشعثاء جابر بن زيد - رضي الله عنه - البصري العماني من التابعين أخذ العلم عن ابن عباس ابن عم النبيء - عليه السلام - وغيره من الصحابة كما قال [رحمه الله تعالى]:اجتمعت بسبعين رجلاً من الصحابة فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر الزاخر يعني ابن عباس وسماه: بحراً لغزارة علمه وكثرته فلذلك لم يحط بما عنده من العلم.
قال في كتاب السير عند التعريف به وكان جابر اعلم الناس واعبد الناس ولذلك قال ابن عباس جابر بن زيد اعلم الناس. وقال أيضا: عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد ولو قصدوا نحوه لوسعهم علمه، وذكر أبو طالب مكي في كتاب قوت القلوب أن ابن عباس قال: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله من بالمشرق والمغرب لوسعهم علمه. وقال إياس بن معاوية - رضي الله عنه - رأيت البصرة وما فيها نفت غير جابر بن زيد مع أن البصرة مملوءة يومئذ بالفقهاء. وعن الحصين بن حيان قال سمعت ابن عباس في المسجد الحرام يقول: جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق. وعنه أيضا لما مات أعلم من على ظهر الأرض. أو قال مات خير أهل الأرض. وله كرامات وفضائل تطلب من المطولات. (1) وكان رحمه الله في القرن الأول مع كثيرين ممن كانوا على طريقته من فحول العلماء
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/5)
صفحة 6
ورجال الدين كإمام عبد الله ابن أباض وأبي بلال مرداس بن حدير وأخيه عروة وغيرهم ممن لهم ذكر وفضائل في التواريخ الكبيرة - رضي الله عنهم -.
ولادته
وكانت ولادته رحمه الله في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لسنتين بقيتا منها وذلك أن سيدنا عمر مات في ثلاث وعشرين من الهجرة فتكون ولادة جابر في إحدى وعشرين منها
وفاته
ومات رحمه الله سنة ست وتسعين من الهجرة بعد أن أخذ عنه العلم ناس كثيرون واستضاء بنوره رجال موفقون من جملتهم ذلك الإمام المحقق الزاهد معدن الحكم والمعارف أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وغيره ممن يكثر تعدادهم (1) ثم صار أبو عبيدة قائدا في الدين وإماما للمسلمين يرجعون إليه في المهمات ويقصدونه في إيضاح المشكلات تشد إليه المطايا من كل فج
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/6)
صفحة 7
عميق لطلب العلوم واستفادة التحقيق كان معاصر الإمام أبي حنيفة ومالك قبل اشتهار مذهبيهما في الممالك أخذ عنه جماعة فاقوا وفي مضمار العلوم تسابقوا منهم حملة العلم إلى وسط جزيرة العرب وعمان والمغرب المجددون فيها لهذا المذهب حتى عرف واشتهر وقوي أهله وظهر فناصبوا من حادثهم وحاربوا من ضادهم وساعدهم بعون الله سابق المقدور حتى رقوا من حضيض الخفاء إلى ذروة الظهور.
وها أنا أذكر لك سبب ظهور هذا المذهب وانتشاره في أرض المغرب.
ظهور المذهب في المغرب:
وذلك أن خمسة أنفار متفرقي البلاد والديار وهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري من اليمن وعبد الرحمان بن رستم الفارسي وإسماعيل بن درار من غدامس (1) وأبو داوود القبلي من نفزاوة (2) وعاصم السدراتي (3) هؤلاء دعاهم داعي الفلاح والفتوح فأجابوه إلى طلب العلم الممدوح وسار كل واحد منهم إلى ما هو إليه مشتاق
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن] (1/7)
صفحة 8
وفارق الأهل والأوطان والرفاق وقطعوا الفيافي إلى أرض العراق وقصدوا أبا عبيدة بن أبي كريمة بمدينة البصرة التي كان قدوم إليها سببا للتأيد والنصرة فجمعهم عنده سابق القضاء والقدر ومكثوا يتعلمون العلوم حين من الدهر فلما قضى منها وطرهم وبغيتهم وأخذوا مما راموه غرضهم وأمنيتهم وأرادوا التوجه إلى بلادهم وأوطانهم والانضمام إلى طارفهم و تلادهم استشاروا أبا عبيدة رضي الله عنه في عقد إمامة الظهور لواحد منهم ليحكم بينهم بالسنة والكتاب وما عليه السلف الصالح وذلك إذا بلغوا أوطانهم وأنسوا قوة في أنفسهم فأنعم لهم بذلك وأجاب وقال أن كان ولا بد فعليكم بهذا وأشار إلى أبي الخطاب فإن أبى فاقتلوه إن توفرت الأسباب وروي أنه حين عزموا على التوجه والسفر خرج أبو عبيدة لتشييعهم ووادعهم طلبا للأجر ونفيا للأنفة والكبر ولما وضع رجلا واحدة في الركاب اندفع إسماعيل بن درار يسأله عن مشكلات المسائل ويطلب الجواب فما لوى رجله الثانية إلى الركاب الآخر حتى سأله عن ثلاثمائة مسألة من الأحكام فقال له الشيخ معجبا باستحضاره أردت أن تكون يا ابن درار قاضيا للإسلام فقال له وما الذي تراه أن ابتلاني الله بذلك أيها الإمام.
وصولهم إلى طرابلس:
ولما بلغوا مدينة طرابلس وكانت إذ ذاك عامرة بإخوانهم وفيهم العلماء و أرباب الحيثيات والتجار وأهل الفضل والدين مكثوا مدة حتى جمعوا أمرهم وتشاوروا مع من كان فيها من أهل الرأي من إخوانهم (1/8)
صفحة 9
والتمسوا الفرصة في عقد الإمامة على وجه يكون عاقبته الظفر والسلامة فتواعدوا للاجتماع خارج البلاد بموضع غربي من المدينة يقال له صياد وأظفروا أنهم مجتمعون في شأن أرض وقع فيها خصام ليقسموها على وجه يوافق المرام فلما خرجوا إلى الموضع المشار إليه أعلنوا بالأمر الذي عزموا عليه وعرضوا الإمامة أولا على عبد الرحمان فامتنع من قبولها في دلك الألوان ثم عطفوا بها إلى أبي الخطاب عبد الأعلى وقالوا له أبسط يدك لنبايعك على أن تحكم بيننا بالسنة والكتاب وما عليه رجال الدين و أولوا الألباب فقال لهم يا قوم ما لهدا الأمر خرجنا ولا لأجله اجتمعنا وكان غير عالم بمرادهم (1) إلا ما أظهروه من شأن قسمة أرضهم فقالوا لا سبيل إلى الامتناع أبسط يدك نبايعك على أن يطاع الله ورسوله وتطاع فلما رأى أنهم مجدون في توليته وعلم أنه لا سبيل إلى تركه أجابهم إلى ما طلبوه و ساعفهم فيما رغبوه وقيل عند دلك بيعهم بعد شروط اشتراطها عليهم ولما تم أمرهم وانتهى دخلوا المدينة على حين غفلة من أهلها وأخرجوا عاملها بالأمان و الشراح وتولى أبو الخطاب مكانه واستراح وحكم طرابلس ونواحيها وتوجه إلى القيروان وما يليها واستعمل عبد الرحمان بن عاملا عليها ومكث في الخلافة ما شاء الله أن يليها ثم قتل شهيدا رحمه الله عليه ببلدة في شرق طرابلس تسمى تورغا (2) في أربعة عشر ألفا من أصحابه وكانت ولايته في القرن الثاني عام أربعين ومائة
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/9)
صفحة 10
وكان له بطرابلس مسجد ومنبر جمعه وله فضائل وأخبار يطول ذكرها ومن أرادها فعليه بكتاب السير للشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي رحمه الله.
إمامة أبي حاتم رضي الله عنه:
ثم عقد المسلمون الإمامة (1) بعده للولي الصالح أبي حاتم يعقوب ابن لبيب الملزوزي ودالك في رجب عام 154 أربعة وخمسين ومائة فتولى أعمال طرابلس و قابس والقيروان وما يليها وكانت له حروب ومقالات كثيرة يطول شرحها أنها ها المؤرخون إلى فا فوق ثلاثمائة وخمسين مقاتلة منها وقعت مغمداس في الشرق طرابلس على مسافة ثمانية أيام منها لاقى فيه أبو حاتم عسكر المسودة (2) فهز منهم وقتل منهم ستة عشر ألفا وهذه الواقعة يعدونها ثارا لوقعة أبي الخطاب التي مات فيها ولذلك ذكروا أن رجلا من الجند ناقش رجلا من أصحابنا وقال له مفتخرا عليه ما تفسير تورغا يشير إلى قلتهم الإمام أبا الخطاب ومن معه فأجابه صاحبنا بأن تفسيرها مغمداس فيها أربعة أكداس في
__________
(1) الظاهر كما ذكر في غير هدا أنه أمام دفاع بمعنى أنه يكون إماما إدا كان حرب و إدا انقطع يكون كواحد من الناس لا إمام بيعة ولنا في هدا المقام كلام في الأزهار
(2) المسودة هم بنو العباس لأن شعارهم لباس الأسود وتسموا من دلك الوقت يهدا الاسم وأرى كثير من الدين يقرءون السير يستغربون هدا اللفظ ولا يدركون له معنى. (1/10)
صفحة 11
كل كدس أربعة آلاف يشير إلى الوقعة المذكورة فسكت الجندي وبهت وكان صاحبنا حاذقا نبيها أذبادر بهذا الجواب القاطع المسكت للخصم ومكث أبو حاتم في الخلافة ما شاء الله ثم قتل شهيدا رحمه الله عليه ودفن هو ومن معه من الشهداء بموضع يقال له جنبي قرب جبل ككله وقبره هناك مشهور يزار إلى يومنا هذا (1) وشهد العرب المجاورون له النور على قبره مرارا وما ارتفع إلا بعد أن دفن في حريمه أعرابي مات بالقرب منه.
وذكر المؤرخون أنه اجتمع لأبي حاتم من المجموع مالم يجتمع لأحد من أهل مذهبه قبله إذ بلغ عسكره ثلاثمائة ألف وثلاثين أو خمسين ألفا ولما مات رحمه الله انتقلت الإمامة إلى أرض المغرب بمدينة تاهرت (2) التي بناها عبد الرحمان بن رستم الفارسي ومن معه حين خرجوا من القيروان بعد موت
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/11)
صفحة 12
أبي الخطاب وقد رأيت في بعض كتب غيرنا أن عبد الرحمان بناها قبل مدين فأس بخمسين سنة.
ــــــــــــ
إمامة عبد الرحمان رضي الله عنه.
ثم عقد المسلمون الإمامة لعبد الرحمان بن رستم بالمدينة المذكورة عام 160 سنيين ومائة من الهجرة فاستقامت له الأمور ولم يخالف عليه أحد من المسلمين ورضي عنه أهل المذهب كلهم من كان بالمشرق و المغرب ومكث في الخلافة ما شاء الله ومات رحمه الله عليه.
ــــــــــــ
إمامة عبد الوهاب رضي الله عنه:
ثم عقد المسلمون الإمامة لابنه عبد الوهاب وهو الذي ينسب إليه المذهب فيقال وهي وقيل النسبة إلى الإمام عبد بن وهب وهو أقرب وأما قولنا أباضي فنسبه إلى الإمام عبد الله بن أباض التميمي وكان من أكابر المجتهدين في المذهب معاصرا للإمام جابر رضي الله عنهما وكانت ولايته الإمام عبد الوهاب في عشرة الستين من المائة الثانية (1) وانتشر حكمه بتيهرت ونواحيها إلى جبل نفوسة ثم بعد مدة قدم إلى الجبل المذكور وأقام به سبع سنين وفي أثناء ذالك وقعت مخالفة بين هوارة من أهل المذهب وبين عامل طرابلس من قبل بني الأغلب فخرج إليهم الجند من طرابلس إلى وادي
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/12)
صفحة 13
الرمل وهو غير بعيد عن طرابلس واقتتلوا هناك فانهزم الجند واتبعته هوارة إلى المدينة فخرج منها هاربا إلى إبراهيم بن الأغلب بإفريقيا ولما بلغه وجه إلى طرابلس ابنه عبد الله في ثلاثة عشر ألف فارس فقاتل هوارة.
ــــــــــــ
محاصرة الإمام عبد الوهاب لطرابلس:
ولما بلغ الخبر إلى الإمام واستغاثوا ثوابه وهو بالجبل سار بعسكره حتى بلغ طرابلس وفيها عبد الله المذكور وحاصرها حصارا شديدا وسد عبد الله باب زناته وصار يقاتل من باب هوارة وأقام الإمام عليها زمانا محاصرا لها وهناك مات الشيخ مهدي النفوسي وكان عالما كبيرا متكلما (1) لا يغلبه أحد من علماء الفرق والمذاهب في المناظرة تقرير الدليل خرج هذا الشيخ من العسكر وتباعد فأبصروه من المدينة منفردا فسبحوا له في البحر و مكسوه وقطعوا رأسه ووضعوه على سور المدينة فإذا قالوا له انهزم أصحابك انقبض وجهه وتبسم كذا في السير وكانت محاصرة الإمام لها سنة 196 ست وتسعين ومائة من الهجرة ولما طال الحصار على أهل المدينة وضاق بهم الحال ولم يجد الإمام حيلة يدخل بها المدينة اصطحبوا على أن تكون المدينة والبحر لعاملها وما كان خارج المدينة إلى أرض سرت كله للإمام عبد الوهاب وأرسل قطفان بن سلمة الزواغي إلى قابس فاستولى عليها وعلى ما كان خارجا عنها من جبال مطماطة و زنزفة ودمر وجزيرة
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/13)
صفحة 14
جربة (1) واستعمل على حوزة طرابلس وزير السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى الإمام المتقدم ذكره.
رجوع الإمام من الجبل إلى تيهرت:
ثم ارتحل رضي الله عنه متوجها إلى تيهرت فكانت أيامه بعد ذلك في سكون واعتدال (2) ودانت له الأمور الجور والفساد وأرسل عماله في جميع رعيته بجهات تيهرت و قصطالية (3) وطرابلس إلى نهاية سرت وهي آخر حوزة طرابلس ومكث في الخلافة ما شاء الله.
ـــــــــــ
إمامة أفلح رضي الله عنه:
ولما مات تولى الإمامة ابنه أفلح فبسط العدل في الرعية وسار فيهم سيرة مرضية واستقامت له الأمور ومكث في الخلافة ستين سنة ولما مات تولى ابنه أبو بكر فلم يستقم له الأمر.
ـــــــــــ
إمامة محمد بن أفلح رضي الله عنه:
فبايعوا أخاه محمدا بن أفلح فبلغ في الفضل والعدل مبلغا عظيما وكانوا يشبهون ولايته بولاية جده عبد الرحمان لأنه لم يكن في توليته اختلاف
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن] (1/14)
صفحة 15
(1) وكانت نفوسة تجعل داره كالمسجد يسهرون حوله ولا يتكلمون بكلام الدنيا بل طائفة تقرأ القرآن وطائفة تصلي وطائفة تتحدث في فنون العلم منزلة لا تضاهى وله مؤلفات كثيرة في الرد على أصحاب الفرق والمذاهب الأخرى وألف في الاستطاعة وحدها أربعين كتابا وعمره نحو مائة سنة ومكث في الخلافة أربعين سنة ومات عام واحد وثمانين ومائتين من الهجرة.
ـــــــــــ
إمامة أبي حاتم يوسف رضي الله عنه:
ولما مات تولى ابنه يوسف فدنت له الأمور ولم ينقم عليه أحد من رعيته في شيء (2) ومكث في الخلافة أربعة عشر عاما و به انتهت إمامة الفرس بتيهرت وكانت مدتهم في الخلافة من الإمام عبد الرحمان إلى الإمام يوسف المذكور مائة وخمسين سنة وزيادة (3) وقد بلغت هذه الأئمة بمدينة تيهرت من العلم والأدب والفضل والعدل المقام السامي حتى قال البعض منهم معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعرف القمر في أية منزلة هو في كل ليلة وذكروا أن الإمام عبد الوهاب وردت عليه خزانة (4) كتب من المشرق فشمر لمطالعتها ولما
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن]
(4) [هامش لم يرقن] (1/15)
صفحة 16
فرغ منها قال الحمد لله الذي أغاني عن الاستفادة منها كل الذي فيها عندي إلا ثلاث مسائل ولو سألت عنها لأجبت فيها قياسا كما هي في الكتاب وروي أن ابنه أفلح قعد عليه سبع حلق يتعلمون عنه فنون العلم قبل أن يبلغ الحلم وقعد ذات يوم مع أخته يتذاكران في أول ما يذبح في السوق في غد يومهما فنظر أفلح فقال أول ما يذبح بقرة صفراء في بطنها عجل أغر ونظرت أخته وإنما هو بياض في رأس ذنبه وانقلب إلى جبهته فكان الأمر كما قالت وذكروا عنه أنه لم يعد خطبة قط بل كلما جاءت جمعة أتى لها بخطبة جديدة (1) وكذالك الأعياد وبالجملة فقد بلغوا في سائر العلوم مقاما لا يوصف ولهم بعلم الحساب والتنجيم علم عظيم ولقد صدق عليهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو تعلق الدين بالثريا لناله رجال من الفرس وروى أنه لما نزل قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.}.
أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سليمان الفارسي وكان جالسا بين يديه وقال لعلهم يكونون من رهط هذا يعني من قومه وذكر في كتاب الحديث أنن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-قال (إن لله كنزا
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/16)
صفحة 17
ليس من ذهب ولا فضة من ظهور أبناء فارس وذكر ابن دأب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشى ذات مرة مع المغيرة بن شعبه وكان المغيرة أعور فقال له عمر هل أبصرت بعينك هذه شيئا يا مغيرة فقال له نعم يا أمير المؤمنين فقال عمر ثم أعورت فقال المغيرة نعم فقال له عمر ليعورن الإسلام كما أعورت ثم ليعمن حتى لا يبصر من له ولا من عليه فإذا أتى عليه مائة سنة وستون سنة رد الله عليه سمعه وبصره بوفد ملوك طيبة أرواحهم صالحة أعمالهم فقال له المغيرة من أي ماء يا أمير المؤمنين أمن ماء الحجاز أم من ماء العراق أم من ماء الشام فتولى عنه عمر وتركه، ونحن نرجو إن شاء الله تعالى أن تكون هذا الأثر وما قبله في حق ايمتنا الفرس لأن ولايتهم كانت على رأس ستين ومائة كما ذكرناه سابقا و أخبارهم وفضائلهم كثيرة شهيرة مسطورة في الكتب ليس هذا محل ذكرها ومن أراد الوقوف عليها فعليه بكتب السير فإنه يظفر بمراده ويرى ما يسره إن شاء الله, وفي دولتهم وأيامهم كثر العلماء والعباد والزهاد وانتشر المذهب بأرض المغرب حتى كان ميسرا ثلاثة أشهر على ما وجدته في بعض التواريخ وفي أيام الإمام يوسف الذي هو آخرهم إمامة صارت وقعة مانو (1) التي قل فيها حد سيوف نفوسة وضعفوا وذلك أن نفوسة في دولة هذه الأئمة بلغت في التقى والعدل والعلم حدا غريبا لم يبلغه غيرهم في أرض المغرب حتى كاد يكون حاكية كاذبا أو مبالغا, وامتلأ هذا الجبل في أيامهم كالرمانة حتى عدوا في عصر واحد اثني عشر شيخا مستجابي الدعاء وهم: أبو مرداس مهاصر التبرستي وأبو المنيب محمد بن يانس الدركلي وأبو عامر التصراري وأبو الحسن
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/17)
صفحة 18
الابدلاني وما طوس بن ماطوس الشروسي وأبو مهاصر موسى بن جعفر من أهل افطمان وهؤلاء من الناحية الغربية من جبل نفوسة ويقال لهم أهل امنج (1) وأما ناحية جادوا ففيها أبو زكريا التوكيتي وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني وأبو زيد المصغورتي
وأبو يحي تسكينت التارديتي وأبو الشعثاء السنتوتي وأبو يحي الأصغوي رضوان الله عليهم أجمعين أمين.
وبلغنا (2) أن نفوسة كانوا في كثرة زائدة وجموع طافحة يعدون خيلهم بتسعة وتسعين ألف فارس وأما الرجال فمما لم يحصر عدده وكانوا أكثر الناس حجا بالنساء و البنيين.
وذكر المؤرخون أنه ولد في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر غير الإناث وشاعت أخبارهم في كل مكان حتى هابهم من بالمشرق والمغرب وكذلك
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/18)
صفحة 19
مزاتة بأرض المغرب من أهل المذهب كانوا في جموع كثيرة وقوة عظيمة أموالا ورجالا وكانوا يعدون جيشهم باثني عشر ألف فارس ولهم من الرجال ما ملأ البطاح ولذالك قال الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه ما قام هذا الدين إلا بسيوف نفوسة وأموال مزاتة.
ـــــــــــ
وقعة مانو
ثم تحرك إبراهيم بن أحمد من بني الأغلب في آخر القرن الثالث يريد طرابلس الغرب (1) فعارضته نفوسة ومن معهم في جموع كثيرة بموضع يقال له مانو وهو قصر من قصور الأولين على ساحل البحر ومنعوه من الجوار إلى ما يريده فاقتتلوا قتالا شديدا لم يروا مثله في ذلك الزمان في ذلك الزمان حتى صارت الرجال تنهدم بين الصفين كالحيطان وترامي بعضهم في البحر وماتوا فيه حتى غلبت حمرة الدم على الماء وذكروا أنه مات في تلك الوقعة اثنا عشر ألفا من نفوسة ومن معهم ومات منهم من العلماء أربعمائة عالم وأخذوا من ناحية تيجي (2) ثمانين عالما ثم قتلوهم صبرا فكانت فلة وثلمة في الإسلام توجب الأسف العظيم (3).
وبلغنا أن الصفين لما افترقا ودخل الليل جاء رجل من عسكر ابن
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن] (1/19)
صفحة 20
الأغلب ليأخذ أخا له قد مات في المعركة فدخل بين القتلى ورفع أخاه على دابة فنظر فرأى حيوانا على صورة كلب الصيد المعروف عندنا بالسلوقي يدور في القتلى وهو يقول كبروا أهل الجنة فكبر قتلى نفوسة ومن معهم ثم قال انبحوا يا كلاب النار فنبح قتلى بني الأغلب ونبح أخوه بين يديه على الدابة فرمى به إلى الأرض وذهب ذكر الحكاية الشماخي وغيره.
ثم ابتلى الله إبراهيم بن أحمد بأن تغير عقله وفسد طبعه ومزاجه وساءت حالته وشرع في قتل أصحابه وأولاده وبناته وكتابه وحجابه وقواده وأسرف في ذالك وفعل أفعالا قبيحة لا تصدر إلا من المجانين والعياذ بالله (1) ليس هذا محل ذكرها وبعد ذلك مات الإمام يوسف بن محمد غدر به بنوا أبي اليقظان بتيهرت فقتلوه وانقرضت الإمامة العظمى من أهل هذا المذهب وانقطعت الحوزات وانفرد كل أهل حوزة بأنفسهم يقدمون عليهم حاكما منهم يسندون إليه أمورهم ويؤدون له حقوقهم ليضعها في مواضعها الشرعية (2) ودام الحال على ذالك حينا من الدهر والمذهب منتشر في البلاد المغربية
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/20)
صفحة 21
وأقطارها حتى وصل بلاد السودان.
سبب دخول الإسلام
السودان الغرب غانة وما حولها
ذكر المؤرخون (1) أن دخل الإسلام مدينة غانة وما يليها من بلاد السودان كان على يد الرحالة العالم التاجر الشيخ علي بن يخلف النفوسي التميجاري (2) وذالك أنه سافر إلى دواخل غانة تاجرا سنة 575 فأقام بها وصار له
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/21)
صفحة 22
مكان وقبول عند سلطانها وكان السلطان عظيما في ملكه تحته اثنا عشر معدنا يستخرج منها التبر (1) ووقع القحط ببلادهم فاشتكت الرعية للسلطان وذالك بمدينة مالي فقربوا لأصنامهم الذبائح واستغاثوا بها فلم يغنهم ذلك شيئا وكان الشيخ على جناح السفر إلى وطنه فقال له السلطان قد دعونا آلهتنا فلم تنفعنا بشيء فادع لنا إلهك الذي تعبده أنت لعله يفيدنا فقال له لا يجوز لي ذالك (6) لأنكم تنكرون ألوهيته وتعبدون غيره فلان جانب السلطان واستفهم عن الدين الإسلامي فأنار له الشيخ الطريق وفهمه بمبادىء الإسلام فاستحسنه بما قرره الشيخ له من مزايا الإسلام.
فاعتنقه في الحال وخرج هو والشيخ إلى كدية خارج المدينة وصار الشيخ يدعوا وهو يؤمن عليه والشيخ يصلي وهو يتبعه وكان ذلك ليلا فما أصبح الصبح حتى هطلت الأمطار بقوة لا تدرك وحال السيل بينهما وبين المدينة وما دخلا إلا في سفينة مع النيل ودام المطر على ذلك الحال سبعة أيام بلياليها فازداد السلطان إذ رأى ذلك رسوخا في الإيمان ودعا أهل بيته وأتباعه ووزراءه
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/22)
صفحة 23
إلى الإسلام فأجابوه ثم دعا أهل المدينة ومن كان قريبا منها فأجابوه أيضا وامتنع من كان بعيدا وقالوا للسلطان مالك علينا إلا الطاعة وأما الدين فكل يعبد ما شاء فاشترط السلطان على من لم يقبل الإسلام أن لا يدخل المدينة وإن دخلها يقتل (1) قبلوا منه ذلك وشرع الشيخ في تعليمهم قواعد الدين وفرائضه والقرآن إلى أن ورد عليه من والده جواب تحريضا على القدوم وعدم الإذن في البقاء هناك بعد وصول الجواب إليه وإذا لم يجد بدا من إجابة والد ارتحل بعد أن عاتبه السلطان على تركه إياهم بعد اهتدائهم ولما أعلمه بوجوب طاعة الوالدين وما لهما من الحقوق في الدين الإسلامي إذن له في السفر وبعد زمن طويل رجعوا إلى مذهب المالكية وقد أخبرني بعض من يحترف بالتجارة إلى السودان من عرب فزان أن في السودان قوما مذهبهم يخالف مذهب المالكية ثم بعد مدة اجتمعت في بعض أسفاري بمغربي ساح في الأرض شرقا وغربا وصار يحدثني بما رآه من البلاد وأسأله عما أجهله منها إلى أن بلغ به الحديث إلى ذكر السودان فقال إن فيه قوما مذهبهم كمذهب بني ميزاب وأنهم لا يرفعون أيديهم في الصلاة عند تكبيرة الإحرام فرأيت من كلامه ما يؤيد كلام الفزاني ولعلهم بقية ممن ذكرنا والله أعلم بالحقائق (2) وإنما ذكرت لك هذه الحكاية لتعلم أن مذهبنا كان في الأزمنة السابقة منتشرا
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/23)
صفحة 24
بصورة تكيفها أهل البصائر بتوفيق الله حتى بلغ إلى الحد المذكور وذكر أيضا في كتاب السير أن بلدة يقال لها تجديت قبالة وادي أريغ (1) بناحية المغرب فد اجتمع فيها من أهل العلم والأدب والفضل والعبادة والسيادة مالم يجتمع في غيرها من الطلبة ثمانين توأما ومائتي طالب يحفظون مائتي كتاب وغيرهم من الطلبة ما يعد بكثرة وفيها مائة علن لا يرد أحدهم مسألة إلى الآخر إلا من جهة الأدب ويحضر الصلاة (2) ثلاثمائة فارس ولكثرة الناس طالما نفرت الدواب (3) من مرابضها إذ كبروا تكبيرة الإحرام وكان العلماء في ذلك الوقت يطوفون ويقولون ويتجولون في القرى والبوادي يذكرون ويعلمون العامة أمور دينهم (4) ويحبون السيرة في كل ناحية إلى أن دخلت العرب أرض المغرب في القرن الخامس على وما وجدته في بعض التواريخ (5) وكثر الهرج والنصب والغارات وعم الفساد وعام الأمر في الأدبار حتى انقطعت تلك السير والآثار
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن]
(4) [هامش لم يرقن]
(5) [هامش لم يرقن] (1/24)
صفحة 25
وصار الأمر إلى ما نحن فيه الآن سنة الله التي فد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا وتلك الأيام نداولها بين الناس
إذا تم شيء بدا نقصه ترقب زوالا إذا قيل تم
ولكن لله الحمد على أفضاله حيث كان وجود مذهبنا في نضارة الإسلام وبهجته وانتشاره في كل ذلك الزمان مع ما تجشمه من الصعوبات ومكائد أهل الفساد لا كوجود المذاهب الأخرى الناشئة في نحول الإسلام وذبوله وانتشارها في عجز الزمان وذيله قال عليه السلام خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم أو كما قال (1) فلا يوحشنك أيها الأخ غربة مذهبك في الزمان فإن في اشتهاره في تلك الأزمنة التي مدحها سيد ولد آدم عليه السلام ما يكفي دليلا على صحته ولا يضره قلة أتباعه في هذا الأوان فإن الله تعالى مدح القليل في كتابه العزيز فقال: «لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث».وقال: «إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات وقليل ما هم».وقال: «وقليل من عبادي الشكور». إلى غير ذلك من الآيات وقال عليه السلام: «سيأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر». وقال: «طوبى للغرباء فقيل له يا رسول الله ومن الغرباء فقال ناس قليلون صالحون في ناس كثيرين من يبغضهم أكثر ممن يحبهم».وفي رواية أخرى:
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/25)
صفحة 26
«هم الذين يصلحون أنفسهم عند فساد الناس». أو كما قال جعلنا الله وإياك ممن أصلح فساده عند الفساد ووطنها على عبادة الله تعالى بالإخلاص والسداد إن رؤوف كريم جواد هذا وقد آتينا بذكر خلفائنا وأئمتنا من أهل المغرب المشدين لهذا المذهب وتركنا ذكر الحكام الذين كانوا بعدهم وذلك لكثرتهم وعدم ظبطنا لجمعهم ولئلا يطول الكلام بهم (1) ولا بأس أن نذكر لك بعض أئمتنا من أهل المشرق تتميما للفائدة فنقول والله المستعان.
ــــــــ
أئمة الشرق:
اعلم أن من أئمتنا بالمشرق الإمام أبا يحي عبد الله بن يحي بن عمرو بن الأسود بن عبد الله بن الحارث بن معاوية بن الحارث الخضرمي الكندي (2) ومن أصحابه أبو حمزة المختار بن عوف بن سليمان بن مالك بن فهر الأزدي البصري و بلج بن عقبة الأزدي البصري وأبو علي بن الحصين العنبري البصري ويحي بن حرب و أبرهة بن علي اليمني وأبو بكر بن محمد القرشي وغيرهم.
الإمام أبو يحي
أما أبو يحي فقد قام باليمن في القرن الثاني عام129تسعة وعشرون و مائة في زمان أبي عبيدة رضي الله عنه وسبب قيامه هو أنه لما تحكمت الملوك الظالمة بتلك النواحي وأظهروا الجور والفساد وعمت المناكر في البلاد
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/26)
صفحة 27
وعطلت الحدود وفشت القبائح ضج أهل البصائر لذلك وفزعوا إلى أبي يحي وهو يومئذ بحضرموت قاضيا وطلبوه إلى الخارج احتسابا لله وغضبا لدينه والقيام بإصلاح الفساد وقمع أهل الجور والعناد فكاتب أبو يحي بذلك أبا عبيدة بالبصرة فأجابه وقال له إن استطعت فلا تتأخر يوما واحدا وبعث إليه من البصرة أبا حمزة المختار بن عفو في نفر منهم بلج ابن عقبة وكان يعدونه بألف مقاتل لشجاعته ولذلك قال أبو عبيدة لأبي يحي في ألف وستمائة ولاقاه عامل اليمن في ثلاثين ألفا فاقتتلوا ونصر الله أبا يحي وانهزم عامل اليمن وخرج هاربا وخلص اليمن وحضرموت لأبي يحي فبسط العدل في البلاد وقمع أهل الجور والفساد ولما حضر موسم الحج بعث أبا حمزة و بلجا و أبرهة ومن معهم إلى أرض تهامة وهي مكة وجدوا العامل بها على الحاج رجلا اسمه عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فمشت الرسل بينه وبين أبي حمزة رضي الله عنه وتواعد على عدم القتال حتى يفرغ الناس من الحج ثم أقام الحج للناس عبد الواحد وأقام أبو حمزة بأصحابه فلما قضوا مناسكهم قرب عبد الواحد رواحله وخرج هاربا حتى بلغ المدينة ولذلك قال القائل:
وافى الحجيج جماعة قد وافقوا ... دين النبىء ففر عبد الواحد
ترك القتال وما به من علة ... إلا الوهون وعرقه من خالد
ترك المحارم و الكرائم وانتحى ... للحال يخبط كالبعير الشارد (1/27)
صفحة 28
دخول أبي حمزة مكة المكرمة
ودخل أبو حمزة مكة واستولى عليها وخطب بها خطبا (1) ومكث فيها ما شاء الله فلما وصل عبد الواحد المدينة في هروبه ذلك استنفر أهله وأمرهم بالخروج لقتال أبي حمزة وشدد عليهم في ذلك فاجتمعوا واستعمل عليهم رجلا يقال له عبد العزيز بن عبد الله وخرجوا حتى نزلوا موضعا يقال له قديد وهو بين مكة والمدينة ولما بلغ أبا حمزة خروج الجيش إليه وهو بمكة خرج إليهم وعلى مقدمة جيشه بلج واستعمل أبرهة على مكة وسار حتى بلغ قديدا وهو على مسيرة ثلاثة أيام من مكة وكان ذلك غداة يوم الخميس لتسعة أيام مضت من شهر صفر سنة ثلاثين ومائة103 وبينما عبد العزيز وأصحابه بالموضع المذكور إذ أشرف عليهم أبو حمزة وجنوده من رأس الثنية فقام أبو حمزة خطيبا بين الفريقين وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد عليه السلام ودعاهم إلى ترك القتال فأبوا إلا المناصبة والمحاربة ثم اقتتلوا وانهزم أهل المدينة ومات رئيسهم عبد العزيز ولما بلغ خبر الهزيمة عبد الواحد وهو بالمدينة خرج هاربا إلى الشام ودخل أبو حمزة رضي الله عنه المدينة لسبعة عشر يوما من صفر ومكث فيها ما شاء الله وخطب في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - خطبا عديدة عجيبة (2) وكان الإمام مالك إمام المالكية يومئذ موجودا حاضرا وعمره خمسة وثلاثون سنة ولم يظهر له ذكر ولا مذهب
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/28)
صفحة 29
في ذلك الوقت وهو الذي روى تلك الخطب وقال خطبنا أبو حمزة المختار خطبا شككت المبصر وردت المرتاب يعني لحسن موعظته وبلاغته ولموافقته الكتاب و السنة.
ولما بلغ الخبر مروان بن محمد وهو الخليفة يومئذ بالشام بعث إليهم جيشا من الشام عليه عبد الملك بن محمد ولما سمع أبو حمزة بخروجه وجه إليهم بلجا فلقيهم بوادي القرى فاقتتلوا ومات بلج في جماعة من أصحابه رحمة الله تعالى ورضوانه عليهم وانهزم الباقون فلما بلغ أهل المدينة قتل بلج وانهزام جنده قاموا على أبي حمزة بمن معه ومن رجع من قول بلج إلى ناحية وذهبوا إلى مكة ولما أقبل عبد الملك من مكة يريد أبا حمزة ولما بلغه وقع بينهم القتال فاستشهد أبو حمزة في جماعة من أصحابة رحمه الله عليهم وذهب من بقي منهم إلى أبي يحي باليمن ثم سار عبد الملك من مكة يريد أبا يحيى ولما سمع به خرج إليه واقتتلوا في موضع يقال له جرس من أعمال الطائف وهناك استشهد أبو يحيى في جماعة من أصحابه رضوان الله عليهم وتوجه عبد الملك إلى اليمن ودخل صنعاء واستولى على ما كان استولى عليه أبو يحيى إلى حضرموت فبعث إليهم عبد الملك وصالحهم على أن يولي عليهم رجلا منهم ويرد عنهم أهل الشام وولى راجعا وصارت الدولة له والملك لله الواحد القهار أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده.
الإمامة بعمان
ثم لما ورد حملة العلم عن الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة إلى عمان وانتشر (1/29)
صفحة 30
العلم وكثرت العلماء واشتدت عصابة المذهب رجعت الإمامة إلى عمان واستقرت هنالك ولم تزل باقية فيه إلى يومنا هذا أمدهم الله بنصر منه وحفظهم من الأعداء أمين.
ومن أئمة أصحابنا المشارقة وعلمائهم الجلنداء بن مسعود ووارث بن كعب و عزان بن تميم و الصلت بن مالك وناصر بن مرشد وسيف ابن سلطان وغيرهم كثيرون ممن تولوا الخلافة بعمان ولم تحضرني أسمائهم وقت الكتابة لعدم المادة (1)
ومن علمائهم الإمام الربيع بن حبيب البصري وكان قدوة بالمشرق بعد أبي عبيدة لأنه أخذ عنه (2) ووائل بن أيوب الحضرمي ومحبوب بن الرحيل
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/30)
صفحة 31
وموسى بن أبي جابر والبشير بن المنذر وهاشم بن المهاجر وسليمان بن عثمان وهاشم بن غيلان ومحمد بن هاشم وموسى بن علي ومحمد بن علي وسعيد بن محرز والوضاح بن عقبة ومحمد بن محبوب و عزان بن الصقر وأبو المؤثر الصلت بن خميس وبشير بن محمد وخالد بن قحطان وغسان بن محمد وسعيد بن عبد الله وعبد الله بن محمد بن بركة وأبو الحسن بن علي وابنه محمد وراشد بن سعيد وأبو الحسن على بن سعيد وأبو سليمان مقداد وأبو زكرياء يحيى بن سعيد أبو حفص عمر بن محمد اللمخي وغيرهم ممن يطول تعدادهم (1) وفيما ذكرناه كافية لمن أراد الله تعالى إرشاده.
فإذا تأملت يا أخي حفظك الله تعالى فيما ذكرناه تبين لك أن مذهبنا سندا شاهرا قويا وأصلا معتمدا جليا مأثورا عن هؤلاء الأئمة الفحول الآخذين له عن الصحابة العدول الوارثين له خلفا عن سلف الحافظين له من الزيغ والتلف حتى وصل إلينا بسلسلة الإسناد المأثور والخبر الصادق المشهور وها أنا أذكر لك كيفية وصوله إلينا بالإسناد ونأتي فيه بأربع طرق يكون عليها بإذن الله الاعتماد.
سلسلة إسناد المذهب
- الطريقة الأولى في نسبة المذهب ومبدأها من آخر القرن السادس عن الشيخ مقرن بن محمد البغطوري قال رحمه الله بعد البسملة والصلاة والسلام.
- تأملت في تسمية من أخذنا عنه الدين من خلق الله أجمعين فوجدتهم
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/31)
صفحة 32
على الجمع ثلاثة الملائكة والأنبياء والرسل وعلى الإنفراد من الملائكة أربعة ومن الأنبياء ثمانية عشر نبيئا والنبيء محمد بعدهم عليه وعليهم الصلاة والسلام ومن الفقهاء ثلاثين رجلا وامرأة.
- أما الملائكة فهم جبرائيل وميكائيل و إسرافيل واللوح المحفوظ.
- وأما الأنبياء فهم الذين ذكرهم الله في سورة الأنعام في قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذالك نجزي المحسنين و زكرياء ويحيى وعيسى و إلياس كل من الصالحين وإسماعيل و اليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن أبائهم و ذرياتهم وإخوانهم اجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}.فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فبهداهم اقتده فاقتدينا نحن بالنبي عليه السلام كاقتدائه بالنبيين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.
- وأما الفقهاء من أشياخنا الذين أخذنا عنهم هذا الدين فهم ثلاثون رجلا من عبد الله بن عباس بن عم النبىء - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا وكلهم من نفوسة غير سبعة من غيرهم وهم ابن عباس وجابر بن زيد الأزدي البصري وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري وإسماعيل بن درار الغدامسي وأبو مرداس مهاصر السدراتي والإمام عبد الوهاب ووالده (1/32)
صفحة 33
الإمام عبد الرحمان بن رستم الفارسي رضي الله عنهم أجمعين ثم نذكرهم بأسمائهم من يومنا هذا إلى انتهائهم فأول ذلك.
- أخذنا ديننا عن الفقيهين أبي محمد عبد الله بن محمد المجدلي وأبي يحي توفيق بن يحي الجناوني وأخذه أبو محمد عن أبي الربيع سليمان بن موسى الملوشائي الساكن في إبناين (1)
- و أخذه أبو الربيع عن أبي زكرياء بن سفيان اللالوتي (2) وأبي سهل البشير بن محمد التندميرتي (3) وأبي يوسف و جدليش بن في ثم افترقت النسبة هاهنا
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن] (1/33)
صفحة 34
فيما قال أبو محمد وأخذه أبو سهل وأبو يوسف عن أبي يحيى يوسف بن زيد الدرفي (1) وأبي نصر زار بن يوسف من ناحية تفست وأخذه أبو يحيى وأبو نصر عن أبي محمد الكباوي (2) وأخذه أبو محمد عن أبي هارون موسى بن يونس وأخذه أبو هارون عن أبي محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي وأبي عبد الله محمد بن جلدا سن اللالوتي وقال لهم إني التقطته
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/34)
صفحة 35
أتركوني يعني أخذه من شيوخ شتى (1) وأخذه أبو محمد عن أبي يحيى زكرياء بن يونس الفرسطائي (2) وأبي الربيع سليمان بن هارون اللالوتي وأخذه أبو يحيى وأبو الربيع عن أبي هارون بن يونس الجلالمي (3) وزاد أبو يحيى في نسبة أبا حسان خيران بن ملال الفرسطائي.
- ثم افترقت النسبة هاهنا أيضا وأخذه أبو حسان عن أبي يونس أبدين الفرسطائي عن أبي ذر صدوق الفرسطائي وأخذه أبو ذر عن أبي مرداس مهاصر السدراتي الساكن بتبرست وأخذه أبو مرداس عن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمان الفارسي وأخذه عبد الوهاب عن أبيه عبد الرحمان وأخذه عبد الرحمان عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري قال الشيخ مقرن رحمه الله ثم رجعنا إلى أبي هارون وأخذه أبو هارون
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن] (1/35)
صفحة 36
عن أبي القاسم سدرات بن حسين البغطوري (1) وأخذه أبو القاسم عن أبي ذرأبان بن وسيم الويغيوي وأخذه أبان عن أبي خليل الدركلي (2) وأخذه أبو خليل عن أبي المنيب محمد بن يانس الدركلي وأخذه أبو المنيب عن أبي الزاجر إسماعيل بن درار الغدامسي وأخذه إسماعيل عن أبي عبيدة مسلم ثم اجتمعوا في النسبة هاهنا جمع الله بيننا وبينهم في الجنة
وأخذه أبو عبيدة عن الشعثاء جابر بن زيد الأزدي وأخذه جابر عن عبد الله بن عباس بن عم النبي عليه السلام وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذه ابن عباس وعائشة عن النبي عليه السلام محمد بن عبد الله رسول رب العالمين وأخذه محمد رسول الله عن جبرائيل عن ميكائيل عن اسرافيل عن اللوح المحفوظ، جمعنا الله بهم في مستقر حمته ورضوانه آمين.
وإنما أخذنا هذا الدين عن الثقاة ثقة عن ثقة من يومنا هذا إلى جابر ابن زيد الأزدي من أزد البصرة وقيل أنه أخذه عن سبعين رجلا من أصحاب النبي عليه السلام وقالت لقيت سبعين رجلا من الصحابة فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر الزاخر يعني ابن عباس أهم كلام الشيخ مقرن ابن محمد البغطوري رحمه الله وكان في آخر المائة السادسة نص على ذلك الشيخ محمد بن
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/36)
صفحة 37
زكرياء الباروني القلعاوي (1) وهذه النسبة التي ذكرها رحمه الله ترجع إلى طريقتين لأنها افترقت من أبي هارون الجلالمي وهي من قوله رجعنا إلى أبي هارون فالأولى تنتهي إلى عبد الرحمان بن رستم وهو من حملة العلم الخمسة عن أبي عبيدة إلى آخر النسبة والثانية تنتهي إلى إسماعيل بن درار الغمدامسي وهو أيضا من حملة العلم عن أبي عبيدة إلى آخر النسبة والله أعلم.
الطريقة الثانية
ومبدأها من القرن الثامن عن الشيخ الفاضل والإمام الكامل قدوة هذا المذهب ونور أبي ساكن عامر بن علي الشماخي (2) وكان رحمه
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/37)
صفحة 38
الله تعالى في القرن الثامن ومات في عام اثنين وتسعين وسبعمائة (1)
قال رحمه الله ورضي عنه وأرضاه ونفعنا ببركة آمين أخذت ديني عن الشيخ عيسى بن عيسى الطرميسي
وأخذه هو عن الشيخ يحي بن وجدليس. وأخذه يحي عن أبي يحي زكرياء عن إبراهيم الباروني. وأخذه أبو يحي عن أبي يوسف وجدليش الأمليلي (2) عن أبي الربيع سليمان بن هارون.
وأخذه سليمان عن أبي زكرياء يحيى بن سفيان اللالوتي. وأخذه أبو زكرياء عن أبى محمد خصيب بن إبراهيم وأخذه أبو محمد عن أبى يحي الفرسطائي. وأخذه أبو يحيى عن أبي هارون الجلالمي وأخذه أبو هارون عن أبي القاسم البغطوري. وأخذه أبو القاسم عن أبان بن وسيم. وأخذه
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/38)
صفحة 39
أبان عن أبي خليل الدركلي. وأخذه أبو خليل عن أبي المنيب محمد بن يانس وأخذه أبو المنيب عن إسماعيل بن درار الغدامسي، وأخذه جابر عن ابن عباس وعائشة أم المؤمنين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر ما مر انتهى. وهذه النسبة اجتمعت مع نسبة البغطوري رحمه الله في أبي هارون الجلالمي عن أبي القاسم البغطوري.
الطريقة الثالثة.
ومبدأها من آخر القرن العاشر عن الشيخ محمد بن زكرياء الباروني القلعاوي قال رحمه الله تعالى أخذت ديني أنا وأكثر طلبة زمننا عن الشيخ أبي سليمان داوود بن إبراهيم التلاتي (1) الجربي، وأخذه أبو سليمان عن الشيخ زكرياء بن عيسى الباروني وأخذه الشيخ يحيى عن الشيخ يعقوب بن أحمد اليفرني (2) المديوني، وأخذه يعقوب عن الشيخ عبد الله بن عبد الواحد الشماخي وأخذه الشيخ عبد الله عن خاله الشيخ سليمان بن موسى
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن] (1/39)
صفحة 40
الشماخي وأخذه الشيخ سليمان عن جده الشيخ عامر بن علي الشماخي صاحب النسبة الثانية واتحدث هذه النسبة معها من الشيخ عامر إلى آخر الثانية فهما في الحقيقة نسبة واحدة لكن اعتبرنا المبدأ بحسب الزمان لزيادة مع أحد شقى الأولى والله أعلم.
الطريقة الرابعة.
وأظنها والله أعلم من آخر القرن العاشر أو من أول القرن الحادي عشر على التقريب لأن ثالث مشائخها هو الشيخ يونس بن تعاريت وقد كان في أول القرن العاشر وهذه قد بدئت بشيخين بعده الآخذ عنه وفرعه وأولها أبو مهدي عيسى بن إسماعيل عن الشيخ سعيد الجربي، عن أبي (1/40)
صفحة 41
النجاة يونس بن سعيد عن أبي يحيى زكرياء بن أفلح الصدغياني الجربي عن أبي عمران موسى بن أيوب عن الشيخ صالح بن النجم المغراوي عن الشيخ عثمان الزاراتي عن الشيخ عيسى النفوسي اليفرني عن أبي يعقوب يوسف الباطي، عن أبي عمر عثمان بن خليفة المرغني السوفي عن أبي العباس أحمد بن محمد بن بكير الفرسطائي النفوسي عن أبي الربيع سليمان بن يخلف الزواغي عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر عن أبي نوح سعيد بن زنغيل عن الشيخ أبي خزر يغلا بن زلتاف عن الشيخ حسن بن أيوب عن الشيخ أبي عثمان سعد (1) بن أبي يونس عن الإمام أفلح عن أبيه عبد الوهاب إلى آخر مامر انتهى ما أردنا إيراده من هذه النسبة الشريفة وطرق الإسناد كثيرة لا تحصى لكثرة العلماء وفي هذا كفاية لمن أراد الله تعالى إرشاده وتوفيقه وكلها ترجع إلى حملة العلم الخمسة إلى أرض المغرب وتجتمع في أبي عبيدة مسلم رحمه الله.
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/41)
صفحة 42
فهؤلاء أئمتنا ومشائخنا الذين بهم اقتدينا وعلى قولهم اعتمدنا وعلى منهاجهم سلكنا وعلى ذلك نحي ونموت ونبعث وندخل الجنة إن شاء الله لأنهم أفاضل أتقياء بررة أصفياء صادقون أولياء أهل علم وعمل وفضل وعدل وورع وتقوى وزهد وهدى وحلم وخضوع وتواضع وخشوع ليسوا بأهل بغي ولا تكبير ولا ظلم ولا تجبر بل هم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر الحافظون لحدود الله المجاهدون في سبيل الله لا لطلب الدنيا ولا لرغبة في الملك بل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى حتى أن من كان منهم تنزه عن أخذها وزهد فيها وتركها وذلك كما ذكروه عن أبي يحيى طالب الحق فإنه لما أظهره الله على عامل اليمن بمدينة صنعاء واستولى على خزائن الملك فرقها في الفقراء ولم يأخذ منها لنفسه شيئا وكذلك ما ذكر عن أبي منصور إلياس التندميرتي جد أولاد أبي الأحباس حين كان عاملا للإمام محمد بن أفلح على جبل نفوسة كما كان عاملا للإمام محمد بن أفلح على جبل نفوسة كما ذكره بن الرقيق حيث قال إن ابن طيلون أخذ من بيت مال مصر مائة حمل ذهبا (1) وأراد المغرب فتلقاه ابن قهرب صاحب طرابلس فهزمه ابن طيلون وقتل من رجاله عددا ودخل ابن قهرب طرابلس وتحصن بها وحاصرهم ابن طيلون ثلاثة وأربعين يوما واستغاث أهل طرابلس بأبي منصور النفوسي فقام محتسبا لله وكان خارج طرابلس رعيته يعني رعية أبي منصور رحمه الله فلاقاه في اثني عشر ألفا وهزم الله ابن طيلون وقتل أصحابه ولم يأخذ أبو منصور شيئا من تلك الأموال الجزيلة تورعا وزهدا في الدنيا سوى رجل واحد من عسكره فإنه أخذ خرجا ولما تاب بعد ذلك سأل المشائخ عن كيفية التخلص من تباعته فأمروه بأن يسأل
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/42)
صفحة 43
عن صاحبه فإذا أعياه السؤال ولم يجده تصدق به فانظر أيها الأخ إلى هذا الورع الشديد والزهد الكامل من رجل صاحب دولة ظفر بمائة حمل ذهبا (1) من عدوه وتركها فتناهبها أهل طرابلس ولم يأخذ هو ولا جنده شيئا منها ومثل ذلك ما ذكر عن عبد الرحمان بن رستم رضي الله عنه حين أرسل إليه أموالا جزيلة يستعين بها على إقامة دولته فإنه ردها إلى المشرق ولم يقبلها وقال فقراؤهم أحق منا (2) ومثل ذالك ما ذكر عن الإمام محمد بن أفلح من تقويم تركته كلها بعد وفاته بسبعة عشر دينار مع أنه ملكها من تيهرت إلى سرت وهكذا سيرة أصحابنا رضي الله عنهم الخلفاء منهم وغيرهم فهي كسيرة الصحابة الراشدين رضي الله عنهم وبالجملة فإن أصحابنا كانت سيرتهم الإصلاح وتوطيد الأمن بإماتة الجور والظلم والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجاهدون في سبيل الله لإحياء دين الله وإظهاره لا كغيرهم من الملوك ولقد أصاب البكري لما قال فمن حين وقعت الفتنة إنما نقاتل نحن العرب عن الدينار والدرهم وأما البربر فإنما يقاتلون عن دين الله تعالى ليقيموه (3) وقال البكري أيضا وقد وقع الحديث إلى ابن مسعود رضي الله عنه
__________
(1) [هامش لم يرقن]
(2) [هامش لم يرقن]
(3) [هامش لم يرقن] (1/43)
صفحة 44
أن آخر حجة حجها قام خطيبا فقال ياأهل مكة وياأهل المدينة أوصيكم بالبربر فإنهم سيأتونكم بدين الله من المغرب وهم الذين استبدل الله بهم حيث يقول: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) والذي نفس ابن مسعود بيده لو أدركتهم لكنت أطوع من إيمانهم وأقرب إليهم من دثارهم يعني من ثيابهم وقالت عائشة رضي الله عنها البربر يقرون الضيف ويضربون بالسيف ويلجمون الملوك الجام الخيل اللجم (1) والحاصل أن فضائل أصحابنا وكراماتهم وزهدهم وورعهم معلمهم واجتهادهم أمر ظاهر باهر قد ملأ بطون الدفاتر لا ينكره إلا من طبع الله على قلبه وختم على سمعه وجعل على
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/44)
صفحة 45
بصره غشاوة وقد أعطاهم الله القوة على سائر العبادات حتى ظهرت فيهم الخوارق والكرامات التي لم تظهر في غيرهم فمنهم من بقي أثر قدمه في الصفا ومنهم من وقفت له الغزالة وكلمته ومنهم من كلمه الذئب وهؤلاء كلهم من نفوسة وكذلك غيرهم من أصحابنا أهل المغرب ممن يكثر تعدادهم وكل هذا وكل هذا دليل على صحة مذهبهم واعتقادهم لقوله تعالى: (
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) فقد تبين لك ياأخي مما ذكرناه أن مذهبنا ليس بمبتدع ولا مخترع وإنما هو من زمان التابعين مأثور عن أصحاب رسول الله الراشدين رضوان الله عليهم أمين.
المذاهب في الإسلام.
وأما المذاهب الأخرى فإنما ظهر بعضها في آخر القرن الثاني وما بعده ألا ترى أن إمامنا جابر بن زيد مات سنة ست وتسعين كما تقدم ومالكا ولد سنة خمس (1/45)
صفحة 46
وتسعين ومات سنة مائة وتسع وسبعين وعمر أبي حنيفة حين مات جابر خمسة عشر عاما لأنه ولد سنة ثمانين من الهجرة ومات سنة مائة وخمسين وأما الشافعي ولد في القرن الثاني سنة مائة وخمسين ومات سنة أربع ومائتين والحنبلي ولد سنة مائة وأربع وستين ومات عام مائتين والحنبلي ولد سنة مائة وأربع وستين ومات عام مائتين وواحد وأربعين (1) ولم يكن لمذاهب
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/46)
صفحة 47
هؤلاء ظهور ولا اشتهار إلا بعد المائتين حين تولى بعض الملوك الذين ينتسبون إليهم و يزعمون أنهم من أتباعهم فنصروهم وأيدوا مذاهبهم وأقوالهم ومع ذلك لم يكن لهم ظهور في أرض المغرب إلا مذهب مالك فإنه ظهر بأرض المغرب في القرن الخامس سنة أربعمائة وخمسين من الهجرة كما وجدته في بعض التواريخ وذالك بعد دخول العرب أرض المغرب وأما قبل ذلك فمذهبه مقصور على أرض الحجاز و المدينة وما حولها وكان الأوزاعي في زمان مالك قد غلب مذهبه على بر الشام (1) واللبث بن سعيد قد غلب مذهبه على أرض العراق وعطا
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/47)
صفحة 48
كان مذهبه بمكة ومذهبنا قد انتشر في القرن الثاني في المشرق والمغرب كما ذكرناه في صدر الرسالة.
المقامات في الحرم
فإذا فهمت هذا علمت بطلان قول الذين يقولون لك ليس لكم مذهب تستندون إليه ولا أصل تعتمدون عليه وأما قولهم ليس لكم مسجد في الحرام حول الكعبة مقامات تنسب إلى أئمتكم كمثل مالنا فيه فهو كلام باطل ولغو عاطل وحقه أن لا يصدر من جاهل فضلا عن العالم ولو كان الأمر جائزا كما فعلوا لما وجد المأخر أين بقف في مسجد الله لكثرة المسلمين ووجودهم قبل حدوث أيمتهم ولو ساغ ذلك في الشريعة لا تخذه أصحابنا أبو حمزة المختار (1) ومن معه حين استولى على مكة والمدينة كما تقدم ولكن معاذ الله
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/48)
صفحة 49
أن يحدث أصحابنا في حرم الله مالم يأذن به الله ولا رسوله ولا أن يبتدعوا في دينه ما يوجب عدم رضائه لأن النيئ ص) قال محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ولو جاز لأحد أن يختص ببقعة من مسجد الله الحرام لكان رسول الله (ص) وأصحابه أو من قبله من الأنبياء أحق وأولى بذلك ولكنهم منزهون عن أن يتجاسروا ويتعدوا حدود ما أمر الله سبحانه وتعالى باتخاذه من مقام خليله إبراهيم عليه السلام لقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ولأن الله سبحانه وتعالى سوى في مسجده الحرام بين المسلمين حيث قال: (والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم)
ولا يبعد أن يكون هذا الفعل من باب الظلم والتعدي على حرم الله إذ خصصوا لأنفسهم تلك البقاع ونسبوها إليهم دون غيرهم و ياليت شعري من أين جاز لهم ذلك.
والظاهر والله أعلم أن الذي ألجاهم إلى هذا الصنيع ودعاهم إليه هو حب الشهرة والثناء وبقاء الذكر مع مساعدة الملوك الذين هم من أتباع مذاهبهم على هذا الفعل (1) حتى صارت هذه المقامات ضرارا على مقام إبراهيم
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/49)
صفحة 50
خليل الله عليه السلام وتفريقا بين المسلمين حتى لا تجد في عامة هذه المذاهب من يذكر في الغالب مقام إبراهيم وكأنهم لا يعرفون إلا مقام فلان (1/50)
صفحة 51
ويعتقدون أن ذلك هو الدين ويرونه دليلا على صحة المذهب فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فالعجب كل العجب من قوم عمدوا إلى بدعة واتخذوها سنة ولعمري أنها لمصبية عظيمة وفتنة في الدين جسيمة نسأل الله أن يحفظنا وإياك أيها الأخ والمسلمين من التهور في الدين وأن يرشدنا لا تباع كتابه (1/51)
صفحة 52
وسنة نبيه الأمين فعليك أيها الأخ بالتمسك بمذهبك والله أحسن المذاهب وأفضلها وأصحابنا أقوالا وأرجحها وإياك أن تتبع أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأظلوا كثيرا واقتد بأيمتك الراشدين وأسلافك الصالحين وأعرف فضلهم وكن لهم تبعا فإنهم أناروا لنا الطريق ووضحوا سبل التحقيق فليس لنا أن نحيد عنهم ولا أن نبتغي الهدى في غيرهم إذ هم أكثر منا بحثا وتدقيقا وعلما وتحقيقا وأكمل عقلا وأقدم منا عهدا وأقرب منا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخذوا ممن صاحب النبىء الأمين قد أخذوا ممن صاحب النبي الأمين وشاهد تنزيل كتاب الله المبين ولهذا كانوا أصدق أقوالا وأحسن أفعالا فلزمنا بذلك أن نكون لآثارهم تابعين وبهداهم مهتدين (2) كما قال الله تعالى في محكم كتابه المبين يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.
وعليك أيها الأخ بتقوى الله العظيم في السر والإعلان فإنها ملاك جميع الأمور وهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين إذ قال وهو أصدق القائلين: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم (1/52)
صفحة 53
ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق يأيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا به يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به و يغفر لكم و الله غفور رحيم يأيها الذين لآمنوا اتقوا الله و لتنظر نفس ما قدمت لغد و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون.
وصية إلى الإخوان كافة
واعلموا أيها الإخوان إن متقي الله مرحوم مؤيد معصوم (1) مسدد يرى في مطالبه النجاح و في غدوه و رواحه الصلاح و إياكم و التحاسد و التدابر و التباغض و التنافر و عليكم بالاجتماع على فعل الخيرات واكتساب الطاعات و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كما قال تعالى: ((و تعاونوا على البر و التقوى ولا تعاونوا على الإثم و العدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب)) و قال لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا و كونوا عباد الله إخوانا أو كما قال و قال أيضا: المؤمنون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً و توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون و سارعوا إلى مغفرة من ربكم قال تعالى وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خير و أعظم أجرا إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم و يغفر لكم و الله شكور حليم فإنه (1/53)
صفحة 54
لا ينفع العبد إلا ما قدمت يداه و ليس كل من انتسب إلى مذهب من المذاهب يطمع بمجرد ذلك الانتساب بالنجاة و الفوز بالجنات هيهات أن يكون ذلك نافعا بدون فعل المأمورات واجتناب المنهيات في جميع الأوقات قال تعالى: إن أكرمكم عند الله اتقاكم و قال في بعض كتبه المنزلة على بعض أنبيائه: خلقت الجنة لمن أطاعني ولو كان عبدا حبشيا و خلقت النار لمن عصاني ولو كان ملكا هاشميا فالمدار كله و الاعتماد على التقوى فإنها شاملة لسائر أعمال البر و حصر الله تعالى قبول الأعمال فيها حيث قال: إنما يتقبل الله من المتقين جعلنا الله وإياكم من الموفقين لطاعته السالكين سبيل مرضاته بجاه محمد وآله.
هذا وقد أتينا لك بجملة من الأخبار بعض أئمتنا و مشائخنا على سبيل الاختصار بعبارة سهلة و ألفاظ متعارفة و أردفنا ذلك بنسبة الدين على وجه يسر ويفتح البصائر فتفكر يا أخي في دلك وتأمل وكرر النظر فيما كتبناه (1) لك و تمهل حتى يشرق نور المعرفة في ذهنك
__________
(1) [هامش لم يرقن] (1/54)
صفحة 55
و تكون على بصيرة من مذهبك و معتقدك وعلى علم من دينك والله تعالى يتولى رشدك و يهديك إلى الصراط المستقيم و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه الطاهرين أجمعين ... آمين. (1/55)
صفحة 56
[صفحة بها بقية الحاشية لم ترقن] (1/56)