صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: صفحات من تاريخ إباضية عمان وحضرموت
المؤلف: عبد الرحمن جعفر بن عقيل
الناشر: دار حضرموت للدراسات والنشر
مكان النشر: اليمن
تاريخ النشر: 1426ه/ 2006م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2006/210
الكلمات الدالة: المذهب الإباضي، إباضية عمان، تاريخ إباضية عمان
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2953&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/438
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 15 شعبان 1446ه/ 14 - شهر 02 - 2025م. صفحات من تاريخ إباضية عمان وحضرموت
عبد الرحمن جعفر بن عقيل (1/1)
صفحة 2
رقم الإيداع بالمكتبة الوطنية عدن: 2006/ 210
العنوان: صفحات من تاريخ إباضية عمان وحضرموت
المؤلف: عبد الرحمن جعفر بن عقيل
E-mail: akeel@hotmail.com
الصف والإخراج وتصميم الغلاف: مركز الفاروق لخدمات الكمبيوتر المكلا - تلفاكس: 215268 جوال 71920283
التنفيذ الطباعي: مطبعة وحدين الحديثة - المكلات: 216614
دار حضرموت للدراسات والنشر
المكلا - تلفون: 250549 فاكس: 350541
E-mail: dar_hadhramout@y.net.ye
توزيع: معرض الحياة الدائم للكتاب
المكلا - ت: 202859
الجمهورية اليمنية
الطبعة الأولى 1426 هـ - 2006 م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق
إلا بإذن خطي من المؤلف (1/2)
صفحة 3
صفحات من تاريخ إباضية عمان وحضرموت
عبد الرحمن جعفر بن عقيل (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)}
سورة النمل الآية (19) (1/4)
صفحة 5
تمهيد:
إن المنهج العلمي الحديث في الأبحاث التاريخية هو مفارقة السمة التي غلبت قديماً على كتابة التواريخ العامة و الابتعاد عن ذلك إلى تحديد البحث في مكان وزمن محدودين، وتناول ذلك بالاستقصاء والتحليل.
ومن هذا المنطلق فإننا نستخلص من دوواين التاريخ وزير السابقين ما يتعلق بإباضية عُمان وحضرموت ونقلب صفحات تاريخها في محاولة لدراسة هذين الجزأين المهمين من جنوبي الجزيرة العربية، وفي فترة محدودة تمتد إلى نماية القرن الخامس
الهجري.
ولا شك أننا ونحن نقلب هذه الصفحات لتاريخ إباضية عُمان وحضرموت، نغوص بعيداً للحديث عن ما قبل النشأة حيث تعين على فهم الأحداث التالية. وهناك مميزات لهذا التاريخ تكمن في هذه السمات: الأولى: شحة المصادر التي فصلت القول في الأدوار التي مرت بها الإباضية في عُمان وحضرموت، حيث يجد الباحث ندرة في هذا المجال ناتجة عن الانشغال السياسي والبعد الفكري والعقدي اللذين أثرا سلباً على الاهتمام بتدوين الأحداث إلا ما كان
له علاقة بأحدهما.
ومما زاد الطين بلة في ندرة المصادر فيما يتعلق بإباضية حضرموت بل غيبتها هو الصراع المذهبي الذي اشتدّ أواره فيما بعد، وأدّى إلى إفناء هذه المرحلة بل طمسها من ذاكرة التاريخ الحضرمي، حتى عدها بعض المؤرخين من مجاهل التاريخ الحضرمي، ولذلك فلا سبيل إلى العثور على معلومات إلا بالرجوع إلى أمهات المصادر للتاريخ الإسلامي، أو تتبع ما يعد من سقط المتاع من التاريخ الحضرمي، وخير: شاهد علي ذلك شخصية أبي إسحق الحضرمي التي حام حولها الشك لدى بعض المؤرخين
وكانت عندهم مثيرة للريب مع أنها ذات نفوذ علمي وسياسي فما بالك دونها.
(°) (1/5)
صفحة 6
السمة الثانية: ينحدر بنا هذا البحث إلى توطيد العلاقات السياسية والفكرية التي
كانت قائمة بين إباضية عُمان وحضرموت وتسليط الضوء على الأرضية الاجتماعية
والتركيبة السياسية التي ألقت بظلالها على الواقع ومهدت لقبول آراء الإباضية. السمة الثالثة: بروز الجانب السياسي في المذهب الإباضي الذي طغى علي غيره من الجوانب، والذي حدد الأدوار والمراحل التي لعبت دوراً في نشاط الإباضية، فتارة تخبو نارها، وتارة تشتعل لتصل في جذوتها إلى إدارة دفة الأمور والسيطرة على مكة قوة، وتصل ضعفاً إلى التقهقر إلى الخلف حيث مراكز النفوذ وتضل قابعة بما كما هو الحال في شبام حضرموت.
السمة الرابعة: لقد ظلت الإباضية باستمرار تثري بأطروحتها الثقافة الإسلامية، وتغني الحضارة الإسلامية بكثير من الآراء، إذا نظرنا إلى الناحية الإيجابية، مقابل التمزق الذي أصاب جسد الأمة، وكذلك وقفت في وجه المد الباطني الذي كاد يهدد أطراف الجزيرة في جانبها الشرقي الجنوبي.
وهكذا نستطيع أن نقول إن إباضية عُمان وحضرموت استطاعوا أن ينشئوا في مناطقهم حضارة إسلامية ذات صبغة، إباضية، وانتقلت القبائل هذه البلاد من بداوتها بعد الانضواء تحت الراية الإباضية لتسهم في الفكر الإسلامي بعيداً عن الغلو الذي مارسه الجانب المتطرف الذي لا يخلو منه فكر عادة حين ينأى عن الوسط فيكون مذموماً عند أرباب هذا الفكر فضلاً عن مخاليفه. ما أحوجنا اليوم للبحث في التاريخ العقدي والسياسي للإباضية، متجردين من رواسب التراعات والعصبيات، أو الانجرار وراء التهم والأوصاف التي أطلقها بعض المؤرخين بأن أتباع الإباضية أهل بدع وأهواء وضلال، ونعتهم بالمروق والغلو والتعصب، دون مراعاة لمبدأ دعوتهم وإعطائهم فرصة لتفهيمنا آراءهم حسبما جاءت في مؤلفاتهم، ووضع حد لمهاجمة أتباع المذاهب والفرق الأخرى على أساس تم لا أساس لها في أرض الواقع بل مصدرها الوحيد هو الكراهية والحقد على المذاهب
(6) (1/6)
صفحة 7
الأخرى، وصلت إلينا في كتب ومقالات تم تأليف بعضها قبل اثني عشر قرناً، أدت إلى حالة من سؤ الظن بين المسلمين تفاقمت نتائجها على مر الزمان واتخذت أشكالاً الصراع بين تيارات المذاهب والفرق المختلفة، ونشوب خلافات بين المسلمين تطورت في بعض الأحيان إلى حد الصراع العسكري والتهديد باللجوء إلى أساليب التصفية والاغتيالات.
مختلفة
من
إن في تاريخ الإباضية ما يشير إلى نواياهم الطيبة في التعايش السلمي مع مخالفيهم، ففي عهد الدولة الرستمية (1) التجأت طوائف كثيرة من الشيعة إلى الدولة الرستمية، ففتحت لهم هذه الأخيرة ذراعها ورحبت بكم وأكرمتهم وعرفت لهم مقامهم الرفيع
ومقام جدهم علي بن أبي طالب، وقد وجد العلويون (وهم أبناء محمد بن سليمان العلوي أخي إدريس الأكبر مؤسس الدولة الادريسية - وجد هؤلاء في الدولة الرستمية- كما يقول محمد علي دبوز من الإجلال والتعظيم ما جعلهم سادة في المدن التي نزلوا فيها) (2).
وفي عهد الدور الإباضي في حضرموت التجأ السادة العلويون إلى حضرموت، وكان جد العلويين الحضارم الإمام المهاجر أحمد بن عيسى كما تقول بعض المصادر العلوية الحضرمية (يتبنى فكراً شيعياً إماميا) (3). إلا إن حضرموت بأهلها رحبت بمم وأكرمتهم وبوأت لهم مكانة مرموقة جعلتهم يرتقون أعلى السلم الاجتماعي لصلة
النسب الشريف الذي يربطهم بالرسول محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.
(1) عبد الرحمن بن رستم من أصل فارسي، نشأ في القيروان والتحق بحلقة العلم بالبصرة، وتتلمذ على يد أبي عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة التميمي أستطاع أن يؤسس الإمامة الرستمية الإباضية في وسط الجزائر عام 160 هـ واستمرت حتى عام 296 هـ.
(2) ذبوز، محمد علي: تاريخ المغرب الكبير ج 3 ص 336.
(3) الحامد صالح: تاريخ حضرموت ج 1 ص 325.
(7) (1/7)
صفحة 8
ويشهد التاريخ الحديث كيف يتعايش أهل السنة والجماعة مع الإباضية في سلطنة عُمان. وليس غريباً عن الإباضية أن يعاملوا مخالفيهم بهذا التعامل الأخوي مادامت
تعاليمهم تحث على التقارب وجمع الشمل.
ومن
خلال دراستنا للإباضية ندرس الترابط التاريخي بين عُمان وحضرموت ونصل إلى فهم العلاقة التي تميزت بخصوصية تاريخية ومذهبية، تداخلت مع الأحداث
السياسية حيناً، وتباعدت حيناً آخر، ولاستيضاح نوع وترابط هذه العلاقة
لابد من رحلة نحو الغامض والمجهول من تاريخ عُمان وحضرموت، ولابد من دراسة الحركة الإباضية والربط بين الصلاة التاريخية بين قبيلتي الأزد - الأسد- العمانية وكندة الحضرمية.
ولا نكتفي فيها بدراسة تاريخ الحركة الإباضية كحركة عقدية وسياسية، وإنما نضطر لأن ندرس معها كل شيء حتى يعيننا على أن نفهم الخلفية التاريخية التي مهدت لظهور هذه الحركة السياسية العقدية في وسط القبائل التي تنحدر أصولها من أواسط الجزيرة
العربية.
وأخيراً أحسب أن هذا البحث سيحفز المتعلقين بدراسة التاريخ لإعادة تقري حقيقة الفكر العقدي والسياسي للإباضية، وتقصي تاريخ الإباضية في عمان وحضرموت. ولعلي بذلك قد أسهمت إسهاماً متواضعاً في إثراء الثقافة العربية التي تأويها العاصمة العمانية (مسقط) لسنة 2006.
ورجائي الأخير منك أيها القارئ الكريم أن تغض الطرف عما قد يصادفك من هفوات، فجل من لا يسهو، وجلّ من له الكمال وحده والحمد الله و
رب
العالمين.
(^) (1/8)
صفحة 9
الجزء الأول
الباب الأول
عمان التاريخ والسكان والإسلام
الفصل الأول:
أ عُمان عبر التاريخ.
ب - الأزد - الأسد - الأسبذيون - المزون
ج - سكان عُمان
د - الوضع الديني في عُمان قبل الإسلام
هـ- ظهور الإسلام بعمان
و آل الجلندى الأزديون
ز ردة عُمان
ح دور المهالبة الأزديين في الدولة الأموية ط - عمان بين الوحدة والانفصال.
ي انتشار الإباضية في عمان (1/9)
صفحة 10
أ- عُمان عبر التاريخ
الباب الأول الفصل الأول
عُمان بضم أوله، وتخفيف ثانيه وآخره، نون مصطلح جغرافي أطلقه العرب على الجزء الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، محاط من ثلاثة جهات بشواطئ على امتداد 1700 کيلومتر تقريباً، تمتد. من مضيق هرمز شمالاً حتى الحدود الشرقية للجمهورية اليمنية، وتطل بذلك على ثلاثة بحار حيوية استراتيجية مهمة هي: مضيق هرمز، وخليج عمان، وبحر العرب. اختلفت التقديرات حول حدودها و مساحتها الجغرافية السياسية الراهنة بين 309500 و 312000 و 320000 کيلومتر مربع (1) هناك اختلاف في سبب التسمية – أي تسمية عُمان - فمنهم من يقول إن الأزد سمت عُمان عمانا لأن منازلهم كانت على ضفة واد بمأرب، يقال له عُمان، وقيل سميت بعمان بن سبأ بن يغتان بن إبراهيم خليل الرحمن، لأنه بنى مدينة عُمان (2)، وقيل بعمان بن قحطان أخي يعرب بن قحطان وقيل بعمان بن يفتان بن إبراهيم خليل الرحمن وقيل إنهم من قبيلة العمالقة يحيا بن وهم من العرب العاربة البائدة، وهم من بني عمليق ويقال عملاق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، قال الطبري وتفرقت منهم أمة في البلاد منهم أهل المشرق وأهل عُمان والبحرين والحجاز (3).
قحطان
بن
(1) السيابي، أحمد بن سعود: أصول بيت المال في عمان وغباش عبيد غانم: عمان الديمقراطية
الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث ص 32.
(2) الحموي، ياقوت: معجم البلدان ج 4 ص 48.
(3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 1 ص 125. وابن خلدون: تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 48
(1) (1/10)
صفحة 11
وكثيراً ما لعب الخيال الشعبي العربي دوره في وضع مشجرات أنساب القبائل
و الشعوب، رغبة في سدّ ثغرات الأنساب ومحاولة ربط الحقب التاريخية المفقودة في تناسل البشرية حتى ولو استندت على مرويات من المصادر التوراتية، أو حتى الشذوذ عن الحقائق والوقائع كما زعم الكندي فقال في نسب اليونان: انه بن عابر وذكر انه خرج من بلاد العرب مغاضباً لأخيه قحطان، فنزل شرقي الخليج القسطنطيني، فرد عليه أبو عباس الناشئ بقوله (1):
تخلط يونان بقحطان ضله العمري لقد باعدت بينهما جدا
يونان
حتى لا نبتعد جدا عن تاريخ هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي الغني بتاريخ يعود على حد قول المؤرخين وعلماء الآثار إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد في الأقل؛ فإن عُمان كانت معروفة بالاسم السومري مغان – ماجان (Magan) وكانت مساحتها تزيد كثيراً عن مساحة عُمان الحالية، فهي تمتد من حدود شبه
(T)
جزيرة قطر إلى حدود حضرموت وقد عاصرت حضارة مغان حضارة دلمون (Delmun) البحرين اليوم وحضارة مالوخا (Maluka) في الهند كانت بين حضارتي مغان ودلمون صلاة وثيقة بالحضارات الأخرى في بلاد
سومر وبابل ونتيجة هذه الصلات انبثقت منشآت بشرية يعود عهدها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، اعتمدت على تطور النشاط التجاري في الأراضي العُمانية، وقيام مستوطنات سومرية اهتمت بصهر النحاس وتصديره، و قامت في القرن الأول الميلادي مستوطنات كلدانية وكانوا يسمون عُمان ابليتا، ويعد صهر النحاس وتصديره إلى بلاد ما بين النهرين من أهم ما تميزت به حضارة
مغان القديمة.
(1) القلقشندي، أبو العباس أحمد: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص 29.
(2) غباش، حسين تيرة سلم .. ان لديمقراطية الإسلامية وتقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث ص 34.
(11) (1/11)
صفحة 12
إضافة إلى تصدير اللبان إلى مصر الفرعونية، فقد تمكن أهل مغان من التمرس
في الشؤون البحرية وصناعة السفن والقيام بدور الوسيط التجاري بين بلاد ما بين النهرين والهند وبالعكس. وتظهر إحدى لوحات سرغون (Sargon) ملك الأكاديين (3371 - 3316 ق. م) سفن مغان ودلمون ومالوخا راسية في مرفاً أكاد (1).
لم يقتصر تأثير مغان خلال العصور القديمة على النشاط التجاري بين موانئ المحيط الهندي والخليج العربي، بل وصل أيضا إلى حوض البحر المتوسط، وتتابع هذا النشاط التجاري في القرن الرابع قبل الميلاد حتى وصل إلى الصين وبقيت العلاقة التجارية العُمانية - الصينية قائمة منذ ذلك الحين إلى نهاية القرون الوسطى، ويبدو أن حضارة مغان بدأت بالأفول مع بداية الحروب الطاحنة وقد تمكن الملك الفارسي كورش من الاستيلاء على ما تسمى الآن عُمان بهدف السيطرة على مناجم النحاس، واستطاع أن يحقق أحلامه في السيطرة على الخليج العربي وموانئه المزدهرة فاجتاح البابليين وأزالهم عنها كلياً، وأحل محلهم استفاد الفرس كثيراً من مهارة ودراية العمانيين بفنون الملاحة،
الفرس
(2)
((وسميت عُمان المزون وهي تعني الملاحين في أصل التسمية))
•
(3)
عمان بالكثير من بقايا المعالم الأثرية التي تروي قصة حضارات ضربت بجذورها في عمق تاريخ هذا الجزء الحيوي من جزيرة العرب، وتشير المكتشفات الأثرية الحديثة أن عُمان شهدت نشاطاً حضارياً في العصر الحجري الحديث والبرونزي يعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وقد قامت مستوطنات زراعية
(1) بن عمير، عامر بن علي حضارات عمان القديمة ص 14. (2) السيابي، سالم بن حمود بن شامس: عمان عبر التاريخ ج 1 ص 68.
(3) ابن منظور: لسان العرب ج 13 ص 407.
(12) (1/12)
صفحة 13
وتجارية في مناطق متعدّدة في ظفار ورأس الجتر، ورأس الحد، وبملا ونزوى
وبات، ورأس الحمراء والواسط، وسمد الشأن، والبليد وغيرها من المواقع.
وتم العثور على لقى أثرية في رأس الجنز بولاية صور وهي عبارة عن قطع
فخارية قديمة ذات نقوش وزخارف تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد. وفي مدافن بات بولاية عبري هناك مقابر قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقد بينت اللقى الأثرية من بقايا أجرار فخارية وشقف حجرية عمر تلك المستوطنات القديمة. وفي ظفار تمركز نشاط السكان التجاري قديما في وادي دوكه الذي يقع في منطقة نجد بعد المنحدرات الشمالية لسلسة جبال ظفار، ويبعد 35 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة صلالة الحالية، ويعد هذا الوادي من أهم المناطق المناسبة لنمو شجرة اللبان التي تنتشر في ظفار، ومن أهم مواقع إنتاج محصول اللبان إلى جانب وادي دو كه قديماً وادي انطور، ووادي حنون، ووبار،
ووادي حوجر. بينت التنقيبات الأثرية التي جرت مؤخراً في منطقة شصر بظفار، وجود مدينة ذات حضارة عريقة كانت ملتقى التجارة والطرق البرية ما بين جنوبي الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين والعالم القديم وهي مدينة وبار التاريخية.
كانت واحة الشصر نقطة التقاء مهمة لعبور الصحراء الشمالية لمنطقة ظفار، إذ ترحل إليها القوافل من مراكز إنتاج اللبان من وادي غدون وحنون وذهبون وبقية الأودية، ثم تنطلق هذه القوافل من ثغر ثمريت شمالاً في مسير يومين تقريباً عبر صحراء مقفرة، وقد تتجنب القوافل طريق الشصر، وتنطلق من حنون إلى وادي غدون (مشديد) ثم إلى مضي ثم إلى حبروت أو كما يلفظ محلياً (حييره) ثم
(13) (1/13)
صفحة 14
إلى سناو ثم إلى محمود ثم إلى وادي حضرموت ثم إلى المنافذ الأخرى في الجزيرة
العربية (1).
وعلى بعد ثلاثين كيلومتراً من مدينة صلاله في المنطقة التي تعرف محلياً بـ ((خور روري ((يوجد موقع منشآت ميناء سمهرم أهم الموانئ المشهورة في جنوبي الجزيرة العربية في تجارة تصدير اللبان وعرف بنعوت وأسماء مختلفة مثل موشكا أو موجا أو موسكا، وميناء البخور والعطور (2). وقد تم ذكره في نصوص يونانية قديمة تعود إلى الفترة ما بين القرن الأول والثاني الميلادي.
كما تم العثور على لوح برونزي عليه كتابات قديمة تتكون من ستة أسطر تقرأ من اليمين إلى الشمال ويرجح الدكتور البرايت انه يعود إلى القرن الثاني للميلاد، وترجع أهميته إلى انه يعطي لنا اسم المدينة سمهرم (س م هرم) ويذكر في الوقت نفسه (سين (ذا لم) معبود حضرموت الرئيس وبذلك يثبت في أسطر قليلة الصلة القديمة بين ظفار وحضرموت (3).
ولا زالت بقايا القلاع التاريخية المندثرة تقبع أكوام حجارتها فوق تلال سهول صلالة في موقع عين حمران وغيرها من المواقع الأثرية.
لقد تضافرت عوامل كثيرة على قيام تطور حضاري في ممالك جنوبي الجزيرة العربية شرقها وغربا، منها ما يتعلق بالموقع الجغرافي فعلى الرغم من بعدها عن مراكز الحضارات الرئيسة في العالم القديم فهي من ناحية أخرى لم تكن بمعزل عن تلك الحضارات التي تميزت بها كل من مصر وبلاد الرافدين وحوض البحر الأبيض المتوسط وبلاد فارس والهند والصين، فقد كانت موانئ
(1) المعشني سعيد بن مسعود: الآثار التاريخية في ظفار ص 86
(2) المصدر نفسه ص 8.
(3) بافقيه محمد عبد القادر: تاريخ اليمن القدم ص 48.
+
(18) (1/14)
صفحة 15
جنوبي الجزيرة العربية تشهد نمواً و نشاطاً تجارياً وبرياً وبحرياً مزدهراً، وكانت تلك الموانئ العربية قبلة للسفن القادمة من موانئ مصر وفارس والحبشة والهند حيث تفرغ هذه السفن حمولتها من المعادن الثمينة والأقمشة الحريرية والتوابل ثم تحملها القوافل البرية عبر طريقين رئيسين:
الطريق الأول: يسير من عُمان أو حضرموت ويتجه. شمالاً. غير بادية الدهناء حتى يصل إلى الخليج العربي ثم ينعطف غرباً فيخترق نجد حتى يصل إلى الحجاز، ثم إلى الشمال حيث تتفرع الطرق إما شمالاً إلى فينيقية وفلسطين فتدمر وإما غرباً
إلى مصر.
شمالاً ويسير
الطريق الثاني: ويبدأ من عُمان إلى حضرموت ثم إلى مختلف حواضر اليمن حتى خليج العقبة ماراً بمحطات مهمة مثل مكة ويثرب ثم يسير إلى البتراء فمعان ومنها يتفرع إلى الاتجاهات نفسها التي يتفرع إليها الطريق
السابق
(1)
ازدهرت وترعرعت شجرة الحضارة في جنوبي الجزيرة العربية وازدهرت الموانئ التجارية وتوسعت مدارك سكان جنوبي الجزيرة العربية ودرايتهم بمسالك البحر وتقلبات أنوائه ومعرفة اتجاهات الرياح الموسمية، وظهرت الموانئ العربية التجارية، ونشطت صناعة المراكب والسفن، وأصبح لعرب جنوبي الجزيرة السيادة على البحار في الجزء الجنوبي من المعمورة.
وهذا الازدهار الحضاري كان في وقت لا يقل عن الألف الثاني قبل الميلاد، وهو الوقت الذي تم فيه استخدام الجمل وسيلة للنقل والانتقال بين تلك الموانئ
(1) النعيم نوره عبدالله: الوضع الاقتصادي في جزيرة العرب في الفترة من القرن الثالث ق. م حتى القرن الثالث الميلادي ص 211 و 218.
(10) (1/15)
صفحة 16
والأطراف الصحراوية النائية من شبه الجزيرة العربية و عبر تلك القوافل التجارية يتم التواصل مع الأمم والحضارات الأخرى.
وظهرت سلع عربية جنوبية مهمة في مقدمتها اللبان والمر (1) لأول مرة في الأسواق الشمالية حول البحر الأبيض المتوسط، وقد ازدهرت عُمان وحضرموت تجارياً؛ إذ تميزت جبال ظفار بإنتاج اللبان، وكان ميناء (قنا) في حضرموت وميناء (سمهرم) في ظفار والتابعة أيضا للملكة حضرموت، وميناء صحار في عُمان من أهم الموانئ في جنوب شبه العربية.
يجمع
اللبان مناطقه المختلفة، ويشحن عن طريق ميناء سمهرم أو غيره من من الموانئ في ظفار رأساً إلى ميناء قنا (بئر علي بجنوب اليمن وهي الطريق الأكثر سهولة للبضائع القادمة من ظفار إلى المنافذ في جنوب اليمن. ومن هناك ينقل اللبان على ظهور الجمال مرة أخرى إلى وادي ميفعة نزولاً إلى وادي جردان، ومنه إلى أطراف بيحان السفلى، حيث يوجد طريق آخر من قنا مائلاً إلى الجنوب محاذياً أطراف قنا وهي أكثر سهولة. وتأخذ قوافل الرحلات المسار نفسه المشار إليه سلفاً. وهناك طريق بحري آخر من ظفار إلى خليج عمان والخليج العربي إلى بابل بالعراق، والموانئ الفارسية والهندية وبالذات ميناء ((ياركيم ((الذي أتى ذكره ضمن الموانئ التي تتعامل مع ظفار وتجارتها القديمة
(T)
(1) اللبان من المواد العطرية القديمة في جنوب شبه الجزيرة العربية، وهو مادة صمغية زيتية تستخلص في نبات (Ferule-gallbanintua) ولدى تجريح جذورها تحصل على مفرز صمغي وجزء آخر من العقار يحصل عليه من الإفراز الطبيعي للساق أو بقطعه، وتستخدم رائحته العطرية كبخور كما يدخل في العلاجات الطبيعية. أما المر فهو من المواد الزيتية الصمغية يتخلص من نبات - L.Commiphora Molmol) بشق يفتح في قشور الأشعار وتكون في البداية على شكل مفرز بلون أصفر لا تلبث أن تتصلب ويزداد لونها قتامة والمر من المواد المنبهة والمطهرة.
(2) بافقيه محمد عبد القادر: تاريخ اليمن القدم.
(17) (1/16)
صفحة 17
في ظل ذلك الازدهار الحضاري المبكر ازدهرت العلاقات بين ممالك جنوبي
الجزيرة العربية، وتم توحيد ظفار التابعة لحضرموت في إطار الدولة الحميرية، و في حين تعرضت مملكة حضرموت إلى غزوات السبئيين والحميريين، فإن عُمان لم تكن بمنأى عن غزوات الآشوريين والكلدانيين والبابليين والفرس، ومن ثم ممالك
العربية الجنوبية، وعُمان خضعت للملكة الحميرية التي تلت مملكة (سبأ)) (
ب: الأزديون والأسبذيون والمزون
1 - الأزد
"
(1)
الأزد ويقال لهم الأسد، وهي أفصح من الأزد (3)، وإبدال الحروف في اللغات السامية ظاهرة شائعة، وأيضا كانت القبائل العربية تبدل حروفاً في لهجاتها، ((وفي لغة عبد القيس الشخر لغة في الشخص، وهو الاضطراب - والمشارزة - المشارسة - المنازعة، والرجز - الرجس - أبدلت السين زاياً كما قيل للأسد بسكون السين: الأزد. وقيل الأسد جرثومة العرب، فمن أضل نسبه فليأتهم، الأسد بسكون السين، والأزد أبدل الزاي سيناً والجرثومة الأصل)) (3)
مع ملاحظة أن رسماً لحرف في اللغة العربية الجنوبية ((تداخل في النطق بين أحرف ((س، ز، د، (ذ (وهذا يعطي دلالة على تقرب الأسد - الأزد - إلى ثقافة العربية الجنوبية بصرف النظر عن كونهم أعراباً.
هناك أساس حقيقي لتقسيم العرب إلى شماليين وجنوبيين، وأيضا هناك استقطاب لسكان أواسط الجزيرة العربية في كل اتجاه ضمن حراك اجتماعي.
غير
(1) مايلز صامويل باريت الخليج بلدانه وقبائله ص 15. (2) إسحق أبويوسف يعقوب: إصلاح المنطق ص 185. (3) الجزيري، المبارك بن محمد: النهاية في غريب الأثر ج 1 ص 254.
(17) (1/17)
صفحة 18
التاريخ، ومع هذا الحراك الاجتماعي تعددت وتنوعت المؤثرات، وتوزعت القبائل إلى عدنانية وقحطانية، فمن الفريق العدناني نجد أن مضر وربيعة يعودان إلى أرومة
واحدة ((نزار)).
ومن الفريق القحطاني نجد اسم (قحطان نفسه إلى جانب كندة الأزد (الأسد)، ومذحج وغسان.
وكذلك
وزعم النسابون أن العرب العرباء هم من بني قحطان المنتمين إلى اليمن وإلى اصلين أو شعبين:
الشعب الأول: جُرْهُم وهم بنو جرهم بن قحطان، وكانت منازلهم باليمن ثم انتقلوا إلى الحجاز فنزلوه. الشعب الثاني: يعرب وهم أبناء يعرب بن قحطان، وقيل إنه أصل عرب اليمن ومنه تناسلوا إلى قبيلتين:
الأولى قبيلة حمير وذكروا أن الحمير عشرة أولاد ولكن جل قبائل حمير من ابنيه الهميسع ومالك، والى مالك تنتسب قضاعة وإلى قضاعة تنسب سبعة أحياء
من أحياء العرب هي بلي وجهينة، وكلب وعذرة، وبمراء، ونهد، وجرم. أما القبيلة الثانية من القحطانية وهم بنو كهلان بن سبأ: وجعلوا منهم أحد عشر حياً: الحي الأول الأزد بفتح الهمزة وسكون الزاي وبالدال المهملة، ويقال
بالسين بدل الزاي. والأزد هم بن الغوث بن نبت بن مالك بن أدد بن زيد بن كهلان، وقد قسموا الأزد الأسد إلى ثلاثة أقسام:
- أزد شنوءة وهم بنو نصر بن الأزد وشنوءة لقب لنصر غلب على بنيه. - أزد السراة بإضافة أزد إلى السراة وهو اسم الموضع الذي نزلوا به.
(14) (1/18)
صفحة 19
- أزد عُمان بإضافة أزد إلى عُمان.
ثم تأتي بقية أحياء كهلان وهي طي ومذحج وهمدان وكندة و قيل إن اسم كندة ثور بن عفير و مراد وأنمار وجذام ولخم والأشعريون، وعاملة.
ثم زعموا أن الأغلبية من تلك القبائل هم من قوم سبأ، وكانت مواطنهم مأرب، وقد أجبروا على الهجرة نتيجة للكارثة الطبيعية الطارئة التي تمثلت في سيل العرم، وتصدع سد مأرب ومن ثم الخياره.
لم تكن القبائل العربية في الجزيرة متحاجزة، و لم تكن الحدود بينها قاصمة قاسية، وإنما كانت هناك منافذ كثيرة تصل بينها وتتيح لها التواصل والتقارب وانسكاب بعض منها في بعض، والتقاء بعضها مع بعض، وينتج عن هذا الالتقاء والانسكاب مجموعات جديدة تجمع بين الأصلين وتنفرد عنهما. ولكن قصة الهجرة التي نتجت عن انهيار سد مأرب طغت وطوّعت لتشكيل الوعي القبلي العربي وصياغته على ما كانت عليه تلك القبائل من اندماج وتواصل.
ولعل قصة هجرة قبيلة الأزد بنوع خاص أقوى الهجرات تمثيلاً لحركة التمازج القبلي، وهذه الهجرة العجيبة التي دكت أرض الجزيرة العربية أمامها وضربت أطرافها، فنزلت هنا ونزلت هناك، وطلعت الجبال حتى اعتلت قممها، وهبطت الأودية حتى غلبت عليها، وقاربت بين القبائل الأخرى ثم افترقت عنها، ومضت في هجرتها وتوزعت في الأرض العربية شمالها وجنوبها شرقها وغربما في العراق والشام ومكة والحجاز وعُمان والبحرين وأطراف بلاد فارس، ويحدثنا عنها الهمداني فيقول:
((لما خرج عمرو مُزيقياء بن عامر ماء السماء هو ومالك بن اليمان من مأرب في جماعة الأزد، وظهر إلى مخلاف خولان وأرض عنس وصنعاء، فأقبلوا لا يمرون بماء إلا أنزفوه ولا بكلاً إلا أسحقوه، لما فيهم من العدد والعدد والخيل
(19) (1/19)
صفحة 20
والإبل والشاء والبقر وغيرها من أجناس السوام وفي ذلك تضرب الرواد تلتمس لهم الماء والمرعى، وكان من روادهم رجل من بني عمرو بن الغوث خرج لهم رائداً إلى بلاد إخوتمم همدان ... و رائد خرج لهم رائداً إلى بلاد إخوتهم حمير ... ثم إنهم أقاموا بأزال وجانب بلد همدان في جوار ملك حمير في ذلك العصر حتى استحجرت خيلهم ونَعمَهُم وماشيتهم وصلح لهم طلوع الجبال فطلعوها من ناحية سهام ورقع، وهبطوا منها على ذؤال وغلبوا غافقاً عليها، وأقاموا بتهامة ما أقاموا حتى وقعت الفرقة بينهم وبين عك، فساروا إلى الحجاز فرقاً فصار كل منهم إلى بلد، فمنهم من نزل السروات، ومنهم من تخلف بمكة وما حولها، ومنهم من خرج إلى العراق ومنهم من سار إلى الشام، ومنهم من رمى قصد عمان واليمامة والبحرين ... ولحق كثير من ولد نصر بن الأزد بنواحي الشحر
فخذ
وأطراف بلاد (فارس)) ((
(1)
وعلل رواة الأخبار والسير اسم الزعيم الأزدي الذي قاد شتات الأزد ((عمرو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء)) وقالوا: ((إن مزيقياء هو لقب عمرو المذكور وكان من ملوك اليمن وإنما لقب بذلك لأنه كان يلبس كل يوم حلتين منسوجتين بالذهب، فإذا أمسى مزقها، وخلعها وكان يكره أن يعود فيهما، ويأنف أن يلبسها أحد غيره .. )) (2) ومع ذلك فنحن نرى أن رواة الأخبار والسير صاغوا اسم هذا الزعيم الأزدي ((المفترض) عمرو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء على ثلاثة محاور مترابطة مستوحاة من واقع قصة الهيار سد مأرب فكان على النحو الآتي:
(1) الهمداني: صفة جزيرة العرب ص 206 - 210 باختصار.
(2) ابن منظور: لسان العرب ج 10 ص 343. ووفيات الأعيان ج 5 ص 357.
(20) (1/20)
صفحة 21
عمرو ((عمران ((? مزيقياء ((تمزق)) ? ماء السماء ((السيل)).)) ويبدو واضحاً محاولة رواة الأخبار وكتاب السير إحالة مدلولات اسم هذا الزعيم الأزدي استناداً إلى واقعة قصة قوم سبأ كما جاء بها القرآن الكريم في سورة سبأ لَقَدْ كَانَ لِسَبَا فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةً طَيِّيبَةٌ وَرَبِّ غَفُورٌ) (1).
مي
والشواهد تثبت أن على ضفتي تلك الجنتين قامت الحضارة وأنشئ ((العمران - الإعمار))، لكن الله بدلهم بجنتيهم بعد أن أعرضوا وأرسل عليهم سيل العرم ((ماء السماء)) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِحَتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُل حَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ " ثم يأتي العقاب الرباني لقوم سبأ والذي تمثل في أقسى صور الشتات لهم والتمزق ((مزيقياء)) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّاماً آمنينَ {18} فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلِّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (3)
ثم نقف أمام كارثة مأرب الطبيعية وأثرها في تشكيل الوعي القبلي العربي مما عكس نفسه في مشجرات الأنساب العربية الموضوعة التي تم التعارف عليها
فنستخلص الآتي:
(1) سورة سبأ الآية 15.
(2) سورة سبأ الآية 16. (3) سورة سبأ الآية 18 و 19.
(21) (1/21)
صفحة 22
أولاً: إن قبائل الجنوب كانت قبائل مستقرة عرفت ملكية الأرض، وعرفت كل منها حدوداً لا تتعداها وإن سكان مملكة مأرب طرقوا مسالك ودروب التجارة واعتمدت حضاراتها على دور الوسيط التجاري في نقل البضائع من وإلى الشعوب والحضارات الأخرى، وإن الزراعة شكلت رافداً ثانوياً مهماً لاقتصادها.
ثانياً: تباينت تقديرات مساحات – أرض الجنتين – تبايناً ظاهراً، فجرجي
(1)
زيدان ذكر أن مساحتهما مع سفوح الجبال المحيطة بما حوالي 768 كم مربع، وفي (مجلة العربي) قدرت مساحة الجنتين بـ (80) كم مربع (2)، وقدر نزيه العظم مساحة الجنة اليسرى بـ (30) كم مربع (3). أما محمود العلامات فقد حسب مساحة الجنتين بعد نزول ميداني وبطريقة اقرب للواقع، وكانت مساحة الجنة اليمنى 27,5 كم مربع ومساحة الجنة اليسرى 22 كم وتكون مساحة الجنتين 49,5 كم مربع (4))) وسد مأرب هو أضخم. منشأة. هيدرو تكنيكية في جزيرة العرب، يبلغ طول السد المبني من الحجارة المصقولة 600 متر وارتفاعه 14 متر، وهو سد مجمع وموزّع للمياه، ومساحة الأراضي الزراعية التي تروى من السد في واحة مأرب تقارب 10 آلاف هكتار حسب آخر المعطيات))
(0)
ثالثا: إن دوافع الهجرات من جنوب الجزيرة تختلف عن دوافعها من وسط
الجزيرة وشمالها، ومن السهل إرجاع سبب هجرة قبائل وسط الجزيرة إلى عامل الجفاف، ولكن من الصعب إرجاع هجرات قبائل جنوب الجزيرة إلى عامل الجفاف، لأن تصدع السد أو الخياره لا يعني أن مساحة من الأرض تقدر ب
(1) زيدان، حرجي: تاريخ العرب قبل الإسلام ص 174. (2) العدد 184 مارس 1974 ص 87
(3) العظم، زيه: رحلة في بلاد العربية السعيدة ج 2 ص 93.
(4) العلامات، محمد جلال: السبئيون وسد مأرب ص 211
(5) بتروفسكي، م. ب: جنوب الجزيرة العربية في العصور الوسيطة المبكرة ص 134.
(22) (1/22)
صفحة 23
(5 و (49) كم مربع هي الجنتان الوحيدتان في اليمن وإنما كانت سلة الغداء لعموم اليمن أو عمود اقتصاده القديم، بينما الواقع يقول إن الظروف المناخية للمرتفعات الغربية من اليمن تعد من أغزر مناطق الجزيرة العربية أمطاراً وأخصبها تربة وأكثرها مدرجات خضراء، وهي التي كانت ولا تزال ترفد أودية مأرب وسدها بالمياه المنحدرة من تلك المرتفعات.
رابعاً: بالرغم من أن تاريخ مأرب وتاريخ السد مرتبطان كيدين في البداية والنهاية فإن السد قد تم إعادة بنائه مرة أخرى وفي المنطقة التاريخية نفسها التي شهدت حضارة سبأ، وعلى الرغم من استعمال التقنيات الزراعية الحديثة ودخول الآلة بشكل واسع؛ فإن مأرب لا تكاد أن تفي بحاجة سكانها من الغداء ومستلزمات الحياة الضرورية لسكانها الذين لا يتجاوز إحصاء نفوسهم بضعة
آلاف نسمة.
يبدو
أن هناك عوامل أخرى منها اقتصادية ومنها سياسية، عجلت بالميار حضارة سبأ قبل الخيار السد وكانت نتائج ذلك الانهيار هجرة من هاجر من قبائل مأرب نحو الجنوب والشمال والشرق، ولكن هجرة قبيلة الأزد هي المشهورة وطغت أخبارها على غيرها من الهجرات، في حين لم تترك قبيلة الأزد آثاراً وكتابات بالخط المسند يستدل منها على أخبارها وآثارها ومآثرها وهجرتها، عدا إشارة نشوان بن سعيد الحميري (ت 573 هـ) في قصيدة له (1):
من الغوث عن شورى زهير ورأيه إلى مأرب بالأمر والنهي للأزد على أن بعد الغوث للأزد أمره وتجبى له الأطراف في الغور والنجد ولا يتعدى طاعة الأزد مأرب مدى الدهر ما وهم براكبه يحدي
وإن كان نشوان الحميري ابن محيطه الاجتماعي الذي عاش فيه وجاءت قصيدته ((ملوك حمير وأقيال اليمن ((انعكاساً لاتجاهاته الفكرية والسياسية التي
(1) الحميري نشوان بن سعيد: ملوك اليمن وأقيال حمير ص 27.
(23) (1/23)
صفحة 24
تمجد اليمانية – القحطانية - وهو متأثر في هذا المجال بالمؤسس الأول لهذا الاتجاه الذي يمجد العصبية اليمنية لسان اليمن أبي محمد الحسن الهمداني (ت 360 هـ).
ظهر كيان للأسد ((الأزد)) ربما بقيادة ملك يدعى الحارث بن كعب لعله نفسه الذي انتسبت إليه فيما بعد قبيلة بلحارث بن كعب، ويجمع المؤرخون اليمنيون على أن ((الأزد قبيلة يمنية، ولكنها لا تنتمي (في ما وصل إلينا) إلى أي من الكيانات السياسية اليمنية القديمة المعروفة .. بل كانوا في الغالب يتركزون حول نجران)) (1)
إن كلمة الأسديين، أي الأزديين)) أزد عُمان وأزد السراة)) وردت في ضريح امرئ القيس بن عمرو. وفي أواسط القرن الثالث أصبح ملكاً للأسد
الحارث بن كعب ومن ثم في أواخر القرن الثالث، أخوه مالك بن كعب (2).
•
جاء في نقوش المسند في الكتابات الحضرمية أن مملكة حضرموت تعرضت الغزوات منظمة من قبل السبئيين والحميريين، وكانت لها تداعياتها الديمغرافية على التوزيع السكاني في حضرموت، وقد استعانت مملكة حضرموت بقبائل البدو في أواسط الجزيرة العربية للخدمة ضمن الفرقة المقاتلة لحماية التحصينات العسكرية، والموانئ التجارية، وصد غزوات الممالك الجنوبية الأخرى، والحد من أطماعها في الاستيلاء على مملكة حضرموت، ومن ضمن هذه القبائل العربية قبيلتا قضاعة و الأسد – الأزد، وكندة.
ونجد في بعض المصادر العربية أن ((الأزد تفرقت مع من تفرق من أهل اليمن بسبب كارثة سيل العرم، وكان أوّل ذلك - على ما حملته الرواة بناء على نصيحة رئيسهم وكاهنهم عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن
(1) بافقيه محمد عبد القادر: في العربية السعيدة دراسات تاريخية قصيرة ص 32. (2) بتروفسكي: اليمن قبل الإسلام والقرون الأولى للهجرة ص 71.
(24) (1/24)
صفحة 25
مازن بن الأزد، الذي رأى أن مأرب عرضة للغرق، وأن السد معرض للانهيار فنصح قومه بالرحيل فارتحلت الأزد إلى يثرب وكانت حلفاء للأوس والخزرج، وتفرقت بيثرب فنازعتهم اليهود وغلبتهم، وسار قوم منهم يؤمون السراة، فأقام أزد شنوءة بالسراة وما حولها، وخرج منهم قبائل إلى عُمان، فكان أوّل من صار منهم إلى عُمان: مالك بن فهم بن غنم دوس. وتزوج مالك بامرأة من عبدالقيس، فولدت له عدة أولاد ثم لحق بعد مالك بن فهم جماعة من بطون الأزد)) (1). ويروي السالمي: ((أنه قبل الإسلام بألفي عام وذلك بعد ما أرسل الله على سبأ سيل العرم، خرجت الأزد منها إلى مكة وخرج مالك ابن فهم في جملة من خرج إلى السراة ثم منها إلى عُمان ... ثم إنه سار في مسيره ذلك حتى أخذ على برهوت وهو واد في حضرموت، فلبث فيه حتى راح واستراح وبلغه أن. بعمان الفرس، وهم ساكنوها، فعباً أصحابه وعساكره وعرضهم فيقال إنهم بلغوا زهاء ستة آلاف فارس وراجل، ثم انه أعد واستعد يريد عُمان، وقد جعل على مقدمته ابنه هناة (هنأة) بن مالك ويقال فراهيد بن مالك في ألفي فارس من صناديد الأزد وفرسانها؛ ثم سار يؤم عُمان حتى انصب على الشحر فتخلفت عنه مهرة ابن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ابن مالك بن. فنزلت
الشحر))
(1)
وفي عُمان واجه مالك بن فهم وقومه جيشاً من الفرس من جهة الملك دارا بن دارا بن يهمن بن اسفنديار وهم يومئذ أهلها وسكانها، وكانوا يسيطرون على
(1) اليعقوبي أحمد بن إسحق تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 175.
(2) السالمي عبدالله بن حميد: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان جاص 15.
(25) (1/25)
صفحة 26
الموانئ الساحلية ومرافئها التجارية، وعلى الأخص مرفاً صحار (1)، وقد طرد مالك بن فهم الفرس وأسس حكمه على الأراضي العُمانية، ومن جهة أعطت الأزد عُمان اسمها الذي يحيل كما تقول المأثورات إلى ((اسم هضبة كانت تعيش عليها قبائل الأزد قرب مأرب)) (2).
ثم لم يزل الملك في أولاد مالك بن فهم و لم يرجع أحد من الفرس إلى عُمان حتى انقضى ملك ولد مالك بن فهم وصار ملك عُمّان إلى آل الجلندى ابن المستكبر، وهو من معولة بن شمس وصار ملك فارس إلى آل ساسان وهم رهط الأكاسرة فتهادنوا هم وآل الجلندى بعمان على أن يجعلوا فيها أربعة آلاف من الأساورة والمرازية مع عامل يكون له بما عند ملوك الأزد، فكانت الفرس في السواحل وشطوط البحر، والأزد ملوك في سائر البلاد والأمور كلها منوطة بهم ...
فبقي الفرس المذكورون هنا حتى جاء الإسلام، فارتحلوا كلياً من عُمان (3)
ويذكر السالمي في تحفته؛ قصيدة تنسب لمالك بن فهم زعم أنه قالها في مسيره الذي ساره من السراة وخروجه من برهوت بحضرموت إلى عُمان يقول فيها:
جلبت الخيل من سروات نجد وواصلت الثنايا غير دان وسرنا بين أحقاف ورمل وغلفات تعاطاها بناني وأودية بها نعم وشاء يردن الماء تنزحه السواني به أولاد ناجية بن حزم وأوباش من الأمم الفواني جلبت الخيل من برهوت شعثا إلى قلهات من أرض عمان
(1) مايلز صامويل باريت الخليج بلدانه وقبائله ص 18.
(2) الأزكوي، سرحان بن سعيد: تاريخ عمان كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص 32. (3) السالمي عبدالله بن حميد: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج 1 ص 32.
(26) (1/26)
صفحة 27
لا ينبغي لنا أن نتجاهل بعض الألفاظ المستحدثة في هذه القصيدة والمفترض
لها أن تكون من العصر الجاهلي، ولا ينبغي لنا أن نغلق على أنفسنا باب الاجتهاد النقدي في الأدب كما قد أغلقه بعض الفقهاء في الفقه والمتكلمون في علم
من
الكلام، ولو وضعنا منهج الشك بقيمة هذه القصيدة فسوف تبدو لنا بأنها ليست الجاهلية بشئ، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام في عُمان، وأن تأثير السياسة والعصبية دعت إلى نحلها وحشوا ألفاظها حشواً، لتمجيد قبيلة الأزد العربية وخروجها وانتصارها البطولي على العنصر الفارسي في عُمان، لأن رغبة أزد عُمان في حاجة أن يعتزوا بأصولهم العربية، التي يحرصون عليها في ظل ظروف محلية تحيط بهم حين كان النزاع السياسي بين العنصر الفارسي والعنصر العربي حقيقة واقعة في تاريخ عُمان القديم. ومن ثم فيما بعد ظهور الإسلام حين انتقل هذا الصراع بين القحطانية والمضرية.
مهما اتفق المؤرخون العُمانيون وغير العُمانيين بأن انهيار سد مأرب هو السبب الذي دفع بالقبائل اليمنية للوصول إلى عُمان، إلا أن السبب الرئيس سيظل وراء حراك القبائل العربية عبر الصحراء بدوافع اقتصادية، والصراع على المصالح والنفوذ وتأمين طرق التجارة البحرية والرغبة في التوسع وإحكام السيطرة على جميع موانئ سواحل شرق وغرب جنوب الجزيرة العربية، والوقوف أمام الأطماع الفارسية وغيرها من أمم تلك الحضارات القديمة.
(1)
إن ما سمعه المؤرخ العماني السالمي ((ممن يدعي المعرفة قوله كان قبل الإسلام بألفي عام ... )). جنوح على مشارف حقيقة بداية الوجود العربي في عُمان ولكن بتحفظ حذر نختلف معه في التعليل بأن ذلك الخروج العربي اليمني إلى
(1) المصدر نفسه: نفسه: ج 1 ص 13.
(27) (1/27)
صفحة 28
عُمان جاء بعدما أرسل الله على سبأ سيل العرم. والمصادر التاريخية تختلف في تحديد خراب وانهيار سد مأرب بين القرن الخامس والسادس الميلادي.
وإذا حلت علاقة الأزد بمأرب وقصة سيل العرم كما تصورها بعض روايات الإخباريين مشكلة نسب الأزد، فإنها لا تحل مشكلة نسب كل القبائل الأخرى التي دخلت في تحالف أو حاول القحطانيون اجتذابها إليهم، وهي القبائل التي عرفت بأنها قضاعة.
ثم إن هناك شكاً كبيراً في أن المهرة تخلفت عن الأزد حين سارت من مأرب تؤم عُمان، أو أنها من قضاعة، فالمهرة أصيلة في أرضها ولغتها التي تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد في أقل تقدير.
وهذه الهجرة التي يقولون إن فريقاً من عرب اليمن قد اضطر إليها اضطراراً بعد حادثة سيل العرم. ولكن من الذي يستطيع أن يثبت لنا الآن أن هذه الهجرة حق لاشك فيه، فهي من أحاديث القصاص إلى أن تقوم عليها الأدلة العلمية. نعم! ذكر القرآن سيل العرم، وأثبت البحث الحديث أن قد كان سيل العرم. وذكر القرآن أن هذا السيل قد تمزقت له سبأ كل ممزق، ولم يزد القرآن على هذا، فلم يحدد تاريخ سيل العرم، ولم يقل كيف مزقت سبأ كل ممزق، و لم يسم لنا القبائل السبئية التي مزقت، ولم يبين لنا المواطن التي هاجرت إليها، و لم تستكشف بعد نصوص تسمى هذه القبائل أو تدل على هذه المواطن
(1)
والعُمانيون شأنهم شأن كل العرب والعرب شأنهم شأن الأمم القديمة التي خضعت للمؤثرات التي دعتهم إلى نحل الأخبار والسير والتاريخ، ولا تزول هذه
(1) حسين طه في الأدب الجاهلي ص 13.
(28) (1/28)
صفحة 29
المؤثرات لأنها ممزوجة من عنصرين قويين جداً، هما الدين والسياسة. هم مسلمون لم يظهروا على المسرح العربي إلا بالإسلام وهم محتاجون إلى أن يعتزوا بمذا الإسلام ويرضوا به دينا، وهم في الوقت نفسه أهل عصبية وأصحاب مطامع ومنافع، فهم مضطرون إلى أن يراعوا هذه العصبية ويلائموا بينهما وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم.
والباحثون المختصون في علم الكتابات القديمة ((الابيغرافيا)) استنطقوا النقوش وتوصلوا إلى استنتاجات تؤكد بأن التحام قبائل الأزد ((الأسد)) وكندة ضمن النسيج الاجتماعي | لسكان جنوبي الجزيرة العربية في العصور القديمة والقرون الوسيطة، قد جرى وتم ضمن عملية التحامهم ضمن البدو الرحل الذين يستخدمون من قبل الممالك اليمنية المختلفة ومن ضمنها المملكة الحضرمية في الفرق العسكرية المقاتلة؛ فمثلاً كان أحد قادة الجيوش الحضرمية المسمى ((ثوبسي)) في عهد الملك الريام يدم في أواسط القرن الثالث الميلادي يحمل لقب ((سيد الأعراب)) swd ibn نقش المعسال: سطر 11؛ 99: وفي نقوش العقلة يذكر شهر بن وائل بلقب)) كبير مهرة ((/ kbr mhrn / جام 4877 RES. وإضافة إلى استمالة المملكة الحضرمية مثلاً للبدو الرحل ذوي الأصول المحلية إلى جانبها، فأنها حاولت في الوقت نفسه أن تكتسب أعراب وسط الجزيرة العربية أيضا.
كانت قبيلة الأزد ((الأسد (الأزد / sdn / تتمتع بالنفوذ الأكبر في حضرموت بين أوساط قبائل الرّحل من وسط الجزيرة العربية، وقد تقرب يدع أيل بين بن رب شمس مؤسس عائلة يهبئر الملكية، تقرب عن طريق الزواج، إلى قبيلة الأزد في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي (جام 957 - RES 4878)، وكان لرب شمس - أحد أبناء هذا الملك مكانة مرموقة في أوساط
(29) (1/29)
صفحة 30
الأزد، وقد حصل على لقب خير (الأزد / hy sand / (جام 977 - RES
(1)
(( ... (8917
2 - الأسبذيون:
كتب النبي صلى الله عليه وسلم ((من محمد رسول الله لعباد الله الأسديين ملوك عُمان ... ) وأسد عُمان كان فيهم بالبحرين وروي الأسبذيين، وأهل من العلم بالنسب يقولون في القبيلة التي في اليمن التي يسميها العامة الأزد - الأسد والأسيذون كلمة أعجمية معناها عبدة الفرس وكانوا يعبدون فرسا، والفرس بالفارسية أسب (2).
ومن المرجح أن الأسبذيين من الأزد اعتمادا على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، الموجهة إليهم. ((وينسب الرجل إلى الأسبذيين وهم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين ويقال نسبة إلى قرية بالهجر يقال لها الأسبذ)) (3)
تعددت الأقوال في سبب تسمية هؤلاء القوم بالأسبذيين، ومن الأقوال التي نقلت بل أشهرها أنهم وسموا بهذا الاسم لأنهم كانوا يعبدون الخيل وأنهم ينسبون المشهور إلى تميم قوم المنذر بن ساوى.
ولم يرد في المأثورات التاريخية العربية أن الخيل كانت ضمن معبوادت سكان الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام ولم تؤكد معطيات الآثار المزاعم التي تقول:
(1) فرانتوزوف سرجيس تاريخ حضرموت الاجتماعي والسياسي قبيل الإسلام وبعده ص 55. (2) الزمخشري محمود بن عمر الفائق في غريب الحديث ج 1 ص 43.
(3) البلاذري، أحمد بن يحيى: فتوح البلدان ص 89.
(30) (1/30)
صفحة 31
بن
((إن أسبذ بالفتح ثم السكون ثم فتح الباء الموحدة، ودال معجمة، في كتاب الفتوح: أسبذ قرية بالبحرين صاحبها المنذر بن ساوي، وقد اختلف في الأسبذيين من بني تميم لِمَ سُمِّوا بذلك؛ قال هشام بن محمد السائب: هم ولد عبدالله بن زيد بن عبدالله بن دارم بن مالك: حنظلة بن مناة بن تميم، قال: وقيل لهم الأسبذيون لأنهم كانوا يعبدون فرساً؛ قلت أنا: الفرس بالفارسية اسمه أسب، زادوا فيه ذالاً تعريباً، قال: وقيل إنهم يسكنون مدينة يقال لها اسبد بعمان فنسبوا إليها وقال الهيثم بن عدي: إنما قيل لهم الأسبذيون أي الجماع، وهم من بني عبدالله بن، دارم منهم المنذر ابن ساوى صاحب هجر الذي
كاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء في شعر طرفة بن العبد)) (1):
فأقسمت عند النصب إني هالك بمتلفة ليست بغبط ولا خفض خذوا حذركم أهل المشقر والصفا عبيد اسبذ والقرض يجزي على القرض
(2)
:
وذكر ابن منظور في حديث ابن عباس (جاء رجل من الأسبذيين إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. قال: هم قوم من المجوس لهم ذكر في حديث الجزية وقيل كانوا مسلحة الحصن المشقر في أرض (البحرين)). وما قاله ابن منظور يؤكد أنهم مجموعة استثنائية ممثلة للحكم الفارسي على الجانب الغربي للخليج العربي.
إن ظاهرة تسمية العرب لعدد من أبنائهم وبناتهم بأسماء فارسية شائعة، ويأتي اسم قابوس بن النعمان بن المنذر و دختنوس بنت لقيط بن زرارة ضمن هذه
الأسماء والأعلام التاريخية التي سميت بأسماء فارسية فضلاً عن تسمية بعض بطون قبائلهم بتلك الأسماء كالأسبذيين الذين يتنسبون إلى أسبذ وهو لفظ مأخوذ من كلمة فارسية تعني الفرس (الخيل).
(1) الحموي، ياقوت: معجم البلدان ج 1 ص 171. (2) ابن منظور، لسان العرب ج 4 ص 493.
(31) (1/31)
صفحة 32
يبدو أن شعوب فارس أطلقت على هؤلاء القوم الأسبذيين حين رأوا منهم شدة عنايتهم بالخيل، بحيث عدوها نوعاً من التقديس بل ربما تخيلوها ضرباً من
العبادة، فوسموهم بهذه التسمية التي أخذها عنهم من جاء بعدهم فتوهم أنهم كانوا
يعبدونها حقاً.
المزون
إن التحالفات القبلية ظاهرة عربية شائعة من قبل ظهور الإسلام وبعد ظهوره، إذ تقوم على أسسها كيانات قبيلة متعددة البطون واسعة النفوذ، و قول الشاعر عمرو بن الدراك العبدي:
واني إن قطعت حبال قيس وحالفت المزون على تميم لأخسر صفقة من شيخ مهو وأجور في الحكومة من سدوم
بين لنا عدم حاجته الشاعر إلى تغير لعبة التحالفات حتى لا يخسر قواعد اللعبة.
ومزون بفتح أوله وضم ثانيه قيل إنها من أسماء عُمان، والمزون البعد وقيل ان مزون اسم من أسماء عُمان بالفارسية (1). وقيل قرية من قرى عُمان يسكنها اليهود) وكانت العرب أيضا تسمي عُمان المزون إلا أن الأزد كانت تكره أن تنتسب لهذا الاسم قال الكميت:
فأما الأزد أزد أبي سعيد فأكره أن تسميها المزونا
(1) الحموي ياقوت (معجم البلدان جه ص 122
(2) البكري عبدالله بن عبد العزيز: معجم ما استعجم من أسماء البلدان والمواضع ج 4 ص 1222.
(32) (1/32)
صفحة 33
قال الجوهري: هو أبو سعيد المهلب المزوني، إني أكره أنسبه إلى المزون وهي أرض عُمان، يقول هم من مضر، وقال أبو عبيدة: يعني بالمزون الملاحين، وكان أردشير بابكان جعل الأزد ملاحين بشحر عُمان، قبل الإسلام بستمائة عام
(1)
ويعود النسابون بالمهلب بن أبي صفرة إلى أسد بن عمران بن عمر بن مازن الأزدي، ولعل الاسم جاء نسبة إلى جدهم مازن وإليه انتسب المزون.
وما جاء في خبر أبي عبيدة بأن الفرس جعلوا من الأزد ملاحين بشحر عُمان يسوغ ما تعرضت له الأزد من السخرية والتندر والهجاء في الشعر العربي وروى الجاحظ (2) شيئاً من هذا الهجاء الذي قاله وائلة بن خليفة السدوسي في عبدالملك بن المهلب وربط الشاعر فيه بين الأزد والمزون:
لقد صبرت للذل أعواد منبر تقوم عليها في يديك قضيب بكى المنبر الغربي إذ قسمت فوقه وكادت مسامير الحديد تذوب رأيتك لما شبت أدركك الذي يصيب سراة الأزد حين تشيب سفاهة أحلام وبخل بنائل وفيك لمن عاب المزون عيوب وقد أوحشت منهم رساتيق فارس وبالمصر دور جمة ودروب إذا عصبة ضجت من الجرح ناسبت مزونية إن النسيب نسيب
وصرح شاعر مضر عباد بن الحارث بن سريج من تبرمه في أن يكون للأزد العمانيين شأن في الحكومة والقضاء بأرض (مرو) حين قال:
وأصبحت المزون بأرض مرو تقضي في الحكومة ما تشاء يجوز قضاؤها في كل حكم على مضر وإن جار القضاء
(1) ابن منظور لسان العرب ج 13 ص 407.
(2) الجاحظ، عمرو بن بحر البيان والتبيين ج 2 ص 384.
(33) (1/33)
صفحة 34
وذكر البلاذري أن الهيثم بن عدي قال: استبطأ الحجاج المهلب فكتب إليه: ((إنك مزوني وابن مزوني، وللعجب منك حين تهاب قتال الأزارقة، كأنك ترى أنك ترث الأرض ... ) فكتب إليه المهلب: ((أما بعد فقد جاءني كتابك وإني مزوني وابن مزوني ما أنكر ذلك، وإنما مزون عُمان سمتها العجم بذلك، ولكن الأمير أصلحه الله من قبيلة ادعت إلى حمير، ثم إلى أياد، ثم إلى عدوان، ثم إلى قيس بن منبه)).
(1)
وحين أتى مسلمة بن عبدالملك برؤوس يزيد بن المهلب وأخوته قال الشاعر جرير الخطفي (
(T)
والأزد قد جعلوا الأزدي قائدهم فقتلتهم جنود الله فاسفوا إن المزون رجوا ما لم يكن لهم في سالف الدهر معروفاً ولا عرفوا
وكل ذلك يأتي ضمن سياق الدعايات التي يروّج لها وسط محيط يشهد صراعاً سياسياً تحتدم فيه العصبيات القبلية، التي ظهرت بعد مقتل الخليفة عمر بن الخطاب (رضي) وانتهت بالخلافة بعد المشورة إلى عثمان (رضي) الذي مكن لأبي سفيان أن يخطو بفكرته السياسية خطوة لا تحصر الخلافة فيها في قريش فحسب، بل أصبحت في بني أمية خاصة. واشتدت عصبية قريش، واشتدت عصبية الأمويين، واشتدت العصبيات الأخرى بين العرب وعاد العرب إلى ما كانوا فيه في جاهليتهم من التنافس والتفاخر في جميع الأمصار الإسلامية.
وفي سياق هذه العصبيات استطاع لسان اليمن أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني بذكائه أن يخلد خطرات أفكاره، ويصور ألوان نزعاته الهمدانية اليمنية،
(1) البلاذري، أحمد بن يحيى انساب الأشراف ج ص 424.
(2) بن أعثم، أحمد: الفتوح ص 255.
(34) (1/34)
صفحة 35
ويصبغ بما كل ما يقع نظره عليه في مؤلفاته عن تاريخ اليمن القديم وأنساب
قبائله
، وكان الهمداني شاعراً يجيد الشعر ويحسن تكلفه، له دواوين شعر بلغت
ستة مجلدات على ما نقله السيوطي عن مؤرخ اليمن الخزرجي)
(1)
وقد جاء الهمداني بأشعار زين بما كتبه وقصصه على أنها صدرت عن اليمنيين حقاً، فخدعت فريقاً من العلماء والمؤرخين فقبلوها، وعلى ما في هذا تكلف حيناً وإسفاف حيناً آخر، فإنه يستحيل أن يكون قد
الشعر من
صدر عن الذين ينسب إليهم من قوم عاد أو حمير. أو تبع، وإنما هو مجرد دعوة لتمجيد اليمانية ورفع شأنها وإثبات أن لها سابقة في الجاهلية تستطيع أن تثبت بما أمام نبوة المضريين وخلافتهم.
وأنت أيها القارئ أنظر إلى هذه الأبيات من هذه القصيدة التي نسبها الهمداني إلى بعض من آل أسعد بن ملك يكرب تبع وذكر فيها منازل من خرج من اليمن في سائر جزيرة العرب وغيرها:
وقد فارقت منها ملوك بلادها فصاروا بأرض ذات مبدى ومحض وقد نزلت منا خزاعة منزلا كريماً لدى البيت العتيق المستر وفي يثرب منا قبائل إن دعوا أتوا سرياً من دارعين وخسر وغسان حي عزهم في سيوفهم كرام المساعي قد حووا أرض قيصر وقد نزلت منا قضاعة منزلا بعيدا فأمست في بلاد الصنوبر وأزد لها البحران والسيف كله وأرض عُمان بعد أرض المشقر ومنا بأرض الغرب جند تعلقوا إلى بربر حتى أتوا أرض بربر
(1) الهمداني، الحسن بن أحمد: الإكليل الكتاب العاشر ص 19.
(01) (1/35)
صفحة 36
ثم انظر إلى هذه الأبيات من قصيدة أضافها الهمداني إلى (جماعة البارقي) يذكر فيها مسير الأزد إلى السروات ومكة وما حولها وإلى العراق ومنهم من سار إلى الشام ومنهم من رمى قصد عُمان واليمامة والبحرين يقول جماعة البارقي:
حلت الأزد بعد مأربها الغو رفأرض الحجاز فالسروات ومضت منهم كتائب صدق متجدات تخوض عرض الفلاة فاتت ساحة اليمامة بالأظ عان والخيل والقنا والرماة فأقرت قرارها بعمان فنان محل تلك الحماة وسمت منهم ملوك الشأ م على التبينية المضمرات فاحتووها وشيدوا الملك فيها فلهم ملك باحة الشامات تلكم الأكرمون من ولد الأز د لغسان سادة السادات
إلى أن يقول فيها:
نحن أهل الفخار من ولد الأز د وأهل الصياء والظلمات هل ترى اليوم في بلاد سوانا من ملوك وسادة وولاة
إن هذا الشعر الذي وقفت عليه أيها القارئ، جاء لإرضاء العصبيات وتأييدها وهو وسيلة لتسجيل طائفة من المفاخر التي كانت تضاف إلى القبائل اليمانية، ولا يتعدّى أن يكون هذا الشعر وغيره متصلاً بالقصص والأيام والمفاخر والعصبيات، التي ظهرت وازدهرت في عهد الدولة الأموية، وراجت مع أيام ذكر المثالب والمفاخر بين دعاة العصبية للقحطانية أو العدنانية، من وضع دعاة العصبية اليمنية في عهد الدولة الأموية وهو متصل بالقصص والأخبار والأساطير، ثم طوع بتكلف ولوي عنقه لياً لأسباب سياسية وعصبية.
لابد من إدراك أن التطور التاريخي هو ذو مغزى وأهمية لسكان الجزيرة العربية، وأن الحراك الاجتماعي هو مفتاح العلاقات الاجتماعية والسياسية
(17) (1/36)
صفحة 37
المستقرة قبل أن تبدأ ظاهرة تقسيم الأقاليم في جزيرة العرب، والمقصود بالحراك الاجتماعي انتقال قبائل البدو الرحل بين المصادر الشحيحة من الأمطار في الصحراء وبين المراعي والزراعة ومرافئ الصيد واستخراج اللؤلؤ وممارسة النشاط التجاري بين الموانئ الساحلية من شواطئ الخليج العربي وحتى شواطئ شرق أفريقيا والهند والصين، وهذا الحراك الاجتماعي شكل عبر تاريخ المنطقة التحولات السياسية وكان يقود أحياناً رغبة التحول في التبعية من شيخ إلى آخر، ومن ملك إلى آخر، ومن إمبراطورية إلى أخرى.
لقد كان في شدة الجدب والقحط دافع مهم لقبائل وسط الجزيرة العربية للتحرك في موجات من الهجرة للالتحاق في جيوش الممالك الجنوبية القديمة، أو جيوش الامبراطوريات الرومانية والفارسية، أو ضمن جيوش الفتوحات الإسلامية فيما بعد، وكانت مهمة أبناء هذه القبائل محاربة الأعداء وصد القوى الأجنبية. وذلك ما يريده منهم شعوب تلك الممالك والامبراطوريات باستمرار، وظلت بنية تلك الدول والممالك والإمبراطوريات مهيمنة على عرب وسط الجزيرة العربية، وظل وضع الأفراد داخل تلك الدول هو المتغير، وهو السائد في معظم تلك الامبراطوريات قبل الإسلام، وبعده وهذا النمط كان محل دراسة المؤرخ وعالم الاجتماع ابن خلدون حين درس وبحث الأنماط الحضارية في التاريخ في مقدمته الشهيرة، وعلل فيها القيم التي تشكل أسس الحضارة، و ((بأن طور الدولة أولها بداوة ثم إذا اتسع الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال، والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة)) (1).
وعلى الرغم من الفجوة التاريخية التي تواجهنا أمام تاريخ واسم عُمان، فإن الفجوة أيضا تتسع حين يتطرق البحث عن الأصول العربية للقبائل التي كانت
(1) ابن خلدون: المقدمة ص 304.
(37) (1/37)
صفحة 38
بعمان قبل الإسلام وبناء على التزر البسيط من المعلومات المستخرجة من ترجمة النقوش اليمنية، ومن ملتقطات كتب السير والتراجم والتاريخ والأدب واللغة وغيرها من الأسفار التي شكلت الوعي العربي، عن مدلول كلمات ((الأزد الأسد - الأسبذيون – المزون ((لا يمكن لنا أن نحكم بالجزم المطلق حول الأصول القلبية لهذه القبيلة العربية وبداية وجودها في عُمان.
من المرجح أن الأزد من قبائل وسط الجزيرة العربية، شأنها شأن قبائل كندة وتميم وقبائل من عبد القيس، تحركت قبل الإسلام وبعده في موجات مختلفة الهجرات العربية إلى جنوبي الجزيرة العربية وشرقها.
من
ج - سكان عمان:
إن النظام القبلي العربي قبل ظهور الإسلام وفي ظل وجود بعض المستوطنات الفارسية في سواحل عُمان، كان بشكل عام يتألف من عدة عشائر تهيمن على مساحات واسعة من عمان ضمن حدودها التاريخية القديمة والممتدة من شبه جزيرة قطر حتى حدود حضرموت؛ فكان معظم أهل عُمان منتظمين في مجموعات قبلية تتخذ من المناطق الداخلية تجمعات رئيسة لها، لمزاولة الرعي والزراعة، وتتخذ من حواضر الساحل نقاطاً للنشاط التجاري، وتأتي قبيلة الأزد على رأس الحرم القبلي، إذ وصفت عُمان بأنها ((ديار الأزد)) (1) وقيل إنهم هم الأغلبون على عُمان ()، وكان أزد عُمان عند ظهور الإسلام مكونين من عدة عشائر وبطون أهمها بنو معولة ابن شمس بن عمرو ومنهم جيفر وعبد ابنا الجلندى بن المستكبر حكام عُمان عند ظهور الإسلام، وكان مركزهم صحار مما
(1) أبو الفداء: تقويم البلدان ص 99. (2) البلاذري، أحمد بن يحيى: فتوح البدان ص 78.
(38) (1/38)
صفحة 39
يدل على سكناهم أيضا عند الساحل، وأن بيدهم القيادة السياسية على موانئ عُمانية مهمة. ومن القبائل العربية التي استوطنت عُمان قضاعة، ومنها بنو جرم ومن أهم. بطون بني، جرم، ناجية، وراسب بن الخزرج وقدامة، وملكان، ويطلق عليهم أتلاد عمان وإنهم استوطنوها مجاورين للأزد، وقيل الأتلاد بطون من عبد القيس يقال لهم أتلاد عُمان (1)
ومنها بنو ريام، قال الهمداني فمن قبائل القمر بنوريام، وبلدهم قرية يقال لها رضاع على ساحل بحر عُمان ولهم جبل حصين بناحية عُمان يمتنعون فيه يعرف يجبل بني ريام) (
(2)
استوطنت عُمان من أزمنة قديمة بعض من بطون عبدالقيس، وإن أتلاد بطون من عبدالقيس أتلاد عُمان لأنهم سكنوها قديماً (3)، ودخلت قبائل من عبدالقيس .... جوف عُمان فصاروا شركاء للأزد في بلادهم وهم الأتلاد أتلاد عُمان (4). ومن القبائل العُمانية المشهورة عند الفتح الإسلامي بنو سامة بن لؤي، وينسبها النسابون إلى قريش، احتفظوا بوحدتهم القبلية فلم يندمجوا بالأزد، إلا أنهم صاروا فيما بعد حلفاء للأزد (9). وإن مناطق سكناهم توام ((قرية لبني سامة
بن لؤي)) (1).
(1) ابن منظور: لسان العرب ج 3 ص 100.
(2) الهمداني: الإكليل ج 1 ص 191 - 192. (3) جمهرة اللغة ج 2 ص 9.
(4) البكري، عبدالله بن عبدالعزيز: معجم ما استعجم ج 1 ص 82.
(5) ابن حبيب المخبر ص 168. ابن كثير: البداية والنهاية ج 2 ص 203. البكري: معجم ما استعجم
ج اص 46.
(6) الحموي، ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص 54.
(39) (1/39)
صفحة 40
وهناك انتماءات أثنية أخرى لا تدخل ضمن سلاسل الأنساب العربية، ولم تحرص أن تقتفي أصولها التي تنتمي إليها كما أن لبعض تسميات القبائل والمناطق العمانية مدلولاتها التاريخية، كقبيلة بني ريام وهي من الألفاظ الواردة في النقوش اليمانية ومنها معبد ريام.
كما إن ظاهرة أسماء الأماكن المختومة بلفظ) أوت) ظاهرة شائعة في جنوب الجزيرة العربية وخاصة في حضرموت والمهرة وظفار مثل کلبوت وديعوت، وسيحوت، وبرهوت و خرفوت وضلكوت، ورخيوت، ووادي ريثوت، ووادي عربوت، وريسوت، التي أشار إليها الهمداني بأنها في المنتصف بين عدن وعمان، وهي قلعة مبنية بنيانا جميلاً على جبل، والبحر محيط بها إلا من جانب واحد، وبما سكنى من العرب الأزد من بني جديد، والقمر، وبني خنزيت (1).
وهناك مسميات في المهرة وغرب عُمان - منتهية ب: أيت: كثمريت ورحميت، وخصيت .... إلخ
وعلل السيد علوي بن طاهر الحداد لفظ (أوت (على أنه يدل على معنى قرية أو ما يشبهها، ثم يضاف إليه الأسماء المختلفة كما هو موجود في بعض بلاد العراق والهند من الأسماء المضافة إلى كلمة أباد مثل أسد أباد، وأحمد أباد، الله أباد وغير ذلك)) (2).
(1) المعشني سعيد بن مسعود: الآثار التاريخية في ظفار ص 54. (2) الحداد علوي بن طاهر الشامل في تاريخ حضرموت ص 24.
(40) (1/40)
صفحة 41
ويبدو أن لفظ (أوت) في اللغة الجنوبية القديمة يدل على معنى أرض أو بلاد
ولعل في تعليل اسم حضرموت المركب هو أرض الحضر أو بلاد الحضر.
هكذا كان التكوين الجيوسياسي لعُمان عند ظهور الإسلام، قبائل شاءت أن تنقطع عن منطقة قلب صحراء العربية، إما بفعل السلسلة الجبلية التي تفصل عُمان عن اليمن أو بفعل نمط الحياة في المناطق الساحلية في الخليج العربي، حياة تميز خصائص البدوية بين تمدد واستبدال أفقي عبر الصحراء العربية الواسعة، وتحرك إلى المناطق القريبة من المياه والزراعة حيث توجد المراعي الصحراوية الموسمية، أو البحث عن أنشطة أخرى مكملة للنشاط الرئيس مثل التجارة والأنشطة البحرية
الأخرى.
ومن اللافت أن ظاهرة هذا الحراك النشط عبر التاريخ لزم منطقة عُمان التاريخية الممتدة حدودها من شبه جزيرة قطر حتى حدود حضر موت حيث تشهد حراكاً اجتماعياً مستمراً، يتمثل في انتقال البدو الرحل من سكان أواسط الجزيرة العربية إلى مناطق ساحل الخليج العربي ((ساحل عُمان الشرقي)). وظل هذا الحراك يقود إلى تحالفات واستقطابات بين القبائل المختلفة في الخليج العربي بشكل عام، تزامن أخيراً مع هجرة قبائل آل مرة والدواسر في القرون الأخيرة، وكان متوازياً مع هجرة قبائل العتوب وبعض الجماعات من قبائل تميم في أواخر القرن السابع عشر الميلادي.
إذ شكلت قبائل ((العتوب)) حلفاً عشائرياً واتحاداً قبلياً كان موازياً لا تحاد القبائل التي تنحدر من تميم، ونشأ من هذين الإتحادين خلال القرون الأخيرة قيام عدة مشيخات صغيرة تحولت بعد ظهور النفط إلى دول ذات سيادة معترف بها.
والعتوب هم ((حلف عشائر متعددة تضم أسرة آل خليفة وآل صباح وآل جلاهمة وبعض العشائر المتحالفة. معهم، وقد تنقل العتوب من قطر إلى البصرة ثم
(21) (1/41)
صفحة 42
الكويت، وفي الكويت استقر آل صباح وهاجر آل خليفة وآل جلاهمة إلى قطر مرة أخرى في منطقة الزبارة، ومن الزبارة اتجه آل خليفة إلى جزيرة البحرين (أوال) وأسسوا كياناً سياسياً مثل آل الصباح في الكويت)) (1).
وبهذا تشكلت صياغة الجغرافيا القبلية والاقتصادية للمنطقة من عُمان وحتى شط العرب. وظهرت بذلك كل الأسماء الحالية للأسر الحاكمة الرئيسة. وبذلك استمرت قصة السيادة السياسية لعرب وسط الجزيرة العربية على الخليج وإمارات ساحل عُمان التي تمتد فصولها منذ زمن عبد القيس في عصور ما قبل الإسلام. واستمر معها إعادة تكرار قصة ربط أصول بعض العائلات الحاكمة إلى قبائل
وسط الجزيرة العربية أو إلى مأرب كما ربطت من قبل أصول قبيلة الأزد.
وعلى العموم فإن هذه المعلومات مدعاة للشك ويزيد من الشك حولها اختلاف الروايات المتعدّدة في مأثورات العربية المتمثلة في التخريجات المختلفة لتسمية مزون - الأزد الأسد الأسبذ بالزاي بالسين- بزيادة الباء والدال
المعجمة .. إلخ.
و مما لاشك فيه أن الخريطة الجيوسياسية لما كانت عليه عُمان في القرن السادس الميلادي وقبل ظهور الإسلام تتمثل في:
أ- أن الفرس كانوا هم المهيمنين على المناطق الساحلية من عُمان، وكان ولاؤهم المطلق للحكومة المركزية في، فارس، وظلت بنية الدولة الساسانية ذاتها مهيمنة عليهم، والامبراطورية الساسانية قامت على اساس نظام حضاري راق في
الحكم.
(1) الخليفة عبدالله خالد من تاريخ العتوب في القرن الثامن عشر مجلة الوثيقة عدد يناير 1989 م
ص 12.
(42) (1/42)
صفحة 43
ب أن العشائر العربية ذات الأصول القادمة من أواسط الجزيرة العربية كانوا
يهيمنون على المناطق الداخلية من عُمان و العرب الذين ينتسبون إلى العربية الجنوبية يهيمنون على غرب عُمان - المجتمع الظفاري، وأن الزعامة التقليدية كانت في أسرة آل الجلندى من بطون الأزد، وهي زعامة تقوم على بنية قبلية هشة وتحالفات نشأت بين البدو القادمين من أواسط الجزيرة العربية وبقية من عرب الجنوب في المناطق الغربية من عُمان. وأن السلطة المركزية لم
السكان
تكن مهيمنة على عُمان.
ج- يتشكل المجتمع العُماني من خليط فارسي و عربي، ويتكون الخليط العربي من قبائل عدنانية شمالية و قحطانية عربية جنوبية كانت ولازالت تتحدث بلغتها الخاصة، ولم تمثل الهوية القومية بين الفرس والعرب حاجزاً بين العلاقات التجارية.
لقد كان الحاجز بين العنصر الفارسي والعنصر العربي القادم من وسط الجزيرة العربية هو حاجز فكري وثقافي نحو السلوك والتعامل مع النمط السياسي الحاكم، فالفرس يؤمنون بالخضوع والطاعة لزعامة مركزية يمثلها وريث حاكم من
الأكاسرة السيسانيين، مظاهر ملکه وهيبته تاج الملك المشغول بالذهب
ومن
المرصع بالأحجار الكريمة يوضع على الرأس، ولبس الأساور. وعرش وسط بلاط تحف به الوزراء وتحيط به الحراسات.
أما النمط العربي البدوي فهو مزيج مركب جاء بزعامة عبر انتخاب قبلي ضمن مقاييس الأخلاق العربية التقليدية كالكرم والوفاء والشجاعة والدهاء ورجاحة العقل والحلم والفصاحة والقدرة على القيادة وحل النزاعات والإشراف المباشر على مصالح القبيلة ورعاية شؤونها، وإن من مظاهر علامة الشرف والسؤدد لهذه الزعامة العربية التقليدية وضع الحاكم او الشيخ عصابة على
(43) (1/43)
صفحة 44
رأسه أو عمامة كبيرة يعقدها من خلفه أو على الجنب، تميزه دون سواه، ويروي أن سيدنا عمر بن الخطاب (رضي) قال: العمائم تيجان العرب وقالوا في المأثورات ((سيد معمّم ((وهم يريدون أن كل جناية يجنيها الجاني في العشيرة معصوبة برأسه. وقال الشاعر دريد بن الصمة (1):
عاري الأشاجع معصوب بلمته أمر الزعامة في عرنينيه شمم بل لقد جعلوا من عمائم أشرافهم ألوية يعقدونها لجيوشهم عند اللقاء في الحروب، وهذا النمط من الزعامات العربية القبلية التقليدية ترسخ في الوعي العربي و كان هو الشائع عند عرب أواسط الجزيرة العربية قبل الإسلام، وظل في من الجمود يرفض كل أشكال التغيير من داخله، ولم يطمح أن يتحول إلى دولة أو امبراطورية تضفى عليها الشرعية بالحكم الوراثي وتضلع بمهام إدارة جهاز بيروقراطي وعسكري لاستمرارية هذه الدولة.
حالة
ولعل خصائص الحياة البدوية هي السبب في ذلك وكما علل ذلك ابن خلدون ((والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وان وراء كل رأي منها هوى وعصبية تمانع دونها؛ فيكثر الانتفاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وإن كانت ذات عصبية؛ لأن كل عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منعة وقوة)) (2).
حتى جاء الإسلام وكان ما كان من الحوادث والفتن والصراع على الحكم وخروج قبائل وسط الجزيرة العربية ممن ينتمون إلى تلك القبائل من أزد وتميم وقبائل عبد قيس وكندة وحضرموت، فتزعمت الخروج السياسي الأول في
(1) الجاحظ: البيان والنبيين ج 3 ص 464. الأشاجع مفرد أشجع والمقصود به عروق ظاهر الكف. (2) ابن خلدون، عبدالرحمن: المقدمة ص 290.
(44) (1/44)
صفحة 45
الإسلام، الذي عبرت عنه حركة الخوارج ضمن إطار ديني، وقد بحث الشهرستاني في بداية ظهور الخوارج فقال: ((أعلم أن أول من خرج على أمير الله المؤمنين علي رضي! عنه جماعة ممن كان معه في حرب صفين، وأشدهم خروجاً عليه، ومروقاً من الدين: الأشعث بن قيس الكندي، ومسعر بن فدكي
التميمي، وزيد بن حصين الطائي حين قالوا: القوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعوننا إلى السيف ... () (1).
ومن ثم ظهر الفكر السياسي الإباضي المتبلور من تلك الرؤية لحكم الإمامة أو ((العمامة ((العربية المتغيرة بدلاً عن خلافة التاج الموروث في سلالة واحدة حاكمة مطلقة ومستبدة وهذا هو لب البحث وما نتتطرق إليه لاحقاً.
اد - الوضع الديني في عمان قبل الإسلام
حضرموت
تميزت عُمان في بداية القرن السابع الميلادي بتنوع العقائد الدينية، ويعود هذا التنوع في كثير من جوانبه إلى اختلاف التركيب الإثني للسكان في هذه الفترة، حيث كان التعايش بين المجوسية واليهودية والوثنية العربية جنباً إلى جنب. وارتبطت عبادة الإله ((سين ((وهو الإله الرئيس والرسمي المملكة القديمة، في ظفار - مع هيمنة مملكة حضرموت على إقليم ظفار الشهير بمحصول اللبان. وقد تم العثور على نقوش ومخربشات في منطقة ظفار جاء فيها ذكر للإله سين المعبود الحضرمي القديم ولكن بعد الاستقلالية السياسية المبكرة لهذا الإقليم اختفى هذا المعبود وانقرضت العبادات المرتبطة به وحلت بدلاً: عنه معبودات محلية
أخرى.
(1) الشهرستاني، الملل والنحل ج 1 ص 133.
(to) (1/45)
صفحة 46
أما القبائل العربية القادمة إلى عُمان من وسط الجزيرة العربية فقد
حافظت على معبوداتها الوثنية القديمة التي نقلتها معها ولو ثبتت صحة مرويات المأثورات التي زعمت انتقال قبيلة الأزد - الأسد من مأرب إلى شرق وشمال ووسط عُمان، لبينت لنا اللقى الأثرية ذلك، وظفر الأثريون بشيء يدل على معبودات وثنية يمنية قديمة جاء ذكرها في مئات من النقوش المتناثرة على مسطحات المستوطنات الحضارية اليمنية القديمة، على سبيل المثال الإله القمر فهو عند السبئيين ((المقة))، وعند الحضارمة (سين))، وعند الأوسانيين والمعينيين (ود)، وعند القتبانيين (عم (وكانوا يرمزون إليه بالهلال.
عموماً كانت أديان العرب ومعتقداتها قبل الإسلام مختلفة بالمجاورات لأهل الملل والنحل الأخرى، وكان لكل قبيلة صنمٌ يميزها عن غيرها، وهذا يأتي ضمن استقلالية المعبود عند العرب)) فكان لقريش وخزاعة هبل، ونائلة، وإساف وكان لبطون قضاعة ود منصوباً بدومة الجندل وكان الحمير وهمدان نسر، منصوباً بصنعاء، وكان لكنانة سواع، وكان لغطفان العزى، وكان لبجيلة وخثعم ذو الخلصة، وكان لطي الفلس، وكان لربيعة وإياد ذو الكعبات، وكان لثقيف اللات، منصوباً بالطائف، وكان للأوس والخزرج مناة منصوباً بفدك مما يلي ساحل البحر، وكان لدوس صنم يقال له ذو الكفلين وكان للأزد صنم يقال له رئام، وكانت كلما عزمت قبيلة على الحج وقفت عند صنمها تلبي، حتى يدخلوا مكة مختلفين في تلبياتهم، فكانت تلبية قريش لبيك اللهم لبيك لا شريك لك تملكه وما ملك وكانت تلبية كنانة: لبيك اللهم لبيك اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف. وكانت تلبية بني أسد، لبيك اللهم لبيك يارب أقبلت بنو أسد أهل التواني والوفاء والجلد إليك. وكانت تلبية بني تميم، لبيك اللهم لبيك، لبيك عن تميم قد تراها أخلقت أثوابها وأثواب من ورائها، وأخلصت لربها دعاءها. وكانت تلبية قضاعة، لبيك عن قضاعة، لربما دفاعة، سمعاً له وطاعة.
(46) (1/46)
صفحة 47
وكانت تلبية الأزد، لبيك رب الأرباب، تعلم فصل الخطاب، لملك كل
مثاب (1).
وأمام هذا التنوع من أنواع التلبيات العربية الذي يأتي ضمن المعتقدات الوثنية العربية التي تتخذ من الأصنام صلة للتقرب من الله، كان للكهان وسدنة المعابد دور مهم وبارز في التأثير على الحياة الدينية للعرب.
قبل مجيء الإسلام كانت الأزد وغسان يهللون ويحجون إلى صنم لهم اسمه
(2)
(منوان) في جهة البحر مما يلي قديداً بالمشلل على سبعة أميال من المدينة " وكان الصنم ناجراً معبوداً ضمن المعبودات الوثنية في عُمان، وكان له معبد في خطامه منطقة سمائل، وتعظمه بنو، وبنو الصامت من طي (3). . وقيل اسمه باحر، وقد أطلقت العرب على شهر صفر ناجر وقيل إنه اسم كل شهر من اشهر الحر لا على شهر معين جاء في اللسان شهر ناجر؛ وكل شهر من صميم الحر فاسمه ناجر لأن الإبل تنجر فيه أي يشتد عطشها حتى تيبس جلودها والجذر في العربية ((نجر)) فيفيد الحر. وجاء في اللسان باجَرٌ صنم كان للأزد في الجاهلية ومن
جاورهم من طي وقالوا باجر بكسر الجيم.
(4)
قال مازن بن غضوبة الطائي العماني حين اشهر إسلامه:
کسرت ناجراً جذاذاً وكان لنا رياً نطوف به ضلا بتضلال
(1) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 218. (2) الحموي ياقوت: معجم البلدان جه ص 204.: (3) السيابي، سالم بن حمود عمان عير التاريخ ج 1 ص 115. (4) ابن منظور: لسان العرب ج 4 ص 41.
(47) (1/47)
صفحة 48
نم،
كما أمن المسلمون بالله تعالى وحده رباً يقيهم عذاب وحر نار فقد اتخذت الأزد وطئ قبل الإسلام ناجراً معبوداً وثنياً، لعله يقيها حر الشديدة ولفح هجير شمس صحراء العرب ويفيء عليهم بفيء الظل الظليل. وكان الطواف حوله من المظاهر الطقوسية المقدسة التي كانت تؤدى في تلك المعابد الوثنية القديمة. وللعرب كافة مظاهر طقوسية يلتزمون مراعاتها عند تأديتهم مناسك الحج قبل الإسلام وكانوا في أديانهم على صنفين الحمس والحلة، فأما الحمس فهم قريش كلها واما الحلة فهي خزاعة لمحاورتها قريشاً، وكانت تشدد على نفسها في إقامة الشعائر والمناسك الدينية، وقال اليعقوبي فإذا نسكوا لم يسلاوا سمنا و لم يذخروا لبناً و لم يحولوا بين مرضعة ورضاعها حتى يعافه، ولم يحزوا شعرا ولا ظفرا، و لم يدهنوا و لم يمسوا النساء ولا الطيب ولم يأكلوا لحماً ولم يلبسوا في حجهم وبراً ولا صوفاً ولا شعراً ويلبسون جديداً ويطوفون بالبيت بنعالهم،، لا يطؤون أرض الحرم تعظيماً له ولا يدخلون البيوت من أبوابها، ويسكنون في حال نسكهم قباب الأدم.
أما قضاعة وحضرموت وعك وقبائل من الأزد، فكانوا أقل تشدداً. نفسها من قريش، في إقامة المظاهر والشعائر الطقوسية، إذ أنهم ((لا يحرمون الصيد في النسك ويلبسون كل الثياب ويسلأون السمن، ولا يدخلون من باب بيت ولا دار، ولا يؤويهم ماداموا، محرمين وكانوا يدهنون ويتطيبون، ويأكلون اللحم، فإذا دخلوا مكة بعد فراغهم نزعوا ثيابهم التي كانت عليهم، فإن قدروا أن يلبسوا ثياب الحمس كراء أو إعارة فعلوا وإلا طافوا بالبيت عراة. وكانوا لا
يشترون في حجتهم ولا يبيعون)) (1).
(1) اليعقوبي، احمد بن أبي جعفر: تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 219.
(48) (1/48)
صفحة 49
كان لتأثير العبارات المسجعة للكهان وسدنة المعابد في صياغة التضرعات والطلبات مفعول سحري قوي في مخاطبة الوعي الديني العربي، ويأتي سياق الحكاية الأسطورية التي تدور حول الصنم ناجر وخاصة فيما يتعلق بتنبؤاته حول ظهور الإسلام، تكراراً مشابهاً مع الحكايات الأسطورية الأخرى لبقية سدنة الأصنام الوثنية في المجتمع العربي الجاهلي.
وحكاية السادن مازن بن غضوبة العُماني ((أول من أسلم من العُمانيين حين سمع صوتاً منبعثاً من داخل الصنم ناجر يقول له: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر، بعث نبي من مضر، بدين الله الأكبر، فدع نحيتاً من حجر، تسلم من حر سقر (1)، تكرار متشابة لتلك الأساطير التي زعمت عن أحاديث وتنبؤات هواتف الغيبيات من وسط جلاميد صخور أصنامهم الصماء.
- ظهور الإسلام في عُمان
تناقلت المأثورات العُمانية أن بداية ظهور الإسلام في عُمان كان على يدي رجل من أهلها اسمه مازن بن الغضوبة الطائي النبهاني ثم الخطامي، وهو من أبناء سمائل إحدى المدن المشهورة بعمان، وكان مازن بن الغضوبة من رجال الدين الوثنيين المكلفين بالإشراف على خدمة المعابد والقيام بوظيفة السادن لصنم قيل اسمه ناجر، وقيل باحر، وقيل دقين. في السنة السادسة للهجرة وفد مازن إلى مكة حين علم من كفار قريش ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقصد النبي صلى الله عليه وسلم وعرض نفسه
النبي:
(1) ابن كثير: أبو الفداء الحافظ: البداية والنهاية ج 2 ص 337.
(29) (1/49)
صفحة 50
أن يسلم، وشرح الله قلبه للإسلام فأسلم وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله تعالى لأهل عُمان، فقال: ((اللهم اهدهم وأثبهم)) قال مازن فقلت زدني يا رسول الله: فقال: (اللهم ارزقهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم) فقال مازن قلت يا رسول الله، البحر بجانبنا، فادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا، فقال: ((اللهم وسع عليهم في ميرتهم، وأكثر خيرهم من بحرهم))، قال قلت زدني يا رسول الله قال: ((اللهم لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم، قل يا مازن، آمين فإن آمين يستجاب عندها الدعاء)) قال فقلت آمين
(1)
عاد مازن بن الغضوبة الطائي إلى عُمان بعد أن تشرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم، ونال شرف السبق بلقب أوّل من أسلم من أهل عُمان، وتولى دعوة قومه للإسلام، وشرع في بناء مسجد في موقع المضمار، ويبدو أنه كان في السابق معبداً لمعبودهم الوثني (ناجر)، ((ومن آثار مازن الباقية إلى الآن مسجد المضمار الذي بناه بعد رجوعه من المدينة سنة ست للهجرة، وهو أول مسجد بني بعمان على الإطلاق)) (2)}
إن لسدنة معابد العهد الوثني في عُمان وغيرها من بلاد العرب دوراً كبيراً ومؤثراً وموجهاً على الحياة الدينية في مجتمعاتهم، وقد تعززت مكانتهم الاجتماعية لدورهم في خدمة المعابد والإشراف على أداء الطقوس الدينية كالتطهير من الذنوب والآثام، وتلقي الأموال والنذور والهبات المخصصة للمعبودات الوثنية في الجاهلية العربية، وهذا كان دور مازن بن غضوبة ومهمته بين قومه العُمانيين، قبل أن يشرح الله صدره للإسلام، وتكون له شرف الصحبة ويتولى كسر أصنام قومه، قال مازن بن الغضوبة ((فكسرت الأصنام وقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت فدعا لي فأذهب الله عني كل ما أجد وقال: حججت
(1) السالمي عبدالله بن حميد: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج 1 ص 37. (2) البطاشي، سيف بن حمود: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ج 1 ص 24. (1/50)
صفحة 51
حجاً وحفظت شطر القرآن وحصنت أربع حرائر ووهب لي حبان بن
مازن)) (1).
تشرف مازن بن الغضوبة بمقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإنصات إليه وتلقي تعاليم الإسلام والاستماع إلى القرآن الكريم، والوصول إلى يقين راسخ بأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو دعوة سماوية صادقة ودين حق لا يأتيه الباطل. فاندفع نحو قومه في سمائل بعمان يدعوهم للإسلام ((وقام إلى الصنم وأخذه إلى مكان معروف بالبلد وهو سفح جبل غربي الحصن قريب من نهاية سقي فلج الدغالي فرماه من ذلك الجبل)) (). واستطاع أن يغير نظرة قومه المعبدهم الوثني، ويبدلهم عنه بمسجد ليكون أول المساجد ليس في عُمان فحسب، ولكن في أقصى جنوب الجزيرة العربية.
(2)
لمس مازن استجابة دعوة الرسول لأهل عُمان، إذ من الله عليهم بالإسلام وأخصبت أرضهم، وكثرت أرباحهم وصيدهم بها، فعاد مازن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقص عليه حال أهل عُمان فقال مازن: ((يا المبارك ابن المباركين الطيب ابن الطيبين، قد هدى الله قوماً من أهل عمان ومن عليهم بدينك، وقد أخصبت عمان، خصباً هنيئاً، وكثرت الأرباح والصيد بما، فقال عليه الصلاة السلام: (ديني دين الإسلام سيزيد الله أهل عُمان خصباً وصيداً، فطوبى لمن آمن بي ورآني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني، وإن! الله.
أهل عمان إسلاماً)) (3).
سيزيد
(1) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة جه ص 704. (2) البطاشي سيف بن حمود: إتحاف الأعباء في تاريخ بعض علماء عمان - ج 1 ص 23. (3) السيابي، سالم بن حمود عمان عبر التاريخ 1 ص 110.
(01) (1/51)
صفحة 52
على الرغم من الظروف والأحوال التي قضت على النبي صلى الله عليه وسلم حصر اهتمامه بالمدينة وما حولها في السنين الأولى للهجرة، إلا أن هذا لم ينسه نشر دعوته العالمية، وفي سبيل التحضير لنشر الدعوة خارج محيط مكة والمدينة هناك إشارات متعددة إلى محاولته صلى الله عليه وسلم نشر الدعوة في ميدان أوسع من مكة منذ أيام ما قبل الهجرة، حيث أجمعت كتب السيرة على اتصاله بعدد من القبائل ورجالها في مختلف أنحاء الجزيرة العربية.
بعد فتح مكة في العام الثامن من الهجرة؛ ظهرت قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلت سمعته وطارت في آفاق الجزيرة العربية وأدركت القبائل قوته وسلطانه وبدأت تشعر بأن الدين الجديد الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم هو دين يدعو إلى السلام والأمن وإيقاف كل مظاهر الفوضى والاضطراب والقلاقل وتأمين السلم الاجتماعي العربي، وجاءت مرحلة الاتصالات والواسعة والمثمرة مع مختلف القبائل والرؤساء تدعوهم إلى الدين بالطرق السلمية، وجاءته الوفود تعلن إسلامها، فأصبحت الدولة الإسلامية تشمل معظم الجزيرة العربية وصارت مصلحة العرب ومنافعهم في الانضمام إلى دولة الإسلام التي تؤمن لهم منافع كثيرة وكبيرة.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعوّل كثيراً على إيمان العرب بدعوته، وكان سفراؤه صلى ا الله عليه وسلم وحملة كتبه يجوبون أنحاء الجزيرة العربية وأطرافها، وما جاورها من البلدان في حركة نشطة هدفها تبليغ الدعوة وإيصالها إلى أقصى حدودها لما وتحقيق الوحدة في بلاد العرب؛ لينهضوا بأعباء حمل الرسالة ونقلها إلى العالم. وفي هذا السبيل بعث عليه السلام، رسائل كثيرة إلى عرب الحجاز، وتهامة، ونجد، واليمن وحضرموت وعُمان والبحرين، وغيرها من أعمال جزيرة العرب.
(52) (1/52)
صفحة 53
أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية عُمان الإستراتيجية وموقعها في
جزيرة العرب، وما يمكن أن تؤديه من أدوار مهمة في تحيق وحدة العرب، ثم المساهمة في نقل دعوة الإسلام إلى العوالم المجاورة، التي ترتبط بينها صلاة تجارية وغير تجارية، فخص عليه السلام أهل عُمان - خاصتهم وعامتهم - بطائفة من الرسائل تحظى بقيمة خاصة، فهي تلقي الضوء على جوانب مهمة من تاريخ عُمان في صدر الإسلام وتكشف ملامح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويجد الباحث في الرسائل التي خص بما عليه الصلاة
والسلام أهل عُمان أنها تتوزع على عدة محاور رئيسة أهمها.
المحور الأول: دعوة القيادة الحاكمة إلى إجابة الدعوة والدخول في الإسلام، وعلى هذا المحور تأتي الرسالة التي وجهها صلى الله عليه وسلم إلى جيفر وعبد ابني الجلندى بن المستكبر الأزدي، وملوك عُمان الأسبذيين.
المحور الثاني: البلاغ النبوي العام إلى أهل عُمان، جاءت في رسالتين نبويتين بعثهما عليه الصلاة والسلام إلى العُمانيين عامة يدعوهم إلى الالتزام بالإسلام.
المحور الثالث: تمثل في مراسلاته عليه الصلاة والسلام مع قبائل الأزد عامة، ومنهم أزد عُمان، ورسالته صلى الله عليه وسلم مع وفد ثمالة والحدان، من بطون
أزد عُمان.
كان منطلق الحكمة النبوية من استهلال دعوة العُمانيين بمخاطبة حكامهم آنذاك جيفر وأخوه عبد، لكونهم كانوا أصحاب القرار الأول وقدرة التأثير على رعاياهم في إجابة الدعوة أو رفضها، ومن منطلق الحكمة التي تقول الناس على
(53) (1/53)
صفحة 54
دين ملوكهم. ولأهمية عُمان الاستراتيجية وما يمكن أن تتبوأ هذا المنطقة الغنية بخيراتها من أدوار مهمة في تحقيق وحدة العرب، ونقل دعوة الإسلام إلى الأمصار
المجاورة.
كلف صلى الله عليه وسلم الصحابي الداهية عمرو بن العاص مهمة القيام بدور السفير، وحمله رسالة إلى حكّام عُمان جيفر وعبد أبناء الجلندي يدعوهما إلى الإسلام، والتاريخ المضبوط لهذه الرسالة موضع جدل، بين السنة السادسة والثامنة للهجرة، أماً نص الرسالة التي حملها عمرو بن العاص فكانت على النحو
الآتي: ((من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندى سلام على من أتبع الهدى ((أما بعد)) فإني أدعو كما بدعاية الإسلام؛ أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة؛ لأنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما؛ وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي في ملككما)) (1).
تقوم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة محاور أساسية شأنها شأن الرسائل النبوية عامة، وتتفق مع غيرها من الرسائل النبوية في العبارة المحورية ((فإني أدعو كما بدعاية الإسلام ((وهذه العبارة كانت هي الشعار النبوي في عرض الدعوة على الملوك فقد تردّدت في الرسائل الموجهة إلى كسرى، وهرقل، والمقوقس وغيرهم. و يأتي فيها عرض الدعوة بصيغة الخطاب المباشر والوضوح والبساطة، مع ترك مهمة تفصيلات الدعوة للسفراء الذين كانوا يحملون هذه الرسائل. مع التأكيد على عالمية الإسلام وشموله، وأنه ((إلى الناس كافة))، وأنه
(1) القلقشندي أحمد بن علي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء ج 1 ص 366.
(01) (1/54)
صفحة 55
رسول الله عليه الصلاة والسلام ونذير من الله ومبلغ الرسالة ربه ليكون حجة على الناس، فلا يبقى لهم بعد ذلك عذر.
المحور الثاني: الترغيب بدعوة الإسلام وإقناع المدعوين كنا، مع عرض بعض المحفزات التي ترغب الملكين من (آل الجلندى في قبول الإسلام، إذ يعدهم عليه الصلاة والسلام، أن الإيمان بدعوته أفضل السبل لتحقيق سلامتهما وسلامة قومهما، وهذا منوط بالعبارة الواردة في الرسالة ((أسلما تسلما)).
ثم أخذت الرسالة منحى مهماً إذ خاطبت النفس التواقة للإيثار والحفاظ على مصالحها، ورغبت الملكين العُمانيين في قبول الدعوة، فجاءت على نحو صيغة العرض المغري لهما والإقرار لهما بمبدأ بقاء الحاكم في منصبه إذا استجاب للإسلام. ((وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وهذا المحور يلامس الجوانب النفسية في الإنسان، لأن الإنسان بطبعه فطر على النظر إلى مصالحه، وغالباً ما يعادي الأفكار التي تحاول أن تجرده من مكتسباته، وتتعارض مع مصالحه.
المحور الثالث: انتقال صيغة الخطاب من الترغيب إلى الترهيب من رفض قبول الدعوة، وتضمنت تهديداً واضحاً بإنهاء ملك الملكين، إذا لم يستجيبا إلى دعوة الإسلام، إذ ستقضي الجيوش الإسلامية على ملكهما وتعرضه للزوال والضياع ((وإن أبيتما أن تقرأ بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما)).
تركت هذه الرسالة الأثر في نفسي ((ابني الجلندي)) وحاولا أن يتأبيا ويتشددا في موقفهما من الدعوة الإسلامية، وطلبا مهلة يوم لدراسة الرسالة، فلما
(00) (1/55)
صفحة 56
كان الغد رجع عمرو بن العاص إلى جيفر فقال جيفر: ((إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إذا ملكت رجلاً ما في يدي)) (1).
قال عمرو بن العاص: ((قلت فإني خارج غداً، فلما أين بخروجي أصبح فأرسل إلى فدخلت عليه فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعاً وصدقا بالنبي وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عوناً على من
خالفني .. ))
(2) (
ومن المؤكد أن قدرة وفصاحة عمرو بن العاص وعمق ملكته في الحوار قد قربت طريق الإيمان إلى الملكين الأزديين وإن كان الفضل قبل ذلك وبعده إلى الله تعالى إذ هداهما للإسلام.
لم يكن استجابة الأخوين من آل جلندى إلى دعوة الإسلام وليد صدفة أو عملاً آنياً، ومفاجئاً، بل كان بعد دراسة وتفكير عميقين و إدراكاً.
لقيمة العرض المغري الذي حمله إليهما داهية العرب عمرو بن العاص، والذي جاء في ثنايا رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعهد نص منه في حال إسلامها الضمان لهما بمزاولة مهامهما كحكام على عُمان، إن هذا العرض المغري ضمن لهما استمرار حكمهما على عمان ناهيك عن المنافع الدنيوية التي يجنيانها، والمصالح التي يمكن أن يؤمنها انضمامهما للدولة الجديدة، فانضمامهما إلى دولة الإسلام يجلب لهما منافع ولا يوقع بهما أي خسائر، فضلاً عما للدين الإسلامي من مزايا عقائدية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي كانت تحيط بما محلية وإقليمية وهي على النحو الآتي:
(1) الزهري، محمد بن سعيد: الطبقات الكبرى جاص 13
0263
(2) المصدر نفسه.
(07) (1/56)
صفحة 57
- الظروف المحلية: بالغة التعقيد تتمثل في ضعف التحالفات الهشة في خريطة عُمان الجيوسياسية، وزيادة تنامي معارضة أهل عمان لحكم آل جلندى، والانقسامات القبلية في عُمان ويتضح ذلك من خلال تلك الاتصالات برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدومهم في وفود عشائرهم بصورة مستقلة، منهم من الأزد أسد بن يبرح الطائي ((الطاحي)) وسلمة بن عياد الأزدي ووفد ثمالة
وحدان، بزعامة عبدالله بن علس الثمالي ومسيلمة بن هزان الحداني (1).
وقد أشارت المصادر أن لقيطاً بن مالك الأزدي من أزد دبا وهو من ((العتيك)) كان يلقب بذي التاج، كان يسامي الجلندى وأنه كان يعتمد على عشيرته ورجالها كما ضمّ حوله بعض العشائر الأخرى ورؤساءهم، ومن ضمنهم سيد بني جديد، وقد قاد لقيط بن مالك فيما بعد تمرد القبائل على آل الجلندى واتخذ من دبا مقراً له، ومنها اتسع. سلطانه ويروي الطبري عن سيف أن جيفر وعبد ابني الجلندى، هربا إلى الجبال (2) وهذا يدل على أن لقيطاً استطاع أن يسيطر على السهول الساحلية ويقصي آل الجلندى عنهما.
- الظروف الإقليمية: وهي ظروف خطيرة لا تحدد مصالح عرب عُمان التجارية فحسب؛ بل تنذر بتجدد أطماع فارس التوسعية للسيطرة الكاملة على عُمان ((التاريخية))، وسقوط حكم آل جلندى، كما قد تحقق للفرس ذلك حين سيطروا على اليمن بعد انهيار سلطة الأحباش ووفاة الملك اليمني سيف بن ذي يزن، واستيلاء الأبناء من فارس على صنعاء، وحكمهم لليمن حتى ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي.
(1) المصدر نفسه ص 351، وابن الأثير الكامل ج 2 ص 371. وابن كثير: البداية والنهاية ج 2 ص 329. (2) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الطبري ج 2 ص 292.
(57) (1/57)
صفحة 58
لم تقتصر مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم للحكام العُمانيين خاصة من آل الجلندى، بل أخذت رسائله صلى الله عليه وسلم تشق طريقها إلى المجموعات الأثنية الأخرى من ملوك ورعيّة سواء كانوا فرساً أم أسبذيين أم بطون متفرقة من أزد عُمان، وبين أيدينا رسالتان تندرجان تحت هذا المضمون، فالرسالة الأولى جعلها صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان حكامهم ومحكوميهم، وقد أطلق صلى الله عليه وسلم على الفئتين تسمية عباد الله الأسبذيين)) ويفصح الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن المقصود بهذه التسمية هم أهل عُمان، ملوكهم ومن كان من قبيلة الأزد فيها، وقد جاء في رسالته صلى الله عليه وسلم: (من محمد النبي رسول الله لعباد الله الأسبذيين ملوك عُمان وأزد عُمان، ومن كان منهم بالبحرين، إنهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله ورسوله، وأطاعوا حق النبي، ونسكوا نسك المسلمين، فإنهم آمنون، وإن لهم ما أسلموا عليه، غير أن مال بيت النار ثنيا الله ورسوله وإن عشور التمر صدقة، ونصف عشور الحب، وإن للمسلمين نصرهم ونصحهم، وإن لهم على المسلمين مثل ذلك، وإن لهم أرحاهم يطحنون كما)) (1).
من الواضح أن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها أمان متكافئ بين الجانبين، إذ يطلب عليه الصلاة والسلام من أهل عُمان قبول الدعوة الإسلامية والإيمان بالله وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله، في مقابل بذل الأمان والأمن لهم وحمايتهم وإباحة حرية التملك المشروع والعمل لرعاية مصالحهم وكسب أرزاقهم.
وإزاء تلك الشروط المتكافئة، تضمن الأمان استثناءاً خاصاً لبيوت العبادة التي كان عليها العُمانيون، إذ يحدد الرسول عليه الصلاة والسلام مصير بيوت النار
(1) القلقشندى، أحمد بن علي: صبح الأعشى ج 1 ص 366.
(01) (1/58)
صفحة 59
فيقرر أن ملكيتها لله ورسوله، فليس لأحد حق في أموال المعابد، لأنها حق شرعي يتصرف الرسول عليه الصلاة والسلام فيه.
بعد أن خاطب عليه الصلاة والسلام الصفوة الحاكمة في عُمان، اتخذت رسائله طريقها إلى العامة من أهلها، وفي هذا الاتجاه نطالع رسالته صلى الله عليه وسلم إلى العامة من أهل عُمان يدعوهم إلى قبول الدعوة للإسلام، أو البقاء على عبادتهم ودفع الجزية للمسلمين، ويبدو أن كثيراً من العُمانيين كانوا في هذه الأثناء يعتنقون المجوسية، ويتبعون الفرس في ديانتهم، ومما يعزز وجود المجوسية وانتشارها بعمان إشارته عليه الصلاة والسلام إلى وجود بيت النار في عُمان.
ونص الرسالة النبوية لعموم أهل عُمان جاء مقتصداً في ألفاظه، مقتضباً خالياً من الديباجة، واضحاً في دلالاته، قال صلى الله عليه وسلم مخاطباً أهل عُمان ((أن أسلموا فإن لم تسلموا فأدوا الجزية)) (1). فكانوا أمام خيارين إما الإسلام ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، أو دفع الجزية مقابل المحافظة على حرية
الاعتقاد.
نستشف من رسالة أخرى خص بها الرسول عليه الصلاة والسلام العُمانيين، دليلا واضحاً على أن الإسلام بدأ ينتشر في أوساط العُمانيين، ويبدو أن أهل عمان بقوا محافظين على بيوت النار، فجاء موضوع الرسالة كما رواها أبو شداد رجل من أهل عُمان ((قال جاءنا كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من محمد رسول الله إلى أهل عمان، سلام عليكم، أما بعد: فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد كذا
(1) الميانجي، علي الأحمدي: مكاتيب الرسول ج 2 ص 366.
(09) (1/59)
صفحة 60
وكذا، وإلا غزوتكم. فسئل أبو شداد من كان على عُمان يومئذ؟ قال: سوار
من أساور كسرى (1).
في هذه الصيغة تأكيد على حقيقة الدعوة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وإعلام بشخصيته فهو المبعوث من الله لأداء الرسالة، ودعاهم لإقامة الصلاة بما تستدعيه من هدم بيوت النار وإحلال المساجد مكانها، والقيام بفريضة الزكاة، والأدلة التي تحتضنها ثنايا هذه الرسالة تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتبها إلى أهل عُمان بعد أن استجابوا لدعوة الرسول ودخولهم في الإسلام، أنه عليه الصلاة والسلام استعمل تحية الإسلام ((سلام عليكم))، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يفرق في رسائله بين صيغتين من صيغ التحية، ((فيقول في خطاب المسلم وربما قال سلام على من آمن بالله ورسوله، وفي خطاب الكافر سلام على من أتبع الهدى وربما أسقط السلام من صدر
الخطاب))
(2)
+
ولا يعني أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للعمانيين إلى الالتزام بتعاليم الإسلام، لكونهم كفاراً، فيمكن أن يكونوا أسلموا ولكن منعوا الزكاة وتركوا الصلاة ومن الثابت أن غير المسلم يطلب إليه أداء الجزية، فإن أبي قوتل! بخلاف المسلم غير الملتزم، فإنه ينذر بالعودة أو القتال.
+
ولإيضاح أهمية دور ونفوذ قبيلة الأزد في الجزيرة العربية، فبين أيدينا رسالتان نبويتان كتبهما الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الاتجاه:
(1) الهيثمي، علي بن أبي بكر: مجمع الزوائد ج 3 ص 64. (2) القلقشندي، أحمد بن علي: صبح الأعشى ج 1 ص 352.
(7.) (1/60)
صفحة 61
الرسالة الأولى: إلى عموم بطون الأزد على تشتها، بعثها عليه الصلاة والسلام مع عبدالرحمن بن عبيد الأزدي أبي راشد المشهور بكنيته (1) رئيس وفد الأزد في السنة التاسعة، ومقتضى الخطاب فيها كان يشمل نفوذ القبيلة الكبيرة: أزد شنوءة، وأزد السراة، وأزد عُمان، جاء فيها: ((من محمد رسول الله إلى من يقرأ كتابي هذا، ممن شهد أن لا إله إلا الله
وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، فله أمان الله، وأمان رسول الله)) (2). وواضح أن الرسالة الموجزة غير موجهة إلى شخص بعينه، أو فئة معينة، بل في عامة الخطاب إلى من يقرأ كتابي هذا .. كانت تتكفل بالأمان والحماية من الرسول عليه الصلاة والسلام لكل من آمن وصدق بدعوته من الأزد.
الرسالة الثانية: كتبها عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة لوفد ثمالة والحدان، من بطون الأزد التي كانت تسكن ((صحار)) توضح مقدار الزكاة المترتب على ما يجنى من ثمار النخيل، جاء فيها:
((هذا كتاب من محمد رسول الله البادية الأسياف ونازلة الأجواف، مما حازت صحار، ليس عليهم في النخل، خراص ولا مكيال، مطبق، حتى يوضع في الفداء، وعليهم في كل عشرة أوساق وسق)))
(3)
وفي ذكر هذه الجماعة الذين نعتهم عليهم الصلاة والسلام في الرسالة بـ ((بادية الأسياف ونازلة الأجواف مما حازت صحار بيان واضح عن مناطق نفوذ بطني ثمالة والحدان الأزديين ومما يدل على أنهم عُمانيون إضافتهم
إلى (صحار) التي كانت ((قصبة عُمان مما يلي (الجبل)) (
(1) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر: الإصابة، ج 3 ص 331. (2) الميانجي، علي الأحمدي مكاتيب الرسول ج 3 ص 279 و 280.
(3) المصدر نفسه ج 3 ص 138.
(4) الحموي، ياقوت: معجم: البلدان ج 3 ص 393.
(4)
(11) (1/61)
صفحة 62
ألقت هذه المجموعة من الرسائل النبوية الموجهة لأهل عُمان، الضوء على
بعض من جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية في.
صدر الإسلام.
عُمان
في
ففي الجانب السياسي: نستشف أن عُمان كانت إحدى الممالك العربية في أقصى الجنوب الشرقي لجزيرة العرب، يحكمها ملك عربي من قبيلة الأزد، وكانت تتبع الدولة الفارسية، وتتمتع بما يشبه الحكم الذاتي والاستقلالية المحدودة.
وفي المقابل هناك مزيج آخر يمثل كيانات سلطوية محدودة التأثير، وأخرى لكتل وتجمعات سكانية وقبلية مؤثرة ذات نزعة إلى استقلال القرار، قدمت للرسول صلى الله عليه وسلم تمثل نفسها وتضع الوزن السياسي المناطق نفوذها في الخريطة الجيوسياسية، وأخذت بعين الاعتبار في رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم ضمن الخطاب الدعوي للإسلام.
وهذا يدل على أن الوضع الاثنو قبلي الداخلي في عُمان غير متجانس، وأن هناك صراعاً داخلياً على النفوذ بين البطون المختلفة من قبيلة الأزد، وقد بدا واضحاً بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتمثل في إعلان الردة، أو كما يجزم بعض من المؤرخين العُمانيين أنها تمرد داخلي وعصيان محدود.
وفي الجانب الاجتماعي: تبين هذه الرسائل تشكيلة المجتمع العُماني والقبائل المهمة ذات التأثير على القرار، وأهمها قبيلة الأزد على اختلاف بطونها، وبينت الرسائل أن بعضاً من بطون هذه القبيلة تحضر ومال إلى الاستقرار وسكنى المدن واتخذوا من الزراعة مهنة لهم، بينما ظل بعضها مؤثراً الترحال والتنقل وراء
الكلأ والماء.
وفي الجانب الديني: صرحت الرسائل على انتشار المجوسية في عُمان ليست بين الأقلية الفارسية المهيمنة على أجزء من الشواطئ العُمانية فحسب، بل
(62) (1/62)
صفحة 63
أيضا بين القبائل العربية، كما أشارت رسالة من هذه الرسائل إلى وجود بيت النار في عُمان آنذاك، في المقابل كشفت الرسائل عن موقف العمانيين الإيجابي من الدعوة الإسلامية، وسرعة استجابتهم الله ورسوله ودخولهم في دين الله، فصدق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين بعث رجلاً إلى حي من أحياء العرب فسبوه وضربوه فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا
ضربوك)) (1).
وصدق فيهم قول رسول صلى الله عليه وسلم ((إني لأعلم أرضاً يقال لها عُمان ينضح البحر بناصيتها، ولو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر)) (1).
(2)
وفي الجانب الاقتصادي: أشارت الرسائل إلى نمط الحياة التي كان يعيشها العمانيون آنذاك، إذ كانت بلادهم تتمتع بوفرة الغلال من حبوب وتمور وأشارت إلى الوسائل المتبعة في سقي هذه المزروعات، وانتشار الأمطار الموسمية، ووجود الآبار والعيون ووفرة المياه، ووفرة الغلال والحبوب، صاحبها انتشار لطواحين الحبوب التي كانت تشكل في ذلك الوقت إحدى مستلزمات عملية الإنتاج الغدائي بكميات وافرة واقتصادية.
مع بداية إشراقات الإسلام ووصول الدعوة الإسلامية إلى عُمان شاركت عُمان بعدد كبير من الصحابة الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أفراداً وجماعات، ولقوه وتشرفوا بصحبته ودخلوا الإسلام طائعين راغبين دون أن يرسل إليهم جيشاً، وبعد ازدياد وصول تلك الطلائع العُمانية المؤمنة
(1) ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد ج 4 ص 420. والتميمي، ومحمد بن حبان البستي: صحيح ابن حبان
ج 1 ص 300.
(2) المقدسي، محمد بن عبد الواحد الأحاديث المختارة ج 1 ص 78.
(13) (1/63)
صفحة 64
انتشر الإسلام في عُمان على نحو سريع وواسع، وبعث النبي صلى الله عليه
وسلم بعض أصحابه مع تلك الوفود وأمرهم أن يعلموا الناس أمر دينهم.
وأبقى عمرو بن العاص في عمان ويقول ابن حبيب ((وأرسل عمرو بن
..
العاص السهمي إلى جيفر وعبد ابني الجلندى بعمان فأسلما وغلبا على عُمان)) (1). وهذا يدل على أن عبد وجيفر استفادا من الدخول في الإسلام سلطانهما في عُمان وتقوية مركزهما داخلياً، والتخلص من النفوذ الفارسي
بتوسيع
والتمتع بالاستقلالية الكاملة والوقوف في وجه المعارضة الداخلية بحجة أن
الخروج عن سلطانم وطاعتهم بعد خروجا عن الإسلام.
و آل الجلندى الأزديون:
تعود أصول آل الجلندى إلى بني المستكبر بن الأزد - الأسد - قال
شاعرهم منشداً فيهم:
قرم جواد من بني الجلندى يمشي إلى الأقران كالسبندى
والسبندى في اللغة من أسماء الأسد. والجلندى لغة كما جاء في اللسان هو الرجل
الفاجر أو الذي يتبع الفجور، وأنشد)
قامت تناجي عامراً فأشهدا وكان قدماً ناجيا جلنددا قد انتهي ليلته حتى اغتدى
(1) ابن حبيب المخبر ص 77.
(2) ابن منظور، لسان العرب ج 3 ص 129.
(64) (1/64)
صفحة 65
لم تذكر المصادر العُمانية تاريخ بداية سلطان آل الجلندى ((جيفر وعبد)) على عُمان، والعوامل التي ساعدتهم على الحكم، فقد وصفهما ابن هشام، وابن سعد بأنهما ملكا عُمان، وذكر الطبري وابن كثير وابن خلدون أنهما صاحبا عُمان وذكر ابن عبدالبر أنه رئيس عُمان (1).
ويبدو أن نفوذهما كان يتأرجح بين حالة من المد والانحسار، بناء على حسابات داخلية تحدد متانتها وقوتها تحالفات العشائر العربية في عُمان. وكان حكام آل الجلندى على استعداد للتعاون مع الحكم الفارسي ولكن دون السماح لوصول الدولة المركزية إليهم، إذ أن تلك القبائل القادمة من وسط الجزيرة العربية إلى عمان، كانت قد تعودت على أسلوب حياة تميزت بالسلب والنهب، ويكفي نهب عدد من الجمال أو الشيات أو الخرفان؛ أن تجعل القادم على هذا العمل بطلاً وفارساً في نظر القبيلة، وكانت مآثر القبيلة تقاس بالمغازي والغارات التي تشنها على القبائل الأخرى.
إن ذلك الأسلوب الذي كانت تلجأ له تلك القبائل عبر الصحراء العربية الشاسعة تحول من وسط صحراء الجزيرة العربية إلى شرقها وانصرف نحو البحر، إذ لجأت القبائل إلى القرصنة ونهب السفن الماخرة عبر سواحل الخليج المحملة بالبضائع والنفائس الثمينة، وقد تمركزت بعض القبائل العربية في جزر الخليج على مدخل مضيق هرمز وهناك بني آل الجلندى قلعة ابن عمارة ((وهي قلعة منيعة على سيف البحر قريبة الجزيرة هرمز المقابلة الجزيرة قيس بن عميرة
(1) ابن هشام، عبدالملك: السيرة النبوية ج 4 ص 254 والخياط، خليفة: الطبقات ج 2 ص 18. والطبري، ج اص 1561. وابن كثير: البداية والنهاية، ج 4 ص 273. وابن خلدون ج 4 ص 198. وابن عبدالبر، يوسف بن عبدالله: الاستيعاب ج 1 ص 275.
(70) (1/65)
صفحة 66
تعرف بقلعة بني عمارة وتنسب إلى الجلندى ولا أحد يقدر أن يرتقي إليها بنفسه إلا أن يرتقي في شيء من المحامل)) (1).
وتروي المأثورات العربية أن صاحب هذه القلعة هو الذي قال الله تعالى في حقه الله وكان وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَة غَصْباً} (2). وقال ابن حوقل كان
(2)
اسم هذا الملك الجلندى بضم الجيم واللام وسكون النون وبفتح الدال المهملة وبعدها ألف واليه أشار بعضهم يخاطب بعض الظلمة (3)
كان الجلندى ظالماً وأنت منه أظلم
عبر
استطاع الفرس احتواء ظاهرة النهب والسلب في عرض البحر - القرصنة - وعلى سواحل المواني وشطآن الخليج. التعاون مع أسرة الجلندى، والاتفاق معهم على استثارهم بجميع عائدات الضرائب من أرصاد البحر وعشور السفن، في مقابل تأمين طرق الملاحة البحرية وتأمين السفن الراسية في موانئ عُمان. وبهذا الاتفاق ضمن آل الجلندى حماية الفرس لهم واستئثارهم بعائدات عشور السفن، وضمن الفرس سلامة السفن الماخرة والراسية في الخليج العربي، و ((الجلندى قوم من أزد اليمن ولهم إلى يومنا هذا منعة وحد وبأس، وعدد، لا يستطيع السلطان قهرهم وإليهم أرصاد البحر وعشور (السفن)
(4)
لم تكن عائدات عشور السفن والبحر وحدها التي يعتمد عليها حكم الجلندى، في دعائم اقتصاد عُمان، فقد كانت هناك أسواق محلية دورية منتظمة، وأخرى
(1) الحموي، ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص 543.
(2) سورة الكهف الآية 79
(3) أحمد محمد بن أبي بكر وفيات الأعيان وأنباء الزمان ج 7 ص 074
(4) الحموي، ياقوت: معجم البلدان: ج 2 ص 544.
(77) (1/66)
صفحة 67
أسواق حولية تأتي إليها العرب وقد ذكر اليعقوبي أن من بين عشرة أسواق مشهورة للعرب في الجاهلية كان اثنان منها يقومان في وقت متقارب بعمان أحدهما سوق صحار، والآخر سوق دبا ((من أسواق العرب صحار يقوم في رحب في أوّل يوم من رجب ولا يحتاج فيها إلى خفارة، ثم يرتحلون من صحار إلى دبا يعشرهم فيها الجلندى وآل الجلندى)) (1)
وبموجب تعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم بقي عمرو بن العاص في عُمان لنشر الدين الإسلامي والإشراف على تطبيق تعاليمه وشرائعه، ويدو أن بقاء عمرو بن العاص في عُمان جاء بطلب من آل الجلندى رغبة منهم أن يكون بينهم مندوباً من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، ليعزز موقفهم ويساندهم ضد معارضيهم، وتحت غطاء الإسلام الذي اشترط فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على ابني جلندى أن يدينا بوحدانية الله تعالى ويعترفا بنبوته، قبل ابنا الجلندى دعوة الإسلام طوعاً، ووضعوا في حساباتهم أنهم دخلوا في حلف سياسي وعسكري أكثر منه دينياً، وكانت هذه الرؤية السياسية لازمت تفكير بعض من زعماء العشائر العربية التي أصاب نفوذها الوهن ولجأت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بحثاً عن حليف سياسي وعسكري يعزز وجودها ويثبت نفوذها بين
عشائرها.
X
وبإسلام آل الجلندى أسلم من معهما من العرب في عُمان، أما المجوس فقد. فرضت عليهم الجزية، وهكذا انضمت عُمان إلى دولة الإسلام. وحقق العُمانيون " بهذا الدين انتصارين مهمين عبر تاريخهم
الأول: الانتصار على أنفسهم، حين أدركوا الفرق الجذري بين عظمة الإسلام بوصفه ديناً سماوياً يدعو إلى الوحدانية وتحمل تعاليمه شرائع كاملة
(1) اليعقوبي، أحمد بن يعقوب بن جعفر: تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 230.
(TY) (1/67)
صفحة 68
و مكملة للقيم السامية النبيلة، والانتصار على تلك الديانات الوثنية الجامدة التي شتهم إلى شراذم متناثرة تغلب عليها الأهواء والعصبيات والمنازعات.
الثاني: الانتصار على هيمنة الفرس المجوس وفرض الجزية عليهم، وبداية
تلاشي نفوذهم وانحسار وجودهم من حدود عُمان التاريخية.
توفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عن أهل عُمان وكان صلى الله عليه وسلم قد بارك عُمان، وحفظ لها مكانة كبيرة في نفسه الطاهرة الشريفة، ويدل على ذلك الأحاديث النبوية المذكورة، ومن أقواله صلى الله عليه وسلم ((طوبى لمن آمن بي ورآني وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي و لم يرني و لم ير من رآني، وأن الله سيزيد أهل عُمان إسلاما))
ز ردّة عُمان
أمر الخليفة أبو بكر (رضي ابني الجلندى أن يتولوا قيادة العمانيين ومعهم بعض من القبائل العربية للقضاء على ردة آل جفنة بالشام، وقام العُمانيون بهذه المهمة خير قيام. وذكرت المصادر التاريخية أن الخليفة أعاد آل الجلندى واستعملهم على عُمان، و ضمن من استعملهم على عُمان: عكرمة بن أبي جهل ثم عزله وسيره إلى اليمن واستعمل حذيفة القلعاني، وأمره بأخذ صدقات العمانيين، واختلفت المصادر في اسم حذيفة القلعاني، قيل إنه حذيفة بن حصين الغلفاني، وقيل القلهاني، وقيل حذيفة بن اليمان، وقيل إنه من بارق وكان حليفاً للأنصار (1).
(1) أنظر ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2 ص 229. والإصابة ج 2 ص 44. والسالمي: تحفة الأعان ج 1، ص 47. والسيابي، سالم بن حمود: عمان عبر التاريخ ج 1 ص 161.
(14) (1/68)
صفحة 69
وخلافاً لما كان متبعاً، فقد أمضى الخليفة أبو بكر (رضي) أمر الرسول صلى
الله عليه وسلم في أن توزع صدقات عُمان على فقراء عُمان. وأمر حذيفة بن حصين الغلفاني بأخذ الصدقة، وتروي المصادر الإسلامية ضمن من ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قوماً من أهل عُمان.
قال ابن الأثير: أما عُمان فإنه نبغ بما ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي وادعى بمثل ما ادعى من تنبأ، وغلب على عُمان، مرتداً، والتجأ جيفر وعباد إلى الجبال وبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره ويستمده عليه، وبعث أبو بكر حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير، وعرفجة البارقي من الأزد. حذيفة إلى عُمان وعرفجة إلى المهرة ... وأرسل عكرمة بن أبي جهل أن يلحقهما من معه ويساعدهما على أهل عمان والمهرة ... فلحق بهما عكرمة قبل عُمان فلما وصلوا رجاما وهي قريبة من عمان كاتبوا جيفراً وعباداً، وجمع لقيط، جموعه، ثم التقوا على دبا فاقتتلوا قالاً شديداً، واستعلى لقيط، جموعه، ثم التقوا على دبا فاقتلوا قتالاً شديداً، واستعلى لقبط ورأى المسلمون الخلل، ورأى المشركون الظفر، فبينما. كذلك جاءت المسلمين موادهم العظمى من بني ناجية وعليهم الخريت بن راشد، ومن عبدالقيس وعليهم سيحان بن صوحان وغيرهم فقوى الله بم المسلمين فولى المشركون الأدبار فقتل منهم عشرة آلاف وسبوا الذراري وقسموا الأموال وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة، وأقام حذيفة بعمان
•
(1)
هم
يسكن الناس وعلى الأرجح فإن عدد قتلى العُمانيين في هذه المعركة كان رقماً مبالغاً فيه جدا ويبدو أن رواية ابن أعثم للمعركة و سير أحداثها فيها شيء من الدقة فقد قال: لما ورد كتاب أبي بكر على عكرمة نادى بأصحابه وأمرهم بالمسير إلى
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2 ص 229.
(79) (1/69)
صفحة 70
أهل دبا. قال: ودنا القوم بعضهم من بعض فاقتتلوا ورزق عليهم الظفر فهزمهم عكرمة حتى بلغ بهم أدنى بلادهم، وقتل منهم زهاء مائة رجل، ثم سار إليهم
عكرمة يريد قتالهم ثانية، ودخل القوم مدينتهم فتحصنوا بما، ونزل عليهم عكرمة في أصحابه فحاصرهم وضيق عليهم
(1)
بينما يرى المؤرخون العُمانيون ومنهم السالمي أن إطلاق مصطلح الردّة على أهل عمان أمر كان مبالغاً فيه، ويتحاشون إطلاق ذكر مصطلح الردّة على أهل عمان، ويزعمون أن الأمر لم يكن سوى مجرد حادثة عابرة جرت أحداثها في موضع يسمى ((دبا)) بالجانب الشرقي من عُمان على ساحل البحر الشمالي، وأن المسألة كانت مشاجرة بين قلة. من عامة الغوغائيين، استجابوا لاستغاثة امرأة زعمت أنها استوفت ما عليها من زكاة من جهة، وبين عمال الصدقة الذين زعموا أنه بقي عليها من جهة أخرى، وتحول الشجار إلى دعوى للعصبية التي نهى عنها الإسلام، مما استفز لها مشاعر الطرفين عشيرة المرأة، وعامل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي خشي من عواقب تطور هذا الأمر وتوسع دائرته وتحوله إلى فتنة عامة، وتمرد لا يمكن السيطرة عليه، فتعامل مع الموقف بشدة و حزم شديدين.
ونقل السالمي عن الشيخ خلف بن زياد البحراني في سيرته أن أبا بكر بعث إلى أهل عمان مصدقاً يأخذ صدقات أموالهم وهم مقرون بالحكم كله، فأعطوه
منهم،
الصدقة جميعاً لم يمنعها أحد. المصدقين، فزعمت أنه استوفى جميع حقه وزعم أنه بقي عليها بقية منه، فتنازعا في ذلك فقرعها قرعة فاستغاتت ببعض أهلها فأغاثها فاقبل ومن معه إلى الذي قرعها ومن معها من المصدقين؛ فتواقعوا وتنادوا عند ذلك يا آل بني فلان، حين
غير أن امرأة من أهل دبا شاجرت بعض
(1) ابن اعثم، أحمد: الفتوح جاص 60
(V.) (1/70)
صفحة 71
رأوا أن القبلية قد نشبت بينهم ... قال: وكانت دعوة جاهلية قد كان يقال إن من دعا بما حل دمه حين يدعو بما أو يتوب، فاقتتلوا ما شاء الله؛ وظهر المصدقون عليهم فجاء حذيفة الغلفاني وكان ولي ذلك؛ فسبأ أهل دبا وفيهم ذرية من لم يقاتلهم من النساء والولدان، وذرية من قد غاب أو كان قد مات وهو مسلم ونساؤه في غير إنكار منهم بشيء من التنزيل ولا امتناع منهم بما قبلهم من
الحق (1).
ويبدو
أن السالمي وقع في روايته لأحداث ردة عُمان تحت تأثير الأهواء المذهبية والعصبية، وحاول أن يناقض رواية ابن الأثير التي قال عنها ((بأنها باطلة
لا صحة لها))
(T)
إلا أن ابن أعثم قد أضاف بعداً آخراً لقضية الردة في عُمان، غاب عن المؤرخين العُمانيين، فقد ربطها ضمن موقف اتخذه العُمانيون المناصرة أبناء عمومتهم من الكنديين بحضرموت.
قال ابن أعثم: إن الخليفة أبا بكر (رضي) كتب إلى عكرمة بن أبي جهل، وعكرمة يومئذ بمكة: أما بعد فقد بلغك ما كان من أمر الأشعث بن قيس وقبائل كندة، وقد أتاني كتاب لبيد يذكر أن قبائل كندة قد اجتمعوا عليه وعلى أصحابه و حصروهم في مدينة تريم بحضرموت، فإذا قرأت كتابي هذا فسر إلى زياد بن لبيد في جمع من أصحابك ومن أجابك من أهل مكة.
سار جيش عكرمة حتى صار إلى نجران ودعاهم المحاربة كندة فأبي أهل نجران ولم يجبه أحدٌ، ثم سار إلى مأرب فترلها، وبلغ ذلك أهل دبا فغضبوا عن
(1) السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج 1 ص 49 و 50.
(2) المصدر نفسه.
(71) (1/71)
صفحة 72
مسير عكرمة بن أبي جهل إلى محاربة كندة، وجعل بعضهم يقول لبعض: تعالوا حتى نشغل عكرمة وأصحابه عن محاربة بني عمنا من كندة وغيرهم من قبائل اليمن، فعزموا على ذلك، ثم إنهم وثبوا على عامل لهم من قبل أبي بكر (رضي) فطردوه عن بلدهم، فخرج عاملهم هاربا من بين أظهرهم حتى صار إلى عكرمة بن أبي جهل فلجأ إليه فكتب حذيفة بن محصن إلى أبي بكر (رضي) يخبره بأمر
أهل دبا وارتدادهم عن دين الإسلام وطردهم إياه ثم أخبره في كتابه أنه أتى إلى
+
(1)
عكرمة فصار معه وحين علم أبو بكر (رضي) بتمرد العُمانيين وموقفهم لمناصرة إخوانهم الكنديين بحضرموت)) اغتاظ غيظاً شديداً وكتب إلى عكرمة وأمره بالمسير إلى ديا قائلا له: فإذا فرغت من أمرهم سر إلى حضرموت)) (2).
ورواية ابن أعثم اختلفت عن روايات المصادر الإسلامية والعمانية المحلية في ذكر الأسباب التي دفعت بأهل دبا إلى إعلان العصيان أو التمرد والردّة، وقد بدا الموقف على أنه دعوة إلى نصرة للعصبية القبلية ووقوف أزد عُمان بجانب أبناء عمومتهم من كندة حضرموت وقبائل اليمن وكان هدف العُمانيين شغل وتشتيت قوة المسلمين وتخفيف الضغط العسكري على كندة، وبدا الموقف أنه صراع على أساس عصبي لا ديني، وما قصة شاة المرأة الأزدية في دبا وناقة الغلام الكندي في حضرموت إلا دفع للأمور نحو التوتر وإعلان تمرد قبائل جنوبي الجزيرة على حكم قريش وعدم الاعتراف لها بشرعية خلافة رسول صلى الله عليه وسلم.
(1) ابن أعلم، أحمد: الفتوح جاص 59.
(2) المصدر نفسه.
(72) (1/72)
صفحة 73
لجأ حذيفة الغلفاني إلى أقصى مظاهر الشدّة والانتقام من أهل دبا، فلم يق أحد من أهل دبا قدر عليه إلا سباه (1). وأخذ الأموال والسوق بحذافيرها، بالرغم من أن أهل دبا أرسلوا إليه يسألونه الصلح على أنهم يؤدون الزكاة ويدعون إلى محبته وينصرف عنهم عكرمة، فأرسل إليهم عامله أنه لا صلح بيننا وبينكم إلا على إقرار منكم بأنا على حق وأنتم على باطل، وأن قتيلنا في الجنة وقتيلكم في النار، وعلى أن نحكم فيكم ما رأينا فأجابوه إلى ذلك فأرسل إليهم أن اخرجوا الآن عن مدينتكم بلا سلاح ففعلوا ذلك ودخل المسلمون إلى حصنهم فقتلوا أشرافهم وسبوا نساءهم وأولادهم وأخذوا أموالهم ونزل عكرمة مدينتهم، ووجه أيضاً برجالهم إلى أبي بكر وهم ثلاثمائة. من المقاتلة وأربعمائة. النساء والذرية (2).
(2)
من
بعث حذيفة بالأسرى إلى المدينة مكبلين بأغلالهم وقيودهم عبر بوادي بلاد العرب، وكانت لهؤلاء الرجال والنسوة وأطفالهم من أهالي دبا وبقية من انضم معهم من أهل عمان، تجربة قاسية ومريرة مع الأسر، ورحلة طويلة مضنية ومهينة، قطعوها عبر سباسب صحراء العرب يتنقلون فيها بين الأحياء والعشائر العربية، وكانت فيها من الدروس والعبر لغيرهم من العرب أكثر مما لهم، فقد ألقت بالخوف في قلوب القبائل العربية الواهنة التي كانت تراودها فكرة الامتناع عن دفع الصدقة أو حتى شق عصا الطاعة على الدولة الإسلامية الجديدة.
أقر الخليفة أبو بكر رضي) تصرفات عامله حذيفة الغلفاني مع أهل عُمان ولم ينكر عليه اللجوء إلى منتهى الشدّة والقسوة والقتل والسبي، ولم يجد نفعاً توسط وجهاء عُمان كأمثال سبيعة بن غزال الصيلمى والمعلا بن سعد الخمامي
(1) السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 50.
(2) ابن أعثم: الفتوح ج 1 ص 61.
(73) (1/73)
صفحة 74
والحارث بن كلثوم الحديدي، الذين لحقوا مع وفد من أصحا؟. ." الأسرى، فوفدوا إلى أبي بكر (رضي) فقالوا يا خليفة رسول الله: إنا على إسلامنا لم ننقل عنه؛ ولم نمنع زكاة ولم نترع يداً من طاعة؛ ولم نرجع عن دين وقد عجل علينا صاحبك وكففنا يدنا إلى أن أتيناك (1)
ولما هم أبو بكر (رضي بقتل المقاتلة من أهل عُمان وقسمة نسائهم والذرية قال له عمر بن الخطاب (رضي): يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن القوم على دين الإسلام وذلك أني أراهم يحلفون بالله مجتهدين: ما كنا رجعنا عن دين الإسلام، ولكن شحوا على أموالهم، وقد كان منهم ما كان ولا تعجل عليهم واحبسهم عندك إلى أن ترى فيهم رأيك (2).
لم يشأ الخليفة أبو بكر) رضي (أن يتراجع عن قرار حروب ردّة وتمرد العرب، ولم يرد أن يكون ضعيفاً أمام هذه الأحداث التي كادت أن تعصف بالجزيرة العربية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعيدها إلى عصور جاهليتها الأولى.
ظن كفار العرب بالمسلمين، الوهن وظهر من العرب من ادعى النبوة، واستغلظ أمر مسيلمة وطليحة على عوام طيء وأسد، وقالوا ((نبي من الحليفين - أسد وغطفان - أحب إلينا من نبي (قريش)) (3). وبدأت كل قبيلة عامة أو خاصة من قبائل وسط الجزيرة وعُمان وحضرموت واليمن تعلن الردّة.
(1) السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 49.
(2) ابن أعثم: الفتوح جاص 61.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2 ص 205.
(74) (1/74)
صفحة 75
تنوعت مظاهر ردة القبائل العربية الحديثة عن الإسلام فمن العرب من أقام الصلاة ومنع الزكاة، وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه
:
من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون، وروي أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر علام تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله له أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ فقال أبوبكر (رضي) والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأ قاتلنهم لو. على منعها. إن الزكاة حق المال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة (1) وكان عقال الصدقة على أهل الصدقة).
استمدت قيادات الجيوش التي بعثها الخليفة أبو بكر (رضي) لقمع الردّة قوتها وعزمها وحزمهما من موقف الخليفة الذي أصر على قمع المرتدين من أتباع مدعي النبوة ومانعي دفع الزكاة، والعودة بهم إلى حظيرة الإسلام وأطلق قادته وعماله أيديهم في قتل المرتدين وسي رجالهم ونسائهم وذراريهم واعتبار أموالهم وأسواقهم غنيمة لجيش المسلمين يشتركون فيها بعد أخذ الخمس لبيت المال في المدينة؛ وأن تقبل الفدية عن الأسرى والسبايا منهم كما صرح بذلك الخليفة أبو بكر (رضي) للوفد العُماني وقال لهم: أصنع بكم ما صنعت بالعرب؛ إن شئتم خليت المال وأخذت السببي. ففادوا السبي فقالوا على كل أسير أربعمائة و خمسون در هماً (2). هذا التعامل مع الأسرى العُمانيين؛ لم يقرّه الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي)، فبعد موت الخليفة أبي بكر (رضي) ولي المسلمين عمر بن الخطاب (رضي) وقال: إنه قبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضاً، وقد وسع الله
(1) ابن كثير: البداية والنهاية ج 6 ص 311. (2) السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 49.
(75) (1/75)
صفحة 76
عز وجل وفتح الأعاجم واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام وجعل فداء لكل إنسان سنة أبعرة أو سبعة (1).
الخطاب
قدم وفد عُمان مرة أخرى إلى المدينة فكلم أمير المؤمنين عمر بن! (رضي) في سبي أهل دبا، وقال المعلا. بن سعد الحمامي يا أمير المؤمنين إن حذيفة
بن المحصن تعدى طوره وعظم في الناس حدثه؛ ولولا مراقبة أمير المؤمنين لكان شكامة متاناً جزاء له عن غيره واعظاً لغيره، ولكن حملنا على مخافة نكله فترادف العثرة وسكنت الحرة ولم نكد. فقال عمر: يامعلا إن في الحق سعة وكف عربك أولى بك، إن الإسلام سوى بين الناس فرفع الوضيع ورفع الشريف، وأعطى كل امرئ قسطه من خيره وشره ثم أمر عمر برد السبي، وتكللت مجهودات سبيعة بن غزال والمعلا بن سعد بالنجاح وفكوا أسر قومهما بعد مفاوضات شاقة أكثرا فيها الحل والترحال بين عُمان والمدينة، وفي هذا قال في مدحهما الشاعر يزيد بن حسان الإيادي)
(T)
في زمان سبيعة بن غزال والمعلا إذ يبنيان الفعالا حين ردا سباء أهل عمان أكثر الحل فيه والترحالا
وتنفي المأثورات العمانية بشدّة تهمة الردّة عن أهل عُمان، وساقت مسوغات لقصة الردّة على أنها صفة من صفات الشح في آل الحارث بن مالك بن فهم، وهم المعروفون في أهل عُمان بالشحوح الآن؛ إذ علقوا عليهم صفة الشح بالصدقة، فقيل لهم الشحوح وشاع فيهم. وإن الخليفة عمر بن! الخطاب (رضي) قد غضب على العامل الذي قبض على أهل دبا متأولاً فيهم الارتداد وقد غضب
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2 ص 237. (2) السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 49.
(76) (1/76)
صفحة 77
عليه غضباً لم ير مثله، حيث قال له: والله إني لو أعلمك تسبيهم، وغنيمة أموالهم
لقطعتك طوائف ثم بعثت إلى كل مصر. منك بطائفة)).
(1)
فسر علماء عُمان تصرف عامل الخليفة حذيفة بن المحصن تجاه سبي أهل دبا بأنه سوء في التأويل وأنه أعتمد على شبهة ظنها حقا فأخطأ فيما فعل، والدين لا يثبت بالاحتمال وقال السالمي في جوهره:
تأوّل الشابي لهم يوم دبا وأنكر الفاروق ذاك المذهبا
أي أنكر عليه تأويله ارتدادهم حين تداعوا بدعاوى الجاهلية، فإنه لا يكفي
للحكم عليهم بالارتداد بذلك
من
!! ...
(T)
يبدو أن قبيلة آل الحارث بن مالك بن فهم الأزدية قد رأت في تسليمها الصدقة ضرباً من ضروب الإهانة لها، وشعوراً يخلطه المرارة بفقد عزها ويحدها القبلي التليد، وهي التي كانت في ماضيها البعيد والقريب تعتاد أخذ العشر والعطايا. قبائل عُمان الأخرى ومن قبائل العرب الوافدة إلى أسواقها، انطلاقاً أيضاً من موروثاتها القبلية في الشورى، فإن الأزد لم ترغب أن ترى خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يختار من قريش فقط؛ دون العمل بالرأي والمشورة في اتخاذ مثل هذا القرار المهم عبر وجهاء وزعماء القبائل التقليديين، وهم في هذا يتوافقون تمام التوافق مع رأي قبيلة كندة التي أعلنت العصيان والتمرد على الخليفة بإعلانهم رفض دفع الزكاة، وتسويغهم لهذا التصرف بعد هزيمتهم أنه شح بالمال لا ردّة عن الإسلام.
(1) المصدر نفسه.
(2) السيابي، سالم بن حمود عمان عبر التاريخ ج 1 ص 61 و 62 و 166 و 167.
(77) (1/77)
صفحة 78
وسياق قصة ردة عُمان كما أرادت لها المأثورات العمانية لا تختلف كثيراً عن قصة ردة كندة في حضرموت، فأحداث قصة ردة عُمان حسبما جاءت في المأثورات العمانية كانت على النحو الآتي:
حذيفة (عامل الخليفة) - امرأة من آل الحارث بن مالك شاة الصدقة اختيار البديل رفض العامل نادت يا آل مالك إتمام بالردة
ه حرب وقتل وسبي التعليل (شح بالمال لا ردة عن الإسلام).
أما أحداث قصة ردة كندة فقد جاءت في المصادر الإسلامية على السياق
نفسه وهي على النحو الآتي:
زياد بن لبيد (عامل الخليفة)
غلام من كندة
ناقة
الصدقة
اختيار البديل
?
رفض العامل
ے ننادوا
التعليل
بالكندة
ه اتمام بالردة حرب وقتل وسبي
شح بالمال لا ردة عن الإسلام).
وكذلك في حصر السبايا وضرب أعناقهم، ثم العفو عنهم وكلام عمر بن
الخطاب (رضي) مع أبي بكر في كلتا الحالتين.
ويجب الوقوف بحذر أمام رواية السالمي التي نقلها في تحفته لأن فيها من اللبس والخلط حول تسجيل وقائع الأحداث و الأسباب، فبدت ردّة أهل عُمان مطابقة تماماً لأحداث وأسباب ردة كندة وحضرموت.
(78) (1/78)
صفحة 79
عرفت الأمم في حضاراتها القديمة جباية الضرائب الضرورية بأشكالها ونظمها المتعددة من الخراج أو المكس، أو العشر، وهذه الوظائف يرى ابن خلدون أنها في تنظيمها عبر ديوان الأعمال والجبايات ضرورية للملك، لأنها تحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج وإحصاء العسكر بأسمائهم وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في إياناتها (1)
والخراج اصطلاحاً هو غلة الأرض وثمارها، والمكس هو جباية الدراهم تؤخذ من بائع السلع في الأسواق الجاهلية والماكس هو العشار، والعشر جزء من عشرة، وهو ما كان من الأموال للتجارة والصدقات وعشرهم أخذ عشر أموالهم ومنه العاشر.
جاءت التوراة بوصايا أمر الرب بها موسى لبني إسرائيل وفي الكتاب المقدس العهد القديم اللاويين)) الفصل (27 تناولت الوصايا النذور والعشر في الشريعة اليهودية، وكان النبي سليمان بن داود قد جعل على ما وهب الله له من سعة الملك اده) نيرام بن عبدا) على الخراج وكانت مملكة النجاشي في الحبشة عظيمة الشأن وبما من الملوك العظام تحت يد ملكه يعطونه الطاعة ويؤدون إليه الخراج. وكان الملوك المناذرة في أطراف الحيرة يؤدون لكسرى فارس الطاعة ويحملون إليه الخراج.
عرفت ممالك جنوب الجزيرة العربية القديمة المكس وجاء ذكرها في النقوش اليمنية القديمة، وكانت مملكة قتبان تفرض على التجار المكس، أما مملكة سبأ فكانت تأخذ على القوافل التي تستخدم أراضيها مكساً على كل بعير. وقبل
الإسلام كانت العرب تدفع العشر في أربعة من أسواقها الموسمية العشرة: - سوق صحار وسوق دبا من أرض عمان؛ كان يعشرهم فيها آل الجلندى.
(1) ابن خلدون: المقدمة ص 431.
(79) (1/79)
صفحة 80
-
سوق الشحر شحر المهرة؛ كان يعشرهم بما الأبناء قوم من ((الفرس)).
- سوق صنعاء اليمن يعشرهم الأبناء.
أما سوق عكاظ الذي كانت تنزله قريش وسائر العرب وأكثرهم من مضر، فكان المفاخراتهم ومهادناتهم.
(1)
في الرسول صلى الله عليه وسلم عن دفع العشر للعرب المشركين الذين يأخذونه على الطريق، وجاء في الأثر النبوي ((إن لقيتم عاشراً فاقتلوه)) أي إن وجدتم من يأخذ العشر على ما كان عليه أهل الجاهلية يأخذه مقيما على دينه فاقتلوه. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى وفي الحديث ((أحمد الله إذ رفع عنكم العشور)) يعني ما كانت الملوك تأخذه منهم)
(2)
حين جاء الإسلام فرضت الزكاة على المسلمين وثبت في الصحيحين: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله (وإقام الصلاة وإتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان وهي ركن من أركان الإسلام الخمسة حيث جاء ذكرها مقرونة بالصلاة في عديد من آيات الكتاب العزيز، تؤخذ من مال المسلم مقابل حماية الدولة لحياته وماله وتذهب الزكاة إلى فقراء المسلمين وما فاض منها يودع في بيت مال المسلمين لتكون نواة دعامة اقتصاد الدولة الإسلامية.
كتب النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة، ((فلم تخرج إلى عماله حتى قبض الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض أخذها أبو بكر (رضي) فعمل بها من بعده، فلما
(1) اليعقوبي، أحمد بن إسحق: تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 230. (2) الجزري، المبارك بن محمد: النهاية في غريب الأثرج 3 ص 239.
(A.) (1/80)
صفحة 81
قبض أبا بكر أخذها عمر (رضي) فعمل بها)) (1) وصدقة الحيوانات فيها نسب معروفة ومحددة، ففي الإبل في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، وهكذا تزيد النسب المعروفة إلى عشرين ومائة فإذا زادت ففيها في كل خمسين، حقة، وفي كل أربعين بنت لبون. وقيست عليها البقر، وفي الغنم تبدأ في كل أربعين شاة، إلى العشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شانان، وهكذا تزيد النسبة حتى إذا بلغت أربعمائة شاة في كل مائة شاة. أما زكاة النقدين ففيها ربع العشر وقيست عليها زكاة التجارة
كانت تجربة تحصيل أو جباية الزكاة وتنظيم سجلاتها وإيراداتها وتوزيعها، تجربة جديدة على المجتمع العربي في صدر الإسلام، وقد صاحب تحصيل هذه الفريضة الدينية التي شدّدت على تطبيقها وأدائها الشريعة الإسلامية كثير من الاجتهادات والتأويل.
منهم
لم يكن العرب في البدء خاصة الأشراف مقتنعين بفكرة دفع زكاة من أموالهم، ولم يكن العمال الذين تم إرسالهم إلى بلاد العرب المترامية الأطراف تماماً مهيئين في القيام بتنظيم تحصيل وتوزيع الصدقات، ومن الملاحظ أن بعض عمال الصدقة كانوا متأثرين بأسلوب الشريعة اليهودية في تحصيل العشر، في حين أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه باليهود والنصارى ودعا المسلمين إلى مخالفتهم؛ فإن العمال الذين أرسلوا على الزكاة قلدوا اليهود في شيء من قانون شريعتهم فيما يعرف بتحصيلهم للعُشر ولم يخالفوا اليهود إلا في طريقتهم في وضع الوسم على البهيمة العاشرة، فالمسلمون كانوا يوسمونها بميسم الصدقة والميسم اسم المكواة أو الآلة وهي من حديد يوسم بها، واسم الأثر الذي تخلفه على جسم البهيمة الوسم. أما اليهود فإنهم كانوا يلونون بهائم الصدقة
(1) الدرامي، عبدالله بن عبدالرحمن: سنن الدرامي ج 1 ص 465.
(81) (1/81)
صفحة 82
بعصاة مطلية بطلاء أحمر و الشريعة اليهودية ترفض إبدال البهيمة التي جاءت
منهم
تمت العصا ويعدون العاشرة بأنها أعطيت كعشر للرب، فإن عمال الصدقة. حديثة بن المحصن الغلفاني في عمان وزياد بن لبيد في حضرموت قد رفضا أيضا إبدال البهيمة التي جاء عليها العشر، وعدها صدقة إجبارية لا تتغير او تتبدل بغيرها، وكان لهذا التصرف المتشدد عواقب وخيمة على أهل عمان وحضرموت.
والعشر في الأساس هو قانون الجبايات في الشريعة اليهودية، وكانت اليهود تجمع البهائم ويعدها الراعي فإذا مرت البهيمة العاشرة ((العُشر)) تحت عصا الراعي تكون نذراً للرب وتلون بطلاء أحمر وجاء في التوراة العهد القديم -
اللاويين الفصل 27:
9 - إن كان النذر من البهائم مما يقرب للرب قربانا فإنه بهيمة تعطى للرب تكون مقدسة له. 10 - لا يبدلها ولا يغيرها لا جيداً برديء ولا رديئاً يجيد، فإن أبدلها ببهيمة تكون هي والبديل مقدستين للرب.
30 - عُشر محاصيل الأرض كلها من الحب ومن ثمر الشجر يكون للرب. 32 - وأما البقر والغنم فالعاشر من كل ما تمر من تحت عصا الراعي يكون
للرب.
33 - جيداً كان أم رديئاً، لا يفحص ولا يبدل، فإن أبدل يكون هو وبديله مقدساً للرب لا يفك (1).
إن الامتناع أو رفض دفع الزكاة يعد في الشريعة الإسلامية إسقاطاً لركن من أركان الإسلام، ويعد ردة وخروجاً عن الإسلام، شأنه شأن إسقاط الصلاة،
(1) الكتاب المقدس اللاويين 27.
(82) (1/82)
صفحة 83
فالإسلام قام على أركان خمسة مترابطة فأي ركن يرفض منها تسقط بقية
الأركان.
وحول أسباب الردة في عُمان وحضرموت وتصرف عمال الخليفة وتعاملهم مع أهل حضرموت وعُمان أجد نفسي أميل مع رأي علامة حضرموت ابن عبدالله فيما وقع عنده من إشكال أعظم من الجبل في إصرار زياد بن لبيد بحضرموت) على أخذ ناقة الفتى الكندي (شذرة (وقد قالوا إنهما ضنينة، بل قد صرح أبو جعفر - الطبري بأن لا صدقة على صاحبها، وكيف يتفق هذا مع ما جاء في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه لليمن، إياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين ا الله حجاب، والحال لا اجتهاد مع النص الذي يبعد أن يخفي وذلك أن امتناع القوم عما لا يلزمهم وقيامهم بالدفاع عن أنفسهم إزاء من شاء أن يأخذ منهم أكثر من الواجب، لا شيئاً من أعمال زياد فإما أن يكون الرواة وأصحاب السير مقصرين في بيان بور السبب الذي سوغ لزياد أخذها وإراقة دماء بني معاوية وبني الحارث من أجلها، وإما أن يكون زياد سيء السيرة فتكون تبعة ذلك كله عليه. ولو لا تصديهم ليان السبب مع اقتصارهم على ما ذكرنا لقلنا بما قاله الإمام الشافعي من أن وقائع الأحوال يتطرق إليها الاحتمال فلا يصح. بها الاستدلال)
(1)
وكذا وقع في نفسي شيء من هذا الإشكال في إصرار حذيفة الغلفاني على أخذ (شاة) للصدقة ضنينة على صاحبتها، وقد صرحت أنها استوفت جميع حقها، وإصرار حذيفة على أنه بقي عليها بقية، وسالت دماء الأزد من أجلها.
(1) السقاف، عبدالرحمن بن عبيدالله: بضائع التابوت في نتف من تاريخ حضر موت جاص 184، محوط.
(83) (1/83)
صفحة 84
الديني
في الواقع لا يوجد أي قول يجزم بأن قضية دبا في عُمان من ناحية الطابع كانت ردّة بمفهوم الردة من الوجهة الشرعية ذلك إذا أخذنا برواية ابن أعلم بأن القصة هي دعوة إلى نصرة للعصبية واستجابة من أزد عُمان لاستغاثة أبناء عمومتهم من كندة، ولا توجد معلومات تؤكد ما ذهب إليه الطبري وابن الأثير تفيد بأن العمانيين استجابوا لدعوة نبوة لقيط بن مالك الأزدي، بل لا توجد معلومات تؤكد ادعاء لقيط مالك بالنبوة وإن العملية كما يبدو
دعوة إلى عصبية.
بن
كانت
يبدو أن الأمور اتخذت مسارات متشعبة يحركها صراع داخلي على النفوذ بين ابني الجلندى من جهة وبين لقيط بن مالك الأزدي الملقب بذي التاج من جهة أخرى، استطاع ابنا الجلندى بمؤازرة واستشارة ارطبون العرب وداهيتها عمرو العاص ان يجيرا هذا الصراع لصالحهما، بعد أن أزما الموقف نحو الانفجار ورفعا تقريرهما في رسالتهما للخليفة أبي بكر (رضي) وصورا له الموقف على أنه ردّة وفتنة كبيرة.
وجاء الحسم لصالحهما بعد ضرب منافسيهم ضربة قاضية، وكان ذلك على حساب دماء العُمانيين ومعاناتهم في الأسر.
وإذا ثبت أن العُمانيين رفضوا دفع الزكاة حقاً؛ فإسقاط ركن من أركان الإسلام يعد خروجاً عن الإسلام وردّة أيضا، مثل إسقاط الصلاة وغيره من
أركان الإسلام.
لم يتغير الوضع الجيوسياسي في عُمان تغيراً جذرياً بعد أن مني العُمانيون في دبا بخسائر جسيمة بلغت بضعة آلاف من القتلى وألوفاً من الذين تشردوا في الجبال، ومجموعة كبيرة من الأسرى ذاقوا مرارة السبي والهزيمة.
(AE) (1/84)
صفحة 85
لقد تركت نتائج تلك المعاملة التي وصفت بالشدة والقسوة في نفوس أبناء نبيلة الأزد وعبدالقيس في عُمان؛ و قبيلة كندة في حضرموت؛ تركت أثراً سلبياً بقيت آثاره غائرة في نفوس وقلوب أبناء تلك القبائل العربية التي تستند على تراكمات من المفاهيم القبلية تصور الهزيمة بأنها عار مدى الدهر، وأن نار الثأر لابد أن تبقى جذوتها تحت الرماد تنتظر يوماً يتهيأ فيه الانتقام بصورة أو أخرى.
وهذا ما عكس نفسه في ما بعد وعبر تلك المواقف اللاحقة التي شهدتها المدينة والبصرة بعد الحوداث التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان (رضي)، وبروز شعور النقمة والثأر والانتقام من قريش، وكان موقف معظم أبناء قبائل الأزد وعبد القيس وكندة مؤيدة للفرق الخارجة أو الرافضة في حصر الخلافة في قريش.
وهذا الشعور بالنقمة تراكم وزادت حدته في العهد الأموي، وهذا ما عبر عنه أحد المقاتلين الأزديين الذي كان ضمن جند القائد الإباضي أبي حمزة المختار حين دخلوا المدينة وأثخنوا القتل في قريش سنة 128 هـ. قال الأزدي لابنه متشفياً ((الحمد الله الذي أقر عيني بمقتل قريش، فقال له ابنه: الحمد الله الذي أذلهم بأيدينا ... فما كانت قريش تظن أن من نزل على عُمان من الأزد عربي)) (1).
بعد القضاء على الردة التي اضطربت لها بلاد العرب، استقرت دولة الإسلام وترسخت قواعد الخلافة الإسلامية وهيمنت على كل جزيرة العرب، في هذه الاثناء ظل آل الجلندى محتفظين بسلطانهم ونفوذهم في عُمان، وأمضى خلفاء الرسول ذلك العهد والاتفاق الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابني
(1) الأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 241.
(10) (1/85)
صفحة 86
الجلندى في كتابه الذي حمله إليهم عمرو بن العاص، ولم يقصهم. الخلفاء أو
ينقصوا من سلطانهم أو يتدخلوا في شؤون عمان كثيراً.
وفي زمن الخليفة عثمان بن عفان (رضي) ربطت عُمان بالبصرة، وكانت البصرة القاعدة الرئيسة لانطلاق جيوش المسلمين لفتح فارس والأقاليم الأخرى فيما وراء النهر، وهذا الارتباط لم يفقد آل الجلندى مركزهم ونفوذهم، فقد ظلوا محتفظين بمراكزهم، يمارسون سلطاقم الواسعة في عُمان ضمن التوجه العام للدولة الإسلامية دون أن تتعارض مصالحهم مع مصلحة المسلمين.
نشأ من ارتباط عُمان بالبصرة أن ظهرت الهجرة العُمانية إلى البصرة، وتعززت صلات المهاجرين العُمانيين بين البصرة وعُمان، وكانت هذه الصلة من جملة عوامل التي ساعدت في تنامي هجرة أزد عُمان إلى البصرة.
تمتع آل الجلندى باستقلالية كبيرة في عُمان في بداية العصر الأموي، فكانوا يسيرون شؤونهم كما يريدون دون الرجوع إلى الخلافة بدمشق. ولم يقوموا بأعمال تظهر معارضتهم للخلافة الأموية أو انشقاقهم عنها.
وحين اضطربت أحوال دولة بني أمية بعد وفاة يزيد سنة 64 هـ، ظهرت قوة الخوارج في شرقي الجزيرة العربية، وسيطر نجدة بن عامر الحنفي الخارجي على البحرين، فبعث إلى عُمان جيشاً بقيادة عطية بن الأسود الحنفي، وكان يحكم عمان آنذاك عباد بن عبدالله الجلندى ويعاونه ابناه سعيد وسليمان، وهما يعشران السفن ويجوبان البلاد فهاجمهما عطية الخارجي وقتل عباداً واستولى على عُمان، وبذلك أصبحت جزءاً من دولة الخوارج الذين كانوا من أعنف خصوم الأمويين.
(86) (1/86)
صفحة 87
غير أن أهل عُمان لم يؤيدوا حكم الخوارج، وظلوا على ولائهم الحكامهم من آل الجلندى، فلما عاد عطية إلى البحرين بعد أن أمضى بضعة اشهر في عُمان، نارسعيد وسليمان بمساندة أهل عُمان على أبي يوسف نائب عطية في عُمان، ننقتل فأسرع عطية بالعودة إلى عُمان بعد أن اختلف مع: نجدة، غير أن العمانيين قاوموه و لم يمكنوه من دخولها. بعد أن تمكن الأمويون في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان من القضاء على معارضيهم الرئيسيين، اتجهوا إلى استعادة سيطرتهم على الأقاليم الإسلامية البعيدة عن مركز الخلافة، وكانت عُمان ضمن دائرة اهتمامهم لسببين رئيسين
هما
أ- سياسياً: القضاء على معاقل الخوارج الذين يفضلون طبيعة عُمان الجبلية وامتدادها عبر صحاري جرداء شاسعة أهلها لأن تكون ملجأ ومعقلاً حصيناً لم تساعدهم على الانسحاب التكتيكي في حالة الخطر أو الهجوم، بحيث لا تقوم لهم قائمة في هذا الصقع البعيد عن مركز الخلافة.
ب اقتصادياً: موقع عُمان على الخليج العربي وتحكمه على الطريق التجاري البحري مع أفريقيا والهند وبلاد الشرق الأقصى، وتأثيره على سلامة الملاحة في الخليج العربي، وسيطرة الأمويين على عُمان تعني لهم حرمان الثوار ومناهضي الحكم الأموي من معقل طبيعي محصن، وقطع خطوط الإمدادات
البحرية عنهم.
لذلك
، وجه الحجاج بن يوسف الثقفي عامل العراق لعبد الملك بن مروان القاسم بن شعر المزني (1) على رأس جيش كبير عن طريق البحر، فالتقى بمم سليمان وسعيد أبناء عباد بن عبد الجلندى ومعه الأزد فتصدواله فكانت بينهم
(1) السالمي عبدالله بن حميد: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج 1 ص 52.
(87) (1/87)
صفحة 88
قائع أسفرت نتيجتها عن انتصار أهل عُمان وقتل القاسم وصلبه وتشتت جيشه، غير أن وقع خبر الهزيمة على الحجاج زاده إصرارا وتصميماً على فرض سيطرته على عُمان، فأرسل أخا القاسم مجاعة بن سعر على رأس قوة كبيرة تقدر بأربعين ألفا كلهم من العرب العدنانية توجهت هذه القوة إلى عُمان عن طريق البر والبحر، وقد استطاع مجاعة أن ينتصر على آل الجلندى ويسيطر على عُمان فانسحب القائدان الأزديان إلى الجبل الأخضر، ثم توجها بأولادهما وأهلهما إلى أفريقيا وكونا حكومة عمانية وانتشر الإسلام في تلك النواحي (1).
أسهم العُمانيون إسهاماً كبيراً في نشر الإسلام في شرق أفريقيا، وهناك لعبوا دوراً مهماً في الحياة السياسية والاقتصادية، وتولوا الحكم وإدارة شؤون تلك المناطق واستمر هذا الدور حتى منتصف القرن الثالث عشر الهجري.
ح - دور المهالبة الأزديين في الدولة الأموية
قال ابن خلدون: إن التاريخ إنما هو ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل. وقال: والذهول عن تحري الأغراض من التاريخ اللهم إلا ذكر الوزراء الذين عظمت آثارهم وعفت على الملوك، أخبارهم، كالحجاج وبني المهلب والبرامكة وبني سهل وأمثالهم؛ فغير نكير الألماع بآبائهم والإشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك (2).
لقد قطن عُمان من الأزد إضافة إلى آل الجلندى بنو المازن، ومن بني مازن يأتي نسب المهلب بن أبي صفرة واسم أبي صفرة ظالم بن سراق وقيل غالب بن
(1) الخروصي، سليمان بن خلف ملامح من التاريخ العماني ص 101.
(2) ابن خلدون المقدمة.
ص
52
(^^) (1/88)
صفحة 89
إسراق بن صبح بن
كندة بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن
الأن من عمران وينتهي إلى مازن زاد الركب الأزد (1).
وذكر صاحب الأغاني أن ابن الهيثم بن عدي وأبو عبيدة وابن مزروع وابن
الكني وسائر من جمع كتاباً في المثالب ذكر أن أصلهم من عجم. عُمان، وأنهم تولو الأزد، فلما سار المهلب وشرف وعلا استلحقوه ونقل عن الهيثم بن عدي أنه وعد الجلندى في الأزد أزد عُمان، ومواليهم وأحلافهم فكان فيمن وفد منهم أبو صفرة، وكان يلقب بذلك لأن لحيته كانت مخضوبة بصفرة، فقال عمر (رضي) لابن الجلندى أكل من معك عربي؟ قال لا فينا العربي وفينا غير ذلك، فالتفت عمر رحمه الله إلى أبي صفرة فقال له أعربي أنت؟ قال: لا أنا ممن من الله عليه بالإسلام. ويقول صاحب الأغاني وليس هذا من الأقوال المعول عليها وزعم أن هذا من المثالب التي وضعها زياد بن أبيه فإنه لما أدعى إلى أبي سفيان وعلم أن العرب لا تقر له بذلك مع علمها بنسبه وضع كتاب المثالب فألصق بالعرب كلها كل عيب وعار وحق وباطل ثم جاء من بعده وبنى على ذلك)
(2)
والأصفهاني هو علي بن الحسين الأموي الأصفهاني الأصل، البغدادي النشارت 356 هـ) كان من الأدباء والشعراء وكان في حياته منقطعاً إلى الوزير العباسي الحسن بن محمد من ولد قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة وكان
كثير المدح.
رومية (2)
مختصاً
به، فمن ذلك قوله فيه من قصيدة يهنئه بمولود له من جارية
متبجح في ذروتي شرف الذرى بين المهلب منتماه وقيصر
(1) الأصفهاني، أبو الفرج: الأغاني ج 20 ص 85.
(1) المصدر نفسه ص 87,86.
(2) التعالي، عبدالملك: يتيمة الدهر ج 2 ص 265.
(19) (1/89)
صفحة 90
شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري
إن مكانة المهلب في نظر الأصفهاني تسامي مكانة قيصر الروم عزاً وشرفاً، وذلك لما للمهلب من مكانة في مأثورات البطولات العربية وما حوته كتب سير قادة الفتوحات الإسلامية، في القرن الأول الهجري، حيث حظي المهلب بن أبي صفرة الأزدي أمير خراسان وصاحب الحروب والفتوح بمكانة مرموقة في تاريخ الفتوحات الإسلامية، وفي تاريخ الدولة الأموية.
قيل كان مولده عام الفتح، ولأبيه، صحبة، وهو من أزد دبا من أرض عُمان، وكانت أول مهام المهلب العسكرية توليه قيادة جيش المسلمين الذي غزا ثغر السند سنة أربعة وأربعين للهجرة، فسار إلى قندا ابيل ثم أخذ إلى بنه ولاهور، وهما في سفح جبل كابل فلقي أعداءه هناك وأظهر شجاعة ودهاء في القيادة وتمكن ببراعة من فك الحصار المضروب حول جيش المسلمين في خراسان حينما كان مع الحكم بن عمرو في إحدى غزوات جبال الترك، وحاصرهم الترك في الشعاب والطرق فعيي الحكم بن عمرو بالأمر فولي المهلب الحرب وتمكن بدهائه ومكيدته من النجاة وخروج جيش المسلمين سالماً من الحصار.
عثمان
وفي السنة السادسة والخمسون من الهجرة غزا سمرقند مع سعيد بن. وفي السنة الخامسة والستون تولى صد الخوارج عن البصرة وحاربهم وأبادهم، وفي السنة الرابعة والسبعين أمره عبدالملك بن مروان بحرب الأزارقة، وبعد أن فرغ من حركم ولاه الحجاج بن يوسف أمر خراسان في سنة ثمان وسبعين.
وفي السنة ثمانين قطع المهلب نهر بلخ ونزل على – كش ونسف – في بلاد خراسان وحاصرهما وحارب أهلهما ثم صالحهما. وفي رجب من سنة اثنتين
وثمانين توفى المغيرة بن المهلب وكان قد استخلفه أبوه على عمله في خراسان.
(91) (1/90)
صفحة 91
وفي السنة نفسها اشتد المرض بالمهلب فجمع أولاده وقيل قد بلغ عددهم المائة ولداً فوصاهم وأحضر سهاماً فحزمت فقال: أتكسرونها مجتمعة؟ قالوا لا قال: أفتكسرونها متفرقة؟ قالوا نعم قال فكهذا الجماعة، ثم قال أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم فإنها تنسئ في الرجل وتثري المال وتكثر العدد، وأنهاكم القطيعة إنما تعقب النار والقلة والذلة، وعليكم بالطاعة والجماعة وليكن فعالكم أفضل من مقالكم واتقوا الجواب وزلة اللسان وآثروا الجود على البخل وأحيوا العرف وأحبوا العرب ثم مات رحمه الله في مرو الروز من نواحي هراة وقيل في رثائه:
ألا ذهب المعروف والعز والغنى ومات الندى والجود بعد المهلب
قال عنه عبدالله بن الزبير هو سيد العراق، وقال أبو إسحق السبيعي لم أر أميراً أمن تقية ولا أشجع لقاء ولا أبعد مما يكره ولا أقرب مما يحب من المهل وسميت البصرة ببصرة المهلب (1)
والمهلب بن أبي صفرة قائد عربي عُماني أزدي شجاع كان على دراية واسعة بفنون الحرب، كلف بمهام عسكرية عبر رقعة جغرافية واسعة بالغة التعقيد والتركيب، إثنياً وجيوسياسياً امتدت بين البصرة إلى ما وراء النهر إلى سمرقند،
وتشمل أكثر من خمسة أقاليم تميزت شعوبها بشدة البأس في المقاومة والحروب، وهذه الأقاليم ضمن ما تسمى في العصر الراهن بالعراق وإيران وباكستان رأفغانستان وجزء من جمهوريات آسيا الوسطى. وكانت محل أطماع كل إمبراطوريات التاريخ ولازالت كذلك وظلت عصية في التعامل معها من القادة
(1) ابن الأثير الكامل في التاريخ ج 4 ص 16 و 132 و 188 و 192 و 206 و 207. وتاريخ خليفة ابن الخياط ج ا ص 206 و ص 224 و 279 و 288 و 295. والعكري، عبدالحي بن أحمد: شذرات الذهب ص 54
(91)
84,77) (1/91)
صفحة 92
العسكريين التاريخيين ولازال كل إقليم على حدة من هذه الأقاليم برغم التطورات التقنية الهائلة والدعم اللوجستي المتطور والكبير من المناطق التي يصعب
التعامل معها عسكرياً أو إخضاعها والسيطرة عليها كاملة في العصر الحديث.
برز المهلب بن أبي صفرة كواحد من القادة العسكريين العظماء والفاتحين لهذه الأقاليم والذين استطاعوا أن يحملوا تحت أفياء سيوفهم رسالة الإسلام الخالدة ويساهموا في نشرها وسط تلك الشعوب التي أصبحت بعد مدة وجيزة تنعم بقيم وتعاليم الإسلام وتدين به، واستطاعت أن تقدم للبشرية معاني حضارية جديدة عرفت فيما بعد بالحضارة الإسلامية.
لم يكن دور القائد الأزدي العُماني المهلب بن أبي صفرة مقتصراً على قيادة جيوش الفتوحات الإسلامية، ولكن كان لدوره التاريخي في قيادة المعارك ضد الخوارج الذين خرجوا عن طاعة الدولة الأموية ومساهمته في إضعاف سطوتهم وقوتهم دوراً عظيماً ومشهوداً في تثبيت دعائم سلطة وحكم بني أمية.
أقر الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب على خراسان عملاً بوصية أبيه المهلب الذي استخلفه وهو ابن الثلاثين سنة، وكان يزيد بن المهلب كريماً شجاعاً، وكان المهالبة في دولة الأمويين كالبرامكة في دولة العباسيين في الكرم، وكان يزيد بن المهلب كثير الغزو والفتوح (1). وفي سنة خمس وثمانين عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان، وقيل إن سبب عزله إياه بناء على نبؤة راهب. سأله الحجاج إن كان يعلم من يلي بعده؟ فقال له الراهب رجل يقال له يزيد، قال أتعرف صفته؟ قال: يغدر غدرة لا أعرف غير هذا. فوقع في نفسه أنه يزيد بن المهلب
(1) العكري عبدالحي بن أحمد شذرات الذهب ج 1 ص 124.
(92) (1/92)
صفحة 93
وكتب إلى عبدالملك يذم يزيداً، وآل المهلب ويخبره إنهم زبيرية، وخوفه غدره وبما
قال الراهب
(1)
أذن عبدالملك للحجاج بعزل يزيد وكان الحجاج قد أذل أهل العراق كلهم لا آل المهلب ومن معهم بخراسان، وكان في نفسه شيء من تنامي نفوذ آل المهلب والأزديين بالبصرة وخراسان وتفردهم بالنجاح العسكري والقيادي لذي حققوه واستئثارهم بحسن الصيت الذائع من الشرف والكرم والبطولات والشجاعة التي كانت محل إعجاب القبائل العربية في العراق وغير العراق، وقد نحت ألسنة شعراء العربية بشجاعة وكرم آل المهلب، ومما قيل في كرمهم:
نزلت على آل المهلب شاتياً غريباً من الأوطان في زمن محل فما زال بي إكرامهم واقتفافهم والطافهم حتى حسبتهم أهلي
وقد بالغت المأثورات العربية في وصف كرم يزيد بن المهلب، ونظم الشعراء النصائد في مدحه في الهبات والعطايا التي يصرفها لهم من بيت مال المسلمين. مما حدا ببعض الشعراء أن يصرف وجهه عن باب الحجاج، إلى يزيد بن المهلب وقال يمتدحه ويذم الحجاج بالبخل:
لمن أرتج الحجاج بالبخل بابه فباب الفتى الأزدي بالعرف يُفتح قتى لا يبالي الدهر ما قل ماله إذا جعلت أيدي المكارم تسنح يداه يد بالعرف تنهب ماحوت وأخرى على الأعداء تسطو وتجرح فسر يزيد هذا المدح وأمر للشاعر بمائة وخمسين ألف درهم وحمله على
(2)
أفراس وقال له الحق بعلياء نجد واحذر أن تعلقك حبائل الحجاج (2).
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 4 ص 227. (1) الأصفهاني: الأغاني ج 22 ص 232.
(93) (1/93)
صفحة 94
نجا العديل بن الفرخ من حبائل الحجاج، وصدق ظن يزيد بن المهلب فقد عرضت به مدائح هذا الشاعر وعلقت حبائل الحجاج بيزيد. وقد كتب الحجاج إلى يزيد بن المهلب أن أقدم فسار إليه من خوارزم فكان لا يمر يبلد إلا وفرش أهلها الرياحين (1).
•
حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب وإخوته الذين قدموا معه وحين بلغه أن الأكراد غلبوا فارس، عسكر قريباً من البصرة، وأخرج. معه بني المهلب وجعل عليهم كهيئة الخندق وجعلهم في فسطاط قريب منه وجعل عليهم الحرس من أهل الشام وأخذ يعذبكم فكان يزيد يصبر صبراً حسناً (2). ولا يعباً بالحجاج ولا حرسه الذين من حوله، وجيء به إلى الحجاج وهو يرسف في حديد فأقبل يخطر بيده، فغاظ ذلك الحجاج فقال جميل المحيا، بختري إذا مشى، وقد ولى ع فالتفت إليه فقال وفي الدرع ضخم المنكبين شناف، فقال الحجاج: قاتله الله! ما أمضى جنانه وأحلف لسانه (3).
عنه
والسبب الذي افتعله الحجاج لحبس يزيد وإخوانه مطالبتهم بمبلغ من مال الخراج كان على يزيد و مقداره مائة ألف درهم، وقد جمعت قبيلة الأزد له المبلغ المطلوب وهو في السجن، فجاءه الشاعر الفرزدق يزوره فقال للحاجب استأذن لي عليه فقال إنه في مكان لا يمكن الدخول فيه، فقال الفرزدق إنما أتيت متوجعاً لما فيه ولم أت ممتدحاً فأذن له فلما أبصره قال:
أبا خالد ضاقت خراسان بعدكم وقال ذوو الحاجات أين يزيد؟ فما قطرت بالشرق بعدك قطرة ولا اخضر بالمروين بعدك عود وما السرور بعد عزك بهجة وما لجود بعد جودك جود
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 4 ص 228.
(2) المصدر نفسه ج 4 256.
(3) الزمخشري محمود بن عمر: الفائق ج 1 ص 83.
(94) (1/94)
صفحة 95
نقال يزيد للحاجب ادفع إليه المائة ألف درهم التي جمعت لنا ودع الحجاج وحمي يفعل فيه ما يشاء (1)
لجأ الحجاج بن يوسف إلى القسوة و الانتقام، في تعذيب أزد العراق ومطاردتهم، فقد سجن علماءهم، ومن بينهم جابر بن زيد، أحد زعماء الأزد وعالم البصرة وفقيهها وقد خشي الحجاج من تأثيره على قبيلته، ووقوفهم مع المالية في محنتهم، فنفي جابر بن زيد مع بعض العلماء من أصحابه إلى عُمان حيث كان المذهب الإباضي قد انتشر فيها انتشاراً واسعاً، والواقع أن نفي القادة إلى عمان لم يجرد الحركة من سلاحها، بل أسهم بالأحرى، في توطيد مكانة لمان التي حلت محل البصرة كقاعدة للمذهب الإباضي)
(2)
تمكن يزيد بن المهلب وإخوته من الهروب من سجن الحجاج فقدم فلسطين ونزل على وهيب بن عبدالرحمن الأزدي وكان كريماً على سليمان. عبدالملك بن نأتى بهم إليه فأمنهم، وحاول الحجاج إلحاق الأذى بهم ولكنه لم يتمكن منهم.
بعد وفاة الحجاج عاد يزيد بن المهلب ثانية إلى واجهة الأحداث وجمع
سليمان بن عبدالملك له، العراق، وفي سنة سبع وتسعين غزا جرجان ثم غزا
فرستان وفي عام مائة من الهجرة كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن أرطاة بأمره بإنفاذ يزيد بن المهلب إليه موثوقاً فلحق به عدي بن أرطاة فأوثقه وبعثه إلى عمر بن عبدالعزيز، وكان عمر بن عبدالعزيز يبغض يزيد، وأهل بيته ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم، وكان يزيد يبغض عمر ويقول: إنه مراء (3).
(1) الأبشيهي، شهاب الدين محمد بن أحمد المستطرف في كل فن مستظرف ص 353. (1) غباش، حسين عبيد عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث ص 43. (1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 4 ص 319.
(90) (1/95)
صفحة 96
ولما أحضر يزيد بن المهلب بين يدي عمر بن عبدالعزيز سأله. مصير أموال عن الخراج، وأمر بحبسه في حصن بجلب، فلما أبي يزيد بن المهلب أن يؤدي إلى شيئاً ألبسه جبة من الصوف وحمله على جمل وقال: سيروا به
عمر بن عبدالعزيز
إلى دهلك، وكانت جزيرة دهلك بالبحر الأحمر هي منفى الأمويين لخصومهم المعارضين وللصوص والفساق من العرب
ولكن عمر بن عبدالعزيز عدل عن قراره بعد وساطة من سلامة بن نعيم الخولاني، حين حذره سلامة من عواقب نفيه، إذ أن قومه الأزد غاضبون له وقرروا انتزاعه نزعاً، فردّه ثانية إلى محبسه.
حين علم يزيد بمرض الخليفة عمر بن عبدالعزيز خشي على نفسه من ولاية يزيد بن عبد الملك فتمكن من الهرب من محبسه قبل أن يتولى يزيد بن عبدالملك الخلافة، وحين تولى يزيد الخلافة سنة مائة وواحد من الهجرة دخل يزيد بن المهلب البصرة وأعلن ثورته وتمرده على الخليفة يزيد بن عبد الملك واجتمعت الأزد والقبائل الناقمة على الأمويين، له واستحوذ على أمر البصرة فعين أخاه زياد بن المهلب على عُمان، فقتل الخيار بن سبرة المجاشعي عامل الحجاج وصلبه وكان الحجاج ولاه إياها فأضر بالأزد (1)
ويعد هذا انتقاماً قبلياً للروابط التي كانت تربط آل المهلب بالأزد، وبذلك أوجد الحكمه في عُمان سنداً شعبياً، وبدت الثورة ذات صبغة أزدية تواجه
الحكم الأموي، وتجمع المعارضة تحت لوائها.
(1) ابن حبيب المخير ص 482.
(96) (1/96)
صفحة 97
جهز الخليفة الأموي يزيد بن عبدالملك جيشاً من سبعين ألف مقاتل من أهل
الشام، يقودهم أخوه مسلمة بن عبدالملك وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبدالملك، فساروا إلى العراق، وبلغ أزد خراسان ذلك النبأ فخرج منهم نحو ألفي فارس، فلما استجمع أهل البصرة ليزيد بن المهلب خطبهم واخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويحثهم على الجهاد، وزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثواباً من جهاد الترك والديلم (
(3)
أجتمع تحت راية يزيد بن المهلب مائة وعشرون ألف مقاتل من مختلف العرب الناقمين على بني أمية، وكانت تنقصهم الخبرة والدراية بفنون القتال والخوف من الهزيمة ومن نقمة وتنكيل الأمويين بهم، ودارت المعارك بين الطرفين في أكثر من جبهة، فأقام مسلمة بن عبدالملك يطاول يزيد بن المهلب ثمانية أيام ودارت معركة غير متكافئة، قتل فيها يزيد بن المهلب وتشتت جيشه والمزم، واجتمع جميع آل المهلب بالبصرة وأعدوا السفن وتجهزوا للركوب في البحر، وحملوا عيالهم وأموالهم حتى وصلوا كرمان ومنها توجهوا بالدواب نحو خراسان ثم مضوا إلى
ندا ابيل.
سير الأمويون من خلفهم جيشاً بقيادة هلال بن أحوز التميمي فلحقهم، والتقوا بهم وتقاتلوا معهم وقتل جميع من كان من أبناء المهلب في تلك المعركة وحملت رؤوسهم وفي أذن كل واحد رقعة فيها اسمه وبعثوا برؤوسهم ونسائهم وبقية الأسرى من آل المهلب إلى مسلمة بالحيرة فبعثهم مسلمة إلى يزيد بن عبدالملك فنصبت رؤوسهم، وأراد مسلمة أن يبيع الذرية فاشتراهم منه الجراح بن
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 4 ص 337.
(97) (1/97)
صفحة 98
عبدالله الحكمي بمائة ألف وخلّى سبيلهم ولم يأخذ مسلمة من الجراح
شيئاً (1).
تعد ثورة القائد العماني يزيد بن المهلب الأزدي امتداداً لثورة وخروج ا الحضرمي عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، الذي ثار على الحجاج بن يوسف وخلع عبدالملك، وعرض ملك آل مروان للزوال. وقد كان خروج و ثورة ابن الأشعث وابن المهلب كنتيجة منطقية بعدما فقدت كندة حضرموت وأزدعُمان قوتهما وتأثيرهما السياسي والاجتماعي واضمحل نفوذهما.
ومن المؤرخين من ربط خروج يزيد بن المهلب على يزيد بن عبدالملك بظهور أول فرقة متطرفة من الإباضية تنادي بالثورة ضد الحكم)
وليس بالضرورة في جميع الأحوال أن ما دفع بابن الأشعث وابن المهلب إلى الخروج وإعلان الثورة هو العامل العقدي، بل إن القضية هي قضية القبائل اليمنية من جنوبي الجزيرة العربية، ومعها ربيعة من شرق الجزيرة العربية من جانب،
ومضر (قريش من غربما) من جانب آخر. ويبدو أن سبب الصراع يرجع إلى تناقض مصالحهما، واستئثار قريش بالسيادة والحكم وتعارض المصالح الاقتصادية.
لما قضى الأمويون على ثورة يزيد بن المهلب أعادوا سيطرتهم على عُمان، فأخذوا يعينون عليها ولاة يختارونهم من قبائل مختلفة، وليس فيهم أحد من الأزد. ولم يكن تأييد العمانيين للأمويين قوياً، ولكن كانت السيطرة الأموية قوية على عُمان، وهذا يدل على أن الأحوال كانت هادئة حتى سنة 132 هـ.
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 4 ص 343 و 344. وابن خلدون: تاريخ ابن خلدون ج 2
ص 166 و 167 و 168 و 169 و 170 و 171 و 172.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 4 ص 339.
(98) (1/98)
صفحة 99
ط - عمان بين الوحدة والانفصال
بعد انتشار الإباضية في حضرموت استطاعت الحركة الإباضية في سنة 128 هـ إطلاق أول ثورة في جنوب الجزيرة العربية امتدت من حضرموت وصنعاء إلى مكة والمدينة وقد بارك العمانيون هذه الثورة وحضر الإمام الجلندى بن مسعود إلى حضرموت عند مبايعة الإمام عبدالله بن يحى الكندي - طالب الحق ولكن هذه الثورة انتهت بعد حوالي سنتين وعادت الحركة الإباضية في حضرموت وعُمان إلى دور الكتمان خشية التنكيل بأتباعها.
ولما رأى العُمانيون تدهور الدولة الأموية، قاموا يديرون الرأي بينهم في الانفصال عن القوم، ورأوا أن سلطان المسلمين العام ظالم، وقد نأى عن سائر بلاد الإسلام. ورأى العُمانيون ضرورة إقامة إمام لهم، ونظروا فيمن هو الأصلح هذا الأمر فوقعت خيرتهم على الجلندى بن مسعود ابن جلندى الجلنداني وهو من بقية ملوك عُمان (1)
أشعلت الحركة الإباضية في عُمان سنة (132 هـ) الثورة على الدولة الأموية، وأدت إلى إعلان أول إمامة مستقلة، ولكن هذه الإمامة التي امتد نفوذها إلى حضرموت، لم تعمّر طويلاً، إذ أجهز عليها العباسيون عام 134 هـ فخضعت عمان للدولة العباسية، وبقيت بين الوحدة الاسمية مع الدولة العباسية بارتباطها بالبصرة، وبين الانفصال الحقيقي عن دولة الخلافة للمناطق الداخلية واستمرار الحكم في بني الجلندي.
وفي بادرة من العباسيين نحو رد الاعتبار للمهالبة الأزديين وكسب ود الأزد الذين تعرضوا للتنكيل والمطاردة من قبل الحكام الأمويين، ولى السفاح على
(1) السيابي، سالم بن حمود: عمان
غير
التاريخ ج 1 ص 227.
(99) (1/99)
صفحة 100
البصرة سفيان بن معاوية المهلبي ثم عزله وولى مكانه عمه سليمان بن علي الأهواز وعمه عبدالله
بن علي على الشام وعبدالملك بن يزيد بن المهلب على
مصر
(1)
أظهرا لعباسيون في خلافتهم اهتماماً كبيراً بعمان، وذلك لاهتمامهم بالتجارة البحرية التي تمر طريقها من الهند عبر عُمان ثم إلى البصرة، وقد ظلت عُمان ضمن الوحدة الإدارية التي كان والي البصرة يشرف عليها وعلى الأقاليم الواقعة على الخليج العربي، والعباسيون أوّل من اهتموا بالوحدة الإدارية لمنطقة الخليج العربي وعينوا والياً واحداً لها ذا سلطة واسعة، ومن اختصاصه تعيين الولاة على الأقاليم الأخرى من الخليج العربي.
ولكن نزعة العمانيين للخروج والانفصال عن إطار الخلافة والأوضاع الشائكة والمعقدة دينياً واجتماعياً في عُمان منذ القرن الثاني الهجري على خلفية
المذهب الإباضي، حاولت في مسيرة تاريخها إقامة إمامة عادلة وناجحة مستقلة وفق النموذج الإباضي، تعتمد على المبادئ الأساسية الثابتة حول مبدأ السلطة، أي اختيار الإمامة القائمة على مبدأ الإجماع والتعاقد الحر المبني على مبدأ الشورى بين الحاكم والمحكوم والإمام والمأمومين.
إلا إن بوادر الفتن التي دائماً ما تلوح في الأفق كثيراً ما أجهضت مثالية هذه الفكرة والخروج أحياناً عن سياق هذا المبدأ، وتركت عُمان في معمعة ودوامة من
صراع الأئمة الخارجين على بعضهم البعض، ولجوء أفراد من الأسر الحاكمة عامة الناس إلى ممارسة الضغوط لتوريث الإمامة، أو عدم خروجها من حسب الإرادة القبلية
ومعهم
- x
بيت إلى بيت آخر. ولكن الجميع في نهاية المطاف. والعصبية، وليس بإرادة مذهبية - يجمعون بان تنحصر الإمامة في قبلية الأزد.
(1) ابن خلدون تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 377.
(100) (1/100)
صفحة 101
منذ وقت مبكر من تاريخ عُمان تعاقبت فروع قبيلة الأزد على حكم عُمان،
ومن قبل دخول الإسلام إلى عُمان وإلى سنة 175 هـ كان لأسرة الجلندى الشأن في حكم عُمان، ثم تلتهم أسرة اليحمد فحكمت منذ سنة 175 هـ إلى سنة 967 هـ تخللتها فترة وجيزة لبعض أئمة عُمانيين من غيرهم، وصراع قبلي
التقليديين من
داخلي بينهم وبين بني نبهان من الأزد، وكانت الحرب سجالاً تارة لهم وتارة عليهم، ولكن سرعان ما كان الحكم يعود إليهم. وكان الخصومهم بني نبهان دولة في عُمان، وآل نبهان الذين ملكوا عُمان فترة من الإمامة من حدود منتصف القرن السادس الهجري إلى القرن العاشر الهجري، ((كانوا على شيء من البذخ والجبروت وأبنة السلطان وعلى جانب من القوة والسطوة والمدنية الآخذة بقسط من الابتكار والإنشاء: العمران وهم الذين أطلقوا مـ
السلطان على الحكام منهم))
(1)
مسمى
ثم بويع الإمام ناصر بن مرشد اليعربي سنة 1034 هـ ليكون أول حكام الدولة اليعربية دولة اليعاربة وحكمت عمان منذ سنة 1034 هـ حتى
1154 هـ.
استطاع أحمد بن سعيد جد العائلة المالكة في عُمان ومؤسس الدولة البوسعيدية الحديثة. الذي كان والياً على صحار من قبل بلعرب بن حمير اليعربي بفضل همته العالية أن يضمد جراح العُمانيين بعد الخلافات الواقعة بين الأئمة السابقين التي أدت إلى فتن عظيمة وحروب محلية قاسية كانت نتائجها انحدار مجد
عمان التاريخي.
في عام 1154 هـ بويع أحمد بن سعيد بن أحمد المتصل نسبه بالقائد العماني المهلب بن أبي صفرة بالإمامة بنزوى، وسعى إلى توطيد دعائم الحكم ووضع
(1) الخروصي، سليمان بن خلف ملامح من التاريخ العماني ص 135.
(1+1) (1/101)
صفحة 102
القوانين لإدارة البلاد وتوحيد عُمان في دولة مركزية قوية، وتنظيم الجمارك وتشجيع التجارة مع الهند وشرق أفريقيا، كما أسس جيشاً دائماً على البلاد وأشرف بنفسه على تنظيمه وتسليحه كما أعد أسطولاً بحرياً زوده بالرجال والسلاح وفي سنة 1772 م استطاع أن يوجه أسطوله لانقاد البصرة كما أرسل أسطولا آخر تمكن من القضاء على القراصنة الذين كانوا يقطعون الطريق على تجار الهند بمسقط وكانت وفاته بالرستاق سنة 1188 هـ ودفن بها (1).
ي - انتشار الإباضية في عمان:
ضمن جدلية الصراع بين الفكر والواقع تتشكل المذاهب السياسية والاجتماعية والأخلاقية، وإن اختلفت باختلاف الغايات والاتجاهات والظروف المعيشية للإنسانية، إلا إنها تسعى نحو التوفيق بين الدعائم الأساسية التي يقوم عليها حياة المجتمع سواء من الجانب الروحي الذي يمتثل في العقائد التي تشكل القاعدة النظرية، أم الجانب المادي الذي يشكل الاقتصاد عصبه الرئيس، أم الجانب التنظيمي ويتمثل في هيكل وترتيب نظم المجتمع الإدارية.
ويعد الجانب الروحي (الدين) الدعامة الرئيسة لحياة المجتمعات البشرية وجزءاً من كل ثقافة، فهو يقدم صورة منظمة للكون، ويقيم علاقة منظمة بين الإنسان وربه الخالق المعبود من جهة، وبين الإنسان والمجتمع الذي من حوله من جهة
أخرى.
ومن المؤكد أن أشكال السلوك الديني تختلف كبيراً من مجتمع إلى آخر، فهناك فروق لا تحصى فيما يتعلق بالمعتقدات والشعائر والجوانب الأخرى من الممارسة الدينية. ولكن يجب أن لا تخدعنا هذه الفروق، ولا نرفض أيضاً كل الأديان أو
(1) المصدر نفسه ص 168.
(102) (1/102)
صفحة 103
نرفض كل المذاهب الأخرى باستثناء ديننا أو مذهبنا الذي نسلكه في أداء عباداتنا
وشعائرنا الدينية.
تعود عند المسلمين جذور الأصول العقائدية والفكرية والفلسفية إلى العقيدة الإسلامية بالإضافة إلى حصيلة واسعة من الاجتهادات والآراء الفقهية المفكري الإسلام وعلماء الأمة وفقهائها. ولعل أهم ما يتميز به الفكر الإسلامي عند المسلمين أنه لا يفصل الدين عن الدولة، وأن كل أنماط السلوك الديني تدور حول السيطرة والتحكم في حياة الإنسان ويأتي هذا التحكم ضمن منظومة متكاملة من التعاليم السماوية التي جاء بها القرآن وجسدها الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم في تعاليمه وسنته ومثلت حقيقة القيم المطلوبة والمثل العلياء التي أساسها عبادة الخالق المعبود وحده وإشاعة العدالة الاجتماعية بين الناس، يحركها الوعي ويزجرها الوازع الديني، وإذا ما حدث غياب هذا الوعي وفتر الوازع الديني؛ فإن فعالية القيم الدينية تضعف، وحينها يبدأ الصدع وتتسع الهوة الفاصلة بين الجانب الديني والجانب الدنيوي – السياسي-.
في القرآن الكريم ومضات عن الفكر السياسي تتعلق بموالاة المؤمنين بعضهم بعضا، ووجوب طاعة أولي الأمر، وقتال الفئة التي تبغي، والإصلاح بين (أخويكم). كما أشار إلى نوع من الملكية الطاغية: (يأخذ كل سفينة غصبا). كما ألح على العدل والتعاون والتعارف بين الأمم والشعوب، على
أساس التقوى، التي هي مقياس الكرامة عند الله.
في السنة الحادية عشرة من الهجرة توفي الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم فتولى الخلافة من بعده أبو بكر الصديق (رضي)، فالتزم التزاماً كاملاً بتطبيق العدالة الاجتماعية بعيداً عن الترعات والأهواء والعصبية، فخلا عهده من افتراق المسلمين.
(1.5) (1/103)
صفحة 104
ثم تلاه في ... الثة عشرة من الهجرة عمر بن الخطاب (رضي) فكان عهده كما تجمع عليه كتب السير والتاريخ مثالاً لصرامة الخليفة العادل، اجتهد
في وضع النظم ضمن إطار الشريعة الإسلامية حسبما تقتضيه مصلحة المسلمين والظروف الموضوعية التي كان يمر بها الإسلام في بدايته، خصوصاً أن رقعة الدولة الإسلامية بدأت تمتد خارطتها خارج الجزيرة العربية، وتضم ألواناً وأطيافاً جديدة من الأجناس البشرية تلاقحت أفكارها المميزة، وثقافاتها وقيمها الأخلاقية والاجتماعية ضمن حضارة جديدة عرفت فيما بعد بالحضارة الإسلامية الجديدة التي كانت تسيس شؤونها قيادات إسلامية عادلة نجحت في ردم الهويات والفروقات الأثنية بين ما هو عربي وعجمي، ورفعت شعار الإسلام الخالد لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى.
في السنة الرابعة والعشرين من الهجرة وبعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تولى عثمان بن عفان (رضي) أمر الخلافة، وتروي كتب السير والتاريخ بداية ظهور النعرات والعصبيات القبلية من جديد، واتهم عثمان (رضي) بمحاباة ذوي القربي واتخاذهم بطانة له يستشيرهم في أمور الخلافة وتوليهم أمور
المسلمين.
استفحلت الأمور وزاد خطرها واستمرت الأوضاع في اضطراب وترد،
فاجتمع من اجتمع من المسلمين عليه، وقتل الخليفة عثمان. بن عفان (رضي) وخلفه في السنة الخامسة والثلاثين من الهجرة علي بن أبي طالب (رضي) في ظل أوضاع مأساوية شهدها بادئ ذي بدئ مجتمع المدينة حاضرة الإسلام وعاصمة الخلافة، ثم انتقل هذا الصراع إلى الحواضر الإسلامية الجديدة في العراق والشام، فتطورت الأحداث تطوراً خطيراً، وبدأ الصراع يظهر في جسم الخلافة الإسلامية ليتطور إلى صراع مسلح، آلت بعده الأمور إلى تحزب وتشردم فصارت الأمة فرقاً
(104). (1/104)
صفحة 105
ومذاهب تدعي كل منها أنها أهل الحق وأن الحق بجانبها وأنها الفرقة الناجية
وغيرها على ضلال وأن هذه الفرق هي الفرق الباغية أو المارقة.
كان ظاهر هذا الخلاف خلافاً فقهياً - دينياً - إلا إنه في الحقيقية يعكس الامتداد التاريخي للصراع التقليدي بين الطبقات ذات السيادة في المجتمع العربي المكي قبل ظهور الإسلام، وجاءت تكراراً لقصة العداوة بين هاشم وأمية، وفيما روت الأخبار حين ولي هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة فحسده أمية بن عبد شمس على رياسته وإطعامه، فتكلف أن: يصنع صنيع هاشم فعجز عنه فشمتت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة على خمسين ناقة والجلاء من مكة عشر سنين، فقضي لهاشم بالغلبة، وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها وغاب أمية عن مكة بالشام عشر سنين فكانت هذه أوّل عداوة وقعت بين هاشم وأمية (1).
وجاء الإسلام وبقي هذا الصراع حول السيادة والحكم في البيت القرشي يأخذ أشكالاً دينية ودنيوية، حتى استقر الحكم عند العباسيين.
في خضم ذلك الصراع التاريخي حول منصب الخلافة وأحقيتها برز كثير من الكتاب والمفكرين تناولوا هذه المسألة بالبحث والدراسة والتنظير، وكل منهم يسعى إلى إضفاء الصبغة الشرعية على الأحداث السياسية واستقراء مدلولاتها وإحالتها إلى نصوص وأحاديث تعبر في الغالب عن آراء الفرق التي تنتمي إليها. فتباينت وجهات النظر بين المسلمين، وذهب كل تأويل النصوص حسبما يمليه الموقف السياسي أو يراه المنظور المذهبي.
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 1 ص 554.
(1.0) (1/105)
صفحة 106
الخلافة،
فالشيعة ترى أحقية علي (رضي) وأبنائه في تولي منصب مبداً من أساسي يقوم على أن الخلافة تنحصر في آل البيت وتنتقل بوصية الإمام لمن بعده ويكون معصوماً، الأمر الذي شجع الخوارج وأهل السنة بالرد عليهم، أما الموالون لبني أمية فإنهم يرون وجوب تنصيب الخليفة بالبيعة والشورى على أن يكون الخليفة قرشياً عدلاً.
ونتيجة للصراع السياسي بين الشيعة الموالين لأهل البيت من جهة وبين الفرق الموالية لحكم الأمويين من جهة أخرى ظهر حزب آخر تزعمه عبدالله بن وهب الراسبي (المحكمة) ويعتمد هذا الحزب في موضوع الحكم على المبادئ الآتية: البيعة والشورى والعدالة دون اعتبار، الجنس، فإن استوفى الإمام هذه المقاييس والتزم بما وجبت طاعته ولا يجوز الخروج عليه. أما إذا انحرف كان أمر الخروج عليه بيد أهل الحل والعقد وهو جائز وليس واجباً، ومن هذا التكتل ظهرت فيما بعد الإباضية.
في ضوء ما تقدم نحاول في هذه الدراسة أن نلقي ضوءاً على التجربة الفكرية السياسية الإباضية عبر تاريخ هذه الحركة الإسلامية، التي كانت ولا زالت لها آراؤها الفكرية في موضوع الحكم وجاءت ضمن مجال حيوي زماني (تاريخي) ومكاني (جغرافي)، وسعت في فقهها إلى أدلة وأصول تحتوي في طياتها مالا يتعارض مع إقامة المجتمع المدني في الإسلام.
حاولت التجربة الإباضية أن تبقي العلاقة بين الدين والدولة قائمة على أسس تضمن التوفيق بين الجانبين لتحقيق المصالح الدنيوية في حدود الشرع، وترسيخ مكانة هذه الحركة الإسلامية في اللوحة السياسية والثقافية في المجتمع الإسلامي التي تبلورت أفكارها بعد أن تثبتت دعائم الحكم في بني أمية ((سفيانيين
(1.7) (1/106)
صفحة 107
و مروانيين، وصاغ فقهاء الحكام الغطاء الشرعي المطلوب للحكم، وتم توظيف الأحاديث النبوية الصحيحة ووضع ما يلزم منها لتكريس الاستبداد وخدمته.
ظهرت حركات الاحتجاج ومنها حركة الإباضية، التي رفعت في بداية ظهورها لواء الفكر الحر. وبفضل السياسة الرشيدة المبنية على مبدأ اللين والتسامح والعمل في سرية تامة لإرساء دعائم الدعوة نجح جابر بن زيد الأزدي العُماني (ت 93 هـ) في كسب ود السلطة وثقة الحكام الأمويين، واستطاع في أثناء ذلك أن يبدي نشاطاً ملحوظاً في نشر الدعوة سراً في مأمن من بطش الحكام الأمويين، حتى تمكنت هذه الحركة فيما بعد أن تعلن الثورة ضد الحكم الأموي بإعلان عبدالله بن يحيى الكندي - طالب الحق- ثورته في قاعدة الإباضية العسكرية، وتوجهه إلى صنعاء ثم مكة والمدينة في ثورة مسلحة سلخت حضرموت واليمن والحجاز لعامين (129 - 130 هـ) حيث قضي أن ينهزم جيشه في ناحية الطائف ويلقى مصرعه على يد القائد الأموي عبدالملك بن عطية السعدي وذلك في سنة ثلاثين ومائة من الهجرة.
حضرموت.
قبل قيام الثورة الإباضية بحضرموت؛ فمن المؤكد أن الشكل النهائي الذي أصبح عليه الفكر الإباضي ومنهج الإباضية قد تأسس وتبلور في البصرة، ثم جاء دور الدعاة من أهل العلم لنقل ذلك الفكر المذهبي وتعاليمه إلى جنوبي الجزيرة العربية عُمان وحضرموت ومن ثم إلى شمال أفريقيا بواسطة الدعاة الحضارمة اليمنيين) ومن المعتقد أيضاً أن أولئك الأهالي المحليين قد وجدوا في التعاليم
الإباضية الحافز الديني لمعارضة الحكم الاستبدادي للأمويين والعباسيين معاً، وإلى
(1. Y) (1/107)
صفحة 108
ذلك فإنه من الواضح أن الدور الأساسي الذي ساهم في تأسيس ونشر الدعية
الإباضية في شمال أفريقيا قد قام به العرب الحضارمة واليمنيون)) (1). كانت عُمان من أوائل أقطار الجزيرة العربية التي وصل إليها الإسلام ودخلت فيه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأسلم أهلها وحسن إسلامهم، وشاركوا في كل الفتوحات الإسلامية براً وبحراً، وظهر من بينهم قادة عسكريون عظماء كان لهم الدور الرئيس في فتح كثير من الأمصار في الشرق، ولهم دور في التأثير على الأحداث السياسية التي جرت في النصف الأول من القرن الهجري الأول، وظهر من بين العُمانيين علماء نبغوا في أحكام المسائل الشرعية المختلفة كالتوحيد والفقه بقسميه العبادات والمعاملات، وامتدت نهضتهم الفكرية لتشمل الآداب والعلوم جميعاً، وتواصلت الحركة الفكرية والسياسية بين البصرة وعُمان.
و لم تكن عمان بمنأى عن الأحداث التي مرت بها الأمة فقد وجدت الأحداث السياسية التي تجري في الدولة الإسلامية صدى في عُمان.
وحين ظهر التطرف في حركة الخوارج لم يشايع أهل عُمان هذه الحركة المتطرفة وقد تمثل موقفهم المعارض لها في مقاومتهم للجيش الذي بعثه بجدة بن عامر الحنفي - وهو من غلاة الخوارج - بقيادة عطية بن الأسود الحنفي لضم عمان إليه، بل حاربوهم وأجلوهم عن بلادهم.
أما الصلة الحقيقية التي قامت بين أهل عُمان وبين الإباضية فقد كانت في عهد مبكر من ظهور هذه الحركة السياسية والمذهبية، وترجع تلك الصلة للعلاقة
(1) النامي عمرو: دراسات الإباضية. الباب الثاني ص 20.
(1. A) (1/108)
صفحة 109
القائمة بين العُمانيين والقبائل التي هاجرت منها وأقامت في البصرة، والتواصل الدائم بينها لصلة القربى، أو أنها مضت لطلب العلم والتفقه في الدين، وزاد هذه الصلات ما عرف عن العُمانيين أنهم أهل تجارة لا تنقطع رحلاتهم إلى العراق وسواها من الأمصار وكان موقف العُمانيين بالبصرة موقف من آثروا الاعتدال ولم يجيزوا الخروج بالسيف، ولم يوافقوا من استعرضوا الناس وانتهكوا حرماتهم وأموالهم وكفروا مخالفيهم، وكان العُمانيون مطيعين لتوجيهات قادتهم وزعماء عشائرهم والعلماء من أبناء عشيرتهم.
كان دعاة الإباضية بصفة خاصة من رؤساء الأزد وشيوخها ساهموا في نقل مذهبهم من البصرة إلى عُمان حيث انتشر بين أبناء قبائلهم، ووجدوا أنصاراً ودعاة كثيرون. واستطاع جابر بن زيد الذي نفاه الحجاج بن يوسف إلى عُمان أن يعمق انتشار آرائه وأفكار مذهبه بين أبناء عشيرته من الأزد لتكون له منهم عصبة يؤازرونه.
(1)
قام الشاعر عمران بن حطان ويكنى أبا شهاب وهو ((شاعر فصيح من شعراء الشراة ودعاتهم والمقدمين في مذهبهم وكان من القعدة لأن عمره طال فضعف عن الحرب وحضورها فاقتصر على الدعوة والتحريض بلسانه)). بدور مهم في نقل أفكار الحركة الإباضية في عُمان) فبعد أن أطلق سراحه الحجاج بن يوسف أخذ يتنقل بين مختلف القبائل حتى انتهى به المطاف إلى عُمان وهناك استقر به المقام تحت حماية قبائل الأزد ووجدهم يعظمون زعماء المحكمة من أمثال أبي بلال مرداس بن أدية التميمي ويعتنقون آراءه، فأظهر أمره
(1) الأصفهاني: الأغاني ج 18 ص 114.
(1.9) (1/109)
صفحة 110
بينهم ونشر أفكاره ودعاهم إلى مذهبه فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عُمان فيه، فهرب عمران حتى أتى قوما من الأزد فلم يزل فيهم حتى مات)
(T)
ومن قبائل الأزد بالبصرة انتشرت الإباضية في عُمان ووصلت إلى كل القبائل الأخرى من أزد عُمان في وقت مبكر فاعتنقوها ودخلوا فيها وتشجعوا لها ومنهم انتقلت إلى سواهم من القبائل الأخرى. بالإضافة إلى ذلك فإن عُمان أنجبت كثيرين من أئمة الإباضية وفقهائهم ممن كان لهم دور في نشر المذهب والدعوة إليه، منهم: جابر بن زيد الأزدي، المعروف بأبي الشعثاء، وبلج بن عقبة الأزدي، وصحار العبدي، وهلال بن عطية العماني ((تعود أصوله إلى خراسان جاء إلى عُمان والربيع بن حبيب الفراهيدي، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل وغيرهم.
ولرغبة العمانيين نزعتهم المستمرة في الاستقلال عن سلطة الخلافة المركزية المتمثلة بالخلافة الأموية ثم العباسية فيما بعد تبنوا العقيدة الإباضية
ا.
واتخذوا منها ذريعة ووسيلة لمقاومتهم للخلفاء الأمويين ثم ". بين الذين عدهم
+
الإباضيون ظالمين غاصبين للحكم، ومن ثم فإن سلطتهم غير شرعية (3).
(1) الدرجيني أحمد بن سعيد: طبقات المشائخ بالمغرب ج 2 ص 230. (2) الصوافي، صالح بن أحمد: الإمام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة ص 194. (3) خليفات عوض نشأة الحركة الإباضية من 129.
(11.) (1/110)
صفحة 111
وجد المذهب الإباضي أرضاً صالحة في عُمان لغرس شجرة عقيدته، فانتشر فيها، وأصبح كثير من دعاته ومناصريه من عُمان، ممن اتصلوا بقادة المذهب أو كانوا هم أنفسهم أولئك القادة (1).
ربما يفهم القارئ غير المتخصص، الذي نريد بيانه من خلال التأمل في هذا السؤال: من هم الإباضية؟ وهل الإباضية من الخوارج؟
(1) الصواني، صالح بن أحمد: الإمام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة و ص 19.
(311) (1/111)
صفحة 112
الجزء الثاني
الباب الثاني
الظروف السياسية لظهور الإباضية
الفصل الأول:
:
ظهور الإباضية
أ - الخوارج
ب نشوء الفكر الإباضي ج- أصل التسمية
د رأي الإباضية في الخوارج هـ - انتشار المذهب
الفصل الثاني:
أ- عبد الله بن إباض
ب جابر بن زيد الأزدي
ج- أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
د الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي
هـ - أصول العقيدة عند الإباضية
و- أهم المسائل الخلافية بين الإباضية والمذاهب الأخرى ز الفكر السياسي ومسألة الإمامة عند الإباضية
الفصل الثالث:
أ- الإباضية بحضرموت
ب ثورة عبد الله بن يحيى
ج حضرموت والإمامة الإباضية
د - أبو إسحق إبراهيم بن قيس الهمداني الحضرمي (1/113)
صفحة 113
الباب الثاني الفصل الأول
الظروف السياسية لظهور الحركة الإباضية
ظهور الإباضية
أ الخوارج
يتفق المؤرخون على أن لفظة الخوارج تطلق على المحكمة الأولى الذين أنكروا التحكيم حين اعتزلوا جيش علي بن أبي طالب رضي) وخرجوا عليه يوم صفين، وقد كانوا من أشد المناصرين له، واجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة. فلما حاركم في النهروان غدت هذه التسمية تطلق على كل من حضر النهروان ضد علي (رضي) أو من قال برأيهم.
أما كيف بدأ الفكر الخروجي في التكوين، فقد بدأ مع موقفهم من أحداث صفين، إذ أكلت هذه الحرب أكثر من مائة ألف مقاتل بين صحابي وتابعي، ففكروا في ضرورة وضع أساس لاختيار الخليفة، ولما كان المتحاربون فيها من قريش بدأ التركيز على مبدأ أو مفهوم القرشية، فجوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إماماً، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله، وهم أشد الناس قولاً بالقياس، وجوزوا أن لا يكون في العالم إماماً أصلاً، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أوحراً، أو نبطياً أو قرشياً (1) وذهب البعض أيضاً في وصف الخوارج إلى أنهم قوم من المسلمين مرقوا من الدين وخرجوا عن الإسلام بإنكارهم أصلاً من أصول الدين كحالة ابن الأزرق
(1) خبي، أحمد الخوارج طليعة التكفير في الإسلام رسالة الرد على مسائل الإباضية تحقيق إمام حنفي
اليد ص 25
(110) (1/115)
صفحة 114
وأشياعه، فقد أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فوقع الخلط بين الخروج عن
طاعة علي (رضي) وبين الخروج عن الدين.
إن التفسير التاريخي بالمعنى العلمي لهذه العبارة يهتم أولاً وأخيراً بتطور السياق العام الذي تندرج تحته الحوادث التاريخية، والخوارج تحدد خروجهم في بادئ الرأي أي ثورتهم على علي بن أبي طالب (رضي)، ما أدعوه من أنه لجأ إلى التحكيم في أمر قاتل فيه، وهو يعلم أن الله حكم فيه، ويعتقد أنه على حق وأن
خصمه معاوية هو الطاغي عليه، ومن هنا كان شعارهم (لا حكم إلا لله).
لقد رد عليهم علي بقولته المشهورة) كلمة حق أريد بما باطل)، أي أن الشيء الذي دفعهم إلى الخروج عليه شيء آخر غير قولهم ((لا حكم إلا الله)) وهذا الشيء الآخر هو السبب الحقيقي الذي يفسر تمردهم عليه.
تجمع المصادر الإسلامية على أن قوام جيش علي وجيش معاوية كان خليطاً من قبائل بعضها ينتمي إلى (ربيعة) وبعضها ينتمي إلى (مضر) وهما خصمان تقليديان. وأن المضريين في جيش علي بن أبي طالب رضي) سعوا إلى إقناعه بعدم الحرب حتى لا يجدوا أنفسهم يقاتلون بني عمومتهم في جيش معاوية. فلما علمت القبائل اليمنية من جيش علي ثاروا في وجوههم واتهموهم بمكاتبة معاوية والعمل بالسر لحسابه. و حتى يتغلب علي بن أبي طالب (رضي) على هذه المشكلة، مشكلة وجود القبيلة الواحدة في جيشه وجيش معاوية، وضع خطته
على أساس أن تكفيه كل قبيلة في جيشه بني عمومتها في جيش معاوية. فقال للأزد: أكفوني الأزد في صفوف معاوية، وقال الخثعم اكفوني ختعم وهكذا أمر كل قبيلة في العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام. كان لهذه الخطة تأثيرها السلبي، فقد وجدت كل قبيلة نفسها تقاتل أختها، حول قضية سياسية لا تهمهم مباشرة، ولا تجد لها أساساً دينياً في وجدانهم أو حتى في وعيهم القبلي، بل ربما كان الواحد منهم يفكر إذا كان من القبائل اليمنية أو
(117) (1/116)
صفحة 115
من ربيعة ويقول في نفسه علي ومعاوية قرشيان فأي منهما انتصر كان الحكم في
النهاية لقريش.
وهذا ما
عبر
عنه أحد زعماء الأزد حين قام خطيباً في قومه عندما كلفهم
علي بقتال إخوانهم في صفوف معاوية فقال: إن من الخطأ الجليل والبلاء العظيم أننا صرفنا إلى قومنا وصرفوا إلينا، والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا، وما هي إلا أجنحتنا نحذها بأسيافنا، فإن نحن لم نؤاس جماعتنا و لم نناصح صاحبنا (علي) كفرنا. وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا، ونارنا أحمدنا ويروى أنه لما قتل أبو كعب رئيس خثعم العراق لم يستطع قاتله في صفوف معاوية أن يمنع نفسه من البكاء والانصراف وهو يقول: رحمك الله أبا كعب، لقد قتلتك في طاعة قوم أنت
أمس بي رحما منهم، وأحب إلي نفساً منهم، ولا أرى إلا قريشاً قد لعبت بنا.
من أجل ذلك جاء تبلور فكرة اقتراح قبول الاحتكام إلى كتاب الله، بعدما وجد الناس أنفسهم في وضعية مأساوية، وظهر تيار واسع في صفوف علي كان يريد تجنب الحرب ووقفها بعد اندلاعها، وبالمقابل كان هناك في صفوف علي بن أبي طالب جماعات تضغط من أجل مواصلة الحرب تدفعها اعتبارات ومصالح أخرى. وتأتي الخصومة والمنافسة التقليدية بين قبائل ربيعة من شرق الجزيرة العربية ومعها اليمنيون من جنوبها وبين مضر (قريش من غربا من أهم الاعتبارات، ناهيك عن التناقض في المصالح والنفوذ ورفض سيادة ونفوذ قريش على تلك القبائل.
ورغم ما يبدو في جانب من أفكار الخوارج من الثورة على الأوضاع السياسية في القديم، إلا أن مجمل أفكارهم كانت في الحقيقة تميل إلى تثبيت العصبية العربية، و لم تصدر آراؤهم عن فلسفة عقلية أو نصوص شرعية، ولكن أملت عليهم ظروف بيئية وعصبية قبلية ما ذهبوا إليه من آراء تعاقبت واستفحلت مذاهبهم من جراء معاداتهم للمجتمع، وما أصروا عليه من أحكام ثم معاداتهم
(117) (1/117)
صفحة 116
لبعضهم البعض. ولذلك يمكن تفسير السبب الذي من أجله أحجم الفرس والعجم عن المشاركة في ثوراتهم أو تبني أفكارهم.
ويجدر الإشارة إلى أن الخوارج انقرضوا عدا الإباضية التي انتشرت في جنوب شرقي الجزيرة العربية والمغرب العربي، وصاغت أصولها الفكرية والعقائدية، وأصبح لها فقه عملي متطور، بعد أن كان النشاط السياسي قد غلب عليها في
المراحل الأولى لظهور هذه الحركة التي يتبرأ أئمتها أن تكون من الخوارج. وتعد الإباضية الفرقة الإسلامية الوحيدة التي صرفت جهودها واهتمامها نحو ثلاث قضايا رئيسة ومحورية ظلت تلازم كتاب هذه الفرقة ومفكريها وأئمتها طول تاريخ نشأة هذه الحركة: أولاً: إيجاد الأدلة التاريخية والمنطقية التي تنفي انتماءهم إلى الخوارج.
بن
ثانياً: محاولة التخلص من شبح الخوارج عنهم، ونفي اسم مؤسسها عبدالله ب إباض الذي تنسب إليه، لعلمهم أن ابن إباض كان أحد الخوارج، ولعلمهم أيضا أن الناس من غيرهم يعلمون ذلك ولا يمكن محوه كحقيقة واقعية من ذاكرة (1). ويفضلون العودة بمذهبهم إلى جابر بن زيد. ولكن أعداءهم فرضوا هذه التسمية أي الإباضية، بدلاً من الجابرية، وإن التسمية الحقيقية لهم هي هي أهل
التاريخ
الاستقامة.
ثالثاً: إصرارهم على اعتبار مذهبهم مذهباً خامساً اجتهاديا فقهياً سنياً، يقف جنباً إلى جنب مع الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية، والدفاع عن آرائهم التي تخالف رأي أهل السنة والجماعة.
على الرغم من اضطراب المعلومات الواردة في المصادر الإسلامية حول. الإباضية ضمن مدلولات كلمة الخوارج، يبقى السؤال هل الإباضية فرقة من الخوارج أو أنها ليست فرقة منها؟
(1) صالح عمر بن الحاج محمد: دراسة في الفكر الإباضي ص 38.
(114) (1/118)
صفحة 117
إن معظم المصادر الإسلامية التي تحدثت عن الفرق تجعل الإباضية من ضمن فرق الخوارج، وأنها افترقت فرقاً، معظمها فريقان حفصية وحارثية، فأما اليزيدية من الإباضية، والميمونة من العجاردة فإنهما فرقتان من غلاة الكفرة الخارجين عن الأمة (1). ويتفق الشهرستاني مع هذا الرأي، عندما يعرف فرق الخوارج بأنهم المحكمة والأزارقة والنجدات والبيهسية والعجاردة، والثعالبة، والإباضية،
(2)
والصفرية، والباقون فروعهم. . أما الأشعري فإنه يجعلهم من الخوارج المعتدلين، لأن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، لكنهم يرون إزالة أئمة الجور، ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره (3). أما كتاب الإباضية خاصة المعاصرين منهم فإنهم يرفضون انتسابهم للخوارج، ويفندون هذه الآراء والمزاعم، ويرون أن معظم ما كتب عن الإباضية سواء كان حقاً أو باطلاً، فإنما هو إلا تشنيعات وتلفيقات لمن يريد الفتنة ضد الإباضية، وإثارة الرأي الإسلامي العام ضدهم، وأن يجعلهم مكروهين ومنبوذين من بقية إخوانهم المسلمين، ويدافعون عن ذلك بقوة، بل يرفضون أن يطلق عليهم اسم الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب (رضي) بعد التحكيم، وذلك من وجهة نظر أن الذين رفضوا التحكيم لم يشككوا في شرعية الخليفة علي بن أبي طالب (رضي) ويرون أن ولاية علي بن أبي طالب حق عند الله تعالى، وكانت على أيدي الصحابة وبقية الشورى وقتاله لطلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين (رضي) حق عند الله تعالى لشقهم عصا الأمة، وأنه حكم بأن من حكم فهو كافر، ثم رجع على عقبيه وقال: ((من لم يرض بالحكومة كافر)). فقاتل من رضي بالحكومة وقتله، وقاتل من أنكر الحكومة وقتله، وقتل أربعة آلاف أواباً من
(1) البغدادي، عبدالقادر بن طاهر: الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم ص 55. (1) الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم: الملل والنحل ص 106.
(1) الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ص 189.
(119) (1/119)
صفحة 118
أصحابه، واعتذر فقال: ((إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم)) فسلم أهل الشرك من
بأسه، وتورط في أهل الإسلام بنفسه (1).
+
وأنهم خرجوا عنه لرفضه استمرار القتال في صفين واستجابته لضغوط الذين رغبوا وقف القتال لما رفع أهل الشام المصاحف على أسنة الرماح، وأنهم مثلوا بموقفهم هذا صفات المؤمن الذي لا يقبل في الحق مساومة. وأن الذين خرجوا على علي بن أبي طالب (رضي) كانوا حزباً ثورياً يعتصم بالتقوى، ولم ينشؤوا عن عصبية العروبة، بل عن الإسلام وكانوا ينظرون إلى حذاق التقوى، والتقوى في الإسلام ذات اتجاه سياسي عام، والأمر كذلك إلى أعلى درجة عند
(2)
الخوارج (1)
في حين نجد منهم من يغض الطرف عن ذلك الانتساب ويقبل بالتسمية على أن المقصود بالخروج الخروج للجهاد في سبيل الله أو الخروج سياسياً لا الخروج عن الدين أو مروقاً منه (3). وأن كلمة الخوارج كانت تشير في الماضي إلى هؤلاء المسلمين الذين خرجوا للقتال في سبيل الله، وأنهم سموا خوارج وهو جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله أخذاً من قوله تعالى وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعدُّوا لَهُ عُدة (1). ولكن المعنى الحقيقي تحول تدريجيا إلى معنى مشوه حين
ظهر من الخوارج القول بإباحة الدم والمال بالذنب والمصادر التاريخية التي ذكرت أن ابن إباض كان من الخوارج، هي نفسها التي عادت وذكرت أنه خالفهم بالرأي فانفصل عنهم وتبرأ منهم فيما بعد في رسالته إلى عبدالملك بن مروان
(1) الورجلاني، ابو يعقوب يوسف إبراهيم: الدليل والبرهان ج 1 ص 41. (2) معمر، على نجي: نشأة المذهب الإباضي ص 136. (2) طالي، عمار آراء الخوارج الكلامية ص ج 1 ص 30.
(4) سورة التوبة الآية 46.
(120) (1/120)
صفحة 119
(براء إلى الله.، من ابن الأزرق وصنيعه، وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام
فيما ظهر لنا ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فتبرأ إلى الله منهم)). يبدو أن مصطلح الخوارج كان مصطلحاً سياسياً أكثر منه دينياً، استطاع الأمويون ومن ورائهم دعاة العصبية القرشية والهاشميون ومن ورائهم الشيعة، استطاعوا بذكاء أن يصكوه على الثائرين الذين ينادون في إصرار بالمبادئ العادلة في الخلافة، الذين يسعون إلى تقويض مفهوم احتكار الخلافة الإسلامية في قريش وحدها دون سائر العرب والمسلمين، وإلا لماذا لم تطلق تسمية الخوارج على الذين خرجوا خروجاً سياسيا على خليفة تمت له البيعة الشرعية؟ ولماذا يرفضون إطلاق اسم الخوارج على معاوية وطلحة والزبير أو علي (رضي) أو أتباعه، أو على الثائرين على عثمان (رضي)؟
والمتبع لأسماء القادة والأشخاص الذين تزعموا الحركة ضد التحكيم ثم كانوا قادة الثورات المتلاحقة ضد علي بن أبي طالب والحكام من بني أمية، يجد أن معظمهم ينتمي إلى القبائل العربية التي نزحت من وسط الجزيرة العربية، ومعظم أبناء تلك القبائل أتت الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الوفود، ثم كانت أول من ارتدت بعد وفاته وطمع أفراد منهم بالزعامة فادعوا النبوة، منهم طليحة الأسدي، وتبعه كثير من العرب عصبية، فلهذا كان أكثر أتباعه من أسد وغطفان، وطيء، وظهرت ببلاد بني تميم سجاح بنت الحارث بن سويد التميمي ادعت النبوة، فقصدت بجنودها بني حنيفة في اليمامة فجاءها مسيلمة الكذاب (مدعي النبوة (في أربعين من بني حنيفة فقال لها لنا نصف الأرض، وكان اتريش نصفها لو عدلت وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش)
(1)
تمكنت جيوش المسلمين القادمة. من المدينة من القضاء على مدعي النبوة
و إخضاع المرتدين من العرب والعودة بهم إلى جادة العقيدة الإسلامية من
(1) ابن الأثير محمد بن عبدالكريم الكامل في التاريخ ج 2 ص 214.
(121) (1/121)
صفحة 120
جديد، واستطاعت الخلافة الإسلامية في المدينة ان تجند أبناء القبائل العربية وتبعدهم عن مراكز ثقلهم القبلي بدعوى الجهاد في سبيل الله فانضم الكثيرون منهم إلى جيوش المسلمين المتجهة نحو فارس والروم، إما تحت تأثير الدعوة الفريضة الجهاد، أو بغية كسب المغانم والفيء، أو أنه الخروج من حدود جزيرتم إلى آفاق واسعة وأمصار خضراء تجري فيها الأخبار تعوضهم عن جفاف وقسوة حياة الصحراء العربية.
انطلق هؤلاء العرب حاملين معهم نزعاتهم القبلية والعصبية وكانوا يمثلون خليطاً من قبائل بدوية ليس لها إرث حضاري راسخ عرف عنها إنها لا تقبل الخضوع للسلطة المركزية، وخاصة إذا كانت تتركز في قبيلة بعينها كقريش.
ب - نشوء الفكر الإباضي:
تعود نشأة المذهب الإباضي بالدرجة الأولى إلى الظروف السياسية التي مرت ما الأمة الإسلامية في الثلثين الأخيرين من القرن الأول الهجري، بالإضافة إلى تلك الأوضاع الاجتماعية المتناقضة، التي تولد عنها اختلاف الأمة الإسلامية حول بعض القضايا في الفقه والسياسة، ومن ثم تباينت الأفكار وتعددت الآراء وكثر الجدل بين العلماء، وصار لكل عالم أتباع وأشياع، وتحزبت الأمة وصارت فرقاً ومذاهب، تدعي كل فرقة منها أن الحق بجانبها وأنها هي الوحيدة الناجية من النار، وبالغت كل فرقة في ذم الأخرى. ومرت على الأمة الإسلامية ظروف متوترة لم تكن جذوة الصراع الفكري وحدها تكفي في إذكاء نار الفتن، بل تفاقم الوضع وتحول الخلاف من حرب كلامية إلى صراع مسلح. كان الخليفة عثمان بن عفان (رضي) أول ضحية في هذا الصراع، ثم تطورت الأحداث واشتد الخلاف وتقاتل المسلمون في معركة الجمل سنة 36 هـ وفي معركة صفين سنة 37 هـ. وحدثت بعدها فتن وانقسامات وبدأت الخوارج في الظهور كفرقة منشقة تؤصل لفكرة سياسية تقوم على أساس المساواة بين
(122) (1/122)
صفحة 121
المسلمين في الحكم، وتنادي بأحقية كل مسلم كفوء في أن يكون إماماً للمسلمين، وسعت هذه الدعوة إلى نسف فكرة الخلافة في قريش وحدها دون الأمة، وقد غلب على الخوارج انتماؤهم إلى غير قريش من العرب. وفي سبيل هذه الفكرة السياسية خاض الخوارج حروبهم المهلكة وضحوا من أجل تحقيقها بأرواحهم وأموالهم وتحملوا ملاحقة الحكام لهم والتنكيل بهم.
لقد شهد الحراك الاجتماعي في المجتمع الإسلامي في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان (65 - 86 هـ) ظهور تيارات وفرق سياسية مناوئة لسلطة الخلافة الأموية التي استطاعت إخضاع الدين للسلطة السياسية الحاكمة وشرعت الاستبداد المطلق للحاكم، واختلطت الأطروحات الفكرية بين السياسة والكفر والإسلام والإيمان والخروج والجهاد والعنف والاستقامة والحق، ونسخت آيات الله التي تدعو إلى الله بالموعظة الحسنة بآيات السيف والجهاد، واعتماد الترادف في فهم النص، مما نتج عنه اللجوء إلى الاغتيالات والقتل والقتال، وعد ذلك من النصوص المأثورة عند بعض الفرق الإسلامية التي أفرزها الحراك الاجتماعي الإسلامي في البصرة والكوفة، في حين شهدت الساحة الفكرية في الآراء وتبايناً في الأفكار واختلافات في مسائل الفقه والسياسة، وأمام هذا الخلط وغموض الفهم هناك عواطف دينية جياشة وصادقة وحب حقيقي الله تعالى ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم. إلا إن أكبر هم شغل المسلمين بمختلف مذاهبهم هو مسألة الخلافة، ومسألة تنظيم أسس الحكم في دولة الخلافة وتطبيق تعاليم الإسلام على الواقع كما شاء الله لها وجاء بما نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وسار على نهجه خلفاؤه الراشدون.
تعدداً
ولهذا جاء طرح شعار لا حكم إلا لله لسحب السلطة السياسية من الحاكم، بغية جمع السلطة الدينية والسياسية في جهة واحدة فصل بينهما معاوية بن أبي سفيان، وكانت نتائج فصلها الصراع التقليدي الموجود والممتد عبر تاريخ الخلافات والدول الإسلامية، وظهور الفرق الخارجة عن ا السلطة و وجود تنافر بين الفرق والتيارات الإسلامية أيضاً مما أدى إلى حروب خاضتها الخوارج، ومن خلال الحروب التي خاضتها الخوارج، ومن تلك المواقف السياسية قامت تكتلات وجماعات
(123) (1/123)
صفحة 122
لجأت بعضها إلى التطرف وأسلوب الحرب والاغتيالات وانتهجت أخرى الاعتدال ومهادنة السلطة الحاكمة، وهذا مخطط انقسام جماعة المحكمة وظهور الخوارج
والإباضية (1):
وقعة صفين 37 هـ
المحكمة
اتباع معاوية رضي الله عنه
أتباع علي رضي الله عنه
الحرورية أهل النهروان بقية المحكمة من النهروان
فريق اختار العنف (الخوارج)
فريق اختار المسالمة جماعة أبي بلال (القعدة)
جماعة معتدلة (القعدة)
جماعة متطرفة (خوارج)
الصفرية. أتباع عبد الله بن صفار
الأزارقة. أتباع نافع بن الأزرق
الإباضية. أتباع عبد الله بن ايالا
(1) جهلان عدون مفهوم الإمامة ومشروعيتها وشروطها ص 55.
(124) (1/124)
صفحة 123
ولكن هل يمكن إعادة جذور نشأة الإباضية إلى ذلك الطرح السياسي الذي ظهر في اجتماع سقيفة بني ساعدة؟ وإن كانت المسميات لم تظهر أنفذ كما سميت من بعد بقية الفرق بأسمائها.
إن أصول الطرح السياسي ورأياً من آرائهم كان موجوداً إبان اجتماع السقيفة والمقصود بهذا الطرح مبدأ الشورى، المتمثل في حرية اختيار الخليفة، ومبدأ أحقية كل مسلم في الوصول إلى هذا المنصب بغض النظر عن جنسه ولونه، به سعد بن عبادة الخزرجي (ت 16 هـ) مع جماعة من الأنصار
وهذا ما صرح: الذين قالوا بجواز الإمامة من غير قريش.
ولولا أن بقية باقية من العصبية القبلية والخوف من عودة ظهور الصراع التقليدي بين الأوس والخزرج الذي انتهى بمجئ الإسلام، لاستطاع الأنصار من أبناء الأوس والخزرج حسم موقف مسألة الخلافة يوم السقيفة لصالح الأمة الإسلامية، ولو أن الأنصار من أهل المدينة أصروا و ثبتوا على موقفهم السياسي وبلوروا فكرتهم السياسية وجعلوا اختيار الخلافة شورى بين المسلمين عامة، لتجنبت الأمة كثيراً من الاختلاف والمآسي والحروب والقتل.
و يبدو أن الشعور بالصدمة والحزن لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفراقه والفراغ الروحي الذي خلفه عند قوم كان يجبهم ويحبونه، تغلب القرار تحت تأثير العواطف على القرار تحت تأثير التفكير العقلي، وجاء قرار حسم الموقف لصالح المهاجرين من قريش إلا إن قريشاً انقسمت فيما بعد على نفسها وكان في انقسامها افتراق المسلمين إلى مذاهب وفرق لا تحصى.
تبلورت فكرة الخلافة لأن تكون لأحد المسلمين عبر الشورى، وارتبطت مع الأحداث التي شهدتها الأمة الإسلامية في منتصف القرن الأول الهجري، وطالبت الإباضية بتطبيق أسس هذه المبادئ السياسية، إلا أنه لخروج الإباضية تاريخياً من تحت عباءة الخوارج وارتباط نشأتها بنشأة الخوارج عدتهم الغالبية العظمى من
(125) (1/125)
صفحة 124
الباحثين المسلمين خوارج منشقين ومتعصبين ولم يبدوا أي اهتمام جاد لدراسة أسس وتعاليم المذهب الإباضي من خلال نظرة منهجية موضوعية تبلور ذخائر هذا الفكر السياسي، وبنيته الثقافية والمعرفية والتربوية.
وفي الآونة الأخيرة بعد صدور الموسوعات العلمية للقانون الإسلامي في بعض الدول العربية كمصر والكويت، عد المذهب الإباضي ضمن المذاهب الإسلامية السائدة، وجاء هذا الحدث نتيجة لجهود علماء الإباضية المتواصل لكسب ثقة وقناعة إخوانهم المسلمين بكينونة مذهبهم واصالة مبادئه وتعاليمه.
ج - أصل التسمية:
الأباضية أو الإباضية هي إحدى أقدم المذاهب الإسلامية، وعرفت بالفرقة المعتدلة التي رفضت آراء نافع ابن الأزرق المتطرفة وآثرت القعود على قال المسلمين، ولقد أخذت هذه المدرسة نسبتها إلى عبد الله بن إباض المري التميمي، ونسبة الإباضية إلى أباض - بضم الهمزة - وهي قرية بالعرض من اليمامة نزل بما نجدة بن عامر (1) ويطلق عليها أباضية - بالفتح - في شمال أفريقيا. وإباضة- بالكسر - في عُمان وزنجبار. ظهر عبدالله بن إباض رمزاً قيادياً رافضاً لشعار الحرب والقتال الذي تبناه نافع ابن الأزرق وقياديون آخرون من الخوارج و لم يفلح زعماء الخوارج في استدراج عبدالله بن إباض للخروج معهم فامتنع وأخبرهم أنه لا يخرج على قوم يرتفع الأذان من صوامعهم والقرآن من مساجدهم وموقفه هذا جسد حقيقة بداية ظهور الإباضية، وأصبح الرمز القيادي المتكلم باسم هذه الفرقة، وساهم بتأسيس
(1) نجدة بن عامر (ت 72 هـ (صاحب النجدات من الخوارج بايعه بعض الذين خالفوا ابن الأزرق وسموه أمير المؤمنين. كاتب عبدالملك بن مروان، وأعطاه الرضى، فنقم عليه أصحابه، وقتله أبو فديك أحد
أتباعه
(126) (1/126)
صفحة 125
هذا المذهب. وتشير المصادر الإباضية القديمة والحديثة إلى إن تسمية المذهب بالإباضية لا يعني أن عبدالله بن إباض هو الزعيم الروحي للمذهب وغيره أتباع له، وإن كانوا يعدونه من علمائهم ومشائخهم البارزين في العقود الأولى من تاريخ الحركة، وإنما التأسيس الحقيقي لفرقة الإباضية كان على يد جابر بن زيد الأزدي العُماني ..
إلى عبد الله
ويرى كتاب الإباضية أن الأمويين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم نسبة بن إباض، ولا يريد الأمويون نسبة الفرقة إلى جابر بن زيد حتى لا يجذبوا الأنظار لمكانته العلمية الرفيعة في البصرة، وهذه التسمية بالإباضية لم يخترعها أتباع هذه الفرقة بل أطلقها عليهم مخالفوهم) وبعد إصرار على رفض هذه التسمية من جهة الإباضية وإصرار مخالفيهم على تسميتهم بهذا الاسم قبلوا به، فالإباضية قديماً وحديثاً يجمعون على إن الاسم الحقيقي لمذهبهم ليس الإباضية وإنما التسمية المفضلة لديهم هي أهل الدعوة أو جماعة المسلمين أو أهل الاستقامة
والحق (2)
درجت الإباضية خاصة إباضية المشرق عند الحديث عن مذهبهم على استخدام مصطلح الشراة أو جماعة المسلمين أو أهل الدعوة والاستقامة. هذا في الأقل إلى القرن الثالث عشر الهجري، و بشيء من التحفظ الشديد يمكن القول بأن غالبية الإباضية هم عُمانيون، والإمام جابر بن زيد عُماني، لذا وجد العمانيون أنهم أولى به من غيرهم، وأن العصبية لم تتسامح أن ترى جابر بن زيد إماماً للأمة كلها شأنه شأن التابعين أمثال جابر وسعيد بن المسيب والحسن
البصري.
(1) معمر علي يحى: الإباضية في موكب التاريخ ص 6. (2) خليفات عوض محمد: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية صه.
(127) (1/127)
صفحة 126
إن معظم الإباضية كانوا من قبيلة تميم والأزد، نزلوا البصرة، وكانت تربطهم
روابط أسرية وقبلية، ولعل تميم (البصرة (تقاعست عن نشر هذا المذهب في مواطنها الأصلية في وسط الجزيرة العربية، بينما استطاعت الأزد أن تنشر المذهب الإباضي في موطنها الأصلي عُمان وامتدت دعوتها إلى اليمن وحضرموت، ولعل أزد عُمان هي التي شددت بأن جابراً بن زيد هو المؤسس الحقيقي لمذهب الإباضية قبل أن يظهر عبدالله بن إباض على الساحة السياسية، وأن الدور السياسي الذي قام به ابن إباض إنما كان بتوجيه من الإمام جابر بن زيد، الذي سبق له وجود نشط في البصرة مع الشراة الأوائل من أمثال أبي بلال بن مرداس بن حدير وأخيه عروة (1).
وهذا يتنافى مع المنطق، إذا لا يعقل أن يكون صبي ولد ما بين عامي (18 - 22 هـ) أن يتولى في السادسة عشرة من عمره عند مقتل عبدالله بن وهب في معركة النهروان عام 38 هـ شؤون الإمامة والزعامة لحركة سياسية برزت في منعطف تاريخي خطير، ووسط مسرح الأحداث المضطربة، وبين زعامات قبلية عربية تقليدية لها ثقلها ووزنها الكبير.
لكن الحوار الذي انتهجه ابن إباض ومراسلاته عبدالملك بن مروان الذي لم يدعه بلقب الخليفة، ومناظراته، إضافة إلى حماية قبيلته تميم، إحدى أهم قبائل البصرة، جعلت منه شخصية سياسية بارزة لها مكانتها في المجتمع الإسلامي، وعد في نظر أتباعه بأنه المجاهد علناً في سبيل تحقيق الحق. يقول الشيخ أبو العباس الدرجيني (ت سنة 670 هـ) في طبقاته: ((وأنه إمام أهل الطريق وجامع الكلمة لما وقع التفريق، فهو العمدة في الاعتقادات والمبين لطرق الاستدلالات والاعتمادات وكان رأس العقد ورئيس من بالبصرة وغيرها من الأمصار والمتقدم
(1) ناصر، الدكتور محمد صالح منهج الدعوة عند الإباضية ص 38.
(128) (1/128)
صفحة 127
في حلبة الفضل بين أولئك الأخيار)) (1). وهذا تأكيد على أن ابن إياض هو
رأس المذهب وإليه ينسب.
د رأي الإباضية في الخوارج
استطاع بنو أمية تثبيت حكمهم وقمع أي معارضة لهم، من ثم كان لزاماً على الخوارج و المتعاطفين معهم من (المحكمة) أن يخفوا مذاهبهم وآراءهم فيما يعتقدون أنه الحق، وباشروا عملهم وتحركاتهم سراً. وكانت البصرة مركزا لنشاطهم، وكان من بين هؤلاء ممن كتبت له النجاة من معركة النهروان عروة بن أدية وأخوه أبو بلال بن مرداس وقد استمرا في نشاطيهما انطلاقاً من البصرة وكان أبو بلال بن مرداس زعيماً لهذه الجماعة وكان على صلة وثيقة بجابر بن زيد المنتمي إلى قبيلة الأزد، وهي القبيلة نفسها التي ينتمي إليها عبد الله. بن وهب الراسبي الزعيم الأول لتلك الفرقة، وكانت نشاطات جابر بن زيد ذات طابع روحي وفكري، وقد آلت إليه زعامة المحكمة، وأتاح له مركزه بوصفه مفتياً بارزاً في البصرة أن يباشر في بث أفكاره ومعتقداته المذهبية بأسلوب منظم دون أن يثير شكوك الحكام الأمويين واضطهادهم المستمر لأفراد المحكمة في البصرة على أيدي عبيد الله. بن زياد، وهذا الاضطهاد المتزايد أجبر بعضاً على تصعيد ردة الفعل.
لديهم وبعنف، مما جعلهم يقرون العمل بمبدأ الشراة الذي يعني لهم التضحية بالنفس، بينما أثر بعضهم القعود ويعني لهم السكوت في ظل حكم سلاطين الجور، وعدم الخروج للجهاد واللجوء إلى مرحلة الكتمان والعمل بمبدأ التقية ومبدءا (القعود والتقية هما الوسيلة التي لجأ إليهما الإباضية ونصح أتباعهما
(1) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب ج 2 ص 214.
(129) (1/129)
صفحة 128
بالعمل بما، بلورت الإباضية مذهباً فكرياً كغيره من المذاهب الإسلامية بعيداً عن
التطرف والغلو.
حدد الإباضية علاقتهم بخصومهم من الفرق الأخرى وبينوا هذه العلاقة على الأسس الآتية (1):
1. على الإباضية محاربة من يحاربهم وأن لا ينتهجوا سياسة الاستعراض. 2. يجب عدم سلب ممتلكات خصومهم من المسلمين كمغانم، وأن لا تقتل نساؤهم أو أطفالهم أو أن يؤخذوا سبايا وهذا المبدأ قد عمل به إقتداء بما فعله المسلمون في حربهم ضدّ عثمان وأتباعه وطبقه علي في حربه ضد طلحة والزبير عندما كان الخليفة الشرعي. . الخروج للجهاد ليس إجبارباً، ويمكن للمسلمين أن يعيشوا في ظل حكم سلاطين الجور وهم يخفون دينهم بإتباع أسلوب التقية عندما تستدعي
الضرورة.
4. مبدأ الشراء أو الفداء بالنفس هو مبدأ تطوعي لمجموعة من أربعين رجلاً فأكثر عندما يقرون ذلك على أنفسهم.
حافظت الحركة الإباضية على التمسك بهذه المبادئ وأصبحت تميز مسيرتها السياسية، ولكن حركة نافع بن الأزرق (قتل سنة 65 هـ) وانشقاقه الخطير عن فرقة المحكمة وتعاليمها وأفكارها وإعلان ثورته وانتهاجه نهجاً معاكساً خلق ردود فعل مختلفة تجاهه وقد اعترض كل من عبدالله بن إباض وجابر بن زيد على آراء
(1) النامي، عمرو: دراسات الإباضية ص 33.
(130) (1/130)
صفحة 129
نافع وتبرأ الاثنان منه ولقد عبر. عبدالله بن إباض عن ذلك بقوله: ((إنا براء إلى الله
من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه، فنبرأ إلى الله منهم)
(1)
يعتقد الإباضية أن مبادئهم ليست سوى مبادئ المحكمة قبيل أن تظهر تلك الفرق الأخرى من الخوارج المتطرفين الذين هم في نظرهم ((المارقة)) الذين خرجوا من الدين وورد ذكرهم في حديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا يقول: ((يخرج فيكم قوم صلاتكم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامكم وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل، فلا ترى شيئا وتتمارى في
الفرق)).
ولكن ما رأي الإباضية في الخوارج؟ وما هو مفهومهم للخروج؟
هناك آراء متعددة تنحصر بين موقفين أساسيين الأول منهما الحكم على الإباضية بأنها فرقة من الخوارج، وثانيهما أن الإباضية ليست من فرق الخوارج.
يقر الشيخ نورالدين السالمي (ت 1332 هـ) بخروج الإباضية لكن بمفهوم الجهاد إلى سبيل الله (ولما كثر بذل نفوسهم أي - الإباضية - في رضى ربكم وكانوا يخرجون للجهاد طوائف ... سموا بالخوارج جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله أخذا بقوله تعالى له وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ.
(1) ناصر محمد صالح منهج الدعوة عند الإباضية ص 335.
(2) التوبة الآية 46.
(131) (1/131)
صفحة 130
فهذه هي أصل تسميتهم بالخوارج وهي تسمية محمودة وسبب مشكور، ولما فارقتنا الأزارقة والصفرية أخذوا عنا اسم الخروج وانقلب المدح ذماً واختصصنا باسم أهل الاستقامة (1).
ويجمع الإباضية بأن الخوارج هم الأزراقة والنجدات والصفرية، الذين كانوا مع الإباضية فخرجوا عنهم بخروجهم عن الدين حين أحلوا الأموال والدماء بالمعصية، والحديث الوارد في الخوارج إنما كان المقصود منه هؤلاء لأن آخر الحديث ((يستحلون الأموال والدماء بالمعصية والأباضية لا تستحلها))). وبالنسبة للمصطلحين ((خوارج وخروج)) فقد استعملهما الإباضية بمعنى الشروع في الجهاد، ولكن معظم علماء الإباضية الأوائل، قد استعملوا الكلمتين خروج - وخوارج)) بما يعني الإشارة للإباضية، وخصوا غلاة المتطرفين بتعبير خوارج الجور، واستعملوا أيضا كلمتي شراء وشراة بدلاً من خروج وخوارج، وإن كانت كلمة شراء وشراة لها مدلولاتها الخاصة عند الإباضية.
والمتأخرون من الإباضية يرفضون انتسابهم للخوارج، ويدافعون عن ذلك بقوة في حين نجد منهم من يغض الطرف عن ذلك ويقبل بالتسمية على ان المقصود بالخروج الخروج للجهاد في سبيل الله أو الخروج سياسياً لا خروجا عن الدين ومروقاً منه (3). ويقول كاتب إباضي معاصر: إن الاعتبارات التي سمي الخوارج من اجلها - خوارج لا وجود لها عند الإباضية مطلقاً، بل إنهم أبعد الناس عنها
(1) أطفيش محمد بن يوسف الرد على العنبي ص 25.
(2) السالمي نورالدين في هامش الرد على العنبي في القطب ص 26. (3) طالبي: عمار، آراء الخوارج الكلامية ج 1 ص 30.
(132) (1/132)
صفحة 131
عقيدة وقولاً وعملاً وجميع كتاب المقالات - رغم إصرارهم على أن الإباضية
من الخوارج - يشهدون بذلك ويسجلونه في كتبهم (1).
ألزم نافع ابن الأزرق أتباعه بالخروج والهجرة وأعلن أنهما إجباريان لفرقته وأعد دار خصومهم من المسلمين المخالفين لهم دار حرب، وعد أولئك الذين لا يخرجون معه (القعدة) هم عبدة أوثان بنص الآية الوَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لمشركون (2)
، وهذا يناقض ما سارت عليه المحكمة من حيث إن نظرتهم إلى خصومهم المسلمين ببساطة كفاراً، وليسوا بمشركين ويمكنهم العيش وسط خصومهم، وشرعوا لأتباعهم القعود ولم يلزموهم بالخروج أو الهجرة، وهذا المبدأ في إطار الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا هجرة بعد الفتح)). وقد لجأ الإباضية إلى هذا النص في معظم كتاباتهم في العقيدة للتعبير من مسألة الهجرة أو الخروج.
وفيما يختص بمعاملة الخوارج للمخالفين لهم من المسلمين فإن الإزارقة يرون أن مخالفيهم مشركون، وعلى ذلك حكموا عليهم بأن ديارهم دار حرب، يحلون قتل نسائهم وأطفالهم، وأخذهم أسرى وسلب أموالهم، ولا يجوز لهم ورث خصومهم أو أن يتزوجوا منهم. وهذه المبادئ طبقها الأزارقة.
عارض هذه الآراء التي سلكها الأزارقة كل من عبدالله بن إباض وجابر بن زيد وأعلنا براءتهما منها ومن مسالك الخوارج الأخرى الصفرية- والنجدات وغيرهما. وقد حدد عبدالله بن إباض الخطوط العامة فيما يتعلق بصلاتهم وتعاملهم
(1) معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث ص 176. (2) سورة الأنعام الآية رقم 121.
(133) (1/133)
صفحة 132
مع بقية المسلمين في بيانه حيث قال: لا نقول فيمن خالفنا إنه مشرك لأن معهم حيث لا التوحيد والإقرار بالكتاب والرسول، وإنما هم كفار للنعم ومواريثهم ومناكحهم
والإقامة معهم حلّ ودعوة الإسلام تجمعهم. وقد تكرر هذا البيان في كل أدبيات وخطب زعماء الإباضية الذين عاصروا الجيل الأول منهم.
هـ - انتشار المذهب:
تعود نشأة الإباضية إلى ظهور عبد الله بن إباض على الساحة السياسية والفكرية في البصرة في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان إلا أن الدور المتميز الذي قام به جابر بن زيد الأزدي العماني بدخوله في علاقات سلمية مع الحجاج بن يوسف كان لها المردود الإيجابي على نشاط نشر الدعوة الإباضية سراً، وجعلها في منأى من بطش وقمع وأذى السلطات الأموية، وكان لتحركات جابر بن زيد نحو قبيلته الأزد العمانية في البصرة، مردوداً بالغ الأثر على الحركة الإباضية وكسب الأنصار والأعوان لها وبحكم مركزه في قبيلته ومكانته العلمية ودرايته الواسعة بعلوم القرآن الكريم والحديث استطاع ضم أعداد كبيرة منهم، وكان لهم الفضل في نقل وانتشار تعاليم المذهب إلى مواضع شتى في جزيرة العرب.
بعد وفاة جابر بن زيد (سنة) (93 هـ) الذي وطد أركان الدعوة الإباضية حتى أصبحت حركة سياسية شاملة جذبت عناصر من قبائل وأجناس، سلكت الزعامة الإباضية الأسلوب نفسه الذي سلكه جابر بن زيد
متعددة
(1)
في الدفاع عن المذهب والسعي في نشره في كل جهات الدولة الإسلامية، من
(1) خليفات: عوض، التنظيمات السياسية الإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان صه.
(134) (1/134)
صفحة 133
دون إثارة غضب السلطة، وبالفعل استطاعت القيادات الإباضية كأمثال أبي عبيدة أن تعمل على تنظيم نفسها سراً، وتشكل مجالس تتكون من مشائخ
ورجال العلم منهم وعملت هذه المجالس على ضمان استمرارية الدعوة الإباضية والسعي إلى نشرها في مأمن من الفتن وبعيداً عن أعين السلطة، وكانت تعقد في المجالس العامة التي تضم الدعاة الإباضيين الدروس والمواعظ حول عقيدة المذهب وتميء الدعاة الجدد وتكلف البعض منهم بأوامر عليهم تنفيذها.
وبفضل الصرامة وسرية العمل والتحرك الحذر نجح أبو عبيدة في أن يكسب ود السلطة ويحظى بثقة الحكام الأمويين، ويوجه دعاة المذهب للخروج من البصرة لتنتشر في أرجاء العالم الإسلامي فوصلت إلى الكوفة والموصل وبقية العراق ودخلت مكة والمدينة ووسط الحجاز، ثم اتجهت نحو الجنوب لتستقر في اليمن وحضرموت.
لعبت قبيلة الأزد العمانية دوراً مهماً في الإسهام في نشأة و قيادة الحركة الإباضية وإثراء فكرها المذهبي والسياسي من خلال نجاحات جابر بن زيد وما كان يتمتع به من دراية واسعة في العلوم الدينية، ولا غرابة في أن يجد المذهب الإباضي تربة صالحة له في عمان، وأن تقوم عمان بدور رئيس في تاريخ الإباضية وخاصة بعد انتقال شيوخ البصرة إليها وتصبح المركز الروحي للإباضية، ويعود الفضل للعمانية في انتشار الإباضية في الهند والصين وجزيرة زنجبار بشرق أفريقيا.
واصلت الإباضية انتشارها شرقاً حتى خراسان ثم واصلت سيرها نحو المغرب عن طريق مصر ثم إلى المغرب العربي نحو طرابلس وجبل نفوسة وبفضل قبائل البربر انتشر المذهب الإباضي في شمال أفريقيا.
(135) (1/135)
صفحة 134
اجتهد دعاة المذهب الإباضي نحو تحقيق أهدافهم ونشر مبادئهم وركزوا
على المبادئ العامة البسيطة التي هي في متناول إدراك العامة البسطاء من الناس، مثل المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين وأحقية كل مسلم في الوصول إلى أعلى مراتب السلطة، على أن هذا الأمر ليس مقصوراً على قريش ولا على العرب، وأعلنوا أنهم سيطبقون العدل والحق ولقيت هذه الشعارات تجاوباً سريعاً لدى البربر الذين يشكون من ظلم الولاة ومن فقدان العدل والمساواة مع أقربائهم من العرب المسلمين.
(136) (1/136)
صفحة 135
أ - عبد الله بن إباض:
الفصل الثاني
تنتسب الإباضية إلى عبدالله بن إباض بن تميم اللات بن ثعلبة وأصله من
بني صريم بن الحارث بن مقاعس من بني تميم، وقبيلة تميم من القبائل المتفرعة من مضر، ولقد جاء اسم الإباضية اشتقاقاً. منسوبا لاسم الأب، لأنه أعرف من ابنه عبدالله وأشهر منه وإليه النسبة اليوم في العقائد معدولا بما عن اسم الولد إلى الوالد، طلبا للتخفيف واختصاص الأشهر، وذلك في اللغة معروف لا ينكر) (1).
ولا تروى المصادر التاريخية الإباضية أي إفادات مدونة عن سيرة حياة عبدالله بن إباض في السنين الأولى من عمره، وفيما يبدو أن عبدالله بن إباض هاجر من موطن قبيلته في نجد إلى البصرة، ويذكر العلامة الإباضي محمد بن يوسف إطفيش روايات تفيد بأنه قد كان صحابياً لفترة قصيرة، بينما يرى مؤرخو الأحداث الإباضية أن ابن إباض هو من التابعين الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن الهجري الأول، وأول المعلومات الموثقة حول نشاطه السياسي كانت ضمن حوادث سنة 64 هـ وحول الدور الذي أسهم به للدفاع عن مكة المكرمة بوقوفه مع قيادات من الخوارج من بينهم نافع بن الأزرق وعبدالله بن صفار وآخرون بجانب قوات عبدالله بن الزبير ضد القائد الأموي الحصين بن نمير
السكوني.
إلا إن الخوارج تفرقوا عن عبدالله بن الزبير بعد أن رفض آراءهم بأخذ وجهة نظرهم والتبروء من عثمان بن عفان (رضي (واتوا البصرة. فلما خرج نافع
(1) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب ج 2 ص 214.
(137) (1/137)
صفحة 136
عب
د الله بن
تبعوه واصطلح أهل البصرة على عبدالله بن الحرث فتجرد الناس للخوارج وأخافوهم فلحق نافع بالأهواز في شوال سنة أربع وستين وخرج من بقي منهم بالبصرة على ابن الأزرق إلا من لم يرد الخروج يومه ذلك. منهم الصفار، وعبدالله بن إباض، ورجال معهما على رأيهما (1). فدعا نافع بن الأزرق أصحابه البراءة منهم وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، ولا يجوز قبول شهادتهم وأخذ علم الدين عنهم ولا يحل ميراثهم ورأى قتل الأطفال، جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل (2). ومن هذا الموقف المتطرف والانسلاخ من المجتمع الإسلامي الذي أعلنه نافع بن الأزرق دخلت حركة الخوارج مرحلة دقيقة وحرجة، وأصبحت بين موقفين: موقف ابن الأزرق وقياديين آخرين من الخوارج المتطرفين، الداعيين إلى الحرب والقتال، وموقف عبدالله بن إباض كرمز قيادي رافض شعار الحرب والقتال، داحض حجج الفريق الآخر ومعلن مواقفه منهم بوضوح أمام الملأ، وبموقف ابن إباض تشير معظم المصادر التاريخية حقيقة إلى بداية ظهور الإباضية سنة 65 هـ. استطاع ابن إباض أن يكون صوتاً جريئاً مسموعاً، معتمداً على مؤازرة قبيلته، لما يتمتع فيها من تميز ونفوذ ومكانة كبيرة، مما كان يشكل له حماية ومنعة، وقد ألزم ابن إياض نفسه بأن يجهر برأيه حول ما ذهب إليه ابن الأزرق وأتباعه من تطرف وتكفيرهم الجموع المسلمين، ومقارعتهم بالحجج والبراهين علناً وأمام الناس، وتبرأ من تصرفات وأفكار غلاة الخوارج المتطرفين، وهذه المواقف السياسية لابن إباض كان الهدف منها كسب سند عامة الناس من جهة وأن تكون حركته بمنأى عن ملاحقة الحكام لهم من جهة أخرى.
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3 ص 491.
(2) المصدر نفسه ص 492.
(138) (1/138)
صفحة 137
عبدالملك
ولا بن إباض نشاط سياسي آخر جاء من خلال اتصالاته بالخليفة الأموي بن مروان وبوساطة المكاتبات التي كان يتبادلها معه، وهذه المواقف التي كان ينتهجها عبدالله بن إباض بمنزلة الإعلام السياسي المبكر للمذهب الإباضي في مرحلة نشأته وظهوره كحركة سياسية وفرقة عقائدية واتجاه فكري ومدرسة أصولية فقهية، ونتيجة لهذه الآراء والنشاطات أصبح ابن إباض شخصية مؤثرة تنتهج العمل السري في مرحلة ((الكتمان وتنظم الحركة هيكلها التنظيمي
وتكسب الأنصار والأعوان وعد الدعاة.
ومهما شكك بعض الإباضية المعاصرون بتراهة الكتب التي تحدثت عن الفرق الإسلامية، وأكدت إمامة عبدالله بن إباض للإباضية، ونسبتهم إليه، فإن ذاكرة التاريخ تبقى حقيقة واقعية لا يمكن أن تمحو ابن إباض عنها، ولا تنكر صلة ابن إياض بجابر بن زيد وثقة هذه الجماعة به منذ وقت مبكر، و إسهاماته في نشأة فقه الإباضية وتحديد معالم أفكارها وآرائها.
ب - جابر بن زيد الأزدي
هو أبو الشعثاء "
(1)
جابر بن زيد اليحمدي الأزدي المحرقي من بني عمرو بن
اليحمد، ينتمي إلى بني فجيرة من قبيلة الأزد، ومن المحتمل أن تكون ناحية
(T)
الحرقة) بالضم ثم الفتح في عُمان، قد شهدت مسقط رأسه، والذي هو محل خلاف في المصادر التاريخية فقد ذكر تاريخان الأول سنة: 18 هـ والثاني هو عام: 22 هـ بينما لا تتوافر أي معلومات عن طفولته وفترة نشأته الأولى،
(1) الشعثاء هي ابنته وكان يكنى بها لذا ورد اسمه بهذه الكنية في مختلف كتب السير. (2) البستي التميمي، محمد بن حبان: مشاهير علماء الأمصارص 89. والحموي، ياقوت بن عبدالله: معجم البلدان ج 2 ص 243.
(139) (1/139)
صفحة 138
ومن المؤكد أن جابراً قد هاجر مع من هاجر من أفراد قبيلته إلى البصرة، وأقام في درب الجوف في البصرة، وبلدة درب الجوف اسمها مشتق من اسم المنطقة التي كانت تقطنها قبيلة جابر في عمان، ومنطقة جوف الحميلة موضع بأرض عُمان (1). وقد اختلفت المصادر التاريخية على اسم الجوف وجاء في سير أعلام النبلاء: جابر
بن زيد الأزدي اليحمدي الخوفي بخاء معجمة والخوف ناحية من عُمان).
كان لصدى دعوة الجهاد تأثير عند معظم القبائل العربية، وقد جاءت متزامنة مع رغبة هذه القبائل للخروج نحو آفاق جديدة خارج حدود الجزيرة العربية واستقرت كثير من القبائل العربية في البصرة، ومن ضمن تلك القبائل قبيلة الأزد العمانية، و كان أفرادها ضمن جيش المسلمين المرابط بالبصرة، إذ لم تكن البصرة قاعدة ترابط فيها الجيوش الإسلامية فحسب، بل إنها كانت مركز إشعاع فكري ينمو فيه الفكر الإسلامي والعلوم الإسلامية التي بدأت تخط أبجدياتها الأولى من قراءة وكتابة، والورود إلى مناهل نور القرآن الكريم الذي بدأ يشع في أوساط المسلمين الذين أقبلوا عليه حفظا وترتيلا، ودراسة تعاليم السنة النبوية المطهرة والاقتداء بما، وهناك ظهر مبدأ الفتيا والاجتهاد الذي أسسه الخلفاء الراشدون وعلماء الأمة البارزون من الصحابة الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم وقد عاصر جابر بن زيد عدداً. ا منهم ورافقهم وتعلم على أيديهم، وأخذ العلم كما قابل السيدة عائشة أم المؤمنين (ت 58 هـ) مستفسراً منها عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقشها حول ما استجد في حياة المسلمين من أحداث سياسية كان لأم المؤمنين دور رئيس فيها. وكان جابر ملازماً للصحابي
منهم.
(1) الحموي، ياقوت بن عبدالله، معجم البلدان ج 2 ص 243. (2) الذهبي محمد بن أحمد عثمان: سيرة أعلام النبلاء ج 4 ص 481.
(140) (1/140)
صفحة 139
عبدالله بن العباس (ت 68 هـ) الملقب بالحبر والبحر نظراً لسعة علومه وإلمامه
الواسع بعلوم القرآن وتفسيره.
ومن
، هذه المناهل التي عاصرها جابر بن زيد استقى تعاليمه الإسلامية، وعد من أبرز علماء وفقهاء البصرة، وكان من الطبيعي أن يصبح مفتي البصرة وعالمها، قال عنه ابن عباس لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً في كتاب الله، وورد أيضاً أن رجلاً من أهل البصرة اسمه الزيات قال: سألت ابن عباس عن شيء فقال تسألوني وفيكم جابر بن زيد (1)
+
کرس جابر بن زيد جل وقته في الفتوى، وكان حريصاً على تدريس علم الحديث لطالبي العلم والمعرفة، وعرف بدمائة الخلق واللبابة، وعن حماد بن زيد
قال سئل أيوب هل رأيت جابر بن زيد قال نعم، كان لبيباً لبيباً لبيباً (2) بر إلا أن المستجدات والأحداث الخطيرة التي مرت بها الأمة الإسلامية والتطورات التي شهدها المجتمع الإسلامي الحديث النشأة، من صراع ونزاع على السلطة والحكم، والتي عاصر أحداثها جابر بن زيد، وهو المقيم بالبصرة إحدى أهم مراكز الأحداث السياسية في تلك الحقبة (28 - 93 هـ)، والذي لم يكن بمعزل عنها، بل كان يراقب مسارها عن كتب ويحاول فهم أسباب تفاقمها ومراميها المعقدة، ويدرك دوافعها الدينية والسياسية، ولاشك في أنه قد تعلم كثيراً وهو يتابع المستجدات المتلاحقة على الساحة الإسلامية التي بدأت تتراكم وتتفاقم من بعد مقتل الخليفة عثمان مروراً بتطوراتها الحربية والانتهاء بميمنة معاوية على الحكم، وحين اكتملت الرؤية الفكرية والسياسية لديه استجاب لنداء المسؤولية التي أصبحت على عاتقه بحكم كونه رجل علم ودين ومصلحاً اجتماعياً عليه السعي للإصلاح بإقرار الحق ونصرة الدين.
(1) السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر طبقات الحافظ ص 35. (2) الزهري، محمد بن سعد: الطبقات الكبرى ج 7 ص 180.
(181) (1/141)
صفحة 140
في المقابل كان الجماعة أبي بلال مرداس بن أدية التميمي مواقف من الأوضاع السائدة آنئذ حيث يرون أن القتال بين المسلمين أمراً لا يقبله العقل ولا الدين، وتروي المصادر الاباضية انضمام جابر بن زيد إلى دعوة جماعة أبي بلال مرداس، و كان لانضمامه إلى هذه الجماعة أثر بالغ في نشأة فكرة الإباضية وتحديد معالم آرائها وفكرها السياسي، إلا إن جابراً آثر الدخول هو وجماعته في مرحلة الكتمان، ونشر الدعوة سراً حتى لا يتعرض لما يؤذيه ويؤذي أتباعه، وهذا ما شجع المعتدلين من بقية المحكمة على الالتفاف حوله والاستزادة من علمه، ولم يلبث أن أصبح رئيس الجماعة والمؤسس الحقيقي لها (1).
حظي جابر بن زيد بمكانة عالية ومرموقة في مجتمع البصرة وذلك بفضل سعة علومه ومواقفه المعتدلة التي تنبذ مسلك العنف والقتال بين المسلمين، وقد لعب دوراً مهماً في خلق الثقة والود بينه وبين الحجاج بن يوسف (ت 95 هـ) لتجنب بطشه و انتقامه من خصوم ومعارضي الحكم الأموي، وتروي مصادر الإباضية أنه بفضل هذه السياسة والابتعاد عن بؤر التوترات وعدم الجهر بالرأي في وجه المخالفين، والتأقلم مع الأحداث والمحافظة على الوجود الإباضي في وسط أوضاع متوترة شديدة التفاقم والخلافات والفتن، استطاع جابر بن زيد أن يعمل لإرساء أسس المذهب وتوطيد أركانه سراً عن طريق عقد حلقات دروس لتكوين رجال المذهب الذين سيكلفون بمهمة نشر المذهب في البلاد الإسلامية.
انطلق جابر بن زيد أولاً في نشر دعوته من قبيلته ((الأزد)) العُمانية وبحكم علمه ومركزه بين أقاربه وشخصيته النافذة فإنه لم يلق صعوبة في إقناعهم،
(1) خليفات عوض محمد: الأصول التاريخية لفرقة الإباضية ص 6.
(142) (1/142)
صفحة 141
ولهذا انضم إليه العدد الكثير منهم وتحملوا مسؤولية نقل ونشر تعاليم المذهب إلى باقي مناطق الجزيرة العربية.
كان الحلقات ومجالس الدروس التي ينظمها جابر بن زيد حضور واسع ومشهود، وكان الكثيرون من طلابه يدونون الآراء الشرعية التي كان يفتي بما، ويسجلون ملاحظاته ومعظم آرائه ورواياته وبقيت تلك الملاحظات والآراء والروايات الكتابية قيد التداول عند أتباع المذهب الإباضي حتى الآن، وقد ذكر بعض المؤرخين الإباضيين بأن جابر بن زيد كتب مؤلفاً ضخماً تضمن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتاوى وعرف ذلك المؤلف بديوان جابر بن زيد، وقد كانت هناك نسخة منه وجدت في مكتبة الخليفة العباسي هارون الرشيد، وقد سعى ابن نصر من جبل نفوسة لأعداد نسخة.: من ذلك الديوان معه، إلا أنه قام بإتلاف تلك النسخة حتى لا تصل إليها أيدي
وأحضرها
معارضيه (1)
في حين تؤكد كل المراجع التاريخية صلة جابر بن زيد بالإباضية، إلا أن هناك بعضاً من روايات متفرقة حاولت أن تبرهن على عدم وجود أي صلة بجابر بن زيد والإباضية واستدل بعض المؤرخين على روايات جاءت على لسان جابر بن زيد نفسه نفى فيها صلته بالإباضية وتبرأ منها ومن أهل النهروان، ومثال ذلك أن سعيد بن عامر وعفان بن مسلم قالا حدثنا همام عن قتادة عن عزرة قال قلت لجابر بن زيد إن الإباضية يزعمون أنك منهم قال منهم. قال سعيد في حديثه قلت له ذلك وهو يموت (2).
أبرأ إلى الله
(1) النامي: دراسات الإباضية. (2) الزهري: الطبقات الكبرى ج 7 ص 181.
(143) (1/143)
صفحة 142
وهذا الإنكار المزعوم الذي صرح به جابر بن زيد وهو على فراش الموت، والذي أتى في وقت غير مناسب تحت شعور الترع بسكرات الموت، هذا الإنكار وغيره من الروايات والحكايات التي سعى المناوئون للإباضية في ترويجها لم تصرف أتباع هذا المذهب عن تصديق تلك المزاعم التي تنافي الثوابت الحقيقية التي يؤمنون بما، إذ أن هناك الكثير من الوقائع والأحداث ترجح صلة جابر الوثيقة بالحركة الإباضية منذ مرحلتها المبكرة، ولعل اهتمام جابر وحرصه البالغ على سرية الحركة حسب مقتضيات مرحلة (الكتمان) كان أكثر حذراً حتى وهو على فراش الموت، وأسلوب الكتمان كان أبرز ملامح تلك المرحلة المبكرة من نشأة الإباضية، فقد ألزم جابر نفسه بأن يكون حذرا في مسلكه و في سرية تحركاته ومكاتباته، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال مكاتباته، حيث طلب في خمس من رسائله أن تعدم ولا يبقى لها أثر، وقد ذكر السبب وراء ذلك في ثلاث منها، إذ كتب في ذيل رسالته الموجهة للحارث بن عمرو وهو أحد أقدم الأتباع في الكوفة قائلاً: واعلم أنك أصلحك الله بأرض أكره أن تذكر لي فيها اسماً فلا شيئاً مما كتبت به إليك (1) كانت علاقة جابر بن زيد بآل المهلب علاقة أسرية قوية، فكلا الأسرتين تنتميان إلى قبيلة الأزد، وحين بطش الحجاج بآل المهلب وأمر باعتقالهم وسجنهم، خشي من جابر بن زيد أن يكون مصدر عون لآل المهلب ويقوم بخطوات لمساعدة أصدقائه، فأمر بنفي جابر وأحد معاونيه واسمه هبيرة إلى عُمان واتبعه بإجراء آخر حيث أمر أيضاً باعتقال قياديي الحركة الإباضية، منهم أبو عبيدة وتشير بعض المصادر بأن الحجاج بن يوسف لم يتردد من أن يأخذ جابر بن زيد نفسه بالشدة و لم يكتف بمجرد التضييق عليه، بل أودعه السجن هو وبعض
ترو
(1) النامي عمرو: دراسات الإباضية.
(144) (1/144)
صفحة 143
ا: حابه، ومنهم ضمام بن السائب وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وصحار العبدي وغيرهم (1).
وجاء قرار اعتقاله إجراء احترازياً اتخذه الحجاج بعد سجنه و وبطشه بآل الهلب، وقد ذكر صاحب الطبقات الكبرى رواية حدث فيها قتادة قال سجن جابر بن زيد فأرسلوا إليه يستفتونه في الخنثى كيف يورث، فقال تسجنوني وتستفتوني، قال: انظروا من أيهما يبول فورثوه (2).
تغيرت سياسة الحجاج بن يوسف تجاه قبيلة الأزد بصفة عامة، ومع جابر بن زيد، بصفة خاصة، ليس على إثر خلفية التراع الذي نشب بينه وبين آل المهلب، فحسب، بل أيضا نتيجة الثورة التي قام بها أهل عمان على بني أمية وتزعمها سليمان وسعيد ابنا عباد آل الجلندي فاضطر الحجاج إلى إرسال الجيوش، والدخول في معارك متتالية مع العُمانيين والقضاء عليها بعد جهد شاق وخسائر فادحة. لتقضي على طموح أزد عُمان في الخروج عن دولة بني أمية، وملاحقة المتعاطفين معهم من حملة العلم وأرباب الفصاحة والبلاغة والبيان.
ومنهم عمران بن حطان الشاري، رأس القعدة وخطيبهم وشاعرهم (3).
ويبدو أن النجاح الذي حققه دعاة الإباضية وشيوخها من الأزد في نقل المذهب إلى عُمان وانتشاره، لم يغب أمره عن عيون الحجاج بن يوسف، وقد أعد العدة لقمع شوكة الأزد في البصرة وملاحقة زعمائهم والزج بهم في السجون وإقعادهم عن نصرة عشيرتهم في عُمان ومن ثم التحرك إلى معاقلهم في عُمان لضربها وسحقها وهذا ما أمكن له إذ لا يوجد مسوغ غير ذلك يستدعي
(1) الشماخي: السير ص 76 وما بعدهما. (2) الزهري: الطبقات الكبرى ج 7 ص 180.
(3) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب ج 2 ص 230 - 231.
(145) (1/145)
صفحة 144
الحجاج أن يغير من سياسته في التعامل مع جابر بن زيد، والزج به في السجن،
وهو العالم الفقيه والورع الزاهد والقاضي بالحق بين الناس.
فمن الطبيعي أن يتعاظم شعور جابر بن زيد ومن معه.، من وجوه الأزد بمرارة الغبن والظلم الذي مارسه والي الخليفة الأموي الحجاج بن يوسف في حقهم، ويبدو أن جابر بن زيد عاش تحت وطأة الشعور بالنقمة والسخط على الأوضاع السيدية السائدة في دولة بني أمية ومكنت له خلوته في السجن أن يدرس بتعمق كل تيارات والأساليب الأخرى في التعامل مع الواقع السياسي، التي تجيز الثورة والخروج السياسي على الحاكم الجائر، واستطاع هو وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ان يضعا الأطر التنظيمية للحركة وأساليب نشر الدعوة والحفاظ على سرية العمل والتحرك والدخول في مرحلة (الكتمان).
ومع ذلك فما لبث الحجاج أن أطلق سراح جابر بن زيد وصحبه من السجن ونفاه إلى موطنه عمان، و لم يدم نفي جابر بن زيد إلى عُمان طويلاً، فمن الثابت أنه عاد من منفاه إلى البصرة، فقد تمكن آل المهلب من الفرار من سجن الحجاج ولجأوا إلى سليمان بن عبدالملك بدمشق فأجارهم، ولعل العلاقة المميزة التي كانت قائمة بين آل المهلب من جهة وبين سليمان بن عبدالملك وأخيه الوليد من جهة أخرى كان لها الأثر في عودة جابر إلى البصرة قبل وفاته بمدة وجيزة.
لما حضرت جابر بن زيد الوفاة أتاه ثابت البناني وقال له: يا أبالشعثاء، هل شيئاً؟ قال: إني لا أشتهي إلا أن ألقى الحسن قبل أن أموت، فخرج ثابت
تشتهي و دخل على الحسن فأعلمه بقول جابر بن زيد قال وكان الحسن إذ ذاك مستخفياً، وأركبه بغلته وأعطاه طيلسانه، حتى لا يعرض لهم، ودخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع فانكب عليه الحسن وهو يقول: يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله. فقال أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار فكررها الحسن عليه فقال جابر: يا أبا سعيد ((يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل
(146) (1/146)
صفحة 145
أو كسبت في إيمانها (خيراً)) قال فقال الحسن هذا والله الفقيه العالم، ثم قال يا أبا سعيد حدثني بحديث ترويه عن رسول صلى الله عليه وسلم، في المؤمن إذا حضرته الوفاة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن المؤمن إذا
حضرته الوفاة وجد على كبده بردا ((فقال جابر الله أكبر، والله إني لأجد برداً
على كبدي.
أتى قتادة وهو إذ ذاك قد عمي وقال أدنوني من قبره، فأدنوه حتى وضع يده على قبره ثم قال اليوم مات عالم العرب واختلف كتاب السير الذين اهتموا بكتابة سيرة جابر بن زيد في تاريخ وفاته فقد ذكروا عدة تواريخ مختلفة لوفاته منها: موته سنة 93 هـ مع أنس بن مالك في جمعة واحدة. وذكرت بعض المصادر إنه مات سنة 101 هـ أو 103 أو 104 هـ (1)، وأمام تباين المعلومات غير المؤكدة يظل تاريخ 93 هـ هو التاريخ الأقرب
للحقيقة.
(2)
(د)
في يوم دفنه قيل ((اليوم دفن علم أهل البصرة أو كما قيل علم أهل العراق)). وكان جابر بن زيد لا يماكس (3) في ثلاث في الكرى إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها لتعتق، وفي الأضحية. وقال: لا تماكس في شيء يتقرب به إلى الله. وقال أبو الشعثاء: لأن أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إلي من حجة بعد حجة الإسلام. وقال: إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب
(1) أنظر التميمي محمد بن حيان مشاهير علماء الأمصار ص 89 والزهري، محمد بن سعد بن منيع البصري: الطبقات الكبرى ج 7 ص 180، والسيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر: طبقات الحافظ ص 35. وابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 4 ص 279.
(2) الذهبي محمد بن أحمد بن عثمان: سيرة أعلام النبلاء ج 4 ص 481. (3) جاء في لسان العرب: مكس الشيء نقص ومكس درهم: أي نقصان درهم بعد وجوبه.
(147) (1/147)
صفحة 146
وقل: اللهم اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك ورغب إليك (1).
يعد جابر بن زيد من الطبقة الثانية من أئمة التابعين كالحسن البصري ومجاهد وغيرهم من حملة الآثار النبوية وكان عالم البصرة (2). ولذلك فقد أقبل نقلة السنة على الأخذ عنه، فروى البخاري ومسلم في صحيحهما أحاديث معروفة، وشهد له الكثير من أهل العلم بالضبط والفطانة والأمانة فنقلوا آثاره في مؤلفاتهم، واحتجوا بأبوابه في أحكامهم (3).
ويروى عنه أنه قال ليس للعالم أن يقول للجاهل اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك، وليس للجاهل أن يقول للعالم اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك، فإذا قال العالم ذلك للجاهل قطع الله عذر العالم وإذا قال الجاهل ذلك للعالم قطع
عذر الجاهل.
تجمع آراء الإباضية على التمسك بفقه جابر بن زيد واعتمادهم على مروياته كسند للتشريعات والفتوى وقد اتخذوه إماماً لهم وفي هذا الخصوص يقول أبو عبيدة مسلم: (كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه، فهو ضال، فلولا أن
الله من علينا بجابر بن زيد لضللنا).
(1) ابن كثير، ابو الفداء الحافظ البداية والنهاية ج 9 ص 94. (2) الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان المعين في طبقات المحدثين ص 37. (3) معمر، على يحيى: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص 143.
(148) (1/148)
صفحة 147
ج - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
أبو عبيدة بن أبي كريمة التميمي مولى بني تميم ويكنى أبا عبيدة بابنته ((عبيدة)) التي أخذت العلم عن والدها فروت عنها كتب الفقه الإباضي فيما يتعلق بأخبار النساء، وترجح المصادر الإباضية مولده حوالي سنة 45 هـ أو بعدها بقليل، وأبو عبيدة مولى عروة بن أدية أو أدينة كما ورد في بعض المصادر (1) وأذية هي أم عروة بن جرير بن ربيعة أحد أخوة أبي بلال مرداس التميمي وقد قتل عبيد الله بن زياد ابن أذية وابنته معاً (سنة 58 هـ) (2). وكان سبب قتله أنه أقبل على
ابن زياد يعظه وكان مما قال: أَتَنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبُثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَمْتُمْ بَطَعْتُمْ جَبَّارِينَ) ()
ويبدو ولعل هذه الحادثة تركت آثارها النفسية على تكوين شخصيته وسلوكه و نظرته وعلاقاته مع الحكام والولاة. عاش أبو عبيدة في البصرة وتتلمذ على يدي عالم البصرة وفقيهها جابر بن زيد وعلى يد المشائخ جعفر السماك وصحار العبدي وصالح الدهان، وقد كرّس أبو عبيدة نفسه لتلقي العلوم الشرعية وتعليمها، وقد ذكر أنه أمضى أربعين سنة أخرى يعلم مما تعلم، ويصفه الشامخي في كتابه السير تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه، ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه)). وكان أبو عبيدة من أبرز تلاميذ جابر بن زيد وأكثرهم علماً، وبعد موت جابر بن زيد انتهت إليه رئاسة المذهب، وقد سعى إلى توطيد أركان الدعوة
أن أبا عبيدة قد شهد في طفولته قتل عروة وكيف مثل به ابن زياد،
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3 ص 360. (2) ابن كثير: البداية والنهاية ج 7 ص 278.
(3) سورة الشعراء الآية 128.
(149) (1/149)
صفحة 148
الإباضية حتى أصبحت حركة سياسية شاملة اجتذبت عناصر من قبائل وأجناس متعددة (1) |
(T)
لقد تركت شخصية عروة بن أديّة تأثيرها الواضح على أبي عبيدة، إذ أن عروة بن أدية من أوائل الرجال الذي اعترضوا على مسألة التحكيم بين علي ومعاوية، وهو أول من نادى بالعبارة المشهورة ((لا حكم إلا الله)) التي أصبحت مبدأ عقائدياً للخوارج، وشعاراً يرفعونه، وذلك حين خرج الأشعث بن قيس الكندي مع نفر معه ممن شهدوا على صحيفة الاتفاق على التحكيم بين علي ومعاوية لعرضها وقراءتها على الناس، فمروا على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية فقرأها عليهم، فقال عروة: تحكمون في أمر الله عز وجل، ((لا حكم إلا لله)) تم شد سيفه فضرب عجز دابته ضربة خايفة فاندفعت الدابة
(3)
كان عروة بن أدية على جانب كبير من الدراية والمعرفة في فهم ما وراء التراعات الدينية والسياسية التي أفرزتها الحروب التي نشبت بين أنصار علي ومعاوية، وشارك في الحرب ضد علي في معركة النهروان، وقتل بعد ذلك على يد عبيدا الله بن زياد صبراً، وكان أبو عبيدة تابعاً لذلك الرجل الذي وصفه خادمه لعبيد الله قائلاً: ما قدمت له فراشاً بليل قط ولا قدمت له طعاماً في نهار قط (4)، كناية عن أن عروة كان كثير الصيام دائم القيام، ويبدو أن التشدد وروح التمرد والثورة والخروج عن السلطة والوقوف في وجه الحاكم الجائر والظالم عند عروة بن أدية؛ تركت أثرها على سلوك أبي عبيدة و ترك مقتل عروة بن أدية أيضاً أثراً
(1) خليفات، عوض: التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان صه. (2) اليعقوبي، أحمد بن يعقوب: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 190.
(3) الطبري: تاريخ الطبري ج 3 ص 104. (1) الشهرستاني: الملل والنحل ج 1 ص 137.
(10.) (1/150)
صفحة 149
بالغاً في نفس أبي عبيدة، ناهيك من أن أبا عبيدة أودع السجن مع زميله ضمام بن
السائب وبقي فيه إلى ان توفي الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 95 هـ.
I
في سجن الحجاج تعرض أبو عبيدة وضمام بن السائب إلى فنون من التعذيب قال ضمام بن السائب: أدخلنا في سجن فلم يكن يوصل إلينا، ولا يدخل علينا حديدة ولا جلم، قال: إنما كنا نقص شواربنا بأسناننا، وإن كان الرجل منا لينفض لحيته فيتساقط منها القمل، وكان يطعمنا خبز الشعير والملح الجرش ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ثم يؤتى ملح فيلقى في تلك المراكن ثم يضرب حتى تخرج رغوته ثم يقال يا أهل السجن خذوا ماءكم، فمن أخذ من أوله كان أمثل قليلاً، وأما من أخذ من أسفله فهو العذاب
ويبدو
(1)
أن آثار هذه التجربة التي. بما والتعذيب البدني والنفسي التي تعرض لها أبو عبيدة ألقت بضلالها عليه فجعلته يتصف باليقين وقوة الصبر، إلى جانب الخصائص القيادية والتنظيمية التي امتاز بها، وأهلته ليكون القائد الإباض في مرحلة عصيبة من مراحل الحركة امتدت لفترة تقارب نصف قرن من الزمان (95 - 145 هـ).
- تولى أبو عبيدة رئاسة الإباضية وكانت نظرته للحكام والولاة بأنهم حكام حور وظلمة، وتعمد أن يعزل نفسه تماماً عنهم، بل كان يأمر أتباعه بذلك، وهو الذي قال حين سأله شخص من أتباعه رأيه بأن يلازم الحاكم فقال له: قيل في الحكمة: قال الثعلب: لدي تسعة وتسعون حيلة لأكثرها نفعاً عندما لا يراني كلب ولا أراه. وهذا الاتجاه المتشدد الذي اتبعه أبو عبيدة بشأن علاقة الحركة الإباضية مع الحكام وعمالهم كانت ظاهرة مميزة لسياسته، ولها أيضا مبرراتها
(1) الدرجيني، أحمد بن سعيد طبقات المشائخ بالمغرب ج 2 ص 247.
(101) (1/151)
صفحة 150
التنظيمية للحركة منها أنه يهدف من ورائها إلى. م الاستقلالي للحركة من بداية نشأتها ورسم ملامح شخصيتها وهويتها المذهبية والسياسية. بعد أن انتهت إلى أبي عبيدة مسئولية زعامة الإباضية عمل جاهداً في المحافظة
والدفاع عن المذهب، وسعى إلى نشر الدعوة إلى المذهب في كل الأقطار الإسلامية عبر وسائل وخطط منظمة اتخذت من مبدأ الكتمان والسرية أسلوبا مميزاً لتحركاتها واجتماعاتها، وذلك من أجل تفادي عيون السلطة، أو إثارة ريتها وغضبها مما يعرض أتباع المذهب للملاحقة والبطش. وبالفعل استطاع أبو عبيدة أن يشكل حكومة سرية لها هيكلها التنظيمي الخاص، حيث يتبوأ فيها كبار رجال العلم من مشائخ الإباضية كأمثال جعفر بن السماك وصحار العبدي وضمام بن السائب وأبي نوح قمة هذه الحكومة وإدارة شئون الحركة، وقام بتنظيم دقيق في نشر المبادئ الأساسية للدعوة الإباضية بحيث يتم تعايش أتباع الحركة في مجتمع واحد وضمن سلطة تتربص بهم الدوائر وان يجعل الأمر سرا فيما يسمى الدخول في مرحلة الكتمان.
إن الحركة الإباضية شأن كل التنظيمات السرية التي تنشأ في ظل وجود سلطات حاكمة تلاحق المعارضة، وتقمعها سعت قياداتها نحو تطوير أساليبها و نشاطها باستمرار، لتكفل تميز نشاطها المكثف في إطار من السرية والتحفظ الشديدين، وقد اضطلعت مجالس شيوخ الإباضية التي أنشئت في المرحلة المبكرة من نشأة الحركة بدور مهم في التنظيم والتخطيط لسياسة الحركة، وإعداد نخبة متفقهة في الدين من بين الأتباع ومن ثم إيفادها إلى الأقطار الإسلامية الأخرى لبث الدعوة واختيار أعضاء قياديين. من الأقطار نفسها التي تبث فيها الدعوة ومن ثم إرسالهم للبصرة لتلقي المزيد من العلوم وتأهيلهم تولي زعامة الحركة في أقطارهم.
(109) (1/152)
صفحة 151
وفي أجواء من العمل بالسرية والكتمان يمكن القول بأن الحركة الإباضية
تحت زعامة أبي عبيدة مسلم قد نجحت في تلك الفترة في إرساء تعاليم المذهب الإباضي ونشر تعاليمه في العراق وخرسان ومكة المكرمة وشمال أفريقيا ووصلت في الجنوب إلى اليمن وحضرموت وعمان وأصبحت حركة دينية ثقافية غلب على أنشطتها الطابع التعليمي، ولكن الأهداف السرية غير المعلنة من وراء ذلك التخطيط أهداف بعيدة المدى ذات طموحات كبرى، كانت غايتها تأسيس إمامة شاملة تضم الأقطار الإسلامية، تحت توجيه زعامة المذهب في البصرة، ولذا نأي أبو عبيدة مسلم بنفسه تماماً عن الحكام.
وفي عهد يزيد بن عبدالملك (101 - 105 هـ) ظهرت فرقة متطرفة من الإباضية استغلت خروج القائد المهلبي يزيد بن المهلب وأعلنت معه الخروج والثورة ضد الحكم الأموي)) فتصدى لها الجيش الأموي وقضى عليها في معركة العقر سنة 102 هـ قتل فيها يزيد بن المهلب زعيم الثورة)) (1) وكثير من المهالبة والأزد المناصرون له.
كانت هذه نقطة تحول حاسمة في سياسة تاريخ الحركة الإباضية، فقد تأثر قادة الأزد لمقتل المهالبة، فغضبوا وغضبت معهم الإباضية على الأمويين وطالبوا بالثورة وبضرورة الانتقام وتغيير الأوضاع ووضع حد لتعسف الحكم الأموي. والانتقال من مرحلة الكتمان إلى مرحلة الظهور.
أمام هذه المستجدات الطارئة كان على أبي عبيدة أن يجتهد في تهدئة الثوار ويدعو إلى التريث والتزام الهدوء، ولكنه أمام ضغوط الأزديين وغير الأزديين من أتباع الحركة شرع في التفكير العميق في إيجاد مخرج مناسب يتماشى والتعاليم
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 4 ص 339.
(105) (1/153)
صفحة 152
الأساسية للإباضية، وبعد استشارة المشائخ وزعماء المذهب أضطر إلى تغيير موقفه خوفاً من وقوع انقسام شديد داخل صفوف الإباضية.
لم يكن قرار أمر خروج الإباضية بالهين، فالمسألة تتطلب كثيراً من التاني والتعقل، والاستعداد الجيد، لأن مصير الحركة كان يتوقف على هذه المسألة، وقد وعى أبو عبيدة جيداً الدروس السابقة للحركات الخارجة والمصير الذي آلت إليه من قبل من تشريد، وإبادة، ولهذا تبنى وجهة نظر معقولة تضمن له تحقيق إقامة دولة إباضية خارجة عن نطاق مركز دعوتها الرئيس - البصرة – إذ لا يمكن أن يخرج الإباضية من البصرة ويعلنون فيها إقامة إمامة مستقلة حتى ولو كان ذلك في ضواحي البصرة كما فعل نافع بن الأزرق وأتباعه، لأن ذلك يعرضهم لوصول ذراع السلطة القوي إليهم والقريب منهم، إضافة إلى أن إمكانية الإباضية للخروج واستعداداتهم غير كافية للدفاع عن أنفسهم. لذا شدّد أبو عبيدة على
النقاط الأتية:
أولاً: على الاهتمام بالمسائل التنظيمية للحركة وإقامة حكومة سرية داخل البصرة تتولى تنظيم الحركة الإباضية داخل وخارج العراق ومن مهامها الأساسية تكوين الدعاة تكوينا عقائدياً واجتماعياً وسياسياً ثم تكليفهم بإقامة دولة إباضية
في جهات مختلفة من الأقطار الإسلامية كبداية لإقامة إمامة إباضية شاملة على أنقاض الدولة الأموية.
ثانياً: الوقوف موقف المتشدد ضد إقامة أي اتصال مع أهل المذاهب الأخرى من غير الإباضية سواء كان ذلك على المستويات السياسية أم الدينية، وحتى على المستوى الاجتماعي، وبهذه السياسة التي اتبعها أبو عبيدة استطاع مجتمع الإباضية في البصرة أن يحافظ على سياسة الكتمان في ظل زعامته و تمكنت من بدعوتها وفكرها من مركزها الرئيس - البصرة - لتنتشر في أرجاء العالم الإسلامي فوصلت جنوباً لليمن وحضرموت وعمان، واستقرت غرباً في شمال
الانطلاق
(102) (1/154)
صفحة 153
أفريقيا ثم شرقاً نحو خراسان، وسعت نحو تحقيق أهدافها في استقلالية تامة دون أي التماس أو تماس مع تيارات ومذاهب أخرى، وبدأت تتبين ملامح شخصيتها الدينية والسياسية.
كان تأثير أبي عبيدة على قرارات واستشارة المواقع الإقليمية التي تنتشر فيها الإباضية البعيدة والقريبة عن المركز الرئيس واضحاً، وعلى سبيل المثال لم يعلن عبدالله بن يحى الكندي طالب (الحق) ثورته في حضرموت إلا من بعد ما جاءته الموافقة والدعم من أبي عبيدة وكذلك الحال في ظهور الإمامة الإباضية في شمال أفريقيا بزعامة أبي الخطاب فقد جاءت وفقاً للتخطيط الذي رسمه أبو عبيدة والذي استطاع أن: بخططه وآرائه في قيام دولتين إباضيتين كانتا خطراً حقيقياً على
يسهم
الكيان الأموي وعلى العباسي فيما بعد في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا. اهتم أبو عبيدة بموسم الحج اهتماماً بالغاً فقد كان لا يفوته الحج إلا نادراً، وكان على حرصه في نيل الأجر والثواب من جراء تأدية شعائر فريضة الحج، يسعى للاستفادة من اجتماع الأمة الإسلامية في هذا الموسم الديني السنوي، فيجتمع بفقهاء وعلماء الأمصار، ويتعرف بالحجاج الإباضيين القادمين من شتى الأمصار، ويجد في لقائهم فرصة سانحة لحل مشاكلهم، والرد على استفساراتهم فيما يخص أمورهم الدينية والدنيوية، وكان يرسل الرسائل مع الحجاج العائدين إلى زعامات الإباضية في بلدانهم التي كانت تحمل في طياتها العلم والفتوى والتنظيم السياسي للحركة وربط إباضية المشرق بالمغرب. |
تمثل نجاح أبي عبيدة في المجال الدعوي في أولئك الطلاب الخمسة الذين رباهم وعلمهم ودركم وقضوا معه خمس سنوات بين يديه في سرداب سري بالبصرة، ثم أرسلهم رسلاً لتبليغ دعوة أهل الإباضية إلى المغرب والمشرق. ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت آثار دعوتهم بالمغرب، وقامت الثورات ضد السلطة الأموية ثم العباسية في السنوات المتوالية -122 - 160 هـ، منها ثورة
(100) (1/155)
صفحة 154
البربر الصفرية سنة 122 هـ التي قادها ميسرة المطغري، وثورة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح سنة 140 هـ، وقيام الدولة الرستمية الإباضية في المغرب الأوسط - الجزائر - ما بين سنة 160 - 296 هـ، التي اشتهرت بنظامها الشوروي
وعدالتها وأمنها وازدهارها.
د - الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي:
هو الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري، وفراهيد من غضفان من عُمان وهو في البصرة مشهور، ولد في منطقة الباطنة في عُمان في النصف الثاني من القرن الأول الهجري ما بين سنتي 75 - 80 هـ وبما أمضى طفولته، ثم انتقل للبصرة وأخذ بما علوم التفسير والحديث والفقه على شيوخها من التابعين الذين عاشوا في تلك الفترة أمثال: قتادة وعمرو بن هرم وحمادة بن سلمة وغيرهم، ولكنه كان أكثر ملازمة لأبي عبيدة بن مسلم وروى عنه، وقد ورد عنه قوله: أخذت الفقه من ثلاثة أبي عبيدة وأبي نوح صالح الدهان، وضمام بن السائب. وقيل إن الربيع أدرك جابراً بن زيد وهو شاب وقل ما حمل عنه سلك الربيع بن حبيب طيلة تحصيله للعلم مسلك شيخيه أبي الشعثاء جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم، في تجنب أي صدام أو احتكاك مباشر مع سلطة الولاة
الأمويين، مما جنبه التعرض للاضطهاد أو الأذى في إثناء تفرغه لتلقي العلم.
كان الربيع بن حبيب يتمتع بمكانة مرموقة ومنزلة عالية ليس فقط بين أبناء قبيلته من الأزد ولكن بين الأوساط الإباضية في المشرق والمغرب غيرها، وقد نال تلك المنزلة بما حباه الله تعالى من الورع والتقوى والعلم، وكان علماً من أعلام الفكر وعالماً من علماء الفقه وقد أثنى عليه شيخه أبو عبيدة بقوله عنه
(107) (1/156)
صفحة 155
((فقيهنا وإمامنا وتقينا وأميننا وثقتنا)) (1)، وعد ثالث أئمة العلم عند الإباضية بعد جابر بن زيد وأبي عبيدة بن مسلم.
ترك الربيع بن حبيب آثاراً علمية جاءت في أقوال وفتاوى فقهية متناثرة في كتب الإباضية، ومن آثاره المجموعة كتاب (آثار الربيع) الذي رواه عن شيخه
ضمام السائب عن جابر بن زيد، وهو عبارة عن مجموعة فتاوى للإمام جابر بن
(2)
زيد، وقد جمعها أبو صفرة عبدالملك بن صفرة (2). إلا أن من أهم آثاره كتاب المسند، ويطلق عليه الإباضية (الجامع الصحيح ولم يكن في أول أمره مرتباً أو مصنفاً، حتى جاء أبو يعقوب يوسف الوارجلاني وأعاد ترتيب الأحاديث على نحو موضوعي على طريقة الجوامع فقام بجمع الأحاديث على حسب أبواب الفقه المعروفة وهو مطبوع ومتداول وعني علماء الإباضية بتخريج أحاديثه ومقارنتها بما ورد في كتب السنة الأخرى، وللمسند عدة شروح أهمها شرح الشيخ عبد الله السالمي وهو من. علماء عمان (ت سنة 1332 هـ).
هـ - أصول العقيدة عند الإباضية:
استندت أفكار العقيدة عند الإباضية على التراث الفكري الإسلامي، إذ لا يختلف اثنان من مخالفيهم في أن الإباضية هي فرقة من فرق الخوارج المعتدلة، لا تحيد عن أصول الشريعة الإسلامية والكتاب والسنة والفرق الإسلامية لا تدخل تحت حصر، والمتقدمون الذين كتبوا عن الفرق خاصة من هم من أهل السنة، أرادوا أن يحصروها استناداً إلى حديث يُروى عن أبي هريرة، ومفاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت
(1) الكاباوي، عمرو بن مسعود: الربيع بن حبيب محدثا وفقيها. (2) لازال مخطوطا وتوجد منه نسخة في المكتبة البارونية بحرية - تونس.
(101) (1/157)
صفحة 156
النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة). ورواية أخرى تروى عن عبدالله بن عمرو بن العاص (ت سنة 65 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل: تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا يا رسول الله: وما الملة التي تنقلب؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)).
ولهذا الحديث - بصوره المختلفة - أسانيد كثيرة، استوفاها الحافظ الزيلعي في تخريج أحاديث (الكشاف)، وتعدد رواته عن النبي صلى الله عليه وسلم: كأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي الدرداء وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأبي بن، أمامة، وواثلة بن الأسقع، وقد شكك الدكتور عبدالرحمن بدوي في صحة هذا الحديث للأسباب الآتية:
أولاً: إن ذكر هذه الأعداد المحددة المتوالية: 71، 72، 73 – أمر مفتعل لا يمكن تصديقه، فضلاً عن أن يصدر مثله عن النبي.
ثانياً: لا نجد لهذا الحديث ذكراً فيما ورد لنا من مؤلفات من القرن الثاني، ولا الثالث الهجري، ولو كان صحيحاً لورد في عهد متقدم.
ثالثاً: أعطت كل فرقة لختام الحديث الرواية التي تناسبها، فأهل السنة جعلوا
الفرقة الناجية هي أهل السنة والمعتزلة جعلوها فرقة المعتزلة وهكذا (1). ولا عبرة بتشكيك الدكتور عبدالرحمن بدوي؛ بعد أن صحح أسانيد الحديث
الحافظ الزيلعي.
(1) بدوي، عبدالرحمن: مذاهب الإسلاميين ج 1 ص 34.
(101) (1/158)
صفحة 157
دونت كتب تواريخ الملل والنحل وجهة نظر مؤلفيها وعكست وجهة نظرهم
في فرقهم والفرق المناوئة، وتحت تأثير الاختلاف والتحزب صنفت الفرق الإسلامية إلى صنفين: الفرقة الناجية من النار والفرقة الهالكة فيها، وتم تأطير هذا السرد التاريخي لتلك الآراء والسير للفرق بعيداً عن الحوار الفكري، ولا بد من وقفة عند حديث الافتراق أو الاختلاف هل جاء موضوعاً لسلب التأثير الاجتماعي والسياسي في نشوء الفرق، أو كان محاولة للتبشير بفرقة وحيدة هي الناجية، وإن كان تعدد الفرق الإسلامية من الناحية الفكرية والاجتهادية يعد حالة سليمة ونتاجاً فكرياً طبيعياً لم يتحرج القرآن من الاعتراف به، قال تعالى: لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شَرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لُوكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كتم فيه تختلفُونَ (1)، وقوله تعالى له وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا (1) وا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)) (3)
وتبدو الدعوة إلى إسلام بلا مذاهب دعوة تشوبها العاطفة أكثر من الواقعية، وحصر الإسلام بين مذاهب أربعة ضرب من ضروب التعصب والتعامي عن النقول واجتهاد العقول الأخرى، وحصارٌ للفكر والعقل الإسلامي بين مسالك ضيقة فقهاً وعقيدة ولا بد من الاعتراف بحقيقة تاريخية مسلم بما وهي أن هناك وجوداً كبيراً من الفرق الإسلامية و تيارات منبثقة من داخل هذه الفرق أو تلك، وان هناك اختلافاً واقعاً مسلماً به لا يمكن تجاوزه بالتكفير أو الإلغاء، أو مرد تعصب لأئمة دون أئمة أو مذهب دون آخر، إن منهج الإمام الصاوي وقوله في حاشيته على تفسير الجلالين) ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق
(1) سورة المائدة الآية 48.
(2) سورة يونس الآية 19.
(2) سورة هود الآية 118.
(109) (1/159)
صفحة 158
قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول
(T)
الكفر)) (1). وذلك منهج تبرأت منه الإباضية (بريئون من هذا الأصل الذي رضيه الصاوي أن يكون القاعدة التي يقوم عليها صرح الإسلام .... وأن الصاوي ليس وحيداً في هذا الميدان فهناك من مشى على نفس هذا المنهج كما يدل على ذلك مسلكه في النقاش .. (((في حين تتميز الفرق الإسلامية عن بعضها البعض بما تحدّده من آراء اجتهادية تختلف باختلاف وجهات النظر لدى كل فرقة ومن تمام بحثنا عن الإباضية فإنه يحسن أن نعرض آراء هذه الفرقة في المسائل الإلهية والإنسانية. مع اعتراف الإباضية بأن ليس لهم مذهب إلا الإسلام وأنه لم يشرع لهم ابن اباض مذهباً، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق وإنهم مجتهدون يلتمسون الحق ويقبلون الحق ممن جاء به ولو كان بغيضاً، ويردون الباطل على من جاء به ولو كان حبيباً (3).
وتتبنى الإباضية - رغم وجود تيار محافظ بينهم مناهج المعتزلة؛ فقالوا بالتحسين والتقبيح العقليين، ومالوا إلى تأويل كل ما يوهم التشبيه ولو ظاهراً، ونفوا رؤية الله في الآخرة، هذا مع قولهم القديم بخلود العصاة في النار، وبحرية انتخاب الإمام، ولا ينكر الإباضية اعتناقهم لهذه الآراء، واتفاقهم مع المعتزلة بشأنها، وإنما يجادلون في أن المعتزلة هم الذين أخذوها عنهم وليس العكس.
(1) الصاوي، حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 10. (2) الخليلي، أحمد بن حمد: الحق الدامع ص 9.
(3) السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد: العقد الثمين من أجوبة نور الدين ج 1 ص 126.
(17.) (1/160)
صفحة 159
حدد علماء الإباضية موقفهم حول المسائل التي وقع عليها اختلاف الناس وهي: التوحيد، والعدل والقضاء والقدر، والولاية والبراءة، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المتزلتين، وأن لا منزلة بين المتزلتين ... إلخ وقد اتضحت آراؤهم حولها، وأصبحت أصولاً للعقيدة الإباضية.
1 - التوحيد:
التوحيد لغة الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد، وفي اصطلاح أهل الحقيقة تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان، فهو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفياً أو إثباتًا، وما يلزم المكلف معرفته من علوم التوحيد هو إفراد المعبود بالعبادة، والتصديق بوحدانية الخالق ذاتاً وصفات وأفعالاً والإقرار بوجود واجد الموجودات، وهو الله الذي لا إله إلا هو متعال عن صفات المخلوقات فلا أوّل ولا آخر، وهو شيء لا كالأشياء (1) فليس هناك ذات تشبه ذاته تعالى ولا تقبل ذاته الانقسام ولا تشبه صفاته الصفات ولا يدخل أفعاله الإشراك فإن الفعل له سبحانه خلقا وأن ينسب إلى غيره كسباً (2).
وما يلزم في مبحث علوم التوحيد هو صفات الله تعالى وقد كان موضوع خلاف كبير بين المتكلمين فعند الإباضية بأن ما يستحق الصفات ما يجب له في كل وقت كالوجود والأزلية والأبدية والحياة والعلم. وصفات جائزة الله يوصف بما حين يفعلها، ولا يوصف بها إذا لم يفعلها أو تركها، وقسموا الصفات الواجبة قسمين، ذاتية وفعلية، والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل هو أن صفات الفعل تجامع ضدها في الوجود عند اختلاف المحل، كأن يوسع في رزق زيد
(1) اطفيش محمد بن يوسف: الذهب الخالص ص 7. (2) السالمي عبد الله بن حميد: مشارق أنوار العقول ص 205.
(171) (1/161)
صفحة 160
ويضيق في رزق عمرو، وأن يرزق العلم عمراً ويخلق الجهل لزيد، وأن يخلق كذا دون كذا، وان يرحم فلاناً ويعذب فلاناً .. (1).
أما صفات الأفعال فهي قديمة أزلية كصفات الذات كوصفه بأنه خالق في الأول اعتبار ما سيخلق، وعالم بما كان قبل أن يكون، أما صفات الذات كالعلم والقدرة والإرادة فإنها لا تجامع ضدها في الوجود ولو اختلف المحل، فلا يقال قدر الله على فعل شيء وعجز عن فعل شيء. وصفات الذات اعتبارية لا وجود لها في ذاتها ولا في ذاته تعالى، وإنما المقصود بما نفي أضدادها المستحيلة في حق الله تعالى. وترى الإباضية أن الصفات هي عين الذات، أي أن ذاته تعالى كافية في الانكشاف والتخصيص والتأثير، فكون الله عالماً. بذاته لذاته جميع المعلومات انكشافاً تاماً. غير صفة قديمة مقتضية لذلك الانكشاف من غني عن كل معنى قديم زائد عليه قائم به للانكشاف (2).
فالله.
يعني
منكشف
بينما الصفات عند الأشاعرة هي معان قائمة بذاته تعالى زائدة عليها، فهي عند الأشعري حقيقة أزلية لكنها ليست كصفات البشر، وصفات الله قائمة بذاته، أي أنها ليست ذاته، ولا غير ذاته، إذ لا يتصور الذات أن يكون حياً بغير حياة أو عالماً بغير علم أو قادراً بغير قدرة، أو مريداً بغير إرادة، بل الله عالم بعلم، وقادر بقدرة وحي بحياة ومريد بإرادة. وذلك من قال إنه عالم و علم، كان مناقضاً وكذلك القول في القدرة والقادر والحياة والحي .. إلخ وأسماء الله مشتقة من صفات فلابد من إثبات هذه الصفات له فقولنا: عالم - مشتق من العلم وقادر - مشتق من القدرة، وحي - مشتق من حياة ومريد- مشتق من الإرادة (3)، إذ لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً ((لأنه لو أشبهها لكان حكمه في الحدث
(1) المصدر نفسه ص 231.
(2) جهلان، عدون الفكر السياسي عند الإباضية. (3) البدوي، عبدالرحمن: مذاهب الإسلاميين ج ا ص 545.
(177) (1/162)
صفحة 161
حكمها)) (1). وهو العالم والحي القادر والمريد والصفة الإلهية التي الأشعري في شرحها هي الإرادة، وذلك لما يترتب عليها من أمور إيمانية متعددة ذات تأثير بالغ في تحديد موقف الأشعري بوجه عام.
أما ما يستحقه القديم تعالى من الصفات فعند المعتزلة هي الصفات التي يخالف بما مخالفة ويوافق موافقة لو كان له موافق تعالى عن ذلك، و (هو) كونه قادراً، عالماً حياً، سميعاً بصيراً، مدركاً للمدركات، موجوداً مريداً، كارها.
الذات
وينبه السالمي حول الفرق بين الاسم والصفة: هو أن الاسم ما دل على مع اعتبار معنى يوصف به الذات والصفة ما دلت على الذات مع اعتبار معنى يوصف به الذات وعليه فلا اسم إلا لفظ الجلالة وهو التحقيق لا ما ذهب إليه البعض من أن الاسم هو الصفة والمعرفة بأل فإن عدت عنها فهي ا الصفة وعليه فالعليم بالتعريف اسم و بدونه صفة، ولا استدلال له بقوله تعالى: (الْأَسْمَاء الحسنى فإن الأسماء في الآية بمعنى الصفات تجوزاً لأنها المفيدة للحسن، فوصفت به وأما الأسماء فلا تدل على حسن ولا قبح). وفي صفات البارئ سبحانه وتعالى اختلفت الإباضية مع الأشعرية في عشرة مواطن ذكرها الورجلاني في الدليل والبرهان على النحو الآتي (3)
أولاً: إن قلنا إن الباريء سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والإرادة وسائر
الصفات التي يوصف بها. فقالوا إنها معان وليست بصفات. والثاني: أنهم أطلقوا على هذه المعاني التي ذكروها: أنها أغيار الله عز وجل،
فأوجبوا التغاير بينهما.
(1) الأشعري، ابوالحسن: اللمع ص 7.
(2) السالمي: مشارق أنوار العقول ص 238.
(3) الورجلاني، يوسف بن إبراهيم: الدليل والبرهان ج 3 ص 193 و 194.
(163) (1/163)
صفحة 162
والثالث: أنهم أثبتوها معاني غير الله وهي قديمة. ونحن نقول ليس هناك معنى غير الله ولا قديم مع الله.
والرابع: أنه بمقتضى هذه المعاني، كان الله موصوفاً، فبالعلم كان عالماً وبالقدرة كان قادراً علم بعلم، وقدرة بقدرة، وإرادة بإرادة، وحي بحياة، وقدم
بقدم.
والخامس: أن هذه المعاني التي وصفوه بها، معان قائمة بالذات، ذات الباريء
سبحانه.
والسادس: أنهم وصفوه بالوجه واليدين والرأس والعينين والجنب والجلسة والقبضة والأصابع والكف والساق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب وركوب الحمار وأنه النور الأنور.
والسابع: أن الكلام من المعاني التي وصفوه بما وهو قائم بذاته لم يزل بها. والثامن: أن الأمر والنهي المتدرجين في الكلام من المعاني التي وصفوه بما قائمان بذاته، لم يزل كذلك، تعالى الله والتاسع: أن القرآن وسائر كتب الله المنزلة من المعاني التي يوصف بها في ذاته،
لم يزل كما سبحانه.
عن ذلك.
والعاشر: أن العدل والإحسان والفضل والمن والإنعام صفاته، لكنها أفعاله
محدثة.
2 - العدل:
العدل لغة مصدر عدل يعدل عدلاً، وقد يذكر ويراد به الفعل، ويذكر ويراد به الفاعل. وأما في اصطلاح الإباضية أنه وضع الأشياء في مواضعها وإعطاء كل ذي حق حقه وتتزيل كل شخص متزلته، وإذا قيل إن الله عدل فالمراد به أنه
(164) (1/164)
صفحة 163
لا ينسب إليه الجور ولا يوصف به سواء في أحكامه أو أفعاله (1). وأن الله في جميع أحكامه وأفعاله ليس بظلام للعبيد، وإنما الخلاف يتركز حول حرية الإنسان وهي المرتبطة بالعدل الإلهي، هل الإنسان حر في تصرفاته أي خالق أفعاله؟ أم أن الخلق الله ولا طاقة للعبد في اختيار ما يريد؟ اختلف المتكلمون حول هذه المسألة، فالأباضية يدينون بأن الأفعال خلق الله تعالى وهي في الوقت ذاته كسب الإنسان، وكل فعل للإنسان بوصفه عبداً يؤكد حريته ومقدرته على الاختيار دون تعارض مع المشيئة والإرادة الإلهية في عباده والاستطاعة على فعل شيء يستوجب أيضا الاستطاعة على عدم فعل هذا الشيء. ومسألة أفعال الإنسان في مذهب الأشعري، هي أن أفعال العباد مخلوقة الله، وليس للإنسان فيها غير اكتسابها، أي أن الفاعل الحقيقي هو الله، وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يدي هذا الإنسان، ومسألة الفعل الإنساني - الاستطاعة- قد تناولها الأشعري وخلاصة رأيه أن الإنسان يستطيع باستطاعة غيره، لأنه يكون تارة مستطيعاً وتارة، عاجزاً، كما يكون تارةً عالماً، وتارة غير عالم، وتارةً متحركاً، وتارةً غير متحرك، وعارض الأشعري المعتزلة في قولهم
بوجوب فعل الأصلح على الله وأطلق حرية المشيئة الإلهية دون قيد ولا شرط. وقالوا أن يخلق من يعلم أنهم سيكفرون، وله أن يلطف بالكفار ليؤمنوا، وكل
ذلك عدل منه.
أما العدل في اصطلاح المعتزلة فإنه إذا قيل إنه تعالى عدل فالمراد به أن أفعاله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، و لا يخل بما هو واجب عليه. وانه لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه، ولا يعذب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، ولا يظهر المعجزة على الكذابين، و لا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا يعلمون، بل يقدرهم على ما كلفهم، ويعلمهم صفة ما كلفهم ويدلهم على ذلك ويبين لهم.
(1) الشايخي، عامر بن علي متن الديانات ضمن كتب مختارة ص 47.
(170) (1/165)
صفحة 164
- القضاء والقدر
القضاء لغة، الحكم وفصل الأمر قولاً أو فعلاً ولكل منهما وجهان إلهي بشري، وفي الاصطلاح عبارة عن ثبوت الحكم الكلي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد. والقدر لغة، الاقتدار على الشيء وقدر على الشيء قدرة أي ملكه فهو قادر وقدير، والقدر في الاصطلاح الحكم بوقوع الجزئيات التي بتلك الكليات على سبيل التفصيل في الإنزال)، وقد يطلق ((القضاء)) على الشيء نفسه، وهو الواقع في قوله عليه السلام: ((اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء
(2)
والرضى به لا يجب ((. . والإباضية لا يختلفون مع علماء المسلمين في أن حكم القضاء والقدر شامل كل شيء منسحب على جميع الموجودات ولوازمها في الأفعال والصفات والأحوال وغير ذلك، وأن المقدرات ضربان ضرب يختص بالكليات وضرب يختص بالجزئيات التفصيلية، فالكلية المختصة بالإنسان محصورة في أربعة أمور: العمر، والرزق والأجل، والشقاء، والسعادة. وأن الله تعالى لا يسأل عباده يوم القيامة عن قضائه وقدره وإنما يسألهم عن أعمالهم، لأن قضاؤه هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه وأما أفعال العبد مكتسبة له مخلوقة الله. والحارثية خالفت الإباضية في قولهم بالقدر، وقالوا إن أفعال العباد مخلوقة الله تعالى وفي كون الاستطاعة قبل الفعل والشيبانية قالوا: بالجبر ونفي القدر، فنقضت القدرية قولهم بزعمهم أن الله تعالى لم يخلق أفعالهم القبيحة لأن الله لا يصدر منه ما لا يرضى.
(1) السيوطي: شرح السيوطي ج 8 ص 270.
(2) رواه البخاري في كتاب القدر /13 / ورواه مسلم في الذكر /53 / ورواه الإمام أحمد في مسنده.
(166) (1/166)
صفحة 165
ومشكلة أفعال الإنسان هل هو خالقها أو هو مجبر عليها؟ كانت من المشاكل
الرئيسة التي بدأت في مباحث علم الكلام وابن حزم يفصل ذلك ويقول: اختلف الناس في هذا الباب (باب): القدر) فذهبت طائفة إلى أن الإنسان مجبر على أفعاله، وأنه لا استطاعة له أصلاً وهو قول جهم بن صفوان وطائفة من
الأزارقة؛ وذهبت طائفة أخرى إلى الإنسان ليس مجبراً، وأثبتوا له قوة واستطاعة ما يفعل ما اختار فعله ثم افترقت هذه الطائفة على فرقتين، فقالت احدهما: الاستطاعة التي يكون بما الفعل لا تكون إلا مع الفعل، ولا تتقدمه البته. وهذا قول طوائف من أهل الكلام ومن وافقهم كالنجار والأشعري وجماعة من المرجئة
(1)
والخوارج و قالت الأخرى إن الاستطاعة التي يكون بها الفعل هي قبل الفعل موجودة في الإنسان، وهو قول المعتزلة وطوائف من المرجئة وجماعة من الخوارج والشيعة. ثم افترق هؤلاء على فرق وطوائف وقد انكرت المعتزلة إيجاد الله لأفعالهم وجعلوها موجدة لهم، وقدرة العبد على خلق العمل، وقالوا إن الله عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إليه شين ولا ظلم ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به، ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئاً فيجازيهم عليه، والعبد هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية، والله سبحانه وتعالى مجازيه بفعله وقالوا: ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه وتعالى يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر معاد للكافرين، فيكون ذلك كمن أعان على شتم نفسه وهذه الأقوال والآراء مبنية على جعل العقل حاكماً على الشرع ولا يجوز عندهم رد الشرع بخلافه.
وذهبت الإباضية والأشعرية بخلاف ذلك، إذ أن الشين والقبح في
اكتسابها لا في خلقها، ذلك لأن القبح ما نهى عنه الشرع لا ما قبحه العقل فقط،
(1) ابن الحزم الفصل في الملل والنحل ج 3 ص 22.
(167) (1/167)
صفحة 166
لأن الحسن والقبح عند الإباضية والأشاعرة شرعيان وأما المعتزلة فعندهم أنهما عقليان. وأما المعاصي فقد صدرت من فاعلها فإذا كان الله لم يرد صدورها منه فيكون مغلوباً، حيث كان من المعاصي شيء لم يرد الله وقوعه فيكون مكروهاً مقهوراً مغلوباً، ومن كان كذلك فليس بإله.
يعصي
وقد وقع هذا الجواب من أبي عبيدة مسلم لواصل بن عطاء إذ روي أن واصلاً كان يتمنى لقاء أبي عبيدة وكانا أعميين فقال قائد واصل هذا أبو عبيدة فقال واصل لأبي عبيدة أنت الذي تقول إن الله يعذب على القدر؟ فقال لا، ولكني أقول إن الله يعذب على المقدور، فقال: أأنت الذي تزعم أن الله: باستكراه فانقطع واصل، ثم قيل له سألته فتخلص، وسألك فوقفت، فقال بنيت له بنياناً منذ أربعين سنة فهدمه وهو واقف والفرق بين القدر والمقدور في كلام أبي عبيدة أن القدر فعل الله والمقدور كسب العباد (1) ولم يجوز لنا الشرع أن تمعن الفكر ونستقصيه في القدر لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا)) وفي الحديث الرباني ((القدر سري ولا ينبغي لأحد أن يطلع على سري)) وقوله صلى الله عليه وسلم لكل أمة محوس، وبجوس هذه الأمة القدرية (2). والمراد بالقدرية الذين يقولون إن العبد يخلق فعله، وأن الله لا يعلم به إلا بعد وقوعه، تعالى الله عما
يقولون.
- الولاية والبراءة:
الولاية لغة؛ القرب والدُّنو والقيام للغير بالأمر والنصر، والمولاة ضد المعاداة، واصطلاحاً الترحم والاستغفار للمؤمنين لإسلامهم وطاعتهم والثناء
(1) السالمي نورالدين: مشارق أنوار العقول ص 408.
(2) رواه أبو داود في باب القدر/ 4692 / ورواه الإمام أحمد في مسنده.
(17 A) (1/168)
صفحة 167
عليهم مع الحب في القلب (1)، وولاية المسلمين لبعضهم البعض صحيحة لقول الله – عز وجل - وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء) وهي واجبة على المسلمين ومن أنكرها و لم يوال جملة المسلمين فهو عند الإباضية قد أشرك وقيل من تركها أو جهلها منافق.
والبراء لغة؛ التتره والتباعد وبريء إذا أعذر وأنذر وبراءة إعذار وإنذار، واصطلاحاً هي وجوبها على المؤمنين بأن يظهروا البغض وعدم الرضى للكافر لكفره، والمقصود بالبراءة الزجر عن المعصية وإعانة العاصي على الرجوع إلى الصواب والحق لا الانتقام منه أو تنفيره بالقسوة عليه، فواجب البراءة عند الإباضية على بعض من ثبت ارتكابه للكبيرة، ونبذه، وعدم الاستغفار له، لا الدعاء له بخير في الآخرة، ويقسمونها أنواعاً منها: براءة الأشخاص وبراءة الجملة
وبراءة البيضة، وبراءة الحقيقة:
- براءة الأشخاص وتخص من ثبت ارتكابه للكبيرة بالمشاهدة أو الشهرة المحقة أو الإقرار، وتجب البراءة منه بعد إعذاره واستابته من محرم قطعي الحكم
فإن تاب عاد إلى الولاية.
- براءة الجملة: هي البراءة من جميع الكافرين وأهل المعصية من الأولين والآخرين إنسهم وجنهم إلى يوم الدين. - براءة البيضة وتخص الحاكم الجائر ومن يعينه على جوره من وزراء وكتاب وقواد وبطانته التي من حوله.
- براءة الحقيقة وتنال كل من ورد ذكره باسمه أو بصفته واستوجب غضب
الله والرسول في القرآن الكريم أو السنة كأبي لهب وهامان وفرعون .. إلخ. والبراءة عند الإباضية واجبة من أهل الضلال على الصفة فإما من أحد بعينه فلا تجب البراءة منه إلا بأربع خصال قال أبو اسحق الحضرمي في مختصره:
(1) إطفيش محمد الذهب الخالص ص 32.
(179) (1/169)
صفحة 168
إما بالمشاهدة على صفة الضلال التي تجب بها البراءة، أو بشهادة رجلين من المسلمين من أهل المعرفة في ذلك، أو بالشهرة التي لا يكذب مثلها على تلك الصفة، أو بشهرة البراءة منه فإن شهد رجل من المسلمين عارف بالولاية والبراءة من أهل المعرفة على ولي بصفة توجب البراءة منه أو بريء منه لم يقبل منه ولزم أولياء المشهود عليه البراءة من الشاهد لأن الواحد ليس بحجة في البراءة إلا أن يكون المشهود عليه ممن ليس له ولاية فالشاهد مقبول (1).
وقيد السالمي المتحملين للولاية أو البراءة في إما أن يكونوا علماء بالولاية، أو البراءة، وإما ان يكونوا غير علماء، فإن كانوا علماء بها وجب قبول قولهم، وإن كانوا غير علماء لا يجب قبول قولهم حتى يفصلوا أي يبينوا السبب الذي استوجب به ذلك الولي الولاية، أو السبب الذي استحق به العدو البراءة. ويرى الإباضية أنه يجب الوقوف فيمن لم يعلم فيه موجب الولاية، ولا موجب البراءة، لقوله تعالى وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (2)، وقوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)). والوقوف لغة انتصاب القامة واصطلاحاً هو الكف عن القدوم في أحد بولاية
أو براءة، وينقسم الوقوف عند الإباضية خمسة أقسام هي:
(2)
الأول: وقوف الدين، وسماه البعض وقوف السلامة ومحله في مكلف لم تعلم حاله بصلاح ولا فساد فإنه يجب عليك الوقوف عن ولايته، وعن البراءة منه ديناً.
(1) الحضرمي إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال ص 33.
(2) سورة الإسراء الآية 36.
(3) سورة الأعراف الآية 33.
(170) (1/170)
صفحة 169
الثاني: وقوف الرأي ومحله فيما إذا كان لك ولي أحدث حدثا لا تدري أنت حكمه، فإنه يجوز لك عند البعض أن تقف عنه حتى تعلم حكم حدثه، فترده إلى
الولاية، إن كان حدثه له يخرجه منها.
الثالث: وقوف السؤال، وهو وقوف الرأي بعينه، لكن بعض القائلين بوقوف الرأي أوجبوا على الواقف وقوف الرأي السؤال عن حكم الولي وقوف سؤال، فهو مع من قال به ملازم لوقوف الرأي.
الرابع: وقوف الإشكال، ومحله في الوليين إذا تلاعنا أو تقاتلا، و لم يعلم المبطل منهما من المحق، فان البعض جوّز الوقوف عنهما لما أشكل من أمرهما حتى يعلم المحق منهما، فيتولى والمبطل فيبراً منه، وسموا هذا الوقوف وقوف إشكال، ولا يخفي أنه نوع من وقوف الرأي.
الخامس: وقوف شك، وهو أن يقف الواقف عن ولاية جميع الناس، فلا يتولى أحدا منهم إلا من شك مثل شكه، وهذا الوقوف محرم، ولا يجوز الأخذ به، لما فيه من ترك ولاية المحق بعد وجوبها، ولما فيه من الولاية لمن ترك ولاية المحق بعد
وجوبها (1).
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأمر؛ هو قول القائل لمن دونه في الرتبة افعل، والنهي هو القائل لمن دونه لا تفعل، وإما المعروف فهو كل فعل عرّف فاعله حسنه، أو دل عليه.
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول ص 475.
(171) (1/171)
صفحة 170
وإما المنكر فهو كل ما عرف فاعله قبحه أودلّ عليه، وللأمر بالمعروف شرائط يجب وجودها ويسقط بزوالها، وأن يعلم أن المأمور به معروف، وأن المنهي عنه منكر (1).
والقاريء في سير الإباضية يلحظ بجلاء كيف تأتي الوصايا بإقامة هذه الشعيرة في مقدمة ما يتواصون بها، لارتباطها بأصل الولاية والبراءة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وسائل الدعوة عند الإباضية ويكاد يكون متداخلاً في تكوينهم الروحي، إذ يعتمدون على إرساء التربية العملية والاجتماعية بقراءة القرآن وكثرة الصلاة والمداومة على إقامتها وهذه وسائل مهمة لتزكية النفس والسمو بها، لا هدف لها سوى تبليغ دعوة الله ونشر رسالة الإسلام، للأفراد وتهيئة الفرد وتأهيله لنفسه ليصلح للقيادة والاقتداء، وإذا وضع المسلم المقياس الصالح لنفسه فإن
باستطاعته أن يتولى مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويصبح المجتمع كله صالحاً يرتقي فيه المعروف إلى الأعلى ويذل فيه المنكر، ويغدو كل فرد غير محتاج إلى رقيب أو حسيب لأن له رقيباً وحسيباً من نفسه، وإذا سار كل فرد على الصراط المستقيم استقام المجتمع كله.
وعلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبني الإباضية حكمهم على وجوب الإمامة لأن المسلمين لا تستقيم أمورهم إلا بتعيين سلطان يتولى أمرهم وينفذ حكم الله بالعدل بين الناس، ونجد الاهتمام نفسه عند المعتزلة حيث أجمعت على أن هذا الأصل قائم سواء وجد إمام أو لم يوجد. وأنه على ضربين: أحدهما ما يقوم به إلا الأئمة، والثاني ما يقوم به الناس كافة. أما ما يقوم به إلا الأئمة فذلك: كإقامة الحدود، وحفظ بيضة الإسلام، وسد الثغور، وتنفيذ الجيش، وتولية القضاة والأمراء، وما أشبه ذلك. وأما ما يقوم به غيرهم من عامة الناس
(1) البدوي، عبدالرحمن: مذاهب الإسلاميين ج 1 ص 70.
(172) (1/172)
صفحة 171
فهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح ذات البين، وما أشبه ذلك ولكن
إذا كان هناك إمام مفترض الطاعة فالرجوع إليه أولى.
- الوعد والوعيد
وهما من القضايا المتعلقة بالعدل الإلهي في أفعاله والصدق الإلهي في اختباره وعدله، وهو من اختصاص الله تعالى وحده، وإما علوم الوعد والوعيد فهو أن نعلم أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعده العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة ولا يجوز عليه الخلف والكذب، والوعد كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير أو دفع ضرر عنه، ووعد الله تعالى هو إخباره عباده الصالحين بالخير وتبشيرهم إياه بالثواب في الآخرة في قوله تعالى: إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً
(1)
وأما الوعيد فهو كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير، ووعيده تعالى فهو الإخبار بالشر والعقاب لأعداء الله تعالى من مشركين وكافرين ومنافقين في الآخرة كما في قوله تعالى: الله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نار جهنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة) (). وحيث إن الله صادق في}. وعده ووعيده فإنه منفذ حكمه على المؤمن والكافر كما وعد وأوعد فلا يمكن أن يخلف الله أقواله أو يبدل أحكامه وكلام الله لا تبدل فيه ولا تحويل لقوله تعالى إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (3).
(2)
(1) سورة الكهف الآية 9.
(2) سورة البينة الآية 6. (3) سورة آل عمران الآية 9.
(173) (1/173)
صفحة 172
المنزلة بين المنزلتين:
اختلف الناس في هذه المسألة، إذ لا يمكن للعبد أن يكون مؤمناً كما لا يكون مشركاً في الوقت ذاته، وفي اصطلاح المتكلمين هو العلم بأن لصاحب الكبيرة اسماً بين الاسمين وحكماً بين الحكمين، فذهب الخوارج إلى أن صاحب الكبيرة كافر، وذهب المرجئة إلى انه مؤمن وذهب الحسن البصري إلى أنه ليس بمؤمن ولا كافر وإنما يكون منافقاً. وذهب المعتزلة إلى أن صاحب الكبيرة لا يكون مؤمناً ولا كافراً ولا منافقاً، بل يكون فاسقاً (1). وهذه المنازل الثلاث ((الإيمان والكفر والنفاق ((يستحيل الجمع بينهما وقد فرق الله بينهما في قوله تعالى: لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً)) (2).
(2)
والإباضية يرون أن المنافق ليس مشرك لأنه موحد وليس بمؤمن لأنه عاص، والنفاق متوقف على الفعل لا على الاعتقاد، وأن لا منزلة بين المنزلتين وأن الإيمان والكفر ضدان لا يجتمعان كما لا توجد منزلة بين التوحيد والشرك، فإما أن يكون العبد موحداً وإما أن يكون مشركاً.
كما يجب توضيح مفهوم كلمة الكفر عند الإباضية، إذ ينقسم الكفر عندهم إلى قسمين: كفر شرك الخارج عن الملة)) و كفر نفاق أو كفر معصية، ويطلقون عليه كفر النعمة. فالكفر بمعنى الشرك لا يطلق إلا على من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كوجود الله أو أشرك به غيره، أو أنكر شيئاً من الوحي أو الرسالة أو البعث والحساب أو الجنة والنار وكفر النفاق أو كفر النعمة يطلق
(1) البدوي، عبدالرحمن: مذاهب الإسلاميين ج 1 ص 65. (2) سورة الأحزاب الآية 53.
(174) (1/174)
صفحة 173
على كل من ارتكب كبيرة من الكبائر العملية كالسرقة والزنى والخمر أو ترك
الصلاة وعدم صيام رمضان وغيرها.
وقد استغل بعض من الكتاب المتحاملين على الإباضية قديماً وحديثاً إضلاق الإباضية كلمة الكفر على مرتكبي الكبائر من المسلمين، دون ان يبينوا معنى الكفر المقصود عند الإباضية، ذلك لأن بعض أتباع المذاهب الأخرى تفهم معنى الكفر بأنه الكفر المرادف للشرك وهو - الخروج من الملة ومن ذلك يفهم بأن الإباضية يقولون بأن مرتكب الكبيرة مشرك، وحين يسمعون أن الإباضية يحكمون بكفر عصاة الموحدين، يحسبون أن هذا الحكم إخراج المسلمين من الدين والحكم عليهم بالشرك، بينما ذلك مخالف الحقيقة الإباضية.
و أهم المسائل الخلافية بين الإباضية والمذاهب الأخرى.
إن مشكلة وجود معرفة حقيقية وواقعية لبعض المذاهب الإسلامية عند أتباع المذاهب الأخرى يعود إلى نشأتها التاريخية والعقائدية، فهذه الفرق إما أن تكون ذات عقائد باطنية، وإما أنها اتخذت من العمل السري أسلوباً تنظيمياً منهجياً وعقيدة خاصة لأفرادها، مما جعل أتباعها معزولين عن سائر المسلمين خشية من التشنيع وتهمة التكفير، فاضطروا إلى أخفاء كتبهم ومؤلفاتهم من أعين المنتقدين، وفي سجلات كتب التاريخ كثير من الصراعات بين أتباع المذاهب الإسلامية، (فالتباين بين الناس سمة من سمات البشر المعهودة، فلذلك تجدهم متفاوتين في المدارك مختلفين في المشارب، متعاكسين في الأحاسيس، وإلى ذلك
(170) (1/175)
صفحة 174
يرجع تعدد مذاهبهم في الأمر الواحد وتباين تصوراتهم في القضية الواحدة
(2)
وَلَا يَزَالُونَ مُختلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم) (2).
(1)
ليس هناك خلاف في أن الإباضية فرقة إسلامية لا تحيد أصولها العقيدية
الآراء
عن الشريعة الإسلامية - الكتاب والسنة - لكن الخلاف يقع حول بعض الـ والمسائل الخلافية بين المذاهب التي تأولت كتاب الله تعالى تأولات شتى، وذهبت
الناس في ذلك إلى مواقف متعدّدة لمعرفة الصحيح وغيره، ومعرفة مقاصد السنة الثابتة التي رويت قولاً وعملاً عن الرسول عليه الصلاة السلام. ومن هنا بدأت الخلافات ونشأت التزاعات بين الأمة حول أصول الدين وفروعه، وظهر التعسف لدى مؤرخي الفرق، فتراشقوا بالتهم وتنابزوا بالألقاب وكل فريق رمى الآخر بالتهم القاسية، وتوزعت الأمة شيعاً وأحزاباً، وأصدرت بعضها على مخالفيها حكم الشرك والخروج عن الإسلام، وتعددت الآراء الاجتهادية واختلفت باختلاف وجهات النظر لدى كل فرقة وهو ما يميز بعضها عن بعض، ناهيك عن إعطائهم الألقاب المذهبية التي تميز اختلافاتهم واجتهادا تهم وآرائهم في بعض
المسائل.
ولكن هناك تصوراً غير واضح لبعض جوانب هذا التراث الفكري الحضاري الإسلامي، نجم عن ظروف تاريخية ورؤى غير موضوعية لبعض كتاب هذا النتاج الفكري أو ذاك، ثم جاء اللاحقون فرددوا تلك المقالات، وغدت من وجهة نظرهم حقائق يقينية تعلو على كل نقد وتصحيح، وكأنها جاءت منزلة من
لدن الحكيم العليم.
(1) الخليلي، احمد بن حمد الحق الدامع صه.
(2) سورة هود الآية 118 - 119.
(177) (1/176)
صفحة 175
تلك
هي النظرة رة السائدة إلى تراث المدرسة الإباضية وأبنائها، منذ فجر الإسلام إلى اليوم، وهي وليدة أسباب متعددة، بعضها مفروض، وبعضها من إسهام أبناء هذا المذهب؛ وكردّ فعل تجاه الوضع الذي فرضته عليهم ظروف التاريخ، ضنوا بمكنون خزائنهم وتركوا الناس يظنون فيهم الظنون. وتآزرت هذه العوامل لتشكيل صورة ضبابية وقائمة أحياناً عن هذه المدرسة واتباعها لدى كثير من المسلمين فوسموهم بالمروق عن صف الجماعة، وبالابتعاد عن هدى الكتاب والسنة. كما ألصقت بهم تهم كافية - عند تحقيقها - لإخراجهم من زمرة
القبلة
(1)
عبر
عصور
التاريخ الإسلامي تشهد الأمة هدوءاً في حدة الجدل حول
المسائل الخلافية بين المذاهب، وغالباً ما يكون هذا الهدوء في حال ظهور الصبغة الدينية التي تذهب بالتنافس والتحاسد عن أهل العصبية، وتقوى الأمة وتنصرف نحو رعاية شؤونها والاستقرار والبناء والعطاء والسعي نحو الدعوة في نشر الدين. إلا أن أعداء الأمة يخشون أكثر ما يخشون قوة الإسلام و دوره وتأثيره على الأمم
الأخرى، وتنامي نفوذه الروحي على حساب معتقداتهم وآرائهم الباطلة، فأول ما يلتفتون إلى الخلافات المذهبية بين المسلمين فيحركونها ويغذون ظهور النعرات الطائفية، مستهدفين الإسلام من الداخل فيشجعون ظهور الجدل على سطح الفكر الإسلامي، ويزيدون من حدته حول الآراء والمسائل الخلافية، بغية إظهار الفتن وصب عليها وقود العصبيات وإصدار أحكام التبديع والتكفير، حتى يتسنى لهم تشرذم الأمة واندفاعها في متاهات الخلافات والشقاق والافتراق، ومن المؤسف ان تنال الإباضية نصيباً كبيراً من تلك الأحكام الصادرة التي تذرع
أصحابها حول الخلاف على ثلاث قضايا هي:
1 نفي رؤية الله تعالى.
(1) باجو، مصطفى صالح: منهج الاجتهاد عند الإباضية ص؟.
(177) (1/177)
صفحة 176
2 - مسألة خلود الفساق في النار.
3 - القول بخلق القرآن.
هذه القضايا الثلاث ليست من المسائل الخلافية بين الإباضية وحدهم مع غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى، فمسألة جواز رؤية الله تعالى وهي الإبصار بالعين المجردة عند الإباضية كما عند المعتزلة مستحيلة على الإنسان في الآخرة فضلاً عن الدنيا، وحجتهم بأن حقيقة الله لا تعلم وإنما تعلم صفاته فقط، وذلك لأنه لابد للشيء المعلوم أن يتصور في ذهن العالم به وحقيقة الله تعالى لا
تتصور
(1)
•
الحدقة (2)
اعتمد الإباضية في نفي الرؤية على النظريات القديمة التي تقول بأن الإبصار يتمثل في اتصال شعاع الباصرة بالمرئي أو انطباع صورة المرئي في، وهذه النظرية تعزز موقف الإباضية في نفي الرؤية وعدم جوازها عقلا لأنها تفرض المواجهة بين الرائي والمرئي والإحاطة به وقد شدد المذهب الإباضي في دعوته على نفي الرؤية، واتخذوا منها قضية لأصل مذهبهم، واعتقدوا أن الرؤية تقدم التوحيد وأنكروها لتنزيه الله - عز وجل- عن مشابهة الخلق، أما عند الأشاعرة فالرؤية جائزة، لكن ليس بالإبصار الذي يعرفه الإنسان في الدنيا لأن حكم تلك الدار ليس كهذه، وأجمعت المعتزلة على أن الله لا يرى بالأبصار ولكنهم تأولوا الرؤية بأنها بالقلوب، ويقصدون معرفة الله بالقلب، وهذا تأويل
تقبلته الإباضية.
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول ص 186.
(2) المصدر نفسه ص 246.
(178) (1/178)
صفحة 177
ومسألة خلود الفساق في النار متعلقة بالعدل الإلهي وهذا متعلق بالوعد والوعيد. وإن هذا عدل الله - عز وجل- وما وعد الله به من الثواب، أو توعد به من العقاب: فقوله الحق ووعده الصدق، ويعتقد الإباضية أن كل من دخل النار من عصاة الموحدين والمشركين مخلدون فيها إلى غير أمد، كما أن من دخل الجنة من عباد الله الأبرار لا يخرجون منها، إذ الداران دار خلود. و يوافقهم في هذا الرأي المعتزلة، بينما يرى الأشاعرة إلى خلود الدارين، وعدم انقطاع ثواب الأبرار، وعذاب غير الموحدين من الفجار، أما الموحدون، فقالوا إنهم يعذبون إلى أمد ثم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيتنعمون فيها مع الأبرار (1). ومسألة القول هل القرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ وهل هو حادث أو قديم؟ مسألة شغلت بال الأمة الإسلامية وإن كنا لا نجد لها إشارة لا عند الصحابة ولا عند التابعين، ويبدو أن المتكلمين المسلمين خاضوا فيها تأثراً بالحضارة اليونانية والمسيحية واليهودية التي خاضت في مثل هذه القضايا، وقد أحدثت هذه المسألة شقاقاً واختلافاً كبيراً في الأمة، وأول من تعرض لهذه القضية من الإباضية هو ابن يزيد الفزاري، ولكن دون أن يكون لها أثر يذكر في المحيط الإباضي، واختلفت الإباضية حول هذه المسألة، فإباضية المغرب لم تتردد في أن تدين بذلك القول.
وأما إباضية المشرق فقد حاول إمامهم محمد بن محبوب أن يعلن ما أعلنه أئمة وأعلام الجناح المغاربي غير أن محمد بن هاشم اشتدت معارضته له في ذلك
(1) الخليلي، أحمد بن محمد: الحق الدامع ص 191.
(179) (1/179)
صفحة 178
فانثنى عنه واتفقت كلمتهم بالاكتفاء بما كان عليه سلف الأمة، وقصر القول عن التصريح بخلق القرآن أو عدمه، ولكنهم عادوا ووافقوا المعتزلة بخلق القرآن (1).
هـ - الأصول السياسية للإباضية:
ألقى الإسلام على المؤمنين واجباً ضخماً في نشر الدعوة الإسلامية في أطراف الجزيرة العربية وبعيداً عن أطرافها. ومن أجل ذلك لم تكن الحياة الإسلامية في هذه الفترة تمثل حياة مستقرة هادئة ضمن حدودها الضيقة، وإنما كانت تدعو إلى الانسياح في الأرض، ونشر الدعوة في أطرافها، ومحاربة الذين يخالفونها حتى ينقادوا أو يسلموا. ومن هذا الطابع الخاص للحياة الإسلامية، طابع التمدد والانتشار، وجد العرب أنفسهم متدفقين وراء حدود الجزيرة، منتدبين لهذه الكتائب التي كانت تغادر المدينة والجزيرة العربية في طريقها إلى الشام، أو في طريقها إلى العراق.
ازدهرت الفتوحات خلال حكم الخلفاء الثلاثة، حتى إذا كان أواخر حكم عثمان وأيام علي (رضي الله عنهما) كانت الفتن التي شغلتهم بأقسى مما شغلتهم به الفتوح يقول ابن خلدون ((وإذا نظرت بعين الإنصاف عذرت الناس أجمعين في شأن الاختلاف في عثمان، واختلاف الصحابة من بعد، وعلمت أنها كانت فتنة ابتلى الله بها الأمة، بينما المسلمون قد أذهب الله عدوهم وملكهم أرضهم وديارهم، ونزلوا الأمصار على حدودهم بالبصرة والكوفة والشام ومصر. وكان أكثر العرب الذين نزلوا هذه الأمصار حفاة لم يستكثروا من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا هذبتهم سيرته وآدابه ولا ارتاضوا بخلقه،
(1) أنظر السالمي، مشارق أنوار العقول، و الورجلاني، يوسف بن إبراهيم: الدليل والبرهان، و الخليلي
احمد
بن محمد الحق الدامغ.
(180) (1/180)
صفحة 179
مع ما كان فيهم في الجاهلية من الجفاء والعصبية والتفاخر والبعد عن سكينة
الإيمان)) (1)
في ظل هذه الأجواء المضطربة والملتهبة ووسط حراك اجتماعي لم يشهد العرب في تاريخهم له نظيراً، كانت تحركات القبائل العربية وهجر تها وانسياحها في هذه الأراضي والمواطن الجديدة ومحاولة الاستقرار فيها، وكانت في الواقع نقلة مهمة من بيئة صحراوية إلى بيئة جديدة فلا بد من أن يحاولوا إيجاد عوامل الاستقرار الحضاري فيها، إلا ان حالات الاستنفار الدائمة للجهاد، والصراعات الجانبية بين السلطة والفرق الخارجة عنها، وضعت في طريقهم عقبات ومصاعب تركتهم يصطرعون مع هذه المصاعب في قسوة بحيث كان يعني الفشل فيها فشلاً لفكرتهم من جانب وتمديداً لوجودهم من جانب آخر، ومن ثم الارتداد بكم عن هذه الآفاق الواسعة التي جاءوها إلى تلك الآفاق الضيقة التي خرجوا منها، وفي خضم تلك الصراعات تبلورت أفكارهم العقدية والسياسية وحاولت أن تجمع حولها كل مطامحهم في النجاح ومطامعهم في الفوز، ولذلك أصبح الإسلام لهم عقيدة في الفكر ومذهبا في الحياة.
إن حركة الاستنفار للخروج للجهاد من نحو آخر، هي دعوات حارة للعرب إلى الهجرة والخروج من البيئة العربية إلى بيئات أخرى، وترادفت معاً على الخروج ليس بمفهوم عقدي فقط، بل تعدى أصول تفكيرهم الديني، من خروج عن عهود الوثنية الجاهلية إلى عهود الوحدانية بالله تعالى، والخروج من حكم شيخ القبيلة المحدود، إلى حكم الخليفة وإمام المسلمين الشامل والعام، و تأولوا جاهدين خروجهم. فنشأت مذاهبهم وآراؤهم السياسية حتى غدا الخروج صفة لا زمتهم، خروجهم للجهاد وخروج بعضهم عن (التحكيم) وخروجهم عن
(1) ابن خلدون: المقدمة ص 380.
(181) (1/181)
صفحة 180
طاعة الحاكم الجائر، بل خروجهم من ذاتهم العربية (العصبية والقبلية) إلى
خروجهم ثانية نحو ذاتهم العربية (العصبية والقبلية).
قبل وقعة صفين عاش المجتمع الإسلامي حالة وئام مدة وجيزة، في ظل وحدة إسلامية استطاعت ان تذيب النعرات القبلية والعصبية الجاهلية، إلا أن هذه الوحدة لم يدم حالها بسبب الفتن التي حدثت في منتصف القرن الهجري الأول، ومن هذه الفتن وقعة صفين (37) (هـ) وما تلاها من تداعيات خطيرة كانت نقطة تحول في تاريخ الأمة الإسلامية، وكان من تداعيات وقعة صفين خروج سياسي عن التحكيم، وظهور طائفتين في صفوف الإمام علي بن أبي طالب (رضي) طائفة وقفت تناصره وتقاتل بجانبه وتبارك خطواته منها الشيعة، وطائفة أخرى
كانت معه ثم نقمت عليه بقبوله التحكيم وخرجت عنه ومنها (المحكمة).
كان أساس الخلاف سياسياً، ثم أنحنى ليشمل العقيدة وظهر التحزب السياسي وانقسم المسلمون إلى شيع ومذاهب، فبالغت الشيعة في تقديس الإمام علي (کرم الله وجهه إلى درجة التأليه، واعتقدوا أنه معصوم من الخطأ لأنه وصي رسول الله ففضلوه على غيره من الصحابة وقالوا بأن الإمامة منصوص عليها من قبل الرسول صلى الله عليه وآله للأئمة المعصومين من ذريته وأوجبوها على نسل
علي (رضي). بينما رفضت طوائف من المسلمين ومنهم الخوارج هذا الاعتقاد على أنه ليس من الإسلام في شيء، ومع اعترافهم بمكانة وفضل علي على الإسلام، إلا أن الإمامة والقيادة مع كونها واجبة فهي ليست من اختصاص آل البيت دون غيرهم، بل هي حق مشاع بين المسلمين ويمكن أن تتحقق في كل فرد مسلم ومؤمن وعاقل بغض النظر عن نسبه وقبيلته، إذ لا فرق بين عربي وأعجمي إلا
بالتقوى.
(182) (1/182)
صفحة 181
والباحث في المذهب الإباضي يضع عدة تساؤلات في تصنيفه للمذهب الإباضي، هل يصنف على أنه فرقة عقدية أو حركة سياسية أو أنه حركة فكرية
إسلامية أو مدرسة أصولية فقهية؟
في الواقع إن الإباضية ليست فرقة بالمعنى الضيق للكلمة، بل هي مدرسة فكرية تستند إلى مصادر التشريع الإسلامي المعروفة عند المسلمين كافة، ورغم اعتدالهم من الناحية المذهبية والفقهية إلا أنهم كانوا نتاجاً سياسياً طبيعياً لتداعيات أحداث القرن الهجري الأوّل الذي شهد صراعات سياسية عاصفة حول مسألة الخلافة في الإسلام، على إثرها ظهرت الفرق الإسلامية كانتعاش سياسي وفكري في ظل تلك الاختلافات المتباينة، التي كانت تؤكد وجوب وجود القيادة والنظام السياسي، إلا أن التوافق في هذا المعنى لا يعني الإجماع على نظرية واحدة في الدولة الإسلامية، فغياب النظرية لشكل النظام السياسي واضح من اختلاف المذاهب الإسلامية في تعريف مفهوم الإمامة والخلافة، وقد بين ابن خلدون حقيقة هذا المنصب في ((أنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، وسياسة الدنيا به، وتسمى خلافة، وإمامة والقائم به خليفة وإماماً. فأما تسميته إماماً فتشبية بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال الإمامة الكبرى. وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول
الله))
ولهذا حين أطلق الإباضية لفظ الإمام دون غيره من الألقاب، فإنهم يقصدون من الإمامة مفهوم الاقتداء كاقتداء المأموم بالصلاة فضلاً عما ورد في
(1) ابن خلدون: المقدمة ص 339.
(183) (1/183)
صفحة 182
ذلك من نصوص كقوله تعالى وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) (1)، وقوله تعالى
إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً
(2)
فمفهوم الإمامة والخلافة والرئاسة عند الإباضية هو ((رئاسة عامة الناس
في أمور الدين والدنيا لشخص هي خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة)) (3).
وإقامة الإمامة عند الإباضية أمر واجب وحق ملزم على المسلمين وهي فريضة لفرض الله الأمر والنهي، والقيام بالعدل وإقامة الحدود على ما بينه في كتابه إذ لا يتم الأمر والنهي إلا بإمام عدل فنصبه واجب، والإمام أو الحاكم في الفكر السياسي الإباضي شأنه شأن أي مسلم يجب عليه الالتزام المطلق بأحكام الإسلام في كل أقواله وأفعاله وأن يكون أحرص الناس على اتباع أوامر الله تعالى لا يحيد عنها مطلقاً، ومهمته الأساسية هي إقامة الدين وتطبيق أحكام الله والمحافظة على وحدة الأمة والدفاع عنها ورعاية شؤونها ويفرض على الرعية كافة اتباعه وطاعته ما لم يأمر بمعصية الخالق، وإذا استقام الإمام على أمر الله تعالى وقام بكل ما ألزمه الشرع فإن له حق السمع والطاعة والمولاة، ولا يجوز مخالفة أمره وعصيانه.
مع التأكيد على وجوب الإمامة عند الإباضية واقتناعهم بضرورة تعين الإمام، إلا أنهم لا يرونها واجبة في ظروف خاصة، بمعنى أنهم جعلوا وجوب الإمامة مشروطاً بتوافر العوامل التي تساعد على إقامتها، ووضعوا جملة شروط
(1) سورة الفرقان الآية 74.
(2) سورة البقرة الآية 124.
(3) أطفيش، محمد شرح عقيدة التوحيد ص 437
(14) (1/184)
صفحة 183
ينبغي مراعتها في اختيار الإمام وإعلان الدولة، وكما يرى أبو اسحق الحضرمي رت 475 هـ) بأن الذي يوجب الإمامة ثلاثة خصال:
أولها: قوة أهل الدعوة، وذلك أن يغلب على ظنهم أنهم يغلبون أهل الباطل. والثاني: أن يكون أهل الدعوة أربعين رجلاً أحراراً بالغين عاقلين أصحاء ليس
منهم أعمى.
والثالث: أن يكون فيهم سنة رجال فصاعداً أهل علم بأصول الدين والفقه ذوو ورع وصلاح في الدين. فإذا اجتمع في أهل الدعوة هذا الوصف وجب عليهم أن يعقدوا الإمامة لأفضلهم في الدين والورع (1)
والإباضية تميل للرأي الذي لا يجيز تعدد الائمة في بلد واحد أو صقع واحد ضيق، وأما إذا اتسع نطاق أقطار الإسلام وكان البحر فاصلاً بين قطرين فإن ذلك يجوز ((ولا يجوز أن يكون إمامان للمسلمين في الدنيا إلا في خصلة واحدة، وهو أن يكون بينهما بحر)) (
- (T)
ونظراً للتفكير السياسي للإباضية الذي منشوه العقيدة الإسلامية فإن الإمامة تقوم على تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانطلاقا من مبدأ الأفضلية للأتقى والأصلح دون اعتبار للعرق والنسب، فإن الاتجاه السياسي للعمل بتعاليم الإسلام في مجال إقامة نظام الدولة الإسلامية يقوم على مبدأ الحرية الإنسانية والمساواة، وضمان حقوق الفرد ضمن حدود الشريعة الإسلامية، ومن أهم حريات المواطن حرية اختيار من يتولى رعاية شئونه، ومن هذا المنطلق كان رأي الإباضية في اختيار الإمامة اختياراً اتجاهه ديمقراطي إسلامي، وأهم مزاياه
(1) الحضرمي إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال ص 194.
(2) المصدر نفسه ص 194.
(110) (1/185)
صفحة 184
المحافظة على مبدأ الشورى وهو النهج الديمقراطي الذي ينادي به مفكرو العصر
الحديث في دعاواهم نحو إقامة أنظمة الحكم.
ولكن ما هي شروط تعيين الإمامة عند المسلمين؟ هذه مسألة شغلت الفكر السياسي الإسلامي، لحظة أن اجتمع المسلمون في سقيفة بـ ساعدة بني (سنة 11 هجرية) بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال الأنصار للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير ولعلها أول مشكلة سياسية اختلف المسلمون حولها وجعلتهم يتحزبون أحزاباً، وينقسمون فرقاً، وسبب هذا الاختلاف يعود في الأصل إلى الاختلاف في تحديد شروط الإمامة المطلوب توافرها في المرشح لمنصب الإمام أو الخليفة أو أمير المؤمنين. ولعلماء الإباضية آراء حول الشروط المطلوبة في الإمامة تعدّدت بين الكثرة والصرامة عند البعض، واتصفت بالبساطة والسهولة عند آخرين. وفيما يأتي الشروط التي لخصها أبو اسحق إبراهيم بن قيس الحضرمي (1) إذ لا تتم الإمامة لأحد إلا بوجودها، وهي إحدى عشرة خصلة:
أولاً: أن يكون رجلاً بالغاً حراً عاقلاً.
ثانيا: أن يكون ليس بأعمى ولا أصم.
ثالثاً: أن يكون ليس بأخرس.
رابعاً: أن يكون فصيحاً بالعربية.
خامساً: أن يكون صحيحاً ليس بزمن ولا مقطوع اليدين ولا الرجلين.
سادساً: أن يكون من أهل العلم والورع في الدين. سابعاً: أن يعقد له من أهل الولاية سنة رجال أحرار بالغون عاقلون من أفضل
المسلمين في العلم والورع في الدين ليس فيهم أعمى فصاعداً.
(1) المصدر نفسه.
(147) (1/186)
صفحة 185
ثامناً: أن يكون من أهل دعوة المسلمين عليهم عقد الإمامة لا يكون في ذلك
شرط.
تاسعاً: أن لا يعقدوا لأحد قبله من المسلمين وألا يكون بينه وبينه بحر، فإن لم يكن بينهم بحر كان داعية الذي قبله وليس بإمام. عاشراً: أن لا يعقد له ولغيره في وقت واحد ولا يدري أيهما من قبل وليس
بينهما بحر فليس لواحد منهما إمامة، ويرجع الأمر شورى بين المسلمين.
الحادي عشر: أن يكون ممن لم يقم عليه حد من قطع ولا جلد.
قد
والشرط الرابع يلزم الإمام إلمامه باللغة العربية – فصيحاً بالعربية – وهو شرط. وضعه ابو اسحق إبراهيم بن قيس الحضرمي في كتابه (مختصر الخصال)، إلا أن الباحث عدون جهلان ذهب في بحثه أن هذا الشرط أضافه محمد بن يوسف أطفيش (ت 1332 هـ) ((ولم ينته إليه سواه ولعله لاحظ أن اللسان البربري يغلب على أهل زمانه وأدرك أن العلم لا ينال بالبربرية بالقدر الذي ينال بالعربية لغة القرآن والعلوم العقلية والنقلية)) (1)
يتفق الإباضية مع الخوارج على أن منصب الإمامة ليس من حق فرد معين دون غيره، ولا حكراً على أسرة دون أسرة، أو جنسية دون آخر. إنما الخلافة حق مشاع بين جميع من تتوافر فيه الكفاءة المرجوة من المسلمين عامة لا العرب فحسب كما كان الحال قبل اتساع رقعة الإسلام، ولذلك كان الخوارج في صدر الإسلام يعارضون حصر | الخلافة في سلالة معينة، ويعدونها حقاً لكل عربي، ولما انتشر الإسلام ودخلت فيه جماعات من غير العرب عدلوا من قولهم فنادوا بأن الإمامة حق لكل مسلم تتوافر فيه شروطها (2).
(1) جهلان، عدون الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد أطفيش ص 102.
(2) حسن، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي ج 2 ص 3.
(187) (1/187)
صفحة 186
ولم يشترط الإباضية القرشية في الإمامة كما جاء في الحديث الشريف
((الأئمة من قريش)) والذي حملوه من باب الترجيح بوصف ما كانت عليه قريش في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من مكانة وسيادة بين قبائل العرب، ومن هذه الاعتبارات فإن الضابط لدى الإباضية في نسب الإمام هو مصلحة الأمة وتوافر الشروط المطلوبة في الإمام بغض النظر عن النسب والعرق واللون، ولم يتوان الإباضية من تعيين عبدالرحمن بن رستم الفارسي إماماً لهم في المغرب وهو المضطرب في النسب.
الفارسي
وأما مسألة جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل فالإباضية تتفق مع الأشاعرة في جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ولا ترى في ذلك مذمة طالما الهدف هو تحقيق المصلحة العامة في أن يتولى رجل منصب الإمامة مع وجود من هو أعلم منه.
الإمام في نظر الإباضية شخص كسائر المسلمين لا يختلف عنهم في شيء سوى أنه حمل أمانة المسؤولية وشرف التكليف بالقيام بمهام رعاية شؤون المسلمين وإدارة الدولة، وهذا المنصب لم يؤل إليه إلا على شروط عاهد الله على السير وفقها يوم تعيينه، فإن استقام على أمر الله تعالى وقام بكل ما ألزمه الشرع به، فإن له حق السمع والطاعة والموالاة، ولا يجوز لأحد ممن تشملهم دولته أن يخالف أمره أو أن يشق عصا الطاعة عليه إما إذا ثبت أنه حاد عن طريق الحق ولم يطبق الأحكام الشرعية، وحكم بالهوى وعطّل الحدود، واعتدى على الحرمات، وأخذ بالذنب من لا ذنب له، وفسق عن أمر ربه، فإن على الأمة رده إلى جادة الصواب وتقديم النصيحة له، فإن لم تجد النصيحة معه: نفعاً وأبي
واستكبر فإن إمامته تبطل وتصبح طاعته غير واجبة ووجب عزله.
(188) (1/188)
صفحة 187
لخص أبو إسحق الحضرمي في مختصره من ثبتت إمامته فلم تبطل إلا في ثماني
خصال (1):
:
اولهما: أن يذهب بصره -
كله.
الثاني: أن يذهب سمعه كله.
الثالث: أن يخرص.
الرابع: أن يتغير عقله.
الخامس: أن يعمل كبيرة يوجب عليها حداً فيخلع ويقام إمام غيره فيقيم عليه
الحد
السادس: أن يعمل ذنباً لا يجب عليه فيه حد فيستاب فإن تاب وإلا انخلعت
إمامته.
السابع: أن ينتقل من مذهب إلى مذهب أهل الخلاف.
الثامن: أن يخلع نفسه من الإمامة.
أما موانع الإمامة التي لا يمكن لأي كان أن يتبوأها هي:
أولاً: مبدأ التعيين والوراثة فمنصب الإمام ليس وراثياً، بل هو زمني ولا يتم إلا باستشارة أهل الحل والعقد.
ثانياً: إمامة العبد، ويرفض انتخابه لمنصب الإمام انطلاقاً من مبدأ بسيط ينص على أن من لا يملك حريته لا يملك أن يحكم الآخرين، وإذا اجتمعت شروط
(1) الحضرمي إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال ص 194.
(189) (1/189)
صفحة 188
الإمامة في رجل أسود ولكنه حر، فإنهم لا يعترضون على بيعته بسبب لونه أو
جنسه.
ثالثاً: إم ا إمامة الصبي لا تجوز على كل حال لأن إمامته لا تجوز في الصلاة وهي الإمامة الصغرى فكيف يصلح للإمامة الكبرى، وكيف يكون إماماً يتولى الأحكام من لا يملك أمره والصبي ليس عليه حساب ولا عقاب، ومن ليس عليه حساب وعقاب عند ربه كيف يحاسب الناس ويعاقبهم.
رابعاً: إمامة ولد الزنا. خامساً: إمامة المرأة لا تجوز مهما أوتيت من كفاءة وتأهل، وإن اختلفوا في
كون جوازها قاضية.
وفي كل الأحوال فإن أصول الفكر السياسي عند الإباضية نشأ مبكراً وارتكز على ثلاثة مبادئ محورية و أساسية حددها أبو حمزة المختار بن عوف السليمي قتل سنة 130 هـ) في خطبته التي ألقاها على منبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام حين قال لأهل المدينة (الناس منا ونحن منهم، إلا ثلاثة مشركاً عابد وثن، أو كافراً أهل الكتاب، أو إماماً جائراً .. ) (1).
ولم يكن مبدأ الإمامة بالنسبة للإباضية حبراً على ورق، أو دعوة من فوق المنابر، وإنما تجسيد جاء على أرض الواقع في حق الأمة بعزل الإمام الجائر والفاسد أو العاجز عن تحمل مسؤولياته، والإباضية مثلها مثل غيرها من الفرق الإسلامية تولي أهمية كبيرة لمسألة الإمامة وشروط تعيينها ومهامها وعزلها وكانت هذه المسألة على درجة كبيرة من التنوع والتعقيد، وتأتي ضمن مقاييس أخلاقية
(1) ابن كثير: البداية والنهاية ج 1 ص 36.
(190) (1/190)
صفحة 189
مرتبطة بتعاليم الدين الروحية وهي تقوم على نظرية سياسية مبدؤها الديمقراطية الإسلامية (الشورى) كمنهج عام للاتجاه السياسي، وقد طبقوا هذه الديمقراطية على أنفسهم فكانوا يختارون لخلافتهم أتقاهم وأشجعهم وأكفأهم، وإذا أحسوا أنهم أساؤوا الاختيار سحبوا الثقة من الخليفة وعزلوه واختاروا آخر بديلاً عنه.
كانت مسألة الإمامة والخلافة القضية المحورية ضمن مفهوم الخروج السياسي للإباضية، ولكنها لم تكن هدفاً يسعون إلى تحقيقه، أو غاية ومطلباً يتذرعون الذرائع ويختلقون السبل للوصول إليها، وإنما هي من أجل برنامج يهدف في سياسته الداخلية إلى الإصلاح الديني والاجتماعي عمالاً بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجسيداً لأصول العقيدة الإسلامية، وإلى مبدأ المساواة في توزيع الثروة، وكما تهدف من سياستها الخارجية إلى حماية العقيدة والأمة من كل اعتداء ونقل دعوة الإسلام بالتي هي أحسن إلى الأمم الأخرى، وهذا لا يتم إلا وفق منهج تنظيمي يقوم أساساً على مفهوم العمل
الجماعي (الجماعية)، أي أن للجماعة الوزن الحقيقي في شؤون المجتمع. أو حرباً، غلبة وظهوراً سرية أو كتماناً، ويأتي ضمن فهم عميق للشريعة الإسلامية الحاضة على الشورى القائمة على التعاون والتضامن، لكل ما من شأنه تقوية المجتمع الإسلامي الذي ينبذ السلوك الأناني وحب الذات. ويؤصل روح الأخوة الجماعية في الإسلام.
تلك هي المبادئ والأفكار الأساسية التي تطبع النظام السياسي الإباضي، بالفرادة والتميز، أسهمت في مد الفكر الإسلامي بروافد فكرية غنية ومهمة، نحو مواجهة تحديات النظم السياسية الحديثة، وهذه الأصول السياسية تأتي من اتجاه
(191) (1/191)
صفحة 190
فكري إسلامي خالص لم يتأثر بالاتجاهات الفكرية والفلسفية المختلفة عدا الاتجاه الإسلامي، وأن ((الإباضية لم يستمدوا عقيدتهم من فلسفة اليونان وغيرها من أساطير الأولين كما يحلوا زعم ذلك للذين يهرفون بما لا يعرفون وإنما استمدوه من أصفى ينابيع الحق، وأنوار أشعة الحقيقة)) (1)
(1) الخليلي، أحمد: الحق الدامع ص 21.
(192) (1/192)
صفحة 191
الفصل الثالث
أ - الإباضية بحضرموت:
بعد الإسلام تحول مركز الثقل العربي إلى دمشق وبغداد، وعدت حضرموت في وعي الإنسان العربي من الأماكن النائية البعيدة المفتونة والمفعمة بالعجائب والغرائب، تفصلها عن قلب الجزيرة العربية وشمالها مفازات وصحارى موحشة ومقفرة، وقد ذهب الشاعر الشمودل بن شريك التميمي إلى أبعد من ذلك حين عدها أحد أطراف المعمورة كلها توازي في نأيها الصين حين أنشد
وقال:
حيث يقال للرياح أسفينا
هوج يصبحن فلا ينبينا
وكل وجه للسرى يسرينا بلغن أقصى الرمل من يبرينا
و حضر موت وبلغن الصينا
وحين ظهرت حركات الخوارج في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، كحركات سياسية وعقدية رأى زعماؤها في المناطق النائية والبعيدة عن مركز الخلافة مناطق مؤهلة لنشاطها وتحركاتها، وذلك خوفاً من ملاحقة وبطش الولاة والأمراء بها.
تأتي حضرموت ضمن الأماكن التي كانت ملجأ حصيناً لتلك الفرق والحركات المنادية بالخروج عن حكم بني أمية. وقد كانت صلات الخوارج بحضرموت منذ وقت مبكر لظهور هذه الحركات بكل فرقها وتياراتها السياسية والعقدية، وكان أول اتصال للخوارج بحضرموت عبر الفرقة النجدية، وهم أتباع
(193) (1/193)
صفحة 192
نجدة بن عامر الحنفي (قتل سنة 68 هـ، وقيل إن نجدة بن عامر ونافع بن الأزرق وعبدالله بن إباض قد اجتمعا بمكة مع الخوارج على نصرة ابن الزبير ثم
تفرقا عنه، واختلف نافع مع نجدة فصار نافع إلى البصرة، ونجدة إلى اليمامة وكان سبب اختلافهما أن نافعاً قال: التقية لا تحل، والقعود عن القتال كفر (1). وذكر ابن خلدون أن النجدية بعثوا إلى حضرموت في عام 66 من الهجرة وولوا أبا فديك لقبض الصدقة (2).
استطاع أبو فديك عبدالله بن ثور بن قيس بن ثعلبة وأتباع بجدة بن عامر أن ينشطوا بين الحضارمة لتهيئة وإشاعة الفكر السياسي للخوارج في حضرموت ومنذ سنة 68 هـ، ظلت نواة أفكار هذه الفرقة مغروسة في المجتمع الحضرمي وتلقى التأييد الواسع بين كل فئات المجتمع، التي كانت تنتظر بتلهف الخلاص من جور وتعسف ولاة الأمويين وظلمهم الذي لحق بالجميع، وبدأ فكر الخوارج السياسي يتبلور عبر خروج الخوارج عن أنفسهم، وانقسامهم إلى فرق وجماعات منها المتطرفة، ومنها المعتدلة، وقد غربلت الجماعة المعتدلة ((القعدة) ومنها الإباضية مفاهيمها السياسية والعقدية واختطت لنفسها طريقاً ومنهجاً أقرب إلى أهل الجماعة والسنة، وقد عهدت حضرموت الاتصال بالخوارج عبر التواصل المباشر مع ممثلين ومندوبين لزعماء هذه الحركات أو في أثناء المواسم الدينية في مكة بوساطة الحجاج الحضارمة الذين يجتمعون بهم ويستمعون إلى دعوتهم وآرائهم وأطروحاتهم السياسية والفكرية التي تناهض حكم الأمويين وتدعو إلى الثورة والتمرد عليهم.
(1) الشهرستاني: الملل والنحل ص 99. (2) ابن خلدون تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 147.
(194) (1/194)
صفحة 193
كان من بين هؤلاء الذين يفدون إلى مكة كل عام للحج ودعوة الناس إلى خلاف مروان بن محمد وآل مروان أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي السليمي البصري الإباضي الذي لم يزل يختلف كل سنة إلى مكة حتى وافى عبدالله بن يحيى الكندي في آخر سنة ثمان وعشرين ومائة (1). اجتمعت في شخصية أبي حمزة المختار مواصفات القائد الشجاع والخطيب الأديب، واستطاع من خلال أسلوبه للدعوة بوصفه أحد حملة العلم أن يؤثر بحسن كلامه تأثيراً قوياً ومباشراً على عبد الله بن يحيى الكندي، الذي كان مهيا أن يتلقى مثل هذه الدعوة من أبي حمزة المختار، وكانت استجابة عبدالله بن يحيى للمذهب الإباضي هي استجابة حضرموت وتطلعاتها إلى المبادئ الديمقراطية وإلى دعوة مبدأ انتخاب الإمام العادل الذي يقره المذهب الإباضي والمنسجم مع تقاليد ورغبة القبائل المحلية التي تتطلع لهذا النوع من أنواع السلطة ونظام الحكم والتطلع إلى الخلاص من جور ولاة بني أمية وتعسفهم.
قبل أن يلتقي عبدالله بن يحيى الكندي بأبي حمزة فإن المصادر تكاد تجمع بأنه كان عالماً بالفقه، وبعد لقائه بأبي حمزة قال له: ((يارجل إني اسمع كلاماً حسناً، أراك تدعو إلى حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومي، فخرج حتى ورد حضرموت فبايعه أبو حمزة على الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان)) (2).
شكك عوض خليفات (3) في راوية الطبري وغيره من أن الإباضية قد
بن
انتشرت في حضرموت بعد ضمّ أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي لعبد الله: يجى الكندي في أثناء موسم الحج سنة 128 هـ وأنهما قدما إلى حضرموت معاً،
(1) الطبري: تاريخ الطبري ج 4 ص 302.
(2) المصدر نفسه.
(3) خليفات عوض نشأة الحركة الإباضية ص 118.
(190) (1/195)
صفحة 194
وإعلان مبايعة عبد الله بن يحيى الكندي إماماً على المسلمين، وعده خبراً يتناقض مع ما عرف عن العقائد والشرائع القانونية للإباضية في تلك الفترة.
وإذا كان خليفات يقصد أن أتباع المذهب الإباضي في تلك الفترة كانوا يمرون بمرحلة الكتمان، التي تعني العمل في سرية تامة فهذا لا يعني أن الحركة في تلك الفترة كانت في وضع توقفت فيه عن نشر الدعوة إلى المذهب وحشد الأنصار لها، وأسلوب أبي حمزة وطريقة دعوته إلى المذهب الإباضي كان له وقع شديد على المتلقي لكلامه فقد ذكر ابن خياط في تاريخه في خبر مرفوع عن من
حدث قال: خطبنا أبو حمزة بمكة خطبة شكٍّ المستبصر، وزاد المرتاب (1).
(T)
، وقد فقد هذا
تنبه أبو حمزة المختار للدور القيادي الذي يمكن أن يلعبه عبدالله بن يحيى الكندي في حضرموت، فبالإضافة إلى كفاءته الشخصية ومنصبه الرفيع في سلك القضاء، كان مجتهداً عابداً، وكان أحد بني عمرو بن معاوية البطن من البطون الكندية التي. ظلت بحضرموت بعد هزيمتها في حرب الردة مكانته العسكرية والسياسية السامية. ولم يعد ينظر إلى كندة – بعد مرور ما يقارب من مائة عام على هزيمتها في حرب الردّة - كقبيلة منافسة وخطرة على سواها من القبائل المحلية. وإنما أصبح ينظر إلى أفرادها كأنبل قسم من سكان
المنطقة (2)
والأهم من ذلك توافق رأبي أبي حمزة المختار وعبدالله بن يحيى في أن الأحوال العامة للمسلمين تمر في مأزق سيء نتيجة السياسة التي يتبعها الأمويون وأنها تخالف تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.
(1) ابن خياط، خليفة: تاريخ خليفة بن خياط ص 252.
(2) البلاذري، أحمد بن يحيى أنساب الأشراف ج 9 ص 285. والإصفهاني: الأغاني ج 23 ص 233. (3) فرانتوزوف سرجيس تاريخ حضرموت الاجتماعي والسياسي قبيل الإسلام وبعده ص 148.
(196) (1/196)
صفحة 195
كان هذا الرأي هو رأي غالبية أبناء جنوبي الجزيرة العربية، ولهذا لاقي
اختيار عبدالله بن يحيى الكندي إماماً للإباضية في حضرموت قبولاً عند الحضارمة. بكل فئاتهم، وبارك هذا التعيين إباضية عمان وتمثل في حضور شخصي للجلندى بن مسعود إلى حضرموت، وقد استشهد الإباضية بعد تلك البيعة بجواز أن يكون لكل قطر يبعد عن الآخر أو يفصل بينهما بحر إمام مستقل. فكان أبو عبيدة مسلم مولى بني تميم إمام علم في البصرة، وعبدالله بن يحيى الكندي إمام - حضرموت، ثم بويع الجلندى إماماً في عمان بعد إقامة الإمامة الإباضية
بحضرموت.
في
أقام عبدالله بن يحيى الكندي بحضرموت، ودعا أصحابه فانصرفوا معه فبايعوه، فأعلن الخروج عن طاعة الحكم الأموي بحضرموت ((فأتى دار الإمارة بحضرموت واستولى عليها وأخرج منها إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي من غير قتال))، وحبسه يوماً واحداً ثم أطلق سراحه، لكسب عشيرته الكندية والحرص على التعبير عن سماحة الثورة، فذهب إبراهيم إلى صنعاء، واجتمعت
(1)
الإباضية إلى عبدالله بن يحيى فبايعوه وسموه طالب الحق، ويقال إنه سمى نفسه. بعد أن قويت شوكة عبدالله بن يحيى بحضرموت، بدأ يمهد للخروج الكبير والانطلاق نحو عموم اليمن ومن ثم مركز الثقل الديني للمسلمين (مكة والمدينة) فجمع حوله نحو ألفين من المقاتلين الأشداء وشكل منهم النواة الأولى للجيش الإباضي في تاريخ هذه الحركة، ((فرأى باليمن جوراً وعفاً شديداً وسيرة في الناس قبيحة فقال لأصحابه لا يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا احتماله والصبر عليه فكتب إلى أبي عبيدة بن مسلم كورين مولى بني تميم
وإلى غيره من إباضية البصرة يشاورهم في الخروج)
+
(2)
(1) ابن خياط، خليفة تاريخ خليفة بن خياط ص 250. (2) البلاذري، أحمد بن يحيى: أنساب الأشراف ج 9 ص 285.
(197) (1/197)
صفحة 196
جاءت رسالة عبدالله بن يحيى لأصحابه بالبصرة لتضع الحركة الإباضية في منعطف تاريخي خطير، إذ احتدم الجدل والنقاش حول هذه الرسالة بين شيوخ هذا المذهب، وأصبح المذهب في محكه الحقيقي بين التنظير والأطر التنظيمية السرية للحركة الإباضية، وبين الدعوة للظهور والعمل على تنفيذ وترجمة أسس هذه النظريات ووضع الأطر التنظيمية في الواقع العملي، ويبدو أنه كان هناك رأيان متباينان داخل الحركة حول محتوى رسالة عبدالله بن يحيى الكندي.
الرأي الأول؛ يتبناه ورثة القيادة من المؤسسين الأوائل يتزعمهم أبو عبيدة بن مسلم ومعه بعض من شيوخ المذهب بالبصرة، وكانوا يرون أن الظروف لم تكن مواتية للخروج والظهور، ويجب أخذ العبر والدروس من حروب الخوارج السباقة في البصرة والكوفة، وما آلت إليه تلك الثورات الخارجة على يدي ولاة الأمويين الأشداء أمثال زياد بن أبيه وابنه عبدالله بن زياد والمهلب بن أبي صفرة والحجاج بن يوسف الثقفي. ودعوا إلى التأني والتريث وكثير من التعقل والاستمرار في العمل السري - مرحلة الكتمان - حتى يأذن الله بما يشاء.
الرأي الآخر؛ يتبناه أبو حمزة المختار وبلج بن عقبة الأزديان، وبقية من شيوخ البصرة والمتحمسون للخروج، و كانا يناديان بالخروج وإعلان الظهور والثورة المسلحة، ويرون أن الظروف مواتية والعوامل المحيطة بكم تساعدهم على الظهور وإعلان الثورة، وذلك من خلال تقويمهم للظروف السياسية على النحو الآتي:
أولاً: ظروف الدولة الإسلامية بشكل عام، رأى الإباضية أن بوادر الشيخوخة بدأت في أوصال الدولة الأموية، وبدأ ظهور التصدع في جوانبها منذ عهد الوليد بن يزيد الذي أظهر من الخلاعة والمجانة والاستهانة بالدين ما دل على الكفر والإلحاد، فضاقت صدور الناس بأفعاله. فتجرأت النفوس على
(198) (1/198)
صفحة 197
سنة 126 من
الخروج عليه، بل على التفكير بقتله، و اضطراب بني أمية وصراعهم على الخلافة، وتصدى يزيد بن الوليد الملقب بالناقص للبيعة، وهاجت الفتنة بينهم. الهجرة وآلت إلى قتل الوليد بن يزيد وبويع يزيد بن الوليد، ولم يطل عهده سوى اشهر ومات، وقام مقامه إبراهيم بن الوليد و لم يلبث سوى أشهر حتى قدم مروان بن محمد فخلعه سنة 127 هـ وتمت البيعة لمروان بن محمد. وفي العام نفسه الذي بويع فيه المروان محمد كانت الثورات في دولة الخلافة الإسلامية قد بلغت بن
أقصى حدها وغدت تهدد كيان الدولة الأموية واضمحلالها.
ثانياً
: الظروف الداخلية في جنوبي الجزيرة العربية؛ فالأجواء مهيأة في اليمن
وعمان للالتفاف حول الثورة الإباضية المسلحة، نتيجة الظلم والقهر والمعاناة التي عومل بما اليمنيون والعمانيون من قبل الولاة الأمويين المتغطرسين الذين أثقلوا كاهل الناس بالضرائب المضاعفة المأخوذة منهم من غير وجه حق. ونتيجة للمعاملة السيئة التي مارسها الخليفة مروان بن محمد ضد اليمنيين جميعاً في الدولة الإسلامية الأموية وتفضيل القيسية عليهم.
فضل أبو حمزة المختار ومعه شيوخ من إباضية البصرة أن تنطلق الثورة من الأطراف البعيدة للدولة الأموية حضرموت أو عمان)، ومن ثم تتوجه بزحفها نحو المركز الديني الأول للدولة الإسلامية (مكة والمدينة) وقد تم التوقيت للزحف إلى مكة في اثناء موسم الحج، واستغلال تجمع المسلمين لأداء هذا الشعيرة الدينية، وإعلان مبادئ الثورة على المسلمين وأسباب خروجهم، ومن ثم الزحف إلى المدينة والتحضير للزحف الكبير على عاصمة الخلافة بالشام.
أجمع شيوخ الإباضية في البصرة بمن فيهم أبو عبيدة بن مسلم، على خروج الكندي وإعلان الثورة المسلحة ضد الأمويين، فكتبوا إليه: إن
عبدالله
بن يحيى
(199) (1/199)
صفحة 198
استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل فإنك لا تدري متى يأتي أجلك، والله خيرة من عباده يبعثهم إذا شاء لنصر دينه، ويخصهم بالشهادة إكراماً لهم بما (1).
قدمت فرق من المقاتلين بقيادة الأزديين: أبي حمزة المختار بن عوف، وبلج بن
(3)
عقبة (2) ((وعند بن خياط بلج بن المثنى))، لمساعدة إخوانهم في حضرموت للاستيلاء على اليمن أولاً)) وكان أبو حمزة قبل ذلك في الشرط بالبصرة)) () وقد أرسل معهم إباضية البصرة الرجال والأموال والسلاح، (وتم جمع مبلغ عشرة آلاف درهم في يوم واحد. وصرف جزء من هذا المبلغ لشراء السلاح الذي نقله أبو حمزة مع المتبقي إلى حضرموت)) (5)
وإن كانت هذه المبالغ الضئيلة والزهيدة التي جمعها إباضية البصرة، لم تكن كافية لتموين احتياجات تمرد صغير على أطراف البصرة، ناهيك عن دعم ثورة مسلحة هدفها إسقاط الدولة الأموية ذات الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية الكبيرة والواسعة، إلا أن عبد الله بن يحيى الكندي شرع في التحضير لثورة الإباضية، وإعلان الخروج عن الحكم الأموي، وذلك حسب الإمكانيات والظروف الميسرة له فبدأ يتحين التوقيت الزمني السليم والموفق لانطلاقها.
(1) البلاذري، أحمد بن يحيى: أنساب الأشراف ج 9 ص 285. (2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ جه ص 373.
(3) ابن خياط خليفة تاريخ خليفة بن خياط ص 251. (1) البلاذري، أحمد بن يحيى أنساب الأشراف ج 9 ص 285. (5) الدرجيني، أحمد بن سعيد: طبقات المشائخ بالمغرب ج 2 ص 262
(200) (1/200)
صفحة 199
ب - ثورة عبدالله بن يحيى الكندي:
بعد وصول أبي حمزة المختار وبلج بن عقبة الأزديان وعامة إباضية البصرة إلى حضرموت بايعوا عبدالله بن يحيى وحثوه على الخروج والانطلاق بالثورة نحو اليمن ومن ثم إلى الحجاز، ((وأتوه بكتب أصحابه فقالوا لهم: إذا خرجتم فلا تغلوا ولا تغدروا واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم، فقد علمتم أنه إنما أخرجتم على السلطان العيب لأعمالهم)) (1).
أخذ أنصار الإباضية يتكاثرون يوماً بعد يوم، فكتب عبدالله بن يحيى إلى من كان على المذهب الإباضي بصنعاء: إني قادم عليكم. واستخلف على حضرموت بن سعيد الحضرمي، وتوجه إلى صنعاء سنة 129 هـ في ألفي مقاتل من الشراة (2)، وسلك بهم طريق أبين في أقصى الجنوب الغربي من اليمن.
عبدالله
مسير عبدالله بن
ولما بلغ القاسم بن عمر الثقفي وهو عامل مروان على صنعاء يحيى، استخلف على صنعاء الضحاك بن زمل السكسكي، وذكر ابن خياط أنه خرج يريد ابن يحيى والإباضية، في نحو من ثلاثين ألفاً، فالتقوا بالجالح قرية من قرى أبين، ولعل ابن خياط يقصد لحجاً كما ذكر ذلك البلاذري: أنه تقدم فلقوه
(3)
بلحج وهي قرية ()، واختلفت المصادر في عدد جيش القاسم بن عمر بين الثلاثين ألفاً وثلاثة آلاف ومن المرجح أنهم ثلاثة آلاف، كما ذكر ذلك البلاذري وكان في عدد كثير، وعدة وسلاح شاك، فقتل من أصحاب القاسم بشر كثير، ومضى هو إلى صنعاء، ثم خرج منها واستخلف عليها ابن زمل، وأقبل عبدالله بن
(1) البلاذري، أحمد بن يحيى: أنساب الأشراف ج 9 ص 286. والأصفهاني، ابوالفرج: الأغاني ج 23 ص 234.
(2) ابن خياط، خليفة: تاريخ خليفة بن خياط ص 250 والبلاذري، أنساب الأشراف ج 9 ص 286. والأصفهاني، أبو الفرج: الأغاني ج 23 ص 234.
(3) ابن خياط خليفة: تاريخ خليفة بن خياط ص 251 والبلاذري، انساب الأشراف ج 9 ص 286.
(201) (1/201)
صفحة 200
يحيى فنزل على ميلين من عسكر القاسم، فوجه إليه القاسم يزيد بن الفيض الثقفي في ثلاثة آلاف من أهل الشام واليمن)
(1)
وعلى مشارف أسوار صنعاء دارت بينهم مناوشات وتحاجزوا، ثم قاتلهم الصلت بن يوسف فقتل في المعركة وقتل معه ناس كثير، ثم قاتلهم يزيد بن الفيض ثم المزم أهل صنعاء، فأراد أبرهة بن شرحبيل بن الصباح اتباعهم فمنعه عبدالله بن يحيى، ولحق يزيد بن الفيض بالقاسم وأخبره بقتل الصلت (2). فهرب
القاسم بن عمر الثقفي إلى الشام وترك صنعاء بيد الجيش الإباضي.
دخل عبدالله بن يحيى صنعاء فأخذ الضحاك بن زمل، وإبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي فحبسهما مخافة عليهما. من فتك العامة من الناس بهما، و جمع الخزائن والأموال فأحرزها فقوي بما، ولما استولى على بلاد اليمن ألقى خطبته الشهيرة فقال فيها: (الحمد الله المتحمد بالآلاء، المنان بالنعماء، ذي الأمر الغالب، والدين الواصب، أحمده في الضراء، وأشكره في السراء، وأستعينه على احتجاجه علينا، وأستهديه لما يرضيه وأومن به إسلاماً وإيماناً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى ونبيه المرتضى، أرسله بالحق على حين فترة من الرسل وكفر من الملل، واختلاف من الدول، والتباس من الحق وانسحاق من الصدق، وظهور من الأعداء، وبعد من الألفة، وأنزل عليه الكتاب وشرع له الشرائع، وفرض له
الفرائض).
ثم بعد ذلك حذر الناس من المعاصي والآثام والعذاب الأليم وسعير لظى والهاوية والحامية، وخيرهم بين ثلاث خصال وقال: ((أيها الناس إنا خيركم بين
(1) البلاذري، المصدر نفسه ص 286.
(2) المصدر نفسه.
(202) (1/202)
صفحة 201
ثلاث خصال أيها شئتم فخذوا لأنفسكم، رحم الله امرأ أخذ الخيار لنفسه: إما قال امرؤ بقولنا، ودان بالدين الذي دنا فحملته نيته على أن يجاهد معنا بنفسه، فيكون له من الأجر ما لفضلنا، ومن قسم الفيء ما لبعضنا، أو قال هذا القول ثم أقام في داره، فدعا الناس إليه بقلبه ولسانه فعله، إلا يكون ذلك أخس منازله، أو كرهنا فليخرج بأمان إلى ماله وأهله، ويكف عنا يده ولسانه، فإن ظفرنا لم يكن عرض لنا نفسه، ولم يحملنا على سفك دمه، وإن قتلنا كان قد كفي مئونتنا، وعسى ألا يُعمر بعدنا إلا قليلاً)) (1).
صنف طالب الحق مواقف الناس من ثورته إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: قبلوا المذهب الإباضي ودانوا بالدين الذي دانوا به، وقبلوا شرائعه، وانضموا بنية الجهاد معه فوعدهم بالأجر من الفضل والمساواة من
الغنائم. المجموعة الثانية: قبلت المذهب الإباضي، ولكنها لم ترغب في الخروج والمشاركة في الثورة، وهؤلاء دعاهم للعمل لدعوة الناس إلى المذهب بقلوبهم
وألسنتهم. المجموعة الثالثة: رفضت قبول المذهب وكرهت أن تكون مع الإباضية، فأعطاهم الأمان ووعدهم بحماية أرواحهم وأموالهم، إذا كفوا أيديهم وألسنتهم ولم يعرضوا أنفسهم على سفك دمهم.
ثم حدد ملامح الصورة الحقيقية للمذهب الإباضي التي لا تخرج عن إطار الشريعة الإسلامية وقال:
(1) المصدر نفسه ص 288. والأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 236.
(203) (1/203)
صفحة 202
ندعو إلى الله، وإلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ونجيب من دعا إليها الإسلام ديننا ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالاً لا نبغي به بدلاً، ولا نشتري به ثمناً، ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المشتكى
وعليه المعول.
ندعو إلى فرائض بينات، محکمات و آثار مقتدى بهما، ونشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم.
ندعو إلى توحيد الرب، واليقين بالوعيد وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، وإن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون على الألم في حب الله، يقتلون في سالف الدهر فما نسيهم رجم (وما كان ربك نسيا) أوصيكم بتقوى الله وحسن القيام على ما وكلكم بالقيام به، قابلوا الله حسناً في أمره وزجره) (1). تعد خطبة طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي أول وثيقة فكرية تبين بجلاء ملامح الفكر الإباضي ودعوته وآرائه في مجمل المسائل العقدية والسياسية، وتزيح من كانت عنده رببة أوشك عن هذا المذهب و معتقدات وآراء أتباعه في كثير من المسائل.
(T)
أقام عبدالله بن يحيى بصنعاء أشهراً حسن السيرة، لين الجانب كافاً عن الناس، فكثر جمعه وأتوه من كل وجه (، وكانت نتائج. هذه السياسة التي أظهرت قدراً كبيراً من التسامح والمرونة مع الناس؛ من جانب طالب الحق وأصحابه من الإباضية، تزايد عدد أنصاره وتكاثر جمعه وانهالت الشراة عليه من كل جانب،
(1) المصدر نفسه.
(2) البلاذري، أحمد بن يحيى أنساب الأشراف ج 9 ص 289. والأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 237.
(204) (1/204)
صفحة 203
فلما كان وقت الحج وجه أبا حمزة المختار وبلج بن عقبة الأزدي، وأبرهة بن الصباح الحميري إلى مكة في تسعمائة، ويقال في ألف ومائة (1). ذكر بن خياط أن طالب الحق وجه رجلاً من أهل البصرة من الأزد يقال له بلج بن المثنى، ثم وجه أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي في عشرة آلاف وأمره، يقيم بمكة فزعم إسماعيل بن إسحق أن بلجاً قدم في الموسم، فلم يشعر الناس وهم بعرفات حتى اطلعت عليهم الخيل من الجبل من طريق الطائف)
أن
(T)
أما الطبري فقد ذكر أن أبا حمزة الخارجي هو الذي وافي الحج في تمام سنة 129 هـ وذكر من خبره بأن لم يدر الناس بعرفة إلا وقد طلعت عليهم أعلام
عمائم سود حرقانية في رؤوس الرماح وهم في سبعمائة ففزع الناس منهم)
(T)
وكان على مكة عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك، فكره قتالهم فصالحهم إلى أن ينفر الناس النفر الأخير، ثم خافهم عبدالواحد فبعث بعبدالله بن الحسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فأتاهم وأخذ عليهم ولهم ألا يحدثوا حدثاً حتى ينقضي أمر الموسم فأجابوه إلى ذلك. فصلى عبدالواحد فوقف بالجماعة، وصلى أبو حمزة بأصحابه ووقف بهم، ولم يعرض لأحد من الناس، وأقاموا أياماً بمنى فلما كان يوم النفر نفر عبدالواحد فأتى مكة ثم خرج إلى المدينة، ونفر أبو حمزة بأصحابه إلى مكة ودخلها دون قتال.
ولما أخذها صعد إلى المنبر متوكناً على قوس عربية فحمد الله وأثى عليه. وخطب في الناس خطبة كانت من صميم سياسية الحركة الإباضية، وقد استعرض
(1) المصدر نفسه ص 289.
(2) ابن خياط: تاريخ خليفة بن خياط ص 250. (3) الطبري: تاريخ الطبري ج 4 ص 317.
(205) (1/205)
صفحة 204
فيها مراحل الخلافة الإسلامية وتناول سيرة الخلفاء الأربعة، فأثنى على أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) وتعرض بالنقد لعثمان وعلي (رضي الله عنهما). ثم تناول الأمراء من بني أمية فأبرز مساوئهم وأظهر عيوبكم ولعن بعضهم وفسق بعضاً منهم وسفههم، إلا أنه لم يصل إلى حد تكفيرهم، واستثنى منهم الخليفة عمر بن عبدالعزيز ((إلا إنه منهم، عمر بن عبدالعزيز هم فلم يفعل وقصر عما هم به)) (1).
وقال مخاطباً أهل مكة وقد حضرت كتاباً كتبه إليكم هشام في حطمة (1) كانت أرضاكم به وأسخط ربه ذكر فيه أنه قد ترك لكم صدقاتكم فزادت الغني غنى والفقير فقراً، فقلتم جزاه الله خيراً، بل لا جزاه الله إلا شراً، فلقد كان بخيلاً بماله سخياً بدينه، فهؤلاء بنو أمية، فرق الضلالة، بطشهم بطش حبرية يأخذون بالظن، ويحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب ويقضون بالشفاعة، ويأخذون الصدقة من غير موضعها ويجعلونها في غير أهلها، وقد بين الله أصنافها الثمانية فجاء صنف تاسع ليس له منها شيء، فأخذها كلها، فهي الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله (3).
في الواقع أن خطبة أبي حمزة المختار عبرت عن الفكر السياسي الإباضي، وجاءت منسجمة ? سياسة التعبئة العامة والتسويغ للخروج عن حكم بني أمية، ووضع المبررات للثورة الإباضية والدعوة للخروج الجماعي عن طاعة الحكام الأمويين، وهي لا تخرج عن الخط السياسي للخوارج في جميع مراحل خروجهم. من حيث توليهم أهمية مسألة تنظيم أسس الحكم في دولة الخلافة.
(1) البلاذري: أنساب الأشراف ج 9 ص 291.
(2) الحطمة: السنة الشديدة.
(3) البلاذري: أنساب الشراف ج 9 ص 292.
(206) (1/206)
صفحة 205
خاطب أبو حمزة المختار الأزدي أهل مكة بلغة العواطف والأماني والوعود في تحقيق العدالة والمساواة، إلا أن قلوبهم وعواطفهم كانت مع الحكام الأمويين
بغض النظر عن الظلم الذي كان يلامس أحيانا بعضاً من الطبقات المهمشة فإنهم كانوا يستأثرون بعطايا الأمراء وهباتهم في أثناء المواسم الدينية وفي غير هذه المناسبات، ناهيك عن التعصب المذهبي والتعصب العشائري لأبناء عمومتهم،
وخاصة أن الثورة الإباضية جاءت في شدّة الصراع بين العدنانية والقحطانية.
أنف أهل مكة من هؤلاء الشباب القادمين إليهم من ذوي الأصول القحطانية ورأوا أنهم يرتقون سلماً صعباً، ويرومون انصراف الحكم عن بني أمية، وزعزعة النفوذ التقليدي لقريش الذي اكتسب بالإسلام مكانة أطرت شرعاً حسب أهواء الحكام والأمراء. وكانوا يعيرون أصحاب أبي حمزة بأنهم شباب غر فقال أبو حمزة: يا أهل مكة تعيروني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب الله عليه وسلم إلا شباباً، أما إني عالم بتتابعكم فيما يضركم في
صلي
رسول. الله معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم ما تركت الأخذ فوق أيديكم.
ولما وصل عبدالواحد بن سليمان بن مروان إلى المدينة كتب إلى مروان يعتذر من خروجه عن مكة ويخبره أن الناس خذلوه، فغضب مروان منه فعزله وكتب
إلى عبد العزيز بن عمر واليه على المدينة أن يوجه جيشاً لمقاتلة الإباضية (1).
+
سارع عبدالعزيز بن عمر يجمع المقاتلين من قريش والأنصار وغيرهم من
التجار والذين بلغ تعدادهم قرابة ثمانية آلاف فرد (2)، وخرجوا إلى مكة،
(1) ابن خياط، تاريخ خليفة بن خياط ص 255. (2) البلاذري: أنساب الأشراف ج 9 ص 294.
(207) (1/207)
صفحة 206
وسوعت فيما بعد المصادر التاريخية هزيمة هذا الجيش بأنهم من أهل المدينة ((وهم أصحاب ترف وتجارة قوم مغترون وليسوا بأصحاب حرب))
(1)
وإنهم أغمار لا علم لهم بالحرب فخرجوا في الصبغات والثياب الناعمة واللهو
لا يظنون للخوارج شوكة ولا يشكون أنهم في أيديهم (2)، وتوجهوا لمقاتلة الإباضية وكان عليهم عبدالعزيز عبدالله بن عمرو بن. عفان، قال عثمان بن
بن
البلاذري فخرجوا في المصبغات ومعهم الملاهي لا يكترثون بالخوارج)
(T)
بالرغم من كثرة عدد هذا الجيش، إلا إنهم كانوا لا يملكون الدراية والخبرة في القتال، ولذا تنبأ عمران بن عبدالله بن مطيع أحد المقاتلين في جيش الأمويين بمصير هزيمة هذا الجيش حين أنكر ما أنكر عليهم من أمور كثيرة تفقدهم وحدتم وتجانسهم والهدف الذي كانوا من أجله يحاربون. ولما علم أبو حمزة بخروج أهل المدينة إليه سار إلى ملاقاتهم في أول سنة 130 هـ، واستخلف على مكة أبرهة بن شرحبيل بن الصباح (4)، وقيل إبراهيم
بن الصباح الحميري، وجعل على مقدمة جيشه بلج بن عقبة الأزدي.
خرج أهل المدينة فالتقوا بهم بقديد يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة. وقد أرسل المختار بلجا ليدعوهم، فأتاهم في ثلاثين راكباً، فذكرهم الله، وسألهم أن يكفوا أيديهم عنهم حتى يسيروا إلى مروان وقال: خلوا سربنا لنلقى من ظلمكم وجار في الحكم عليكم ولا تجعلوا حدنا بكم، فإنا لا نريد
(1) الطبري: تاريخ الطبري ج 4 ص 328. (2) الأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 242. (3) البلاذري: أنساب الأشراف ج 9 ص 294.
(4) المصدر نفسه ص 295.
(208) (1/208)
صفحة 207
قتالكم .. وجاء رد أهل المدينة قاسياً لدعوة الإباضية فشتموهم وقالوا لهم:
تخليكم وندعكم تفسدون في الأرض.
فقالت الإباضية: ((يا أعداء الله، ونحن نفسد في الأرض؟ وإنما خرجنا لنكف الفساد ونقاتل من استأثر بالفيء فانظروا لأنفسكم، فإنه لا طاعة
لمن عصى الله، وادخلوا في السلم وعاونوا أهل (الحق)) (1).
عثمان
وجرى بينهم حوار انتهى بعد أن قال لهم عبدالعزيز بن عبدالله بن عمرو بن
بن
عفان: ليس بيننا إلا السيف.
ثم رجع بلج إلى أبي حمزة فأخبره فقال: كفوا عنهم حتى يبدأوكم بالقتال. وبدأ القتال بعد أن تعرض عسكر أبي حمزة لرشق السهام فقال أبو حمزة: شأنكم فقد حل قتالهم، فحملوا عليهم ولم تمض ساعة حتى انكشف جيش المدينة فكروا
فاقتتلوا قليلاً ثم هزمهم أبو حمزة، وجرت مذبحة هائلة لمن وقع منهم في الأسر.
كانت خسائر أهل المدينة فادحة في الأرواح، فقد قتل من الأنصار ثمانون، ومن قريش ثلاثمائة ويقال أربعمائة وخمسون ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة. ويقال كان القتلى أربعة آلاف وعرض على أبي حمزة من أسر في المعركة فمن كان قرشياً قتله، ومن كان أنصارياً خلا سبيله (2). وقيل قتل فيها عبدالعزيز بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان ومعه سبعمائة أكثرهم من قريش (3).
أظهرت بعض المصادر جانباً مختلفاً تماماً عن تلك الروايات التي صورت جيش أبي حمزة بأنهم شباب متعطشون للقتل والانتقام، وذكرت نوعاً من التسامح الذي
(1) المصدر نفسه ص 295 و 296. وابن خياط تاريخ خليفة بن خياط ص 255.
(2) البلاذري: أنساب الأشراف ج 9 ص 296.
(3) العكري، عبدالحي بن أحمد شذرات الذهب ج 1 ص 217.
(209) (1/209)
صفحة 208
أبداه أبو حمزة مع أهل المدينة فقالت: إن عليا بن الحصين بن الحر قال لأبي حمزة اتبع هؤلاء القوم وأجهز على جريحهم فإن لكل زمان حكماً والإثخان في هؤلاء أمثل، وإن هؤلاء أشر علينا من أهل الشام فلو قد جاءوك غداً لرأيت من هؤلاء ما تكره فقال: ما أرى ذلك وما أرى أن أخالف سيرة من مضى قبلي، وقيل: أصيب من قريش ثلاث مائة رجل (1).
وكان رجل من قريش قد قال: لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هذه المارقة، أما والله لئن ظفرنا لنسبين أهل الطائف من يشتري مني سبي أهل الطائف؟ أي لكونهم دلوا الإباضية ولم يدفعوهم عن الحجاز. فلما التقوا بقديد حين التقوا وانهزم أهل المدينة قال الخادمته: غاق باق – يريد أغلقي الباب دهشاً وذلك بعد أربعة أيام يرى أنهم خلفه.
(2)
امتعض أهل مكة والمدينة من موقف قبيلة خزاعة و زعموا أن خزاعة دلّت أبا حمزة على عورتهم وأدخلوهم عليهم (2). ((ولم يكن. سبب هذه المقتلة يعود إلى التعصب المذهبي لغالبية أفراد الحملة على الحجاز فقط، أو إلى التهم الموجهة ضد قريش لتمتعهم بالامتيازات والمكانة الخاصة في دولة الخلافة، ولكن كان هذا السبب يعود أيضاً إلى الخلافات الأثنو - قبلية الحادة. فإباضية الحجاز بزعامة أبي الحر علي بن الحصين كان غالبيتهم من قبيلة خزاعة التي كان بينها وبين قريش عداوات ومشاحنات منذ ما قبل الإسلام وكان للصراع بين العدنانية والقحطانية الذي اشتد أواره مع نهاية حكم بني أمية دور لا يستهان به في مأساة أولئك الأسرى)) (3).
(1) الأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 244. وابن خياط: تاريخ خليفة بن خياط ص 255.
(2) الطبري: تاريخ الطبري ج 4 ص 328.
(3) فرانتوزوف سرجيس تاريخ حضرموت الاجتماعي والسياسي قبيل الإسلام وبعده ص 154.
(210) (1/210)
صفحة 209
بعد ان حسمت المعركة ووقع من وقع في الأسر، تنصل بعض الأسرى من قرشيتهم خوفاً من سيف أبي حمزة، كما عمد إلى ذلك ((محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، وهو أخو قائد جيش المدينة عبدالعزيز، فقال حين أنوا به إلى أبي حمزة: أنا أنصاري، وشهد له قوم من الأنصار، فقال رجل من اليمانية: والله ما هذا بدن أنصاري، وما هو إلا بدن (قرشي)
(1)
كانت هذه الهزيمة موجهة بالدرجة الأولى إلى قريش، وبدا واضحاً عندما أخذ أبو حمزة من أهل المدينة أسرى فأراد أن يطلق سراحهم فمنعه علي بن الحصين وقال له: إن لأهل كل زمان سيرة، وهؤلاء لم يؤسروا وهم هراب، وإنما أسروا وهم يقاتلون ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم، وكذلك الآن قتلهم حلال. فكان إذا رأى رجلاً من قريش قتله، وإذا رأى رجلاً من الأنصار
فدعا
أطلقه
هم
(T)
، وقد أفصح عن ذلك رجل من الأنصار من بني زريق حين قال:
(د)
((الحمد لله الذي أذل قريشاً (((3).
وقيلت أشعار في رثاء القتلى من أهل قديد من جانب المدينة. كما قال الإباضية أشعاراً يفخرون بانتصاراتهم، منها قصيدة عمرو بن الحصين الكوفي مولى
بني تميم التي وصف فيها الإباضية بقوله: متسربلي حلق الحديد كأنهم أسد على لحق البطون سلاهب قيدت من أعلا حضرموت فلم تزل تنفي عداها جانباً عن جانب تحمي أعنتها وتحوي نهبها الله أكرم قتية وأشائب
دخل الجيش الإباضي المدينة بدون أية مقاومة تذكر، وصعد أبو حمزة المنبر فحمد الله وأثنى وقال: يا أهل المدينة سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فأسأتم لعمر الله
(1) البلاذري: أنساب الإشراف ج 9 ص 296. (2) الأصفهاني، أبو الفرج: الأغاني ج 23 ص 205. (3) البلاذري: أنساب الأشراف ص 296.
(211) (1/211)
صفحة 210
فيهم القول، وسألناكم هل يقتلون بالظن؟ فقلتم لنا نعم. وسألناكم هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم نعم. فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم نناشدهم الله ألا تنحوا عنا وعنكم وقلتم لا يفعلون. فقلنا لكم تعالوا نحن وأنتم نقاتلهم فإن نظهر نحن وانتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقلتم لا نقوى، فقلنا لكم خلوا بيننا وبينهم، فإن نظفر نعدل في أحكامنا ونحملكم على سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ونقسم فيئكم، فأبيتم وقاتلتمونا دونهم فأبعدكم الله وأسحقكم (1).
تطرق أبو حمزة في أحد خطبه بالمدينة إلى الأسباب التي أدت الخروج الإباضية وثورتهم على حكم بني أمية و قال تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشراً ولا بطراً ولا عبثاً، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم منا، ولكن لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن فأجبنا داعي الله ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض فآوانا وأيدنا بنصره فأصبحنا والله جميعاً. بنعمته إخوانا.
ثم حدد الملامح العامة للفكر الإباضي على نحو واضح وقال: يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم، إلا مشركاً عابد وثن أو مشركاً من أهل الكتاب أو إماماً جائراً، يا أهل المدينة من زعم أن الله كلف نفسه فوق طاقتها أو سألها ما لم يؤتها فهو الله عز وجل عدو ولنا حرب. وزاد من سمع أبا حمزة يخطب على منبر رسول الله عليه وسلم أنه قال: ((من زنى فهو كافر، ومن شك فهو كافر، ومن
الله
صلي
سرق فهو كافر، ومن شك أنه كافر فهو كافر)) (2).
(1) الطبري: تاريخ الطبري ج 4 ص 328.
(2) المصدر نفسه ص 330.
(212) (1/212)
صفحة 211
وقيل إن ابا حمزة أحسن السيرة في أهل المدينة حتى استمال الناس حين سمعوا
كلامه في قوله من زنى فهو كافر. واختلفوا في قدر مدة إقامة الإباضية بالمدينة بين شهرين وثلاثة أشهر.
لما بلغ مروان خير قديد وما صنعه الإباضية بمكة والمدينة انتخب من عسكره بن عطية، أحد بني سعد بن بكر،
أربعة آلاف وبعث عليهم عبدالملك:
محمد بن
وفيهم فرسان أهل الشام، ومنهم رومي بن ماعز القيسي، ومنهم من أهل الجزيرة ألف (1)، وأمرهم بالجد في السير وأعطى كل رجل منهم مائة دينار وفرساً عربية وبغلة لثقله، وأمره أن يمضي فيقاتلهم فإن هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن ويقاتل
+
(T)
عبدالله بن يحيى ومن معه سار بن عطية بجيشه بعد أن تعمد إشاعة الذعر والخوف بين الناس كلما مر على المواقع التي بين الشام والمدينة، وأشيع أنه قادم يجيش جرار يبلغ أفراده عشرين ألف مقاتل، ولعل ذلك يأتي من أساليب الحرب النفسية التي بالغت في قوة جيشه وشدته وبطشه، من أجل إلقاء الرعب في قلوب الجيش الإباضي قبل أن يلقاهم، ((وها به الناس فتفرقوا في المياه)) (3)، وقال أبو صخر الهذلي حين بلغهم قدوم عبدالملك بن محمد وسرهم قدومه:
قل للذين استضعفوا لا تعجلوا أتاكم النصر وجيش جحفل عشرون ألفاً كلهم متسربل يقدمهم جلد القوى مستبسل
(1) البلاذري، أنساب الأشراف ج 9 ص 299. (2) الطبري، تاريخ الطبري ج 1 ص 331. (3) البلاذري، انساب الأشراف ج 9 ص 300.
(213) (1/213)
صفحة 212
فإذا أخذنا بما جاء في قصيدة أبي صخر الهذلي فإن عدد جيش ابن عطية عشرون ألف مقاتل، وهذا العدد يتفوق بخمسة أضعاف عن ما ذكر في بعض المصادر التاريخية.
بعث أبو حمزة بلج بن عقبة في ستمائة ليقاتل ابن عطية فلقيه بوادي القرى في جمادى الأولى سنة 130 هـ، فاقتتلوا وللتفوق الكبير في تعداد جيش ابن عطية فقد حسمت المعركة لصالح ابن عطية وقتل بلج وكثير من أصحابه، واعتصم رجل من همدان يقال له الصباح في مائة من الإباضية فجعل يقاتلهم عبدالملك ثلاثة أيام فقتل منهم سبعين ورجع إلى المدينة ثلاثون، ونصب عبدالملك رأس بلج على رمح (1)
أنسحب أبو حمزة من المدينة متجهاً إلى مكة للاحتماء بما، بعد أن استخلف عليها رجلا من أتباعه يقال له المفضل، فقاتلهم البربر والزنج وأهل السوق والعبيد فقتل المفضل وعامة أصحابه وفرّ الباقون فلم يبق من الإباضية بالمدينة
(2)
أحد)) (1). بلغ التعصب المذهبي بأهل المدينة في أن ((يعيدون صلاتهم بعد الصلاة خلف أبي حمزة)) (3)، وكانت ثورة العامة من الناس والعبيد و الطبقات الدنيا في المدينة على المفضل وأصحابه من الإباضية دليل على أن ثورة طالب الحق لم تلق وسط تلك الفئات والشرائح الاجتماعية التأييد التي تلقاه الثورات عادة وسط تلك الفئات، في حين وقفت هذه الفئات والشرائح في اليمن إلى جانب ثورة طالب الحق وحركته الإباضية، غير إنه في المدينة تغلبت العصبيات المذهبية والقبلية وظهرت فوق الاعتبارات الطبقية.
(1) المصدر نفسه ص 301، الأصفهاني، لأبي الفرج: ج 23 ص 259. (2) الأصفهاني، أبو الفرج: الأغاني ج 23 ص 259.
(3) اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 340.
(214) (1/214)
صفحة 213
وقفت الطبقات الدنيا وفقراء مجتمع المدينة إلى صفوف المعارضة للثورة الإباضية، ولجأت هذه الفئات والشرائح إلى مقاتلة الإباضية حين اشتد عزمها بقدوم الجيش الأموي للحجاز. ولما قدم ابن عطية إلى المدينة أقام بما شهراً، ثم سار إلى مكة والمختار بن عوف بما فقال يا أهل مكة هؤلاء الذين سألناكم عنهم فقلتم يجورون ويظلمون فلا تعينوهم علينا)
(1)
عبات الإباضية معسكرها استعداداً لملاقاة الجيش الأموي، وقد وضع أبو حمزة المختار خطته العسكرية ووزع أصحابه في فرقتين فصير طائفة بالأبطح، وجعل عليها أبرهة بن شرحبيل بن الصباح وصار هو والطائفة الأخرى بأسفل مكة. وقال أبو حمزة لأصحابه لا تقاتلوهم حتى تخبروهم فصاحوا بهم ما تقولون في القرآن والعمل به؟ فصاح ابن عطية نضعه في جوف الجوالق. فقالوا ما تقولون في مال اليتيم؟ قال نأكل ماله ونفجر بأمه (1). وإذا صحت رواية الطبري فإن رد ابن عطية المشين في مناظرته للإباضية يعد سابقة خطيرة في تاريخ الإسلام وتعطي المسوغ المطلق لقادة الحركة الإباضية في أن ثورتهم وخروجهم كانت له مبرراته العقدية والسياسية.
أعطى أبو حمزة الأمر لجيشه وبدأت المعركة بأسفل مكة، فاقتتلوا وهزم أهل الشام حتى انتهوا إلى عقبة منى، ثم كروا فقاتلوهم وصبروا فقتل أبرهة وتفرق الإباضية، ثم لقي أبو حمزة عبدالملك بن محمد بأسفل مكة فاقتتلا فقتل المختار بن عوف (أبو حمزة (على فم الشعب، وقتلت معه امرأته)) (3)، وقال ابن خياط
(1) البلاذري: أنساب الأشراف ج 9 ص 301.
(2) الطبري: تاريخ الطبري: ج 4 ص 1
331
(3) البلاذري: أنساب الأشراف ج 9 ص 301 الأصفهاني، ابو الفرج: الأغاني ج 23 ص 260.
(710) (1/215)
صفحة 214
وقتل أبرهة الصباح عند بئر ميمون، وقتلت معه امرأته (1). وقيل إن المختار قاتل
وهو عليل وقد غسل رأسه واعتم وهو يقول:
أحمل رأساً قد مللت حمله
وقد مللت دهنه وغسله
الا متى يطرح عني ثقله
بعد أن قتل أبو حمزة المختار وأبرهة بن شرحبيل وأصحابهما، تفرق
الجيش الإباضي، وأسر أهل الشام منهم أربعمائة، وصلب المختار وأبرهة على فم شعب الخيف، ومضى من بقي من الإباضية إلى اليمن. توقف ابن عطية في الطائف، وبلغ عبدالله بن يحيى هزيمة جيشه في مكة فأقبل من صنعاء، في نحو ثلاثين ألفاً (2).، وسار إليه ابن عطية فتزل تبالة ونزل عبدالله بن يحيى صعدة والحزم طالب الحق فسار إلى جرش وسار ابن عطية والتقوا بالقرب من جرش وهناك دارت معركة حاسمة بينهم فاقتتلوا حتى حال بينهم الليل، وأصبح ابن عطية مكانه، فنزل عبدالله بن يحيى في نحو ألف رجل من أهل حضرموت فقاتل وبعد يومين من القتال قتل طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي والتزم أصحابه. وبعث برأسه إلى مروان (3).
استسلمت مدينة صنعاء بدون معركة، ونظم ما بقي من جيش الإباضية أنفسهم في المناطق الجنوبية من اليمن، وتزعمهم رجل من حمير ذكر ابن خياط أن اسمه يحيى بن عبدالله بن عمير بن السباق الحميري، فأخذ الجند وتحصن بها، فبعث
(1) ابن خياط، خليفة: تاريخ خليفة بن خياط ص 257.
(2) المصدر نفسه ص 257
(3) البلاذري، انساب الأشراف ج 9 ص 303. وابن خياط خليفة: تاريخ خليفة بن خياط ص 257. والطبري: تاريخ الطبري: ج 4 ص 331. وابن الأثير: الكامل ج 5 ص 51. والأصفهاني، ابو الفرج: الأغاني ج 23 ص 263 واليعقوبي: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 340.
(717) (1/216)
صفحة 215
إليه ابن عطية ابن أخيه عبدالرحمن بن يزيد فالمزم يحيى بن عبدالله وأصيب ناس من أصحابه، وانسحب يحيى بن عبدالله إلى عدن أبين مع من بقي من أصحابه واستطاع أن يجمع ألفي مقاتل، فسار إليه ابن عطية بنفسه)
(1)
أما البلاذري فذكر أنه لما شارف عبدالملك بلاد صنعاء خرج عاملها الذي كان عبدالله. بن الخولاني في جماعة من أهل صنعاء فقاتلهم وأصاب حملين من مال وأثقالا فقدم بما
أصاب إلى صنعاء.
يحيى ولاه إياها يريد، حضرموت واتبعه جمهور بن شهاب
قدم عبدالملك بن محمد صنعاء، فتبع الإباضية يقتلهم فقتل ثلاثمائة منهم بصنعاء، ثم خرج عليه يحيى بن. عبدالله بن عمرو بن السياق الحميري من آل ذي الكلاع بالجند في جمع كثير، فبعث إليه عبدالملك عبدالرحمن بن يزيد بن عطية، فلقيه بالجند فهزمه وقتل عامة أصحابه، ولحق يحيى بن عبدالله بعدن واجتمع إليه
ألفان، فسار إليه ابن عطية فقتله وقتل عامة أصحابه وتفرق الباقون (2). استطاعت جيوب المقاومة الإباضية أن تستترف جيش ابن عطية وتنهكه، فقد خرج يحيى بن كرب الحميري - ويقال إنه من مذحج - (عند ابن خياط بن حرب) خرج بساحل البحر، وانضم إليه شذاذ الإباضية، فبعث إليهم ابن عطية أبا أمية الكندي في الوضاحية، فالتقوا بالساحل فقتل من الإباضية نحو مائة رجل، وتحاجزوا عند المساء وهربت الإباضية إلى حضرموت (3).
وفي حضرموت علم عبدالله بن معبد الحضرمي (عند ابن خياط بن سعيد) عامل عبدالله بن يحيى الكندي - طالب الحق بمسير ابن عطية إليهم، فاستعد
(1) ابن خياط تاريخ خليفة بن خياط ص 257. (2) البلاذري، انساب الأشراف ج 9 ص 304. (3) الأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 268.
(217) (1/217)
صفحة 216
مسبقاً لملاقاتهم، فجمع الطعام وما يحتاجون إليه وتركوها في مدينة شبام الحصينة، واستشار أصحابه وأجمعوا أن يلاقوا جيش ابن عطية، فخرجوا فتزلوا على أربع
مراحل من حضرموت - في فلاة العبر غرب شبام - في عدد كثير.
وافي ابن عطية الإباضية في حضرموت فقاتلهم، و لم يستطع أي من الفريقين أن يحقق انتصاراً في اليوم الأول من المعركة، فلما أمسى بلغه ما جمعوه من الطعام في شبام، فأرسل فرقة من عسكره وانسلوا في بطن حضرموت إلى شبام ليلاً فلما أصبح قاتلهم حتى انتصف النهار، ثم تحاجزوا فلما أمسى ابن عطية تبع عسكره الذي وجهه إلى شبام، وأصبح عبدالله بن معبد والإباضية فلم يروا من جيش ابن عطية أحداً فاتبعوهم وقد سبقوهم فأخذوا ما كانوا جمعوا من الميرة، وأخذ عليهم ابن عطية الطرق وقطع عنهم التموين والإمداد فلم يقدروا على المقاومة، وجعل يتبعهم، ويقتل من قدر عليه ويسبي ويأخذ الأموال (1).
بقي ابن عطية متحصناً في شبام محاصراً فيها، وبعد أن أنهمكه الحصار جاء إليه الفرج في شوال سنة 131 هـ وذلك حين كتب إليه مروان يأمره أن يستخلف
رجلا ويحضر الموسم فيقيم للناس الحج.
وكتب إليه أيضاً أن يدعو أهل حضرموت للصلح فصالحوه فاشترطوا عليه شروطاً كانت في صالحهم وهي شروط لا يقبل بها إلا من يرى أن الهزيمة والاختيار منه قاب قوسين وأدنى ومن هذه الشروط: أن يستعمل عليهم رجلاً منهم، فولى على حضرموت رجلاً من أهلها تراضوا به. وأن يردّ عليهم ما عرفوا
من متاعهم.
(1) المصدر نفسه. البلاذري: أنساب الأشراف ج 9 ص 305.
(218) (1/218)
صفحة 217
ففك الإباضية الحصار عن ابن عطية فانطلق في خمسة عشر رجلاً من وجوه أصحابه مبادراً، وأقبل متعجلاً فنزل وادياً من أودية مراد بقرية يقال لها شبام
وهي غير شبام حضرموت - فشدوا عليه فقتلوه وأصحابه (1)
ويقال إنه خرج في أربعين فتبعته فرقة إباضية من كندة وهمدان ومراد وظنوه منهزماً فقتلوه، وقالوا له: قتلت عبد الله بن يحيى، والمختار، وبلجاً، وأبرهة
الصباح وقتلوا أصحابه أيضاً، وبعثوا برأس عبدالملك إلى حضرموت (2). وعندما بلغ عبدالرحمن بن يزيد بن عطية خبر مقتله وهو بصنعاء، أرسل حملة انتقامية وتأديبية بقيادة شعيب البارقي ووجهها إلى حضرموت، حيث أمره عبدالرحمن أن يعامل الحضارمة بمنتهى القسوة والوحشية، فقتل الصبيان، وبقر بطون النساء، وأخذ الأموال، وأخرب القرى (3).
+
استمرت ثورة طالب الحق زهاء عام ونصف العام، خسرت فيها حضرموت أضعاف ما خسرته في حرب الردّة، في الأرواح والاقتصاد. ولقد كان دعم إباضية البصرة محدوداً جداً قبل إعلان الثورة، وحين جاءت الأيام الحاسمة والمعارك الفاصلة وقفت إباضية البصرة موقف المتفرج ولم يعوا بي مدد عسكري لأصحابهم في مكة أو اليمن أو حضرموت. في حين كانوا في أمس الحاجة لذاك الدعم العسكري، ولكن بعد هزيمة الثوار وقتل طالب الحق وأبي حمزة وأصحابهما، جاء المدد الشعري الإباضي في هيئة المراثي في من استشهد منهم، وحفظت مرثية عمرو بن الحصين العنبري الكوفي - الرائية - شرحاً لأوصافهم، وبقيت في طليعة الشعر العربي الخالص منها:
(1) ابن خياط: تاريخ خليفة بن خياط ص 257.
(2) البلاذري: أنساب الأشراف ج 9 ص 306. الأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 269. (3) المصدر نفسه ج 9 ص 306. و المصدر نفسه ج 23 ص 270.
(219) (1/219)
صفحة 218
هبت قبيل تبلج الفجر هند تقول ودمعها يجري إن أبصرت عيناي مدمعها ينهل واكفها على النحر الى اعتراك وكنت عهدي لا شرب الدموع وكنت ذا صبر أقذى بعينك لا يفارقها أم عائر أم مالها تذري أم ذكر إخوان فجعت بهم سلكوا سبيلهم على قدر فأجبتها بل ذكر مصرعهم لا غيره عبراتها تمري
أما إباضية عُمان فيبدو أن نتائج ما حاق بهم من جراء موقفهم في حرب الردة
عالقاً
بجانب إخوانهم من كندة وحضرموت وما تعرضوا له بسبب ذلك بقي: حينئذ في ذاكرتهم، ولهذا فإنهم وقفوا موقفاً سلبياً من ثورة طالب الحق، فكأن أمر الخروج والثورة بالنسبة لهم قضية حضرمية يمنية داخلية، أو أنها ليست من صلب دعوة الحركة الإباضية ففضلوا الجنوح للسلم، وتواروا متروين فلم يكن لهم أي دور يذكر في دعم ثورة طالب الحق، في حين لو أنهم بادروا بالوقوف موقفاً مغايراً لموقفهم السلبي لكانت فرصة نجاح الثورة أقرب إلى النجاح منها للفشل.
والهزيمة.
بقي شعيب البارقي بحضرموت يتتبع البريء والنطف من الإباضية، حتى لم يبق أحد إلا قتله، ولم يزل مقيماً باليمن إلى أن أفضى الأمر لبني هاشم، وقام بالأمر أبو العباس السفاح)
كانت ثورة طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي أول ثورة وخروج إباضي مسلح على حكم بني أمية، ويكاد يكتب لهذه المحاولة النجاح، ولو نجحت تلك الثورة لغيرت مسار الخلافة الإسلامية برؤيا فكرية سياسية انبثقت من دعوة المحكمة الأولى ونادت بها كل حركات الخوارج، وظلت طرحاً سياسياً إسلامياً حول مسألة الإمامة والحكم.
(1) الأصفهاني: الأغاني ج 23 ص 270.
:
(220) (1/220)
صفحة 219
لقد رافق خروج الإباضية في ثورتهم المسلحة أطروحات سياسية تبلورت مع المستجدات على صعيد الواقع العملي، وجاء أول هذا الطرح السياسي والعقدي العقلاني في خطبة طالب الحق التي ألقاها في الناس بصنعاء، ثم تبلور هذا
الطرح الإباضي في ما جاء في خطب القائد العسكري السياسي الخطيب أبي حمزة المختار الأربع التي ألقاها في مكة والمدينة، وحفظت لنا المصادر التاريخية
نصوصها، وهي غنية بالدراسة والبحث ومصدر مهم من مصادر الفكر العقدي والسياسي للإباضية.
ومهما قيل عن فشل ثورة طالب الحق حيث رأى البعض أنها أخفقت لأنا ثورة مذهبية متطرفة لم يتحمس لها إلا من كان يدين بعقيدتها (1)، وهكذا شأن كل الثورات في التاريخ، فإن نجاحها أو فشلها مرهون بإيمان أصحابها بعدالة
قضيتهم، واستعدادهم بالتضحية من أجلها وبدل الغالي والنفيس لغاياتها. أما: ما نجاح هذه الثورة أو إخفاق تلك؛ فهذه مسألة مرهونة بالعوامل المحيطة والأسباب التي تميء لنجاحها والتقدير الجيد في التوقيت لانطلاقها، وإذا ما تضافرت كل الأسباب والعوامل فإن نجاحها مرهون بالقيادات التاريخية القادرة على وضع الرؤية الفكرية والتخطيط الجيد، ورغبة الناس في التغيير بوساطة الثورة ومن ثم وجود القيادات المؤهلة لنجاح الثورة.
حققت ثورة طالب الحق نجاحاً عسكرياً محدوداً، واستطاعت أن تكتسح اليمن والحجاز وتنهي الحكم الأموي في عام واحد. ولكن الانتكاسة التي منيت بما كسلطة لا يعني أنها انتكاسة للفكر الإباضي في حضرموت، فبالعكس من ذلك لقد تم القضاء في عام 132 هـ على الإباضية دولة ونظاماً سياسياً في حضرموت
(1) الحامد صالح: تاريخ حضرموت ج 1 ص 213.
(221) (1/221)
صفحة 220
واليمن والحجاز، ولكن لم يقض عليها فكراً ومعتقداً: أ بين الناس بالسهولة نفسها
والسرعة والزمن نفسيهما.
إن الفكر الإباضي يحمل قيماً إنسانية تدعو إلى العدالة الاجتماعية والمساواة، ويحمل أموراً عقدية من صلب الإسلام أساسها القرآن الكريم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والفكر الإباضي يحمل رؤية كاملة لنظم الإمامة والحكم والشورى والممارسات الديمقراطية، ويحدد علاقة الحاكم بالمحكوم، وترابط الأمة بالإمامة، من خلال تجربة قابلة للتطور والإثراء تتناسب مع تطورات العصر والنظم الراهنة.
لم تكن ثورة طالب الحق ثورة متطرفة بمفهوم التطرف والتعصب الديني الذي لازم دعاة الثورات المسلحة في التاريخ، أو حتى من أعلنوا الثورات الفكرية وعبروا عن آرائهم وأفكارهم المذهبية والعقائدية والسياسية. والمصادر التاريخية التي روت قصة ثورة طالب الحق أجمعت على سرد نماذج إيجابية فيها من التعقل والحكمة والانضباط الشديد والسلوك الإسلامي الذي رافق الإباضية في كل معاركهم بحضرموت واليمن ومكة والمدينة فهم لم يتعرضوا لحرمات الناس ولا أموالهم ولم يقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا أعزل، ولم يسلكوا ما سلكه ابن عطية وشعيب البارقي ومعن بن زائدة الشيباني، وغيرهم من مسلك يندى له الجبين ويضع تصرف بعض قادة جيوش الدولة الإسلامية، في وضع مواز لجيوش المغول
وعصور الوحشية والبربرية والتعطش لسفك الدماء من أجل سفك الدماء.
(222) (1/222)
صفحة 221
ج - حضرموت والإمامة الإباضية
كانت الأحداث السياسية التي بدأت تؤذن بالتعجيل بالخيار الدولة الأموية، قد أوقفت القضاء التام على الحركة الإباضية بحضرموت، وصرفت اهتمام الأمويين عن ملاحقة الإباضية في حضرموت، وجعلتهم يتفرغون للأخطار
المحدقة بهم.
خرجت الحركة الإباضية بعد الهزيمة والقمع الوحشي الذي لحق بأتباعها على يد شعيب البارقي بتجربة ورؤية جديدة، و بدت أكثر تماسكاً وصلابة من ذي قبل وأكثر إصرار على العمل والتمسك بهذا المذهب عقيدة وفكراً، واستطاعت الاستمرار والانتشار والتعمق في وعي سكان حضرموت.
وأمام هذا التوسع في استقطاب الأتباع تطور الجدل الفكري الإباضي في البصرة وحضرموت و ظهرت فرقتان تتبنيان رؤيتين متباينتين للعمل السياسي. الفرقة الأولى: تنادي بالاعتدال وإيقاف الكفاح الإباضي، وتضميد الجراح بعد تلك انتكاسات والخسائر التي منيت بها الإباضية بحضرموت، والاكتفاء بالدفاع عن المذهب والعمل بمبدأ الكتمان مرة أخرى. وكان عبدالله بن سعيد الحضرمي من أبرز ممثلي هذه الفرقة، وقد انتخب إماماً لهم خلفاً لطالب الحق ولقبوه بالإمام المدافع.
الفرقة الثانية: كانت تدعوا إلى التشدد واستمرار الكفاح المسلح والسعي
بالعمل في النشاط الخارجي لإسقاط حكم الدولة الأموية المتهالك بأي ثمن. وتطور الصراع بين جناحي الاعتدال والتشدد وأعلن المتشددون معارضتهم ورفضهم لإمامة عبد الله بن سعيد الحضرمي، وقاموا باعتقاله وقيدوه، وأعلنوا الإمامة للإمام الشاري حسن.
(223) (1/223)
صفحة 222
لفظت الدولة الأموية أنفاسها الأخيرة وسقطت سقوطاً مروعاً، وهرب مروان بن محمد إلى مصر سنة 132 هـ وقتل وحمل رأسه إلى أبي العباس عبد الله بن محمد المعروف ب (السفاح).
وعندما قامت الدولة العباسية توقفت ملاحقة الإباضية واضطهادهم وصرف العباسيون في سنوات حكمهم الأولى اهتمامهم وجهودهم إلى التركيز في تعزيز سلطتهم في المناطق الرئيسة والحيوية لدولة الخلافة، ولم يولوا اهتمامهم مسألة حرب إباضية جنوبي الجزيرة العربية. ولكن هذا الهدوء السياسي لم يستمر طويلاً، فقد أعلنت إباضية حضرموت تأييدها للجلندي بن مسعود أول إمام إباضي في عمان إماماً عليها. ولكن هذه الإمامة المستقلة لم تعمر طويلاً، إذ تمكن العباسيون من القضاء عليها سنة 134 هـ وقتل الجلندي
بن مسعود فخضعت عمان وحضرموت تحت القبضة القوية للدولة العباسية. وفي عهد أبي جعفر المنصور بلغه أن اليمنيين قاموا بالثورة وأظهروا المعصية ووثبوا على عامله عبدالله بن الربيع بصنعاء وأنه ضعف عن مقاومتهم وهرب منهم، فوجه إليهم سنة 143 هـ معن بن زائدة الشيباني والياً عليهم، و قدم معن اليمن فقتل من بما قتلا فاحشاً وأقام بها تسع سنين، واستعمل عليهم أقرباءه ووزعهم على مخاليف اليمن، فبعث أحد قرابته واسمه سليمان إلى الجند فقتلوه فغزاهم وأخرب القرية المذكورة وقتل من أهلها نحواً من ألفين وكان يقول:
(1)
إذا تمت الألفان كادت حرارة على القلب من ذكرى سليمان تبرد
كما استعمل بعض قرابته على حضرموت فعمل أعمالا الجأ تهم إلى قتله فغضب لذلك معن. فتوجه إلى حضرموت فحارب أهلها وقتل منهم قتلا فاحشاً
(1) اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 372.
(224) (1/224)
صفحة 223
وقيل بلغ القتلى خمسة عشر ألفاً، وقد شكك البعض في صحة هذا العدد من
القتلى (1)
أفرط معن في اللجوء إلى العنف والوحشية فأخرب القرى وألحق الأذى والقسوة والبطش بالناس، فخرب الأرض والزرع وأمر بسد العيون وردم الآبار، وقطع الأشجار والنخيل، وأمر أهل اليمن بلبس السواد.
اختلفت المصادر في السبب الذي من أجله ولى المنصور معن بن زائدة اليمن فقد ذكرت بعض المصادر أن تولية معن بن زائدة جاءت بناء على سياسة اتبعها المنصور كان الدافع منها ضرب ربيعة باليمن، وضرب اليمن بربيعة، وقطع الحلف بين ربيعة واليمن، وقد قلد المنصور معن بن زائدة الشيباني على اليمن. وقلد عقبة بن مسلم الهنائي اليمامة والبحرين والبصرة، وبسط أيديهما في القتل واخذ الأموال فأسرع كل منهما في قوم صاحبه، وصارت بينهما الطوائل، وانقطع الحلف وكان عقبة ظالماً مهيباً، فقتله رجل من ربيعة في المسجد الجامع، فقتل مكانه فضرب به المثل فقيل أجراً من قاتل عقبة، وقتل معن بعده غيلة قتله قوم من الإباضية، وكان قد كتب معن إلى عقبة كف حتى أكف، فكتب إليه عقبة لا والله أو تعلم أينا يسبق زوامله على النار (2).
قال ابن حبيب أنه لما ولى أبو جعفر معن بن زائدة اليمن صار إلى الكوفة وبعث إلى محمد بن سهل راوية شعر الكميت بن زيد، فأتاه فقال أنشدني قصيدة الكميت التي يدعو فيها (ربيعة) إلى قطع حلفها مع اليمن، وهي:
ألم تلمم على الكل المحيل
(1) الحامد صالح تاريخ حضرموت ج 1 ص 115. وفرانتوزوف، سرجيس: تاريخ حضرموت
الاجتماعي والسياسي قبيل الإسلام وبعده ص 160.
(2) العسكري: جمهرة أمثال العرب ج 1 ص 340.
(220) (1/225)
صفحة 224
فأنشده إياها حتى أتى عليها وأمر بعمامة فلويت ومدت بين رجلين ثم قام فضربها بالسيف فقطعها. وقال: اشهدوا أني قطعت حلف اليمن وربيعة كما قطعت هذه العمامة ثم سار إلى اليمن فأوعث فيها (1).
إلا أن البعض يعزو السبب من وراء تقليد معن بن زائدة أمر اليمن وحضرموت، إلى الدوافع والرغبة المكبوتة في نفس المنصور بالشعور والرغبة للانتقام والثأر لقتلى قريش في المعارك التي خاضتها مع الإباضية بمكة والمدينة وخاصة قتلى معركة قديد. وهذا ما صرح به المنصور حين تحدث إليه رجل من قريش فقال: ألا ترى يا أمير المؤمنين إلى ما فعل معن بأهل حضرموت؟ لقد كاد
أن يأتي عليهم. فقال له المنصور: يا ابن أخي خبرني عن قوم نساك من قومك ومن الأنصار كنت أعرفهم ملازمة السواري في مؤخرة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قتلهم الخوارج يوم قديد. ثم ما زال يسأله عن رجال من الصالحين ومن أبناء المهاجرين والأنصار والقرشي يقول: قتلوا يوم قديد. فقال المنصور: يا ابن أخي أفتعيب على معن في قتل أهل حضرموت وهم الذين قتلوا أولئك بقديد فأخذ معن بثأرهم، فسكت القرشي عند ذلك (2).
بقي معن بن زائدة والياً على اليمن حتى ولاه المهدي سجستان سنة 151 هـ فاستخلف ابنه زايدة بن معن، وفي سجستان ساءت معاملته للناس ولحقهم منه البطش والتنكيل والأذى، وقتلته (الخوارج) سنة 152 هـ بيست.
سجستان
(")
(1) ابن حبيب أبي جعفر محمد أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام ص 183. (2) السقاف عبدالرحمن بن عبيدالله: بضائع التابوت في نتف من تاريخ حضرموت ج اص 216. (3) الطبري: تاريخ الطبري ج 3 ص 503.
(226) (1/226)
صفحة 225
يبدو لي أن اغتيال معن بن زائدة جاء انتقاما وثأراً منه، على يدي رجلين من
إباضية حضرموت، لحقا به ليثأرا لقتل أبيهما، كما ذكرت المأثورات اليمنية ذلك، لأن اغتيال معن بن زائدة كان على يدي محمد بن عمرو بن عبد الله وأخيه وذلك انتقاما لمقتل أبيهما عمرو بن عبدالله بحضرموت، وكان معن بن زائدة قد أعطى الأمان لعمرو بن عبد الله المتحصن في إحدى القلاع؛ إذا استسلم ونزل من عبدالله حصنه، ولكن ما أن وضع السلاح واستجاب لدعوة معن حتى نكث معن العنيد و أمر بضرب عنقه غدراً.
غامر محمد بن عمرو وأخوه الصغير بالرحيل إلى سجستان، فلحقا بمعن بيست وتنكرا واندسا مع الأجراء الذين كانوا يعملون في دار معن، فلما قرب كمال بناء الدار خرج إليها معن ليبصرها ومحمد وأخوه يختلفان مع الأجراء بالطين والآجر. وكان محمد. يترصد معنا. ثم أن معنا دخل بعض دهاليز تلك الدار ليقضي حاجة، فتبعه محمد بن عمرو فقطع بطنه بسكين مسموم وغمز أخاه فخرجا وتمنكا من الهرب إلى حضرموت (1). وقد ذكرت الشعراء ذلك في أشعارها، قال مروان ابن أبي حفصة في مرثية
معن
كان معه
فلو أن أم الحضرمي تلفعت بثوبين في جنح من الليل دامس لغالتك إن شاءت كما غالك ابنها وقد يقتل المغرور أضعف لامس
لبثت حضرموت عشرات السنين بعد حملة معن بن زائدة تحت السيطرة الاسمية للدولة العباسية، وإن كانت لم تشكل أية أهمية تذكر بالنسبة لمصالح هذه الدولة (2). وكانت دفة السياسة والسيطرة الاجتماعية والغلبة فيها للإباضية المتكاثرة في ذلك الحين. وفي سنة 179 هـ ظهرت من جديد الإمامة الإباضية
(1) الحميري نشوان بن سعيد: ملوك اليمن وأقبال حمير ص 184. (2) فرانتسوزوف، سرجيس: تاريخ حضرموت السياسي والاجتماعي قبيل الإسلام وبعده ص 160.
(227) (1/227)
صفحة 226
بحضرموت، وقد ذكر السالمي أن المسلمين عزلوا محمد بن عبدالله بن أبي عفان حين لم يرضوا بسيرته ولا مذهبه وذلك في النصف من ذي القعدة من سنة 179 هـ وسبيله عندنا سبيل إمام حضرموت عبد الله بن سعيد، وقد كان أهل حضرموت عزلوه وقدموا عليه خنبشاً (1).
وفي أيام الرشيد كان عامله على اليمن وحضرموت. محمد بن خالد البرمكي، فخرجت تمامة عن طاعته، فاستنجد الرشيد فأرسل مكانه حماد بن عبدالله البربري فعاملهم بالعسف ولم يزل على اليمن حتى توفي الرشيد في سنة 193 هـ.
في سنة 203 هـ استطاع ابن زياد عامل المأمون أن يضم حضرموت مدة قصيرة إلى سلطته، وقد حملت سلطته طابعاً شكلياً صرفاً. وكانت علاقة حضرموت بإمامة عُمان علاقة قوية ومتينة وفي تواصل ومشاورات دائمة. لمواجهة الحملات العسكرية المتوالية على المنطقة، وقد طلبت حضرموت الدخول في أحلاف مع إخوانهم في العقيدة في عمان واضطرت إباضية حضرموت أن تكون ضمن إطار إمامة واحدة الجنوبي الجزيرة العربية، و كان الإمام مهناً بن جيفر (226 - 237 هـ (إماماً على عُمان وحضرموت. وكان هذا الحدث مضرب مثل عند فقهاء الإباضية حول جواز مسألة توحيد إمامي قطرين إباضيين
متجاورين.
وخير دليل على متانة العلاقات الوثيقة بين الإباضية في حضرموت وعُمان، ما جاء في مخطوطة (السير العمانية) من رسائل فيها تبادل حول الآراء والمسائل الفقهية ومناقشة الأمور السياسية بين إباضية عُمان وإخوانهم في حضرموت، وهذا التبادل حول المسائل العقدية والآراء السياسية المذكورة في مخطوطة (السير
(1) السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ج 1 ص 125
(228) (1/228)
صفحة 227
العمانية يشهد على العلاقات الوثيقة بين إباضية جنوبي الجزيرة العربية، وقد جاءت المخطوطة على نحو صيغة أجوبة، منها الجواب الأول:
- سيرة الشيخ أبي الحواري محمد الحواري العماني، إلى أبي عبدالله وأبي عمر وأبي يوسف محمد بن يحيى بن عبد الله بن مرة، أحمد بن سليمان ومحمد بن عمر، وعبدالرحمن بن يوسف إخوتنا في حضرموت (1).
بعد الديباجة التقليدية في الرسالة، التي فيها من الوعظ والتوصية بطاعة الله والتقوى والتعاون على البر وقول الحق والاجتماع على العدل والزجر عن المعاصي والعصيان والحميات فإنما من أخلاق الجاهلية، والدعوة على تشديد إقامة الصلوات ودفع الزكاة. قال الشيخ ابو الحواري العماني: وقد وصل كتابكم تسألون عن معرفة خبر. ما سبق من الأحداث والأمور السالفة من أهل عمان وغيرهم، ثم تناول الإجابة عن سبعة أسئلة وردت من أهل حضرموت وهي استفسارات حول قضايا عمانية داخلية، تبين بحرى الأحداث فيها بعض الآراء الفقهية والسياسية التي تستند على الفكر الإباضي.
كان أول رد للشيخ الحواري على استفسار وسؤال أهل حضرموت حول أمر سعيد بن زياد، فقال حين بعث إلى أهل الأحداث من الشرق وكان بينهم ما قد كان: فلما ظهر سعيد عليهم واستولى على بلادهم، فبعث رسولاً إلى موسى بن أبي جابر، ينبئه أنه قادم على قطع نخلهم وهدم منازلهم، ويقول الحواري وفي ذلك فيما بلغنا قول عن وائل بن أيوب رحمه الله، وقد سألوه عن حدث سعيد بن زياد وقد قتل وأحرق وأفسد، فقال وايل: فيما بلغنا أما في قتل سعيد ممن قتل المسلمين
(1) السير العمانية ص 3 مخطوط.
(229) (1/229)
صفحة 228
فهو حقيق بالقتل، وأما من قتل من لا يستحق القتل وما أحرق من المنازل والأمتعة، فإن كان الذي بعثه إمام عدل كان ما ضيع في بيت المسلمين.
ثم قال في جوابه وذكرتم عن أمر (القادم (الذي قال فيه وارث بن كعب أنه لم يأمر بقتله، ويقصد بالقادم عيسى بن جعفر القادم من العراق الذي هزمته الإباضية في عُمان، وأسر فحبس في سجن صحار، وحين بلغ وارث بن كعب أن عيسى بن جعفر في السجن، قام على الناس خطيباً فقال أيها الناس إني قاتل عيسى بن جعفر، فمن كان معه قول فليقل، فبلغنا أن علياً بن عزرة كان من فقهاء المسلمين، قام فتكلم فقال فيما بلغنا: إن قتلته فواسع لك وإن تركته فواسع
لك.
فأمسك الإمام عن قتله وتركه في السجن، فلما كان بعد ذلك فبلغنا أن قوماً من المسلمين، وبلغنا أن رجلاً فيهم يقال له يحيى بن عبدالعزيز رحمه الله، وكان من أفاضل المسلمين، ولعله لم يكن تقدّم عليه أحدٌ في الفضل في زمانه بعمان، ولعل ذكره بعمان يشابه ذكر عبدالعزيز بن سليمان بحضرموت، فبلغنا أنهم انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام حتى أتوا صحار في الليل فتسوروا السجن على عيسى بن جعفر فقتلوه في السجن من حيث لا يعلم الوالي ولا الإمام فيما بلغنا وانصرف القوم إلى بلادهم.
(1)
وسوّغ الشيخ الحواري وجهة نظر الإباضية على ما أقدم عليه يحى بن عبدالعزيز من الإقدام على قتل عيسى بن جعفر غيلة دون الرجوع إلى الإمام أو الوالي فقال: ((يقولون قاتل عيسى بن جعفر لم تشمّه النار ... والذي حفظنا من قول المسلمين، أن إمام المسلمين إذا قتل أو قتل والي المسلمين في ولايته أو قتل قائد المسلمين في مسيره، أو قتلت سريّة المسلمين أن دياتهم للمسلمين دون
(1) المصدر نفسه ص 6.
(230) (1/230)
صفحة 229
أوليائهم، وللمسلمين أن يقتلوا من قتلهم كيف ما قدروا عليه غيلة أو غير غيلة وفي ذلك آثار المسلمين قائمة معروفة فيما مضى في أوائل المسلمين وإني أكره ذكرها مخافة ضياع الكتاب من قبل أن يصل إليكم .. )) (1). في هذه الرسالة نقف على شخصية إباضية كانت مشهورة في حضرموت وهو عبدالعزيز بن سليمان (الحضرمي (وهي توازي شخصية يحيى بن عبدالعزيز (العماني) في الذكر والشهرة وفي المواقف المتشددة والمتطرفة في التعامل مع خصومهم غير الإباضية من المسلمين.
ويمضي نص الرسالة في صيغة أجوبة طرحت حول قضايا داخلية عُمانية نتجت عن الصراع والاختلاف في المواقف والخروج، ومن هذا الاختلاف تحددت المواقف التشريعية للإباضية حول التعامل معها ومواقف أئمة وفقهاء
عُمان منها.
وأهم ما جاء في تلك الرسالة السؤال عن مصير سلاح أهل البغي والضوابط التشريعية للإباضية التي يجب مراعاتها خلال الحرب وتعاملهم مع خصومهم وأعدائهم غير الإباضيين من المسلمين.
- سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل حضرموت في أمر هارون بن اليمان (2). جاءت هذه الرسالة ضمن ثلاث رسائل في مخطوطة (السير العمانية) بعثها محبوب بن الرحيل، فكانت الرسالة الأولى لأهل عمان، والرسالة الثانية لأهل حضرموت، والرسالة الثالثة للإمام المهنا بن جيفر، وقد كتبها محبوب بن الرحيل جواباً على رسائل بعثها هارون بن يمان أثار فيها قضايا ومسائل عقدية وفكرية
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه ص 32.
(231) (1/231)
صفحة 230
عميقة، و يبدو لي أن رسالة هارون بن يمان تعبر عن آراء اختلف فيها مـ محبوب بن الرحيل وجمهور الإباضية تبنى فيها هارون آراء المعتزلة في بعض المسائل العقدية والفكرية التي شغلت المتكلمين فأراد أن يثير النقاش فيها ويستطلع آراء إباضية عُمان وحضرموت وأحيلت رسائل هارون إلى محبوب بن رحيل للاستيضاح منه وطلب الرد عليه:
ففي رسالة محبوب لأهل حضرموت جرى الرد ومناقشة ثلاث مسائل ود أهل حضرموت الاستفسار عنها، أولها فريضة الجمعة وقد شدد في رده على تأديتها وحضورها وعدها خلف أئمة قومهم فريضة يرغبون فيها ويسارعون
إليها.
ولم يترك عذراً في التقصير عن أداء هذه الفريضة حتى ولو كانت خلف إمام جائر وضرب مثلاً بذلك وقال: كان جابر بن زيد يجمع مع زياد، وخلف عبيدالله بن زياد والحجاج وهم الذين بلغوا في قتل المسلمين ما لم يبلغه أحد من الناس. واستشهد حول أهمية حضور الجمعة بآراء مشائخ وفقهاء الإباضية من أمثال جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم، وضمام بن السائب، وصالح وأبي نوح
(1)
وحاجب بن مسلم ونظرائهم من فقهاء المسلمين.، ويعني في مراسلاته
بالمسلمين (الإباضية). وفي المسألة الثانية: أثار قضية كلام خصومهم وقال تكلموا بالشك والعمي والحيرة، وبأمر ما بلغته شكاك قومنا أن زعموا أن امرأة منهم مقرة بدينهم ثبت ولايتها عندهم بدين، ثم رأوها في مجلس الشباب تسقيهم النبيذ وتشرب معهم، وهي بين أيديهم في قميص رقيق لا يستر من جسدها شيء يغمزونها وتلاعبهم ثم يصيبون منها حيث شاءوا بأيديهم من جسدها، إلا أنهم لا يبلغون ما يشهد
(1) المصدر نفسه ص 33.
(232) (1/232)
صفحة 231
عليهم أنهم زنوا بها، فزعموا أنهم لم يبلغ ذلك منزلة يبرأ منها، وأنهم لا يدرون
لعلها مسلمة ولية الله.
وقال ابن الرحيل: فقال (المسلمون (وأهل الفقه والعلم ومن يقتدي به ويتبع
أثره على هذه المرأة، لعنها الله ومن يتولاها (1).
وقال: قال أبو عبيدة الشاك هالك والسائل معذور، وقال: لعن الله المحدثة يزعمون لو أن امرأة طافت بالبيت وعليها حامة رقيقة لا تواري جسدها أنها
عندهم مسلمة، وأن ذلك الفعل لا يخرجها من الولاية.
أما المسألة الثالثة التي أخذت الحيز الأكبر من المناقشة وتناولت مسألة سبي نساء وأطفال المسلمين غير الإباضية، وكذا ممتلكاتهم كغنائم حرب، وبين رأي الإباضية لمفهوم المشرك والمنافق والمسلم، وتناول قول من قال إن المسلمين صنفان أهل الكبائر منافقون يجري عليهم أحكام أهل الإقرار لأنهم مقرون بالتوحيد لو لم ينالوا فيه ما وصفه المشركون وآخرون براء من التوحيد، لأنهم تأولوا فيه ووصفوا الله تبارك وتعالى بما لم يوصف به نفسه، وكذبوا في صفته والله تعالى بريء مما وصفوه به، غير أنهم لم يبلغوا منزلة جحود بالله ولا تكذيب ولا إنكار له، غير أنهم لم يبلغوا بذلك عند من مضى من سلف (المسلمين) وفقهائهم وعلمائهم جحود بالله ولا تكذيب ولا إنكار له فلم يسموهم بالشرك ولم ينسبوهم إليه ويحكموا عليهم به، ولم يلحق منهم سبي ولا غنيمة.
منزلة
وإن الذين كانوا يتبرؤون من مخالفيهم من أهل القبلة، وإن صلوا معهم الصلاة وصاموا رمضان وحجوا وأقروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويسمونهم المشركين وعندهم حلال سباهم وغنيمة أموالهم، ((فقولهم لم يسبقهم إليه أحد من المسلمين إنما هو قول الجهمية عليهم غضب الله وأخذوا بقولهم
(1) (المصدر نفسه ص 34.
(233) (1/233)
صفحة 232
وتابعوهم عليه وحكموا فيهم بأحكام الخوارج من الأزارقة والصفرية فاستحلوا
منهم السبي والغنيمة في كل ذلك مما خالفوا المسلمين)).
وقال: عندنا في حكمنا من الموحدين المقرين ما لم يجحد ما أقر به أن يرجع أو يكذب به فهو منافق ضال كافر برئ من الشرك وبرئ من السبا والغنيمة، وحكمنا فيهم حكم أئمتنا أبي بلال مرداس وعبدالله بن يحيى والمختار بن عوف والجلندى ابن مسعود رحمهم الله وبهم نقتدي وهم سلفنا وأولياؤنا وأئمتنا حكموا فيهم بحكم الموحدين المقرين و لم يسبوا ذرية ولم يغنموا مالاً، وعابوا وشتموا جميع من سماهم بالشرك واستحل منهم السبا والغنيمة، وفارقوا الخوارج أن قالوا نحن براء من إلهكم الذي تعبدون وقال: إنما فارق المسلمون جميع الخوارج على تسميتهم أهل القبلة بالشرك)
وعلى العموم يعيد البعض تاريخ هذه الرسائل إلى أواخر القرن الثالث الهجري، ويمثل إرسال الجوابين المذكورين من عُمان إلى حضرموت، اللذين حفظتهما لنا مخطوطة السير العُمانية نموذجاً على حسن ومتانة العلاقات بين الإباضية في عُمان وحضرموت. وفي الوقت نفسه ليس لدينا إلا نموذجان قطعاً؛ من مئات الرسائل التي كانت تتبادل بين فقهاء وعلماء هذا المذهب، وتبين مدى الترابط العقدي والمذهبي وأهمية العلاقات بين إباضية جنوبي الجزيرة العربية، و تواصل النقاش في المسائل الفقهية والأمور السياسية والمواقف الشرعية من وجهة. نظر فقهاء وعلماء المذهب الإباضي. والتشديد على الضوابط التشريعية التي يجب مراعاتها خلال حرب غير الإباضيين من المسلمين.
وتدل أيضاً على أن أتباع هذا المذهب كانوا أهل حوار ونقاش وتبادل الآراء. حول المسائل الفقهية والآراء الفكرية، وأنهم ليسوا كما وصفهم بعض المؤرخين
(1) المصدر نفسه ص 35.
(234) (1/234)
صفحة 233
الحضارمة بأن الإباضية قد ضربت بين حضرموت وبين التثقف والتعليم والاتصال بالعالم الخارجي سياجاً من التعصب والجمود " (1).
وقد عد علوي بن طاهر الحداد هذه الرسائل نموذجاً في اختلاف الإباضية في مسائل كانت بين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان، تابع محبوب فيها مذهب العجاردة، ورد كل منهما على صاحبه ثم نشرت رسائلهما وأرسلت إلى حضرموت واليمن إلى من كما من الإباضية، فتبع أهل عمان وحضرموت هارون، وتبع أهل اليمن محبوباً (2).
وخلافاً لهذين الجوابين اللذين جاءا في السير العمانية، فإن مصادر تاريخ
الإباضية بحضرموت قد جففت فيما بعد. وعطلت عجلة الفكر في حضرموت ودارت على ما يشتهيه خصومهم من أهل المذاهب الأخرى.
تبنى بعض المفكرين العلويين من الحضارم فكراً شيعياً ووصفوا الإمام المهاجر أحمد بن عيسى جد العلويين الحضارم بأنه إمامي، وأخذوا يفسرون المواقف والأحداث التاريخية من منطلق معتقداتهم الشيعية. وأصبحت كلمة ((ناصي، أو خارجي، أو إباضي ((تهمة تنصب على كل من لا تروق لهم أفكاره أو مواقفه (3)
إن مبدأ الخروج مبدأ سنه الحسين بن علي، وهو يقتضي من الفاضل الموثوق العارف الشجاع، التقي السخي، إذا رأى ظلماً أن يتصدى له، ويخرج على إرادة الحاكم الظالم، ليبدل، أمره فالحسين بهذه الطريقة قدم بطولة نادرة في التاريخ،
(1) الحامد صالح: تاريخ حضرموت ج 1 ص 245. (2) الحداد، علوي بن طاهر: حني الشماريخ جواب لأسئلة في التاريخ ص 12. (3) با مؤمن كرامه مبارك الفكر والمجتمع في حضرموت ص 142.
(225) (1/235)
صفحة 234
وموقف عدالة وحق في وجه الطغيان والباطل وإن كانت غالبية الأمة سكنت وسكوتها يعد قبولاً بحكم يزيد، إلا أنه قبول المرغم.
ولكن الخوارج والإباضية فيما بعد؛ لم تسكت و لم تقبل حين سنّ معاوية سنة الانقلاب على الراشدين فرسم للبيت السفياني كسروية، قيصرية، فخرجوا وقد رأوا الظلم الأموي فأبوا إلا أن يتصدوا له، كما تصدى الحسين بن علي في نفر قليل من أصحابه لجيش الأمويين، وقتل شهيداً في صحراء كربلاء.
ولا أظن أن ثورة الحسين بن علي (رضي) وخروجه على جور وحكم الأمويين كانت حلماً، أو أن ثورته كانت من سوء الطالع على أهله وأهل العراق والحجاز في ذلك الحين.
ولا أظن أن الثورة الإباضية بحضرموت تسحق وصفاً كوصف المؤرخ صالح الحامد حين قال: ((وهكذا طاحت أحلام أبي حمزة وعبدالله بن يحيى وحبطت مساعي مناصريهم من الإباضية لإقامة دولة حينئذ. وكأنما بعثت هذه الثورة سوء الطالع لحضرموت في ذلك الحين لتكون سبباً لإبادة ثانية بعد إبادة النجير بل أقسى وأمر)) (1).
ليس من السهل محو الفكر الإباضي من معتقد الناس بحضرموت بالسهولة نفسها والسرعة والزمن نفسه الذي قضي فيه على ثورة طالب الحق بحضرموت. ولكن فيما يتعلق بإباضية حضرموت بين القرن الثاني والرابع الهجري، فلا يعرف
عنهم أي شيء يذكر.
(1) الحامد، صالح: تاريخ حضرموت ج 1 ص 213.
(236) (1/236)
صفحة 235
ومن المؤكد أن الإباضية قد استمرت في حضرموت، وكان لها الحول والطول وتغلب الأكثرية، ولم تخف دولة الإباضية بحضرموت بل بقيت راسخة البناء ثابتة القدم (1): وكانت إمامتها قائمة بذاتها وغير مرتبطة بعمان.
وذكر الهمداني أن لهم إماماً في نهاية القرن الرابع الهجري، وأن مقره في مدينة
دوعن، ((وأما موضع الإمام الذي يأمر الإباضية وينهي ففي مدينة دوعن)) (2).
وذكر مدينة دوعن من المواضع التي يواخذ عليها الهمداني، لأن دوعن ليس بمدينة ولكنه واديان عظيمان يشتملان على كثير من القرى والبلدان، لعله يقصد أن مقره في المدينة الرئيسة لوادي دوعن
كانت الإباضية منتشرة في قبيلة حضرموت بشكل كبير، وعندما ذكر الهمداني (رخية) وذكر سور بني النعيم من تجيب بما قال: ((ولهم قرى كثيرة بواد
(3)
غير ذلك وأباضيتهم قليلة، وأكثر ذلك في الصدف لأنهم دخلوا في حمير)) (2).
وهذا يدل على أن فرع القبيلة الواحدة بحضرموت كان مابين معتنق للمذهب الإباضي، ومعتنق لغيره من المذاهب الأخرى.
+
وفي تلك الفترة كان التسامح المذهبي بين أتباع جميع المذاهب هو السائد، وأن أتباع كل مذهب تجري عليهم تشريعات مذهبهم و لم تسجل مصادر التاريخ أي صراعات أدت إلى القتال بين أتباع الإباضية وغيرهم من المذاهب الأخرى
بحضرموت.
(1) السقاف عبدالرحمن بن عبيدالله: بضائع التابوت جاص 190.
(2) الهمداني: صفة جزيرة العرب ص 170.
(3) المصدر نفسه.
(237) (1/237)
صفحة 236
حاولت الإباضية في حضرموت منذ أن عبدالله. سعي بن يحيى الكندي -
طالب الحق أن يظهر الإمامة الإباضية في تاريخ الخلافة الإسلامية، أن يكون لها القوة الكافية لتأمين وجود إمامتهم بشكل متواصل، ولكن دخولهم في إطار الإمامة العمانية يؤكد عدم مقدرتهم في إيجاد القوة الكافية لتأمين وجود إمامة واحدة تجمع تحت لوائها إباضية حضرموت و إن وجدت مثل هذه الإمامة فإنها بقيت سلطة دنيوية ودينية تتمتع بالنفوذ المحدود على مدن وأودية فرعية غالبية سكانها من أتباع المذهب الإباضي.
حضرموت
ففي عهد دولة بني زياد التي كانت بدايتها عام 202 هـ كانت كسائر اليمن منضوية تحت سيادة بني زياد قدم إليها السيد أحمد بن عيسى العلوي نازحاً من العراق سنة 318 هـ، واضطربت آراء العلويين واختلفت في مذهبه في الأصول والفروع فقيل إنه كان سنياً، شافعياً، فإذا كان سنياً شافعياً، فما هو الدافع الذي جعله يترك مذهب أجداده ويختار مذهباً آخر غير مذهبهم؟ ولاسيما إذا كان يعلم حقيقة مذهب العلويين في العراق حينئذ وأنهم كانوا على مذهب آبائهم، وفوق هذا كانوا يعدون المذهب الإمامي مذهباً قومياً لهم
ولأشياعهم (1).
وقد شك المؤرخ عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف في أن يكون السيد أحمد بن عيسى المهاجر أظهر المذهب الشافعي بحضرموت وقال: ((أنا في شك من قول الشلي: عن المهاجر أنه أظهر المذهب الشافعي بحضرموت، وكيف يكون شافعياً وإنما هو عراقي؟ ولآبائه مذهب معروف لا يمكن انتقاله عنه بدون بناء عظيم يكون له دوي في التاريخ والاستصحاب قاض بخلاف ما ذكره الشلّي)) (
(1) الحامد صالح: تاريخ حضرموت ج 1 ص 323.
(2) السقاف عبدالرحمن بن عبيد الله بضائع التابوت ج 1 ص 234.
(238) (1/238)
صفحة 237
وقال: أما الاعتقاد فالذي أراه أن العلويين كان آباؤهم على جانب من
التشيع لا يشينه الإفراط، يشهد ذلك ما ذكره الحبيب أحمد بن علي الجنيد في (النور الزاهر وشيخنا الإمام عبدالرحمن المشهور في مشجره من أن الحبيب أحمد بن الفقيه المتوفى غريقاً في سنة 760 هـ هو أوّل من سمى أولاده في حضرموت بأبي بكر وعمر لأن أهلها كانوا شيعة وقال الصواب لأنهم أعني العلويين كانوا شيعة، فهو إما غلط من ناسخ (النور) الزاهر تبعه عليه شيخنا المشهور، وإما أن يكونوا تعمدوا الإيهام بذلك لما في نسبة التشيع إلى العلويين ().
حين نزل المهاجر أحمد بن عيسى سنة 318 هـ بحضرموت كان إمامياً كما هو القول الذي قال به السيدان عبدالرحمن بن عبدالله السقاف وصالح بن علي الحامد وهما من أبرز من تبنا هذا القول، وإن كان هذا القول يرفضه معظم آل باعلوي، بصورة غير مباشرة أو لنقل غير معلنة ((لأنهم يرون لو كان المهاجر إمامياً لألزموا بمذهبه واتهموا بالانحراف عن منهجه، وبالتالي محال أن يكونوا إماميين أو يعترفوا بأنهم منحروفون عن منهجه. إذا محال أن يقروا بإمامية المهاجر لو اقترضنا جدلاً أنه كذلك. ولأن مذهب الإمامية أو العقيدة الإمامية بالأصح عقيدة منحرفة ضالة مبتدعة، وهي عقيدة الروافض في نظرهم. وبالتالي محال أن يعتقدوا أن الإمام المهاجر جدهم الأول بحضرموت مبتدع وضال لنسبته للإمامية)) (2).
ولست أنكر أن حب أهل البيت استوى فيه العرب والمسلمون جميعاً، ولا يزيد الشيعة في ذلك عليهم أية زيادة، وما ظهر وجرى وامتد من مغالاة بعض المتشيعة ليس من الإسلام في شيء.
(1) المصدر نفسه ص 236.
(2) العيدروس، حسن بن أحمد: وقف التشاجر حول مذهب الإمام المهاجر ص 29.
(239) (1/239)
صفحة 238
فإذا كانت الإمامة هي أصل موضوع مواقف الشيعة، وأصل تفردهم ومدار بحثهم، وليس الإمام عندهم سوى علي بن أبي طالب رضي)، ومن جاء بعده من بنيه وأحفاده إلى ما ينتهي من الأئمة الوارثين المعصومين. فقد ظهرت فرقة إمامية حضرت الإمامة بعلي على أقوال كثيرة لم يأخذ بما سواهم، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه .. لذلك فهذه الفرقة التي تسمى (الإمامية) تبرأ من أبي بكر وعمر لعدم تقديمهما علياً، وقد ظهر فيهم غلاة نبذوهم كما نبذهم جمهور الأمة.
يبدو لي أن استعداء أحفاد المهاجر أحمد بن عيسى للأباضية ودخولهم في صراع تقليدي مذهبي وفكري وسياسي أمر فرضته الظروف السياسية والمذهبية التي أتت انعكاسا للصراع التقليدي وطموح الزعامة والإمامة والتوسع في النفوذ بعد انتشار المذهب الشافعي في حضرموت في أواخر القرن الخامس الهجري.
إذ زادت حدة الصراع المذهبي منذ مطلع القرن الخامس الهجري حين بدأت حضرموت تتطور تطوراً مذهبياً ملحوظاً، وهذا التطور المذهبي تعزز بعد انتشار المذهب الشافعي في حضرموت بوساطة تأثير دعوة الشيخ أبي عبدالله. علي بن الحسن بن أبي علي القلعي مفتي مرباط وقاضيها (توفي سنة 577 هـ).
محمد بن
ينسب الشيخ محمد بن. علي القلعي إلى القلعة) وهي بلدة في المغرب تعود أصوله إليها، وكان مولده بمصر في العقد الثامن من القرن الخامس الهجري تقريباً، وهاجر إلى زبيد في عهد دولة بني نجاح و كان النجاحيون يتبنون المذهب الشافعي وشجعوا أئمة المذهب للوفادة إليهم والسعي على نشر المذهب.
حين هاجت فتنة علي بن مهدي الرعيني بزبيد الذي كان يتمذهب بمذهب أبي حنيفة في الفروع، ويكفر بالمعاصي، ويقتل بها من خالف اعتقاده، ويستبيح
(240) (1/240)
صفحة 239
وطء نساء من خالفه ويجعل دارهم، دار، حرب، تحت وطأة هذه الفتنة خرج الشيخ محمد بن علي القلعي من زبيد خائفا بعد ما شاهد فصولها المؤلمة، قاصداً بغداد دار الخلافة الإسلامية، فكانت أول محطته في رحلته مرباط، وبلاد مرباط تعد مرفاً لظفار بينها وبين ظفار، مرحلتين وأهل مرباط أهل تجارة يتحلون بكثير من الفضائل التي رآها ابن بطوطة فوصفها بقوله ((وهم أهل تواضع وحسن أخلاق وفضيلة ومحبة للغرباء)).
محمد
من
بن
الأسباب التي هيأت لبقاء الشيخ محمد بن علي القلعي بمرباط أن سلطانها أحمد المنجوي استطاع أن يثني الشيخ القلعي عن جهته وأبدى رغبته في
بقائه في سلطنته ليستزيد الناس من علمه وولاه أمور الفتياء والقضاء مرباط.
تعززت العلاقات بين المؤسسة المذهبية (الدينية) التي يمثلها قطبها الشيخ محمد بن علي القلعي والمؤسسة الدنيوية (السياسية (الحاكمة والتي يمثلها السلطان محمد بن احمد المنجوي، ممدوح الشاعر التكريتي الذي قال فيه:
الإمام الطاهر النسب الزكي الطيب الحسب السحاب الساكب اللجب الهتون العارض الهطل
الهزير المنجوي إذا ألقت الحرب العوان أذى هو تاج والملوك حذا بل حضيض وهو كالقلل
وهو قس في فصاحته ولؤي في سماحته وهو معن في سماحته وابن عباس لدى الجدل
إن قوة هذه العلاقة التي نشأت بين السلطان الكريم المنجوي، وبين الشيخ العالم الشافعي القلعي كان لها تأثيرها الواضح على الجزء الشرقي من عمان (ظفار) حيث إنها سعت إلى أبقاء منطقة ظفار حاجزاً مذهبياً شافعياً، يفصل بين جناحي الإباضية في جنوبي الجزيرة العربية عمان وحضرموت، ومن مرباط ظفار انطلق الفقه الشافعي إلى حضرموت بوساطة طلبة الشيخ محمد بن علي
(241) (1/241)
صفحة 240
القلعي.
كأمثال الفقيه أبي الحسن علي بن أحمد بامروان الحضرمي، وأحمد بن
محمد بن يحيى السبتي قاضي الشحر ومفتيها.
والفقيه أبو الحسن علي بن أحمد بامروان هو صاحب مصنفات مفيدة وفتاوى عظيمة وله مسجد بتريم ظل ينشر العلم إلى أن مات سنة 624 هـ، وقد تخرج به في العلوم الشرعية الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي غير أنه هجره لما أظهر التصوف (1)
استطاع الشيخ القلعي أن يغدو علماً مشهوراً في فقه المذهب الشافعي و بوساطته انتشر المذهب الشافعي بحضرموت وعنه انتشر العلم فتسامع به الناس إلى حضرموت ونواحيها فقصدوه وأخذوا عنه الفقه وغيره بحيث لم ينتشر عن أحد بتلك الناحية كما انتشر عنه: وأعيان فقهائها أصحابه وأصحاب أصحابه (2).
قال الخزرجي ((وأكثر ما توجد مصنفاته في ظفار وحضرموت ونواحيها، وعنه انتشر الفقه في تلك الناحية ولم ينتشر العلم عن أحد في تلك الناحية كما انتشر عنه وأعيان فقهائها أصحابه وأصحاب أصحابه)) (3). و قال الحافظ ابن حجر ((إن الفقه الشافعي انتشر عن القلعي بظفار وحضرموت وأن الناس تسامعوا به في حضرموت وغيرها فقصدوه وحملوا عنه)) (4)
انتشر المذهب الشافعي في مدينة تريم بينما ظلت مدينة شبام معقل الإباضية في حضرموت وحصنها الحصين منذ ظهور هذا المذهب حتى تلاشيه. وهناك ظاهرة تاريخية تبدو للقارئ في تاريخ حضرموت واضحة وجلية، وهي إن جاز أن
(1) عصبان، أكرم مبارك: الإمام القلعي مفتي مرباط وقاضيها ص 42. (2) الجندي، بهاء الدين: السلوك ص 24 و 526.
(3) الخزرجي علي بن حسن: العقود اللؤلؤية ص 190.
(4) بكير، عبدالرحمن بن عبدالله: القضاء في حضرموت في ثلث قرن ص 46.
(242) (1/242)
صفحة 241
J
نطلق عليها صراع النفوذ بين المدن التقليدية الحضرمية، وهذه الظاهرة كانت ولا زالت تشهدها المدن الحضرمية، إذ تتنافس فيه المدن الحضرمية على السيطرة الاقتصادية أو الروحية أو السياسية، وقد لعبت تريم وشام دوراً مشهوداً في سلسلة صراع المدن الحضرمية التقليدية.
وكان في شبام من زعماء الإباضية في القرن السادس، آل النعمان من بني الدغار أمراء شبام أو سلاطينها كما يسميهم البعض، ومن أبرزهم راشد بن أحمد بن النعمان، الذي قام بحركات ضد السلطان السني عبدالله بن راشد ثم قتل سنة
605 هـ
(1)
عبر تريم البوابة الشرقية الحواضر مدن، حضرموت، تطورت حضرموت عقدياً ومذهبياً، إذ انطلقت منها الوفود الإسلامية ثم شهدت ساحات تريم أحداث حرب الردّة، وفيها تلقفت حضرموت نواة الفكر الإباضي، ومنها انطلقت ثورة الإباضية بقيادة طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي، وبما ظهر أتباع المذهب الشافعي الذين أعدوا العدة بمؤازرة سلاطين دولة آل راشد ((400 - 700 هـ))
لمواجهة الإباضية في حضرموت ودخلوا معها في جدال و صراع فكري تطور إلى نزاع مسلح انتهى بانتصار المذهب الشافعي وانحسار الإباضية وتلاشيها تدريجياً من حضرموت، وإلى تريم حملت الخرقة (المدنية) نسبة إلى الصوفي أبومدين و ظهر التصوف وظهرت الزوايا الصوفية.
إن العلاقة المذهبية عبر بوابة تريم ألزمت حضرموت أن تتأثر عقدياً ومذهبياً بالجارة الشرقية لحضرموت) عُمان ((فمن عُمان أنتشر المذهب الإباضي بحضرموت، واستمر ما يقارب ستة قرون مذهباً سائداً بحضرموت، وعبر بوابة
(1) الشاطري، محمد بن أحمد: أدوار التاريخ الحضرمي ج 1 ص 132.
(243) (1/243)
صفحة 242
(ظفار) انتشر المذهب الشافعي بحضرموت وأصبح حتى اليوم هو المذهب السائد
في حضرموت.
في القرن الرابع الهجري قدم العلويون من البصرة إلى حضرموت، واستغل من العداء التشكيك في نسبهم الشريف، فصرفوا أنفسهم نحو صراع يثبت
ناصبهم
النسب والنسبة إلى قريش ثم إلى البيت النبوي، وبعد جهد جهيد ومتواصل الزمهم باصطحاب عدد كبير من علماء وأعيان حضرموت على نفقتهم الخاصة إلى موسم الحج لينالوا شهادة علنية من أهل العراق تزيل الريبة عن صحة نسبهم
الشريف.
ركز العلويون على النسبة لأهل البيت لأن المال والعلم وحدهما لا يكفيان لتحقيق طموح الزعامة. وعلل المفكرون العلويون عدم تحقيق هذا الطموح خلال ثلاثمائة سنة؛ إلى احتدام شدّة الصراع المرير بين الفكر الإباضي المهيمن على حضرموت من جهة وبين وفكر المهاجر الإمامي من جهة أخرى وذلك لما قام به هذا الإمام من الدعوة والإرشاد في عصر كان يسوده الجهل والبداوة وتخيم في أنحائه نحلة الإباضية (1)
وفسر الدكتور روبرت سرجنت هذا الصراع بأنه تنافس على الزعامة الدينية ة الدينية في حضرموت بين العلماء والفقهاء والسادة العلويين حتى تمكن السادة من / انتزاعها من المشائخ (2). ولا أظن أن هؤلاء المشائخ كانوا علماء إباضيين، بل هم علماء سنيون أساساً.
(2)
اختلفت المأثورات (العلوية) في دعوة المهاجر أحمد بن عيسى، فالحامد يعتقد. أن دعوته كانت كلها سلمية وأنها كانت كلها بالرأي واللسان لا بالسيف
(1) الحامد صالح: تاريخ حضرموت ج 1 ص 306. (2) سرجنت روبرت حول مصادر التاريخ الحضرمي.
(244) (1/244)
صفحة 243
والسنان، ولم يوجد نقل ولا دليل كاف على أنه التجأ يوماً في دعوته إلى السيف والرمح .. ولو كانت دعوته قائمة على السيف وإراقة الدماء، كما يتوهم، لقضي على النحلة الإباضية عند انتصاره على أهلها (1).
واختلقت بعض المأثورات المحلية مزاعمها بأن حرباً قادها المهاجر ضد الإباضية في المنطقة الغربية من حضرموت وكانت حاسمة لصالح (الشيعة)، في فلاة تسمى (بحران) وذكر المؤرخ بن عبيد الله تلك المزاعم التي قالت ((إن حرباً قامت ما بين الشيعة والإباضية انتهت بنصرة الأولين، وكثير من الناس يتوسع في تكبير أمر هذا الانتصار، ويزعم أنه كان القاضية على الإباضية، وأكثر ما يتأولون في ذلك على مضرب المثل بأن (لا نجاة لهارب بحران) وشكك بن عبيد الله في صحة ذلك)) (
(T)
ولو كانت تلك المزاعم فيها شيء من الصحة، لما بقيت الإباضية بحضرموت بعد قدوم المهاجر بثلاثة قرون.
فمن المؤكد أن الصراع المذهبي بين الإباضية والشافعية في حضرموت تولى إدارة دفتيه من الجانبين العلماء والفقهاء الذين تعود أصولهم الضاربة في القدم إلى قبيلة حضرموت. وكانت فصول هذا الصراع تدور بمؤازرة كل من سلاطين آل النعمان من بني الدغار بشبام وآل راشد من بني قحطان في تريم.
وفي حين كانت الإباضية تشهد الانحسار والتلاشي في المجتمع الحضرمي، انضم العلويون في حضرموت إلى هذا الصراع وجاء هذا الانضمام متأخراً، وتحت تأثير النقمة على الإباضية الذين كما زعموا أنهم يكفرون سيدنا علياً
(كرم الله وجهه).
(1) الحامد صالح: تاريخ حضرموت ج 1 ص 308
(2) السقاف عبدالرحمن بن عبدالله: بضائع التابوت ج 1 ص 230.
(245) (1/245)
صفحة 244
ومن الأرحج أن نزوح العلويين من وادي دوعن واستيطانهم في قرية (بيت جبير) بجنوب تريم واتفاقهم مع. علماء الشافعية في أن ينبذوا المذهب الإمامي والتشيع، مقابل الاعتراف لهم بالنسبة الشريفة ووضعهم في مكانة تليق بهم في السلم الاجتماعي الحضرمي، عجل في وضع نهاية للمذهب الإباضي في
حضرموت
ركز العلويون في حضرموت نقدهم للإباضية حول مسألة واحدة احتلت مساحة واسعة في كتبهم وفكرهم شملت كل إباضي، بزعمهم شتم الإباضية لسيدنا علي كرم الله وجهه وجعلوا منها قضيتهم المحورية في نقد الإباضية والعصر الإباضي في حضرموت. ودون تعمق في دراسة الفكر الإباضي، فإنهم حكموا على كل ما يتصل بهذا الفكر وعصره في حضرموت ضرباً من ضروب الكفر والجمود والتخلف.
أوضح أبو إسحق إبراهيم أطفيش في رسالته الصغيرة (النقد الجليل للعتب الجميل) التي جاءت رداً على السيد محمد بن عقيل العلوي حول ما جاء في رسالته (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل (ما يأتي: ((أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق)). ويقول في الكتاب نفسه: ((والأصحاب يتحرون تطبيق حكمي الولاية والبراءة لا تشهياً، وهما ينطبقان على كل فرد مهما عظمت منزلته ما لم يكن من المعصومين ولا معصوم إلا النبي أو الرسول. أما الصحابة فلهم مزية عظيمة وهي مزية الصحبة والذب عن أفضل الخلق وإراقة دمائهم في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى فيختار عن تلك الحوادث المشؤومة)). ويقول بعد اسطر: ((وأيضا لا غبار على
الكف
من صرح بخطأ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبت من ذلك والتبين وأن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن)).
(246) (1/246)
صفحة 245
ويقول أيضاً في الكتاب نفسه) ولم يكن يوماً من الأصحاب شتم له ر
طعن. اللهم إلا من بعض الغلاة وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب))).
مهما قيل في المأثورات المحلية عن تاريخ الإباضية، فإن العلم لا يعتمد بالآراء الظنية والاحتمالات، وإن الجهل خير من المعرفة المزعزعة الناقصة، وكما قيل إن العلم لا يكون علماً إلا إذا كان يقيناً. ولكن كيف يمكن نفي مرحلة كاملة استمرت زهاء ستة قرون من ذاكرة الوعي التاريخي الحضرمي؟ وكيف تطمس آراؤها الفقهية والفكرية من التراث الحضرمي؟ ثم يأتي التشكيك المنظم فيها،
وفي رموزها التاريخية، ويأبي هؤلاء المشككون إلا أن تختم فصولها وأدوارها العقدية والفكرية بنهاية دراماتيكية على أبواب مدينة شبام حضرموت التاريخية * عاصمة الإمامة الإباضية، واختير لهذا الحقبة التاريخية مكاناً دينياً مقدساً وهو مسجد (الحوقة (لإنهاء هذا الصراع بمجرد تحويل إمامة مسجد (الحوقة) من إمام إباضي، إلى إمام سني من أسرة آل باعباد سنة 591 هـ).
بعد أن قعد البحث بالباحث عبدالله بن حسن بلفقيه، عن الوصول إلى معرفة وجود أي حركة ثقافية بحضرموت في الفترة التي كان المذهب الإباضي هو السائد بحضرموت فكانت استنتاجاته)) أن دراسة أحوال الفترة التي أعقبت قيام المذهب الإباضي بحضرموت دراسة علمية جادة وواضحة مما لا يزال من الأمور العسيرة، فهذه الفترة هي الحلقة المفقودة والتي لا تزال من مجاهل التاريخ الحضرمي وخاصة فيما يتصل بتعرف الحياة الثقافية بحضرموت، التي كانت عند وبعد أن غمر البلاد الحضرمية طوفان انتشار المذهب (الإباضي))
(T)
(1) معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القدم والحديث ص 306. (2) بلفقيه عبدالله بن حسن الحياة الثقافية والمذهبية بحضرموت منذ وقبل قدوم الإمام المهاجر ص 18،
مخطوط.
(247) (1/247)
صفحة 246
جاءت استنتاجات الباحث عبدالله بن حسن بلفقيه بعد أن وجه في سنة
1365 هـ إلى المؤرخ علوي بن طاهر الحداد مفتي بلاد (جهور) إحدى ولايات ملايا طائفة من الأسئلة التاريخية احتواها كتابه (جني الشماريخ جواب لأسئلة في التاريخ وكان ردود علوي بن طاهر الحداد على عكس ما جاء في كتابه (الشامل في تاريخ حضر موت حيث زعم فيه بأن سبب انحسار علوم الفقه والحديث وأنواع العلوم الأخرى بحضرموت لما اعتراها من العقم وقلة الخير بسبب ظهور الخوارج بما في أوائل القرن الثاني من الهجرة ((والإباضية في عرف مخالفيهم خوارج))، وأن انخزال القطر الحضرمي عن الأمصار الإسلامية وعدم امتزاجه بالأقطار الإسلامية وأمصارها نيران من الفتن يؤججها الخوارج كلما طفئ منها جانب، أشعلوا منها جانباً (1)
وفد المؤرخ علوي بن طاهر المزاعم التي تقول إن الخوارج في جميع حركاتهم عرفوا بالقسوة، والحكم على من سواهم بالكفر، واستحلال دمائهم، وقتل أطفالهم ورميهم في القدور وهي تفور وبقر بطون الحبالي. فيبعد أن الإباضية تركوا أحداً من أهل حضرموت خارجاً عن نحلتهم. منابذاً لهم ولو في عقدة قلبه إلا قتلوه. فقال: ليس كل الخوارج جروا على القاعدة المذكورة فقد كان الزمان علمهم، وقد سلك أمامهم عبدالله بن يحيى طالب الحق مسلكاً آخر ألان فيه جانبه، ولعله لم يكن عين مذهبه كما يدل على ذلك مراجعة بعض أعيان قومه له ومطالبته إياه بإرهاف الحد (2) ولكن هل أكره الإباضية الناس في حضرموت على اتباعهم أو أن الحضارمة انتحلوا عقيدة الإباضية طوعاً واختيارا؟
(1) الحداد، علوي بن طاهر الشامل في تاريخ حضرموت ص 15. (2) الحداد، علوي بن طاهر جني الشماريخ جواب لأسئلة في التاريخ ص 10.
(248) (1/248)
صفحة 247
أجاب علوي بن طاهر على ذلك و قال: ((وبالجملة فالنقول لا تدل أن جميع أهل حضرموت أكرهوا على انتحال عقيدة الإباضية ولأنهم أجمعوا على ذلك اختياراً))).
ثم أكد ما كان شيخه يقول له: إن سبب ذهاب تواريخ حضرموت القديمة وانطماسها، أن الاخلاف رأوا في سيرة أسلافهم ما ينكرونه منهم اليوم فعمدوا إلى إخفائها وإفنائها (2).
إن ظاهرة ترشيح أو (فلترة (التاريخ ظاهرة خطيرة مارسها بعض كتاب التاريخ في حضرموت، وهذه الظاهرة من شأنها أن تلقي ظلالاً من الشك حول
مصداقية كتابة المأثورات التاريخية الحضرمية بصفة عامة، وعن الحقبة الإباضية بصفة خاصة، تلك الحقبة الإباضية التي امتدت من مطلع القرن الثاني حتى القرن: السادس الهجري، هي من مجاهل التاريخ الحضرمي، وإلى أن تنجلي المناقشات الدائرة والتمحيصات القائمة حول كثير من النقاط التاريخية المهمة وما يتصل بها ينبغي للمؤرخ المتثبت والباحث الجاد أن لا يقطع بتقرير شيء فيها.
أما مسألة الفكر الإباضي من حيث مدى نفوذه الديني والسياسي في حضرموت ومدى انتشاره في جميع نواحيها وبين مختلف قبائلها؛ فهي من القضايا التي أخذت قسطاً وافراً من الجدل بين المفكرين والمؤرخين عموماً. وما قيل في
هذا الصدد لا يعدو أن يكون نوعاً من الاجتهاد والتخمين الذي لا يستند على
:
معلومات موثقة أو سند تاريخي معتبر. وقد تعرض الفكر الإباضي من قبل معارضيه إلى تهم خطيرة من خروج عن الدين إلى الإنحراف والعقم في التفكير.
(1) المصدر نفسه ص 12.
(2) المصدر نفسه ص 13.
(249) (1/249)
صفحة 248
وكلها مقولات لا تركن إلى حقائق ثابتة أو سند موثق بل هي أحكام وظفت لغايات وأهداف أخرى، أو للترويج لأنظمة حاكمة كالنظام الأموي والنظام العباسي لإعطاء المسوغ الشرعي لضرب حركات التمرد التي قام بها الحضرميون الإباضيون، أو لتشويه رأيهم وموقفهم من المساواة التي يعترض عليها دعاة التشيع لأهل البيت (1).
إن فكرة المساواة هي القاسم المشترك والجامع بين كل المذاهب الإسلامية. و منذ أن ظهر الإسلام في بلاد العرب والناس على عصبية العشائر، وتحزب القبائل والفخر بالمآثر، ووجود تناقضات رئيسة بين مختلف الجماعات الأثنو - قبلية في جزيرة العرب، وكانت مسألة العصبية والتعصب من المسائل التي أولاها الإسلام أهمية قصوى، وجاءت الأحاديث عن الرسول منبهة من خطر العصبية على الأمة الإسلامية ((ليس منا من دعى إلى عصبية أو قاتل عصبية)) وقال عليه السلام ((هلاك أمني في العصبية)).
جاء الإسلام لينسف نسفاً جذرياً وكاملاً منظومة البناء الاجتماعي والطبقي التي كانت تقسم المجتمعات العربية بين سادة أشراف وعبيد أرقاء، وبين وجهاء أغنياء وفقراء معدمين، وسعى إلى تألف كل طبقات المجتمعات الإثنية لتكون ضمن نسيج إنساني واحد وتحت إطار المجتمع الإسلامي الموحد.
وعند المقارنة بين البناء الاجتماعي في الدور الإباضي بحضرموت، والبناء الاجتماعي بعد تلاشي هذا الدور، بمقدورنا أن نستنبط النتائج الأساسية لظهور
(1) با مؤمن كرامة مبارك: الفكر والمجتمع في حضرموت ص 155.
(250) (1/250)
صفحة 249
التصنيف الطبقي في المجتمع الحضرمي، وظهور نظام المراتبيات وتغيير العادات والتقاليد الاجتماعية بعد أن تلاشت الإباضية من حضر موت، وظهرت
الاختلافات الطبقية للسكان بفعل عامل الزمن والمكان والإنتاج الفردي
والجماعي.
ولعل من الأمور المنطقية أن يأتي ذلك بعد أن استحوذ العلويون في حضرموت على الزعامة الدينية. وجاء هذا التصنيف الطبقي ردة فعل عكسية من لحاجتهم
العلويين كرسوها في البناء الاجتماعي وبرزت العصبية على نحو واضح - إلى الشعور بالتميز والخصوصية من خلال التصنيف الطبقي. إلا أن التمسك بالعصبية القبلية والتصنيف الطبقي لم يحقق منافع كثيرة للمجتمع الحضرمي، ولم يقم بدور وطني واجتماعي ماعدا أن كل مجموعات أسرية كونت لها منظومة اجتماعية ذات إطار ثقافي أو اقتصادي يحكمها، في مجتمع كانت تغلب عليه التراعات العشائرية والتخلف مما زاد من تفاقم تعقيدات الأوضاع الاجتماعية بحضرموت.
د - أبو إسحق إبراهيم بن قيس بن سليمان الهمداني الحضرمي
حين نشر سليمان الباروني ديوان أبي إسحق إبراهيم بن قيس الحضرمي لأول مرة سنة 1906 هـ شك بعض من المؤرخين الحضارمة المنتمين إلى الرابطة العلوية التي تكونت مع مطلع القرن العشرين؛ شك هؤلاء أول مرة في شخصية أبي أسحق إبراهيم بن قيس الحضرمي الهمداني الإباضي، كشخصية تاريخية ورأى البعض منهم أنها لم توجد على أرض الواقع أبداً. وقد زعم صالح الحامد في تعليق
(251) (1/251)
صفحة 250
جاء في صفحة 267 من كتابه (تاريخ حضرموت) أنه ((لما كتبت ترجمة لأبي إسحق إبراهيم بن قيس الحضرمي المذكور كتب إلي كبير مؤرخي حضرموت
و محققيها وهو العلامة علوي بن طاهر الحداد رسالة قال فيها ما نصه: إبراهيم اجزم بأنه لا حقيقة له وأن حكايته مفتعلة كحكايات السينما
الإباضي
أكاد
وألف ليلة وليلة، وأشعاره نظمها الإباضية بزنجبار وعمان، والشيخ سليمان
الباروني نفسه ... الخ))
(1)
وقبل التشكيك في شخصية أبي إسحق إبراهيم بن قيس فإن الشك عظم عندي حول صحة وجود مثل تلك الرسالة المزعومة من علوي بن طاهر الحداد، التي خص بما صالح الحامد، ليصرح له بإنكاره لشخصية إبراهيم بن قيس، والشبه والتشكك يدور حول مصداقية ما ساقاه. من أدلة ليست بكافية للخروج باستنتاجات قاطعة في أمر جدي كهذا، ونقول للرد على ذلك:
أ- قدم الباحث عبدالله بن حسن بلفقيه طائفة من أسئلة تاريخية لعلوي بن طاهر الحداد وهي التي عنونها في كتابه ((جني الشماريخ جواب على أسئلة في التاريخ وفي ثنايا أجوبة علوي بن طاهر الحداد لا توجد أي شكوك حول حقيقة وجود شخصية إبراهيم بن قيس بل تكاد شخصية إبراهيم بن قيس أن تكون شخصية إباضية محورية وحاضرة من خلال تلك الأجوبة قال الحداد: (وكانت نهد وعقيل قد هاجمت عمان في تلك القرون مع الديلم. وفي ذلك يقول إبراهيم بن قيس بن اسحق بن سليمان الحضرمي يخاطب أمير عُمان (2):
وقد كان من إخواننا الغرفتية بناحية الإشغا شهام لهم عقد وفيهم فتى أكرم به نسل خالد له همة كبرى به نحو السماء تغذو
(1) الحامد صالح: تاريخ حضرموت ج 1 ص 267. (2) الحداد، علوي بن طاهر: حني الشماريخ ص 26.
(252) (1/252)
صفحة 251
وما كان من أبناء نهد وأختها عقيل أولي البغي الذي أهلك الحقد لقد زال عن آرا عقيل لنصرهم لنسل الفتى شاذان والديلم الرشد كذلك نهد قد أذلت رقابها لنصرهم الأعداء لقد عجزت نهد
ب ويقول بعد صفحات ((وقد رأيت في شعر ذلك الرئيس الإباضي الحضرمي ذكره اعتصام خصومه بقراهم العالية. فلا أدري أي قوم كان يعنيهم بذلك وتاريخ حضرموت فيه قطع واختلال كبير ومن تكلم فيه لا مندوحة له عن الاحتمالات والسبر والظنون والحقيقة محجوبة وراء حجب الغيب والله ولي العلم
وأهله)) (1). ويعني بشعر الرئيس الإباضي الحضرمي شعر إبراهيم بن قيس.
ج- ويجيب على السؤال العاشر حول استيلاء الإسماعيلية على حضرموت وتأتي سيرة إبراهيم بن قيس في ثنايا الجواب قال: ودامت المهاجمات فيما يظهر بينهم وبين بعض الحضرميين كما حكيته عن قصة أبي إسحق إبراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي ووفادته بحراً على رئيس الإباضية المعروف بالخليل بن شاذان وسنة ولايته غير محققة ولكن أقرب ما يكون أن ذلك في سنة 407 هوما. بعدها .. ومن قوله: (
(2)
يا خير خل غالنا ما غالكم فيما مضى من ديلم وعقيل
في الحقائق الثلاث التي ذكرناها أهم ما استحضرناه من كتاب (جني الشماريخ) لعلوي بن طاهر الحداد، تبين عدم إنكاره لشخصية أبي إسحق
الحضرمي
قطعاً.
بل إنه تعامل معها كحقيقة تاريخية موجودة لها الرئاسة والزعامة،
ولها من الشعر ما استشهد به الحداد في سياق أجوبته، ولم يكن في علوي بن طاهر الحداد فيه شيء من التعنت الذي لا يليق بالعلماء الاتصاف به. أو شيء من
(1) المصدر نفسه ص 38.
(2) المصدر نفسه ص 41.
(253) (1/253)
صفحة 252
صفة التقلب والتخبط في الآراء حتى نجزم بصحة ما نسب إليه في تلك الرسالة
المزعومة .. إن حقيقة وجود أبي إسحق بن قيس الحضرمي الهمداني أمر ليس محل جدال و نقاش. لأن كل الحقائق تثبت وجوده ويكفينا ديوانه وكتابه المعروف بـ (مختصر الخصال). الذي صنفه بأسلوب شائق ومبسط جمع فيه مسائل دينية بطريقة مختصرة.
((إن التهم حول حقيقة (ديوان أبي إسحق) التي وجهها إليه المؤرخون ذوو الاتجاهات العلوية كانت أهدافها مذهبية أكثر مما هي علمية. وهذه الاتجاهات المذهبية نفسها كانت قد جعلت عدداً. من أنصارهم ينكر وجود الإباضية أصلاً بحضرموت)) (1)
مدرسي
استطاع المؤرخون ذوو الاتجاهات العلوية من التأثير على ما قدمه المؤرخ سعيد باوزير في مشروع كتابه (شخصيات حضرمية) الذي اختير كمنهج لمادة التاريخ وحذف بعض الشخصيات حيث اقتصر المنهج على ثلاث. عشرة شخصية فقط، بينما يتناول الكتاب الأصلي إحدى وعشرين شخصية. وفي مسودة المنهج يوجد درس عن أبي إسحق الهمداني، بينما ليس هناك ذكر لأحمد بن عيسى المهاجر. ((ولكن عند إقرار المنهج في صورته الأخيرة التي طبعتها ووزعتها إدارة المعارف بالدولة القعيطية سنة 1957 م، تم حذف درس أبي ويبدو أن ذلك قد تم بناء على الملاحظات
بدلاً منه.
إسحق ووضع درس المهاجر التي تقدم بما بعض المختصين في دراسة التاريخ الحضرمي))
(T)
(1) فرانتسوزوف سرجيس تاريخ حضرموت الاجتماعي والسياسي قبيل الإسلام وبعده ص 193. (2) باوزير، نجيب سعيد صحيفة الفكر ص 7 نوفمير - ديسمبر 1996 م عرض كتاب صفحات من
التاريخ الحضرمي.
(254) (1/254)
صفحة 253
نشأ الشاعر أبو إسحق إبراهيم بن قيس في أسرة كريمة عرفت بالعلم والإصلاح، وكان أبوه أحد العلماء الذين يرجع إليهم في الفتوى في حضرموت، يدل على ذلك الآراء الفقهية التي يوردها الشاعر في كتابه (مختصر الخصال) وينسبها إلى أبيه (1). وأنجبت هذه الأسرة الحضرمية الإباضية فقهاء وقضاة منهم أبو عبدالله محمد بن إبراهيم أحد أبناء إبراهيم بن قيس وقد رثاه والده في قصيدته
التي مطلعها:
قالوا دمعت فقلت الدمع من رمد والعين ما دفعت إلا على الكمد
(T)
ومنهم أبو إسحق إبراهيم بن عبدالله الحضرمي فقيه وقاض وهو ابن أخ الإمام إبراهيم بن قيس، تم العثور مؤخراً على أحد مصنفاته تحت مسمى (كتاب الدلائل والحجج (بوادي ميزاب بالجزائر. قال في المقدمة: ((وقد وجدت في أكثر الأخبار ما عرفت من الحجج حيث أقول بهذا يحتج من يحتج، وقد عرضته من قبل أن أنسخه في هذا الكتاب على القاضي أبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن قيس بن سليمان رحمه الله)) (3)
وفي تقديري أن التشكيك في حياة أبي إسحق تكمن وراءه خبيئة لعل ملمحها ما يسببه وجود هذا الإمام من إرباك شديد لنفر من الكتاب الذين قرروا أن الفكر الإباضي قد طوى سجله من حضرموت في فترة متقدمة كان بطل الانتصار فيها المهاجر أحمد بن عيسى فإذا بالسيف النقاد يشرئب بعنقه، وكتاب الخصال يترأى لنا أبو إسحق فيه فقيهاً إباضيا متمكناً، ومما يدل على أنه
مختصر
كتبه بحضرموت ثلاثة أمور هي
(1)
(1) اليحمدي بدر بن هلال ديوان الإمام الحضرمي إبراهيم بن قيس بن سليمان الهمداني الحضرمي.
(2) مخطوط يقوم بتحقيقه أحمد بن حمو كروم.
(3) الحضرمي، أبو إسحق إبراهيم بن عبدالله: كتاب الدلائل والحجج.
(4) عصبان، أكرم الأحداث التاريخية في منتصف القرن الخامس الهجري قراءة في السيف النقاد.
(255) (1/255)
صفحة 254
1 - ما ذكره من سبب التأليف الذي يرجع إلى بداية ظهور المذهب الشافعي وتسربه إلى حضرموت، فخاف أبو إسحق من ذهاب المذهب الإباضي فألف
المختصر.
2 - ما ورد فيه في كتاب مواقيت الصلاة من النجوم الشبامية المعروفة عند أهل حضرموت إلى وقتنا الحاضر ووردت في وقت صلاة الظهر منها الهقعة والزبانان. 3 - حدد القلتين التي يحد كما الماء الكثير الذي لا ينجس بملاقاة النجاسة ما لم تتغير أحد أوصافه وأن مقدارها ستون قهاول بالحضرمي.
كما يفيدنا ديوان إبراهيم بن قيس كثيراً من الفوائد عن الإباضية وأحوالهم في القرن الخامس الهجري. فإنه يبين الدور الذي قام به الإمام إبراهيم بن قيس في الحفاظ على الوحدة المذهبية لإباضية حضرموت والتحرك السياسي الذي قام به، ومد حبال المودة مع أئمة عمان على خلفية فكرية وسياسية.
ورث الإمام أبو أسحق إبراهيم بن قيس عبئاً كبيراً في إمامة حضرموت، وتولى ذلك في وقت مبكر من حياته حيث الإباضية بما في قوة ومنعة. وأول ما يطالعنا من سياسته الخارجية استغلاله لانتصارات راشد بن سعيد اليحمدي الأزدي إمام عمان على قبيلتي عقيل ونحمد اللتين قامتا بغزوه حين قص عليه خبرهم إخوانه من ناحية الأسعاء الشحر - فبادر أبو إسحق في مد حبال المودة وبعث إلى نزوى عاصمة الإمامة بعمان وفداً يحمل مهمتين إحداهما تمنئته بالنصر، والثانية إرساء دعائم التعاون بينهما على خلفية العلاقة المذهبية والسياسية، قال مخاطباً الوفد كما في القصيدة الدالية:
ألا بلغوا عني السلام تحية إمام عمان راشداً أيها الوفد وصحبته طراً ومن قد تضمنت جوانحه وداً لهم ولهم عضد
(256) (1/256)
صفحة 255
وقد حمل خطابه للوفد إشارتين الأولى تذكيره بما كان من رجوع أئمة
حضرموت إلى عمان حيث يمدونهم بالنصر فقال:
وأنت لنا من بعدهم صرت قيماً حمولاً لثقل الخطب يورى بك الزند
والإشارة الثانية المبادرة من قبله بنصره لا سيما في هذا الظرف العصيب الذي
يمر به راشد بن سعيد من الغزو:
وما بين حضرموت وبينكم إذا سركم إتياننا نحوكم بعد متى يأتنا منكم صريخ نؤمكم بعسكر جرار يضيق به النجد
وقال بأوضح من هذا القول في الميمية:
ونحن إذا ما الحرب جدت لديكم أتتكم كراديس تهز الصوارما يذودون عن أديانهم كل معتد فويل لمن في الحرب يلقى الحضارما
شهدت حضرموت سنة 445 هـ بداية اضطراب وهي السنة التي توفى فيها راشد بن سعيد وتولى الإمامة بعمان الخليل بن شاذان فرحل أبو إسحق إلى نزوى حيث بايعت هذا الإمام وشد رحله لزيارة عمان وحملت هذه الزيارة في طياتها ثلاثة أبعاد:
أولاً: تهنئة الخليل بن شاذان الذي آلت إليه مقاليد الإمامة في عمان والثناء
عليه بما هو أهله وبقاء العلاقة التاريخية والفكرية بين عمان وحضرموت
وذكر إمام شاع في الناس ذكره وطاب الثنا فيه الخليل بن شاذان فقطعت غيطانا وجاوزت أبحرا إليهم أجر المجد من آل قحطان
(257) (1/257)
صفحة 256
ثانياً: بحث الأوضاع بحضرموت وتثبيت دعائم حكمه من خلال حاجته إلى النصر لنشر سلطانه من ناحية، وتأديب المخالفين وهم قلة من (الأنذال) كما وصفهم يتحكمون في أمر العباد من ناحية أخرى. وهذا الهدف لما فيه من إغضاء جعله يمر عبر القاضيين المقربين من الخليل وهما هداد وحسن، وقد أشار إليه بقوله في القصيدة النونية:
وكم كانت الأشياخ أشياخنا الألى إذا طلبوا نصرا أمدوا بأعوان وتالله لولا الدين أصبح مدحرا لما كان بذل الوجه في الناس من شأني ولكن بذلت الوجه في الناس أرتجي من الأخوة الغر النهى نشر سلطاني
ثالثاً: إحياء مبدأ الشراة الذي يعد من أوليات أبي إسحق وكان أبوه قد راجعه في هذا الأمر فقال له وهو يحاوره بأن إخوانه سينصرونه فلما تم ما أراد قال:
سأقدح نار الحرب حتى أثيرها بواد تغطيه ذيول الغياهب سأكشف حمى حضرموت بوقعة تسر بصرعاها ذوات المخالب سأقضي حقوق السيف بعد دثوره وأرضى بما أقريه أسد السباسب
أسفر اللقاء الأول بين الإمامين العماني والحضرمي عن استجابة الخليل إلى ما أراد أبو إسحق وأمر بإنفاذ الكتائب والمال والسلاح معه وكان جواب الخليل:
وقال لي ترى الأقوام والمال فاقبلن ونحن ورا هذاك فاشدد بنا يدا.
بعد أن عادت قبائل حضرموت إلى ما عرفت به من عدم البقاء تحت مظلة واحدة تجمعها، تغيرت الأحوال فظهر المخالفون لأبي إسحق، وعاود أبو إسحق إلى فناء نزوى والاتصال ثانية مع الخليل بعمان لبحث ما آلت إليه الأوضاع، ولخص أبو إسحق مسألته هذه المرة في التصريح بطلب المال والرجال، حيث إنه
لم يعد يثق بمن كان يثق بهم بعدما صرموا عهوده فقال في القصيدة الفائية:
(TOA) (1/258)
صفحة 257
فيا أيها الأخوان أنتم ملاذنا وأسلافكم كانوا ملاذ السوالف وجننا بلا أيد ولا فنة ولا سلاح ولا مال تليد وطارف
فلا تشمتوا الأعداء بالحق بعدما أذعنا له نصراً على كل خائف
ولكنه صدر من نزوى هذه المرة بالمال والسلاح دون الرجال، حيث إن الخليل بن شاذان أبدى عذراً وجيهاً يحول دون بعث الكتائب تمثل عذره في تمديد العجم الذي لا ينفك مما جعل أبو إسحق يتلقاه بقبول حسن، ويقول في شأن الكتائب كما في القصيدة الميمية:
فصادقتها لكن عمان تماسكت بها عامها هذا لتطفي الأعاجم فجدت له بالعذر بسطاً وجاد لي بما فيه نصر لا عدته المكارم
تم الاتفاق بشأن المال والسلاح مع الخليل فأنفذ ذلك فقال في الميمية: وها أنا بالمال والبيض والقنا على حضرموت بالسلامة قادم
وجعل يتخيل أمر قدومه والبيعة التي يوقعها الأقيال ويشهدها أبوه فقال:
وتبرز في الأوزار من عرصاتها إلى الصوت أقيال عليها العمانم كأني بها يوم الإياب وقد رسى لبيعتها منا القضاة الحضارم كأني بها قد قلدت أمر دينها إمام رضى ترتاب منه الأشانم
عاد أبو إسحق بالمال والبيض والقنا على حد قوله، فجرد البيض من أغمادها وأطلق القنا إلى حيث تصيب أعداءه وأعاد دعوته إلى قوتها قال في التائية:
بحول إلهي لا بحولي وقدرتي وتوفيقه أظهرت بالسيف دعوتي وقابلت أبواب الحروب مفتحاً أقفالها كيما أصادف منيتي وما هالني بحر الحروب وقذفه بموج البلا يوم استطار بعقوتي وما تكشف الغمى بغير جسارة ولا تدرك العليا بإيثار شهوة
وعلى عادته حين يقوى أمره يقوم ببيان ما عليه الإباضية فقال:
(709) (1/259)
صفحة 258
على أن دين الحق ديني وانني أبين منه أحرفا من قصيدتي
وقد استطرد في توضيح دعوته تأصيلاً وتفريعاً لا سيما فيما يتعلق بقضية الحكم التي كانت سبباً في نشأة الإباضية بقوله: (فلاحكم إلا لله) وذكر أهم المعالم التي تميزهم عن الخوارج، وهو تقسيم الكفر إلى كفر نعمة لا يخرج من الملة، وكفر مخرج من الملة، كما بين أحكام الجهاد وآدابه وتحريم الفواحش إلى أن
قال:
وإن لم أطع ذا العرش جل وأحمدا فمالي حق طاعة في رعيتي
وأرخ استتمام إمامته سنة وشهراً في نهاية التائية:
بتاريخ شوال وفي عام أربع وخمسين تقفوا أربعا من هنيدة
ومن العجيب أن من يقرأ الديوان يجد أن الشاعر كان له دور كبير على الساحة اليمنية وخصوصاً حضرموت فقد كان شاعراً حماسياً، وكان قائداً عسكرياً وإماماً شرعياً، شارك في كثير من الحوادث والمعارك ومع ذلك تجد كتب التاريخ اليمني القديمة تصمت صمتاً مريباً، فلا تشير إليه من قريب ولا من
بعيد
(1)
ويظهر أن ناشر ديوان أبي إسحق الشيخ سليمان الباروني لم يرجع في التعريف
بابن قيس إلى غير ديوانه الذي كما قال معرّف بحاله من بدئه إلى نهايته. وأغلب خطابه فيما يفهم من كلامه كان قبل ارتقائه إلى منصب الإمامة وبالتأمل في عباراته يتضح لك ذلك، ومن تتبع ديوانه هذا أدرك مبدأ أمره ومنتهاه وحركاته فيما بين ذلك، إلا أن ترتيب القصائد على نسق حروف الهجاء جعل
(1) اليحمدي بدر بن هلال ديوان الإمام الحضرمي ص 4.
(260) (1/260)
صفحة 259
المتقدمة في الزمن متأخرةً في الوضع وعكسه، فقد يجد القارئ في قصيدة خـ قوة أمره وفي التي تليها مبدأ حاله وضعفه وهكذا (1).
الله
اختلفت الآراء حول تقويم شعر أبي إسحق الحضرمي بين مفرط في الإعجاب ودون هذا الإفراط قال الشيخ السالمي واصفاً ديوان الحضرمي ((وديوانه رحمه مشهور بين الخواص والعوام، مقبول بين جميع الأنام، وله خاصية: ما قرئ في مجلس إلا تشوقت النفوس إلى الجهاد، وتشجع الجبان، واحترق قلب الشجاع، وصار القاعد به قائماً، والمهمل (حازماً)) (3).
يقول المنفلوطي في تعليقه أيضاً على الديوان بعد ما اطلع عليه: ((قرأت جزءاً من هذا الديوان البليغ ديوان قيس الحضرمي فرأيت شعراً يمتزج بأجزاء النفس رقة، ويذكر بعهد حبيب (أبو تمام (وأبي عبادة (البحتري) رونقا ومتانة، ويملك على النفس مشاعرها حتى لا تجد من دونه مذهباً ولا مضطرباً، ولقد كان يخيل لي أثناء ترديد النظر فيه كأني أرى سيوفاً تصطحب وعوامل تضطرب، وسماء تشرق بالعثير وأرضاً تموج بالنجيع الأحمر، وكأن ابن قيس فارس هذا الميدان كما هو فارس ذلك البيان)
(د)
أما الشاطري فقال: ((وأبو إسحق قد شهر بالعلم والأدب والبسالة والبلاغة وعد فحلاً من فحول الشعراء، وله قصائد بليغة طنانة امتازت بالرصانة والجزالة،
سجل فيها أسماء وشخصيات بارزة ووقائع حربية بحضرموت)).
(1)
(1) الباروني سليمان ديوان السيف النقاد من نظم الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي ترجمة الناشر.
(2) السالمي، معارج الأمال ج 1 ص 81
(3) ديوان السيف النقاد ط ا ص 9.
(4) الشاطري، محمد بن أحمد أدوار التاريخ الحضرمي ج 1 ص 122
(261) (1/261)
صفحة 260
وما ساقه عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف في كتابه (بضائع التابوت) من
أدلة كافية تعامل فيها مع شخصية أبي إسحق وشعره كحقيقة تاريخية وجدت في الواقع الحضرمي أبان الدور الإباضي، تعد كافية للرد على المتشككين حول هذه الشخصية المثيرة للجدل، إلا أن بن عبيد الله أنتقد الباروني لإفراطه في مدح الديوان ((ففيه إفراط في مدح ذلك الديوان بالبلاغة والفصاحة مع خروجه عن القواعد العربية ومنابذته للقوانين الشعرية في كثير من أبياته فهو لا ينتهي إلى الدرك الأسفل من الاتضاع، كما لا يصل لأدنى ذروة من الارتفاع، وغاية ما يقال فيه أنه شعر عاطفة ووجدان يراعى فيه المعنى أكثر. من اللفظ، وصدق
الباروني في قوله بأن أحوال الشيخ تعرف من أشعاره)).
(1)
أما الطريقة المتبعة في النقد سواء عند صالح بن حامد العلوي أم غيره، طريقة قائمة على التثبت من هوية الأشخاص الذين ذكرهم أبو إسحق ((وأكثر هذه الأسماء قابلة للنقاش، ومن ثم الخروج باستنتاج مفاده أن هؤلاء الأشخاص لا يمكن أن يكونوا من معاصري أبي إسحق، أو أن يكونوا قد قاموا بالأفعال التي نسبها إليهم. ويستند نقد كل منهما أحياناً إلى عدم المعرفة الكافية والعميقة الأوضاع حضرموت في تلك الفترة. فلقد عد صالح الحامد العلوي مثلاً أن أحد أكثر الأمور التي تدين (الباروني (وصحبه بالتزييف والضعف، الوقوع في الخطأ: هو ما ذكره عن الهمدانيين من. سكان مدينة شبام كأنصار لأبي إسحق إبراهيم، وذلك لأن شبام سكنتها - في رأيه - حمير أي أحفاد السكان الأصلاء للمنطقة؛ وليست همدان. ولكن حسب ما ذكره الحسن بن أحمد الهمداني، فإن التركيب الإثني للمدينة كان متنوعاً: فلقد عاشت في شبام بطون من قبيلة همدان)) (2).
(1) السقاف عبدالرحمن بن عبيدالله: بضائع التابوت في نتف من تاريخ حضرموت ج 1 ص 200. (2) فرانتوزوف سرجيس تاريخ حضرموت الاجتماعي والسياسي قبيل الإسلام وبعده ص 193.
(262) (1/262)
صفحة 261
وعليه يبدو ما أبداه الحامد من تشكيك في شخصية أبي إسحق الهمداني وملاحظته على سكان شبام حضرموت ليس من العلم في شيء، بل كان ضمن أغلب البحوث التي كتبت أبان فترة الصراع بين الحركة العلوية المناهضة للحركة الإرشادية وكان مركزهما مهاجر الحضارمة بشرق آسيا، إذ طغت العصبية المذهبية على حساب الحقيقة الضائعة.
وختاماً فإنني أود أن قد أسهمت في تقديم الجديد في تاريخ إباضية عُمان وحضرموت، وتقليب صفحاته حتى أتينا على آخر صفحة في نهاية القرن الخامس الهجري، وهو شتات لأحداث متفرقة حاولت أن أجمعها في هذه الصفحات حتى يسهل على الباحث تناولها بكل يسر وسهولة بعيدة عن التعقيد والتعصب
المذهبي.
ولو قدر لي لكنت توسعت في الأدوار التاريخية التي مرت بها عمان، وما كانت عليه من الحياة الفكرية والاجتماعية قبل الإسلام وبعده.
ولو قدر لي مرة أخرى وظهرت المراجع القديمة المطمورة عن هذه الحقبة
التاريخية المهمة من تاريخ حضرموت لتعرضت لإباضية حضرموت.
إلا أن الرحلة في تاريخ جنوبي الجزيرة العربية، رحلة نحو المجهول. والتنقيب من المخطوطات التي تناولت هذه المرحلة المهمة من تاريخ الإباضية، كالذي
طلب في الماء جذوة نار.
(263) (1/263)
صفحة 262
القرآن الكريم
أولاً - المخطوطات:-
المصادر والمراجع
1 - بلفقيه، عبدالله بن حسن الحياة الثقافية والمذهبية في حضرموت منذ
وقبل قدوم الإمام المهاجر.
- الحضرمي إبراهيم بن عبدالله، كتاب الدلائل والبرهان.
الحضرمي، إبراهيم بن قيس، مختصر الخصال.
4 - عصبان، أكرم، دراسة بعنوان (الأحداث التاريخية في منتصف القرن الخامس الهجري، قراءة في السيف النقاد.
ه - السقاف، عبدالرحمن بن عبيدالله بضائع التابوت في نتف من تاريخ
حضرموت.
6 - السير العمانية.
ثانياً المصادر المطبوعة
1 - أحمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء الزمان.
2 - إسحق، أبو يوسف يعقوب، إصلاح المنطق.
3 - اطفيش محمد بن يوسف، الذهب الخالص.
،
، شرح عقيدة التوحيد.
ه - ابن أعثم، أحمد، الفتوح.
6 - ابن حبيب، محمد، المحبر.
، الرد على العتبي.
ابن حزم الفصل في الملل والنحل.
ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد.
(264) (1/264)
صفحة 263
9 - ابن خياط، خليفة، تاريخ خليفة بن خياط.
10 - ابن خلدون، المقدمة.
-11
، تاريخ ابن.
خلدون.
12 - ، ابن كثير، أبو الفداء الحافظ، البداية والنهاية.
13 - ابن الأثير، محمد بن عبدالكريم الكامل في التاريخ.
14 - ابن منظور، لسان العرب.
10 - ابن هشام عبدالملك، السيرة النبوية. 16 - أبو الفداء، تقويم البلدان.
17 - الأبشيهي، شهاب الدين محمد بن أحمد المستطرف في كل فر
مستظرف.
18 - الأزكوي سرحان بن سعيد تاريخ عمان – كشف الغمة الجامع
لأخبار الأمة.
19 - الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل، مقالات الإسلاميين.
21 - الأصفهاني، أبو الفرج، الأغاني.
، اللمع.
22 - البدوي، الدكتور عبد الرحمن، مذاهب الإسلاميين. 23 - البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف.
، فتوح البلدان.
25 - البطاشي، سيف بن حمود بن حامد، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض
علماء عمان.
26 - العسكري، جمهرة أمثال العرب.
27 - العيدروس، حسن بن أحمد بن محمد، وقف التشاجر حول مذهب
الإمام المهاجر
(170) (1/265)
صفحة 264
28 - البغدادي، عبدالقادر بن طاهر، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم.
29 - البكري، عبدالله بن عبدالعزيز، معجم ما استعجم في أسماء البلدان والمواضع.
30 - التميمي، محمد بن حبان، مشاهير العلماء.
-31
، صحيح ابن حبان.
32 - الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين.
- الجزيري، المبارك بن محمد، النهاية في غريب الأثر.
34 - الجندي، بماء الدين، السلوك.
35 - الحداد، علوي بن طاهر، الشامل في تاريخ حضرموت ومخاليفها.
، جني الشماريخ جواب لأسئلة التاريخ.
37 - الحامد، صالح، تاريخ حضرموت.
38 - الحميري نشوان بن سعيد ملوك اليمن وأقيال حمير.
39 - الحموي، ياقوت، معجم البلدان.
40 - الخروصي، سليمان بن. خلف ملامح من تاريخ عمان. 41 - الخزرجي، علي بن حسن، العقود اللؤلؤية. 42 - الخليلي، أحمد بن حمد، الحق الدامغ.
43 - الدرجيني أحمد بن سعيد، طبقات المشائخ بالمغرب. 44 - الذهبي، محمد: بن أحمد عثمان، سيرة أعلام النبلاء. 45 - الزمخشري محمود بن عمر، الفائق في غريب الأثر. 46 - الزهري، محمد سعد بن منيع الطبقات الكبرى.
47
السالمي، عبدالله بن حميد، مشارق أنوار العقول.
48 - السالمي عبد الله: بن حميد، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان.
49 - السيابي أحمد بن سعود أصول بيت المال في عمان.
(266) (1/266)
صفحة 265
-0.
التاريخ.
السيابي، سالم بن حمود بن شامس، عمان عبر 51 - السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر، طبقات الحافظ.
52 - شرح السيوطي.
53 الشهرستاني محمد بن عبدالكريم الملل والنحل.
54 - الشامخي عامر بن علي متن الديانات – ضمن كتب مختارة. 00 - الشاطري محمد بن أحمد، أدوار التاريخ الحضرمي.
56 - الصوافي، صالح بن احمد الإمام جابر بن زيد العماني وآثاره في
الدعوة.
57 - الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك.
-0?
القلقشندي أبو العباس أحمد، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب. 59 - القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء
60 - العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة.
-71
العظم نزيه رحلة في بلاد العربية السعيدة. 62 - العكري عبدالحي بن أحمد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب. . من ذهب. 63 - العلامات، محمد جلال، السبئيون وسد مأرب.
64 - الكاباوي، عمرو بن مسعود الربيع بن حبيب.، محدثاً وفقيها.
65 - الكتاب المقدس.
-77
المعشني، سعيد بن مسعود، الآثار التاريخية في ظفار.
67 - المقدسي، محمد بن عبد الواحد، الأحاديث المختارة. 68 - الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد. 69 - الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الرسول.
70 - النامي عمرو، دراسات الإباضية.
71 - النعيم، نوره عبدالله الوضع الاقتصادي في جزيرة العرب في الفترة من
القرن الثالث ق. م حتى القرن الثالث الميلادي.
(267) (1/267)
صفحة 266
72 - الورجلاني، يوسف بن إبراهيم الدليل والبرهان.
73 - الهمداني، الحسن بن أحمد، الإكليل.
VE
، صفة جزيرة العرب.
75 اليحمدي بدر بن هلال تحقيق ديوان الإمام الحضرمي إبراهيم بن
قيس بن سليمان الحضرمي.
76 - يحيى أحمد، الخوارج طليعة التكفير في الإسلام رسالة الرد على مسائل
الإباضية.
77 - اليعقوبي، أحمد بن إسحق، تاريخ اليعقوبي.
78 باجو، مصطفى صالح منهج الاجتهاد عند الإباضية. 79 بافقيه محمد عبدالقادر، تاريخ اليمن القديم.
، في العربية السعيدة دراسات تاريخية قصيرة.
81 با مؤمن كرامة مبارك الفكر والمجتمع في حضرموت. 82 - بتروفسكي، م. ب، جنوب الجزيرة العربية في العصور الوسيطة. اليمن قبل الإسلام والقرون الأولى للهجرة.
83
84 - بكير، عبدالرحمن عبدالله، القضاء في حضرموت.
85 بن عمير، عامر بن علي حضارات عمان القديمة - 86 جهلان، عدون مفهوم الإمامة ومشروعيتها وشروطها. 87 - حسين، الدكتور طه، في الأدب الجاهلي.
88 - حسن إبراهيم تاريخ الإسلام السياسي.
89 - خليفات عوض التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في
مرحلة الكتمان.
90 - ـــــــ، ـــ، نشأة الحركة الإباضية.
91 - ذبوز، محمد علي، تاريخ المغرب الكبير. 92 زيدان جرجي، تاريخ العرب قبل الإسلام.
(268) (1/268)
صفحة 267
93 - سرجنت، روبرت، حول مصادر التاريخ الحضرمي. 94 - صالح، عمر بن الحاج، دراسة في الفكر الإباضي.
95 طالبي، عمار، آراء الخوارج الكلامية.
96،غباش عبيد غانم عمان والديمقراطية الإسلامية.
97 فرانتسوزوف، سرجيس تاريخ حضرموت الاجتماعي والسياسي قبل
-
الإسلام وبعده.
98 مايلز، باريت، الخليج بلدانه وقبائله.
99 - معمر، علي بن يحي، الإباضية في موكب التاريخ.
-1 ..
، نشأة المذهب الإباضي.
101 - ،، الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات 101 - مجلة الوثيقة العدد 4 يناير 1989 م ص 12.
102 - مجلة العربي الكويتية العدد 184 مارس 1974. 103 باوزير نجيب صحيفة الفكر) (حضرموت) نوفمبر ديسمبر 1996 م.
ثالثاً المقابلات الشخصية
1 - مقابلة شخصية مع فضيلة السيد عمر بن محمد حفيظ عميد دار المصطفى بتريم في 28 إبريل 2005 م.
2 - مقابلة شخصية مع فضيلة مفتي سلطنة عمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في 30 إبريل 2005 م.
- مقابلة شخصية مع الأستاذ أحمد بن سعود السيابي في 30 إبريل
2005 م.
4 - مقابلة شخصية مع الشيخ محمود بن زاهر الهنائي في 1 مايو 2005 م.
(269) (1/269)
صفحة 268
تمهيد
المحتوى
الباب الأول
الفصل الأول
أم عمان عبر التاريخ
ب الأزديون - الأسبذيون - المزون
1 - الأزد
2 - الأسبذيون
الصفحة
3 - المزون ج) سكان عُمان
د) الوضع الديني في عُمان قبل الإسلام. هـ) ظهور الإسلام بعمان
و) آل الجلندى الأزديون
ز) ردّة عُمان
ح دور المهالية الأزديين في الدولة الأموية ط عُمان بين الوحدة والإنفصال ي انتشار الإباضية في عُمان
ظهور الإباضية.
أ- الخوارج.
ب نشوء الفكر الإباضي.
ج- أصل التسمية
الباب الثاني الفصل الأول
(270) (1/270)
صفحة 269
د رأي الإباضية في الخوارج.
هـ - انتشار المذهب
أ- عبدالله بن إباض
ب- جابر بن زيد الأزدي.
الفصل الثاني
ج ابو عبيدة مسلم بن أبي كريمة. د الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي
هـ - أصول العقيدة عند الإباضية
1 - التوحيد
2 - العدل
3 - القضاء والقدر
4 - الولاية والبراءة
ه - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
6 - الوعد والوعيد.
المنزلة بين المتزلتين
و - أهم المسائل الخلافية بين الإباضية والمذاهب الأخرى.
ز - الأصول السياسية للإباضية.
الفصل الثالث
أ- الإباضية بحضرموت. ب ثورة عبد الله بن يحيى الكندي طالب الحق.
ج حضرموت والإمامة الإباضية.
د أبو إسحق إبراهيم بن قيس الهمداني.
المصادر والمراجع.
(271) (1/271)