صفحة 1
الكتاب: عُمَان تاريخًا وعُلَمَاء
المؤلف: «مصادر أجنبية مختلفة»
المترجم: محمد أمين عبد الله
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
الطبعة: الثانية
تاريخ النشر: أغسطس 1980
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
عُمَان تاريخًا وعُلَمَاء
ترجمة
محمد أمين عبد الله
الطبعة الثانية
أغسطس 1980 (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
تقديم
لمعالي السيد فيصل بن على آل سعيد
وزير التراث القومي والثقافة
لقد كان، ولا يزال؛ للشعب العماني في مكانه الجغرافي، وفي منزلته التاريخية، حياة طويلة وعريضة، عاشها في أضواء باهرة من النشاطات التي خط بها العمانيون حياتهم في شتي بقاع الأرض التي حلوا فيها، أو في تلك التي عرفوها أثناء رحلاتهم البرية والبحرية، أو المذهبية والفكرية.
وقد نال تاريخ الشعب العماني اهتماما متزايدا من المؤرخين على اختلاف أجناسهم وأهوائهم ولغاتهم، عمانيين، أو عربا، أو أوربيين، أو هنود أو صينيين، وعلي شتات أزمانهم، قدامي ومحدثين.
وكان لابد أن تعمد وزارة التراث القومي والثقافة إلى هذه المؤلفات، فتختار منها ما يستأهل النشر، موجزاً كان أو مبسوطا، تطبعه وتنشره، حتى يجد الباحثون أمامهم مختلف المراجع التي تفيدهم في دراساتهم التي يستهدفون منها الكشف عن حقائق شعب عمان الأصيل، وعن دوره التاريخي الذي أسهم به في مجال الحضارة (1/3)
صفحة 4
الإنسانية، وليجد النشء العماني تاريخ آبائه وأجداده مبسوطا أمام ناظريه، قبسا من نور يهتدي به في مسرته الحضارية الحديثة.
وإنه ليسعدني أن تقدم الوزارة في سلسلة «تراثنا» الشهرية هذا الجزء الذي يضم بين دفتيه كتيبين صغيرين في الحجم، وكبيرين في معني الإفادة والمعرفة.
وأسأل الله نعالي، أن يوفقنا جميعا لما فيه خيرنا، وأن يبارك لنا في خطواتنا، مؤيدين راعينا، السلطان المعظم، قابوس بن سعيد
فيصل بن على آل سعيد
وزير التراث القومي والثقافة (1/4)
صفحة 5
القِسِم الأول
موجز تاريخ عمان
«من مصادر أجنبية مختلفة»
تحتل عمان أقصي الزاوية الشرقية من شبه الجزيرة العربية، ويفصلها عنها قطاعات كبيرة من الأراضي الصحراوية غير المأهولة، وإلي جانب هذا يحدها البحر من الأطراف الأخرى، بحيث تبدو وكأنها معزولة، وعلي الرغم من عدم إمكان الوصول إلى بعض أجزاء عمان من البحر، فإن سلاسل جبالها التي ترتفع شامخة، ويبلغ ارتفاعها في منطقة الجبل الأخضر نحو عشرة آلاف قدم، قد ساعدت على أن يحافظ العمانيون على تقاليدهم القومية، لتعتذر الوصول من بعض أجزاء البلاد إلى بعضها الآخر، وإن حجم العزلة التي فرضتها الطبيعة على عمان من خلال الوديان العميقة التي تشطرها كل هذا قد ساعد على عزلتها، وعلي وجود تلك الاختلافات القائمة في الأصول القبلية.
وتذكر الروايات أنه خلال القرون الأولي الستة للميلاد استوطن أرض عمان قبيلتان عربيتان، هما قبيلة اليمن، وقد نزحت إليها من جنوب غرب الجزيره العربية، وقبيلة نزار التي نزحت عن (1/5)
صفحة 6
طريق نجد، وقد حلت القبيلتان محل الفرس الذين كانوا المسيطرين على البلاد.
وفي عام 570 بعد الميلاد اجتاح الفرس عمان مرة أخرى. وعلي أية حال فقد استمر ملوك الجلندى يسيطرون على الجزء الداخلي دون دفع أي جزية للفرس الذين اكتفوا بالسيطرة على المنطقة الساحلية من البلاد، وكان لهم نائب إمبراطور في مدينة صحار.
وقبل وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه، طلب العمانيون الدخول في الإسلام وقد ساعد ذلك على الثورة ضد الفرس وطردهم من عمان.
وفي أيام الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه وكان الخليفة الرابع للمسلمين وقعت أحداث أدت إلى انفصال بعض أنصاره عليه، وتمسكوا بوجهة نظرهم حول مفهوم الخلافة، والذي يقوم على اختيار الخليفة على أساس الكفاءة والسلوك، وخلعه في حالة انحرافه عن ذلك المبدأ. ولقد لقيت دعوتهم استجابة واسعة في عمان، حيث كان الإباضيون قد استقروا فيها وأسسوا دولتهم الإسلامية على ذلك النمط.
على أثر قيام الخلافة العباسية في بغداد عام 750 م قام (1/6)
صفحة 7
العمانيون بثورة، غير أن الحملة التي أرسلت من العراق عام 752 م تمكنت من قمع تلك الثورة، ولكن في عام 791 م تمكن إباضيو عمان من استعادة مركزهم، وانتخبوا إماما منهم، في مدينة نزوي.
وفي نهاية القرن التاسع الميلادي وبعد أن تعرضوا لحملات متتالية من جانب الخلفاء، فشلت كلها في إخماد جذوة العقيدة الإباضية، استطاع العمانيون الحفاظ على استقلالهم مقابل دفعهم الزكاة السنوية للخلفاء
ولا توجد معلومات دقيقة عن الصلاحيات العلمانية للأئمة الإباضية خلال عهودهم الأولي. وهناك من ارتأى بأن الإمامة في عمان قد اكتسبت سلطتها من خلال نضالها الطويل إبتداء من من القرن التاسع فصاعداً، لكي تحافظ على كياها كوحدة مستقلة.
وبحلول القرن الحادي عشر أخذ الإمام يمارس السلطة الروحية والزمنية معا، وكان يتم تعيينه بالانتخاب من جانب كبار زعماء البلاد واتباعهم، وفي حالة انحراف الإمام أو فقده للشعبية فإنه يعزل، ولقد مضت فترة طويلة كان يتم انتخاب الأئمة فيها من بين القبائل ذات الأصل اليمني.
وخلال القرنين العاشر والثالث عشر الميلادي استهدفت عمان لسلسة (1/7)
صفحة 8
من الاعتداءات الخارجية من القرامطة، ثم الخلفاء، والفرس (الذين تمكنوا من الوصول إلى منطقة الجبل الأخضر) ثم الكدمانين والسلاحقة والغزنويين والمغول، أما في القرن الخامس عشر فإن الوضع على ما يبدو، أن الملوك النباهنيين كانوا يحكمون المنطقة الشمالية، بينما كان الأئمة يحكمون قلب عمان، أي المنطقة التي تحيط بنزوي، أما الفرس فقد كانوا يسيطرون على المنطقة الساحلية
وشهد القرن الثاني عشر وصول البرتغاليين إلى عمان، وكانوا قد سيطروا في مراحل متفاوتة على الكثير من المناطق الساحلية بما في ذلك مسقط (التي بنوا فيها قلعتي الحلالي عام 1586 والميراني 1588) وفي كل من قلهات وخور فكان وصحار سنه 1617.
ومن خلال الحروب الأهلية التي اندلعت في عمان أخذ نجم النباهنة في الأفول، فانتخب ناصر بن مرشد من اليعاربة إماما في الرستاق، التي أصبحت على ما يبدو عاصمة حكم اليعاربة. وبعد أن استتب لهذه الفئة الأمر داخل البلاد أعلنو الحرب على البرتغاليين وتمكنوا من الانتصار عليهم.
وبعد سقوط هرمز في أيدي البريطانيين والفرس عام 1632 قام البرتغاليون بدعم وسائل الدفاع عن عمان، فأنشأوا أسواراً (1/8)
صفحة 9
حول مسقط، وحفروا الحنادق كما بنوا رصيفا للسفن تحت قلعة الميراني، كما أنشأوا عددا من الأبراج للسيطرة على مداخل البلاد.
وفي العام 1650، أي بعد انقضاء عام على وفاة الإمام ناصر بن مرشد، طرد البرتغاليون نهائيا من عمان بفضل الحملة التي قادها سلطان بن سيف ابن عم الإمام ناصر بن مرشد والذي خلفه في الحكم.
ولقد وضع هذا الإمام الخطط الكفيلة بتطوير ودعم قوة عمان البحرية لحماية سواحلها وتجارتها البحرية ضد القرصنة البرتغالية، وأضاف إلى الأسطول التجاري العماني عدداً ملحوظاً من السفن، كما كان يشترك بنفسه. في الأعمال التجارية مقدما المثل لمن جاء بعده من الأئمة، الأمر الذي انتقده البعض من الوجهة الدستورية
وفي عصره تم وضع خطط عديدة لحملات بحرية تهدف إلى مطاردة البرتغالين ولتصفية تدخلاتهم حتى المياه الإقليمية الهندية وإفريقية الشرقية، الأمر الذي هيأ الفرصة لحكام عمان للاستيلاء على ممباسة، أما في داخل عمان فقد بنيت تلك القلعة المستديرة في نزوي، واستغرق بناؤها اثني عشر عاما. (1/9)
صفحة 10
وفي أعقاب وفاة سلطان بن سيف عام 1676 استؤنف القتال ضد البرتغاليين بقيادة نجل الإمام الراحل، وخلفه، الإمام بلعرب بن سلطان، فقد شن اليعاربة سلسلة من الحملات على المستعمرات البرتغالية في الهند. والإمام بلعرب هو الذي بني حصن جبرين، وافتتح مدرسة لتدريس علوم الفقه واللغة في نزوي.
وفي أعقاب نشوب الحرب الأهلية عام 1692 توفي الإمام بلعرب منتحرا.
وانتخب مكانه خصمه وأخوه سيف الذي استمر حكمه حتى عام 1711 وهو العام توفي في الرستاق.
وفي عهد هذا الإمام بلغت قوة عمان البحرية ذروتها، وقد اتسم عهده بحروب متواصلة ضد البرتغاليين، وضد القرصنة البحرية في المنطقة، نظرا للهدوء السياسي الذي ساد البلاد بسبب التحول الذي طرأ على ساسة المغامرة والنزعة إلى الحروب والتجارة مع الخارج.
وقد بني قسم كبير من أسطول الإمام سيف على الطراز الغربي، كما تم استخدام بعض الربابنة البريطانيين في سفن أسطوله. وإلى (1/10)
صفحة 11
هذا اليوم بعزي الفضل في إدخال زراعة النخيل بشكل واسع في عمان إلى هذا الإمام.
وقد تمت عمليات ناجحة في عهده ضد السواحل الفارسية والهندية.
ففي عام 1616 ــ 1698 م خرجت من عمان حملة بحرية إلى شرقي إفريقية، ونجحت الحملة في إخضاع كل من ممباسة وزنجبار، وبمبا، وباتا، وكلوا. غير أن السلطة العمانية لم تترسخ إلا في الأولي. وفي بداية القرن الثامن عشر كان أسطول عمان يعد من القوي البارزة في منطقة المحيط الهندي.
وبعد وفاة الإمام سيف تولي الحكم أكبر أنجاله سلطان، الذي قام بنقل العاصمة إلى الحزم، حيث شيد قلعة بتكاليف باهظة، واعتبرت القلعة الثانية بعد قلعة نزوي. وقد واصل سلطان حروبه ضد الفرس والبرتغال الذين كانوا قد وحدوا قواهم لإبادة الأسطول العماني، وذلك قبل وفاة سلطان عام 1719 م، وكان نجله سيف لا يزال يومئذ في الثانية عشر من العمر، وقد نتج عن ذلك نزاع حول خليفة الإمام سلطان.
وتم انتخاب سلطان الثاني إماما، غير أن أحد اقاربه، وهو ممنا، تمكن من خلعه، ثم جاء يعرب فخلع الإمام الثاني، وكان يعرب قد تولي السلطة كوصي في البداية، ثم انتخب (1/11)
صفحة 12
إماما فيما بعد، بتأييد جامع من بني ريام، غير أن هذا الإمام أرغم هو الآخرر على التنازل لصالح يعربي آخر، هو بلعرب ابن ناصر المؤيد بن بني هناه، ثم أعيد انتخاب سيف مرة أخرى كإمام في كل من نزوي والرستاق وأسندت الوصاية.
وعلي أية حال فقد أندلعت الحرب الأهلية في هذه الأثناء مرة أخرى بسبب خلاف ثار بين بلعرب وبين زعيم الغافرية، محمد بن ناصر، فقد تزعم الأخير اتحادا قبليا من القبائل الشمالية (بني غافر، والنعيم، وبني قتب، والقواسم، ويال كعب) وكانوا معارضين لبلعرب، الذي اعتقل وأودع السجن ومعه مجموعة من قبائل بني هناه، والمعاول، والعوامر، ويال و هيبه، والحرث، والحبوس.
وفي عام 1724 انتخب محمد إمام، غير أن الحروب بين تلك القوي استمرت أربع سنوات أخرى، حتى قتل محمد وخصمه الهناوي خلف بن مباوك، الملقب بالقصير، وذلك خلال معركة في صحار.
ومن ثنايا الحروب الأهلية التي خاضتها القبيلتان تحت زعامة كل من الهناوية والغافرية اشتقت أسماء الطوائف القبلية التي تتألف (1/12)
صفحة 13
منها القبائل العمانية. ويري البعض أن ذلك الإنقسام كان لمصلحة القبائل.
فقد كان القسم الهناوي منها ينتمي إلى القبائل المنتمية للمذهب الإباضي، بينما كان النزاريون يستمدون تأييدهم القبلي من القبائل النزارية من أتباع المذهب السني إلى حد كبير. وأيا كانت أصول أو انتماءات القبيلتين الرئيسيتين فإن ذلك الرأي لا يفيد منه كثيرا في الزمن الحاضر، فلقد تنازلت القبائل عن انتماءاتها أكثر من مرة، والجزء الأكبر من هذا التنازل قد تم في أوساط بني نزار من الغافرية الذين أصبحوا يلقبون أنفسهم بالهناوية، وفي الوقت نفسه ظل الغافرية حتى وقت قريب، يخضعون في زعماتهم لشيخ من بني ريام، الذي يرجع سلالته إلى ا×لأصل اليمني.
وفي عام 1728 م بعد وفاة محمد بن ناصر أعيد انتخاب سيف أمام، كما انتخب ابن أخيه بلعرب بن حمير أماما على منطقة الظاهرة، ولما كان سيف يتخذ من مسقط مركزاً له فقد استطاع السيطرة على الأسطول مستمدا التأييد من الشرقية، ومن الباطنة ومن بني هناه، بينما كان بلعرب يسيطر على الجزء الأكبر من المنطقة الداخلية بتأييد من النزاريين.
وفي عام 1736 م بعث الإمام سيف وفدا إلى مكران لتجنيد (1/13)
صفحة 14
بعض سكانها للاستعانة بهم في شن حملة ضد بلعرب بالتعاون مع عرب الساحل، غير أن الحملة منيت بالهزيمة.
وفي عام 1737 زلت القوات الفارسية في عمان، وتعاونت مع الإمام سيف، ثم عاد سيف بتأييد الفارسيين عام 1742 ضد منافس آخر، وقد تحردت القوة الفارسية واحتلت مسقط.
في عام 1743 توفي الإمام سيف وخلفه أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي كان قد عينه الإمام سيف حاكما على صحار، ونجح هذا القائد في طرد الفرس من عمان، وكنتيجة لهذا العمل انتخب أحمد في عام 1744 م إمام على عمان، وأعقب ذلك لشوب صراع مسلح ضد بلعرب بن حمير، الذي وضعت هزيمته في عام 1749 نهاية لحكم اليعاربة.
وتعتبر المرحلة اليعربية في التاريخ العماني نقطة بارزة من حيث درجة التطور الذي مرت به المصالح العمانية، فعاصمة الحكم التي ظلت في عهود الأئمة السابقين في مناطق داخلية بعدة كنزوي، وبهلا، وأزكي، انتقلت إلى الرستاق، وهي منطقة استراتيجية، تتيح السيطرة على الشئون الداخلية البلاد، كما أن للرستاق مزية أخرى، وهي قربها من الساحل العماني، مما يسهل الإشراف على التوسع الملاحي للبلاد. وتبعا لذلك فقد ساهم وجود اليعاربة فى (1/14)
صفحة 15
الحكم على عمان في تسهيل عمليات الاستفادة من العوامل الجوية في تسيير الرحلات التجارية بشكل أنجح، من وإلي إفريقية الشرقية والهند
بيد أن إقصاء البرتغاليين من قواعدهم في السواحل العمانية للوقوف في وجه البرتغال قد أتاح الفرصة لتكثيف النشاط التجاري العماني؛ ومضاعفة الرحلات الملاحية، الأمر الذي أدي إلى تحقيق قدر كبير من الازدهار والرخاء القومي، وفي ظل هذه الاوضاع فإن الإمكانيات القبلية وروح المشروعات التجارية التي كانت تستغرق البلاد من خلال الحروب والصراعات الداخلية التي فرضتها طبيعة البلاد، تحولت إلى قنوات أخرى أكثر جدوي وفائدة لعمان؛ كذلك فقد شهد حكم اليعاربة تحسنا في أوضاع البلاد كنتيجة لضعف احتمالات قيام صراعات داخلية على الامام.
وعلي أي حال فنظرا للمضمون الديني للإمامة، فإن تولي الإمام ناصر للسلطة كان ولا بد أن يثير الخلاف بين المطالبين بها، نظر لأن الإمامة كانت السبب الرئيسي للخلافات التي كانت تطر؟ أ من حين إلى آخر، وأدت في النهاية إلى نهاية حكم اليعاربة
وبعد تولي أحمد بن سعيد الحكم حاول أن يسير في نفس الخط السياسي فيما يتعلق بتطوير الأسطول العماني، غير أن التركيز فى (1/15)
صفحة 16
عهده أنصب على الملاحة التجارية، وفي عام 1750 أرسل العمانيون سفنا إلى ممباسة، وكلوا، وزنجبار، وعينوا ولاة وحكاما على تلك المناطق، وكانت المحاصيل العمانية من البلح وغيره تصدر إلى القارة الإفريقية مقابل سلع كثيرة، كالعاج، والأخشاب كما كانت ثم مقايضة البلح بالسكر، والبن، والسمك المقدد مع مورشيوس، وقد جهزت حملة ناجحة ضد قراصنة مالبار الذين كانوا يعتدون على السفن القادمة من الهند.
وفي عام 1775 تعاون الأسطول العماني مع الأتراك ضد الفرس.
وقد تعرض الإمام أحمد بن سعيد إلى عدد من المشكلات كان أخطرها تمرد نجلية سيف وسلطان اللذين تمكنا في عام 1781 من الاستيلاء على مدينة بركا، وإن كانا قد اضطرا إلى إخلائها فيما بعد.
وفي عام 1783 توفي الإمام أحمد بن سعيد وخلفه نجله الثاني سعيد (كان أكبر أنجاله هلال ضريراً)، وقد حاول سيف أن ينتزع الحكم لنفسه بمساعدة خارجية، إلا ان محاولته قد فشلت، وسافر بعدها إلا شرقي إفريقية، حيث وافته المنية هناك؛ أما سلطان فقد تحالف مع ناصر خان حاكم بلوشستان الذي قدم إلى سلطان منطقة جواذر، كهدية منه (وقد بقيت (1/16)
صفحة 17
جواذر خاضعة لعمان حتى عام 1958 عندما انتقلت تبعيتها إلى حكومة الباكستان).
وقد انتهت محاولة لانتخاب قيس النجل الثالث للإمام أحمد بن سعيد بالفشل، أما في مجال إدارة شئون البلاد فقد أنيط أمرها إلى سعيد، الذي احتفظ بلقب الإمام، واستمر في الرستاق، بينما ركز حمد نفسه في مسقط، وبرهن على كفاءة كوصي على الحكم، وصمد نظامه في الحرب مع القواسم كما نجح في قمع تمرد قاده عمه سلطان، الذي كان قد عاد من جواذر في ذلك الوقت، وعلي امتداد ست سنوات من ذلك التاريخ كان هناك فصل واضح في إدارة الحكم بين القيادة الدينية والمدينة.
وفي عام 1792 توفي حمد بعد أصابته بمرض الجدري، وأعقب وفاته نشاط ملحوظ لكل من قيس وسلطان، تخللتا اضطرابات سياسية، وقد أمكن تسويتها بالاتفاق على أن يحتفظ سعيد بالسلطة الدينية في الرستتاق وقيس بحكم صحار، وأن يسند حكم مسقط، وبركا، والمصنعة لسلطان، وقد اتخذ سلطان مسقط مقرا للحكم.
في عام 1798 م عقدت أول اتفاقية سياسية بين عمان
(م 2 ــ عمان تاريخا وعلماء) (1/17)
صفحة 18
وبريطانيا، ونصت على استبعاد السفن الفرنسية وبحارتها من موانئ عمان على امتداد قترة الثورة الفرنسية، وعلي إنشاء شركة الهند الشرقية، ومقرها في بندر عباس، وكانت هذه الشركة تمارس نشاطها على أجزاء من الساحل الفارس، وفي عام 1804 م قتل سلطان خلال معركة بحرية، وأنجب ولدين، إلا أنه في عام 1807 استطاع عمه سعيد أن يستولي على السلطة بعد صراع عائلي انتهي بانتصاره، وعلي أية حال فإن حكم السيد سعيد ظل عرضة للخطر فترة من الوقت، ولكنه زال بعد أن عقد اتفاقا مع الوهابيين الذي كانوا يشنون غارات عدوانية على عمان.
وفي وقت مبكر من حكم السيد سعيد – لم يتأكد تاريخه – توفي الإمام أحمد بن سعيد، ولكنه ظل يمارس سلطات كرئيس الدولة حتى يوم وفاته. وبما أن السلطة المدنية بقيت نحو خمسة وعشرين عاما في يد غيره، فإنه لم يطرأ ظرف في حياته يستدعي خلعه أو استبداله. وخلال حكم الإمام أحمد بن سعيد أطلق أبناؤه على أنفسهم لقب السيد، وبهذا ظل السيد سعيد بن سلطان يحمل ذلك اللقب بعد وفاة والده، ولقد أكدت الأحداث التي وافقت تلك الرحلة على احتفاظ حكام عمان بلقب السيد
وما أن استطاع السيد سعيد التخلص من المشكلات التي جابهته حتى بدأ يوجه اهتماماته إلى مجالات جديدة؛ ففي عام (1/18)
صفحة 19
1826 فرض حصارا على بوشهر، ثم في عام 1827 أرسل حملة إلى البصرة لإرغام حاكمها التركي على استئناف دفع المعونة التي كانت تدفعها البصرة للإمام أحمد بن سعيد، نظير المساعدة التي قدمّها عمان للأتراك في حربهم عام 1775 ضد الفرس، وفي عام 1828 وجه نشاطه ضد البحرين، تم استولي على ظفار في عام 1829، وبعد ذلك توجه إلى شرقي إفريقية، وبقي في زنجبار حتى آخر يوم في حياته باستثناء زيارة قصيرة قام بها للوطن الأم خلال عام 1832 لتسوية بعض الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة.
في ظل حكم السيد سعيد اتسعت رقعه الممالك العمانية، وضمت فيما ضمته زنجبار، وأجزء أخرى في شرقي إفريقية والساحل الجنوبي لفارس. وقد حققت تجارة عمان في شرقي إفريقية ازدهارا ملحوظا، كما أنه بالنظر إلى وضعها الاستراتيجي وما حققته من استقرار في مجال الأمن بصورة تفوق جارتها تحولت عمان إلى سوق دولية، ومنطقة تجارية حرة، تقصدها – السفن لنقل السلع والمنتجات منها إلى مناطق الخليج الأخرى، غير أنه داخل ذلك الازدهار كانت تعشش بوادر التدهور، فقد تضافرت عوامل كثيرة، كالخلافات العائلية والتدخلات الخارجية مما وضع على كاهل السيد سعيد أعباء مالية كبيرة فقد (1/19)
صفحة 20
دفعت تلك الأوضاع السيد سعيد إلى كسب صداقة بريطانيا بعد أن أصبحت سيدة الموقف في المحيط الهندي، وتمثلت تلك الخطوة في توقيع اتفاق عام 1822 لحظر تجارة الرقيق، بالرغم مما كانت تدره تلك التجارة من موارد مالية هامة للسيد سعيد نفسه.
وبعد وفاة السيد سعيد قسمت الإمبراطورية العمانيةبين نجليه السيد ماجد، والسيد ثويني.
وكانت فترة نصف القرن الأخير من ذلك التاريخ، فترة مشاكل سياسية للسلطنة، نظراً لتآكل الأسس القديمة التي كان يقوم عليها اقتصاد عمان، كما ساهم انفصال الممتلكات العمانية في شرقي إفريقية في تلك الأزمة الاقتصادية، نظراً لما تشكله تلك الممتلكات من الموارد المالية للسلطنة، وقد تحتم على السيد سعيد في نفس الوقت أن يسترضي القبائل الداخلية التي كانت تقوم بإثارة الاضطرابات بين الحين والآخر، كما أضيف عامل آخر إلى العوامل التي ساهمت في الأزمة الاقتصادية، ألا وهو افتتاح قناة السويس عام 1869، مما أدي إلى إضعاف الوجود الملاحي لعمان كنتيجة للتطور الذي طرأ على المواصلات البخارية؛ إلى جانب عوامل أخرى، كتوسع الغرب، وبسط الحماية البريطانية على المنطقة، وما استتبع ذلك من إجراءات لتأمين الملاحة والتجارة. (1/20)
صفحة 21
ونتيجة لتلك الأحداث فقد تعرضت عمان لموجة من الاضطرابات السياسية، ففي عام 1913 توفي السلطان فيصل ابن تركي، الذي خلف والده على الحكم في عام 1888، غير أن السلطان تمكن بمساعدة الحكومة البريطانية من السيطرة على الموقف، وفي أعقاب الحرب العظمي عقد اتفاق مع السلطان وبعض زهماء المنطقة الداخلية، غير أن الأوضاع السياسية لم تستئب طويلا إلا بعد توقيع معاهدة السيب في 25 سبتمبر عام 1920، وبذلك استقرت الأحوال منذ ذلك الوقت في عمان، واحتفظت حكومة مسقد بمقاليد السيادة على سائر أرجاء عمان.
وفي عام 1932 تولي الحكم السيد سعيد بن يمور بعد أن تنازل له والده تيمور بن فيصل لذلك، ولم تشهد البلاد موجات جديدة من المشكلات، ونعمت بالاستقرار السياسي والأمن الشامل.
وفي عام 1967 خرجت أولي شحنات البترول من عمان، وبذلك دخلت البلاد مرحلي جديدة في تاريخها، بتولي السلطان قابوس بن سعيد زمام الحكم في البلاد، وقد بدأ في وضع الخطط الشاملة والعصرية لتطوير البلاد وتحديث مرافقها على جميع المستويات، وهكذا بدأ شعبها يجني ثمرات العهد الجديد متطلعا إلى مرحلة سعيدة ومزدهره. (1/21)
صفحة 22
[صفحة بيضاء] (1/22)
صفحة 23
القسم الثاني
تراجم علماء عمان
من القرن التاسع حتى القرن الرابع عشر الميلادي
تأليف: اف. سي. ولكنسون (1/23)
صفحة 24
[صفحة بيضاء] (1/24)
صفحة 25
ترمي هذه الرسالة إلى إزاله الغموض عن المعلومات الخاصة بما تعرضت له الإمامة الإباضية الكبري في عمان في فترة من التاريخ، وذلك على أثر خلع الإمام الصلت بن مالك الخروصي عن السلطة في أواخر القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي.
غير أن ما تخلل تلك الرحلة من نقاش وجدل بصدد القضايا الدستورية للإمامة قد ساهم، أو بالأحري، عجل بتعميق الخلافات السياسية في عمان فترة امتدت أربعة قرون، الأمر الذي شكل مضاعفات حادة حول هذه القضية.
ولما كانت كتابات جماعة العلماء لما يسمي بمدرستي الرستاق ونزوي هي المصدر الوحيد الذي يمدنا بالمعلومات والأفكار عما ثار من نقاش حول هذا الموضوع، فإن ذلك يقتضي دراسة تقيمية عن تلك الحقبة من تاريخ عمان، والتي ربما اكتنفها الكثير من الغموض والتعقيد المتعمدين.
وعلي حين أن هذا التقييم هو الغاية من هذه الرسالة فإنه لا بد من التأكد أولا على إعادة فرز تلك المعلومات، على أننا لا نقصد من ذلك وضع جدول شامل للسير والمراجع من تلك الفترة.
إذا تأتي لهذه الرسالة أن تشكل نقطة انطلاق لأية أبحاث قادمة حول المشكلة فإنها تكون قد حققت أهدافها، وإن الكاتب (1/25)
صفحة 26
ليأمل أن يراعي المهتمون بهذه القضية ما قد يكون فيها من نقص أو أخطاء.
الخلفية التاريخية:
تعتبر الحرب الأهلية التي مزقت عمان في أواخر القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي منعطفا هاما في تاريخ الحركة الإباضية
فعلي امتداد قرن من الزمان تقريباً تزعم قطاع من أئمة الأزد الذين ينتمي معظمهم إلى الفرع اليحمدي من أزد شنوءة نظاما موحدا تقريباً للإمامة، تمتد حدوده من البحرين حتى اليمن، ولقد كان لهؤلاء الأئمة قوة بحرية كانت تتزايد بصفة مستمره، وذلك لنقل السلع التجارية فيما بين المحيط الهندي ومناطق الخلافة، غير أن هذا الازدهار الظاهر كان يقوم على أسس واهية، نظراً لأن نظام الدولة العمانية كان ينطلق من أسس قبلية وليس من أسس دولية أو ملاحية.
وهكذا فبمقدار ما كان التركيب الدولي لعمان ينمو، كان التناقض بين المنطقة الداخلية والمنطقة الساحلية يزداد حدة، في الوقت الذي كانت البلاد تنقسم فيه إلى معسكرين سياسين مع ما كان يصاحب ذلك من توزيع غير عادل للسلطة وللثروة بين زعماء القبائل العمانية. (1/26)
صفحة 27
وفي أعقاب التوتر الساسي الذي ساد عمان أثناء حكم المهنا ابن جيفر الفجحي اليحمدي (226 هـ / 841 م ــ 237/ 851) كانت إمامة الصلت الخروصي اليحمدي تبدو وكأنها تمضي قدما بفضل التأييد الذي كانت تحظي به من رجال الدين، غير أن ذلك الوضع كان ناتجا عن سياسة التصالح فيما بين القوي المتصارعة، وبالتالي عندما تقدمت به السن ضعفت قبضته على مؤيديه وأتباعه، مما أفسح الطريق للتجمع الحزبي القديم لكي يستعيد نشاطه، ولكي يفتح الأبواب لصراع مرير على السلطة بين المؤيدين مباشرة، ونعني بهم رجال الحلف اليحمدي الرئيسي، الذين يستوطنون السهول الشرقية للجبل الأخضر، والذين من خلال سيطرتهم على بهلا كانوا يسيطرون على الجوف الشمالي والشق الساحلي للباطنة، من خلال تحالفاتهم القبلية هذه المنطقة من ناحية، وقبائل الشمال التي كانت تمد سيطرتها حتى الجانب الغربي من سلسلة الجبال اتجاها إلى المنطقة السفلي من الجوف (وعاصمتهم نزوي) والذين كانوا في الوقت نفسه قد استبعدوا من مراكز السلطة السياسية والملاحة التجارية، من ناحية أخرى.
وفي نهاية المطاف، وفي عام 272 هـ / 886 م قامت مجموعة من رجال الدين بزعامة موسي بن موسي، من أسرة بني سامح، والتي ظلت لفترة تقرب من مائة عام تشكل الهمود الفقرى (1/27)
صفحة 28
لعملية انتخاب الأئمة بخلع الإمام الصلت وتنصيب راشد بن نزار وهو أحد اليحمديين، من فرع فجح القبلي، الأقل أهمية، وكانوا من المؤيدين لهذا الإمام.
وقد جاء رد الفعل سريعا على هذا الحادث، فقد قامت قوة قبلية تشكلت من اليحمديين وحلفائهم بالزحف على الجبل الأخضر في محاولة للإطاحة بالإمام الجديد، غير أنها هزمت شر هزيمة في المعركة المعروفة بموقعة الروضة، القريبة من تنوف. ولقد كتب الفصل الأخير في تلك الأحداث، التي أخذت تتفاقم، بهزيمة التحالف الشمالي بقيادة زعيمه الحداني أمام مجموعة اليحمديين الشماليين في معركة العق، بالقرب من صحار، وذلك في عام 278/ 892 مما حمل البقية الباقية من زعماء بني سما إلى طلب المساعدة من الخلفاء.
وسرعان ما استجاب العباسيون للطلب من منطلق رغبتهم في استئصال الخوارج والسيطرة على تجارة عمان البحرية، فبعثوا بقوة إلى عمان، تم تشكيلها من أعداء الأزد بقيادة محمدبن نور الذي اقترنت حملته بأبشع المجازر في تاريخ عمان.
وهكذا في عام 280/ 893 انتهت الإمامة الأولي بوفاة الإمام عزان بن تميم الخروصي في معركة سمد، في المنطقة الشرقية.
وفي أعقاب ذلك انتقلت البلاد لمرحلة من الإرهاب اقترنت (1/28)
صفحة 29
بتدمير وسائل الري في عمان، الذي كان يعتمد عليها اقتصاد البلاد فسادت بعد ذلك مرحلة من الفوضي، عمت المناطق الوسطي من عمان، غبر أنه في الوقت الذي أرغم الدخيل على النخلي عن سيطرته عن البلاد فأنها ظلت تعاني من التقسيم والتمزق مما جعل المراكز الساحلية تبقي تحت سيطرة الأجانب لفترة تزيد على قرن ونصف.
وكنتيجة لتلك الأحداث المروعة التي أدت إلى تصدع الدولة العمانية بسبب الانغلاق والتعصب القبلي، بدأت تبرز إلى الوجود صور جديدة من المواقف والتحالف في داخل البلاد. فلقد أعاد رجال الدين العمانيون النظر في مفهومهم حول خلع الإمام الصلت وأخذوا يلتفون حول الخروصيين، وغيرهم من مجوعة اليحمديين الذين تحولوا إلى دعاة «للدولة الإباضية» والقومية العمانية، حتى بجحوا أخيرا في توحيد قوي الشعب تحت زعامة حفيد الإمام المخلوع الخليل بن شاذان الخروصي (الذي تولي الإمامة من سنة 1016 حتى سنة 1029 م وفي منتصف القرن تقريباً تمكن خليفة الإمام راشد بن سعيد اليحمدي من طرد البويهيين الذين كانوا يؤيدون الخلافة في بغداد، وهكذا أطلت على عمان مرحلة جديدة من الرخاء والازدهار.
ورغم كل ذلك فإن الإمامة في عمان لم يكن ليكتب لها (1/29)
صفحة 30
أن تستعيد عصرها الذهبي الأول، نظراً لما أعلنه أحد دعاة مدرسة الرستاق عام 442/ 1052 من أن أتباع موسي بن موسي لم يكونوا أكثر من مارقين، مما قضي على كل أمل في قيام وحدة جديدة. وهكذا فإن الجماعة الحاكمة يومئذ قامت باستبعاد العناصر المعتدلة من رجال الدين من أنصار مدرسة نزوي الذين حاولوا خلال القرن العاشر أن يتشبثوا بقضية الماضي وأن يقطعوا صلتهم باليحمديين الذين كانوا يسيطرون على الإمامة، وذلك عن طريق تسريب الأئمة المحايدين، بينما كانوا في نفس الوقت يعملون على إثارة النعرة العصبية القبلية والإقليمية القديمة.
وهكذا انقسمت الإمامة، وكان قد سبقها انشقاق الحضارم، ثم أعقب ذلك محاولات من جانب علماء الرستاق سكان الجوف للتعبير عن معاضتهم لفكرة الإمامة الوراثية، إلى أن تمكنوا في النهاية من انتخاب أئمتهم. وهكذا أخذ النفوذ القبلي لليحمديين يتضاول تدريجيا بحيث م تحل نهاية القرن السادس الثاني عشر حتى تم التخلي نهائيا عن نظام الإمامة، بعد أن انتقلت السلطة إلى النبهانيين الذين ينتمون إلى عتيق.
وقد استمرت تلك الأوضاع حتى أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، عندما تعرضت لإمامة للتهديد (1/30)
صفحة 31
الخارجي ـــ كذلك بدأ سكان العمق الجغرافي للجبل الأخضر يبحثون عن صيغة جديدة للوحدة الوطنية، وذلك في إطار مؤسسات الإمامة نفسها، وبذلك انتهي الخلاف بين أصحاب مدرستي الرستاق ونزوي، ورغم ذلك فإن الإباضية لم تبدأ في محاولتها تلك في البحث عن جماعة جديدة من رجال الدين والعلماء لا يخضع تفكيرهم للقضايا الدستورية التي كانت السبب في نهاية الإمامة الأولي قبل مرور ألف عام على ذلك التاريخ، إلا عندما بدأت الإمامة اليعربية في الانهيار خلال القرن الثامن عشر. (1/31)
صفحة 32
[صفحة بيضاء] (1/32)
صفحة 33
المصادر الخارجية والداخيلة
المصادر الخارجية:
إن وضع بحث شامل الخلفيات المشكلات الدستورية حول الخلاف بين نزوي والرستاق تقتضي الرجوع إلى عدد من المصادر العمانية والأجنية، وبدونها يستحيل علينا رسم الإطار التاريخي العام لتلك المشكلات. إن التاريخ العماني في حد ذاته محدود الإطار، إلى حد لا يصدق، لأنه يعتمد على مجموعة من العلماء الإباضيين فحسب، وهؤلاء العلماء هم الذين حافظوا على ذلك التاريخ، وهم يرون أن تسجيل الأحداث التاريخية، حسب مفهومهم، يبغي أن يخضع للشريعة وللفقه الإسلامي، أي تسجيل تاريخ وجود الجماعة الإسلامية نفسها في جنوب شرقي الجزيرة العربية، وأما فيما يتعلق بالنشاط للقبلي فيمكن والحالة هذه أن يكتب بكثير من التفصيل، لأن هذا التاريخ مرتبط بشكل مباشر بتلك الجماعة، أما ما يحدث خارج عمان حتى ولو كانت له علاقة بما يجري داخلها فإنه لم يكن يهم المؤرخين العمانيين في شئ، لأنهم يعتقدون أن ذلك من صنع (الجبابرة) أي السلطة غير الشرعية. كذلك فإن المنطقة التي يتناولها هؤلاء الكتاب من جماعة إلى أخرى، لأن عمان في نظرهم
(م 3 ــ عمان تاريخا وعلماء) (1/33)
صفحة 34
أو بالاحري في نظر العالم الإباضي (و الذي يمثل كل الأراضي التي تشغلها الإمامة) ذات حدود مشتركة، وبالتالي وعلى سبيل المثال، فإن أي حدث يقع على المنطقة الساحليةمن عمان لابحد من يتصدي له من أولئك العلماء، ناهيك على الأوضاع الأكثر بعداً في أرجاء الإمبراطورية العمانية، و لا يستطيع أي مؤرخ يعيش في شرقي إفريقية أن يستشف أي صلة مباشرة لمنطقته من تلك المصادر التاريخية، وبالعكس فإن تلك المصادر هي في حد ذاتها لا تبدو أنها تأثرت بالاتصالات الخارجية، كما لم تتم أي محاولة لسد تلك الثغرة في أهم حقبة من التاريخ العماني، إلا عندما كتب السالمي مؤلفه (تحفة الأعيان) الذي اعتمد في تأليفه على مصدر رئيسي واحد هو (الكامل) في التاريخ لابن الأثير (أما الطبري فبالطبع لم يكن من الممكن أن يتعرف عليه السالمي، لأنه كان في ذلك الوقت لايزال طالبا).
وبالتاي فإنه يكاد يكون مستحيلا كتابة تاريخ عمان دون الرجوع إلى المصادر الأجنبية العديدة، وإلي الأدلة التي كشفت عنها الحفريات والعملات القديمة المستخرجة، مما يضفي المزيد من الأهمية على هذا الموضوع. وعلي أية حال فمن واقع الآراء المحدودة عن تلك الأرمةي الدستورية للامامة، والتي هي موضوع هذه الرسالة، فإن هذه المصادر لاتجود بالكثير من الأدلة (1/34)
صفحة 35
صحيح أننا قد نعثر من بينها على بعض الأدلة لكنها تتعارض مع المراجع العمانية المحلية. ولهذه الأسباب فإن الاستشهاد بالمعلومات التي وردت في مؤلفات ابن الأثير، وابن مسكوية، وابن خلدون، عن هذا التاريخ ينبغي أن تؤخذ بكثير من الحيطة والحذر، وإن كانت تلقي بعض الضوء لفهم ما كان يجري خارج المجتمع الإباضي. أما في هذه الرسالة فإني لن أتعرض لتقييم المصادر غير العمانية.
مراجع داخلية ثانوية:
قد يبدو عملا سطحيا أن تحاول تقسيم مصادر التاريخ العغماني عن فترة القرن الرابع عشر إلى مصادر أولية ومصادر ثانوية، نظراً لأن المناقشات الدستورية التي سادت تلك الفترة، كلها تنحصر في جانب واحد. ولم يبق في عمان من المؤرخين المعاصرين له غير مجموعة واحدة وعلي أية حال فإن ضربا من التقسيم لهذه المصادر يبدو أمرا مناسبا.
ولما كانت هذه الرسالة تعتمد على الترتيب الزمني لأحداث تلك الفترة فإننا نجد أنفسنا ملزمين بأن نتقيدبأمر واحد، ألا وهو ما إذا كان المؤرخ قد عاصر أو عاش في تلك المرحلة الزمنية أم لا.
وبالتداعي فإن الجانب الرئيسي من المصادر الأولية للتاريخ العماني (1/35)
صفحة 36
لابد وأن يشمل أولئك المؤرخين الذين لم يتناولو الأحداث المعاصرة لهم، وأن المسوغ الوحيد لإدراجهم ضمن هذه الفئات هو مساهمتهم في أكثر المسائل السياسية إلحاحا.
ولما كان التركيز على المؤرخين العمانيين الأوائل هو هدف هذا البحث، فإننا لن نستفيض في الحديث عن المصادر الثانوية رغم أنها تضم معظم الوثائق الأولية، أو التي يمكن الوصول ‘ليها عن طريقها، وعليه فإن مناقشتنا هذه سوف نقتصر على المصادر ((التاريخية)) الثانوية فحسب، وأننا لن نتطرق بالتالي إلى المجموعة الكبيرة في أحدث مؤلفات الفقه الإباضي رغم ما تتضمنه من آراء ومعلومات قد تفيد في فهم تطور النظريات الدستورية الأولي.
تحفة الأعيان:
يعد كتاب «تحفة اللأعيان» للشيخ محمد بن عبد الله بن حميد السالمي من المراجع الأساسية. وعلي الرغم من أن مؤلف الكتاب قد فقد بصره وهو في سن الثانية عشر من عمره ولم يكن قد تجاوز الأربعين عاما عند وفاته سنة 1914، إلا أنه يعتبر من أهم الشخصيات العمانية. وقد ألف السالمي اكثر من اثنين وعشرين (1/36)
صفحة 37
كتابا، بعضها لا يقل في الأهمية بالنسبة للفقه الإباضي عن تحفة الأعيان بالنسبة للتاريخ.
كما كان لهذا العالم نشاط سياسي ملحوظ. وقد ورث من أستاذيه اللذين تتلمذ على يديهما، وهما ماجد بن خميس العبري (1837 - 1947) وصالح بن على الحارثي تلك التقاليد النضالية للعلماء الإباضيين العظام، ممن عاصروا القرن التاسع عشر.
كما لعب السالمي دورا في إعادة الإمامة سنة 1913.
ولابد من وضع هذه الخلفية المتميزة في الإعتبار عند دراسة أو تقييم أفكاره وأعماله، والتي كانت في معظمها ترمي إلى غاية واحدة: ألا وهي بعث وتعميق الروح القديمة للشريعة الإسلامية بين العمانيين.
وعلي أية حال فعلي الرغم من تقيد السالمي بمذهبيته، فقد كان أدق عالم في نظر كاتب هذه الرسالة، ومن خلال تتبع الكاتب وتمحيصه لما ورد في تحفة الأعيان، اقتنع بالتزام السالمي بالنصوص الأصلية للمراجع التاريخية لعمان. ثم بالنظر إلى أن السالمي قد جاب الأرض العمانية من أقصاها إلى أقصاها بحثا عن كل شذرة من شذرات المعلومات التاريخية، ليضمنها مؤلفات لإن ذلك يعد شهادة على صحة معلوماته، خصوصا وأن المصادر (1/37)
صفحة 38
الأخرى لا تضم على ما يبدو أية معلومات إضافية مباشرة عن المراحل المبكرة للتاريخ العماني (على الأقل ليس قبل الفترة الأخيرة من المرحلة النهانية).
ومن ناحية أخرى فإنه نظرا إلى أن السالمي لم يحاول التنسيق أو تحليل الموضوعات التي تناولها، ونظراً لأن كتاباته في الأساس ذات طبيعة محدودة ’ فإن الاستفادة من أسلوبه في تناوله للأحداث متعذرة دون القيام بجهد كبير للبحث والاستقصاء لجوانب الخلفيات القبلية والمذهبية في عمان. كذلك فإن معلومات السالمي عن المشاكل الدستورية التي كانت تشطر أهل نزوي والرستاق قليلة جداً هي الأخرى.
(ب) السير:
يعتبر ما يمكن أن نسميه بالسير أحد المصادر الثانوية للمعلومات التاريخية عن الفترة التي يتناولها هذا البحث،
وهذه السير أشبه بالدراسات التاريخية المتشابهة. حيث يضيف كل مؤرخ من المؤرخين جزءا خاصا بالموضوع الذي يتناوله، ومن أمثلة ذلك كتاب «تاريخ المعولي»، وبعض كتب التاريخ المجهولة الهوية التي يضمها المتحف البريطاني. «والفصل التاريخي» الوارد في كتاب كشف الغمة بعنوان «الجامع لأخبار (1/38)
صفحة 39
العلماء» المنسوب إلى سرحان بن سعيد من قبيلة أميو على، في أزكي، وهذا المرجع بالذات يبدو للوهلة وكأنه بداية لتلك السلسلة من المؤلفات التي تؤرخ للحرب الأهلية اليعربية في بداية القرن الثامن عشر.
غير أن كاتب هذه الرسالة يري أن سرحتن بن سعيد لم يكن أكثر من ناقل لآراء غيره من الكتاب (وهو يعتبر في نظر مجموعة علماء عمان من المؤرخين أو الكناب البارزين) ولكن مساهمته لا تزيد على إضافة بعض المعلومات إلى أعمال سابقة، ربما انتقاها المؤلف من كتاب سابق بعنوان «كشف الغمة في اختلاف الأئمة» وهو كتاب سبق أن أشاد به البرادي، أحد العلماء الإباضيين المغاربة في القرن الثامن الهجرى/الرابع عشر لميلادي، ومن المحتمل أن تكون بعض فصول هذا الكتاب قد أعيد نشرها بالفعل خلال القرن السادس عشر.
ومن الملاحظ أن المؤرخيين العمانيين حين يستشهدون بكشف الغمة ويذكرون الكتلب باسمه الكامل، فإنهم يشيرون إلى اسم هذا المؤلاخ، ولكنهم عندما يتحدثون عن المؤلف نفسه فإنهم يذكرون الاسم الأصلي المجهول ولا ينسبونه إلى سرحان.
وبصرف النظر عن تطور هذا التاريخ، فإنه من المؤكد (1/39)
صفحة 40
أن السالمي كان على معرفة تامة به، والشئ الوحيد الذي كان ينقص السالمي هو بعض المعلومات التي خلا كتابه منها، وإن كانت معلومات لا يعتد بها كثيرا.
وأما فيما يتعلق بالفترة الزمنية التي تعالجها هذه الرسالة، فيمكن القول بأن كتابه لا يلقي ضوءاً كثيرا بوجه عام، ويشوب معلوماته شئ من التعقيد، كما أنه في معالجته لم يفرد حيّزا هاما من الكتاب للأحداث الفعلية التي أدت إلى نشوب الحرب الأهلية
ونفس هذا الرأي ينطبق على ابن رزيق الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على هذا النوع من التصنيف للمعلومات إلى جانب أخذه من بعض المصادر الأخرى.
مشاكل تحدبد المصادر الأولية:
يوجه الباحث بعض الصعوبات المبدئة عند تقييم المعلومات الواردة من المصادر الثانوية وفي توسيع المعلومات المستقاة من المراجع السابقة الذكر، وهذه الصعوبات تتمثل في.
أولا: الأسلوب الذي ينتهجه العلماء في الاستشاهد بالمراجع وذلك ينطبق على ما يبدو على النقاط التالية.
(1) أنهم عادة يستشهدون بتلك المصادر عندما تكون هناك مواقف معينة مقترنة بالحدث. (1/40)
صفحة 41
(ب) أنهم يستشهدون كثيرا بمصدر معين إذا كان الاستشهاد به يسهم في إعطاء معلومات ذات أهمية خاصة.
(جـ) في حالة جهل المؤيفين بالمصدر أو إذا كان ذلك المصدر غير موثوق به.
(د) إذا كانت المعلومة المستشهد بها مقبولة بوجه عام، فإن المؤلف لا يشير إلى مصدرها مما يفسح المجال لمعلومات تفتقر إلى التعزيز أو يتعذر تحديدها.
ثانيا: مشكلة تحديد أسماء المصادر، ويمكن للمؤلف أن يحل هذه المشكلة ىفي إطار التزامه بالخط الإباضي.
ثالثا: مشكلة تجديد المراجع وما هو موجود منها وغير موجود، والفترة التاريخية التي تنتمي إليها، وما إذا كان المراجع من المصادر الأصيلة أو أنه ورد ضمن مؤلفات أخرى
ولعل هذه المشكلة التي تتعلق بتوفر المرجع أو عدم توفره هي من أكثر المشاكل تعقيدا. ونشير على سبيل المثال إلى أعمال ومؤلفات ابن نزار، وما إذا كان في الامكان التأكيد مما إذا كانت نصوص كتاب المصنف قد نسخت قبل الحريق الذي شب في الرستاق في أوائل القرن الثامن عشر وأتي على أكثر من 9073 (1/41)
صفحة 42
مخطوطا، وقد تكون بعض هذه +المخطوطات موجوداً شمال إفريقية. ولحسن الحظ فإن مؤلف هذه الرسالة يملك نسخة من هذا الكتاب تاريخها 1839، وهي الباب الخاص بالطهرة، وهو ضمن كتابين آخرين حول نفس الموضوع، ومن تأليف نبهان بن جاعد بن خميس الخروصي. أماما الذي بقي من أبواب ذلك الكتاب فغير معروف، كما أن ثمة صعوبات تحف بعملية البحث عن هذه المخطوطات. وعلي أية حال فإن بقاء مؤلف من المؤلفات التي تبحث في المذهب الإباضي لا يعني بأية حال أن البحث والنقاش قد تناول ذلك الكتاب، كذلك فغن ضياع بعض المؤلفات أثناء الفترة التي اختفت فيها الإمامة في عمان لا يعني في معظم الأحوال أن تلك المؤلفات قد نوقشت من جانب أي مؤرخ من المؤرخين العمانيين القياديين، حتى لو افترضنا وجود تلك المؤلفات في وقت من الأوقات.
رابعاً: مشكلة إثبات سيرة المؤلف وتقييم سلبياته وإيجابياته وسوف نعالج فيما يلي وبشئ من الإيجاز بعض الصعوبات التي تواجه الباحث في إثبات بعض المراجع ذات الطابع السيري.
عمان:
(أ) اللمح بالإضافة إلى الجانب الساسي للتحفة، يعتبر كتاب «اللمح» للشيخ حميد السالمي رسالة عامة موجهة إلى الإباضيين (1/42)
صفحة 43
في المغرب العربي، وقد صدرت عام 1905 م. وللرسالة أهميتها وتتركز فيما تضمه من معلومات عن مؤلفات كتبها بعض العلماء الأجلاء الأوائل. وبالرغم من أن المعلومات الواردة في الكتاب عن المؤلفين العمانيين قليلة ولا تتضمن تواريخ عنهم إلا أن الكتاب يشكل عملا هاماً في إثبات مصادر للتراجم والسير الذاتية العمانية.
(
ب) قائمة بأسماء العلماء: تضم المخطوطة المشابهة لبيلوغرافيا اللمح، قائمة بأسماء العلماء المؤلفين وأهم جزء ذلك الذي ورد في الفصل 88 (طبعة زنجبار ص 296 ـــ 309) من قاموس الشريعة وفي الفصل 39 من كشف الغمة.
الأولي تؤكد بأن الجانب الأكبر من المعلومات الخاصة بالسير الواردة في تلك الببلوغرافيلت مقتبسة من الجلد (أ) من منهج الطالبين (وقد ورد معظمهما في الفترة 26 من ميزاب ــ شاخت تأليف خميس بن على الشقصي من أهالي الرستاق، وكان على رأس المؤيدين لانتخاب الإمام اليعربي الأول ناصر بن مرشد (1624 م).
من العقبات التي تعترض سبيل الباحث في ببلوغرافيا علماء عمان هي عدم وضوح الترتيب الزمني مما ترك لدي الباحث انطباعاً (1/43)
صفحة 44
علي أن المؤلف قد عاش مرحلة أزمة القرن للتاسع عشر، بينما هو في الواقع يؤرخ لفترة تالية، فقائمة السالمي على سبيل المثال تشرح مواقف العديد من العلماء حول خلع الإمام الصلت (التحفة فصل 1 ص 197) بحيث نغطي كما يبدو فترة تمتد 250 ماما.
والشئ الثاني هو أن مواقف المؤرخين المعاصرين لتلك الفترة، ليست بالضرورة هي نفس المواقف التي كانوا متمسكين بها خلال الفترة نفسها، لأنه دخلت عليها تعديلات كثيرة في الفترة التي أعقبت الغزو العباسي لعمان.
وهناك قائمتان من هذه القوائم قد تساعدنا على إماطة اللثام عن هذه النقطة، الأولي تتصل بحملة العلم أو المنظرين الإباضيين الأوائل، وهذا المرجع لا تتعدي مرحلته الزمنية منتصف القرن الحادي عشر، وهي مرحلة تعتبر متأخرة إلى حد كبير بالنسبة لتحديد الشخصيات الرئيسية لمرحلة الأزمة. ومن هذه القوائم قائمة تقسم علماء الفترة إلى 12 مجموعة معاصرة، ويمكن الإطلاع عليها في نهاية الفصل التاسع عشر من كشف الغمة، (ويمكن مضاهاة هذه المجموعة بمجموعة أخرى من إثني عشر عالماً، من إباضي شمال إفريقية حسب ما ذكره الدرجيني) وعلي أية حال فإن تعبير «حملة العلم» في حد ذاته تعبير يبدو أنه يسبق تلك المرحلة بزمن طويل، ويمكن أن نؤكد بأن أول من استعمل (1/44)
صفحة 45
هذا التعبير هو العوتبي. كما أن هناك وجهة نظر سعيد الكدمي فيما يختص بمسألة خلع الإمام الصلت – كشف الغمة فصل 34، ورأي ابن رزيق كما جاء في (الصحيفة القحطانية) ص 255 – 261. وهذا يوضح لنا تقريباً من هم العلماء الفعليون الذين عاصروا تلك المرحلة.
السير: بالإضافة إلى ببلوغرافيا العلماء هذه وغيرها من السير كما وردت في كشف الغمة، وفي المجلد الثامن والتاسع من «قاموس الشريعة» توجد سير ذاتية أخرى، غير أن ثمةعناصر بارزة من المؤرخين العمانيين المعاصرين وعلي رأسهم السيابي، وعد الله بن حميد السالمي ابن محمد الذي بدأ من حيث انتهي والده سنة 1910.
إن أهم مجموعة في كتب السيرة هي مجموعة كتب الأنساب (لحميد بن محمد) ابن رزيق التي يعود تاريخها إلى منتصف القرن التاسع عشر. وهي عبارة عن خليط من الموضوعات يعتمد بعضها على الروايات، وبعضها على المراجع الأساسية كابن خلكان، كما ثعتمد أيضاً على مصادر لم يعد لها وجود الآن. ومن العسير تعريف هذه المراجع، ففي كتاب «الأمثال» يؤكد ابن رزيق بأن مؤلف كتاب «العين» خو الخليل ابن احمد الفراهيدي اليحمدي، (1/45)
صفحة 46
إلا أن ابن رزيق لم يكتب رأيه في الكتاب أو يعلق عليه، وعلي أية حال فإن هذا الكتاب له أهميته بالنسبة للباحث، كما أن المجلد الخامس من «الصحيفة القحطانية» له أهميته الخاصة في هذا المجال.
مصادر شمالي افريقية.
يتضمن بعض مصادر المؤلفات الإباضية في شمال افريقية معلومات عن كتب المراجع تتناول عمان. وبالتالي فلا غني لأي دارس أو باحث، أو خيار في هذا الموضوع من الرجوع إلى تلك المراجع. وبما أن هذه المراجع أصبحت معروفة من خلال المؤلفين الإوربيين، فإنها لا تستوجب أي محاولة من جانبنا لتفصيلها.
غير أن عيب تلك المراجع هو أنها لا تتناول الشئون العمانية بعد الأمامة الأولي إلا نادراً. ومع ذلك فإن العلماء الإباضيين من الجانبين كانوا على اتصال ببعضهم البعض بطريقة وأخرى، سواء من خلال لقاءاتهم في أو عن طريق تبادل الرسائل بصورة مباشرة.
ويمكننا أن نضرب مثلا على ذلك عملية بعث الإمامة في عمان بزعامة ناصر بن مرش اليعربي في سنة 1624، ثم تحت قيادة عزان بن قيس سنة 1868، حيث تم في الفترة نفسها عمليات (1/46)
صفحة 47
تبادل هام للمؤلفات والكتب بين البلدين. ومن هذا المنطلق أصدر الدرجيني في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي كتابه الخاص بالعمانيين، كما شهدت الفترة نفسها انتقال أعمال العمانيين إلى المكتبات المغربية. ولقد قام البرادي في القرن الثامن / الرابع عشر بفهر سته بعض تلك المؤلفات، بينما تولت دار شاخت للطبع نشر قائمة مفصلة لتلك المؤلفات.
من الواضح أن اليقظة الحديثة للحركة الإباضية قد أثرت بشكل واسع على التبادل الفكري بين القطرين، فقد تناول السالملي المغاربة في بعض مؤلفاته، بينما قام العالم المغربي اسحاق طفيش وهو ابن أخت أحد علماء ميزاب البارزين في المغرب، ويدعي محمد بن يوسف طفيش (1236 – 1332هـ/ 1914 م) بتحقيق عدد من المؤلفات العمانية، كذلك كتب الشيخ سليمان الباروني (الذي عاش بعض الوقت في عمان بعد نفيه من طرابلس الغرب سنة 1921) بعض الدراسات تناول فيها إباضي المشرق العربي بما فيها واحد من أهم الدراسات في القرن الحادي عشر عن إسحق إبراهيم ابن قيس الحضرمي، وهو الكتاب الذي صدر في الكوت، كذلك فإن زنجبار قد ساهمت هي الأخرى في تلك النهضة حيث صدر فيها عدد من المؤلفات الإباضية الهامة، وعلي الأخص في عهد السيد برغش بن سعيد، ومن المؤسف أن العثور على هذه المؤلفات غير ممكن. (1/47)
صفحة 48
المصادر الأوربية:
فيما عدا المؤلفات التي قام بترجمتها كل من ساشو، وكلين وروس وتحقيق كتاب «كشف الغمة» ومقتطفات فافي عن القلهاتي (نشرة كلمة الفنون بالقاهرة، 1952) ومقتطفات ساشو من مؤلفات الحسن البيسوي، وترجمة بادجر الشهيرة لكتاب ابن رزيق، بالإضافة إلى بعض المفكرين الذين أشاروا في مؤلفاتهم إلى المصادر العمانية التي رجعوا إليها، فإن الكتاب الأوربيين حتى وقت قريب قد تجاهلوا التراث العماني إلى حد كبير، بحيث كانت الدراسات عن ذلك التراث محدودة، وتعتمد على المراجع التي توفرت بسهولة لأولئك المؤلفين.
وهناك بالطبع سلسلة المراجع الواردة في فهارس الكتب (خصوصا في بعض المعلومات المفيدة ضمن قوائم المتحف البريطاني ومنشورات بروكلمان وشاخت، وكذلك في بعض مؤلفات الأوربيين أمثال جولين).
غير أن تلك المؤلفات تنقصها الدقة في معظم الأحوال، كما أنها فقيرة في مادتها ولم يقم أحد بتقييمها من حيث أهميتها، ولئن كانت فهارس سوجورسكي تشكل بداية طيبة في هذا الاتجاه، إلا أن هذا الكتاب لم يطبع منه إلا مقدمته، غير أن ليويكي هو (1/48)
صفحة 49
الذي تولي توسيع الدراسات الإباضية، وإن الجانب الأكبر من مقالاته تعتمد على المصادر المغربية، وإن كان في بعض الأحيان قد استعان بالمصادر العمانية، التي تمكن هو وسلفه من جمعها في مدينة ميزاب المغربية عام 1913/ 1933.
وكان أهم تلك المؤلفات كتاب السير العمانية، ومنها كتاب «صفات نسب العلماء» أو «نسب العلماء» لمؤلفه محمد بن عبدالله بن مصعد، أما أغلبية الدراسات الأوربية عن عمان فتعتمد بشكل كلي على المصادر المغربية، ولا تركز كثيرا على عمان.
وإن أطروحة باثر هرست التاريخية كانت أول رسالة تستقي معلوماتها من المصادر العمانية، فهذه الأطروحة تميط اللثام عن عدد من الوثائق الهامة وتضم عرضاً للأحداث التي عاصرها المؤلف.
أما أطروحة كاتب هذه الرسالة فقد اعتمدت على مصادر أقدم، والكاتب يود أن يغتنم هذه الفرصة ليقدم شكره وتقديره للمساعدة التي قدمت إليه عن كل من الدكتور باثر هرست والدكتور مارتن هندر، اللذين يعتبران حجة في المصادر الإباضية القديمة،
كيفية استخدام المصادر – الشيخ سعيد الكدمي:
إن عملية جمع مصادر لمعرفة معلومات متناسقة عن أي مؤلف عماني تعتبر مشكلة في حد ذاتها كما سنبينه من الدراسات الآتية:
(م 4 – عمان تاريخا وعلماء) (1/49)
صفحة 50
أن المؤرخ العماني الذي يعرف (بكنيته) في أغلب الأحوال هو أبو سعيد الكدمي – وهو بلا شك أبو سعيد محمد ابن سعيد الكدمي أو الكدامي، كما ثبت من البحث عن هوية هذا المؤرخ الذي ينتمي إلى إحدي القري الوقعة بين بلدتي الحمراء وبهلا. وتقع هذه القرية بالضبط في منطقة تسمي ذات (الحبل) حيث يوجد ضريحه، كما يذكر السلوقي في «قاموس الشريعة» فصل 8 ص 307 أن عائله أبو سعيد ربما تنتمي أصلا إلى نفس تلك القرية التي كانت من القري الهامة ذلك الزمن.
وكان أبو سعيد من أبرز رجال مدرسة نزوي السياسية، ويقول عنه السالمي في (اللمح ص80) أن كتاب أبو سعيد مرجع هام وينم عن معرفة وثقافة واسعة، تؤكدها كثرة الآراء والاستشهاد بها، وتتحدث اللمح عن ثلاثة مؤلفات بارزه للعالم المذكور (1) المعتبر وقد حذافيه حذو ابن جعفر، وقد ضاع هذا الكتاب ضمن ما تلف من المؤلفات في حريق الرستاق كما أشرنا إلى ذلك آنفا، غير أن أحد أجزاء هذا السفر التسعة لم تصبه النيران. ويشتشهد صاحب «قاموس الشريعة» كثيرا بهذا الكتاب، ولكن باسم الكتاب دون ذكر اسم المؤلف، (2) مجلدان من مجموعة جوابات بعنوان زيادات الأشراف، وهو على غرار كتاب ابن منذر النيسابوري. (1/50)
صفحة 51
أما عن تاريخ صدور هذا الكتاب فإن المصادر العمانية لاتضم أي معلومات مباشرة، ورجال العلم يشيرون إلى اثنين من معاصريه، لم يتم التوصل إليهما. غير أن هناك بعض الأدلة عن ذلك في المصادر المغربية. ويشير البرادي في فهرسه إلى كتابين من تأليف ابو سعيد العماني. أحدهما هو بلا شك «زيادات الأشراف» ثم يستطرد هذا المؤلف فيقول، إن الشيخ ابوالعباس أحمد بن الشيخ يعيد (أي الدرجيني) يردد ذكر الشيخ ابو العباس أحمد بن محمد بن بكر، مما يدل على أن الأخير قد تلقي دراسته على يد، ابو سعيد العماني. وبموجب الترتيب الزمني فإن أبو عمار عبد الكافي الذي استشهد به الدرجيني في الطبقات كان في الفترة الزمنية لهذا المؤرخ المغربي، وهي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وثمة تأكيد على الحد الأقصي للفترة الزمنية وهو استشهاد صاحب المصنف بلقب أبو سعيد أكثر من مرة.
المصادر الأولية:
من النصف الثاني من القرن التاسع حتى بداية القرن الحادي عشر تعددت الآراء حول قضية خلع الإمام الصلت، وإن هذه الأراء كلها تدور حول ثلاثة فئات، آراء المؤيدين لموسي بن موسي، وآراء المعارضين، ثم آراء المحايدين. (1/51)
صفحة 52
أما أصحاب الرأي فقد تفرقوا منذ وقت مبكر، بينما تحول أصحاب الرأي الثاني إلى مؤيدين لمدرسة الرستاق وتحول أصحاب الرأي الثالث إلى تأييد مدرسة نزوي، غير أن هذا التبسيط يحجب في الواقع ذلك الإنقسام العميق بين مجموعتي علماء الرستاق وعلماء نزوي، نظراً لأن الخلاف يرجع إلى أسباب أعمق من مجرد الأنقسام الثنائي في مجمل الحركة الإباضية، أي بين المتطرفيم ــالشراة وبين المستغبين لسلطان العصبية القبلية لتحقيق أغراض دينية وترجمة المواقف الدينية إلى قواعد مذهبية جامدة وبين المعتدلين ــ القعدة ــ الذين كانوا يحاولون منع رجال الدين من التورط المباشر في السياسات القبلية وتشجيعهم إلى معالجة القضاياالدستورية بطريقة برامجماتية، أي عملية.
وبعد الحرب الأهلية العمانية غدا من الصعب الإحتفاظ بالمواقف المعتدلة خوفا من أن تعتبر خروجا على الشريعة، وبخاصة أنت المنشدين أصبح لهم نفوذ سياسي ساحق منذ منتصف القرن الحادي عشر، ولم تتراخ قيضتهم على مصائر الأمور إلا في عهد الشيخ سعيد الكدمي، حينما بدأ التيار المعتدل يشق طريقه إلى الوجود، رغم أن هذا التيار كان موجودا داما، وقد نشط دعاته بعض الوقت في النصف الأول من القرن العاشر وحققوا لهم بعض النجاح. ويبدو أن اصطلاح مدرسة نزوي ومدرسة الرستاق قد ظهر في تلك الفترة (1/52)
صفحة 53
حزب نزوي الرئيسي:
أبو سفيان محبوب بن الرحيل
طوال أزمة الإمامة كان حزب نزوي يتخذ مواقف الاعتدال، وكان أعضاؤه يؤيدون أباسفيان محبوب بن الرحيل (260ه /873) الذي ظل جزء من كتابه الرئيسي ياقيا في عهد البرادي ولكي نفهم مدي نفوذ هذا العالم وتأثيره على الأحداث لابد أولا من التعرف على تاريخ أسرته.
صلة ابن الرحيل بمنابع ىلحركة الإباضية صلة قديمة تعود إلى باكورة الإسلام، وحسب المصادر العمانية منذ كان جد هذه الأسرة وهو سيف بن جبيرة، أحد فرسان النبي (صلي الله عليه وسلم) وأحد أفراد قبيلة مخزوم بن كعب بن لؤي. وكانت هذه القيلة معلاوفة في عمان، وإن كان الدرجيني لا يؤيد هذا الرأي. وأيا كانت حقيقة تاريخهم القبلي، فإن أفراد هذه الأسرة لم يحاولوا استغلال نسبهم القرشي لأغراض سياسية، بل على العكس من ذلك فقد كلنوا من غلاة المعارضين للإمامة الوارثية ومن ناحية أخرى فإن أصل هذه الأسرة غير العماني قد هيأ لهم الفرصة لاتخاذ موقف الحياد في المنازعات القبلية، كما أنهم بفضل من أنجبوهم من أساطين العلم ورجال الدين (1/53)
صفحة 54
مركزا هاماً في المجتمع العمانى. وكان لأحكامهم وآرائهم وزن الشئون السياسية. وكان جدهم الأكبر عبد الله من أتباع المذهب الإباضي، وهو ابو الشعثاء جابر بن زيد، أما والده ابو سفيان فقد كان أحد أئمة المسلمين في البصرة، وقد خلف في ذلك أبو أيوب وائل بن العرب الحضرمي، وذلك بعد قيام الإمامة في عمان مباشرة في نهاية القرن الثامن بعد الميلاد، ومن المحتمل أن تكون هذه الشخصية قد قامت بنشاط لدعوة. فترة مبكرة من حياتها، وأن يكون قد قام بتدريس المواد للدينية للعمانيين في البصرة وتثقيفهم مذهبياً، لكنه اعتزل العمل في النهاية، وأقام في مدينة صحار بعد أن تقدمت به السن، وبقي هناك حتى منتصف القرن التاسع على أقل تقدير، كما أنه أصدر واحداً من أهم المؤلفات في العلوم الإباضية وهو كتاب ابو سفيان، سجل فيه آراء العلماء الإباضيين الأوائل.
وكان أبو عبد الله يقوم شخصا بنشاط سياسي خلال الأزمة التي نشبت حول تصرف الإمام مهنا بن جيفر (226ه/841م) ــ (237ه/841م) وقد أدخل بض المبادئ الدستورية، وهي المبادئ التي تبناها نجله بشير، الذي كتب هو الآخر عدداً من المؤلفات الهامة بما فيها كتاب «المحاربة».
وإن الإتجاه المعتدل لأفراد هذه الأسرة جعل لهم دوراً فى (1/54)
صفحة 55
عملية بعث الإمامة في عمان نحو (230ه/934م)، وكان الرأي العام وقتها لا يزال حاداً مما حال بين القبائل واتخاذموقف موحد خلف أ القاسم سعيد بن عبد الله (حفيد أبو عبد الله)، ولسوء الحظ لقي أبو القاسم مصرعه أثر مشاجرة (328ه / 939/ 940م) وقعت في مناقي، ومن الجائز أن تكون بعض مؤلفاته قد بقيت، إذ استشهد السالمي ببعض الرسائل التي تبادلها المؤلف يوسف بن وجبه الوجيهي.
وعلي كل فإن هناك معلومات تمثل وجهة نظر أصحاب مدؤسة نزوي مسجلة في كتاب السيرة لأبي عبد الله بن روح ابن عربي، من سكان سمد، وقد كانت مدينة نزوي في ذلك الوقت مركز الاتجاه المحايد من حيث بدأ أبو عبد الله، نبهان بن عثمان في محاولاته لإحياء الإمامه، وذلك قبل أبي القاسم الرحيل، وقبل أفراد أسرة كندة اللذين كانوا يقيمون هناك.
الاتجاه الموالي لموسي ومدرسة الرستاق:
أن الموقعين السياسين النتعارضين حول عملية خلع الإمام الصلت، واللذين تحتم على ذاك الشيخ المحايد أن يعالجهما، وهما اللذين كان يدعو إليها العالم «الضرير» أبو المؤثر الصلت (1/55)
صفحة 56
ابن خميس، وكان يمت بصلة قربي بالإمام المخلوع، ولأصم ابن جعفر (ابو جابر محمد بن جعفر) الذي ينتمي إلى بلدة أزكي، نفس موطن موسي بن موسي. وعلي الرغم من أن آراء الأخير لم تكن مقبولة من الرأي العام إلا أن ابن جعفر يعتبر من العلماء الذين يحظون بالاحترام، وقد ظل متمسكاٍ بآرائه ومؤلفه الجامع، المكون من ثلاثة مجلدات يعد من المؤلفات الهامة في علوم الفقه (شاخت فقرة 17) ومما يحتويه هذا الكتاب يمكن إعادة التوازن إلى الموقف، وهو يستشهد بتوسع بوجهة النظر المحايدة الأصيلة لأبي الحواري، محمد بن الحواري، الذي عاد فانضم إلى أصحاب مدرسة الرستاق، ورفض تأييد إمامة راشد بن النظر وهذا التغيير المفاجئ في الموقف يفسر ندرة المعلومات غير المتحيزة حول الأزمة الأصلية. ولعل الفضل يعود إلى جهود ابن جعفر فيما اقتبسه من معلومات من مؤلفات أحد أبرز المؤيدين المعاصرين لموسي، ونعني به الفضل بن الحواري، الذي ينتمي هو الآخر إلى قبيلة بن سنا من سكان أزكي.
إن ما قام به دعاة مدرسة الرستاق من نشاط خلال الفترة المشار إليها كثير جداً. فقد كان لأبي المؤثر إنتاج غزير هذا الشأن. ونظراً لأن ابن المؤثر كان من المؤيدين للإمام الصلت سنة 851 بعد أزمة مهنا، وأنه هو الذي أصدر القرار (1/56)
صفحة 57
بإتلاف وحرف ممتلكات الفرامطة بعد طردهم من داخلية عمان في نحو الربع الأول من القرن العاشر، إلا أن حياته النشطة قد دفعته إلى الانغماس في الحلافات واعطت لآرائه ومواقفه وزناً كبيراً.
وقد أصدر ابو الحواري محمد بن الحواري مجموعة آرائه في تلك المشكلة في شكل مؤلف تشريعي وكتاب سيرة كبير خاطب فيه أباضية حضرموت، ومن مؤلفات السيرة الكثيرة التداول كتاب أبي قحطان خالد بن قحطان من سكان الحجر قلب موطن اليحمدية القبلي.
ومن العلماء المؤلفين البارزين بالنسبة للفترة المعاصرة للأحداث التي أدت إلى نشوب الحرب الأهلية اللغوي للعماني الذائع الصيت، ابن دريد، الذي أمضي وقتاً طويلا في عمان، خلال إمامة الصلت. وكان من المؤيدين المتحمسين لليحمدي ضد كتلة موسي، وذلك رغبة في الثأر عن الهزيمة التي منيت بها هذه الكتلة في موقعة الروضة. ولقد تم جمع الجانب الأكبر من قصائده الحماسية ضمن دفة الديوان الذي صدر في القاهرة سنة 1946. وقد استفاد محقق الديوان محمد بدر الدين العلوي من نسخة كتاب العوتبي التي صدرت في القاهرة والتي تضم جانباً كبيراً من سيرة ابن دريد ز (1/57)
صفحة 58
ومن مولفات ابن دريد ذات الأهمية القبلية كتابه «الاشتقاق» الذي يضم بعض المعلومات عن الأنساب العربية والعلاقات التي تربط بين المجموعات القليلة.
ابن بركة وأبو الحسن البيسوي:
لقد تبلورت النظرية السياسية لأصحاب مدرسة الرستاق من خلال الجيلين التاليين من الكتاب العمانيين. وقد بلغ التعصب بأصحاب تلك المدرسة حداً دفع ارجلا كالسالمي إلى أن يقول عنهم «إن أهل الإيمان يستهجنون طريقتهم ويرفضون تعصبهم» وعلي الرغم من ذلك فقد كانت أهمية ذيتك العالمين ـــ ابن بركة ضريحة) أن المؤلفين يستشهدون بأقوالهم وآرائهم ويضعونها ضمن الفئات المعتدلة، أمثال ابن الرحيل أبو القاسم سعيد ابن عبدالله، ويعتبرونهم من المجموعات الأخيرة من حملة العلم.
ألف ابن بركة ـــ أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة من بني سلمي وكان يقيم في بهلا معقل لليحمديين بني خروص، عذداً من كتب الفقه (وقد أشارليويكي في مقاله «ابن بركة» إلى تلك المؤلفات. ويتضح فيما يبدو مما ذكره العوتبي أن «الجامع» هو أهم مؤلفاته كلها، وتوجد منه نسخ كثيرة. وقد صدر (1/58)
صفحة 59
أحد أجزائه في القاهره تحت إشراف عيسي بن يحيي البارو 1971 غير أن بعض مؤلفاته تعتبر هامة من الوجهة السياسية، وعلي الأخص كتاب «الشرح» للجامع عن ابن جعفر، وقد تطرق ليويكي إلى سيرته في مقاله المشار إليه، واعتمد في كتابه المقال على سيرة ابن مداد. ولعله لم يكن مصيبا في ذلك إذ من المحتمل أن يكون قد خلط بينه وبين محمد بن عبد الله بن محمد، حفيد المؤثر الذي كان من أوائل المؤلفين الذين أبدوا إمامة الرحيل. ويبدو أن الفترة الزمنية التي عاش فيها كاتبنا أبو محمد بن بركة هي النصف الثاني وليس النصف الأول من القرن العاشر. وكان أستاذه الأكبر الذي نقل عنه هو أبو مالك الغسان بن محمد بن الحضر الصلاني، لعله واحد من الجيل الثاني لعلماء الرستاق.
أما تلميذه أبو الحسن على بن محمد بن على من قرية بيسه، فإننا لا نعرف إلا النر اليسير عنه، ويصفه ابن رزيق في «الصحيفة القحطانية» بأنه كان من اليحمديين، غير أنه لا يشير إلى المصدر الذي أخذ منه تلك المعلومة، وأهم مؤلفاته هو جامع أبي الحسن، وقد صدر مقتطفات من الكتاب في زنجبار سنة 1886 بعنوان وقد صدر مقتطفات من الكتاب في زنجبار سنة 1886 بعنوان مختصر البيسوي. وقد وضع ساشر دراسة عن هذا الكتاب، كما كتب المؤلف عدداً من كتب السيرة بما فيها كتابه، سيرة البيسوي تطرق فيها إلى الخلافات التي كانت ناشبة في ذلك الوفت، وقد (1/59)
صفحة 60
كان لا يزال على قيد الحياة أثناء إمامة حفص بن راشد في نصف القرن الحادي عشر.
ابو اسحاق ابراهيم بن قيس الحضرمي:
لا يقتصر الأمر على الكتب التاريخية العمانية وحدها في رفض ما كان ينادي به أصحاب مدرسة الرستاق من آراء متشددة، ففي ديوان أبو إسحاق بن ابراهيم الحمداني الحضرمي آراء تعزز ذلك الموقف، فقد كان أبو إسحاق على غرار والده زعيم للإباضية الحضارم، الذين أعلنوا ولاءهم للامامة في عمان عند عودتها تحت حكم الإمام الخليل بن شاذان الخروصي، حفيد الإمام الصلت المخلوع، فقد اعترف الحضارمة بإمامته، ونجح أبو إسحاق بمساعدة العمانيين من توحيد بلاده التي كانت هي الأخرى نهبا للخلافات القبيلة.
وقد ظل أبو إسحاق على موقفه هذا في الاعتراف بالإمام راشد بن سعيد الذي نجح في طرد البويهيين من لبمنطقة الساحلية من عمان في منتصف القرن الحادي عشر، غير أنه بسبب موقفه المتشدد الذي كان يتخذه ذلك الإمام، ونظراً لرفضه موقف الرستاقيين من الأحداث التي أدت إلى عودة الإمامة إلى البلاد قبل نحو قرن ونصف، قطع كل صلة له بإباضيِّي عمان، وأعلن (1/60)
صفحة 61
نفسه إماما مستقلا في حضرموت، مما أدي في النهاية إلى تدهور أحوال الإباضية في جنوب شبه الجزيرة العربية، وللتاأكد من هذا الأمر يمكن الرجوع إلى ديوانه «السيف النقاد» (طبعة الكويت) والمصادر الإباضية تستشهد كثيراً بآراء هذا الكاتب إلى جانب المصادر السنية للقرن الثاني عشر (المتحف البريطاني) وبالأخص «مختصر الخصال» الذي تولة السالي تلخيصه بعنوان «مدارج الكمال» القاهرة، وهناك كتابه: «الدلائل والحج» الموحوج حتى الآن.
العوتبي ونسبه:
لعل أهم وثيقة وصلت إلينا عن العوتبي هي كتاب «إنسان العرب» تأليف أبو المنذر سلمة بن مسلم أو (مسلم) العوتبى
ويرجع تاريخ جمع النسخ الباقية من هذا الكتاب إلى عام 1703 أما نسخه البروفيسورتي. أم. جونستون من هذا الكتاب باسم جاعد بن خميس الخروصي (1734/ 5 – 1822 مؤرخةسنة 1678 دار الكتب المصرية بالقاهرة، وهي مقتبسة من تعليق لأبي إسحق ابراهيم طفيش «تحفة الأعيان» ومقدمة لكتاب «الملاحن» لابن دريد. وهي كلها تعود إلى أصل واحد، لكنها غير مستوفية للموضوع. ولسوء الحظ فإن الجزء الأكبر (1/61)
صفحة 62
من التاريخ العماني يوجد مخلفات الكتب التي تؤرخ لمرحلة الأزد في عمان، والتي فقد الجانب الأكبر منها. ومن الواضح لأسباب كثيرة، أن تلك النسخة ليست هي النسخة الأصلية، على الرغم من أن العوتبي يهدف إلى وضع سيرة «الملوك» بداية من سنة 315هـ/956 – 957م إلا أن تاريخه عن عمان لا يتعدي القرن التاسع، ومن ناحية أخرى يضم كتابه سيرتي ابن بركة و أبو الحسن البيسوي (33 و 44) اللذين ينتميان إلى القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر. ويجوز أن نتصور والحالة هذه أن المرجعين الأخبرين إلى جانب الاقتباسات الأخرى من المصادر غير العمانية كالأندلس (لعله ابن حزم) والحريري قد أضيفت إلى الكتاب في فترة لاحقة، لأن هناك بعض الأدلة المحلية تؤكد، بأن العوتبي قد عاش قبل تلك الفترة بزمن قسير، أي أواخر القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، وبداية القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) الأمر الذي يستحق أن يوضع في الاعتبار. ومن المؤكد بأنه من المناسب أن نعتبر أبا المنذر سلمة بن مسلم بن ابراهيم (أو ابن عيسي بن ابراهيم) هو سلمة ابن سلم بن عيسي بن سلمة (مؤلف الضياء) الذي تورط هو وأخوه أحمد (بن عيسي بن سلمة) في معركة الروضة سنة 886، وبالتالي نعيد تاريخ الأنساب إلى بداية القرن الحادي عشر م. (1/62)
صفحة 63
ومن المحتمل أن يكون هناك خلط بين المؤلفين سلمه بن مسلم العوتيي (أبو إبراهيم وأبو منذر) في مؤلفات سير العلماء الإباضيين وبالتالي فإن مؤلف «الألساب» والذي ألف أيضاً كتابا آخر بعنوان «كتاب الإمامة» إنما كان حفيد مؤلف «الضياء» في الفقه والشريعة في 24 مجلدا، وقد صدر مختصر لهذا السفر تحت عنوان «كتاب النور» مما يوضح اللبس إبضاحا تاما. ولا يقتصر هذا التوضيح على ما جاء في كثير من الألقاب. وفي بيان السالمي الوارد في «اللمح» فحسب، وإنما أيضاً من الأسلوب العلماني للأنساب ا كما أن احتمال أن يكون المؤلفان هما شخص واحد احتمال وارد، سيما وأن كتاب الأنساب يخلو من أي لقب.
أن الصلة النسبية لمسلم بن عيسي بن سلمه العوتيي مسألة حدسية، ولهذه الأسباب فلابد من إضافة مزيد من الأصالة إلى شجرة نسب هذا العالم، وإن كانت توجد أية شكوك حول صلته النسبية المباشرة.
وعن طريق تاريخ الأسرة استطاع مؤلفنا التوصل إلى معرفة العديد من القبائل التي اشتركت في معركة الروضة، وهي المعركة التي فجرت العصبيات القبلية التي أدت في النهاية إلى تلك الكارثة. ومن هذه المعلومات يتضح أن أسرة العوتبي (التي استمدت لقبها (1/63)
صفحة 64
هذا من قرية في مدينة صحار) كانت تحتل مراكزاً سياسيا هاما في عمان، وقد سعت إلى كسب رد قبيلة عتيق سكان شمالي الباطنة، وبعض فروع قبيلة مالك بن فهم لتأييد اليحمديين، ولم تتضح الصلة القبلية بين هذه الأسرة وتلك القبائل، وإن كان يبدو من كتاب أو اسحاق، مسلم الطائي العوتبي، أن تلك الصلة قد جاءت عن طريق أحد فروع قبيلة عمران (ولسؤ الحظ فإن ثمة فجوة هائلة في كتاب الأنساب في الفصل الذي يتناول هذه الحماعة الأزدية الهامة فيما يختص بالموضوع).
وعلي الرغم من الجهد الذي ساهمت به أسرة العوتبي في دعم الإمامة اليحمية فمن الواضح أن أسباب ذلك التأييد هي أسباب قبلية، وليست أسبابا مذهبية، كما كانت دافعا لتورط تلك الأسرة في أزمة الإمامة مما يثبت تحرر المؤلف من أي تعصب أو نفاق سياسي، كما هو الحال بالنسبة لغيره من رجال العلم.
وهذه الاعتبارات عي حد ذاتها تجعل من كتاب الأنساب وثيقة تارايخية هامة، كما أن مؤلف تحفة الأعيان قد استشهد كثيراً بهذا الكتاب، على أنه في الوقت الذي اعتمد السالمي في كتابه التاريخي على مصادر أخرى، فإن مناقشة كتاب الأنساب تعتبر أمراً ضروريا للتعرف على الخلفيات القبلية التي تعتبر بدورها ضرورية لتتبع أحداث الفترة. (1/64)
صفحة 65
مصادر من النصف الثاني من القرن الحادي عشر ومن القرن الثاني عشر:
بعد نجاح العمانيين في طرد المحتلين من المناطق الساحلية للبلاد في منتصف القرن الحداي عشر وعودة الإمامة بشكلها الكامل، أخذتعمان تدخل عهداً جديداً من الرخاء والاستقرار، غير أن هذا التصور كان أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، فقد تحول مسار التجارة الساحلية، وبذلك انتهي العصر الذهبي لصحار ليفسح الطريق لقلهات لكي تحتل هذا المركز، وبالتالي أصبحت الإمامة بالنسبة لليحمدين الحق الذي لا ينازع، وهكذا نشب صراع بين علماء الجوف بزعامة كندة من سمد، وبجادابن مرسي من منح.
ولقد افسح هذا الأمر الطريق للإمام راشد بن على اليحمدي لكي يعلن التوبة 472 هـ / 1079 م ــ 1080 م ويعمل على تهدئة الأحوال.
وبعد مضي وقت قصير قام علماء الجوف بانتخاب مرشحهم الخروصي إماما على عمان، وأعلنوا الثورة على راشد بن على في الرستاق، غير أنهم دمروا في المعركة، وسقط زعيمهم نجاد قتيلا (496 و 513/ 1119 م) وأعقب تلك الأحداث فترة من الاضطراب السياسي مما يدل على أن الحلاف كان بين رجال العلم وبين العناصر القبلية في حرب الرستاق.
(م 5 ــ عمان تاريخا وعلماء) (1/65)
صفحة 66
غير أن الصدام النهائي بين الطرفين قد وقع سنة 579 هـ / 1183 م) عندما قام الزعيم اليحمدي الذي كان يطلق على نفسه حتى ذلك الوقت، لقب الملك بإنزال الهزيمة برجال العلم، الذين كان يتزعمهم حفيد نجاد بن موسي، وبذلك قضي على الإمامة نهائياً. ولكن بنهاية القرن كان الملوك اليحمديون أنفسهم قد انهاروا أمام القوة الجديدة الصاعدة ــ النبهانيين ــ وبذلك أطبق عهد آخر على الإباضية في عمان.
وبالرغم من كل ذلك فإن الإمامة الثانية كانت أشبه بالنيزك الذي لمع فهوي، وإن كان قد أفرز مرحلة وضاءة من العصر الأدبي، ولكن العلم هو الذي أشعل الفتيل، لأن رجاله كانت تربطهم قضايا مشتركة بمعاصريهم في الغرب الذين كانوا يعيشون في ظل إمامتهم أكثر مما كانوا مرتبطين بمواطنيهم، وكان خلع الإمام الصلت هو المحور الذي كانت تدور حوله كتاباتهم، نظراً لأن ذلك الحادث كان يمثل النظرية التي تقوم عليها عقيدتهم بالنسبة للعلاقات الدستورية التي تربط بين الإمام والجماعة، تماماً كما حدث إبان خلافة عثمان التي كانت منطلقا لوضع الأسس النظرية للدولة في الإسلام، وعلي عكس مدرسة الرستاق فقد كانت مدرسة نزوي تتخذ مواقف المهادنة والاعتدال من مسألة الوقوف (أي الامتناع) والتقية، والأئمة الضعاف، أو بالأحري موقف الحد الفاصل بين الولاية والبراءة. ولهذا فإن أصحاب (1/66)
صفحة 67
هذه المدرسة لم يتركوا شيئاً مكتوباً عن الأحداث التي عاصروها. ولذلك فقد فسرت الأمور كلها تفسيراً مجرداً (مطلقاً). ومن المؤكد أن ثمة تعدد في الآراء حول تولي حفص بن راشد الإمامة بغير انتخاب، وحول توبة الإمام راشد بن على، غير أنه لا توجد أدلة حقيقية أو تسلسل تاريخي للأحداث بعد خلع الإمام الصلت، كما هو شأن التاريخ العماني.
ولم نعثر في المؤلفات عن هذا التاريخ على إشارة أو تلميح عن ذلك التاريخ بصورة تمكننا من تجميع بعض المعلومات عما كان يجري في عمان إلا بعد ما وقع الإنقسام بين القوي القبلية ورجال الدين في حزب الرستاق، وتم نشر رأي أصحاب مدرسة نزوي، غير أنه يمكن معرفة الأأحداث التي عاصرت تلك الحقبة من سير العلماء وليس مما ألفوه.
وينبني على ذلك أن الرسالة ستقصر مناقشتها لآراء تلك المجموعة من العلماء العمانيين الذين عاصروا الأزمة وصمدوالها. وهناك أيضاً آراء علماء آخرين كمثل نجاد بن موسي، كبير قضاة الرستاق الذي سبقت الإشارة إليه، وأبو القاسم سعيد بن محمد ابن عبدالله الشجابي. ولعل مؤلفات هذين المؤرخين المجهولة أسماؤها قد عاشت لبعض الوقت قم فقدت ولم يبق لها من أثر.
وواضح أن أهم كاتب عماني، إن لم يكن أهمهم جميعاً من جيل (1/67)
صفحة 68
تلك الفترة هو أبو سعيد الكدمي الذي سبق وأن ناقشنا مؤلفاته في هذه الرسالة. وتنبع أهمية هذا المؤرخ أساساً من سمتين أساسيتين في مؤلفاته:
أولا: أن تاريخ علماء مدرسة نزوي وأئمتها خلال القرن العاشر مدون فيها، أو على الأقل مؤرخ فيها بصورة دقيقة.
وثانياً: أن تأثير أفكاره المعتدلة قد هيأت الفرصة لانتهاج تلك الطريقة المرنة في معالجة القضايا الدستورية للإمامة، وهي القضايا التي تميزت بها الحركة الإباضية في باكورة عهدها، ويعود الفضل أساساً إلى آرائه في التغلب على الصعاب التي نجمت عن أحداث نهاية القرن التاسع وتحويلها لمصلحة عمان، وفي الحفاظ على الإمامة كمؤسسة للحكم في البلاد. ومن ثم فإن الفضل يعود إلى مرونة أصحاب مدرسة نزوي في نجاح المنظرين الأباضيين في تطوير نوع من نظم الإمامة التي تبلورت في القرن الثامن عشر، هيأت لهذه المؤسسة البقاء حتى منتصف القرن العشرين.
مدرسة الرستاق:
من الحلي أنه كان لآراء أبي الحسن بعض التأثير على علماء الرستاق من الجيل الأخير. وكان هؤلاء العلماء قد بدأوا حملة ضد الآراء المتطرفة السابقة، وفضلا عن ذلك فإن كافة العلماء (1/68)
صفحة 69
الذين ظهروا فيما بعد كانوا من نفس المدرسة المعتدلة مما يؤكد اأهمية التي تعزي إلى آرائهم.
علماء كندة:
لا يبدو أن قبيلة كندة قد لعبت دوراً نشطاً خلال أزمة القرن التاسع عشر في عمان. وإن كانت هناك أسباب تدعو إلى الإعتقاد أنهم كانوا منحازين أصلا إلى حزب موسي بن موسي. وفي القرن العاشر انضم هؤلاء إلى مدرسة نزوي الأولي التي كانت تتبني موقفاً وسطاً للأزمة السياسية التي كانت تواجه البلاد. وكان أحد أفراد هذه المدرسة، وهو راشد بن الوليد، قد خلف أبا القاسم البويهين في نحو منتصف القرن تقريباً، لم ينتخب أي إمام، إلى أن أعيدت الإمامة في شخص الخروصي في نحو 407 هـ / 1046 م.
ومن هنا يمكن أن نقول بأن أنصار كندة قد انضموا على ما يبدو إلى حزب الرستاق ابتداء من أواخر القرن الحادي عشر، واستمروا في ذلك حتى القرن العشرين. وقد أنجب هؤلاء مجموعة من أبرز علماء عمان.
وتقول رواية إن أبرز ثلاثة مهم هم أحفاد سليمان ابن محمد بن عبدالله بن مداد، إلا أن هناك أكثر من رأي عن نسبهم و تاريخهم بحيث يمكن القول على وجه التأكيد أن الثلاثة (1/69)
صفحة 70
المؤلفين البارزين كانت تربطهم صلة قرابة وثيقة، وأنهم برزوا في الفترة الواقعة بين الجزء الأخير من القرن الخامس هـ / والحادي عشر م وبين منتصف القرن السادس هـ / والثاني عشر م. وهؤلاء الكتاب وفقاً للترتيب الومني هم:
(1) محمد بن إبراهيم الذي يعتبر «البيان» بيان الشرع، أهم كتبه و (2) محمد بن موسي الذي ألف (الكفاية) من سبعين مجلداً و (3) ابو بكر احمد بن عبد الله الذي ألف «المصنف» من 41 مجلدا. وقد أتت النيران على النسختين الأصليتين في «البيان» و «المصنف» في حريق الرستاق الذي شب في أوائل القرن الثامن عشر، غير أن نسخة كاملة من «البيان» لا تزال توجد في ميزاب، كما يوجد فيها المجلد الرابع من كتاب «الوصية» لنفس المؤلف (شاخت فقرة 22) ومن ناحية أخرى فإن النسخة الموجودة من المصنف نسخة غير كاملة (شاخت فقره 27) ومن المحتمل وجود بعض نسخ من الكتاب في عمان. أما عن تاريخ صدور «الكناية» فغير مؤكد لأن شاخت لم يشر إليه، كما ذكر السيابي، أنه أخفق في العثور عليه في عمان، وعلي كل فتوجد بعض مقتطفات هامة من الكتاب في عدد من المؤلفات.
ومن الوجهة السياسية يعتبر مؤلف المصنف أهم هؤلاء العلماء، وقد كتب مؤلف المصنف بجانب هذا الكتاب الضخم، ولعله (1/70)
صفحة 71
أهم المراجع التاريخية عن تلك الفترة، عدداً كبيراً من المؤلفات بما فيها كتاب «الاهتداء» الذي يشرح الفرق بين جماعة نزوي وجماعة الرستاق، وكتابه «سيرة البررة» الذي يدافع فيه عن أصحاب مدرسة الرستاق، وهو مؤلف يعتبر هاماً من الوجهة التاريخية، وقد استشهد به السالمي في التحفة. وهناك تاريخان لوفاة هذا المؤرخ: 1141 هـ و 1162 هـ، وإذا افترضنا صحة أحد هذين التاريخين، فإن كاتب هذه الرسالة يميل إلى الأخذ بالتاريخ الأخير، نظراً لأنه يسبق ابن نزار والإمام محد بن غسان. ومما يؤيد هذا التاريخ هو أن المؤلف كان من مؤيدي الإمام خنبش بن محمد الذي يعتقد أنه انتخب إماماً في منتصف القرن الخامس هـ / الثاني عشر ميلادي.
ومن أصحاب مدرسة الرستاق أيضاً أبو بكر احمد بن سليمان ابن عبد الله بن أحمد الخضر بن سليمان من بلدة سمايل، ويكني بابن النزار. وهو من أسرة معروفة بالعلم، وكان والده يشغل منصب قاضي قضاة دما. وقد ألف ابو بكر كتابن في القضاء، كما كان جده الأكبر الخضر (530/ 1236) من علماء عمان البارزين.
وقبلياً ينتمي ابن النزار إلى إحدي المجموعات القبلية التى (1/71)
صفحة 72
كان لها نفوذ عند سقوط النظام القبلي القديم في عمان وانحسار قوة اليحمديين. ومما له أهميته أن كلا من ابن النزار، وأبو سعيد الكدمي وابن مداد (الذين كان لهم نشاط سياسي ملحوظ خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر) ينتمون جميعهم إلى أصل قبلي واحد. وكان ابن النزار نفسه زعيم أحد الأجنحة السياسية، وكان مقره الرئيسي سمايل، ا التي هي موطنه الأصلي أيضاً. وكان اصطدامه نجردلة بن سماح وتحديه لابتزازاته سبباً في وفاته، وذلك في الوقت الذي بدا النبهانيون يظهرون على المسرح السياسي لأول مرة.
ومما يدعو إلى الأسف أن تاريخ حياة هذا المؤلف غير معروف، وإن كنا نستطيع أن نقول بأنه عاش قبل تولي الإمام محمد بن غسان الذي نجح لبعض الوقت في تحقيق الوحدة الوطنية ضد محاولات النبهانيين وحلفائهم أهل الإحساء. ويرجع المؤلف أن ذلك كان قبل القرن الخامس هـ / الحادي عشر م.
وعلي الرغم من أن ابن النزار قد قتل وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، إلا أنه كما يبدو كان طفلا معجزة وقد ذاع صيته وهو لا يزال صغير السن أولا. كشاعر ثم كأستاذ وعالم. وقد تلفت أغلبية مؤلفاته في الهجوم الذي تعرضت له (1/72)
صفحة 73
سمايل، وإن كان بعض شذرات من كتابه «سلك الحمان في سيرة أهل عمان» و «قراء البصر في جمع مختلف الأثر» قد أشار إليها السالمي. ولحسن الحظ أنه بعد وقت قصير على وفاة ابن النزار عكف محمد بن وصاف على جمع قصائده وعلق عليها، وقد نال هذا الديوان الذي صدر بعنوان «دعائم الإسلام» شهرة كبيرة وتعليقات كثيرة أهمها تعليق (احمد بن عبد الله) من أهل أزكي في القرن التاسع عشر ومحمد اطفيش.
الفترة العصيبة وأطلال المرحلة الجديدة:
بسقوط الإمامة الثانية دخلت عمان مرحلة يمكن تسميتها بالمرحلة العصيبة من زاوية النظر الإباضية. وعلي أية حال فإن ذلك لا يعني أن تلك المرحلة كانت تتسم بالخطورة، فعلي المنطقة الساحلية ازدهرت بلدة قلهات كمركز تجاري رئيسي في المنطقة، غير أنه من خلال التطور الذي طرأ على الحكم وكنتيجة لنقل مقر الحكومة إلى هرمز، تخلت الدولة عن المبادئ الإباضية إلا أنها عجزت عن بسط نفوذها إلى داخلية عمان رغم ما بذله الحكام من محاولات في سبيل ذلك خلال القرن التاسع عشر.
ولقد أنجبت تلك المرحلة عالماً إباضياً بارزاً (ابو عبد الله) محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي. أما في أي فترة تاريخية عاش هذا العالم فغير معروف، ومن المحتمل أنها كانت في وقت مبكر (1/73)
صفحة 74
جداً من مرحلة الازدهار التي شهدتها قلهات خلال القرنين الثالث عشر والخامس عشر.
وعلي الرغم من أن كتاب «الكشف والبيان» الذي ألفه هذا العالم ونسج فيه نسج كتاب «الملل والنحل» يعتبر هاماً من وجهة المذهب الإباضي، إلا أنه لا يشكل أية أهمية بالنسبة للناحية التاريخية، ولم يتم العثور على مؤلفه في تاريخ كلوا (السيرة الكلوية) ولا على مجموعة قصائده الشهيرة.
أما تاريخ عمان في عهد حكم النبهانيين فيما بين القرن الثالث عشر والخامس عشر فمجهول تماماص. وديوان الستاي (أبو بكر أحمد بن سعيد الخروصي) 584 ــ 686) 1188 ــ 1189 ــ 1277 ــ 1278) طبعة دمشق 1964 يشير إلى أسماء أوائل الملوك النبهانيين الذين كانوا يحكمون البلاد من نزوي، وعن بعض الصلات التي كانت تربطهم بشعوب ساحل الخليج. وهذا الديوان معروف للجميع.
أما بعد تلك الفترة فلا توجد أية معلومات عن تاريخ عمان
وأما حديث ابن بطوطة فليس أكثر من تعليقات اعتمد فيها على خليط من الإشاعات والحكايات التي كان يسمعها المؤلف من العامة خلال تجوله في أسواق وطرقات البلاد. وعلي أية حال (1/74)
صفحة 75
فإن عدم وجود تاريخ مدون من تلك الحقبة من تاريخ عمان، لا يعني أنم تاريخ أولئك الحكام لا يستأثر بأية أهمية. وإنما على العكس من ذلك فهناك أدلة قوية على أن عمان في عهد النبهانيين قد شهدت فترة ازدهلر وتألق. غير أن النبهانيين كانوا يحكمون داخلية عمان بأساليب تختلف عن أسلوب الإباضية، وبهذا فقد اعتبروا جبابرة، وبالتالي فلم يكن لهم دور في تاريخ عمان، كذلك فإنه لما كانت قائمة العلماء تضم أسماء كثيرة من المؤرخين والعلماء بعد عبد الله عثمان من سكان قرية جرمة في نزوي وتعرف بالقسم، فإنه لا يبدو أن شيئاً من مؤلفاتهم وأعمالهم قد بقي، وبالتاي ليست لهم أهمية تاريخية تذكر.
و يمكن أن نسمي تلك المرحلة مرحلة المخاض، وهي المرحلة التي أقرت نظاماً جديداً في عمان. وكما أن الصورة القبلية قد تغيرت، كذلك تغيرت الحركة الإباضية نفسها بالتداعي وولدت في شكل جديد. وإن تشدد أصحاب مدرسة الرستاق الذين كان دعاتها يصفون «بفقهاء الإباضية»، وقد أثار معارضة العناصر المعتدلة حتى إن بعض أبرز علماء عمان بدءاً بأبي سعيد الكدمي حتى أول رجل في أسرة ابن مداد، لم يكونوا يعتبرون أنفسهم أتباعاً للمذهب الإباضي الذي غدا أكثر ارتباطاً بمجموعة قبلية معينة، رغم أنهم ظلوا على ولائهم لنظام الإمامة. (1/75)
صفحة 76
وهكذا فإن المحاولات الأولي لإحياء الإمامة في الجوف خلال القرن الخامس عشر كانت سابقة لأوانها، الأمر الذي اضطر الملوك النبهانيين إلى طلب التأييد من أهل الإحساء، وليس أية يقضة روحية ــ هي التي أدت في نهاية الأمر إلى نوع من رد الفعل القومي، مما دفع المجموعات القبلية من سكان وسط عمان إلى الالتفاف حولي الأمام ناصر بن مرشد الذي انتخب من أحد الفروع القبلية الثانوية من النبهانيين، وهو الفرع اليعربي وذلك في محاولة لطرد الأجنبي من البلاد.
وهكذا ابتداء من القرن الخامس عشر توفرت مصادر جديدة لإلقاء الضوء على عودة الإمامة الإباضية إلى عمان، ومنذ ذلك الوقت لم يعد خلع الإمام الصلت الموضوع الرئيسي، وإنما هو بعث الجماعة الإسلامية الحقيقة، ووضع دستور جديد للإمامة، وهكذا وبعد ثمانية قرون انتصر الجناح المعتدل في الحركة الإباصية، ومن ناحية أخرى فإن الدافع الفعلي لتوحيد الدولة الإباضية قد جاء من الرستاق. (1/76)
صفحة 77
[صفحة بيضاء] (1/77)
صفحة 78
[صفحة بيضاء] (1/78)
صفحة 79
رقم الإيداع بدار الكتب 3355 لسنة 1980 (1/79)
صفحة 80
مطابع سجل العرب (1/80)