صفحة 1
الكتاب: عبق من التاريخ الإباضي مدارس إباضية عبر التاريخ لمهنا السعدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] موقع الاستقامة
www.istiqama.net
عبق من التاريخ الإباضي
مدارس إباضية عبر التاريخ
بقلم
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
1423/1424هـ - 2002/2003م
abujaifar@hotmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة :
إن التراث الإباضي تراث واسع وعميق والتاريخ الإباضي تاريخ ذو شجون حوى الكثير من الأحداث المتلاحقة ، وبه الكثير من العبر والمواعظ التي يستفيد منها الإنسان في حياته اليومية .
والتراث الإباضي تراث خام يحتاج إلى باحثين متخصصين منصفين متجردين من الأهواء والنعرات لكي يسلطوا الضوء علية فيستخرجوا درره النفيسة من أعماق بحره الواسع .
وإني وبحكم قراءتي في التاريخ والتراث الإباضي بشقيه المغربي والمشرقي وجدت أنه محتاج إلى أيدي الباحثين المخلصين سواء من أبناء المذهب الإباضي أو من غير المذهب الإباضي ليخرجوا نفائس التراث الإباضي لهذا الجيل والأجيال القادمة ...
وقد قام بعض الباحثين المنصفين بجهد في هذا المقام والباحث غباش في كتابه القيم " عمان والديمقراطية الإسلامية " خير مثال على ذلك .
إلا أنه بالرغم من ذلك فإن التراث الإباضي لا يزال يئن تحت وطأة غبار الزمن ونسيان الأجيال ويستنجد بالأيدي الخيرة لكي تخرج نفائسه .
وإني كلما قرأت في كتاب من كتب التراث الإباضي المطبوع منها أو المخطوط أجد جوانب كثيرة في التراث الإباضي تحتاج إلى طرق وبحث ، فأحدث نفسي أن أتطفل وأطرق شيئا من تلك الجوانب إلا أني أحتار بأيها أبدأ ومن أين أبدأ وذلك لاتساع التراث الإباضي الذي خلفه لنا آباؤنا وأجدادنا الأوائل ... (1/1)
صفحة 2
وقد حضرت قبل فترة محاضرة أقيمت بمعهد العلوم الشرعية ألقى فيها علي أكبر ضيائي مدير مؤسسة الفكر الإسلامي بإيران محاضرة قيمة تحدث فيها عن المذهب الإباضي والتراث العظيم الذي تركه ، وقد ذكر أنه حاول وضع معجم مفهرس للمؤلفات الإباضية ، فكان يظن – حسب كلامه – أنه سينجز ذلك المشروعة بسرعة وسهولة ويسر لأنه كان يظن أن المذهب الإباضي ليس لديه الكثير من المؤلفات !! فتفاجأ بنفسه – حسب تعبيره – أنه غرق في بحر لا ساحل له ، وظل لأكثر من عشر سنوات وهو في هذا المشروع ، وعلم أنه لن يقدر على إتمامه ، فطلب من الإباضية المهتمين بالتراث الإباضي كجمعية التراث الإباضي الميزابية وعلى رأسها الشيخ د/ محمد صالح ناصر مواصلة مشروعه حتى لا تضيع سنوات عمره التي قضاها في ذلك المشروع ، بعد أن وضع بين يديهم ما أنجزه من عمل في مشروعه ذلك .
والحقيقة ومن باب الإنصاف فإنا نشكر الباحث علي أكبر ضيائي على ذلك الجهد الذي قدمه للتراث الإباضي ، وفي نفس الوقت فإني أوجه كلمه إلى كل إباضي أليس من العار علينا أن يخدم مذهبنا وتراثنا وتاريخنا من هو من خارج المذهب الإباضي ولا ينتمي إليه ، فو الله أني تألمت كثيرا من كلام الباحث ضيائي فهو ليس إباضيا بل شيعيا ويقضي أكثر من عشر سنوات من حياته يخدم التراث الإباضي ، ونحن الإباضية في بيوتنا سادرون إنا لله وإنا إليه راجعون .
فهذه دعوة أوجهها إلى كل إباضي غيور على تراثه وتاريخه آن الأوان لنخرج للأمة الإسلامية ما تركه أجدادنا من نفائس ودرر سيستفيد منها كل مسلم إباضي كان أو غير إباضي ، فكفانا نوما وسباتا ... (1/2)
صفحة 3
فإننا نملك في هذا المذهب من الخيرات ما هو كفيل لإخراج أمتنا الإسلامية من غياهب الذلة والضياع ، وتاريخ أجدادنا ودولهم التي أقاموها خير شاهد على ذلك ، إني لا أقول هذا من باب التعصب لمذهبي أو انتقاص لما لدى الآخرين ، ولكن من باب اطلاع على التاريخ وتاريخ الدول والمذاهب ، فرأيت البون شاسع بين الدول التي أقامها الإباضية والدول التي أقامها غيرهم ، وكفانا مقارنة بسيطة بين الدولة الرستمية الإباضية وبين الدولة الأموية والعباسية والفاطمية لينجلي اللبس لكل منصف .
وإذا أتاح الله لي الفرصة والعمر فإني راغب في كتابة بحث موسع أقارن فيه بين الدول الإباضية كالدولة الرستمية مثلا والدول التي أقامها غيرهم ، سواء من الجانب التطبيقي لشرع الله تعالى أو الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، والعدل الذي تميزت به الدول الإباضية .... إلخ .
أخوتي في الله أظن أنه آن الأوان لكي نشمر عن ساعد الجد ونلقي عنا ثوب الكسل والاتكال على الآخرين ، وآن الأوان لننفض عن تراثنا وتاريخنا غبار الزمن وهجران السنين فكم من المخطوطات الإباضية التي ضاعت بسبب الأرضة ومنها ما سرق وهو موجود في متاحف ومكتبات أوروبا ، ومنها ما ضاع في أيدي الجهلة الذين لم يحسنوا المحافظة عليه لأنهم لا يعرفون قيمة ما يملكون فتمزق بسبب عوامل الزمن .
أخوتي في الله إن ما نراه من كتب مطبوعة ومتداولة للإباضية هي في الحقيقة لا تمثل إلا جزءا بسيطا جدا جدا من التراث الإباضي الذي خلفه الأجداد . (1/3)
صفحة 4
أخوتي في الله إنا نلقي باللوم على بعض أتباع المذاهب الأخرى لجهلهم بالمذهب الإباضي ولتهجم بعضهم عليه وعلى أئمته السابقين وإن السبب في ذلك يعود إلى عدة أمور أغلبها بسببنا نحن أتباع هذا المذهب فإنا لم نحسن عرض بضاعتنا لدى الآخرين ولم نحسن نشر مؤلفاتنا وتحقيقها وشرحها وتوزيعها بين المسلمين بشتى مذاهبهم ، فلو أنا فعلنا ذلك لتغير تعامل الكثير من أتباع المذاهب الأخرى لنا ولتغير حكمهم علينا ، حيث أنهم سيطلعون على فكر وعقيدة وتاريخ المذهب الإباضي من أمهات كتب المذهب الإباضي ، فعند ذلك ستنجلي الحقيقة لكل ذي عينين ولكل منصف متجرد من الأهواء والنزعات المذهبية العقيمة .
عبق من التاريخ الإباضي : مدارس إباضية عبر التاريخ
تمهيد :
منذ ما يقارب من سنتين قمت بجمع العديد من المدارس والمجالس العلمية التي أنشأها أئمة وعلماء الإباضية ، والذي دفعني إلى ذلك هو أني خلال قراءاتي في مختلف كتب الإباضية سواء المتعلقة بالتاريخ أو فنون العلم الأخرى أجد في ثناياها ذكرا لمدارس علمية ومجالس قام علماء إباضية بإنشائها بهدف تعليم طلاب العلم بها ، وبعض تلك المدارس حوت سكنا داخليا ومكتبات خاصة .
فرأيت أنه من الضروري القيام بجمع هذه المدارس في بحث خاص حيث أنها متفرقة في مختلف الكتب وبين ثنايا الصفحات والأسطر ، فبدأت بإباضية المغرب فجمعت من كتب الطبقات للدرجيني والسير للشماخي أكثر من 140 مدرسة ، ثم حالت الظروف دون مواصلة هذا المشروع ، وعسى الله تعالى أن يمكنني من مواصلته وإنهائه .
وسأعرض لكم بعض هذه المدارس التي يسر الله لي لم شتاتها مع إعطاء ترجمة مختصرة بصاحبها ، سائلا المولى القدير أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي ...
وإلى المدرسة الأولى :
(1)- مجلس أبي بلال : (1/4)
صفحة 5
هو الإمام أبي بلال مرداس بن حدير التميمي ويعرف بمرداس بن أدية ، وأدية أمه ، عاش في القرن الأول الهجري ، هو أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم .
تابعي من أئمة المذهب الإباضي الأوائل ، لازم الإمام جابر بن زيد وأخذ عنه ، والتقى بعدد من الصحابة منهم عبد الله بن عباس ، وعائشة أم المؤمنين ، وعبد الله بن وهب الراسبي رضي الله عنهم ، شارك في معركة صفين وأنكر التحكيم ، وكان من أهل النهروان ، فنجا منها .
أنشأ جماعة سرية منظمة ، تتكون من أربعين شاريا منهم حريث السدوسي ، وكهمس الصريمي ، وعقد المجالس والمناظرات لإقناع الناس بوجهة نظره .
قام عبيد الله بن زياد بسجنه ثم أطلق سراحه ، واضطرته الضغوط والمظالم الأموية أن يفر بدينه مع مجموعة من الشراة ، فأرسل إليه عبيد الله جيشا بقيادة أسلم بن زرعة الكلابي في ألف رجل ، فهزم الشراة جيش ابن زياد بمنطقة آسك ، فوجه عبيد الله جيشا آخر في سنة 61 هـ قوامه أربعة آلاف بقيادة عباد بن علقمة المازني المشهور بعباد بن الأخضر ، فغدروا بأبي بلال وصحبه وهم يؤدون صلاة الجمعة فقتلوهم جميعا .
اشتهر أبو بلال بالعلم والورع ، وكان مجتهدا كثير الصواب ، من أجل ذلك تنازعته المذاهب ، وهو من الشعراء المجيدين ، له شعر في التحريض على الجهاد والصبر رواه المبرد وغيره ، من ذلك قوله يرثي الإمام عبد الله بن وهب :
أبعد ابن وهب في الوفاء وفي التقى :: ومن خاض في تلك الحروب المهالكا
أحب لقاء أو أرجي سلامة :: وقد قتلوا زيد بن حصين ومالكا
فيارب سلم نيتي وبصيرتي :: وزدني تقى حتى ألاقي أولئكا
وقد روى حصين بن نوفل عن ابن عباس ما عنه قوله : " أصاب أبو بلال السبيل " ، ورثاه عند مقتله الكثير من الشعراء .
إذا فنلاحظ أن أبا بلال من أوائل أئمة الإباضية الذين أنشئوا المجالس السرية لنشر فكر وعقيدة المذهب الإباضي .
( (1/5)
صفحة 6
أنظر : أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني ، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ، 2/214- 226 - أحمد بن سعيد الشماخي ، كتاب السير ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1/61- 65 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/411- 412 ، رقم الترجمة :874 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 1421هـ / 2000م ) .
(2) – مدرسة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي :
هو الإمام الكبير المحدث الحافظ الثقة الثبت الزاهد المجاهد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي - بالولاء - كان مولى لعروة بن أدية التميمي رحمه الله تعالى ، وقيل إن اسم أبيه كورين ، وكني بابنته عبيدة ، وقد اختلف في أصله كما ذكر الشيخ القنوبي نقلا عن سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى ، فقيل : حبشي ، وقيل : فارسي ، وقيل : كردي ، ولد بالبصرة سنة 45هـ أو بعدها بقليل كما رجح الشيخ القنوبي ، نشأ في البصرة ، وأخذ في طلب العلم لا سيما الحديث والفقه ، قال الشيخ القنوبي : " ... ودأب في طلب العلم ، لا سيما الحديث والفقه فقد تفنن فيهما وبرع وفاق فيهما أهل عصره أو أغلبهم " ، وقد عاش في مبدأ أمره في كنف شيخه ومولاه عروة بن أدية ، فورث عنه شجاعته وزهده وتقواه ، ثم انتقل إلى الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه ، فأخذ عنه الحديث والفقه والسياسة ، ثم خلفه بعد وفاته في رئاسة المذهب الإباضي ، فدرس الطلبة وأرسلهم إلى البلدان الشاسعة لتعليم أهلها ولإقامة العدل فيها متى أمكن ذلك ، وناظر المخالفين فأقام عليهم الحجة ، وأوضح لهم المحجة ، كما ذكر الشيخ القنوبي . (1/6)
صفحة 7
ذكر أنه مكث في طلب العلم أربعين سنة ، ثم مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة ، وقد تعرض للسجن من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي ، بسبب نشاطه الدعوي ، فلم يخرج من السجن حتى هلك الحجاج سنة 95هـ ، وقد أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة بعيدا عن عيون بني أمية ، وإمعانا في التمويه ادعى صنع القفاف وتعليمها حتى سمي بالقفاف ، واستطاع أن يقيم ثلاث دول للإباضية وهي دولة الإمام طالب الحق في اليمن والحجاز ، ودولة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان ، ودولة الإمام أبي الخطاب المعافري في إفريقية .
وذكر الإمام السالمي رحمه الله تعالى أن أبا عبيدة أدرك من أدركه الإمام جابر بن زيد ، فروايته عن الإمام جابر رواية تابعي عن تابعي ، وقد روى عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم ، وروايته عنهم بعضها موجود في مسند الإمام الربيع بن حبيب . (1/7)
صفحة 8
أخذ العلم عن جماعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من التابعين كجابر بن زيد والحسن البصري وابن سيرين ومجاهد وضمام بن السائب وأبي نوح الدهان وجعفر بن السماك وعن صحار العبدي ، أخذ العلم عنه خلق كثير أمثال : الإمام الربيع بن حبيب ، وسلمه بن سعد ، والإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي ، والإمام الجلندى بن مسعود ، والإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ، والإمام عبد الرحمن بن رستم ، وأبو أيوب وائل الحضرمي ، وأبو حمزة المختار بن عوف وغيرهم ، وقد أثنى عليه عدد كبير من العلماء سواء من المتأخرين أو من المتقدمين ، قال الشيخ القنوبي : " لقد كان أبو عبيدة - رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه - ثقة حافظا ضابطا ورعا زاهدا تقيا نقيا ... " إهـ ، وقال فيه الدرجيني : " كبير تلامذة جابر ، وممن حسنت أخباره والمخابر ، تعلم العلوم وعلمها ، ورتب الأحاديث وأحكمها ، وحافظ في خفية على الدين حتى ظهر على يد الخمسة الميامين ، حسب ما تقدم من ذكر دراستهم ، وحملهم العلوم ، وما شفي الله به وبهم من الكلوم ، وكان عالما مع الزهد في الدنيا ، والتواضع مع نيل الدرجات العليا ، والاعتراف بضيق الباع على ما عليه من الاتساع " إهـ ، وقال فيه الشماخي : " تعلم العلوم وعلمها ، ورتب روايات الحديث وأحكمها ، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه ، وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم ، واعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما هو عليه من الاتساع ... (1/8)
صفحة 9
" إهـ ، وقال فيه الإمام القطب : " كان رجلا ذا علم ووعظ نافذ وفقه وحديث " ، وقد سأل أحمد بن حنبل يحيى بن معين ـ إمام الجرح والتعديل ـ عن أبي عبيدة رحمه الله تعالى ، حيث قال له : " شيخ حدث عنه معتمر يقال له أبو عبيدة عن ضمام عن جابر بن زيد : كره أن يأكل متكئا ، من أبو عبيدة هذا ؟ قال : رجل روى عنه معتمر ليس به بأس ، قلت : من حدث عنه غير المعتمر ؟ قال : البصريون يحدثون عنه . وسأل أحمد بن حنبل عن عمارة بن حيان ، فقال يحيى بن معين : رجل روى عنه أبو عبيدة ، هذا من أصحاب جابر بن زيد وقد حدث أبو عبيدة عن صالح الدهان " إهـ .
وقد ترك آثارا علمية منها : 1- مجموعة أحاديث كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر بن السماك ، وصحار العبدي ، 2- كتاب " مسائل أبي عبيدة " وهو مجموعة من الفتاوى وبعض المحاورات ، 3- كتاب الزكاة ، 4- رسائل تعرف بـ " رسائل أبي عبيدة " ، 5- فتاوى في الأصول والفروع وهي متناثرة في الكتب ، 6- ناظر المعتزلة وأفحم زعيمهم واصل بن عطاء ، 7- اعتبره الجاحظ من الخطباء البلغاء .
وقد توفي الإمام أبو عبيدة في عهد أبي جعفر المنصور ( 136هـ- 158هـ ) ، حتى أن أبا جعفر المنصور حين بلغه نبأ وفاته قال : " أوقد مات ؟! إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهبت الإباضية " ، وقد رجح الشيخ القنوبي أن وفاته كانت في سنة 150هـ أو بعدها بقليل .
( (1/9)
صفحة 10
أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/238 ـ الشماخي ، السير ، 1/78 ـ القطب ، شرح عقيدة التوحيد ، ص78 نقلا عن : القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص30 ـ السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/6 ـ أحمد بن محمد بن حنبل ، كتاب العلل ومعرفة الرجال ، ج3 ، ت : وصي الله عباس ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ/ 1988م ، ص11- 12 ـ البخاري ، كتاب التاريخ الكبير ، ج4 القسم الأول ، ص271- القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص26- 36 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/418- 419 رقم الترجمة : 891 ) .
(3)- مجلس أبي محمد النهدي :
هو أبو محمد النهدي البصري ، لم تذكر المصادر اسمه ، ذكره الدرجيني ضمن أعلام الطبقة الثالثة ( 100- 150 هـ ) ، وصنفه الشماخي في طبقة تابعي التابعين ، كان لا يزال حيا في الفترة بين ( 106 - 121هـ ) .
يعد أبا محمد النهدي من الأنصار الأوائل لمذهب أهل الحق والاستقامة ، كان خطيبا مصقعا ، دعا الجماهير في البصرة إلى الخروج على والي العراق خالد بن عبد الله القسري ( تولى : 106 - 121هـ ) ، لما فشا جوره وظلمه .
وصفه الدرجيني بقوله : " ... أبو محمد النهدي رحمه الله ، المظاهر المعالن ، المجاهد غير المداهن ، الحافظ للتقى ، المفارق للأدناس ، المباين ، بصر الله بصيرته الباصرة ، فلم تكن عن هذه قاصرة ، ففاز بالصفقة الرابحة ، ووقي الصفقة الخاسرة " إهـ . (1/10)
صفحة 11
تذكر المصادر أن أبا محمد رحمه الله اهتدى إلى العقيدة الحقة بنفسه دون أن يتلقاها عن أحد ، فأنشأ مسجدا ينشر فيه هذه العقيدة ، قال أبو سفيان : " كان رجل من المسلمين يقال له أبو محمد كان قد أبصر الإسلام من قبل نفسه ، وكان بدأ ذلك أنه كان يخرج إلى المغازي فنظر إلى ما يعمل الناس من الغلول والجور ، فقال : " ما هذا بفعل أولياء الله وأهل الإيمان " ، ثم نظر إلى صلواتهم وقيامهم بالتوحيد والإقرار بالنبوة قال : " وما هذا بفعل المشركين " ، فانصرف إلى البصرة ، وكان له مسجد يجلس فيه ويحدث ويقص ويذكر ، وكان يصف الإسلام ويقول : " أن أهل الأحداث من القبلة كفار [ يعني كفارا بالنعم أي فساق ، وليس المقصود كفر الملة ] ليسوا بمشركين ولا مؤمنين " . فبلغ أمره جماعة من المسلمين [ الإباضية ] فقال بعضهم لبعض : " هذا الرجل قد ترونه وما يصف ، فهلموا بنا إليه لنواصفه هذا الأمر ، فلعله يقبل " ، أتته منهم جماعة فواصفوه الأمر ، ووصفوا له ما هم عليه ، فقال : " هذا هو الحق وما زلت على هذا منذ دهر ، ولم أجد أحدا يوافقني عليه وما ظننت إذا أن أحدا يقول بهذا القول " ، قالوا : " بلى ، والله إن لك أعوانا على هذا وإخوانا " ، فكان أبو محمد من أفاضل المسلمين ، وكان يظهر هذا الشأن ويبوح به " إهـ كلام أبي سفيان بتصرف .
إذا فقد كان أبا محمد النهدي له مسجد يقيم فيه مجالس للعلم ينشر فيها العقيدة الحقة التي هداه الله تعالى إليها فظل على تلك الحال فترة من الزمن إلى أن زاره الوفد الإباضي الذي عرفه بوجود من يحمل نفس العقيدة التي يعتقدها فانضم إلى قافلتهم داعية ومصلحا وناشرا للحق لا يخاف في ذلك لومة لائم .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/257- 285 – الشماخي ، السير ، 1/89-90 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/357 ، رقم الترجمة : 778 ) .
(4)- مجلس أبي الحر علي بن الحصين : (1/11)
صفحة 12
هو علي بن الحصين العنبري ويكنى بأبي الحر وورد أبو الحصين ، عاش في أوائل القرن الثاني الهجري في مكة ، وصنفه الدرجيني ضمن الطبقة الثالثة ( 100- 150هـ ) ، فهو من تابعي التابعين ، ومن أئمة الإباضية الأوائل .
أخذ العلم عن إمام أهل الحق والاستقامة الإمام جابر بن زيد رحمه الله ، وعاصر الإمام أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله .
كان لأبي الحر مجلس علم بمكة ، يجتمع إليه علماء أهل الحق والاستقامة ، وممن كان يحضره أبو سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله .
لقد ساهم أبو الحر رحمه الله بجهاده مع الشراة في مقاومة الحكم الأموي الجائر ، وكان في جيش الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي رحمه الله ، وهو إلى شجاعته عالم فقيه زاهد ، بسط الله رزقه فجاد به على الفقراء .
من آثاره رسالة بعثها إلى طالب الحق ، تضمنت نصحا وتذكيرا بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة .
اختير ضمن أعضاء الوفد السته الذين أرسلهم الإباضية لمقابلة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، وطلبوا من الخليفة عمر بن عبد العزيز العمل على تصحيح الأوضاع ، والعودة بالأمة إلى نهج الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، ومنع سنة لعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على المنابر .
أسره جند مروان بن محمد وقيدوه في الحديد فقتل رضي الله عنه في مكة تحت راية أبي حمزة المختار بن عوف الشاري حوالي 130هـ .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/5 ، 7 ، 2/210 ، 251 ، 262 ، 263 ، 269- 272 – الشماخي ، السير ، 1/92- 94 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/292 ، رقم الترجمة : 632 ) .
(5)- حلقة أبي ميمون بن أحمد الجيطالي : (1/12)
صفحة 13
هو أبو ميمون بن أحمد الجيطالي ، لم تذكر المصادر اسمه ، عاش في القرن الثاني الهجري ، ولد بجبل بنفوسة بليبيا ، نسبه يدل على أنه من أهل قرية " إيجطال " ووردت " جيطال " الواقعة بجبل نفوسة .
وصفه الدرجيني بقوله : " أبو ميمون ... ممن له في الآخرة رغبة وترغيب ، ولم يكن له في دنياه أكثر نصيب ، وكان ذا جد في العلم والاجتهاد ، وسعي في العبادة ومنافع العباد ، وكان ممن يعد في الشيوخ وممن قدمه في العلم ذا رسوخ ، وكان ذا تفقد لمواضع المعروف وذا إيثار على ما كان عليه من الإقلال والإقتار " إهـ .
تفرست فيه أمه سيماء العلم منذ صغره ، فقد كان إذا شهدت مجالس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك ، وإذا انصرفت أكثر البكاء والقلق ، وهو في المهد صبي .
وقد صدقت فيه فراسة أمه ، فقد أصبح من كبار العلماء فكون حلقة علم قال الدرجيني : " ... وكانت حلقة تجتمع على أبي ميمون يدرسون العلم ويأخذون السير ... " إهـ .
وكانت هذه الحلقة لا تعرف الانقطاع والفتور في الحل والترحال ، وكان إذا سئل أجاد وإذا نطق أفاد ، وله فتاوى .
حضر المجاعة التي اجتاحت جبل نفوسة فكان ذا إيثار وصبر على ما كان عليه من الإقلال والإقتار ، تزوج من امرأة تدعى أم يحيى ، وكانت له قرينة في العلم والخير ، ويروى عن زوجته أنها قالت : " لما رأيتهم أقبلوا أبصرته أقصرهم قامة ، فلما حلقوا عليه وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب رأيت حينئذ الشيخ أطولهم وأعظمهم " .
ويستشف من هذا النص أن طلاب الشيخ كانوا كبارا جاوزوا مرحلة البلوغ حيث أنهم كانوا طوال القامة ، إذا فقد كان الشيخ أبو ميمون ممن تصدى لتعليم الطلاب الذين قطعوا أشواطا كبيرة في طلب العلم ، وهذا يدل على تبحره في العلوم . (1/13)
صفحة 14
وتذكر عن الشيخ أبي ميمون قصة تدل على سعة علمه وكذلك على أمانته ونزاهته ، فيروى أن رجلا أراد السفر من جبل نفوسة فترك مبلغا من المال أمانة لدى أبي ميمون ، وطال سفره ، وأصيب الجبل بالمجاعة فلم يجد الناس ما يؤكلون ، وعاد الرجل من سفره فذهب إلى أبي ميمون لاسترداد ماله ، فأعطاه إياه كاملا ، فرأى الرجل قدرا لأبي ميمون على النار فرغب منه وتعجب من أبي ميمون كيف لم يضيفه على ذلك الطعام ، فصارح أبا ميمون بذلك ، فقال له أبو ميمون : " احمل وديعتك ، وعد عما سواها ، فإن الذي في البرمة [ قدر للطبخ ] مباح لنا وليس لك بمباح " ، قال الرجل : وما هو ؟ ، قال الشيخ : " الميتة ، اضطرنا إليها الجوع والقرم [ لم أفهم ما معنى القرم ] ، ولست أنت بمعدم " ، فقال الرجل : معاذ الله أن أكون واجدا وتكونوا معدمين حتى تستوجبوا أكل الميتة ، فدفع للشيخ عشرين دينارا ، فقبلها منه وأمر بانكفاء القدر ، وأعد طعاما من العشرين دينار وأطعم الرجل منه .
أخوتي في الله إن هذه القصة تدل على عظم أمانة الشيخ ونزاهته ، فلم يأخذ شيئا من مال الوديعة بالرغم من المجاعة التي اجتاحت جبل نفوسة ، فآثر أن يأكل الميته أخذا بالرخصة للمضطر على أن يخون الأمانة ، فأين نحن من هؤلاء العظماء !!
( أنظر : الدجيني ، الطبقات ، 2/294- 296 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/434 ، رقم الترجمة : 936 ) .
(6)- حلقة أبي خليل اليدركلي : (1/14)
صفحة 15
هو أبو خليل صال الدركلي وورد اليدركلي نسبة إلى دركل ، وورد الدرشلي نسبة إلى درشل ، عاش في القرن الثالث الهجري ، علم من أعلام " إيدركل " بجبل نفوسة ، يعد حلقة في سلسلة نسب الدين الطرابلسية ، أخذ العلم عن حملة العلم الخمسة من البصرة إلى المغرب ، وقيل هو أول من تتلمذ عليهم ، من أبرز تلامذته : أبو ذر أبان بن وسيم الويغوي ، وأبو معروف ويدران بن جواد ، وابن مؤنسة ، وغيرهم ، له كرامات وفتاوى وآراء فقهية ، عمر طويلا إذ توفي عن سن يناهز المائة والعشرين عاما ، وقيل : عاش مائة عام ، وضمن مشاهد جبل نفوسة مصلى وغار ينسبان إليه .
كان أبو خليل رحمه الله مقصدا لطلاب العلم وموردا عذبا لهم ، فقد كانت له حلقة علم من أبرز طلابها أبان الويغوي ، الذي أصبح من كبار العلماء بعد ذلك ، وقد وهب الله تعالى الشيخ أبا خليل فراسة المؤمن ، فقد كان يتفرس في طلابه فيعرف الطالب المخلص لله في طلبه من غيره ، ومن ذلك ما ترويه الآثار كالطبقات وغيرها أنه كان يدرس مع الشيخ طالب آخر غير أبان يعرف بابن مؤنسة ، فكان أبان متى دخل على الشيخ فوجده مضجعا أو متكئا أو مستغشيا ثيابه تحفز وجلس مستويا – أي الشيخ أبا خليل – وأحسن استقبال أبان ، وإذا دخل عليه ابن مؤنسة فوجده على أي حال كان ، بقي عليه فلا يتحرك ولا يعامله كما يعامل أبان ، فكان على هذه الحال مع كل واحد منهما ، وعندما سؤل عن ذلك ، قال الشيخ : " ... إن أبانا يتعلم العلم لله ، وابن مؤنسة إنما يتعلم العلم ليؤذي به ويؤذى " ، فكانا كما تفرس فيهما الشيخ .
( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص65- 67- الدرجيني ، الطبقات ، 2/299- 304- الشماخي ، السير ، 1/181- 183- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص73- 75- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/224رقم الترجمة :491 ) .
(7)- حلقة الشيخ أبي معروف ويدران بن جواد : (1/15)
صفحة 16
هو أبو معروف ويدرن - وذكر الدرجيني أنه ويدران ، والشماخي أنه ويار - بن جواد ( حي بعد : 283هـ ) ، هو قاض وعالم من علماء جبل نفوسة بليبيا ، سكن قرية ويغو بجبل نفوسة ، أخذ العلم عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي ، وعن أبي خليل صال الدركلي ، وأخذ عنه العلم أبو مسور يسجا بن يوجين ، وهو ممن جازت عليه سلسلة نسب الدين الأطرابلسية ، يقول عنه أبو زكرياء : " كان محدثا مشهورا " ، كان له إلمام بعلم الفرائض واهتمام وشغف بقراءة الكتب مما أهله للقضاء بين الناس ، وقد عمل رحمه الله في التجارة فكان يمتلك دكانا يبيع فيه فإذا وزن لأحد زاد له في الوزن ، وإذا وزن لنفسه أنقص في الوزن وذلك من شدة ورعه ، وكذلك اشتغل فلاحا في جنان له ؛ فقد بصره فأرسل بكتاب إلى عبد الحميد الفزاني - عالم من علماء الإباضية يقطن ببلاد السودان – يستمد منه دواء للعين ، فقال الفزاني حين ورده الكتاب : "عجبا لهذا الشيخ أعطاه الله دواء لداء الذنوب ، وهو يسأل ما يزيله عنه ! " ؛ فغضب أبو معروف لذلك وقال : " أترى الفزاني يهزأ بي ويعدني صبيا يرضع إبهامه ؟ " ؛ حيث أنه يرى بفقد البصر حرمانه من أنواع كثيرة من الخير ، كالاعتبار والتأمل في صنع الله تعالى ، ومطالعة الكتب ، والمشي إلى مجالس الذكر .
وقد ذكر له الدرجيني في طبقاته عدة مسائل تنم عن علم غزير يمتلكه ؛ ويستنتج من كون الشيخ أبي معروف جازت عليه سلسلة نسب الدين أنه كان له حلقة ينشر من خلالها العلم ، وأن له طلبة يلتفون حوله ينهلون من معين علمه ، وقد ذكرت المصادر اسم أحد من أخذ عنه العلم وهو أبو مسور يسجا بن يوجين كما مر .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/328 ـ الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/447- 448 ، رقم الترجمة : 973 ) .
(8)- مدرسة الإمام أفلح بن عبد الوهاب : (1/16)
صفحة 17
هو الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم - رحمه الله - ثالث الأئمة الرستميين ، تولى حكم الدول الرستمية في سنة 208هـ واستمر في الإمامة حتى وفاته في سنة 258هـ ، تلقى العلم بتيهرت عن أبيه الإمام عبد الوهاب ، وعن جده الإمام عبد الرحمن رضي الله عنهما ، وكذلك أخذ العلم عن علماء ومشايخ تيهرت ، وكذلك أخذ العلم عن الإمام أبي غانم الخرساني – صاحب المدونة – حين زار تيهرت ، وأكثر ما أخذ عنه علم الحديث .
كان الإمام أفلح عالما من أكبر علماء زمانه ، وفقيها شاعرا ، وقد تصدر للتدريس صغيرا لم يتجاوز سن الحلم ، فقعد بين يديه أربع حلق : في الفقه ، والأصول ، واللغة ، وعلم الكلام ؛ وقد تخرج من مدرسته جمع من العلماء منهم : إبناه أبو اليقظان ، وأبو بكر ، ونفاث بن نصر ، وسعيد بن يونس الويغوي وغيرهم .
انفرد الإمام أفلح بآراء في علم الكلام واعتبر لذلك إماما من أئمة العلم مع كونه إمام دولة ، وقد ترك العديد من الرسائل العلمية ، وله جوابات وفتاوى في النوازل ، كما أنه له اهتمام بالحديث وروايته .
وقد ترك الكثير من المؤلفات منها ما طبع ومنها ما يزال مخطوطا ؛ وقد بلغ في علم حساب الغبار والنجامة مبلغا عظيما ؛ وكان كذلك شاعرا أديبا بارعا ، له قصيدة رائية رائعة في التحريض على طلب العلم مطلعها :
العلم أبقا لأهل العلم آثارا :: يريك أشخاصهم رَوْحا وإبكارا
وقد كان مع علمه وأدبه وزهده سياسيا وقائدا محنكا بلغت الدولة الرستمية في عهده من الرقي مبلغا كبيرا ، ووصلت إلى أوج ازدهارها ، وقد عده الشيخ علي يحيى معمر من أعظم من تولى الإمامة في المغرب الإسلامي ؛ وقد توفي رضي الله عنه في سنة 258هـ .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/72- 83 ، 2/291 – الشماخي ، السير ، 1/166- 167 ، 184 – علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، ح4/ 68- 71- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/60- 62 رقم الترجمة : 116 ) .
( (1/17)
صفحة 18
9)- مدرسة الشيخ يسجا بن يوجين اليراسني :
هو الشيخ أبو مسور يسجا – وورد يشجا – بن يوجين اليراسني – وورد اليهراسني – عاش في أواخر القرن 3هـ ، يعد من عظماء جزيرة جربة بتزنس ، ويسجا اسم بربري يعني : استقام .
ونسبته إلى قبيلة يراسن ، وهي قبيلة بربرية استوطنت الأراضي الممتدة من تِطَّاوين إلى جبل نفوسة ، وقد نشأ في رعاية والده يوجين فحفظ القرآن وأخذ مبادئ العلوم في كتاتيب قريته ، ثم التحق بحلقة الشيخ أبي زكرياء يحيى بن يونس السدراتي ، بشروس في جبل نفوسة ، وكانت نفوسة آنذاك ملتقى العلماء وقبلة الطلاب ، فاستغل فرصة وجوده هناك ليتتلمذ على يد الشيخ أبي معروف ويدرن بن جواد ، فمكث عنده عشر سنين ، وتوفي والده في السنة الأولى منها ، فلقي بشظف العيش متاعب شتى ، إلى أن تكفل به أحد النفوسيين بتحريض من شيخه فتحسنت أحواله .
وتعلم أيضا مع أبي صالح بكر بن قاسم عند أبي الربيع سليمان بن ماطوس ، بعد ذلك رجع من عند ابن ماطوس إلى أهله ، وقبل عودته إلى أهله اشتغل بنسخ الكتب ، وكان شديد الاهتمام باقتنائها .
عاد إلى جربة بعد أن أتم دراسته وعمره ثلاثون عاما ، ومعه زوجته النفوسية وابنه فصيل ، فاستقبله سكان جربة بكل حفاوة وتكريم ، فأقام فيهم حاكما ومعلما طيلة حمسين عاما ، وصار مرجعا للفتوى .
تخرج عليه عدد كبير من العلماء منهم : أبو محمد ويسلان بن أبي صالح ، وأبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي ، وأبو موسى عيسى بن السمح الزواغي وغيرهم .
لكثرة تلاميذه الوافدين من مختلف الجهات ، خطط لبناء مسجد يلم الشمل وينظم الحركة ، فشرع في بناء المسجد الكبير لبني يراسن ، إلا أن المنية عاجلته فلم يتمه ، وأتمه ابنه فصيل ، فصار المسجد جامعا يخرج العلماء لعدة قرون .
من أعماله ومناقبه فضلا عن بناء المسجد :
1- تأسيس مدينة " حومة السوق " بالجزيرة ، وبنى فيها مسجدا للعبادة والتدريس . (1/18)
صفحة 19
2- الدعوة إلى الله بالحكمة فرجع إلى الوهبية الإباضية من كان بالجزيرة على مذهب الخلفية .
3- مواجهة النكار بالأناة والتريث .
4- يعد حلقة ذهبية في سلسلة نسب الدين عند المغاربة .
5- ترك أقوالا فقهية وحكما كثيرة ذكرت بعضا منها كتب السير .
مات رحمه الله في حومة قلَّالة بجربة وبها دفن ، ولا يزال قبره معروفا ، وقد ترك ابنين اثنين كان لكل منهما شأن عظيم ، أحدهما موسى كان عابدا ورعا زاهدا تقيا ، وقد مات شابا ، والأخر فصيل واضع الأسس النظرية لحلقة العزابة مع أبي عبد الله محمد بن بكر .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 116 ، 117 ، 157- 159، 2/329 ، 336- 339 ، 348 ، 353 ، 359 ، 393 ، 400 ، 478 - الشماخي ، السير ، 2/32- 33 ، 265 ، 345 ، 346 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/468- 469 رقم الترجمة : 1024 ) .
(10)- مدرسة الشيخ سليمان بن ماطوس :
هو أبو الربيع – وورد أبو يحيى – سليمان بن ماطوس الشروسي ، عاش في القرن الثالث الهجري ، يعد من كبار علماء جبل نفوسة ، كان من الناجين القلائل من موقعة مانو الأليمة بين إباضية نفوسة والأغالبة سنة 283هـ ، بعد موقعة مانو أسند إليه المشايخ حكم جبل نفوسة ، لم تذكر المصادر مشايخه الذين أخذ عنهم ، ولكنه أطنبت في ذكر تلاميذه ، فممن أخذ عنه العلم أبو صالح بكر بن قاسم ، وأبو موسى اليراسنييْنِ ، وغيرهما .
له تآليف في أصول الدين ، وفتاوى متناثرة في المصادر والمراجع ، وقد كان له تلاميذة يلتفون حوله ويقصدونه من شتى البقاع للنهل من علمه ، قال الدرجيني : " وذكر أن أبا صالح اليراسني وأبا موسى ومن معهما من التلامذة ساروا إلى أبي الربيع سليمان بن ماطوس ليقرأوا عليه ، فأقاموا يقرأون عليه ما شاء الله ، ثم انتقلو إلى موضع بإفريقية يقال له : " سلام ليك " فإقاموا به يدرسون الكتب زمانا ، ثم إنهم رجعوا إلى ابن ماطوس ليعرضوا عليه ما قرأوا في تلك المدة ... " إهـ .
( (1/19)
صفحة 20
أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/327 ، 349 ، 350 ، 351 ، 358 - الشماخي ، السير ، 1/134- 236 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/211 رقم الترجمة : 462 ) .
(11)- مدرسة الشيخ بكر بن قاسم اليهراسني :
هو الشيخ العلامة أبو صالح بكر بن قاسم اليهراسني - وورد اليراسني - ، ولد في بني إرزن ، والتحق بمدرسة العلامة أبي الربيع سليمان بن ماطوس ، فنهل من علمه حتى أصبح من فحول العلماء ، واخذ العلم كذلك عن الشيخ سليمان بن زرقون في أواخر أيامه .
درس في الجامع الكبير بجربة بعد تأسيسه ، وتخرج على يديه مجموعة من الطلبة منهم : أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي مؤسس نظام العزابة ، وأبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي الهواري ، وابنه أبو محمد ويسلان بن بكر اليهراسني .
وقد كان الشيخ أبو صالح من العلماء الأعلام ، يرجع إليه فيما دق وجل من الأمور ، وإليه المفزع في الفتوى وإقامة الأحكام ، حريصا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقد مات – رحمه الله – شهيدا ، قتله جيش المعز ابن باديس الصنهاجي ( حكم : 406- 454هـ ) إثر هجومه على جزيرة جربة في الحملة التي شنها ، ليحمل الناس على اعتناق المذهب المالكي !! ، وقد قتل رحمه الله في سنة 431هـ .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/353-360 ، 366- 367 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/88- 89 رقم الترجمة : 186) .
(12)- مدرسة الشيخ فصيل بن أبي مسور يسجا بن يوجين اليهراسني :
هو أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور يسجا بن يوجين اليهراسني ، من أفذاذ العلماء بجزيرة جربة في تونس ، ولد بمدينة نفوسة .
تلقى العلم عن أبيه أبي مسور يسجا بجربة ، ثم عن الشيخ أبي خزر يغلى بن زلتاف بإفريقية ، فصار عالما فقيها .
لما قام أبو خزر بثورته ضد الشيعة عزم أبو زكرياء على المشاركة فيها ، غير أن هذه الثورة قضي عليها قبل أن يتحقق عزمه . (1/20)
صفحة 21
تولى التدريس مع أبي محمد كاموس ، وأبي عمرو النميلي ، وأبي صالح بكر اليهراسني ، في المسجد الكبير لبني يراسن بجربة بعد أن أتم إنجاز ما بدأه والده في بنائه .
وقد تخرج على يده تلاميذ نجباء أمثال : أبي الخطاب عبد السلام بن وزجون ، وأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، والعلامة أبي عبد الله محمد بن بكر وغيرهم .
ولقد فكر أبو زكرياء رحمه الله في تأسيس نظام يحفظ أمان وبقاء الإباضية ، فاختار لتجسيد الفكرة تلميذه أبا عبد الله محمد بن بكر ، الذي قام بتقنين هذا النظام وتأسيسه ، فأطلق عليه اسم ( نظام العزابة ) ، وبذلك يعتبر الشيخ أبو زكرياء فصيل صاحب الفكرة الأساسية لنشأة نظام العزابة ، ولهذا سمي النظام بـ : ( السيرة المِسْوَريَّة البكريَّة ) نسبة إلى فصيل بن أبي مسور ، ومحمد بن بكر رحمهما الله .
وقد كان الشيخ أبو زكرياء متميزا بالخصال الحميدة ، والأخلاق الفاضلة ، مما جعل الكثير من تلامذته يصفونه بما يدل على عظمة هذه الشخصية ، ومن ذلك كرمه الحاتمي المخلص ، فقد كان ينفق على تلاميذه بطريقة سرية ، لم تعرف إلا بعد وفاته وانقطاع الإنفاق عن الطلبة ، وقد توفي رحمه الله بين سنة 420 و 440هـ .
( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص230 ، 252 ، 254- 262 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 139 ، 157- 166 ، 189 ، 192 ، 2/318 ، 342 ، 354 ، 361- 364 ، 393 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/339 رقم الترجمة : 734 ) .
(13)- مدرسة الشيخ يزيد بن مخلد :
هو الشيخ أبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني الحامي ، عاش في القرن الرابع الهجري ، من بني تيجرت في الحامة ببلاد الجريد في تونس ، أخذ علم الأصول وعلم الكلام عن الشيخ سحنون بن أيوب ، وأما التفسير والفقه واللغة والأدب وسائر الفنون فقد أخذها عن أبي الربيع سليمان بن زرقون ، كانت له زوجة إسمها " الغاية " ، كانت قرينته في العلم والصلاح . (1/21)
صفحة 22
لما بزغ نجمه ولاح في الأفق ، وصار من كبار الأيمة الذين بلغوا درجة الاجتهاد ، عظمت منزلته لدى الناس والأمراء ، خاصة لدى المعز لدين الله الفاطمي ، وكان إذا ذهب إلى القيروان اهتزت المدينة لقدومه ، وتجمع الناس حوله يستفتونه ويسألونه .
كون حلقة علم بمساعدة رفيق دربه في طلب العلم أبي خزر يغلى بن زلتاف ، فجاءه الطلبة من شتى الأمصار ، فتخرج على يديه العديد من حملة العلم كأبي محمد ويسلان بن أبي صالح وغيره ، وقد اشتغل بالزراعة ، فقد كانت له أرض يستأجرها ، فملك ثروة معتبرة ، ينفق منها على طلابه .
قربه المعز إلى بلاطه ، وعقد له عدة مجالس للمناظرة ، وأعجب به ، حتى قال فيه كلمته المشهورة : " أما يزيد فلم تلد العرب مثله " ، إلا أن هذه المنزلة لم تدم طويلا ، فإن الوشاة من حاشية المعز اتهموه – حسدا من عند انفسهم – بأنه يريد الاستقلال بقومه عن مملكة العبيديين ، فأرسل إلى واليه بالحامة يأمره بقتله في سنة 358هـ ، فمات أبو القاسم شهيد الظلم والوشاية ؛ وكان قتله سبب خروج صديقه أبي خزر يغلى بن زلتاف ليثأر له إلا أنه لم يوفق .
( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، 181 ، 185 ، 205- 215 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 101 ، 102 ، 119- 126 ، 142 ، 160 ، 2/340 ، 341 ، 370 ، 410 ، 483 – الشماخي ، السير ، 2/33- 36 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/467- 468 رقم الترجمة : 1022 ) .
(14)- مدرسة جبل نفوسة :
هي مدرسة من مدارس العلم ظهرت في جبل النفوس الذي لم تنقطع عنه مدارس العلم على مر السين ، والظاهر أن هذه إحداها ، وقد ظهرت في القرن الرابع الهجري ، والحقيقة أن المصادر لا تذكر الكثير عنها إلا معلومات شحيحة ، فلم تذكر من أنشأها ، وأسماء العلماء القائمين عليها ، ومنهجها في التعليم ، ومصادر دخلها ، ولكن هذه الأسئلة يمكن الإجابة عنها من خلال مقارنتها بالمدارس التي قامت في تلك الفترة ونهجها العام . (1/22)
صفحة 23
على العموم سنعرض النص الذي ذكره الدرجيني عن أحد العلماء الذين تخرجوا من هذه المدرسة ، وهو الشيخ أبو محمد ويسلان - وورد وايسلان - بن يعقوب الدجمي - وورد الدمجي - المزاتي فمر ذكر هذه المدرسة عرضا بلا تفصيل ، فقال : " ... فلما قضى واسلان من هذا الفن وطره شاقت نفسه إلى تعلم الفروع فاستأذن أمه في السفر ، وألغز عليها في الاستئذان ، فقال لها : أتأذنين لي في الطلوع إلى الجبل [ يقصد جبل نفوسة ] ، فقالت : نعم ، فذهبت هي إلى جبل بمقربة من منزلهم ، وذهب هو إلى جبل نفوسة ، فجعل يقرأ العلم حتى حفظ في الفقه كتبا كثيرة ، وكان في أثناء هذه المدة إذا وصله كتاب من تلقاء أهله [ يقصد رسائل من أهله ] رمى به في الكوة لا يقرأه [ هكذا هي همم الرجال الفطاحل في طلب العلم ، وكان هذا هو نهج طلاب أبي عبيدة الذين كانوا لا يقرءون الرسائل التي تأتيهم من قبل أهليهم ] ، حتى قضى وطره من علم الفروع وعقد النية على الرجوع إلى أهله ، فقرأ الكتب فوجد في الأول التعزية بأمه ، ووجد في كل كتاب ما لو اطلع عليه لكان شاغلا عما قصد إليه من الخير ، قيل : ولما خرج مسافرا عن جبل نفوسة شيعه المشايخ مودعين ، فلما أراد الانفصال قال لهم : " أخبروني يا معشر نفوسة عن رجل حلف بالله ثم حنث ما يجب عليه ؟ " ، قالوا : " العتق أو الإطعام أو الكسوة ، هو مخير في الثلاثة إن كان مستطيعا " ، فقال لهم : " هو مخير " ؟ قالوا : " نعم " ، فقال : " هذا ما كنت أحاول أن أسمعه منكم ، وقد ظفرت به منكم ، فإني متى سألني سائل عن مذهب أهل جبل نفوسة قلت : التخيير " ، فقالوا له : " إلى هذا كان قصدك " ! " إهـ .
ثم قال الدرجيني : " قيل : وكانت إقامته فيهم سبع سنين ، فحصل ديوانا عظيما فكان يقرأ فيه ويدرس عند أهله ... " إهـ . (1/23)
صفحة 24
فإذا تأملنا النصين السابقين نجد أن المدرسة تقع في جبل نفوسة ، والظاهر أن بها مكان مخصص لسكن الطلاب ، أو لعله أقام عند شيخه الذي يدرس عليه أو عند أحد الصالحين ، والظاهر أن القائمين عليها هم من علماء جبل نفوسة فلعله عالم واحد أو عدة علماء ، والظاهر أن مصدر دخل هذه المدرسة إما من أحد الصالحين الأغنياء أو من أهالي جبل نفوسة ، أو من الشيخ القائم على المدرسة ، فقد كان العلماء القائمين على المدارس ينفقون على الطلاب بأنفسهم ، وقد مر مثال على ذلك عند الحديث عن مدرسة الشيخ يزيد بن مخلد ، حلقة رقم (13) ، والظاهر أن هذه المدرسة تعنى بتدريس علم الفروع كما هو ظاهر من خلال النص الأول والله أعلم .
*- ملاحظة : التعليق بين المعقوفين من عندي .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/370- 371 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/449 رقم الترجمة : 976 ) .
(15)- مدرسة الشيخ ويسلان اليراسني :
هو الشيخ ويسلان – وورد وايسلان ، ووسلان ، وواسلان – بن بكر أبي صالح بن قاسم اليراسني – وورد اليهراسني – ويكنى بأبي محمد ، من علماء القرن الخامس الهجري ، كان لا يزال حيا بعد سنة 431هـ ، هو من أهل جربة بتونس ، إمام ابن إمام ، درس في جربة في حلقة والده أبي صالح بكر بن قاسم – مر الحديث عن مدرسته سابقا رقم (11) – وأخذ العلم كذلك عن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور .
وكان في سني تعليمه يخلف أباه في حلقاته حال غيابه ، ثم أسس حلقة برغبة وإلحاح الطلبة ، فكثر عددهم ، وكان يدرسهم الفقه ، وكانت حلقته متنقلة ، فقد انتقل بها إلى بيته قبالة المسجد الكبير بجربة ، ثم طلع بها ذات سنة إلى جبل دمَّر ، ثم اضطر إلى تسريح الطلاب مخافة أن يثقل كاهل أهل دمَّر بإطعامهم .
وقد تخرج من هذه المدرسة جمع من العلماء والأيمة منهم : أبو محمد ماكسن بن الخير ، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، ومصالة بن يحيى ، وحمُّو بن أفلح وغيرهم . (1/24)
صفحة 25
وقد ترك الشيخ ويسلان كتابا في الوصايا والبيوع ، جمعه تلاميذه في حلقاته ، ثم عرضوه عليه فأقره ، وقد رأى المستشرق ليفيتسكي نسخة منه في " أريغ " قبل سنة 1885م .
ومن أقواله المأثوره : " ما مر قط على هذا الدين شر من هذا الزمان ، فقيل له : ما يئس الناس ، بل نحن في جموع وجماعات ، وحلق وظهور ، غير مستخفين ولا خائفين من أحد ، لم نكن كالأولين مختفين مكتتمين معتزلين في الجبال والمغارات ، والبراري والقرى ، فقال لهم : هيهات لم يمر زمان منذ قام هذا الدين إلا ولهم إمام ، إما ظهور ، وإما دفاع ، وإما شراء ، يقتلون ويقتلون ، ولا يهابون القتل في ذات الله تعالى ، القتل عندهم آثر من الحياة في رغد عيش ، ولا يريد غير إظهار الدين ودعوة الإسلام (( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )) ، (( وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ )) ، (( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ )) ، فهل حال أضعف من حال أهل هذا الزمان ؟ " إهـ .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/192- 193 ، 2/354- 359 ، 364- 365 ، 430 ، 478- الشماخي ، السير ، 2/54- 55 - تاديوس ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا البشمالية ، دار الغرب الإسلامية ، بيروت ، لبنان ، ط1: 2000م ، ص91- 92 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/448- 449 رقم الترجمة : 975 ) .
(16)- مدرسة الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر ( نظام العزابة ) : (1/25)
صفحة 26
هو أبو عبدالله محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي ، ولد بمدينة فرسطاء بجبل نفوسة ، شرقي مدينة ( كَبَاو ) ، من مديرية الحرابة التابعة للالوت ، ولم تحدد كتب السير تاريخ ميلاده ، فجعله الشيخ الجعبيري في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري ، أي ما بين 375 و 400هـ ، وقد ذهب أصحاب معجم أعلام الإباضية إلى استبعاد هذا التاريخ ، وذلك أن أبا عبد الله تتلمذ على يد الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل بالقيروان ، ويبدو أن ذلك كان أثناء إقامته – أي الشيخ سعيد بن زنغيل - بالحامة بين يدي المعز الفاطمي ، أي قبل رحيله إلى مصر سنة 362هـ ؛ وقد ذهب كل من الشيخ سالم بن يعقوب والشيخ علي يحيى معمر إلى تحديد تاريخ ميلاده بسنة 345هـ ، وهذا ما رجحه أصحاب معجم أعلام الإباضية .
ويعد الشيخ أبا بكر أحد أقطاب الإباضية في المغرب ، ومن أبرز المصلحين الدينيين والاجتماعيين ، وهو مؤسس حلقة العزابة المشهورة ، وصفه الدرجيني بقوله : " هو الطود الذي تضاءلت دونه الأطواد ، والبحر الذي لا تقاس به الثماد " إهـ .
وقد أخذ مبادئ العلوم في مسقط رأسه فرسطاء ، ثم تنقل بين عدة مدن للاستزادة من الفنون على يد أكابر العلماء في زمانه كالقيروان ، وجربة ، والحامة ؛ ففي القيروان أخذ علوم اللغة العربية وعلوم الآلة ، وفي جربة أخذ علوم الشريعة عند الشيخ أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بالجامع الكبير – لقد مر الحديث عن مدرسة الشيخ أبي زكرياء فصيل ، مدرسة رقم (12) - ، وفي الحامة أخذ العلم عن شيخه الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل ، فكان من تلاميذه المتقدمين كما يذكر الوسياني في سيره .
سافر بعدها إلى قصطيلية بحثا عن الشيخ أبي عمران موسى بن زكرياء ، ليأخذ عنه الفقه والفروع ، إلا أن وفدا من جربة اضطروه إلى التحول من مرحلة التعلم إلى مرحلة التعليم وتأسيس حلقة العزابة . (1/26)
صفحة 27
وقد اعتمد أبو عبد الله على نفسه في توفير مصدر قوته ، فلم يشغله العمل العلمي والاجتماعي عن السعي لكسب الرزق بكد يمينه ، فقد اتخذ لنفسه غنما وماشية يتنقل بها بين عدة مناطق ، متتبعا مصادر الكلأ ، مثل نفوسة ، ووادي سوف ، ووادي أريغ ، ووادي ميزاب ؛ كما كان يملك ضيعات كثيرة .
كان للشيخ أبي عبدالله الفضل في تأسيس نظام العزابة ، الذي يعد آية بين النظم الاجتماعية القديمة والحديثة ، وقد أطنبت المصادر في ذكر تفاصيل تأسيس هذا النظام البديع ، فقد كانت المبادرة لوفد من طلبة جربة التقوا بالشيخ أبي عبدالله وهو في طريقه إلى قصطيلية ، وبلغوه وصية شيخهم وشيخه - من قبل - أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بأن يطلبوا منه تأسيس حلقة للعلم ، فأبى أول الأمر ، وبعد إصرارهم وإلحاحهم الشديد اضطر إلى الموافقة ، فاشترط عليهم مهلة أربعة أشهر ليرتب فيها نظاما محكما ودقيقا للحلقة ، فوافقوا ؛ وقد ساعده في التنظير والتخطيط لهذا النظام شيخه فصيل بن أبي مسور ، ولذلك عرف هذا النظام بـ " السيرة المسورية البكرية " .
ثم شرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أول حلقة له بغار في " تين يسلي " ، وهي " بلدة اَعْمَر " بالقرب من مدينة تقرت جنوب شرق الجزائر حاليا ، وذلك في سنة 409هـ .
والشيخ أبو عبدالله لم يحصر هدفه في مجرد التعليم الديني النظري فحسب ، وإنما سعى إلى غرس مبادئ الإسلام في طلبته ، على أنه منهج حياة ، لا فصل فيه بين العلم والعمل ، ولا بين النص والواقع ؛ ولذلك كان الشيخ كثير السفر بطلابه في المغرب الإسلامي من نفوسة شرقا إلى وادي ميزاب غربا ، يتعلمون ويعلمون الناس أمر دينهم ، وقد استقر بالحلقة في عدة مناطق منها : تين يسلي ، وقصطالية ، وطرابلس ، وجربة ، ووارجلان ، وغيرها ؛ ولهذا عرف عند العامة بـ " سيدي محمد السايح " . (1/27)
صفحة 28
وقد ضبط قوانين وأنظمة صارمة لتسيير الحلقة ، فقسم العُزَّاب – جمع عزَّابي من العزوب عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، وخدمة الصالح العام ، ولا تعني العزوبة عن الزواج – إلى ثلاثة مجموعات هي بمثابة المراحل التربوية المعروفة في عصرنا :
1- الأصاغر = المرحلة الابتدائية .
2- الأواسط = المرحلة الثانوية .
3- الأكابر = المرحلة الجامعية .
ويصور الشيخ الوسياني تفاصيل نظام التعليم في حلقة العزابة بقوله : " وكان [ أبو يعقوب محمد بن يدرن الزنزفي ] في أمسنان [ بجبل نفوسة ] عادته يجلب العزابة المبتدئين من أهاليهم ، ويعلمهم الأدب والسير ، فإذا وصلوا الشيخ محمد بن سُدرين الوسياني أقرأهم القرآن والإعراب والنحو ، وإذا وصلوا الشيخ أبا عبدالله محمد بن بكر علمهم الدين والعلم والأصول ؛ فمثلوا هؤلاء الثلاثة في أريغ وقالوا : أبو يعقوب القاطع للأعواد من الجبل حزمات ، والنجار أبو عبدالله محمد بن سدرين يقطع الحزمات ألواحا ، ويركبها الشيخ أبو عبدالله محمد بم بكر – رحمة الله عليه – ويصلحها ويسنِّيها " إهـ .
وقد نظم الشيخ أبو عبدالله مجلسا للنساء ، يتعلمن منه ، ومن العالمات اللائي تخرجن على يديه أم البخت وأختها .
ولم يكتف الشيخ بالجانب العلمي ، فقد كان بمثابة الإمام في جميع الأمور والأحكام ، وفي أخص الأحوال الشخصية والعائلية والاجتماعية ، فعلم تلاميذه الاعتناء بشؤون المجتمع ، وتبعوه في سيرته ، وورثوا مبادئ هذا النظام المحكم وورثوه للأجيال من بعدهم ؛ ولا يزال هذا النظام قائما إلى اليوم في قرى وادي ميزاب ووارجلان ، يدير شؤون المجتمع الدينية ، والأخلاقية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والسياسية ... (1/28)
صفحة 29
وقد اتبع الشيخ أسلوب الأسفار والتنقلات ، التي يتعرض فيها الطلبة للشدائد والمحن ، ويبلون البلاء الحسن ، كما كان يعتمد على أسلوب فريد للإقناع والحجة بالاستعانة بالأمثال الواقعية للإفهام والتغيير ، وقد حفظت كتب السير كثيرا منها .
وقد قدم الشيخ – رحمه الله – الكثير من المنجزات خلال حياته منها : بناؤه لمسجد فرسطاء ، ولا تزال آثاره باقية للعيان ، ومنها إسكاته لفتنة الفرقة السكاكية ، التي سعى لإشعالها أباد الله السكاك ، ومنها إصلاحه لقبيلة بني ورزمان ، ومنها إقناع سكان بلدة " أغرم نتلزضيت " بالمذهب الإباضي ، وقد كانوا قبل ذلك على مذهب المعتزلة .
وقد تتلمذ على يده الكثير من طلاب العلم يعدون بالمئات ، ومن بلدان شتى ، منهم : زكرياء ويونس ابنا أبي زكرياء ، ومنهم ابنه أبو العباس أحمد ، وأبو بكر بن يحيى ، ويعقوب بن يعدل ، ومصالة بن يحيى ، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي وغيرهم .
وقد ذكرت المصادر وجود تآليف للشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر ، وأول من ذكر ذلك من كتاب السير الشيخ أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر في قوله : " وله في كل فن تآليف كثيرة " إهـ ، وتبعه على ذلك الدرجيني في طبقاته والشماخي في السير : " له في كل فن تآليف كثيرة ، أكثرها في الحجج والبرهان ، لأنه كان فيها ركن الأركان ، وله في الأخلاق حكم وأقوال " إهـ .
إلا أنهم لم يذكروا عنوانا واحدا من كتبه ، والناظر في التراث الإباضي من كتب السير والفقه والعقيدة ، يجدها تعج بآرائه وحكمه ، وقد ذهب أصحاب معجم أعلام الإباضية إلى أن الشيخ أبا عبدالله لم يؤلف كتبا لقصد التأليف ، وإنما جمع له تلامذته فتاويه وحكمه وأخذها عنهم المؤلفون لتعرف فيما بعد بتآليف أبي عبدالله ، ويعد كتاب " التحف المخزونة " لتلميذه سليمان بن يخلف أشمل كتاب يجمع آراء الشيخ أبي عبدالله وعلمه ، وهو لا يزال مخطوطا في جزأين . (1/29)
صفحة 30
وقد أطنبت المصادر في ذكر صفاته الخلقية ، وشهد له بعض معاصريه بالعلم والورع والشجاعة وغيرها من الصفات الحميدة ، فمن ذلك ما قاله عنه محمد بن أبي صالح النفوسي : " فيه خمس خصال قليلة في غيره من أهل العصر : عالم ، ورع ، عابد ، سخي ، شجاع ، من ذروة نفوسة " .
وقد أجمعت المصادر على أن وفاته كانت في سنة 440هـ ، وقبره يوجد في مقبرة أمام غار بآجلو ، وقد ذكر أبا زكرياء أن أبا الخطاب عبد السلام نزل أريغ في سنة 441هـ ، فوجد أبا عبد الله يحتضر ، وقد ذهب أصحاب المعجم بأن انفراد الشيخ أبا زكرياء بهذه المعلومة رغم قدمه ، يجعلهم يرجحون كون التاريخ تصحيفا من بعض النساخ .
وقد تعددت الدراسات حول الشيخ أبي عبدالله ونظام العزابة من مؤلفات ورسائل جامعية ، فضلا عن الفصول المطولة في كتب التاريخ والسير ، وقد ذكر أصحاب المعجم مجموعة من هذه المؤلفات وهي كالتالي :
1- الإمام أبو عبدالله محمد بن بكر ، للشيخ أبي اليقظان إبراهيم ، وهو لا يزال مخطوطا .
2- نظام العزابة بجربة ، للدكتور الشيخ فرحات الجعبيري .
3- نظام العزابة ، للشيخ متياز الحاج إبراهيم .
4- حلقة العزابة ، للدكتور محمد صالح ناصر .
5- نظام العزابة ، للأستاذ صالح سماوي .
6- النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في مرحلة الكتمان ، للدكتور عوض خليفات .
7- مذكرة ليسانس حول " حلقة العزابة " ، للطالب خواجة عبد العزيز . (1/30)
صفحة 31
هذا هو نظام العزابة ، وهذه هي مدرسة الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر – رحمه الله – التي خرجت أفذاذ العلماء ، ولا يزال هذا النظام البديع معمولا به في أوساط إباضية المغرب بوادي ميزاب ، وقد ساهم مساهمة فاعلة في المحافظة على المذهب الإباضي من الاندثار والاضمحلال أمام الهجمات التي تعرض لها على مر التاريخ ، ويذكر أصحاب المعجم أنه لازالت جوانب عديدة من موضوع نظام العزابة تحتاج إلى المزيد من الدراسات المتخصصة ، خاصة من المنظور التربوي ، والفكري ، والاجتماعي ، والحضاري ...
( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص236- 288 – الدرجيني ، الطبقات ، 1/3- 5 ، 167- 191 ، 2/377- 392 ، 397 ، 399 ، 403- 408 ، 417 – الشماخي ، السير ، 2/61- 67 – بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/368- 371 رقم الترجمة :803 ) .
(17) – مدرسة ببلاد " ادرج " أو " درج " أو " درجين " : (1/31)
صفحة 32
هي مدرسة عظيمة تقع ببلاد " ادرج " حسبما ذكر الدرجيني ، وذكر الشماخي أنها " درج " ، وقد بحثت عن ترجمة لهذه البلدة في المصادر التي وقعت بين يدي إلا أني لم أجد ما يشفي الغليل حولها ، والظاهر أن الاسم الصحيح لها هو " درجين " التي تقع في بلاد الجريد جنوب تونس حسبما ذكر أصحاب المعجم ، فالظاهر أنه وقع تصحيف أو خطأ مطبعي عند الدرجيني والشماخي ، وذلك أن أصحاب المعجم عندما ترجموا لأبي صالح تبركت الياجرني - أحد المشايخ الصالحين – ذكروا أنه من قبيلة " يَاجرِين " التي قدمت من " درجين " ببلاد الجريد جنوب تونس ، واستوطنت وارجلان ؛ وأبو صالح هذا هاجر من " وارجلان " إلى " ادرج " بعد أن وقعت فتنة في " وارجلان " ، وكانت له بـ " ادرج " إبلا ، فمكث عند إبله مدة سبع سنين كما ذكر الدرجيني ، فالظاهر أن " أدرج " هي نفسها " درجين " وطن أبي صالح الأول الذي تنتمي إليه قبيلته ، وفي " ادرج " أو " درج " أو " درجين " التقى بهذا العالم وطلابه ولازمهم مدة وجوده في " درجين " كما سيأتي ؛ وإذا احتملنا كون " ادرج " بلدة أخرى غير " درجين " ، فالظاهر أنها ليست بعيدة عن " وارجلان " الواقعة في جنوب شرق الجزائر ، حيث أن للشيخ أبي صالح إبلا بها كما مر ، فليس من المعقول أن تكون إبله في مكان بعيد عن مقر سكنه وإقامته ، حيث أنه لا بد من أن يزورها ويتفقدها وهذا أمر يدرك بديهيا والله أعلم .
وقد ظهرت هذه المدرسة في القرن الرابع الهجري في الفترة بين ( 350- 400هـ ) وهي الفترة التي عاش فيها الشيخ أبو صالح الياجرني كما ذهب الدرجيني ووافقه على ذلك أصحاب المعجم . (1/32)
صفحة 33
ويدير هذه المدرسة أحد العلماء الكبار وبها نحو ثلاثمائة تلميذ يأخذون عنه العلم ، وقد أغفلت المصادر التي وقعت بين يدي ذكر اسم هذا العالم ، أو ذكر أسماء بعض طلابه ؛ وقد أورد الدرجيني نصا في معرض حديثه عن الشيخ أبي صالح يمكن أن نستشف منه بعض المعلومات حول هذه المدرسة العظيمة - كما وصفها الدرجيني - قال : " ... وكان حينئذ ببلاد ادرج شيخ من المشايخ الكبار ، وكانت عنده حلقة عظيمة فيها نحو ثلاثمائة تلميذ يقرأون العلوم ، وسير أهل الخير والصلاح ، فكان أبو صالح يستأنس به ، ويستفيد منه ، فلما خرج مسافرا خرج الشيخ معه ، وتلامذته مودعين ، وجعلوا يودعونه جماعة بعد أخرى ، حتى لم يبق غير الشيخ ، فدار بينهما من الكلام المفيد أنواع ، فكان آخر ما دار بينهما أن قال أحدهما للآخر : أخبرني ما أعظم شيء ينال به خير الدنيا ، وسعة الأرزاق فيها أبالتجارة أم بالزراعة أم بالصناعة ؟ فلم يجبه طلبا لأخذ الفائدة وليكون الجواب من عند السائل ، فقال : إن أفضل ما ينال به ذلك دعاء الصالحين ، لا سيما إذا أغثت ملهوفا أو سددت فاقة مضطر " إهـ . (1/33)
صفحة 34
إذا من خلال هذا النص يمكن أن نستنتج عدة أمور ، منها إمكانية عَدِّ الشيخ أبي صالح من طلاب هذا العالم الكبير القائم على هذا الحلقة أو المدرسة ؛ كذلك نستشف أن هذه المدرسة مدرسة ضخمة وعظيمة كما وصفها الدرجيني ، حيث يوجد بها نحو ثلاثمائة طالب ؛ إذا فهذا العالم القائم عليها هو بالفعل عالم كبير جليل وإلا لن يقصده ثلاثمائة طالب ينهلون من علمه ؛ أيضا لا بد من وجود مدرسين آخرين يساعدون هذا العالم في إدارة وتدريس هذا العدد الضخم من الطلاب ؛ كذلك الظاهر أن هذا العالم هو القائم على سكن وإطعام هؤلاء الطلاب إما من ماله الخاص أو من تبرعات أهل الصلاح ، إذا فلعل هذا العالم كان غنيا جدا وإلا أنّا له أن يطعم ثلاثمائة طالب إن اعتبرنا أنه بنفسه يتولى إطعامهم ، وهذا الشائع في تلك الفترة ؛ كذلك فإنهم كانوا يدرسون العلوم ، وأهم العلوم التي كانت تدرس في تلك الفترة علوم الشريعة بشتى أنواعها المعروفة ، بالإضافة إلى علوم اللغة العربية ، وأيضا علم السير والتاريخ وهذا ظاهر من قول الدرجيني : " ... وسير أهل الخير ... " ، هذه بعض الشذرات التي يمكن أن ننتزعها انتزاعا من بين السطور التي تناولت الحديث عرضا عن هذه المدرسة العظيمة التي – للأسف – لم تنل حقها من التأريخ لها وحفظ كل ما يتعلق بها من معلومات سواء فيما يتعلق بمؤسسها والعلماء القائمين عليها ، أو ما يتعلق بطلابها ومن تخرج منها ، أو العلوم التي كانت تدرس فيها ، وكذلك المصادر المادية التي تدعم هذه المدرسة ، ومنهجها في التعليم ، وهل ظلت عاملة إلى ما بعد القرن الرابع الهجري ، ومن واصل الطريق فيها ، وإن انهارت ما أسباب انهيارها ؟؟ ، هذه أسئلة مهمة للأسف الشديد لم تحفظ لنا المصادر الجواب عليها ...
( المصادر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/353 ، 372- 374 – الشماخي ، السير ، 2/56- 57 – بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/103- 104 ، رقم الترجمة : 220 ) .
( (1/34)
صفحة 35
18) – مدرسة حمُّو بن اللؤلؤ :
حمُّو بن اللؤلؤ كان يعد من أهل العلم والصلاح في المغرب ، عده الدرجيني من أهل الطبقة التاسعة ( 400- 450هـ ) ووافقه على ذلك أصحاب المعجم ، وصفه الشماخي بقوله : " ... كان شيخا فاضلا متقيا ذا كرامات ... " إهـ .
كان يسكن " تِين بامَاطُوس " قرب وارجلان ، تزوج من بيت الأئمة الرستميين ، فقد تزوج ابنة يعقوب بن الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي ، ورزق منها ابنة أسماها أم المؤمن .
ويظهر من بعض النصوص أنه كان لديه تلاميذا يأخذون عنه العلم ، فلعله أعد مدرسة أو حلقة علم بمسجد أو كهف أو حتى ببيته لهذا الغرض ، وقد ذكرت المصادر اسم أحد طلابه الذين أخذوا عنه العلم وهو الشيخ العلامة أبو الحسن أفلح المادغاسني ، قال الدرجيني : " ... وكان أبو الحسن من تلامذة حمو بن اللؤلؤ ... " إهـ ، ونلاحظ هنا أن الدرجيني ذكر تلامذة بصيغة الجمع مما يوحي بوجود طلاب علم آخرين غير أبي الحسن أخذوا العلم عن الشيخ حمو بن اللؤلؤ ؛ ونجد الشماخي كذلك أشار إلى ما أشار إليه الدرجيني فقال : " ومنهم أبو الحسن أفلح المادغاسني كان شيخا عالما وإماما حاكما أخذ العلم من الشيخ حمو بن اللؤلؤ ... " إهـ .
( المصادر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ، 154- 155 ، 2/381 – الشماخي ، السير ، 2/160 ، 164 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/113 ، رقم الترجمة : 113 ، 2/123 ، رقم الترجمة : 267 ) .
(19)- مدرسة الشيخ موسى بن كنون : (1/35)
صفحة 36
هو الشيخ أبو عمران موسى بن كنون من أهل " وغلانة " الواقعة بوادي " أريغ " جنوب الجزائر ، عده الشيخ الدرجيني من الطبقة التاسعة ( 450- 500 هـ ) ، كان معاصرا للشيخ العلامة أبي عبد الله محمد بن بكر مؤسس حلقة العزابة ؛ والذي يظهر أن الشيخ أبا عمران كان لديه حلقة علم يدرس فيها عددا من العزابة ، ويستشف ذلك من خلال النص الذي ذكره الدرجيني في معرض حديثه عن الشيخ محمد بن بكر حين قال : " ومن إيثاره وحسن آثاره ما ذكر أنه قدم وغلانة وبها جماعة من التلامذة العزابة ، فجلس أبو عبد الله في ظل النخيل التي عند رأس تغرمات ، فأطرفه أبو عمران موسى بن كنون برطب بني باكور وقثاء ، فعلم رحمه الله أن ذلك لا يؤثر به غيره وأن العزابة الغرباء قد يكون بهم تشوق لمثل هذا مما يستغرب فلم ينفرد بذلك دونهم ، فقال له : يا موسى أعلي تجترأ بمثل هذا ، وتجهم في وجهه ، فقال : وما ذلك ؟ قال : تتحفني بمثل هذه التحفة ومعك أضياف الله لا يتحفهم أحد بمثل هذه التحفة ... فاذهب وادفع ذلك إليهم وطب نفسا بما يقر عيونهم ... إلخ " إهـ .
إذا من النص السابق يتبين أن الشيخ أبا عمران لديه حلقة علم يدرس فيها مجموعة من العزابة ، وهؤلاء العزابة غرباء كما جاء وصفهم في النص ، إذا فهم يحتاجون إلى سكن ومأكل يوفر لهم ، فلعل الشيخ أبا عمران بنفسه يتولى ذلك أو الصالحين من أهل البلد والله أعلم .
( المصادر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/377 ، 384- 385 - الشماخي ، السير ، 2/64 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/299 ، 315 ) .
(20) – مدرسة في غيران بني أجاج : (1/36)
صفحة 37
غيران بني أجاج تقع بالقرب من وارجلان ، والمقصود بالغيران الكهوف ، وقد تم إنشاء مدرسة في هذه الغيران في النصف الأول من القرن السادس الهجري ، يدرس فيها مجموعة من العزابة ، وإعداد الكهوف لتكون مدارس علم كان شائعا عند إباضية المغرب في تلك القرون الهجرية الأولى ، بل إنهم ألفوا الموسوعات الفقهية في تلك الكهوف ، ولا أدل على ذلك من " ديوان الأشياخ " الذي يقع في 12 جزءا وقام بتأليفه سبعة من علماء جربة في غار بها يسمى غار أمجماج ، ويعد هذا الديوان من أقدم الموسوعات الفقهية حيث أنه ألف في القرن الخامس الهجري ، ويوجد منه نسخة مخطوطة في وادي ميزاب ، وللتنبيه يوجد ديوان أخر يعرف بـ " ديوان العزابة " يقع في 25 جزءا ألفه ثمانية علماء من جبل نفوسة في القرن الخامس الهجري كذلك ، ويعد من أمهات الفقه الإباضي يوجد منه نسخة مخطوطة في وادي ميزاب .
ومن طلاب العلم الذين تخرجوا من هذه المدرسة الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن سليمان النفوسي الأبدلاني ، والشيخ محمد بن غمرة ؛ والحقيقة أن المصادر لم تشر إلى العلوم اليي كانت تدرس في هذه المدرسة إلا ما ذكره الدرجيني من دراستهم لعلم الفقه وقراءة كتب الفقه ، كذلك فإنها لم تشر إلى العلماء القائمين على هذه المدرسة ولا مؤسسيها ، وأما بخصوص مصادر الدخل التي تعتمد عليها المدرسة فقد أشار الشماخي أن الطلاب يعتمدون في معيشتهم على ما يقدمه لهم أهل الخير والفضل ، فكانوا يتكفلون بطلاب هذه المدرسة كل حسب طاقته ؛ هذا وقد أنشأ الشيخ محمد بن سليمان النفوسي مدرسة خاصة به يدرس فيها الطلاب بعد ان تخرج من هذه المدرسة وهو يحمل علما غزيرا ، وسيأتي الحديث عن مدرسته في محله .
( (1/37)
صفحة 38
المصادر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/389 ، 409 ، 455- 456 – الشماخي ، السير ، 2/74 ، 96 ، 78- 79 – بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/58 رقم الترجمة : 111 ، 2/378 رقم الترجمة : 819 ، 2/429 رقم الترجمة : 923 ) .
(21) - مجلس الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل :
هو الشيخ العلامة أبو نوح سعيد بن زنغيل ، عاش في أوائل القرن الرابع الهجري ، نشأ وسكن بالجريد ثم استوطن وارجلان بالجزائر ، كان يعد من كبار العلماء في المغرب وأقطابه (1) ، قال عنه أصحاب المعجم : " شيخ الشيوخ سعيد بن زنغيل ، أحد أقطاب العلم عند إباضية المغرب ... " إهـ (2) .
أخذ العلم عن الإمامين الكبيرين : أبي القاسم يزيد بن مخلد ، وأبي خزر يغلا بن زلتاف (3) ؛ ويعد حلقة بارزة في سلسلة نسب الدين (4) ؛ وقد أخذ عنه العلم عدد كبير من طلاب العلم منهم : أبو الخطاب عبد السلام بن منظور ، وأبو محمد عبد الله بن زورستن الوسياني ، وأبو عبد الله محمد بن بكر مؤسس نظام العزابة (5) .
وقد برع في علوم الفصاحة والبيان وفنون الجدل والرد على المخالفين ، فكانت له مناظرات مشهورة مع علماء المعتزلة والنكار ، وقد كان كثير الترحال يدعو إلى مذهب الإباضية (6) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/126 ، 2/353- الشماخي ، السير ، 2/41- بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/176 رقم الترجمة : 390 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/176 رقم الترجمة : 390 .
(3) - المصدر السابق ، 2/176 رقم الترجمة : 390 .
(4) - عبد الله بن يحيى الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، ص41 - بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/176 رقم الترجمة : 390 .
(5) - بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/176 رقم الترجمة : 390 ، 2/267 رقم الترجمة : 584 .
(6) - الشماخي ، السير ، 2/42- 45 - بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/176 رقم الترجمة : 390 . (1/38)
صفحة 39
شارك في معركة " باغاي " مع شيخه وصاحبه أبو خزر يغلا بن زلتاف سنة 358هـ ضد المعز لدين الله رابع حكام الفاطميين ببلاد المغرب ، وكان سبب هذه المعركة رغبة الإباضية في الثأر لشيخهم أبي القاسم يزيد بن مخلد الذي قتله العبيديون الفاطميون (1) ، إلا أن ثورة الإباضية لم تنجح وانهزم الإباضية ، مما جعل الشيخ سعيد بن زنغيل يفر مختفيا متنكرا في هيئة الرعاة ، إلا أنه تم اكتشافه من قبل المعز الفاطمي ، فأودعه السجن ، ولبث بالسجن سنين عددا ، إلى أن شفع فيه المنصور بن بلقين بن زيري الصنهاجي ، فقال له المعز : " إن القيود دخلت رجلك بالعلم ولا تخرج إلا بالعلم " ، فطلب منه مناظرة علماء الفرق ببلاطه ، فأفحمهم جميعا ، فعفا عنه ، وأغدق عليه الأموال ، وقربه منه ... ولما قرر المعز الفاطمي الرحيل إلى مصر سنة 362هـ ، شعر الشيخ أبو نوح بنية المعز وتصميمه على أخذه معه ، فهرب منه واختفى مرة ثانية ، وهرب إلى وارجلان ، فاستقبله شيخها أبو صالح جنون بن يمريان في المسجد ، وأكرمه أيما إكرام ... (2) .
ذكر البرادي وجود كتاب للشيخ أبي نوح ، اطلع عليه ولاحظ أنه قد تآكل أوله ، وقد ذكر أصحاب المعجم أن الكتاب في علم العقيدة وأنه مفقود (3) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/125- 126 - بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/176 رقم الترجمة : 390 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/126- 144 - بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/176- 177 رقم الترجمة : 390 .
(3) - بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/177 رقم الترجمة : 390 . (1/39)
صفحة 40
وقد كون الشيخ أبو نوح حلقة علم في وارجلان بعد أن فر من المعز الفاطمي التحق بها عدد كبير من طلاب العلم ينهلون من معين علمه ، والظاهر أنه كان يدرسهم في مسجد الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان بوارجلان ، فيذكر الدرجيني أن جماعة من وارجلان كانت تجتمع عند مسجد الشيخ جنون للاستفادة من علم الشيخ أبي نوح ، فيقول في ذلك : " وكانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند مسجد الشيخ جنون فمنهم المستفيد منه – هنا الضمير يعود إلى الشيخ أبي نوح – علما ، ومنهم المتبرك بمشاهدته والمشارك فيما يعرض من أمور دنياه ودينه ، والمقتني خلقا يتحلى به ، والمستزيد من معرفة سبب السير فكلهم منقلب بخير وفضل ... " إهـ (1) .
وقد كان الشيخ أبو نوح كثير الترحال في سبيل الدعوة ونشر المذهب الإباضي ، وكان يأخذ طلابه معه في حله وترحاله ، فيذكر الدرجيني أنه توجه إلى قنطنار هو وتلامذته للدراسة ونشر العلم وإصلاح الفساد فيقول : " وبلغنا أن أبا نوح كان ذات مرة بقنطنار هو وتلامذته في الاشتغال بالدراسة والتفنن في العلوم وإيضاح سبيل الصلاح والرشاد وتغيير المناكر والفساد ... " إهـ (2) ؛ وكان أكثر من صحبه في أسفاره من طلابه أبو محمد عبد الله بن زورستن الوسياني ، حتى أنه لشدة صحبته لشيخه أبي نوح كان يعرف بفتى أبي نوح (3) ، وقد بلغ هذا الطالب مبلغا عظيما في العلم حتى عد من أعلم أهل زمانه قال فيه الدرجيني : " هو واحد من علماء ثلاثة ... كانوا علماء زمانهم ، وفخرا لإخوانهم ، وطرازا لمكانهم ... " إهـ بتصرف (4) .
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
1423/1424هـ - 2002/2003م
abujaifar@hotmail.com
مع تحيات
موقع الاستقامة
www.istiqama.net
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/144 .
(2) - المصدر السابق ، 1/145 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/396 - بحاز وآخرون ، معجم الأعلام ، 2/267 رقم الترجمة : 584 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/395 . (1/40)