صفحة 1
الكتاب: صور مشرقة مِن حياة أهل الاستقامة لفرحات الجعبيري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] صور مشرقة من حياة أهل الاستقامة
أصل الكتيب عبارة عن محاضرة ألقاها
الشيخ الدكتور: فرحات الجعبيري حفظه الله تعالى
في سلطنةعمان خلال إحدى زياراته القيّمة لها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على النبي محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد:
وليس بخاف عن أحد ما تخلله الكتيب من الصور المشرقة والنفحات الإيمانية التي يعيشها الإباضية أهل الحق والاستقامة. مع التنبيه على أن أصل هذا الكتيب عبارة عن محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور/ فرحات الجعبيري في السلطنة خلال إحدى زياراته القيّمة لها.
وإليكم نص الكتيب كاملا والله من وراء القصد :-
بسم الله الرحمن الرحيم
تحية:
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أيها الأخوة المسلمون .. نحييكم أولاً بتحية الإسلام .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. لا يسعني في هذا المقام أمام هذا المشهد البهيج ، وأمام هذه الوجوه النيرة ، في هذه الربوع الطاهرة إلا أن نتوجه إلى العلي القدير أن يحفظ هذه الأمة الإسلامية ، ويجعلها خير أمة أخرجت للناس بحق ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر على مسلك سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإننا لنشهد أن هذا الرسول الكريم إنما هو نبي الرحمة ، أرسله الله تعالى فكان رحمة للعالمين فيا من لا إله إلا أنت صلِ بأفضل صلواتك على هذا النبي الطاهر الزكي الأمين ، وعلى أصحابه أجمعين وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. (1/1)
صفحة 2
وكذلك إننا لنسأل الله تبارك وتعالى أن يحف بعنايته أولئك الذين أبو إلا أن نكون معكم في هذا اللقاء ، أولئك الذين جعلهم الله تبارك تعالى أمناء على الإسلام ، وجعلهم مشرفين على شريعة الإسلام في هذه البلاد ، وإننا لنرجو الله تبارك وتعالى أن يجعل هذا الاجتهاد المبارك في ميزان حسناتهم ، لأنهم تحملوا مصاعب السفر واتصلوا بنا هنالك وألحوا علينا في المجيء إلى هنا وأحبوا أن نكون فيها بينكم في هذا اللقاء المبارك ، وإننا لنسأل الله تبارك وتعالى لهم جميعاً ، أولئك الذين أخلصوا في هذه الدعوة في جميع مستوياتهم وفي جميع أعمالهم أن يتقبل الله تبارك وتعالى منهم نياتهم المخلصة وعملهم المخلص.
بلاد بخير:
وبعد هذا نطلق في حديثنا بملاحظتين ، هاتان الملاحظتان هما شهادة واحترام.
حرص واحترام:
الملاحظة الأولى: يا من اختاركم الله تعالى فكنتم في هذا الثغر من ثغور الإسلام ، اعلموا أن بيئتكم ومحيطكم ينعمان بخير كبير. (1/2)
صفحة 3
هذا الخير يتجلى فيما تجده حواليك وأنت تطوف بربوع هذه البلاد من علماء أجلاء ، من علماء أرادوا أن يربوا أبنائهم على كلمة الله ، على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتفوا في ذلك المنهج النظري كما يفعل العلماء في كثير من المواطن ، وإنما اعتمدوا على المسلك العلمي ، فأنت كلما جلست في حلقة التفّ حولك عشرات ممن تتجلى سيماهم علامات الإسلام: وقار ، جد ، قرآن ، سنة ، شعر ، أدب ، مشورة اجتماعية ، نحن نشهد أمام الله وتعالى أن هذا هو الذي وجدناه ، هذا هو الذي نشتاق إليه ، وهذا هو الذي تفتقر إليه الأمة الإسلامية ، وفي مواطن أخرى لا نجد مثل هذا السيل من البركة ، الخير لم ينقطع لا محالة ، ولكن مثل هذا العدد ، وبمثل هذا الاعتناء وبمثل هذا الحرص ، فحسب ما نعلم ذلك نادر في ربوع العالم الإسلامي ، وإننا لنسأل الله تبارك وتعالى أن يديم هذا الخير في هذا القطر ، كما نسأله تبارك وتعالى أن ينشر مثل هذا الخير في سائر أطراف العالم الإسلامي ، وهذه المجالس ليست خاصة بعمر دون عمر ، فتجد فيها المتقدم في السن الشيخ الوقور الحيي الذي يعلمك درساً بإقباله عليك ، وبتحيته ، وبسلامه ، وبإكرامه ، وتجد الكهل المتطلع الذي لا يتحرك دون أن يأذن له شيخه ، فيقدم شيخه ، ويوقر كذلك الشاب ، وكذلك الفتاة ، هذه هي الصورة الناصعة الإسلامية ، وهذه هي صورة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذه هي الملاحظة الأولى.
كرم وإخلاص: (1/3)
صفحة 4
أما الملاحظة الثانية فذلِلُمُ الكرم وتلكُمُ الرغبة في الضيافة وذلكم التزاحم على حسن الضيافة ، كرم تحس أنه نابع من صميم الفؤاد لا ترى تكلفاً فيه وإنما إخلاصاً ورغبة ومحبة في أن تتعايش مع هؤلاء في ظلال ديارهم ، هذه الديار التي نسأل الله تعالى أن يحفظها وأن يرعاها وأن يزيدها عمارة بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعلم الإخوة الذين يعايشونني منذ أيام أنني لا أكثر من الكلام ، ولا أكثر من المدح ، اقتداءً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واقتداءً بسيرة الأصحاب ، وإنما إحقاقاً للحق وتفاعلاً مع هذا المحيط لا يسع الإنسان إلا أن يعبر عن شئ قليل مما يخالده.
أمة الإسلام واحدة:
بعد هذا وذاك :
فهذه النداءات وأمثالها كثير من الله تبارك وتعالى تنادي الناس أجمعين إلى كلمة سواء تنادي الناس إلى أن يكونوا كلمة واحدة ،وأن يتبعوا منهاجا واحدا ً ،هذا المنهج هو الذي اختاره الله تباك وتعالى حين شاءت حكمته أن يكمل دينه بملة الإسلام وكل الدين إسلام من لدن آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
الإسلام أخوة وقوة:
من النداءات الربانية .
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ )) { المائدة : 1/ 5 }. (1/4)
صفحة 5
ومن خلالها انطلق رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يقود الناس أجمعين إلى ساحل النجاة ، إلى ساحل تتألف فيه الشعوب ،تتآلف في القبائل وتتعانق الأيدي والقلوب لتبني أمة الخير ،الأمة التي تكفل جميع الجهود لترتقي إلى طلب مرضاة الله تبارك وتعالى .. هذه هي نداءات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أشعت عن طريقه صلى الله عليه وسلم وبجهوده وبرئاسته وبزعامته على جميع مستويات الحياة لتنشئه جيلا ربانيا ،لتحول أمة هذه الجزيرة كانت متناحرة ،كانت تشن الحروب لأتفه الأسباب إلى أمة راقية ،أمة علمت الناس الرقي وخلضتهم من كل القيود ،إلا من قيد واحد ومن ذل واحد هو قيد (( لا إله إلا الله )) وهو عز كلمات الخير والتقوى ، عن هذا الجيل الذي طبق الإسلام ،وعايش الإسلام انطلقت الدعوة في أطراف الأرض في مشارقها وفي مغاربها حتى أنه الآن يصعب أن تجد مكانا في الأرض لم تبلغه كلمة الإسلام .
المرء بطبعه تواق لما هو أحسن: (1/5)
صفحة 6
ونحن إذا حدثنا كثيرا من الناس عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، يقولون لك صحيح إ نه نبي الرحمة والأمة ، ولكن أنى لنا أن نصل إلى درجته عليه الصلاة والسلام ، وهو المؤيد بالوحي وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، وهو الذي كان خلقه القرآن ، كذلك يقولون لك أنى لنا أن نكون في مثل مستوى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين ارتبطت الأرض في أيامهم بالسماء ، وكان الوحي الرباني يتنزل عليهم في كل لحظة ليرشدهم إلى طريق الصواب ، إلى أولئك نقول إن الله تبارك وتعالى جعل سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بشراً رسولاً ، وجعل صحابته رضوان الله عليهم بشراً لم يؤيدوا بوحي ، ولم يؤيدوا بمعجزة ، أليست بساطتهم كبساطتنا ، أليست عقولهم كعقولنا ، أليست أجسامهم كأجسامنا ، ألم يكونوا بشراً كما نحن بشر فمالنا معاشر المسلمين الآن كثيراً ما نتخاذل عن درجات الشرف عن درجات هؤلاء ، حتى أن كثيراً من أبناء هذه الأمة إذا عرضت عليهم نماذج من سيرة هؤلاء ، أو من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تجدهم يبحثون عن أرخص السبل ، يبحثون عن أبسط السبل ، يبحثون عن أيسر السبل ، ولا تشتاق نفوسهم إلى القمة ، ومعلوم من سيرة الإنسان أنه إذا لم يتشوق إلى المعاني فإنه لن يصل إلى درجة الخير ، بينما إذا تاقت نفسه إلى أعلى الدرجات وأقومها حتى أنه إن لم يصل إلى تلكم الدرجات ، فإنه يقترب منها.
اشتياق متبادل: (1/6)
صفحة 7
ونحن في هذا اللقاء نعلم من الوجوه النيرة أنها ليست في حاجة بأن نعرض عليها سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنتم عارفون لها ، ونحن ما أتينا هنا لنعلمكم ، وإنما أتينا لنتعلم منكم ، ولكنكم أبيتم إلا أن نقول فيكم كلمات ، فنستلهم الله تبارك وتعالى أن يلهمنا مراشد أمورنا ، ويبصرنا بعيوبنا ، حتى يجعلنا من الذين يبادرون إلى إصلاح عيوبهم ، وإنما نختار بين أيديكم بعد أن نعتذر أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمام سيرته ، لأننا كما ذكرنا نحن عارفون أنكم متمكنون في هذا الباب ، نحاول معكم أن نستلهم شيئاً من سير سلفنا الصالح ننتخب لكم بعض النماذج من سيرة سلفكم وسلفنا هناك في بلاد المغرب وأعرف كما أننا نشتاق إلى من يأتينا من بلاد المشرق ، فأنتم أيضاً وجوهكم كلها مستبشرة لهذا الذي يأتيكم من بلاد المغرب ، والمشرق تحت لواء واحد بل العالم كله ينتظر بأن يتعانق تحت هذا اللواء ، وأن البشائر في أطراف العالم تشير إلى أن المستقبل للإنسان ، وإلى أن المستقبل للواء (( لا إله إلا الله محمد رسول الله )) صلى الله عليه وسلم.
الإنسان عدو ما جهل :
نحن معاشر المسلمين ، معاشر أهل الإستقامة ينبغي أن نتعانق مع المسلمين جميعاً ليكون لنا دور في نشر هذه الكلمة وفي غرس هذه الكلمة وفي تبيان ما كان عليه السلف الصالح لأن كثيرا من الناس الآن لا يعرفون عن السلف الصالح إلا القليل ، ولذلك نجد أن هؤلاء الناس يعادون في بعض الأحيان أهل الاستقامة ، والإنسان عدو ما جهل ، ونحن نرى من أخوتنا الذين يعاشروننا من مصر ومن غير مصر من أطراف العالم الإسلامي كيف يتآلفون معنا وكيف يتعاونون معنا لتعليم أبنائنا ولتربيتهم على المنهج الصالح وعلى أقوم السبل ، وهم يحسون فيما بيننا وبشهادتهم أنهم لا يشعرون بأية غربة.
تفاعل أهل المغرب مع الإسلام : (1/7)
صفحة 8
المغرب وصلها الإسلام مبكرا ، وصلها الإسلام سنة سبع وعشرين لهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتشرت فيها أنوار سنة رسول الله صلى الله عليه مع أنوار القرآن الكريم ، وأقبل الناس في دين الله أفواجا يتعانقون فيما بينهم ، وواصلوا النداء إلى الله تبارك وتعالى ، فأوصلوا كلمة الإسلام إلى بلاد الأندلس وإلى أعماق بلاد أوروبا ، ثم بعد ذلك عندما شاءت حكمة الله تبارك وتعالى أن يفترق المسلمون فيما بينهم وما كان افتراقهم في الأصل رغماً ، وإنما كان افتراقهم اجتهاداً وتآلفت حواليه القلوب لتسير بكلمة الإسلام ، شاء الله تبارك وتعالى أن تأتي كلمة أهل الاستقامة كما جاء إلى أهل عمان من أهل عمان من مدرسة أبي عبيدة رضي الله عنه من هنالك في مدينة من مدن الإسلام مدينة البصرة التي كانت منطلقاً لكثير من الخير بعد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مكة المكرمة.
من البصرة كان الإشعاع الإسلامي نحو المغرب :
مدينة البصرة تعانقت فيها الرؤى الإسلامية وتآلفت إذ كان مسجد البصرة تجتمع فيه جميع الفرق الإسلامية لتتدارس أمور هذا الدين ، ولتبلغ أمر هذا الدين ولتشع من هنالك كلمة الإسلام ، من هنالك جاء الإسلام وغرس منهجه المستقيم هنالك في أرض تونس وفي أرض الجزائر. على مسلك أهل الاستقامة قامت دولة الاباضية هناك تتعانق فيها جميع الشعوب لأن إمامها الأول كان عربياً ، وإمامها الثاني كان فارسيا ، إمامها الأول كان أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري اليمني ، لم يقل البربر هنالك لا هذا عربي لا نقبله لا بل اختاروه إماما ، لأن الإمامة والقيادة عند هؤلاء عند المسلمين شورى وتقوم فيمن تكتمل فيه الشروط .
النظام التعليمي للعشيرية : (1/8)
صفحة 9
لكل عشيرة عضو في الحلقة المشرفة على الجامع تتكون من شيخ هو أعلم الجماعة وأفقهها ،وعادة يكون أكبرها سنا وأكثرها حنكة وتجربة في الحياة الاجتماعية ، شيخ الحلقة يسمونه الغوث الكبير ، وهو الذي ترجع إليه جميع المهمات ، وهو الذي يلقي دروسا ليلية لا يتخلف عنها أحد إلا من له عذر ، الطلبة في الصفوف الأولى يعاملون كمعاملتهم في المدارس تسجل الغيابات ، ومن تغيب دون عذر شرعي يعاقب ثم في جانب ثان الفقهاء والمتعلمون والمدرسون ، ثم بعد ذلك جميع عناصر الأمة .في الحلقة الشيخ هو المشرف إلى جانب الدرس يجلس في الصباح في أوقات يعرفها الناس لينظر في مشاكل الأمة ، ويفصل فيها قبل أن تحول إلى القضاء ، فالقاضي مستريح لا تصله من المشاكل ومن القضايا إلا القليل ، إلى جانب هذا هنالك موعظة عامة وكان الدرس مساء الخميس وعندما أحييت الجمعة أصبح الدرس قبل فريضة الجمعة ، وهذا مسلك السلف والخلف ولا يزالون يسلكون هذا المسلك حتى لا يثقلوا على الناس في صلاة الجمعة ، الدرس موسع والناس مستريحون ، خطبة الجمعة تتوج ذلك ، فترة تؤدى فيها الفريضة تتكامل فيها الشروط لكن لا يطيل فيها الخطيب ، لأن القضايا قد عولجت من قبل والناس في استراحة.
في الدرس ، حول الشيخ ، يجتمع إمام الجامع ونائب الإمام ، والمؤذن ونائب المؤذن ، ووكيل الجامع ونائب الوكيل ، وفقهاء المحاضر ، وهؤلاء عددهم ينقص ويزيد حسب القرى ، حسب كثافة السكان ، ولهم وظيفتان ، الوظيفة الأولى الاشتغال بالأطفال وتحفيظهم القرآن ويختارون من المتقدمين في السن حتى يعرفوا كيف تكون رعاية هؤلاء الأطفال يعلمونهم السيرة مع القرآن ، الثانية انشغالهم بما يتعلق بالجنائز والأموات وما إلى ذلك ، هذه صورة إسلامية عن هذا التكافل الاجتماعي الذي وحد الأمة ، ومكن سلفنا بأن يوصلوا كلمة أهل الاستقامة إلى الخلف دون رعاية دولة ، انضباط داخلي أساسه الامتثال لأمر المسجد.
تلاحم القبائل: (1/9)
صفحة 10
صادف في سنة من السنوات لا أذكر التاريخ بالضبط عندنا في جزيرة جربا وقع تلاحم بين القبائل ، اجتمع المجلس الأعلى للعشائر ، ونظروا في الأمر ، قالوا لا بد أن نستنبط حلاً ، تأملوا في السيرة ، تأملوا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختاروا هذا المسلك لتتآلف القبائل ، نداء لأئمة العشائر لرؤساء العشائر ، يا أيها الناس الإسلام يدعونا إلى التآلف ونحن فئة قليلة والمكر الصليبي يتربصنا من حين لآخر ، والجزيرة كما ذكرنا لأبنائنا في الصباح كادت لولا فضل هؤلاء المشايخ أن تصبح قطعة من بلاد النصارى لأنها بقيت خمسين سنة متتالية ولاتها من إيطاليا ، ومع ذلك لم يخضع السلف ، حاصروهم ، منعوا عنهم المؤونة ، قتلوهم أخذوهم عبيداً ، ومع ذلك لم يستسلموا ، يقول واحد من الولاة الطليان والذي كان في الجزيرة ويسمى مونتنال ، يقول بعبارته هؤلاء شياطين ، نضغظ عليهم من هنا ينفجرون من هنالك ولا يستسلمون ، قال: ضيقنا عليهم المؤونة الداخلية لا يجدون مؤونة ، فرأيناهم حتى لا يستسلموا يمسكون جذوع النخيل يقسمونه ويخرجون صلبه ويجعلون منه دقيقا يتناولونه ، والنخيل ما ينقطع ، الشعير ينقطع ، القمح ينقطع ، لكن النخيل لا ، والجزيرة في كثير من جهاتها تشبه الباطنة عندنا هنا منبسط والنخيل بشكل واحد جذوع النخيل يقسمونها ويخرجون صلبها ويجعلون منه طعاماً انظروا إلى هذا الطعام ، طعام في سبيل الله سار شهياً حتى لا يستسلموا ، هؤلاء المشايخ قالوا يا عباد كيف والحال هذه وأنتم تذكرون هذه المشاهد أيصح أن نتناحر
إعادة توزيع القبائل : (1/10)
صفحة 11
لذلك .. ومن ذلك العام سلكوا مسلكاً في توزيع القبائل وكانت القبائل الأسماء فيها تختلف ، ولا أعرف الأسماء ولكن اسمعوا إلى شئ من الألفاظ البربرية ، قبيلة الشماخي قبيلة كبيرة قبيلة الفصاصون نعرف بعض الشيء فنقول الفصاصون تسكن جهة أخرى ، قبيلة الباروني وهي تسكن منطقة أخرى ، فعندما يقوم التناحر تتضارب قال يجب هذا التقسيم أن نكسره .. كيف .. في منطقة الشماخي تدخل الباروني والفصاصون والقبائل الأخرى ، وأسرة من الفصاصين تتحول إلى منطقة الشماخي ، وأسرة من الشماخي تتحول إلى منطقة الفصاصين ، الآن أسماء الأسر تتحول إلى جهات الجزيرة وهي أيضاً تسميات بربرية آجيم – وانغ – أزويكشن – ورسيغن ، وتجد أسرة الشماخي في آجيم وتجد أسرة الشماخي في ورسيغن ، وتجد أسرة الشماخي إلى الآن موزعة عبر القرى .. ومن ذلك الحين انتهت الهجومات بين القبائل ، لأن هذه القيادة كانت قيادة إسلامية راشدة عرفت كيف تتخلص. من هنالك وما يزال إلى الآن رغم أن الوضع عندنا ضعيف خاصة في جربا لأن الإباضية هنالك ثلاث مناطق في جبل نفوسة في بلاد ليبيا ، وفي جربا في القطر التونسي ، وفي وادي ميزاب وورجلان في بلاد الجزائر ، القرى ، والتمثيل لقرى الإباضية والمشهد الإسلامي في وادي ميزاب ، وعندنا في جربا إن شاء الله ييسر الله تعالى بأن نرجع هذه الآثار ، ولكن مع ذلك هذه البقية جعلت القبائل تتزاور وتتداخل وتتآخى فيما بينها ، واستقام الأمر بعد ذلك ، وتوقف النزاع بين أطراف القبائل.
نظام العزابة : (1/11)
صفحة 12
هذه نبذة قليل من كثير من سير السلف الصالح رحمة الله عليهم في مسلكهم ، في مسلك الكتمان تحت لواء نظام العزابة هذا النظام لم يشرف على الخطوط الاجتماعية فقط أشرف ويشرف على الخطوط الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية وما إلى ذلك ، وهذا المجلس يجتمع مرة في الأسبوع أو مرة في الشهر .. لا .. لكن كل يوم ، إثر صلاة العصر هناك حجرة خاصة مجاورة للمسجد كل أهل الحلقة يجتمعون ، يتشاورون هل وقع حدث ، هل هناك ما يصلح ، ويتأملون في الأمر.
وادي ميزاب:
وعندنا هنالك في وادي ميزاب واكبوا تيار الحضارة ، فالآن قرى ميزاب تجدها تحيط بها المصانع من كل جهة ، من أحدث المصانع ، بل تحول كل القطر الجزائري .. تصدر للخارج الأقمشة ، الحلويات ، المأكولات وما إلى ذلك ، وهذه المصانع رأينا كيف تتحرك ، كل من يأتي المعاصي حرام أن يشتغل فيها من يعثر عليه بيده سجائر .. لا .. تب .. تدخل .. لكن معصية .. لا .. تدخل المصنع فتجد وجوهاً نيرة مسلمة صالحة ، عندما يأتي وقت الصلاة كل التكنولوجيا تقف ، مهما كان المصنع .. صلاة الجماعة .. ثم بعد ذلك العودة إلى الشغل .. هكذا .. هذه المصانع مصانع مجهزة بأجهزة عصرية تشتغل أربع وعشرين على أربع وعشرين ، والإخراج كلها على هذا النمط ، تقبل الإباضية وغير الإباضية على شرط الاستقامة ، ما نقول هذا ليس إباضياَ لا يقبل .. لا .. بل يقبل بالدرجة الأولى وتعطى له القيادة على شرط أن يكون مطبقا لدين الله تبارك وتعالى.
نظام المدارس بوادي ميزاب: (1/12)
صفحة 13
هذا مظهرمن مظاهر إبقاء الأمة في محيطها ، لأن هذه الأمة التي تآلفت على أخلاق راقية وعلى الأخوة ، وعلى عدم التخلف عن المساجد ، إذا تركت لطلب الرزق في الأطراف يخشى عليها أن يصيبها السوء ، فذلك يضمن لها كسب قوتها في بلدها هنالك ، وكذلك المدارس إلى جانب المعاهد الرسمية التي تشرف عليها الدولة ، هنالك المدارس القرآنية الإسلامية من أبسط مستوى إلى أرفع مستوى من سنة أولى ابتدائي وإعدادي إلى آخر صف الثانوية الطلبة يحضرون هنا وهنالك ، المهم هنا أنهم يحضرون في الدارس الرسمية وينالون الشهادات الرسمية ، ويكملون ما نقص في المدارس الإسلامية ، فالمدرسة الإسلامية انتبهوا ماذا تشتغل ، من صلاة الفجر إلى نصف ساعة قبل دخول المدارس الرسمية ، تصور طفلاً صغيراً أربع أو خمس سنوات تجد القرية في صلاة الفجر كلها تموج
حتى الحيوانات احترمت النظام:
أقول نكتة ولا بأس من الابتسامة حتى الحيوانات هذبوها .. غريبة .. هنالك عندهم الماعز يشتري الإباضي عنزة يخرج بها كل صباح ويعود بها في المساء ، يأتي إلى داره .. بجانب الدار يوجد مكان يعلمها الطريق من البيت إلى البطحاء العامة أي الساحة العامة ، ساحة عامة تتجمع فيها الماعز ينطلق بها الراعي في الصباح ويرجع بها في المساء ، وترجع كل عنزة إلى مكانها ، عند صلاة الفجر يتآلف الأطفال و الرجال والكهول والماعز أيضاً كل في طريقة ، المهم في الأطفال من هنالك الذين دون الدراسة يستمرون والذين في سن الدراسة يتحولون إلى إفطار الصباح وبسرعة إلى المدرسة ، وفي هذه الحصة الصباحية قرآن وسنة ومساعدة لما يقدم في المدرسة لغة ونحو وما إلى ذلك الأساس القرآن والحديث وحفظ.
بعد البنين دور البنات: (1/13)
صفحة 14
هذا عندما تفرغ المدرسة من الذكور أي من الأولاد في وقت الدراسة يأتي دور البنات ، والبنات لا يترددون على المدارس الرسمية ، في الدارس الإسلامية كفاية ، هناك جانب من القرآن والحديث والعلوم العربية ، وهناك جانب للخياطة والنسيج وما إلى ذلك ، وفي المساء عند الانتهاء من الدراسات ينتهي دور البنات ، فالأولاد بعد فطور المساء ينهون بقية النهار في المدرسة الإسلامية ، قال أحد المربين الذين يزعمون التربية قال : هؤلاء الأولاد قتلتموهم ، أطفال من الخامسة صباحاً حتى التاسعة مساء هكذا مرتبطون ، قلنا قارن بين هؤلاء وبين غيرهم تجد أنهم يتفوقون بالدرجة الأولى على أولئك الذين لا يأتون إلى هذه المدارس من الأطراف الأخرى يتفوقون بالدرجة الأولى معنى ذلك أن هذا المنهج سليم.
متفقد ينبهر:
أشير إلى ملاحظة هذه الملاحظة : (1/14)
صفحة 15
قال المتفقد الرسمي من الدولة أراد أن يتفقد هذه المدارس ، قال الباب مفتوح تفضل وهي منضوية تحت جمعيات رسمية – جاء المتفقد – تقولون عنه هنا المفتش أو الموجه .. جاء المتفقد ليتأمل أحوال المدرسة مدرسة الحياة ، حالما دخل الباب ، مدير المدرسة والجماعات قالوا تفضل انظر فيه القاعات والتنظيم وما إلى غير ذلك قال إنني لا أدخل إلى مكتب المدير مباشرة ، قالوا يا أخي كيف تحكم علينا قبل أن ترى ، قال : قلت لا أدخل ، لا إله إلا الله تحكم هكذا دون أن ترى ، قال إنني لا أدخل ، ثم دخل مكتب المدير وجلس وبدأ المدير معه الحوار ، ماذا تريد ، أبين لك الدفاتر ، كذا وكذا ، قال لا تبين لي شيئا ، عجيب !! بعد حين قال من الحيرة : اهدؤوا يا ناس إنني لا أحتاج إلى جولة في هذه المدرسة ، شاهدت مشهداً واحداً يكفيني ، الحمد لله مشهد واحد يكفي ، ما هو هذا المشهد ، المدرسة كانت قد غرست أشجار برتقال والموسم موسم برتقال .. والأشجار مليئة بالبرتقال ، والمدرسة يتردد عليها ثلاثة آلاف من الذكور وثلاثة آلف من الإناث ، ولم تمس حبة برتقال ، قال تربية كهذه لا تحتاج أن يتفقدها المتفقدون ، هذه برعاية الله ، يقارن ويقول نحن في المدارس الرسمية أشجار غير مثمرة حتى العصي كسروها ، يعني رفع تقرير.
من نصر الله نصره: (1/15)
صفحة 16
حفظ الله هذه الأمة لا لشئ إلا لأنها تنصر كلمة الله تبارك وتعالى ، وتسعى بأن تبعد عنها المعاصي الظاهرة منها والباطنة ، الظاهرة من خمر وفجور وعري وما إلى ذلك ، والباطنة من غيبة ونميمة وما إلى ذلك من الموبقات التي انتشرت في كثير من المجتمعات الإسلامية الأخرى ، تجد الناس في شغلهم وأعمالهم وقت العمل عمل ، ووقت الصلاة في صلاة .. حرص ، عناية ، اطلاع ، فلاحة أرض ، تعليم ما إلى ذلك وشعارهم في ذلك الأخوة ، (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )) { الحجرات: 10/ 49}.
وكما بدأ الحفل البهيج .. (( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )) { الإسراء: 9/17 } في كل المستويات ، يا أمة الإسلام .. يا أمة القرآن .. عودي إلى القرآن ، إننا في شوق إلى اليوم.
دعاء:
وإننا لنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل على أيديكم وأيدينا هذه المسيرة ، التي ترتقي بالأمة كلها في أطراف العالم حتى تعود إلى ما كانت عليه من عزة وسؤدد ، وحتى تعود إليها قيادة العالم ، فإن العالم الآن هذا الذي تردى يوما بعد يوم في الظلمات ، في ظلمات الإلحاد ، في ظلمات تقودها قلوب قدت من صخر ، قلوب ابتعدت عن أمر الله ، قلوب تزينت لها الدنيا ، قلوب نسيت الله تعالى فنسيها ، نسأل الله تعالى أن يقيض لهذه الأمة رجالاً يذكرون صباح مساء ، كل في مكانه ، كل في مركزه ، كل لا يحول المسؤولية إلى غيره ، لأن الأمة ما أماتها إلا هذا الأمر كل واحد في مكان يقول المسؤولية على ما هو فوقه.
توجيه في ختام المحاضرة : (1/16)
صفحة 17
يا أخي المسؤولية عليك أنت أولاً ، اعمل بما تقدر عليه ، فدع الأمر الذي لا تقدر عليه ، فلو حرص كل واحد منا ، كل قرية أن تسلك هذا المسلك لعرفت الأرض الطمأنينة ولعرفت هذه الأرض الخير ، ولاستوت فيها البشرية حتى لن ترى أمامك صباح مساء أناساً يلقون بالطعام في البحار حتى يتوازن اقتصادهم ، إلا أنني في شوق إليكم ، قلبي كله يتفاعل ليتحدث إليكم ، لكن علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه إذا تكلم يوجز ، واسمحوا لنا إننا تجاوزنا هذا الحد وأطلنا عليكم في هذا المساء ، إلا أن رجاءنا من المولى تبارك وتعالى أن يحفظ الجميع ، وأن يأخذ بأيدينا جميعاً وأن يؤيد المسلمين بنصر منه ، وأن يوفق الذين يشرفون على خطوط المسلمين حتى يؤدوا الأمانة ويبلغوا الرسالة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
(( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) { الصافات 180-182 }.
الفهرس:
الموضوع ... ... ... ... ... ... ... ... ... الصفحة
تحية: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 2
بلاد خير: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 3
حرص واحترام: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 3
كرم وإخلاص: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 4
أمة الإسلام واحدة: ... ... ... ... ... ... ... ... 4
الإسلام قوة وأخوة: ... ... ... ... ... ... ... ... 4
المرء بطبعه تواق لما هو أحسن: ... ... ... ... ... ... ... 5
اشتياق متبادل: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 5
الإنسان عدو ما جهل: ... ... ... ... ... ... ... ... 6
تفاعل أهل المغرب مع الإسلام: ... ... ... ... ... ... ... 6
من البصرة كان الإشعاع الإسلامي نحو المغرب: ... ... ... ... ... 7
النظام التعليمي للعشيرة: ... ... ... ... ... ... ... ... 7
تلاحم القبائل: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 8
إعادة توزيع القبائل: ... ... ... ... ... ... ... ... 8
نظام العزابة: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 9
وادي ميزاب: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 9
نظام المدارس بوادي ميزاب: ... ... ... ... ... ... ... 10
حتى الحيوانات احترمت النظام: ... ... ... ... ... ... ... 10
بعد البنين دور البنات: ... ... ... ... ... ... ... ... 11
متفقد ينبهر: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 11
من نصر الله نصره: ... ... ... ... ... ... ... ... 12
دعاء: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 12
توجيه في ختام المحاضرة: ... ... ... ... ... ... ... ... 12
****************************** تمت بحمد الله )) ***************************** (1/17)