صفحة 1
الكتاب: عًمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة
المؤلف: محمد خير حصرية وزكي السمان
دار النشر: مكتب: (سلسلة البحوث العربية) للصحافة والنشر والإعلان
البلد: سورية
الطبعة: الثانية
سنة الطبع: 1964
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة
[ترقيم الصفخات موافق للمطبوع]
محمد خير حصرية وزكي السمان
1964
الطبعة: 2 (1/1)
صفحة 2
إلى أرواح الشهداء
تحية إكبار وإجلال
طبعة ثانية مزيدة منقحة
إصدار:
مكتب: (سلسلة البحوث العربية)
للصحافة والنشر والإعلان
دمشق الجمهورية العربية السورية.
عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة
تأليف: محمد خير حصرية وزكي السمان (1/2)
صفحة 3
[صفحة بيضاء] (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
[صفحة بيضاء] (1/5)
صفحة 6
[صورة سيادة الأمام غالب بن علي بن هلال الهنائي] (1/6)
صفحة 7
إنني إذ أقدم هذه الكلمة وهي مقدمة كتاب إمامة عمان وأتبنى الكتاب الذي يصدره السادة محمد خير حصرية وزكي السمان في دمشق عاصمة الجمهورية العربية السورية اثناء زيارتي لها بقصد المساهمة في خدمة القضية العمانية التي هي قضية الأمة العربية جمعاء وأن هذا الكتاب هو تنوير للرأي العام العربي والدولي وتعريف عن مراحل النضال كما يبين موقع عمان تاريخيا واقتصاديا وجغرافيا كما يشرح العدوان البريطاني الغاصب على شعب عُمان الآمن ومراحل النضال العماني على الصعيدين الداخلي والخارجي.
اني اقدم هذه الكلمة الموجزة الموقعة مني لتحتل صدر هذا الكتاب ارجو من كافة مكاتب إمامة عمان دعم هذا الكتاب وتعميمه ومؤازرته وتسهيل مهمة القائمين عليه لأنهم قاموا بنشره وطبعه دون ان يكلفوا إمامة عمان ومكاتبها بأي إلتزام مادي كما وخصصوا ريع هذا الكتاب إلى أسر وعائلات شهداء النضال العربي في عمان. وختاما ارجو من الله العلي القدير النصر لعمان بمؤازرة ملوك ورؤساء الشعوب العربية والدول الصديقة المحبة للسلام.
إن ينصركم الله فلا غالب لكم واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.
دمشق في شوال عام 1383 الموافق شباط 1964
غالب بن علي بن هلال الهنائي
إمام عمان (1/7)
صفحة 8
لا اتجاوز الحقيقة إذا قلت أن كتاب (عمان) الذي قام بجمعه وتأليفه السادة محمد خير حصرية وزكي السمان في دمشق عاصمة الجمهورية العربية السورية عمل شاق يشكران عليه وإني أعتقد جازما بأن الكتاب جدير بأن يطلع عليه كل عربي في عمان أو في الوطن العربي حتى يستطيع أن يقف على ما قام ويقوم به الشعب العربي في عمان من أعمال بطولية وتضحيات جسيمة في سبيل الحفاظ على كرامة الفرد العربي وفي سبيل استقلال هذا الجزء من الوطن العربي حتى يلحق بالكرب الصاعد، ركب الأمة العربية في مسيرتها التاريخية وختاما اشكر السادة محمد خير حصرية وزكي السمان على هذا المجهود شكرا منبعثا من الأعماق.
6/ 8 / 1964 28 ربيع الأول 1384 دمشق
سكرتير المجلس الأعلى لدولة إمامة عمان
أحمد الجمالي (1/8)
صفحة 9
نشيد عمان الوطني:
لقني الخصم دروسا يا عمان
مجدك السامي به نفتخر
نحن أسد الله في سوق الوغى
عزمنا كالنار يشوي من طغى
عزمنا والمجد أسمى مبتغى
عندنا والحر لا يرضى الهوان
فليجرب بأسنا المستعمر
نحن فداك يا عمان فاسلمي
وارفعي الراية فوق الأنجم
نحن كالشامة بين الأمم
سادة نحيا على مر الزمان
ثورة كبرى وعزم أكبر
دمدمي يا نارنا واندلعي
واصعقي آذان من لم يسمع
رددي نزوى نداء المدفع
واهتفي بالحق في كل مكان
فليدم هذا الأشم الأخضر (1/9)
صفحة 10
[صفحة بيضاء] (1/10)
صفحة 11
المقدمة:
عدة سنوات مضت وابطال عمان البواسل يخوضون غمار حرب ضروس ضد الإستعمار البريطاني وصنيعته سلطان مسقط، وقد اكبرت بطولات شعبنا العربي في عمان شعوب العالم اجمع.
ورغم تساقط الشهداء فإن ثوار عمان لن يلقوا السلاح حتى يطهروا أرضهم من رجس الإستعمار ويعيدوا مجد دولتهم التليد ليساهموا في بناء الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج.
وفي هذه الصفحات لمحة عابرة عن عمان المجاهدة التي ستضع الخاتمة المنتظرة لكل الأطماع الإستعمارية في الخليج العربي. وقد لاقت هذه الصفحات التشجيع والتقدير من الإمام الثائر ومجلس قيادة الثورة في عمان فخصانا بكلمتين توجنا بهما هذا الكتاب. فأليهما شكرنا توج الله جهادهم بالنصر.
واذا كنا نعيد طبع هذا الكتاب ..... بعد تنقيحه فلذلك لإيماننا بأن كل عربي يجب أن يطلع على بطولات عرب عمان البواسل، وجهاهم المرير ضد الإستعمار البريطاني، فهذا الجزء العزيز من الوطن العربي وكل جزء من أجزاء الوطن غال على كل عربي.
فألف ألف تحية لثوار عمان وقائدهم البطل الإمام غالب إبن علي ...
زكي السمان محمد خير حصرية (1/11)
صفحة 12
[صفحة بيضاء] (1/12)
صفحة 13
لمحة جغرافية
تمتد عمان من حدود شبه جزيرة قطر على ساحل الخليج العربي حتى حدود حضرموت على ساحل البحر العربي وتقع في الجنوب الشرقي من شبه جزيرة العرب، يحدها من الشمال المملكة العربية السعودية ومن الشرق الخليج العربي وخليج عمان ومن الجنوب البحر العربي ومن الغرب حضرموت.
وتمتد الجبال على ثلثي السواحل العربية مبتدئة من رأس الجسر على حدود قطر وتشغل السهول القسم الثاني من مدينة الفاو في الشمال حتى حدود عمان في الوسط.
أما الجزء الشمالي من ساحل عمان فسهلي منبسط تحيطه التلال وأكثره قاحل إلا من بقاع صغيرة مزروعة الجزء الجنوبي فأهم ما فيه هضبة تمتد من الشمال إلى الجنوب موازية لساحل الباطنة حتى تصل السلسلة إلى رأس الحد وبين القسم الشمالي والهضبة والبحر ينحصر سهل ضيق يدعى سهل الباطنة ويبلغ طوله 150 ميلا ينتهي قرب مدينتي مسقط ومطرح.
يطلق على مسقط وتوابعها المنطقة الشرقية ويطلق على سواحل عمان الشمالية الساحل المتصالح أو ساحل الصلح البحري.
وتمتد وسط عمان سلسلة جبال عظيمة اسمها جبال الحجر ء واهم جبل فيها الجبل الأخضر الذي يعتبر بحق معقل عمان وتمتد سلاسل الحجر بما في ذلك الجبل الأخضر في عمان من الشمال إلى الجنوب ويبلغ إرتفاع الجبل الأخضر قرابة 2500 متر عن سطح البحر.
يقول الشيخ الثقة نور الدين السالمي المؤرخ العماني الكبير: (الجبل الأخضر عظيم الإرتفاع صعب الإمتناع في وسط عمان أهله في رفاهية وأمان لا يخافون جور الشيطان ولا سطوة سلطان ذو نهور وقصور وحياض ورياض.
المساحة والسكان:
تبلغ مساحة عمان 330 ألف كيلو متر مربع تقريبا أما سكانها فيقدر عددهم بحوالي المليونين والنصف، إلا أنه عند تحري الدقة لا يمكننا تأكيد المساحة وعدد السكان لأنه لم يجر حتى الآن أي كشف دقيق يوضح المساحة ولا إحصاء رسمي يبين عدد السكان.
يمتهن الشعب العماني حرف الزراعة والصناعة والصيد والغوص بحثا عن اللؤلؤ بالإضافة للملاحة وبعض الحرف اليدوية البسيطة ويزدحم السكان في السهول الداخلية لخصبها واعتدال هوائها اما (1/13)
صفحة 14
السواحل فلا يسكنها إلا القليل لشدة حرارتها ورطوبة جوها وقلة امطارها، ومعظم سكان عمان متحضرون إلا بعض الأقسام يغلب عليها الطابع البدوي.
أقسام عمان:
ولقد دأبت بريطانيا كما هي عادتها على وضع مخطط لتمزيق الإمبراطورية العمانية التي كانت تضم جزأ كبيرا من السواحل الإفريقية والجزر المنتشرة بالخليج العربي بالإضافة إلى الساحل المهادن.
فقد استطاعت بسبب مؤامراتها من فصل السواحل الإفريقية عن الوطن العماني ثم عادت للوطن الأصلي فاستطاعت تشجيع فكرة انفصال مسقط عن الإمامة وساعدها في إنجاز هذه الخطة سلاطين مسقط الذين انفصلوا عن واقع شعبهم وعاشوا على الساحل لا يربطهم في البلاد اوهى الروابط.
سلخت الساحل العماني المتصالح وقسمته إلى سبع إمارات إمعانا منها في التفرقة ولذا فإن عمان تنقسم حالياً إلى ثلاثة أقسام كل قسم منها يؤلف منطقة لها وضعها السياسي الخاص المنفصل عن بقية الأقسام وهي كما يلي:
1 إمامة عمان
2 مشيخات ساحل عمان
3 سلطنة مسقط
غير أن الثورة المظفرة لا تعترف بهذا التقسيم بل تسعى جاهدة لتصفية الحكم الرجعي الإستبدادي الذي يمارسه سلاطين البوسعيديين ولتصفية النفوذ البريطاني من المنطقة لتعود مسقط ومنطقة الساحل المتصالح إلى الوطن الأم ونعني للإمامة.
إمامة عمان
تضم إمامة عمان جميع المناطق الداخلية وهي تشكل 75 بالمئة من مساحة الوطن كله.
وقد حاول الإنكليز وسلطان مسقط أن يوهموا العالم أن نفوذ السلطان يمتد إلى عمان الداخلية ولكن الحقيقة هي عكس ما يدعون فالسلطان لا يحكم إلا جزأ ضيقا على الساحل.
اما السلطة الشرعية فهي للإمام الذي ينتخب من قبل جمهور المواطنين ولا يعترف الشعب بسلطة غير هذه السلطة.
ولقد قام الشعب العربي في عمان على مر السنين بالنضال المسلح ليحمي نظام حكمه وحطم المؤامرات الرهيبة التي كانت تحاك له في الظلام وما ثورة اليوم إلا إمتدادا عظيما لكفاح الشعب في سبيل حماية مقدراته ونظام حكمه العادل. (1/14)
صفحة 15
تتكون إمامة عمان من أربع مناطق كبرى ومنطقة خامسة لا تقل من حيث أهميتها عن المناطق الثلاث السابقة وهذه المناطق هي:
1) الجبل الأخضر.
2) عمان الوسطى.
3) الظاهرة.
4) الشرقية.
5) منطقة جعلان.
وأمنع هذه المناطق الجبل الأخضر الذي يمتاز سكانه بشجاعتهم وشدة بأسهم في الحروب.
- التضاريس والمناخ:
تخترق عمان سلسلة جبال ترتفع أحيانا حتى تكون شاهقة وتنخفض تارة وجبالها أعلى جبال الجزيرة العربية وترتفع على ساحل البحر عند رؤوس الجبال حيث تنخرط إلى داخل البحر. وفي دبا وخورفكان ومسقط وقلهات تتخللها الأودية والمسالك الواصلة بين الداخل والساحل. وفي بعض الجبال توجد القرى والمزارع.
وبعمان سلاسل من الرمال الجبلية الطويلة ذات اللون الأحمر، وبها آبار ذات ماء عذب وتنقلب الرمال إلى مراع ممتازة بعد هطول الأمطار.
لقد انسلخت عمان عن غيرها من الأقطار المجاورة لها بحكم موقعها الجغرافي فجبالها الشاهقة تنفصل عما جاورها من البلدان بواسطة الصحراء العربية حيث يقع الربع الخالي وعلى الساحل يمتد سهل الباطنة حيث تكون الجبال بعيدة عن الساحل وهو (1/15)
صفحة 16
سهل ساحلي غني بمزروعاته المختلفة، ويتسع الساحل جنوبا حتى ينقلب إلى جبال من الرمل لا تصلح للزراعة أبداً.
أما شاطئ الساحل المتصالح فهو مليء بالخلجان الصغيرة التي لا تصلح ملاجئ للسفن.
أما المناخ فهو مختلف بإختلاف البقعة الأرضية فالسهل الساحلي شديد الحرارة إلا أن كثرة الأشجار تخفف من الحر وتجعل المناخ محتملا.
أما مدينة مسقط فهي أشد بلدان المنطقة حرارة.
وفي الجبل الأخضر الذي يرتفع ثلاثة آلاف متر عن سطح البحر فإن المناخ معتدل صيفا وشديد البرودة شتاء حيث تتساقط على بعض القمم العالية أحيانا بعض الثلوج.
وأما منقطة الرمال الصحراوية الممتدة خلف الجبال فالمناخ فيها شديد الحرارة صيفاً معتدل البرودة شتاء.
ويكون الهواء جافا في منطقة عمان الداخلية واما عمان الجنوبية وظفار فهي حارة ويتساقط المطر صيفا بسبب هبوب الرياح الموسمية عليها. وفي منطقة جعلان يكون الهواء لطيفاً للغاية وبه نداوة لا تصلها رياح الشمال الضارة إلا نادرا.
وفي منطقة بدية يكون الهواء لطيفا للغاية كذلك ولا تطرقها رياح السموم إلا في أوقات قليلة من السنة.
المشيخات السبع:
إن هذه المشيخات منفصل بعضها عن بعض ويحكم كلا منها شيخ من شيوخ القبائل القاطنة فيها، والمشيخات السبع المذكورة: (1/16)
صفحة 17
أبو ظبي:
أكبر إمارات ساحل عمان مساحة، وأولها من ناحية الجنوب مما يلي السعودية وتحاذي قطر من جهة الغرب وتلتقي في الحدود مع سلطنة مسقط وعمان حاليا في واحات البريمي، حيث تقاسمتا هذه الواحات، فكان نصيب (أبوظبي) ستا منها، ونصيب السلطنة ثلاثا، وأسم البريمي هو أسم واحدة منها فقط، ثم أطلق على هذه المجموعة. وأهمية واحات البريمي تكمن ء فيمت عدا توقع ظهور البترول ء في الميناه المتفجرة من هذه البقعة على حافة الصحراء. فهي ملتقى كثير من القبائل في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية بين نجد والجبل الأخضر وساحل عمان.
لا يزيد عدد سكان إمارة (أبوظبي) عن ثمانية عشر ألف نسمة (1). وقد ظهر فيها البترول حديثا، ونزل إلى السوق العالمي قبل ثلاث سنوات. ومنذ ذلك الوقت أخذت الإمارة تتثاءب وتتمطى لتصحو من غفلتها، حتى تلحق بركب المدينة الحديثة، ولكن هذا الصحو بطيء جدا.
وبعد أن تفجر البترول في الجزيرة، امتلأت بالسكان، كما امتلأت بالمعدات والمنشآت وأدوات استثمار البترول، وازدحمت بالعمال والموظفين. تجلب المياه العذبة لكل من الإمارة والجزيرة من دبي بواسطة سفن خاصة، وذلك لندرة المياه في الإمارة، وإنعدامها في الجزيرة. وقد أنشيء في رأس مؤخرا معمل لتقطير الماء.
وعاصمة الإمارة تحمل نفس اسم (أبوظبي). وهي بلدة صغيرة على شاطئ الخليج، نشأت على جزيرة صغيرة يصلها بالبر طريق يشبه الجسر في حالة المد ولا تزال البلدة تحتفظ بأبنيتها القديمة وطرازها القديم، وإن كانت بدأت تأخذ في التجديد شيئاً يسيراً، ولها مطار صغير تهبط فيه طائرات (الغولف) شركة الخليج وتربطها بقطر ودبي والشارقة.
إن اسم (أبوظبي) تردد كثيرا في الفترة الأخيرة، وهذا الإسم يفعل فعل السحر في عقول كثير ممن يطمحون في الغنى أو يؤملون الحصول على وظيفة أو عمل.
حكام (أبو ظبي) ودبي أقارب وهم من قبيلة آل بو فلاح.
دبي:
هي الإمارة الثانية من ناحية الجنوب. تقع شمال (أبوظبي)، وهي أرقى الإمارات وأغناها على الإطلاق وأكثرها سكانا إذ يبلغ عدد سكانها في الوقت الحاضر
__________
(1) / ينتمون إلى قبيلة بني ياس (1/17)
صفحة 18
زهاء مئة ألف نسمة (1). ولا نشتط إذا قلنا أنها عاصمة الساحل على الإطلاق. فهي مركز الإقتصاد، وإدارة البلاد وهي الوحيدة التي تشكلت فيها بلدية تشرف على الشؤون الصحية والعمرانية. وقد بلغت ميزانيتها خلال عام 1942م مقدار أربعة ملايين روبية. وتوجد فيها كذلك غرفة تجارية ومصلحة البريد الوحيدة في الساحل. وهي شركة إنكليزية تقوم مقام الحكومة بالأعمال البريدية. كما أن هناك فرعا لشركة اوربان التلغرافية مربوطة بلندن رأسا، فالبرقية المحلية المرسلة إلى الكويت مثلا تبث إلى لندن ومن لندن إلى الكويت!!!.
كما أن لهذه الشركة فرعين آخرين في الشارقة و (أبوظبي)
وطوابع البريد التي كانت مستعملة في البلاد قبل ثلاث سنوات هي طوابع إنكليزية تحمل صورة الملكة إليزابيث!! ثم استعملت طوابع خاصة بالساحل عليها رسم سبع نخلات مختلفة الأطوال ترمز إلى الإمارات السبع.
يقيم في دبي المعتمد البريطاني لساحل عمان ء في دار الإعتماد ء وهي في شرق بر دبي، ويتبعها فروع تجارية وثقافية وإقتصادية منتشرة في البلد. كما أن فيها الفرع الرئيسي للبنك البريطاني الذي يجدد بناءه القديم. وثمة بنوك أجنبية بريطانية أخرى منها بنك الشرق البريطاني وبنك محلي هو البنك الوطني.
والتجارة والمعاملات التجارية هي أميز طابع لهذا البلد. وتتقاضى الحكومة مبلغ 4 % ضريبة جمركية على المواد المستوردة. وتتزود الإمارات جميعها وبعض أجزاء السلطنة وأطراف السعودية الجنوبية الشرقية من (دبي).
ويجلس حاكم الإمارة عادة في مجلسه بالفرضه (الجمرك) في أوقات الدوام الرسمي. أي منذ الصباح حتى الظهر. ويصرف حاكم الإمارة أمور حكومته. وأكثرها علائق تجارية خارجية وداخلية. أما قصر الحاكم فيقع في خارج البلد من الناحية الجنوبية على مسافة بضعة كيلومترات من مكان أسمه: زعبيل.
ويقسم الخور مدينة دبي إلى قسمين هما برديرة وبر دبي. وقد دعا انشطارها على هذا الشكل الفريد بعض من شاهدوها لتسميتها: فينسيا الشرق. وتقوم القوارب بنقل الأهالي والبضائع بين البلدين وتسمى بالعبرة. كما أن (اللنشات) بدأت تعمل في هذه المدينة.
هذا وتوجد في البلد مديرية للبوليس على رأسها قائد إنكليزي!! ويساعده أحد المواطنين العرب. وأفراد البوليس من المتطوعين وقد أنيط بهم حفظ الأمن.
وفي البلد أيضا محكمة طرا على أحكامها كثير من مواد القوانين الوضعية وأساليب المحاكم النظامية.
__________
(1) / وينتمون إلى قبائل السودان وآل مرة وبني ياس ويعمل سكانها في التجارة وفي إستخراج اللؤلؤ ويزاولون مهنة الصيد والملاحة. (1/18)
صفحة 19
الشارقة:
هي الإمارة الثالثة إلى الشمال وتلي إمارة دبي .. يبلغ عدد سكانها 30 ألف نسمة.
تقسم الشارقة إلى قسمين الأول الغربي على الخليج العربي وفيه العاصمة الشارقة وهو القسم الأكبر من الإمارة وتقع فيه واحة الذيد والأماكن التي يرجح فيها ظهور البترول.
والقسم الثاني يقع على ساحل خليج عمان. وتتبع الإمارة جزيرة كبيرة في الخليج إسمها: أبو موسى يستعملها الصيادون كمحطة لأعمالهم.
أهم أعمال الناس في الإمارة الصيد والتجارة والزراعة.
إن مدينة الشارقة تأتي في الرتبة الثانية بعد دبي، يبلغ عدد سكانها 16 ألف نسمة. كثير منهم من أصل فارسي ومن المهاجرين الذين يقذف بهم البحر من الهند وباكستان وإيران. والتجارة فيها مزدهرة غير أنها لا ترقى إلى منافسة دبي، ويرجع ذلك لعدم صلاحية شواطئها لرسو السفن.
وفي المدينة فرع للبنك البريطاني وبعض المعامل البسيطة لعدد من المواد الإستهلاكية كمعمل الثلج والمرطبات وورش تصليح السيارات والمخارط وصناعة الذهب والفضة. كما أن فيها مدرسة صناعية تشرف عليها دار الإعتماد التي كانت سابقا في الشارقة.
أهم ما تشتهر به الشارقة هو مطارها العتيد. فهو أول مطار على ساحل عمان ولا يقل أهمية واستعدادا من مطارات الدوحة أو الكويت أو البحرين.
وفيها مقر شركة التنقيب عن البترول وشركة (ألوان الوادي الذهبي الانكليزية) وهي الشركة التي تحتكر استخراج رواسب الأوكسيد الأحمر (المغر) من سبعين عاما وفيها مركز عسكري ومطار مدني وعسكري بريطاني.
عجمان:
تلي إمارة الشارقة من جهة الشمال إمارة عجمان، إنها أصغر الإمارات السبع غير أنها ألطفها هواء ومن أعذبها ماء يسمونها مصيف الساحل.
عدد نفوس هذه الأمارة لا يتعدى بضعة آلاف فهي تمتاز بقلة الوافدين الأجانب إليها ومعظم أهلها يرتحلون في الوقت نفسه إلى الأقطار المجاورة كقطر والبحرين والكويت وأبوظبي طلبا للرزق.
ولعجمان ملحقات منفصلة عنها وتقع بين أراضي الإمارات الأخرى وهي مصفوت وقد نجحت فيها زراعة التبغ والخضر والمناسة. وفيها معسكر من معسكرات قوة ساحل عمان.
في الإمارة مدرسة واحدة إبتدائية ومتوسطة ولا يوجد مدرسة للإناث.
ومن الجدير بالذكر أن الإمارة هي من مقتطعات دولة القواسم القديمة.
أم القيوين:
وهي الإمارة الثانية في الصغر تأتي بعد عجمان وهي أيضا من مقتطعات القواسم ويلاحظ أن بينها وبين جارتها عجمان توعا من التفاهم والتقارب.
أرض البلدة ء أم القيوين ء رملية ملحية ت تحيط بها بحيرات واسعة ضحلة ولا تحتفظ أرضها الجوفية بمياه عذبة. ولذلك فإن أكبر مشكلة تواجهها هي تأمين مياه الشرب. وسعر مياه الشرب فيها أعلى من سعره في أي إمارة أخرى. (1/19)
صفحة 20
تتبع أم القيوين جزيرة السينية. وهي ملأى بالغزلان يذهب إليها حاكم الإمارة وأولاده بقصد الرياضة والإستجمام واللهو بالصيد.
والجدير بالذكر أن جميع السلطات المدنية والتجارية هي في يد الشيخ الحاكم ويساعده من الناحية الشرعية أمام المسجد. وله حصن ومجلس أسوة بباقي الإمارات.
تزخر شواطئ الإمارة بالسمك إلا أن فقدان الشركات المستثمرة جعل هذه الثروات غير مجدية.
كما أن شواطئ أم القيوين صالحة لرسو السفن والمراكب الشراعية إلا أنها غير خالية من المرافئ.
عدد سكانها 5000 آلاف نسمة من قبائل آل علي والسودان ويعملون في التجارة والصيد والغوص.
رأس الخيمة:
يرجع تأسيس بلدة رأس الخيمة أو ظهورها كعاصمة لجميع ساحل عمان بزعامة القواسم إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. ولكن إصرار الإنكليز للقضاء على هذه الدولة الفتية أدى إلى تدمير البلدة نهائيا وإحراق اسطولها الرعب الذي أقض مضاجع أساطيل شركة الهند الشرقية في الخليجين والمحيط.
ثم عرفت رأس الخيمة كإمارة مجددا في مطلع القرن الحالي عندما انفصلت عن الشارقة بعد عراك دام بين أبناء العم. ثم ثبت الإنكليز الموضع بالإنفصال نهائيا سنة 1919 م.
يبلغ سكان الإمارة حوالي 20 ألفا (1) أكثر من نصفهم في العاصمة ويعملون في الصيد والتجارة والزراعة. وكثير من سكان الإمارة يضربون في الأرض طلبا للرزق في قطر والكويت والبحرين والسعودية.
أما الأجانب من الإيرانيين والهنود وغيرهم فلا يتعدون بضع مئات إلا أنهم يسيطرون على التجارة وأسباب الرزق في البلد.
__________
(1) / من قبائل السودان وآل بومهير. (1/20)
صفحة 21
يتبع الإمارة بعض القرى: شعم، الغليلة، خت، الجزيرة، الرمس، معيريض، ومن الجدير بالذكر أن بلدة رأس الخيمة مهددة بالزوال بسبب إكتساح البحر لها. وثمة فكرة تدور حول نقل البلدة إلى مكان على حافة جبال عمان.
الفجيرة:
هي الإمارة الجبلية الواقعة على الشاطئ الشرقي لخليج عمان، تطل هذه الإمارة على قسم من سهل الباطنة. ورغم وجود الواحات الخصبة بين أحضان الجبال وبعض المزارع في أراضيها الساحلية إلا أنها تعد أفقر إمارة وتعيش في شبه عزلة عن العالم.
أول مدرسة أنشئت فيها قبل ثلاث سنوات رغم أن عدد سكانها يزيد عن 20 ألفا.
معظم أراضي البلاد ومزارعها ونخيلها هي ملك للشيخ والأهلون يعدون أجراء أو شركاء في الزراعة. وهم يعملون إلى جانب الزراعة في الري والصيد وأهم قرى الإمارة: العزنة، فجيرة، مربح، بيديا، القرية، بثنه، حسافى، وبا، شرقي.
وقد عقد بينها وبين الشارقة إتحاد فدرالي في مطلع سنة 1960 ولكنه لم يدم طويلا.
عدد سكانها خمسة آلاف نسمة من عشائر الشرقيين يعملون في الزراعة والصيد والغوص بحثا عن اللؤلؤ.
الأقسام السياسية القائمة في عمان
القسم السياسي عدد السكان/ ألف العاصمة سكان العاصمة /ألف اسم الحاكم الحالي
سلطنة عمان 250 ... مسقط 6 السلطان سعيد بن تيمور
إمامة عمان 500 ... نزوى 15 الإمام غالب بن علي
الشارقة ... 30 ... الشارقة 16 صقر بن سلطان القاسمي
مشيخة أبو ظبي 18 ... أبو ظبي 8 الشيخ شخبوط بن سلطان
دبي ... 100 ... دبي 95 راشد بن سعيد آل مكتوم
رأس الخيمة 20 ... رأس الخيمة 11 صقر بن محمد بن سالم القاسمي
عجمان ... 5 ... عجمان 4 راشد بن حمد النعيمي
أم القيوين 6 ... أم القيوين 5،500 أحمد بن راشد المعلا
الفجيرة 20 ... فجيرة 2 محمد بن حمد الشرقي (1/21)
صفحة 22
قبائل عمان:
مما يلفت النظر في عمان كثرة عدد القبائل، حتى ليبدو ذلك غير طبيعي. ففي حين نشاهد عدد القبائل في البلاد العربية الأخرى قليلا حتى لا يكاد يتجاوز عدد أصابع اليدين، نراه يتجاوز المئات في عمان. ففي منطقة الإمامة وحدها عدد يزيد على مائة قبيلة. فما هو السبب في ذلك؟
نعتقد أن السبب الرئيسي في كثرة عدد القبائل وتباعدها وعزلتها عن بعضها يعود إلى عاملين أحدهما طبيعي والثاني إجتماعي.
أولا: العامل الطبيعي:
تتألف معظم عمان من أرض جبلية منيعة شديدة الوعورة. فساعدت المنعة والوعورة على زيادة عزلة القبائل وإبعاد بعضها عن بعض. ففي كل بقعة جبلية منعزلة تعيش قبيلة ما، أو فرع من قبيلة، مئات السنين، وهي مهما كانت ضعيفة تستطيع المقاومة لأنها تستفيد بمنعة موطنها ووعورته على البقاء بعيدة عن الأذى ... موفورة الكرامة.
ولما كانت الظروف التاريخية التي مرت على عمان ظروفا غير طبيعية ء بصورة عامة ء تتميز بالفتن والحروب والتدخل الإستعماري، فقد تعذر ء بسبب ذلك ء قيام حكومات مركزية لفترات طويلة من الزمن. وبالتالي تعذر ذوبان الفوارق القبلية، بل على العكس ثبتت الطروف الطبيعية والتاريخية هذه الفوارق، وضاعفت من أثرها. ولا قيمة كبيرة - بالطبع - للحكومات المركزية، التي كانت تقوم في أيام الإمامة أو أيام حكم الملوك أو الجبابرة (1) ... لأنها كانت متقطعة. يفصل بينها فترات زمنية طويلة، فكلما كانت تقوم حكومة من هذه الحكومات، كانت تحاول أن تزيل الفوارق الآنفة. وأن تثبت مركزية الدولة. ولكنها قبل أن تبلغ الغاية كانت تسقط فتعود الفوضى والفتن لتعمق الفوارق مرة أخرى.
ثانيا: العامل الإجتماعي:
من المعروف جيدا أن إنتشار التعليم في مجتمع ما، وعمق الوعي فيه يحولان دون تفكك ذلك المجتمع، وعلى العكس فإن إنتشار الفوضى والجهل، وضحالة الوعي الإجتماعي تسهل تفتت المجتمع وتمزقه.
وقد مرت على عمان ظروف طويلة من الزمن، أهمل فيها التعليم وضعف وعي الشعب ... وجهل أهمية التلاحم القومي، الذي يجمع أبناء الأمة الواحدة حول أهداف مشتركة، فنمت مشاعر العصبية القبلية وضعفت الروابط الإجتماعية الأخرى، وانعزلت القبائل عن بعضها البعض.
إلا أنه من الحق أن نقول بأن الإمامة كانت تجاهد لمحاربة أسباب الفرقة، ساعية لتكوين شعب واحد متلاحم، مشترك المصالح والأهداف. تربط بعضه ببعض مشاعر أعمق جذورا من مصالح القبيلة وأكثرها سعة.
كانت الإمامة كلما نجحت في تحقيق فكرة التلاحم والوحدة تجسد هذا النجاح ء بصورة عملية ء في حماية الإمامة وتقويتها وتثبيت قواعدها مدة أطول .... وعلى العكس كانت العصبية القبلية كلما نمت ظهر التفكك الإجتماعي، وتعرضت الإمامة إلى الوهن ... ثم إلى السقوط.
__________
(1) / يطلق العمانيون اسم الجبابرة على الأمراء الذين ينفصلون عن الإمامة ويحكمون مناطقهم معتمدين على القوة والتسلط. (1/22)
صفحة 23
ولا أدل على ذلك من أن الإمامة في نصف القرن الأخير منذ عام 1913م استطاعت ء بمحوها لأثار العصبية وأسباب التنافرء ان تعيد للإمامة سابق مجدها .. فانتقلت بها من نصر إلى نصر. ولم يصبها وهن ما أو تراجع عن أهدافها، حتى يومنا هذا. وإن الإنتصارات الوطنية الكبرى التي تحققها اليوم في نضالها المقدس ضد الأجنبي هو ء في الحقيقة ء مظهر من مظاهر ذوبان العصبية القبلية وزوالها، ومثال حي لتكاتف الشعب ووحدته.
ولا شك أن انتصار القومية العربية في كل مكان من دنيا العروبة، قد ترك أثره الطيب على قبائل عمان. فوجه أفكارها توجيها صحيحا، وعمق وعيها، ونبه الشعب العربي هناك إلى حقيقة وضعه.
إن زوال التعصب القبلي وامحاء النفور السابق بين مختلف القبائل وخاصة بين الهناوية والغافرية لا يعني - بالطبع - زوال نفوذ القبائل أو إمحاء أثرها من حياة عمان وكفاحها. بل على العكس فإن ذلك قد
ضاعف من قوة القبائل وأبرز أثرها الإيجابي في النضال. ولا نغالي اذا قلنا أن معظم المعارك وأشدها هولا إنما تقوم في مناطق القبائل الكبرى وخاصة القبائل المستوطنة (الحضرية).
إن الشعور السائد بين القبائل العمانية هو الشعور الديني الذي يتسم بالطابع العربي. والطابع العربي في عمان سمة قديمة لنضال القبائل ومشاعرها يعود إلى ما قبل عهد اليعربيين، إلا أنه تبلور واتضح في السنوات الأخيرة، ولم يعد منفصلا عن الشعور العربي العام الذي يوجه حركات النضال في بقية البلاد العربية.
كان الشعور العربي شعورا طبيعيا مألوفا، ولكنه لم يكن في الفترات السابقة المحرك الأول للنضال الوطني. ولم يكتسب صفته الثورية الأخيرة، إلا بعد أن خرج إمام عمان ببلاده من عزلتها، واتجه إلى الأمة العربية وربط كفاح وطنه الباسل بكفاحها.
والشعور العربي القومي بشكله الثوري الإيجابي رغم جدته وحداثته أصبح ء الأن ء محركا أساسيا، وعاملا فعالا من محركات الثورة ودوافعها في المنطقة. ذلك لأن هذا الشعور القومي الفاعل كان ء بحد ذاته ء عاملا مهما من عوامل صهر الفوارق القبلية وغيرها من العصبيات المفتتة للقوى في بوتقة الوحدة الوطنية، التي هي طابع عمان الحديثة وعنوان نضالها. (1/23)
صفحة 24
القبائل الناشطة في عمان:
إن أهم القبائل الناشطة في عمان، والتي لنشاطها وزن في نضال البلاد، وفي حركة التحرر المناهضة فيها، أربع قبائل كبرى هي:
- قبيلة بني ريام: تسكن الجبل الأخضر ويتزعمها الأمير سليمان بن حمير النبهاني .. وهي من أقوى قبائل عمان وأشدها شكيمة. كانت دائما من القبائل التابعة للإمام والمدافعة عن سلطة الإمامة ومبادئها. وهي اليوم تقف في خطوط النار الأولى. ومنطقتها ء الجبل الأخضر معقل الإمامة الأول.
- قبيلة الحارث: وتسكن المنطقة الشرقية من عمان، ويتزعمها الأمير صالح بن عيسى الحارثي ء نائب إمام عمان، وهي قبيلة كبيرة وغنية، كانت دائما منبع قوة الإمامة والمدافع الأول عن مبادئها، وما تزال تقف إلى جانب الإمام في كفاحه الوطني بدون قيد ولا شرط. لقد أحتل العدو معظم مدن المنطقة الشرقية إلا أن القبائل التي تقطنها ما تزال رغم ذلك الخزان الطبيعي الذي يمون قوات الإمامة بالرجال والمال والسلاح.
- قبيلة بني بو حسن: تسكن هذه القبيلة في منطقة جعلان وهي من أحلاف قبيلة الحارث، لذلك فهي مع الإمامة في كفاحها قلبا وقالبا.
- قبيلة بني بو علي: وتسكن في وادي عاهن وهي من أقوى قبائل منطقة الظاهرة في عمان. كانت قبائل بني بو علي تتبع السلطان أسميا حتى عام 1954 إلا أنها وقفت إلى جانب الإمام غالب بن علي فور إنتخابه. لوم تعد صلاتها بسلاطين مسقط صلات التابع، لا سيما وأن الإنكليز قد وجهوا إليها منذ أول العدوان نيران حقدهم وغضبهم ... .
إن قبائل بني بو علي تعلن اليوم أنها على الحياد ... ولكنها رغم هذا الموقف الرسمي المعلن عنه، تبدي عطفها الحدي على قضية الإمامة. وأن تأييدها لإنتخاب الإمام غالب بن علي دفعها لتقديم مساعدات قيمة لحركة النضال الوطني.
ومن الحق أن نذكر أن قبائل بني بو علي قد تعرضت مثل غيرها من القبائل إلى العدوان الإنكليزي الغادر. وخاصة في المعارك الأولى من معارك عام 1955.
اما بقية القبائل التي تساند الإمامة وتدعم كفاحها، وتعمل تحت لواء الإمام الثائر غالب بن علي فكثيرة جدا ولا يمكن لمثل هذا الكتاب المختصر أن يحيط بكل قبيلة منها لذلك نكتفي هنا بذكر أسماء البعض منها وهي: (قبائل الجنبة، الحبوس، الحجريين، الحراسيس، بني خروص، الدروع، بني رواحة، آل بوسعيد (1)، بني شكل، قبيلة العبريين، العوامر، المحاريق، بني هناءة، آل وهيبة، اليعاقيب).
__________
(1) / إن سلاطين مسقط هم من قبيلة البوسعيد، ولكن هذه القبيلة وإن كان حكام مسقط منها إلا أنها تعمل جانب الإمامة ولا تدين بالولاء لسلاطين مسقط الخارجين على قواعد الإمامة ومصلحة الشعب. (1/24)
صفحة 25
فشل محاولات المستعمرين:
حاول المستعمرون مثلما حاول أعوانهم تثبيت جذور الفرقة والتباعد والعداء بين قبائل عمان. لوم يدخروا وسعا في محاولاتهم الأثيمة هذه ... حتى أنهم عمدوا إلى إثارة الفوارق الطائفية وإحياء روح التعصب المذهبي ما أمكن. وكان هدفهم تفكيك أواصر الإمامة .. وإنزال الهزيمة بها من هذا السبيل الذي يتقنونه جيدا.
ولكن فشل المستعمرون في مساعيهم هذه فشلا تاما. وظلت الوحدة القومية هي الرابط الأساسي بين مناضلي عمان على إختلاف قبائلهم ومذاهبهم وطراز معيشتهم وإتجاههم.
وإن أي مدقق منصف لابد أن يشاهد ء بتمام الوضوح ء إن قوات الإمامة لا تقتصر على نوع من القبائل دون غيرها ... أو على مذهب دون غيره ... بل إنها تضم جميع المذاهب بدون تفريق:
فمن القبائل الإباضية يوجد إلى جانب الإمام: الحبوس، والحجريون والحرث وبنو ريام وبني بو حسن وبني خروص وبني رواحة وغيرهم.
ومن القبائل السنية يوجد: الجنبة والحراسيس والدروع واليعاقيب.
وفي جيش عمان نجد جميع القبائل القحطانية (الهناوية) والعدنانية (الغافرية).
فمن القبائل الهناوية نجد إلى جانب الإمام: الحرث والحراسيس والحبوس وآل بو سعيد والعوامر وبني هناءة وآل وهيبة وغيرهم.
ومن القبائل الغافرية نجد: الجنبة وبني خروص وبني ريام والدروع والعبريين وغيرهم. (1/25)
صفحة 26
وفي جيش عمان تجد جميع القبائل الحضرية والبدوية.
فمن القبائل الحضرية نجد الحجريين وبني رواحة والعبريين والمحاريق وغيرهم.
ومن القبائل البدوية نجد الجنبة والدروع والحراسيس وغيرهم.
وهكذا نجد جميع القبائل على إختلاف مذاهبها وأصولها وعصبياتها وطراز معيشتها وإتجاهاتها تقف إلى جانب الإمامة يدا واحدة وصفا واحدا. بعد أن أزال النضال كل تلك الفروق والخلافات وحملت السلاح لتكافح تحت لواء الإمامة ..... لواء العدالة والمساواة وحكم الشعب ... لواء القومية العربية.
إقتصاديات عمان:
لا يعرف العالم العربي للأسف عن أهمية إقتصاديات عمان شيئا يذكر. فهي في نظر الكثيرين جزء عادي من أجزاء جزيرة العرب، تكتنفها الصحاري ويسودها الجفاف، شأنها شأن معظم أجزاء جزيرة العرب.
والقليلون من أبناء أمتنا يعرفون شيئا زهيدا عن جبال الحجر والجبل الأخضر ووديانها وأفلاجها وسهولها ومراعيها، ومياهها وخصبها وتنوع مزروعاتها، وما إلى ذلك من حقائق كبرى، تبعث معرفتها الدهشة.
تعتبر عمان من أغنى بلاد العرب ثروة وأكثرها خصبا. فهي في بعض سهولها ووديانها لا تقل أهمية عن سهول سورية أو جبال لبنان ... أو بطاح العراق.
إنها ذات زراعة كثيفة، تربتها غنية خصبة، ومياهها الجوفية غزيرة، ومزروعاتها متنوعة مرغوبة.
ولها بالإضافة إلى ذلك موقع جغرافي تجاري لا يدانيه في بلاد العرب إلا القليل من المواقع.
* الزراعة:
تعتمد الزراعة في عمان على الري بالدرجة الأولى. وذلك لقلة الأمطار في المنطقة الساحلية من جهة، ولغزارة المياه الجوفية من الجهة الأخرى ولسهولة استنباطها.
ولكن عمان لا تخلو من الينابيع العذبة الكثيرة، والأنهار الصغيرة التي تستخدم في ري الحقول. وبما أن كمية الأمطار في السفوح الجبلية وعلى الجبال غزيرة فأنها كافية للزراعة البعثية في تلك النجود.
وقد إعتاد أهل عمان منذ أقدم العصور على حفر الأقنية الفنية (الأفلاج) واستخدامها في أعمال الري أيضا.
إن أغلب أشجار عمان من النخيل والليمون (اللومي) والرمان والمانغو (الأمبا). (1/26)
صفحة 27
ويصدر من هذه الأثمار كميات كبيرة إلى الخارج، وخصوصا من موانئ ساحل الباطنة.
أما المزروعات والأثمار التي تستهلك محليا فهي العنب والتين والزيتون (الجوافة) والتفاح والسفرجل والكمثرى والخوخ والمشمش والجوز واللوز (البيذام) والنارجيل (جوز الهند).
وتزرع في عمان النباتات العطرية كالورد ليستقطر منه ماء الورد وزيته والفل والياسمين والريحان والزعفران والعصفر.
ويزرع الشمام والبطيخ الأحمر بكثرة، وتزرع البطاطا الحلوة وتسمى (بط).
ويزرع في عمان كثير من المزروعات الصناعية ذات الأهمية الكبرى، والتي لها أسواق عالمية كثيرة كقصب السكر الذي يزرع بكثرة في سهول الباطنة وهو يعصر محليا ليصنع منه السكر بالطرق اليدوية، كما يصدر قسم منه إلى الخارج.
وتجود في عمان زراعة التبغ بأنواعه.
وكذلك القطن بنوعيه الأبيض والأحمر الطبيعي.
والفواكه الحمضية وخاصة البرتقال والليمون الحلو والحامض.
ولو أتيح لعمان أن تستخدم الوسائل العصرية في الزراعة كالآلات والأسمدة ومشاريع الري الكبرى لتنوع انتاجها الزراعي ولفاض كثيرا عن حاجتها.
إن أقنية الري ما تزال على نفس النظم التي كانت تسير عليها منذ عدة آلاف من السنين. وهي على قدمها ما تزال العماد الأول للزراعة في الداخل والساحل. وتسمى الأفلاج (جمع فلج) ونجدها منتشرة في كل مكان وخاصة على سفوح الجبال وأطراف الوديان.:
* المعادن:
تخفي تربة عمان في جوفها كثيرا من المعادن، ولكن الظروف السيئة التي تخضع لها البلاد كالتأخر والفتن والفوضى وكلها نتائج مباشرة للتدخل الإستعماري حالت دون إستغلال معادنها. إن إستقلال عمان وتحررها لابد أن يساعد على إكتشاف الثروات المعدنية وإستثمارها لصالح الشعب العربي. ومع ذلك فإن المعادن التي تأكد وجودها في عمان كثيرة وأهمها:
1 الذهب: ويوجد في الجبل الأخضر.
2 الفحم الحجري: ويوجد في جوار مسقط ومنطقة رأس الخيمة وجعلان وجبال الحجر والمناطق المتاخمة للربع الخالي
3 النحاس: ويوجد بكثرة إسترعت إنتباه الأجانب فتحدث عن أهميتها (1/27)
صفحة 28
بإسهاب السائح الإنكليزي بلغريف. ويستخرج ء الأن ء قسم قليل منه بالوسائل اليدوية البسيطة
4 – الحديد: ويوجد على مقربة من الحدود السعودية وفي عدة أماكن أخرى من عمان الداخلية.
5_ الكبيرت: كمياته غير معروفة بدقة.
6 - القصدير: كمياته غير معروفة بدقة.
7 - البترول: ويوجد البترول فعلا في الطريق التابعة لمشيخة أبو ظبي وهناك شركات أخرى للتنقيب في جميع المشيخات. كما ظهر البترول في منطقة ظفار. وقد منحت سلطنة مسقط إمتياز استثماره إلى الشركات الأمريكية. وفي منطقة الفهود في الداخل وفي غيرها من مناطق الظاهرة.
8 المغر: وهو اكسيد الحديد الأحمر. يستخرج منه الاصبغة والحديد ويوجد بكثرة في الجزر التابعة لمشيخة الشارقة على الساحل المهادن ولا سيما في جزيرة بوموس حيث تحتكر استثماره شركة إنكليزية. (شركة ألوان الوادي الذهبي) منذ سبعين عاما.
9 السماد الطبيعي: يوجد في مناطق متعدد وخاصة في جزائر (كوريا موريا) على الساحل الجنوبي.
10 الملح: يوجد ف مناطق متعددة أيضا وخاصة في جزيرة الصير حيث يجري إستخراجه.
11 المياه المعدنية: توجد في منطقة (خت) التابعة لمشيخة رأس الخيمة و (عين غمور) التابعة لمشيخة الشارقة.
12 اللؤلؤ والأصداف: وتستخرج من سواحل عمان والخليج العربي.
* الصناعة:
ما زالت صناعة عمان بدائية يدوية بسيطة. وسبب تأخرها يعود إلى العوامل التي أخرت الزراعة وأخرى إكتشاف المعادن أو إستثمارها (الفتن والفوضى والجهل) وكلها نتائج طبيعية لوجود الإستعمار. إن المعامل الحديثة لم تعرف في عمان بعد.
1 صناعة الغزل: تغزل خيوط القطن والصوف بالمغزل اليدوي البسيط. وتستخدم في نسيج شباك الصيد على السواحل أو صناعة الأشرعة أو غيرها.
2 النسيج وتشمل نسيج العباء ات والأردية والأزر والخيام واللاسات، ومن أشهر المدن في صناعة النسيج القطني نزوى وقريات وإبرا. (1/28)
صفحة 29
3 - الصياغة: كصناعة الحلي وبعض الآنية والخناجر المعكوفة.
4 - المصنوعات المعدنية: كصناعة أباريق القهوة من النحاس أو الشبه أو الآنية والأسلحة.
5 - الخزف: كانت صناعة الخزف شهيرة في عمان، وكان يصدر الخزف العماني بكثرة إلى الخارج، عن طريق رأس الخيمة أو ساحل الباطنة، وكثيرا ما كان يحلى بالصور والرسوم والنقوش. وقد ضاق نطاق هذه الصناعة في السنوات الأخيرة بسبب منافسة الصناعة الأجنبية لها.
6 بناء السفن: يبنى في عمان قليل من السفن الخشبية الشراعية. ونادرا ما تضاف إليها المحركات الأوربية. وهي صغيرة نسبيا تتراوح حمولة المركب بين 100 300 طن. كانت صناعة السفن متقدمة وعظيمة في سواحل عمان وخاصة دبي والشارقة ورأس الخيمة وبعض مدن ساحل الباطنة. إلا أن هذه الصناعة تأخرت بعد اكتشاف البخار ومنافسة السفن البخارية لها.
تختلف أسماء السفن بإختلاف أحجامها، فمنها الجالبوت والبوم والسمبوك والبدن وغيرها.
7 التعدين: يعمل في إستخراج المعادن بضعة آلاف من عمال عمان والمشيخات وغيرهم وخاصة إستخراج المغر والملح والرصاص والنحاس. أو الغوص لإستخراج اللؤلؤ والصدف. ولكن عددهم ضئيل جدا إذا ما قيس بأهمية معادن عمان. ولابد أن تمتص صناعة إستخراج البترول وشحنه عددا كبيرا من العمال في المستقبل.
8 السكر: ما تزال صناعة السكر في عمان يدوية قديمة ............ إلا أنها تسد الحاجة (1/29)
صفحة 30
المحلية. ولو أتيح لعمان إقامة المصانع الحديثة لصنع السكر لأمكنها أن تصدر السكر بكميات كبيرة إلى الخارج. نظرا لكثرة إنتاج قصب السكر ولجودة أنواعه ولملائمة المناخ لزراعته.
* التجارة:
لعمان علاقات تجارية واسعة مع الهند وباكستان وجنوب شرق أسيا وشرق أفريقيا وإيران وسواحل الخليج العربي وسواحل البحر الأحمر. ومعظم هذه الصلات تتم بالسفن التي يملكها سكان سواحل عمان ومسقط وبعضها بواسطة السفن الأوربية وخاصة الإنكليزية.
إن أهم موانئ عمان اليوم: مسقط ومطرح وصحار وصور وخورفكان ودبي وصحم والشارقة ورأس الخيمة وغيرها من الموانئ الثانوية الصغيرة.
إلا أن هذه العلاقات كانت في الماضي أكثر سعة وأشد تأثيرا. ولاشك أنه كان لعمان الفضل الأول في نشر اللغة العربية في سواحل أفريقيا الشرقية وفي الجزر المنتشرة في المحيط الهندي. ولاسيما القريبة من السواحل الأفريقية أو من سواحل جزيرة العرب وذلك عن طريق التجار والملاحين العرب العمانيين.
لقد ضعفت علاقات عمان بهذه المناطق مع الزمن وكان لسيطرة الإستعمار على المنطقة بمجموعها الأثر الأول في هذا الضعف.
وأهم صادرات البلاد: التمور والفواكه والتبغ وقصب السكر والقطن والعطور والأسماك واللؤلؤ والصدف والمعادن (المغر والملح والبترول والفحم) والماشية والسماد الطبيعي.
أما الإستيراد فيختلف بالنسبة للكمية والنوعية بين داخلية عمان وسواحلها.
أما عمان الداخلية فلا تستورد إلا النادر من السلع. وهي تسير بصورة عامة على سياسة الإكتفاء الذاتي. ونظرا لبساطة الحياة فيها، فإنها تكتفي بإنتاجها المحلي إلا ما ندر يضاف إلى ذلك أنها تحاول أن تقلل من الإستيراد لكي لا تمتن علاقتها بالخارج وذلك لسببين:
الأول: لسيطرة الإستعمار وعملائه على السواحل والموانئ ولمحاولاتهم عرقلة تجارة عمان وإضعافها، أو استخدام ذلك وسيلة للتدخل في شؤونها.
ثانيا: لأن الحذر من الأجانب بحد ذاته كان يدفع بعمان إلى اتباع سياسة الإكفاء الذاتي.
أما سواحل عمان ومسقط فتستورد أكبر مما تصدر، وتسهل عملية الإتصال بالخارج والمتاجرة مع الأجنبي، بحيث استطاعت البضائع الأجنبية أن تنافس بعض الصناعات المحلية وأن تقضي عليها، وهي في سبيلها إلى القضاء على الصناعات البسيطة الباقية. (1/30)
صفحة 31
لمحة تاريخية:
يعتقد العلن شواطئ الخليج قد قطنها الانسان الأول في بداية العصور الجليدية أي حوالي 40000 سنة إلى 10000 سنة قبل الميلاد. ولم يعثروا بالطبع على الآثار حتى الآن لأن الرمال والرواسب وتقادم الفترة الزمنية قد جعل هذا الشيء صعبا إلى حد بعيد.
ويمضي العلماء اعتقادهم فيرجعون أصل الإنسان الأول لشواطئ الخليج إلى الجنس الحامي حيث قالوا بأن الهجرة الحامية قد تمت من بلاد السوم (الحبشة) نتيجة لبعض العوامل الطبيعية التي أجبرت السكان على الرحيل نحو الشمال إلى عمان، ونستطيع أن نتصور هذا الجنس في قبيلة (الشحوح) التي توجد بها بعض الصفات، وتسكن هذه القبيلة في مغائر وكهوف منطقة (مسندم).
ولأهمية مركز الخليج نجد في كثير من النقوش واللوحات السومرية والبابلية ما يشير إلى مدنه وشعوبه. وبحكم موقعه في قلب منطقة الشرق الأوسط فقد أشرقت على ضفافه أول أنوار الحضارات الإنسانية الكبرى. فقد عاش على شواطئه أول حاملي مشعل الحضارة من السومريين والعيلاميين والبابليين والآشوريين والكنعانيين والعرب وغيرهم من الشعوب التي ترعرعت على ضفاف الخليج.
وكان الخليج يمثل بالنسبة للفاتحين حلما ذهبيا رائعا لما يتمتع به من مكز استراتيجي فريد في العالم أجمع. فتطاحنت على أرضه مختلف القوى واختلطت مياهه بالدماء وذهب الطامعون وبقي الخليج يعطي ويعطي بسخاء لا نهائي.
إن مركز عمان ومسقط الهام في الخليج جعل أول الشعوب المعروفة تسكن فيه وتتعرض لأطماع الغازين والفاتحين.
فقد ورد اسم عمان في لوحة يرجع تاريخها إلى سنة 2872 ق. م وتشير هذه اللوحة إلى أن سرجون الكبير قد وصل في فتوحاته إلى البحر السفلي (الخليج) وعمان.
ويشير لوح ثالث من عهد (ونجي) ملك مدينة آور إلى أن أهل أرض (ماجان) بناة سفن بينما تربط النقوش السومرية بين (ماجان) ومكان آخر هو (1) الذي لا يعرف موقعه بالضبط.
وكانت ماجان تعني الكثير بالنسبة لدولة سومر فقد كانوا يجلبون منها الأخشاب
__________
(1) / لعل هذه المنطقة هي المعروفة بـ (مخا) بصور العمانية. (1/31)
صفحة 32
والمراكب البحرية الجاهزة الصنع واللآلئ والعاج. ومعظم هذه المواد كانت مستوردة من الخارج من الهند وشرقي أفريقيا وأحيانا كانت السفن الهندية تأتي ممتلئة بهذه البضائع حتى (رأس جوار البري) أي أن (ماجان) كات محطة كبرى بين الشرق والغرب.
أما بالنسبة لشرق أفريقيا فقد كانت مسرحا لتجارة البحارة الفينيقيين الذين كانوا يعيشون في الجزء الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب أي (عُمان) وكان هؤلاء سادة المحيط فاستطاعوا أن يتغلغلوا إلى قلب أفريقيا ويتصلوا بقبائل أرض ماشونالاند ويجلبوا الذهب والعاج وريش النعام منها وكانوا يعودون إلى أرض الوطن (أوفير) التي يظن بأنها (ظفار) محملين بالغنائم والثروات ومن هناك كان يعاد تصديرها إلى سكان سهل شنعار في جنوبي العراق وإلى مصر وفلسطين.
وكثيرا ما كان الفينيقيون يستخدمون الأفريقيين على مراكبهم ويجلبونهم إلى أوفير للزيارة والتجارة.
ومما يبرهن على فترة العلاقة بين الأفريقيين والفينيقيين ما اكتشفه العالم الأثري كارل موش Car mouch في عام 1871 م حيث تمكن من إكتشاف معبد غريب الشكل في شمال روديسيا يشبه إلى حد كبير المعابد الفينيقية في (أوفير) أي ظفار الواقعة بين خليج كوريا موريا وخليج القمر.
وتقول بعض المصادر بأن الملك سليمان كان يرسل اسطوله إلى بلاد أوفير لجلب البخور واللبان والفضة وأن العلاقات بينه وبين أوفير كانت علاقات صداقة إلا أننا لا نرى هذا الرأي لبعد احتماله.
أما الآشوريون: فقد استولوا على عمان وقد كانوا بحاجة شديدة إلى اللبان كي يحرقوه في معابد إلههم (مردوخ) وذلك في زمن ملكهم تغلت فلاسر الآشوري، فقد كان اللبان مقدساً وتستعمله معابد النيل والفرات والصين والهند وفارس وكان الفاتحون للجزء الجنوبي الشرقي هذا يشترطون في دفع جزية اللبان بدل أي شيء آخر.
وأزداد مركز الخليج وعمان قوة وأزدهارا في عهد الإمبراطورية البابلية الثانية التي ورثت الآشوريين وكذلك ازدادت العلاقات التجارية مع الهند براً وبحراً، فقد كان البابليون ذا ترفه ورفاهية وسيطرة على التجارة فأصبح غناهم مضرب الأمثال ووجهوا عنايتهم إلى التجارة عن طريق الخليج وكونوا قوة بحرية كانت قاعدتها المنطقة الغربية والشمالية من الخليج وذلك في أول القرن السابع قبل الميلاد.
وأطل قادم جديد من الشرق، يكتسح الإمبراطورية البابلية وهو كورش الفارسي واستطاع أن يحقق أحلامه في السيطرة على الخليج العربي وموانئه المزدهرة على ساحل عمان واستطاع الفرس كذلك ربط البحر الأبيض المتوسط بالخليج العربي واستولوا على تجارة العالم القديم براً وبحراً وكان الفرس يستخدمون الفينقيين في مضمار التجارة البحرية. وبقي الفرس يسيطرون على مقدرات الخليج العربي وتجارته إلى النصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد. (1/32)
صفحة 33
أول دخول عربي منظم:
كان كثير من العرب قد دخلوا عمان ولكن دخولهم لم يكن له أي مغزى سياسي عميق. غير أن دخول مالك بن فهم الأزدي الذي سار من نجد إلى السراة ومنها إلى عمان في جماعة من قومه فدخلها من جانب قلهات على الشاطئ العماني، افسح له صدر التاريخ الصفحات المشرقة البيضاء.
يقول المؤرخ البريطاني روبرت تايلور Robert Taylor الوكيل السياسي المساعد في الجزيرة في بحثه المثبت في كتاب " مختارات Bombay selections )) ان مالك بن فهم من مقاطعة نجد هو أول عربي دخل عمان الظاهرة أو القسم الداخلي من عمان في الجنوب الغربي من مسقط على بعد 70 ميلا منها وهناك استطاع التغلب على الجيش الفارسي ثم قام بتحصين مدينة الرستاق الواقعة في وسط جبال عمان على بعد 30 ميلا غربي مسقط.
فأثارت انتصارات مالك مخيلات وأحلام العرب الأخرين وهزتهم أنباء الإنتصارات العظيمة فأخذوا يتوافدون على عمان من اليمن وأزداد عددهم حتى أصبحوا غالبية السكان وتكاثروا بها وانتشروا في البحرين وبلاد هجر. وكان أول من لحق بمالك من الأزد عمر بن عامر ماء السماء وولداه الحجر والأسود ثم جاء ربيعة بن الحارث بن عبدالله بن عامر بن الغطريف ثم جاء عمران بن عامر بن الأزد واليحمد بن حمس ثم بنو غنم بن غالب ومعولة وهم بنو شمس وإلى غير ذلك خلق كثير.
كان مالك بن فهم ذا طبيعة حرة وفكر جريء وبهاتين الصفتين المتلازمتين في نفسه حاز إعجاب وطاعة تابعيه. وكان زعيما فذا شديد الطموح استطاع بحفنة قليلة من الرجال ان يسيطر على مقدرات عمان بأجمعها وكان سيدا مطاعاً استطاع القضاء على النزعة الفردية فوحد القبائل ومزجهم بالمصاهرة وكون شعبا استطاع الحفاظ على مكاسبه رغم محاولات الفرس العديدة للقضاء على عرب عمان.
وكان فارسا عظيما تغنى بأمجاده بنو قومه، ولبقا حكيما يعرف كيف يتفادى الحروب التي لا فائدة منها اذ حدث ونزل أحد ملوك الأزد واسمه مالك بن زهير من أبناء عبدالله بن الأزد، نزل في أحد نواحي عمان وكان عظيم الشأن فخشي مالك بن فهم من وقوع ما لا تحمد عقباه فيما بينهم فخطب إلى نفسه حزام بنت مالك بن زهير فزوجه إياها وانجبت له ابنه سليمة أحب أبنائه إليه، عاش مالك بن فهم حتى بلغ العشرين بعد المائة وقتل بسهم أفلت خطأ من ابنه سليمة ودفن بمدينة إزكي.
فتولى الحكم بعد مقتله ابنه هناة، وكان افضل أبناء مالك رأيا وأجودهم يدا وأشدهم بأسا، وقد إختاره مالك قبيل وفاته ليكون ملكا على عمان. وتحدثت الروايات إن سليمة بن مالك قد إرتحل إلى أرض فارس بعدما كان من قتله لأبيه. وهناك إستطاع أن يثبت نفسه ويوطد أركان إمارة عربية في كرمان. ولكن الفرس لم يرضهم أن يحكمهم (1/33)
صفحة 34
هذا الفتى العربي فأخذوا يثيرون الفتن والفوضى ضد سليمة فأستغاث بأخيه هناة فبعث له هذا ثلاثة آلاف مقاتل من خيرة المحاربين الأشداء فأذعن له سكان كرمان وبقي هنالك إلى أن وافاه الأجل واختلف أولاده من بعده مما شجع الفرس على تحطيم أركان دولتهم.
أما هناة بن مالك فقد بقي حاكما لعمان يدير دفة الأمور وينظم شؤون الرعية إلى أن توفي وحكم من بعده أخوه جماز بن مالك وكان قاسيا شديد البطش سام الرعية سوء الأذى والهوان.
وتعاقب على سدة السلطان ملوك كلهم من نسل مالك بن فهم وطيلة حكم هؤلاء لم يتمكن الفرس من نيل موضع قدم لهم في عمان.
الخليج في عهد الإسكندر المكدوني وخلفائه:
وظهرت على المسرح قوة عظيمة طموحة إندفعت نحو مصادر الثروة بالشرق بسرعة كبيرة وهي تمني الفنس بالإستيلاء عليها. وهذه القوة هي مكدونيا وعلى رأسها قائد عظيم هو الإسكندر المكدوني.
كان الإسكندر يعي ببعد بصيرته وذكائه أنه لا يمكن لدولته ان تزدهر إلا اذا ضمنت لنفسها السيطرة على التجارة العالمية. وكانت فارس هي التي تتحكم في ثروات الشرق والخطوط التجارية في الخليج وشرق الجزية وساحل البحر المتوسط، ولذا فقد وضع الإسكندر مخططه على أساس الإستيلاء على الإمبراطورية الفارسية نفسها فأتجه إلى المشرق ودارت بينه وبين الفرس المعارك الضارية وكان النصر فيها حليف الفاتح الكبير الذي اندفع إلى الهند منبع الثروة فوصل إلى مصب نهر السند وتوقف هناك وكلف مساعده (نيارخاس) الكريتي بأن يسير غور مياه الخليج العربي ويدرس الوضع التجاري والعسكري والجغرافي للطريق البحري من الهند إلى بابل ويقدم تقريره. وكانت مهمة (نيارخاس) من أعظم المهمات البحرية في العصر القديم.
وانطلق الأميرال المكدوني من مصب نهر الهندوس في أواخر عام 324 ق. م بأسطول كبير جمع بعضه وبنى بعضه الآخر واعتمد في تسييره على المجاذيف وليس على القلوع والريح، وأبحر محاذيا للشاطئ .. وسار الإسكندر بجيشه برا محاذيا لأسطول (نيارخاس). واستمرت المغامرة الهائلة مائة وثلاثين يوما قبل ان يتمكن من الوصول إلى مسندم. واستمر الاسطول في مسيره شمالا حتى وصل إلى قرية مصب الفرات أسمها (دير يدونيس) التي هي البصرة الآن. ومن ثم تتبع مجرى نهر قارون في بلاد الفرس حتى وصل إلى مدينة (سوزيانا) وهناك استقبله زعيمه الاسكندر استقبال الفاتحين العظماء.
لم يتوقف طموح الاسكندر عند هذا الحد، بل كان يطمع بالاستيلاء على شبه الجزيرة العربية وخصوصا بلاد اللبان والبخور والطيوب.
فعندما افتتح غزة ارسل لمعابد الآلهة في مكدونية 500 مثقال من اللبان وأوصى الكاهن الأكبر ان يقتصر في استعمال هذه الكمية حتى يتم له فتح بلاد اللبان. (1/34)
صفحة 35
يقول بليني الأكبر في كتابه " التاريخ الطبيعي " ان نسمي البلاد العربية " سعيدة " لأنه لا توجد بلد في العالم تنتج اللبان عدا العربية وليس كلها وإنما الجزء الجنوبي الشرقي منها التابع للسبئيين.
لهذا أرسل الإسكندر قائديه (اركايبس) و (اندروستين) فسارا حتى وصلا إلى عمان وقاما بكشف دقيق تمهيدي ورجعا إلى الإسكندر.
ويعتقد قسم كثير من المؤرخين بأن الإسكندر قام ببناء مدينة " خاواكس " (المحمرة) لتكون قاعدة تجارية في الخليج لتجميع السلع ولإستيراد مواد الشرق وإعادة تصديرها إلى بلاده اليونان ثم المغرب.
وبعد موت الإسكندر استعملها خلفاؤه السلوقيون وأعادوا بناءها. وبعد ذهاب السلوقيين أعاد بناءها من جديد ملك عربي يدعى (سبا سيانو) وأقيمت بقربها مدينة الأبلة.
لقد فتحت حملة الإسكندر أبواب الشرق لتجارة اليونانيين فأخذت سفنه تمخر عباب الخليج وتعود محملة بالخيرات إلى بلاد اليونان.
وعندما كان الجنود يعودون إلى ذويهم يقصون على أهليهم عن مدنية وثروة وغنى بلاد الخليج كما علمتهم الحملة الكبيرة هذه الإستفادة من الطرق المائية والطرق البرية الواصلة بين الخليج وبين البحر الأبيض المتوسط. ورتب السلوقيون القسم الشرقي من إمبراطورية الإسكندر وكان عليهم أن يعملوا على استتباب الأمن في الخليج لتنشيط التجارة فيه فأنشأوا أسطولا قويا لمطاردة اللصوص الذين كانوا يقطعون الطرق المائية في محاولاتهم للاستيلاء على المواد المنقولة من الهند والصين.
ونجح السلوقيون في إنشاء الشركات التجارية الكبيرة للإتجار مع الهند وسواحل الخليج كما أنشأوا القواعد البحرية لتموين سفنهم ومن أهم هذه القواعد جزيرة سيرابيس Serapis المسماة (مصيرة) (1) اليوم وتدل الآثار الموجودة بها على وجود بعض الهياكل الإغريقية وهي من مخلفات السلوقيين.
وتلي سيرابيس في الأهمية مدينة " المحمرة " (خاراس) و (بله) أبو لوغوس.
وفي هذه الفترة نشطت الهجرة من بلاد اليونان فتوطن قسم منهم في أواسط إيران على طريق التجارة البرية بين الصين وبلادهم الأصلية وعمرت مدينتا "دورايوربس " (بين غانة والرقة) وتدمر كما نزلت بعض الجاليات اليونانية في موانئ الساحل العماني وجزيرة مصيرة (سيرابيس) والمحمرة.
ولم يسكت البطالسة حكام مصر على هذا الأمر ولذا فقد حاولوا أن ينشطوا التجارة في منطقتهم لإضعاف المركز التجاري لمنافسيهم السلوقيين وأخذوا يعملون على تنشيط
__________
(1) / جزيرة على البحر العربي فيها قوة عسكرية تابعة لبريطانيا وأمريكا ومطار جوي. (1/35)
صفحة 36
التجارة في البحر الأحمر فقام (بطليموس) الثاني فيلادلفوس (28 - 246 ق. م) بإنشاء أسطول قوي في البحر الأحمر وبنى مدينة السويس باسم زوجته الحبيبة (أرسينوي) وأعاد فتح القناة التي تربط فرع رشيد بالبحر الأحمر.
في هذه الفترة نشطت تجارة الجرهمانيين وهم قبيلة عربية هاجرت من أواسط الجزيرة وأقامت على الساحل العربي للخليج العربي في مكان على شاطئ الحسا مقابل جزيرة البحرين. وأقاموا هناك مدينة جرها التي إستولت على قسم كبير جدا من التجارة البحرية والبرية مما أثار حفيظة أنطيوخس الثالث الكبير (223 - 187 ق. م) فجرد حملة عسكرية على جرها عام 205 ق. م ليقضي عليها بعد أن ضايقت تجارته ولكن أهلها استرضوه بدفع أتاوة كبيرة من البخور والفضة والمر واللبان.
ويقول بليني:
في عهد الملك انطيوخس تحرك حاكم مسينة بأسطول قوي إلى الخليج العربي ليأخذ نصيبا من التجارة العظيمة في الخليج ووصل إلى ( Asabon Pom ) المسمى اليوم رأس مسندم وهناك قابل أسطول الفرس وانتصر عليه وبعد أن هبط السد انتصر على الأسطول مرة أخرى وأقام نصبين تذكاريين يشيران لإنتصاراته أحدهما للإله جوبيتر والآخر للإله نيتون وذلك في الموضع الذي انتصر فيه.
كانت سورية قد إزدهرت إزدهارا عظيما لوقوعها على الخطوط البرية للتجارة الناشطة بين الشرق والغرب بين الهند والصين من جهة وبين اليونان والأمم الغربية الأخرى من جهة أخرى.
فقد كانت تجارة السلوقيين تمر على الأراضي السورية حتى تصل إلى الموانئ المزدهرة على شاطئ هذه البلاد وكانت تجارة البطالسة تمر في سورية ولذا فإن سورية كانت مثل عمان في أهميتها التجارية وهكذا بقيت التجارة في أيدي العرب ومن هؤلاء كانت بقية الأمم التجارية تزود بمئات المواد الثمينة.
وكان لعمان نصيب الأسد في هذه التجارة إذ كانت تقع بين الموانئ التجارية العظيمة مثل أرسينوي وبيرنيس وأبله على البحر الأحمر غربا وبجانبها تقع المحمرة وجرها وقانا (حصن الغراب) وعدن.
هذه بالإضافة إلى موانئها مثل مدينة " ناجيا وثمنا "، " Nagia Themna " التي كان بها خمسة وستون معبدا. كما كانت تقوم عند رأس مسندم مدينة عظيمة (هرمز) كانت تجارتها بالعطور الزكية والمواد الثمينة الأخرى.
وكذلك نشطت تجارة جزيرة العرب سيرابيس " مصيرة " العمانية وقد كان بها الأرتيري إلى جزر كاليوس القريبة من قلهات هي اسم موضع على الساحل في جنوب غربي صور على مقربة من رأس الحد وسكان الساحل المجاور لهذه الجزر أشرار، وعند نهاية هذه الجزر جبل كالون Calon الذي يبدأ عنده بمسافة قصيرة من خليج فارس المعروف بكثرة إستخراج اللؤلؤ منه. (1/36)
صفحة 37
وكانت تجارة عمان تعتمد على مصدرين خارجيين أولهما الهند وكانت تستورد منها النحاس وخشب الصندل وأخشاب أخرى والحجارة الكريمة. وثانيهما أفريقيا حيث تستورد الفيلة والجلود والعاج وغيرها.
أما في الداخل فقد كانت تجارة الطيب واللبان والبخور تأتي من ظفار التي كانت جزءا من عمان بالطبع.
ونتيجة للحروب المتواصلة ضعفت دولة السلوقيين وأستعاد الفرس سلطانهم على الخليج العربي. وقامت روما بالإستيلاء على مخلفات السلوقيين ونشرت الأمن وأخذت المراكب الرومانية المسلحة تمخر عباب البحر الأحمر. ومن هناك خرجت إلى بلاد اللبان والبخور والمر. ثم إستطاع التجار الرومان الوصول إلى الشواطئ الغربية للهند.
ولتأكيد سلطانهم قام الرومان بحملتين عسكريتين الهدف منهما الإستيلاء على الثروة ومصادرها. فكانت الحملة الأولى بقيادة " إليوس غاليوس " (35 - 24 ق. م) التي ابحرت من السويس إلى مرفأ قريب من رأس كركوما على ساحل الحجاز ثم سافرت إلى اليمن، وكان دليلها أحد الوزراء من دول الأنباط. وقد عمل هذا على فشل الرحلة لأن نجاح الرومان معناه إندثار النبط أنفسهم. وفعلا فشلت الحملة فشلا ذريعا. وأكتفى الرومان بهذا الفشل حتى ظهر الإمبراطور تراجان وكان قائدا طموحا فأراد أن يقوم بما قام به الإسكندر الكبير وان يستولي على المقدرات التجارية والبشرية لجميع بلاد الشرق.
في عهد هذا الإمبراطور كانت البتراء عاصمة النبط مركزا للنشاط التجاري البري. وكانت تسيطر على التجارة القادمة من اليمن في الجنوب عبر البحر الأحمر وخليج العقبة وتسيطر على التجارة القادمة من عمان والشرق. وكانت تحاول التودد مرة للفرس وأخرى للرومان كما يقتضي الظرف والمصلحة. فقد ساعدت تيطس أثناء هدمه القدس وضرب اليهود وأحيانا كانت تضرب الرومان كمساعدة للفرس. وهي في الحقيقة لم تكن تساعد إلا نفسها للوقوف على قدميها. وجاء تراجان وأسقطها وحولها مجرد ولاية رومانية سنة 105 م وورثتها تدمر في نهاية القرن الثاني للميلاد وحصدت جميع المنافع التجارية رغم أنف الفرس والرومان.
لم يكتف تراجان بإسقاط دولة النبط وعاصمة التجارة "البتراء" بل كان منتهى أمله الوصول إلى الخليج العربي. فأتجه شرقا واستولى على بلاد ما بين النهرين وافتتح خاركس (المحمرة) وهاجم عمان وبلاد اللبان وكان ينوي الذهاب من هناك بحرا إلى الهند ولكنه مات قبل ان يتحقق له ذلك.
على الرغم من ذلك فقد استمرت التجارة وازداد ازدهارها في عهد خلفاء تراجان، وكان معظم التجارة وقباطنة السفن من التدمريين.
وفي القرن الثالث الميلادي دب الوهن واضعف على الإمبراطورية الرومانية فضعفت التجارة التي سيطر عليها الرومان وعادت إلى أربابها الأصليين في عدن وظفار وعمان والخليج العربي. (1/37)
صفحة 38
وفي عام 336 م قام أوشير الأول بإزالة ملك بني أرشك وأسس الدولة الساسانية التي هيمنت على تجارة الخليج. غير أن القبائل العمانية ثارت وتجمعت واتحدت ضد الفرس حتى تمكنت من طردهم.
وعندما إنقضى ملك أولاد مالك صارت عمان إلى آل الجلندى بن المستكبر وهو من معولة بن شمس وصار ملك بلاد فارس إلى آل ساسان فعقدوا هدنة مع آل الجلندى على أن يحتفظوا لأنفسهم بحامية في عمان قدرها أربعة آلاف جندي مع عامل فارسي فنزل هؤلاء الشواطئ العمانية وبقي آل الجلندى داخل عمان.
بقي الملك في آل الجلندى إلى أن أظهر الله الإسلام في عمان فأسلم أهل عمان وكان ملكهم آنذاك الجلندى بن المستكبر وقد أسلم في جملة من أسلم وإليه ينسب بنو الجلندى.
كان الجلندى بن المستكبر حاكما قويا أزعجته الغارات التي كان يشنها قراصنة البحار فقام ببناء أسطول قوي وأستطاع إحتلال جزيرة هرمز من الفارسيين وجعلها مركزاً بحرياً لقواربه ليتعقب اللصوص منها.
ومات الأمير الجلندى بعد حكم دام أربعين سنة في السنة الأولى من البعثة المحمدية فحكم بعد أبناؤه مشتركين بالسلطة. وتقول الرواية أخرى أن الجلندى مات قبل الإسلام وأسلم بعده ابناه جيفر وعبد.
دخول الإسلام إلى عمان
يستفاد من أخبار الأولين أن أول من أدخل الإسلام إلى عمان رجل منها أسمه مازن بن غضوبة بن سبيعة بن شماسة من قبيلة طي، وكان يسكن سمائل وقد سمع بالبعثة النبوية فقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعتنق الإسلام ورجع ليدعو قومه إلى إعتناق الدين الحنيف واستطاع أن ينشر الإسلام في عدد لا بأس به من القوم.
وفي هذه الفترة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى كسرى ابرويز بن كسرى أنو شروان يدعوه فيه للدخول في الإسلام ونبذ عبادة الأوثان ولكن كسرى غضب غضبا شديدا ومزق الكتاب وكاد يقتل حامله ولكن القدر لم يمهله إذ قتل شر قتلة على يد إبنه شيرويه فكتب هذا إلى عامله في عمان وكان إسمه باذان يستفسر عن الدين الجديد فأرسل هذا أحد تابعيه إلى الرسول عليه السلام ليناقشه الدين الجديد فأقنعه الرسول صلى الله عليه وسلم وعاد إلى سيده مسلما يمتدح الإسلام ويوصي الفرس بإتباعه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى الجلندى بن المستكبر كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام فأستجاب ومن معه وأعزهم الله به.
كان العامل الفارسي باذان قد ارتحل بنفسه إلى شرويه ملك الفرس ليخبره ما رواه صاحبه عن الإسلام واستخلف نائبه "مسكان" عاملا حتى يعود فلم يمهله الجلندى بل دعا "مسكان" للدخول بالدين فأبى واستكبر فحاربه الجلندى واستطاع إجلاء الفرس عن عمان. (1/38)
صفحة 39
ويقول رواة آخرون أن الجلندى لم يدرك الإسلام إذ توفي قبيل البعثة المحمدية بقليل وخلفه على سدة الحكم إبناه عبد وجيفر فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى عمان فقدم هذا إلى البلاد ودفع بكتاب رسول الله إلى عبد وجيفر فأعتنقا الإسلام وأرسلا في طلب وجوه القبائل فوافوهما وأسلم كثير من الناس ودخلوا في دين الله أفواجا.
بعد ذلك اجتمع الزعماء العرب وقرروا فيما بينهم دعوة الفارسيين إلى الإسلام أو الخروج من عمان وكان الفرس يومها في مدينة صحار فساروا إليهم ودعوهم ولكن الفرس رفضوا وكان القول الفصل للحسام وبه إستطاع مسلمو عمان أن يقذفوا بالغزاة الفارسيين خارج عمان وقتلوا الوالي الفارسي مسكان وطهروا الأرض الطيبة منهم.
توطدت أركان الإسلام في عمان وثبتت دعائمه فقفل عمرو بن العاص راجعا إلى المدينة المنورة وسار معه عبد بن الجلندى وأشراف قومه فنزلوا ضيوفا على أبي بكر الذي أحسن وفادتهم.
وقد عين أبو بكر جيفرا وأخاه عبد عاملين له في عمان ليحكما الناس بالعدل وليجمعا الصدقات ويحملاها إليه وبقيا في حكم عمان إلى أن توفيا وخلفهما عباد بن عبد بن الجلندى في زمن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعندما تولى معاوية الملك لم تكن له أية سلطة في عمان وعندما تولى عبدالملك بن مروان السلطة ولى الحجاج بن يوسف الثقفي العراق فأخذ يجهز الجيوش لإخضاع عمان وضمها تحت راية الدولة الأموية في تلك الفترة كان يحكم عمان سليمان وسعيد إبنا عباد بن عبد ابن الجلندى وكانا يعدان العدة لمقاومة جيوش الحجاج إذا حاولت الدخول إلى عمان. ولم يجد من طموح الحجاج شيء فصمم على فتحها وأرسل جيشا كبيرا بقيادة القاسم بن شعوة المزني وقابله سليمان ابن عباد بجيشه واستطاع الإنتصار على القاسم وقتله وطارد فلول جيشه إلى خارج عمان.
وجن جنون الحجاج فزاد تصميمه على فتح عمان مهما كلفه ذلك من نفقات وتضحيات فأرسل مجاعة بن شعوة شقيق القاسم بجيش يبلغ تعداده أربعين ألفا ولكن سليمان إستطاع هزيمته في بادئ الأمر وتمكن من حرق أكثر من خمسين سفينة من أسطول ابن شعوة وعلم الحجاج بالأمر فأسرع بإرسال النجدة إلى شعوة وكانت قوة كبيرة بقيادة عبدالرحمن بن سليمان فأدرك سليمان وسعيد أنه لا قبل لهما بهؤلاء فهربا إلى شواطئ أفريقيا وتوفيا هناك ودخل جيش الحجاج عمانا واستطاع ضمها للدولة الأموية وقد نكل الحجاج بالسكان وقتل قسما كبيرا منهم إنتقاما لصلابتهم في قتاله.
وقد ولى الحجاج على عمان الخيار بن سبرة المجاشعي لوما مات عبدالملك بن مروان وجاء بعده إبنه الوليد ومات الحجاج ولى الوليد على العراق يزيد بن أبي مسلم فولى هذا يزيد بن سيف الهنائي عاملا على عمان.
وأثناء تولي سليمان بن عبدالملك الحكم ولى صالح بن عبدالرحمن بن قيس (1/39)
صفحة 40
الليثي على عمان. وجاء بعد هذا زياد بن المهلب أخ يزيد بن المهلب الذي كان واليا على العراق، وكان زياد يحسن إلى المسلمين ويحكم بين الناس بالعدل.
ولما تولى عمر بن عبدالعزيز الخلافة بعد سليمان ولى عدي بن ارطأة الفزاري على العراق وقام هذا بتولية عمان إلى رجال أساؤوا السيرة فيها فعلم عمر بذلك وولى عمرو بن عبدالله الأنصاري على عمان فأحسن السيرة وأقام العدل بين الناس وعند موت عمر ابن عبدالعزيز تولى عمان زياد بن المهلب الأزدي وبقي فيها حتى سقطت الدولة الاموية وصار الأمر لأبي العباس السفاح الخليفة العباسي الأول.
وكان والي العراق في زمن السفاح أخوه المنصور فولى هذا جناح بن عباد ابن قيس ابن عمرو الهنائي على عمان فقد إلى عمان وبقي فيها فترة ثم عزله المنصور وعين ابنه خلفا له فأخذا هذا يخادع المسلمين في عمان في أمور دينهم فقام الإمام الجلندى بن مسعود بتولي الزعامة وأحيا الإمامة في عمان امتدادا لحكم الخلفاء الراشدين. (1/40)
صفحة 41
الإمامة
إمامة الإباضيين
لقد مر على البلاد الإسلامية بعد إنتهاء عهد الخلفاء الراشدين وظفر بني أمية وانقلاب الخلافة الشورية إلى حكم وراثي عضوض، نضال عنيف بين مؤيدي هذا النوع المدني من الحكم وبين أسلوب البيعة وإنتخاب الخليفة أو الإمام. وكانت عمان مسرحا مهما من مسارح هذا النزاع وقد حاول الإباضيون في عمان إعادة تراث الخلافة وإحياء أحكام الشريعة والحكم بموجب القواعد التي خططها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون.
والإباضيون فرقة من أكثر فرق الخوارج (1) إعتدالا .... أقاموا في عمان حكما شوريا أساسه الإنتخاب وتنفيذ قواعد الشريعة. ظهر أمرهم بعد فوز الأمويين بالخلافة. فأقاموا في عمان إمارة مستقلة، ظلت تحكم عمان لفترات متقطعة تظهر وتختفي، من عام 129 ه حتى اليوم، وقد إنتخب الإباضيون أئمتهم ليترأسوا هذه الدولة، وأطلقوا على نظامهم إسم (الإمامة).
لقد استطاع معظم الأئمة الذين انتخبوا لتولي هذا المنصب الخطير أن يحموا العدالة الإسلامية في عمان من العبث زمنا طويلا، فالتف الشعب حولهم ودافع عنهم ... حتى غدا للإمامة قواعد معروفة، وتقاليد ثابتة وقيم محترمة لها صفة القدسية في نفوس الجمهور وكان أروع ما في محاولتهم، حرصهم على تطبيق تلك القواعد والتمسك بها وحمايتها من العبث والتشويه.
ومهما كان رأي المؤرخين في نظام الإمامة هذا، ومهما كان موقف الدول الإسلامية المتعاقبة على مختلف العصور، فإنه مما لا شك فيه، أن الإمامة كانت أهم محاولة عربية وأطولها عهدا، لحماية القيم الديمقراطية التي تضمنها جوهر الإسلام بعد عهد الخلفاء الراشدين.
ومما لاشك فيه أن أخطاء كثيرة قد ارتكبت ... بل لقد توقفت الإمامة ذاتها في فترات طويلة، وساد محلها الفوضى والإرتباك، ولكنها كانت ما تلبث أن تعود إلى متابعة محاولتها بفضل إصرار عرب عمان وحرصهم على تحقيق هذه المثل التي إحترموها وارتضوها لأنفسهم شريعة في الحكم.
__________
(1) / لا يوافق الإباضيون على إطلاق كلمة الخوارج عليهم، ويعتبرون الإسم دخيلا فرضه العدو، إلا أننا نعتقد أن الإسم لم يعد يحمل ما كان يقصده أعداؤهم، فقد تحول إلى مصطلح تاريخي يدل على جملة من الناس ليس إلا. (1/41)
صفحة 42
قواعد الإمامة:
لدراسة قواعد الإمامة ومبادئها لابد من التفريق بين معتقدات الإباضيين وبين الأحكام التي تعين أصول إنتخاب الإمام وتحدد واجباته ومسؤولياته وحقوقه وكيفية تنفيذ هذه القواعد.
أما بالنسبة للنقطة الأولى وهي شرح مبادئ الفرقة الإباضية فليس مما يهم القارئ كما أنها ليست من مهمات هذا الكتاب.
أما النقطة الثانية وهي الأحكام التي تنظم قواعد الإمامة ومبادئها فذلك ما سنحاول شرحه.
نلاحظ حين ندرس قضية البيعة وشروطها وعهودها، ثلاث نقاط مهمة، سنوجه إليها إهتمامنا الأول.
النقطة الأولى: كيفية إنتخاب الإمام والشروط التي يجب أن تتوفر فيه، وأنواع الأئمة المنتخبين.
يجري إنتخاب الإمام في مجلس علني يحضره زعماء الأمة وشيوخ العشائر وكبار رجال الدين ويكون الإجتماع في مدينة أو حصن أو أي مكان آخر. إلا أن مدينة نزوى العاصمة ومدينة الرستاق غالبا أوفر حظا في إختيارهما مكانا لإنتخاب الأئمة. وإنتخاب الإمام لا يتم فورا بل يسبقه تشاور قد يستمر أياما أو أسابيع أو أشهرا أو أكثر من ذلك. ثم يختار المجتمعون الرجل الذي يتوسمون فيه الخير ويرون أن شروط الإمامة متوفرة فيه.
وشروط الإمامة: العفة والإيمان و الجهاد والمروءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوفاء بما وجب عليه من دين الله أو أمانة الناس. وغير ذلك من الخصال الحميدة التي لا يستغني عنها قائد يتولى شؤون أمة.
والأئمة على أنواع:
فقد ينتخب الإمام لتوفر كل هذه الشروط أو معظمها فيه، ويكون إنتخابه بذلك صحيحا فيظل قائما على مهام منصبه فإذا حاد عن هذا السبيل يعزل أو يقتل.
وقد ينتخب الإمام على الدفاع فقط وذلك في الظروف التي يحدق بها الخطر والفوضى، ويجوز عندئذ - أن يختار المسؤولون بطلا من الأبطال القادرين على إزالة الفوضى، ولم الشمل ورد العدو حتى ولو لم تتوفر فيه شروط الإمامة كافة، وهكذا فإنه يشغل منصب الإمامة (إماما للدفاع) حتى إذا ما إستطاع رد العدو عن الوطن وأنهى إزالة الخطر، أعيد النظر في أمر إمامته، فأما أن تثبت فيبقى على رأس منصبه أو يطلب منه الإعتزال فيعتزل ... أو يعزل عزلا إذا رفض.
وكان إذا كبر أحد الأئمة وأصابه الوهن وضعوا له وصيا يقوم بأعباء الإمامة عنه.
وإذا يئسوا من إصلاح إمام أساء إلى الإمامة وأخطأ، تخلوا عنه وأسقطوا بيعته أو (1/42)
صفحة 43
بايعوا غيره من يتوسمون فيه أن يكون أكثر جدارة.
أو طلبوا منه أن يتوب إلى الله عن ذنبه. فإذا تاب واستناب سمحوا له بالبقاء بعد تجديد البيعة له أو عزلوه.
وكثيرا ما كان الإمام يضطر للإعتراف أمام كبار رجال الدين بأنه قد إرتكب خطأ وأنه يطلب المغفرة من الله ويتوب إليه.
وإذا تعذر عليهم إيجاد من تتوفر فيه الشروط زهدوا في مبايعة الإمام ... وأخذوا يعودون - خلال فترة خلو الإمامة - إلى زعماء الدين لحل مشاكلهم.
النقطة الثانية: العهود التي تؤخذ على الإمام فيلتزم بتنفيذها:
لا يوجد صيغة ثابتة للعهود تستخدم كلما مست الحاجة إليها، بل هنالك صيغ متبدلة تتغير بتغير الأئمة، فالمنتخبون يشترطون على الإمام، حين إنتخابه، الشروط التي يجدون ضرورة ماسة لها فإذا كان فيه شيء من الضعف، أكدوا في عهدهم إليه، أن يحرص على الدفاع والجهاد في سبيل الله ... وإذا شعروا أن به تهاونا في تحصيل الأموال، إشترطوا عليه أن يحرص على أموال المسلمين وأن يجمعها ممن يستطيع دفعها، وأن يوزعها على من يستحقها، وإذا كان لينا أخذوا عليه العهد والأيمان، أن ينصر المظلوم من الظالم، وفي عهودهم هذه آيات بينات من روائع ما تقضي به العدالة والإنصاف وإحترام الرعية والحرص على مصالحها.
وقد ينتخبون الإمام دون أن يشترطوا عليه شرطا، أو دون أن يأخذوا عليه عهدا، ولا يتم إلا إذا كان يحظى بثقتهم المطلقة قبل إنتخابه. أو كان مأمون الجانب، أمينا على تقاليد الإمامة.
وكان حرص الإباضيين على توفر الصفات الحميدة في أئمتهم كثيرا ما يدفعهم إلى تحديد نوع السلطة التي يمتلكها الإمام أو التي لا يجوز أن يمتلكها، أو كيفية مزاولته لها.
ومن الأمثلة على العهود التي كانوا يطلبون من الأئمة أن يقطعوها على أنفسهم ويلزمونهم بأن يحلفوا الأيمانات المغلظة على الوفاء بها ... عهد الإمام عزان بن قيس. وها نحن نقتطف جزءا منه .. جاء في عهد عزان بن قيس ما يلي: " ..... على شرط أن لا تعقد راية ولا تنفذ حكما ولا تقضي أمرا، إلا برأي المسلمين ومشورتهم وقد بايعناك على إنفاذ أحكام الله، وإقامة حدوده وقبض الجبايات وإقامة الجمعات ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف، وأن لا تأخذك في الله لومة لائم، وأن تجعل القوي ضعيفا حتى تأخذ منه حق الله، والعزيز ذليلا حتى تنفذ فيه أحكام الله، وأن تمضي على سبيل الحق أو تفنى روحك فيه ... ".
وهناك عهود أكثر تفصيلا أو أكثر إقتضابا إلا أنها تجمع على إظهار حقيقة واحدة هي الحرص على أن يكون الإمام .. إماما حقا ... لا يخرج قيد شعرة عن مشورة المؤمنين الذين ساهموا في إختياره. (1/43)
صفحة 44
النقطة الثالثة: سلوك الأئمة (الخاص والعام) وموقف المجتمع الإباضي منه:
نلاحظ أن المجتمع الإباضي كان حريصا على مراقبة أئمته شديدة جدا لا تهاون فيها ... ولا ضعف ... فالإمام يجب أن يكون مثلا أعلى ... للمجتمع ولهذا لا يسامح عن هفوة مهما كانت شخصية أو تافهة ... فجميع هفواته مهمة ... ولابد من محاسبته عليها .. ولو أدى ذلك إلى عزله أو قتله.
إن هذه الحساسية رغم ما فيها من حرص على المثل العليا كانت كثير ما تسبب الفوضى والفتن، لكثرة ما حوسب الأئمة على بعض هفواتهم أو عوقبوا ... وقد بلغ الأمر بالشباب الإباضي مرة أنه مل حكم الإمام الصلت بن مالك الأزدي (886 م 272 ه) فطلب منه إعتزال الحكم ففعل.
ولا يستطيع المؤرخ أن يدهش حين يلاحظ شدة حرص الإباضيين على توفر الشروط التي اشترطوها على أئمتهم ... ثم حرصهم على مراقبة سلوك الأئمة بما يتفق مع هذه الشروط طوال مدة ولايتهم. كان الإباضيون لا يترددون عن محاسبة الإمام ومعاقبته ... شأنه شأن أي إنسان يتعرض للخطأ.
فقد قيل أن الإمام عزان بن قيس - مثلا حوسب لأنه أرسل بعض الآنية النحاسية مما كسبه جيشه في معركة له مع العدو، إلى مدينته الأصلية الرستاق فاعتبروا ذلك خطيئة كبرى لأنه لم يشاور في سلوكه هذا.
فالمشاورة وأخذ موافقة المؤمنين، أو ذوي الرأي، كانت المقياس الذي يقاس به صلاح الإمام ... فإذا ابتعد عن المشورة إنفضوا عنه وإتهموه ... وربما عزلوه .. أو قتلوه.
فقد عرف عن الإمام مهنا بن سلطان بن سيف اليعربي أنه بويع بالإمامة عام (1131 ه 1711 م) مع أنه لم يكن من ذوي العلم، وقد برر العلماء الذين إنتخبوه فعلهم هذا بقولهم: " إنه كان يتعلم ويسأل ولم يقدم على أمر إلا بمشورة العلماء "
والمؤرخون الإباضيون لا يهملون هذه الناحية الخطيرة في تاريخ حياة أئمتهم بل يبررونها على أساس أنها الميزة الأولى التي تمنحهم حق الولاية على الناس.
قال السالمي المؤرخ الإباضي الأول ومن كبار رجال الدين الذين حق لهم الإشتراك في إنتخاب الإمام ومبايعته حين يصف الإمامة وقواعدها ما يلي (1):
" إنهم على السبيل الأول ... لم يبدلوا ولم يغيروا ... فبقوا متمسكين بما وجدوا عليه أسلافهم .. عاضين على وصية النبي صلى الله عليه وسلم فنصبوا على ذلك الأئمة واذهبوا في رضى الله الأنفس ....... إلى أن يقول: ولا نرى الولاية إلا لمن علمنا منه الوفاء بما وجب عليه من دين الله، ولا نرى للنفر من المسلمين يبايعوا إمامهم على الجهاد في سبيل الله وطاعة رسول الله والطاعة في المعروف حتى يهلكوا على ذلك أو يظهروا على عدوهم ... إلى أن يقول:
__________
(1) / تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، السالمي الجزء الأول (ص 64). (1/44)
صفحة 45
ونتولى مجاهدنا وقاعدنا ... ويعرف قاعدنا لمجاهدنا الفضيلة التي خصه الله بها ونتولى من لم ندرك من المسلمين ... ولم نره منهم، بشهادة المسلمين ... ليس من رأينا - بحمد الله الغلو في ديننا ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدي على رفاقنا ".
نستطيع من دراسة هذه الجمل المختصرة البسيطة الواضحة، أن نكتشف مجمل مبادئ الإمامة وأهدافها ورسالتها، وهي توضح لنا أن الإمامة ليست - لديهم - إلا مجموعة من المحاولات الجادة الدائبة لإرساء قواعد الحياة الديمقراطية على الشورى وإحترام رأي الشعب من جهة وعلى إقامة قواعد المجتمع العادل الذي طمحوا إليه دائما من الجهة الأخرى.
والعمانيون - بحكم بساطة هذه المبادئ ووضوح العدالة فيها، وسهولة التعبير عنها وشرحها .. وإيصالها لأكثر الطبقات الإجتماعية سذاجة وتأخرا .. ولإنطباقها على المثل العليا البديهية التي ينطوي عليها جوهر الإسلام والتي تستهوي الجماهير عادة. وبفضل التسامح مع الذين إتصفوا به حقا وصدقا. والذي لم يعرف عند غيرهم من الفرق المغالية. تمكنوا من تثبيت قواعد هذه المبادئ في عمان، فاستطاعت الإمامة التي هي ثمرة لها .. أن تصمد طويلا جدا جدا .. أمام العواصف الهوج التي تعرضت لها. وهكذا أتيح لهذه المؤسسة الديمقراطية الجذور، الثورية المفاهيم، بالنسبة لتلك العصور أن تبقى قائمة إلى يومنا هذا ... على خلاف جميع المحاولات الأخرى .. فكانت كالشعلة المعرضة للريح ... تخبو فترة من الزمن .. ثم تتقد من جديد ... ولكنها لا تنطفئ أبدا.
ولم تعد مبادئ الإمامة هذه وقفا خاصا للإباضيين ... بل أصبحت للمجتمع العماني بأسره .. أصبحت تمثل جانبا مهما من مطامح الشعب العربي في عمان، الذي يحلم دائما بعالم أفضل بل غدت طابعا أساسيا للمجتمع العربي الديمقراطي في عمان. فلما أضيف إلى هذا الوعي الإجتماعي القائم على المبادئ والمثل مطامح القومية العربية التي تهدف لتكوين عالم عربي شامل موحد متحرر ... إكتمل جانبا القضية ... وأصبح شعب عمان الباسل يحارب عن وعي ومعرفة بما يريد ويطمح إليه.
لقد ارتبطت المبادئ الثورية في إقامة الحكم بكل جميل وطيب في عمان خلال قرون طويلة. ولم تستطع فترات الفتن والفوضى أن تزيل بريق تلك المبادئ وجاذبيتها.
لذلك ظلت ثورات الشعب العماني، متصلة متلاحقة، من أجل تثبيت هذه المبادئ وحمايتها ... ليس اليوم فحسب بل منذ اللحظة الأولى. وبهذه البساطة والحرص والدأب والمحافظة على القواعد العامة حافظت الإمامة على مكانتها في قلوب الناس، وعلى هيبتها في نفوس أعدائها فظلت أمل المظلوم وسند المضطهد في عمان.
ولا عبرة - طبعا - لفترات إنقطاع الإمامة فيها، فإنها كانت فترات متباعدة ومتقطعة ... وكانت لا تحدث إلا نتيجة لإضطراب المجتمع وإنتشار الفتن، وضعف بعض الأئمة، ولكنها حالما تزول .. كان الناس يهرعون إلى إحياء تراثها والإلتفاف حولها وكأنها لم تنقطع قط، بنفس العزم والشجاعة والتصميم. (1/45)
صفحة 46
لذلك نجد في تاريخ الإمامة فجوات تاريخية متعددة خلا فيها منصب الإمامة وحكمت البلاد من قبل الأمراء ورجال الإقطاع والمتنفذين الذين إعتاد العمانيون على تسميتهم بالملوك والجبابرة.
فكان كلما ضعف شأن الإمامة، ظهر الجبابرة والملوك وأمراء الإقطاع وعلى العكس كلما ضعفت شوكة الجبابرة أو زاد العسف والجور من قبلهم لجأ الشعب إلى قادته الأوفياء وإلى رجال الدين .. وبحث المجتمع عمن يتوسمون فيه النجابة والعزيمة وعلو الهمة. والمقدرة على تعديل الأمور فبايعوه وحاربوا إلى جواره حتى ينتصر على خصوم الإمامة.
وهكذا كان حكم عمان ينتقل بين الأئمة وبين الجبابرة والملوك والأمراء. ولكن لم يحكمها أجنبي بعد طرد الفرس، حتى غدا إستقلال عمان ممزوجا بدم أهله فردا فردا. وغدا العمانيون - على حد تعبير أبي إسحاق شارح كتاب تحفة الأعيان - يرون الموت أهون عليهم من أن يضيع الأمر من يد قومهم، بل يرون المذلة كفرا.
وهكذا أيضا .. كان يحقق الشعب العربي في عمان أجمل صورة من صور الحكم (الديمقراطي) الثوروي الذي يشبه - إلى حد ما - النظام الجمهوري، والذي يعتبر أسلم أسلوب من أساليب الحكم بالنسبة لتلك العصور التاريخية.
أئمة عمان (1)
إن أية دراسة مفصلة لعهد الأئمة تتطلب شروحا مطولة تكفي لتأليف كتاب خاص في الموضوع. وبما أن هدف كتابنا - هذا - ليس شرح عهد الأئمة وإنما إكتشاف الجذور الثورية التي احتواها ذلك العهد. للإنتقال منها إلى العهد الثوري الحديث، فلن تحتوي هذه العجالة إلا على شروح موجزة لذلك العهد، مع عرض سريع لعهد الأئمة الأقوياء الذين نصبوا في عمان منذ عهد الإمام الأول الجلندى بن مسعود حتى الإمام الحالي غالب بن علي والإكتفاء بذكر أسماء الأئمة الضعاف.
يعود نشوء الإمامة إلى القرن الثامن الميلادي، وذلك في أول عهد العباسيين حينما إنتخب الإباضيون أول إمام لهم في عام 129 ه.
__________
(1) / إعتمدنا في تقصي أخبار الأئمة وتقاليد الإمامة على المصادر التالية:
أ - السالمي: تحفة الأعيان بجزئيه.
ب - نشرات مكتب إمامة عمان في القاهرة.
ج - شركة الزيت العربية الأمريكية: عمان والساحل الجنوبي: طبعة القاهرة 1952 م.
د - (البريمي): الإمارات السبع على الساحل الأخضر.
ه - عرض المملكة السعودية على لجنة التحكيم .. (تقرير في ثلاث مجلدات). (1/46)
صفحة 47
والتاريخ الإسلامي يذكر أن أثنين من الخوارج توجها إلى عمان ... بعد قيام الفتنة، أحدهما عبدالله بن إباض، فنقل مبادئ الخوارج إلى هناك وأنشأ فرقة حملت إسمه بعدئذ هي فرقة الإباضيين التي نحن بصددها.
جاء في كتاب (الفرق بين الفرق) لأبي منصور عبد القاهر البغدادي:
رجلان سارا إلى عمان ومن أتباعهما خوارج عمان .. وتمكنا من نشر مذهب الخوارج فيها. وكان أول خروج الإباضية في زمن مروان الجعدي عام (129 ه). وكان يقودهم عبدالله بن يحيى وأبو حمزة. فزحف عبدالله من حضرموت إلى صنعاء وأستولى عليها، وسير أبا حمزة إلى مكة ثم المدينة فأستولى عليهما إلا أنه هزم بعد ذلك وقتل.
وكان الحجاج قبل ذلك قد تغلب على الأباضيين في عمان، بعد حروب طاحنة إنكسرت فيها جيوشه عدة مرات ... ثم تكاثرت النجدات إليه حتى تغلب عليهم وأخضعهم للخلافة الأموية. وبذلك أصبحت عمان ولاية أموية .. فلما ثار بنو العباس وأسقطوا الدولة الأموية .. إغتنم الإباضيون الفرصة فثاروا في عهد السفاح وأيدهم في ذلك واليه عليهم محمد بن جناح، فاتفق مع أهل عمان حتى صارت الولاية لهم، وعند ذلك عقدوا الإمامة لأحدهم وهو الجلندى ابن مسعود، فبدأ عهد الإمامة به. وكان أمر الناس قبل إختياره بيد زعماء الدين المنتخبين من قبل الشعب كمرجع للأمة وليس كأئمة.
الإمام الأول: الجلندى بن مسعود بن جيفر الأزدي:
هو أحد أبناء الجلندى بن المستكبر، قال أبو الحسن البسياني: إنه أخذ الدولة من يد أهل الجور.
لا شك أن الجلندى والأئمة الذين تلوه كانوا يمثلون في عهدهم روعة إنتصار المبادئ والأفكار التي أراد الإباضيون تحقيقها. فعمموا العدل، وأنصفوا المظلوم ممن ظلمه ... ومنعوا جور الحكام والسابقين حتى بهروا بسلوكهم هذا المؤرخين.
وصف المؤرخ المنير ابن النير الإمام الجلندى مع الأئمة الأولين بقوله:
" لم يأخذوا الصدقة بغير حقها، ولم يضعوها في غير موضعها، ولم يستحلوها من الناس على غير الإثخان في الأرض والحماية والكفاية والمكافحة عن حريم المسلمين ......
إلى أن يقول:
ولا يستقضون على أهل ولايتهم إلا أهل الثقة وأهل العلم والفهم والورع والتحرج ... المعروفين بالفضل الموصوفين بالخير من أهل البيوتات من قومهم، غير سقاط ولا أدعياء ولا متهمين ولا مقترفين.
وقد قتل الجلندى بعد سنتين وشهر من ولايته في حرب له مع عامل المنصور .. وأنقطعت الإمامة بموته حتى سنة (177 ه). (1/47)
صفحة 48
الإمام الثاني - محمد بن أبي عفان الأزدي:
هو رجل من اليحامدة ... إلتف حوله المخلصون فقضى على الأمراء الجبابرة. وأعاد الأمن للبلاد. وكان قد نشأ في العراق فقدموا به إلى عمان وبايعوه إماما على الدفاع لبينما تضع الحرب أوزارها. وذلك في عام 177 ه. ولكنه ما أن أنهى الحرب وقضى على الفتن حتى بدأ يميل إلى فرض سلطته الشخصية. وسلوك نفس السبيل الذي كان يسلكه الجبابرة. والذي قامت الإمامة لمحوه. وقد عزل في سنة 185 ه وأسقطت عنه البيعة.
الوارث بن كعب اليحمدي:
بويع بعد خلع محمد بن أبي عفان في سنة (185 ه 801 م) وكانت مبايعته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سبيل الله وإظهار الحق وإخماد الباطل والجهاد. كان الإمام كعب شهما، ذا مروءة وشمم فمات غرقا شهيد مروءته، وذلك حين حاول تخليص سجنائه من سيل داهمهم في الوادي. فأمر الإمام الناس بالذهاب لنجدتهم فأبى الناس لخطورة السيل، فقال الإمام "أنا أمضي لتخليصهم إذ هم أمانتي وأنا المسؤول عنهم " فأخذه السيل معهم، وقبر بعد أن يبس الوادي في عام (192 ه).
غسان بن عبدالله اليحمدي (192 ه 808 م):
كان من أهم أئمة عمان الأولى وأشهرهم، ينتسب إلى قبيلة الفجح .. أنشأ أسطولا لحماية شواطئ عمان من لصوص البحر. وقد غزا به بوارج الهنود. وهو أول من إتخذ الأسطول من أئمة عمان.
برزت قوة عمان في عهده وعلا كعبها حتى سميت عاصمتها (نزوى) بيضة الإسلام، كما زاد الخصب والرخاء في عهده، ومات سنة 207 ه.
عبدالملك بن حميد الأزدي (208 ه 823 م):
طالت إمامة عبدالملك بن حميد حتى شاخ، فنصبوا له نائبا يرشده حتى مات في سنة 226 ه.
المهنا بن جيفر اليحمدي (226 ه 841 م):
كان حازما جريئا إجتمع له من القوة البرية والبحرية ما لم يجتمع لغيره. كان له - على رواية المؤرخين - ثلاثمائة مركب مهيأة للحرب. وكان لديه في عاصمته نزوى عشرة آلاف جندي تحت السلاح دائما.
تكاثر الناس في عهده حتى بلغ سكان (سعال) وهي حي من أحياء نزوى أربعة عشر ألفا.
مات سنة 237 ه. (1/48)
صفحة 49
الصلت بن مالك الأزدي (237 ه 851 م):
حكم الإمام الصلت مدة طويلة تزيد على (33) سنة، حتى قيل أن الشبان قد ملوه لطول عهده، فطلبوا منه الإعتزال فأعتزل. وعاش مع الناس كواحد منهم حتى مات.
وفي عهده تغلبت الحبشة على جزيرة (سقطرى) التابعة لعمان وأحتلتها، فأستغاثت فتاة عربية من سقطرى بالإمام وأنشئت قصيدة مؤثرة بلغته ... منها:
قل للإمام الذي ترجى فضائله ... ابن الكرام وابن السادة النجب
وابن الجحاجحة الشم الذين هم ... كانوا سناها وكانوا سادة العرب
أقول للعين والأجفان تسعدني ... يا عين جودي على الأحباب وانسكب
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا ... وفي سقطرى حريم بادها النهب
فأرسل أسطولا مؤلفا من مائة سفينة إستعادت سقطرى وحررت الفتاة وطردت الحبشة من الجزيرة.
راشد بن النضر (273 ه 886 م):
هو رجل من يحمد الفجح .. ثارت العصبية في عهده وأشتد النزاع الجاهلي بين عرب الشمال وعرب الجنوب (اليمانية والعدنانية) فلم يكمل إمامته وعزل منها.
عزان بن تميم الخروصي (277 ه 890 م):
تضاعف النزاع القبلي في عهده، حتى هدد البلاد بالإنقسام والحرب الأهلية، يضاف إلى ذلك أن سيرته لم تحمد فقتل في عام (280 ه) وبمقتله إنحسر ظل الإمامة لفترة من الزمن. وتغلب الجبابرة وأمراء الإقطاع فدام حكمهم أربعين عاما.
وفي سنة 317 ه تغلب القرامطة على عمان وظل ولاتهم يتناوبون الحكم حتى سنة 375 ه.
وفي ذلك يقول بن مقرب:
سل القرامط من شظى جماجمهم ... فلقا وغادرهم بعد العلى خدما
من بعد أن جل بالبحرين شأنهم ... وأرجفوا الشام بالغارات والحرما
وبعد هزيمة القرامطة تغلب على عمال بني بويه في عمان. ثم حكم بنو مكرم وتوارثوا ملك عمان حتى ضعف حكمهم سنة 442 ه، حيث أعاد أهل عمان الإمامة إلى سابق عهدها وأجمعوا أمرهم فأنتخبوا إماما جديدا.
إلا أنه لابد أن يذكر بأن عددا من الأئمة الضعاف ظهروا في فترة حكم الجبابرة وأمراء الإقطاع وولاة بني بويه. لم يجمع الناس على مبايعتهم من جهة ولا استطاعوا
تحرير عمان وتوحيدها من جهة أخرى. ولم يشر إليهم السالمي المؤرخ العماني في كتابه تحفة الأعيان وهم (1):
1 - محمد بن حسن.
2 - عزان بن خضر.
__________
(1) / منشورات إمامة عمان في القاهرة رقم (5) ص (13 - 67). (1/49)
صفحة 50
3 - الصلت بن قاسم.
4 - محمد بن الحسن للمرة الثانية.
5 - الحسن ين محمد.
6 - الحواري بن مطرف.
7 - عمر بن محمد بن مطرف.
8 - محمد بن يزيد الكندي.
9 - ملا البحري.
محمد بن سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب (320 ه):
كان قرشيا صحيح الإمامة بويع من قبل الجميع، وكان يتصف بالعدل والعلم حتى قيل أنه كان يفوق في العلم أهل زمانه. ولكنه قتل للأسف في عام 328 ه.
راشد بن الوليد (328 ه 940 م):
إمام من كنده، دامت إمامته أربع سنوات ثم تغلب عليه عامل الخليفة العباسي في سنة 342 ه فأعتزل في بيته ولم يخرج منه حتى مات.
وبتغلب العباسيين إنقطعت الإمامة 65 عاما أخرى، تولى خلالها الإمامة ثلاثة أئمة ضعاف أهملهم المؤرخ في تحفة أعيانه وهم:
1 - يوسف بن وجيه.
2 - محمد بن يوسف بن وجيه.
3 - رضوان بن جعفر.
الخليل بن شاذان الخروصي (407 ه 1015 م):
من أئمته الطائفة الرستاقية، قتل في عام (445 ه - 1083م) وبمقتله أختلف الناس زمان أمرهم، فتغلب أمراء الإقطاع والجبابرة على الحكم زمنا طويلا.
ملوك بني نبهان:
كان من جملة حكام عمان في هذه الفترة ملوك بني نبهان، وقد إستمر حكمهم من منتصف القرن السادس إلى أوائل القرن التاسع الهجري، وهم الملوك الذين زار إبن
بطوطة عمان في عهدهم. وقد شاهد ما كان لديهم من البذخ وأبهة السلطان فوصفه في رحلته (1).
وقد ازدهر الأدب في عهدهم وخاصة الشعر، فظهر فيهم شعراء فحول منهم أبو بكر الستالي الذي يقول في بني نبهان مادحا:
وأنتم بني نبهان أما نجاركم ... فذاكٍ وأما فعلكم فجميل
أضاءت لكم في كل شرق ومغرب ... مصابيح فضل مالهن أفول
وقد حاول بعض أمراء الساحل الإيراني، ومعظمهم من القبائل العربية الضاربة هناك غزو عمان فلم يفلحوا.
وفي سنة 647 ه خرج أهل شيراز، يريدون فتح عمان أيضا، فلم يكن نصيبهم أفضل من نصيب من سبقهم.
ومن أشهر من حكم في هذه الفترة من الأئمة الضعاف والجبابرة:
1) الفلاح بن الحسن النبهاني.
2) عرار بن الفلاح.
3) المظفر بن سليمان.
__________
(1) / ابن بطوطة. تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. (1/50)
صفحة 51
4) مخزوم بن الفلاح.
5) مالك بن علي الحواري.
6) أحمد بن الخليل.
7) عبدالخاتم بن أبراهيم.
وفي عام 833 ه عادت الإمامة إلى الإنبعاث. إلا أن الأئمة الذين ظهروا في هذه الفترة كانوا ضعفاء. فلم يستطيعوا رد الغزو الفارسي الذي هدد كيان عمان. كما ولم يستطيعوا الوقوف أمام الغزو البرتغالي الذي حمل إليهم - لأول مرة - ريح الغرب الإستعماري وهم:
الحواري بن مالك - (832 ه - 839 ه).
أبو الحسن ين خميس بن عامر الأزدي - (839 ه - 846 ه).
عمر بن الخطاب بن محمد - (846 ه - 885 ه).
عمر الشريف - (896 ه).
أحمد بن محمد - (897 ه - 905 ه).
أبو الحسن بن عبدالسلام - (905 ه - 906 ه).
محمد بن إسماعيل الحاضري - (906 ه - 944 ه). (1/51)
صفحة 52
بركات بن محمد بن إسماعيل (942 ه):
اختلفوا عليه وأقتتلوا فيه حتى أدى ذلك إلى وهن الإمامة وطمع فيها الطامعون وتوزعت البلاد بين أيدي زعماء الطائفة النبهانية وآل عمر وآل هلال.
اغتنم الفرس هذه الفرصة فحاولوا غزو عمان، ولكن حملتهم البحرية إنكسرت فأعادوا الكرة .. وكان البرتغاليون قد وصلوا إلى شواطئ عمان وأخذوا يجيبون أطراف البحر العربي ويوطدون أقدامهم على سواحل عمان والخليج والهند وبلاد فارس، فأستولوا على حصن صحار بعد أن ضربوه بالمدافع.
فلما أشتد الضيق على عرب عمان وأزدحمت المطامع حولهم، ثارت النخوة في رؤوسهم وأجمعوا أمرهم ووحدوا قواهم حول أمير شجاع من أمراء الرستاق اليعاربة هو مالك بن أبي العرب اليعربي ليخلصهم من هذا البلاء، فحاول توحيد البلاد لطرد العدو الخارجي منها. ولكن لم يتحقق حلمه إلا على يدي أحد أفراد إسرته، هو الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، فوحد عمان ساحلا وداخلا، وفتح جميع مدنها وطهرها من العدو ... وثبت حكم اليعاربة قرابة قرن من الزمن .. إعتبر بحق العصر الذهبي في تاريخ عمان.
اليعاربة:
تولى على عمان إثنا عشر إماما أولهم ناصر بن مرشد وآخرهم بلعرب بن حمير وذلك من سنة (1024 ه - 1624 م - 1167 ه) وفي عهدهم إرتفع إسم عمان عاليا وأصبحت أكبر دولة في المحيط الهندي. وكانت أساطيلها تحمي إمبراطورية واسعة، وتجبي الأموال من سواحل إفريقيا الشرقية وجزر المحيط الهندي، وتهدد الشواطئ الهندية ذاتها، وتخضع الساحل الإيراني المواجهة لخليجي العرب وعمان.
ولكن نقطة الضعف الوحيدة التي أخفت العائلة اليعربية إن معظم أئمتها كانوا ينتخبون بحكم إرتباطهم العائلي. وإن الأئمة المتأخرين كانوا ضعافا لا يصلحون لحماية الإمبراطورية، ولولا نفوذ عائلتهم لما تم إنتخابهم، وهكذا فقد الإنتخاب - لأول مرة - قيمته الحقيقية بفقده الشرط الديمقراطي في الإنتخاب ... ولكن كان ذلك مصدر قوة في أول عهد إمامة اليعربيين إلا إنه تحول إلى نقطة ضعف خطيرة في آخر عهدهم، وإليك خلاصة سريعة عن هؤلاء الأئمة:
ناصر بن مرشد اليعربي (1034 ه - 2635 م):
جهز الإمام ناصر عدة جيوش برية وبحرية وفتح السواحل العمانية من جلفار (رأس الخيمة) حتى سواحل ظفار، وكان يرابط في جلفار البرتغاليون والفرس فطردهم منها، إلا أن صحار ومسقط قاومتاه أكثر من غيرهما وظل البرتغاليون والفرس فيهما حتى سقطت على يدي خلفه سلطان بن سيف. (1/52)
صفحة 53
سلطان بن سيف اليعربي (1059 ه 1649 م):
بدأ سلطان حكمه بالكفاح ضد العدو الأجنبي. فقد ذكر السالمي كيف أعلن الجهاد على البرتغاليين والفرس. فصار يحاربهم أينما وجدهم في بحر أو بر ففتح كثيرا من بلدانهم وضرب كثيرا من مراكبهم وغنم كثيرا من أموالهم (1).
وبعد أن طرد البرتغاليين والفرس من سواحل عمان وخاصة من مسقط ومطرح وما جاورهما لحق بهم إلى قواعدهم في خارج عمان وأخذ يدمرها ويلحقها بأملاك عمان.
قال السالمي يصف حكمه (2): " واعتمرت عمان في دولته، واستراحت الرعية وازدهرت البلاد بحسن السيرة ورخصت الأسعار وصلحت الأثمار "
ووصفه صاحب كتاب فواكه العلوم بقوله (3):
"كان عامرا للديار حافرا للأنهار وغارسا للأشجار "
توفي سنة 1091 ه فنظمت الأشعار في مديحه وتخليد شجاعته وذكر ماكره وما فتحه من البلاد.
قال الشيخ خلف بن سنان الغافري يقول فيه:
وفدوا مسقطا بعده بلدا ن عليها دمع القسوس سجام
ثم أورى لمسقط سقط عزم ... أسقط الظالمين منه ضرام
لم يكن دافعا لما أبرم البر عليها مدافع وبرام
وبممباسة أذاقهم بأسا ... بئسا سيئت به الأصنام
وغزا كلوة (4) بكل كمى م يثني منه الغ، رار انثلام
ولدى زنجبار زمجر فيهم رعد زجر لم ينج منه اعتصام
وبممبي قد نابهم منه ناب لم ينبه عن المضي انهتام
وكذا في مخا قد امتخ منهم أعظما قبل ضيمه لا تضام
وانثنى منهم بعدة أفلاك تراءى كأنها أعلام
ولدى باب مندم كم دم طل ومال أماله الصمصام
بلعرب بن سلطان (1079 ه 1668 م):
عمر مدينة يبرين في عمان الوسطى، ونقل العاصمة من نزوى إليها. مات سنة (1123 ه 1711 م).
سيف بن سلطان (1623 ه 1711 م): أنشأ الإمام سيف أكبر اسطول لعمان في تاريخها وحارب به البرتغاليين في كل
__________
(1) / السالمي جزء ثاني ص 44 تحفة الأعيان.
(2) / السالمي جزء ثاني ص 44 تحفة الأعيان.
(3) / السالمي جزء ثاني ص 44 تحفة الأعيان.
(4) / كلوة وممباسة مدينتان على ساحل أفريقيا الشرقية. (1/53)
صفحة 54
مكان إلتقى بهم حتى تغلب عليهم، مكان إلتقى بهم حتى تغلب عليهم، وكان أسطوله مدار فخر لعمان في تاريخها الذهبي.
قال السالمي (1):
" وعمل لهم مراكب عظيمة في البحر، وعظم جيشه وقوي سلطانه حتى قيل أنه إجتمع له في الجيش الذي دخل به الهند تسعون ألف عنان (2) فنا ظنك بغير الفرسان ".
وكان يهتم كثيرا بتربية الخيل وجمع السلالات الجيدة منها، حتى أن الشاعر الحبسي نظم قصيدة من (30) بيتا يمتدح فيها خيل الإمام.
والإمام سيف - على قول بعضهم هو الذي إستولى على (ممباسة) في شرق إفريقيا من البرتغاليين بعد أن طردهم منها. وإستولى على (الجزيرة الخضراء) و (كلوة) و (بت) وغيرها من بلدان الزنج والهند.
وغزا الإمام أرض فارس .. .
ولم يكتف بالفتوحات والحروب بل إلتفت إلى عمان فعمرها وشجع الزراعة ونقل إليها الأغراس الغريبة والأشجار المثمرة من جميع البلاد.
قال السالمي في ذلك: " وقويت عمان به وصارت خير دار ... ، كما قال:
" وغرس الأشجار المجلوبة من البحر مثل الورس والزعفران وذباب النحل ".
ثم قال:
" وملك من السفن ثمانية وعشرين مركبا أسماؤها: (الملك، والفلك، وكعب، ورأس، والناصري، والموافي ... وغيرها ".
وكانت هذه المراكب حربية كبيرة مجهزة بمختلف الأسلحة والمعدات.
فالمركب (الملك) مثلا كان فيه 80 مدفعا، وكان طول المركب - منها - ثلاثمائة وعرضه ثلاثون ذراع.
رثاه الشاعر العراقي محمد بن صالح المنتفقي عند وفاته بقصيدة طويله ذكر فيها بعض مراكبه وأعماله جاء فيها:
__________
(1) / السالمي تحفة الأعيان جزء 2 ص 96.
(2) / لا شك أن في هذا العدد مبالغة ولكنه يدل على ما كان عليه جيشه من قوة ومهابة في نفوس العمانيين. (1/54)
صفحة 55
مخدومنا سيف بن سلطان الإما ... م اليعربي بن الجدود الساميه
فتحت على يده فتوح لا تسل ... قد عظمها (1) قد أعجزت لحسابيه
قتل الفرنج بما رأوا في برهم ... والبحر من تلك الجيوش الغاشيه
وأنشد مراكبه التي صدمت مرا ... كبهم وأهدتها بنادق حاميه
الملك ثم الفلك ثم الناصري ... مع كعب رأس كالجبال الراسية
كم خرقت كم غرقت كم حرقت ... من برشة حربية أو باغية
الفرس سلهم حين فروا بعدها ... نظروا فوارسهم أتتهم عانية
سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي (1123 ه 1711 م):
تابع محاربة الفرس وإخراجهم من البحرين واستولى على قشم ولاك وهرمز وغيرها من مدن الساحل الإيراني والجزر القريبة منه.
مهنا بن سلطان (1123 - 1134 ه):
بويع مهنا بالإمامة لأنه كان شجاعا ومن ذوي القوة. ولم يكن من ذوي العلم. وقد برر العلماء الذين انتخبوه عملهم هذا بقولهم: " إنه كان يتعلم ولم يقدم على أمر إلا بمشورة العلماء ".
سقطت إمامته سنة (1134 ه).
يعرب بن بلعرب (1134 ه 1721 م):
أثيرت في عهده الفتنة القديمة بين عرب الشمال وعرب الجنوب (اليمانية والعدنانية) وقد أخذت اليمانية اسما جديدا هو (الهناوية) كما أخذت العدنانية اسما آخر هو (الغافرية).
مات سنة 1135 ه. وبموته بدأ عهد الأئمة الضعاف.
محمد بن ناصر الغافري (1137 ه 1724 م)
سيف بن سلطان بن سيف:
بويع هذا الإمام عدة مرات ثم عزل، ثم بويع له مرة أخرى حتى مات.
كانت المبايعة الأولى في عام 1135 ه ولكن لم يعترف بها الكثيرون. وبويع مرة
__________
(1) / قد عظمها: من لهجة عمان قريبا من العامية معناها - كم هي عظيمة - لقد عجزت حساباتي عن تقديرها. السالمي: جزء 2 ص 100. (1/55)
صفحة 56
ثانية في عام 1140 ه بعد مقتل الإمام محمد بن ناصر الغافري. ولم تحمد سيرته فأختلف في أمره. وأحدث أحداثا على حد تعبير المؤرخ السالمي لا يرضاها الناس فعزلوه. وقد روى السالمي بعض هذه حداث فقال (1)
* أنه طلب زيادة الفريضة له من بيت المال فأبوا عليه.
بلعرب بن حمير بن سلطان اليعربي (1145 ه ء 1151 ه):
عقدت له الإمامة بعد عزل سيف سنة (1145 ه). فأغتاظ سيف ولجأ ء بعد عزله ء إلى الفرس يطلب منهم النجدة ضد قومه فنجدوه.
يقول السالمي:
* فكاتب الأعداء في العجم لينصروه في ظنه وهم مريدون ملك عمان وخرابها. فأجابوه فنزل جيش من العجم في (خورفكان) سنة 1149 ه فحاربهم بلعرب ولكنه انكسر أمامهم في عام 1150 ه وتقدم الفرس ففتحوا معظم عمان. وأهانوا سكانها وخربوا عمرانها وقتلوا رجالها ونساءها وفعلوا في نزوى أفعالا قبيحة.
ثم انكسر الفرس بعد ذلك على الساحل وتراجعوا عن عمان.
وقد رأى الناس من أهل المشورة أن يطلبوا من الإمام الشرعي الاستعفاء من الإمامة، وأن يقروا إمامة سيف ويعيدوه للحكم دفعا للشر الفارسي الذي يهدد البلاد.
فلما فوتح بلعرب وافق على الرأي واستعفى.
__________
(1) / السالمي تحفة الأعيان جزء 2 ص (138 139). (1/56)
صفحة 57
وأجتمع الناس حين رأوا المكروه من الفرس وصاروا يدا واحدة.
سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي (1151 ه 1738 م):
إشتدت الفتن في عهده، كما إشتد على عمان هجوم الفرس. وكثرت المعارك على الساحل بصورة خاصة، فأستمات العرب في الدفاع عن معاقلهم.
وفي غمرة هذه المحنة برز شخص جديد في تاريخ عمان هو أحمد بن سعيد.
العصر الذهبي:
من الصعوبة بمكان، أن نقدم عرضا وافيا لعصر اليعاربة وما تخلله من أعمال ولكننا نستطيع، أن نقرر - بكل إطمئنان - أن عصرهم كان من أزهى عصور عمان، وأهمها في تاريخ هذه البلاد، إن لك يكن أهمها وأبرزها جميعا.
فقد توطدت السلطة المركزية في عهدهم وتوحدت البلاد، وأحرزت تقدما إقتصاديا كبيرا، وعمها اليسر والرخاء وانتعشت التجارة والزراعة، وقامت فيها صناعات مختلفة، كصناعة الأسلحة والأدوات الإستهلاكية والنسيج. كل ذلك بفضل الجهود المثمرة التي بذلها أئمة اليعاربة الأوائل. وتكون للبلاد جيش منظم، يخضع لقيادة مركزية واحدة، مسلح تسليحا تاما، كما أسست عمان، أسطولا تجاريا، كان يقوم بمهمة نقل منتجاتها الزراعية إلى الهند وأفريقيا، ويربطها بالبحار والمحيطات.
ليست هناك معلومات دقيقة، نقيس بها مدى التقدم الإقتصادي والإجتماعي اللذين تحققا في عهد اليعاربة، ذلك أن المؤلفات والكتابات سواء الأوربية أو العربية لا تسعفنا بأرقام وإحصائيات مفصلة، عن هذه الفترة. فجل هذه المؤلفات تتناول عمان بصورة عامة، وتتمركز حول الأحداث التاريخية والسياسية. غير أنه من الثابت - إعتمادا على مجمل المصادر - أنها كلها تجمع على أن عمان في تلك العهود قد بلغت درجة كبيرة من التقدم والرخاء والإستقرار مما يعكس قوة أداة الحكم فيها وسيطرتها على سير الأمور. ومن الطبيعي أن يستتبع الفتح والتوسع وإزدياد الأعباء والمسؤوليات، من الطبيعي أن يستتبع ذلك زيادة في نفقات الدولة وتوسيع مصادر دخلها، لمواجهة تلك المسؤوليات. فخضوع ساحل أفريقيا الشرقية لعمان وتصفية النفوذ الأجنبي من أغلب المناطق الساحلية في جنوب شرقي الجزيرة العربية وبعض أجزاء من سواحل الهند الشمالية العربية، قد دعم الإقتصاد العماني، وفتح أمامه مجالات جديدة وموارد جديدة.
لم يخل حكم أئمة اليعاربة من مشاكل وأزمات سياسية، نتيجة لأطماع الدول الأجنبية في عمان، ونتيجة لإنحراف أداة الحكم في بعض الأحيان، عن الطريق القويم. ولقد حاول كل من العثمانيين والإيرانيين غزو عمان في هذه المرحلة، بل إن الأتراك أرسلوا حملات كثيرة، أرادوا بها إخضاع الساحل العماني، وإحتلال البلاد ولكن محاولاتهم كلها إنتهت بالفشل والهزيمة النكراء. (1/57)
صفحة 58
ويؤكد هذه الحقيقة ما جاء في كتاب " عمان قديما وحديثا)) تأليف الإستاذ محمد علي الزرقاء الذي يقول:
" في غمرة هذه المنافسة الضارية بين القوى العديدة المختلفة المتضاربة، والتي تتصارع على إمتلاك سواحل الخليج، والسيطرة على مياهه، كانت القوى العربية وخاصة قوة اليعاربة في عمان، والقبائل العربية الغنية، التي تقطن الساحل المهادن، القوى الوحيدة التي تتجاوب مصالحها مع مصالح المنطقة، فتحارب النفوذ الأجنبي بكل أشكاله وأقسامه ومصادره، وكانت بحكم مكانتها، وكثرة أساطيلها، وغناها، أليق القوى للحلول محل البرتغاليين، ولقطع الطريق أمام نفوذ أي أجنبي، وطرد جميع التيارات الأجنبية الطامعة في المنطقة.
ولقد قامت هذه القوة العربية بواجباتها، على الوجه الأكمل، وصمدت أمام الأعداء صمودا قويا، بل ردتهم عن حدود البلاد ".
كان اليعاربة قد إستقلوا إستقلالا تاما، وأنشأوا إمبراطورية غنية واسعة، وبنوا أسطولا حربيا وتجاريا عالميا جبارا، وزودوا سفنهم بالمدافع والأسلحة المختلفة، التي كانوا يصنعون معظمها بأنفسهم، ونظموا جيشا بريا دائما، جعلوا العاصمة نزوى مركزه الدائم.
فترة من الضعف:
وعندما أخذت قوة اليعاربة كافة تضعف، تحت تأثيرات داخلية وخارجية، كان هناك أعداء جدد، يبحثون ويهيئون الخطط الإستعمارية، للسيطرة ولإمتلاك مناطق النفوذ. كان هؤلاء هم الإنكليز وشركاؤهم في الإستعمار، الهولنديون، غير أن الصراع الدموي بين الإنكليز والهولنديين من جهة، وبين الإنكليز والفرنسيين من جهة أخرى قد وضعت له نهاية، بإنتصار الإنكليز على الطرفين، وأخلى المستعمرون الهولنديون والفرنسيون الطريق أمام زحف طلائع الإستعمار الغربي الجديد، وبدأت المشاكل والأزمات تهز عمان والتطاحن الداخلي يمزق وحدتها.
عند ذلك عاودت إيران، أحلام الغزو والسيطرة على عمان، ولعلها أرادت أن تستغل الظروف، التي كانت تمر بها عمان يومئذ، لتضرب ضربتها، وتفوز بالغنيمة.
فجهزت حملة عسكرية كبيرة لغزوها ونزلت الحملة الإيرانية في مرفأ (خورفكان) على الساحل الشمالي من عمان، على بعد مائتي ميل من العاصمة نزوى وذلك في عام 1149 ه هجرية، وتوغلت الحملة الإيرانية إلى داخل البلاد، وأجتاحت جحافلها معاقل الوطنيين، وأقترفت فيها أبشع الجرائم والفظائع، من قتل وسلب وإعتداء على الحرمات.
وحدة عمان تقضي على الفوضى:
ففي غمرة تلك المحنة، أخذ الشعب يبحث عن زعيم، عن قائد مخلص وفي، يضطلع (1/58)
صفحة 59
بتخليص البلاد من الإحتلال الإيراني وتحرير عمان من طغيانه الأسود، فإتجهت الأنظار إلى شخص إسمه أحمد بن سعيد إبن أحمد البوسعيدي، الذي ينتمي إلى قبيلة البوسعيد، إحدى القبائل الفرعية في عمان، لقد كان أحمد إبن سعيد، قائدا عسكريا محنكاً، ومحاربا شجاعا، وكان يتولى شئون الإشراف على ولاية صحار، إحدى مدن عمان الساحلية، ذات شهرة تاريخية، فالتف الشعب حول هذا القائد وأختاروه إماما لعمان، وكان ذلك في سنة 1196 هجرية.
الإمام أحمد بن سعيد بن أحمد البوسعيدي (1167 - 1196 ه)
أدرك الإمام أحمد بن سعيد، بما كان يتمتع به من ذكاء وبعد نظر، ووطنية أن الموقف يتطلب عملا سريعا حازما. وقد شد من أزره إجماع الشعب على تأييده وإلتفافه حوله للوقوف أمام الخطر الذي كانت تتعرض له البلاد، ويهدد كيانها وإستقلالها، فما كان من أحمد إلا أن دعا رؤساء القبائل، وزعماء البلاد إلى توحيد الصفوف وتعبئة القوى لطرد الغاصبين الإيرانيين.
طرد الإيرانيين الغزاة:
وخاض الشعب العربي في عمان، بقيادة الإمام أحمد بن سعيد غمار حرب وطنية وبعد معارك دموية، إنهزم الفرس من عمان، وتخلصت البلاد مرة واحدة، وإلى الأبد منهم.
غير أنه إذا كانت عمان قد تحررت من نفوذ الإيرانيين، فإنها أخذت تواجه خطرا جديدا ممثلا في الإستعمار البريطاني، وفي السطور التالية، سنقدم أهم ما تميزت به هذه المرحلة من تطورات وأحداث:
لقد أحدث ظهور بريطانيا كدولة مستعمرة في المنطقة، خللا في ميزان القوى، وسار بالأحداث وجهة أخرى وهذا ما ستكشف عنه الحقائق التالية:
كان تحرير عمان من الإحتلال الإيراني فرصة أتيحت للشعب لكي ينعم بفترة من الهدوء والإستقرار والإهتمام بشؤونه الخاصة. وقد وجد العمانيون في الإمام أحمد إبن سعيد الذي أنقذهم من الفرس وجدوا فيه شخصية تتمتع بالقدرة على إرساء قواعد الأمن والإستقرار السياسي، والقضاء على الحزازات القبلية، والسير بالبلاد، نحو مستقبل أفضل، بحيث وصف المؤرخ العماني السالمي عمان في عهد أحمد إبن سعيد بهذه الكلمات " كانت أيامه راحة وإستراحة بعد الفتن والمحن، وبعد وفاته تولى الحكم، إبنه سعيد إبن أحمد بدون موفقة الشعب.
الحكم الإستبدادي يضعف عمان:
وبدأت الأمور تضطرب من جديد بعد وفاة أحمد بن سعيد وإنتقال الحكم إلى ورثته وكانت بوادر ذلك والتدهور في قوة عمان ومركزها الدولي تتجلى في جنوح أئمة أسرة البوسعيد إلى السلطة المطلقة، والحكم الإستبدادي الفردي خلافا لما ألفته وعاشت في ظله عمان، وكان من الأسباب الرئيسية لما بلغته من مركز ومكانة وإزدهار شهد لها به أعداؤها. (1/59)
صفحة 60
كان الإستعماريون البريطانيون يرقبون سير الأحداث في عمان ويتابعون فصول المهزلة التي أخذ يمثلها حكام البوسعيد والذين ادخلوا نظام السلطنة لأول مرة في عمان.
وبدأ الشعب ينتقدهم، ويثور عليهم ويستنكر إنحرافهم وميلهم إلى فرض الحكم الإستبدادي على البلاد.
وبدأت مرحلة أخرى من الصراع، صارت ذات شقين وجهته الإطاحة بنظام السلطنة الذي يفرضه البوسعيد فرضا (وشق أخر) وجهته مقاومة التدخل البريطاني في شؤون البلاد عن طريق حكام البوسعيد. الذين دفعتهم مصالحهم إلى أن يطالبوا مساعدة الأجانب، ضد شعب البلاد الثائر الناقم على حكمهم. (1/60)
صفحة 61
محاولات الإستعَمار
للسيطرة على العَالم:
تمهيد:
في نهاية القرن الخامس عشر وفي عام 1492 م على وجه التحديد إستطاع البحار الإيطالي خريستوفر كولمبوس إكتشاف القارة الأمريكية بطريق الصدفة، حيث كان في هيته إكتشاف أقرب طريق للهند وآسيا الشرقية، ولقد كان لإكتشافه هذا الأثر البعيد في فتح المجال أمام المغامرين الأوربيين الذين كانوا يبحثون عن الذهب والغنى أنى وجدا.
وقد هرع المكتشفون الأوربيون من بريطانيا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال وإيطاليا إلى مختلف بقاع العالم بحثا عن أراض جديدة وثروات جديدة وإستطاع هؤلاء إكتشاف معظم أجزاء الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، ونتج عن هذا أن تدفقت عليهم الأموال وأخت قواهم تتعاظم وتنمو وبنوا الأساطيل البحرية الكبيرة المجهزة بالرجال والعتاد ليحموا مكاسبهم وليركضوا وراء أطماعهم التي لا نهاية لها.
كانت الحركة الكشفية مقدمة للإستعمار الحديث وعن طريق الإكتشافات أخذت الفكرة الإستعمارية تترعرع وتنمو فقد قامت في العالم ثورية تجارية غيرت نظام المواصلات العالمية، وبدلت أساليب ونظم التجارة المعروفة وظهرت في العالم دول جديدة لها طموحها وآمالها وأحلامها في التوسع والسيطرة على التجارة والسلع النادرة.
ولهذا نستطيع القول بأن ميلاد الثورة الصناعية في أوروبا كان بنتيجة للحركة الكشفية الناجحة التي تولت زعامتها بلدان هذه القارة.
ونتج عن هذه الثورة الصناعية المبكرة قيام الإستعمار الحديث (الأمبريالي) كانت أهداف هذه الدول الأوربية الوصول إلى الشرق مهد الثروات والمواد الثمينة وذلك للحصول على المواد الأولية وللسيطرة على الأسواق العالمية والتحكم في الأسعار والبضائع والخطوط التجارية بين الشرق والغرب. وأمتلأت جيوب المغامرين الأوروبيين بالمال ولكن هذا لم يكن كافيا دائما للحد من جشعهم. كانوا نقمة لا تكتفي بشيء لا يرضيها لا القليل ولا الكثير بل كانت دائما تطمع إلى المزيد من الثورة والجاه والسيطرة والتحكم.
كل هذا كان يجري في أوروبا التي أفاقت من إغفائتها الطويلة في القرون الوسطى وأخذت تبرز كقوة عظيمة في العالم بينما كان الشرق قد بدأ رقاده السياسي الطويل.
كان العرب في أسبانيا يواجهون أزمات هائلة، وقد مزقتهم الفتن وأعمتهم الفوضى (1/61)
صفحة 62
فهزمهم الأسبان في عام 1492 م وخرجوا من أسبانيا في السنة التي تم بها إكتشاف أمريكا.
أما عرب الشرق فلم يكونوا أحسن حظا من إخوانهم فقد أبعدوا من المسرح السياسي منذ زمن طويل وتحكمت في الشرق عناصر غريبة عن المنطقة من سلاجقة ومغول وتتار وأتراك وهؤلاء كانوا شعوبا بدائية لا هم لها إلا النهب والسلب والقضاء على مدنية الشرق العربي العظيمة بعفوية أو عن سوء قصد.
ولهذا لم يتح للعرب المشاركة في الحركة الكشفية وإيجاد أرض جديدة وثروات جديدة بل أنهم كانوا في خوف مستمر على وطنهم الأم. أما الدولة العثمانية فلم تكن إلا قوة عسكرية ليست لها جذور عميقة أو خطط بعيدة المدى وسياسة مرسومة يمكن السير عليها.
بالإختصار كانت أوروبا تصحو وتكبر وكان الشرق يغفو ومن هنا تولدت المأساة التي لا تزال نعاني من آثارها حتى اليوم.
التعامل التجاري:
كانت مدينتا جنوا والبندقية قد وثقتا علاقتهما التجارية مع مصر التي كانت تعتبر من أهم المراكز التجارية في الشرق. فقد كانت المراكب والسفن تنقل البضائع والثروات من الهند والصين وتتجه إلى الموانئ في جنوب جزيرة العرب ومنها إلى الموانئ المصرية حيث يعاد شحنها إلى جنوا والبندقية ولم تكن طريق رأس الرجاء الصالح قد أكتشفت بعد، ولذا فقد إستطاع المماليك حكام مصر في ذلك الحين من السيطرة على التجارة وطرقها، وكانت قوتهم العسكرية كفيلة بتحطيم من يحاول مهاجمتهم، ولذا فقد أثرى المماليك ثراء كبيرا كما بلغ غنى المدينتين الإيطاليتين ذروته.
وجملة القول أن جنوا والبندقية كانتا قد سيطرتا على التجارة الأوروبية وتحكمتا في أسواق أوروبا وكان أساطيلها تتجول في الموانئ الأوروبية تحمل النفائس الشرقية وتفر السعر الذي يحلو لها.
وهنا تحرك جشع جيرانهم الأوروبيين فعملوا جاهدين للوصول إلى الشرق والإستيلاء على ثرواته ومنافسة جنوا والبندقية والعرب في الخليج العربي ومصر.
وكانت التجارة العربية منذ القرن الثالث عشر مزدهرة إزدهارا تاما فقد كانت أساطيل العمانيين ناشطة في نقل ثروات آسيا وقد نشأت على الساحل العماني مدينة هرمز التي كانت أهم مدينة تجارية في العالم وكان التجار من مختلف الأمم يصلون إلى تلك المدينة ليتبادلوا السلع.
وصفها الرحالة البندقي المشهور ماركو بولو في القرن الثالث عشر فقال:
" تقوم على شاطئ الخليج مدينة إسمها هرمز ولهذه المدينة مرفأ ويأتي التجار من الهند بمراكبهم المليئة بالتوابل والحجارة الكريمة والقماش النادر من الصوف والحرير (1/62)
صفحة 63
وأنياب العاج ومن هرمز كانت البضائع تنقل من سفينة إلى أخرى ويحملها تجار آخرون لجميع أنحاء العالم ".
وإستمرت هرمز وجميع الموانئ العمانية في تسنم مركز الزعامة التجارية عهدا طويلا.
الغزو الإستعماري:
قلنا أن مغامري الغرب كانوا يطمحون للوصول إلى الهند من أقصر الطرق ولكنهم لم يجرأوا على التجول في منطقة الخليج في بادئ الأمر خوفا من المماليك فأخذوا يبحثون عن طريق أخرى.
وكان البحارة البرتغاليون يطمحون في الوصول إلى مملكة (القديس يوحنا) وهو الإسم الذي كانوا يطلقونه على مملكة نصرانية في شرق أفريقيا لا يعرفون عنها شيئا إلى أن تبين لهم أنها الحبشة وكان هؤلاء يظنون أنهم إذا أبحروا جنوبا فسوف يصلون إلى نهر عريض (نهر السنغال) يتصل مع نهر النيل، ومن ثم يسيرون حتى يصلوا لمملكة الحبشة ويتحدون معها ثم يطبقون على المسلمين من الشرق بعد أن إنتصروا عليهم في الغرب.
واستمروا في المسير على شواطئ أفريقيا الغربية وقد أغراهم الربح بالتوغل جنوبا فاستطاعوا إكتشاف رأس الرجاء الصالح عام 1486 م البحار " دياز ".
ويعتبر إكتشاف رأس الرجاء الصالح ضربة كبرى للتجارة العربية والعرب إذ أنه حول طرق التجارة عن الخليج العربي وعمان عن المماليك في مصر مما أضعف هؤلاء وسهل للعثمانيين القضاء عليهم.
لقد كان إكتشاف رأس الرجاء الصالح يعادل بأهميته إكتشاف أمريكا بالنسبة للإستعمار الغربي وتطوره في جميع أنحاء العالم.
إرسال الجواسيس:
في عام 1487 م أرسل ملك البرتغال رسولا برتغاليا للتجسس على الشرق ولمعرفة مصدر الثروات فيه فزار هذا الجاسوس مصر وعدن ثم سافر إلى " جوا " في الهند ثم عاد إلى هرمز المدينة الواقعة على عنق الزجاجة بين الخليج العربي وخليج عمان وبعدها سافر إلى سواحل أفريقيا الشرقية حتى سفاله جنوبا عاد بعد ذلك إلى القاهرة حيث أرسل تقريره إلى ملك البرتغال وكتب له بالتفصيل عن تجارة المحيط الهندي.
ولما علم البرتغاليون عن ثروات سواحل المحيط الهندي بدأوا يعدون الأساطيل للسفر إلى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح وأبحر عام 1497 م البحار البرتغالي فاسكودي غاما بثلاث سفن إستطلاعية وإستطاع وصول رأس الرجاء ثم وصل موزمبيق ووقف عندها ووصلت أخبار فاسكو إلى مدينتي كلوة وممباسة ولقي فيهما جفاء شديدا ولكنه إستطاع بإرشاد بعض الملاحين العرب الوصول إلى الهند. (1/63)
صفحة 64
وفي عام 1505 م خرج أسطول من البرتغال يتألف من 20 سفينة عليها 1500 محارب وذلك بقيادة الأميرال " فرنسيسكو دو الميدا " وإستطاع هذا إحتلال مدينة " سفالة " مدينة الذهب ثم مدينة كلوة وبعدها تقدم إلى ممباسة حيث قاتله أهلها قتالا شديدا ولكنه إستطاع إحتلالها أخيرا فنهبها وأحرقها.
ولما خرج جند البرتغاليين منها رجع إليها الأهالي الفارون كتب شيخها إلى شيخ مدينة مالندي يصف الحالة في مدينته ويحذر زميله فقال " ليس فيها حي ولا رجل ولا إمرأة ولا صغير ولا كبير ولا طفل ولا رضيع وكل من عجز من الهرب قتل أو مات حرقا ولكن مالندي وشيخها لم يأخذا هذا الكلام بعين الإعتبار لعداوتهما لممباسة.
مواصلة الحرب الإستعمارية:
في عام 1506 م توجهت حملة برتغالية مؤلفة من أربع عشرة سفينة شمالا إلى " لامو " فخضعت هذه ودفعت الجزية. وجاء دور مدينة " أوجا " فرفضت الخضوع للبرتغاليين كما رفضت دفع الجزية وقال أهلها أنهم لا يعترفون بسلطان أحد عليهم إلا لمصر والخليفة فيها فهاجمها البرتغاليون وأحرقوها وتقدموا إلى " براوة " وقاومتهم المدينة مقاومة باسلة جدا ولكن البرتغاليين إنتصروا عليها فأحرقوها.
كان الأسطول البرتغالي في هذه الحملة بقيادة الأميرال " كونها " بمساعدة (البوكيرك) وكان كونها يحمل أوامر بإنشاء قاعدة بحرية في جزيرة (سقطرة) بينما كان البوكيرك يحمل أوامر سامية بأن يخلف الميدا كحاكم على الهند.
وكان الهدف من إنشاء القاعدة في سقطرة هو القضاء على البحرية المصرية وإغلاق باب المندب في وجهها ثم مهاجمة عدن وجدة. وإستطاع البوكيرك إحتلال جزيرة سقطرة بعد مقاومة عنيفة وأقام قلعة بها بينما إنصرف القائد كونها إلى الهند.
وقد تقدم البوكيرك للاستيلاء على موانئ الخليج العربي وكان أول عمل قام به هو إحراق أربعين سفينة عربية تجارية ثم وصل إلى ميناء قلهات العماني وإلى (قريات) فأحرق السفن وعذب السكان ومثل بهم تمثيلا فظيعا وقد إستمر في زحفه نحو "خورفكان" وهناك جابهته مقاومة عربية ضارية ولكنها لم تستطع الصمود في وجهه طويلا.
وإتجه البوكيرك إلى هرمز بعد أن مر برأس مسندم فتمت له الغلبة عليها وفرض على ملكها شروطا مهينة وأجبروه على قطع علاقاته مع بلاد فارس وربطه بمعاهدة جعلته تابعا لملك البرتغال.
وفي عام 1507 م بنى البرتغاليون قلعة هرمز فأصبحت هذه القلعة المركز الرئيسي للبرتغاليين.
وفي عام 1509 م عين البوكيرك حاكما عاما على الهند فرأى أنه لا يستطيع تأمين طرقه ومواصلاته البحرية ما لم يقم بإحتلال عدن وموانئ البحر الأحمر، وخرج بأسطول كبير وصل إلى سقطرة ونظم أمور قاعدتها البحرية وجبا الجزية من مدينة هرمز (1/64)
صفحة 65
وفي عام 1513 م هاجم عدن ولكنه فشل بإحتلالها وحاول أن يحتلها مرة أخرى ولكن الفشل حالفه أيضا غير أنه درس مواقع الموانئ البحرية وأحرق جزيرة بريم ووصلته رسل الشاه تعرض عليه صداقته. وقد وصلته أنباء تفيد بأن حاكم هرمز يعارض ببناء حصن آخر للبرتغاليين فأرسل له حملة بقيادة " بيرو " فوصلها هذا ورجع يؤكد للبوكيرك خضوع حاكم هرمز لسلطته.
وفي عام 1515 م توفي هذا الطاغية في الهند فأستراحت السواحل من شروره وآثامه فقد كان من أشد الناس تعصبا ضد المسلمين وكانت خطته البعيدة ترمي للوصول إلى مكة بعد الإستيلاء على البحر الأحمر وذلك لهدمها وإحراقها وإذلال المسلمين ولكنه كان أعجز من أن يحقق هذا العمل الإجرامي.
وخلف الطاغية قائد برتغالي إسمه " سواريز " فاتبع سياسة تخالف سياسة سلفه وعمد إلى تقوية التجارة البرتغالية سلميا دون اللجوء إلى البطش والتنكيل.
وقد استمر البرتغاليون في السيطرة على التجارة الشرقية طيلة القرن السادس عشر وقد نقلوا ثروات الشرق الهائلة إلى وطنهم البرتغال، وكان عرب عمان والمشرق قد ضعفوا إلى حد بعيد نتيجة إبعادهم عن المسرح التجاري فسارت البلاد من سيء إلى أسوء.
وفي نهاية القرن السادس عشر ظهرت قوى جديدة أمت مياه الشرق لتقاسم البرتغاليين أرباحهم ولتطردهم في النهاية.
فقد وجه الهولنديون إهتمامهم للشرق في عام 1596/ 1597 م بينما وجهت بريطانيا كذلك إهتمامها هناك.
الإستعمار البرتغالي في أفريقيا الشرقية:
أقام البرتغاليون في سفالة وموزمبيق وكلوة حكما مباشرا تسنده الحاميات والأساطيل البحرية القوية. فضعف حكم العرب هنالك وارتحل عدد كبير منهم إلى الشمال. أما كلوة فقد كانت تنطمس آثارها وأما موزمبيق وسفالة فلم يبق فيهما أي آثر للعرب.
وبالنسبة للشمال من الساحل لم يتعد سلطان البرتغال وجود جماعات من التجار بدون حصون وحاميات وأساطيل وإن كانت أساطيل البرتغاليين تزورها أحيانا لجمع الجزية. ونتيجة لضغط البرتغاليين إنقطعت الصلة تقريبا بين هذه المدن وبين الوطن الأم البلاد العربية الجنوبية التي كانت تمدها دائما بأفواج قوية من أبنائها.
لم يستطع البرتغاليون التوغل في داخل أفريقيا وقد حاول المبشرون منهم التبشير بالدين المسيحي ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا لأنه ليس من المعقول تقديم الدين على فوهة المدفع؟ وقد جرد البرتغاليون حملة لكشف مناطق الداخل وجلب الذهب والعاج ولكنها أبيدت عن آخرها. (1/65)
صفحة 66
حاولت مدينة ممباسة التخلص من نير الإستعمار البرتغالي عندما آنست ضعف البرتغاليين ورأى أهلها أساطيل الأمم الأخرى تدخل المحيط الهندي دون خوف من البرتغاليين.
بدأت الثورة العارمة عام 1585 م حين هبط السواحل الأفريقية أميرال عثماني وقد إستقبله أهل ممباسة بحماس بالغ وأعلنوا خلع طاعتهم للبرتغاليين وولائهم للعثمانيين.
ورحل الأميرال العثماني يحمل خمسين أسيرا برتغاليا مع غنيمة عظيمة وعلم البرتغاليون بهذا بواسطة وشاية أهل مالندي فقرروا الإنتقام من أهل ممباسا ففر معظم السكان.
وفي عام 1588 م عاد الأسطول العثماني فأستقبله السكان بحماس كبير ونزل بحارته في ممباسة ولكن قبيلة زنجية كانت تقف بالمرصاد لممباسة فحاصرتها وعاونها البرتغاليون وإستطاع الطرفان إحتلال ممباسا فذبحوا جميع سكانها ولم يكن البرتغاليون أقل وحشية من متوحشي الزنوج الذين أكلوا معظم الضحايا ولم ينج البحارة العثمانيون من القتل والتنكيل.
ثم قرر البرتغاليون إقامة قاعدة حربية في ممباسة وجعلوا لها السلطة على الساحل من براوة في الصومال إلى رأس دلجار. ثم عينوا حاكم مالندي صديق البرتغاليين سلطانا على ممباسا.
كان هذا الحاكم يطمح بالإبتعاد عن البرتغاليين فقتلوه ولكنهم ندموا على ذلك فجعلوا إبنه سلطانا وكان إبنه هذا لا يبلغ السابعة من عمره وإسمه يوسف فأرسلوه إلى (جوا) حيث لقنوه النصرانية وغيروا إسمه وبعد خمس عشرة سنة أعادوه إلى ممباسة ليكون حاكما وسلطانا ولكن يوسف عاد سرا إلى دين آبائه وقام بذبح الحامية البرتغالية بأكملها.
وأرسل البرتغاليون حملة على ممباسة ففر يوسف وأخذ يناوش البرتغاليين ولكنه مات شابا وبالطبع أعاد البرتغاليون سلطانهم على ممباسة وفتكوا بأهلها كان ذلك عام (1637 م).
تضعضع السلطنة البرتغالية:
حل الإنكليز والهولنديون مكان البرتغاليين في الهند وسيلان، وتقوى مركز الطرفين على حساب البرتغاليين.
فقد انبرى العرب لمقاومة البرتغاليين على طول السواحل الإفريقية والسواحل العمانية وإستطاعوا تحريرها ولم يشترك الأوروبيون في قتال البرتغاليين أبدا.
ففي عام 1650 م قام الإمام سلطان بن سيف اليعربي بطرد البرتغاليين من مسقط وبر الجزيرة العربية. وسرعان ما استغاثت ممباسا بالإمام سلطان ابن سيف لينقذها من الغزاة وكخطوة أولى قام الإمام سلطان بمهاجمة زنجبار وحطم البرتغاليين ومحا الحامية. (1/66)
صفحة 67
وفي عام 1660 م عاد الإمام سلطان بن سيف بأسطول قوي جدا فأحتل فازا وممباسا ومضى الأسطول العماني جنوبا حتى وصل إلى موزمبيق عام 1669 م وكان على وشك إحتلالها.
لم يستطع العمانيون اقامة حاميات في تلك البلاد فما ان رحلوا عن الساحل حتى أوقع البرتغاليون عقابا شديدا بكل من ساعد العمانيين.
وفي عام 1670 م هاجم العمانيون (ديو) قرب خليج مومباي واستباحوها وفعلوا ثقل ذلك في باسين شمال بومباي وكانتا مستعمرتين برتغاليتين.
وفي عام 1696 م أرسل الإمام اليعربي سيف بن سلطان الذي خلف أباه الإمام سلطان، أسطولا كبيرا يضم ثلاثة آلاف محارب فأحتل ممباسة بعد أن حاصرها مدة طويلة هلك أثناءها جميع البرتغاليين مرضا وجوعا.
في عام 1827 م حدثت نزاعات داخلية في عمان رافقها عدوان فارسي فأعاد البرتغاليون احتلال ممباسة ولكن العمانيين عادوا وطردوهم بعد عامين.
وفي عام 1741 م استقر زمام الأمور في يد أحمد بن سعيد الذي طرد الفرس ووحد عمان وأظهر هيبتها وبذلك فقد البرتغاليون الأمل نهائيا. (1/67)
صفحة 68
القوى الإستعمارية في منطقة الخليج العربي:
في آواخر القرن السادس عشر بدأت الإمبراطورية البرتغالية بالضعف والإنهيار بينما برزت قوى جديدة على مسرح التجارة الشرقية وكلها كانت تطمع بميراث البرتغال والإستيلاء على مقدرات وثروات الشرق.
وكل هذه القوى ناصبت الإستعمار البرتغالي أشد العداء ليس لمصلحة المواطنين العرب بالطبع بل لتحل محل البرتغاليين.
والقوة الوحيدة المخلصة التي ظهرت لتفتك بهذه القوى الغادرة كانت قوة الأئمة اليعاربة العمانيين الذين إستطاعوا تحرير عمان وطرد البرتغاليين من شرق أفريقيا وسواحل الهند الغربية وبنوا أسطولا عظيما ليحمي الإمبراطورية العربية في البحار الجنوبية وبعد اليعاربة تسلم راية النضال أبطال القواسم وبنو كعب وبنو بو علي وسطروا الصفحات المشرقة التي لا تنسى.
والقوى الإستعمارية التي ظهرت في الخليج هي:
بريطانيا وهولندا وفرنسا، كما أن إيران والأتراك العثمانيين حاولوا السيطرة عليه.
وسنرى كيف استطاعت بريطانيا ضرب مختلف هذه القوى لمصلحتها واستغلت النزاع إلى أقصى الحدود وترى ذلك واضحا حينما تحالفت مع هولندا فعذبت البرتغاليين، وبعدها انفردت لضرب هولندا فلم تستطع وعند ظهور فرنسا عادت فوحدت مصالحها مع هولندا لضرب التجارة الفرنسية فنجحت في ذلك ثم رجعت وقضت على المصالح الهولندية.
لقد قامت بريطانيا بتصفية جميع العناصر المناوئة لها أحيانا بحرب أهلية وأحيانا بحروب عالمية كل ذلك في سبيل مصلحتها.
يقول أحد دهاة الإستعماريين البريطانيين:
" ليس هناك أصدقاء أو أعداء لبريطانيا ولكن هناك مصلحة بريطانية وهي تملي علينا سياستها ".
وفي عام 1600 م كانت شركة الهند الشرقية قد وطدت نفوذها في الهند، وكانت تشهر نفسها على أساس أنها لا تهتم إلا بالمصالح التجارية ولكنها كانت تسعى بنفس الوقت لتوطيد نفوذها السياسي والعسكري وقد أصدرت الملكة إليزابيث في هذا العام مرسوما يخول لشركة الهند الشرقية حق إحتكار التجارة في شبه القارة الهندية.
كانت الهند أرضا بكرا غنية جدا بالمواد الأولية والمعادن الثمينة والمقدرات البشرية ولذا سلكت بريطانيا جميع السبل للحفاظ على إستعمارها في الهند. وقد (1/68)
صفحة 69
كانت الهند السبب في تفوق بريطانيا الصناعي والتجاري خلال القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين.
ولذا رأت أن الشيء الوحيد الذي يضمن لها إستمرار حكمها في الهند هو وضع يدها على جميع الطرق والمنافذ البحرية والبرية التي تؤدي إلى الهند.
وعلى هذا إلتفتت بريطانيا إلى الخليج العربي وسواحل عمان ثم إلى العراق وسيطرت على عدن ومضيق باب المندب وبذلك أغلقت منافذ البحر الأحمر ثم في مراحل أخرى سيطرت على مصر والسودان وقناة السويس وسواحل شرق أفريقيا. ووضعت لكل منطقة من المناطق المذكورة سياسة معينة من شأنها أن تكفل لبريطانيا الإستمرار في حكمها ومن ثم توكيد ثباتها في درة التاج البريطاني.
كانت أول الطرق التي حاولت بريطانيا إغلاقها هي طريق فارس وكانت الفائدة التي تجنيها بريطانيا من هذا هي:
1 إقصاء البرتغاليين من منطقة الخليج العربي.
2 ربط البلاط الفارسي بالسياسة البريطانية.
3 بذر الشقاق بين الحليفين الفارسي والبرتغالي كخطة مبدئية للسيطرة على الخليج وإغلاق الخليج في وجه أي دولة تفكر في إستغلال الهند.
4 ضم الشاه إلى القوى الأوروبية ضد الأتراك.
وقد بدأ الشاه الفارسي عباس الأول الذي إرتقى العرش عام 1587 م ينظر بعين الحسد إلى المكاسب المادية العظيمة التي تجنيها البرتغال وطالب أن يكون له نصيب في كل هذا وكخطوة أولى لإظهار رغباته هذه طالب هرمز بدفع الجزية وبالطبع رفض حاكم هرمز دفع هذه الجزية.
وفي هذه الفترة قدمت وفود إنجليزية من بلاط جيمس الأول ملك إنجلترا تعرض عليه الصداقة ومساعدته إذا لزم الأمر. وفعلا قام بعض الإنجليز بمحاربة الأتراك إلى جانب الشاه.
ويعتبر عام 1588 م بداية لظهور بريطانيا كأقوى دولة بحرية في العالم وبأسطولها إستطاعت فتح مغالق البحار والسيطرة على مقدرات معظم آسيا.
وفي عام 1588 م إستطاع (فرنسيس دريك) قائد الأسطول البريطاني أن يدمر الأسطول الأسباني (الأرمادا) وبذلك وثق الإنجليز أنهم أصبحوا سادة البحار وهنا لمعت عيونهم ببريق الطمع واتجهوا إلى الشرق ليمتصوا ثرواته وينقلوها إلى جزيرتهم.
وفي عام 1615 م أنشاؤا مركزا تجاريا لهم في سرات كما أرسل جيمس الأول وفوده لبلاط المغول في إجمير كما أرسل ممثلا سياسيا إلى المغول.
ومن هناك عبر الجواسيس الإنكليز ليمهدوا العلاقات مع إيران وليسيطروا على (1/69)
صفحة 70
تجارتها ثم استطاعوا الحصول على ضمان من شاه إيران يضمن لهم حرية التنقل في بلاده وجلب بضائعهم وأصوافهم.
وفي عام 1616 م إنتقلوا من مركزهم في سرات إلى جاسك كما أقيمت الوكالات التجارية الإنجليزية في شيراز وأصفهان. وبالطبع لم يرض البرتغاليون عن نشاط الإنجليز في المنطقة وصمموا على محاربتهم حفاظا على مصالحهم.
ولكن البرتغاليين لم يكونوا في وضع يسمح لهم بمقاومة الإنجليز فقد كان العداء لهم في المنطقة كليا شديدا ومستحكما. وقد جلبت لهم سياستهم التعسفية عداء المواطنين على شواطئ الخليج الشرقية والغربية ولذا وقعوا بين نارين كلاهما حارق شديد.
وقد إستطاع اليعاربة العمانيون من سحق قوى البرتغاليين في صحار وأماكن عديدة من الساحل العماني عام 1616 م ثم عاد اليعاربة عام 1620 م وقاموا بهجوم شديد على مركز رأس الخيمة فدحروا البرتغاليين بينما كان الفرس يحاصرون هرمز ويقطعون عليها خط تموينها في جسك. هذا بالإضافة إلى إشتباكات بين الأسطولين الإنجليزي والبرتغالي أدت إلى إنتصار الأول.
وفي عام 1618 م توقف القتال بين الشاه وتركيا وعقدت هدنة بين الطرفين فبدأ الشاه يتحرش بالبرتغاليين وطلب المساعدة من بريطانيا ليطرد البرتغاليين وبالطبع كان الإنجليز ينتظرون مثل هذه الدعوة وبدأ الشاه عملياته الحربية عام 1622 م فدمر مركز البرتغاليين في هرمز بمساعدة بريطانية واحتل بعض مراكزهم على الساحل الإيراني وكان الهولنديون قد دسوا أنفهم في الخليج منذ عام 1595 م وسيروا البعثات التجارية عام 1598 م وتألفت عدة شركات هولندية في الشرق.
وفي عام 1602 م عمدت الحكومة الهولندية إلى ضم هذه الشركات جميعها في شركة أطلقت عليها اسم " شركة تجارة الهند الهولندية "، وأصبحت هذه الشركة قوية جدا إحتكرت تجارة الفلفل والبهارات مدة طويلة.
وقد تعاون الأسطولان الإنجليزي والهولندي عام 1625 م على سحق الأسطول البرتغالي وتدميره، فأضطر البرتغاليون إلى الإنسحاب من شمال الخليج وتمركزوا في صحار ومسقط ورأس الخيمة ولكن اليعاربة أخرجوهم عام 1643 م من صحار وفي عام 1648 م حاصر اليعاربة البرتغاليين في مسقط وتمكنوا من إسقاطها عام 1650 م.
وقام الإمام سلطان بن سيف اليعربي بملاحقة البرتغاليين إلى سواحل أفريقيا الشرقية وطردهم منها.
المنافسة الهولندية الإنجليزية:
بعد زوال البرتغاليين في الخليج إلتفت الحليفان لبعضهما البعض وبدأ كل منهما يحاول تصفية الآخر ليستأثر بتجارة إيران والخليج العربي وآسيا الشرقية.
وكان الهولنديون قد ركزوا هجوما دعائيا ضد الإنجليز وصوروهم بمظهر المستغلين الإحتكاريين أعداء الشعوب وفعلا كانوا صادقين ولكن صدقهم لم يكن يخدم إلا مصلحتهم (1/70)
صفحة 71
بالطبع. وثار الإنجليز ولكن ثورتهم لم تكن تعني شيئا لأن الأسطول الهولندي كان في أوج قوته.
وبدأ الصدام المباشر حينما رفض الهولنديون رفضا باتا دفع الجمارك للإنجليز في ميناء بندر عباس.
وعندما توفي عباس الأول شاه إيران عام 1629 م حاول الإنجليز إستغلال خلفه لمصلحتهم ولكن الهولنديون حصلوا على امتيازات أكبر.
ويمكن القول بأن هولندا استأثرت بتجارة الخليج ما بين عامي 1601 1688 أي قرابة قرن من الزمان.
وفي عام 1645 م أرسل الهولنديون أسطولهم إلى (جسم) مما أخاف الشاه فسمح لهم بشراء الحرير وأن يصدروه دون دفع ضريبة.
وللقضاء على السيطرة الإنجليزية تقدم الأسطول الهولندي وضرب المركز التجاري البريطاني وهكذا كان نفوذ الهولنديون في أوج عظمته عام 1649 م.
ووقعت الحرب بين هولندا وبريطانيا في أوروبا عام 1652 م ولكنها لم تغير شيئا في الشرق فاصطدم الأسطولان الهولندي والبريطاني ولكن الهولنديون استمروا في سيطرتهم حتى 1654 م.
التنافس الفرنسي الهولندي:
وبينما كانت هولندا تتفوق على بريطانيا وتمتص ثروات الشرق وتغفو في أحلامها الجميلة ظهرت على البحار الشرقية أساطيل المغامرين الفرنسيين عام 1664 م كما تحركت اطماع شركة الهند الفرنسية فتقدمت فرنسا وهي على إستعداد لخوض المعركة لأخذ نصيبها من أرباح الشرق. (1/71)
صفحة 72
وفي عام 1676 م إستطاع الأسطول الفرنسي أن يدمر الأسطولين الهولندي والأسباني في البحر المتوسط ولهذا لم تجد هولندا بدا من محالفة بريطانيا ضد فرنسا وفي هذا كانت نهاية مجدها التجاري في بحار الشرق.
لقد أصبحت هولندا تابعة ذليلة لمصالح الإستعمار الإنجليزي حتى عام 1697 م وفي هذا العام كانت فرنسا منهكة لا تستطيع خوض حرب وهنا خلا الجو لبريطانيا وبقيت تسيطر على التجارة مدة طويلة.
في هذه الفترة ران على مطامع فرنسا الإستعمارية جمود طويل ولكنها عادت فتحركت وكان لابد من الإصطدام مع بريطانيا فوقعت بين الدولتين حرب السنوات السبع 1756 1763 م.
أسفرت هذه الحرب عن تنازل فرنسا عن جميع ممتلكاتها في شبه القارة الهندية لبريطانيا.
وكانت أول ما عمدت إليه بريطانيا هو فتح خط مواصلات عن طريق الخليج الفارسي وفتحت لهذا الغرض قنصلية في البصرة عام 1764 م. وقد كان من الطبيعي أن تفتتح بريطانيا خط مواصلات عبر البحر الأحمر لأن المسافة أقصر بكثير منها عبر الخليج الفارسي وبادية الشام ولكن السبب في عدم فتح هذا الخط مع معارضة الحكومة العثمانية ومنعها جميع السفن الأوروبية من الملاحة في منطقة البحر الأحمر بحجة المحافظة على المقدسات الإسلامية ولكن أشراف مكة وافقوا على فتحه لأنه يدر لهم ربحاً وفيراً.
فرنسا والخليج العربي قبيل حملة نابليون على مصر:
كانت قوة فرنسا تتمركز في جزيرتي موريشس ويوريون الواقعتين في الزاوية الجنوبية الغربية من المحيط الهندي وذلك مقابل الساحل الأفريقي لموزمبيق. وقد تقوت العلاقات بين عمان والإدارة الفرنسية في جزيرة موريشس وظل التحالف بينهما حتى سقوط الجزيرة في يد بريطانيا عام 1810 م.
ولم تكن عمان في ذلك الوقت ضعيفة بل كانت قوية الجانب وقد بلغ مجموع سفن مسقط في عهد سلطان بن أحمد البوسعيدي الذي حكم عمان من عام 1792 1804 م، 500 سفينة حمولة الواحدة منها 250 1000 طن بالإضافة إلى 100 سفينة لأهالي صور وثلاث سفن حربية يملكها السلطان البوسعيدي. وقد إستطاعت عمان السيطرة على سواحل أفريقيا الشرقية ومدينتي مكران وشوربار على الشواطئ الفارسية ثم على قشم. وقد وجه حكام مسقط في هذه الآونة جل إهتمامهم بالتجارة وكانت جميع المنتوجات الإستوائية والمناطق الحارة تصل إلى مسقط من جزيرة موريش ثم يستأنف نقلها لمختلف أنحاء العالم.
وكان الأسطول العماني يقوم بنقل جميع المواد التجارية من الجزر الفرنسية في المحيط إلى الخليج. وقد بلغت مسقط الذروة في الغنى نتيجة للتعامل مع فرنسا مما جعل سلطان مسقط يوافق على فتح قنصلية فرنسية في مسقط 1785 م. (1/72)
صفحة 73
ولكن الحكومة الفرنسية كانت ترى أن طريق البحر الأحمر هي أقصر الطرق بين المحيط الهندي وبين فرنسا وأنه أنسب الطرق كذلك للقيام بإحتلال الهند وطرد بريطانيا منها. وكان هذا هو السبب الرئيسي لقيام نابليون بإحتلال مصر.
ما بعد الحملة الفرنسية:
في عام 1798 م قام نابليون بإحتلال مصر وذلك كخطوة أولى للوصول إلى الهند ولإغلاق البحر الأحمر في وجه السفن البريطانية.
ولزيادة الضغط على بريطانيا وتهديد مصالحها بصورة مباشرة قرر إنشاء قنصلية في مسقط ثم إرسال بعثة إلى فارس لمراقبة الطرق الموصلة إلى الهند.
ولذا كان إحتمال غزو الهند يأتي عن طريقين البحر الأحمر أو الخليج العربي عن طريق الفرات. ثم أضاف نابليون طريقا ثالثة هي طريق هرات البري.
كان الفرنسي المكلف بفتح القنصلية الفرنسية هو بوشعب أحد الخبراء بالبلاد العربية وفارس ولكنه لم يستطع الوصول لمقر عمله كما أن حكومة الثورة الفرنسية لم تعمل على إنجاح مهمتها في مسقط برفضها دفع تعويضات عن إعتداءات القراصنة الفرنسيين على السفن العمانية ولكن العلاقات التجارية إستمرت.
وفي عام 1800 م إستطاع المبعوث البريطاني ملكولم أن يعقد إتفاقية مع سلطان مسقط تنص على قبول ممثل سياسي بريطاني في عمان للمرة الأولى.
وقد إستطاع هذا الممثل وإسمه بوجل Pogle أن يحدث إنقلابا في سياسة سلطان بن أحمد ضد الفرنسيين.
ونتيجة لفشل نابليون في معاركه في عكا وفي أبو قير، كان يبدو إحتمال غزوه للهند أشبه بالمستحيل.
ولكن حكومة الثورة الفرنسية لم تقطع الأمل فأستغلت فرصة صلح "أميان " بينها وبين بريطانيا وأرسلت مبعوثها " كافينياك " Cavignnc كممثل في مسقط وذلك عام 1802 م. ووصل الممثل الفرنسي عام 1803 م ولكن نشوب الحرب بين بريطانيا وفرنسا وإصرار الأولى على عدم إستقبال كافينياك من قبل سلطان مسقط أجبر الفرنسي على الرجوع.
ولكن العلاقات الفرنسية العمانية تجددت ووقعت إتفاقية بين البلدين عام 1807 م ووقعها الجنرال ديكان حاكم موريش ووكيل عن سلطان عمان ولكن حكومة باريس رفضت الإتفاقية لأن عرب عمان أصروا على الإتجار مع الهند الواقعة تحت السيطرة البريطانية مما يتنافى ومبدأ " الحصار القاري " الذي فرضته فرنسا على بريطانيا.
وفي عام 1810 م سقطت جزيرة موريش بيد بريطانيا فأنتهت أحلام فرنسا في الخليج وأصبحت بريطانيا هي صاحبة اليد المطلقة التي تسيطر على التجارة في جميع البحار الشرقية. (1/73)
صفحة 74
مقاومة الإستعمار والتدخل الأجنبي
القوى العربية في منطقة الخليج
لقد ظهرت قوى عديدة في منطقة الخليج أخذت على عاتقها القيام بمهمة طرد الدخلاء الأجانب وكانت هذه القوى تحارب منفردة ولو تهيأت لها أسباب التوحيد لقضت على الإستعمار في مهده بالإضافة إلى قوة الأئمة اليعاربة الذين حطموا الإستعمار البرتغالي في سواحل الخليج وسواحل أفريقيا وبعد زوال حكمهم ظهرت ثلاث قوى عظيمة قاومت الإستعمار البريطاني وقضت في كثير من الأحيان على هيبته.
وسوف نقصر بحثنا على ثلاث منها رئيسية وهي:
أ - القواسم.
ب - اليعاربة (وقد سبق الحديث عنهم).
ج - رحمة بن جابر والجلاهمة.
وبالطبع كانت قوى عظيمة أخرى تقاوم الإستعمار البريطاني مثل بني كعب وبني بو علي والقبائل العربية الأخرى وضربت مثلا يحتذى في الفداء والبطولة.
القواسم:
يقول المؤرخون أصل القواسم من نجد من قبيلة بني ناصر وقد قدموا في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي (أوائل القرن الثاني عشر الهجري) إلى ساحل الصير فأنتشروا فيه من رأس مسندم إلى قرب ديرة التابعة لدبي وهذا القسم من عمان فيه عدة قبائل " الشحوح وزهير وقتب ونعيم " وكانت أقوى هذه القبائل هي قبيلة بنو نعيم.
ويقول بعض المؤرخين بأن أصل القواسم من العراق ونزحوا إلى الشواطئ العربية منذ القدم.
كان زعيم هذه القبائل هو الشيخ قاسم الذي نصب خيمته في نقطة على الشاطئ مقابل (جلفار) فكانت تراها جميع السفن في البحر فأطلق البحارة على المكان أسم رأس الخيمة وبعد ذلك بمدة نشأت هناك مدينة حمت ذلك الإسم.
وأول من اشتهر منها هو الشيخ رحمة بن مطر القاسمي الذي إنضم إلى الإمام محمد بن ناصر الغافري في حروبه بعد أن ضعف نفوذ دولة اليعاربة ثم إستقر الشيخ رحمه في رأس الخيمة واعترف له الإمام أحمد بن سعيد الألبوسعيدي بالسيادة بعد معارك عنيفة دارت بين الطرفين.
ثم إن القلاقل التي تلت نادر شاه عام 1747 م واضطراب حبل الأمن في بلاد الفرس (1/74)
صفحة 75
كانا السبب في إجبار ملا علي شاه الذي كان أمير البحر في اسطول نادر شاه إلى الإستعانة ببعض القبائل العربية لمقاومة الملوك المتعاقبين بسرعة على عرش فارس والذين كانوا يرهقون ملا علي شاه بطلب المال. واستقر رأي (ملا) على استخلاص راشد بن مطر بن قاسم لنفسه فعقد معه معاهدة عام 1747 م أكدها بالمصاهرة اذ زوج أبنته من راشد فتمكن بهذا من الإستفادة من القواسم كما أن القواسم زادوا من هيبتهم بعد هذا الحلف.
وفي عام 1765 م إستطاع القواسم أن يستفيدوا من ظروف الخليج السياسية فسيطروا على جميع القبائل الأخرى واستطاعوا ان يستولوا على مدينتي قشم ولفت في جزيرة قشم وعلى لنجه الواقعة على الشاطئ الفارسي وعلى شناص في ساحل الباطنة.
وفي عام 1772 م تحالف الشيخ راشد زعيم رأس الخيمة مع إمام مسقط ضد الفرس ثم عاد وحاربه عام 1775 م. وبعد حكم دام ثلاثين سنة تنازل الشيخ راشد عن المشيخة لإبنه صقر. وكان القواسم قد أصبحوا قوة بحرية وبرية لا يستهان بها. وأستطاعوا أن يديروا شؤون الخليج التجارية دون منازع وعلى الأخص عند إنهيار القوة الفارسية عام 1779 م.
وأمتاز القواسم بالصلابة والشجاعة وحب المغامرة والدفاع عن الوطن فأقلقوا بريطانيا ولم يتوانوا عن مهاجمة أي سفينة تحمل العلم البريطاني سواء كانت هندية أم إنجليزية .. وقد وقفوا لبريطانيا بالمرصاد وأخذوا على عاتقهم تحطيم النفوذ البريطاني في الخليج العربي وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد.
وقد اضطر الإنجليز في بادئ الأمر إلى دفع ترضيات للقواسم ولكن عندما شعروا بأن في مقدورهم مهاجمة القواسم رفضوا دفع المال واعتبروا دفاع القواسم عن الخليج عملا من أعمال (القرصنة) واتهموا القواسم بأنهم قراصنة همهم قطع العلاقات التجارية بين الشرق والغرب وسرقة المراكب البحرية. (1/75)
صفحة 76
وفي عام 1797 م إستطاع القواسم أن يستولوا على المركب الحربي الإنجليزي " بأسين سنو " وبعد أن دمروا قسما كبيرا منه أعادوه للإنجليز وتعاظمت قوة القواسم فلجأت بريطانيا إلى أسلوبها الذي تستعمله عند شعورها بالضعف وقدمت دليلا على صداقتها للقواسم شحنة من الذخيرة والأسلحة حملها المركب البحري فايبر Viper ولمن هذه الحيلة تكشفت للقواسم فاستولوا على المركب نفسه وبعد فترة أعادوه حطاما.
وفي عام 1803 م توفي الشيخ صقر فخلفه إبنه سلطان بن صقر الذي حكم البلاد مدة تزيد على ستين عاما 1803 - 1866 م وقد لعب دورا هاما في تاريخ القواسم وقد بلغوا في عهده أوج عزهم وقوتهم.
وفي عام 1805 م كان نفوذ الوهابيين يتعاظم في منطقة شرق الجزيرة العربية وكان القواسم على إتصال وثيق بهم مما زاد في رفع روحهم المعنوية كثيرا فاستولوا على سفينتين بريطانيتين هما " شالون " و " ترايمر " كما قام أربعون زورقا بحريا قاسميا بمحاصرة الطراد البريطاني " مورتنجتون " وكانوا على وشك الإستيلاء عليه.
وقد إستجار حاكم بومباي الإنجليزي بحكومته وجاء في شكواه " أن سفن القواسم تلحق أحيانا السفن الإنجليزي حتى شواطئ الهند ذاتيا فتتغلب عليها ".
وقد إمتد نفوذ القواسم على منطقة ساحلية طولها أكثر من 150 ميلاً وذكر بعض المؤرخين الأوروبيين أن قبيلة بني ياس التابعة لسلطنة مسقط خضعت للقواسم ذلك الوقت وكانت سيطرة القواسم تمتد من حدود قطر إلى ما وراء خورفكان حتى أن شناص كانت تابعة لهم وقد حمى حصنها من المدفعية البريطانية موقعه الطبيعي الحصين ".
وفي ذلك بلغت أوج عظمتها البحرية حيث قدر أحد ضباط الأسطول الهندي المراكب التي يستخدمها القواسم بثلاث وستين سفينة من الحجم الكبير وثمانمائة من الحجم الصغير وكانت الأضرار التي حاقت بسلطنة مسقط نتيجة لتوسع القواسم أشد من الأضرار التي نزلت بأية دولة أخرى. وقد ذهب سلطان بن أحمد ضحية معاداته للقواسم إذ قتله هؤلاء أثناء مروره بسواحلهم في طريق عودته من البصرة عام 1219 ه - 1804 م.
وقد قتل سلطان بن أحمد في لنجه من أعمال فارس لما رجع من البصرة فأرسى مراكبه بها وهجم القواسم عليه ليلا فقتلوه. وبعد قتله قام عليهم سعيد بن سلطان وعمه قيس بن أحمد حاكم صحار وقرروا الزحف عليهم بخورفكان عام 1222 ه فجاءهم قيس من البر وسعيد من البحر فقابلهم القواسم حتى أصبحت خورفكان وكأنها بحيرة من الدم وقتل في هذه المعركة قيس بن أحمد ومعظم جنوده ماتوا غرقا. بعد ذلك قرر السلطان سعيد الإنتقام من القواسم بمساعدة الإنجليز.
وقد هاجم القواسم البحرين وطردوا جنود حاكم مسقط منها وأخذ الإنكليز يزعمون أن القواسم أداة طيعة في يد الوهابيين فهاجمتهم مع سلطان مسقط ولكن لم يكن بإمكان المهاجمين القضاء على القواسم. (1/76)
صفحة 77
وفي عام 1806 م وقعت هدنة بين القواسم وبريطانيا وتنص الإتفاقية على عدم تعرض القواسم للسفن البريطانية وعلى إحترام راية الشركة البريطانية ولكن القواسم لم يتمشوا بموجب نصوص الإتفاقية ولم يحترموها أكثر من سنة واحدة.
وتأكيدا لعدم إرتباطهم بإتفاقية مع بريطانية قام القواسم بإرسال مراكبهم البحرية الخفيفة إلى شمال بومباي فقصفوها بالمدافع واستولوا على عشرين مركبا بحريا ولم تكن هذه العملية الناجحة هي آخر المطاف عند القواسم بل قاموا بالهجوم على طراد بريطاني اسمه سيلف Sylph وأسروه دون مقاومة تذكر.
وفي عام 1809م قام الفرس في لار بمهاجمة لنجه التابعة للقواسم فأجبروهم على مغادرتها وتصدى الأسطول القاسمي إلى أسطول فارسي قادم من بوشهر لضرب خور الحسن فأنزلوا بالفرس هزيمة نكراء.
وفي أواخر أكتوبر من عام 1809م خرجت حملة بومباي تتألف من ثلاث سفن حربية وثلاث أخرى لحمل المعدات وبعد توقف قصير بمسقط بدأت تهاجم مراكز القواسم ومن بينها رأس الخيمة وبقيت هذه الحملة تتردد في الخليج إلى أول يناير 1810م وقد استطاعت بريطانيا إحتلال رأس الخيمة بعد مقاومة بطولية عنيفة جدا فأحرق الإنكليز كل السفن الموجودة بالميناء وعددها خمسون سفينة بما فيها سفينة (منيرفا) Minerva التي كان القواسم قد استولوا عليها وجعلوها سفينة القيادة.
وفي عام 1810م كذلك قدمت حملة بريطانية إلى لنجه وقامت بتدمير عشرين مركبا بحريا.
وفي عام 1812م اشتد بأس القواسم وقاموا بتدمير عدد كبير من السفن البريطانية والسفن الحليفة لها حتى وصل نشاط القواسم إلى ساحل كوتش والسند وكرد على أعمال القواسم حاولت السلطات البريطانية إنتهاج سياسة التفاهم معهم فقام (بروس) (1/77)
صفحة 78
ممثل الشركة في بوشهر بمفاوضات معهم طوال سنتين 1815 حتى 1816 م على أساس رد الغنائم أو إعطاء تعهد بإحترام السفن البريطانية ورغم إرسال مندوب عن القواسم فإنهم أي القواسم لم يظهروا إستعدادا لقبول الطلب الأول. وعبر (وليم هنيد) أحد ضباط البحرية الذين زاروا الخليج في تلك الحقبة عن هذا الرأي بقوله: (إن المفاوضات مع تلك العصابات خدش للكرامة البريطانية وتنازل عن السيادة المعترف بها على البحار).
وفي سبتمبر عام 1818 م قامت بريطانيا بوضع خطة لتدمير القواسم فقدمت عدة مشاريع أمام حاكم الولاية (إيفان نيبيان) لإختيار واحد من بينها وكانت هذه المشاريع تختلف أساسا على مدى التدخل البريطاني في شؤون الخليج فمنها من نادى بالإكتفاء بتدمير القرصنة على حد تعبيرهم وعدم التدخل في الشؤون السياسية ومنها من قال بضرورة رسم خارطة الخليج السياسية على الوجه الذي يروق لبريطانيا.
وكان (نيبيان) أكثر ميلا إلى الرأي الثاني فوضع مشروعا يؤيد فيه مساعدة الدول المسالمة في منطقة الخليج للحلول محل القبائل المناوئة.
وكان هذا يعني توطيد السلطة الفارسية على سواحل الخليج ومد نفوذ سعيد إلى رأس الخيمة وكان المشروع يشجع الأتراك على الإحتفاظ بالساحل الممتد من رأس الخيمة إلى ولاية بغداد وقد أوصى المشروع على إقامة قاعدة بريطانية ثابتة في رأس الخيمة على أن يتولى سلطان مسقط نفقات إقامة الحامية.
وعندما أرسل المشروع للحكومة العامة في كلكتا للموافقة عليه رأت أنه أوسع مدى مما يجب ولكنها وافقت على مبدأ التدخل الحربي والسياسي وفي إبريل عام 1819 م إستقر الرأي على المبادئ التالية:
أولا: احترام الأوضاع السياسية الداخلية في الخليج فلا تتدخل بريطانيا لصالح أحد الرؤساء إلا إذا طلب إليها ذلك وحينئذ تؤيد صاحب الحق المشروع وعلى هذا استبعد الرأي بتسليم جزر البحرين لحاكم مسقط.
ثانيا: لا يجب على الهند تشجيع الأتراك على بسط نفوذهم في منطقة الخليج بعد أن استولى ابراهيم باشا على نجد وجميع بلدان التابعة لها.
ثالثا: وضع أسس لحرية الملاحة في الخليج وحق تفتيش السفن بالاتفاق مع القبائل العربية وأخيراً أفضلية جزيرة القسم على رأس الخيمة لإقامة قاعدة بريطانية وهذه المبادئ قد وجهت السياسة البريطانية في الخليج أمدا طويلا.
على أساس هذه القرارات خرجت حملة بحرية كبرى من بومباي في 3 تشرين الثاني 1819م تتألف من ست سفن حربية كبرى علاوة على السفن الصغيرة التابعة لها وعلى ظهرها ثلاثة آلاف بحار أكثرهم من الأوروبيين وقد عين الجنرال (وليام جرانت كير) قائداً لها ووصلت الحملة إلى هدفها الأول في رأس الخيمة في أوائل ديسمبر سنة 1819 م، ورغم عدم تعادل القوات والتفاوت الكثير في الأسلحة التي يستخدمها كل من الخصمين (1/78)
صفحة 79
فقد أظهر عرب القواسم بسالة فائقة في الدفاع عن رأس الخيمة فظل الإنجليز يضربونها ستة أيام من 3 إلى 9 ديسمبر قبل أن يستطيعوا النزول إليها، وقد أقام الإنكليز عدة حاميات كان أهمها يعسكر في رأس الخيمة وبعد إرهاق السكان بالطلبات الكثيرة نزل الجنود الإنكليز ونهبوا البلاد وسلبوا كل ما وصلت إليه أيديهم. قال (ديمر): إن كل واحد من جنود الإنكليز قد زادت ثروته ذلك اليوم ما لا يقل عن (307) جنيهات كما دمرت مائة سفينة حربية في الميناء.
هكذا كانت أعمال الوحشية بعد انتصاراته التي ترتكبها بريطانيا المجرمة ضد كل شعب كان يدافع عن كرامته وسيادته الوطنية. وقد فعلت أكثر من ذلك عند إشتباكها مع بني بو علي ثم في الجبل الأخضر. وفي كل هذه الأعمال كان آل بوسعيد سلاطين مسقط هم يد الإستعمار القذرة التي لطخت الخليج وعمان.
بعد ذلك أخذ أسطول بومباي يمسح الجزء الجنوبي لشاطئ الخليج. وقد عمد (جرانت كير) إلى توقيع معاهدات منفردة مع معظم رؤساء القبائل الذين لهم سلطة مستقرة في المنطقة الواقعة ما بين قطر وحدود سلطنة مسقط وتتناول هذه المعاهدات الإجراءات العملية المناسبة لكل مشيخة من هذه المشيخات ففي المعاهدة المعقودة مع صالح بن صقر شيخ القواسم وضع القائد البريطاني الشروط الآتية:
(أ) يتعهد شيخ القواسم بتسليم السفن الحربية الموجودة في رأس الخيمة أو في الشارقة أو في أبو ظبي ويحتفظ فقط بمراكب الصيد.
(ب) يتعهد الإنجليز بألا يدخلوا أحياء القبائل بغية تخريبها.
(ج) يرد العرب ما لديهم من أسرى الرعايا البريطانيين.
(د) بعد تنفيذ هذه الشروط تقبل القواسم في معاهدة الصلح عامة كبقية القبائل العربية المسالمة.
وهذان الشرطان الأخيران تجدهما في جميع المعاهدات الفردية مع رؤساء القبائل الآخرين ولكن بينما يتعهد الإنكليز للقواسم بعدم إحتلال أحيائهم يشترطون في المعاهدة الثانية المعقودة مع حسن بن رحمة إحتلال موانئ رأس الحنين ومسهرة وجميع القلاع المشيدة في البلدان المجاورة لها، ولما لم يكن لهذا الشيخ منطقة نفوذ محدودة فقد نصت المادة الثانية الاستيلاء على جميع سفنه الموجودة في موانئ المشيخات الأخرى التي وقعت مع الثلاثة الآخرين من مشايخ المنطقة وهم مشايخ أبو ظبي وبني ياس ودبي عن المعاهدة الأولى الخاصة بالقواسم، اللهم إلا في المعاهدة الموقعة مع شيخ دبي حيث وردت مادة تسترعي الانتباه وهي تقول "يمتنع الإنكليز عن الدخول لساحل المشيخة أو عن تحطيم أي حصن أو برج بها ". وذلك إحتراماً للسيد سعيد ويستنتج من هذا أن شيخ دبي كان يعترف بسيادة عمان على منطقته.
وقعت هذه المعاهدات فيما بين السادس والحادي عشر من يناير سنة 1820م وفي الحادي (1/79)
صفحة 80
والعشرين من الشهر نفسه عرض (كير) نص المعاهدة على المشايخ الخمسة تاركا الباب مفتوحاً لغيرهم.
ونظراً لأهمية تلك المعاهدة في تاريخ الأمارات العربية بالخليج ندرج فيما يلي موادها مرتبة مع حذف قليل من التفصيل:
المادة رقم 1: تمتنع الأطراف المتعاقدة عن جميع أعمال السلب والقرصنة في البر والبحر بصفة دائمة.
المادة رقم 2: كل عمل من أعمال السلب أو القرصنة الذي يرتكب بصفة فردية يعتبر ضاراً بالإنسانية ما دامت لا توجد أي حرب رسمية بين الحكومات.
المادة رقم 3: تلتزم السفن التابعة للعرب الأصدقاء (بحكم هذا النصوص) برفع علم أحمر يكون رمزاً على جنسيتها ولا يجوز لها استعمال شعار آخر.
المادة رقم 4: تسوي القبائل المسالمة علاقاتها الداخلية فيما بينها.
المادة رقم 5: يجب على السفن العربية من الآن فصاعداً أن تكون مزودة بورقة موقعة من رئيس المنطقة التابعة لها ويسجل فيها اسم المالك وحجم السفينة وأسماء البحارة ويعين فيها ميناء الخروج وميناء الوصول وإذا قابلت إحدى هذه السفن سفينة بريطانية وطلبت إليها إظهار سجلاتها وجب عليها تنفيذ هذا الطلب.
المادة رقم 6: إذا رغب رؤساء العرب في إرسال ممثل عنهم بهذه السجلات إلى المقيم العام البريطاني في الخليج لتوقيعها جاز لهم ذلك تسهيلا لدخولهم الموانئ البريطانية ولعمليات التفتيش ويشترط عرض السجلات على المقيم سنوياً.
المادة رقم 7: إذا لم تكف قبيلة من القبائل عن القرصنة وجب على القبائل الأخرى أن تجتمع للتفاوض في عمل ضدها ويمكن اشتراك الحكومة البريطانية في التسوية النهائية بعد توقيع العقوبة على القبيلة المذنبة.
المادة رقم 8: أن قتل الأسرى بعد تسليم أسلحتهم يعتبر عملا من أعمال القرصنة ولا يمكن اعتباره عملا من اعمال الحرب المشروعة فإذا ارتكبت إحدى القبائل هذه الجريمة اعتبر ذلك خرقاً لمعاهدة الصلح ويجب على القبائل الأخرى محاربتها بالاشتراك مع بريطانيا ولا يكف القتال إلا بعد تسليم المذنبين
المادة رقم 9: أن خطف الرقيق من الساحل الشرقي لأفريقيا ونقلهم بعد ذلك فوق المراكب التجارية يعتبر عملا من أعمال القرصنة ويجب على العرب الكف عن ذلك.
المادة رقم 10: تستطيع السفن العربية التي تحمل العلم الخاص بها الدخول إلى الموانئ البريطانية وكذلك موانئ حلفاء بريطانيا والتجارة فيها بكل حرية وإذا هوجمت إحدى هذه السفن فإن الحكومة البريطانية تأخذ ذلك بعين الاعتبار. (1/80)
صفحة 81
المادة رقم 11: تعتبر جميع الشروط المذكورة عام، يجوز لمن شاء من الرؤساء الآخرين دخولها بنفس الطريقة التي إنضم بها الموقعون.
ولم تقبل حكومة بمومباي إجراءات (كير) الدبلوماسية ولم تنظر إليها بعين الإعتبار لأنها كانت ترغب في إنتهاج وسيلة أعنف مع المنهزمين ومن أهم الإعتراضات التي وجهت تصرفات القائد (جرانت كير) هو أنه أفرج عن المرضى من الذين وقعوا في الأسر وأبقى بعضهم في رئاسة قبيلته كما أنها أنتقدت نصوص المعاهدة ووصفتها بالنقص لأنها لم تحتو على تحديد نوع العقوبات التي يجب فرضها على المخالفين لمبادئ الملاحة الجديدة كحمل وثائق وغيرها. وكذلك لم تحدد عدد السفن التي يجوز لكل قبيلة إمتلاكها والحجم الذي لا يجوز أن تزيد عليه هذه السفن وانتقدت تساهل كير في عدم تهديم القلاع وإدخال مادة تحرم بناء الجديد منها كما أبدت بومباي رغبتها في إضافة مواد أخرى تحرم استيراد الخشب لبناء السفن من الهند وأخيرا اعتبرت الشروط المتعلقة بتجارة الرقيق وعدم قتل الأسرى غير كافية ولا تتضمن وسائل عملية لتنفيذها ولكن ثبت فيما بعد أن آراء وخطط كير كانت أدعى لإنجاز المخطط البريطاني ونجاح بريطانيا في منطقة الخليج.
" رحمة بن جابر ":
بالإضافة إلى قبيلة القواسم التي قاومت السيطرة البريطانية ونازلت الأساطيل البريطانية فوق كل شبر من الخليج العربي، كان رحمة بن جابر رئيس قبيلة الجلاهمة يضرب ضربات موفقة ضد بريطانيا.
عندما قتل جابر ترك أولاد أربعة كانوا يقيمون مع آل خليفة في " خور حسين " وعندما إستولى آل خليفة على البحرين وطردوا الفرس منها تقدم أبناء جابر طالبين أن يكون لهم مركز ونفوذ كما لأقربائهم ولكنهم عادوا فعدلوا عن مطلبهم ورحلوا مدينة بوشهر ثم رجعوا إلى خور حسين وبدأوا يتمركزون ويقوون أسطولهم البحري وكان الذي تسنم مركز الزعامة هو رحمة بن جابر فذهب أخوه الأكبر لمسقط طالبا مساعدة الإمام لإستعادة خور حسين ولكنه فشل وتوفي في مسقط.
وعندما جردت بريطانيا حملة ضد القواسم 1809 م لم تجرؤ على مهاجمة خور حسين أبدا. وكان رحمة قد إنضم إلى للوهابيين وكان مخطط السياسة البريطانية يؤكد عدم الإساءة للوهابيين في ذلك الحين خوفا من تكتل القوى ضد بريطانيا وطردها.
وهاجم رحمة أربعة عشر قاربا تمتلكها البحرين واستولى عليها كما استولى على عدة سفن تمتلكها مسقط.
وفي عام 1811 م قام رحمة بن جابر وحلفاؤه القواسم بالهجوم على البحرين ولكنه لم يوفق في إحتلالها نتيجة تدخل السفن البريطانية.
وفي عام 1813 م قام رحمة بالإستيلاء على سفينة تجارية محملة بالخيول وتابعة لشركة الهند الشرقية ولم تفلح إحتجاجات المقيم عليه. (1/81)
صفحة 82
وقد كتب المستر بروس 1816 م يقول " إن رحمة سوف يسيطر على الخليج لا محالة إذا لم يوقف عند حده ".
وفي عام 1818 م تقدم رحمة للقطيف وهبط هناك وقصف البلدة بمدافعه وسار إلى الدمام حيث بنى حصنا فيها ليقيم فيه.
وقد رأى رحمه أنه يجب الإستيلاء على البحرين كخطوة أولى في سبيل ضرب الأسطول البريطاني ولكن المقيم البريطاني في بو شهر هدد بتحطيم سفن رحمة إذا لم يوقف الإعتداء على أصدقاء بريطانيا في البحرين.
وفي عام 1820 م طلب المقيم العام من رحمة التوقيع على الإتفاقية العامة التي وقع عليها أمراء الشاطئ المتصالح ولكنه رفض رفضا باتا.
وفي عام 1821 م قام بالهجوم على البحرين فأستنجدت ببريطانيا وأسطولها وأحتج المقيم البريطاني ولكن بدون جدوى.
وعندما غادر الأسطول البريطاني قشم عام 1823 م إغتبط رحمة إغتباطا شديدا ورأى أن باب العمل أمامه أصبح مفتوحا على مصراعيه لتوحيد الخليج تحت قيادته ولكن القيادة البريطانية فطنت لمخططه فأحتفظت بالأسطول قرب جزر البحرين.
وقد إستطاع رحمة من ضرب كثير من السفن البريطانية التي كانت تسير منفردة مما أزعج البريطانيين.
ورغم بلوغه السبعين عاما من العمر لم يتخل رحمة عن حلمه الكبير. وإنتهز حكام البحرين والأسطول البريطاني قلة الرجال لدى أسطول رحمة فقاموا بمهاجمته وبدأت بينه وبين الأعداء معركة حياة أو موت.
وقد قصفهم رحمة قصفا شديدا بمدفعيته المركزة مما أدى لإصابة سفنهم بخسائر فادحة ولكن المدد جاء من سفن أخرى كثيرة فعرف رحمة أنها المعركة الأخيرة وعليه أن ينتقم.
ولما تكاثرت عليه السفن العدوة كان عليه أن يستسلم ويؤخذ أسيرا أو أن يموت فآثر الثانية. وأمر بحارته بالتقدم من السفن المعادية بينما حمل إبنه البالغ من العمر ثماني سنوات وتقدم وبيده نار إلى مخزن البارود في سفينته ومعه بحارته وكانوا على علم بما ينوي فعله إلا أنهم بقوا مخلصين لزعيمهم حتى اللحظة الأخيرة وسرعان ما إنفجر البارود وتمزقت أشلاء السفينة وتبعثرت على صفحة مياه الخليج الخضراء وهكذا ضرب رحمة مثلا رائعا وذهب في ذمة التاريخ مثلا أعلى وقدوة يحتذى.
ولم تسلم السفن المعادية بالطبع إذ أن إنفجار سفينة رحمة بين سفنهم أدى إلى إشتعالها (وعلي وعلى أعدائي يا رب).
لقد ظهرت قوى عربية قاومت الإستعمار ببسالة وشجاعة ولا تزال قوات التحرير في عمان توالي الضربات التي بدأها الأولون وسوف تستمر هذه الضربات حتى خروج آخر إستعماري من أرض عمان والخليج العربي. (1/82)
صفحة 83
التدخل الإنكليزي في القرنين الأخيرين
إن علاقات الإنكليز بالسواحل العربية كانت - قبل وصول سلاطين البوسعيد إلى الحكم - علاقات بسيطة عابرة وشفهية. ولم يكن أي حاكم عربي قد ارتبط بإنكلترا بعقد مكتوب قبل أن يفعل ذلك سلطان بن أحمد.
كان الإنكليز في الفتر الأولى يعبرون على هذا المرفأ أو ذاك دون أن يكون ثمة قواعد أو قوانين دولة تحدد سلوكهم.
ولكن إنقسام عمان إلى قسمين:
1 - قسم ساحلي مركزه مسقط يحكمه سلاطين البوسعيد.
2 - وقسم داخلي مركزه الرستاق أو نزوى يحكمه أما أئمة منتخبون من الشعب أو أمراء يمثلون القبائل شبه المستقلة.
شجع الإنكليز عل التغلغل في مسقط أيام سلطان بن أحمد الذي إنصرف إلى القضايا الدنيوية بكليته. ولم يعط للإمامة أي الثقات ... ومنذ ذاك لم يحاول الحكام المنحدرون من عائلة سلطان أن يظفروا بتأييد ديني أو شعبي لحكمهم. وقنعوا بالإعتماد على ما لعائلاتهم من هيبة وسلطان في المرحلة الأولى ... ثم اعتمدوا في المرحلة الثانية على عمليات البطش والإرهاب من جهة وعلى تأييد حلفائهم من الجهة الأخرى.
فإذا ما عوتبوا في ذلك أو إنتقدوا، اتخذوا من الخطر الوهابي حجة لتبرير سياستهم الممالئة للإستعمار والمستعمرين.
كان الوهابيون (الموحدون) يملكون نفوذا كبيرا بين قبائل القواسم وبني بو علي وكانت حروب الوهابيين وغاراتهم لا تنقطع فعلا ... وكانت القبائل المناهضة للإنكليز في سواحل عمان تعتمد على سند الوهابيين لها عند الشدة. دون أن يكون لآمالها هذه سند كبير من الحقيقة.
فأتخذ سلاطين مسقط من غارات الوهابيين ومن مناهضة القبائل للنفوذ الإنكليزي حجة لإرتمائهم في أحضان المستعمرين. وقد شجعهم الإنكليز على هذا السلوك. وأخذوا - بدورهم - يرجفون أكثر فأكثر عن الخطر الوهابي .... وعن .... تحريض الوهابيين للقبائل العربية الساحلية ضد الإنكليز ليزيدوا من إرتباط حكام مسقط بهم، وإيهامهم أن لا نجاة لهم إلا بالإعتماد على حماية الاسطول الإنكليزي.
مع أن الوثائق التاريخية (الإنكليزية والوهابية) تجمع على خلاف ذلك - فالإنكليز كانوا يحرصون على عدم المساس بالوهابيين أو التحرش بمن يمثل مصالحهم ... والوهابيون كانوا - في مقابل ذلك - لا يتعرضون للمصالح الإنكليزية أو لمن وضعوا أنفسهم تحت حماية الإنكليز. (1/83)
صفحة 84
وقد أصر سلاطين البوسعيد على السير في هذه السياسة الخانعة. ولم يحاولوا الرجوع عنها. فظلوا يبتعدون عن الشعب، ممعنين في توطيد علاقاتهم بالأجنبي، منشغلين بإستغلال أملاكهم في زنجبار وشرق أفريقيا، تحت حماية النفوذ الإنكليزي وبإشراف منه.
كان سلاطين البوسعيد يملكون أسطولا ضخما، بالنسبة لتلك الفترة. ولكن أسطولهم لم يكن حر الإرادة. ولهذا لم يكن ليحوزوا إعجاب عرب عمان الغاضبين على خنوع أصحابه. بل على العكس كانوا ينقمون على إستخدام البوسعيد لهذا الأسطول ضدهم. فالحملات الرئيسية التي إشترك فيها إلى جانب الإنكليز أسقطت هيبتهم وهيبة أسطولهم بدلا من رفعها. ولم يكتفوا بالعلاقات الشفهية القديمة مع الإنكليز فحولوا هذه العلاقات إلى إتفاقية مكتوبة. في عهد سلطان بن أحمد سنة 1213 ه 1897 م.
وفي عام 1800 م وافق سلطان على تعيين أول مقيم بريطاني في مسقط وعدلت إتفاقية 1798 م بما يتفق مع ذلك.
وفي عام 1822 م عقد بين الفريقين معاهدة تتعلق بمنع تجارة الرقيق، على غرار المعاهدات التي فرضتها إنكلترا على مشيخات ساحل الهدنة وإمارات سواحل الخليج العربي.
وفي عام 1839 م وقع سعيد مع بريطانيا معاهدة تجارية جاء في نصوصها:
" إن رعايا صاحبة الجلالة البريطانية يمنحون الحرية الكاملة في الدخول والإقامة والمتاجرة والمرور مع بضائعهم في جمع أراضي (عظمة) سلطان مسقط).
وقد وضع هذا النص خصيصا لإحراج زعماء الداخل الذين أغلقوا عمان الداخلية في وجوه الأجانب.
وفي عام 1854 أي قبيل وفاة سعيد، تنازل - بدون مقابل - للملكة فكتوريا عن جزائر (كوريا موريا) الواقعة أمام الساحل الجنوبي الشرقي لعمان، لتصبح ملكا خالصا لها ولورثتها أو لمن يخلفها.
وقد أدركت بريطانيا عمق صلاتها بمسقط ومدى الخدمات التي يقدمها سلاطينها لها. فدافعت عنهم وحافظت عليهم محافظتها على نور عينيها، لكي تستطيع إستخدامهم في كل لحظة في تحقيق أغراضها الإستعمارية. حتى أنها وضعت قواتها المسلحة وأسطولها الحربي في المحيط الهندي ضد أعداء سلاطين مسقط.
ولولا هذا التدخل الإنكليزي المباشر لوقعت مسقط في أيدي شعب عمان بسهولة ولسقط معها حكم السلاطين الخونة، الذين فقدوا كل هيبة وإعتبار حتى في نفوس أتباعهم. (1/84)
صفحة 85
وفي عام 1856 توفي سعيد بن سلطان فأغتنم الإنكليز الفرصة وأشاروا على أبنائه بإقتسام السلطنة فيما بينهم.
وانقسمت الإمبراطورية الواسعة القوية بناء على هذه التوصية الخبيثة ... وتم إضعافها بدون ضجة إلى إمارتين صغيرتين متباعدتين متعاديتين. تمشيا مع سياسة التفرقة والتمزيق التي سارت عليها إنكلترا مع أعدائها ومع أصدقائها بدون تفريق.
أما القسم الأول فقد شمل مسقط وتوابعها على سواحل عمان. وتولى الحكم فيه ثويني بن سعيد.
والقسم الثاني شمل زنجبار والممتلكات الإفريقية وتولى الحكم فيه ماجد بن سعيد.
كان الإنكليز يطمئنون إلى مسقط وهي دولة كبرة غنية ذات تجارة وأساطيل. حتى ولو كانت خاضعة لهم. فالخضوع يتطلب الضعف والفقر والتوكل .. وهذه صفات لا تتوفر في دولة واسعة غنية. إذ قد يتاح لها زعيم وطني صادق الوطنية يستولي على الحكم ويقضي على النفوذ الإنكليزي. فكان لابد إذاً من إزالة أسباب القوة ... والقضاء على الغنى وإحلال الفقر والضعف والفرقة مكانه. وبذلك يأمن الإنكليز أحداث المستقبل المحتملة فوجهوا همهم لتمزيقها. فلما تم لهم ذلك بموت سعيد .. أثاروا المشاحنات والخلافات بين شطري العائلة في (زنجبار ومسقط) فأتيح لهم بسط نفوذهم على الشطرين.
ولما أشتد النزاع بين الأخوين، عرض خلافهما على اللورد (كاننج) نائب الملك في الهند ليكون حكما. فأصدر حكمه في عام 1861 م الذي قضى بتثبيت الإنقسام وإبقاء كل أخ مكانه. ولكنه فرض على ماجد أن يدفع إلى ثويني حاكم مسقط إعانة سنوية مقدارها 40 ألف ريال. فدفع ماجد المبلغ عدة سنوات ثم توقف. فتعهدت الحكومة (1/85)
صفحة 86
الإنكليزية يدفع المبلغ بدلا عن ماجد من ميزانيتها الخاصة. وذلك تقوية لتركي ضد الإمامة.
هذا من جهة. أما من الجهة الأخرى فقد أثار الإنكليز النزاع الداخلي في قلب عائلة ثويني في مسقط فكثر الطامعون بالعرش ونشبت الحروب والمعارك بين الأخوة والأقارب ... وكان كل منهم يرجع إلى الإنكليز ليحصل منهم على العون الذي يمكنه من الوصول إلى الحكم فحصل الجميع على تأييد إنكلترا ومباركتها ... في وقت واحد.
بعث الأمان:
إنتهز شعب عمان، الخلافات العائلية الناشبة بين شطري أسرة البوسعيد، فتمكنوا من بعث الإمامة وإحيائها من جديد. عندما عقدوا لواءها لإمام شجاع هو عزان بن قيس، سنة 1868 وقد أثارت هذه الحركة مخاوف الحكومة البريطانية، فوقفت ضدها، منذ اللحظة الأولى من قيامها، بل أخذت تتأثر لإسقاطها بتأليب جميع العناصر المعادية لها وتزويدهم بالمال والرشوة والسلاح أيضا. ولم تكتف بكل ذلك، بل إنها شاركت السلطان تركي بن سعيد في محاولته الإطاحة بالإمامة، وفرض حكمه على عمان. وقد إشتركت القوات البريطانية في العمليات العدوانية ضد شعب عمان، فقامت بعض وحداتها بضرب العمانيين الذين كانوا يزحفون على عاصمة السلطان تركي إبن سعيد، غير أن السلطان تركي دفع ثمنا باهضا لقاء تلك المساعدات العسكرية التي حصل عليها من الإنكليز. وكان الثمن إتفاقية جديدة وسعت من إمتيازات بريطانيا ونفوذها في المنطقة الخاضعة لسلطنة مسقط.
ففرضت على مسقط إتفاقيات جديدة منها:
1 إتفاقية مد الأسلاك البرقية، عقدت في سنة 1864 م وبوشر بالعمل فيها فعلا.
2 إتفاقية ثانية لمد الأسلاك البرقية عقدت في سنة 1865 م وسعت حقوق بريطانيا السابقة.
3 معاهدة بإلغاء تجارة الرقيق نهائيا. وعقدت في سنة 1872 م مع تركي معاهدة إشترطت فيها عليه أن يسمح لإنكلترا بإقامة ثلة من الجند في دار وكالتها في مسقط.
ولم تتوقف بريطانيا عن فرض معاهداتها وإتفاقياتها بعدئذ .... فكلما جد حدث جديد، أو ظهر للإنكليز مصلحة ما فرضوا على السلاطين العقود التي تضمن لهم ذلك.
ففي سنة 1891 م عقد الإنكليز مع مسقط معاهدة تجارة وملاحة وصداقة. تعهد السلطان فيها: أن لا يمنع توريد أو تصدير أي نوع من المواد التجارية، وأن لا يضع الرسوم الجمركية إلا بموافقتهم.
كما تضمنت المعاهدة النص التالي: (1/86)
صفحة 87
" يستمتع رعايا صاحبة الجلالة البريطانية - فيما يتعلق بأشخاصهم وممتلكاتهم - في داخل أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط بإمتيازات خارج النطاق ".
لقد حلت هذه المعاهدة محل معاهدة 1839 م وبعد توقيع المعاهدة بيوم واحد، وقع السلطان تعهدا وحيد الطرف مؤداه:
" إنه - أي السلطان - يأخذ عهدا على نفسه وعلى خلفائه وذريته، بأن لا يتنازلوا عن أي جزء من أراضي إمارتهم ولا يؤجرونه أو يبيعونه أو يأذنون بإحتلاله لاحد غير بريطانيا العظمى.
وهكذا نجد أن سلاطين مسقط لم يدخروا وسعا في إرضاء المستعمرين الإنكليز إلا ونفذوه دون أن يلتفتوا إلى مشاعر سكان عمان ... ولا إلى مصالح شعبها .. فكان هذا السلوك منهم يدفع المخلصين دائما للتخلص منهم وتحرير مسقط وعمان من شرورهم.
إعلان الإنكليز حمايتهم على مسقط:
حاول شيوخ عمان وكبار قادتها في مناسبات متعددة تحرير عمان، ومحو آثار الذل والهوان التي فرضها سلاطين مسقط عليها، بالإستيلاء على مسقط وطرد السلاطين منها. وكان رؤساء العشائر الكبرى على رأس هؤلاء القادة، وخاصة عشائر الشرقية وقد برز من بين هؤلاء الشيخ صالح الحارثي وولده إبراهيم الذي أظهر بسالة فائقة رغم أنه لم يكن قد جاوز العشرين، فأحتل مسقط ودخل قصر السلطان ... وعاد يخلص عمان من طاغيتها، وذلك في مدى عام واحد.
ولكن التدخل الأجنبي حال دون إتمام هذه المهمة الوطنية الخطيرة. وقد ساعد على ذلك بقايا الخلافات القبلية التي كانت ما تزال تفرق الشعب العربي في عمان، فتم الصلح مع سلطان مسقط ... وفك الحصار عنها.
إن حصار مسقط ... وعنف المعارك التي دارت في شوارعها ... وإستبسال شعب عمان من أجل تحريرها، كشف للإنكليز مدى الخطر الذي يحدق بها، فقد برهنت الحوادث الأخيرة على ضعف السلاطين وعجزهم عن حماية عاصمتهم.
وكان الإنكليز قد إتخذوا من مدينتي مسقط ومطرح المتجاورتين مركزا أساسيا لحكمهم ونقطة إنطلاق لمطامعهم ... وحولوا المدينتين إلى قاعدة حربية ينتشر منهما تدخلهم وعدوانهم. فخافوا من أن تتكرر حوادث مهاجمتها أو محاصرتها أو إسقاطها.
وكان الشيخ صالح الحارثي قد توفي، بعد أن سبقه ولده البطل إبراهيم الذي توفي أيضا في العام ذاته. وبوفاتهما تضعضعت قوى العشائر في الشرقية نسبيا وسنحت الفرصة الذهبية كي ينفذ الإنكليز فيها عدوانا جديدا بدون إثارة أية ضجة. معلنين حمايتهم لمسقط ومطرح مع عزمهم على عدم السماح لأحد - أيا كان - بمهاجمتها أو إحتلالها.
كانت بريطانيا قد نالت من حكام مسقط كل ما تريده من إمتيازات، بل إستطاعت (1/87)
صفحة 88
أن تفرض على السلطنة ما تشاء بدون إعتراض، حتى أنها استطاعت ان توصل إلى الحكم .... الشخص الذي تتوسم فيه إستعدادا أكبر للخضوع. فلم يعد من مصلحتها - والحالة هذه - أن يسقط هؤلاء الحكام أو أن تزول حكومتهم المتعاونة. فجددت في عام 1865 عهدها الأول الذي أعلنت عنه - بصورة غير مباشرة - في عام 1886 ولكنها حرصت - في هذه المرة - أن يتخذ صفة رسمية ... وأن يحوز على المشروعية. وأوعزت إلى سلطان مسقط ذاته أن يذيع خبر الحماية، وأن يبلغ كبار شيوخ القبائل قرار الحكومة الإنكليزية بصدد ذلك.
والقرار صريح واضح لا يحتاج إلى شرح .. فهو قد تخلى عن المقدسات المعتادة والديباجات الكاذبة. فأنبا في بضع كلمات عما يريده الإستعمار وكفى الله المؤمنين القتال.
" بالنظر لما لبريطانيا من مصالح جوهرية في مدينتي مسقط ومطرح فإنها لن تسمح للشيوخ بمهاجمة هاتين المدينتين مهما كانت الخلافات القائمة بين أولئك الشيوخ والسلطان ".
كانت المنافسة بين إنكلترا وفرنسا قد دفعت بالدولتين في سنة 1862 للنزاع حول بعض الحقوق في مياه مسقط وزنجبار ... ولا سيما حق السفن غير الفرنسية برفع العلم الفرنسي ... فعمد الإنكليز على إجراء إتفاق مباشر مع الفرنسيين وإعلان إستقلال المنطقة وذلك لتخفيف حدة التوتر، ولكي يتاح لهم الإستئثار بحكمها دون تدخل أحد .. عن طريق المعاهدات والإتفاقيات .. فأعلنوا أن البلاد العربية المتنازع عليها سياسيا مستقلة ... وأن لا شأن لأي من الدولتين في (فرنسا وإنكلترا) بها. وإن حكومتي زنجبار ومسقط حكومتان حرتان في تصرفاتهما. فقبل الفرنسيون بهذا الحل ... ولكنهم اشترطوا أن يضمن الفريقان هذا الإستقلال بنص مكتوب.
وهكذا صدر ما يسمى ب (بيان باريس) في عام 1862 م الذي تعهد فيه الفرنسيون والإنكليز: بإحترام إستقلال سلطان مسقط وسلطان زنجبار. (1/88)
صفحة 89
وإستنادا على هذا البيان منح فيصل بن تركي للفرنسيين حتى إنشاء مرفأ لهم على ساحل مسقط لإستخدامه في شحن الفحم.
ولما كان منح مثل هذا الإمتياز للفرنسيين يمس مصالح إنكلترا الإستعمارية في المنطقة، لجأوا إلى فيصل وأخذوا يهددونه بإستخدام القوة .. فألغى المنحة فورا .. فعاد النزاع بين الدولتين، وسمحت فرنسا لنفسها بأن تتصل بمختلف المتنفذين في مسقط ... وزنجبار وساهمت في تهريب الأسلحة إلى القبائل، الأمر الذي اضطر الدولتين لعقد إتفاقيات، كما إضطرهما لرفع الخلاف إلى محكمة دولية دائمة في عام 1905 م (1).
فلما خاف اللورد كرزون - الداهية الإنكليزية ونائب الملك في الهند - من خطر المنافسة الفرنسية وتضاؤل هيبة إنكلترا في الخليج العربي عين ضابطا من ضباطه الموثوقين، وكيلا سياسيا في مسقط، هو السر (برسي كوكس) الإستعماري والدبلوماسي المشهور مزودا إياه - قبل سفره - بالنصيحة التالية: التي تكشف عن حقيقة موقف الإنكليز من حكام مسقط (2):
" دع السلطان يفهم أن كل إعتبار من إعتبارات السياسة والروية والخبرة الماضية وآمال المستقبل، تكرهه على أن يظل جانبنا ولكن الواجب عليه أن يسلم بأن مصالحه مرتبطة بمدى ولائه لبريطانيا العظمى ".
فعمل كوكس بموجب هذه النصيحة خلال السنوات الخمس التي قضاها في مسقط، وذلك في سبيل تثبيت السياسة الإنكليزية في الخليج ومسقط بالشكل الذي أراده اللورد كروزن والذي قال برسي كوكس عنه موضحا هذه السياسة:
" إننا نمد حاكمها (مسقط) بإعانة، ونملي سياستها ولهذا فعلينا أن لا نسمح بتدخل أجنبي في شؤونها " (3).
كما ألقى اللورد لانزداون - وزير خارجية إنكلترا في 5 مايو 1903 م خطابا قال فيه: " يجب أن نعتبر أن إنشاء قاعدة بحرية أو ميناء محصنا في الخليج من جانب أي دولة أجنبية أخرى تهديدا خطيرا للمصالح البريطانية وبكل تأكيد يجب أن نقاومه بجميع الوسائل التي تحت تصرفنا ".
ولم تتبدل هذه السياسة الإنكليزية قيد شعرة، بل تعززت في نفس الإتجاه بالنسبة لسلاطين مسقط وبالنسبة لمشايخ السواحل الخاضعة لبريطانيا.
__________
(1) / الإستعمار في الخليج
(2) / عمان والساحل الجنوبي للخليج: شرطة الزيت ص 72
(3) / عرض الحكومة السعودية المجلد الأول: ص 278 – 284 (1/89)
صفحة 90
فقد كتب اللورد كروزن عن سلطان مسقط بمناسبة الرحلة التي قام بها الأول إلى الساحل العربي في عمان والخليج في عام 1902 م ما يلي:
" سلك صاحب العظمة السلطان في هذه المناسبات جميعا مسلك البساطة والوقار وكان مسلكه مسلك تابع موال للحكومة البريطانية، لا مسلك حاكم مستقل، إن الموقف وما أحاط به بدا أنه كافيا - في نظر السلطان يقنعه بالإعتماد على صداقتنا، والوقوف موقف الإذعان لرغباتنا ".
وهكذا نجد أن الإنكليز حينما أعلنوا بيان باريس لم يكونوا جادين ولا صادقين، وهم في حقيقة أمرهم يحتقرون سلاطين مسقط .. ولا يستنكفون عن إهانتهم والتعريض بخنوعهم وذلهم، ولم يكونوا راغبين قط في إحترام إستغلال مسقط أو زنجبار، وإنما كان عملهم مجرد تدبير مؤقت، أملته ظروف المنافسة القائمة بينهم وبين فرنسا. ولم يكن الإنكليز ينظرون إلى مسقط وحكامها إلا على أساس أنهم مجرد أتباع يدورون في فلك السياسة البريطانية، ويحدمون مصالحها.
الثورة:
إجتاحت الثورة عمان من أقصاها إلى أقصاها. وأوشكت أن تطيح بحكم الخونة والعمالة، وتمحو أثر الذل والهوان، التي رسمها سلاطين البوسعيد. غير أن تدخل الأجنبي، ومساعدته لهم حالا دون إتمام هذه المهمة الوطنية الخطيرة، ورأت عمان بأن عليها أن تواصل الكفاح.
ورغم أن العمانيين ظلوا محتفظين بتقاليدهم وإمامتهم، يقلدونها للعناصر الوطنية المخلصة من أبنائها، إلا أنهم ظلوا يواصلون محاولاتهم للقضاء على حكم السلطنة، الذي قام على الخيانة، بالإعتماد على الأجانب. واستمر الصراع بين الشعب العماني من جهة وسلاطين البوسعيد وحلفائهم البريطانيين من جهة أخرى. وقام العمانيون بمحاولة أخيرة سنة 1920 م لتحرير البلاد، وإعادة الأمور إلى نصابها، ومرة أخرى إنحاز البريطانيون إلى جانب سلطان مسقط، يساندونه ماديا ومعنويا ضد الوطنيين.
رضوخ المستعمرين وتجميد الأوضاع:
ولقد أدرك الإنكليز مدى إصرار العمانيين على تقويض نفوذهم في عمان، والإطاحة بصنائعهم سلاطين البوسعيد. الأمر الذي كان يهدد هؤلاء السلاطين لا في عمان وحدها وإنما في منطقة الخليج العربي كلها. ووجدوا أن خير طريقة تؤدي إلى إستقرار الأمور في عمان، وبالتالي في المنطقة المعنية بالأمر كلها، من الخليج العربي إلى المحيط الهندي هي في تجميد الأوضاع، وذلك عن طريق الإعتراف لشعب عمان ببعض الحقوق فعرضوا على أهل عمان فكرة تقسيم عمان إلى دولتين، والإعتراف بالإمامة إعترافا رسميا كمنطقة مستقلة، لها سياستها القانونية على أراضيها، على أن ينحصر حكم سلاطين البوسعيد وسيادتهم على الشق الساحلي الممتد من ظفار حتى ساحل عمان ويستقل العمانيون بمنطقتهم الداخلية من عمان ويتمتعون فيها بحق إقامة النظام الذي يتلائم مع تقاليدهم. (1/90)
صفحة 91
معاهدة السيب وإستقلال عمان:
وقد اضطر الشعب العماني إلى قبول ذلك العرض، كحل وسط موقت، رغبة منهم في تجنيب البلاد المزيد من الخراب وإراقة الدماء، التي نشأت عن عدم إستقرار الأمور ونشوب الثورات بصورة مستمرة. وقد إنبثقت عن تلك الموافقة معاهدة سميت: بمعاهدة السيب لسنة 1920. والتي تعترف بإمامة عمان، دولة مستقلة، لها كيانها الخاص، ونظامها الخاص. وقد جرى توقيع تلك المعاهدة بين الطرفين - إمام عمان، وسلطان مسقط - يومئذ - تيمور بن فيصل بواسطة ممثل الحكومة البريطانية في سلطنة مسقط.
إستقرار الأمور بعد توقيع معاهدة السيب لسنة 1920 م:
وضعت معاهدة السيب المشار إليها آنفا، والتي أنهت فترة طويلة قلقة - وضعت حدا مؤقتا للصراع، بين القوى الوطنية في عمان، وبين الإستعمار البريطاني والإستبداد الداخلي، الذي يمثله سلاطين البوسعيد. لقد كانت أشبه بالهدنة، في الواقع بين القوتين المتعاديتين، إذ أن تلك المعاهدة لم تستطع أم تمحو آثار الحقد الكامن في النفوس، والذي زاده تقسيم البلاد إلى منطقتين، تأججا وإضراما.
ولقد فضل العمانيون، على مضض منهم، قبول مشروع معاهدة السيب، بإعتباره حلا وسطا، وخطوة لتجنيب البلاد مزيدا من المشاكل والكوارث والحروب الدموية. وحددت معاهدة السيب وضع الأمور بين المنطقتين، وأشاعت قدرا كبيرا من الإستقرار والتفرغ لممارسة الحياة العادية.
على أن الشعب العربي في عمان ظل يؤمن في قرارة نفسه بأن تلك المعاهدة ليست إلا حلا مؤقتا. بل أن الأسس التي قامت عليها تلك المعاهدة كانت تتعارض والمبادئ التي آمن بها الشعب العماني. وكلهم قبلوها مرغمين، ريثما تسنح لهم الظروف بتوجيه الضربة القاضية إلى الإستعمار. ولهذا ظل أئمة عمان إلى جانب الشعب يعتبرون سلاطين البوسعيد حكاما منحرفين يسيرون في ركاب الإستعمار. (1/91)
صفحة 92
بنود معاهدة السيب:
اولا: أن يكون كل وارد من عمان من جميع الأجناس إلى مسقط ومطرح وصور وسائر بلدان الساحل لا يؤخذ منه زيادة عن المئة خمسة.
ثانيا: أن يكون لجميع العمانيين الأمن والحرية في جميع بلدان الساحل.
ثالثا: ترفع جميع التحجيرات على جميع الداخلين والخارجين من مسقط ومطرح وجميع بلدان الساحل.
رابعا: أن لا تأوي حكومة السلطان مذنباً يهرب من إنصاف العمانيين وأن ترجعه إذا طلبوه منها وأن لا تتدخل في داخليتهم.
هذه الشروط الأربعة للإمامة إعترافا بإستقلالها
وأربعة شروط للسلطنة هي:
أولا: كل المشايخ والقبائل يكونون بالأمن والصلح مع حكومة السلطان وأن لا يهاجموا بلاد الساحل وأن لا يتدخلوا في حكومته.
ثانيا: كل المسافرين إلى عمان لمشاغلهم الجائزة والأموال التجارية يكونون أحراراً ولا تكون تحجيرات على التجارة ولهم الأمن.
ثالثا: كل محدث ومذنب يهرب يطردونه ولا يؤوونه.
رابعا: أن تكون دعاوي التجارة وغيرهم على العمانيين تسمع وتفصل على موجب ما هو الإنصاف بالحكم الشرعي.
حرر هذا في بلد (السيب) يوم الحادي عشر من شهر المحرم سنة 1339 ه الموافق 25 ديسمبر سنة 1920 م.
قد أتممت ما أتمه الشيخ عيسى بن صالح عني من هذه الشروط. كتبه إمام المسلمين محمد بن عبدالله بيده.
أقول وأنا نائب إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي أني رضيت الشروط المحررة هنا بتفويض من إمام المسلمين وأنا عيسى بن صالح بيده (1).
وقبل أن تعقد معاهدة السيب توفي الإمام سالم بن راشد الخروصي وأنتخب الإمام محمد بن عبدالله الخليلي بدلا عنه. فساد عمان أثناء إمامته فترة هدوء إمتدت أربعة
__________
(1) / نشرة مكتب إمامة عمان في القاهرة رقم 5 ص: 8 - 9 – 10 (1/92)
صفحة 93
وثلاثين عاما إنصرف فيها الإمام إلى شؤون إمامته ينظمها ويحميها ولكن الهدوء كان ظاهريا ويخفي وراءه كثيرا من دسائس الإنكليز ومكر سلطان مسقط سعيد بن تيمور الذي خضع للإنكليز خضوعا كاملا.
الإمام غالب بن علي:
وعندما توفي الإمام محمد بن عبدالله عام 1954 م، ظن الإنكليز وعميلهم سعيد بن تيمور أن الفرصة قد حانت، فخيب شعب عمان ظنونهم حين إنتخب الإمام الجديد غالب إبن علي قبل أن يدفن الإمام الراحل. عندئذ لجأ سعيد بن تيمور إلى أسياده الإنكليز يطلب منهم إستخدام القوة لتحقيق أغراضه.
بعث الإمامة:
خلت الإمامة ممن يليها مدة تزيد على 43 عاما بعد إستشهاد الإمام عزان بن قيس. وفشلت جميع المحاولات لبعثها قبل عام 1913 م، وخضعت عمان خلال هذه الفترة الطويلة إلى الظلم والعسف والتدخل الأجنبي، وهانت الرعية ولم يلتفت الحكام إلى أي إصلاح .. وتجزأت الدولة، وصار للإنكليز في كل شبر من سواحلها معقل يستخدمونه ضد البلاد ... يساعدهم على ذلك النزاع القبلي.
فلما اشتدت ويلات التجزئة على شعب عمان، وأدرك العقلاء جيدا أن النزاع القبلي وتفكك العشائر وإثارة النعرات والخلافات وأسباب العداء بين الناس عامل أساسي من عوامل فشل الإمامة في البقاء،، .... تجمع المختصون من أبناء الشعب العربي في عمان حول رجال الدين وزعماء القبائل وقادة الأمة، وتعاهدوا على نبذ كل أسباب الفرقة، وعلى توحيد الأمة في بوتقة المصلحة العامة. ومحاربة كل نعرة قبلية أو غيرها مما يسبب تفتت قوى المجتمع وتبعثرها. وقد تم لهم ذلك فتوحدت الأمة حول هدف أساسي هو بعث الإمامة وصيانتها .. ومكافحة التدخل الأجنبي ... وإخضاع حكام البوسعيد الخونة إلى إرادة الأمة ... وبسط سلطان الإمامة على منطقتهم الساحلية.
فوقع الإختيار في عام (1331 ه - 1913 م) على سالم بن راشد الخروصي فبايعوه إماما، والتفوا حوله فكون جيشا قويا موحدا، وقاده للاستيلاء على عمان وإخضاع سلاطين مسقط.
وإستولى الإمام في عام 1913 م على نزوى وإزكي في عمان الوسطى ثم إستولى على سمائل، فجند الإنكليز كل ما يستطيعون تجنيده لإسقاط الإمامة ونصرة عميلهم فيصل بن تركي - سلطان مسقط - ولكن فيصل بن تركي مات والمعركة لم تنته بعد، وعجز إبنه وخليفته تيمور عن إيقاف زحف الإمام، فأكتفى بالدفاع عن مسقط. وتجمعت القوات الإنكليزية في (فلج القبائل) على أبواب المدينتين ترد عنهما هجمات الإمام في عام 1915 م. (1/93)
صفحة 94
كانت الحرب العالمية الأولى قد أحرجت موقف الإنكليز وكشفت عن ضعفهم في المنطقة. فطلبوا المفاوضة من أجل الصلح، وتم الصلح فعلا في عام 1920 م وعقدت معاهدة السيب.
وقبل أن تعقد معاهدة السيب توفي الإمام سالم بن راشد الخروصي وانتخب الإمام محمد بن عبدالله الخليلي بدلا عنه.
دامت إمامة محمد بن عبدالله حتى عام 1954 حيث توفي فأختير الإمام غالب إبن علي الهنائي إماما بدلا عنه، وهو الإمام القائم الآن والذي يقود نضال شعب عمان ضد الغزو الإنكليزي.
وكانت بريطانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية قد بدأت تدرك ضعف مواقعها في الهند ومصر والسودان والعراق فوجهت إهتمامها إلى سواحل عمان والخليج لتتخذ منها معقلا يلجأ إليه نفوذها المتداعي، وقلعة تركز فيها قواتها بحيث تستطيع الإعتماد عليها في الأزمات. مضافا إلى ذلك أطماعها على صعيد إستثمار البترول الذي تأكد لها توفره بكميات هائلة في المنطقة.
وفي سبيل ذلك راحت الإمبراطورية المتداعية تنشئ عددا من القواعد البحرية والبرية والجوية.
غير أن يقظة الإمام الحالي غالب بن علي صعقت الإنكليز في حينه. فقد هب ليحارب هذه السياسة الرعناء الطائشة، وأبى قبول الوضع الذي يراد به إجبار عمان على الخضوع للسياسة الإستعمارية الإنكليزية، وشرع يتصل بالعالم العربي المحيط به، وبدأ بذلك يفك الحصار من حوله بعزم وإصرار ويمكن شعبه من أن يستمد العون من أشقائه العرب.
وهكذا فإن محاولة الإمام غالب بن علي على الخروج بشعبه العربي من عزلته وذلك عن طريق توثيق علاقات الإمامة بجامعة الدول العربية وإقامة نواة جيش عربي حديث وتسليحه، كانت من أهم العوامل التي دفعت الإستعمار إلى القيام بسلسلة إعتداءاته الوحشية، وما يزال حتى الآن يتخبط في سياسته الغاشمة؟.
يبلغ الإمام غالب بن علي الخامسة والأربعين من عمره، وكان يعمل قاضيا قبل إنتخابه إماما للقطر الشقيق المناضل. متزوج وله ولد واحد وشقيقان، وهو ينتمي إلى قبيلة بني هناءة التي تنتسب بدورها إلى اليعاربة (1).
التمهيد للعدوان:
في عام 1953 م كانت شركة البترول الإنكليزية قد بدأت أعمالها التمهيدية للتنقيب عن البترول في مسقط فبدأ الإستعمار يتخفى وراء هذه الشركة ويتستر بمصالحها لتحقق الإجراءات الممهدة للعدوان الخبيث بدون أن تثير تلك الإجراءات ضجة محلية أو عالمية. فقد زعمت الشركة أنها لا تستطيع العمل بدون جيش يحميها، فأخذ جهاز الإستعمار (1/94)
صفحة 95
الإنكليزي وجيشه القديم والحديث يخطون معها نحو الداخل خطوة خطوة.
زعمت الشركة أنها بحاجة إلى جيش خاص بها .. تتولى إنشاءه حديثا، فوافق سلطان مسقط على طلبها، وبدأت بتنفيذ ذلك في مدينة (فلج القبائل) الكائنة على أبواب مسقط، وسميت القود الجديدة ب " قوة ميدان مسقط وعمان ".
وفي شهر تموز من سنة 1953 م وصل إلى مسقط ضابط بريطاني برتبة ميجر هو (ماك جل) يحمل رسالة من السلطان سعيد بن تيمور إلى نائبه شهاب بن فيصل يأمره بالتعاون مع الضابط المذكور لتكوين معسكر ... ونواة جيش متنقل يحمي الشركة. وبدأت البواخر تنزل العتاد والذخيرة ... وتكون الجيش ثم ركز أعماله في بلدة (فلج القبائل) الآنفة الذكر ... وأخذ الضباط الإنكليز يتواردون تباعا إلى مسقط بحجة تدريبه.
رأى المستعمرون، أنه لا يمكن السطو على ثروة عمان ذات التاريخ الإستقلالي المجيد إلا بالقوة والقهر ... والجيش الجديد يحقق للإستعمار ذلك.
ورأى المستعمرون أن بناء القلعة الجديدة في عمان، لمقاومة الحركات الوطنية العربية، ولم فلول جيوش الإمبراطورية المفككة ... لا يتم إلا بالقوة والقهر ... وهذا الجيش الحديث، يحقق لهم ذلك أيضا. إذا فليبذل المال بسخاء، لتقويته وتسليحه ... هكذا كان ... فإن هذا الجيش الذي أنشئ بحجة حماية الشركة هو الذي تقدم مع قوات مسقط ومع القوات الإنكليزية الأخرى لإحتلال نزوى عاصمة الإمامة بعد سنتين من تأليفه.
خطط الغزو:
كانت الخطة التي وضعها المستعمرون وأعوانهم .. خطة طويلة الأجل، ومرسومة بدقة وأناة ... لا لتنفيذها دفعة واحدة. بل ليتم تنفيذها على مراحل ... وفي الأوقات المحددة ... بحيث يحقق المستعمرين ما يريدون.
ففي أوائل عام 1954 م، بدأت المرحلة الأولى لخطة المستعمرين .. إذ أمر الجيش الجديد، بالإنتقال بحر إلى ميناء صغير يقوم في الجنوب ... ويجري إنشاؤه على عجل .. يسمى (رأس دقم).
كما نقلت إلى هناك جميع المعدات والأسلحة والذخيرة، ووصلت البواخر الإنكليزية تحمل الباقي من العتاد للجيش.
وفي هذا الميناء بالذات - تم تدريب الجنود على عجل - وأصبح هذا المقر مركزا للقيادة العامة. وأخيرا وبعد أن تم التدريب، بدأ الإنكليز ينتقلون إلى تنفيذ المرحلة الثانية، فزحف ثلثا الجيش بالسيارات، يحمل عتاده إلى عمان الداخلية، فأحتل مدينة عبري عنوة وبدون سبب، وبدون سابق إنذار أو مقدمات، في آواخر عام 1954 م.
وبعد أن تم لهم إحتلال مدينة عبري شرعوا يهيئون الظروف للإنتقال إلى تنفيذ المرحلة الأخيرة ألا وهي الزحف العام ضد الإمامة. (1/95)
صفحة 96
الزحف الغادر على عمان الداخلية:
في 15 كانون الأول 1955 م وبعد أن تهيأت للإنكليز جميع ظروف الغزو زحفوا بكامل قواتهم إلى العاصمة نزوى، بدون سابق إنذار، وبصورة مفاجئة غادرة. مستخدمين في هجومهم الصواريخ والطائرات وجميع آلات الدمار، فأحتلوها بعد مقاومة بطولية أبداها شعبها الباسل.
لقد كان الزحف العدواني المفاجئ عاما، وفي وقت واحد. فقد هاجم الإنكليز عمان من خمس جهات، ليبلبلوا الإمامة وليشتتوا أنصارها ولكي يربكوا خطط دفاعها.
ولم يكتف المستعمرون بكل ما وصلوا إليه من عدوانهم. بل طمحوا إلى المزيد من السيطرة وخنق الحريات فأقاموا في كل منطقة من أرض عمان حامية إنكليزية، وجعلوا عبري مركز الحاميات القيادي، بعد مسقط، فوضعوا حامية في (نزوى) وثانية في (سمائل) وثالثة في (بدبد) وأخرى في (طوي سليم) وسلموها - بالإضافة إلى مهام الجيش - مهام الشرطة المحلية، ليحموا ظهور القوات العسكرية الأساسية، وليمكنوا موظفي الشركة من تنفيذ أعمالهم.
ولم يكن الهجوم العدواني المباغت على عمان خطة مستقلة، عن الخطط العدوانية الإنكليزية الكبرى التي ينفذونها في مختلف أجزاء الوطن العربي، بل كانت جزءا مهما من تلك الخطط، تربطها بها أوثق الروابط ... ففي الوقت الذي كانوا يهاجمون فيه عمان كانوا يهيئون قواهم في البحر المتوسط للقيام بعدوان آخر ضد الأمة العربية.
جنون الدعاية الإستعمارية وأكاذيبها:
حالما شن المستعمرون غاراتهم المفاجئة، وقاموا بعدوانهم الآثم. واحتلوا العاصمة نزوى، بدأت أبواق دعايتهم تجأر بالأكاذيب. وشرعت الصحف البريطانية والإذاعات والكتب ومختلف وسائل الدعاية ترجف وتفتري زاعمة أن المعركة قد إنتهت وإن الإمامة قد ألغيت.
ولكن لم يمض على هذه الأكاذيب أيام .. حتى كانت المقاومة قد عمت أنحاء عمان ... فألتهبت الأرض تحت أقدام المعتدين، وذهبت أحلامهم بددا.
زعم المستعمرون أنهم لم يحاربوا عمان،، وإنما كان أميرهم سلطان مسقط هو الذي يحارب ل " توحيد البلاد " وبما أن السلطان سعيد بن تيمور صديق قديم لهم فلا بد أن يتدخلوا لحمايته ... وإلا فأين تكون الصداقة؟.
وهكذا فقد تدخلوا ... لا لشيء ... ولا لغرض خاص بهم ... وإنما لمجرد حماية " صديقهم ".
وما قصة هذه الصداقة التي تخوض بريطانيا من أجلها الحرب إلا أسطورة جديدة من جملة أساطير الإستعمار ... يريد أن يبرر بها جرائمه التي لا يمكن أن تبرر. (1/96)
صفحة 97
إن بريطانيا المستعمرة ... (العجوز المتصابية) بعد أن فقدت نفوذها وإعتبارها في كل مكان .. وبعد أن تزعزعت دعائمها وترنحت وآلت إلى السقوط، وأخذت تتشبث بكل شيء .. كالغريق .. لعل تشبثها هذا يسند صرحها المنهار فكانت حملة الدعاية ونشر الأكاذيب من جملة ما تتشبث به.
ولكن هذا الأسلوب لم يجدها شيئا ... فأغراضها الحقيقية التي تود إخفاءها وراء سيل من الأكاذيب، قد إفتضحت ولم يعد ثمة قوة تستطيع أن تضلل الناس أو تخفي هذه الشرور.
وقد تولت معظم الصحف العالمية - حتى في البلاد الإستعمارية - فضح هذه الأسطورة مع الكشف عن السبب الحقيقي للعدوان:
نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 27 تموز 1957 م مقالا بعنوان " الحاكم الذي يريد البترول، سعيد بن تيمور " قالت فيه:
" في الشرق الأوسط نوعان من الحكام الأغنياء بالبترول، وأولئك الذين يريدون الإغتناء بالبترول. والسلطان سعيد بن تيمور من الفريق الثاني. والحقيقة أن آماله هذه تقاسمه فيها الحكومة البريطانية وشركات البترول الأمريكية والإنكليزية، مما جعل حياته معقدة ومشاكله خطيرة. وهذا هو الذي دفعه لأن يطلب من (أصدقائه) المقربين من رجال سلاح الطيران الملكي الهجوم على حصون إمام عمان الشيخ غالب بن علي. فمنذ عامين ورجال شركة بترول العراق البريطانيون ينقبون في عمان، ولكن إمامها وأتباعه يهددون السلطان فيضطر للجوء إلى البريطانيين من وقت لآخر لحصر الإمام في منطقته. وإذا ما نجح الإمام في هذه المرة، فإن السلطان قد يفقد البترول وكذلك تفقده شركة بترول العراق".
فالبترول إذاً هو السبب وليست صداقة سعيد بن تيمور.
تقول النيويورك تايمز أيضاً (1)
" والسلطان سعيد بن تيمور ليس غبيا لينسى هذه الحقيقة. بل هو يعي هذا ويعرفه ... ويتعاون معهم على هذا الأساس فثقافته غربية وهو يقرأ الصحف الإنكليزية والأمريكية بإنتظام. وهو يعلم أيضا أنه إذا فقد عمان فسيفقدها الإنكليز معه بل سيفقدون معها البريمي، وإذا فقدوا البريمي، يفقدون المشيخات التي تسيطر عليها بريطانيا والتي تجاور السلطان من الشمال. وستكون السيطرة البريطانية على الكويت والبحرين معرضة للخطر والتهديد ويمكن أن تقع منطقة الخليج كلها في أيدي العرب ".
وشرحت جريدة أرموند الفرنسية خطة إنكلترا في عددها الصادر في 28 تموز سنة 1957 م ما يلي:
(1)
__________
(1) / سلطان وإستعمار: فيصل بن علي بن فيصل ص 57. (1/97)
صفحة 98
• أولاً: تركيز عمليات السلاح الجوي البريطاني على قوات الوطنيين العمانيين.
• ثانيا: تحصين واحة البريمي حتى لا تتسرب إليها قوات المواطنين.
• ثالثا: إحتلال عمان الداخلية ... بعد أن يكون سلاح الطيران قد شتت شمل المواطنين.
• رابعا: قيام الأسطول البريطاني بحصار الشواطئ وغلق الخليج العربي لمنع تسرب الأسلحة للمواطنين.
والحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أن بريطانيا ذاتها إضطرت أخيرا لتكذيب نفسها فأعترفت بسبب الحملة الحقيقي.
قال سلوين لويد في مجلس العموم البريطاني:
" إن كل ما نقوم به من أعمال ضد شعب عمان هو تأكيد للصداقة والمودة التي تربطنا بسلطان مسقط "
فلما سأله أحد نواب المعارضة:
" هل هذه الصداقة تكلف بريطانيا التضحية برجالها؟.
اضطر سلوين لويد للإعتراف بالسبب الحقيقي فقال:
" إن بريطانيا ستفقد نفوذها في الخليج وجنوب جزيرة العرب إذا لم تقم بمساندتها للسلطان "
فالمحافظة على مصالح بريطانيا إذاً وحماية نفوذها في الخليج ... هما السبب لا صداقة سعيد بن تيمور الخائن. (1/98)
صفحة 99
ثورة تموز لعام 1957 م:
وبعد أن قام الإنكليز بشن عدوانهم الغادر في عام 1955 م وإستطاعوا بزحفهم المفاجئ أن يحتلوا كثيرا من مدن عمان. تحول المناضلون العمانيون إلى المعاقل التي لم تسقط في يد العدو. وإلى الجبال المنيعة، وخاصة في الجبل الأخضر. يشنون منها المعارك على طريقة حرب العصابات على القوات البريطانية، حتى دوخوها وبلبلوا خططها كما أفقدوا شركة البترول الراحة والطمأنينة وعطلوا أعمالها في عمان الداخلية.
وبدلا من أن يشتت الغزو الأجنبي قوات الإمامة ويفض الناس من حول الإمام - كما خيل للمستعمرين ولأجيرهم سعيد بن تيمور - إزدياد تعلق العمانيين بالإمام وتضاعف إحترامهم له. ذلك لأن الإمام لم يستسلم لإنكساره في المعركة الأولى ولا أطار الفشل الأول صوابه. بل إنتقل مع الثوار إلى معاقلهم الجبلية المنيعة وأخذ يوجه المعارك ويشارك فيها - أسوة بالأئمة الشجعان الأولين - وهكذا زاد إعتداد الجيش بقائده ... فأنزل ضرباته القاصمة بالمعتدين.
وظل الأمر -كذلك - عامان ... كانت القوات العربية العمانية الشعبية تتكتل فيها، ترسل الأفواج الجديدة إلى مقر الإمام لتنضوي تحت لوائه، وخاصة قوات القبائل، إستعدادا للمعركة الفاصلة.
فلما تمت الإستعدادات، وجه الشيخ إبراهيم بن عيسى الحارثي سؤاله التاريخي إلى سلطان مسقط قائلا: " نريد أن نعرف كيف تحكمنا؟ ".
وأرسل السلطان الماكر (سعيد بن تيمور) إلى الشيخ إبراهيم الحارثي يدعوه إلى مسقط للمفاوضة، ومنحه الأمان، فلما ذهب إليه غدر به السلطان - كعادته - واعتقله بها وحاول في الوقت ذاته إعتقال شيخ بني ريام فلم يفلح، فعجلت عملية الغدر - هذه - في إندلاع نيران الحرب.
أنذر زعماء عمان السلطان مطالبين بإخلاء سبيل الشيخ إبراهيم الحارثي وأمهلوه خمسة أيام، فلما مضت ولم يطلق السلطان سراح أسيره الكبير، إندلعت نيران الثورة بين القبائل ضده، وتوحدت عمان وأجمعت على المشاركة في هذه الثورة، فعمت - خلال أيام معدودة - كل شبر في البلاد.
وتولى الإمام غالب بن علي قيادة الحرب التحريرية الجديدة، التي لم تكن إلا إمتدادا للنضال والمعارك التي إستعرت منذ عام 1955 م.
وكرد على مزاعم الأجنبي وتخرصاته، أعلن الإمام غالب بن علي أن المجاهدين صامدون أمام العدو ... وأعلن أن النضال لن يتوقف حتى ينتزع العمانيون حقهم من فم الذئاب ... كما أعلن صراحة .. أن العدوان ليس عدوانا مسقطيا فقط .. وإنما هو عدوان بريطاني إستعماري سافر ... وإننا في كفاحنا ضد قوات الإستعمار التي (1/99)
صفحة 100
تفوقنا عدة وعددا، نعتمد على مساعدة العرب لنا ومؤازرة أحرار العالم.
بدأت الثورة بقيادة الإمام غالب بن علي وأخيه طالب بن علي، فهاجما جيش السلطان والقوات الإنكليزية التي تقاتل معه في 19 تموز (يوليه) 1957 م. وكان الضابط البريطاني (بل تشمان) يقود القوات المعادية، فهزم أمام قوات الشعب العماني في شوارع نزوى.
فأرعب الموقف سعيد بن تيمور فطلب النجدة البريطانية في اليوم ذاته.
وأضطر أحد المسؤولين الإنكليز بأن يعترف أن الوطنيين العمانيين يسيطرون على المنطقة الداخلية في عمان، وأن قوات السلطان قد تكبدت خسائر كبيرة أثناء المعركة التي دارت بينها وبين قوات الوطنيين.
وسرى الرعب في قلب سلطان مسقط إلى قلب الحكومة الإنكليزية وخافت من أن يتحول النصر الذي أحرزته الثورة العربية في عمان الوسطى إلى نصر شامل، فأضطربت الحكومة الإنكليزية في لندن وتناقلت أسلاك البرق والصحف والإذاعات أخبار عمان الباسلة.
ودارت النقاشات في مجلس العموم البريطاني، فأعلن سلوين لويد: عن عزم حكومته على الرد - بقسوة - على الثورة وقال:
" إن القوات البريطانية قد تحركت وأن سلطان مسقط قد طلب المعونة منا فأجيب إلى طلبه ".
وفي 24 تموز (يولية) 1957 م بدأت القنابل الصاروخية البريطانية بغاراتها الوحشية على المعاقل التي يحتلها الإمام وقواته، وأهتزت الأمة العربية لسماع أخبار العدوان البريطاني الجديد. وقامت المظاهرات الصاخبة وعقدت الإجتماعات وطرت الإحتجاجات الصارخة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي مطالبة بتقديم المعونة الجدية إلى عمان.
وتحقق للملأ العربي أن معركة عمان هي معركة العرب قاطبة وأن بريطانيا - لكي تستطيع إخضاع الشعب العربي في عمان - لابد أن تخضع العرب في جميع أقطارهم.
ومادت الأرض تحت أقدام الإنكليز .. في كل موقع لهم على سواحل الخليج. ففي البحرين بلغ الهياج ذروته وفي قطر وفي الكويت وفي عدن .. وفي اليمن الجنوبية وفي سورية وفي مصر ولبنان والمغرب العربي ... وفي كل مكان ... إرتفعت الإحتجاجات ونشبت معارك الشوارع ضد المحتلين.
وشرع الإنكليز ينقلون قواتهم على عجل، من قبرص وكينيا والبحرين ومن المستعمرات الأخرى، لتعزيز قواتهم المتضعضعة بعد أن أصابها الإرتباك والتفكك نتيجة إصرار الشعب العماني وعزمه على تحقيق أمانيه الوطنية ومثله. (1/100)
صفحة 101
وفي تموز (يولية) 1957 م وجه الإمام غالب بن علي نداءه الشهير إلى العالم العربي وإلى كل الدول العربية وإلى الجامعة العربية لمد يد المساعدة للشعب العربي في عمان، مساندة له في كفاحه المقدس ضد الإستعمار الغاشم.
فهز - هذا النداء - مشاعر الشعب العربي ... وهدم - بلمحة بصر - كل تلك الحواجز المصطنعة.
وبدت عمان ... جزءا أساسيا عزيزا من كيان الوطن العربي، ومثلا حيا من أمثلة البطولة والفداء لكفاح الأمة العربية المجيدة.
وزادت ثورة الإمام - بعد هذا النداء - إشتعالا. فتجددت الهجمات في كل بقعة من عمان، واستولى الإمام على حصن بهلا في عمان الوسطى ثم على منطقة الفهود، كما حاصر الإنكليز في المناطق الأخرى.
فكان الرد البريطاني غارات وحشية مجنونة بالطائرات والصواريخ والمدافع الثقيلة.
ففي عام 26 تموز 1957 م، أعلن سلوين لويد: أن سلاح الطيران الملكي قد بدأ عملياته.
وكان هذا السلاح قد بدأ عملياته فعلا ولكن لا ضد المجاهدين في الجبهة أو المعاقل، بل ضد المدن الآمنة. فدمر في 27 تموز - بالصواريخ والقنابل - مدينتي نزوى - العاصمة - وإزكي تدميرا كاملا. وقتل نساءهما وأطفالهما والعجز فيهما بلا تفريق .. فناشد الأمير الحارثي - نائب إمام عمان الشرعي - جميع الأمم المحبة للسلام وجمعيات الصليب الأحمر الدولية، تقديم المساعدات الطبية للجرحى واللاجئين.
وفي 31 تموز 1957 م تبين للسلطات البريطانية مدى صلابة المقاومة الوطنية وعنف المعارك التي تخوضها، وأدركت أن هذه المعارك إنما تزيد في نيران الثورة العربي في عمان إشتعالا. وأضطرت أن ترسل أحد كبار قوادها (الجنرال جوفري بودن) لمفاوضة سلطان مسقط والإتفاق معه على تعزيز القوات الإنكليزية ... بإرسال قوات جديدة إلى ميادين عمان، وإلا قضت الثورة العربية على العدوان وعلى قواه الإحتياطية (حكام مسقط) قضاء مبرما.
وأرسلت القوات البريطانية - للمرة الثالثة - بكميات كبيرة وعلى عجل ... وبدأت هجوما مركزا جديدا بقيادة (روبرستون) قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط.
وبدأ هذا القائد خططه لشق الطريق إلى المدن العمانية المهمة ولا سيما العاصمة نزوى.
فكان المجاهدون العمانيون يقابلون خطط روبرستون، بخطط معاكسة تحبطها، فتعرقل سير الحملة وتكبدها خسائر فادحة. (1/101)
صفحة 102
حتى أن قادة البريطانيين بدأوا يلاحظون أن طول المعارك وإمتداد الحرب لابد أن يؤدي إلى تحطيم النفوذ البريطاني في منطقة الخليج العربي ... وكل مناطق النفوذ الإنكليزي الأخرى في الشرق الأوسط نهائيا.
وها قد مضى - الآن - عدة أعوام على ثورة تموز 1957 .. وعلى العداون الإنكليزي الغاشم .. وعلى عمليات الحرق والتدمير والتقتيل بالجملة.
إرتفعت قوات الإنكليز - خلالها- إلى (150) ألفا بالإضافة إلى قوات الخائن سعيد بن تيمور .. مزودة بالأسلحة الحديثة والمعدات الكافية وبالطائرات والصواريخ وكل أنواع آلات التدمير - دون أن تستطيع إنكلترا أو أعوانها كسر شوكة الشعب العربي العماني أو إخضاعه لقانون القوة والعدوان.
مؤتمر الدمام:
وكلما استمر المستعمرون الإنكليز في غيهم، إزداد شعبنا العربي في عمان في تصلبه وتكتله ورص صفوفه. وقد كان مؤتمر الدمام الأخير الذي عقد في شهر آيار 1964 م حضره جميع القادة والزعماء من رجالات عمان خير دليل على تمساك الشعب العماني المناضل.
فقد أصدر المؤتمر البلاغ الرسمي التالي:
" تقرر أن يقوم الحكم في دولة إمام عمان على أساس القيادة الجماعية بعد أن تم تشكيل مجلس أعلى لدولة إمامة عمان كما جرى تشكيل لجان عسكرية ومالية وثقافية وتشكيل سكرتيرية للمجلس الأعلى كما تقرر في المؤتمر الذي عقد في الدمام برئاسة الإمام غالب بن علي وحضور الزعماء العمانيين تكليف الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بوضع ميثاق وطني يكون عبارة عن دستور للثورة العمانية يلتزم به جميع الزعماء.
هذا وقد تكون المجلس الأعلى من خمسة أعضاء ويضم الإمام غالب بن علي رئيسا والسادة سليمان بن حمير النبهاني وصالح بن علي الحارثي وطالب بن علي الهنائي ومحمد بن عبدالله السالمي. وتقرر في هذا المؤتمر أيضا أن تكون القيادة جماعية فلا يحق لأي عضو من أعضاء المجلس الأعلى الخماسي أن يبت أو يبرم في أي أمر إلا بعد موافقة الجميع والتوقيع عليه كما أن لجانا تشكلت من جميع الفئات العمانية وهي لجنة مالية وثقافية وعسكرية.
أما اللجنة العسكرية فقد تشكلت من السادة سليمان بن حمير النبهاني وصالح بن عيسى الحارثي وطالب بن علي الهنائي وستقوم هذه اللجنة بتنفيذ المخططات العسكرية (1/102)
صفحة 103
أما اللجنة المالية فتتكون من السادة سليمان بن محمد السالمي ومحمد بن خلفان الإسماعيلي.
اللجنة الثقافية وعين محمد بن حمد الحارثي مسؤلا عنها.
كما تعين سكرتيرية وتتألف من السادة أحمد محمد الجمالي وأحمد محمد السالمي.
وقد عين السيد محمد بن سالم المعمري ممثلا لدولة إمامة عمان في بيروت كما تعين السيد عبدالله بن حمد الحارثي ممثلا لدولة إمامة عمان في الجزائر. (1/103)
صفحة 104
مصلحة الإستعمار الإنكليزي في مسقط وعُمان
بعد أن شرحنا دور الإستعمار الإنكليزي وأعماله في الخليج العربي وعمان خلال قرنين ونصف من الزمن. أصبح لزاما علينا أن نجعل هنا محصلة تلك الفترة الطويلة من الآلام والشقاء ... وأن نكشف عن روح السياسة الإستعمارية وعن فلسفة الإنكليز الخاصة في تنفيذها. فقد فلسف الإنكليز خططهم الإستعمارية الخبيثة ووضعوا لها القواعد والقوانين وأخضعوها للعلوم الإنسانية (السيكولوجية) حتى يسهل عليهم خداع الشعوب الساذجة وحكمها ... من جهة .. وحتى يسهل على الشعوب المحكومة أو المخدوعة تأييدها من الجهة الأخرى.
وليس قولنا - هذا - جديدا، بل إنه قديم، قدم الإستعمار الإنكليزي. فكثيرا ما تسمع عن خبث الإنكليز ... وحدة ذكائهم الإستعماري ولؤم خططهم وبعد نظرهم، حتى بلغ الأمر ببعض من إكتوى بنارهم أن رأى شبحهم يطل من وراء مشكلة عالمية أو فتنة أو حرب.
فهل كانوا كذلك في بلاد العرب؟.
أم إنتهجوا سياسة خاصة بالنسبة لهذا الجزء من العالم؟ ووضعوا - له - فلسفة إستعمارية قائمة بذاتها، تختلف عن مجمل فلسفتهم الإستعمارية في البلاد الأخرى؟ ...
ذلك ما سنحاول بيانه - بقدر ما نستطيعه من الإيضاح - في النقاط الدقيقة المحددة التالية:
أولا: أسطورة حماية الإمبراطورية:
إتخذت بريطانيا من أسطورة حماية الإمبراطورية هدفا قائما بذاته، لا وسيلة وجعلت من ذلك سببا أساسيا لوجودها في بلاد الشرق، وخاصة في المناطق المحيطة بالهند. كما احتلت النقاط العسكرية المهمة حتى لو كان إتصالها بهذه الطرق إتصالا غير مباشرا. كما فرضت سيطرتها على معظم البحار المؤدية إلى الهند، مع ما فيها من مضائق وخلجان وجزر وأشباه جزر ورؤوس. ولم تهتم بتبرير خططها .. بغير حكاية أهميتها لحماية طرق الإمبراطورية بل كانت تستبيح جميع المبررات غير المشروعة للوصول إلى هذا الغرض.
وبلغ ببريطانيا (الهوس الإستعماري) أن حولت (مبدأ حماية الإمبراطورية) إلى عقيدة وفلسفة يعتنقها الشعب الإنكليزي ويدافع عنها. وتخصص للتبشير بهذه الفلسفة قسس ومبشرون وكتاب وشعراء ... جعلوا همهم الدفاع عنها وتبرير أعمالها. بل لقد إتخذت من هذا الشعار مصدرا لجميع القيم السياسية. وفرضت على موظفيها (1/104)
صفحة 105
في إنكلترا وغير إنكلترا أن يسيروا وفق مقتضياته الزمانية والمكانية. ولم يراعوا مبدأ أخلاقيا ولا أحترموا قيمة إنسانية أو إجتماعية مهما كان لهذا المبدأ أو لتلك القيمة من قدسية أو إحترام في النفوس.
ولئن كانت المنطقة التي وجهوا أنظارهم إليها ضيقة - في أول الأمر - فإنها كانت تتسع مع الزمن وتشمل أماكن كثيرة البعد عن الهند. لقد إنتبهوا إلى كل ما كان يدور في خلد أعدائهم من إحتمالا لغزو الإمبراطورية البريطانية فهبوا إلى سد ما فيها من ثغرات.
لقد نبهتهم خطط نابليون - مثلا - إلى ضرورة إحتلال مناطق وبلاد لم يكن لتخطر لهم على بال، فهرعوا إليها وأحتلوها.
وكانت السياسة التي رسمها نابليون بعد إحتلاله لمصر في عام 1798 م تهدف إلى غزو الهند وضرب المصالح الإنكليزية فيها. وعين نابليون ثلاث طرق لتنفيذ الخطة. هي طريق هرات البري أو طريق الفرات والخليج العربي أو طريق البحر الأحمر.
فما أن علم الإنكليز بهذه الخطط ... وبالمنافذ التي إفترض أن نابليون يمكن أن يهاجم الهند من إحداها حتى وجهوا كل إمكانياتهم للقبض على هذه المنافذ وبسط سيطرتهم المباشرة عليها.
أما البحر الأحمر فقد سيطر الإنكليز على بالإستيلاء على مالطة وقبرص والسودان وعدن والنواحي التسع المحمية وسواحل العرب الجنوبية والجزر القريبة منها.
وأما طريق هرات البري فقد أغلقه الإنكليز في وجه العدو بضم بلوجستان إلى الهند وتوطيد نفوذهم مؤقتا في أفغانستان والنصف الجنوبي من بلاد فارس.
وأما الخليج العربي فقد كان سببا في بذل جهود كبيرة ومنافسة إستعمارية طويلة ضارية لم تتوقف حتى تم إحتلال الإنكليز للعراق والسيطرة على سواحل الخليج العربي وعلى سواحل عمان.
ثانيا - مرونة السياسة الإنكليزية وتلونها:
لقد كيف المستعمرون نظام حكمهم في ممتلكاتهم وفي البلاد التي إمتد إليها نفوذهم، كسواحل عمان والخليج العربي وفقا للظروف الزمانية والمكانية. ولم يتقيدوا بمبدأ معين ولا بسياسة ثابتة. لقد حكموا إمبراطورية واسعة متباينة بشعوبها ولغاتها وطقوسها وتطورها التاريخي. فسلكوا مع كل شعب من شعوبها بل ومع كل فئة من فئات ذلك الشعب سياسة تنسجم مع العادات المحلية والتقاليد السطحية والخرافات، ورغبات العامة والمشعوذين الذين يمثلون أحط فئة إجتماعية وأكثرها جهلا. فأستدروا ثناء هذه الفئات الإجتماعية الممزقة، وأمنوا مشاغبتها، وكان كل ما يهمهم - طبعا - أن تكتسب مشاريعهم الضارة موافقة هذه الفئات ورضاها.
كان نفوذ المستعمرين - في تغلغله التدريجي – مرنا لينا حينا، قاسيا شديدا حينا (1/105)
صفحة 106
آخر. كان يتلون بلون المحيط أو المرحلة التاريخية أو الظرف الآتي، للمشيخة أو القبيلة أو الفئة التي يريد إدخال عنقها في الطوق.
كانوا يستعملون سياسة عقد المعاهدات أو الإتفاقيات الضيقة ثم يعمدون إلى تعديلها - بصورة بطيئة - فكانوا يسلبون في كل تعديل جديد حقا من حقوق الشيخ أو الأمير أو السلطان. كما يعلنون إخضاع منطقته لنفوذهم ... فكانت المرونة والبطء يسببان تراكمها وتحولها إلى أغلال محكمة تربط أعناق آولئك الحكام الصغار بالعجلة الإستعمارية.
وإلى جانب المرونة، كان الإستعمار الإنكليزي يتصف باللين والشدة في وقت واحد. فبقدر ما هو شديد قاس بل ومتوحش مع العناصر الشعبية أو المقاومة لنفوذه، نراه لين العريكة متساهل مع الطبقات الرجعية والفئات الحاكمة العميلة، فيغدق عليها الأعطيات والرواتب ويمكنها من التحكم في رقاب المواطنين، كي تسلس له القيادة، وتمكن لمصالحه أن تسود وتسيطر وتبقى.
ثالثا: سياسة الإحتلال الدائم:
لقد بدأت بريطانيا بإحتلال النقاط العسكرية والسوقية المهمة لحماية مصالحها التجارية في الهند. وأستخدمت المناطق المحتلة زمنا طويلا نقاط مراقبة وإشراف وقواعد عسكرية للسوق والتموين.
ولكن الإنكليز ما لبثوا أن إكتشفوا أن بإمكانهم الإستفادة من هذه المناطق المحتلة وذلك بإيجاد مصالح خاصة في المنطقة يستطيع المستعمرون إستغلالها بصرف النظر عن الهند وطريق الهند.
كانت بريطانيا تحتكر شراء السلع والمواد الأولية المرغوبة من بلاد الشرق. ومع الزمن أضافت بريطانيا إلى هذه العملية إحتكار القوة الشرائية لأسواق الشرق. فأخذت تبيع فيها بضائعها الفائضة، وحرمت على هذه الأسواق التعامل الحر مع الأمم الأخرى. وتبعا لهذه المصلحة البسيطة نسبيا، كان نفوذ بريطانيا - في هذه المناطق - نفوذا تجاريا غير ثابت الدعائم، وكانت تقوم برعاية شركة الهند الشرقية نيابة عن الحكومة البريطانية.
ولكن مصالح بريطانيا لم تبق منحصرة في التعامل التجاري البحت بل تحولت إلى نواح جديدة أكثر سعة وعمقا. وأستبدلت - بسياستها القديمة المتحولة - سياسة إستعمارية ثابتة ومباشرة. ففتحت شركة الهند وحلت الحكومة البريطانية - بذاتها - محلها - فلم تعد تكتفي ببسط نفوذ متقلقل عابر، بل أخذت تفرض سيطرة عسكرية وسياسية مطلقة دائمة. وأصبح الإحتلال المنظم القائم طابع السياسة البريطانية في هذه المرحلة، ولا سيما في المناطق الحساسة.
وقد رأينا سابقا أنه مع تطور وسائل الإنتاج في بريطانيا، كانت تتطور معها (1/106)
صفحة 107
البضاعة كما وتتطور تبعا لذلك العلاقات السياسية والعسكرية في المستعمرات وأشباه المستعمرات.
حين كانت تجارة البهارات والمواد الأولية الأخرى تشكل أساسا للعلاقات بين بريطانيا والهند، إحتركت شركة الهند هذه التجارة.
وحين تحولت أسواق الهند وبلاد الشرق الأخرى إلى (بالوعة) تمتص منسوجات إنكلترا وسلعتها الفائضة الأخرى إحتكرت إنكلترا هذه الأسواق وثبتت أقدامها فيها وسيجتها بنفوذها وحاصرتها بأساطيلها.
وحين ظهرت أهمية المخابرات، ومددت الأسلاك البرقية عبر القارات، أرسلت إنكلترا خيرة خبرائها إلى البحرين وسواحل الخليج وعمان لمسحها وإنشاء المراكز التي توصل منها أسلاك البرق إلى الشرق والغرب. وأستبدلت مؤسساتها التجارية بمؤسسات سياسية تتناسب مع أهمية الأوضاع الجديدة. وكلما كانت المصالح البريطانية تتنوع وتتعمق وتتضاعف، كانت حاجة بريطانيا إلى سرعة المواصلات وقصرها. وإلى إيجاد شبكات واسعة ودقيقة للمخابرات تشتد معها. فعمدت إنكلترا إلى تشييد السكك الحديدية، وإنشاء مراكز البرق والبريد بين لندن والهند، ولاسيما عن طريق العراق وسواحل الخليج إستعدادا لمد الأسلاك البحرية. وبدئ - فعلا - بخط يصل الفاو بالخط التركي في بغداد، عام 1867. وقد افتتح الخط في عام 1870.
وحين أكتشفت المعادن الثمينة وزادت أهميتها بإنتشار الصناعات الثقيلة، بادرت إنكلترا إلى إستغلال هذه الثروات، وحرصت على تزويد صناعتها بالمواد الأولية من مستعمراتها. أو نقل معاملها إلى قرب المواد الأولية والأيدي العاملة الرخيصة في المستعمرات. (1/107)
صفحة 108
ولما أكتشف البترول إحتكرت إنكلترا بعض منابعه ثم تابعتها أمريكا والدول الأخرى في إحتكار المنابع الباقية. وخاصة في إيران والعراق والكويت والسعودية وأشتد التنافس على البترول وقامت المعارك لإقتسام منابعه القديمة والبحث عن المنابع الجديدة لإحتكارها. وبدأت الدول الإستعمارية الغنية تنقل رؤوس أموالها إلى منابع النفط لإستثماره ونقله. وظهرت الإحتكارات العالمية التي أحتكرت ثروات العالم تقريبا ثم تلاعبت سياسة الإحتكار والبترول بمصير العالم وعرضته للحروب الإستعمارية العالمية المدمرة.
وعندما ظهرت صناعة الطيران بشكلها المؤثر وظهرت أهمية الأجواء والموانئ الجوية في أيام السلم والحرب، شرعت بريطانيا في إنشاء القواعد الجوية على طريق إمبراطوريتها وخاصة في سواحل الخليج وعمان. وإتخذت من هذه المصالح الجديدة ... مصالح البترول والقواعد حجة لتثبيت أقدامها في المنطقة العربية، متشبثة بما لديها من موانئ .. طامعة في مد نفوذها إلى المناطق الجديدة المجاورة.
كل هذه المصالح القديمة ... والحديثة، كانت تعزز عملية الإحتلال الدائم للمناطق المهمة. والحرص على التمسك بها والسعي الدائب لإكتشاف مصالح جديدة لها في هذه المناطق تبرر لها تشديد قبضتها عليها .. وإتخاذ قواعدها مركزا لتجميع جيوشها وللإنطلاق منها لإحتلال المناطق المجاورة.
رابعا: حروب الإبادة والتدمير والمصادرة والإفقار:
من المعلوم جيدا أن الغاية الأولى والأخيرة من الإستعمار والإحتلال إنما هي نهب البلاد المستعَمرة، بالإستيلاء على منتجاتها، وإحتكار كنوزها، وتسخير شعبها لتعمل في أقسى ظروف للعمل وبأبخس الأجور، إن لم تكن السخرة من الأعمال المألوفة في بعض المستعمرات.
ولا تتم هذه النتائج للإستعمار مرة واحدة ... بل بعد معالجة طويلة، وبإتباع سياسة مدروسة تنتهي بتدمير الحالة الإقتصادية في البلاد وشل حركة التحرر والإنعتاق فيها، وإيقاف دولاب التطور والنمو ... إن لم تكن هنالك محاولات جدية للرجوع به إلى الوراء.
ولذلك فقد جمد المستعمرون - في كل المنطقة العربية التي سيطروا عليها - الحياة بتجميد التطور ... وتجميد أساليب النشاط القديمة البالية، وعدم السماح بتطورها مع تطور العلم والحضارة أو تحسينها، وهكذا ثبتوا في الصناعة والزراعة وفي كل نشاط إقتصادي حيوي وسائل الإنتاج البدائية لتكون - بدورها - عاملا من عوامل المحافظة على كل قديم بال وإشاعة التأخر والجهل .. وتمكين الخرافات وطبع العلاقات الإقتصادية والإجتماعية بطابعها الرجعي المفكك.
ولم يكتف المستعمرون بذلك، بل وضعوا إلى جانب وسائل الإنتاج الزراعي (1/108)
صفحة 109
والصناعي البدائية سلعهم الحديثة، لتنافس الإنتاج المحلي الضعيف ... فتدمره وتهبط بالسكان المحليين إلى مهاوي الفقر والفاقة.
وبما أن سكان المنطقة العربية في عمان والخليج العربي كانوا يملكون في منطقتهم ثروات طائلة، وتجارة رابحة وأساطيل عسكرية وتجارية قوية .. وكل هذا .. عوائق تحول دون وصول المستعمرين - بسهولة - إلى النتائج التي تقدم شرحها.
وبما أن سواحل عمان والخليج العربي تقع على طريق الهند. ولابد - من أجل تأمين سلامة الإمبراطورية - من أن تحتلها إنكلترا وتدمر أساطيلها، وتسحق كل نشاط إقتصادي أو سياسي أو إستقلالي - أيا كان نوعه - فيها. فقد سلك الإنكليز جميع الطرق واستخدموا كل أنواع الأساليب لتدمير الأساطيل العربية وتهديم قواعدها .. وتدمير موانئها وإحراقها.
ولم تقف البلاد العربية المعنية بالأمر مكتوفة اليدين لتتم الخطة البريطانية بالسهولة التي كان يرجوها المستعمرون. فقد كانت المنطقة العربية مستقلة تمام الإستقلال. وكان لها - فيها - دولة بحرية قوية مرهوبة الجانب تقبض بأساطيلها وثروتها وخبرة بحارتها وتجارها على تجارة المحيط الهندي. فلم تستسلم للعدوان الإنكليزي، بل قاومته، وخاضت المعارك الحربية الطاحنة لحماية مصالحها الحيوية كما تقدم معنا. فأجتمعت - كل هذه الأسباب - لإقناع إنكلترا بأنها لن تنال من قوة عمان والسواحل العربية إلا بالحرب الشاملة وبالإبادة والتدمير والحرق والإفقار وتشتيت القوى، وقتل المقاومين الأشداء والتمثيل بهم. فوجهت إلى المنطقة العربية إهتمامها الأول ودأبت على تنفيذ خطتها بأناة وصبر، حتى تم لها ما أرادت، مستبيحة - في سبيل ذلك - جميع الأساليب الغاشمة وغير المشروعة، بما في ذلك الغارات العدوانية المفاجئة وحروب الإبادة والتدمير وغير ذلك من أعمال التنكيل والقهر. كما استخدمت حق تفتيش السفن، بحجة البحث عن الرقيق ومصادرتها لمجرد التهم الباطلة بقصد تدمير قوة العرب البحرية وإفقار الشعب العربي وسد منابع الرزق أمامه، وتحويل القسم الأعظم منه إلى خدم أذلاء ترتبط حياتهم بمدى ما يقدمونه للإمبراطورية من خدمات.
خامسا: فلسفة التجزئة وتفتيت القوى:
قاومت بريطانيا- خلال حكمها الطويل- كل محاولة جدية لتوحيد القوى في جزيرة العرب أو الإتجاه لتحريرها. بل إنها قاومت - حتى محاولات توحيد جزء من أجزائها المهمة. وحالت دون تكتل الشعب العربي وتوحيد نضاله في كل مكان ... فجزأت عمان ... ثم جزأت مسقط ومزقت مشيخات ساحل الهدنة وفرضت التجزئة على كل سواحل الخليج العربي وخلقت عددا من الدول الصغيرة الضعيفة، وباعدت ما بين هذه الأجزاء مؤججة نارة العداوة والحرب بينهما، وخلقت عددا كبيرا من الأمراء والأتباع وفرضت عليهم أحكاما حببت إليهم التجزئة وأثارت المشاحنات والخصام بينهم ... وسلحت بعضهم ضد بعض، ثم هرعت لتحمي بعضهم من بعض، ولتقيم من نفسها (1/109)
صفحة 110
حكما بينهم لتفرض مشيئتها على الجميع، حتى أشعرت كل شيخ أو متزعم أو أمير أنه لا شيء بدونها.
لقد جعلت بريطانيا مقاومة شعار الوحدة أو الإخاء أو التقارب (أيا كان نوعه) فلسفة تبني على أساسها خططها في المنطقة. حتى عرفت - في العالم كله - بأنها صاحبة فلسفة (فرق تسد). فلم تسمح بأي تقارب حتى بين عملائها ومأجوريها، خوفا من أن يستأسد هؤلاء عليها أيضا. وجعلت من عملية التجزئة وتفتيت القوى ديدنها وهمها ... ولم تكتف بالمناطق التي تقع تحت يدها بل تجاوزت الحدود في نشاطها المخرب فحاربت محاولات التوحيد في قلب جزيرة العرب ذاتها.
ولكن أبرز مكان ظهرت فيه دسائس بريطانيا مفضوحة عارية لئيمة في منع الوحدة هو عمان. فقد جعل الإنكليز من سياسة التجزئة وتفتيت القوى وتحويلها إلى أحجار مهمة تنتقل بها بريطانيا وفق مصالحها من مكان إلى مكان ... ديدنها طوال قرنين ونصف من الزمن.
ولم تتوقف دسائس الإنكليز - هذه - في المنطقة حتى اليوم ... وما العدوان الأثيم على عمان الداخلية إلا جزءا من هذه الخطة التي تحاول منع عمان من تثبيت إستقلالها. لأن الإستقلال يعني إنضواءها تحت لواء الركب العربي ... وهذا ما تحاربه بريطانيا بكل قوة.
سادسا: محاربة العنصر العربي وفرض الطابع الغريب:
يحتل الشعب العربي أخطر موقع جغرافي بين الشرق والغرب ... ولقد لعب في التاريخ دورا إيجابيا رائعا في نقل الحضارة الإنسانية وتطويرها. ولا بد أن يلعب في المستقبل القريب دورا إيجابيا مماثلا على الأقل.
وإنه لدور خطير مشرق بالنسبة للعرب وللشعوب المحيطة بهم ... ومدمرة قاهرة بالنسبة لكل طامع أثيم، يحمل الروح الإستعمارية الشريرة من المستعمرين الغربيين القدامى أو من تلاميذهم وأجرائهم الصغار أو من المؤمنين بفلسفة مناطق النفوذ.
فلا عجب أن يلاقي الشعب العربي الباسل أشد مقاومة ... وأكبر الحروب العدوانية وأعنفها ... من هنا وهناك .. وأن تتكتل ضد وحدته الإنسانية الثورية التقدمية وضد حريته كل القوى المتآمرة الإستعمارية الظاهرة. .. أو القوى العمياء الجاهلة المتنكرة للقيم الإنسانية الرفيعة ... أو التي تسير - عن علم أو غير علم - وفق المخططات العنصرية والعدوانية البغيضة.
هذا هو موقف الأعداء من أمة العرب ... ومن وحدتها، وحريتها بصورة عامة. وإنه لموقف حديث نسبيا لم يتبلور بشكله العلني الصريح إلا منذ ما يقرب من نصف قرن بالنسبة للقوى العالمية المعادية ... أما بالنسبة للإنكليز فقد فطنوا إلى الخطر قبل غيرهم نسبيا ... فهم من قرن كامل يحملون روح العدوان والشر والمقاومة والكراهية (1/110)
صفحة 111
للشعب العربي كعنصر وكأمة ... فقد استشفوا الخطر الذي يكمن من نهضته ضد خططهم العدوانية وآثامهم.
ولهذا فإن العنصر العربي كان - بالنسبة للسياسة الإنكليزية - موضع المقاومة والكبت، وما يزال، لأنه: بالإضافة إلى ما تقدم من دوره الإنساني التحرري الموعود يمثل - آنيا - شعب البلاد وهو الشعب المهيأ - دون غيره - لتحريرها وتطهير أرضها من الشرور ... فوجه الإنكليز إليه جل ضغطهم ... بل حاولوا - في معظم المناطق التي دخلوها كمسقط وسواحل الهدنة والخليج العربي - بأن يشتتوا قوى العرب، وأن يجبروها - بالإرهاب والتجويع والكبت - على الهجرة إلى الداخل فتتبدد في فيافي الصحراء وتذوب. وشجعوا - في الوقت ذاته - هجرة العناصر الغريبة (فارسية - هندية - يهودية - غورغية - سوداء - أرمينية - آشورية) لتحل محل العرب في بلادهم ولتكون أقليات كبرى حاكمة، أو أكثريات مع الزمن، إن أمكن ... وهكذا تفصل العناصر الأجنبية الغريبة المنطقة العربية عن العالم العربي الكبير، وتستأصل الوشائج القومية التي نمت ورسخت خلال آلاف السنين.
وأستخدم الإنكليز - لتحقيق هذا الغرض - مؤسساتهم العسكرية والتجارية والصناعية والسياسية، فشحنوها - أولا - بأمثال هؤلاء الأجانب، مع إهمال أبناء البلاد وإحتقارهم وإبعادهم عن كل مسؤولية ما أمكن. فإذا زرت أيها القارئ الكريم المؤسسات الإستعمارية في مسقط والبحرين وقطر وغيرها من الإمارات والمشيخات ... بل إذا زرت المؤسسات التي تحمل أسماء وطنية ولكنها تخضع مرغمة للإنكليز ولفلسفتهم في الحكم ... لشاهدت آلافا من هؤلاء الصنائع العملاء الذين إستقدمهم الحكام من كل بلد غريب ... بعد أن تمرسوا في خدمة الأجنبي، وتحرروا من كل رابطة قومية أو إنسانية، أو أخلاقية تربطهم بالشعب الذي يشاركون الأجنبي في حكمه وإذلاله.
بل والأدهى من ذلك أن الإنكليز لم يكتفوا بالموظفين والمستخدمين يستقدمونهم من البلاد الأجنبية ... بل فتحوا أسواق البلاد المحكومة للجاليات الواسعة الغريبة وسلموها شؤون التجارة والصناعة، ودعموها ضد أبناء البلاد ... فبينما كانت تزداد الجاليات الأجنبية ثراء ونفوذا كان ينحدر أبناء البلاد ... أكثر فأكثر إلى مهاوي الفقر والجوع والمرض والذل.
وبهذا الأسلوب .. وبهذه الفلسفة المجرمة هيأ الإنكليز العناصر الغريبة في الوطن العربي لتشارك الأجنبي في حكم العالم العربي وفرض القيم الفاسدة عليه والترويج للشعارات الكاذبة ... والعمل الدائب في الظروف الحرجة ... ضد أماني الوطن الذي تعيش من خيراته.
وساند الإنكليز - إلى جانب هذا وذاك - التفكك الديني والمذهبي والعنصري والإقليمي وشجعوا الأقليات على البروز في المجتمع والتظاهر بما يخالف أماني المجموع والإنفصال عن الكيان العام وتشكيل كيانات غير عربية ... عميلة مستقلة عن المجتمع ومغايرة لأهدافه وأمانيه. (1/111)
صفحة 112
فإذا أكتشف الإنكليز أن لديهم منطقة ليس فيها أقلية دينية أو جنسية أو مذهبية أمنوا لها أقلية من العدم بواسطة الهجرة الأجنبية لها. أي أنهم بادروا إلى استيراد أقلية أجنبية، ليجعلوا منها أداة طيعة يحكمون البلاد بواسطتها، ويستلمون قيادة الناس بتجسسها. حتى إذا ما أشتد المد الوطني، وأحدق الخطر بالإنكليز لم يترددوا عن وضع هذه الأقليات المخدوعة في خطوط النار الأولى ... يتقون الأذى بصدورها ويجعلون منها صمام آمن يخففون به ضغط الحركة الوطنية كلما أشتد ضرامها. والبحرين - اليوم - خير مثال لهذه الفلسفة الغاشمة.
سابعا: إثارة المطامع الأجنبية مع التلويح بشبحها:
أثارت بريطانيا لعاب بعض الدول المجاورة الطامعة بإحتلال بعض أجزاء الوطن العربي في الخليج وعمان مثلا.
كان دور بريطانيا: إستخدام الدول المجاورة لإخضاع الشعب العربي ... فشجعت تلك المطامع وعقدت المحالفات العسكرية والسياسية مع الأتراك والإيرانيين. بل وساعدتهم عمليا في معاركهم ضد القبائل العربية في ظروف ومناسبات تاريخية كثيرة ورد ذكرها في الفصول السابقة. فأثارت المخاوف في قلوب الحكام الصغار الذين أقامتهم حكاما على (المزق الجغرافية) التي أوجدتها على السواحل العربية.
لقد أشعرت أجرائها من أمراء وشيوخ ومتنفذين في مسقط والسواحل المهادنة وفي غيرها من البلاد المحكومة على أمرها بالخطر الأجنبي المداهم، وأوهمتهم أنهم ضعاف أمام الخطر الأكيد .... وإن لا ملجأ لهم غيرها ... وأنهم زائلون - لا محالة - إن لم يتحولوا إلى خدم طيعين لها ومنفذين لرغباتها.
وأفقرتهم وقطعت موارد رزقهم وأجرت عليهم أعطياتها، وحولتهم - بهذه السياسة - ولا سيما سياسة إثارة المطامع الأجنبية والتخويف بها، من أمراء مستقلين وحكام محترمين إلى مرتزقة وحراس للنفوذ البريطاني.
ثامنا: سياسة الحجر السياسي وعزل المناطق العربية عن وطنها الكبير:
حاولت بريطانيا بجد ونشاط مستمرين الحجر على مستعمراتها، ومنع إتصالها بالخارج إلا عن طريقها، وعزلها عن العالم العربي - وطنها الكبير - عزلا تاما، وإحاطتها بسياج من الأساطيل والمعاهدات. وخنقت إقتصادياتها وأخضعت صادراتها ووارداتها للمصالح الإستعمارية الأساسية. فأنفصلت المنطقة لزمن طويل عن أحداث العالم العربي .. بل حتى عن أحداث العالم كله. فلما هبت الحركة الوطنية فيها ... كانت حركة منفصلة أيضاً عن الحركات الوطنية العارمة في بلاد العرب وعن الحركات التحررية الأخرى في العالم. وعن الوثبات الوطنية الكبرى والإنتفاضات الإجتماعية التي حققها العرب في كل مكان. وكان من نتيجة هذا الحجر والعزلة المقصودين أن العالم العربي - بدوره - كاد ينسى وجود هذه المنطقة، ويجهل حتى الأمور البديهية البسيطة فيها. (1/112)
صفحة 113
ولولا أن شعب عمان العربي الباسل قد ثار على هذه السياسة الماكرة وحطم قيودها في منطقته المجاهدة، لظلت المنطقة العربية في الجنوب الشرقي من وطننا مجهولة مهملة.
إن عزل الإستعمار الأجنبي لعمان وبلدان سواحل الخليج لم يكن في صالح شعبها طبعا ولا في صالح الشعب العربي الكبير على الإطلاق ... بل كان على النقيض من ذلك عاملا أساسيا في تدهور أحوال البلاد وتأخرها. وهذا هو ما أراده المستعمرون الإنكليز.
خاطب اللورد كروزن رجال العشائر في الشارقة عام 1903 م فقال:
" إن سياسة الحكومة البريطانية - فيما يختص بهذه المنطقة - تقوم على أساس المحافظة على الأوضاع كما هي .. لأجل غير مسمى ".
وهذا هو ما فعلته بريطانيا تماما ... فإنها حافظت على العزلة والجهل والمرض والفوضى والفتن والتأخر والفقر والتدخل الأجنبي البغيض إلى أجل غير مسمى.
كانت هذه السياسة الإستعمارية مرنة ... متطورة ... كما سبق وذكرنا .. ولكن مرونتها وتطورها لم يستخدما قط لتحقيق أية مصلحة للشعب العربي ... بل لتسهيل إنسجام المنطقة مع تطور المصالح الإنكليزية ولحماية الإمبراطورية الإستعمارية في الهند ... ولحسن حراسة طرق مواصلاتها. وأخيرا لتأييد الإحتلال والنفوذ الإنكليزيين فيها. وخلق المصالح الجديدة التي تبرر هذه السياسة وإبتكار الأساليب التي تديم بقاءها.
علاقات أمريكا بمسقط
تعود علاقات أمريكا الأولى بمسقط وعمان إلى عام 1833 م فقد نمت تجارة مسقط في مطلع القرن التاسع عشر بشقيها الأسيوي والأفريقي نموا ظاهرا، لفت إليه أنظار العالم الجديد. فكانت أمريكا أول من بادر إلى الإتصال بحكومة مسقط وإقامة علاقات دبلوماسية تمليها المصالح التجارية معها.
فعقدت أول معاهدة بين أمريكا وبلاد العرب في سبتمبر عام 1833 م وهي التي تمت بين مسقط والولايات المتحدة الأمريكية. وكانت المعاهدة تهدف إلى أغراض إقتصادية منها ضمان حرية التجارة وأمنها في المحيط الهندي وتنظيم الرسوم الجمركية في تلك البقعة النائية بالنسبة لأمريكا.
وقد ظلت علاقات أمريكا بمسقط والبلاد العربية ضعيفة - بصورة عامة - ولكن ما إن تطورت إقتصاديات أمريكا ... ونمت الطبقة الرأسمالية فيها ... وأتجهت أنظارها إلى الإستعمار. وظهرت الإحتكارات العالمية الأمريكية الكبرى ... وأخذت تبحث عن ميادين الإنتاج والإستثمار والنهب في خارج أمريكا ... وظهرت أهمية النفط العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وتم لأمريكا أن تمتلك حق إستثمار بعض الإمتيازات (1/113)
صفحة 114
حتى أخذت الإحتكارات الأمريكية تمتن علاقاتها بإمارات الخليج العربي ومشيخاته وتستولي - بمختلف الطرق - على إمتيازات التنقيب عن النفط وإستثماراته ... في كل الشرق الأوسط، ومن جملة ذلك منطقة مسقط وعمان.
لقد جمع المحتكرون الأمريكيون ثروات ضخمة من إستثمار البترول ... وظهر بسبب ذلك - أصحاب ملايين - لأول مرة - من عملائهم شيوخ المنطقة وأمرائها وملوكها. وسال لعاب الأمراء والشيوخ في المناطق الأخرى المجاورة، وخاصة سلطان مسقط، وتاقت نفوسهم إلى مثل هذا الثراء. فأخذوا يتململون من النفوذ الإنكليزي ويضيقون ذرعا به لأنه تباطأ في إستثمار هذه الثروة، ولم يستطع اللحاق بالإستعمار الأمريكي الطائل الغراء.
وشرع بعضهم يتحكك بالأمريكيين، ويسهل لنفوذهم أن يتسلل إلى بلاده ليبسط لها جناحيه.
بهذه الوسيلة، ولهذه الأسباب إستطاع الأمريكيون أن يصلوا إلى ظفار وأن يحصلوا من سعيد بن تيمور على إمتياز التنقيب عن النفط وإستثماره فيها، والبحث عن الآثار القديمة في المنطقة، وذلك في عام 1939 م.
ولم يكذب الأمريكيون ظن سعيد فقد بدأوا التنقيب فور حصولهم على الإمتياز ولم يكتفوا بمنطقته، بل إمتدت أنظارهم إلى كل شبر في بلاد العرب ... وبدأوا فعلا أعمالهم في واحة البريمي عام 1949م فكشف الخبراء الفنيون عن حقيقة مخزون المنطقة الثري من البترول ... وأنتشرت هذه الأخبار.
فأطارت أنباؤها صواب الإنكليز ... وأخرجتهم عن " رزانتهم " المعهودة، فبدأوا تدخلهم في شؤون البريمي ... وأدعوا ملكيتها ثم أحتلوها.
ففي نيسان عام 1949 .. وبينما كان فنيو شركة (الأرامكو) يقومون بأعمالهم التمهيدية في المنطقة .. على أساس أنها منطقة سعودية، وبالتالي تقع ضمن إحتكاراتهم قام الإنكليز بالشكوى، وأعلنوا أن واحة البريمي تابعة لسلطان مسقط وهي ليست سعودية.
إن الذي يهم الشركات الإنكليزية من الموضوع - طبعا - لم تكن تابعية البريمي سواء كانت للسعودية أم مسقط ... بل أن الذي كان يهمها عائدية البترول ... ومن يستثمره أهم الإنكليز .. أم الأمريكان؟ وبما أن الشركات البريطانية قد إختصت دون غيرها - بنهب ثروات مسقط، فهي أولى من الشركات الأمريكية في نهب بترول البريمي أيضا.
وعلى أساس هذا المنطق ساقت جيوشها فأحتلت البريمي، وطردت موظفي شركة الأرامكو منها.
ولم يكن منطق الأمريكان يختلف عن منطق الإنكليز، وعلى أساس تعيين ملكية (1/114)
صفحة 115
إستثمار البترول للإستئثار بنهبه، قامت المنافسة الضارية بين الدولتين.
ولكننا أعطينا هذه المنافسة، أكثر مما تستحق من الإهتمام ... وعلقنا على نزاع الدولتين آمالا ... خيالية ... في السنوات العشر الماضية.
ولسنا هنا في معرض التخفيف من أهمية النزاع أو نكرانه ... بل في صدد الكشف عن طبيعته لعدم الوقوع في تقديرات خاطئة .. وإستنتاج نتائج وهمية تضر في قضيتنا العامة وتوهن كما سبق وحصل.
فمما لا شك فيه أن الهلع قد ملأ قلب الإنكليز ... حين بدأ الإستعماريون الأمريكيون يتقدمون بإصرار لإحتلال مواقعهم الواحد تلو الآخر.
لقد خرج الأمريكيون من الحربين العالميتين الأولى والثانية أكثر غنى وأكبر قوة .. وأشد طمعا، وهذا هو الأهم ... فمن البديهي إذن أن يجتذبوا معظم عملاء بريطانيا .. وأن يشتروا أسهمها .. وأن يسيلوا لعاب الطامعين بالثراء السريع أكثر مما تستطيعه إمبراطورية عجوز.
لقد تمكن الأمريكيون فعلا، من إقناع سلطان مسقط بمنحهم حق التنقيب عن البترول في زاوية من زوايا منطقته (في ظفار) كما قدمنا فأغدقوا على السلطان الشره أعطياتهم، فأسروه ... ومن الممكن أن يأسروا غيره بهذه الطريقة السحرية.
إن خوف الإنكليز من تغلب الإستعمار الأمريكي، كان خوفا حقيقيا.
ولكن المنافسة والنزاع، ظلا - دائما - محصورين في نطاق معين ضيق، لم يتعدياه قط. نطاق المحافظة على مصلحة الإستعمار - بصورة عامة وعدم إضعافه إضعافا جديا - والحيلولة دون أن تسبب المنافسة تقوية أعدائه، على حسابه.
إن إبقاء المنافسة - وهذا ما نريد التأكيد عليه - في حيز يجعلها مجرد مقدمات لتسوية إستعمارية جديدة بين المتنافسين ... أو تقسيم جديد للمصالح الإستعمارية بينهم ... ليس إلا هي الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن أنظارها.
لقد خدع الكثيرون، وظنوا: أن المعركة الدائرة بين الوحشين الإستعماريين (الإنكليزي والأمريكي) لابد أن تنتهي بأن يثخن كل منهما الآخر بالجراح .. فتستفيد القضية العربية من وراء ذلك، وتتخلص من الإثنين.
لا شك أن تقاتل الأعداء يفيدنا ... وإننا يجب أن نستفيد ما أمكن من مثل هذا الظرف إذا حدث .... ولكن على شرط أن لا نغمض أعيننا عن حقيقة أخرى أكثر أهمية ... ألا وهي التسويات التي أصبحت اليوم نتائج حتمية لكل نزاع إستعماري بين الطامعين تقريبا.
ولا أدل على ذلك ... من أن أحلام المتفائلين عندنا، أكثر من اللازم، سرعان ما تبددت. (1/115)
صفحة 116
فقد إنتبه الوحشان الإستعماريان ... إلى حقيقة الخطر الآخر ... الذي هدد كليهما ... خطر النهوض الوطني ... في بلاد العرب ... وفي العالم كله.
خطر المد الثوري العارم في آسيا وأفريقيا.
خطر الجبهة العالمية القوية المعادية للإستعمار وعلى رأسها جبهة دول الحياد الإيجابي.
وخطر قيام الجمهورية العربية المتحدة ... وتسلمها قيادة معارك الكفاح العربي ضد الإستعمار في مشرق الوطن العربي ومغربه.
فتناسيا خلافاتهما ... واستطاعا بسهولة، أن يكتشفا طريقة لإقتسام ثروات المنطقة المتنازع عليها ... وتمت التسوية الإستعمارية - على حسابنا - كالعادة.
ولم يعد ثمة ما يمنع الأمريكيين من تناسي الأحقاد المصطنعة بينهم وبين الإنكليز، ومن أن يقفوا إلى جانب شركائهم - عالميا - ضد شعب عمان العربي المجاهد.
ففي 3 أغسطس من عام 1957 م، وبعد أن اشتد العدوان الإنكليزي الغادر على عمان ... وبعد أن بدأت القذائف والصواريخ والمدافع الثقيلة والطائرات النفاثة تدمر وتحرق ... وتبيد معالم الحياة في عمان.
وبينما كانت الأمة العربية في غليان وثورة ضد المستعمرين من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي ... وبينما كانت وفود آسيا تحتج وقف دالاس وزير خارجية أمريكا ليقول:
" إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعرف كثيرا عن قضية عمان ... ونحن ننظر إلى هذه المشكلة على أنها مشكلة محلية ... ونأمل أن تحل سريعا ".
أي أن دالاس كان يتمنى أن يتم قضاء الإنكليز السريع - بمجازرهم الوحشية التي تناقلتها وكالات الأنباء - على مقاومة شعب عمان، وتصفية نضاله.
ولم يكتف دالاس بهذا التصريح الذي ينضح بالسم .. والتحيز، بل أخذت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، تبذل جهودها الكاملة لتحول دون عرض مسألة عمان على مجلس الأمن الدولي، حتى لا تثير الأمم والشعوب ضد شريكها الإستعمار الإنكليزي.
إن أمريكا لم تعر أي إهتمام - طبعا - لأخبار المجازر البشرية التي إرتكبتها إنكلترا في مدن عمان. ولا ألتفتت إلى الأعمال الوحشية التي قام بها الجنود الإنكليز والتي أشار إليها نداء إمام عمان، الموجه إلى الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة الأمريكية.
بل إنتبهت بسرعة .. وبلؤم .. إلى موقف الدول العربية المتحررة خوفا من أن تساهم في المعركة الوطنية لإنقاذ عمان، وهذا الإحتمال هو ما كان يثير المخاوف الأمريكية دون غيره. (1/116)
صفحة 117
فانكب كبار المسؤولين الأمريكيين من مساعدي دالاس على دراسة النداء وبحثه وتخمين الإحتمالات التي قد تثيرها في العالم العربي.
كما صرح متحدث أمريكي رسمي في اليوم ذاته فقال:
" إن أمريكا ترقب بقلق شديد تطورات الموقف في عمان، وإن الرأي السائد في واشنطن: هو أن ثورة عمان أخطر بكثير مما كان متوقعا، وإن أمريكا تخشى أن يصبح إشتراك الدول العربية الأخرى في هذا النزاع ء أمرا لا مفر عنه ".
لقد تسائل الشرفاء في كل مكان عن الثمن الذي تقاضته أمريكا لقاء مساندتها للجرائم الإستعمارية التي يقترفها الإنكليز في عمان يوميا ... ولم يكتفوا بمعرفة ما كان قد منح من إمتيازات البحث عن البترول والآثار وإستثمارها في ظفار للشركات الأمريكية.
ولم يطل بهؤلاء الإنتظار فقد كشفت الأنباء عن التسوية الكاملة بعد قليل من الزمن. تلك التسوية التي تمت بين إنجلترا وأمريكا مباشرة ... والتي تقاسم فيها الطرفان الحصص في استثمار النفط والمعادن الأخرى.
ولم يكتف الأمريكيون بما حصلوا عليه من شركائهم الإنكليز ... فأجبروهم على إرغام صنيعتهم (سلطان مسقط سعيد بن تيمور) أن يوقع على معاهدة مباشرة بينه وبين الأمريكيين، لتؤكد الإمتيازات والتسويات السابقة.
نستخلص من ذلك أن طبيعة الإستعمار العالمي واحدة .. ومصالحه واحدة ... لذلك نراه يدعم بعضه بعضا. ولا يسمح للمنافسة والنزاع القائمين بين دولة وإحتكاراته أن تحطم حلقات الإستعمار السياسية، فتضعه في النتيجة، وتقوي الجبهة المعادية له.
إن عهد المنافسة الإستعمارية القديمة ... التي كانت تقوم على أساس تدمير المنافس القوي لبقية المنافسين وسحقهم قد إنتهت. ووجدت ظروف عالمية جديدة من أهمها ما سبق وأوردناه ... عن تعاظم حركة التحرير والإنعتاق عند شعوب المستعمرات بالبلاد المتأخرة. ودخول القومية العربية بنضالها الثوري التقدمي مسرح التاريخ العربي والعالمي .. كمارد لا يمكن قهره .. أو تأخير زحفه المقدس.
إن الإستعمار العالمي .. لن يسمح للخلافات الداخلية في ظرفه الجديد أن تهدد مراكزه الكبرى بالدمار الأبدي. وهذا ما يلزمنا على أن نضع حسابنا دائما أننا سنكتشف المستعمرين المختلفين المتنافسين وقد إتحدوا فجأة ضدنا، فسدد بعضهم بعضا، وخاضوا المعركة الفاصلة مشتركين. (1/117)
صفحة 118
قضية عُمان
في المجال الدولي:
نستطيع أن نتتبع قضية عمان وآثارها في مجالات ثلاثة خارج الأراضي العمانية وهي:
1 - في الوطن العربي، وخاصة في الجامعة العربية.
2 - في العالم الخارجي، وخاصة لدى شعوب آسيا وأفريقيا وحكوماتها.
3 - في مجلس الأمن، ثم في الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة.
قضية عمان في الوطن العربي ولدى جامعة الدول العربية:
لقد أثارت قضية عمان مكامن الشعور العربي في جميع أقطار العروبة، فهب الشعب العربي بجميع منظماته وأحزابه الوطنية وهيئاته الرسمية وغير الرسمية لتقف إلى جانب عمان المناضلة ولتشرح قضيتها العادلة ولتفضح حقيقة الإستعمار وماهية العدوان على أراضيها.
أما في الجامعة العربية:
فقد بدأت صفة إمامة عمان بالجامعة العربية منذ إنتخاب الإمام الحالي " غالب بن علي " في عام 1954 م.
فقد أرسل الإمام غالب بن علي إلى جامعة الدول العربية رسالة يطالب فيها بالإعتراف بأن إمامة عمان دولة عربية مستقلة ذات سيادة، ودراسة أوضاعها وقبول إنضمامها إلى الجامعة.
فدرست الرسالة في اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية وقرر مجلس الجامعة في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1954 م الموافقة على قرار اللجنة السياسية الآتي:
" أحيطت اللجنة علما برسالة إمام عمان وأوصت بإنتظار نتيجة ما تقوم به الأمانة العامة، مستعينة بالدول الأعضاء ... من دراسات لإمامة عمان ".
وفي 20 آذار (مارس) 1955 أصدر مجلس الجامعة قرارا بالموافقة على قرار لجنة الشؤون السياسية الآتي:
" عنيت اللجنة بطلب عمان الإنضمام إلى جامعة الدول العربية وتوصي بأن يؤجل الموضوع إلى إجتماع قادم إستكمالا لعناصره ".
وأصدر المجلس في 14 أيلول (سبتمبر) قرارا آخر بالموافقة على قرار اللجنة (1/118)
صفحة 119
السياسية الذي يطالب دول الجامعة بالعمل على تسهيل إنضمام الدول العربية المستقلة إلى الجامعة وخاصة إمامة عمان، وهذا هو القرار:
" ورغبة من مجلس جامعة الدول العربية في تسهيل السبل أمام البلدان العربية المستقلة للإنضمام إلى جامعة الدول العربية ... يرحب المجلس بطلب إمامة عمان الإنضمام إلى عضويته. ويقرر دعوة الدول العربية الأعضاء التي لم تبد بعد رأيها في الموضوع لتكوين وجهة نظرها فيه. على أن تعرض هذه الدول رأيها في مجلس جامعة الدول العربية في دورته القادمة لكي يتخذ قرارا حول إنضمام الإمامة إلى الجامعة.
وبعد أن بدأ العدوان الإنكليزي على عمان وألحت الإمامة على الجامعة بالإهتمام جديا في نصرتها، أصدر مجلسي الجامعة قرارا في 12 نيسان (إبريل) 1956 م يوافق فيه على قرار اللجنة السياسية الأتي:
" نظرت اللجنة السياسية مذكرة الأمانة العامة بشأن إمامة عمان وتفوض الأمين العام في تأليف بعثة ثلاثية تمثل الجامعة، للإحاطة بالأحوال في منطقة عمان. وبذل المساعي لدى المسؤولين فيها. وتقديم عن نتيجة سعيها إلى مجلس الجامعة في دورته القادمة. وتوصي الدول الأعضاء بالتعاون على تيسير مهمة البعثة ".
وفي 22 أيلول (سبتمبر) ألحق قرارها الأول بقرار ثان يتناول العدوان البريطاني جاء فيه:
" إستعرضت لجنة الشؤون السياسية قضية إمامة عمان وتطور الأحداث فيها منذ العدوان البريطاني على إستقلالها وسيادتها ورأت أن توصي بما يأتي:
1 - أن تواصل الدول الأعضاء مساعيها حتى تسترد إمامة عمان حقوقها وحريتها.
2 - أن توجه حكومات الدول الأعضاء مندوبيها لدى الأمم المتحدة إلى الإشارة لهذه القضية وما تعانيه إمامة عمان في الوقت الحاضر أمام الجمعية العامة في دورتها المقبلة.
3 - أن تواصل الأمانة العامة مساعيها لتنفيذ قرار مجلس الجامعة في جلسته المعقودة يوم 12 نيسان (إبريل) 1956 م.
وفي 30 آذار (مارس) 1957 م أصدرت الجامعة العربية قرارا يتعلق بالبعثة التي أزمعت على إرسالها للمنطقة بناء على توصية لجنة الشؤون السياسية وقد تضمن القرار ما يلي:
" أحاطت اللجنة علما بما ورد في مذكرة الأمين العام بشأن البعثة الثلاثية المقرر إيفادها إلى منطقة إمامة عمان، وبإقتراح وزارة الخارجية للجمهورية السورية بتأليف لجنة من الدبلوماسيين والخبراء العرب لزيارة الإمارات والمناطق العربية المسماة بالمحميات ودراسة أحوالها العامة وتقديم تقرير مفصل عنها.
ورأت اللجنة أن تتابع الأمانة العامة مراقبة الأحوال في هذه البلاد حتى يتيسر (1/119)
صفحة 120
إيفاد البعثات التي سمحت الظروف القائمة في تلك المناطق بذلك ".
وحينما تأزمت الحالة في الإمامة وإتجهت النية لعرض القضية أمام مجلس الأمن أصدر مجلس الجامعة في 12 آب 1957 م قرارا وافق فيه على توصية لجنة الشؤون السياسية في الموضوع وقد تضمنت توصيته الآنفة ما يلي:
" قيام الدول الأعضاء يعمل جماعي مشترك وذلك بطلب عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن للنظر في هذه القضية ووقف تدخل القوات العسكرية البريطانية ضد عمان بوصفه مهددا للسلم والأمن في الشرق الأوسط ومخالفا لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ".
وفي عام 1958 م وعلى أثر إستمرار العدوان وإشتداده عقدت اللجنة السياسية عدة إجتماعات بشأن إمامة عمان وقد أصدرت قرارين بصدد ذلك أولهما في أول نيسان (إبريل) عام 1958 م يتضمن ما يلي:
" أحاط المجلس علما بكتاب السيد مدير مكتب إمامة عمان بالقاهرة إلى الأمين العام بشأن التطورات الأخيرة لقضية عمان، ونظرا لأهمية ما ورد فيه فقد قرر إحالته إلى حكومات الدول الأعضاء للنظر به على ضوء قرارات المجلس السابقة بشأن هذه القضية ".
وثانيهما صدر في 10 أيلول (سبتمبر) 1958 م بالموافقة على توصية لجنة الشؤون السياسية الآتية:
" نظرت لجنة الشؤون السياسية لمجلس جامعة الدول العربية قضية عمان وتطوراتها، واللجنة إذ تؤكد بحق شعب عمان في ممارسة أسباب سيادته وإستقلاله. تستنكر إستمرار العدوان البريطاني على أراضيه وتدعو حكومات الدول الأعضاء إلى مؤازرة الشعب العماني العربي بشتى الوسائل، في كفاحه المشروع العادل. وتقرر إحالة القضية إلى وفود الدول الأعضاء لدى الأمم المتحدة لإتخاذ الموقف الملائم لإثارتها في الأمم المتحدة بالتعاون مع المجموعة الآسيوية والأفريقية.
وفي عام 1960 م عادت الجامعة العربية إلى بذل الجهود في المجال الدولي لإثارة قضية عمان. كما أثارت موضوع إنضمامها إلى الجامعة العربية فقررت العودة لدراسة هذا الموضوع في إجتماع الجامعة العربية الذي سيعقد في الدار البيضاء.
وفي مؤتمر الدار البيضاء قرر مجلس الجامعة العربية التأكيد على تأييد الجامعة لكفاح عمان، ودعمه عالميا وعربيا. كما قررت وضع ميزانية ثابتة لإمامة عمان ودعت الدول العربية إلى دفعها من ميزانياتها بنسبة إشتراكها في ميزانية الجامعة العربية. (1/120)
صفحة 121
خطاب سيادة الإمام غالب في الجامعة العربية:
وقد ألقى سيادة الإمام غالب بن علي في جلسة جامعة الدول العربية كلمة تاريخية قال فيها:
معالي رئيس المجلس الموقر
السادة رؤساء وأعضاء الوفود المحترمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
يسعدني أن أقف بينكم شاكرا لمعالي الأمين العام لمجلس الجامعة الموقر والسادة رؤساء وأعضاء الوفود الكرام أن أتاحوا لي هذه الفرصة السعيدة. ومقدرا لشعوركم النبيل، وعطفكم على قضية عمان إحدى القضايا التي تواجه عالمنا العربي، والتي تقاسي ظلم وجور الإستعمار البريطاني البغيض.
أيها السادة:
أنتهز هذه الفرصة لأبادلكم التهنئة بمناسبة سعيدة عزيزة علينا نعتبرها عيدا قوميا لنا نحن معشر العرب. هذه المناسبة هي إتفاقية وقف إطلاق النار في الجزائر التي هي الخطوة الأولى في سبيل إستقلال ذلك البلد المناضل المكافح. الذي إستطاع بفضل كفاح أبنائه وجهادهم المقدس، ومساندة الدول العربية له، أن ينتزع حقه ويرغم الإستعمار على الرضوخ لإرادته والتسليم له بحقوقه. وإني أبتهل إلى الله العلي القدير أن يحقق لفلسطين العزيزة، وللجنوب العربي المكافح ما تحقق للجزائر الشقيقة من إنتصار. وأن يأتي اليوم الذي نرى فيه بلاد العرب من المحيط إلى الخليج وقد طهرت وحررت من المستعمر الغاصب. وأن يعود كل شبر مغتصب من أرض العرب إلى أبناء العرب وما ذلك على الله بعزيز.
أيها السادة الأفاضل:
إسمحوا لي أن أعرض على مسامعكم ما يوجهه جزء من وطنكم العربي الغالي. شاءت الأقدار أن يكون فريسة لعدو ظالم وخصم عنيد قاسى منه العالم العربي مر العذاب.
هذا الجزء العزيز هو إمامة عمان التي تقاسي اليوم وهي صابرة من المستعمر وأهواله ما يعجز عن وصفه اللسان. فمنذ أن وطئت قدم المستعمر البغيض أرض وطننا العزيزة وهو يسوم أبناء عمان سوء العذاب، ويحاول جاهدا إستغلالهم وإخضاعهم بقوته وجبروته، وسلب خبرات بلادهم وتشريدهم وإستنزاف مواردهم.
لقد حاول المستعمر الغاصب لكل ما أوتي من حيلة ودهاء أن يطمس عروبة عمان وشخصيتها بشتى أساليبه المنكرة المعهودة فقتل الشيوخ قبل الشباب، ويتم الأطفال، ورمل النساء، وشرد العوائل، وبذر بذور الشقاق بين أهل البلد الواحد المتمسك بحقه الشرعي في بلده. وأطلق الإستعمار البريطاني أيدي زبانيته وعملائه لإغتصاب ما تقع يدهم عليه. (1/121)
صفحة 122
ولم يكتف المستعمر الظالم بما تقدم. بل أخذ يقصف القرى والمدن والمدنيين الآمنين في عمان بقنابل طائراته وصواريخه المحرقة مما أدى إلى إزالة قرى كاملة من الوجود.
أيها السادة:
إن قوى الشر الغاصبة في عمان تحاول جاهدة إزالة عمان عن خريطة الوجود بشتى الوسائل. فلجأت إلى أبشع الأساليب في تجويع الأهالي وإضطهادهم. وفرض جنسية مزيفة عليهم وتعذيب وتشريد المواطنين وطردهم من بلادهم إذا ما أبدوا معارضتهم لإجراءاته التعسفية الصارمة.
إن شعب عمان الذي يبلغ ثلاثة ملايين من العرب المؤمنين بربهم وبحرية بلدهم مهددين بالفناء والتشريد والموت جوعا يسترحمكم ويناشدكم أن تمدوا له العون وتساندوه في محنته وكفاحه ونضاله المشرف ضد قوى الشر التي تحاول القضاء عليه وتخلق منه مشكلة لاجئين أخرى. هذا الشعب الذي آلى على نفسه أن يدافع عن وطنه حتى ينال إستقلاله ويحافظ على ثرواته الطبيعية التي وهبها الله له ليكون خيرها له وللأمة العربية جمعاء.
أيها السادة:
فيما يلي أود أن أذكر ما استطاع إخوانكم أبناء عمان إنجازه ضمن إمكانياتهم البسيطة وذلك بالرغم من حصار العدو لأراضيه وتقييده لحريته:
1 - في المجال العسكري:
إستطاع عدد كبير من الشباب المناضل في عمان أن يحصل على قسط جيد من التدريب العسكري وإستخدام الأسلحة الحربية الحديثة والقيام بالعمليات الحربية والإشتباك المباشر. وهم يقومون في الوقت الحاضر بأعمال جبارة ضد قوى الإستعمار الغاشم ويلقنونه دروسا في البطولة والدفاع عن الأوطان، وينزلون بالعدو أفدح الخسائر ويشلون نشاطه، وقد أجبروا العدو بالكف عن عمليات التنقيب عن البترول بالرغم من تأكدهم من وجود هذه الثروة في أرض عمان المجاهدة. ومما يجدر ذكره هنا أن أبناء عمان يجدون في هذه البلد وحكومته السنية من المساندة في شتى المجالات مما يجعلني أتقدم بالشكر والتقدير لهذا الشعور الوطني من ملك هذه البلاد وولي عهده وشعبه نحو الشقيقة عمان.
2 - في مجال التعليم:
إن إمامة عمان جادة في تعليم وتخريج أكبر عدد ممكن من الطلبة الإبتدائية بمدرسة خاصة بهم في الدمام والعمل على إلحاقهم بالمعاهد العسكرية في الدول العربية الشقيقة. وسيتخرج هذا العام عدد لا بأس به ينتظر أن يكون له شأن في المشاركة في تحرير البلاد والنهوض بها.
وختاما أرجو الله العلي القدير أن يسدد خطاكم في كل ما من شأنه توحيد كلمة العرب وجمع صفوفهم ومحاربة الإستعمار الغاشم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1/122)
صفحة 123
دور المنظمات الرسمية والشعبية العربية:
ولم يقتصر الإهتمام على الحكومات العربية الأعضاء في الجامعة العربية بل تعداه إلى المؤسسات والمنظمات الرسمية والشعبية في كل بلد عربي وإلى المجالس النيابية والمؤتمرات العربية الدورية. التي ساهمت في دعم قضية عمان والدفاع عنها. وإتخاذ التوصيات والمقررات بتعبئة الشعب العربي في كل قطر من أقطار العروبة لمساندة إمامة عمان بكل الوسائل.
وكمثال على ذلك نورد التوصية التي أصدرها مؤتمر المحامين العرب المنعقد في بيروت في أول آيلول (سبتمبر) 1959 م بشأنها:
" يعلن المؤتمر أن إمامة عمان دولة مستقلة إستقلالا تاما ناجزا بحكم المواثيق الدولية ... ويوصي المؤتمر جامعة الدول العربية بقبول عمان عضوا في الجامعة. ويطالب المؤتمر الشعوب والحكومات بمساندة شعب عمان ماديا وأدبيا في كفاحه ضد العدوان الذي تشنه بريطانيا على عمان المجاهدة ".
وقد كان لهذه التوصية وأمثالها أثر كبير في أوساط الشعب العربي وفي أوساط المنظمات العالمية المماثلة كمنظمات مكافحة الإستعمار ... وجمعيات الحقوقيين الدوليين.
مذكرة مكتب إمامة عمان
في الكويت إلى مؤتمر إتحاد الصحفيين العرب الأول:
وعندما إنعقد المؤتمر الأول لإتحاد الصحفيين العرب في الكويت قد مكتب دولة إمامة عمان في الكويت إلى المؤتمر المذكرة التالية:
حضرات السادة المحترمين رئيس وأعضاء المؤتمر الأول لإتحاد الصحفيين العرب المنعقد بالكويت تحية العروبة.
باسم عمان العربية المجاهدة، باسم شعبنا العربي الثائر على الإستعمار الصامد أمام بطشه وعدوانه. باسم الشهداء الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
باسم الأرامل والأيتام الذين أستشهد ذووهم في ساحات الشرف والكرامة ذيادا عن عروبة عمان.
باسم الكرامة والحرية في عمانكم العربية - نحيي مؤتمركم العربي الكبير ونبارك رسالته ونفزع إلى الله العلي القدير أن يقرن مساعيكم وجهودكم بالتوفيق والنجاح.
أيها الأخوة الأحرار، منذ حوالي سبع سنوات تقريبا وثورة أشقاءكم في عمان الأبية تصمد بوجه عدوان إستعماري غاشم وتقاوم قواه وتقابل أسلحته الكبيرة والكثيرة بالثبات والإيمان والشعور القوي.
وبرغم كل ما عاناه الشعب العربي في عمان عبر هذه السنوات من ويلات العدوان الإستعماري.
وبالرغم من وقوفه في ساحة القتال لوحده فقد أبت عليه روحه العربية وطبيعته القومية أن يقف من مواصلة نضاله ويتراجع عن رسالته ويستسلم لإرادة المستعمرين، بل ظل صابرا صاعدا يقدم كل يوم قرابين جديدة من أبناءه على مذبح الكرامة والعزة والحرية.
ولأجل أن نعطيكم صورة صحيحة عما جرى ويجري في عمان على أيدي المستعمرين الغزاة نضع بين أيديكم المعلومات التالية لتكونوا على بينة مما يعانيه أشقائكم في هذا الجزء من وطننا العربي الكبير. (1/123)
صفحة 124
فلقد عمد الإستعمار عند بداية غزوه المسلح لعمان إلى أساليب البطش ووسائل التدمير والتجزئة الإقليمية وعزل الشعب العماني عن العالم.
وبذلك إستطاع أن يرغم أبناء الشعب على النزوح عن عمان سعيا وراء الكسب الذي حرموا منه في بلادهم وكان قصد الإستعمار من ذلك فتح أبواب الهجرة الأجنبية إلى عمان ليكون الأجانب عدته التي يعتمد عليها في المستقبل.
وطبقا للروح الإستعمارية التي دائما تطمع في إستغلال الشعوب وإفقارها إلى أسباب المقاومة إستغل المستعمرون ضعف الشعب العربي في عمان وأشحنوه وأفنوه بالجراح وأنتزعوا من يده كل وسيلة من وسائل الحياة ليصير معدوما ضعيفا لا يقوى على مقاومتهم والثورة عليهم.
ولأجل أن تكون جرائم الإستعمار في عمان بعيدة عن أسماع العالم - ضرب المستعمرون على عمان العربية حصارا تاما بحيث لم يسمحوا لأحد لا من العرب ولا من الأجانب ولا من المصلحين أو مراسلي وكالات الأنباء أو من السواح ولا من منظمة الهلال الأحمر من الدخول إلى عمان. وبذلك إستطاعوا أن يعزلوا الشعب عن العالم وأن تظل أخبار الكفاح في عمان وطوية وراء الحصار الإستعماري.
ولم يكتف المستعمرون بذلك وإنما تجاوزوه إلى ما هو أسوا وأفظع فعمدوا على محاربة التعليم في عمان ورفضوا السماح بفتح أية مدرسة ولو كانت إبتدائية لبقى الشعب هناك جاهلا معزولا عن التطورات التي سادت العالم في شتى النواحي.
وحين ثار الشعب العربي في عمان على الإستعمار عام 1957 م أي بعد عدوانه المسلح على دولة عمان بسنة ونصف تقريبا ولم يتردد المستعمرون عن ضرب عمان بالصواريخ إلى جانب القنابل المحرقة.
فهدموا المدن والقرى وأحرقوا الزرع وأتلفوا الضرع وأبادوا وأعتقلوا الألوف من أبناء الشعب وفرضوا على عمان حالة من الإرهاب والتعسف والإضطهاد على نحو لم يشهد له التاريخ مثيلا.
ومع هذا كله فقد صمد الشعب العربي في عمان وقاوم ببطولة وإصرار وأبى أن ينحني أمام القوة الغاشمة مستمدا قوته من إيمانه بحقه ومن ثقته بأنه لن يبقى لوحده في ميدان الشرف والكرامة وفي بلاد العروب حيث له أشقاء أمناء على رسالة الحق والحرية.
أيها الأخوة الأحرار لا نريد أن نطيل عليكم في هذه المذكرة بإستعراض واقع عمان اليوم وتطور ثورة الشعب هناك وإتساع مداها وإمتدادها إلى كل شبر من أرض عمان العربية فقد يشغلكم ذلك بعض الوقت عما إجتمعتم من أجله، ولكنا شعورا منا بأخوتكم وسمو روحكم وقوة إيمانكم برسالة العروبة نسترعي إهتمامكم إلى بعض نقاط نعتقد أنها جديرة أن تكون موضع دراستكم وأنتم من رواد الفكر العربي وحملة مشاعل التوجيه والوطنية والثورية.
إن ثورة الشعب العربي في عمان ليست في أسبابها وأغراضها ثورة إقليمية تخص عمان وحدها مثلما هي ثورة العروبة كلها ثورتكم أنتم ثورة كل عربي يدين بالولاء لرسالة الأمة العربية.
ومن هنا ينبت الشعور بالمسؤولية التاريخية التي ألقتها قضية عمان على عاتق كل عربي.
وإذا كان دور الشعب العربي في عمان دور فدائي في معركة التحرير فإن دور الصحافة العربية في العالم دعم ومساندة هذه الثورة لا تقل عن أهمية وقيمة عما عداها.
والذي يرجوه الشعب العربي في عمان ويتطلع إليه من مؤتمركم هو أن تحظى ثورة عمان العربية بمزيد من إهتمامكم وتأييدكم وأن تكون موضع عنايتكم وأن تنال رعايتكم لها ما تستحق من إسناد ومؤازرة.
لقد كانت قضية عمان وثورة شعبها العربي على الإستعمار وما تزال مجهولة لدى الكثير من أبناء الأمة العربية بفعل الحصار الذي ضربه (الإستعمار) على عمان. ومن هنا تتضح أهمية الدور الذي تؤديه الصحافية في تنوير (1/124)
صفحة 125
الرأي العام العربي ومن ثم العالمي عن حقيقة القضية العمانية وبالإضافة إلى ذلك فإن الصحافة تستطيع أن تكون وسيلة الشعب العربي في عمان للحصول على مزيد من دعم ومساندة البلدان العربية الشقيقة ماديا وسياسيا خصوصا وأن قضية عمان قد تبلورت أو كادت تتبلور على الصعيد الدولي وفي الأمم المتحدة على وجه التحديد.
ولكم أيها الأخوة الأحرار أن تتصوروا الواقع الذي يعيشه أشقاؤكم في عمان والويلات التي يلقونها على أيدي المستعمرين والمرتزقة والدماء الطاهرة التي يقدمونها بسخاء من أجل الحرية والكرامة ليكون ذلك عاملا مباشرا يحملكم على تدعيم كفاح الشعب العربي في عمان.
ويقينا أنكم بحاجة إلى مزيد من الأضواء تلقي على قضية عمان لتفتح لكم المآساة التي يعيشها أشقاؤكم هناك. وكان بودنا أن نفعل ذلك لولا رغبتنا الملحة في أن يتولى مؤتمركم الكريم هذه المهمة بأن يقرر إرسال وفد إلى عمان ويتخذ الإجراء اللازم لتحقيق هذه المهمة، لتقفوا بأنفسكم على الحقائق المطوية خلف الحصار البريطاني في عمان وتلمسوا بأيديكم تصميم إخوانكم العمانيين على مواصلة النضال وتقدروا ما تقتضيه ثورتهم على الإستعمار.
أيها الأخوة الأحرار ... إن الشعب العربي في عمان يتجه اليوم بروحه وقلبه وكل آماله إلى مساعيكم النبيلة وجهودكم المخلصة وكله ثقة وإيمان بأنه سيجد منكم نصرة الأخ وعضد الشقيق.
(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) والله الموفق وبه المستعان.
عمان في مؤتمر الأدباء العرب السادس
وفي المؤتمر السادس للأدباء العرب، قدم الوفد العماني البحث التالي عن عمان بين الماضي والحاضر وعن دور الأدب في كفاح عمان:
في مؤتمر كبير كمؤتمر الأدباء العرب، يجدر برجال الفكر والقلم والأدب أن يتحروا الحقائق المتصلة ببلاد العرب والأدوار التي مرت بها شعوب هذه البلاد، وبالخاصة الشعوب التي تعرضت إلى غزو أجنبي وخاضت غمرات كفاح طويل إمتد قرونا متعاقبة، كما هي الحال في عمان.
ولئن أتيح لشعب عمان العربي شرف المشاركة في مؤتمر الأدباء العرب، فإن وفد عمان يتشرف بأن يضع بين أيدي المؤتمرين الكرام الحقائق التي رافقت تاريخ عمان ما كان للأدب من تأثير كبير في الحروب التي خاضها الشعب العربي في هذا الجزء من بلاد العروبة. وبكشف أساليب المخططات الإستعمارية التي مارسها المستعمرون للسيطرة على هذا الجزء العربي ولمحو عروبته والقضاء على تاريخه وتراثه الحضاري والأدبي والفكري.
نبذة تاريخية:
تقع عمان إلى الجنوب الشرقي من شبه جزيرة العرب وتمتد من شبه جزيرة قطر إلى حضرموت وكانت عبر تاريخها الطويل دولة كبيرة ذات سيادة، صمدت أمام غزوات متعاقبة بدأها الغرب عام 1257 قبل الهجرة ثم توالت عليها غزوات البرتغال والهولنديون والفرنسيين والإنكليز.
ويقول إبن خلدون: أن عمان سميت بهذا الأسم نسبة إلى أسم (عمان بن قحطان) الذي ولي عليها بأمر يعرب بن قحطان الذي تولى أمر العرب العاربة في اليمن، أما قبل ذلك فقد إختلف المؤرخون في إسمها وتضاربت أقوالهم في هذا الشأن.
ويجمع المؤرخون على أن طبيعة عمان من حيث الخصب والري وطيب المناخ ووفرة المعادن إلى جانب وضعها الجغرافي وأهميته على طريق المحيط الهندي، كل ذلك كان من أكبر الدوافع التي حملت الفرس والبرتغاليين والفرنسيين والهولنديين والإنكليز على غزو عمان.
ولقد فشلت كل محاولة أجنبية أريد بها إحتلال عمان وأصطنعت مخططات الطامعين بها بإرادة الشعب ولم ينجح أحد من الغزاة في كسر شوكة الشعب العربي، حتى القرن الثامن عشر حيث نجح الإنكليز في سلخ (1/125)
صفحة 126
مسقط عن عمان عام 1719 م وجعلوها سلطنة وأقاموا عليها أحد الموالين لهم من آل تيمور باسم (سلطان مسقط).
ومن يرجع إلى تاريخ عمان، يجد أن أسلوب التجزئة كان وسيلة الإستعمار البريطاني للسيطرة على عمان - الساحل والداخل - فلقد عمد الإنكليز إلى تقطيع عمان وجعل أقسامها الساحلية إمارات ومشايخ منفصلة عن بعضها البعض وترتب على ذلك أن إنعزل القسم الداخلي عن عمان، بينما إستطاع الإنكليز أن يجعلوا من الأقسام العمانية التي سقطت من عمان قواعد عسكرية إستخدموها فيما بعد لغزو عمان الداخل - كما حصل عام 1955 م.
وخلال القرون التي إجتازتها عمان والحروب التي خاضها الشعب العربي هناك، لعب الأدب والشعر منه خاصة أهم وأكبر الأدوار في إذكاء حماسة الشعب وشحذ هممه وإلهاب عواطفه ومضاعفة مقاومته وبسالته في الذياد عن عروبة عمان. وما زال الشعب العربي في عمان يتغنى بإعتزاز وتقدير بالغتين بقصائد شعرائه الأفذاذ وفي مقدمتهم (أبو بكر أحمد بن سعيد وسليمان النبهاني وموسى بن الحسين وإبن شيخان وإبن عديم ... وإلخ ... ).
وفي تاريخ عمان صفحات مشرقة حفلت بأمجاد عربية رائعة إنعكست عليها طبيعة عمان العربية وتجسم فيها الطابع الحضاري للعرب في هذا الجزء من بلادهم ولولا العزلة التي عاشتها عمان خلال القرون الماضية وإنشغال شعبها بصد ومقاومة الغزوات الأجنبية لأستطاعت عمان أن تسهم بنصيب كبير في خدمة العروبة عن طريق الأدب ولكن لها اليوم دور فعال في المسيرة العربية نحو أهدافها الكبرى.
ولم يقتصر الأدب في عمان على الحماسة وإستثارة الشعب ضد المعتدين الغزاة، إنما طرق كل ناحية من نواحي الحياة، وعبر بصدق وأمانة عن واقع عمان السياسي والإقتصادي والإجتماعي وكان وما يزال - مرجعا تاريخيا يتناول مختلف المراحل والتطورات التي رافقت تاريخ عمان في مختلف الظروف.
ويغلب على الأدب في عمان طابع الفلسفة والدين ومرد ذلك إلى النظام الإجتماعي الذي ساد عمان في مختلف مراحلها التاريخية، على أن الأدب العماني حتى وهو ضمن إطاره الفلسفي والديني لم يقف عن مسايرة التطور الحضاري في تركيبه وأسلوبه وتعبيره إنما واكب روح العصر وتابع تطوراته ولم يختلف عن ذلك إلا من حيث إنصرافه في معظم الأحيان إلى الناحية النفسية معبرا في ذلك عن طموح الشعب العربي في عمان ومقتصرا على ظروفه السياسية الناشئة عن الغزوات الأجنبية التي تعرض لها والعدوان الإستعماري الذي إنصب عليه. والنقطة المهمة التي نرجو أن تستأثر بإهتمام أعضاء المؤتمر الكرام، هي أن الأدب العربي في عمان وإن إستطاع أن يغالب الزمن ويصمد للتيارات الإستعمارية ويظل في مستوى المهمة التي ألقيت عليه كوسيلة للحفاظ على عروبة عمان لم يسلم من غارات الشعوبية وسمومها ولم يبق في منأى عن الأساليب المعادية للأمة العربية.
فقد شجع الإستعمار بعد تجزئته عمان إلى أمارات ومشايخ، شجع الهجرة الأجنبية إلى أجزاء عمان وحارب التعليم في أكثر هذه الأجزاء وقاوم رجال الفكر والأدب بقسوة، فنشأ عن ذلك طغيان أجنبي شعوبي أصبح اليوم مصدر خطر لا على الأدب في عمان فحسب، بل على عروبة عمان بصورة عامة.
ولقد إستغل الشعوبيون هذه الفرصة فراحوا يبثون سمومهم في أجزاء وأقاليم عمان ويحاربون العربية لغة وتراثا، ويزرعون بذور التفسخ والإنحلال حيثما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ومؤتمر الأدباء العرب هو أجدر من يتولى دراسة هذه النقطة للوقوف على ما هناك من محاذير تهدد مستقبل الفكر العربي والحضارة العربية في عمان كلها.
ونقطة أخرى نرجو أن نسترعي إنتباه المؤتمرين الأفاضل إليها ونأمل أن تنال تقديرهم ما هي جديرا به، فلقد عمد الإستعمار من أجل تثبيت خطة التجزئة التي مزق بها عمان العربية إلى تسميات أراد بها إنتزاع إعتراف العرب بهذه التجزئة، ومن ذلك ما فعل بالنسبة لمسقط حيث سماها (سلطنة مسقط وعمان) أي أنه إعتبر مسقط هي الأصل وعمان ملحقة بها في حين أن مسقط ليست في واقعها وتاريخها إلا جزء من عمان شأنها شأن بقية الأجزاء التي أقتطعت من عمان. (1/126)
صفحة 127
ومن المؤسف حقا أن هذه التسمية إنطلت على كثير من أدباء العرب المعاصرين حتى صار بعضهم يرددها بالمناسبات وكأنها شيء طبيعي دون أن يفطن إلى ما يراد بها ومنها.
ومع أن هذه التسمية ليست شيئا مهما بالنسبة لعمان كدولة عربية ذات ماض وتاريخ وكيان كان يمتد من شبه جزيرة قطر حتى حضرموت ثم مزقها الإستعمار واحتل داخلها وساحلها وسيطر على ما فيها واضطر شعبها العربي على الثورة عليه ومقاومة عدوانه كما هي الحال الآن. فإن هذه التسمية تبدو مهمة جدا من حيث ما تعنيه على الصعيد السياسي بالنسبة لقضية عمان وثورة شعبها العربي.
والشعب العربي في عمان، إذ يتطلع الآن إلى مؤتمر الأدباء العرب ويتابع بروحه وقلبه أبحاثه وينتظر بفارغ الصبر قراراته. يهمه وإلى حد بعيد أن يأخذ المؤتمر أوضاع عمان الراهنة بنظر الإعتبار وبقدر ظروفه السائدة الآن ويستوحي ثورته على الإستعمار قرارا يدعو الدول العربية كلها إلى نصرته وتأييد ثورته ماديا ومعنويا.
والشعب أيضا، يناشد المؤتمرين وهم رواد الفكر العربي وحملة المشاعل على دروب النضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، أن يجندوا أقلامهم لإيضاح قضية عمان وتنوير الرأي العام بحقيقة المناورات الإستعمارية الهادفة إلى طمس معالم القضية العمانية وتشويه أهداف الشعب العربي في عمان.
وبإنتظار قرارات المؤتمر يتوجه الوفد العماني بخالص الشكر وعظيم الإمتنان إلى رئيس وأعضاء المؤتمر الكرام ويسأل الله لهم السداد في الرأي والتوفيق في العمل وبالله المستعان.
أثر قضية عمان في المحيط الدولي:
إن صمود الشعب العربي في عمان، ضد العدوان الإنكليزي المدبر والمعارك المعاكسة التي خاضتها الإمامة ضد العدو خلال عامي (1957 و 1958 م) ترك أثرا كبيرا لدى الشعوب الحرة، ورفع إسم الشعب العربي العماني في نظر العالم المتحضر. وهكذا إنتقلت قضية عمان من محيطها المحلي إلى المحيط الخارجي ... فوجهت أنظار الأحرار في الشرق والغرب إلى هذا الكفاح المقدس.
وأخذ أنصار القضية العمانية يتضاعفون في المحيط الدولي، فيدعمون - بذلك - نضال عمان، ويؤيدون جهادها الباسل ضد الغزو.
وإن الخسائر التي أنزلها المكافحون العمانيون بجيوش الغزاة أقنعت أبعد الناس عن عمان، بأن هذا الشعب العربي، جدير بالتأييد والتقدير. وهكذا أكتسبت القضية العمانية عطف الشعوب والحكومات الحرة المحبة للسلام. وترددت أنباؤها في المحافل والمؤتمرات الدولية، ووضعت التوصيات والمقررات في تأييدها بدون تحفظ. ولم يقتصر ذلك على جانب من جوانب العالم، ولا على نظم معينة، بل ترددت أصداء هذا الكفاح في عواصم الشرق والغرب لدى الشعوب الأوروبية والآسيوية والأفريقية ثم إنتقلت هذه التأثيرات الإيجابية إلى شعوب أمريكا اللاتينية.
ولما رأت الإمامة أن من المفيد أن ترسل وفدا يمثلها ويطوف في بعض عواصم الدول للدفاع عن القضية العمانية، والكشف عن خفايا العدوان الإنكليزي، والإشارة إلى أسبابه الحقيقية. لاقت هذه الوفود إستقبالا رائعا وترحيبا حارا وتفهما صحيحا لحقيقة الكفاح العماني أينما ذهبت في أوروبا، أو في آسيا وخاصة لدى الشعوب الإسلامية في (1/127)
صفحة 128
القارة الآسيوية، وقد إمتد هذا العطف والتأييد - في معظم البلاد الحرة التي زارتها الوفود - من شعوب تلك البلاد، إلى حكامها، وخاصة في بلدان أوروبا الشرقية، وفي الصين وكوريا وأندونيسيا والملايو وبورما والهند وباكستان وغيرها.
قضية عمان في المؤتمرات والمنظمات الدولية:
لقد برزت القضية العمانية في كثير من المنظمات والجمعيات والمؤتمرات الدولية وحتى في البرلمانات. وحصلت على عطف هذه المؤتمرات والمنظمات وتأييدها. ومن الجدير بنا أن نعرض بشكل موجز خلاصة لهذا العطف والتأييد، لبيان مدى ما لاقته القضية العمانية العادلة من الفهم الصحيح في المحيط الدولي.
ففي مؤتمر مكافحة الإستعمار الذي عقد في العاصمة اليوغسلافية، في نهاية عام (1959 م) إشتركت إمامة عمان بوفد عماني خاص، شارك في نشاط المؤتمر وحمل إليه أماني الشعب العربي العماني وشرح قضية العدوان الإنكليزي. وكشف القناع عن الجرائم التي إرتكبها الإستعمار البغيض في تلك البقعة الآمنة.
وقد وقف أعضاء المؤتمر جميعا إلى جانب الوفد العماني وأعلن عن تأييده لهذا الكفاح وعطفه عليه.
ومن الجدير بالذكر أن وفدا إنكليزيا يمثل حزب العمال البريطاني إشترك في هذا المؤتمر، فأبدى إستعدادا كاملا لفهم هذه القضية. كما تميز بذهنية إنسانية متفتحة، فأعلن عن تأييده لقضية عمان العادلة وعطفه على المكافحين العمانيين. كما وجه اللوم علنا إلى حكومته لإرتكابها هذا الإثم، في إعتدائها الغاشم على شعب صغير مسالم.
وفي مؤتمر الشعوب (الآسيوية - الأفريقية) الذي عقد في كوناكري - عاصمة غينيا - حضر ممثلو إمامة عمان، وأثاروا قضية العدوان على إستقلال بلادهم، فدرس المؤتمر هذه القضية بروح متفهمة عالية.
وقد أعارها المؤتمر ما تستحقه من إهتمامه، فأدان الإستعمار البريطاني - في النهاية - لإرتكابه عدوانه الأثيم. وشجب الأعمال الوحشية التي يقوم بها الجنود البريطانيون في الأراضي العمانية.
عمان في مؤتمر دول عدم الإنحياز:
وفي مؤتمر ملوك ورؤساء الدول غير المنحازة الذي عقد في القاهرة من 5 - 10 تشرين الأول عام 1964 م إشتركت دولة إمامة عمان كعضوم مراقب. وقد مثل عمان وفد ترأسه الإمام الثائر غالب بن علي إمام دولة عمان ومن السادة الشيخ سليمان بن حمير أمير الجبل الأخضر بعمان وعضو المجلس الأعلى لدولة عمان، والشيخ طالب بن علي شقيق الإمام وعضو المجلس الأعلى لدولة إمامة عمان، أعضاء.
وبهذه المناسبة قدم الوفد العماني إلى المؤتمر مذكرة إضافية عن تطورات القضية العمانية وعن إستمرار العدوان البريطاني على الشعب العماني الباسل. (1/128)
صفحة 129
وفي نهاية المؤتمر، إتخذ ملوك ورؤساء الدول غير المنحازة قرارا حاسما بتأييد عمان جاء فيه:
" تأييد كفاح الشعب العربي في عدن والجنوب (المحميات) وعمان من أجل التحرير والسيادة ويندد بإستمرار حكومة بريطانيا في رفضها لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن عدن والمحميات التي تنص على ممارسة الشعب حقه في تقرير المصير وعلى تصفية القاعدة البريطانية في عدن وسحب القوات البريطانية من المنطقة وتقديم المساعدات الضرورية لحركات التحرير في تلك الأقاليم في كفاحها ضد الحكم الإستعماري.
عمان في اللجنة القانونية الإستشارية لدول آسيا وأفريقيا:
وفي إجتماعات اللجنة القانونية الإستشارية لدول آسيا وأفريقيا التي عقدت في بغداد بتاريخ 22 - 3 - 1965 م قدمت دولة إمامة عمان المذكرة التالية:
حضرات السادة رئيس وأعضاء اللجنة القانونية الإستشارية لدول آسيا وأفريقيا المحترمين:
يتشرف مكتب دولة إمامة عمان في بغداد أن ينتهز فرصة إنعقاد الدورة السابعة للجنتكم المحترمة في بغداد، ليتقدم إليكم بالمذكرة التالية:
حين مارست بريطانيا عدوانها الغادر على عمان العربية وأحتلت ساحلها وداخلها بالقوة وأكرهت شعبها العربي في أكثريته المطلقة على النزوح عن دياره. كانت خطوتها الأولى في هذا السبيل أن تجاهلت الوجود القانوني لعمان كدولة مستقلة ذات سيادة. وضربت عرض الحائط بكل إعتبار يشهد لدولة عمان بالسيادة على أراضيها، وتحدت هذه المعاهدة التي نظمت العلاقة بين عمان الداخل كدولة وبين سلطنة مسقط.
ولقد نشأت عن العدوان الإستعماري البريطاني على عمان، مشكلة لاجئين إضطروا على ترك ديارهم إلى البلدان العربية المجاورة. وما زالوا يقيمون فيها بإنتظار النصر الذي يتطلعون إليه على يد جيش التحرير العماني.
والنقاط التي يرغب مكتب إمامة عمان في بغداد أن يعرضها على لجنتكم المحترمة هي كالآتي:
الناحية القانونية لقضية عمان:
1 - إن هناك معاهدة إسمها (معاهدة السيب) موقعة بين دولة إمامة عمان من جهة، وسلطان مسقط الذي يمثله المقيم البريطاني في مسقط في المفاوضات التي سبقت توقيع المعاهدة من جهة أخرى.
وهذه المعاهدة التي وقعت عام 1930 م تشهد بما لا يدع مجالا للمناقشة على أن عمان دولة مستقلة وذات سيادة. وقد إعترفت بريطانيا بذلك بحكم موافقتها على المعاهدة بوصفها الدولة المهيمنة على مسقط.
2 - إن معاهدة (السيب) هذه تنص صراحة على وجوب إحترام السلطات الحاكمة في مسقط وهي سلطات بريطانية، لحدود دولة عمان وسيادتها على أراضيها.
3 - إن هذه المعاهدة والكتب الملحقة بها والتي سبقت عقدها تتضمن نصوصا صريحة تمنع سلطات مسقط البريطانية من القيام بأية أعمال من شأنها التجاوز على سيادة وإستقلال عمان.
وأثناء مناقشة قضية عمان في الأمم المتحدة، حاول المندوب البريطاني أن يتجاهل معاهدة (السيب) ولكنه لم يستطع لأن كثيرا من الوفود وبخاصة الآسيوية والأفريقية واجهته بنصوص تلك المعاهدة فلم يجد ما يجيب به إلا أن تلك المعاهدة وقعت بين سلطان مسقط وبعض رعاياه في عمان الداخل في حين أن مسقط (1/129)
صفحة 130
كانت حتى عام 1719 م جزء من عمان وليست عمان جزء تابعا لمسقط، وهذه حقيقة إعتمدت عليها وفود الأمم المتحدة حين ردت على مزاعم المندوب البريطاني.
وخلال الجولة التي قامت بها اللجنة الدولية الخماسية التي إنتدبتها الأمم المتحدة في بعض البلدان العربية لتحري قضية عمان والوقوف على نواحيها القانونية والتاريخية وجدت أن معاهدة (السيب) نصوصا تلزم بريطانيا بإحترام سيادة و إستقلال عمان. وقد بادرت تلك اللجنة في تقريرها بالفصل الذي رفعته إلى الأمم المتحدة في دورتها الحالية وطالبت فيه بريطانيا بالكف عن عدوانها على عمان وتسوية قضيتها سلميا وعلى نحو يكفل حقوق الشعب العربي في عمان.
نخلص من هذا كله إلى القول بأن لقضية عمان المعروضة الآن على الأمم المتحدة ناحية قانونية جديرة أن تنال من لجنتكم المحترمة ما هي جديرة به من إهتمام ورعاية.
مشكلة اللاجئين العمانيين:
كانت النتيجة الطبيعية للعدوان الذي شنه الإستعمار البريطاني على عمان العربية أن إضطر قسم كبير من أبناء الشعب العربي في هذا البلد على اللجوء إلى بلدان عربية أخرى.
وهؤلاء الذين أكرههم العدوان البريطاني ما زالوا يعيشون الآن في البلاد التي إلتجأوا إليها بإنتظار الحل العادل لقضية بلادهم. وهم في أسوأ حالات التشرد والضياع.
ولقد ضربت بريطانيا حول عمان ستارا حديديا بحيث لم تسمح لأي مواطن عماني أن يعود إلى بلده أو أن يتصل بمن بقي فيها من أهله وذويه.
ثم تجاوزت ذلك فمنعت حتى لجان الهلال الأحمر والصليب الأحمر الدولية من دخول عمان لمساعدة العمانيين في الداخل وهم في حالة ثورة على الإستعمار. الأمر الذي كان أسوأ الآثار على الوضع الصحي لشعب عمان المكافح.
وليس من شك في أن لجنتكم المحترمة تقدر حقوق اللاجئين العمانيين في العودة إلى بلادهم وتقدر كذلك ما تقض به القوانيين الدولية من إحترام لهذه الحقوق ورعاية لها.
إن مكتب إمامة عمان في بغداد إذ يقدم للجنتكم المحترمة هذه المذكرة يأمل أن تحظى قضية عمان من ناحيتيها القانونية والإنسانية بدراساتكم وعطفكم وتفضلوا بقبول فائق الإحترام.
قضية عمان أمام مجلس الأمن الدولي:
حين اشتدت أعمال العدوان على الأرض العمانية في عام 1957 م - واشتدت - مقابل ذلك - مقاومة الشعب العماني بحثت اللجنة السياسة لجامعة الدول العربية في إجتماعاتها الدورية هذا الموضوع واطلعت على رسائل الإمام. كما إستمعت إلى تقارير ممثليه، وإتخذ مجلس الجامعة العربية في عام 1957 م قرارا بإرسال ممثل لإمامة عمان إلى هيئة الأمم المتحدة. لكي يتخذ الخطوات الممكنة، مع وفود الدول العربية، لعرض قضية عمان على مجلس الأمن على أساس أن الحالة في عمان تهدد السلم والأمن في المنطقة. ومن ثم محاولة إدراج القضية في جدول أعمال هيئة الأمم. وقد أثمرت هذه الجهود ودعى مجلس الأمن للإنعقاد بناء على طلب إحدى عشر دولة عربية من أعضاء هيئة الأمم المتحدة، ووفقا للمادة (35) من ميثاق الأمم المتحدة، الذي تضمن المطالبة بعرض موضوع التدخل البريطاني المسلح في إمامة عمان على المجلس. (1/130)
صفحة 131
وكان إنعقاد المجلس في 20 آب (أغسطس) 1957 م. وبعد إجتماعين متتاليين قرر رفض إدراج القضية في جدول الأعمال. فقد عارضت بريطانيا وفرنسا وإستراليا وكولومبيا وكوبا الإقتراح. وأيدته العراق والسويد والفلبين والإتحاد السوفياتي وإمتنعت الولايات المتحدة عن التصويت.
وطالبت الصين " الوطنية " بإرجاء البحث حتى تتوفر المعلومات الكافية لدى ممثليها. ولما لم يجب المجلس على الطلب، إمتنعت عن التصويت أيضا.
ورغم حرارة الدفاع الذي أبداه المندوبان، العراقي والسوفياتي، فإن الأكثرية لم تكن جانب الإقتراح.
وكانت وجهة نظر العرب، أمام المجلس، تتلخص - آنذاك - في أن مسألة العدوان البريطاني على إمامة عمان، يجب أن تعرض على مجلس الأمن وأن تناقش بروج إيجابية جدية. على أساس أن العدوان ليس إلا إجراء عدواني من دولة كبرى أجنبية على شعب مستقل، وتصرفا يعرض السلم في هذه المنطقة إلى الخطر.
كما أنه من ناحية أخرى، قد يؤدي إلى إيجاد سابقة في العلاقات بين الدول الصغيرة والكبيرة. تقوم على أساس تجاهل نظرية السيادة بإعتبارها الأساس الذي يقوم عليه النظام العالمي.
ولكن لم يلتفت مجلس الأمن - والدول الإستعمارية الكبرى التي تسيطر عليه - إلى هذه النواحي الخطيرة، فأسقط المشروع.
وكان لابد للدول العربية أن تفكر جديا باللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لإتخاذ قرار حاسم في هذا الموضوع.
وفي أيلول (سبتمبر) من عام 1957 م سافر ممثل لإمامة عمان إلى نيويورك، وظل على إتصال بوفود الدول العربية، ساعين جميعا للإتصال بوفود الدول الأخرى. لإقناعها بالموافقة على طلب إدراج القضية في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. إلا أن هذه المساعي أقنعت ممثلي الدول العربية بضرورة تأجيل الطلب. وفعلا قرر مندوبو الدول العربية في النهاية تأجيل الطلب إلى عام 1958 م وأكتفت هذه الوفود بما حققته من كسب عن طريق الإتصال بمندوبي الدول الأخرى. آملة أن يفيدها هذا الكسب في الدورة المقبلة.
وفي هذه الدورة التالية ... كررت الدول العربية هذه المحاولة وبذلك المساعي لإدراج القضية في جدول أعمال الجمعية العمومية، وقد إشترك ممثلو إمامة عمان أيضا في هذه المساعي دون جدوى.
وفي 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 1958 م، عقد رؤساء الوفود العربية في الأمم المتحدة، إجتماعا برئاسة الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عبدالخالق حسونة، لبحث الخطوات اللازمة لعرض المشكلة على الجمعية العامة. وكانت الدول العربية (1/131)
صفحة 132
- على حد تعبير أحد مندوبي الدول العربية - جادة في إتخاذ الخطوات الموصلة إلى هذا الغرض.
إلا أن الدراسة الواسعة والإتصالات الجدية التي قام بها المندوبون وممثلو الإمامة في نيويورك، أقنعت هؤلاء جميعا بإتخاذ قرار - بالإجتماع - يقضي بتأجيل عرض القضية في الدورة الثالثة عشرة أيضا، وإرجائها إلى الدورة التالية في خريف عام 1959 م، على أن تظل الوفود العربية على صلة مستمرة بأحداث عمان، وبوفود الدول، لكي تبقى القضية في مستواها العالمي.
وعلى أن تظل المساعي قائمة لإرسال ممثلين لجمعية الصليب الأحمر الدولية إلى عمان.
وقد بلغ العدوان الإنكليزي في عام 1959 م حدا من الشدة دفع بالأمين العام للأمم المتحدة، السيد داغ همرشولد، بأن يصرح: بأن قضية عمان لم تعد مشكلة تهم العرب وحدهم بل تهم الإنسانية كلها، بسبب أعمال القتل والتدمير التي تحدث هناك.
وكان لابد للجامعة العربية أن تعيد الكرة، وأن تستلم لواء المبادرة، والعمل على عرض القضية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ولتحقيق ذلك: قررت اللجنة السياسية للجامعة العربية:
" 1 - تأكيد قرار مجلس الجامعة الصادر في 26 آذار (مارس) 1959 م ودعوة جميع الدول الأعضاء إلى تقديم المعونات للأمانة.
2 - مواصلة التعريف بقضية إمامة عمان وعدالتها، سواء في الميدان الداخلي أو في المجالات الدولية.
3 - أن تقوم الدول العربية التي لها علاقات دبلوماسية مع بريطانيا ببذل المساعي لحسم هذا النزاع ورد حقوق العمانيين المغتصبة إليهم.
4 - أن تقوم الوفود العربية لدى الأمم المتحدة في الدورة الرابعة عشرة للجمعية العامة بإثارة القضية في الخطب الإفتتاحية لرؤساء الوفود وفي اللجنة السياسية وفي كل مناسبة أخرى تسنح بالأمم المتحدة وأن تقرر ما تتخذه من خطوات عن ذلك ".
وفي أيلول (سبتمبر) 1959 م حضر ممثلو إمامة عمان مؤتمر الدار البيضاء، وقدموا دراساتهم وآراءهم في القضية، وبعد مناقشة الموضوع في المؤتمر، قرر إعتماد القرار الذي أرسل إليه من مكتب الجامعة في نيويورك والذي يوصي بتأجيل عرض القضية على الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى دورة 1960 م.
وفي دورة عام 1960 م، ذهب ممثلو إمامة عمان إلى نيويورك وأجروا إتصالات واسعة بمندوبي الدول العربية والأجنبية، ولكن الوقت لم يكن كافيا. وهكذا لم تساعدهم الظروف على عرض القضية على الجمعية العامة. فأجلت إلى الدورة التكميلية التي عقدت في نيسان (أبريل) من عام 1961 م. (1/132)
صفحة 133
وفي نيسان (إبريل) 1961 م، ذهب وفد عماني إلى نيويورك أيضا، يتألف من الشيخ طالب بن علي، شقيق الإمام، والشيخ سليمان بن حمير أمير الجبل الأخضر، لمتابعة هذا الموضوع.
وقد تكلم الوفد العماني أمام اللجنة السياسية.
كما ألقى السيد أحمد الشقيري - مندوب المملكة العربية السعودية آنذاك - خطابا إضافيا حول القضية شارحا وجهة نظر العرب. ومستعرضا تاريخ الغزو الإستعماري. كاشفا النقاب عن أهدافه ومحددا مطالب الشعب العربي في عمان من وجهة نظر مندوبي الدول العربية في الأمم المتحدة.
وفي عام 1962 م إستطاعت عمان أن تكسب تأييد كثير من الدول فأدانت بريطانيا وتم فعلا عرض القضية على هيئة الأمم المتحدة وأحرزت في هذا السبيل 51 صوتا.
كما تم عرض قضية عمان على الجمعية العمومية للأمم المتحدة في عام 1963 م وحققت مكاسب جديدة نتيجة تضامن الشعوب المحبة للسلام وتأييدها لقضية عمان العادلة.
عمان في مذكرة مندوب لجنة حقوق عمان:
من المعروف أن قضية عمان بحثت أمام الجمعية العام للأمم المتحدة يوم 22 تشرين الثاني 1963 م. وكان مندوب لجنة حقوق عمان قد وصل إلى نيويورك قبل بحث القضية في الأمم المتحدة بيومين. حيث أجرى عدة إتصالات مع الدوائر العربية في الأمم المتحدة وبالوفد العماني هناك. وذلك في سبيل تبادل وجهات النظر وتنسيق العمل بين الدوائر المهتمة بالقضية العمانية.
وفيما يلي نص المذكرة التي بعث بها المستر روبرت إدواردز رئيس لجنة حقوق عمان إلى المستر بوثانت السكرتير العام للأمم المتحدة بخصوص قضية عمان.
تأسست عمان كدولة مستقلة في عام 750 م وحافظت على وضعها ذلك خلال الأثني عشر قرنا الماضية، كما ترتب عليها في تلك الفترة أن تصد عددا من الغزوات، وينتمى أهل عمان إلى فرقة الأباضية في الإسلام وهي فرقة تتمسك تمسكا دقيقا بالأسلوب الإسلامي في الحكم وخاصة فيما يتصل بحرية الفرد وإنتخاب رئيس الدولة. وطبقا للقوانين الدستورية المحددة في عمان، يجب إنتخاب الحاكم أو الإمام من عامة الشعب وأن يحكم عن طريق مجلس المشايخ والكبار ممن يمثلونه التشكيلات القبلية وغيرها. ويتمثل مبدأ المساواة بين أفراد الشعب في التشريع الإسلامي الذي يجيز لأي مواطن من المواطنين ترشيح نفسه للإمامة مهما كان متواضع المولد إذا ما توافرت فيه المستويات المطلوبة من الدراية والكفاءة والخلق.
قبل أن يشن البريطانيون عدوانهم الأخير على عمان كانت هذه البلاد تتمتع بجميع مقومات الدولة ذات السيادة وكان معترف بها على هذا الأساس لعدة قرون خلت. وقد خاضت عمان حروبا دفاعية ضد البرتغال سنة (1508 - 1660 م) وضد إيران (1/133)
صفحة 134
(1742 م) وضد بريطانيا منذ عام (1806م) حتى وقتنا هذا وكانت تحتفظ بجيش خاص منذ تأسيسها في منتصف القرن الثامن الميلادي وبأسطول يعود تأريخه إلى سنة 808 م أي على عهد الإمام غسان بن عبدالله وكانت حكومة الإمام هي التي تجبي الضرائب من الجمهور وهي التي تحافظ على الأمن في البلاد كما تشرف على رفاهية الشعب. ولقد كتب الرحالة البريطاني المستر ولفرد ليسيجر في هذا الصدد ما معناه.
" إننا ندخل الآن أراضي يديرها الإمام المعترف به من كافة القبائل العمانية المستقرة وتعترف به كحاكم لعمان الداخلية. وممثلوا هذا الإمام منتشرون في جميع القرى حيث يقضون بين الناس ويجبون الزكاة. كما أن البدو يدينون بالولاء للإمام ويعتبرونه رئيسهم الأعلى وإن عبارة " الله يمد في عمر الإمام " تتردد على شفاههم ويعبرون بها في صدق وإخلاص. ولما كان الإمام مسئولا عن إقامة العدل بين الناس وفض المنازعات فإنه يعتبر المسئول عن العدالة.
في سنة 1792 م قام سلطان بن أحمد وهو شخص معروف وسبق أن كان والده إماما لعمان بإغتصاب السلطة وإعلان نفسه حاكما في مسقط. ومع أن مركز والده لم يكن يجيز له هذا التصرف لعدم الأخذ بمبدأ الوراثة في الحكم. فقد كان عمله هذا مخالفا للقوانين المعمول بها في عمان وثورة على الأوضاع السائدة فيها ولكن سرعان ما حصل على إعتراف من الحكومة البريطانية وذلك لأسباب إستراتيجية. فقد كانت بريطانيا تسعى للحصول على قاعدة في تلك المنطقة لتعزيز موقفها في صراعها ضد فرنسا على مناطق النفوذ في الشرق.
معاهدة سنة 1798 م التي عقدها البريطانيون مع هذا المغتصب جعلته تحت الحماية البريطانية نظير حمايته لحكومة بلده.
وحاولت الأسرة الحاكمة المذكورة بعد أن تم لها فصل مسقط عن عمان. وكانت قبلا جزءا لا يتجزأ منها، أن توسع دائرة نفوذها في عمان وفي غيرها من المناطق وخاصة زنجبار "التي كانت تشكل قاعدة لتجارة الرقيق " بمعاونة البريطانيين ولكن النجاح لم يكتب لهذه الأسرة في الإستيلاء على عمان. وجاءت سنة 1868 م فشهدت قيام الإمام عزان بن قيس الذي تمكن من إقصاء سلطان مسقط عن الحكم "وكانت تربطه به قرابة بعيدة " وتوحيد عمان من جديد، غير أن حكومة بريطانيا يومئذ تمكنت عن طريق التدخل الغير مشروع في عمان أن تعيد الأسرة الحاكمة إلى السلطة وقتل عزان بن قيس ونتيجة لذلك عمت الفوضى في البلاد.
في سنة 1913 م إستقرت الأوضاع إستقرارا نهائيا في عمان وأعيد تنظيم الإمامة على أسس جديدة وصمم إمام عمان الجديد وهو سالم بن راشد الخروصي بإتخاذ موقف صارم نحو التدخل البريطاني رغم ما كان يعنيه ذلك الموقف من التورط في حرب طويلة مع السلطان ومع الجيش البريطاني. ولكن الإمام الجديد أغتيل بأيدي أعدائه سنة 1920 م. وأنتخب بعده الإمام محمد بن عبدالله الخليلي. وأخيرا لكي يدرأ السلطان عن نفسه ذل الهزيمة وقع معاهدة السيب. (1/134)
صفحة 135
وقد حققت هذه المعاهدة السلم والإستقرار حتى المراحل الأولى من العدوان البريطاني الجديد الذي بدأ سنة 1954 م، وكان الإنجليز والسلطان مدفوعين بدافع الأمل في إحتمال وجود البترول (الذي تم إكتشافه الآن) والإصلاحات التي كان الإمام الجديد غالب بن علي يعتزم القيام بها لتجديد الدولة على الأسس الحديثة. وهنا أدركت الحكومة البريطانية أن ظهور نظام ديمقراطي تقدمي في جنوب شبه الجزيرة العربية، قد يشجع الناس في مسقط وفي غيرها من أرجاء المنطقة على المطالبة بالديمقراطية الأمر الذي يهدد كيان عدد من الأنظمة الإستبدادية الوراثية التي تحتمي بالنفوذ البريطاني.
وكان ثمة إتفاق سري بين السلطان والبريطانيين على منحهم إمتيازات إستخراج البترول على أساس أن تقوم القوات البريطانية بمساعدته في شن عدوان على عمان وقد تأسست شركة بريطانية باسم (بترولم دفلوبمنت عمان المحدود) لإستغلال بترول عمان. وينبغي الإشارة هنا إلى أن منح السلطان مثل تلك الإمتيازات كان تدخل منه في شئون عمان الداخلية، وبالتالي خرقا لإتفاقية السيب.
وفي 16 سبتمبر 1955 م إستولى البريطانيون على بلدة البريمي على الحدود بعد أن طردوا منها الحامية البوليسية السعودية، وأستعملوا البريمي كقاعدة، ثم أغاروا على عمان وأستولوا على عاصمتها نزوى. غير أن الجيش العماني أبدى مقاومة عنيفة. مما أضطر القوات المعتدية إلى اللجوء إلى القصف الجوي العنيف لإخضاع البلاد. وقد أباد سلاح الطيران البريطاني 17 قرية عمانية، كما أحدث دمارا جسيما بالخمسة مدن الرئيسية، ورغم هذه الخسائر التي تكبدها العمانيون في الرجال والعتاد فإنهم ظلوا يقاومون حتى هذا اليوم.
وبالإضافة إلى ذلك عمدت القوات المغيرة إلى إرتكاب أعمال وحشية أخرى فبعد قصف الأماكن الآهلة بالسكان، قامت وحدات من الجيش تعززها فرق المظلات بإجتياح البلاد وأسر عدد كبير من العمانيين. أما الجرحى فقد ألقي بهم في حضرموت خصيصا لهم ثم تركوا يموتون متأثرين بجراحهم. وقد تحدث إلى لجنتنا أحد الضباط البريطانيين فذكر أن السلطان كان يعارض توفير أي معالجة طبية للمرضى، لأنه كان يعتقد مثل هذا العمل سيكون في صالح أعدائه.
وقد وجهت حكومة عمان من منفاها نداء إلى هيئة الصليب الأحمر الدولية لتقديم الإسعافات الأولية إلى الجرحى والمصابين، غير أن السلطان رفض دخول أي بعثة من الهيئة إلى البلاد وهو عمل يشكل منتهى الوحشية والقسوة إذ لم يحدث قط في تاريخ الحروب أن رفض أي فريق تقديم الإسعافات الطبية للمصابين، أما الأسرى من الجنود العمانيين فقد كانوا يسلمون إلى سلطات السلطان لإستجوابهم. وكانت هذه السلطات تعمد إلى أبشع الأساليب في إنتزاع المعلومات منهم، وكان هذا يتم في بناء خاص حيث عهد إلى أحد أقارب السلطان بالإشراف على عملية الإستجوابات، وكان السجناء يساقون إلى غرفة في الدور الأول من المبنى حيث كان هذا المشرف يقوم بإستجوابهم.
أما من كان يرفض منهم الرد على الأسئلة فكان يلقى فوق قضيب حديدي (1/135)
صفحة 136
ليخترق بطنه ثم يترك ليموت، وقد روى أحد الضباط البريطانيين أن بعض الجنود البريطانيين قد أبدوا إشمئزازهم من هذه الطريقة لدرجة أنهم تقدموا بشكوى ضدها. ولكن لم تتخذ أي خطوات لجعل الإستجواب يتم بطريقة أكثر إنسانية.
لقد كانت طريقة العدوان على عمان كلها بربرية وإلى أقصى حد، والقسوة والعنف لم يستعملا ضد الأسرى فحسب، بل ضد المواطنين العاديين أيضا. وقد نما إلى علم لجنتنا عن حادثة تعذيب معينة حيث أحرق أحد رجال السلطان إمرأة عجوز وهي حية. وكانت جريمتها الوحيدة أنها كانت تربطها صلة قرابة بأحد زعماء عمان.
إن هذه الفظائع التي تتعارض مع ميثاق جنوا ما تزال مستمرة. ففي ذروة العدوان أعتقل عدد كبير من العمانيين وزج بهم في زنزانات بعض القلاع المبنية على طراز القرون الوسطى.
وحسب تقدير حكومة الإمامة يبلغ عدد السجناء نحو 500 وقد أعتقلوا بدون محاكمة، أمضى بعضهم في السجن قرابة ست سنوات في أحوال شاقة وغير صحية إطلاقا بحيث أن من لم يمت منهم من عمليات التعذيب وقع فريسة للأمراض. ويقول تقرير من أحد المصادر البريطانية لم يتأكد بعد، أنه لم يبق على قيد الحياة من هؤلاء سوى 22 شخصا.
وفي شهر تشرين الثاني 1962 م قام السلطان بحملة إعتقالات واسعة في المناطق التي يسيطر عليها بحيث تعذر إيجاد مكان للمعتقلين داخل تلك الزنزانات، ولذلك بنيت معسكرات أخرى لهم، ولا يمر أسبوع إلا وتجدد الإعتقالات.
وقد جاءت هذه المعلومات على لسان بعض الجنود البريطانيين الذين نددوا بمثل هذه الأساليب، وتقدموا متطوعين للإدلاء بشهاداتهم أمام لجنتنا. وقد رأينا أن لا نشير إلى أسمائهم في الوقت الحاضر مخافة أن تتخذ ضدهم إجراءات تأديبية. ولكننا نؤكد بأنهم أشخاص أمناء وموثوق فيهم. وهم يستنكرون مثل هذه الإجراءات شأنهم شأن كل مواطن بريطاني شريف.
إن الجوانب أو النواحي القانونية في مشكلة عمان تتوقف على تفسير معاهدة السيب وعلى القوانين الدستورية المعمول بها في عمان. وتقوم وجهة النظر البريطانية على أن معاهدة السيب ليست معاهدة سلمية من وجهة النظر الدولية. وإنما هي مجرد إتفاق بين سلطان ورعاياه، ويمكن دحض هذا بالوقائع الثلاثة الآتية:
(1) تتناول المعاهدة موضوع تسليم المجرمين وعدم الإهتداء والتجارة.
(2) الجزء الأول من المادة الرابعة ينص على تعهد من السلطان بعدم التدخل في شئون عمان.
(3) جرت مفاوضات الإتفاقية عن طريق المعتمد السياسي البريطاني، الذي كانت مسئوليته تنحصر في الشئون الخارجية للسلطان. (1/136)
صفحة 137
وواضح من بنود المعاهدة والظروف التي وقعت فيها. أن السلطان لم يكن يمارس سيادة ما على عمان وأن المعاهدة التي وقع نصوصها تمثل تنازلا من جانب السلطان عن أي مطالب مستقبلة حول موضوع السيادة على عمان. بل أن المعاهدة التي وقع عليها والد السلطان الحالي وشهد فيها ممثل عن الحكومة البريطانية تشكل في الواقع إعترافا بإستقلال عمان من كلا الفريقين اللذين يشكرانه الآن. وبناء على ذلك فإن البريطانيين وسلطان مسقط بإعتدائهما على عمان وتدخلهما في شؤونها الداخلية فيما يختص بالبترول قد إرتكبا خرقا سافرا للقانون الدولي كما أخلا بشرط المعاهدة.
فمن الوجهة التاريخية تشكل مسقط جزءا من إمامة عمان منذ سنة 750 م حتى إغتصاب السلطان أحمد للسلطة في سنة 1792 م بإستثناء فترة واحدة خلال القرن السادس عشر عندما إستولى عليها البرتغاليون ثم إستعادها منهم العمانيون.
منذ عام 1792 م حتى عام 1920 م لم تكن أسرة السلطان تملك جيشا عدا (القوة البريطانية الأجنبية) كما أن دولة عمان وهي صاحبة الحق الشرعي في البلاد لم تعترف بسلاطين هذه الأسرة. كما لم يكن حكمها يعتمد على موافقة الشعب ... وكان هذا الحكم قد إنهار لو لم تسندهم حراب الإنجليز وتحميهم من إنقضاض العمانيين عليهم ردا على إعتداءاتهم. كما أن تدخل الإنجليز لقمع ثورة شعب مسقط سنة 1829 م وثورة شعب ظفار سنة 1897 م وغيرها من الثورات التي إستمرت حتى يومنا هذا هو الذي أنقذ موقفهم من مصر محتوم. مما هو إنكار للحق المعترف به دوليا، ونعني به " حق الثورة " ... وهذه الحقائق تقوم كلها دليلا على أن حكم السلطان في مسقط لم يكن حكما شرعيا على الإطلاق، أو فعالا (إلا عن طريق التدخل الأجنبي) لهذا لا يجوز الإعتراف به كحكومة.
ومن المتفق عليه أن دولة عمان بتعهدها بعدم التدخل في شئون حكومة السلطان (الجزء الثاني من المادة الرابعة لمعاهدة السيب) قد إعترف إعترافا فعليا بالسلطان. غير أن هذا لم يعد ينطبق بعد أن خرق السلطان نصوص معاهدة السيب ومزق الوثيقة الوحيدة التي كان يستند عليها بقائه على العرش.
وإنه لينبغي رفض حجج الحكومة البريطانية في تأييدها للسلطان لأنها حجج لا تقوم على أسس سليمة. كما أنه ليس من حق حكومة ماكميلان أن تقرر من هو ومن ليس هو صاحب السيادة الشرعية في عمان، فهذه مسألة تثبت فيها القوانين الدستورية للبلاد. كما يمارسها شعب عمان منذ عدة قرون. وهذا الشعب يؤمن بالمبدأ الإنتخابي في الحكم ويعارض النظام الوراثي.
وتزعم الحكومة البريطانية أن العمانيين ليسوا مرغمين بأن يحكموا من قبل إمام منتخب، مستشهدة في ذلك ببعض الفترات التي خلت فيها عمان من حكم الأئمة (أي من 1870 حتى 1913 م). غير أن هذه النظرية تغفل حدا أدنى معينا من الشروط التي ينبغي توفرها لقيام حكومة شرعية وفقا للمبادئ الإسلامية التي يقوم عليها حكم القانون في عمان ... فالقرآن الكريم الذي هو دستور المسلمين جميعا يضم مبدأين (1/137)
صفحة 138
أساسين لقيام حكومة إسلامية ... فالآية الكريمة " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ". تحض الناس إلى أن يعطوا ولاءهم للأكفاء من أبناء وطنهم. وإستمساكا من عمان بهذه القاعدة فإنها ترى بأن تتوفر في الإمام بعض المزايا العلمية والأخلاقية. كما يقرر الكتاب أيضا أن تكون الأمور " شورى بينهم " الأمر الذي يقضي بتشكيل مجلس تمثيلي على قرار مجلس الكبار.
إن حكم السلطان لا يقوم على رضا الشعب، كما أنه لا يحكم على أساس كفاءته الشخصية. وإنما لكونه عميلا للحكومة البريطانية ولأنه وريث أبيه. ومن هنا فإن حكمه شخصي أكثر منه أي شيء آخر. كما أنه حكم مجرد من أية صفة تمثيلية. ومن هنا فهو ليس محل إعتراف سواء من وجهة نظر الدستور العماني، أو من وجهة نظر القوانين الإسلامية عموما.
أثناء مناقشة القضية العمانية في الدورة السابعة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة أبدى كثير من الوفود عجزهم عن تحديد موقفهم من القضية لإنعدام المعلومات عنها لديهم.
وإنه لمن الأهداف الرئيسية للجنتنا أن تلقي مزيدا من الضوء على المشكلة. وهذا هو الدافع لتوجيهنا هذه المذكرة لسيادتكم.
للأسف أن القوات المعتدية تفرض رقابة صارمة على عمان حتى يبقى العالم في جهل عما يجري فيها. وهذا الجهل بالمشكلة إستغله بعض أعضاء الوفد البريطاني في الأمم المتحدة، فأشاعوا عددا من الحكايات المشوهة والحقائق الزائفة عن القضية.
وعلى سبيل المثال ما أدعاه المندوب البريطاني كولن كرو. فقد ساق أدلة معينة بشأن عدم إنفصال مسقط عن سائر عمان، وأدعى بناء على ذلك حقا للسلطان في حكم عمان كلها حيث قال: إن عمان لم تكن قط دولة مستقلة عن مسقط ولا يمكن إعادة الإستقلال إليها، لأن هذا الإستقلال لم يكن له وجود قط.
بالرجوع إلى التاريخ نرى أن إمامة عمان كانت مستقلة لمد 1200 سنة، وإن طريقة المستر كرو في عرضه للمسألة يعتبر تصرفا أخرق، وبالتأكيد ليست مسقط بمستقلة عن عمان، لأن سلطان مسقط المزعوم إن هو إلا حاكم مغتصب لا يحق له أن يحكم مسقط أو يحكم أي منطقة أخرى هي في ذاتها جزء من عمان بحكم الحق القانوني.
ولقد بلغ من سخف دعوى المستر كرو أنه أخذ يستشهد في بيانه بالقاضي والعالم الديني العماني عبدالله بن حميد السالمي لتعزيز وجهة نظره بأن مسقط وعمان شيء واحد. فقد كان السالمي حجة بارزة وإمامة من أئمة القانون العماني، وكان من مؤيدي الإمامة الأقوياء. وكان السالمي مؤيدا للإمام الخروصي. وقد وقف إلى جانبه في حرب 1913/ 1920 م ضد الإنجليز. حقا أن السالمي كان ينظر إلى مسقط وعمان كدولة واحدة بمعنى أن مسقط هي جزء لا يتجزأ من تاريخ الإمامة من الناحية القانونية. وقد ظل السالمي محافظا على موقفه هذا طيلة حياته. وكان من المعارضين والمنددين بأكذوبة (1/138)
صفحة 139
الحكومة البريطانية التي تنادي بحق سلطان مسقط في الحكم. وكان غرض المستر كرو من ذلك هو تشويه الحقيقة وتعقيد المسألة أمام وفود الأمم المتحدة.
وقد إدعى المستر كرو أن حق تقرير المصير لا ينطبق على عمان بحيث تعتبر مستقلة عن مسقط التي هي جزء منها. ومع ذلك فالسلطان هو الذي خرج على سلطة حكومة الإمام الشرعية المنتخبة سنة 1792 م وترتب على ذلك أن دعوى المستر كرو لا تعدو أن تكون تحريفا للحقيقة.
لقد إختار الشعب العماني فعلا الإمام غالب بن علي كحاكم له سنة 1954 م. ولا مشاحة أن الحرية لو توفرت لسكان مسقط لرفضوا نظام السلطنة الإستبدادي وأيدوا نظام الإمامة الإنتخابي. إننا لسنا دعاة إنفصال بل بالأحرى نطالب بوحدة عمان تحت السلطة الدستورية الشرعية للإمامة.
يقول المستر كرو بأن السلام يسود عمان وأن الجنود البريطانيين قد بارحوها. ومع ذلك فإن أعضاء لجنتنا ممن زاروا عمان في فترات متعددة خلال السنتين الماضيتين يشهدون جميعا بأن القتال لا يزال مستمرا بل وقد إشتد مؤخرا. كما أن الصحف البريطانية تنشر من وقت إلى آخر معلومات عن وقوع إصابات بين الجنود البريطانيين. كما أن رأيي الخاص نتيجة زيارتي لعمان تؤكد أن الحرب دائرة بلا هوادة ... أما فيما يتعلق بالجنود البريطانيين المرابطين هناك فمن المعروف أن تعزيزات عسكرية من عدن قد أرسلت إلى جعلان سنة 1963 م كما أنها حقيقة أيضا أن ثمة عددا من الجنود المرتزقة وضباط الجيش البريطانيين يعملون في عمان. وأخيرا فإن فرقة كشافة ساحل الهدنة التي يرأسها ضباط بريطانيون قد استخدمت بدورها ضد جيش التحرير العماني.
لقد صرح المرحوم المستر داج همرشولد ذات مرة: " بأن مشكلة عمان لا تهم العرب وحدهم، إنما تهم العالم بأسره، وذلك بسبب عمليات الإبادة والتدمير التي تجري هناك ".
ونجن من جانبنا نناشد الأمم المتحدة أن تضع في اعتبارها بيان المستر داج همرشولد في معالجتها لهذه القضية كقضية إنسانية. ذلك أن جميع المبادئ المقدسة التي تقوم عليها الأمم المتحدة تتعرض الآن للخطر بسبب هذه المشكلة. كما ينبغي أن يجيء الحل متفقا مع العدالة ومع حقوق شعب عمان.
من هنا تبدي لجنتنا إهتماما عميقا بمهمة بعثة الأمم المتحدة إلى مسقط التي قام بها مبعوثكم الشخصي المسيو دي ريبينج .. وفي الوقت الذي لا يتطرق الشك إلى نزاهة الأمم المتحدة وشخص المسيو دي ريبينج، إلا أننا نشعر بأن الظروف التي أحاطت بمهمة البعثة ستجعل من الصعب عليها أن تضع تقييما صحيحا للموقف.
وتنبعث شكوكنا فيما يتصل بهذه الناحية من الإعتقاد بأن البعثة تزور مسقط بدعوة من السلطان. وكما سبق أن أكدنا فإن السلطان حاكم مغتصب، ولا تستند دعواه على أسس شرعية. وبالتالي فهو لا يتمتع بالصلاحيات التي تجيز له إستقبال بعثة (1/139)
صفحة 140
من هذا القبيل. أضف إلى كل ذلك أن حكومة الإمامة الشرعية المنتخبة - هي وحدها صاحبة السيادة في المنطقة - وقد أعربت عن أسفها لعدم أخذ رأيها حول مهمة البعثة. ويبدو ترتيبا على ذلك أن البعثة سوف تحصل على وجهة نظر حكومة الإحتلال البريطانية وسلطان مسقط اللذين يشكلان الطرف المعتدي. بينما تهمل وجهة نظر الجانب المعتدى عليه.
وإنه لمن الواضح إلى حد مؤلم أن حكومة ماكميلان بدعوتها هذه البعثة لزيارة مسقط، إنما تحاول خداع الأمم المتحدة وأن تقدم إلى هذه الهيئة الموقرة صورة معكوسة عن الحالة في عمان.
إن الأدلة التي سقناها لسيادتكم تقوم دليلا واضحا على:
1 - أن عمان دولة مستقلة وذات سيادة وذات تاريخ مجيد يمتد إثنى عشر قرنا إلى الوراء. كما نستدل من دستور هذه البلاد حسب تطبيق شعبها له عبر تاريخهم أن النظام المشروع عندهم هو نظام الإمامة الذي يقوم على الإنتخاب، وبالتالي فإن حاكمها الشرعي هو الإمام غالب بن علي المنتخب عام 1954 م.
2 - إن معاهدة السيب وغيرها من الوثائق الدستورية والقانونية تثبت أن السلطان المزعوم لا يمارس أية سلطة على عمان. بل وإن السلطة التي ظل يمارسها على مسقط لا تقوم هي الأخرى على أية سلطة قانونية، لأنها سلطة صادرة عن إغتصاب وحسب، وبالتالي فهو لا يستطيع الإحتفاظ بهذه السلطة إلا بحراب القوات المسلحة البريطانية.
3 - من هنا فإن مسقط بما فيها منطقة ظفار تشكل جزءا لا يتجزأ من إمامة عمان، من الناحية القانونية أو السياق التاريخي على حد سواء.
4 - إن الحكومة البريطانية بتأييدها للسلطان المغتصب، وبإعتدائها على عمان قد إرتكبت عملا عدوانيا على دولة ذات سيادة، وإنتهاكا للقانون الدولي.
5 - إن الحكومة البريطانية بتدخلها في عمان ومحافظتها على سلطة السلطان قد إقترفت سلسلة من الأعمال المنافية لميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان.
ونحن بوصفنا مواطنين بريطانيين فإننا نتقدم بتسجيل إستنكارنا الشديد وأسفنا للأعمال التي إقترفتها حكومة بلدنا ... إننا نعتقد أن سياسة حكومتنا تجاه عمان سياسة خاطئة وليس لها ما يبررها من ناحية القانون والمبادئ الأخلاقية التي إشتهر البريطانيون بالتمسك بها.
وإنني باسم جميع البريطانيين رجالا ونساء، الأوفياء لتقاليد أمتنا العريقة، نناشد الأمم المتحدة إستنكار هذه الأعمال العدوانية ومطالبة الحكومة البريطانية بسحب قواتها من عمان، والإعتراف بحقوق عمان العادلة في الحرية والإستقلال، فإنها بذلك سوف تخدم قضية العدالة والحق؟
روبرت ادواردز
رئيس لجنة حقوق عمان (1/140)
صفحة 141
يوثانت يوافق على إرسال مندوب عمان مرافق للجنة الدولية الخماسية التي ستزور عمان لتقصي الحقائق هناك:
وقد وافق السيد يوثانت السكرتير العام للأمم المتحدة مؤخرا على أن يقوم ممثل عماني بمرافقة اللجنة الدولية الخماسية التي تقرر إرسالها إلى عمان لإستطلاع الأوضاع الراهنة هناك. والمعروف أن اللجنة المذكورة قد أعلنت أنها ستقوم قريبا بزيارة إلى عمان لدراسة الوضع فيها.
وجاء في بلاغ أصدرته اللجنة الخاصة أنها ستعلن خططها الخاصة بزيارة المنطقة عند الإنتهاء من وضع تلك الخطط، وكانت اللجنة الخاصة وهي مؤلفة من أفغانستان وكوستاريكا ونيبال ونيجيريا والسنغال قد شكلت بقرار من الجمعية العامة.
وقد أعربت الجمعية العامة بقرارها عن قلقها البالغ إزاء ما يجري من قبل الإستعماريين البريطانيين في عمان المجاهدة.
وجهة النظرة العربية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة:
إليك أيها القارئ الكريم خلاصة وافية لأهم الحجج والمستندات التي قامت عليها وجهة نظر الوفود العربية في هذه المرحلة:
إعتبرت الوفود العربية أن قضية عمان هي - في حقيقة الأمر - قضية عدوان مسلح - إرتكبته المملكة المتحدة ضد دولة عمان منتهكة بذلك إستقلالها السياسي وسيادتها وحرمة أراضيها.
وهذا ما دعاها لأن تطالب بإدراج هذه القضية برمتها في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة للوصول إلى قرار حاسم إلى جانب القضية العمانية العادلة.
ورغم أن مندوب المملكة المتحدة قد أنكر صفة العدوان هذه إلا أن العدوان كان أمرا واقعا لا يمنك إنكاره، ولذلك جاء الرد العربي أن المملكة المتحدة قد أنكرت ما لا تستطيع الإعتراف به، وأعترفت بما لا تستطيع إنكاره. ولذلك نجدها تعترف بعملية الغزو المسلح ولكنها تنكر - في الوقت ذاته - العدوان.
أنكرت الطابع الدولي لإمامة عمان، بينما أكدت وجود ما تسميه بسلطنة مسقط وعمان.
لقد إستخدمت المملكة المتحدة الصواريخ وقاذفات القنابل والقنابل الحارقة والمدرعات وقذائف الميدان والبنادق الرشاشة ضد قرى ومدن وشعب عمان الأعزل. ثم جاءت تزعم أنها لم تكن طرفا في النزاع.
لقد ضربت حصارا بحريا وستارا حديديا بريا، وحجرا تاما على الأنباء، ولكنها (1/141)
صفحة 142
وجدت في نفسها الشجاعة، لتزعم بأن سلطان مسقط هو الطرف الحقيقي في النزاع.
لقد قامت بدور البطل على المسرح ثم جاءت إلى الأمم المتحدة لتلعب لعبة " الإستغماية " وراء ظهر سلطان عميل، ينتمي إلى عائلة عميلة، تعرفه الشعوب التي تكافح لتحطيم أغلال العبودية الإستعمارية والنفوذ الأجنبي معرفة تامة.
ومن المؤسف حقا أن تضطر الوفود العربية إلى تذكير الأمم المتحدة بأن المتعدي في هذه القضية، دولة هي عضوة في مجلس الأمن وهذا يحتم عليها - في الدرجة الأولى - المحافظة على الأمن والسلام. لا أن ترتكب عدوانها على الأمن والسلام. وتثير الإضطراب في ربوع العالم.
لقد إرتكبت المملكة المتحدة عدوانا في المنطقة، وعليه لم يكن هناك مفر للوفود العربية من عرض القضية على الأمم المتحدة.
ولذلك تجدر الإشارة - في أول الأمر - إلى أن عمان بلد عريق كأي بلد عريق آخر وشعبها قديم كأي شعب آخر. وإنها قد لعبت دورا طيبا في تاريخ الحضارة العربية.
إن عمان تشكل الأرض والدولة التي يطلق عليها إسم (إمامة عمان) وهي دولة مستقلة ذات سيادة.
وبناء على تعبير أحد الكتاب الغربيين الذين يعتبرون حجة في هذا الموضوع، تعتبر الإمامة، إمتدادا للخلافة الإسلامية الأولى. فالإمام - حسب التقاليد الإسلامية - يعتبر الرئيس المدني والروحي للدولة. والإمامة " كنظام " تقوم على مبدأ إنتخاب الشعب للإمام.
وعليه فالإمامة نظام ديمقراطي في شكله ومضمونه، أو ربما كان أقدم نظام ديمقراطي في العالم بقي إلى يومنا هذا. ومما لا شك فيه أن عمان، هي أقدم من كثير من الدول الممثلة في المنظمة الدولية "هيئة الأمم المتحدة" بما فيها مؤسسوها القدامى. بل إن عمان كدولة ذات سيادة أقدم من المملكة المتحدة ذاتها. فعندما إنتخب الإمام الأول الجلندى بن مسعود، من قبل الشعب العماني - في أواسط القرن الثامن الميلادي سنة (129 ه) لم يكن للإنكليز كدولة وجود على الإطلاق.
وهكذا فإن العدوان المسلح من جانب المملكة المتحدة لم يوجه ضد منطقة تابعة لا تتمتع بإستقلالها. وإنما ضد دولة ديمقراطية لها جذور عميقة وتاريخ طويل في الكفاح القومي.
هذه هي قضية عمان بكل نقائها وبساطتها، تلك البساطة المستمدة من حقائق التاريخ والتي تقوم على مبادئ القانون الدولي وعلى أساس من إعتراف بريطانيا نفسها.
إن قضية عمان - بإختصار - وكما عرضت على اللجنة السياسية قضية تحرر، وشأنها في ذلك شأن عدد كبير من القضايا التي واجهتها الأمم المتحدة منذ قيامها. (1/142)
صفحة 143
إن كل ما تحتاج إليه هو أن تعمل المنظمة الدولية على تحقيق إستقلال شعب عمان وحريته بزعامة إمامه وصاحب السياده فيه.
أما ما يزعمه الجانب البريطاني فإنه يتنافى تنافيا صارخا مع ميثاق الأمم المتحدة ومع أبسط مبادئ القانون الدولي.
لقد أدلت المملكة المتحدة، أمام اللجنة السياسية بحجة تعتبر غاية في الخيال والسخرية واللاواقعية، ويبدو أن البترول يقضى على تعقل الناس أصلا. فقد إدعت بأنه لا يوجد شيء إسمه دولة عمان المستقلة ذات السيادة. وإن إمامة عمان، إن هي إلا جزءا من مقاطعة من ممتلكات من يسمى بسلطان (مسقط وعمان).
وقد أشارت المملكة المتحدة أيضا - خلال المداولات التي جرت في مجلس الأمن في شهر آب (أغسطس) 1957 م - إلى ما أسمته، دولة مسقط العريقة، وليس ثمة من سخف وبعد عن الحقيقة وإمعان في الخيال أكثر من هذه المدعيات.
ذلك لأن بريطانيا بذاتها، تعترف بسيادة إمامة عمان وإستقلالها، في معاهدة السيب المعقودة سنة 1920 م.
لقد أصر مندوب المملكة المتحدة - أمام مجلس الأمن - على أن معاهدة السيب نوعا من الإتفاقيات التي تعقد بين الحاكم وبين بعض قبائله.
ثم كرر ذلك أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ولم ينس أن يقول: بأن المعاهدة إنما سميت معاهدة من باب الخطأ ليس إلا.
والحقيقة التاريخية - التي لا مراء فيها - هي أن معاهدة السيب لسنة 1920 م هي معاهدة سلام أبرمت لا لتسوية النزاع بين سلطان ورعاياه، بل لإنهاء حالة حرب كانت قائمة بين إمام عمان من جانب وبين سلطان مسقط من جانب آخر.
إن البريطانيين لا يستطيعون أن ينكروا هذه الحقيقة، لأنهم كانوا يساندون السلطان، عندما كانت قوات الإمام تزحف نحو مسقط لإنقاذها من النفوذ الأجنبي، ومن إستبداد العائلة العميلة لهذا النفوذ.
وإنه بسبب تأييد البريطانيين لسلطان مسقط ومساعدتهم له، أمكنهم إنقاذ حكمه الفاسد من الهزيمة، وعلى هذا الأساس وقعت معاهدة السيب في مدينة السيب التي تقع على بعد بضعة أميال فقط من ميناء مسقط (ميدان المعركة).
وهل أدل على أن هذه المعاهدة، إنما هي معاهدة دولية بكل معنى الكلمة .. من أن العبارات التي تضمنتها (مبنى ومعنى) هي من العبارات التي تناولتها المعاهدات الدولية عادة. فعبارتا التعهد بعدم الإعتداء أو التدخل، هما من النماذج السائدة في عصرنا الحاضر فيما يختص بالمعاهدات الدولية. ومن الجدير بالذكر أن هذه المعاهدة ليست وحدها المنبع الذي تنبثق منه سيادة الدولة العمانية. ولكنها مع ذلك تعتبر وثيقة قاطعة لدحض إنكار الإنكليز التي تشكك في الكيان الدولي لإمامة عمان. (1/143)
صفحة 144
ولولا البترول في عمان، لكانت المملكة المتحدة أعرف بحقائق التاريخ وبقواعد القانون.
وعلى أية حال، يجب أن تنسى المملكة المتحدة، أنها قد إعترفت بالمعاهدة عن طريق تطبيقها.
فقد طالبت المملكة المتحدة بالتقيد بنصوصها، وذلك في مذكرة تاريخها 8 آذار (مارس) 1922 م، تحمل توقيع الماجور (ه. ي) وهو القنصل البريطاني في مسقط، كان قد وجهها إلى نائب الإمام، نصها كما يلي:
" إن حكومة صاحب الجلالة السلطان قد وجه نظرها إلى أحداث وقعت في صور ... وإن أكتب لأخبر سيادتكم بأن هذا الحادث هو إعتداء من جانب عمان على حدود دولة مسقط. ونقضا لبنود المعاهدة ".
أما الإدعاء الآخر الذي زعمته المملكة المتحدة - أمام مجلس الأمن في آب (أغسطس) 1957 م، ثم كررته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يقول:
"بأن العمليات الحربية: التي قامت بها القوات البريطانية، إنما كانت إستجابة لطلب تقدم به السلطان لمساعدته في إعادة النظام، في وجه ثورة كانت تهدد سلطته، وكانت تلقى التشجيع والتأييد من الخارج ".
إنما هو إدعاء متهافت على نفسه. وهو - بحد ذاته - إدعاء شنيع يصدر من أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
والذي تعتبر المسؤولية الرئيسية له: هي المحافظة على الأمن والسلام.
إنه أساس غير قانوني لغرض غير قانوني. فميثاق الأمم المتحدة ينص على أن مجلس الأمن، وليس المملكة المتحدة، الذي يملك الحق في إتخاذ إجراء ما للمحافظة على السلام ورد الإعتداء. ولا يحق للمملكة المتحدة أن تقيم من نفسها حارسا للأمن والسلام الدوليين. ولا يحق لها أن تقوم بعمل فردي مسلح، مهما كانت الأسباب.
إن هذا العمل من إختصاص الأمم المتحدة وحدها.
وإن مواجهة أي خطر يهدد السلام، يجب أن يتم عن طريق العمل الجماعي.
إن هذا هو المفهوم الكلي للأمم المتحدة، والمسؤولية الجماعية، فإذا كان لكل دولة الحق في أن تنزل قواتها في أي مكان، وتشن هجمات حربية على أية منطقة، بدون تفويض من الأمم المتحدة فمعنى ذلك، إننا قد رجعنا القهقرى إلى النظم التي أدت إلى نشوب حربين عالميتين.
إن المملكة المتحدة - بعملها هذا - قد هدمت الأسس التي تقوم عليها الأمم المتحدة. (1/144)
صفحة 145
سواء كانت عمان دولة مستقلة أو غير مستقلة. وسواء كان الإمام صاحب سيادة أو لم يكن.
وحتى لو فرضنا أن السلطان كان الحاكم الحقيقي لمسقط وعمان، فلا يجوز للمملكة المتحدة، أن تؤيده ضد أفراد شعبه أو تساعده لإعادة النظام والأمن في المنطقة.
إن عالمنا في مثل هذه الحالة - سوف يتحول إلى عالم الفوضى ... إن الأمم المتحدة سوف تفقد - في هذه الحالة - أسباب وجودها.
إن إستخدام القوة، لا يمكن أن يتم إلا من أجل قضية نبيلة. ويجب أن تقدم للشعوب ضد حكامها المستبدين والظالمين، لا لحاكم عميل يقف في وجه الحرية.
لقد نص ميثاق الأمم المتحدة نصا صريحا، فيما يتصل بعملية إستخدام القوة المسلحة. وأوضح الأحوال التي يصح فيها هذا الإستخدام، فلا يجوز إستخدام القوة، إلا في حالة الدفاع عن النفس، وبأوسع معاني الكلمة.
وأن يتم ذلك بصورة جماعية تحت إشراف الأمم المتحدة.
وعلى هذا الأساس، يعتبر العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة - في حد ذاته - إجراءا دفاعيا.
ولابد أن يكون تدخلها المسلح للدفاع عن وضع شرعي، وإلا فستصبح الأمم المتحدة داعية حرب .... أداة للحرب.
والمسألة تغدو أكثر سوءا، إذا ما قامت إحدى الدول الأعضاء بمثل هذا التدخل. وأسوأ من ذلك، أن ترتكب التدخل المسلح دولة عضو في مجلس الأمن.
وهكذا فإن القضية التي تفرض نفسها أمام الأمم المتحدة هي مسألة هامة وملحة. بحيث لا تترك أي مجال لقبول نصف حل أو صلح أبتر. إنها مسألة نعم أو لا. أما أن المملكة تملك حق التدخل المسلح، لتأييد حاكم مسقط، أو أنها لا تملك ذلك الحق.
هذه هي المسألة برمتها.
وبالنسبة للأمم المتحدة، فإن الجواب أما أن يكون بالنفي أو بالإيجاب فمن وجهة نظر القانون الدولي، فإن الإجابة على هذين السؤالين قد تجلت في أوضح معانيها، ولا يجوز لأية دولة أن تقوم بتدخل مسلح للدفاع عن أي نظام، سواء كان نظاما متداعيا أو ثابتا.
وها هو السير (هارتلي شوكرس) أعظم حجة قانونية، والذي كان يشغل منصب المدعي العام للمملكة المتحدة، يقول حرفيا:
" إن المبادئ الثابتة في القوانين الدولية، تقضي أنه لا يجوز لأية دولة أجنبية أن تتدخل في شؤون دولة أخرى، حتى ولو تم مثل هذا التدخل بناء على طلب من حكومة (1/145)
صفحة 146
تحاول أن تخمد ثورة شعبية أو تمردا مسلحا أو تنفيذا لمعاهدة قائمة تجيز مثل هذا التدخل ".
ويزيد " هايد " الفكرة وضوحا، في كتابه عن القانون الدولي فيقول:
" ولا يغير من الوضع القانوني كون التدخل الخارجي - أيا كانت الأسس الذي دعت إليه - إنما هو عمل موجه ضد قطاع من شعب دولة أجنبية. مما يشكل إنكار الحق في أن يثور أو يقضي على ثورة، أو إستخدام إمكانياته المسيطرة على حكومة بلده، أو إثبات تلك السيطرة.
وهكذا أصبح هذا المبدأ القانوني قاعدة قانونية، أو بالأحرى، أصبح بديهة من البديهات البحتة.
وبما أن الأمم المتحدة هي الأمل الوحيد للشعوب المكافحة لأنها المنظمة الدولية التي يهمها قبل أي شيء إقرار السلم وتحقيق العدالة والدفاع عن قضية الحرية والإستقلال.
لهذا ....
عرضت قضية إمامة عمان، أمام الأمم المتحدة من أجل تحقيق هذه الأهداف.
إن شعب عمان لا يطالب بشيء ليس له حق فيه. إنه لا يطالب بأكثر من الحريات الأساسية التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة. ومن أجل تحقيق هذا الأمر، لم يدخر العمانيون وسعا في اللجوء إلى الوسائل السلمية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
أما كونهم يخوضون - الآن - معركة مسلحة، فإن ذلك هو النتيجة الطبيعية الوحيدة للعدوان المسلح الذي وقع عليهم. والذي نظمته المملكة المتحدة ومولته وسلحته.
ولولا الغارات البريطانية على عمان، لكان العمانيون يعيشون في سلام في بلادهم، يقومون بتنمية إقتصادهم ويستغلون مصادرهم الطبيعية. ولكن بدلا من ذلك وبسبب الإعتداء البريطاني والمطامع البريطانية، فإن عمان - اليوم - ميدان حرب. وبالتالي فإن شعبها يخوض حربا إستقلالية فرضت عليه، وزعماؤها إما في السجون أو في المنافي.
ورغم ما أبدته إمامة عمان من نيات حسنة وإستعداد إيجابي للمفاوضة مع المملكة المتحدة لإنهاء هذا الوضع الشاذ فإن المملكة بم تتخل عن مطامعها وعن عدوانها وعن مزاعمها التي قامت بالعدوان إستنادا إليها.
وهكذا أدت مواقف المملكة المتحدة إلى الإطاحة بفكرة المفاوضات.
وبسبب هذا الفشل الذي يجب أن يرشد الأمم المتحدة إلى الطريق السوي. فإن على الأمم المتحدة أن تنجح حيث فشلت المحادثات التي جرت في لبنان.
ولكن الوفود العربية لم تأت إلى الأمم المتحدة لتستصدر منها إستنكارا للمملكة المتحدة ... كما أنهم ليسوا على إستعداد لأن يتخلوا عن حقوق شعب عمان أو أن يتهاونوا في الدفاع عن قضية عادلة. (1/146)
صفحة 147
لقد جاؤوا إلى الأمم المتحدة ليطلبوا حلا سلميا كريما، حلا يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة.
وكما عبر .. ". المايكونت ستانكيت " أمام مجلس العموم البريطاني بيوم 24 يوليو (تموز) 1957 م:
" إنه من الواضح أننا (نحن البريطانيين) قد غزونا عمان "، فإن عمان - اليوم - فريسة للغزو.
ومن هنا ينبغي أن تكون نقطة البدء في أعمال الأمم المتحدة، يجب أن تدرس القضية بإعتبارها غزوا مسلحا.
وعلى هذا الأساس، يجب أن يوجد حل لها، وهذا الحل لا يمكن أن يكون مقبولا إلا إذا قام على الأسس الأربعة التالية:
1 - يجب وقف العدوان على عمان، وأن تسحب القوات البريطانية من عمان، وأن تخلى جميع القواعد العسكرية فيها.
2 - الإعتراف بحق العمانيين في الإستقلال والسيادة. وأن يوضع هذا الإستقلال موضع التنفيذ.
3 - يجب أطلاق سراح جميع السجناء السياسيين.
4 - يجب حث الطرفين على التفاوض للوصول إلى حل سلمي على أساس حق الشعب العماني في الحرية والسلام.
هذا هو الطريق الأمثل لتحقيق السلام في عمان.
ويجدر بالمملكة المتحدة أن تسلك هذا الطريق، إذا كانت حقا ترغب في إصلاح العلاقات بينها وبين العالم العربي.
فيوم تنسحب بريطانيا من عمان، وفي المدى البعيد، يوم تجلو بريطانيا جميع شواطئ الجزيرة العربية، فلن تصان مصالحها الشرعية فحسب، بل إن ذلك سيساهم مساهمة عظمى في إقرار السلام العالمي والسلام القائم على العدل.
عمان في الدورة الثامنة عشرة للأمم المتحدة:
وفي الدورة الثامنة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، طرحت قضية عمان للبحث. وقد جرت مناقشة بعض جوانب القضية في اللجنة الرابعة بعد أن وافقت الهيئة العامة على إحالة القضية إلى اللجنة المذكورة.
ثم عادت اللجنة لبحث القضية بشكل موسع حتى أنها أضطرت لتمديد عدد جلساتها إلى خمسة عشر جلسة بدلا من الثمان جلسات المقررة.
وقد تم الإستماع خلال هذه الجلسات إلى شهادتي الشيخ طالب بن علي ممثل (1/147)
صفحة 148
الوفد العماني والسيد فارس غلوب مندوب لجنة حقوق عمان. وكافة البيانات التي من وفود مختلفة. كما تم التعليق خلال هذه الجلسات على مشروعي القرارين البريطاني واللاتيني والتصويت عليهما.
وبعد ذلك عقدت الجمعية العامة جلسة واحدة جرى فيها التصويت على مشروع تقدمت به مجموعة من دول أمريكا اللاتينية، وهذا هو نص القرار:
1 - تشكيل لجنة خاصة مؤلفة من خمسة أعضاء يعينهم رئيس الجمعية العامة.
2 - دعوة جميع الفرقاء المعنيين إلى التعاون مع اللجنة الخاصة بكافة السبل بما فيها تسهيل زيارات المنطقة.
3 - دعوة اللجنة الخاصة إلى دفع التقرير إلى الجمعية العامة في دورتها السابعة عشر.
4 - دعوة السكرتير العام إلى تقديم جميع المساعدات اللازمة إلى اللجنة الخاصة.
وقد أسفر الإقتراع عن فوز المشروع اللاتيني بأغلبية 95 صوتا - ضد صوت بريطانيا وإمتناع 7 أعضاء عن التصويت. (1/148)
صفحة 149
للحقيقة والتاريخ ..
ننشر فيما يلي الوثائق الرسمية والمناقشات التي جرت أثناء بحث قضية عمان في الجمعية العامة للأمم المتحدة والجامعة العربية وكلمات وفودها كما جاءت في محضر الجلسات وذلك للحقيقة وللتاريخ:
دارت مفاوضات عديدة بين الجانب العماني والجانب البريطاني وقد انتهت جميع هذه المفاوضات إلى الفشل.
فعادت الدول العربية بعد فشل المفاوضات وطلبت إدراج القضية في جدول أعمال الدورة الخامسة عشر للأمم المتحدة التي بدأ عقدها في شهر أيلول عام 1960 م. وقررت الجمعية العامة إدراجها وإحالتها إلى اللجنة السياسية الخاصة التي لم تتمكن من إستكمال النظر فيها ومناقشتها أثناء الدورة المذكورة. مما جعل الجمعية العامة أن تتخذ قرارا في جلستها الخامسة والتسعين بعد التسعمائة، والتي عقدتها في 21 نيسان عام 1961 م وهو اليوم الأخير من الدورة المذكورة، يقضي بتأجيل البحث في القضة إلى الدورة القادمة السادسة عشرة. وذلك بناء على طلب الهند بتأجيل المناقشات أملا في إستئناف المفاوضات والوصول إلى حل، يقوم على سحب القوات البريطانية وتصفية قواعدها العسكرية وإنهاء السيطرة الأجنبية وتأكيد الحرية والإستقلال والسيادة.
* * *
فشلت هذه المفاوضات مرة أخرى بسبب تعنت البريطانيين وسوء نواياهم. وقد وصلت القضية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام 1961 م دون حاجة إلى طلب جديد من الدول العربية لإدراجها. فقد تكفل قرار الجمعية في الدورة السابقة بتأجيل البحث فيها إلى الدورة المقبلة بهذا الإدراج. وأوصت اللجنة العامة بإدراجها وإحالتها إلى اللجنة السياسة الخاصة لمناقشتها وتقديم تقرير عنها إلى الجمعية.
وناقشت اللجنة الخاصة القضية، وشهد جلسات المناقشة أعضاء الوفد العماني برئاسة الشيخ سليمان بن حمير النبهاني أمير الجبل الأخضر، وعضوية الشيخ طالب إبن علي. كما شهد معظمها الإستاذ عبدالخالق حسونة الأمين العام للجامعة العربية والإستاذ كامل عبدالرحيم مدير مكاتب الإعلام في الولايات المتحدة. وعدد كبير من المشتغلين بالقضايا العربية. (1/149)
صفحة 150
وكانت الدول العربية الإحدى عشرة، قد تقدمت عن طريق مندوبيها في الأمم المتحدة إلى رئيس اللجنة الخاصة، بكتاب في 23 تشرين الثاني من العام نفسه تطلب فيه السماح للوفد العماني بحضور مناقشات القضية ولمندوبه بإلقاء كلمة في اللجنة يعرض فيها وجهة نظره. فعرض الرئيس الكتاب على اللجنة في مستهل جلستها الأولى، طالبا من الأعضاء إبداء رأيهم فيه، فهب مندوب بريطانيا يعترض بشدة على الطلب، وراح مندوب إستراليا يؤيد زميله الإستعماري. فرد عليهما الدكتور الباجه جي مندوب الجمهورية العراقية بكلمة مفحمة، ومما قاله فيها: " إن الإستماع لوفد عمان لا يختلف مطلقا عما سبق للجنة أن أقرته من إستماع مختلف العناصر في موضوع الإنتخابات الألمانية 1951 م. وإن سماع وجهة نظر هؤلاء الزعماء الذين يمثلون النضال في سبيل الإستقلال، الذي يشنه شعب عمان منذ عام 1955 م يسهل على اللجنة أعمالها ".
ثم هب الإستاذ محمد رياض مندوب الجمهورية العربية المتحدة يفند أقوال المندوب الإسترالي، ويطلب بإصرار السماح للوفد العماني بحضور الجلسة وإلقاء كلمته.
وتلاه الإستاذ أحمد الشقيري فقال كلمة منطقية ردا على ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية وأنهاها بقوله: " ليس في ميثاق الأمم المتحدة أو أنظمتها الإجرائية ما يحول دون الإستماع للوفد العماني ".
ثم أعلن الرئيس طرح الإقتراح على الإقتراع، ففاز بأربعين صوتا مقابل 26 وإمتناع 23.
وكانت الدول التي أيدت الإستماع للوفد العماني هي: الدول العربية الإحدى عشرة، والدول الإشتراكية العشر، والسنغال، وتوغو، والفولتا العالية، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والكونغو الفرنسي، وداهومي، وموريتانيا من كتلة (برازافيل)، ويوغوسلافيا والأفغان، وكمبوديا، وسيلان، وكوبا، وقبرص وغينيا، وأندونيسيا، ومالي، ونيبال من كتلة (عدم الإنحياز)، والفلبين، والنمسا، وإتحاد الملايو، وإيران من الدول الأخرى.
أما الدول التي عارضت الإقتراح فهي:
بريطانيا، والولايات المتحدة، وفرنسا، وإسرائيل، وجنوب إفريقيا، وكندا، وإستراليا، ونيوزلنده من دول (الكومونولث)، والنرويج، والبرتغال، وأسبانيا، وبلجيكا، والدانمارك، وإيسلنده، وإيرلنده، وإيطاليا، ولكسمبورغ، وهولنده من دول (أوروبا الغربية) وبناما، وبراغواي، والأرجنتين، وتشيلي، وكولومبيا، وجمهورية الدومينكان، سلفادور، ونيكاراغوا من دول (أمريكيا اللاتينية).
وأمتنعت عن التصويت الدول الآتية:
النيجر، ونيجيريا، وسيراليون، وغانا، وساحل العاج، وليبيريا، من الدول (الأفريقية) والباكستان، وسيام، وتركيا، وبورما، والصين، والهند، واليابان (1/150)
صفحة 151
من الدول (الآسيوية) وبيرو، وفنزويلا، وبوليفيا، والبرازيل، وإكوادور، وغواتيمالا، والمكسيك من الدول (اللاتينية) والسويد، وفنلنده، واليونان من الدول (الأوروبية).
وهكذا إنهزم الإستعمار أول هزيمة في اللجنة الخاصة إذ أقرت الإستماع إلى الوفد العماني.
مناقشة القضية:
مقتطفات من خطب الوفود العربية:
وهكذا بدأت اللجنة السياسية الخاصة في مناقشة القضية. ولم يترك المندوبون العرب وسيلة إلا وأتبعوها. ولا وثيقة إلا واستشهدوا بها للتدليل على حق الشعب العماني في سيادته وحريته، وإستقلاله وكانوا أقوياء في منطقهم وحجتهم وبراهينهم. وكان الإستاذ أحمد الشقيري أول الخطباء العرب في الجلسة الأولى التي عقدت في 27 تشرين الثاني 1961 م فحدد النقاط التالية:
1 - لقد إستأنفت القوات البريطانية عملياتها العسكرية ضد شعب عمان الأعزل المسالم.
2 - إن الغاية الأساسية وراء المخطط البريطاني هي السيطرة على موارد الزيت.
3 - إن سجل بريطانيا الإستعماري الحافل، يفرض على الأمم المتحدة أن تعكس القاعدة القانونية المقبولة بأن " الأصل براءة الذمة " بالنسبة إلى بريطانيا.
وعليها أن تطلب إلى بريطانيا تبرئة ذمتها ... لا مجرد الإكتفاء بالنفي والإنكار.
4 - تلقى الوفد العماني معلومات أصدرها في بلاغ في 14 تشرين الأول تحدث فيه عن تجدد الأعمال العدوانية البريطانية في عمان في أكثر من منطقة، وتبلغ هذه الحوادث سبعا وعشرين يفصلها البلاغ مع رقمها وتواريخها.
5 - فرضت بريطانيا نظام منع التجول على البلاد، ومنعت طلوع الأنباء الصحفية منها.
6 - تحدى بريطانيا أن تسمح بإيفاد لجنة محايدة من الأمم المتحدة لتحري الحقائق.
7 - مهما كانت مبررات بريطانيا، فلا يمكن تبرير العدوان في عصر الأمم المتحدة مطلقا.
8 - إن النزاع في عمان صراع بين شعبها وبين الإستعمار البريطاني ... أو .. (النفطية .. ) البريطانية.
9 - لا يستطيع أحد أن ينكر على دولة عمان وجودها وسيادتها، وعلى بريطانيا أن تكون أول من يعترف بذلك، لأنها قامت بدور الوسيط في معاهدة " السيب " التي تنص صراحة على سيادة عمان. (1/151)
صفحة 152
10 - لم يكن إدعاء بريطانيا بالرغبة في مساعدة السلطان إلا خداعا، إذ أنها لا تريد في الحقيقة إلا مساعدة نفسها.
11 - ليست برقيات السلطان إلى الأمم المتحدة إلا تمثيل في تمثيل ...
12 - نحن لا نريد الحملة على بريطانيا، ولكننا نريد حلا كريما يتفق ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
13 - لقد وافقنا في الدورة الخامسة عشرة على طلب الهند تأجيل المناقشات آملا في إستئناف المفاوضات والوصول إلى حل يقوم على سحب القوات البريطانية، وتصفية قواعدها العسكرية. وإنها السيطرة الأجنبية، وتأكيد الحرية والإستقلال والسيادة.
مندوب الجمهورية العراقية:
وكان الدكتور عدنان الباجه جي الخطيب الثاني. وقد تحدث في جلسة الثامن والعشرين من تشرين الثاني 1961 م، فحدد سياسة الجمهورية العراقية في النقاط التالية:
1 - إن المشكلة إستعمارية، وتتعلق بسياسة بريطانيا في الخليج ومطامعها في الزيت العربي.
2 - لا صحة لإدعاء بريطانيا بعدم وجود دولة عمانية، إذ أن الوقائع التاريخية تفنده. وبينها رسائل بريطانية رسمية موجهة إلى إمام عمان في عام 1919 م، لا إلى سلطان مسقط، تهددها فيها بالحصار الإقتصادي إذا لم تذعن لطلباتها.
3 - ظلت معاهدة السيب قائمة حتى عام 1954 م عندما بدأ النزاع أثر شروع شركة بريطانية بالتنقيب عن الزيت في مناطق تعود لإمامة عمان بعد أن حصلت على إمتياز بالتنقيب من سلطان مسقط. وبعد أن رفض إمام عمان تصديقه.
4 - كان تدخل بريطانيا العسكري ناتجا عن وجود الزيت في المنطقة، ويؤلف مثل هذا التدخل الذي يقوم به إحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، سابقة خطيرة في القانون الدولي.
5 - قدمت ست عشرة دولة مشروع قرار لحل المشكلة على أسس تتفق والميثاق ويأمل الميثاق في أن تؤيد الأمم هذا المشروع.
مندوب الجمهورية التونسية:
وتحدث الإستاذ الحبيب الشطي مندوب الجمهورية التونسية في نفس الجلسة فحدد النقاط التالية:
1 - أظهرت بريطانيا تفهما في موقفها من الإستعمار، فعدلت سياستها، لكنها ظهرت في العدوان على السويس وقضية عمان، في موقف يناقض هذا التفهم.
2 - ظلت دولة عمان قائمة قرونا طويلة، وقد أبدت معاهدة " السيب " وجودها. (1/152)
صفحة 153
3 - نقض سلطان مسقط هذه المعاهدة بمنحه شركة إنكليزية إمتيازا للتنقيب عن الزيت في أرض ليست له. ثم خرقت بريطانيا وعميلها السلطان هذه المعاهدة بالعدوان المسلح على عمان منذ عام 1955 م.
4 - يشبه تأييد الإنكليز لسلطان مسقط، تأييد الفرنسيين (لبايات تونس) عام 1881 م وهو التأييد الذي فرض الإحتلال على بلادنا خمسة وسبعين عاما، إنتهى بزوال حكم القوة وعودة البلاد إلى شعبها بعد كفاح جبار.
5 - إن الشعب العماني متحد وراء الإمام في معارضة السيطرة الأجنبية المتمثلة في حق السيادة الذي منحته بريطانيا لسلطان مسقط على البلاد لتحقيق هدفها من الحصول على إمتيازات الزيت.
6 - برهنت بريطانيا دائما على إحترامها لقرارت الأمم المتحدة، وعليها ألا تحذو حذو تلك الدول التي تواصل إتباع سياسة التحدي للمنظمة العالمية. وأن تشرع في مفاوضات مثمرة للوصول إلى حل.
مندوب إمامة عمان:
وتحدث عضو الوفد العماني فحدد موقف الحركة العمانية في النقاط التالية:
1 - تشعر عمان بالإعتزاز لأن الأمم المتحدة سمحت لها بإسماع صوتها في الندوة الدولية.
2 - يتطلب بقاء الأمم المتحدة على قيد الحياة كقوة موجهة للجنس البشري لتصفية الإستعمار، ومنع العدوان في عمان وفي كل مكان.
3 - تؤلف تصرفات بريطانيا في عمان، وهي دولة مؤسسة للأمم المتحدة، تهديدا لسمعة المنظمة وخرقا لميثاقها وللقيم الأخلاقية، والحقوق الإنسانية.
4 - لم تنجح بريطانيا في إذلال الشعب العماني وإخضاعه لمشاريعها وأهدافها ولا تستطيع بريطانيا أن تنكر على عمان دولتها المستقلة التي يختلف نظام حكمها عن نظام مسقط ولها رايتها الخاصة.
5 - يقيم الإستعمار أهدافه على أساس إستغلال الشعوب ومواردها دون إكتراث بالقانون والعدالة. وقد شنت بريطانيا حربها علينا لأننا رفضنا الإذعان لما أرادت فرضه علينا، ونحن عازمون على المضي في القتال حتى نحقق إستقلالنا ونستعيد حقوقنا وكلنا ثقة بالأمم المتحدة وبالدول المستقلة في آسيا وأفريقيا.
6 - إننا نطلب جلاء القوات البريطانية عن عمان، وإنفاذ معاهدة السيب والإعتراف بعمان دولة مستقلة ذات سيادة وقادرة على أن تتبوأ مركزها بين دول العالم المستقلة.
مندوب المملكة الليبية المتحدة: (1/153)
صفحة 154
وتحدث السيد ألكيخيا مندوب ليبيا في نفس الجلسة، فحدد النقاط التالية:
-1 تقوم بريطانيا تحت ستار مساعدة صديقها سلطان مسقط بحماية المصالح الإستعمارية لشركة إنماء الزيت البريطانية ... وليس السلطان إلا مجرد ستار تختفي وراءه المصالح الإستعمارية لبريطانية.
2 - على الأمم المتحدة أن لا تقبل بأمر واقع أو تتأثر بنفوذ دولة كبرى.
3 - تتعارض أعمال بريطانيا في عمان مع المادة الثانية من البند الرابع من الميثاق، ومع الإعلان العالمي الذي أصدرته الأمم المتحدة عن منح جميع الشعوب والمستعمرات إستقلالها وحقها في تحقيق المصير. وكذلك مع ميثاق الأمم المتحدة، وشرعة حقوق الإنسان.
4 - لا صحة لما تدعيه بريطانيا من أن إمام عمان قد أقر إمتياز الزيت الذي منحه سلطان مسقط لشركاتها.
5 - لا صحة لما تدعيه بريطانيا أيضا، من أن الهدوء يسود المنطقة إذ أن العمليات العربية مستمرة.
6 - على الأمم المتحدة أن تتخذ الإجراءات اللازمة لإنهاء هذا الوضع، وعلى بريطانيا أن تتخلى عن سياستها الإستعمارية.
مندوب اليمن:
وتحدث مندوب اليمن في نفس الجلسة فقال:
1 - إن على الأمم المتحدة أن تساعد الشعب العماني على ممارسة حقه في تقرير المصير، وأن تحميه من عدوان الأهداف الإستعمارية على بلاده.
2 - إن الشعب العماني يتوق توقا شديدا إلى ممارسة حقه في الحرية والسيادة والإستقلال.
3 - إن ثورة عمان دليل على عدم خضوع الشعب العماني لإرادة الإستعمار المتمثلة في العدوان.
4 - على الدول الأعضاء إقرار مشروع القرار المعتدل المعروض على اللجنة.
مندوب الجمهورية العربية السورية:
وتحدث الدكتور جورج طعمة مندوب سورية في جلسة 29 تشرين الثاني 1961 م بهذه النقاط التالية:
1 - تؤلف قضية عمان دليلا واضحا على إستمرار الإستعمار، رغم إعلان الأمم المتحدة عن تصفيته، ويؤلف بذلك تناقضا من تناقضات العصر الحديث المتمثلة في بقاء ملايين الشعوب في ظل الإستعمار، ومن بينها شعوب فلسطين وعمان. (1/154)
صفحة 155
2 - أن سيادة عمان لا تقبل التحدي، ويؤلف عدوان بريطانيا وسلطان مسقط عدوان عليها بموجب القانون الدولي.
3 - تهدف بريطانيا من عدوانها على عدة أمور، منها حماية الزيت بأي ثمن، وتثبيت دعائم نفوذها في المنطقة، ومنع عمان من الإنضمام إلى الجامعة العربي، والحد من إنتشار القومية العربي، وتثبيت موقعها الإستراتيجي في المنطقة.
4 - لم يعترف الشعب العماني قط لسلطان مسقط بحق السيادة، ولا سيادة عليه إلا للإمام.
مندوب المملكة الأردنية الهاشمية:
وحدد الدكتور محمد الفرا مندوب الأردن النقاط التالية:
1 - يجب وضع مشكلة عمان في موضعها الصحيح كقضية إستعمارية، وعلينا أن نقارن كفاح الشعب العماني، وآلامه، بكفاح الشعوب الكثيرة التي ناضلت في سبيل حريتها، ثم حصلت على إستقلالها.
2 - تعتبر معاهدة السيب وثيقة دولية وقانونية عقدت بين دولتين مستقلتين.
3 - لم تتدخل بريطانيا عسكريا في عمان إلا بعد إكتشاف الزيت لتحصل على نفس الإمتياز الذي حصلت عليه من سلطان مسقط.
4 - لا حق لبريطانيا لا من الناحية القانونية، ولا من الناحية الأخلاقية في التدخل في شؤون عمان الداخلية، وإذا كانت تدعي لنفسها هذا الحق، فبحكم الواقع الإستعماري لخدمة الأغراض والمصالح وفرض السيطرة والإستغلال على الشعوب.
5 - على الدول الحديثة أن لا تفصل بين قضية عمان وبين النضال العالمي في سبيل التحرر.
مندوب الجمهورية اللبنانية:
وتحدث الإستاذ نديم دمشقية مندوب لبنان في جلسة مساء اليوم نفسه، فحدد النقاط الآتية:
1 - يتناقض أسلوب بريطانيا في معالجة مشكلة عمان مع كل عرف دولي. فهي تستند إلى معاهدات معقودة بين بريطانيا من ناحية، وبين مستشارين بريطانيين بالنيابة عن فرد تحفظ له القوة البريطانية المسلحة مركزه من ناحية أخرى، لفرض سيطرتها والحفاظ عليها.
2 - يعتبر مركز بريطانيا من ناحية القانون الدولي ضعيفا كل الضعف.
3 - لا يمكن للحجج البريطانية أن تقنع أحدا لأن رائحة الزيت تفوح منها.
4 - إن قضية عمان قضية إستعمار تدعمه مصالح الزيت. (1/155)
صفحة 156
مندوب الجمهورية العربية المتحدة:
وحدد الإستاذ حسن صبري الخولي مندوب الجمهورية العربية المتحدة في جلسة 3 تشرين الثاني النقاط التالية:
1 - لا تعتبر تسوية قضية عمان مهمة للشعب العماني وحده. بل وللإستقرار في المنطقة، كما وأنها تنطوي على مبادئ قانونية و سياسية في غاية الأهمية.
2 - حاول المندوب البريطاني إعطاء صورة مشرفة عن التقدم الإجتماعي والإقتصادي في عمان في ظل سلطان مسقط، وهي محاولة فاشلة لا تخرج عن نطاق المحاولات التي تقوم بها الدول الإستعمارية لإيهام الناس بمساعدتها للشعوب الخاضعة لها.
3 - إن بريطانيا تتحدى الميثاق بتدخلها في شؤون عمان الداخلية مباشرة أو عن طريق السلطان.
4 - من حقنا أن نتسائل هل يمكن للأمم المتحدة أن تسمح بإستمرار التدخل البريطاني العسكري الذي يستهدف معارضة نضال الشعب العماني للحفاظ على كيانه وإستغلاله، ولا سيما بعد أن إستمرت العمليات البريطانية عدة سنوات.
5 - من الواجب إستنكار التدخل البريطاني لأنه عمل إستعماري وحشي يهدف إلى حرمان شعب عمان من إستقلاله.
6 - لا يبرر رفض الشعب العماني قبول السيطرة الأجنبية، أما مباشرة أو عن طريق عميلها السلطان. هذا عدوان مطلقا. وشعب عمان هو صاحب الحق في السيادة على مصيره.
7 - لا ريب في أن معاهدة السيب بمعالجتها لقضايا الأجانب، وتبادل المجرمين، وحسن الجوار، ورفض الخلافات، معاهدة دولية تعقد بين دولتين ذات سيادة.
8 - ردا على ما ذكره المندوب البريطاني من أن الجمهورية العربية المتحدة قد ساعدت المجاهدين العمانيين، فإنني أقول إن بلادي فخورة بأن تقدم كل عون مثمر إلى المناضلين في سبيل الحرية في كل مكان.
9 - تدل أنباء عمان الأخيرة على أن أعمال الإرهابيين الأخيرة ما زالت مستمرة.
مندوب الجمهورية السودانية:
وتحدث السيد سلمان مندوب السودان في نفس الجلسة، فحدد النقاط التالية:
1 - إن قضية عمان مثال نموذجي للتدخل المبطن في شؤون الدول الصغيرة.
2 - إن هدف هذا التدخل مهما بولغ في إخفائه هو الإستعباد والإستغلال، وحماية مصالح الزيت.
3 – زعم المندوب البريطاني عدم وجود خط فاصل بين عمان ومسقط في أي وقت (1/156)
صفحة 157
مضى. ولكن هذه الحقيقة تصلح على أي حدود بين أية إمارات في الجزيرة العربية.
4 - زعم المندوب البريطاني عدم وجود دولة مستقلة باسم عمان، فهل هناك دولة مستقلة باسم مسقط، وهي المرتبطة بمعاهدة حماية وخنوع .. ؟!
5 - لا يمكن تبرير عدوان بريطانيا على عمان تحت ستار مساعدة صديقها فهذا العدوان خرق للميثاق ولكل قواعد الخلق الدولي.
6 - تؤلف مشكلة عمان أحدث نضال عصري على الإحتلال الإستعماري لشعب في سبيل تحقيق مصالح مادية.
مندوب المملكة المغربية:
وحدد السيد إبن هيمة مندوب المغرب في جلسة الأول من كانون الأول النقاط التالية:
1 - إن قضية عمان نموذج لكفاح الشعوب المستعمرة في سبيل تحررها.
2 - من الخطر كل الخطورة تبرير العدوان العسكري المسلح بحجة مساعدة دولة صديقة.
3 - إن بريطانيا تحاول تبرير وجودها لحماية مصالحها النفطية في المنطقة.
4 - على الرغم من أن السياسة الحكيمة التي إتبعتها بريطانيا مع بعض القضايا الإستعمارية، إلا أن قضية عمان تكشف النقاب عن أنها ما زالت تصر على عدم الإستماع لصوت المنطق في بعض الحالات.
5 - من الواجب سحب القوات البريطانية فورا من عمان مهما كان عددها، إذ أن وجودها يعتبر إحتلالاً.
6 - إن عبارة " الثائرين " التي إستخدمتها بعض الوفود بالنسبة إلى العمانيين أفضل من كلمة " المحتلين " التي يجب إطلاقها على البريطانيين.
قرار الدول الستة عشر:
تقدمت ست عشرة دولة من الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة وهي (الإحدى عشرة دولة عربية، والأفغان، وغينيا، وأندونيسيا، ومالي، ويوغوسلافيا) بمشروع قرار إلى اللجنة هذا نصه:
إن الجمعية العامة:
بعد أن ناقشت قضية عمان.
وإعرابا منها عن قلقها من الوضع في عمان، تستعيد ذكر قرارها رقم 1514 (15). المسمى " بإعلان عن منح الإستقلال والشعوب المستعمرة ". (1/157)
صفحة 158
1 - تعترف: لشعب عمان بحقه في تقرير مصيره وإستقلاله.
2 - تدعو: إلى إجلاء القوات البريطانية من عمان.
3 - تدعو: الفرقاء المعنيين إلى تسوية الخلافات القائمة بينهم بطرق سلمية مستهدفين إعادة الأوضاع العادلة إلى عمان.
الإقتراع على المشروع:
يتطلب نجاح مشروع القرار المعروض للإقتراع في الجمعية العامة عادة، حصوله أغلبية الثلثين من المقترعين بنعم، أو، لا ومع أن الوفود العربية تمكنت من تحقيق نجاح أولي في اللجنة السياسية الخاصة عند الإقتراع على مشروع القرار. إذ أقرته اللجنة بالأغلبية المطلقة، إلا أن هذه الأغلبية لا تضمن له النجاح النهائي في الجمعية العامة. فعلى الرغم من الحجج الدامغة والبراهين الثابتة التي أوردها المندوبون العرب، إلا أن عامل التأثر بالقوى الإستعمارية الضخمة التي تناوئ العرب في قضاياهم التحررية العادلة، ظل قويا ومسيطرا على كثير من الدول التي تساير ركب هذه القوى.
وعقدت اللجنة جلستها الأخيرة لبحث القضية العمانية صباح يوم 4 كانون الأول، وأعلن الرئيس أنه سيجري إقتراعا مستقلا على الفقرة الثالثة من مقدمة القرار. وعلى الفقرتين الأولى والثانية من القسم العملي من المشروع بناء على طلب مندوب ساحل العاج.
وشرع الرئيس في عملية الإقتراع، فطرح الفقرة الثالثة من المقدمة على الإقتراع برفع الأيدي، فقبلت بأغلبية (37) مقابل (14) وإمتناع (26).
ثم طرح الفقرة الأولى من القسم العملي على الإقتراع، وهي (حق تقرير المصير) فقبلت بأغلبية (29) صوتا، مقابل (20) وإمتناع (32).
ثم طرح الرئيس القرار كاملا على اللجنة، فقبلته بأغلبية (38) صوتا، مقابل (21)، وإمتناع (29) عن الإقتراع، وغياب (15) دولة، وبيانها كما يأتي:
الدول المؤيدة:
الدول العربية الإحدى عشرة، الدول الإشتراكية العشر، الكونغو (ليوبولدفيل)، كوبا، غانا، مالي، موريتانيا، نيبال، توغو، يوغسلافيا، الأفغان، بورما، كمبوديا، سيلان، تشاد.
الدول المعارضة:
بريطانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، الدانمارك، الدومينيكان، فنلندة، آيسلندة، بولندة، إسرائيل، إيطاليا، لوكسمبورغ، هولندة، نيوزيلندة، نياكارغوا، النروج، بانما، جنوب إفريقيا، السويد، إستراليا، بلجيكا، كندا. (1/158)
صفحة 159
الدول الممتنعة:
زاغروس، إكوادور، الملايو، اليونان، غواتيمالا، ساحل العاج، اليابان، ليبيريا، المكسيك، النيجر، باكستان، باراغواي، بيرو، الفلبين، سيراليون، أسبانيا، سيام، تركيا، الفولتا العليا، فنزويلا، الأرجنتين، النمسا، البرازيل، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشيلي، الصين، كولومبيا.
الدول الغائبة:
قبرص، بوليفيا، سيلفادور، الحبشة، هايتي، لاوس، هندوراس، مدغشقر، البرتغال، السنغال، الكونغو الفرنسي، كوستاريكا، الغابون، الصومال، أوروغواي.
وبعد إنتهاء الإقتراع عاد مندوب إيران فأقترع إلى جانب القرار كله، بعد أن كان إقترع مع الفقرتين الثانية والثالثة فقط، وقال إنه يشاطر شعب عمان آماله.
الإقتراع في الجمعية العامة:
عندما إنتقل القرار من اللجنة السياسية الخاصة إلى الجمعية العامة، وطرح على الإقتراع، هبط عدد المؤيدين إلى (33) دولة، حيث تحولت سيلان، وغانا، ونيبال من التأييد إلى الإمتناع. وتغيب مندوبو موريتانيا، وتشاد، وتوغو، وإنضمت جمهورية قبرص إلى المؤيدين. وإرتفع عدد الممتنعين إلى (37)، بينما ظل عدد المعارضين على حاله (21).
النتيجة:
نتيجة للإقتراع في الجمعية العامة لم يحط مشروع القرار بأغلبية الثلثين. ولم يصبح في عداد قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لذلك فشلت القضية في الحقل الدولي للمرة الأولى.
وأثر إعلان هذه النتيجة صرح أحد كبار المندوبين العرب في نيويورك إن هذه النتيجة لا يمكن أن تعتبر فشلا في الحقيقة. إذ أنها المرة الأولى التي تعرض فيها قضية عمان على الجمعية العامة. وإنه لم يكن من المنتظر لها أن تنجح نجاحا باهرا منذ المرة الأولى، بسبب موقف الدول الإستعمارية المناوئ لها.
وقال: " إلا أنني أرى أن الفشل لا يمكن أن ينقلب إلى نجاح مهما حاولنا تلطيف مرارته. وأرى من الواجب بذل الجهود الهائلة لدى بعض الدول التي إمتنعت عن إبداء آرائها بشأن الإقتراع هذا العام، مع أنها لا ترتبط بإرتباطات إستعمارية واقعية، سوى بعض الصداقات والأحلاف التي تصل بينها وبين الدول الإستعمارية، لضمان وقوفها إلى جانب القضية العمانية العادلة في الدورة المقبلة ". (1/159)
صفحة 160
بيان إلى كل الأصدقاء
وكان الإمام الثائر غالب بن علي إمام عمان قد عقد مؤتمرا صحفيا في مقر السكرتارية الدائمة لمنظمة التضامن الآسيوي الأفريقي بالقاهرة. وتحدث فيه عن حق الشعب العربي في عمان في تحقيق مصيره. وعما يلاقيه أبناء المنطقة من كيد الإستعمار ومناوراته. كما تحدث عن صمود الثوار وعزمهم على فرض وجودهم كاملا فوق أراضيهم.
وفيما يلي نص بيان الذي ألقاه الإمام الشرعي في المؤتمر:
أيها الأصدقاء:
ينعقد هذا المؤتمر في ظروف عربية حاسمة فبعد أيام ينعقد مؤتمر القمة العربي الذي إقترحه الرئيس جمال عبدالناصر. ونحن نؤيد كل التأييد هذا الإقتراح لإتخاذ موقف عربي موحد ضد المؤامرة الصهيونية الرامية إلى تحويل مجرى نهر الأردن. كما نؤيد نضال الأحرار العرب أبناء عدن - جنوب اليمن المحتل - ونضالهم جزءا لا يتجزأ من نضال شعب عمان.
وإني أنتهز فرصة وجودنا بالقاهرة وإجتماعنا بكم اليوم لأشكر الظروف التي أتاحت لنا هذا اللقاء على أرض الجمهورية العربية المتحدة شقيقتنا الكبرى ورائدة كل العرب الأحرار. وإني باسم الشعب العربي في عمان أتوجه بالشكر العميق للجمهورية العربية المتحدة حكومة وشعبا ولسيادة الأخ الرئيس جمال عبدالناصر على الحفاوة والترحيب اللذين قوبلنا بهما، والجهود المخلصة الصادقة التي توفرت لنجاح مهمتنا. كذلك نشكر منظمة التضامن الأفريقية الآسيوية على كل ما قدمته لنا من عون وعلى مساندتها لنا في كفاحنا ضد الإستعمار.
وإنه من دواعي سرورنا أن نرحب بكم باسم الشعب العربي في عمان شاكرين للصحافة والإذاعة ووسائل الإعلام العربية والصديقة جهودها الطيبة التي ما زالت تبذل في كل مناسبة لأثارة الرأي العام بشرح قضية عمان، وكفاح شعبها البطولي من أجل حريته وإستقلاله.
إن عمان جزء من الوطن العربي الكبير، ولذلك فإن دفاعكم عن قضيته العادلة واجب يفرضه التضامن العربي فأمضوا في طريقكم والله يوفقكم.
إن قضية عمان مرت بمراحل عديدة من العمل والجهد المتواصل. لقد إعتدت بريطانيا على بلادنا وعزلتها عن العالم وفرضت عليها حصارا شديدا تنفيذا لمخطط إستعماري طويل المدى. ولما حاولنا الخروج ببلادنا من هذا الحصار والسير في الركب العربي المتحرر قامت بعدوانها المعروف وأحتلت عمان عام 1955 م ولكن الشعب العربي في عمان قام يجاهد ضد المستعمر ويدافع عن بلاده بكل الوسائل التي أتاحتها له الظروف وقد تمكن شعب عمان أن يسمع العالم صوته وأن يشرح قضيته على المستوى العالمي. وذلك بفضل الجهود الصادقة التي بذلتها الدول العربية ومختلف البلاد الآسيوية والإفريقية (1/160)
صفحة 161
والبلاد الصديقة ونخص بالذكر الجمهورية العربية المتحدة التي ساعدت عمان على فتح مكتب بالقاهرة عام 1956 م وزودته بكل الإمكانيات اللازمة لإنجاح مهمته في الدعاية لقضية عمان وقدمت المساعدات اللازمة لمساعدة الثورة في عمان. ولم تتوان عن واجبها الطليعي حيال تحرير هذا الجزء من الوطن العربي.
إن الجمهورية العربية المتحدة بإعتبارها طليعة التحرر في الوطن العربي الكبير، قامت دائما بواجبها كاملا لمساعدة عمان. سواء من الناحية المادية أو المعنوية. ويكفي أن نقول بأن الرئيس جمال عبدالناصر أكد لنا أن الجمهورية العربية المتحدة بكل إمكانياتها تؤيد ثورة الشعب العربي في عمان ولن تتوانى عن مساعدته حتى ينال حريته وإستقلاله.
كما أكد الرئيس جمال عبدالناصر في خطبه وفي البيانات المشتركة حق شعب عمان في الحرية والإستقلال والسيادة، وآخرها البيان العربي الصيني المشترك الذي صدر في القاهرة مؤخرا بعد المحادثات التي تمت بين الرئيسين جمال عبدالناصر وشوأن لاي.
أيها لأصدقاء:
إن القضية العمانية هي قضية كفاح وتحرر من السيطرة الأجنبية والحكم الإستعماري ليتمكن شعبنا في النهاية من حكم نفسه وتقرير مصيره على ضوء مصلحته العربية ووحدته الوطنية التي عمل الإستعمار على تمزيقها، ونحن متمسكون بحقنا العادل، ولسوف نناضل حتى آخر قطرة من دمائنا مستمدين القوة والعزيمة من روح النضال في شعبنا ومن حقه المشروع في سيادته الوطنية.
لقد حقق كفاحنا وجهادنا نجاحا كبيرا في الميدان الداخلي والدولي بفضل تأييد الدول والشعوب العربية الشقيقة والدول الحرة الصديقة في القارتين الأفريقية والآسيوية. ففي المجال الدولي أثارت قضية عمان إهتمام جميع الدول التي تناصر الحرية بإعتبارها قضية تحرر من الإستعمار وطالبت الأمم المتحدة أن تسهم في حلها وقفا لقرارها التاريخي الصادر عام 1960 م بتصفية الإستعمار من العالم.
وكان نتيجة الجهود الصادقة المخلصة إن وافقت الأمم المتحدة بأغلبية 96 صوتا على قرار يقضي بتشكيل لجنة خماسية تزور عمان وتقدم تقريرا عنها للجمعية العامة في الدورة المقبلة، ولم يعترض على هذا القرار سوى مندوب بريطانيا وحدها الأمر الذي إن دل على شيء فإنما يدل على إصرار بريطانيا الإستعمارية على التمادي في تنفيذ سياستها العدوانية الإجرامية ضد شعب عمان رغم معارضة الرأي العام العالمي.
وحرصا من شعب عمان الثائر على العدوان مع الأمم المتحدة فإنه يرحب بهذا القرار على أن ينفذ بالشروط التالية:
أولا: تمثيل مندوب عن الجامعة العربية في هذه اللجنة.
ثانيا: مصاحبة مندوب عن دولة عمان لهذه اللجنة وضمان الأمم المتحدة لسلامة هذا المندوب. (1/161)
صفحة 162
ثالثا: توفير الضمانات وحرية العمل الكافية لهذه اللجنة بحيث تتمكن من القيام بعملها بصورة أمينة وفعالة تتناول مختلف جوانب المشكلة. وفي مقدمتها العدوان العسكري البريطاني المسلح على شعب عمان.
رابعا: على الأمم المتحدة أن تشرح بكافة وسائلها الإعلامية للشعب العماني مهمة الشهادة وضمان سلامة المواطنين الذين يتعين عليهم الإدلاء بشهاداتهم أو الإتصال بأعضاء اللجة للتعبير عن وجهة نظرهم.
هذه هي الخطوط الرئيسية التي نشترطها لضمان قيام اللجنة بواجبها كاملا. إن مطالبنا واضحة ونحن لا نطالب بأكثر من حقنا المشروع في الحرية والإستقلال في تقرير المصير وجلاء جنود المستعمرين عن أرضنا.
وفي المجال الداخلي تعرضت عمان لعدوان بريطاني مسلح كما حدث تماما في العدوان الثلاثي على الشقيقة الجمهورية العربية المتحدة عام 1956 م. وقام سلاح الطيران البريطاني بغارات عنيفة متواصلة إستمرت عامين كاملين دون توقف. ذلك خلا عن الحصار الرهيب الذي ضرب المنطقة وخصوصا على مركز القيادة بالجبل الأخضر. ورغم تفوق القوات الإستعمارية علينا في السلاح فقد هب شعبنا للدفاع عن حريته وكرامته. وأمام قوة بريطانيا العسكرية أضطر وهو الشعب الصغير الأعزل إلى الإتجاه إلى حرب العصابات وكان نتيجة ذلك أن إشتدت موجات الإرهاب والتنكيل بأبناء الشعب وأمتلأت السجون بالقادة والزعماء وصبت عليهم سلطات الإستعمار أبشع عمليات التعذيب مما يعف اللسان عن ذكرها. فقد أستشهد الكثيرون تحت سياط الجلادين المستعمرين ويكفينا دليلا على ذلك، ما شهد به المستر روبرت أدواردز العضو الحالي بمجلس العموم البريطاني في تقريره الذي بعث به إلى الأمم المتحدة. ونحن نعلن من أنه ما لم تكف بريطانيا عن حملات التعذيب والإرهاب على شعبنا فإننا سنستعين بالمتطوعين من إخواننا أبناء البلاد العربية الشقيقة وأبناء البلاد الصديقة الحرة المحبة للسلام.
وإننا ندعو الأمم المتحدة أن تتدخل فورا لتوقف هذه الحملات الإرهابية التي تشنها السلطات الإستعمارية على شعبنا.
ويهمنا أن نعلن أن ثورة الشعب العماني بمؤازرة الشقيقة العربية الكبرى الجمهورية العربية المتحدة تخطو خطوات النصر النهائي وبعد هذه الجهود وإعادة تشكيل مجلس قيادة الثورة لدولة عمان حتى يمثل جميع المناطق العمانية ويتفرع عن هذا المجلس لجان باشرت عملها بالفعل.
إن الشعب العربي في عمان الذي يتعرض هذه الإيام الموجة القاسية من الحملات التفتيشية والإرهابية والإعتقالات والتعذيب وفرض الغرامات المالية الباهظة عليه ومنعه من السفر إلى الخارج مهما كانت الأسباب، حتى ولو كانت لأداء فريضة الحج أو لظروف العلاج في الخارج. (1/162)
صفحة 163
إن شعب عمان الصغير بعدده الكبير بإيمانه وثقته بنفسه وإخوانه العرب الأحرار وعزيمته وتصميمه سيعلم بريطانيا كيف تحترم إرادة الشعوب وسيرغمها على إحترام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان.
وليس من قبيل الصدف أن يلبي شعب عمان نداء التاريخ، وأن ينهض عن بكرة أبيه ليؤدي ضريبة الحق والكرامة والبقاء، ويفتدي كيانه بفلذات أكباده، وبرح أبنائه.
ولئن كان الغدر والبطش والإرهاب هي اللغة التي تكلم بها الإستعمار إلى شعب عمان - فإن المقاومة الشريفة الباسلة، والدفاع البطولي، وإلتزام مبادئ الشهامة العربية ... هي جواب عمان الحاسم لمبدأ القوة الذي يدين به الإستعمار. (1/163)
صفحة 164
تطور الثورة في عدن والجنوب العربي
كما أن الحركات التحررية في الوطن العربي الكبير أخذت طريقها إلى كل مكان وقد تطورت الثورة في عدن والجنوب العربي تطورا كبيرا. وقد نشرت مجلة " الموقف العربي " السورية في عددها رقم 21 مقالا قيما في هذا الموضوع ننشره لأهميته عن ثورة عدن والجنوب العربي جاء فيه:
" بوب إدواردز " عضو بارز في حزب العمال ومجلس العموم البريطاني وسكرتير إتحاد عمال المواد الكيماوية، ما يسرده في هذا المقال من وقائع مؤسفة، يؤيد القول المأثور "وشهد شاهد من أهله ".
تقع في الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة العربية أصغر الممتلكات والمستعمرات البريطانية وأعني بذلك مستعمرة عدن. ويبلغ عدد سكانها زهاء الربع مليون منهم مائة ألف يمني.
لقد إستولت بريطانيا على ميناء عدن قبل مائة وثلاثين عاما وذلك لأن بريطانيا كانت في مسيس الحاجة إليها من أجل تزويد سفنها التجارية بالفحم. ومع مرور الزمن أصبحت عدن من أهم الموانئ في الشرق الأوسط وأعظم مركز تجاري على الخليج العربي.
المصالح البترولية البريطانية
ولقد أدى إكتشاف البترول في الشرق الأوسط وإستخدام هذه المادة المهمة في الصناعات الحديثة والنقل، إلى إتساع مدينة عدن وزيادة عدد سكانها. فأنشأت الحكومة البريطانية فيها مصفاة للبترول بالإشتراك مع الأمريكيين. وأدى تطوير أحواض السفن في الميناء إلى تحويل العمال العرب إلى عمال ماهرين فكان لابد من تنظيم هؤلاء العمال تنظيما إجتماعيا للتعبير عن المثل البروليتارية. فنشأت إتحادات العمال التي أخذت ترعى مصالح عمال المصفاة وعمال حركة البناء التي أخذت تتسع وتزدهر، وعمال أحواض السفن في ميناء عدن الهام. وعند إتساع القاعدة الحربية البريطانية في عدن، نتيجة لذلك، منظمات سياسية لمست الحاجة إلى الإستقلال وأخذت تطالب بتقرير المصير والسيادة. ونشأ في البلاد بصورة تدريجية نظام إنتخابي سمح في بداية الأمر بإقامة مجالس محلية للميناء والمنطقة المجاورة له. وقام في البلاد كذلك مجلس تشريعي نصف أعضائه منتخبون. أما النصف الآخر فيعينهم الحاكم البريطاني في عدن.
وفي الأراضي الشاسعة الممتدة من ميناء عدن حتى حدود اليمن والسعودية العربية وعمان. وهناك 16 دولة صغيرة يحكمها الشيوخ والسلاطين، وتعرف باسم المحميات البريطانية.
وكما كان متوقعا أخذت رياح القومية العربية تهب شديدة على هذه المنطقة (1/164)
صفحة 165
وأخذت موجة التحرير تشق طريقها إلى هذا الجزء من بلاد العرب بعد أن أغرقت معظم أجزاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية فأضطرت الحكومة البريطانية إلى الرضوخ.
وهكذا قام إتحاد الجنوب العربي في سنة 1962 م إلا أن إحدى عشرة مشيخة فقط وافقت على الإنضواء تحت لواء هذا الإتحاد الجديد. ويبلغ عدد سكان هذه المشيخات قرابة المليون ويعتبر الحكام موظفين بريطانيين. والسلطة الفعلية في الإتحاد هو في يد البريطانيين. ولهذا يمكن القول بأنه لا وجود في هذا الإتحاد للحكم المحلي. فإتحادات العمال غير مشروعة ويمنع كذلك تشكيل الأحزاب السياسية، ولا صحافة، فالصحافة الحرة ممنوعة وللبريطانيين السلطة المطلقة في إختيار أعضاء المجلس التنفيذي، وأعضاء هذا المجلس يمثلون الشيوخ الأتوقراطيين الذي تختارهم بريطانيا وفق رغبتها وعلى هواها. والجدير بالذكر أن عددا من الحكام في هذه المنطقة أخذوا يطالبون من حين لآخر بالإستقلال وحق تقرير المصير. ولهذا كانت تقوم من حين لآخر ثورة على الحكم البريطاني فكانت النتيجة أن تقمع الحكومة البريطانية هذه الثورات التحررية بمنتهى الشدة وتعمد إلى إخراج زعمائها وقادتها إلى خارج البلاد أو تطردهم إلى القاهر واليمن والسعودية الغربية. وكان أحد هؤلاء الحكام الأحرار، سلطان يافع العليا محمد ابن عيدروس، السلطان الوحيد الذي سمح بتسجيل نقابات العمال وبقيام أحزاب سياسية، ولكنه أخرج من بلاده بالقوة بعد أن حارب بضراوة وبعناد وقاوم التعسف البريطاني. ولكن الطائرات الملكية البريطانية قامت بقصف القرى الجبلية الواقعة على الحدود اليمنية بلا شفقة ولا رحمة فدمرتها. فأضطر السلطان المذكور مع بقية جيشه إلى اللجوء إلى أراضي اليمن.
ضرب يافع العليا بالقنابل:
لقد قامت الطائرات البريطانية الحربية بمئات الغارات الجوية على القرى في اليافع العليا فدمرت بعضها تدميرا شاملا حتى أصبحت أثرا بعد عين. وقتل عدد كبير من سكانها وجرح الكثيرون. صحيح أن الطائرات البريطانية كانت تلقي على القرى الإنذارات بوجوب إخلاء القرى من السكان قبل قصفها، وتقول أن الطائرات البريطانية ستستمر في قصفها من الجو إلى أن يغادر محمد بن عيدروس البلاد. واستمرت هذه الغارات الوحشية المدمرة وتوقفت فقط في شباط سنة 1962 م وذلك عندما قرر السلطان الثائر، إنقاذا لحياة أبناء شعبه من الغارات البربرية أن يلجأ إلى اليمن. وفي السابع عشر من حزيران سنة 1958 م قامت الطائرات البريطانية بالإغارة على مدينة (فلسان) طوال أربعة أيام متتالية فدمرت ست قلاع تدميرا تاما. أما المدينة نفسها فأصبحت ركاما.
كانت الحكومة البريطانية قد وعدت بأن تمنح مستعمرة عدن الإستقلال التام في سنة 1963 م وأن تسمح بإنشاء مجلس تشريعي يضم أحد عشر عضوا ينتخبون إنتخابا. وحتى تضعف سلطة هذا المجلس التشريعي الجديد. قامت الحكومة البريطانية بأسلوب تعسفي وبدون إستشارة أصحاب الرأي والسلطة بضم عدن إلى إتحاد الجنوب العربي (1/165)
صفحة 166
الذي تسيطر عليه حتى يتمكن الشيوخ والسلاطين الخاضعين لبريطانيا من التغلب على ممثلي عدن وحتى تتم سيطرة هؤلاء العملاء المتخلفين من الشيوخ والسلاطين على أحرار عدن والجنوب العربي.
إستمرار الضغط في الإتحاد
لقد منح مجلس إتحاد الجنوب العربي السلطة للبوليس والقوى المسلحة والأمن. وهكذا أصبح تطور عدن وإستقلالها منوطا بالشيوخ المتخلفين الإقطاعيين. وحتى تتبين مدى الجهل والتخلف عن ركب المد التحرري العربي في هذه المشيخات نكتفي بإيراد أمثلة ثلاثة. لقد أساء أحد الخدم في إحدى المحميات إلى سلطانه بدون قصد، فما كان من سيده الإقطاعي إلا أن ربطه إلى سيارة "لاندروفر" وجره مسافة ستة أميال عبر الصحراء ... وقد منعته السلطات البريطانية من ممارسة سلطاته مدة ستة أشهر من أجل هذا العمل الوحشي الذي قام به ولكنها عادت فسمحت له بممارستها وعاد إلى سلطنته.
وفي مشيخة أخرى وجهت إلى محرر شاب، كان قد وجه نقدا لاذعا للسلطان بسبب تصرفاته، تهمة السكر فحكم عليه بالسجن مدة سنتين وجلد ثمانين جلدة.
وفي مشيخة أخرى تجرأ مزارع بإقامة دعوى على الشيخ الإقطاعي، الذي إغتصب منه أرضه في محاكم عدن المدنية، وقد ألقي القبض على هذا المزارع الذي تجرأ بإقامة الدعوى على سلطانه وأتهم بتهمة تحقير حاكمه وحكم عليه بالسجن مدة عشرين عاما وبغرامة نقدية مقدارها مليون شلن فأدت إلى مصادرة جميع أراضيه وممتلكاته. أما أخوه وإبنه اللذان إحتجا على هذه الأحكام الجائرة فكان نصيبهما السجن مدة طويلة والغرامة الفاحشة.
والغريب أن ضحايا هذه المظالم في القضايا الثلاث لم ينصفوا على أيدي السلطات البريطانية أو القضاء البريطاني العادل حتى الآن.
لقد أعيد تنظيم إتحادات العمل في ميناء عدن، في تسع نقابات صناعية وأنضمت إلى مؤتمر إتحاد عمال عدن تحت قيادة شاب عربي لامع فذ يدعى عبدالله الأصنج.
وفي عام 1963 م بلغ أعضاء هذا الإتحاد 22 ألف عضو كان كل عضو منهم يدفع من أجرته مبلغ شلن أسبوعيا بالرغم من ضآلة أجور العمال العرب وقد تمكن الإتحاد من إصدار جريدة يومية تنطق بإسمه أطلق عليها إسم " العامل " ولكنها ظلت تتعرض للرقابة البريطانية الصارمة وكانت من حين لآخر تمنع وتصادر. وعندما توقفت المفاوضات بين الإتحاد والسلطات البريطانية من أجل زيادة الأجور، قامت الإضرابات في البلاد. وحتى تعالج السلطات الوضع المتدهور أصدرت تشريعا تعسفيا إعتبرت فيه الإضراب عملا غير مشروع وطالبت بوجوب تسجيل نقابات العمل من جديد. والجدير بالذكر أن إتحاد عمال عدن، عضو في إتحاد العمال الدولي وفي إتحاد العمال العرب العام.
وقد ضمنت السلطات البريطانية مرسومها التشريعي الجديد فقرة تمنع بموجبها (1/166)
صفحة 167
إتحاد عمال عدن من الإنتساب إلى أية إتحادات دولية خارج البلاد فقام في البلاد في سنة 1962 م إضراب عام إحتجاجا على هذه الإجراءات الظالمة غير القانونية.
الزعماء يجلدون!!
فألقي القبض على زعماء إتحادات العمل وسيقوا إلى السجون. وفي أثناء إضرابهم عن الطعام في سجن عدن، جلدت سلطات السجن أثني عشر من زعماء العمال بقسوة ووحشية. وقد أدت هذه الأعمال الوحشية إلى إثارة الموضوع في مجلس العموم البريطاني وإحتجاج عدد من أعضاء حزب العمال المعارض. فأدى ذلك إلى أن وعدت الحكومة بإلغاء العقاب بشأن 64 مخالفة مختلفة. ولكن مما يؤسف له أن الحكومة البريطانية لم تنفذ وعدها هذا حتى هذا التاريخ. وقد ألقي القبض على عبدالله الأصنج وأتهم بإثارة الفتن والشغب وحكم عليه بالسجن مدة أثني عشر شهرا. وقد نقضت محكمة التمييز العليا في إفريقيا الشرقية أحكام محكمة عدن في حزيران سنة 1963 م ولكنه مع ذلك أمضى ثمانية أشهر دون أن يدفع له أي تعويض عن المدة التي قضاها في السجن ظلما وبصورة غير قانونية.
وتأسس حزب الشعب الإشتراكي في شهر تموز من سنة 1963 م فقد وافق إتحاد نقابات العمل على تأسيس جناح سياسي أدى إلى قيام حزب العمل الإشتراكي. وحتى الآن لم يقم في هذه المستعمرة التي تضم ربع مليون نسمة، أية وسيلة فعالة للتعبير عن مطالب الشعب السياسية والدستورية. ووقع إختيار الحزب على عبدالله الأصنج ليكون رئيسه، لأنه كان الأمين العام لإتحاد نقابات العمل العام. وكان أول عمل قام به، الإحتجاج على تأجيل موعد الإنتخابات العامة والتي كان مقررا لها أن تجري في شهر كانون الأول من تلك السنة والمطالبة بتوسيع حق الإنتخاب. لقد كان آخر إنتخابات عامة تجري في سنة 1958 م. وقد قاطعها إتحاد العمال العام وذلك لأن مؤهلات حق الإنتخاب كانت لا تتناول إلا بعض الفئات من العمال الذين يتناولون أجورا باهظة فظل معظم العمال محرومين من هذا الحق ولأن قانون الإنتخاب أستثنى من حق الإنتخاب آلاف العمال الذين ينحدرون من أصل يمني. وكانت نتيجة هذه المقاطعة أن أنتخب مجلس تشريعي لا يمثل الشعب، ذلك لأن نسبة الذين إنتخبوه لا تزيد على 25 بالمئة من الناخبين الذين لهم حق الإنتخاب. أما الحكومة البريطانية فلم تول أذناً صاغية لمطالب إتحاد العمال وحزب الشعب الإشتراكي في توسيع يشمل جميع العمال بدون إستثناء ولا أهتمت بطلب إجراء إنتخابات عامة في أسرع فرصة. وكان رد الحكومة البريطانية على هذه المطالب العادلة المطاردة وإلقاء القبض على زعماء الحركة والزج بهم في السجون، فما كان منهم إلا أن عرضوا القضية على الأمم المتحدة والمنظمة الإشتراكية الدولية.
تهديد السلام العالمي
لقد إعترفت لجنة مقاومة الإستعمار في هيئة الأمم المتحدة في الثالث من تموز سنة 1963 م بأن الوضع في عدن يشكل تهديدا خطيرا للسلام العالمي فأقرت التوصيات التالية: (1/167)
صفحة 168
1 - يجب السماح لشعب عدن والمحميات بممارسة حق تقرير المصير في أسرع وقت ممكن.
2 - يجب أن يطلب إلى الحكومة البريطانية بأن تلغي جميع القوانين التي تحد من الحريات العامة وأن تطلق سراح جميع المعتقلين السياسيين والمحكومين بجرائم سياسية وأن تسمح بعودة جميع الإجراءات التعسفية ضد الشعب وعلى الأخص إيقاف الإجراءات العسكرية وقذف القرى بالقنابل.
3 - على بريطانيا أيضا أن تحل المنظمات التشريعية الحالية، وتعمل على إيجاد التغييرات الدستورية الضرورية لإجراء إنتخابات عامة ولإقامة حكومة تمثل جميع فئات الشعب.
4 - ويجب أن تمثل الأمم المتحدة وتثبت وجودها في البلاد قبل وبعد الإنتخابات العامة المذكورة.
5 - وإنه يجب إجراء الإنتخابات قبل الحصول على الإستقلال.
6 - وبعد الإنتخابات يمكن إجراء محادثات بأسرع وقت ممكن بين الحكومة البريطانية وحكومة عدن من أجل إعلان الإستقلال.
ولقد عبرت المنظمة الإشتراكية الدولية وعبر المؤتمر الذي عقد في إمستردام بين التاسع والثاني عشر من أيلول سنة 1963 م عن شديد قلقهما بسبب إستمرار إضطهاد حزب الشعب وأعضاء إتحاد العمال في عدن على أيدي السلطات البريطانية بواسطة الإجراءات التعسفية والسجن والنفي. وقد نددوا أيضا بمنع إتحاد نقابات العمل الدولي من البقاء في عدن لمساعدة إتحاد العمال العدني.
لقد وقعت هذه الأمور في عدن حيث إجراءات القمع ومن حرية الكلام والتعبير عن الرأي ومنع حرية النشر والإجتماعات العامة. ولقد إحتج الديموقراطيون الإشتراكيون على قرار الحكومة البريطانية القاضي بمنع دخول بعثة الأمم المتحدة إلى البلاد وأهابوا بالأمم المتحدة بأن تحمل بريطانيا على قبول منح الشعب في عدن والجنوب العربي حق تقرير المصير والمبادئ الديموقراطية العامة في المحميات.
وفي كانون الأول من سنة 1963 م طالبت بريطانيا بعقد مؤتمر دستوري في لندن لإعداد دستور جديد لعدن والجنوب العربي. وبينما كان الممثلون يزمعون مغادرة مطار عدن لحضور المؤتمر المذكور، ألقيت قنبلة يدوية أدت إلى مقتل نائب المندوب السامي البريطاني في عدن وإمرأة هندية وجرح خمسين شخصا آخرين. وبالرغم من أن إتحاد عمال عدن وحزب الشعب الإشتراكي لم يقرا سياسة العنف وكانا دائما يطالبان بإجراء مفاوضات سلمية إنتهزت السلطات البريطانية الفرصة وأستغلت حادث إلقاء القنبلة لإعلان حالة الطوارئ ومنع كافة التجمعات وألقت القبض على جميع زعماء الحركات النقابية والحزب الإشتراكي الشعبي. وقد طورد جميع زعماء العمال وزج بهم في السجون وظلت النقابات العمالية بلا زعامة ولا قيادة. لقد سلم هؤلاء القادة إلى بوليس إتحاد الجنوب العربي وليس إلى بوليس عدن ليلقوا الإهانة والتعذيب في سجون (1/168)
صفحة 169
رهيبة تقع في أماكن نائية وفي أحوال سيئة للغاية. وقد وجهت السلطات الحكومية تهمة إلقاء القنبلة إلى ثلاثة من العرب، أما الآخرون فأطلق سراحهم.
الأمم المتحدة تندد بالإجراءات البريطانية وتستنكرها
وفي أثناء ذلك قامت الهيئة العامة للأمم المتحدة في دورة 1963 م بإصدار قرار أيده ثلاثة وخمسون صوتا مقابل 23 وإمتناع واحد وثلاثون يندد بالوضع في عدن والجنوب العربي ويهيب ببريطانيا بأن تطلق سراح جميع السجناء السياسيين ويطالب بإقرار حرية الإجتماع والصحافة ويطالب أيضا بإنسحاب بريطانيا من قاعدتها في عدن ويلح على إجراء إنتخابات عامة ويقر بحق شعب عدن في الإستقلال. وكان هذا هو القرار الثاني الذي تصدره الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، إلا أن الحكومة البريطانية أنكرت على الأمم المتحدة حقها في إرسال ممثلين عن لجنة مقاومة الإستعمار، إلى عدن للبحث في الأوضاع هناك فأضطرت اللجنة إلى الشخوص إلى اليمن لتقصي الحقائق والوقوف على الوقائع.
ولا حاجة بنا لأن نقول أن هذا الوضع لن يدون، فالحكومة البريطانية ليس بإمكانها مقاومة تيار الرأي العام العالمي الجارف الذي أخذ يدينها ويندد بصورة مكشوفة بإجراءاتها الوحشية المخالفة لمبادئ الحق والعدالة والكرامة الإنسانية ومبادئ الأمم المتحدة ولا يمكنها كذلك أن تقف أمام مد القومية العربية الجارف وموجة التحرر العارمة.
إن الحكومة البريطانية تتمسك بقاعدة عدن وبالجنوب العربي إعتقادا منها بأن فرض النظم البالية بالقوة سيمكنها من الإحتفاظ بالقاعدة وبالتالي من المحافظة على مصالحها البترولية الغنية وضمان تدفق الزيت العربي إلى بلادها. إن هذا وهم صارخ ما بعده وهم فالتاريخ، قديمه وحديثه، أثبت سخافة هذه الأوهام. إن سبعين بالمائة من واردات البترول تجيء من الشرق الأوسط، وهذا مصدر ثروة لمنطقة الإسترليني ولكن تدفق هذا الزيت سيتوقف حتما. إن اليابان تعتمد على زيت الشرق الأوسط إلى حد بعيد جدا ومع ذلك فإنها تعمد إلى إقامة القواعد العسكرية الهامة لصيانة هذه المصالح. ومن المؤسف حقا أن نقول بأنه لا يبدو في الجو ما يشير إلى أن الحكومة البريطانية الحالية قد تعمد إلى تغيير سياستها الإستعمارية الخاطئة. ولا شك بأن تغيير هذه السياسة سيقع في المستقبل القريب على عاتق الحكومة العمالية التي ستعمد إلى إنتهاج سياسة حكيمة وسليمة نحو العرب وتفهم قضاياهم ومساعدتهم في الوصول إلى أهدافهم القومية وأمانيهم في الحرية والإستقلال وإقامة حكومات تمثل الشعب في الجنوب العربي دون الإعتماد على حفنة من العملاء والإقطاعيين من المشايخ والسلاطين كما تفعل حكومة المحافظين الآن. فتتوصل إلى عقد إتفاقيات تحصل بموجبها بريطانيا على حاجتها من الزيت العربي بالطرق الصحيحة دون اللجوء إلى إستخدام القوة العسكرية ودون الحاجة إلى إتباع الإجراءات الوحشية الظالمة التي تتنافى والمدنية والديموقراطية ودون اللجوء إلى منع الحقوق المشروعة للشعوب في سبيل الحصول على الزيت في حين يمكن تأمين تدفقه بصورة سليمة دونما حاجة إلى حرمان الشعوب من حقها في الحرية وتقرير المصير والإستقلال. (1/169)
صفحة 170
الشعر في خدمة المعركة:
إرتبط الشعر العربي بالحرب منذ القدم. فصفحات التاريخ العربي تنطوي على حقائق ماثلة عن وقائع العرب ومعاركهم البطولية التي خاضوها ضد أعدائهم. وكانوا دائما المنتصرين.
والآن نعيش لحظات مع بعض شعراء العرب الذين بعثوا في شعبهم القوة. وحرضوا قومهم على مقارعة الأعداء، وعلى الوقوف بوجههم.
الى متى نهطع في طاعتهم ... ونتقي وليتها تجدي التقى
الى متى نهرع في أذنابهم ... لا ملتجى لا منتهى لا منتحى
الى متى يعرقنا نكيرهم ... وجورهم وكفرهم عرق المدى
الى متى تقضمنا أضراسهم ... الى متى نحن لهم عبد العصا
الى متى تعركنا أحكامهم ... الى متى الى متى الى متى
أين محب الله فينا صادقا ... لو صدق الحب لهان المختشى
ثم يقول فيها:
هبوا من النومات ان حية ... تنباع ما بين شراسيف الحشا
حتى على الموت الزؤام نومكم وليته موت على حفظ الحمى
تحكموا في ملككم ورزقكم وكبسوا البئر وقطعوا الرشا
منوا عليكم بغذاء طفلكم ... وحسوة الماء ونفحة الصبا
وأزعجوكم عن ظلال ريفكم وليتكم لن تزعجوا عن الفلا
نقعد يشكو بعضنا لبعضنا وما مفاد من شكا ومن بكى
ثم يقول:
أما يجازى ظالم بما جنى
كم نظلم السيف بمنع حقه
أصدق من جد وأكفى من كفى
والسيف شهم لا يفيت حقه
كما نظم الشاعر النوروي الإستاذ صابر فلحوط قطعة شعرية بعنوان " عمان الثورة ":
قالوا: عفا الجرح العنيد ... وطوت تمردها الزنود!
والنصر نفض عن جفون الفجر صلصلة القيود!
والسلم فوق ربا عمان ... قد أجنحة الخلود!
والعاصفات الهوج في الهيجاء كفنها الركود
فالساح أفراح ... وأنغام معطرة النشيد! (1/170)
صفحة 171
والذئب يزحل بالوعود ... ويا لصادقة الوعود!
زحفا أخا التحرير ... واحذر غدرة الخصم الحقود
حدثم لكن بألسنة بالمدافع والحديد
ذكرهم أيام بانوا ... تحت أخمصنا سجود
ميدان مزرعة الفنا ... ما زال دفاق الوريد
يروي أساطيرا لثورتها ... شهيدا عن شهيد
أبغير دمدمة الحديد ... وهدرة الجرح العنيد
تحيا عمان حرة ... وتعود راقصة البنود
*** (1/171)
صفحة 172
سجل الشرف:
" وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ "
لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام
ضممت إليه بالسنان قميصه ... فخر صريعا لليدين وللفم
ويركب يوم الروع منا فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى
قدمت عمان على مر التاريخ آلاف الشهداء الذين استرخصوا حياتهم في سبيل إستقلال عمان وحريتها ووحدتها. وجبهة التحرير العمانية إذ تقدم صورا من صميم الواقع لبطولات بعض شهدائها الأبطال، تأمل أن تعطي القارئ تباعا المزيد من القصص البطولية لشهدائها الذين سجلوا تاريخ عمان بدمائهم.
وإليك قارئي الكريم بعض النماذج البطولية لحياة شهدائنا واخواننا المجاهدين:
المجاهد سعيد بن سليمان الريامي:
على سفح الجبل الأخضر وفي نزوى بالذات كان البطل يدير المعارك البطولية والهجمات المتلاحقة على قوات العدو مسجلا أروع المواقف البطولية ومضحيا بكل ثمين في سبيل مجد الشعب العماني الذي يفخر بهذا المجاهد ويردد بطولاته في كل حين.
إن هذا البطل تمكن بمفرده من حصر كتيبة إنجليزية وقبرها أمام داره وتمكن من تحقيق الإنتصارات الباهرة على قوات العدو التي تزيد عددا وعدة على المجاهدين العمانيين.
ولم يكن المجاهد سعيد بن سليمان الريامي بطلا معروفا بإستماتته واستبساله في الدفاع عن بلاده فحسب بل لقد عرف إلى جانب ذلك بالنبل والكرم والأخلاق العالية وهو مثل حي للعماني إقتدى أثره الكثيرون وحذوا حذوه في كل ميدان.
يذكر الشعب العماني حادثة الكتيبة البريطانية التي جاءت لتفتيش داره، وكيف جاهد القوات الإستعمارية عن منزله ثم أصلاهم بنيرانه الحامية فتساقط على رصاصه قتلاهم.
ويذكر الشعب العماني هذه القصة عن البطل سعيد ابن سليمان الريامي ويعرف (1/172)
صفحة 173
كيف ان الإنجليز تحاشوا فترة طويلة الإحتكاك به خشية أن تصاب قواتهم كما وقع لها عند محاولتهم تفتيش منزله.
لقد لقن البطل القوات الإستعمارية دروسا كثيرة وأفهمهم مرارا حقيقة العماني الذي يسترخص كل شيء حتى حياته ويستعذب الموت في سبيل كرامة بلده وحريتها ووحدتها.
ان هذا البطل نموذج لآلاف الأبطال الذين رفعوا راية الثورة في عمان.
المجاهد سالم بن عبدالله الحارثي:
إن هذا البطل شهد له الأعداء قبل الأصدقاء من أبناء الشعب العماني بمواقفه المشهودة وببطولاته الخالدة التي كانت ولا زالت مثلا يقتدى بها للتحرر والنضال والتضحية.
من منا لا يعرف البطل سالم بن عبدالله الحارثي ... من منا يجهل مواقفه البطولية النادرة ضد قوات الغدر وقوات الإحتلال البريطاني.
لقد عاش البطل لبلده قبل أن يعيش لعشيرته ....
عاش لعمان وعمل من أجل عمان، فكان رمزا للبطولة والتضحية ولا زال يحمل مشعل ثورة التحرر بإيمان صادق متوقد رائده تحرير عمان وإستعادة كرامة عمان وجمع شمل عمان في صف واحد ليحقق لعمان المعجزات.
لقد سجل هذا البطل الشهم أروع البطولات والتضحيات وأثبت مرارا وتكرارا بأن الإيمان بالمثل العليا الإيمان بعدالة قضية عمان هي رائدته التي يضحي من أجلها.
لقد أثبت البطل أن قضية عمان لا تحل إلا على أرض عمان وبأيدي الشعب العماني وحده.
لقد آمن هذا البطل بأن لغة الإستعمار وأعوانه هي لغة الحديد والنار، وبأن المستعمر لا يؤمن مطلقا بالمفاهيم آمن بأن المستعمر لا يسلم طواعية.
ولا يعترف بالحقوق وأن اللغة الوحيدة التي يفهمها المستعمر هي لغة الحديد والنار - لغة القوة - التي شب عليها وشاب.
آمن هذا البطل بحقوق شعب عمان فكرس جميع إمكانياته للقضية وعمل على جمع شمل الأخوة المناضلين من أجل نصرة ثورة عمان وإعادة حقوق شعب عمان.
وعندما قامت الحركة الثورية في عمان عام 1957 م كان في مقدمة الذين أشهروا السلاح في وجه المستعمر الغاشم دفاعا عن الوطن. وأنتقل وإخوانه إلي ميدان المعركة ميدان الشرف ليلقن العدو الغادر أقسى الدروس والعبر في السمو والتضحيات فكان يستهين بالموت بل يسرع إليه فيلقي بنفسه في وطيس المعركة ليفجر نار الإيمان المتوقد وليصلي بها ظهور الأعداء المنتشرين على أرض بلاده الطاهرة. (1/173)
صفحة 174
وكان له ما أراد فقد تمكن من تحطيم مراكز الإستعمار وإحراق معاقلهم وتشتيت شملهم وتحويلهم إلى عناصر سلبية عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها.
فدمر الحصون التي أوجدها المستعمر لتكون منطلقا لغدره ضد السكان العزل ووصل وإخوانه المجاهدين من بني بو حسن والعوامر والحرث إلى الجبل الأخضر حيث إحتل المراكز الإستراتيجية المشرفة على العاصمة نزوى وبدأ يكيل لقوات العدو المرابطة الضربة تلو الضربة حتى أفقد الأعداء وعيهم وأرغمهم على التقهقر واستمر في مطاردة فلول القوات البريطانية حتى طهر المنطقة منها.
لقد إعترف العدو بشهامته وإخوانه في النضال فكان المثل الرائع للنضال ولا زال يحمل راية الثورة لتحقيق أمنية الشعب العماني.
الشهيد البطل محمد بن خلفان:
كان الشوكة الأكثر إيلاما في حلق بريطانيا المستعمرة في سهل عمان، واليد الأكثر إيلاما وفتكا في المعارك بها.
ما عانى الثوار نقصا في العتاد والسلاح إلا جائهم الفرج بإذن الله على يد هذا الشيخ الهمام، وما حلت بكتائب البريطانيين في وادي سمائل وبدبد وفنجا عملية فدائية أو قنص أو تفجير إلا وعلموا أنّ ورائها هذا الصنديد الغطريف.
ولقد ظنت القوات الإستعمارية أنها بالصواريخ تتمكن من ابادة الشعب العماني والقضاء على النفوس الشهمة الأبيّة، فجرّبت حضها وأبادت الآلاف من سكان عمان العزل بصواريخها وطائراتها التي سخرتها لحملة الإبادة فاستشهد من استشهد وقتل الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ العزل بنيران الصواريخ، وكان منهم الشهيد المجاهد محمد بن خلفان الهدابي الذي سجل أروع مثال للتضحية والفداء وقتل بنيران الغدرعندما ألقت الطائرات البريطانية صواريخها على أحد المراكز العمانية الباسلة التي كان يتخذها مركزا له ولم تكتف قوات العدو البريطانية بما ارتكبته من اثم فعمدت إلى نسف منزله في فنجاء انتقاما من مواقفه التي كبدت الأعداء الكثير من القتلى ...
أجل لقد استشهد المجاهد الهدابي في معركة الشرف واصبح اسمه في سجل الخالدين الذين كتبوا بدمائهم تاريخ عمان. لقد استشهد هذا البطل ولكن عمان لا زالت حية وشعب عمان لايزال يقدم القرابين من أجل حريّة عمان ووحدة عمان.
البطل الهمداني عزيز بن سيف الرحبي:
وإليك أيها الأخ العماني قصة البطل الهمداني عزيز بن سيف الرحبي، هذا البطل الذي تعرفه عن قرب وتعرف مواقفه المشرفة وبطولات الخارقة التي يعجز القلم عن وصفها .. لقد كان مع الفدائي الشهيد محمد بن خلفان الهدابي الذي استشهد عندما غدرت به قوات الإحتلال البريطاني فقد شهد مصرعه أمام عينيه، فعزم على الثأر لرفيق السلاح وجدّد العهد على مواصلة النضال حتى يتحقق لعمان البطلة أمانيها وآمالها في الحرية والوحدة والإستقلال .. فانطلق والإيمان يملأ صدره وقتل من الإنجليز ما عجز الإنجليز أنفسهم عن إحصائه. لقد روعهم وأرهب دورياتهم فبث الألغام في طريقهم وحوّل المنطقة كلها إلى نار حامية تصلي الأعداء بشظاياها وتبيد قوات الغدر أينما كانوا .. (1/174)
صفحة 175
ان البطل الهمداني عزيز بن سيف الرحبي راغب بالشهادة والنصر، راغب بالحياة الكريمة ويصمم على ابادة الأعداء الذي دنسوا أرض بلاده الطاهرة.
ان أكثر ما تخشاه قوات الإحتلال البريطاني، الأبطال الذين يلقون بأنفسهم في وطيس المعركة طلبا للشهادة، لأنها تدرك ان قوة الإيمان عند هؤلاء الأبطال أقوى من قوة الأسلحة الحديثة التي تمتلكها، وتعرف انها لئن قتلت الأبرياء فإنها عاجزة عن قتل المبادئ التي لا يؤثر فيها الحديد والنار ولا تخضع لأية قوة.
ان هذه المبادئ التي آمن بها البطل الهمداني ستبقى المشعل الذي يضيء لعمان طريق العزة والكرامة وطريق النصر والتحرير.
قصة الشهداء الستة:
إن تاريخ عمان الطولي حافل كما ذكرت بقصص البطولة والأبطال التي تزيد الكفاح والنضال في سبيل وحدة عمان واستقلالها مضاء ........
إن صفحات البطولة الخالدة والإستشهاد كانت ولا زالت مبعث الإيمان المتوقد في نفوس شعب عمان والحافز على الإستبسال طلبا للموت. إن الموت مطلب للجميع في عمان، يتسابقون إليه ليحققوا لأجيالهم العزة والكرامة وليعطوا المثل الرائع للشعب العماني في إستعذاب الموت والشهادة من أجل تحرير عمان من أيدي العابثين.
وقصة الشهداء الستة التي نسجلها اليوم ليست في حد ذاتها قصصا بطولية فحسب بل هي وقائع حية للفداء والتضحية.
لقد كان هؤلاء الشهداء وهم الشهيد: حابس بن محمد الحارثي، والشهيد سعيد العامري الملقب زوزو، والشهيد سعيد بن سلطان المشايخي وثلاثة آخرين من بني بوحسن. كان هؤلاء الشهداء يقابلون العدو ببسالة خارقة ونادرة. يقومون بصد الهجمات المركزة عن مراكز إخوانهم المجاهدين وبينما كانوا ذات يوم يقومون بدورية في بعض الوديان الواقعة في الجبل الأخضر حاصرتهم القوات البريطانية من كل صوب وصوبت نيرانها عليهم وبثت الألغام في جميع مفارق الطرق قصد إبادتهم فكانت ساعة رهيبة واجهوا فيها الموت بشجاعة أمام آلاف من القوات البريطانية. أحكموا عليهم الحصار وسدوا عليهم منافذ النجاة وحولوا المكان إلى بركان من نار تتقاذفه بصواريخها وبأسلحتها الثقيلة. ولكن الأيمان كما قلت أقوى من السلاح فقد كان إيمان هؤلاء الشهداء الدافع لإستهتارهم بكل هذه المخاطر فخرجوا من المعركة دون أن يصيبهم أذى وألتحقوا بإخوانهم لمتابعة الحرب ضد القوات البريطانية بقلوب مؤمنة وبنفوس مخلصة.
وباغتتهم الطائرات البريطانية على حين غرة فألقت على مراكزهم وابلا من القذائف والصواريخ التي حولت المركز ومن فيه إلى أرض لا حياة فيها فتحقق لهؤلاء الشهداء ما كانوا يصبون إليه من عزة وكرامة وسقطوا في ساحة الشرف شهداء أعزة وهم أحياء عند ربهم يرزقون. (1/175)
صفحة 176
المجاهد محمود بن زاهر الهنائي:
إليك أيها السجين ألف تحية منا ومن إخوتك في الجهاد وبارك الله جهادك لك ولأمتك النصر الذي أردته.
إن الشعب العماني يذكرك وأنت في سجنك، وأخوتك في الجهاد والذين يشاطرونك محنتك ويتألمون لما تحمل من عذاب السجن المظلم. وما العذاب الذي تلاقيه على أيدي السفاحين إلا وساما لك ولإخوانك في الجهاد الذي يلاقون معك شتى أنواع العذاب في سجون السلاطين العفنة.
وإذا كانت بطولات العمانيين مفخرة من مفاخر العصر الحديث، فهنالك نوع جديد من البطولات ظهرت في عمان وإذا كان المجال يضيق بنا، لتعداد هذه البطولات الخارقة على هذه الصفحات القليلة فإن الواجب يقضي بأن نشير إلى البطل النزواني سليمان ابن سيف السيفي قائد المدفعية الخفيفة المضادة للطائرات هذا الشاب لا يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره والذي أظهر من البطولات الخارقة ما عجز عنها الكثيرون، فقد تمكن بمفرده من اسقاط عدد من الطائرات الحربية التي تلعب دورا رئيسيا في معركة الكفاح.
حيا الله بطولتك وأبقاك ذخرا لهذا الوطن.
الشهيد العماني البطل سعيد العامري:
ولد الشهيد العامري البطل في المنطقة الشرقية من عمان العربية.
واستشهد في إحدى المعارك الحربية التي وقعت بين المستعمرين وبين الثائرين. إليك أيها الشهيد الفاتحة منا ومن إخوتك في الجهاد، وبارك الله جهادك، ولأمتك النصر الذي كنت تتمناه.
إن الشعب العربي في عمان يذكرك وأنت في لحدك، وإخوانك في الجهاد يرفعون التحية الطيبة إلى روحك التي تنير لهم الطريق، لقد تألموا لفراقك ولكنك كنت المثل الأعلى في التضحية لكل شاب يعيش على الأرض العربية.
ان أعمالك البطولية التي قمت بها في حياتك ستظل مضرب الأمثال، وإن ربى عمان والجبل الأخضر يعيشان على ذكراك الخالدة، التي سجلت فيها أروع الإنتصارات، وحولت خلالها الهزيمة إلى نصر وكبدت الأعداء أجسم الخسائر.
إنّ روحك الطاهرة ترف فوق المجاهدين فتبعث فيهم الحياة والثورة من جديد، تغمدك الله برحمته، وأسكنك فسيح جناته، والخلود لأمتك العربية ولشعبك المناضل والموت والعار للمستعمرين أعداء الحريات. (1/176)
صفحة 177
وأخيرا إلى جميع الأبطال شهداء وأحياء ومسجونين تحية إجلال وإكبار .... فإلى الشهداء الذين سقطوا في ساحة المعركة الرحمة والغفران.
ولا يسعنا إلا أن نقف أمام هؤلاء الذين دفعوا بدمائهم ضريبة الدم وكتبت أسماؤهم في سجل الشرف، سجل العزة والكرامة، نقف إجلالا خاشعين حدادا على أرواحهم الطاهرة ونعدهم بأن نحذوا حذوهم من التضحية والشهادة:
إلى الشهيد محمد بن خلفان الهدابي،،،، من أعيان بلدة فنجاء.
إلى الشهيد محمد بن سلطان المشايخي،،،، من بلدة المشايخ جعلان.
إلى الشهيد حابس بن محمد الحارثي،،،، من بلدة إبرا - المنطقة الشرقية.
إلى الشهيد سعيد العامري الملقب زوزو،،،، من المنطقة الشرقية.
إلى الشهيد محمد بن أحمد الهنائي،،،، من بلدة الغافات.
إلى شهداء عمان الأبرار من بني بو حسن، وبني ريام، وهمدان ورواحه وهدادبه والصواويع والحجريين إلى هؤلاء الشهداء جميعا المجد والخلود لكم ولأمتكم على مر الزمن.
وأنتم يا من تعانون الهول والعذاب في سجون الإستعمار .... يا من كتبتم بآلامكم وثيقة الحرية والإستقلال ... لكم منا ومن إخوانكم في عمان الحبيبة أن نظل على العهد سائرين على هديكم يا طليعة النضال والكفاح ....
فإلى البطل السجين الشيخ المفتي محمد بن سالم الرقيشي
" ... " إبراهيم بن محمد بن سالم الرقيشي
" ... " إبراهيم بن عيسى الحارثي
" السجين سلطان بن سليمان النبهاني
" ... " محمود بن زاهر الهنائي
" ... " سعيد بن سيف الرحبي
" ... " حمود بن عامر الرواحي
" ... " علي بن عامر الرواحي
" ... " أحمد بن عبدالله بن هلال الهنائي (1/177)
صفحة 178
إلى أبطالنا من بني هناة، وريام، وهدادبه، وهمدان.
إلى هؤلاء جميعا نقدم إكبارنا وإعجابنا ببسالتهم وإستماتتهم في سبيل تحقيق النصر وطرد الإستعمار وأعوانه وتطهير عمان من رجس الأجنبي الدخيل.
وإلى جميع أبطالنا السجناء نطمئنكم بأن يوم النصر قريب وأنكم لابد خارجون من السجن الرهيب لتشاركوا في أعياد النصر والتحرر الذي كنتم أول من أدى ثمنه سخاء وعن طيب خاطر.
إن جبهة التحرير العمانية تقدم إعترافها بأعمال أبطالنا الخارقة وتحيي فيهم روح الإخلاص والإيمان بحق الشعب في الحرية والإستقلال.
إلى البطل سعيد بن سليمان التوبي الريامي
" ... " سالم بن عبدالله الحارثي
" ... " سليمان بن سيف السيفي
" ... " عزيز بن سيف الرحبي
" ... " حمد بن عزيز الرحبي
" ... " أحمد بن ناصر الحارثي
" ... " خليفة بن محمد الحارثي
" ... " سالم بن مسلم الحارثي.
*** (1/178)
صفحة 179
أقوال:
" إنني وشعبي على عهدنا وإيماننا بحقنا، وسنسلك للوصول إليه كل سبيل ولو أدى ذلك إلى فنائنا جميعا ".
" الإمام غالب بن علي "
" إن الرجوع بالقضية إلى الأمم المتحدة أسلوب عادي وعادل وسلمي، وليس هناك من معنى لسحب الشكوى من منظمة أنشئت لدعم الحلول السلمية للمنازعات الدولية ".
" الإمام غالب بن علي "
" سيظل العمانيون شاكي السلاح، يدافعون عن بلادهم ليل نهار، دون كلل أو ملل، حتى يجلو آخر جندي معتد عن الوطن العماني ... مهما كلف الثمن ".
" الشيخ طالب بن علي "
" لن نتراجع ولن نيأس ولن نكون إلا في خط النار دائما وأبدا وجها إلى وجه أمام العدو الدخيل نلقنه درسا في البطولة والتضحية والفداء ".
" الشيخ سليمان بن حمير "
" إن الشعب العماني يحارب ببسالة في سبيل الظفر بإستقلاله وحريته من الحكم الإستعماري، ونحن واثقون من أنه سينتصر في كفاحه، وكذلك أن جميع شعوب العالم التي نالت إستقلالها حديثا ستساعده في قضيته العادلة. وعلى هذه المنظمة في هذه المناسبة وكما فعلت في مناسبات أخرى أن تظهر التأثير المعنوي الذي تتمتع به قراراتها في العالم وخاصة في المسائل المتعلقة بالإستعمار " ". هاشم جواد "
" إن الهجوم البريطاني المسلح على عمان يتنافى مع المبادئ الإنسانية التي تبنتها هيئة الأمم المتحدة، ومع مؤتمر باندونغ ".
" عبدالخالق حسونة "
" إني أود أن أؤكد للجمعية الموقرة ولوفد المملكة المتحدة بأن عمان أقدم من كثير من الدول الممثلة في هذه المنظمة بما فيها مؤسسوها القدامى، وإني أعتقد أنه ليس مما يخالف العرف أن أقول أن عمان كدولة ذات سيادة أقدم من المملكة المتحدة نفسها ... فعندما أنتخب الإمام الأول (الجلندى بن مسعود) من قبل الشعب العماني في أواسط القرن الثامن لم يكن للإنكليز كدولة وجود على الإطلاق ".
" أحمد الشقيري " (1/179)
صفحة 180
" إن الحملة البرطانية المسقطية الأخيرة لم تقض على ثورة عمان التي إستمرت حتى الوقت الحاضر ... بل زادت الثورة عنفا وتحولت العمليات العسكرية إلى نوع من حرب الغوريلا على غرار العمليات العسكرية السابقة في قبرص ".
" الدكتور محمود علي الداؤود "
" ... ومضت بريطانيا في أعمالها العدائية، وأحلام الزيت تلهب حواسها .. ولكن ثورة الشعب العماني مضت في طريقها متحدية الحديد والنار ".
" خيري حماد "
" المبادئ الثابتة في القوانين الدولية أن لا يجوز لأية دولة أجنبية أن تتدخل في شؤون دولة أخرى حتى ولو تم مثل هذا التدخل بناء على طلب من حكومة تحاول أن تخمد ثورة شعبية أو تمردا مسلحا أو تنفيذا لمعاهدة قائمة تجيز مثل هذا التدخل ".
" السير هارتلي شوكرس "
" إنني لم أكن مقتنعا كل الإقتناع عن الشرعية التامة لعملنا ... فقد كان حق السلطان في إقصاء الإمام موضوع نزاع ... ولا يمكن إطلاقا الإدعاء بأن موقف الجيش البريطاني من هذه المسألة كان موقفا بريئا كبراءة الأطفال أو بهذه البساطة .. ".
" المؤلف الإنكليزي جيمس موريس "
" إن الإمام غالب لا يمانع في الوصول إلى حل سلمي بالمفاوضات، إذا ما أظهر البريطانيون أنهم مخلصون في رغبتهم في التفاوض معه ".
" صحيفة النيويورك تايمز " 13 آب 1959 م
" من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء الظن به ".
" علي بن أبي طالب "
" بعض الناس كالسلم يصعد عليه الصاعدون، وينزل عليه النازلون، أما هم فلا يصعدون ولا ينزلون " ". نعيمة "
الضمير أو الحس الأخلاقي هو أظهر فاصل بين الإنسان والحيوان.
" إن قضية عمان لم تعد مشكلة تهم العرب وحدهم بل تهم الإنسانية كلها، بسبب أعمال القتل والتدمير التي تحدث هناك ... ". ". داغ همرشولد "
" إن الهجوم البريطاني المسلح على عمان يتنافى مع المبادئ الإنسانية التي تبنتها هيئة الأمم المتحدة ومع مؤتمر باندونغ ".
"عبدالخالق حسونة " (1/180)
صفحة 181
عُمان ....... في الصحف العربية والأجنبية ووكالات الأنباء العالمية:
لا تزال قضية عمان والبلاد العربية تحتل الصدارة في الصحف العربية والأجنبية ووكالات الأنباء العالمية.
هذه وقد نشرت وكالة " نوفوستي " مقالا عن غضبة الشعب العربي في البحرين وقصف الطائرات الإنكليزية من هذه القواعد العسكرية لقرى عمان جاء فيه:
لهيب النضال المشتعل في البحرين وعمان:
حيث يوجد النفط يوجد خطر الإنفجار. إن المستعمرين الإنكليز الذين يعرفون ذلك، قد وقفوا على قدم الإستعداد بناء على طلب زملائهم الأمريكيين لإرسال حملة عسكرية لكي يتمكنوا إذا اقتضت الضرورة من إطفاء الحريق بسرعة.
ومع ذلك فقد حدث الإنفجار، إنفجار الغب الشعبي، لقد حدث الإنفجار في البحرين، في بلد كان المستعمرون الإنكليز يعتبرونه خلال الأعوام العشرة الأخيرة غير قادر على القيام بعمل سياسي.
ومنذ عام 1956 م الفترة التي سحقت فيها المظاهرات العمانية، لا تزال الأحكام العرفية نافذة المفعول، وكان يقوم بمظاهرة أو إضراب ما، معرض للسجن.
يوم عمل يتألف من 12 ساعة، وتمييز ضد السكان المحليين، هذا هو وضع شغيلة البحرين. وحين أعلن عمال " شركة نفط البحرين " الأمريكية الإضراب في منتصف آذار للإحتجاج ضد تسريح رفاقهم، إستخدم رجال الشرطة الغاز، وخراطيم المياه، والأسلحة، لكنهم لم يحطموا إرادة الشعب.
وقد نصب العمال الحواجز في شوارع المنامة والمدن الأخرى ودمروا عدة مستودعات للذخائر، وسيارات كبيرة لنقل الجنود المكلفين بسحقهم. وأسقطوا طائرة كانت تعمل على تشتيت المظاهرة.
وقد أضيفت إلى المطالب السابقة، أي إعادة العمال المسرحين مطالب سياسية و السماح بإنشاء النقابات ومح حقوق إجتماعية وحقوق ديمقراطية والإفراج عن السجناء السياسيين، لتسقط القواعد الإنكليزية، هكذا يتحول النضال في سبيل الحقوق الإقتصادية إلى نضال سياسي.
إن مظاهرات شغيلة البحرين قد أثارت قلقا جديا في لندن وواشنطن، ولكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ إن المحمية الإنكليزية الصغيرة في البحرين الواقعة في جزر الخليج من "مركز حساس " للسياسة الإستعمارية الإنكليزية في الشرق العربي (1/181)
صفحة 182
وهنا توجد مقر المفوض الإنكليزي المسؤول في كل منطقة الخليج. وقد أقيمت في الجزيرة ثلاث قواعد عسكرية إنجليزية جوية وبرية وبحرية. والشيء الأساسي هو أن البحرين هي ملك لملوك النفط الأمريكيين الذين يمثلون هناك شركة نفط البحرين.
إن القواعد العسكرية والقوات الإنكليزية في المنامة، موجهة للدفاع عن مصالح إحتكارات النفطة الأمريكية في جزر البحرين، هنا إنطلقا من القاعدة الجوية، تحلق الطائرات الإنكليزية لقصف قرى عمان التي يواصل شعبها منذ سنوات طويلة، حرب التحرر الوطني ضد المستعمرين الإنكليز ... إن القواعد العسكرية في البحرين هي سيف مسلط فوق رؤوس البلدان المجاورة التي تمارس سياسة لا تعجب ملوك الإحتكار النفطية.
وقد بدأت جماعات مسلحة من الأنصار، عملها في البحرين، ولهذا السبب، فإن الصحافة الإنكليزية تخشى أن تصبح البحرين " عدن ثانية " ... جنوبا عربيا ثانيا حيث يواصل الجيش الإنكليزي نضالا دون نجاح ضد أنصار جبهة التحرير الوطني، وقد أرعب المستعمرين أيضا الإجماع الذي أيدت به شعوب البلدان العربية نضال الشقيقة البحرين.
ألمانيا الديمقراطية ضد الإستعمار والعنصرية والإستعمار الجديد:
كما نشرت جريدة " الثورة " السورية مقالا في عددها 429 الصادر بتاريخ 7 تشرين أول 1964 م بقلم يوحنا كونيك نائب وزير الخارجية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية ننشر منه بعض المقاطع الهامة التي تتعلق بالبلاد العربية حيث قال الكاتب:
" تولي ألمانيا الديمقراطية العناية بجهود الدول المستقلة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لنضالها بغية توطيد أركان السلم وتنفيذ التعايش السلمي بين الدول المختلفة والأنظمة الإجتماعية وكذلك تدعم هذه الدول بما لديها من إمكانيات لتوطيد إقتصادها في بناء مصالح حديثة. وتقوم علاقات تجارية واسعة بين ألمانيا الديمقراطية وهذه الدول أخذة بعين الإعتبار التكافؤ في المعاملة وتبادل المنافع.
وتنتهج ألمانيا الديمقراطية طريق المبادئ الإنسانية في سياستها وتقف موقفا معاديا وحاسما ضد الإستعمار والعنصرية والإستعمار الجديد وتندد بشدة بالقوى الإستعمارية الأمريكية الرجعية المتعطشة للحرب والراغبة في القيام بالإعتداءات والإستفزازية والمغامرات العسكرية ضد جمهورية فيتنام الجنوبية وتشجب أيضا سياسة التدخل الإستعمارية في الكونغو ولاوس وقبرص وفي الجنوب العربي وفي كل مكان.
وستبذل كل ما في وسعها لدعم الوطنيين في أنغولا وموزامبيق وغينيا البرتغالية وجنوب إفريقيا وروديسيا الجنوبية وغانا ضد التسلط الإستعماري.
وقد أعرب فالتر أولبريشت رئيس مجلس الدولة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية في برقيته إلى مؤتمر القمة العربي الثاني عن موقف جمهورية ألمانيا الديمقراطية إزاء القضايا الحيوية العربية ما يلي: (1/182)
صفحة 183
تعتبر حكومة وشعب جمهورية ألمانيا الديموقراطية حل المسألة الفلسطينية، على أساس قرارات الأمم المتحدة إلزامية وتقف إلى جانب جميع الشعوب العربية في النضال ضد المحاولات الإستعمارية لإستخدام المسألة الفلسطينية لزيادة حدة التوتر في الشرق الأدنى، فالجهود التي بذلتها الدول العربية لمنع إستغلال إسرائيل لمياه نهر الأردن لوحدها. وبذلك حماية مصالحها الوطنية تصادف التفهم والتأييد والتأمين من قبلنا.
هذا وكان قد قام وفد برلماني لجمهورية ألمانيا الديموقراطية بزيارة الجمهورية العربية السورية في صيف عام 1964 م وسأله مندوب مكتب " سلسلة البحوث العربية " للصحافة والنشر عن موقف الشعب الألماني من الحركات التحررية في عمان والخليج العربي فأجاب أحد أعضاء الوفد بالكلمة التالية:
" إن وفد مجلس الشعب المؤلف من ممثلين عن خمسة أحزاب في جمهورية ألمانيا الديموقراطية يعلنون موقف الحكومة من الكفاح التحرري للشعب العربي وتأييدهم المطلق ضد الإستعمار سواء أكان في الخليج العربي أو غيره.
وإن عمان التي تعاني القساوة من الإستعمار تؤيدها في حق تقرير المصير والإستقلال الذاتي.
وترجو الجمهورية الألمانية الديموقراطية لشعب عمان الباسل النجاح في كفاحه البطولي ". (1/183)
صفحة 184
الخاتمة:
لقد تطاول شعبنا العربي في عمان فوق الهزيمة والجراح ليبدو على حقيقته طودا لا يتزعزع وعملاقا لا تنال منه الدسائس والنكبات وهو إذ يقف اليوم في الساحة وحيدا يقارع الجيوش الغزو ويرد ضرباتها بترفع وشمم فإنما يستوحي في ذلك الصلابة النضالية التي أتسم بها الأجداد منذ فجر التاريخ.
وهكذا يدلل شعب عمان على أنه خير وارث ومجسد لمجد العرب وتقاليد العرب في البطولة والفداء.
لقد كان يتوجب على بريطانيا أن تعي ذلك كله وهي الدولة التي تحفل مجلداتها بالعديد من الذكريات القاسية والتجارب الأقسى في كثير من أقطار العالم وفي عالمنا العربي بوجه خاص.
غير أن الجشع وغريزة العدوان قد غلبت فيما يبدو على الذهنية البريطانية فأفقدتها رهافة الحس وواقعية التفكير وستؤدي بها لا محالة إلى الإفلاس انسانيا بعد أن أفلست سياسيا. إن الإيمان بالثورة ليعمر القلوب - كل القلوب - في عمان وليست أنباء الهجمات الباسلة في ظفار وإزكي وجميع أنحاء عمان شرقها وغربها إلا تأكيدا إيجابيا قاطعا على عمق هذه الثورة وحيويتها.
إن الغارات وأعمال التخريب والنسف قد تسارعت بشكل ملحوظ وما ذلك إلا لأن شعبنا يرى في العنت الصيغة التعبيرية المثلى للنقمة والكراهية.
إن ثورتنا العارمة لابد أن تجرف أمامها الغزاة وزبانيتهم وذلك أمر محتوم حتمية القوانين الطبيعية وما علينا سوى أن نحث الخطى في طريق الصمود والتضحية لتقودنا إلى النهاية الطبيعية التي طال إنتظارنا لها.
إننا نملك المستقبل ونحن نثق بهذا المستقبل ونراه كل يوم عبر الظواهر والحوادث التي تترى على مسرح النضال في عمان.
إننا لنؤمن بهذا المستقبل إيماننا بالله والوطن وكرامة الإنسان. وبوحي إيماننا هذا سيقدم شعبنا العربي في عمان بكل رضى وبكل فدائية ذواته ما يملك قربانا لهذا المستقبل المنشود.
إننا نؤمن بالمستقبل قدرا مرسوما محتوما ينبغي أن نعبر الطريق إليه في بحر من الدماء والآلام ثم التضحيات.
تم بحمد الله
تلك آثارنا تدل علينا::: فأنظروا بعدنا إلى الآثار
تم الإنتهاء من طباعة كتاب (عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة) في ليلة يوم الأحد بتاريخ 11 ربيع الثاني عام 1433 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وسلام الموافق 4 من مارس عام 2012 ميلادي ندعو من الله أن ينفع به المسلمين وأن يغفر لطابعه ومن أعان على نشره. (1/184)