صفحة 1
الكتاب: عُمَانُ عَبْر التَارِيخِ
المؤلف: سَالِم بن حمود بن شَامس السّيَابي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
الطبعة الخامسة: 1421هـ / 2001م
والطبعة الرابعة: 1421هـ / 2001م
[موافقة للطبعة الثانية: 1406هـ / 1986م]
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) عُمَانُ عَبْر التَارِيخِ
تأليف
الفَقيه الفَاضِل الشَّيخ
سَالِم بن حمود بن شَامس السّيَابي
الجزء الأول
الطبعة الخامسة: 1421هـ/2001م
[موافقة للطبعة الثانية: 1406هـ/1986م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان] (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
[صورة] مؤلف الكتاب (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
(ترجمة مؤلف الكتاب)
تمهيد
بقلم: سليمان خلف الخروصي
اهتم العرب بعلم التاريخ اهتماما بالغا، واعتنوا به عناية فائقة، وعلى أيدي علماء التاريخ ارتقى هذا العلم الإنساني في سرعة مرموقة ومكانة بارزة، ففتحت أبوابه، وتنوعت طرائفه، وتعددت آفاقه وصارت له أهدافه السليمة ومنهجه العلمي الذي تميز به عن بقية العلوم، فلولا التاريخ لجهلت الأنساب، ونسيت الأحساب.
وعلى مر التاريخ يبرز علماء مؤرخون ومن أشهرهم الواقدي، ومحمد ابن إسحاق والمدائني، وابن الأثير والكلبي، وابن قتيبة واليعقوبي، والطبري، وابن خلدون، وابن خلكان.
وكان دور عُمان- قديمًا وحديثًا – دورًا بارزًا. يذكر لعُمان مدى الأجيال، وفي هذا العلم بالذات، نجد لعُمان علماء مؤرخين طبقت شهرتهم الآفاق أذكر منهم الشيخ العلامة أبا سفيان محبوب بن الرحيل والشيخ العلامة المؤرخ سرحان بن سعيد السرحني الأزكوي على المشهور، والامبو على من بني سعد الطائيين نسبا على الصحيح مؤلف كتاب كشف الغمة، والعلامة المؤرخ ابن زريق النخلي مؤلف كتاب الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، وكتاب الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عُمان الذين طبعتهما وزارة التراث القومي والثقافة والشيخ (1/5)
صفحة 6
العلامة سليمان بن بلعرب بن عامر النزوي مؤلف كتاب المؤتمن في ذكر مناقب نزار واليمن. والشيخ العلامة محمد بن خميس السيفي النزوي والشيخ العلامة عامر بن سليمان الريامي الأزكوي والشيخ العلامة الجليل نور الدين السالمي وغيرهم كثير. ويبرز علامتنا المترجم له مؤلف هذا الكتاب، الذي هو بين أيدينا، كفارس من فرسان هذه الحلبة، أو رائد من رواد علم التاريخ.
«من هو مؤلف الكتاب»
في الواقع هو غني عن التعريف، فهو أجل من أن يذكر، وشهرته العلمية الواسعة غير منكورة وحياته العملية الثمينة غير مجهولة، ولكن من خلال هذه الأسطر القليلة نتعرف عل بعض الجوانب المهمة لنقدمها للقارئ الكريم، عن هذا العلامة الجليل الكبير.
«اسمه ونسبه»
هو الشيخ العلامة الجليل سالم بن حمود بن شامس بن خميس بن على بن عبيد السيابي ومن المشهور أن قبيلة آل المسيب العمانية ينتمي نسبهما إلى القائد البطل شهاب بن النويرة التغلبي المعلم المشهور «بذي قار» الواقعة المشهورة في أيام العرب في الجاهلية، فمسيِّب وحبس القبيلة الشهيرة المعروفة بالشرقية في عُمان إخوان ينتميان إلى شهاب بن النويرة المذكوة آنفا. (1/6)
صفحة 7
«مولده ونشأته»
ولد العلامة المترجم له بقرية «غلا» من أعمال بوشر في سنة 1326هجرية الموافق 1908م وحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وذلك من فرط ذكائه وكثرة حفظه ودرس تلقين الصبيان وملحة الإعراب للحريري وألفية ابن مالك في سن مبكر بنفسه بدون أن يتلمذ على شيخ، بل ثقف نفسه بنفسه ثم توجه إلى سمائل الفيحاء التي استوطنها فيما بعد وكانت آنذاك تزخر بالعلماء الأكابر فدرس على الشيخ العلامة خلفان بن جميل السيابي أصول الدين والفقه وأصول الفقه والفرائض ولازمه ليلا ونهارا كما لازم الشيخ العلامة الشهير أبا عبيد حمد بن عبيد السليمي وأخذ منه أيضا علما وافرا. كما أشبع طموحه العلمي بمجالسته للإمام الرضي محمد بن عبدالله الخليلي ومذاكرته لكل من المشايخ العلماء سعيد بن ناصر الكندي ومحمد بن سالم الرقيشي وعبدالله بن عامر العزري، فقد أذن لكل مواهبه أن تنشط وتتألق وما زال يدأب في التحصيل وجمع العلم، حتى صار فحلا من فحول العلماء الذي يشار إليهم بالبنان. وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره.
«صفاته وبعض من أخلاقه»
يعتبر اليوم من أكبر علماء عُمان وأجلهم، فهو من فحول العلماء المرموقين مكانة وصدارة في العهد المشرق الزاهر وبالتالي هو سمح جواد جسن الأخلاق شريف النفس نقي السريرة، آية في الحفظ والذكاء والفهم، ومن أنشط الناس للقراءة والكتابة- فلا يرى (1/7)
صفحة 8
إلا قارئا أو كاتبا. يحب مكارم الأخلاق ويعشق المحامد منذ صباه، علامة غيور من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم.
وهو فيصل في الأحكام، شهم شجاع، أبي الضيم، ماضي العزيمة صعب الشكيمة، منيع الجانب ألف مألوف محبوب عند الناس، يحب الوحدة وجمع الشمل، ومن الدعاة إلى التمسك بكتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم.
وصفه الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، بأنه ممن تسد به الثغور ويوجه في مهمات الأمور، كما وصفه الشيخ الفقيه محمد بن راشد ابن عزيز الخصيبي في قصيدته المسماة سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان فقال:
وفقيه مؤرخ وهو علامة هذا الزمان ذو المكرمات.
السيابي ... سالم ... ابن ... حمود
فأراجيزه ... من ... الرائعات
سيما ... نظمه ... المسمى ... بإرشاد ... الأنا
م ... المبين ... الخافيات
«أعماله»
لما تألق نجم العلامة المترجم له، وعلا ذكره، استدعاه الشيخ الجليل علي بن عبدالله الخليلي والي محافظة بوشر، ليكون مدرسا (1/8)
صفحة 9
لأولاده، وذلك في عام 1350هـ، فقام بأمر التدريس خير قيام وتأدب عليه حوالي «40طالبا» ولما أن توفى الشيخ سعيد بن ناصر الكندي قاضي محافظة بوشر ومفتيها رضي الله عنه. عُين قاضيًا في بوشر وذلك في سنة 1352هـ وبقى بها قاضيا حتى سنة 1359هـ فانفصل من العمل لظروف خاصة ورجع إلى سمائل التي استوطنها. وفي سنة 1360هـ عُين واليًا وقاضيًا على نخل ومتعلقاتها، فتحمل المسئولية وهو أهل لها وكان بها الحاكم القدير الإداري، والقاضي المنصف الحكيم، ثم في سنة 1369هـ عُين واليًا إلى جعلان بني بُحسن فبقى هناك، واليًا وقاضيًا ثم انفصل عن العمل لأسباب دعت ذلك، ثم استدعاه السلطان سعيد بن تيمور فعينه رئيسًا لمحكمة الاستئناف وبقى بها مدة ثم ولاه محافظة السيب فأقام بها واليًا حوالي عام واحد ثم نقله السلطان سعيد إلى الكامل والوافي من جعلان ليكون واليًا وقاضيًا، ثم استدعاه السلطان فعينه قاضيًا في المحكمة الشرعية بالعاصمة، وبقى منذ ذلك اليوم قاضيًا بها.
ولما أشرق فجر الانتفاضة المباركة أو الحركة التصحيحية المجيدة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم. حفظه الله كان هو في مقدمة القضاة بالمحكمة الشرعية بالعاصمة مسقط ومن أبرز العلماء المرموقين لحكومة صاحب الجلالة المعظم. ثم في أول هذا العام 1982م. نقلت خدماته من وزارة العدل إلى وزارة التراث القومي والثقافة، ليتفرغ فضيلته في تحقيق الكتب العلمية والتاريخية، التي تطبعها وزارة التراث القومي والثقافة لما له من باع طويل وسعه وإدراك في كل الفنون. (1/9)
صفحة 10
«مؤلفاته»
إن مؤلفاته الكثيرة التي تزيد على (50) مؤلفًا في كل الفنون تدل على غزارة علمه، وسعة اطلاعه. وبالتالي تدل على خلق عظيم ونفس عالية وهمة سامية، بالإضافة إلى أنه شاعر كبير، وأديب بارع، فهو في الأدب والشعر قد ضرب بسهم من المرمى، وإليك أيها القارئ الكريم أسماء أهم مؤلفاته:
1 - إرشاد الأنام في الأديان والأحكام نظم في مائة وعشرين ألف بيت ما يقارب 10 مجلدات.
2 - العقود المفصلة في المسائل الموصلة- مجلدان – (1) ألف بيت.
3 - العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة في المذهب الأباضي وأصوله.
4 - مطالع الأقمار على مقاصد الأبرار شرح رجز للشيخ العلامة أحمد ابن سعيد الخليلي. في الوصايا مجلد واحد.
5 - إعانة الحكام بقواعد الأحكام نظم الورد البسام.
6 - جوهر التاريخ المحمدي في سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.
7 - معالم الإسلام في الأديان والأحكام- قصائد مطولات حوالي 20 ألف بيت.
8 - العنوان في تاريخ عُمان- مطبوع
9 - الحقيقة والمجاز في تاريخ الأباضية باليمن والحجاز- مطبوع.
------------------------
(1) من الآية رقم 140من سورة آل عمران. (1/10)
صفحة 11
10 - الإسعاف في التاريخ العُماني مطبوع.
11 - إزالة الوعثاء في أتباع أبي الشعثاء- مطبوع.
12 - طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي- مطبوع
13 - عُمان عبر التاريخ- الكتاب الذي بين أيدينا.
14 - أغلى التحف في أصول الشرف.
15 - أصفى الحياض في مذهب ابن أباض.
16 - هدى الفاروق.
17 - فصل الخطاب في السؤال والجواب.
18 - كتاب في السلوك.
19 - العقود المنظمة في الخيل المسومة- مطبوع.
اكتفي بذكر هذه المؤلفات القيمة الجليلة، والله أسأل أن يمد الشيخ العلامة المؤلف بصحة وعافية، ويطيل في عمره،
وختامًا لا يفوتني أن أسجل آيات الشكر والثناء لصاحب السمو السيد فيصل بن على بن فيصل آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة على ما بذله ويبذله من جهود جبارة- على ضوء التوجيهات السامية لاستخراج هذه الكنوز الثمينة وطبعها ونشرها في أغلب أنحاء المعمورة والله ولي التوفيق ...
حرر: 3 من رجب سنة 1402هـ
27 ابريل سنة 1982م (1/11)
صفحة 12
[صفحة بيضاء] (1/12)
صفحة 13
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل للتاريخ مستودع أخبار الأمم على اختلاف أجناسها، وجعل أهله أمناءه في أمته لحفظ حوادثها وأحكامها. مع تباين مقاصدها وتباعد أمراسها، فخلد للآتين أخبار الماضين، وأعرب للمقبلين عن حوادث الذاهبين، وندد بأهل الباطل في مجمع الخالدين، وصرح بحق أهل الاستقامة في المسلمين، وكشف القناع عن مساعي البغاة في المؤمنين من الأوليين على توالي الأزمان إلى يوم الدين.
أما بعد. فهذا تاريخ عُمان الذي وفق الله له وأعان، جمعناه من الكتب المتبعثرة، والرسائل المطولة والمختصرة، وألفناه بعناء لا يقاس عليه، وبذلنا الجهد لإدراكه، وهذا ما حصلنا عليه، وإن كان أكثره كعنقاء مغرب، لأنه غالبًا لم يدون، وما دون لم ينشر، ولم يتبين، ولكن بعض ما وجدناه ربما أغنى عما فقدناه، ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها، ومن أين لنا أن ندرك المفقود من تاريخ عُمان، وقد لعبت به أيدي الحدثان، ومزقته طيلة الأزمان، وهذا الجزء الأول منه يشتمل على مقدمة وخمس حلقات.
المقدمة: في علم التاريخ وفوائده وحكمته وأصوله التي يقوم عنها.
الحلقة الأولى: في التعريف بعُمان قديمًا وحديثًا.
الحلقة الثانية: في بيان الأمم التي قطنت عُمان من الأمم التي مرت بها العصور الخالية، والأيام الماضية، من الأمم البائدة والباقية. (1/13)
صفحة 14
الحلقة الثالثة: في نزول مالك بن فهم بعُمان وحروبه للفرس بها إلى انتهاء أمرهم.
الحلقة الرابعة: في بدء الإسلام بعُمان إلى انقضاء أيام الخلفاء الأربعة.
الحلقة الخامسة: في فضائل أهل عُمان ومشاهيرهم في صدر الإسلام وبه يتم الجزء الأول إن شاء الله من تاريخ عُمان. (1/14)
صفحة 15
مقدمة
قال الإمام السالمي رحمه الله تعالى: «لا يخفى على عاقل أن علم التاريخ مما يعين على الاقتداء بالصالحين، ويرشد إلى طريقه المتقين، لأن فيه ذكر من مضى من صالح وطالح، فإذا سمع العاقل أخبار الصالحين اشتاقت نفسه أن يكون من جملتهم، وإذا سمع أخبار الطالحين أشفقت نفسه أن يقتفي آثار من صلح، ويتجنب أحوال من طلح. أ هـ».
فترى هذا العالم الجليل يجعل علم التاريخ مما يعين على الاقتداء بالصالحين. وذلك من أفضل ما يرشد الإنسان إلى الأعمال الصالحات، ولا شك أن ذكر أخبار الصالحين يصقل قلوب المؤمنين طبعًا، وأصدق داعية لهم إلى الله قطعا، وكما أن مجالسة الصالحين تقود الإنسان العاقل إلى خيري الدنيا والآخرة، فكذلك ذكر أخبار من صلح، وكيف لا والتاريخ سر من أسرار العلوم الكونية، وضع الله أصوله في كتابه العزيز وأبرزه فيه بأشبه من سلاسل الابريز، قال الله عزوجل: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ) (1) وقال عز وعلا: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ) (1) الآية في أمثالها.
وقد شرح الله في كتابه العزيز تاريخ الحوادث في الأمم الماضية، والأيام الخالية، وأيد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ولدت زمن الملك العادل، ولا تنس عام الفيل وما وقع فيه من أمر عظيم وخطب جليل، وقد أجمع العلماء الأجلاء على شرفه وفضله، وبينوا مقامه بين العلوم الإسلامية. وإذا هو حافظ الأمة، وخازن سرها في كل جيل، فإنه حفظ بعث النبيين ورسالات المرسلين، وإلى من أرسلوا إليه، وبماذا أرسلوا. وأخبرنا عن الفراعنة والأكاسرة. والتبابعة والقياصرة، ودون لنا أعمال
------------------------
(1) من الآية 176 من سورة الأعراف. (1/15)
صفحة 16
الأمم الظافرة والخاسرة، وعرفنا سالف الأمم قبلنا، ورأينا فيها الصالح والطالح، وأدركنا منها المؤمنين ومقاصد المتقين، وبغي المضلين وفساد المصلحين، وأفعال المتقين، ومن اجتهد وجاهد في الله لإرغام الكافرين، ومن جد لإرشاد الأمم إلى سبل الخير من المخلصين، فكان لهم في عالم الحياة الذكر الحسن والفضل المبين، وأخبرنا عمن نام على فراشه راضيًا بمعاشه، ومن عمل فرض عليه، ومتى كلف وافتراض، وعلى من أوجب فقام، ومن صد فربص، مراغمًا لمن قام بواجبه ونهض، وعلمنا الأئمة وما مشوا به ومن قام معهم فأقامهم ومن قام عليهم فكان ضدهم، ومن دعا إلى الحق فاضطهد وشنق، ومن تجرد لله ناصرا لدينه، ومن دعا لإحياء الشريعة بواضح الحق وصحيح براهينه. ولا يخفى ما في ذلك من حكمة، ولا يجهل ما يثمره التاريخ للعقول القوية من نشاط، وما تتحرك به القلوب الضعيفة من اغتباط، وما يستحق به الثناء على الفعل الجميل، وما يلزم به الذنب والتقبيح لأهل التعطيل.
فالتاريخ داعية الأمم الآتية لسلوك طريق الأجيال الماضية، فهو المعبر عما سلف من عز وشرف لأهل الوفاء، والمخبر عمن خلا من أهل الجفاء، فيختار المخلص من مسالك أولئك المنهج الصحيح، ويصطحب إلى قصده بذلك كل عمل مليح، ويتبع في سيره كل أمر صحيح، فالتاريخ على الإجمال جمال الرجال الكُمل، وكمال الأبطال في كل الملل، والحاث على الأعمال الفاضلة لكل شريف ذي نبل، وهو الترجمان المعبر عن سالف الدول، طالما حدث التاريخ عن الأئمة الصالحين، وبين من أعمال الحق في العالمين، وكم أنبأ عن أعمال الجورة المتغطرسين، ليتجنب أفعالهم كل كريم مصلح في الدين.
وهل نعلم نحن لولا التاريخ ما فعل أئمتنا الأولون، وما عمله أهل الحق من العلماء الأكرمين، وهم مجتهدون، وما مشى عليه (1/16)
صفحة 17
المبتلون بأمور الأمم التي عاركتهم للتغلب عليهم، وما قابلوا به أعداءهم من الصبر والثبات، وما مال إليه في أثناء ذلك عند مساجلة الحروب لنا وعلينا، وإذا أكبر العلماء التاريخ فقد أدوا واجبًا على عواتقهم عظيم المسئولية، وجاء في الكتاب العزيز قوله عز وجل، قصصًا عن أمم ضلت في حياتها الطريق، وسلكت بعتوها المضيق، قال الله فيهم: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ. وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً. إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ. لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (1) إلى آخر الآيات القاصة عن أحوال هؤلاء الناس الذين تمردوا على الله، وعتوا على رسله وجاروا في عباده، وطغوا في بلاده فأذاقهم لباس الجوع والخوف.
وكم قص الله قصص النبيين في الكتاب المبين، وحسبك قصة نبينا سليمان بن داود عليهما السلام. وما صار بينه وبلقيس ملكة سبأ، فذكر الله فيها الهدهد، وما جاء به، وسليمان وجنوده، وبلقيس وعرشها، وما دار بين نبي الله سليمان والعفاريت في جلب عرشها. وإرهابها بتلك الآيات الباهرة، وذكر الله سياستها وغزارة عقلها، إذ قال لها نبي الله عليه السلام: أهكذا عرشك، مختبرًا لعقلها. وموهمًا لها فيه، فإجابته بمثل ذلك. إذ قالت: كأنه هو. فلم تحقق ولم تنف، إذ تعارضت الأحوال عندها، يقينًا وعادة، وانظر قوله عزوجل: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) (2) الآية
وفي الحديث: «القرآن حبل الله المتين فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم». فذكر فيه خبر ما قبلنا ونبأ ما
------------------------
(1) من الآية 5 - 12 من سورة الحاقة.
(2) من الآية21 من سورة الأحقاف. (1/17)
صفحة 18
بعدنا. وهذا أصل من أصول التاريخ، وإذا أطلق العلماء التاريخ فالمراد به أخبار الأمم الماضية، وسيرهم وحوادثهم على العموم.
ولا شك أن لكل أمة تاريخها خاصًا بحوادثها في حلها وترحالها وأخباركل جيل على حدة، وحوادث الملوك وقتال أعاديهم وما أحدثوا من خطط، ووضعوا من قوانين، وأبانوا من أسرار فلهذا أن مادة تاريخ الأمم على اختلاف أحوالها، وما بنت وهدمت وما أبدت وما أعادت، وما طوت من أعمال، وما نشرت من خصال، فالتاريخ له تعلق بكل شيء، فتعلقه باللغة من حيث حدثت، وعلى يد من حدثت، ومن أول من لغابها، وفي أي عهد نشأت وله تعلق بآدابها وأسبابها، وبالأحكام الشرعية. على من أول ما أنزلت، وما أول حكم وقع، ومن هو أول حاكم، وأي أول دولة قامت في هذا الكون، ومن أول من قام بها وما صفة قيامها، وماذا صنعت، وعلى أي حال انقرضت. وما هي الأسباب التي قضت عليها، ومن قام بالعلوم الطبية، ومن برع فيها، ومن اخترع الكيماويات إلى ما وصلت إليه الآن، ومن أول من اخترع السلاح، وعمل به في الكفاح حتى تطور إلى ما يعلم ما عليه الآن.
ولولا التاريخ من أين لنا أن نعلم الناسخ والمنسوخ من أحكام الله عزوجل، وهو قسم عظيم في الأحكام والحجة في معرفته التاريخ الصحح، ولو قيل أن التاريخ يشتمل على نصف العلم لكان غير بعيد، لأن عليه تترتب أمور كالعدد والنفقات ومواقيت الحج وتعين أوقات الزكاة، وعدد المطلقات في أشياء يطول ذكرها. ولا ريب فإن مدار أمور الدنيا عليه- ولولا التاريخ من لنا أن ندرى إجماع المسلمين فيما أجمعوا فيه حلاً وحرمة، وهو من قواطع الأدلة في الإسلام، ومن أمهات القواعد في الأحكام، كما يشهد له الكتاب العزيز والسنة النبوية. (1/18)
صفحة 19
ولولا التاريخ من أين لنا علم الهجرة، وكم فيها من أحكام تختص بها في الإسلام، وبمن هاجر وأحكام المهاجرين. ولولا التاريخ فمن لنا بمعرفة الإمامة الصديقية ووقوعها، والقائمين بأمرها واحتجاجهم على إخوانهم الأنصار فيها، ومن أين لنا أن نعرف عن الشورى، وما جاء فيها- ولولا التاريخ فمن ذا الذي يعرفنا أحوال من خالف الحق من الأمويين والعباسيين وأمثالهم، وهل يعلم الإنسان سياسات الملوك ورئاسات الممالك، ومتى نعلم عن قصة عمر بن الخطاب في طاعون عمواس، وما رآه المسلمون فيه من أمر واتفاق مشيخة المسلمين على الحكم بالواقع فيه، خلاف السامع به، وما اتفق عليه المسلمون. ولولا التاريخ من لا بتوضيح تأسيس المذاهب، ومتى ذهب إليها الذاهب، وبماذا يظفر فضل السبت للحق ونحوه.
ولولا التاريخ متى نعلم عدد المطلقات تحليلاً، وعدد الحيض والنفاس والرضاع المحلل والمحرم، كما قال الله عزوجل: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) (1)، متى تخرج المرأة من عدة زوجها طلاقها أو موتا؟ ومتى تحل النفقات وحضور آجال المحقوق المعلقة بالذمم؟ ومن أصول التاريخ قوله تعالى: (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا) (2)،. إلى قوله: (مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ) (3) وقوله: (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) (4).
وكما فهمت عن الإمام السالمي رحمه الله، قوله: لا يخفى على عاقل أن علم التاريخ مما يعين على الاقتداء بالصالحين، ويشد المتقين، فتراه يجعله علما مستقلا، وأنه يرشد إلى طريقه المتقين، وهذا من أعظم فوائد العلوم في الإسلام، فإن الإرشاد إلى طريقة المتقين، والإعانة على سلوك الصالحين من المسلمين، أمر مطلوب في الدين.
------------------------
(1) من الآية 233 من سورة البقرة.
(2) من الآية 101 من سورة الأعراف.
(3) من الآية 100 من سورة هود.
(4) من الآية 25 من سورة الأحقاف (1/19)
صفحة 20
ولولا التاريخ من أين لنا أن نعلم ما صار على الخليفة الثالث عثمان، وما عده عليه القائمون ضده حتى قضوا عليه بذلك؟ ومن لنا أن نعرف ما صار بصفين بعد الجمل وبما استحل المسلمون القتال وسفك الدماء وأحكام الأموال حلاً وحرمة، وكذلك ما صار بالنهروان إلى آخر ما عمل المسلمون، وأيام الحجاج الطاغية الخبيث، وما صار منه على أهل عُمان وما وقع على الإمام الجلندى بن مسعود رحمه الله على يد كل حال أن علم التاريخ حتى عند الإفرنج له المقام الأعلى. والمؤرخ معهم معدود من العلماء الأجلاء لأن علم التاريخ يتضمن انتقاد القضايا ووزن الأعمال بميزان التحقيق تأييدًا للصلاح وأهله، وتفنيدًا للطلاح وذويه، ولا شك أن أعمال المسئولين في الأمة مثال يحتذيه التالي لهم، ويحتج به من جاء بعدهم، فما كان من الواجب الركون إليه، وما كان باطلا كان من اللازم التباعد منه، وقد يشير إلى الحقائق التاريخية.
قول إمام أهل الأدب ابن دريد حيث يقول:
وإنما ... المرء ... حديث ... بعده
فكن ... حديثًا ... حسنًا ... لمن ... وعا
أي أن التاريخ يحفظ للإنسان أعماله القولية والفعلية، فعليك أيها الإنسان أن تتحفظ في أعمالك كلها فتكون حديثًا حسنًا لمن يأتي بعدك، فإن لسان التاريخ يخبر عنك وما صنعت، ويحفظ لك وعليك ما سر وما ساء.
واسمع ما يقول أبو طالب: ذكر الفتى عمره الثاني إلخ. (1/20)
صفحة 21
أي أن الإنسان يبقى له بعد موته عمره الثاني الذي هو ذكره، فإن كان الذكر حسنا كان له عمر حسن يتداوله الناس بعد، ويمشون على ضوءه، وإن كان الذكر سيئًا، كان على خلاف الأول، قال في (لقطة العجلان مما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان).
فاعلم أن التاريخ عبارة عن يوم ينسب إليه ما يأتي بعده، وقال أيضًا التاريخ عبارة عن مدة معلومة، تعد من أول زمن مفروض لتعرف بها الأوقات المحدودة، قال: «ولا غنى عن التاريخ في جميع الأحوال الدنيوية والدينية، ولكل أمة من أمم البشر تاريخ تحتاج إليه في معاملاتها وفي معرفة أزمنتها المضروبة دون غيرها من بقية الأمم، وأول الأوائل القديمة. وأشهر ما يكون مبدأ البشر».
وقال أيضًا عن سعيد بن المسيب. قال: «جمع عمر بن رضي الله عنه الناس فسألهم من أي يوم يكتب التاريخ». فقال علي بن أبي طالب: «من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك»، ففعله عمر رضي الله عنه، وعن سهل بن سعد الساعدي قال: «أخطأ الناس في العد، فما عدوا من مبعثه عليه الصلاة والسلام. ولا من وفاته إنما عدوا من مقدمة المدينة، قال وعن ابن عباس رضي الله عنهما. قال: كان التاريخ من السنة التي قدم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقال قرة بن خالد عن محمد: «كان عند عمر بن الخطاب عامل جاء من اليمن، فقال لعمر، أما تؤرخون تكتبون في سنة كذا وكذا من شهر كذا وكذا، فأمر عمر الناس أن يكتبوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل رفع الأمر إلى أمير المؤمنين صك محله شعبان، فقال أي شعبان؟ أهو من هذا العام أو من عام مضى أو عام يأتي إلى آخر ما أطال فيه صاحب (لقطة العجلان)، وهو كتاب أكثره في التاريخ ولوازمه وفوائده.
قال في جواهر الأدب، لأحمد الهاشمي: «التاريخ هو معرفة أخبار الماضين وأحوالهم من حيث معيشتهم وسياسيتهم واعتقادهم وأدبهم (1/21)
صفحة 22
ولغتهم». أي أن علم التاريخ له تعلق بهذه الأحوال كلها. وإذا اعتبرت هذه الجملة رأيت لها عمومًا وشمولاً، لأحوال الدنيا والآخرة، فإن النظر في المعايش والسياسات مما يتعلق بأحوال الدنيا، وما يتعلق بالعقائد ولآداب واللغة، يتناول أمور الدين التي هي النجاة في الآخرة أو الهلاك فيها والعياذ بالله.
وللتاريخ من هذه الوجهات مقام عال في نظر الفكر العربي، وهل التاريخ من خصايص أمة أو أمم أو هو لمطلق الأمم، وهو الواضح كما بينه في لقطة العجلان، فكل أمة عاشت أو تعيش في جيل من الأجيال لا بد لها من حوادث بحسب طبيعة حالها، وما تدعو إليه آمالها، وبذلك يكون تاريخها مشتملاً على قضاياها. ولأجل ذلك ترى الأمم أن التاريخ عنوان أمته، ودليل على خيرها وشرها، إذ يعرب عن نواياها ويبرهن على مالها من صمود وهبوط في أدوار حياتها، ومن حق التاريخ الصادق الصحيح أن يكون مع الأمة كما هي، حافظا لها الحقائق، وجامعًا لها الدقائق، واضعًا كل شيء في محله الذي يجب أن يوضع له.
وللإفرنج مزيد اعتناء بالتاريخ لأنه داعية الأمة أو البيئة، أو القطر، وبه تعرف الأمم طيلة الدهر، فإنه أعظم باعث للخلف، للسير على نهج السلف، وأكبر دليل على حقيقة العناصر العالية والسافلة، وأصدق قيل على الشرف التأصيل في المم الفاضلة، ولا تتركه أمة في حال رقيها لما له من مقام عند السادة الأعلام، والقادة الكرام على الدوام، ألا تسمع صاحب معالم الجزيرة يقول في صدر كتابه: «حرام على الأمم أن تفرغ من إشباع تاريخها القيم والحديث دراسة وتحليلاً، ونحن لا نزالا نتشاغل بالتافه من الأمور، لنعيش في جهل بماضينا وحاضرنا، ومن ثم في غفلة عما ينبغي أن نرسم من خطط المستقبل على ضوء هداية التاريخ، ولست أدري متى ينتبه حملة الأقلام منا وولاة (1/22)
صفحة 23
الأمور فينا إلى واجب كهذا، أعتقد أنه من العوامل الأساسية للنهضة التي نرجوها».
فانظر في كلام هذا البطل الحر، وهكذا رجال العمل، وأنا أعتقد أن ذكرى التاريخ من أعظم العوامل الفعالة في الإنسانية، فلذلك يحتفل الإفرنج بذكرى عظمائهم، وأحاديث كبرائهم طيلة أزمانهم ذلك لما للتاريخ من نفوذ روحي فعال، ولأجل ذلك لا تظهر الإفرنج تواريخ الأمم التي تسيطر عليها أو تريد السيطرة عليها، ولذلك لما أراد الإمام السالمي رحمه الله إعادة الإمامة فقام أولاً بنشر تاريخ الأمة العمانية فبرز في عالم القضاء، ودرسه للطلبة وشاع رجال الأمة، وعرفوا أفعال أسلافهم وأعمال آبائهم ومقاصد أبطالهم، فهبوا متشوقين لها، وكذلك طبع دواوين الشعر الحماسي الداعي إلى نبذ الخمول واعتناق النشاط، فكان ذلك أعظم فاعل في النهوض بالأمة حتى اهتزت من أعاليها وأدانيها، وديوان الإمام الحضرمي كان أكبر مؤثر على قلوب الأمة، فلقحت أفكارها وتلظى شرارها، فتحركت حركة شهدها التاريخ وضج العالم العربي العُماني حتى رفع عقيرته في القبائل العُمانية. وأقام الإمامة على صرحها الكريم، حتى أجلسها على عرشها الذي فقدته أعوامًا. وكل ذلك بفضل دراسة أنباء سالف الآباء، وبما عرف من أفعال الأجداد الماضيين، ولا يزال التاريخ هكذا طيلة الأدهر، فإن الأمم تتحرك طبعًا إلى اقتفاء أفعال السلف من ملوك وأئمة ومصلحين، كما أشار إلى ذلك هرقل بقوله لأبي سفيان إذ يسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل في أجداده من ملك؟» فقال له أبو سفيان: لا. فقال هرقل: فقلت لو كان في آبائه من ملك لقلت رجل يطالب بملك آبائه، أي فأشك في نبوته والمعنى من كان آباؤه ملوكًا فهو يحلم بملكهم ويروم أن يكون ملكًا مثلهم، هذا فإذا درس تاريخ آبائه لابد وأن يتحرك بذلك رغم العراقيل.
وسبق لنا في بعض المقالات فيه قولنا: «التاريخ مدرسة الحوادث (1/23)
صفحة 24
الكونية، ولسان معبر عن ما تمشي عليه المواشي الإنسانية، ودعاية عامة إلى الأعمال العالية، ونعى شاهر للأفعال السالفة، يجد الناظر فيه الأعمال الحرة الفاضلة، كما يجد ضدها من المقاصد السالفة، ويقتبس منه العاقل فوائد قد لا يجدها في غيره، ويتسلح منه الكامل سلاح السياسة السامية» أهـ. وهي كلمات حقها أن تكتب بماء الذهب على جبهة الدهر لتخلد طيلة الأيام عنوانًا لسر التاريخ، ومما يقطع به دراسة التاريخ تلقح الأذهان وتنحب بني الإنسان، ويورث درسها قوة الجنان، وحصانة الرأي وصادق الاعتبار، لأن فيها درس أحوال الزمان، وقضايا البرية مختلفة الأحوال متباينة الأعمال، فيرى فيه قارؤه إحسان الأخيار، وإساءات الأشرار، وجور البغاة، وكفر الطغاة، ويرى السياسات العالية للملوك السامية، ويتجلى فيه خبث الطوايا وسوء النوايا، بحيث يخرج الدارس فيه وهو من أبطال الرجال المثقفين.
ولا شك أن أفعال الأوائل سلاح الأواخر وحجة الأكابر، وبه يأمن المرء من لوم اللائمين، وتأنيب المختصون، والأتباع أأمن من الابتداع، على نهج من مضى من أهل الحق نفس الإتباع. وإذا أخذ العاقل بعمل من سبقه من المسلمين لم يعنفه أحد من المؤمنين، وأفعال السابقين حجة اللاحقين، ومن لم يفهم عمن سبق، لم يدرك من الحق إلا القشر، ولم يعرف من الدهر إلا الاسم. والحقيقة أن التاريخ مدرسة عالية تجمع مختلف الإدارات، ومتباين الأغراض، وتجتمع فيها المواهب والمطالب من جميع الإنسانية أفرادا وجماعة ملوكا وشعبا، وما أبدته الدول من تقريب أمة وإبعاد أخرى على حسب مقتضى السياسات الخاصة والعامة، وانقلاب الأمور من أمة إلى أخرى، وانهيار صرح وقيام آخر ضده، والعمل المتباين في الأمة يقضي على العقول بالعجز عن إدراك الحقائق، ويعبر عن الدنيا تعبيرا صحيحا لمن يفهم لا لمن يسمع بأذنيه، ويمر على القضايا لا يلقي (1/24)
صفحة 25
لها بالا ولو كانت على عتبت بابه، وقد أشار القرآن على هذا في قوله عز وجل: (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (1). ولا شك أن من حَكَّم هواه، وتعامى عن حكم الله فإنه معرض لزوال نعم الله، فإن ذلك يسبب انفجار البراكين الضخمة، ولا يبعد عليهم وقت انفجارها، فإذا انفجرت أعجزه ردها، وأعياه تيارها، فغاية ما عنده الخضوع لحكمها، والسكون تحت وطأتها، وكم لهذا من دليل عقلي ونقلي.
قال الإمام السالمي في تحفته في الجزء الأول صحيفة مائتين وثمانين إذ يذكر راشد بن الوليد المختلف فيه قيل كندي. قال: «ولولا أن أبا سعيد يعني الكدمي ذكر هذا الطرف من سيرته، لغاب عنا علمه كما غاب عنا علم غيره من الأئمة، قال وذلك كله لإهمال التاريخ وقلة هذه الجملة التي وضعها هنا وتأسف وتلهف على ضياع التاريخ. ولا يخفى أن التاريخ مرآة تتجلى فيها أحوال الأمم أخلاقًا وأعمالاً، وعواطف ومكارم، وغلظة وشدة، والتاريخ خازن هذه الأحوال بعد استجلائها وكشف حقائقها. وإنه لمعتبر لأهل العقول، وحجة لأهل المنقول، ومن لم يعتبر بأحوال الدهر، وما يتحدث عنه التاريخ، فهو خال من العقل، فاقد للشعور، يرتمي في الهلاك غير مبال بما يلاقي، وهيهات أن يحيا إلا على سيئ الأحوال، وقال عبد القادر المذكور: «ولكنها أي عُمان سرعان ما أعلنت توبتها، وانضوت تحت لواء دين الله».
قلت: على فرض صحة المدعي، فالحمد لله الذي ردها إلى الحق راغبة غير مقهورة، كما أسلمت كذلك والتائب نم الذنب كمن لا ذنب له، ولكن الحق هو ما قدمت لك، وإنما يرجع إلى أصله المجبور
------------------------
(1) من الآية 105 من سورة يوسف. (1/25)
صفحة 26
الذي لم يدخل في الأمر إلا مكرها، وقد علم أمر عُمان أنه لما أسلم ملكاها جيفر وعبد طائعين، قاما على الفرس الباقين بعُمان إذ أنه لا يجتمع في عُمان دينان، فأما أن تدخلوا فيما دخلنا فيه، وإلا فالسيف هو الحكم حتى أخرجوهم عن بكرة أبيهم منها، وقد خليا بين عمرو بن العاص والزكاة وأتمرا بأمره، ودعوا من خالفه إلى الحق. وكانا له عونًا عل مهمته وخرجا بصحبته إلى المدينة، لما بلغتهم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجهما أبو بكر رضي الله عنهما لقتال آل جفنة، وبعد ذلك ردهما إلى بلدهما مزودين بالأوامر والنصائح. وسوف ترى ما يؤيد هذا حتى تعلم بطل ما قال هؤلاء الذين يتبعون كل ناعق ويكتبون الغث والسمين غير مبالين بما يكتبون عن الأمم التي يتكلمون عنها في سيرهم وتواريخهم، والله سائلهم عن كل نقطة يحررونها وكل كلمة يكتبونها في أساطيرهم.
واعلم أن إذ نذكر التاريخ أو تاريخ عمان عل الأخص، لا نريد أن نجعله أقصوصة من الأقاصيص اللاهية، أو أحدوثة من الأحاديث الواهية، أو ملهى للسمار، أو سلوة للمجتمعين في المجالس والنوادي، أو الدارسين في المساجد أو الفارغين في بيوتهم أو العاطلين من الأعمال. إنما نريد أن نحدث الناس عن أعمال الرجال الكمل، أو عن الأعمال الفاضلة، التي يعتمد عليها الرجال المعنيون بحب أوطانهم أو باستقامة دينهم أو بسعادة شعوبهم أو بأمن رعاياهم أو بحسن العمل لدينهم ودنياهم، ولندل الناس أن الحق يشترك فيه القوي والضعيف، والغني والفقير، والسابق والمسبوق، وأن الله لم يجعل الحق لناس مخصوصين أو أسرة معلومة، وإنما الحق للكل يستحقه الناس بقدر أعمالهم، ولا نريد أن نمشي على منهج من مشى محبا للمنفق عليهم، وإن كان ظالما جبارا جائرا على الأمة، ولو أنفق عليها أموالا طائلة، ولا يسألون عنها من أين نهبها أو من أين اكتسبها، مع العلم بأنه ظالم جائر نهاب (1/26)
صفحة 27
يأكل أموال الناس بغير حق، بل نريد أن تمشي الأمة أميرها ومأمورها، على الصراط المستقيم، والطريق السوي الصحيح، الذي لا شائبة فيه من الباطل غير ناظرين إلى المحرم الذي يقرب الأمة مختدعًا لها بالعطاء وضاءً لها بدينها ودنياها، فنأخذ منه العطاء ونرضى عنه بذلك، ونحارب من أجله ونقاتل معه، والحق يقول لنا: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (1)، (وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (2).
فلو ضربنا مثلا بسلطان له وزيران: أحدهما يراعى منازل الناس الدنيوية، فيعطيهم عطاء يغمرهم به، فيخرجون عنه يمدحون، ولا يسألون من أين أعطاهم أمن مال زيد، أم من مال عمرو، وآخر لا يعطيهم ما ليس لهم ويمنعهم من ذلك، ويعطيهم مالهم ولا يمنعهم إياه ويقوم بمصالح ودنياهم كما يجب لهم، فمن الأولى بالإتباع والطاعة؟ فهنا وجهان: وجه يميل بهم إلى الذي يغمرهم بالعطاء فهو وإياهم ينبغي إقصاؤهم معًا من واجبات الإسلام، والثاني هو الذي يجب أن يطاع، ويؤيد ويناصر، ولكن أين هو؟ قد لا يوجد، قال عمر ابن عبد العزيز: ما طاوعني الناس على أمر أردته من الدين إلا إذا أعطيتهم جانبا من الدنيا، وإذا كان الناس كذلك فالداء فيهم عياء، ولا يخفى على أن الأسد مطبوع على حب الافتراس خصوصا إذا جاع من غير أن يراقب أن ذلك الفعل ظلم وعدوان، لا ينبغي أن يأكل حيوان حيوانا مثله عاش في أرض الله، وأن الذئب يأكل القاصية من الغنم، وأن له شنشنة على ذلك خصوصا إذا خلا بغنم، وأن السنور لا يؤمن منه أن يسرق ولو كان أأدب السنانير كلها، وأن بقية الحيوانات كلها كذلك، وأن الحق أمر صعب الوقوف على حدوده كالوقوف على الجمر، وأن العمل به كذلك بل أصعب، لكن على الإنسان أن يجاهد معهم نفسه أولا، ثم يصهرها في بوتقة التصفيات مرات لعلها أن تنصلح.
فانظر فرار الناس عن علي إلى معاوية حتى أصبحوا يقاتلون معه، وانظر إلى فرارهم عن الأئمة إلى الجبابرة العتاة، كفرار جبلة بن
------------------------
(1) من الآية 112 من سورة هود.
(2) من الآية 142 من سورة الأعراف. (1/27)
صفحة 28
الأيهم عن عمر بن الخطاب إلى قيصر، ولو قال جبلة لما كان عمر بن الخطاب لا يرى إلا الإنصاف مني أنا، فمن باب أولى لا يرى إلا الإنصاف ممن هو دوني، وهكذا ينبغي وعلى مثل هذا تعيش الأمة في أمن ورخاء وسعادة وهناء، أي حيث ينصف من قويها لضعيفها ومن رئيسها لمرؤوسها. وذلك هو الذي يحيها من مماتها، ويرفع شأوها بالأمن والاطمئنان، وبه يستقيم الأمر لدولة المسلمين، وبدون ذلك لا يكون صلاح، وأنا أرى أن أعطيه عيني الصحيحة وأقعد تحت ظله أعمى ولا يضرني ذلك بل الانقياد للحق يزيدني شرفًا وعزًا، ولأن أعيش عزيزًا بعدل عمر بن الخطاب السيد العربي خير لي من أن أعيش عزيزًا عند قيصر بالكفر في دار غربة لاجئًا محتميًا. وأولى بي أن أحدث من جاءني حدثته عن عدل عمر بن الخطاب، ويكون دستور الحياة الأمة الجديدة بالإسلام، ولكنه لم ير هذا، بل رأى أن يعيش كافرًا، ويموت كافرًا، في بلاد غربة، وما ذلك إلا للجهل والغطرسة الجاثمة على قلبه، وغرته لذة عاجلة لا تطول أيامها، ولا يبعد مرامها، فبهذا وأمثاله نريد أن نبرهن في التاريخ العربي أن ذكرى الصالحين الذين هم على نهج جبلة أو على نهج معاوية بن أبي سفيان، خلطوا عملاً صالحًا، وآخر سيئًا. فالأول ارتد، والثاني أجرم، وأن يعلموا أن أئمة الأباضية على خلاف ذالك هو نهجهم حيث يقتل احدهم أبناء عمة وأهل جلدته على كتاب بيعة، وعلى الذين يعطى أحدهم كل شهر سبعة دراهم يقتتلون بها في غلاء من العيش، تاركين كل شي لله وفى الله.
دخل أحد علماء الإسلام المدينة المنورة، فلما بلغ مجتمع الأمة قال: أين قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا لا قصر له: قال: ولم أكان فقيرًا معسرًا؟ قالوا: لا. قال: أين قصر أبي بكر؟ فقالوا: لا قصر له. فقال: ولم أكان فقيرًا معسرًا؟ كالرسول صلى الله عليه ومسلم قالوا: نعم. قال: بلغني أنه كان له مال. قالوا: أنفقه في سبيل الله. قال: ولم لم يبن قصرًا فخمًا يشار إليه بالبنان من ماله لا من مال الدولة؟ قالوا: إن (1/28)
صفحة 29
ماله أنفقة في عز الدولة. قال: ولم لم يتعوض منها له؟ قالوا: ما أعزه الله بالمال بل بالصلاح في الإسلام والتقوى. وطال الجدل فيه بينهم وإياه. ثم جاء إلى عمر فاتح الأمصار وجامع الأموال، وواضع العطايا في الدواوين، والقاهر على النواصي، فكان الأمر فيه كالأمر في أبى بكر رحمهما الله، ثم إلى عثمان الذي جهز بأمواله جيش العسرة ونحوه، وكانت الأموال تأتيه كالأودية ولم يدخر منها وسعًا له، وهكذا علي بن أبى طالب. فقال: إذا لمن هذه القصور؟ فقالوا: لفلان بن فلان وفلان بن فلان، وهكذا. فقال: هل كانوا أغنى من أولئك الذين تنصب إليهم أموال الدنيا؟ فقالوا: لا. قال: فهل هؤلاء أشرف أولئك المذكورين؟ فقالوا: تبدلت الأحوال. فقال: من أعز الآن أولئك أم هؤلاء؟ فقالوا: أولئك. فعرف القطاع الحجة بتوضيح المحجة. فحينئذ يتبن للقاري الكريم الذي همته إتباع الحق والاعتماد عليه، أنا نريد أن ندل على الحقائق، كما هي، ونعرب عن الظواهر الواجبة التي مشت عليها الأئمة ونبرهن على زهد الجلندى بن مسعود وأعماله، والوارث بن كعب وخصاله، والمهنأ ابن جيفر وجلاله، وناصر بن مرشد وأفعاله، ونعرب للناس عن أئمة آل يعرب الذين ملكوا جانبا من الدنيا ولم يخلفوا وراءهم القصور الفخمة ولا المصانع الضخمة، إلا ما اعزوا به الإسلام، ولا كانت لهم الحدائق الغناء ولا النقود التي العد، ولا اختصاصات الذاتية، بل ملكوا ولا يوجد لأحدهم بيت خاص لهم دون المسلمين، مع ما ملكوه من الأموال ولم تعرف البنوك عنهم لكوكا ولا ملايين. ولا. ولا، وإنما عرف الدهر عنهم العدل الناصح. والأنصاف الجامع والحال الكامل، والفضل الشامل، ولا يزيد المثقال عندهم عن كونه مثقالا، فإلى هؤلاء نريد أن نهيب بالناس لا إلى هارون الرشيد. (1/29)
صفحة 30
وقناته ومغنياته، أو لا إلى ملاهيه ومتنزهاته في الدر والجوهر المضاع على غير أهله، وقد قاتل عليه ناس وجعله هو وإضرابه تحت نعاله يدوسه بحميره وبغاله.
وليعلم التاريخ العالمي ورواده أن لكل وقت سياسته لا ينبغي إخلال بها، وإلا كان الفساد أكثر من الصلاح، بل ربما انعدم الصلاح. إذا أقبل فريقان يختصمان، أحدهما يحمل المدفع المدمر، وعلى رأسه الصاروخ الحاشر، وفي يديه القنابل اليدوية، وفي جيبه المفرقعات الساحقة، وخلفه النسافات العظيمة، والآخر يحمل السيف الأحمر المصطبغ بالدم من عهد العملاقة. والعصا الضخمة المتقطعة من عهد عاد الأولى، لا بل قل و الرمح الأزرق والسهم الذي ذي الأوتار، فبيد من ترى النصر. أم إلى من يجنح فإن أسبابه بيد الأول رغم المعقول والمنقول، لا بيد الذي يحمل السيف البتار، الذي لا يصل إلى خصمه إلا والنار تشتعل في أردانه، وقد احترق بين يدي خصمه، فهلك قبل الميعاد بمسافات، وقد ألقاه الرصاص على وجهه. قبل أن يتخطى إلى خصمه شبرًا واحدًا من الأرض وهكذا. وليعلم الناس أن التاريخ حدث عما سبق، ولم يحدث عن ما لحق بل عما يأتي، فمجارة الوقت بما لا ينافي في العقل، ولا يعترض على الشرع، أمر مطلوب قطعًا بل واجب شرعًا لأن الله يقول: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (1). وسترى أيها القارئ في تاريخ عمان أنواعًا من ذلك، وسترى في تغلب النصارى على المسلمين نوع يدل على ما قلنا، وخصوصًا في جعلان بني بو علي وهم مسلمون، أولئك نصارى كفار أعداء لأهل لا إله إلا الله مطلقًا. ولأهل الإسلام عمومًا. ولتعلم أيها القارئ أَنَّا إذ نكتب التاريخ نريد أن نجعله وسيلة لتثقيف الناس بالحقائق الروحية العارضة الزمنية، وسبيلاً لمساعدة الأمة على ما يعانون من
------------------------
(1) من الآية 105 من سورة يوسف. (1/30)
صفحة 31
مشكلات تصيبهم ونوب تحل عليهم، ونخبرهم بقضية اجتماع المسلمين في مهماتهم الماضية مهما كان الاجتماع فهو فعال، وإليك صورة ستمر عليك في الاجتماع على حرب راشد بن النضر الجلنداني وأحزابه وتدميرهم وهكذا لتكن على ثقة كاملة، أن الاجتماع أول مرحلة تعيش بها الأمة في رخاء العيش وسعادة الحياة. وأن الافتراق والتلاشي، داعيان إلى الانهيار، ولو شاء الناس أن يزيلوا الجبل الأخضر من عمان بالاجتماع لأزالوه، وإذا كنا على غير ذلك فقد أضعنا أعمارنا في لاشيء. فإن تدوين قضايا التاريخ قد وقع، وإن الكل على ذلك قد اطلع، وان العمل الصحيح ما عليه المجتمع، أن المسلمين اليوم كما رأيناهم يدرسون التاريخ لكي يعرفوا أن فلانا كان أشجع أو أعظم بأسًا بأساليب الحرب، أو أنه أفضل من فلان لا يزيدون على ذلك، بدل من أن الإفرنج يدرسون التاريخ تحليلاً للمقاصد والتفاتا إلى المراصد واهتماما بالقاصد، لا يدرسونه أقاصيص، أو خرافات أو حكايات كتسليات، بل هم الباحثون فيه المتعمقون في معانيه، والآخذون بأركان مبانيه، لا كمن إذا سمع أقاصيص الماضي يهز رأسه، ويهمهم أو يدمدم، وربما يعجب من شجاع يخوض المعامع فنجا وهكذا، بل يحاولون بالتاريخ تثقيف العقول بما في التاريخ من عظات بالغات، وعبر صالحات لأن تكون دستورًا، فتراهم يدرسون التاريخ سير أفراد من الرجال فتحوا الممالك ووضحوا المسالك وبينوا الناجي من الهالك. إلا أنهم لا يفهمون عنهم إلا أن فلانًا مات شهيدًا، ليتنا كنا معه، وأن فلان مات فاسقًا والعياذ بالله منه، وهم في كلا الوجهين كاذبون أو مخادعون أو مارقون أو على الأقل لا تفكير لهم في شي إلا مجرد أحدوثه، كان رجل كثير البكاء على أحد الشهداء وكلما ذكر ذلك الشهيد يكاد أن يتمزق أو يحترق عليه إذ قتل تلك القتلة الشنعاء، ومثل به العدو. (1/31)
صفحة 32
وهكذا حتى شاء القدر، ورأى ذلك الشهيد في النوم. والجنود محيطة به والسيوف تنتاشه، ويرشح دمه، وهو يجالد العدو صابرًا، وهذا الرجل البكاء ينظر على الحال التي عليها ذلك الشهيد، وإذا به يتقاعس ويختفي عنه شيئًا فشيئًا. ويود أن يتوارى بسرعة حتى لا يراه الشهيد فيستنصره على عدوه، حتى هم بالهرب فقدر الله أن رآه الشهيد، في أخريات الناس فدعاه فخجل ألا يجيبه فأجابه من غير قلبه، فقال له ترى الحال الذي أنا فيه، وهؤلاء الأعداء من حولي، فخذ هذا السيف والترس، وقاتل معي عسى الله أن يفرج عنا بك، فأخذ السيف والترس واختفى عن نظر الشهيد ثم هرب بهما معه وباعهما. وأكل ثمنهما وراح، فأين بكاؤه الذي يبكيه. وأسفه الذي تأسفه، وأين غيظه على العدو الذي يزعمه فقد هرب حتى بالسلاح، ولم يرده لصاحبه، وإن قيل هذه رؤيا منامية. فالواقع هي برهان غلى ما في اليقظة، وأن أحوال هؤلاء الناس أغلبها هكذا.
فالتاريخ يبدي لنا تمحيص الحقائق ناصعة غير مستورة، ويعبر عن طوايا الناس كما هي واضحة زمن يعتبر يجد الحق فيه واضحًا، أن الغرض الوحيد من التاريخ هو الإقتداء، ومعنى الإقتداء كبير إلى حد بعيد لا يكاد يستطاع لقياس عليه، فإن معنى الإقتداء يفتح أبوابًا تفوت الحصر وتعجز الدهر، فمعنى الإقتداء في الأخلاق والديانات والأحكام، ووضع القوانين السياسية الملائمة لكل زمان، المناسبة لكل أوان، عملا بمعنى الإقتداء، فإنهم ساروا على النهج الصحيح الوارد عن الشارع في إخراج الأحكام الشرعية في محلها، والقوانين العرفية بدلها عند عدمها، وفي تطبيق الأنظار بحسب الأصول المشروعة، وإلى هذا يشير قول القائل: أحدثوا أحداثًا فأحدثنا لها أحكامًا، والمعنى أخرجنا لها أحكامًا تطابق وضعها، فإن الشرع وضع أصولا لا يرجع إليها المنقول. ولا ينافيها المعقول، فإن لكل إمام سياسة كما (1/32)
صفحة 33
لكل زمان كذلك وإن تطور الدهر لا يخفى على كل ذي عقل سليم، فكم جاء في وقت خاص ما لا يتفق إلا في وقته الخاص به، وكم جاء مناسبًا لكل وقت، وإذا أردنا أن نذكر من هذا النوع أمثلة: أتتنا مندفعة من كل وجه تزدحم على الأفكار بحيث تتركنا نقول لا حاجة إلى ذكرها لشهرتها، وهذه هي ميزة خاصة بالموضوع، ولكل مقام مقام. وهنا كلمة لعمدة المؤرخين العلامة ابن خلدون نرى أن نضعها هنا ختامًا لهذا المقام في علم التاريخ. قال في مقدمة تاريخه العبر. في خطبة الكتاب.
أما بعد. فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرجال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجبال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدوام، والسوابق من القرون الأول تنمي فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليفة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل الكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق، إن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها، في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل هموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم وأدوها إلينا كما سمعوها. (1/33)
صفحة 34
وسار في خطبته سيرًا واسعًا بين فيه أحوال التاريخ والمؤرخين إلى مدى بعيد بعيد يطول بنا ذكره. وقال: مقدمة في فضل علم التاريخ: اعلم أن علم التاريخ عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرويه في أحوال الدنيا والدين، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيهما من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الطريق الصادق، وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين، وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سيروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق. وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر، إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر، ولابد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد، وهذا كما نقل المسعودي. وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل، وأن موسى أحصاهم في التيه. بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها، فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون، ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام. واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الخاصة تتسع لها وتقوم بوظائفها، وتضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة. (1/34)
صفحة 35
وذهب هذا المذهب منتقدًا ومحققًا وباحثًا وقائسًا، وموبخًا للذين يأخذون القضايا جزافًا ولا يهتمون بنظر يتحقق معه المقام، وأشار إلى دول الفرس، وأنهما أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير، وأشار إلى بخت نصر، وما كان له من السلطان على بني إسرائيل، وأشار إلى جيش رستم في القادسية وما كان من أمره وأطنب في ذكر تلك الأحوال بين بني إسرائيل، والفرس. وليس ذلك من غرضنا، وإنما نشير إلى أن مثل هذه الأحوال حفظها لنا التاريخ كما قال ابن خلدون. وعلى كل حال، فقد أطال المذكور في فوائد التاريخ بحسب الفن المعروف، ولقد أشار إلى فوائد أيضًا من قال وقد أجاده:
نبني ... كما ... كانت ... أوائلنا
تبني ... ونفعل ... مثل ... ما ... فعلوا
فلولا التاريخ من أين لنا أن نعلم ما فعلت أوائلنا، وبالجملة فقد صح الإجماع على أن علم التاريخ من أشرف العلوم في الإسلام، ومما ينبغي أن يشتغل به ويدون وأن يعار اهتمامًا بالغًا، ويحرر تحريرًا كاملاً، فإن فيه أسرار جوهرية، تتجلى فيها العبقرية كما هي، ولا تضيعه إلا الأمم المكتوب لها الانحطاط، فإن من يدري عمل سلفه من الأعمال الفاضلة لا يرضى أن يتركها إلى الأعمال السافلة، إلا إذا كان مختل الشعور أو خائر العزيمة، أو منهار العقل، فإن الغالب كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (1). وكم قامت الغيرة برجال للسير إلى منهج آبائهم، ويرون مخالفة ذلك نزولاً عن الشرف كما صح عن كثير من الناس أمثال ذلك في كل جيل، فلذلك ترى الإفرنج تدرس سير رجالها درسًا دقيقًا وتتبع حركاتهم وسكناتهم بكل مالها من قوى.
-------------------
(1) من الآية رقم23من سورة الزخرف. (1/35)
صفحة 36
والحقيقة أن ميدان التاريخ أوسع الميادين، وأن مادته متسعة كاتساعه، فغن موضوعه القضايا البشرية، وهي كما شاءها الله عديدة. لا تكاد تدخل تحت حصر، ومن ذلك صار التاريخ معتبرًا وقانونًا ومصباح سياسة. وعنوان رئاسة، وكان أحق به ذوو المناصب في الأمة من ملك وسلطان وأمير، وغير ممنوع منه غير هؤلاء، فكم في الزوايا من خبايا، وكم في الرجال من البقايا، والله أودع خلقه أسرار حتمه وهو عليم خبير.
ولدائرة المعارف، ولفريد وجدي، كلمة في التاريخ عظيمة تؤيد ما قلنا، نعرض عنها حتى لا يطول على القارئ هذا المقام. فإن ما قلناه وحررناه هنا كاف لبيان حقيقة منافع علم التاريخ وفوائده. (1/36)
صفحة 37
الحلقة الأولى من تاريخ عُمان
في التعريف بعُمان
قال ياقوت الحموي: عُمان بضم أوله وتخفيف ثانيه وآخره نون اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند، وعُمان في الإقليم الأول طولها أربع وثلاثون دقيقة درجة وثلاثون درجة، وعرضها تسع عشرة درجة وخمس وأربعون دقيقة في شرقي هجر، أي هي واقعة شرقي هجر، قال: تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزرع، إلا أن حرها شديد، ويضرب به المثل، وأكثر أهلها في أيامنا خوارج. إباضية ليس بها من غير هذا المذهب، إلا طارئ غريب وهم يراد منه التأنيب والقدح. (1) ماذا يراد به، وإلا فكيف يخفون الحق، وهل يخفى في الظلام ابن جلا، وكيف يخفونه وهو مذهبهم الصحيح الذي عاش عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعاش عليه الخلفاء الراشدون والمسلمون المخلصون الذين باعوا نفوسهم لله، وتجردوا لنصرة الحق في هذه الحياة، ومذهب الإباضية يستدعي الكلام كشفًا عن الحقيقة، لأن أكثر الناس يجهلونه والخبيثة لمن يجهل الحق ويعتمد غير الصدق، ومن حارب مذهب الإباضية أو نال منه فليتأهب لنقمة الله عز وجل، وسوف نبسط إن شاء الله الكلام عن هذا المذهب في أول الجزء الثاني من هذا الكتاب فمن أراده فليلتمسه من هناك.
قال الحموي المذكور: «وأهل البحرين بالقرب منهم أي البحرين الأولى التي هي الحسا وتوابعها»، قال: هم بضدهم أي ضد الإباضية، كلهم روافض سبأيون لا يكتمونه ولا يتحاشون عنه أ هـ.
------------------------
(1) أم الثناء والمدح. (1/37)
صفحة 38
وهذا دليل على أنه أراد الغمز منهم. والله على لسان كل ناطق، قال: وليس عندهم من يخالف هذا المذهب، أي مذهب الروافض إلا أن يكون غريبًا، قال الأزهري: يقال: أعمن، وعمن إذا أتى عُمان، وقال رؤية: نوم شأم بان أو مُعَّمن
قال: ويقال: أعمن يعمن إذا أتى عُمان.
قال الممزق واسمه شاس بن نهار:
أحقًا ... أبيت ... اللعن ... أن ... أين ... فرتنا
على ... غير ... أجرام ... يريق ... ممزق
فإن ... كنت ... مأكولاً ... فكن ... أنت ... آكلي
وإلا ... فأدركني ... ولما ... أمزق
وفي رواية خير آكل إلى أن قال:
فإن ... يتهموا ... أنجد ... خلافًا ... عليهم
وإن ... يعمنوا ... مستحقبي ... الحرب ... أغرق
والمعنى أخالفهم فإن يتهموا أي يأتوا تهامة. فأنا آتي نجدًا. وإن يأتوا عُمان أنا آتي العراق. وكذلك جاء في كلام الإمام
أبي إسحاق الحضرمي رحمه الله قوله:
لعمرك ... ما ... أعرضت ... عنك ... لياليا (1/38)
صفحة 39
أي ما أعرضت عنك لعيب ولا أتيت عُمان من أجل عيب أعده عليك. وفي القاموس: أعمن أتى عُمان. قال الحموي: وقال ابن الأعرابي العمن: المقيمون في مكان، يقال رجل عامن وعمُون، ومنه اشتق عُمان، وقيل أعمن دام على المقام بعُمان، وقصبة عُمان صحار، وعُمان تصرف ولا تصرف، فمن جعله بلدًا صرفه في حالتي المعرفة والنكرة، ومن جعله بلدة ألحقه بطلحة.
وقال الزجاجي: سميت عُمان بعُمان بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. قلت: لعله كان بها فسميت به. وقال أبى كلبي: سميت بعُمان سبأ بن يفثان بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لأنه بنى مدينة عُمان (1) وإذا كان بابنها عُمان ابن سبأ بن يفثان بن إبراهيم خليل الرحمن فيكون قد سكنها هو ومن معه من قومه، لأنه لا يعقل أن يكون بناها وحده، بل لابد أن يكون مع قومه وخاصته.
قال: وفي كتاب ابن أبي شيبة ما يدل على أنها المرادة في حديث الحوض لقوله عليه الصلاة والسلام: ما بين بصرى وصنعاء. وما بين مكة وأيلة. ومن مقامي هذا إلى عُمان قال: وفي مسلم: وعرضه من مقامي هذا إلى عُمان، قال وروى الحسن بن عادية: قال لقيت ابن عمر، فقال: من أي بلد أنت؟ فقلت من عُمان، قال: أفلا أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال: سمعت
------------------------
(1) قلت: ومما يؤيد هذا أن عاصمة عُمان إذ ذاك صحار وقد صح أن بانيها صحار بن مدين ابنى إبراهيم الخليل. (1/39)
صفحة 40
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إني لأعلم أرضًا من أرض العرب يقال لها عُمان، على شاطئ البحر الحجة منها أفضل. أو قال خير من حجتين من غيرها. قال: وعن الحسن يأتين من كل فج عميق. قال: عُمان. وعنه عليه الصلاة والسلام: من تعذر عليه الرزق فعليه بعُمان. وقال القتال الكلابي:
حلفت ... بحج ... من ... عُمان ... تحللوا
ببئرين ... بالبطحاء ... ملقى ... رحالها
في أبيات ذكرها الحموي المذكور تركناها.
قال: «وينسب إلى عُمان داود بن عفان العماني». روى عن أنس ابن مالك ونفر سواه، وأبزون بن مهنبرذ العماني الشاعر، وأبو هارون غطريف العماني، روى عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، روى عنه الحكم بن أبان العدني وأبو بكر قريش بن حيان العجلي. أصله من عُمان وسكن البصرة، ويروى عن ثابت البناني، روى عنه شعبة والبصريون، ومعنى قول الحموي وأكثر أهلها خوارج إباضية كعادة أعداء الإباضية الذين يلمزون الإباضية باسم الخوارج، وإلا فلا جامع بين الإباضية والخوارج أبدًا، فإن الخوارج كانوا يدينون بحل مال من خالف مذهبهم وبحل دمه، وهم في نظر الإباضية أهل كفر في الدين حيث استحلوا ما حرم الله ودانوا بحله حتى استحلوا قتل الأطفال وسبي الذرية، ولم يقل بذلك أحد في الإسلام وغيرهم. وقال وصفي عنتباوي، المفتش بإدارة المعارف في فلسطين، وسعيد الصباغ مؤلف كتابي الجغرافية العامة الحديثة وجغرافية سورية العمومية المفصلة، الطبعة الخامسة المطبوعة 1368هـ قال: «يطلق اسم عُمان على قطر كبير يمتد من الشحر على بحر (1/40)
صفحة 41
العرب إلى شبه جزيرة قطر في خليج البصرة، ويزيد عدد سكانه على مليوني نسمة»، قال وبلاد عُمان جبلية كبلاد اليمن. وترتفع جبالها في الداخل والساحل أيضًا، وتتجه هذه الجبال إلى الشمال فتكون رأسًا يدعى رؤوس الجبال. أو رأس ما سندوم، ويكاد يلامس هذا الرأس بامتداده ساحل بلاد إيران عند مضيق هرمز، وهو يفصل خليج البصرة عن خليج عُمان.
قال: وأعلى جبال عُمان الجبل الأخضر الذي يرتفع ثلاثة آلاف متر عن سطح البحر، قلت أكثر من ثمانية آلاف متر، ومنطقة هذا الجبل أعمر جهات عُمان، يكثر فيها السكان وتغزر المياه وتخصب الأرض ومناظرها الطبيعية بهجة للناظرين، قال: «وتشبه بلاد عمان اليمن بجوها وأوديتها الخصبة، وسكانها متحضرون كسكان بلاد اليمن، وهم يقطنون المدن والقرى على سفوح الروابي وفي الأودية، غير أن كثرة المراعي الجيدة في السهول الواقعة وراء جبال عمان الضيقة جعلت قسمًا كبيرًا من السكان يفضلون حياة البداوة وينتشرون في تلك السهول».
قال: «وبلاد عمان تشتهر بأنها موطن أجمل الهجن وأسرعها ركضًا وتدعى هذه الهجن بالعُمانيات، وهي تصدر منا لسائر أقطار جزيرة العرب»، قال: «وفي بلاد عُمان أقنية كثيرة تحب الأرض لجرى مياه الينابيع العذبة إلى المدن، وأهم مدنها الداخلية والرستاق ونزوة»، قال: «والساحل يقع خليج عُمان أمام سلسلة الجبل الأخضر سهل ساحلي يدعى الباطنة وهو خصب التربة يمتد نحو 240 كيلومتر»، قلت بل أكثر من ألف كيلومتر شمالي مسقط، ومتوسط عرضه 47 كيلومترا، وهو مملوء ببيارات النخيل وبساتين الفاكهة التي تعتمد عليها عدة مدن في معيشتها، أهمها صحار وصحم والسويق، قال: «وينخفض ساحل عمان في خليج البصرة فيطغى البحر على (1/41)
صفحة 42
البر ليلا بواسطة المد، وتتكون هناك سبخات ملحية تعيش من استخراج ملحها قرى كثيرة، قال: «وقد دعى هذا الساحل بساحل القرصنة أي الملصة، قال: لأن سكانه كانوا قديمًا يحترفون صناعة القرصنة في البحر، أي هم يتلصصون»، وقال: «أما اليوم فيشتغل معظمهم بالغوص على اللؤلؤ الذي يستفيد منه العمانيون كما يستفيد منه أهل البحرين والقطيف والكويت»
قال: «وأهم مدن هذا الساحل الشارقة التي سماها هو شرجه ودبي وأبوظبي، قال وتقع جزر كثيرة معظمها تقع على خليج عمان وترتفع وراءها تلال عالية فيها أبراج عالية، وقلاع حصينة، ويحيط بالمدينة سور عال وخارجه عدة بيوت وبعض حدائق لا تكفي محاصيلها حاجة المدينة من الخضر والفواكه، وهي من أشد مدن العالم حرارة وتمتد تجارتها إلى الهند وشرقي أفريقية، وتصدر التمر والملح والأسماك، وهي عاصمة بلاد عُمان، ثم قال: «صور تقع بين رأس الحد ومسقط ويشتغل معظم سكانها بالملاحة بين الهند والبصرة، وتصل سفنهم البحر والقطر المصري، وهي مدينة قديمة يرجح أنها موطن الفينيقيين الأولين»، فتراه يذكر مساحة عمان من الشحر إلى قطر، وأنها كبلاد اليمن، وهي في الحقيقة من بلاد اليمن كما سوف تسمعه في كلام ابن خلدون إلى مضيق هرمز وأم سندم، ويقابل حدود إيران في البحر العماني الفاصل بين القطرين، ووصف الجبل الأخضر وأنه أعمر جهات عُمان، ولا لوم عليه لأنه وصف غريب لا اطلاع له على الحقائق لكنا ننقل عن الغير في تعريف عمان لغرض له بالمقام إلمام، ووصف عمان بأنها موطن الهجن الجميلة كما وصفها أيضًا بذلك غيره، والحقيقة أن الذين جاءوا عمان وعلموا عنها فوق ما كانوا يسمعون أجمعوا في أوصافهم وقرروا في جغرافياتهم كل شيء صالح في عمان، ولو قلناه نحن لقال قائل أنهم يمدحون بلادهم، والواقع يشهد على ما نقول، وسوف نقول إن شاء الله بعد ما نفرغ (1/42)
صفحة 43
من نقل ونحقق الحقائق، فإن أهل مكة أدرى بشعابها ووصف سهل الباطنة وعد منه صحار، كما سماها صهار بالهاء بدل الحاء المهملة. وصحم وسماها سهام بالسين المهملة بدل الصاد والهاء بدل الحاء المهملة والسويق وقلب قافها كافًا ولا لوم على غريب فإنه أخذ ذلك بالنقل عن مثله. ووصف مسقط يشدة الحر، وعُمان كلها غالبًا تغلب عليها الحرارة في الصيف، كما قال واصفوها جاهلية وإسلاما، من أن صيدها عتيد وحرها شديد، وكانت عمان بأسرها كذلك، وان كان بعضه أحر من بعض كمسقط، وذلك لأنها تحيط بها الجبال مكتظة بها من جميع الجهات، فلا يخلص إليها الهواء لعسر طريقه إليها، كأنما يشير إليها قول أبي الطيب حيث يقول:
إذا ... أتتها ... الرياح ... النكب ... من ... بلد
فما ... تهب ... بها ... إلا ... بترتيب
وذكر صور وهي كما ذكر من العمران القديم وأهلها الأقدمون هم الذين عمروا صور الشام لما ارتحلوا من عمان وسموها باسمها وأهل صور أقوى من يصارع البحر منذ الجاهلية، وقد عرفوا بذلك وهم حتى الآن على ذلك، ومن أشد أهل عمان على مصراع البحر باتفاق أهل الملاحة فإنهم يتغلغلون في أقاصي الهند، ويجر الهند معروف بأنه أخبث البحار، كثير الأمواج كثير الأخطار، ويسبحون في البحار الأخرى حتى النيل، والبحر الأحمر كاد أن يكون موطنهم الخاص، وكم هلكوا في هذه الأبحر لكنهم مطبوعون على حب المغامرة البحرية ويشوقهم إليها ما يجدون من خيرات وما ينالون من أرباح، فلذلك يستلذون الأسفار البحرية التي تدر عليهم بالغنى، فيتنافسون في ذلك أشد منافسة، ولا يكترثون بما يلاقون، ومن اعتاد أمرًا سهل عليه. (1/43)
صفحة 44
وأهم مدن عمان قلهات وصحار الجاهلية خصوصًا في الساحل وأما مسقط فكانت أهميتها الملحوظة بعهد البرتغال، وأما نزوى فكانت أهميتها بعد تعيينها مقرًا للإمامة، وسوف ترى الكلام على ذلك في محله. أما صور فهي قديمة العمران لها موقعها الطبيعي ومقامها الإستراتيجي كما يفهم ذلك أهل هذا الصدد، وأما صحار الآن فقد لحقت قلهات فسقطت الأهمية منها تصديقًا لحديثه عليه الصلاة والسلام: ما رفع الله شيئًا إلا وضعه، وقد شهرت الآن دبي وأبوظبي ورأس الخيمة والشارقة، وجاءت الآن موجة عارمة لمسقط ترفعها على متن الأثير تدعمها فيه الثروة البترولية، ونالت الشهرة معها مطرح، فهما العينان الباصرتان في الساحل، وأما الجبل الأخضر فهو عرش عمان وحصنها الرفيع، وعلى الرغم من وجود الطائرات فهو غاب منيع لا تفتح قفله إلا البيضاء والصفراء.
قال عبدالقادر زلوم في كتابه الذي ألفه في عمان والإمارات السبع قال: إن عمان جزء من الجزيرة العربية يقع إلى الجنوب الشرقي منها، ويمتد قسم منه يشكل شبه جزيرة تشبه المثلث، رأسه إلى الشمال وينطح به بلاد فارس أي يقرب منها مسافة لامتداده في البحر حيث رأس أم سندم، كما أن شبه الجزيرة دعيت بساحل عمان، وهي التي تشمل الإمارات السبع وجزء من سلطنة عمان، أما قاعدة هذه المثلث فهي ترتكز على خط وهمي ممتد بين قطر وسلطنة عمان، وأما باقي القطر العماني فيشمل ساحل الباطنة عمان، والجبل الأخضر والمنطقة الجنوبية وتتاخم الأولى (1) بلاد مهرة، وأما الجبل الأخضر فيأخذ في الانحدار تدريجيا حتى يتلاشى مع كثبان الربع الخالي في الغرب، وعلى ذلك يمكن تقسيم القطر العماني في الوقت الحاضر على هذا الشكل.
------------------------
(1) قلت: هذا خطأ فبين مسقط وبلاد مهرة بعد بعيد والجبل لا يتلاشى مع كثبان الربع الخالي أ. هـ (1/44)
صفحة 45
أولا- سهل الباطنة ويقع على خليج عُمان، وهو سهل ساحلي.
ثانيا- داخلية عمان.
ثالثا- المنطقة الجنوبية.
والحالة الاجتماعية في القطر العماني أن أول من سكن قطر عمان القديم فرع من العرب البائدة وهم العماليق، ثم نزله بعد ذلك قبيلة عمان القحطانية التي أعطت اسمها للبلاد فدعيت ببلاد عمان وبالقطر العماني، ثم حدث بعد انفجار سد مأرب أن رحلت الأزد إلى عمان، وهي من كبرى بطون كهلان، وضربت في الأرض فسكن قسم منها تلك البلاد فسمو أزد عمان، ويظهر أن أول بقعة جذبتهم لسكنى تلك البلاد هي الجبل الأخضر حيث الأرض الخصبة والماء الغزير، ثم توزعوا من هناك في سائر القطر أنجادا وسواحل، وأما باقي البطن من الأزد فقد تابعوا سيرهم إلى بلاد أخرى ومنهم أزد شنوءة وغيرهم، وقد تبع أزد عمان قبائل أخرى عدنانية وقحطانية بعد ذلك، فسكنت تلك البلاد، وقد ظهر الإسلام والأزد هم أهل عمان وملوكه وقد دخلوا في الإسلام عندما دخل الناس في دين الله أفواجا على يد الصحابي عمرو بن العاص، وفي عهد ملكيهم جيفر وعبد ابني الجلندى، وبعد مداورات ومناورات من القائد العربي الداهية، وبين الملكين المذكورين، وكان هو أول وال مسلم لتلك البلاد.
وكانت تعرف عمان في عهده عليه الصلاة والسلام باسم الغبيراء، والغبراء، فلما بلغه إسلامهم قال: «رحم الله أهل الغبيراء آمنوا بي ولم يروني» وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأعلم أرضا من أرض العرب يقال لها عمان على شاطئ البحر الحجة منها أفضل». أو قال خير من حجتين من غيرهما، كما ذكرت أحاديث أخرى في فضل عمان والحث على انتجاعها للرزق، ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقد توفى والجزيرة العربية تدين بكاملها بالإسلام، وعلى ذلك (1/45)
صفحة 46
فعمان هي قطعة من الدولة الإسلامية التي نشأت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقال أن عمان قد أخذت حضها من الردة في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ولكنها سرعان ما أعلنت توبتها. قلت: لم تأخذ شيئا من الردة أبدا، وإنما وقع سوء تفاهم بين أهل دبا من شمال عمان والمصدق، فضن أن القوم قد ارتدوا، لأن بركان الارتداد من العرب الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم قد انفجر، فقاس المصدق أمرهم على ما يسمع أو يسمع من غيرهم، فعاجلهم وهم رهن الإشارة الإسلامية، فقبض عليهم قبضة قادهم بها إلى المدينة، وأبلغ الخليفة عنهم فسرعان ما تبين للخليفة الغلط من المصدق، فرد القوم إلى مأمنهم مكرمين محترمين، فلقى بذلك الطاعنون في أهل عمان لتعليق الردة عليهم، وهل يصح أن يقال لو فرضنا ارتداد أهل دبا أنه صحيح ودبا بلاد من أدنى بلاد عمان لا أهمية لها من الوجهة الزعامية، ولا رئاسة لها وإنما النظر يصح أن لو كان ذلك من زعماء عمان وأولياء الأمر فيها، وهذا أمر قاله أحد المؤرخين بناء على الشبهة التي ذكرناها، فسرى في أقوال المؤرخين وتداولوه في تواريخهم ونادوا به في عمان ليكون أحدوثة سيئة لعمان ولأهل عمان، والحق هو هذا وسوف ترى بسط ذلك في محله عند الكلام على إسلام أهل عمان إن شاء الله.
ومن مدنها المشهورة، مسقط ونزوى وصلالة وصحار وسمائل، وتاريخها ذكر ابن خلدون أنها سميت باسم عمان بن قحطان أول من نزلها من العرب في عهد أخيه يعرب بن قحطان، ونقل صاحب تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان: «أن قبيلة الأزد اليمنية التي هاجرت إلى هذا القطر بعد حادثة سيل العرم وتهدم سد مأرب هي التي أطلقت عليه هذا الاسم باسم واد كانوا ينزلون حوله بالقرب من مأرب يدعى عمان» كما تجث عن وقوع حوادث حربية بين العرب من رجال الأزد (1/46)
صفحة 47
المهاجرين من اليمن وبين الفرس الذين كانوا يحتلون هذا القطر العربي تغلب العرب في نهايتها على الفرس وأجلوهم عن البلاد، ثم لحقت بعمان قبائل عربية من بني سعد وعبدالقيس وتميم وغيرهم، فقد خضع هذا الجزء من بلاد العرب قبل ذلك لحكومة التابعة في اليمن الذين امتد سلطانهم على كثير من لأقطار الجزيرة العربية كما سبق في موضعه، فلما جاء الإسلام كان ملك عمان إلى عبد وجيفر ابني الجلندي الأزدي، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص السهمي بكتاب يدعوهما فيه إلى الإسلام، وقال في تحفة الأعيان في تعريف عمان قال ابن خلدون: «هي من ممالك جزيرة العرب المشتملة على اليمن والحجاز والشحر وحضرموت وعمان» قال الإمام: «يعني عمان بعض جزيرة العرب المشتملة على هذه البلدان.
قال: «وهي خامسها إقليم سلطاني منفرد على بحر فارس من غربيها مسافة شهر، شرقيها بحر الهند، وغربيها بلاد حضرموت، وشماليه البحرين كثيرة النخل والفواكه، وبها مغاص اللؤلؤ سميت بعمان بن قحطان أول من نزل بها بولاية أخيه يعرب بن قحطان، يعني أن يعرب ولي عليها أخاه عمان فسميت باسمه وصارت بعد سيل العرم للأزد، وجاء الإسلام وملوكها بنو الجلندى» إلى أن قال «وهي في الإقليم الثاني، وبها مياه وبساتين وأسواق، وشجرها النخل» إلى أن قال: «وقلهات هي فرضة عمان على بحر فارس ومما يليها الشحر وحجار في شماليها،» وأراد بها صحار تحريفًا للصاد المهملة بالحاء المهملة إلى البحرين أي الأحساء بينهما سبع مراحل، وهي في جبال منيعة أي عمان في جبال منيعة، فلم تحتاج إلى سور، وسيأتي أن عمان كانت قبل العرب في يد الفرس، وأنها صارت إليهم بعد سيل العرم بعد حروب الخ إلى أن قال: وأهم أسموها باسم واد كانوا ينزلون حوله، إذا كانوا في مأرب، وأن الفرس كانت تسميها مزون وفي ذلك يقول قائلهم: (1/47)
صفحة 48
إن ... كسرى ... سمى ... عثمان ... مزونا
ومزون ... يا ... صاح ... خير ... بلاد
بلدة ... ذات ... مزرع ... ونخيل
ومراع ... وشرب ... غير ... صادى
وقال المسعودي في المروج: وسنجار قصبة أهل عمان وأراد بها صحار، قلت هي صحار بعينها، وإنما حرف غلطا، وقال الأندلسي الشريسي: صحار سوق عمان، سيأتي ذلك عند الكلام على صحار، قال: «ومرساها فرسخ في فرسخ»، أي كانت مرسى عظيمًا تكثر فيه السفن بحيث يصير امتدادها إلى هذه المسافة، إلى أن قال: «وبلاد عمان ثلاثون فرسخًا» قلت: إن كان أراد طول ساحل عمان ربما قارب ذلك كما سوف تقف عليه في محله. قال: ما ولى البحر شهودًا ورمال، وما تباعد حزون وجبال، وهي مدن أي عديدة، قال: منها مدينة عمان أي صحار، لأن لها الشهرة إذ ذاك»، قال: وهي حصينة على الساحل، قلت: كانت تحصينها بأسوار تحيط بها قوية متينة، قال: «ومن الجانب الآخر مياه تجري إلى المدينة أي أن صحار كانت تسقيها المياه بالقنى المنجرة إليها عرفًا شائعًا عامًا إلى آخر ما وصفها به»، وسيأتي ذلك في محله إن شاء الله إلى أن قال: «أحوازها مغاص اللؤلؤ، لأن أحواز عمان كما عرفت إلى الأحساء، وكل الساحل تابع لعمان، وأن قيل تابع لصحار غير بعيد، لأن الشهرة في ذلك العهد لصحار في الساحل الشمالي.
قال في معالم الجزيرة صفحة 21: «إن البراكين في القديم هي التي كونت الجزيرة على هذا الوضع الحاضر، إنما هو من عمل (1/48)
صفحة 49
البراكين التي نرى من آثارها الآن الشئ العظيم، فجميع الحرارة الموجودة في جزيرة العرب ما هي إلا اندفاعات بركانية خلفت لنا الحجارة السوداء النخرة فوق الرمال القديمة فأمسكتها عن التفتت والزوال» إلى أن قال: لقد حدثت حركات أرضية فوق الأدوار القديمة سببت تكون أخدود البحر الأحمر، وانقسام القارة العظيمة إلى قسين قسم غربي البحر الأحمر نعرفه الآن بأفريقيا، وقسم آخر شرقية نعرفه الآن ببلاد العرب، وقد تكونت عمان والجبل الأخضر بحركات أرضية ممالة، قال فان المستر برترام توماس يؤكد في كتابه (العربية السعيدة) إن بلاد عمان كانت في الأعصر الجيولوجية قسما من بلاد إيران، قلت: إن كان يعني أنها قسم من بلاد إيران أي تابعة لها فمسلم، لأن الفرس تولوا عمان وألحقوها ببلادهم حتى جعلها أحد ملوكهم منفي لمن أراد نفيه من بلادة، ومكثوا فيها عهداً طويلاً إلى أيام نبي الله موسي ابن عمران عليه الصلاة والسلام، حتى أجلاهم العرب في عهود قريبة من البعثة، وتم جلاؤهم بعهد الإسلام في عمان، وأين كان يعني أن عمان من بلاد إيران وتكون هذا البحر الفاصل بين عمان وإيران ففصلهما عن بعضهما بعضا، فمن الممكن ذالك إلا إنا لم نقف له على صحة، وعلما البحار يذكرون أمكنة كانت أبحراً فصارت براً، وبرًا صار بحرًا، وذلك بعد الطوفان، ولعل هذه الحرارة بلاد العرب نتيجة تلك البراكين أو الغازات، وأخص بالحرارة بلاد العرب وعمان من أحرها فلعلها أكثر بلاد العرب غازًا، وبراكين الغازات فيها غزيرة المادة.
وعمان مملكة خالدة من عهد عريق تتولى ممالك فتضمها إليها أحيانًا وتتأخر في بعض الأحايين فتبقى على كرسيها بعمان، وربما غزاها غزاة في بعض الأزمنة فيتغلغلون في قلبها ويتولون أرها بشأن (1/49)
صفحة 50
الممالك الهامة التي تطمح إليها الأنظار، وعمان كما قيل عنها كرسي الجزيرة في الشرق كثيرة المعادن المتنوعة.
واعلم أن عمان قديمًا اسم يشتمل هذه الرقعة التي هي منتهى شبه الجزيرة إلى البحرين الحسا، فهذه كلها عمان فيدخل فيها العقير وقطر، ثم تبدل هذا الحال بعد ذلك فانفصل عن اسم عمان ذلك الطرف الغربي المشار إليه، ثم انفصلت قطر وأعلنت أنها قطر مختص بواحاته وصحاريه، وبقي الاسم العماني شاملاً لأبوظبي وما يليها تشريفًا إلى مسقط، ثم كاد أن ينفصل هذا إلى أقطار خصيصة حتى صار الخارج من دبي يقول أنه رائح إلى عمان وكذلك أهل الساحل على طوله، فيبقى اسم عمان مختصًا بالبلاد الداخلية وهكذا، وهذا من باب التغير الطارئ لأحوال اقتضاها الحال في عمان، وبلغني أن علي بن عبدالله آل ثاني لما أطلع على الإسعاف ورأى فيه اسم عمان يشمل قطر استنكر ذلك، ولو رجع إلى أصول التاريخ لم يستنكر ذلك ولأيقن أن لعمان الشرف الطويل العريض، ولم يتبرم من كون قطر قطعة من عمان، ولو ألقى نظرته إلى كلام ابن المغرب العيوبي حيث يقول في قصيدته اللامية الهائية وهو البيت الثالث والخمسون منها وهو قوله:
وجازت ... قرى ... البحرين ... عيسى ... وأصبحت
عمانية ... واستسهلتها ... سواحله
قال الشارح: «ويعني بالسواحل سواحل البحرين من عمان»، أن سواحل البحرين من عمان لو نظر ذلك الأمير إلى هذا وأمثله لما استنكر كون قطر من عمان ولا عبرة بالتقسيم الطارئ على الممالك، فإن ذلك شيء آخر غير ما نحن بصدده، فقد صارت عمان في القرن العشرين وهو القرن الرابع عشر الهجري ممالك متعددة، وأقطار منفصلة تتنافس في الشئون، ولاسيما لما صار الساحل المعروف بالمتصالح أو (1/50)
صفحة 51
المحمي كله إمارات، وفي قلب عمان إمامة مختصة بجانب منه، وفي ساحله سلطنة جاثمة عليه، وهكذا صار اسم عمان يتعلق بالقلب الداخلي، وبهذا البيان نعلم أن عمان اسم شامل لهذه الإمارات كلها، وتقع البريمي في القلب من عمان لا علاقة لها بأي قطر من أقطار الجزيرة العربية، اللهم إلا كان الحكم للسيف لا للقلم، ويرجع العدل إلى الحق لا إلى التغلب، ولو كان الحكم للسيف فلعمان أكثر بلاد العرب في الجزيرة إلى رأس الرجاء الصالح بشهادة الأجانب من اليهود والنصارى، وباعتراف العرب في معظم البلاد.
فانظر في حياة الشرق وغيره من كتب التاريخ جاهلية وإسلام تجد التحقيق، أما عمان الطبيعية فهي ما يشمل ما ذكرناه لا ما يقوله الغير. قال الخضرمي في محاضراته إذ يذكر جزيرة العرب قال: «وأسياف البحرين وقطر وعمان» قال في التعليق: «بلاد على ساحل الخليج بين البصرة وعمان»، قال: «وكامت هي وعمان أيام بني العباس عملاً واحدًا»، أي أن البحرين وقطر وعمان كانت تعتبر بلدًا واحدًا في ذلك العهد، وذكر قطر وهي بفتح القاف وفتح الطاء المهملة قرية على سيف الخط بين عمان والعقير وهي أي العقير بحذاء هجر، وقال في صحار: «كورة عربية على ساحل بحر الهند بين حضرموت وعمان،» قال: «وتنتهي إلى البحرين». أي عمان نهايتها البحرين، قال: «وقصبتها مدينة صحار»، قال صاحب جغرافية الشرق الأدنى إذ يذكر الشحر: «تمتد هذه المقاطعة أي مقاطعة الشحر شرق شمالي مهرة وتعد جزءًا من بلاد عمان»، قال: «وينتشر سكانها في الساحل بين جزائر كوريا موريا وجزيرة مصيرة إلخ»، وعلى كل حال أن الشحر قطعة من عمان، وأن كوريا موريا هما من عمان باتفاق المؤرخين القدماء الذين هم الحجة في تحقيق التاريخ، أما (1/51)
صفحة 52
الذين يتبعون أهوائهم فلم يكونوا حجة في شيء ما، والتاريخ العربي والإفرنجي شاهد بما قلناه.
قال بعض الكتابيين: أن عمان هي جزء من جزيرة العرب تمتد من حدود قطر إلى جدود جضرموت وغير مضبوط عدد سكانها ولا يوجد بها إحصاء رسمي ولا اهتمام لأهلها بذلك. قلت: بل لهم اهتمام عظيم، فقد روى أن سعال وهي محلة بنزوى بلغ سكانها أربعة عشر ألفا، ولو لم يكن لهم اهتمام لما علمو ذلك في القرن الثالث عشر هجري، ولا يعرف أول من سكنها على الصحيح، ذكر بعض المؤرخين أن قبائل العرب البائدة طسم وجديس كانوا بها والعمالقة هم الأخص بها، قال: «ولا يفهم أنهم انقرضو أو أخرجهم الفرس منها». قال: «وكتب أهل التاريخ القديم والحديث كثيرا عنها وعن سكانها» قال: «ولابن خلدون وابن الأثير قدم السبق» أي في التحدث عن عمان، قال: «وذكرها غيرهم كالطبري واليعقوبي والمسالك وممالك»، قال فيلبي: «إن الأقسام الجنوبية من شبه جزيرة العرب هي الوطن الأصلي للسامين»، وأراد بهم ذراري سام بن نوح عليه السلام وقد سبق لنا ذلك.
ذكر العوتبي في الأنساب وهو أحد رجال العلم في أوائل أهل عمان. وفي كلام بعض التميميين يقول:
ألا ... يا ... من ... لصب ... مستهام
قريح ... القلب ... قد ... مل ... المزونا (1/52)
صفحة 53
بفتح الميم وضم الزاي المعجمة قال المبرد في معناه المزون عمان وهو اسم من أسمائها، قال الكميت:
فأما ... الأزد ... أزد ... بني ... سعيد
فأكره ... أن ... أسميه ... المزونا
والمعنى أن اسم المزون اسم لعمان فأكره أن أطلقه على الأزد أي لا أطلق عليهم اسم بلدهم: وقال جرير: وأطفأت نيران المزون وأهلها
أهـ من شرح أبي حديد على نهج البلاغة في الجزء الرابع صحيفة 158 أهـ.
قلت: ولنا في رعاية الأحساب عن العمالقة هم بنو عملاق بنو لاوذ بن سام ابن نوح، قال السويدي: وهو عظيمة طوال القامات يضرب بهم المثل في الطول. يقال رجل عملاق، أي بالغ الطول قامات العماليق، وكذلك عظم الجثمان، تفرقوا في البلاد فكان منهم أهل المشرق وأهل عمان والبحرين والحجاز»، قلت: وهذا يدل أن من أول من سكن عمان العماليق، قال: وكان منهم ملوك العراق وجبابرة الشام والجزيرة وفراعنة مصر، ومنهم قبيلة جاشم بجيم بعدها ألف فشين فميم، قال السويدي: هم بنو جاشم بن عملاق كانت مساكنهم يثرب والبحرين وعمان إلخ. (1/53)
صفحة 54
مناخ عُمان
أما مناخ عمان فهو طيب جدا شتاء أو صيفا، وإن وصفت بالبحر في الصيف فقد صح أن غيرها من بلاد العرب أحر منها، (فنجد) أحر من عمان بمسافات وكذلك سائر الجزيرة، وإن كان للعراق والسام وباقي بلاد العرب من غير الجزيرة لا حر بها فعمان طيبة الهواء جدا، أما السموم الحار الذي يهب في الصيف فليس لعمان منه أكثر من غيرها، بل هواء عمان دائما سجسج بارد أو معتدل، وكذلك البرد لم يكن بها برد شديد بالنسبة على باقي بلاد العرب، فالرياح في الطرف الشرقي من جعلان إلى أطراف نزوى والظاهرة طلق نظيف لطيف، وهواء البريمي كذلك، أما هواء الباطنة ففيه بعض اللزوجة في وقات غير طويلة المدى، ثم تذهب لزوجته ويبقى باردًا رطبًا تعشقه النفوس، وإذا تبرم منه أهل عمان فمعناه لم يتعودوا على هواء البلاد الأخرى، فالرياح لم تكن زعزعًا إلا نادرًا ولا تقف أيضًا بتاتًا بحيث يسبب توقفها ثقلا على النفوس كبيرًا، وأما هواء الجبل الأخضر في الحر يكون رخيمًا طيبًا يسلي النفس وينعش القلب وينشط الدم، وأمما في الشتاء بارد جدا بحيث تؤذي برودته لغير المتعود بها لارتفاعه، فإنه يقدر ارتفاعه بأكثر من عشرة آلاف متر عن سطح الأرض بحيث لا يحس الماشي بحر الشمس إذا مشى فيه وقت الحر ولو حافيًا، وفي الشتاء إذا وقعت الأمطار وهبت الريح يجمد الماء.
جبال عُمان
أهم جبال عمان الجبل الأخضر وهو الجبل الخاص ببني ريام عند الاطلاق، ثم جبل الكور الخاص ببني هناة، ثم قنة وادي السحتن وهو الخاص بآل عبرة بن زهران، ثم تبقى قطع من الجبال (1/54)
صفحة 55
بعمان لها حكم الجبل الأخضر في بعض الأحوال كجبل صيا في حطاط، وهو جناح مستطيل بوادي الطائيين وقطعة منه بجعلان تدعى بجبل قهوان، ثم جناح يمتد من جبل بني ريام مغربًا حتى يعانق جبال الحدان لبن شمس فيستمر سائرًا في الغرب حتى يشرف على سفح البريمي. ثم تمتد جبال ليس لها من صفات الجبل الأخضر لا اسمًا ولا معنى. وبعض هذه الجبال التي ذكرناها ليس لها حكم الجبل الخضر إلا في اللون أو في العلو أو البرودة فقط، أما جبل بني ريام فهو جنة عمان وجنتها، وأمما جبل الكور ففيه بعض من نوع ما في جبل بني ريام، وأما قنة وادي السحتن فهي قطعة من الجبل الأخضر فيها بعض الصفات الملحقة لها بحكم جبل بني ريام، ثم بقيت جبال في عمان فخمة ضخمة في ذاتها تخالف ما ذكرنا في صفاتها، والجبل الأخضر على الأجمال حصن عمان من العدو الغازي، وحوض عمان لحفظ مياهها وكرس الأمن في غالب الأحوال ومستشفى المرضى من أمراض عديدة لا علاج لها إلا استنشاق هواه وأكل ثمره، إذ هو روض من الرياض في فواكهه وزهره ولطيف نسيمه وحسن رباه.
رمال عُمان
اعلم إن عمان أخذت حظها من الرمال المتناثرة والمتكدسة القارة والمتنقلة، ففي الباطنة رمال مفروشة عليها معروشة وغير معروشة، هادئة قارة لها عمقها في الأرض صالحة للغراس على اختلاف أنواعه بإجماع أهل الفلاحة، ولذلك صار إقليم الباطنة عامرًا أغلبه مأهولاً مملوكًا على طول الساحل المتصالح إلى حيث ينتهي، وفي عمان الداخلية رمال متنوعة منها الهادي والمتنقل والمتراكم وغيره من جعلان والدقم ومحوت إلى ظفار في الجنوب وإلى الأحقاف في الغرب إلى قطر، وبادية الظفرة إلى أبوظبي ودبي في الجانب الشمالي. (1/55)
صفحة 56
مراعي عُمان
اعلم أن مراعي عمان كثيرة متنوعة لا يحصيها قلم كانت مهما كان ومهما صح له من فراغ وخصوصًا أيام توالي الأمطار فإنها تصير كلها سهلاً وجبلاً روضة خضراء ودوحة زهراء وجنة بهجة، إلا إن أمطارها قليلة غالبا.
حيوانات عُمان
اعلم أن عمان بها كل الحيوانات الأهلية من الإبل التي يضرب بها المثل في حسنها وجمالها وفي ركضها وأحمالها باتفاق خبراء العرب الذين لهم الخبرة والتجارب، وقد شاع هذا عند المؤرخين قديما وحديثا، وقضت به التجربة والعادة أيضا، وقد صح أيضا أن لبن الحيوانات أصح الألبان ولحما أطيب اللحوم بحيث لا يمتري في هذا أحد، وأما البقر في عمان فكالإبل بغير مدافع ألبانها ولحومها على حد سواء فالسمن العماني لا مثيل في العلم بإجماع أهل الأقاليم، وإن قال بعضهم أن سمنهم قليل فيتمكنون من تصفيته، فالحق أنه أطيب الأسمان إن لم يغش، لأن المراعي العمانية أطيب المراعي، فلذلك يكون اللبن والسمن أطيب الألبان والأسماك واللحوم كذلك، فإن طيب المرعى مؤثر في الراعي وهذا لا يدفعه أحد إلا مكابرة.
وأما الغنم بعمان فهي كالإبل والبق في طيب الألبان والأسمان واللحوم، وأنواع الغنم في عمان كلها موجودة ولها نهاية الجودة، بل ربما قال بعض الخبراء الذين لهم الدراية الكاملة، إن حيوانات الداخل تفوق حيوانات الساحل، وحيوانات الجبال تفوق حيوانات الأودية، والسيوح بعظم الأجسام وطيب الألبان والأسمان واللحوم (1/56)
صفحة 57
حتى بالغ بعضهم فقال بالفرق في الأرواث لدى الأسمدة، وذلك غير بعيد أيضا.
وأما الخيل فخيل عمان تفوق على خيل باقي بلاد العرب، لأنها تطعم القت والتمر العماني، وذلك هو الذي يكسبها التفوق في ركضها والحسن في هيئتها وجمالها، ثم تليها خيل البحرين فخيل نجد كذلك.
وأما حمير عمان فهي أنواع منها حمير الجبل الأخضر كالبغال لا تختلف عنها في شيء أبدا ولا تصلح في الجبل غيرها وباقي الحمير عديدة الأنواع.
وأما الحيوانات الوحشية
ففي عمان الوعل والظباء بكثرة إلا أن السيارات الآن فرقت بها شعر بغر، ويوجد بها الثعالب والأرانب، ومن الحيوانات الضارية بعمان الذئاب والضباع، أما الأسود والنمور والفهود فلا توجد بها أصلا إذ لم نجد لها ذكرا في التاريخ القديم والحديث، وتوجد بها الحيات المتوسطة الحجم والصغيرة الحجم أيضا أما الحيات الكبار التي تذكر في البلاد الأخرى فلا توجد بعمان أصلا.
وأما بحر عُمان
فهو بحر الخير ومخزن الأرزاق لأنه كثير الأسماك الطيبة اللذيذة صغارا وكبارا ونوعا يسميه أهل عمان العومة، وآخر يطلقون عليه ما دام طريا اسم البزية بتشديد الزاء المهملة والياء المثناة من تحت، وإذا جف سموه قاشعا بقاف مفتوحة فشين مثلثة فعين مهملة، (1/57)
صفحة 58
ومن هذه الأنواع يصدر إلى الخارج كميات كبيرة تعود على الأهالي بأثمان وافرة ومبالغ مهمة، كما تكلم على هذه الأنواع كثيرون من المؤرخين، وفي بحر عمان من أنواع السمك ما لا يوجد في غيره كثرة وطعما.
وفيه مغاص اللؤلؤ الذي هو أكبر الذخائر في العالم، ولا يوجد في غير بحر عمان من ذلك، وإن وجد فشيء غير كبير الأهمية، وما زال بحر عمان هادئا مطمئنا قليل الأخطار كثير الخيرات عظيم البركات، وعند أهل عمان يرجع ذلك لدعائه عليه الصلاة والسلام حين استدعاه الصحابي الكريم مازن بن غضوبة السعدي السمائلي وقد شهد ذلك وعسى أن نذكره في محله إن شاء الله.
أودية عمان
لقد ذكرنا في مقدمتنا لتاريخ عمان بعضا من اودية عمان ونذكر هنا بعض منها وأهمها في الداخلية وداي القريات، وقد ذكونا مبتداه ومنتهاه، وهو واد كثير المزارع طويل المدى فيه قرى متعددة وأفلاج مبعثرة ومزارع متناثرة على طول خطه.
وقريب منه وادي عندام المنحدر ىمن رؤوس العق والجرداء، ويمر إلى أن ينتهي في الرمل الجنوبي من عمان، مأهول مسكون قراه وفلواته إذ هو كثير الفلوات واسع الغابات ذو ريف جميل لا يخفى على من مشى فيه.
ووادي حلفين بحاء مهملة مفتوحة بعدها لام ساكنة ففاء فمثناة تحفية ينحدر من الحبل الأخضر من سفحه الشرقي ليمتد إلى الرمل الجنوبي ويسقط في الرمل كثير البلدان والسكان. (1/58)
صفحة 59
ووادي سمائل النازل من الجبل الأخضر بعض شعابه الغربي، ثم يلتقي بشعاب أخرى عديدة كثير البلدان المحتوية على عشرات الآلآف من الرجال والنساء والولدان، لا يزال خصبة مستمرا إلى أن ينزل في رمال الباطنة بالسيب، يحتوى على أمهات القرى في عمان.
ووادي بني خالد في الجانب الشرقي واد متسع مأهول كثير السكان متسع البلدان، واقع في شرق عمان، من أكبر الأودية العمانية التي لها أهميتها.
ووادي الطائيين واد عظيم له شعاب واسعة وبه قرى وبلدان متعددة القبائل كثيرة العدد.
ووادي وما يشتمل على قرى لبني شيهم وغيرهم من سائر القبائل وبه بلدان واسعة بالنسبة إلى تلك القرى الجبلية.
ووادي المعاول المشتمل على تلك الديار الفيحاء ذات الحدائق الجميلة، وفي رأسه نخل وهي من أمهات القرى في هذا الوادي المنحدر من سفوح الجبل الأخضر المعروف أعلاه بوادي مستل بميم مضمومة سين مهملة ساكنة وتاء مثناة فوقية وآخره لام، وهذا الوادي من أكبر الأودية وأكثرها عمرانا.
ووادي الأبيض المعروف من أعلاه بوادي بني خروص لاشتماه على بلدان بني خروص وفي آخره قرية الأبيض المأهولة ببني صبح.
ووادي الرستاق أعمر الأودية العمانية وأكثرها أرزاقا على الإطلاق، أن في أعلاه قرى لبني عوف وفي وسطه إلى آخره قرى الرستاق المتعددة. (1/59)
صفحة 60
ذات الحدائق الغناء، والبساتين الزهراء، والغياض الخضراء أو على الإطلاق هو وادي الخيرات، وادي الأرزاق كثير القبائل واسع الفضائل.
ووادي بني غافر من الأودية المتسعة التي لها أهميتها في عمان مأهول بقبائل عديدة تحت اسم بني غافر فيه بلدان رائقة حسنة يبتهج بها القلب.
ووادي الجهاور كذلك من الأودية المأهولة العامرة بقبائله العريقه.
ووادي بني عمر من الأودية الهامة المعروفة المتعددة البلدان والقرى والمزارع الذي لا يزال عاما كسائر أودية عمان ذو أهمية قبائلية وأمته التي تعيش فيه عيشة الأحرار.
ووادي الجزئ المنحدر من جبال واحة البريمي المنصب في النواحي الصحارية عامر بسكانه المتعددين من كنود ومقابيل وغيرهم من القبائل، ويشتمل على بلدان معروفة لا تخفى على أحد لأنه طريق البريمي إلى صحار إلى الشميلية في الغرب وإلى مسقط في الشرق.
ووادي القور آخر الأودية في الجهة الشمالية معروف عند الكل من مواطنين وأجانب، وسكانه كذلك لا يخفى مقامهم وبلدانهم معروفة لا تحتاج إلى ذكر، وعلى كل حال إن هذه الأودية التي ذكرناها هي أمهات الأودية في عمان، وإلا فقد بقيت أودية كثيرة مأهولة عامرة لم نذكرها لغر بلدانها وقلة قطانها، لكن مجموعها يسد فراغا هاما في عمان الداخلية، ولا يخفى أنا لم نذكر البلدان الواقعة في هذه الأودية بأسمائها فضلا عن أممها وقبائلها، ذلك شيء يطول وربما كان عسيرا، فإن مساحة عُمان تقدر بمساحة بريطانيا وكلها مأهولة مسكونة بقبائل متعددة. (1/60)
صفحة 61
ولا يخفى أن الوضع العماني ينقسم إلى قسمين، والقاسم له الجبل الأخضر، فإنه صار سنام البعير وغاربه، فأما الجانب الشمالي منه جوزة رأس الحد في الشرق إلى رأس أم سندم في الغرب، فهو منخفض جدا نهايته البحر، فإنه يسير في انحدار بحيث يغلب على القياس حتى يتصل بالبحر انحدارا ملموسا، فترى أمطاره تنقص إلى البحر انقضاضا باهرا بحيث يحسبها الرائى انفجار براكين هائلةلا صاد لها ولا راد.
أما القسم الجنوبي بخلاف هذا فإنه يتنازل تدريجيا إلى أن ينتهي في الرمل كما قلنا، ثم إن اله جلت قدرته جعل قيعان الأودية المنصبة إلى الشمال كلها ضخرا يمنع بقاء الماء في قيعانها، بل سرعان ما يسيل إلى البحر، وبعكس الأودية الأخرى، ثم إن الجبال الحالة في الوسط العماني هي الكفيلة بتقسيم مياه الأمطار على هذا الوضع الذي ذكرناه.
الولايات العمانية
اعلم أن عمان تشتمل على أكثر من أربعين ولاية في الوقت الحالي، والمراد بالولاية منطقة يحكمها والٍ وقاضٍ أو أحدهما ينفذان فيها حكمهما بشرع الله ويحكمان على التقوى والضعيف، ويستمد قوتهما من الحاكم الأعلى، ولهما جنود مدينون يقومون بتنفيذ الأوامر، وأرزاقهم جميعا إما من السلطنة العليا أو من خراج نفس الولاية على حسب الاتفاق بينهم، على هدى القوانين الإسلامية عن السلف الصالح كما هو معروف عندهم أشبه بأيام الخلفاء الراشدين. (1/61)
صفحة 62
العواصم بعُمان
عواصم عُمان الساحلية:
أولها: مسقط- قال الحموي: «مدينة من نواحي عمان في آخر حدودها مما يلي اليمن على ساحل البحر». قلت هذه صفة لم تنطبق على مسقط، ولكنها وصف غريب يصف الشيء على غير صفته، فهي على ساحل البحر مما يقابل فارس أو على الأقل مما يلي مكران، فأين مسقط من اليمن بل هي عاصمة عمان من البحر في الجانب الشرقي الشمالي، فهي مدينة من مهام المدن على البحر العربي الفارسي علا شأنها وعظم مكانها منذ القرن الحادي عشر للهجرة، حين حل بها البرتغاليون وبنوها حصنا لهم بل حصنوها وسوروها من الجبال بأسوار مكينة حين صار ملك عمان بأيدي الطغاة من آل نبهان، واستمر بها الحال أيام اليعاربة الأجلاء الذين يفتخر بهم الدين وتبتهج بهم الدنيا، ثم اتخذها آل بوسعيد عاصمتهم الوحيدة وهكذا تطور وقتها حتى الآن، ولله في أرضه وبلاده نظرات والحمد لله.
والثانية: المطرح- وهي العاصمة الراقية لا تبعد عن مسقط فوق نصف ساعة على الماشي وعلى السيارة الآن عشر دقائق أو دونها، وهي مدينة تجارية أقام صرحها الحالي البترول وأنعش روحها السلطان الحالي قابوس بن سعيد المفدى، فقام بعنايته شرفها الجديد، فهي مصب التجارة العمانية على اختلاف أنواعها وهي في الثغر الباسم في وجه القادم إلى مسقط، وهي محاطة بجبال منيعة كمسقط المار ذكرها وبها الرصيف الذي أقامه بها السلطان قابوس. (1/62)
صفحة 63
ثم الثالثة: صور- وهي العاصمة الثالثة، لها المقام المرموق في العواصم الساحلية العمانية من نواح عديدة، فهي بالجنبة عزيزة منيعة، وبعمان قلعة رفيعة وبالسلطان العُماني كورة وقيعة، تمون عمان الشرقية وترمي بأبطالها في المغامرات في وجه الطليعة، في أفق مكشوف وفضاء معروف، لها منظر بديع في البلاد العمانية، لا تباريها فيها بلدة من البلاد العمانية مهما كانت، إلا أن أهلها فاقدون الحضارة ولهم في سبر البحر زائد المهارة، وبها في الأعلى منها حدائق غناء ناشئة على مياه عذبة لا يتصل بها البحر، بها مزارع للخضروات لا تزال وافية بحاجياتها، إلا أنها قائمة على الزجر لا على الأنهار، والآن يسر الله الآلات العصرية التي تقرب من الأنهار لتسير مؤنتها وذلك تصبح البلاد متقدمة جدا.
ثم صحار في الجانب الغربي: صحار- العاصمة الرابعة، قال ياقوت الحموي، في الجزء الثالث، في حرف الصاد بالضم أي بضم الصاد المهملة، وآخره راء مهملة، قال: وصحار قصبة عمان مما يلي الجبل، وتوام قصبتها مما يلي الساحل، قلت: هذا غلط فاحش، إن لم يكن قلبا مطبعيا، فإن الأمر بالعكس، فصحار على البحر، وقد أكل البحر منها أذرعا بل أبواعا. وتوام اسم للبريمي، والبريمي في عنق عمان، وهي إحدى عواصم عمان وأكبر مقاطعاتها في الداخل، قال الحموي: «وصحار مدينة طيبة الهواء والخيرات والفواكه. مبنية بالآجر والساج»، أي لكون الحجر بعيدا منها في الجبال العالية. والمرتفعات النائية، قال الحموي: «كبيرة أي صحار. مدينة كبيرة». قال: «ليس في تلك النواحي مثلها، سميت بصحار بن أرام بن سام بن نوح عليه السلام، وهو أخو رباب وطسم وجديس. قال اللغويون: إنها تلي الجبل، قلت ليس هذا مما يختص به اللغويون بل هذا مما لكل ذي علم بالإطلاع عليه أن يقوله فلا مزية للغويين فيه يختصون بها، ثم قال البشاري: صحار قصبة (1/63)
صفحة 64
عمان ليس على بحر الصين بلد أجل منه عامر آهل حسن طيب نزه ذو يسار وتجار وفواكه، أجل من زبيد وصنعاء وأسواق عجيبة وبلدة ظريفة ممتدة على البحر دورهم من الآجر والساج شاهقة نفيسة، قال: والجامع على الساحل له منارة حسنة طويلة في آخر الأسواق، قال ولهم آبار عذبة وقناة حلوة أي فلج بحسب العرف العُماني، قال: وهم في سعة من كل شيء قال: «وهو دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن»، قال: «والمصلى وسط النخيل ومسجد صحار على نصف فرسخ أي في وسط البلاد والمسافة لمنتهى صحار نصف فرسخ من الشرق إلى الغرب أو من الجبل إلى البحر أو من الكل»، وجميع ذلك غير بعيد من الحق، فإن صحار كما وصفها أنها دهليز الشرق، وإن أهلها في سعة من كل شيء وهذا ما ليس عليه من مزيد، وأنها خزانة الشرق كناية عن كثرة الأموال والأرزاق بها، إذ كانت تصب إليها أموال عظيمة، قال الحموي وهو يذكر محل مسجدها: «وثمت بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قلت: لم نعرف هذه الناقة متى بركت هناك، ولعلها في عهد عمرو بن العاص أيام جاء الإسلام أهل عمان، وكان الركوب على النوق وأن مركوبته هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي إحدى نوقهصلى الله عليه وسلم، قال: «ومحراب الجامع مكوكب يدور، فتارة تراه أصفر وتارة تراه أحمر وأخرى أخضر وهكذا»، قلت: إن المحاريب في المساجد أول من أحدثها عمر بن عبدالعزيز الأموي أيام تولي المدينة قبل خلافته تعيينا لموضع الإمام من الجماعة في الصلاة، قال الحموي: «ولا أدري كيف كان بروك الناقة وكأنه أخذ ذلك نقلا عن غيره»، ولعل حقيقته ما ذكرت لك قال: «وفتحها المسلمون في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سنة اثنتى عشرة صلحا». قلت: وهذا من الخطأ الفاحش الذي يقع فيه المؤرخون، ومنه يتضح خطأ ما قالوه في (1/64)
صفحة 65
ردة أهل دبا، بل ردة أهل عمان، لقد صح واشتهر عند أهل العلم بالسير والتاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل عمرو بن العاص السهمي القرشي إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملكي عمان في اسلام أهل عمان، وذلك في سنة ثمان للهجرة، والقضية عند أهل التاريخ أشهر من نار على علم فسبحان من له الكمال وحده.
قال الحموي وإليها ينسب أبو علي محمد بن زوزان الصحاري العماني الشاعر، وكان قد نكب فخرج إلى بغداد فقال يتشوق بلدته من قصيدته:
لحا ... الله ... دهرًا ... شردتني ... صروفه
عن ... الأهل ... حتى ... صرت ... مغتربًا ... فردًا
ألا ... أيها ... الركب ... اليمانيون ... بلغوا
تحية ... نائى ... لدار ... لقيتموا ... رشدًا
إذا ... ما ... حللتم ... في ... صُحار ... فألمموا
بمسجد ... بشار ... وجوزوا ... به ... قصدًا
إلى ... سوق ... أصحاب ... الطعام ... فإنه
يقابلكم ... بابان ... لم ... يوثقا ... شدًا
ولم ... يرددا ... من ... دون ... صاحب ... حاجة
ولا ... مرتج ... فضلا ... ولا ... آمل ... رفدا
فعرجوا ... إلى ... داري ... هناك ... فسلموا
على ... والدي ... زوزان ... وقيتم ... جهدا
وقولوا ... له ... إن ... الليالي ... أوهنت
تصاريفها ... رفدى ... وقد ... كان ... مشتدا (1/65)
صفحة 66
وغيبن ... عني ... كل ... ما ... قد ... عهدته
سوى ... الخلق ... المرضي ... والمذهب ... الأهدا
وليس ... يضر ... السيف ... إخلاق ... غمده
إذا ... لم ... يفل ... الدهل ... من ... نصله ... حدا
وهذا ليس من محل ذكر العواصم بل من محل ذكر أعيان عمان من علماء ونبغاء وخطباء وشعراء، ولكن ذكرناه استطرادًا كالتعريف بصحار.
واعلم أن العواصم الساحلية هي المنظور إليها من الوجهة الإستراتيجية، فإنها هي ثغور القطر وهي أبوابه فمهما تكون قوة الأبواب وحصانة الثغور تكون قوة القطر، فإذا كانت الأبواب خشبية أكلتها الأرضة أو النار، وإذا كانت حديدية فيحسب قوة حديدها وضخامته وضعفه ودقته، والقوة في الكون هي العمدة فيه وإليها المنتهى.
والثغور هي أسوار البلاد وهي حصون الأقطار وهذا ما لا يمتري فيه أهل النهى.
أما العواصم الداخلية فهي عبارة عن مواطن الحكام الذين يحكمون البلاد وأهم العواصم الداخلية: نزوى إذ هي مقر الإمامة وعرش العدالة وكرسي الشريعة منذ عهد غير يسير، وأهل عمان بطبيعة مقضى مذهبهم غير وادعين إلى الزخرفة العصرية، ولا راكبين إليها لأسباب أبقتهم على هذه الحال لا تخفى على عباقرة الرجال، فنزوى عرش عمان الداخلية على كل حال. (1/66)
صفحة 67
الحلقة الثانية
في الأمم التي قطنت عُمان
اعلم أن عمان كغيرها من بلاد الله التي هي موطن الإنسان، وبالأخص فإن جزيرة العرب هي قلب المعمورة بالنسبة إلى الوضع الطبيعي، ولذلك فإن الله جعلها مقر أجل النبوات العامة منذ أوجد الله الأمم البشرية في الأرض، وبالأخص أيضا الأمم السامية، وقد فرضنا على تاريخنا هذا ذكر الأمم التي قطنت عمان من سائر الأمم التي مرت بها الأزمان، حتى يقف القارئ على تحقيق الأمم التي قطنت الوطن، ومرحت فيه قبله عهدا من الزمن غير يسير، وما كان لها فيه العيش وما أبدعت فيه من المصانع، وما كان لها، وعلى الأقل يكون محلا للاعتبار وعظة بمن سبق ولذلك أمر الله عزوجل بالاعتبار في الكون وما احتوى عليه من بدائع وغرائب، وعلى ذلك بعلم القارئ علما يحسن السكوت ليه.
فاعلم أن من أمم عمان في القديم السومريين وهم أول من أخرج النحاس، أول ما أخرج للعالم أخرجوه من عمان، وكانوا يسمون عمان أرض ماجان، وذلك لأربعة آلاف سنة قبل الميلاد أو يزيد عليها، وأن الكلدانيين أيضا من الأمم التي قطنت عمان كما يقول المؤرخ البريطاني برترام توماس والمؤرخ بليني الكلاسيكي الذي كان في القرن الأول للميلاد، وكانوا يسمون عمان إبليتا، وجاء الفرس ثم جاء قوم عاد فسكنوا عمان حتى أجلاهم منها عمان بن قحطان لما تولى عمان من قبل أخيه يعرب بن قحطان، وكانت منازلهم بالرمل المعروف برمل الأحقاف وهو من عمان بغير خلاف.
وأن الفينيقيين سكنوا عمان وكانت صور بلادهم فارتحلوا عنها جلاء على الشام، وبنوا فيها مدينتهم المعروفة بصور الشام، بدلا من (1/67)
صفحة 68
صورهم في عمان، لكن لم أعرف الذي أجلاهم، ولعله عمان بن قحطان، قال في المنتخب وكان مالك بن حمير قد ملك عمان، ثم ابنه قضاعة، ثم ابنه الحاف ثم ابنه مالك، ثم حاربهم السكسك الحميري فأخرجهم من عمان.
قال بعض المؤرخين القدماء: «أما الآشوريون فقد استولوا على عمان وذلك زمن ملكهم تفلت فلاس الآشوري، ثم حل محلهم البابليون الأخيرون فازدادت عمان بهم قوة وازدهارا، ونشطت تجارتها ردحا من الزمن، وذلك في القرن السابع قبل الميلاد، ثم جاء كورش أحد ملوك الفرس، فاجتاح البابلية اجتياحا من عمان، واستطاع أن يحقق أحلامه في السيطرة على الخليج العربي وموانئه المزدهرة على ساحل عمان، وأزال البابليين من عمان كليا، وحل محلهم الفرس».
فيتبين من هذه الأقوال أن أول من حل بعمان السومريون وهم أول من أخرج النحاس قبل أن يكون له وجود، فصنعوا منه المزهريات وهم الذين سموا عمان بلاد ماجان، أي بلاد النحاس، وذلك قبل الميلاد بأربعة آلاف سنة، وهذا يدل أنهم تواطئوا عمان وتمكنوا من نواصي الأعمال فيها حتى أذن الله بزوالهم منها.
ثم جاء الكلدانيون فنزلوا عمان وقطنوا بها أعواما غير يسيرة وهم الذين سموا عمان ابليتا.
ثم جاءت الفرس الأولى فنزلت عمان وتولوا زمام الأمر فيها أعواما لا تقل عن سبعة قرون، ثم أراد الله زوالهم منها بعد ما مرحوا فيها تلك القرون المشار إليها، وازدحمت فيها قوم عاد إذ أفاضوا عليها من الجزيرة العربية موجات متوالية مزدحمة، فكانت الأحقاف مركز (1/68)
صفحة 69
زعامتهم ومحل العتاة منهم كما أشار القرآن إلى ذلك، وكان لقوم عاد في عمان النقص والإبرام، ولهم الصولة والطولة، حتى لما تعاظم بغيهم وبالغوا في تحكيم عواطفهم وعتوا عتوا كبيرا في أرض الله، فأراد الله الذي بيده كل شيء الانتقام منهم أرسل عليهم نقمته ودوخهم سخطه كما قص الله عنهم في كتابه الكريم.
ثم جاء عمان بن سباق الفنجديهي أحد الملوك، فتولى عمان وطرد منه بقايا قوم عاد وعاش فيه هو وأرهاطه ردحا من الزمن، ثم جاء عمان بن قحطان واليا على عمان منى قبل أخيه يعرب بن قحطان، وقد علمت أن أول من سكن عمان، عمان يفثان بن إبراهيم، وقيل عمان بن إبراهيم، وقيل عمان بن سبأ بن يفثان بن إبراهيم أول من بناها، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، قال في المنتخب صحيفة 91: «وصار أولاد نصر بن الأزد في أرض فارس وجوى بن شجر، وهي عشيرة الجلندى ابن كركر»، قلت: عشيرة الجلندى بن كركر معولة ابن شمس أهـ. وقيل هو من أولاد مالك بن فهم ثم عاش العرب القحطانيون في عمان ردحا من الزمن، وعمان إمارة مستقلة لها أهميتها في كل عهد حتى الآن.
قال الخضرمي في محاضرته:
«عطف عمران بن عمرو مفارقا لقومه نحو عمان، وقد انقرض من بها من طسم وجديس فنزلها واستوطنها هو وبنوه وهم أزد عمان، فهذا يدل أن طسم وجديس كانوا هم أهل عمان أي قبل الأزد، ولم يذكر من أجلاهم منها، أما الفرس وهم آخر الأمم بعمان فقد أجلاهم مالك ابن فهم، وذلك يدل أن الفرس أجلوا الأزد من عمان حتى جاء مالك ابن فهم، وهم العريقون بها حتى أجلاهم مالك المذكور من عمان.
وتلك الأيام نداولها بين الناس، فتبين أن الأمم التي قطنت (1/69)
صفحة 70
عمان قبل القحطانيين أكثر من عشر أمم على الأقل، فمنهم السومريون، ثم الكلدانيون، ثم العاديون، ثم الفينيقيون، ثم الآشوريون، ثم البابليون ثم الفارسيون الأولون، ثم الفنجديهيون، ثم القحطانيون، ثم السبأيون، ثم الطسميون ثم الجديسون، ثم الأرديون الأولون، ثم الفرس الأخيرون، ثم الأزد الأخيرون، وكان ملك الفنجهديهيين عُمان ابن سباق.
والسبأيون آل سبأ بن يفثان بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وأما الأزد الأولون فهم آل عمران بن عمرو، ثم الفارسيون الأخيرون المرازبة وأعوانهم، ثم الأزد الأخيرون وهم مالك بن فهم وأتباعه، ويدل على أن الأزد تولوا عُمان مرتين قول مالك بن فهم لجنوده، عند ملاقاتهم للمرازبة في حال حربهم، إذ قال لهم مالك بن فهم من جملة ما يحرضهم به: «حاموا عن أحسابكم، وذوبوا عن مآثر آبائكم». فقوله: عن مآثر آبائكم يدل أن لآبائهم بعمان مآثر، يحرضهم على الذب عنها، وما هي تلك المآثر هي كون آبائهم كانوا ملوك عمان قبل هؤلاء المرازبة، والمعنى إذا كنتم معشر المرازبة تعدون عُمان ملككم فنحن كذلك، فأما أن تقاسمونا فيها بناء على أنكم كنتم بها كما كنا نحن بها، وإما أن نتقابل بدعوى أنا كلنا ندعيها، ولعل هذا كان أول ما اقتضاه نظر مالك بن فهم في زحفة عليها، وهذا الذي ذكرناه منصوص في كلام مالك بن فهم.
وكان مالك بن فهم بعمان في أيام نبي الله موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، وذلك دأبه إذا أراد التنقل من بلد إلى آخر، أمر بأخذ السفن المارة ببحر عمان، وكانت قلهات عاصمة عمان في أيامه، وكان أكثر نزوله بها لحصانتها من الغزاة، فإنها بلاد جبلية ضيقة على الغازي يشق عليه (1/70)
صفحة 71
دخول عمان منها, وكانت تُري الأمم على الساحل كالغنم وهم مسلوبوا سفنهم لا يدرون أين يتوجهون، وهذا شأن الملوك إلا ما شاء الله خصوصًا في الجاهلية.
وكان مالك من هذا الطراز، وكانت قلهات حصنة الساحلي، قال فيها ياقوت الحموي: «مدينة على ساحل البحر إليها ترفأ أكثر سفن الهند» قلت: ومنها يصطاد مالك السفن المارة على البحر العُماني إذ ترسو بها، قال: «وهي الآن فرضة تلك البلاد، وأمثل أعمال عُمان عامرة آهلة، وهي من أقدم العواصم إذا اشتهر نزول مالك بن فهم بها وتحصنه فيها».وأما ياقوت فيظنها جديدة العمران، وليس الأمر كما ظن.
وفي مروج الذهب للمسعودي: أن مالكا سار من اليمن مع ولد جفنة بن عمرو بن عامر مزيقيا فسار بنوجفنة نحو الشام وانفصل مالك نحو العراق، فملك على مضر بن نزار اثنتي عشرة سنة، فدل ذلك أن العراق إذ ذاك مضرية، فلما نزل بها مالك كان ذلك وفق شقاق القوم فيما بينهم، فملكوا مالك بن فهم عليهم، دفعًا للشقاق بينهم، قال: ثم ملك بعده ابنه جزيمة فامتد ملك جذيمة إلى مشارف الشام إلى الروم نحو الفرات، وكانت داره بالموضع المعروف بالمضيرة بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا، قال وأقام جذيمة ملكا في زمن ملوك الطوائف خمسا وتسعين سنة، وفي ملك أزديشير بابك وسابور الجنود ابن أزدشير ثلاثا وعشرين سنة، فكان ملكه ثمانية عشر سنة ومائة سنة.
وذكر العوتبي في الأنساب عن الكلبي: «أن أول من لحق بعمان من الأزد مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عدنان بن عبدالله بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبدالله بن نصر الأزد»، قلت: نعم (1/71)
صفحة 72
إن أول من لحق بعُمان من الأزد الأخير هو مالك المذكور، لأن بلاد العرب قد عرفت نزول من نزل بها من الأزد الراحلين من اليمن، وعرفت أن مالكا انفصل إلى العراق وأقام بها في جوار مضر، فملكوه عليهم حين أبرا أن يملكهم واحد منهم لعتوهم على بعضهم بعضا، ثم لم ير مالك المقام مع قوم ملكوه على أنفسهم، فكانت المنة لهم عليه بذلك، وليس بملك من مُلك لأن الملك إذا لم يكن ملكه عن قوة له على من ملك، فإن ملكه عارية مستردة، فلذلك حول مالك بن فهم عزيمته إلى عمان ليناطح الفرس فيها ويمتلك منها بقوته، وعُمان سبق الأزد فيها ثم أنجلوا عنها فعاد إليها مالك ليعيد ملكها له إن استطاع، ويعيش فيها عيشة الأحرار.
قال بعضهم: إن الدولة المعينية وهم من عمالقة العراق، وقيل هم من الآراميين امتد سلطانهم إلى عمان، ثم جاء الحمورابيون بعدهم ثم السبأيون الذين هم آال سبأ بن حمير القحطاني، فكونوا دولة الحميريين، ثم تلاهم الفينيقيون، ثم الأكاديون، ثم الكلدانيون أيضا وهم من أهالي الجزيرة العربية.
قال في مغالم الجزيرة إن سلطانهم امتد على الجزيرة العربية بأجمعها إلى خليج فارس والبحر الأبيض المتوسط، قال: وأما دولته فقبل الميلاد بثمانية قرون، قال وأما التبابعة فقبل الميلاد بتسعمائة سنة، قال ويشترط في التبابعة ان يكون الملك ضاما إليه مع اليمن حضرموت والشحر وإلا فلا، يقال له تبع، قال: وتبتدئ مدتهم بسنةخمس وسبعين ومائتين بعد الميلاد، قلت: وهذا يخالف مات قاله أولا إن التبابعة قبل الميلاد بتسعمائة سنة، قال ومدة ملوك حمير تبلغ أكثر من ألفي سنة، قال والآشوريون منسوبون إلى أشور كما أن الفينقيين منسوبون إلى فينيق، والحقيقة أن التحقيق للمدة التي عاشتها هذه الأمم (1/72)
صفحة 73
وتحقيق ملكهم يعسر على أهل هذه العهود، فإن التدوين لم يكن موجودًا خصوصا مع العرب، وأن الذي يقال إما من أحاديث النبوات وأخبارها، وإما من أقوال أهل الكتاب والتخطيط فيه غير مستنكر.
وخراب سد مأرب قيل القرن الثالث للميلاد، وقيل في الخامس وقيل في السادس، ومنه يعلم خروج مالك بن فهم إلى عُمان، وكم كانت مدته، وعلماء التاريخ ليس هم الذين يدونون الوقائع أو يكتبون الحوادث ونحوها، وإنما هم الذين يستنتجون الأمور من مقدماتها، ويفهمون الأحوال من سير الأعمال، ويستخرجون أحكام القضايا من وقائعها وهكذا.
وفي التاريخ العُماني أمور هامة وقعت هامة وقعت في العهود التي مرت على الوطن في حقها وباطلها سوف ترى ذلك في هذا التاريخ إن شاء الله.
وهذه دبي في زهوها وجمالها أصبحت طافحة بالأجانب يمتلكون نواصي الأموال ويقبضون على خيرات البلاد ويتغلغلون في الأحوال الخاصة فضلا عن العامة. اللهم إنك تعلم ما نقول قبل أن نقول، فأحفظ لنا ديننا من الأديان الباطلة، وأحفظ وطننا من أعدائنا إنك كريم رحيم. (1/73)
صفحة 74
الحلقة الثالثة
في نزول مالك بن فهم بعُمان وحروبه للفرس إلى انتهاء أمرهم
قال الإمام السالمي رحمه الله، وسمعت من يدعي المعرفة بذلك يقول: إن ذلك كان قبل الإسلام بألفي عام، وذلك يقتضي سبقه على عهد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بقرون، وإذا كان هذا قبل الإسلام بألفي عام، وقد علمت أن عمران بن عامر نزل عُمان قبل مالك بن فهم بمدة طويلة، وكان قد سبقه بها أيضا عُمان بن قحطان، فكان بين عُمان بن قحطان وعمران بن عامر قرون متطاولة، وبين عمران بن عامر ومالك بن فهم أيضا كذلك، فغير مستنكر إذا قيل بين ذلك وبين الإسلام ألفي عام، فيكون القحطانيون تولوا عُمان ثلاث مرات، وهذا قريب من الصحة بحسب استقراء التاريخ، ولما قضى الله على مأرب بالخراب وقضى على أهلها بالانتقال والذهاب، وأن يتفرقوا في نواحي الأرض لحكمة أرادها الله عزوجل، وقضى بها في محكم الكتاب، أرسل الله على مأرب سيل العرم، فاجتاح السد الذي بناه سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فهلكت البلاد وتفرقت العباد، وخرجت الرواد ترتاد لهم البلاد، فكان بعضهم خرج إلى مكة وبعضهم إلى المدينة، وبعضهم إلى الشام، وبعضهم إلى السراة ثم إلى عمان.
كان مالك بن فهم على ما يظهر آخر من خرج منهم إلى عُمان، لن قرناءه الأجلاء الذين سبق لهم العلم الأكيد بخراب السد، ورأوا الآيات الدالة على ذلك كما شهر من أمر كاهنتهم طُريَفة خرجوا إلى البلاد، وتوطنوا فيها آهلين، وعاشوا عهدًا طويلاً، ولعلع مالكا كان يفضل المقام ببلاده مهما كان إمكان ذلك حتى إذا تحقق الأمر (1/74)
صفحة 75
ورأى ضرورة الخروج، خرج ولابد أن يكون له سابق علم بعُمان من حيث إن أعياص الأزد وعباهلها الذين قطنوا عُمان في تلك العهود المشار إليها هم من قومه وبني جلدته، فلذلك على ما يظهر اختار عُمان لاسيما أن عمران وآله حلوا بالشام قال في المنتخب إذ يذكر تفرق الأزد منهم: سار إلى السراة ومنهم من سار إلى مصر، ومنهم من سكن سار إلى العراق ومنهم من سار عُمان، قال: فأما من سكن عُمان من الأزد فيحمد، والحدان، ومالك يعني بن فهم، قال: ومن الأزد الحجر ولهب ونارة وعائذ وبارق وسوام وحارثة وسنجار، على عمان إلى آخره، فدل ذلك أن قبيلة من الأزد تدعى عُمان سكنت في جملة من سكنها من الأزد، فلعل اسمها أطلق على عمان، فشاع ذلك على القطر كله ساحليًا وداخليًا، أما يحمد بن حمى الأزد، وأما الحدان فهو بن شمس فرع أزدي، وأما مالك فهو معروف، وأما الحجر فليس من الأزد، وأما لهب ونارة وعائذ وبارق يبق منهم بعُمان فيما علمن، ولعلهم دخلوا في القبائل الاخرى، وكذلك سوام وحارثة لم نعرف عنهم شيئًا، وكذلك سنجار، وجاء في تحفة الأعيان أن سنجار قصبة عُمان والمراد بها صحار والله أعلم بما قاله صاحب المنتخب. وكذلك على وعُمان أما إن كان أراد بهم بنو علي فموجودون بعُمان، أما بنو عُمان فلا.
قال الإمام السالمي نقلا عن المروج للمسعودي: «إن مالكا سار من اليمن مع اليمن ولد جفنة بن عمر بن عامر مزيقيا، فسار بنو جفنة نحو الشام وانفصل مالك نحو العراق كما سبق، وبقى عند المضريين بالعراق ملكا مكرما محترما معظما، إلا أنه كان مملكا ولم يكن ملكا، كما هي العادة ند الملوك، واستمر به الحال عهدًا غير يسير».
وقال أب حاتم السجستاني عن أبي عبيدة عن أبي اليقظان: «أن سبب خروج مالك بن فهم عن قومه بعد تفرقهم في البلاد حين أخرجهم (1/75)
صفحة 76
سيل العرم من جنتي مأرب ونزلوا بالسراة، أن راعيا لمالك بن فهم خرج بغنم وكان في طريقهم كلبة، وفي رواية ثانية ففيها كلب عقور لغلام من دوس، فشد الكلب على راعي مالك، فرماه الراعي بسهم فقتله فتعرض صاحب الكلب لراعي مالك، فخرج من السراة هو ومن أطاعه من قوه، وذلك لأن دوسا من أعياص مالك الأقربين إليه، فخشي الفتنة بينهم، فسمى ذاك النجد الكلبة من ذلك اليوم، فخرج مالك يريد عُمان فيمن أطاعه من ولده وقومه وعشيرته من الأزد، ومن أطاعه واتبعه من أحياء قضاعة وسار متوجها إلى عمان، وقد اعتزل عنهم من قبل ذلك ولده جذيمة الأبرش بمن صحبه إلى العراق من سائر أبطال الأزد».
قال أبو المنذر بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أخبرني وشرقي ابن القطامي، قالا: «لما خرج بن فهم من السراة يريد عُمان وتوسط للطريق، حنت إبله إلى مراعيها، وأقبلت تلتفت نحو السراة وتردد الحنين، والإبل دأبها ذلك لأنها تألف المواطن وتستوطن الأماكن فوق سائر الحيوان، وعند ذا أهاجت حفيظة مال فأنشد شعرا له في ذلك لم نذكره»، قال: «سار من فوره يريد عُمان، فجعل لا يمر بقبيلة من قبائل العرب من معد وغيرهم من قبائل اليمن إلا سألوه ووادعوه لنعته وكثرة عشيرته»، ودل ذلك أن المسير كان على الإبل عن طريق البر، وانظر من أين يدخل مالك عُمان، قال: ثم سار في مسيرة ذلك حتى أخذ على برهوت وهو واد بحضرموت، فلبث فيه ريثما يستريح فوجه قصده إلى عُمان فبلغه أن بعُمان الفرس وهم أهلها وساكنوها ولابد أن تقع بينه وإياهم منافرات، فأستعرض رجاله فإذا هم زهاء ستة آلاف فارس وراجل، فرأى أهم كتائب تغني عند الحاجة عن كثير من الجيوش لأسباب لا تخفى على الفطن، فأقبل بهم يريد عُمان على الرضا والسخط، وقد جعل على مقدمته هناة ابن مالك ويقال فراهيد بن مالك، وكان هذان النجيبان عنده من أنجب أولاده فجعلهما (1/76)
صفحة 77
في ألفي فارس من صناديد الأزد وفرسانها ثم سار يؤم عُمان حتى انصب إلى الشحر فتخلفت عنه هناك مهرة بن حيدان بن عمرو ابن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير، قال الكلبي: كان أول من خرج من العرب من تهامة مالك بن فهم الأزدي، وعمرو وأبنا فهيم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن الحاف ابن قضاعة بن مالك بن حمير، فنزلت الشحر، وتقدم مالك بن فهم في قبائل الأزد ومن معه من أحياء قضاعة إلى أرض عُمان، فوجد بعُمان الفرس من جهة الملك دار ابن دار ابن دار بهمن اسفنديار، وهم يومئذ أهلها وسكانها، والمتقدم عليهم المرزبان عامل ملك فارس، فعند ذلك أنزل مالك بن فهم من كان معه من الحشم والعيال والنساء والأثقال إلى جانب قلهات، قلت: يتبين من هذا أنه جاء عُمان من طريق البحر إذ لا سبيل إلى عُمان من هذه الجهة على الخيل والإبل، وكنت أحسب أنه جاء من طريق الشحر فدخل عُمان من تلك الناحية الصالحة للدخول بالرواحل العدية إذ ذاك، أما من طريق قلهات فيلزم أنه تحمل بخليه وإبله في السفن إلى قلهات، قال: «ليكون أمنع لهم وترك عندهم من الخيل والرجل من يمنعوهم»، أي ترك حامية تمنعهم من العدو إذا هاجمهم، قلت لعلفه وجه الثقل والعائلة في السفن على طريق قلهات وهو الواضح. (1/77)
صفحة 78
مالك بن فهم يروم التغلغل في داخلية عُمان
لما نزل مالك بقلهات ترك الثقل هناك للمنعة التي تصون الحرم، لأن قلهات كورة منيعة بالجبال، وعند الحرم حامية كافية، فإن الفرس في صحار وما إليها من أعمال، وإلى أن يبلغ خبر نزوله صُحار ويتحقق مقصده فقد تمكن من تركيز دعائم إمارته، وضرب معسكره بعُمان.
قال: «ثم سار هو ببقية عساكره وصناديد رجاله، وقد جعل على مقدمته ابنه هناءة في ألفي فارس حتى دخل ناحية الجوف، وهي قلب عُمان فتغلغل فيها على عزيمة ثابتة وجأش لا يتزعزع، رضي الفرس بقراره أم لم يرضوا»، قال: فعسكر بالصحراء، وأرسل إلى الفرس يطلب منهم النزول في قطر من عُمان، أي يريد منهم أن يخصصوه بجانب يستقر فيه فلا يضايقهم فيما عداه، ولا يضايقوهم وكان المرزبان هو منهم بمنزلة الرئيس الملك فيهم فطلب منهم أن يسمحوا له بذلك ويمكنوه من الماء والكلأ، فيبقى بصفة لاجئ بعُمان حتى يرى لنفسه ما يصلح فيقيم معهم أو يرحل عنهم. (1/78)
صفحة 79
الفرس يعقدون مؤتمرهم في ذلك
لما وصل إليهم علم نزول مالك بعُمان، وأنه يطلب منهم النزول والاستقرار بعُمان على حال المسالمة والموادعة والاطمئنان، لذلك أطالوا المقال قيما بينهم وائتمروا وتشاوروا، وبع التمحيص للخطب أجمع رأيهم على عدم قبول ما طلب مالك، وألا يمكنوه وهو عربي صميم، كما أنه ملك عظيم فهم يخشون من وجوده بعمان الاستيلاء عليها وصارحوه قائلين لا نحب أن ينزل هذا العربي معنا فيضيق علينا أرضنا وبلادنا لاسيما وأن الملك دارا بن دارا ربما لا يرضى منهم وجود مالك بن فهم بعُمان، وسورة الملك وغيرة الملوك على الممالك لا تسمح بمثل هذا الحال لمثل هؤلاء الأقيال، وقالوا لا حاجة لنا في قربه وجواره، فلما وصل جوابهم إلى مالك بعدم الرضا بمقامه في عُمان كشف عن حقيقة ما انطوى عليه، وأنه لابد له من المقام في قطر من عُمان، وأن يواسوه في الماء والمرعى قائلا: (إن تركتموني طوعا نزلت من عُمان وحمدتكم، وإن أبيتم أقمت على كرهكم، وإن قاتلتموني قاتلتكم، ثم إن ظهرت عليكم قتلت المقاتلة وسبيت الذرية ولم أترك أحدًا ينزل عُمان أبدًا). قال: «فأبت الفرس أن تتركه طوعًا وجعلت تستعد لحربه وقتاله». (1/79)
صفحة 80
مالك بن فهم يتأهب لمصادمة الفرس بعُمان
قال ثم إن مالك لما تحقق قيام الفرس عليه وأنهم غير تاركيه، وتحقق ذلك بعد ما كان يظنه أثبت دعائم واستقراره وقرر في نفسه عدم الخروج مهما كانت الحال، ولابد من الصراع بينه وبين القوم، رتب أعماله ونظم رجاله ونفض غبار الأمن وتحمس الأسد في غاباتها، ولم ينظر إلى الفرس إلا نظرة النهم للأكل وقرر أن يحتسيهم احتساء السم، فإما شفاء وإما قضاء، وعلى العز يحيا العربي أو يموت، وكان معسكر مالك بن فهم وقومه بواحة منح في قلب عُمان، وهو الذي حفر بها الفلج المعروف بفلج مالك، والفرس إذ ذاك بالساحل من عُمان ومعسكرهم بصُحار عاصمة عُمان وخزانة الشرق، ولما رأت الفرس لابد من حرب مالك بن فهم أو يزول من عُمان، قامت في عدها وعديدها وضربت أبواقها ونادت لحشدها، وضربت طبولها وجاءت في جيشها الضخم الكامل في تعبئته الشديدة الشكيمة في صرامته حنقا على العربي المحتل قلب عُمان، وصال المرزبان وجال وأمر أن ينفخ في البوق الذي يؤذن فيه للحرب، وركب هو في جنوده وعساكره وخرج من صحار في عسكر جم، فيقال: إن عسكره كان أربعين ألفا، وقيل ثلاثين ألفا ًوخرج معه الفيلة، وكان الفيل الواحد في الحرب يعد عن ألف رجل، واتجه لإخراج مالك من عُمان، وكان مالك بن فهم في جوف عُمان اسما ومعنى، فخرج المرزبان إليه فعسكر بصحراء سلوت بالقرب من الجبل الأخضر، فبلغ مالك بن فهم سيد الأزد بعُمان فركب ومن معه جميعاً وكانوا في زهاء ستة آلاف فارس من صناديد الأزد وفرسانها، فأقبل في تلك الهيئة حتى أتى صحراء سلوت فعسكر بإزاء عسكر المرزبان فمكثوا (1/80)
صفحة 81
يومهم ذلك والروع ملء القلوب، والشنشنة التعصبية تشتد بين الفريقين والنصر من الله، ولم يقع بينهم تلك اليوم حرب، ثم باتت الفريقان بأوامره، وكان هناءة بن مالك على الميمنة وفراهيد بن مالك على الميسرة، غلى جيش عدوه قليل العدد، إلا أنه قوي العزائم، فكتبوا كتائبهم وجهزوا جهز الحرب، فأوقف مالك بن فهم رجاله مواقفهم وعهد إليهم بأوامره، وكان هناءة بن مالك على الميمنة وفراهيد بن مالك على الميسرة، وأكرم بمليك يكون أحد أولاده على ميمنته في الحرب، وثاني أولاده على ميسرته، ويكون هو قلب الجيش في أهل النجدة والشدة من أصحابه، وبات المرزبان أيضا يعبئ جيشه ويرتبه على نظامه في ذلك الوقت، ولما أصبحوا في اليوم الثاني وتواقفوا للقتال وتأهب كل واحد من الفريقين لقتال عدوه، قام مالك بن فهم فظاهر بين درعين ولبس عليهما غلالة حمراء ولبس على رأسه قطعة حديد تكون وقاية من ضرب السيوف وطعن السهام والرماح، وغطى عليها بعمامة صفراء وركب جوادا له أبلق، ثم ركب معه أولاده على تلك التعبئة، وقد تقنعوا بالدروع والجواشن، وكذلك فعل أبطال الأزد الذين معه والبيض على رءوسهم، فلا يرى الناظر إلا حدق العيون تلمع كالنجوم.
فلما تواقفوا للحرب خطب مالك بن فهم رجاله خطبة الحرب ودعاهم دعوة القتال، وحرضهم تحريض المستميت وجعل يطوف عليهم راية راية وكتيبة كتيبة، ويقول في خطبته: يا معشر الأزد أهل النجدة والحفاظ حاموا عن أحسابكم وذبوا عن مآثر آبائكم، وقاتلوا عدوكم وناصحوا ملككم وسلطانكم، فإنكم إن انكسرتم وهزمتم اتبعتكم العجم في كافة جنودها فاختطفوكم بين كل حجر ومدر، وباد عنكم ملككم وزال عنكم عزكم وسلطانكم، فوطنوا أنفسكم على الحرب وعليكم بالصبر والحفاظ، فإن هذا اليوم له ما بعده أهـ خطبة مالك بن فهم لرجاله الصناديد، وجعل يحرضهم ويناصحهم ويأمرهم بالصبر والجلد ويدور عليهم راية راية وكتيبة كتيبة حتى استفرغ جميع كتائبه وعساكره. (1/81)
صفحة 82
المرزبان يبتدئ بفتح الحرب
رأى المرزبان الهيئة العربية حوله مستعدة لقتاله وكان هوجاء من صُحار لذلك فزحف بعسكره وجميع قواده وجعل الفيلة أمامه وأقبل نحو مالك ابن فهم وأصحابه ونادى أصحابه بالجملة عليهم قائلاً لهم: يا معشر فرسان الأزد احملوا معي فداكم أبي وأمي على هذه الفيلة فاكتنفوها بأسنتكم وسيوفكم، أي فإنها قوتهم التي يعولون عليها، وجنتهم التي يتسترون بها، ثم حمل مالك بن فهم وحملت أبطاله معه حملة عربية مملوءة حماسا وشدة، وراموا الفيلة بالرماح والسهام ثم أردفوها بالسيوف، فولت الفيلة راجعة بجملتها عل عسكر المرزبان، فوطئت منهم خلقا كثيرا، ثم حمل مالك في كافة رجاله الصناديد وأصحابه الأبطال على المرزبان وأصحابه، فانتقضت تعبئة المرزبان وجالوا جولة، ثم بانت العجم ورجعت إلى بعضها بعض، وأقبلت في حدها وحديدها، وصاح المرزبان في أصحابه وكافة جنوده، وأمرهم بالحملة فحملوا والتقى الجميع واختلط الضرب واشتد القتال، فلا يسمع إلا صليل الحديد ووقع السيوف، واقتتلوا يومهم أشد ما يكون من القتال، وثبت بعضهم لبعض إلى أن حال بينهم ظلام الليل فانصرفوا، وقد انتصف يعضهم من بعضهم وعرفوا موقفهم الراهن، وعظمت بينهم المحنة، فإن كل فريق يقول عن غُلبنا غبنا، وإن غَلبنا لنفعلن في العدو ما يشفي غيظنا، وقد أكل السيف شرارة الرجال من الفريقين، إلا من الفرس أكثر عددًا والعرب أقوى جلدًا ثم أعادوا الحرب في اليوم الثاني على ذلك النظام، فكثر في الفرس القتل وقويت جرأة العرب على القتال، وما زالوا كذلك حتى حجز الليل بينهم فكان الليل لدفن الأموات وعلاج الجرحى، وفي اليوم الثالث كذلك أو أشد، فكان القتل آخذًا مأخذه من الرجال، والسيف يضحك في أكف الأبطال، والأسنة لها الطعنة النجلاء في ثغور الأفيال، والحرب نار تلتهم كل ما تلحق بلا جدال، (1/82)
صفحة 83
فلما رأوا الحالة على هذا المثال خرج أربعة رجال من المرازبة والأساورة ممن كان يعد الرجل منهم عن رجل حتى دنوا من مالك بن فهم سيد الأزد، وزعيم هذه الحرب، فقالوا له هلم إلينا أيها العربي لننصفك من أنفسنا ويبادرك من رجل رجلن فلم ير ملك إلا إجابتهم ولم يظن بنفسه رهبة منهم، إذ كان جأشه ثابتا ونفسه أبية، وقد تجرد لهذا الأمر ووقع فيه فلا مناص ولا خلاص منه إلا بأحد الوجهين، فتقدم سيد الأزد وقلبه جنته، وخرج له واحد من أولئك الأربعة الأبطال وتطاردا ساعة، فما كان إلا دقائق حتى اختطفه مالك بالسيف على غرة، فأرداه قتيلا. قال: ثم خرج له الثاني فعطف عليه مالك ومعه نجدة الملوك وحمية العرب، فلم يتمالك أن قضى عليه بطعنة طعنه إياها خر بها صريعًا على الأرض، ثم خرج له الثالث فكان مالك بن فهم أسدا فاغرا فاه ليلتهم ما يلاقي، وكان الفارس الثاني ضرب مالكا على رأسه فلم تصنع ضربته شيئا، ثم لما ضر ب مالك الفارس الثالث وكان عليه الدرع والبضة، ضربه مالك ضربة فلقت البيضة وانتهت إلى رأس الفارس، وضربه أيضا ضربة على عاتقه، وكانت عليه الدرع فأبان العاتق والدرع نصفين حتى انتهى سيف مالك بن فهم غلى زج دابة الفارسي، فرمى به في الأرض قطعتين فلما نظر الفارسي الرابع ما فعل مالك بأصحابه اندهش، فهاله الأمر فأحجم عن ملاقاة مالك بن فهم، وعلم أنه إن خرج فهو لا محالة مقتول: فكاعت نفسه القتال وولى راجعا إلى أصحابه، فدخل فيهم ثم انصرف مالك إلى موقفه ونفسه في نشاط بالظفر، وفي قوة بالنصر، وفرحت الأزد بذلك ورأت أنها منتصرة على العجم، فإن النصر يسبب النصر، وأن المنتصر لا يزال يأمل النصر فيزيد في نشاطه يعظم من اغتباطه، فلما رأى المرزبان ما صنع مالك في قواده الثلاثة دخلته الحمية والغضب، وخرج من بين أصحابه وقال لا خير في الحياة بعدهم، ثم نادى مالكا قائلا له: أيها العربي اخرج إلي إن كنت تحاول ملكا: فأينا ظفر بصاحبه كان له ما يحاول، ولا نعرض أصحابنا للهلاك، وكان أنصف مالكا فيما (1/83)
صفحة 84
دعاه له، وقد أثار ذلك الغيظ، وفضل الفارسي العاتي الموت على الحياة في سبيل العز والشرف، ولعله يرى من نفسه سطوة على مالك لم يهتد لها أولئك، وإذا بمالك ذلك البطل المقدام يزحف إلى قرينه المرزبان البطل الغضبان على قتل من قتل في ذلك الميدان، فخرج إليه مالك برباطة جأش وشدة قلب، فتجاولا مليا والناس تنظر إليهما حيث هما زعيما تلك الحرب وقائدا وغاها، وقد قبض الجمعان أعنة خيلهما ينتظرون ماذا يفعل الزعيمان، وبقية القوم من الطرفين واقفون ينتظرون ماذا يكون وما وراهما، فصال المرزبان على مالك صولة الأسد الباسل، فراغ عنه الماهر المحنك بلبان الحرب روغان الثعلب، ثم عطف عليه عطفة فلق بها رأس المرزبان من مفرقه بضربة قطعت البضة وأبانت الرأس فخر ميتا على الأرض، وحملت الازد على الفرس حملة أدارت رحى الحرب ولها زفير، فحملت أبطال الفرس على مالك وأصحابه فاقتتلوا قتلاً شديدً من ظهر النهار إلى العصر، وأكل السيف فرسان الرجال وصدقتهم الأزد ضرباً وطعناً فولوا منهزمين حتى انتهوا إلى معسكرهم، وقد قتل منهم خلق كثير وكثر الجراح في عامتهم. (1/84)
صفحة 85
الفرس تطلب من مالك بن فهم الهدنة
بعد هذه الحرب استشعرت الفرس العجز عن حرب مالك بن فهم، ورأوا طالع نحسهم يرتفع في السماء كل آن، وإقبال الأزد في استقبال، وأيقنوا بالغلبة وماذا يكون عليهم غدًا، فلعل رجال مالك تقضى عليهم نهائيًا، فعند ذلك أرسلوا إلى يطلبون منه أن يمن عليهم بأرواحهم ويجيبهم إلى الهدنة والصلح، وأن كف عنهم الحرب ويؤجلهم سنة كاملة ليستظهروا على حمل أهلهم من عُمان، وأن يخرجوا منها بغير حرب ولا قتال، وأعطوا على ذلك العهد والجزية على الموادعة، فأجابهم مالك ما طلبوه منه ووافقهم على ما سألوه، فتحملوا من سلوت إلى صحار مقر زعامتهم وما حولوها من البلدان المنتشرين، فبقوا في تلك الأطراف الساحلية على المهادنة بينهم, وأعطاهم عهدا على ذلك وميثاقا أنه لا يعارضهم بشئ إلا أن يبدءوه بحرب وقتال, فكف مالك عنهم الحرب وأقرهم في عمان ما سألوه, فبقوا في حال أمن مسالمين للعرب ملازمين للساحل, وكان الأزد ملوكا في الداخلية سهولها وجبالها, وإليهم أمر زعامتها, وقد أندقت عصا الفرس وأنهار صرحهم. (1/85)
صفحة 86
مالك بن فهم يلقى نظرة إلى قلهات
قد قدمنا أن مالكا خلف بقلهات النساء والأطفال، وترك معهم حامية مانعة، فبعد انتهاء حرب الفرس زحف إلى قلهات ليؤيد زعامته فيها، وهي الكورة المنيعة والفرضة الرفيعة، التي لها الشأن إذ ذاك في الساحل عُمان، لإلتقائها الوارد من الهند إلى عُمان، والوافد من بحر العرب إلى الخليج العُماني قبل صُحار، وأغلب محطات التجارة العُمانية من هذه الوجهة هنا، وربما كانت أقرب لاستطلاع الأحوال الفارسية، لأن طرق المواصلات البحرية لا تزال تؤدي إليها، فانتقل إليها ريثما يتمهد أمره وتستقر دعائمه ويتوطد ملكه، ولم يدخل بذراعيه داخلية عُمان لعلمه أن العدو لابد أن يرى منه ما يكره، ويقصد العدو بيضة القوم فتكون الذراري في مأمن من الحوادث المتوقعة، وهذا من بديع سياسته، ولما رأى أن الدائرة تدور على الفرس، وخرجوا من قلب عُمان مدحورين، هب إلى قلهات وللملوك سياسات بقدر ما هم فيه.
قال الإمام السالمي: «وانحاز مالك بن فهم إلى جانب قلهات، ثم لم يزل على باله وأمرهم، فكان يستعد لما أقبل من أيامه، فإنه لا يدري ماذا يكون عليه من القوم أومن غيرهم. وصرف الدهر غير مأمونة، وقد تمرس مالك بقتال العجم، وشاع الواقع في أحياء العرب، فزاد ذلك من إكبار مالك وإجلاله في القلوب، وعلت هيبته في الهامات، فصار لا يأمل إلا حربا ولا يهوى إلا طعنا وضربا، وفي أثناء مهدنة مالك بن فهم للعجم قاموا يطمسون الأنهار الكبيرة، لأنهم يعلمون أنهم لا قرار لهم بعمان إلا ريثما يرتحلون منها في تلك المدة، لأن المراسلات والإبلاغات في تلك العهود للراجل أوالراكب الناقة أو الفرس، وفي كل شيء حكمة إلاهية، ولكل زمان أحوال ومناسبات (1/86)
صفحة 87
وقتية، وهكذا ولم تكن الهدنة بين مالك بن فهم والعجم تتناول إلا إعلان الحرب بينهم، ووفى العرب معروف عند الكل، وغدر العجم لا شك فيه لاسيما وهم يفارقون البلاد مرغمين على الخروج منها، فلا يتركون شيئا يستطيعونه إلا فعلوه.
وقد أشعروا الملك بما وقع عليهم من مالك بن فهم، وذكروا له من قتل منهم من أبطالهم ومرازبتهم وأساورتهم، وذكروا له ما حل بهم من الهوان، وإن مالك بن فهم حكم عليهم بالجلاء من عمان، فهم فيهم منه ليرتحلوا من البلاد لا ليقروا فيها، وكان ملكهم دارا بن دارا ملكا عنيدا، فاستشاط غضبا لقوم مالك بن فهم على عمان، ومن معه من صناديد العرب وقتله المرزبان في جل قواده وعسكره، وجميع ما كان بينهم وما قابلوه به من الحرب وما صار عليهم من الغلب وما حل بهم من الوهن والضعف، ويطلبون منه الإذن بالجلاء من عمان بأهلهم وذراريهم إلى فارس لإستشعارهم العجو عن الحرب. (1/87)
صفحة 88
الملك يجهز قواته لحرب العرب في عُمان
لما وصل الخبر إلى الملك دارا، وصح معه ما وقع على قومه من القتل وما فعله بن فهم فيهم، وما أصابهم من الهوان، غضب غضبا شديدا، وداخله القلق وحميت حفيظته، وثارت به صورة الملك على العرب، ولكن كان من يمن الطالع لمالك أن العجم لم يبلغوا الملك من أول مرة عن قدوم مالك بن فهم وعن ما طلب منهم من النزول بعمان على الرضا والسخط، وإنما ظنوا أنهم قادرون على إخراجه وطرده من البلاد، فخانهم الظن وكان ذلك خيرا لمالك، ولو أبلغوه لقاد القوات ووالى الغزوات، فلا يزال مالك بن فهم منه في أزمات، ولكن كما قيل إذا أراد الله أراد هيأ له أسبابا.
وهنا أخذت الملك الحمية لمن قتل من أصحابه وقواده، فعند ذلك دعا بقائد من قواده المرازبة العظماء عنده، وأمره بالمسير إلى عمان وعقل له على ثلاثة آلاف من رجاله الشجعان المجربين، وقدمه على المرازبة والأسارة، سيرة ومدادا لأصحابه المذكورين بعمان الذين نكبهم مالك بن فهم وحرض عليهم المناصرة والمؤازرة، وعهد إليهم حرب العرب وإخراجهم من عمان، وكل هذا ولا علم بمالك بن فهم بشئ منه، فلما وصلوا سيرهم إلى عمان، وكل هذا ولا علم بمالك بن فهم بشىء منه، فلما وصلوا صحار واجتمعوا بأصحابهم، وأخذوا يتشاورون فيما بينهم ويتأهبون للحرب، حتى انقى أجل الهدنة، فبلغ مالك بن فهم خبرهم واهتم لهم اهتماما كبيرا، وجعل يستطلع الأخبار عنهم، فتحقق أصول المدد إليهم فلهجت نفسه الأبية لما سمع وثارت به سورة العرب. (1/88)
صفحة 89
مالك بن فهم يتأهب لمصادمة العجم مرة أخرى
لما تحقق مالك نزول المدد المذكور، ووصوله صحار، وأنهم قاصدون حربه، كان من مقتضى سياسته أن يظهر التجلد ويهتز للقاء، وألا يروا منه وهنا أو ضعفًا أو استكانةً، فلذلك كتب إليهم يهددهم قائلاً: إني وفيت لكم بما كان بيني وبينكم من العهد وتأكيد الأجل، وأنتم بعد حُلول بعُمان، وبلغني أنه أتاكم مدد من قتل الملك، وأنكم تستعدون لحربي وقتالي، فالآن إما أن تخرجوا من عُمان طوعًا وإلا زحفت عليكم بخيلي ورجلي ووطأت ساحتكم وقتلت مقاتلتكم وسبيت الذراري وغنمت الأموال، بهذا صارحهم غير وانٍ ولا وكلٍ، وهو من إذا قال فعل.
فلما وصلهم رسوله هالهم أمره وعظم في أعينهم خطره، وضاق عليهم ما هم فيه وأكبروا الأمر إذ جربوه بالأمس، وأنه لا يقول إلا ويفعل، مع قلة عسكره وكثرتهم بالنسبة إليه، وقوتهم المتغلغلة بعُمان، وبذلك وبما صار عليهم منه سابقًا من القتل تحمسوا وتجردوا لقتاله لاسيما وقد أرسلوا لذلك، ولم يسعهم إلا مصادمته، فردوا عليه أقبح رد وأغلظوا له في المقال، فلما رأى منهم ذلك الحال زحف عليهم كما قال، ومعه عزمه القوي وصبره العظيم، إذ يباشر الحرب بنفسه ويلاقي الأبطال قبل رجاله، فخرج إليهم بخيله ورجاله، حتى أتى أماكنهم التي تجمعوا فيها، ووضعوا قواتهم عليها، فقامت الفرس للقاء البطل العربي والملك الأزدي الذي عرفته بالأمس وعرفها، فجاءوا بالفيلة أمامهم لأنها أعظم قواتهم وهي من أعظم القوات إذ ذاك، فإن الفيل الواحد يقوم مقام جيش، وكان الفرس أعدوها لذلك، وليس للعرب منها إلا قلوبهم وسواعدهم والنصر من الله ينصر من يشاء.
فلما تقارب الزحفان، وتلاقى العسكران، قام مالك بن فهم (1/89)
صفحة 90
يتفقد أصحابه راية راية، وكتيبة كتيبة، ويحرضهم ويلقى إليهم تعاليمه كما هي عادته السابقة، وتركهم يهتزون للقاء العدو الذي جاءوا له، وكان هناءة على الميمنة، وفراهيد على الميسرة، وهما الجناحان وبهما يطير الجيش وهما قوته الموقفية وأركانه الحربية، ونزل الشيخ في القلب مع الأبطال المجربين، والتقوا هم والفرس لقاء رائعًا، فاقتتلوا قتالا شديدًا، ودارت رحى الحرب كأشد ما يكون مليا من النهار، ثم انكسف العجم زالت عن مواقفها، وخلفت في موضع الحرب فيلها العظيم، فقام إليه هناءة بن مالك، وضربه ضربة كادت تقضي عليه، ثم لحقه فراهيد الصنديد، فعرقب رجليه فخرج يدوس الرجال ويطأ الأبطال وله صياح، وكان ذلك مما يهزم العجم ويزعزهم عن أمانيهم ويعدهم على ورائهم، ويفت في عضدهم لاسيما وأن الإنهزامات لا زالت تتوالى عليهم مرة بعد أخرى، ويزيد نشاط العرب لقتالهم، ثم إن العجم ثابوا وتراجعوا وهم أبطال لا تنكر وليوث حرب. (1/90)
صفحة 91
الحرب تشتد بين مالك بن فهم والفرس لتنتهي
لما رأت الفرس في هذه المعركة لوائح التقهقر، وأن مالكا لابد أن ينفذ فيهم ما صرح به لهم من أنه يقتل المقاتلة ويسبي الذري، أعلنوا لرجالهم الهجوم على مالك بغير مبالات، وأن يصبروا لحرب مالك صبر المستميت ورأوا أن يحملوا على الأزد حملة رجل واحد بحيث لا يبقى منهم أحد في موقفه، فأما النصر على مالك وإما الانهزام النهائي، فزحفوا إليهم بغير مبالات فجالت الأزد جولتها ونادت في رجالها البواسل، وناداها مالك الهمام قائلاً: يا معشر الأزد اقصدوا إلى لوائهم فاكشفوه، فان لهذا اليوم ما بعده، وتهاووا عليهم من كل وجه، وحمل الشيخ حملته الملوكية فهوى على العجم كالنجم المنقض للرجم، فسرعان ما انكشف لواء القوم واختلط الطعن والتحم القتال، وعظم النزال، وارتفع الغبار، وثار العجاج حتى حجب عين الشمس، فلا تسمع إلا وقع السيوف وصليل الحديد وغمغمة الأبطال، وتراموا بالسهام فتقصدت، وتجالدوا بالسيوف فتكسرت، وتطاعنوا بالرماح فتحطمت، وصبروا صبرًا جميلاً، وكثر الجراح والقتل في الفريقين، فبدرت بوادر الهزيمة للفرس الأشداء، ولم يروا لهم قوة تقابل العرب غدًا إذا زحفوا عليهم، ففكروا في المصير، ورأوا الهزيمة أو الموت النهائي، وهما أمران أحلاهما مر، ثم فضلوا الهزيمة فولوا منهزمين على وجوههم، فأتبعهم فرسان الأزد الأبطال المنتصرون بنشوة النصر يقتلون ويأسرون من لحقوا، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأسروا كذلك، والحظ في صالحهم يمشي.
وفي ذلك الأثناء كان المقدر أن التقى فراهيد بن مالك بن فهم بأسنفديار ابن المرزبان، وكان من أعظم قواد الجيش الفارسي، فطعنه فراهيد طعنة أرداه بها قتيلاً ثم جلله بالسيف ليستأصله، فهلك تماماً (1/91)
صفحة 92
في تلك الخطفة التي اختطفه بها، ثم سارت فرسان الأزد في أثر العجم وهم منهزمون، فظلوا يقتلونهم ويأسرون وينهبون الأموال غنيمة طيلة يومهم ذلك، حت حال بينهم الليل فحجزهم عن بعضهمبعضًا، ولم يفلت منهم إلا من ستره الليل. قال الإمام: فتحمل من بقى منهم من تحت ليله هاربًا مستخفيًا يتدارك النجاة، ويستبقي الحياة، حيث لم تنفع الحرب وما كانت يوماً في صالح الفرس طول تلك المعارك، وركبوا في السفن وعبروا إلى أرض فارس، واستولى مالك بن فهم ومن معه على سوادهم، واستباحهم وغنم أوالهم، وسجن من الأسرى خلقًا كثيرًا، فمكثوا في السجون زمنًا طويلاً، ثم أطلقهم ومن عليهم بأرواحهم، وكساهم ووصلهم وزودهم وحملهم في السفن إلى أرض فارس، واستولى على عُمان كلها وملكها وما يليها من أعمالها على الخليج العُماني، وسار فيها سيرة جميلة، وبذلك انتهى جلاء الفرس من عمان فلم يبق فيها إلا مواطن تحت سلطان مالك المالك سيد الأزد في عُمان وزعيمهم المقدام، وبذلك شاعت له أخبار في أحياء العرب، وأصبحت احاديثه ألهوجة السامرين وأحدوثة المؤرخين، فتنادت العرب يمنها وزارها للحاق بالملك الفاتح لعُمان، وإن بعُمان الخيرات المتنوعة والحياة العربية العزيزة، فما مضى وقت طويل إلا ورايات العرب تتوالى على عُمان، ولم يمن ليهدأ روع مالك بن فهم خوفًا من العجم، وقد علم ما وقع بينه وإياهم، وتوتر الحال إلى أقصى حد، ولم يزل مالك ابن فهم يلاحظ الحركة الفارسية بدقة، ومازال مستعدًا للقاء القوم غير مطمئن من جانبهم لما سبق بينه وإياهم وهم من عرفت، وقد خرجوا من ملك عُمان بين أسير وقتيل وجريح، وإلى يظهر من استقراء التواريخ أن العجم لم يعودوا لحرب مالك بن فهم، ولعل لأجل أحوال داخلية عندهم، فكان دارا بن دارا قد مات في ذلك الأثناء، لذلك تأخرت حركات العجم عن عُمان، وتولى الملك ولد دارا بن دارا، ولم يتحرك لحرب عُمان، فإنه كان جبارًا ظالمًا عاتيًا بالغًا في العتو أقصى المبالغ، ثم كان قتله على يدي سليمة بن مالك بن فهم في خبر عجيب (1/92)
صفحة 93
ذكره المؤرخون، ويشار إلى القضية الإمام السالمي رحمه الله في تحفة الأعيان إذ قال:
وكان الملك إذ ذاك على أرض كرمان، ولد دارا بن دارا، وكان الكلام في قضية سليمة إذ قتل هذا الملك المذكور، قال: «وكان ملكًا جبارًا كثير العسف والظلم لأهل مملكته وقومه إلخ» فدارا بن دارا ابن بهمن هو الذي أرسل الإعانة للمرازبة الذين قاتلوا مالك بن فهم في عُمان، هذا الملك الذي قتله سليمة بن مالك بن فهم ابن ذلك الملك، فإنه على أثر خروج عُمان من يده إلى يد مالك بن فهم قضى الله عليه، وتولى الملك بعده ابنه، وسليمة بن مالك بن فهم، فهما في عهد واحد، فدل ذلك على ما قلناه وهو واضح فإن مالك بن فهم ودارا بن دارا تعاصرا وسليمة وولد دارا المشار إليه، كذلك فإن الفرس عادوا إلى عُمان بعدة وشدة.
وقال الإمام السالمي رحمه الله في تحفة الأعيان صحيفة 47 من الجزء الأول: «ثم لم يزل الملك في أولاد مالك بن فهم ولم يرجع أحد من الفرس إلى عمان حتى انقضى ملك ولد مالك بن فهم، وصار مُلك عُمان إلى آل الجلندى ابن المستكبر، وهو من معولة بن شمس، وصار مالك فارس إلى آل ساسان وهم رهط الكاسرة فتهادنوا هم وآل الجلندى بعُمان على أن يجعلوا فيها أربعة آلف من الأساورة والمرازبة مع عامل يكون له بها عند ملوك الأزد، فكانت الفرس في السواحل وشطوط البحر، والأزد ملوك في سائر البلاد والأمور كلها منوطة بهم، فهذا يدل أن الأمور تراجعت ووقعت فيها اتفاقيات تقتضي السماح للفرس بالمقام في الساحل، وهم قدر أربعة آلاف كصفة حامية لهم، ولعله كانت لهم رعايا أو بقيت لهم بقايا، فراجعوا فيها واقتضت الأنظار في ذلك الوقت السماح لهم بالحلول بعُمان لتهدأ الأمور وتخف نعرة الشيطان، فكان الساحل لهم والداخل للعرب، وكان أمر العرب هو النافذ (1/93)
صفحة 94
في البلاد، وإن الخراج إذ ذاك في الساحل لا في الداخل، وإنما المنعة في البلاد لأهل الداخل، إلا أن الفرس يفضلون الوجود بالساحل لذلك، ولإمكان اتصالهم بقوتهم، فإن بين الساحل وبلاد غارس القرب المعروف، فإن نيران ساحل مكران تتراءى من الساحل العُماني، فبقى الفرس المذكورين هنا حتى جاء الإسلام فأجلاهم ملوك بني الجلندى من عُمان إذ لم يقبلوا الدخول في الإسلام، فارتحلوا كليا من عُمان».
قال الإمام السالمي رحمه الله: «وكان مالك بن فهم ملكًا عظيمًا، وكانت قبائل اليمن وغيرهم على منازلهم وعددهم يهابونه ويخافون بأسه فيفتخرون به ويتعززون بمنعته، وكانت له جرأة وإقدام ما لم يكن لغيره من الملوك، وكان ينزل ما بين عُمان إلى ناحية اليمن». قلت: ولم لا تهابه قبائل اليمن وغيرهم وقد علمت ما صار بينه والفرس من التعارك في عُملن حتى أجلاهم منها راغمين مدحورين بعد قتال عنيف، ومالك لا يزال وسط المعمة وتساقط القتلى بين يديه، ولم لا يخافون بأسه وهذا حاله وقد عرفت جرأته وإقدامه ونزوله ما بين عثمان واليمن كان للاستطلاع على أحوال البلاد لما تحقق انكسار العصا الفارسية، ولعله أيضًا وافق حسن الحظ بموت الملك دارا كما أشرنا غليه سابقًا، فكان مالك بن فهم يتجول في النواحي العُمانية، ويتفقد أحوال الوطن.
قال الإمام: وأكثر نزوله بشاطئ قلهات من شط عُمان، وينتقل منها إلى غيرها، أي كان اتخذ قلهات محل أمنه وعاصمة مملكته. قال: وكان في ناحية من نواحيه أي من بلاد عُمان قد نزل ملك كم ملوك الأزد يقال له مالك بن زهير من ولده عبدالله بن الأزد، ولكنه لم يحقق الناحية التي نزلها ولا ممن هو من قبائل الأزد، ولا على أي كيفية كان نزوله. قال: «وكاد يكون مثل مالك بن فهم في العزة والمنعة والقدرة، فخشي مالك بن فهم أن يقع بينهما تحاسد، وأن يطمع أحدهما في ملك الآخر فتقع بينهما الحرب، وهذا يدل أنه كان لمالك بن زهير قسم (1/94)
صفحة 95
من ملك عُمان، ولكنه لم يسبق له ذكر في حروب الفرس، ولعله كان نزل على بعض العواصم العُمانية، فرأف مالك بن فهم الأعضاء والتغافل عنه ليكون له عونًا وعضدًا إذا تحركت الفرس عليه، فإنه في قلق من القوم، ولذلك لم يعارضه، وكان من التفكير بمكان، فوسع المجال لمالك ابن زهير».
قال الإمام: «فخطب مالك بن فهم ابنته الحزام بنت مالك بن زهير قطعًا لشافة التحاسد والتباغض بينهما». (1/95)
صفحة 96
أعمال مالك بن فهم بعد انتهاء الحرب
لما رأى مالك بن فهم انهيار صرح العجم في عُمان، وانكسار شوكتهم رجع إلى شؤونه الداخلية ليؤيدها بسياسته الحكيمة وآرائه السديدة، وألقى نظرته إلى ما حول عُمان من الممالك، وما يتبعها من البلدان، وظل يتردد على الأطراف لأنها الأبواب، وكان ينزل في النواحي المختصة ويقيم في الأمكنة المنظور إليها، وهو الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا، فكان ملكاً عظيماً في العرب.
قال الإمام، في صحيفة 35: «وكان ينزل قلهات من شط عُمان، وينتقل من هناك إلى ناحية أخرى» أي كان ذلك عادته، وقد علمت أمر قلهات في عمان إذ ذاك وفتح للعرب دار الهجرة إلى عمان ليطمئن بهم وتقوى شوكته بقومه فسرعان ما هاجرت العرب إلى عُمان زرافاتٍ ووحدانا، يمانية ونزارية، حتى ملأوا عُمان فامتد سلطان مالك في عُمان حتى ضم إليها البحرين وأطراف العراق، فكان الملك الكبير العظيم السلطان، بين ملوك الجزيرة العربية كما أشار إلى ذلك الإمام السالمي رحمه الله حيث قال: «وسبب ذلك أن مالكًا لما ملك عُمان وأطراف العراق وما حول عُمان»، فدل ذلك أن مالكا ملك أطراف العراق وما حول عُمان كالبحرين وأعمالها، وكان ينتقل في النواحي العُمانية متفقدًا شؤونها ومتطلعاً أحوالها، ومراقباً سير الأعمال في الجزيرة، ولم يكن له معارض أو مزاحم، ولم يذكر التاريخ عن مالك بن زهير سيئًا من الأعمال في عُمان، بل السلطان الوحيد والأمر النافذ لمالك بن فهم الذي لا يتغير دمه عند ملاقات الأبطال، وقد طال عمر مالك بن فهم في الملك، فقد ملك عمان وما حولها سبعين سنة، ولم ينازعه في ملكه منازع من العرب أو من العجم، وملك على مضر عشرين سنة، وعاش مائة وعشرين سنة، وكانت وفاته نتيجة الكيد الأخوي الأشبه بكيد إخوة يوسف، وذلك (1/96)
صفحة 97
أن مالك بن فهم تزوج بنت مالك بن زهير كما قدمنا، واشترط على مالك بن فهم أن يكون الملك في ذريتها فوافقه مالك بن فهم، ولابد أن يكون ذلك مؤثرًا في قلوب أولاد مالك بن فهم خصوصًا إذا جاءت برجال يتولون الملك بالوراثة عن بقية إخوتهم، فكان من لقضاء والقدر أن جاءت الحزام بولد سموه سليمة مبالغة له في السلامة، وكان ولدًا تلوح عليه مخائل النجابة، وأحبه مالك بن فهم حبًا بالغًا، فقال إخوته هذا ما كنا نتوقعه، وإن سليمة لاشك أنه سيكون الملك علينا تبعًا للشرط الذي شرطه والد أمه مالك بن زهير، فتآمروا عليه أن يكيدوه بمكيدة تسقطه من كرسي محبة الوالد الذي له الشفقة التامة عليه، والعطف البالغ له حد الغايةن وكان مالك بن فهم وضع الحرس الداخلي الذي يسميه العصريون حرس الشرف على كواهل أولاده إذ لا يطمئن بغيرهم مهما كانوا، وكان لكل منهم نوبة، فقالوا لوالدهم: أيها الملك إن ابنك سليمة لا يقوم بواجبه في الحرس، وإنه ينام فنخشى عليك من قبل نوبة سليمة، وكان القصد من ذلك أن ينكسر خاطر الملك عن سليمة فيطرده أو يرفضه ولا يقبل منه في الأعمال الخاصة شيئًا فينتج ذلك سقوط سليمة من عرش الملك، وكان بلغ من حب لولده سليمة أنه كان يعلمه الرمي بالسهام إلى أن أتقنه، وكان ذلك هو القوة في الحرب في ذلك العهد، وكان يحرس كإخوته فنسب إليه إخوته ضعف الهمة وثقل العجز، وأنه إذا جن الليل يعتزل عن فرسان قومه ويتشاغل بالنوم والغفول عما يلزمه، فلا تكن لك فيه كفاية ولا غنى، وجعلوا يوهنون أمره عند أبيه وينسبونه إلى العجز والتقصير، فقال لهم مالك: إنكم لكذلك وما أحد منكم إلا وهو قائم بما عليه، وأما قولكم في ابني أبي سليمة فليس هو كذلك، وأن ظني فيه كعلمي به، قال: «ولم تزل الإخوة (1/97)
صفحة 98
يحسد بعضهم بعضا لا يثار الآباء بعضا دون بعض، فانصرفوا من عنده أجمعين راجعين بغير ما كانوا يأملون».
قال الإمام: «ثم مالك دخله الشك» قلت: لم يكن شكا ولكنه رعاية وهذا شيء من واجب كل أمير ألا يكون الأمير غير ناظر في الأحوال، فإن ذلك من قبيل الإهمال الذي لا ينبغي، قال: «فأسر مالك كلامهم ذلك في نفسه إلى أن كانت الليلة التي كانت فيها نوبة سليمة ولده، فخرج سليمة في فرسان للحرس كعادتهم، ثم اعتزل عنهم سليمة في المكان الذي يكمن فيه، وما كان لسليمة علم بذلك التآمر الذي تآمر به الإخوة من شأنه، ولم يكن منه قصور ولا تقصير فيما سبق، فكمن سليمة في مكمنه المعتاد بالقرب من دار أبيه، فبينما هو كذلك إذ أقبل مالك من قصره في جوف الظلام مختفياً من حيث لا يعلم به احد ليحقق مقال الأولاد في أخيهم، فتوجه قاصدًا للموضع الذي فيه سليمة ليرى ما هو عليه من الحال، فكان من قدر الله الذي لا محال عنه أن لحقت سليمة سنة في تلك اللحظة التي ساق الله لها مالكا لتكون سببا لحتفه، فأغفا سليمة على ظهر فرسه وهذا طبعا يعتري الإنسان، وكان سليمة قد تنكب كنانته وفي يده قوسه وهو على ذلك الحال، فأحست الفرس شخص، مالك وقد ألهم الله الخيل من الحس وجعل لها من البصر ما لم يجعله لغيرها، وكان مالك بعيدًا فصهلت الفرس عند ذلك لتعطي راكبها إنذارا بما أحست به، فانتبه سليمة ذلك البطل الشاب الجديد في حركاته كلها، القوى على أداء أعماله كما يلزم مذعورا من صهيل الفرس، إذ من عادة الخيل ألا تصهل إلا لأمر تراه، فنظر سليمة إلى فرسه وهي ناصبة أذنيها إلى الشخص الذي أحسته، وكان ذلك (1/98)
صفحة 99
إخبار منها لصاحبها، ففوق سليمة سهمه في كبد قوسه ويممه نحو الشخص الذي تشير ‘ليه الفرس ولا علم له أنه أبوه، ولم يعلم ما بمالك من الاهتمام في ذلك الوقت، فسمع مالك صوت السهم حين يجذبه سليمة موجها له نحو أبيه الملك، فصاح به: «لا ترم أنا أبوك» فبينما هو يقول أنا أبوك، وقد أطلق السهم محلقا في طيرانه نحو الشخص المرمى فقال سليمة عند ذلك بصوت المتلوم على ما فرط «السهم ملك قصده» أي لا حيلة لي على رده، فأصاب السهم مالكا في قلبه فخر صريعً، وأرسلها سليمة مثلا، وعند ذلك أنشد مالك تلك القصيدة التي جعلها تاريخًا لحياته. وعبر فيها عن مهام أعماله. وفيها يقول نحو سليمة ابنه.
أعلمه ... الرماية ... كل ... يوم
فلما ... اشتد ... ساعده ... رماني
والمعنى أني كنت أعلمه الرماية ليرمي عني الأعداء، فلما اشتد وقوى كان راميًا إياي، وفيه تأنيب لسليمة ولعله يظنه عرف الشخص حين رماه أو أني ناديته لا ترم فلم يكن منه إلا الرمي، ومن أين لسليمة العلم أنه أبوه، ولما سمع نداء مالك لم يكن للسهم بمالك، والقدر حاكم على الإنسان ولابد من وقوعه، ولكل شيء غاية ينتهي إليها، وليست الجريمة على سليمة فإن ذلك واجبة، ولكنها نتيجة الكيد الأخوي كما قلنا، وحب الرئاسة والتنافس فيها يقتضيان مثل هذه الأحوال، ولكن لم نعلم وقوع هذا الحادث في أي موضع من عُمان، لأن التاريخ العُماني قد شاع بعدم النشر وتطاول الأيام عليه. (1/99)
صفحة 100
ولا شك أن خبر مقتل مالك كبير له أهميته الملكية ولابد أن يكون له ذكر في السير، إلا أن السير العُمانية ذهبت بجور السلطان في عُمان، وطول الزمان المار على عُمان منذ ذلك العهد، وليتنا أدركناه فإنه من مهمات التاريخ ولعله في قلهات والله أعلم. (1/100)
صفحة 101
أولاد مالك بن فهم وأعمالهم بعد أبيهم
اعلم أن أولاد مالك بن فهم كانوا خمسة عشر رجلا، أولهم التوبي وبه يكنى مالك، ولكنه لم يذكر عنه التاريخ شيئًا، ولعله مات قبل وقوع حرب الفرس ومالك، أو أنه انعزل إلى مكان آخر فلم يعرف خبره وقضايا العرب عديدة.
وأما جذيمة بن مالك: ويقال له الأبرش إلى الضاح، كان ملكًا عظيمًا طال عهده، وامتد سلطانه من مشارف الشام إلى الفرات من جهة الروم، وكان ينزل بين الخانوقة وقرقيسيا بموضع يقال له المضيرة، وعاش أيام ملوك الطوائف خمسا وتسعين سنة، وعصر من ملوك الفرس أزدشير بن بابك، وولده سابرو والجنود، ومضى له في عهدهما ثلاث وعشرون سنة، فكان جملة ملكة ثمان سنين مائة سنة، وقتلته الزباء في خبر شهير عند أهل التاريخ والسير،
وأما جماز بن مالك بن فهم: وكان اسمه زياد فلقب جمازًا كان تملك على طوائف من معد بن عدنان وطوائف من اليمن، ولكن لم يذكروا أين كان ملكه، بل ذكروا أنه هو الذي ذكره الله في القرآن بقوله عزوجل: (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) إلى قوله: (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) (1) الآيات، وعاش في الملك عشرين ومائة سنة، وكان جبارًا عنيدًا عاتيًا ظالمًا كافرًا يضرب بهم المثل في الكفر والظلم والجبروت، فيقال: أجبر من جماز، وأظلم من جماز، قال الإمام: «وقيل لم يملك العرب قط ملك كان أعظم كبيرًا ولا لقتل لمعد منه، ذكروا من جبره وظلمه قطرة من بحر، ويقال كان ملكه من بلاد العالية إلى جانب أيلة من الشام»، قال الإمام: «فصار كفره في الناس يضرب به المثل،
------------------------
(1) من الآية 34 - 42 من سورة الكهف. (1/101)
صفحة 102
وقهره على معد بالغ فوق الحد، ولم تستطع معد أن تخرج من سلطانه ولا أن تكلمه في شيء من الشئون، ولا يقبل معديا يقابله مهما كان، وإن قابله أساء إليه غاية الإساءة وعامله بأسوأ المعاملة بحيث لا يبقى شيئًا من سيئ المعاملات إلا عامله به فالوسم يشينه والشين يزيده شينًا وهكذا دأبه معهم بغير مبالغة.
وأما هناءة بن مالك بن فهم: فكان أعقل أولاد مالك كلهم، وأثبتهم في الأزمات وأعزهم نفسًا، وأكثرهم شأنًا في عُمان، وحسبك أنه مازال ميمنة أبيه في تلك الحروب الفارسية العصيبة، وكان مثالا للنزاهة السلطانية في وقته، وهو الذي ملك عُمان بعد أبيه وأحسن إلى الرعية وساسها سياسة الحكيم الماهر، فلم تقم عليه قائمة ولم ينكر عليه منكر ولا تنازل عن شبر من الأملاك العُمانية حتى مضت أيامه على ذلك، وهو الذي كان عزز ملك أخيه سليمة بن مالك في أرض فارس حتى ثبتت دعائمه وقوى سلطانه، واستقر ملكه وسكنت ثائرة الفرس عليه، واستمر ملكه فيهم عهدًا طويلاً حتى مات هناك على عزته وشرفه.
وأما سليمة بن مالك بن فهم: فقد خرج إلى أرض فارس بعد قتله لأبيه كما عرفت القضية بأسبابها فتخوف من معن بن مالك، فنزل جأشك وهي المعروفة بجأش، ثم توغل في أرض كرمان لاجئا في أيام ولد دارا بن دارا بن بهمن، وراجيا منهم الإيواء الجميل اللائق به حيث كلن قاتل أبيه مالك بن فهم عدو الفرس، فيتقرب بذلك إليهم ويمدون له المدد الذي يؤيده في حياته حيث قضى على عدوهم أبيه، فبقى في كرمان حتى ساعده الحظ وسارت الأقدار في صالحه، حتى تملك عليهم إذ قتل ملكهم الطاغية بجوره عليهم في حديث ما زال من طرف الأخبار الملوكية، وتولى الملك في ذلك القطر بمعونة أعيان البلاد حتى عاش فيهم هماما ممنعا إلى أن حسدوه، فقالوا: إلى متى يملكنا هذا العربي، (1/102)
صفحة 103
وهموا بمناوأته، وهناك استصرخ أخاه هناءة بن مالك ملك عُمان، فلبى نداءه وأرسل إليه من صناديد الأزد مقاديم الرجال، حتى نزلوا أرض كرمان، فاهتزت لهم أرجاؤها، وقام لنزولهم دهش الفرس، فبدل أن يزيلوا سليمة عن الكرسي أصبح سليمة يهددهم في عقر دارهم قاهرًا عليهم، وقد طردهم أبوه من عُمان ودقهم دق العصف، فصار سليمة يطأ على أنوفهم سلطانا عليهم حتى مات هناك بأرض كرمان، وكان له عشرة أولاد وهم نجب الأسفاهية، لكنهم اختلفوا فيما بينهم من بعده فوجد العدى باختلافهم السبيل إلى زوالهم عن الملك.
قال الإمام «ومنهم الجلندي بن كركر أي من ذراريهم»، قال: «وقد ملك عُمان هن ولده للصفاق وتسلسل من ذراريه ملوك»، قلت: لم أدر متى كان ملك الصفاق ولكن لا يستغرب ذلك، فإن أخبار العرب في الجاهلية مشهورة الغموض بإجماع أهل العلم والأدب، وخصوصًا في عُمان فإن الأمية في العرب شهد بها القرآن، فلا يستغرب إذا ذهبت عنا أخبارهم، ولعله تملك في الآونة الأخيرة وهي الأيام التي زال فيها الملك عنهم إلى بني الجلندى، فإنه وقع بينهم خلاف وشقاق، وتلاشت الأمور ولكل شيء غاية ينتهي إليها.
قال الإمام: «وجمهور بني سليمة بأرض فارس وكرمان أكثر منهم بعُمان، ولكنهم اندمجوا فيهم فلا يستطاع إخراجهم، والذين جاءوا عُمان من ذراري سليمة أقليتهم فتناسلوا فيها».
وأما فراهيد بن مالك بن فهم: كان معدودًا من أشجع أولاد مالك ابن فهم فكان ميسرة أبيه في حروبه الفارسية، وقد شهرت شجاعته وعرف مقامه، وعاش أيام وهو سهم ثاقب، ولا بدع فإن أباه من عرفت وقد عقب ذراري عديدة، ومن أشهرها آل فراهيد الخليل بن أحمد في الإسلام أكبر العلماء الأعلام وأجل الفقهاء الكرام. (1/103)
صفحة 104
وأما ثعلبة بن مالك بن فهم: فهو الذي اعتزل إخوته حين اختلفوا في سليمة، ورأى أخاه معنًا يتألب علي قتل سليمة بعد ما حسدوه عند أبيه، فكأن قتله غي يديه، فخرج ثعلبة لا إلى أخواله التنوخيين إذ كانت أمه تنوخية فاندمج فيهم، ثم سارت تنوخ بأجمعها ‘لى جذيمة الوضاح، وهو إذ ذاك ملك الحيرة فذراري ثعلبة بن مالك فيهم بالشام والجزيرة إلى اليوم.
وأما معن بن مالك بن فهم: فإنه أشد الناس على السليمة فلم تُرضيه دية ولا قبل عذر سليمة ولا خضع لمقال إخوته، فكان يتحين الفرصة لسليمة فيأخذه مالك على غزة فيفتك به، ولكنه لم يظفر به ارتحل سليمة من عُمان إلى فارس من أجله.
وأما عمرو بن مالك بن فهم: فلم تكن له أخبار بعُمان، وكذلك أولاد الحرث بن مالك بن فهم، ومن ذراريه الشحوح المعروفون في شمال عُمان، ويقال إنهم لقبوا بالشحوح حين شحوا بالصدقة أيام أبي بكر رحمه الله، وهم من أولاد الحرث بن مالك بن فهم على صحيح النسب عن أهل عُمان، ولهم لهجة ينفردون بها دون غيرهم ولهم لغة يختصون بها فيما بينهم ويتفاهمون بها وهم على ذلك منذ ذلك العهد القديم إلى الآن بالنسبة إلى جيرانهم. (1/104)
صفحة 105
الحلقة الرابعة
في بدء الإسلام بعُمان إلى انقضاء أيام الخلفاء الأربعة
لا يخفى أن بدء إسلام أهل عمان كان يسبق الصحابي الوجيه مازن ابن غضوبة بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن مر بن حيان بن أبي بشر ابن حطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طي، وكان من أهل سمائل، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أول ظهور الإسلام بعُمان، وأسلم ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولأهل عمان بخير، وكان من خبره أنه كان يسدن صنما له في الجاهلية في سمائل يقال له ناجر، تعظمه بنو خطامة وبنو الصامت من طي، قال مازن: فعثرنا يوما عند الصنم عتيرة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن اسمع تسر أي يسرك ما تسمع، ظهر خير وبطن شر، بعث نبي من مضر بدين الله الأكبر، فدع نحيتا من حجر تسلم من حر سقر، وهو اسم من أسماء النار أعاذنا الله منه:
قال مازن: ففزعت لذلك فعثرنا بعد أيام عتيرة أخرى فسمعت صوتا من الصنم يقول: أقبل إلي أقبل تسمع ما لا يجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، آمن به كي تعدل عن حر نار تشعل وقودها بالجندل» فقلت: إن هذا الخير يراد بي وإنه لعجب، أي مثل هذا الحديث عجب يظهر من الصنم، وهو يؤنب عليه ويعظ، قيل فبينما نحن كذلك أي نتحدث عن هذا الحال الذي سمعناه من الصنم، وأنه لا شك أن له نبا إذا قدم علينا رجل من أهل الحجاز، فقلنا له: ما وراءك؟ فقال: ظهر رجل من العرب يقال له أحمد، يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله، فقلت: هذا نبأ ما سمعت من الصنم، فقمت إلى الصنم فكسرته، وركبت راجلتي فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلموأسلمت، وفي العتبي: أن القادم قال: «ظهر رجل يقال له محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ابن هشام بن عبد مناف يقول لمن أتاه: أجيبوا داعي الله، فلست بمتكبر ولا جبار، ولا مختال أدعوكم إلى الله وترك عبادة الأوثان، وأبشركم (1/105)
صفحة 106
بجنة عرضها السموات والأرض وأستنقذكم من نار لضى لا يطفأ لهيبها ولا ينعم من سكنها»، قال مازن: فقلت هذا والله نبأ ما سمعته من الصنم، فوثبت إليه وكسرته جذاذا أي قطعا، وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عما بعث له فشرح لي الإسلام ونور الله قلبي للهدى فأسلمت وقلت:
كسرت ... ناجرا ... أجذاذًا ... وكان ... له
ربا ... لطيف ... به ... ضل ... بتضلال
بالهاشمي ... هدانا ... من ... ظلالتنا
ولم ... يكن ... دينه ... مني ... على ... بال
أي ما كنت أحتسب لدينه ولا أتوقعه حتى مَنّ الله به علي فهداني له وهذا من الحظوظ السماوية المخزونة لأهلها، قال:
يا ... راكبا ... بلغن ... عمرا ... وإخوته
أني ... لمن ... قال ... ربي ... ناجر ... قالي
قال العتبي: قوله: بلغن عمراً يريد بني الصامت واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان بن الغوث بن طي، وقوله: وإخوته وفي رواية وإخوتها يريد بني خطامة بن سعد بن نبهان بن الغوث ابن طي، قال مازن: «فقلت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم وآلك: ادع الله لأهل عمان». فقال: «اللهم اهدهم وأثبهم» أي ارزقهم الهداية والثواب، أو من الإثابة وهي الرجوع أي ارزقهم الرجوع إلى الحق والمراد به الإسلام، قال مازن: فقلت: «زدني يا رسول الله». فقال: اللهم ارزقهم العفاف أي الصيانة، والكفاف، أي الاستغناء، والرضا بما قدرت لهم، أي بحسب تقديرك لا بحسب قدرتك، فإن قدرة الله (1/106)
صفحة 107
يعجز عنها الكون كله. قال مازن: قلت: «يا رسول الله البحر ينضح بجانبنا» أي قريبا منا، أي إن بلدنا قريبة من البحر والمراد بها عمان، فادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا، والمراد بالميرة الطعام، وبالخف الإبل والبقر، وبالظلف الغنم ونحوها. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «اللهم وسع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم»، قلت: زدني. فقال: «اللهم لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم»، فكان بحر عمان أكثر الأبحر خيرا على الإطلاق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قل يا مازن آمين، فإن آمين يستجاب عنده الدعاء». أي غن قول آمين سبب لاستجابة الدعاء عند الله كما صح في روايات تناقلها أئمة العلم وأطالوا المقال في شرح هذه الكلمة الوجيزة، فينبغي أن تقال عقب كل دعاء يدعو به المسلم له أو لغيره، وهي خاتم رب العالمين. قال مازن: «فقلت آمين». ومعناها استجب على الصحيح فهي اسم فعل. (1/107)
صفحة 108
[صفحة 108 لم ترقن] (1/108)
صفحة 109
[صفحة 109 لم ترقن] (1/109)
صفحة 110
هذا من الشكر بمكان وذكر النعمة شكر (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ). (1)
قال: فلما كان في العام القابل الذي وفدت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، هذا يدل أن مازنًا عاد على الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية، فقص عليه عن حال أهل عُمان، فقلت يا المبارك بن المباركين الطيب ابن الطييبن، قد هدى الله قومًا من أهل عُمان ومنّ عليهم بدينك، وقد أخصبت عُمان خصبًا هنيئًا، وكثرت الأرباح والصيد بها، فقال عليه الصلاة والسلام. «ديني دين الإسلام سيزيد الله أهل عمان خصبًا وصيدًا، فطوبى لمن آمن بي ورآني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن لي ولم يرني ولم ير من رآني، وأن الله سيزيد أهل عُمان إسلامًا»، أي ينتشر الإسلام حتى يعم أهل عُمان كلهم فكان الأمر كذلك.
وجاء في خبر الفرس الذين بقوا بعُمان إلى أن جاء الإسلام وانتشر في الجزيرة العربية، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الفرس وهو كسرى ابرويز بن كسرى أنوشروان يدعوه إلى إسلام، فمزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم مزق شمله كل ممزق»، فلم يفلح كسرى بعد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم، فسلط الله عليه ابنه فقتله، وابنه هذا هو شيرويه، ثم إن شيرويه هذا اهتم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وخاف على نفسه، فكتب إلى عامله بعُمان واسمه باذان، ويقال الفستحان وهو المرزبان القائم عنهم بعُمان، ولقبه المرزبان بحسب عُرف العجم، يقول له في كتابه: أن أبعث من قبلك رجلاً عربيًا فارسيًا أي يعبر بالفارسية عن العربية يحسنهما معًا، صدوقًا أي يمكن أن نعتمد على مقاله، ويكون قد قرأ الكتب، أي له علم بخير ما يأتي من النبوات، وأرسله إلى الحجاز
------------------------
(1) من الآية 11 من سورة الضحى. (1/110)
صفحة 111
يتعرف خبر هذا النبي العربي الذي يشيع خبره الآن في العالم، فبعث باذان ويقال الفستحان رجلاً من طاحية يقال له كعب به برشة الطاحي، وكان قد تنصر وقرأ الكتب، أي كتب النصرانية، قدم كعب المذكور المدينة وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه فرأى فيه الصفات التي يجدها في الكتب، فعرف أنه نبي مرسل فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام، فأسلم كعب ثم رجع إلى عُمان فكان الصحابي الثاني بعُمان، قال فأتى باذان فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم نبي مرسل، فقال هذا أمر أريد أن أشافه فيه الملك، واستخلف على أصحابه الذين بعُمان رجلاً من قومه يقال له مسكان، خرج باذان إلى الملك كسرى بفارس ليشافهه فيما هو بصدده من أمر هذا النبي الوارد ذكره على مسامع العالم، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل عُمان، أي يدعوهم للإسلام، وكان الملك بعُمان في ذلك العهد الجلندى بن المستكبر، وأرسل إليه رسول الله يدعوه للإسلام هو ومن معه من أهل عُمان، فأجاب الداعي وأرسل إلى الفرس الذين بعُمان، وكانوا مجوسًا فدعاهم إلى التدين بهذا الدين والإجابة إلى دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فأبوا، فأخرجهم الجلندى قهراً وصغراً من عُمان، أي أرغمهم على الخروج من عُمان حيث لم يقبلوا الدخول في الدين، ولم يروا بدًا من الخروج، حيث إن العرب أقوى منهم بعُمان، وإليهم أمرها.
قال الإمام، وقال آخرون: «إن النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم كتب إلى أهل عُمان يدعوهم إلى الإسلام، وعل أهل الريف منهم عبد وجيفر ابنا الجلندى، وكان أبوهما قد مات في ذلك العصر»، قلت: من الجائز أن يكون الجندى هو المدعو أولا وقد أجاب الداعي، ثم إنه مات فكتب صلى الله عليه وسلم إلى عبد وجيفر أو أن الجاندى كما هو المشهور أنه لقب لكل من ملك عُمان في الجاهلية، كما قيل لكل من ملك اليمن تبع، ولكل من ملك مصر فرعون، ولكل من ملك على الروم قيصر، ولكل من ملك على الفرس كسرى وهكذا. (1/111)
صفحة 112
قال فكان في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل عُمان: «فأقروا بشهادة أو لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، وأدوا الزكاة، واعمروا المساجد وإلا غزوتكم»، ولم يذكر في هذه الرواية الصلاة، ولعلها كانت مفهومة، ونص على الزكاة لأنها مالية وشح النفوس بالمال معروف، ويدل لما قلناه أمره بعمران المساجد، فإنها لا تكون إلا للصلاة، قال وعن الواقدي بإسناد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى الأزدي بعُمان، وبعث عمرو بن العاص بن وائل السهمي بكتابه إليهما، وكان صحيفة أقل من الشبر فيها نص الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تطأ ساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما».
وكان الكاتب لهذا أبي بن كعب، وهو صلى الله عليه وسلم المملي عليه، وطوى الصحيفة وختمها بخاتمه المبارك، وكان نقش الخاتم لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي هذه الرواية التصريح منه صلى الله عليه وسلم بالرسالة إلى كافة الناس كما في القرآن، وأن الإنذار من جملة ما أرسل به صلى الله عليه وسلم، وأن نفس الإقرار بالإسلام يجعل المقر مسلمًا يولى الأمور ويتولى في الدين، وأن الامتناع من الإقرار بالإسلام يبيح قتال الممتنع مهما كان وفيه التصريح بأن الإسلام لا يحابي ولا يداهن ولا سياسة له غير ما يقتضيه الحق، فمن أقر بالإسلام حرم دمه وماله، ويقاتل على البغي من غير أن يستحل ماله ما لم يصرّح بموجب الكفر، أما ما كان من خصال الكفر بالتأويل فلا يبيح مال امرئ مسلم ولا سبيه أبدًا خلافًا لمن رأى ذلك، وقد توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جيفر وعبد بزوال ملكهما إن لم يسلما، (1/112)
صفحة 113
وأنى خيل المسلمين لابد وأن تقاتل من أبى، وقد قاتلت العرب وغيرهم ممن أصر على كفره.
قال الإمام رحمه الله: فقدم عمرو بن العاص بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد وجيفر ابني الجلندي بعُمان، فكان أول موضع دخله من صحار دستجرد وهي مدينة بنتها العجم في صحار في حال مهادنتهم الجلندى، فنزل بها عمرو بن العاص وقت الظهر، وبعث إلى بني الجلندي وهم ببادية عُمان، ولعلهم في الداخل كما هو المعروف من أن العرب في الداخل والعجم في الساحل، قال: «فكان أول من لقيه عبد بن الجلندي وكان أحلم الرجلين وأحسنهما خلقًا، فأوصل عمرًا إلى أخيه جيفر بن الجلندى بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فدفعه إليه مختومًا ففض ختامه وقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته». (1/113)
صفحة 114
ملك عُمان جيفر يعقد مؤتمرًا للنظر في الدعوة النبوية
لما عرف جيفر جلل الأمر وهاله الحدث ولا يدري منتهى المصير فيه، أرجأ الأمر واستدعى بأهل مشورته. قال الإمام: ثم التفت إلى عمرو فقال له: إن هذا الأمر الذي تدعو له ليس بصغير، أو هذا الأمر الذي يدعو له أي النبي صلى الله عليه وسلم بالمثناة التحتية، وقوله من جهة صاحبك يدل أن الخطاب لعمرو بن العاص، وانه هو الداعي، قال جيفر وأنا أعيد فكري فيه وأعلمك، وأنه استحضر جماعة الأزد ودارت بينهم الآراء والأنظار، ثم حاج الأمر إلى طلب كعب بن برشة للاستفسار عما رأى من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وللتأكيد منه فأرسلوا له فسألوه عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال كعب: الرجل نبي مرسل، وقد عرفت صفته وسيظهر على العرب والعجم، فأجاب جيفر إلى الإسلام بعد ما تحقق الأمر، فأسلم هو وأخوه في ساعة واحدة، ثم بعث جيفر إلى وجوه عشائره فبايعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، قلت: هكذا ينبغي من أهل المناصب إذا عرفوا الحق أذعنوا له وناصروه ووازروه، وكانوا له أعياًنا وعيونًا، فأدخلهم أي جيفر في دينه، وألزمهم تسليم الصدقة، وأمر عمرو بن العاص بقبضها على الجهر التي أمره بها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعث إلى دبي وما يليها إلى آخر عُمان أي في الأطراف الشمالية الساحلية، قال: فما ورد رسول جيفر على أحد إلا وأسلم وأجاب دعوته إلا الفرس الذين كانوا في ذلك العهد بعُمان، واجتمعت الأزد إلى جيفر بن الجلندى، وقالوا: لا يجاورنا العجم بعد هذا اليوم، وأجمعوا على إخراج مسكان ومن معه من الفرس الباقين في دستجرد، فدعا جيفر بالمرازبة والأساورة فأعلن (1/114)
صفحة 115
لهم بأنه بعث منا في العرب نبي، فاختاروا منا إحدى حالتين إما أن تسلموا أي كما أسلمنا، وتدخلوا فيما دخلنا فيه، وإما أن تخرجوا عنا بأنفسكم، فأبوا أن يسلموا وقالوا لسنا نخرج. قلت: هذا لسوء حظهم وقد مارسوا العرب في عُمان منذ عهد مالك فهم وأصحابه، ولم تزل الدوائر تدور عليهم والهزائم تتوالى عليهم، ولو دخلوا في الدين لأحبهم العرب، ولكان لهم في عُمان مقام ثابت الدعائم، لكن أراد ارتحالهم من عُمان كليًا، وعيدما تحقق إصرارهم على مجوسيتهم وعلى عدم الخروج من عُمان بسهولة، اجتمعت الأزد على إجلائهم، ولم يروا بدًا من قتالهم، فزحفوا عليهم بعزائم الإيمان، وكانوا قبل والكل على حال شرك والنصر للعرب فكيف بهم الآن والعرب على الإيمان، فتقاتلوا قتالاً شديدًا، وقتل السكان الذي أبى الإيمان، وأصر على عبادة النيران، وقتل من أصحاب مسكان كثير وكذلك قواد جيشه وضباطه، وبقيت منهم بقية تحصنت في حصنهم بدستجرد، فزحف عليهم وقد استبسلوا وصار النصر حليفهم، ونشوة الانتصار كادت أن تطير بهم، فضايقوهم بالحصار أشد ما يكون، فلما طال بهم الحصار، ورأوا أن لا مناص لهم من الخضوع لأمر العرب طلبوا الصلح أو قل طلبوا الإذن لينجوا بأنفسهم فوافقهم العرب على الخروج من عُمان بتاتًا على أن يتركوا كل صفراء وبيضاء وحلقة وكراع ويحملوهم بأهاليهم وحاشيتهم في سفينة حتى يقطعوا إلى أرض فارس، فأجابوهم إلى ذلك وخرجوا من عُمان كليًا، وذلك آخر عهدهم بها إلا أن الأيام لازال تغريهم على العودة إلى عُمان، فلم يكن لهم طلع سعيد يستقرون به في عُمان، فكلما جاءوا غزاة قضى عليهم طالع نحسهم، وسوف ترى منهم في غزواتهم لعُمان العجب والدمار لا يزال حليفهم، والأمر لله. (1/115)
صفحة 116
قال الإمام رحمه الله: وفي السيرة الحلبية أن عمرو بن العاص قال: خرجت حتى انتهيت إلى عُمان فعمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين أي ألينهما جانبًا وأسهلهما خلقًا، فقلت: إني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك، فقال أخي هو المقدم على بالسن والملك، أي هو أكبر مني سنًا وهو الملك، وأنا أوصلك به حتى يقرأ كتابك. (1/116)
صفحة 117
لما تحقق عبد بن الجلندى صحة المر الذي جاء له عمرو بن العاص، فتح له باب النقاش، ليعرف الغاية من هذا الطلب، ويدري غاية المصير فيه، فقال: «وما تدعو إليه، أي، أي شيء تريد، وما هو الذي تطلبه بصفتك رسولا؟» قال عمرو: «قلت أدعوك إلى الله وحده وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أي أدعوك أولا إلى معرفة الله وتوحيده، وأنه لا شريك له، وترفض سائر المعبودات من دون الله عزوجل، ثم تعترف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: أي عبد لعمرو بن العاص: إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك، يعني العاص بن وائل، فإن لنا فيه قدوة، والمعنى أنك من أكابر قريش، لأن أباك من لا يجهل شرفه وشهرته في قومه، وأهل الشرف لا يليق بهم إلا قول الصدق الذي لا يخل بشرفهم، ولا يقدح في مناصبهم، وكأنه استكبر الأمر فإن العاص وأمثاله هم عتاة قريش، فإنه لابد أن يكون حجة لنا في هذا الأمر الذي جئت له، قال، أي عمرو بن العاص: قلت مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وودت له لو آمن وصدق به لكان خيرًا له، وقد كنت على دينه وعلى مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال عبد: فمتى تبعته أي قبل موت أبيك أم بعده، فقال عمرو: قريبًا أي أتبعته من قريب، قال فسألني أين كان إسلامي قلت عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه، قال أي عبد: والأساقفة أي رؤساء النصرانية والرهبان قلت: نعم. أي كذلك، وهنا استكبر الأمر واتهمه فيه، فقال أي عبد: انظر يا عمرو أي فيما تقول، إنه ليس خصلة في رجل أفضح له. (1/117)
صفحة 118
أي أكثر فضيحة من كذب، أي أن هذا الأمر الذي يخبرني به كبيرًا ولا يتأتى بالهوينا وبالخصوص عند النصارى لاسيما وهم أعداء العرب، قال عمرو: قلت وما كذبت وما نستحله في ديننا. ثم قال أي عبد ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي أي هو تحت سيطرة هرقل، وهرقل ملك عظيم، والنجاشي من أخص أهل طاعته. قال عمرو: قلت له بلى أي علم بذلك فقال بأي شيء علمت ذلك يا عمرو؟ قلت: كان يخرج له النجاشي رضي الله عنه خراجًا، فلما أسلم النجاشي وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال لا والله لو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيته أي لأن العطاء يكون عونًا له، ولا تصح إعانة الكافر فيما يتقوى به على المسلمين، قال فبلغ ذلك هرقل قوله، فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خراجًا ويدين دينًا محدثًا، وهذا على عادتهم إذ يرون عمالهم عبيدًا لهم، قال فقال: هرقل رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به؟ وحرية الأديان في الشريعة الأولى معروفة، أشار إليها القرآن بقوله صلى الله عليه وسلم لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (1)
الآية في أمثالها. قال هرقل: «والله لولا الظن بملكي لصنعت كما صنع».
ومعنى قوله لولا الظن بملكي أي لولا أن نفسي لا تسمح أن أتخلى عن هذا الملك الذي في يدي لأسلمت كما أسلم النجاشي، قلت: وقد جاء ذكر إسلام هرقل في روايات شهيرة. وقال عبد لعمرو: انظر ما تقول يا عمرو وهو يتهمه. قال عمرو: قلت والله قد صدقتك، أي قلت لك الصدق والواقع، قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه، قال قلت: يأمر بطاعة الله عزوجل، وينهى عن معصيته. قلت لما فرغ عبد من البحث عن أحوال هؤلاء الملوك وسمع ما سمع من قبولهم الإسلام وخضوعهم لأوامره واعتناقهم له، إلتفت إلي استفسار ما يأمر به هذا النبي وما ينهى عنه، وهل
------------------------
(1) من الآية رقم256 من سورة البقرة. (1/118)
صفحة 119
هو مما يقبله العقل ويصوب له أم يرى في أوامر اضطرابا؟ (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً). (1) وما أغزر عقل هذا البطل الأزدي ما أدراه بموارد الأمور ومصادرها، قال: ويأمر بصلة الرحم والبر وينهى عن الإثم والعدوان، وعن الزنى وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب، قلت: وهذه الأوامر والنواهي في هذه الكلمات الوجيزة هي عمود الإسلام وجوهره، فإن الأمر بطاعة الله عز وجل والنهي عن معصيته جماع كل خير وصرف كل شر، وكذلك الأمر بالبر فهو الاسم جامع لأنواع الطاعات وقوله: وينهى عن الظلم، وهو اسم لكل شر قليلا كان أو كثيرا، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وكذلك العدوان، فإن كل ما خرج عن كون طاعة وخيرا فهو عدوان سواء كان قولا أو فعلا أو نحو ذلك، ثم صرح أيضا بالنهي عن الزنى وشرب الخمر وعن عبادة الأحجار والأوثان، أي التماثيل، وكذلك الصلبان، ففي هذه الأوامر جماع روح الإسلام وجوهره، ولا ريب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلمأوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا، فلهذا خرجت أوامره بمثل هذه العبارات فتلقاها أصحابه منه فخرجوا بها إلى سائر الأمم دعاة وهداة مبلغين عنه ومبشرين ومنذرين.
فلما سمع عبد بن الجلندى هذه الأوامر سرته واستحسنها، وبطبيعة الحال إن الحق مقبول وله في القلوب تأثير ولو جاء على لسان كافر، فلذلك قال عبد: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، كما شهد به أيضا هرقل في حديثه مع أبي سفيان. قال عبد: لو كان أخي يطاوعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أي لكان من الواجب أن نفد عليه صلى الله عليه وسلم في مقره
------------------------
(1) من الآية 82 من سورة النساء. ?1? قلت هذا جهل بالتاريخ وتخليط، والأجانب يأخذون الأخبار بغير تحقيق وخصوصا فيمن خالفهم: والحازم من يأخذها تحقيقا، أ. هـ. (1/119)
صفحة 120
فنصدق به ونواجهه، فيكون ذلك لنا أكبر شأنًا وأعلى قدرًا عند الله، ولا نكتفي بالإيمان به من بعيد، على لسان رسوله عمرو بن العاص، ولله در عبد لذلك السيد الطويل النظر، الصحيح الفكر، ولله در الأخلاق إنها لدليل على حقائق أهلها. قال عبد: «ولكن أخي لا يتابعني» وفي رواية «لكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبًا» أي تابعًا. قال: قلت إنه إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، أي لا غرض له صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية، ويعلم عمرو بن العاص وهو رسوله صلى الله عليه وسلم أن كل ما يرمي إليه النبي صلى الله عليه وسلم طاعة الله عزوجل، وإذا لم يخضع للإسلام فلن يتركه صلى الله عليه وسلم على ملكه وهو مصر وهو مصر على كفره، فإن حجة الله على الأمة أنبياؤها على ملوكها، وملوكها على رعيتها، وبإصرار الملوك تستباح حرم الملوك كما في أحاديث شهيرة عنه صلى الله عليه وسلم، وبالانقياد للحق من الزعماء يكتفي عن الباقين كما دل عليه قول عمرو نفسه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها في فقيرهم، أي أن الله عزوعلا فرض النفقة على الأغنياء للفقراء، فكانت منه تعالى وصلة رابطة بين المسلمين، وموفرة على الفقراء أحوالهم، ومسعدة لهم من أهل الأموال. قال عبد: إن هذا الخلق حسن. قلت كيف هلا يكون حسنًا وهو سياسة حكيم السموات والأرض، خالق الحكمة ومنظم الأمة سبحانه وتعالى، ما أعظم شأنه، وما أعلى ميزاته.
قال عبد: وما الصدقة أي ما صفتها وما حكمها؟ قال عمرو، فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته من الصدقات في الأموال، أي على اختلاف أنواعها. قال: ولما ذكرت المواشي. قال عبد: يا عمرو ويأخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر ة ترد المياه، أي رأى ذلك مستغربًا عنده وغفل عما عداها من نوعها، لأنه كان يعلم ضرائب (1/120)
صفحة 121
الملوك على أموال العباد على غير هذا النمط، وإنما هي قوانين تسنها الملوك على الأمة بمقتضى الهوى، قال عمرو: فقلت نعم أي يأخذ ذلك الذي استنكرته وليس بمستنكر، والله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال أي عبد: والله ما أرى يرونه عظيماً أن يتصرف أحد في أموالهم كهذا التصرف، فينزع منه قسمًا لأجنبي.
قال عمرو بن العاص: فبقيت أتردد على باب جيفر وقد أوصل إليه أخوه خبري ثم إنه دعاني فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعي أي عضدي، قال: دعوه. فأرسلت أي أطلقوني، قال فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس، وأظهروا له عتوًا، قال: فنظرت إليه أي في ذلك الحال، فقال: تكلم بحاجتك، قال: فدفعت إليه كتابًا مختومًا، ففض ختامه فقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إليه كتابًا مختومًا، ففض ختامه فقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه أي عبد، ثم أدار النقاش جيفر من نوع نقاش أخيه عبد قائلاً: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت، أي وهم أشد مراسًا وأطول يدًا ولسانًا، وأخص به من غيرهم؟ قال عمرو: فقلت اتبعوه إما راغب في الدين، وإما راهب مقهور بالسيف، وإنه لجواب مدهش جامع لمقتضى المقام، وهكذا ينبغي أن تكون رسل الزعماء والأكابر. قال جيفر «ومن معه» أي الرسول صلى الله عليه وسلم. قال عمرو: قلت الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين، أي أن الإسلام مال إليه الناس بطبيعة حاله الجذابة الفعالة في العقول السليمة، انقيادها إلى عزها وشرفها الذي جابهها به الإسلام وصارحها به سيد الأنام، قال عمرو: فما أعلم أحدًا بقى غيرك في هذه (1/121)
صفحة 122
الخرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك قال الإمام: أي جماعتك فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال، أي فإنك لا شك تتأهب لحرب المسلمين للذين دوخوا الأكاسرة والقياصرة، ولست بأقوى منهم.
ولما سمع هذه الكلمات من عمرو بن العاص ذلك الداهية، هزته وزلزلت من كيانه، ولعم أن الحرب ما بينه وإياها إلا رجوع عمرو بن العاص، فقال لعمرو: «دعني يومي هذا وارجع إلى غدًا. قال: فلما كان الغد أتيته فأبى أن يأذن لي فرجعت إلى أخيه فأخبرته أ، ي لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خليه إلى هاهنا، وإن بلغت خليه ألفت أي وجدت قتالا ليس كقتال من لاقى». قال عمرو: «قلت وأنا خارج غدًا. قال فلما أيقن بمخرجي خلى به أخوه فأصبح فأرسل إلى فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه، وصدقًا خليًا بيني وبين الصدقة وبين الحكم قيما بيتهم، وكان لي عونًا على من خالفني».
وانظر إلى جرأة عمرو بن العاص حيث يقول لجيفر لما قال فكَّرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملَّكت رجلاً ما في يدي، وهو لا تبلغ خيله إلى هاهنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالاً ليس كقتال من لاقى قال له إن لم تسلم اليوم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك، أي رجالك وهذا من الجرأة بمكان حيث بقولها لملك في عرش ملكه، وبين أرهاطه وجنوده، ولكن مقام الإسلام عظيم، والرسول في الحقيقة عين المرسل وقد انتخب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الداهية المعروف بأرطبون العرب. (1/122)
صفحة 123
وفي الحقيقة أن عبد بن الجلندي كان داعية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، حيث أسلم جيفر بالأفكار الطيبة من عبد، وفي النص الإلهي يقول من ثمارهم تعرفونهم، وقد جاء في بعض الروايات: أن عبدًا قال لأخيه جيفر: أطعه فإن كان الرجل صادقًا فيما يدعي كنت ممن أطاع ولك بذلك الشرف، وإن كان كاذبًا فقد أطاعته العرب إلخ، وهذا من التفكير الصحيح الذي لا يهتدي إليه إلا الموفق من الناس، فلما أسلم جيفر وعبد أسلم أهل عُمان حالاً، وفشا الإسلام مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: الناس في دين ملوكهم. ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُحَمِل جرائم الأمة على الزعماء، لأن لهم الطاعة عليه طبعًا، ويدل حديث عمرو بن العاص مع ملكي عُمان أن الأمة إذا أسلمت وجبت عليها الزكاة حالا، فلا ينتظر بها الحول منذ وقع الإسلام، بل يتعين الوجوب وهو واضح، وكان جيفر وعبد عونًا لعمرو بن العاص على الناس، فبلغ بهما الأرب الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إنقاذ الأمة من هوة الكفر الموجب للخلود في النار والعياذ بالله منها.
ولما فشا الإسلام في عُمان وعم الداني والقاصي فيهما وصار عمرو بن العاص حاكم البلاد، ونفذت أوامره الإسلامية بمعونة ذينك الملكين الكريمين اللذين كانا عونًا لعمرو بن العاص على نشر الدعوة، وبث روح الإسلام، وأقام عمرو بين القوم معزًا مكرمًا حتى هم بالرجوع إلى المدينة، وتحفز للخروج، وإذا بالمنية تقضي على سيد الأولين والآخرين.
قال الإمام رخمه الله: «بعد أن مكث عمرو بن العاص في عُمان عاملاً عليه الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلها له طائعون ولقوله سامعون إلى أن بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزم على الرجوع إلى المدينة». (1/123)
صفحة 124
عمرو بن العاص أمير عُمان يخرج إلى المدينة معبرًا عن انقياد أهل عُمان للإسلام
لقد قضى عمرو بن العاص تلك الثلاثة الأعوام في عُمان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، باثًا أوامر الإسلام، معلمًا للناس أمر دينهم ثم رأى الرجوع إلى المدينة للتعبير عن مهمته الوحيدة ومؤديًا غلى ولي الأمر الواجبات المحمولة على عاتقه، فعزم على الخروج راجعًا إلى المدينة عاصمة الإسلام وبيضة الدين.
فقام لصحبه السيد الهمام عبد الجلندي لسان الملك، وعون ابن العاص رسول الرسول صلى الله عليه وسلم، مؤديًا للواجب ومعززًا للأمير القرشي السهمي لسان الإسلام في عُمان، ومظهرًا لإسلام أهل عُمان، وانتخب معه من أعيان قومه الرجال الفطاحل، مثل جعفر بن جشم العتكي، وأبي صفرة سارف بن ظالم من كبراء الأزد في عُمان، ومن المنظور إليهم في ذلك الأوان، وأن الرجل من أجلة العُمانيين كما عبرنّا عنه.
في رعاية الأحساب، مع جملة من أعيان عُمان ذكرهم التاريخ العُماني وغيره كما سوف تسمع عنهم، واصطحب معه الخفراء من الأزد وعبد القيس يأمن بهم في طريقه عملا بالقضايا العربية إذ ذاك.
ومر على المنذر بن ساوى حاكم البحرين في هجر، ومر على بني حنيفة فأخذ منهم أيضًا خفراء حتى نزل أرض بني عامر، فنزل على قرة ابن هبيرة القشيري، ويل رج قرة بن هبيرة مع عمرو في مائة رجل من قومه خفراء له، قال: وأقبل عمرو بن العاص يلقى الناس مرتدين أي (1/124)
صفحة 125
عن الإسلام حتى أتى ذا القصة، فلقيه عيينة بن حصن خارجًا من المدينة، وذلك حين قدم على أبي بكر، ويقول: إن جعلت لنا شيئًا كفيناك ما وراءك يا عيينة من ولى الناس أمورهم، قال أبا بكر: فقال عمرو: الله اكبر. قال عيينة: «يا عمرو استوينا نحن وأنتم، فقال عمرو كذبت يا ابن الأخابث من مضر، قال: فأنت ما تصنع. قال: لا يدفع إليه رجل من فزارة عناقًا واحدة، ولحق منذ ذلك بطليحة الأسدي، فكان معه، قال: ولما فرغ خالد أي ابن الوليد من بيعة بني عامر صال على عيينة بن حصن المذكور صولة الأسد الباسل، فأوثقه كتافًا وأوثق معه قرة بن هبيرة القشيري، وبعث بهما إلى أبي بكر رضي الله عنه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فتقدم بهما إلى المدينة في وثاق، فنظرت إلى عيينة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ينخسه غلمان المدينة بالجريد، ويضربونه ويقولون: أي عدو الله أكفرت بالله بعد إيمانك، فيقول: والله ما كنت آمنت بالله. قال: فلم يعاقب أبو بكر رضي الله عنه قرة وعفا عنه، قال: وكتب له أمانًا وكتب لعيينة أمانًا وقبل منه، قلت: إنما كان ذلك سياسة من أبي بكر رحمه الله بهؤلاء المؤلفة قلوبهم، ولهم في النفاق حظ وافر لكي تهدأ العرب ويسكن روعها، فإن عهدهم بجاهليتهم قريب والشيطان يراوحهم ويغاديهم وبكفره يناديهم. قال: وفي كامل ابن الأثير مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بعُمان، قال: فأقبل حتى انتهى إلى البحرين فوجد المنذر بن ساوي في الموت، ثم خرج عنه إلى بلاد بني عامر فنزل بقرة بن هبيرة، وقرة يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، أي في الارتداد، وقد لعب به الشيطان ليرديه. (1/125)
صفحة 126
قال: ومعه عسكر من بني عامر، قال فذبح له وأكرم مثواه، فلما أراد الرحلة خلا به قرة، وقال: يا هذا إن العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة، أي ضريبة الملوك، ويعني بها الزكاة فهو يعتقدها من ذلك النوع، قال: فإن أعفيتومها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم، فقال له عمرو: أكفرت يا قرة تخوفنا بالعرب، فو الله لأوطئن عليك الخيل في حفش أمك، والمراد به البيت المسترذل بسكونه، وكان ذلك تهديدًا من الداهية القرشي السهمي الذي قيضه الله لتركيز دعائم الإسلام كسائر إخوانه المخلصين في مساعيهم، وفي ذلك تأييد للدين وتدعيم قواعد المسلمين، قال: وقدم على المسلمين بالمدينة وأخبرهم فطافوا به يسألونه فأخبرهم أن العساكر معسكرة من دبا إلى المدينة قال: فتفرقوا وتحلقوا حلقًا، وأقبل عمر يريد التسليم على عمرو بن العاص، فمر على حلقة فيها علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد، قال: فلما دنا منهم عمر سكتوا، فقال أي عمر: فيم أنتم؟ فلم يجيبوه، فقال لهم: إنكم تقولون ما أخوفنا على قريش من قتل وأسر واستئصال معدود على قريش، لأن الرسول منهم وهو الأمر وهو الفاعل، وقريش قومه وهم معه، وكان ذلك يترآى له بألمعيته المخصوص بها من الله لذلك لما قال لهم هذا المقال، قالوا كلهم: صدقت، قال عمر: لا تخافوهم إنا والله منكم على العرب أخوف مني باطله من العرب عليكم، والله لو تدخلون معشر قريش حجرًا لدخلته العرب في آثاركم، قلق ذلك لما علمه من الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ يقول الناس: تبع لقريش مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم، وقوله: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى منهم رجلان، أو قال ما بقى فيهم رجلان أو كما قال: عليه الصلاة والسلام، وقد رسخ في ذهن الفاروق تحقيق (1/126)
صفحة 127
الحقائق التي علمها من الشارع جل جلاله، وما أدركه بألمعيته النيّرة الوقادة رحمه الله وغفر له.
وبذلك المقال السياسي أيضًا أسكن حفيظة القوم وهدأ روعهم وبشرهم بمستقبلهم الحسن، قال عمر: فاتقوا الله فيهم أي في العرب، قال: ومضى عمر فلما قدم بقرة بن هبيرة على أبي يكر أسيرًا استشهد بعمرو على إسلامهم، فأحضر أبو بكر عمرًا فسأله فأخبره بقول قرة إلى أن وصلا إلى ذكر الزكاة، فقال قرة: مهلا يا عمرو، فقال: كلا والله لأخبرنه بجميعه، فعفا عنه أبو بكر وقبل إسلامه، وقوله: لما وصلا إلى ذكر الزكاة قال قرة: مهلا يا عمرو أي لا تخبره فإن ذلك بيت القصيد، وقوله: كلا والله لأخبرنه بجميعه كان ذلك واجب الأمانة الدينية في الإسلام، وكان من سياسة أبي بكر رضي الله عنه تألف الأمة ليهدأ روعها وتسكن ثائرته ويصطك حجر الإسلام على بعضه بعض.
وللرجال سياسات كما للأوقات كذلك، قال الإمام وذكر ابن الأثير في كامله أيضا في قدوم عمرو على معاوية بعد قتل عثمان قال: وكان قد علم الذي يكون فعمل عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بعثه إلى عمان، فسمع من خبر هناك شيئا عرف مصداقه، فسأله عن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومن يكون بعده، فأخبره بأبي بكر وأن مدته قصيرة، ثم يلي بعده رجل من قومه مثله تطول مدته ويقتل غيلة، ثم يلي بعده رجل من قومه تطول مدته ويقتل عن ملأ. قال ذلك أشر، ثم يلي بعده رجل من قومه ينتشر الناس عليه، ويكون على رأسه حرب شديدة، يقتل قبل أن يجتمع الناس (1/127)
صفحة 128
عليه، ثم يلي بعده أمير الأرض المقدسة فيطول ملكه، وتجتمع عليه أهل تلك الفرقة ثم يموت.
وكان الرجل الذي تطول مدته ويقتل غيلة هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والمراد بالرجل الذي تطول مدته ويقتل عن ملأ هو عثمان، إذ اجتمع عليه المسلمون من نواح عديدة وحصروه في بيته مدة حتى قتل، والمراد بالرجل الذي تكون على رأسه حرب شديدة، ثم يقتل قبل أن يجتمع الناس عليه هو علي بن أبي طالب، والمراد بالرجل الذي يكون أمير الأرض المقدسة ويطول ملكه معاوية بن أبي سفيان، وقد قال ابن الأثير بهذا في كتابه الكامل متلقيا له بالنقل عمن لهم العلم به، والمعنى لذلك مال عمرو بن العاص إلى موطأة معاوية بن أبي سفيان، إذ رأى القضايا جاءت تترى كما قيل له، فكانت طبق ما قيل له.
ولا شك أن مثل عمرو بن العاص الداهية الوحيد في قومه يرى القضايا رأي العين، كما قيل له عنها لا يرضى أن يكون فيها ذنبا، بل يرضى أن يكون فيها رأسا وهامة، وقد تلقى عمرو بن العاص هذا الأمر من يهودي من يهود صحار كما أشار إليه ابن الأثير.
قال الأمام السالمي رحمه الله وهو يذكر إسلام أهل عمان في (تحفة الأعيان)، وفي تاريخ الخميس: كان عمرو بن العاص عاملا للنبي صلى الله عليه وسلم على عمان فجاءه يوما يهودي من يهود عمان، فقال له أرأيتك إن سألتك عن شيء أأخشى علي منك؟ قال: قال لا. قال اليهودي: أنشدك بالله من أرسلك إلينا؟ قال: اللهم رسول الله. قال اليهودي: آلله إنك لتعلم أنه رسول الله؟ قال عمرو: اللهم نعم. فقال اليهودي: (1/128)
صفحة 129
لإن كان حقًا ما تقول لقد مات اليوم، فلما رأى عمرو ذلك جمع أصحابه وحواشيه وكتب ذلك اليوم الذي قال له اليهودي فيه ما قال: ثم خرج بخفراء من الأزد وعبد القيس يأمن بهم في طريقه، قال ففاجأه ذلك عند المنذر بن ساوى، فسار حتى قدم أرض بني حنيفة، فأخذ منهم خفراء حتى جاء أرض بني عامر، فنزل على قرة بن هبيرة القشيري، وذكر الحديث الذي قدمناه: ومفاده أن عمرو بن العاص تلقى من ذلك اليهودي الذي حدثه بصُحار عن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم معلومات هامة، فسار في حياته على ضوئها فرآها لا تزال تأتي كما قال له ذلك اليهودي، فلذلك تحين الفرصة وعمل بمقتضى ما صح معه، وكان الأمر جليًا نصب عينه، وغير بعيد أن يصح ما قاله ذلك اليهودي، لأن اليهود أتاهم الله التوراة وفيها ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم صريحًا، وذكر قومه وما يكون بينهم وما يقع لهم من النصر على من عاداهم والظفر لمن خاصمهم، وقد قال اليهود في المدينة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنا نجدك في التوراة، قال تجدوني ماذا؟ قالوا نجدك قرنًا، قال قرن ماذا؟ قالوا قرن من حديد أهـ، ولا يدركون مثل هذا إلا بنص نبوي، وقد صح ذكر هذه الأمة في الكتب السابقة حتى تمنى موسى ابن عمران عليه الصلاة والسلام أن يكون منها كما في خبر الألواح، فكان ما قاله يهودي صُحار أمرًا واقعًا، وكان عمرو من مشاهير رجال الدنيا الذين يرغبون فيها ويميلون إليها.
قال الإمام رحمه الله: «دخل عمرو بن العاص على أبي بكر رحمه الله ومعه رجال الأزد من عُمان، فقام سارف بن ظالم خطيبًا»، فقال: «يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاشر قريش، هذه أمانة كانت في أيدينا (1/129)
صفحة 130
وفي ذمتنا وديعة لرسول صلى الله عليه وسلم، فقد برثنا منها إليك». فقال أبو بكر رضي الله عنه: «جزاكم الله خيرًا وأثنى عليهم المسلمون خيرًا، وقام الخطباء بالثناء عليهم المدح، فقالوا كفاكم معاشر الأزد قول رسول الله صلى الله عليه وسلموثناءه عليكم، ثم قام عمرو بن العاص والي عُمان، فلم يدع شيئًا من المدح والثناء إلا قاله في الأزد، ثم جاءت وجوه الأنصار من الأزد وغيرهم مسلمين على عبد ومن معه، ففلم كان من الغد أم أبو بكر فجمع الناس من المهاجرين والأنصار، وقام أبو بكر خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلى عليه وقال: «معاشر أهل عُمان إنكم أسلمتم طوعًا لم يطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحتكم بخف ولا حافر، وجشمتوه ما جشمه غيركم من العرب، ولم ترموا بفرقة ولا تشتت شمل، فجمع الله على الخير شملكم، ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح، فأجبتموه إذ دعاكم على داركم، وأطلعتموه إذا أمركم على كثرة عددكم وعدتكم، فأي فضل أبر من فضلكم، وأي فعل أشرف من فعلكم، كفاكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم الميعاد»، ثم أقام فيكم عمرو ما أقام مكرمًا، ورحل عنكم إذ رحل مسلمًا، وقد من الله عليكم عبد وجيفر ابنى الجلندي، وأعزكم الله به وأعزه بكم، وكنتم على خير حال حتى أتتكم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأظهرتم ما يضاعف فضلكم أي وهو انقيادكم للحق وتعزيزكم له، حيث لما بلغتكم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ثبتم على الإسلام ولم تتزعزعوا كما تزعزع غيركم من الناس، ولا تقلقلتم كما تقلقوا، وأنتم كثيرو العدد». قال أبو بكر رضي الله عنه: «وقمتم مقامًا حمدناكم فيه»، وهو ثباتهم على الحق ومؤازرتهم له (1/130)
صفحة 131
وتأييدهم، قال «ومحضتم بالنصيحة»، أي أخلصتموها وصارحتم بها. قال: «وشاركتم بالنفس والمال، فيثبت الله ألسنتكم ويهدي قلوبكم وللناس جولة»، أي لابد لهم من تزعزع وحيرة ودهشة، قال: «فكونوا عند حسن ظني فيكم، أي وهو ثباتكم القوي على دينكم، وفي طاعة إمامكم وزعيمكم»، قال: «ولست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم، أي لأنكم صارعتم الجنود الفارسية مدة طويلة حتى قضيتم عليهم، «فلا أخشى عليكم أحدًا بعدهم بحسب ظاهر الحال لا حكمًا على الغير»، قال: ولا أن ترجعوا عن دينكم، أي دلائل الحال قاضية بذلك، ودلائل المقال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدة بذلك، وسوف تقف عليها أيها القارئ الكريم في فضائل أهل عُمان من هذا الكتاب إن شاء الله.
قال «جزاكم الله خيرًا»، ثم سكت أبو بكر، ولقد ساس وهذب وقوى وأيد وحذر ودعا وأرشد، وهكذا البلغاء وعلى ذلك يقوم علم الحق فوق الرؤوس، ولله در أبي بكر سيد المسلمين وخليفة المصطفى الأمين. (1/131)
صفحة 132
أبو بكر يجهز عبد بن الجلندى ومن معه لحرب آل جفنة
لقد سر أبو بكر رضي الله عنه بملقى عبد بن الجلندى ومن معه من أبطال الأزد، وابتهج بهم تمام الابتهاج، فأثنى عليهم في خطبته المارة آنفًا، وشكرهم شكرًا لا يخفى على أهل العقول الصحيحة، وما رأى وما سمع عنهم وما فهم منهم عول عليهم في حرب آل جفنة من أزد الشام، فكان أراد أن يدق الصخر بمثله، ويرمى الهدف عن خبره، فأراد من عبد بن الجلندى أن يهاجر الغساسنة العتاة في أرض الشام فإنهم حجر خشن، فما تلكأ عبد وأصحابه على أبي بكر، ولا اعتذروا له بالمعاذير. ولولا أنا معنيون بتاريخ عمان لذكرنا قضايا الارتداد كيف كانت، وفيمن كانت، كما أنا لم نذكر الحوادث الخارجية عن عُمان، وإن كان وقوعها بأهل عُمان لاسيما ما كان من غير أهل عُمان، وإن كانت له علاقة بتاريخ عُمان، لأن ذلك شيء يطول علينا وحسبنا ذكر الأهم من تاريخنا العُماني، وإن أشرنا إلى هذه القضية العُمانية الغسانية فما ذلك إلا كالتعريف بفضائل عبد ابن الجلندي وأهل عُمان معه.
قال إمام رحمه الله: وقيل أن عبدا استنهضه أبو بكر لمقاتلة آل جفنة فأجابه إلى ذلك، قال فسرى له سرية وأمره عليها، فخرج عبد المذكور يقود جيشا فيه أعيان المهاجرين والأنصار ومن لف معهم من العرب، قال فخرج عبد على السرية، أي أميرا عليها وجد في السير حتى أتى آل جفنة بالشام في ديارهم.
قال الإمام رحمه الله: ولها حديث يطول ذكره. قلت: لما كان (1/132)
صفحة 133
ليس من أخبار بلادنا العمانية نكتفي بالإشارة إليه هنا عن سرد ذكره قال: «وقد شهر مقام عبد وعرف مكانه، قال: وكان في السرية من شعرائه صلى الله عليه وسلم، حسان بن ثابت الأنصاري، فلما قدموا من ديار آل جفنة قام حسان بين ظهراني المسلمين يعلن الثناء البليغ على عبد بن الجلندى، ومن جملة مقاله: «قد شهر مقام عبد في الجاهلية والإسلام، فلم أر رجلا أحزم ولا أحسن رأيا وتدبيرا من عبد، هو والله ممن وهب نفسه لله في يوم غارت صباحه، وأظلم صباحه».
فتهلل وجه أبي بكر رضي الله عنه وسر به، فقال: «هو يا أبا الوليد كما ذكرت، والقول يقصر عن وصفه، والوصف يقصر عن فضله»، فلما بلغ ذلك عبدا بعث إلى حسان ابن ثابت بمال عظيم، وأرسل إليه قائلا: «إن مالي يعجز عن مكافأتك فأعذر فيما قصر، واقبل ماتيسر»، وعندما عزم عبد ومن معه من العمانيين على الرجوع إلى أوطانهم زودهم أبو بكر رضي الله عنه كتابا إلى أهل عمان كافة يشكرهم فيه ويثني عليهم، ولقد أقر أبو بكر رضي الله عنه جيفر على ملك عمان كوال لعمان من طرف الخليفة.
قال الإمام في تحفة الأعيان: ذكر في بعض السير العمانية أن أبا بكر أقر جيفر وأخاه جميعا على ملك عمان، وجعل لهما أخذ الصدقات من أهلها وحملها إليه كما سوف ترى بسط ذلك في محله إن شاء الله، وهو دليل على جعله واليا لعمان كما قلنا، ولعل بعد ذلك أراد اختبار القوم، أو أن السياسة اقتضت أمرا، ولكل زمان سياسة ولكل وقت أعمال، ولكل أمير وجهة وأبو بكر أفضل الأمة بإجماع من يعتد بإجماعه في شيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/133)
صفحة 134
عمان وأبو بكر رحمه الله تعالى طيلة حياته
لقد تولى أبو بكر رحمه الله ورضي عنه أمر المسلمين، وعمان بيد واليه عمرو بن العاص يدبر شئونها معززا بملكيها، جيفر وعبد، ولما بلغت عمرو ابن العاص وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلمهم بالرجوع إلى بيضة المسلمين راجعا بأمر ولايته إلى الخليفة المستخلف، مصطحبا معه من خيار أهل عمان سبعين راكبا تحت رايته يقدمهم ذلك الهمام عبد ابن الجلندى ملك عمان حتى وصل المدينة، وإذا بالخليفة وانزهقت منها أرواح أهل الإيمان، وزاغت بها قلوب أهل الجهل الذين لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، ولم يرسخ الإيمان في أذهانهم، فكان أبو بكر الحجر القيل الذي لم يقدر الزائغون على تحريكه عن مقره، فألقى عمرو بن العاص إليه مهمته التي جاء بها، وتلقاها أبو بكر بصدر رحيب، وقلب منشرح، وعزيمة ثابتة، لا تؤثر عليها الهيشات، فأثنى أبو بكر على أهل عمان ثناء بالغا، وشكرهم شكرا وافرا، حيث آمنوا طائعين ووصلوه مذعنين خاضعين، مع أن أغلب العرب تزعزعت، فمنها المرتد ومنها على وشك الارتداد، وإذا بأبي بكر يجهز العمانيين من الجفنة بنواحي الشام فقاموا بمهمتهم خير قيام، ورجعوا بالنصر والظفر إلى الخليفة الإمام، فأقرهم على ملك عمان، وأيدهم وشد عضدهم وأعرب عن مناهج مصالحهم، فازدادوا بذلك شرفا على شرفهم، وعتزا يؤيد عزهم، ورجعوا إلى عمان محترمين مكرمين. (1/134)
صفحة 135
وجاء في بعض التواريخ، أن أبا بكر رضي الله عنه استعمل على عمان عكرمة بن أبي جهل، ثم عزله وسيره إلى اليمن، واستعمل على عمان حذيفة القلعاني، قال: «فلم يزل واليا على عمان إلى أن توفي أبو بكر رضي الله عنه» قلت: لعل هذه التولية وتولية عكرمة كانتا سياسية من أبي بكر وهو الواضح، ثم يطل عهدها لأن أبا بكر رحمه الله لم يطل عهد خلافته، وقد خرج عنه عبد ابن الجلندى وأمر عمان إليه وأخيه جيفر، فلعله بعد مدة غير طويلة اقتضى النظر تولية عبد، ثم تولية حذيفة على أثرها أيضا، ولم يطل العهد ذكر في أسد الغابة بغير تحقيق، قال: وضبط القلعاني في نسخة أبي عمر بالقاف واللام والعين المهملة.
قال الإمام: قال ابن الأثير: وأنا أشك فيه، قال: وضبطه الطبري، فقال: حذيفة بن الحصن: الغلفاني بالغين المعجمة واللام والفاء. قلت: لعله القلهاني وهو غير بعيد، فإن الكلمة متقاربة في صورتها، قال: وله في قتال الفرس آثار كثيرة، قال: واستعمله عمر على اليمامة وسيأتي ذكره في خلافة الإمام عمر بن الخطاب رحمه الله ورضي عنه.
وفي ايام أبي بكر الصديق وقعت قضية دبا من عمان، وذلك في آخر حياة أبي بكر، وذلك أن أبا بكر وجه حذيفة بن محصن الغلفاني الذي سبق ذكر الخلاف في ضبطه، قال: وهو من بارق، وجهه إلى عمان وكان حليفا للأنصار، وكان له بصر. قال: وليس هو حذيفة بن اليماني فوجهه أبو بكر أمير على عمان فصدقهم. قلت: لعله كان أميرا فقط على الصدقة، وفي خبر عبد بن الجلندى المتقدم (1/135)
صفحة 136
أن أبا بكر رحمه الله أمره بأخذ الصدقة، فكأن إمرته انتسخت. قال: فلما صار في ولد الحارث ابن مالك بن فهم ليصدقهم، تناول بعض أصحابه امرأة معفاة ليصدقها، وكان عليها فريضا شاة مسنة، فأعطتهم عتودا أو عناقا مكان الشاة أي بدلا منها، فأبو أن يأخذوا ما أرادوا، فصاحت المرأة يا آل مالك! فقال حذيفة وهو أمير الصدقة: دعوة جاهلية أي مثل هذا التداعي كان في الجاهلية. وخاف أن يكون القوم قد ارتدوا، ولعله وسوس له الشيطان أن القوم مرتدين، لذلك سمع تداعي الجاهلية وما هي وأيم الله إلا نزعة عرضت تخالفت فيها المفاهيم، وربما وقع مثل ذلك من أهل الجهل وعوام المسلمين بغير قصد الارتداد. قال: فأغار عليهم حذيفة فقبض على ناس منهم وأوثقهم قهرا وهو قليلون، ولعلهم لضعفهم فمضى بهم إلى المدينة بدعوى الارتداد الذي فهمه من تداعيهم.
قال الإمام: فثار سبيعة بن عراك أحد زعمائهم وهو من صليم، والمعلى ابن سعد الخمامي، والحارث بن كلثوم الحديدي في أصحابهم، فوفدوا على أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا على إسلامنا لم ننتقل عنه ولم نمنع زكاة ولم ننزع يد من طاعة، ولم نرجع عن دين، وقد عجل عاملك وكففنا أيدينا إلى أن أتيناك، فقال أبو بكر رحمه الله أصنع بكم ما صنعت بالعرب، إن شئتم خليت المال وأخذت السبي، ففادوا السبي فقالوا على كل أسير أربعمائة وخمسون درهما، قال الإمام كذا ذكر العوتبي في الأنساب. ويقال أن سبيعة بن عراك خرج على أبي بكر (1/136)
صفحة 137
الصديق رضي الله عنه في سبي دبا الذين أخذهم حذيفة الغلفاني، وكأن سبيعة المذكور زعيم القوم، والمعلا بن سعد الخمامي، وكان اسم المعلا ثعلبة، ومن حيث أن ثعلبة اسم للثعلب، وقد شهر الثعلب بالروغان والحيل، سماه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه المعلا؛ وكان هو وسبيعة ابن عراك زعيمي القوم وإليهما الحل والعقد، فقدموا المدينة وقد مات أبو بكر الصديق رحمه الله تعالى، وتولى أمر الناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكلماه في سبي أهل دبا، وقال المعلا بن سعد الخمامي: يا أمير المؤمنين إن حذيفة بن محصن الغلفاني تعدى طوره، وعظم في الناس حدثه، ولولا مراقبة أمير المؤمنين لكان شكامه متانا جزاء له عن غيره فيكون واعظا لغيره، ولكن حملنا على مخافة نكله فنرادف العثرة وسكنت الحرة، ولم نكد. قلت: هذه كلمات مضطربة لا معنى لها بحسب الظاهر، فقال عمر: يا معلا إن في الحق سعة وكف غربك أولى بك، إن الإسلام سوى بين الناس، فرفع الوضيع ووضع الشريف إذا خالف الحق وأعطى كل امرئ قسطه من خيره وشره، ثم أمر عمر برد السبي ولذلك قال الإمام السالمي رحمه الله.
تأول ... السابي ... لهم ... يوم ... دبا
وأنكر ... الفاروق ... ذلك ... المذهبا
ومن هنا يعلم أن الإباضية لا يحكمون بالتاويل لتكفير الناس أي تشريكهم، فإن التكفير بالتأويل يقع على غير أصل، لكن الوهابية يحكمون بذلك، فمن اقترف كبيرة كفر بالتأويل، قالوا له: أنت مشرك دمك حلال ومالك غنيمة، فاستعرضوا الناس وحكموا عليهم بما لا يرضاه الدين ولا حكم به أحد من الصحابة فيما علمنا. (1/137)
صفحة 138
قال الإمام: وفي سيرة الشيخ خلف بن زياد البحراني قال: بلغنا أنم أبا بكر رحمه الله ورضي عنه بعث إلى أهل عُمان مصدقا يأخذ صدقات أموالهم وهم مقرون بالحكم كله، فأعطوه الصدقة جميعا لم يمنعها منهم أحد، غير أن امرأة من أهل دبا شاجرت بعض المصدقين فزعمت أنه استوفى حقه جميعا، وزعم هو أنه بقي عليها بقية منه، فتنازعا في ذلك فقرعها قرعة استغاثت ببعض أهلها فأغاثها، فأقبل هو ومن معه إلى الذي قرعها ومن معه من المصدقين، فتواقعوا وتنادوا عند ذلك يا آل بني فلان حين رأوا أن القبائل قد نشبت بينهم، قال: وكانت دعوة جاهلية، قد كان يقال لمن قالها أو دعا بها حل دمه حين يدعو بها أو يتوب، فاقتتلوا ما شاء الله وظهر المصدقون عليهم، فجاء حذيفة الغلفاني وكان ولي ذلك فسبى أهل دبا وفيهم ذرية لم يقاتلهم من النساء والولدان، وذرية من كان قد غاب أو كان قد مات وهو مسلم ونساؤه في غير إنكار منهم بشيء من التنزيل، ولا امتناع منهم، بما قبلهم من الحق، قال: فلم يبق أحد من أهل دبا قدر عليه إلا سباه، فوافق بذلك خلافة عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، وكان أول مبعثهم في حياة أبي بكر رحمة الله عليه، ولم تحقق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب القضية غضب غضبا لم يكن فيما علمنا منه غضبا حتى قال: والله لو أني أعلمك تسبيهم بدين دوني تقطع فيهم على لقطعتك طوائف، ثم بعثت إلى كل مصر منك بطائفة، والمعنى لو كنت أعلم أنك فعلت ذلك بدين أي تعتقد حله في الدين أي تدين بحله لعاقبتك عقوبة تكون عبرة لغيرك، والقصد الزجر والتغليظ لمن يجعل التأويل دينا. فرحم الله عمر لو رأى من يعتقد اليوم تأويله دينا ماذا بفعل فيه حين (1/138)
صفحة 139
يرى أموال المسلمين تقسم فيئا، والدماء تراق دينا، وتسبى الذراري وهو يدينون لله بالإسلام، ويعتقدون صحة أوامر دين الله عز وجل.
قال الشيخ خلف بن زياد البحراني رحمه الله: ثم نقض أي عمر أمر أهل دبا، أي أبطل الحكم الذي حكم به المصدق فيهم بعد ما هدده ذلك التهديد الكبير، ورد القوم أي السبي من أهل دبا إلى منازلهم إلا من استحق منهم بشيء خيانة، أي إلا من ظهرت خيانته فيما فرض الله عليه، قال: وأجاز المسلمين بما أصيب منهم، ولما أصابهم من البلاء بثلاثمائة ثلاثمائة أي لكل واحد من المصابين بتلك النكبة، وأخرج ذلك لهم من بيت المال، ولعله رأى الخطأ بالتأويل في بيت المال، وهو وجه في آثار المسلمين.
قال الإمام السالمي رحمه الله: هذا حاصل قضية دبا عند المسلمين كما هي في الكتب العمانية، وهم أعرف بحالهم وأخبر بقومهم، قال الإمام، ولا يصح ما ذكره ابن الأثير في كامله، حيث قال: ((وأما عمان فإن نبغ بها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي)). قلت: وأشار بهذا إلى مالك بن فهم، وأين مالك بن فهم من لقيط، فإن بينهما قرونا كثيرة، فإن مالك بن فهم كان زمن نبي الله موسى بن عمران، وكم بين موسى بن عمران ومحمد صلى الله عليه وسلم من القرون فلا وجه لما ذكره ابن الأثير من هذه الناحية قبل كل شيء.
(قال) ?1?: وكان يسمى في الجاهلية الجلندى، قال وادعى بمثل من تنبأ وغلب على عمان مرتدا، قال: والتجأ جيفر وعبد (1/139)
صفحة 140
إلى الجبال، وبعث جيفر إلى أبي بكر بخبره ويستمده عليه، قال: وبعث أبو بكر حذيفة بن الغلفاني من حمير، وعرفجة بن هزيمة البارقي الأزدي، حذيفة إلى عمان، وعرفجة إلى مهرة، وكل منهما أمير على صاحبه في وجهه، فإذا قربا من عمان يكاتبان جيفرا، فسارا إلى عمان وأرسل أبو بكر إلى عكرمة بن أبي جهل؛ وكان بعثه إلى اليمامة فأرسل إليه أن يلحق بحذيفة وعرجفة بمن معه يساعدهما على أهل عمان ومهرة، فإذا فرغوا منها سار إلى اليمن، قال: فلحقهما عكرمة قبل أن يبلغا عمان، فلما وصلوا رجاما وهي قريب من عمان، كأنه أراد بلدا ولكن لم نعرفها بهذا الاسم. قال: كتبوا جيفرا وعبادا وجمع لقيط جموعه وعسكر بدبا، وخرج جيفر وعبد وعسكرا بصحار، وأرسلا إلى حذيفة وعكرمة وعرفجة، فقدموا عليهما وكاتبوا رؤساء من عند لقيط وأرفضوا عنه، ثم التقوا على دبا فاقتتلوا قتالا شديدا، واستعلى المسلمين لقيط أي غلب عليهم، فرأى الظفر، ورأى المسلمون الخلل، فبينما هم كذلك إذ جاءت المسلمين موادهم العظمى من بني ناجية وعليهم الخريت بن راشد، ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان وغيرهم. قال: فقوى الله المسلمين فولى المشركون الأدبار، قال: فقتل نهم في المعركة وبعثوا أربعة آلاف وركبوهم حتى أثخنوهم وسبوا الذراري، وقسموا الأموال وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة، وأقام حذيفة بعمان يسكن الناس، قال: «وأما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار إليهم لما فرغ من عمان ومعه من استنصر من ناجية وعبد القيس وراسب وسعد، فاقتحم عليهم بلادهم فوافق بها جمعين من مهرة، أحدهما مع سخريت رجل منهم، والثاني مع المصبح أحد بني محارب، ومعظم الناس معه، (1/140)
صفحة 141
وكانا مختلفين، فكاتب عكرمة سخريتا فأجابه وأسلم، وكاتب مصبح يدعوه فلم يجب فقاتله قتالا شديدا فانهزم المرتدون وقتل رئيسهم ركبهم المسلمون فقتلوا من شاءوا منهم وأصابوا ما شاءوا من الغنائم، وبعث الخمس إلى أبي بكر مع سخريت، وأراد عكرمة وجنده فوة بالظهر والمتاع، وقام عكرمة حتى اجتمع الناس على الذي يجب، وبايعوا على الإسلام وانتهى كلام ابن الأثير.
قال الإمام: وكله باطل. قلت: هؤلاء المؤرخين يتلقون أخبارا لا أصل لها أو لها أصل، لكن غير ما يلقى إليهم وأحيانا يتلقون أخبارا من قبل الناس، ويعلقونها على آخرين غي أصحابها «وما آفة الأخبار إلا رواتها». (1/141)
صفحة 142
الحلقة الخامسة
في فضائل أهل عُمان وذكر مشاهيرهم في صدر الإسلام
وبه يتم الجزء الأول من تاريخ عُمان إن شاء الله.
اعلم لأن لأهل عُمان فضائل لها قيمتها عند المسلمين، وقد نوه صلى الله عليه وسلم بها في أحاديثه الغراء، وشهد بها الخليفة الأول رضي الله عنه، وأكدها بلغاء العرب على اختلاف مذاهبهم، ولا ينكرها إلا جاهل غبي أو حاسد دني، وهل ينكر الحق إلا أهل الباطل، وهل يعرف الحق لأهل الحق إلا أهله، فأهل عُمان أسلموا طوعًا ووالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يروه وتولوه، فسمعوا له وأطاعوا رسوله على بعد دارهم وكثرة عددهم، بينما أهله وبنو جلدته عادوه حتى أخرجوه من وطنه وتألبوا على عدائه إلا من شاء الله ممن سبقت لهم من الله الحسنى، ما أن أكثر العرب ناصبوا أوامره العداء، وعارضوا معجزاته التي يرونها رأى العين بالبذاء، فكانوا عليه أشد من اليهود، بينما أهل عُمان قالوا لرسوله أهلا ومرحبًا وسلموا إليه مقاليد أمورهم، وكانوا لدعوته دعاة مخلصين، ولداعية عضده اليمين، ولأوامره خاضعين ومسلمين، فلم ير منهم طيلة حياته إلا الخير الذي يحبه الله والجميل يتجلى بأخلاقهم الله، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم رحم الله أهلا الغبيراء آمنوا بي ولم يروني، وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعظم شهادة على فضلهم، وروى أحمد من طريق أبي لبيد. قال: قال خرج منا رجل منا رجل يقال له بيرج بن أسد، فرآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل عمان فأدخله عمر على أبي بكر رضي الله عنه، فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول (1/142)
صفحة 143
الله يقول، أي فيها: إني لأعلم أرضًا يقال لها عُمان ينضح البحر بناحيتها، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر. ولقد صدق الله ظنه فيهم، فأتاهم عمرو بن العاص رسولاً من عنده صلى الله عليه وسلم فلم ير منهم إلا خيرًا ولا سمع عنهم أيضاً كذلك إلا الخير الذي سرّة منهم، وعند مسلم من حديث أبي برزه الأسلمي، قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً إلى قوم فسبوه وضربوه، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لو أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك، فترى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتمثل بهم في الخصال الحميدة، وحسبهم بذلك شرفًا وفضلاً.
وفي حديث مازن بن غضوبة السعدي قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ادع لأهل عُمان، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اهدهم وأثبهم، فقلت زدني يا رسول الله، فقال «اللهم ارزقهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم، فكان أهل عُمان أعف الناس في كل معاني العفة، وهم أقنع الناس بالكفاف وأرضاهم بما قسم الله لهم بخلاف غيرهم ممن ألهاهم التكاثر واستهواهم الرياش الفاخر، قال مازن: قلت يا رسول الله: البحر ينضح بناحيتنا في رواية، بجانبنا، فادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا. فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم وسع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم. قلت: زدني يا رسول الله. فال صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تسلط عليهم عدوًا من غيرهم، يا مازن قل آمين فإن آمين يستجاب عنده الدعاء، قال مازن: قلت آمين. فاستجاب الله عزوجل بمنه وفضله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلملأهل عُمان، وظهرت بركاته فيهم بغير نكران. قال مازن: فلما كان في العام القابل وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي عدت إليه وافدًا من أهل عُمان، فأخبرته بما من (1/143)
صفحة 144
الله به عليهم من بركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلت: «يا المبارك ابن المباركين، الطيب ابن الطيبين؛ قد هدى الله قومًا من أهل عُمان ومن عليهم بدينك» قلت: لعله أشار إلى الذين أسلموا على يد عمرو بن العاص، فتحدث مازن عنهم، قال: وأخصبت عُمان خصبًا هنيئًا وكثرت الأرباح والصيد بها فقال عليه السلام: «ديني دين الإسلام، سيزيد الله أهل عُمان خصبُا وصيدًا، فطوبى لمن آمن بي، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني، وأن الله سيزيد أهل عُمان إسلامًا» أي سينتشر الإسلام في أهل عمان وسيعمهم، فكان ذلك دليلاً على صدقه صلى الله عليه وسلم، فهو من معجزاته الدالة على نبوته.
وذكر الإمام أبو يعقوب في لواحق المسند من روايات الإمام الربيع ابن حبيب، عن شيخه أبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي المخزومي رحمهم الله ورضي عنهم، عن أزور رجل من المسلمين، أن نسوة من نساء أهل عُمان استأذن على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فأذنت لهن فسلمن عليه، وفي رواية فسلمت عليهن، ثم قالت: من أنتن؟ قلن من أهل عُمان، قال فقالت لهن: لقد سمعت حبيبي صلى الله عليه وسلم يقول ليكثرن ورّاد حوضي من أهل عُمان، وفيه أيضاً من روايات الربيع عن أبي سفيان، قال: دخل جابر بن زيد على عائشة رضي الله عنها، فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها عنها من فبل، أي على كثرة تردده عليها لأخذ العلم عنها، إذ هي من أجلة شيوخه رحمه الله سألها جماع النبي صلى الله عليه وسلم، وإن جبينها يتصبب عرقًا وتقول: سل يا بني، ثم قالت: ممن أنت؟ أي لما رأته يبالغ في السؤال حتى عن مثل هذا، وهو كان سألها عن مقدمات الجماع التي لا حرج في السؤال عنها، كالتقبيل (1/144)
صفحة 145
ونحوه، كما أنها لا زالت تقول، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبلنا وهو صائم، وفي رواية: وأيكم مثل رسول الله وهو أملك لأربه، ولما قالت له ممن أنت؟ وقال لها: من أهل المشرق من بلد يقال لها عُمان، قال أبو سفيان: فذكرت له شيئًا لم أحفظه إلا أني أظن أنها قالت: أظن أن النبي ذكره لي وأشياء هذا.
قال أبو إسحاق: المراد أنه سألها عن مقدمات الجماع التي يجوز السؤال عنها حرصًا منه على نقل السنة رضي اله عنه، وجمعها كي يكون المسلم مقتديًا برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أعماله دقيقها وجليلها، لا السؤال عن نفس الجماع، فإنه لا يجوز السؤال عنه، ولو سأل عما لا يجوز لزجرته ولا هوادة في الدين، وقد شهر عنها قولها لسائلها: اسألني عما كنت سائلاً عنه أمك، أي ما جاز لك أن تسأل عنه أمك سلني عنه، وقول الطاعني في الإمام أبي الشعثاء رحمه الله لا يلتفت إليه، فإن جابر بن زيد من أجلة علماء الشريعة، ومن أكبر أئمة السنة، إذ تقل عنهم جميعهم ورأوه أهلا لأن يؤخذ عنهن واتفقوا على عدالتها وضبطه، وإنكار بعض المتنطعين لهذا الحديث مردود عليهم، فليس كل السنة هم مصدرها أو لا تصح إلا منهم، فكم من مات بما معه، وكم نسى الناقلون مما نقلوا ولم يحصر العلم في قوم مخصوصين، أو في أفراد فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وهكذا.
وكذلك حديث: ليصلك شيخ العُمانية فعلميه جميع الدين، وفيه فيجدني ميتًا في روايات ليس بمستغرب، وفي آخره أنا أحبك يا أم المؤمنين (1/145)
صفحة 146
عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: إذ أحب أحدكم أخاه فليخبره أنه يحبه، فقالت رضي الله عنها: وأنا كذلك أحبك. قال: ثم لام نفسه، فقال لها: أنا أحبك في الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار إذ مرَّا حول المسجد ورأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم مدليا رأسه لزوجته ترجله وهو معتكف في المسجد، فلما رأياه على تلك الحال أسرعا مَشْيًا هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم واحترامًا له، وزوجتهن فلما رغ استدعاهما، فلما حضرا قال لهما: إنها فلانة إحدى زوجاته، فقالا يا رسول الله حتى عليك أنت، فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، أي خفت أن تُسِيئَا ظنًا بإغراء اللعين لكما فتقعا في الخطر، فإن سوء الظن بالمسلم من اكبر الكبائر، فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن سوء الظن كبيرة من كبائر الذنوب، ولما قال لها جابر ما قال نهرته، فقالت «أتظن أني أحبك في غير الله يا أعور»، وكان جابر أعور رحمه الله.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الدين غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتي». قالوا ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يعملون بكتاب الله حين يترك، ويتمسكون بحبل الإسلام حين يقطع». قال الإمام: «قال بن أحمد الغرباء أهل عُمان، من سره أن ينظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى الصلحاء من أهل عُمان». قلت: وإليهم يشير من قال:
سمت ... الملوك ... وهي ... الأنبياء ... على
أخلاقهم ... فكان ... الفقر ... تيجان
وفي بعض الكتب العمانية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعذر عليه الرزق فعليه بعُمان»، وعنه صلى الله عليه وسلم: «من أعيته المكاسب فليأت عمان، (1/146)
صفحة 147
بلاد الأمان لا ظلم فيها ولا جور، وهذا من أعظم خصال أهلها».
وعنه عليه الصلاة والسلام: يوشك في آخر الزمان أن ينتقل إليها الناس. قلت لقد بدأ انتقال الناس إليها في زماننا هذا تصديقًا لهذا الحديث، الذي مازلنا ننتظر وقته، ومتى هو كائن، فإذا بالناس ينتقلون زرافات ووحداناً إلى قطر وأبوظبي ودبي، والآن إلى النافذة الشرقية مسقط ومطرح وأعمالهما، فهاهم وهم في أول بدئهم قد ملئوا هذه البلاد المذكورة من جميع الأمم الإسلامية والإفرنجية والمجوسية، من مختلف البلاد أوربا فآسيا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يسكن عُمان فليسكن، فإن القنوع والرضا باليسير»، وهذا موجود في أهل عُمان رجالاً ونساءً بالنسبة إلى أمم البلاد الأخرى.
وسمع عبدالله بن سلمة رجلاً يودع رجلاً فقال له: أين تريد؟ فقال أريد عُمان، قال: فالحق بها يا ابن أخي، فإن بها أمان الليل والنهار؛ والمعنى أن ليلها آمن كأمان نهارها لا فرق في ذلك، ومنه يوشك أن ينتقل الناس إليها في آخر الزمان فرارًا من جور السلطان وأعوان الظلمة وحطاط النيط، قال: وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يوشك أن تكفر أمتي ويلي عليهم أعوان الظلمة في البلدان، أي في بقية البلدان التي يتولاها الظلمة، الذين يخلقون القوانين، ويرفضون البراهين، ويتبعون الأهواء، ويقدسون الأقوى، وهذا هو الكفر بعينه، فإن الكفر منه الشرك، ومنه كفر النعمة، وفي ختام هذا الحديث يلتجئ الناس إلى عُمان، وأن عُمان في ذلك الزمان، ثم وقع سقط في الرواية وآخره نعم، وإن عُمان عند اقتراب الساعة يعمر خرابها، ويكثر سكانها، وتضيق بها أمتي حتى تباع مربض الشاة ومقعد الرجل بعشرة دنانير وعشرين دينارًا، فلا يقدر على ذلك، أي لا يقدر على شراء ذلك إلا (1/147)
صفحة 148
خواص الناس، وذلك لكثرة الأموال في أيدي أهلها، ومنه وكذا فيها الأرزاق، أي متسعة وميسورة، قال: ويأمن الناس فيها بأوسع الأمان، ينضح البحر بناحيتهم تأتيهم أرزاقهم من بحرهم، وفي رواية من بحورهم، آمن ليلهم، طيب نهارهم، أهـ.
ففي هذه الأحاديث المتجلي الآن أول مدلول لها ما يقضي بفضل عُمان وفضل أهلها، ولا يخفى أن الأمان على الأنفس والأموال من أعظم النعم في هذه الحياة الدنيا، وأما الناس مع تيسر الأرزاق وتسهيل المؤونة أعظم فضل من الله على عباده، وهذا موجود في عُمان.
وهذه الأحاديث أذهبت وضعها في الصحيح أقلام الرواة والنساخ، فإن المآثر العُمانية أضاعتها أيدي الإهمال القاضية بتلاشي الأعمال، لكن تداولها به الواقع والحمد لله.
وقد ذكرت هذه الأحاديث في كتاب من أهل نزوى لأحد رجال الحق في عُمان، وكنا نستغربها لما انطوت عليه من المعاني البعيدة، فإذا بالأيام تعرب لنا معانيها، وذكرها مرتب جوابات الإمام الخليلي رحمه الله، وهو الشيخ سالم بن حمد بن سلمان الحارثي لنكتة لا حظها، و لا ريب فإن أهل عمان شاركوا في كل فضل كما سوف ترى في هذا الكتاب من أعمالهم السامية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل عمان حين استدعاه الصحابي الوحيد مازن بن غضوبة السعدي. ودعا لهم أبو بكر رضي الله عنه.
قال الإمام السالمي رحمه الله: وظهرت إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاء خليفته لأهل عمان، وصدق الله توسعهما فيهم فهم أكثر الناس هدى (1/148)
صفحة 149
وصوابًا منهم الأئمة العادلون والعلماء الراشدون، لم يتسلط عليهم عدو من غيرهم، ولم تخرج بلادهم من أيديهم، وإن غلبوا على دولتهم في بعض الأحيان لما أراد الله تمحيص المؤمنين وتمحيق الكافرين فما زالت دعوتهم بالحق ظاهرة، وسيرتهم بالعدل شاهرة، ودولتهم بالفضل زاهرة، منهم العلماء النجباء، والعقلاء الفضلاء، والخطباء البلغاء أهـ.
ولقد شاركوا في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم بأربعة رجال عرف مقامهم وحمد مرامهم.
الأول: الشيخ مازن بن غضوبة السعدي الطائي السمائلي، ولا يخفى على أحد من رجال الإسلام.
والثاني: كعب بن برشة الطاحي ويعرف بالعودي الذي أرسله زعماء الفرس إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاستطلاع خبره، وكشف صحة نبوته، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وعرف نبوته وصدق برسالته، إذ كان ممن قرأ الكتب وعلم عن نبوة الرسول الأعظم، فعاد إلى القوم بصحبة النبوة المحمدية، وذلك لما وصلهم قالوا: هذا أمر نريد نشافه فيه الملك، إذ كانوا يعلمون صدق كعب المذكور فكان داعية إسلامية في عمان.
والثالث صُحار بن العباس العبدي من عبد القيس من أهل عُمان، فكان من أجلة العلماء الأتقياء الأوفياء المرضيين.
والرابع: أبو شداد العُماني المعروف عند الغير بالذماري، كان يأتي ذمارًا فقالوا فيه: العُماني الذماري، ذكره صاحب الاستيعاب وغيره ممن كتبوا عن الصحابة رضوان الله عليهم، وإن أنكر فضل أهل (1/149)
صفحة 150
عمان من أنكره من أعدائهم فهذه حقائق واضحة في أفق التاريخ وضوح الشمس رابعة النهار، لا ينكرها إلا أعمى عن الحقائق، وأي فضل أعظم ممن أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الثناء العظيم، ثم أثنى عليهم أبو بكر رضي الله عنه ذلك الثناء الجسيم، ثم عمر بن الخطاب رحمه الله ورضي عنه، وأثنت عليهم الأنصار في ملأ من المهاجرين والأنصار، ولذلك لم يزالوا على الحق رغم الدهر الذي من طبعه التقلب، فأهل عمان أهل خير لم يتزعزعوا عن دينهم منذ أسلموا، ولا نقضوا عهدًا ولا ذمة ولا بدلوا من الأوامر الشرعية شيئًا أبداً، بل هم على الحق ثابتون، وعلى المذهب الصحيح عاضون بالنواجذ تبعًا لوصيته عليه السلام.
قال عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ، وهو يرد على من ينكر فضل أهل عمان قال: لربما سمعت من لا علم له يقول: ومن أين لأهل عمان البيان؟ فقال الجاحظ المذكور، وهو يرد على هذا القائل كما قرر عليه: أنه لا علم له، وهل يعدون لبلدة واحدة من الخطباء والبلغاء ما يعدون لأهل، أي لا يوجد لأهل بلد واحد كعمان ما يعدون لأهل عمان، وهذا أكبر شهادة من هذا العالم الوحيد في قومه بعلاميته الشهيرة، ثم أخذ الجاحظ يذكر فضائل أهل عمان فقال: منهم- أي أهل عمان – مصقلة بن الرقية اخطب الناس قائماً وقاعداً ومفرداً ومنافساً ومجيباً ومبتدئاً، أي في كل الأحوال ونحوها أخطب الناس، أي أوسعهم مقالاً، وأسرعهم بياناً، وأقواهم حجة، قال: وابنه من بعده كرب بن مصقلة. قال: ولهما خطبتا العجوز في الجاهلية، والعذراء في الإسلام، أي هاتان الخطبتان شاعتا عند العرب الأولى في الجاهلية، فتناقلتها العرب، والثانية في الإسلام، وقد جمعتا من العلم والأدب ما خضعت له أعناق فطاحل العرب، ولولا أن ذكرهما يطول بنا لجئنا (1/150)
صفحة 151
بهما ولكن لن أغراض أخرى، تدعونا إلى السير في أعمالنا قدما، قال الجاحظ. قال أبو عبيدة: «ما سمعنا مثلهما في الإسلام إلا خطبة قيس ابن خراجة بن سنان في حمالة داحس، فقد ضرب به المثل». قال وذلك أن قيسا أتى الجاهلين وهما خارجة بن شيبان والحارث بن عوف، فضرب مؤخر راحلة ابنه بالسيف، وقال: مالي وهذه الحمالة أيتها العيسميان، فقئت عين عين بعير عن ألف بعير، قالوا: وما عندك، قال: رضى كل ساخط وقرى كل نازل، قال: وخطب من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، أمر فيها بالصلة ونهى فيا عن القطيعة،
وخوف درك العواقب وما تجيبه النوائب، قال فزعموا أنه خطب من غدوة إلى الليل، فقال قائلهم: وهو يذكر غيره فلو قال، حتى تغرب الشمس قائما لكان كقيس في ديار بني مرة، قال: وهو خطيب قيس في الجاهلية، وخطيبهم في الإسلام سحيان بن وائل الباهلي.
قال الجاحظ: ومن خطباء عمان وعلمائها صحار بن العبدي، أبو إسحاق هو ابن العباس العبدي، قلت: هو الذي سبق عده في الصحابة، فهو الصحابي الثالث من عمان، قال أبو إسحاق قيل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه ثلاثة أحاديث، قال وهو من أئمتنا وشيخ أي عبدة بن مسلم بن أبي كريمة، وهو أول من ألف في الأدب وله تأليف في أمثال العرب، ذكره ابن النديم في الفهرست، قال: «وكان من أخص أصحاب الإيمان أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمهما الله»، قال: ومن خطبائهم صعصعة بن صوحان بن زيد وأخوه، خطيبان مصقعان. قلت: لقد شهر صعصعة بن صوحان بين أعلام الأدب وأبطال العرب ومازالت خطبته مأثورة متداولة، يتناقلها العلماء الأعلام وتزدان بها المؤلفات. (1/151)
صفحة 152
قال ومن خطبائهم مرة بن البليد الأزدي، لم يكن في الأرض أجود منه ارتجالا وبديهة، ولا أعجب فكرا وتحبيرا منه، قال: وكان رسول المهلب إلى الحجاج، أي وأن الرسول عين المرسل، قال: وله عنده كلام محفوظ قال: ومنهم عرفجة بن هزيمة البارقي أحد الرجال القادة في الزعامة الإسلامية، وله الشهرة في أيام أبي بكر رضي الله عنه خصوصا في حروب أهل الردة، قال: ومنهم بشر بن المغيرة بن أبي صفرة، لم يكن في أرض عمان أنطق منه: قلت والمرء بأصغريه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكان خطيب المصريحي بن يعمر، قال: وكان منشأه ومولده إلى أن بلغ الأهوار، وأصله من عمان، قال وكذلك الجحاف بن حكيم وغيرهما.
قال أي الجاحظ: فالذي ينكر أل أكون بعُمان خطيب ليس يقول ذلك بعلم أهـ كلام الجاحظ.
وقال الأصمعي عن أبي عمرو بن الفلاء قال: رأيت أعرابيًا بمكة فاستفصحته، أي أعجبتني فصاحته، فقلت: من الرجل؟ فقال من الأزد، قلت: من أيهم، قال: من بني الحدان بن شمس، فقلت: من أي بلاد؟ فقال: من عمان، قلت: صف لي بلادك، فقال، سيف أفيح، وفضاء صحصح، وجبل صلدح، ورمل أصيح، فقلت: أخبرني عن مالك، قال: النخل، قلت: وأين عن الإبل، أي ولها الشهرة إذ ذاك عند العرب، فقال: كلا إن النخل أفضل، أما علمت أن النخل حملها غذاء، وسعفها صياء، وكربها صلاء، وليفها رشاء، وجذعها غماء، وفروها إناء، قلت: وأنى لك هذه الفصاحة؟ أي من أين لك هذه الفصاحة البليغة التي تجابهني بها في موقفي هذا بداهة؟ قال: إنا بقطر (1/152)
صفحة 153
لا نسمع فيه ناجحة التيار، أي نحن بعيدون عن ساحل البحر الذي لا يزال الأعاجم والأنباط يختلطون بأهله، بل نحن بعيدون منهم حيث منابت الشيخ والقيصوم من عُمان أي في داخلها.
وفي خبر الحجاج بن يوسف الثقفي، قال: خرج إلى القاوسان وإذا هو بأعرابي في زرع له، فقال له الحجاج: ممن أنت؟ قال: من أهل عُمان قال: فمن أي القبائل أنت؟ قال: من الأزد. قال: فكيف علمك بالزرع؟ قال: إني لأعلم منه علمًا. قال أي الحجاج: أي شيء خيره؟ قال: ما غلظت قصبته واعتم نبته، وعظمت جثته، قال: فأي العنب خيره؟ قال: ما غلظ عوده وعظم عنقوده قال: فما خير التمر؟ قال: ما غلظ لحاه ودق نواه ورق شحاه، فأدهشه بما أبداه من فصاحة علمية.
قال الإمام: ومن أهل عُمان كعب بن سور قاضي عمر بن الخطاب على البصرة، قال: وهو أول من قدم على البصرة بعد تمصيرها. قلت: ولتوليته القضاء بها خبر بديع ذكره المؤرخون، وهو من روائع الذكاء، وبدائع الإدراكات الذهنية التي يختص الله بها من شاء من عباده، والله يزيد في الخلق ما يشاء، ولن نذكر هذه القضايا، وإن كان لها تعلق بالتاريخ العربي الإسلامي العام، فتاريخنا هذا خاص، وإنما نشير إلى الحوادث كهذه من بعيد، ونكل على ذلك إلى غيرنا، ف‘ن أهل العلم قد ذكروا كل ما يلزم وفوق ما يلزم.
ومن أهل عمان أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي رحمه الله تعالى، وقد تحدثنا عنه في «العرى الوثيقة» بما يشفي ويكفي، وكان (1/153)
صفحة 154
غاية في العلم والورع، مثالا للنزاهة والتقوى، ومرجعا للمشاكل ومنتهى الطالب للفقه الإسلامي بجميع معانيه في أيامه، أجمعت الأمة على ثقته وعدالته وضبطه وصيانته، وعاش عمرا طويلا قضاه في تحصيل العلم وحفظه وجمعه ونشره في الأمة، فطلب العلم عهد التابعين عيال عليه، فأين رجال العلم عند جابر تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما.
قال الإمام: وشهرته عند الموافق والمخالف كافية عن إطالة ذكره، وكان مقامه في البصرة ومات بها، وهو من أهل فرق من داخلية عمان، خرج لطلب العلم فكان الغاية القصوى فيه والحجة العليا على مخالفيه، وقد بسطنا طرفا هاما من ترجمته في «العرى الوثيقة».
ومن أهل عمان الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب المسند الصحيح، انتقل إلى البصرة ونسب إليها؛ وعاش فيها عهدا إذ هي إذ ذاك حضيرة علم ودوحة فقه ومعدن فضل، ثم رجع إلى عمان في آخر عمره، فعاش قدوة الأمة وعمدة أهل المذهب، قال الإمام وكان يضرب به المثل في العلم، كذلك وضعنا ترجمته في العرى الوثيقة، ومن أهل عمان أبو حمزة الشاري المختار بن عوف السليمي من أهالي مجز من أعمال صحار، صحب الإمام عبدالله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق في حضرموت، وكان المختار عنده السيف البتار الضيغم الزآر الذي ذكرنا عنه في (الإسعاف)، ما ساء بعض أهل الخلاف، وغاظ أهل الاعتساف، وتحدث عنه وعن أصحابه صاحب الأغاني، وذكر طرفا من تاريخهم الزاهر، وذكرهم العاطر، فكانوا جمال الكتب وزينة الدفاتر.
قال الإمام: وهو خطيب مصقع. قلت: خطب أبي حمزة الشاري (1/154)
صفحة 155
لا تخفى على أحد من أهل العلم، فلا نذكرها؛ بل رواها أجلة الله العلماء كمالك ابن أنس، وقال فيها مقالته المشهورة، وهي: خطبنا أبو حمزة خطبة حيت المبصر وردت المرتاب، وهذه أعظم شهادة في ذلك العلم الجليل بحق أبي حمزة، وأنه على الحق حيث ردت المرتاب عن ارتيابه، وحيرت المبصر عن الذي يرى أنه البصير في دينه، لما سمع خطبة أبي حمزة رأى نفسه في حيرة لا مزيد عليها، حيث كان يعتقد الحق عند، وإذا هو خلو منه والله المستعان، إن الهدى يختص به من عباد الله من وفقه الله.
أرتني ... هدى ... زيد ... وفي ... العلم ... قلة
وضلة ... عمرو ... والعلوم ... بحور
قال الإمام السالمي رحمه الله: يعني البصير في دينه المخالف لأبي حمزة صار بعد سماع خطبته مختارًا غير مبصر لما سمع فيها من الحجج الباهرة، والبراهين القاهرة، الناقصة لما هو عليه من سوء الاعتقاد، وإن المرتاب في مذهبه رجع بسماع خطبة أبي حمزة إلى مذهب الحق وترك ما كان عليه من الريب، قال: وكان يشير بالمبصر إلى نفسه، وهذا من قوله يدل على أنه صار مختار في مذهبه، حيث أنه لم يستطع جوابًا لحجج أبي حمزة؛ ولا دفعًا للحق الذي نطق به، والحق إذا قام صرع معانده، قال: وليته ترك الحيرة وأخذ بالبصيرة، قال: ومحل ذكر خطبه في سيرة طالب الحق من أهل اليمن، فلا نطيل بذكرها. قلت: لما كان الرجل عمانيًا، ونحن نؤرخ عن عمان كان من اللائق أن نذكر فضائل أهل عمان ومكارمهم في تاريخ عمان، لكن أرجأنا ذلك آملين أن نجمع خطب أهل المذهب في كتاب مستقل، فنذكر فيه هذه الخطب وأضرابها من خطب الأعياد والجمعات والإستسقاء، وأن نعلق عليها شروحا تبين معانيها وتشهد بحقها، وتعرض عن مقتضى جملها ومفرداتها مع خطب (1/155)
صفحة 156
عرفة، وما يناسب ذلك فلهذا أخرنا عن ذكرها هنا، فإن وفق الله لذلك فهو المسئول أن يعين عليه، وإن حالت الأقدار بيننا وبين أملنا فنسأل الله أجر ما قصدنا وهو أكرم الأكرمين.
ومن أهل عمان الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكان من أهل ودام من الباطنة، خرج إلى البصرة وأقام بها حين أعرق أهل عمان بها منذ عهد أبي بكر رضي الله عنه، إذ انحاز إليها الركب المصاحب لعبد بن الجلندى وهي إذ ذاك تخطط من جديد فنسب إليها حتى لا يعرف إلا بصرى، وهي علامة شهر بالعلم بين أعلام الأمم، وفي مقدمتهم فقهاً وأدباً وتاريخاً وشعراً، وله بدائل علمية لم تكن لغيره من رجال العلم، ولا عرفها أحد قبله، فهو صاحب العروض الذي لم يكن له سبق وجود في عالم العلم، وقد سماه باسم المكان الذي فتح له به فيه وهو العروض فرتب أبحر الشعر ستة عشر بحرًا، ورتب قوافيها على غير مثال سبق، فكأنه من آيات أفكاره الوقادة، وقد ذكره ابن خلكان وغيره، وله كتاب العين الذي هو إمام الكتب في اللغة، وشهرته تغني عن ذكره وما سبقه إلى تأليفه أحد، أي لم ينسج أحد قبله على منهاجه البديع، وإليه يتحاكم أهل الأدب، فإنه إمام فيه وذلك فيما يختلفون فيه فيرضون بحكمه ولا ينتظرون بعده غيره فيسلمون لحكمه، وهو صاحب النحو، وإليه ينسب، وهو أول بوبه وأوضحه ورتبه وشرحه وهذبه، وهو شيخ سيبويه في النحو وسيبويه أنحى أهل الأرض في أيامه، وكان الخليل المذكور أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، هذا الفن وهو أيضًا صاحب الشكل والنقط في الألفاظ العربية، ولم تكن قبله مشكولة بل أشكلت فأزال الخليل إشكالها ومشت الأمة على عمله هذا منذ ذلك العهد تبعًا له، ولع فضيلة السبق فيه والتقدم. (1/156)
صفحة 157
ومن أهل عمان ابن دُريد المعروف بأدبه وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الحسن بن دريد الأزدي، صاحب كتاب الجمهرة المشهور بين أهل الأدب لغة وغيرها، ولو لم يكن له غيره لكفى، بل له مصنفات عدة ذكرها مترجموه، وهو الخطيب المشهور والأديب المذكور والشاعر المعروف، والفصيح الذي يقف عند كلامه البلغاء، ويستعير من بلاغته الفصحاء، ويعجز عن مجاراته في الأدب أجلة الأدباء، ويستعين بعباراته اللغوية الخطباء، فهو خطيب في شعره مصقع في نثره، وقدوة في خطبه وأدبه، وحكيم في وضعه وأديب في شعره، ومجيد في نثره، لا زيادة عليه في فنون الأدب والعلم، ولو لم يكن له من الشعر إلا مقصورته لكتف دليلا على بلاغته وبرهانا على حكمته، وقد تداولها الشراح وتسابقوا إلى التعليق عليها، لما حوته من المعاني الأدبية وما انطوت عليه من الحكم الشعرية، فهي جامعة كلية في الأدب العربي، وقد ذكره المؤرخون في كتبهم قديماً وحديثاً، وأشاروا إليه لمن سعى إلى الأدب سعياً حثيثاً، وإن العلم ليفتخر بمثله.
ومن أهل عُمان أبو العباس المبرد، وصاحب كتاب الكامل المشهور الذي هو أحد كتب الأدب، وأيام العرب، وقد عده كثير من أهل العلم في طليعة الوعاة العرب، وله مصنفات، والكامل أشهرها، وشيوعه عندهم غير منكور لاسيما في تحليل المعاني الشعرية، وذكر محتويات كلماتهم فله يد طائلة ولهجة واسعة ومقالات جامعه، ولا يخفى أن أهل عُمان في الركب العربي من المتقدمين في الأعمال الإسلامية بجميع معانيها، فلأهل عُمان في سياسات الممالك السهم الأكبر والحظ الأوفر، وناهيك بسياسة المهلب ابن أبي صفره العماني الأزدي، فقد وصفه أهل التاريخ بأوصاف سياسية يحتار في وضعها كثير من فطاحل الرجال، وله في (1/157)
صفحة 158
الحزم والعزم على مراوغة الأبطال، بحيث يعيبهم أمره، وبذلك استنقذ البصرة من أيدي الأزارقة وكادت الدولة الأسلاميه تؤيس من إرجاعها إلى دائرتها، فجاءها هذا البطل الأزدي العماني، فأخرجها من أشداق الأزارقة وأراهم منه صولة لا ترد ونكايات لا تعد، ودهاء لا تصل إليه عقولهم، فأعاروها اسم بصرة المهلب، وقد أشبع العوتبي الفكر العربي بأعمال المهلب حتى هم أن يتولى مهام الدولة إلى حد بعيد، وهو هو في سيره وسراه، وكان قيامه على الأزارقة في حرب البصرة بأبطال عُمان من قومه وآله، وهم العمدة معه في ذلك، وإن كان معه من غيرهم، ومن قرأ التاريخ العربي الإسلامي أدرك ما قلناه واضحا، فلم تزل المعارك دائرة بينه والأرازقة عهداً طويلاً حتى ردهم الله بسببه خاسرين، حليفهم الفشل، وإذا استقرأ الحر التاريخ العربي، رأى فيه لعُمان نقاطا هامة.
قال الإمام: ولهم في الشجاعة المنزلة العليا والسهم الأوفر وذلك فيهم غير مجهول ولا مستنكر، قال: فمنهم بلج بن عقبه الفراهيدى الذي كان يعد عن ألف فارس، وهو شاب في سن العشرين من عمره، قال وخبرة في سيرة الإمام طالب الحق الكندي، قلت: وكم مثله من الأبطال العمانيين ذكر أفراد منهم في تاريخ الإمام سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي، من أرادهم فليرجع إليهم منه يجد رجلا تفوق الرجال وأبطالا لها في الشجاعة أعلى مثال. قال الإمام: ولهم في السياسات التي يحار فيها الواصفون مقام، ونوه بسياسة المهلب، ولآل المهلب تاريخ ضخم يدل على الرجال المنظورين، والأبطال المشهورين، وهم من منابت عُمان.
ومن هذا الطراز في كل دولة من دول عمان، ولله يوم يصبح (1/158)
صفحة 159
البطل العماني فيه مرفوع الأعلام في أفق التاريخ، وغير بعيد ذلك إن شاء الله. فإن الزمان قد هم أن يستدير كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فيعرف الحق لأهله، ويرد الباطل على ذويه، وفي عُمان من أهل الفضل في المجالات الأخرى من يعد في طليعة ركب الرجال الميامين، ففي عُمان علماء أجلاء لا يكاد يمكن أن يقاس بهم في أدوار الحياة، ذكرنا منهم طرفا في «أصدق المناهج» ونموذجا في العنوان، فإذا أردنا ذكرهم هنا يضيق بنا المقام، فإن محبوب بن الرحيل، وولده محمد بن محبوب، وولده بشير بن محمد بن محبوب، وابن ابنه الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب، ومحير بن محمد هؤلاء أهل بيت واحد في صحار أشبه بهالة البدر في السماء، كل واحد منهم أفضل من الثاني، كأنما يشير إليهم القائل حيث يقول:
من ... تلق ... منهم ... تقل ... لاقيت ... سيدهم
مثل ... النجوم ... التي ... يسرى ... بها ... الساري
فهم في الفضل النمط الأوساط يرجع إليه العالي، ويلتحق به التالي وهم في العلم البحور التي تقذف بالآلي، وهم بين الرجال في ميامين الشرف الأطم العوالي، هؤلاء. من غيث؛ وبلة من البحر، وكم مثلهم في كندة وفي خروص وفي بقايا المسلمين، بعُمان إذ أردنا ذكرهم على عادة أهل التراجم، لم تقدر، بل إذا أردنا سرد أسمائهم وذكر قبائلهم ومواقعهم في عُمان لم تساعدنا الأقلام، وحسبك رجال الدولة اليعربية الذين خاضوا الأبحر فاتحين، وصارعوا الأمم منتصرين،، ونظموا الجيوش محاربين؛ حتى أصبح العالم يحسب لهم ألف حساب، ولا بد أن يعود لعُمان مجدها السالف وشرفها العريق، والناس معادن، وأهل عُمان أمامهم ولله في خلقه أسرار، الأحاديث تؤيد ما قلنا، وعن قريب تبلغ عُمان ذروة الشرف ويشار إليها بالبنان بين الممالك. إن غدا لناظره قريب. (1/159)
صفحة 160
أبو بكر الصديق وعُمان
لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم، وقام بالأمر الخليفة الصديق أبو بكر رحمه الله ورضي عنه، خرج عمر بن العاص راجعاً إلى المدينة للنظر في أحوال المسلمين، وكيف يدور مدارها ومعه سبعون راكباً من خيار أهل عُمان وفضلائهم، ولما وصلوا إلى أبي بكر رضي الله عنه وسلموا إليه الأمر، وتبرءوا إليه من أمر البلاد عُمان ووضعوها في يده، وتخلوا من سلطة الأمر والنهي، فشكرهم أبو بكر رحمه الله، وشكرهم المسلمون، وأثنى عليهم أبو بكر رضي الله عنه ثناءً وافراً، وأحبهم وأدنى مجلسهم وبعد أن تعرف إلى القوم والاطمئنان بهم جهزهم أبو بكر رضي الله عنه لحرب آل حفنة، وهم غساسنة الشام، فقاموا بما وجهه الإمام إليهم، وحمله على عواتقهم وبعد رجوعهم من الشام، ولاهم أبو بكر أمر بلادهم وألقى إليهم ما عنده من الخطاب، واقرهم على أعمالهم ووضع لهم النظام اللازم، ولما ارتدت العرب وكان أبو بكر السد الذي أوقف مجاري الارتداد، وقضى على النزعات الشيطانية بنور الإيمان، ولم يغمد سيوف الحق عن أعناق أهل العناد، وإذ ذاك أرسل الجباة لزكاة أهل عُمان، ووقع سوء التفاهم بين الجباة وأهل دبا من شمال عُمان، وآل الأمر إلى التداعي بدعاوي الجاهلية، فوقع في أنفس المصدِّقين أن القوم مرتدون فتأخروا ليعبئوا قواتهم للهجوم القاضي على القوم قياماً بواجب الدين، وفي الحقيقة أن ذالك واجبهم أن لو كان الأمر كما ظنوا، إلا أن الظن لا يغني من الحق شيئا، وما كان القوم مرتدين، ولكن سوء التفاهم مهدَّ لظن الارتداد من رجال الإسلام، فصال عليهم الجباة صولة الأسود الضارية، فما كان إلا عشية (1/160)
صفحة 161
أوضحاها، وإذا بالقوم في وثاق الأسر بقهر أمير الصدقة، فقبض عليهم والقوم متبرمون من صنع الأمير، ثابتون على دينهم، ولو كانوا مرتدين لحاج ردهم إلى الدائرة الإسلامية إلى جيوش جرارة تنتج دقاً وحطيماً، فقادها إلى أبى بكر رضي الله عنه أساري على أنهم هم وأموالهم غنيمة للمسلمين، ولما شاع خبرهم في المدينة وجرى الكلام فيهم بين الصحابة رضي الله عنهم، أنكر ذلك خيار الصحابة على أمير الصدقة ومن معه، وردوا عليهم عملهم، هذا وقد مر عليك ما جاء فيهم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحمه الله تعالى.
وفي التاريخ العماني أن أبا بكر رحمه الله وجه حذيفة الغلفاني أو القلعاني وهو ابن محصن، أو ابن الحصين كما في الرواية الأخرى. وكان من بارق حليفاً للأنصار، وكان له بصر أي حكمة في الأمر مواردها ومصادرها، فوجهة أبو بكر رحمه الله إلى عُمان أميراً أي على الصدقة، فصدقهم، فلما صار في آل الحارث بن مالك بن فهم، أي وهم المعروفون في أهل عُمان بالشحوح الآن إذ علقوا عليهم صفة الشح بالصدقة، فقيل لهم الشحوح وشاع فيهم، ولما صار المصدق إليهم تناول بعض أصحابه امرأة من القوم، وكان عليها فريضة شاة مسنة، فأعطتهم عتوداً أو عناقاً مكان الشاة المسنة_ فأبوا أن يقبلوها فأخذوا ما أرادوا أي مما وجب لهم، فلما كان الأمر كذلك، وكانت امرأة لا عقل لها والشح بالمال أهلك من كان قبلنا، وأنه موجود في الرجال فكيف به في النساء، فلما رأت ما فعل الجباة صاحت على قومها بما كانوا في الجاهلية يتداعون به، وهو قولهم يا آل فلان، فلما سمع حذيفة تلك الدعوة قال: دعوة جاهلية، فالقوم مرتدون فعند ذلك أغار عليهم وقبض على رجالهم فساقهم إلى المدينة إلى آخر ما جاء فيهم. (1/161)
صفحة 162
وكان سبيعة بن عراك والمعلا زعيمين فيهم فلحقا بالقوم حتى تلاحقوا بالمدينة، فشكى الزعيمان إلى الصحابة فعل الأمير المصدق، فلما تحقق عمر وتبين أصل القضية لم ير المسلمون إلا رد القوم على بلادهم، وجبر خواطرهم بالمال، فحملوا عنهم مصاريفهم وزودهم من بيت مال المسلمين ما خفف الوطاءة عليهم وهون المصيبة، ورجع القوم إلى بلادهم، وبذلك طنطن المرجفون في أهل عمان، وزعموا أنهم مرتدون زعماً لا أصل له، وشادا بذلك ابن الأثير في كامله أخذاً للقضايا من غير مصدرها، وعدم توثق في النقل فقرروا ارتداد أهل عمان وكيف يرتد أهل عمان، وقد أسلموا طوعا وأذعنوا للحق راغبين، وقد سمعت ما قاله أبو بكر رضي الله عنه فيهم حيث قال: «معاشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعاً ولم يطأ رسول الله صلى الله عليه وسلمساحتكم بخف ولا حافر، ولا جشمتموه ما جشمه غيركم، أي لم تكلفوه المشاق كما كلفه غيركم من العرب، فإن أهل مكة أهله وأقاربه وعشيرته آذوه وطاردوه حتى آوه الله إليه برجال من الأنصار الأمجاد الذين وفقهم الله، فواسوه بالحال والمال، ووازروه. في الحل والترحال، قال أبو بكر رضي الله عنه: «ولم ترموا بفرقة ولا قطيعة رحم ولا تشتت شمل»، ثم دعا لهم أبو بكر رضي الله عنه دعاء شاملا، فشكرهم المسلمون شكرا عظيما خصوصا من أبي بكر المذكور، ثم حكى عنهم الحال الذي سره منهم قائلا: «ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح، فأجبتموه إذ دعاكم على بعد داركم وكثرة عددكم، وأطعتموه إذ أمركم، فأي فضل أبر من فضلكم وأي فعل أشرف من فعلكم، كفاكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفا إلى يوم المعاد». قلت: يشير أبو بكر رحمه الله إلى قوله صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي أرسله الرسول عليه السلام، إلى قوم (1/162)
صفحة 163
فسبون وضربوه، فقال صلى الله عليه وسلم، «لو أهل عُمان أتيت ما سبوك وضربوك»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
ومن دعاء أبي بكر رحمه الله لأهل عُمان قوله: فيثبت الله ألسنتكم ويهدي قلوبكم في حديث يذكره المؤرخون، فهذه هي عُمان تحت راية أب بكر رحمه الله، وتلك تنويهاته رضي الله عنه فيهم، فأين دعوى الارتداد، فأهل عُمان من ذلك العهد إلى الآن لم يزالوا ثابتين على إسلامهم وغاضين على سيرة أهل الحق فيهم بالنواجذ، وإن كانوا قد غشيتهم الآن المذاهب الأخرى الطارئة على عُمان، فلن يتزعزع أهل الحق عن أصولهم، ولن ينقلبوا على أعقابهم، وإن تكدر صفو دهرهم، فإن الذهب الإبريز وإن أخنى عليه الدهر وطال عهده بالتراب، فهو هو وأهل عُمان كذلك، (أَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (1) وأهل عمان هم الذين يمكثون في الأرض لنافع الناس إن شاء الله.
ولقد قال الإمام سلطان بن سيف اليعربي رحمه الله: لئن أعاشني الله، أي أطال في حياتي لأتركن المسافر يذهب من عمان إلى مكة بغير زاد، هذا وما زال أهل عمان يقدمون الأمم بأخلاقهم الحميدة ومكارمهم الجميلة، وعفافهم في الدين بالنسبة إلى غيرهم، ولا زالت غيرتهم الدينية باقية، وها نحن في هذا الزمان العصيب، يقول لنا الوافدون من سائر العالم: إن بلادكم هذه بالنسبة إلى الأمم الأخرى عبارة عن مسجد، لقد قال لنا بهذا كثيرون ممن سافروا ورأوا ما عليه باقي الأمم، فالحمد لله.
وإذا رجعنا إلى أبي بكر رحمه الله والعهد بالكفر جديد، فذلك حال أهل عُمان معه، وتلك كلماته فيهم، وهذا حال أبي بكر رحمه
------------------------
(1) من الآية 17 من سورة الرعد. (1/163)
صفحة 164
الله معهم والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فأهل عمان لا ينال أحد من باقي الأمم منالهم، فهم أكرم من الريح المرسلة على قلة ما في أيديهم، إذ يسير الراكب في نواحي عمان لا يحتاج إلى زاد إلا إذا شاء بنفسه وإنما أهل عمان يتزاحمون على الضيف تزاحم العطاش إلى الورد، كان الضيف كبيراً أو صغيراً، وسواء كان معروفاً أو منكوراً، فهل يوجد هذا في سائر الأمم العالمية الآن.
وتوفى أبو بكر رحمه الله وهو راضٍ عن أهل عمان، وهم راضون عنه، وكانت وفاته رحمه الله ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة13 ثلاث عشرة للهجرة، وله رضي الله عنه ثلاث وستون سنة، وهي سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت المصيبة الثانية بالمسلمين، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر خير الأمة كلها بعد نبيها. (1/164)
صفحة 165
عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعُمان
لقد تقدم عن الإمام الأول لدولة الإسلام المسلمين الصديق الأكبر أبو بكر رحمه الله ورضي عنه وأعماله في عُمان، وأنه أقر جيفر وعبدًا على ملك عُمان، جعل لهما أخذ الصدقات من أهلها وحملها إليه، وجاء في أسد الغابة لابن الأثير صاحب الكامل: أن أبا بكر استعمل عكرمة بن أبي جهل القرشي على عُمان، ثم عزله وسيره إلى اليمن، واستعمل على عُمان حذيفة القلعاني، ولما تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عزله عن عُمان، وولاه اليمامة وولى على عُمان والبحرين عثمان بن أبي العاص الثقفي في سنة خمس عشرة للهجرة إلى آخر ما جاء من أمره، وحكى العوتبي في (الأنساب) تولية الثقفي المذكور، وتولية أخيه الحكم على البحرين، ثم أمر عليه رحمه الله أن يقطع البحر إلى ابن كسرى، أي الذي قتل أباه بفارس، وخرج عثمان المذكور بأهل عمان الأبطال وهم ثلاثة آلاف فارس، وقيل به ألفان وستمائة من الأزد، وراسب وعبد القيس وناجية، وكان زعماء الجند العُماني الغازي هم صبرة بن سليمان الحداني في أزد وشنوءة، ويزيد بن جعفر الجهضمي رأس آل مالك بن فهم، وكان أبو صفرة الذي لم يرغب الأمير في مشاورته إذ أتاه أمر عمر بن الخطاب بعد وقعة جلولا رأس بني عمران بن عمرو بن عامر، ومعهم جماعة فخرجوا غزاة لفارس إلى آخر ما كان منهم في مسيرهم وتغلغلهم في النواحي الفارسية حتى نفذوا إلى أرض توج في شمال العراق، فخاضوا قتالاً عنيفاً، وصارعوا موجات ضخمة، وبذلك طن لهم في الأفق العربي صوت داو حتى تشوفت الأعين إليهم، ومثلت العُمانيين مثلاً رائعاً حيث خرجوا بالأمس وفي عهد أبي بكر (1/165)
صفحة 166
رضي الله عنه لمقاتلة آل جفنة بالشام، واليوم يخوضون أرجاء فارس كذلك فاتحين، وبذلك رمقتهم الأعين بالإكبار ولحظتهم بالوقار، وأجلَّهم أهل البصرة إذ أفاضوا عليها من توج، وقد ذكر القضية العوتبي في الأنساب، وأشار إليها الإمام السالمي رحمه الله تعالى في التحفة، وذكرناها في العنوان، كذلك كإشارة وتفصيل الحوادث يستدعي الفراغ الواسع، لاسيما أن التاريخ العُماني أغمض وأعمق من كل شيء، حيث لم تقم له مصادر عالمية كما حدثناك عنه في مقدمتنا لهذا الجزء.
ومن أعمال الإمام عمر بن الخطاب رحمه الله بعُمان قيامه على الأمير الذي قبض على أهل دبا متأولاً فيهم الارتداد كما ذكره أهل العلم، وأن كان ذلك في خلافة أبي بكر رحمه الله تعالى، وقد غضب عمر ابن الخطاب على أمير الصدقة غضبًا لم ير مثله، حيث قال له: «والله إني لو أعلمك تسبيهم بدين دوني تقطع فيهم أي بهذا الحكم الذي حكمت به فيهم وهو سبيهم، وغنيمة أموالهم لقطَّعتك طوائف ثم بعثت إلى كل مصر منك بطائفة» وفيه المبالغة بالتهديد، أي حيث تجعل التأويل في محل التنزيل، والمراد به التشهير بالعقوبة ليعلم الناس أن الحق أكبر من الولاة وفي بعثه به إلى الأمصار قطعًا تصريح ببطل ذلك الفعل، وتشهير له بين المسلمين في أنحاء الأرض، ورد على من يقول إن أهل عُمان ارتدوا، ولكن الإمام رحمه الله أغضى عن عقاب أميره هذا حيث رأى الحال يحتمل أشياء فكان تهديده كافيًا لرد جماحه الذي جمح به عليهم قبل التحقيق، ولم تقم للأمير حجة تبرّر فعله، بل اعتمد على شبهة ظنها حقًا فأخطأ فيما فعل، والدين لا يثبت بالاحتمال، ومن اتخذ الظن دينًا كما يفعل بعض فرق المسلمين فقد ركب محجورًا وتنسم (1/166)
صفحة 167
ضلالاً، وهذه أفعال الصحابة رضوان الله عليهم فيمن فعل ذلك، وهم القدوة الصالحة والحجة الراجحة، وإليه يشير قول الإمام رحمه الله في جوهره:
تأول ... السابي ... لهم ... يوم ... دبا
وأنكر ... الفاروق ... ذاك ... المذهبا
أي أنكر عليه تأويله ارتدادهم حين تداعوا بدعاوي الجاهلية، فإنه لا يكفي للحكم عليهم بالارتداد بذلك، فإنه يحتمل أنهم جروا على المتعارف معهم سابقًا بقطع النظر عن معنى الارتداد، وكيف يرتد أهل عمان وقد أسلموا طوعًا ولم يطأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخف ولا حافر مع مدحه لهم بما علم من أحاديثه الواردة.
قال الشيخ خلف بن زياد البحراني، وهو أحد عُلماء المسلمين القدماء رحمه الله: ثم نقض عمر أمر أهل دبا، أي أبطل الحكم الذي حكم به المصدق فيهم بعد ما هدده ذلك التهديد الكبير، ورد القوم أي المسببيين من أهل دبا إلى منازلهم، أي بعمان، ورد عليهم أموالهم التي ظنها الجابي غنيمة حيث لم يثبت منهم الارتداد قال: وأجاز المسلمين بما أصيب منهم، أي عوضهم بدل ما ضاع عليهم بثلاثمائة ثلاثمائة، أي لكل واحد منهم: وأخرج لهم ذلك من بيت مال المسلمين. قلت: هو دليل على أن خطأ العامل من بيت المال حيث كان عامل المسلمين كإمام وقاض ونحوهما، أي أن بيت المال مجعول لصلاح المسلمين، وهذا من صلاحهم، فكأنه رأى الخطأ بالتأويل في بيت المال، وما هو بيت المال؟ هو الزكاة والغنائم لا غير، وقد حكم الله فيهما بحكمه (1/167)
صفحة 168
الصحيح الصريح، وقد أخذ العلماء من ذلك ما كان صلاحا للمسلمين يجوز الإنفاق عليه من بيت مالهم، فإن السنة فسرت القرآن وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم واضحة صريحة وكذلك أحكام صحابته المتفرعة عن أحكامه، وللإمام النزر في مصالح المسلمين، ولذلك جعل إماما لهم، أي لينظر في مصالحهم بدلائل القرآن، فكان نظر الإمام ابن الخطاب رحمه الله عين الحق ولسان الصدق، ولم لا وهو الألمعي البصير رضي الله عنه.
ولم علم عمر من أهل عمان الصدق، وتقرر لديه ثباتهم أيام أبي بكر، ورأى أحوالهم في عهده، وأنهم لم ينزعوا يدا من طاعة، ولم يراوغوا المسلمين مراوغة الجماعة، ولم يبدل في عمان أمرا عن أمر، ولم يحرك ساكنا حيث اطمئن بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمعها بأذنه وهو مطمئن بصحتها، ولم يكن له في عمان عمل أكثر من هذا الذي ذكرناه، وبقيت عمان في عهده كباقي المملكة الإسلامية هادئة مطمئنة، وأهل عمان من أهدى الأمم للحق وأتبعهم وأعرفهم به برغم بعد دارهم كما قيل:
أرتني ... هدى ... زيد ... وفي ... العلم ... قلة
وضلة ... عمرو ... والعلوم ... بحور
على هذا عاشت عمان أيام عمر بن الخطاب رحمه الله حتى توفي رضي الله عنه قتيلا لأربع عشر ليلة مضت من ذي الحجة سنة 23 للهجرة، طعنه أبو لؤلؤة وكان نصرانيا وقيل مجوسيا، ودفن مع صاحبيه النبي صلى الله عليه وسلم، ووزيره الرضي أبي بكر رحمه الله، هذه هي عمان أيام الخليفتين الرضيين المرضيين أبي بكر وعمر بن الخطاب.
والتاريخ أكبر شاهد وأصدق حجة، إذ يجيء معبرا عن الحوادث وحافظا لكل حادث من محدثه، وتلك إحدى فوائده المنشودة. (1/168)
صفحة 169
عثمان بن عفان وعُمان في عهده
لما توفي عمر بن الخطاب رحمه الله، وكان جعل الخلافة شورى بين المسلمين، حيث رأى الأنظار تتنافس فيها، وكل يميل إليه نظرا إلى الرئاسة، وكان ينبغي التباعد منها إلا من ابتلى بها فيحتسب عناءه وأجره مع الله عز وجل، ولا يميل إلى الرئاسة عاقل مهما كان، فإن حب الرئاسة هو الشهوة الخفية، نعوذ بالله منها.
ولا شك أن الكبر لا يفارقها طبعا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر. ولا شك أن الكبرياء لله لا ينازعه فيها أحد إلا كبه الله على وجهه في النار، وما سؤال يوسف الصديق الإمارة إلا لأنه يعلم من نفسه الأصلحية لها وذلك من الاجتهاد في الحق، كما أشارت على هذا إحدى سيدات المغاربة الأمجاد، لما جاءها الشيخ العلامة الجليل هود بن محكوم الهواري يشاورها حين طلب القضاء. فقالت له: إن كنت تعلم أن في القوم من أصلح منك لهذا الأمر، فقبلت فأنت خشبة في جهنم، أي إذا قبلت مع العلم بمن هو أصح، فقد قبلت شهوة وحبا للإمارة، وفي ذلك الهلاك نعوذ بالله منه. قالت: وإذا كنت تعلم أنه ليس في الجماعة من هو أفضل منك لهذا الأمر فأبيت، فأنت خشبة في جهنم، أي حيث تعين عليك الأمر وصرت مكلفا به وجوبا، وإذا أبيت من فعل الواجب عليك استحقيت العقاب من الله، ولم ابتلي عمر بن الخطاب بالإمامة وعلم من أحوال الناس ما علم، وخوطب في الوصاية لمن يراه أصلح لها لئلا تنشق عصا المسلمين تبعا لفعل أبي بكر رضي الله عنه، (1/169)
صفحة 170
لم يوافق عمر أن يوصي بالإمارة لأحد من المسلمين لما رأى من الأحوال. فجعلها شورى بين ستة رجال من خيار المسلمين لينظروا الأصلح ويكونوا حجة تقطع الشقاق، وتدفع الافتراق، وهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وطلحة ابن عبيدالله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف، وكان طلحة غائبا. فقال: يا معشر المهاجرين الأولين، إني نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقاً ولا نفاقاً، فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم، تشاوروا ثلاثة أيام، فإن جاءكم طلحة إلى ذلك الأجل، إلا فأعزم عليكم بالله ألا تتفرقوا من اليوم الثالث حتى تستخلفوا أحدكم فإن أشرتم بها إلى طلحة فهو لها أهل، وليصل بكم صهيب هذه الثلاثة الأيام التي تتشاورون فيها، فإنه رجل من الموالي لا ينازعكم أمركم، وأحضروا معكم الحسن بن علي، وعبدالله ابن عباس فإن لهما قرابة، وأرجو لكم البركة في حضورهما، وليس لهما من أمركم شيء، ويحضر ابني عبدالله مستشارا وليس له من الأمر شيء.
قالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه للخلافة موضعا فاستخلفه فإنا راضون به. فقال: بحسب آل الخطاب تحمل رجل منهم ليس له من الأمر شيء، ثم قال: يا عبدالله، إياك لا تتلبس بها، ثم قال: إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه، وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما، وإن استقام ثلاثة واختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبدالله، فلأي الثلاثة قضى فالخليفة منهم وفيهم، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم، فقالوا: قل فينا يا أمير المؤمنين، أي ما ترى من الأحوال مقال نستدل (1/170)
صفحة 171
فيها برأيك ونقتدي به، فقال: والله ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك، مع أنك رجل حرب، وما يمنعني منك يا عبدالرحمن إلا أنك فرعون هذه الأمة، وما يمنعني منك يا زبير إلا أنك مؤمن الرضا كافر الغضب، وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره، ولو وليتها لوضع خاتمه في أصبع امرأته، وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك، وحبك قومك وأهلك، وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها، وإنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين والصراط المستقيم.
هذه آراء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الخلافة، وتلك فراسته في قومه وهو أعرف بهم، وإن لهذه الأحوال من عمر بن الخطاب قيمة لا يقاومها شيء عند أهل العقول، ولو شرحت لكانت إحدى آياته العمرية التي لا يدركها إلا الكمل من الرجال، ولا يهتدي إليها إلا عباقرة الأبطال، وإنها لتحتوي على السياسة التي لا تعادلها سياسة مهما كانت، فقد لوح رحمه الله، وصرح كما هداه الله، والله في خيرته من خلقه أسرار لا يدركها إلا أمثالهم. ثم ختم كلمته رحمه الله بقوله: أوصي الخليفة منكم بتقوى الله العظيم، وأحذره مثل مضجعي هذا وأخوفه يوماً تبيض فيه وجوه، وتسود وجوه، يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية، ثم غشي عليه حتى ظنوا أنه قد قضى، فجعلوا ينادونه ولا يفيق من إغمائه، فقال قائل: إن كان شيء ينبهه فالصلاة، فقالوا: يا أمير المؤمنين الصلاة. ففتح عينيه فقال الصلاة هاأنذا ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دمًا، ثم التفت إليهم. وقال: قد قومت لكم الطريق فلا تعوجوه، ثم التفت إلى علي (1/171)
صفحة 172
ابن أبي طالب فقال: لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما آتاك الله من العلم والفقه في الدين، فيستخلفونك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه يا علي، ولا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس، ثم التفت إلى عثمان فقال: يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسابقتك وسنك وشرفك، فيستخلفونك، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس ثم دعا صهيبا فقال: يا صهيب صل بالناس ثلاثة أيام، ويجتمع هؤلاء النفر ويتشاورون بينهم، أخرجوا عني اللهم ألفهم واجمعهم على الحق ولا تردهم على أعقابهم، وول أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم خيرهم، فخرجوا من عنده، وتوفي رحمه الله كم يومه ذلك، وصلى عليه صهيب.
فانظروا معشر أهل الحق في أمر عمر رضي الله عنه وهو في حاله ذلك يصرف أمر الأمة وهو في تلك الحال، ولم يشغله ماهو فيه، وانظروا في فراسته في رجلله وفي تأنيبهم بالأحوال التي هم عليها، إذ يقول في كل واحد منهم ما ينبغي أن يقال بغير محاباه ولا مداراة برغم ما فيه، فيقول للأنصار: ليس لهم من أمركم شيء، ويقول لابن عباس وللحسن ولابنه عبدالله: ليس لهم من شيء، مع تبيينه للخصال التي هم عليها، وجعل الأجل ثلاثة أيام وبعدها أمر بضرب أعناقهم، إنها من القضايا التي يتزودها عمر بن الخطاب من أمور المسلمين الهامة بالنسبة إلى حالته، وهو صريع على فراشه، ثم بين في الستة المشار إليهم الأحوال التي تؤهلهم لحمل الإمامة في الإسلام، مع كشفه عن خلال فيهم لها ما بعدها، ثم حكم في القضية (1/172)
صفحة 173
عدة أحكام يفهمها المعنيون بأمور الأمة، ولما سألوه أن يقول فيهم ما ينبغي ألا يبقى منه شيء في واحد منهم، قال: في سعد الشدة والغلظة، وهما لا يناسبان في الأمير في أغلب الأحوال، لأن الأمير كالطبيب لا ينفر الطبيب من أهل العاهات والألم يفدهم طبه، وقال لعبد الرحمن بن عوف: إنك فرعون هذه الأمة، وهذه طعنة نافذة وقنبلة عظيمة، لأن [ابن عوف] كان أغنى الصحابة بالمال، وقال للزبير مؤمن الرضا كافر الغضب، والمعنى إنك إذا رضيت فعلت أفعال المؤمنين وإذا غضبت فعلت أفعال الكافرين، أي أن الغضب يهجم بك على الأمور بغير الأمور بغير مبالاة، والمراد تهديده وزجره عن الغضب الذي يحمله على ما لا تحمد عقباه، فإن من كان كذلك لا يمكن أن يكون ولي أمر عامة. وقال: في طلحة الكبر والنخوة، وهما أيضًا من الخصال المذمومة في الدين ولا يرضاها الإيمان، والمراد تركها لاسيما أن أمره في يد امرأته، بمعنى لا يخالفها وهذا الحال من أقبح الأحوال في الرجال، ومتى يفلح قوم ولو أمرهم امرأة، والمرأة ضعيفة العقل واهية الإدارة، وذكر في عثمان عصبيته لقومه وحبه لهم، والحب يعمي ويصم ولا يتناسب مع سياسة المجتمع، وقال في علي بن أبي طالب الحرص على الإمارة فيخشى عليه أن توكل إليه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نولي أمرنا من سألنا إياه.
وقال لبعض الصحابة رضوان الله عليهم: نفس تحييها خير لك من إمارة لا تحصيها. في أحاديث عديدة تنفر من ذلك تناقلها علماء المسلمين والمعقول هو هذا، فلا يطلبها عاقل قطعاً، ومن ابتلى بها أعين عليها، ولقد أوضح الفاروق رحمه الله كل مخفي من أحوال هؤلاء الرجال، ليقلع بذلك تلك الجراثيم الجاثمة على صدور هؤلاء الذين هم صفوة الأمة في وقتهم، وعن الإسلام فرحم الله ذلك السيد الفاروق الذي لم (1/173)
صفحة 174
يلهه عن تدبير أمر أمته ومناقشتها، وهو في مثل ذلك الحال شيء، فلله در الرجال الذين هم حجة الله وإن عمر بن الخطاب في مقدمتهم بإجماع أهل الحق الذين يعتد المسلمون بإجماعهم.
وبعد موته رحمه الله اجتمع المسلمون في النظر لأمر الشورى، واجمع أهل الشورى في بيت أحدهم، وأحضروا عبدالله بن عباس، والحسن ابن علي، وعبدالله بن عمر، فتشاوروا ثلاثة أيام فلم يبرموا فتيلا، فلما كان في اليوم الثالث قال لهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أتدرون أي يوم؟ هذا يوم عزم عليكم صاحبكم لا تتفرقوا فيه حتى تستخلفوا أحدكم، قالوا: أجل. قال: فإني عارض عليكم أمرًا، قالوا وما تعرض؟ قال أن تولوني أمركم وأهب لكم نصيبي منها، أي لا يكون لي فيها نصيب، بل هي إليكم معشر الخمسة الباقين، وكان رحمه الله نظر تشوق القوم إليها، وتطاول الأعناق لنيلها، وقد قال له عمر: إنك فرعون هذه الأمة، قال عبد الرحمن: وأختار لكم من أنفسكم أي تحكموني في الاختيار، وتفرضوني فيه، قالوا قد أعطيناك الذي سألت: قال: فلما سلم القوم أي الأمر إلى عبد الرحمن وحكموه في القضية وتخلى هو منها. قال لهم: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فجعل الزبير أمره إلى علي بن أبي طالب، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف.
قال المسور بن حرمة: فقال لهم عبد الرحمن كونوا مكانكم حتى آتيكم، وخرج يتلقى الناس في أنقاب المدينة، متلثماً لا يعرفه أحد، فما ترك أحدًا من المهاجرين والأنصار وغيرهم من ضعفاء الناس ورعاعهم إلا سألهم واستشارهم. قال: أما أهل الرأي فأتاهم مستشيرًا، (1/174)
صفحة 175
وتلقى غيرهم سائلاً، يقول من ترى الخليفة بعد عمر كالمستخبر ليتلقى ذلك من أفواه الناس، فإن الله يلقيه على ألسنة عباده برغم الأهواء الصادرة عنه، فلم يلق أحداً يستشيره ويسأله إلا ويقول: عثمان. فلما رأى اتفاق الناس واجتماعهم على عثمان، قال المسور رضي الله عنه جاءني عشاء فوجدني نائمًا فخرجت إليه، فقال، ألا أراك نائمًا فو الله ما اكتحلت عيني بنوم منذ هذه الثلاثة، أي الأيام ادع لي فلانًا وفلاناً نفرًا من المهاجرين، فدعوتهم له فناجاهم في المسجد طويلاً، ثم قاموا من عنده فخرجوا، ثم دعا عليًا فناجاه طويلاً ثم قام من عنده على طمع أي في الأمر، أي كأنه يراها له، ثم قال ادع لي عثمان فدعوته فناجاه طويلاً حتى فرق بينهما أن آنت صلاة الصبح، فلما صلوا جمعهم فأخذ على كل واحد منهم الميثاق والعهد، لأن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة نبيك وسنة صاحبيك من قبلك، فأعطاه كل واجد منهم العهد والميثاق على ذلك، وأيضًا إذا بايعت غيرك لترضين ولتسلمن ويكونن سيفك معي على من أبى، فأعطوه ذلك من عهودهم ومواثيقهم، وذلك لأنه لابد أن يبايع بها أحدهم، وعلى الباقين السمع والطاعة، والعون على من خالف الجماعة، لأنها لا تكون للكل قطعًا فنراه قد ربطهم بالعهود والمواثيق ألا يختلفوا عليه، وهو قد تسمع إلى الناس خاصتهم وعامتهم، وعلم منهم أنهم يتوقعون ذلك لعثمان، لأنهم يلاحظون أهليته الظاهرة، وكفاءته الشاهرة والغيب لله عزوجل.
قال: فما تم ذلك أخذ بيد عثمان فقال له عليك عهد الله وميثاقه لأنه بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة صاحبيك، وشرط عمر لا تجعل أحدًا من بني أمية على رقاب الناس؟ فقال عثمان: نعم. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب وقال له: أبايعك على شرط عمر ألا (1/175)
صفحة 176
تجعل أحدًا من بني هاشم على رقاب الناس، فقال علي عند ذلك مالك ولهذا، إذا قطعتها في عنقي، فإن على الاجتهاد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث علمت القوة والأمانة، استعنت بها كان في بني هاشم أو غيرهم، فقال عبد الرحمن: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط قال علي: والله لا أعطيكه أبدًا فتركه، فقاموا من عنده، فخرج عبد الرحمن إلى المسجد فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني نظرت في أمر الناس فلم أراهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك، فإنه السيف لا غير، أي عملا بوصية الإمام الراحل عمر بن الخطاب.
وبهذا تجلت شجاعة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فإن الموقف حرج والأمر جلل، وفي مثلها تتجلى عباقرة الرجال. قال: ثم أخذ بيد عثمان فبايعه وبايع الناس جميعًا، وهنا انتهت قضية البيعة لعثمان، وتركنا ما وقع من القيل والقال، وربما يقول قائل: إنك معنى بتاريخ عُمان فما بالك خرجت إلى حديث عمر بن الخطاب في الوصية، منه بالخلافة والشورى؟ قلت: لأن عمل عمر هذا هو في نفسه دستور عظيم، وقانون جسيم، فتركز عليه الإمامة في كل أدوارا وجودها وأطوار حياتها، واعتمادا علي أمير المؤمنين الفاروق، وأخذ بتلك القاعدة التي وضعها فهي من أولها إلى آخرها مبادئ صحيحة، وقواعد رجيحة، ودعائم مكينة، على مثلها يقوم البناء للهيئة الإجتماعية، وعلى مثلها تثبت الأوضاع السياسية.
ولا شك أن عمر هو شمس العدالة التي لا يخفى ضوؤها على أحد من أهل الحق، ولو كان البناء مشى على أعمال لكانت الأمة في أرفع المناصب طيلة الدهر، ولكن لما كان الأمر رهن القضاء (1/176)
صفحة 177
والقدر، كان الحال على ما سمعناه وما نسمع ونرى، وعلى كل حال إن القانون الذي وضعه عمر أعجز من بعده، وأين في الناس كأمثال عمر رحمه الله ورضي عنه.
فهذا الكرسي الذي قعدت عليه إمامة عثمان، ولكن ما كل مجتهد مصيب فقد اجتهد عمر للمسلمين وهو في ذلك الحال الحرج، واجتهد عبد الرحمن بن عوف كذلك، وإن لم يوفق فلا يلام بعد الاجتهاد، وهنا استقر الأمر لعثمان وصحت خلافته، وثبتت إمامته وقام بأعماله، فما كان منه لعُمان وماذا فعل فيها، لم تكن عُمان أيام الخليفة الثالث إلا هي هي أيام الخليفة الأول والثاني، وحيث إن أمر عُمان مازال في أيدي ولادتها الميامين أنجال الجلندي ملك عُمان، ولم يكن من أهلها شقاق ولا نفاق ولا افتراق، وكان أحكام الشريعة الغراء ماشية في نشاطها وجارية في مجاريها لم يدر في خلد عثمان هم عن عُمان، ولا طن على أذنه عنها صوت يستجذب الأسماع إليه، فيشتغل بها كما اشتغل بغيرها، فقد قام عثمان على من قاومه من أهل الأقطار، وفتح المسلمون على عهده فتوحًا، وعمل أعمالاً لا ينكرها أحد حتى إذا تم ستة أعوام وهو راق في سماء المجد، والمسلمون حوله يجيبون دعوته ويؤيدون حجته، حتى إذا أراد الله اختيار قوم ابتلاهم في أفضل أحوالهم، وأكمل خصالهم فقامت الأحداث في الدين، وهي تسترعي انتباه المسلمين، وتستدعي أهل الحل والعقد من المؤمنين حتى اتقدت جحيم الشقاق، وقام اللجاج للافتراق واختلفت الآراء، وساءت الظنون، وإذا بالمسلمين من كل حدب ينسلون، فكروا على عثمان بالتخلي عن الأمر اختيارًا، وترك الخلافة إلى أهلها لينظروا الأعدل والأصلح، كما أوجب (1/177)
صفحة 178
الله عزوجل، فكان القيل والقال داعيًا إلى الخذلان والوبال، حتى آل الأمر على قتل عثمان، وساءت الحال إلى حد بعيد حتى إنه لم يشيعه في دفنه أحد من المسلمين الذين هم الحجة والمنظور إليهم بين الأنصار والمهاجرين.
وهم إذ ذاك متوافرون، وذهب عثمان إلى الدار الآخرة ولم يشك عمان ولم تشكه هي أيضا، والحمد لله، وكان قتله على رأس ثمانين سنة من عمره، وقيل على رأس ثمان وثمانين، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يومًا، وقيل كانت خلافته اثنتى عشرة سنة، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين عامًا، وقيل ابن ثلاث وثمانين، وقيل ابن تسعين عامًا، وقيل غير ذلك. وكان قتله على ملأ من المسلمين، وحوصر قيل أربعين يومًا وقيل عشرين يوماً، وقيل تسعًا وأربعين يوما، وقيل عشرين يومًا، وقيل تسعًا وأربعين يوماً، وقيل ثمانين يوماً، وكان قتله يوم الأربعاء بعد العصر، ودفن يوم السبت قبل الظهر، وقيل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة35خمس وثلاثين، وقيل قتل في وسط أيام التشريق، وأقام ثلاثة أيام لم يدفن ولم يصل عليه، وقيل صلى عليه جبير بن مطعم، ودفن ليلاً كما قدمنا لم يشيع جنازته الأعيان، ولم ير من عمان سوءاً، ولم تر منه كما قلناه فيما سبق لنا من التحرير. (1/178)
صفحة 179
علي بن أبي طالب وعُمان
لما توفى عثمان بن عفان، ماج بالمسلمين تيار السياسة وهاج في الإسلام الرأي العام الداعي إلى وجوب نصب الإمام، وكانت الشورى التي رآها عمر قد رشحت رجالاً للإمامة، ومنهم أبو السبطين، ووالد الحسنيين، الذي قال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ما يمنعني أن أوليك يا علي إلا حرصك عليها، وقال له عبد الرحمن بن عوف أيضًا ما قال، وكان علي بن أبي طالب يرى أنه الأحق بها من أول يوم، فلذلك تلكأ في بيعة أبي بكر رضي الله عنه، ولم ير المسلمون له ذلك خصيصًا وقد علم أمر الخلافة بين المهاجرين والأنصار، ولم يقل أحد منهم إن عليًا أخص بها، ولذلك جعلها عمر شورى ولم يقل إن عليًا أحق بالأمر من غيره، وكان أحق لما ترك المسلمون الأحق وهم أمناء الله في أرضه، وخلفاءه في بريته، بل كان علي بن أبي طالب أحد الرجال المرشحين لها برغم الرغبات، وعلى كل حال فإن الرجال محاط الأعمال، وكل يصلح لشيء خاص، وهذا الأمر لا يزال في أحوال البشر، أما الكمال الحقيقي لله وحده عز وجل.
فلما تولى علي بن أبي طالب أمر المسلمين، كانت عمان من جملة ممالك المسلمين، الخاضعة للحق والدين، التابعة لأمير المؤمنين.
وكان والي عمان إذ ذاك عباد بن الجلندي من طرف أمير المؤمنين، قائم بأمور عمان، خاضع للخليفة، سامع لأوامره عامل للخلافة عملا لا هوادة فيه، وكان علي بن أبي طالب سرعان ما انصدع بناء إمارته بما جاء به الداهية معاوية بن أبي سفيان، إذ كان يحاول سلطان المسلمين، وله حب في الإمارة لازال يتأملها بكل ما أوتي من إمكان، فلما رآها لا تقرب إليه، وقد ترشح لها عمل على قهرها، وأخذها من أين وجدها، (1/179)
صفحة 180
غير مبال بما يلاقي فيها، فلما أفضت إلى علي بن أبي طالب، رأى إياسه منها يتقدم، وأمله لها يتأخر، فكان من قدر الله أن رأى أن عليًا لا يقره على عمل من أعمال المسلمين مهما كان، لأن حاله ينافي استعماله، ولا نولي عملنا من إراده، اختلق لنفسه الطلب بدم عثمان، ونادى أنه قُتل مظلومًا، وصاح في أهل الشام هذا الرأي كان على أمير المؤمنين، وهذا ما فُعِل به ولم يناصره أحد وفعلوا فيه وجاروا عليه، وكان أهل الشام أتباعًا لمعاوية فيما حل وحرم، وقد استحوذ على أفكارهم، وتمكن من استمالتهم إليه، فقام على الإمام محتالاً على الخلافة، موهمًا للسواد أشياء جعلها ذريعة مقصده، فقادهم قود الصبي للجمال مقطورة خلفه:
فجاء ... يقرع ... ظنبوب ... السقاق ... له
روقان ... في ... الغي ... من ... بغى ... ومن ... بطر
ينوح ... في ... الشام ... ثكلى ... ناشرًا ... لهم
قميص ... عثمان ... نوح ... الورق ... بالسحر
فشاغل عليًا واشتغل به، واضطرب الحبل الذي في يدهن ولم يملك استقراره، فكانت الفتن تنبعث عليه من منامها، والشرور تلتهب لديه نيرانها، وذلك هو الذي قيده عن الاتصال بالممالك الإسلامية، وشغله عن أمصار الدين، فلم يكن لعلي بعمان عمل لا حل ولا عقد، حتى قضى الله عليه من يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي المصري، وكانت عمان في عافية من قتل هؤلاء الخلفاء الثلاثة الذين تتابعوا قتلاً من أيدي إخوانهم المسلمين. نعم إن قاتل عمر بن الخطاب على الصحيح لم يكن مسلماً، وبموت علي بن أبي طالب انحل نظام الخلافة الصحيحة، وصارت ملكًا غضوضًا، وكان قتل علي بن أبي طالب ليلة السابع عشر من رمضان في ليلة الجمعة سنة أربعين للهجرة، فمات بعد يومين. (1/180)
صفحة 181
قال كمال الدين محمد بن موسى الدميري: مات سنة75، وقيل سنة ثمان وخمسين، وقيل ثلاث وستين، وقيل سنة68 ثمان وستين، وعمره خمس وستون سنة. قاله ابن جرير الطبري، وقيل ثلاث وستون سنة، أربع سنين وتسعة أشهر ويوماً واحدًا قضاها كلها في أزمات مزقت الدين، وفرقت جمع المسلمين، ولم يتمكن علي بن أبي طالب من إقامة أركان خلافته، فإن صوته لم يتجاوز الحدود، وهو كان يأمل أن تكون الأيام طوع يده والأنام تحت قهرته.
وَلمَّا قُتِل علي بن أبي طالب كما ذكرنا، كانت المملكة الإسلامية تهتز جدرانها لتتداعى حيطانها، والأمة في أقطار أرض في حيرة وروعة ودهش، لا يعرفون مصيرهم، فمنذ قتل عمر بن الخطاب لم تزل الدولة الإسلامية تتوقع قتل الخلفاء، وأن كان ذلك غير مستغرب، لكنه مثير للقلق والروعة، داع إلى مضاعفة الهموم في هذه المرحلة الدنيوية، وقد بويع للحسن بن علي بعد وفاة والده نظراً لكفاءته، لأنه ابن الخليفة العالم الزاهد الهاشمي المجاهد، علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وهو السبط الأكبر، وقد توافرت فيه الصفات المطلوبة في الإمام، ولم يذكر بمعيب إلا بمخالفته وصية أبيه في قتل ابن ملجم حيث أوصى عليهم ألا يمثلوا به فمثلوا، ولعل الحسن لم يكن ذلك التمثيل بأمره ولا رضى به، وهو اللائق بمقامه، إلا أن الحسن ألقى الإمامة في نحر معاوية وهو يعلم أن معاوية غير أهل للإمامة الراشدة، وأن ذلك الإلقاء لا يليق بالحسن الهمام ابن علي الإمام، بل اللائق خوض بحار الدماء في نصرة الحق وتأييده، فإن الخلافة في الشريعة (1/181)
صفحة 182
الإسلامية لم تكن ملعبة ولا غنيمة تهدى، ويؤخذ عليها الأجر لاسيما وأن معاوية لم يف للحسن بما وعده، وقد شهر أنه دس السم فمات مسمومًا وصفا الجو لمعاوية.
ومهمتنا أن الحسن لم يكن له في عمان أي عمل، كما انه لم يكن له في بقية بلاد الإسلام كذلك أي عمل، وإنما كانت الأعمال لمعاوية، فكان سيد المسلمين وأمير المؤمنين رضوا أم كرهوا، فإن للسيف حكمًا لا يزال يعرفه كل أحد، وإنما المراد الملك والتسلط على الأمة، وقد سلم الحسن الأمر لمعاوية لخمس بقين من ربيع الأول بعد قتل قيس بن سعد بن عبادة.
فكانت خلافته ستة أشهر إلا خمسة أيام، فلم يقع منه شيء يذكر، وأراح نفسه من الخلافة بعد ما تولاها، وقام معاوية في المسلمين ملكًا عض على الملك بالنواجذ، فاستطردنا لذكره لمِا له ولمعاوية من العلقة، فإن كلامنا يتم بذلك كما بق لنا، وَلَمَّا تولى معاوية الملك وَصَفَا له الجو، ولم يخش أحدًا بعد علي بن أبي طالب ووالده الحسن، ورأى الأمور جاءته خاضعة طائعة، وكان أمر عمان إذ ذاك إلى عباد بن الجلندي، وكان معاوية لا أرب له في التطاول، بل كان يخشى نزع الشام من يده، وكانت عشرون عامًا التي قضاها معاوية بالشام، لها أثرها الفعال، فكان غاية ما عنده الرضا بالحال الذي حصل له، وأقام على تأييد زعامته في الشام والعراق ومصر، وهذه هي أمهات المملكة الإسلامية، فكانت مصر حظ عمرو ابن العاص.
وبقيت العراق والشام، أما الشام فهي فيئة، وأما العراق فهي ملكه، ولم يكن له نظر إلى ما وراء هذه الممالك، فلم يكن له في عمان تحريك ولا إسكان، ولا حل ولا عقد طيلة حياته، حتى قضى الله عليه، وعمان في يد أهلها وعباد بن عبد أميرها، وكانت وفاة معاوية (1/182)
صفحة 183
في مستهل رجب، وقيل في منتصف رجب سنة ستين، وكان عمره ثمانين سنة، وقيل خمسًا وثمانين سنة، وقيل خمسًا وسبعين سنة، وقيل ثمان وثمانين سنة وقيل تسعين سنة، عاش أميرًا وخليفته أربعين سنة، وقد عافى الله منه عمان وأهلها، وعافاه منهم، وكانت له أحوال ونوايا كبيرة ذكرها العلماء المؤرخون.
وهكذا يحلو الزمان ويمر وما هو إلا ظل زائل والمصير إلى الله الولي الحقيقي. (1/183)
صفحة 184
خلافة عبد الملك بن مروان وعمان
لا يخفى على المطلع أن عمان منذ عهد عمر بن الخطاب رضي الله نعه لم تصل إليها أيادي الخلفاء الذين جاءوا بعده، فمضى عثمان وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد بن معاوية، وابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وكان الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء الملوك الستة لم يكن لهم بعمان عمل يذكره التاريخ، وإنما عاشت عمان أيامهم وهي بيد أهلها يديرونها كما تقتضي الشريعة، ويعلمون فيها بواجبات الدين غير متزعزعين عن خطة الحق قيد شعرة، وكان في هذه الفترة أميرها عباد بن الجلندي، حتى إذا بويع لعبد الملك بعد موت أبيه وولي الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق في أيام سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد الجلندي، فحاول الحجاج بن يوسف إلحاق عمان بولاية العراق، فلم ير أهل عمان طاعة الحجاج الظالم السفاك، بل لا يرون ولاية عبد الملك فضلا عن الحجاج، فإن عبد الملك كان رجلا عاقلا فطنا بصيرا بما عليه الناس وما يرغبون فيه يرغبون عنه.
أما الحجاج فكان طاغية عاتبًا سفاكًا للدماء، لا يبالي بها في نصرة هواه أو نصرة سلطانه، ولما لم ير من عمان الخضوع والانقياد جر عليها الجيوش، وظل يهاجمها مهاجمة عنيفة كاد أن يقضي على الروح العمانية تمامًا، لكن أبى الله إلا أن يعيش الذهب في النار عيشه في الثرى، بل لم ترد حروبه أهل عمان إلا صقلاً صلابة واتقاد حماس، فإنهم كلما صارعهم بجيوشه قضوا عليها وأرغموها على الهزيمة، قال ابن زريق في تاريخه: بعد ما وقعت الفتنة وافترقت الأمة، وصار الملك والسلطان إلى معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن لمعاوية في عمان شيء من الشأن، حتى صار الملك لعبد الملك بن مروان، فاستعمل عبد الملك الحجاج بن يوسف (1/184)
صفحة 185
الثقفي على العراق، وذلك في الزمن على الاتفاق في عمان من أساطين سلاطينها سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد بن الجلندي، وهما القيمان في عمان، وكان الحجاج يبعث غزواته عليهما وينتخب عليهما أميرًا بعد أمير، يعني قواد الجيوش، وهما يفضان جموعه ويبيدان عساكره في مواطن كثيرة، وكلما أخرج عليهما جيشًا هزماه واستوليا على سواده، فأشار إليه بعض خاصته أن يخرج عليهما القاسم بن شعوة المرى في جمع كبير، فأخرجه عليهما وخرج بجيش عظيم وخميس جرار على سفن كثيرة، فلما انتهى القاسم المذكور إلى ساحل عمان، أرسى سفنه على ساحل حطاط، وحطاط كان يشمل وادي بوشر تشريقا إلى أعمال قريات، فسار إليه سليمان بن عباد الجلندي بأبطال الأزد ومن معهم من العرب فاقتتلوا قتالاً شديدًا، فكانت الدائرة على أصحاب الحجاج وانهزموا شر هزيمة، وقتل القائد القاسم بن شعوة، قتل من قومه خلق كثير، واستولى سليمان على سوادهم، وقيل هلكوا كلهم ولم يسلم منهم أحد، هكذا قال ابن زريق وكذلك لشكيب أرسلان.
قال ابن زريق: فلما بلغ ذلك الحجاج هاله الأمر واندهش لهذا الحادث الذي كان يأمل أن يأتيه بعمان يقودها له قود الصاغر، ثم استدعى مجاعة أخا القاسم المقتول، وأمره أن يندب الناس ويستصرخهم وينادي في قبائل النزار، بإثارة حفائظهم ليقضي وطره بهم، وأن تعم دعوته حتى حلفائهم كنذير عام لهم وشيعتهم من الأنام، ويستنصرهم على خراب عمان، أو قل على الأقل لإخضاع عمان.
قال وأظهر الحجاج حمية وغضبًا وأنفة أيضًا، على أن عمان ترده على عقبه فتكون له في الأحياء أحدوثة سيئة، وكتب ذلك إلى عبد الملك ابن مروان، وماذا يقول عبد الملك وصاحب القضية الحجاج حيث الهزيمة عليه، وإن كان النصر فلعبد الملك، ولا يهم الحجاج حيث يجد العرب تضرب العرب في رضاه ورغبته، ولو كلن يخوض المعركة بنفسه خوض (1/185)
صفحة 186
الأبطال كعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، لأحجم عن قصده، ولكنه ليس هناك، وكان من سياسته أن أقعد وجود الأزد عن الخروج في هذا الجيش، وكانت قوة الأمير من الأمة، وكان بالبصرة من الأزد أبطال يدرون من أين تؤكل الكتف، وكان عدد الجيش في هذه المرة الذي أخرجهم الحجاج مع مجاعة بن شعوب لضرب العمانيين. قال ابن زريق: على الأصح أربعين ألفًا، فكان الجيش فرقتين: فرقة بحرية، وفرقة برية، وكل فرقة عشرون ألفًا وإن جيشاً كهذا لعظيم في نظر الزعماء المعنيين بالحروب.
وقد ذكر هذا الجيش عدة مصادر من أهل الاطلاع، ذكره شكيب في تعليقه، وشاعر دولة مسقط هلال بن بدر بن سيف، والشيخ الطيواني كما ذكره أبو إسحاق صاحب مجلة المنهاج، والزعيم الباروني والإمام السالمي رحمه الله، وكانت لهذا الجيش شهرة بين زعماء العرب.
قال ابن زريق: فانتهى القوم السالكون طريق البر، وهم كما ذكرنا عشرون ألفًا أكثرهم أهل خيل وركاب. قال: فالتقوا هم وسليمان ابن عباد ومن معه من رجالا الأزد وغيرهم من أهالي عمان حول الماء الذي دون البلقعة، ويعرف الآن عند أهل عمان بالبلقعين شرق بلدة فلج الشام من وادي بوشر، ويحسب الظاهر أن هذا الماء كان مشهورًاا هناك يسير عليه الوارد، ولعلهم يتاسبقون عليه هناك، فإن البلدان التي حوله الآن حدثت قريبًا وبالأخص بلدة فلج الشام من عمران هذا القرن خاصة. قال ابن زريق: التقوا دون ذلك الماء المشار إليه بخمس مراحل، وقيل بثلاث مراحل، قال: وهو الماء الذي يقال له اليوم البلقعين، قلت: لا أدري من أين كان دخولهم الذي قيس بأربعة أيام أو ثلاثة أيام دون البلقعة، قال: فاقتتلوا قتالاً شديداً: وانهزم أصحاب الحجاج وكر سليمان بن عباد في طلبهم واستئصال شأفتهم. وهو لا يعلم عن جيش (1/186)
صفحة 187
البحر شيئًا، وقد انتصر الآن والسيوف بعد لم تنجل دماؤها، والقلوب لم تهدأ حرارتها، وإذا بجيش البحر ينزل اليوتانة من جلفار [أي رأس الخيمة الآن] ونقل الأخبار بألسن السفار لا بالبرق والطيار كالآن، فلقى الجيش هناك رجلا من أهل توام [البريمي الآن] فأخبرهم عن جيشهم البري ومت صار عليه، وأن سليمان بن عباد في أثرهم هو وجنوده، وأن الأقلية الآن معه، وقد تفرق قومه عنه ظنًا منهم أن الحرب قد وضعت أوزارها وانتهى أمرها، وإلى أن تأتي مرة أخرى تحتاج إلى مدة، وأن الرجل الآن يلتقط فل الهزيمة، وقد سر بالنصر الحاسم الذي ألحق هذا الجيش بجيش القاسم بن شغوة، وعند ذلك وصل مجاعة بن شعوة بركا، إذ كان الجيش مر على ساحل عمان كما يفهم من نزوله أولا جلفار، ثم بركا وهي كانت من بلاد عمان المهمة في الساحل، فخرج للقاء هذا الجيش شقيق سليمان وهو سعيد بن عباد بن عبد الجلندي، فأداروا رحى الحرب بينهم طيلة النهار حتى حجزهم الليل، وهم في أزمة شديدة، فكان القتال شديدًا، وبعد ما حجز الليل بينهم تأمل سعيد ابن عباد جيشه فإذا به بالنسبة إلى جيش عدوه كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، والمعنى رآهم في غاية من القلة في العدد والعدة لاسيما أنهم لم يبرحوا من مكان الحرب، وإذا هم بحرب تزحف عليهم حول بيوتهم، ولعل خلف هذا الجيش جيوشًا أخرى، فإلى متى نكون نحن والحال هذا، واستشعر العجز وفضل الفرار من البلاد، وليته لم يفعل، فإن النصر من عند الله وهو الذي نصرهم أولا، وهم بالنسبة إلى كثرة عدوهم قليلون، ولو فضل الموت في الوطن على الحياة من غيره، لكان أولى، فإن الموت لابد منه، ولكن إذا أراد الله أمرًا ظهرت له أسباب من نفسه، وإذا خارت عزيمة الأمير انهار صرح المأمور وتدهور البناء، وتزلزل عرشه وسقط والشاهد على هذا كثير: (1/187)
صفحة 188
أقول ... لها ... إذا ... جشأت ... وجاشت
مكانك ... تحمدي ... أو ... تستريحي
وبالجملة لما رأى سعيد بن عباد تقهقر أمره، وتحقق العجز عن الدفاع عن الوطن، إذ رأى كثرة القتلى في قومه وكثرة الجرحى، ورجع القهقرى مخلفًا وراءه في ساحة أبطاله ورجاله، هذا قتيل وذاك جريح لف ذراريه وذرارى أخيه سليمان، وصعد بهم الجبل الأخضر ويقول ابن زريق: الجبل الأكبر، وهو جبل بني ريام، ويقال له رضوى لضم الراء المهملة، ولما انكشف الحال بانهزام سعيد بن عباد وفراره عن رجاله قوى ذلك عدوه ونشط للقتال، وهون أمر قومه فهانوا في وجه العدو فأهانهم العدو إذ كر لاحقًا بسعيد وأخيه، وإذا بهما ارتفعا في الجبل المنيع، وإذا بالعرش العماني لا دافع عنه، ولا شك أن الإمامة تخضع للغالب وتنقاد له راغمة، ومع ذلك فإن القوم حصروا الأميرين سعيدا وسليمان في جبلهما، فكان جيشهما تحت يد الفاتح، وقد جعلوا كتيبة الحصار في وادي مستل، وتوجه باقي الجيش إلى الداخلية فدخل نزوى واحتلها، وبهلى وإزكي ولم يجد مدافعا، فكان له الحول والطول، وبقي الزعيمان يحاولان الهرب من عمان حيث تغلغل الجيش الغازي فيها، وقد وتر مرات فلا بد أن يتشفى من أهل عمان هو غالب عليهم، ووصل إلى مسامع الزعيمين أن مجاعة أرسى سفنه دون مسقط، ولعل أكثرها في مسقط إذ هي المرسى الوحيد، وكان عدد السفن ثلاثمائة سفينة بين صغيرة وكبيرة، إذ كانت سفن ذلك العهد بخلافها الآن، فغزاها سليمان بن عباد في مرساها، فأضرم فيها النار لكن لم يذكر بأي شيء أضرم النار فيها، وبأي وسيلة إذ ذاك كان عمله، إلا أن التاريخ يصرح بأنه احترق منها نيف وخمسون سفينة، وانهزم باقي السفن هربا على البحر بحيث لا ينالها (1/188)
صفحة 189
الغازي، ومكث بها أهلها هناك، وفي هذه الأثناء تصور لمجاعة أنه لا طاقة له على حرب سليمان وهم في قلب عمان، وأنه لا بد أن ينقض عليهم انقضاض الصاعقة يوما ما، وكذلك تحقيق القضية عند الإمام السالمي، إلا أن فيه مزيد إيضاح لجيش الأزد الذي صادم به سليمان بن عماد مجاعة في بركا أنه كان ثلاثة آلاف فارس أهل الخيل، أن بعضه أهل بجانب ثلاثة آلاف وخمسمائة، فيكون مجموع جيش الأزد ستة آلاف وخمسمائة، وقد قاتلوا عشرين ألفا فهزموهم بإذن الله، ولا ريب فإنهم يدافعون عن وطن وذرية وأهل وفيه فواصل مجاعة سير الليل بسير النهار حتى وصل بركا، وذكر قتال سليمان لهم وقتال سعيد في بركا، وبعد انتهاء ذلك اليوم تأمل سعيد جيشه وقد قتل منهم من قتل فرآه ضئيلا جدا، فكاعت نفسه فاعتزل من ليلته وعمد إلى ذراري أخيه وذراريه فخرج بهم إلى الجبل الأخضر، قال: فلحقه القوم فما زالوا محصورين، وذكر قضية حريق سفن مجاعة مرسى مسقط، وذكر أنه لما فرغ من حرق سفن مجاعة وهرب الباقي منها، قال: فخرج مجاعة من الداخلية يريد سفنه بمسقط، وإذا بسليمان راجعا من مسقط، فالتقيا بسمائل، ودارت رحى الحرب بينهما، وقتل في هذه الوقعة من الفريقين أعيان الرجال، فكانت مقتلة رهيبة انهزم فيها مجاعة هربا إلى سفنه، فلما وصل مسقط تصور له أن سليمان خلفه، فكان غاية ما عنده الهرب العاجل قبل حلول الأمر المخوف، فركب سفنه وجد بالهرب إلى جلفار.
ولما استقر بها كاتب الحجاج عما صار عليه وما وقع فيه من المآزق فاهتم الحجاج بالأمر غاية الاهتمام، وانزعج له مندهشا مما تكرر على مسامعه من عمان، فأخرج له جيشا آخر على طريق البر بقيادة عبدالرحمن بن سليمان، أحد أعوانه الأشقياء مؤلفا من خمسة آلاف رجل أهل خيل كلهم من بادية الشام الأجلاف، الذين لا يعرفون دينا ولا يراعون إسلاما، أحرق الجهل ضمائرهم وتولى عليها الشيطان مسيطرا عليها، (1/189)
صفحة 190
تقاتل قوما مسلمين في أوطانهم على غير جرم ولا سبب، بل طاعة لأشقى الخلق الحجاج بن يوسف الخبيث.
وكان في القوم رجل من الأزد ولا يعلمون به، وكان الأزدي متقد الأنفاس على ما يسمع من الحدة على قومه، فأكنها في ضميره ولم يبدها لهم، حتى إذا رأى الفرصة هرب من الجيش ليلا ولعله لم يفقد، حتى أتى سليمان وسعيد بعمان، ولكن لم أجد في أي موضع وجدها، ولكنه أدركهما فألقى إليهما مهمته وما علم من الجيش الغازي، فأثر عليهما وانزعجا لخبره وهالهما الأمر، ولعله هول عليهما حتى أقلقهما وليته لم يفعل وليتهما ثبتا ثبات الأحرار، إما موت في كرم، وإما حياة في عز، وإنه لشبيه بقضية الذي أرجف بالمسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه نزل: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ) (1) الآية، وليتهما زادا إيمانهما وقالا له نرحب بالزائر، وإن السيوف التي قاتلنا بها لفي أيدينا، وأن القلوب التي لقينا بها الأولين لفي صدورنا، وتحمسا على العدو القاصد البيضة، ولكن بعض الرجال يتحرك فيها الدم البارد فيؤثر على الدم الحار، ولو قال لهم ما هؤلاء إلا شرذمة قليلة وما هم إلا لقمة آكل، وترك السيف يقري الضيف والموت يعلن الصوت، والشجاع يتقلد الروعة على هامته، حتى يحكم الله بينهم وخير الحاكمين، لنجح القوم، ولكن الناس يقيمهم المقيم ويقعدهم الفرد بلسانه، كم جرى مثل هذا في العالم الإنساني، وكم حدث التاريخ عن أناس من هذا النوع. قال الإمام: فاستشعرا العجز فحملا ذراريهما وسوادهما ومن خرج معهما من قومهما، ولحقا ببلد من بلدان الزنج أي حيث لا يسمعان بعمان ولا تسمع عمان بهم، فكان مقرهما في زنجبار منذ ذلك العهد حتى ماتا هناك، أي وكونا لهم حكومة أهلية ونشر الإسلام في تلك النواحي النائية، حتى أصبحت منتدحا لأهل عمان، وأصبح أهل عمان يتحملون
------------------------
(1) من الآية 173 من سورة آل عمران. (1/190)
صفحة 191
إلى زنجبار زرافات وجماعات في كل موسم في ذلك العهد، لعل الله أراد أن يهدي بهما قوما وينشر بهما الدين في تلك النواحي فتخل في الإسلام.
قال: ودخل مجاعة عمان مع زميله عبدالرحمن ففعلا فيها غير الجيل، ونهباها هما وعسكرهما المحتل، ولا ريب فإن الجهل بلية من البلايا وغطرسة الحجاج ما عليها من مزيد، والدين عندهم اسم بلا مسمى وإلا فأين حقوق الإسلام التي يقتضيها الدين. (1/191)
صفحة 192
أول عامل للحجاج على عمان
لما تمكن مجاعة من عمان، وكان زميله عبدالرحمن بن سليمان معه، يؤيده ويسدده، وكانت عمان قد قضت على أخيه القاسم مع جيشه الغاشم، ودقت مجاعة المذكور مع جيشه الأول والثاني، وانتصر الجيش الثالث وصفا له الجو في عمان، وظهرت سيادة الحجاج على عمان بخروج سعيد وسليمان إلى أرض الزنج من أفريقيا، وداست أقدام الجيش الفاتح لعمان كرامة أهل عمان، ولى الحجاج على عمان الخيار بن سربة المجاشعي من أعوانه العتاة، وبقى المجاشعي المذكور واليا على عمان مدة حياة عبدالملك بن مروان، حتى مات في شوال سنة 86 ست وثمانين، وخلف سبعة عشر ولدا، وبعد موته تولى الأمر ابنه الوليد ثم مات الحجاج واستعمل الوليد على العراق يزيد بن أبي مسلم، وكانت عمان إذ ذاك من أعمال العراق، فولى عليها يزيد سيف بن الهاني الهمذاني، فقام بالأمر فيها حتى مات الوليد في يوم خامس عشر من جمادى الآخرة، سنة 96 ست وتسعين، فكانت خلافته عشر سنين، وكان ابن الهاني الهمذاني هو ولي عمان من قبل أمير العراق يزيد بن أبي مسلم.
ولما تولى الخلافة بعد الوليد أخوه سليمان بن عبدالملك بالوراثة عزل سيف بن الهاني عن عمان وولى عليها صالح بن عبدالرحمن بن قيس الليثي، ومشى في عمان الوالي الليثي بين الزعازع الطائفة، فرأى سليمان ابن عبدالملك عزله عنها، ولعله رآه لا يحسن إدارة شؤون البلاد، ورأى رد الوالي الأول عليها الممارس لها، ولكل وقت سياسة كل يصلح لأمر، ومدارك الرجال مختلفة الأحوال، وقد جعل سليمان صالح بن عبدالرحمن مشرفا على الوالي، ومراقبا حركاته وسكناته، ومضى لهؤلاء الولاة على عمان عهد من الزمان يتداولونها حتى تولى يزيد ابن المهلب بن أبي صفرة العراق وخرسان، وكان يزيد بن المهلب بن أبي صفرة من عمان (1/192)
صفحة 193
وله فيها حنين وأنين، إذ هي وطنه ووطن قومه من الأزد، ولذلك ولى عليها أخاه زيادا فلم يزل عاملا على عمان محسنا إلى أهلها محبوبا لديهم مطاعا فيهم، بقى فيها، إلى أن مات سليمان بن عبدالملك، وتولى الخلافة العبد الصالح عمر بن عبدالعزيز رحمه الله في اليوم الذي مات فيه سليمان بن عبدالملك بولاية العهد منه، وعد ذلك من حسناته الخالدة، فكان ذلك في عاشر صفر سنة 98 ثمان وتسعين، وقيل سنة 99 تسع وتسعين، ثم بدأ ضياء العدل هنا يبدو وظلام الجور يخفي، ومن حسنات الزمان خلافة عمر بن عبدالعزيز، وللخير آثار كما للشر كذلك، وفي هذه الأثناء قام دور التمذهب الديني، وكان الإباضية قد أخذوا حضهم من الحق، وقام لهم في العالم الإسلامي مقامات أشهر من نار على علم قبل أن يعرف لغيرهم شأن مهما كان، فقد دون الإباضية دواوين الشريعة وبرهنوا على الاعتقاد الصحيح. ونصبوا معالم الحق مباينين لأعمال طغاة بني أمية، وواضعين معالم الدين ومؤسسين القواعد للمسلمين؟، في ذلك العهد المظلم بالحجاج وأمثاله من اللجاج الذين ضايقوا المسلمين وضيقوا مسالك الدين، فكانوا –أي الإباضية- المورد والمصدر للمؤمنين قبل أن يكون في الإسلام شافعي أو حنبلي أو مالكي أو حنفي، كما أوضحنا ذلك في العرى الوثيقة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (1/193)
صفحة 194
مذهب أهل عمان
اعلم لما كان تاريخنا هذا خاصا بعمان وحوادثها مع ما تعلق بها من أحوالها, رأينا أن نذكر مذهب أهل عمان حتى يكون تاريخنا هذا أخذا من كل شئون عمان.
اعلم أن مذهب أهل عمان هو المذهب الإباضي الذي عرف في عمان. وحضرموت واليمن قديما, والعراق ومصر حتى تقلص, والمغرب على الأكثر حتى شاع في نفوسة وطرابلس والجزائر وميزاب في العهد السالف, وكان شيوع عقائده بين لرجال الحق شاهرا ظاهرا لا ينكره منكر ولا يقدح فيه قادح, وكان الخوارج من رجال الإباضية الأشداء على أهل الأهواء, حتى ابتدعوا مقالتهم الشوهاء, ودخلوا بها على مجلس المسلمين فأنكروها عليهم ورفضوهم بها, فأقصوهم وأبعدوهم عن مجالسهم, وتبرءوا من مقالتهم, وبذلك أطلق عليهم من جاء بعدهم اسم الخوارج, وبه ألصقوا السوء عليهم لتنفير الأمة عنهم, ومصداق ما قلناه في مؤلفاتهم القيمة, وكتبهم الصحيحة الواضحة. وأقوالهم الشهيرة الراجحة, فإن الخوارج ضلوا الطريق وسلكوا المضيق, وابتدعوا بالتأويل تشريك أهل التوحيد:
وأمة ... المختار ... فارقتهم
وضللتهم ... وفسقتهم
فما للإباضية وللخوارج, فالاباضية مذهبهم في الصدق والوفاء مذهب أبي بكر الصديق, ومذهبهم في الشدة والهدى مذهب عمر بن الخطاب, وعقيدتهم في دينهم عقيدة نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم, لا يداهنون في الدين, ولا يعادون المسلمين, ولا يفارقون المؤمنين, يصفون ربهم بأوصافه الكاملة, وينعتونه بنعوته الفاضلة, وينزهونه عن (1/194)
صفحة 195
النقائص كلها, ويعتمدون على الكتاب والسنة, اعتمادا لا هوادة فيه, ويقولون بالإجماع ويعملون بمقتضاه, ويأخذون بالرأي في المختلف فيه, ولا يرضون من أحد ما خالف منهج المسلمين مهما كان ومن كان.
فالمسلمون بايعوا أبا بكر رضي الله عنه حتى قضى نحبه, ولقي ربه, ثم اجتمعوا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه, ووالوه ووازروه وناصروه, وكانوا معه لما كان مع الحق حتى انقضت أيامه, ثم بايعوا عثمان بن عفان بعد الاجتهاد للمسلمين, والنظر في أمر الدين, وواجبات رعاية منهج المؤمنين, وأخذوا عليه العهود والمواثيق, وأكدوا القضية بكل تأكيد صحيح, اجتهادا لدين الله عز وجل, وقياما بحقوق الإسلام ورعاية لمصالح الأمة, وكان عثمان من أفاضل رجال الإسلام مستور الأحوال الكريمة منشور الفضائل العالية, محبوبا في السواد الأعظم, مقبول الحديث متبعا في الأقوال, لا يعدون عليه شيئا ينكرونه في دينه, وقد اجتهدوا في توليته تمام الاجتهاد, إذ كان المقام مقام اجتهاد ونظر للصالح والأصلح, فبايعوه بعد ذلك كله, وما كان لهم علم بالغيب فيما يحدث, فإن أحسن فذلك ظنهم فيه وأملهم منه, وإن زاغ عن الحق وراغ عن الطريق فلا إمامة له, وقد ناطحوا كسرى وقيصر وأبانوهما عن عروشهما, فكيف برجل منهم قوموه لدينهم, وأمروه عليهم لا يكون عليهم ضربة لازب, إذا لم يستقم لله ولم يقم بواجبات الأمة, وتعوج عن الحق, والحق أحق أن يتبع, وما بعد الحق إلا الضلال, فاستقام عثمان ست سنين من صدر خلافته ولم ينقم عليه شيء فكان على منهج صاحبيه, والمسلمون كلهم تحت رايته, ورهن إشارته, حتى غير بعد ذلك وبدل, فأنكروا عليه تغييره سيرة صاحبيه, فعاتبوه أولا لعله غافل (1/195)
صفحة 196
فينتبه, أو جاهل فيعلم, ومشوا معه حينا من الدهر, فما تحققوا رجوعه ولا فهموا منه إلا بقاءه على ما أنكروا عليه ولعل عليا كان حريصا عليها لما يرى من الأهلية له فيها.
فقام على ابن أبي طالب قيام الأئمة العدول, وعمل بأوامر القرآن الكريم, وهابه أهل الباطل من رجال الدنيا والدين, يتهالكون عليها وقاتل أهل الفتنة القائمين لقتاله المتسترين عند العوام بطلب دم عثمان حتى قتل منهم ألوفا, وهزم صفوفا برجاله الأبرار, وأصحابه المهاجرين والأنصار, والتابعين لهم بإحسان حتى شوش عليه بعض أهل الأغراض الدنيوية حين رأوه حليف ذي الفقار, وأليف العدل على كل جبار, وعند ذلك تآمروا عليه, إن هذا الرجل لا يرى لنا من الحق شيئا, ولا ينقاد لرغباتنا فهلم أن ندس له المكائد, فنسجوا له نسجا لا ينفلت منه إلا بدماره, كما شرحنا في العرى الوثيقة, وبينا حقيقة علي ومرام قومه.
ولقد خدعوه في قضية التحكيم من نواح عديدة أولا قبولها إذ حملوه عليه, فقبل راغما, وبذلك رجعت دولة على بن أبي طالب القهقرى, وتكسر ذلك العمود الذي احتملت عليه, وانهار صرحها المحاط بذي الفقار, ورجعوا يضربون رقاب بعضهم البعض, وأوغلوا في الشقاق ولجوا في الافتراق, وبقضية التحكيم وجد الشيطان مدخلا بين المسلمين, فقام فيها القيل والقال, وطال بها الخطب وخلقت الدسائس, وأخرج طلبة الدينار رءوسهم متطاولين على الإمام, منضمين إلى أضداده ليبلغ كل واحد منهم غاية مراده, فكان فريق يرى له التحكيم واسعا, وبعضهم يراه واجبا وفريق لا يراه واجبا ولا جائزا, وانشقت به عصا المسلمين, وأصل وضعه ليتقوى أضداد الإمام, فخرج عنه أهل طاعته, وسيوف (1/196)
صفحة 197
دولته, رهبان الليل أسود النهار, الذين لم يرضوا الواقع ولم يعرهم الإمام المسامع, ولا رأي لهم ما طلبوا ففروا عنه إلى جانب, فخافهم الجاعل وهابهم الظالم, ومال على قتلهم من يخاف سطوتهم, فحملوا على الإمام على قتلهم بمكائد خلقوها, ودسائس نسجوها, وقد حكم الله عز وجل في القضية المشار إليها في كتابه العزيز, ولم يجعل حكم أمثالها إلى أحد من المسلمين, فكانت مثار القيل والقال والشقاق والجدال, فرأى بعضهم أن حكم الله في القضية واضح وليس للإمام أن يحكم فيه برأيه, وهي في الحقيقة من أهم المسائل التي لعبت بها أيدي الهوى, وشوهت حقيقتا تبريرا للطعن في المحكمة زورا وجورا, وذلك أن الذين أنكروا التحكيم بقولهم: لا حكم إلا لله, لا يعنون غير مسألة قتال الفئة الباغية, لأن الله لم يجعل حكمها لعباده, بل بينه عز وعلا نفسه, وقد ثبت أن الذين حملوا السلاح في وجه إمام المسلمين فئة باغية, وزال الريب عمن بقى فيه ريب أو تشك بعد مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه, لقوله عليه السلام له: تقتلك الفئة الباغية. ولم يقابل أحد من المسلمين هذا الحديث بالرد أو بالطعن, بل أثبتوه وصدقوه ورواه علماء الصحابة, فزال به الريب بعد مقتل عمار عمن كان مرتابا من الضعفاء, فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صرح فيه, بأن قاتل عمار باغ بغير شك, فتبين بذلك أن المناصبين للإمام في صفين باغون عليه بحكم الكتاب والسنة, والتحكيم فيما كان كذلك لا يجوز, فقال المنكرون له لا حكم إلا لله, أي فيما حكم الله فيه لا يصح أن يحكم فيه بخلاف ذلك الحكم, وإلا كان ردا لحكمه عز وجل والله يحكم لا معقب لحكمه.
وقد أكدت السنة أيضا لحكم الكتاب, ولكن المكابرين أبوا إلا أن (1/197)
صفحة 198
يصرفوا الحقيقة عن وجهها, ويوردوها على غير موردها, فحملوا هذه الجملة على العموم, والواقع يناقضه, وزعموا أيضا أن المحكمة أرادوا إبطال الخلافة بقولهم لا حكم إلا لله, مع أن الواقع أن المحكمة نصبوا الأئمة في كل قطر حلوا فيه, قال العلامة أبو إسحاق الإطفيشى, وجرى معهم في إنكار التحكيم الحسن البصري ومالك بن أنس عالم المدينة, كما ذكره المبرد في كامله, وحكاه في ضحى الإسلام عنه.
واعلم أن رد الحق ونسفيه من أكبر الكبائر في الدين, وقد عاتب بعض المسلمون على بن أبي طالب, كالأشعث بن قيس ومن معه فتابعهم, والمحنة تحتار فيها العقلاء, قال الإمام فعاتبوه فلم يعتبهم أي لم يصغ لعتابهم, قال وخاصموه أي ظهر خصامهم عليه, فكانت لهم الحجة واضحة المحجة, مما ورد من النصوص قال الإمام فهم أن يرجع إليهم ويترك ما صالح عليه البغاة من التحكيم في حكم الله, فقامت عليه رؤساء قومه فأطاعهم, فاعتزله المسلمون بعد أن خلع نفسه من الإمامة, لأنه في تلك المدة لم يكن هو إماما لا للمؤمنين, حيث الإمامة في يد الحكمين ينظران لها الأصلح, مع أن الواقع لم يكن خصم الإمام إماما حتى ينظر في أي الإمامين أصلح للمسلمين, وإذا كان الأمر كذلك فليس المسلمون الذين ينظرون الأصلح للمسلمين أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص, وهل يلزم المسلمين ما رأياه وحكما به كان صالحا أو غي صالح؟ وهل رضاهم بحكم الرجلين لازما بالمسلمين؟ وهل القضية مالية يهون أمرها على باذلها؟ وإنما هي الدين الذي كلف الله به الأمة وإذا كان علي راضيا بالتحكيم فكيف يقال إنه في ذلك الحال إمام؟ فهذا من الأمور المتناقضة, وإذا كان هو إماما فكيف يسوغ له انتظار الحكمين وحكمهما؟ (1/198)
صفحة 199
وبالجملة فقد وقع على بن أبي طالب في خطورة هامة من قبل هذه القضية, فنعوذ بالله من الفتن.
قال الإمام: ولما حكم على الرجال في إمامته, اعتزله المسلمون وهو يظن أن الأمر باق في يده, وهيهات فقد أعطى العهود والمواثيق على قبول حكم الرجلين, فصارت الإمامة يلعب بها الحكمان إن قدموه أو عزلوه, فاعتزله المسلمون عند ذلك, وقدموا على أنفسهم عبد الله ابن وهب الراسبي إماما لهم, فسار إليهم فقاتلهم بالنهروان حتى قتل جماعتهم الذين هنالك, وهم قدر أربعة آلاف رجل لم ينج منهم إلا اليسير, وهم يرون أن الموت هو النجاة عند الله, وهو الرواح إلى الجنة, فبقى من بقى منهم في الأمصار والنواحي, وهم خلق كثير, فبقوا متمسكين بدينهم, عاضين على وصية النبي, صلى الله عليه وسلم, في إتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده, متمسكين بما وجدوا عليه أسلافهم, ثابتين على الحق غير متزعزعين عنه كيفما كان الدهر لهم أو عليهم, فنصبوا على ذلك الأئمة, وباينوا الغواة من الأئمة, وأذهبوا في رضي لله الأنفس, وفارقوا على طاعته نساءهم وأبناءهم ومساكن يرضونها حتى أقاموا شعائر الدين, وأناروا منار الإسلام, وأعادوا شريعة الله على مستقرها. حتى ظهر الدين بين الخاص والعام في أقطار الأرض. فأظهروا للناس معالم الإسلام, وذكروهم بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
ومذهب أهل عمان من قضية التحكيم مذهب الإباضيين على العموم, فالقول فيها واحد, والولاية والبراءة كذلك, وما صح فيه احتمال فهو على ما كان عليه, وقد ذكر بعض العلماء: أن على بن أبي طالب تاب (1/199)
صفحة 200
مما وقع فيه, كما شهر بكاؤه وندمه على أهل النهروان, والندم والتوبة, ولا يرى بعض أهل المذهب هذا حجة توبة, لأن توبته لا تحتاج إلى شهرة وشيوع, وقد حكى القطب ابن يوسف رحمه الله توبته في الهيميان, إلا أنها لم تثبت صحتها معه, ويميل على عدمها ولنا في القضية كلام حافل في العرى الوثيقة من أرادوه فليقصده يجده شافيا إن شاء الله.
وأهل عمان يأخذون عن الصحابة مطلقا ما لم يبن لهم باطل فيما أخذوا, كما هو مذهب عامة الاباضية, والقرآن هو إمام المسلمين يقتدون مما جاء فيه, فحلاله حلال عندهم, وحرامه حرام أبدا لديهم, ويؤولون تأويل أصحاب سيد آل عدنان, إذ هم العرب الصراح, وبلغتهم نزل القرآن, فلا يجهلونه, والناس تبع لهم فيه لا يرون لأحد مزيد علم على علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, خصوصا فيما يتعلق بأحكام الشريعة من عقيدة وغيرها, مما يتطلبه الظاهر من الأمة, وإن ادعى قوم أنهم أدركوا ما لم يدركه الصحابة في القرآن, فمن الجائز ذلك, ولكن الصحابة هم ترجمان القرآن, وهم هداة الأمة, وهم صروح الشريعة, واليهم مقاليد أحكام الله العملية الدينية, وإن أدرك قوم علوم الصنعة ونحوها من القرآن أو السنة, فلا يعترضون عليهم, بل يكلون ذلك إليهم.
ومن مذهب الاباضية على العموم عدم الرؤية لما تدل عليه من النقص, والله عز وجل منزه عنه, وأهل عمان يعتقدون كمال الله من جميع النواهي ولا يرون مذهب معتقدها إلا منهارا لا ثبات له بحال, ومن مذهبهم إثبات الحقوق التي جاء بها القرآن كلها, لا إنكار لشيء منها أبدا, وهي حق ذي القربى وحق الجار, حق الصاحب بالجنب, وحق اليتامى, وحق المساكين, وحق أبناء السبيل, وحق الوالدين, وحق ما ملكت اليمين أبرارا كانوا أو فجارا, وحق الأمانة, وحق الوفاء (1/200)
صفحة 201
بالعهد لقومنا ولأهل ذمتنا, وحق من استجار بنا من قومنا وغيرهم, وحق الأمن للكاف عن قتالنا المعتزل بنفسه عنا من غير أن نشك في ضلالة من حاد عن مذهبنا, وحق الدعاية إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام, وحق موالاة المحقين في الدين أيا كانوا من الناس وفي أي موضع كانوا من أرض الله عز وجل, وحق مفارقة أهل الباطل ومعاداة أهل الضلال وموالاة المحقين رغم أعداء الدين, ومن عادى المسلمين أو مالأ على قتالهم أو أعلن عليهم أو دل عليهم أو على عوراتهم أو كاتب أعداءهم مباينة لهم, أو كاد إمام المسلمين أو غشه أو خانه أو خادعه أو خذله عند القدرة على نصرته لكنا في كل الأحوال لا نحكم فيهم بحكمنا على عبدة الأوثان, ولا يحكنا على أهل الكتاب, فلا نقبل منهم جزية, ولا نعد أموالهم غنيمة, ولا نعاملهم معاملة المشركين كما يفعل الأزارقة الذين يحكمون على من خالفهم بحكمهم على المشركين, لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحكم فيهم بذلك, ولا حكم فيهم بذلك أئمة المسلمين, وهم علماء الشريعة وهداة الأمة إلى الحق والى طريق مستقيم.
وكفى قدوة لنا علي بن أبي طالب في هذا المقام, فإنه لم يحكم فيهم يوم الجمل بحكم المشركين ولا في صفين ولا في النهروان, بل قال إخواننا بغوا علينا وذلك واضح شهير عند علماء الملة وأئمة الدين.
قال الإمام السالمي رحمه الله: ومن أنكر الحق واستحب العمى على الهدى, وفرق المسلمين وعاندهم فارقناه وقاتلناه حتى يفئ إلى أمر الله أو يهلك على ضلالته من غير أن نزلهم منازل عبدة الأوثان, فلا نستحل سبيهم ولا غنيمة أموالهم ولا قطع الميراث منهم, خلافا للخوارج الصفرية (1/201)
صفحة 202
والأزارقة والنجدية, المانعين لموارثة ومناكحة مخالفيهم, لأنهم مسلمون موحدون, يقرون بالقرآن ويقرءونه ويصلون ويصومون ويزكون ويحجون, فهم بذلك مسلمون في الجملة وإن ضلوا بالتأويل الذي تشبه لهم, فلا يخرجون بذلك عن حكم المسلمين في الجملة.
ومن مذهب الاباضية بعمان عدم الرضا بالفتك بمن خالف المذهب ولا قتلهم في السر, وإن كانوا ضلالا, لأن الله لم يأمر به في كتابه ولم يفعله أحد من المسلمين ممن كان بمكة بأحد من المشركين, أي أن المشركين في مكة كانوا اضطهدوا المسلمين, وفي إمكانهم قتلهم غيلة لو أرادوا, لكنهم لم يفعلوا ذلك يفعلوا ذلك فكيف نفعله نحن الآن بأهل قبلتنا, وقد أمر الله عز وجل نبيه أن ينبذ إليهم على سواء, فقال: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) (1).
ومن مذهب أهل عمان جواز مناكحة قومنا, وكذلك موارثتهم, ويخالفون لمن أ جاز الفتك بقومنا واغتيالهم, ومن أجاز قذفهم بالزنى, فما داموا يستقبلونه, قبلتنا فلهم ما لنا وعليهم ما علينا, لأنهم مسلمون في الجملة, وقد كان المسلمون يناكحون المنافقين, ويظهر من المنافقين من المعاصي أكثر مما يظهر اليوم من كثير من قومنا, وكيف صح أن يقذف أحد بالزنى بما لم يفعل خلافا للخوارج الذين يستحلون ذلك, والله يقول الحق ويأمر به, والقذف بالزنى يغير حق قول يغير علم, والخوارج يستحلون ذلك, وهم مضلون لأنه تقول على عباد الله بما لم يفعلوا.
ويحرم المذهب الاباضي على المسلم مهما كان القول بتحليل الزنى ويبرأ منه ويعاديه, لأنه مصادم للنص القرآني, هذا إذا كان متأولا, أما إذا كان مصادما للنص فهو مشرك حلال الدم والمال, ولا يرى المذهب الإباضى استعراض أحد بالسيف ما دام يستقبل القبلة ويتظاهر بامتثاله لأوامر الدين, ولو كان ضدها في الباطن.
------------------------
(1) من الآية 58 من سورة الأنفال. (1/202)
صفحة 203
ولا يرضى المذهب العماني قتل الأطفال مهما كانوا أعني أطفال الكفار, لأنهم لا تكليف عليهم ولا توجه إليهم خطاب التكليف, لا سيما فإن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل الله في اللاهين فأعطاه إياهم خدما لأهل الجنة, ذلك أن الله عدل لا يجوز عليه أن يعاقب من لم يعصه, والأطفال لم يتبين منهم عصيان, ولأن الفطرة الدينية شاملة لهم. والمراد باللاهين أطفال المشركين, وسموا لاهين أي غافلين أي لم يتوجه إليهم خطاب الشارع, فكيف يعاقبون على غير آثام اقترفوها, وليس من العدل عقوبة غير المستحق, والله العادل الحقيقي, وهذا هو الشائع في أطفال المشركين, وجاء فيهم غير ذلك مما أشار إليه قوله عز وجل: (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (1) ونحوها, والله أعلم بما كانوا عاملين أن لو عاشوا, وعلى كل حال لا يصح قتلهم ما داموا أطفالا ما لم يقاتلوا, ومن قاتل منهم يقتل.
ولا يستحل المذهب الإباضي فرج امرأة رجل تزوجها بكتاب الله وسنة نبيه, عليه الصلاة والسلام, حتى يطلقها وتعتد منه عدة الطلاق أو يموت عنها, فتعتد منه عدة الوفاة, ولا يقول المذهب الاباضي بالهجرة من دار قومنا لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم من دار قومه, لأنه أمر بذلك ولم نؤمر نحن بذلك, ومن خرج من دار قومه حاجا أو زائرا أو طالب علم أو مجاهدا في سبيل الله, ثم عاد على دار قومه يبرأ منه إن سبقت له ولاية, إذ لا يلزم أحدا أن ينتقل من داره التي كان فيها لما كان بها من الشرك, فكأنه اختارها على دار الإسلام, ولا يتولى أهل المذهب إلا من علموا منه الوفاء بدين الله, وأداء الواجب من حق الله عز وجل, ويبرءون من المصرين على المعاصي من أهل دعوتنا, لأن المقصود بالذات
------------------------
(1) من الآية 21 من سورة الطور. (1/203)
صفحة 204
الحق وحدة, حتى إذا تاب العاصي ورجع عن عصيانه, وأناب إلى الله كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم على العموم, وليس للنفر القليلين المستضعفين أن يبايعوا إماما إلا على الجهاد لإعداء الله, وإقامة شعائر الدين والقيام بحقوق الإسلام, وإلا كانت بيعتهم ردا عليهم, فإذا بايعوا إمامهم على الطاعة لله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فليس له الرجوع عن ذلك أبدا حتى يهلكوا في سبيل الله أو يظهروا على عدوهم, لأن ما عقد على طاعة لا يجوز الرجوع فيه قبلى تحقق العجز, ومن باع نفسه لله فعليه الوفاء ببيعته لله: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) (1) الآية0
وولاية من علم صلاحه في الدين واستقامته على منهج المسلمين تجب ولايته أيا كان ولو لم ندركه, ولو كان من الأمم الأولى لعموم الدليل الوارد في المقام بنصه العام إذا قامت الحجة بعدالته, وكذالك من كان من أهل الظلم أيا كانوا, وفي أي زمان كانوا منا أو غيرنا في وقتنا أو قبلنا.
ومن مذهب أهل عمان البراءة من كل ظلم, والولاية لكل محق, ولا يسبون المذاهب الأخرى, ولا يقولون فيها إنها خارجة عن حدود الإيمان, ولا ينفرون عمن خالفهم, ولا يسمعون أهل الأهواء في أضدادهم, ويكلون أمرهم إلى خالقهم, ولا يطيعون الملوك الجورة إلا تقية لهم, ولا يجبرون أحدا على مذهبهم مهما كانت الغلبة لهم, ولا يزيدون في الأمور الشرعية شيئا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدون, سواء كان في الأذان أو في الإقامة, أو في سائر الصلاة.
ويرضى المذهب العماني من المذاهب الأخرى أن يكفوا عن سب أي أحد من الصحابة, وألا يقدحوا في مذهب المسلمين, وألا ينكروا الحق
------------------------
(1) من الآية 111 من سورة التوبة. (1/204)
صفحة 205
ولا يعينوا الظالم في ظلمه, لا يصرفوا تأويل القرآن إلى مقتضى أهويتهم, ولا مبرر لهم ولا دليل على ذلك لديهم, كما صرف بعض أهل المذاهب تأويل ثلث القرآن أو قريب منه في علي بن أبي طالب وأولاده بغير دليل, وألا يقدح الشيعة في أبي بكر وعمر وعائشة أم المؤمنين. وألا يقول الخوارج على الله إلا الحق, ولا يرغبوا عن سبيل المسلمين, وألا يطعنوا في أحكامهم, وأن يحسنوا الظن بالمسلمين, وألا يعارض المرجئة عقيدة أهل الحق, ولا يتدخلوا في الضعفاء فيضلونهم بغير علم, فإن الدين قول وعمل واعتقاد, ولا يكفى واحد عن الاثنين إذا قامت الحجة على ذلك, وإلا كانوا أضر على الإسلام من اليهود والنصارى, وأن يبرأ الناس من دعاة الظلم وأعوانهم, وعلى الأقل لا يبرءوا ممن تولاه الاباضية, ولا يتولوا من برءوا منه, وعلى أقل الأقل أن رأوا ذلك ألا يظهروه للمسلمين, وإلا يفارقوا أهل الحق مهما كانوا أقوياء أو ضعفاء, وأن يوقنوا بحكم القرآن ولا يعترضوا على المسلمين في سبيل دعوتهم إلى الله, وألا يقدحوا في أئمة المسلمين وعلمائهم, وألا يسفهوا أحلامهم, وألا يعينوا بغاة الأمة على المحقين منهم, فإن إعانة الباغي تفضي إلى الكفر, وألا يناصروا أحدا قام المسلمون عليه, فإن مآواته مناصرة له.
ويكتفي العمانيون من سائر فرق الإسلام ألا يعترضوا عليهم في أحكامهم, ولا يكونوا حجر عثرة لهم في سبيل سيرهم إلى الله عز وجل, ويرضى الاباضية من أهل البدع الضالة أن يستروا بدعتهم, ولا يظهروها وسعنا بذلك السكوت عنهم وأمرهم إلى الله, ويرضى الاباضية العمانيون من بقايا الناس أن يتقوا الله ربهم, ولا يجعلوا حكمه عز وجل تبعا لحكمهم, بل الله يحكم لا معقب لحكمه, وألا يتمسكوا بطاعة قوم ضلوا (1/205)
صفحة 206
أم اهتدوا وألا يتابعوا عاصي الله عز وعلا, وألا يركنوا إلى الظالم, فإن الله نهى عن الركون إلى الظلمة وألا يعينوا باغيا على محق, ولا عذر لهم في الجهل, بل أقل ما يلزمهم الوقوف عما لا يعلمون, فإن الله لم يأذن لأحد أن يعطى عهده من يعصى أمره.
والاباضية العمانيون يدعون أن يطاع الله ولا يعصى في قليل ولا جليل, وأن يحلل حلاله ويحرم حرامه مهما كان, وألا يستهان بالحقوق الدينية أو الإنسانية, وأن يقدم في الأحكام كتاب الله على غيره, وأن يعمل بسنة الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وسنة خلفائه الراشدين, ليس للاباضية الغلو في الدين أو الغشم على المسلمين, ولا التعدي على أهل القبلة في قتيل ولا نقير, فأموال البغاة لهم, ولا تحل غنيمتهم ولا سبى ذراريهم بما عندهم من الإسلام, فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أباح ذلك منهم, ولا فعله فيهم ولا خلفاءه الراشدين رحمهم الله ورضي عنهم, وأن حكم المرتد معنا عن دينه حكم رسول الله فيه لا زيادة ولا نقصان, إذ لم يسر عنا إلى جوار ربه إلا بعد كمال الدين: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (1) فتم الدين بشهادة القرآن, وكمل في أحواله كلها بشهادة سيد المرسلين, تركتم على المحجة الواضحة ليلها كنهارها, لا جهل ولا تجاهل, إنا نحرم حرام الله في كل أحوالنا إلا ما اضررنا إليه, ونحلل ما حلل الله لنا في عسرنا ويسرنا في بلادنا أو بلاد قومنا, وطعام الذين كفروا حل لنا بنص القرآن, وطعامنا لهم كذلك أيضا كما جاء في الكتاب العزيز, ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق مهما كان المطاع, وفي كل زمان ندعو إلى الله وإلى رسوله وإلى سيرة خلفائه الراشدين, لا نرى أن نفارق شيئا من ذلك, لا نتبدل
------------------------
(1) من الآية 3 من سورة المائدة. (1/206)
صفحة 207
القوانين بالشريعة, ولا نود أن يفارقنا قومنا من كانوا ومهما كانوا في أي بقعة م الأرض، ولا نقول في الدين بما لم يأذن به الله، ولا نعتقد الإستيواء القعود في حق الله عز وجل، بل و الملك والقهر والاستيلاء لا غير، ولا نقول الشفاعة لأهل الكبائر، لا هذا القول يناقض القران، ولا نقول بخروج العصاة من النار كذلك، فأن هذا فيه النصوص الصريحة، ولا نقول أن الكفر كله معناه الشرك، ولا نشرك أهل القبلة بمعاصيهم، ولا نرضى أن نتعدى ما حد الله لنا من الحدود، ولا نقصر في شي منها، فأن التقصير فيها ن التعدي عليها، ولا نرضى بالتهاون فيها، ولا نقول في صفات الله عزوجل إلا بما يناسب جلالة الأعظم، ولا نرضى انتقاض أي صفة من صفاته ولا نقيس صفته على صفات مخلوقاته، ولا نقول بنزوله ولا صعوده ولا حركته ولا سكونه في أي شي مما لا يليق بجلاله الأقدس وكماله الأنفس، وانه الواحد المالك الخالق القادر الرازق الأول الأخر الحي القيوم، ولا نقول بالشفاعة لأهل الكبائر من العصاة، لأنه دعاية باطله وخدعه شيطانيه لا يعول عليها إلا مغتر بالهوى، وأن للشيطان دسائس وعلينا أن نحذرها في كل وقت لا نتزعزع على المنهج الحق لأجل الأهواء الضالة أو الجاهلة أو المخدوعة بالأهواء المضلة، نعوذ بالله منها.
قال إمامنا السالمي رحمه الله: الله ربنا، ومحمد نبينا، والقران إمامنا، والسنة طريقنا، وبيت الله الحرام قبلتنا، والإسلام ديننا، وهو من الإيمان، والإيمان من الإسلام، والتقوى من الإيمان، والبر والوفاء من الإيمان، بعض ذلك من بعض على استكمال الإيمان بما فيه بمعنى، أن هذه الأشياء متلازمة لا ينفك بعضها من بعض، ولا يغني بعضها عن (1/207)
صفحة 208
بعض، خلافا للمرجئة، ومن الإيمان إقامة حدوده والعمل بحقوقه، ولا يثبت الإيمان بانتقاض فرائض الله، لان الإيمان العملي من الإيمان الاعتقادي بمثابة الجسد من الروح، أو الروح من الجسد، لا يصح شيء منها إلا بكمال باقيها، ولا إيمان لمن أقام على محارم الله، وعروة الإيمان هي شهادة أن لا اله إلا الله وحدة لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، أن ما جاء به حق والإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر وبالكتاب والنبيين، وبالجنة والنار، وبإتيان الساعة لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإتيان الأول والتباعد من الثاني، وإقامة الصلاة بمواقيتها، والحضور لها في الجماعة، وإقامتها كما هي لا زيادة فيها ولا نقصان منها، وكل ذلك إيمان، فإن خصال الإيمان إيمان، والإيمان كما قدمنا اعتقادي وقولي وعملي كما هو مبسوط في المطولات، وخاصة التوحيد والإيمان كلها تحت قوله عز وجل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (1) الآية فهذه هي المحيطة بكل التوحيد كما كشفنا ذلك في سلم الإستقامة ولامية التوحيد، وقد أغنى ذلك عن إعادته هنا، وإنما ذكرنا هنا غالبا الإيمان العملي الذي عليه أعل عمان، وبالأخص الفرق التي تجهل ما عليه أهل عمان في العقيدة لعدم اطلاع الناس على ما عليه العمانيون، لأن المشوهين من أعداء الدين قد نفروا الناس عن العمانيين بأنهم خوارج، ولا يعلم أهل عمان ما يبعث ورائهم من الأحاديث السيئة والأحدوثات الفاحشة، وللحق أعداء وهم أهل الباطل، وإذا لم يحارب الباطل وتحكم في أعناقه أسياف الحق، فسرعان ما ترى الحق يهوي تحت أقدام الباطل، والله لا يرضى لعباده الكفر، وإن يشكروه يرضه لهم، والله يعلم المفسد من المصلح. ومن مذهب أهل عمان كما قال الإمام: وجوب الجماعة في الصلاة،
------------------------
(1) من الآية 11 من سورة الشورى. (1/208)
صفحة 209
ولا يؤمن لها ولا يقنت فيها ولا يقصر على المسح على الخفين، قال أبو إسحاق: وذلك أن لم يثبت عند أصحابنا، والقنوت لم يصح أو منسوخ، وكذلك المسح على الخفين منسوخ بأية الوضوء، وأهل عمان يقولون من أصله لم يصح، قال الإمام: والقصر ا ي لصلاة في السفر دون الحضر، وكذا الجمعة في الأمصار الممصرة مطلقا إذا أقيمت في وقتها، وعلى شروطها الثابتة، وعند أئمة العدل في الأمصار الغير ممصرة إلى أخر خصال الإيمان أ هـ. (1/209)
صفحة 210
سِلْسِلةُ مَذْهَبِ أهْلِ عُمان
أعلم إن مذهب أهل عمان متسلسل من عهد الرسول علية الصلاة والسلام بنقلة وأئمة هداه وعلماء إثبات، شهر مقامهم بين رجالات الإسلام، وعرف منهجهم بين قادة الأنام، وما كان من ابن أباض رحمة الله ورضي عنه وما يتعلق بذلك، فقد كشفنا ذلك كله كشفا واضحا في كتابنا ((أصدق المناهج في تميز الإباضية من الخوارج)) وذكرنا طبقات العلماء على إجمال عصرنا هذا، ونذكر هنا ما يكون جمالا لتاريخ عمان كما ذكرنا قسما مهما منة أيضا في كتابنا ((العرى الوثيقة على كشف الحقيقة)) والمد لله الذي أعنى عليهما.
وهنا نقول إن مذهب أهل عمان تناقله فطاحل الرجال الذي هم في الدين أشهر من نار على علم، وأول ناقل له مازن بن غضوبة السعدي، هو معروف في التاريخ العماني، ثم كعب بن برشة الطاحى الصاحبى ثم صحار بن العباس العبدي العماني الثالث، ثم أبو شداد العماني الصحابي الرابع، ثم عمر بن العاص القرشي السهمي الصحابي الخامس.
هؤلاء الأشياخ الأجلاء والهداة الأدلاء، والزعماء الأولون حملوا إلى عمان الدين الإسلامي، وعلموا أهل عمان أصوله وفروعه وواجباته ولوازمه ومقتضاياته، وتفقه أهل عمان منهم قبل كل أحد، وبعد ذلك انتشر الإسلام في عمان انتشار ضياء الشمس بعد الظلام، حتى عم عمان أولها وآخرها ورسخ برجالها الأبطال وعلمائها الفطاحل كلإمام أبي (1/210)
صفحة 211
الشعثاء، والإمام الربيع بن حبيب راوي المسند الصحيح، وضمام بن السائب الندبي العماني، وجمله من أهل العلم العمانيين، منهم سبعون راكبا اللذين خرجوا مع عمر بن العاص إلى المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيهم عبد بن الجلندى سيدهم وزعيمهم.
ومن نقلة العلم من أهل عمان إلى عمان وإلى العراق كثيرون لا يحصون عددا إلا أن طبقاتهم متفاوتة، أما عن من نقلوا فقد نقلوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونقلوا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلى بن أبي طالب، ونقلوا عن عائشة أم المؤمنين السيدة المصونة التي تحوى شطر الدين عن سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام، ونقلوا أيضا عن العبادلة الثلاثة، وهم عبدالله بن العباس حبر الأمة وبحرها الزخار، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعن عبدالله بن عمر بن العاص، ونقلوا أيضا عن أنس بن مالك وأبا هريرة رواية الدين، وعن أبي سعيد الخدري، وعن عبد الرحمن بن عوف أيضا كذلك، وعن عمار بن ياسر، وعن عبدالله بن مسعود حضيرة الفقه: وعن أبي ذر، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسلمان سيد الفرس، وصهيب إمام الشورى، وزيد بن صوحان المقتول شهيدا يوم الجمل، ونقلوا أيضا عن خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وعن محمد وعبدالله ابني بديل، وحرقوص بن زهير السعدي أحد المشهود لهم بالجنة، وعن زيد حصن الطائي الذي نعته عائشة المقتول في النهروان.
قال الإمام السالمي رحمه الله: هؤلاء اللذين ذكرهم أبو المؤثر، (1/211)
صفحة 212
قلت: وهم علماء الصحابة وسادة أمة الإجابة رحمهم الله ورضي عنهم, قال: ولأصحابنا نقل كثير عن غيرهم, لكن قال أبو المؤثر رحمه الله: إنهم أخذوا أيضا عن كثير من رجال العلم وأعمدة الحق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أنكر المنكر على أهله, وممن شهد يوم الدار ويوم الجمل ويوم صفين, وممن مات على دينهم ومن مات قبل اختلاف الأمة, فهم أئمتنا وأولياؤنا رحمهم الله, لا ينكر فضلهم ولا يجهل شرفهم.
ثم بعد الطبقة الثانية وهم: عبدالله بن وهب الراسبى وأصحابه الذين جاهدوا معه يوم النهروان حتى استشهدوا رحمهم الله على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
ثم أهل الطبقة الثالثة وهم: فروة بن نوفل الأشجعي, ووداع بن حوثرة الأسدى ومن كان معهما يوم النخيلة رحمهم الله.
ثم أهل الطبقة الرابعة, وهم: قريسب, والزحاف وأصحابهما الذين جاهدوا في الله حق جهاده ذكرهم الإمام أبو إسحاق الحضرمي.
ثم أهل الطبقة الخامسة وهم, المرداس بن حدبر, وأخوه عروة ومن معهما وهم الأربعون الذين شاع ذكرهم في عالم الإسلام بكل فضل في الدين, ومن باعوا نفوسهم لله حتى سالت أنفسهم على الحق.
ثم الطبقة السادسة وهم: عبدالله بن إباض, وأبو الشعثاء جابر بن زيد, وصحار بن العباس العبد, وجعفر بن السماك, وحتات بن كاتب, وأبو عبيدة الضرير وهو أبو عبيدة الكبير العالم النحرير, وأبو نوح صالح بن نوح الدهان. (1/212)
صفحة 213
ثم الطبقة السابعة وهم: عبد الله بن يحيى الكندي المعروف بطالب الحق إمام أهل اليمن ومن معه من الرجال كالمختار بن عوف المعروف بأبي حمزة أحد أبطال العلم, وأقيال السنان, وأبو الحر علي بن الحصين, ومن استشهد معهم في جهاد أهل البغي رحمهم الله.
ثم الطبقة الثامنة وهم: بن حبيب بن عمرو والفراهيدى البصري, وضمام بن السائب الندبي, وأبو منصور الخراساني ومن معهم في أيامهم.
ثم الطبقة التاسعة وهم: الجلندى بن مسعود الإمام, وأبو الخطاب إمام أهل المغرب, وعبد الرحمن بن رستم الفارسي, ومن كان في طبقتهم وهم أفاضل الأمة في زمانهم.
ثم الطبقة العاشرة وهم: محبوب بن الرحيل, وهاشم بن عبد الله الخراساني, وموسى بن أبي جابر, وبشير بن المنذر, ومنير بن النير الجعلاني, وهشام بن المهاجر, وعبد الله بن أبي قيس, وسعيد بن المبشر, وعلى بن عزرة, وهاشم بن غيلان, وسليمان بن عثمان, وعبد المقتدر بن الحكم, ومحمد بن هاشم بن غيلان, وموسى بن علي, وسعيد بن محرز, والوضاح ابن عقبة وأضرابهم, فهؤلاء الأئمة الأجلاء والأساطين الفخام هم مقدمة رجال الأباضية الذين هم معروفون في السماء, وإن أنكرهم أهل الأرض يأخذ بعضهم عن بعض من معاصريهم وغيرهم, ذكرناهم لا على الترتيب الزمني كما ينبغي, لأن هذا يحتاج إلى فراغ واسع يأتي على ذكر منازلهم العلمية, وطبقاتهم الزمنية وأسمائهم القبائلية, وأعمالهم العلمية ومؤلفاتهم الثمينة التي يحق لها أن تكتب بماء الذهب على وجنات الحور, فقد قاموا رحمهم الله ورضي (1/213)
صفحة 214
عنهم مقاما يحق الإكبار, وجاهدوا واجتهدوا في حق دين الله عز وجل, وأدوا واجبهم حتى انقضت أيامهم, وجاء من بعدهم من أقاموا منار الدين, وكشفوا عن منهج سيد المرسلين, وابتلوا بالأمة حينا من الدهر, والله يجزيهم رضاه ويهديهم إليه سبيلا (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (1) أما ذكر أئمة كل قرن على حدة فهذا شاق إذ ما من قرن إلا ولأهل عمان فيه علماء عديدون, وفقهاء كثيرون, وعلماء عمان هم فقهاء الشريعة, لم يتخصص منهم أحد في غير الفقه, وإن نال بعضهم من غير الفقه حظا فغالبا يكون ذلك كالنادر, وقد اشتهر بالطب منهم جماعة كمحمد بن هاشم الطبيب الرستاقى المشهور, وهو صاحب لأمية الطب, وإن كان لبعضهم في الطب أياد إلا أنها بالمعنى المعروف عند العرب, ولهم في الطب النبوي نصيب, لأنه شرعي فهو في علوم الشريعة الرعيل الأول, ومن يعدهم غيرهم من علماء الأمة, فهم رواة الحديث ولهم فيه السبق على غيرهم فإن الإمام الربيع بن حبيب أول من ألف فيه المسند الشهي بالجامع, إذ جمع فيه أمهات الأحكام من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام, وعليه بنى المسلمون قواعد مذهبهم الصحيح, ولم يذكره المؤرخون لعدم اطلاعهم عليه, فإنه لم ينشر وبالأخص لم يطبع, فانظر ما يقوله العلامة التنوخى فيه, ولهم في علوم الأدب المقام الأكبر بالخليل ابن أحمد الفراهيدى, وابن دريد وأضرابهم, وفي التاريخ كذلك إلا أن غيرهم فيه لهم أكبر اعتناء وأعظم عمل كابن الأثير وابن خلدون والطبري وغيرهم.
وإذا أردنا أن نذكر علماء عمان في كل قرن أعنى مشاهيرهم الأجلاء فالإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد, والربيع بن حبيب, وأبو عبيدة ومن
------------------------
(1) من الآية 69من سورة العنكبوت. (1/214)
صفحة 215
معهم, فهم علماء القرن الأول للهجرة. ولا يرد علينا أن هؤلاء بصريون بل يقول عم عمانيون بغير شك, وإن أقاموا بالبصرة فقد صارت البصرة عمانية بكل معنى الكلمة, إذ كان علماؤها هؤلاء, وهم عمانيون, وأميرها المهلب بن أبي صفرة وهو عماني بغير شك, فهي عمانية به وبقومه الأزد من أهل عمان.
أما علماء القرن الثاني فهؤلاء وآخرون جاءوا من بعدهم, فإن الإمام الجلندى بن مسعود رحمه الله في أول القرن الثاني كما سوف تراه في محله إن شاء الله, قال الإمام رحمه الله وهو يذكر الإمام الجلندى قال قال: أبو الحسن البسياني, وكان في أيامه, أي الإمام الجلندى حاجب, والربيع ابن حبيب بالعراق, وعبد الله بن القاسم, وهلال بن عطية الخراساني وخلف بن زياد البحراني, وشبيب بن عطية العماني, وموس بن أبي جابر الازكانى, وبشير بن المنذر النزواني, ومنير بن النير الجعلاني, وهو من بني خضرمي بن ريام قتل رحمه الله في وقعة دما من الباطنة أيام ابن بور, قال: وكان هؤلاء بعضهم أكبر من بعض, واقتدى بعضهم ببعض, ومنهم الحسن بن عقبة, والوليد بن خالد, وموسى بن سعيد, وجعفر بن بشير, ومعين بن عمر, ولوط بن سام, وحميم بن المغير, والهمام بن المغلس, والنير بن عبد الملك, وعبد الله بن أبى, وعمام بن همام, ومحمد بن عبد الله بن سوم, وعمر بن يحيى, وحميد ابن عبد الله, ويحيى بن يزيد, وعمر بن عبد الله, ثم وصفهم بأوصاف عظيمة عند المسلمين ستأتي إن شاء الله في إمامة الإمام الجلندى بن مسعود رحمهم الله ورضي عنهم.
قال: ومنهم أبو صالح الوضاح بن عقبة, ويحيى بن نجيح, (1/215)
صفحة 216
وكلهم عيالهم فقه وأئمة هدى, بل كاد أن يكون أيام الإمام الجلندى كل أهل عمان علماء, أو قل على الأقل أهل ذلك القرن.
ومن علماء القرن الثاني أيضا: شبيب بن عطية العماني الذي قام بالأمر احتسابا, وكان من مشاهير أصحاب الإمام الجلندى رحمهم الله, وعبد الوهاب بن جيفر, ومحمد بن عبد الله بن حساس, وأبو جعفر سعيد بن محمد, وسعيد بن محرز, ومحمد بن محبوب الرحيلي القرشي, ومحمد ابن هاشم, وسبق ذكر أبيه هاشم بن غيلان, والأشعث, بن محمد, ومحمد بن المعلى الكندي, ومحمد بن عبد الله زميل الشيخ موسى بن علي, وعبد الله بن محمد بن روح, ووائل بن أيوب, والصلت بن خميس المعروف بأبي المؤثر البهلوى وهو خروصي النسب, وعلي بن عزره, وسليمان بن عثمان, ومسعدة بن تميم اللذان عقدا على الإمام غسان بن عبد الله, لأنه مات الإمام الوارث رحمه الله قال سليمان بن عثمان: نريد أن نكتب لأهل السر بالحضور, أي للعقد على الإمام الثاني الذي يلي الوارث فقال مسعدة: يريد ابن عثمان أن نؤخر هذا الأمر إلى أن يجتمع إلينا الناس, أو قال غوغاء الناس فيختلفوا علينا, بل نقطع الأمر قبل الاختلاف, فإذا جاء الناس وجدوا الأمر مقضيا, والأمور منتهية, والأحوال قادرة على قرارها, ومنهم هارون بن اليماني الشعبي الشهير في أيام الإمام بالمهنا.
وأما علماء القرن الثالث فهم: هؤلاء المذكورون ومن التحق بهم, وهم زيادة بن الوضاح, ومبارك بن جعفر والحكم بن بشير, والأزهر بن علي, وعلي بن عزره, وجعفر بن زيادة, وعبد الله بن أبي قيس, وعبد الله بن نافع, ورايس بن يزيد, وأبو مالك بن هزبر, والأشعث (1/216)
صفحة 217
ابن محمد, والأزهر بن عبد الملك, وعبد العزيز بن عبد الرحمن, وعمر بن الأخنس الذي صلى بالناس الجمعة.
مرض الإمام الملك بن حميد اعتبارا لبقاء الإمام, إذ كانوا مجتمعين, إذا مات الإمام أقاموا عنه آخر مقامه, فلم ير موسى بن علي رحمه الله النقض عليهم, وكان العلماء يومئذ يعتبرونه الرئيس الثاني لهم, وهو قدوتهم, ورآه ابن محبوب وهو الرئيس الثاني لأهل العلم, وكان رأيه في القضية لأن كل واحد منهما يحمل على وجه من أقوال أهل العلم, وبسط ذلك في الفقه, ومن العلماء يومئذ صقر زائدة, ومن العلماء العباس ابن زائدة, وزياد بن مثوبة, والمنذر بن بشير, ورباط بن المنذر, ومحمد ابن أبي حذيفة, وهاشم بن الجهم, وعبيد الله بن الحكيم, وهؤلاء من جملة العاقدين الإمامة للإمام الصلت بن مالك رحمهم الله, ورئيسهم محمد ابن محبوب, والسيخ أبو عبد الله بن محمد إبراهيم بن سليمان, وعمر بن محمد الضبي, وموسى بن مجمد بن علي, وعزان بن الهزير, وزاهر بن محمد بن سليمان, وغزان بن تميم, وشاذان بن لصلت, ومحمد بن عمر بن الأخنس, وغدانة بن محمد, وهؤلاء هم الذين بقوا متمسكين بإقامة الصلت بن مالك رحمه الله.
وبالجملة إذا ذهبنا إلى ذكر علماء عمان فيكل قرن يضيق بنا الوقت, فهؤلاء العلماء المعدودون, وأولهم زياد بن الوضاح, وبارك بن جعفر, والحكم بن بشير, إلى غدانة بن محمد, هم إلى عهد الإمام الصلت بن مالك, والإمام الصلت المذكور كان بويع بالإمامة لستة عشر خلت من ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين, فهو في صدر القرن الثالث, وكان العلماء المشاهير الذين لهم في الأمة الحل والعقد لا يحصون (1/217)
صفحة 218
عددا, ثم أطال عهد الصلت بن مالك، إذ عاش في الإمامة إلى عهد سنة اثنتين وسبعين ومائتين, فكانت إمامته خمساً وثلاثين سنة, نشط فيها العلم وقوى سوقه, وطالت أغصانه, وأثمرت أيام الصلت بن مالك الثمر الحلو في عمان, وانتشر العلماء في عمان, وغصت العواصم العمانية بهم, وكان سلطان الإمامة بالغا حده, وعمان في ذرة الشرف وأهلها يتسابقون على العلم, فحتى حماميرها وحطاطيبها علماء, إذ توالت أيام الإمام وازدهر عهدها, وقامت لهم في أرجاء عمان كبكبة مشرقة, (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ). (1)
فلما طال العهد بالأمة, وكانت من سنة الله تأديب عباده إذا أبطرتهم النعم, فقاموا على الصلت بن مالك يحاولون خروجه من الأمر بغير قصور ولا تقصير, والأمور في أيديهم, والصلت كواحد منهم غير مختص بشئ دونهم إلا ما كان من خصائص الإمامة, تجاسروا عليه حتى صارت أيامهم حديث سمر الناس, وحيرة أهل الفضل, ولم يزالوا على ذلك حتى تخلى الإمام الصلت رحمه الله من الأمر تسكينا لسورة الثائرين, وإلقاء للأمر في نحورهم فعظمت محنتهم, وجلت رزيتهم, وأصبحوا في أزمة ضخمة, واضطراب في القصد, ولم يكن حلهم شافيا, ولا عقدهم وافيا, حتى عرفوا بلية ما وقعوا فيه, رزية الدين تحيط بهم, فكان فيهم البصير مغلوبا, وسنذكر ذلك إن شاء الله في محله.
ولقد اعتذرنا لك أيها القارئ الكريم بعذرنا عن ذكر عمان في كل قرن, وعسى أن يمن الله علينا بالسعة فنذكرهم في سفر خاص بهم, تخليدا لتذكارهم, واعتبارا بآثارهم, ودعاية إلى أعمالهم, والعلماء زينة الدهر, وجمال الأيام, ومجد عمان على الأقل ولنا فيهم:
------------------------
(1) من الآية 140من سورة آل عمران. (1/218)
صفحة 219
قد ... زانت ... الأيام ... بالعلماء ... وهم
أقمار ... ظلمتها ... وشمس ... نهارها
وهم ... بهم ... ينجاب ... غيم ... الغنى ... عن
أفكارنا ... بالنور ... من ... أسرارها
نسأل الله الإقتداء بطريقتهم, والتوفيق لسلوك سبيلهم, والله ولى التوفيق والتسديد.
ولا يخفى عليك أنا كنا معنيين هنا بسلسلة مذهب أهل عمان, وعمن أخذوا بينهم, وقد ذكرنا ذلك محققا المصدر الأول, وهو المصدر الصحيح الذي يرده الكل من رجال الإسلام وبينا سبق أهل عمان إلى خصال الخير قبل الغير, وذكرنا أول ناقل للدين إلى عمان, وأول معلم لأهل عمان, حتى مشى أهل عمان على المنهج الصحيح من أول أمرهم, وقد عملوا بما أوجب الله عليهم من إقامة الحق على سبيل الصديق والفاروق, وما زالوا على ذلك الحال إلا في أيام الانقلابات التي تنزل عليهم من أمراء الجور وملوك الظلم, إلا أنهم لا يرضخون لهم رضوخ الجاثم, أو يسكنون معهم سكون النائم, وإنما هم على حكم التقية حتى تلوح لهم الفرصة المواتية, فإذا رأوها هبوا لأخذها وعملوا اللازم فيها, ولم يضيعوها كما سوف يرى القارئ إن شاء الله لهذا التاريخ ذلك, ويرى أعماله فيه صحيحة المأخذ والحمد لله.
أما من عدا أهل عمان فمنذ تولى الأمر معاوية بن أبي سفيان, هم عبيد الملوك, جاروا أم عدلوا, ومتى يعدلون وهم عبيد الشهوات, وأسارى الأهواء, ومماليك الرغبات النفسية, وبذلك يضمحل الدين ويتمزق شمل الإسلام, وتنشأ الناشئة لا ترى إلا سلطانا تقول له لبيك وسعديك والخير كله في يديك, نعوذ بالله من ذلك, ونسأله العون والهداية للطريق المستقيم, إنه كريم. (1/219)
صفحة 220
هذا هو الفارق بين أهل عمان وغيرهم من أمم الإسلام, نعم يشارك أهل عمان في هذا الحال إخوانهم أهل المغرب الذين أقاموا منار الدين بأئمة عدول, وأبطال فحول, في الصدر الأول, حتى ذهب ذلك منهم, وكذلك أباضية اليمن وحضرموت, أخذوا على ذلك الحال عهدا, وبقيت دروسه يتناقلها الخلف عن السلف, وهكذا, وإحياء سير الرسول عليه الصلاة والسلام على الأسلوب الصحيح, وقانونها الرجيج, أمر مفروض على الأمة عند الاستطاعة, وتوفر الأسباب, وما زالوا أهل عمان في ذلك على وتيرة الصحابة رضوان الله عليهم:
تعاقبت ... خلفاء ... الله ... منصبها
منذ ... الجلندى ... وختم ... الكل ... عزان
فأول إمام بعمان هو الجلندى بن مسعود الجلندانى, وآخرهم عزان بن قيس البوسعيدي, ثم تلاها في هذه الآونة التي نحن بها الإمام سالم بن راشد, ومحمد بن عبد الله, ويعرف الأول بالخروصي, والثاني بالخليلي, وكلاهما خروصي.
وسترى الفرق أيها القارئ في عمان قيام علمائها على أئمة الجور من أهل عمان وغيرهم, وترى الأئمة الأتقياء الأبرار الذين لهم في عمان الحل والعقد على نهج عمر بن الخطاب وأبي بكر رضي الله عنهم, حتى تعلم أن الأباضية هم عمدة الدين, وبهم يعيش ما عاش, وهم الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة, لثباتهم على ما كان عليه من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وأمر الخلفاء الراشدين, أما من عدا الإباضية وبالأخص منهم الذين لا يجيزون الخروج على أئمة الجور, الذين يتولون الأمور ويمشون فيها بحسب هواهم, فليسوا من الدين في شئ, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الناس على دين ملوكهم, (1/220)
صفحة 221
وأنت تدرى أن بعض الملوك غالبا على دين نزواتهم فإذا يكون الناس على دين النزوات نعوذ بالله. أما الأباضية فيعتمون طبعا ويهتمون شرعا إذا صار الأمر بيد ملوك هذا شأنهم, أما أولئك فينامون تحت ظل الملوك نوم الوداع المطمئن ولا يبالون, وأما الأباضية فيتململون مع تململ السليم, ويتأوهون على ذلك تأوه المصدور حتى يروا استقامة الأمير واطمئنان المأمور, فانظر الفرق بين الحالين واحكم بالحق, وربنا المستعان على ما تصفون. (1/221)
صفحة 222
كلمة إجمالية على أمراء بني أمية
لا يخفى المطلع الخبير أن الحجاج بن يوسف, تولى عمان في خلافة عبد الملك بن مروان, وأن عبد الملك تولى الأمر لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة 65 للهجرة, وبقيت عمان تحت أمر الحجاج يديرها عماله وتصرفها أعماله, وأهل عمان تحت قهره ثم توفى عبد الملك بن مروان سنة 86 في شهر شوال, وقام بالأمر بعده ولده الوليد بن عبد الملك بن مروان في هذه الأثناء, كان ابن الزبير في مكة بويع له بالخلافة فيها قبل عبد الملك بن مروان بسنتين, فتكون بيعته سنة 64 في شهر رجب, وذلك في آخر أيام يزيد بن معاوية, ومضى الوليد في خلافته إلى سنة 96 في النصف من شهر جمادى الآخرة, وأمر عمان في يد عمال الحجاج الذين يتخالفون عليها, ثم تولى سليمان بن عبد الملك بعد موت أخيه ومضى إلى سنة 98, وقيل إلى سنة 99 وتولى بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز وهو سيد بني أمية كلهم رحمه الله, كان إماما صادق الإمامة, تقيا رضيا قام على سوآت بني أمية يمحقها الواحدة بعد الأخرى, وأعاد السيرة العمرية في طريقها الصحيح, ومشى على ذلك إلى أن توفى رحمه الله بخمس بقين, بل لخمس مضين, وقيل لست مضين من رجب الفرد, وقيل لعشر منه سنة 101 إحدى ومائة, وهو في أول شبابه ابن تسع وثلاثين, وقيل أربعين سنة, وهو الذي استعمل على العراق عدى بن أرطاة الفزارى, واستعمل عدى المذكور على عمان عمالا أساءوا السيرة في أهلها, فقام العمانيون وبلغوا الأمر إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله فأمر بعزلهم واستعمل بدلهم على عمان بن عبد الله الأنصاري, فأحسن السيرة في أهل عمان, قال الإمام: فلم يزل (1/222)
صفحة 223
واليا على عمان مكرما بين أهلها, نافذ الأمر فيهم وهم سامعون مطيعون, ولم لا يكون أهل عمان سامعين مطيعين, وخليفة المسلمين عمر بن عبد العزيز, وهو العبد الصالح من بني أمية.
وأهل عمان لا زالوا خاضعين لأهل الصلاح منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم, فعاش فيهم عمرو بن العاص, ولم ير منهم إلا ما سره وهكذا من بعده إلا أنهم ينفرون من الجورة ولا يرون لهم طاعة تبعا للقرآن الكريم, كما جاء فيه النص في اجتناب الظالمين وأعوانهم, والتباعد منهم, قال الإمام, وما زال عمر بن عبد الله الأنصاري في عمان يستوفي الصدقات منهم بطيبة أنفسهم حتى مات عمر بن عبد العزيز, فقال عمر بن عبد الله لزياد بن المهلب: هذه البلاد بلاد قومك فشأنك بها , وخرج عمر بن عبد الله من عمان غير معزول ولا مرغوب في خروجه لحسن سيرته, وقام زياد بن المهلب في عمان حتى ظهر أبو العباس السفاح, وصار ملك بني أمية إليه لا يخفى أنه بعد موت عمر بن عبد العزيز, تولى الأمر يزيد بن عبد الملك, وهو الذي أراد أن يسير في الناس سيرة عمر بن عبد العزيز, وقد أعلن للأمة بذلك, فقام له من دمشق أربعون رجلا من أعيانهم, وقالوا له لا تفعل هكذا وامض على وجهك, فإن الخلفاء لا حساب عليهم ولا عقاب في الآخرة, حيث هم قائمون بأمر الأمة مجاهدون ومجتهدون, وحلف له أربعون رجلا على ذلك فخدعوه بذلك لأغراضهم الشخصية, وهذه أعمال القوم مع ملوكهم, وتلك أعمال الإباضية مع سلاطينهم, فانظروا أيها الناس كيف يلعب الشيطان بأهل الأهواء حتى يرمى بهم في البحر العميق الذي لا يخرجون منه, فسرعان ما تبدل الحال في المسلمين بموت عمر بن عبد العزيز, إلى يزيد المذكور, ولم يبق الحال إلا أربعين ي وما إلى أن رجعت الأمور (1/223)
صفحة 224
القهقرى, وانهمك في حبابة وأمثالها, وغدا مغرما باللهو واللعب والسفه المفرط, وهذا هو الذي أشار إليه أبو حمزة المختار بن عوف حين خطب في الناس خطبته المشهورة, وصرح بأفعال المشار إليه ولهوه وطربه, ولعبه بالأمور فتلك أحوال الإباضية عند هؤلاء الملوك الجورة الفسقة: فأين الثريا وأين الثرى, إنه لبون بعيد وفرق كبير حفظه لنا التاريخ لمن يأتي فيعتبر.
ولما مات يزيد المذكور وولى بعده هشام بن عبد الملك سنة 105 مائة وخمس لخمس بقين من شعبان, ومشى هشام في المسلمين على نهج من قبله من إخوانه حتى توفى في شهر ربيع الآخر بالرصافة سنة 125خمس وعشرين ومائة, ثم تولى الأمر بعده الوليد بن يزيد ابن عبد الملك, وكان معروفا بالفسق إذ كان فاسقا خليعا بالغا في الفسق الغاية القصوى, إذ كان يجعل للخمر حياضا وللخلاعة غياضا, وللسفه موارد ومصادر وهو الذي قتله أهل دمشق, إذ كان مستهترا إلى حد بعيد, وقد جمع مع الفسق الزندقة وتظاهر بالكفر الصريح, وهو الذي لما تمكن السكر منه حلف ألا يصلى بالناس إلا امرأته, فأخرجها لابسة ثيابه, وهي سكرى جنب فصلت بهم, وكان بني للخمر بركة عظيمة, ومشى على هذا الحال وهو أمير المؤمنين, فمن يا ترى هؤلاء المؤمنين وهذا أميرهم, فماذا يكون حالهم, إنا لله وإنا إليه راجعون.
كان إذا أجنب هذا الخبيث ينزل إلى بركة الخمر يغتسل من الجنابة ويشرب ويلعب فيها حتى يرى أن جانبا منها نزل, وحينئذ يخرج من المغتسل ثم أرسل الله عليه ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك المعروف بالناقص, فأحاط به في تدمر فكان فيها دماره حتى قبضوا عليه وذبحو (1/224)
صفحة 225
كما يذبح الثور, واجتروا رأسه وأتوا به على رمح, ثم نصبوه في مدينة دمشق ليراه الناس, ثم بايعوا يزيد المذكور وهو ابن الوليد بن عبد الملك بن مروان سنة 126 ست وعشرين ومائة, وعرف بالمناقص لأنه نقص الأعطيات, وردها على ما كانت عليه أيام هشام, وقيل لنقصان في أصابع رجله, وكان يتنسك ويميل إلى الدين والأخلاق الصالحة, ولكنه لم تطل أيامه, إذ كان الداعي حثيثا فمات في ثمانية من جمادى الآخرة من السنة المذكورة, وتولى الأمر بعده إبراهيم بن الوليد أخو يزيد, وكان الأمر مضطربا والأمور في تقهقر وانحطاط, وانهيار صروح الإمارة الأموية من كل جانب, فكان في جمعه يسلم عليه بالخلافة, وفي جمعة بالإمارة, وفي جمعة لا يسلم عليه بشيء, وهكذا كانت أموره متناثرة على وشك الاضمحلال, ولله أمر هو بالغه, وحكم هو نافذة.
فكانت خلافته شهرين وعشرة أيام, ثم قام عليه مروان بن محمد المنبوذ بالحمار, أي كان يلقب بالحمار, وهذا آخر خلفاء بني أمية, فأقام الله له أبا العباس السفاح عبد الله بن محمد علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي, وظهر أبو مسلم الخراساني, وقام الشر العباسي ليأخذ الثأر من العنصر الأموي للذي طالما لعب دوره الخاسر, ومشى شوطه الفاجر, ولا شك أن لكل شيء غاية إليها الانتهاء, فكان انتهاء أمر بني أمية بهذا, وكل هذا الحال الذي ذكرناه, وعمان في يد أهلها من آل المهلب, وإدارة شئونها إلى رجال الأزد دون غيرهم, إذ هم سادتها وبيدهم زمامها, وقد اشغل الله عنها هؤلاء الأمراء الأمويين, فلم يكن لهم فيها حل ولا عقد, بعد عمر بن عبد العزيز رحمه الله. (1/225)
صفحة 226
قال كمال الدين الدميري: ظهر أبو مسلم الخراساني وظهر أبو العباس السفاح بالكوفة, وبويع له بالخلافة وجهز عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس لقتال مروان بن محمد المذكور المعروف بالجعدى, والمنبوذ بالحمار, فالتقى الجمعان بزاب الموصل واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم مروان, وقتل من عسكره خلق كثير, وغرق منهم في البحر كثيرون, قال: وتبعه عبد الله إلى أن وصل إلى نهر الأردن, فلقي جماعة من بني أمية وكانوا نيفا وثمانين رجلا, فقتلهم عن آخرهم, ثم أمر عبد الله بسحبهم على الأرض فسحبوا وبسط عليه بساطا, وجلس هو وأصحابه فوقهم, ودعا بالطعام فأكلوا وهم يسمعون أنينهم من تحتهم, فقال عبد الله يوم كيوم الحسين ولا سوى, ثم جهز عمه صالح بن على طريق السماوة فلحق بأخيه عبد الله, وقد نزل دمشق ففتحها عنوة وأباحها ثلاثة أيام, قال ونقص عبد الله سورها حجراً حجراً, وهرب مروان إلى مصر فتبعه صالح, وإذا بالمنهزم لا يتحدث إلا بالهزيمة والناس تتخاذل عنه وأموره تهوى, وصروح بني أمية تنهار وبرك الخمر قد آن جفافها, وكان هذا الحال ينتظر من آل علي بن أبي طالب وهم الذين وترهم بنو أمية, فلم يكن ذلك منهم لحكمة بديعة, بل كان من آل الحبر, وكان قتل مروان في أبو صير, وهي من قرى الصعيد, قال: وكان قصده الحبشة فبيتوه وعاجلوه, فقيل لما ضرب قال انقرضت دولتنا, أي لا تقوم منا قائمة, وكان بطلا شديدا شجاعا مقداما, وكان قتله سنة 133, وكانت خلافته خمس سنين وشهرين وعشرة أيام, وبدأت الدولة الجديدة تضع أطنابها وتمد رواقها حتى تأخذ عهدها.
(وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (1) وفي التاريخ المعتبر للعاقل والله المستعان.
------------------------
(1) من الآية رقم 140من سورة آل عمران. (1/226)
صفحة 227
عمان تتحضر لتستقل عن الزعامة العامة
لما رأي العمانيون تدهور صرح الأمويين, ورأوا أن الله أذن بزوال ملكهم وانحلال سلطانهم الغاشم, قاموا يديرون الرأي بينهم في الانفصال عن القوم, فرأوا أن نطاق الإسلام قد توسع, وأن رواقه قد أمتد, وأن سلطانه قد قوى ودخل في حضيرته ملوك, اصطلم ممالك واحتوى على إقليم وقهر على أمراء ممالك عديدة, ورأوا أن سلطان المسلمين العام طالما وقد نأي عن سائر بلاد الإسلام, واستقل الأمراء في إمارتهم كحكام وملوك في الأقطار النائية, حيث أصبح الإسلام يشمل أهل المشرق والمغرب, وتفرقت فيه المذاهب وتعدد إليها الذاهب, رأى العمانيون ضرورة إقامة إمام لهم, ونظروا فيمن هو الأصلح لهذا الأمر الجسيم والعبء الثقيل الذي لا يقدر على حمله إلا أفراد, حتى وقعت خيرتهم على الجلندى بن مسعود ابن جلندى الجلنداني, حيث اجتمعت فيه الخصال المطلوبة إذ كان من بقية ملوك عمان, كما عرفت ذلك مما سبق من أخبارهم, وقد جمع الجلندى شرف العلم والتقوى وخالص الإيمان, وقل أن تجتمع هذه الخصال مع الشجاعة والصلابة في الدين, وكان الجلندى بن مسعود من تلامذة أبي عبيدة رضي الله عنه, وحضر بيعة الإمام طالب الحق في اليمن, ثم رجع إلى عمان فوقعت خيرة المسلمين عليه, فبايعه أهل عمان بيعة ورضوا به إماما للكل, ولم يعترض على البيعة له معترض فيما علمنا, وأهل عمان كإخوانهم من أهل البلاد الأخرى لا يرضون لدينهم إلا الصالح, إذ كانوا على منهج عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وعلى منهج عبد الله بن وهب الراسبي إمام (1/227)
صفحة 228
أهل النهروان, وأصحابه الميامين الأصفياء المخلصين الذين لا يرون لهم حياة صالحة إلا تحت راية الحق, والحق أحق أن يتبع, وما بعد الحق إلا الضلال, وقد علمت أن الله جعل الحق في الأمة حجة عليها, فإن قاموا بواجب الحق نجوا عند الإله الواحد الأحد, وإلا فقد تمت الحجة عليهم والله لا يضيع الحق بالباطل حاشاه. (1/228)
صفحة 229
تاريخ البيعة للإمام الجلندى بن مسعود رحمه الله
لما تحقق للعمانيين صحة صلاحية الجلندى للإمامة العليا, اجتمعوا عليه وطالبوه أن يكون إماما قائما بأمورهم الدنيوية والدينية, وكان أهل المذهب كلهم كتحركين لنصب الإمامة, وقد تحقق قام طالب الحق عبد الله ابن يحيى إماما لإباضية اليمن, وفي نفس الوقت بايع إباضية المغرب أبا الخطاب المعافري كما علمت, وكانت البيعة للجلندى رحمه الله في سنة 132 اثنين وثلاثين ومائة, وكان السفاح تولى الأمر بعد هذه المدة بسنة واحدة وبعض المؤرخين يرى إمامة الإمام الجلندي كذالك وقعت سنة 133 ثلاث وثلاثين ومائة, وكان فتكون في نفس السنة المذكورة, والشهير هو الأول وهي سنة الإمامة, إذ كانت للإباضية قام ثلاثة أئمة في ثلاثة أقطار العالم يقومون بأوامر الإسلام, ويقيمون قواعده ويعملون بما فيه من الأحكام, ويمشون على ضوئه في الحلال والحرام, فكانت لهم رنة في العالم الإسلامي شرقا ومغربا, واهتز العالم لهم هيبة, وارتجت لعملهم هذا قلوب أعدائهم, ونشطت النفوس المحبة لدين الله, وأكبر الناس عملهم هذا أيما إكبار, فخافهم الملوك المجاورون وحسدهم الأمم, فلم تزل تنظر إليهم شزرا وتحاول هدم كيانهم هذا, وردهم عن التطاول في العالم, فتكون لهم سطوة عالية وسمعة دينية, ويعلو شأنهم بين الأمم, وكان اجتمع على إمامة الإمام الجلندى رحمه الله علماء أجلاء وفطاحل أشداء, إذ كان أمرهم هذا في ابتداء الإمامة بعمان, والأمور غير المألوفة تكون خيرة السامع ودهشة الرائي, والإقدام عليها كبير لا سيما وأن الافتراق المذهبي قد بلغ شأوه. (1/229)
صفحة 230
قال الإمام أبو الحسن البسياني: وقد أجمعوا على إمامة الإمام الجلندى بن مسعود وولايته والمجاهدة معه, قال: وكان في أيامه أي من علماء المسلمين: حاجب والربيع بن حبيب بالعراق, أي بالبصرة وعبد الله بن القاسم, وهلال بن عطية العماني, وخلف بن زياد البحراني, وشبيب بن عطية العماني, وموسى بن أبي جابر الازكاني, وبشير بن المنذر النزواني, ومنير بن النير الجعلاني.
قال: وكان لهؤلاء بعضهم أكبر من بعض, واقتدى بعضهم ببعض, قال الإمام في تحفة الأعيان: الإمام الجلندى بن مسعود بن الجلندى رضي الله عنه, وهو أحد بني الجلندى بن المستكبر بن مسعود بن الحران بن عبد عز بن معولة بن شمس ملوك عمان بعد أولاد مالك بن فهم, وغلط من نسبه لغير ذلك, قلت: لعل بعضا رآه من آل الجلندى بن كركر, وهذا من بني سليمة بن مالك على الصحيح, قال ولقد تقدم أن سبب إمامته أن أبا العباس السفاح ولى أخاه أبا جعفر المنصور على العراق, وولى المنصور على عمان جناح بن عبادة بن قيس الهنائي, ثم عزله وولى ولده محمد بن جناح, فلان للمسلمين ووافقهم على ما يحبون حتى صارت ولاية عمان لهم, فعند ذلك عقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود, فكانت سببا لظهور الإسلام وقوة شوكته, وكان عادلا مرضيا قلت: سيأتي أن أهل عمان ما كانوا يفضلون عليه أحدا من أئمة عمان مع فضلهم الذي اشتهروا به إلا أن يكون سعيد بن عبد الله بم محمد محبوب, فبعضهم يفضل الأول وبعضهم الثاني, وبعضهم ساوى بينهما, وفضل الإمام السالمى الجلندى على الكل, إذ قال: ولا أعدل بالجلندى إماما بعمان, فإنه قد جمع الصفات الثلاث: العلم والعدل والشهادة, مع ما جمع الله من الصفات التي لا تكاد توجد في غيره أ هـ. (1/230)
صفحة 231
وهذا الكلام جاء في إمامة سعيد بن عبد الله الرحيلى, على أثر كلام نقله عن عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر رحمهم الله, حيث قال: لا نعلم في أئمة المسلمين كلهم بعمان أفضل من سعيد بن عبد الله, إلا أن يكون الجلندى بن مسعود, قال أبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر, إن الإمام سعيد بن عبد الله أفضل من الإمام الجلندى بن مسعود, قال أبو سعيد: وما أحقه بذلك, فإنه كان إماما عادلا صحيح الإمامة من أهل الاستقامة عالما في زمانه, لعله يفوق في أهل زمانه أو كثيرا منهم, ومع ذلك قتل شهيدا رحمه الله وغفر له. أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبى المؤثر: إلا أنه وقف في تفضيله على الجلندى.
هذه أقوال هؤلاء القادة الأجلاء والسادة الأعزاء وتفضيل الإمام, السالمي رحمه الله أوجه, فإن الجلندى جمع الصفات التي اجتمعت في الإمام سعيد بن عبد الله الرحيلي, وهي العلم والعدل والشهادة, وفاق الجلندى رحمه على غيره بالسبق, وللسابق فضله كما أشار إلى ذلك القرآن , ولأن الجلندى تسلسل من ملوك أجلاء ولم تأخذ به سورة الملك عن خطة إخوانه, ولم يعتز بغير الحق, ولم ير إعطاء الدنية في دينه مع إمكانه, إذ خوطب أن يعلن الانقياد لسلطان العراق ولو بلسانه فقط, فلم ير ذلك, وضحى بنفسه في سبيل إرضاء ربه عز وجل, وإكراما لدينه ومذهبه لا يرى الخصم منه هوادة في شيء ما رحمه الله ورضي عنه, وعن أهل الوفاء لدين الله, وفيه جاء عند ذكر آل الجلندى:
كالجلندى ... ومن ... مثل ... الجلندى
في ... عمان ... تجلسه ... الفضلاء (1/231)
صفحة 232
فتلك السنتان اللتان عاشهما الجلندى كانتا الأساس الذي مشى عليه أهل عمان في تقرير مصير حياتهم الدينية, أما الدنيا فثمتها عند أهل عمان الفضل غير كبير, لأنها الظل الزائل والخيال, وكل منقض فغير مهم عند أهل الحق إذ خلق الخلق لغيرها. (1/232)
صفحة 233
التاريخ يحدث عن الإمام الجلندى وأصحابه رحمهم الله وعن أعمالهم
بعمان
قال الشيخ العلامة الجليل أبو الحسن البسياني: فسار الجلندى بن مسعود رحمه الله في عمان, فأظهر الحق وعمل به, وأخذ الدولة من يد الجبابرة, وبرئ من الجبابرة وأشياعهم, ودان بقتال أهل البغي, ولم يستحل مع ذلك غنيمة ولا سبى ذرية, ولا استعراضا بالقتل من غير دعوة, قال: وقد قال الإمام منير بن النير الجعلانى: لم يأخذوا أي الإمام وأعوانه الصدقة بغير حقها, ولم يضعوها في غير أهلها, والمعنى كل أعمالهم في الأخذ والرد على الجهة المشروعة, قال: ولم يستحلوها أي الصدقة من الناس على غير الوجه المشروع, وهو الإثخان في الأرض والحماية والكفاية والمكافحة عن حريم المسلمين, بل أخذوها بحقها بعد إحكام الأمور التي تعينهم في دين الله, وحفظ الرعية, ثم وضعوها في مواضعها وقسموها على أهلها بحكم القرآن فريضة من الله, والله عزيز حكيم.
قال: ثم بلغنا عنهم فيما استقام عليه رأيهم أن يرفضوا صدقة البحر إلا ما طابت به أنفس الناس أن يبذلوه لهم, وذلك لما يتخوفون من الدخل عليهم في سبيل الله, إذ لم يحموه أي ولا جباية بغير حماية, وحماية البحر لم تنس لهم بعد, قلت: لأن العهد لم يطل بالإمامة, فلعل هذا الحال في أول سنة أو في ثانى سنة, لأن إمامة الإمام الجلندى لم تستكمل للسنة الثالثة على الشهير, وكانوا يأملون حماية المملكة العمانية كما يلزم, قال: ولا يولون أمرهم ولا يبعثون في حوائجهم, (1/233)
صفحة 234
ولا يستعملون على صدقائهم وأهل رعيتهم, ولا يستقضون على أهل ولايتهم إلا أهل الثقة وأهل العلم والفهم والورع والتخرج المعروفون بالفضل الموصوفون بالخير من أهل البيوتات من قومهم, غير سقاط ولا أدعياء, ولا متهمين ولا مقترفين, أي لا يفعلون شيئا مما ذكر إلا بأهل العدل والضبط والنزاهة والورع الذي لا شائيه فيه, والمراد وصفهم بالنعوت الكاملة والأوصاف الفاضلة, وهم كذلك فوق ما قال, وكيف لا وهم كرسي الإمامة العمانية التي في السائلة والمسئولة في الأمة, وعلى منهاجها سيكون سير ركب الإمامة رحمهم الله ورضي عنهم.
قال: لا يتعلق بهم التسباب, ولا يلم بهم القبيح, ولا يتهمون في دينهم, مرضيون في إخوانهم, متبع رأيهم, معروف فضلهم, معروفون به, قد أحكمت آراؤهم في قوة الحق, وإحكام آرائهم في أمور الدين ليست الدنيا من ذكرهم, ولا جمع المال من شأنهم, ولا الشهوات من حاجاتهم, أي المشتهيات الدنيوية, قال وكيف لا يكون كذلك من باع نفسه لله ليجود بها على ترك الدنيا ويزهد بما فيها, وكان المرء منهم يرزق في الشهر سبعة دراهم, أي من بيت المال في غلاء من السعر فيصبر على القوت اليسير رغبة في الآخرة والثواب من عند الله.
قال وبلغنا أنه ربما بقى مع الرجل منهم الدرهم والدرهمان فيتطوع بذلك الفضل فيرده في فئ المسلمين, رحمهم الله ورضي عنهم وجزاهم خيرا مع ما أظهروا من السنة في الأمر الخلقي والأخلاقي, فشمر اللباس ولا حظوة حتى في النساء, فأصدروا أوامرهم فيهن بإدناء الجلابيب, أي لأجل ستر العورات وصيانة الهيئات قال: وأمروهن برفع الخمر فوق الأذقان وستر النواصي وسائر الزينة إلا الوجه والبنان, أما (1/234)
صفحة 235
ما وراء ذلك فهو حرام على من أبداه من النساء, أو من نظر إليه من الرجال شهوة, أي عملا بأوامر القرآن, فإن الله ذكر النساء وأمر فيهن كما في الرجال, ولم يغفلهن. كما لم يغفل أحدا من أهل التكليف, قال: وجعل النطاق من تحت الدرع إلا فقيرة لا تقدر على درع سابغة, فلها أن تبرز فوق درعها, ونهى النساء عن الجلوس في السكك, والخروج في يوم المطر والريح العاصفة, وأمر الرجال برفع ذيولهم وقصير أشعارهم, إذا سبغت إلى العوائق, قال: وأنكر على أهل القبلة أن يتشبهوا بزى أهل الذمة, أي للنهى عن ذلك في السنة, ومن تشبه بقوم فهو منهم, كما أنكر على أهل الذمة أن يتشبهوا بزى أهل الإسلام, ونهى الرجال أن يبدوا ما فوق الركب, أي لأن ذلك عورة للحديث: عورة المسلم مع المسلم من سره لركبة, أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
قال وكانوا أهل فقه وأهل علم وحلم, وتؤدة وتراحم وتودد, ووقار وسكينة, ولب وعقل وبر ورحمة, وصدق ووفاء وتخشع وعبادة, وورع وتحرج وصلة ونصيحة ظاهرة مقبولة, لا يطمعون بمطامع السوء, ولا يتعاطون من الناس الحقوق ولا يدخلون في خصومات الناس, ولا يجتعلون على استخراج الحقوق, أي لا يأخذون على إخراجها جعلا, أي أجرا أو نحوه, ولا يسترشون أي لا يأخذون الرشا على طلب الحوائج التي تعينهم من أمر الناس, ولا يستفضلون في الرزق على الشبعة, أي لا يأخذون فضلا فوق ما يشبعهم, ولا يغتاب بعضهم بعضا ليس من شأنهم الغيبة ولا البغي ولا الحسد ولا التقاطع ولا التدابر ولا البغضة ولا شيء من أخلاق أهل الريبة يحرصون على آدابهم في الدين, ومع أهل الدين, ويكرهون العيوب ويهجرون أخلاق أهل الفجور (1/235)
صفحة 236
والمعاصي, هم أنوار في الأرض وغرباء في الناس, يعرفون بسيماهم أي كأنما عناهم القائل:
سيما ... التعفف ... تكسوهم ... جلال ... غنى
فالقلب ... شبع ... والبطن ... خمصان
قال: وكيف لا يكون كذلك من باع نفسه لله ينتظر حتفها ليلا ونهارا وصباحا ومساء, ليس له في شيء من الأمور ولا لأحد من الناس, دنت رحمة أو بعدت أو عظم خطره أو صغر أو ارتفع شأنه أو تواضع إلا فيما وافق الحق مع ما لا يحصى من أخلاقهم الحسنة الجميلة, التي زينهم الله بها في الدنيا, وترك عليهم الثناء الحسن الجميل فيمن خلف بأعقابهم. قال الإمام: انتهى كلام منير بن الجلندى وأصحابه, وحسبك بمن أثنى عليه منير هذا الثناء الحسن الجميل, وأطبقت الأمة على الثناء عليهم, وألسنة الأمة أقلام الإلوهية, والناس شهود الله في أرضه جزاهم الله عن الإسلام وأهله خيرا, قلت: لقد حفظت أن شراة الجلندى رحمهم الله كانوا يضرب بهم المثل, فبقال أزهد من شراة الجلندى.
واعلم أن تلك الصفات لم تكن حتى للصحابة لولا فضيلة الصحبة, فإنما هي من معاجز الرجال, ولا جرم لقد جعلهم الله الأصل الذي عليه من بعدهم من الأمة, وجعل إمامهم كذلك, ولا ريب أن طالب الآخرة لا يرى شيئا سواها فإنها المقر وهذه التي نحن فيها الممر, ويا فوز من جعلها ممرا ولم يجعلها مقرا. (1/236)
صفحة 237
الجلندى ينظم شراته
لا ريب أن الإمام بمنزلة مربى الأمة, والأمير يضع مسالك الخير لمأمورية في جميع أمورهم في جميع أمورهم الدينية والدنيوية, والقائد يرتب الجند ويدربهم على موارد حياتهم ومصادرها, ولا يكفي جعل الأمة جاثمة على هذه البسيطة, فإن السلطان معلم الشعب, ولقد علم الله عز وجل الأمم في كل وجه من وجوه أموره؛ وعلمت الأنبياء أممها جميع ما يلزم في هذه الحياة وكذلك الملوك والأمراء والزعماء من الخلفاء, لهم تعاليم معروفة وأنظمة مألوفة, وكذلك كان الإمام الجلندى رحمه الله رتب الشراة مراتب إعدادية, فجعل الشراة كتائب, وجعل لهم مراتب, قال الإمام فجعل: على كل مائتين من الشراة إلى ثلاثمائة أربعمائة قائد من أهل الفضل والحجا والبصيرة والثقة, والعلم والمعرفة, والفقه والحزم والقوة. قلت: وهذا من نوع نظام عصرهم كما هو عمل ملوك بني أمية. قال: وعلى كل عشرة من أصحابه مؤدب من أهل الفقه يعلمهم الدين, ويؤدبهم بالمعروف, ويسددهم عن الزيغ, ويقيمهم على الطريقة, ويهديهم سبيل الرشاد, قلت: هذا واجب عقلا ونقلا, وكما قدمنا إنه مؤدب ومرب لأمته وشعبه, وأمور الدين مقدمة على أمور الدنيا, ولا ريب فإن الدنيا والدين كلاهما لا بد منه, وعلى كل حال فإن الاستقامة في الدنيا طريق الخير إلى الآخرة, والإمام الجلندى رحمه الله إنما تقدم لطلب الآخرة, ورفض ضدها, ولما تحركت الطبيعة النفسية في بعض رجال الإمام, والتفتوا إلى الدنيا استنكرهم إخوانهم, وارتابوا من قبلهم, وكانوا سبب القيل والقال. (1/237)
صفحة 238
قال الإمام: إن رجالا منهم تاقت أنفسهم إلى النساء, أي للعامل الطبيعي الذي تتحرك به الشهوات. قال: فلما ذكروا ذلك استوحش منهم أئمتهم وقادتهم, أي لأن المشغول بالآخرة دائما يكون منكسر القلب محترق الأحشاء, خوفا ورهبا, ومن كان كذلك أنى تتسنى له المظاهر الشهوانية, فإذا تحرك لها فكأنه أعرض عما فيه وتشاغل به عما هو بصدده, قال فلم يكن من القوم إذ ذكروا النكاح نظر إليه دون أن يعرضوا أمرهم على أهل الفضل من أهل العراق, أي لم يكن لهم إقدام عليه, حتى أبلغوا الأئمة في هل هذا الحال ينبغي لهم أم لا؟ قال: فلما وصل ذلك إليهم فزعوا منه أي رأوه تغيرا عما هم عليه من التخلي من أمر الدنيا والإقبال على الآخرة فإن المار لا يليق به في طريقه إلا أخذ ما يبلغه المحل الذي هو سائر إليه.
قال الإمام: فزعوا منه وساءهم ذكر الشراة الذين باعوا أنفسهم للنساء, وطلب الشهوات, ورأوهم قد زاغوا عن طريقهم الأولى, وخافوا أن يكون دخل عليهم ما غير نفوسهم وحركها إلى يسبب ملاهيها عن الآخرة, قال: فكتبوا إليهم أي أهل العراق كتبوا إلى قادة الشراة ما نصبه: إنكم كتبتم إلينا تجبرونا عن الشراة أن أنفسهم تنازعهم إلى النساء, وهذا أمر عظيم غير أنهم إن لم يقدروا على الصبر فليعرض الفقير منهم نفسه على النساء المسلمات الصالحات, فإن قبلته المسلمة على عشرة دراهم ينجزها إياها ولا يبقى لها عليه دين بعد العشرة فليتزوج, وإن صبر عن النساء فهو خير له, والمعنى أن هذا الأمر غير شاغل للبشاري عن شرائه, وقد فروا من أن يكون عليهم ديون يمنعهم عن قصدهم, وفي هذا كسر لتلك الشهوة المتحركة فيهم, ولا يمنع الشراة عن قصدهم ولو يرغبوهم في النساء الجميلات (1/238)
صفحة 239
اللواتي يتكلفون لأجلهن المغارم, فعشرة دراهم أمرها يسير, وصاحبها فقير, وقد دفع بها صاحبها الأمر الخطير, وكل عسير في الدين الإسلامي يسير, والمنة لله الوالي الكبير.
فترى من هذا أن الإمام الجلندى جعل الجيش كتائب ورايات, بعضها مائتا رجل فتكون كتيبة, وبعضها ثلاثمائة, وبعضها أربعمائة وهكذا, وجعل على كل كتيبة قائدا كامل الشروط دينا وفقها وأدبا وأمانة إلى آخر ما ذكر, وهذا أمر لا بد منه في الحياة الإسلامية الصحيحة, كما أنه جعل لكل عشرة رجال مؤدبا دينيا وأخلاقيا تمشى الشراة على ضوء تعاليمه الصحيحة الصالحة, فيكون الإمام قد أدى واجبه نحو هؤلاء الشراة, كما أدى واجبه نحو أمته المسلمة وشعبه المؤمن, ويكون بذلك عند الله من الرجال الصالحين, وهكذا كان الإمام الجلندى الذي هو أول إمام بعمان, وأول من أقام صروح الإسلام, في هذا الوطن الخالد بملوكه وأئمته وشعوبه إلى الآن, وكان الجلندى الإمام دستورا للإمامة في عمان, وأن أعماله هذه اتبعت من جاء بعده من الأئمة, فلذلك فلم يفضل العلماء عليه أحدا من الأئمة إلا أن يكون سعيد بن عبد الله, بقية الأئمة دونها والله يؤتى فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم:
كذا ... كان ... الخليفة ... من ... قديم
مثالا ... للملوك ... الصالحينا
وأول من اتخذ الشراة الإمام الجلندى رحمه الله, فكانوا سهاما على العدو مسمومة, ورماحا مهيأة لطعن العدو عندما يتحرك بسوء على المسلمين, وليت كل الأئمة فعلوا ذلك, بل أراد الإمام عزان بن قيس (1/239)
صفحة 240
من أئمتنا المتأخرين رحمهم الله أن يفعل ذلك, وكان رأيا صائبا, لكن كان الداعي حثيثا, فإنه لما بويع لم يزل في حرب حتى قضى الله عليه مستعجلا, فبعد ما أقام منار الدين في تلك البرهة العاجلة, وأراد أن ينظم الشراة بعد انتخابهم, فاجأته المنية فقتل شهيدا رحمه الله في مدينة مطروح في مدة أشبه بمدة الجلندى رحمه الله ورضي عنه, ولكل عامل نيته والحمد لله, فكان الإمام مهابا لو أراد الله بقاءه في عمان لكان لها أعظم شأن بين دول الإسلام, إذ كان الشراة رجالا متجردين لله, يقمعون كل ثورة أو حركة في الوطن, وقد اعتدوا لذلك قلبا وقالبا, وحملوا سيوفهم لنصرة الحق غير مبالين بما يلاقون. (1/240)
صفحة 241
الإمام الجلندي يقتل أبناء عمه في الله
لا يخفى أن أحفاد الملوك والزعماء الذين لم ينزل منهم الإيمان منزلا صالحا يعتقدون الأحقية بالأمور دون غيرهم، وكل واحد يرى أنه الأقدم به عن سواه، وهذا بشيء معروف في طبيعة العرب وغيرهم، فإذا كان هناك وازع ديني ردهم عن التخبط، وأرشدهم عن التهور ودلهم على الطريق الواضح طريق الخير والسبيل الصالح، ومن ذلك النوع الذي أشرنا إليه جعفر بن سعيد الجلندي وابناه النظر وزائدة ومن معهم من جماعتهم، كاتبوا أعداء الإمام رحمه الله، ولعلهم يريدون أن يبايعوا غيره، أي الذي يأملون معه الرغبة والمنزلة، وأهل الدنيا ضد أهل الآخرة في كل أمة وكل جيل، قال الإمام: قال أبو الحواري: بلغنا أن الجلندي بن مسعود رحمه الله قتل جعفر الجلنداني وابنيه النضر وزائدة على كتاب بيعة كانت منهم على المسلمين، فلما صح ذلك عند الجلندي رحمه الله أرسل إليهم، قال: ولم تكن منهم محاربة فيما بلغنا إلا ما ظهر من كتابهم، فقدمهم الجلندي فضرب رقابهم على ذلك الكتاب فيما بلغنا، قال: ولما ضرب رقابهم فاضت عيناه بالدموع، أي لأنهم أقاربه وبنو جلدته، والمراد أنه رحمه الله استحل قتلهم بنفس تلك البيعة وبنفس الكتاب عملا بما ورد في آثار المسلمين من أن من كاتب عدو المسلمين فقد صار محاراً لهم ساعياً في هدم كيانهم بممالأته لعدوهم، وهو شهير آثار المسلمين، وعليه أهل الحق، وقد فعله الأئمة بعد الجلندي وآخرهم هم به الإمام سالم بن سليمان (1/241)
صفحة 242
الخروصي في حميد بن مسلم بن سليمان الندابي صاحب سرور لولا أن أصحابه تداركوا الأمر، ومن دس على المسلمين أو واطأ عدوهم أو سعى في تفريق كلمتهم أو شاقهم في شيء ولو بلسانه فهو محارب لهم باغ عليهم. (1/242)
صفحة 243
المسلمون يشتدون على الإمام الجلندي
لما قتل الإمام الجلندي بن مسعود رحمه الله جعفر بن سعيد الجلنداني وابنيه النضر وزائدة ومن معهم من جماعتهم بسبب المؤامرة التي تآمروا بها، ورآهم تحمل جنائزهم دمعت عيناه، ورآه أصحابه على ذلك، وعيناه تذرفان الدموع، فاستنكروا ذلك منه وساءت ظنونهم فيه، وكانوا أشداء على الباطل كما وصف الله عزوجل أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ) (1) وقال عزوجل: (وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً) (2) أي على الباطل، أما الحق فهم فيه رحماء بينهم.
فقال الشراة لإمامهم أعصبية يا جلندي أي تبكي عليهم عصبية لهم، والحق أوجب قتلهم فقال رحمه الله في لهف وهدوء: لا لكن الرحمة كما قال الصحابة رضوان الله عليهم لنبيهم: تنهانا عن البكاء وتبكي يا رسول الله، وذلك لما مات ولده إبراهيم فقال صلى الله عليه وسلم: إنها الرحم، وإنما نهيتكم عن شق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فاعتذر الإمام الجلندي رحمه الله لهم بذلك، وقال غيره: كان الجلندي رحمه الله، قتل جعفر بن سعيد وغيره من بني الجلندي، فدمعت عينه جزعًا عليهم، فوقع في نفوس المسلمين عليه من ذلك، فقالوا له اعتزل أمرنا فأعتزل أمرهم وعد الاعتزال راحة له ولم يتبرم، لأنه ما كان قيامه رغبة في الإمارة أو حبا لها، وسلم إليهم السيف والقلنسوة، إذا كان شعار الإمام الخاص، فلبث فيهم يغدو ويروح كواحد منهم، ثم رجعوا إليه فطلبوا أن يرجع
------------------------
(1) من الآية 29 من سورة الفتح.
(2) من الآية 123 من سورة التوبة. (1/243)
صفحة 244
إلى ما كان فيه من أمرهم، فكره ذلك فلم يزالوا به حتى رجع إلى مكانه بعد اعتزاله. قال: وفي مواضع أنه اعتزل فلم يكد يرجع ولم نعلم أنهم بايعوه مرة أخرى بعد اعتزاله. قال الإمام: يعني أنه رجع إلى الأمر بالعقد الأول والله أعلم. ومحل الكلام هل ذلك العقد انحل فيحتاج إلى عقد آخر أم هو باق؟ ولعل نفس القبول منه ومنهم كاف لبقاء الإمامة، لأنه لم يعزل عن حدث ولا وجد أنه احتج عليهم عند طلبهم اعتزاله، هل لهم ذلك أم لا؟ وهل يصح له الاعتزال بنفس الطلب منهم أو منه مثلا؟ وقيل إنما عزلوه اختيارًا هل هو معهم باطنًا وظاهرًا أم هو في الباطن على غير ما هو في الظاهر؟ فلما رأوه معهم باطناً وظاهرًا طلبوا رجوعه إلى الأمر، لأنه أحق به من غيره ولا جرم له فيه فتلكأ عليهم خوف أن يقع بينهم سوء ظن كالأول.
فلله در هؤلاء الرجال الصالحين الصادقين، فهؤلاء الرجال وأمثالهم هم الذين أمر الله بالكون معهم، إذ قال عزوجل: (وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) (1).
------------------------
(1) من الآية 119 من سورة التوبة. (1/244)
صفحة 245
مقتل أبي الدلف شيبان بن عبد العزيز اليشكري بعُمان
كان أب الدلف المذكور صفري المذهب بل كان أحد أئمة الصفرية، وكان الخوارج بايعوه بعد قتل الخبيري، أقام يقاتل مروان بن محمد الأموي السابق الذكر، ثم تفرق عنه جنوده وتراخى عنه قومه، وهرب عنه كثير من أصحاب الطمع، حتى بقى في قلة من قومه التي لا تجاوز أربعين ألف رجل، وماذا عسى أن يبلغوا وهم بالنظر إلى عدوهم شيء غير كبير فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم، فارتحلوا فتبعهم مروان حتى انتهوا إلى الموصل فعسكروا شرقي دجلة، وعقدوا جسورا عليها من عسكرهم إلى المدينة، فكانت سيرتهم ومرافقهم منها، وخندق مروان بإزائهم، وكان الخوارج قد نزلوا بالكاز ومروان بخصة، وكان أهل الموصل يقاتلون مع الخوارج، فأقام مروان ستة أشهر يقاتلهم، وقيل تسعة أشهر، وأتى مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال له: أمية بن معاوية بن هشام، وكان مع عمه سليمان بن هشام في عسكر شيبان أسيراً، فقطع يديه وضرب عنقه وعمه ينظر إليه، وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى العراق، وعلى الكوفة المثنى بن عمران العائذي عائذة قريش، وهو خليفة للخوارج بالعراق، فلقى ابن هبيرة بعين النمر فاقتتلوا قتالا شديدا، وانصرفت الخوارج ثم اجتمعوا بالنخيلة من الكوفة، فهزمهم ابن هبيرة ثم اجتمعوا بالبصرة، فأرسل شيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة فالتقوا بالبصرة فانهزمت الخوارج وقتل عبيدة بن سوار، واستباح ابن هبيرة عسكرهم، فلم تكن لهم همة بالعراق، واستولى ابن هبيرة على العراق وكان منصور بن جهور (1/245)
صفحة 246
مع الخوارج، فانهزم وغلب على الماهين وعلى الجبل أجمع، وسار ابن هبيرة إلى واسط، فأخذ ابن عمر فحبسه ووجه نباته بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كور الأهواز، فسمع سليمان الخبر، فأرسل إلى نباته داود بن حاتم، فالتقوا بالمرتان على شاطئ دجيل، فانهزم الناس وقتل دارد بن حاتم، وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره بإرسال عامر بن ضبارة المري إليه فسيره في سبعة آلف أو ثمانية آلاف، فبلغ شيبان خبره، فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في جمع فلقوا عامرًا بالسن فهزموه ومن معه، فدخل السن وتحصن فيه، وجعل مروان يمده بالجنود على طريق البر حتى ينتهوا إلى السن، فكثر جمع عامر، وكان منصور بن جهور يمد شيبان من الجبل بالأموال فلما كثر من مع عامر نهض إلى الجون والخوارج فقاتلهم فهزمهم، وقتل الجون وسار ابن ضبارة مصعدا إلى الموصل، فلنا انتهى خبر قتل الجون إلى شيبان، ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين العسكرين فارتحل بمن معه من الخوارج، وقدم عامر على مروان بالموصل فسيره في جمع كثير في أثر شيبان، فإن أقام أقام، وإن سار سار، وألا يبدأه بقتال، فإن قاتله شيبان قاتله، وإن أمسك أمسك عنه، وإن ارتحل اتبعه، فكان على ذلك حتى مر على الجبل، وخرج على بيضاء فارس وبها عبدالله بن معاوية بن حبيب بن جعفر في جموع كثيرة، فلم يتهيأ الأمر بينهما فسار حتى نزل جيرفت من كرمان، وأقبل عامر بن ضبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية أياما، ثم ناهضه وقاتله، فانهزم ابن معاوية بهراه، وسار ابن ضبارة بمن معه فلقي شيبان بجيرفت فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الخوارج، واستبيح عسكرهم، ومضى شيبان فهلك بها وذلك في سنة 130 ثلاثين ومائة. (1/246)
صفحة 247
قال: وقيل بل كان قتال مروان وشيبان على الموصل مقدار شهر ثم انهزم شيبان حتى لحق بفارس وعامر بن ضبارة يتبعه وصار شيبان إلى جزيرة بركاوان، ثم خرج منها إلى عمان فقتله جلندى بن مسعود ابن جيفر بن جلندى الأزدي سنة أربع وثلاثين ومائة، هذا كلام ابن الأثير في قضية شيبان الحروري.
ويقول الإمام السالمي رحمه الله على اثره: وقد تقدم ذكر سبب ارتحال شيبان من جزيرة بركاوان، وإن تلك كان سبب حروب خازم بن خزيمة في أبام السفاح، فيكون أول أمر شيبان في أيام مروان ابن محمد ومقتله في أيام السفاح في عمان على يد شراة الجلندي إمام المسلمين، وذكر في تحفة الأعيان أنه كان قد جاء إلى عمان بجيش هارباً من السفاح، فلما قدم إلى عمان، قلت: لايعرف مجيئه عمان على أي وجه والظاهر أنه لم يجئ لاجئاً بدليل الحرب التي وقعت بينه والإمام فإنهم لابد أن يعرفوا ما عنده في مجيئه، فلما رأوه جاء على حرب قابلوه بما يلزم، قال فأخرج له الإمام رحمه الله هلال بن عطية الخراساني رحمه الله، وأكرم بهلال ومعه يحيى بن نجيح، وكان يحيى مشهوراً في الناس فضله في جماعة من المسلمين، فلما التقوا وصار واصفين أي توافقوا للقتال، قان يحيى بن نجيح فدعا بدعوة أنصف فيها الفريقين فقال: اللهم إن كنت تعلم أنا على الدين الذي ترضاه، والحق الذي تحب أن تؤتى به، فاجعلني أول قتيل من أصحابي، ثم اجعل شيبان أول قتيل من أصحابه، واجعل الدائرة عليهم. وإن كنت تتعلم أن شيبان وأصحابه على الدين الذي ترضاه والحق الذي تحب أن نوتى به، فاجعل شيبان أول قتيل من أصحابه، فأمن الفريقان، (1/247)
صفحة 248
ثم زحف القوم بعضهم إلى بعض فكان أول قتيل من المسلمين يحيى بن نجيح، وأول قتيل من أصحاب شيبان شيبان، ومكن الله للمسلمين منهم، واستولوا عليهم، فلم يبق لهم بقية فيما علمنا.
وكان ذكر شيبان هذا في التاريخ العماني لدواع. أولا أنه جاء عمان فقتله العمانيون، وثانيا أن قتله كان بلاء عظيما على أهل عمان، إذ جاء خازم بن خزيمة طالبا لشيبان هذا، ولما وجدهه مقتولا وأراحهم الله منه لم يكتف خازم إلا بخضوع أهل عمان لسلطان بغداد وهو السفاح، ولا يبالي الجاهل بما يلاقي والإ فما جرم أهل عمان إذ جاءهم باغياً عليهم، فقاتلوه فقتلوه، فكان ينبغ من خازم شكرهم وتأييدهم، وأن يودعهم بسلام إذ كفوهم إياه، ولكن الله في خلقه إرادات لابد من كونها، وإلى هذه الأحوال يشير شيخنا ابن جميل عفا الله عنه في سلكه حيث يقول:
وفي ... عمان ... أول ... الأئمة
هو ... الجلندي ... كاشف ... للغمة
وكان ... عدلا ... ثقة ... مرضيًا
براك ... وفًا ... عالمًا ... تقيا
وأجمع ... الكل ... على ... إمامته
واتفقوا ... كذا ... على ... ولايته
إلى أن قال:
قام ... الجلندي ... في ... عمان ... عادلا
وكان ... بالحق ... القويم ... عاملا
وعنه:
واستشهد الجلندي مع أصحابه ... على هداه وعلى صوابه (1/248)
صفحة 249
وذاك ... في ... جلفار ... من ... عمان
عليهم ... سحائب ... الرضوان
في حديث له طويل أعرضنا عن ذكره كله.
ويقال جملة القتلى عشرة آلاف قتيل فهلكت تلك الدولة بقتل الأخيار، وتملكت يد الأشرار ابتلاء من الله لعباده، فرحم الله الإمام الجلندي. وشراته الأشداء الذين باعوا نفوسهم في طاعة الله عزوجل. (1/249)
صفحة 250
منتهى أمر الإمام الجلندي وأصحابه بعد قتل شيبان
لم يكن إلا عشية أو ضحاها منذ قتل شيبان بن عبد العزيز اليشكري المعروف بأبي الدلف في عمان، حتى قدم خازم بن خزيمة التميمي الطالب لقتل شيبان، فلنا وصل عمان لم يجد من أهل عمان إلا الخير، وإن كانوا استنكروا مجيئه بجيش يخوض أرض قوم ويشق بلادهم بغير إذنهم. قال الإمام: وصل خازم إلى عمان، واتصل بالإمام الجلندي، وقال: إنا كنا نطلب هؤلاء القوم، وقد كفانا الله قتالهم على أيديكم، ولكني أريد أن أخرج من عندك إلى الخليفة، وأخبره أنك له سامع، مطيع، فشاور الجلندي المسلمين أي قومه وأهل الرأي عنده في ذلك الأمر الذي يريده خازم ابن خزيمة، فلم ير المسلمون له ذلك لأنه خضوع للجبار الظالم، واعترف له بالطاعة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ما لم تتعين التقية، ولا تقية هنا، لكنها المنية ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن بينة.
قال الإمام: وقيل سأله أن يعطيه سيف شيبان وخاتمه، أي الطابع الذي يختم به الكتب. قال: فأبى الجلندي رحمه الله من ذلك نظراً إلى أنه حق للوارث، وهذا زعيم جاهل لا يسلمه إليهم ويبقى الإمام مسئولا عنه أمام الله عز وعلا. وقال أبو محمد: طلب خازم من الجلندي تسليم خاتم شيبان وسيفه، وأن يخطب لسلطان العراق ويعترف له بالطاعة، قال: فاستشار الإمام الجلندي العلماء من أهل الدعوة ومعهم يومئذ هلال بن عطية الخراساني، وشبيب بن عطية العماني، وخلف بن زياد البحراني، فأشار عليه أن يدفع سيف شيبان (1/250)
صفحة 251
وخاتمه وما يرضيه من المال، ويضمن لورثة شيبان قيمة السيف والخاتم يدفع بذلك عن الدولة. قال: فأبى خازم إلا الخطبة والطاعة فرأوا أن ذلك لا يجوز في باب الدين أن يدفع عن الدولة بالدين. وإنما يدفع عنها بالرجال والمال انتهى كلام أبي محمد رحمه الله. وقال أبو عبدالله محمد بن محبوب رحمهما الله: لا بأس أن يعطوهم السمع والطاعة بألسنتهم إذا خافوهم على الدولة والرعية، قال: ولا يفعلون ذلك بغير الألسنة الشراة كانوا أو غير شراة، قال وأما المال فلا أهـ. والمعنى أن المال يكون لهم تقوية ولا يصح أن يقوى الظالم بالمال وبالرجال، لأنه يتقوى به على الغير من الناس، وكان الرأي الأول لو قبله خازم واسعا لأن التقية بالمال القليل عن المال الكثير أجازها العلماء، ووجهه ارتكاب أخف الضررين والمال، وضع لصيانة الحال وصيانة الدين أكبر من كل شيء، ومشهور المذهب جواز التقية.
قال الإمام: ثم إن الجلندي أبى من إعطاء خازم ما سأل فوقع القتال بين خازم بن خزيمة والجلندي. قلت: أظن أن الإمام لم يكن مستعداً للقتال، وإنما لاقى خازم بن خزيمة حين علم أن هذا جاء طالباً لشيبان، ونحن قد قتلنا شيبان وقومه، وتكون لنا على هذا القادم يد في ذلك فيلاقيه الإمام بحالة سليمة، وللناس غوائل والجاهل لا يبالي، فلم يجد الإمام المخرج لتدارك الأمر، فكان الأمر مستعجلا. والداعي حثيثاً، ولابد لما أراد الله عز وجل. قال: فقتل جميع أصحاب الجلندي ولم يبق إلا هو وهلال بن عطية، وكان وزيره الأكبر، فقال الجلندي: أحمل يا هلال. فقال (1/251)
صفحة 252
هلال للإمام: أنت إمامي فكن أمامي ولك علي ألا أبقى بعدك:
قال ... الإمام ... لهلال ... ما ... ترى
قال ... تقدم ... وأنا ... فيمن ... جرى
تقدم ... الإمام ... حتى ... قتلا
وقتل ... القاضي ... وراه ... مقبلا
كان ... لهم ... كأسد ... في ... الصولة
وكعقاب ... الجو ... عند ... الجولة
أبدي ... ثقافة ... تحير ... الذهنا
مع ... بسالة ... عليها ... يثني
فاستشهدوا ... وقد ... حورت ... جلفار
مشهدهم ... جاءت ... بذا ... الأخبار
وهذا الذي كان يلاحظه أهل الرأي في الموافقة لتسلم هم دولتهم وتبقى لهم عزيمتهم وكرامتهم، ويسلم لهم دينهم، ولكن لله أمر هو بالغه، وحكم هو نافذه. وقضاؤه وقدره لابد من كونهما، وقد علم أن الإمام التقى خازما في جلفار التي تقع مكانها الآن رأس الخيمة، مما يدل أن الإمام التقاهم التقاء صديق لصديق، ولما وقعوا في الأمر لم يروا إلا إعلان الوفاء لله كما شرطوه على أنفسهم، فوفوا به وعلى الله توكلوا وإليه توجهوا رحمهم الله ورضي عنهم.
قال في معالم الجزيرة: بعد ذكر الإمام الجلندى فأرسل السفاح جيشاً لقتالهم، أي الإمام وأصحابه، قال فانهزم العمانيون وهلك إمامهم ولكن لم تكن عساكر الخليفة تصل إلى أوطانهم حتى صارت أمور عمان فوضى، واضطر الأهالي إلى عقد اجتماع وانتخاب إمام على حسب أصول المذهب، فوقه الاختيار على رجل يقال له محمد بن عفان إلخ ولما برز هلال بن عطية، وهو يرى أنه الموت، ويرى إخوانه وإمامه صرعى، ولم يكن واهي العزيمة ولا خائر الأعصاب، ولا خافق القلب (1/252)
صفحة 253
فتقدم البطل الكرار الذي يحق له أن يلحق بجععفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، وعليه لأمة حربه، فكان أصحاب خازم يتعجبون من ثقافته ولم يعرفوه حتى عرّفتهم به شجاعته وبسالته. وقالوا: هلال بن عطية، وتنادوا باسمه، وهكذا شأن الهلال، فجال معهم وجالوا معه حتى قضوا عليه، فقتل رحمه الله، وكيف لا وقد عرفوه قبل أن يكون أباضيا رحمه الله ورضي عنه، إذ كان من صناديد خراسان وأبطالها المشهورين، وكان نير البصرة صادق السريرة شجاعًا مقدامًا، وقيل إن الذي تولى قتل الجلندي الإمام رحمه الله هو خازم بن خزيمة إذ رأى الجيش قد نفى وبقى الرجلان الإمام والقاضي، فقام خازم لقتال الإمام، فكأن هو قاتله بالنفس فلم يزل بعد قتله مذعورًا خائفًا لا يهدأ الليل ولا ينام، ولا يزال له همهمة الذعر حتى إذا أدركته الوفاة قيل له أبشر، فقد فتح الله على يديك فقال غررتمونا في الحياة وتغرونا في الممات هيهات هيهات، فكيف لي بقتل الشيخ العماني يعني الإمام الجلندي، والمعنى أن قتل الشيخ العماني بغير حق نقمة ساحقة غررتمونا بها، وتغرونا حتى في مثل هذا الحال، فما الذي ينجينا من قتل الشيخ المذكور.
ولا شك أن المرء يعلم من نفسه عقوبة جرائمه التي يقترفها بغير حق، لكنه في حال غطرسته لا يلتفت على شيء ولا يبالي بما يأتي وما يذر، حتى إذ ضاق الخناق ولم ير له مناصبًا قام بعض أصابع الندم، وخرج رجل من أهل عمان للحج فاصطحبه رجل من أهل البصرة لا يهدأ الليل ولا ينام فسأله العماني عن ذلك وهو لا يعلم أن صاحبه عماني، فقال: خرجت مع خازم بن خزيمة إلى عمان فقاتلنا فيها قومًا لم أر مثلهم، فأنا منذ ذلك الحال لا أنام، فكتم العماني حاله عنده وبقى متعجبًا من الرجل (1/253)
صفحة 254
وما ابتلى به، فقال في نفسه أنت حقيق بذلك ولا يخفى أن قتل مؤمن واحد بغي حق لا تعادله الدنيا بأسرها. ولما قتلوهم ووثبوا على معسكرهم لم يجدوا فيه إلا أثوابًا خلقة، ووجدوا حمائل سيوفهم من ليف، فانظر في الأحوال نظر اعتبار تجد الإباضية وأئمتهم قطعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخفاها الدهر ليوم ما، وليكونوا حجة صادقة في الدين، ولما قضى عليهم خازم بن خزيمة في تلك المعارك التي أدارها عليهم بغير حق، وعلى غير استعداد، بل هذه عندي أشبه بقضية النهروان، إذ كان القوم ينتظرون الإمام للتفاهم بينهم، وزوال الوحشة الجاثمة إذا هم والسيوف تعمل فيهم حتى قتلوا عن آخرهم، وهؤلاء كذلك وإلى الله المصير.
ولما انتهى أمر الإمام الجلندي وأصحابه، نشط التكالب على أهل عمان وارتاع العمانيون من الواقع، وشاعت الإشاعة عن أمر سهول أثر على الأمة وألبسها الدهش، وحل على السواد الأعظم الخوف، وترادفت الظنون، وبذلك لم يتحرك من العمانيين متحرك، فانسحب خازم بن خزيمة بجيشه الضخم المنتصر، ودوخ عمان قاهراً عليها.
وفي ابن الأثير في حوادث سنة أربع وثلاثين ومائة، قال: كان قتل الجلندى في هذه السنة وهو الصحيح عند الإمام السالمي، وكذلك نقول فإن الجلندي بويع في سنة 132، وعاش سنتين كاملتين وقيل أشهراً. قال الإمام: وفي كامل الأثير أيضًا أن خازم بن خزيمة كان (1/254)
صفحة 255
من السفاح، وكان أخوال السفاح من بني عبد المدان، وهم خمسة وثلاثون رجلا، ومن غيرهم ثمانية عشر رجلا، ومن مواليهم سبعة عشر رجلا، قصدوا السفاح فلقيهم خازم بن خزيمة بذات المطامير، وكان قد وجد عليهم فلم يسلم عليهم، فلم جازهم شتموه، ثم رجع إليهم وعاتبهم على أمر كان قد وجد به عليهم، فأغلظوا له في الجواب، فأمر لهم فضربت أعناقهم جميعًا، وهدمت دورهم ونهبت أموالهم، ثم انصرف عنهم قال: فبلغ ذلك اليمانية، فاجتمعوا ودخل زياد بن عبدالله الحارثي معهم علي السفاح، فقالوا له: إن خازمًا اجترأ عليك واستخف بحقك وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد وأتوك معتزين بك طالبين معروفك، حتى إذا صاروا في جوارك قتلهم خازم وهدم دورهم ونهب أموالهم بلا حدث أحدثوه، فهم بقتل خازم فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية، فدخلا على السفاح وقالا يا أمير المؤمنين بلغنا ما كان من هؤلاء، وأنك هممت يقتل خازم، إنا نستعيذك بالله من ذلك، فإن له طاعة وسابقة، وهو يحتمل له ما صنع، فإن شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب والأولاد، وقتلوا من خالفكم وأنت أحق من يغمد إساءة مسيئهم فإن كنت لابد فاعلا ومجمعا على قتله فلا تتولى ذلك بنفسك وابعثه لأمر إن قتل فيه كنت قد بلغت الذي تريد، وإن ظفر لك، قال: وأشاروا إليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج يعني المسلمين، وإلى الخوارج الذين بجزيرة بركاوان مع شيبان بن عبدالعزيز اليشكري، قال: وأمر السفاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن على يحملهم إلى جزيرة بركاوان وعمان أهـ.
وكان شيبان يقود جيشا يبلغ أربعين ألف رجل، فليس يكون (1/255)
صفحة 256
مناله هنياً، فساقته الأقدار إلى عمان، فكان عليه من أهل عمان ما كان وإذا بخازم يلتحق بعمان طالبا للمذكور ولقتال أهل عمان، إذ كان مندوبًا لقتال الكل، وكان أهل عمان قتلوا شيبان ولم تغسل سيوفهم من الدماء بعد حتى جاء خازم مختدعًا لأهل عمان، بأنه جاء لقتال شيبان وقد كفيتمونا إياه، فسر ذلك أهل عمان، وما كانوا يظنون أنهم مقصودون أيضًا بالذات كقصدهم لشيبان، فخرج الإمام الجلندي لملاقاتهم في شرذمة من أصحابه ليتفاهم مع القوم، فأظهر لهم خازم تلك التعللات المرموز إليها بالخاتم والسيف، حتى إذا رأى انقيادهم رمز لهم بالخطبة بالطاعة لسلطان العراق، وهو السفاح، وما كانوا مستعدين لحرب حتى إذا وقعوا فيها أحاطت بهم الجنود من كل جهة ووضعت السيوف على رقابهم والقوم غافلون، وأعداؤهم غادرون، وللناس طوايا تظهر عند إمكان الفرص، ولهم غوائل ضد كل غافل وفي الغيب عجائب.
وكان قتل الإمام الجلندي سنة134، ومكث خازم بعمان أشهراً وكان خازم أرسل برؤوس أعيان القتلى إلى بغداد متبجحاً بهم ومفتخرًا بقتلهم، وعلى أثر ذلك سلط الله على السفاح الجدري وهو بالأنبار وتوفى منه في سنة136 ست وثلاثين ومائة في13 من ذي الحجة، ودفن في قصره بالأنبار، ولم يمكث بعد قتل الجلندي إلا أقل من السنتين والله أعلم. فرحم الله الجلندي وأصحابه ورضي عنهم، قال صاحب معالم الجزيرة: فانتخبوا محمد بن عفان فباشر الإمامة سنتين، فلم يحسن (1/256)
صفحة 257
العمل فخلعوه، وأقاموا مكانه الوارث بن كعب، قلت: هو محمد بن أبي عفان، وما كان في الحقيقة إمامًا، وإنما كان رجلا تظن فيه البطولة التامة، ولعله يكون كفؤاً لحمل أعباء الأمر، وإذا به بخلاف ذلك وبقى كضابط للجيش إلى أن يرى المسلمون رأيهم، ولما ظهر لهم عدم كفاءته للأمر أخرجوه منه كما سوف ترى ذلك إن شاء الله. (1/257)
صفحة 258
آل الجلندي يعلنون الطاعة لخازم
لما قتل الإمام الجلندى بن مسعود وأصحابه، زحف خازم على عمان فاتحاً؛ كان آل الجلندى الذين اضطغنوا الإمام في قتل جعفر بن سعيد وابنيه ومن معهم من آل الجلندى، الذين كاتبوا بالبيعة على الإمام، وأقصى الإمام بقية آل الجلندى الذين يميلون ميلهم ومن يظن فيهم السوء، وأدنى منه أهل التقوى ورحال العدل وأبطال الحق، ساءهم ذلك، ولعلهم كما يقول القائل:
إذا ... لم ... يكن ... للمرء ... في ... دولة ... امرئ
نصيب ... ولا ... حظ ... تمنى ... زوالها
وماذاك ... من ... بغض ... لها ... غير ... أنه
يرخي ... سواها ... فهو ... يهوي ... انتقالها
ولاشك أن الغالب يكون مرهوب الجانب، ولهذا تقدم آل الجلندي إلى خازم بن خزيمة سامعين له مطيعين، لاسيما بعد تلك الحرب الطاحنة التي أفنت أبطالا، وما كان أهل عمان ليسلموا بلدهم إلى الغازي لقمة سائغة، بل اشتد الأمر بين خازم بن خزيمة والجلندي، واسمع ما يقول ابن الأثير المؤرخ الشهير، قال: سار خازم إلى البصرة في الجند الذين معه، وكان قد انتخب من أهله وعشيرته ومواليه، ومن أهل مرو الروذ من يثق به، فلما وصل البصرة حملهم سليمان في السفن وانضم إليه بالبصرة أيضاً عدة من بني تميم، فساروا في البحر حتى أرسلوا بجزيرة بركاوان، فوجه خازم فضلة بن نعيم النهشلي في خمسمائة إلى شيبان، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدًا، فركب شيبان وأصحابه السفن، فساروا إلى عمان وهم صفرية، فلما وصلوا إلى عمان قاتلهم الجلندى وأصحابه، قال: وهم إباضية، واشتد القتال بينهم وقتل شيبان وأصحابه، قال: (1/258)
صفحة 259
ثم سار خازم في البحر من معه حتى أرسوا إلى سواحل عمان، فخرجوا إلى الصحراء فلقيهم الجلندى وأصحابه، واقتتلوا قتالاً شديداً، وكثر القتل يومئذ في أصحاب خازم، وقتل منهم أخ له من أمه في تسعين رجلا، ثم اقتتلوا من الغد قتالا شديدا، فقتل يومئذ من الخوارج، يعني المسلمين، تسعمائة، وأحرق منهم نحواً من تسعينن رجلا، ولم يفر أحد من الفريقين عن صاحبه، أي فقد ثبت الإمام ومن معه على قتلهم.
ثم دارت رحى الحرب بينهم في اليوم الثالث والرابع إلى السابع، فلم تزل المعارك دائرة بين الإمام وعدوه الغازي حتى أشار على خازم بعض أهل مشورته أن يهجم على بيوت أصحاب الإمام، وكانت بيوتا مبنية من خشب وذلك أن يجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويوروها بالنفط ويشعلوا فيها النيران، ثم يمشوا بها فيضرموا بها في بيوت أصحاب الجلندى، وكانت من خشب، قلت: لعلها من سعف النخل، وهو الواضح وضعوها لتقيهم الشمس والبرد فقط.
قال فلما فعل ذلك وضرمت بيوتهم بالنيران اشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم، فحمل عليهم خازم وأصحابه فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم، وقتلوا الجلندى فيمن قتل، قال: وبلغ عدد القتلى عشرة آلاف قتيل أهـ.
وعلل الأكثرية من الغزاة وهو الظاهر لأن الجلندى لم يكن مستعداً لحرب خازم، وإنما فاجأه خازم على أثر مقتل شيبان، أو لعلهم بقية الجيش المقاتل لشيبان، فقبل رجوعهم إلى أوطانهم فاجأهم جيش خازم، فكانت إحدى الحسنين لهم، وقد خرجوا لذلك رحمهم الله ورضي عنهم. (1/259)
صفحة 260
باعوا ... بباقية ... الرضوان ... فانيهم
كان ... لذة ... هذا ... العيش ... ثعبان
وإن مقتلة تنكشف عن عشرة آلاف قتيل لعظيمة في المسلمين، وهنا برز الباقون من آل الجلندى، لملاقاة خازم بن خزيمة لينالوا معه رغبتهم المرجوة بموت الإمام الذي لم يروا معه مصالحهم. قال الإمام رحمه الله في أمر عمان بعد الجلندى كلامًا واسعًا بعضه نقل عن ابن الأثير، وبعضه عن التاريخ العماني خلاصته:
أن محمد بن زائدة وراشد بن النظر، وهما أبناء من قتلهما الإمام كما سبق الحديث عنهم، وعدوها ضغينة على الإمام، وأن خازمًا بقى في عمان أشهرًا يرتب أمر عمان ومعه آل الجلندى المذكورون، وقد أرسل برءوس القتلى إلى السفاح في بغداد، فقط قلد خازم أمر عمان محمد بن زائدة وراشد بن النضر، ومعهم الأشعث بن حكيم، وكان هؤلاء الجلندانيون جبابرة ظلمة، تسيطروا على الناس بسيطرة خازم، إذ هم له أعوان، فكانوا عماله على قومهم، وكان هو سيدهم والجامع بين الطرفين الظلم والعسف والجبروت، وهذه هي الخصال الماحقة، والأعمال الساحقة، ولكن أهل الظلم لا يبالون، بل كانوا يقتلون النبيين فكيف بغيرهم، وقد اشتهر آل الجلندى بالجبروت في هذه الآونة.
قال الإمام رحمه الله: ذكرت السير أي سير أهل عمان، إن الجبابرة استولت على عمان بعد الجلندى، فأفسدوا فيها وكانوا أهل ظلم وجور، قال فمن هؤلاء الجبابرة محمد بن زائدة وراشد بن النضر الجلندانيان: قلت: قد سبق أن خازم بن خزيمة لما احتل عمان وقتل الإمام الجلندي وأصحابه، وانكسرت عصا المسلمين، ودخل خازم عمان متغلبًا عليها، (1/260)
صفحة 261
وكان جباراً ظالمًا كما وصفه ابن الأثير، إذ مر على بني عبد المدان فقتلهم، فهنا لباه بنو الجلندى ومهدوا له طريقًا يبساً لا يخاف فيها دركًا ولا يخشى، وكانوا أعوانه وهم أعيان أهل عمان إذ ذاك، إذ هم ذراري أولئك الملوك المتقدمين، وأبناء عم إمام المسلمين، فتقلدوا الأمر في عمان بخازم بن خزيمة، وشايعهم أهل الأهواء من أهل عمان، وأهل الباطل أكثر من الحق في كل أمة، وبقوا على فسادهم، وخازم بن خزيمة ترف أعلامه على عمان، وبقى في عمان مدة حتى استقدمه السفاح إليه، فلباه وعمان طوع يده، ورهن إشارته، يخطب فيها للسفاح على منابرها، وكان الإمام قتل أقاربه المذكورين على كتاب البيعة الذي وجده عليهم؛ وكان الكل إقطاعيًا كما يقول العصريون، وعاثوا في عمان، وسرى الضعف في المسلمين سريان النار في الهشيم، لأن صوت العدل خافت، وصوت الباطل مرفوع، ومن ذلك ما كان من الأحداث طيلة تلك المدة.
ومنها قتل عبد العزيز الجلنداني، وعلى ما يظهر أن قتله كان لكونه من أتباع الحق، قال الإمام: وذلك في حال ضعف المسلمين، قال: عن الوضاح بن عقبة عن مسبح بن عبدالله أن عبدالرحمن بن المغيرة أخبرهم، وقد كان الأشعث بن حكيم والجلندانيون على حال من الخروج، والمعنى متظاهرون بالخروج على الدولة، وذلك في حال ضعف المسلمين في أيام خازم بن خزيمة، وأن جعفر بن بشير كان هو وآخر غيره بالعراق مع أبي عبيدة وحاجب رضي الله عنهما، حتى قدم الجلندانيون إلى العراق، أي كانوا يراجعون سلطان العراق، وهو السفاح المقدم الذكر، فأخبر القادمون الإمام أبا عبيدة وحاجبًا أن الجلندانيين نزلوا على عبد العزيز الجلنداني فقراهم ثم قتلوه، فقال لهم موسى وحاجب: لا تقبل مقالتكم على المسلمين، فلم يقبلا قولهم، (1/261)
صفحة 262
قالوا: فإنا نذهب إلى السلطان. قال: اذهبوا، وكانوا أرادوا بذلك الشكاية إلى الإمام أبي عبيدة ليدخلوا السبيل من طريقة. قال: فلما حضر خروج جعفر وصاحبه إلى عمان، قالوا لأبي عبيدة. ما نقول لأهل عمان منكما في القوم، وقد كان أهل عمان افترقوا في قتلة عبد العزيز فمنهم من برئ منهم أي من القاتلين، ومنهم من تولاهم أي القاتلين، لما كان من أقوال تنبني عليها الأحوال، قال: ومنهم من وقف عنهم للإشكال الذي عرض لهم، هل كان عبد العزيز من البغاء أم من الثقات؟ فقالا، أي أبو عبيدة وزميله حاجب: قولا لأهل عمان إن كل له ولاية يتولاه المسلمون، وكل من كان على أمر من أمرهم أولى بما ضيع، حتى يطلب الأمر إليه الذي ضيعه، فيكون فيه عليه الحق أي يمتنع عن إعطائه ومن امتنع عن إعطاء الحق تسقط ولايته. قال: فهذا حديث عبد الرحمن بن المغيرة عن المسبح بن عبدالله.
قال الإمام: وحاصله أن الطائفة الخارجة نزلوا على عبد العزيز فأضافهم فقتلوه، فلم يستحسن المسلمون ذلك منهم، فلهذا اختلفوا في ولايتهم، حتى قال أبو عبيدة، قال هو وحاجب في فضل القضية، قال: وكان المسلمون يرجعون إلى قولهما، أن بني الجلندى قد طلبوا إلى أبي عبيدة وحاجب ما طلبوا من قتلة عبد العزيز، فلما يسمعا، لذا قال الجلندانيون: نذهب إلى السلطان يعنون عامل بني عباس. فقال: اذهبوا على طريق التهديد، ولم يبلغنا أنهم ذهبوا إلى السلطان والله أعلم بما كان. (1/262)
صفحة 263
شبيب بن عطية العُماني المحتُسب
من حوادث أيام بني الجلندى، ظهور شبيب بن عطية العماني، ولا يشتبه عليك بشبيب الخارجي إمام الصفرية، فإن بعض الناس التبس عليهم شبيب العماني بشبيب الخارجي، وكان شبيب هذا من أصحاب الإمام الجلندي، ذكر ذلك الشيخان: أبو محمد وأبو الحسن، ولم ينسباه ولم أعرف نسبه حتى أحرره، وهذا من قصور أهل العلم.
قال الإمام، في تحفة الأعيان، بعد أن ذكره عن أبي محمد وأبي الحسن قال: وذكر غيرهما أنه كان يحيى القرى، ولم يكن إمامًا منصوبًا، وإنما كان محتسبًا. قال: والظاهر أن أمره هذا كان بعد الجلندي، وكان رجلاً صلبًا في دينه شديدًا على الجبابرة، داعيًا إلى مخالفتهم، قال وله سيرة تنبئ عن تصلبه في دينه وشدته على البغاة، يعني مقالة حررها ونشرها إلى الناس ليعلموا الأحوال في مهاج الأعمال، وهذا معنى السيرة عند أهل عمان، إذا قالوا في سيرة فلان، ولفلان سيرة إلى بني فلان، وهكذا وكانت سيرة شبيب معربة عن قصده، مبرهنة عن صدده، وفي الأثر لأهل العلم كلام على شبيب المذكور وأعماله، وفي ولايته والبراءة منه، وذلك لتصلبه، فمن رأى من شبيب التصلب في أعماله قال: ليس له هذا إذ هو ليس إمامًا حتى يفعل هذه الأشياء، والذي يهمه أمر المسلمين ويود إرغام المفسدين يقول: ما فعله شبيب حق وصواب، وإذا بالناس فريقان أو ثلاثة، وهكذا العلماء حين يريد الله خذلانهم بعد ما قال لهم: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ). (1)
قال الإمام: صار يجبي القرى احتسابًا، فمنهم من لم ير له ذلك،
------------------------
(1) من الآية 46 من سورة الأنفال. (1/263)
صفحة 264
لأنه ليس بإمام منصوب، ومنهم من عذره ورآه محتسباً، وللإمام حقوق يراها بعضهم للمحتسب. قال المعتمر بن عمارة بن سالم بن ذكوان الهلالي: إن البراءة منه وحد السيف معًا، أو قال سواء إني لا أبرأ منه حتى يحل دمه، قال هاشم بن غيلان، عن موسى بن أبي جابر قال: قلت للربيع ما تقول في أهل عمان؟ فإنهم اختلفوا في أمر شبيب قال: قال الربيع من تولاه فتولوه، ومن برأ منه فابرءوا منه. قال قلت: ما القول في الكف فإني أرجو أن يكون فيه ألفة وصلاح؟ قال: فما يقول بشير؟ قال قلت: صاحبي ولا يخالف علي، فقال أنتم أعلم بأهل بلادكم، وأما أنا فليس ذلك رأي. قال فلما قدم موسى أشهر ذلك ولقي هادية فتابعه.
قال عبد الوهاب بن جيفر: من تولاه برئينا منه، قال هاشم: وكره بشير الكف، وقال معقل: يتولاه بشير وأهل الحق، قال: وسئل الفضل بن الحواري عن الذي اختلفوا فيه من أمر شبيب، قال: كان مجابًا، وكان يجبي القرى فإذا قدم السلطان تركها واعتزل. قلت: ولم يذكروا من هذا السلطان الذي إذا قدم ترك شبيب الجبايه من أجله وهذه الأيام هي أيام السفاح في بغداد، ولم يقل التاريخ إن السفاح جاء عمان، ولعله عامل السلطان أو رسول يرسله سلطان العراق لأخذ الجباية من عمان، فإن جاء ترك شبيب الجباية خوفًا، فإذا ذهب إلى العراق برز شبيب وأعلن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعا إلى الجباية، والظاهر أن الذي يبرز لشبيب الأمير الذي ولاه خازم وأقره سلطان العراق من آل الجلندى.
قال الإمام السالمي: قلت ولعل اعتزاله كان في عام لا يجبي فيه، (1/264)
صفحة 265
أي إنما يترك في عام لا حماية له على البلاد، ويفهم من ذلك أن السلطان المشار إليه يأتي في بعض السنوات فإذا جاء تخاذل عن شبيب أعوانه خوفًا من السلطان. قال الإمام: إنما جبايته كانت وقت حمايته فمتى حصلت له الحماية جبى ما قدر عليه، ومتى زالت عنه بالعجز عنها رفع يده. قال: وهذا هو الظن بشبيب إن صح ما قاله فيه الفضل بن الحواري. قال: والظاهر منه التصلب في الأمور، فتخلية البلاد للحائر منا فيه للظاهر من حاله والله أعلم بما كان هناك.
قال أبو الحواري: من برئ من شبيب برئنا منه، ومن برئ ممن تولاه برئنا منه، ومن تولى من تولاه فهو على ولايته إن كانت له ولاية أهـ.
هذا ما ذكروه من أمر شبيب هذا، ولقد قام شبيب على الأقل آمرا بالمعروف ناهيًا عن المنكر على قدر استطاعته، فاعلا للخير عاملا لله بما استطاع كيف يبرأ منه، وما بال هؤلاء الذين يقولون بالبراءة لا يغفلون شيئًا يحسن السكوت عليه، أو ما بالهم لا يشدون عضده ولما لم يفعلوا شيئًا من ذلك، ما بالهم ينتقدون شبيبًا ويعلنون البراءة منه أيحسن الإنسان المسلم ويجازي على إحسانه بالتأنيب ورفضه من ولايته، إن هذا لا يليق في الدين، ولا يحسن بالمسلمين، ولا هوادة في الدين، فإن الحق مطلوب من أي الناس الذين يستطيعون إقامة حق في لأمة، وإن قيل: إن شبيبًا لم تقع له بيعة من المسلمين. فالجواب: كذلك بيعة أبي بكر رحمه الله، وإنما بعضهم فقط، ورضي الباقون فثبت إمامته، ولا يشترط بيعه عموم المسلمين. وإليكم سيرة شبيب التي ذكرها الإمام السالمي رحمه الله، وهي تدل على أن شبيبًا كان أميراً صالحاً مطاعًا في (1/265)
صفحة 266
الأمة، ماضيًا فيها على الحق والحق يجب قبوله ممن جاء به وممن قام به في الأمة، ولو كان عبدًا حبشياً مجدعًا.
قال شبيب: أما بعد فإنه قد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: يد المسلمين واحدة على من سواهم، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، وقد أمسيتم وأمسينا إخواناً على الحال التي قد ترون. اختلف في إعلاق الأمة وتشتت أمرها، ووثب بعضهم على بعض كالسباع ينهش بعضهم بعضاً بالظلم والعدوان. والغشم وانتهاك المحارم، ولا يعرفون حق الله ولا الإسلام، ولا يحتجرون به وأمسينا بحمد الله ونعم الله علينا وعليكم سابغة، وفضله علينا عليكم عظيم، يؤمن بعضنا بعضا، ويعرف بعضنا لبعض حرمة الإسلام، وحق أهله، وكتاب الله أمامنا وأمامكم، إن كنا وكنتم صادقين. يا أيها الناس: اعلموا من أمرنا أن نقاتل ونقتل من عصى الله حتى يفيئوا إلى أمر الله، أو تفنى أروحنا إن شاء الله، ليرد منار الإسلام إلى معالمها الأولى التي كانت على عهد نبي الله، والذين من بعده أبي بكر وعمر حلال الله حلال إلى يوم القيامة، ورضاء الله إلى يوم القيامة، وسخط الله سخط إلى يوم القيامة، لا تنقض الطاعة بالمعصية، ولا تثبت الطاعة بالمعصية بل بالطاعة، ولكن حتى يستكمل الناس جميعا الطاعة بحدودها وأعلامها ومنارها، وأحكامها وأنسابها الرضا بها، ومن كره هذا فالطريق له مخلى يذهب حيث يشاء من البر والبحر، وليكن امرؤ على حذر أن يتتبع عورات المسلمين ويكاتب عدوهم، ويشغب عليهم بسعيه بين المسلمين بطانة.
إلى آخر ما جاء فيها من بيان الحق الواضح، والتحريض على القيام (1/266)
صفحة 267
بالأمر، والرد على المخالفين في شكهم وحيرتهم أهـ ما أورده الإمام السالمي من كلام الأمير شبيب بن عطية رحمه الله، وهذه الكلمات الجوهرية من هذا البطل المسلم التي تعرب عن نزاهة نفسه وحسن سيرته ووثوقه بربه، وغيرته على الأوامر الدينية، وتصلبه في إثبات الحق وقيامه بأوامر الله عزوجل، لها قيمتها عبد أهل العدل الذين ينزلون الرجال منازلهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو قام رجال الدين كشبيب هذا كل من جانب لما راجت أسواق الباطل، ولا تجرأ على أهل الحق جاهل، وبماذا تعرف الرجال إلا بالأفعال، فلقد أحسن شبيب رحمه الله وشكر الله له عمله إن شاء الله.
ومن الأحداث التي وقعت في أيام آل الجلندى بعد إمامهم المرضي الجلندى ابن مسعود خروج غسان بن سعيد المحاربي الهنائي في سنة 145 في عهد المنصور العباسي في بغداد، خرج على المسلمين بعمان غسان بن سعيد المحاربي الهنائي على نزوى ونهبها، وعاب فيها بما لا يرضاه الله ولا رسوله، وقاتله بنو نافع وبنو هميم في نزوى، فغلب عليهم وقتل منهم خلق كثير، وكان بنو نافع من أشراف أهل العقر، إذ هم رهط الشيخ أبي المنذر بشير بن المنذر، وكان بنو هميم بطنًا من بني معن بن مالك بن فهم، وكان آل الحارث إبراء أنصار لهم، وبين الفئتين روابط صداقة فتآمروا على قتل غسان، واجتمع رأيهم أن يمضوا إلى العتيك، واتفق الرأي العام بينهم على ذلك، وخرجوا وكمنوا لغسان بين داره ودار جناح صحار بموضع يقال له الخور، فمر بهم وهو لا يشعر بمكانهم، ولا شك أن الطالب غالب فلما مر عليهم تمكنوا منه فقتلوه، فغضب لذلك منازل بن خنبش، وكان منزله في نبا بموضع يقال له العقير، (1/267)
صفحة 268
وكان منازل المذكور عاملا هناك لمحمد بن زائدة بن جعفر بن سعيد الجلنداني، وراشد بن النضر، فثار هؤلاء غازين أهل إبراء من شرقية عمان، حتى أتوا على حين غفلة من أهلها، فلما علم أهل إبراء بهذا الغزو، برزوا وأداروا رحى الحرب بين الفريقين، فكانت الدائرة على أهل إبراء، وانكشفت الوقعة عن أربعين قتيلا من أهل إبراء خاصة، لأن الغزاة كانوا كامنين لهم على مرصد يمكنهم من قتل القوم، وفي هذا التاريخ كان للعهد في بغداد للمنصور العباسي، وهو أبو جعفر عبدالله بن محمد بن علي، وفي الأندلس عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان، وفي هذه الأثناء بدأ دور بني الجلندي للانحلال ليحل محلهم من يصلح أمر الأمة بعد الضلال، وينير الطريق للمسلمين لإنقاذهم من ورطة الوبال، ولكل شيء غاية ينتهي إليها فقد أراد الله زوال الأمر لبغيهم بعد عدلهم.
قال الإمام: في الأثر والمراد به دواوين الفقه التي دونها العلماء فوضعوا فيها حقائق تاريخية تتعلق بالأحكام الشرعية، وكذلك قولهم قال المسلمون فتراهم يطلقون ذلك ويريدون به أهل الوفاء بدين الله منهم لا مطلق من ينتحل مذهب الإباضية من السواد الساذج، ويطلقون ذلك أيضًا ويريدون به الكل ويريدون به أحيانًا أهل الولاية خاصة، ولكل مقام مقال. قال أبو إسحاق: اعلم أن أصحابنا رحمهم الله يذكرون لفظ المسلمين ويريدون به أهل الوفاء بالدين. أي أهل الإسلام الكامل، فيدلك على هذا أنهم يذكرون لفظ المسلمين مقابل الجبابرة، وكلاهما يصدق على أهل المذهب، كما يذكرون المسلمين مقابل المخالفين، ويذكرونه ويراد به أهل الولاية، ويراد بقسميه أهل البراءة، وكل ذلك يستدل عليه بمعونة (1/268)
صفحة 269
القرائن، وليس المراد أن قسيم المسلمين المشركون كما هو اصطلاح الخوارج والوهابيين أهـ تعليقاً على الطبعة الثانية لتحفة الأعيان.
ولا يخفى أن راشد بن النضر، ومحمد بن زائدة الجلندانيان ومن معهما من أهل عمان، لا زالوا يرتادون المساعدة والمعونة على أهل عمان لتعزيز رئاستهما، والتغلب على الأمة بالقهر، كما كان آباؤهما، وقد قضى الإمام عليهم كما تقدم، وبقى هؤلاء يتعززون بالغزاة لعمان، ويرمون السيطرة على الأمة بدعوى أنهم أحفاد الملوك، وأولياء الأمور دون غيرهم، وكانت شوكة المسلمين أعني أهل الحق قد ضعفت بتلاشي الأمور، قال الإمام: وهم يومئذ أهل ضعف، أي في ذلك الحال، وكان راشد ابن النضر قد نزل بالمهرة يطلب منهم النجدة على أهل عمان، لأن المهرة أقرب إلى عمان من غيرهم، وكان سلطان بغداد إذ ذاك مشغولاً بشئونه في بلاده، وإذا جاء عمان وانتصر على أهلها ربما اجتاح الغث والسمين، وأما المهرة فليس لهم ذلك، وإنما هم أجلاف تقضى بهم لأغراض ويكثر بهم السواد، ثم أقبل راشد بن النضر بجيشه يشق عمان من طريقها الغربي حتى بلغ أهل عمان أنه نزل المجازة من الظاهرة، كما أشار إلى ذلك ابن زريق وأخذه عنه الإمام السالمي رحمه الله، ولعل أكثر أهل السير من أهل عمان يذكرون ذلك، وكانت من الظاهرة وهنا تحرك العمانيون لمقاومة هذا الباغي، فتكاتبوا من جميع النواحي وتعاهدوا على حرب هذا البغي الذي أقبل به راشد بن النضر ليقضي به غرضه في قومه أهل عمان، وكان عبد الملك بن حميد يومئذ شابًا أي جديد عهد وكان يدعو المسلمين على المبايعة على راشد بن النضر، ومعه محمد بن المعلى والأخنس الفحشي ممن كندة، وخرجوا في طلب راشد المذكور متجردين لحربيه خائفين من فساده في عمان، فالتقوا في المجازة من أرض الظاهرة (1/269)
صفحة 270
شرقي وادي المجازة، فدارت رحى الحرب بين الفريقين فانتصر المسلمون على راشد وهزمه الله، وقتل من قومه كثيرون، وأكثر القتل وقع في بني ناحية إذ هم الأكثر وهم شرارة الجيش، فقتل منهم خلق كثير يحصون وإذ ذاك هرب راشد بن النضر، واستولى المسلمون على داره فنسفوها لئلا تكون له قوة يأوي إليها ويتحصن فيها هو وأحزابه، وبسبب نفسها وقع بين أهل العلم والقيل والقال في نسفها، فقد جاء في الأثر أن المشايخ من أهل سلوت ومن معهم غضبوا لنسفها، فقيل من حديث الفضل بن الحواري عن أبي جعفر سعيد بن محمد، وعن سعيد بن محرز ومحمد بن محبوب، وعن محمد بن هاشم عن هاشم بن غيلان أن المسلمين لما نسفوا دار راشد قدم عليهم الأشعث بن محمد وهم مع بشير في بهلى، قتكلم في ذلك الأشعث بن محمد، وقال: ليست هذه الحال من سير المسلمين، والمعنى أن هذا لم يكن من عمل المسلمين في حروبهم، فقلت له قد نسف المسلمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حصن بني النضير فرد على ذلك أي الأشعث، قالوا بيان ذلك في كتاب الله عزوجل، قال الله عز وعلا: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)، (1) وذلك أن المؤمنين كانوا ينسفون من قبلهم، وكانت اليهود تنسف من قبلها، ذلك لأن المسلمين كانوا يتوقعون الهزيمة، وأرادوا أن يفوتوا اليهود ما استطاعوا تفويته واليهود يرون أن المسلمين منصورون عليهم، ولهذا قاموا ينسفون ما استطاعوا أن ينسفوه حتى لا يستغنمه المسلمون، فنزلت الآية في ذلك بعينه، وقيل إن اليهود يسدون بما ينسفون الخلل الذي ينسفه المسلون، والمعن واحد. وقال غيرنا: إن المسلمين أيضًا قام بعضهم ينسف وبعضهم يعارض كما صرح بذلك أهل التفسير، فرد الأشعث على ذلك معارضًا له، فقال بشير بل هكذا
------------------------
(1) من الآية 2 من سورة الحشر. (1/270)
صفحة 271
كان كما يقول المسلمون، قلت: أي قال الشيخ المعارض للأشعث: وبلغنا أن أهل دار رموا المسلمين بسهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسفها فنسفت، فقال الأشعث لعلهم نسفوا شرفاتها، فقال الشيخ بشير: بل نسفوها من أصلها، قال الإمام، وكان ابن راشد في نزوى، ولعله راشد بن النضر، وهو الواضح قال أبو جعفر: خرج المسلمون بعمان، فلم يأخذوا الزكاة حتى كانت وقعة المجازة في شهر رمضان، أي الوقعة التي كانت بينهم وراشد بن النضر التي انهزم فيها راشد بن النضر وأعوانه من آل الجلندى، ورأوا بذلك استحلال الجباية، إذ لا جباية إلا بحماية، ورأوا أن حمايتهم الآن اتضحت على عمان، أما قبل ذلك فلا، لأن راشد بن النضر ومحمد بن زائدة ومن معهما يسيطرون على عمان، وبانكسارهم في وقعة المجازة رأوا أنهم لا يرجعون إلى ظهر، ولا يؤيدهم أحد لاسيما أن الملمين كلهم مجتمعون، وقد هرب راشد بن النضر شاردًا من عمان، وإن أهل عمان قد نسفوا دار راشد، وبعجزه قد زالت قوته وانكسرت شوكته، وخرج منهم من خرج إلى موسى بن أبي جابر في إزكي، وكان مرجع المسلمين، وكان به علة فحملوه إلى معسكرهم بمنح، فلما وصلوا بموسى وكان معه زميله الشيخ الكبير بشير بن المنذر رحمهما الله وجماعة من أخيار المسلمين وأعيانهم في العلم والدين، واجتمعوا للمشورة فيمن هو الذي يليق تقديمه في المسلمين، وتطمئن به النفوس، ويكون كفؤًا للأمر الذي هم بصدده، وكيف يأتون هذا الأمر، وكانت الآراء تتضارب في الموضوع، والخلاف والشقاق مرهوب الجانب والدخول في الأمر الجلل يحتاج إلى نظر طويل، وإلقاء الآراء على بساط المجتمع أمر يفكك الحزمة التي عليها أولئك المجتمعون، ولكن من أنضجته التجارب ودارت عليه الأيام متعددة يفهم من أين تؤكل الكتف. (1/271)
صفحة 272
هنا قال الشيخ موسى بن أبي جابر رحمه الله لمحمد بن المعلى الكندي: قد وليناك صحار وما يليها، فاكفنا أمرها وولينا فلانًا كذا، وولينا محمد بن عبدالله بن أبي عفان اليحمدي وادي قريات وبقية الجوف، فرضى كل موضعه، ويسر كل واحد بولايته المشار إليها، وبذلك فرق الشيخ موسى بن أبي جابر لهؤلاء المتطاولين للأمر، المادين له أعناقهم. وقال موسى لمحمد بن عبدالله: اقطع للناس الشرى، وكان بشير بن المنذر معهم وهو ساكت، وقد سمع ما قال موسى وما فعل فقال عند ذلك كنا رجوناك يا أبا علي أن تسير بهذه الدولة، فرددتها إلى هؤلاء الذين يخافون على الدولة، والمعنى سلطهم على الأمر وهم غير مخفي جانبهم. فقال الشيخ المجرب موسى بن أبي جابر: إنما كان نظري يا أبا الحكم للدولة، أي ناظر في صلاحها لا في غيره، لأنهم قد اجتمعوا وكل يطلب هذا الأمر لنفسه، والأمر بعده ضعيف ففرقناهم عن وجوهنا حتى يقوى الأمر ويشتد ساعده، ونتمكن من نفوذ ما نريد أن ننفذه.
قال: فأمر محمد بن عبدالله بن أبي عفان أن يقطع للناس الشرى كقطع، والمعنى أقام الجند الذي يعتمد عليه للقائم بالأمر، وكان ذلك هو ما يجري في عرفهم مقاطعة العسكر على أجرة معلومة يقبلها الجندي ويلتزم بها المسئول على حسب الاتفاق، ألا تسمعه يقول: فقطعه حتى قوى أمره، فلما قوى الأمر أمر موسى بن أبي جابر محمد عبد الله بن أبي عفان، فأرسل إلى القرى الولاة وعزل كل من كان ولاه، وقامت دولتهم وأنه لنظر سديد ورأى رشيد، بلغ به موسى بن أبي جابر رحمه الله الفضل وظهر به على الدورة، وتمكن من ترتيب ما أراد والحمد لله الذي يهدي من شاء للحق بإذنه.
ولولا ذلك الذي صنعه موسى لما تم لهم أمر ولا قامت لهم قناة، (1/272)
صفحة 273
فإنهم على ظهر شقاق وكل يحاول أن يكون هو وموسى كان يفهم مقاصد القوم ويعلم ما انطووا عليه، ولما تفرقوا وجمع هو الجيش الذي يعزز الحركة، ويقيم الأود، ويرفع العلم رد على الولاة وأخرجهم من ولاياتهم، وإنه يعلم أنهم ليس لهم أن يخالفوا، ولعلهم يعتقدون إن عزلوا من هنا يولون من هناك، فتسكن نفوسهم إلى ذلك، وقد بلغ ما أراد واستقر الأمر واجتمع المسلمون بعد فرقتهم، وتشتت شملهم وكان السلطان العام إذ ذاك في بغداد الخامس من بني العباس، وهو الرشيد فإنه تولى الأمر بعد وفاة أخيه الهادي، وذلك في سنة 170سبعين ومائة في 14 ربيع الأول من السنة المذكورة، وكانت تلك الأحوال المارة كلها في أيام أبيه المهدي، وأخيه الهادي، وعاش الرشيد إلى سنة 193 ثلاث و تسعين ومائة، وكان الرشيد وأيامه زهرة الدولة العباسية بكل معنى الكلمة، ولكل شيء غاية ينتهي إليها، والدنيا لا تستقر على حال، (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (1) وفي ذلك من الحكمة الإلهية ما لا يبلغه عقل عاقل مهما بلغ من سعة التفكير وحسن الدراية والله ولي الكل.
------------------------
(1) من الآية 140 من سورة آل عمران. (1/273)
صفحة 274
محتويات الكتاب
الموضوع
الصفحة
ترجمة ملف الكتاب (تمهيد)
5
من هو مؤلف الكتاب، اسمه ونسبه
6
مولده ونشأته، صفاته وبعض من أخلاقه
7
أعماله
8
مؤلفاته
10
مقدمة
15
الحلقة الأولى من تاريخ عمان (في التعرف بعمان)
37
مناخ عمان، جبال عمان
54
رمال عمان
55
مراعي عمان، حيوانات عمان
56
الحيوانات الوحشية، بحر عمان
57
أودية عمان
58
الولايات بعمان
61
العواصم بعمان
62
الحلقة الثانية (في الأمم التي قطنت عمان)
67
الحلقة الثالثة (في نزول مالك بن فهم بعمان وحروبه للفرس إلى انتهاء أمرهم)
74
مالك بن فهم يروم التغلغل في داخلية عمان
78
الفرس يعقدون مؤتمرهم في ذلك
79
مالك بن فهم يتأهب لمصادمة الفرس بعمان
80
المرزبان يبتدئ بفتح الحرب
82 (1/274)
صفحة 275
الفرس تطلب من مالك بن فهم الهدنة
85
مالك بن فهم يلقي نظرة إلى قلهات
86
الملك يجهز قواته لحرب العرب في عمان
88
مالك بن فهم يتأهب لمصادمة العجم مرة أخرى
89
الحرب تشتد بين مالك بن فهم والفرس لتنتهي
91
أعمال مالك بن فهم بعد انتهاء الحرب
96
أولاد مالك بن فهم وأعمالهم بعد أبيهم
101
الحلقة الرابعة (في بدء الإسلام بعمان إلى انقضاء أيام الخلفاء الأربعة)
105
مازن يشكو حاله لرسول الله
108
ملك عمان جيفر يعقد مؤتمر للنظر في الدعوة النبوية
114
النقاش يدور بين عبد وعمرو
117
عمرو بن العاص أمير عمان يخرج إلى المدينة معبرًا عن انقياد أهل عمان للإسلام
124
أبو بكر يجهز عبد بن الجلندى ومن معه لحرب آل جفنة132
عمان وأبو بكر رحمه الله تعالى طيلة حياته134
الحلقة الخامسة (في فضائل أهل عمان وذكر مشاهيرهم في صدر الإسلام 142
أبو بكر الصديق وعمان160
عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمان165
عثمان بن عفان وعمان في عهده169
علي ابن أبي طالب وعمان179
خلافة عبد الملك ابن مروان وعمان184 (1/275)
صفحة 276
أول عامل للحجاج على عمان
192
مذهب أهل عمان
194
سلسلة مذهب أهل عمان
210
كلمة إجمالية على أمراء بني أمية
222
عمان تتحضر لتستقل عن الزعامة العامة
227
تاريخ البيعة للإمام الجلندي بن مسعود رحمه الله
229
التاريخ يحدث عن الإمام الجلندي وأصحابه رحمهم الله وعن أعمالهم بعمان
233
الجلندي ينظم شراته
237
الإمام الجلندي يقتل أبناء عمه في الله
241
المسلمون يشتدون على الإمام الجلندي
243
مقتل أبي الدلف شيبان بن عبد العزيز اليشكري بعمان
245
منتهى أمر الإمام الجلندي وأصحابه بعد قتل شيبان
250
آل الجلندى يعلنون الطاعة لخازم
258
شبيب بن عطية العماني المحتسب
263 (1/276)
صفحة 277
حقوق الطبع محفوظة لدى
وزارة التراث القومي والثقافة
ص. ب:668_ الرمز البريدي:113مسقط
سلطنة عُمان
رقم الإيداع:160/ 92
طبع بالمطبعة الشرقية ومكتبتها سلطنة عمان-ت:7716952 (1/277)
صفحة 278
عُمَانُ عَبْر التَارِيخِ
تأليف
الفَقيه الفَاضِل الشَّيخ
سَالِم بن حمود بن شَامس السّيَابي
الجزء الثاني
الطبعة الرابعة
1421هـ/2001م
[موافقة للطبعة الثانية: 1406هـ/1986م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان] (2/1)
صفحة 279
[صفحة بيضاء] (2/2)
صفحة 280
[صورة] مؤلف الكتاب (2/3)
صفحة 281
[صفحة بيضاء] (2/4)
صفحة 282
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
اعلم أن إمامة علي بن أبي طالب آخر الإمامة المجتمع عليها من رجال الإسلام، وكانت بيعة علي بن أبي طالب صحيحة ثابتة وقعت من أهل الحل والعقد، الذين جعلهم الله حجته على عباده وثبتت بإجماع المسلمين، ووقوعه فيما وقع فيه من الفتن شيء آخر، وعندي أن عليًا تولى الإمارة في زمان كثرت فيه الدسائس الأجنبية على دولة المسلمين، كذلك وقعت الفتن والمحن، فهلك من هلك، ونجا الله من شاء من عباده.
وقد تباطأ علي بن أبي طالب أولاً عن خلافة أبي بكر حتى إذا وقعت، ثم بايع ونصح واستقام. ثم مات أبو بكر رحمه الله واستخلف عمرًا. ولم يكن لعلي بن أبي طالب رأي في الخلافة لأن أبا بكر قطع فيها باستخلاف عمر، فرضي المسلمون بخلافة عمر. ولما توفى عمر جعل الخلافة شورى بين ستة نفر من خيار الصحابة الذين اعتقد فيهم أنهم حجة تامة بين المسلمين، وكان علي بن أبي طالب أحد الستة، فتولى رئاستها عبد الرحمن بن عوف الزهري واجتهد في اختيار الأصلح للأمة بحسب الخصال التي كان يعلمها منهم في حالهم السابق الذي مات عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومات علليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فرأى أن عثمان أولى من بقية رجال الشورى، فبايعه عهود ومواثيق أخذها عليهم في اختيار الأصلح، والقيام بواجبات الدين وحقوق أمة الإجابة على كل فرد فرد، وبعد اجتهاد محص فيه القضية تمام التمحيص، (2/5)
صفحة 283
وبعد موت عثمان اجتمع المسلمون للنظر في أمر دينهم ودنياهم، ولم يروا أولى بها من علي بن أبي طالب للخصال التي ذكرناها فيه، فقام بالأمر وثارت علي ثوائر الشقاق والنفاق، واصطدم بحجر هؤلاء المشار إليهم، وكانت وقعة الجمل ثم تلتها وقعة صفين، ثم وقعة النهروان.
وبعد ذلك تدهور البناء الإسلامي، وانحل العقد الديني، وانتشر الشقاق وعظم الافتراق، واعصوصب الأمر على علي حتى آل الأمر على قتله فقتل كما سبق، والأمر إلى الله وحده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وذكرنا أن عثمان وعليًا لم يكن لهما بعُمان أي عمل إذ أحاطت بهما الحطوب من كل جانب لأسباب ذكرها أهل العلم ودونوها في آثارهم التاريخية، ومازالت القضايا رهن القيل والقال منذ ذلك العهد إلى الآن، ونحن نقول: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، والله يعلم المفسد من المصلح، وإليه المرجع والمآب.
ثم بعد علي بن أبي طالب بويع لولده الحسن، فلم يكن له في الأمر حل ولا عقد حتى ألقى إمامته إلى معاوية بن أبي سفيان الذي مازال يخطبها وما برح يطلبها حتى أتته راغمة، فتولى الأمر معاوية المذكور، وسار فيه سيرة الملوك إلى أن انتهى أمره وارتحل إلى ربه أسير عمله، والله يتولى من عباده الصالحين، ثم بويع من بعده لولده يزيد، وهي كما بيعة قهرية وقعت في اليوم الذي مات فيه أبوه، وهو مستهل رجب، وقيل بالنصف من رجب سنة60 ستين للهجرة، وقام على وتيرة الملوك آخذًا ببعض أعمال أبيه إلى أن توفى في شهر ربيع الأول سنة64 أربعين وستين، وله تسع وثلاثون سنة، فكانت خلافته (2/6)
صفحة 284
ثلاث سنتين وتسعة أشهر، ثم تولى الأمر بعده بالوراثة ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، بويع في اليوم الذي مات فيه أبوه فبقى في خلافته أربعين يومًا، وقيل خمسة أشهر وأيامًا، وخلع نفسه منها وخطب على المنبر فذكر أفعال جده معاوية واعتداءه على أهل الحق واغتصابه الأمر عن أهله، ثم ذكر أباه يزيد من سوء أعماله وسيئ أفعاله، وأنبه تأنيبًا وأبان ما عنده حول الأمة، وصرح بما في ضميره وأعلن للناس الهوايا المزعومة وعبر عن الواقع الحقيقي ووعظ الأمة، بأبلغ الوعظ، ومات بعد خلعه نفسه بأربعين ليلة، وقيل سبعين ليلة عن ثلاث وعشرين سنة، وقيل إحدى وعشرين فقط، وقيل ثماني عشرة سنة ولم يعقب على الصحيح.
ثم بويع بعده ابن الطريد مروان بن الحكم كما قال الدميري المذكور، وقام بالأمر وتولى العراق ومصر، وقامت على عهده حروب مذكورة في التاريخ، ثم مات سنة 65خمس وستين للهجرة، وكانت وفاته بيد امرأته قعدت على صدره وهو نائم ومعها خوادمها فلم تفلته إلا ميتا، وكانت خلافته عشرة أشهر وكان عمره ثلاثًا وثمانين سنة، وهو الذي انتسبه إليه المراونة من بني أمية فكان هو كرسيهم الأول. (2/7)
صفحة 285
انتقال الدولة من آل الجلندي إلى آل اليحمد بن حمد
دولة ... اليحمد ... الميامن ... ضلت
برهة ... كلها ... رضًا ... وارتضاء
اعلم لما انتهت دولة الإمام الجلندي بن مسعود رحمه الله: وتولى أمر عُمان خازم بن خزيمة، وكان بغاة آل الجلندى يتمنون ذلك، إذ رأوا الإمام الجلندي يضع السيف على أعناق أقاربه، ولا يبالي في الحق تأخروا عن أمانتهم: وأحجموا عن مقاصدهم، وقد وضع الضعف كاهله على عُمان بظلم هؤلاء البغاة وأعوانهم، وبقيت عمان بين عدو قاهر، وضعيف مقهور، وأعوان يراوغون الأمور مراوغة الثعالب، فمر على هذا ردح من الزمن، وعمان ترزخ ثقل الظلم على كاهلها، ولما رأى شبيب بن عطية العماني الحال التي عليها أهل عمان، حركته خصيصة الإيمان، على أن يقوم بالواجب حد الطاقة، ويقف ضد الظلم مهما استطاع، وبقى هو والجبابرة في صراع، وإذا رأى غلبتهم عليه ترك الأمر وجلس في بيته، فإذا رأى فرصة قام بواجبه وأعلن زعامته، واستمر على ذلك الحال، وفي هذه الأثناء أيضًا قام غسان المحاربي من بني هناءة ببغيه، حيث رأى عصا المسلمين لا تصلح للقيام عليا، وأن الأمور فوضى وكل يفعل ما يستطيع، وكان المذكور من صناديد الرجال الذين هم البغاة في عمان، دخل نزوى وانتهبها في غير ما مبالاة، إلا اعتماداً على الرئاسة، وشمت بناس فيها ما كانوا من الأمر في العير والنفير. بغيًا وعدوانًا عليهم، حتى قتله آل الحارث بن كعب من أهالي إبراء من شرقية عمان، ثم غضب له منازل بن حشيش، وقام لثأره. (2/8)
صفحة 286
وهكذا بقيت الأحوال فوضى، وقام راشد بن النضر يدعى الزعامة لأنه من آل الجلندى ملوك عمان إذ ذاك، وخرج إلى المهرة من أطراف عمان الغربية، واستنحد بطغام الناس وغوغائهم الذين لا يدرون قبيلا من دبير، وأجلاف جهلاء أتباع كل ناعق أغبياء لا يهتدون للحق سبيلا، ولا يعرفون للرشد دليا، إلا أن راشد بن النضر من ملوك عمان، حتى تغلغل بالظاهرة فجاء بجحفله يجره على عمان من الغربية على غير هدى من الله، إلا أنه يروم ملكًا ولا يبالي، ولما رأى المسلمون الحال على هذا الوجه، ورأوا تلاشي الأمور وتلاعب هؤلاء العتاة الأشرار، خرجوا من مخادعهم ورفعوا عقيرتهم إلى إخوانهم أهل الإيمان بالله، والغيرة على حرم الله.
وتكاتبوا من بعيد وقريب وتعاهدوا على القيام بالحق رغم ما يلاقون من نصب، وقد أيقنوا أن الخروج يتحتم عليهم، فتجمعوا وتواثقوا على نصرة الحق، وخرجوا لأداء ما يلزمهم في حق الله، فالتقوا براشد ابن النضر وأعوانه بالمجازة من الظاهرة، ودارت الحرب بينهم، ولم تضع أوزارها إلا بعد سحق جيش ابن النضر وأصحابه، حتى انهزم المذكور، ولما تحقق الهزيمة لم ير له قررا بعمان، فتستأصل شأفته، ويقضي عليه، هرب شاردًا على وجهه إلى من يلجئه، وملأ الله روعه رعبًا، ورأى أنوار الحق قد أشرقت، ولوامع العدل قد أبرقت، ولما تحقق المسلمون ذلك رجعوا إلى قلب عمان ليجتمعوا إلى إحوانهم أعمدة الإيمان، ويتناظرون هم وإياهم في ذلك الشأن، فإنهم قاتلوا راشدًا بلا إمام ولا سلطان، وإنما كانوا جمهوريين يتبعون علماءهم، فنزلوا منح حين رأوا الخطب قد هان، وأن الصعوبات قد سهلت. والفرصة قد حانت. فرجعوا ليدبروا الأمر على تعارف عام بينهم ولوائح النصر مشرقة على وجوههم. (2/9)
صفحة 287
وهنا حضرهم المشايخ الهداة الأدلاء على طريق الآخرة، وهم موسى بن أبي جابر الأزكاني، وبشير بن المنذر النزواني، ودبروا آراءهم حتى توجهت أنظارهم الحالية إلى تقديم محمد بن عبدالله بن أبي عفان اليحمدي وكان المذكور من أهل العراق، ولعله من أهل البصرة، لأن العمانيين قطنوا البصرة كما علمت ذلك، وهي من العراق، ورأوه في الحال أسكن للأمر فإن لكل وقت سياسة، ولكل عمل ساسة.
قال الإمام رحمه الله: انتقال الدولة من يد الجبابرة إلى المسلمين، وتقديم محمد بن أبي عفان، وأراد بالجبابرة المشار إليهم آل الجلندى، قال: وذلك انه لما كان من أمر راشد بن النضر، ومحمد بن زائدة ما كان، رأى المسلمون الخروج عليهما، فتكاتبوا وهم يومئذ أهل ضعف، فاجتمعوا وتآلفوا على إقامة الحق. قلت: الاجتماع والتآلف أمر فعال في الأمة مهما كانت، وله أهميته الحقيقية التي لا تردها العوارض مهما كانت، قال الإمام: ويقال كان عبد الملك بن حميد يومئذ شابًا، وأنه كان يدعو المسلمين إلى المبايعة على راشد بن النضر، قال: فأول من حكم محمد بن المعلى الأخنس الفشحي من كندة، وخرجوا في طلب راشد، وذكر النص الذي قدمناه عن ابن زريق. وقال في موضع آخر: محمد بن أبي عفان هو محمد بن عبدالله بن أبي عفان، كان رجلاً من اليحمد إلا أنه نشأ في العراق، وكان من أهل العراق، والمعنى هو غير عماني. قال: فقدموا به إلى عمان، هذا يدل أنه كان وقع بينهم وابن أبي عفان فيهما، وكأنهم تخيلوا فيه كفاءة، ولمحوا فيه نجابة، ورأوا منه صلابة، فلذلك جاءوا به إلى عمان ليبايعوه بالإمامة، وهذا (2/10)
صفحة 288
رأى من كانت له معرفة بالرجل أما من لم تكن فيه معرفة بقى على ما هو عليه.
قال الإمام: واختلفوا في صفة إمامته، وكأنهم بايعوه بالإمامة قال: فقيل كان إمام دفاع حتى تضع الحرب أوزارها، وإذ ذاك ينظرون الأصلح للأمة. قال كان أمير جيش، أي لم يبايع بالإمامة، لكنهم ولوه السلطة، فاعتبر نفسه بذلك أنه إمام القوم، قال: فأساء السيرة، وبدل وغير، ويا ويل من بدل وغير عند الإباضية، لا يغتفر له خطأه ولا زلله، فإن الجلندى بن مسعود لما دمعت عينه على أبناء عمه حين رأى جنائزهم تمر به، غضب عليه المسلمون وقالوا له: أعصبية يا جلندى، اعتزل أمرنا أو اعتزل أمر المسلمين.
والإمام عزان بن قيس رحمه الله، لما حمل الصفر من حصن المصنعة إلى حصن الرستاق تحرجوا عليه حيث أن آل قيس بن عزان كان موطنهم الرستاق، فصارحوه في ذلك حتى أقنعهم بعذره الصحيح فكيف بإمام يغير خطة الدين، ويتعوج في سبيل المسلمين، وعلام قتل الصحابة رضوان الله عليهم إمامهم عثمان بن عفان إلا على التبديل والتغير قال الإمام: وكان أي محمد بن أبي عفان، يستقبلهم بالكلام الغليظ، أي يستقل إخوانه المسلمين بالكلام الجافي بنحو كلام جبابرة الملوك، فاستنكروا أخلاقه، فإن المسلمين أهل توادد وتراحم وتعاطف، يتألمون على إخوانهم تألم الوالد الحنون على ولده الصغير، كما وصفهم الله في كتابه، ولكنن كان ابن أبي عفان على خلاف ذلك، حتى قال وائل ابن أيوب، وهو من فضلاء المسلمين وعلمائهم في الدين: ليس ابن عفان بإمام، بل ذلك جبار، وإذا خرجت هذه الكلمة (2/11)
صفحة 289
ونحوها من لسان مثل وائل بن أيوب رحمه الله، وهو من سادات المسلمين، فمتى تقوم لذلك الإمام قائمة، وإذا سمعها الأنصار فمتى ذلك الإمام يجدهم أنصارًا بل سرعان ما يرى نفسه في خلاء من الأرض.
قال الإمام: فعزله المسلمون حين لم يرضوا سيرته ولا مذهبه وكان ذلك في النصف من ذي القعدة سنة 179 تسع وسبعين ومائة وذلك في عهد هارون الرشيد الخليفة العام للمسلمين في بغداد، فإنه تولى في سنة 1770 وتوفى في سنة193. قله الإمام رحمه الله وكانت ولايته سنتين وشهرين إلا شيئًا من الأيام.
قال الإمام رحمه الله: وفي بيان الشرع من سيرة أبي عبد الله محمد ابن روح قال: أخبرني أبو الحواري رحمه الله، أنه ذكر محمد ابن عفان فقال: هو عندنا خليع، فقال أبو الحواري عن الصلت بن خميس رحمه الله، عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه ذكر محمد بن أبي عفان فقال: هو عندنا خليع. قال أبو الحواري، وأما المؤثر فقال يضيق عن خلعه أي لا يرى خلعه. قال فلو أن رجل من أهل زماننا برئ من محمد بن أبي عفان من أجل ما يجده في الكتب عن أبي أيوب وائل ابن أيوب الحضرمي رحمه الله، أنه قال: إن ابن أبي عفان كان جبارًا، ومن أجل ذلك، من غير أن يصح معه من ابن أبي عفان مكفرة، فإن ذلك الرجل على هذه الصفة عندنا خليع أي لأن ما في الأثر يحتمل أن ابن (2/12)
صفحة 290
أبي عفان رجع عما كان عليه، ويحتمل أنه تاب من كل ما يعد عليه، أو احتمل أن ذلك منه على جهة الاجتهاد، وإن أخطأ المنهج الصحيح، فلا يليق التبرؤ منه على هذا السبيل، حتى يعلم منه أنه فاعل لذلك المحجور على جهة الانتهاك أو الظلم المحض ونحو ذلك، فلما كان الحال محتملا أشياء من هذا النوع، فالإعراض عن البراءة وغيرها من المفروض على المسلم. (2/13)
صفحة 291
أعمال محمد بن أبي عفان في عمان
اعلم أن محمد بن أبي عفان، لما تولى أمر عمان بواسطة المشايخ الذين جاءوا به من العراق وبايعوه إمامًا للمسلمين، ورأى العمانيون منه خلاف منهجهم كان من طبعهم الإسراع إلى التبرئ وشق العصا وإثارة الشقاق، ولا احتمال عندهم ولا تقية، ولا تريث ولا محاباة ولا هوادة في أقل قليل كما علمت من أحوالهم التي ذكرناها، وشدتهم في الدين، وكان محمد بن أبي عفان يرى أن له مطلق النفوذ في الأمة، فكان وائل رحمه الله يقول: إن ابن أبي عفان سبيله سبيل إمام حضرموت، وهو عبدالله ابن سعيد، وقد عزله أهل حضرموت، وقدموا علي خنبشا وهذا من شدة الإباضية، إذ كان الرجل إباضيًا وأهل حضرموت كلهم إباضية، كان ابن عفان جعل سعيد بن زياد البكري وزيرًا في اعماله حال إمامته، وكان هذا جاهلاً عسيفًا في الأمور ظالمًا لا يبالي، عد عليه المسلمون أشياء كانت عندهم من أعمال ابن أبي عفان.
كان سعيد البكري يتولى الأمور الهمة عند المسلمين، وكان يفعل فيها بمقتضى نظره دون المسلمين، قال الإمام رحمه الله: كان ابن أبي عفان قد أرسل سعيد بن زياد البكري إلى أهل الأحداث من أهل المشرق أي مشرق عمان خاصة، قال: فلما وصل إليهم وكان بينه وبينهم ما كان، وظهر عليهم سعيد واستولى على بلادهم، وأراد دمارها، بعث رسولا إلى موسى بن أبي جابر وقال سعيد للرسول: أن يقول لموسى أن سعيدًا يقطع نخل بني نجو، فلما وصل الرسول إلى موسى قال له إن سعيد يقطع نخل بني نجو، فقال له موسى: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ (2/14)
صفحة 292
أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)،1 فلما رجع الرسول إلى سعيد وأخبره بما قال موسى، أقبل سعيد على قطع النخل، وكان القطع قبل ذلك لم يكن، وكأنه استفتى الشيخ موسى ابن أبي جابر في قصده هذا، وفهم منه الجواز وعدم الحرج، فلذلك قام يقطع النخل ويهدم المنازل.
ذكر ذلك أبو الحواري. قلت: إن هذا الحال إن صح فقد رضيه الإمام العلامة موسى بن أبي جابر رحمه الله، إذ أقره ولم يمنعه، وكأنه يرى له ذلك، ولعله رأى أن بني نجوهم أنصار راشد بن النضر ومحمد بن زائدة، ولذلك كان القتل فيهم في وقعة المجازة أكثر من غيرهم، حيث هم أنصار البغاة من آل الجلندى، فرأى الإمام موسى ابن أبي جابر رحمه الله قطع نخلهم كسرًا لقوتهم، وهو واضح جلي، وقال أب الحواري رحمه الله: قد حفظنا ذلك عمن حفظنا من أهل العلم المأمونين على ذلك، وقال وائل بن أيوب: فأما ما أحرق سعيد بن زياد مما أحرق مع راشد بن النضر، فلو ألقى في النار لكان أهلا، أي لو عوقب سعيد بن زياد بذلك لكان أهلا لذلك االعقاب وحقيقًا به. قال: وأما من أحرق سعيد ممن لم يحرق فإن كان بعثه إمام كان ذلك في بيت المال، أي إذا أخطأ عامل الإمام، وكان مأمورًا بذلك من قبل الإمام كان خطأه في بيت المال، حتى لا تنكسر نفسه فيجبن عن القيام بأوامر المسلمين وبيت المال أصله مشروع لمصالح المسلمين.
قال عبد الله بن نافع: فإن الإمام يومئذ كان ابن أبي عفان وهو الذي بعثه. قال وائل: إن ابن أبي عفان ليس بإمام بل ذلك جبار، (2/15)
صفحة 293
قال: وحفظ الحواري عن محمد بن أبي صفرة عن وائل ابن أيوب، أنه قال: لو كان ابن أبي عفان إمامًا لكان ما أحدث سعيد ابن زياد في بيت المال. وقال محمد محبوب: ما سمعنا من أحد من قواد هذه الدولة أولاها ولا أخراها صنع ولا سار في أهل حربهم بشر مما صنع سعيد بن زياد البكري، من سفك الدماء، وحرق المنازل والأمتعة، وأخذ البرئ بالسقيم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنكار على محمد بن أبي عفان وأعماله، فإنه جعل سعيد بن زياد وزيره، وسيف دولته وقائد جيشه، وقد أرسله إلى أهل الأحداث من بني نجو، وأعوانهم الذين كانوا أنصار راشد بن النضر ومحمد بن زائدة، وأن بشير بن المنذر رحمه الله لما استشاره سعيد في ذلك لم يقل فيه شيئًا، فكان دليل رضائه به فلم اللوم والتأنيب وقد قام بواجب من قبل إمامه القائم بالأمر، وبعد انحلال دولة ابن أبي عفان، وتولى الأمر الإمام الوارث بن كعب، كان سعيد بن زياد هاربًا من عمان إلى البحرين، متخوفًا من أهل الأحداث السابقة في عمان منه، وما رجع أيام الوارث إذ كان الإمام رحمه الله قد جفاه وأقصاه، ولم يقبل منه صرفًا ولا عدلاً، فخرج إلى البحرين من أجل ذلك إلى أن توفى الإمام الوارث.
وبعد وفاته رجع فحمله الإمام غسان على فرس وأحسن إليه في وفادته عليه، ولعله رآه محقًا فيما صنع، وإن كان في تلك الأمور ملامًا فعلى الإمام، أو أنه جاءه تائبًا مما وقع منه متعذرًا بأعذار تسوغ له ما فعل، وقال وائل بن أيوب، وهو أشدهم على سعيد بن زياد المذكور: الوارث ليس بوكيل للمسلمين، أو قال للناس كان يسعه مجامعة سعيد بن زياد، أي الاجتماع به ومراجعته معه حتى يطلب إليه (2/16)
صفحة 294
من يطلب من أهل الحقوق فينصفهم غسان منه، ويعطيهم الذي لهم منه، وحيث لا شاكي منه فيسع الإمام السكوت. قلت: لما رأى الناس أن الإمام التفت إليه وقربه وأدناه وأعطاه فرسًا كان دليل رضاه عنه وتقريبه إياه يؤثر على الغير، إلا أن الظاهر لا يرى الإمام على سعيد بن زياد شيئًا والله أعلم، وفي هذه الأثناء فجمع المسلمون بوفاة شيخ الإسلام أحد حملة العلم بشير بن المنذر النزواني العقري رحمه الله، جد بني زياد أهل العقر، وهو من سامة ابن لؤى بن غالب القرشي، فكان لوفاته أثر كبير في نفوس المسلمين كانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة 178 ثمان وسبعين ومائة رحمه الله وغفر له. (2/17)
صفحة 295
العمل في عزل محمد بن أبي عفان عن الأمر
لما أجمع رأى المسلمين على عزل محمد بن أبي عفان عن الأمر، احتالوا عليه بالخروج من نزوى، فلما أخرج تولوا الأمور التي كانت في يده.
قال أبو قحطان رحمه الله. أخرج المسلمون ابن أبي عفان من نزوى حين ظهرت منه أحداث لم تعجبهم، ولم يرضوا سيرته فأخرجوه من نزوى باحتيال، فلما خرج من نزوى اجتمعوا واختاروا لأنفسهم إمامًا، فقدموا وارث بن كعب، قال: ولو كان لابن عفان إمامة أو قال أصل إمامة ما قدموا عليه وارث بن كعب حتى يظهروا للناس ما يحل به عز له، ويحتجوا عليه. قال الإمام: وفي بيان الشرع قال: أخبرنا أبو محمد الفضل بن الحواري، عن زيد بن مثوبة أنه أخبره بأنه لما أراد المسلمون أن يعزلوا محمد بن أبي عفان حضر موسى بن أبي جابر العسكر وهو شيخ كبير مشدود على حاجبيه بعمامة وهو نائم على سرير في العسكر، وشاعت الإشاعة بقصد القوم- وبلغ سائر المسلمين، وكان الوارث بن كعب ممن بلغه ذلك، وكأنه لا يراه.
قل: وقد خرج وارث يريد العسكر مناظرًا ومحتجًا لابن أبي عفان، إذ أرادوا عزله، فقال لموسى: من إمامنا؟ فقال موسى أنا إمامكم، فلما وصل وارث نزوى أخذ موسى بيده فقدمه إمامًا للناس. قال فما علمنا أن أحدًا من الناس عاب ذلك على وارث. قلت: إن كان للغيب مساغ فعلى موسى لا على الوارث، إلا إن كان يعني خروج الوارث مناظرًا عن ابن أبي عفان، (2/18)
صفحة 296
وانه لم يعب عليه ذلك أحد من أهل العلم. قلت: إن الوارث واحد من المسلمين، وإن كان يرى له ذلك الوارث، فغير الوارث لا يراه وهم الحجة في المسلمين على الوارث، وله رأيه ولا يعارض رأى غيره من المسلمين، ورأى أهل الحل والعقد والمبتلين بعناء الأمور هم الحجة فيها، وكان الوارث قبل هذا التاريخ غير مبتلى بأمور أهل عمان، وكأن الوارث كان مع القوم المجتمعين لعزل محمد بن أبي عفان، وإن كان لا يعلم ما في أنفس القوم، وهذا يخالف ما يروى في أصل إمامة الإمام الوارث رحمه الله من الكرامة التي ظهرت له في هذا الأثناء كما سوف تراه أيها القارئ في إمامة الإمام المذكور، ولعل تلك الكرامة وقعت للإمام قبل هذا الوقت، وكان انفعالها في هذا الوقت المشار إليه، وكأن هذا الإمام من أفضل أئمة عمان وأقوامهم في الدين، ومن أزهد الرجال الذين عرفهم التاريخ في هذه الآونة، والذي يظهر أن تلك الأحدوثة التاريخية كانت للوارث قبل هذا الوقت الذي جاء فيه مع المشايخ لهذا الصدد. (2/19)
صفحة 297
إمامة الإمام الوارث بن كعب الخروصي
بعد محمد بن أبي عفان بويع بالإمامة الوارث بن كعب الخروصي من أهل بلدة هجار من وادي بني خروص، ولا يخفى أن بني خروص في عمان حضيرة الإمامة، ومنبت الزهد والورع، وبيت القصيد في الفضل دينًا وإيمانًا وزهدًا وورعًا، ومعدن فضل في عمان لا ينكره إلا جاهل، وكيف يلحق عين الشمس نكران.
وكان الوارث أول إمام من هذه القبيلة النبيلة، ثم توالت الإمامة منهم وقد أشرنا إلى خصال هذه القبيلة في الإسعاف، وفي العنوان، بما لا يستدعي الإعادة، ومن حيث إن الوارث أول حجر الدولة اليحمدية، كما قلنا في العنوان وغيره: وأنه لخير أول:
وإلى ... اليحمد ... الكرام ... تناهت
وبها ... منهم ... مشت ... أمراء
منهم ... الوارث ... الإمام ... بن ... كعب
ليتها ... القرم ... بدرها ... الوضاء
وتوالت ... أئمة ... من ... خروص
سادة ... قادة ... الهدى ... علماء
قام ... سلطانهم ... على ... العدل ... عهدًا
وعلى ... العدل ... يستطاب ... الثناء (2/20)
صفحة 298
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس معادن. الحديث، وبنو خروص معدن دين وإيمان وعلم وعمل، وهدى وتقوى طيلة العهد الإسلامي في عمان، فخرجت منهم أئمة أنجبها الدين والإيمان إلى هذا العهد الذي نحن فيه وبنو خروص في مقدمة الأفاضل الأخيار علمًا وعملاً ودينًا وإيمانًا. (2/21)
صفحة 299
مؤهلات الهمام الوارث بن كعب للإمامة
اعلم أن الوارث بن كعب أشتهر بالفضل والورع والزهد. وتحدث عنه الناس بذلك في النوادي، وشاعت كراماته حتى تحدث الكون معه بإمامته وخوطب بها من حيث لا يعلم، بل يسمع صوتًا ولا يرى شخصًا، فكان في أيام بني الجلندى سرًا مخزونًا، وقد خبأه الله لوقته.
قال الإمام في سبب اختيار المسلمين للوارث رحمه الله: تحتمل صحته وإن صح فالظاهر أن ذلك كان وقت الجبابرة من بني الجلندى قبل ظهور المسلمين عليهم، فتكون تلك الحالة منقبة للوارث محفوظة له منذ مدة من الزمان، فظهرت ثمرتها في أوانها برغبة المسلمين في تقديمه. قال: وذلك ما قيل أن الوارث كان يسكن هجار من وادي بني خروص وكان يرى الرؤيا في نومه تدل على ظهور الحق على يده، وأنه كان ذات يوم يحرث في زرع فسمع صوتًا يقول له: اترك حرثك وسر إلى نزوى وأقم بها الحق. ثم ناداه ثانية وثالثة بذلك، فألهم الوارث أن يجيب القائل بقوله: ومن أنصاري وأنا رجل ضعيف؟ فقيل له: أنصارك جنود الله، فقال في نفسه إن يكن هذا حقًا فليكن مصاب مجزى، هذا ينبت ويحضر من الشجرة التي أصلها منها، فغرسه في الأرض فنبت شجرة ليمون، ويسميه أهل عُمان لومي، فنبت شجرة لومي، ويقال إن هذه الشجرة موجودة إلى الآن، وهي مركز إمامته المحفوظة قلت: نعم هذا أمر متداول شائع شيوع شهرة عند الخاص والعام من أهل عمان، وقد وقفت على هذا الشجر بنفسي وهو لا يزال جديدًا كأن لم يمر عليه أكثر من نصف قرن، وإذا بالواقع قد مر عليه (2/22)
صفحة 300
أكثر من ألف سنة تقريبًا، ولا يزال إلى هذا العهد الذي أحرر فيه أنا هذه الصحائف. قال: ثم سار إلى نزوى وهي في أيدي الجبابرة من آل الجلندى، وقد ملؤها جورًا وظلمًا، فلما وصل الوارث نزوى وجد خبازًا يخبز وجنديًا من جند السلطان يأكل خبزه، والخباز يستغيث بالله والمسلمين منه، فلما رآه أي الوارث على ذلك الحال زجره ثلاثًا فلم ينته، فقتله فمضى مسرعًا إلى مسجد هناك على شاطئ الوادي تقريبًا، والآن يسمى مسجد النصر. قال: فأسرعت إليه أي جنود السلطان لتقتله، فلما وصلوا قريبًا منه رأوا المسجد قد غص من الرجال المقاتلة فلم يصلوه. قالوا فلذلك اختاره المسلون عليهم إمامًا، قلت ولعل القضية قد دبرت كذلك، وقد وقع عليها التآمر بأنه إذا قدر هذا الرجل على التجرؤ على هذا الأمر فنحن معه نناصره وإلا فنعتذر بأعذار في المقام، وأنا أظن هذا الوجه أرجح، لأن المسلمين بعد وقعة المجارة رأوه لوائح النصر تؤيدهم، واجتماعهم كان فعالا على الأعداء طبعًا، وسموا المسجد مسجد النضر بعد ذلك لأجل هذا الحادث وذلك ظاهر، فإن بناء الجبابرة في هذه الآونة قد هم أن ينهار، ويمكن أن يكون هذا وغيره في القضية وعلى كل حال هو من كرامات الوارث الذي سيجعله الله الوارث الحقيقي للأمر عن الجبابرة المفسدين.
قال الإمام رحمه الله: وقيل أنه لما خرج الوارث لإظهار العدل تخلف عنه أخوه محمد بن كعب، ولا ريب فإن الجاهل على خلاف العاقل، وبينهما تباين لا يزال حتى بين الأنبياء والعلماء والصالحين، وهكذا فقالوا خزر عنه، ولعله كان على رأيه مواطئًا له، فلما حق الأمر تلاوذ عنه فسموه خزيرًا، وشاع ذلك عليه حتى عاد لم يعرف إلا به، وشاع على ذريته إلى الآن. (2/23)
صفحة 301
قال الإمام: فبنوه يقال لهم بنو خزير، ومر أي الوارث في حال توجهه إلى نزوى على بئر لبني صبح أهل القرية المعروفة بقرية بني صبح، يقال لتلك البئر زكت بني صبح، وكان عليه رجل من بني صبح، ومعه أربعون رجلاً من قومه. فصحبوا الإمام الوارث مناصرين له وموازين، وهذا يؤيد ما قلنا أن الرجل كن معه ناس وكان الأمر مبنيًا على تعارف صحيح سار عليه الوارث متجردًا لله مناصرًا لدينه، قال: فأوصى لهم الوارث بإيقاف مال ينفق منه على من حضر الإنفاق في موضع مخصوص من الهجار إلا لمانع كمطر ونحوه، فما زاد عن ذلك فإنه ينفق على أهل الهجار وستال خاصة قال: وأوصى لأهل زكت منه بأربعين سهماً، أي عدد رؤوس الرجال الذين خرجوا معه ينفق فيهم وفي ذراريهم، ولو بقى منهم رجل واحد فهم يعطون أبعين سهمًا، ومنع منه بني أخيه لخزره عنه، قال موقفه يقسم إلى اليوم على ما أوصى به. قال: ولا يستطيع أحد من بني خزير أن يأخذ منه أي الوقف لتعجيل العقوبة، وهذه كرامة أخرى في هذا الواقف.
قال الإمام: ولهذا الوقف آثار شاهرة وكرامات ظاهرة ذكرها لنا من نثق به منهما إذا أنفق في الموضع المخصوص رأوا فيه زيادة على القدر الذي عهدوه من كيل أو وزن، ومنها أنه إذا أكل من الوقف المذكور غير مستحق عوجل بالعقوبة ولو دابة أكلت منه مع علم صاحبها لم يصبها شيء، أي لأنها بهيمة لم تكلفت فهذه أحوال هذا الوقف على ما ذكره المؤرخون، وهذه الكرامات لا تزال خالدة باقية إلى هذا العهد، وهي من العجائب في (2/24)
صفحة 302
اعتبار أهل العقول قال: وعند الثقة من هذه الأحوال أشياء مما لم يتجاسر الناقل أن نأخذه عنه، والمعنى لأنه أشياء ربما لا تدخل في أذواق العقلاء لأنها خوارق عادات.
ولا شك أن كرامات الأولياء معجزات لأنبيائهم، تدل على صدق الإتباع لهم والإخلاص لله عزوجل، ولا ريب فإنها ثمر الإخلاص والتقوى، وبرهان صدق الإيمان، وكم مثل هذا ذكره أهل العلم لأشياخ المسلمين وعلمائهم إلا أن المعجزة تأتي على سبيل التحدي لإعجاز الخصم، ولذلك سميت معجزات حيث أعجزت المعارض، أما الكرامة فلكونها إكرامًا لصاحبها وعلو شأن له في الدين، فإن الله لا يضع الكرامة لغير كريم في الدين كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) 2وزهد الوارث وورعه وتقواه3 أنزلته تلك المنزلة العالية في الدنيا، كما أنها عنوان منزلته في الآخرة إن شاء الله.
فهذه الأحوال هي التي أهلت الوارث لأن يكون أمير المؤمنين (2/25)
صفحة 303
بعمان، وإمام المسلمين بغير نكران، والتفت الأنظار إليه وإلى عشيرته التي لم تزل تخرج للناس فصول خواتم ينفحن عطرًا أو قل بحور مكام يقذفن درًا، لا بل شموس معارف يشرقن نورًا، فلم تزل الأئمة تخرج من هذه القبيلة في عمان لصدق الإيمان وصحة التقوى، ولم تزل الإمامة ضاربة أطنابها فيهم طيلة تلك العهود المارة، وإن ظهرت في بعض الأحيان، فسرعان ما تعود إليهم وقل أن يكون بطن منهم إلا وفيه إمام أو أئمة، لأن الدين عند الإباضية مقدم على غيره، وسبق لنا في الهمزية، وإلى اليحمد الكرام تناهت الأبيات:
وإلى ... اليحمد ... الكرام ... تناهت
وبها ... منهم ... مشت ... أمراء
منهم ... الوارث ... الإمام ... بن ... كعب
ليثها ... القرم ... بدرها ... الوضاء
وتوالت ... أئمة ... من ... خروص
سادة ... قادة ... الهدى ... علماء
قام ... سلطانهم ... على ... العدل ... عهدًا
وعلى ... العدل ... يستطاب ... الثناء
للمهنا ... ومن ... كمثل ... المهنا
قوة ... لم ... تج ... بها ... الأقوياء
أصلت ... الصلت ... للمعادين ... إصلـ
ـيت ... انتقام ... فبادت ... الخصماء
دولة ... اليحمد ... الميامين ... ظلت
برهة ... كلها ... رضى ... وإرتضاء (2/26)
صفحة 304
تحقيق البيعة للإمام الوارث بن كعب الخروصي
بعد عزل محمد بن أبي عفان تناظر المسلمون فيمن يكون هو الإمام للمسلمين بعمان، ومخضوا ما لديهم من أنظار، وإذا بالوارث بن كعب في المقدمة، إذ شاعت كراماته لديهم، وفاضت إليهم، فكان بطل الحق وأمير العدالة الذي لا تأخذه لومة لائم، إذ بادر الجبار بقتل جنديه في نزوى، وبارز البغي الصريح بالحسام الأحمر الدامي، فاجتمع المسلمون عليه.
قال الإمام رحمه الله: هو أول إمام من بني خروص وهم من اليحمد وذلك بعد أن عزل محمد بن أبي عفان، وكان ذلك في ذي القعدة سنة 197 سبع وتسعين ومائة. قال: وفي بيان الشرع قال أخبرنا أبو محمد الفضلي بن الحورى عن زياد بن مثوبة أنه أخبره بأنه: لما أراد المسلمون عزل محمد بن أبي عفان حضر موسى بن أبي جابر العسكر، وهو شيخ مشدود على حاجبيه بعمامة، وذكر ما قدمنا من الحديث كما ذكره أهل العلم. قال أبو الحسن: بايعوا الوارث بن كعب على ما بويع عليه أئمة العدل، وعلى الأم بالمعروف والنهي عن المنكر، والشرى في سبيل الله وإظهار الحق وإخماد الباطل والجهاد في سبيل الله وقتال الفئة الباغية، وكل فرقة امتنعت عن الحق حتى تفئ إلى أمر الله لا يستحلون منهم غنيمة مال، ولا سبي عيال، ولا انتحال هجرة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يسموا بالشرك أهل القبلة ما بينوا الشهادتين، أي ما داموا يقولون بهما ويعترفون بمنطوقهما ومفهومها. (2/27)
صفحة 305
قال: فقام وارث بالحق ما شاء الله والمسلمون عنه راضون، وله موازرون، وعليه مجتمعون، ولمن امتنع عن طاعته مفارقون، وآمنت عمان في أيامه، وزال عنها ظلم الطغاة وجور البغاة، وصارت به خير دار لأن العدل يعمر الديار إجماعًا كما علم ذلك قديماً وحديثًَا، وكان الوارث من الرجال الأوفياء لله وأهل الخوف من الله وقد تفانى المسلمون في طاعته. (2/28)
صفحة 306
هارون الرشيد يروم استرداد عمان إلى خلافته
لما تسنت للرشيد الخلافة العامة، وقر كرسي سلطته في بغداد، التفت إلى الممالك ليردها إلى أمرة المالك، وكانت عمان كما علمت عنها أولا وملوك بني أمية والعباسيين أيضا وانفصالها بعد ذلك حاول الرشيد ردها إلى خلافته برغم رغبتها فجهز لها ابن عمه عيسى ابن جعفر بن المنصور، وعقد له لواء على ستة آلاف مقاتل فيهم ألف فارس وخمسة آلاف راجل، وجعل له ولايتها من غير أن يرسل للعمانيين، ويعلم ما عندهم، بل اعتمادا على القوة وتحملا للغطرسة، فجاء يسحب جيشه المذكور، وبلغ العمانيين نبا خروجه عليهم ليحموهم من الوجود الإباضي إلى غيره، ولكن لم يرض العمانيون ذلك، فكتب داود بن يزيد المهلبي إلى والي صحار، ووالي صحار كتب على الإمام الوارث فكتب الإمام إلى واليه مقارش بن محمد اليحمدي، وبعث إليه في ثلاثة آلاف مقاتل فتلقاه الوالي المذكور في (حتى) بشمال صحار، فدارت رحى الحرب بينهم، فأمكن الله من جيش عيسى بن جعفر بعد تمزق قوته، وأسر الأكثر، وذهب الجيش شغر بغر هارابا على وجهه إلى سفنه ليتحصن بها، فقام له الليث الهصور أبو حميد بن فلج الحداني، السلوتي ومعه عمر وبن عمر في البحر في ثلاث مراكب، فدخل عليهم أبو حميد بمركبه حتى تغلغل فيهم، فسقط على عيسى بن جعفر فاسره وخرج به على صحار، فحبس في صحار، وتجهز الإمام من نزوى للقاء عيسى ابن جعفر، لأنه لا يدري ماذا يكون منه وهل ينتصر أو يغلب، فإن جيوش بغداد مازالت تدق عمان دقا عنيفا، والحرب سجال، فلما وصل (2/29)
صفحة 307
الإمام سيفم خارجًا على طريق الظاهرة لأن الغزاة دائمًا يكونون من هذا الطريق، وها هنا وافاه الخبر بهزيمة عيسى بن جعفر إلى نزوى.
قال أبو الحواري: فلما بلغ نزوى بلغه أن عيسى بن جعفر في السجن، قال أبو الحواري: بلغنا أن الإمام الوارث قام في الناس خطيبًا، فقال: يا أيها الناس إني قاتل عيسى بن جعفر فمن كان معه قول فليقل، قال: فبلغنا أن على بن عزرة وكان من فقهاء المسلمين، فقال إن قتلته فواسع لك، وإن تركته فواسع لك، أي لأنه باغ والباغي حلال الدم ويجوز العفو عنه إذا رأى الإمام الصلاح في العفو عنه، قال: فأمسك الإمام عن قتله وتركه في السجن، قال: فلما كان بعد ذلك بلغنا أن قومًا من المسلمين، وفيهم رجل يقال له يحيى بن عبد العزيز رحمه الله- وكان من أفاضل المسلمين ولعلله لم يكن يقدم عليه أحد في زمانه في الفضل بعمان، انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام حتى أتوا صحار، فتسورا السجن فقتلوا عيسى بن جعفر في السجن من حيث لا يعلم الإمام ولا الوالي، وانصرفوا من ليلتهم.
قال: وبلغنا عن بشير بن المنذر رحمه الله أنه كان يقول: قاتل عيسى ابن جعفر لا تمسه النار، أو قال: لم يشم النار، أي بسبب قتله وليس حكمًا بالغيب، وإنما هو حكم بالظاهر يعني أنه إذا لم يفعل غير هذا لم يشم النار بسبه، قلت: هو مبالغة في حلية قتله أي قتله لا شيء فيه من المحذور مطلقًا، لأنه باغ ظالم معتد على المسلمين في وطنهم، أراد أن يحتل بيضتهم ويقضي على عزتهم وكرامتهم ببغيه، قال أبو الحواري هذا الذي حفظنا من خبر عيسى بن جعفر عن أهل (2/30)
صفحة 308
العلم المأمونين على ذلك، قال: ثم ذكر صورة الحكم في قتله، والذي حفظناه من قول المسلمين:
إن إمام المسلمين إذا قتل أو قتل والى المسلمين أن دماءهم للمسلمين دون أوليائهم، وكذلك إذا قتل قائد المسلمين في مسيره أو قتلت سرية المسلمين، قال: وللمسلمين أن يقتلوا من قتلهم كيفما قد رواه عليه في غيلة أو غير غيلة، قال: وفي ذلك آثار المسلمين قائمة معروفة قلت: والى قضية عيسى بن جعفر يشير صاحب معالم الجزيرة، حيث يقول: وفي زمان هذا يعني الوارث، أرسل هارون الرشيد تجريدة على عمان فلم تصنع شيئًا، وكذلك في تعليق أمير البيان، يقول: إلا أنهما لم يذكرا أسر العمانيين العيسى بن جعفر، ولم يؤنبا الرشيد في أعماله، وإن قيل: إن الرشيد قد هلك منذ أعوام. قلنا: إن تأنيب العرب في مهاجمة إخوانهم العرب يرد الضمائر الآتية عن عمل السوء في جانب إخوانهم، إن كانت ضمائرهم صحيحة.
وكان الإمام محمد بن محبوب رحمه الله في مكة خرج حاجًا، فجاء عيسى بن جعفر إلى عمان، قال ابن محبوب: فبلغني خبر هزيمته في مكة أي لكون القضية من مهمات الإسلام على العموم، ومن مهمات العرب على الخصوص، ومن مهام أهل عمان على الأخص، ولأن وراءها هارون، وقد علم شأنه وقوة سلطانه عاتيًا، وقد هلك جيشه وابن عمه، قال ابن محبوب رحمه الله: فقال والدي يعني محبوبًا لما بلغه خبر هزيمته وأنهم أخذوه أسيرًا فقال محبوب للرجل الذي خبره عن أسر عيسى بن جعفر: سرني إذ أخذوه أسيرًا، قال قلت: ولم يسرك ذلك يا أبا سفيان؟ قال: ليمنوا عليه. قال الرجل: فقلت (2/31)
صفحة 309
لمحبوب يا أبا سفيان لو كان معه كذا وكذا من رأس لقطعوها أهل عمان أو نحو هذا من القول، قال: فقال هكذا؟ قال: نعم. قلت: وفي نفسي أن الإمام الوارث ربما لاحظ هذا الحال الذي لاحظه ابن محبوب رحمه الله، فإن إطلاق عيسى بن جعفر منه كبيرة على هارون وآله، وما قتل الأحرار كالعفو عنهم، ولكن قدر الله على عيسى بن جعفر قاض بالقتل له ولا مناص منه، وأن رأي الإمام الرحيلي رحمه الله سديد رشيد، قال: وفي المصنف قال: وبلغنا أن المسلمين باعوا شيئًا من الخيل التي كانت مع عيسى بن جعفر، كما ثبت أنها كانت ألف فرس، قال وتصدقوا بثمنها على الفقراء والدار قاصية بعيدة. قلت ذلك لأنهم يرونها بيت مال، فإن ما في يد السلطان هو بيت مال المسلمين وأما أموال أهل القبلة فلا تحل مطلقًا عند الإباضية مهما كانت أفعال البغاة عملا بسنة الله وسنة رسوله عليه السلام.
قال ولما بلغ هارون الرشيد خبر هزيمة جيشه الغازي عمان، وبله أسر ابن عمه عيسى، وأنه الآن في يد عدوه هزه ذلك على حرب عمان، فهم بإنفاذ جيش كثيف لعمان ليمحو الآثار، وينشر في أهل عمان الدمار، حتى بلغ خبره عمان، ولا شك أن أهل عمان يتوقعون منه ذلك، فارتاع أهل عمان لذلك واهتموا من قبله أي اهتمام ثم في هذا الأثناء قضى الله على هارون بالموت، فمات في طوس ليلة السبت لثلاث خلون من جمادي الآخرة سنة193 ثلاث وتسعين ومائة، وأراح الله منه الأمة وتلك الدنيا وهذا فعلها بأهلها والله المستعان. (2/32)
صفحة 310
لم تر عمان أيام الإمام الوارث سوءا ولم يغزها غاز بعد عيسى بن جعفر، واطمأنت البلاد واستراحت العباد، وظهرت معالم الرشاد، وكبح الله جماح أهل العناد، وانقطعت شأفة الفساد، وصارت عمان خير دار، وذلك كله كرامة لإمامها البطل المغوار، الممدود من السماء بالكرامات الكبار، التي هي من أفضل المنن من الله لعباده الأبرار. (2/33)
صفحة 311
وفاة الإمام الوارث بن كعب رحمه الله
بعد ما قضى بن كعب رحمه الله اثنتي عشرة سنة وأشهرا في إمامته، قائمًا لواجبات الله عزوجل، عاملا بمقتضى الكتاب والسنة، حافظًا لحقوق الأمة، حاميًا للبيضة، جاءه ما لابد لينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء التي هي المرجع للكل، وذلك أن حبس المسلمين كان عند سويقم مايل من نزوى في وادي كلبوه تحت الشجر، ولعل هناك كانت ظهرة مرتفعة عن مجرى السيل إلا إذا جاء جارفًا يفيض إليها فيغمرها سيله، وأنه وقع مطر غزير وسالت الأودية وبالأخص وادي كلبوه، وكأن الإمام لما رأى الوادي يتزايد ويرتفع أمر بإطلاق المساجين خوفًا عليهم من اجتياح الوادي لهم، فلم يجسر أحد أن يصل إليهم، ولما رأى الإمام رحمه الله ذلك عز عليه أن يصبح مساجينه ضحية الوادي وهو حي يغدو ويروح، فقال قولته المشهورة: أمانتي وأنا مسئول عنهم غدًا، وارتمى إليهم لينجيهم مهما استطاع، فطغى عليه السيل فحمله مع مساجينه وهم على ما يقال كانوا عددًا، ثم تبع الإمام ناس من أصحابه ممن عاهد الله مع إمامه في حله وترحاله، فكانوا على ما قيل سبعين رجلاً حملهم السيل فأغرقهم.
قال الإمام: لم يزل الوارث إمامًا حسن السيرة قائمًا بالعدل حتى اختار الله له ما لديه، فكان سبب موته أنه غرق في سيل وادي كلبوه من نزوى، وغرق ومعه سبعون رجلاً من أصحابه وذكر الحادثة بعينها، وكذا قال ابن زريق في تاريخه، ولا يقال إن هذا إلقاء للنفس في التهلكة التي نهى الله عنها، فإنما هذا قيام بالواجب واجتهاد في (2/34)
صفحة 312
الله، والمسلمون إخوان وأعوان، ومن الجائز أن يصل الإمام وأصحابه إلى غرضهم، ومن الممكن أن يخف الماء في ذلك الحين حتى يبلغ المسلمون أربهم، ولما كان القضاء والقدر حاكمين على أولئك بالهلاك، فلا لوم عليهم، قلت: (وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) 4 (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) 5 الآية حملهم السيل جميعًا الإمام وأصحابه، والمسجونون معًا، وبعد تنازل الجارف خرجوا يتفقدونهم في الجرى، وإذا بالإمام المرضي على شعير الوادي عند الطريق السافل من سعال بالجانب الشرقي منه، فصاح صائحهم وتلاقوا عليه وأراده كل فريق أن يتولوه ويدفنوه معهم، وهموا أن يقتتلوا على ذلك خصوصًا أهل العقر وأهل سعال، وبلغ الأمر الاعتماد على القوة، وأخيرًا اتفقوا أن يدفنوه في المكان الذي وجدوه فيه صلحًا بين الطرفين، فتراضوا بذلك ودفن مكانه، وإذا طغى السيل ووصل إلى ذلك المكان افترق عن القبر ولم يمسه، وهذه إحدى كراماته، وقبره معروف عند الكل، وكان الأئمة يزورونه باستمرار، لكونه كان فقيد الأمة الإباضية بعمان، المنقذ لها من ظلم الجبابرة من آل الجلندى وأعوانهم، كان محبوبًا في الأمة إلى حد بعيد، كان مخلصًا لقومه رءوفًا بهم محسنًا إليهم شفيقًا عليهم، يبذل النفس والنفيس في صلاحهم، لا يبالي بما يلاقي في طاعة الله عزوجل، كثير الكرامات التي لا تزال باقية الأثر إلى الآن، انظر إلى الوقف الذي منع منه آل أخيه محمد بن كعب الذي لقب بعده خزيرًا لما كان منه إذا أكل منه الخزيري عوقب حالاً أو أصيب، وإذا كانت له زوجة خروصية تأكل من وقف الوارث ولا يقدر زوجها أن يأكل منه، وإذا كانت خزيرية وزوجها خروصي فهو يأكل من الوقف وهي لا تقدر، وهذا أمر وشاهد معهود طيلة هذه الأزمنة المارة، وهي فوق اثني عشر قرنًا، وانظر إلى أئمة بني خروص وعلمائهم (2/35)
صفحة 313
وأدبائهم، ولا يوجد خزيري عالمًا أو حتى شاعرًا على كثرة علماء بني خروص وأهل الفضل فيهم فسبحان من له في خلقه أسرار وفي عباده عظيم الاعتبار.
كانت وفاة الإمام الوارث رحمه الله في اليوم الثالث من جمادي الأولى سنة 192اثنتين وتسعين ومائة، ومات الرشيد بعده بسنة واحدة فقط إذ مات سنة 193 وأراح الله الأمة من شره وشر ذويه، وانقطع أمرهم عن عمان إلا ما سيأتي من حروب ابن بور عامل المعتضد، وابتلت بهم عمان أشد ابتلاء حتى فرج أزمتهم بأهل الحق، وأزال بغيهم ونغرتهم كما سيأتي ذلك في محله إن شاء الله. (2/36)
صفحة 314
إمامة الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي من الفجح على الصحيح عند الكل
لما مات الوارث بن كعب رحمه الله ورضي عنه بايعوا بعده غسان بن عبدالله يوم الاثنين لست خلون من جمادي الأولى سنة 192 اثنين وتسعين ومائة في عهد هارون الرشيد، قال أبو زياد: لما غرق الوارث بن كعب رحمه الله، قال سليمان لمسعدة بن تميم عند فلج ضوت في البطحاء، أي من نزوى: نكتب إلى أهل السر يأتون، قال ابن تميم: إنما يريد عثمان أن نؤخر هذا الأمر حتى يجتمع إلينا الناس، أو قال غوغاء الناس. فيختلفون علينا، ولكنا نقطع الأمر، قال أبو الحسن بيعة المسلمون على ما بويع عليه الإمام الوارث رحمهما الله، فقام بالحق وعمل به، وعز الحق في أيامه، وظهرت دعوة المسلمين بعمان، وكان في أيامه جملة من العلماء الذين هم مصابيح ظلمات الجهل، والهداة إلى الله علماء أساطين، وفقهاء ميامين، وأخيار مخلصين، سوف يمر عليك ذكرهم، وبعد ما فرت الإمامة على كاهل غسان بن عبدالله، ورضي المسلمون إمامته، ولم ينكر ذلك أحد من أهل الحق.
وقد قام غسان الإمام بحقوق الإسلام ومراشد الأنام للصالح العام. (2/37)
صفحة 315
الإمام غسان يخرج إلى صحار لتوطيد الأمور هناك
لا يخفى أن الطرف الصحاري في الباطنة لا يزال منظورًا إليه بأعين الاحترام من ناحية، ومن ناحية أخرى بأعين المطامع لاسيما في ذلك الأوان، فإن الجانب الشمالي كان كرسي عمان، ومصب خيراتها، ومحط ثمراتها، ومدخل غزاتها، كما علمت ذلك مما حدث عنه التاريخ جاهلية وإسلامًا، وأن بوارج الهند وفارس بدا منها على بحر عمان فساد، فكانوا يخرجون غزاة للمارين في البحر، وللذين يظفرون بهم في ساحل عمان، وكان هارون الرشيد قد هلك بعد ما تولى غسان أمر عمان، فرأى من الضروري تأمين البحر لأن طريق المسلمين في البحر كطريقهم في البر، يجب أن يكون آمناً مطمئنًا من معرة المفسدين في الأرض، فخرج غسان من نزوى قاصدًا صحار، وكان الخروج إذ ذاك على الرواحل وعلى الأقدام ولذلك يستدعي أيامًا في الطريق، وأن السفر من نزوى إلى صحار في ذلك العهد كالسفر الآن إلى الحج، إذ يبقى في الطريق أيامًا، فإذا وصل صحار كأنه وقع في بئر بالنسبة إلى داخلية عمان، فمتى تصل الأخبار عنه إلى عمان الداخلية إلا بعد مدة لاسيما إذا كان المسير على الأقدام، أو الراحل العادية، فإذا كان الأمر مُهماً فعلى الإبل المعدودة لهذا الشأن أو الخيل المهيأة لهذا، المسومة عند أهل عمان، قدم الإمام غسان صحار لخمس بقين من جمادي الآخرة سنة 201 إحدى ومائتين.
قال أهل التاريخ: وكان البوارج وهم كفار الهند يقعدون بأطراف عمان يسلبون المارة، وينهبون القارة، ويهربون إلى ناحية فارس (2/38)
صفحة 316
والعراق فكانوا فيما بلغنا يهاجمون النواحي الشمالية من عمان، كدبا وجلفار وما حولها من تلك الأطراف، لعلهم ببعدها عن مركز الشراة العمانيين، فرأى غسان رحمه الله أن ينظم لهم جندًا يصادفهم في البحر قطعًا لفسادهم، فاتخذ الزوارق، وهو أول من اتخذها لتأمين البحر بعمان، وهي ضرب من السفن، فاتخذ منهما أسطولاً لحماية شطوط عمان من القرصان الهنود وهو أول من اتخذها من أئمة عمان، وأما الغرف فهو نوع من السفن يقرب من الشذاءات كما يسميها أهل البحر أيضًا، أي الشذاءات هي السفن الصغير المهيأة لغزو القرصان في البحر، فغزا الجيش العماني قراصنة البحر أينما حلوا وأينما ظعنوا، كلما جاءوا إلى جانب وجدوا شراة البحر على استعداد تام، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فهربوا وانقطع فسادهم وزال بغيهم وعنادهم.
قال الإمام: وأمن الله الناس من البوارج بهذه الشذاءات والغرف، أي السفن الصغيرة لأنها أخف سيرًا وأسرع جريًا في البحر، وأيسر مؤونة إذ ذلك العهد، ثم لما تم ما أراد رجع الإمام إلى نزوى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من رجب سنة 206 ست ومائتين، فكانت مدة سفرته إلى صحار ستة عشر يومًا فقط، كان الصلاح فيها عظيماً والانفعال سريعًا والحمد لله. وبع رجوعه رحمه الله، قتل أبو راشد بن محمد بالأفلاج يوم الخميس لست من ربيع الأول من سنة 207 سبع ومائتين، وقتل صقر بن محمد بن زائدة بن جعفر الجلنداني، وكان لقتلهما أسباب غيرة على الحق، ذلك أن صقرا كان مستورًا الأحوال عند المسلمين، وهو من ذرية آل الجلندى المتقدم ذكرهم، ذلك أن صقرًا كان قد بايع المسلمين على ابن عمه راشد بن النضر بن سعيد (2/39)
صفحة 317
الجلنداني، وأعان صقر المسلمين بالمال والسلاح، إذ كان من أعيان أهل عمان، وكان زعيمًا من زعماء آل الجلندى، فلما أزال الله ملك راشد بن النضر وانتهى بوقعة المجازة من الظاهرة وهرب المذكور راغمًا، وتولى المسلمون الأمر كما قدمنا.
قال الإمام: أذل الله الفاسق راشد بن النضر وغير نعمته، واظهر الله دعوة المسلمين وكلمتهم، خرج على المسلمين رجل من أهل الشرق من بني هناءة، وخرج معه بنو هناءة بغاة على الحق، وكان هذا الخارج هو راشد بن شادان بن غسان بن سعيد بن شجاع المحاربي الهنائي، فألقى بعض الناس إلى المسلمين أن أخا صقر بن زائدة عند البغاة، فاستنكروا ذلك واسترابوه ورأوه كبيًرا من صقر، حيث إنه معهم بالحال والمال والسلاح، وأن أخاه في جيش الباغي على المسلمين. ولما ذكر لصقر ذلك قال: من يقول ذلك وإن أخي مريض عندي في الدار، وكان صقر يومئذ في سمائل، قال: فلما هزم الله البغاة أي المحاربي ومن معه، وظفر المسلمون بهم تحقق أن أخا صقر كان مع البغاة، فعند ذلك اتهموا صقرًا بالمداهنة لما ستر عنهم أمر أخيه، وكان الإمام يومئذ بنزوى، وكان الوالي على سمائل يومئذ أبو الوضاح. قال فرفع أبو الوضاح صقرًا إلى الإمام مع سرية بعثها الإمام لحمله، أي صح ذلك الحال مع المسلمين، وأرسل الإمام إلى صقر من يحمله إليه بنزوى ليعاقبه أو ليستطلع حقيقة الرجل، وخرج أبو الوضاح أي والي سمائل في صحبة صقر المذكور إلى الإمام، ولا يدوي خروجه هل كان لقصد الدفاع عن صقر إذ كان يبرئه من السوء المنسوب إليه فيعتذر عنه مع الإمام، أو لأمر آخر كان يكتمه في نفسه، وفي أثناء (2/40)
صفحة 318
الطريق وافتهم سرية أخرى من الإمام إلى صقر بن زائدة، وبعث معهم العلامة الكبير موسى بن على رحمه الله. لئلا يقع بطش في غير المستحق، أو لأن صقرًا كان من الزعماء الذين لهم أهمية، فيخشى امتناعه فيقع بينه وبين شراة الإمام أمر، وكان موسى بن علي الرجل الوحيد في زمانه شرفًا وفضلاً وعلمًا وعملاً، فالتقت هذه السرية بصقر ومن معه في نجد السحاماة، وهو المرتفع أعلى وادي سمائل ووادي حلفين فبينما هم في مسيرتهم إذا اعترض الشراة صقرًا فقتلوه، فلم يكن للوالي أبي الوضاح ولا لموسى بن علي منعهم من قتله.
قال أبو الحواري: وبلغنا أن موسى بن علي رحمه الله خاف على نفسه، فلو قال شيئًا لقتلوه ولم يكن من الإمام انكار، أي على القاتلين وكانت تلك الأيام الدولة في أول شبابها، وفي صدر قوتها ونشاطها، وجملة من العلماء يديرون شئونها ويقومون بمهماتها. قال: فيحتمل سكوت الإمام رحمه الله تعالى أحد وجهين، إما أن يكون قد صح إن صقرًا بايع عليه واستوجب بذلك القتل فأسر إلى بعض الشراة أن يقتله، ولم يشتهر هو بقتله كي لا تكون عصبية، وإما أن يكون قد احتمل القاتل معه أن يكون قتله بحق علمه كما احتملوا ذلك في قتل عيسى بن جعفر.
قلت: هذا الاحتمال الأخير لا وجه له وإلا كان كل واحد يقول أنا قتلت فلانًا بحق لي وليس هذا بشيء، لكن الاحتمال الأول أقرب إلى الصواب ألا ترى الإمام أرسل إلى صقر سرية تحمله ثم أتبعها بأخرى تعززها، فهذا يدل على شيء قد صح عند الإمام، وقد سبق أن أصل طلبهم له أنه قد تحقق أن أخا صقر مع البغاة، وأن المسلمين لما (2/41)
صفحة 319
سألوا صقرًا ناضل عن أخيه بقوله أنه مريض معه في الدار، وهم قد تحققوا أنه مع البغاة، فبهذا رأوا منه ذلك خيانة للمسلمين استوجب بها القتل، وكانوا أشداء على أهل النفاق، ونقول: ليت القوم لم يفعلوا في صقر هذا، وقد أعانهم بالمال والسلاح، وأيَّدهم وقوَّى دولتهم، ولم تقم عليه بعدُ حجة إلا قوله عن أخيه ذلك المقال، ولعل هناك أشياء لا ندري حقيقتها وهم المبتلون بها، وحاشاهم أن يقدموا على أمر كهذا إلا على صحة، فإن أمر القتل كبير لاسيما أن الإمام لم يقل شيئًا، فهذا دليل على أنه منه وإلا ليس للشراة مثل هذا مع وجود الإمام، بخلاف قضية عيسى بن جعفر، فإن عيسى كان قائد الجيش، وكل من قتل من المسلمين فقتله معدود عليه باتفاق أهل العلم في قواد الجيوش، كما يشير إليه قوله عليه الصلاة والسلام لهرقل: وإلا فعليك إثم الأريسيين. قال: وأما خوف موسى بن علي على نفسه لو أنكر فلم يتحقق ذلك، وإنما هو مجرد ظن من موسى في الشراة، ولعله لو عارضهم وهم مأمورون بقتله من الإمام لرأوه معارضًا للمسلمين، ورادًا لأمر إمامهم، ويكون بذلك مؤيدًا للباغي الممالئ على المسلمين، فلا يبعد أن يكون منهم شر كما ظنه وهو الفطن اللبيب، وأما هو بحسب الظاهر مجرد ظن وخوف إذ قام الشراة بشدة على صقر، ولما رأى المحاربي المذكور قوة المسلمين ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فألقى نفسه إلى اليحمد رهط الإمام وهم الفجح من أهالي الرستاق، فقاموا به عند الإمام وأخذوا له عهدًا من الإمام غسان رحمه الله لا يعود لفساد الأرض، وكان رحمه الله قد قبل منهم ذلك، فلعل السياسة اقتضت تفويض الفجح فيه بالعفو عما صدرت منه تلك القضايا المعدودة في التاريخ، فإنه قام على نزوى فانتهبها وهاجم (2/42)
صفحة 320
دما من شرقية الباطنة، وكان منه ما كان مما ذكره المؤرخون من قتل واليها وانتهابه لها، وكان رأس بغي وعمود ضلال.
وذكر ابن زريق قضية صقر بن زائدة وأن الإمام أرسل سرايا وكتب لواليه الذي يحصن سمائل وهو الوضاح بن عقبة أن يسلمه للشراة، ولما صلوا هاجمته الشراة فقبضوا عليه، ومضى الوالي معهم وذكر ما قدمنا من وصول السرية التي فيها موسى بن علي شيخ المسلمين وعمدتهم في الدين، والأحوال أولى بها من كان مبتلى بها، وأما المحاربي المذكور فهو اشتهر بالبغي، وفعل أشياء ينكرها العقل والنقل، وتردد ذكره في التاريخ والله يبتلي المسلمين بالبغاة المجرمين، فبعد ما هاجم نزوى وانتهبها باغيًا وهاجم دما باغيًا، وعاث في أرض الله بغيًا وعدوانا، فهو أعظم جرمًا من صقر الذي لم يعد عليه إلا كون أخيه مع البغاة، وأنه كتم على المسلمين أمره، فبهذا سيقت إليه السرايا الواحدة تلو الأخرى حتى قتله الشراة في شيخ الإسلام موسى ابن علي، والوالي أبي الوضاح قبل أن يصل إلى الإمام ولو كان من الإمام أمرًا صادرًا شاهرًا ظاهرًا لكان من حق موسى بن علي ألا يقاتل في وجهه فكيف وهو يقتل في أيديهم الطريق، فلماذا جاء موسى بن علي رحمه الله، وهو علامة المسلمين، ويترك المحاربي ويسكت عما فعله وهو أمر عظيم، وصقر لم يفعل بعد شيئًا، بل فعل فقد أعان المسلمين بالمال والسلاح، فانظروا الفرق بين القضيتين، نعم الذي يجب أن نقول عليه أن الإمام رأى قتل صقر ورأى العفو عن المحاربي فعفا عنه وله أن يعفو (2/43)
صفحة 321
عن الباغي في أحوال عديدة لاسيما إذا رأى المصلحة في العفو عنه ولا يزيده العفو عنه إلا وبالاً مع الله إن لم يتدارك أمره بالتوب إلى الله والرجوع إليه عزوجل، وحسن الظن بأئمة المسلمين وأهل الصلاح في الدين واجب، وكلامنا على الفرض والتقدير والاحتمال الواجب على المسلم نحو أخيه. (2/44)
صفحة 322
الإشادة بنزوى أيام غسان
لا يخفى أنه لما توالت الغزوات على مركز الزعامة العمانية في صحار، وتولي الغزاة الأشرار من العرب والفرس وغيرهم على الإمارة العمانية، ولم تزل الجيوش تساق من جهات شتى وكان مركز الإمامة لا يزال في قلق منذ قتل الجلندى وهلم جرا إلى عهد غسان الإمام ومهاجمته قراصنة الهند البوارج وغيرهم، وما كان قبل ذلك أيضًا رأى المسلمون تحويل عاصمة الإمامة من صحار إلى داخلية عمان في مكان يكون صالحًا لاستقرار كرسي الإمامة، وأن كون في صحار لا يزال مهددًا مرميًا من أعداء عمان وأعداء مذهبهم بأسوء العدوان، رأوا نزوى أمنع لهم وأصون لزعامتهم وأقر لسلطانهم فإنها في قلب الداخلية وإلى الشرق منها أقرب من الغرب، وأكثر الغزاة من الجانب الشمالي الغربي دائما فاتفق نظرهم إلى هذا ورأوها أصلح بلا جدال، فأمروا أن يكون الإمام بها ولا يخرج منها إلا لمهم يبدو أو لداع يستدعي الخروج، وأن الغازي إذا جاء وبلغ خبره الإمام أمكن أن يجهز له من يصده ويردوه ويسد الثغور في وجهه، ويلتقيه بمن شاء من رجال عمان البواسل قبل أن ينال غرضًا من الإمام، فإن الإمام فئة قومه وإليه يلجأ الخائف وإنه لنظر سديد ورأي حميد، اعتمدوا له واتبعوا مقتضاه، وإذ ذاك نظروا في الجمعة فرأوها باقية لا تزال ثابتة الدعائم في صحار، يقوم بها نائب الإمام فيها من قاضٍ ووالٍ ونحوهما، وأن تقام في نزوى مع وجود الإمام بها لأنها شرعت في بيضة المسلمين، وأن الإمام هو بيضتهم ومطمح نظر العدو، إليه دون غيره. (2/45)
صفحة 323
وخرجت فتاويهم فيها على هذا فلم تزل الجمعة باقية في صحار منذ ذلك العهد، كان بها إمام أو لم يكن، أما نزوى ففي أيام الأئمة ذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وها نحن الآن نطالب السلطان بنقلها إلى مسقط لكونهما الآن عاصمة عمان، ومنتدح أهل القطر، وبها عرش السلطان حين إختربت صحار، وزالت عنها الصفات الحميدة وتغير الوضع في هذه العصور الأخيرة، فإن المذهب منها هم أن يتقلص ظله، وانتقل الأمر السلطاني إلى مسقط، وانحل عز صحار وانهار صرحها العالي، وأصبحت اسمًا بلا مسمى، ولله في خلقه أحوال ولكل شيء غاية ينتهي إليها، وحق على الله ألا يرفع شيئًا من أمر هذه الدنيا إلا وضعه، وتلك الأيام نداولها بين الناس، ولقد قال الحكيم العربي:
وإذا ... نظرت ... إلى ... البقاع ... رأيتها
تشقى ... كما ... تشقى ... الرجال ... وتسعد
ونزوى صارت كرسي الإمامة في عمان منذ العهد، قال الإمام رحمه الله: وكان مقام الإمام بنزوى في بيت الإمامة في العقر. قلت: هو الذي نسميه الآن حصنًا، وهذا يدل أننهم لتخذوا للإمامة في نزوى مركزًا خاصًا للزعامة، وقد لازم نزوى الإمام الوارث بن كعب رحمه الله، ولم تكن قبله لذلك، بل استمر بها الحال بعده، وفي عهد الإمام غسان سميت تخت ملك العرب، أي في عمان خاصة، فإن تخت ملك العرب مطلقًا كان مكة ثم انتقل بمحمد عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، ثم إلى الشام أيام معاوية، ثم العراق أيام بني العباس وهكذا لكل جيل خصائص، قال الإمام: وفي زمانه أي زمان الإمام غسان رحمه الله سميت نزوى بيضة الإسلام: (2/46)
صفحة 324
فافرق ... بها ... البيد ... حتى ... لها
فرق ... على ... بيضة ... الإسلام ... عنوان
انزل ... فديتك ... عنها ... إن ... وجهتها
تخت ... الأئمة ... مذ ... كانت ... ومذ ... كانوا
قال الإمام: قال في بعض السير ولها مدائح في كتاب سير العرب، وفي كتاب سير العجم تركت خوف الإطالة، قلت. ليتها لم تترك حتى نعلم عنها شيئًا يحسن السكوت عليه، وليتنا نعلم الكتابين المشار إليهما حتى نطلبهما، وحكاية الإمام بذلك لا تكفينا ولا تشفينا، والخلاصة معنا أن نزوى عرش الإمامة في عمان، ولن يتبدل عنها العمانيون عاصمة لإمامتهم مهما كانت الحال في عمان، فقد استوطنها الأئمة والعلماء والقضاء، وكم حوت تربتها من إمام وفقيه وزاهد وعابد:
فإن ... تيامنت ... الحوراء ... شاخصة
لها ... مع ... السحب ... أكتاف ... وأحضان
فحط ... رحلك ... عنها ... إنها ... بلغت
نزوى ... وطافت ... بها ... للمجد ... أركان
هناك ... انزل ... وقبل ... تربة ... نبتت
بها ... الخلافة ... والإيمان ... إيمان
انزل ... على ... عرصات ... كلها ... قدس
للحق ... فيهن ... أزهار ... وأفنان
انزل ... على ... عدنات ... النور ... حيث ... حوت
أئمة ... الدين ... قيعان ... وظهران (2/47)
صفحة 325
حيث ... الملائكة ... احتلت ... مشاهدهم
لها ... على ... الحل ... والتعريج ... إدمان
أرض ... مقدسة ... قد ... بركت ... وزكت
تنصب ... فيها ... من ... الأنوار ... معنان
ميمونة ... بركات ... الله ... تنفحها
واليمن ... يثمره ... علم ... وإيمان
رست ... بها ... هضبة ... الإسلام ... من ... حقب
وإن ... قضت ... باستتار ... العدل ... أحيان
قديمة ... الذكر ... عاذ ... الدين ... عائذها
من ... يوم ... أصبح ... توحيد ... وقرآن
قامت ... بها ... قبة ... الإسلام ... شامخة
حتى ... تواضع ... بهرام ... وكيوان
ولم ... تزل ... عرضة ... للعدل ... عاصمة
للاستقامة ... فيها ... الدهر ... سلطان
كما ... أشهر ... الله ... فيها ... من ... حسام ... هدى
كأنها ... لسيوف ... الله ... أجفان
كنانة ... لسهام ... الله ... ما ... عرفت
مذ ... كان ... للجور ... شيطان ... وسلطان (2/48)
صفحة 326
بحجة ... الله ... قامت ... في ... الشقاق ... لها
بدين ... ذي ... الثفنات ... الحبر ... أيقان
لسرها ... واختصاص ... الله ... قائمها
بالنصر ... والفتح ... برهان ... فبرهان
تعاقبت ... خلفاء ... الله ... منصبها
منذ ... الجلندى ... وختم ... الكل ... عزان
وللإمام الحضرمي رحمه الله:
وكم ... من ... إمام ... حل ... نزوى
وأعوانه ... في ... الصين ... أو ... في ... خراسان
يالنزوى ... وهل ... لنا ... بعد ... نزوى
وعليها ... تعاقب ... الخلفاء
والحقيقة ما زال الأئمة بعمان يستوطنون نزوى إلى هذا العهد الذي نحن فيه وقد لازمها الإمام الخليلي رحمه الله تعالى آخر عمره، وفضل الموت فيها ليجاور إخوانه الكرام حتى وفقه الله لذلك المرام، فمات بها ودفن بجوار الإمامين ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف رضي الله عنهم. (2/49)
صفحة 327
الإمام غسان يهتم بأحوال الأمة باطنًا وظاهرًا
عظمت النعمة على أهل عمان، واطمأن الناس برًا وبحرًا وكثرت الخيرات، وعظمت البركات وبورك لهم في الأثمار، وربحت التجار وانبسطت الفضائل من الله عزوجل، فكان الغيث مدرارًا، والعدل يورث الأمة عزًا وشرفًا، ويعلي منار الدين لأهل الوفاء، فلم الأمطار فياضة على عمان، بحيث ترى الأودية جارية والصحاري خضرا والجبال كذلك، وليس على الأمة مهم يزعجهم أو كارث يهمهم.
قال الإمام: وفي زمانه أخصبت عمان خصبًا كثيرًا وصارت خير دار وبقى الخصب من بعده عهدًا طويلاً، حتى قيل إن فلج ضوت بنزوى بقى زمانًا تسقى أمواله من جبلة خراسين، أي إن نبع الماء من خراسين بقى زمانًا كافيًا لسقي أموال ضوت من كثرة رش الماء، حتى إن الفلج ذهب ولم يعرف له أثر بأموال دارس، أي أن الفلج هو في الأصل منبعه من أموال دارس، ولما استمر الخصب أربعين سنة لم يعد يعرف أصله أين هو فضاع صوت القديم بذلك، وهكذا بقية أفلاج عمان وكان الإمام غسان رحمه الله يخرج يزور قبر الوارث رحمه الله، ويمشي على الغيل في الوادي يفعل ذلك كل جمعة، فيبقى هناك فيغتسل في ذلك الغيل، ثم يعود إلى الجامع لأداء فريضة الجمعة، ثم يرجع إلى الحصن واتخذ ذلك عادة، وكان يتفقد الأحوال ويراعي بأحاسيسه نعم الله تعالى، فيرى الماء صافيًا كأنما سال ذلك اليوم، حتى رأى في بعض الأيام بالماء طحلبًا فاقشعر جلده وتأوه، وقال في نفسه: لعل حدثًا وقع فتأثر (2/50)
صفحة 328
منه هذا الماء، فراجع نفسه فلم يجد لها شيئا، ونظر إلى الأمة وإذا بها في أوفر النعم وأكمل الأحوال، ولم يزل يقول في نفسه إن هذا اثر عن تغيير، مع أن الطحلب عادة في المياه إذا طال بها العهد، فأحضر أهل الأموال، وروي لهم بحرب الهند لأن البوارج الذين قاومهم الأمام في البحر من أهل الهند وقال لهم: أريد أحرب الهند وبيت المال لا يكفي، أي للمصاريف التي تستدعيها الحرب، وأريد أن أجعل على التجار قرضا يكون أداؤه من بيت المال، قال أبو إسحاق: وهذا القرض يعبرون عنه الآن أي في الممالك الإسلامية بقرض الدفاع، القرض الذي تقرضه الأمة لدولتها لأجل الحرب، وهذا أتى به شيخ الإسلام سعيد بن خلفان للأمام عزان بن قيس رحمهما الله.
قال: فقال الإمام للمستشارين في ذلك وهم أصحاب الأموال: أشاوركم في ذلك فماذا ترون؟ فقال أصحاب الأموال: أيها الأمام التجار يسعون بالفائدة أو هم يطلبون الفائدة أي الأرباح، وإن قلت دراهمهم ضاعت المعاملة بيننا وبينهم، ونحن أرباب الأموال والقرضة علينا بما تزيد، فقال: طيب! وأسرها في نفسه وقال لهم: أريد أحرب الهند، وخزانة بيت المال لا تكفي لمقاومة الحرب، وأناظركم أريد أن أجعل قرضه على بيت المال لتقويم هذه الحرب من أرباب الأموال، فما ترون: فقال التجار: أيها الإمام أصحاب الأموال أهل حرث، وأكثر الحروب غالبا لا تكفى مغرم ما عليها، والمراد هنا بالأموال النخل والزراعات على اختلاف أنواعها، في عرف أهل عمان، قال: وليس في أيديهم شيء مما يكفي لذلك، ولكن نحن عندنا ما يريد الإمام. فقال الإمام في نفسه: هؤلاء كالأولين (2/51)
صفحة 329
لا غير عندهم، ثم أحضر الوزراء وأرباب الدولة المسئولين فيها، فقال لهم: أريد أن أجعل قرضه على أرباب الأموال والتجار في بيت مال المسلمين لحرب الهند، فما ترون وهم قد عملوا حركته السابقة على بوارج الهند، وما كان مراده من ذلك كله إلا استكشاف أحوال الأمة، وهل فيها من الأحداث شيء تكون عاقبته سيئة على المجتمع، فقال له هذا الفريق الثالث: أيها الإمام هذا شيء وقع في نفوسنا من قبل، فقال في نفسه رحمه الله العلة ها هنا، وهي تكون غالبا في أولياء الأمور ولذلك تكون أيضا سريعة التأثير في الأمة، لأن بيدهم نفوذا في الهيئة الاجتماعية.
قال: قلما استقر عند الإمام محل الغير قام فاستبدل بهم غيرهم، إي عزل أولئك العمال الذين في الدولة أعمال، وجاء بآخرين غيرهم، ثم خرج في الجمعة الآتية وهو يريد زيارة الوارث، وفي النفس التفات إلى ما وقع له فنظر في الغيل فلم ير شيئا مما رآه سابقا، فشكر الله على ما وفق له من النظر في مصالح الأمة التي هو مسئول عنها، فأكرم بغسان وأكرم بأعماله في عمان.
ولا شك أن معاصي بنى آدم لها أثر أثير في جلب كل شر ورفع كل خير (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) 6 لآية وفي الحديث: إن معاصي بني آدم لتدرك الضب في حجره والطير في وكره، وكم لهذا من أدلة عقلية ونقليه عرفها المسلمون، وعوائد الله في خلقه معروفة، ورحمته واسعة.
وهكذا ينبغي الذي يتولى أمر الأمة فلا يغفل عن مصالحها الحسية والمعنوية، ولو سكت غسان عن الحال التي رآها وبقى يحوقل في نفسه. (2/52)
صفحة 330
وقال: أن بدلت هؤلاء لا أجد غيرهم أو ربما كانوا مثلهم، وحدث نفسه بمثل هذه الأحاديث لجف الماء، وجف المرعى ومنعت السماء قطرها والأرض نباتها وهلكت الأمة:
أيغفل ... عن ... سوائمة ... مليك
يسمى ... نفسه ... الراعى ... الأمنيا
وعلى هذا الأسلوب ينبغي أن يكون أولياء الأمور، وإلا كان موقفهم عند الله مخطرًا يوم يسألهم الله عمن استرعاهم إياهم.
نسأل الله الهداية والتوفيق والعون على تقواه إنه كريم رحيم، فكر أيها العاقل في أعمال غسان تجدها مثالاً للنزاهة وقانونًا للرعاية حتى رأى الماء زائدًا عن عادته من غير مطر، فضلاً عن الطحلب الذي كان رآه الإمام في ذلك الحال، فلما انغسلت تلك السيئة التي انطوى عليها أولئك المشبوهين في الأمة، انغسل الماء في الوادي وزاد عن عادته، ولم نعرف مثل هذه الأحوال لغير غسان رحمه الله. ما أيقظه في أمته وما أكرمه على الله الذي كشف هذه الأحوال له بحسن نيته، وأرشده للجهة التي يلتمس منها العلة التي خافها على المجتمع العام، وكما تكون يولى عليكم، والأمة على دين ملوكها، فأعزز بأمة هؤلاء ملوكها وأهل الحل والعقد فيها رحمهم الله. (2/53)
صفحة 331
أعمال الإمام غسان في عمان
اعلم أن للإمام غسان أعمالاً اختص بها وجعلها من بعده حجة يستند عليها، وقانونًا يعتمد عليه، ولا ريب فإن أعمال الأئمة عمدة الأمة.
وغسان رحمه الله كان الحجر الثالث الذي قام عليه بناء المسلمين لإمامتهم بعمان، بعد افتراق الأمم بجور الملوك والسلاطين والأمراء المجرمين الذين لا يبالون بما يأتون وما يذرون.
كان الإمام غسان أول إمام قطع يد سارق بعمان تنفيذًا لحدود الله وقيامًا بواجباته عز وعلا، فإنه لما وصل صحار في سفرته تلك جئ إليه بسارق سرق من حرز، فقطع الإمام يده فكانت لذلك هيبة عارمة في قلوب أهل السفه المفسدين في الأرض، وكان بقية من آل الجلندى في نزوى لهم بها محلة كانت عقودًا مبينة عليها الغرف وتمر الطرق تحت تلك العقود المشار إليها، وهي مظلمة بعدم النوافذ فيها، وكان بعض السفهاء يختفون في تلك العقود المظلمة للنساء، فإذا مرت النساء خرجوا لهن ولعلهن المسترابات بحسب الظاهر، فشاع هذا الحال حتى بلغ الإمام فأمر بهدم تلك العقود، أو يسرج فيها أهلها سرجًا طيلة الليل، أو يخرجوا طريقًا في أموالهم للمارة بالليل قطعًا لشأفة الفساد، وألزم بني الجلندى ذلك دفعًا لبغيهم وفسادهم، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فأخرج أهل الأموال طريقًا في أموالهم بدل تلك الطريق المشار إليها، وزال المحذور. هكذا قال أبو الحواري، وقد أخذنا ذلك عنه بالمعنى، وقد ذكرها السالمي في تحفة الأعيان، (2/54)
صفحة 332
قال: كانت لبني الجلندى بسمد نزوى محلة ولعل موضعها المسمى الآن العقودية، قال أبو الحواري: وكانت هذه الدار عقودًا على الطريق، والمعنى كانت الطريق مسقفة عليها غرف ويسمونها عقودًا في عرف أهل البناء عرفًا شائعًا إلى الآن، وربما سموا تلك الطريق على هذه الصفة صباحًا والصباح هو دهليز الدار يكون عليه البناء، ويجمعونه على صبحات أي دهاليز قال على الطريق الجائز، أي الشارع العام للمحلة المؤدي إليها والموصل منها إلى غيرها، وغالبًا يكون لصيانة المحلات أيام المحافات. قال: وأحسب أنه كان فوق العقود الغرف وكانت العقود يعقد فيها أهل الريبة. قلت: لم تكن مخصوصة بذلك بل تكون سببًا للاختفاء فيها، ويجد فيها سبيلا لغرضه، إذا لابد للنساء من الخروج لحوائجهن لاسيما أيام الخوف، فإن النساء تخرج بالليل لتنظر المفسد من المصلح، والأعداء الذين يترصدون في هذا الأمكنة، وتكون غالبًا مغلقة بأبواب مانعة، وربما كان على الأبواب بوابون.
قال: فبلغنا أن امرأة خرجت بالليل في تلك العقود وهي مظلمة، فاعترض لها رجل من الفساق فبلغ ذلك الإمام فأرسل إلى أصحاب الدار وأمرهم أب يهدموا العقود، وحكم عليهم بذلك أو يسرجوا بالليل حتى يرى من يعقد فيها من أهل الريبة، فأخرج أهل الدار طريقًا للناس في أموالهم، وكان الناس يمرون في تلك الطريق إلى أن خرجت تلك الدار فرجع أصحاب الدار إلى طريقهم فأدخلوها في أموالهم وعمروها، ورجع الناس إلى طريقهم الأول فعد الناس هذه من الإمام غسان خلاف المعتاد، حيث كلفهم أمر شاقًا، وكان الواجب تأديب المعتدي وعقوبة المقترف للإثم إلا أن الإمام رأى أن هذه المفسدة لا تزول إلا بذلك.
قال الإمام: ولهذه الطريق رسوم وآثار سهيلى المسجد الجامع من (2/55)
صفحة 333
سمد نزوى. قال أبو الحواري: ولو أهل الدار لم يفعلوا ذلك ولم يسرجوا في العقود على ما أمرهم الإمام، فلعله كان يهدم الدار. قال: وهو وجه من الحق والعدل إن شاء الله تعالى. قال: فهذا غسان قد أمر بهدم الدار- لهذه المفسدة فكيف ولو كان فيها أحد من البغاة لكان أعظم ذنبًا وأشد عقوبة.
ومنها ما صار في فلج الخطم من منح، وذلك أن السيل الذي غرق فيه الإمام المرضي الوارث بن كعب رحمه الله، أتى على هذا الفلج فاجتاحه من أصله ولم يعرف له أثر بعد انقطاع السيل، إذا كان جائحًا عظيمًا غير تخوم الأرض، وسحب المباني والنخل والشجر إذ كان تيارًا عظيمًا ولم يجد أهل الفلج سبيلا لإخراج فلجهم إلا في أموال أهل نزوى، أي أن أهل نزوى كانت لهم هناك أموال أي حدائق وبساتين بالقرب من مجرى الفلج، فمر الإمام القاسم بن الأشعث، وهو أحد زعماء فلج الخطم أن يستر نفسه، أي يختفي في مكان قرب مجلس الإمام رحمه الله، ثم أرسل الإمام رحمه الله إلى القاضي الوحيد في نزوى وهو العلامة المدعو سليمان بن عثمان، فلما أتى إليه قال له يا أبا عثمان ما تقول في فلج القوم مثل فلج نزوى في أرض سمد، وهي لبني أبي المعمر، فأتى عليه السيل فاجتاحه فلم يقدروا إخراجه إلا في أموال الناس، فهل لهم ذلك؟ فقال سليمان: نعم لهم ذلك، فقال له الإمام: لهم ذلك الثمن أم بغير الثمن؟ فقال سليمان لهم بذلك بالثمن. فقال الإمام الثمن يكون بما قال أرباب الأموال أم بقيمة العدول؟ فقال له سليمان: بل بقيمة العدول. قال فلما عرف الإمام غسان رأي سليمان بن عثمان في ذلك تمسك به فلما انصرف سليمان (2/56)
صفحة 334
أرسل الإمام إلى القاسم بن الأشعث فلما أتى قال الإمام: اذهب فادع خصماءك فانطلق القاسم بن الأشعث، فأتى بهم إلى الإمام وهم بننو زياد، فلما حضروا معه طلب القاسم بن الأشعث مجرى لفلجهم بالثمن، فقال أهل نزوى ليس علينا ذلك، فقال لهم الإمام غسان هذا رأي سليمان ابن عثمان القاضي، فانطلق أهل نزوى إلى القاضي سلييمان المذكور وأخبروه بما قال لهم الإمام، وقالوا له: إنه قال هذا رأي سليمان بن عثمان، وكان القاضي من أهل نزوى وله فيهم مقام محترم. فقال لهم سليمان غرتى الإمام أو غرتى غسان فانطلق سليمان فأتى الإمام فقال: لقد رجعت عن رأي ذلك. فقال الإمام: فإني لا أقيلك وتمسك بذلك الرأي.
وقال الإمام لأهل نزوى اذهبوا فأخرجوا لهم مجرى لفلجهم بالثمن، فأبوا عن ذلك وامتنعوا فقال الإمام لأهل منح: اذهبوا فأخرجوا فلجكم فإن طلبوا الحق كان لهم ذلك ورأى المسلمين أو كما قال. فانطلق أهل منح فأخرجوا فلجاً أي ساقية لفلجهم في أرض أهل نزوى برأي الإمام غسان، ولم تكن ذلك برأي أهل نزوى، وهم كارهون لذلك، وهو فلج الخطم. قال الإمام: ذكر ذلك أبو الحواري. قال: والفلج قائم بعينه في أرض أهل نزوى في يومه هذا، قال ولعله لا يزال إلى يوم القيامة قال ولم يجبر أهل نزوى حتى يأخذوا حقوقهم من أهل منح أو يبرءوا منها.
هذا نص القضية ولم يبحثا فيها ليفيدوا المطلع، وذلك أن الفلج لما كان في الأصل مستقرًا في تلك الأرض مجراه، واختفى بذلك الحادث الذي هاجمه ولم يعرف أصل المجرى كان لهم ذلك، وعليهم قيمة الأرض التي يجري فيها على رأي القاضي سليمان، ووجه رأيه هذا (2/57)
صفحة 335
لأن الأصل معروف في تلك الأرض وبسبب الأحوال التي طرأت عليه حكم بالتضمين، لأنه يقع الآن في أرض مملوكة لأناس معروفين، وأما رجوع القاضي فلأنه رأى وفي الرأي مجال للرجوع، لأنه لم يكن نصًا لم يجر الرجوع عنه، فإن للرجوع عن المنصوص عليه رجوع عن الحق، والرجوع عن الحق لا يصلح بالإجماع.
ووجه عدم قبول الإمام لرجوع القاضي عن رأيه المشار إليه ذلك فإن الإمام يرى ذلك الرأي في القضية، وأحب أن يكون من غيره وأنه وجه من الوجوه الجائزة التي لابد القول بها والقبول لها، وإلا ضاعت مصلحة عامة لمصلحة خاصة، وذلك خلاف المشروع، وقول القاضي غرني غسان معناه، أراد ذلك مني أنا الإلزام أهل نزوى رأى أنا دون رأيه، فالإمام تستر بفتوى سليمان بن عثمان، وقول الإمام لأهل منح: اذهبوا فأخرجوا فلجكم في أرض أهل نزوى أي لامناص من ذلك، وقوله لم يجبر أهل نزوى على أخذ حقهم فإنه صح في الأثر من عرض له حقه، فلم يقبله فلا حق له وهو وجه، فإنه من رفض حقه اليوم فكيف يعود يطلبه غدًا بعد ما أضاعه بنفسه فمن يلوم فيه والحال هذا والله أعلم.
ثم ذكر الإمام القضية أيضا في شرح شمس الأصول في خصوص باب الاجتهاد في الجزء الثاني من طلعة الشمس صحيفة 290 مائتين وتسعين، وجعل ذلك من باب الاجتهاد أن المجتهد إذا اجتهد في حادثة وحكم فيها باجتهاده فحكمه فيها ماضٍ لا يمكن نفضه ويثبت حكما شرعيا والعلم عند الله عزوجل.
وكذلك حبس الإمام غسان بن عبدالله صقر بن محمد بن زائدة (2/58)
صفحة 336
بتهمة اتهمه بها هاشم بن الجلندى، وذلك أن هاشم بن الجلندى أصيب برمية جرحته ليلا فلم يعرف الرامي، ولكنه اتهم ابن عمه صقر بن زائدة، وكان صقر المذكور إذ ذاك في سمائل وكان منزله بها وكان هاشم بن الجلندى مع الإمام غسان بدما، فاتهم هاشم بذلك صقر بن محمد أنه أمر به من رماه، فأمر غسان بحبس صقر في سمائل، فأنكر عليه القاضي سليمان بن عثمان ذلك لأنه لم يدع أنه رماه، بل ادعى أنه أمر من رماه فرأى الإمام حبسه بهذه الدعوى، ووجهها تتبع عروق الفساد، أنه لا يكرم صقرًا من أن يأمر بذلك، وإذا كان كذلك فالأمر بالفساد في الأرض مفسد تحل عقوبته، وأما سائر العلماء يقولون لا تسمع هذه الدعوى على المدعى عليه لأنها لم تنص على نفس الأمر منه، فجعلوها من جملة أحكام الإمام غسان في عمان، واجتهاده ظاهر رحمه الله، وأنه لغواص على الحقائق، ولقد وقعت مثلها في زماننا هذا وهم الإمام الخليلي رحمه الله أن يقوم مقام غسان، لكن لم يظهر الادعاء من أهل الحق، وإنما ظهر من بعض الناس الذين جعلهم الإمام شركاءه في الرأي، ولكل أيام سياسة والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه، وصقر بن محمد بن زائدة ظاهر حاله مستور، فحسبه الإمام أولا بتهمة جراح هاشم ابن الجلندى، وقتله بتهمة أخيه أنه مع البغاة من بني هناة، وانه كتم على المسلمين أمر أخيه والله أعلم.
قال الإمام رحمه الله: أنكر عليه سليمان بن عثمان وقال: ليس له حسبه لأنه لم يتهمه أنه جرحه، وإنما اتهمه أنه أمر من جرحه. قال: فإنها عليه يمين ولا حبس عليه. قلت: حيث تسوغ عليه (2/59)
صفحة 337
اليمين يسوغ الحبس، لأن موجب اليمين هنا التهمة، وإذا أوجبت اليمين أوجبت الحبس، قال فلم يقبل غسان ذلك حتى رأى غضب سليمان وهجر الإمام. قال بعضهم: لا أدري أنا أيضا قوله، وقد فعل من هو الذي فعل وماذا فعل إن كان يعني الإمام فعل الحبس فذلك هو الذي أغضب القاضي حيث أنهلا يرى الحبس على صقر، وإن كان يعني القاضي قد فعل فلم يبين ما فعل هذا القاضي، ولعله يعني لما قال باليمين فتح للإمام باب الحبس، فلم يغضب على الإمام بذلك، قال: ولعله شاهد ما لم يشاهده، وهذا أيضا كلام مجمل كان ينبغي توضيحه ليكون مفهوما، فإن ما ليس مفهوما لا يكون حجة عند المسلمين، قال: والإمام أحق بتحسين الظن، أي في أمور المسلمين، قال الإمام السالمي رحمه الله: قلت ظهر وجه غضبه أو قال بسبب غضبه وهجره من قوله من قوله أنه ليس له حبس، وإنما عليه يمين. قال فهذا سليمان لا يرى على صقر حبسا بذلك الدعوى وحبسه الإمام رحمه الله، وسليمان لا يرى له ذلك في نظره واجتهاده، وكان قد أحب له السلامة منه والتعفف عنه والمؤمن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، ولم يبحث الإمام السالمي القضية بشيء إلا بهذا وعندي تحقيقها هو ذلك الذي قدمته.
ومن أعمال الإمام غسان أنه كان في أيامه بصحار قوم من الشيعة ولعلهم بقية ممن خلفتهم الحرب بصحار، وكان فيهم ناس معروفون، ومنهم رجل اسمه بقية، كان داعية الشيعة وداعيا إلى التشيع، وكان الإباضية يحترمون أهل لا إله إلا الله، مهما كانوا ما لهم يفارقوا أمراً ظاهراً مما ينكره الشرع، طلب الإمام بقية المذكور. وأظن كان (2/60)
صفحة 338
الطلب إذ كان الإمام بصحار، فجئ به إليه فامره بالخروج من صحار أصلا: لأنه يفسد الناس بلسانه، وربما أضاف شراً إلى شر، فالأولى خروجه من بلاد المسلمين، وأعطاه أجلا أربعة أشهر ليقضي ما عليه ويأخذ ماله.
قال أبو الوضاح: إنه مات بصحار قبل تمام المدة التي قررها له الإمام. قال أبو محمد: كان بقية يقال أنه كاد يكون فتنة. قلت: بل أشد لو بقى، قال: وكان يظهر الإعتزال ويرضى الزندقة. قلت: حينئذ ليس هو على مذهب خاص فحينا هو شيعي، وآنا هو معتزلي ووقتا هو زنديق، بل هو دائما زنديق، نعوذ بالله من سوايق الشقا. قال زياد ابن مثوبة: كان بصحار شيعة كان بقية أصغرهم. قال: وكانوا يشددون عليهم، قلت: لعل التشديد حين يطلقون ألسنتهم بسبب الشيخين، فإن ذلك لا يوافق عليه أحد من أهل المذاهب إلا الشيعة يسبون أبا بكر وعمر سباً شنيعاً ويخرجونهما من الإسلام بغير برهان من الله ولا دليل لهم على ذلك إلا هوى أنفسهم، وإن كان لهم دليل فليأتوا به إلينا فنريهم الحق قيه من الباطل أن كانوا يفقهون، وهذه كتب علمائهم تعلن سبهم جهاراً سباً يقولونه في اليهود النصارى: والله سائلهم عنه، ومن أعمال الإمام غسان رحمه الله استقضاؤه الأعمى، وكان أكثر المسلمين لا يرون قضاء الأعمى، لأن غالب أحوال القضاء تتعلق بالنظر، ولا يشذ عن النظر إلا القليل، ولذلك لا يرون القضاء للأعمى، وناهيك إذا كان لا يصلح لتصريف أملاكه أو لقضاء ديونه واقتضاء حقوقه، فكيف يصلح أن يكون قاضيًا واستقضى غسان الإمام مسبح بم عبدالله، وكان أعمى فكان يقضي في نزوى بين الناس أيام الإمام غسان، والقاضي يسمع (2/61)
صفحة 339
الشهود ويقضي على الخصمين، وهو لا يرى أحدا منهم، فجعل المسبح قاضيا على هذا الحال من جملة أعمال هذا السيد الهمام إمام المسلمين.
قال الإمام: وبعض المسلمين لا يرى القضاء للأعمى. قلت: لقد أشرت لك إلى بعض العلل التي تتعلق بالقضاء ويتأخر بها الأعمى عن مباشرة القضاء وهو الأولى والأسلم ما لم تدع إليه الضرورة، ولعلل الإمام يرى المسبح هو البصير وغيره الأعمى. قال الإمام السالمي رحمه الله:
وأنا ... البصير ... وإن ... رأيتم
أنني ... أعمى ... أدب
وقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن أم مكتوم على المدينة عاصمة المسلمين وهو أعمى، واستقضى الإمام الخليلي رحمه الله شيخنا ابن عبيد في سمائل وهو أعمى، واستقضى الشيخ العالم عبدالله بن عامر العزري في نزوى، والشيخ سالم بن حمد البراشدي في سناو والله أعلم.
ومن أعمال الإمام غسان في عمان أن عبدا أخذ من عمان وخرج به أخذوه إلى نواحي فارس، فبذل الإمام على ارتجاعه من بيت مال المسلمين أموالا ولم يروا عليه نقدا في ذلك، مع أن العبد مال وهو ينجي المال بالمال، وعلى القول به هل ينجي بقيمته أو أكثر، ولكن الإمام رحمه الله يرى أن تنجيه نفس مسلمة واجب بما عز وهان ذلك أن بيت المال جعل لمصالح المسلمين، وهذا من أكبر المصالح، فإن فيه (2/62)
صفحة 340
تنجية نفس مسلمة من إهانتها على الباطل مع أهل البغي والفساد، وفيه صيانة الحوزة من أيدي العابثين، وفيه تسكين النفوس الضعيفة من روعها وما تزهق به وعليه فلا عيب على الإمام إذا بذل المال الوافر على رد عبد أخذ اللصوص أو البغاة ونحوهم من المرتدين، وألا ينبغي إهمال الأمة للعادي عليها وإلا كان في ذلك قصود وتقصير من الإمام.
ومن أعمال الإمام غسان في عمان أن الباطنة كما هي معروفة تقوم بالزجر على البقر والحمير والإبل، لكن يشق ذلك وقت النهار للحر والعوارض التي تعرض، فكانوا يزجرون وقت الليل، ولا مقال في الأحرار الذين يملكون أمرهم، بل في المماليك الذين يستخدمهم كثير من أهل عمان وقت الليل وساداتهم نائمون على فرشهم وقت راحتهم، فلما علم ذلك إمام المسلمين رحمه الله اشمأز منه واستنكره وناقش فيه حتى رأى أنهم إذا استخدموهم بالليل أراحوهم بالنهار فوق الوقت الذي استخدموهم فيه، واقتنع بذلك إذ رأى أن الأمر لا يمكن فيه إلا ذلك، ولم يزل يردد رحمه الله في تأوه وتأفف قائلا: اللهم إنا عدلنا إلا في عبيد الباطنة، فإنه يرى ذلك مخالفا للعدل الواجب وهو إعطاء الحقوق لأهلها، إلا أن حقوق العبيد في الباطنة لم يعطيهم إياها كما ينبغي، لأنه ليس للسيد أن يستخدم عبيده وقت الليل ما لم تدع لذلك ضرورة، على هذا تخرج فتاوى المسلمين والله أعلم.
فتراهم جعلوا هذا الوجه في عبيد الباطنة من أعمال غسان رحمه (2/63)
صفحة 341
الله وكان الإمام رحمه الله على جانب عظيم من السياسةة في الأمة، فلو قيل إنه لم يَبْلَغْه أحد في سياسته لكان غير بعيد ونعني بذلك الشرعية التي يقتضيها الدين والعدالة بحيث لم يبق الإمام منهجا من مناهج الشريعة إلا وقد أخذ حظه منه، انظر عمله مع سليمان بن عثمان في فلج الخطم، وانظر عمله في قضايا صقر ابن محمد بن زائدة في حبسه وقتله، وفي عمل الشذاءات لطرد بوارج الهند، وفي عمله إذ جئ إليه بقوم أجرموا في المسلمين، وكانوا استحقوا القتل في نظر بعض المسلمين، مناظر الإمام فيهم القاضي مسبح بن عبدالله فلم ير قتلهم وبقوا في السجن، ثم ناظر المسلمون القاضي في ذلك، فرجع القاضي إلى رأي المسلمين الذين يرون قتل هؤلاء، ثم جاء القاضي إلى الإمام وأخبره بأنه رجع إلى القول بقتلهم، فقال له الإمام: لا أقبل منك هذا بيني وإياك حتى تقوم في المسلمين خطيبا وتعلن ذلك إليهم، أي لأن المسلمين قد عملوا سابقا منك عدم القول بالقتل فما بالك اليوم تقول ذلك بيني وبينك، فقام القاضي وخطب في الناس عن القول بعدم جواز قتلهم، وأننه أجاز ذلك للإمام، وأنه رجع عن قوله الأول، وفي هذا سياسة من الإمام في تبرئة ساحته عن الخلاف والشقاق وتوجيه الارتياب في عمل الإمام، فلله دره ما أعلى نظره وأنفذ رأيه، وهو العليم في الفقه في زمانه، ولكنه لا يفعل حتى يعطي كل مقام حقه، ولله في خلقه رجال يختصهم بهداه ويرشدهم لرضاه، فبعد ما أعلن القاضي قضة القوم ما هي، وصرح بجواز قتلهم الإمام، أمر الإمام بهم فضربت أعناقهم وأنفذ الأمر فهم، فطهر الأرض من بغيهم وفسادهم، ولله در (2/64)
صفحة 342
القاضي حيث تصلب وجاهر بإعلان ما رأى من صحة الحكم بقتلهم، وأنه أمر الإمام بقتلهم رحمه ورضي عنهم، إذ قاموا بحقوق الإسلام، وقاموا أهل الجرائم في الأنام، ولكل درجات مما عملوا فكان الإمام غسان بطلا من أبطال الإسلام بعمان وليثا من ليوثها العظام الذين تخر بين أيديهم جبابرة الأنام وتخضع لهم عتاة الأقوام. (2/65)
صفحة 343
نصائح العلماء للإمام غسان رحمه الله
لا يخفى على المسلم مهما كان أن الدين النصيحة، وأنها واجبة بنص الكتاب والسنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، وعلى مقتضاها مشت خيار هذه الأمة ينصح العالم الجاهل، والمأمور الأمير، والكبير الصغير، وأهم شيء نصائح العلماء للأمراء فإن الأمراء هم المسئولون من قبل الأمة، والعلماء هم المسئولون من قبل الله عزوجل، وإن كان عموم النصح مفروضا على الكل، وإلى ذلك يشير الحديث الصحيح، بل والنص القرآني كذلك. اللهم إلا إذا لم يكن مجال للنصح أو تبين أن لا قبول، فحينئذ يسقط وجوب النصح ويبقى الجواز، وكلمة حق عند سلطان جائر لا تبعد عن المقام، ولذلك علماء عمان ينصحون أئمتهم وأمراءهم ويناصحون بعضهم بعضًا، ولما كان الأئمة أهل دين وإيمان وتقوى وخوف من الله، ويرون لإخوانهم عليهم مننًا فيما قاموا به وعلموا عليه يقبلون نصحهم ويلومون على عدمه خصوصًا إذا وقع منهم ما يخالف الحق، فإن كل أنشردتهم الحق لا غير، فلذلك ترى لهم نصائح تحمل إلى الأئمة الإخلاص والصفا، وأحياناً التنديد على الأفعال المخالفة لسيرة السلف الصالح، وفي بعض الأحوال تراها ممزوج بالتهديد والزجر والعنيف وهكذا.
وذلك لأن الأئمة يعدون العلماء شركاءهم في الأمر وأعوانهم عليه، والواقع هو لذلك وإذا كان القوم على هذه الوتيرة فأكرم بهم وأعزز بمنهجهم، فهم القوم الذين لا يشقى جليسهم ولا يندم رئيسهم، ولا يظلم أميرهم ولا يتهور زعيمهم، أشداء على الكفار رحماء بينهم لا يهمهم إلا (2/66)
صفحة 344
أمر دينهم، ولا ينظرون إلى الدنيا إلا نظر المار في الطريق فإذا ضلها سأل عنها، فإذا عرفها لازمها، وقد نصح علماء المسلمين إمامهم غسان، منهم العلامة أبو مودود، وحاجب بن مودود، ومنهم مبارك بن جعفر، ومنهم سليمان بن عثمان الذي تحدثنا عنه سابقًا، ومسبح ابن عبدالله الأعمى قاضي بنزوى، ومنهم الحكم بن بشير، ومنهم مسعدة بن تميم، والأزهر بن علي، وعلي بن عزرة، وجعفر بن زيادة، وعبدالله بن أبي قيس، وعبد الله بن نافع، ورايس بن يزيد، وأبو مالك بن الهزبر، والأشعث بن محمد، والأزهر بن عبد الملك، وعبد العزيز بن عبد الرحمن، قال: وضرباؤهم، والمعنى هؤلاء مشاهير العلماء أيام غسان بن عبد الله، وبعضهم اشترك في دولة الإمام الوارث، والإمام غسان وبعضهم بقى إلى عهد عبد الملك بن حميد، وبعضهم لحق على إمامة الإمام المهنا بن جيفر رحمهم الله، هؤلاء الذين حرروا النصائح والمراشد إلى الإمام غسان، وأكرم بأمة هؤلاء أولياء أعمالها ورؤساء رجالها وزعماء أمورها، إذا انتقدوا أمر بادروه بسرعة شافية، فلا جرم إذا بقى الغيل لا يتكدر كأنه ذلك الحين نزل من السحاب فإن أمة يقوم بأمورها خيارها ولا يجد إلى الفساد شرارها سبيلاً لا يزال الخير لديهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) 7الآية.
نسأل الله الإقتداء بهم والاقتفاء لآثارهم، إننا لا نستطيع سرد ما حرره العلماء من النصائح إلى الأئمة في تاريخنا هذا، فإنه يطول بنا ولكنا نشير إلى ذلك، وإن كان هناك أمر خاص أتينا به لذلك الاختصاص، وإن كانت نصائحهم مشحونة بالسياسات الشرعية، والقواعد المرعية، فإنا نترك أكثرها إسراعاً إلى الأهم، لعلمنا أن (2/67)
صفحة 345
كل إمام له سياسة، ولكل أمة رئاسة، والخطب هنا يطول لا ينبغي أن تطلق فيه القول، فإنه لا مجال له عندنا إذ نحن معنيون بتحقيق التاريخ، وما يحتوي عليه من الأمور الناضجة والحقائق الصادقة التي لا بد من العمل بها، ولا ريب فإن إيراد نصائح العلماء يفيد المطلع اهتمام أهل العلم بأمور الدين وأن التناصح يرشد إلى الموالاة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة. قالها ثلاثاً ليعرب للناس بهذه الوجهة السامية. (2/68)
صفحة 346
وفاة الإمام غسان رحمه الله تعالى
عاش الإمام غسان بن عبد الله الفجي اليحمدي الأرذي في إمامته بعمان خمس عشرة سنة وسبعة أشهر، وقيل وتسعة أشهر بتقديم التاء المثناة من فوق إلا ثمانية أيام، وقيل ولى الأمر فعاش فيه خمس عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يوما، وقيل وسبعة أشهر وسبعة أيام، ومرض رحمة الله يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي القعدة سنة 207 سبع ومائتين، ومات يوم الأحد بعد صلاة الفجر لأربع بقين من ذي القعدة من السنة المذكورة أي سنة سبع ومائتين، فكان مرضه رحمه الله خمسة أيام فقضى الله عليه، وبوفاته أصيب المسلمون أعظم مصاب، إذا أنهد طرد عظيم من أطواد الإسلام الذي ملأ عمان هيبة تغمر الساحل والداخل، ويخضع للحق بها كل جاهل وعاقل، ولكن الدهر لا يسالم أحدا ولله من يقدم على الله مقدم هؤلاء القادة القوام في عباد الله بأمره تعالى، والله في خلقه ضنائن يختصهم برحمته فيجعلهم هداة أمته وساسة بريته، وبموته أقيم الخلف الصالح الذي يسد لك الثلمة ويملأ ذلك الفراغ الهام السيد المهام عبد الملك الذي سيأتي ذكره، وكان ذلك من توفيق الله لأهل عمان الذي اختصوا بهذه المنقبة التي لم تكن لأحد غيرهم من أهل عمان طيلة الأزمان، ولهذا حسدتهم الأمم في سائر الإفطار والحمد لله. (2/69)
صفحة 347
إمامة الإمام عبد الملك بن حميد العلوي
لا يخفى أن عبد الملك كان من الرجال الذين لهم الحل والعقدة في عمان، كان عبد الملك هذا من أبطال رجال المسلمين وما انتخبه للإمامة ولا اختاروه لها بعد غسان إلا لما رأوه من صلابته في الدين وشدته على العتاة المتمردين، وكان عند الملك من رجال دولة محمد بن أبي عفان، ومن الدعاة لحرب راشد بن النضر.
قال الإمام السالمي رحمه الله في مقدمة دولة محمد بن أبي عفان: ويقال إن عبد الملك أو قال كان عبد الملك بن حميد يومئذ شابا، أي عندما اتفق المسلمون على الخروج لحرب راشد بن النضر، قال: وكان يدعو المسلمين على المبايعة على راشد بن النضر، أي يدعو للخروج عليه وعلى حربه، وفي ذلك الوقت هو في قوة شبابه، ثم وقعت الخيرة على محمد ابن أبي عفان أي في ذلك الوقت لاسيما وقد جيء به لذلك من العراق، ولما رأوا من محمد بن أبي عفان خلاف المأمول ورأوا عزله عن الأمر كان عبد الملك معهم: فاختاروا الوارث بن كعب لتلك الأحوال الكريمة المؤهلة للوارث الشهم الهمام المقدام الذي تجرأ على قتل جندي السلطان الغشوم الجائر على عباد الله، حتى مضت أيام الوارث المجيد ورأوا غسان الكفؤ الكافي لحمل هذه المهمة العظيمة، وهي الإمامة فبويع غسان وكان وفق أمل المسلمين، فمشى بها غسان مشية الأمين المأمون، وقام بواجب الدين خير قيام، فحمده المسلمون ولم يروا فيه غير الحق، ولا انتقدوا شيئا من أعماله حتى جاءه ما لا بد منه يرفع له يده عنها قائلا له بلسان الحال: أديت ما عليك لها وقمت بواجبك فيها، وأخذت حظك منها فهلم إلى خير منها وأبقى، فاختاره الله إلى جواره وتوفاه إلى رحمته، (2/70)
صفحة 348
فكان الخلف الصالح لها هو عبد الملك بن حميد العلوي المرضى من بني علي بن سودة بن علي بن عمرو بن عامر العلوي الأردي، وبنو على هؤلاء هم أهالي ينقل من الظاهرة، وينتقل هذه هي إحدى عواصم آل نبهان في أيامهم، وكان عبد الملك سيدا من سادات المسلمين، بويع بالإمامة يوم الاثنين لثمان ليال بقين من شوال من سنة 208 ثمان ومائتين في أيام المأمون بن هارون الرشيد، وقيل كانت بيعة عبد الملك بن حميد لثلاث بقين من ذي القعدة من السنة الذكورة، وهي سنة سبع ومائتين وذلك بعد ما ولى الخلافة المأمون. قال أبو الحواري: وقيل النقل عن أبي الحسن البستاني، بايعوا لعبد الملك بن حميد على ما بويع عليه غسان بن عبد الله، وغسان غنما بويع على ما بويع عليه أئمة العدل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الشرى في سبيه الله عز وجل، وعلى إظهار الحق وإخماد الباطل وعلى الجهاد في سبيل الله، وقتال الفئة الباغية، والمراد بأئمة العدل الذين بويع الوارث بن كعب على ما بويعوا عليه، هم أبو بكر وعمر وأمثالها من أئمة المسلمين، لأنه لم يكن قبل الوارث بعمان إمام إلا الجلندى ابن مسعود رحمه الله.
وكانت هذه البيعة هي الأصل في الإمامة وعليها يدور محور إمامة المسلمين منذ الخلفاء الراشدين، قال الإمام السالمي فسار عبد الملك الإمام سيرة الحق والعدل، واتبع أثر السلف الصالح من المسلمين ومن حيث انه تولى الخلافة وهو في مؤخر عمره، أي بعد ما ذهبت قوة الشباب وبقى يسانده وقار الشيب. قال صارت عمان به خير دار. قلت: ولم لا تصير به خير دار إذ كان أميرها ذلك العلم (2/71)
صفحة 349
النزيه والفيصل الفقيه، العابد الزاهد الهمام المهام، عمدة المسلمين في الحلال والحرام، وحجتهم في حقوق الملك العلام، إذ عاش آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، قائما بحقوق شريعة الله، عاملا بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وبذلك تفقد الدنيا كل مؤذ في الدين، وترى حولها كبكبة المؤمنين، وزعامة المخلصين هذا بالنظر إلى أهل الحق والدين، وإما أهل السوء والسفه فذلك مما يسأمون منه ولا يريدونه، ولكنهم حجة في شيء ما، إنما الحجة أهل الحق وهم الذين لهم فيها الأمر والنهي، وقد صارت عمان في عهدنا العصيب الذي كفرت فيه الدنيا أو كادت أن تكفر، أفضل قطر في بلاد الله، حيث لا قناصل ولا نصارى ولا يهود ولا نفوذ الأجنبي ما، وأعلنت الصحف بذلك على اختلاف أنواعها وشهد بذلك الأجانب وغيرهم، فهذه تواريخ عصرنا هذا، تعبر عن ذلك مع فقر في البلاد وقلة المواد وصوت عمان عال في الأفق مسموع، تصغي إليه الآذان الواعية، وما ذلك إلا للحق الذي هم عليه، فمن جاء عمان أيام الأئمة رأى لوائح العدل ولوامع الشريعة ظاهرة، ورأى كريم الأعمال وحميد الخصال، وصادق الخلال ومن جاءها في غير ذلك رفع عنها ما رأى كابن بطوطة الرحالة في أيام قني نأهان، وترى العلماء يتمثلون بأيام بني نبهان ليؤنبوا بها غيرهم، ممن لم يقوموا بواجب الدين من الأمراء والزعماء لأجل الرجوع إلى الحق والانصراف عن الباطل مهما كانت دواعيه، وباتفاق العلماء أن الأمام عبد الملك سار بعمان سيرة الأئمة العدول، وقام بالحق قيام القادة الفحول، فلم يعب عليه شيء من أعماله، إذ تولى الأمر وهو مستحكم الأحوال كلها، فهو كامل العقل صحيح الرأي، عالي النظر في سن الرشد والكهولة، قال أبو الحسن: بايعوا لعبد الملك بن حميد على ما بويع (2/72)
صفحة 350
عليه غسان، فقام بالحق إلى أن كبر وخافوا على الدولة من الضياع، وعلى الأمر التعطيل، فقام موسى بن على رحمه الله بأمر الأمام عبد الملك، وشد أزره، وكان إذ ذلك كما يقول أبو إسحاق شيخ المسلمين يومئذ إمام العلماء، وعلم من الأعلام المجتهدين ولم يزل على ذلك إلى أن مات الأمام.
قال أبو المؤثر: وحدثنني الثقة أن عبدالملك بن حميد الإمام قد ضعف وسقطت قوته، وثقل منه السمع والبصر، إلا أنه قد كان يسمع ويبصر، أي يسمع الشيء اليسير ويبصر كذلك، قال وقد كان في عسكره القتال أي ربما كان بين العسكر اختلاف يؤدي إلى شق العصا، ثم يصطلح بوجود القائمين المسددين للأحوال. قال أبو المؤثر: وكانت ضعفته قيما بلغنا أشد من ضعفه الصلت بن مالك، قال: وسألوا موسى بن علي عنه وعن الواجب في حقه الذي أن يعامل به مادام في ذلك الحال، فأجابه أن إمامته ثابتة عملا منه بالواجب في حق الإمام من المساعدة ما لم يدع داع يتبين منه عجز الإمام، قال ولم يستحل موسى ابن علي رحمه الله عزل الإمام بذلك الأمر الواقع عليه من الله، قال: وقال أبو الحسن: وكان بعض المسلمين أظن أنه المنذر بن البشير يصدر عن موسى ابن علي إذا رآه لم يعزل عبدالملك، وكان يقول هذا الشاب يصدعنا إذا لم يعزل الجبل، يعني الإمام عبد الملك، إذ كانوا يرون عزله لما كان نازلا منزلة العجز الجسمي، نظراً إلى أن الإمام إذا فَقَد قوته وجب عزله إذ يكون بذلك الحال مقصر أو العاجز عن القيام بالواجب يشهد عجزه عليه، فيجب عزله سواء كان حسيًا أو معنويًا، وعلى هذا أكثر أهل العلم، إلا أن موسى بن علي لا يرى عزل عبدالملك، لأن (2/73)
صفحة 351
الأمور جارية مستقيمة والأحكام نافذة، وأمور المسلمين في أيدهم لا يعارضهم فيها معارض، فأحب الله ينكد على الإمام حالا من الأحوال.
قال وقال محمد بن الحسن: كتب موسى بن علي إلى الإمام عبد في أمر رجل، ثم إن الرجل أتى موسى بن علي، فقال رد الإمام كتابك ولعله أراد أن يغريه على الإمام بذلك المقال، فقال أبو علي رحمه الله هو المأمون علينا وعليكم، قال: وكان الإمام عبد الملك يطرد المهرة ويطلبهم من عمان لسفكهم دماء المسلمين في بلادهم، قال: وكانوا يلقون بأيديهم ولا يقبل منهم. قلت: هذا كلام لا يحسن السكوت عليه، إذا كان الإمام وهم يلقون بأيديهم إليه ولا يقبل منهم فماذا إذا يقبل وأنت تقول ويلقون بأيديهم، ولا شك أنه إذا كان يطلبهم وهم يلقون بأيديهم إليه أن ينتصف منهم، قال حتى أشار عليه موسى بن علي رحمه الله أن يقبل منهم ويؤمنهم فأمنهم. قلت: هذا هو الواجب في هذا الحال قال: وكانوا قد سفكوا دماء المسلمين ولم يصرحوا على أي شيء سفكوا دماء المسلمين، والظاهر أنهم قتلوا جباة المسلمين إذ خرجوا إليهم لجباية الزكاة- فتخالفوا وتقاتلوا وغلبوا على المسلمين هناك، إذ توحدوا بهم والتفوا حولهم، ولعل هناك جنايات من عهد المقتولين منهم مع راشد بن النضر في وقعة المجازة، إذ قتل فيها المهرة حيث هم كانوا الجيش وأكثر القتلى في بني نجو من أهل عمان، إذ كانوا عمدة جيش راشد بن النضر، فقيت بينهم وبين أهل عمان حزازات في النفوس، أخذوا بها أهل عمان عندما أرسلوا لقبض زكاتهم، فكان المهرة يهددون أهل عمان بذلك كما سوف ترى ذلك في إمامة الإمام المهنا بن جيفر، (2/74)
صفحة 352
وما عاملهم به الإمام المذكور عند حتى أراهم قوة المسلمين تطأ على كواهلهم.
ولم تقع أيام الإمام عبدالملك حوادث مهمة، ببل كانت أيامه رحمه الله أيام سلم وراحة واستراحة، إذ كف الله عن أهل عمان العوادي المخوفة فأمنوا واطمأنوا في بلادهم والحمد لله، قال ابن رزيق في سيرته سار عبد الملك سيرة الحق والعدل والإنصاف، واتبع الأثر الصالح من السلف الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وصات به عمان يومئذ في أمان واطمئنان، بويع يوم الاثنين لثمان بقيت من شوال سنة 208 مائتين وثمان، ولم يزل قائما بالعدل آمراً بالمعروف حتى كبر وزمن وضعف. قال: وفي زمانه كانت تقع الأحداث في عسكره، قال فشاور المسلمون الشيخ العالم موسى بن علي في عزله مع كبره، وضعف بدنه وذهاب قوته، فأشار عليهم أن يحضروا العسكر ويقيموا أود الدولة. قال: فحضر موسى العسكر، وأقام أودهم أي ردهم عن اعوجاجهم ومنع الباطل، وعبد الملك في بيته لم يعزلوه ولم يزيلوه حتى مات، وهو لهم إمام برئ من الطعن والريب، وكانت ولايته إلى أن ضعف عن القيام ثماني عشرة سنة على الاتفاق، إذ هو لما بويع له بالإمامة كان كبير السن واتفق الكل من المؤرخين أن الإمام عبد الملك لم يختل شعوره ولا يتزعزع عقله، ولا وقع فيه أي خلل، بل كان ضعفه في السمع والبصر وأعضاء الحركات، ولكنه بقى في إمامته مقبولا مطاعا تولى العلماء مصالح الجيش وعلموا بما كان من حقوق الإمام، حيث كان موجوداً، فهم منفذون لأوامره لا يتبرمون منه ولا يرون في أعماله ما يرد، ألا ترى ذلك الذي قال لموسى بن علي: إن الإمام رد كتابك، قال له: هو (2/75)
صفحة 353
المأمون علينا وعليك تسليمًا لأوامره واعتماد على نظره، وذلك مما ينبغي ما لم يدع إلى عزل الإمام داع ضروري لاسيما مع وجود أهلية القائمين بالأمر جزاهم الله خيراً عن اجتهادهم في أحوالهم، والله ولي التوفيق والتسديد.
وأما ما ذكره شكيب أرسلان فلم يصح عند المسلمين، وليتهم عاملوا الصلت بن مالك رحمه الله بما عاملوا به عبد الملك بن حميد، وكان حقيقاً بذلك لكنهم اجتهدوا لله مع الأول، إذ كان الوزير موسى بن علي العالم الرضي الذي كان همته جمع شمل المسلمين والتفافهم حول راية الحق المبين، ولما قام الصلت بن مالك كان الوزير الأكبر موسى بن موسى وأين في الناس كموسى بن علي، فكان موسى بن موسى بخلاف ما كان عليه أبوه، ومن سوء الحظ أن مات موسى بن علي وهو شاب فخلفه موسى الثاني، فكان الفرق كما بين الثريا والثرى، فموسى الأول محله إمام عادل، ولو بايع بالإمامة كان أهلا لها وأما موسى الثاني فكان زعيماً غشومًا أقرب إلى الرئاسة منه إلى العدالة ولكن مقام أبيه في المسلمين أحله ذلك المحل، ولكل درجات مما عملوا. (2/76)
صفحة 354
قوام دولة الإمام عبد الملك بن حميد
اعلم أن الله جعل المسلمين إخوانًا وأعواناً لبعضهم بعض، وجعل أعوان كل إنسان بحسب حاله وما هو فيه، ومن حسن حظ الإمام عبد الملك بن حميد أن جعل له أعضادًا من خيرة الرجال، وأنصارًا من القادة الأبطال، وفي مقدمتهم الشيخ الولي العلامة الرضي موسى بن عللي السامي الأزكوي عمدة أهل العلم في زمانه، وقدوة أهل الفضل في أوانه، مرجع المسلمين في المهمات الدينية، وحجة القائمين بأوامر خير البرية، وإليه يشير الإمام النضر في لاميته حيث يقول:
«وأين في الناس كموسى بن علي»
ومن قوام دولة الإمام عبد الملك بن حميد الشيخ الفاضل الثقة الجليل هاشم بن غيلان الهميمي من أهالي بلدة سيجا من أعمال سمائل، كان هذا الشيخ رأسًا من رءوس هذه الدولة الجليلة، وكان هاشم ابن غيلان من المراقبين لكل ما يطرأ على الدولة من الأحوال الظاهرة، ومن الناظرين في سير الأعمال تدلك على ذلك رسائله الطويلة العريضة، فيها النصح ممزوجًا بالنقاش في الفتيل والنقير، بحيث لم يترك وجهًا يخشى عليه فيه من جانب الإمام، أو من جانب المأمومين عملاً بواجب الوارد في الكتاب والسنة، وأكرم بدولة رجالها أمثال هؤلاء الفطاحل، وما كان للمسلمين غرض فيما قاموا له وما قعدوا عنه إلا الحق، لا يراعون حظوظ الدنيا ولا منازلها، فإنها أمور لا أهمية لها عند المسلمين، ولم يقوموا لغرض دولة تجمع لهم أموالا أو تبني لهم قصورًا، (2/77)
صفحة 355
أو تغدق عليهم أرزاقًا، فإن ينفق كل شهر سبعة دراهم وربما فضلت عن قوته فيرد الفاضل إلى بيت المال رحمهم الله ورضي عنهم.
ومنهم عمر بن الأخنس الذي صلى بالمسلمين صلاة الجمعة في الأيام التي مرض فيها الإمام عبد الملك من غير أن يأمره الإمام، وكان الإمام في حال مرضه موجودًا بنزوى، وكان موسى بن علي حاضرًا معهم، وأجاز صلاتهم ولم ير عليهم نقضًا، أما ابن محبوب فرأى نقض صلاة الجميع، وكل واحد من الشيخين حجة يتعلق بها، ليست من قبيل التاريخ في شيء، وإنما هو من قبيل التاريخ هو نقل صلاة عمر ابن الأخنس مع وجود الإمام بنزوى مريضًا، ولم يأمره الإمام، وبعد ذلك فليقل الفقهاء أقوالهم، ومن رجال دولة الإمام عبد الملك وقوام أمرها: عزان بن الصقر، وهاشم بن الجهم، ومحمد بن علي، ومحمد ابن موسى، والأزهر بن علي والعباس بن الأزهر، وسعيد بن جعفر، وأضرابهم، وهم كثيرون متفرقون في النواحي، وفي مقدمتهم الشيخان العالمان موسى بن علي وهاشم بن غيلان: فهما اللذان لا يزالان مراقبين الأحوال تمام المراقبة، وموسى بن علي رئيس على هاشم فهو قطب الرحي وعمدة الدولة، وكان علامة جليلاً ملأ اسمه آثار المسلمين، والله يختص برحمته من يشاء.
فأكرم بدولة هؤلاء رجالها وزعماء أعمالها وساسة أمورها الذين يراقبون الله عزوجل في سرهم وجهرهم، ويراعون مصالح الأمة على ضوء القرآن والسنة:
وإذا ... سخر ... الإله ... أناسًا
لسعيد ... فإنهم ... سعداء (2/78)
صفحة 356
نصائح العلماء للإمام عبد الملك
ما زال علماء المسلمين وبالأخص المسئولين عن شئون الدولة يحررون النصائح للإمام ليكون دائماً على يقظة في الأحوال، وعلى اهتمام في الأعمال، وعلى مراقبة لحقوق ذي الجلال، وعلى دراية كاملة من حركات أهل الضلال، وعلى الاستقامة في الأمور الدينية والدنيوية، إذا لم يولوه الأمور ويمهلوه، ولا ليضعوا الثقل على واحد ويضيعوه، بل هم معه في جميع الأحوال، فانظر في نصائحهم تجدها تلاحظ الفتيل والنقير، معنية بأمر الدين قبل كل شيء مما يدلك على إخلاصهم لله عزوجل، وحسن معاملتهم لإمامهم، وحسن قيامهم بأمورهم، فهم الرجال الذين تحيا بهم الدنيا وتسعد بهم الأمة، وتقوم بهم معالم الإسلام، جزاهم الله خيرًا وغفر لهم، ولا فراغ لنا نسرد فيه تلك النصائح التي قالوها، ومن أرادها فهي دانية القطوف ناضجة الثمر غالية المقاصد، وقد ذكر الإمام السالمي رحمه الله أنموذجاً منها مفرقا في غصون التاريخ العماني، وأن فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد. (2/79)
صفحة 357
وفاة الإمام عبد الملك بن حميد رحمه الله
من المصائب في الدين، موت علماء المسلمين، وأئمة العلم والدين، ولكن سنة الله في عباده التي خضع لها كل جبار، ورضي بها الأخيار والأبرار، جارية على الإجبار لا على الاختيار، لتدل أهل العقول على عظم الملك الجبار، وعجز العبيد عن البقاء وأن كثر الدرهم والدينار، وعلت القصور والخول، فكل ذلك لا أثر له ولا اختيار، فهو البرهان الصحيح لذوي العقول، وأهل الاعتبار على حقيقة التخلية والتنصل من كل أمل وكل جند، وخول وانحصار الأمر الحقيقي للإله الواحد القهار، فالعجز عن رد حادث الموت يخبر عن العجز والذل والحيرة والدهش، وقطع النظر والعلائق كلها عند البعث والنشور، إلى المليك الفرد فلا شفيع ولا مجير، ولا مستجار يوم لا يكيف رعبه ولا يقاس خوفه، تنتقي فيه المعارف وتنقطع فيه العلائق، وينتهي فيه التوجه إلى الله رغم الأحوال كلها، جاء عبد الملك رحمه الله ما جاء إخوانه والأنبياء والرسل قبله، فتوفى إلى رحمه الله الجمعة من شهر رجب لثلاث خلون منه سنة ست وعشرين ومائتين للهجرة: وكانت إمامته رحمه الله ثماني عشرة سنة وسبعة أيام، وذلك في خلافة الواثق بالله، فأصيب المسلمون بمصابة رزية فادحة، ولكن كون ذلك محتوم يتسلى المسلم عنه، وبوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عزاء لكل مسلم، وإذ ذاك بايع المسلمون المهنا بن جيفر بدلا من عبدالملك بن حميد:
والمهنا ... ومن ... كمثل ... المهنا
قوة ... لم ... تجئ ... بها ... الأقوياء (2/80)
صفحة 358
إمامة الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي
اعلم أن الإمام المهنا بن جيفر كان أعظم إمام في آل اليحمد بن حمى، وإن عظمته كانت دينية ودنيوية، وقد قام بواجبه في عمان حتى عظم قدرها في أيامه، وعلا شأنها في عهده، وطار لها صيت في البلاد العربية المجاورة.
وكانت بيعته رحمه الله في اليوم الذي أصبحوا فيه مصابين بإمامهم المجيد، عبد الملك بن حميد، فلما زال عنهم الجبل قام لهم جبل أضخم منه، وذلك اليوم هو يوم الجمعة من سنة ست وعشرين ومائتين لثلاث خلون من رجب، بايعه العلامة الجليل الذي طالما طالبوه أن يزيل عنهم الجبل، وهو موسى بن علي السامي الأزكوي، عمدة المسلمين في أيامه، وقطب دائرة الأعلام في عهده، وذلك بعد ما محض النصيحة وفرغ من مشورة المسلمين الذين هم أهل الحل والعقد، في ذلك العهد بايعه فرضى المسلمون بيعته، إذ كان عمدتهم في دينهم وحجتهم، في ديناهم، وهو قطب الوقت إذ ذاك والعلم هو الذي يسود الأمة، ويقيم أدوها ويرفع أعلامها، والقيام بواجب الشريعة في الأمة أمر مفروض على الكل، خلافاً لأهل الأهواء الذين لا يرون ذلك، كما بسطنا ذلك في «العرى الوثيقة» رداً على المبطلين لواجب الإمامة في الدين، وكانت البيعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل في هذين الوجهين كل خير في الدنيا والآخرة، وكل شر، فإن الحق مهما كان داخلا في المعروف، والباطل بأنواعه داخل في معنى المنكر، والأمر بالمعروف يتناول مصالح الأمة لها دينا ودنيا، كما أن النهي عن المنكر (2/81)
صفحة 359
كذلك، ولا أبلغ من دين الأسمين كتابًا وسنة وعقلاً ونقلاً، ولا يشذ عنهما أمر أبدًا مهما كان، فقام الإمام المهنا في عمان خير قيام، عرفه أبطال الإسلام، فوطئ رحمه الله آثار المسلمين ونهج منهج السلف الصالح في الحل والترحال، وسار سيرة المسلمين، ومازايلها قيد شعرة.
قال أبو الحسن رحمه الله: سار المهنا سير السلف الصالح، وقام بالحق ما شاء الله إلى أن مات، والمسلمون له مجمعون وبأمره يعملون، والولاة في أيامه هم الصادقون. قلت: إن دين الأمة من دين ملوكها، فإذا كان ملك الأمة المهنا بن جيفر فكيف لا يكون الولاة صادقين في أعمالهم، صالحين في أممههم، مصلحين لشعوبهم وكيف لا يكونون كذلك، وأمرهم يرجع إلى الصالح وراءهم والمصلح لأعمالهم، يا لتلك الأيام ما أحلاها، ولتلك الأعمال ما أعلاها، حيث يكون العامل يقوم بأعماله باسم الإمام العدل كالمهنا:
للمهنا ... ومن ... كمثل ... المهنا
قوة ... لم ... تجئ ... بها ... الأقوياء
قال أبو الحسن لم نعلم أن أحدًا أظهر عليه منكرًا من عظمة المهنا في عمان، كما قال الإمام، كان المهنا رجلا مهيبا وكان له حزم في رأيه، وكان لا يتكلم أحد في مجلسه، شرف الوقار وعز سلطان التقي، قال: ولا يعين خصمًا على خصم ولا يقوم أحد من أعوانه ما دام هو قاعداً حتى ينهض، هي هيبة الإسلام تدهش كل من يرنو إليها والهدى روع العدا. (2/82)
صفحة 360
وإذا ألبس الإله أحدًا لباس عز وشرف، فلا غروى إذا اندهشت له القلوب وذهلت له العقول، فكم اندهشت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ولعمر بن الخطاب الإمام الرضي، وكذلك غيرهم من أئمة المسلمين وعمدتهم في الدين، وكم عند علي بن أبي طالب ذهلت عقول كثير من الناس، وللحق هيبة عالية تذهل لها قلوب كثير من الناس، قال أبو الحسن: ولا يدخل أحد العسكر ممن يأخذ النفقة إلا بالسلاح، أي لا يدخل على الإمام المهنا عسكره إلا وهم مسلحون، حتى الهيبة لباس الشراة وتيجان رجال الدولة، وهو أيضاً عنوان الحماس، قال وكان له ناب يفتر عنه إذا غضب فتظهر له هيبة عظيمة، أي إذا غضب إلى أن يظهر نابه فإن له هيبة تأخذ من القلوب مأخذها. (2/83)
صفحة 361
قوة الدولة أيام المهنا بن جيفر
اعلم أن المهنا بن جيفر رحمه الله، جد في تقوية الدولة في عمان، لإرغام الأعداء وكبح جماح أهل الباطل فيها، فجمع قوته إذ ذاك، فكانت مضرب المثل في ذلك العصر، كان رحمه الله كما يقول الإمام نقلا عن الأعلام: اجتمعت إليه من القوة البرية والبحرية ما شاء الله.
قيل إنه اجتمع في البحر أسطول عظيم ضخم بلغ ثلاثمائة بارجة حربية مسلحة بالسلاح العصري، تحمل راية الإمام مهيأة لحرب العدو، وإنها لعظيمة في ذلك الوقت بالنسبة إلى عمان في الجزيرة العربية، قال: وكان عنده في نزوى سبعمائة ناقة وستمائة فرس تركب عند أول صاروخ، قال: فما ظنك بباقي الخيل والركاب، في سائر ممالكة. قلت: إذا كانت هذه قوة نزوى فقط وهي في قلب عمان الداخلية، ففي الثغور أعلى من ذلك أكثر وأجل، قال العلامة الصبحي رحمه الله: بلغني أنه كان عند الإمام المهنا بن جيفر تسعة آلاف مطية. قال: ولعلها لبيت المال، قلت: لا شك أنها لبيت المال، فإن المهنا لا مال له إلا أموال المسلمين، وإذ ذاك فعمان لا جمارك فيها، وإنما المراد ببيت المال الزكاة فقط، وما يغنم المسلمون في الفتوح من الكفار، قال الصبحي المذكور: وكانت عساكره بنزوى عشرة آلاف مقاتل، قال: وهؤلاء بنزوى خاصة فكيف بعساكر غيرها. قلت هذا يكفي مقاسًا على عساكر غيرها، والله يرفع من يشاء ويؤيد من يشاء منن عباده فله السلطان القوي وحده. (2/84)
صفحة 362
قال وكثرت الرعايا في زمانه، قلت: كيف لا تكثر والمهنا إمام المسلمين، وكيف لا تكثر فيها ناصب أعلامه، فإنه هو الذي ينمي الأمة ويكثرها كما يقل: إن العدل يعمر والجور يدمر، وإذا كان الماء لا يكون له طحلب كما في أيام الإمام غسان، فكيف لا يكون له نبات وزهر طيب وثمر حلو تعيش فيه الأمة، ومن قوة إمامة المهنا أن المهرة كما هي ألصق بعمان، لا تزال تابعة لعمان ذلك العهد، وكانت أيام المهنا من أعماله، وكان اتصال المهرة بعمان شائعاً ولهم في عمان معاملات، ولا يزالون في العواصم العمانية، وكان للإمام جاب خصيص لزكاة الماشية في المهرة، هو عبد الله بن سليمان رجل من بني ضبة من خصوص أهل منح، وكان يسكن عز قريباً من منح فخرج إلى مهرة لجباية الزكاة كعادته، حتى وافى وسيم بن جعفر المهدي، أحد زعمائهم، وكان قد وجبت عليه فريضتان، فامتنع الوسيم من دفعهما معاً، وإنما أذعن بدفع فريضة واحدة، وتغالظ هو وعبد الله بن سليمان، فقال وسيم لعبد الله: إن شئت أن تأخذ فريضة واحدة، وإلا فانظر إلى قبور أصحابكم.
قال الإمام: ولعله يريد قبور من قتل هناك من الشراة أيام الإمام عبد الملك بن حميد، كما أشرنا إلى القضية في تاريخ الإمام المذكور. قال الإمام: فقد وقع بين الإمام وبعض مهرة حرب، فأرسل الإمام إليهم السرايا حتى دوخهم، وأذعنوا بالطاعة للإمام، وصاروا كسائر أهل عمان، واختلطوا بهم اختلاطًا مباشرًا، فلما سمع الجابي عبد الله ابن سليمان ذلك الكلام من الوسيم، وعلم أنه إذا غالظه لابد هو مقتول، والدار نائية والشقة بعيدة، ورأى مجارات هؤلاء البغاة (2/85)
صفحة 363
على ما يحبون، يخرب أعمال المسلمين ويحل بالأمور، تأخر الجابي عن الأخذ والمطاولة، وانسحب عن الجباية وكر راجعًا إلى عمان ليبلغ الأمر إلى إمامه بعمان، وكان قد خرج معه من عمان صاحب له جمال كان سفرهما على جماله، فلما خرج عبد الله بن سليمان عز وطنه المعروف، وأرسل الجمال إلى الإمام ليخبره عن الواقع، فقدم الجمال إلى نزوى فوجد الإمام في مجلسه في بيت الإمامة، فلما انفض الناس وارتفع الإمام من مجلسه المشار إليه، دعا بالجمال في مكانه الخاص به، فسأله عن عبدالله بن سليمان، وكيف كان سفره، فأخبره عن وسيم بما كان منه فقال له الإمام: اكتم ولا تخبر أحداً بما أخبرتني به، وأكد عليه تمام التأكيد في الكتمان، وكان الإمام إذ ذاك في غضب على وسيم، فلما وصل عبدالله بن سليمان إلى الإمام سأله الإمام عن خبر وسيم، فأخبره بمثل ما أخبره به صاحبه المذكور، فكتب إلى والي أدم ووالي سناو، ووالي جعلان، أن إذا ظفرتم بوسيم بن جعفر المهري فاستوثقوا منه وأعلمني، وكأنه يأتي غالبًا من هذه النواحي، وأنه لا يزال يأتي عمان لذلك أمر الإمام هؤلاء الولاة أن يقبضوا عليه لأنه كثيرًا ما يتردد على هذه النواحي، وأهل عمان كذلك لا يزالون يختلطون بالمهرة، ولعل وسيما لما رأى عبدالله بن سليمان انسحب خاف منه عند الإمام، فجاء مقتفياً أثره ليتسمع عن الإمام ماذا يقول، وأغلب الظن لديه أن أمر مهرة ناء عن عمان، وأن أمر الزكاة غير كبير في نظره، كما أن ارتداد العرب بعد النبي عليه الصلاة والسلام كان من قبيل الزكاة، وأن أبا بكر رحمه الله تجرد لإخضاعهم فسكنت نعرتهم ورسخ الإسلام، فيهم وسرعان ما كتب إليه والي أدم أنه قبض على وسيم وانه استوثق منه، أي جعله في وثاقه، فأرسل إليه (2/86)
صفحة 364
الإمام أبا المقارش يحيى اليحمدي المعروف مع مجاعة من أصحاب الخيل، ثم أنفذ إليه كتيبة أخرى، فالتقوا بهم في الطريق بموضع المنائف بالصحراء ثم أنفذ إليه كتيبة أخرى فالتقوا بهم في قرية عز، ثم أنفذ إليه كتيبة أخرى فالتقوا بهم في قرية منح.
قال: فلم تزل الكتائب من الإمام تتراسل إلى الوسيم بن جعفر المهدي حتى وصلوا به إلى نزوى في أربع كتائب من جيش المسلمين، وقد بلغت الأهمية من الإمام بوسيم مبلغًا، فأمر الإمام بحبسه، ولعل ذلك كان حيث إن أخلاطًا بعمان من سائر بلاد العرب يريد الإمام أن يظهر لهم الشدة والقوة، حتى لا تتأمل نفوسهم العتو على الحق والتمرد على العدل، وأن تذل نعرتهم وتنطفئ نخوتهم، وتسير السائرة من عمان باهتمام الإمام البالغ حده على المتمردين، قال: فمكث لا يقدر أحد يذكر فيه ولا يسأل عنه، ولا يتحدث عن خبره حتى وصل جماعة من المهرة، أي من أعيانهم فاستعانوا على المهنا بوجوه اليحمد، قال: فجابهم إلى إطلاقه وشرط عليهم ثلاث خصال، أي واحدًا منها فأجابهم إلى أحدهما وهي إما أن يرتحلوا من عمان. قلت: وهذا يحدثنا عن وجودهم بعمان وجودًا محسوسًا، ولهم علاقات بالإمامة، ولعلهم يأتون لعطايا من الإمام، قال: وإما أن يأذنوا بالحرب، وإما أن يحضروا الماشية كل حول إلى عسكر نزوى، وتشهد على حضورهم العدول، أي من المسلمين أنه لم يتخلف منها شيء، وتعدل الشهود المعدلون بأدم: فقالوا: أما الارتحال فلا يمكننا، أي حيث لهم أعمال وروابط تربطهم بالمسلمين، قالوا: وأما الحرب فلسنا نحارب الإمام، وأما الإبل فنحن نحضرها، أي وهذا أهون الأمور الثلاثة. قال: فعند ذلك أمر الإمام بتعديل الشهود، (2/87)
صفحة 365
فكانوا يحضرون إبلهم في كل سنة تدور في شهر خاص عين لإخراج الزكاة، فكانوا يراعون ذلك الشهر، فيأتون بماشيتهم إلى نزوى، وفي هذا من إظهار المسلمين ما لا مزيد عليه، وتلك ثمرة القوة التي أرشد إليها القرآن الكريم في قوله: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) 8، (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً) 9، (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) 10 وإنها لهي كرسي الملك وعرش الزعامة، وعي قدرها تبلغ الدعوة في الناس ولها يخضع العتاة. (2/88)
صفحة 366
أعمال الإمام المهنا مع البغاة وأهل الفساد
اعلم أن أعمال الإمام المهنا مع أهل الفساد والبغي شديدة، وربما كانت قاسية لاقتلاع جذور البغي والفساد من أهلها، فانظر إلى معاملته وسيم بن جعفر حيث أودعه الحبس حول سنة لم يقدر أحد يذكره عند الإمام، وبعد ذلك لما وافقهم على إطلاقه مع تعهدهم للإمام عنه بالإذعان والطاعة، شرط عليهم تلك الخصال مع أن الجاني واحد منهم، وإن كان زعيماً فألزمهم قبول إحدى تلك الخلال، ما ذلك وأيم الله إلا لتأييده وتدعيمه بالدعائم القوية، فأذعنوا لأخفها وطأة، وهو سوقهم مواشيهم من مهرة إلى منح وتروي لأداء الزكاة، وكان أن يقصدهم الجابي إلى أماكنهم فسبب ذلك تهديد وسيم لجابي الإمام، وهو عبدالله بن سليمان الضبي من أهالي عز، ومنها أن رجلا طعن رجلا في جسده ولعله بحديدة حتى أدماه على ما يظهر من كلام الإمام رحمه الله، فأمر الإمام بالطاعن فجلد تسعين سوطًا، وقال: تسفك دماء المسلمين على بابي، وكان على الطاعن أرش طعنته وتأديبه بما يقتضيه نظر الإمام، فأدبه رحمه الله بسوطه تسعين جلدة.
قال الإمام السالمي رحمه الله: وذلك على قول من لم يجد للتعزيز حدًا، وإن زاد عن قدر الحدود، وهو قول من أقوال المسلمين وعليه كثير من علماء المسلمين، لأن جعل التعزيز والتنكيل والتأديب موكول إلى نظر القائم بالأمر من إمام ووالٍ وقاضٍ ونحوهم، وعليه إن رأى أن يزيد على الحدود المقررة فله، لأن الشارع حدد وأطلق، فما حدده فلا يمكن مجاوزة تحديده، وما أطلق علماء المسلمون أنه موكول إليهم، ألا تراه (2/89)
صفحة 367
يقول للأزواج في ضربهم لزوجاتهم إذا خالفنهم (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) 11 فجعل غاية ضربهن الطاعة لأزواجهن، وإن كان أكثر العلماء يرون أن التعزير لا يتجاوز أقل الحدود وهو تسع وثلاثون جلدة، لأن أقل الحدود حد العبيد وهو نصف حد الحر أربعون جلدة، فاستعمل الإمام رحمه الله الشدة في التعزير، ليسود الأمن وتطمئن الأمة في أحلاس بيوتها، لا يعدو بعضهاا على بعض، وقد عمل بمثل الإمام المهنا رحمه الله الإمام الصلت بن مالك، في تقريره لعبدالله ابن نصر، إذ ضربه خمسين سوطاً، وإن قيل لعله اقتدى بالإمام المهنا، قلنا هذا أيضاً مما يؤيد عمل المهنا، لأنه لو لم يكن حقًا ما اقتدى به الإمام الصلت، والعلماء إذ ذاك متوافرون، وإليهم حل الإمامة وعقدها، وما الإمام إلا كواحد منهم إلا فيما كان خاصًا به، أي من خصوصيات الإمامة والغرض من هذا كما قلنا زجر الأمة وردعها.
فلله در الحق ما أعلاه وما أسده نظرا وما أهداه.
ومن شدته على أهل البغي والفساد أيضا ما عامل به بني الجلندى، فإن بني الجلندى كما سبق في علمك أيها القارئ الكريم، إنهم كانوا يعدون أنفسهم ملوكاً في عمان، وأن لهم ما ليس لغيرهم، وكانوا كلما لاحظوا فرصة أو رأوا غفلة، هاجموا مركزاً من مراكز المسلمين بعمان، فتقوم الإمامة الحالية فتقمعهم كما فعل بهم الإمام الجلندي بن مسعود رحمه الله، إذ ضرب أعناقهم وقاموا في أيام زعيمهم راشد بن النضر وخرجوا على دولة المسلمين، فقام لهم رجال الحق فأرغموهم على الرجوع إليه، ووقعت وقعة المجازة من الظاهرة فدوختهم، (2/90)
صفحة 368
وفرقت بهم في البلاد وهكذا، ثم قاموا في أيام الإمام المهنا بن جيفر فهاجموا تواما أي البريمي، ذلك لأن الوالي كان غير آمل أن يهجم عليه عمانيون ليحتلوا البلاد، وعلم الإمام عليها، وصولة الإمام المهنا معروفة، وهي لا شك أنها مرهوبة، ولعلهم ظنوا أن الضعف بدأ يدب في جسم الإمامة، لأن المهنا أخذ في السن، وبدأ الضعف الجسمي يحتل منه قواه، فسولت لهم أنفسهم ذلك.
وقال الإمام: وفي أيامه أي المهنا تحرك بنو الجلندي، قال: ورأسهم يومئذ المغيرة بن روشن الجلنداني، قال وشايعهم ناس من أهل الفتنة، فدخلوا توام، وكان أبو الوضاح والياً بها للإمام فقتلوه رحمه الله، فقام الإمام لقمعهم، وجهز لهم جيشاً ولى قيادته الصقر بن عزان، وأمر علي بن أبي مروان رحمه الله، وكان والياً على صحار، بأن يخرج بمن عنده معهم، فسار أبو مروان بجيش من صحار وفيهم المطار الهندي، وكان من أبطال الرجال، وكان أميرًا في جيش صحار على الهنود، وكان للإمام جيش في صحارى من الهنود خاصة، كان المطار قائدهم، فكان الجيش اثنى عشر ألفاً، فهاجم الجيش البريمي ودارت رحى الحرب بينهم، فأنى لآل الجلندى الوقوف في وجه ذلك التيار الجارف، فقتل من قتل منهم وانفضوا في الأرض هاربين، وانتصر الجيش عليهم انتصارًا كلياً. قال الإمام: فقتل من قتل من البغاة، وهزم الله جمعهم، وهرب من هرب منهم وفرق الله شملهم.
قال: وعمد المطار الهندي ومن معه من سفهاء الجيش إلى دور بني الجلندي، إذ كانوا متأهلين فيها آمنين مطمئنين، وبذلك اغتروا فأحرقوها (2/91)
صفحة 369
بالنار، وفي الدور الدواب مربوطة من البقر وغيرها، والرجل من السرية يلقي بنفسه في الفلج حتى يبتل بدنه وثيابه، ثم يمضي في النار ليقطع عن الدواب حبالها وتنجو بنفسها من النار، قال الإمام: فقيل أحرقوا خمسين غرفة لبني الجلندي ومن معهم، فهربت النساء من تلك البيوت لائذات بالصحراء على وجوههن، يختفين فيها روعة من الجيش، فلبثن بالصحراء ما شاء الله، وكان الجيش يشدد الوطأة إذا رأى امرأة حاملة طعامًا أو ماءً أراقه وأتلف الطعام لعله للرجال هناك، فاضطرت النساء من الجوع، وكان الجيش مخيماً بالبريمي حتى إن أمة انطلقت إلى القرية بالليل تلتمس طعامًا وشرابًا لسيداتها في الصحراء، فحملت ما وجدت سويقًا وماء في سقاء من أسقية اللبن، فحملت فيه ماء وحملت السويق معها، ولعلها أيضاً حملت بعض الأثواب للنساء، فرآها رجل من رجال الجيش متوجهة إلى النسوة بذلك السويق، وسقاء الماء فأدركها الرجل، فعمد إلى السويق فأخذه فصبه في الرمل وعمد إلى الماء فأراقه، ثم انصرف عنهن وخلى النسوة بضرهن.
قال أبو الحواري: فلم يقل لنا أحد إن أبا مروان أمر بذلك ولا نهى عنه، قال: ولعله قد نهى عنه ولم يسمع. قلت: يحتمل ذلك أشياء أخرى منها لعله علم عنهن ضرراً على المسلمين ككونهن عيونًا للبغاة أو محاربات أو جارمات على المسلمين، ولم يفعل فيهن شيئًا إلا أخذ السويق والماء، ولم يستحله أكلا أو شرباً ولعل أبا مروان أيضًا لم يعلم بذلك، فكيف يقال ما نهى عنه، ولعله من معرة الجيش وأنى بأبي مروان العلم بجميع ما يفعله الجيش من أحوال، مع أن قيادة الجيش كانت إلى الصفر بن عزان، فما وجه لوم أبي مروان ووقت الحرب تقع من الجيوش أشياء قد لا يعلم بها القواد والمسئولون إلا بعد مدة من (2/92)
صفحة 370
وقوعها، وقد قضى عليها فيتدارك الأمر ما أمكنه، وربما سكت عن ذلك في الحال سياسة يقتضيها الحال.
والخلاصة أن الإمام دوخ آل الجلندى هنا ما رأوا أنهم قادرون على الخروج، إذا توفرت عليهم النعم وشايعهم على ذلك من غره هواه، وقاده الباطل لما يهواه، فكانت عاقبة أمرهم خسرا، وبعد الفراغ من الأعمال تداول المسلمون القضية انتصاراً وانتقادًا، فأرسل الإمام رحمه الله من ينظر فيما أحرق على أهل توام ممن لم يدخل في فتنة آل الجلندى، ويقوم أموالهم بالأثمان. قال الإمام، نقلا عن أبي الحواري: ثم بلغنا أن الإمام بعث بعد ذلك رجلين إلى توام إلى القوم الذين احترقت منازلهم، فدعوهم إلى الإنصاف ويعطونهم ما وجب لهم من الحق أهـ.
وقد تداول العلماء هذه القضية فيما بينهم نقدًا ورداً، وذكرها الصائغي في نظمه وحررها الإمام السالمي في جوهره، فكانت برهاناً لمثل هذه الأحوال التي تقع من مغرات الجيوش في كل جيل، والحجة أعمال أهل العدل لا أفعال أهل البغي والباطل، فيجوز كسر قوة أهل البغي والفساد بهدم البيوت وقطع الأشجار، وتخريب الديار، وكل ما يوهن الباغي: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) 12 حتى لا تكون لهم قوة يرجعون إليها يومًا ما، فإذا تبين هدم بيوت غير المستحق أو قطع نخلهم وأشجارهم، فعلى المسلمين ضمانه في بيت المال، لأن الخطأ في الأموال مضمون على كل حال، إن لم يحل الشرع إتلافه، وقد قام الإمام رحمه الله على آل (2/93)
صفحة 371
الجلندى فقمعهم، ثم قام لمن لم يدخل في بغيهم وقوم أموالهم ودوابهم وبيوتهم، وليس عليه في دين الله إلا ذلك.
ومنها أن الإمام المهنا لما كان شديدًا في أعماله مع أهل البغي والفساد، كان ولاته أيضًا كذلك لأنهم كما في الحديث على دين ملوكهم، ومن ذلك كان أبو مروان واليًا على صحار، كما علمت ذلك وكان شديدًا. قال الإمام: كان أبو مروان يشدد على الناس المخالفين أن يظهروا بدعتهم كالقنوت ورفع الأيدي في الصلاة ونحو ذلك، ومنه تقديم تكبيرة الإحرام على التوجيه، لأن هذا كله مما خالفونا فيه، قال الإمام: قلت إلا تقديم تكبيرة الإحرام على التوجيه، فإن فيه قولا بجوازه في المذهب، لكن لم يعلموا به أي عملوا بما هو الأرجح عندهم، وهو أن التوجيه من سنن الصلاة ومن مقدماتها، وأما نفس الصلاة فقد حصرها الشارع صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: أولها التحريم وآخرها التسليم، فكانت الصلاة بهذا النص الصحيح محصورة بذلك، فتبين أن ما كان بينهما داخلا في حكم الصلاة، وما عداه فلا. قال الإمام: وإنما عمل به المخالفون أي تقديم التحريم في الصلاة، فصار شعاراً لهم، فلهذا شدد عليهم الوالي المذكور.
قال أبو إسحاق في تعليقه: إن مخالفينا يمنعون متى اتخذوا مسائلهم دعاية إلى مذهبهم، وفتنوا أهل المذهب في دينهم، ويدلك على هذا ما سبق لك مما كتبه العلامة هاشم بن غيلان رحمه الله إلى الإمام، لما ظهر القدرية والمرجئة وغيرهم بصحار أيضاً وفتنوا الناس في دينهم، فإنه كتب إلى الإمام بمنعهم أو إخراجهم من صحار، بل من عمان، أما الذين كانوا على التزام السكينة ولا تخشى منهم بادرة، فإنهم في حرية (2/94)
صفحة 372
مذهبهم دون أن يصدهم عنه أحد. قال: ولما كانت صحار العاصمة البحرية، ومشهورة بسوقها يومئذ صار الأوفاض التي ترد إليها من كل أرباب المذاهب والدسائس كثيرًا ما لعبت هناك، وكلفت الإمامة شيئًا عظيماً من المال والرجال، وهددت الأمن، لهذا كان رجال الدولة بعد ذلك يتخذون الحيطة الضرورية للمفاجآت وكذلك الواجب:
ومن ... رعى ... غنماً ... في ... أرض ... مسبعة
ونام ... عنها ... تولى ... رعيها ... الأسد
واعلم أن عمان كلها ما كان فيها إلا إباضي صحيح العقيدة صالح العمل، حتى اختلط بهم من قومنا أخلاط أخذوا منهم كل غث، وكيف لا ونفس المجاورة دليل العدوى وسبب لها، والصبر يفسد العسل، وقرين السوء لابد أن ينال منه مقارنه. واعلم أن هذا الدين لا تحفظه إلا بشدة كشدة عمر بن الخطاب رحمه الله:
ولو ... كان ... لين ... القول ... يظهر ... دعوة
لكان ... رسول ... الله ... حلو ... المناطق
ولكنهم لم يخضعوا له حتى رأوا السيف أحمر يلمع في الأفق، ويقطر دمًا، فحينئذ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم ملكت فأسجح.
ولا ريب فإن الإمام المهنا صان الدين بتلك الشدة، وحفظ البيضة بتلك الصرامة، ولله يومه بين أيام الدهر بعمان. قال أبو إسحاق رحمه الله لو سلك الأئمة بالإمامة مسلك الإمام المهنا رضي الله (2/95)
صفحة 373
عنه، لكانت عظمة الإمامة بالغة أوجها، وكان من الدول العظمى إلى اليوم، فرحم الله أولئك الرجال العلماء الذين أبصروا منهم الحق فأيَّدوا الإمامة، ونصروا الإمام على عدوه إلى أن لقي الله وهو في عز الإسلام راضيًا مرضيًا، ولكل درجات مما عملوا، والله يتولى من عباده الصالحين. (2/96)
صفحة 374
حزم الإمام المهنا ويقظته في الأمور
كان الإمام المهنا بن جيفر رحمه الله على جانب عظيم من الحزم، وعل منتهى حدود الفطنة من اليقظة، وبذلك قامت له هيبة في عمان، حتى اهتزت لها الأرجاء والنواحي، وحتى التزمت المهرة لها سوق ماشيتها من المهرة إلى نزوى، وكيف لا وثلاثمائة سفينة تمخر عباب البحر حاملة للعلم العماني، محافظة للبحر من القرصنة، وخمسة آلاف فرس مهيأة لأول صاروخ، وتسعة آلاف ناقة لها أهميتها في ذلك الوقت، معدودة لرد كل باغ على المسلمين بغير حق، وإني أنقل لك عن الإمام السالمي رحمه الله أكثر من غيره، لأنه الموثوق به عند الخاصة والعامة المقبول عند الأمة قبل غيره، قال في تحفة الأعيان:
كان الإمام قد أسن وكبر حتى أقعد فاجتمع إلى موسى بن علي جماعة الناس، وهو أي موشى بن علي قاضِ للإمام المذكور، وهو شيخ المسلمين ومرجع الفتوى، وهو يومئذ شيخ الإسلام ووزير الإمام، ورأس أهل الحل والعقد، يرجع إليه بالمشورة خصوصًا فيما يتعلق بشئون الدولة والبيعة والخلع، هما أكبر شيء إذ ذاك في نظر المسلمين، فقالوا له: إن هذا الرجل يعنون الإمام قد أسن وكبر وضعف عن القيام بذا الأمر، يعنون الإمامة، فلو اجتمع الناس على الإمام يقيمونه مكانه كان أضبط وأقوى على ذلك، قال فخرج موسى إلى الإمام، فلما دخل عليه جعل يسأله وينظر حاله، فعرف الإمام معناه وفهم مراده بذلك، فقال له: يا أبا علي إلى والله لئن أطعت أهل عمان على ما يريدون، (2/97)
صفحة 375
لا أقام معهم إمام سنة واحدة، وليجعل لكل حين إمام ويولون غيره ارجع إلى موضعك فما أذنت لك في الوصول إلي، ولا استأذنتني ولا تقم بعد هذا القول، هذا ما فهم الإمام من الشيخ الولي موسى بن علي، وإنه لحق لا يجهله من مارس الأمور وتنبه للمحذور، والمعنى لو فتحنا هذا الباب لأهل عمان لوقع التلاشي في الأمر، فالأولى أن نسد الباب قبل أن يتسع الخرق على الراقع.
وكان من سياسته وحزمه ويقظته لعواقب الأمور ما ذكره الإمام في صحيفة تسع وخمسين ومائة، قال من خيف على الدولة منه أمل ماله السجن أهـ. ومعناه أن من خاف الإمام ضياع دولة المسلمين منه تناوله فأودعه في السجن، وبيع ماله لطعامه، وهذا من أعظم ما أذل به الإمام من خاف منه الضياع في الدولة، وأن هذا من الحزم بمكان لا يخفى على أهل السياسات الدولية، ونترك النقاش فيه لمحل آخر، بل واجبنا الآن من هذه الناحية توضيح حزم الإمام، وبديع سياسته في المقام، ولولا ذلك لما قامت عظمة الإسلام في عمان، وحسبك أنهم لقبوه صاحب الناب، وكانوا يهددون به البغاة، فيهتزون له رعبًا، وليت أمور المسلمين كذلك كلهم، ولو كانوا كذلك لما لعبت الخلاعة دورها. وأقول بحق لم تعرف عظمة ولا هيبة الإمام في آل اليحمد كعظمة المهنا وهيبته، وذلك يرجع إلى حزمه وعزمه وحسن يقظته في الأمور التي ابتلى بها، فكان لنا به مزيد وصف في شخصيته الموقرة، ولكن الدهر لا يرضى ببقاء أحد طيلة أيامه، وأن المهنا بن جيفر بمنزلة قيد الأرض في آل يعرب، فإنه جمع هيبة الدين والدنيا وعظمة البر والبحر، وناهيك بجيش في البحر تحمله ثلاثمائة سفينة، وفي البر تحمله النياق والخيل. (2/98)
صفحة 376
ولا شك أن ضبط الممالك تحتاج لمثل نحو هذه الأعمال، فأكرم بالمهنا وبأعماله في عمان، ولو دونت أخبارهم وأعمالهم لكانت منتهى العظمة الدولية، وما دون منها ضاع، وبقينا نلتمس ذلك من ابن رزيق الشاعر الذي يريد أن يكون من أهل العلم المؤلفين، ومن سرحان بن سعيد الأزكوي وتاريخه، لا نجده إلا في المكاتب الأجنبية، وقد بُدّل وغير، ومن العوتبي الصحاري ومن منثور الفقهاء في آثارهم عند مدحهم لمن يرضون أو قدحهم لمن يتهورون، ومن المفهوم الذي تدل عليه إجماليات أقوالهم ولو دونت الأخبار لما احتجنا إلى ابن الأثير يقول فينا الغث والسمين ولا صاحب المروج. (2/99)
صفحة 377
وفاة الإمام المهنا بن جيفر رحمه الله
كان من قدر الله عزوجل لما خرج العالم الوحيد موسى بن علي من عند الإمام المهنا في تلك الحال التي قام بها الطالبون لعزل المهنا بدعوى أنه قد شاخ وعجز عن القيام بأمور المسلمين، وأن شيخوخة المهنا أقوى من شباب غيره، ولكن طبع بني آدم الملل، ولو لم يطل العهد، فلما رجع العلامة الجليل موسى بن علي توفاه الله في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول من سنة 230 ثلاثين ومائتين، وكان ولد ليلة عاشر من جمادي الآخرة سنة 177 سبع وسبعين ومائة، فيكون قد عاش رحمه الله ثلاثا وخمسين سنة، وهو بهذا قد مات في أول نضوج معارفه، واستكمال شعوره واستفحال عقليته، وقيل كانت وفاته في سنة 231 إحدى وثلاثين ومائتين، فيكون قد عاش فقط أربعًا وخمسين سنة.
قال الإمام: والأول أثبت. قلت: فإن صح الثاني فيكون .. رحمه الله الأول أصح الأدلة جلية وبقى الإمام بعده متأثرًا بوفاته تأثرًا لا مزيد عليه، وكذلك لأسباب عديدة لا يجهلها إلا القدم الغبي.
وتوفى الإمام المهنا رحمه الله يوم الجمع والناس في المسجد، قد حضروا لصلاة الجمعة، فبعد الأذان الأولى جاءهم خبر وفاة الإمام، ولم يقولوا في صلاتهم شيئًا، فصلوا جمعتهم ظهرًا، وقاموا لتجهيز إمامهم، وكان صلى بهم ذلك اليوم خالد بن محمد المعدي، قال الإمام: وفي الأثر كان الإمام مريضًا، وقم الخطيب على المنبر، فبينما هو في الخطب إذ جاء رجل فأخبرهم بموت الإمام، فقطع الخطيب الخطبة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا ونزل من المنبر وصلوا أربع ركعات، قال: وأحسب أنه (2/100)
صفحة 378
كان في المسجد محمد بن محبوب، ومحمد بن علي ولم أبصرهما، ولكن توهمت ذلك لأنهم اجتمعوا في بيت المشورة، يتشاورون فيمن يقدمونه إمامًا، وكأنهم أحسوا بموت الإمام في ذلك المرض، قال وأحسب أنه قد كان في المسجد هلال بن منير وذلك لست خلت من ربيع الآخر سنة 237سبع وثلاثين ومائتين.
فصلى عليه ابنه جيفر أي كان إمام الصلاة على والده رحمه الله، ولا تسل عما ألم بعمان من دهش وروعة لوفاة الإمام حفظ البحر والبر بهمته العلية، وعزيمته القوية، ورعايته الوفية، تحت ظل الديمقراطية الإسلامية والحمد لله الذي له الملك كله وله الأمر سبحانه من قادر كريم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد له الخلق وله الأمر. (2/101)
صفحة 379
إمامة الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي
لما رأوا حالة الإمام المهنا بَطَل الإسلام يحيط به الحمام، كما أنه على كل نفس لزام، ورأوا أمراً لابد منه وهو إقامة إمام ثان يخلف الأول في المسلمين، ويقوم بحقوق الله والدين، اجتمعوا في بيت المشورة وقادتهم العلماء الأمجاد والسادة الأجواد، أقطاب الهدى وعمدة أهل الاهتداء، وهم محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي المخزومي، والمعلى ابن المنير الفشحي، وعبيدالله بن الحكيم، وبشير بن المنذر، ومحمد ابن علي، ومعهم من خيار أهل العلم الذين نشأوا في ذلك الجيل الكريم الذي أحاطه ورباه المهنا بن جيفر رحمه الله، وهم زياد بن مثوبة والمنذر ابن بشير، ورباط بن المنذر ومحمد بن أبي حذيفة، وهاشم بن الجهم وعلي بن صالح، وعلي بن خالد، والحسن بن هاشم، وأبو المؤثر الصلت بن خميس، وزياد بن الوضاح، وسليمان بن الحكم، ومن معهم من خيار المسمين، ولله عهد يجتمع عليه مثل هؤلاء الأماجد الأبطال أخيار الأمة وعلماؤها في ذلك العهد، نظر هؤلاء الرجال الفطاحل فيمنة هو الذي ينبغي أن تعقد عليه بيعة الإمامة، فوقعت خيرتهم على الصلت ابن مالك، فبايعوه يوم الجمعة عند غروب الشمس، وذلك بعد الفراغ من دفن الإمام الراحل لست خلت من ربيع الآخر سنة 237 سبع وثلاثين ومائتين، وهو نفس اليوم الذي مات فيه الإمام المهنا رحمه الله، ومحمد بن محبوب رضي الله عنه.
قال أبو المؤثر: كنا في المشورة لما مات المهنا فوقع في ثوبي (2/102)
صفحة 380
دم فذهبت أغسله فرجعت وقد بايعوا للصلت بن مالك، أو قال انقطعت الأمور فسأله محمد بن محبوب قائلا له: أين كنت أو ما أخرجك من الناس؟ قال فقلت: وقع في ثوبي دم فذهبت أغسله، قال فاستتابني أي أتهمه في خروجه أنه وقع في نفسه أمر لم يذكره لهم:
وإذا ... سخر ... الإله ... أناسًا
لسعيد ... فإنهم ... سعداء
قال ابن رزيق في سيرته: بايع المسلمون الصلت بن مالك رحمه الله وكان يومئذ رئيس المسلمين في العلم والدين الشيخ العالم العامل القطب الفهامة محمد بن محبوب رحمه الله ورضي عنه، بايعوا الصلت على ما بويع عليه أئمة العدل من قبله، قلت: كان قبله أربعة أئمة عدول، وكان الصلت الإمام الخامس: وكانت البيعة له على نسق البيعة لإخوانه المتقدمين.
قال الإمام: وكان المشهور فيهم أي الذين بايعوا الصلت محمد بن علي القاضي، ولعله أخ لموسى بن علي، وسليمان بن الحكم، ثم ذكر الذين سبق ذكرهم، قال: ومنهم أناس من أهل العلم والفضل، وإن لم يبلغوا مبلغهم في العلم منهم بشير بن المنذر، وكان سيدًا من سادات المسلمين بعزمه وقوته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبايعوا الصلت بن مالك رحمه الله مع من حضرهم من المسلمين، وقدموه عليهم، وسلم الناس لهم وسمعوا وأطاعوا، ولم يخالفوا في ذلك، قال أبو قحطان: أجمعوا على إمامة الصلت بن مالك وولايته وولاية من قدمه من المسلمين. قال: وأجمعوا على نصرته وتحريم غيبته والامتناع (2/103)
صفحة 381
عن طاعته، قال: وقيل في موضع آخر ثم ولى الصلت بن مالك وكان يومئذ بقايا من أشياخ المسلمين وفقهائهم رحمة الله عليهم، وإمامهم يومئذ محمد بن محبوب رحمه الله وغفر له، فبايعوه على ما بويع عليه أهل العدل قبله، فسار الصلت بن مالك بالحق في عمان ما شاء الله، حتى فني أشياخ المسلمين جملة الذين بايعوه، لا نعلم أن أحدًا منهم فارقه، وعمر الصلت بن مالك في إمامته ما لم يعمر إمام من أئمة المسلمين فيما علمنا، حتى كبر ونشأ في الدولة شباب وناس يتخشعون من غير ورع، يظهرون حب الدين ويبطنون حب الدنيا، ويأكلون الدنيا بالدين، فلما طال عمر الصلت بن مالك رحمة الله عليهم، ملوه لما كبر وضعف، وإنما كانت ضعفته من قبل الرجلين، وأما السمع والبصر والعقل واللسان ففلم نعلم أنه ضلع منه شيء ولا نقص منه شيء هذا كلامه نقله عنه الإمام في تحفته.
قال: وسيأتي أنه كان يبرأ ممن عزل الصلت. قال: وكان أبو مروان رحمه الله تعالى والياً للمهنا على صحار، كما سبق. قال: فعزله الصلت فخرج أبو مروان إلى نزوى، فأقام بها حتى توفى، وولى ابن مالك صحار محمد بن الأزهر العبدي، وقدم محمد بن محبوب صحار في سنة تسع وأربعين ومائتين، فولى القضاء بها من قبل الصلت بن مالك فنعم الوالي ونعم المتولي، وأكرم بابن محبوب إذ ذاك السيد العليم الموقر جرثومة الفضل والشرف، وبصحار في عهدة وهي المدينة الجليلة يرف عليها العلم الأبيض تحت ظل سادة المسلمين أهل الفضل والشرف، ومن ورائهم الصلت بن مالك الذي لا ينكر فضله ولا يجهل مقامه. (2/104)
صفحة 382
الإمام الصلت يجهز جيشاً لاسترداد سقطرى
أصلت الصلت للمعادين إصليت انتقام فبادت الخصماء
كانت سقطرى والمكلأ وحضرموت والمهرة كلها تحت راية إمام عمان، حتى جاء النصارى بأسطولهم فهاجموا سقطرى على غير علم من إمام عمان، وهي في شقة بعيدة إذ ذاك، ولا طريق لها من البر والبحر لا يمكن عبوره إلا في الموسم الخاص، وبذلك أخذوا الفرصة لهذا العمل، ومن للإمام ومن لأهل عمان أن يعلموا بما في تك الأجواء ولا برقيات ولا مخابرات ولا طيارات ولا بواخر إلا التي في المواسم المعروفة، وكان القاسم واليًا عليها من قبل الإمام بعمان، فاتصلت الأخبار بالإمام بعد مدة طويلة، وكان من جملتها قصيدة أنشأتها امرأة من أدبيات سقطرى تستنهض بها الإمام وتستغيثه على هؤلاء العائثين في البلاد، وتخبره بالواقع بعبارات تذيب القلوب الجامدة، وتحرق الأذهان المتوقدة، وتحرك المشاعر الواهية، بأشبه بكلام الخنساء ولا ريب للأدب تأثير في القلوب أشد من النار في جزل الغضا، تقول فيها
قل ... للإمام ... الذي ... ترجى ... فضائله
ابن ... الكرام ... السادة ... النجب
وابن ... الجحاجحة ... الشم ... الذين ... هم
كانوا ... سناها ... وكانوا ... سادة ... العرب
أمست ... سقطرى ... من ... الإسلام ... مقفرة
بعد ... الشرائع ... والفرقان ... والكتب (2/105)
صفحة 383
وهكذا ذهبت تذكر الأحوال الحاضرة بعد الأعمال الغابرة، وتندد بالحوادث الجائرة والأفعال الخاسرة، وتستثير حفائظ المسلمين على ما أصابهم من أولئك الطغاة المتمردين.
فإنهم لما هجموا على البلاد قاومهم الوالي فقضوا عليه وعلى من معه، وتولوا أمر البلاد كأنها لا زائد عنها ولا رادع ولا راد، فدمروا البلاد وهدموا المنازل، وخربوا المعاهد حتى عم البلد الكفر، فلا إسلام ولا داعي إليه، ولا أذان إلا نواقيس النصارى، وانتشرت فيها الفوضى وفضت الأبكار، ومزقوا كل ما قدروا عليه في بلاد المسلمين، وفعلوا الأفاعيل المنكرة والحال هم آمنون مطمئنون يفعلون ما يشاءون، وهكذا شأن العدو إذا رأى فرصة في عدوه فلما تحقق الإمام الصلت حقيقة الأمر هزته أريحية الدين، وأشعلت ضميره القوى، وهزته ولا هز العواصف لعالي الغصون، فأجابها بلسان الحال بمثل ما أجاب المعتصم المرأة المغربية، فكانت هذه أخت تلك، فقام لجمع الرجال الصناديد الذين يهشون للجهاد هش الإبل العطاش إلى الماء، فانتقى شرارة الرجال، وجهزهم تحت قيادة محمد بن عشيرة، وسعيد بن شملال البطلين المنتخبين، وعهد إليهما عهدًا عظيمًا لا تسل عما حوى من فقه، وما انطوى عليه من واجب، وما حرر فيه من آراء، وما بين فيه من سياسة، وأودع فيه من أوامر ونواهي وما جمع فيه من أفكاره المتقدة وحماسه المزدحم، غيرة على انتهاك الحرم، ولو كان القرآن من كلام الآدميين لقلنا إنه قرآنهم، وقد حوى ذلك الكتاب من الآثار ما يبهر الأفكار، كما اشتمل على خمس وثلاثين آية كل آية يحتمل شرحها مجلدًا ضخماً، ومن الأحاديث النبوية احتوى على معاني أكثر من مائة حديث، لها قيمتها الفقهية، وفيه من التحريض (2/106)
صفحة 384
شيء يقيم الجائم على ركبتيه، ويرد الشارد إلى الحق، ويجعل الجبان شجاعًا في دينه، بحيث لا يرى للموت قيمة ولا للحياة ثمناً حتى يدوس على هامة الكفر برغم أنفه، وقد قدر لهم عقيدتهم حتى لا يتزعزع عنها أحد ولو أطبقت عليه السماء والأرض، فاسمع قوله رحمه الله: وقولوا كما قال إخوانكم لو ضربونا حتى نبلغ الغاف من عمان لعلمنا أنا على الحق وهم على الباطل، وأنهم حزب الشيطان وأنتم حزب الرحمن، وبين حكم ما يغنمون وكيف يفعلون فيه في كتاب يصدق عليه اسم مصنف لاحتوائه على تلك التقارير الدالة على غزارة علمه وسعة فقهه وحسن سياسته، فلله در إمام كالصلت الكريم ما أعلى نظره وما أوفى عمله وأصدق فعاله، وإنه ليحق أن يجعل درسًا فقهياً يلقن الطلبة فحواه، فإننه لم يبق من أحكام الفقه شيئًا إلا ذكره خصوصًا فيما يتعلق بأحوال الحروب، وقد استهله بجواهر التوحيد، وتعظيم الملك المجيد، وبث فيه من المواعظ ما تنفطر له الأكباد، وترق له الأحجار القاسية، ووصى فيه بالتقوى، ودعا فيه إلى الصبر على البلوى، فهو حجة المسلم المخلص لربه، وعماد الشجاع المجاهد في دينه، وكان القائد لهذا الجيش محمد بن عشيرة، وينوب عنه سعيد بن شملال، وكل واحد منهما يقوم مقام صاحبه إن حدث بأحدهما حدث، وفي مقامها حازم بن همام، وعبد الوهاب بن يزيد، وعمر بن تميم، وعرضت تلك الأساطيل لحمل أبطال عمان، فكانت مائة بارجة وبارجة حربية مهيأة لغزو العدو، وهي التي أحاط بها الإمام المهنا ابن جيفر البحر العماني، فلا تزال سابحة في البحر ليلها ونهارها، تمخر عباب اليم عليها راية عمان البيضاء رمز الإيمان والتقوى، وشعار الرشد والهدى، فساحت تلك الأساطيل الضخمة حتى أحطت أشرعها (2/107)
صفحة 385
على الجزيرة، ولا تسأل إذ ذاك عن فرح المسلمين، وضيق المشركين لما رأوا ذئاب عمان وأسودها تنزل من تلك البواخر تنادي بالجهاد، وتقتحم حدود البلاد، بالأسياف الحداد، فكم عين باكية، وكم دمعة شاكية وكم طعنة نجلاء نافذة، تزهق روح طعينها حتى تمزق المشركين، واجتمع شذاذ المسلمين وعسكروا بها للاطمئنان، وكبح جماح العدوان، حتى جرت المياه في مجاريها، وثبتت قواعد الشريعة على مبانيها، وارتفع صوت عمان على ربوعها.
قال العلامة أبو إسحاق: المراد بهؤلاء النصارى الحبشة، والظاهر أن عهد الاستعمار البرتغالي للشرق لم يكن منذ ذلك العهد، والعبارة تفيد أن هؤلاء حاولوا الاستيلاء على الجزيرة من قبل، ولكن لا قبل لهم بقوة الإمامة، أو كانوا هم من سكان الجزيرة، فتعاهدوا مع الإمام ثم نقضوا عهدهم، قال: ولم يسبق لهذا هنا ذكر ولعله إغفال من المصنف، يعني الإمام السالمي رحمه الله، قال فقوله: خانت النصارى ونقضوا ما بينهم وبين المسلمين، مشعر بهذا. قال ذكر محمد علي الزرقاني في تاريخه المسمى عمان صحيفة ثمانين، أن الحبشة تغلبت على سقطرى في عهد الإمام الصلت، فأرسل أسطولا مؤلفاً من مائة سفينة استعادت سقطرى، وطردت الحبشة من الجزيرة.
قال ياقوت الحموي: وفيها أي سقطرى من جميع قبائل المهرة، وبها نحو عشرة آلاف مقاتل وهم نصارى، قال: ويذكرون أن قومًا من بلد الروم طرحهم بها كسرى، ثم نزلت بهم قبائل من مهرة وتنصر معهم بعضهم إلى أن قال: وسكنها قوم من المهرة وقوم من الشراة، قال: وظهرت بها دعوة المسلمين، ثم كثر بها الشراة فعدوا على من بها (2/108)
صفحة 386
من المسلمين، وقتلوهم وأنت خبير أن اسم الشراة مخصوص بجيش عمان، وكأنه يشير إلى هذه القضايا، فإن الشراة قتلوا البغاة في سقطرى وتولوا أمر البلاد، فإن دعوة المسلمين ظهرت فيها بأهل عمان، لما استولى العمانيون على مهرة وحضرموت ونواحيها، وسقطرى وما يليها، وكأن النصارى المذكورين هم الأهالي الذين ذكرهم الحموي، وأنهم من الروم وأكثر الروم نصارى، فلعل القوم كانوا على عهد مع أئمة عمان، ثم سولت لهم أنفسهم على أن يستبدوا بالبلاد لبعد الشقة العمانية، وقيل كان بها قوم من اليونان، وهم أيضًا نصارى، ولما احتلها العمانيون بقى النصارى على نصرانيتهم بالعهد، فلذلك قال الإمام: خانت النصارى ونقضوا ما بينهم وبين المسلمين، وهي جزيرة عظيمة وبها نخل كثير وفيها أمم، فرجعت سقطرى تحت راية الشراة، ونصر الله الإمام وأيد الله أهل الحق على أهل الباطل، وذلك في عهد قيام دعوة أئمة عمان.
كان الصلت بن مالك رحمه الله عاصر المتوكل على الله جعفر بن إبراهيم، ثم الواثق بالله هارون بن جعفر المتوكل على الله، ثم محمد المنتصر بالله، ثم أحمد المستعين بالله بن محمد، ثم أبي عبد الله محمد المعتز بالله، ثم جعفر بن هارون الواثق بالله، ثم جعفر المهتدي بالله ابن هارون، ثن أبي القاسم أحمد المعتمد على الله بن المتوكل على الله بن المعتصم بالله، وفي عهد هذا توفى الإمام الصلت ابن مالك، فهؤلاء الملوك الذين ذكرناهم عاصرهم أئمة المسلمين بعمان، ولم يكن بينهم وبين أهل عمان بشيء منذ عهد هارون الرشيد الذي هم بحرب عمان، لما قتل العمانيون ابن عمه عيسى بن جعفر أيام جاء عمان مهددًا بغزو عمان، فكفى الله العمانيين شره، وشرر من بعده، إلى أن (2/109)
صفحة 387
قام المعتضد بالله، وقام محمد بن بور والي البحرين على عمان، كما سوف ترى ذلك إن شاء الله في محله.
وطول مدة الإمام الصلت في الإمامة م يتحرك عليه احد من الملوك، وذلك توفيق من الله حتى تحرك عليه أقرب الناس إليه، وهم قومه وأهل دينه ووطنه، وكان بينهم ما كان مما دونه العلماء وطال خطبه لديهم، والأمر لله عزوجل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فتبين أن شراة الإمام الصلت بن مالك هم الذين احتلوا مدينة سقطرى، ونشروا فيها الإسلام، وعلموا أهلها الحلال والحرام، وأقاموا فيها منار العدل، وحسبنا إشارة ياقوت الحموي عنهم برهانًا على ذلك، فإن التاريخ العماني الموجود لم يفصل لنا شيئًا عن هذه البلاد، ولا عن النصارى المشار إليهم، وتواريخ الإفرنج لم تتحدث عن الشرق، إلا في حدود القرن السادس الهجري، وهو القرن الثاني عشر الميلادي، والتاريخ العماني قد ضاع أكثره وبقى كلمات مبعثرة هنا وهناك. (2/110)
صفحة 388
الإمام الصلت بن مالك يتأثر بالسن وتبنى عليه الإدعاءات
لا ريب أنه مهما كان يؤثر في الإنسان كل آن، ما طال الزمان كان تأثيره على الإنسان بغير نكران كما قيل:
أليس ... ورائي ... أن ... تراخت ... منيتي
لزوم ... العصا ... تحنى ... عليها ... الأصابع
وهذا أمر طبيعي معقول لا ينكره أحد من الناس فيما علمناه:
إن الثمانين وبلغتها ... ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وهذا من أدلة عجز الإنسان، وأن الكمال لله وحده، فهو الذي لا يعتريه النقص ولا تلم به الأحداث، بلغ الإمام الصلت من الكبر عتيًا، وإذ ذاك اتجهت الأذهان نحو الإمامة فرأى فريق القيام على الإمام ليعتزل، وإن لم يعتزل يعزل، وكان هذا الحال عند العمانيين من الصفات اللازمة لهم، وكان المحذور ضياع دولة المسلمين أن يقع فيها خلل أو يطمع فيها أهل الأهواء أو يرى البغي بضعف الإمام فرصة تخوله الأماني للزعامة، فيقع بذلك شق عصا المسلمين، وقد علم مما سبق قيامهم على الإمام عبد الملك لما أسن رحمه الله، قاموا يحاولون عزله ولا زالوا يؤنبون العلامة الجليل موسى بن علي بقولهم هذا الشاب لم (2/111)
صفحة 389
يعزل عنا الجبل، وهكذا حتى وقع بين الإمام عبدالملك وموسى بن علي ما وقع، مما فهمه الإمام من نقاش الشيخ العلامة مختبراً حال الإمام، فرد عليه الإمام بقوله: إذا أطعت أهل عمان فإنهم يريدون كل يوم إمامًا، وما أذنت لك في مجيئك ولا استأذنتني ونحو ذلك الكلام، لكن الإمام بقى في إمامته لأن الوزير الخطير لم يرض أن يزيل الجبل، ولما رأوا الإمام الصلت بدأ به الضعف اهتموا بأمر الدولة، وظلوا يدرسون الوضع الحالي، وهم بين راغب لعزل المذكور بنشاط، وبين معارض بنشاط، وبين متوسط في الأمر، وكان الصلت واعي الذهن متقد البصير، يهمه أمر الدين لا أقل من الثائرين عليه لعزله، وكان واجبهم شد أزره والعون على مهماته، فإن أمر الدولة في أيدي رجالها، ما كان الصلت بن مالك إلا واحداً منهم، وهيهات أن يعارضهم في صلاح يقومون به في الأمة، لكن الآراء اختلفت والأنظار تباينت، وبذر الشقاق.
رأى الصلت له طلائع كأنها رؤوس الشياطين، فكان الرأي السديد ركوب أهون الأمرين، وكان الصلت وافر العقل يرى الحقيقة من خلف الستار، وعلم أنهم غير تاركيه لما يدري من طبعهم، وكان موسى ابن موسى بن علي الزعيم المقدم في أهل عمان احتراماً لمقام أبيه العلامة المطاع، في الخاصة والعامة، رأى موسى الثاني له في الأمة ما لأبيه المرضي، فقام محاولا تلك المنزلة فسار إلى نزوى لهذه المهمة، وتابعه من الناس الذين هم على رأيه عبيدالله بن سعيد بن مالك الفجحي، والحواري بن عبدالله الحداني االسلوتي، وفهم بن وارث الكلبيي من كلب اليحمد، والوليد بن مخلد الكندي ومن شايعهم حتى نزلوا بفرق ثغر نزوى، واشتهر خبرهم، وبلغ الإمام اجتماعهم، هنا تحقق الإمام عزيمة القوم، ولعله رحمه الله لما رأى القوم مهتمين بأمر دينهم، (2/112)
صفحة 390
وبشئون دولتهم سره ذلك، فقيل إنه خرج من بيت الإمامة قبل أن تصله دعوتهم، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وكان قد مضى له في الإمامة خمس وثلاثون سنة وسبعة أشهر وثلاثة عشر يوماً.
قال الإمام: ولما خرج الصلت بن مالك من بيت الإمامة، بلغ ذلك موسى بن موسى والذين معه بفرق فبايعوا راشد بن النضر ذلك اليوم، وهو يوم الخميس. قال: وتفرق رأي المسلمين يومئذ، وفسدت أمورهم واختلفوا فيما بينهم في الرأي، ووقعت الفتنة، وذلك فإن قوماً كرهوا إمامة راشد بن النضر، ولعلهم لا يرونه أهلا للإمامة، وبعضهم كرهوا نهوض موسى بن موسى ويرونه استبدادًا بالأمر، وامتنع من بيعة راشد عمر بن محمد الضبي، وموسى بن محمد علي، ولعله ابن أخي موسى ابن علي، وعزان بن الهزبر، وزعر بن سليمان، وعزان بن تميم، وشاذان بن الإمام الصلت بن مالك، ومحمد بن عمر بن الأخنس، وغدانة ابن محمد، وأبو المؤثر الصلت ابن خميس، هؤلاء العلماء الجهابذة الأجلاء قادة الأمة وهداتها. قال لم يزالوا مستمسكين بإمامة الصلت بن مالك إلى أن مات رحمه الله. قلت: من المشاكل العويصة حيث إن الإمام تخلى من الإمامة واعتزل إلى بيته الخاص به مسلمًا للأمر، ويبقى هؤلاء الأشياخ متمسكين بإمامته ويعتبرونه إمامًا، وليس في يده من الأمر شيء حسبي الله أنا أجهل تحقيق المقام على هذا الأصل، قال: وبلغ الخبر بموت الإمام الصلت إذ مات رحمه الله ليلة الجمعة بالنصف من ذي القعدة سنة 275، ودفن يوم الجمعة، وكان صلى عليه عزان بن تميم، فلما علم القاضي (2/113)
صفحة 391
عمر بن محمد خرج إلى نزوى فتكلم قائلا: اليوم مات إمامكم فتمسكوا بدينكم، أي كأنه يراه باقيًا على إمامته، ولا يرى إمامة راشد بن النضر. قال: وحدث يعقوب بن غيلان عن الفضل بن الحواري أنه دخل نزوى أيام راشد بن النضر، فإذا هم على سبع فرق (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) 13، (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) 14.
ولا شك أن بذر الشقاق قد وقع، ولابد أن يثمر الافتراق والنظر في العواقب، يجب قبل الدخول في الأمر، وإلا كان فيه الدمار، وكان ذلك رأي العين حتى آل أمر أهل عمان على التلاشي، إذ طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، فعوقبوا بشر ما اكتسبوا كما سترى أيها القارئ من ذلك العجب، فإن أهل العلم بعضهم يعذر موسى وراشدًا ويلتمس لهم المسوغ والمبرر، ويحملهم على أحسن الأحوال عنده، وبعضهم يباين المذكورين ويتأول فيهم التأويل الذي يطبق عليهم القضايا السيئة، وبعضهم أشكل عليه الأمر ويقول كيف اعتزل الصلت قبل قيام الحجة، ويعلم ما عندهم ويجمع المسلمين له ويعتذر إليهم، ويتخلى من الأمر بين أيديهم، وكيف يقوم القوم لعزل إمام ثبتت إمامته بالإجماع، ولم يقترف حدثًا؟ وهكذا صار النقد والانتقاد والاعتراض بين هؤلاء الأطراد، والحقيقة من التمس عورات أخيه وجدها، فإن كل إنسان له زلات وسيئات ومشكلات يعلمها فريق ويجهلها آخر، وهكذا من يحمل أخاه على أحسن الأحوال يسلم من معرة القيل والقال إن لم ير كفرًا بواحًا أو هوى متبعًا أو إعجابًا برأي ضال، وقد نهى الله ورسوله المؤمنين الافتراق والتنازع، ولكن إذا أراد الله أمراً كان، ولا ينفع فيه نصح ناصح، ولا يؤثر فيه عقل عاقل، وإذا جاء القدر عمى السمع والبصر. (2/114)
صفحة 392
فالفريق الداعي إلى عزل الصلت بن مالك يقول: إن الصلت صار إلى حد الضعف والزمانة العجز عن القيام بالإمامة، وخاف المسلمون ذهاب دولتهم وزوال نعمتهم، وكان موسى بن موسى في وقته هو شيخ المسلمين وإمام أهل الدين، فلما صاروا بفرق مكثوا بها، وقد اجتمع بموسى أخلاؤه وساروا لينظر المسلمون فيما فيه عز الدين، ولما قروا بفرق بقيت الرسل فيما بينهم والإمام، فقال الإمام: ما يطلبون؟ فقالوا قد صرت إلى حد الضعف، ويخافون ذهاب الدولة، ويسألونك أن تعتزل حتى يقوم رجل يحيى به الله هذا الدين، أو نحو هذا الكلام، قال: انظر في ذلك، فبقوا أياماً ينتظرون رأيه ثم عزم على الاعتزال وحول ما في منزله إلى المنزل الذي تحول فيه، وأرسل إليهم أني قد اعتزلت، فينظر المسلمون. قال: وممن أرسل إليهم الحسن بن سعيد وحضر قوله هذا الحسن من شاء الله من الشراة، وشهدوا أنه أرسل الحسن بحضرتنا غير مجبور ولا مقهور، ثم برز إلى الناس وودعهم وداع تارك للأمر معتزل بنفسه: عما كان فيه من الأمر، وأمرهم بحفظ العسكر إلى أن يصل القوم.
قال: من قال إلى أن يجئ موسى، وقال من قال: إلى أن يجئ إمامكم، وكان عنه في العسكر خلق كثير، قال فناظره من ناظره قائلين له تترك إمامتك فزعق بهم على ما بلغنا، ولم يلتفت إليهم، فعند ذلك انفلت من شاء الله من الناس الذين كانوا معه إلى موسى بفرق، وجاء موسى رسوله، وكتاب عزان بخطه يستحثهم بالتعجيل إلى العسكر، وكان أمره وأمرهم إلى المسالمة، وعاش بجوارهم إلى أن مات رحمه الله ورضي عنه، عاش خادمًا للمسلمين، ومات وهم عنه (2/115)
صفحة 393
راضون، وشهد أيضًا ببراءته من الأمر الحسن بن سعيد المذكور ومحمد بن القاسم ابن مسبح.
وقال في موضع آخر صحيفة200: فأما الصلت فإنه ضعيف وصار إلى حد العجز عن حمايته وعزل نفسه، وتبرأ إلى المسلمين من إمامته، وكان اعتزاله شاهرًا ظاهرًا ووضحت براءته من الإمامة بالبينة العادلة عندما. قال: فلما اعتزل ولي المسلمون راشد بن النضر، وبعث الصلت ابن مالك إليه بخاتم الإمامة، ومفاتيح الخزانة، ولم يعارضه في شيء قلت: وهذا يدل أنه كانت لهم في الإمامة أعمال خاصة كالخاتم والكمة والسيف، فكأنها خاصة بالإمامة، ولم ندر ما صفة هذا الخاتم وما وظيفته، وكذلك الكمة، ولم ندر مما هي. قال: وعاش الإمام الصلت في جوار الإمام الجديد قريبًا من سنة إلى أن مات. قال: وليس يذهب عليكم ما كان له من أعوان، ومن الإجابة والقدرة من أهل عمان، لو كان مقهورًا أو أراد القتال. قلت: إذا كان بهذه المنزلة فكيف يقال أنه عاجز وضعيف، أما إذا كان لو أراد القتال استطاعه وأن له على ذلك أعوانًا يجيبون دعوته، فليس بعاجز، لأن الإمام من أصله لا يباشر الحروب بنفسه إلا شذوذًا، أما قتل الإمام الجلندى، فلأن الجيش كله فني حتى بقى هو والقاضي، وهو دليل أنه لا يباشر القتال، وإنما كان الجلندى باشر القتال، إذ بقى فريدًا مع القاضي، وفضل رحمه الله الموت مع إخوانه في رضى لله عزوجل، قال الذي يتحدث الإمام السالمي عن الذي يتحدث عنه في تحفته، وعندنا أن موسى كان يريد عز الدين أي وإن لم يوفق فالتوفيق شيء آخر، وصلاح المسلمين الذي أراده موسى ليته كان على غير هذا الوجه. (2/116)
صفحة 394
قال: والذي عرفناه من رأيه وعزمه في آخر عمره أنه كان يريد اجتماع المسلمين مع أهل العلم في الدين والرأي الموثوق بهم حتى ينظروا في أمر الصلت بن مالك، وراشد بن النضر، وعزان بن تميم، فحيث كان الحق تبعه وإنه راجع إلى الحق في ذلك وإلى رأي المسلمين. قال: وكان موسى قد كتب إلى من كتب إليه من المسلمين من أهل سلوت في آخر أيامه قلت: هذا يدل أن موسى بن موسى ندم على ما صار، وأراد الرجوع إلى المسلمين والتسليم إليهم، وعدم الاختصاص عنهم، وقال في موضع آخر، وكتب أي الصلت إلى عزان بن تميم بخطه يذكر اعتزاله ويستحثنا على التعجيل، فلما صح عندي أنه برئ واعتزل اتفق المسلمون هنالك على ما كانوا اتفقوا عليه، فهذا أمر الصلت بن مالك وليس عندي فيه شك أو ريب.
قال وفي كتاب عن الفض بنن الحواري قال في الصلت بن مالك: إن الناس فيه فرق: ففريق قال اعتزل، وفريق قال عُزِل وفريق قال استحق العزل، وفريق قال لم يستحق العزل. قال: والظاهر الشاهد أنه قد اعتزل لأنه ترك العسكر وتخلى عن المسمين وعن بيت مالهم وسلاحهم، وترك سجنين مخوفين قال: وركب بعيرًا وخرج حتى نزل دار ابنه من غير ألا يلقى من القوم حجة ما يريدون أو نصيحة أو عزلا أو دعاء إلى توبة، وقال لمن بقى في العسكر: احفظوا عسكركم حتى يأتيكم إمامكم، وقال قوم: أتانا كتاب ممن تخلف على العسكر أن يعجلوا إلى العسكر، والمراد بهم جيش نزوى خاصة. قال الإمام: قد اعتزل فقدم القوم إمامًا وساروا حتى نزلوا العسكر، وقدم إمام مكانه، وبعث إليهم بالخاتم والكلمة وآلة الإمامة، وكأنها أشياء تختص بشعار الإمامة، (2/117)
صفحة 395
قال ولم يقل لهم بيني وبينكم الحق، فإني لم أعتزل. قال فأي اعتزال أبين من هذا من غير أن يرى حربًا ولا اختراط سيف ولا هدًا بعصا ولا رميًا بحجر، فإن قالوا اعتزل تقية خاف على نفسه، فأئمة العدل القاطعة للشرى لا تسعها التقية، وعليها الجهاد حتى تقتل أو تقل، كما قال الله تعالى. فإن قالوا كما قلنا قد صار إلى حد ضعفه وعجز عن الإمامة وجاز له الاعتزال، ولو أنه خرج هاربًا فلحق بالرستاق أو بالجبل وترك دولة المسلمين، وقال لم أعتزل أو خرج إلى جلفار وأبعد وحده وتخلى عن الأمر، ثم قال: لم أتبرأ كان على المسلمين أن يدعوا دولتهم ويضيعوها أو يقوموا بها، مع أنها حجة ضعيفة داحضة، واعتزاله كان شاهرًا ظاهرًا، فهو إذا تحول من موضع ولم يكن له إلا أن يعرج بعسكره وخيله ورجاله، وبيت ماله ويدعو القوم إلى الحق، ويكون اعتزاله إلى موضع يرجو فيه الأصلح للمحاربة والاعتذار إلى آخر ما أطال فيه.
فهذه دعوى موسى بن موسى، وراشد بن النضر، وهي محتملة للحق والباطل، وما تعودوا الكذب وما يستحلونه، وترك إنكار الصلت على موسى وراشد يسوغ لهم احتمال الصحة لما ادعوه عليه، لأن ترك النكير ممن له النكير حجة، فلو باع رجل مال رجل وهو في المجلس لا يغير ولا ينكر، وهو حر بالغ عاقل قادر على الإنكار غير خائف ولا متقِ ثبت البيع عليه، ولا يقال للبائع أنه تعدى على غيره، أو أنه ظلمه أو غصبه، فظهر من ذلك احتمال صحة ما ادعاه هؤلاء.
قال الإمام السالمي رحمه الله: وأما دعوى المتبرئين، أي موسى ابن موسى وراشد بن النضر وأعمالهم. (2/118)
صفحة 396
قال أبو قحطان: نشأ في الدولة شباب وناس يتخشعون من غير ورع يظهرون حب الدين، ويبطنون حب الدنيا، ويأكلون الدنيا بالدين، فلكا طال عمر الصلت بن مالك عليهم، ملوه لما كبر وضعف، وإنما كان ضعفه من قبل الرجلين، وأما السمع والبصر والعقل واللسان فلم نعلم أنه ضاع منه شيء، قال: فلما ذهب أعلام المسلمين وفقهاؤهم وأهل الورع ومن يطلب الآخرة، وبلغ الكتاب أجله، وأراد الله أن يختبر أهل عمان كما اختبر من قبلهم ليعلم المطيع من العاصي، وقد علمهم من قبل أن يخلقهم، ابتلى الله أهل عمان برئيس وعلماء من علمائهم، كما ابتلى غيرهم، فلما اختبرهم قل ببصرهم وزالت عقولهم، وحادوا عن الحق، وخالفوا سيرة المسلمين إلا قليلا، أنقذهم الله. قال: فخرج موسى بن موسى من أهل بيت علم وورع أي والده موسى بن علي وحده على ابن عزرة، وكانوا قومهم وعيون أمتهم، وأراد أبو قحطان بالرئيس المشار إليه موسى بن موسى المذكور. قال: فقام موسى بن موسى في أهل عمان يتكلم بلسان فصيح، ويهتف ويصيح في مجلسه، وفي المجامع أي يتكلم في الدولة وأعمالها، ولعله رأى أشياء، لا تنبغي، وما من دولة على عهد الدنيا إلا وهكذا حالها، كما فهمنا ذلك من سير المتقدمين وتواريخ الأقدمين، والمعول على الحق، وله أصول وفروع لا تزال معروفة، وكل شيء عليه أمرنا فهو رد.
قال أبو قحطان: ومرة يطعن في الإمام والقاضي، أي موسى بن موسى قال: ومرة يطعن في الولاة والقضاة والشراة، ومرة يطعن في غيرهم ممن يقوم بأمر الدولة ولا يوضح على الإمام حدثًا أحدثه، ولا على (2/119)
صفحة 397
احد من أصحابه، ولا يسم للإمام بمفكرة ولا يبين ما يدعو إليه إلا انه يظهر أنه ناصح للدولة وأهلها، ويصل إلى الإمام ويتكلم بما لو كان غير الصلت بن مالك لحبسه في السجن أو يوضح على ما يقول برهانًا، أو يمسك لسانه عن شتم أهل الدولة، ولكن الصلت كان رفيقًا بأمته، أي يرى لموسى بن موسى مقامًا محترمًا عند الناس ولا يحب أن يكدر صفوه، ويحتمل في نفسه احتسابًا لله، ولا تخلو دولة من هنات، وليت موسى إذ يرى خللا على الدولة يصلحه من حيث يعلم الإمام، ومن حيث لا يعلم، أو يقوم على الإمام بإخوانه المسلمين وينتقد على الإمام ويسمع هل للإمام جواب معقول أو مقال مقبول، أو عذر صحيح شرعًا يسوغ له ذلك.
قال أبو قحطان: وكان يجله لموضع والده موسى بن علي رحمه الله، قال ولم يكن يأمل فيه هدم الدولة. قلت: ومن رأت لنفسه ما ليس لها هكذا تقول له نفسه، فإن المسلمين كانوا يجلون موسى بن علي لصلاحه، ويحترمونه لفضله لا لتعاظمه عليهم، وللقدح في أعمالهم ويرى أنه أحق بذلك منهم، وليقل في نفسه ابتلينا بعد ذهاب علمائنا وأخيارنا، وعلينا أن نسدد ونصلح ويشد بعضنا عضد بعض حتى يوفق الله الأمة لما فيه صلاح دينها، لا أن يتكلم مطلق اللسان بغير مبالات في المجالس، كما يذكرون عن هذا الشيخ الرئيس أصلح الله شئون الرؤساء.
قال أبو قحطان: ولم يكن يأمل أي في موسى بن موسى هدم الدولة، لأنه كان يظهر أنه يسعى في عزها وعز أهلها، وإذا هو يسعى في هدمها وفسادها للذي سبق في علم الله عزوجل، قلت: لعل ذلك (2/120)
صفحة 398
اجتهاده وما كل مجتهد موفق، قال: فلم تزل الأيام ترى به ومجالسه تغلظ وهو يوشب، أي يكبر على الدولة، ويسعى في هدمها وهدم عزها، ويظهر أنه يريد إعزازها حتى انتهت به الأيام أن مجع الأعراب والطعام من الناس، ومن يسرع إلى الفتنة، قال: فتبعه الناس على منازل مختلفة من رجل قد أغضبته أحكام المسلمين، وأوعز به فهو يطلب عزتهم، وآخر قد حسد من له في الدولة درجة رفيعة يطمع أن ينال مثلها، وآخر يتعبد بغير بصر فيظن أنه محق، وأنه يطلب حقًا ولا يدري أنه افتتن، قال: فجمع بن موسى الناس وسار بهمم إلى فرق، فوقعت الفتنة في أهل عمان، قال وكان موسى أشد فتنة على الناس، فإنهم قالوا: إن وشل فرق قد تحول بدعائه عذبًا وذلك بعد ما وصل موسى فرق، ودعا الله أن يجعله عذبًا، قال وحتى قيل لو استنبئ بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم لاستنبئ موسى، قال ولا يمكننا أن نذكر كل ما قيل فه، قال فلما وصل موسى فرق يطلب عزل الصلت لا يذكر غيره اعتزل الصلت من العسكر إلى بيت ولده شاذان، واستخلف في العسكر من استخلف، قال: والذي ذكر لنا عنه أنه قال: إنما اعتزل الصلت خوف أن يقع سفك دم بلا حجة، وأنه لم يحضر من يحتج به قال: وفي كتاب الصلت إلى الجهور بن سنجة يخبره كيف كان اعتزاله.
قال: وذكرت الذي كان في قضاء الله وقدره من سير هذا الرجل موسى بن موسى، ومن كان معه، وقصدهم في ذلك لما أراد الله حتى اعتزلت من الموضع، وبلغك من نهب أموال بيت المال وجعلوه دولا، وكل ما وضعت من ذلك فقد فهمته عنك إن شاء الله، واعلم يا أخي أن هذه الدولة كان لها رجال لهم حلوم راجحة عالمة، وقلوب سليمة كانوا على أمر واحد يطأ الأخر أثر الأول، وقد كانت بينهم الأعتاب، (2/121)
صفحة 399
فلم يبلغ بهم الأمر إلى مثل هذه الغاية، فلم يزالوا على ذلك حتى مضوا فانقرضوا رحمة الله عليهم، ثم خفنا ونح وأنتم من بعدهم، وبليت بهذا الأمر من غير محبة مني فيه، ولا طلب له إلا أن طلب ذلك من طلب إلى من أفاضل المسلمين وأهل الفقه في الدين، ورغبت في طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحق ورجوت نصرة المسلمين على ذلك، فكان يومئذ من قد عرفت من أشياخ المسلمين فقمت بهذا الأمر ما شاء الله والمسلمون لي أعوان، ونحن وهم على أمر جامع إلى أن ذهب أهل الفضل، ومن يحب الحق وأهل العدل، ونشأ اليوم شباب وناس ظهرت رغبتهم في الدنيا، وطلبوا الرئاسة فيها، وكان موسى هذا يصل إلينا يقول: إنه يأتي ينصح ويكاتب الناس، ويؤلب على الدولة، ومرة يظهر الشتم لأهل الدولة، ومرة يطلب خلاف ذلك، فلم تزل الأيام ترقى به وهو يدعو الناس إنما يطلب لهم الصلاح وإظهار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويطلب إلينا مطالب لا أراها ولا أعرفها من الحق، ولا مقاربة لذلك وأنا أدعوه إلى كتاب الله وسنة نبيه وآثار أئمة الهدى وخيار المسلمين، ولما يجتمع إليه رأى المسلمين فيقول ويرسل إلى ألا أنظر إلى قول فلانة ولا أرضى إلا أن تنزل إلى قولي، ورأي عدله فلم أر ذلك من الحق، ثم، حشد وسار إلينا بمن أجابه، وكتب إلى ما شاء الله من المسلمين، حضر من حضر، وزحف القوم إلينا وتقارب بعضهم من بعض، فأمرت الشراة ومن كان على هذا الفيء بالشخوص، وضع العسكر، وأن يجاهدوا على الدولة فكرهوا، فأمرتهم بالتقدم فتأخروا ولم يصلوا، فكتبت إلى عمر بن محمد القاضي بالخروج إلى ولم يخرج، وصرت أنا في حد من عرفت من الضعف، وخفت أن يصل القوم ويدخلوا العسكر (2/122)
صفحة 400
وتلقاهم الرجال فيقع الحرب بينهم، وسفك الدم وأنا في البيت بلا حجة ولا أمر يكون في إظهار الأمر، فخفت سفك دماء الناس، فرأيت أن تحولت إلى بيت ولدي بلا ترك للإمامة ولا بخلع لها، ولا طوقني الله من هذه الأمانة، فأمرت بحفظ مال المسلمين وحفظ السجنين، وأمرت عزان بن تميم بالقيام في ذلك، فلما بلغ ذلك دخلوا وزعم موسى أنه عقد للإمام برأيه وكسروا بيت المال ونهبوه وأذهبوه، وأطمعوا في هذه الدولة عدوها وفعلوا ما لم يرض الله به وما اختلعت وما تبرأت.
قال: هذا ما أخذنا من كتاب الصلت بن مالك أكتب لكم الكتاب كله لطول الكلام. قال: ولما اعتزل الصلت بن مالك اغتنم الفرصة موسى ابن موسى، وعقد لراشد إمامًا قبل أن يدخل نزوى، ويسأل الصلت عن اعتزاله ويحتج عليه فيه أعن خوف اعتزل أو ضعف عن القيام بحق ما طوقه الله أو امتناع يحدث لزمه منه الحق؟ إن كان موسى يدعي عليه ذلك ولا سأله حجة، ولا عرض عليه التوبة ولا سمى له مفكرة، ولكنه عقد على راشد إمامًا على أهل عمان بالغلبة والجبرية، وقعد قاضيًا له طلبًا للملك والدنيا، فوطئ موسى وراشد ومن اتبعهما إثر الصلت بن مالك، وولوا ولاته وأنفذوا أحكامه، كأنه ميت ولا نعرف هذا من سير المسلمين، قال: فإن كان الصلت بن مالك محقًا فقد كفروا ببغيهم، قال فلما استقر الأمر لراشد وموسى لبثا في ملكهما ما شاء الله، وهما وليان لبعضهما بعض، راشد إمام وموسى قاضٍ له، يدعو له بالإمامة والنصرة على عدوه، وكان في قرب ولاية راشد خرج عليهما نصر بن منهال وفهم بن وارث أب خالد ومصعب، وخالد بن سعوة وناس كثير وكان فهم وأبو خالد ومصعب ممن خرج على الصلت (2/123)
صفحة 401
ابن مالك وحضرا بيعة راشد وبايعهم فخرجوا عليه بعد ذلك، وأرسل إليهم الجيوش، وكان موسى وليه وذلك يدعو له بالنصر، أي يطلب له من يناصره على الخارجين عليه، قال فلم يزل موسى مع راشد حتى بلغ الكتاب أجله، وأراد الله أن يبدي من عورته ويهتك من ستره فخرج راشد من بعد ما قدمه واختاره. (2/124)
صفحة 402
إمامة راشد بن النضر اليحمدي
كان راشد بن النضر وموسى بن موسى ضدين للصلت بن مالك، وكانا يريانه في أعينهما قذى يحاولان إزالته ليفتحا عينيهما في عمان، ويتوليا الأمر عنه نظراً إلى أن الصلت عاد عاجزًا لا يقدر على دفعهما، ويرى موسى أنه الرجل الوحيد ملاً ورجالاً وشرفًا وأنه ابن العلامة المحبوب المؤيد، وان الصلت لا يصلح وأنهما أعرف بالأصلح وتخيلا في أنفسهما خيالات غرتهما، وكانا مغرمين بحب الرئاسة والترفع على المسلمين، وتآمرا على الصلت بن مالكك، وهو على ما يظهر رجل حليم تقي رضي محق في أموره سائر في الأمة سيرة من تقدمه من الأئمة وقوراً لا يهزه النزق يخشى الله أن يسأله يوم القيامة فيعجز عن الجواب، فإنه لما تحقق ضعفه الجسمي ورأى الخلل في جنده، والملل في أنصاره، وخلو الزمان من أهل الحق المناصرين له والقائمين بأمره، ورأى تقحم موسى بن موسى على الأمر، ورأى السواد الأعظم معه وهم عادة يكونون كذلك، ودعا قومه للخروج إلى قتال القوم فلم يجد آذانًا صاغية، والتمس من الذين يأمل فيهم القيام والمناصرة فلم يفعلوا شيئاً، وأمر على الباقين من الشراة ورآهم يتعللون بمعاريض الكلام، تيقن ضياع الأمور من يديه، وموسى وراشد قد عسكرا في فرق، والأمة تنساق إليهما زرافات ووحدانا، رأى نفسه هنا مضاعًا متروكًا على غير جرم ولا سبب، ولا احتج عليه أحد ولا ناظره أحد، ولا خاطبه أحد إلا أن جانبه يسري فيه الضعف وجانب خصمه يسري إليه النشاط، ولا شك أن الحال قاضٍ بسقوط المر من يديه على خصمه، فقال ما يريدون فقيل خلعك عن الإمامة، فعند ذلك خرج من بيت الإمامة تاركًا للأمر عالما غير مراد، وحب (2/125)
صفحة 403
الجديد وتركك القديم أمر تقضى به العادة البشرية، ولعلهم يجدون عند الإمامة الجديدة خير لهم من الحال الذي هم عليه، ومن طبع الناس الميل إلى الجديد ألا تراهم إذا جاءهم غازيًا انقلبوا إليه على من كانوا معه انقلاب الحية لتتمكن من اللسع، فالصلت بن مالك تحقق الرغبة في غيره والترك له، فماذا يفعل، فكان خروجه وهو إمام باق على إمامته لكنه مخذول بغير موجب، فلما استقر عند خصومه خروجه عقدوا إمامتهم لراشد، ورأوها فرصة سانحة واغتنموا الأمر غير منافسين فيه، فكان عقد الإمامة لراشد على هذا الأساس وإنه لداع إلى التلاشي والاختلاف، وكأن موسى بن موسى غير بصير بسياسة الأمور، وإنما اعتمد على ما رأى له مقام في الناس، ومنزله عند الرؤساء، ففصال لذلك على الأمر من غير رؤية، وهذا الحال هو الذي سيكون وبالاً على موسى وراشد، قال الإمام رحمه الله في راشد وهو من اليحمد من الفجح وهو إمام موسى بن موسى، وفي نفس هذه العبارة ما يفهمه الأذكياء فإنه لم يقبل إمام المسمين، وإنما سماه إمام موسى بن موسى، قال: بايعه هو ومن معه بفرق لما بلغهم أن الصلت بن مالك خرج من بيت الإمامة، فزادهم ذلك قوة ونشاطًا في صددهم وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة 272 اثنين وسبعين ومائتين.
قال: وكره قوم إمامته منهم عمر بن محمد القاضي، قلت: هذا القاضي هو الذي دعا به الإمام الصلت ليناظره في الأمر فلم يجبه، ثم سار إليه الإمام بنفسه إلى منزله فلم يخرج له، قال وموسى بن محمد بن علي ابن عم موسى المذكور، وعزان بن الهزبر، وأزهر بم محمد بم سليمان، وعزان بن تميم وشاذان بن الإمام الصلت، ومحمد بن عمر بن الأخنس وغدانة بن محمد وأبو المؤثر وغيرهم من لم يسم لنا، ولم (2/126)
صفحة 404
يزالوا متمسكين بإمامة الصلت بن مالك إلى أن مات. قلت: ما معنى تمسكهم بإمامة الصلت، والصلت قد خرج من الأمور راغمًا، وأصبح في بيت ابنه وهم يدعون أنهم متمسكون بإمامة الصلت، وقد تخلى من الأمر فما بالهم لم يقوموا مع الصلت ويقولوا له أنت صحيح الإمامة، ولا يسعك الترك لها، ونحن معك فما معنى هذا التمسك هل تعين عجزهم فيكون لهم عذراً، هل قاموا بالصلت على عدوه هل آزروه؟ هل غلبوها على الأمر؟ هل تبقى إمامته مع العجز؟
إني ... أخالك ... بعد ... الموت ... تندبني
وفي ... حياتي ... ما ... زودتني ... زادًا
لما قام موسى بن موسى وراشد بن النضر على الإمام ونزلوا في فرق فأين هؤلاء الذين كرهوا إمامة راشد، وتمسكوا بإمامة الصلت بن مالك، وهم أجل من موسى شأنًا، وأوسع علماً وأسبق عملاً، وأولى بالأمر، أيكفي يكرهون راشد وبيعة موسى بن موسى، وهم قعود في بيوتهم والحق يرغم يداس.
قال أبو المؤثر: الصلت بن خميس أرسل موسى إلى راشد بن النضر، فبايعه على غير مشورة من المسلمين، وما حضره يومئذ أحد ممن يثق هو به لفتيا مسألة إلا ما شاء الله. قلت: إما أن تكون صحيحة فليس لهم أن يكرهوا الصحيح في دين الله، وإما أن تكون غير صحيحة، وليس لهم السكوت عن ذلك إلا أن تكون تقية، قال وكان فيما بلغنا بعضهم كارهاً لفعله مشيرًا إليه بغير ما فعل، ولكن غلبتهم الكثرة أي هالهم أمر موسى فخافوا. قلت: لهم أن يخافوا في بيوتهم ولا عبرة بالكثرة فإن مثل هذا الحال لا يكفي فيه الاختفاء في البيوت، إذ هو أمر جامع فعليهم أن يقوموا حتى يتعين عجزهم، فيكون لهم عذراً عند المسلمين، قال (2/127)
صفحة 405
كان ساعد موسى فيما بلغنا فهم بن وارث وعبدالله بن سعيد، وهما غير أمينين ولا رشيدين. قلت: لما كانا كذلك كان الخروج عليهما من اللزوم بمكان إذ غير الأمين وغير الرشيد ليسا من الحق في شيء، قال فلما استويا على الأمر ودخل على راشد، فقال راشد: انصحوني فإني أقبل النصيحة، فظن أنه عند قوله. فقال الناصح: أرسل إلى نفر من المسلمين فقل لهم إنكم لم تشهدوا هذا الأمر، وهما خيار أهل بلدهم معهم شيء من علم وفقه، فقال له: أرسل إليهم فإن اجتمعوا عندك فقل لهم إني قد دخلت في هذا الأمر، فإن كنت مصيبًا فأعينوني وآزروني، وإن كنت مخطئًا فتوبوني، فقال له اكتب هذا الكلام، أي قال ذلك راشد للناصح الذي نصحه اكتب ما قلت لي فكتبه له كما أراد، فلما اطلع موسى على النصيحة المشار إليها ردها موسى ولم يرض رأي المسلمين، أي لم يرض موسى ما قاله الناصح فيكون المسلمون شركاءه في الر أي، فلما رد موسى النصيحة قال لهم قائل: إن الإمامة لا تقوم إلا بمشاورة المسلمين ولا تقوم بمشاورة أهل الإحن ولا بأهل المعصية، ولا سفك الدم ولا بأهل الأطماع. قال: فغضب موسى على أهل العلم واستخفهم، قال: ثم من أتى قبلهم إلى الذي أهدى إليه نصيحته جند من جنود الشيطان، فأخافوه وأرعبوه، أي أخافوا الذي أدلى بالنصح لراشد بن النضر، وكان بنفسه قال: انصحوني فإني أقبل النصح.
قال: ودخلوا منزله فكف الله شرهم وبأسهم، ثم أنه أتى إلى راشد فما استتاباه من ذنب ولا لزمته عندهم عقوبة إلا أن قالا له بايع. فقال لراشد: أبايعك على كذا وكذا بشروط لله على الأئمة، لم يكن موسى يبصرها ولا يعلمها، فأبى راشد أن يبايع على ذلك، وقبض كل واحد يده (2/128)
صفحة 406
منهما على غير بيعة، فقال جلساء السوء: بايعه على الجملة. فقال الرجل: لا لكل زمان حكم ولا أبايعه إلا على التفسير، قال: وهم يعلمون تفسيرًا ولا جملة لو سئلوا عن ذلك لم يهتدوا. قال: إن الرجل قال لموسى بعثتم إلينا من جنودكم من أخافنا وأرغبنا، فقال: إنا لم نبعث أولئك، قال ثم وقعة رمية في الدار التي سكنها راشد، فقالوا كسرت جرة من صبى كان يرمي سدرة أو يرمي طائرًا، قال: فاتهموا بتلك الرمية ابني محمد بن الصلت، والصلت بن مالك أيضًا على غير سبب فيما بلغنا، قال وقد قيل: إن غيرهما الذي رمى ولا نبرئهما ولا نحقق عليهما، قال: فعظم شأن تلك الرمية، فأمر الناس فأحرقوا بعمهما شاذان بن الصلت، قال: وقد بلغنا عن الثقة وصح معنا أنه كأن بعض من هو من حزب الصلت يقول لموسى: نحن نأتيك بالغلامين أي ابني محمد بن الصلت، فكفوا عنا هذه البعوث، ولم يلتفت موسى إلى ذلك.
قال: وقد بلغنا أن عزان بن تميم كان يقول. يا قوم نحن نأتيكم بهما فلم يلتقوا إلى ذلك حتى أحرقوا بهم، وما حارب المسلمون عدوهم من أهل القبلة بالنار قط، قلت هذا من غرائب الأعمال أن صبيا رمي بحصاة كسر بها جرة يحرق بالنار، وهو مسلم أو ولد مسلم أقل إن لم نقل، ولد الإمام الصلت، فقبل كل شيء أين المروءة؟ وإذا عُدمت فأين حكم الله عزوجل الذي أنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام؟ ألا يسع ابني الصلت بن مالك الصبيين الذين لم تتجر عليهما الأحكام بعد، (2/129)
صفحة 407
وإذا جرت فأين الحكم اللازم في القضية، أيعامل المسلم بهذا وليس من الحق في شيء ما بالنا نفعل ذلك ونحن نروم إمامة شرعية تخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمته فهذه الأعمال بحسب ظاهرها فرعونية نعوذ بالله منها.
ليست الإمامة منها في شيء ولا سمعنا عن أحد من أهل الإسلام تكون أعماله كذلك. (2/130)
صفحة 408
الأعمال المشتركة بين موسى وراشد في عمان
اعلم أن راشد بن النضر وموسى بن موسى كانت أعمالها في عمان في حال اشتراكهما في الأمر من حيث إن راشدًا له اسم الإمامة، ولموسى معناها، كان كل ما يفعلانه في عمان مشتركًا بينهما، ومن ذلك ما كان في ابني محمد ابن الصلت المقدم ذكرهما، فإن راشدًا وموسى كلاهما يعد كل واحد يؤيد الثاني، وكذلك ما وقع على ناصح راشد بن النضر حتى ناله بسبب ذلك النصح ما ناله، ثم إن موسى جعل يستكتب كاتب الصلت، أي اتخذه كاتباً كما كان في عهد الصلت، وهو كان يعيب الصلت ويعيب تلك الدولة، وهذا منها ولم يعلم أنه استتابهم فكيف نعيبهم أمس، وقد رام قلع تلك الشجرة من أصلها، واليوم يتعلق بأغصانها ويستظل بظلها، وكان يعيب نفس الكاتب، ثم أجاز شهادته بعد في ثلاثمائة نخلة جعلها أحد الناس صداق امرأته، شهد لها بها ذلك الكاتب بعينه، وحكم بشهادته موسى في نفس الدعوى، فتراه يقبله شاهدًا في هذه الدعوى، وهو بالأمس لما مع الصلت لبن مالك فأما أن يكون ذلك العيب حقاً فلا يحل له قبول شهادته حتى تصح توبته، ولم يذكر أنه استتابه، وإن كان ذلك العيب باطلاً فيلزم أن يتوب منه موسى بن موسى ومن تابعه فيه، هذا سبيل الحق عند المسلمين، قالوا واستعانوا بسعيد بن محمد على قصص جروح لا يؤمن عليها إلا أهل العلم والورع في الدين والبصر والأمانة وهو اليوم كاتب لراشد وموسى، كان يعيب الصلت بصحبته.
قال: ثم إن موسى قرب شاذان بن الصلت، وكان يعيبه ويعيب أباه فجعل يهاديه يهدي هذا إلى هذا، ويهدي هذا إلى هذا، قال: ثم إن فهم (2/131)
صفحة 409
بن وارث ومصعب بن سليمان خرجا بمن خرج معها من أخلاط الناس أهل الرستاق وغيرهم حتى نزلوا بالروضة، موضع نحو فرسخين من نزوى، أو يزيد بقليل، وراشد بن النضر بنزوى وكل فريق يدعو إلى قتال الآخر لتكون السيادة والسلطة في يده، والأمر إلى غيره وحب الرئاسة هو الشهوة الخفية.
وذلك أمر لا يرضاه مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، وهو هنا يقتاله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. وهكذا إذا اقتتلا على الدنيا أما على الدين فلا وليس للدين هنا نصيب وإنما هو التكالب على الدنيا. (2/132)
صفحة 410
الروضة تتعرض لقتال عنيف بين أهل عمان
كان من قدر الله الجاري به قلم القضاء في الأزل أن يكون بين أهل عمان قتال عنيف بموضع الروضة من ناحية تنوف، وسبب ذلك الإختلاف وسوء السياسة بين إخوان مسلمين في عقر دارهم، يختلفون فيقتتلون لغرض غير صالح، ومقصد غير صحيح: قال الإمام: وذلك أن جماعة من اليحمد أرادوا عزل راشد بن النضر، وكان من وجوههم فهم بن وارث الكلبي من كلب اليحمد، ومصعب وأبو خالد ابنا سليمان الكلبيان، وخالد بن سعوة الخروصي، وسليمان اليماني، وشاذان ابن الإمام الصلت، ومحمد بن مَرْجَعَة وغيرهم من وجوه اليحمد، فاجتمعوا بالرستاق وكاتبوا مسلما وأحمد بن عيسى بن سلمة العوتبيين الصحاريين، وسألوهما أن يبايعا لهما في الباطنة من العتيك من بني عمران، ومن كان على رأيهم من آل مالك بن فهم، وهم كثيرون في الباطنة منتشرون فيها، فكاتبا نصر بن منهال العتيكي الهجاري من ولد عمران، وكان من الزعماء في أيامه واستجاشا سليمان بن عبد الملك بن بلال السليمي، ومن ولد سليمة بن مالك بن فهم فسألوه المعونة، وكان سليمان شيخًا مطاعًا في قومه بالباطنة، وكان يسكن مجز من صحار، وله فيها أموال ومساكن، وكان نصر بن منهال رئيسًا تقدمه العتيك في الباطنة، وتطيعه فاستحضر إليهما وبايعهما على نصرة شاذان بن الصلت ومن معه من اليحمد على عزل راشد بن النضر، فأجابهما على ذلك.
قلت: هنا بدا الفتنة يتحفز للنهوض، وقد أبقت أنها كائنة لأن علمهم الذي عاملوا به الإمام الصلت بن مالك لابد أن تكون له عاقبة، (2/133)
صفحة 411
حتى ختموا ذلك بإحراق ابني محمد بن الصلت على غير جرم، ولا يحرق بالنار المسلم مهما كان ضلاله وفحشه، فأراد وجوه اليحمد إحضار الغلامين ليعاقبا على ما اتهما به، وماذا الذي اتهما به رمي حصاة على طائر أو على سدرة، فوقعت على بيت راشد بن النضر فكسرت جرة، فكان عقابهما أن يحرقا بالنار، وفي وجه أبيهما الصلت بن مالك الذي تخلى عن الأمر لموسى وراشد من غير حرب، ونزل في بيت ولده شاذان، وأن شاذان هذا وأطأ القوم وسار معهم، وآخر الأمر رأوا الأحوال على هذا المنهج، فضاقت قلوبهم واشمأزت نفوسهم، وأصبحوا يلتمسون الغوائل للانتقام من هذا الإمام، وإن كان منهم ومن أبناء جلدتهم، لكن سوء المعاملة يجرح القلوب ويثير الضغائن:
وإن ... الضغن ... بعد ... الضغن
عليك ... ويظهر ... الداء ... الدفينا
فقام نصر بن منهال الزعيم الكبير في أيامه بالباطنة، وسليمان بن عبد الملك بن بلال السليمي الزعيم الثاني، فقام المذكوران وتحمسا على الواقع وخرج نصر بن منهال إلى قبائل الباطنة من العتيك وهم كثيرون أهل عدة وعدد وبأس، ولهم أموال طائلة، وخرج سليمان أيضًا معه ليحرك أرهاط قومه ويستثير حفائظهم ويلهب إحساسهم، فطاف على آل مالك بن فهم من سليمة وفراهيد وغيرهم من سائر أولاد مالك ابن فهم، ومن التفت عليهم من القبائل، ومن تأثر بأعمال راشد بن النضر، وصاروا جميعاً يدًا واحدة ولساناً واحدًأ، واتصل القوم بالشيخ شاذان ابن الصلت، وفهم بن وارث ووجوه اليحمد وأهل الرستاق، فأكدوا والبيعة لهم واجتمع جيش ضخم فيه أبطال الرجال وقائده الحقيقي شاذان بن الصلت، (2/134)
صفحة 412
لأنه المصاب في أبيه ابني أخيه وفي نفسه، وكذلك فهم ابن وارث الذي كان أولا معهم حتى رأى ما رأى مما سئم منه حتى طاش عقله.
قال الإمام: وخرجوا إلى نزوى على طريق الجبل، وعرف جمعهم هذا بالحرب الرستاق فساروا وغرضهم الوحيد عزل راشد بن النضر، ولا شك أن الأخبار عنهم قد طارت إلى راشد ومن معه، وعلى كل حال فإنهم لابد أن يقوموا للقاء العدو الزاحف (يَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) 15 (لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً) 16، ولتكون الروضة تاريخًا لهذا الحادث. قال الإمام: الخبر قد اتصل براشد بن النضر، فلما صاروا بالروضة من تنوف من حدود الجوف، وجه إليهم راشد ابن النضر السرايا والجيوش، فإنه لما بلغه الأمر الذي يحاوله هؤلاء، وكان يعلم ما سبق منه وأنه لابد من إثارة شر على ذلك، اهتم بجمع الرجال واستنهاض أعوانه وأنصاره وأهل طاعته، فساقهم خيلاً وركابًا ورجالاً، وكان من قواده يومئذ عبدالله بن سعيد بن مالك الفجحي، والحواري ابن عبدالله الحداني السلوتي، والحواري بن محمد الداهني فكبسوهم في مكانهم ليلاً وهم نزول بالروضة، ولعله على غير دعوة والحرب خدعة، والغافل مأخوذ على غرة، فدارت رحى الحرب بينهم، واختلط الرجال بالرجال، والعدو بالصديق والجبان بالشجاع، والحابل بالنابل، حتى انكشفت الوقعة عن قتل ذريع وقتل في الوقعة أعيان اليحمد وأعيان آل مالك ابن فهم.
قال أبو المؤثر: كان راشد بنزوى، فوجه إليهم قوادًا ليس فيهم فقيه ولا أمين على حجة، ولا بصير بسير المسلمين في الحروب، فلقوهم قبل وصولهم إلى الروضة، وسايروهم حتى نزلوا جميعًا الروضة، جند (2/135)
صفحة 413
راشد وجند فهم بن وارث وشاذان، وقد أمنن بعضهم بعضاً، فلما نزلوا الروضة بات الفريقان أمنا بعضهم من بعض، ثم إن راشد بعث من عنده جندًا أي غير الجند الأول. قال: وعندهم قواد لا فقه لهم ولا فهم، وفيهم عبدالله بن سعيد قائد الفتنة ورأسها: والخطيئة في عدد من الناس أخلاطًا منهم متمسك يحسب أن الطاعة لزمته، فخرجوا بين مارق وفاسق (كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) 17، فهجموا عليهم في بعض الليل، ففزع بعضهم من بعض، ووقع بينهم القتال، فقتل بالليل عند مهايجة القتال رجل من جند راشد ثم تحاجز الفريقان إلا أنه بقى بقية من الرماة بين العسكرين، قال: ودوار أصحاب راشد بفهم وأصحابه شرقًا وغربً وأعلى وأسفل، أي أحاطوا بهم من جميع الجهات، فلما أصبحوا لقيهم رجل من صحار يقال لع غيلان بن عمر، وقد كان غزا في سرية من قبل والي صحار، فلقي القوم فسار حتى نزل معهم الروضة، ولقي منهم فهم بن وارث وغيره من أصحابه، فجعل يكلمهم ويكلمونه، ويدعوهم ويدعونه إلى السلم وهم يجيبون إلى ذلك، والناس متفرقون إلى أن شبت الحرب فيما بينهم من ناحية العسكرين بعيدًا من موضع فهم وغيلان، فتواقع الناس للقتال. قال: فحدثنا غيلان وكان صدوقاً فيما علمناه، أنه كان يكف الناس عن القتال ويحجزهم حتى تعب بدنه وصوته من شدة ما كان ينهى عن القتال ويحجزهم حتى تعب بدنه وصوته من شدة ما كان ينهى عن القتال، فغلبه الناس على أصحاب فهم وتفرقوا عنه، وقتل من قتل في المعركة وفرقهم فأدركوه فأسروه وناساً من أصحابه، وقتل نصر بن منهال وهو شيخ ضعيف وكبير ضعيف عن القتال. قلت: معلوم أن الحرب كالنار تأكل ما لاقته من كبير وصغير، وإذا شبت الحرب كالنار إذا اتقدت يصعب إطفاؤها حتى تلتهم ما حولها، قيل إن نصراً قتل وهو نائم. (2/136)
صفحة 414
قال العوتبي: وقعت بينهم وقعة شديدة، ومقتلة عظيمة، ورجال كثيرة من أهل الورع والعفاف، وكانت الهزيمة على اليحمد والعتيك وبني مالك بن فهم ومن معهم، فأما اليحمد فإنهم كانوا عارفين بالموضع قتعلقوا برءوس الجبال بعد أن قتل منهم جماعة، وأسر من أعيانهم من أسر، وأما العتيك وبنو مالك بن فهم، فصبروا في المعركة حتى قتل نصر بن منهال، أي زعيمهم، وقتل ولداه أيضًا المنهال وغسان، وأخوه صالح بن المنهال العتكي، وقتل من ولد مالك بن فهم حاضر بن عبد الملك بن بلال السليمي، وابن أخيه المختار بن سليمان بن عبد الملك بن بلال السليمي، في نفر من قومهم، وقتل من آل فراهيد بن مالك بن فهم خداش بن محمد الفراهيدي، وأخوه جابر بن محمد في جماعة من قومه، وأسر سليمان بن عبد الملك ابن بلال السليمي، وأسروا من اليحمد فهم بن وارث الكلبي، وخالد بن شعوة الخروصي وغيرهم، فحبسهم راشد بن النضر سنة أو أكثر، ثم سئل في شأنهم موسى بن موسى وجماعة من وجوه أهل عمان ونزوى فأطلقهم، وكانت الدائرة على هؤلاء فدقتهم الحرب دق العصف، فقتل سادتهم وأعيان قومهم كل واحد أكبر من الثاني، وأسروا أيضًا أعيان منهم وانفض جمعهم، وتمزق جيشهم، وذهبوا على وجوههم، وكانت القضية والإمام الصلت بن مالك حي موجود في نزوى في بيت ولده شاذان، ثم مات بعد وقوع هذه الحادثة الرابعة التي كسرت أعمدة اليحمد، وسرت العصبية في أهل عمان بسبب هذه الفتنة، وتعصبت القبائل كل تعلق بأناس لينال ثأراً من خصمه، وطار خبرها في شرق عمان وغربها وإلى البصرة، وفيها قام ابن دريد يحرض قومه على القتال ويستنهضهم للقتال، وهيجت الناس بعضها على بعض لأمر أراد الله إنفاذه فيهم، بسبب اختلافهم على إمامهم، وهو القائم بأمرهم، المجتهد في إصلاحهم، ولا بد للباذر أن (2/137)
صفحة 415
يحصد، وكل يخرج في وقته والنبات له مواقيت يخرج فيها حصاده، وهذه ثمرة الاختلاف فنعوذ بالله منه.
فكان لذلك أثر حار، فتجمع اليحمد وبنو مالك بن فهم والعتيك ومن معهم، وقلوبهم تغلي حقدًا على راشد بن النضر ومن معه، وقرروا المصير على الحلو والمر، وعلى الموت الساحق أو النصر، والتف إليهم من له عصبة فيهم، ومن كان بقلبه مثقال ذرة من الخير لهم، ولم يزالوا من كل حدب ينسلون على أن يمحوا العار الذي لحق بهم ويأخذوا الثأر ممن قضى على إخوانهم وعشيرتهم، ولو كان في ذلك هلاكهم. (2/138)
صفحة 416
الهجوم على دار الإمارة بنزوى
لما تقرر رأي القوم على مهاجمة خصمهم، رأوا أن دار الإمارة أحق بالهجوم، وكما أن القوم باغتوهم في الروضة فهم يبيتون مباغتة راشد بن النضر في دار إمارته، وتكتموا بما أمكنهم فأتوا إلى نزوى بعدهم وعديدهم، ولعل راشدًا يظن أن القوم لا يعودون لمثلها، لأن أجنحتهم قد قطعت وزعامتهم قد سحقت، فلم يكن بخلده أنهم يقومون له مرة أخرى، قال المؤرخون العمانيون: إن اليحمد تجمعت وبنو مالك بن فهم والعتيك، وقد ألهب ضمائرهم ابن دريد وأمثاله، وهيجوهم على الأخذ بثأرهم، فساروا توا إلى الإمارة بنزوى غير مبالين بما يلاقون، ولعلهم أكثر ما قرروا الموت.
قال: فأسروا راشد بن النضر بعدما هزموا أعوانه، وفضوا عساكره وعزلوه عن الإمامة، ووقع اختيارهم جميعاً لعزان بن تميم الخروصي، فبايعوا له وتولوا الأمر في عمان، وذكر الإمام السالمي رحمه الله في تحفته قصيدتين من قصائد ابن دريد التي يحرض بها قومه على أخذ ثأرهم أعرضنا عنهما لأنهما لم يصلحا للرواية في التاريخ لتحريفهما وتعقدهما وعدم المرجع الذي بمكن تصحيحهما عليه. وأول إحداهما:
نبأ ... نابه ... وخطب ... جليل
بل ... رزايا ... لهن ... عبء ... ثقيل
وأول الثانية:
إنما فازت قداح المنايا ... ... يوم حازت خصلها بتنوفا (2/139)
صفحة 417
عزل راشد بن النضر عن الإمامة
قال الإمام السالمي: وذلك بعد ما مضى له في الإمامة أربع سنين وثمانية وخمسون يومًا، قال: وسبب ذلك تحرك قلوب أهل الضغائن وكثرة الحقد عليه بقتل من قتل بالروضة من وجوه الأزد، وتحريض ابن دريد عليه، ووافقته موسى بن موسى لهم في ذلك.
قال أبو قحطان: خرج موسى على راشد من بعد متا قدمه واختاره فخلعه وفسقه وبرئ منه، ودعا إلى حربه من غير مخالفة لراشد منه، ولم يحدث حدثًا حتى يستحقق به معه الخلع في دينه لأنه كان يراه إمامًا ففعل به مثل ما فعل بالصلت بن مالك رحمه الله سواء بسواء، ودعا إلى عزله وألب عليه. قال: قد كنا سمعنا أن راشدًا خرج إلى إزكي يسترضيه فلم يدرك رضاه، قللت: على هذا يتبين أمن موسى بن موسى مشوش الأفكار سريع التقلب، لأنه بالأمس حاقد على الصلت ويتكلم عليه وعلى أعماله، وينتقد على عماله ويطلق لسانه على أهل الدولة مطلقًا لا يبالي بأحد، حتى قام على الصلت وعسكر بفرق حتى اعتزل الصلت الأمر، وأقام مكانه راشد بن النضر، وخاصم معه وحارب، وقاتل وهدد ووعد وتوعد، ثم انقلب على إمامه يؤلبه ويثلبه ويقوم عليه بالخلع، ولم يحجه في شيء ولم يقم عليه دليلا في شيء، بل يصول عليه ويهاجمه بغير مبالاة، وهذا من مستغربات الأحوال وإذا به عندي كما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: وإنه لعلى ما ترين أحمق مطاع، فإن الدين لا يكون ألعوبة وأحكام المسلمين لا تحل ولا تعقد على غير أساس، والحق لا يكون باطلاً وإن تقلب عليه (2/140)
صفحة 418
الدهر، وهكذا العكس فما لموسى بن موسى وهو الرجل الوحيد في زمانه، يبني ويهدم بغير روية ولا هدى من الله، لما سلم العمانيون من العدو الأجنبي جعلوا بأسهم بينهم بغير موجب وخبطوا في فتن تقضي عليهم وتدمر كيانهم، فإن سفك الدماء على غير وجه شرعي يفسد الدين والدنيا، فانظر إلى قتلى الروضة متى ينطفي جمر حقدهم، ومتى يسكن روع القاتل لهم، ولهم أنصار وأتباع، ولم يكن على طريق صحيح يجيزه لهم الشرع.
قال: وأخذ موسى في عزل راشد من غير أن يظهر عليه حدثا يعرفه الناس، إلا أنه يدعو إلى عزله كما كان يدعو إلى عزل الصلت بن مالك، بل كان الصلت على ما يظهر معه خيرًا من راشد، لأنه خرج على الصلت بن مالك ولا تعلم أنه خلعه، وأما راشد فقد كان يفسقه على ما سمعنا، فسار موسى ومن اتبعه حتى نزلوا فرق، واجتمع شاذان ومن أجابه في موضع معاضدين لموسى، وكان الحواري بن عبدالله، والوليد بن مخلد ومن أجابه في موضع يقال له سندان، في أعلى من الموضع الذي كان فيه شاذان ومن معه، مناصرين لراشد، وكان راشد في موضع الإمامة وموسى في فرق ثائرًا على راشد بعد أن كان والاه، أي وولاه وأقام دولته وشد عضده وناصره وحمله على أعناق العباد.
قال: وافترق موسى وراشد والحواري بن عبدالله، والوليد بن مخلد من بعد الألفة والأخوة، لأنهم كانوا تآلفوا على عزل الإمام الصلت بن مالك، وبايعوا راشدًا وصاروا حربًا لأعدائه وعادوا أعداءه، فموسى الآن يطلب عزل راشد، والحواري والوليد يطلبان نصرته، قال: فلو كان أمرهم رشيدًا في الأصل لكان الوليد والحواري مصيبين في نصرهما لإمامهما، ولكان موسى مخطئًا إذ نكث على إمامه ولكن أمرهم في الأصل كان لغير الله، فلم يجمع الله شملهم. (2/141)
صفحة 419
قلت: والله إنها لمصيبة من أعظم المصائب، إذا كان مثل هذا الأمر يصدر منهم لغير الله، وهم علماء المسلمين وعمدة الأمة في الدين، فيقومون لسفك دماء المسلمين بغير حق، قال: ورد بعضهم على بعض، قال: واجتمع موسى وشاذان بعد العداوة نعوذ بالله من الفتن، قال: فسار الحواري والوليد ومن معهما يريدان نصر راشد وقتال شاذان وأصحابه، والله يعلم ما أرادوا، فالتقوا من قبل أن يصلوا راشدًا، فهزم الحواري والوليد ومن معهما، بعد أن قتل من قتل من أصحابهما وسار شاذان وأصحابه، فأخذوا راشدًا من موضعه بلا حرب وضربوه وحبسوه، ووصل موسى ومن معه إلى العسكر، وقد اجتمعوا من غير توبة، وقدموا عزان بن تميم كما أشرنا إلى ذلك سابقًا إمامًا والله أعلم بأمورهم.
قلت: هذه أحوال أشبه بالتلاعب، فلما لم يعجبهم الصلت بن مالك ألقوه وراء ظهورهم غير مبالين به، ثم قدموا راشدًا وسفكوا الدماء، وقتلوا المسلمين الطالبين لخلعه، فصرعوا في الروضة أعيان عمان وأخيارهم، ثم فعلوا الفعلة الشنعاء بابني محمد بن الصلت بسبب رمية حجر رميت في بيت راشد بن النضر، حتى أحرقوهم بالنار، ولا إنكار ولا توبة ولا رجوع على أصل في الدين، على حسب قواعد مذهب المسلمين، واليوم يعاضدون موسى على راشد، وإنما كان رأس الأمر كله موسى، فما هذا الحال الذي يمشي عليه هؤلاء، أما حاذروا سخط الله عليهم إذ يمشون في عباد الله بمثل هذا الحال المؤسف الذي إذا اطلع عليه أعداء المسلمين، لابد أن يسخروا منه (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) 18 (وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) 19 فهذا ينافي شكر الله عزوجل الذي هو طاعته، والدين لا يحمل ألعوبة والحق لا يكون باطلاً، والباطل لا يكون حقًا، والأهواء هي (2/142)
صفحة 420
المهلكة، والدين ينافي الدنيا إذا لم يمش أهلها على الصراط المستقيم، وكفران النعم يورث البوار، وهذا منها والعياذ بالله، وما كان الإباضية يرضون بمثل هذه الأحوال، فإن المجرم يلزم تتويبه وتوبته بحسب حاله، فأما الإمام ومن في معناه فتوبتهم أن تكون علنًا في مجامع الناس، لأنها تنبني على أحكام ديية، فإن الله ما ترك المسلمين يروحون ويغدون كما يشاءون غير مناقشين ولا مسئولين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فإن الله لا يهمل مثقال ذرة ولا أدنى منها مهما كان، وهذه الأفعال، وما سيأتي ذكره من الأحداث التي يقترفها راشد بن النضر وزميله الوزير، وما يأتي بها قومهم من الأعمال التي لم تعرف في دين الله عزوجل، ولا ارتضاها أحد ممن له أدنى مسكة من عقل، فإن الإمامة نزيهة عن عبث الناس، وبعيدة عن السفاسف، فإنها لم تقم إلا لتكون ضدًا للظلم وضدًا للظلمة وضدًا للجور وأهله، ولم يعرف في مذهب المسلمين فضلا عن أعمال صفوة الأمة إلا أن راشدا كان سلطاناً لموسى بن موسى، يقضي كل واحد منهما غرض الآخر، وكان موسى على ما يظهر رجلا غشيماً وزعيماً متغطرساً، كان يحاول الرئاسة التي هي الزعامة لا الإمارة الدينية، مع أنه كان على يقين من سيرة أبيه موسى بن علي في عمان، إذ كان القدوة الصالحة لهم، وكان راشد بن النضر توصل إلى الرئاسة بالزعيم موسى بن موسى ليقضي غرضًا كان له في نفسه، وحب الرئاسة هو الشهوة الخفية، التي هلكت بها أمم وانهارت من أجلها عروش، وسوف ترى وتسمع عن راشد بن النضر ووزيره موسى بن موسى أحوالا، وترى لهم أعمالا في الأمة توجب عزل راشد وتخرجه من الولاية، إذ كانت له ولاية إن صحت تلك الأعمال، والدين لا يقوم على أساس الباطل، والجور والظلم لا يصح معهما دين مهما كان. (2/143)
صفحة 421
أعمال راشد بن النضر في حال إمامته بعمان
اعلم أن راشد بن النضر لما تولى الأمر بعمان، كانت أعماله كلها سيئة وهي التي تصدر منه أو من وزيره أو من قائده، أو أي عامل من عماله، ولا ريب فإن الرعية على دين ملوكها.
كان راشد المذكور إماما لأهل عمان على رغم أهل عمان، إلا على موسى وشرذمة معه مما شايعه من أهل عمان، من الذين طال عليهم عهد الصلت بن مالك، فتمنوا زواله ليحل محله إمام جديد ينالون معه ما لم ينالوه مع الصلت، ولو كانت الدولة همتهم لشدوا عضد الصلت وقوموا أموره، وقاموا معه وهم جميع، ولكن لاريب فإن الله عزوجل بسط لبني إسرائيل كل خير، وأطعمهم المن والسلوى، وهم في أطيب النعم وأوفر الفضل، ة وإذا بهم يقولون لنبيهم عليه الصلاة والسلام: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) 20 الآية. وأهل عمان هكذا كان عملهم هنا ليقضي الله أمرً كان مفعولاً، فكانت أعمال الإمام المزعوم راشد بن النضر من ثمره، وفي بعض كتب الله المنزلة قوله في آخر الآية: من ثمارهم تعرفونهم. فكانت المفاسد في عمان شاهرة ظاهرة، من نهب أموال، وقتل رجال، وإخافة الطرق، وانتشار الجهل، وخمود العدل، وتطاول الباغي على الآمن الوادع، وأي بغي أكبر من حرق ابني محمد بن الصلت بن مالك، وهما صبيان لم يبلغا خد التكليف، ويحرقان بالنار مع أن أهلهما يتقدمون بتقريبهما إلى الإمام المذكور، (2/144)
صفحة 422
ليحكم فيهما الحاكم بما يرى من حق وغيره، ولم يقبل منهم وهما قد رميا رمية حجر لطير كان على شجرة سدر، أو رميا السدرة ننفسها فوقعت الرمية في بيت الإمام فكسرت جرة فكانت عقوبتهما أن يحرقا بالنار، وهذا من عمل صاحب الأخدود فنعوذ بالله من شر البغي.
ومن ذلك عقر جمال القوم المقتولين في الروضة، وقيل إن جملة المعقور ستة عشر جملا وفرسا، ونهبت أموالهم ودوابهم وثيابهم، قال: وليس هذا من عمل المسلمين، ولا من سيرتهم في أموال أهل القبلة. قال: ورفع لنا الثقة أن الرجل من أصحاب فهم كان يتلجأ فيوضع عليه السيوف، وكان الرجل يأتي مستسلماً منقادًا مذعناً مسلماً للأمر، فيدفع إليهم سيفه فيأخذونه فيقتلونه، ولم يظهر من موسى إنكار ولا تغير، ولا من راشد ابن النضر الإمام. قال: وقد بلغنا أن لحوم الإبل المعقورة بيعت في سوق نزوى قريباً من موسى وراشد أو لم يستطيع المسلمون إنكار ذلك. قال: وقد كانوا يعيبون على الصلت بعض أحداث من سرايا كانت تطرأ في أطراف عمان، لا يدري كانت أو لم تكن، أي لم تثبت صحة وقوعها، ولم يعيبوا على أنفسهم الأحداث الشنيعة وهي قريبة منهم، يكادون يعاينوها بأعينهم.
قال: ثم استقام الأمر لراشد واشتد سلطانه بعمان، وقد تكون الأحداث بأطراف عمان من المهرة ونحوهم، فربما يضربون الرجل ويستاقون الإبل، ويعيثون في الأرض فسادًا، وما قاومهم راشد ولا جرد لهم من يرد بغيهم عليهم، وكأنه لم يهتم من شأنهم فلم يبعث لهم سرية واحدة أبدًا، وإنما كان شدته وسطوته على أهل الرستاق من (2/145)
صفحة 423
حولها، إذ رأى الثورة عليه من هنا، ولم يسأل عن رعيته. قال: ومن أعماله فيما صح خبره معنا: أن رجلاً وقف بباب السجن فتناول كتباً إلى الفضل بن الحواري، والأشعث بن محمد النضر، وهما يومئذ من أصحاب راشد ومن حزبه، فاطلع بعض جنود راشد على ذلك فأخذوه بالكتب، وساروا به إلى راشد، فلما عرف الكتب إلى من هي أمر به فحبس في السجن. قال فبلغنا أنه ضرب مع ذلك فلبث في السجن ما شاء الله، ثم أخرج فدخل من دخل على راشد ممن أنكر حبسه فقال لهم: حبستم الرجل وليس عليه حبس لأنه إنما حمل الكتب إلى أصحابكم إلخ.
قال: وقد بلغنا أن قوماً من أهل سلوت دخلوا على رجل في منزله فكسروا بابه وضربوه بالسيوف، فحمل الرجل مضروباً منتصفاً، أي طالباً الإنصاف ممن ضربه، وإن يبعث سرية إلى الذين ضربوه فلم ينصفه، وقال: من أجل واحد أبعث إلى قوم أنصار، فلم يفعل ولم ينصف الرجل من أعوانه. قال: ولم يجعل ضرب السيوف كرمية وقعت في داره.
ومنها أنهم بعثوا قائدًا من قوادهم إلى الرستاق وهو لص مشهور معروف بذلك، فسار إلى الرستاق واسمه زائد بن خطاب معروف بالسرقات، ومعه ناس من أعوانهم إلى بني غافر أهل الرستاق، ولم يكن من بني غافر المذكورين الذين أرسل إليهم زائد بن الخطاب حدث يعرف، حتى يرسل السرايا، فلما دخل واديهم أي المعروف بوادي بني غافر، تلقاه بعض من سرعان الناس وسفهائهم فيما بلغنا، فهايجوه وكان بينهم هناك بعض الشر حتى جرح بعض أصحابه، ولم يقتل أحد في تلك الحركة، (2/146)
صفحة 424
وف منهم هو وأصحابه، فأتى الخبر إلى راشد فجهز إليهم سرايا وقواد جفاة عماة، ولم يسيروا بقصد ولم يهتدوا برشد، فعاثوا في البلاد من أكل أموال الناس، ودخلوا بيوتهم وكسروا أقفالها، وأهانوهم، ولم ينكر راشد عليهم ذلك مع أن الإمامة لا ترضى بذلك، ودين المسلمين لا يأمر بهذا، ولا قريب منه، وأودع راشد ناسا في السجون مدة طويلة ممن شهدوا الروضة وغيرعم.
وهذه الأعمال لم يعلمها أئمة المسلمين قال: وعمر في سجن راشد ناس من بني غافر وأناس ممن شهدوا وقعة الروضة في القيود والهوان، وكان أبو خالد سليمان جريحًا مريضًا فيما ذكر لنا نازلا في بعض دور نزوى، فأمر به راشد فقيد في منزله كبعض العبيد، وما يعرف المسلمون لذلك وجها. قال: ولا نعلم أن أحداً من سلاطين العدل أو الجور سبق راشداً إلى هذا الفعل يقيد رجلا في بيته وهو مريض. قال: وإن ناساً من كلب اليحمد كتبوا إلى شاذان يسألونه الخروج على راشد، فكتب إليهم شاذان فيما ذكرنا العدل يقول لهم في كتابه: أما أنا فرجل من المسلمين لا أنفرد بالأمر دونهم، ولا أريد أن أكون في هذا الأمر رأساً- فإن قام المسلمون فأنا معهم، ونحو هذا من القول فيما رفع إلينا الثقة من المسلمين.
فخرج إليه يمان بن مصعب بن راشد وأبو جليل، وأبو النضر بن أبي جليل، وأبو النضر بن راشد في ناس فهجموا عليه ليلاً ليأخذوه فظفروا به، فأخذوه وخرجوا به، فاجتمع من اجتمع من اليحمد معهم ولا ندري ما أرادوا في اجتماعهم ودعوتهم ما هي، فلما بلغ راشدًا اجتماعهم بعث إليهم من قبله قواداً جفاة لا علم لهم بحرب المسلمين، ولا بصر لهم (2/147)
صفحة 425
بحجة على عدوهم، فساروا حتى نزلوا قرية يقال لها عيني من الرستاق، وأقبل شاذان بمن معه من وادي عمق متجرداً يريد فيما قيل قرية يقال لها سوتي.
قلت: هي الآن تعرف بالعوابي، قال هي قريبا من عيني، قلت: نعم هي من الرستاق والعوابي التي هي سوني تبعد عن عيني مرحلة واحدة، ولكنها كانت من أعمال الرستاق حتى العهد الأخير الذي قام فيه الشيخ جاعد بن خميس وآله، وتاثلوا فيها أموالا، وخدموا خلجها حتى قوي واعتد، وبنى الشيخ فيها البيت العالي، وكان حصنا لهم من عدوهم، ثم احتلته الحكومة من أيديهم وأصبح رهن يد الحاكم إماما كان أو سلطانًا، وأصبحت سوني التي هي العوابي إمارة مستقلة، ولكنا لا تزال تخضع لحاكم الرستاق خضوع الوالد لوالده، وحق لها ذلك. قال: فلما كان بين القريتين أي سوني وعيني، وثب عليه أصحاب راشد بلا حجة ولا مناظرة، وتداعوا بدعوة الجفا، وقال شأنكم خذوهم ورأس شاذان فيما رفع لنا الثقة، وابتدرهم الناس سرعانا واقتتلوا فيما بينهم وقتل من قتل من أصحاب راشد، ومر عامتهم وسار شاذان حتى دخل الباطنة، ثم رجع إلى الرستاق ودخل وادي عمق وتراجع راشد واجتمعوا، وجاء عبيدالله بن سعيد بمن أجابه من أخلاط الناس، ثم ساروا حتى وافوا شاذان وأصحابه في موضع يقال له الطباقة من أسفل وادي عمق، فاقتتلوا وقتل من قتل وانهزم شاذان بن الصلت وأصحابه، ولكن لم يظفر العدو بشاذان وجعلوا بعد الهزيمة يلقطون فتات الهزيمة ويقهرون البرئ والسقيم، والداخل معهم وغير الداخل عملا بشنشة المنتصر الذي لا يحجزه دين (2/148)
صفحة 426
ولا يقوده علم، فأسروا من قدروا على أسره منهم، ودفعوهم إلى سجن نزوى.
قال: ولقد حدثنا الحكم بن أبي سليمان وهو ثقة مأمون أنه قال لموسى: كم مظلوم في هذا الجيش؟ قال: وحدثنا بعض من يتولى راشدًا وموسى أن رجلاً من الأسارى ضعف عن المشي فسحبوه سحبًا حتى مات في سحبه، وقد حدثنا الرجل أنه أخبر موسى بهذا فما ظهر منه إنكار ولا تغير، قال: ولو أن مشركًا محاربًا سحب على وجه حتى مات في سحبه لكان منكرًا عظيمًا، أي لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة. قلت: وسيأتي في التاريخ أغرب من هذا فإن الشيخ القاضي عدي بن سليمان الذهلي، قتل في الرستاق فسحب على وجهه في سكك الرستاق، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلمنهى عن قتل المثلة، وهذا منه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء ليس عليه أمرنا فهو رد.
قال: ثم إن شاذان بن الصلت هرب وبعثوا في طلبه قوادًا من قبلهم إلى الرستاق، منهم أبو الجلندى بن معران رجل معروف بالطلس والسفه، وإنما كان من جنود الشيطان ومنهم محمد بن أبي فضيل رجل معروف بسفك الدماء من الحرام، ومنهم محمد بن سعيد، وأخلاط الأعراب الجفاة، فساروا حتى دخلوا الرستاق بلغنا، فقطعوا الزراعة، ولقد بلغنا أن أبا الجلندى كابر امرأة على شيء من حليها واستفاض هذا الخبر. قال: ثم بسطوا لعبيدالله بن سعيد اليد في عمان من غير صلاح ولا وقار ولا عفاف، وأنه لو شهد شهادة مع موسى ما قبل شهادته فيما عرف موسى منه، ثم سار عبيد الله بن سعيد إلى صحار، فعمل فيها أعمالا قبيحة، فيما ذكر من استرهاب الناس (2/149)
صفحة 427
وأخذ أموالا فيما رفع إلينا، وأذعن له والي صحار، وسلم له فيما بلغنا. قال: ولقد قيل لنا وذاع وشهر أنه أرسل إلى شيخ ضعيف يقال له عبدالرحمن بن الوليد، وهو أمين للوالي على بعض ضياعه فأرسل إليه عبيد الله جند من جنوده ليجروه إليه بغير حق، فاستجار بالوالي فلم يقبلوا، وقال للوالي: أنا كفيل به فلم يقبلوا، وجروه إليه كرهًا ليسأله تأخير حق له على بعض من استعان بعبيد الله عليه، ثم هدده عبيد الله وأوعده حيث لم يشفعه. قال: وقد بلغنا أن والي صحار يرفع إليه الخصماء، وهو غير فقيه ولا بصير بحكم. قال: وما فعل والي صحار إلى إلا تعظيمًا لأمر الدنيا ومهابة للسلطان، قال: وبلغنا أن عبيد الله خطب إلى رجل كثير المال ضعيف الحال واهي القوى ابنته فأبى أن يزوجه، فأغرى سفهاء من الناس بماله، فزوجة الرجل تقية ومخافة مما يرى، فلما تزوج منه استولى على كثير من ماله، أو على جملته. قال: ولقد بلغا أن الرجل احتاج إلى قفيرين من تمر من ماله، فلم يدركه وتولى عليه أملاكه على هذا الحال، حتى اشترى منه ما أراد من تمر من ماله. قلت: هذا من الظلم بأعلى الذرى، وقال: لقد بلغنا أن والي نخل أراد أن يدخل في شيء من إصافه وكتب إلي راشد فيما ذكرنا لنا بعض أصحاب والي نخل أن هذا قصور منك إلى الدولة، أي حيث تقوم بالانتصاف من رجال الدولة، قال وقد ذكر لنا عن ابن موسى أنه يكتب إلى تجار صحار يسألهم القرض، ويسألهم أن يتجروا له، ولم يكن يسألهم من قبل هذا لكن تقوى عليهم بسبب السلطان.
قال: ثم خرج ابن موسى إلى صحار، فحكى عنه أخذ أموال الناس أمرًا أشنع من الذي كان عن شاذان أيام أبيه. قال: (2/150)
صفحة 428
فإن كان شاذان من عيوب الصلت فابن موسى من عيوب راشد، فإن قالوا إن هذا لم يصح لهم، قيل كذلك الحكايات عن أصحاب الصلت لم تصح. قال: وقد صارت صحار مأكلة لفاسق السلطان لأن فيها تجار وأهل ذمة ضعفاء. قال: وسجن سليمان بن أبي حذيفة رجلا ضعيفاً بغير حق حتى اطلع على ذلك راشد، فأخرجه ولم ينكر على سليمان فعله هذا، وليس يكفي إطلاق سليمان مع تركه للإنكار عليه أن لو أطلقه سليمان المذكور. ثم نصحهم من نصحهم في أمر شاذان. وقال: أوفدوا إليه وفدًا من صلحائكم يحتجون عليه قبل سفك الدماء، ويسألونه ما يطلب فردوا النصيحة وجعلوها غشاء وتعجبوا من الحق، وجهلوا سيرة المسلمين. قال: ثم سارت العصبية، وجعلوا يولون ولاة ما اختاروهم لله، وإنما ولوهم رضا وتقية ومصانعة.
قال: ورأى موسى رجلا ضعيفًا ليس هو بإمام من أئمة الدين ولا يخاف على دولة رآه جالسًا على باب المسجد خارجًا يوم الجمعة قبل الصلاة، ثم أبصره يصلي بعدما انقضت صلاتهم، فاتهمه أنه لا يرى الصلاة معهم ففسقه ودعا عليه وشهر به، وأغرى به السفهاء فساروا إلى منزله قريباً من فرسخ، فشدوا يديه وراء ظهره، وضربوه فيما بلغنا حتى أدموه، ثم جاءوا به كأنه سافك دم أو قاطع طريق حتى أدخلوه السجن، فحدثنا عدل ثقة من المسلمين أنه كان قاعدًا في المسجد، وقد جاءوا به. فقال: إنه كان يسمع شيئًا ليس يشبه الضرب، ولكنه يشبه الدروس أي الدق بالأرجل من شدة الضرب، فلما أدخلوه السجن قال: واقتلاه فيما بغنا، فلبث في السجن مريضًا مرضاً شديدًا، وقال لهم رجل ارفقوا به فأدخلوه السجن وشدوا يديه وراء (2/151)
صفحة 429
ظهره، قال: ولم ينكروا على من ضربه ولا منعوه منه، قال: وأمر راشد ولاة القرى ألا يدعو الناس يشترون من طعام أهل القرى، وهو وولاته يشترونه لأنفسهم. قال: هذا تحليل لما حرم الله، وقد أحل الله البيع وحرم الربا. قلت هذه الأعمال إن صلحت ما هي من أعمال المسلمين في شيء أبدا، إنما هي أعمال جبابرة الملوك في الرعايا المستضعفين، ولم نعلم أحد من أئمة الدين يرضى بها في عدوه فضلا عن الضعفاء المأسورين تحت القهر، يكون فيهم هذا تحت راية من يتسمى بالإمامة وينشد العدالة، إنما هذه عرفت في عمان لبني نبهان كما سوف يأتي ذلك في محله.
قال: وبلغنا أن تاجرا خرج إلى قرية يقال لها أبيل. قلت: يقولون لها الآن وبل بالواو المفتوحة أو المضمومة وهي من قرى الرستاق، فاشترى منها برا على حساب مكوك وربع، لا بل على حساب مكوك وثلث إلا ربع السدس بدرهم، قال: فأخذوه إلى ذلك البلد فقطره وقيده حتى رد بضاعته إلى الذي اشتراها منه، ثم إن الوالي رجع فاشترى ذلك الحب على حساب مكوك وثلث زيادة على مكان اشتراه التاجر. فال: فضر بالبائع وأضر بالمشتري، أي أضر بالبائع حيث أدخل عليه الزيادة في المبيع والنقص في الثمن، وأضر الشاري حيث رده عن شرائه. قال: ثم إن التاجر أتى راشدا فشكا إليه فكان إنصافه له أن طرحه في السجن، ثم أخرج من السجن فأتى إلى موسى فشكا إليه من الوالي فطلب إليه الإنصاف. فقال نعم ننصف فلم يرفع له رأسا ولم يكن منه شيء إلا أن موسى تكلم، فقال: إن الإمام قد ترك ذلك الأمر الذي كان يأمر به فلم يكن منهم إنصاف ولا توبة إلا هذا. (2/152)
صفحة 430
قال ثم هم فيما بينهم يتهامزرن ويتطاعنون يسمون إمامهم حمارًا جليبَا، وتيساً عشيقًا، ويسمون قاضيهم أبا السطور (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) 21 إخوانا علانية أعداءً سريرة، إلا أنهم قد اجتمعوا على أنهم قد قهروا المسلمين وأخافوهم وأخافوا عزان بن تميم وأخرجوه من منزله وداره بكفالة لا تلزمه، وهم يعرفون فضله، وقد كان موسى احتاج إلى رأيه.
وقال أيضًا: إنهم حبسوا محمد بم عمر بن الأخنس بلا ذنب ولا حدث منه إلا سوء الظن فيه، وهو معروف فضله في المسلمين، ثم بعد ذلك أخافوه وبعثوا إليه الخيل فخاف في منزله بلا ذنب ولا حدث، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وألقى بنفسه إليهم فلم يجدا له ذنباً فحبسوه في عسكرهم، ولم يأذنوا له بالانصراف إلى منزله حتى أخذوا عليه كفيلا وما ذلك منهم بعدل، قال: وهذا من عجائبهم في تسعة عشر شهراً منذ ملكوا ولديهم المزيد. قلت هذه هي بذور زوال نعمتهم لما كف الله عنهم العدو الكبير، وهو سلطان العراق لم تطل بهم الأيام حتى ظهرت هذه الأحوال منهم لتكون قائد النقمة عليهم، (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) 22، وتلك هي سنته تعالى في عباده، من يتتبعها يجدها في كل جيل منذ خلق الله الدنيا إلى يوم القيامة، لأن الله أجل وأكرم من أن يبسط لقوم نعمة، ثم ينزعها منهم بغير جرم، وقد وصف راشداً بأنه لا يعقل ولا يبصر الأمور، وأنه يحسب الخطأ صواباً لعماة ويظن للحق ما (2/153)
صفحة 431
يفعله هو لا غير، ووصف موسى بأنه يطعن في المسلمين ويقول فيهم بحسب هواه، ويصف نفسه بما يهواه والله يقول (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) 23.
ومن كلامه بحسب ما نقله عنه أبو قحطان يقول: فإن شربة النبيذ والأعراب عندي من علماء هذا الزمان، قال وهو في ذلك لا يستغني عنهم. قلت هذا الكلام في غاية من الجفاء، وفي النهاية من السخرية، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ) 24 الآية. قال: وجهلة وقلة عمله ظاهر بين، قال: ومن ذاك أنه لا يحسن إقامة الجمعة. قال: فإن المؤذن كان يفرغ من الأذان الآخر يوم الجمعة. وموسى في بيته أو حيث شاء الله حتى يخلو وقت طويل، ثم يأتي فيخطب بالناس ويصلي ركعتين، قال ومن السنة في الجمعة أن الخطبة متصلة بالأذان، والأذان متصل بالإقامة، والإقامة متصلة بالصلاة، لا فرق بينهن هكذا وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ومن قلة علمه: أنه خطب الناس يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر وإمامهم في بيته أو حيث شاء الله، فانتظروه وليسوا في صلاة ولا خطبة مقدار ما استمر الإمام بيته إلى المسجد مرتين، قال وبيت الإمام منفسح عن المسجد ما شاء الله، ثم صلى بالناس ركعتين بلا إعادة خطبة خلافًا للسنة، وقد قال الفقهاء لو أن الخطيب خطب يوم الجمعة ثم اشتغلوا عن الصلاة لأمر عناهم كان عليهم أن يعيدوا الخطبة للصلاة ول خطبة موجزة أي أقل ما يطلق عليه اسم خطبة كالحمد لله والصلاة على رسول الله، وإثبات الشهادتين، وإقرار (2/154)
صفحة 432
الوحدانية لله عزوجل. قال انتهى تلخيص ما أردنا ذكره من كلام أبي المؤثر.
قال: وهو كما ترى قدح في سيرة موسى وراشد، قال: والمبتون لإمامة راشد يجملون راشد هذه الأمور وأمثالها على أسباب تسوغ لهم صنع راشد فيما صنع، يذكرون له أعذار واحتمالات يقبلها العقل في أئمة العدل، قلت إن بعض ما مر من الأحوال له احتمال يعقل، ولكن الأكثر إن صح صريح في الجور والظلم والعدوان والعسف على الناس، وعلى أحكام الله عزوجل وتلك الاحتمالات لها معارضات من نفسها، وهذا الحال هو ما أوقعهم فيما بعد في الأمور التي انهار بها صرح الإمامة، واندك عرشها، وذهبت هيبتها، حتى اتصلت الدعوة بملوك العراق فسيقت الجيوش على عمان، ويملك أهل الباطل عرش الحق، وعاش في عمان محمد نور الذي يسميه أهل عمان محمد بور بالباء الموحدة، وأعوانه كبيحره الفاسق، وتلتهم بنو بويه الذين عاثوا في البلاد بغير حق، وداسوا كرامة المذهب الصحيح إلى أن انتهى الأمر بالقرامطة الذين كملوا القاصر، وأنهو الأمور إلى حدها، وصارت عمان بعد ضياء الحق ظلاماً دامسًا وليلاً مظلمًا، وأصبح دين المسلمين كالشمس في السحاب، وكالنور داخل الحجاب، ولم يبق كرامة لأهل عمان إلا وأقدام البغي تطأ عليها، ثم تلتها بنو نبهان الجبابرة العتاة، والفسقة الطغاة، الذين لا يعرفون من الحق إلا اسمه، ولا من الدين إلا رسمه، وهكذا يسلط الله الفراعنة على المؤمنين، والجبابرة على (2/155)
صفحة 433
المسلمين، والظلمة على المصلحين، لتتم إرادته عز وعلا، وتكمل سنته سبحانه وتعالى، وسوف ترى تحقيق ما قلناه في محله ولله أمر هو بالغه، وحكم هو نافده.
قال أبو المؤثر، وأبو قحطان: إن راشد بن النضر نصب إماما مرة ثانية أي بعد ما عزل عزان وخلع من الإمامة عادوا إليه ونصبوه مرة أخرى، ثم أيضًا عزلوه فظهر أنهم نصبوه مرتين وخلعوه مرتين، قال الإمام: وظاهر كلامهما أي كلام الإمامين أبي المؤثر وأبي قحطان، وظاهر الأحوال أيضًا تشهد أن هذا النصب أي الأخير كان بعد ما قتل الإمام عزان بن تميم، وبعد ما خرج ابن ببور من عمان، واستعمل عليها عماله، وقال أبو المؤثر بعد أن ذكر ما ذكر: قدموا راشدًا إماما ثانية على غلظه وخطئه ثم ضللوه وعزلوه، ثم أقاموا الصلت بن القاسم إماما بدله.
وقال أب قحطان: رجعوا إلى راشد من بعد أن كان في السجن خليعًا مقيدًا محبوسًا أسيرًا، فعقدوا الإمامة وقصروا الجمعة وجبوا الزكاة، قال: وباع راشد الصوافي جمع صافية، وهي الأراضي والدور التي جلا عنها أهلها، والأموال التي عادت إلى السلطان باستخلاصه إياها، وهذه حكمها أن تكون لبيت المال لفقدان المالك لها، أي تكون مجهولة الأرباب، فأمره في زمن الإمام إلى الإمام، لأن الإمام قائم بمصالح المسلمين، نازل منزلة الكل، قاسم بين الأمة الأرزاق المنوطة به خاصة.
واعلم أن أل بيت المال هو بيت أعده أمير المؤمنين عمر بن (2/156)
صفحة 434
الخطاب رحمه الله، ليدخل فيه الخراج من الأراضي التي اغتنمها المسلمون من المشركين فحبسوها لمصالح الأمة، إلى أن توزع إلى مستحقيها، ويدخل في معنى بيت المال المغانم التي كانت تساق فتجمع في ذلك البيت المعد لها إلى أن توزع إلى مستحقيها، ثم قضى عمر بن الخطاب للناس على قدر الاستحقاق، فرفع من استحق الرفع عن مستوى غيره، وخفض من استحق الخفض كذلك ورتب، النفقات وكانت مطلقة لا راتب لها، بل كان إذا جاءت غنيمة أو خراج من بلد قسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على مستحقيه، كما حكم القرآن للراجل والفارس ونحوهما، وسهم ذي القربى خاص بهم، فأعطى عمر المجاهدين حقهم، وأعطى القاعدين مستحقهم، ويلتحق بذلك الزكاة والكفارات والنذور في بعض الأحوال، واتفق ذلك وشاع حتى صار عرفًا عامًا جامعًا لكل خراج الدولة، قال أبو إسحاق: والأقوال المجهولة الرب تعود إلى بيت المال أهـ.
وهنا الكلام على بيع راشد بن النضر للصوافي التي هي خاصة بيت مال المسلمين في معرض النقد على البائع وأعوانه، قال أبو المؤثر: فهذا من العجب العجيب من أفعال أهل عمان. قال: ثم خذوه وتركوه، ثم خلعوا معه الإمامة وفرضها، وما أجب الله تعال فيها على أهلها لعباً ولهواً كلما أرادوا صافقوا رجلا ببيعة، ثم خذلوه انتهى المراد من كلامه.
قلت: هذا نوع من اللعب والبيعة عهد في أعناق الذين يبايعون لا يجوز لهم نقض عهد الله ورسوله بغير حجة، ولا يصح لهم ذلك بحال من الأحوال حتى يتحقق موجب العزل، فإن تحقق وجب أن يتوب (2/157)
صفحة 435
الإمام، فإن تاب لم يصح عزله إلا إذا تاب في الظاهر، وخالف في الباطن، فإنه إن خالف في الباطن تبينت خيانته، وظهرت الحجة عليه بذلك فهو على هذا مصر لا تائب، بل تضاعفت الحجة عليه بدعوى التوبة وظهور الخيانة في الأعمال بعد التوبة، كقضية عثمان بن عفان أن هذا الحال يمجه حتى أقل الناس، حيث يبايعون إماما ثم ينقضون بيعته بغير موجب، وسيأتي من هذا النوع ما نطلق عليه الإمامة المستضعفة، كما سوف تراه إن شاء الله مما تحتار في تصويره، ويسأم التاريخ من ذكر مثله، ولكل زمان أعمال، ولكل وقت خصوصيات، وللعدل أوقات كما للجور كذلك، والله يعلم المفسد من المصلح والله يتولى من عباده الصالحين. (2/158)
صفحة 436
افتراق أهل عمان إلى رستاقية ونزوانية
اعلم لما كان موسى بن موسى بن علي وراشد بن النضر اليحمدي ما كان وفعلا ما فعلا من خروجها على الإمام العادل الصلت بن مالك، وتوليتهما الأمر عنه وتركه مضاعًا بغير موجب، اختلف العلماء في أمرهما وطال الجدال بينهم، وكثر القيل والقال فيهما، فرأى فريق خروجهما باطلا إذ كان خروجاً على الإمام العادل الذي ثبتت إمامته بإجماع، ولم يقترف موجبًا لخلعه، وزعيم هذا الفريق الشيخ أبو محمد عبدالله ببن محمد بن بركة السليمي البهلوي، ومن وافقه وتبعه وأخذ عنه كأبي الحسن علي بن محمد البسياني صاحب الجامع المعروف.
قال الإمام: وتبعهم على ذلك خلق وسميت فرقتهم الرستاقية، قال: وعارضهم من أهل عمان فريق كان زعيمه الشيخ أبو سعيد الكدمي، وأبو عبدالله محمد بن روح بن عربي، وتبعهم أيضًا ناس وسميت فرقتهم بالنزوانية. قال: فيهم ألف أبو سعيد رحمه الله كتاب الاستقامة، فإن الأولين أوجبوا البراءة من موسى بن موسى وراشد بن النضر، وألزموا الناس ذلك بدعوى أنهما خرجا على الإمام العادل الذي ثبتت إمامته بالإجماع، والبراءة من الباغي واجبة بالإجماع. قال: ورأس هذه الفرقة وعميدها الذي اشتهر فيها أبو محمد إلخ، فعارضهم في ذلك الإمام الكدمي رحمه الله، قال: ونقض عليهم مقالتهم هذه أهل الحق، وردوا عليهم غلوهم، فتراه سماهم رحمه الله أهل الحق، وسمي ما عليه الأولون غلوا إلخ. (2/159)
صفحة 437
قال: وألف أبو سعيد الكدمي كتاب الاستقامة في الرد عليهم، قال وتبعهم أبا سعيد وحزبه على ذلك ناس ووفقوا إلى الهدى، قال: وبلى أهل عمان بهذا الافتراق بلا عظيما. قال: وبقيت الفرقة زماننا طويلا حتى ظهر الإمام المتوفق المؤيد ناصر بن مرشد، وأمات تلك البدعة وأحيا منار الحق، قلت: على هذا فقد عاشت فرقتهم واستمر خلافهم لمضي سبعة قرون تقريباً، بغير موجب ولا داعي له، ولم يتوقف الدين على ذلك، ولا كلف الله به عباده في حال من الأحوال، بل الشيطان ينزع بين الإخوان كما نص عليه القرآن، ولقد أنب الإمام السالمي أبا محمد وحزبه في هذه القضية، حتى في جوهره النظامي وغيره من مؤلفاته الفقهية، لم بحث الإمام السالمي الموضوع بحثا تحليليا فقال: أما قر لهم أن الصلت إمام بالإجماع فهو كان كذلك لكن خصمهم يدعي أنهم لم يخرجوا عليه، وإنما خرجوا لمناظرة المسلمين ومشاورتهم في أمره، وطلبوا منه أن يعتزل من الأمر فاعتزل غير مجبور ولا مقهور، وأن للإمام أن يعتزل إذا طلب منه المسلمون ذلك، فهذه دعواهم تقل نحن لم نخرج عليه وإنما خرجنا للمناظرة، ولم تقدم عليه إماما، وإنما قدمناه بعد اعتزاله، فإن صحت هذه الدعوى فهي محتملة فلا تصح بذلك البراءة من موسى وراشد، فكيف يلزمونها الناس ثم إن هذه القضية كانت في زمان قبل ظهور هؤلاء الغلاة، فالناس منها في سلامة، فكيف يلزمونها من ليس له فيها ناقة ولا جمل، وتلك أمة مضت بأعمالها والله لم يكلف أحدًا بفعل غيره.
قال الإمام: ولو قيل إن المسلمين في عصر الصحابة لم يقبلوا من الطلبة بدم عثمان إلا الرجوع عن تلك والبراءة من عثمان، وتصويب المسلمين على خلعه وعزله، أي لضيقوا الواسع. قلنا: إن الصحابة لم (2/160)
صفحة 438
يدعوا الناس على البراءة من عثمان إلا بعد اشتهار أحداثه بين الخاص والعام، فحكم فيها المسلمون بأنها مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وطلبوا منه الرجوع إلى الحق مراراً فكان يتوب ويرجع حتى طلبوا منه الاعتزال فأبى ثم أحاطوا به ليعتزل، فكان من قدر الله علليه أن قتل ثم إن فريقً من الناس قاموا في الطلب بدم عثمان بعد ظهور ذلك منه وحكم المسلمين عليه، فهذه الأحوال التي ذكرها المتبرئون من موسى وراشد لخروجهما على الصلت، وهي دعاى تحتمل الحق والباطل، وما تعودوا الكذب ولا يستحلونه، فمن ها هنا توقف من توقف من أفاضل المسلمين في أمر موسى وراشد، لالتباس أمرهما وكل مشكل موقوف عنه، والواقفون منهم يتولون أولياءهم الذين يتولون موسى وراشدًا وأولياءهم الذين يتبرءون من موسى وراشدًا لا مكان صحة الدعوى عند كل واحد من الفريقين، ومضى على ذلك ما شاء الله من الزمان.
قال: ثم ظهر أناس بعد ما مضى شاء الله من الزمان، وبعد انقراض ذلك العصر فغلوا في أمر موسى وراشد، وأوجبوا البراءة منهما على الناس، وقالوا لا يسع جهل الحكم بحدثهما لأنهما خرجا على الإمام العادل، وهو إمام بالإجماع، والخارج على إمام بالإجماع باغ بالإجماع والبراءة من الباغي بالإجماع واجبة بالإجماع، قال: والطالبون بدم عثمان إنما طلبوا الدولة والملك وجعلوا الطلب بدم عثمان ذريعة لهم، وتستروا بذلك عند العوام، فكانت بذلك فرقة عظيمة في الدين، فالطالبون بدم عثمان كلهم في ظاهر الأمر يتولونه على أحداثه، ويبرءون من المسلمين القائمين عليه وعلى حكمهم عليه بحكم الله، فمن هناك (2/161)
صفحة 439
لم يعذروا أهل تلك الفتنة إلا بالبراءة من عثمان وأشياعه، وبعد انقراض تلك الفتن وذهاب تلك الأمم، لم يلزموا الناس أن يحكموا في عثمان وأشياعه بحكم إلا من يلزمه العلم القاطع بحدثهم، وعرف الحكم في ذلك، فإن يلزمه أن يحكم فيهم بحكم الله لأداء الواجب من فرض البراءة. وأما الجاهل بحدثهم وحكم حدثهم فلا يلزمه منه شيء، وإنما يلزمه أن يتولى المسلمين على ولايتهم لمن تولوا، وبراءتهم ممن برءوا منه، وهؤلاء الغلاة ألزموا الناس البراءة من موسى وراشد بعد مضي ثلاثة قرون، فحكمهم في ذلك مخالف قطعا لحكم المسلمين في أشياع عثمان.
لأن المسلمين يعذرون الجاهل بعد انقراض المحدثين، ويوسعون لهم في الوقوف ما لم يتولوهم أو يعرفوا الحكم فيهم، وهؤلاء يلزمون الناس الجاهلين البراءة من موسى وراشد بعد انقراض ثلاثة قرون، وإن جهلوا الحكم فيهم قالوا يلزمهم أن يسألوا عن دينهم والبراءة من المحدث واجبة، فعليهم أن يسألوا عن واجبهم، قلنا: ذلك فيمن وجب عليه وهو أمر خاص لا يعم الناس كلهم، وإنما يعم من بلي به. ثم إن البراءة من الأشخاص ليست مثل الصلاة والصوم، فإنها وإن كانت لازمة فإنما تلزم من وصل إلى علم ذلك ببصر نفسه، أما من وصل إليه ببصر غيره، فلا تلزمه بإجماع، وإنما تلزمه على قول، ليس لهؤلاء الغلاة أن يخطئوا أحدًا تمسك بقول من أقوال المسلمين، ثم إن الدين يتم من غير أن نذكر في اعتقادنا البراءة من فلان وفلان، بل يكفي أن نعتقد البراءة من جملة أهل الضلال.
فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس في جاهلية عمياء فلم يكن يدعوا إلا إلى الشهادتين ثم يعلمهم شرائع الإسلام، وكانوا قبل ظهوره يقولون آباءهم وطواغيتهم، فلم يكن صلى الله عليه (2/162)
صفحة 440
وآله وسلم يلزمهم أن يبرءوا منهم واحدا واحدا، وإنما يكتفي منهم قبول الإسلام والدخول في شرائطه، ويتضمن ذلك البراءة من أضداده، وقد اكتفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين بقبول الإسلام، ولم تكتف الغلاة من المسلمين إلا بالبراءة من موسى وراشد. قلت: وفي هذا الحال تضييق للواسع وإلزام لما يلزم قبل أن يلزم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويحجوا البيت، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» وفي الحديث الآخر: بني الإسلام على خمس.
ومما وسع شقة الافتراق الفضل بن الحواري، وكان قبل الفتنة لا يختلف في فضله وعلمه، وقد أخذ عن أبي عبدالله بن محبوب رحمه الله، وكان فيما مضى أيضًا قريباً لعزان بن الصقر حتى قال فيهما القائل إنهما في عمان كالعينين في جبين، أي هما سواء لا يفضل أحدهما على الآخر، وهما زينة الجبين، والجبين هو عمان، والعينان أولئك الشيخان، فمات عزان بن الصقر قبل الفتنة، أي فسلم من بليتها وابتلى بها الفضل بن الحواري، فكان يمشي فيها مشية البعير في قيده. قال الإمام: وأدركها الفضل فأصاب منها، بل قتل في وقعة القاع في إمامة عزان بن تميم. قال: وكان الفضل يرى أن لموسى ما صنعه من عقد الإمامة لراشد بن النضر، وكان يقول: إن موسى عالمهم وإنه الحجة عليهم، وعنه أي الفضل المذكور أن الفريق الذي رأى عزل الصلت ابن مالك أو قال إنه اعتزل أثبت إمامة راشد وعقدته إلا شيخ نفسه ادعى أنه لا يجوز عزل الصلت، ولا تقديم راشد إلا بحضرته وعلمه، وحتى تعرض عليه الأمور. (2/163)
صفحة 441
قال الإمام، وكأنه يلوح بهذا الكلام إلى أبي المؤثر، قال: وقد بلغنا عن شيخ نفسه أنه قال مرة: إن كان الصلت حل عزله فراشد إمام، قال: وبلغنا عنه حينا أنه لا يقبل ذلك حتى يصح ذلك معه، وهو كان غائبًا عن ذلك، إلا إن فريقا ممن ينتحل العلم والبصر في الدين كانوا معا على الصلت مع من عزله يحثونه ويأمرونه، فلما عزلوه رجعوا والدنيا أمام العامة إلا ما شاء الله، وكان الفضل بن الحواري يحتجج لراشد ابن النضر، ويثبت إمامته، ومن كلامه في كتاب كتبه لراشد بن النضر يقول فيه بلغنا أنهم يحتجون عليك أن الإمامة لم يجتمع عليها، وما لهم بذلك عليك حجة، ولا على من معك، لأن الإمامة ليست مشتركة لجميع المسلمين، إنما هي لمن حضر منهم. قلت: هذا الكلام ما فيه من المقال لأهل الجدال أن الإمامة من الأمور الجامعة المجتمع عليها التي لا تقوم بأفراد الناس، ولو كانت الإمامة تقوم بأفراد لكان لكل أحد أن يقوم فينصب إماما ويلزم المسلمين إمامته ولا قائل بهذا نعم إنما يثبت إذا قام بها من أهل العلم الذين هم مرجع الأمة، فإذا عقدوا على إمام كانوا حجة في عقدهم غذ كانوا مرجع المسلمين من أول الأمر، فهم إنما أيدوا هذا المرجع بالإمام الذي اختاروه لأنهم اختاروا للأمة لا لأنفسهم، وليس للأمة أن تعارض الصلاح إذا تحقق.
قال: إنما هي لمن حضر منهم العقد، ولم يخرج عنها إلا غائب عنها من المسلمين، أو مضاد منا ولأهلها، وذلك حرام في الدين، لأنه أخطأ سبيل المسلمين، وباين منهجهم، وأما الغائب فلم يكن لهم أن ينتظروه.
قال: ولو كانت لا تعقد حتى يتوافى إليها جميع المسلمين، كان جميع الأئمة ومن قد مضى قد أخطأوا، قال: وهذه دعوى باطلة، (2/164)
صفحة 442
لن التقديم والعقد إنما هو لمن حضر من أهل العلم والقدم في الإسلام وأعلام المسلمين. قلت: نعم إذا قام بها من هم حجة على غيرهم جازت عقدتهم أو جبت، إذ رآها المسلمون صحيحة وأيدوها، أما إذا انفرد واحد من أهل العلم قطع عقد الإمامة عليهم، فلهم فيما فعل، فإن رأوه حقا تتبعوه، وإن رأوه باطلا تركوه، ومما كان من موسى وراشد بن النضر، مما يوجب العزل ويوسع نطاق الافتراق بين المسلمين المسلك الذي سلكه الإمام المذكور راشد بن النضر من الأفعال الشنيعة التي لم يرض المسلمون فعلها، فكيف أوجب ابن بركة البراءة من راشد وموسى إيجاباً يحتمونه على الكل، ويفرضونه على عباد الله تعالى، ويقولون بوجوبه على المجتهد والمقلد، لأن الإمام بالإجماع يكون الخروج عليه بغيا بالإجماع، والخارج عليه باغ بالإجماع، فالبراءة من الباغي بالإجماع ثابتة بالإجماع، والله يقول: (ِتلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ) 25 ويقول عز وعلا: (وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) 26، (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) 27 في أمثالها إلا من علم علما قطعا، وأين ذلك بعد ذهاب ذلك الجيل، وإنما كان الافتراق تشويشًا على الإخوان من أهل الدين والإيمان، وبالجملة فإن النفوس إذا أغراها الشيطان على فعل شيء تعمى عما وراءه وتتهافت إلى هواها، وإلا فما الافتراق وقد سلم منه المفترقون عليه، وما الداعي عليه، وكان الواجب أن يقال تلك أمة دانت بما يلزمها حسبما ظهر لها، ونحن الآن في عهد غير عهدهم، فلم نبعث داء دفنته تلك الأيام الخالية، وقضيت عليه تلك العهود الماضية، وأي جدوى في ذلك علينا أن نستقبل الحق في عهدنا ونتحامى لأنفسنا مهما استطعنا، ونعمل لمستقبل ديننا ودنيانا، فما لنا نرجع على (2/165)
صفحة 443
الورى نبكي على الماضي بكاء االشيعة على الحسنين وفي أيامهما كما يقول الشاعر العربي:
إني ... أخالك ... بعد ... الموت ... تندبني
وفي ... حياتي ... ما ... زودتني ... زاد
إن هذا لا يسح له عاقل، ويشتغل به الكامل، ولا يعمل بما هو من نوعه إلا جاهل، حتى قام هذه القضية الإمام العلامة أبو سعيد الكدمي رحمه الله، وشدد الوطأة على أهل الباطل، ورد عليهم ردا نقض به بناءهم من أساسه، حتى تلاشت تلك الدعايات واضمحلت تلك المخالفات، وجمع الله الشمل على الحق، وأعدم الله النصير لتلك البدعة، ومضى أهلها وانتهت بهم، وسلم الناس بواعث السر، وأذهب الله إغراءات الشيطان والحمد لله على كل حال. قال شيخنا رحمه الله وغفر له:
وافترقت من فعلهم عمان
وعساها الفتنة والخذلان
فكانت الفرقة فيهم باقية
وعن قضاء الله ما عن واقيه (2/166)
صفحة 444
إعادة راشد بن النضر للإمامة بعمان مرة أخرى
اعلم أن أهل عمان أمرهم عجيب وغريب فإنهم لم يزالوا في تقلب بالأمور وفي تناقض على المنازل، وهذا من الداء الدفين في النفوس غير الصافية، فإنهم أقاموا راشد بن النضر إماما بدلا من الصلت بن مالك الذي وسموه بالعجز والضعف، وأضافوا إليه ما شاءوا من الأحوال، وأنه ولده شاذان كان يتدخل في الأمور باسم الصلت بن مالك، وأنه ولد يستند على سلطان أبيه، وأن أباه يعلم منه أفعاله، وكان موسى ابن موسى رأسا كبيرا في أيامه تخضع له رؤوس كثير من عمان، فدخلوا عليه من هذه النواحي، وتجمعوا بفرق ليعلم الصلت بن مالك أنهم قاصدوه غير تاركيه، فاعتزل لأن الحر تكفيه الإشارة، أما العبد فيقرع بالعصا فلما تخلى الصلت من الأمر قبلوا له ظهر المجن ونسبوا إليه التخلي من الأمور بغير حجة، وأنه أضاع أمر المسلمين فحل لهم نصب إمام يقوم بعده، فبيايعوه راشدا بن النضر، ودخلوا نزوى بإمامهم الجديد وتولوا الأمر بغير منازع، وكان له في الأمر فوق أربعة أعوام، ثم انقلبوا عليه حتى هاجموه في دار الإمارة، وقبضوا عليه وضربوه بالسياط ثم أودعوه السجن فبقى فيه سجينًا، ثم أخرجوه وبايعوه مرة أخرى من غير أن يحققوا عليه جرما أو ذنباً، فيؤخذ به، ثم يتوبونه منه، لا بل كل ذلك لم يكن، وإنما عادوا عليه بعد تلك الأحوال السيئة، وهي خلع وحبس وضرب، ثم يكون بعد ذلك إماما بغير توبة، يعلمها المسلمون أن هذا من الغرائب التي يضحك منها أهل العقول. (2/167)
صفحة 445
قال الإمام في تحفة الأعيان في الجزء الأول صحيفة 234 أربع وثلاثين ومائتين: تجمعت اليحمد وبنو مالك بن فهم والعتيك، وسارت إلى راشد في دار الإمامة بنزوى، فأسروا راشد بن النضر بعد أن هزموا أعوانه وفضوا عساكره، وعزلوه من الإمامة، وقال في صحيفة اثنتين وأربعين ومائتين: كان أي راشد في السجن خليعاً مقيدًا محبوسًا أسيرًا أفضى الحال براشد بن النضر إلى هذا الحال، وقد قدمنا لك أنهم لم يثبتوا عليه [ما] يحتجون به عليه عند المسلمين، وإنما قدموه كما شاءوا وعزلوه متى شاءوا، ثم قدموا الصلت بن القاسم إماما بدلا من راشد بن النضر الذي كان إماما لهم بدل الصلت بن مالك، وقبضوا على راشد بعد مهاجمة له وقتال دار بينه وبينهم، ثم تمكنوا منه ووضعوا عليه الحديد، فقيدوه وأودعوه السجن، أبعد الضرب والقيد تكون إمامة، وما لهذا الإمام يرضى بهذا بالأمس يضرب ويسجن، واليوم يعود إماما سبحان الله. (2/168)
صفحة 446
إمامة الصلت بن القاسم بعد راشد بن النضر
لما تمكن القائمين على راشد بن النضر من القبض عليه، وأروه من سطوتهم عليه ما أذله وأخبره أنه أسير رغبتهم، وتحت قهر سطوتهم، ولحقه من السوء ما لحقه منهم، وأيقن أنه على شفا جرف هاو فانهار به في الحضيض، وشفى الثائرون عليه أمراض نفوسهم المتحمسة عليه بمن قتل في الروضة، ومن أجرم عليهم راشد بن النضر في حال إمامته. رفضوه ثم بايعوا بعده الصلت بن القاسم إماما وكل أمرهم منوط بالزعيم الأكبر موسى بن موسى: وكأن القاسم لم يعجبهم فخلعوه، ولم يرتضوا منه ما رأوه من أعماله، وظاهر كلام أبي المؤثر أنهم أعادوا راشد بن النضر في الإمامة، ثم عزلوه ثانية، ثمة أقاموا الصلت بن القاسم بعد العزل الثاني لراشد بن النضر، ولعلهم لما قيدوه وضربوه وحبسوه ليؤدبوه، فلما أدبوا وشفوا أنفسهم ردوه على الإمامة، ورأوه مصالحاً لها بعد تأديبه التأديب الشافي، وأعيد للعمل مرة أخرى.
قال الإمام رحمه الله حاكيا عن أبي المؤثر: قدموا راشدًا إماما ثانية على غلظه، أي في أحكامه وخطئه، في أعماله، ثم ضللوه أي قالوا هو ضال ثم عزلوه، أي بعد ما صح ضلاله، ثم أقاموا الصلت بن القاسم إماما. قال الإمام: قال أبو قحطان: رجعوا إلى راشد من بعد أن كان في السجن خليعًا مقيداً محبوسًا أسيرًا، فعقدوا له الإمامة وقصروا الصلاة في الجمعة، وجبوا الزكاة إلى آخر ما جاء عنهم. قال، أي أبو قحطان هذا من العجب العجيب من أفعال أهل عمان. قلت: وأي شيء أعجب من هذا، فإن المسألة من الغرائب لاشتمالها على حق وباطل (2/169)
صفحة 447
واختلاط هذه الأعمال حابلا بنابل، قال: ثم خذلوه وتركوه وخلعوه وخلعوا الإمامة وفرضها وما أوجب الله تعالى فيها على أهلها لعبا ولهوا إلخ.
فكأن الإمامة ألعوبة من ألاعيب الصبيان، ما كان عليها عهد الله ورسوله وخيانة العهد والميثاق أمرهما كبير عند الله، ومن خان عهد الله اقترف ذنبًا كبيراً من الذنوب، وهذه الأحوال من سوءات الرجل ومن سيئات الأعمال، فإن القادح في المذهب يراها حجة على أهله ونزاهة هذا المذهب الصحيح تبي مثل هذه الأفعال، وهل قلت الرجال الصالحون فيبايعوهم بعد ما رأوا أحوال راشد؟ فبعد القيد والضرب والحبس والتضليل، يبقى مجال للإمامة، وهذه الخصال القادحة الفاضحة لا تزال يتداولها؟! ألم يقل العلماء في اللقيط والمزنيم والمولى بعدم صلاحيتهم للإمامة، ولو بلغوا الذروة في الفضل والعلم والتقوى، مع أن تلك الخصال لم تكن من العار في حق المتصف بها، إذ هي من سبب غيرهم لا من سببهم ذلك لأن منصب الإمامة رفيع منيع لا يليق أن يدخل عليه ما يدنسه أو يلثم جانبه بشيء ما. (2/170)
صفحة 448
خلع الصلت بن القاسم من الإمامة
اعلم أن أهل عمان في هذه الحلقة، كثر التلاعب عندهم بالدين وشاع بينهم التعصب للأهواء المضلة، فتراهم يصافقون هذا بالإمامة صباحًا، ويخلعوه رواحًا، ويعودون لذلك ليلاً، ويتركونه نهارًا ويقدمون زيدًا اليوم ويؤخرونه غدًا، وينصبون عمرًا حينًا ويتركونه كذلك، ولا موجب لذلك يعرفه الناس إلا أنهم صفا لهم الجو من الأعداء، وكفاهم الله شر الملوك الأقوياء، وبذلك نسوا ما كانوا عليه بالأمس، حيث يسأمون الخسف ولم ينتبهوا من تيههم كبني اسرائيل إذ عاشوا زمنا في التيه، فوهت بذلك قوة المسلمين، وتمزق شمل المؤمنين، وطمع في الدولة أهل الدنيا.
ولا شك إن الله ناظر على صنع عباده، وإلى أعمالهم في بلاده، فمجازيهم على أفعالهم، ومنتقم منهم بسبب أفعالهم المخالفة للحق، المنافية لما عليه سلفهم الصالح، (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) 28 (وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ) 29 ولما بايع أهل عمان الصلت بن القاسم الخروصي بعد راشد بن النضر، إذ خلعوه لم يطل عهد الصلت هذا حتى خلعوه، ورفضوه كراشد، وراحوا يطلبون إماما آخر ليبايعوه ولم يذكروا للصلت هذا موجبًا لخلعه، فكأن الإمامة عندهم كرة يلعبون بها، ويتلهون في ميدانها، والله سائلهم غدًا عما يصنعون، والعجب من هذا الذي يجب أن يتلاعبوا على اسمه إماماً. (2/171)
صفحة 449
إمامة عزان بن تميم الخروصي
اعلم أنه لما خلع أهل عمان راشد بن النضر مرتين، وبايعوا الصلت ابن القاسم كما قدمنا، وخلعوه أيضًا كما أسلفنا. على غير هدى من الله، ولم يقترف إثماً ولم يرتكب جرمًا، ولم ينتهك حرُمَاً حتى إذا لم يرغبوا فيه ألقوه وراء ظهورهم كالشيء اللقا، وهذا شيء لا يقتضيه الدين، فإن استنوا بسنة المسلمين، فالمسلمون لما رأوا من عثمان ما يخالف منهج أهل الإيمان قاموا عليه، وبينوا ما ينكرون، وتوبوه الأولى والثانية والثالثة، حتى تبين لهم إصراره على خلافهم، ولما تحققوا إصراره قاموا عليه ليعتزل، فأصر حتى أعذروا فيه، وأهل عمان هنا لم يعرف لهم من ذلك أدنى شيء إلا أنهم بايعوا هذا ثم عزلوه مرة ثم عزلوه وبايعوا غيره كما سوف ترى من هذا النوع مانُعَنْونُ له بالإمامة المستضعفة، ليعتبر بذلك أهل العقول المصفة، وَيحترز منه أهل الأذهان الصادقة، والله يقول لنا: (وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) 30. ففي يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر سنة سبع وسبعين ومائتين، وهي السنة التي قتل فيها المهتدي بالله العباسي، وقيل بل قتل هذا سنة 279 تسع وسبعين ومائتين، لا سنة 277 سبع وسبعين ومائتين ولى هذا فيكون ذلك في خلافة المهتدي بالله، وقبل وفاته بسنتين والله أعلم.
قال الإمام السالمي رحمه الله: وذلك أنه لما وصل موسى بن موسى نزوى وقد عزل راشد بن النضر، أجمع رأيهم على إمامة عزان بن تميم الخروصي، فبايعوا له في التاريخ الذي ذكرناه، وهو يوم الأربعاء لثلاث خلون من شهر صفر سنة 277 سبع وسبعين ومائتين، وقام له بالبيعة (2/172)
صفحة 450
موسى بن موسى بن علي، وعمر بن محمد القاضي، ومحمد بن علي أخي موسى بن موسى بن علي، وعزان بن الهزبر، والأزهر بن محمد ابن سليمان.
ولما تمت البيعة لعزان بن تميم، وتأكد له وسلمت له عمان، خرج من نزوى واستخلف عليها شاذان بن الصلت بن مالك بن بلعرب، ووصل إلى إزكي وقد مات القاضي عمر بن محمد، فصلى عليه عزان ابن تميم، ثم رجع إلى نزوى وقام ليركز إمامته ويثبت دعائمها ويوطد أركان أمنها، أخرج أمرًا بعزل ولاة راشد بن النضر عامة، وأثبت موسى بن موسى على القضاء، وقف عزان بن الهزبر على الأسطول البحري وجعل نبهان بن عثمان معديًا له في نزوى، وولى الأزهر بن محمد ابن سليمان صحار وما إليها، وكان نبهان بن عثمان خطيباً لعزان بن تميم، وذلك في صلاة الجمعة، فإن لم يكن حاضرًا له عبدالله بن محمد بن محبوب، ثم تخوف عزان بن تميم من موسى بن موسى لما يعلمه منه، وقد عاصره وعلم منه ما علم، وفهم منه ما فهم، وبقى يلاحظ الأحوال، ولما رأى إن إمامته استقرت، وأن دعائمها قد ثبتت التفت إلى موسى بن موسى فحول القضاء عنه فهاج موسى لذلك وماج، ورأى أنه هو الذي أقعد عزان على كرسي الإمامة، واليوم أصبح عزان يحول عن موسى القضاء ومفهومه أنه لا يريد أعماله، وليته تأخر لما أخره الإمام لكن لابد من وقوع المقدر على الإنسان، فإن سياسة عزان هنا غير سديدة، ولو شغل موسى بالقضاء وألهاه به ربما يسلم من القيام عليه، فإن موسى أصبح يعد نفسه عمدة الزعامة وسيف الإمامة.
قال الإمام: فجمع موسى الجموع في إزكي ورأى عمل عزان هذا (2/173)
صفحة 451
إهانة لشرف موسى بن موسى الزعيم الكبير الذي له الحل والعقد في عمان، فلما شاعت الأخبار عن موسى وجمعه، قال في نفسه وربما قال له قائل إن موسى يجمع الجموع ليهاجمك ويخرجك من إمامتك صاغرًا، كما أخرج من قبلك والرأي أن يُعاجَل موسى قبل أن يخرج بجمعه إليك، فزحف عزان ابن تميم على موسى إلى إزكي، قال الإمام: فعاجل عزان موسى خوفًا أن يفعل به مثل ما فعل بمن قبله، فإنه قام على الصلت وعسكر بفرق حتى تنازل الصلت عن إمامته حين لم يجد له أعوانًا، وقام راشد بن النضر أيضًا وهذه الآن ثوبة عزان، فصال عزان على موسى باستعجال، فخرج بمن معه من نزوى، وأطلق اللصوص الذين في سجن نزوى وسلحهم وخرج بهم، وجيش جيشًا فما شعر موسى إلا والقوم في إزكي، فدارت رحى الحرب بينهم، وكانت المعركة الكبرى عند حصيات الردة، عند مسجد الحجر من محلة الجنور من إزكي، ولما قتل موسى انكسر علم القوم وسقط العمود الذي قام عليه ذلك البناء المنيع، وهنالك صال أصحاب عزان صولة المنتصر، فقتلوا من أهل إزكي رجالا، وسلبوا أموالا ونهبوا بيوتا وأحرقوا أناسا بالنار، ولعلهم الذين لم يخرجوا من بيوتهم وقبضوا عليها وفعلوا أفعالا شنيعة في الأمة على خلاف ما عليه المسلمون، ولم يفعل مثلها أحد في عمان، ما علمنا وذلك من ضغائن تقدمت بين الأحياء، وآوى عزان أهل تلك الأحداث وأنكرها عليه المسلمون حتى أنه اتخذ المحدثين أعوانا وأنصارا، وأجرى عليهم الإنفاق، وطرح إنفاق من تأخر عن المسير إلى إزكي، وعاقب من عصاة وأنكر أهل العلم على عزان، فعله هذا وكان عليه أن يحضَّر أهل العلم ويناظرهم فيما بلغه عن موسى، ويعتمد على رأيهم وهو واحد منهم، ثم لما رأى أن يعاجل موسى فليقدم عليه بشراة المسلمين لا باللصوص، ثم له أشياء ليس له أن يتعداها، فإن (2/174)
صفحة 452
حرق المسلمين بالنار لم يفعله المسلمون في أحد من الكفار، فهذا لا يصح شرعًا، وإن كان وقع من معرة الجيش، فعلى عزان وهو الإمام أن ينصف من الفاعل، ويعاقب الجاهل الذي يتغطرس على الناس، ويفعل مثل هذه الأمور الشنيعة، وكانت هذه الوقعة يوم الأحد سنة278 ثمان وسبعين ومائتين في آخر ليلة من شعبان من السنة المذكورة.
ولما كانت هذه القضية في صالح عزان، وقتل فيها موسى بن موسى رأته فاستوحش الناس لذلك، وخاصة النزارية ومن كان مواليا من النزارية ومن شايعها كبيرا لاسيما أن القتل شمل كثيرا من الناس، ونهب وحرق أناس بالنار رأوه شنيعا ونفخ الشيطان في أدمغة القوم، وأضمر نار الحقد ليمزق الدين، ويهلك المتدينين.
قال الإمام: وذلك حين قُتل موسى بن موسى بإزكي ومن معه من قومه اليمانية، قال فخرج من أجل ذلك الفضل بن الحواري السامي، إلى ناحية السر، ليستجيش من هناك ويبرم الآراء مع من يميل إليهم، وخرج زياد بن مروان السامي إلى سر، أي خرج متسللين مختفيين عن الناس، قال: وخرج أبو هدية من الباطنة ولحق بالفضل بن الحواري، ولحق الحواري بن عبدالله السامي بالفضل بن الحواري، ولحق الحواري بن عبدالله الحداني السلوتي بجبال الحدان، وجمع بها أناسا كثيرا، ثم خرج الفضل بن الحواري السامي إلى توام أي البريمي، فاستعان ببني عوف بن عامر بن صعصعة. فأجابه منهم ناس كثير، واجتمع معه ناس كثير من السر من بني سامة وغيرهم، قال: وكان اجتماعهم بتوام، ثم خرج الفضل بن الحواري بن عبدالله الحداني السلوتي، وعزموا على محاربة عزان بن تميم فخرجوا حتى صاروا بينقل من جبال الحدان، (2/175)
صفحة 453
فبايعوا الحواري بن عبدالله الحداني السلوتي، وقاموا لمحاربة عزان ابن تميم فخرجوا بمن يريدون صحار يوم سادس عشر من شوال سنة 278 ثمان وسبعين ومائتين، ودخلوا صحار يوم الثالث والعشرين من هذا الشهر، أي شوال وذلك يوم الجمعة، وحضرت صلاة الجمعة فصلى بالناس زيد ابن سليمان، وخطب الناس ودعا للحواري بن عبدالله الحداني السلوتي على المنبر، وأقاموا فيها بقية الجمعة والسبت، وشاع خبرهم هذا، وكان عزان ابن تميم مراعيا لحركاتهم وسكناتهم، وقد تيقن منهم الشقاق، والخلاف، فأقام لحربهم.
قال الإمام: وذلك أن عزان بن تميم لما سمع بخروجهم جمع جموعه وجهز جيشه، فوجهه تحت قيادة الأهيف بن حمحام الهنائي، وسليمان بن عبد الملك بن بلال السليمي، في جماعة من ولد مالك بن فهم، وفيهم النضر بن منهال العتكي الهجاري على العتيك، وشاذان بن الصلت على اليحمد، وأمر الجيش كله بيد الأهيف بن حمحام الهنائي في جميع قومه من بني هناءة بن مالك وسائر ولد مالك بن فهم، وكان جيشاً كثيفاً وعسكرا ضخمًا، فلما بلغ الحواري بن عبدالله والفضل بن الحواري مسير هذه الجموع إليهم، وأنهم الآن بالقرب من صحار، إذ كانوا نازلين مجز منها بالجانب الشرقي، أي في منازل آل مالك بن فهم خرج الحواري بجيشه وكان جيشه كما قال الإمام: عسكرا ضخما، أي يجمع أكابر أهل عمان. قال فالتقوا بالخيام من ظهر عوتب بموضع يسمى القاع، فاقتتلوا قتالا شديدا، وحملت اليحمد والعتيك في الميمنة والقلب، وحملت بنو هناءة وسائر ولد مالك بن فهم على الميسرة، قال: فما كان يسمع إلا طنين السيوف على صفائح الدرق والحلق والبيض، وارتفع بين الجيشين غبار عظيم، (2/176)
صفحة 454
حتى ستر الشمس، ودارت بينهم حرب من أشنع حروب أهل عمان إذ ذاك، ليهلك فيها أبطالهم ويموت فيها رجالهم، حتى انجلى القتال عن قتلى كثيرة من أعيانهم، وأبلى فيها ابن بلال بلاء عظيما أعني سليمان بن عبدالله بن بلال فيمن معه من أهل بيته، وحمل فشد على الريان بن محجن السامي، وكان من فرسان بني سامة فطعنه في لبته فأرداه قتيلا عن فرسه ميتا، وانهزمت النزارية هزيمة لم ير أقبح منها، وأسر منهم كثير، وقتل منهم في المعركة أعيانهم وصناديدهم وأهل البأس فيهم.
قال الإمام: قتل منهم في المعركة ستمائة قتيل، وقتل من اليمانية وأصحابهم خمسة وثمانون رجلا، وقتل في الواقعة الحواري بن عبدالله، وورد ابن أبي الدوانيق، ويحيى بن عبد الرحمن السامي، ومحمد بن الحسن صاحب الراية الكبيرة وكان فارس الكتيبة، وناس كثير من بني سامة من وجوههم وأعيانهم، وقتل صعصعة بن عوف العوفي العامري، وموسى بن عبدالله الواشحي في خلق كثير من بني عمه، وقتل سعيد بن المنهال الفجعي، فهؤلاء هم وجوه المقتولين.
قال الإمام: وأما من عداهم فلا تأتي عليهم التسمية، أي هم كثيرون، قال: وقتل من أصحاب الأهيف بن حمحام محمد بن يزيد اليحمدي، من أهل تنعم، ورجل من العتيك يقال له منبه بن خالد، وجماعة من الآخرين، وقيل إن الفضل بن الحواري لما ترائي بمعسكر اليمانية من أصحاب عزان، قال: يا لهفي على الدنيا ما تزودت منها، ولقد جاشت نفسي كناية عن موته، والمعنى أيقن بالموت، قال: وكان أول قتيل من الوجوه في المعركة، (2/177)
صفحة 455
وانفلت محمد بن القاسم ليكون داعية الشر لأهل عمان، فطار على بعير حتى نزل توام كما يقال: بعض الجبن شجاعة، ولو جلس لقضي عليه فينطفئ جمرهم المتقد، وتخمد نارهم الحامية، ثم لحقه بشير المنذر إلى توام، وكان هذان الرجلان من جمر جرنان وفي هذه الأثناء قيل ما من فتنة في عمان إلا وأصلها من جرنان، فصارت مثلا في عمان، قال: وخرجا إلى البحرين، وكان بها محمد بن نور بضم النون، وهو الذي يسميه أهل عمان محمد بور بقلب النون باء موحدة، وكانت هذه الوقعة في عمان من أعظم الوقائع المشهورة، وذلك لأن القتل فيها كان على الزعماء من أهل عمان، إذ خرج فيها الأعيان والأكابر بخلاف غيرها التي يكون القتل فيها على الجنود المرتزقة غالبا، فلا تكون لهم شهرة مثل ما إذا كان القتل في الرؤساء المشاهير، والزعماء المطاعين، والرؤساء المتبوعين، ولذلك كان أمر هذه الوقعة مثار الضعن، ومناط الحقد بين أهل عمان كما قال المؤرخون لها.
قال الإمام: هذه الوقعة المعروفة بوقعة القاع، من ظهر عوتب بالخيام من صحار، وهي من الوقائع المشهورة المذكورة بعمان، وكانت هذه الوقعة يوم الاثنين من شهر شوال للأربع ليال بقيت منه، فكان بينها وبين واقعة إزكي التي قتل فيها موسى بن موسى ومن معه شهر رمضان فقط، وكلاهما على بني سامة ومن معهم، وقد قضى فيهما على الأعيان منهم وهكذا أبطالهم وسُقِط في أيديهم، ورأوا أحيط بهم ولم تقم لهم بعد هذه الوقعة بعمان قائمة لها معنوية لأنهم بعد قتل موسى بن موسى سقط عمودهم الأكبر، واندقت عصا قوتهم، وأين إزكي منها وهم منهزمون في صحار، وقد اشتد ساعد عزان بن تميم عليهم في هاتين الواقعتين، وهم جمرة حامية لا تنطفئ بسهولة، فلذلك فر من فر منهم إلى محمد بن بور وإلى (2/178)
صفحة 456
البحرين مستصرخا للمضرية نظرا على العنصرية القبلية، وأغروه بألسنة معسولة حتى يتم لهم الأمر الذي حاولوه، وهو الزعامة الكبرى التي ينشدونها لكونهم من سامة بن لؤي بن غالب القرشي، وكونهم من أهلي جرنان التي هي قلب عمان، وإنهم السادة فيها، ولهم الحل والعقد في إيجاد الإمامة ومحوها من عمان وهم المسئولون قبل غيرهم. (2/179)
صفحة 457
عزان بن تميم يتعرض لحرب عظيمة في عمان
لما انتصر عزان بن تميم في موقعة إزكي التي قتل فيها موسى بن موسى الذي كان يخشاه ابن تميم, وتجمع الموتورون من عزان لأخذ ثأرهم بزعمهم من أنصار ابن تميم, وأثار عزان عليهم فهزمهم بالقاع من صحار شر هزيمة, وقتل رجالهم وأبطالهم, إذ خرج عليهم ابن حمحام قائد لجيش عزان وهنا تعمق الشقاق بوقعة القاع, وتأصل الافتراق بين اليمانية والنزارية, فكان من على نهج بني سامة نزاريين من كان على نهج اليحمد يمانيين, ونادى الشيطان بينهم بذلك, فما كان يعرف إلا اليمانية والنزارية, وذلك لسوء حظ عمان.
قال الإمام رحمه الله: لما قتل من قتل من النزارية وغيرهم بالقاع, اشتد الأمر على النزارية ومن معهم, وخرج محمد بن القاسم وبشير بن النذر الساميان بن لؤى غالب, وهم عشيرة موسى بن موسى إلى البحرين, وبها محمد بن نور عاملا عليها للمعتضد من ملوك بني العباس, فشكيا إليه ما أصابها من الفرقة اليمانية, وسألاه الخروج معهما إلى عمان وأطعماه في أمور جليلة, قلت: هي ملك, عمان ولعلها أغرياه على خصمهما, وربما قالا له إن عمان كانت تابعة لبغداد, وربما ذاكره بالواقع من أهل عمان في قتل عيسى بن جعفر, وأن الرشيد هم بحرب عمان إلا أن الأجل لم يسعفه, ومن هذا وأمثاله وأنك إذا فتحت عمان كبر بها شأنك وعلا بها قدرك عند السلطان, وأن الحجاج كان منه في عمان ما كان, وأنت لست دونه والغاية التشفي النفسي لا غير والعياذ بالله, إن النفس لأمارة بالسوء, ولو لم تقم عمان لهذا البطل المتمرد على عمان لكانت عمان (2/180)
صفحة 458
هادئة مطمئنة, ولكن قضاء الله وقدرة جار على الإنسان, وإرادته نافذة فما زالا به فأجابهما إلى ذلك, وأشار عليهما أن يذهبا إلى الخليفة ببغداد, ويذكر له أمرهما وأنهما قدما يريدان نصرته, فسار محمد ابن القاسم وقعد بشير مع محمد بن نور، فلما قدم محمد بن القاسم إلى الخليفة المعتضد العباسي، وذكر له الأمر خف له وهش، ورآها فرصة سانحة تستعيد لهم عمان بعد طول غيبتها عنهم، وربما أخذته أريحية العصبية للنزارية فأخرج عهدا منه لمحمد بن نور على ولاية عمان، ورجع من بغداد إلى البحرين موفورا من الخليفة العباسي ببغيته، وأخذ محمد بن نور فى جمع العساكر من سائر القبائل، وخاصة النزارية، وحصل معهم من الشام من طي فكان جيشه يتألف من خمسة وعشرين ألفا فيه ثلاثة آلاف فرس وخمسمائة، عليهم الدروع والجواشن، وعندهم الزاد الكافي والعدة الوافية، وعمان في استقبالهم حتى شاع الخبر في عمان، إذ كانت فاتحة أذانها في أمر هذين الزعمين، وما يكون من أمرهما حتى تحقق الحق بمجيئها بمحمد بن نور والى البحرين، ومن ورائه خليفة بغداد، وكانت عمان سابقا صار عليها من هؤلاء ما صار، مما ذكره المؤرخون فاضطربت عمان لهذا النبأ العظيم، واهتزت من كل جانب خوفا من الشائع الذي لا يدرى ماذا يكون منه، والأخبار تأتى من بعيد مدهشة هائلة رائعة. قال الإمام: ووقع الخلف أي التخالف والعصابية بين النزارية واليمانية، قال: فكانت النزارية ومن كان على رأيهم في حزب، واليمانية ومن كان على رأيهم في حزب، قال: وتخاذل الناس عن الإمام عزان بن تميم، وانتفضت الأمور وأصبح الداعي والمدعى النزارية من جانب واليمانية من الجانب الآخر، قال فخاف أهل صحار وربما قالوا سيكون (2/181)
صفحة 459
فينا وأول من يواجه هذا الجيش صحار وما حولها من الباطنة، إذا كانت طريق الغازي لعمان من هناك، فرأوا أنهم لا قبل لهم بهذا الجيش المقبل عليهم، فخافوا أن يلتهمهم ويقضى عليهم، ويسلبهم أموالهم وأولادهم، إذ حروب البغي، لا تقف عند حد، لأن القائد لها البغي، والباغي إذا انتصر يفعل ما يهوى، فخرج بأموالهم وذراريهم وعيالاتهم إلى سيراف والبصرة وهرموز وغير ذلك من البلدان، فارين خوفا من العدو الداهم، قال: وخرج سليمان بن عبد الملك بن بلال السليمى بولده وحرمه ومن خف معه من قومه، فركبوا البحر فى بغض السفن حتى أقدموا إلى هرموز، فتحصن بها وأقام هناك إلى أن اتخذ بها دارا وأموالا، وايس من الجوع إلى عمان فاتخذ هرموز وطنا إلى أن مات، ثم ابنه المهدي بن سليمان، وكان أميرا عليها إلى إن مات، وبعضهم رجع إلى جلفار، أي رأس الخيمة، ثم منها إلى توأم أي البريمى، وصلها يوم الأربعاء ليست خلون من شهر المحرم سنة280 ثمانين ومائتين بعد حروب وقعت بينه وبين القبائل القاطعة على طريق مروره، لأن الجيش ما مر عليه يحطمه طبعا، وكان محمد بن نور هذا ليس بأقل من الحجاج بن يوسف الذي عاث فى عمان بتلك الحروب التي شنها على عمان حتى دوخ عمان، وهذا الحجاج الثاني جاءها ليأخذ دوره فيها جزاء لأهل عمان على ضياعهم لما نجاهم الله عز وجل من الشر لم يلبثوا أن تحرشوا به مرة ثانية، فجاءهم يتدفق وهم يقودونه من منازلهم والله المستعان.
ثم سحب على أرض السر ونواحيها فسلمت له وواجهته، ثم منها زحف على نزوى، وإذا بأصحاب عزان يتخاذلون والناس من يلقى خيرا قائلون له: ما يشتهى ولأم المخطئ الهبل. (2/182)
صفحة 460
فخرج عزان لما رأى انهيار صرح إمامته وسقوط عرش زعامته, وكأن الخوف عم عمان, فإن أهالي صحار وما حولها كما سبق الكلام عنهم أنهم فروا هم وذراريهم إلى بلاد فارس خوفا من شماتة العدو, فخرج عزان إلى سمد الشأن من شرقية عمان متحيزا إليها ومستنصرا بأهلها, ولما وصل محمد بن نور نزوى سلمت له إذ لا إمام بها ولا محارب فيها, ثم مضى قاصدا سمد الشأن, فلحق بعزان بن تميم فوقع بينه وبين عزان القتال, واشتد الحرب والنزال, ومحمد بن نور يرى أنه منتصر إذ جاء عمان وهي خاضعة طائعة, وعلم أن تقهقر عزان إلى سمد الشأن انهزام من عزان, وعلى كل حال أن محمد بن نور قد التفت إليه أكثر أهل عمان, منهم الراغب, ومنهم الراهب, ومنهم المداهن, وكانت المعركة بين محمد بن نور وعزان بن تميم الأربعاء لخميس ليال بقين من صفر من نفس السنة, وكانت الهزيمة على عزان وأصحابه, وقتل عزان بن تميم, وقطع رأسه وبعث به محمد بن نور إلى المعتضد ببغداد, ورجع محمد بن نور إلى نزوى وأقام بها فأصبح مالك أمرها وبيده زمامها, فكان في نفوس اليمانية ومن يميل إليهم من الحقد ما فيها, وهنا قام الأهيف بن حمحام الهنائي يكاتب مشايخ أهل عمان, وقبائلهم من كل مكان, ويحثهم على إخراج محمد بن نور من عمان ولا يزال يستنهضهم حتى أجابوه إلى ذلك وخرجوا في عسكر ضخم وخميس جرار, وكان فيهم الشيخ منير بن النير الجعلاني أحد حملة العلم في أيامه, وكان بالغا في السن مائة وعشر سنين, وكان اجتماع العمانيين في شرقية عمان, ومنها خرجوا طالبين محمد بن نور, وكان القصد أن يسيروا إليه رويدا رويدا, فإن خرج من عمان بغير حرب فذاك, وإلا فيكون النظر فيه, ولما بلغه الخبر ارتاع الرجل ورأى اجتماعهم عليه لا بد أن يكون له أثر, فخرج من نزوى (2/183)
صفحة 461
فخرج هاربا مرعوبا, ولا يخفى أن دخوله عمان كان بسبب افتراق أهل عمان فان بنى سامة هم قادة جيشه وهم الساحبون له إلى عمان، ومن بقى من أهل عمان كما قلنا عنهم انهم بين راض ومداهن ومتق، ولما أجتمع أكثرهم على حربه هاله الأمر، ورأى أنه وقع في مأزق ففضل الهرب، ولكن لله أمر هو بالغه وحكم هو نافذة، أسرع الجيش العماني للحاق بحمد بن نور31 فتلاحقوا في دماء من الباطنة وهى التي تعرف الآن بالسيب، فاقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل فى الفريقين والجراح من الجانبين وكادت تكون الهزيمة على محمد بن نور و أصحابه، حتى الجأوه على سيف البحر؛ فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ركب مددا لهم بعثه اليهم أبو عبيدة ابن محمد السامى، على كل بغير رجلان، وذلك لما علم أن أهل عمان قاموا على محمد بن نور والرجل جاء لنصرتهم إذ استنصروا به ورأوه يزحف هاربا عن عمان، وأيقن بنو سامة أن خروج محمد بن نور من عمان يدير الدائرة عليهم، ويعيد الكرة لحربهم، والدماء تورث الحقد والضغائن تثير الشر فلف أبو عبيدة المضريين ومن مال اليهم بعصبيته لهم، ولا شك أن الذين أرسلهم أبو عبيدة مددا لمحمد بن نور هم شرارة الرجال وكان من قدر الله أن وصلوا والحرب تدور رحاها، (2/184)
صفحة 462
وقد علا لهبها وطار شررها، وإذا بحمد بن نور يحاول الفرصة للهرب، فلما وصل هؤلاء نزلوا عن ركابهم وسلوا سيوفهم، ودخلوا الوغا، فكان من القدر المحتوم أن القوم فى حال هزيمة فانقلب الحال بانهزام العمانيين، إذ كانوا قد كلوا من القتال، وركبهم العياء الحسي والمعنوي، وإذا هم بالجيش المناصر لابن نور يتراسل، ولعل وراءه آخر فكان مؤثرا فى نفوس أهل عمان الفشل، والناس فى الحرب لا يزالون بين النصر والهزيمة، على حد السنان، فرب كلمة تهزم جيشا، ورب كلمة تكون نفسها جيشا وهكذا.
قال الإمام: فوقعت الهزيمة على أهل عمان، وقتل من أعيان جيشهم القائد الأكبر الأهيف بن حمحام وكثيرون من عشيرته وغيرهم وعمل السيف فى العمانيين لتأديبهم على تلك الأفعال التي أوقعوها، فى أنفسهم قال الإمام: ولم يسلم من أهل عمان إلا من تأخر أجله، والمعنى كناية عن كثرة القتل فيهم، وقتل الشيخ الكبير منير بن النير الجعلانى رحمه الله، وكان أحد حملة العلم من خصوص بني حضرمي بن ريام، وكان يسكن جعلان، وجاءوا به ليهتدوا برأيه، ويعتمدوا على أنظاره وكانت هذه الوقعة بالقرب من المسجد الجامع من دماء من الباطنة، قلت لا يعرف الآن موضع المسجد الجامع من أما موضع الحصن فباق معروف وكأنه قرب الساحل32 ولعل الجوائح التي خربت الباطنة أتت عليه فخربته والله أعلم. (2/185)
صفحة 463
وكان ذلك يوم الأربعاء لست وعشرين خلت من ربيع الأخر سنة 280 المعتضد ثمانين ومأتيين، وذلك في خلافة المعتضد بالله أبي العباس أحمد القائم بالأمر ببغداد الذي أخرج محمد بن نور هذا الحرب إلى عمان. وأنه تولى الخلافة سنة 279تسع وسبعين ومائتين، وتوفى سنة 290 تسعين ومائتين وكان من أشد العباسين المتآخرين.
قال الإمام: ولما انهزم أهل عمان رجع محمد بن نور على نزوى, وجعل أعزة أهلها أذلة, وسام أهل عمان الخسف, قلت لا شك أن عدوا قدر على قهر عدوه, وكان قد رأي ما رأي منه من المعاداة, وقاتله حتى أراه الذل والهوان لا بد أن ينتصر, فكان فعل محمد بن نور في أهل عمان بالغا حد النهاية من العنف, إذ قطع الأيدي والأرجل, وصلم الآذان وسمل الأعين.
قال الإمام: وأحل على أهلها النكال والهون, ودفن الأنهار وأحرق الكتب, قال الشيخ أبو إسحاق رحمه الله: من أشنع الجرائم التي يرتكبها هؤلاء الظلمة ومن على طريقهم حرق الكتب في الإسلام وفعلهم هذا كفعل الروم الذين كلما تغلبوا على قطر من أقطار الإسلام بادروا إلى حرق الكتب كما وقع في الأندلس وغيره من أقطار المسلمين متى يتسلط عليها العتاة الظالمون, يرون أن ذخائر العلم أهم شئ ينبغي إعدامه وإفناؤه, فكان هؤلاء شركاء أعداء الإسلام في مثل هذه الجرائم السوداء الوحشية والهمجية.
قال أبو إسحاق: فالتشنيع الذي يوجه إلى الأوربيين الذين أحرقوا خزائن المسلمين, يوجه إلى هؤلاء. قلت: بل هؤلاء أحرى وبه أحق (2/186)
صفحة 464
[صفحة لم ترقن] (2/187)
صفحة 465
هذا ومن حيث أن الذين يسمعون مثل هذه الخرافات يهزون رءوسهم ويهمهمون, ولا يفكرون في تحقيق الأشياء كما ينبغي لا سيما إذا جاء ذلك من مثل الشيوخ المجللين, أو عن أئمة الدين, فما جاء عنهم هو الحق لا غير, وكأنهم لا يرون عليهم جواز الغلط أو خطأ النساخ أو نحو ذلك ولم يفهموا أن التاريخ يحمل الأقوال كما يجدها, فإن كانت فقد قام بما لزم وإلا فالأمر إلى من يعلمه, ثم إن مائة وعشرين ساعدا تجعل ذلك الفضاء مشققا كما يشقق الثوب الخلق.
وبالجملة فإن الملكي الذي هو فلج أزكي نهر من أنهار عمان المباركة النافعة, تكون في الحصب نشيطة جدا تقسم إلى أفلاج في السقي عديدة, وفي أيام المحل تتنازل إلى فلج واحد ضئيل- وكان وقت مجئ محمد ابن نور كان الملكي كما هو منسوب إلى الملك الذي هو ساكن اللام, لغة في الملك بكسرها لشرفه وعزازته, فأمرا بن بور بدفنه وهو يقلع الدفن ويرده, وكلما دفنوه لفظ الدفن, وفار بقوة, وكلما ألقوا فيه بالحصى والتراب لفظه وانفجر من مكان آخر حتى أعياهم, فمرت عليهم راعية من حوزتهم, فرأت ما هم فيه فقالت لهم: عليكم بالصوف والشجر, أي لأن الصوف يلتوي بالشجر, والشجر يحتوي على المضائق, وكانت مصيبة فيما قالت: فقال ابن بور خذوا غنمها, فأرسلت مثلا شائعا في عمان فدفن الفلج وخربه, وغار في الأرض وأفسده, ولكن بقى بحث تحقيقي ينبغي أن يعار التفاتا هو أن الفلج لأهل أزكي, وأهل أزكي إذ ذاك بنو سامة المذكورون, وهم أنصار محمد بن نور, فكيف يكون دفن الملكي والحال هكذا إلا أنه يحتمل شيئين, أما أولا فإن الدفن أما أن يكون من معرة الجيش قبل أن يعلم أن الفلج لبني سامة وأما ثانيا فلعل ابن بور أي أن (2/188)
صفحة 466
بني سامة واطأوا العمانيون على إخراجه وهذا غير بعيد, لأن بقاء ابن بور في عمان مسيطرا عليها لم يرده منه بنو سامة ذلك, وإنما يريدون التشفي به من خصمهم وقد حصل ذلك ودق ابن بور أهل عمان في سمد الشأن, حتى قطع رأس إمامهم وأرسله إلى بغداد, وهذا لا بد أن يكون له في القلوب باعث قوي على طرد ابن بور الجائر الخبيث حتى من الذي جاء مناصرا لهم. وتحدث صاحب معالم الجزيرة عن أعمال محمد بن بور في عمان ولكنه طواه في بعضه بعض, إذ قال: قدم عامل الخليفة على البحرين محمد بن نور بجموع وافرة من نزاروطى ففتح نزوة عاصمة عمان وقتل عزان الخروصي بالسين والصواب بالصاد, نسبة له إلى خروص بن شاري بن اليحمد, وبقية النسب معروفة كما في الإسعاف. قال: الذي حاول أن يحكم عمان بالقهر والعسف يعني بذلك عزان بن تميم. قال: وفر كثير من الأهالي إلى شيراز والبصرة. قال: ثم ثار بمحمد بن نور بعض القبائل فترك مقره أي مركز إقامته وهو نزوى قال: ولحق بالساحل يعنى في السيب وهي إذ ذاك دما, قال: إلى أن أدركته نجدة عظيمة أي لحقت به في السيب وهي التي أرسلها أبو عبيدة السامي, قال: تمكن بها من قمع الثورة وأرهف الحد في الأهالي, أي بهم ما ذكرنا, قال: وقطع الأيدي وصلم الآذان, وعطل قنى المياه أي دفن أفلاجا كثيرة, وخرب ديارا عديدة, ودمر أنهارا وكان يضرب بجوره المثل, فيقال أجور من محمد بن بور, وخاصة بلدان اليمانية, قال: وأحرق الكتب وفعل بالناس الأفاعيل.
قال أبو إسحاق: إن دخول ابن بور اللعين عمان أول مرة كان بتفرق الكلمة وتخاذل أهل عمان, وإلا فلا يمكن لابن بور أن يدخل (2/189)
صفحة 467
تلك الإمامة العظمى, ولو جد بضعف جنوده مرات. قلت: قدمت لك أن ابن بور جاء به أهل عمان، ولما نزل أطراف عمان التف عليه أبوباش الناس وغوغاؤهم، وأهل المطامع وأهل الجرائم، وتساندت الأمور على هذه الأسس، وبذلك استطاع ابن بور أن يهز عمان هزا عنيفا حتى صلم الآذان وسمل الأعين، وقطع الايدى، فتركهم لا يستطيعون الأكل، وقطع الأرجل فكانوا في مأزق عنيف لم يعرف له مثيل، وعمان فيها رجال من أشد الرجال لكن عقوبة الله لا يقف لها مخلوق إذا أقبلت، فان أهل عمان فسدوا فيما بينهم وأفسدوا فيما بينهم وبين ربهم كما قلنا، فكانت العقوبة من جنس العمل، وتلك سنة الله في عباده. قال أبو إسحاق: وافترق أهل عمان إلى نزارية ويمانية هو الذي قوى العدو الغازي، ولما رأى أهل عمان أتحدوا هاله لأمر وهذا يدل أن أهل عمان اتحدوا بعد ذلك الافتراق، ومن هنا يعلم ما قلناه في سبب تخريب ابن بور لنهر الملكي من أزكى، وللأوقات ما يناسبها من السياسيات، ولكل زمان دولة ورجال.
قال أبو إسحاق: وكادت تدور الدائرة على محمد بن نور لولا الإمدادات التي جاءته من الذين والوه من الذين والواه من عمان وهم السامية وغيرهم.
قال: ففي مثل هذه الواقعة عبرة بالغة لمن تدبرها، فان عاقبة التخاذل الانحلال والفشل، وقد قال الله تعالى: (2/190)
صفحة 468
(وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) 33ولما انتصر ابن بور أخيرا لم يرقب في المؤمنين إلا ولا ذمة.
ولست أدري كيف يطعن هؤلاء الناس على الأزارقة والصفرية، وهم يأتون أفعالهم حذو ا القذة بالأقذة، في قتالهم مع أهل القبلة، ولكن الحق بعيد عن كليهما، ولا جرم أن مدعى الشيء ليس كمالكه، نسأل الله أن يثبتنا على الصراط المستقيم، قلت: هذا غالب أفعال أهل الجهل في الحروب الذين لم يحاربوا من أجل دين أو حق، لا يراعون في العدو الذي يحاربهم ويحاربونه إلا هوى أنفسهم، وهذا سيء في الجنود الجاهلة التي تقودها زعامة الجهل والبطر، كالحجاج وابن بور وأمثالهم، بل وحتى جهال الأباضية وبغاتهم، غالبا خصوصا أيام السلاطين، أما أيام الأئمة فلا وهو الحق وأهل الزعامات القبائلية إذا تمكنوا من خصوصهم يألوا جهدا ففي التشفي من أعدائهم مالا ورجالا إلا ما شاء الله، وكم وقع في جيوش أهل العدل من جهال الجيش، فإذا بلغ الإمام وتحققه قام لرده، وإلا مضى وبقى في أحاديث المصابين به والمنتقدين والتاريخ يحمله عنهم ليحفظه.
ولما تمكن محمد بن بور من عمان وأهلها، وصفا له الجو فيها، وعدم المنافس له من عمان هم بالعودة إلى البحرين، وولى على عمان من قبله واليا يقال له أحمد بن هلال، قال المسعودي: هو ابن أخت الفتال. قلت: لم نعرف الفتال من هو ولا ممن أيضا، كما لم نعرف أحمد بن هلال والي الحجاج على عمان، هل هو عماني أم لا؟ وكان من حق التاريخ أن نعرفه. (2/191)
صفحة 469
قال صاحب المعالم: وما كاد أي محمد بن نور أن يرجع إلى البحرين حتى ثار الأهالي أي أهالي عمان، وقتلوا العامل أي أحمد بن هلال، الذي استخلفه ابن بور على عمان، وعاد العمانيون على انتخاب أئمتهم، فتوالت عدة أئمة وأخذ يعددهم على جهة الإجمال، وفي ابن رزيق وغيره من كتب التاريخ هو هذا الذي ذكرنا فلا داعي إلى إعادته. (2/192)
صفحة 470
بنو سامة يحاولون ملك عمان
اعلم إن بني سامة حاولوا إمارة عمان وعالجوا وضع أساسها بأنفسهم، فانهار بناءهم بوقعة القاع من ظهر عوتب بصحار، وتمزق جمعهم، ثم إلتجأوا إلى والي البحرين محمد بن نور المذكور ليستعينوا به، فقام هذا لتأيدهم وكتب لمعتضد بغداد يعضدهم فعضدهم، وأقاموا دولتهم على الحجر الذي وضعوه لهم محمد بن نور والي البحرين الذي احتل عمان، ووضع قدمه على كاهلها، ووطأ عليها وطأة سيئة فقتل إمامهم عزان ابن تميم في سمد الشأن وقتل بقية أعيانهم في دماء، ومن جملتهم شيخ العلم منير بن النير الجعلاني رحمه الله ورضى عنه، ووطد دعائم إمارته في قلب عمان نزوى فجعل على عمان واليا هو أحمد بن هلال ابن أخت الفتال، وأحمد هذا جعل على عواصم عمان ولاة من قبله، أحدهم على نزوى، وهو الملقب بيحرة والمكنى أبا أحمد، فكان ببحيرة بحيرة سوء، إذ كان يسفك الدماء ويقتل من يشاء، ومن ذلك أن أحدا من السفهاء أغراه على قتل أبي الحواري بدعوى أنه يبرأ هو وأصحابه من موسى، وموسى بن موسى هو زعيم السامين، وأرسل بيحرة لأبي الحواري جنديا من جنوده يقتله بغير سؤال ولا احتاج، وإنما هو مجرد هوى نفسي وإعزاز لبني سامة ومن إليهم سواء أكانوا محقين أو مبطلين، فسار الجندي لقتل أبا الحواري في المسجد بعد صلاة الصبح في مسجد الشجبي المعروف بمسجد أبي القسام في الجهة الغربية من عقر نزوى، ورآه قاعدا على المحارب يقرأ القرآن وارتاح الجندي ولم يجسر على قتله، ثم قال له: إن أبا أحمد يعني بيحرة يقول لك (2/193)
صفحة 471
سر إليه. فقال له لا حاجة لي به، وأخذ في قراءته فقيل: إن الجندي قال له ذلك يريده أن يخرج لئلا يطش دمه في المحراب فكأنه احترم المحراب ولم يحترم المسلم الصالح، وقيل أنه ارتاع وخاف، وفي هذا الأثناء جاءه جندي آخر يقول له لا تفعل في أبي الحواري شيئا لعله قال في نفسه هذه وشاية، ولعلها لا أصل لها، وتأخر عن قتله لتأخر أجل أبي الحواري لا لخوف من أحد.
ويستفاد من هذه القضية جرأة هذا الوالي على أهل نزوى بحيث يأمر بقتل من شيوخ العلم بغير مبالاة بقتله ولا خوف من أحد، فهذا يدل على غاية الذل الذي ألبسه الله أهل عمان وابتلاهم الله به، ولا ريب فإن محمد بن نور صلم الآذان وجدع الأنوف وقطع الأيادي والأرجل ودفن الأنهار، وأحل بأهل عمان البوار، وعلى كل حال أن محمدا بن بور لا يخرج من عمان إلا ويترك فيها لأحمد بن هلال حامية تؤيده وتشد عضده، فهذه الحامية هي لا شك ولا ريب أنهم بنو سامة الذين جاء محمد بن نور من أجلهم، فاشتهر بنو سامة بالبلاد وما يفعله الوالي أحمد بن هول هو عن أمرهم فبذلك تم الأمر لبني سامة، وأنيطت بهم عرى الآمال فكانوا هم السادة في هذه الأيام، ولذلك قال ابن خلدون في العبر، كما نقله عنه الإمام رحمه الله، حيث يقول في تحفته قال بعد ذكر عمان: وكانت بها في الإسلام دولة لبني سامة بن غالب، قال: وكثير من نسابة قريش يدفعونهم عن هذا النسب، قلت: لقد حققناه في الإسعاف في أنساب قريش بعمان، والحق أنه قرشي بغير نكران، والحق لا يدفعه حسد حاسد، قال: أولهم بها محمد بن القاسم السامي، أي دلتهم التي يذكرها ابن خلدون، أي أول أمير من بني سامة هو محمد بن نور من البحرين، وكان من جملة حاضري وقعة (2/194)
صفحة 472
القاع من عوتب، فان المعتضد أقام صرح هذه الدولة بعمان على أساس محمد بن نور.
قال ابن خلدون: بعثه المعتضد وأعانه ففتحها وطرد الخوارج إلى نزوى قاعدة الجبال، أي عاصمتها أي داخلية عمان، وأراد بالخوارج الإباضية.
ومن العجب العجاب أن هؤلاء الذين يدعون العلم يهجمون على الناس في الدين والدنيا، فمتى كان الإباضية خوارج يا ابن خلدون، لقد أخطأت خطأ دينيا وتاريخيا إن لم تكن متعمداً ذلك والله يقول لك: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) 34خصوصًا في الأمور الدينية.
قال الإمام: وأراد بالخوارج المسلمين، قال: وأقام الخطبة بها لبني العباس أي أقامها محمد بن القاسم. قلت: غير كثير من أمير مغمور يحب الإمارة إذا خطب لسيده الذي أقامه حاكماً، ولا يبالي الجاهل بالدين في سبيل الدنيا، فإن من مذهب الملوك أن تكفر ولا تستغلب أي لأن الدنيا عندهم أهم من الدين، وماذا يحاول الملوك إلا الملك، وهل يأتي الملك إلا من قبيل الدين بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أظنه إلا ناراً ألست ترى في تاريخ عمان الإمامة الصحيحة شيئاً نادرًا يمر عليك مر السحاب في لحظات خاطفة، وأيام الجور والظلم تطول على الناس قرونًا كثيرة في أكثر الأمم لا في أهل عمان وحدهم والله المستعان.
قال ابن خلدون: توارث ذلك بنوه أي بنو محمد بن القاسم توارثوا الخطبة لبني العباس، أي الطاعة لهم، قال: وأظهروا شعار السنة. (2/195)
صفحة 473
قال الإمام: أي سنتهم وهذا يدل أننهم استنوا بسنة القوم ولا يهمنا إذا استن جاهلنا بسنة غيرنا، فمن أراد غيرنا أبعده الله، قال: ثم اختلفوا سنة خمس وثلاثمائة وتحاربوا ولحق بعضهم بالقرامطة، وهذا يدل أنهم بقوا ملوكا على عمان إلى هذه الغاية، أي مدة خمس وعشرين سنة، فإن محمد بن نور فتح عمان سنة 280ثمانين ومائتين، وخرج عنها في أواخر تلك السنة الثانية، فكانت البلاد في أيدي العمال إلى هذه الغاية، ثم تقاتل بنو سامة على عمان بحسب كلام ابن خلدون، والصحيح أنهم تقاتلوا هم وأهل عمان الذين قاموا عليهم بنصب الأئمة، وطال العراك بين الإمامة والسلطنة، ورفع الخلاف كما سوف تراه مستعرضًا في هذه الصحائف الجوهرية الناصعة.
قال الإمام: ووجدت أن الجبابرة تغلبوا على أهل عمان يسومونهم سوء العذاب أربعين سنة، وذلك بعد حرب محمد بن بور. قال: ولعل هؤلاء الجبابرة كانوا من بني سامة وهم عشيرة موسى بن موسى، وذكر بيحرة وولايته لنزوى، وأنه أقام زمانا واليا عليها، قال لم يزل بيحرة عاملا على نزوى حتى قتلوه وسحبوه، وقبره ومعروف عندهم أسفل باب مؤثر قليلا في لجية بفتح اللام وسكون الجيم، وفتح الياء المثناة من تحت بعدها تاء مربوطة، والمراد بها موات متصل بالطريق منحنيا على الجانب الآخر هناك، على الطريق الجائز إلى تخرج إلى جهة فرق، يطرح عليه أهل نزوى السماد والجذوع التي يريدون إخراجها إلى الأموال، أو إدخالها على العقر، وذلك من هوانه عليهم، وهو معروف موصوف متداول عند أهل نزوى، صغارهم وكبارهم منذ ذلك العهد، وهو آخر القرن الثالث، ولكنه لم يذكر سبب القتل، ولعله في ثورتهم فإنهم كما قال صاحب المعالم: وما كاد يرجع إلى البحرين أي (2/196)
صفحة 474
محمد بن بور حتى ثار الأهالي ثانية، وقتلوا العامل الذي استخلفه على عمان، وعاد العمانيون إلى انتخاب أئمتهم، فتوالت عدة أئمة مثل محمد بن الحسن الخروصي، وعزان بن الهزبر، وعبدالله بن محمد الحداني الذي قلب هاءه حاء مهملة، والصلت بن القاسم الخروصي، والحسن بن سعيد بن الحواري 1ه من تاريخ عمان بالحرف الواحد لصاحب المعالم، وهو عين ما يقوله شكيب أرسلان.
قال الإمام: إن بني سامة تقاتلوا سنة خمسة وثلاثمائة ولحق بعضهم بالقرامطة، قلت ولا يبعد أن يكونوا هم الذين مهدوا الطريق للقرامطة على قهر عمان فجاءوها، وكان منهم فيها ما كان مما سنذكره إن شاء الله عبرة للمعتبر، وتنبيها للمختبر وإلفاتا للأنظار إلى ما يثمره الشقاق والخلاف وحب الاختصاص في الأمة، واعتقادنا العظيم فعظموني وحدي لا شريك لي، نعوذ بالله الذي له كل شيء وهو على كل شيء قدير.
قال الإمام: وفي بعض التواريخ أنهم أي أهل عمان عقدوا الإمامة على محمد بن الحسن بنزوى بعد قتل بيحرة في سنة 282 اثنين وثمانين ومائتين، قال: وذلك بعد حروب ابن بور بسنتين وأشهر، ثن تتابعت الأئمة. قلت والى هذا يشير صاحب المعالم، والأمير شكيب في تعليقه على حاضر العالم الإسلامي. قال: والسلطان الجائر يحاربهم ويحاربونه، ويغلبهم ويغلبونه. قلت: وهذا يدل على وجود
السلطان من بني سامة، فان بني سامة صاروا خلفاء محمد بن بور على عمان وداعا بني العباس، يخطبون على المنابر بأسمائهم ويدعون لهم جهرا طاعة الملك (2/197)
صفحة 475
واعتمادا على الرئاسة وحبا للإمارة والترفع على عباد الله بعد ذلك السيد المصلح والعالم الوحيد، أقوى أركان الإمامة بعمان موسى بن علي رحمة الله وغفر له، فكان موسى ابن علي أصل زعامة بني سامة، فإنه رجل الإصلاح وأمام الاستصلاح، خير رجل في بني سامة علما وعملا، وعلا له صوت شرف في القصر العماني، فكان مضرب المثل فاكتسب بذلك تقدير الناس له، وارتفاع مستواه وإن لم يطل عمره، بل عاش عمرا قصيرا، ومات في زهرة عمره، فلبس ابنه موسى اسمه وتقلد سيف توقيره وتدرع درع شرفه، فأجله الناس وعظموا قدره وهذا أمر طبيعي في الأمة بديهى في الأجيال حتى تنكشف الغاية، ويعرف المقصد بارزا في مرأى كل أحد في الأمة وهناك، أما ارتفاع لأعلى أو انخفاض لأدنى، وبذلك قام بنو سامة يدعون زعامة الأمر في عمان، ويحاربون من أجلها ويستنصرون ويستجيشون عليها، وآخر ما بقى لهم زعامة إزكي مدة ثم انتهت وصاروا كغيرهم، وكل شيء يصير إلى انتهاء، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، والمعرفون بالعزور في إزكي هؤلاء الزعماء. (2/198)
صفحة 476
القرامطة يحتلون عمان بأهل عمان
قال الإمام السالمي رحمه الله: والقرامطة قوم من الشيعة نسبوا إلى حماد قرمط. قال: ويقال لهم الباطنية لأنهم زعموا أن للقرآن باطنا وظاهرا, وإن من وصل إلى معرفة باطن القرآن انحلت عنه التكاليف كلها ليمهدوا لهم عند الناس طريقا يبسا لا يخافون معها نقد ناقد ولا اعتراض معترض, لأنهم كفار لا يصلون ولا يصومون, ولا يعترفون بإلوهية, وزعموا أيضا أنه لا فرق بين هذا الواصل إلى باطن القرآن, وبين من في الجنة فأهل الجنة لا تكليف عليهم, فأبطلوا بذلك شرائع الإسلام لأنهم من أهل الجنة, وأهل الجنة لا تكليف عليهم وتبعهم من جنود الشيطان ناس غوغاء وأغبياء وجهلاء, يريدون استرجاع دولتهم كما كانت.
قال في المعالم: القرامطة فرقة من الشيعة ينتسبون إلى شخص يماني الأصل يدعى حمدان قرمط. قلت: لعل قرمط لقبه, قال: وكان مغاليا في التشيع لأهل البيت, وكانت دعوته أي دعوة حمدان قرمط كانت دينية محضة انقلبت فيما بعد إلى دعوة سياسية بتأثير أبي سعيد الجنابى, أي الخارج من جنابة من قرى البحرين, قال: وقد تغلب أي أبو سعيد هذا في أواخر المائة الثالثة للهجرة على شرقي الجزيرة العربية, واستولى على البحرين وهجر, وخلع طاعة المعتمد العباسي أي خليفة بغداد, قال: وقد قام الأمر بعد موته ابنه أبو طاهر فهاجم الحرمين, من مقره القطيف, أي كان مقره القطيف, ودخل مكة سنة 313 ثلاث عشر وثلاثمائة هو نهبها وانتزع الحجر الأسود وبابها أيضا وبعض عتاد (2/199)
صفحة 477
الكعبة ونقله إلى القطيف ليبنى هناك كعبة ويضعه فيها ويصرف العرب إلى حجها, قال ووضعه في مسجد الضرار لكي يصرف الناس إلى حجة عن مكة, وإنها لجرأة عظيمة على الملة الإسلامية, وأين هي وأين رجالها الذين لهم الغيرة على الدين, إلى آخر الخلافة العباسية التي أضحت تعج في لجة فساد لا مثيل له في العالم, بحيث يتجرأ أحد على هدم قبلتهم التي كانوا عليها, فهذا هدم حقيقي لها, وأين أهل مكة الأشداء من أبي طاهر الجنابي سبحان من هو القادر على كل شئ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, وان حلم الله عظيم, وجرأة العباد أيضا عظيمة على الله الذي يملى لعباده.
قال: وقد ظل حكم أبي طاهر للحرمين مدة تزيد عن عشرين سنة كان الحجر الأسود خلالها في هجر عند أبي المذكور, قال: وكان القرمطي على صلى بالفاطميين في أفريقيا الشمالية, وينتسب إليهم, قلت: لعله ينتسب إليهم من جهة الملة, فإنهم كذلك شيعة قال, فلما أمره الفاطمي بإعادة الحجر إلى البيت القرمطى على الفاطمي, وقطع صلته ثم أعيد الحجر إلى مكة سنة 339 تسع وثلاثين وثلاثمائة, قال وبعد وفاة أبي طاهر تلاشت القوة السياسية للقرامطة, وانحصرت سلطته في الحسا والبحرين ما يقرب من مائة سنة, ثم تلاشت نهائيا. قال: وتوجد الآن بقايا من القرامطة في واحة القطيف.1هـ من المعالم.
أوردنا ما ذكره عنهم كله والحقيقة أن فعل القرامطة هذا يعود عاره على الأمم الإسلامية كلها وإلا فكيف تجترئ أمة على قلع الحجر من الكعبة قبلة المسلمين أجمع ويتولاه هؤلاء العتاة 20 عشرين سنة كاملة, وهو في الحسا ولم يكن أحد اجترأ على هذا الحال من سائر (2/200)
صفحة 478
المسلمين, إن هذا الشى عجاب من أعجب ما حدث عنه التاريخ الجاهلي والإسلامي، ولقد استطردنا في القرامطة وما حدثوه للاعتبار لا غير وإلا فان مهمتنا تاريخ عمان، ولهم فيه أخذ ورد إذا كانوا وطئوا أرض عمان واحتلوها حين فر إليهم بقايا النزارية الذين تولوا أمر عمان بابن بور، فإنه لما خرج ابن بور من عمان قتل العمانيون عامله الذي خلعه، وبقى أمر عمان إلى أهلها، فكان فيها إمام وسلطان يتصارعان عليها وهم الذين عبر عنهم الإمام بسلاطين الجور في عمان فكان الأمير السامي في جهة، والإمام في جهة أخرى، وإليك النص الذي ذكره لنا الإمام ومؤرخو عمان إذ يتكلمون عن بني سامة. قال: ثم اختلفوا سنة خمس وثلاثمائة، وتحاربوا ولحق بعضهم بالقرامطة، وأقاموا فتنة أي لأهل عمان، قال إلى أن تغلب عليهم أبو طاهر القرمطى سنة 317 عند اقتلاعه الحجر الأسود، وخط بها لعبيد الله المهدي أي العباسي، وترددت ولاة القرامطة عليها من سنة 317 إلى سنة 375،قال: فترهب وإليها منهم وزهد وملكها أهل نروى وقتلوا من كان بها من القرامطة والروافض، وبقيت في أيديهم ورئاستها للإزد منهم، ثم رسا بنو مكرم من وجوه عمان إلى بغداد، واستخدموا لبتي بوبه على أن يناصروهم على ملك عمان وكان بنو بوبه قادة جيوش بغداد، والأمر إليهم معنى وإلى لخليفة اسما، قال وأعانوهم بالمراكب من فارس، أي من الحامية لفارسية فملكوا مدينة عمان، قال وطردوا الخوارج يعني المسلمين إلى جبالهم وكأن هؤلاء ملكوا قلهات التي هي الساحل الشرقي الشمالي بالنسبة إلى عمان الشرقية، وهي التي يطلق عليها إذ ذاك مدينة عمان وصحار قصبة عمان، وقوله: وطردوا الخوارج إلى جبالهم أي إلى الداخلية، قال وخطبوا فيها لبني العباس. قال: ثم ضعفت دولة (2/201)
صفحة 479
بني بويه ببغداد, فاستبد بنو مكرم بعمان, قلت: وهذا كان في أيام المقتدر بالله, فإن المعتضد بالله توفي ببغداد سنة 293 ثلاث وتسعين ومائتين, وتولى الخلافة بعده ابنه المكتفى بالله, وقيل إنه توفى في ذي القعدة سنة299 تسع وتسعين ومائتين, وتولى الخلافة المكتفى بالله ولم يطل عهده, ثم مات وتولى الأمر أبو الفضل جعفر المقتدر بالله وهو ابن ثلاث عشرة 13 سنة, أي في أول بلوغه أو لم يبلغ بعد, فكانت خلافته اسما فقط, والمعنى الجيش ولم يطل عهده إذ تلاعب الصبيان, وفرق الأموال وبذرها في اللهو واللعب, وماذا عسى يفعل الصبي إلا ذلك, ومن هنا ضاعت أمور المسلمين وانحلت دولتهم, وكان هؤلاء مسلمين من حيث إقرارهم بالشهادتين, أما الإسلام الحقيقي لم يحوموا حوله, وإلا فكيف يتولى الخلافة العظمى التي تناط بهم المهام الدينية والدنيوية صبى لا يصح تصرفه في ماله فضلا عن غيره, أهكذا يكون ولى الأمر وبهذا يقضى العقل الصحيح, وبذلك أصبح الخليفة ألعوبة في يد اللاعبين, فإن مؤنس الخادم قائد الجيش هاجم المقتدر في قصره وقبض عليه وعلى أمه, ثم نهب الجيش الأموال التي هي قوام الدولة, وخلع المقتدر نفسه حين رأى الموت بين عينيه, وقتل الجند صاحب الشرطة وشردوا بالوزير, ثم تراجع المقتدر وعاد إلى الخلافة, وأخيرا قتل المقتدر فقد قتله البربر واجتزوا رأسه ومضوا به إلى مؤنس القائد, وكان قتله لثلاث بقين من شوال سنة 316 ست عشر وثلاثمائة أيام تتلاعب القرامطة في عمان وغيرهما, وتقتلع الحجر الأسود من البيت الحرام, وقبل قتله تولى الأمر بعده أخوه المنصور محمد بن المعتضد بالله بويع لليلتين بقيتا من شوال من نفس السنة.
ولما تولى قبض على ابن أخيه المكتفى بالله وأمر به فأقيم في بيت (2/202)
صفحة 480
وسد علية بالأجر والجص حتى مات غما، وقبض على أم المقتدر وطالبها بما لم تقدر علية فتهددها وضربها بيده وعذبها بأنواع العذاب وعلقه منكسة حتى كان بولها يخرج على وجهها، ماتت على ذلك الحال فسلط الله علية الجند فهجموا علية من سائر الأبواب فبقى يتوارى بالستر والحجاب وأخيرا قبضوا علية وأهانوه إلى غاية بعيدة حتى سلموا عينية وذلك سنة 322 اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
وقول ابن خلدون: ثم ضعفت دولة بني بويه ببغداد فاستبد بنو مكرم بملك عمان وتوارثوه, ما يدل على أن بني مكرم لم يكونوا من عمان بالأصالة. قال: وكان منهم مؤيدة الدولة أبو القاسم على بن ناصر الدولة الحسين بن مكرم، وكان ملكا جوادا ممدوحا، قاله البيقهى: قال ومدحه مهيار الديملى وغيرة ومات سنة 428ثمان وعشرين وأربعمائة بعد مدة طويلة في الملك، قال وفى سنة 42 اثنتين وأربعين ضعف ملك بني مكرم وتغلب وعليهم النساء والعبيد، فزحف إليهم الخوارج يعنى المسلمين، فملوكها وقتلوا بقيتهم. قال: انقطع منها رسم الملك وصار في حجار. قال الإمام: والمراد بقولة وانقطع منها رسم الملك يعنى قلهات، أي انتقل منها وصار في حجاز، قال وحجاز ف شماليها إلي البحرين بينهما سبع مراحل، قال وهى في جبال منيعة فلم تحتج إلي سور، قال: وكان ملكها سنة ثمان وأربعين زكريا بن عبد الملك الازدى من ذرية رسائة، وكان الخوارج بنزوى مدينة الشراة يدينون لهم ويرون أنهم من ولد الجلندى أهـ كلامه والله أعلم بما ذكر. (2/203)
صفحة 481
قال الإمام: ليس لبني مكرم ذك بعمان ولا نعرف من هم، ولكن أهل عمان يذكرون في كتبهم تغلب سلطان الجور عليهم بعد حروب محمد بن نور وهم مع ذلك ينصبون الأئمة ويدفعون العدو والأيام دول والحرب سجال، قلت: لا وجه لمن ذكره ابن خلدون أبدا، ولم يذكره أحد من أهل عمان ولا من مؤرخي الشرق، وابن خلدون رجل مغربي، وأكثر كلامه غلط لا أصل له، ب يأخذ الأقوال على عواهنها بغير تحقيق، فهل من المعقول أن يفوت أهل عمان ذكرهم وقد تولوا ملك عمان؟ هذا غير معقول وأهل عمان أعرف ببلادهم وهم أحق بذكر من يغزو ببلادهم، فان يكن صح لبنى مكرم ذكر في عمان فهم قواد لجيوش، وإذا انكسر الزعيم ضعف أمر الجند وتلاشى أمرهم وزالت سطوتهم فيقنعون من الغنيمة بالإياب، فان كان المراد بالسلطان نوابه وقواد جيشه ومأموروه فربما كان له وجهه، وقد ذكر القرامطة بعضهم في تاريخ عمان أول القرن الرابع، وهذا خطا اللهم ألا أن كانوا غزاة دلوا عمان، ثم لم يكن لهم فيها سلطان، وإنما المفهوم أ كل هؤلاء المذكورين مروا بعمان غزاة فنالوا منها والت منهم، وراحوا عنها ولم يكن للقرامطة في عمان قرار، وإنما كانوا غزاة سباعا ضارية، تأكل ما لاقت ثم تذهب أدراجها، وسوف ترى أن الوقت الذي تذكر فيه بعمان القرامطة بل وبنو مكرم هو وقت مشغول بإمامة في عمان.
ففي سيرة محمد بن روح رحمة الله: أن القرامطة جاءوا عمان في إمامة عمر بن محمد بن مطرف الحداني، وأنه اعتزل من بيت الإمامة، وأن القرامطة رجعوا إلي البحرين، ولعل اعتزال الإمام عمر بن محمد كان لعدم المناصر، فلعلة رأى التخاذل من قومه، فإن شأنهم التقلب والتلاعب عندما يجدون من الغير ما يحبون، وإلا فما معنى اعتزال الإمام من (2/204)
صفحة 482
إمامته ولا يناقش فيها ولا يقام عليه حتى يعلم عذره, وإلا فالاعتزال بغير موجب خذلان للحق وهو حرام إجماعا, وليس للإمام أن يتلاعب في إمامته إذا تقلدها وجبت عليه حقوقها ووجب على الأمة مناصرته, فإذا تحقق خذلان الرعية له صح الاعتزال ولم يجب فيكون اعتزاله من نوع التقية إذا خذلته الرعية, والقرامطة لا دين لهم, ولا ضمير حق ولو من جنس السياسات, فإن النصارى لا يرضون بما يرضى به هؤلاء السفهاء الأوغاد الذين يعيثون في أرض الله فسادا, ويهلكون الحرث والنسل ولا يبالون.
وحقيقة القرامطة قوم غزاة صار لهم وقت يخوضون فيه موجة عارمة بالباطل، وقد لعبوا دورهم حتى اقتلعوا الحجر من بيت الله الحرام قبلة المسلمين عامة من جميع المذاهب، والوقت في أول شباب الإسلام إذا كان ذلك في أول القرن الرابع كما بيناه، إلا أن الخلافة العباسية أضخت ألعوبة نفسها في غرطسة التيه حتى أراهم الله العجب بهؤلاء القرامطة المشائيم، لا أعاد الله على العالم الاسلامى أمثالهم، والله مع الصادقين الذين باعوا أنفسهم لله، وجاهدوا فيه حق جهاده، ولقد أثار الله على هؤلاء من يريهم لفح السموم في أرضهم الخاصة بهم ويلحوهم كما يلحى الضيب، وكذلك ما يقال عن الديلم في عمان وعن الترك في ذلك الأوان، فكل هؤلاء غزوا عمان وقام الصراع بينهم والاهالى في عمان، فطور يغلبون ويحتلون قسما من البلاد، وطورا يغلبون ويطردون منها طرد غرائب الإبل-وترجع البلاد لأهلها وسرعان ما ينصب أهل عمان إمامتهم وتعلوا كلمتهم وتظهر حجتهم، وتلك الأيام نداولها بين الناس والحرب سيجال: (2/205)
صفحة 483
فيومها ... علينا ... ويوما ... لنا
ويوما ... نساء ... ويوما ... نسر
وهكذا الدنيا، وإذا وفرت النعيم على قوم وخاضوا في لجها وسرحوا في ريفها، وأخذ البطر بها سلط الله عليهم نقمة تسحقهم وتمحقهم وترد الشارد والهارب إلى مقرها برغم الأهواء.
قال الإمام رحمة الله: وفي الأثر ما يقتضى أن ذهاب دولة القرامطة من عمان في أيام أبي المؤثر: وأنة أمر بحرق بيوتهم. فقال له قائل: إن كن القوم مسلمين، فلا يجور خرق بيوتهم، وإن كانوا مشركين فبيوتهم في المسلمين، ولا يجوز حرقها بعد ذهابهم فأعرض عنة، وقال: لا بد للقوم مخاصمهم أحرقوها لئلا يرجعوا إليها، قال: وهذا يقضى أن ذهاب القرامطة من عمان قبل الوقت الذي ذكره ابن خلدون. قلت: ومن هنا يعلم إن ما قاله ابن خلدون لا شي له من الصحة، ولعلة سمع عن القرامطة سماعا بعيد، فعلق علية ما قاله ذلك، ومن هذا يعلم إن القرامطة قامت لهم بيوت بعمان ومساكن هي التي أمر أبو المؤثر رحمة الله بحرقها لئلا تكون لهم مأوى يأوون إليها ويتلاعبون من أجلها على المسلمين.
قال الإمام: لان أبا المؤثر كان قد أدرك إمامة المهنأ. قلت: نعم كما بيناه. قال: وإمامة الصلت بن مالك وعاصر راشد وموسى من بعدهم وهو يؤمئذ ممن يوخذ عنة العلم، وكان قد أخذ في السن وقد مات قبل الوقت الذي ذكره ابن خلدون في ذهاب القرامطة، لان المذكور في إمامة أبى القاسم سعيد بن عبد الله أن من العاقدين علية ولد ولد أبي (2/206)
صفحة 484
المؤثر، وقد استشهد رحمه الله في سنة 328ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكان قد عاش في الإمامة ثمان سنين، إذ بويع على ما قيل في السنة العشرين بعد ثلاثمائة، فتبيت من هذا أن ما ذكره ابن خلدون غلط في التاريخ، لأن المذكور تبلغه الأخبار بعد مدة وبدونها على ما بلغته.
قال الإمام: وذكروا ما كان للقرامطة من قوة وعزة، وأنها ذهبت بدولة الإسلام. قلت: هذا كلام أنهم كانوا قبل الإسلام ثم ذهبت قوتهم بالإسلام وليس الأمر كذلك، وإنما كانوا في أول القرن الرابع من الإسلام، وقامت لهم زعامة في الحسا، وكانوا أشداء أقوياء أهل بأس، ولا دين لهم، إنما هم من الزنادقة الذين يبيح الإسلام دماءهم إذ أنكروا الصلاة. والزكاة والحج، وعارضوا شعائر الإسلام بالرد، فهم من هذه النواحي مشركون، ومن جهة الزندقة قد أخذوا حظهم، إذ قرروا للعوام سقوط التكاليف، لأنهم كأهل الجنة لا شئ عليهم، فتبعهم أهل السخافة في دينهم وأهل السفاهة في دنياهم، وأعوان الشيطان أسرع نهوضا واجرأ على الناس، ينزع الإيمان من ضمائرهم والرحمة من قلوبهم، وكانت قوتهم بالبحرين وعاصمتهم جنابة، وغزوا العراق والحجاز وعمان، واقتلعوا لحج الأسود يريدون أن يجعلوه في بيت لهم قرب القطيف، فموضعه الآن يقال له الكعيبة يريدون أن يصرفوا العرب إلى حجة كما صنع ذلك الحبشي صاحب الفيل باليمن إذ بني كنيسة ليصرف الناس إلى حجها دون الكعبة، فجاء رجل من كنانة فتغوط بها وكان ذلك من حقها، فغضب الحبشي وأجمع على هدم الكعبة، فرد الله كيده في نحره وصان بيته الكريم، وكان مسيره وبالا عليه وتشريفا للبيت وإعزازا لقدره، فبقى على رغمه. (2/207)
صفحة 485
قال الإمام: ثم إن قائمة من أهل الإحسان من أهل الإحسان من أهل بيت ابن مقرب قاموا على القرامطة وحاربوهم سبع انتزعوا الدولة منهم، وفى ذلك يقول ابن مقرب من قصيدته الميمية، حيث يفتخر بذلك:
سل ... القرامط ... من ... شظى ... جماجمهم
فلقا ... وغادرهم ... بعد ... العلى ... خد ... ما
من بعد أن جل بالبحرين شأنهم*ش * وأرجفوا الشام بالغارات والحرما
ولم ... تزل ... خيلهم ... تغشى ... سناكبها
أرض ... العراق ... وتغشى ... تارة ... أدما
وحرقوا ... عبد ... قيس ... فى ... منازلها
وصيروا ... الغر ... من ... ساداتها ... حمما
وأبطلوا ... الصلوات ... الخمس ... وانتهكوا
شهر ... الصيام ... ونصبوا ... منهم ... صنما
أي هذه أفعالهم فى الديانة التي يتدينون بها ويدعون إليها أخزاهم الله.
قال ابن مقرب:
وما بنوا مسجد لله نعرفه
بل كل ما أدركوه قائما هدما (2/208)
صفحة 486
قلت: كيف يبنون المساجد وهم أعداؤها وأعداء أهلها قال العيونى الحر.
حتى ... حينما ... على ... الاسلام ... وانتدبت
منا ... فوارس ... تجلو ... الكرب ... والظلما
وطالبتنا ... بنو ... الأعمام ... عادتنا
فلم ... تجد ... بكما ... فينا ... ولاصمما
وقلدوا ... الأمر ... منا ... ما ... جدا ... نجدا
يشفى ... ويكفى ... إذا ... ما ... حادث ... دهما
ماضي ... العزيمة ... ميمون ... نقيبته
أعلى ... نزار ... إلى ... غاياتها ... همما
وسار ... تتبعه ... غرغطارفة
لو ... زاحمت ... سد ... ذي ... القرنين ... لا ... نهدما.
وفى شرح ابن مقرب أن القرامطة هم بنو أبى الحسن بن بهرام الحياني، نسب إلي مذهبه وأصله شخص من أهل الكوفة كان يقال له حمدان قرمط، نسب إليه أهل مذهبة، فقيل القرامطة الواحد قرمطى كما يقال شافعى منسوب الى مذهب محمد بن إدريس، وحنفي منسوب إلى مذهبه أبى حنيفة النعمان بن ثابت، وأولهم أبو طاهر سليمان بن الحسن القرمطى الذى قلع الجر الاسود من الكعبة والميزاب أيضا وحملهما الى البحرين وبنى بالقطيف بيتا سماة الكعبة الخ. (2/209)
صفحة 487
قال وكان حملة للحجر والميزاب فى سنة 312من الهجرة الإسلامية وكان ردهما فى سنة 335وذلك بعد موته، وكانت مدة إقامة الحجر والميزاب بالبحرين ثلاثا وعشرين سنة الى آخر ما ذكر من أخبارهم، هكذا يملى الله العزيز الحكيم للإنسان فيتورط ولا يبالى، ويخذل الله ناسا حتى يرى الكل أنهم عاجزون عن أدنى شيء، ففي ثلاث وعشرين سنة يحج الناس بيت الله الحرام، ولا حجر ولا ميزاب ولا تتحرك غيرة أخذ بهم البطر الى أن تجرءوا على الله عز وجل فى هدم بيتة وتغيير شعائر دينه، وإبطال أوامره، وحاولوا أن يبنوا بيتا يصرفون الية الناس للحج وهو ركن من أركان الاسلام الخمسة التي لا يتم اسلام المرء بدون واحد منهما، ثم يخلقون أعمالا من عند أنفسهم يتعبدون بها العباد برغم أوامر الله أنهم ركبوا أمر عظيما لم يجسر علية غيرهم، وذلك في العصر الذي يسمونه العصر الذهبي، إذا كان في أواخر القرن الثالث وأول القرن الرابع في شباب الدولة الإسلامية، والخلاف العباسة، هذا عصرهم الذهبي كما يسمون ولا يستحون حيث يضعون مثل هذه العبارات الحاكمة عليهم بالجبن والخور وسوء الديانة، وعدم الاستقامة في أمر الدنيا فضلا عن أمر الدين. (2/210)
صفحة 488
الإمامة المستضعفة بعمان
اعلم أن بعض الأوقات التي لم يوفق الله أهلها لإقامة الحق وإعلاء منار العدل, وتأييد الشريعة وان نصبت فيها أئمة يكون نصيبها من ذلك الفشل, فإن أهل عمان بعد حروب محمد بن بايعوا جملة أئمة, لكن لم يكن التوفيق حليفهم ولا العدل نصيرهم, ولا الاستقامة دعامتهم, فقد بايعوا محمد بن الحسن بنزوى بعد قتل بيحرة في سنة 282, وذلك بعد حروب محمد بن نور بسنتين وبعض الأشهر.
قال الإمام: ثم تتابعت الأئمة بعد ذلك وكذلك قال صاحب المعالم, وهو عين ما في ابن رزيق, قال: والسلطان الجائر يحاربهم ويقاومونه ويغلبهم ويغلبونه, حتى فرج الله ورجعت إلى المسلمين قوتهم ولله المنة وله الحمد كثيرا. قال وفي سيرة محمد بن روح رحمه الله أن القرامطة جاءوا إلى عمان في إمامة محمد بن مطرف الحداني, ولم يذكر نهاية محمد بن الحسن, وأما عمر بن محمد فقد ذكر الإمام أنه اعتزل وذلك أنه رأى أنه لا قبل له بالدفاع لهم, ثم ذكر الأئمة المنصوبين في الفترة ويعنى بها وقت تغلب سلطان الجور خليفة بغداد, قال أبو عبد الله محمد بن روح ابن عربي: من تلك الأئمة أي التي نعبر نحن عنهم بالأئمة المستضعفين بالإمامة المستضعفة, محمد بن حسن الخروصي النازل فشح من أودية الرستاق, قال: وهو من اليحمد. قال ابن عربي: بويع على الشراء فيما بلغنا, وكان إماما شاريا, ثم إنه اعتزل عن الإمامة ولم يعلل اعتزاله بشئ, قال ثم بايع أهل عمان من بعده لثمانية أئمة منهم من بويع على بويع على قطع الشرى فيما بلغنا, ومنهم من (2/211)
صفحة 489
بويع على الدفاع, قال ومن تلك الأئمة الثمانية الذين بويعوا على الإمامة من بعد اعتزال محمد بن الحسن الصلت بن القاسم الخروصي, النازل نزوى, ثم ماذا صار من أمره لم يذكر عنه شيئا, ثم كم بعده عزان بن الهزبر المالكي من كلب اليحمد. قال عقد له في حياة الصلت بن القاسم فانظر يا أخي في هذه الأحوال كيف كان أمر الصلت ابن القاسم اعتزل أم عزل وعقد من بعده لابن الهزبر المالكي أهكذا الدين وأين الشرى؟ لا أرى له هنا أثرا. قال: ثم عقد في حياة عزان المذكور لعبد الله بن محمد الحدانى المعروف بأبي سعيد القرمطي, قال: وذلك قبل أن يعلم منه رجوع عن دعوة المسلمين إلى بدعة القرامطة, وكأنهم لقبوه بالقرمطي لما رأوا منه إتباع القرامطة, ولم يذكر نفس البدعة وهل هي دينية أم سياسية.
قال: ثم عقد في حياة أبي سعيد القرمطي قبل أن تعلم بدعته للصلت ابن القاسم ثانية, ومات الصلت بن القاسم من غير اعتزال عن الإمامة, أي في هذه المرة الثانية, ولم يعلم كم لبث فيها ولا ماذا كان من أمره. قال: ثم بويع من بعده للحسن بن سعيد السحتنى النازل نزوى أخي بني ثعالة, فلبث في الإمامة أقل من شهر, ثم مات من غير اعتزال عن الإمامة. قال: ثم عقد للحواري بن مطرف الحداني النازل نزوى, وبويع على ما بلغنا على المدافعة. قال: وكان في البلد آخذا على أيدي الفساق من سفهاء أهل عمان أخذا شديدا, وكان إذا جاء السلطان إلى نزوى يجبى من أهلها اعتزل من بيت الإمامة إلى منزل نفسه من نزوى, فإذا خرج السطان من نزوى رجع هو إلى بيت الإمامة, ووضع تاج الإمامة, على رأسه, وقال: لا حكم لله ولا طاعة (2/212)
صفحة 490
لمن عصى الله, قال: وكأن قائما له بالأمر عند السلطان قوم من بني سامة فيما أحسب. قلت: أي أمر له عند السلطان حتى يقوم به له بنو سامة, فإما أن يكون إماما من طرف السلطان, وهو الواضح لسكوت السلطان عنه إذ جاء نزوى فالأمر إلى السلطان وهو إمام بيته, وإذا خرج السلطان من نزوى يكون هو إمامهم اسما دون معنى ما سمعناه في سيرة المسلمين بهذا, وإما أن يكون عاملا للسلطان, وهو أكبر, ولعل بني سامة يقولون للسلطان اتركه في مكانه اسما وأنت المعنى ولا تخشى منه شيئا فانه لم يكن بيده أمر من أمور الدولة, وهذه هي الإمامة المستضعفة إن لم نقل ذلك والله المستعان ما علمنا بهذا في منهج المسلمين, ولا ارتضاه الأئمة في الدين.
قال: فلم يزل الحواري على ذلك إلى أن مات من غير اعتزال. قلت: أي اعتزال يراد هنا مع هذه الأحوال الشبيهة بلعب الصبيان. قال: وعذر المدافع عن المسلمين عذر الشاري. قال الإمام: ولا عذر عندنا لأحد إلا من عذره الله. قلت: لا ينبغي لأحد أن يدخل في أمر يرى أنه يعجز عنه ولا يليق بمنصب الإمامة أن يكون كهذا الحال الذي عليه هذا الإمام. قال: ثم عقد لابن أخيه عمر بن محمد بم مطرف الحدانى, وكان على نحو سبيل عمه إذا جاء السلطان اعتزل من بيت الإمامة, قلت: هذا السلطان أشبه أن يكون من بني سامة الذين مر ذكرهم, وأهل عمان أطلقوا عليه اسم السلطان تشهيرا ببغيه في مثل هذا المقام, وكأنه زعيم من زعماء بني سامة الذين تسلطوا على الأمر, وأما سلطان بغداد الذي يتعلقون به لم يقل أحد إنه جاء عمان, واسم السلطان كبير لا ينبغي إطلاقه على أمير يرجع إلى سلطة غيره من الملوك, وإنما (2/213)
صفحة 491
هو رئيس أو زعيم أمير، أما أسم السلطان فلا تحل له لهنا ولا ينبغي إطلاقه في التاريخ إلاعلى المعروف بالخليفة ذي له النفوذ من غير سلطة علية، ثم وجدت أن قواد جيوش بني العباس سموا أنفسهم باسم السلطان العباسي خليفة، فكان الخليفة فى بيته اسما والسلطان المعنى أهـ.
أما شيوخ القبائل وزعمائهم كما سوف ترى في زعماء بني سلمه, إذا كانوا عائلة تنهارش على ملك عمان وهم يلقبون أنفسهم سلاطين، فيكون في عمان سلاطين عدة في وقت واحد، فهذا وأمثاله لا يليق أن يطلق اسم سلطان إلا من لا يفهم معنى السلطان أو الخليفة أو الإمام، وهكذا فهؤلاء لا عبرة بهم في التاريخ الصحيح، وكل من عبر عنهم باسم السلطان فقد غلط غلطا تاريخيا وأدبيا، كما أن العلماء يميزون مقامات هذه المراتب، فالسلطان والأمير والزعيم والدولة والحكومة ونحوها فى الاصطلاح لكل مرتبة من هذة المراتب عرف خاص بها، ذكر الشيخ أبو إسحاق في مجلة المنهاج فراجعة إن شئت ولا تكتب إلا على مقتضى القواعد الصحيحة وللعلم حقوق يجب أن تراعى، وللاصطلاحات اللغوية والعرفية ونحوها كذلك.
قال الإمام: ثم جاءت القرامطة بعد ذلك وعمر بن محمد في الحياة، ورجعت القرامطة من عمان الى البحرين وهو حي فلم يرجع الى البيت الإمامة.
قال: ثم كان فترة من بعد فى سنين عن عقد الإمامة، ثم عقدوا لمحمد بن يزيد الكندي النازل سمد نزوى وبايعوه على ما بلغنا على (2/214)
صفحة 492
الدفاع، واعتل عليهم بأنه رجل عليه دين فلم يبايعهم على الشرى، قال: ثم إن السلطان تغلب على البلد وهرب محمد بن يزيد، وكأنة بهربه سقطت امامتة 1 وكان فيما قيل للسلطان عسكران: عسكر بالسر وعسكر بالاعتاك أى كان له جيشان، وكأنة جعل عاصمته أرض السر ويأتي نزوى كسائر الملوك المتجولين، وكأنه لم يضغط على أهل نزوى فى عقد الإمامة فإن السلطان اذا جاء تذهب الإمامة كلاشئ حتى اذا خرج برزت الإمامة من مخبئها وأعلنت أمرها، فالذي بيده الحل والعقد هو السلطان أمرة ولا يهوله وجوده، قال: ثم عقد بعد الكندي فى حياته للحكم بن الملا البحرى النازل بسعال.
قال الإمام: قال ابن روح لا نعلم ان إماما كان من أهل القبلة مثله في الضعفة والوهنة، مسلما ولا مجرما قلت كيف لا يكون كذلك وأنتم تعقدون علية والسلطان فى البلاد والأمر إليه، وأنتم إمامته وهو يرضى أن يكون لكم إماما والحال هكذا. فحينئذ الإمام يولى قدر المأمونين ولا يلام الحكم أكثر من لوم أنصاره، قال: ثم إن الحكم بن الملا اعتزل عن الإمامة وأقام السلطان عسكرا بنزوى إلى هذه الغاية. يعنى الوقت الذي هو فيه. قلت: من هذا يظهر أن السلطان لا يزال مع اتفاق لدى الإمام، أن الإمام يكون من طرف حتى اذا تخلى السلطان عن الإمامة أقام السلطان لنزوي عسكرا يحافظون على البلاد، ولكن من الأسف الآسف أنهم لم يسموا واحدا من السلاطين السلفيين واكتفوا على قاعدتهم فى نبزهم لغير الإمام باسم السلطان، والمراد به الأمير الذي لا يتولونه يطلقون (2/215)
صفحة 493
عليه اسم السلطان إعلاما بأنهم غير راضين به، ولكنهم مرغمون علية هكذا المفهوم من تعبيرهم سواء كان سلطانا بكل معنى الكلمة أو كان أميرا مسلطا.
وقال أبو الحواري: نحن نبرأ من أبى سعيد القرمطى ونبرأ ممن شك فيه بعد رجوعه من السوق إلى نزوى. قال: أما عقد إمامته فلا نقول فيه شيئا، وما من بعد رجوعه من نزوى ورجوعه إليها من بعد دخوله في القرامطة فنحن نبرأ منه من بعد ذلك إلى هذا اليوم، وممن تولاه وممن وقف عنه وممن شك فيه. قال: ولا ينبغي لعاقل أن يناظر فى أبى سعيد ولا في عقد إمامته، قال: وإنما كان يشبه لعب الصبيان فمن تكلم في ذلك فينبغي أن يعرض عنه ويمقت ولا يلتفت إليه، قال: وهذا من كلام السفاهة والحمق والضلالة. قال أبو سعيد هذا القول معناه خاص فيمن علم من أبى سعيد ما يستحق بة العداوة وعلم ممن تولاه على ما لا تسعه ولايته عليه، وعلم ممن شك فيه بعد أن علم منه ما لا يسعه الشك فيه عليه.
وقال أبو الحواري: إن عثمان بن محمد بن وائل ويزيد بن حماد السعالى بايعا محمد بن يزيد إماما، وقد كان مع من خرج مع الصلت بن مالك، وكان من أصحاب راشد وكان واليا له على سمائل يعرف ذلك الخاصة والعامة، وقال: يزيد بن حماد وأبو عبد الله النعمان ومحمد بن عبد الله أنهم اجتمعوا في المسجد منهم عثمان بن محمد بن وائل، وأبو عبد الله النعمان، ويزيد بن حماد ومحمد بن عبد الله، ومحمد بن خالد بن يزيد وكتبوا بإمامة محمد بن يزيد إلى الرستاق، وخرج عثمان بن محمد بن وائل، (2/216)
صفحة 494
وعلي بن محمد بن على إلى الاعتاك يدعون إلى نصرة محمد بن يزيد فيما سمعنا. قال: ولأبي المؤثر وأبي قحطان كلام في هؤلاء الأمة، وفيمن بايعهم. قلت: أما قولهم نحن نبرأ من أبى سعيد ونبرأ من أبي سعيد ونبرأ ممن تولاه ونبرا إلى آخر ما جاء عنهم ليس بشيء، وإنما هو أشبه بلعب الصبيان، فإذا برئتم أنتم ومن معكم من أبي سعيد ماذا يضر أبا سعيد، وقد لعب دوره وأنتم الناصبون له، وإن لم تكونوا أنتم بالذات فإخوانكم وأهل مذهبكم وملتكم، ومن تحتجون بهم وتعتمدون عليهم، وهل يكفى القول عن الفعل أم هذا ضرب من الحمق والسفاهة كما تقولون، وهل يليق بالإمامة العظمى كهذا الحال الذي مشوا عليه هنا، وإنه لمن المؤسف وإنا إذ نذكره نريد أن نكشف للناس جد الرجال وهزلهم في الدنيا والدين، وليعلموا أن مرت على أهل مذهبهم هي أشبة بلعب الصبيان أن لم تكن في الحقيقة لعبا خالصا. قال أبو المؤثر: قدموا راشدا يعنى ابن النظر إماما ثانية على غلطه وخطئه، ثم ضللوه وعزلوه، ثم أقاموا الصلت ابن القاسم إماما، ثم قدم عليه حمويه الفاسق ففر عنه ولم يذب عن الحريم، فلما قضى حمويه غشمه وظلمه رجع الصلت إلى موضعه، فأنفذ الأحكام وجبى الصدقات وولى الولاة وصلى الجمعات، إلى أن رجع حمويه ثانية ففر الصلت ابن القاسم فحاصره، فدفع الله شر حمويه فانقلب صاغرا ولم يدخل الجوف.
قال: ففعل الصلت بن القاسم في هذا الحال أحسن من فعلة في المرة الأولى، أي نجرد لحرب حمويه وقاومه في هذه المرة بخلاف المرة الأولى التي لم يفعل فيها شيئا، فلما أحسن في فعله قاموا عليه فبرءوا منه وخلعوه وكتبوا إلى المسلمين كتابا، قال: فالعجب من ذلك أنهم رضوا (2/217)
صفحة 495
به إماما في أسوا فعله، إذ فر أي فر عن الدفاع للظالم حموية، ولم يقاومه وهذا من أقبح الأشياء في الدين، وأوهن سمعة للمسلمين، وأضيع لحقوقه الإمامة عند المؤمنين، قال: وخلعوه وهو محسن إذ الله به شر حمويه عنهم، قال: فهذه عجيبة من العجائب. قلت: وأعجب منها ما يأتي وهو كما يقول عنهم، ثم عادوا عليه فقدموه ثانية، فالعجب منهم ومن الصلت فان يكونوا مخطئين فى عزله وفى خلعه فقد كان لا ينبغي ألا طئا يتخذهم وراءه ولا يؤمنهم على البيعة ولا يقربهم فى مؤازرته إذ خلعوه وهو مصيب وهم مخطئون، وإن يكن الصلت مخطئا فالعجب منهم إذ رجعوا إليه ورده إماما على خطئه، وإن قالوا قد تبيناه واستتبناه فقد اتخذوا دينهم ربا ولهوا ولعبا إذ يظهرون الخطيئة ويبطنون التوبة، فقد عظم ذنبهم على لبسهم الأمور بعضها ببعض، ولبس الحق بالباطل وكتمانهم الحق وهم يلعبون.
فاتفقوا الله يا أهل عمان وارجعوا إلى ربكم يعد الله عليكم، وادخلوا في الباب الذي خرجتم منه، وارجعوا إلى الأصل الذي تفرقتم عنه، ولدين الله الذي لاعوج فيه، وللحق الذي لا باطل معه، وللعدل الذي لا يشوبه الجور، وتعاونوا على البر والتقوى, وكونوا بني الإسلام، وألقوا عنكم العصبية والحمية، ولا تعازوا بالعشائر, أي لا تتداعوا بها، وليكن عزكم بالله، أي الذي هو الأحد الفرد الصمد, وبدينه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ودعوا عنكم اللجاج واخضعوا للحق، وتواضعوا له، وانزلوا للمحدثين حيث أنزلوا أنفسهم، واجتمعوا وتكاتبوا وتداعوا إلى وطء آثار أسلافكم، قال: فإذا اجتمعتم فبايعوا إماما من أحزمكم على الخير وأصبركم على الجهاد، وأبعدكم عزما وأوفاكم على أمر (2/218)
صفحة 496
الله عهدا، ثم انصروه بأموالكم وأنفسكم، فقد تعلمون أنه لم يبق من الجور ولا خصال الشر شئ قد وقع وانبث بين أظهركم، دل عليه قوله: أمراء ظلمة وأجناد غشمة وقطاع الطريق، قد صدوا الناس عن أسفارهم و قضاء حوائجهم، أي خوفوهم فلم يخرجوا لأعمالهم، قال فساق القرى قد استطالوا على الناس، فيسفكون دمائهم ويغصبون أموالهم، ويروعونهم في منازلهم.
قال: ثم داهية هي أعظم وأفحش كفرا قوم يدعون إلى تكذيب رسول الله صلى الله علية وآله وسلم، يعنى القرامطة، يدعون إلى تحريف أي القرآن، لم يمكنهم إبقاء التأويل والتنزيل معا فجعلوا يبطلون التأويل ويحرفون الكلم عن مواضعه, لأنهم متى حرفوا تأويله وسموه بما لم يسمه به الله, قصدوا إلى إبطال تنزيله وفي الحق عليكم أن تدعوا ذلك وتتفرغوا لدينكم أحسابكم, لأنهم يستحلون فيما بلغنا قتل الأطفال وسبي الحرم, ويضربون الأمثال في ذلك ويقولون: إذا قتلت العقرب فلك أن تقتل أولادها, ويتأولون دعوة نوح عليه السلام على قومه وهي قوله: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّارا) 35يقصدون في أهه الحفار ومن يستحل أكل أموال الناس بالباطل بغير دين, فكيف إذا منوهم بالخلود, ووعدوهم استباحة القرى, فالله الله قبل أن تنزل بكم العقوبة, فليجتمع منكم عشرون رجلا إلى هؤلاء القوم فأدعوهم وأجيبوهم, ولا تأمنوا أن يجمعوا عليكم الأعراب اللصوص قطاع الطرق, ثم يبيتوا على قرية من قراكم فيستبيحوكم يغلظ جمعهم بالفساق, ثم يعسر عليكم دفعهم فأدركوا (2/219)
صفحة 497
قبل أن يفوتكم الأمر تندموا على ما فاتكم وقد أعذرنا اليكم ونصحناكم والله يشهد على ما نقول ويقولون.
وقال أبو قحطان: رجعوا إلى راشد يعنى ابن النضر بعد أن كان فى السجن خليعا مقيدا محبوسا أسيرا فعقدوا له إماما وقصروا الجمعة أي صلوا وراءه ركعتين، ولا تصلى الجمعة في نزوى إلا خلف أئمة العدل، وإلا كان الواجب عليهم أربعا فاستحلوا قصر لأربع ركعتين، قال: وجبوا الزكاة أي والزكاة لا تحل إلا للإمام العدل قال: وباع راشد الصوافي، قلت: لم نعلم بعمان صوافي قبل تغريق أموال بنى نبهان الذين ظلموا عباد الله، وسلبوا الأموال من غير حلها، وعمان أسلمت طوعوا فلم تكن يوما من الأيام صافية، فإن الصوافي هي جمع صافية وهى ما استصفاه الإمام من الغنيمة، ومنه اشتق لها اسم الصافية والمراد بها عند الفقهاء أموال الكفار الذين جلوا عنها وغنمها المسلمون كخيبر ومثالها، أما عمان لم تكن يوما من الأيام صافية الا أموال بنى نبهان الذين ظلموا أهل عمان أموالهم وأملاكهم، وأخذوا ما ليس لهم وأملاكهم، وأخذوا ما ليس لهم بحق فرأى هداة الحق ظلهم ولم يستطيعوا رد كل شئ إلى أهله، فأشكل عليهم ذلك غاية الإشكال، فلما أشكل جعلوا المشكل كمجهول الأرباب أمره إلى الإمام يضعه حيث يرى له وجها يسوغ وضعه فيه، فتكون مصلحته عامه فى المسلمين وما عمت مصلحته كثر أجره، ولا يكلف الله نفسا فوق طاقتها وأين يدرك ذلك إذا تعددت المظالم بتعدد الظلمة، ولو لم تتعدد الظلمة بل كان الظالم واحدا وتعدد ظلماه كما إذ طال عمره وهو ظالم، فمن أين يستطاع رد ما كسب إلى أهله والحال هذا؟ كما إذا جعل على الناس المكوس والضرائب المتنوعة في الأسواق وفى الجبايات، فما (2/220)
صفحة 498
تحصل من هذا الوجه أمر عظيم، لو شئنا لذكرناه عن أناس رأيناهم في حياتنا ورأينا فعلهم، والله سائلهم عما كسبوا.
قال أبو قحطان: وباع راشد الصوافي أي وأكثر أهل العلم لا يجيزون بيعها، ومن أجاز بيعها لصلاح دولة المسلمين رأى أن تقويم أمر المسلمين أولى من ضياعه وتبقى الصوافى مكانها مع ضياع أمر الدين، ويخشى على الحوزة من البغاة أو يخشى على الدين من الطغاة، فإن للإمام أن يجبر الأمة على الدفاع عن حوزتهم واستباحة حماهم بمالهم وأنفسهم كما صح ذلك نقلا وعقلا، ويبسط ذلك لا يسعه المقام فنكله إلى محله، ولكل مقام مقال.
قال أبو قحطان: لما ذكر أن راشدا باع الصوافى ولم ينكروا عليه بيعها، قال ثم خذلوه وتركوه، ثم خلعوا معه الإمامة وفرضها وما أوجب الله تعالى فيها على أهلها لعبا ولهوا كلما أرادوا صافقوا رجلا ببيعة، ثم خذلوه حتى بايعوا ست عشرة بيعة أو أكثر، لم يفوا لله بواحدة ولا ساروا بحق الإمامة ولا اتبعوهم، ولا من قدموه فى بيعتهم سبيل الأسلاف من المسلمين، قال: بايعوا راشد بن النظر بيعتين، بايعوا عزان بن تميم، وبايعوا الصلت بن القاسم بيعتين، وبايعوا الحواري بن عبد الله، وبايعوا أبا سعيد القرمطى، وبايعوا محمد بن الحسن، وبايعوا الحسن بن سعيد، وبايعوا الحواري بن مطرف بيعتين، وباعوا عمر بن محمد بن مطرف. قال: وبايعوا محمد بن يزيد، وبايعوا الحكم بن ملا بيعتين، وبايعوا عزان بن الهزبر. قال: ولم نكتب بيعتهم أولا فأولا أى على الترتيب، وكان ينبغي ذلك وهو من حق التاريخ حتى يعلم من يأتي الأسبق من هؤلاء الأئمة، ويعلم العلل والأسباب في العقد والعزل ونحو ذلك، قال: وإنما سميناهم، قال: وعزان بن الهزبر كانت بيعه قبل بيعة الحكم بن (2/221)
صفحة 499
الملا وغيرة. قال: فأما عزان فلم تقم علية فى بيعته أكثر من أنه لما ولى الأمر لم يظهر دعوة المسلمين، ولم يظهر دينه للناس، وكان من أهل دينه، وممن يخالفه فى عسكره مجتمعين على غير بيان والحق واحد، فدل ذلك على وجود ناس من غير أهل المذهب، والمسلمون ولم يقبلوا من عمر بن عبد العزيز الأموي، وقد كانت سيرته محمودة معهم، إلا أن يظهر دين المسلمين، ولم يقبلوا منه غير تبع للأول.
قال العلامة أبو إسحاق: لم يقبلوا من عمر بن عبد العزيز حين وفد عليه وفد من أصحابنا رحمهم الله، وفاوضوه في أمر الأمة، وما تركة خلفاء الأمويين من المظالم وبينوا له ما هم عليه من الحق، وكلموه في فتنة الصحابة التي هي الأصل في تشعب الأمة، فقبل منهم كل شيء ووافقهم على كل شيء إلا مسألة الصحابة، فكان راية السكوت عنها أي لما ورد من النهى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنها: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا0 الحديث، فقالوا له: يجب عليك إظهار الحق وإعلانه ودفعة واحدة، فقال لهم: لكم يوم على أن أحيي كل يوم سنة أي من سنن الرسول، والمراد بها السنن التي عارضها بنو أمية، وقضوا عليها وخالفوا فيها سبيل المسلمين واتبعوا أهواءهم بغير برهان من الله عز وجل، قال: وأميت كل يوم بدع من البدع التي ابتدعها الذكورين، وأرد الأمور على قواعدها برق السياسية، أما إعلان الحق مرة واحدة فلا لأني أخشى أن تنتقض الأمور وتنفض الأمة، وكان الوفد شديدا عليه، أي أن المسلمين كانوا أشداء على الحق، كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز، قال أبو إسحاق: وكان الوفد شديدا عليه في المسألة والتي قبلها أي إعلان الحق دفعة واحدة، وأمانة البدع وأحياء السنن كذلك، قال: ولكنهم (2/222)
صفحة 500
متفقون معه فيما سوى ذلك، والظاهر أنهم على نهج واحد، إلا أن الذي خالف بينهم، فإن عمر بن عبد العزيز يريد استعمال السياسة والوفد يرى أن الإمام العدل لا تسعة التقية. قال وعلى أثر ذلك الحال الذي جرت فيه المحادثة أبطل شتم علي بن أبي طالب على المنابر، وليس ذلك الأبطال بالهين، إذا كان راسخا في الأذهان الأضداد، أنه عندهم من السنة التي ينشأ عليها الكبير كما حققناه تماما، في العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة، فكانت تلك أول صدمة عرفها أعداء الحق، قال: وجعل بدل ذلك الآية الشهيرة العظيمة في بابها الفذة في أترابها، الجامعة كل خير، الناهية عن كل شر، وهي قوله تعالى: (إنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) 36، وأراد أمير المؤمنين عمر بإيراد هذه الآية هنا الرد على أفعال القوم وأبطال أعمالهم، والمعنى أن الله يأمر بهذه الأوامر، وينهى عن هذه المناهي التي أنتم واقعون فيها والراكبون على متنها بغير مبالاة، فإن الله يأمر بالعدل وهو المساواة بين الناس في الحق، ويأمر بالإحسان، وهو استحضار عظمة ذي الجلال، فإن من استحضر عظمة ربة امتنع أن يركب الباطل كما أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم، بقوله: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه يراك. أي وأعلم أن رؤيته مستحيلة، وإنما أراد الاستحضار أي إذا تحققت أنك لا تراه فلا تحقق أنه لا يراك بل المراد العكس، وهو أن تستحضر في نفسك أنه يراك، فإذا استحضرت ذلك تباعدت عن المناهي كلها، وهو واجب المسلم وبقية الآية دليل واضح في الرد على أهل الضلال، وتلك المعاني كلها أرادها أمير المؤمنين الأموي العبد الصلح. (2/223)
صفحة 501
قال: وإذا جاز لعزان الإمساك جاز لغيره، قال: وقولنا فيه قول المسلمين، قال: ثم نعت الناصين لهم، أي لأولئك الأئمة الذين مر ذكرهم بأنهم ممن غير أثر السلف الصالح، واتخذوا رأيهم وهو أهم دينا ويقدمون رجلا ويسمونه بالإمامة، ويقصرون الصلاة خلفه ويجيبون الزكاة والجزية، حتى إذا خرج عليه وعليهم العدو خذلوه، وأقام من أقام منهم مع من خرج عليه من الأجناد يحث في إصلاح البلاد والقيام بالخراج، وعدد الأموال حتى إذا خرج السلطان قدموه أو غيره إماما، وخطبوا له الخطب، ودعوا له بالإمامة، وقصروا الصلاة يعني الجمعة وجبوا الزكاة، قال: فهم يخافون الجائر على الرعية يجبونهم، فالسلطان يجبي حينا وهم يجبون حينا، فقد اجتمعت جابيتان جبايتهم وجباية الأجناد في أيام الحواري ابن مطرف، قال: وما نعرف هذا من آثار الأسلاف، قلت: في هذا وما سبق من التأنيب والتوبيخ والند لأعمالهم، والرد عليهم بفحوى الخطاب، وقطع عذرهم بعدهم وجود هذا في آثار المسلمين وعدم الرضا به من المؤمنين, وقد علمت أنه لا جباية بلا حماية, وأين الحماية هنا وهم تحت سيطرة السلطان الذي يشيرون إليه في هذه المواضع المراد به الزعيم السامي القائم بالأمر في عمان من طرف الخليفة متسيطرا به على الأمة, راكبا به على ظهرها يفعل ما يهوى, ويحكم بما يملى عليه الهوى, قال: وفي آثار أسلافنا أنهم قالوا ولا نجبى جزية ولا صدقة, حتى نكون على الناس حكاما ولا نبعث جباتنا يجبون أرضا لم نحملها ولم يجر فيها حكمنا, ولا نمنع من جبينا من الظلم والعدوان, قال: بهذا ندين ومن خالف المسلمين برئنا منه انتهى تلخيص ما أردنا نقله من كلام أبي المؤثر رحمه الله, وأبي قحطان رضي الله عنه. (2/224)
صفحة 502
قال الإمام رحمه الله: وفيه من النقد ما فيه, والله أعلم بحال أولئك الأئمة وبحال أولئك العاقدين, وكلام أبي الحواري ومحمد بن روح أهون حالا من قولهما, وما غاب علمه لم يلزمنا حكمه أهـ من تحفة الإمام رحمه الله. وهؤلاء الأئمة الذين مر عليك ذكرهم, وما كان من أمرهم وأمر القائمين ببيعهم, والمناصرين لهم والخاذلين إياهم, وما في ذلك الجو المظلم من ذلك من الإضاعة, وما في تلك الأئمة من الضعف كما عبرنا عن إمامتهم بالإمامة المستضعفة, احتماء لجانب الحق, وتجنبا لما لا نعلم له دليلا, ولكنا ما نقول رعاية لجانب الذين يطلعون على الحقائق في عمان, ومن يفهمون القضايا الشرعية, فإذا اطلعوا على ما سطر هنا حارت أذهانهم في تصوير الواقع, وربما سخروا مما رأوه وسمعوا عن أعمال المذهب الذي نحن نفتخر به وندعو إليه, ونقول: إنه المذهب الطاهر النزيه, بعلمائه الأبرار الذين لا يرضون شيئا يخالف القواعد الشرعية, وإذا بهم ينصبون إماما ثم يخلعونه ويقومون إلى آخر فيبايعونه, ثم يتركونه ويعودون للأول من غير أن يذكروا له ذنبا, ومنهم من ذكروا له ذنبا بل ذنوبا, ثم عادوا عليه وهو في أسرهم وقيودهم, ثم يبايعونه مرة ولم يظهروا له توبة عما قيدوه من أجله, وكيف يليق للإمامة من كان بالأمس في القيود معاقبا, ويصبح اليوم إماما فيقولون المقيد بالأمس, قد أصبح إماما وهكذا, فهذا أمر ما سمعنا بمثله في أمة من أمم العالم الإسلامي, بل ولا غيره, وليس الدين ألعوبة ولا الإمامة ملهى يتلهون به, وإنما هي عهود الله ومواثيقه وعقوده التي أمر بالوفاء بها, والإمامة لا تقوم إلا بالحق, ولا تنشد إلا الحق وحكم القرآن فيها ثابت, ومن (2/225)
صفحة 503
الستة كذلك من تلاعب بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام, فقد خان الله ولعب بالحق بمقتضى هواه, ومن حيث لا علم لنا عما مشى عليه القوم, فنحسن الظن بأهل الحق, ونكل ما سمعناه إلى الله عز وجل وإنها لإمامة مستضعفة فقدت أنصارها رجال الله, وليتها لم تكن وهي على ذلك الحال السيئ الذي أشبه بلعب الصبيان, فكان السلطان في عمان هو المسيطر عليها وهؤلاء ينصبون الأئمة ويبايعونهم, وإذا جاء السلطان دخل الإمام بيته, واختفى فيه حتى إذا خرج هذا السلطان من نفس البلد التي فيها الإمام, برز الإمام وينادى بإمامته.
أيفعل هذا عاقل؟ أيقول به من له في معنى الرجولة؟ أيرضى به من في قلبه مثقال ذرة من إيمان؟ فكانت عمان على هذا الحال فوق أربعين سنة قضاها الله على أهل عمان خذلان؟ نعوذ بالله من مثل هذه الأحوال الواهية المستضعفة, وكان هذا والخلافة إلى الله ابن المعتز الذي توفى سنة 29 تسع وعشرين هـ.
وهؤلاء من أواخر آل العباس الذين شهروا بالتلاعب, فكان هذا الحال عم الأمراء في ذلك الوقت, وانتشرت الفوضى في أغلب أقطار الإسلام, فمن راعى التاريخ رأى ذلك صحيحا في جميع بلاد الإسلام, ولا يسع مقامنا لذكر ما علمناه في هذا العهد مشرقا ومغربا, وفيه بدأت أرواح النصرانية تتحرك لها وتأمل من رد الكرة على المسلمين والقضاء عليهم. (2/226)
صفحة 504
إمامة الإمام الرضي المرضى سعيد بن عبد الله الرحيلي
كان آل الرحيل بصحار عيونها الباصرة وأنجمها الزاهرة وحجتها القاهرة, لا لكونهم قرشيين بل لكونهم علماء الملة والدين, كان محبوب ابن الرحيل بن يوسف بن هبيرة بن أبي وهب بن عمر بن عائذ بن عمران ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب, كما في رعاية الأحساب, سيدا من سادات المسلمين ووليا من أولياء الملة والدين, وكان هو المعروف بأبي سفيان, وولدم محمد بن محبوب أكبر علماء المسلمين في عهده وأولاده عبد الله وبشير ومجبر, ونجالهمهم في ذلك الوقت أعمدة المذهب الإباضي, وهداة الأمة وحجة الله على عباده, ومحمد بن محبوب هو المعروف في الأثر المشرقي عند الإطلاق بأبي عبد الله, وعبد الله هذا المكني به هو والد الإمام سعيد الذي نريد أن نتحدث عنه في هذا التاريخ العماني.
وقد علمت لمحة عن هؤلاء القادة الأجلاء والسادة الأعزاء, الذين هم حجة الله في أرضه, وصحار إذ ذاك مهدهم العزيز وموطنهم المحروس, وهم أركان العدالة في عمان, وفقهاء المذهب الإباضي على الإطلاق, فكانت عائلة آل الرحيل لها المقام المرموق بن أعلام المسلمين, ولم, تكن عائلة تماثلهم في عمان, اللهم إلا إن كانت عائلة آل مدام وهم قوم من التعب من قضاعة, وعائلة الشيخ صالح وذراريه, وعندي أن عائلة آل الرحيل هم المقدمون لأحوال ليس هذا محل بسطها.
الإمام هو: السعيد بن عبد الله بن محمد, وبقية النسب قدمناها كما هي في الإسعاف, وفي رعاية الأحساب, وكلاهما والحمد لله لنا. (2/227)
صفحة 505
قال الإمام: وسيف بن هبيرة هو فارس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قلت: لم أجده في عداد الصحابة حتى أذكره وعلى كل حال إن قومنا لا يذكرون من كان من رجالنا إلا شبه الغلط, وإن كان الصحابة هم لم يضافوا إلى مذهب خاص إلا أن سيف هذا سيكون أصل قادة أجلاء بعمان, وفي مذهب ابن أباض رحمهم الله ورضي عنهم, قال الإمام: بايعه المسلمون يعنى سعيد بن عبد الله الرحيلي. بعد تلك البلايا والمحن, وأشار بذلك إلى ما سبق لنا ذكره من أيام القرامطة وسلاطين آل سامة بن لؤي بن غالب, وما اكتنف ذلك الجو من الاضطراب, قال وجمع الله الشمل به وأرواح به العباد, وأحيا به البلاد, أي ورد به على المسلمين عزتهم ونشر به دعوتهم, وأقام به حجتهم وأيد به المذهب, وقوى به الإسلام, قال الأمام: لم أجد في شئ من السير تاريخا لوقت بيعته غير أن ظاهر لحال يدل على أن بيعته كانت في سنة 320_ العشرين وثلاثمائة قال: وذلك أنى وجدت أن أهل عمان بقوا في هوان من الجبابرة أربعين سنة, وذلك بعد وقعة ابن بور, قال وكانت الوقعة في سنة 280 ثمانين ومائتين, قال: فتتم الأربعون بدخول العشرين بعد الثلاثمائة, قلت: ويستفاد من ذلك أن أعل عمان في ذلك العهد تمدد أمراؤها فلعلهم كانوا كل أمير على جهة كما سيأتي في أيام بني نبهان, وفي أيامنا هذه.
فعمان في أكثر من عشر إمارات كل إمارة مستقلة عن الأخرى, فأرت ذلك الحال المشار إليه شبيها بالحال الذي نحن فيه, وإن اختلفت الأسباب. قال الإمام: وأول من عقد إليه البيعة أو قال عقد له الإمامة هو أبو محمد الحواري بن عثمان, ثم أبو محمد عبد الله بن محمد لبن أبي المؤثر, ثم محمد بن محمد بن زائدة السمائلي, هؤلاء الثلاثة الفحاطل (2/228)
صفحة 506
الذين قاموا بعقد البيعة للإمام سعيد بن عبد الله ابن محمد بن محبوب رحمهم الله ورضي عنهم, إذ قاموا بتجديد الملة بعد اندراسها, وبتأييد الشريعة في مهدها الإسلامي في ذلك العهد المعصوب بالجور, المملوء بالظلم المحاط بنوايا السوء, ومن قام في مثل هذا العهد أنه ليعد من أولي العزم في الدين, وكان الإمام سعيد بن عبد الله رحمه الله كما قال فيه رجال الدين.
قال الإمام: وسعيد بن عبد الله ممن أجمع المسلمون على ولايته وإمامته, فلم يطعن فيه طاعن ولم يقدم يقدح في سيرته قادح, قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر: إن بيعة الإمام أبي القاسم سعيد بن عبد الله جرت على الدفاع لا على الشراء. قلت: ذلك لأن الجور والظلم والفوضى أحاطت بعمان من كل جانب, فكان غاية الأهل في ذلك الحال الدفاع عن البيضة, وحماية الحوزة من هجوم الأعداء ومطاردتهم عنها, حتى إذا قوى أمر المسلمين وظهر أمرهم واشتدت وطأتهم أمكنهم كل شئ, وعلى العاقل ألا يقفز قفاه يكون فيها هلاكه, بل يمشي رويدا رويدا حتى إذا رأى الطريق سويا والنشاط في تقدم أمكنه ما أراد, وما جعل الله السمع البصر في الإنسان سدى, وإنما جعلهما رشدا له وهدى.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر رحمه الله كان يثنى عليه أي الإمام سعيد بن عبد الله في العلم ما لا يبلغ الواصف إلى غاية صفته, وقال محمد بن روح: كان الإمام سعيد بن عبد الله أعلم الجماعة الذين كانوا معه, قال أبو سعيد رحمه الله: وقد كان معه أبو محمد الحواري عثمان, وكان هذا تنويها بشأن المذكور. قال: وعبد الله بن محمد, (2/229)
صفحة 507
ومحمد بن الحسن, ومحمد بن زائدة مع نفر لا ينكر فضلهم في الدار, ولا يجهل عدلهم, ولهذا تأييد للإمام يذكر هؤلاء الأعلام الأماجد الذي أقام بهم صرح الإمامة الرحيلية في ذلك العهد بعد ما كان التلاعب بالحقائق المفروضة, والأعمال المشروعة, على غير روية في مذهب المسلمين, وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر رحمه الله: لا نعلم في أئمة المسلمين كلهم بعمان أفضل من سعيد بن أبي بكر: إن الإمام سعيد بن عبد الله أفضل من الإمام الجلندى بنت مسعود رحمهم الله تعالى.
قال أبو سعيد: ومن أحقه بذلك فإنه كان إماما عادلا صحيح الإمامة من أهل الاستقامة, عالما في زمانه, لعله يفوق في العلم أهل أوانه أو كثيرا منهم, ومع ذلك قتل شهيدا رحمه الله وغفر له ونحوه. قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر: إلا أنه وقف في تفضيله على الجلندى, قال الإمام, قلت: ولا أعدل بالجلندى إماما في عمان, فإنه قد جمع الصفات الثلاث العلم والعدل والشهادة مع ما جمع الله له من الصفات التي لا تكاد توجد في غيره قلت: يشير الإمام رحمه الله إلى ما كان للجلندى بن مسعود من المنصب الرفيع, إذا كان من ذرية أولئك الملوك الإجلاء الذين أسلم أهل عمان على أيديهم, وكون الإمام الجلندى الدعامة الأولى للإمامة العمانية, والزعامة الإباضية في عمان, وللسابق فضيلة السبق, وأول الأمور_ هو الذي يكون حجر الأساس لما بعده, مع عفة وزهد وورع إلى أقصى حد, فرحم الله تلك الأنفس الطاهرة, ورضي الله عن أولئك الرجال البررة الهداة الخيرة, أئمة المسلمين أعمدة الحق والدين (2/230)
صفحة 508
قال أبو سعيد فتظاهرت الأمور معنا من أهل الدار ممن ينتحل نحلة الحق على الإجماع عن ولاية الإمام سعيد بن عبد الله رحمه الله, وهو ولينا وإمامنا إن شاء الله, هذه صفات هذا الإمام وتلك منزلته في قومه وأمته, فقد أعرب مقال هؤلاء العلماء عن حقيقة إمامهم, ومنه يعرف شرفه ودينه, وقد عرفت مقام آباؤه الغر الميامين هم جبهة الرجال في أيامهم, وعيون الأخيار في زمانهم, وكان قد تولى الأمر في عمان يوسف وجيه وهو أحد الغزاة لعمان, وأحد البغاة عليها وأحد العتاة فيها, وهؤلاء كلهم أعمدة جور أمراء ظلم تسلطوا على عمان ببني العباس, الذين أصبحوا كرة يتلاعب بها قواد الجيوش, حتى أصبحوا يضعون عليهم اسم السلطنة وعلى أنفسهم اسم الخلافة ويرون أن اسم الخليفة أجل من السلطان, بل تستروا بذلك لأمر ما. (2/231)
صفحة 509
القتال بين الإمام سعيد بن عبد الله وأهل الجور في عمان
لا يخفى أن الجور والظلم من طباع البشر, والظلم من شيم النفوس, فإن تجد ذاعفة فلعله لا يظلم, ولولا ذلك لما احتاج الأمر إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب وركوب مصاعب الجهاد في الأمم, ولله في كل ذلك حكمة بل حكم وأسرار ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
ومن ذلك أن يوسف بن رجيه كان أميرا على عمان, ولعل أمراء بني سامة كانوا السبب في تأميره وهم أعضاد جيشه وأركان إمارته, وكان أميرا مسلطا على بعض أنحاء على أثر ذلك الخلاف والشقاق في نصب الأئمة وعزلهم, وكان الإمام سعيد بن عبد الله والسلطان المذكور على حال عداء حار.
قال وكان قد ملك ناحية من عمان, وكان معاصرا للإمام سعيد ابن عبد الله رضي الله عنه, وكان للإمام معه حروب, وقد أنخمد أمره أيام الإمام سعيد بن عبد الله, وظهر الحق عليه, وإنما ظهر بعد قتل الإمام رحمه الله, وكان قتله في سنة 328 ثمان وعشرين وثلاثمائة, ولكن التاريخ العماني لا يزال رهن الاضطراب, لأن أهله أهملوه وأضاعوه, وما جعلوا له قيمة وليتهم لم يفعلوا ذلك. فإن الله العزيز الحكيم الذي لا تغيب عليه غائبة, ولا تفوته هاربة, يكتب كل شئ لا حاجة إلى ذلك تعالى الله علوا كبيرا, وإنما أقل ما فيه أن يكون حجة على صاحبه وبرهانا على راكبه, واعتبارا بأهله ومداولة الأيام ذكرها الله عز وجل اعتبارا (2/232)
صفحة 510
لعباده, لكنا نحن أهملنا ولذلك ترى الإمام السالمي رحمه الله يذكر إمامة سعيد بن عبد الله, ثم يذكر بعدها إمامة الإمام راشد بن الوليد, ثم خروج سلطان الجور على المذكور, ولا يسمى هذا السلطان باسم ولا يذكر له قبيلة ولا عشيرة ولا موطنا, ثم عقد بابا لذكر الجبابرة الذين تولوا عمان في الزمان الأول, وذكر في هذا المقام يوسف بن وجيه في صحيفة 231 إحدى وثلاثين ومائتين, والواقع أن يوسف بن وجيه هذا هو الذي حار به الإمام سعيد بن عبد الله, وسعيد ابن عبد الله هذا قامت إمامته في سنة 320_ العشرين وثلاثمائة وانتهت سنة 328 ثمان وعشرين وثلاثمائة, والجبابرة الذين ذكرهم نقلا عن ابن خلدون لم يكونوا في هذه المدة, بل كان قبلها من قدمنا ذكره وكان بعدها بكثير غزاة لعمان احتلوها, وسيطروا عليها, وتسلطنوا فيها, وذكر إمامة راشد بن الوليد, ثم ذكر خروج سلطان الجور على الإمام راشد, وذكر ما كان بينهما وأن هذا السلطان من عمان بني العباس, وعلى كل حال إن بني العباس لم يجعلوا أحدا سلطانا على منطقة من المناطق الإسلامية, وإنما يقولون عامل أو أمير أو وال, أما السلطان فلا يطلقونه لأحد من عالهم ولا يسمحون به ولا باسم خليفة المسلمين, بل ذلك لهم خاصة إلا أنه لما ضعفت الدولة وسيطر عليها القواد, وتولوا الأمر علهم لقبوهم بالسلاطين, وأبقوا لهم اسم الخلافة وهو ظاهر في تاريخهم, اللهم إلا أن يكون هذا السلطان من بني سامة, وأن بني العباس هم الذين يشدون عضده ويؤيدون أزره, ويقومون أمره لتعلقه بهم واعتماده عليهم, كما عرفت ذلك عنهم, وهذا هو الأشبه, إلا أن من المؤسف أنهم لم يذكروا أسماء هؤلاء السلاطين, بغضا لهم ومعاداة دينية لهم, وذكر أن عمان كانت في عهدهم دار كفر ونفاق, نظرا إلى أن السلطة (2/233)
صفحة 511
صارت إليهم وهم على غير المذهب, والنظر في هذا على الحاكم فان كان الحاكم كافرا كانت البلاد دار كفر نظرا إلى السلطة في الحكم, ولو كان أهلها مسلمين, وإن كان الحاكم مسلما كانت الدار تعتبر دار إسلام, ولو كان أهلها كفارا, فلما كانت عمان أيام هؤلاء السلاطين الظلمة المخالفين لمذهب المسلمين, وكانت الدار تحت سيطرتهم, وكانوا هم الحكام فيها وأملاهم الجاري عليها, وسلطنتهم النافذة فيها, اعتبروها دار كفر ونفاق, لأن الحكام كانوا مسلمين لكنهم على غير المذهب القويم, ثم ذكر القرامطة وذكر بني مكرم, وأنهم صاروا سلاطين عمان, فأقول: إما أن يكون أمر هؤلاء الذين يسميهم أهل عمان سلاطين قواد جيوش الأعداء, وأركان حربهم فيتولون البلاد إذ يغلبوا على أهلها فيطلق عليهم أهل عمان اسم السلاطين, تنديدا بهم كما هي قاعدة المذهب الإباضي, وهي أن المسلمين هم الذين يتولون انتخاب الإمام فينتخبون المرضى دينا وعلما وإيمانا وتقوى وزهدا وورعا فيبايعونه على حكم كتاب الله عز وجل, وعلى سنة نبيه عليه الصلاة والسلام, وعلى نهج الخلفاء الراشدين, وإلا كان عندهم سلطانا, وإطلاق لفظ السلطان يثبت عندهم البراءة ويوجب التباعد وعدم الطاعة, ويوجب حربه إن قدر عله ولا يكفى كونه من أهل المذهب للقبول منه والرضا به, وهو على هذا الحال, هذا هو مذهب المسلمين, ولذلك تراهم يطلقون لفظ السلطان على من كان بهذه الصفة أو كان أيضا إماما انتخابيا ثم جار في الحكم وحاد عن الطريق, ومشى كما يهوى وفعل ما يرضى, وإن خالف الحق, ولذلك لم يرضوا عثمان بن عفان وقاموا عليه إلى أن آل الأمر إلى قتله كما ذلك المسلمون, ولولا ذلك لكان كل من يده إلى السلطة كان مرضيا أو كان إماما لكان الحجاج إماما, أو ملوك بني العباس فافهم, ولما (2/234)
صفحة 512
قام أمر الإمام سعيد بن عبد الله خرج عليه يوسف بن وحيه, فملك جانبا من ملك عمان, ولعله قيض على أرض السر من الظاهرة, وعلى البريمى من غرب عمان, إذ كان أكثر الغزاة لعمان يأتون من ذلك الجانب من مضى ومن يأتي, لأن في شرق عمان يقطع البحر بين الغازي وبين أهل عمان, ومن جنوب عمان أرض قاحلة ولا أنيس بها ولا عمارة فيها, فكان الغزاة دائما سواء كانوا سياسيين أو عسكريين, يأتون عمان من ذلك الجانب, وكأن يوسف بن وجيه قد تغلغل في عمان, ولعله أيام ضياع العمانيين وغفلتهم عن المملكة العمانية, فان الذئب له صولة عند غفلة الراعي, ولكن أذل الله يوسف بن وجيه بالإمام الرحيلي النزيه, فانه سحب جيشه على نزوى فالتقاه الإمام بها وتواقعوا, فأذل الله الإمام والأنصار, وخرج يوسف من نزوى خاضعا لسطوة الإمام رافعا يده عن بلاد المسلمين, مذعنا للأوامر غير معارض للإمام وكان الإمام على نهاية حدود النزاهة, والوقوف على أوامر الإسلام, فإن يوسف ضرب معسكره في نزوي, ولما هاجمه جيش الإمام خرج هاربا من البيت الذي كان يؤويه, فيقال أن حلقة رز باب فقدت من معسكر السلطان, فاتهم بها رجل من جند الإمام فعاقبه الإمام حتى ردت الحلقة إلى أهلها, ولم يجسر أحد من جند الإمام أو غيرهم أن يأخذ أدنى شئ من أموال هذا السلطان خوفا من عقاب الإمام, حتى شاع وذاع بين أهل عمان ذلك, وحتى قال من قال من أهل الباطل إن الإمام وجيشه حفظة لأموال الأعداء, خير لهم من أن يكون منتهبين لها ظالمين لأنفسهم فيها عاملين بما لا يرضاه الله منهم, ولا فعله رجال الحق فيهم, والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال. (2/235)
صفحة 513
وهذا كتاب من الإمام سعيد بن عبد الله إلى يوسف بن وجيه, ينصحه فيه ويذكر له فيها حسن حال المسلمين في السلم والحرب, وأنهم لا يتزعزعون عن واجبات دينهم ولا يطمعون في أموال أهل قبلتهم, ما داموا يعترفوا بأوامر الإسلام ويشهدون بمقتضى الشهادتين, ويستقبلون قبلة المسلمين ويصومون ويحجون, ولم يصارحوا برد شئ من أوامر الله عز وجل, وبين له جهة النصح والتهديد له القواعد في الإسلام والواجبات في الحلال والحرام قال فيه:
من إمام المسلمين سعيد بن عبد الله ومن قبله من المسلمين, إلى يوسف ابن وجيه وأن في شأننا وشأنك لعجب لحلقة حديد في رز باب اتهم بها رجل من المسلمين, أو قال من الرعية عندنا أنه قلعها من معسكر أصحابك بنزوى, فحسبنا الذي اتهم بها لأنا نستحل حبس أهل التهم على قدر استحقاقهم في حكم المسلمين, وقلنا للناس جهرا على رؤوس الملأ أن أموال أهل القبلة علينا حرام كحرمة أموالنا على بعضنا بعض, وحجرنا على الناس التعرض لأشيائكم تما دق منها وما جل, حتى قال من لا علم له بأصول الدين إنكم الآن حفظة للجند على أموالهم, أي حيث لا تتركون جيشكم ينتهبها كما ينهبها جيشهم, قال ومن ذلك الحبوب التي جمعت في الأمصار التي استولينا عليها, وجرى حكمنا عليها, أي على الأمصار المشار إليها, وهذا يدل أن يوسف بن وجيه امتد له سلطان في عمان حتى جبي, قال: لما علم الناس منا أنا لا نستحل شيئا ولا نقار أحدا على معصية الله كائنا من كان من الناس منعهم ذلك من التعرض لأشياعكم _ كلها أي منعتهم هبية الحق إذ أيقنوا أن أخذوا شيئا منها يعاقبون على ما أخذوا قال: فلم يتعرضوا لأشياعكم التي كانت بجوارنا كلها من بلداتنا ولولا خوف العقوبة منا (2/236)
صفحة 514
لانتهب ذلك بأيسر مؤنة, والمعنى أن أهل البغي معنا مقهورون عن ارتكاب ما حرم الله, وفي كل أمة بغاة وأهل انتهاب وأهل ظلم شأن أهل الدنيا وأهل المطامع. قال: ولم يكن أي ذلك المنع الذي منعناه تقربا إليك ولا ابتغاء وسيلة منا إليك, ولكنا اتبعنا في ذلك كتاب الله وآثار أسلافنا, أي في تحريم أموال أهل القبلة كما نادى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن أموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا. حديث.
قال الإمام: ومن هذا الكتاب. قال: وحاربناك محاربة المسلمين, لأهل البغي حتى تفئ إلى أمر الله, أي أنت باغ من بغاة المسلمين, وحرب البغاة منصوص عليه في الكتاب العزيز نصا صريحا, قال حتى تفئ إلى أمر الله, لا نهاية لذلك عندنا أو تفنى روحك أو أرواحنا على إحياء الحق وأماته الباطل إن شاء الله, قال: ولا نستحل منك مالا ولا نسبي لك عيالا, ولا ننسف لك دارا ولا نعقر لك نخلا, ولا نعضد لك شجرا ولا نستحل منك حراما, ولا نجهز على جريح ولا نقتل موليا تائبا, ولا مستأمنا إلينا ولا نغنم ماله ولا ندعوا أحدا يتعدى عليه بنفس ولا مال, فإن فعل ذلك أحد بأحد أخذنا له الحق إذا صح معنا, قال: ومن كان في يده مال فهو أولى به, لأنا لا نزيل مالا إلا بحجة.
هذا خلاصة ما في كتاب الإمام الذي صارح فيه يوسف بن وجيه, وكشف له عن الغاية في حربه, وعن عمل المسلمين في حرب أعدائهم, وفيه من النزاهة ما فيه ومن الصراحة بغير تمويه, فكان أمر الإمام الرحيلي فوق أمر يوسف بن وجيه, ومتى كف نفسه عن معارضة (2/237)
صفحة 515
المسلمين, فليس للمسلمين رغبة في معارضة من كف عنهم ولم يناصر عليهم.
وقال العلامة أبو سعيد رحمه الله هو يصف عدل الإمام سعيد ابن عبد الله قال: وكان من عدله وضبطه للرعية رضي الله عنه, ما يحكي أنه ركض بقومه على حجرة بنزوى أي في حال حرب يوسف بن وجيه, ولعلها العقر, قال فاستفتحها أي الإمام, وفقد أهلها بعد خروج القوم أي بعد ما خرج قوم الإمارة رزة باب وشكوا إليه أي الإمام فطلبها الإمام حتى أتى بها وردها إليهم, قال: ويوجد أن حلقة حديد في رز باب قطعت, أو قال: قلعت من معسكر أصحاب يوسف ابن وجيه, فاتهم رجل أنه قلعها فحبسه الإمام سعيد بن عبد الله, وكان بذلك بنزوى. قال: ويوسف بن وجيه هو السلطان الذي حاربه الإمام حتى غلب عليه, وظهر الحق على الأعداء, فأذل الله الباطل بالإمام العادل, وأيد الله الحق بالمحق, وعلا أمر المسلمين في عمان, وراح يوسف بأسوا الأحوال خائفا صولة الإمام كافا يده, وملأت هيبته عمان وأشرق فيها نور العرفان, فكان أبو سعيد رحمه الله خزان السجن فما ظنك بأهل الأعمال الأخرى, وماذا تقول في القضاة والولاة, وقادة الجيوش, وقد علمت هيبته منعت من مد الأيادي إلى مال عدوه العادي, وقد قالوا فيه: إن الله جمع به الشمل وأراح به العباد, وأحيا به البلاد, وفي ذلك ما يدل عن عمل هذا الإمام الخطير, والزعيم الأمير, الذي أولاه الله حسن التدبير, وشد عضده بالحق المنير, حتى أتم الله به على أهل عمان النعمة, وقامت عليهم به الحجة, ولله أمر هو بالغه وحكم هو نافذه وإليه المصير. (2/238)
صفحة 516
وفاة الإمام سعيد بن عبد الله الرحيلي رحمه الله
لما كان لا بد للمرء من الموت فأعز موت العبد المسلم الشهادة وهي من الحظوظ المخزونة لأهلها, فإن الأنبياء يودون أن يموتوا شهداء لما يعلمون من الفضل عند الله للشهيد, وقد صرح القرآن والسنة بذلك تصريحا واضحا جليا, فكان من فضل الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن جمع الله له ذلك ليكون حاله وافرا من جميع النواحي الدينية والدنيوية, وفي جميع الأحوال أيضا, فمات صلى الله عليه وسلم شهيدا بالسم الذي سمته إياه اليهودية في ذراع الشاة, فكمل بذلك حاله حياة وموتا والحمد لله.
وكذلك كانت وفاة إمامنا هذا رحمه الله, قال في المعالم: وانتخب العمانيون الإمام سعيد بن عبد الله وبعد وفاته سنة 328, انتدبوا راشد بن الوليد, فدل أن الإمام سعيد مات في هذه السنة, قال ابن رزيق: ووجدنا تاريخنا للوقعة التي قتل فيها الإمام سعيد بن عبد الله رحمه الله سنة 328 _ قال هذه الوقعة أنها كانت امرأة من أهل الغشب مجففة حبا في الشمس, فجاءت شاة فأكلت الحب فرمتها أي صاحبة الحب بحجر, فكسرت يدها فجاءت صاحبة الشاة فضربت المرأة التي كسرت الشاة, فاستغاثت بجماعتها فجاء إحدى من جماعتها, وجاء أحد كم جماعة الأخرى, فكان كل فريق يغيث فريقه, وكل يتعصب لأصحابه شأن الفتنة إذا ثارت, وأولها تكون من الشرر ثم تسير والعياذ بالله, فالتحم القوم اقتتالا ونشبت بينهم فتنة عظيمة وملحمة شديدة, فجاء الإمام رحمه الله, وما كان واجبه والمسلمون يقتتلون وهو بين أظهرهم إلا (2/239)
صفحة 517
أن يبادرهم ليكف بعضهم عن بعض, وهل يمكنه بل وهل يصح له أن يسكت وهو إمامهم وهو المسؤل عنهم أمام الله عز وجل؟ وماذا يفعل الإمام والسيوف تلمع والرءوس تقطع والناس في أمر مزعج لهم أزهق أرواحهم؟ وهل يصغي له أحد على هذا الحال؟ ومن ذا الذي يلتفت إليه فجاء إليهم ومعه بعض العسكر ليحجزوا بعضهم عن بعض ويخفضونهم.
ولا شك أنها محنة والمرء في المحنة عليه فسعير الفتنة يشتد, والقتل يوقدها, فما شعر الناس إلا والإمام قتل بين أظهرهم رحمه الله, فانتقل إلى ضحية الشفقة والرحمة للأمة, وكان ذلك في سنة 328, ولا يدري قاتله ولعل أحدا له عليه ضغن فاغتنم الفرصة والله سائل كلا عما كانوا يعملون. (2/240)
صفحة 518
إمامة الإمام راشد بن الوليد رحمه الله ورضي عنهم
لما قضى الله على الإمام سعيد بن عبد الله, وكان المسلمون في حال جامع واتفاق شامل انتخبوا بعده من وقعت خيرتهم عليه وهو راشد بن الوليد رضي الله عنه, فكان كاسمه من الخيفاء الراشدين, والأئمة المرشدين, قال في المعالم: انتخبوا رشيدا يعني راشدا, وأطاعه الكل ورضي به الجميع, أي من أهل عمان قال: ثم وقع إضراب في آخر أيامه, قال ومال جماعة أي من العمانيين إلى حكم الخليفة يعني العباسي, قال: فانهزم الإمام وفارق أصحابه, وبقيت عمان تحت حكم الخلافة إلى سنة أربعمائة هجرية, حيث ضعفت الدولة عن إدارة هاتيك البلاد, هذا نص ما قاله صاحب المعالم, ي محل ومثله لشكيب أرسلان, وأوردنا كله في محل واحد, لأنه يمر على التاريخ العماني مر السحاب, وهكذا المؤرخون الأجانب عادة في تصغير الحقائق العمانية.
قال ابن رزيق: ثم بويع من بعده أي بعد الإمام سعيد بن عبد الله راشد بن الوليد, وذلك لما اجتمع المشايخ عبد الله ابن محمد بن أبي المؤثر, والنعمان بن عبد الحميد, وأبو محمد عبد الله بن محمد بن صالح, وأبو المنذر بن أبي محمد, وكان هؤلاء في تلك الجماعة التي حضرت في ذلك الوقت, هم المنظور إليهم والمشار إليهم كنحو ما كانت الجماعة التي حضرت البيعة ل الإمام سعيد بن عبد الله, في زمانهم وأيامهم, لا تنكر أهل المعرفة فضلهم ولا تجهل عدلهم: ولا يجدون في حضرتهم من أهل نحلتهم مثلهم, ولكل زمان رجال ولكل مقال مقام, (2/241)
صفحة 519
ولكل أهل زمن مؤتمنون عل دينهم, بذلك جاء الأثر فحجة من حضر قائمة على من غاب, وليس للشاهد أن يغير ولا للغائب أن ينكر, ولا للداخل أن يخرج, ولا للقابل أن يرجع, قال: فاجتمعوا في بيت كان ينزل فيه راشد بن الوليد بنزوى, وكان المقدم فيهم أبو محمد عبد الله بن محمد ابن أبي المؤثر, قال: فاجتمعوا جميعا على الوقوف عن موسى بن موسى وراشد بن النضر, والمتبرئ منهما جميعا في الولاية, حيث أن مسألة موسى بن موسى وراشد بن النضر لم تزل شاغلة فراغا من الزمن في عمان, وبقى لها في القلوب أثر يقدح الشر ويثير الضغن, ويحرك منهم الشعور وينفر منهم التصافي لبعضهم بعضا, فكان من رأى هؤلاء المشايخ المصلحين العاملين لله الداعين إليه القائمين له بواجبات دينية, وهم إذ ذاك الحجة في وقتهم اتفقوا على أن من كان وليا لموسى بن موسى وراشد بن النضر, ومن كان عدوا لهما في الأصل وليا للمسلمين يبقى للمسلمين يبقى على ولايته, ومن كان موقوفا فيه فهو على حال الوقوف فيه, وألا يكلفوا أنفسهم أمرا غاب عنهم علمه فاتفقوا على ذلك ورضوا به قال ابن رزيق: ثم بايعوا الإمام راشد بن الوليد على سبيل الدفاع, وخرجوا إلى الناس بالبطحاء من نزوى في جماعة من أهل عمان. قلت: هذا يدل أن البيعة كانت في نزوى, قال ابن رزيق خرجوا إلى الناس في جماعة من أهل نزوى, ومن سائر أهل القرى من شرق عمان وغربها من العفاف والفضل والجاه والرئاسة, مستمعون له مطيعون, لم تظهر من أحد منهم كراهية ولا نكير, ثم قام أبو محمد عبد الله بن محمد بن شيخه على رأسه خطيبا بين الجماعة, فخطب له بالإمامة وأخبر (2/242)
صفحة 520
الناس وأمرهم بالبيعة له فبايع الناس له شاهرا ظاهرا لا ينكر ذلك من الناس منكر ولا يغير منهم من مغير, فدخل الناس في بيعته أفواجا, ووفد على ذلك الوفود آحادا وأزواجا وأخذ عليهم المواثيق والعهود, وبعث العمال والولاة على القرى والبلدان, وصلى الجمعة بنزوى وقبض هو وعماله الصدقات, وجيش الجيوش وعقد الرايات, وأنفذ الأحكام وجرت له فيما شاء الله من المصر الأقسام, ولم يبق بلد من عمان يغلب عليها سلطان, ونأى عنه في تلك الأيام وذلك الزمان إلا جرت فيه أحكامه وثبتت عليه أقسامه, وأقر في ظاهر الأمر أنه إمامه من غير أن يظهر شئ من سريرته وعلانيته فيه شدة ولا غلظة يخاف بها ويتبقى ولا هوادة.
قال الإمام رحمه الله: إمامة راشد بن الوليد رضي الله عنه, ولعدم التواريخ لم أقف مع شدة البحث على وقته معقد له ولا على وقت وفاته, ولا على ذكر شئ من حروبه, ولم أجد ذكر نسبه إلا ما وجدت في بعض القراطيس غير الموثوق بها أنه كان كنديا, قال: وما كان معولهم على الأنساب, بل على التقوى والفضل والعلم والورع, وقد أطنب أبو سعيد رحمه الله ورضي عنه في وصف راشد بن الوليد رحمه الله. (2/243)
صفحة 521
التعريف بالإمام راشد بن الوليد
اعلم أن راشد بن الوليد رحمه الله كان من أخيار أئمة أهل عمان علما وعملا, وتقوى وعواطف دينية وصفاء ود ورشد وصلاح, كان على المتدال كنديا من أهل نزوى, وكان على جانب قوى من التقوى, وعلى محل رفيع من الدين والهدى إلا أنه لم يكن من اليحمد ولا من الأزد, وإنما كان عبد الله صالحا مصلحا راضيا مرضيا. قال فيه الإمام أبو سعيد الكدمي رضي الله عنه: كان رحمه الله لرعيته هينا رفيقا بآرائهم شفيقا غصيصا عن عوراتهم, مقيلا لعثراتهم بعيد الغضب عن مسيئهم قريب الرضا عن محسنهم محاويا في الحق بين سريفهم ودنيئهم وفقيرهم وغنيهم وبعيدهم, منزلا لهم منازل متفقدا لأمورهم وأحوالهم مشاورا منهم لمن هو دونه, قابلا من مشاورتهم ما يأمرونه به يتجشم من رعيته الصبر على الكروب ومفارقة السرور والمحبوب, ويصبر منهم على الشتم والأذى ويسمع منهم الخنا والقذى, قلت: إن أمة يسمع منها إمامها مثل هذا ويفضي بحالها إلى أن يلقى إمامها الشتم والأذى, والخنا والقذى فأي مصير لأمة هذا شأنها, وأي عاقبة لقوم هذه أفعاله, أنى أحرر هذا الكلام من وصف هذا العالم الزاهد الرضي, والولي التقى وأنا اهتز رعبا وأندهش رهبا من الله, كأن العذاب يتدلى على رأسي وكأني أنا وتلك الأمة في لجة الخطر, إنها لداهية دهياء وحياة عمياء يسئ أهلها في الزاوية الخالية يتسكعون في الخطر المرتقب, فإن الله يغار لعبده المؤمن ما لا يغاره الوالد الحنون على ولده, قال أبو سعيد في إمامة بن الوليد: وكان الظاهر الإيمان عليه شواهد الفضل والإحسان ناهيا عن الشر والبهتان صادق الفعال واللسان, ورعا عن (2/244)
صفحة 522
المحارم مجتنبا عن المآثم, عاملا بما علم, سائلا عما نزل به ولزم, متواضعا لمن هو فوقه, متعطفا لمن هو دونه, كاظما للغيظ بعيد الغضب, سريع الرضا محتملا للأمة, حريصا على إصلاح المسلمين رءوفا رحيما بالمؤمنين متوشحا بكريم الأخلاق صبورا عند مضائق الخناق, مستقيما على الحقيقة قاصدا الطريقة, فرحم الله تلك المهجة, وتلك الوصال, وتفضل علينا وعليه بالمن منه والأفضال وجمعنا وإياه على جزيل ثوابه وكرامته, وفعل ذلك لكل مؤمن ومؤمنة إنه أرحم الراحمين, وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وسلم. هذا هو راشد بن الوليد يعرفنا به الإمام أبو سعيد, وقد وصفه بتلك الأوصاف التي لا تكاد أن تكون إلا لنبي مرسل, ولقد علمنا راشد ابن الوليد من هذا الثناء الحميد.
قال الإمام: هذا كلام أبي سعيد في نعته والترحم له, وناهيك برجل يصفه, أو قال يثني عليه أبو سعيد هذا الثناء, والخلق شهود الله في أرضه, وأخيارهم حجة الله التي يعول عليها أهل الحق في الناس, فمن أثنوا عليه خيرا كان أهلا للخير وهكذا الغير, وهنا كلمة يزدان بها التاريخ قال الإمام: وذكر أبو سعيد من سيرته ما سنذكره, قال: ولو أن أبا سعيد ذكر هذا الطرف من سيرته لغاب عنا علمه كما غاب عنا علم غيره من الأئمة, وذلك كله لإهمال التاريخ, وقلة الإعتناء به, وإن للتاريخ فضلا عظيما لا يقدر قدره. قلت: نعم وأنا أشهد أن علماءنا أضاعوا قسما مهما من الثقافة التي لها عند غيرنا الأهمية الكبرى ولولا ما حرره الإمام السالمي رحمه (2/245)
صفحة 523
الله من سيرة سلفنا الصالح, وما لقوا في سبيل الدعوة من الخطب الفادح لما كنا نعلم عنهم شيئا, ولا ندري على أي وتيرة مضوا, ولا بأي شئ في سبيل الحق قضوا, ولما خرجت تلك الرسالة الوجيزة واطلع عليها رجال الدين, وعلموا كيف كان سبيل المؤمنين, وما كان لهم من المجد في الغابرين اهتزوا لها طربا وهشوا لذكرها رعبا, ورأوا كأنهم ينظرون أولئك الأئمة بعين الحقيقة, وكأن عملهم ذلك بارز بين أيدينا ونحن نؤيد العدالة في أحلى حللها الطاهرة, ونعزز تلك السيرة الزهراء بكل ما لنا من شعور, فقد أفادتنا فائدة بل فوائد هامة, وأرشدتنا مراشد عامة, وليتنا نجد من يقول لنا ردودا من ذلك المعين الصافي, واسلكوا ذلك الوافي, فرحم الله أبا محمد خاتمة العلماء الفحاطل, الذي إذا هز عصاه في كفه ترتعد منها فرائض رجال يعون أنفسهم الأقوياء على كل شئ, ولقد كان فيصل الحق والباطل, فدعني من أقوام لا يرون إلا ما بين أيديهم أنى لأفتح عيني حين أفتحها على كثير, ولكن لا أدري, ولله در ابن دريد حيث قال:
والناس ... ألف ... كواحد
وواحد ... كالألف ... إن ... أمر ... عنا
ولله در أبو مسلم رحمه الله, وما قاله في مقصورته, وما ذلك وأيم الله إلا لثقة وقوته القلبية بتعلقه بربه, وإلا فهو كان ضعيفا من جميع النواحي, كان فقيرا وضريرا من عشيرة مستضعفة, ولكن من كان الله معه كان غنيا وقويا وبصيرا ومؤيدا ومنصورا, كان هذا الحر كذلك ولم يكن له من عمره اتساع للتضلع بسائر العلوم, بل كان فقيها شرعيا وعلامة دينيا صادقا مخلصا لله في جميع أحواله, ولذلك (2/246)
صفحة 524
لم يتمكن من سائر العلوم لأنه كان ضريرا إذ لم يحضره قارئ للقراء أو للمطالعة, محا نجما يتأوه على ما مضى من عمره في غير ما هو بصدده.
ولذلك ترى الشيخ أبا إسحاق الأطفيشي يقول فيه كان من علماء الشريعة, ولم يكن من العلماء السياسيين رحمه الله, وذلك تراه يطلق ألفاظ العامة في تاريخه, مثل حربه وخشي ماله وتقع فيه ونحو ذلك من الاصطلاحات العامة مراعيا فيها السواد العام في عمان إلا أن بقية الناس الأجانب يجهلون ذلك فتتبادر أذهانهم إلى ما تعطيه تلك العبارات, فيرون ذلك في واد ومعنى ما أراد الشيخ في واد آخر, ولذا ترى في تعبيره ما يجهله الكثير من الناس, ثم إذا أخذ اللفظ عن أناس يضعه كما هو, وإن كان عن العوام وكان ينبغي أن يضعه في قالب السبك الصحيح كما هو ورضي عنه, والظاهر إن عهده رحمه الله كان ضيقا لم يتسع لما يحاول رحمه الله ورضي عنه, وله نيته وقد أشار إلى ما قلنا بنفسه في طالعة تحفته القيمة فجزاه الله عما فعل وعما نوى أفضل الجزاء إنه كريم رحيم وقد بذل الجهد الجهيد, في تحرير التاريخ العماني وإبرازه إلى عالم الوجود, فتراه يلتقطه حتى من الحجر والمدر ومن المكتوب على الأبواب, ومن التعاليق والإضافات المضافات إلى الكتب والمؤلفات وبعضه من ألسنة الناس وأقاصيصهم حتى جمع مما أورده تحفة للناس, وأي تحفة هي أنها لثمينة عند أهلها وعزيزة عند رجال الحق وقد تحرى ما جهل واعتذر عنه غيره.
وإن ... غاب ... عين ... الشمس ... أعمى ... فإنه
جهول ... لنفس ... العيب ... إذ ... فيه ... قد ... نزل (2/247)
صفحة 525
ألا تراه يقول في إمامة راشد بن الوليد رحمه الله: ولعدم التواريخ لم أقف مع شدة البحث على وقت العقد له ولا على وقت وفاته, أيتوفى إمام كراشد بن الوليد ولا يوجد تاريخ وفاته مع أن الأمم الأخرى تعقد احتفالات سنوية لتجديد أخبار عظمائها, وهل عظماؤنا نحن إلا أئمتنا الكرام وعلماؤنا الفخام, وأهل الحق في الإسلام, أترون عظماءنا الجبابرة العتاة أم الفجرة الطغاة؟ ولكن سقوط هممنا وتقصيرا في الحقوق أخرنا تأخيرا حسيا ومعنويا وقضى علينا بحكم الأمية فينا بسبب ما قلنا, قال الإمام: قال أبو سعيد: كانت بيعة راشد بن الوليد رحمه الله على الدفاع, قال وأول من بايع له أبو محمد عبد الله بن محمد بن المؤثر مع جماعة معه هم في زمانهم كأمثال الذين بايعوا لسعيد لبن عبد الله, ثم ذكر منهم أبا مسعود النعمان بن عبد الحميد, وأبا محمد عبد الله بن محمد بن أبي شيخه, وأبا عثمان الدمشقي بن راشد, وأبا محمد عبد الله بن محمد بن صالح, وأبا المنذر بن أبي بن محمد بن روح قال: وقد كانوا عرفوا من بعضهم بعض تعاتبا في أمر موسى بن موسى, وراشد بن النضر فلما عزموا على عقد الإمامة لراشد بن الوليد تداعوا إلى الاجتماع على سبب يعرفونه في ذلك, فاجتمعوا هم وغيرهم إلا أبا مسعود النعمان بن عبد الحميد, فإنه لم يحضر ذلك العقد فاجتمعوا في بيت كان ينزل فيه راشد بن الوليد, وكان المقدم فيهم أبو محمد عبد الله ابن محمد بن أبي المؤثر, فاجتمعوا جميعا على أن الواقف عن موسى وراشد والمتبرئ منهما جميعا في الولاية وأنهما جميعا مؤتمنان على دينهما في ذلك لم نعلم من أحد منهم أنه برئ بغير حق, أو وقف بغير حق, ثم بايعوا الوليد بن راشد على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم, على الأمر بالمعروف والنهي عن النكر, وعلى الجهاد (2/248)
صفحة 526
في سبيل الله وعلى سبيل الدفاع, وعلى إتباع سبيل أئمة العدل قبله قسطا وعدلا.
قال: وعلى هذا بايعه أبو محمد عبد الله بن محمد في المنزل الذي كان ينزل فيه من نزوى, ثم بايعه من بعده أبو مسعود على نحو ما بايعه أبو محمد, وبايعه الجماعة على نحو من ذلك, وقبل منهم البيعة وخرجوا على الناس بالبطحاء من نزوى في جماعة من أهل عمان ومن سائر القرى من شرق عمان وغربها: انظر أيها القارئ الكريم إلى هذه البيعة لشرق عمان وغربها, ولما جاء السلطان الجائر المحتل للبيضة, الهادم شرف الدين الأباضى, أصبح أهل عمان ينفضون أيديهم من بيعتهم, ويلقون بإمامهم وراء أظهرهم بغير موجب, ما هذا البلاء الذي يقوده الناس على أنفسهم ويجرونه عليهم ما هم عليه من العزة والمنعة والحرية والكرامة, وأصبحوا تحت راية السلطان الجائر الغاشم المحتل للعزة والكرامة, وعهد الله ألقوه في الحضيض وراحوا يتبعون سلطانا غشوما هل كان لهم أفضل من إمامهم أو أصلح منه أو أكرم أو أنفع لهم في دينهم ودنياهم أو أعزلهم: إنها لمن الدواهي في الدين ومن الفضائح في الشرف والحرية ومن الأحدوثة السيئة في التاريخ العربي عامة, وفي التاريخ العماني خاصة, فإنك سوف ترى الحال في مقامه.
قال صاحب المعالم: وفي عهد الكندي هذا جهزت الخلافة جيشا لاسترداد عمان ففر الكندي, وانتخب العمانيون سعيد بن عبد الله وبعد وفاته سنة 328 انتدبوا رشيد أي راشد بن الوليد, وأطاعه الجميع وحصل اضطراب في آخر أيامه, ومال جماعة إلى حكم الخلافة فانهزم الإمام وفارق أصحابه, وبقيت عمان تحت حكم الخلافة إلى سنة 400 أربعمائة هجرية, حيث ضعفت الدولة في بغداد عن إدارة هاتيك البلاد. (2/249)
صفحة 527
خروج سلطان الجور على الإمام راشد بن الوليد
قال الإمام رحمه الله: ولعل هذا السلطان كان من عمال بني العباس لما قدمنا من اعتنائهم بعمان بعد دخول بن بور فيها, ولم يسموا هذا السلطان الجائر واكتفوا عن اسمه واسم قبيلته, وما كان ينبغي لهم هذا حتى لا يعرف هذا السلطان من أي الأمم, والواقع أنه من البويهيين الذين سيطروا على الخلافة العباسية, وجعلوا لهم اسم السلطان وللأمير العباسي اسم فقط لا معنى له إلا أنه في بيته خائف يترقب, لأن بني العباس استخدموا البويهيين كقواد وضباط ووزراء, وكذلك استخدموا البرك فكان من رأيهم سحب الخلافة أصلا من هؤلاء وإلحائهم من الأمر كما يلحى القضيت, وجعلهم الكرة وهم الصولجان, ومشوا فيهم على هذا حتى أخرجوهم من الأمر كله, ولم يتركوا لهم حتى الاسم, وفعلوا فيهم الأفاعيل التي أضحت عبرة للمعتدين, وسبب ذلك ظلمهم وجورهم وتركهم أوامر الله عز وجل.
ويبتدي دولا بني بويه في الخارج سنة 332 اثنتين وثلاثين وثلاثمائة, وكان هذا السلطان الخارج على الإمام راشد بن الوليد ركن الدولة بن بويه, قال العلامة الدميري في تاريخه: وفي أيام الطائع لله استولى على الملك عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه فملك بغداد. قال: وخلع عليه الطائع لله الخلع السلطانية وتوجه وطوقه وسوره وعقد له لواءين وولا ما وراء بابه, قال وتسلم عضد الدولة الوزير أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة فقتله وصلبه, وهو الذي رثاه أبو الحسن الأنباري
بقوله: (2/250)
صفحة 528
علو في الحياة وفي الممات
الأبيات الغراء.
قال: وكان لعضد الدولة ملك العراق وكرمان وعمان وخوزستان والوصل وديار بكر ومنبج, والمعنى أن القواد تقاسموا الملك وكانوا قد جعلوا للخليفة الاسم أن اكتفى به وإلا رأى الهلاك في أهداب عينيه, ولو كنا معنيين بتاريخ هؤلاء لرأى الناس العجب, وعرف العاقل مصير أهل الظلم والبغي في الدنيا قبل الآخرة, والله المستعان.
طغى بنو أمية وكانوا الأصل في الطغيان, ثم تلاهم بنو العباس وزادوا عليهم وانتهكوا الحرم إلى أقصى غاية, وانسلخوا من الدين انسلاخ الحية من اهابها وأصبحوا في أيدي الأعادي ألعوبة, إذ كانوا قياصرة وأكاسرة, ثم صاروا في الكون عبرة بعد تلك العزة الشاهرة الظاهرة, ومصوا لا الزمان عنهم براض ولا أنا ولا أمثالي.
وكان البويهيين من العنصر الديملى والديلم من الفرس, وهؤلاء هم أعداء الإسلام هم والترك والروم, ولهم في الإسلام نوايا سيئة لما أمكنهم الفرصة على الإسلام لم يضيعوها, بل قاموا بها في نشاط وزادوا فوق الغرض الاحتياط, وبقى التنافس بين الذين كانوا قوادا ووزراء يتناهبون الملك ويتقاسمونه, وكانت المملكة الإسلامية واسعة الأرجاء كثيرة الأموال, فكان عضد الدولة إذ جاء عمان حاء قويا غنيا والغنى هو القوة الفعالة, ولا قوة كقوة المال إذا تولته الرجال الأباطل, لا إذا تلاعبت به الأراذل والأنذال, فإن غايته الاضمحلال, وأصل الدولة (2/251)
صفحة 529
البويهية الحسن بن علي بن بويه وأولاده الثلاثة عماد الدولة وهو الحسن, ومعز الدولة, قال الدميري ولما ولي الخلافة عبد الله المستكفي بالله قدم إليه معز الدولة ين بويه في بغداد سنة 334 أربع وثلاثين وثلاثمائة, ودخل عليه رجلان من الديلم فمد يده ليصافحهما ويقبلاها كما هي عادتهم لآبائه, قال فجذباه من عل الكرسي وقاداه بعمامته في عنقه, ثم سحباه إلى معز الدولة واعتقل وسملت عيناه وانتهبت دار الخلافة لثمان بقين من جمادى سنة 334, وبقى معز الدولة إلى سنة 343 أي هذه الحادثة تسع سنين ثبتت فيها دعائم البويهيين في العالم العربي.
وذكر العمانيون دخول سلطان الجور على الإمام راشد بن الوليد ولا يعرفون هذا السلطان حتى يعلم من أجناس الأمم, قال الإمام: وذلك أن سلطان الجور قد خرج عليه حتى نزل السر, قلت: قد قدمت لك أن الغزاة يأتون عمان من الجهة الغربية, فهي مفتاح قفل الباب العماني منذ ذلك العهد. (2/252)
صفحة 530
خروج رعايا الإمام لملاقاة السلطان
لما تحقق خروج هذا السلطان على عمان تقاعس العمانيون عن القيام لصدده لا أدري أمن وطأة العدل التي أحس بها بغاة أهل عمان؟ أم الطمع يرونه عند هذا السلطان القادم على بلادهم؟ أم استولى الخوف والذعر عليهم لضعف إيمانهم؟ وإذا بهم يتقدمون إلى السلطان المشار إليه تقدم خضوع وطاعة وانقياد غير ناظرين إلى إمامهم ولا مراقبين عهد الله فيه, ولا ما حملوه على أعناقهم من بيعته, ولا ناظرين إلى مذهبهم القويم وصراطهم المستقيم, وهذا من العجب العجاب, قال الإمام: وخرجت رعايا الإمام لمظاهرته أي لمظاهرة السلطان ومعاونته, واستدل لك على هذه القضايا بأقوال الإمام قبل غيره لعلمي باعتماد العمانيون على نقله وروايته ولحبهم له. قال: قال ونبذوا عهودهم وراء ظهورهم, قال: فخرج الإمام في طلبهم ليردهم فلحقهم ببهلى, وأراد أن يردهم فأبوا وأراد أن يقهرهم على الرجوع فعصوا وأظهروا له العداوة والعصيان, وخرجوا معاندين إلى السلطان. قال: فبقى الإمام في الضعفاء من أصحابه, قلت: هذه الجمل التي ذكرها الإمام عنهم سهام قاتلة وقنابل مدمرة لا بد منها الإمام بالفشل, والسلطان بالنصر والظفر, بل هي أكبر نصر له على أهل عمان وإمامهم, وإنها لمن الدواهي في الدين قال: فبقى الإمام في الضعفاء من أصحابه بعد أن خذله الأكثر منهم, فرجع الإمام منكسر الخاطر واهي الإرادة يرى علامة الخذلان تبدو سافرة إلى أن وصل كدم من أعمال بهلى على غير المراد, ورأى أنه أخذ بالحزم أي لنفسه وللشر ذمة الباقية معه, وبهلى كانت إحدى إمارته, فإذا هو يخرج منها مسلما لها إلى رغبة أهلها. (2/253)
صفحة 531
قال ثم جاء السلطان بمن معه حتى دخلوا الجوف فخاف الإمام ومن معه لقتلهم, قال: فانحاز بهم إلى وادي النخر استبقاء منه على من معه من ضعفاء المسلمين, ودعا إلى حرب السلطان من أجابه واستنصر بمن قدر عليه, فجيش أنصاره وأعوانه, وجهزهم إلى حرب السلطان, وقعد هو ومن لا غنى له عنه بمشورة من أشار إليه بالتخلف من إخوانه رجاء منهم لبقاء رايتهم, ما بقى إمامهم.
وكان موقفه غير بعيد عن موضع القتال, وكان السلطان بنزوى. قلت: هذا يدل أن جيش السلطان زحف على الإمام إذ كان الإمام في وادي النخر من جهة الحمرا, والسلطان في نزوى فدل ذلك أن جيش السلطان قصد الإمام ليعدم حركته, ويقضي على إمامته تماما حتى يأمن جانبه وأعيان الدولة وزعماؤها قد أصبحوا تحت قدم السلطان, وأصبح هو يتربع على عرش نزوى آمنا مطمئنا, فأين النخوة العربية؟ وأين العزائم الإيمانية؟ وأين الغيرة الدينية؟ نعوذ بالله, لقد أصبحت تذروها الرياح, وعلى كل لا بد لهذا الانقلاب الزائغ من أسباب للعمانيين, ولا بد عليه من عقاب, فإما أن يكون إمامهم محقا وقد تركوه على ذلك ولا بد أن يعاقبهم الله على تركه, وهو على الحق وهم جميع, وإما أن يكون إمامهم مبطلا, وقد عرفوا بطله ولم يقوموا عليه لرده عن بطله وإرجاعه إلى دائرة الحق تائبا إلى الله مما ارتكب, فكذلك مع الله, وقد شملهم مع قوله عز وجل: (كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) 37
والواقع أن الإمام راشد بن الوليد من خيرة أئمة أهل عمان, وقد بايعه العلماء الأجلاء الذين ذكرناهم وهم حجة قومهم وعمدة دينهم, وهم أئمة العلم وأركان الرشد والإيمان, فما لهذا الخذلان الذي خذلوا (2/254)
صفحة 532
به إمامهم وأزالوا به من أيديهم سلطانهم, وقادوا به ذلك الظالم الجائر الجبار المخالف للدين، المباين لمنهج المسلمين، من أعداء الإسلام ومن شر الأنام, يا حسرتى على ما كان في ذلك الزمان0 قال: فالتقت سرية الإمام بجيش السلطان، فنشب بينهم القتال وانهزمت سرية الإمام، وتفرقت جماعه، وزالت رايته، وكان ذلك ضحوة النهار، فما كان العشى من ذلك اليوم حتى تفرق عنة جميع من كان معه فاستولى السلطان الجائز على جميع عمان الداخلية، وقد ألقت عمان مقاليدها إلية قبل أن يتغلغل فيها، فكيف به وقد نزل في القلب منها وأخرج جيشه تابعا للإمام في وادي النخر غربي الجبل الأخضر، وانهزم جيش الإمام، وبلغ الكتاب أجلة في عمان0
قال: وبقى الإمام في رؤوس الجبال خائفا يترقب، أي يترقب القتل أو القهر من أهل عمان، فيقودونه إلى السلطان ليترقبوا به إليه، والله المستعان0قال: فطاع في أمرة واستشار، وأخذ بالرخصة من قول الأخيار إن المدافع تسعة التقية إذا اخذتة الرعية، قال أبو سعيد: وذلك مما لا نعلم فيه. قال: فألقي بيده إلى منزلة فأرسل السلطان إليه رسولا يعطيه منة الميثاق والامان0 قال فأعطاه ذلك بلسانه، قال: ولم يبلغا بحمد الله أنه عرضة ليمين ولا كان إلى باب السلطان من الوافدين، وإنما السلطان وصل إليه واضطره إلى ذلك وجبره.
ومن نكد الدنيا عن الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بد. قال: فزالت معنا بذلك إمامته، وثبت للعذر الواضح ولايته، قال: فلبث بعد ذلك قليلا محمودا، ومات عن قريب من ذلك مفقودا، قلت: لا أبرىء أعداء من أن يكونوا هجموا عليه، ليطمئن سلطانهم من المحذور الذي ربما (2/255)
صفحة 533
عساه يقوم على السلطان وعلى الداخلين في دولته، إذ كلهم أصبح عدوا للإمام، وكلهم يخشى منه القيام، والأمر لله من قبل ومن بعد.
هذه هي حالة الأمام راشد بن الوليد الأمام الرضى الرشيد، أوقعه أهل عمان في شبكهم وأضاعوه إلى ملكهم، وأصبح أحدوثة السمر، يجرى دم الأسف عليه في عروق أهل الايمان بأحر من الجمر فهو لم يفعل شيئا يخالف المقصد الصحيح، ولا تطاول عليهم في بشيء من خصائصهم، كان كواحد منهم لا يختص بشيء عنهم، فما بالهم يتركونه كالشيء اللقا لا مرحمة ولا مروءة ولا احترام ولا محاذرة عار، إن الناس كانوا إذ لم يردهم إيمان يردهم سوء الأحدوثة، بل كانوا في جاهليتهم وهم كفار يخافون سوء الأحدوثة، وأحاديث العار بعدهم وكم لهذا من شواهدهم، فماذا فعل الأمام الراشد؟ علمنا أنه هو مبتلى بما وقع فيه، فما بال قومه يعاملونه بهذه المعاملة لسلطان أجنبي من جميع نواحيه، إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الإمام أبو سعيد الكدمي رحمه الله وهو يصف راشد بن الوليد: وكان في عامه أموره غريبا معدوما، ولم يكن عند أحد من أهل الخبرة ملوما ولا مذموما، فجزاه الله عن الإسلام وأهله، لما قد قام فيه من حقه وعدله، وعنا وعن جميع من عرف صحيح فضله، ما جزى إماما عن رعيته وأخا بصحيح أخوته أهل.
هنا ينظر العاقل المفكر في سير الحواث في الأمة، ومجرى القضايا الملمة، لأن الله لم يهمل شيئا بلا ارتياب، ولم يقض أمرا بغير أسباب، فما هي الأسباب التي جعلت أهل عمان على سحب أمراس الضلال (2/256)
صفحة 534
من رجال لم يكونوا من المذهب، ولا من الوطن، ولا من الجنس لم أجد لهذا السؤال جوابا لأن الإمام راشد بن الوليد لم يقصر في شيء من أمور الدين، ولم يمد طرفة إلى شيء من أمور الدنيا.
والذي أظنه أن العلة أتته من الرؤساء لعلهم تحققوا منه عدم نيل مطلوبهم، وآيسو الدية من حصول مرغوبهم، فضاقت صدرهم بذلك، لأن ذلك غاية مطلوبهم هذا الذي أظنه ولا يبعد أن يكون هو الواقع، فتولى السلطان المذكور البلاد، وعاث في الأرض بالفساد، مصداقا لقوله عز وجل: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) 38فكان هذا السلطان الجائر يدوس الديانة ويفحش في الأمانة، ويبث في الأمة داء الخيانة، فأصبحت عمان دار كفر نفاق.
قال الأمام: وذكر المضيف على بيان الشرع أنه وجد أن دار عمان صارت دار كفر نفاق، لا كفر شرك لعشرين يوما من ربيع الآخر سنة 342اثنتين وأربعين وثلاثمائة، وهذا الوقت وقت غلبة سلطان الجور على عمان، وخذلان أهل عمان لإمامهم راشد بن الوليد فيما يظهر من سياق التاريخ، قال العلامة أبو إسحاق، رحمه الله: والمراد بكفر النفاق هو كفر النعمة، وإنما سمى كفر النفاق لأن صاحبة أقر بالإسلام وأخفى الشرك، واعترف بالعمل فخان فيه، فكان كالمنافق أقر بالإسلام وأضمر الشرك، وتسمية الخائن في العمل منافقا وارده في الحديث على لسان الشارع في قوله صلى الله عليه وسلم: أربع من كن فيه فهو منافق ولو صلى وصام، وزعم أنه مسلم أهـ. (2/257)
صفحة 535
ولا يخفى على العاقل أن السلاطين لا يرون إلا الدنيا وما يرجون غيرها إلا ما شاء الله من الناس، فلذلك تراهم لا يهتمون بأمر الدين، وكيف لا تكون عمان عمان دار الشقاء، وأرى الإمام راشد بن الوليد أنه كان رجلا غلب علية سهام قومه، واجترءوا عليه وقد قيل:
أظن ... الحلم ... جر ... على ... قومي
وقد ... يستضعف ... الرجل ... الحليم.
والمقصود من هذا أن الإمام لا ينبغي له أن يتوغل في الحلم إلى حيث يفضى به الحال كهذا الإمام رحمة الله، فاني لم أجد له سيئة يستوجب بها العتب على ما كان عليه، هذا ما أوراده الإمام السالمى رحمه الله عن الإمام راشد بن الوليد، مع تعليقنا علية مما وجدناه عن أهل العلم، أدركتاه من مقتضى الأحوال الواقعة، وها نحن نسوق هنا ما قاله ابن رزيق الشاعر المتأخر تنديدا بهولاء الفاعلين في إمامهم هذه الأفعال، وأعلاما لمن يأتي من الرجال ليكونوا عل حرية الدين، وعلى مروءة أعل الإيمان، وعلى سبيل أهل الحق وإن عضهم الدهر بنابه.
قال ابن رزيق: ثم بايعوا الإمام راشد بن الوليد على سبيل الدفاع، وخرجوا إلى الناس بالبطحاء من نزوى، ومن سائر القرى من شرق عمان وغربها، من أهل العفاف والفضل والجاه والرئاسة, أي اشترك هؤلاء كلهم في البيعة للإمام المذكور، ثم قال كلهم مستمعون له مطيعون، لم تظهر لأحد منهم كراهية ولا نكير، ثم قام عبدا لله بن محمد بن شيخه على رأسه خطيبا بين الجماعة، فخطب (2/258)
صفحة 536
له بالإمامة واخبر الناس وأمرهم بالبيعة له، فبايع الناس له شاهرا صاهرا لا ينكر ذلك من الناس منكرا، ولا يغير منهم مغير، ودخل الناس في بيعته أفواجا ووفد على ذلك الوفود إفرادا وأزواجا، واخذ عليهم المواثيق والعهود، وبعث العمال والولاة، على القرى والبلدان، وصلى بنزوى الجمعان، وقبض هو وعمالة الصدقات، وجيش الجيوش وعقد الرايات، وأنقذ الإحكام، وجرت له فيما شاء الله من المصر والأقسام، ولم يبق من عمان لم يغلب علية السلطان، ونأى عنه في تلك الأيام، وذلك الزمان إلا جرت فيه أحكامه وثبت عليهم أقسامة اقر في ظاهر الأمر ابنة إمامة من إن يظهر شيء من سيرته ولا علانيته ولا سريرته شدة، ولا غلظة يخاف بها فيتقي، ولا هوادة ولا ميل يطمع فيه بذلك ويرتجى،
فيصانع عن تقية وينخدع لطمع أورجية، بل كان رحمه الله لرعيته رفيقا وبآرائهم شفيقا غضيضا عن عوراتهم مقيلا لعثرتهم بعيد الغضب عن مسيئهم، قريب الرضا عن محسنهم مساويا في الحق بين شريفهم وضيعهم ودنيهم، وفقيرهم وغنيهم وبعيدهم وعشيرتهم، منزلا لهم منازلهم متفقدا لهم في أمورهم وأحوالهم، مساويا لمن هو دونه منهم، قابلا مشاورتهم بما يأمرونه فلم يزل رحمه الله على ذلك يتجشم من رعيته الصبر على الكروب، ومفارقة السرور والمحبوب، ويصبر على الشتم والأذى ويسمع منهم الخنا والقذى، وهو يتأنى في تلك الأمور يرجو من الله الدائرة على أهل الإحن تدور، كثير من أهل مملكته وعصره يتربص به الدوائر، ويسر له أقبح السرائر تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، وما تخفى صدورهم أكبر، من الغل والحسد أعظم وأكثر، قد استحوذ عليهم الشيطان، وغلبت عليهم الشنئان حتى آلت عليه الأمور، وجرى عليه من الله المقدور، أن ظهر من عامة رعيته التخلف عنه والخذلان، (2/259)
صفحة 537
وظهر من عامة خواصه المعاندة والعصيان والمداهنة عليه للسلطان، والمباشرة له بالقلب واللسان، وخرجوا إلى السلطان مظاهرين، وتألبوا على ذلك متناصرين، فمنهم على ذلك جبر، ومنهم قسرهم على التخلف عن ذلك قسرا، ووقع بينه وبين عامتهم العداوة والشحناء، وفارقوه على ذلك من قرية بهلى، وقد سار السلطان بالسر مقبلا وهو من الضعاف في نفر أقلاء، قد انفصلت جماعتهم وصحت معه عداوتهم، وإنما خرج من نزوى في ردهم عن خروجهم في حرب العدو المقبل، فلما رأى ما نزل به من الخذلان، وبان له منهم من العداوة والعصيان، واستضعف نفسه ومن معه، وخاف أن يدهموه بالمكان، تحيز من معه من بهلى إلى كدم، ورجا أن يكون استوثق لنفسه واحترام، فلم يزل بكدم حتى صح معه أنهم دخلوا الجوف فداخله ومن لقلتهم الخوف، فانحرفوا هناك إلى وادي النخر، ودعا إلى حرب السلطان من حضره، واستفز على من قدر عليه، ونصر واجتهد في ذلك وصبر، ودعا إلى ذلك واستنصر، وراح في ذلك وكر واقبل في ذلك وأدبر، فأمده الله بمن أمة، فأبلى بهم طاقته وجهده، فجيش لهم أنصاره وأعوانه، ومن لا غنى عنه من خاصته وأخوته وقعد بهم في مكانه وكان السلطان وأعوانه بنزوى نازلين، وكان تخلفه عن الحرب برأي من حضرة من أخوانه، وأهل شفقته وأعوانه، ورجا في تخلفه عن الخروج للإسلام وأهله، وقوة لعدله ونصره.
وكان تخلفه من الجيش الذي بعثه السلطان الجائر بنزوى قريبا من المجازة على عقبة فتح لم يكن منهم ببعيد، فأتى الله المقدور ما قد علم الله أنه إليه تصير تلك الأمور، فهزم أنصاره وغلبوا وولوا عنه وأدبروا معا، وهربوا فانفضت هناك جماعته، وزالت رايته وخرج (2/260)
صفحة 538
مخذولا مغلوبا خائفا، يترقب مظلوما فكان ذلك ضحوة النهار، فلم يكن العشي من يومه حتى انفض عنه جميع من كان معه، ووقع في الغلبة وآيس مع ذلك من نصر الناس.
فاستولى السلطان الجائر على جميع النواحي والبلدان، وأقبل الناس كلهم للصانعات، وأقبل السلطان الجائر إليهم بالسرية والداهنات، حتى دانت له جميع النواحي، والإمام خائف في رؤوس الجبال والمساقي مشفق من السلطان والرعية، يترقب في كل موضع نزول المنية، وأن تدهمه في مرقده ومنامه ببلية، وأصبح خائفا على نفسه وماله هارب من داره وعياله، وأصبح جميع المصر آمنوا واطمأنوا في منازلهم وصانعوا سلطانهم، فلم يكن له من الاستسلام بد إذ لم يكن له إلى غير سبيل ولا جهد, فطالع في أمره واستشار وأشار له ذووا الأبصار, واتبع في أمره فيما ظهر حكم الأبرار, وأذن بالرخصة من قول الأخيار, ومما لا نعلم فيه اختلافا, فإن الإمام المدافع تسعة التقية, إذ أخذلته الرعية, ولم يكن أصح لنا من ذلك الخذلان, ولا أبين لنا من تلك العداوة وذلك العصيان, والله هو الرءوف بعباده والمنان, وما جعل الله على عباده في الدين من حرج, بل الصحيح معنا أنه جعل لكل مدخل من دينه باب ومخرج, ولكل عاجز عن فرض من فرائضه عذرا وباب فرج ولا فرق بين الإمام والرعية. ولكل منهم جار عليه حكيم القضية, فألقى بيده إلى منزله, واستسلم وجاء أن يستتر ويسلم, ووصل إليه رسول السلطان إلى مكانه يعطيه منه الميثاق لأمانه, فبلغنا أنه أعطاه بلسانه ولم يبلغنا عنه أنه عرضه لليمين ولا كان إلى باب السلطان من الوافدين, ولا من القادمين إليه والواصلين, وإنما السلطان الذي وصل إليه واضطره على ذلك وجبره عليه, فزالت بذلك معنا إمامته. (2/261)
صفحة 539
وثبتت بالعذر الواضح ولايته, ولا نعلم أن في الأحكام ولا ما اختلف فيه من أمر الإمام أن راشد بن الوليد رحمه الله يلحقه القائل في إمامته بمقال, ولا طعن طاعن ولا عيب عائب في حال من الأحوال, فلبث بعد ذلك قليلا محمودا, ومات عن قريب من ذلك مفقودا, وكان راشد بن الوليد في أيامه وزمانه وموضعه ومكانه, ومع أنصاره وأعوانه, وإخوانه في عامة أمره غريبا معدوما, ولم يكن عن أهل الخبرة في أمره ملوما فجزاه الله عن الإسلام وأهله لما قد قام فيه من حقه وعدله, وعن جميع من عرف فضله, ما جزى إماما عن رعيته.
قال: وإنما ذكرنا من أمر راشد بن الوليد رحمه الله ما قد ظهر, وما نرجوا أنه لم يرفع ولم ينكر, وإلا ففضائله معنا أكثر من هذا وأكبر, قال وكان أبو محمد بن أبي المؤثر في وقعة الغشب في سيرة الإمام راشد بن الوليد في طاعته, وكان زوال أمر الإمام راشد بن الوليد في وقعة نزوى, وعنها زالت رايته وانفضت جماعته, وبان خذلان رعيته له ولزمته التقية وخاف على نفسه من السلطان والرعية أن يقصدوه بالقتل رضى للسلطان ولا برح مستقرا في موضع من حد جلفار إلى حد رعوان, ولا جبال في عطا ولا في أرض الحدان الرستاق, فأدهى عليه وأمر: وأعدى عليه من كل عدو وأشر والله أولى بالعذر من البشر, وكل ومن عذره الله دينه فواجب أن يعذر ويعان في ذات الله, وينصر فيما قد نزل به إذا استنصر.
وكان راشد بن الوليد رحمه الله فيما ظهر لنا من أمره ظاهر الإيمان ظاهر عليها شواهد الفضل والإحسان, ناهيا عن الشر والبهتان, صادق الفعل واللسان, ورعا عن المحارم, مجتنبا عما علم سائلا عما نزل (2/262)
صفحة 540
به ولزم, متواضعا لمن فوقه, متعطفا لمن دونه, كاظما للغيظ بعيد الغضب, سريع الرضا, سريع الرضا محتملا للأمة حريصا على إصلاح المسلمين, رءوفا رحيما بالمؤمنين متوشحا بكرم الأخلاق صبورا على مضائق الخناق, مستقيما على الحقيقة, قاصدا قصد الطريقة, تضرب به الأمثال, ويعجز الواصف عن وصفه بالمقال, فرحم الله تلك اللهجة وتلك الأوصال, وتفضل علينا وعليه منه بالمن والأفضال, وجمعنا وإياه على جزيل ثوابه وكرمه, إنه هو أرحم الراحمين.
قلت: هذا كلام العلماء في راشد بن الوليد, وكادت هذه الأوصاف أن تكون من صفات النبيين والمرسلين وذلك حال أهل عمان معه, والظاهر أن حر العدل وتكالب المطامع من البغاة ألقى براشد ابن الوليد إلى الحضيض لما رأوا ما يرجون تركوا ما يدينون, وذهبوا إلى الباطل يجمحون والله المستعان, وإذا ألقيت فكرة النظر فيما سطر العلماء أدركت منه كرم الإمام المسمى, وقد ابتلاه الله بلاء عظيما, ووقع في هوة لا منفذ لها, وسكع في لجة لا مخرج منها, فرحمه الله على ما ابتلى عبده المؤمن, ولله أمر هو نافذه, وحكم هو بالغه.
ولم نقدر أن نحقق وفاة هذا الإمام بعد الانهزام, فإن في التاريخ أن السلطان سار إليه في منزله واضطره لمواجهته وملاقاته, وجبره على ذلك, ثم اختفت أخباره وتعمت آثاره, فقالوا: فقد من بيته ولم يعلم بموته والله وليه في دنياه وآخرته رحمه الله ورضى عنه, فيما ابتلاه وبلغه في الآخرة مناه.
قال الإمام: وذكر المضيف على بيان الشرع أنه وجد أن دار عمان (2/263)
صفحة 541
صارت دار كفر لا نفاق لا كفر شرك لعشرين يوما من ربيع الآخر 342 سنة, وهذا الوقت هو وقت غلبة سلطان الجور على عمان, وخذلان أهل عمان إمامهم راشد بن الوليد, فيما يظهر من سياق التاريخ.
قلت: قد مضى لنا بحث في الموضوع وبيان الحقيقة, قال الإمام: فإن كان عقد الإمام عليه بعد سعيد بن عبد الله حالا فتكون إمامته فوق أربع عشرة سنة, قال: ثم صار الأمر من بعده لسلاطين الجور حتى أغاث الله عباده باجتماع الكلمة, ونصب الخليل بن شاذان. قال: وسئل أبو سعيد عن سلاطين الجور, الذين كانوا في زمانه أيكونون مثل خردلة الجبار الذي أجاز أبو الشعثاء قتلة غيلة. فقال رحمه الله: هم أشد من خردلة. (2/264)
صفحة 542
عمان وتبادل ملوك الأجانب لها رغم أهلها
الذي يظهر من سياق التاريخ أن السلطان الذي قضى على دولة الإمام راشد بن الوليد خرج من عمان بعد ما تم له أمرها، ولم يقم بها كثيرا إذا رأى حالتها لا تصلح له، ولا يزال يخاف انقلابها عليه، فتركها وهى تمشى على ضوء اسمه الأحمر، الذي تلعنه أمتها عدا أهل الباطل فيها، ولم نجد تفاصيل خروجه وتحقيق أعماله، وقد داسها بقدمه إذ قادته عليها ومشت بين يديه فيها، وكان تولى أمرها بعدها الوزير أبو القاسم المطهر بن محمد، وزير عضد الدولة، وطرد الشراة إلى جبال عمان، يعنى إلى داخليتها، وكان الأجانب يسيطرون غالبا على وسواحلها، وكانت تولية هذا الوزير لها في سنة 363 ثلاث وستين وثلاثمائة في شهر ربيع الأول، وكان معز الدولة توفى بها قبل هذا الوقت، وهو الذي تولاها بعد خروج السلطان منها وتولاها أبو الفرج بن العباس نائب معز الدولة، وخرج منها أبو الفرج وتركها فتولاها عمر بن نبهان الطائي، وكان تولاها باسم عضد الدولة، وكان جيشه الزنج فتولوا الأمر وغلبوا على الأمر وغلبوا على عمر بن نبهان ومعهم طوائف من أهل عمان، فقتلوا عمر بن نبهان وجعلوا بدله رجلا يقال ابن حلاج، فعاد عضد الدولة عليهم بجيش من كرمان، وجعل أمر الجيش إلى رجل فارسي يقال أبا حرب، واسمه طغان، فجاءوا على الطريق البحر إلى عمان، فخرج أبو حرب، من المراكب إلى البئر، وسارت المراكب في البحر تسايره إلى أن وصلوا صحار قصبة عمان، والظاهر أن نزولهم بجلفار رأس الخيمة. (2/265)
صفحة 543
قال: فخرج لهم الجند والزنج أي المتغلبون في هذه الآونة على الأمر بعمان، واقتتلوا قتالا شديدا في البر والبحر، قال فظفر أبو حرب وغلب عليهم، واستولى على صحار وانهزم أهلها. قال: وكان ذلك سنة 362،قال: ثم إن الزنج اجتمعوا إلى بريم أي البريمي، قال: وهو رستاق بينه وبين صحار مرحلتان، قال: فسار إليهم أبو حرب طغان فأوقع بهم وقعة أتت عليهم قتلا وأسرا، ثم خضعت له البلاد.
في هذا التاريخ كان أبو حرب تولى الساحل الشمالي من عمان إلى صحار إلى البريمى، وكانت عمان الداخلية قد أقامت لها إماما هو أبو حفص راشد بن سعيد، واستقل بداخلية عمان على أثر خروج السلطان منها، وغياب الإمام راشد بن الوليد مفقودا ولتأثرهم بأحوال السلطان المذكور أقام أهل عمان راشد بن سعيد إماما فقاومه السلطان الذي قاوم راشد بن الوليد، وسار إلى إن بلغ حرفان، ولا نعرف حرفان هذه ولعلها غطفان، وهو الواضح، وكان قائده لهذه الحملة المطهر بن عبدالله، فتقاتلا في البحر أيضا، قال فأوقع بأهلها وأثخن فيهم وأسرن قال: ثم سار إلى دما وهى على أربعة أيام من صحار، قال: فقاتل من بها وأوقع بهم وقعة عظيمة، قتل فيها وأسر كثير من رؤسائهم، قال وانهزم أميرهم ورد وإمامهم، وأتبعهم المطهر إلى نزوى وهى قصبة تلك الجبال، أي قصبة الداخلية، قال: فانهزموا منه فسير إليهم العساكر، فأوقعوا بهم وقعة أتت على باقيهم، وقتل ورد وانهزم حفص كما يقول ابن الأثير، إلى اليمن.
واختلط التاريخ الذي يحكيه ابن الأثير وان رام احد تحليه عن تحقيق يستعصى عليه، لأنه يأخذ الأقوال على غير وجهها وما عليه إلا أن (2/266)
صفحة 544
يدون كل ما يجد وذلك لا يصح، فاخذ الأقوال من غير المصادر الصحيحة لا يصح، وهو يتبع النقلة أيا كانوا وهم يتخربطون في النقل، ولا يرجعون إلى أصل، إلا أنا دخلنا عمان وفعلنا وملكنا وقتلنا، ولا يبالون ولا يراعون أهمية النقل، ولا يحترمون حقوق التاريخ، ولا يرون واجب العدالة في حكم التاريخ، فلذلك لا تكاد تستطيع الأخذ عنهم إلا ما يناصره عن أهل الصدق مقال أو يعضده بمعناه عن أكابر الرجال والخبر من البعيد يأتي ذا ألوان وعلى نواح مختلفة.
قال العلامة أبو إسحاق رحمة الله: هذه الحادثة الملفقة تدلك على مبلغ عبث هؤلاء بحقائق التاريخ، وانك لترى في كتبهم قلب قضايا رأسا على عقب، والقصد من هذا إما هدم مجد كما هو الشأن في هذه الحادثة، أو تصوير الأمر بغير صورته تقليلا لأهميته، وطمسا لمزيته، كما ترى في غير هذا الموضع، ولعل الباعث على هذا لهؤلاء الكاتبين هو إظهار من خالفهم في مظهر لا يستحق الكرامة، ولا يعتد بعظمته مهما بلغت، وهدم المزايا وطمس الحق كاد يكون الظاهرة فيهم، دون أن يجدوا مناصا منهما لأنهم خدمة أغراض لا خدمة تاريخ، فالناحية التي يأتون الوقائع منها هي ناحية طمس المعالم التي لا تسرهم جنوحا إلى هواهم السياسي أو المذهبي، وهكذا ترى صفحاتنا التاريخية بيد هؤلاء المرضى مشوهة أو ممزقة أو معدومة، والعجب أنك ترى تاريخا كتب لناحية وإحدى حلقاته مفقودة، وما فقدنها إلا من عبث هؤلاء، ولا يخشون فضيحة ولا يتقون الله أمانة العلم.
والحق أنه يؤخذ ما يكتبه مؤرخو قومنا على أصحابنا على الإطلاق، فان طمس الحق ديدنهم ولهم هوى في ذلك، إذ يزعمون أنه يجوز لهم ذلك في مخالفيهم، اللهم إلا النادر، فان انصافهم لا ينكر (2/267)
صفحة 545
كابن الصغير المالكي، ومن الغريب حتى كتاب العصر الذين ينتحلون تحرير التاريخ والاعتراف بالحقيقة لذاتها، قد وقعوا في سقطات دون أن يتحروا الصدق، وقد يكون ذلك عن مبلغهم من العلم، وقد يكون عن هوى، كما تبادر لي من محادثة بعضهم ا هـ كلام أبى إسحاق رحمه الله. قلت: لم يكن الموجودون الآن خيرا من أولئك الذين مضوا، بل ربما كان أولئك خيرا من لتمسكهم ببعض الديانة، أما الذين هم الآن صاروا خلفا عنهم فليسوا على شئ، فلا بدع أن مشوا على ذلك المنهج الذي يشير إليه العلامة. والحقيقة أن التاريخ العماني كما قيل دم أضاعه أهله، فان أكثر أهل عمان كما سمعنا منهم لا يعيرون التاريخ آذانا، ولا يهتمون به إذ لا يعتقدون له قيمة، بل يقولون عيش آذان بهذه العبارة، ولهذا ضاع كثير من أعمال أهل عمان، ونزلت أهمية الأمة إلى الحضيض، وسترى من هذا الوجه شيئا هو أعجب الأشياء، وذلك أن الترك جاءوا عمان في إمامة الأمام الخليل بن شاذان، وأخذوه وانحلت إمامته، وأقام العمانيون مقامه إماما لهم، ثم رجع الخليل إلى عمان إلى آخر ما هنالك كما سوف ترى إن شاء الله، وترى منه العجب حيث تقف مشدوها حائرا مصدوع الرأس، ولم يتكلم عليه أحد منهم على الحقائق التي هناك، فلا جرام إذا ضاع التاريخ العماني ووضعه أعداء عمان في مظاهر لا أهمية لها، وإذا لم يقم بالحق أهله لا يرجى أن يقوم به أعداؤه.
قال ابن الأثير: ثم إن جبال عمان اجتمع بها خلق كثير من الشراة، (2/268)
صفحة 546
وجعلوا لهم أميرا اسمه ورد بن زياد, وجعلوا لهم خليفة اسمه حفص بن راشد قال: فاشتدت شوكتهم, قال: فسيروا عليهم عضد الدولة المطهر بن عبد الله في البحر أيضا فبلغ إلى نواحي حرفان من أعمال عمان, فأوقع بهم, وأثخن فيهم وأسر, ثم سار إلى دما وهي على أربعة أيام من صحار, فقاتل من بها وأوقع بهم وقعة عظيمة قتل فيها وأسر فيها وأسر كثير من رؤسائهم, وانهزم أميرهم وردو إمامهم حفص, واتبعهم المطهر إلى نزوى وهي قصبة تلك الجبال, فانهزموا منه فسير إليهم العساكر, فأوقعوا بهم وقعة أتت على باقيهم, وقتل ورد وانهزم حفص إلى اليمن, فصار معلما وسار المطهر إلى مكان يعرف بالشرف قلت: لعله الشرق بالقاف بعد الراء المهملة. قال: به جمع كثير من العرب نحو عشرة آلاف, فأوقع بهم. قال: واستقامت البلاد ودانت بالطاعة, قال: ولم يبق فيها مخالف, قال: الإمام هذا كلامه والله أعلم بصحته.
قال: وأما حفص بن راشد إنما نصب إماما بعد موت أبيه الإمام راشد بن سعيد رضي الله عنه, وذلك في المحرم سنة خمس وأربعين وأربعمائة, ولم يذكر أحد من مؤرخي أصحابنا خروج سلطان العراق على حفص بن راشد ولم يذكروا أنه عزل عن إمامته, ولا إنه خرج من عمان وإنا لنشك في رواية قومنا فيما شاهدوه, فكيف نثق بهم فيما غاب عنهم مع أنهم أخذوا أخبار ذلك من بعض أجناد الظلمة القادمين على حرب المسلمين, فيحتمل أن يكون قد اختلط عليهم الأمر ويمكن أن يعتمدا الزيادة والنقص, قال: وبالجملة فإنا نعلم من سياق التاريخ أن الظلمة قد عانوا في عمان, وتولوا أمرها من بعد أن خذل أهل عمان (2/269)
صفحة 547
الإمام راشد بن الوليد إلى أن نصب الخليل بن شاذان, ومدة ذلك نحو خمس وستين سنة تقريبا, والله غالب على أمره اهـ كلام الإمام السالمي رحمه الله.
والظاهر أن هؤلاء السلاطين أولهم يوسف بن وجيه الذي قاتله الإمام سعيد بن عبد الله الرحيلي في عهد إمامته, واستمر الحال بهم كذلك إلى بني مكرم وليسوا من عمان بغير شك , لكن لما تسلطوا على أهل عمان من أول القرن الرابع إلى القرن الخامس, وكان السبب في تسلطهم على أهل عمان بنو سامة أهل أزكي حتى تغلغلوا بعمان وسيطروا عليها تلك المدة, صاروا كأنهم من عمان فلهذا قال ابن الأثير في بني مكرم: إنهم من وجوه أهل عمان, ولا علم له في الحقيقة عن تحقيق قضايا عمان وأهل عمان, وقواد بني العباس الذين منحوهم آخر العهد اسم السلطان, وأبقوا لأنفسهم اسم الخليفة, ورضوا من الأمر بذلك, إذ كانوا أركان باطل وأعمدة ضلال, فلذلك سلط الله عليهم أعداءهم الديلم والترك, وآخر الأمور انمحوا بالتتار, وانتهت أيامهم السوداء المظلمة بفسادهم وضلالهم, وكل مفسد لا بد أن يرى عاقبة فساده, حتى يعلم أن لهذا الكون ربا يدبره ومليكا يصرفه, ليس موكولا إلى تصرفات أهل الفساد, والله يمهل ولا يهمل, ولكل شئ غاية ينتهي إليها, فقد عاث الغزاة في عمان من هؤلاء وأمثالهم كالقرامطة ونحوهم, وأخذوا وقتا وراحوا رهن أعمالهم, وكذلك نكبوا أهل عمان بمصارعة الإمام الخليل بن شاذان, حتى قضوا عليه ومزجوا دولته, وبددوا شمل إمامته في عمان, ورأى منهم ما عرفه التاريخ كما سوف نذكره في محله إن شاء الله. (2/270)
صفحة 548
والخلاصة أن ذلك القرن قد مر كله ملطخا بغيوم الظلم والفساد, من المسلطين على الأمة بآل العباس, الذين صاروا ذريعة لهم يتوصلون بهم إلى مقاصدهم, وكان بنو العباس كأخواتهم بني أمية بلاء على الأمة, وشرا على المسلمين إذ كانوا أهل فجور وظلم وجور, ملكا عضوضا ونفوسا متغطرسة وأعمالا سيئة, ولكن ذلك دليل في الحقيقة على هوان الدنيا وانحطاط قدرها عند الله عز وجل, ولو كان لها شأن عند الله لم يجعل أهلها مثل هؤلاء المفسدين من فراعنة يدعون الربوبية, وقياصرة يترفعون عن البرية, ويتعاظمون على أهل الحق, وأكاسرة يتربعون عروش الملك وهم طغاة جوره, وأمراء يتآمرون على الأمة بمقتضى الأهواء, وملوك يفعلون ما يشتهون, وسلاطين في النار يقتحمون ولا يبالون, وأتباع هؤلاء كثيرون, والمسلمون هم الأقلون, في كل جيل, والمخلصون الأقل أيضا في مطلق الأزمان, ولكن اقتضت حكمة الله ذلك ليحيا من حي عن بينة, كما يهلك من يهلك عن بينة, والدنيا طريقان يوصلان إلى الآخرة: وهما النجدان اللذان أشار إليهما القرآن.
ولقد استمرت غزوات الجيوش العباسية لعمان, إلى عهد الإمام الخليل بن شاذان, فقد صارعوه وقاتلوه إلى أن قضوا على إمامته وقادوا أسيرا من عمان لا يقدر على نصرته أحد, حتى مضى على ذلك عهد وهو معهم ولا يدرى العمانيون شيئا عنه وهل هو حي أم ميت كما سوف ترى ذلك إن شاء الله. (2/271)
صفحة 549
محتويات الكتاب
الموضوع
الصفحة
مقدمة5
انتقال الدولة من آل الجلندى إلى آل اليحمدي بن حمد8
أعمال محمد بن أبي عفان في عمان14
العمل في عزل محمد بن أبي عفان عن الأمر18
إمامة الإمام الوارث بن كعب الخروصي20
مؤهلات الهمام الوارث بن كعب للإمامة22
تحقيق البيعة للإمام الوارث بن كعب الخروصي27
هارون الرشيد يروم استرداد عمان إلى خلافته29
وفاة الإمام الوارث بن كعب رحمه الله34
إمامة الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي من الفجع على الصحيح عند الكل37
الإمام غسان يخرج إلى صحار لتوطيد الأمور بينهم هناك38
الإشادة بنزوى أيام غسان45
الإمام غسان يهتم بأحوال الأمة باطنا وظاهرا50
أعمال الإمام غسان في عمان54
نصائح العلماء للإمام غسان رحمه الله66
وفاة الإمام غسان رحمه الله تعالى69
إمامة الإمام عبد الملك بن حميد العلوي70 (2/272)
صفحة 550
قوام دولة الإمام عبدالملك بن حميد77
نصائح العلماء للإمام عبدالملك79
وفاة الإمام عبدالملك بن حميد رحمه الله80
إمامة الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي81
قوة الدولة أيام المهنا بن جيفر84
أعمال الإمام المهنا مع البغاة وأهل الفساد89
حزم الإمام المهنا ويقظته في الأمور97
وفاة الأمام المهنا بن جيفر رحمه الله 100
إمامة الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي102
الإمام الصلت يجهز جيشا لاسترداد سقطرى105
الإمام الصلت بن مالك يتأثر بالسن111
إمامة راشد بن النضر اليحمدي125
الأعمال المشتركة بين موسى وراشد في عمان131
الروضة تتعرض لقتال عنيف بين أهل عمان133
الهجوم على دار الإمارة بنزوى139
عزل راشد بن النضر عن الإمامة140
أعمال راشد بن النضر في حال إمامته بعمان144
افتراق أهل عمان إلى رستاقية ونزوانية159
إعادة راشد بن النضر للإمامة بعمان مرة أخرى167
إمامة الصلت بن القاسم بعد راشد بن النضر169 (2/273)
صفحة 551
خلع الصلت بن القاسم من الإمامة171
إمامة عزان بن تميم الخروصي رحمه الله172
عزان بن تميم يتعرض لحرب عظيمة في عمان180
بنوسامة يحالون ملك عمان193
القرامطة يحتلون عمان بأهل عمان199
الإقامة المستضعفة بعمان211
إمامة الإمام الرضي المرضي سعيد بن عبدالله الرحيلي227
القتال بين الإمام سعيد بن عبدالله وأهل الجور في عمان232
وفاة الإمام سعيد بن عبدالله الرحيلي رحمه الله239
إمامة الإمام راشد بن الوليد رحمه الله ورضي عنه241
التعريف بالإمام راشد بن الوليد244
خروج سلطان الجور على الإمام راشد بن الوليد250
خروج رعايا الإمام لملاقاة السلطان253
عمان وتبادل الملوك الأجانب لها رغم أهلها265
محتويات الكتاب272 (2/274)
صفحة 552
حقوق الطبع محفوظة لدى
وزارة التراث القومي والثقافة
ص. ب:668_ الرمز البريدي:113مسقط
سلطنة عُمان
رقم الإيداع:241/ 95 (2/275)
صفحة 553
عُمَانُ عَبْر التَارِيخِ
تأليف
الفَقيه الفَاضِل الشَّيخ
سَالِم بن حمود بن شَامس السّيَابي
الجزء الثالث
الطبعة الرابعة
1421هـ/2001م
[موافقة للطبعة الثانية: 1406هـ/1986م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان] (3/1)
صفحة 554
[صفحة بيضاء] (3/2)
صفحة 555
[صورة] مؤلف الكتاب (3/3)
صفحة 556
[صفحة بيضاء] (3/4)
صفحة 557
إمامة الإمام الخليل بن شاذان
اعلم أن الإمام الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي، أحد الأئمة الأجلاء في عمان، وإليه ينتسب آل الخليل الذين بعمان، وإلى جده الصلت ينتسب صلوت بني خروص، وأبوه الشيخ شاذان بن الصلت من أهل العلم والفضل، وأخوه محمد بن الصلت كذلك وهؤلاء عائلة بارزة بالفضل والعلم والتقوى في عمان، ولله في خلقه أسرار والخلق معادن. الحديث.
واعلم أن القرن الثالث الهجري ابتدأ بحوادث متعددة، منها الإمامة المستضعفة وما صار عليها من أهل عمان فيما بينهم، وإمامة الإمام سعيد ابن عبد الله الرحيلي، وبأمراء بني العباس الذين صارعوا الإمامة وقضوا عليها من عهد يوسف بن وجيه وبني مكرم وغيرهم من البويهيين إلى القرامطة المعروفين في التاريخ، وإمامة الإمام راشد بن الوليد، وتسلط أمراء بني العباس عليه، واحتلوا إمامته وتولوا أمر عمان إلى تمام القرن الرابع، وهم فيها الآمرون الناهون لا يردهم راد ولا يصدهم صاد، وفي ذلك العهد صارت عمان دار كفر ونفاق، لانطماس العدل، واختفاء آثار المسلمين باندراس معالم الدين، وبتسلط الجبابرة الظالمين، الذين هم أعداء الدين والوطن والجنسية عقوبة لأهل عمان على تضييعهم الأمر منذ الإمام الصلت، إلى أن وقعت الطامة الكبرى بتضييع إمامة راشد بن الوليد، فكانت عاقبة ذلك الأمر الوبال والخذلان، مع تلاعب بالإمامة في عهد إمامة الأئمة المستضعفين، وكل ذلك إضاعة للدين وتضيع لمنهج المسلمين، حتى بويع للإمام الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي. (3/5)
صفحة 558
قال الإمام رحمه الله: بويع له بالإمامة بعد راشد بن الوليد بزمان طويل، تجبر فيه السلطان على أهل عمان، وسامهم سوء العذاب بما بدلوا من نعمة الله ولعدم وفائهم بعهد الله، حين خذلوا الإمام راشد بن الوليد وظاهروا عليه عدوه، ومن أعان ظالمًا سلطه الله عليه، أي ليذوق وبال أمره، ولا يخفى العهد الذي بين الإمامين راشد بن الوليد، والخليل ابن شاذان، وعمان ترزح ثقلاً بوطأة الجورة الظلمة المفسدين للدنيا والدين، المتسلطين على بيض المسلمين، فإن ذلك القرن قام في أوله الإمام سعيد بن عبدالله الرحيلي، فجمع الشمل ولم الشعث وأيد الحق الذي يدعو إليه المسلمون، ورفع مستوى أهل الإيمان، حتى قضى الله عليه بمناقي من أعمال الرستاق وقبره بها، ثم قام على أثره الإمام الراشد بن الوليد، فانقلب عليه أهل عمان بغير جرم ارتكبه، ولا حدث اقترافه، ولا شقاق أوقعه، ولكن ابتلاه الله بذلك، وعسى أن تحبوا، وعسى أن تكرهوا، وكل شيء بيد الله.
قال الإمام: وبقى أهل عمان يكابدون النكال تحت قهر الجبابرة من بني سامة وغيرهم، حتى عقدوا الإمامة على الخليل بن شاذان في سنة سبع وأربعمائة، وفي بعض الكتب في سنة بضع وأربعمائة، فسار فيهم سيرة حسنة جميلة، ودفع عنهم الجبابرة أمنت بعدله البلاد، واستراحت في ظله العباد، ودانت له الممالك، ووفدت إيه الوفود لظهور العدل، وانتشار الفضل، وقام الخليل بواجبات الأمة في حلها وترحالها، ودافع الخصوم وصارع الجبابرة، وجاهد في الله حق جهاده، وانتشر له صيت شاع في الجزيرة إلى اليمين، وحضرموت ونحوها، وقامت إمامته على أعمدة العدالة والإنصاف والمساواة بين المسلمين.
ووفد عليه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الخضرمي، من أرض حضرموت مستنجدًا به ومستعيناً بالمسلمين على حرب أهل بلاده الخارجين عن طاعته في حضرموت واليمن، فأمده الإمام (3/6)
صفحة 559
الخليل بالمال والرجال، حتى وطد به دعائم ملكه في تلك الأطراف اليمانية، وفيه يقول من قصيدة:
وذكر ... إمام ... شاع ... في ... الناس ... ذكره
وطلب ... الثنا ... فيه ... الخليل ... بن ... شاذان
إلى آخر القصيدة. وقال في أخرى:
وارموا ... بنا ... نحو ... الإمام ... المرتضى
المفزع ... المأوى ... لكل ... دخيل
ذاك ... الذي ... جلى ... عمانًا ... بعدما
وأراهم ... غيم ... الطغى ... بذيول
إلى أخر ما قال فيها من الثناء والمدح والاستنهاض، حتى مكنه الله من عدوه وأثبت به قواعد دينه، ودوخ به أعاديه، وبعد ذلك أرسل إلى الإمام يحدثه عن واقعة وعما صار إليه أمره بقوله:
سل الوفد عني يا إمام ألم أكن
تسربلت يوم الروع ثوب
وهل كان همي غير ما كنت ذاكرًا
وهل نمت عن طرف الجواد
إلى أن قال:
سل الخطبا ما دعوا الله لك
جهرة على رغم أهل الجور عند التصادم (3/7)
صفحة 560
وسل ... عرب ... البيداء ... هلا ... أذقتهم
عشي ... خانوا ... العهد ... سم ... الأراقم
قوله: عرب البيداء أراد بهم البدو خاصة وهم نهد وعقيل، وها هنا يخبره بلسان المقال عن حقيقة الحال فيقول
وأما ... نواحي ... حضرموت ... فإنها
بحول ... إلهي ... طوع ... أمري ... كخاتمي
فاستقر الأمر للإمام الحضرمي البطل المقدام في أرض حضرموت بهمة الإمام الجليل الخليل بن شاذان رحمه الله.
وكان للإمام الخليل وزير يتولى مهمات دولته ويقوم بواجباته في حضوره وغيبته اسمه محمد بن صلهام، وهو يناصر الإمام الحضرمي. قال صاحب المعالم: ولم يجد أبو إسحاق في حضرموت من يناصره في صد غارات القرامطة، فالتجأ إلى الخليل بن شاذان الإباضي أما عمان طالبًا منه النجدة، وقدم إليه قصيدة جاء فيها يشكو إليه الحال الذي هم فيه:
يا خير خل خربت أوطاننا
واستبعد السفهاء كل نبيل
يا خير خل لم نطق دفع الأذى
عن أخذ مكنون وجذ
يا خير خل أصبحت أسواقنا
أسواق سحت واعتداء محول
يا خير خل قد غلبنا فانتصر
وانظر لنا بالرأي عزم أصيل (3/8)
صفحة 561
وجاء في قصيدة أخرى يذكر ما نال من الإمام الخليل رحمه الله وما وفقه الله له من النصر فيقول:
وجدت ... له ... بالعذر ... بسطا ... وجادلي
بما ... فيه ... نصر ... لا ... عدته ... المكارم
فها ... أنا ... ذا ... بالمال ... والبيض ... والقنا
على ... حضرموت ... بالسلامة ... قادم
سلا ... تخبرا ... عني ... إذا ... صرت ... نحوها
وناديت ... في ... الإخوان ... أين ... اللهامم
قال: وعاد أبو إسحاق إلى حضرموت بعد أن أمده الخليل بن شاذان بالمال والسلاح، قال: وقد استطاع بهذه المعونة أن يجمع حوله جنودًا وأنصارًا فرق بهم أعداءه، حتى لم تبق منهم سوى طوائف، التجأت إلى القرى الواقعة بأطراف البلاد، قال: وفي هذا يقول أبو إسحاق من قصيدة أرسلها إلى الخليل إمام عمان، مع وفد وجهه إليه عقب انتهاء الحرب يخبره فيها بما تم له من النصر، وهي القصيدة التي أشرنا إليها ومنها قوله:
سل ... الوفد ... عني ... يا ... إمام ... ألم ... أكن
تسربلت ... يوم ... الروع ... ثوب ... العزائم
إلى آخر ما جاء فيها، وفيها يشير أيضًا إلى الصليحي أحد حكام اليمن في ذلك العهد إذ يقول:
ولم يبق لي إلا الصليحي قائمًا
وها هو أيضًا سعده غير قائم (3/9)
صفحة 562
إلى أن قال يذكر منه:
إذا ... وفد ... ولى ... إلى ... مصر ... رائدًا
مضى ... وفدنا ... قصدًا ... لخير ... المعالم
يعني عمان أي إذا ولى وفد الصليحي على مصر مضى وفدنا إلى عمان، فهو يستنجد بمصر فنحن نستنجد بعمان.
قال: إن الخليل أمده مرة بالمال فقط ومرة أخرى بالمال والرجال، فهذا يدل على تردده على الإمام المذكور في تقويم وإصلاح شئونه، وكان يفتخر بذلك ويهدد به الخصم ويعلن بذلك في المجامع. قال: ويزعم الشيخ سليمان الباروني أن أبا إسحاق أقام عاملا بحضرموت للخليل بن شاذان مدة حياته، فلما نصب راشد بن سعيد إمامًا بعمان بعد الخليل بقى عاملا على حاله وله مع الإمام راشد قصائد يعترف له فيها بالولاء، منها قصيدته التي أرسلها يعرض فيها للإمام راشد النجدة في حربه مع نهد وعقيل حيث يقول:
إباضية ... زهر ... كرام ... أفاضل
مناقبهم ... في ... كل ... سامي ... علا ... تبدو
وأنت ... لنا ... من ... بعدهم ... صرت ... قيما
حمولاً ... لثقل ... الخطب ... يورى ... بك ... الزند
وللإمام الخليل رحمه الله فضائل أعمال وجلائل خصال أولاه الله عزوجل إياها، وقد ساد الخليل عمان سيادة ازدهرت بها البلاد، ونشط فيها الرشاد، وارتفعت به رءوس الأمجاد، وكان علماء المسلمين بعمان أنصار الإمام الخليل، وأعوان السيد الخليل، وكانوا لا يداهنون إمامًا ولا سلطانا إذا خالف الحق، ففي يوم الثلاثاء لعشر (3/10)
صفحة 563
ليال من شهر رمضان سنة تسع وأربعمائة، أي بعد وقوع البيعة للإمام الخليل بسنتين، أنكر العلماء بعض الأشياء في عهد هذا الإمام النبيل، فاجتمعوا ضحوة نهار الثلاثاء من اليوم المذكور، وهم موسى بن أحمد، وأحمد بن محمد، والحسن بن أحمد، وعمر بن محمد، وراشد بن محمد ومن معهم من إخوانهم المسلمين، ونظروا فيما استنكروا وكتبوا فيما أنكروا كتابًا إلى وزير الإمام محمد بن صلهام قالوا فيه كلامًا طويلاً من جملته:
وبعد هذا فنحب أن يقف الأخ على طرف من الأمور التي تجري في بلادنا منن القائمين بها، أي من طرف الإمام المتولين لأمورها، من تركهم إتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثار المسلمين وسيرهم في الرعية بغير الحق، حتى كثرت المناكر، ومات الحق وأهله، وارتفع الباطل وحزبه، وصار أهل الحق لا يقدمون على الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر، لأن المنكر ابتلى به من تسمى بالحق بلسانه، ويخالف ذلك بأفعاله، وقد خشينا من ذلك زوال النعم وتغير الحال، وقد كتبنا للإمام نصره الله عام أول كتابًا مترجماً له فيه ما كنا نتوقعه من هذه الأشياء، ولم نرد بذلك إلا نصيحة له، وخروجًا مما يجب علينا مما تعبدنا الله به، فرجع الجواب إلينا على غير ما كنا نرجوه، وأنزلنا في ذلك بمنزلة التهمة، فلما رأينا ذلك توسعنا بالسكوت، لأنه يوجد عن بعضهم انه قال: إذا كان الذي ينكر المنكر لا يقبل منه ويستخف به للم يكن عليه، أن يعرض نفسه للاستخفاف أو نحو هذا من اللفظ، وهنا أقوام ممن قد عرفوا بكثير المناكر، صاروا يكاتبون الإمام نصره الله رقعة بعد أخرى، ويزينون فعل من قد ساعدهم على مناكرهم ويقولون غير الحق، ويشهدون بالباطل (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) 1 كل هذا خشية أن يولي عليهم من يشد عليهم ويمنعهم من المناكر التي قد شهروا (3/11)
صفحة 564
بها، ويصيروا هم وغيرهم من الرعية سواء، فإنما هم يرجعون على الإمامة في كتبهم بغير الحق، وقد أمنوا ألا يبحث عن أفعالهم، ولا يسأل عن صحة قولهم، ولو كان الإمام نصره الله ينظر في هذه الأمور وصحتها، ويسأل عن حقها وباطلها، وصحيحها وسقيمها، فضر أهل الباطل باطلهم عنده، ونفع أهل الحق حقهم عنده، لما اجترأ أحد أن يكتب إليه الكذب، ويتقول على لسان الرعية ما لم يكن، ولكان هذا الباب قد انغلق، ولم يتجاسر أحد أن يكتب إليه إلا الحق.
ولما ضاقت أنفسنا من هذه الأمور التي شرحناها ووصفناها، رأينا اطلاع الأخ العزيز أدام الله أنسنا به على ما عندنا، وشرح ما نحن فيه لعلمنا أنه ممن يغضب للحق ولا يرضى الباطل، فإن رأى أن يطلع الإمام نصره الله على ما ذكرنا وشرحنا، فإنا لم نذكر له ما عندنا إلا اختصارًا، ولو ذهبنا نصف كل ما نراه ونعاينه من هذه الأمور لم تبلغ كل ذلك، إلا أنا نكل أمورنا إلى الله، ثم رأى الأخ فيما كتبنا إليه ورد جوابنا مما نستدل به منه على وصول كتابنا إليه، وما يقتضيه رأيه في ذلك إن شاء الله والسلام عليه من جماعتنا، ويسلم منا على الشيخ أبي الحسن على بن راشد، متعنا الله ببقائه، والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
قال الإمام رحمه الله: ولم نظفر بجواب هذا الكتاب، غير أني وجدت جوابًا من أبي الحسن بن أحمد النزواني وهو فيما أحسب وهو فيما أحسب قاضي الإمام الخليل رحمهما الله تعالى، كتبه أبو علي جوابًا في مثل هذه القضية: قال رحمه الله تعالى: فهمت ما كتب به الشيخان في مال المشايخ، وتعدى من تعدى فيه وترك المنع من الإمام نصره الله، قال الإمام: ما ولي عليها محمد بن حمزة، ولا أمره بقبض الصدقات منها، وإنما سأله بعض أهلها أن يكون معهم للأنس وللإنكار فيما قدر على (3/12)
صفحة 565
إنكاره، والمعروف من آثار المسلمين أن الإمام إذا كان في حال المحاربة، ولم نستول على المصر أنه مخير في الأحكام، إن شاء حكم وإن شاء ترك الحكم، حتى يفرغ من محاربة عدوه، وقول ليس له ذلك وليس عليه أيضًا، ولا يضيق على الإمام ما وسع له المسلمون، إلا أن الذي نختاره له ونحبه له ألا يدع شيئًا من الأحكام، ولا من الإنكار مع القدرة عليه، وهما قد عرفا ما جرى في مال بني زياد بسمو نزوى من الخراب، وأخذ الدواب وإتلافها وإتلاف الثمار في أيام الإمام، فما عاب أحد على الإمام حتى سهل الله وتبين للوالي النظر في ذلك، ومنع عنه، وكان لم يزل يجري فيه الخراب مرة بعد أخرى، إلى أن كان أيام دهمان، ومنع عنه، وكان جرى في المال الذي تركه على في السر ما جرى، ومنع الوارث وهو يصيح ويستغيث، فما عيب على الإمام ذلك، وليس أريد بهذا احتجاجًا من الظلمة إلا أني أذكرهما ما يعرفانه لئلا يتوهما في الإمام غير ما هو عليه، وهؤلاء المشايخ حرسهم الله، لو وصلوا إلى ما لهم وقاموا فيه لكان كل من قدر على معونتهم بالحق من إمامهم أو غيره أعانهم.
وهذا يدل أن هناك أهواء ومنافسات، ولعل ذلك بين بعض الزعماء وأهل العلم بحسب المفهوم من سياق الكلام الذي تقدم من المشايخ الأولين، وفي الكلام الخير ما هو من نوعه وهو واضح. ولم يكن الإمام رحمه الله ممن لا يقبل أقوال أهل العلم، ولا ممن لا يقبل النصح حاشاه، بل هو أحفى بذلك وأولى يرى ما لا يراه غيره، ولعل له عذرًا وأنت تلومه، وعلى كل حال إن الإمام رحمه الله مبتلى بأمور الأمة، وعليه الصبر على ما يرى ويسمع. (3/13)
صفحة 566
قال الإمام أبو إسحاق رحمه الله:
من ... شاء ... يعلم ... ما ... كانت ... أوائلنا
فيه ... فسيرتنا ... تكفيه ... برهانا
هذا ... الخليل ... إمام ... المسلمين ... حكت
أنوار ... سيرته ... في ... العدل ... نيرانا
والمراد قوة الإضاءة فكأنها نيران تشتعل لا نارًا فقط، وذلك كناية قوة الاشتعال وقوة الإضاءة تجوزًا عما لا يخفى، ويليه قوله:
يا أيها العلم العدل الذي كملت
له الخصال مروءات وإيمانا
إني أحبك والرحمن يعلمه
حب احتساب إلى ذي الطول قربانا
ومنها:
حتى عبرت إليك البحر منتصرا
أيام عدت أوليت بما جذلانا
ومنها:
إن الذي عمرت صنعاء
دولته بالفسق أصبح من مولاي فزعانا
هذه هي حالة الإمام الجليل الخليل بن شاذان رحمه الله، ومضت (3/14)
صفحة 567
أيامه على هذا المنهج الكريم والصراط المستقيم، ولم تعرف له سوءة تذكر إلا ما أشار إليه مقال أولئك الأشياخ الذي أوردناه لك عنهم، وله فيه عذر، وعذر عند الله وعند عباده.
قال ابن رزيق: ولما ركدت زعازع بغي الخلفاء العباسيين عن عمان، وانقطعت مادتهم عنها بالبغي والعدوان، عقد أكابر عمان الإمامة على الخليل بن شاذان، فسار سيرة العدل والإنصاف، واتبع أثر السلف الصالح، وأقر عيون الرعية، وجعل الفقير والغني بالسوية، والضعيف والقوي في اتخاذ القضايا الحكيمة، وصارت بعدله أرض عمان في أمان واطمئنان، وقطع شقشقة لبغاة، وجدع أنفا شماء من الطغاة، فعاش حميدًا ومات كريمًا، وكانت دولته على الأشهر سبع عشرة سنة لأنه مات سنة 325 على التحري، وبعده بويع راشد بن سعيد، وعاش إلى عام خمس وأربعين، ومن هنا صار لابن رزيق الغلط في مدة إمامة الإمام الخليل بن شاذان، إذ قال كانت مدة إمامته خمساً وأربعين سنة، وذلك أن راشد بن سعيد مات سنة 345، وكان بويع سنة العشرين بعد ثلاثمائة، وكان الزعماء الذين تسلطوا على الخلافة العباسية جعلوا التنكيل بأهل عمان كالمفروض عليهم، ونظر إلى ما قاله ابن رزيق، ولما ركدت زعازع بغي الخلفاء العباسيين عن عمان، إشارة إلى أن زعازع رياحهم لا تزال تعصف بعمان وتسفي عليها من غبار الطغيان، ولما كانت الزعامة العباسية، مسيطرة على عمان في هذا العهد منذ انمحت دولة الإمام راشد بن الوليد، وسقطت عمان في الحضيض، وصارت دار كفر ونفاق منذ ذلك العهد كما قدمنا، ولما هانت وطأة البغي وتراخت الزعامة العباسية عن عمان، وظلت عمان واهية الإرادة، هامدة الأهمية، وقد خمدت في ذلك الحال نار البغي، وهانت الأمور، قام أهل العلم ورجال الحق كعادتهم عند حلول القرص، فبايعوا الأمام الخليل بن شاذان، وقاموا لإحياء معالم الدين والإيمان، وإخماد ما أثاره أهل البغي وإعادة الحق إلى مجاريه، فقام الإمام المذكور بواجبه (3/15)
صفحة 568
امتثالا لأمر ربه، وإتباعاً لسلفه الصالح، وشاع أمره وظهر صيته، جهزت له البغاة قوتها للكسر هذه الإمامة الخليلية، وهدم مبانيها القوية، فجاءت جيوشها بقيادة أركان حربها من الترك العتاة.
قال الإمام رحمه الله: وخرجت الترك على عمان أيام الخليل بن شاذان. قال: ولعل هؤلاء كانوا جند بني العباس، فإنهم قد استخدموا الترك وغلبوا على أمرهم حتى صارت الدولة إليهم، وصار بنو العباس آلة في أيديهم، فخرجوا على عمان وأسروا الخليل بن شاذان.
ونصب أهل عمان بعد أسره محمد بن علي إمامًا، ثم إن الترك ردوا الخليل إلى هنا انتهى ذكر هؤلاء الترك وفعلهم في عمان، فإذا نحن بحثنا التاريخ سائليين: متى كان أسر الخليل؟ وفي أي بلد أُسر؟ وعلى أي صفة كان أسره2 فإن قوله: فخرجوا على عمان، وأسروا الخليل، لا نرى لنا فيه جوابًا، ولا يكفينا إذ لا نرى فيه صوابًا عن بحثنا، فهو كلام أشبه بمقطوع الرأس أو منهار الأساس، فإن للتاريخ حقوقًا يجب أن تراعى، وهي كشف غموضه إذا أمكن، واستخراج وجوهه في فلسفة أدبية لا يجهلها إلا الأغبياء، فإن أسر الخليل وهو إمام في قومه فهو كلام أشبه بمقطوع الرأس أو منهار الأساس، فإن للتاريخ حقوقًا يمكن أسره على هدوء كما يفهم من التاريخ الذي بين أيدينا؟ أم كان بعد حرب غلب فيها وذلك غير مستنكر؟ أم نادوه فأجابهم وخاطبوه فأذعن لهم فقادوه سامعًا مطيعًا للأمر؟ لا نظن ذلك، وأين ترك جنده وكيف حكم بيعته؟ وعهد الله في الأعناق وأين عمدة أمره الذين أقاموه إمامًا للناس، وبايعوه على أقوى أساس؟ لم يذكر التاريخ الذي بين أيدينا شيئًا مما نشير إليه، ولا يكفينا ذلك عنه ولا يشفي غليل البحث على هذا الوضع منه، لكن الأمر يحتمل أحد شيئين: (3/16)
صفحة 569
أما الأول فإنه لابد هناك من وقوع حرب انتصر فيها البغاة، وبذلك قضوا على الإمام وأخذوه أسيرًا، وهذا من الجائز والممكن، وأنه لابد أن يكون ذلك مذكورًا في التاريخ، كما ذكروا حادثة الإمام عزان ابن تميم، وأنه لما قتل قطع رأسه، وحمل إلى بغداد، ولكن التاريخ ضاع فلم يوجد، وهذا عذر لكنه أوهن من بيت العنكبوت، لأنه شبيه بالمستحيل أن يقع مثل ذلك وينطمس ذكره بتاتًا، فلا يوجد له إشارة فضلا عن ذكر جلي يحسن السكوت عليه.
وأما ثانيًا فأن يقال أنه لما شاع خروج الترك على الإمام المذكور، فر عنه جنده كما فروا عن راشد بن الوليد، إما طمعًا في دولة السلطان الخارج، وإما خوفًا منه واستشعار للغلبة ورهبًا من شماتة الأعداء، ولعل هذا أقرب إلى الصحة وأوضح في المقام، فإن الجنود العراقية ما زالت تغزو عمان أيام ضعفها، وقد وقع الإمام الراشد بن الوليد من نوع ما نتكلم ننحن هنا عنه، فأصبح الإمام خائفًا يترقب، حتى آل به الأمر أن أصبح مفقوداً من بيته، فلعل قضية الخليل بن شاذان من هذا النوع، ولما رأى العجز أخذ بالرخصة واستسلم للأسر، وهما أمران أحلاهما مر، ولكن إذا ابتلى المرء أخذ بالممكن، والأمر لله عزوجل.
ولعل أيضًا لما دخل الترك عمان، وجدوا الإمام الخليل فريدًا ذليلا بترك قومه له فقبضوا عليه راغمًا، وقادوه أسيرًا، ثم لما لم يروا لديه أمرًا هامًا يعرقل مساعيهم، وعمان إذا أرادوها وجدوها رهن أياديهم، فلذلك قالوا للخليل: رُح إلى بلادك وأولادك، مانين عليه بذلك، لكن هذا يبعده أيضًا اجتماع العمانيين بعده حالاً على بيعة لمحمد بن علي إمامًا بعمان، ولعل الخارج لم ير صلاحاً له في عمان، لأنها ضعفت في ذلك الحال، إلى أقصى حدود الضعف عن الدفاع للغزاة، (3/17)
صفحة 570
إذ المال فيها قليل، وقد مزقها الأعداء وذهب الخير منها، فلعله خرج عنها تاركًا لها، ولما علم العمانيون ذلك بايعوا محمد بن علي ولم يذكروه ممن ولا من أي البلاد، ثم لما رجع الخليل بن شاذان رجع إليه أهل عمان، وأعادوا الإمامة له في تأمر جرى بينهم لرعاية الأصلح لهم، ولعل الخليل أيضاً علم من الغزاة الترك لعمان لعدم الصلاح لهم فيها، وإلا فكيف يقبل أن يعود إمامًا لعمان؟ وقد رأى وسمع ما ساءه من العدو الخارج، وأنه ربما خرج غدًا أيضًا أمر أشكل تحقيقه ونظر صعب تدقيقه، وعمل ابتلى به قوم، وحوادث وقعت أردنا أن نفهمها لنعمل فيها بعد العلم بها بما يجب علينا، وإذا ألقينا نظرة إلى قوة الغازي، وضعف أهل عمان فلن يقبل الإمام أن يعود إماما لأهل عمان، بعد ما صار عليه ما صار بين أظهرهم، ولا يرضى أن يكون كمن سبق إذا جاء السلطان دخل بيته واختفى، وإذا خرج السلطان برز إلى الناس ونادى أنا إمامكم هلموا نحوي، هذه الاحتمالات نحررها للإشكال الذي أدى إليه الحال من أمر الإمام الخليل بن شاذان، وأسره بعمان بين الأنصار والأعوان، والأقارب والإخوان، ولم يذكروا سبب ذلك والله أعلم بما هنالك.
وأنه يفهم من قولهم خروج الترك على عمان، خروج تركيا الدولة المعروفة وليس كذلك، وإنما هم على الصحيح قواد جيوش الدولة العباسية، الذين تولوا الأمر على بني العباس، فأطلقوا عليهم اسم السلطنة ثم ألحقوه بعد بمعناها تقية لهم، إذا أصبحوا يتلاعبون بهم تلاعب الصولجان بالكرة، ولم يبق لبني العباس حتى الاسم عقوبة على تضييعهم أوامر ربهم، وتعلقهم بالهوى، وإتباعهم لكل من غوى وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. (3/18)
صفحة 571
المسلمون يأتمرون بعد رجوع الخليل إلى عمان
لما تحقق رجوع الإمام الخليل إلى عمان سالمًا نظر المسلمون في القضية ومن هو الأولى بالإمامة، فرأى فريق من المسلمين أن الإمام الأول حكمه حكم المفقود إذا رجع إلى زوجته، وقد تزوجت بعده أن له الخيار، إذا أرادها ينزل عنها الثاني، وتعود إلى زوجها الأول، وإلا فله أقل الصداقين وذلك للترغيب في العودة إليها وكذلك الإمامة إذا أرادها الإمام الغائب عنها رجعت إليه بذلك العقد الأول.
قال الإمام: تنصيب أهل عمان من بعد أسره محمد بن علي إمامًا، ثم إن الترك ردوا الخليل، ومال الناس غليه بحبهم له، ورغبتهم فيه لعدله، أي كان محبوبًا فيهم مقبولا لديهم، فيقال: إن الإمام محمد بن علي اعتزل الأمر بنفسه، ورد الأمر إلى المسلمين فردوا الإمامة إلى الخليل بعد خلاف وقع في مسألة أيهما الإمام. فقال بعضهم: إن عقد الأول سابق وأنه هو الإمام أي مع وجوده، وقال آخرون: إن الأول زالت إمامته حين صار في يد العدو، وإن عقد الثاني هو الثابت. قال الأولون: بل الإمام يكون في حكم المفقود الذي حكم بفقده، وتمت أيام مدة فقده واعتدت امرأته وتزوجت، فإنه إن رجع بعد ذلك خير بين امرأته وبين أقل الصداقين، فأيهما اختار كان له، فلولا أن تزويجه سابق ثابت ما كان له التخيير، فالإمام إذا أُسر ثم رجع يكون مثل ذلك.
قال الإمام السالمي رحمه الله: والذي أقوله إن الإمامة قد تزول بالعجز عن القيام بها، لأنها أحوال منوطة بقدرة القائم، فإذا زالت القدرة فالمسلمين أن يقدموا غيره، فإذا قدموا غيره كان هو الإمام. قلت: ذلك دليل على أن إمامة الأول تزول بالعجز عن القيام بها، قال: وليس لهم أن يتركوا عقده لرجوع الأول إليهم بعد أن عقدوا له بوجه (3/19)
صفحة 572
صحيح، فأما لو انتظروا رجوعه كان لهم ذلك جائزاً، وحين اعتزل الإمام الثاني اختيارًا وقيل المسلمون منه ذلك ارتفعت المئونة وانتفى الخلاف، لأن للإمام أن يعتزل عن مشورة المسلمين إذا قبلوا منه ذلك، ورجوا أن غيره أعز وأقوى على الأمر، وأصلح للدولة، لأن المقصود بالذات صلاح المسلمين، وقد قيل إن الإمام الجلندي بن مسعود رحمه الله، اعتزل مرتين، وما كاد في الثانية أن يرجع إلا بشق الأنفس حين لم يجد عذرًا من المسلمين.
ويفهم من الأحوال أن الإمام الخليل كان صاحب أخلاق واسعة، وعواطف جامعة، أخذت من قلوب الأمة مأخذها، ولولا ذلك لما أرادوا الرجوع إليه، وقد وجدوا الخلاص منه بقهر العدو الداهم له، وانحلال أمره بذلك لكن العواطف الجميلة لها فعل جذاب لنفوس صفوة الأمة، ولم لا وأخلاق الصلت عرفها الكل في عمان. (3/20)
صفحة 573
وفاة الإمام الخليل بن شاذان رحمه الله
لما كان لابد منه محتومًا على الإنسان، وكان الإمام الخليل بن شاذان ممن عاش في أيامه كلها مشغولا بأمور المسلمين، معنى بحقوق رب العالمين، وقد مرت عليه شدائد في حياته، منها أسره في أيد عدوه، وزوال الأمر عنه بذلك حتى قاسى من ذلك.
قال الإمام: كان في إمامته مشكورًا وصار سجل الثناء عليه من بعده منشورًا، توفاه الله إلى رحمته ورضوانه في أول سنة 4253 على التحري، إذ ليس نص صريح في تحقيق حياته وموته، وبالأخص في قضية أسره كما قدمت ذلك، فإن إهمال التاريخ وعدم النشر للمؤرخ يقضي بذلك والعلم عند الله. (3/21)
صفحة 574
إمامة الإمام راشد بن سعيد اليحمدي
وأنه ... كان ... إماماً ... شاريًا
مجاهداً ... في ... البر ... والبحار
كان الإمام راشد بن سعيد رحمه الله من أهل سوني بايعه المسلمون بالإمامة في سنة 445 خمس وأربعين وأربعمائة على أثر موت الإمام الخليل ابن شاذان بن الصلت، وكلاهما من عنصر واحد، ويحسب ظاهر التاريخ العماني أن الزعامة العراقية تأخر رائدها عن عمان، وذلك بعد رجوع الإمام الخليل بن شاذان رحمه الله، وكان ذلك في عهد المكتفي بالله العباسي، وكان انحطاط القوم في هذا العهد قد بلغ نهايته، قال الخضري في محاضراته سنة 334: وقد كان الخليفة المكتفي بالله، وكان البويهيون هم السلاطين والعباسيون هم الخلفاء اسماً دون معنى. قال: كان من أهم مقاصد ابن بويه المسير إلى العراق بعد الاستيلاء على واسط، فصار أحمد بن بويه يسير إلى واسط، ثم يعود عنها حتى كاتبه قواد بغداد يطلبون إليه المسير نحوهم للاستيلاء على بغداد فوصلها في إحدى عشر من جمادي سنة 334أربع وثلاثين وثلاثمائة، والخليفة بها المكتفي بالله، فقابله واحتفى به وبايعه أحمد، وحلف كل واحد منهما لصاحبه هذا بالخلافة، وهذا بالسلطنة، وفي هذا اليوم شرف الخليفة بني بويه بالألقاب، فلقب عليًا صاحب بلاد فارس عماد الدولة وهو أكبرهم، ولقب الحسن صاحب الرأي والجبل ركن الدولة، ولقب أحمد صاحب العراق معز الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على النقود، وهذا اليوم هو تاريخ الدور الثاني للخلافة العباسية، وهو تاريخ سقوط (3/22)
صفحة 575
السلطان الحقيقي من أيديهم، وصيرورة الخليفة منهم رئيسًا دينيًا لا أمر له ولا شيء ولا وزير، وإنما له كاتب يدبر اقتطاعاته واخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لعز الدولة يستوزر لنفسه من يشاء، ومعنى هذا أن الأمر إليه كله نقضًا وإبراماً، وحلاً وعقدًا، وأمرًا ونهيًا، وعليه فقد انتهت الخلافة تمامًا، وانقضى دورها، ولكل شيء غاية ينتهي إليها (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) 4 ظن بنو العباس أن الدنيا خلقت لهم، والخلافة خصت بهم، والمر إليهم وتأولوا الأحاديث، واستدلوا بتأويلهم أن الخلافة إلى آخر الدهر فيهم إليهم، وما دروا أن الله هو السلطان الحقيقي، وان كل العبيد تحت قهره وتصرفه، وأمرهم بيده، فعاثوا في الأرض فسادًا، وفي الدين ضلالا، وفي الأحكام جورًا، وفي الحق باطلا، فسلط الله عليهم عدواً أدنوه منهم، وقربوه بأنفسهم، فسلطوه على الأمة فتسلط عليهم عقوبة بغيهم وفسادهم، وتكبرهم وعنادهم.
قال الخضري في محاضراته: وكان يخطر ببال معز الدولة أن يزيل اسم الخلافة عنهم بل عن عامة آل العباس ويوليها علوياً لأن القوم كانوا شيعة زيدية، وكانوا يعتقدون أن بني العباس قد غصبوا الخلافة إلى آخره، والقوم قد انحلوا من الأمر تماما قبل هذا التاريخ، وتولى عليه خدامهم الذين كانوا جنوداً وضباطًا، وأصبح اسم السلطان يعلن لهؤلاء، واسم الخلافة لأولئك، وكان السلطان إليه الحل والعقد وليس للخليفة إلا اسمه وهو قاعد في لهوه وطربه، نائمًا بين قيناته وغوانيه، متمتعاً بلذاته وأغانيه، وهكذا وهذا شاهر، ظاهر، ولو كنا معنيين بتاريخهم لرأى الناس فيه العجب، وذكرنا هذا توطئة لسكون الغزوات من نحوهم على عمان وعدم الاعتراض على العمانيين، (3/23)
صفحة 576
إلا أن الخوف من غاراتهم لم يزل يطن على آذان أهل عمان، وكان الإمام راشد بن سعيد من أجلة أئمة أهل عمان إذ كانت بيعته على الشرى، وهذا كان دليلا على قوة نهضته في عمان.
قال الإمام: وكان إمامًا شاريًا يعني راشد بن سعيد، وكان لفظ الشرى الذي يشاري عليه هذا الإمام، إذ كان عماله يأخذون له البيعة من الناس بهذا اللفظ، وهو أنت قد شاريت الإمام راشد بن سعيد على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الجهاد في سبيل عزوجل، وعلى أن عليك ما على الشراة الصادقين، بهذا العقد الذي يعاقدون به الدجال في الدين وهو عظيم، فإن الشاري متجرد للموت في سبيل الله لا ينثني ولا يخشى في الله لومة لائم، أو تفنى روحه أو ينصره الله على عدوه، وبنفس هذه البيعة اهتزت عمان له هيبة له إذ كان أمره جللا، وبذلك اندهش البغاة فرأوا أن سيوف الإمام وحزبه مسلولة ليلا ونهارًا، إذا جاءهم الصريخ لبوه كالهيم العطاش، وكالأسود الضارية، فسكنت عمان تحت قدمه وقرت عيون أهلها بين يديه.
وفي هذا الأثناء لبته الزعامات، وقامت قناته على الرؤوس والهامات، ولم تتحرك عليه في عمان حركة، إلا أن بعض الغزاة من بادية اليمن وهم نهد وعقيل، كانوا يأتون أطراف عمان، فينهبون من لاقوا من ضعفاء المسلمين في الطرق، وكانوا ينزلون بأطراف الأحساء، ويناوؤن الإمام عداء، ويظاهرون عليه عدوه، إلا أنهم لم يقدروا أن يقروا في أرض خاصة خوفًا من هجوم الإمام عليهم، ولما تبين للإمام رحمه الله أنهم ينزلون الأحساء، خرج إليهم بجيش جرار، فما شعروا إلا والإمام (3/24)
صفحة 577
راشد بن سعيد حولهم، وسرعان ما تفرق جمعهم وتشتت شملهم، وتفرقوا في الأرض شاردين والرعب حولهم كما يقول المتنبي، حتى أن هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا، فانمحى فساد هؤلاء الأوغاد، وهم إنما تحصنوا بالبعد ويظنون أن يد الإمام لا تنالهم، وما دروا أنه من باع نفسه لله هان عليه كل صعب، ورأى المر أحلى من العسل، وبذلك تهون عليه المصاعب، ويتجشم الأمور راجيا عليها عند الله فوزا عظيما، وفضلا عميما، وكان من الحزم بمكان، ومن العزم في أعلاه، ومن الورع في منتهاه، وزاره أبو إسحاق الحضرمي الذي زار قبله الإمام الخليل بن شاذان، واستنجد به كما استنجد بمن قبله وردد أصوات الثناء عليه في الأثير المترامي، فسير إليه من غرر شعره جواهره قائلا فيه ومخاطبا له:
ألا ... حي ... منها ... ما ... حوى ... العلم ... والتقى
إلى ... همة ... تعلو ... إليها ... والمرازما
ومن ... سل ... سيف ... الحق ... للحق ... داعيا
إليه ... مجدا ... قد ... أزاح ... الأشائما
أما ... ما ... بنزوى ... قائما ... قام ... في ... الورى
بعدل ... فأضحى ... الحق ... إذ ... قام ... قائما
أديبا ... لبيبا ... يحمد ... يا ... غضنفرا
من ... الأزد ... ليثا ... في ... حمى ... الحرب ... غانما
أيا ... راشد ... إنا ... لعمرك ... نزدهي
بذكراكم ... في ... حضرموت ... تعاظما (3/25)
صفحة 578
إذا ... ما ... عماني ... ألم ... بأرضنا
أحطنا ... به ... نسأله ... عنكم ... تزاحما
هنيئا ... لكم ... أهلا ... لما ... قد ... حباكم
به ... الله ... من ... فضل ... له ... الحمد ... دائما
وما زال الإمام الحضرمي يهتف بالإمام وينادي به في الأوطان الحضرمية والمجامع اليمانية وفي قصائده الشعرية، ومنها قوله من قصيدة أخرى
وبيض ... بأيدينا ... خفاف ... صورام
ثقال ... الظبى ... مشحوذة ... بالمبارد
معودة ... هتك ... الجماجم ... أظهرت
سبيل ... إمامينا ... الخليل ... وراشد
وقال في أخرى ويذكر فيها أحوال نهد وعقيل الذين شرد بهم الإمام وهربوا عنه هروب النعام الجافل في الفلا، وكناه بأبي غسان فقال:
ألا أبلغوا عني السلام تحية
إمام عمان راشدا أيها الوفد
وسار فيها سير المشوق المحب المغرم بمن أحب ومدح وأثنى وردد الذكرى قائلا:
وما كان من أبناء نهد وأختها
عقيل أولى البغي الذي شابه الحقد
لقد زال عن آرى عقيل وأختها
لنيل الفتى شاذان والديلم الرشد (3/26)
صفحة 579
أي زال عنهم الرشد إذ خاصموا الإمام فتى شاذان ومناصرتهم للديلم أيام الخليل بن شاذان، فردوا على أعقابهم خاسرين وقال:
كذلك ... نهد ... قد ... أزلت ... رقابها
لنصرهم ... للأعدا ... لقد ... عجزت ... نهد
لقد ... جمع ... الأقوام ... طرا ... وخالفوا
جيوش ... أبي ... غسان ... فاستوثق ... الحشد
ومضى يصف الحال التي فيها أولئك الأوباش والأوغاد:
وأموا ... للقيام ... بجيش ... عرمرم
ولم ... يثبتوا ... عند ... اللقاء ... ولا ... اشتدوا
ولما ... ترائى ... العسكران ... تدابروا
كمثل ... نعام ... شارد ... خلفه ... الأسد
فقتل ... منهم ... في ... المعارك ... عصبة
على ... حنق ... خاضت ... دماءهم ... الفهد
فإن ... عدلوا ... عن ... بغيهم ... وتراجعوا
إلى ... عسكر ... الإسلام ... والحق ... وارتدوا
فأهلا ... وسهلا ... بالعشيرة ... إنهم
إليكم ... بإخلاص ... لرب ... السما ... أدوا
وإن ... هم ... أبوا ... فاستصرخونا ... فإننا
قريب ... وما ... للقوم ... من ... صحبهم ... بد (3/27)
صفحة 580
أي نادونا فإنا معكم نجيب الندا ونرد العدا ولم نجد من ذلك بدا:
وما ... بين ... وادي ... حضرموت ... وبينكم
إذا ... سركم ... إتياننا ... نحوكم ... بعد
أي ما بيننا ونحن وحضرموت وبينكم وأنتم في عمان بعد إذا أردتم مناصرتنا لكم عليهم فإننا مستعدون لها إلى أن قال:
متى ... يأتنا ... منكم ... صريح ... نؤمكم
بعسكر ... جرار ... يضيق ... به ... النجد
كهولا ... وشبانا ... صباحا ... مساعرا
ورادا ... إلى ... الهجا ... إذا ... استصعب ... الورد
بكل ... رديني ... أصم ... ومرهف
كمثل ... شعاع ... الشمس ... تحملنا ... الجرد
لله درك يا أبا إسحاق وأنت البطل المقدام لا يشق لك الغبار، ولا يستطاع لك لحاق، تجردت لله وبعت نفسك لرضاه، ولله إمامنا الراشد اسما ومعنى.
وكان الإمام راشد أديبا لبيبا له رقيق يدا على ملكة عالية ونفس سامية وبلاغة في سهولة مورد، وعذوبة ذوق، ودماثة خلق ونشاط جميل، ورأي أصيل وذكاء ناضج، وفهم واسع، وشعر يدل على شعور كامل وذهن حاد، يتجلى على نفسه الوثابة للمجد وهمته العارمة على كل وغد منها: (3/28)
صفحة 581
إن ... منزل ... قفر ... تعفت ... جوانبه
وغيره ... من ... سافح ... القطر ... ساكبه
كأن ... لم ... يكن ... فيه ... من ... البيض ... شادن
تضاحكه ... أترابه ... وتلاعبه
فأضحى ... أسى ... من ... بعد ... أن ... كان ... سلوة
تجربه ... أذيال ... خز ... كواعبه
أنظر لطف هذه الأبيات وسلاستها وحسن التخيل فيها، بحيث تسلب اللب وتجذب القلب، وتحرك الجامد وجدا وتنعش الجامد حبا وتحيي النفوس المتزمتة شوقا.
وانظر غلى ما يقوله في نفس القصيدة من الحكمة البليغة في عبارتها المنيعة:
من ... الجهل ... أن ... تعنى ... بأمر ... كفيته
وتترك ... ما ... كلفته ... لا ... تطالبه
إذا ... المرء ... لم ... يعرف ... مذاهب ... سعيه
لدى ... وعيه ... غالته ... يوما ... مذاهبه
ومن ... لم ... يفكر ... في ... عواقب ... أمره
مدى ... دهره ... صارت ... عقابا ... عواقبه
ففي هذه الأبيات من الحكمة ما لا يخفى على أديب، واسمعه يعظ:
وما هارب إلا إلى الموت آيب
ولا سالب إلا وذا الدهر سالبه (3/29)
صفحة 582
لقد صدق والله في هذا كما صدق في قوله: لا إله إلا الله إلى أن قال في هذا المقام:
مدى ... الدهر ... لا ... ينجو ... من ... السخط ... والرضا
فإسخاطه ... قوما ... لقوم ... مواهبه
وما ... عاقل ... في ... الناس ... من ... راح ... واغتدى
بغالب ... في ... دنياه ... ما ... هو ... غالبه
وأجهل ... أهل ... الجهل ... كم ... كان ... جاهلا
ولم ... يدر ... أن ... الجهل ... يهلك ... صاحبه
وأجهل ... مننه ... جاهل ... ظن ... أنه
بصير ... وقد ... عابته ... جهلا ... عوائبه
ولا ... خير ... في ... خير ... ترى ... الشر ... بعده
ولا ... في ... أخ ... دبت ... إليك ... عقاربه
فقد جاء في هذه الأبيات الثمينة والكلمات الرزينة بحكمة غالية وموعظة سامية أبرزها في قالب الأدب الصحيح، وأخرجها من لجها الزاخر إلى الفضاء في منهجها الرجيح، واسنعه يبدي شيئا مما في نفسه الجياشة:
ولا ... العيش ... إلا ... أسمر ... اللون ... عاسل
وأشقر ... في ... يوم ... عبوس ... تلاعبه
ورقن ... تعاطيه ... الحمام ... وفارس
تعاطيه ... حينا ... ثم ... حينا ... تضاربه (3/30)
صفحة 583
ذريني ... وخلقي ... يا ... ابنة ... القوم ... إنني
رأيت ... الأذى ... حربا ... لمن ... لا ... يحاربه
على ... أنني ... إما ... امرؤ ... ضمه ... الثرى
وإما ... فتى ... جلت ... بقوم ... كتائبه
وإما ... فتى ... أبكى ... عيون ... عداته
وإما ... فتى ... تبكي ... عليه ... أقاربه
وإما ... فتى ... يقضي ... عليه ... حمامه
وإما ... فتى ... تقضي ... عليه ... كتائبه
وفي رواية قواضبه، وإنها لقنابل حماسة تحملها نفسه الحساسة وتعرب عنها شاعريته الإنسانية، وطويته الإيمانية، وما يجيش به الصدر تقذفه اللسان، وما يهتز له الجان، يذيع به البيان والمرء بأصغريه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمعه يثني على الحضارم إذ واعده القيام على نهد وعقيل إذا أراد منهم ذلك كما في كلام الإمام الحضرمي، حيث يقول متى يأتينا منكم صريخ نؤمكم بعسكر جرار إلخ فقال:
وفتيان ... صدق ... من ... الرجال ... حضارم
أوائلهم ... أعيت ... على ... من ... تغالبه
لهم ... همم ... تعلوا ... العلى ... وعزائم
يصدقها ... فعلا ... كرام ... مناقبه
وأما ... إذ ... اشتد ... البلى ... بنفوسهم
وبالمال ... ما ... إن ... ضن ... بالمال ... واهبه (3/31)
صفحة 584
وأكرم ... بقوم ... قولهم ... هو ... فعلهم
ولا ... فعل ... إلا ... ما ... كرام ... مناسبه
واسمعه يؤنب من كان بخلاف ذلك من الرجال:
وكم ... قائل ... في ... قوله ... غير ... فاعل
إلا ... أن ... شر ... القول ... ما ... أنت ... كاذبه
لقد صدق والله وبهذا جاء القرآن العظيم، وحديث النبي الكريم وبذلك يقضي حكم المروءة في الإنسانية الطيبة النزيهة، وأسمعه يعرب عما في نفسه الصافية من الأدران الصادقة الإيمان:
ولست امرأ يرضى سلامة نفسه
وإن يتلف الدين الذي هو طالبه
سلى هل قطعنا سبسبا بعد سبسب
تعاوى به سيدانه وثعالبه
يل النسر هل زرنا فلم نقض حقه
وقد نشبت في لحم قوم مخالبه
فما زال يخفي الليل ما في سواده
إلى أن بدت عند الصباح عجائبه
واسمعه يرثي لساقط الهمة الخامل في الأمة بقوله:
متى يكسب المعروف من كان همه غداء يغدى أو فتاة تراقبه (3/32)
صفحة 585
أي همته بطنه وفرجه، بئس من كان هذا غاية مطلبه، وفيه يقول رحمه الله:
إذا ... هم ... صدته ... زواجر ... خوفه
وعاقته ... من ... دون ... الرحيل ... حبائبه
قال الإمام: وإنما ذكرنا القصيدة بأسرها لسهولة موردها وعذوبة مشربها، وهي مع ذلك دلالة على سمو همة الإمام وغزارة فهمه، وبعد مرامه وحسن اقتداره.
قلت: وإمامنا السالمي رحمه الله يعشق ما كان كذلك من الشعر ويطرب له طبعا، فلله دره من همام ولله در ذلك الإمام.
وقد سكنت عمان أيام هذا الإمام الرضي الشاري الولي الذي باع نفسه برضي الله عز وعلا، ولم يبلغنا أن قائمة قامت عليه من أهل عمان ولا غيرهم، وإنما انتقد بعض العلماء بعض الأشياء رأوها تقع في جيوش الإمام راشد بن سعيد فاستنكروها، وجردوا فيها سؤالا للإمام رحمه الله، وأرادوا أن يعلموا ما عنده فيها فأجابهم عنها على نحو سؤالهم مع علمه بما يشيرون إليه، وقد برح الخفا ولا حيا في الحق، ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، والاستكشاف تثلج به الصدور وتصح به الأمور، وسوف ترى قريبًا إن شاء الله.
وقال شيخنا ابن جميل فيه:
والحضرمي ... نشر ... الأشعار
في ... فضله ... ورفع ... المقدارا (3/33)
صفحة 586
معناه رآه أهلا لأن يمدح وتنشر فضائله وتذكر جمائله، ومن مدحته الأخيار وأثنت عليه الأبرار، كان أهلا لأن يذكر بكل جميل، والخلق شهود الله في أرضه، وهذه كتب من الإمام راشد بن سعيد أوردها العلماء في آثارهم، ليؤخذ منها أحكامه وتفهم منها نواياه، ويستدل بها على غزارة علمه ويعرف منها مبلغ حزمه، ويستعان بها على المراشد التي تنبغي من أولياء الأمر وقادة الأمة، وتجعلها دستورا هامًا في الدين يقول على مثله هداة المسلمين، منها ما كان بصفة فتوى من الإمام، ومنها ما هو مراشد للولادة، وتوصيات للقضاة ونصائح للأخصاء من الأخوان، ودعايات إلى واجبات الدين والإيمان، ومنها تحريض للعمال على ملازمة الأعمال، وتحذير لهم من الميل والركون إلى الدنيا وأهلها من أصحاب الأموال.
قال الإمام السالمي رحمه الله: وفي الأثر مما كان يبتلي به الإمام راشد بن سعيد رحمه الله، وسئل عنه ما تقول أيها الإمام في الإمام إذا غزا قومًا من أهل البغي ممن هو معروف مشهور بسفك دماء الناس، وأخذ أموالهم مثل عقيل ونحوهم، فوقع على بعض أصحابهم وأغار عسكره عليهم، وقتل من قتل منهم، وأخذوا لهم جمالاً وجواليق، ولم يمنعهم الإمام ذلك الوقت من أخذ الجمال، لأنه كان يحفظ الأثر أنه جائز أن يستعان على البغاة بخفهم وكراعهم، وهي الخيل والإبل، فسكت عن الإنكار لهذا ثم نظر وإذا بعض عسكره قد جعل ما أخذه من تلك الجمال غنيمة لنفسه، ورآهم قد حملوا عليها حباً، وركبوها ولم ينكر عليهم ذلك ما يلزم الإمام على هذه الصفة أيلزمه توبة وضمان، أم توبة بغير ضمان، أم لا يلزمه شيء من ذلك؟! فأجاب الإمام رحمه الله قائلا: أما الضمان فلا يلزمه في هذه الجمال على ما وصفت، (3/34)
صفحة 587
ولكن عليه أن يعلم من أخذ هذه الجمال أن غنيمتها لا تجوز لهم ويأمرهم بالتخلص منها إلى أصحابها، وإن لم يعرفهم أو يعرف أحدًا منهم دان الله بالإنكار عليهم إذا عرفهم.
ومنها كتاب كتبه الإمام راشد بن سعيد رحمه الله إلى أحد عماله وهو أبو محمد عبدالله بن سعيد والي منح، قال فيه: من الإمام راشد بن سعيد:
سلام عليك فإني أحمد الله، إليك وآمر بطاعة الله، وأوصيك وأنهاك عن معصية الله القادر عليك، وبعد هذا فإني أعلمك نصر الله الحق بك أن الأطماع قد اتسعت في أموال الناس، وجعل كل فريق من ادعى في مال رجال دعوى طرح يده فيه، والوجه أن تنادي في البلدان كل من يطرح يده في مال في يد غيره يحوزه ويمنعه ويدعيه ملكًا له، فإنه يعاقب على ذلك ولا يحصل على شيء غير العقوبة، ولا نطلب عليه البينة العادلة، بل يرجع في ذلك إلى قول أهل البلد، فاعرف ذلك واعمل به ولا تقصر فيه حتى تنحسم مادة الطمع، وزول الظلم وينغلق هذا الباب، ولا تؤخر ذلك إن شاء الله.
قال الإمام السالمي رحمه الله: وهي سياسة من الإمام أي راشد بن سعيد ونظر منه في قطع مادة الفساد جزاه الله خيرًا، فإن رأيه سديد.
وهذا كتاب من الإمام راشد بن سعيد رحمه الله، إلى عامله أبي المعالي محمد بن قحطان بن محمد بن القاسم، عهدًا عهد به إليه يعلمه فيه شرائط العدل، ويتوخى فيه مسالك الحق لديه، ويتقي الله باريه، (3/35)
صفحة 588
فإنه المالك لأمره والعالم بسره وجهره، قال فلقيته في جميع أموره التي جعلت له السبيل غليها وأوحدته الدخل فيها، على شروط يشتمل كتابي هذا عليها فأول ما ابتدأنا به بعد حمد الله تعالى فيه، وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإني فأوصيك يا أبا المعالي قحطان بن محمد بن أبي القاسم بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء عما حرم الله عليك في زواجره، والعمل بما أمرك الله به من أوامره، فيما ساءك أو سرك، أو نفعك أو ضرك، وأن تأمر بالمعروف وتعمل به، وتنهى عن المنكر وتقف عنه، ولتحذر من خدائع الشيطان، وممن يؤازره على ذلك من الأعوان، احذرهم ونفسك وهواك وشهوتك ودنياك، فقد قال الله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) 5 وقال: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) 6 (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً) 7، (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) 8، واذكر حق الله عليك، واشكر نعمته لديك، ولا تذهب بك حمية ولا تمنعك تقية أن تساوي بين وضيع الناس وشريفهم، وقويهم وضعيفهم، وبغيضهم وحبيبهم، وبعيدهم وقريبهم، وقد جعلت حماية صحار وما يتصل بها من العفة إلى صلان إليك، وعولت فيها عليك، فقم فيما وليتك من ذلك حق القيام، واستفرغ منك الطاقة والجهد التام، وشمر فيه عن ساق الجد، واحسر معه عن ذراع الشد (3/36)
صفحة 589
أي لن صحار هي البلد المنظور إليه في ذلك الطرق، وخصوصأ في ذلك الوقت، والمحذور عليه من الغزاة الذين طالما هاجموه، قال: من غير أن تتعدى في ذلك محظورًا، أو ترتكب فيه منكورًا، أو تعترف فيه ظلمًا، أو تكتسب فيه حوبًا وإثماً إلا ما تعتمده من منع ظالم في حال عدوانه من غير أن تعاقبه على شيء من عصيانه، فلترفعه إلى القاضي بصحار، أي هو الذي يفرض العقوبات، وذلك لحفظ الوالي من التهور، لأنه لا يؤمن من الجاهل أن يضرب من حيث يظن النفع، أو يفسد من حيث يظن الصلاح.
قال: حتى يحكم عليه بما يلزمه من فعله، ويعاقبه بما يستحقه على فعله. واعلم أني لم أجعل لك شيئًا من الحكومات، ولا أمرتك بشيء من العقوبات، بل جعلتك لحماية البلاد، وأمرتك بالمنع عن الفساد، ولدفع أهل الباطل عن ظلم العباد، فلا تتعاط ما لم يؤذن لك به، ولا تقصر عما أمرتك بفعله، وكن للقاضي أبي سليمان مناصرًا ومعاونًا ومؤازرًا، ما دام في حكمه قائمًا، فقد أوجبت له ذلك عليك ما دام في حكمه عادلا، وبطاعة ربه عاملا، وأوجبت لك عليه وقبله أن يعينك على ما أهلتك له، وأوجبت على الشراة ما أوجبت عليه إلا أن تستعين بهم فيما لا يجوز لك ولا لهم المعونة فيه، وحجرت عليك وعليهم خذلان بعضكم لبعض فيما يجب عليكم من المعاضدة والمعونة والمساعدة، وفيما يعود بطاعة رب العالمين، وفي إعزاز دولة المسلمين وكسر شوكة المعتدين، فافهم ما ذكرته لك وتدبر فيه ولا تجاوز حده ومعانيه، وقد أوجبت على الشراة أن يطيعوا الشراة وغيرهم ممن تجب عليه طاعته في طاعة الله ربهم أن يطيعوا أمرك، ويقووا على الحق يدك، ما كنت في طاعة الله (3/37)
صفحة 590
داعيًا، وعن معصية الله ناهيًا، وحجرت عليهم عصيانك وخذلانك إذا استنصرت بهم على محاربة أهل الظلم، ومن يعتمد في المسلمين بالجور والغشم، على أن تستمل في ظغنك وإقامتك وحربك ومسالمتك للمسلمين غير ما أحل الله لك ولدولتك، ولا تحرم غير ما حرم الله عليهم وعليك، فإن فعلت ما رسمته لك فذلك رجائى وحاجتي إليك، وإن خالفته بعمل الباطل والجور وكون إلى الشيء المحرم المحجور، فإني برئ من فعلك وأنت مأخوذ بما يجب عليك فيه في نفسك ومالك، فاتق الله في قولك وأعمالك، واستعذ به من الورطة في المهالك، واستعنه على ما يتقرب به إليه، واعتصم به ما تحذره وتتقيه، وتوكل في جميع الأمور عليه، (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً) 9، (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) 10 والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أهـ.
فترى هذا العهد العظيم من الإمام الكريم لواليه على صحار، فشمل القاضي والشراة الذين هناك، وقد ربط الإمام رحمه الله بينهم بهذا الرباط الوثيق، على هذا العهد الحقيق أن يكتب بماء الذهب، فقد بين فيه الواجب والجائز وما ينبغي في مصالح الدين والدنيا، وما يرام فيها بين المسلمين من الأعمال الخاصة والعامة، فلله درّ إمام يراعي أمته في بعدها وقربها، وفي حلها وترحالها، ويؤيدها مع الحق ويتبرأ ويتنصل من أفعالها إن خالفت للحق غير مبال بها في طاعة الله وطاعة رسوله، فالحمد لله الذي جعل في الإسلام مثل هؤلاء الأئمة الأعلام، والهداة الكرام الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ولا عذل (3/38)
صفحة 591
عاذل، قريبهم المطيع لله، المستقيم على النهج الذي عليه المسلمون وبعيدهم من يخالف ما عليه المؤمنون فلا عنصرية ولا عصبية ولا مذهبية إلا الحق في كل دور من أدوار حياتهم، فهم في سيرهم وسراهم لله وفي الله. بمثل هؤلاء الرجال تسعد الأمة ويعلو مقامها عند الله ويجمع الله بها الشمل.
هذه هي سيرة أئمتنا الكرام أعاد الله علينا وعلى الأمة أمثالهم. (3/39)
صفحة 592
الإمام راشد بن سعيد يقضي بفصل قضية موسى بن موسى
وراشد بن النضر والصلت بن مالك
في يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقين من شهر شوال سنة 443 ثلاث وأربعين وأربعمائة، جمع الإمام راشد بن سعيد المشايخ الذين معه، وهم: أبو علي الحسن بن سعيد بن قريش القاضي، وأبو عبدالله محمد بن خالد، وأبو حمزة المختار بن عيسى القاضي، وأبو عبدالله محمد بن تمام، وأبو النضر راشد بن القاسم الوالي، وأبو علي موسى بن أحمد بن محمد بن علي، وأبو الحسن علي بن عمر، وأبو بكر أحمد بن محمد بن أبي بكر، وعرض عليهم رأيه في قضية الأئمة: الصلت ابن مالك، وراشد بن النضر، وموسى بن موسى، وأفاد ما عنده في القضية فصلا حاسمًا لنزاع لم بين مشايخ العلم في تلك الحادثة التي لم تزل أحدوثة السمر، وبها قد انشقت عصا المسلمين، وحصل بينهم بسببها الحقد والكدر، والإيمان يدعو إلى التآلف والتآزر، ورفض ما يفرق أمر المسلمين، وهم جميعًا كما نص بذلك القرآن الكريم حيث يقول: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) 11 وكما نص الحديث الشريف عنه عليه الصلاة والسلام: كونوا عباد الله إخوانًا وعلى الخير أعوانًا في أمثاله.
قال الإمام رحمه الله في كتاب حرره فصلا للقضية المشار إليها وهو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم، من إمام المسلمين راشد بن سعيد، قد اجتمعت بحمد الله ومنه كلمة عمان على أمر واحد، ودين قيم، وهو دين الله الذي أرسل به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فمنهم من تولى الصلت بن مالك رحمه الله، وبرئ من موسى بن موسى وراشد بن النضر، ومنهم من تتولى على ولايتهم الصلت بن مالك رحمه الله، وبراءتهم من موسى بن موسى وراشد بن النضر، واجتمع على (3/40)
صفحة 593
الدينونة بالسؤال فيما يجب عليهم السؤال فيه عند أهل الحق الذين يرون السؤال واجبًا، واجتمع رأيهم على أن من دان بالشك فهو هالك، وكذلك اتفقوا على أن من علم من محدث حدثًا وجهل الحكم فيه أن عليه السؤال فيه، وأن علم الحدث والحكم كان عليه البراءة منه، إذا كان حدثه ذلك مما يجب به البراءة من فاعله والحمد لله حق حمده، وصلى الله على خيرته من خلفه محمد النبي وآله وسلم.
وكتب هذا الإمام راشد بن سعيد بخط يده فصدق عليه المشايخ، ورضوا به فصلا للقضية وحجة تقضي على تلك البلية، التي صار لها بينهم عظيم الأهمية، إذ هي قضية دينية. قال الناقل عنهم: ولأجل هذا الكتاب غضبت الغلاة في أمر موسى بن موسى، وراشد بن النضر، على الإمام راشد بن سعيد غضب الخيل على اللجم، قال: فأضمروا في أنفسهم ما أضمروا، ولم يستطيعوا كيدًا للإمام ولا إظهار عداوة، بل انقادوا في الظاهر وأخفوا بدعتهم في أنفسهم، كما سترى بعض كلامهم في إمامة ولده حفص بن راشد بن سعيد، أي حين اختلف الوضع وتبدل الشخص عادوا إلى ما كانوا عليه والشيطان يتلاعب بالناس تلاعب الكرة بالصولجان وقاصد الخير لا يبعث الشر، والداعي إلى الحق لا ينبغي منه السعي إلى الباطل، وموسى بن موسى وراشد بن النضر، والصلت بن مالك، لا يخص من جاء بعدهم شيء من أعمالهم، والله لايكلف قومًا بأعمال غيرهم، ولا يرضى في عباده إلا الحق، ولا فعل هذا صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد وقعت بينهم فتن وحوادث، ونزلت بينهم قضايا هامة وهي على كاهل أهلها (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا (3/41)
صفحة 594
يَعْمَلُونَ) 12فما بالنا نحن كلما طال الزمان جددننا المأساة، وأعدنا العداوات بها، أيرضى بهذا عاقل عافاه الله من ذلك، إن هذه لعجب.
وكان الإمام راشد بن سعيد رحمه الله يشاري الناس، وبقى البحث هنا في هل يبقى حكم الشرى بعد موت الإمام أم لا؟ فأفتى الشيخ أبو الحسن بن سعيد ببقاء حكم الشرى على ما كان عليه، حتى يموت المشاري يراه عقدًا على طاعة لا يصح نقضه إلا بالموت، أي لا يرتفع عن المعاقد إلا بموته، وربما يرى بعض العلماء أن تلك صفقة صافقها المشاري إمامه وعليه الالتزام ما دام مصافقه حيًا، فإذا مات انحل ذلك لعدم المصافق، وبهذا أفتى محمد بن خالد أحد علماء ذلك الوقت والله أعلم.
قال شيخنا ابن جميل عفا الله عنه:
ولم ... يزل ... كذلك ... في ... الإمامة
حتى ... توفى ... بالغا ... حمامه
وقبره ... بنزوى ... قد ... روينا
لا ... أعرفن ... موضعه ... تعيينا
وتوفى الإمام راشد بن سعيد رحمه الله في المحرم سنة 445 بنزوى رحمه الله وقبره بها.
وهذا كتاب من الإمام راشد بن سعيد إلى الشيخ موسى بن نجاد، والي منح وأدم معاً في أحوال بعض السرايا التي سيرها الإمام المذكور في بلاد المسلمين، وانتقد بعض الناس منهم أحوالا، وذكروا عنهم أعمالا، ولا تخلوا هذه الحياة من حوادث تنتقد، وأعمال تعتمد. (3/42)
صفحة 595
قال الإمام رحمه الله على أثر ذلك: فإن كان أحد من أهل هذه السرية قد ركب جورا أو فعل فعلا منكورا فأنا بريء منه، أي لم أأمر بفعل الجور ولا أرضى به، ولا يسعني السكوت عنه إذا قامت حجته، قال رحمه الله: أنا بريء منه ومن فعله، معاقب له على ذلك بعد الصحة، منصف بما يجب في الحق عليه، غير راض بجهله وتعديه. وما بعثت هذه السرية إشارة للسرية التي وقع النقاش من أجلها لم أبعثهم، حتى نهيتهم عن ظلم العباد، أي تقدمت عليهم بذلك كما هي سيرة أئمتنا منذ الجلندى، بل منذ أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إذ كان يتقدم على كل السرايا تحذيرا وتنبيها وتنصلا إلى الله، ثم غلى المسلمين إخوانه حتى لا يقع عليهم سوء ظن رحمهم الله وجازاهم عن الدين أفضل الجزاء، ما كان لهم نظر في غير المصالح الدينية، فهم هداة الأمة إلى الحق، وهم الدعاة إلى إحياء الشريعة المحمدية، لم يغتروا بالبيضاء والصفراء وإن كثرت، كما روي عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين قوله: يا بيضاء ويا صفراء لا تغريني وغري غيري، أي لست المغتر بك لا أرب لي فيك، ولا يميل قلبي إليك، إنما أنت فتنة فلا أفتن بك، ونحوه عن أهل العلم المخلصين لله عز وعلا في المذهب.
قال الإمام راشد بن سعيد رحمه الله: وأمرتهم في غزوتهم المشار إليها بطاعة رجل من أهل الصلاح والرشاد، ولا بد للسرية من أمير من طرف الإمام، هكذا قال، فإن كانوا تجاوزوا في ذلك إلى ما لا يجوز لهم فعله فعليهم وزر ما فعلوه، وضمان ما أتلفوه على الناس وأحدثوه، ولست بداخل معهم في عصيان ولا مشارك لهم في ضمان، فغن يكن أحد يدعي على أحد من أصحاب السرية حقا فليصل إلي حتى أوصله إلى (3/43)
صفحة 596
حقه، وليس على علم ما غاب عني، ولا إنصاف من لم يطلب الإنصاف مني، ولن تقوم الحجة على العسكر بالخط، أي بكتاب يرسله المدعي عليهم، بل عليه أن يحضر، على الإمام إحضار الخصوم، ثم يترافعون إليه، فإن شاء أن يحكم بينهم حكم وإلا دفعهم إلى من يراه أهلا لفصل هذه القضايا من أهل العلم.
قال رحمه الله: لا تقوم الحجة على العسكر بالخط والقرطاس، أي لاحتمال أشياء في المقام كما أشرنا غلى وجه من وجوهها. قال: ولا إلى كلام من لا يلتفت إلى كلامه من الناس، أي كذلك لا تقوم الحجة على المسلمين بكلام الغوغاء والمرجفين الذين لم يكونوا حجة في دين الله، كما نص على ذلك الكتاب والسنة، قال رحمه الله: وللمسلمين بحمد الله مداخل في العدل ومخارج من الجهل، ينكرها من لا بصر له ولا تمييز معه، ويعرفها من هداه الله لمعرفتها ونفعه الله بها، ومن نطق بقول لا بصر له فيه ولا يعرف حلاله من حرامه، وقصد من لا يعرف جوره من دله، لم يسلم من ذلك ولو أصاب في قوله وفعله، أي لم تغنه إصابته تلك لأنها كانت على غير علم، كما أشار إلى ذلك حديث الربيع وغيره في قوله عليه الصلاة والسلام، ولو أنه أصاب الحق في خصوصه حديث من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم الحديث اهـ.
وهذا الكتاب الذي كتبه الإمام راشد بن سعيد لوالي منح، وكتبه أيضا لوالي أدم، وكتبه لوالي سنى، وجعله حجة بينه وبين الولاة المذكورين فكان سدا مانعا عما قد يكون من بعض الناس الذين تأخذ بهم معرة الجيوش ونشوة النصر، والله الهادي للحق بإذنه، فرحم الله الإمام الراشد ورضي عنه، وأن هذا هو سبيل أئمة الهدى (3/44)
صفحة 597
الوقاة من الردى، والدعاة إلى الاهتدا، فإن أصل قوامهم الإيمان بالله، والإيمان يحتم عليهم الطاعة التي لا شائبة فيها، والتباعد من أهل السوء كما يفهم من قوله عز وجل: (وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً)،13 والمراد بها التمسك بالأوامر الإلهية والثبات عليها في المكره والنشط، والعض عليها بالنواجذ. ورد من يرتد عنها إليها، وإرغام من عاداها عليها، ولن يقوم الإسلام الذي هو دين الله الذي فرضه على عباده، وأراده منهم وأرشدهم إليه في الأيام الخالية، فكان شمس الهدى العالم كله أضوء من شمس السماء التي تعرفها العوام الجهلة إلى بذلك، وما أشرق ضوء تلك الشمس إلا وأصبح العالم كله يتلألأ نورا، ويشرق ضياء، ينادي بلسان الحال كل ذي نهى في الكون. (3/45)
صفحة 598
إمامة الإمام حفص بن الإمام راشد بن سعيد
قال شيخنا ابن جميل بعد ذكر راشد بن سعيد:
ونصبوا ... من ... بعده ... سليله
حفصًا ... وكان ... في ... الهدى ... مثيله
وكان ... سلطان ... العراق ... نقلا
جيشًا ... على ... حفص ... وكان ... اقتتلا
وانهزموا ... ولم ... يزل ... إماماً
حتى ... توفى ... واحتسى ... الحماما
والمعنى أنه لم يزل على إمامته حتى توفاه الله لا كما يقول ابن الأثير في خريطته التي يدونها بغير تحقيق، ويعلق الأخبار متلقفا لها من ألسن الأعداء الذين لا يبالون بما يقولون ولا بما ينقلون.
لقد عرفت نسب راشد بن سعيد مما تقدم، وهذا ولده حفص بن راشد، وقد توفى راشد بن سعيد في سنة 445، وبويع ولده هذا بعده. قال في معالم الجزيرة: وبويع بعد راشد بن سعيد ولده حفص. قال الإمام: ذكر في بعض السير أنه نصب من بعد راشد بن سعيد ولده حفص بن راشد، قال: ولم يذكروا تاريخًا لبيعته ولا لمدة إمامته، قال: وظاهر كلام بعضهم أنه مات في الإمامة، فإنه قال مات ولم يعزله المسلمون، قال: وكلام أبي الحسن البسياني وهو من الغلاة في أمر موسى وراشد أن بيعته عنده غير صحيحة.
قال: ولعل: ذلك لسلوكه طريقة والده في أمر موسى وراشد، فإن (3/46)
صفحة 599
أبا الحسن بما نصه: ما تقول أيها الشيخ في حفص بن راشد إن تاب ورجع وجددت إمامته يرجع إمام المسلمين أم لا؟ فإن عقد له من متعلمي أصحابنا وثقافتهم خمسة أنفس تنعقد له الإمامة وإن بلينا به وطلب منا النصرة والخدمة ما نعمل، وما يكون قولنا له؟ قال: أما العقد الأول فإنه لم يصح وعلى ما ذكر بعض من دخل فيه رأيته عقدًا غير ثابت، وأمرا مشكلا، وقد جرى بعد العقد الذي هو غير ثابت أحكام غير جائزة، ومشهور فسادها، ودخل فيها من لم يكن يجوز أن يتقدم بأمرها، ومع ذلك أيضًا حدث قتل من قد علمتم فتكا بغير صحة ولا حجة علمناها، وأوحشنا ذلك، فقد طلب منه تصحيح ذلك الحال أصحابنا، فلم يبينه، وقولنا في ذلك قول المسلمين، ونحن نتوب إلى الله. وأما إن اجتمع أمر المسلمين وأهل المشورة في الدين على شيء، ووقع التراضي على إمامته، فبعد التوبة وإظهار ذلك والإنصاف أو حجة أي تخرجه مما يدعي جائز أن يعقد له إن تاب.
قلت: إن هذا الشيخ ينكر العقد للإمام حفص بن راشد، ولم يبين وجه ما يقول ولا ما ينكر، وليته بين يعلم المسلمون ما عنده إن كان حقًا تبعوه عليه، وإن كان باطلا اجتنبوه معه، حتى يعلموا من الإمام الحق الذي لا ريبة معه، أما الحكم بالبطلان وعدم صحة العقد ليرتب عدم صحة الإمامة فلا يكفي، فإنه إذا اكتفى به هو لم يكتف به غيره من المسلمين، والأمر الذي يميل إليه الجمهور أولى من الأمر الذي يتبعه الأقل خصوصًا في الأمر الجامع كالإمامة ونحوها، فإنها من الأمور العامة بين المسلمين، وليتهم لم يشقوا العصا بينهم وإخوانهم فما يقوم به بعضهم يقوم به الباقون، وهو الذي يدعو إليه القرآن ويأمر به الرسول الأعظم صفوة آل عدنان، ولا ينتج الافتراق (3/47)
صفحة 600
والتلاشي إلا من نوعه، وبذلك تسقط قوة المسلمين وتذهب هيبتهم من قلوب أعدائهم، وبذلك يطمع فيهم من كان يخافهم ويخشاهم.
قال الإمام: وسأله آخر أي سئل الشيخ أب الحسن فقال: أفتنا في حفص بن راشد أكانت إمامته صحيحة أم لا؟ وقد بايعنا له محمد بن الحسن الللياني على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله فبايعناه، وخرجننا عندهم فلم نر من ذلك شيئًا، وسلمنا إلى الثقاة من أهل دعوتنا شيئًا من الزكاة فقبضها وأنفقها، فوقع الخوف فهرب وانتهبت فضمنها ذلك الإنسان الذي قبضها ألنا من هذا براءة عند الخالق أم لا؟ وذلك إنا كنا دائنين بطاعته مسلمين جاهلين بالبحث عن الإمامة، وكذلك ابتليت أنا لهم بقبض شيء من الناس بأمر أصحابه أعلى فيه ضمان أما قبض بيدي فلا، ولكن كنت أحضر ذلك وآمر فيه ما يلزمني في ذلك؟ بين لي رحمك الله، هذا سؤاله وما كان ينبغي له أن يسأل عن مثل هذا وقد بايع على حق بحسب الظاهر، ولا ينبغي له ذلك لأن هذا يكون من نوع ما نهى الله عن السؤال عنه في قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) 14الآية ولما سأل عن هذه الأشياء أجابه الشيخ أبو الحسن بقوله: هذا أمر مستور، وأمره كان مقبورًا أي مكتوما في النفوس، فلا أحب فيه ظهورًا، وأما أنا فقد بلغت الغاية و وأفصحت الأمور مع الريب الذي فيه، وطلبت تصحيح ذلك فوجدت الأمر فيه غير ثابت في العقدة، والعمل غير مستقيم، ولم أكن دائنًا لله بطاعته، وكنت غرمت ما قبضوا مني، وأبدلت صلاتي يوم صليت الجمعة عندهم، وأما أنت على ما سألت فإن المستحل الدائن لله بالطاعة إذا أخطأ ثم علم بخطئه فأكثر القول أنه لا ضمان عليه، وعليه التوبة والرجوع عن ذلك، وأما (3/48)
صفحة 601
الشيخ لعله يعني أبا محمد، فرأيت يوجب الضمان على من دخل مستحلا بغلط، وقد كان ألزمني ضمان ما كان أيام راشد بن الوليد، لعل أرادوا من الذي دفعت وقبضت سوى الذي في الاستحلال والدينونة، والذي أحبه لك إن قدرت على الخلاص من ذلك أن تبدل مكان زكاتك وتستحل من أخذت منه شيئًا إلا أن يكون رسولا لصاحب الزكاة إلى الوالي، فلا ضمان، وأما الأحكام عند الخالق فذلك إليه، وإنما تعبدنا بالحكم ما يعلم في الظاهر فعلمناه والسلام.
قال الإمام رحمه الله: هذا كلام أبي الحسن البسياني وفيه ما فيه على حفص، وما أراده إلا من قبيل مخالفتهم في الغلو في أمر موسى وراشد ابن النضر، حيث إن الإمامين لم يكونا على بدعتهم، وكتبت بعد كلامه مسائل تشبه الرد عليه من كاتبها.
قلت: هذا في الحقيقة رد عليه لأنها تعارض مدعاة، وتقضي بالاعتراض على ما أبداه، وهذا مما يخل بالأمر في الإسلام، لأن الله يقول: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) 15، وكان ينبغي الاجتماع على الأمور ودفن كل سيء مهما أمكن، وكفى بالمرء نبلا أن تعد معائبه، ولا يسلم الإنسان من هفوة وسقطة مهما كان، والذي ينبغي التكاتف والتآزر وإلغاء العنصرية والعصبية في الممكن إلا أن يكون كفرًا بواحًا وهوى متبعاً وإعجابا برأي فهناك التناصح مفروض والتجاوز مرضي.
ومن تلك المسائل التي تشير بالرد على الشيخ أبي الحسن قوله: قال البعض إن الإمام لا يحتاج إلى العقدة إذا وقع الرضا به والتسليم له ثبتت إمامته، والمعنى أن المعتبر الرضا لا العقد، فإن وقع خمسين (3/49)
صفحة 602
مرة على غير الرضا لا يكون حجة، ألا ترى إذا كان العقد على القهر والإجبار لا يكون حجة، وإن كان ألف عقد، أما الرضا ممن هم الحجة في الدين من علماء المسلمين وقادة المؤمنين، فإنه حجة ثابتة شرعية، ومن ذلك إمامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنما قدمه أبو بكر فقط فرضي به المسلمون وأذعنوا، فثبتت إمامته عليهم، ووجبت فيهم، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين، وإنما أنكر بعضهم غلظة عمر وشدته والقضية مشهورة بين المسلمين، معروفة صحتها في الدين، وبها احتج هذا القائل المعترض على هذا الشيخ الطاعن في إمامة حفص بن راشد رحمهما الله.
قال: ومن ذلك إمامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إنما قدمه على الإمامة للناس أبو بكر وحده رضي الله عنه، فلما وقع التسليم والرضا بإمامته ثبتت له من غير عقدة أهـ بنصه.
قال: ومنها ما معناه أن الإمام مصدق فيما يكون فيه مؤتمننا فلا يطالب بالبينة على يد سارق قطعها، ولا على حد أقامه، ولا على حكم أمضاه وأنفذه، وإنما يكون محجوجا في الأشياء التي هو والرعية فيها سواء، مثل الحقوق التي للعباد فيها تعلق وتخرج منه مخرج الأحداث، كما من غيره أيضا وفي هذا انتقاد واعتراض الشيخ أبي الحسن المنتقد على الإمام الحفص، المبتلى بأهل عمان في ذلك الزمان، وكان أيضا الشيخ أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي من الغلاة في أمر موسى بن موسى، وراشد بن النظر، وكان يلوح بالانتقاد على حفص ابن راشد، إذ كان يرى فيهما رأي أبيه وكان الغلاة يغضبون عليه غضب الخيل على اللجم.
قيل لهذا الشيخ: ما تقول في إمام غير ثابت الإمامة ألزم رجل من المسلمين المدخل عنده في أسباب، وكان يأمره أن يكتب إطلاقات في (3/50)
صفحة 603
الجبايات، إن كان إطلاق هذا الرجل لهذا المال على سبيل الاحتساب أنه يطلقه للفقراء وابن السبيل، وكان اعتماد هذا الرجل على هذه النية لا ليمضي أمر هذا الإمام ولا عمل برأيه، وإنما هو على قدر ما يرى من يستحق هذا المال لفقره لا غير ذلك، هل يسعه ذلك؟ قال: يسعه. قال الشيخ يسعه ذلك على هذه الصفة؟ قيل له: فإن أمره أن يحلف له رجلا ممن يخشى منه كما يفعل الأئمة، قال الشيخ المذكور يحلفه للمسلمين لا له، قيل له: فإن أمره أن يبايع له أحدا من الناس هل له ذلك؟ قال الشيخ: يبايعه للحق لا له، قيل له: فإن أنفذه لغزو عدو المسلمين أو لقمع ملصة؟ قال الشيخ: يكون احتسابه ذكر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغن امتنع عليه من أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، وكان منكره الذي ارتكبه عيانا كان له محاربته إن حاربه بعد أمره له بترك المنكر الذي ارتكبه، وإن كان على وجه التهمة له مثل قطعه الطرق والتعرض لمظالم الناس والتعدي عليهم، ولحقه هذا القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يحاربه إلا بعد الاحتجاج عليه بأن المسلمين قد رأوا الإمساك في الحبس على الأشياء التي قد نسبت إليك، وشهرت عليك من المناكر، وقصدك إلى الظالم، فإن أجاب لم يكن إلا ما رآه المسلمون، وإن امتنع عن ذلك علموا له على الاستيثاق منه، فغن شهر السلاح وحارب على ذلك ولم يرجع إلى الحق كان قصدهم في مجاهدتهم هذه على أنهم يمسكون عن الأشياء التي قد نسبت إليه من المظالم والقصد لها، والمناكر والعمل لها، فإن تلفت نفسه في ذلك لم يكن فيه تبعة على هذه الصفة.
قيل له: فإن أراد هذا الإمام الخروج إلى بعض النواحي لغزو قوم ظلمة معتدين، وطلب صحبة هذا الرجل هل يصحبه؟ قال الشيخ: إن شرط عليه أن لا يفعل ولا يقدم على شيء إلا برأيه وعرف صدقه في ذلك أن يقبل منه ولا يغضبه في شيء جاز له الخروج معه على هذه الصفة والله أعلم أهـ. (3/51)
صفحة 604
وعلى كل حال إن محاربة البغاة وأهل الفساد في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفروضة على كل فرد من عباد الله، ولولا ذلك لضاع الإسلام وانهد كيانه وتبعثر بيانه، وإذا كان هذا الإمام غير صحيح العقد في الإمامة ورضى به المسلمون ثبتت إمامته كما ثبتت إمامة غيره بغير شك، وأي جرم اجترم حفص بن راشد حتى ينتقد عليه، أما متابعة والده في مقاله في موسى بن موسى وراشد ابن النضر، والصلت بن مالك، فلم يفعل والده شيئًا يقدح في إمامته، وقد رام الرجل أمرًا يكون صالحًا أمر المسلمين جامعًا لشملهم، وأن تموت تلك الزعزعة العاصفة بالأمة وينقطع غبارها، وتنطمس آثارها، وألا تبقى تعاد طول الدهر لإثارة الشقاق وإقامة بواعث الافتراق، ولقد أحسن فيما صنع ولكل نظره والله ولي التوفيق.
أما ذكره ابن الأثير في كامله في آخر إمامة راشد بن الوليد، وهو يقول ذلك في إمامة حفص بن راشد المذكور، ففيه تخليط، أما أولا فقد أروده في حوادث سنة 363 ثلاث وستين وثلاثمائة، وأما ثانياً فلأنه ذكر خروج سلطان العراق على الإمام حفص بن راشد، وأن حفصًا هذا جعل له أميرًا اسمه ورد بن زياد، وأن حفصًا بعد قتال سلطان العراق انهزم وفر إلى اليمن فصار معلمًا إلى آخر ما قاله، وكله لا أصل له في التاريخ العماني ولا غيره، وإنما هو تلفيقات أوردها وأخاليط اعتمدها آخذًا من ألسن العوام الذين لا يعرفون قبيلاً من دبير.
أما الحقائق العمانية التاريخية لم تذكر من هذا شيئًا أصلاً، وقد يؤخذ من نقله أشياء. قال ابن الأثير المذكور: اجتمع بجبال عمان خلق كثير من الشراة، واختص اسم الشراة بالإباضية وهي إحدى مزاياهم، قال: وجعلوا لهم أميرًا اسمه ورد بن زياد، وجعلوا لهم خليفة اسمه حفص بن راشد، فاشتدت شوكتهم. قال: فسير إليهم عضد الدولة المطهر بن عبدالله في البحر أيضًا فبلغ إلى نواحي حرفان. (3/52)
صفحة 605
قلت: لم نعرف حرفان بهذا الاسم، ولا علمنا عنها شيئًا من أعمال عمان.
قال: فأوقع بهم وأثخن فيهم وأسر ثم سار إلى دما وهي على أربعة أميال من صحار، فقاتل من بها وأوقع بهم وقعة عظيمة قتل فيها وأُسر كثيرًا من رؤسائهم، وانهزم أميرهم ورد وإمامهم حفص واتبعهم المطهر إلى نزوى، وهي قصبة تلك الجبال، فانهزموا منه فسير إليهم العساكر فأوقعوا بهم وقعة أتت على باقيهم، وقتل ورد وانهزم حفص وفرّ إلى اليمن فصار معلمًا.
وجاء عنه أيضًا: أن الخوارج يعني المسلمين في حوادث سنة 442 قال: في هذه السنة استولى الخوارج يعني المسلمين ينبزهم بذلك إن لم يكن جاهلا بالأصل وإلا فكيف يطلق على المسلمين الخوارج، ولا يطلق ذلك على غيرهم، وإذا سميناهم لأجل التمييز فقط إباضية، من أين وجد الإباضية خوارج إلا إن كان يعني خوارج عن الباطل! فأهلا وسهلا، ولكن ما أراه أراد ذلك قال: استولوا على مدينة تلك الولاية، وأراد بذلك نزوى إذ هي عاصمة الداخلية. قال: وسبب ذلك أن صاحبها الأمير أبا المظفر بن الملك أبي كالبحار، كان مقيمًا بها ومعه خادم له، قد استولى على الأمور وحكم على البلاد، وأساء السيرة في أهلها فأخذ أموالهم فنفروا منه وأبغضوه، وعرف إنسان من الخوارج يقال له ابن راشد الحال فجمع من عنده منهم وقصدوا المدينة، فخرج إليه الأمير أبو المظفر في عساكره، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت الخوارج وعادوا إلى موضعهم، وأقام ابن راشد مدة يجمع ويحتشد، ثم سار ثانيًا وقاتله الديلم، وكان الديلم هم جند الأمير أبي المظفر المذكور، ولا شك أنهم سيطروا على بني العباس في عراقهم، فكانوا جندًا، صاروا أمراء على الأمة، وأنه أهل البلد لسوء سيرة الديلم فيهم، فانهزم الديلم وملك بن راشد البلد، وقتل الخادم وكثيرًا (3/53)
صفحة 606
من الديلم، وقبض على الأمير ابن المظفر وسيره إلى جباله مستظهرًا عليه وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم وأصحاب الأعمال، وخرب دار الإمارة، وقال: هذه أحق دار بالخراب، وأظهر العدل وأسقط المكوس، واقتصر على ربع عشر ما يرد إليهم، وخطب لنفسه وتلقب بالراشد بالله، ولبس الصوف وبنى موضعًا على شبه مسجد، قال وقد كان هذا الرجل تحرك أيام أبي القاسم بن مكرم، فسير إليه أبو القاسم من منعه وحصره، وأزال طعمه هذا كلامه والله أعلم بصحته أهـ.
وعليه فماذا يؤخذ منه فإنه قال أولا: إن حفص بن راشد انهزم إلى اليمن وصار معلمًا، وهنا يقول خلاف ذلك كما تراه، أما تخريبه دار إمارة الظالم فصوابه ظاهر، وقوله. أظهر العدل فالعدل هو أنشودة أئمتنا رحمهم الله، وأما قوله: وأسقط المكوس واقتصر على أخذ ربع العشر مما يرد إليهم، يعني بذلك ما يؤخذ في الجمارك من أموال البحر الواردة للتجارة، وهو صواب وهل يبعد الصواب عن الإباضية فيما حرم الله وما أحل؟ لا والله إنهم أحق بذلك من غيرهم، ولذلك ينصبون الأئمة ويتجشمون المصاعب المهمة، وهذا هو بغية الإسلام من رجاله الكرام، وأما قوله: وبنى شبه مسجد لا نعرفه في أصحابنا فضلا عن أئمتنا، اللهم إلا أن يكون موضعًا خصصه لصلاته حيث لا يمكنه الخروج إلى المسجد لأجل الحزم كصلاة الأئمة في غرفة الصلاة بنزوى، وبالرستاق وجبرين وهكذا، وأما قوله: وخطب لنفسه، فعلى كل حال إذا كان هو الإمام لابد أن يخطب لنفسه، لأنه الإمام أو يخطب له غيره بأمره. وقوله: ولبس الصوف لم يختص أئمتنا بحمد الله بلباس مخصوص، يكون شعارًا لهم، وإنما يلبسون ذلك زهدًا وقناعة كما كان على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، وأئمتنا مازالوا ولن يزالوا على طريقة الصحابة في كل جيل، من رآهم نادى بأعلى صوته هؤلاء الصحابة، أو من أراد أن ينظر إلى الصحابة فلينظر (3/54)
صفحة 607
إلى أئمة الإباضية، وهذا لا يزال يردده الأجانب، وسمعناه منهم والحمد لله.
قال العلامة أبو إسحاق الإطفيشي قوله: وتلقب بالراشد بالله إلى آخره، هذا اللقب وأمثاله لم تكن الأئمة من أصحابنا تلقب به في قطر من أقطار الإمامة في المشرق أو المغرب، وهذا من تخطيط مؤرخي قومنا، وانظر إلى قوله: وبنى موضعًا على شكل مسجد، فإنه تعبير سخيف فيه شيء من التهكم لتستدل على مقصد هذا وأمثاله في حق من يخالفهم، ولتكن على بينة من أنهم حتى في الحقائق الواضحة المشتركة، لا يعبرون عنها تعبيرًا صحيحًا إذا ساء لهم الهوى، وإلا وأي غضاضة لو قال بنى مسجدًا وكأن هذا يرى أن الإمام ثار على خلفيته في زعمه، وقد لفق كلامه هذا ليبني عليه زعمه، ولكن تعبيره الأخير كشف مراميه وأبدى عواره، والإمام قائم بأمر الله تعالى تبعًا لنفسه من الأئمة، فهم ينتخبون إمامًا بعد إمام إذا مات منهم سيد قام سيد، والحقائق لا ينكرها إلا عديم البصيرة، وإذا أنت أضفت إلى قول ابن الأثير قيل وانهزم، حفص إلى اليمن فصار معلمًا، فهو أسطورة، ومؤرخو عمان أثبتوا أن الإمام حفص مات في إمامته دون خلاف كما لديك اليقين في الحكم على هذا التشويه التاريخي أهـ.
وقد قدمت لك التحقيق عن مقاصد هؤلاء المؤرخين، وقد وجهنا كلامه على أحسن الوجوه اللائقة! هذا ما قاله المذكورون، وفي ابن رزيق قال: ثم عقد بالإمامة بعده أي بعد راشد بن سعيد على ولده حفص بن راشد بن سعيد، فسلك نهج السلف الصالح في سيرته الحميدة، فما لبث فيها إلا يسيراً إلى أن توفاه الله أهـ. (3/55)
صفحة 608
وهذا يدل على أن الإمام حفص لم يطل عهد إمامته، والتحقيق لم نتمكن منه وعسى إن شاء الله أن ندركه فنرفعه للاطلاع، ومن المستنتج المفهوم من المقام أن الإمام حفص بن راشد عاش زمانًا واسعاً في إمامته لا كما يقول ابن رزيق فإنه تولى الأمر وقام عليه الأعداء من زعماء السلطنة العباسية كما تردد المقال عنه في ذلك، وصار وما بينه وجيوش السلطنة المشار إليها. (3/56)
صفحة 609
إمامة راشد بن علي من أئمة الطائفة النزوانية
قال ابن رزيق في سيرته: ثم عقد بعده أي بعد حفص بن راشد على راشد بن علي، فإن كانت هذه البعدية تاريخية فذاك، وإن كانت وقيته احتملت الفراغ في الوقت، وظاهر الكلام دال على أن راشد بن علي بويع بعد حفص بن راشد وهو الواضح، قال: فحمدته الخاصة والعامة وسار سيرة العدل وقمع البغي والظلامة.
قال الإمام رحمه الله: ولم أجد تاريخاً لوقت بيعته ولا عرفت نسبه، غير أن الأحوال تقتضي أنه بويع بعد حفص بن راشد، وعلى ذلك ترتيب السير أي لم يكن مانع بعد الإمام حفص بن راشد من إعادة الإمامة، والعمانيون لا يرون لهم قرارًا إلا تحت ظل الإمامة لما فيها من الاستقامة في الأمة، وما لديها من العدل والمساواة، وما تدعو إليه من الإنصاف بين الناس، فلذلك ترى أهل إذا قامت الإمامة كانوا أعوانها وأنصارها؟ ورأيتهم تحت أجنحتها مسرورين بوجودها؟ وإذا زالت تضاءلوا وانضووا في بيوتهم مختفين حتى إذا رأوا الفرصة لها بروزا من مخابئهم، وخرجوا من أكواخهم منادين لإخوانهم، ناشرين لأعلامهم مؤيدين لإمامهم، جامعين لأمتهم تحت ظل عدلهم، وحسن الظن فيما قاموا له على أحسن التوجيهات التي تليق في الدين، وعلى أحسن المقاصد في المسلمين.
قال الإمام رحمه الله: ووجدت تاريخًا لتوبته الآتي ذكرها قريبًا، أي يستفاد منه وقت إمامته، قال إنها كانت أي توبته في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، فيكون على هذا هو على أثر حفص بن راشد كما أشار إلى ذلك ابن رزيق، لأن راشد بن سعيد رحمه الله توفى في سنة (3/57)
صفحة 610
خمس وأربعين وأربعمائة، وبويع بعده لولده حفص، ثم بويع بعد حفص بن راشد للإمام وراشد بن علي المذكور. قال: فحمدته الأمة وشكرته الرعية، وقام منار العدل. قلت إنما بويع لذلك وطلب منه هذا ومثله وهو حقيق لأن يكون كذلك، والأوجب عزله وإقامة من يقوم بذلك عنه، وقوى ساعد هذا الإمام وعلا صوته في عمان، وطال عمره في الإمامة وهو الذي قتل القاضي نجاد بن موسى أحد الخارجين عليه في سنة 496 في ذي القعدة لأحوال اقتضاها الحال، والله اعلم بمن هو المحق ومن هو المبطل، ولم نكلف علم ما غاب عنا، وبحسب الظاهر أن الإمام راشد بن علي لما قدمت إمامته بعمان واشتدت صولته في الأوطان، وصفا له الجو من عمال بني العباس الذين طالما آذوا أئمة عمان، وطالما قادوا عمان بسلاسل الجور، وقد عرفت ذلك مما مضى، وهذا الإمام إذا سلم من أعداء عمان لا ينبغي أن يسلم من أهل عمان ليأخذ قسطاً مما أخذ إخوانه الذين تولوا الأمور قبله، وصارعتهم الليالي والأيام، وقد عاش الإمام راشد بن علي في الإمامة عهدًا واسعًا فإنه مات في سنة 513 ثلاث عشرة وخمسمائة فيكون قد عاش قريباً من ثلاثين تقريبًا. (3/58)
صفحة 611
خروج الأعيان على الإمام راشد بن علي
لما قام عمود إمامة الإمام راشد بن علي انبعث عرق الشقاق، ونبض داعي الافتراق، ونفخ الشيطان في الناس نفخته التي أثارت إحساس فريق منهم، وما كانت لهم أفكار تردعهم عن شق العصا بينهم وإمامهم، وأن ينضموا حول إمامتهم شادين عضده ومؤيدين دولته، داعين الله للتوفيق على طاعته، وأن يصرف عنهم معرة الجيوش الأجنبية، بل قام هؤلاء الأعيان المنظور إليهم في عمان، وهم نجاد بن موسى بن إبراهيم والقاضي أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي، ومن معهم من حزبهم وأهل طاعتهم، خرجوا على الإمام راشد بن علي لعزله عن الإمامة.
قال الإمام: وخرجت على الإمام الفرقة الرستاقية يريدون عزله، ورؤساؤهم يومئذ القاضي نجاد بن موسى والقاضي أبو بكر وهو أحمد بن عمر أبي جابر المنحي، خرجوا إلى الرستاق في ذي القعدة سنة 496 ست وتسعين وأربعمائة فلم نجد ذكرًا لما كان بينهم، قال الإمام: غير أني وجدت تاريخًا قال: فيه خرج نجاد بن موسى مغلوبًا مطرودًا ليلة الاثنين من ستة اثنتي عشرة وخمسمائة، ولم يذكر أين كان الاجتماع للنقاش والمناظرة، ولعله كان في الرستاق وخرج القاضي المذكور وهو رئيس الجماعة القائمين، ورجع إلى نزوى وعلى أثر خروجهم من الرستاق إلى نزوى لحق بهم الإمام راشد بن علي، ولعله لما خرج القاضي مغلوباً رأى له الإمام حركة فتنة عليه، فعاجله بالقتل فإن هذا القاضي قتل في هذه الأثناء، قتله الإمام راشد بن علي، قال الإمام رحمه الله وقتل أي القاضي يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة 513 ثلاث عشرة وخمسمائة، فكان بين خروجهم على الإمام وبين قتل القاضي المذكور سبعة عشر عامًا، وسبعة أشهر وبعض الأيام، وهذا يدل على أن الأحوال بين الإمام راشد بن علي وبين هذا الحزب والخارج توترت ومازالت تزداد توترًا حتى آلت على وقوع القتل بينهم، (3/59)
صفحة 612
وكان الإمام أمر على القاضي من يقتله فقتله أنصار المذكور، كما يشير إلى هذه الأحوال كلامهم عنها، وهذا الذي نحن نلوم عليه فإن الاحتمال في الممكن الذي يكون له محتمل في الدين، ويسع المسلمين السكوت بل في السكوت عنه إطفاء لثائرته وإخماد لحرارة النفوس من جهته:
وما ... مضى ... قبلك ... لو ... بساعة
دعه ... فليس ... البحث ... عنه ... طاعة
وكان قتل القاضي للإمام في نزوى، فخرج الإمام من نزوى على قتل القاضي في تلك السنة ليلة الجمعة لأربع ليال بقين من شهر شوال، ثلاث عشرة وخمسمائة، وإلى الله المصير والأمر إليه، وهو العالم بأحوال عباده.
قالوا إن موسى بن نجاد عاش ستا وخمسين سنة، وما مات حتى قتل ممن قتل أباه ثمانية عشر رجلا ممن يدعي السيادة، وكان الإمام راشد بن علي من بني خروص، فإن هذا الوقت وقت سيادة أئمة بني خروص، فإنه منذ الوارث بن كعب إلى هذا الوقت لم يكن إمام بعمان إلا منهم، إلا ما كان من إقامة عبد الملك بن حميد، وإمامة سعيد ابن عبدالله الرحيلي رحمهم الله، فلذلك يدعي لهم السيادة، فإن الدولة إذا حلت في قوم رأوا أنهم هم السادة للأمة، وكان القاضي المذكور له أتباع من نسبه ذكر منهم الإمام ولده موسى بن نجاد الذي قام بعد أبيه يأخذ ثأره ممن قتله ولده كهلان بن موسى، ومنهم ولده معمر ابن كهلان، وكان لهم أتباع وأنصار يؤيدونهم ويقومون معهم، وبذلك استطاع موسى بن نجاد قتل القوم الذين اشتركوا في قتل أبيه حتى قتل منهم ثمانية عشر رجلا، وهذه عاقبة الشقاق والافتراق، ونعوذ بالله منه ونسأله عزوجل جمع الشمل تحت راية العدل. (3/60)
صفحة 613
وهذه رسالة بعث بها الشيخ القاضي أبو عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله، إلى الإمام راشد بن علي ينصحه بها، ويشترط عليه فيها، ويدلي بما عنده من الصراحة للإمام فيما يجب الدخول فيه من أمور المسلمين، وما لا ينبغي نوردها ليؤخذ منها المغزى الذي عليه الإمام المذكور وأصحابه، وما يجب لهم وعليهم، قال فيها:
أما بعد: فإذا طلبتم مني الاجتماع والألفة، وبذلتم من أنفسكم قبول النصيحة فإني راغب في مقاربتكم وموافقتكم، وكاره لمباعدتكم ومفارقتكم، غير أنه لا يصلح اجتماع على غير طاعة الله، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه جعل في طاعته المحبة والاجتماع والألفة، وجعل في معصية العداوة والبغضاء والفرقة، فإن أردتم مني اجتماعا في الظاهر، فإني لا يمكننني من ذلك غير ما أنا فاعل، وإن أردتم اتفاقاً في الظاهر والباطن، فحتى أرى منكم غير ما أنتم عليه والله لا يستحي من الحق.
وكأن هذا الشيخ ينكر على الإمام ومن معه الأحوال التي هم عليها كما يدل كلامه على ذلك. قال: ولا دهان في الدين، ونحن غدًا مسئول بعضنا عن بعض، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) 16، وقد أنزل الله كتابه وأرسل رسوله وأوضح دينه، ولا جهل ولا تجاهل في الإسلام، وقد تقدم من المسلمين خلفاء وقضاة وأئمة وولاة، أخبارهم شاهرة وسيرتهم معروفة ظاهرة، فمن اتبع سبيلهم اهتدى، ومن خالفهم ضل وغوى، وقد قيل اتبعوا ولا تبتدعوا، وقيل شر الأمور محدثاتها، وقبل كل شيء إذا ذهب منه شيء ذهب كله. قلت: هذا مبني على أصل المذهب الصحيح أن الدين لا يتجزأ، بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ويدل عليه الحديث: (3/61)
صفحة 614
لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. الحديث بخلاف بقية الأشياء التي لها أجزاء أو تجوز تجزئتها، فما بقى منها له حكمه قطعاً. قال: والمسئ مخذول والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
فأول ما اشترطه عليكم أن تنصحون وتعرفون عيوبي: وأن تقبلوا نصائح المسلمين ولا تردوا الحق على من جاءكم به بعيدًا كان أو قريبًا، بغيضًا كان أو حبيبًا، وأن تتوبوا إلى الله من جميع ذنوبكم، وتتقوه عزوجل في سركم وجهركم من العمل بطاعته، وأداء لفرائضه واجتنابًا لجميع محارمه، واقتداء بالسلف الصالح من المسلمين مع الورع الصادق، والوقوف عن كل شبهة وألا تعملوا عملا إلا بحجة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والانتهاء عنه والموالاة لله والمعاداة فيه، ومشورة المسلمين أهل العلم والورع فيما يعود عليكم من الأمور، وقد قال الله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) 17 ولا تقتدوا برأيكم ولا تعجلوا في أموركم، ثم حسن الرأفة بالرعية عامة، وبأهل الصلاح خاصة والرفق بهم والعدل فيهم، وأن يتفقد الإمام أمر رعيته وقضاته وعماله، وإن اطلع على جور من عامل له أو غيره أنكر عليه، وقام في ذلك بما يلزمه ولا تطلبوا العلو والرفعة في الدنيا، ولا تستنكفوا ولا ترفعوا أنفسكم عن أدني منازل الدين، ولا يكون القاضي إما أن يعطي الأمر كله وإلا غضب وجذب يده ووقف عما يلزمه، فإن من كانت هذه صفته لم يجز تفويض أمور المسلمين إليه، إذ ليس ذلك من صفات المسلمين، فإن ولى الإمام واليًا على بلد بمشورة غيره من المسلمين لا يغضب، وإن كان القاضي وال على بلد فعزله الإمام بغير رأيه لم يغضب، ولم يقف عما يلزمه ولم يترك ما يجب عليه، وكذلك غير هذا من جميع الأمور، وأن تقتدوا بمن سبقكم من أئمة المسلمين وقضاتهم وولاتهم، وأن تتبعوا سبيلهم وأن تهتدوا بهداهم، فقد قال الله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً) 18، وألا يخلف القاضي الناس لنفسه بما يحلف به الإمام، فإن هذا لا يعلم (3/62)
صفحة 615
أن أحدًا سبق إليه من ولاة المسلمين وقضاتهم وأن تردوا الخيل التي أخذت من الرعية.
هنا يتجلى بعض ما في نفس هذا الشيخ من الأمور التي ينتقدها، فكأن هناك أشياء شاع معهم أمرها، ولا ريب فإن الناس لا يخلون من الأحوال يخالف ظاهرها باطنها وربما شاعت عليهم على غير وجهها اللازم لها، وربما كان لها في الحق مخرج، وربما كان للإمام فيها عذر، ولكل مقام مقال. قال: ومع ردها عليهم أي الخليل لا يجبرهم القاضي على الخروج معه لغزو ولا غيره، إلا أن يتفق للإمام الخروج بنفسه من أمر يجب عليهم الخروج معه، ولا يكون لهم عذر في ذلك، وأن تنصفوا الناس في معاملاتكم ومدايناتكم، فإن كان لأحد عليكم حق فلا تمطلوه ليرضى بدون حقه تقية أو ضرورة، أو تلجئوه إلى أخذ شيء من العروض، حتى يأخذها بأكثر من قيمتها في البلد، ولا تبيعوا ولا تشتروا لأنفسكم إلا أن توكلوا في ذلك غيركم من الرعية، ممن هو غير داخل في حرمه وأمره، ولا يعلم أن المشتري لكم، ولا تقبلوا من الرعية الهدايا والعطايا، وأن تمنعوا خدمكم وأصحابكم من ذلك ولا تقبلوا من الناس أموالهم على وجه، ولا ترسلوا إليهم في ذلك إلا أن يتبرعوا هم من تلقاء أنفسهم، أو يشير بعضهم إلى بعض من غير رسالة منكم، ولا تتحملوا الديون إلا من ضرورة في نفقة أو كسوة أو تقووا أمر المسلمين، ولا تبذروا أموال المسلمين، حين يحتاجوا إلى أموال الرعية، وتأخذوا منهم على وجه القرض أو المداينة أو المعونة، وتحتجوا أنكم فعلتم ذلك ضرورة أو حاجة، فليس هذا مما يوجد لكم عذرًا في أخذ أموال الرعية، وأن ترفعوا الطمع فيما لا يجب لكم على الرعية، وأن تسووا في الحق بين البعيد والقريب والبغيض والحبيب، ولا تصفحوا عن أحد وتأمنوه ثم تأخذوه وتعاقبوه بعد الصفح والأمان، ولا تخرجوا إلى النواحي البلدان بعسكر لا تضبطوهم ولا تشدونهم عن الظلم والفساد، ولا تلزموا الناس ما لا يلزمهم من الخروج، بل تعذروا من (3/63)
صفحة 616
له عذر من مرض أو غيره، ولا تفوضوا أمرًا يحرج الناس إلى العرفاء والجهال فيبعدوا الرشاء منهم، ولا تجبروا الناس على الخرج بلا زاد اتكالا على الضيافة من عند الناس، ولا يبروهم على الرباط بلا نفقة، ولا تستفتحوا بلدًا من بلدان أهل القبلة، وأنتم تقدرون أن تتولوا عليها وتحموها وتأخذوها من ظالم وتسلموها إلى ظالم، وأن تبذلوا الإنصاف لأهل السر والسنينة من حرق منازلهم وخراب أموالهم.
وهذه أيضًا مما نفس الشيخ تنتقده عليهم وتتحرج منه صرح به الآن، وكأن هناك أحدثاً واقعة منهم لم نقف على تاريخها إلا ما نفهمه من كلام شيخنا هذا رحمه الله، ولا نعلم عذر المسلمين فيها ولا مقالهم عنها، فالله أعلم بها.
قال: وتعرفونهم عنها وأنكم أيضاً تعرفون جميع النواحي التي تجري فيها الأحداث من عسكركم وأصحابكم، وتظهروا إليهم الإنصاف حتى يعلموا أن الحق مبذول عندكم لمن طلبه، والباطل مردود على من فعله، ولا تخرجوا إليهم بعسكر تفعلوا عنده مثل ما فعل عسكركم الأول، وإذا شكت الرعية عاملا من عمالكم، وطلبت عزله عنهم أن تعزلوه عنهم ولا تكلفوهم عليه البينة، وأن تردوا مكاتباتكم إلى ما كان عليه مكاتبات من سبقكم من المسلمين، وأن تفوا بعهدكم ووعدكم، وقد قال الله تعالى: (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) 19 ولا تكتبوا لأحد رقاعاً خالية فارغة، فإن ذلك يخرج مخرج السخرية والهزل، وقد قال تعالى: (َلا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ) 20، ولا تفوضوا إلى أحد الحكم بين الناس، ولو كان لكم ولياً حتى يكون ممن يبصر لحق، ويعرف وجه الحكم، ولا تولوا واليًا على بلد ولا على حرب ولو كان لكم وليًا حتى يكون عالمًا بعدل ما تولونه عليه، ولا تأخذوا الزكاة من الناس بالقيد والحبس على التهم، ولا تقولوا لمن تتهمونه (3/64)
صفحة 617
بكتمان الزكاة غنا لا نقبل إلا بكذا وكذا، وهذا كأنه حكم، ولا يجوز الحكم مع المسلمين بالتهمة، وألا تبعثوا في طلب الزكاة من الناس غير الثقاة لتوكلوهم في تسليمها إليكم، فإنه قيل إن هذا لا يجوز، وألا تزيدوا على خدمكم فيما تعطونهم من أجرة خدمتكم خلاف سعر البلد، ولا تأخذوا أعطياتكم بغير حساب، فإن هذا لا يفعله صاحب دين ولا دنيا إلا ما شاء الله، وألا تكتبوا إلى ولاتكم وأمنائكم رقاعًا لا يجوز لهم أن يعلموا بها وألا تنفوا المسلمين ولا تعاقبوهم بالتهم والظنون، فإن العدول لا تهمه عليهم، وإن عاقبتم أحدًا من المسلمين فعرفوه الخطأ الذي أوجب عقوبته عندكم، وإن بلغكم عن أحد من أهل الصلاح ما تكرهونه فلا تعجلوا في عقوبته حتى تظهر الحجة عليه عند المسلمين، وألا تعرضوا لأحد في فعل منكر تأويلا منكم أنكم لم تأمروا تصريحًا لم يلزمكم في التعريض، بل قد قيل إن التعريض يقوم مقام الأمر الصريح، وألا تعلموا بالآحاد من الأخبار التي لا عمل عليها عند المسلمين، وأن تقربوا أهل الصلاح وتدنوهم من أنفسكم، وتبعدوا أهل الجهل والسفل، وتنزلوا كل واحد منهم حيث أنزل نفسه، وأن تعتذروا إلى من لحقه منكم جفاء من المسلمين، وأن ترجعوا في العبدة التي اشتريت من عند أبي الفرج والبيت الذي اشترى من عند موسى الفرقاني إلى قول المسلمين، وما يوجب الحق في ذلك.
وهذه النقطة الثالثة التي يعرب انتقاد الشيخ أبي عبد الله لها، قال: وأن ترجعوا في حكم المال الذي يمنح إلى قول المسلمين، ولا يستبد القاضي فيه برأيه دون المسلمين، وألا تعرضوا من عند أبي العرب بن أبي جابر شيئًا من عماله بقرض ولا معونة ولا عارية، ولا تمنعوا ورثة إبراهيم بن عبدالله من مالهم بغير حجة ولا حكم، فإنا لا نعلم أن في ذلك جوازًا، وإذا سألكم أحد حاجة فإما: نعم منجزة وإما لا مريحة- أي إما وعد صادق وإما نفي كذلك، فإن خلف الوعد نفاق (3/65)
صفحة 618
ومطل الوعد تنغيص. قال: فإن المماطلة عند الوعد تنغيص وتنكيد، والمماطلة مع الحرمان تخلية وهزل، وكلا الحالين مذموم عند ذوي الدين، وإنما يفعل ذلك من هانت عليه نفسه ودينه وعرضه، والمعنى أن ذلك من الأخلاق المستزلة التي نهى الشارع عنها، فلا يرضى بها إلا أهل الدنيا، ولا يرضى بها المسلمون.
فإن قلتم: إن ذلك من خدمكم وأصحابكم، فلو علموا منكم الكراهية لم يتجرءوا على ما تكرهونه إلا ما شاء الله، فأما إذا كانوا لا يتقربون بذلك إليكم فإن عاره وإثمه راجعان إليكم، ولا تحرموا الفقراء والمساكين هذا المال، فإن لهم فيه سهما، ولا تقفوا في شيء يلزمكم وتزيلوا عن أنفسكم إثم العذر في التخلف في العهد والوعد والتهمة بذلك، وأن تؤمنوا من خوفتم من المسلمين، وتردوهم إلى منازلهم، فإن قلتم قد بذلتم لهم الأمان، فلم يثقوا بأمانكم فلا أرى هذا يسقط به حجة عنكم، ولا يوجب به عند المسلمين عذركم، إذ كانوا قد عرفوا منكم الرجوع في عهدكم ووعدكم، بعد بذل الإمام خطة لهم بالأمان، وخافوه أن يفعلوا منهم من بعد كما فعلتم من قبل، وأن تبدوا الإنصاف لأهل السر في تلك الأحداث الشاهرة، وتفعلوا كما يوجد عن محمد عن محبوب رحمه الله أنه كتب به إلى بعض الأئمة، وعليك إظهار الإنكار في ذلك والطلب لمن فعله حتى يعلم الناس أن من فعل ذلك فإن الحق معروف، وأنك مؤثرة على ما سواه وتظهر الدعاء إلى الإنصاف حتى تبسط لطالب الحق بلسانه، وأنا أشير عليكم في الأحداث التي جرت في السر وغيرها من النواحي والبلدان، وجميع الأحداث التي تجري من عساكركم وأصحابكم ورعيتكم حتى يظهر عند الناس أنكم أنكرتم الباطل ولم ترضوا به ولم تواطئوا عليه، ولم تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتزيلوا عن أنفسكم الأوهام الفاسدة، فأما إذا كنتم تنادون بتخويفهم وتظهرون الغضب على من تتهمون أنه أراد أن يكتب إلى الإمام، ويعلمه بما يجري من الأحداث فكيف يتجاسر الضعيف والمظلوم (3/66)
صفحة 619
أن يرفعوا إليكم وينتصفوا ممن ظلمهم، وإياكم والتحقتم على الأمور بغير حجة ولا برهان، وإياكم وسوء التأويل فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخوف ما أخافه على أمتي ثلاثا: ذلة العلماء، وحيل الحكماء، وسوء التأويل. فانظروا لأنفسكم وسلوا المسلمين عما يجب عليكم ويلزمكم إتباع كتاب ربكم وسنة نبيكم، وآثار الصالحين قبلكم، ولا تميلوا بالناس يمينًا وشمالاً، واحذروا يومًا حذركم الله إياه فقال في محكم كتابه: (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) 21
وأنا استغفر الله مما خالفت فيه الحق والصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا.
والإمام أراه ضعيف المعرفة قليل العلم والبصيرة، ولا أرى له أن يولي واليًا ولا ينصب قاضيًا ولا ينفق من مال المسلمين إلى أحد من الناس، ولا يفعل شيئًا من هذه الأمور إلا بمشورة المسلمين أهل العلم والورع، ممن يكون له حجة في ذلك، وليس كل المسلمين يكون حجة في هذا، وإنما الحجة هو الفقيه، وهو الذي يجتمع له حالان: العم والورع، فإن فعل شيئًا من هذه الأمور ببصر نفسه أو بمشورة من لا يكون حجة له في ذلك، فإني أخاف ألا يجوز له ولا يسعه ولا يجوز لمن دخل معه في ذلك ولا يسعه، وإن كان الإمام ضعيف المعرفة قليل العلم والبصيرة لا يعرف المشورة، ولا يهتدي لها ولا يعقلها فأخاف ألا يثبت له عقد ولا يجوز للمسلمين أن يجعلوه إماماً، ولو كان لهم وليًا وسلوا المسلمين عن ذلك، ولا تأخذوا منه إلا ما وافق الحق والصواب، وأنا أستغفر الله من كل خطأ كان مني في هذا الكتاب وغيره، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيرًا.
انتهى كلام الشيخ أبي عبدالله محمد بن عيسى رحمه الله، ويستفاد (3/67)
صفحة 620
من كتابه وقوع أحداث من الإمام وجيشه وأعوانه، كما نص عليها الشيخ وكأنها واقعة لا محالة، وما وقع من الجيش فهو من جملة ما يعد على إمامه إلا ما خرج منه بحجة صحيحة، وكان الإمام كما يقول الشيخ السري أنه قليل العلم ضعيف المعرفة، ولعلهم لم يروا غيره أصلح منه إذ ذاك ولكل زمان رجال، ولكل إمام أعمال، ولعله له عذراً وأنت تلومه، فهذا الكلام ظاهره مسوق غلى الإمام من هذا الشيخ احتجاجا عليه، ولم نعرف عذر الإمام فيه ولا عذر أصحابه الموجه إليهم فيه الخطاب، ولابد لهم من جواب، ولابد إما أن يكون حقا أو صوابا لهم فيه العذر أولا، ولعل توبة الإمام الآتي ذكرها كانت لأجل هذه الأحداث التي ذكرها هذا الشيخ الزاهد الرضي رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيراً، وهو الواضح فإنهم حرورها على رأي الشيخ أبي على الحسن بن أحمد ابن نصر الهجاري، قرر فيها ما يجب على الإمام أن يتوب منه وأن ينشر توبته منه للإطلاع عليها من أهل العلم الذين في نفوسهم اشمئزاز من وقوع ما وقع، وأرادوا بذلك إظهار الإمام بالدينونة فيما يلزمه أن يدين لله فيه عند المسلمين، فإنه ابتلى بأمور المسلمين، ولما ابتلى بقى في حيرة من الأمر الذي دخل فيه بغير علة، والإمامة أمرها عظيم وخطبها جسيم، وللمسلمين أن يقدوا المفضول إذا تحققت المصلحة في تقديمه، كتقديمهم للإمام عزان بن قيس رحمه الله، مع أن المقدمين له كلهم أعلم منه، إلا أن أحوالا أخرى أهلته للتقديم، وأجلته للمقام الكريم، وكذلك تقديمهم للإمام سالم بن راشد بن سليمان الخروصي في عصرنا، فإن في الجماعة من هو أعلم منه، ولكن لكل مقال، ولكل زمان رجال، وكل يصلح لشيء لا يصح له غيره، والمسلمون مكلفون بالقيام بأمور الدين ابتلاء من الله الذي يعلم المفسد من المصلح والله ولي التوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم: توبة الإمام راشد بن علي، عمل القاضي أبي على الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري، أي رتبها له على هذا الوضع لينشرها بين المسلمين، معترفاً بما جاء فيها من اعتراف، وإذعان (3/68)
صفحة 621
وخضوع وانقياد للمسلمين بحسب ما جاء فيها من الأقوال، والرجوع المطلوب من الإمام على أثر تلك القضايا التي وقعت، وعدت على الإمام، والحقيقة ليست التوبة عملا صناعياً ولا قولا مسطورًا، بل هي رجوع قلبي وخضوع إذني، واعتراف نفسي يتجلى على لسان التائب نطقًا، وعلى هيئته صفة وعلى جميع جوارحه خضوعًا وانقيادًا لله وللمسلمين، إلى ما يعدونه عليه مخالفًا للحق، ومباينًا لمذهب المسلمين، وهذه التوبة التي يصنعها هذا الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد لإمامه راشد بن علي ليقبل المسلمون منه، وأن يرفضوا الحرج عليه ويكون عندهم بالمنزلة المرضية المقبولة في دين المسلمين، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمعترف بما عليه تنصلا لا يطالب بضده في الحكم ولكل حالة حكمها ولكل قضية مقامها.
وهذا نص التوبة المشار إليها يقول فيها بعد البسملة والحمد له:
أنا أستغفر الله وتائب إليه من جميع ذنوبي كلها قليلها وكثيرها، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، ما علمت منها وما لم أعلم، كان ذلك مني على العلم أو الجهل أو الخطأ أو النسيان، أو التدين أو الاستحلال، أو التحريم، كنت متأولا فيه أو دائنًا به بلساني، أو اعتقدته بقلبي، وتائب إلى الله تعالى من السيرة التي سرتها بغير العدل مخالفة للحق، ومن كل خطأ مني في إلزام أهل النواحي الخروج منها، ومن ترك النكير على نجاد بن موسى بعد علمي بسيرته، ونجاد هذا هو الذي قتله هذا الإمام، وكأنه وقع منه أمر أنكره المسلمون، استوجب به القتل فقتل كما سبق ذكره، وكأنه أي القاضي المذكور سار سيرة غير مرضية، ولكن لم يبين الإمام حقيقتها، وكان يتولاه فندم على ولايته، وتاب منها، وكان ولاه الأمور وهو يرى أحداثه، وهذا الشيخ الذي عمل هذه التوبة للإمام معه على أحداث نجاد بن موسى، وهذه الأمور هي التي أنكرها الشيخ محمد بن عيسى السري في كتابه (3/69)
صفحة 622
المتقدم، قال الإمام في توبته: ومن ترك النكير على نجاد بن موسى بعد علمي بالسيرة التي سارها مخالفة للحق والعدل، ومن ولايتي له على ذلك وتوليتي إياه علمي بأحداثه وفعله، ومن الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير حق، وأنفقت في غير أهلها ومستحقيها ومن العواقب التي عاقبت بها بغير الحق، وتعديت فيها بغير الواجب، أو أمرت بذلك من فعله ومن إخلافي لكل وعد ولم أوف به، ورجعت عنه، ومن كل عهد عاهدته ثم نقضته، ومن تقصيري عن القيام بما يلزمني من الحق والعدل، ودائن لله تعالى بما لزمني في الأحداث التي أحدثت في القرى على أهل القبلة من الخراب والحرق، وأخذ الأموال وعقر الدواب والأحداث في تخريبها وما جرى من العساكر التي أخرجتها ومن كل حرب حاربتها، وسفك الدماء فيها بأمري وملزم نفسي بذلك، وما لزمني من حق وضمان ودية وأرش وغير ذلك، فأنا دائن لله بالخروج منه، وقابل قول المسلمين، وراجع إلى قولهم، وقابل نصيحتهم، نادم على ما سلف مني في نفي أحد من المسلمين، أو عقوبته بغيره يلزمه، ومعتقد أني لا أرجع إلى ذنب، وإن علمت بذنب بعد هذه التوبة فهو داخل في هذه التوبة، وهذه التوبة لازمة لي إلى الممات ومن كل تولية والِ وليته، ولم يكن أن أوليه، شهد الله وكفى به شهيدًا ومن حضر من المسلمين.
وكانت هذه التوبة من الإمام راشد بن علي بحضرة القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله، والقاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري، والشيخ أبي بكر بن عمر بن أبي جابر، وأخيه أبي جابر محمد بن عمرو بن أبي جابر، وعلي بن داود، وعبدالله ابن إسحاق المنقالي وغيرهم من المسلمين، وكانت هذه الشهادة يوم الاثنين لإحدى عشر ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة 472 اثنين وسبعين وأربعمائة.
هذا تمام هذه التوبة المحررة باسم الإمام راشد بن علي المنشورة (3/70)
صفحة 623
بين أهل العلم من أهل زمانه، وهي ثمرة ذلك الكتاب الذي حررة ذلك الشيخ السري رحمه الله وهي جامعة لكل ما يتعلق بأمور الدنيا والدين، وعسى أن يكون مقتضاها من الإمام المدعو لها من صميم القلب وخالص الإيمان، والله يتولى من عباده الصالحين، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
ومل نجد للإمام اعترافاً بذنب خاص وتوبته تتناول كل ما يلزم، والله الموفق للخير وحده، وقد عرفت ما ندد به الشيخ السري محمد بن عيسى على الإمام، الله في خلقه ضنائن والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ولما بلغت هذه التوبة إلى الشيخ المذكور، وعرف مقتضاها، أجاب الإمام بقوله فيها إذ سأله الإمام عن ذلك قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، من القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى رحمه الله، إلى الإمام راشد بن علي، فيما سأله عنه من هذه التوبة، وما رد عليه فيها، سألت عن التوبة التي دعاك الجماعة إليها وإلى الكتاب الذي كتبوه لك فيها، فاعلم أني نظرت في ذلك على قدر ضعفي وقلة بصيرتي، فرأيت الكتاب يشتمل على معان كثيرة يطول شرحها، غير أني أذكر لك من ذلك ما يسر الله، والله أسأله التوفيق لذلك، أما توبتك من السيرة التي سرتها بغير العدل مخالفة للحق، فإن كان ذلك قد جرى منك على الاستحلال والتصويب لنفسك، فلا أرى هذه التوبة تكفيك ولا تصح لك، ولا يقبلها المسلمون منك حتى تفسر ذلك تفسيرا غير هذا، وتتوب منه بعينه على التفسير، وإن كان منك على التحريم والتعمد لمخالفة الحق عند فعلك فما كان فيها من تلف نفس أو مال، فعليك الضمان والخلاص من حقوق العباد في الأموال مع التوبة، إن كان ذلك منك جهلا بحرمته، وظنًا منك أنه واسع لك من غير تعمد للحرام، (3/71)
صفحة 624
ولا قصدا منك لمخالفة الحق والاستحلال لذلك بديانة وتأويل، فقد يوجد مثل هذا يخرج مخرج التحريم، وقد تقدم القول في المحرم، وما يلزمه فقي الأموال والأنفس والخلاص من ذلك، وأما توبتك من الجبايات التي أمرت بها وجبيت بغير الحق، وأنفقت على غير أهلها ومستحقيها، فالأمر فيه على نحو ما تقدم من الكلام في المحرم والمستحل، فإن كان ذلك على وجه الاستحلال لما حرم الله فلا أراك تكتفي بهذه التوبة، ولا يصح ذلك حتى تفسر تفسيرا غير هذا، وتتوب منه بعينه على التفسير، وإن كان منك على وجه التحريم، فقد تقدم الكلام في المحرم، وعليك الخلاص من جميع ما أتلفته من الأموال والأنفس، وإن كان ذلك على وجه العمى والظن أنه واسع لك، فقد تقدم القول في ذلك أنه يخرج مخرج التحريم، وأما توبتك من العقوبات التي عاقبت بها بغير الحق، فإنها تجري مجرى ما تقدم من القول به والجواب واحد، وأما توبتك من كل حرب حاربتها، وسفكت الدماء فيها بأمرك فإن كنت حاربت حربا بعد حرب منها ما هو بالحق وما هو بالباطل، فتبت من جميع ذلك فلا يجوز لك أن تتوب من الحق، وعليك التوبة من توبتك من الحق، وعليك التوبة أيضا من الحرب التي حاربتها بالباطل، وإن كان على الاستحلال فقد تقدم الكلام في المستحل، وإن كان على التحريم فقد تقدم الكلام أيضا في المحرم وما يلزم في ذلك من الضمان في الأموال والأنفس، وإن كنت مخطئا ففي جميع محاربتك من أول الأمر إلى آخره فقد أصبت في التوبة منها، وأما الضمان فهو على ما تقدم فيه الكلام من المستحل والمحرم وأما توبتك من ولايتك لصاحبك، فإن كنت علمت منه حالا تحرم به ولايته عليك أو توليته على أول الوجه لا يجوز لك أن تتولاه عليه، فقد أصبت من توبتك في ولايته، وإن كنت توليته من أول وجه يجوز لك ولايته عليه ولم تعلم عنه حدثا مكفرا، فقد (3/72)
صفحة 625
أخطأت في توبتك من ولايته بغير حجة، وعليك أن تتوب من توبتك من ولايته، وإن كان قد صح عنك عليه حدثا مكفر بشهرة لا دافع لها أو شهادة عدلين مع تفسير الحدث أو شهادة عالمين بالحدث بتفسير أو بغير تفسير، أو شاهدت أنت منه حدثا مكفرا، أو أقر عندك بذلك وتوليته من بعد، فقد أصبت في توبتك من ولايته على هذا الوجه، ولكن استتبه من ذلك فإن تاب وكان مستحلا، فقد قيل إنه يرجع إلى حالته الأولى من الولاية ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإن كان محرما ففي أكثر القول أنه يرجع إلى ولايته الأولى، وقيل فيه قول آخر ولا أرى لك أن تهمل أمره، ولا أن تترك استتابته، ولا الإنكار عليه إذا قدرت على ذلك، فإن لم تفعل ولم تستتبه فأخاف أن تكون أتيت خلاف ما عليه أهل الحق والعد من المسلمين، وأما توبتك من توليك إياه بعد علمك في أحداثه وفعله، فإن كنت علمت منه حدثا مكفرا ووليته على ذلك الرعية فجار عليهم في أنفسهم وأموالهم وأنت محرم لذلك فأخاف عليك ضمان ذلك في أحداثه، وإن أتلف شيئا من أموال الناس وأنفسهم، وإن كنت مستحلا لذلك فقد تقدم من الكلام في المستحل والمحرم والجاهل ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وأما قولك وملزم نفسك ما لزم للعباد من حق وضمان ودية وأرش، وأنك دائن بالخلاص منه فهذا هو الصواب، إذا صدقته بفعل وقيل لخلاص نفسك لحقوق الله وحقوق العباد، وأم القول وحده بلا فعل ولا قيام ولا اجتهاد في خلاص النفس، فما النفع في ذلك فقد قيل لا ينفع التكلم بالحق إلا بإنفاذه، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) 22 وإن كنت محقا في هذه الفصول كلها والمعاني التي دعاك الجماعة إلى التوبة منها، ولم يكن منك خطأ في الظاهر، ولا في الباطن فتبت من الحق ليرضوا عنك، فلم يكن لهم أن يدعوك إلى التوبة من (3/73)
صفحة 626
الحق، ولا كل أن تجيبهم إلى أن تتوب من الحق، فإذا فعلتم ذلك جميع كان ذلك عليك وعليهم التوبة، ولو أن الجماعة عند استتابتهم لك سلكوا بك مسلكا غير هذا الذي حملوك وحملوا أنفسهم عليه، ربما كان أسلم لك ولهم وأخف وأسهل عليك وعليهم، ولا مخافتي لا يسعني السكوت ولا التغافل عن جوابك فيما سألتني عنه لم أذكر لك شيئا من هذا، ولكنك سألتني عما يلزمك في تلك التوبة، فاستصعبت الإمساك عن رد جوابك، فقد ذكرت لك ما قد ذكرته على قدر ضعفي وقلة بصيرتي، فإن كان حقا فهو من الله فخذ به، وإن كان فيه مخالفة للحق فلا تأخذ به، وأنا أستغفر الله من كل من خالفت فيه الحق والصواب، وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما.
انتهى كلام القاضي أبي عبدالله محمد بن عيسى السري رحمه الله تعالى ولم نجد جوابا لكلامه، وما ندري ماذا كان بعد هذه النصائح البليغة الصادرة عن الصدق والإخلاص، غير أني وجدت أنه قتل رحمه الله في نزوى في موضع على طريق مساجد العباد، غربي المقبرة الكبيرة تمر على حضيرة غلافقة، ولم يسموا قاتله ولم يؤرخ وقت ذلك وهذا دأب الأمة هذا داع للحق صادع به وهذا مضاد له معاد لأهله، لا يبالي بما يلاقي وإن قتل العلماء عند الله عز وجل عظيم، يهدم كيان الدين ولكن الحظوظ الإلهية لا تفوت أهلها مهما كانوا وأفضل موتة يموتها العبد الصالح القتل في طاعة الله عز وجل، فإن للشهيد منزلة يغبطه عليها حتى النبيون عليهم الصلاة والسلام، نسأل الله الفوز بأعلى المنازل عند الله والتوفيق لما يحبه ويرضاه. (3/74)
صفحة 627
إمامة الإمام عامر بن راشد بن الوليد الخروصي رحمه الله
كان هذا الإمام عامر بن راشد من أفاضل الأئمة ومن أخيار الأمة لكن لضياع التاريخ العماني الذي طال ما تكلمنا عنه هذا التاريخ، وطال ما ضاعت منه حقائق يأسف العاقل، ورثي اللبيب لها، ضاعت عنا مهام هذا التاريخ، فإن التاريخ كما قلنا عنه حافظ أعمال الأمة صالحها، وطالحها، وديوان جامع لما مضت به الأجيال، وما وقعت فيها من أعمال.
قال الإمام: عقدت له الإمامة سنة 746 ست وسبعين وأربعمائة. قلت: هذا الوقت هو وقت إمامة راشد بن علي المتقدم، وقد توفى سنة513، اللهم إلا أن يكون الغلط في تاريخ بيعة الإمام راشد بن على أو بيعة الإمام حفص بن راشد، فإن والده راشد بن سعيد رحمه الله توفى سنة 445، وبويع ولده حفص بن راشد بعده، وعند بعض أهل التاريخ أن حفص بن راشد لم يطل عهد إمامته، بل هو عند بعضهم عاش في الإمامة فقط سنة واحدة، لكنه لم يظهر له تحقيق.
قال الإمام نقلا عن المؤرخ لهذا الإمام: كان رجلا عالما زاهدا ذا ذكاء وفطنة محسنا في الرعية، قال: وكان إماما شاريا، قال: وهو آخر الأئمة الشراة من بني خروص، قال: فاستقام على الحق حتى توفاه الله رحمة الله عليه.
قال الإمام رحمه الله: وأنت تدري أن هذا الوقت الذي ذكر فيه بيعته هو وقت إمامة راشد بن علي بعينه، فإن صح ما ذكر فكأنه إنما بويع في وقت إمامة راشد، فإن الناس قد اختلفوا على راشد على حسب (3/75)
صفحة 628
ما تقدم، وفي هذا التاريخ اضطراب، ولعل هذا الإمام من أئمة الطائفية الرستاقية، فإن كان كذلك فربما صح التاريخ والله أعلم.
ولما كان النباهنة ظهروا على ملك عمان في أول القرن السادس للهجرة، وكان الإمام الخليل بن عبدالله قام والنباهنية قائمة السيطرة وقاتلها وقاتلته، وتولى بعض ملك عمان كنزوى ونخل والرستاق والباطنة، وما بقى من ملك عمان، بقى في أيدي النباهنة، دل ذلك على أن هؤلاء الأئمة الثلاثة قاموا في أول قيام دولة النباهنة، وإن قيل إن الإمام محمد بن غسان كان أكثر حربه الحسا، وأرض نجد، فلعل النباهنة كانوا يستجيشون أهل الحسا، وأهل نجد، وكانوا يتحيزون إليها عندما يجدون صراعًا عنيفا وغلبة من الإمامة، لاسيما أن ذلك في بادئ الأمر، فالذي ينبغي أن يعول عليه أن عامر بن راشد بن الوليد، ومحمد ابن غسان بن عبدالله، والخليل بن عبدالله ثلاثتهم ناموا في صدر الدولة النبهانية في أول القرن السادس، فإن النباهنة برزت سيطرتهم في عمان بعد مضى النصف الأول من نفس القرن المذكور.
وسيأتي إن شاء الله تحقيق ذلك قريبا عند الكلام على تلك الدولة التي عبرنا عنها في العنوان بالدولة الرابعة من دول عمان، وذكرنا ما قيل في أول نشأتها على سبيل الإجمال، وكان الإمام عامر بن راشد آخر من بويع بالشرى في عمان. (3/76)
صفحة 629
إمامة الإمام محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي
من أفاضل المسلمين هذا الإمام الرضي محمد بن غسان بن عبدالله، ولعله من ذرية الإمام غسان بن عبدالله، الذي قام عقب الإمام الوارث ابن كعب رحمهم الله تعالى، وإنها ذرية طيبة، وكان هذا الإمام أيضا من الأئمة المجهولة تواريخهم، ووقت إمامتهم، فإن كانوا من أئمة الطائفة الرستاقية فالله أعلم بأحوالهم، فإنهم لم يذكروا من بايعه من المشايخ، ولا وقت بيعته ولا مكان إقامته، ولا يمكن مثل هذا أن يخفى إلا أن الدهر الذي مر على العمانيين في ذلك العهد كله اضطراب.
وسبب ذلك الاضطراب موسى بن موسى ومن معه ومن شايعهم ومن الغلاة فيهم، ومن الدعاة ضدهم، وكان ذلك داعية تفرق للكلمة بين المسلمين، ووضع شقاق في الدين، وأهل العلم إذا لم يقصدوا بالأمر لله وحده سرعان ما يكون فيه اضطراب، وخبط الأمور على غير هدى من الله.
قال الإمام رحمه الله: كان إمام دفاع فأرادوه أن يكون شاريا، فخاف ألا يطبق الشرى خوفا من خلفاء بني العباس أو قال خوفا من خلفاء بغداد، لأنهم طالما جهزوا الجيوش على عمان، وطالما هاجمها جنودهم فيستمر الصراع عهداً، فتارة يغلبون على العمانيين فيقبضون على دولته، وتارة يستغلبون فينهزمون إلى بغدادهم، كما عرفت ذلك مما مر عليك في تاريخنا هذا، والحرب لا تزال سجالا طيلة الدهر الخئون، وأهل عمان، إمامتهم رحمة للأمة، لكن رحمة الله لا تدوم إلا ريثما تمر على الأمة لإقامة الحجة عليهم، وهذا الإمام محمد بن غسان من خيرة الرجال في عمان، لكن كأنه لم يمتد له عهد في الإمامة، أو لم تكن له حروب يسجلها التاريخ في الأمة. (3/77)
صفحة 630
قال الإمام رحمه الله: وكان رجلا عالما بليغا زاهدا ذا حلم ورأفة للرعية، غيورا على الممالك، قال: وكان أكثر حربه الحسا وأرض نجد.
قلت: لعل نهداً وعقيلاً عادوا على ما كانوا عليه أيام الإمامين السابقين الذين عاصرهما الإمام الحضرمي، أو أن بغاة نجد وأجلافهم كما عهد منهم النهب والعيث في الأرض فسادا، والحسا هي دار بغي في السابق، فكان فيها القرامطة من شر البرية، وفيها الخوارج الذين لا يبالون بالواجبات في الدين.
قال: وكان في إمامته عادلا لم يعب عليه شيء ولا عابه أحد في زمانه، ولا طعن عليه في شيء من أحكامه حتى توفي رحمة الله عليه. قال: وكانت إمامته تسع سنين إلا خمسة أشهر.
قال الإمام: ومن خصاله أي من خصال الإمام محمد بن غسان الحميدة وأفعاله الغريبة، أن كل أحد أراده بسوء وعزم على حربه مخاصمة، ووصل هذا الإمام في ساحته، يسلم المخاصم له الأمر من غير قتال. وكان ذلك كرامة له رحمه الله ولعله لإخلاصه لله في حله وترحاله، ومن كان مع الله كان الله معه، وسهل الله له كل صعب، ويسر له كل عسير، وليتنا وجدنا تحقيق تاريخ هذا الإمام الميمون وأعماله ورجال دولته، حتى تفيد الأمة عنه، فلله در التاريخ ولله در رجاله الأجلاء الحافظين لمآثر الأئمة المخلصين، والملوك العادلين، والمتغطرسين الذين لا يعتبرون الأمة إلا قطعانا أو عبيدا مماليك، يتصرفون فيهم كما يشاءون. (3/78)
صفحة 631
ومن مزايا التاريخ إن تركنا نأسف على ضياع كثير من المآثر الإسلامية السامية، ونعض عليها أصابع الندم، ونبذل في إدراكها ما عز علينا، فإن وجدناها طابت أنفسنا وانشرحت لها صدورنا، وإلا تولى الأسف علينا، والأمر لله من قبل ومن بعد، لقد أجمع العلماء على فضل التاريخ وأشار إليه من قال:
تلك ... آثارنا ... تدل ... علينا
فانظروا ... بعدنا ... إلى ... الآثار
فالتاريخ جماع الآثار كلها، وسجل الحوادث في الأمة، وإليه ينظر الناظر في الآثار، وبه يكون الاعتبار بعد انتهاء ادوار أمته وانقراض دولهم، والله حض غلى الاعتبار بماضي الدهر وحوادثه ذوي الأبصار، وأساطين الأفكار من الرجال في عموم الأدوار. (3/79)
صفحة 632
إمامة الإمام الخليل بن عبدالله بن عمر الخليلي
وهذا نسبه
الخليل بن عبدالله بن عمر بن محمد بن الخليل بن شاذان بن الصلت ابن مالك بن أبي العرب، لا يخفى على المطلع أن أشرف بيت في آل اليحمد بن حمى بيت آل الخليل بن شاذان بن الصلت، إذ توالى الفضل فيه إلى وقتنا هذا، وكان هذا الإمام الجليل من ذرية الإمام الخليل ابن شاذان بن الصلت، كما صح نسبه، كان ثالث الأئمة المجهولة تواريخهم وبيعتهم وأمكنتهم وحروبهم، وأكثر أعماله، وذلك لإهمال التاريخ، وكان هذا الإمام من أئمة الطائفية النزوانية، وقد بويع في أول وقت بدأت فيه روح الدولة النبهانية في عمان، تجسس جسمها وترمز اسمها، وتعلن عهدها الذي تتوقع ظهورها فيه في هذا القرن الذي أراح الله فيه عمان من حروب بغداد.
وكانت بيعته في نزوى، ولم نعرف من بايعه ولا من شايعه، وإنما وجدنا أنه قاتل النباهنة في نزوى، واستولى عليها وقهر الرستاق، ونخل وجميع أقطار الباطنة، وكأنه قامت له قوة خافها بنو نبهان أن تقضي عليهم، فاستجاشوا الجبور وبني هلال، قال: ولم يزل يقاتلهم في كل أرض، فكأن القتال استمر بينه وإياهم، والظاهر أن شرق عمان ووادي سمائل كان مع النباهنة، والرستاق والباطنة مع الإمام، وكأن الأيام ما زالت بينهم في تداول لقوله، ولم يزل يقاتلهم في كل أرض.
قال ولم يعب عليه في إمامته أحد حتى توفي رحمة الله عليه مستقيما على طريق الحق ولا يخفى أن جيوش بغداد لم تكن لها في هذا العهد عمل في عمان، ذلك لأن الدولة العباسية قد انهارت صروحها منذ أول القرن الخامس، ولكن بقى لها اسم فقط، ثم انتهى أمرها اسما ومعنا، (3/80)
صفحة 633
وقوضت بتمام القرن السادس وبالنصف الأول من القرن السابع، انمحت آثارها تماما فلذلك لا ترى لها أثرا في عمان، ولكل شيء غاية ينتهي إليها، وكل شيء مرتهن بوقته والأمر لله فلذلك لا ترى لها هنا بعد ذلك ذكرا بعد ما كانت تعاني عمان منها النصب، وترى منها البلاء الماحق والوبال الساحق، بطرا وعدوانا بغير حق، كما عرفته مما تقدم، والأمر لله.
ولكن قام هنا دور بني نبهان وهم إذ ذاك ملوك عمان والملك لله يؤتيه من يشاء وسبيل بني نبهان كغيرهم من الملوك، وبدأ أمر القوم في عهد هذا الإمام الخليل، ولكن لم يتم لهم أمر الملك حتى منتصف القرن السادس، واستمروا إذ ذاك حتى قامت دولة اليعاربة في أول القرن الحادي عشر وهم فرع من النباهنة المشار إليهم، كما سوف تقف على ذلك أيها القارئ فإنه ستأتي بعد هذا الإمام أربعة أئمة، ثم انتقلت الدولة إلى بني نبهان كليا، ذلك لأن أهل عمان هنا تحزبوا فصاروا حزبين: رستاقية ونزوانية، وظلت كل فرقة تنصب أئمتها لقتال الأخرى، وجعلوا بأسهم بينهم، فسلط الله عليهم النباهنة عقوبة لهم على ذلك ولله في خلقه أسرار. (3/81)
صفحة 634
إمامة محمد بن أبي غسان
وهو من أئمة الطائفة الرستاقية كما أشرنا إلى هذا والأشبه أن يكون خروصيا، وأن يكون ابن الإمام راشد بن سعيد الذي كناه الإمام أبو إسحاق الحضرمي بأبي غسان في شعره كما عرفت ذلك، وكانت إمامته وقت إمامة راشد بن علي الذي سبق ذكره، وقد عرف التنافس إذ ذاك بين الطائفتين وهو الذي سبب ضعف أمور المسلمين وقيام الجبابرة عليهم، واغتصابهم للأمر رغم أهل الحق منهم فإن الباطل يجد أنصارًا والحق قد لا يجدهم إلا في أوقات خاصة تمر على الناس مرور الشمس على العالم، ثم يعود الظلام أدراجه.
وكان إذ ذاك بالباطنة أخيار أيدوا محمد بن أبي غسان تأييدا شاهرا على أضداده، وكان هذا الإمام كاتبهم وراسلهم واستعان بهم وفي جوابهم له ما يدل على ما نقول، وقد روى الإمام السالمي كتابه لهم وجوابهم له في تحفة الأعيان، وأنه كان كتابا حافلا نثرا ونظما، اكتفى الإمام المذكور بذكر النظم عن النثر، ولما فيه من العذوبة ولطف الذوق الحس، وما له من فصاحة رائعة نعرض نحن عن الكل إذ كان ذلك قد عرف ودرس، وأخذه أهل الأدب، وقد مدحه أهل الباطنة مدحا رائقا وأثنوا فائقا، وإليك جملة واحدة من ذلك تستدل بها على ما هناك.
يقولون فيه: الذي خلص عند النقد والتميز خلوص الذهب الإبريز، ثم استرسلوا فيه إلى حد بعيد حتى ألحقوه بخيرة الأئمة، وعبروا عن خالص رضاهم عنه وكان وزيره وسيف دولته الهمام أبو المعالي نجاد بن موسى بن نجاد. وكان من أركان دولته الشيخ أحمد بن عبدالله ابن موسى المعروف. (3/82)
صفحة 635
الإمام محمد بن أبي غسان يشن حربًا على أهل عقر نزوى
لقد نفر عنه أهل نزوى وخصوصًا أهل العقر، إذ هم في ذلك العهد حجة أهل نزوى، وخالفوه لأنهم يقدحون في إمامته بسبب الافتراق الذي أشرنا إليه، فلم تزل الحرب قائمة بينه وإياهم، حتى أمر بقطع نخيلهم وكسر أنهارهم، ودمر كل ما قدر عليه من أملاكهم، وقامت معرة الجيش تعيث في الأرض، وذلك هو شأن الجيوش في كل أمة غالبًا إلا ما شاء الله.
وكان أهل العقر ينتقدون أعمال هذا الإمام قبل الحرب، ولعلها هي التي أهاجته على حربهم، وحملته على خضد شوكتهم، فكانت الحرب أضر على القوم مما كانوا ينتقدون، ولكن أمر الله عزوجل سابق في أزله، وهناك حوار ونقاش في إمامة المذكور بين من يرى صحة إمامته، وبين من يعاكس الوضع، وهذا كله من مكائد الشيطان بين أهل الإيمان في بلد واحد، وعلى مذهب واحد، والأمر لله من قبل ومن بعد.
وقد تركنا ما قبل في مدح هذا الإمام والثناء عليه، إذ حفظ ذلك كله أثر المسلمين، وكان محمد بن غسان المذكور انتصر على أهل نزوى، ولم أجد تحقيقا لوقت بيعته بالذات أو وقت وفاته، وهل قتل أم مات حتف أنفه، ولكنه على الإجمال هو من أئمة القرن السادس. (3/83)
صفحة 636
الملك محمد بن مالك
من المفهوم من استقراء التاريخ أن محمد بن مالك، قام على ملك عمان بعد محمد بن أبي غسان، وتولى ملك عمان، ومن المحتمل أن هذا الملك كان من الأزد إلا أنه لا يعرف من أي بطون الأزد لعدم التواريخ التي يمكن الاعتماد عليها، إلا أن الأحوال ظاهرة على أنه أزدي، لأن أعوانه غالباً من الأزد، وكان ملكا عادلا حسن الأخلاق، عاقلا ذا أناة وتؤدة وعقل واعي وبصيرة تتصل بالأعلاق النائية، وتمتد إلى الأعماق البعيدة، وكان الملك المذكور قائما بواجبات الشريعة ولا يلزم في الإمامة نفس العقد، إذا قام الأمير بحقوق الله وأجرى الشرع في مجاريه، وحمل الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأذى ما لزم من حق الله عزوجل، وحمى البلاد وحفظ بيضة المسلمين، ولم يتعد حقوق المسلمين، ولا ترك أوامر الدين، فإن المطلوب من الإمام هو هذا لا غير.
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يعقد عليه الإمامة ولا قام بالبيعة له أحد أبدًا، إنما عهد غليه بالخلافة أبو بكر رضي الله عنه، ورضي به المسلمون خليفة، ومحمد بن مالك لما قام بالعدل، كان من الواجب تأييده فإن المعتمد على الأعمال لا على الألقاب، فإن لقب الإمام أو الخليفة أو السلطان ونحو ذلك لا معول عليه في جانب الحق، إنما المعول على الأعمال الصالحة، ولكن إذا أراد الله أمراً أنفذه وإن رغم أنف الدهر، وحب الذات والاستبداد هما اللذان يوقعان الفرقة والشتات، ويفرقان الجماعات، وإلا فكيف يرفض رجل قام بحق، ودعا إلى حق، ليس هذا من الدين في شيء، وهل الإمام غلا ملك وإلا سلطان، وهل السلطان إلا إمام من حيث المعنى. (3/84)
صفحة 637
وعلى أثر قيام هذا الملك واستيلائه على الملك قام المنافسون له فبايعوا موسى بن أبي المعالي بن نجاد بن موسى، ولم يعرف نسبه من أي القبائل إلا أن الأشبه أنه حفيد القاضي نجاد بن موسى الذي كان قاضيًا للإمام محمد بن أبي غسان، وها نحن نفرد له بابًا خاصًا لكلام على أحوال إمامته. (3/85)
صفحة 638
إمامة موسى بن أبي المعالي بن نجاد بن موسى
بويع بالإمامة سنة 549 وهذا الوقت اشترك فيه ثلاثة أئمة مع الملك محمد بن مالك، وكل ذلك لاختلاف الأمور وتسلط الأهواء، وحب الرئاسة لا غير.
ولن تقوم قناة قوم والحال هكذا، ولكن كل الأمور بيد الله عزوجل يصرفها كيف يشاء، وإلا فما الداعي إلى هذه الأحوال التي تقع بين أهل مذهب واحد في قطر واحد، وما الداعي إلى الافتراق فتصير الأمة إلى فرق شتى وفي هذه الأثناء افترقوا إلى رستاقية ونزوانية، فكثرت الأئمة وضعفت الأمة، وحل الخذلان والشتات في إخوان مجتمعيين والله المستعان. (3/86)
صفحة 639
الصراع بين الملك محمد بن مالك والإمام موسى بن أبي المعالي
لما تولى المُلك المَلك محمد بن مالك، قام أكثرية أهل عمان ضده، فبايعوا موسى بن أبي المعالي، ولما علم بالواقع أهمه جدًا وأقلقه: وكانت الأكثرية معهم والسواد الأعظم عليه.
ويقول الإمام رحمه الله: خرج عليه أهل عمان وكان يومئذ إمامهم موسى بن أبي المعالي بن موسى بن نجاد «في عسكر لا يحصى ولا يعد»، قال: وخرج الملك في جملة اليحمد، إلا أن الأقل منهم أي أن غالب اليحمد هم الذين كانوا أنصار الملك محمد بن مالك، وكان الملك كما يظهر من حاله عادلا قائما بواجبات الملك، مراعيا لأحوال الأمة بالعدل، مصلحا للأحوال التي يستدعيها الوقت الذي هم فيه، وكانت له نصائح إلى هؤلاء القائمين عليه خوفا من شق العيا، وابتعاد من إثارة الفرقة بينهم.
ولكن لم يكن ذلك مجديا، بل أصر أنصار الإمام على القيام عليه، أو يتخلى عن الملك، ولم يرض هو أيضا أن يتخلى عما تولى، وبذلك انشقت العصا بينهم، فظل هو يجمع الجموع، وهم كذلك لكن كان السواد الأعظم مع الإمام، وأهاج الشيطان الفتنة، واحتج الملك على القائمين عليه، بحجج لم يقبلوها ولم يسلموا لها، وكأنهم لم يلتقوا إلى أقواله.
وذكر في كتابه الأخير لهم تحقيق الصدد الذي هم فيه غائبا عليهم بقوله: «إني قد كتبت قبل كتابي هذا كتابا أطلب فيه إيضاح الحق، وإظهار برهان الصدق، ولم يرجعوا إلي جوابا يقطع ولا أتو بإيضاح ينفع» إلى آخر ما جاء في كتابه من العتاب، وما ورد فيه من الخطاب، وقد اعتذر إليهم بأعذار غير خارجة عن الحق، ولم يذكروا جوابا لها (3/87)
صفحة 640
ولا اعتذارا في قيامهم، ولا عدوا عليه ما يوجب القيام عليه، ولعله كونه تولى الأمر على غير صحة من رضى المسلمين به.
والظاهر هو هذا، وكان كتاب الملك عبارة عن تاريخ حافل بالنقاش مشحون بالاحتجاج، مملوء بالأدلة من القرآن والسنة، أورده الإمام كله للاعتبار، باعتبار من النصائح والاستعطافات، وجميل المخالقة والتنصر، ولكن لا بد من أمر أراده الله، يقول في آخر كتابه، وكأني أقرع حجرا أصم أو أكلم أخرس أو أصم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومنه: وإن طعن على طاعن فيما أنا فيه، فأنا مقر بالتقصير، ومعترف بالخطأ، ودائن لله تعالى بالواجبات، والتخلص من التبعات، وإن وجدت قوما لله
كنت منهم ولهم، ولله أمر هو بالغه، وحكم هو نافذه إلخ.
إن هذا الرجل هو الإمام الصحيح الإمامة، الرجيح في الاستقامة الذي تجب مناصرته لا الخروج عليه، ولا يصح قتال رجل لا تعد عليه جريمة في شيء ما ولن تقم عليه حجة شرعية مع إذعانه بالواجبات، وامتثاله للطاعات، وانقياده للحق، وقد دل كتابه هذا على استقامته. وبرهن به عن الحال التي يرونها، وقام لله بواجب يرى أن الله ألزمه إياه23
ولم يجد من القوم إلا الإصرار على قتاله، وكان قد وقع بينه وإياهم أمر كبير في ناحية كدم، واسر منهم جملة ولم يعاقبهم، بل أطلق سراحهم ولم يثنهم ذلك عن قتاله، وهنا تتم الملحمة التي ينتهي بها الأمر بينهم، فكان اللقاء بينهم في حوزة الطو، واستمر الجيش من عقبة بوه إلى الطو، وكانت الدائرة على القائمين عليه وقتل منهم الكثير. (3/88)
صفحة 641
أعيان المقتولين في هذه الوقعة
قتل في هذه الوقعة رئيس الجيش وأخوه أبو المعالي بن عبدالله، وعبدالله بن خنبش بن أزهر، وأحمد بن محمد المعروف بالصيلحي، وجماعة من أهل سمد، ومن سائر القوم عدد لا يحصى. قال الإمام رحمه الله في تحفة الأعيان: فانهزمت أهل عمان ولم يعقب أحد، فقتل الرئيس وأخوه وقتل من الناس خلق كثير ما لا يحصى، وكذلك الموت بالعطش، أي هلك كثير بالعطش، ولعل القضية كانت في وقت الحر.
قال الإمام: ولم ينج إلا ذو عمر طويل، قال: وأتت اليحمد والبدو على جميع التجافيف والدرول والسلاح، قال: وكانت القضية بالطو، وليست هي بالطو، بل في طريق الطو، في عقبه بوه وهناك أحاطت اليحمد وأنصارها بجيش ابن أبي المعالي، وذلك المكان مضيق جبال. والقوم أكثرهم غرب لا يعرفون المسالك، وقيل: إن الرئيس أبا المعالي ومن ذكر معه هؤلاء كلهم أسرهم جيش الملك، وأخذوا منهم السلاح، وباء أهل عمان بهزيمة منكرة، أكثر المؤرخون ذكر هذه الوقعة فهي أشيه بوقعة تنوف، ووقعة القاع من ظهر عوتب وكأن الملك انتصر على الإمامة وأركانها إلا أنه لم يعد له خبر بعد هذا، وهذا من إهمال التاريخ أو ذكره ولكن لم نطلع عليه.
وإنما جاء بعد هذا ذكر إمامة خنبش بن هشام، وقرائن الجوال تدل أن هذا الوقت وقت ضيق بين أهل عمان أنفسهم، فإن الرستاقية تحاول الاستيلاء على الأمور، وتروم السيطرة على عمان والنزوانية ضدها، والصراع لا يزال في هذه الآونة، فإنهم ذكروا إمامة خنبش، وإمامة ولده بعده، وإمامة أبي المعالي في وقت واحد، اللهم إلا إذا كان (3/89)
صفحة 642
العهد غير طويل للإمامة الأولى، فيقوم الإمام الثاني أثر السابق، ويسرع الموت عليهم بالقتل، فإن هذا الوقت اختلط تاريخه بهؤلاء الرجال، الذين لعبوا فيه دورا هاما، وفعلوا فيه ما فعلوا فإن إمامة ابن أبي المعالي في تاريخ سنة549 وغنهم قالوا: إن خنبش بن محمد بن هشام المذكور، مات في جمادي الأولى سنة 510، هو بعد ابن أبي المعالي، وهذا لا يصح إلا أن يكون غلطا كما قلنا أو سهوا من الكتاب، وإن ولده محمد بن خنبش بويع في تلك السنة، فإن صح ذلك فيلزم أن يكون ابن أبي المعالي بعدهما في التاريخ، وإن وضعه قبلهما خطأ من المؤلفين، وقد قالوا: إن محمد بن خنبش مات سنة 755 سب وخمسين وخمسمائة.
وجعل بعضهم أن محمد بن خنبش هم محمد بن أبي غسان مما يدل على اضطراب التاريخ، مع أنهم قالوا أيضا إن هذا الوقت وقت إقامة راشد، فاضطرب التاريخ اضطرابا كثيرا. واختلط حابله بنابله، فعسر توضيحه غاية العسر، وكذلك لم يبينوا خنبش وولده ممن من القبائل، وعلى الأقل من أي البلاد، وكذلك راشد بن علي، وقد عرفت أيضا مثل هذا في شأن الملك محمد بن مالك، وليتهم بينوا وليتهم وضحوا توضيحا يحسن السكوت عليه.
ومن يعتبر في كتاب الملك يجده عظيما يحتوي على قواعد هامة، ومعارف عامة، وقد أورده الإمام في التحفة، وإنه ليعبر عن عقل صحيح ورأي رجيح، ولم نورده لأنه يطول به علينا المقام، ونكتفي بالإشارة إليه، لأنه ميسور التناول، وإنه ليفيض ببيان صحيح، ولسان المرء دليل عقله، والله يؤتي ملكه من يشاء، والحمد لله، وكان يسمى ذلك الكتاب في الأثر العماني كتاب الملحمة أي المقتلة. (3/90)
صفحة 643
إمامة خنبش بن محمد بن هشام
لم أدرك نسب هذا الإمام كما أشرت إليه آنفا. قال الإمام رحمه الله: وأظنه من أئمة الطائفة الرستاقية، وهو ظن لا يحقق، غير أن العاقد محمد بن خنبش أي ولده، فغنه بويع بعده كما سوف تراه. وكون العاقد له صاحب المصنف وهو من الطائفة الرستاقية، قال: وكأن إمامتهما أي إمامة محمد بن خنبش، وإمامة أبيه خنبش بن محمد بن هشام، كانت في وقت واحد، وهو وقت من ذكرنا إمامتهم.
قال الإمام: وهو المقدم في نقلنا عنه خصوصا في المختلف أيا كان لتحريه الحق، واعتماده على الصدق بحسب الإمكان، قال: فأما خنبش ابن محمد فلم أجد لسيرته ذكرا في شيء من الكتب إلا ما قالوه في تاريخ موته، إنه توفى يوم السبت من جمادي الأولى سنة 510.
قالوا جرى على الناس بموته مصيبة عظيمة، فكأنه كان محبوبا، ويفهم من جرى من ذلك صلاحه فيهم واستقامته في الدين. ولا شك أن الصالح مفقود، وأن المحق مأسوف عليه، وأن الدين والإيمان هما عروة وثيقة لها مقامها عند الله، ولها تأثيرها في النفوس. والله يؤتي فضله من يشاء. (3/91)
صفحة 644
إمامة محمد بن خنبش بن محمد بن هشام
عقد على محمد بن خنبش في اليوم الذي مات فيه أبوه، وإن متولي العقد عليه العلامة نجاد بن موسى، وكان المذكور قاضيه ووزيره، وسيف دولته، وكذلك الشيخ أبو بكر أحمد بن محمد، وهذا الوقت كما قلنا آنفا إنه آخر إمامة راشد بن علي، وعاش هذا الإمام في إمامته إلى سنة 557 سبع وخمسين وخمسمائة.
وكان العقد على هذا الإمام «بسونى» التي هي العوابي الآن، في علاية الرستاق، وهذا الإمام من حملة الأئمة الذين ذكرنا انبهام تواريخ إمامتهم، فإن هذه الآونة هي وقت إمامة محمد بن أبي غسان، وإمامة موسى بن أبي المعالي، وإمامة راشد بن علي. وإمامة خنبش ابن محمد، وإمامة ولده محمد المذكور، والاحتمال يوجب كون المذكورين في نفس تواريخهم، لأن عمان في هذا الأوان قسمان، وبها إمامتان، فهما دولتان والله المستعان.
ومات الإمام خنبش وولده المذكورين بنزوى، وكان محمد بن خنبش غمام عادلا، وأميرا فاضلا، بكت عمان عليه من صميم قلبها، لعدله وحسن سيرته مع طول مدته، وعلى كل إن للعدل ثمنا غاليا وقدرا عاليا، وشرفا ساميا والحمد لله.
انسحب ذلك القرن فسحب بقية العلماء الذين زالوا الإمامة في تلك الأيام، وأقاموا دعائم الحق، وإن كانوا اختلفوا فيما بينهم، فإنما هو خلاف في أمر القيام بالعدل بين المسلمين، ولكل واحد اجتهاده، فإنا لا نقدر أن نلوم أحدا منهم، وإن تأسفنا على الواقع فالأمور الاجتهادية كل يرى أنه المصيب فيما أتى، والمحق فيما فعل، ورحمة الله واسعة، وليس لعلمائنا أهواء تخالف الشرع حاشاهم، وإنما جل اجتهادهم بل كل أعمالهم هي في صالح الأمة، وبصالح الدين والوطن، والله ولي كل شيء وإليه المرجع وعليه الاتكال ولا حول ولا قوة إلا بالله. (3/92)
صفحة 645
الملوك النباهنة ودورهم
لقد لعب بنو نبهان بعمان دورا كبيرا، وابتنوا لهم قواعد، رفعوا لهم معالم، وركبوا في أيامهم كل صعب وذلول، ولا شك أن الملوك لهم مذاهب معروفة، ومعالم موصوفة، ومقامات لها شأنها، (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) 24، أي ذلك شأنها إلا ما شاء الله ممن وفقه الله لسلوك سبيل الحق، والعمل بواجبات الشرع، وسنة الله في عباده ألا تبقى الدنيا على حال (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) 25 وتلك هي سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا، وهو الحكم في كل ما يأتي وما يذر، وإنما العباد آلات تحركها اليد الإلهية التي لها الحول والطول في الكائنات.
والنباهنة قوم من العتيك معرفو النسب، صار الملك إليهم بعد الأئمة السابقين، وذلك لأمر أراده الله تعالى في عباده، فإنهم لما افترقوا فرقتين، وصاروا طائفيتن متعاديتين، نزع الله دولتهم من أيديهم، وسلط عليهم العقوبة من أبناء جلدتهم، وأهل ملتهم، وجعلهم رعايا بعد ما كانوا رعاة، وضحايا بعد ما كانوا هداة، وأسارى في أياد لا تعرف لهم حقا.
ولا شك أن الله يظهر العدل في الكون على يد من ارتضاه من عباده، لتقوم حجته عزوجل على الناس، وينفذ سلطانه فيهم بما اكتسبوا، فإن الافتراق شئوم، وإن الاتفاق قوة، وإن الاختلاف داء. (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) 26 والله ولي التوفيق.
كان بنو نبهان أسرة بارزة في محيطها لها قدرها وشأنها الأزدي، فإن عمان من أول أمرها أزدية باتفاق. (3/93)
صفحة 646
تسلط النباهنة
كان العلماء يعالجون إقامة الإمامة في آنها، ويصارعون الباطل بالحق ويدافعون الجور والظلم بالعدل والإنصاف، ولم تزل في عمان تلك أيام، والأيدي تحمل أعلام السلطنة وبنود الإمامة، ولم تزل المصاولات في حل وترحال، ولك عمله، فالملوك في بلدان والإمامة في أوطان، والسلطان في مكان والإمام في آخر، وربما غلبت الإمامة في بعض الأحيان، ويرجع الأمر بعد ذلك إلى السلطان.
وهكذا استمر الحال عهدا، وقد أشرنا إلى وميض من الحركة النبهانية وهنا علا لهبها وعظم حطبها وكثر موقدوها، ملك بنو نبهان عمان مرتين، كان بينهما فاصل غير قوى، إلا أن الله الحكيم في صنعه، العليم بخلقه، يرى عباده مطالع قدرته، ما يستدل به العاقل على الأحوال التي تنبغي، وقد ضاع تاريخهم التفصيلي، وكان ينبغي حفظه ليكون لسانا معبرا عن الأحوال التي أحاطت الأمر إليهم، ثم أحالته إلى غيرهم، والظاهر أن أولهم الذي أن أولهم الذي ترشد إليه المعارف الأدبية بالاشتراك. (3/94)
صفحة 647
أول ملوك بني نبهان
أبو عبدالله محمد بن عمر بنن نبهان، وأخوه أبو الحسين أحمد بن عمر بن نبهان، وأخوه الثالث أبو محمد نبهان بن عمر بن نبهان، هؤلاء الثلاثة لا يعرف هل هم تتابعوا على الملك، أم كانوا اقتسموه في أن واحد؟ ومشوا فيه مشية ازدهاء، ولا يعرف تسلطهم على الأمة بأي طريق كان، ثم بعدهم أبو القاسم علي بن عمر بن محمد بن عمر بن نبهان، وأبو الحسن ذهل بن عمر، ثم أبو العرب يعرب بن عمر، وهو الذي تقرع عنه اليعاربة الميامين.
وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي المعمر عمر بن محمد بن عمر بن نبهان، ثم توالت الأيام بأبنائهم وذراريهم، ومنهم أبو عبدالله محمد بن عمر وأبو المعالي كهلان بن محمد، وأبو عبدالله محمد بن أحمد بن عمر وأبو محمد نبهان بن ذهل.
توالى هؤلاء على الملك، وسيطروا على الأمة قهرا، وفعلوا شنائع تشمئز منها النفوس، وذهب تاريخهم ضياعا، حيث إن العلماء كانوا يبغضونهم ولا يعتنون بأخبارهم، وهؤلاء العشرة تتابعوا أول بني نبهان، فهؤلاء المذكورين لم يعرف تاريخهم، وكان في الصبا وصل إلى جدول جامع لهم فيه تواريخ مواليدهم، ووفياتهم وأسمائهم، وعاصمة كل واحد منهم، وإذ ذاك أنا في سن الصبا لم أدر أين ضاع ذلك الجدول مني، مع أني في ذلك العهد لم تكن لي أهمية ناشطة لهذا الصدد، بل كنت أقرأ وأسمع كلمات لبني نبهان، تدل على التأنيب لهم، وأنهم جبابرة ظلمة.
ولما حاج الحال إلى العلم عنهم، والتعرف على أحوالهم تاريخيا، ضاع ذلك المذكور، كما ضاع مني تاريخ الإمام سلطان بن سيف (3/95)
صفحة 648
صاحب الحزم، وهو القصيدة الميمية التي ذكرها الإمام وشرحها، وكنت استطعت أن أنسخ نظمها، ثم ضاعت مني أيضا وكذلك أيضا ضاع مني «سراج المسترشد في تاريخ الإمام ناصر بن مرشد» رحمه الله.
ومن كلماته فيهم يقول: إن بني نبهان كانوا ملوكا عظماء بعمان، ولهم فيها من الملاحم والمكارم شأن أي شأن، فإن يكون بعمان ملوك عظماء بالأخص إذا لم يكن بيدهم إلا عمان؟ نعم إذا كان يعني ملوكا عظاما في ظلم الناس، فنعم لقد ظلموا العباد، وجاروا في البلاد، فأخذوا أموالهم، وشردوا العباد عنها مستأثيرين بها دونهم، فملوك عمان بهذه المثابة لا ينبغي أن يطلق عليهم إلا أمراء فقط، وكل ملوك عمان الماضين، اللهم إلا ما كان في عصرنا الحالي، حيث أصبح سلطان الآن ويده مملوءة بالمال، ما أخرج الله لعمان من البترول.
فإن الملك يعتبر فيه الغنى، ألا تسمعون ما يقول الله في كتابه حكاية عن طالوت يقول الله فيها على لسان القوم: (إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) 27. فإن الشرط في الملك الغنى والأمة والبلاد، وبقدر ذلك يكون الملك. وأشهر ملوك بني نبهان فلاح بن محسن.
قال الإمام رحمه الله: فإذا استقربت التواريخ، أخبرك الحال أن بني نبهان ملكوا مرتين فملوكهم الأوائل هم الذين كان يمدحهم أبو بكر أحمد بن سعيد الستالي، وهو شاعر مشهور خروصي المحتد، وله فيهم قصائد غراء، ذكر الإمام منها طرفا، قال: وحيث كانت دولة هؤلاء مبنية على الاستبداد بالأمر، وقهر الناس بالجبرية لم نجد لدولتهم تاريخا، ولا لملوكهم ذكرا إلا من ذكر الستالي في ديوانه، ولشاعر الشباب (3/96)
صفحة 649
السيد هلال بن بدر بن سيف بن سليمان البوسعيدي يقول في همزيته التاريخية:
وملوك ... من ... آل ... نبهان ... صالوا
وبنوا ... ملكهم ... على ... الكبرياء
ومضوا لا الزمان عنهم براض
إلى آخر ما قال. والذي يدل عليه الحال أن بني نبهان قاموا في القرن السادس الهجري، أي بدأ نشأة دولتهم حين كانت الإمامة المستضعفة، فعضوا على الملك بالنواجذ، حتى رسخ فيهم عهدا وأصبح من مألوف الناس، فطالت أعناقهم وكبرت نفوسهم، ولم يروا من يقوم لردهم عما هم فيه.
وعلى هذا كانت نشأة القوم حتى اجتاحوا ملك عمان، وتسلطوا على أهلها بالظلم والعدوان، فحاول أهل العلم إزالة ظلمهم، ولم ينجحوا كما ينبغي، فإنهم بايعوا بالإمامة لأناس كما سوف تقف عليه أيها القارئ.
فكان الصراع بين الإمامة والملكية مستمرا، وما برح الخلاف والشقاق يتوالى بينهم، والملك لله وحده كلما رأى العلماء فرصة للقيام بالعدل والعمل بكتاب الله، بايعوا إماما فيظل الصراع مستمرا، وفي الغالب أن الناس أعنى أكثرهم لا يحبون الإمامة، لأنها تأخذ على أيديهم، وتعترض على أهويتهم، لأن أهل الجهل هم السواد الأعظم، وأهل الحق هم الأقلون حتى عهد النبوات، ولذلك أدلة من الكتاب والسنة، وبنو نبهان شهروا بالفساد في البلاد، وبظلم العباد والاستبداد. (3/97)
صفحة 650
قال شكيب أرسلان في التعليق على حاضر العالم الإسلامي: استولى على الملك بنو نبهان، وتلقبوا بالملوك، واستمر ملكهم مائتين وستين سنة، واستمر في ذكرهم إلى أن قال: ثم أخذ بنو نبهان يظلمون ويعسفون، فلم يطق الأهالي حكمهم، وانتخبوا إماما من قبيلة الأزد، ويشير بذلك غلى الإمام عمر بن الخطاب الخروصي، إذ هو الذي خضد شوكة النباهنة، وكسر أجنحتهم، فكانت له بذلك شهرة في عالم التاريخ، وإلا فقد بايع العمانيون عهد بني نبهان أئمة عديدين.
قال شكيب: وانتهى ملك بني نبهان في نحو سنة 839.
قلت: أما تحديد مدة ملكهم فأهل عمان أعرف لأنها على كواهلهم، أما شكيب وأمثاله تأتيهم الأخبار من بعيد لا تحقيق فيها، وإنما يأخذون ما يسمعون. قال: وكان بنو نبهان قد ضبطوا أملاكا كثيرة، فاستردها عمر بن الخطاب من سلالة شاذان بن الصلت، وما لم يوجد له أصحاب كأن يكون هؤلاء انقرضوا أو غابوا غيبة منقطعة، رده إلى بيت المال.
قلت: هذا من جملة ما لم يعرف شكيب مصدره، وسوف تقف إن شاء الله على تحقيق هذه الأملاك التي يذكرها شكيب، وفي معالم الجزيرة العربية، عين ما قاله شكيب، وأما دليل الخليج، فلم يكن لديه معلومات عن تاريخ النباهنة، لأنه كان حديث عهد بالخليج، فكتب أكثر ما كتبه غي عهد وجود بريطانيا وإنما أشار إلى النباهنة إشارة خاطفة، وذكر عهد اليعاربة، وكتب عنهم بعض الأحوال.
والواضح أن غموض تاريخهم بسبب جورهم وظلمهم فكرهتهم الأمة والظلم لا تبنى عليه دار، ولا يقوم له منار، وإنما هو البوار، فلا يغتر به إلا جاهل خليع. (3/98)
صفحة 651
كهلان بن نبهان وأخوه عمر بن نبهان
لقد استمر النبهانيون طيلة القرن السابع الهجري، وفي سنة 660 ستمائة وستين، كان السلطان منهم أبو المعالي كهلان بن نبهان خرج عليه أمير من هرموز يسمى محمود بن أحمد الكرستي، والمصادر عنه في حديثها متحدة، ففي كشف الغمة لسعيد بن سرحان الأزكوي، وابن رزيق وأخذه عنهما الإمام السالمي في تحفة الأعيان، أن محمود المشار إليه وصل إلى قلهات، وذلك لأنها إذ ذاك إحدى عواصم عمان، وهي على ساحل البحر في جبال منيعة، إلا أن الظلم يكسر تلك المنعة، ويمهد الطريق للغازي كما هو المعروف في الطباع البشرية، فإن المظلوم لا يزال يطلب الغوائل للظالم لينتقم منه ولو بعدوه.
ولما وصل محمود قلهات، كان أبو المعالي في داخل عمان فدعاه فلبى دعوة محمود خوفا، ولم يكن لديه ما يدفعه به من قوة، فلما حضره طلب منه المنافع، وبعبارة أوضح طلب إتاوة من عمان، وخراج أهلها فاعتذر أبو المعالي إليه وقال: إن لا أملك من عمان إلا بلدة واحدة. فقال له محمود: خذ من عسكري ما شئت واقصد به من خالفك من أهل عمان، وانظر كم كان عسكر محمود، إذ بلغوا مبلغا كبيرا خمسة آلاف رجل، وعمان تحتوي على مئات الآلاف من الرجال، فينزل عليها محمود ويهدد ملكها في عاصمته، إلا أن الجند الغالب هنا هو الجور والظلم.
قال أبو المعالي: إن أهل عمان ضعفاء، لا يقدرون على تسليم الخراج، فحقد عليه محمود وأضمر له المكيدة، واستدعى محمود أمراء البدو من عمان، فكساهم وأعطاهم، فوعدوه بالنصر على أهل عمان والخروج معه، وانظر أيضا هنا طلب محمود لبدو عمان، وإجابتهم له على ما طلب، لولا ظلم الحاكم لما لبوه، وانظر إليه هو لم يقدر على (3/99)
صفحة 652
منعهم من إجابة عدوه، ومن قبولهم هداياه وهو يرى ويسمع، ولكن الله عز وجل زحزحه عن أن تتم البلية على أهل عمان، فلو دخل عمان لاستباحها وحمل نسائها وذراريها، واستعبد أهلها.
ولكنه واعد البدو على العودة، وتوجه إلى ظفار على أن تكون عودته إليهم من جهتهم فيدخل عمان من ناحيتهم، ولو تم له ذلك لكانت بلية على أهل عمان، من أعظم بلايا بني نبهان، ألا ترى بأنه لما وصل ظفار، قتل أكثر أهلها ونهب أموالهم ورجع قاصدا عمان لتنفيذ مخططه.
قال الإمام: وأخذ طريق ابر أي ليمر على بدو عمان من عفار وحسريت ووهيبة وجنبة ونحوهم، وكان قد حمل أثقال على سفنه، ولما تمكن في الصحاري الظفارية العمانية، نقص عليهم الزاد لأنهم لا يعرفون قدر المسافة، فيأخذون لها ما يلزم، فأصابهم جوع وعطش شديد لقلة الماء في الطريق، فمات من عسكره قدر خمسة آلاف رجل، وقتل أكثرهم.
والمفهوم أن الأكثر ماتوا جوعا وعطشا لا سيما أن الموارد في الطريق قليلة، ولا يهتدون لها، ومن هناك لم يحدث التاريخ عنه هل هلك أم لا، إلا أن أخباره اختفت ولعله قنع من الغنيمة بالإياب، وأراح الله منه البلاد والعباد، وانتقم الله منه (وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) 28.
وكذلك أيضا اختفت أخبار أبلي المعالي ولعله مات وتولى بعده أخوه عمر بن نبهان. (3/100)
صفحة 653
عمر بن نبهان وأهل شيراز في عمان
لما تولى عمر بن نبهان سلطنة عمان بعد أخيه، خرج عليه أيضا أهل شيراز بقيادة فخر الدين أحمد بن الداية، وأخيه شهاب الدين وهم أربعة آلاف وخمسمائة فارس تبعا لخروج محمود الكوستي، والنصير لهؤلاء في خروجهم ظلم ولى الأمر في عمان، وإلا كيف يتسنى لمثل هؤلاء دخول عمان، وهم أربعة آلاف وخمسمائة رجل، وعسكر في عمان في أيام الإمام المهنا أربعون ألفا، وفي بلاد عمان آلاف الرجال.
ولا شك أن ألف رجل في بلد مواطنين فيها أقوى من عشرة آلاف رجل غزاة، إلا أن الباطل ظهير لهم، وانظر أفعالهم التي فعلوها في عمان.
قال الإمام السالمي نقلا عن التاريخ العماني، قال: حل على عمان منهم «أذى كثير لا غاية له» قال: وأخرجوا أهل العقر من نزوى من بيوتهم، وأقاموا على ذلك أربعة أشهر في عمان، قال: وحاصروا بهلى.
فانظر إلى خمسة آلاف رجل يتغلغلون إلى داخلية عمان، ويقتلون وينهبون ويخرجون الناس من بيوتهم، ويحتلونها ويقيمون فيها أربعة أشهر بين ظهراني أهلها، إنها لمن الدواهي التي لا يرضاها حر، ولا يقف معها من في وجهه حياء.
وهكذا شأن الغازي إذا تسلط في أمة، ولا شك أن الأنصار لهذا الغازي هم أهل عمان الذين أوغلوا في عتوهم وجورهم، يرسل عليهم من يريهم الذل والهوان، وإذا جاءت الفتنة عمت- والعياذ بالله- لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. (3/101)
صفحة 654
كهلان بن عمر وآل الريس في عمان
وبعد حصار ابن الداية لبهلى ليحتلها فحماها الله منه لأنه لم يقدر عليها حيث اجتمع أهلها وتعاقدوا بإخلاص وفي أثناء ذلك مات ابن الداية وكسر الله شوكة قومه، وانحل أمرهم وذهب عمر بن نبهان، وتولى الأمر كهلان ابن نبهان، ورأى أهل شيراز أن الطريق معبد للخروج إلى عمان لاستغلالها.
ففي شوال من سنة 675 خمس وسبعين وستمائة خرج أولاد الريس على كهلان ليلعبوا دورهم بعمان، فخرج لهم كهلان المذكور بمن معه من جنوده وعساكره ليتلقاهم بالصحراء، وخرج معه أهل العقر من نزوى، فتخالفوا في الطريق فدخل آل الريس العقر، وأحرقوا سوقها وأخذوا جميع ما فيها من أموال، وسبوا النساء، وهم كما علمت شرذمة قليلة بالنسبة إلى نزوى فضلا عن بقية أهل عمان، وأحرقوا الكتب التي في مخازن الجامع وفعلوا تلك الأفعال في نصف يوم واحد.
ثم التقى بهم كهلان بالسراة في أول يوم من ذي القعدة من السنة المذكورة، وكان مع آل الريس آل الحدان بن شمس، ولعل هناك ضغائن للقوم وألفت بينهم فزحف آل الريس، ومعهم من آل الحدان، وكانوا قدر سبعة آلاف رجل.
ودارت رحى الحرب بينهم فقتل من الفريقين خلق كثير، ويقال إن جملة قتلى آل الريس ثلاثمائة قتيل. ودارت الدائرة عليهم فولوا منهزمين، ثم لم يعد لهم ذكر في التاريخ، فلعلهم كفتهم تلك الوقعة، والحرب نار تلتهم كل ما تصل إليه ولا خبر فيها. (3/102)
صفحة 655
خردلة بن سماعة بن محسن في سمائل
كان خردلة بن سماعة بم محسن بن سليمان بن نبهان على سمائل وتوابعها، جبارا في منتهى حدود الجبروت، وكان الله عزوجل ابتلى به أهل ذلك الطرف، فأذلهم واستعبدهم إلى حد بعيد، بحيث أصبح لا يقدر أحد أن يزوج وليته إلا بإذنه، وشرط على الولى أن يكون له نصف الصداق العاجل، وإذا طلقت أو مات زوجها كان الآجل كله له، وكان يكلف الناس من الأعمال ما لايطيقون ولا يبالي، كان يأخذ من النخل باسم الزكاة السبع أي من السبع النخلات نخلة، ويسقى أمواله بماه الناس، ويتولى أموال المساجد والمدارس ونحوها، ويكلف الناس حمل الخراج الذي يفرضه عليهم إلى الحصن بعنف، ويكلف أهل قيقا وبدبد وما إليها يحملون متاعهم من تمر وثمر ونحوه على ظهورهم وظهور دوابهم، ويأخذ نصف حق المدعي ولا يحلف المنكر، بل يريه من العذاب ما يحمله على الإقرار، حتى يحصل المطلوب، وعليه ما على الإنسان إلا أن يدعي وهو المنفذ للمدعي، وإن رغم أنف المدعي عليه.
فابتلى به العباد، وساءت به حاله البلاد، وتكدر الصفو وظل الناس يرتحلون من تلك النواحي، من سوء تلك الأفعال، وأتم القضية يقتل الشيخ أحمد بن النضر على غير شيء، ويقال إنه أرسل إلى جماعته وأقاربه فقتلوا في بيوتهم، وأحرق كتب الشيخ، ونهب كل ما في بيته، فكانت الضجة إلى الملكوت الأعلى.
وبالجملة أفعال تشمئز منه النفوس، وتنفطر له الأكباد، وخرجت منازل بني النضر، واشتطت الوطأة عليهم، وها هي قبورهم في بساتينهم إلى الآن والله المستعان. (3/103)
صفحة 656
إمامة الحواري بن مالك في العهد النبهاني
بويع الحواري بن مالك في العهد النبهاني في سنة 809 تسع ثمانمائة أي في العقد الأول من القرن التاسع، فقام بواجب الشرع، وبذل النفس والنفيس، وبقى في إمامته ثلاثا وعشرين سنة، أدى فيها واجب الحق، وأقام أعمدة العدالة حد المستطاع ولم أجد شقاقا بينه وبين بني نبهان، ولا ذكروا له حروبا، وهذا الوقت وقتهم، ولعلهم تهادنوا هم وإياه، فإن الأئمة في غالب عهد بني نبهان يكونون في بلد، والسلطان النبهاني في آخر، إذ كان العمانيون وحدهم، فيكون الصراع بين الإمامة، والسلطنة ويقوم الخصام والنزاع هكذا.
فتارة ترتفع راية الإمامة، وتارة تقوم الملكية، ولها كبكبة، وهكذا كان الحال، والحواري بن مالك يعيش ثلاثا وعشرين سنة، بين أولئك العتاة، ولعل الله كف شرهم عنه، وتوفى الإمام الحواري المذكور في سنة 832 اثنتين وثلاثين وثمانمائة، وبايعوا ولده مالك بن الحواري. (3/104)
صفحة 657
إمامة مالك بن الحواري في العهد النبهاني
لما توفى الحواري بن مالك الإمام، رأى أهل الفضل ابنه أهلا لأن يكون إماما بعد أبيه، فاجتمع عليه أهل العلم، فبايعوه بالإمامة بعد أبيه حالا، وكان عقد الإمامة له بنزوى، ومنها تولى جبل بني ريام، ولعله أراد أن يجعله عاصمة لإمامته، وإنه لخليق بذلك، فإن جبل بني ريام من أعظم عواصم عمان، ثم هبط بعسكره إلى الرستاق، ووقعت بينه وبين من بها من الجنود مناوشات، وقتل من عسكره ناس ولكن لم بصرح التاريخ السبب الموجب لذلك.
وقيل إن الإمام المذكور أمر عبدالله الملقب بالهول أن يغزو الرستاق، وأمر بحرق سور القلعة، ولعله أراد بذلك أن يخرج الذين تحصنوا بها، فيقاتلهم إذ لا يستطاع احتلالها مصادمة، إذ لا طائرات إذ ذاك ولا دبابات، ولا مدافع تعمل شيئا له أثر، وكان عمر هذا الإمام قصيرا، فإنه ما عاش في الإمامة إلا سنة واحدة، ثم توفي فأراحه الله من عناء ما هو بصدده، فإنه توفى في سنة 832. (3/105)
صفحة 658
إمامة أبي الحسن بن خميس بن عامر في العهد النبهاني
لم يعرف تحقيقا بعد موت مالك بن الحواري ماذا صار حتى بويع للإمام أبي الحسن المذكور، والمدة ست سنين فإنه مات سنة 833، وبويع أبو الحسن في شهر رمضان سنة 839.
قال: وخاصمه بنو صلت. قلت: لم نعرف بني صلت المخاصمين للإمام المذكور، ولا في أي بلد كان هذا الخصام، وحاربوه فإن كان المراد يهم آل الصلت بن مالك، فهم في بهلى ولم نعرف الحقائق التي يشير إليها التاريخ، وكان لهذا الإمام ولد يدعى عبد السلام، روى عن أبيه المذكور أنه أمر بخشى نخل بني ربيع خدم بني صلت، وهو يومئذ إمام عمان، لأن بني ربيع خاصموه عند بني صلت.
وفي الأثر كان أمره يخشى نخلهم الشيخ العالم ورد بن مفرج، شهد بذلك سليمان بن راشد بن صقر العدوي، ودهمان بن راشد، ذلك لأنهم حاربوه وأفتاه الشيخ المذكور بجواز خشي أموالهم عقوبة لهم، وتجوز عقوبة الباغي بإتلاف أمواله التي يتقوى بها على بغية.
قال ابن رزيق: عقد لأبي الحسن بعد أحمد بن محمد الزنجي.
قلت: لعله كانت إمامته في تلك المدة التي لاحظناها بين مالك بن الحواري وأبي الحسن، وهي ست سنين. قال: وأقام في الإمامة سنة واحدة، فخرج عليه سليمان بن سليمان بن مظفر، فمات أبو الحسن عند خروج سليمان عليه والله أعلم. (3/106)
صفحة 659
إمامة عمر بن الخطاب في العهد النبهاني
لما توفى أبو الحسن بن خميس بن عامر في سنة 846، بقيت الأمور في يد بني نبهان يتلاعبون فيها كيف شاءوا، ويفعلون في الأمة كما تهوى أنفسهم، ورأوا ذلك هو العز والشرف، أغمار غلب عليهم الجهل واستمروا للباطل، وكانت عقولهم مقصورة على كلمة السيد أو السلطان أو الملك، ولم يرفعوا رءوسهم إلى أعلى من ذلك المستوى، فهوت المملكة العمانية وتحطمت أركانها، وأصبحت تتناقص أطرافها، ويتقلص ظلها، وينضب معينها، وهم في تيهم عاكفون على الشهوات يتظالمون فيما بينهم، ويظلمون الرعية، ويمتصون الثروة أين وجدوها، ويستصفون أموال العباد ولا يبالون.
وفي سنة 885 ضاق المسلمون بهم ذرعا، فاجتمعوا فيما بينهم وتشاوروا في أمرهم، فاعتمدوا على مبايعة عمر بن الخطاب، فقام بالأمر، وكان السلطان إذ ذاك سليمان صاحب الديوان الحماسي، فثار المذكور بجيشه، وخرج الإمام برجاله، وكان الالتقاء ببلد حممت من وادي بني رواحة، وهي التي تعرف الآن بالجناة، وكان أكثر أنصار السلطان في هذه البادرة هم بنو رواحة، وهم القوام بأمره، فانهزم الإمام وعسكره، ورأوا أنهم وقعوا في كبيرة أمر، فلزمهم أن يتوبوا ويتراجعوا، ولعلهم كانوا استخفوا بالأمر، فعوقبوا عليه، فجددوا البيعة له مرة ثانية، فصال على النباهنة صولة الأسد الباسل، فهزموهم هزيمة أتت على سحق قوتهم، وإبادة شملهم.
ولكن لم يذكر التاريخ أين وقعت الوقعة بينهم، ولا ذكروا من قتل منهم، فإنه لابد أن تكون وقعت عليهم وقعة أو وقعات، أوجبت خضوعهم، فإنهم لا يخضعون بالهوينا، ولا يكفي من المؤرخين مثل هذا (3/107)
صفحة 660
التعبير، فإن الذكر الذي يعتمد عليه ينبغي أن يكون واضحا، فإنهم قد أشادوا بذكر نصر الإمام وانتصاره عليهم إجمالا.
وهذا الإمام السالمي المؤرخ الكبير يقول:
وفي ... بني ... اليحمد ... من ... أسد ... الشرى
إمام ... صدق ... كان ... يدعي ... عمرا
كذا ... أبوه ... يدعي ... بالخطاب
مساميًا ... لعمر ... الصحابي
وقد ... قضى ... على ... بني ... نبهانا
خبابرًا ... كانوا ... على ... عمانا
قضى ... بأن ... مالهم ... لمن ... ظلم
من ... العمانيين ... لكن ... ما ... علم
فجعلوا ذلك بت مال
إلخ
لكن المؤرخين العمانيين يجازفون الحقائق غالب.
قال الإمام السالمي: صال على النباهنة صولة الأسد الصائل، فأمكنه الله منهم، وأرثه أرضهم، وديارهم، وحكم بتغريق أموالهم، وهذا التعبير يرمز إلى سلطة كبيرة كانت للإمام المذكور: وليتها كشفت حتى تعلم على أي الوجوه كانت، فإنهم لم يبينوا من قتل ومن أسر، وعلى أي صفة كانت هزيمتهم، حتى صفا الجو للإمام ومن معه، بحيث يتمكنون من حكم التغريق، ويستطيع العلماء القيام بهذه المهمة الساحقة التي (3/108)
صفحة 661
تقضي أموال القوم، حتى أقاموا للمظلومين وكيلا، وللسلاطين وكيلا، والوكيلان ينظران في الأمور، ويحققان القضايا، ويستطيع العلماء أن يسجلوا الحكم، ويصححوا عليه.
والحال يدل أن السلطنة النبهانية هنا وهت، ولم تعد تستطيع القيام في وجه الإمام لمعارضة حكمه القاضي بتغريق أموالهم، وتمزيق شملهم، وتمكن المسلمون من تنفيذ أحكام للشرع تمكنا تاما صحيحا لا هوادة فيه، وخمدت الشرارة النبهانية، إلا أنه بقيت وميضا تحت الرماد، فإنه لم يطل العهد حتى طلع لها نجم كما سوف ترى. (3/109)
صفحة 662
صفة الحكم في أموال بني نبهان
اعلم أن المسلمين نظروا إلى النباهنة نظرة الحنق، لأن القوم انخرطوا في سلك الجبروت والظلم الفاحش، وبلغوا فيه مبلغا كبيرا وكثر المتظلمون منهم والشاكون جورهم، وعند هذا الحال نظر الإمام عمر بن الخطاب المبتلى بأمر المسلمين بعمان، وناظر العلماء وناظروه، وآخر الأمر أقاموا للمظلومين وكيلا يشكو من النباهنة المظالم، وأقاموا للملوك وكيلا يدافع عنهم، وعشية لأربعاء لسبع خلون من جمادي الآخرة سنة 887 سبع وثمانين وثمانمائة اجتمعوا لهذا الصدد، وللتشاور واستخراج ما يبتني عليه الحكم، فإنهم مسئولون أمام الله عزوجل.
قرروا سعيد بن زياد بن أحمد بن راشد البهلوي للحكم في أموال بني نبهان، وأقام أحمد بن عمر بن مفرج وكيلا للملوك المقدم ذكرهم وكان القاضي في هذه القضية هو الشيخ العالم أحمد بن صالح بن محمد ابن عمر، بجميع مال آل نبهان من أموال، والمراد بها بساتين النخل. قال: من أموال وأرضين، ونخيل وبيوت وأسلحة وآنية، وغلال وتمر وسكر، وجميع ما لهم كائنا ما كان من ماء وبيوت ودور، وأطوي وأثاث وأمتعة، قضاء واجبا تاما، وقبل محمد بن عمر بن محمد بن أحمد هذا القضاء للمظلومين من أهل عمان من غاب منهم ومن حضر، وكبر وصغر، الذكور منهم والإناث، فصارت هذه الأموال بالقضاء الكائن الصحيح للمظلومين. والمظلومون قد جهات معرفتهم، فصار كل مال مجهول ربه جاز للإمام قبضه، ويصرفه في أعزار دولة المسلمين، وكل من أصبح حقه وأثبته فهو له من أموالهم، ويحاسب بالتجزئة لما يصح له بقسطه إن أدرك ذلك، وإن لم يدرك التجزئة ولم يحط بها فذلك نصيب غير معلوم، وهو مجهول للفقراء.
وللإمام أن يقبض الأموال المغيبة وأموال الفقراء ومن لا رب له، (3/110)
صفحة 663
ويجعله في عز دولة المسلمين، فقد صح هذا الكلام والقضاء فيه، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما فإثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم كتبه الفقير لله تعالى علي بن محمد بن علي بن عبد الباقي، وصلى الله على رسوله وآله وسلم، شهد بجميع ذلك: أحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج وكتبه بيده.
وهذا تاريخ وقوع الحكم المشار إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، وقع الحكم والقضاء للمسلمين المظلومين بأموال أولاد نبهان في عشى الأربعاء لسبع خلون من شهر جمادي الآخرة من سنة 837 هجرية نبوية محمدية، على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، وعلى أثره كتب: أقام الشيخ القاضي المجاهد سيف الإسلام، وقطب عمان، أبو عبدالله محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج بن عمر بن أحمد بن مفرج، وكيلا للملوك المقدم ذكرهم، فقد صح عندنا ذلك، فقضى أحمد بن صالح بن محمد بن عمر بجميع مال آل نبهان من أموال وأرضين، ونخيل وبيوت وأسلحة وآنية، وغلال وتمر وسكر وجميع ما لهم من ملك، فقد صح ذلك لمن ظلم من المسلمين من أهل عمان الذين ظلمهم السادة الملوك من آل نبهان، من لدن السلطان المظفر بن سليمان بن المظفر بن نبهان، إلى آخر من ظلم من نسله وولده الملكين سليمان بن سليمان وحسام بن سليمان، هذا الحكم الذي هو في البلدة، وقد سجل هذا الحكم جملة من أهل العلم، وكل من عرض عليه هذا الحكم أثبته وأمضه من جملة المسجلين إثباته. عبد بن مداد بن محمد.
وقال الشيخ محمد بن عبدالله بن مداد: صح عندي وثبت لدي أن جميع الأموال والأملاك التي خلفها السيد سليمان بن المظفر قد استهلكتها الديون التي على سليمان والضمانات، وقد صارت جميع هذه الأملاك (3/111)
صفحة 664
والأموال للإمام دون أولاد سليمان، ينفذها في عز دولة المسلمين، وكذلك الزروع الحاضرة وغيرها، صارت للإمام، وأنفذ الإمام عمر بن الخطاب رحمه الله هذا الحكم، واستحل تلك الأموال، وأدخلها في بيت المال، فبيت المال الموجود بعمان هو أصله أموال ملوك بني نبهان، لأن عمان لم تكن بيت مال في حال من الأحوال، لأنها أسلمت طوعا كما علم ذلك الخاص والعام، وقد صرح أهل العلم في الأثر بذلك، فكل الأموال التي كانت لبيت المال بعمان من سمائل، وإزكي، ونزوى، وبهلى، ووادي القريات، ووادي السحتن، الرستاق، وأوديتها، والعوابي، ونخل كل هذه الأموال هي أموال المذكورين، إلا بدبد فقد عرف أمرها، وبعض أنهار أجراها أئمة اليعاربة، و, أفلاج في عمان وهي يسيرة بالنسبة إلى أموال بني نبهان، ولحق بها بعض الأموال كأموال بني رواحة، وأموال بعض آل بوسعيد، التي غرقها الإمام عزان، وأموال بعض عتاة أهل عمان.
وعمان أيام الإمام عمر بن الخطاب كانت غاصة بأهل العلم، وكلهم وافقوا على ذلك التغريق ووأمضوه، لما صح لديهم من أعمال بني نبهان الذين استمرءوا الظلم وركنوا إليه، والله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وسحق الله الظلم ومحا أرسمه في قوم عاد وفرعون وقوم لوط وأصحاب الأيكة، كل ذلك بسبب ظلمهم، والظلم لا تبني عليه دار والعياذ بالله.
وسأل الإمام محمد بن إسماعيل عن الأموال التي غرقها الإمام عمر بن الخطاب من أموال بني نبهان، ما وجه تغريقها؟ وما هو العمل فيها؟ وهذا معنى السؤال يتضمنه جواب الشيخ العالم أحمد بن صالح ابن عمر بن أحمد بن مفرج، يقول فيه: (3/112)
صفحة 665
بسم الله الرحمن الرحيم ليعلم الواقف على كتابي هذا من المسلمين، أنه قد سألني الإمام المعظم الهمام المكرم إمام المسلمين محمد بن إسماعيل عن أموال بني نبهان، وحوز المسلمين لها ممن تقدمه الئمة مثل عمر بن الخطاب بن محمد، وكيف سبب حوزهم؟ وهل عندك حفظ ممن تقدم من المسلمين والأئمة الماضين أنهم بماذا أحلوها لهم؟ وبأي وجه دخلوا فيها؟ فأجبته بما حفظته ووجدته ونظرته في ورقة فيها خطوط المسلمين، وفي تلك الأيام علماء وفقهاء أخيار، نظروا في بني نبهان أنهم أخذوا أموال المسلمين، وسفكوا دمائهم، وصار جميع ما أصابوه من الأموال والدماء والقتل، وصاروا لم يعرفوا لكل ذي حق حقه ليعطوه إياه، ولم يعرفوا لها أهلا.
وقد قال المسلمون: إن كل شيء لم يعرف له أهل فهو راجع إلى الفقراء، والإمام أولى بكل شيء مرجعه إلى الفقراء من الصدقات والوصايا وغيرها، فهو أولى بذلك ويجعله في عز دولة المسلمين، وبهذه الحجة أجازوها وأحلوها للإمام عمر بن الخطاب، فجعلت تنتقل من إمام إلى إمام إلى يومنا هذا، ولم يعب أحد ذلك، وكان في ذلك الأوان جمة من العلماء الأتقياء، البلغاء الفصحاء، فهذا حفظي عنهم، ونظرت خطوطهم في الورقة المتقدم ذكرها، والحق أحق أن يتبع، وما بعد الحق إلا الضلال، ولا توفيق إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كتبه العبد الفقير تعالى أحمد بن صالح ابن عمر بن أحمد بن مفرج بيده، وصلى الله على رسوله محمد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أجزت للإمام المقدم الذكر أعزه الله، حوز هذه الأموال المقدم ذكرها اقتفاء لما تقدم من الأحكام من العلماء الأبرار الأتقياء الأخيار، ولا حجة لمحتج على الإمام في حوزه لها ومنعه إياها، إذ هو مقتف أثر (3/113)
صفحة 666
غيره من الأئمة الماضين، وحكم العلماء المتقدمين، ولا عليه مطعن لطاعن، ولا حجة لمحتج، والسلام على من اتبع الهدى. كتبه أحمد بن صالح بن عمر بن احمد بيده، وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم تسليما كثيرا، وسجل عليه وصححه الشيخ أبو القاسم بن شائق بن عمر بيده، وصححه الشيخ سالم بن راشد بن خاتم، وصححه أيضا وثبته الشيخ سليمان بن أبي القاسم بن محمد، وحكم بصحته أيضا الشيخ خالد بنى سعيد بن عمر بن إسماعيل، وحكم بصحته أيضا الشيخ عمر بن موسى، والشيخ راشد بن غسان.
واستمر العلماء الأبرار والقادة الأخيار كل من وصل إليه ذلك الحكم أثبته وأمضاه وأوجب العمل به واعتمده الجماعة على التوالي، ذلك لأن جماعة بني نبهان خلطوا المظالم كبيرها وصغيرها أرضها وماءها، وغللها وحيواناتها، وأصولها المنقولة وغير المنقولة، والدماء بأنواعها، والحل والمنازل، وكل ما يطلق عليه خردلة في سمائل، وقد مرت عليك الإشارة.
وهكذا الحال من القوم طيلة تلك المدة التي عاشها النبهانيون، وهذا عملهم، فلما رأى العلماء تراكم الضمانات، وتزاحم الجنايات، ورأوا أن انتزاع المظالم من الظالم، وردها إلى صاحبها المظلوم، عسر عليهم معرفة أموال عمرو، واختلاف أنواع المظالم وتداخلها على بعضها بعضا جعلوها مجهولة الأرباب، ومجهول الأرباب محل مخرجه الفقراء، وما كان محل الفقراء من هذه الأنواع فهو راجع إلى نظر الإمام في ومن وجوده يفعل ما يراه حقا، ورأى الإمام إنفاذ تلك الأموال في عز دولة المسلمين، أعم منفعة وأعلى شأنا، وأولى مخرجا حيث عز الدولة يشترك فيه العامة من المسلمين، فصارت تلك الأموال بيت مال المسلمين منذ ذلك العهد، حتى الساعة. (3/114)
صفحة 667
ولا يخفى أن المسلمين لم يكونوا مختصين بهذا العمل دون غيرهم، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أول من وضع حجر زاوية التغريق، ومبنى ذلك على أعمدة التحقيق، وحكم في عهد خلافته والمسلمون متوافرون، وأهل الحق من أجلة الصحابة حاضرون، وله موالون ومؤازرون، ولم ينكروا شيئا من هذا العمل، بل رأوه حقا وصوابا، وعلى ذلك بنى أئمة عمان الإباضيين المخلصين أحكام تغريق أموال الجبابرة الظلمة، ومازال ذلك جاريا والعمل عليه، وقد عمل به في المتأخرين الإمام عزان بن قيس، ثم تبعه الإمام سالم بن راشد، وأقره العلماء، وفيه ألف العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي غاية التحقيق في الانتصار والتغريق، والله أعلم.
وبعد هذا الإمام الخروصي أعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عمل به الإمام محمد إسماعيل كما سوف تقف عليه إن شاء الله.
وتوفي الإمام عمر بن الخطاب رحمه الله ورضي عنه في نزوى. (3/115)
صفحة 668
إمامة الإمام محمد بن سليمان بن أحمد
لما انتهت الأمور النبهانية، وتقرر حكم تغريق أموالهم، وانطبق عليه المسلمون، وتمت الحجة على ذلك، اختار الله عزوجل لعبده ما عنده، فتوفى الإمام عمر بن الخطاب، وبقى في نفوس أهل الباطل من السوء ما بقى كما عرفت، بايع المسلمون محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج القاضي البهلوي، ولم يطل عهده فإنه من المحتمل أنه رأى الأمور تنظر إليه شزرا بحيث سبق من آبائه تغريق أموال الملوك النباهنة، والملوك مرهوبون من قبل سواد الأمة، فاعتزل عن الإمامة أو أنهم عزلوه للأحوال التي يلاحظ وميض نارها وما كل مجتهد مصيب، فإن من الناس من لا تواطئهم الأحوال ولا تثبت لهم بحال، ولاسيما إذا اختلفت آراء الأنصار، فإن الإمام بأنصاره، أما وحده فلا يقدر على فعل تشترك فيه الأمة، وهناك أحوال تتلاعب فيها الأهواء والأمر لله. (3/116)
صفحة 669
إمامة عمر الشريف
من الأمور التي يقف لها الإنسان حائرًا مثل إمامة محمد بن سليمان الآنف الذكر، وإمامة عمر الشريف فإنهم للم يعرفوا بهذا الرجل ولا بلقبه المشار إليه، ولا ممن هو من القبائل، وعلى الأقل من أي البلاد هو حتى يعلم عنه شيء يحسن السكوت عليه، وأقام عمر الشريف في إمامته سنة كاملة، ثم لما خرج من نزوى إلى بهلى، بايع أهل نزوى إماما بعده، وهذا ليس من الحق في شيء، فإنه كان قصر أو رأوه عاجزا عليهم أن يقووه وإلا فعليهم أن يحتجوا عليه، ويبينوا له وجه الأمر الذي يعدوه، فيقتنع ويكون لهم معذرة عند الله وعند العباد، أما كون إمامهم خرج إلى بلاد لإصلاح أحوالها، فلا يعلم إلا وإمام آخر قام عنه.
فهذا الحال شبيه بلعب الصبيان لا يرضاه الدين ولا الإيمان، ومن العجائب أنهم لما تركوا الإمام محمد بن سليمان بن أحمد الذي اعتزل عن الإمامة، رجعوا إليه فبايعوه مرة أخرى ثم لم يعرف ماذا صار عليه، فلم يذكروا من أحواله شيئا، ولعلهم ذكروا فضاع المذكور كما ضاع الكثير من التاريخ العماني، أما كون الأمور على هذا الشكل، فمن القبائح التي ليتها لم تكن، فإن هذا العهد تبص فيه نار النباهنة تحت الرماد. (3/117)
صفحة 670
إمامة أحمد بن عمر بن محمد الزنجي
لما انتقض بناء إمامة محمد بن سليمان المفرجي، وإمامة عمر الشريف، بويع بها أحمد بن عمر الزنجي البهلوي، ولم يذكروا عنه شيئا إلا انه مات، ولم يذكروا في أي تاريخ مات، ولعله مات حتف أنفه قبل أن تكون له أحوال، وقبره بنزوى، هذا الذي ذكروه عنه فقط والله أعلم بما هناك. (3/118)
صفحة 671
إمامة الإمام أبي الحسن بن عبد السلام
إن أبا الحسن كان من نزوى، وكانت نزوى تضم كنوزا من أهل التقوى، ورجال الدين والإيمان، ومنهم ابن أبي الحسن بن عبد السلام، ولآبائه ذكر في أهل الفضل بنزوى، ومضى لابن الحسن في إمامته سنة واحدة، فخرج عليه سليمان بن سليمان النبهاني.
قلت: هنا يتبين ما توخيناه من عزل الإمام محمد بن سليمان، وعمر الشريف ومن بعدهما، فإن الوميض النبهاني يلمع تحت الرماد باتقاد، وله من أهل البغي أعضاد، ومن الجهلة والعوام أنصار وأجناد، ولم يبينوا عنه شيئا، والذي يفهم من الأحوال أن السلطان عادت له قوة طرد بها ابن عبد السلام، وتولى الأمر واستأسد، ولم تقم لابن عبد السلام قائمة، فإنهم ذكروا عن سليمان المذكور بعد هذا القيام الذي قامه على أبي الحسن بن عبد السلام، هاجم امرأة من أهل نزوى خرجت لفلج الغنتق حيث اعتادت النساء يخرجن لحوائجهن فيه، فما شعرت إلا وهذا الظالم وراءها، فهربت من الفلج عارية تستجير وتستغيث، ولا يقدر أحد أن ينجيها مما يدل على تسلط سليمان بن سليمان مرة أخرى.
ولم يعتبر بالحال الذي صار عليه ولم يتعظ بما وقع من الإمام عمر ابن الخطاب، حتى تجرد له محمد بن إسماعيل كالمخاطر بنفسه، فصرعه على الأرض حتى تفر المرأة المسكينة الضعيفة من هذا الجبار الذي يتهجم عليها كالجمل الصائل بئس الفعل وبئس الرجل. (3/119)
صفحة 672
إمامة الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري
إن الإمام محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري، وهو معروف النسب مذكور في التاريخ العماني، فلا حاجة إلى إيراد نسبه هنا فهو من قضاعة بن مالك بن حمير، كان هذا الرجل بطلا ملأه الله إيمانا، وشد قلبه وأيده بروح من عنده، ومن ينصر الله على أعدائه.
رأى محمد بن إسماعيل تلك الضعيفة التي لا مجير لها من هذا الجبار الذي هتك سترها وانطلق وراءها جهارا، عند هذا فضل محمد بن إسماعيل رحمه الله الموت على الحياة لأنه يعلم أن الرجل غير تاركه حيا، ولكن من حسن الحظ أن أنعش الله أهل الإيمان، فقاموا عند محمد بن إسماعيل قومة رجل واحد، فتداركوا الأمر قبل استئصال الخطب، ورأوا جرأة محمد بن إسماعيل يخوله الإمامة، فإن الإمامة شرطها الشجاعة، فلا إمامة لجبان، وكان محمد بن إسماعيل يسكن الحارة الغربية من سكة باب مرار، لا كما يقول ابن رزيق كان من أهل إزكي، وأن محمد بن إسماعيل لما صرع السلطان سليمان بن سليمان جرد له خنجره وذبحه.
وقال الإمام رحمه الله: وسبب اختيار المسلمين له أن سليمان بن سليمان هجم على امرأة تغتسل بفلج الغنتق، فخرجت من الفلج هاربة عنه عريانة، فجعل يعدو في أثرها حتى وصل حارة الوادي، فرآها محمد بن إسماعيل فخرج إليه وأمسكه عنها وصرعه على الأرض، حتى مضت المرأة ودخلت العقر، فخلى سبيله، فعند ذلك فرح به المسلمون لما رأوا من قوته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنصبوه إماما، وذلك في سنة ست وتسعمائة.
وقام هذا الإمام بعمان قيام الأئمة الكرام والسادة الأعلام، وآمنت (3/120)
صفحة 673
البلاد في أيامه، واستراحت الرعية طيلة أعوامه، وذلك توفيق من الله عزوجل، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
لما تمكن قدم إمامة محمد بن إسماعيل نظر في أحوال الجبابرة وأعمالهم، وكان قد عرف عمل الإمام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فحكم بتغريق أموال بني رواحة الذين دخلوا في أعمال سليمان المذكور، وقادوه على الناس في الفتن الآنفة الذكر التي كان يمارسها سليمان، وولده سليمان في أهل عمان، وقادوا أيضا مظفر بن سليمان، حكم الإمام محمد بن إسماعيل بتغريق أموالهم بسفك دماء المسلمين، ونهب أموالهم، وهتك أعراضهم، وكان العلماء إذ ذاك متوافرين ومتناصرين، يؤيدون الحق على الباطل، ولا يبالون عندما يجدون سنوح الفرصة لهم. (3/121)
صفحة 674
صفة الحكم في أموال بني رواحة
اعلم أن الإمام عمر بن الخطاب، نظر إلى الجبابرة من نبهان، وأن الجرائم التي اقترفوها تختص بهم، إذ هم الفاعلون حيث لهم السلطان، ولم ينظر إلى من كانوا لهم أعوانا، ولا شك أن لهم أعوانا يقومون بأمورهم ويمثلون لما يرومون فعله، وما من دولة إلا ولها رجال هم يدها الباطشة، وهم عينها الباصرة، وهم لسانها الداعية، ولكن لم يلتفت الإمام عمر بن الخطاب إلا إلى الملوك المذكورين.
والتفت الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري إلى الأعوان، ومن بينهم بنور رواحة الذين قادوا سليمان النبهاني، ومظفر بن سليمان، وكانوا لهم سهاما على عباد الله، وكانت الواقعة الكبرى بينهم بحممت من وادي بني رواحة، وحممت هي التي تسمى الآن الجناة، وهي الواقعة التي انهزم فيها الإمام، ثم تلاوم المسلمون وتراجعوا فصالوا على النباهنة، ومكنهم الله من خضد شوكتهم، وكسر أسنتهم، وغل أيدي الضلال بذلك الحكم الذي حكم به علماء دولة ذلك الإمام، فأمضاه الإمام المذكور.
وهذا الإمام محمد بن إسماعيل يتمم العملية فيغرق أموال بني رواحة، وهي التي في الجناة وهي أموال معروفة عند أهل عمان، ولكن لطول العهد وتبدل الأحوال، وتلاشى الأمور بانحلال السلاطين المذكورين، رجعت أموال بني رواحة إليهم، ولعل بعض الأئمة رأى من الصلاح إرجاعها إليهم في مقابلة استقامتهم له، فإن لكل دولة رجالا، وهذا ما لا يختلف فيه أهل العلم، فإن الإمام إذا رأى من قوم استقامة له (3/122)
صفحة 675
أن يخصهم من بيت مال المسلمين لما يراه من مصلحة المسلمين، ولكل وقت سياسة، وكم مال رد لأهله في عمان بعدما صار عليه القهر من حاكم مصلح في الأمة، بل ومن جائز أيضا إذا رأى صلاحه في تقريب قوم وإبعاد آخرين.
ولكن بقى الفرق بين نظر أهل الفضل وغيرهم، فقبض الإمام محمد ابن إسماعيل أموال بني رواحة وأضافها إلى بيت المال واستغلها طيلة إمامته، وكذا الأئمة بعده. وحكم هذا الإمام في إبطال بيع الخيار. (3/123)
صفحة 676
صفة الحكم في بيع الخيار
لا يخفى أن أئمة عمان مازالوا ولا يزالون مع مقتضيات الشريعة يراعونها في أدني النقاط فضلا عن أكبرها، ولا غرض يهمهم إلا إجراء أحكام الشريعة في مجاريها مهما كانت، ومن حيث إن بيع الخيار فيه علل لا تزال معروفة، والعلماء فيه على طرفي نقيض منهم المثبت ومنهم المبطل، ومنهم المتوقف، ولذلك عقد الإمام محمد بن إسماعيل رحمه الله مؤتمرا للنظر في هذا الأمر، واجتمع معه العلماء، فكتب كتابا بين فيه رأيه في هذا البيع كما في الأثر، إنه لما كثرت معهم المعاملات من الربا والفساد والحيل، فصاروا يظهرون أنهم يتابعون بيع الخيار، ويجعلونه تغطية على ما أسسوه وأرادوه، ليكون لهم حلالا في الحكم الظاهر، وباطنهم الزيادة للدراهم، وأخذ الثمرة على قدر ما يسلمون من الدراهم، إذا قلت الدراهم أخذوا له قليلا، وإذا كثرت أخذوا له كثيرًا، والمراد بكثرة الدراهم وقتها أنه إذا كان البيع معقوداً بمائة ريال أخذوا غلة من البائع، بقدر المائة المذكورة، وإذا كان البيع مثلا بألف ريال أخذوا من البائع غلة بقدر الألف. ولا يريدون ما لا مهما كان، وإنما المراد غلة الدراهم والمبيع حيلة بينهم فقط، فلا يراعون كثرة المبيع وقلته، وإنما الذي يراعون نفس الغلة، وليس القصد بذلك العقد الأصلي، وإنما إذا رأوا المدة التي جعل الخيار فيها قد قاربت أن تنتهي زادوا مدة أخرى، ويتظاهرون بذلك كحسن خلق ورأفة بصاحب المال ألا يفوته ماله فكأن المال باق له ولم يخرج عن ملكه، وهم يمتصون دمه، إذ يقوم هو بمصارف المال، وما يحتاج إليه من مغارم على أنه ماله، وهم يأخذون غلته سالمة لا شيء عليهم فيها. (3/124)
صفحة 677
والمراد بالمال عند العمانيين في مثل هذا المقام الأصول، سواء كانت نخلا وهي المراد عند الإطلاق، أو مياها أو أرضا أو مباني ونحوها، فيبيعونها بالإقالة لمدة سنوات على هذه الشريطة المذكورة، وربما عقد الشاري مع البائع الغلة أن تكون كذا وكذا عددًا أو نوعًا، وهذا كله حرام محض، إذ هو ربا في نظر الشرع لأن المقصود غلة دراهم معروفة، وهي باقية في مال البائع، والأقل منهم من يسلم الثمرة للشاري، فيتناولها غلة له والمال في يد البائع، وفشا هذا الحال بين الجهال وأهل الباطل، واستمرءوه ولا يبالون، وقد صرح الأثر المنقول أن البيوع على ما عقدت عليه في الأحكام، وعلى ما أسست عليه في الحلال والحرام.
فلما رأى المسلمون والمراد بهم أهل الفضل الذين هم الحجة في الأرض، أهل هذا الزمان همجا رعاء لا يتقون الحرام مع ما يحتاجون إليه من المكاتبة والإشهاد، خافوا أن يحاط بهم، وأن يقعوا جميعا في المعصية إن لم ينهوهم عن ذلك، ويكونوا كمن قال الله فيهم: (كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) 29. (3/125)
صفحة 678
العلماء يجتمعون لمراجعة آثار المسلمين في هذا الصدد
لما كثر القيل والقال في هذا الصدد، اجتمع المسلمون الموجودون في ذلك العهد لمراجعة آثار السلف الصالح، وما قرره العلماء في مثل هذا البيع المشار إليه، وهم المشايخ الفقهاء الأجلاء، ذين هم القدوة إذ ذاك، وفي مقدمتهم مداد بن عبدالله بن مداد العقري النزوى، والفقيه عبدالله بن محمد بن سليمان عمر النزوى، والقاضي أبو غسان بن ورد ابن أبي غسان البهوي، وعمر بن زياد بن أحمد البهلوي، ومحمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح المنحي، وجماعة آخرون ممن كان من أهل العلم عند الإمام العادل الكامل العاقل محمد بن إسماعيل- نصره الله- بقرية نزوى، وطالعوا الآثار، رأى الواردة عن أهل العلم السابقين والأئمة الماضين، المسندة إلى سيد المرسلين نبينا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، الوارد بها الوحي المبين عن رب العالمين، فوجدوا فيها أن غلة بيع الخيار حرام، فحكم الإمام رحمه الله ومن معه من العلماء المذكورين، والفقهاء بتحريم غلة بيع الخيار، وبفساد البيع أيضا، وأن ذلك أقرب للتقوى، وأسلم عند الله من البلوى لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أجبا نقد أربا».
وهكذا ما كتبه الإمام محمد بن إسماعيل رحمه الله في ذلك، بعد ما صح معه الدليل، واتضح لديه السبيل، قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، لما كان في نهار الأربعاء لست ليال خلون من شهر جمادى الآخرة أحد شهور سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، قد صح الحكم الصحيح الثابت الصريح من الإمام العادل، إمام المسلمين محمد بن إسماعيل ومن حضره من المسلمين، وما أجمعوا عليه، بأن غلة بيع الخيار لا تجوز، وأنها حرام في المراد بها الثمرة، وأنها ربا، ووافق ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم «من أجبا فقد (3/126)
صفحة 679
أربا»، وقد جاء الأثر عن عمرو بن علي في قول المسلمين في بيع الخيار، أنه غير ثابت وهذا قول من لا يراه ثابتا، فإن الأصل عنده فيه أن هذا بيع وقع على الثمرة لا على الأصل، ومثل هذا لا يصح في حكم المسلمين، لعلل عديدة تتناول هذا البيع بالفساد، وليس محل بسطها، وقد الفت فيه رسالة خاصة سميتها «توضيح المنار في إبطال بيع الخيار»، وذلك في أيام الصبا، وأوردت فيها أقوال العلماء والأحاديث المروية في هذا المقام، مع شرح لمعانيها وبيان محل الاستدلال بها، فكانت رسالة جامعة، وأصبحت الآن لا أعلم عنها أين صارت، والله حسبي ونعم الوكيل، أحتسب عنده أجرها، فإن العناء والتعب الذي ألاقيه حال التأليف كبير، إذ لا مساعد ولا فراغ، وإنما هو صراع للحياة، والله ولي التوفيق.
وإنما البيع الخيار حيلة على تحليل الغلة، بل لا أقول على تحليلها إنما هي حرام، وما كان حراما في نظر المسلمين لا يزال حراما إلى يوم الدين، وكذلك يقول العلماء الذين يقولون بتحريم هذا البيع وتحريم غلته، وقالوا: لما صح عندنا أن بيع الخيار المراد به الثمرة حينئذ قلنا بفساد ذلك البيع، وكان هذا المقال موافقا لنهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قوله «من أجبا أربا»، والدليل على هذا ما صح عندنا من قوله: إنهم جعلوا هذا البيع طريقا يتوصلون بها إلى تحليل الثمرة على الجملة من قولهم، وأظهروا هذا البيع على تغطية ما لا يجوز، أي تستروا بذلك في الظاهرة عن إشاعة ركوب المحرم، فكان قولهم هذا موافقا للرجل الذي تزوج امرأة في السريرة تحليلا لمطلقها، أو كالرجل الذي كان في نيته في بيع باعه مكوكا بمكوكين، أو تمرا بحب، أو حبا بتمر، ثم أظهر ذلك عند عقدة البيع أنه بدارهم، أو كالذي يخطب امرأة في السريرة، فأظهر أنه قد عقد عليها نكاحا وأنه تزوجها، وما يجيء بحق هذا وهذا كله، فقد قيل: إن النيات هن المهلكات وهن المنجيات، وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إنما الأعمال بالنيات (3/127)
صفحة 680
ولكل امرئ ما نوى» وقال عليه الصلاة والسلام: «نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله».
لما صح عندنا أن المراد بالبيع الخيار الثمرة، وإنما جعلوا هذا طريقا فيما عزموا للتغطية على تحريمها، والدليل على فساد هذا: أن كل هذا البيع وقع لنخلة فكانت الثمرة لربها، وإن كان البيع المراد به الثمرة فقد وافق هذا البيع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من أجبا فقد أربا» فهذا أحد وجوه الفساد في ذلك.
والوجه الثاني: مثله، كمثل رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاثا فتزوجها لاستحلالها لزوجها الأول، أي ليحللها لزوجها الأول، فهذا مما قال بفساده المسلمون على الزوج الأول والزوج الثاني.
والوجه الثالث: رجل وافق رجلا على شراء حب أو تمر من عنده المكوك بمكوكين، أو تمرا بحب، أو حبا بتمر، ثم أشهد على نفسه بدراهم فهذا أيضا حرام لما كان في السريرة من الفساد، قال: فهذا قولنا في بيع الخيار والله اعلم.
هكذا جاء كتبته كما وجدته كما وجدته منها، وهذا تقرير الإمام لهذا المكتوب، يقول رحمه الله: نعم ما كتب على فهو من إملائي، والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال، وكتبه الله سبحانه الإمام محمد ابن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري بيده حامدًا لله وحده، ومصليا مسلما مستغفرا.
وهذا تأييد العلماء إذ ذاك لهذا الحكم، يقول الشيخ مداد بن عبدالله بن محمد: صحيح ما حكم به الإمام من تحريم غلة بيع (3/128)
صفحة 681
الخيار، فهو الحق والصواب موافقا لآثار المسلمين من السلف، وبذلك جاء الثر وعليه العمل، كتبه العبد الفقير مداد إلخ.
وبمثل ذلك أيضا قال الشيخ محمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح نصا بعينه، وكذلك أيضا الشيخ العلامة عبدالله بن محمد بن سليمان، وكذلك عن الشيخ العالم أبي غسان بن غسان بن أبي غسان، ويمثل ذلك النص أيضا كتب الشيخ العلامة عبدالله بن عمر بن زياد بن أحمد، وكذلك ايضا كتب الشيخ العالم أحمد بن مداد بن عبدالله بن مداد، وكلهم على عبارة واحدة، وكلهم بنص في عبارته بعدل الإمام محمد بن إسماعيل.
وإذا كان هؤلاء العلماء الأجلاء يشهدون لهذا الإمام بالعدل، فما وجه ما يقوله بعضهم من أن الإمام محمد بن إسماعيل له أحداث استوجب بها البراءة، وأحمد بن مداد بنفسه يصف الإمام محمد بن إسماعيل بالإمام العدل، ثم يعود يقول إن لمحمد بن إسماعيل أحداث استوجب بها البراءة عندهن من ذلك أن جبى الزكاة من رعيته بالجبر من غير حماية منه لهم، وغير منع من الجور والظلم.
قلت: إن صح ذلك فمن لمحمد بن إسماعيل أن يقوم به على ردع أهل الجور والظلم، وقوته يستمدها من أنصاره الذين هم حجته على عدوه، وكيف تتسنى لمحمد بن إسماعيل الحماية ولا مال بيده إلا الزكاة، والزكاة لا ينالها إلا بالجبر من أهل الأموال، ولا مال له بنفسه، ولو كان له مال أيلزمه أن ينفقه في تقويم دولتهم؟ وهل المسئولة عليه أكبر من المسئولة على أنصاره؟ أما عملوا ما قام به محمد بن إسماعيل في (3/129)
صفحة 682
اعتراضه لذلك الظالم الذي يطارد المرأة في الشارع، وهي كما في بعض القول عارية، ولا يقدر أحد أن يجيرها منه، فتجرد هذا البطل لذلك الجبار، ولا بد أن تكون متوقعا للخطر منه، وقد عرفت أعمالهم في أهل العلم والفضل، وعرف ظلمهم وجورهم، ومتى يمنع محمد بن إسماعيل الناس عن الظلم والجور، وهذا حال أنصاره، وإليك سرد الأحداث المشار إليها والتعليق عليها. (3/130)
صفحة 683
الأحداث المعدودة على الإمام محمد بن إسماعيل
لقد عرفت ما قيل إن الإمام محمد بن إسماعيل جبى الزكاة من رعيته بالجبر من حلية منه لهم، وغير منع من الجور والظلم ومنها جبر رعيته على شراء الزكاة من ثمرة النخل بما تقومه عماله من الدنانير، وأخذ تلك القيمة بالجبر منهم، ومنها أنه جبى المعاشير غير الزكاة دنانير بقيمة ثمرة النخل من أموال رعيته بما تقومه أعوانه وعماله من الدنانير، بالجبر من رعيته اليتامى والبالغين والأرامل وغيرهم، لنفسه وعماله وأعوانه وأضيافه وعياله هدرا وقرضا بالنية.
ومنها أنه جبى الخراج وأخذ الكسرة وهي المغرم المقدر للجبابرة من أموال رعيته بالجبر على الخوف، وخشية الظلمة على دولته ونفسه ورعيته وأموال رعيته أهـ.
هذا ما عده عليه المنتقد لأعماله، ولا شك أنه ليس الجبر كالمعانية، فإن أولئك الرجال هم المبتلون بما هناك، أما شراء الزكاة من النخل بما تقومه العمال، فإن كان هؤلاء العمال أمناء، واتفقوا على تثمين الزكاة فهذا وجه يجوز بحسب ظاهر الحال، وقد أجازه العلامة الخليلي للإمام عزان بن قيس رحمهما الله، وعمل به في عهدنا الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله، ولم ينكر عليه أهل العلم الذين هم في منزلته العلمية، وهم كثيرون، يضيق المقام بذكرهم فرداً فرداً.
وإذا اتفق العمال وأهل الأموال على ذلك، جاز إجبارهم في تسليم ما اتفقوا عليه حقا لله عز وجل، لاسيما لتقويم دولة المسلمين، وإذا لم يجبرهم بعد الاتفاق. وأصروا على عدم التسليم، فماذا يصنع بهم؟ ولا يتصور الإجبار إلا بعد الإصرار، والعمل ما داموا أمناء الإمام فهم أمناء المسلمين، لأن من تحت راية العدل فحكمة العدالة، ويجب أن يحسن به الظن، والمعاشير التي يذكروها إن كانت هي المعروفة (3/131)
صفحة 684
بالعشور التي تؤخذ من المبيعات بالأسواق فهي حق المسلمين، تكون كأجرة على استعمال أرض المسلمين، أي أرض بيت المال، وهذا أمر جار لاسيما في مواضع الخراج.
ولا شك أن ما وجب في الأموال عم الكل، فاليتامى والأرامل والغياب ونحوهم كلهم في ذلك سواء، وقولهم: وجبى الخراج فإن ما حل لغيره من الأئمة فله أيضا حلال لا فرق بينه وبين غيره، هذا إذا احتاج، أما إذا أغناه الله فالزكاة لا حق له فيها، وإنما شرعها الله لأصناف مخصوصين ما لم يكن الإمام أحد الأصناف المذكورين، وإذا احتاج الإمام إلى الزكاة كانت حاجته مقدمة على حاجات الفقراء والمساكين ومن إليهم نزل الإمام منزلة المسلمين كلهم لينظر في المصلحة العامة للأمة، أما أخذ الكسرة التي تجعل للجبابرة دفاعا لشرهم، فالإمام حاشاه أن يرضى بأخذها، اللهم إلا إن كانت مما احتمل الحق والباطل، ولم يترجح أحدهما على الآخر، واضطر لأخذها جاز له للضرورة، ولاحتمال أن تكون حقا، وليس كسرة يتولاها الجبابرة تكون حراما، فلعلها كسرة كانت لوجه بر، فتولاها جبار حائزا لها عن أهلها الذين وضعت لهم، فإذا جاء الإمام المحق حق له أخذ ما وضع لوجه بر ليصلح به شئون المسلمين.
ولا شك أن بقاء دولة المسلمين أولى من ذهابها، ولا شك أن الدول تحتاج إلى المال، فما كان لفقراء المسلمين وما أخرج لوجه، وحتى الكفارات التي يوصي بها المكفرون إذا رأى الإمام الحاجة إليها فهو أولى بها من غيره لصيانة دولة المسلمين، ومن ذا الذي يبيع ماله لينفقه على إمام المسلمين ودولته. بل الأمة بطبيعتها تطالب الأمام لينفق عليها وهذا هو المعروف غالبا من أحوال الأمة. وهذا الإمام الحضرمي رحمه الله يقول: (3/132)
صفحة 685
كل ... من ... طالبت ... منهم ... قال ... لي
كم ... لي ... وكم ... لابني ... وكم ... لامرأتي
حتى ... إذا ... ما ... قلت ... أبشر ... بالعطا
انهض ... وشمر ... قال ... قبلا ... هاتى
هذا هو غالب حال الأمة إلا ما شاء الله.
قال الإمام رحمه الله وهو يذكر أحمد بن مداد الذي يعد على الإمام الأحداث: «وقد أطال في الاستدلال على أبطال هذه الأشياء بأمور مسلمة عند الفريقين» أي هي بحسب ظاهرها لا تبعد عن منهج الحق، ولكن لا بد أن للإمام فيها وجها هو أحق، لأنهم وصفوه بالعدل، فهم مجمعون على عدالته، ومتفقون على صحة إمامته، وأي إمام سلم معهم من الانتقاد منذ الجلندى بن مسعود رحمه الله.
قال الإمام: وما أدرى ما يقول المنتصر له في بعض هذه الأمور، فإنها لا تخرج على من أقوال المسلين، قال: ولعلهم ينكرون وقوع ذلك منه، وكان هذا الإمام السالمي رحمه الله، أشار إلى ذلك أول الكلام حيث قال: وكان أحمد بن مداد يذكر لمحمد بن إسماعيل أحداثا استوجب بها البراءة عنده، وكان غيره من بعض معاصريهم يعتذر لمحمد بن إسماعيل في ذلك ويحتج له بحجج لا يسلمها أحمد بن مداد ويقول هنا أيضا: ولعلهم ينكرون وقوع ذلك منه، ويحتجون للبواقي بالترخص ببعض الرأي المأثور عن المسلمين، لأجل الضرورة إليه. قال: أما الجباية والخراج فلا يجتمعان أصلا، ليس للإمام أن يجبي أرضا يأخذ الجبار خراجها إلا إذا حماها ومنع الجبار من خراجها، ورفع اليد عن مظالمها، وأنصف بعضها من بعض، فها هنا تطيب له الجباية بالقهر، لأنه قد حماها وأقام فيها العدل، وكذلك أخذ العشور من الأموال التي لا زكاة فيها، فإن ذلك لا زكاة فيها، فإن ذلك لا يجوز ولا يقبل الرأي، فإن صح هذا أن أحدا فعله واستتب فلم يتب، فإنه يكون خليعا أي إذا: كان إماما (3/133)
صفحة 686
وقارب ما منعه منه الشرع، واستتيب من ذلك الذي فعله ولم يتب، فقد ركب محجوزا تسقط به إمامته لأنه يصير عاصيا محتاجا لأن ينتصب منه.
قال الإمام: لكن لا يكون ذلك بالدعوى خصوصا على الأئمة، فإنهم أعظم حرمة. قال: وأما القرض فقد احتج له من احتج، ولرخص له من رخص، لأجل الخوف على الدولة، ولا يرى ذلك الفقيه أحمد بن مداد، وإنه يبرأ من العامل والمرخص.
قلت: ليس له أن يبرأ ممن عمل بما رآه المسلمون واسعا في الرأي فيما يصح فيه الرأي، قال: وأما الخرص للثمار، وإن كان الأصحاب على غيره فلا يخرج عن دائرة الرأي، لكن جبر الرعية على تسليم الدنانير عن الزكاة المخروصة في رؤوس النخل شيء لا يجوز.
هذا تحرير المقام في هذه القضايا التي ابتلى بها الأئمة في معاناة أمور الأمة، إن أقدموا على شيء تدعو إليه الأحوال الضرورية نوقشوا من جهة من ابتلاهم بالأمر، أو من أمثالهم، وإن سكتوا أصيب الدين والدنيا بجبار لا يردعه دين ولا ضمير، ولا يتجنب أي مركب يجده، فتذهب بذلك دولة المسلمين، وينهار صرح الدين، والأمر لله.
وقد عاش الإمام محمد بن إسماعيل إلى سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة، فكانت إمامته ستا وثلاثين سنة، وبغد موته حالا بايعوا ولده بركات. (3/134)
صفحة 687
الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل
لما قضي الله على الإمام محمد بن إسماعيل في التاريخ المذكور بنزوى، وكان في مقدمة العلماء إذ ذاك العلامة عبدالله بن عمر بن زياد الشقصي النزوى، ومحمد بن أحمد بن يفسان، فقام ضده الفقيه أحمد ابن مداد، لأنه لم يرض إمامته، وطعن في إمامته، وعلى كل حال إن الطعن في إمامته طعن في العاقدين عليه، وتبرأ ابن مداد من هذا الإمام، وممن نصبه لأنه ليس بولي عنده ولا بأهل للإمامة، وذلك لولايته لأبيه على أحداثه التي ذكرها عنه وأنه عمل بأحداث أبيه من بعده، وقلده في ذلك.
هذا هو جرم بركات عند هذا الفقيه، وهنا سوف تنكشف المصائب التي يقع فيها الناس، ويتلاشى بها الدين الحنيف، وتعود الأمور إلى شر ما عاد، وهذا الذي نشير إليه، ولكن لا راد لأمر الله عزوجل.
بقى بركات في إمامته عند المرتضين له حتى سنة 964 أربع وستين وتسعمائة، وفي هذه الآونة عادت السلطة النبهانية تعود سيرتها الأولى، فإنه سيأتي أن سلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان، تولى نزوى في هذا التاريخ، وذلك لاختلاف الكلمة والأمر لله عزوجل.
فكانت إمامة بركات يقرب عهدها من إمامة أبيه، إلا أن أباه كان إمام عمان كلها، وكانت شوكة الجبابرة منكسرة، ودعوتهم خامدة، ولكن نتيجة للخلافات التي أتت هنا مكنت النباهنية العودة إلى معاهدها. (3/135)
صفحة 688
إمامة عمر بن القاسم الفضيلي
عندما سخط الشيخ الفقيه أحمد بن مداد على بركات، ورأوا أن الأمور الآن ميسورة، ومتناولها قريب، وإقامة إمام يرتضي ضد إمام غير مرتض كذلك، بايع هذا الفريق الساخط على بركات عمر بن القاسم المذكور، فقام هذا الإمام في عهد بركات، وبقى الناس بين إمامين متضادين متخالفين متخاصمين، وأحزابها معها، وكل يرى صاحبه البطل والآخر المحق.
وقال الإمام، وغيره من أهل العلم: إن أحمد بن مداد يثني على الإمام الفضيلي ويحمد سيرته ويتولاه، قال الإمام: وذكر غيره أي ابن مداد أن المسلمين رضوا إمامته، قال: ولم يؤرخوا وقت بيعته ولا وقت وفاته.
قلت، ولا ذكروا شيئا من أعماله وأين بويع وأين حل؟ وماذا فعل؟ فإن هذا الوقت رقصت فيه أيضا إمامة أخرى ليتم ما قضى الله في غيبه، فإنهم بايعوا في هذا الأثناء عبدالله بن محمد القرن، وكأنه واسطة بين الفضيلي وبركات والله المستعان. (3/136)
صفحة 689
إمامة عبدالله بن محمد القرن
قام فريق يرى له في النظر ما ليس لغيره فقدموا عبدالله بن محمد القرن من العنصر الهنائي، ولم يذكروا ماذا فعل الإمامان القائمان قبله، ولا ما آل إليه أمرهما، وهذا من البلاهة. بمكان يعرفه كل إنسان، وهنا ترى ثلاثة أئمة في بلد واحد، وفي مذهب واحد، وحوزة واحدة، والأثر يقول:
وباطل ... سيرة ... فيها ... الإمامة ... في
اثنين ... لو ... بلغنا ... في ... المجد ... ما ... كملا
وأنت تدري هنا ثلاثة أئمة في عهد واحد، إنها لمصيبة تقضي على الدين كما أشار إلى ذلك القرآن حيث يقول: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ) 30 وأي تنازع أكبر من هذا، وأي فشل مما وقعوا فيه بعد ذلك، إذ أديل الجبابرة مرة أخرى وضعوا أيديهم على ما شاءوا، وكانت البيعة لعبدالله بن محمد القرن في منح يوم الجمعة لخمسة عشر يوما من رجب سنة 967 سبع وستين وتسعمائة، وكأنه خرج من منح إلى بهلى، فدخلها لليلتين بقيتا من هذه السنة، أي بعد مضي خمسة أشهر وثلاثة عشر يوما منذ وقعت له البيعة، فأخذ بهلى من آل عمير، وكان آل عمير قد اشتروا حصنها بثلاثمائة لك من محمد بن جيفر بن على بن هلال الجبري، وكان محمد بن جيفر المذكور قد أخذ هذا الحصن بالغلبة من عامل بركات، وهذا يدل أن محمد بن جيفر عارض بركات حين رأى الأمور تسير على ورائها، وإذا هبت الرياح العواصف قام كل أحد يلتقط نصيبه، فمن العامل بركات أن يكون وبركات نفسه.
ولا شك أنه عندما يتبعثر الأساس ينهار البناء طبعا، قال الإمام: وكان دخول آل عمير حصن بهلى يوم الثلاثاء لتسع ليال بقين من جمادي (3/137)
صفحة 690
الآخرة سنة 967 سبع وستين وتسعمائة، فما لبث آل عمير في بهلى إلا يسيرا حتى أخذه منهم عبدالله بن محمد القرن، وفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من رمضان سنة 968 دخل الإمام بركات بن إسماعيل حصن بهلى، وأخرجوا منه عبدالله بن محمد القرن، وبنصب الأئمة في وقت واحد تشتت الكلمة، وتفرقت الجماعات وضعفت دولة المسلمين ووهت قوتهم وطمع فيهم من كان لا يطمع. (3/138)
صفحة 691
تفرق ملك عمان إلى رؤساء متعددين
لا يخفى أن التنازع في الأمر داع للفشل، ومسبب للوهن، ومازالت علة المسلمين في دينهم تفرقهم، واختلافهم في الأمور واجتذابهم لأمراس الشقاق، وأخذهم يمينا وشمالا، وقد قرأت في هذا التاريخ أحوالا من ذلك، وعلمت ما صار إليه أمر المفترقين، وما انتهى إليه الحال، وقد التأم حالهم حين اجتمعوا مع الإمام عمر بن الخطاب، فنصرهم الله عزوجل حتى سحقوا دولة السلاطين النباهنة، وتمكنوا من خضد شوكة البغي، وقطع شأفة الفساد، ثم تراهم سرعان ما اختلفوا في أمرهم، وراحوا ينصبون الأئمة ويتجاذبون الأمور، ويتخاذلون فيما بينهم، وكل فرقة ترى الحق لها، وترى أنها أولى بالأمر من غيرها. وبهذا الحال أصبحوا في انحلال، فتراهم يبايعون إماما ثم لم يشعر إلا وإمام آخر يقوم خلفه، وبذلك تفككت القوى، ووهنت الأمور، وأصبح العدو يطمع في القهر على أهل الحق، فكانت العاقبة غير محمودة، والله يقول لنا في كتابه العزيز: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) 31 أي قوتكم، وحكمة الله بالغة، ودعوته نافذة، ولو أغضى المسلمين لشر رأوه مخافة الوقوع فيما هو أضر، لكان أولى بهم وأبقى لدولتهم ألا ترى أنهم لما غاضبوا عمر بن عبدالعزيز وخرجوا عنه على الحال الذي رأوه لامهم إخوانهم، وما زالوا يلومونهم إلى الآن، وكذلك الحال في قضية خازم ابن خزيمة مع الإمام الجلندى رحمه الله، وإن كانوا رأوا أمرا يوجبه الشرع ويقتضيه الدين، فالشرع والدين يدعوان إلى ارتكاب أخف الضررين وقول الحكيم:
إن ... الكريم ... إذا ... ألم ... بجسمه
مرضان ... مختلفان ... داوى ... الأخطرا
فالتغاضي والاحتمال لأمر في مصلحة أعلى منه وأنفع وأولى، وهذا شيء قرره القرآن والسنة والمعقول، ولكن إذا حل القدر عمي السمع (3/139)
صفحة 692
والبصر، وصغار العقول هم الأكثر وإليهم يرجع السواد الأعظم، فيرى الأقلون أنهم مغلوبون فيخضعون لما يرون، وبهذا ينزل الضعف على الجسم الإيماني وتسرى ناره فيه والأمر لله ..
وفي هذه الآونة ثارت الروح النبهانية إلى العرش العماني مستغلة ذلك الافتراق، وما خرج عنها قام له آل هلال رهط الجبور وآل عمير، وللهديفي نصيبه ونصيب آخر لرجال آخرين من هناءة بن مالك، والداهية هي البرتغال إذ ذاك، جاءت تسحب قواتها وتجر جحفلها لتأخذ نصيبها من المملكة العمانية، فإنها دخلت وآن حصادها، فهذا لاقط وهذا شاري، وهذا بائع ولكل درجات مما عملوا، فكان الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل في الوجود، واسم الإمامة مرقوم على صحيفة إمامته والقوم يقتسمون المملكة، فكان في هذا الأوان لسلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان ملك نزوى وتوابعها، وكان لفلاح بن محسن ملك ينقل وما يتبعها، ولعرار بن فلاح ملك بهلى وتوابعها، وكان لمهنأ بن محمد الهد يفي ملك صحار وما إليها، وكان لعرار بن فلاح ملك الظاهرة، وكان ينوب عن سليمان بن مظفر في بهلى، وكان لعمير بن حمير ملك سمائل وتوابعها، وكان لمالك بن أبي العرب وهو جد الإمام ناصر بن مرشد، وهو من العنصر النبهاني ملك الرستاق، وكان لنبهان بن فلاح ملك القنيات.
وتولت البرتغال الساحل، هذا مآل ملك عمان في هذه الآونة التي أعقبت خلافات أهل عمان فيما بينهم، وتلاعبوا بنصب الأئمة كما بيناه آنفا والله عز شأنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
بقى هؤلاء الأمراء والرؤساء يتزعمون الملك، وكل واحد منهم يرى أنه الأحق بالملك والأولى بالسلطان، واختلفت الأهواء ووقع الذل المرير على أهل الفضل في عمان، وكاد سلطان المسلمين لا يبقى له أثر ولا تقوم له قائمة في هذا العهد، ولله أمر هو بالغه وإن رغم أنف الدهر. (3/140)
صفحة 693
ذكر ملوك النباهنة المتأخرين
اعلم أن النباهنة المتأخرين هم أحفاد النباهنة الأولين، بقيت في نفوسهم دعوى الملك وأحقيته دون غيرهم، لأنهم أبناء السلاطين المتقدمين، وقد اقتسموا الملك كما بيناه، ولكن ما زال بينهم تنافس، وما زالوا يلتمسون الغفلة من بعضهم البعض فإذا أمكنتهم الفرصة اغتنموها وإن لم تمكنهم نكسوا على أعقابهم ورجعوا إلى مراكزهم، وأول هؤلاء الملوك بحسب المعروف سلطان بن محسن بن سليمان بن نبهان. (3/141)
صفحة 694
الأمير سلطان بن محسن بن سليمان وأولاده الثلاثة
خرج هذا السلطان على الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل بمن معه من الناس الذين تسوءهم وطأة الإمامة، ويرون السلطنة أولى بالأمر، لأنه لا ينال معها ما لا يناله مع غيرها، فتملك نزوى سنة 964وبقى عاضا عليها بالنواجذ، وعاش في ملكة تسع سنين ونزوى هي كرسي عمان الداخلية كما سبق الكلام عليها، وكان هذا السلطان حجر أساس النبهانية الثانية، وبعد موته كان له أولاد كان المقدم فيهم مظفر بن سلطان، وهو الذي تولى الأمر بعد موت أبيه، وكان الحصاة الثانية في بناء هذه الزعامة النبهانية، فكانت نزوى في يده إرثا له من أبيه ونصيبا من ملك عمان، وما تبعها في ذلك الوقت منوطا بمالكها، وكان ثاني أولاده طهماس، وثالثهم سلطان بن سلطان، وكلهم يحاولون أخذ الأنصباء، لأنهم هم الخيرة في الأمة ليس لأحد حق في السلطنة غيرهم.
وهذا طبيعي في الناس والذين لهم عناصر. مسلطة لا يزالون يحلمون بالسلطة، ويحاولونها بما عز وهان، ويرتكبون من أجلها المخاطر ويبذلون عليها النفس النفيس، حبا للعاجلة وترفعا على الغير، وإن لهم في ذلك شنشنة لا تبرح من نفوسهم، ولا يزال أحدهم يراها له ويقاتل عليها أباه وأخاه، وقد أعماهم الجهل عن الواجب الأخروي والملك الأبدي الذي ينبغي التنافس فيه. (3/142)
صفحة 695
فلاح بن محسن بن سليمان
بعد موت سلطان بن محسن تولى الأمر مظفر بن سلطان، ولم يترك لأخوته رأيا في الأمر إلا أنا لم تطل أيامه فمات وخلف ولدا صغيرا اسمه سليمان لا يصلح للقيام بأمر الملك، وكان فلاح بن محسن عم أبيه مالكا لحصن مقنيات، وقيل إنه هو بناه وشيد أركانه.
قال ابن رزيق حميد، وهو يذكر فلاح بن محسن: هو الأكثر منهم جوادا وسياسة، وكان مسكنه مقنيات من أرض السر والصواب من أرض الحجر بحسب عرف أهل عمان، قال: وهو الذي بنى حصنها السامك فسماه الأسود: وهو حصن عال على مرتفع منيع، وكان لفلاح هذا نوع اهتمام بالغراس والزراعة، وهو الذي جلب شجر المانغا لعمان، وهي الشجرة التي تسميها أهل عمان الأمبا، ويسميها أهل شمال الباطنة الهمبا بقلب الهمزة هاء غرسها في مقنيات، فتسامع بها أهل عمان فتهافتوا على جلبها، حتى فشت بعمان كلها إلا ما شاء الله.
وكان فلاح محبا للأدب العربي خصوصا الشعر، وكان موسى بن حسين بن شوان شاعرهم الخاص، كان كثيرا ما يمدح فلاح بن محسن وبنيه وبني عمه، وكان له فيهم ديوان شائع عند أهل عمان يتداولونه ويعرف بالكيذاوي عرفا عاما أو بالكيذا تشبيها بالكاذي الشجر العطري المعروف للطافته ورقته، ومدحهم الكثير من أهل عمان من أهل هذا الفن فأجازوهم وأعطوهم وكانوا لا يحتجبون عن وارد ولا عن صادر، بل يدخل عليهم من شاء متى شاء، ودخل عليه في وقت جلوسه رجل من أهل الأحسا، فاندهش، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لكل داخلي دهشة. فأراد أن يسأل طعاما لفرسه، ويدهشه تلك قال (3/143)
صفحة 696
أريد خيلا لقتى، والقت هو البرسيم وهو الفصفصة أو القصفصة القت اليابس، ثم انتبه فأعاد قائلا أريد قتا لخيلي، فقال فلاح أعطوه قتا وأعطوه خيلا، وأعطوه مالا وكسوة كما هي عادات الملوك في إكرام الوافد، وخالفه أهل وادي بني خالد من شرق عمان، واعتزموا بالجبال الشاهقة المنيعة، وأصروا على خلافهم فجهز لهم جيشا خضما سحبه من ظاهرة عمان إلى شرقيتها، فدخل الوادي ولم تمنعه الجبال من الدخول، وقد ذكر القضية الشاعر المذكور كما في قصيدته النونية التي يقول في مطلعها:
عرّج فهذي رسوم الأثل والبان
ومنها:
واسأل ... معالمها ... اللاتي ... خلت ... وعفت
عمن ... بها ... كان ... من ... حي ... وجيران
منازل ... قاضها ... حكم ... الزمان ... من ... ال
بيض ... الحسان ... بآرام ... وصيران
كم ... قد ... سحبت ... بها ... ذيل ... الشباب ... وكم
في ... سوحها ... صدت ... من ... عين ... وغزلان
إلى أن قال:
شعر ... يردد ... معنى ... البديهة ... في
عليا ... فلاح ... يحاكى ... لفظ ... سحبان
ثم سار فيه يمدحه إلى أن عاد إلى وصف الجيش:
وأقبلت ... من ... نواحي ... الأرض ... مقبلة
تأتي ... إليك ... السرايا ... يا ... ابن ... نبهان (3/144)
صفحة 697
حتى ... نهضت ... بجيش ... والملوك ... به
موفون ... من ... آل ... قحطان ... وعدنان32
وسرت ... بالجيش ... من ... بهلى ... إلى ... سمد
إلى ... سياق ... إلى ... صور ... فجعلان33
جيش ... به ... مالك ... الرستاق ... ما
لك ... مشهور ... الثنا ... في ... بني ... نضر ... بن ... زهران34
وناصر ... وعدي ... والفتى ... سند
بنو ... شماس ... سليل ... القرم ... سرحان
والمرعفان ... القنا ... في ... كل ... معركة
بنو ... ربيعة ... والندب ... بن ... شيخان
وآل ... عمرو ... مع ... الحدان ... قاطبة
في ... آل ... دهمش ... في ... جند ... ابن ... جيلان
وآل ... وحشي ... جميعا ... في ... عطارفة
من ... آل ... يشكر ... ومن ... آل ... غيلان
وآل ... صلت ... وهم ... أهل ... العناد ... وهم
فيه ... وفيه ... بنو ... ذهل ... بن ... شيبان
وفيه ... آل ... عمير ... يقدمون ... على
صواهل ... ضمر ... تهوى ... بفرسان
وفيه ... آل ... عزيز ... مع ... بني ... عمر
مع ... آل ... حمير ... مع ... عبس ... وذبيان (3/145)
صفحة 698
وغافر ... وشكيل ... الصوارخ ... هم
في ... الورع ... أثبت ... من ... أركان ... ثهلان
وآل ... عبرة ... في ... أبنا ... عدي ... وبنو
هناة ... هم ... خير ... أنصار ... وأعوان
وآل ... محرز ... أرباب ... العلا ... وبنو
يطاش ... أهل ... النهي ... والأمر، ... والشأن
وفيه ... آل ... شهيهم ... جملة ... وبنو
حبس ... هم ... في ... التلاقي ... أسد ... خفان
وهكذا مر يصف ذلك الجيش إلى أن قال:
جيش ... يعبعب ... مثل ... البحر ... متلط
سم ... التيار ... بالموج ... في ... بيد ... وغيطان
حتى ... فتحت ... به ... شم ... المجادل ... من
وأدى ... بني ... خالد ... من ... بعد ... عصيان
وكانت هذه القضية ألبست هذا السلطان تاج الشرف وأخضعت أكثر أهل عمان ولأبدت هذا المليك على خصومه حيث هي أكبر حادثة في تاريخه.
ولما مات سلطان بن محسن سنة 973 وكان ولده المظفر أكبر إخوته تولى الملك بعد أبيه، وفي رزيق أن الذي تولى الملك بعد فلاح ابن محسن ولده عرار بن فلاح حتى توفي بتاريخ عشر خلون من شهر الحج سنة99 ولعله بعد تسع مائة وتسع وتسعين وأنه لم يمكث في الملك إلا مدة شهرين وفي قول آخر: أن مظفر بن سليمان هو الذي تولى الملك بعد فلاح بن محسن، وهو الذي بقي في الملك شهرين فقط، وفي تحفة الأعيان: توفي سلطان بن محسن ليلة لاثنتي عشرة ليلة (3/146)
صفحة 699
بقيت من ربيع الآخر سنة 973، وترك ثلاثة أولاد وهم طهماس وسلطان ومظفر.
وكان المظفر هو المتقدم عليهم في الملك إلى أن مات وترك ولده سليمان صغيرا لا يقدر على القيام بأعباء الملك، وكان عم أبيه فلاح بن محسن مالكا حصن مقنيات، فلما علم بموت مظفر جاء إلى بهلى وأقام مكانه.
قال الأمام: ويقال إنه عدل في ملكه وكانت مدة ملكه عشر سنين ثم مات وملك بعده سليمان بن مظفر الذي سبق الكلام عليه، وهو ابن اثنتي عشرة سنة واستولى على الأمر في عمان ونواحيها، ولأخذ خراج أهلها من الطائع والداني والقاضي. قال: وحاربه أهل نزوى وكان معهم جبري يقال له محمد بن جيفر، وعنده جيش عظيم فتآمر عليه النبهانيون والتفوا عليه من جميع النواحي فقضوا عليه. (3/147)
صفحة 700
عرار بن فلاح
بعد موت فلاح تولى الملك ولده عرار بن محسن، وكلن على وتيرة أبيه فلاح في الأخلاق والأعمال والكرم العربي وخصال الملوك، ولم تكن في أيامه حروب بعمان مما يذكره التاريخ، وكان ممدوحا من ألسنة الشعراء على اختلاف أحوالهم، وكان عرار ملكا له في الملك صوت عال في الأفق العماني، ولموسى بن حسين شاعرهم فيه مدائح طويلة عريضة تدل إن دلت على شيء فعلى الكرم وحب الثناء ومن أراد أن يعرف مقامه فليلتمسه من شعره شاعره.
قال ابن رزيق: مضى على طريقة أبيه في الكرم وحسن الخلق، وكان عرار المذكور أحد أركان الحرب عندما دخل محمد بن جيفر الجبري نزوى، فقام عليه سليمان بن المظفر، وعرار بن فلاح، وناصر ابن قطن حتى قتل محمد بن جيفر في الواقعة، وعقب محمد بن جيفر ولدا اسمه محمد بن محمد بن جيفر وأمه بنت عمير بن عامر، فتزوجها سليمان ابن المظفر وشغف بها، فكان يركن إليها ببادية الشمال شتاء ويتولى أمر بهلى عرار بن فلاح، ويقال هو الذي بنى الركن الشرقي من حصن بهلى وزخرفه ونظمه، وكان يعرف بحصن عرار بن فلاح، وكان ملك الظاهرة ولمخزوم ملك ينقل، وكل واحد من هؤلاء يروم الاستبداد دون أبيه وأخيه أن لو ساعدته الأقدار، فهم أبناء عم أقارب، وهم من ناحية الملك أباعد وأجانب، إذا كل واحد يرى أنه الأحق بالملك من غيره كما قالت بنو إسرائيل، لما قيل لهم: (نَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) 35، فهذه الأحقية لا تزال ضاربة أطنابها وواضعة دعائمها في أدمغة الإنسانية، وأين هم من نفس تحييها خير لك من إمارة لا تحصيها. (3/148)
صفحة 701
العجم يهاجمون صحار
في هذه الأثناء كانت صحار بيد مهنا بن محمد الهديفي، والعجم بجلفار فتحركت العجم لاحتلال صحار من مهنا بن محمد المذكور، فلما علم مهنا بن محمد عما يرومه العجم، استجاش سليمان مظفر، فلباه سليمان بجيش جرار وعسكر ضخم، ونزل معه صحار فوصلت العجم بعدها وعديدها على طريق البحر، فنشبت الحرب بين الفريقين، وكانت حربا حامية آثارها العداء الخالد بين الطرفين، ودارت الدائرة على العجم فانهزموا شر هزيمة أرجعتهم إلى ورائهم، وتبين منهم في الحال عدم الحراك، فرجع سليمان بن مظفر إلى بهلى وهي عاصمة المذكور، ومعه بنو عمه وهم عشرة، وإخوته اثنان وهما نبهان ومخزوم، وأولاد فلاح كان المقدم عليهم عرار.
وباستقلال مخزوم بملك ينقل بقي عند سليمان بن مظفر من بني عمه حمير بن حافظ وأولاده الأربعة: وهم حافظ وسلطان وكهلان وهود، ومن بني عمه مهنا بن محمد بن حافظ، وعلي بن دهل بن محمد بن حافظ، وكان لسليمان المذكور همم غير هينة وله صولة جبروتية ممزوجة بالدم النبهاني. (3/149)
صفحة 702
سليمان بن مظفر وأعماله الغاشمة
كان سليمان كما قدمنا عنه جبارًا زاد في جبروته وعتوه انتصار في الحركات التي مرت، وكان له وزراء في القرية وفي إزكي وفي سمد الشأن، يديرون أعماله ويقومون بأوامره ولا يبالون بما يدخلون فيه من أعماله، نظرًا إلى دولته وكانت سمد الشأن للجهاضم من آل مالك بن فهم، وهم سكانها، وكان سليمان جائرًا عليهم ضاغطاً عليهم يعاملهم بالإهانة التي أوجبت خروجهم من بلادهم وتفرقهم في نواحي بلاد عمان ثلاثين سنة، وهم على هذا الحال لا يقدرون على الرجوع إلى وطنهم، وعلى ذلك يلتمسون المخرج من بليته، ويرمون القيام عليه وإخراجه منها، وعلى الأقل على القرار في بلدهم، وكان بنو هناءة من أنصار سليمان هم المقدمون معه، وهم يده اليمنى التي يتناول بها وبقية الناس يده اليسرى.
وكان يقود بني هناءة خلف بن أبي سعيد، وسيف بن محمد بن أبي سعيد، وكانا عنده قدوة أهل زمانهما فافترقوا فيما بينهما، بسبب شقاق وقع بين معن وبني النير، وكلاهما من آل مالك بن فهم، وسبب الافتراق امرأتان تخاصمتا على شيء يسير على الحشيش من مال بني النير، فتضاربتا ثم كانتا سبب الفتنة والافتراق، فانحاز بنو النير إلى بني هناءة، ورجع بنو شكيل وبنو معن إلى سليمان بن مظفر، فعند ذلك سار خلف بن أبي سعيد إلى داره دار سيت ومعه بنو عمه وكان سليمان بن مظفر في هذا العهد بالبادية الشمالية.
ولما علم سليمان بن مظفر أرسل إلى وزيره الذي في القرية، وهو محمد بن خنجر، أن قل لخلف يترك شأن القوم أي لا يتدخل في الأمر، فأبى وأظهر أنه يريد الإصلاح بين بني معن وبني النير، ولعله يريد أن يجمع شملهم ليكونوا عونا له، لأنهم من العنصر الهنائي، فأرسل محمد (3/150)
صفحة 703
ابن خنجر إلى سيده سليمان بن مظفر أن خلفا لم يقبل ما أمرت به ولم يكف عن التدخل فيما بين القوم، فأرسل سليمان إلى وزيره المذكور أن أفعل في أموال بني هناءة من القرية من كدم، وكانت أموال للشيخ خلف بن سعيد، فوقعت العداوة والبغضاء بين الشيخ خلف هذا وسليمان بن مظفر، وتعكر الصفو واغبر الأفق، فاشتد الشيخ خلف على تدمير أمواله، وأمر بني عمه على غزو بهلى، فغزوها فقتلوا منها ناسا، فكتب الوزير بذلك إلى السلطان سليمان بن مظفر وأعلمه عن الواقع ببهلى.
فلما بلغ سليمان ذلك انتقل من الشمال إلى بهلى، وأراد الصلح بينهم وبين بني هناءة فلم يقع فإن العداوة قد ضربت أطنابها بين الفريقين، وضرب الشيطان مخيمه، فيهما كل فريق همته لحرب الآخر، فجمع سليمان الجموع وهيأ جنده وعساكره لقتال بني هناءة، فلما تحقق الشيخ خلف الأمر أرسل إلى عمير بن حمير ملك سمائل وتوابعها يستنصره على سليمان بن مظفر، فسار عمير بن حمير ناصرًا للشيخ الهنائي حتى وصل غبرة بهلا، فالتقاه سليمان فوقعت الحرب ساعة واحدة بين الزعيمين، وبعدها رجع كل إلى عاصمته36 وكان الأمير عمير بن حمير ترك للشيخ خلف من قومه حامية في دار سيت خوف الهجوم من سليمان بن مظفر، وكان هذا الأمير موصوفا بأخلاقا حميدة، وبحب الخير أكثر من حبه للشر.
وفي هذه الآونة رأى الفرصة لإرجاع بني جهضم المتفرقين في بلدان عمان، المشتتين في النواحي ظلما وعدوانا بغير حق، فأرسل إليهم فجاءوه، وأرسل إلى سلطان الرستاق وهو مالك بن أبي العرب جد الإمام ناصر بن (3/151)
صفحة 704
مرشد، وكان ذا مكانة بين أمراء الوقت، ولعله لأجل الرستاق، فجاءه وبصحبته أبو الحسن علي بن قطن، ولما وصل سلطان للرستاق المذكور تفاهم هو والأمير عمير بن حمير في شأن الجهاضم، وما هم عليه من الذل والهوان الذي ألقاه عليهم سليمان بن مظفر وبعد ذلك خرجوا بهم غل سمد الشأن فأقروهم في بلادهم وأيدوهم وناصروهم وأمدوهم بالمال والرجال، وبنوا لهم مباني تحفظ كرامتهم من الامتهان وحلول الهوان.
وكان إذ العمانيون وحدهم في داخليتهم، وترك مهم الأمير عمير بن حمير بعض رجاله وما يحتاجون إليه من الطعام وآلت الحرب التي في وقتهم، ورجع الأمير إلى سمائل والسلطان غلى الرستاق. (3/152)
صفحة 705
الصراع بين عمير بن حمير النبهاني أمير سمائل
والسلطان سليمان بن مظفر
لما رأى سليمان بن مظفر، مالك بن أبي العرب قام عونا لعمير ابن حمير في إرجاع الجهاضم، الذين شرد بهم سليمان وأجلاهم عن أماكنهم، أضمر العداوة لمالك وللأمير عمير، واستمرت بين بني هناءة وسليمان بن مظفر، فقام الأمير والسلطان وتوجها إلى نزوى، ولعلهما يظهران إرادة الصلح بين الطرفين، فنزلا نزوى وسليمان بن مظفر في بهلى، ولما فرَّا في بهلى قام أهل محلة عينى من الرستاق، فأخرجوا وزير السلطان من عينى وأرغموه على الخروج منها، فأرسل إلى سليمان بن مظفر يطلب النصرة منه، فأعانه ببعض قومه، وقد سر سليمان بذلك، فأرسل عرار بن فلاح قائدًا لجيشه، فلما بلغ ذلك السلطان أشغل باله، فهم السلطان مالك بالعودة إلى الرستاق، وإذا بالأمير عمير يجاذبه ويرى تأخيره بأنه من صالحه، ولعلها سياسة منه.
وهتا استجاش بنو هناءة بعمير بن حمير وأشاروا عليه باحتلال بهلى له من سليمان بن مظفر فلبى دعوتهم، ولما قرب من بهلى، واستقر بنزوى فسار إليه الشيخ سيف بن محمد الهنائي من بلده دارسيت، إلى نزوى وجرى بينهما عتاب اقتضاه الحال، وأخيرا قال الأمير عمير لسيف بن محمد: خذ من الرجال ما شئت، وسار بهم إلى دارسيت، وبقى الأمير بنزوى ماذا يكون.
فلما بلغ خبرهم سليمان بن مظفر وأنهم ربما يحاولون القرية أوسيفم أو بهلى، فعند ذلك قام سليمان ورتب رجاله على الجهات الثلاث، وكان ذا حزم وعزم، وأقام له بناء على رأس فلج الجزيين حتى لا يتأمل عدوه تدميره، وكذلك قبض الخضرا وحارة الغاف وجامع بهلى (3/153)
صفحة 706
ومعهم حمير بن حافظ، وكان ابن عمه عرار إذ ذاك في الرستاق في نفس عينا منها، فسار سيف بن محمد من دار سيت إلى بهلى عندما رأى أن قرى سليمان بن مظفر تفرقت، وأنها بتفرقها يهون عليه صراعها، فدخل بهلى من الجانب الغربي حيث تسوروا السور، وتمكنوا من الدخول من غير أن يشعر بهم أحد، فهنا قسم سيف بن محمد جيشه ثلاثة أقسام: قسما على اليمين: وقسما على الشمال، وقسما على الوجه، وهي التي تواجه الجامع من البلاد، وأحكم إرصاده، ورتب مقابضه في الأماكن التي يرى لها النفوذ في البلد، وحاصر الجامع ومسد بني عمر، وجميع أبواب العقر، وما بقى لسليمان بن مظفر شيء من البلد إلا الحصن والخضرا، ودارت رحى الحرب بين الفريقين، فكان القتل مسلطا على قوم سليمان بن مظفر، فأخذ جانبا منهم بل قتل أعيانهم في تلك الليلة التي كان دخول سيف بن محمد فيها، وعلى صوته في البلاد، ونادى بالأمان في البلاد، وكان الكثير من أهل البلد لها يرون من ظلم سليمان بن مظفر.
ولما وصل الخبر إلى الأمير عمير بن حمير بنزوى، ركب بمن بقى معه ومعه الأمير سلطان بن محمد، والسلطان مالك بن أبي العرب، وعلي بن قطن وأهل نزوى، وسار الشيخ خلف بن أبي سعيد الهنائي من دار سيت بمن عنده أيضا من الرجال، نصرة لأصحابهم، وكان دخولهم ليلا، ونزل الأمير عمير بن حمير بحارة الغاف وكانت الخضرا في يد السلطان سليمان بن مظفر، وبها رجاله ومعهم علي بن ذهل، فأرسل إليهم الأمير عمير ليخرجوا بما عندهم من القوة، فأقبل علي ابن ذهل على قومه يحرضهم على القتال، فلم يرمهم التفاتا إلى ما يقول، وهموا بالخروج، وإذ ذاك بلغ الخبر عرار بن فلاح وهو في عينى من الرستاق، فنهض بمن معه ومن قدر عليه، ونزل القرية وكانت إذ ذاك في أيديهم. (3/154)
صفحة 707
وكان الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد قد سيطروا على بهلى ونواحيها إلا الحصن، وهم يحيطون به من كل الجهات، وقد أحكموا رصدهم حتى إنهم وضعوا في شجرة الصبار التي في السوق برجا من خشب، ورموا منه رجالا في الحصن فقضوا عليهم، وكذلك قوم الأمير بنوا برجاً بالجامع فضرب صاحب البرج رجلا في داخل الحصن، ثم زحف القوم على الحصن فقشعوا جانبا من سور الحصن، ليدخلوا منه على الحصن فصدهم عسكر سليمان بن مظفر، ثم إن العسكر رأوا سلامتهم في الخروج فخرجوا بعد ثلاثة عشر يوما، وطلبوا من الأمير عمير ين حمير أن يسيرهم بما عندهم، وسير معهم وزيره، ثم طلع سليمان مظفر وبنو عمه وعسكره مسيرين من بهلى إلى القرية، وذلك أنه رأى الخلل في قومه، وأيقن بالغلبة، فلما نزلوا القرية خرج هو وعرار بن فلاح إلى الظاهرة، فعند ذلك أمر الأمير عمير بن حمير بقشع الحصن فقشع، ولم يتركوا منه جدارا قائما على الأرض، وإذ ذاك جعل عمير خلف ابن أبي سعيد والياً على بهلى من طرفه، ورجع هو من سمائل فبقى خلف ابن أبي سعيد في بهلى أربعة أشهر ليلة ربيع الأول سنة 1019 تسع عشرة وألف سنة.
لم يشعر خلف بن أبي سعيد إلا وسليمان بن مظفر وابن عمه عرار ومن معهم يدخلون الخضرا وهم في العقر، وكان سيف بن محمد وهو ومن معه كمن أعيان الرجال في السر من الظاهرة، فأرسل سليمان بن مظفر لخلف بن أبي سعيد ليخرج من بهلى، ويسيره بما عنده من عدة، فعند ذلك استشعر العجز، ورأى أنه خارج راض أوكاره، فعول على الخروج بأمان من سليمان، وخرج معه من شاء الله من أهل البلد الذين تظاهروا بالعداء لسليمان، ولما علم سيف بن محمد وعلم الأمير عمير ابن حمير جاءا واحد منهما بما معه من قوة، فأما الأمير عمير حالا هاجم القرية فاحتلها وسلمها لسيف بن محمد، ورجع هو إلى نزوى وبقى بها أياما يفكر في الأحوال التي هم بصددها. (3/155)
صفحة 708
وبعد أيام نوفى سليمان بم مظفر. وكان له ولد صغير السن، فملك من بعد عرار بن فلاح، ثم قام سيف بن محمد غلى نزوى يطلب المعونة من الأمير عمير بن حمير، فلبى طلبه وأعطاه رجالا من جيشه، فدخل بهم القرية وبقى فيها سبعة أيام، وبعدها هاجم بهم محلة أبي مان من بهلى ويسمونها الآن محلة بيمان، وهناك أحاط بهم عرار بن فلاح وحصرهم مدة أيام، ثم طلبوا منه الأمان وأن يسيرهم بما عندهم من المتاع وآلة الحرب، وبقى له حصن في القرية، وكان ذلك في السادس من صفر1024 ... للهجرة، وتمام هذه السنة توفى عرار بن فلاح في خصوص الحادي عشر من شهر الحج من نفس السنة، وملك من بعده مظفر بن سليمان، وبقى في الملك مدة شهرين فقط، وتولى الأمر بعده مخزوم بن فلاح، وبقى في الملك شهرين فقط أيضا فخرج عليه نبهان وسيف ابن محمد الهنائي فأخرجاه من الحصن على شرط لا يخرج من الحصن بسلاح ونحوه، فرأى لابد له من ذلك أي من امتثال الأمر، فخرج مرغما إلى ينقل، فتولى أمرها مدة أيام وأقام ببهلى نبهان بن فلاح، واستوزر فيها ابن عمه علي بن ذهل، ثم أخرجه وجعل بدله سيف بن محمد، وراح هو إلى عاصمته مقنيات، ثم طرد ابن عمه من بهلى وهو سلطان ابن حمير، وذلك لأنه خاف عليها، فراح سلطان بن حمير غلى صحار، وتولى أمر بهلى سيف بن محمد.
ثم ثار الأمير عمير بن حمير على بهلى فمنعه سيف بن محمد فرجع إلى نزوى، وكانت نزوى تحت سلطته طيلة هذه المدة، وهو يرتب أمور الهجوم على بهلى، وكان رجلا ذا تدبير وسياسة وله عقل غير هين، ولما رأى الفرصة مواتية دخل العقر من بهلى ولم يعلم به أحد إلا وهو متمركز فيها، وكان سيف بن محمد في بلده دارسيت، فهجم على بهلى ودخل الحصن، لأن الحصن فيه قومه وبيدهم أمره، وهنا أرسل إلى نبهان بن فلاح يطلب إلى بهلى، وأنها لا تزال بيده فظل نبهان يجند الجنود قصداً غلى بهلى، وأخذ في الاستعداد لأن عمير بن حمير أحكم (3/156)
صفحة 709
مقابض البلد، فأنى له الدخول على هذا الحال، وبقى سيف بن محمد في الحصن، وعمير في البلد ولم ير نبهان بن فلاح الدخول على هذا الحال، فرأى الخروج من حصن بهلى فطلب من الأمير عمير بن حمير أن يسيره إلى القرية، فأنعم له بذلك هو ومن معه، وبما معه أيضًا من عدة، ثم تراجع الأمير عمير بن حمير وسيف بن محمد على حسن الصحبة والمعونة والمناصرة.
والناس ... من ... يلق ... خيرا ... قائلون ... له
ما ... يشتهي ... ولأم ... المخطئ ... الهبل
فرأى لابد له من ذلك أي من امتثال الأمر، فخرج مرغما إلى ينقل، فتولى أمرها مدة وأقام ببهلى نبهان بن فلاح، واستوزر فيها ابن عمه علي بن ذهل، ثم أخرجه وجعل بدله سيف بن محمد، وراح هو إلى عاصمته مقنيات، ثم طرد ابن عمه من بهلى وهو سلطان بن حمير، وذلك لأنه خافه عليها: فراح سلطان بن حمير إلى صحار، وتولى أمر بهلى سيف بن محمد. (3/157)
صفحة 710
التهارش بين أبناء العم من النباهنة
كان سلطان بن حمير، ومهنا بن محمد بن حافظ، وعلي بن ذهل بن محمد بن حافظ مسكنهم صحار بالقرب من محمد بن مهنا الهديفي حاكم صحار إذ ذاك، ولعلهم وهم بالقرب منه يحاولون فيه ما يحاولون في إخوانهم، وكان الهديفي المذكور دواعي وبصيرة في أمره، وذا حزم على ما في يده، وكان الرجل يحاول الإصلاح بينهم، وابن عمهم نبهان ابن فلاح، فتكون له عليهم يد بذلك ويستريح أيضا من عنائهم، إذ هم معه بصفة لاجئين، وكان عمهم المذكور في مقنيات وهي إذ ذاك جديدة تختال في صباها عروسا رائعة، وكان مخزوم بالقرب من نبهان بن فلاح، إذ كان بينقل وهي أخت مقنيات، وكلاهما فتنة المغتر، فحاول الهديفي الصلح بين المذكورين، ولم يتفق وأين الاتفاق وكل ولحد يدعي في نفسه أنه الملك، وكل واحد يخشى الآخر.
وفي هذه الأثناء أشيع أن سلطان بن حمير وعلي بن ذهل يرومان بهلى، وقد خرجا بجيش ضخم وخميس جرار، ولما بلغ هذا الخبر الأمير عمير بن حمير، أهمه فتحرك له وجمع جموعه وخرج بعسكره من سمائل يروم بهلى قبل أن ينزل بها سلطان بن حمير وعلي بن ذهل، وواصل سيره حتى جاء بهلى، وكان سلطان بن حمير قد دخل حارة بني صلت، وكانت لها إذ ذلك أهمية، ولما وصل عمير بن حمير وتلاه مناصراً له سيف بن محمد الذي كان واليا لبهلى من طرفه، فدارت رحى الحرب بين الطرفين، ووقع القتال، واستمر الحال على ذلك، وكل يحاول النصر له، وكانوا أحاطوا الحارة المعروفة بمراصد مهمة ومقابض حصينة، عند ذلك رأى عمير بن حمير أن الأمر أصبح ليس بهين، ولذلك أرسل إلى من يأمل مناصرته، وعند ذلك أيضا لبى دعوته الزعماء الميامين وهم الشيخ ماجد بن ربيعة بن أحمد بن إسماعيل الكندي بجماعته من سمد نزوى، والشيخ عمر بن سليمان العفيف من سفالة نزوى، والشيخ (3/158)
صفحة 711
سعيد بن أحمد بن أبي سعيد الناعبي مع رجال من أهل نزوى من أهل الحل والعقد فيها.
وجاءه أيضًا ناس من أهل منح، ولما تكالموا ببهلى أحاطوا بسلطان ابن حمير في حارة بني صلت، وطبقوا الحصار عليها، والقاعدة كما قيل كل محصور مغلوب عادة، ولما ضاق الخناق بسلطان بن حمير، ورأى أن لا حيلة له على زحزحة هذا الحصار إلا بالإذعان والتخلي طلب من الأمير عمير بن حمير التسيار والخروج أي الإذعان له والإذن بالخروج من بهلى بعد ما اشتد عليه الحصار ولا يدخل عليه داخل، ولا يخرج من تلك الحارة خارج وتحقق الغلبة، فسيره الأمير عمير بن حمير بما عنده عدة وما لديه من قوة، فتوجه إلى الظاهرة واجتمع سلطان المذكور، وأخوه كهلان، وعلي بن ذهل، ومهنا بن محمد بن حافظ، بمقنيات مدة حتى خاف منهم نبهان حاكم البلاد، وأوجس منهم أن يخرجوه من مقنيات، فاحتال على إخراجهم منها قبل أن يخرجوه، فمضوا إلى صحار لاجئين مع محمد بن مهنا الهديفي، وظلوا معه سنة كاملة، وإذ ذاك عمل سلطان بن حمير حركة يشتغل بها في حال قيامه بصحار عند الهديفي المذكور، فأشار للهديفي أن يغزو دير عمير بن حمير في باطنة السيب، لأن عميراً المذكور أصبح سلطانا هاما في قلب عمان، ينقض ويبرم ويحل ويعقد، ويجر الجيوش، وأصبح مقبولا في السواد الأعظم.
وكان بالدير الخاص عمير بن حمير أبناء عمه وهم سنان بن سلطان، وعلي بن حمير، وسعيد بن حمير، فأثر ذلك علي الهديفي فثار، ولعله احتال عليه بأن عمير بن حمير لا بد أن يثور عليك بوجودنا معك، ويخرجنا نحن وإياك من صحار، والأولى أن نبدأه قبل أن يبتدئ بنا وهو يريد أن يتذرع بالهديفي، لأن الحركة تحتاج غلى مال ولا مال لسلطان، فركب الهديفي محمد بن مهنا ومعه سلطان في جيش كثيف من (3/159)
صفحة 712
صحار، فسبقهما الخبر إلى الأمراء سلطان بن حمير، وعلي بن حمير وأخيه سعيد بن حمير، وتحققوا خروج الهديفي وربعه من صحار، قادمين لغزوهم وما كان إلا قدر ما يخلع الرجل نعليه أو يغسل الرجل رجليه وإذا بالقوم هاجمون عليهم، فالتفت العساكر وسلت البواتر، فوقع القتال بأسرع حال، وعظم النزال حتى بلغت لقلوب الحناجر، فانكشفت الوقعة عن قتلى عديدة من بينهم الأمير علي بن حمير.
وعند ذلك انفصل القتال ورجع محمد بن مهنا ومن معه مسرعين إلى صحار خوفا من مهاجمة الأمير عمير بن حمير، إذ هو قريب منهم بسمائل، ولما علم عما جرى على إخوته وبني عمه بالسيب من محمد بن مهنا الهديفي ومن معه وكان إذ ذاك وهو في بهلى عقد عقيدة الحزم، وامتلأ غيظًا وحنقا على الواقع، وكان الرجل ذا همة عالية ونفس سامية، يقال إنه حلف لا يرجع عن صحار حتى يحصدهم بالسيف، ويحرقهم بالنار ويبدد شملهم في كل دار، فأخذ في جمع العساكر من عمان من حيث تصل دعوته، وطلب ممن رجا نصرته من كل مكان، وأرسل إلى سلطان هرموز يطلب نصرته فساق إليه جيشاً أرعن حمله في المراكب محملا بالعدة الكافية من المال والرجال وآلة الحرب.
وشاءت الأقدار أن تلقي إلى الأمير عمير ما أراد وما لم يرد إذ جاء مركب من الهند بعسكر كثير وقوة حربية ساقته الريح إلى مسقط37 وكانت مسقط للأمير عمير بن حمير، ولعله جاء بطلب منه من حكومة الهند إذ ذاك وهو المتبادر، فإن البرتغال إذا ذاك ضربوا على الهند بيد من حديد، ويحاولون التدخل في الخليج، وأن هذه البادرة سوف تمهد لهم فيه طريقًا يبسا لا عوج فيه ولا أمتاً. (3/160)
صفحة 713
ولا شك أن الطالب لهذه النصرة منهم هو الأمير عمير، ولما وصل هذا المركب اهتز الأمير وتحركت نفسه ناشطة، وما يدري أن عاقبة ذلك وضع اليد على صحار وغيرها بقوة لا يقدر على زعزعتها يوما ما، وهذه أول بادرة كانت يد الاستعمار تمتد بها بعمان إلى ما سيأتي خبره، وما صار إليه الأمر ولو صبر هذا الأمير على عدوان قومه، ولم يدخل الاستعماريين في بلاد المسلمين لكان أولى، ولكن أنفس الزعماء الذين لا يهمهم أمر الدين، بل يهمهم فقط أمر الدنيا ويرغبون في الاستعلاء، على المعادي ولو بذهاب الحياة كلها، خرج هذا الأمير بجيشه المشار إليه، وعسكر بالسيب سبعة أيام يرتب الحركة القاضية، وعند ذلك تحرك المتعصبون لمحمد بن مهنا الهديفي وفي أولهم محمد بن جيفر، خرج بجيش لمناصرة الهديفي في صحار، ولما وصلها استبشر به محمد بن مهنا وأدخله الحصن، ولما اجتمعا بالحصن جرى بينهما حديث في بعض الشئون، وانقلب الحب عداوة، والمناصرة شراً، والذي في قلوب الرجال لا يحيط به إلا الملك المتعال.
عند ذلك أمر محمد بن جيفر بالقبض على محمد بن مهنا وإذ ذاك ألقى بنفسه من سور الحصن إلى الخارج، وصاح على قومه الذين في الحصن وكان بعضهم في برج داخل الحصن، فوقع بينهم القتال ساعة من النهار خرج بعدها محمد بن جيفر وقومه من صحار، ولم يكن يتحقق الداعي لذلك من الجانبين، ولما وصل هذا الخبر إلى الأمير عمير بن حمير توجه إلى صحار بمن معه من الرجال وما لديه من القوة برية وحرية، وأتى صحار نهار تسعة عشر ربيع الآخر، وإذا بمحمد بن مهنا الهديفي وربعه على استعداد للقتال، فاستقامت الحرب على ساقها طيلة ذلك اليوم إلى الليل وبعد ذلك اليوم هبطت جنود النصارى البرتغالين من المراكب بما عندهم من آلة حربهم، وكانوا يجرون أمامهم قطع القطن (3/161)
صفحة 714
ليتقوا بها رصاص بنادق عدوهم، وكانت الأسلحة غيير ما هي عليه الآن، وكانت عند النصارى مدافع تمشي معهم على أعجال الخشب في البر، وعليها ما بقى من رصاص العدو.
وكان بالحصن برج فيه عسكر الهديفي فجزت عليه النصارى والمدافع وقطع القطن أمامهم ليقيهم رصاص عدوهم، وكان الرصاص يلتوي بالقطن فلم تكن للرصاص أهمية كبيرة، لأنه خلاف رصاص عهدنا، فإن رصاص هذا العهد حتى الجبال لا تقي منه ولا يقي منه الحديد، فضربت البرتغال البرج المذكور، فانهدم وخرج منه قابضوه، فدخله جيش البرتغال، وعند ذلك صاح صائح العرب على البرج المشار إليه، وتراكضوا عليه بالسلاح الأبيض وبما لديهم من قوة فانكشفت الوقعة عن قتل محمد بن مهنا الهديفي زعيم الحصن وحاكم صحار، ومعه علي بن ذهل وكانت الوقعة ليلا ولما علم الأمير عمير بن حمير بقتل المذكورين واحتلال النصارى قوى نشاطه وزاد اغتباطه واشتد الحرب. (3/162)
صفحة 715
صحار تتعرض للدمار
لا يخفى أن الجيش المنتصر لاسيما إذا كان جيش عدو بالطبع لا شك أنه يفعل ما يهوى ويقضي كما يشاء، بعد قتل الهديفي وقتل أعيان من حمايته وأنصاره منهم علي بن ذهل، وسقوط البرج في يد العدو، قام عن الهديفي سلطان بن حمير بن محمد بن حافظ النبهاني وأخوه كهلان بن حمير، وابن عمه مهنا بن محمد بن حافظ، وعسكرهم الباقون في الحصن.
ولما علم الأمير عمير بن حمير أن سيد القوم أي الهديفي قتل ندب قومه للقتال بكل الوسع، فكان القتال بينهم مستمراً في النخل وفي الطرق وفي الحوائر، حيئنذ خرج عمير بن حمير بمن معه من جهة جامع البلد، ولم يتعرض له أحد، وفي أثناء ذلك قتل سلطان بن حمير الذي قام بالحرب بعد الهديفي وانهزم قومه شر هزيمة، ولم يجدوا لهم عونا ولا مناصرة، بل أذلاء حيارى لا يدرون أين يتوجهون، وشأن المنهزم هذا.
قال الإمام: صاروا شتاتاً متفريقين، فمنهم من قتل ومن أحرق بالنار، ومنهم من أسر ومنهم من جرح، ومنهم من خرج ذاهبا على وجهه لا يدري أين يذهب و لا أين يتوجه، وعلى هذا جميع أهل البلد. قال: وأحرقت البلد بأجمعها من أولها إلى أخرها، قال: وأقام النصارى في حصن صحار، وهذا يدل أن الجيش استباح البلد، وأرى أهلها الهوان وشمت بهم من كان له علاقة بالهديفي وأصحابه، ومن لم تكن له علاقة (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) 38، بل شأن الفتنة شأن النار، وتمركز العدو في مركز المسلمين، واغتنمها فرصة ليضع مخططه الذي كان يحلم به في قهر البلاد.
وبحسب الواقع أن الأمير عمير بن حمير انتصر في هذه الوقعة (3/163)
صفحة 716
انتصار هائلا، ورجع إلى بلده سمائل جذلا مسرورا، والحقيقة ليس هو نصر ما دام العدو يتمركز في العاصمة لهامة صحار مركز سلاطين عمان، وبعدها سنوالي بقية المراكز، ولكن الآن المنتصر الأمير، وفي هذه الآونة أصبح هو الذي له في عمان الحول والطول، وعاث النصارى في صحار، ودمروا المنازل وقضوا على أهلها بالذل والهوان، وأصبح ذلك المعهد مقام حزن وعويل على من قتل من الرجال، وأحرق من الأبطال ومن ذهب على وجهه هارباً، وإنها لمن البلاد الفادحة، ولكن المقدر لابد من كونه والله يتولى من عباده الصالحين. (3/164)
صفحة 717
البرتغال يواصلون عملهم
لما قر البرتغال بحصن صحار، وتولوا أمر البلد، ورأوا أنهم أهل الحل والعقد، وأن عمان الداخلية مملوءة خلافًا وشقاقًا وافتراقًا وتحزبًا وحنانات اغتنموها فرصة فلعبوا دورهم، والفرص إذا لاحت يغتنمها الرجل الذمر، فتولوا أيضا بعد صحار مسقط، وإن كانت لا أهمية لها إذ ذاك بالنسبة إلى صحار، ولكنهم رأوها الحصن الحصين، لما يحاولون ثم مشوا بعدها غلى جلفار فتولوها، وضربوا بأيديهم على الباب الشرقي لعمان وهو صور فتولوها، ثم أناخوا بقريات فاحتلوها، وأصبح الساحل العماني بأسره في أيديهم، وأصبحت أبواب عمان التي عليها المعول تحت سيطرتهم يفتحون ويغلقون ولا منافس لهم من أهل عمان.
ومن هناك أيدوا مسقط لحصانتها وإحاطة الجبال بها، فتولوا القسم الداخلي من أهله برغم أنوفهم، فأحاطوه بسور لا يزال باقيًا إلى الآن، وبنوا الحصنين الكبيرين على جبالها، والثالث القلعة على سور الخندق، وحفروا الخندق وأدخلوا فيه البحر، وطردوا الأهالي منها إلا ما كان لا يعبأ به خارج السور، وحصنوها تحصينا كاملاً وتمركزوا فيها، وجعلوا لها قوات هائلة، ووضعوا فيها تجارة هامة، وعشوا فيها وأهل عمان في الداخل.
وعلى أثر خروج الأمير عمير بن حمير من صحار، كان مخزوم أميرا على حصن ينقل، وكان سيئ السيرة في الأهالي، وكان قبض على رجلين منهم فأراد قتل أحداهما، وأمر خادمة ليقتل المذكور، فأخذ السيف ليضربه وهو يستجير، وكان من القضاء الذي لابد منه أن وضع مخزوم يده علة فم الرجل عند الضربة الثالثة، والخادم يرسل السيف عليه، فأصاب السيف يد مخزوم على فم الرجل فجرح مخزوما جرحاً (3/165)
صفحة 718
مات منه بعد سبعة أيام والله هو الضارب عزوجل، والرجل المقصود بالضرب عاش بعد ذلك، إذ مر عليه العبد الضارب لليسحبه معتقداً أنه ميت، ورجل آخر هناك، ولما تركه الخادم قال للرجل الآخر: ألا من يعينني على دفن هذا المقتول، فقال له أنا حي، فحمله على كتفه وأدخله البلد، فعالجه حتى صحا من ذلك، وعاش باقي أجله.
ولما علم نبهان بموت أخيه ركب من مقنيات إلى ينقل، وترك بعض عسكره في حصن مقنيات للحفاظ عليه، وكانوا قد ملوه من كثرة جوره وظلمه وفساده وبغيه، وتآمروا على إخراجه من مقنيات، فأرسلوا إلى الأمير عمير بن حمير، وسيف بن محمد إذ هما المنظوران بعمان وإليهما أمر الخوف والأمان، فقاما معا ملبين لدعوة المنتصر بهما، وراغبان في الملك، وخرجا بقومهما إلى مقنيات ودخلا الحصن، ولم يعارضهما معارض ولا رأوا من أحد خلافاً، وبقيا بها مدة يمهدان أمورها، ويضعان خططهما عليها، ثم توجها إلى ينقل لقطع مادة الفساد التي طال ما سئم منها العباد، فلما علم نبهان بهما خاف منهما وخرج من البلد هارباً يترقب، ولحق بأخواله الرئاسة طلبا لنصرتهم، أو قل على الأقل لحمايتهم من الأمير عمير بن حمير ومن معه، وذلك لاثنتي عشرة من شهر صفر 1026 ست وعشرين سنة وألف سنة.
وأقام الأمير المذكور ووزيره سيف بن محمد بينقل مدة ولم يريا حركة من أحد، وإذ ذاك سلم الأمير عمير البلاد لأهلها، فكانت له بذلك المنة الكبرى وزاد الناس في حبه ورجع هو إلى مقنيات وأرسل إلى أهل البلد فسألهم عن أعمال نبهان المذكور فيها ومعاملته لأهلها، وأجابوه بأنه كان يأخذ نصف غلة النخل، وربع غلة الزرع.
قلت: ولعله يعتبرها بيت مال وهو الزعيم وإليه أمر بيت المال، فأسقط عنهم غلة النخل، واكتفى بربع غلة الزرع، وأما أموال (3/166)
صفحة 719
بيت المال فهي لمن يقوم بالحصن وشئونه، وجعل عمر بن أبي سعيد واليا عليها ورجع هو وسيف بن محمد إلى بهلى، وفي هذه الأثناء تحرك نبهان المذكور، واستجاش أخواله آل الريس، وجاء إلى الظاهرة ودخل فدى وأقام بها.
ثم جاءه بعض أصدقائه في ينقل، ولكل أمير أعوان ولكل أحد أخدان، وحركه فتحرك وأغراه فقام وواعده بالنصرة والمعونة على من يقوم عليه، فراح مع هذتا الواصل ودخل ينقل ليلة النصف من ربيع الآخر من نفس السنة المذكورة آنفا، وأحكم مقابض البلد وبذل قوته لحرسها وسورها بما استطاع أولها وآخرها إلا الحصن الذي هو قلبها، فإنه كان في يد الذين ولاهم إياه الأمير عمير بن حمير، وهم بنو علي وخصرهم نبهان واستقامت الحرب ونشب القتال بين الفريقين، وفي هذا الحال خرج رجل من حماة الحصن خفية، وذهب إلى ال قطن بن قطن وكان الأمير فيهم يومئذ ناصر بن ناصر، واستصرخهم لنصرة قومه المحصورين بحصن ينقل فلبوا دعوته وثار معه ركب منهم يقوده محمد بن محمد بن محمد بن جيفر، وعلي بن قطن بن قطن بن قطن بن على بن هلال، وناصر بن ناصر بن ناصر بن قطن بمن عندهم من الرجال الذين هم أبطال الرجال، وكانوا ببادية الشمال، ولما دخلوا ينقل قامت الحرب على ساقها بينهم وبين نبهان بن فلاح، واشتد الأمر إذ كان هؤلاء مهاجمين وأولئك قابضين البلد، ومتمركزين في حصنها، ودارك معارك حامية وطال لهبها وحميت نارها واشتد أوارها، حتى ارتفع العفاج واظلمت الفجاج ولا بد أن يكون النصر حليف طائفة.
عند ذلك رأى السلطان نبهان أن كفة القوم ترجح، وأن ميزان نبهان يخف، وأن نار العدو يعظم خطبها فانهزم جنده وأخذ القتل منهم جانبا كبيرا حتى ضجوا وأرسلوا إلى العدو المهاجم يطلبون الأمان للخروج، وانحل أمرهم إلى الدمار الساحق، وكان سيف بن محمد (3/167)
صفحة 720
الهنائي جاء بجيشه لقتال نبهان، فبلغه خبر خروجه من ينقل في الطريق، وأن الرجل قد انهار أمره وتمزق شمله، وانحلت عرى قوته، فرجع سيف بن محمد إلى بهلى.
وكان الأمير عمير في سمائل يجمع الجموع ويكتب الكتائب وينظم عدة حربه لإخراج نبهان بن فلاح من ينقل، ولما بلغه الواقع تهيأ لحرب بني لمك في الرستاق حيث اشتقوا هم والسلطان مالك بن أبي العرب اليعربي، وكان هذا السلطان هو والأمير عمير بن حمير كنفس واحدة، فخرج جيشه إلى الرستاق ودوخ بني لمك وقر قرار السلطان بالرستاق، وهذا السلطان هو جد الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله ورضي عنه كما سوف يأتي خبره إن شاء الله. (3/168)
صفحة 721
التفرق عنوان الوهن
هذا حال المملكة العمانية في هذه الأثناء تدور على مقنيات وينقل وبهلى ونزوى وسمائل وسمد الشأن والرستاق، وهنا موطن التهارش القتال والقلاقل والاضطراب، فصغرت المملكة العمانية حتى أصبحت أشبه بمشيخة قبائلية، تتهارش على هذه الفريسة حبا للرئاسة، ولو كانت غير كبيرة الشأن بعد ما كانت عمان تسيطر على النواحي النائية غلى حضرموت والبحر الأحمر، وإلى اليمامة وإلى البحرين كما علم ذلك مما مر، أصبح اسم السلطنة مقصوراً على هذه الرقعة التي هي قلب عمان، فإنه في هذه الأثناء صار ملك بهلى للشيخ سيف بن محمد الهنائي، وصار ملك سمائل إلى نزوى، وسمد الشأن إلى الأمير عمير بن حمير، وصار ملك الرستاق إلى السلطان مالك بن أبي العرب اليعربي، وصار ملك الظاهرة إلى آل هلال رهط الجبور، وصار الساحل العماني من صور إلى مسقط وصحار وجلفار إلى البرتغال، وهكذا اقتسم هؤلاء هذه المملكة السامية المنيعة، وتلاعبوا فيها حتى صح على حالها قول القائل:
وتفرقوا ... شيعًا ... فكل ... قبيلة
فيها ... أمير ... المؤمنين ... ومنبر
هذا ما أفضى إليه الحال العماني، فمتى ينجلي الكوكب الدري الذي يقضي بسعده الجامع، على نحس المفرق، الواقع ويجتمع الشمل ويلتئم الشعث، وتعود المياه في مجاريها، انظر هذه الأحوال فصوت الحق فيها خافت، وراية العدل فيها مطوية، وأعلام الشر على الرؤوس لا تزال منشورة، وأوجه العلماء غير مرئية، ومصابيح الشريعة لا تعرف، إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الإمام رحمه الله: وخربت عمان وعاشت فيها الجبابرة، وقل فيها العلم، وذهب منها الخير، وارتفعت منها البركات، وانضمت (3/169)
صفحة 722
العلماء في بيوتها، ولازمت سربها، كما أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: (فإذا رأيتم هوى متبعاً أو شحاً مطاعًا وإعجاب كل رأى برأيه فالزم حلساً من أحلاس بيتك).
أفضى الحال بأهل عمان في هذا الجيل المتهارش أن أمير وبل من أعمال الرستاق من اليعاربة، ولعله من طرف السلطان مالك بن أبي العرب، احتاج إلى قاضِ فلم يجد قاضيًا من أهل المذهب الحق، فاتخذ قاضيًا من أهل الخلاف، فكاد أن يضل الناس ويزلهم عم مذهبهم، وإذا ذاك قام بعض أهل الغيرة من أهل العلم فنصحوه وبينوا له مغبة الحال، وما يئول إليه الأمر، فاستجاب ذلك الأمير لهم، فعزل القاضي المشار إليه، وأرسلوا له رجلا من أهل المذهب، فأخذ العلم عنه جملة من أهل الرستاق، وإذ ذاك لاح للأمة وميض ضياء كان له بعد ذلك أثرا أضاء البلاد، وأحيا أرواح العباد، وشع له بالطرف الرستاقي نورًا امتد بسلطان الله عزوجل، وقد تعهد الله عزوعلا أن يبعث للأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، ويحفظ لها كرامتها، ويعيد إليها نبراس حياتها.
وكل هذه الأحوال التي نكتب عنها تحتوي على حكم إلهية، وتمتاز فيها أعلاء بفضائل، وتهوي بها رجال إلى الحضيض الأسفل، والله ولي التوفيق.
في هذا العهد قامت حوادث بعمان أشبه بإرهاصات النبوة، وشهرت أحوال ذكرها المؤرخون إن دلت على شيء فإنما تدل على إشعاع سماوي يتجلى على ربوع عمان المظلمة بغيوم الفتن التي مرت، وبظلام الشرور (3/170)
صفحة 723
التي طال ما أرخت سدولها على هذا الأفق العزيز، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ونرى أن نعرض عن ذكر ما حكى التاريخ، ونذهب إلى الأهم والله نسأله العون والرضا إنه كريم منان.
هنا انتهى الدور الذي لعبه بنو نبهان بعمان طيلة تلك المدة النائية التي ما زالت مغطاة بغبار المظالم، ومشحونة بالحوادث السيئة التي تباعدت عن مقتضيات الشرع الشريف، وأخذت جانباً قصياً عن معالم الحق. (3/171)
صفحة 724
مقدمة العهد اليعربي بعمان
عهد اليعاربة بعمان يشكل عهدًا جديدًا للأمة العمانية، حيث كانت المملكة العمانية انحطت إلى الحضيض الأسفل، وتأخرت تأخرًا محسوسًا، وأصبحت كمشيخة غير كبيرة الشأن وإن انتفخت زعماؤها في هذه الآونة المعلنة بانتقال الدولة إلى اليعاربة، وادعوا أنهم ملوك أو سلاطين، والحال هم إذ ذاك كما يقول القائل:
وتفرقوا ... شيعًا ... فكل ... قبيلة
فيها ... أمير ... المؤمنين ... ومنبر
ذلك لأن المملكة أصبحت نهباً مقسمًا واقتصرت على ما يحدث بصحار في الساحل الشمالي، وبجعلان في الجانب الشرقي الجنوبي، وهذه الرقعة أشبه ما ترى العين من دائرة القمر، وإن كان إذ ذاك لا أهمية لدبي ولا روح لأبوظبي، ولكن كانت عمان إلى الحسا وأليمة وحضرموت وما إليها عدا الممالك الأخرى التابعة لها، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رفع الله شيئا إلا وضعه// وقد حكم الله عز وجل على أيام الدنيا بالتداول، فبينما ترى قوما في الأوج العالي والمحل الأرفع، وهم في نمو زائد مالا ورجالا وذرية وعيالا بحيث يصبحون والحال فيهم كما يقول القائل:
من ... تلق ... منهم ... تقل ... لاقيت ... سيدهم
مثل ... النجوم ... التي ... يسري ... بها ... الساري
وبعد حين ترى الديار بلاقع كما قيل أيضا:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر (3/172)
صفحة 725
ولما أراد الله أن تستعيد عمان مجدها السالف، ويعود إليها عزها أقام لها الدولة اليعربية، فقام مجدها، وعاد شرفها، كما سوف يقف عليه القارئ إن شاء الله.
قال شكيب أرسلان في تعليقه على عمان بعدما ذكر ما قبل اليعاربة قال: «ولم يتأثل الملك» وترسخ قواعده إلا في ايام ناصر بن مرشد، وناصر المذكور هو الدعامة الكبرى في بناء الدولة اليعربية، والحجر الثقيل في أساسها الذي تقوم عليه، وفي كلام بعضهم: أدرك الله الأمة بالدولة اليعربية، فجاء الإمام ناصر وجمع شملها وداوى جراحها وأصلح شأنها، وزالت بسببها النزوانية والرستاقية، وأصبحت ذات أسطول عالمي هزم البرتغال، وطهر الخليج من الجنوب إلى الشمال، وأعاد لعمان الشرف الباذخ والمجد الشامخ أهـ.
قال شكيب وهو يصف الإمام ناصر: كان من نبعة عربية صحيحة، ومن أقد الأرومات الإباضية، قال: ولما استلم ناصر الزمام كانت بعض المدن المحصنة في الداخل بأيدي زعماء يلقبون أنفسهم ملوكاً، وكانت مدن أخرى يحكم فيها مجالس شيوخ من أهلها، ولم يكن بقى من الثغور البحرية بأيدي الأهالي سوى فرضة (لاوة) يعني لوى، وكان إذ ذاك قد أستأسد البرتغال، وظهروا على بلاد الشرق، ثم ذكر البوقرق إلى أن قال: ومن جملة مغازيه سواحل عمان التي كان البرتغاليون فتحوا قسماً منها أي من مراسيها.
أما المدن البحرية التي كان فيها حاميات برتغالية عظيمة فكانت مسقط وصحار والمطرح، وقريات، قال: فسار ناصر بن مرشد أولا إلى لاوة، أي لوى فاستعان أهلها بالبرتغال، فأمدوهم بالمال والسلاح، ولكن ناصرا تغلب عليهم وفتح البلدة، ثم هاجم أنفس البرتغاليين في (3/173)
صفحة 726
المدن التي كانوا فيها فانتزعها منهم وبقيت حاميتهم ممتنعة بقلاعها ليس لها أيد تمتد غلى البلاد، ثم طرد البرتغاليين من رأس الخيمة، وكان البرتغاليون قد اضطروا أخيراً لأجل الاستقرار في قلعة مسقط أن يؤدوا للإمام نااصر جزية، فبعد أن أدوها مدة امتنعوا من أدائها، فزحف عليهم ودارت رحى الحرب بينهم، وانتهت بصلح ثقيل الشروط على البرتغاليين، إذ انتزع من ايديهم عدة حصون في المطررح والقلاع الخارجية في مسقط، وأجبرهم على عدم التعرض لحرية التجارة وعلى أداء الجزسة، ثم افتح ناصر مدينتي صور وقريات، وطرد الأجانب منها، وبالاختتصار فإنه منذ بداية ملكه وضع نصب عينه تطهير البلاد من المعرة الأجنبية، وفهم في ذلك الوقت ما لم يفهمه كثيرون من ملوك الشرق وأمراء الإسلام، من كون الأجنبي الأوربي إذا نشب براثنه في محل لم ينته منه إلا باستخلاص جميع البلالاد، واستعباد من فيها من العباد، وأن الأولى بالعاقل وتوقي هذا المرض قبل أن ينشب، والمبادرة إلى اقتلاعه بكل الوسائل قبل أن يستفحل.
قال: وجرت ثورات في زمان ناصر فأطفأ ثائرها بحزمه وحكمته، قال: وقد أكمل عملا عظيما، وبنى مملكة عمان على بوانيها، وحررها من السلة الأجنبية إلى أن قال: وكان حازما جادا شائحا في الأمور، فاضلا تقيا، أحبه الأهالي إلخ.
وبحق أقول: إن الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله، أعاد سيرة السلف الصالح في عمان، وجدد من المعالم ما أبتله أيدي الزمان، وأعاد السيرة النبوية متوجة بتاج الإيمان، فهو الذي أعاد المجد الذي كان لعمان أيام الجلندى بن مسعود، وسعيد بن عبدالله الرحيلي، ووضع حجر الإيمان الصحيح رغم أهل الطغيان فكأن عمان بعهد ناصر بن مرشد، إنما ولدت في عهده، وأقام مجدها بعزمه وجهده، فهو رحمه الله أمة واحدة. (3/174)
صفحة 727
مشاهير دولة الإمام ناصر بن مرشد
لقد قيض الله للإمام ناصر بن مرشد رجالا قاموا بأمور دولته، وكانوا له أياد قوية، وسهاما حادة، وسيوفا ماضية، عاركوا البغاة، وقاتلوا الطغاة، وصارعوا العتاة، ودوخوا أهل الباطل، وأسسوا دولة ضخمة بعمان امتد لها بعد ذلك صوت عال في بلاد العرب، كما سوف يراه القارئ في هذا التاريخ، ولكل دولة رجال، ولكل رجال أعمال.
كان يضرب المثل بالإمام ناصر في الزهد والورع والعبادة، وكان رجاله كذلك، وإذا أراد الله أمرا هيأ له أسبابا، وأقام له دعائم، وسخر له من يقوم ببنائه، وكذلك إذا أراد هدم ذلك، ودولة الإمام ناصر قامت على أثر رسوخ الظلم والفوضى بعمان، وهي الفوضى التي خلفها بنو نبهان الذين لعبوا دورا طويلا بعمان.
ولا شك أن لكل أمة غراسا وغراس دولة الإمام ناصر العدل والفضل ونشر العلم، وحمل الناس على الصراط السوي الذي وضعه الله تعالى لعباده، وكلفهم سوكه، ويسر لهم المسير على جادته.
ومن رجال دولة الإمام ناصر بن مرشد المشاهير: الشيخ العلامة خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي، صاحب كتاب منهج الطالبين في الفقه، وهو كتاب من أمهات الكتب، يحتوي على عدة أجزاء.
ومنهم العلامة البطل: مسعود بن رمضان النبهاني، وهو سيف من سيوف الحق، قام بواجبه، وسيأتي ذكره في حروب الإمام رحمه الله.
ومن رجال الإمام ناصر بن مرشد المشاهير الشيخ خميس بن رويشد الضنكي، الذي ما زال يقود الجحافل لحرب بغاة الظاهرة. (3/175)
صفحة 728
ومن مشاهير رجال الإمام ناصر بن مرشد، محمد بن سيف الحوقاني، الذي قام بدور هام في أيام الإمام لإقامة معالم الإسلام في ربوع عمان.
ومن مشاهير دولة الإمام ناصر بن مرشد: محمد بن علي بن محمد كان بطلا مقداما لا يرهب ضوضاء السوء، ولقلقة أهل الباطل وستخبر عنه أحواله في دولة الإمام.
ومن أبطال دولة الإمام ناصر بن مرشد: العالم الهمام عبدالله بن محمد بن غسان الكندي النزوى، مؤلف خزانة الأخيار. ومنهم حافظ ابن جمعة الهنوي.
ومن مشاهيرهم: علي بن أحمد الذي قاد سرية جلفار كما سوف يأتي ذكره إن شاء الله.
ومن مشاهيرهم: محمد بن صلت الرامي، وعلي بن محمد العبري، وأحمد بن بلحسن البوشري.
ومن صناديدهم: سعيد بن خلفان القرشي، الذي أبل بلاء حسنا في دولة الإمام، ولم أدر من أي بطون قريش الذين بعمان هو هؤلاء الرجال الذين أقاموا دولة الإمام المؤيد ناصر بن مرشد رحمه الله، وإن كان معهم كثيرون من رجال عمان إلا أن المذكورين هم الرؤوس الذين قاموا بقيادة الجيوش في حروب الإمام رحمه الله لبغاة أهل عمان، وبهم قرت دعائم الإسلام بعمان، وكأن طورا جديدا قام بعمان حتى كأن لم تكن عمان أسلمت قبل ذلك، ومن جملة قواد جيوش الإمام ابن عمه سلطان بن سيف اليعربي، وأخرنا ذكره لأنه صار بعد ذلك الإمام الثاني من اليعاربة، وهو الذي فتح مدينة صور من البرتغال، الذين طوقوا ساحل عمان بالقهر، وهو الذي أجلاهم من مسقط في عهد غمامته، وطاردهم في السواحل الأخرى كما يأتي ذلك مفصلا في إمامته إن شاء الله. (3/176)
صفحة 729
الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله
لما كان لكل عمل رجال، وأن الأعمال الدينية يلزم أن ينتقي لها الرجال الدينيون، والذين تطمئن بهم النفوس لحمل الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن تحملها وأشفقن منها وحملها الإنسان، فهذا الإنسان يجب أن تكون فيه أهلية صالحة لحمل الأمانة، أهلية تقوى، أهلية غيره لله على حرمه، أهلية تدعو إلى العمل الصالح، أهلية لا ترى لمن خالف دين الله حقا يجب احترامه حتى يعود إلى الصراط المستقيم، والمنهج القويم.
فبعدما تمزق ملك عمان بتلاعب الظلمة وأعمدة الفساد، وأهل البغي والعناد وانحطت الزعامة العماني الكبرى إلى الحضيض، واقتحم لاقتناص صيدها كل من لم يكن من أهلها لأمر أراده الله بأهل الظلم والفساد، وكان الله عزوجل بفضله وبرحمته تعهد أن يعيد للأمة دينها على رأس كل مائة سنة، لإقامة عليها وإيضاح المحجة لها، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، في هذه الثناء وما علم من انتقاص الأرض من أطرافها بقلة العلم، وظهور الجهل، أثرا للزعامة الجائرة، شاء الله أن يمحو ذلك الأثر كما هي سنته في عباده، أطلع طالع سعد ينير الطريق، ويكشف المضيق، ويرفع نير الظلم والجور، ويعيد الحرية إلى عمودها.
اخرج الله عز وعلا في هذه الآونة السيد الهمام المقدام، ناصر بن مرشد رحمه الله، فشع له شعاع في عالم الدين، وبرق له مكن بريق في أرجاء عمان، فتحدث بأخلاقه الدينية الركبان، وعطف الله عليه قلوب أهل الإيمان، وألفت إليه عقول أهل الخير في الوطن، وإذا أحب الله عبدا من عباده لإخلاصه واستقامته في الدين، أعلن ذلك في الملأ الأعلى، ثم نودي به في أهل الأرض، وإذ ذاك كان هذا الإمام يتيما رباه الشيخ (3/177)
صفحة 730
العلامة المحسن خميس بن سعيد الشقصي صاحب منهج الطالبين، فنشأ نشأة أهل الفضل والإيمان يحمل دينا وإيمانا وتقوى، مع خصال الخير وأعمال البر التي يتطلبها القائم أو من يقوم بشرعة الله عز وعلا.
وكانت المدرسة الرستاقية غاصة برجال من أهل العلم والعمل تسابق رجالها إلى تحصيل العلوم، وتنافسوا في خصال الفضل، وكانت الرستاق نصيب آباء هذا الإمام حين اقتسم الزعماء الممالك العمانية، وما زال أمر الرستاق راسخ الأقدام في آل مالك بن أبي العرب، وكان الإمام المذكور من البيوتات المعروفة شرفا وعزا، ويقال: إن أباه مات عنه يتيما وتزوج أمه الشيخ الشقصي المذكور وتربى في بيئته وعلى وتيرته فوفقه الله للصالحات، وكل ميسر لما خلق له، وما جرى به قلم الأزل لا بد من وقوعه، وإذا أراد الله أمرا هيأ له أسبابا.
وكان ناصر بن مرشد رحمه الله من أسباب الخير لعمان في هذا العهد العصيب الذي كاد تختفي فيه معالم الدين وتموت الروح الإسلامية ولا يقوم لها وجود. (3/178)
صفحة 731
الافتراق داعي الخذلان
لقد اشرنا آنفا إلى بعض ما كان عليه الحال في الآونة التي أثار الله فيها الدعوة اليعربية، وأقام الله عزوجل برحمته عبده الأواب، والسيد المهاب، عالي الجناب، وأحب الأحباب، ناصر بن مرشد اليعربي، وكان ملك عمان في أيدي المتزعمين، فكانت نزوى لسلطان بن محسن بن سليمان ابن نبهان، وكانت سمائل لمانع بن سنان العميري، وكانت بهلى لسيف ابن محمد الهنائي، وكانت سمد الشأن لعلي بن قطن الهلالي، وكانت إبراء لمحمد بن جيفر بن جبر الجبري، وكان صور وقريات ومسقط والجانب الشمالي من الباطنة للبرتغال، وكانت نخل لعمه سلطان بن أبي العرب، وكانت الرستاق في يد أبيه، وبعد موته تولاها بنو عمه، وكان حصن الغبي لآل هلال رهط الجبور، وكان حصن مقنيات في يد الجبور أيضا، وكانت ينقل في يد الجبور أيضا، ومالكها ناصر بن قطن وكانت لمجمد بن جيفر، وكانت صحار بيد البرتغال وكذلك مسقط، بل هي العاصمة إذ ذاك لما لها من الأهمية، وكانت جلفار بيد العجم والمالك لها ناصر الدين العجمي.
هذه هي الحال التي كان عليها أمر عمان في هذا العهد، ولتفرق الملك في أيدي البغاة حكمة بديعة يعقلها أفراد من الرجال، ولله أمر هو بالغه، وحكم هو نافذه، وإذا أراد الله أمرا كما قلنا آنفا هيأ له أسبابا، وأراد الله الذي له كل شيء أن يعيد نور الشريعة على الأفق العماني ليكون هداية لذلك الجيل في ذلك القرن. (3/179)
صفحة 732
ذكر مؤهلات الإمام ناصر بن مرشد لهذا المنصب العالي
أولها أنه كان رحمه الله من بيوتات الشرف كما تقدمنا، فهو من العنصر اليعربي العربي، وجده سلطان الرستاق وتوابعها، وقد مضى لها عهد وهي حكومة مستقلة ودولة منفردة بعمان كما عرفت ذلك فيما سبق.
ثم كان هذا الهمام النجيب علامة فقيها وسيدا نبيها، والفقه في الدين هو الحجة التي يعتمدها الزعيم المسلم، ثم كان على جانب عظيم من الزهد، فكان أزهد أهل عمان في عصره، والزهد في الدنيا من صفات عباد الله الصالحين، فلما رأى أهل العلم في وقته هذه الخصال متوافرة فيه، ورأوا الحال العماني متفكك القوى، جعلوا ذلك العون الصالح لهم لا سيما وقلوب الناس متوغرة من فعل الجبابرة، وبصفة عامة رأوا تلك الداهية الدهياء البرتغالية، تهم بالتهامهم، والفرص إذا لاحت وجب اغتنامها، وهنالك أقام العلماء هذا العمود الصالح، لأن يستند عليه الدين فاجتمعوا على بيعته والحمد لله. (3/180)
صفحة 733
العلماء الذين اجتمعوا على البيعة لهذا الإمام
لا يخفى أن أمر عمان من قديم الزمان ما زال إلى علمائها، وهم الذين يحلون ويعقدون ويقومون ويقيمون، في هذه الآونة شاء القدر أن تكون له ثلة من رجال العلم، أهل الفضل والهدى والرشد والتقوى، الذين يعلو بهم البناء ويقوى، وفي مقدمتهم الشيخ العلامة خميس بن سعيد الشقصي، والعلامة الجليل مسعود بن رمضان النبهاني السمدي النزوي، والعلامة الصالح صالح بن سعيد الزاملي النزوي العقري، والشيخ العلامة خميس بن رويشد المحروقي، والشيخ العلامة الجليل عبدالله بن محمد بن غسان مؤلف خزانة الأخيار.
وقال الإمام السالمي رحمه الله: قيل أن جملة العلماء أربعون عالما أو يزيدون، فكان الأساس بهم مكينا والبناء قويا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ولا يخفى أن ذلك من حسن حظ هذا الإمام ولله في خلقه أسرار.
قال الإمام السالمي رحمه الله، وهو يذكر الإمام ناصر بن مرشد: وهو أول إمام من اليعاربة، وأول من قامت به دولتهم، وكانوا قبل ذلك كغيرهم من العرب، أي العمانيين رؤساء في الرستاق وما يليها، أي كانت الرستاق وتوابعها نصيبهم من ملك عمان إذ ذاك، فإنهم من العنصر النبهاني، وكان النباهنة كما علمت اقتسموا الملك بعمان، إلى أن قال: وسبب ذلك أي اجتماع المسلمين بعد فرقتهم أي بعد الافتراق الذي تقدم ذكره إلى رستاقية ونزوانية، وسببه خذلهم الله وتسلط عليهم الظلمة يسومونهم الخسف، وما وقع عليهم من أمراء الظلم وملوك الغشم من تراكم الفتن وشدة المحن، واختلفت آراء أهل الرستاق ووقعت بينهم المحنة والشقاق، وسلطانهم يومئذ مالك بن أبي العرب المقدم ذكره.
وهذا ما يدل أن أهل الرستاق افترقوا فيما بينهم. قال: وهو جد (3/181)
صفحة 734
الإمام ناصر بن مرشد. قلت: لقد وضعت نسبه إلى يعرب بن عمر بن نبهان فيما كتبته من أنساب أهل عمان. قال: ثم مات مالك وبقيت الرستاق في يد بني بنيه وهم أولاد عم الإمام، فتبين منه أن الإمام عند موت أبيه كان يتيما، وقد صح أن الشيخ خميس بن سعيد، وهو من أكابر أهل الرستاق، تزوج والدة الإمام ناصر. قال: فتراسل المسلمون وتشاوروا أن ينصبوا لهم إماما يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وقدوة العلماء يومئذ خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي، صاحب منهج الطالبين. قيل: وفيهم مسعود بن رمضان النبهاني من أهالي سمد نزوى، وصالح بن سعيد الزاملي من عقر نزوى أيضا، بل قيل إن عدة العلماء يومئذ كانوا أربعين عالما أو يزيدون قال ولعلهم لم يحضروا البيعة كلهم بل حضررها بعضهم، ورضي الباقون.
وكانت بينهم المراسلات والتشاور فوقعت خيرتهم على ناصر بن مرشد وكان فيما قيل ربيبا للقاضي خميس بن سعيد، وكان قد عرفه قبل ذلك، فدلهم عليه فرضي به الجميع.
قلت: كيف لا يعرفه وقد رباه تلك التربية الصالحة، وأخذ به إلى المنهج الذي أراده الله من المسلم فزاده العلم شرفا على شرفه، وتوجته التقوى تاج المحبة والصفا.
قال: فعقدوا عليه الإمامة بالرستاق في عام أربع وعشرين بعد الألف، فكان مسكنه قصري محلة من الرستاق أي عند شيخه زوج أمه ذلك العلامة القدوة سيد العلماء يومئذ.
قال الإمام: الممالك في يد الرؤساء يشير بذلك إلى ما قدمناه، فقام بأموره رجال اليحمد بأنفسهم وأمدوه بأموالهم وذخائرهم. (3/182)
صفحة 735
قلت: وفي مثل هذه الأحوال يحسن إنفاق المال، ومن طلب الخير فليحتمل فيه كل ما عز وهان، فإن سلعة الله عز شأنه لها ثمنها الرفيع (نَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً) 39، ومن طلب العلياء لم يغلها مهر، قال: وأجمعوا أن يهجموا على القلعة ليلا، فما كان غلا أن حميت حفائظهم وتجردوا للمصاعب، فما شعر بنو عمه وهم في تلك القلعة الشماء فما شعروا إلا وأسود الله يقتحمون عليها، فاستفتحوها وكانت لهم فألا للفتح، فإنها من أصعب الحصون في ذلك العهد الذي لم تكن الآلات النارية موجودة فيه ولا السلاح البارودي أيضا موجود ولكن عزائم الرجال هي السلاح الفعال. (3/183)
صفحة 736
الزحف على نخل
ولما تم فتح الرستاق وقبضت عليها يد الحق سارت الركبان في أرجاء عمان بهذا الحديث الداهم، وإذا بالقلوب تنصرف إليه، وإذا بالرجال تتشوف عليه، فزحف على نخل يقدمهم الرعب، وفي نخل عمه سلطان بن أبي العرب، فأحاط بها أياما وحاصرها حصارا عاما، فما كان منها إلا أن خضعت للحق وسلمت للأمر، وعلتها راية العدل، وأيقن المسيطرون على الحصون أنها زائلة عنهم، فنزل عمه من قلعتها وعلاها الحق فقرأ على عرشها.
ومن حيث أن أهل البغي يسوءهم ما يرون من العد الذي يقهر أياديهم على روائها، ويردهم عن غيهم، فثارت عليه فرقة من أهلها ممن لا يرى إلا الفساد، فما شعر الإمام إلا والقوم محيطون به، فحصروه في قلعتها، فجاءه رجال اليحمد ففرجوا عنه الحصار ونصروه على عدوه، فبدد الله شمل الأعداء، وأقام أعلام الهدى برجال أشبه بصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم عاد الإمام إلى الرستاق، فكانت عاصمته، وفي هذه الأثناء جاءته دعوة من أهل نزوى يدعونه لملكها وإزالة ما بها من ظلم وجور فلبى دعوتهم، وخرج على شريطة المناصرة والمساعدة والمعاضدة والمؤازرة، لأن الإمام لم تكن عنده مواد كافية، لأن يستند عليها.
خرج الإمام من الرستاق على طريق الجل إلى نزوى فلم يشع خبر خروجه حتى نزل بسمد نزوى في شرجة صفد، وإذا بالداعين له لم يفوا بما وعدوا، ورأى الأمور غير متهيأة للمرام، فرجع منها إلى الرستاق، ثم تواصلت سلاسل الطلب من عدة أناس منهم الشيخ أحمد بن سليمان الرواحي في رجال من بني رواحه، ومنهم وفود من مانع بن سنان العميري أمير سمائل إذ ذاك، فأقاموا معه يطلبون منه القيام على سمائل (3/184)
صفحة 737
ووادي بني رواحه ولعل مانعا كان طلبه اختبارا لنوايا الإمام، واكتشافا لما عليه من القوة، فإنه بعد ما تبين نفاقه وكان أحد المناوئين للإمام، فإن الإمام رحمه الله اعتمد عليه في الأموال، فتجلى نفاقه سافرا، ففي هذه الآونة أعلن الخضوع للإمام والانقياد للأوامر، فجاء الإمام برجاله المخلصين على طريق خدش حيث كانت نخل تحت سلطانه ونزل وادي بني رواحه، ولعل أحمد بن سليمان كان يحاول المال الذي غرقه الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري، ومانع بن سنان يحاول أيضا أموالا، فأقام الإمام بهذه الأيام في هذه الرقعة آملا من الداعين الصفا والوفا، فدار بنهم مدار النظر، وعلا صوت الحق على الباطل، فأسلمت له إزكي قيادها، والشيخ الشقصي هو زعيم في هذه الدولة الفتية الجديدة، التي تحمل مشعل النور لتضيء الظلام الدامس المتراكم، ثم إن الاتجاه إلى نزوى من هذه الطريق التي مهدها الله عز وجل لعبده الصالح، وعصبة الميامين.
فدخل الإمام نزوى على حال هدوء واطمئنان، كما دخل إزكي كذلك، فكانت هذه الخرجة مباركة يحيط بها التوفيق، فنزل الإمام بالعقر إذ هي مركز نزوى من العهد القديم، ولكن تحرك بنو أمبوسعيد من أهل العقر، وكانوا إذ ذاك قوم غلبت عليهم الأهواء ودخلتهم حمية جاهلية، وباينوا الإمام بالسوء السافر، وتظاهروا بالحمية الجاهلية، ولكل قوم مقاصد، فشايعهم من سوقة نزوى قوم آخرون، وضعوا مخططهم لقتال الإمام عند خروجه لصلاة الجمعة، ذلك لأن الإمام يخرج للصلاة على حالة هادئة غير متهيئ لحرب هكذا في أنفسهم، ولما صح مع الإمام أمرهم، وتحقق صحة القصد، أمر بإخراجهم من البلاد وطردهم من أماكن الإمام، فقد صاروا محاربين وأمرهم إلى الإمام ما يراه فيهم، فأخرجوا من نزوى صاغرين، وذهبوا عن الأرض لاجئين، فكان فريق منهم عند مانع بن سنان وهم الجمهور فآواهم. (3/185)
صفحة 738
وبذلك انكشفت خيانته وأسفر عما أضمر، وكان أعطى الإمام العهود والمواثيق على الطاعة، ولكنها مواثيق نفاق وعهود ظلال، والتجأت فرقة منهم إلى سيف بن محمد الهنائي، وكانت بهلى إذ ذاك بيد المذكور، وحركته على حرب الإمام فما شعر الإمام إلا والهنائي يعلن الحرب على الإمام في نزوى، فقابله الإمام بالمثل، وأمر في أثناء الحرب ببناء الحصن الذي أسسه الإمام الصلت بن مالك، فأتم الإمام بنيانه، واستقر قرار الإمام بنزوى، ولم يفلح الهنائي في سعيه، ورجع إلى بهلى خائفا يترقب صولة الإمام، فتركه الإمام في الحال على ما هو عليه لعله يتراجع أو يرجع إلى الحق، فإن أنشودة المسلمين هي الرجوع للحق، وفي هذه الآونة جاء أهل منح يطالبون من الإمام القيام بالعدل في بلادهم، فخرج لهم بجيش أخضع به منح وتوابعها، وقضى على الفساد الذي بها، وقد ظاهره أهلها وأمدوه بالمال والرجال، وظهر علمهم بين أعلام المسلمين.
وبعدما أتم أمر منح عاد غلى نزوى، ثم جاء أهل سمد الشان يدعونه إلى ملكه وكان المالك لها علي بن قطن الهلالي، كما قدمنا بيانه فجهز الإمام لها جيشا ولى قيادته غلى ذلك العلم مسعود بن رمضان النبهاني، فأخضعها راغمة وتخلى الهلالي منها وتولى القائد أمرها، ثم جاءت رجال الشرقية وعاصمتها إذ ذاك (إبراء)، وكان المالك لها كما ذكرنا سابقا محمد بن جيفر بن جبر، فلبى الإمام طلب القوم، فجيش لها جيشا ضخما فاجتاحها تياره، وبفتحها انتهى أمر الشرقية، ولم يبقى فيها منافس إلى جعلان ما خلا صور بالساحل الشرقي ففيها البرتغال، كذلك في قريات ومسقط وصحار، فإن البرتغال تولوا الأبواب من عمان.
ولاشك أن الدخول والخروج من الأبواب وأما الاقتحام من الخلف أمر صعب لا يصار إليه إلا بعد ما يتعذر أمر الأبواب، والمنغشمون يتهورون في الأمور إلا إذا توفرت القوى، وبعد هذه الآونة سحب الإمام جيشه لمحاربة الهنائي ببهلى، حتى إذا قاع المرخ من حدود بهلى، (3/186)
صفحة 739
رأى في الجيش بعض الفتور ولعل هناك شيئا من الدسائس متى تعتري الجيش في بعض الأحيان، فإن النوايا تعتريها في بعض الأحيان أحوال تخالف سياسة الوقت، فرجع الإمام على غير حرب، واستقر بنزوى وطن الإمامة بعمان، وبعد مدة اجتمع له جيش ضخم من عمان، فتوجه به لبلاد الظاهرة وترك الهنائي ببهلاه حتى يحين وقت حينه، فافتتح هذا الجيش وادي فدى وهو مفتاح تلك الثغور، فبنى حصن فدى، ورأى من أهل علاية ظنك عونا ناشطا، ومساعدة فعالا، ذلك لأن القائد لهم ذلك البطل الشيخ العالم خميس بن رويشد الذي قدمنا ذكره، ولا شك أن أهل الخير يدعون للخير ويعينون عليه، ولما فرغ الإمام من أعماله هنا انسحب بجيشه متفقدا للبلاد حتى انتهى إلى سمد الشان، وأكثر الجيش في هذه المرة بنو ريام ثم عاد إلى الرستاق. (3/187)
صفحة 740
النفاق يثير الشقاق ويدعو إلى الافتراق
كان الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله يغلب عليه الحلم، ولذلك يعاهد الناس ثم يخونون فيعرض عنهم استبقاء لهم وحقنا لدمائهم، وقد علمت رجوعه عن أهل نزوى ورجوعه عن أهل بهلى، وهكذا غالب أحوال العصر ما لم يرو بريق السيف، في الآونة هاجم محمد بن جيفر بلدة نخل واحتلها ماعدا قلعتها، فنهض إليه الإمام بمن معه مشد عضده رجال المعاول، فلم يبقى لمحمد بن جيفر ا يتعلق به مما كان رامه، بل لم يبقوا بنخل إلا ليلة والليلة الثانية هربوا من البلاد، وعلى كل حال أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض فالحق هو الباقي والباطل هو الزائل. (3/188)
صفحة 741
الظاهرة تظهر عدائها
تحركت عصابات الفساد بالظاهرة، حين رأوا حلم الإمام الأرشد لا يعاجل الجناة بالعقاب، وذلك مما يجرأ أهل الباطل في هذه الأثناء، وعندما فرغ الإمام من نخل إذا بالغبى تتعرض لفساد عاجل عندما وصل الإمام الرستاق، وقر قراره بها، تواطأت رجال الظاهرة على حرب الإمام، واشتهر به آل هلال وهم رهط الجبور، ومعهم طغاة الظاهرة الذين لم يعرفوا إلا سفك الدماء والسلب والنهب والتمرد والعتو على أهل الحق، وكان مجتمعهم بحصن الغبي بين العراقي وعبري، فجاء ذلك البطل المقدام الشيخ خميس بن رويشد يستنهض الإمام، ويذكر الأحوال ويحركه على قطع مادة الفساد، فثار البطل المجاهد الزاهد العابد، وجمع الجموع وتولى قيادتها بنفسه حتى نزل بالصخبري، وجاءه أهل السر الذين لا يمالئون الباطل وجاءه رجال الضحاحكة يحملون إليه المال، ويسوقون غليه الرجال.
وهذه الأعمال هي التي تخلد لأصحابها الذكر الحسن الذي يشتاقه أهل الإيمان، فزحف على الغبي وتلاقت الأبطال، وتزاحفت الرجال، ودارت رحى الحرب، وناد منادي الدين والإيمان، هلم يا حماة الأوطان، من أبطال عمان، فوقعت بين الفريقين مقتلة هلك فيها الكثير من المسلمين وغيرهم، وقل فيها أخو الإمام وهو جاعد بن مرشد، وانكشفت الوقعة عن حال يسيء الطرفين، ولم تنته إذ ذاك فعاجل الإمام عبري التي هي عروق الشر، فقبض على ناصيتها ثم عاد إلى الغبي وحاصرها حصارا قضى بإذعانها له، فخرج بغاتها وتولاها الإمام، وولى فيها خميس بن رويشد المذكور، ثم تولى حصن بات، وكان له أهمية إذ ذاك فولاه من ارتضاه من أهل الرستاق من يعلم ثقته وحزمه، وناصر بن محمد بن سيف الحوقاني وعهد إليهما بفتح ما بقى من حصون الظاهرة، إذ هما محل ثقته وأمانته، ويعلم حقيقتهما. (3/189)
صفحة 742
ورجع الإمام إلى وطن الإمامة نزوى، وفي هذه الأثناء وبعد العلم برجوع الإمام من حرب الغبي ومتعلقاتها، ثارت عليه ثارة البغي من آل هلال الذين ما زالوا إذ ذاك شرا مشتعلا لا يزال يظهر في بقاع من عمان ابتلاء من الله لأهل عمان، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، والله يبتلي عباده اختبارا لهم، ولا شك أنه العالم بأحوالهم، ولكن تلك سنته تعالى فتجمع آل هلال ومن معهم بضنك، وضربوا معسكرهم بالأفلاج، وظلوا غزاة على الظاهرة حيث هم بادية على طائراتهم من النوق في ذلك العهد، فالتقاهم الولاة الذين قررهم الإمام حماة لتلك النواحي، ففضوا فضاً، وقضوا على جمعهم واستولوا على إبل قطن بن قطن زعيم القوم، وحاصروا حصنه وكان هو خارج منه فجاء إلى الإمام معتذرا متبرئا متنصلا مما وقع أنه لم يكن بعلمه ولا بأمره، فسلم الحصن للإمام على أن ترد له إبله، فردها الإمام عليه وهو القرصان المنافق والمفسد في الأرض، أحد قطاع طرقها وأكبر بغاتها، يعامله الإمام رحمه الله معاملة المؤلفة قلوبهم المرجو رجوعهم المحذور فسادهم. (3/190)
صفحة 743
الإمام يعهد إلى ولاته بفتح باقي حصون الظاهرة
بعد انتهاء قضية عبري والغبي، وما كان للإمام فيهما من النصر المؤزر رجع الإمام إلى نزوى وعهد إلى الولاة الذين تركهم على الغبي وعلى عبري، وبات بفتح ما بقي من حصون الظاهرة، لأنه خلف لديهم جيشا ضخما من هيبته، وجحفلا جرار من الرعب يقوم عنه مع ولاته بفتح ما بقي من الحصون، فإن هيبة الحق هي التي تدوخ جنود الباطل وتدعم زعامة المسلمين، فإن بني هلال وهم رهط الجبور خرجوا على الظاهرة آملين أن ينالوا مرادا ابعد غيبة الإمام، فتجمعوا بضنك كما قدمنا والتقاهم الولاة بقلوب غير مرتاعة ففضوا جموعهم، وأخذوا إبل الطاغية قطن بن قطن، ولم خضع المذكور للإمام رد الإمام عليه إبله، وليته ما ردها عليه لأنه شيطان، ولو قبلها الإمام لكان خيرا له وللمسلمين، ولكن غلب على الإمام الحلم الذي عرف به.
ثم حاصر الولاة حصن مقنيات وكان بيد الجبور، فثار الجبور بجيش ضخم من طغاة الظاهرة الذين لا يفقهون دينا ولا يهتدون سبيلا، وبعد ما رأوا عجزهم انقلبوا إلى حصن بات نظرا إلى أنه واسطة العقد في طريق المسلمين، وإذا قبضوه رأوا أنهم قبضوا طريق الثورة من ناحية الشرق، والتقاهم الولاة هناك، فدارت بينهم المعارك منذ صلاة الفجر إلى نصف النهار وكثر القتل وعظم الخطب ولم تزل الدماء زائلة والسيوف تعمل في الرجال من الجانبين، وكادوا أن يعجزوا عن دفن القتلى فكانوا يحفرون الحفر ويرمون القتلى فيها السبعة والثمانية.
وهكذا ولم يتسلط البغاة على حصن بات إلا أن شوكتهم بقيت ناشطة، والقلوب بسبب القتلى حرى دامية جريحة، وعند ذلك سار الإمام من نزوى، ووصل بهلى وكان الهنائي السالف الذكر أحد البغاة العتاة، وأحد الذين ناصروا الجبور، فرأى الإمام قلع هذه الشجرة (3/191)
صفحة 744
الفاسدة وعند ذلك ثارت الجبور لمناصرة الهنائي ببهلى، لأنه أحد أركانهم في حرب الإمام، وولاته وكان دخول الإمام بهلى ليلة عيد الحج، وكان الهنائي قد استعد لحرب الإمام لعلمه أن أفعاله تستدعي ثورة المسلمين عليه، وأن الإمام لابد له من زحفه عليه، ولكن البغي يصرع صاحبه، فحاصره الإمام وجيش البغاة، فاقتتلوا في البلاد وحواليها وحول حصنها، ودارت معارك دامية وقتل من جيش الجبور أحد قواده وهو قاسم بن مذكور الدهمشي، وقتل معه رجال كثيرون، ورجع الجبور منهزمين، وبقى الهنائي في حصنه ولم يزل محصورا حتى رأى أن لابد له من الخروج فطلب الأمن من الإمام فأمنه هو ورجاله وماله وآلة حربه.
وتولى الإمام الحصن وولى عليه واليا ورجع غلى نزوى، وكان الإمام ناصر ابتلاه بالبغاة من عمان، ومازال هو وإياهم في أزمات متتابعة وثورات حامية، كلما سكن حرية بلد قامت عليه أخرى، والمال قليل والحروب تتوالى ابتلاء من الله عزوجل لتعلوا منزلته مع الله، وكان من عباد المسلمين وزهادهم، لا يميل إلى الدنيا ولا يطمح إليها ولا ترتفع عيناه إلى رياشها كل همه إنصاف مظلوم وإغاثة ملهوف والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، والناس غلب عليهم العتو ولا يبالون بأمر الدين، ولا يراعون إلا الرئاسة التي يرفعون بها خسيستهم، ويأكلون مما هب ودب ولا يسألون عن حرام ولا حلال، لأن العهد الفاسد طال عليهم عهدا طويلا كما عرفت، ويرون الإمامة تمنعهم عن مطالبهم وتقهرهم عن مآربهم، ولذلك يتكالبون ويتعارفون بأن يناصر بعضهم بعضاً. (3/192)
صفحة 745
مانع بن سنان العميري ثعلب سمائل
كان مانع بن سنان واليا على سمائل، ولما جاء الإمام ناصر بن مرشد إلى وادي بني رواحة انضم مانع إلى الإمام، وكان من أقرب الناس إليه، وتظاهر للإمام بالطاعة والصداقة، فاقره الإمام على سمائل، بل ترك عنده من جيش المسلمين فرقة، والذي يفهم من حال مانع بن سنان أنه يريد الإشاعة بأنه مع الإمام على حال اتحاد ليتقوى بذلك في أعين أعدائه، أو أنه يريد المكر بالإمام ليكون الإمام طوع رغبته، فغنه كان من جملة الداعين للإمام إلى ملك سمائل، وقبض وادي بني رواحة لأنه المضيق الذين يفضي من داخلية عمان غليها، ومن سمائل إلى عمان الداخلية فإنه هو الحلقوم، كما أن وادي العق كذلك لشرقية عمان، واتفق مانع بن سنان مع الإمام على أن يسير معه إلى نزوى.
ولما طرد الإمام أهل عقر نزوى وهم أمبو سعيد حين رأى منهم ما يخل بالأمر، ورأى نفاقهم المعلن شقاقهم التجأ فريق منهم غلى مانع ابن سنان في سمائل، فآواهم بعد العهود والمواثيق التي واثق بها الإمام على الطاعة، فتوجه إلى الإمام لحرب المذكور، وعندما وصل الإمام سمائل لباه مانع بن سنان، وتصنع للإمام بالأكاذيب الخاطئة وصالحة الإمام على ألا يخرجه من حصنه، ويكون تابعا للإمام مذعنا للحق، فتركه على ما هو عليه وفي الآونة الأخيرة كاتب سيف بن محمد الهنائي الذي كان ببهلى سرا على الإمام، وجمعا الجموع ودخلا نزوى، واحتويا على العقر وجميع شئونه، ولم يبق للإمام إلا حصنه وهو محصور فيه، وكادوا يحتلونه كليا، هموا أن يقتلوه من أصله وهم جموع وافرة،.
وعند ذلك قيض الله للإمام أنصارا يؤيدونه فجاءه أهل إزكي ورهط من بهلى وقوم من بني ريام ففرجوا أزمته وقاتلوا عنه حتى أيده الله بهم، ولما تم أمر نزوى وظهر أمر الإمام على عدوه، هم بهدم حصن (3/193)
صفحة 746
مانع بن سنان في سمائل لئلا يكون مأوى لبغيه، فخرج الجيش له حتى سمائل، ولما علم مانع بن سنان بالقصد هرب إلى فنجا راجيا أن يرجع الجيش عن الحصن حيث إن مانعا غير موجود به، فقضى الجيش على حصن مانع، ولما تحقق مانع هدم الحصن راح إلى مسقط ملتمسا له مناصرا، ومنها إلى لوى عند محمد بن جيفر، ثم راح إلى جلفار وكل هذه الأماكن التي راح لها في يد البرتغال إذ ذاك، وكان يحاول النصرة منهم، ورأى الإمام أن قتل مانع بن سنان أمر لابد منه، فأمر الإمام مداد بن هلوان فعمل مداد الحيلة لمانع، وتعارف مع والي لوى حافظ بن سيف، فكاتبه مداد وأطمعه في إدخاله حصن لوى، وأخذه من يد الوالي بالحيلة، فتواعد في ليلة معلومة.
وكان إذ ذاك في دبا عند الشحوح فجاء فرحا مسرورا طامعا في حصن لوى، ونزل صحار ليدبر هو ومداد الحيلة لحصن لوى، فعين له مداد الليلة الموعودة، وإذ ذاك فرق الوالي عسكره في البلاد كأنهم جواسيس يتجسسون أحوال البلد، وتعاهدوا أن يلتقوا في مكان خاص، ويكون مانع قد وصل ذلك المكان، فما شعر مانع إلا والرجال ومحيطة به من اليمين والشمال، فقبضوا عليه قهرا وقتلوه صبرا وأراح الله المسلمين منه، هذه قضية المذكور أوردناها مسلسلة حتى النهاية. (3/194)
صفحة 747
الإمام ناصر بن مرشد يجدد حصن سمائل
بعد خروج مانع بن سنان من سمائل فارًا من الإمام، وتولى الإمام الحصن أمر بتجديد بنائه فأنفق عليه آلافا من النقود، وكان من جملة البناء الذي بناه الإمام المذكور القلعتان العاليتان المتقابلتان، واحدة في الجهة الشمالية المربعة، والثانية الجنوبية المستديرة، وبنى في السور أيضا وكان الباب الرئيسي للحصن المذكور مقابل مسجد قرنة قائد الذي في بستان الحوض، وإنما بدله في موضعه الحالي أحمد بن عبدالله الرواحي في أيام تهارش أولاد سعيد بن سلطان، خصوصا بولاية عبد العزيز بن سعيد، والمذكور أحمد بن عبدالله، وانتقل عنه إلى سمد الشأن، فرأى أحمد بن عبدالله أن عدوه سيأتيه من قبل السالفة باعتبارها غافرية.
فحول الباب المشار إليه إلى الجهة الجنوبية ليقابل العلاية فتكون نصيرته، واستمر على ذلك وهذا الباقي منه هو بناء الإمام ناصر خصوصاً القلاع، وبقى على ذلك الحال ومن حيث إن الإمام المذكور كان رحمه الله يزن الأمور بميزان عقله، وينظر إلى الداخل بميزان صحيح كان بناؤه متوسط الحال، لاسيما أن الإنفاق على البناء كما يتطلب الوقت يحتاج إلى مال واسع، مع أن الحروب التي ستنزف المال لا تزال مستمرة، ولكنن الله عزوجل حكيم يضع رسالته حيث هو أعلم بمحلها، وأخبر برجالها لقد ضرب المثل بأيام هذا الإمام زهداً وطاعةً ورحمةً، وأصبحت عمان في عهده أشبه بالمدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها فدرت الخيرات وعظمت البركات. (3/195)
صفحة 748
حرب مقنيات
لقد أشرنا إلى حرب الإمام لمقنيات، وذلك أن الإمام لما رجع إلى نزوى بعد انتهاء قضية سمائل، جهز جيشا لمقنيات، وتولى قيادته بنفسه، ولما وصلها حالا نشبت الحرب بين الطرفين، وكان حصنها مانعا وكان جديد عهد لأنه وليد الدولة النبهانية كما عرفته مما تقدم.
وليست لدى ذلك العهد نسافات أو طائرات، فكان السلاح لمثل هذه الأحوال الحصار، حتى إذا فرغ ما عند المحصور طلب الصلح، للخروج، وهكذا أحوال ذلك العصر فحاصر الإمام هذا الحصن ثلاثة أشهر فنفذ ما عند قابضيه، فاضطروا للخروج وتولاه الإمام، وولى فيه محمد بن علي بن محمد الخراصي كما يقول ابن رزيق في تاريخه والله أعلم. (3/196)
صفحة 749
البغاة يتجمعون لحرب الإمام
لا شك أن المصائب يجمعن المصابين، ويؤلفن بين المنكوبين في كل زمان ومكان، ولما كان في هذه الآونة للجبور زعامة وصولة غير هينة لكثرة من يناصر البغي غالبا، فبعد حرب مقنيات رأى أهل البغي المظاهرة لبعضهم بعض على حرب الإمام، ورأوا الخضوع للحق صعبا عليهم، ومنذ العهد القديم أن بلايا عمان من ناحية الظاهرة غالبا، وأن رجلا يقال له سعيد بن مسعود الحيالي من قبيلة الخيالين من بعض فصائل عمان الجديد، وكان يتزعم فريقا من البغاة، فكاتب الجبور وكاتبوه وبقوا يتراسلون ويتآمرون على حرب الإمام، واجتمع مجتمع القوم في قرية الصخيري، وهنا بدأ تناوشهم، فقتلوا رجلا من الضحاحكة وقتلوا ناسا من شراة الإمام، وقامت الحرب والقوم فيها يمرحون بطرا وعنادا للإمام رحمه الله، حيث هو يريد الحق وهم يريدون الباطل.
ولا شك أن جنود الباطل أكثر في كل أمة منذ خلق الله الخلق، ومنذ أرسل الرسل وأنزل الكتب، وما زالت الوقائع بين هؤلاء البغاة وأنصار الإمام ورعاياه ومن أطاعه، وما زال الصراع قائما على أشده، ووقعت بينهم ست وقائع هائلة كاد يتزعزع منها ركن الإسلام لولا أن الله بفضله ربط على قلوب المسلمين، وحبب إليها الصبر على الابتلاء، منها وقعة شديدة بموضع يقال له العجيفة أو العقيقة بالقاف ببدل الجيم، والثانية وقعة مثلها بموضع يقال له الغاية، والثالثة وقعة بموضع يسمى المطهرة، والرابعة وقعة شديدة بموضع يقال له الزيادة، وهي التي هلك فيها الكثير من الناس، وفقدت فيها أشخاص من الرجال.
وكان قائد المسلمين في هذه الوقائع التي ذكرها التاريخ إجمالا محمد ابن سيف الحوقاني فيما أحسب، وهو البطل الذي صارع تلك الرجال الجائرة الغالب عليها البطر، فدوخها ولم يتزعزع عن مواقفه، ولله رجال (3/197)
صفحة 750
تقربهم العين، وتسكن إليهم النفوس، وعند الابتلاء تبرز رجال الحق وتظهر على مسرح الأحداث، معلنة تأييد الحق غير متبرمة في شيء ما. مع أن المذكور فر عنه أكثر رجاله حيث ملوا الحرب وضاق بها ذرعهم، وما بقى معه إلا القليل، وهو في أزمة شديدة يتذرع فيها الصبر، ويحتمل وطأة البغي صابرًا محتسبًا، وآخر أمره انحصر في حصن الغبي وقد أحدقت به الرجال فحصرته حصرًا شديدا حتى أغاثه الله بوالي مقنيات، وهو محمد بن علي بن محمد المعروف، جاء بجيش كثيف وأبطال انتخبهم، فدخل الغبي على حين غفلة من جيش العدو، فما شعروا إلا والجيش متغلغل في البلد تعمل سيوفه في الرقاب، فارتاع البغاة روعًا شديدًا، وتفرقوا فراراً في الأرض على وجوههم، منهم إلى بلدة ينقل، ومنهم إلى الصخبري، ومنهم إلى الفيافي والقفار، ونحل أمرهم من الغبي ونجا الوالي ومن معه من شرهم. (3/198)
صفحة 751
سرية لبلادسيت
كان سيف بن محمد الهنائي في بلادسيت من عتاة الرجال الذين يرون أنهم أولى بكل زعامة من شأنها السيطرة بعمان، فإنه لما خرج من بهلى حدثته نفسه أن يبني حصنا ببلادست يكون مأوى له ولمن معه من الرجال البغاة، ولما علم الإمام الرشد ناصر بن مرشد ذلك الحال منه، وقد عرفه فيما سبق من حاله جهز له جيشا وجعل قائده العلامة عبدالله بن محمد بن غسان مؤلف خزانة الخيار في بيع الخيار.
ولما حل الجيش بدارسيت استشعر المذكور العجز وأيقن بالذل، ففضل الخضوع والهرب من البلاد، فتولى الشيخ القائد الأمر في البلد، وأمر بهدم الحصن المشار إليه فهدم، وبعد ذلك ضاقت الأرض بالمذكور فجاء إلى الإمام مظهرا للتوبة يطلب العفو من الإمام والصفح عما أحدث، فعفا عنه ومنع البناء لمثل هذا الحال أصلا، وهدأت سورة المذكور واستكان لسلطان المسلمين. (3/199)
صفحة 752
الإمام يزحف بنفسه إلى ينقل
لما انتهى أمر الهنائي سيف بن محمد قي بلادسيت، خرج الإمام رحمه الله بجيش ضخم إلى ينقل لتأديب ناصر بن قطن صاحب ينقل فنزلها جيشه المرهوب، وأحاط بالبلاد وطبق عليها الحصار فضاق ذرع الهلالي ولم يسعه حصنه، فطلب التسيار من الإمام فسيره وولى على البلد واليا إلى الرستاق عاصمة مكللا بالنصر والظفر. (3/200)
صفحة 753
سرية إلى شمال عمان
من حيث قلنا سابقا إن داء عمان لا يزال يأتي من شمال عمان، وإن أرض الجوهى المصباح المطل على عمان الشرقية، ومنه يتراءى الغربيون شرق عمان وأن الموتورين ببغيهم لا يزالون متحيزين إلى ذلك الأفق، عند ذلك جهز الإمام سرية كبيرة تفوت الاصطلاح في السرايا، جعل قوادها أولئك الأبطال الذين جربوا الحرب وجربتهم، وهم عبدالله بن محمد بن غسان الذي هدم حصن سيف بن محمد في بلادسيت، وخميس بن روشيد الضنكى، وحافظ بن جمعة الهنوى، ومحمد بن على الرستاقى، ومحمد بن سيف الحوقانى، هولاء الخمسة هم أركان الجيش فخرج ذلك الجحفل الأرعن له زحزحة في الأرض، يقدمه الرعب، فجاء أولا إلى الجو والمراد بها ناحية البريمى، وهى الرأس إذ ذاك الذي يجب أن يكسر أولا أو يقطع، ولما نزلها علم الحق خضعت نعرتها وسنكت شرتها ولم ترفع رأسها خوف قطعة، فتولاها الشيخ محمد بن سيف الحوقانى العمود الصلب، وبعد ذلك انسحب الجيش إلى أرض الشميلية بالساحل على طريق وادي الجزى، فنزل لوى وكان بها جبابرة، فاختلفوا فيما بينهم ووقعت بينهم فتن قتل فيها محمد بن جيفر.
وكان ذلك سبب تغلل العداوة فيما بينهم، فنزل القائد الأكبر عبدالله بن محمد بالجامع منها، وأمر الجيش أن يحيط بالبلد وبالحصن، وكان إذ ذاك فيه سيف بن جيفر وفر عنه إخوته وأعيان قومه، والتجأوا بالنصارى البرتغال وفى صحار، وقاموا يمدون إخوانهم المحصورين بحصن لوى بالطعام وآلة الحرب، ويغزون بالليل لجيش المسلمين، فرأى القائد المذكور أن يجهز من الجيش سرية أمر عليها محمد بن علي، ووضع لهم سيرهم وهجوهم على عدوهم الذي بصحار، سواء كان من العرب أو النصارى، فلم يشعر المذكورون إلا والجيش محيط بهم، وقبل الصباح بقليل كان الجيش (3/201)
صفحة 754
بالموضع المسمى منقل مقرن، وهو مكان يقع جنوب الحصن، فدارت المعركة بين الطرفين واشتد أمرها وعلا لهبها وقتا قضى الله فيه ما شاء أن يقضى فانقطعت غزواتهم إرسال المدد لحصن لوى مع الحصار المستمر به.
وبعد مدة رأى صاحب الحصن أن لا محالة عن الخروج، فطلب من القائد الأمان لينزل من الحصن، ثم خرج خفية ولعله خاف القتل، وكذلك من بعده، وتولى الشيخ القائد الحصن، وكان الحصار ستة أشهر تماما قضاها المسلمون في هذه الوقفة الحرجة، وكلن ناصر بن ناصر بن قطن ورجال العمور قد ظاهروا المسلمين على حصار حصن لوى، ذلك للخلاف الذي وقع بين الجبور أنفسهم، كما أشرنا إليه آنفا، ولذلك ولاه قائد المسلمين رجلا من الجبور المناصرين للمسلمين، وجعل مع هذا الوالي الرجال الذين يثق بهم دينا وإيمانا وإخلاصا للمسلمين، لأن الجبور لا يؤمن شرهم، ولكن تلك الولاية كمكافأة من القائد للناصرين، وترغيبا لهم ثباتهم بجانب الإمام، ورجع القائد المظفر بفتح الجو، وفتح لوى وانه لأمر غير هين.
ولكن من ينصر الله ينصره الله ويؤيده على عدوه كما صرح بذلك عز وجل في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. (3/202)
صفحة 755
السرية الكبرى إلى مسقط
لما كانت مسقط إذ ذاك بالمكانة المرموقة، وهى المدينة المحاطة بالجبال الشاهقة والمحصنة بالقوات الكاملة، لعلم البرتغال بأن الدار لابد لأهلها منها، ولا بد من هجومهم عليها، ولا جامعة تجمع بين الطرفين، وإنما الاعتماد على القوة، وكان البرتغال قد اخذوا أهبتهم لما كان أهل عمان متهارشون في داخليتهم غير ناظرين إلى الساحل بنظر طويل، هنا جهز الإمام المجاهد لدين الله، المتجرد لقتال أعداء الله، بكل ما لديه من قوة جهز جيشا أسند قيادته إلى العلامة المجاهد مسعود بن رمضان النبهاني من أهالي عقر نزوي، فخرج المذكور حتى أتى المطرح، ونزل بطوى الرولة، وضرب معسكره بها، فجاءته جنود الأعداء فالتقاهم بأبطال عمان الذين مارسوا الحروب وقابلوا الرجال.
قال ابن رزيق المؤرخ، بعد أن ذكر وصول الجيش: فدارت رحى الحرب بين المسلمين والمشركين فنصر الله جيش المسلمين أو قال جيش الإمام، قال: فهدموا من مسقط بروجا باذخة، ومباني شامخة، وقتلوا كثيرا من المشركين، قال: ثم إن النصارى طلبوا الصلح فصالحهم القائد المذكور، أي بعد ما راجع الإمام على فك ما بأيديهم من أموال العمور وأموال الشيعة التي قبضوا عليها في صحار، قال: فأذعنوا بالطاعة فأمنهم مسعود على ذلك، وأخذ منهم العهود والمواثيق على الوفاء.
ورجع إلى الإمام، وكان من جملة الشروط التي وقع عليها الصلح أن يؤدي النصارى المذكورون الجزية رأس كل سنة، وألا يؤذوا مسلما إذا وفدوا على مسقط أهـ.
وكان هؤلاء النصارى البرتغاليون جبابرة عتاة طواغيت، لما تسلطوا أساءوا إلى الناس تماما وغلب عليهم البطر، ورأوا أنهم قاهرون، (3/203)
صفحة 756
وقد تغلغلت عدواتهم للمسلمين طبعا، وكان النصارى المذكورون قبضوا على أموال العمور وأموال الشيعة في صحار حين ناصروا المسلمين، وصحار إذ ذاك في أيديهم، وكان جنودهم نازلوا جيش المسلمين في مطرح عند وصوله بها، وانهزموا إلى مسقط بعد قتل وقع فيهم ولحقهم الجيش في قلب مسقط، ولم تمنع المسلمين الجبال المحيطة بمسقط، بل قبضوا البلاد وهدموا أبراجا على جبال مسقط، وقلاعا منيعة إلا أن الحصنين الكبيرين الجلالي والميراني المنيعين يصعب فتحهما إلا بعد حصار طويل وشدة عزيمة، فرأى القائد البطل الصلح في الحال أصلح إلى أن تراجع قوة المسلمين.
ورأى النصارى أيضا الصلح لهم أنفع في الحال والنظر في المقبل من الطرفين المعتاديين، والبادى أظلم، لكون البلاد بلاد المسلمين النصارى تعدوا عليهما، لا سيما بعد ما جرت الدماء ووقع القتل والنصارى هم المعتدون على ممالك المسلمين وفي بلادهم، وكانوا أجبروا الأهالي على التخلي من أملاكهم من رقعة مسقط وطردوهم منها وحصنوها بسور مانع، وضربوا عليه الأبواب الضخمة التي تقوم عليها سلطنتهم الظالمة، ومنعوا العرب من الدخول أصلا.
وبعد ما تعاطوا كؤوس الحمام وعظم بينهم الالتحام، وبعد ما حمى الوطيس بينهم كما قال الإمام في تحفة الأعيان، حيث يقول: وقتل منهم خلق كثير لا يحصون عددا" وتمنعوا بالكيتان وبعالى البنيان" وبقوا بمسقط على هذا الصلح المعلق بالشروط الثقيلة التي أشار إليها أمير البيان في تعليقه كما عرفته حتى أخرجهم منها الإمام سلطان بن سيف ابن عم الإمام ناصر كما سوف تراه في محله إن شاء الله. (3/204)
صفحة 757
السرية الثانية لفتح جلفار
لما رجع القائد النبهاني من مسقط منتصرا ورأى الأمام رحمه الله أن سياسة القائد حسنة أو مستحسنة، ورأى من الواجب القيام على جلفار لأنها باب عمان الغربي الشمالي، وبها كما قدمنا العجم ومعهم بعض النصارى مناصرون لهم، جمع الإمام الجيش وانتقى من الرجال الأبطال، وعقد لواء هذه السرية باسم علي بن أحمد وعضده ببني عمه من آل يعرب، فسار الجيش إلى جلفار وكان عليها ناصر الدين العجمي، فكانت سهمه الحالي من ملك عمان والعجم يراعون في جلفار معنى لم يهتد إليه غيرهم، فأحاط بها الجيش وقامت الحرب على ساقها وأطلقت الحصون نيرانها والنصارى تقذف بمدافعها من البحر فما كان من المسلمين العمانيين إلا الاقتحام لأسوار الحصن وأبراجه، ولم تكن ألا فترة قصيرة وإذا ببرج الحصن في يد المسلمين أخذوه ليلا وقتلوا من فيه، وتسابقوا إلى الحصن فاحتلوه بأسرع من رصاصهم، ودوخوا البلاد قهرا ومزقوا العدوا قسرا، وكان على ساحل البحر حصن للبرتغال فزحف عليه فريق من الجيش بقيادة الدهامش، ورجل أخر يقال له خميس بن محزم فهجموا على الحصن نهارا واختطفوه بأسرع ما يمكن واحتووا على ما فيه من العتاد والسلاح.
وبني المسلمون حصنا جديدا خوف المهاجمة الباغتة فقام بأسرع وقت، ونزل القائد بقواته وبذلك سقط في يد العدو، وطلب النصارى الصلح فصالحهم القائد وأخرجهم من البلد خزايا وندامى يعضون على أصابعهم راغمين، وبعد ما استقر الأمن في المنطقة ولى القائد على الحصون واليا يعرف من أين تؤكل الكتف، ورجع إلى نزوى فابتهج الإمام بهذا الفتح والعمل الطيب الثمين. (3/205)
صفحة 758
الإمام والمسلمون يعالجون أمر صحار
ولما يسر الله عز وجل بفتح جلفار، دار النظر حول صحار، وقد رأى المسلمون أنهم سدوا ثغر جلفار، وأقفوا مجارى المياه إلى صحار، أخذوا في أمرها وهى كما لا يخفى أمرها جوهرة العقد وكرسي الطرف الشمالي في ذلك العهد، ودارت أنظار المسلمين المبتلين بأمر هذه الديار، وبعد ذلك اتفقوا أن يأمر الإمام والى لوى أن يقدم إلى صحار، ويبنى بها حصنا يكون ملجأ للمسلمين، ومعقلا ينزلونه عند مصاولة الأعداء، وكان الوالي بلوى إذ ذاك حافظ بن سيف الذي أتفق هو ومداد بن هلوان سابقا على قبض مانع بن سنان العميري، كما قدمنا قضيته.
وكان مع حافظ المذكور رجال العمور شراة متجردون لمناصرة الحق، وتأييد العدل، وكان البرتغال بصحار ضربوا أطنابهم، وخيموا في رحاب صحار، عاضين عليها بالنواجذ، ولما تقرر عزم الوالي على تنفيذ أمر الإمام، وهو يعلم أن الشر غير بعيد عنه، أرسل إلى من بقربه من القرى من بني خالد وبني لام والعمور، وأجتمع معه كثير وعسكر غير هين، وكان بصحار رجال يحبون الحق ويتعارفون مع الوالي المذكور في ملك ..
وعلى كل حال إن المسلم لا يود أن يسيطر عليه عدو أجنبي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وإذ ذاك
خرج الوالي المؤيد بجيشه إلى صحار لصدده وبات بعمق، وعميت الأخبار على أهل صحار، حتى صبحها ضحوة النهار في آخر يوم من محرم الحرام عام ثلاثة وأربعين وألف سنة للهجرة، فنزل بموضع يقال له البدعة، وأظهر عزيمة الحرب للمشركين اللذين هم البرتغال، وزحف بجيشه الباسل حتى وصل إلى حصن ابن الأحمر، وهو من عتاة العجم وطغاة الفرس، وحالا دارت رحى الحرب عند وصوله، واشتدت الأزمة، وكانت النصارى ترمي بنيران مدافعها من حصن صحار، فقوى الله المسلمين وأيدهم بنصره فانتقل الوالي بجيشه متقدما إلى العدو، ووقع القتال. (3/206)
صفحة 759
وجاء ت طلقة مدفع من مدافع البرتغال، فأصابت راشد بن عباد من أعيان رجال الوالي، وفي مجلسه، ومات شهيدا رحمه الله، وهنالك تمركز الوالي وهم ببناء الحصن الذي أمره به الإمام، واجتهد في بناءه بأسرع ما يمكن والرجال إذا عزمت على شيء بنشاط وإخلاص، لا بد أن ينفعل، فتم بناء هذا الحصن ونزله الوالي وعند ذلك توالت المناوشات بين الطرفين ليلا ونهارا، وقامت حرب متواصلة بقوى متفاعلة.
وكان من السياسة أن تقوم قوة من الإمام تقضي بمشاغلة البرتغال في مسقط حتى لا تكون لهم عزائم في الساحل الشمالي تؤيد حرب صحار، فعقد الإمام لواءه لسرية خرج بها العلامة خميس بن سعيد الشقصي، حتى نزل قرية بوشر، ولما علم النصارى ذلك أرسلوا إليه يطلبون الصلح، فأجابهم وتقرر وصوله مسقط، وعند ذلك أرسل عيونه إليها خوف الغدر من أهل الكفر، ولما وصل مطرح واجهه أكابر البرتغال، وقرروا الصلح على شروط معروفة لهم وعليهم تكون صالحة للطرفين من نواح، هي أصلح للمسلمين.
كان منها فك الحصار عن النصارى، وفك المقابض المحيطة بهم، والترخيص للناس في السفر إليهم وكف الأيدي عن القتال على شرط أداء الجزية المفروضة عليهم وعدم تعرضهم للمسلمين بأي أذى، ورجع لهم المقابض التي أخذها منهم، ولعل القصد من هذا تبريد حركتهم وتوهين قوتهم ما دامت قوة غير كافية لقلع شجرتهم، ولكل وقت سياسة، وبهذا يتأخر العدو عن الاستعداد، مع أن القوم كانوا أقوياء عدة وعددا، ولهم دولة بالغة أوج عزها إذ ذاك، وخاف المسلمون من هياج الحرب أن الحرب أن يتقوى العدو في البلاد زيادة، وعلى شرط ألا يتعرضوا لحرب المسلمين في أي مكان من عمان، فقر البرتغال في مسقط وفي صحار على ما هم عليه والمسلمون حولهم يواقبون الحركات والسكنات. (3/207)
صفحة 760
فتح صور
لا يخفى أن صور من المدن المهمة في عمان لاسيما وهى على الساحل الشرقي، رأى الإمام أن صحار بقيت على جناح الصراع، وقد سد الإمام عليها الثغر الغربي بحافظ بن سيف، وصالح البرتغال في مسقط، ولم يدخل صور في صلح مسقط، وإذ ذاك أرسل إليها الإمام جيشا بقيادة ابن عمه سلطان بن سيف بن مالك، الذي كان في علم الله عز وجل أن يكون الخلف الصالح لناصر بن مرشد، والمصلح لعمان كما سوف نرى ذلك في محله إن شاء الله.
خرج هذا الهمام البطل يقود جيشا عمانيا لتطهير البلاد من معرة الأجنبي، ولما وصل صور أحاط بالحصن، ولم يطل عهد حصاره فسلم الأمر وقبضه الجيش وأذعن البرتغال له إذعانا كليا وخضعوا له في صور تماما والحمد لله. (3/208)
صفحة 761
الزحف على قريات
إن قريات من الثغور البحرية المؤدية إلى الداخلية، وكم دخل العدو منها إلى عمان، فأرسل لها الإمام فرقة من الجيش الغازي لصور، وكان البرتغال قد قووا حامية قريات لأجل مسقط، فنزل بها الجيش وشرع حالا في بناء حصن ليكون ملجأ لحصار البلاد، ورأي القابضون لها عدم إمكان استقرارهم، فاسلموا الأمر ولم تنفعهم حامية مسقط لأنها خائفة على نفسها، وواقعة تحت نير الشروط التي صالحهم عليها القائد المحنك العلامة مسعود بن رمضان النبهاني، وباحتلال قريات لم يبقى إلا صحار ومسقط، بقى فيهما النصارى على ذلك الصلح الذي ذكرناه، واحتوى الإمام على جميع عمان ما عدا هاتين المدينتين المذكورتين إلى أن يوفق الله للاستعداد لزوال هذه الآفة الكبر ى.
فإن هؤلاء النصارى قد تغلغلوا فيهما فقبضوا عليهما بأياد من حديد لا تنفك بالسهل، وحال الإمام وأهل عمان كل يوم في صراع وعراك لتعاظم البغي في الرؤساء، واهم هؤلاء البغاة في هذه الآونة هذا القرصان الطاغي ناصر بن قطن الهلالي الذي لا يزال يغزو عمان في كل سنة، يأتي من ناحية البريمى على طائرته، ويلتفت معه الغوغاء من كل صوب من هذه الناحية، ويسحب من عمان المواشي، وينهب من لقي ولا يبالى ويفعل في الناس ما لا يرضاه الله، ثم يهرب إلى الأحساء ولذلك بعد خروجه من حصن ينقل، فرأى الإمام أن يجعل الوالي محمد بن سيف عينا لهذا القرصان الظالم0 (3/209)
صفحة 762
حرب الطاغية ناصر بن قطن
لم يزل هذا الطاغية شرارة متقدمة وسهما حاميا يوقد علية النار بغاة أهل عمان، وأيده أهل الضلال والعدوان، الذين يسوءهم الحق وهم موجودون في كل زمان، وقد ابتلى الله بهم أهل عمان، ولا ريب فإن الله ابتلى الأنبياء بشياطين الإنس والجن، وللمسلمين من ذلك حكمة بديعة يجهلها كثير من الناس، وكان هذا القرصان العاتي يتحصن ببعد المسافة، ولا يعرف متى يكون وجوده بعمان فإذا خرج التف علية البغاة المفسدون، وعاثوا في الأرض ينهبون ويقتلون، وكل ما يلاقونه لا يتحرجون من شئ ما ولا يراعون شيئا لصديق أو عدو، بل كل ما عندهم النهب والسلب والقتل في عمان.
ولم يزل يغزو بادية عمان واهتم الإمام بأمره وأمر محمد بن سيف الوالي للطرف الشمالي أن يلقى باله لهذا الطاغي، ويجعل له العيون الواعية، فإذا علم به التقاه رجال المسلمين فقام الوالي المذكور، وجمع عسكرا جما ويبقى مراقبا لهذا القرصان من أي جهة يخرج، ولما بلغه خروجه تلقاه الوالي فهرب منه ودخل الظفرة واحتصن بحصنها وتعصب له بنو يأس، فعاد منهم في منعة، وإذ ذاك وجه رسله إلى الوالي يطلب الصلح، وكان الوالي قل علية الزاد، وبعدت عليه الدار، واختل عزمه لهذا وتأثر به وخاف الفشل فصالحه على رد ما نهبوا، وغرم ما أتلفوه مما كسبوا، ونبهوا من عمان واقتنع الوالي بذلك في هذا الحال، ورجع الوالي إلى مقره بمن معه من القوم، وبعد رجوع الوالي المذكور هم ناصر بن قطن، بالهجوم على حصن الجو، أي البريمى، فجمع البدو من الطفرة وغيرهم، وكان والى الجو ذاك أحمد بن خلف، وإذا بأهل الجو كلهم على الوالي مع ناصر بن قطن، ولعلهم تأثروا من وطأة العدل التي عليها الولاة، فإن الوالي والرعية غالبا يكونون ضدين، فما شعر الوالي إلا والجنود محيطة به من كل جانب، وحوصر الوالي في حصنه. (3/210)
صفحة 763
ولما علم الولاة من الظاهرة والباطنة، جاءوه مناصرين، ولما بلغ ناصر بن قطن ذلك خرج من البريمى ومن معه منهزمين, ثم لحق بهم القائد الأكبر عبدالله بن محمد من نزوى، فأمر بهدم حصون الجو, فهدمت كلها إلا حصن الإمام كسرا لقوة أهل البغي, وبذلك تفرق الأعداء, وكل اتخذ له وجهه يتحين فيها الفرص، فأما عمير بن محمد فالتجأ بالنصارى في صحار، وأما بدو الحسا فتعلقوا بطريق جلفار، ويرون لهم هناك منعة وحمى، وضربوا معسكرهم على عقبة جلفار متحصين بها, وظلوا يقطعون الطرق من هناك، يغزون البلدان المجاورة حتى شاع خبرهم، ونمى إلى الولاة أمرهم، فقاموا عليهم ووقع قتل في الفريقين، وانهزم البغاة، وشردوا من هناك، وقبض الولاة على إبل ناصر بن قطن وتولوها ليستعينوا بها على حربه فكانت في يد محمد ابن سيف.
وعلى أثر هذه الحادثة هجم ناصر بن قطن ومن معه من البغاة على الباطنة من ناحية الشميلية، فأخذوا إبل بني خالد، وبني لام، وكل ما صادقوه انتهبوه وسلبوا من نساء ورجال، ورحلوا إلى ألاحساء مقرهم، وبعد عهد جاء ناصر بن قطن غازيا، وكانت الباطنة أسهل شئ يراه البدوي، فإنها لا يشق عليها الكر والفر عندما يرون الغلبة عليهم، فإن البدوي يفر على طائرته التي هي ناقته وقد أعدها لذلك العمل، وهنا جهز الإمام جيشا جعل قائدة علي بن أحمد، وعضد بمحمد بن الصلت الريامي، وعلي بن محمد العبري، وأحمد بن بلحسن البوشري.
وهؤلاء رجال أبطال تجردوا للشهادة في دين الله، فأتى الجيش لوى وهنا هاجمهم ناصر بن قطن، فوقع بينهم القتال، ففر ناصر بن قطن مشرفا فأتى قرية مجيش من أعمال صحار، فأتبعه الوالي بمن معه، ففر إلى الناحية الشمالية لعلمه أنه لا ناصر له هنا إن غلب، (3/211)
صفحة 764
فتبعه الوالي بمن معه وكان أول من لحقه أحمد بن بلحسن البوشرى، ومعه مراد وراشد بن حسام، وبعض الشراة، وكان ذلك في موضع يقال له الخروس، فتلقاهم الطاغية بمن معه من رجاله ولعلهم استضعفوهم لقتلهم، ورأوا أن الجيش خلفهم وهؤلاء مقدمته فاقتتلوا هم وإياهم قبل أن يصل الجيش، فقضوا عليهم عن آخرهم، ولما وصل لجيش رأوا إخونهم صرعى، ولم يروا أحدا هناك من قوم ناصر ولا يعلمون أين توجهوا.
ورجع الجيش أدراجه بعد قتل هؤلاء، وعلى أثر ذلك قام محمد ابن عثمان الخالدي المعروف بابن حميد، وكان من رجال ناصر بن قطن، فغزا بلاد السر، وكان فيها محمد بن سيف الحوقاني واليا، وفيها سعيد ابن خلفان أحد أنصار الإمام، فأناخ ابن حميد بقرب الغبى، فعلم سعيد ابن خلفان وطلب من ابن حميد المواجهة للمفاهمة، فأجابه إلى ذلك من غير أن يأخذ لنفسه أمانا، فتوجهوا في مسجد للشريعة من الغبى، فجرى بينهما كلام في التجرؤ على أموال الناس، وقتلهم ونهبهم، ونهب أنعامهم ومواشيهم، فقال سعيد بن خلفان لابن حميد: أما ترد ما أخذت ونهبت من أموال العباد فأعرض ابن حميد عن كلام سعيد بن خلفان بوجهه، وتولى وحاش وكلا أي لا يرد ذلك. وأظهر عتوا وعنادا، ولعله كان مستخفا بسعيد بأسره، فاسر وأمر به، فأدخل حصن الغبى، ثم أمر بقيده فقيد، ثم ركبوا به إلى الرستاق فأرسل سعيد إلى الإمام فأجابه أن يجعله في قلعة الرستاق، فحبس بها خمسة أشهر وقيل سبعة أشهر فمات في حبسه. (3/212)
صفحة 765
سرية يرأسها سعيد بن خلفان لقبض إبل ناصر بن قطن
كان ناصر بن قطن أعد أبلا بخيبات لغزوه ناحية عمان ويلحق عليها عندما المضيق يحيط به، وفى هذه الآونة أرسل الإمام سعيد بن خلفان لقبض هذه الإبل التي جعلها ناصر قوته التي يصول عليها، وعضده جفير بن محمد بن جفير أو جيفر وأمره أن يسير إلى الإبل المذكور فيأخذها، لأنها قوة القرصان الباغي، فسار القائد المذكور، ولما قارب الظفرة التقاه بنو ياس واعترضوه في مراده، وعارضوه فيما قصد له قرب الشيعة من ناحية الطفرة، فدارت المعركة بينهم وإياد واشتد الأمر بينهم بغيا منهم وعدوان على رجال للحق.
وفي هذه الأثناء قتل زعيم بني يأس صقر بن عيسى، فثار أخوه محمد بن عيسى غضبا لقتل أخيه وقال: لا خير في العيش بعده، ورأى الموت خيرا من الحياة، فحمل على جيش المسلمين، فقاتل وقتل واندقت عصا بني يأس، ورأوا أنهم أصيبوا بقتل الأميرين، فطلبوا العفو من القائد فعفا عنهم، ورجع قبل الوصول إلى الهدف ليفاهم الإمام، ورأى الإمام ناصر بن قطن لا يمكن السكوت عنه فجمع جيشا آخر من الباطنة، ومن داخلية عمان، ولعه من أكثرية الباطنة، لأنهم لا يزالون يصابون م بغاة الشمال ومن معهم، وجعل قيادته إلى سعيد بن خلفان المذكور، وعضده بعمير بن محمد بن جفير الجبري، وأمرهم أن يسيروا إلى ما يقال له، دعفس لا تزال إبل ناصر بن قطن علية، فلم وصلوا وجدوا الإبل فأخذوها ورجعوا منتصرين، لم ينهلهم سوء، وسلموا الإبل إلى عمير بن محمد بن جفير الجبرى0
وكان لعمير المذكور راع للإبل ويعرف عند أهل عمان بطناف (3/213)
صفحة 766
الإبل، أما الراعي فيحصونه برا على الغنم والبقر عرفا عاما فجاء من جاء إلى الطناف وقال له: سر بهذه الإبل إلى ناصر بن قطن، وسلما إليه فتكون لك معه يد، ولعلة خوفه بالقتل من ناصر بن قطن وهو الظاهر0
وهذه الحقيقة غلطة من قائد الجيش، حيث ترك الإبل بيد عمير ابن محمد بن جفير الجبري في تلك الزاوية النائية، وناصر بن قطن وعمير بن عنصر واحد، وقد علمت الأحوال السابقة، ولكن البشر يخطئ ويصيب، والأمور تجرى بمشيئة الله عز وجل0 (3/214)
صفحة 767
سرية تقع في مثل ما وقعت فيه الأولى بموضع الخروس
لما رأى الإمام أن هذا القرصان لا يقف لعهد وميثاق، ولا يرتد عن عمله، وكان عاضده على بن محمد المذكور آنفا ظلا يكسبان وينبهان في أطراف عمان الغربية هم ومن معهم، ولا يزالون يقطعون الطرق، فتخوف الناس منهم وفرت البادية من منازلها إلى البلدان والقرى، وإن رأوها عليهم ضيقة، ولكن ألجأتهم الضرورة إلى ذلك الحال، وعند ذلك جهز الإمام لهم جيشا أخرج فيه بني عمه سيف بن مالك، وسيف بن أبى العرب وحزاما وأخرج معهم رؤوس القبائل، لأن قوة الإمامة مستمدة من رجال عمان عادة.
فخرج هذا الجيش يطلب ناصر بن قطن ومن معه من أهل البغي بشمال عمان ووصل الجيش إلى هدفه، وكان من قضاء الله وقدره أن شرارة الجيش وأهل البسالة فيه أول من وصل إلى العدو، فتلقاهم الطاغية في رجاله، فدارت رحى الحرب بينهم وأحاطوا بهم من كل صوب حتى قضوا عليهم عن آخرهم، وهرب الباغي عجلا إلى الأحساء لا يرى له ملجأ بعد هذه الكارثة إلا الفرار إلى الديار النائية، فإن غالب جيش المسلمين مشاة، والمشي شئ شاق لاسيما في حال البعد، أما ناصر إذ هم بغزو عمان، أهب الإبل البلغة للصدد، وخرج يركبه لا يريد وجهة خاصة ولا بلدا خاصا، وهكذا إذ لا ثأر له عند أحد أو عند قبيلة، لكنه فتاك نهاب لا يبالى بما يأتي وما يذر، وهذه القضية هي أخت وقعة الخروص بشمال عمان، والنصر بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد أثر قتل هؤلاء على المسلمين، وبعد هذه الحادثة لم يعد ذكر لناصر المذكور، ولعله مات أو سلط الله عليه أمرا أعجزه.
وما زالت سرايا الإمام مشرقة ومغربة، لم يبرح طيلة أيامه في حرب وما زال معه أهل عمان طوع أمره، وتحت سلطانه، وانتشر (3/215)
صفحة 768
عدله بين الخاص والعام، واستولى على عمان كلها ساحلها وداخلها، إلا مسقط بقيت فيها النصارى البرتغال، ويعرفون أيضا بالبرتكس في عرف أهل عمان، وهم العتاة إذ ذاك، والقاهر ونعلى الممالك الشرقية، رغم أهلها الذين انحرفوا عن واجب الحق الذي شرعه الله لعباده، وكلفهم به وأمرهم أن يتعاملوا به فيما بينهم، فتركوه وعملوا بالأهواء، فسلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فتولى الأمر عليهم وسيطر على ممالكهم، وأصبحوا يرزحون تحت ثقل وظأة هذا العدو الداهم، وقد عاهدوا الإمام ونكثوا، ثم عاهدهم مرة أخرى ونكثوا اعتمادا على قوتهم الكاملة في مسقط، وقد علموا أنهم إذا خرجوا من مسقط خرجوا من الخليج العربي كله، ولكن ولم يزل الإمام محيطا بحركاتهم وسكناتهم، وقطع عنهم العرب المعاملة التجارية، وانقطع الساعي إلى مسقط من عمان وغيرهم، وبذلك سرى الضعيف وهذا هو الحصار بعينه.
قال الإمام في تحفته: ثم نصب لهم الحرب حتى وهنوا وضعفوا، ووهى سلطانهم، وتفرق أعوانهم، وكان الموت والقتل يأتي على أكثرهم.
ولا شك أن للأمور إقبالا وإدبارا وقد كان إقبالهم لما كان العمانيون يتهارشون فيما بينهم كما قدمنا، وهنا جاء الإدبار حين اجتمع العمانيون، والتقوا تحت واحدة، ولا ريب فإن الاجتماع له في الكون انفعال صحيح، وقد جربتهم الأمم.
ويقول الله في كتابه العزيز: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) 40والله هو الولي على كل شئ قدير. (3/216)
صفحة 769
وفاة الإمام ناصر بن مرشد
لما كان لكل نفس أجل محدود في هذا الوجود لا يزيد ولا ينقص، أمر محتوم على الكل لغاية ما بعدها، وبذلك قضى الله على عبده الصالح الذي شاع ذكره في الجزيرة العربية، وانتشر عدله في ربوعها، وازدهرت به البلاد، وسعد به العباد، وأذل الله به أهل العناد، فكان ذكره سلوة كل محزون، وبهجة كل مصدور، ومفتخر كل مسلم، ففي يوم الجمعة لعشر ليال من ربيع الآخر سنة1050 خمسين وألف سنة توفى رضي الله عنه والمسلمون عنه راضون، ودفن بنزوى عند مساجد العباد.
وكان عمره رحمه الله ستا وأربعين سنة، ولم يعقب إلا بنية واحدة، قعد ذلك الحال من كراماته إذا صار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كان عقب بنتا واحدة وهى الزهراء فاطمة رضي الله عنها.
وكانت للإمام المذكور رحمه الله كرامات عديدة طار لها ذكر في الأفق العماني، وتداول حديثها الأكثرون، ودونها الكثيرون، وعقدت لها الأبواب، وطال بها الكلام عن الأئمة الأعلام، فنرى ذلك كافيا عن إعادتها هنا، فإنا معنيون بالحوادث التاريخية، ولأئمة المسلمين بعمان كرامات خالدة خلود الجبال، وما أعلاها وما أكرمها في نظر أهل الحق، ربما سخر منها بعض المخالفين الذين لم يعرف لهم من نوعها شئ، ولم يذكر لهم عنها شئ فيما علمنا، ولم يحدثنا تاريخهم عن شئ منها أبدا، فلذلك سخروا من كرامات أئمة الإباضية، والذين رأوا الأنوار بأعينهم، وأعيانهم أمرها قالوا: لعل هناك شيئا من الجن فرأوها تجوز للجن، (3/217)
صفحة 770
ولم تجر للإباضية، مع علمهم بأن الأنوار تجوز للملائكة، لأنهم أنوار أي أجسام نورانية، بخلاف الجن، فإن الجن لم يعرف الأنوار لهم، وإن كان فيهم صلحاء.
ثم ماذا يفعلون بما بقى من كرامات الإمام الوارث بن كعب، التي مرت عليها مئات السنين، وهى باقية حتى الآن كما هي، إن الذين لم يهتدوا الإيمان لا غرو إن أنكروا كرامات الإباضية حسدا من عند أنفسهم، والحمد لله. رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن إماما. (3/218)
صفحة 771
ثناء العلماء على الإمام الأرشد بن مرشد
لقد أثنا العلماء على الإمام ناصر رحمه الله ثناء عظيما، إذ كاد أن يكون نبيا عليه الكثيرون ثناء يسجل عند الله ذكرا عاطرا، فإن الخلق شهود الحق، ومن أثنى عليه أهل الحق كان أهلا الثناء، والخلق شهود لكل محق، فمن أثنوا عليه خيرا كان أهلا للخير، ومن أثنوا عليه شرا كان أهلا للشر، وقد ذكر الإمام السالمي رحمه الله طرفا من ذلك الثناء الشاهد على تلك النفس الطاهرة، وذكر الشعراء عنه مالا مزيد عليه من الفضائل الباهرة، والمحاسن النادرة التي لم تذكر إلا للنبيين والحمد لله رب العالمين. (3/219)
صفحة 772
عهود الإمام ناصر بن مرشد لولاته وعماله
ذكر العلماء عهود الإمام رحمه الله دليلا على طهارة نفسه الزكية, ودليلا على سيرته المرضية، فإنها تعبر عما في طوية ذلك السيد الزاكى، والإمام التقى الزاهد المجاهد, الذي لم يزل طيلة أيامه في قتال ونزال وصراع لأهل الباطل والضلال، وما زال رحمه الله ساحبا جيشا ومخرجا كتيبة وعاقدا لواء، وقائما بحرب، فلله تلك الأيام ما أعزها، ولله تلك الحياة ما أكرمها، ولله تلك الأفعال ما أعلى شأنها، ولم نذكر تلك العهود فتكفى بالإشارة إليها إذ حفظها التاريخ بين طياته، فنراها مرجعا لمن أرادها ومستندا لمن رام السير على منهاجها، ولله في عباده أسرار، وفي خلقه عظيم الاعتبار، والله ولى المحسنين. (3/220)
صفحة 773
خطبة الإمام ناصر بن مرشد في صلاة الجمعة
إن الإمام الأرشد ناصر بن مرشد رحمه الله، كان يخطب في صلاة الجمعة خطبة واحدة كما هي المذهب، ولم يصح عند المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب خطبتين، ولا يصح جلوسه في الخطبة أو بين الخطبتين كما يقولون، ولو صح ما تركه المسلمون مع شدة تمسكهم بأعماله، وتتبعهم لأفعاله، وأقواله، وأخذهم بما صح عنه، وإنما هي خطبة واحدة فقط خطبها النبي عليه الصلاة والسلام في بني سالم بن عوف حين صلى الجمعة أول جمعة في المدين بمسجد الوادي، وحفظها الناس عنه، ورواها المؤرخون.
وهى كلمات يسيرة ذكرها في تاريخ الخميس وغيره، ورواها أئمة السير، والذي ذكره رواة السنن لا عمل عليه عندنا فإنهم رووا كثيرا ولم يصح عند أصحابنا، وهم أشد الناس تتبعا لما رواه الثقات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد اجتمع في عصرنا هذا علماء فطاحل أخذوا من الفقه بحظ وافر، وفي مقدمتهم الأمام السالمي رحمه الله، وهو الذي قام بإمامة الأمام سالم بن راشد الخروصي، وبعد فتح نزوى أقام الجمعة بها والكل حاضرون وهم كبكبة من أهل العلم اللذين لم تصغر منازلهم عن صحابة رسول الله صلى الله وآله وسلم، لولا فضيلة الصحبة، ولا يسع ذكرهم، ولم نعلم عن أحد منهم قال في صلاة الجمعة بخطبتين، ومضى الإمام على ذلك حتى توفاه الله.
ثم قام عنه الأمام محمد بن عبدالله الخليلي، وكان جمهور ألئك العلماء باقين لم يتغير منهم ألا الأمام العلامة الكبير سيدهم عبدالله بن حميد السالمي رحمه الله، وعاش الأمام الخليلي قريبا من أربعين سنة، وهو يخطب خطبة واحدة، وهو أعلم الذين معه وهو أحد تلامذة العلامة السالمي أيضا، وقد زاره علماء الآفاق، ولم نسمع من أحدهم إنكارا لعملة واحدة، والذي يرى غير هذا الحال (3/221)
صفحة 774
اجتهادا لا نوافقه عليه بعد مضى أربعة عشر قرنا، يأتينا اليوم يرى أنه أهدى من أولئك سبيلا من أولئك العلماء الأجلاء، والأساطين المشار إليهم، فالحق ما مضى عليه علماؤنا وأئمتنا، ولا خلاف لمذهبهم.
وقد كتبت رسالة في الموضوع سميتها" الأصول المتبعة في أحكام صلاة الجمعة" وذكرت أمر الخطبة كما أشرت إليها هنا وبينت البعض من الأدلة المتبعة عند أهل العلم، وسكت عمن روى عنه غير ما عليه الأصحاب رحمهم الله، وحسبنا إتباع آثارهم والاعتماد على أقوالهم، والحق أحق أن يتبع وإن قل أهلوه، والباطل أولى أن يترك وإن كثر ذووه.
وإليك عبارة السالمي رحمه اللهفي هذا المقام قال:" وهذه خطبة الجمعة في عصر الإمام ناصر بن مرشد بن مالك اليعربي أعزه الله ونصر على البغاة" وهذا التعبير دال بمفهومه ومنطوقه على أنها خطبة واحدة، وأنها أيضا هي التي يخطب بها طياة حياة الإمام المذكور، لاشتمالها على المواعظ العظيمة المطلوبة لهذا المقام الحافل الجامع للمسلمين، الذين يهتموا بأمر دينهم وينظرون إلى الآخرة بستر رقيق، أسود النهار رهبأن الليل، الذين شهد لهم الحق أنهم رجاله وأحبهم العدل إذ هم أبطاله، وعشقهم الإيمان إذ قامت بهم أعماله، وابتهج بهم الدهر إذ هم جماله، حملت تلك الخطبة أعلام الهدى، وأعلنت للمؤمنين الابتعاد عن مسالك الردى، وحذرت المتديين على اختلاف طبقاتهم من إتباع الهوى، وعظ خالص له في القلوب تأثيره، وتحذير عام له في النفوس تقريره، يكاد يقضي على العقول التي تخاف الله، كأنه يعبر عن مصارع الموت، ويدل على مراسم الحياة الأخرى، ويكثر الباكون إذا تلي عليهم، فيخضع العاتون إذا القي إليهم نسجته أيادي الهدى، على وتيرة البلاغة، ووضعته صاغة البيان بأكمل الصياغة، والله يزيد في الخلق ما يشاء. (3/222)
صفحة 775
إمامة الإمام سلطان بن سيف
نسب الإمام سلطان بن سيف بن مالك وفية يلتقي بالإمام ناصر بن مرشد بن بالعرب بن سلطان بن أبى العرب بن محمد بن يعرب بن محمد بن يعرب بن سلطان بن حمير بن مزاحم بن يعرب بن مالك بن يعرب ابن عمر بن نبهان، بويع الإمامة في اليوم الذي مات فيه الإمام ناصر رحمهما الله، وكان كما قدمنا أحد قواد لدولة الإمام ناصر، وهو الذي فتح مدينة صور، وطرد البرتغال منها في عهد الإمام ناصر0
قال شكيب أرسلان، وهو يذكر الإمام ناصر بن مرشد قال: وخلفه ابن عمة سلطان بن سيف، فنسخ على طرازه في الاشتغال بإجلاء البقية الباقية من حامية البرتغال في سواحل عمان، قال: وكانت له عيون على هؤلاء يقضون إلية بعوراتهم، فأرسل إلية سرا رجل هندي كان وكيلا لأمورهم وموضع ثقتهم، وقص قضية سكبيله و كبريتيا البرتغالي العنيد، واستطرد في القضية بتمامه كما قدمنا عن المورخين العمانيين، وذكر البارحتين اللتين تحاميان عن حصن المرح، وتضربان البلاد مطرح ومسقط0
قال: فقصدهما العرب فذبحوا من فيهما أي وغنموهما، قال: ولم يكتف سلطان بالفتك بالبرتغال في بلادة، بل قصدهم لي بلاد الهند فأرسل بوارج حربية تغزوهم في ساحل كوجرات في الهند، قال: اجتاحت عساكر" الديو" و"دامام" وقفلت بغنائم وافرة وانية كثيرة مما كان في الكنائس، قال: ووجه سلطان بن سيف معظم همته إلى ترويج تجارة وعمارة أسواق الاخض والعطاء، واستجلاب الأسلحة والخيول لتقوية جيشه، قال: أنفق في هذا السبيل أموال طائلة، قال: وجدد قلعة (3/223)
صفحة 776
نزوى، وترك آثارا صالحة، قال: وكان من أفراد الملوك في سيرته في الرعية، وسداد آرائه وصواب أنحائه.
قال: وتوافدت الناس إلى داره مرضيه، وتسارعت إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، قال: وكل ذلك بسايق المحبة والأمانة وجاذب الإخلاص والناصحة، قال: إذ كان يخرج كسائر الناس ويغشى المجامع ويختلط بالعامة، وهو بدون خفير ولا قرين، بل خفارته من ثقة قومه وصحابته من معرفتهم لفضله وإجلالهم لقدره أ هـ.
هذه الأخلاق التي ذكرها شكيب أرسلان، هي أخلاق أهل الإيمان، وإنها لجمال لذلك الإمام السيد الكريم الذي عرفه التاريخ وأثنى عليه البعيد والقريب، بمثل هذا الثناء الفاضل، فإن هؤلاء الأئمة الخمسة الذين سوف يتلى عليك تاريخهم، هم جوهر اليعاربة، بل جوهر أهل عمان في ذلك العهد، كما تخبر عنهم أعمالهم، وكل أهل التاريخ في الأفق المشرقي يثنون عليهم ويأسفون على فقدهم، إلا أن الشريعة باقية، والسيرة التي سار عليها الصحابة معروفة لمن أرادها، ومن أراد غيرها تبعا لهواه، فلكل درجات مما عملوا والله يتولى من عباده الصالحين.
وعل كل حال لا بقاء للدنيا وإن طال العهد، فهي سوق الآخرة وكل يأخذ منها ما يحلو له، وفى حديث ابن رزيق: لم يمكث الإمام سلطان بعد البيعة بعمان إلا أياما معدودة إلى أسرع الوثبة لحرب النصارى الذين بيدهم زمام بلدة مسقط ومطرح، وهم المسلمون البرتكيس.
قلت: هذا عرف أهل عمان فيهم، قال: وهم يومئذ أشد النصارى قوة في المملكة والسلطان.
قلت: اتفق المؤرخون على أن البرتغال في ذلك العهد هم أقوى دول النصارى، وبقية دولهم تخضع لأوامرهم. قال: وأما معسكر الإمام سلطان بن سيف بطوى الرولة من المطرح. (3/224)
صفحة 777
قلت: لم نعرف هذه الطوى بعينها إذ تبدلت الحال، وصارت الطويان في مطرح خصوصا التي هي داخل السور، قال: كان جيش الإمام من طوي الرولة بمطرح إلى سدورى والسد المشار إليه هو الذي على ثغر وادي العدى، الممتد هذا السد من الجنوب إلى الشمال، وعلية قلاع باقية إلى عهدنا هذا، قال: ومعه من الجند خلق كثير.
قلت: الجند هم الجيش الذي وصفه الممتد من طوي الرولة بالمطرح إلى سدروى الآنف الذكر. قال: فطفق جنده يغزون البرتكيس صباحا ورواحا وهم أي البرتغال مستعدون لحربه لم يظهروا له الجبن ولا الإذعان.
قلت: الملك غال لا يباع رخيصا، ولا يسلم بالهوينا. قالك وقد أفعموا حصني مسقط يعنى الجلالى والميرانى وبرجها وسورها وجبالها برجالهم الشهيرة بالصبر على القتال. قال وحد غزوات عسكر الإمام سلطان بن سيف عليهم إلى بئر الرواية من مسقط، إذ هم قد بنوا على رؤوس جبال مسقط بروجا وأكمنوا فيها رجالهم أهل التفق، أي البنادق، وقد نصبوا سلسلة في الهواء، فكل من اقترب منهم من عسكر الإمام رموه برصاص التفق، ومدوا سلسلة من حديد عليها سور من حديد من البرج المسمى الآن برج والى محمد بن رزيق إلى البرج المسمى الآن المربع، قال: فلم يزل من كمنوا تلك السلسلة المذكورة يرمون من اقترب منهم من عسكر الإمام برصاص التفق.
قلت: لم أعرف معنى هذا السور الذي على السلسلة، فالسلسلة لا يمكن أن يبنى عليها سور، فلعل السلسلة على السور، فيكون في الكلام قلب في التعبير. قال: وقد قبضوا الجبل المسمى السعال من أوله إلى آخره، وقبضوا على جبل الملا من أوله إلى آخرة، وصوت التفق من الكامنين في الجبال وسائر المقابض لا يفتر لا سيما إذا جن الليل. (3/225)
صفحة 778
قلت: ذلك ليهيبوا على أنفسهم خوفا من وصولة العرب التي لا بد منها. قال: وحراسيسهم عليهم بالليل والنهار، وقد أخذوا من حزمهم الغاية.
قلت: لا يعنى ذلك شيئا عندما يأذن الله بجلائهم، قال: وقد بلغوا من الحذر النهاية، وقد أفعموا الصيرتين أي الحصنين الصغيرين، أو القلعتين اللتين على ثغر المينا بمسقط رجالهم المتقنين ضرب التفق والمدفع، وما تركوا عليهم سبيلا، فكانت الحرب بينهم سجالا.
قلت: ليست هذه الحرب الموصوفة بأنها سجالا، ولكن ابن رزيق لا يتقن التعبير. قال: لا قدرة للبرتكيس أن يخرجوا الإمام وعسكره من المطرح، ولا قدرة للإمام وعسكرة أن يدخلوا مسقط على النصارى.
قلت: والتحقيق أن الإمام اقتضى نظره حصرهم في مسقطهم وعلى كل حال أن كل محصور مغلوب، وهذه قاعدة مطرودة في قضايا الحرب وأمثلتها لا تحصى.
قال ابن رزيق بل كانت عسكر الإمام تزحف عليهم فيقتلون من يرونه حذاء الراوية في الأرض, ويقتلون من يرونه سائحا في المكان الذي يسمى حلة العجم والبحارية ونحوهم، ويرفعون أصواتهم إلى من بالسور من البرتغال، ناجزونا بارزونا فإن الشجاع مع الحرب لا يتحصن بالقلاع والسيران, ويعيرونهم طويلا أي لقصد تهيجهم للخروج من القلاع. قال: فلم يخرج منهم أحد لعلمهم أنهم ليسوا كفؤا لهم للمبارزة بالسيف والرمح الذي هو سلاح العرب إذ ذاك، وسلاح العدو البنادق والمدافع التي تأخذ العدو من مسافة نائية، وبقى المسلمون لا يقدرون على الاقتراب من القلاع والسيران، لأنها ترسل صواعقها إلى عدوها من بعيد فتدفعه عنها0 (3/226)
صفحة 779
قال ابن رزيق: الحرب على ذلك بينهم على تلك الحال حتى كاد الإمام وحزبه أن عزيمتهم عنهم لعدم القدرة على الدخول عليهم.
قلت: حاش الإمام أن يثنى عزيمتهم عنهم، بل لعله يعالج القضية بسياسة أخرى وأكبر شئ عليهم حصارهم بين تلك الجبال الشاهقة، وقد قبض المسلمون البحر والبر، فمن أين يأتيهم المدد، وعندما يتحققون الضيق سيطلبون الخروج بأنفسهم، لكن من قدر الله أن وقعت تلك القضية بين رئيس البرتغال المسمى فرفرة، ونورتم القائد الهندي وهو المعروف عند أهل عمان بالبانيان، وهم قوم يعبدون البقر لعنهم الله، ثم جاء ابن رزيق بقضية الزواج التي قدمنا ذكرها، فكانت السبب الفاتح للمسلمين، ولعل دعوات أهل الإيمان استجيب لهم، وأذن الله بزوال هؤلاء الكفرة الفجرة، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، وسرد ابن رزيق القضية كما هي عادته بكلام طويل يحصره يسير الكلام وربما أفاد في بعض المواضيع فلا نعيدها مرة ثانية.
ولما اقتحم المسلمون السور ودخلوا مسقط الداخلية، زحفوا على الحصنين فأحرقوا أبوابها بالنار، ولم يجد من فيها ما يدافع به فسلموا الأمر راغمين، وقضى عليهم طالع النحس بالزوال، ليسترد أهل الحق حقهم المغصوب، وكان الإمام سلطان هو قائد الجيش، ولما وصل بالجيش عقبه الوادي أحضر القوم وجدد البيعة معهم، وأخذ عليهم العهد والميثاق على الصبر على الموت، فبايعوه على ذلك ومضى بهم وشعارهم الله أكبر، اللهم أنصر المسلمين على عدوهم.
ولما دخلوا خذل الله المشركين، وأيد الله المسلمين، وقوى قلوبهم وشد عضدهم، فكانت الدائرة على أهل الكفر. فكان كما قيل إن الدماء سالت إلى البحر، ولم يبق إلا أمر البارجتين أراد المسلمون الزحف عليها فشاور الصارمى الصارم المغيوتى البطل، فخرج إلى الداخلية وجاء برجال (3/227)
صفحة 780
معدودين انتخبهم لمعرفته بهم، وأطعمهم بالمال الجزيل، فتقاحموا على البارجتين كالأسد على فريستها فاصطلموهما بأسرع وقت، وانتهت قضيتها إذ ذبحوهما، وقادوا البارجتين إلى الإمام، ولا تسل عن سرور الإمام والمسلمين ذلك اليوم الذي قلع الله تلك الشجرة الكافرة، ومحا فيه أرسم الباطل.
وأخذ الإمام رحمه الله في جلب المعدات الدولية، ومن جملتها الخليل، فجمع منها كثيرا سيأتي ذكرها في إمامة ولده سيف، وفتح أبواب التجارات إلى العالم من كل صوب، وجلب لعمان الخير من جميع النواحي، فأمنت الرعية، ودرت الأرزاق، وكثرت الأرباح، وعلا شأن العمانيين بين أمم العالم، فنظرت إليهم الأمم بأعين الإجلال والإكبار، إذ هم الذين قلعوا تلك الشجرة الملونة في القرآن، وولى الإمام على سيف بن بلعرب اليعربي، وترك معه عساكر جمة، أمره بالحزم والأمر والنهى عن المنكر، ونزول الرعية إلى الحكم بالسوية، ورفع الجزية عن نورتم وأهل بيته جزاء إعانته.
ورجع الإمام إلى نزوى فاهتزت عمان له فرحا، وعلت البشرى على أوجه أهلها، وأتاه أهل نزوى أكبرها وأصاغرها يهنئونه بالنصر والظفر والفتح الذي وفقه الله له، وأذل به المشركين، وعلى أثر ذلك أمر الإمام بمطاردة المشركين في سواحل عمان، فاستفتح ((أهل الديو)) ضربة أخرى لأهل الكفر، ودمر وكلابوه وعكة، فملأ العالم الشرقي في آسيا هيبة ورعبا، واختلف بغاة أهل عمان الذين آذوا الإمام ناصر ابن مرشد، وسقط في أيديهم، ورأوا أنهم رهن إشارته، وأنفق على بناء قلعة نزوى لكوكا وملايين، وبهر بها أعداء الدين، وأصبحت حتى (3/228)
صفحة 781
الآن مفخرة المسلمين، وأحدث فلج البركة الذي هو بين إزكي ونزوى، وهو إلى أزكى أقرب، وعامل في التجارات للدولة فربحت كثيرا من الأموال التي قوم بها أود المسلمين، فإن الدول بالمال، ألا تسمع قول بني إسرائيل: ولم يؤت سعة من المال، فاستنكروا أن يكون ملك وليس عنده سعة مال. (3/229)
صفحة 782
أخلاق الإمام سلطان
كانت للإمام سلطان أخلاق كريمة، وخصال حميدة، عرف بها في الأمة، لأنه تربى في أحضان إمامة معروفة بالتقوى، مشهورة بالورع ومجانبة الأهواء، كان رحمه الله لين الجانب لإخوانه، رءوفا بهم شفوقا عليهم، خاليا من الكبرياء، نزيها، مما تعاب به الرجال، يؤيد الحق على الباطل وإن كلفه فوق المنتظر.
وصفه الإمام السالمي رحمه الله قال: كان متواضعا لرعيته، ولم يكن محتجبا عنهم، وكان يخرج في الطريق بغير عسكر، ويجلس مع الناس ويحدثهم ويسلم على الكبير والصغير والحر والعبد، ووصفه صاحب فواكه العلوم بصفات رائعة فقال: أضحى رحمه الله قوى الجنان باسط البنان، بنيانا مرصوصا في الهيجاء، سحابة وطفاء في العطاء، مرتديا برداء العفاف والورع، ولا يهوله من عدوه فزع ولا تأخذه في دينه محاباة ولا طمع، عامرا للديار وحافرا للأنهار، غارسا للأشجار، ليعيش فيها ضعفاء المسلمين الأتقياء الأبرار ابتغاء مرضاة الملك الجبار، متأسيا بالرواية السالفة عن السلف الصالح: اعمل ما شئت كأنك تموت غدا وأعمر ما شئت كأنك لا تموت أبدا، وهذا من قوته وحذاقته، حوي على كلتا الحالتين سخيا سمحا بنوال المسألتين، سيدا ووليا من الصالحين، قال: وكثير من فضائله لم أحص عدها.
قلت: هذه لا تحتاج إلى زيادة وأخلاق، هي من مكارم القادة، وقد أثنى عليه بمالا مزيد عليه، والخلق شهود الله في أرضه، والحقيقة أن أخلاق الإنسان هي الشاهد الصحيح كيف كانت ومهما كانت، وإن قيل غير الواقع لا يثبت إلا الحق، وإذا أحب الله شخصا هداه للحق بأذنه، وأرشده إلى المرضى عنده، والله في خلقه أسرار، وهذه الشجرة اليعربية أظلت أناسا في هذا العالم من لفح سموم الحور والظلم، وأعزت رجالا أصبحوا بها قادة الأمة ومن ثمارهم تعرفونهم. (3/230)
صفحة 783
أعمال الإمام سلطان في عمان
لقد قدمنا أن الإمام ناصر بن مرشد هو الذي أزال غثاء البغي من عمان، ووضع كرسي العدالة بين أهلها، وأنعش ميت الحق وأمات إحياء الباطل، وطهر عمان من معزة الفساد والضلال، حتى صار الورد صالحا والماء صافيا للوارد، وجبال السوء طرأ رثها فما عادت تصلح إلا للمزابل.
وعندما بويع الإمام سلطان، وجه عنايته إلى تقوية الهيئة الحكومية أولا، وتأييد العدالة بالقوة الفعالة. قال صاحب كشف الغمة: فقام بالعدل وشمر، وجاهد في ذات الله وما قصر، ونصب الحرب لمن بقى من النصارى بمسقط، وسار عليهم بنفسه حتى نصره الله عليهم وفتحها بأذن الله، وقام يجاهدهم أين كانوا وأين وجدهم في بر وبحر، فاستفتح كثيرا من بلدانهم، وخرب كثيرا من مراكبهم، وعنم كثيرا من أموالهم، فقيل إنما بني القلعة التي بنزوى من غنيمة الديو من أرض للهند، وسيأتي الكلام على بنيانها في محله إن شاء الله.
وقام بنشر العلم فكثرت الفقهاء، واعتمرت عمان في دولته، واستراحت الرعية وازدهرت البلاد بحسن السيرة، ورخصت الأسعار وصلحت الأثمار، وكان خير خلف لخير سلف، هذا وصف أعماله عند هؤلاء، وذلك وصف إجمالي كما هو شأنهم.
والذي يعبر عن أعمال هذا الإمام العظيم تعبيرا صحيحا يضيق به المقام، فإنه لما تولى الأمر أول شئ، جعله نصب عينيه تطهير البلاد من كل رجس أجنبي، فساق جيشا ضخما فيه أبطال الرجال الذين هيئتهم دولة الإمام الراحل، وعلمتهم العمل المطلوب منهم في المستقبل، نزل الجيش بسيح الحرمل الذي تقع عليه آلان مطرح الكبرى، فملأه (3/231)
صفحة 784
حتى الوطية، وفي نفس الليلة لدغت ولدة الأمام سيف بن سلطان حية في سيح الحرمل، إذ كان ألرضا خالية احتوت عليها الحشرات الأرضية، فقيل للإمام في ذلك إنا نرى فألا غير صالح، فقال ما جئنا إلا لإحدى الحسنيين، جئنا للموت لا للحياة إلا إذا يسرها الله لنا، وما أحب اسمع مثل هذا الحديث أو كلاما هذا معناه، وبعد صلاة الفجر زحف الجيش على مسقط فكاد يطير إليها شوقا. (3/232)
صفحة 785
مسقط في العهد البرتغالي
لا يخفى أن البرتغال ما زالوا يتوقعون زحف العمانيين عليهم ما دام علم إمامتهم يرف على رءوسهم، ولذلك قاموا بتحصين مسقط تحصينا كاملا، ووضعوا قواتهم الهائلة بها، وحصونها كما قال ابن رزيق وغيره من المؤرخين عربا وإفرنجا. قال: فسورتها النصارى من حد جبل المكلا إلى جبل السعالى.
قال: وأحدثت فيها حصنين كبيرين شرقيا سموه الجلالى باسم بانيه, جلال خان، وغربيا وسموه الميرانى باسم بانيه, وهو ميران ولعله ميران خان. قال: وأحدثوا فيها صيرتين أي قلعتين صغيرتين مانعتين من دخول العدو للمينا، لأنها تطلان عليه, وبنوا عليها سورا ضخما لا يزال أثرة باقيا حتى الآن يفصل البلد نصفين، نصفه الداخلي لهم، والنصف الذي خرج عنه للأهالي، وجعلوا نفس القسم الداخلي حصنا حصينا، إذا جعلوا على نفس السور بروجا ضخمة وقلعة ضخمة، سموها قلعة كبريتة، وهو قائد هندي معهم، وسيأتي ذكره بعد هذا المقام، وأقاموا أبنية ضخمة على جبال مسقط ومطرح وجعلوا للطريق خمس عقبات، كل عقبة عبارة عن قلعة من حد المطرح إلى مسقط، وآخر هذه العقبات من ناحية مسقط عقبة ريام، وأولى العقبات من أول المطرح إلى أول ريام، وتعرف بعقبة الخيل، والثانية التي إليها آنفا المطلة من الجانب الشرقي على مسقط ومن الجانب الغربي على ريام، والثالثة من محلة كلبوه إلى مسقط، والرابعة من آخر مسقط على جهة سداب وتعرف بعقبة سداب، والخامسة من آخر مسقط إلى الوادي الكثير المفضي إلى روى، وجعلوا على هذه العقاب السلاح المناسب لذلك الوقت. (3/233)
صفحة 786
وهذه العقاب في غاية الصعوبة، وقد كسرت هذه العقاب مرات عديدة لاقتضاء الوقت ذلك، وعادت الآن بالأرض لا يعرف الجيل الحاضر عنها شيئا إلا أسماءها، وملئوا مسقط من رجالهم الأقوياء، وكما أنهم ما زالوا يعاهدون الإمام ناصر ثم يخونون لما مات الإمام ناصر نكثوا العهد الذي وقع أخيرا، ورأوا أن قوة العمانيين سيؤثر عليها موت الإمام الذكور، وبذلك قطعوا أولا الجزية التي كانوا يؤدونها للإمام ناصر، ومنعوا المسلمين من دخول مسقط، وأظهروا عتوا وعناد وتكبرا، وضاعفوا قواتهم على جبال مسقط، وجعلوا أشد رجالهم عليها، ومدوا سلسلة حديد في رأس الجبل المشرف على محلة ميابين، وعلى الوادي الذي يمر على محلة برزنجى إلى الجبل الذي به الآن البرج المربع، وهو الجبل المشرف على حلة الأفغان، وجعلوا على هذه السلسلة سورا من حديد، وأكمنوا فيه رجالا من قومهم ليصدوا المسلمين عن الوثبة عليهم من نفس السور، وكانوا حفروا خندقا يحيط بالسور من خارجه، وأطلقوا عليه البحر الصغير الذي هو شرقي الباب الصغير، وهذا يدل أن البحر كان يخترق الرقعة الداخلية من مسقط، وإنما خفي الآن وجوده لتبدل المكان بما طرأ عليه من بناء جديد، ومن كيس ومن تبديل.
قال: وجعلوا على السور عساكر جمة، قال: وكان للنصارى وكيلان من البانيان أي الهندوس، يسمى أحدهما سكبيلة والثاني نورتم، أي هما قائدان عنيدان يقومان بتأبيد الحامية، وينظمان الأمور، وقد تمرسها بأحوال أهل عمان وعرفا حرب عمان وعرفا حرب العمانيين، ولذلك كانا هما اللذان يرشدان النصارى إلى الأحوال الحربية التي يستدعيها الوقت. ومسقط ذلك العهد ليست هي مسقط عهدنا الحالي، فإنها كانت الجبال الشاهقة محيطة بها، ولا يصار إليها إلا بجهد جهيد، ولا مدخل إلا من طريق (3/234)
صفحة 787
البحر، فيجر القوارب الصغار جرا ون، ويسيرون وهم رهن الخطر هذا في حال السلم، فكيف بحال الحرب أما الطرق التي هي لها الآن ما كانت في الحسبان، ولا يأتيها إلا القوى الشديد، ويصلها باك تعب، وبغاية النصب، والأموال تخرج منها بطريق البحر فقط، أما مساجد السنية فيها فحديث من عهد جديد، وأولها مسجد الزواوي يوسف بن أحمد، ففي عهد السلطان فيصل، ومسجد علي بن موسى كذلك، وسجد نصيب في عهد السلطان تيمور. (3/235)
صفحة 788
الضغط يسبب الانفجار
كان من القضاء والقدر الذي يمهد السبب لتأييد المسلمين على عدوهم، هو أن لسكبيلة اللعين بنتا جميلة رآها أمير الحصن الشرقي فعشقها، فأرسل إلى سكبيلة يخطبها، وبذل في زواجها مالا كثيرا ذهبا وفضة وجواهر ثمينة، فشق هذا الطلب على سكبيلة وعظم في عينه لأنه غير مألوف بينهم وفي طبيعة النفس النفور من غير المألوف، ولذلك نفر النعمان بن المنذر من ترويج كسرى أنو شروان، حتى عظم الخطب، وأدى إلى ما أدى إليه مما يعرفه كل أحد، وأصر سكبيلة على عدم ترويج البرتغالي حتى جابهه قائلا له: ما كان في القديم ولا في الحديث التراوج بيننا، وهذا شيء لا يمكن أن يكون بيننا الآن، فغضب البرتغالي وهو يرى أن سكيبلة مأموره ولا يمكن أن يخالفه، لأنه هو الذي ولاه أمر الحصن الكبير، وجعل إليه الزعامة في أوامره، فهدده إن لم يمتثل، فتحقق سكيبلة أن من راء امتناع الهلاك والدمار، ويستولي النصراني على المرأة غصبا، فبلغ الضيق منه مبلغه، فأراد أن يرميه بداهية تقضي عليه وتسحقه، وعند ذلك تلاين سكيبلة لرئيسه في أمر المرأة، وقال له، إن كنت معولا على هذا الحال وراغبا فيه فالأمر سهل لا تعز عليك بنت ولكن أمهلني إلى كذا وكذا من المدة، وفي رواية أمهلني سنة حتى أتمكن من صوغ ما يلزم لبناتنا الأبكار في أغراسنا، ف‘ذا تم الصوغ المطلوب ووصلني دفعت إليك المرأة فأمهلني لهذا الصدد فسر النصراني بذلك وابتهج ورفع منزلة سكيبلة، فكان لا يحل ولا يعقد إلا بمشورته واصطفاه تماما.
ولما رأى سكيبلة التمكن من القائد، قام للعملية التي هيأها في نفسه للانتقام من هذا الطاغية العنيد، فقال له: إن الماء الذي في الحصنين قديم فيه دود، وأخشى أن يطول الحصار علينا من المسلمين، فالرأي تجديد الماء وكذا البارود، فإنه فاسد والرأي تجديده، (3/236)
صفحة 789
وهذا البارود الخاص بالمدافع إذ كانت في العهد يلقي في بطونها البارود لكل طلقة، ثم تلقى الرصاصة عليه تلقى الرصاصة عليه ثم تضغط بالدك وهكذا. قال والرأي تجديده بالدق أيضا، فأجابه إلى ذلك وتخليه ناصحا له في ذلك، وهو وإن كان الواقع كذلك، إلا أن سكبيلة كان له غرض الانتقام من النصراني الذي أراد أن يرغمه بزواج ابنته، فنسج حيلة يسلم لها القائد، ولا يجد فيها إلا ظاهرة النصح، فأخلى سكبيلة الحصنين من الماء، وأخرج البارود للدق مرة ثانية، وإذ ذاك كتب للإمام عن الواقع وأخبره عما جرى له من النصراني العنيد، وأرشده على الوثبة على السور، وبين له الوقت المناسب لذلك، وهو يوم الأحد عند طلوع الشمس، ذلك اليوم هو يوم عيد النصارى، فكانوا يشربون الخمور، ويدقون الزمور، ويضعون السلاح، ويشتغلون بالأفراح طرباً ولهوا فاغتنم المسلمون الفرصة، وتوجهوا إلى العدو بقلوب متحمسة، صالوا صولة الأسد الهائجة على فريستها.
وكان الإمام البطل في المقدمة، فاقتحموا السور وتهاووا على الحصون، كالعقبان المنقضة من السماء، فاختلفوا هما في الحال، وقتلوا من كان فيها من النصارى، وفي نفس الواقعة يقول ابن رزيق: أخبرني غير واحد أن الإمام سلطان ضرب واحدا من النصارى في الجزيرة، وهي قلب رقعة مسقط الداخلية، وكان النصراني لائذ على مدفع هناك كبير، فالتف بعصفور المدفع وهي الجديدة الناتئة فيه لسحبه، فقطع السيف عصفور المدفع، وفخذي اللعين فجل الخبيث يقول لكل من مر به من المسلمين: ما هي ضربة واحدة قطعت العصفور وفخذي، ولم يفتر عن ذلك حتى مات، وتولى الإمام وجنوده مسقط، ولم يبق له محارب إلا كبريته، وكان شجاعا مقداما عنيدا، وكان بيده القلعة التي على السور المعروفة بقلعة كبريتة، فكان يهاجم المسلمين ببسالة فائقة، واستمرت المعارك بينه وإياهم أياما حتى حان حينه في سوق البز في مسقط، فحصره رجال الإمام المصاليت، حتى قضوا عليه هنا ه9و ومن معه من (3/237)
صفحة 790
الجنود، وطهر الله الأرض منهم، وانتهى أمر مسقط وبقيت حامية المطرح، فاستول عليها الرعب وكادت تضيق بها الأرض، وهناك بارجتان من بوارجهم في المرسى تحاميان على الحصن، فتجرد العرب العمانيون لهم بعزم أقوى من الحديد وأدهى من الموت.
فزحفوا عليهم في سفن صغار فهاجموهم في البحر، فقتل في أثناء الهجوم أكثر الجنود البرتغال، ولم ينج منهم إلا من حبسه الأجل، ولما رأوا لابد من الاستسلام سلموا الحصن للإمام وطلبوا من الإمام أن يعبرهم إلى جوه فعبرهم، وتولى الإمام كلها، واحترم الإمام سبيلكة ونورتم، وعفاهم من الجزية عنهم وذراريهم ومن كان من أقاربهم لمناصحتهم للمسلمين في هذه البادرة وتحقق قولهم الضغط يسبب الانفجار، ولى هذه الحرب يشير الشيخ خلف بن سنان الغافري في قوله:
ثم ... أروى ... لمسقط ... سقط ... عزم
اسقط ... الظالمين ... منه ... ضرام
فطار طائر البرتغال من الأوكار العمانية، وتركها لأهلها راغمًا، فعاد الحق لأهله.
وفي القضية وأمثالها معتبر رائع يفهم منه الإنسان الكونية التي تخرجها الأيام، فكانت أيام الباطل قائدة للأجنبي ليحتل بيضة المسلمين، ويتمركز في أركانها، وعادت أيام الحق تمحو ذلك الباطل البغيض، وهكذا الأيام تبررهن للعاقل عن الغراس الصالح، وعن المزارع الوبائية التي يزرعها الظالمون.
وكان احتلال المسلمين لمدينة مسقط في يوم عاشر من شهر رجب سنة 1059 وتتابعت الفتوح بعد ذلك والحمد لله. (3/238)
صفحة 791
الحق تحت ظلال السيوف
لما انتهى إجلاء النصارى البرتغال، الذين يسميهم أهل عمان البر تكيس، من عمان تماما نظر الإمام رحمه الله أن العدو خرج ولا بد إن استطاع أن يحيك المؤامرات العدوانية مهما كانت، وأيا كانت، وما ينبغي لنا أن نقبع في مخدعنا نترجى نزول العدو علينا مباغتا لنا، ولا ندري ماذا مبلغ فعله فينا، وقد ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام قوله: (ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا).
فينبغي أن نتقدم للعدو ليكون الرعب ملازما له، والخوف محيطا به، وهكذا.
ولما كان مقر العدو الهند وجه الجيش إليهم بها فتغلغل في الهند حتى اجتاح ساحلها، وقبض على طرقها البحرية، فهاجم الديو وهي أقوى بلاد الهند إذ ذاك، فافتضها وغنم منها أموالا طائلة، وساق ستة آلاف أسير دخلوا عمان واندمجوا في أهلها، وبني من غنيمتها قلعة نزوي التي لبث بناؤها اثنتي عشرة سنة، فكانت المثال الرائع. (3/239)
صفحة 792
ظفار قطعة عمان
لما كانت ظفار كالجزء من عمان، أو كالجارحة من الجسد العماني، تولاها الإمام سلطان، وجعل فيها حامية عمانية لئلا يتطرق عليها العدو إذ ذاك، فيتمركز فيها ويكون شره لعمان من الجسم العماني.
ولما انتقل الحفاظ على عمان إلى البحر الأحمر، وكانت ظفار من ضمن قلب المملكة العمانية، تركها الجيش العماني إذ لا محذور هنا والجيش قد ضرب أطنابه في البحر الأحمر مطاردا لأكبر دولة استعمارية كافرة بالله عز وجل، ثم أقبل عزم الإمام على المحيط العماني ليحفظ القطر من جميع جهاته، خرج الجيش الذي كان في ظفار وخلف بها مدافع وآلة حرب، وعند ذلك ظن ملك اليمن أن إمام عمان وقع عنده ضعف وخلل، وسرعان ما سحب إلى ظفار واستولى على المدافع وقبض البلد.
ولعل بعض أهلها دعاة إلى ذلك، فلما علم الإمام بالواقع وكان في أول نشاط دولته لم ينزل الضعف منه منزلا ما، ولكنه لم يشمئز من نزول الملك الذكور، وهو إسماعيل بن القاسم من ذرية على بن أبي طالب، وإنما اشمأز من أخذ المدافع، وتجاسر الملك عليها مع علمه بأن وراءها سائلا عنها وغيورا عليها، ولعله تصور له ضعف إمام عمان أو بعده عن البلاد، مع أن البلاد شافعية المذهب، وأهلها بدو أشبه بالرجل إن لم يكونوا رحلا، وأن إمام عمان ما سحب جيشه إلا لداع دعاه إلى ذلك، فكتب له الإمام في ذلك كتابا جميلا لا يطلب منه إلا رد المدافع، وسكت عن البلاد استبقاء له، وإبقاء للصحبة التي يستدعيها الوقت بالنظر إلى العدو الذي يطارده الإمام حتى يرى منتهى الأمر، وما كان كتاب الإمام إلا كتاب أخ لأخيه، أو كتاب صديق لمصادق. (3/240)
صفحة 793
ولما وصل الكتاب إلى إسماعيل بن القاسم، شخر ونخر وأرعد وأبرق ووعد وتوعد، وصال وهدد، وجاء كتابه مشحونا بالصواعق التي يكاد فحواها، يمحو الإمامة العمانية من عقر دارها، فاستغرب الإمام ذلك الطيش والنزق الذي سمعه من هذا الإنسان الذي ينتسب إلى سلالة علي بن أبي طالب، وما كان يحمل به ذلك ولا يليق الطيش والنزق بأهل المناصب، وليته ترك الجفا، وعدل إلى نهج الصفا، واو لم يكن فيه وفا، فلم يجبه الإمام عليه وإنما أجابه بأساطيل تمحو الأباطيل وبرجال تزيل الضلال، وقد أخبره في كتابه حيث يقول:
ثم لتعلم أيها الملك أنه وصل إلينا في مدة أيام قد تصرمت، وشهور قد تخرمت، رجل من جنابكم يزعم أنكم أرسلتم بيده طروسا بها درر من رائق لفظكم، وخطلبكم، غير أنه يقول إن المركب الذي أقبل فيه عابة الإنكسار، فغرق في أليم، فأدرك الطروس المسطرة حكم التلف، ثم بيد أنه قد أفاه إلينا من نتائج لسانه، واتضح لنا من واضح نطقه وبيانه، أنكم علينا عاتبون، ومنا واجدون لأجل خدامنا في العام الماضي مراكب رقاب المشركين على بابكم، وأخذهم لسفنهم الواردة لجنابكم، ولعمري إنا لندري أن العتاب بين الأخلاء عنوان المودة الخالصة والصفا، وزايد محض المودة الصادقة والوفا، غير أنه يجب عند اقتراف الجرائم، وانتهاك المحارم، فإنا نحن لم نقصد إلى انتهاك ذلك سبيلا، ولا نجد لك على إلزام فعل ذلك دليلا، إذ كنا لم نجهز مراكبنا، ونتخذ مخالبنا ليساره رعيتك، ولا استباحة دم أهل حكمك وقضيتك، ولكن جهزنا الجيوش والعساكر، وأعددنا اللهازم والبواتر، لتدمير عبده الأوثان، وأعداء الملك الديان، تعرضا لرضا رب العالمين، وإحياء لسنة نبيها الأمين، ورغبة في إدراك أجر الصابرين الجاهدين، وحاشا لمثلك أن يغضب لقتلل عبده الأوثان والأصنام، وأعداء الله والإسلام، ألست من سلالة علي بن أبي طالب، الساقي المشركين ربي المشارب، وأنت (3/241)
صفحة 794
تدرى بما يجرى بيننا وإياهم من قبل في سواحل عمان وفي سائر الأماكن والبلدان، من سفك الدماء، وكثرة الصيال، وتناهب الأملاك والأموال، وإنا لنأخذهم غفي كل موضع تحل به مراكبهم، وتغشاه سفنهم، حتى من كنج وجيرون بندري الشاه، ولم يظهر لنا من أجل ذلك عتابا ولا نكيرا، وإن كنت في شك فاسأل به خبيرا. أولا نذكرك أيها الملك والذكرى تنفع المؤمنين، وإنا لك من المنذرين، وعليك من المحذرين، إنا لما ملكنا تلك الأيام بلدة ظفار، وهى عنا نازحة الفيافي والقفار، ولم تر في ملكها صلاحا لشئ أوجبه منا النظر، وحاكته الأذهان والفكر، فتركها لا من خوف قوة قاهرة، ولا كلمة علينا ظاهرة، ولا بد غالبة، ولا كف سالبة، وحينما خرج عنها عاملنا خلف بها شيئا من مدافع المسلمين، لغفلة جرت عن حملها في ذلك الحين، ولما ملكتم أنتم زمام عيسها، واجتليتم ضوء بدرها وشمسها، لم تدفعوا لنا تلك المدافع، كأن لم يكن وراءها ذائد ولا دافع، فاعلم أيها الملك أن البعل غيور، والليث هصور، والحر على غير الإهانة صبور، ومن أنذر فقد أعذر، وما غدر من حذر.
على أننا في إصلاح ذات بيننا وبينكم راغبون، ولإطفاء الفتن وإخماد المحن بيننا وإياك مؤثرون، فإن كنت راغبا في الذي فيه رغبنا، وطالبا لما آه طلبنا، فادفع لنا إياها، ولا تحتس بسرعة الاعتداء حمياها، وإن أبيت إلا الميل إلى أغتنامها، والجزم على خبط ظلامها، ففي الاستعانة بالله على من اعتدى سعة، ومن كان مع الله كان الله معه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والسلام عليك ورحمة الله.
فالإمام سلطان رحمة الله يذكر ملك اليمن بحال الكفرة وأفعالهم، وما دار بينه وإياهم في سواحل عمان، وأن رجاله يحتلون الأعداء حتى في كنج وجيرون اللذين هما من أكبر بلاد إيران، ولم ينكر عليهم الملك (3/242)
صفحة 795
الفارسي الذي هو أعظم من إسماعيل بن القاسم ملكا وأكثر قوة وأنصارا, ولم يطلب الإمام من إسماعيل إلا المدافع فقط، وجعل المسلم أخا للمسلم، فنحن تركناها وهذا مسلم تولاها، وأن المحذور أن يتولاها الكافر عدو الكل، ثم إنها أي المدفع مال مسلمين، ولا يحل مال المسلم بحال من الحال.
والإمام يذكره الصحبة، ويحيله إلى إبقائها وإلى عدم الشقاق والفتنة، ولكن الرجل غلب عليه الطيش، ولم يتحاش عنه، ولذلك يؤسف عليه، والواضح من خطابه أنه متهور، حيث قال. إنها أي المدافع أول غنيمة من قطرك الشاسع، كيف يجعل مال المسلم غنيمة، وهذا شئ حرمه الشرع إلى آخر ما جاء في كتابة.
ولم نذكر الكتابين معا لأنهما موجدان في سير المسلمين: محفوظان فلا نطيل بذكرهما، وإنما أشرنا إليهما وذكرنا فقرات من كتاب الإيمان لندل بها على الصدى المطلوب.
وقال الإمام السالمي رحمه الله بعد ذكرهما: وبكل أسف لم نعثر على جواب الإمام على هذا الكتاب. قلت: المفهوم إن هذا الكتاب لا جواب له عند الإمام إلا أحد شيئين، إما السكوت والإغذاء عنه وعن المدافع إبقاء للسلام، وإنما أن نوجه إليه مدافع أخرى تسترد تلك الدافع.
قال الإمام رحمه الله: وما أظنه إلا كما قال الشاعر:
وهل ... تغني ... الرسائل ... في ... عدو
إذا ... ما ... لم ... تكن ... بيضا ... رقاق
قال: وأئمتنا بحمد الله تعالى ممن ذكرهم الله في كتابه بقوله: (3/243)
صفحة 796
(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً) 41 إلى قوله تعالى: (الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) 42 فهم الأئمة الفعالة، وغيرهم الأئمة القوالة، وكأن هذا الرجل زيدي المذهب، وكأنه يثبت الوصايا لعلي.
قال. ودلائل الحال تقتضي إن بينهما وقائع، ولكن لم نطلع على ذكر شيء من ذلك، ومكن هذا الإمام من اليمن والهند وغيرهما يقتضي أن الأمر صار على خلاف ما يزعمه ملك صنعاء، وكذلك تمكن الأئمة من بعده فإنه ذكروا لهم من القوة والسلطان، والتمكن من البلدان النائية والأقطار القاصية، على ما سيأتي ذكر بعضه، وذلك يقتضي أن الإمام ومن بعده من الأئمة تمكنوا من اليمن وغيرها ما خلا صنعاء، فإنا لم نجد تاريخا في التمكن منها نفسها، وإما آثارهم فظاهرة في أطراف اليمن، والله أعلم بما وقع بعد تلك المخاطبة إلى آخره. (3/244)
صفحة 797
معارك الجيوش العمانية للإفرنج
إن معارك الإمام سلطان للإفرنج بواسطة قادة جيوشه عديدة، لا يسع المقام ذكرها تفصيلا، فإنها تستدعي مؤلفا مستقلا، ذكرها المؤرخون وذكره الشعراء العمانيون في مدائحهم، وأولها مسقط، وقد ذكرنها لأن ذكرها ضروري، إذ هي المفتاح الذي للقفل البرتغالي، ومنها وقعت كنج أكبر وقعة بين العمانيين والبرتغال، بلغ صداها أقصى بلاد الشرق وأهتز لها العالم وسباهما الجيش، سفنهم إلى عمان، وساق الغنائم وإليها يشير الشيخ خلف بن سنان حيث يقول:
ولدى ... كنج ... كان ... منه ... لهم ... ما
كاد ... منه ... تدكدك ... الآكام
أي كاد الجبال تندك منه، وجاء البرتغال في غزوة من غزواتهم، فأحرقوا الدوحة من ضواحي مسقط، وذلك بعد"غزوة الديو" وكان قائد الجيش إلى الهند راشد بن علي، الذي مدحه الشيخ خلف ابن سنان في قصيدته الميمية، وكان السبي ألفى أسير، وفي بعض النقل ستة آلاف أسير، أشرنا إليهم في" العنوان"، وغنم منهم كنوزنا عظيمة، ووقعة ممباسا التي هي مضرب المثل في الوقائع، كما ذكرها المؤرخون، واصطلمها منهم ورفع العلم العماني عليها عهدا.
ومنها وقعة كلوه وهي وقعة قادت ذلك الصقع معها راغما، وقادها العمانيون من أنفها صاغرة، وزاد نشاط العمانيون، وظلوا يتقاحمون على تلك القرى تقاحم الأسود الصائلة.
ومنها وقعة زنجبار، ولا تسل عن استبسال العمانيين فيها.
ومنها وقعة بمبى خاصة، فكان الأهالي يفرون منها إلى براري الهند (3/245)
صفحة 798
النائية خوفا، ووقعة مخا، ووقعة باب المندب في البحر الأحمر، وقعتان اصطلم العمانيون فيهما جنود الكفر، وقادوا البواخر بما فيها غنيمة أصبحت ترفع العلم العماني في البحر الأحمر، وهو يهتز لها هيبة، ويقلق لها رعبا، واستفاد الشراة الذين احتلوا هذه الوقائع آلافا طائلة.
ومنها وقعة مسبيج التي قهر فيها الأعداء، وقطعت رؤوسهم إلا ما شاء الله، ولم يحصنها من الاحتلال حصن ولا قلعة.
ومنها غزوة (بتة) وقائد الجيش الشيخ الصارمى محمد بن مسعود صاحب عين السواد في أمطى، فاحتلها بعد قتل ذريع وقهر سريع، وفيها قال قصيدته الحائية، وفيها قال الشيخ خلف بن سنان قصيدته الرائية، ومطلعها:
هو السيف مقرون به العز والنصر
وكانوا فقط مائة وعشرين رجلا يتغلغلون في الهند لا يبالون بما يلاقون أن أيام الإقبال زهراء ذات بهجة تكاد بطبيعة الحال تتصرف في صالح الأمة.
وتوفى الإمام سلطان رحمه الله يوم الجمعة الذي توفي فيه الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله، وكلاهما توفى وقت الضحى، لكن الإمام ناصر توفى في يوم عاشر من ربيع آلاخر 1059سنة وهذا توفى يوم سادس عشر من ذي القعدة1079سنة. (3/246)
صفحة 799
الإمام بلعرب بن سلطان
لا يخفى أن بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك بن بلعرب ابن سلطان اليعربي، وبقية النسب قد مضت، لما مات الإمام سلطان خلف ولدين هما بلعرب متوجا بالشيم الطيبة والفضائل الجميلة، والأعمال الحسنة، رأى أن الدولة كاملة في جميع أحوالها لا غضاضة عليها في شيء ما أبدا، إلا أن ناحية العلم محتاجة إلى همم تستشيرها، وأعمال تقوم بها، ورعاية تحددها، وكان بني قصر جبرين قبل إمامته، ويقال إنه بناه من صلب ماله، فتم بناؤه قبل وفاة والده بسنتين، إنه ليعبر عن غنى مائل في عمان في ذلك الوقت، إذ بناه بملايين الملايين كما قيل، وخزن فيه لطوارئ الدهر مثل ما بناه به، وكان آية في روعة الصنعة، بحيث أصبح يضرب به المثل.
قال شكيب أرسلان، المعروف بأمير البيان، وهو من أكبر المؤرخين ومن المطلعين على أحوال الأمم قال، وهو يذكر الإمام سلطان: قد خلفه (ولده بلعرب)، وكان هذا محبا للعلم والعلماء، بنى مدرسة في يبرين، وجعل إقامته فيها، بل بنى، القصر المعروف الذي سبق كلامنا عنه، وكانت المدرسة في القصر، قال: وثار على بلعرب أخوة سيف ابن سلطان، قال: وعضد هؤلاء الفقهاء، أي انقسم الفقهاء بعضهم مع بلعرب يؤيده في أعماله، وبعضهم مع سيف يؤيده على أخيه، وقد أشرنا إلى هذا الحال، وأسبابه في كتابنا"العنوان"، قال شكيب: فانقسمت الرعية إلى قسمين متساويين، أولا ثم جعل حزب سيف يتقوى على حزب بلعرب، وكان هذا أي بلعرب سخيا جوادا مواسيا للفقراء، فلقبوه أبا العرب لكرمه، فلما طالت الفتنة بينه وبين أخيه، واضطرب حبله صاروا يلقبونه بلاء العرب. (3/247)
صفحة 800
قلت: هذا لم نجده إلا عن أبي رزيق، ولعل شكيبا تلقاه عنه، وحاش أهل عمان أن يقولوا ذلك، اللهم إلا إن كان عن الجهال الذين لا يهتدون للحق، قال شكيب متمثلا بقول القائل:
والناس ... من ... يلق ... خيرا ... قائلون ... له
ما ... يشتهى ... ولأم ... المخطئ ... الهبل
أي من ساعدته الأقدار، فالناس معه على ما هو عليه، وإذا انقلب الزمان عليه كانوا أيضا كما قال النبهاني
والناس ... أعوان ... الكريم ... لذاته
وعم ... عليه ... إذا ... هوى ... أعوان
قال شكيب: وأخيرا استصفى سيف أكثر البلاد، ولم يبق لبلعرب إلا يبرين، وبينما أخوة إذ قبض فاستراح، واستراح بموته أخوة، وصفا الوقت لسيف أهـ.
وقال ابن رزيق وغيره من مؤرخي عمان، كصاحب كشف الغمة وغيره: وقعت بين الإمام بلعرب وأخيه سيف فتن عظيمة، وأصاب كثيرا من أهل عمان من فقائهم ومشايخهم أهل الورع والزهد والعلم عقوبات شديدة، إلى أن كادت تنفر نفوسهم قبل الحمام من أتباعهم السفهاء، واقتفاء آرائهم وقبولا كلمتهم، هذا أورده ابن رزيق وأخذه عنه الإمام السالمي رحمه الله، ولم يذكروا تلك الفتن التي يشيرون إليها ولا أسبابها، وهذا الكلام الذي ذكره ابن رزيق يحتاج إلى تحليل، فإنه ذكر أن تلك الفتن أصابت الفقهاء والعلماء وأهل الزهد والورع، وإن عقوبات كأنها جاءتهم من سيف بن سلطان، ولم يذكروا لنا شيئا منه مما يحسن السكوت عليه، وهذا من المشاكل. وأقول لولا قيام الإمام سلطان على أخيه، واستيلاء الحصون عنه (3/248)
صفحة 801
وحصاره إياه في جبرين، حتى مات الإمام بلعرب في الحصار، لقلت هذا كذب لا أصل له، لأن أهل الفضل لا يفعلون ذلك، ولكن القيام على الإمام العادل المجمع على يصح ما لم يقترف ذنبا فيتوب منه، فإن تاب بقى في إمامته، وإن لم يتب وجب خلعه، ووجب الانتصاف منه إن ظلم مالا لأحد، وإن أصر على ما هو عليه وجب قتاله، ولم يذكروا في تاريخ الرجلين شيئا من ذلك، وربما كان احتمال الذي ذكرته في "العنوان" يليق بمقامهما والله أعلم.
وإنها لمصيبة كبرى لا بد لها من أثر يوما ما، فكان غير بعيد عنهما، وبذر الشر كالبذر يختفي في الأرض حتى ابتله المطر نبت فكذلك بذر الشر يختفي ثم يظهر بعد حين.
ولما رأى الإمام بلعرب هذه الأحوال التي تحيط به غير مراعية في حقه إلا ولا ذمة، خرج من نزوى كالمختبر للحال ماذا وراء ذلك، خرج من نزوى وتوجه ناحية الشمال متفقدا للأحوال، فلما رجع إلى نزوى منعه أهلها دخولها، وأظن أن المنع قرره أخوه سيف فلم يقدروا على خلافه، وإلا فما الموجب لمنعه ما كان جبارا ولا ظالما ولا فاسقا كان إماما رحيما بالمؤمنين سخيا بما لديه يقرب أهل العلم، ويحب أهل الخير أبهذا يمنع من دخول البلد، ولا موجب أن هذا الداء الدفين في الروح العمانية طرأ عليها ليقضي على إمامتها، إن لله وإنا إليه راجعون، بعد الإياس توجه إلى جبرين مقره ووطنه وبيته الذي بناه من ماله كما قيل، وبعد استقرار بيبرين اجتمع أهل هؤلاء على البيعة لأخيه، وهو حي موجود، ولا يحتج عليه بشيء إنها لمن المصائب الفادحة.
قال ابن رزيق:"وكان كل واحد رضاه تقية".
قلت: هذا يدل أن البيعة كانت إجبارا وقهرا وهذا حرام في الدين، (3/249)
صفحة 802
قال: فعاقب بعضهم عل عدم الدخول في العقد، قال: وخرج سيف على أخيه عليه كافة حصون عمان، وخاصم كل من كان لأخيه محبا ومساعدا.
قلت: وهذا أعظم قال: ولم يبق بيده إلا حصن يبرين قال: ووقعت بينهما حروب كثيرة، حتى قال بعض الناس لبلعرب هو بلاء العرب.
قلت: الذي قال شكيب أرسلان في تعليقه، قال وقال: بعضهم سيف جلاب، وبلعرب فصاب، لكثرة سفك الدماء التي كان سببها منهم.
قلت: لم أفهم معنى ذلك الكلام، وهو لا سك يرمز إلى شيء خفي، قال: وافترق الناس فيهما، فمنهم من يصوب بلعرب، ويقول سيف باغ على أخيه في خروجه عليه، ومنهم من يقول: إن سيف هو المحق والبطل.
قلت: عرفنا قول القائلين أن سيفا باغ على أخيه، وهو الظاهر لأنه لم تقم على بلعرب حجة توجب عزله أو الخروج عليه، ولم نعرف ما يحتجون به لسيف، وهذا عين الإشكال.
قال ابن رزيق: ثم إن سيفا جمع جيشا عظيما وبلعرب يؤمئذ بحصن بيرين، قال: فحصره حصرا شديدا حتى مات بلعرب في الحصار، وقيل إنه اشتد على بلعرب الحصار، وتعذر عليه الانتصار، تؤضأ وصلى ركعتين، وسأل الله ربه أن يميته وهو راض عنه، فاستجاب له دعاءه، فمات من ساعته.
قلت: هذا من الممكن ولكن من ذا الذي يطلع على ما بين بلعرب وربه اللهم إلا أن يكون عبيده وكان جاهرا بالدعاء، وأظن أن هذا أمر (3/250)
صفحة 803
مظنون غير محقق، وإن تداوله المؤرخون، ولعلهم رأوا ميتا في مصلاه، وظنوا أنه قد دفن في نفس المكان الذي قبض فيه في مصلى أعده لخلوته في نفس القصر على وجبن الفلج، فإنه الفلج في نفس القصر، وقد زرناه هناك رحمه الله ورضي عنه، لقد أدى واجبا كبيرا في الإسلام، حيث أحيا العلم وأكرم العلماء، وسوف يأتي الكلام على المدرسة المشار إليها إن شاء الله.
وكان الإمام السالمي رحمه الله يثبت خروج سيف بن سلطان على أخيه، إذ قال في تحفة الأعيان: ذكر خروج سيف بن سلطان على الإمام وحصاره له بيبرين، قال حميد بن محمد بن رزيق الشاعر المتأخر: لم يزل الإمام بلعرب تضرب به الأمثال في العدل والجود، حتى وقعت بينه وبين أخيه سيف فتن كثيرة، قال: وأصاب كثيرا من فقهاء أهل عمان، وأكابرها وأهل الورع والزهد عقوبات من سيف، وشد سيف على أخيه بلعرب الحرب، فخرج بلعرب من نزوى، وذكر القضية التي قدمناها بالحرف الواحد، إلى أن قال: وهو يذكر حصار سيف لأخيه بلعرب في حصن جبرين، قال فلما عجز عن ملاحمته أي عجز بلعرب على مقابلة سيف، اجتمع أكابر أهل عمان، فعقدوا الإمامة لأخيه سيف، قال: وكثير من أهل عمان دخل في البيعة تقبة، لأن سيفا عاقبهم على عدم الرضا بإمامته، وخرج فأخذ حصون عمان كافة إلا حصن بيرين.
قلت: هذه إمامة قهرية ليست على أصول المسلمين ولا على نهجهم، إنما هي الغضب أشبه بإمامة معاوية ومن بعده. قال: فحصره أي في جبرين، وجعل يضرب الحصن بالمدافع، وكان عند بلعرب رجال مشهورون بالشجاعة، فكلما دنا جيش سيف بن سلطان من الحصن خرجوا له فكشفوه، وقتل في تلك الحرب من قوم سيف كثير، قال: ثم إن أكابر هؤلاء وهؤلاء اتفقوا على الكفاف عن الحرب، وقالوا: الرأي أن نغمد السيف عن بعضنا بعضا فإذا اقتتل سيف وأخوه بلعرب، وقتل أحدهما (3/251)
صفحة 804
صاحبة صرنا رعية الباقي منهما وتبعا، والمعنى ما في استطاعتنا إلا ذلك، فإن الأمور مقهور بالقوة كأن الجو ليس لأهل العلم نظر أبدا إنما هي أشياء قهرية، سبحان الله المدبر المكون بحكمته.
قال: فإن أبيا عن المبارزة مكثت كل واحد منا في العسكر، فإذا طالت المدة على ذلك رجع كل واحد منا إلى وطنه، والظاهر ليس هذا في وسعهم بل تحت القهر من سيف بن سلطان، والقتال ليس لله، إنما هو لأجل الدنيا إنا إليه راجعون.
قال: فلما بلغ بلعرب خبر القوم، توضأ وصلى ركعتين لله، وسأل الله أن يميته، فلما فرغ من صلاته إلا وقد خر على البساط الذي صلى فيه ميتا، قال: فعند ذلك خرج بعض خدامه من الحصن، فأخبروا أخاه سيفا بوفاته، فاتهمهم وقال: قتلتموه قاتلكم الله، فحلفوا له أنه قد مات حتفت أنفة، ثم خرج أصحابه من الحصن كافة ومضوا إلى أخيه بلعرب كما أخبرته عبيده عن خبر وفاته، قال: فمضى سيف إلى الحصن وغسل أخاه وكفنه وصلى عليه ودفنه الخ.
هذه قضية سيف بن سلطان وإنها لمن سيئات القضايا وإنها لتنذر بزوال هذا الملك من أيديهم عن قريب، فإن بذر الشر وحب الذات داء دفين يسلب الخير من أهله، ويبث الشر بينهم، ولذلك كان العهد غير بعيد المدى والله المستعان. (3/252)
صفحة 805
العلم حياة الأمة
كان الإمام بلعرب بن سلطان رحمه الله رأى أن العمانيين قد بلغوا شأوا بعيدا في الزعامة، وأضافوا إلى عمان ممالك عديدة، أصبحت تلبي دعوتهم وتجيب نداءهم، ولهم صوت عال في العلم يتقدم يوما فيوما إلا أن العلم قليل بالنسبة إلى اتساع الدولة، وعلو شأنها واتساع رقعتها، والأمل في المقبل سيرها قدما، فإن جيوشها عبر الأقاليم في آسيا شرقا وغربا، ولها نشاط محسوس، فمالت نفسه إلى نشر العلم في عمان كما ينبغي تبعا لقوله عز وجل: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) 43.
وكان من قدر الله أن زار عمان في هذه الأثناء أحد علماء الإباضية أهل المغرب، يقال له الشيخ عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا الجربي من أهل جربه خاصة، فرأى أحوال عمان وتقدمها في العدة والعدد، واتصالها بالعالم الخارجي، ورأى جيوشها الضخمة، وجنودها الفخمة، وعساكرها المتحمسة، فسره ما رآه وابتهج بما رأى وسمع، وعلى كل حال إن المحب يسره تقدم أحبابه في الخير، ولكنه لاحظ معاهد العلم لا تقدم لها ولا نشاط فيها بالنسبة إلى نشاط الدولة، فكتب بلعرب كتابا يدعوه فيه إلى الالتفات نحو الناحية العلمية، والحقيقة كل يدعو إلى ما يجب، والعلم هو الحياة رغم كل شيء ولا عز ولا شرف إلا بالعلم، ولا ترتقب إلا به.
وهذا أمر مجرب معقول في كل جيل، فكان الشيخ الجربى جاء في نصيحته بتحقيق لا ينكر، ومقال لا يستنكر، بل بين كل شيء يلزم في هذا المقام، وتحدث في كتابه عن كل لزام ونبه وأيقظ وبين وحرض، وما قصر في سبيل ما هو بصدده، وعلى كل حال إنما تنجح المقالة في المرء إذا صادفت هوى في الفؤاد. (3/253)
صفحة 806
كانت رغبة الإمام مائلة إلى نشر العلم والاعتناء به، فجاء الشيخ الجربي فقدح الزناد وحرك الفؤاد، وأبان المراد ووضع الصلاح والسداد، واستفرغ الوسع في النصح والإرشاد، فكانت دعوته في هذه مستجابة ونصيحته بالغة مبلغها من الإمام رحمه الله، فقام بواجبه واجتهد مبلغ طاقته، وأمر بالتعليم في جميع نواحي عمان، وخصص مدرسة جبرين بالرعاية، فدعا العلماء والمبتدئين والطلبة من العمانيين فقابلهم بالإكرام التام، ورعاهم بالإحسان والإنعام، وغذاهم بأطيب الطعام، لتطيب نفوسهم وتنشط الأفهام، وتنتبه القلوب وتتسابق الطلبة، وتتقدم في ميدان الجد والاجتهاد فكان لهم أبا رحيما وسيدا كريما. قال الإمام السالمي رحمه الله. (3/254)
صفحة 807
مدرسة جبرين وذكر بعض المتخرجين
كان الإمام بلعرب رحمه الله المحب للعلم بطبيعة الحال، ومن أحب شيء أكثر من ذكره، ولما جاء الشيخ المغربي الجربي رحمه الله وكتب للإمام المرضى رحمه الله تلك النصيحة الصادقة التي أثارت حفيظة الإمام ونشطته، فأقام المدرسة بالقصر خاصة، وعين الغرف العالية من القصر لها، وهي غرف فاخرة جميلة، ذات رونق بديع لها اتصال بالفلج الذي في بطن القصر، ولا يرى من فيها في حال دخوله وخروجه أحدا من عوائل القصر وخدمه، للهندسة التي يسرها الله لهذا الإمام الجليل في هذا القصر العظيم، فإنه من بدائع البناء الذي يحتار فيه الواصف، فكان الإمام معهم ليلا ونهارا، وكان له اعتناء عظيم بهم، فكانوا إليه من شتى النواحي كما يقل القائل:
فكانوا ... يقبلون ... على ... حماه
كأسراب ... الظباء ... رأت ... معينا
فقامت لهذه المدرسة كبكبة من رجال العلم والأدب، وشاع لها ذكر، وابتهج بها العمانيون غاية الابتهاج، فأثمر غراسها الثمر الحلو الذي تحيا به البلاد والعباد.
قال الإمام رحمه الله: فيقال إنه خرج من هذه المدرسة التي في حصن جبرين خمسون عالما كلهم أهل اجتهاد. قال: وقد أكثر الناس الثناء على هذا الإمام. قلت: إن الذين تخرجوا من هذه المدرسة أكثر من خمسين عالما بلغوا درجة الاجتهاد، فما ظنك بغيرهم ممن هم دونهم، وما ظنك بالأدباء والشعراء الذين استنار قرائحهم بنور (3/255)
صفحة 808
العلم، واتسعت مداركهم بقوة الفهم، وكيف لا يكونون كذلك وعواطف الإمام تربيتهم، ومراحمة حافة بهم، وعنايتهم شاملة لهم، والشجر إذا سقى طال واتسق وأثمر0
قال الإمام رحمة الله: فقيل أنة كان يخدمهم بنفسه هنالك، وكان يختار لهم العطورات المقوية للأذهان والأطعمة المولدة للحفظ اهتماما كليا من صميم القلب، قال ابن زريق، وهو يذكر حين جبرين، قال: ونصب فيه مدرسة للعلماء والمتعلمين، قال: رغبهم يبذل المال وأكل الفواكه, فنالت العلم بكرمه الطلبة, فغدا من كان متعلما أي معه مبادئ علمية, فقيها أي اتسع أفق علمه, فصار في صف أهل العلم المنظور إليهم بأعين التوقير, وصار الطالب عالما.
قال: ومن كان أديبا أي له في الأدب صار شاعرا فحلا متصرفا في العربية, له فيها يد, فمن المتعلمين الذين صاروا بعد ذلك علماء جهابذة مثل الشيخ خلف بن سنان الغافري, والشيخ سعيد ابن محمد بن عبيدان وغيرهما كثير, قال: ومن جملة الذين تربوا بكرمه الشيخ راشد بن خميس الحبسي الضرير, وغيره. قلت: لم يذكر منهم الذين يستحقون الذكر علماء وأدبا وعبادا وزهادا وغيرهم وهذا من قصور التاريخ.
وتوفي الإمام بلعرب بن سلطان سنة1104أربع ومائة وألف أي في أول القرن الثاني عشر للهجرة.
قال الإمام رحمه الله وهو يذكر الإمام بلعرب قال: وقد أكثر الناس في الثناء على هذا الإمام, قال ورأيت في مدحه ديوانا حافلا محتويا على قصائد طنانة, بلغت من فنون البلاغة مبلغا عظيما, وعلى هوامشها تنبيهات على أنواع البديع في الأبيات, قال: وقد غاب عني هذا (3/256)
صفحة 809
الديون فلم أره منذ زمان، وإنما رأيته أيام الصغر: وأحفظ من أوائل بعض القصائد أبياتا يسيرة، قال في أول قصيدة لامية:
لمى ... بوادي ... الدوح ... دور ... وأطلال
سقتها ... غواد ... من ... ملث ... وآصال
وهمم ... في ... أرجائها ... الرعد ... برهة
إذا ... ما ... انقضى ... وبل ... تعرض ... هطال
قال: وقال آخر في أول قصيدة لامية أيضا:
زم المطى فعقد الدمع محلول
وقال آخر:
الله ... أكبر ... جاء ... الفتح ... والظفر
وأشرقت ... في ... الدياجي ... الأنجم ... الزهر
وأصبحت ... سبل ... الإسلام ... واضحة
أعلامها ... واستقام ... السمع ... والبصر
قال: وغير ما أشرت إليه كثير وكلها مدائح في الإمام، قال: وللخلق شهود الله في أرضه، فمن أثنوا عليه خيرا كان أهلا للخير، ومن أثنوا عليه شرا كان أهلا للشر، الخ وذكر الإمام رحمه الله على أثر ذلك الشاعر الخاص الذي أخرجته تلك المدرسة، وهو راشد بن خميس بن جمعة بن أحمد الحبسي النزوي من جملة من تعلم في ظل هذا الإمام وصار من جملة من مدحه وأثنى عليه. (3/257)
صفحة 810
ذكر قصر جبرين
كان الإمام بلعرب بن سلطان قد بني فصر جبرين على ما قيل من صلب ماله في حياة والده، وتم بناؤه قبل موت والده بسنتين، هنا يعجب الإنسان وتأخذ الحيرة، بالمال الذي بنى به هذا القصر، أما لو كان بناء في حال إمامته لكان من المعقول أنه بناه بأموال الدولة، وذلك العهد الدولة نشيطة بالخراج الذي يأتيها من الممالك العديدة، حيث توسع نطاقها كما يعلم ذلك المؤرخون، أما كونه من ماله الخاص فمن أين هذا المال وأبوه حي ولم تعرف له تجارة؟ وأموال والده أموال الدولة، هذا من الإشكال الواضح الذي لا يستطاع إيضاحه، وكان هذا القصر كما موجود في غاية الروعة صنعة وضخامة وإبداعا، فإذا ألقى العاقل إليه نظرة يبقى حائرا في تصويره، والحال أنه من بدائع البناء، ومن مدهشات الأفكار في النظر الصحيح، فكان الإمام رحمه الله موضعا لجثته بعد مماته، إذ دفن فيه قرب النهر في مكان اتخذه الإمام مصلاه في خلوته، ولقد أطال الواصفون في وصفه، وأكثر الكاتبون القول فيه نظما ونثرا، وهو فوق الوصف.
وبالجملة هو دليل على عظة تلك الدولة وأشاع أيديها بالمال، ومعتبر لمن يأتي من نواح عديدة، وكم لآل يعرب في أيامهم تلك من عجائب، وإذا ذكرنا قلعة نزوى أو قصر الحزم أو الجيوش التي يخوض العالم في ستة وتسعين ألف عنان من الخيل، أو نظرنا إلى المدافع التي خلفتها تلك الدولة الطائرة الصيت، أو الأفلاج التي أجرتها بعمان، حتى هم صاحب الحزم أن يجعل عمان كجنتي مأرب، وأن يذهب الحاج من عمان بلا زاد إنها أحوال تسجل لعمان الشرف الباذخ، ولآل يعرب الهمم (3/258)
صفحة 811
التي تبهر عباقرة الرجال، وليتها طال عهدها على ذلك الوضع لكن الدهر يأبى إلا التقلب.
ولقد ضرب باليعاربة المثل لمن يأتي بعدهم، ولقد صدق القائل:
تلك ... آثارنا ... تدل ... علينا
فانظروا ... بعدنا ... إلى ... الآثار
والله يؤتي ملكه من يشاء. (3/259)
صفحة 812
تقلب الأحوال بجبرين
اعلم أن جبرين بعد موت الإمام بلعرب تقلبت به الأحوال، وتوالت عليه من الدهر أعمال، ولعبت فيه أيام الدولة اليعربية نفسها رجال لترى الأيام الناس في تبادلها بينهم أعمالا يعتبر بها العاقل، لقد تعب فيه الإمام بلعرب رحمه الله فأنفق في بنائه ثلاثا وعشرين كرا، وخزن فيه لحوادث الدهر مثلها، وبعد موت بلعرب تولاه أخوه سيف بن يلطان، وبقى في يده عهدا ثم عاد عليه ولده أي ولد الإمام بلعرب، وهو يعرب ابن بلعرب، فوجد في الحصن تخريبا فأصلحه، فبلغ إصلاحه أربعين ألفا، وسبب التخريب الحرب التي دارت بين سيف وبلعرب.
وبعد ذلك افترق آل يعرب وتخاصموا فيما بينهم، وقام كل واحد يدعي الزعامة له، واستنصر بعضهم بخلف بن مبارك المعروف بالقصير بصيغة التصغير، يعد ما كانوا يريدون عمان، وهم أهل الحل والعقد، وتعلق بعضهم بمحمد بن ناصر الغافري بعد ما كانوا مرجع الغافري والهنائي، قال أمر حصن جبرين أن يقتعده محمد بن ناصر ليجعله ملجأه الذي يلجأ إليه، ومأواه الذي يأوي فيه.
وكان العقد في كل شهر بثلاثمائة محمدية، ولعله حيلة مدبرة، فكان من قدر الله أن قتل محمد بن ناصر في حيلة بصحار في حال خصامه لخلف بن محمد، فقبض ناصر بن محمد بن ناصر على حصن جبرين، وبقى في يده عهدا ثم تآمر عليه اليعاربة فقبضوا عليه أي ناصر بن محمد عند باب بادي في بلد بهلى، فلم يقتلوه إلا بتسليم الحصن، فرأى الموت بين عينيه، ففدى نفسه بتسليم الحصن لهم، وبقي في أيديهم.
وكان بنو غافر يضمرون لهم العداوة فكان بجادين سالم يتحين غفلة اليعاربة حتى أمكنته الفرصة فقبض هذا الحصن في حال غفلة (3/260)
صفحة 813
اليعاربة، وعلى كل حال إن المأخوذ غافل والمطلوب مقهور يوما ما، ولما قبضة بجاد سلمه إلى ناصر بن محمد وعض عليه بالنواجذ، ثم إن بلعرب بن حمير بن سلطان وهو ابن أخي الإمام الباني مكنه الله من بجاد المذكور فقبض عليه.
وكان المذكور قاهرا لنزوى، فأدع بجاد السجن، ثم قتله في السجن بحصن نزوى، وعاد الحصن لآل يعرب وتمركزوا فيه، حتى عادت الأقدار لتنزعه منهم وتريهم ما يسوءهم فأخذ هذا الحصن بنو غافر سنة ست وثلاثين ومائة وألف بغد موت الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض بثلاث عشر سنة، ولم يزل الحصن في يد بني غافر إلى سنة سبع وخمسين ومائة وألف، أي واحد وعشرين سنة، وهم يديرون الحيل لاسترداد إليهم فدخلوا في خادم لراشد بن حميد الغافري، وأدخلهم الحصن فتولوه، وبقي الخادم عند اليعاربة محترما، ولكن ماذا يكون من هذا الخادم الذي خان لآل يعرب، لابد يخون لغيرهم، ولا يطمئن إلى خائن إلا جاهل.
فبعد مضي ستة أشهر دخل الخادم الحصن بحيلة من العسكر القابضين له، وهم مطمئنون من الخادم لأنه كان معهم باطنا وظاهرا، فلما دخل أغلق الباب وأطلق الرصاص على العسكر فقتل منهم سبعة رجال، فاجتمعوا عليه وحصروه، وما يريد الخبيث؟ أيريد أن يكون سيد الحصن؟ فلم يقدروا عليه لأنهم لا يدرون أين هو، وإذا رأى أحدا منهم رماه ولكنهم أحرقوا الباب، وهجموا عليه بغير مبالاة، فلما أحس أنه مقتول أطلق النار على مخزون البارود، وكان مخزنا كبيرا يجمع أبهرا عديدة من البارود، فقام البارود كالرعد واشتعلت فيه نار عظيمة، فاحترق غالب الحصن، إذ ظلت النار تموج فيه كالبحر وطير قطعا كالسحاب. (3/261)
صفحة 814
وأخيرا تولاه آل يعرب وكان زعيمه محمد بن سليمان اليعربي، فقام عليه راشد بن حميد بن راشد بن ناصر بن محمد بن ناصر، وأحاط به هو وجماعته، وكانوا رهطا وكان زعيما مطاعا، فخرج منه محمد بن سليمان يوم سابع من شهر شعبان سنة تسع وخمسين ومائة ألف، وبقي آل يعرب في بهلى، فقام عليهم فيها فطردهم منها، وبقيت بهلى وجبرين في أيدي أولاد راشد بن حميد إلى أن أخرجهم منها الإمام عزان بن قيس رحمه الله.
ثم عاد إليهم عاد إليهم بعد انتهاء دولة الإمام المذكور، ثم أخرجهم منها الإمام سالم بن راشد الخروصي رحمه الله في عهده ولم تعد إليهم إلى اليوم، هذه أحوال جبرين التي تقلبت به أوردناها وإن خالفت أسلوب التاريخ للإفادة. (3/262)
صفحة 815
الحكم على جبرين البلد المعروف
لما تم الكلام على حصن جبرين لقصد البيان والتبيين، وجب الكلام على نفس البلد لما لها من التعلق بالمقام، قال الإمام رحمه الله، قال ذو الغبرا وهو الشيخ خميس بن راشد، والد الشيخ ماجد العبري في حصن جبرين: إنه يحتاج إلى حكم من أهل العلم، لأن أربابه تفرقوا، وقد خلت امة بعد أمة، قال: وأما أموال يبرين فقد سمعت عن كثير من الناس أنهم لم يأكلوا منها، وقالوا: إنها حرام. قال: وينبغي لمن حرم شيئا أن يأتي فيه بحجة صحيحة، وكل آية لها تفسير، وكل مسألة لها جواب.
وقال في كلام قبل هذا قلت لصاحبي: هل عندك صحة في جبرين وما قالوا فيه؟ فقال أما الماء والأموال والمراد بالماء هو ما تسقي به النخل والشجر والحروث من زرع وغيره، والمراد بالمال هو الحدائق ذات النخل والشجر عرفا عمانيا عاما شائعا إطلاقا قال: فالأكثر آل إلى الشيخ ناصر بن محمد الغافري، وشيء منها آل إليه بالإرث.
قال: وسمعت هذا من محمد بن عدي بن محمد العبري وسعيد بن سليمان الزرعي، قال: وقد رفعا عن اللذين يثقون بهم في زمانهم الذين أكبر منهم سنا وأرجح عقلا، وقالوا: إن الشيخ ناصر بن محمد أشهدهم وأمرهم بالكتابة بالكثير من الأموال في وصيته، وطلق نساءه بحضرتهم، وأشهدهم بذلكم، وأمرهم أن يكتبوا الماء والمال الذي
آل إليه بالإرث والشراء من آل يعرب من يبرين لبيت المال، فلما مات الشيخ ناصر بم محمد شهد هؤلاء بذلك.
قام: والمال الذي خلفه ناصر لم يقسم على ورثته، قال: وأما حصن يبرين فلم يصح فيه بيع ولا هبة من آل يعرب إلى يومنا. أهـ كلام ذي الغبرا والله أعلم. (3/263)
صفحة 816
قلت: أما اليوم وقد انقرض آل يعرب ولم يعد فيه مطالب بحق فقد صار مجهول الأرباب، وكل مجهول الأرباب يرجع أمره إلى الإمام عند وجوده، وقد قبض الإمام الخليلي رحمه الله في زماننا هذا بواسطة عاملة على بهلى، وهو الشيخ عبدالله بن محمد الريامي المعروف بأبي زيد، وأخرج منه قاضية وهم عائلة الشيخ ناصر بن حميد العطابي، لكنا لا ندري على أي طريق كان قبضه، هل هو خوف الافتتان عليه؟ أم خوف باغ يتمركز فيه؟ وقد بلغنا أن الشيخ أبا زيد أصلح فيه كثيرا من التخريب من بيت المسلمين، وهو علامة جليل من خيار المسلمين أهـ والأمر لله عز وجل. (3/264)
صفحة 817
أدب الإمام بلعرب بن سلطان
كان الإمام بلعرب من الأدباء الذين يقولون الشعر، ومن شعره المعروف يقول:
إذا ... ما ... دعتك ... النفس ... يوما ... لريبة
فعاص ... على ... حال ... هواها ... وخالف
ولا ... تتبع ... ما ... مدة ... العمر ... إنما
إتباع ... هواها ... قائد ... للمتآلف
وجانب ... هواها ... ما ... استطعت ... فإنها
مجانبة ... الأهواء ... حرفة ... عارف
وخف ... من ... إله ... العرش ... شدة ... بطشه
لعلك ... تنجو ... يوم ... نشر ... المصاحف
وله أيضا رحمه الله:
ولما ... بلوت ... الناس ... لم ... أر ... صاحبا
أخافته ... في ... النائبات ... العظائم
وأبصرت ... فيهم ... في ... رخاء ... وشدة
فلم ... أر ... منهم ... غير ... كسب ... الدراهم
فإن ... كنت ... ذا ... يسر ... فحولك ... أنهم
مماليك ... أو ... عسر ... كأضغاث ... حالم
وثت ... بمن ... أحيا ... العظام ... رميمة
وأنشأها ... خلقا ... لطيف ... المناسم (3/265)
صفحة 818
إمامة الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض
لا يخفى أن سيف بن سلطان تولى الأمر على أخيه الإمام بلعرب بن سلطان، وقهر أكثرية أهل عمان بالعنف، وإطاعة أكثر الناس تقية كما علمت ذلك مما سبق من الحديث الذي قدمناه في الكلام على الإمام بلعرب، وقد احتملنا في "العنوان" والغيب لله عز وجل.
قال الإمام السالمي رحمه الله: واجتمع أكثر أهل عمان وعقدوا الإمامة لأخيه سيف، قال: وأحسب بعضهم دخل في الأمر تقية، وأحسب أن بعضا عوقب بتركه الدخول في العقد، قال: خرج سيف على أخيه وأخذ كافة حصون عمان، ولم يبق إلا حصن جبرين، قال: فسار إليه سيف بنفسه وحاصره فوقع بينهم الحرب حتى مات بلعرب في الحصار، فطلب أصحابه الأمان ليخرجوا من الحصن، فأمنهم سيف فخرجوا من الحصن.
قال: وأحسب أن بعضا من أهل العلم لم يزالوا متمسكين بإمامة بلعرب حتى مات، ويرون أن سيف بن سلطان باغ على أخيه، قال: واستولى على حصون عمان وضبط الممالك وأحسن السيرة وأنصف الرعية، وهابته القبائل، قال: وتسمى بالإمامة.
قلت: كيف لا يتسمى وقد تقدم أن أكثر أهل عمان اجتمعوا وعقدوا عليه بها، فهو بهذا إمام، وقولهم أن بعضا دخل في الأمر تقية لا يخل بعقد الإمامة إذا كان أهل الحل والعقد هم الذين عقدوا، فمن حاول لشغب وجب عقابه، وقولهم خرج على أخيه باغيا لا نعلم عذره في ذلك، فيجب السكوت فإنه سيأتي أنهم اجتمعوا للنظر في إمامته واتفقوا أنه صحيح الإمامة. (3/266)
صفحة 819
قال الإمام: ولقب بقيد الأرض لضبطه الممالك وتقيده البلاد بعدله، ولم يعب عليه أحد من سيرته شيء إلا ما كان منه في أول أمره من خروجه على أخيه الأمام العادل.
قال الأمام: وسمعت شيخنا محمد بن مسعود يذكر أنه وجد أن العلماء جلسوا يوما في مجلس يتذاكرون إمامة قيد الأرض، فقاموا على أنه صحيح الإمامة، قال: ولعل ذلك بعد تتويبة من خروجه على أخيه وتجديد العقد عليه بعد موت أخيه، وإلا فالعقد الأول غير صحيح.
قلت: لم يبينوا العلماء الذين عقدوا عليه الإمامة، ولم يعينوا الذين اجتمعوا للنظر في إمامته، ولم يوضحوا وجه صحة إمامته.
وخلاصة الأمر هم المبتلون بما هنالك والله المعين، قال: والخروج أي على الإمام العدل غير جائز.
قلت: ومن ذا الذي يقدر على تتويب قيد الأرض، وقد دخل الأكثر في إمامته تقية.
قال الإمام: وباب التوبة مفتوح، قال: ولم يزل على حسن السيرة وسياسة المملكة أهـ. لقد رفع سيف بن سلطان رأسه ينظر إلى العالم الخارجي ليمد سلطان المسلمين فيه، وينشر العدل في نواحيه، وكان توفيق الله حليفه، وكانت له همة عالية كما يقول القائل:
ألا ... يا ... شيخنا ... الكندي
أعنك ... مثل ... ما ... عندي
فعندي ... للعلى ... همم
تفوق ... النجم ... في ... البعد
والحقيقة الرجال بهممها وعلى قدر همة الإنسان تكون أعماله، وفي (3/267)
صفحة 820
الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الأرزاق على قدر الهمم. وناهيك"بقيد الأرض" لم يضعوا له هذا اللقب عبثا، إنه لقب كبير يدل على أمر خطير تجلى ذلك الأمر في أعمال هذا الشخص الفذ الذي هز الأفق الشرقي من أفريقيا الشرقية، كما سوف تقف على شيء منه إن شاء الله.
قال شكيب أرسلان في التعليق على حاضر العالم الإسلامي. واجتاح أسطول سيف جزيرة سلريت بقرب بنباي الهند، وكذلك " مدينتا بارسالور ومانغالور"، قال: ولم يقدر راجاكارناتيك في داخلية الهند، قال: وكان سيف حكيما مدبرا محبا للعمران، بصيرا بالإصلاح، فانتظم بإدارته جمهور المرافق المصالح، والتأم بنفاذه شمل المعاون والمناصح.
قلت: نعم لأن دين الرعية من دين ملوكها، وإذا كان الملك صالحا كانت الأمة كلها صالحة، قال: وهو الذي شرع في بلاده بحفر قنى المياه تحت الأرض.
قلت: هذا غلطة به ذلك للعمانيين من قديم، وإنما قام هو بنوع من مثله. قال: ويسمون ذلك في عمان فلجا. قال: والفلج بفتحتين النهر الصغير، وأما بضمتين الساقبة التي تجري إلى البستان. قال: ففاضت الخيرات بهذه القنى، وترقت الزراعة ترقيا بالغا. قال: واعتفى سيف بمدينة الرستاق، واعتنى أيضا بغراس النخيل، واستجاب أصنافه وبلغ في ذلك غاية الاعتزام والالتزام، وصار ذا ثروة طائلة ونعمة لا تحصى، قيل إنه كان يملك ثلث نخيل عمان، قال: وكانت حاضرته الرستاق.
وتوفي بها يوم ثالث رمضان سنة1123 هذا كلام رجل أجنبي بعيد عن عمان، يتحدث عن عمان بصفتها بلاد عربية فهو يفتخر بها ويعتز بالحديث عنها. (3/268)
صفحة 821
فهرس الكتاب
الموضوع
الصفحة
إمامة الإمام الخليل بن شاذان5
المسلمون يأتمرون بعد رجوع الخليل إلى عمان19
وفاة الإمام الخليل بن شاذان رحمه الله21
إمامة الإمام راشد بن سعيد اليحمدي22
الإمام راشد بن سعيد يقضي بفصل قضية موسى بن موسى وراشد ابن النضر والصلت بن مالك40
إمامة الإمام حفص بن الإمام راشد بن سعيد46
إمامة راشد بن علي من أئمة الطائفة النزوانية57
خروج الأعيان على الإمام راشد بن علي59
إمامة الإمام عامر بن راشد بن الوليد الخروصي رحمه الله75
إمامة الإمام محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي77
إمامة الإمام الخليل بن عبد الله بن عمر الخليلي80
إمامة محمد لن أبي غسان82
الإمام محمد بن أبي غسان يشن حربا على أهل عقر نزوى83
الملك محمد بن مالك84
إمامة موسى بن أبي المعالي بن نجاد بن موسى86
الصراع بين الملك محمد بن مالك والإمام موسى بن أبي المعالي87
أعيان المقتولين في هذه الواقعة89
إمامة خنبش بن محمد بن هشام91
إمامة محمد بن خنبش بن محمد بن هشام92
الملوك النباهنة ودورهم93
تسلط النباهنة94
أول ملوك بني نبهان 95
كهلان بن نبهان وأخوه عمر بن نبهان99
عمر بن نبهان وأهل شيراز في عمان101 (3/269)
صفحة 822
كهلان بن عمرو آل الريس في عمان 102
خردلة بن سماعة بن محسن في سمائل103
إمامة الحواري بن مالك في العهد النبهاني104
إمامة مالك بن الحواري في العهد النبهاني105
إمامة أبي الحسن بن خميس بن عامر في العهد النبهاني106
إمامة عمر بن الخطاب في العهد النبهاني107
صفة الحكم في أموال بني نبهان 110
إمامة الإمام محمد بن سليمان بن احمد116
إمامة عمر الشريف117
إمامة أحمد بن عمر بن محمد الزنجي118
إمامة الإمام أبي الحسن بن عبد السلام119
إمامة الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري120
صفة الحكم في أموال بني رواحة122
صفة الحكم في بيع الخيار124
العلماء يجتمعون لمراجعة آثار المسلمين في هذا الصدد126
الأحداث المعدودة على الإمام بن إسماعيل131
الإمام بركات بن محمد إسماعيل135
إمامة عمر بن القاسم الفضيلي136
إمامة عبدالله بن محمد القرن137
تفرق ملك عمان إلى رؤساء متعددين139
ذكر ملوك النباهنة المتأخرين141
الإمام سلطان بن محسن بن سليمان وأولاده الثلاثة142
فلاح بن محسن بن سليمان143
عرار بن فلاح148
العجم يهاجمون صحار149
سليمان بن مظفر وأعماله الغاشمة150
الصراع بين عمر بن حمير النبهاني أمير سمائل والسلطان بن مظفر153 (3/270)
صفحة 823
التهارش بين أبناء العم من النباهنة158
صحار تتعرض للدمار163
البرتغال يواصلون عملهم165
التفرق عنوان الوهن169
مقدمة العهد اليعربي بعمان172
مشاهير دولة الإمام نصر بن مرشد175
الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله177
الافتراق داعي الخذلان179
ذكر مؤهلات الإمام ناصر بن مرشد لهذا المنصب العالي180
العلماء الذين اجتمعوا على البيعة لهذا الإمام181
االزحف على نخل184
النفاق يثير الشقاق ويدعو إلى الافتراق188
الظاهرة تظهر داءها189
الإمام يعهد إلى ولاته بفتح باقي حصون الظاهرة191
مانع بن سنان العميري ثعلب سمائل193
الإمام ناصر بن مرشد يجدد حصر سمائل195
حرب مقنيات196
البغاة يتجمعون لحرب الإمام197
سرية لبلادسيت199
الإمام يزحف بنفسه على ينقل200
سرية إلى سمائل عمان201
السرية الكبرى إلى مسقط203
السرية الثانية لفتح جلفار205
الإمام والمسلمون يعالجون أمر صحار206
فتح صور208
الزحف على قريات209
حرب الطاغية ناصر بن قطن210 (3/271)
صفحة 824
سرية يرأسها سعيد بن جلفار لقبض إبل ناصر بن قطن213
سرية تقع في مثل ما وقعت فيه الأولى بموضع الخروس215
وفاة الإمام ناصر بن مرشد217
ثناء العلماء على الإمام الأرشد بن ناصر بن مرشد217
عهود الإمام ناصر بن مرشد لولاته وعماله220
خطبة الإمام ناصر بن مرشد في صلاة الجمعة221
إمامة الإمام سلطان بن سيف223
أخلاق الإمام سلطان230
أعمال الإمام سلطان في عمان231
مسقط في العهد البرتغالي233
الضغط يسبب الانفجار236
الحق تحت ظلال السيوف239
ظفار قطعة من عمان240
معارك الجيوش العمانية للإفرنج245
الإمام بلعرب بن سلطان247
العلم حياة الأمة253
مدرسة جبرين ذكر بعض المتخرجين255
ذكر قصر جبرين258
تقلب الأحوال بجبرين260
الحكم على جبرين البلد المعروف263
أدب الإمام بلعرب بن سلطان265
إمامة الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض266 (3/272)
صفحة 825
حقوق الطبع محفوظة لدى
وزارة التراث القومي والثقافة
ص. ب: 688 - الرمز البريدي: 113 مسقط
سلطنة عُمان
رقم الإيداع: 241/ 95 (3/273)
صفحة 826
عُمَانُ عَبْر التَارِيخِ
تأليف
الفَقيه الفَاضِل الشَّيخ
سَالِم بن حمود بن شَامس السّيَابي
الجزء الرابع
الطبعة الرابعة
1421هـ/2001م
[موافقة للطبعة الثانية: 1406هـ/1986م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان] (4/1)
صفحة 827
[صفحة بيضاء] (4/2)
صفحة 828
[صورة] مؤلف الكتاب (4/3)
صفحة 829
[صفحة بيضاء] (4/4)
صفحة 830
الإمام سيف بن سلطان ينظم الجيوش
كانت للإمام سيف بن سلطان همم عالية، وكان له نشاط ملموس، رأى أن الجهاد يحتاج إلى استعداد بسلاح الوقت، وكانت الخيل كما وصفها الله عزوجل قوة المسلمين، وعدة الأئمة فأقبل سيف بن سلطان على جلبها من جميع النواحي، وأنفق عليها الأموال الطائلة، فاجتمع له أمر ليس بهين، فكان جملة الفحول منها ستة وتسعون ألف حصان، دخل بها أرض الهند، فاجتاح ساحلها.
وإن جيشا يكون جملة الخيل فيه هذا العدد إنه لعظيم لم يبلغنا في تاريخ الدول التي قرأنا تواريخها، حتى لم يجتمع هذا المبلغ لنبي الله سليمان بن داود عليه السلام، فكم يتصور العاقل طعام هذه الخيل كل يوم، وقد سلح هذا الجيش العماني برجاله الأبطال، وصناديده الأقيال، حتى لم يقف إلا في أفريقيا كما ذكره المؤرخون إلا الإفرنج المطلعون، الذين لا يحبون إشاعة هذه الأشياء للعرب على الخصوص، وللمسلمين على العموم، بل شأنهم يصغرون أهمية غيرهم من المسلمين وبالخصوص العرب. (4/5)
صفحة 831
الجيش البري بعمان
يحتار العاقل إذا نظره على الأحوال اليعربية، ولا يقدر أن يتصور الحقائق كما هي، فإن اليعاربة بعد استقرار أمر عمان في داخليتها، اندفع اليعاربة على العالم الخارجي كالبحر يطمو على كل جهة، لقد ملأ الإمام سيف بن سلطان مراكز عمان رجالا من صناديد الرجال، وأبطالا أقامهم على بقية الأعمال، ويفتكر الإنسان من أين هؤلاء الرجال، وأين تربوا وهم بين الشيخ والقيصوم والضال، أصبحوا يديرون أمور الأمة على أحسن نظام، فهم في عمان في أعمالها عالمون، وهم للجيوش في الخارج قائدون، وهم لفل الكفر مطاردون، وفي أسرع وقت هم للمجد بانون، فالقلاع برجال عمان مملوءة: والثغور بهم من العدو محفوظة، والممالك الأخرى من رجال الأساطيل مرتاعة.
والعلم اليعربي العماني على الكل خفاق، واسم عمان جمال القرى والبلدان وأيام عمان زهراء نيرة، وطالع العدل والإنصاف على ربوعها مشرق وقاده حيث البحر إذا زمجر وهاج، رأى على هامته علم عمان كالتاج، وإذا زخر وماج، سال على ظهره الذهب الوهاج، وإذا تلاطم وزمجر لأي بسيل على متنه الدم الأحمر، هي عمان الحرة التي عرفها التاريخ منذ عهدها الأول، الذي لم يزده الإسلام إلا إكباراً، لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك، إنها القلعة الكبرى التي تنظر إلها الأعين بالإعجاب، وإنها نجمة الفجر في الندى، والشهاب الثاقب في أيام العدل بين الشعوب. (4/6)
صفحة 832
الجيش البحري العماني
لقد جارى الإمام سيف بن سلطان العصر، فنظم جيشاً بحريًا لا تزال بوارجه تمخر عباب البحر، وتخوض مياهه يرف عليها العلم العماني الأبيض، الذي تحسبه قمر السماء يخفق على الخليج العربي، وعلى البحر العربي حتى ينتهي برأس الرجاء الصالح في عهد الإمام سلطان بن سيف، قيد الأرض رحمهما الله.
وكانت مشاهير الأساطيل في هذا العهد أولها كعب رأس أضخمها حجمًا، وثانيها الفلك، وثلثها الملك بسكون الدم، وكان الملك مسلحًا بثمانين مدفعاً، ومن هذه المدافع ومن عددها يتصور العاقل عظم هذه البارجة الحربية، ورابعها الناصري، وخامسها الوافي، وسادسها نزوى، وسابعها منح، وثامنها بهلى، وتاسعها سمائل، وعاشرها الرستاق، وبعضها لها أسماء أخرى وألقاب فخمة، ذكرها صاحب حياة الشرق.
فهذه البوارج بعضها كان غنمه العمانيون من البرتغال، وبعضها من الأمم التي اصطلمها العمانيون، وبعضها أهدتها الدول للإمام تحبباً إليه وخوفاً منه، وجلباً لصداقته، وفي التاريخ العماني: كانت ثمانية وعشرين مركباً حربيًا، أي هذه التي تمخر عباب البحر، عليها الرجال، والمدافع لا غير.
أما السفن فأكثر من مائة سفينة، قال: في حياة الشرق، فعدت دولة عمان في هذا العهد الدولة الرابعة من دول البحار بعد صلاح الدين الأيوبي، فكان العلم العماني هو النجم الشرقي الذي يسير عليه الناس في هذه الآونة، فانظر أيها العاقل في عمان بعهدها النبهاني، وقابله بعهدها اليعربي، وعمان هي لا غير، وهكذا ومازال يخطب ود الإمام (4/7)
صفحة 833
القريب قبل البعيد خوفًا ورهباً، وفي قصيدة الشاعر المنتفقي محمد بن صالح البصري يقول مشيراً إلى الأساطيل التي ذكرها:
وانشد ... مراكبه ... التي ... صدمت ... مر
اكبهم ... وأهدتها ... بنادق ... حاميه
الملك ... ثم ... الفلك ... ثم ... الناصري
مع ... كعب ... رأس ... كالجبال ... الراسيه
كم ... أخرقت ... كم ... أغرقت ... كم ... أحرقت
من ... بريشة ... حزبية ... أو ... باغيه
كم ... غادرت ... جثث ... الكلاب ... مجافة
أو ... جيفة ... في ... البحر ... تذهب ... طافيه
الفرس ... سلهم ... حين ... فروا ... بعد ... ما
نظروا ... فوارسهم ... أتتهم ... عانيه
إلى أن قال:
آها على تلك الرئاسة والسيا
سة والفراسة والخصال الزاكيه
فسل النصارى ما رأوا في بحرهم
والبر من تلك الجنود الغاشيه
ومنها:
لقد رأى النصارى من الإمام سيف بن سلطان ما ساءهم، وللرحماني ما ليس لغيره من القوة، وهو الذي بقى في يد أحمد بن سعيد البوسعيدي وارث العرش اليعربي، وهو الذي دخل به الجيش العماني البصرة في أيام الإمام أحمد بن سعيد، إذ كان مسلحاً بالألماس الثمين، فقطع السلاسل التي أغلق بها مدخل البصرة وكذلك الصالحي غير بعيد عنه. (4/8)
صفحة 834
الإمام سيف بن سلطان يقبل على عمران عمان
لا يخفى أن صدر الإمام سيف بن سلطان كان واسع النطاق إلى حد بعيد، فإنه والحال كما عرفت عنه أقبل على عمران عمان من نواحٍ عديدة.
منها أنه أقبل على خدمة أفلاج بعمان ما كان لها وجود، أو كان لها شبه وجود، فخدمها فأصبحت قرى طيبة يعيش فيها مئات من الناس، بل آلاف كفلج البركة الذي بين نزوى وإزكي، فصارت البركة من أبهج بلاد عمان.
ومنها فلج الصائغي الذي بالرستاق، فأدخله في حوش الحصن كما هو الواقع الحالي.
ومنها فلج البزيلي بالظاهرة من أعظم أفلاجها.
ومنها فلج الكوثر الذي هو فلج الحزم من ناحية الرستاق الموجود حاليًا.
ومنها فلج برزمان من ناحية البدو من داخلية عمان.
ومنها فلج مسفاة وادي السحتن.
ومنها فلج مسفاة وادي الرستاق.
ومنها فلج الهوب، ومنها أفلاج جعلان بني بو حسن، والفلج المعروف حتى الآن بفلج سوق الإمام بقى أطلال البناء حتى الآن، ويقال إن جملة الأفلاج التي أجراها هذا الإمام المذكور بعمان سبعة عشر فلجاً هذه التي ذكرناها وغيرها. (4/9)
صفحة 835
قال الإمام رحمه الله، نقلا عن ابن رزيق وغيره، إنه غرس في عمان أي في الداخلية، وفي ناحية بركا من الباطنة من المبسلي وهو نوع خاص من نخل عمان، يطبخ بسره في حال عقاد قبل أن يصير رطباً يطبخ، بالنار في مراجل معدودة، ثم يجفف في الشمس قدر أسبوع، ثم يساق إلى الهند فيباع بأثمان وافرة.
غرس الإمام سيف من هذا النوع في بركا ثلاثين ألف نخلة، ومن النارجيل وهو المعروف بالجوز الهندي ستة آلاف نارجيله. قال: وله غير ذلك أموال في المصنعة من الباطنة لا تحصى قال: وعمر عمان كثيرًا، أي ساعد الأهالي وفي بعضها اشترك معهم، ومن هذا النوع «حمرا» العبريين ومنه السليف وأمكنة أخرى.
قال الإمام: وأجرى فيها الأنهار وغرس فيها الأشجار، قال: وجمع مالا جمًا، وملك إماء عبيدًا. قال: وقويت عمان وصارت خير دار. قال الإمام: قيل وكان شديد الحرص على جمع المال، وقال: في موضع آخر: وملك من الإماء والعبيد سبعمائة وألفا.
قال: وغرس بالجبل الأخضر أشجارًا من الورس والزعفران، وجلب من سواحل أفريقيا ذناب النحل، ولا يزال منذ ذلك العهد موجوداً بالجبل الأخضر.
قال بن رزيق بعد أن ذكر أعمال الإمام سيف بن سلطان قال: وغرس ببئر النشاوة والروصة والمنذرية نخلا كثيرًا وهذه آبار معروفة عندهم، قال: واشترى أموال بني لمك، وأموال بني عدي من وادي السحتن وقول أمير البيان: كان يملك ثلث نخل عمان، غير بعيد بالنظر إلى بيت المال الذي تحت يد الإمام، فإنه ما كان يملك شيئاً لنفسه، فجمع ما اشتراه وما غرسه وما اجتلبه لبيت المال، فإن نزوى ثلثها بيت مال، (4/10)
صفحة 836
وثلثها أوقاف، وكذلك بهلى وإزكي وسمائل، ونخل والرستاق والعوابي وبلدان الظاهرة أغلبها بيت مال الإمامة إلا ما شاء الله.
والأفلاج التي أحدثها الإمام كالبركة وكذلك بدبد كلها بيت مال، فالبنظر إلى هذه الأحوال لا يبعد ما يقال، وكان المال مع الإمام محظوظاً مصونًا غير مضاع، فقد روى أن بدوياً جاء يسأل الإمام شيئاً من المال فلم يلتفت إليه أو لم يعطه، فقال البدوي: كنا نأتي والدك ونسأله فيعطينا، فقال: «أبي سلطان وأما أنا سيف».
والمعنى الظاهر أن أبي سلطان والسلاطين من صفاتها العطاء، وأما أنا سيف وصفات السيوف قطع الرقاب، وكأن الإمام لم يرد أن يعطيه فيتخذها عادة، وهو سوي قوي، بل أراده أن يحترف لنفسه ويترك السؤال والطلب، مع ما فيهما من مهانة وذل، ثم إنه لا يروي غليلاً، ومن عاش على السؤال عاش جائعًا، وبحفظ الإمام للأموال ألبس الدولة قوة، ووضع لها في قلوب الناس هيبة، وكيف لا وتلك الجيوش الجرارة التي عرفت لها ودوخت العالم في أيامها، وقضت على المزاعم مطلقًا ومحت رسوم الاختصاصات وقطعت شأفة الفساد. (4/11)
صفحة 837
الكتاب: عُمَانُ عَبْر التَارِيخِ
المؤلف: سَالِم بن حمود بن شَامس السّيَابي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
الطبعة الخامسة: 1421هـ / 2001م
والطبعة الرابعة: 1421هـ / 2001م
[موافقة للطبعة الثانية: 1406هـ / 1986م]
عدد الأجزاء: 4
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) سلاح الدولة اليعربية
لما كان عهد الإمام سيف بن سلطان، وعهد أبيه من قبله وولده سلطان الثاني، كان سلاح الدول الأخرى له الشأن في الوقت الحالي المدافع التي ترسل إليها الطلقة من فوهتها، فتلقى فيها أكياس البارود، ثم يلقى الرصاص المصبوب من الحديد، ثم ترسل النار على البارود من ثقب يكون له اتصال عاجل به، فتثور ناره المزعجة، وهكذا.
فجلب الأئمة اليعاربة من هذا السلاح شيئاً كثيرًا زودوا منه الحصون والقلاع والبروج ومرصد القتال، وجعلوا أهمه على حصون البحر وهي البوارج المحيطة بالجزيرة من شتى الجهات، ويكفي برهانان على ما قلنا ما بقى من ذلك السلاح على عهدنا منه ما دفن تحت الأنقاض بعد ما تبدل الوضع، منه ما انفتق عند إطلاقه حين يخالف القياس، ومنه ما بقى قي القلاع حتى الآن تذكاراً لذلك العهد، ومنه ما هو مكتوب عليه سيف بن سلطان، ومنه ما هو مكتوب عليه قيد الأرض، ومنه ما هو مكتوب عليه أسماء ملوك آخرين كعباس خديوي مصر، وهذا يوجد في حصن بدبد، ولعله أهدي للإمام من ملك مصر المذكور.
ويكفي تذكارًا من هذا النوع ما بقى في حصن الحزم، وقلعة الرستاق، وهذه الأسلحة كانت موجودة بعمان بكثرة، وهي أكبر دليل على القوة العمانية، وقد علمت أن الملك كان يحمل ثمانين مدفعًا فما ظنك بغيره. إن الله يعز من يشاء ويذل من يشاء، والحمد لله. (4/12)
صفحة 838
الإمام سلطان بن سيف بن سلطان
وهو المعروف بسلطان الثاني، قال أمير البيان في تعليقه: نقل هذا كرسي المملكة إلى مدينة الحزم، أي جعل الحزم عاصمته، قال ابن رزيق: بنى حصن الحزم وانتقل من الرستاق إليه أهـ.
ولما كان لكل نفس أمل، ولكل إنسان عمل، ولكل قلب هوى، وقد علمت ما كان لآبائه وأعمالهم، وهواية كل واحد منهم، أما سلطان الأول فهوايته رفع شأن نزوى وإعلاء قدرها، وكانت رغبة بلعرب ابن سلطان التوسع في واحة جبرين حين توسع نطاق الدولة، ورآها تزدلف إليه لا محالة، وان جبرين أوسع من نزوى لاسيما لمثل تلك الأيام الزهراء المشرقة، وكانت همة أخيه سيف بن سلطان في تنظيم الجيوش برية وبحرية، كما مر عليك ذلك أيها القارئ الكريم.
وكانت رغبة ولده سلطان في موقع واحة الحزم، إذ رأى أن الرستاق لا تصلح أن تجعل عاصمة، إذ هي مكتظة بالجبال ومزدحمة بالسكان، ورأى الحوم أرضًا مكشوفة تتصل بسهل الباطنة، فتتسع لكل ما يرام فيها من مناخ ومساكن وغيرها مما يقتضيه الوقت، فقام ببناء الحصن فيها، وأنفق فيه أموالا طائلة، وجعله آية الدهر وروعة الفكر في ضخامة أركانه، ومتانة جدرانه، وقوة حيطانه، من رآه من خارج لا يستكبره، ومن رآه من داخل يحتار فيه فكره، ويندهش في صفته وتصوره، وإذا أراد الواصف أن يصفه أذهلته عظمته، ولن يهتدي لدخوله غريب أبدًا، ولو أخذ مدة فإن فيه آبار تعلن خطر الداخل بغير دليل. (4/13)
صفحة 839
قال الإمام السالمي رحمه الله: وبنى حصن الحزم بالجص والحجر، قال وانتقل لبنائه من الرستاق، وأنفق فيه أي في بنائه مما ورثه من المال من أبيه، وقد علمت الأموال التي جمعها أبوه، قال: واقترض كثيرًا من أموال المساجد والوقوفات ألوفاً ولكوكاً، قال: ووجدت أن جملة ما اقترض من أموال الوقف خمسمائة فراسلة فضة.
قلت: هذا أمر عظيم يدل على يسر عظيم، فإن خمسمائة فراسة فضة بعرفنا الحالي عن خمسة وعشرين بهاراً فضة من خصوص الأوقاف وهذا يفوق المليارات، فما ظنك ببقية الأموال.
ودخله الشيخ سليمان باشا الباروني رحمه الله، فقال: ما كنت أظن تبنيه أو قال تبني مثله إلا ملوك أوربا، ويحتار العاقل في إدخال تلك المدافع التي فيه بأي وسيلة أدخلت فيه، مع أن ناقلات العصر لا توجد في ذلك العصر. (4/14)
صفحة 840
عقد البيعة للإمام سلطان بن سيف
لا يخفى أن إمامة سلطان بن سيف كما هي بطبيعة الحال تبع لإمامة أبيه سيف، ولما مات الإمام سيف لم تبعد أهلية الإمامة عن ولده لوفور متطلبات الإمامة في هذه الذرية التي بارك الله فيها، وجعلها حجة في عباده، وهدى ورشادا في بلاده، لما قضى الله على الإمام سيف، وأعلام الإمامة ترف على الأصقاع النائية عن عمان، وجيوش الدولة سائحة في البلاد، اجتمع العلماء الأجلاء في ذلك العهد، وهم المشايخ: عدي بن سليمان، والشيخ خلف بن محمد بن خميس، والشيخ سليمان ابن محمد بن ربيعة المربوعي، والشيخ سعيد بن علي الذي أطلق عليه اسم الوالي، والشيخ ناصر بن خميس، والشيخ خلف بن سنان، والشيخ ناصر بن سليمان بن مداد، ومعهم بقايا من أهل العلم والفضل، لأن أمر الإمامة كبير، ومنصبها خطير في جميع الأمور.
قال الإمام: وكلهم ثقات فقهاء في هذا الزمان فيما قيل، وكان الإمام يحكي هذا الكلام عن الناقل، قال: وأناس من أهل الغشب أي مع المذكورين أناس من أخيار الغشب بلدة الرستاق، مسمون وغير مسمين، أي منهم مذكور باسمه ومنهم غير مذكور، قال: وكذا أهل الرستاق مع كثير من المشايخ اليعاربة، قال: وبلغني أنهم استتابوه أي استتابوا سلطان المذكور، لأنهم يعدون عليه أشياء من أعمال أبيه قيد الأرض الذي دخل في الأمر من غير وجهه، قال: وهو يحكي القضية نقلا عن غيره، قال: وفي هذا الكتاب الذي أرسل إلينا أن المسلمين رضوا به وأذعنوا له بالسمع والطاعة على شروط شرطوها، وعهود (4/15)
صفحة 841
عليه أخذوها منه ألا يتقدم على أمر قليل ولا جليل، إلا برأي المسلمين مع أشياء يطول ذكرها.
قلت: ليتهم ذكروها لأن التاريخ يطلبها. وقال العبد الفقير سعيد ابن بشير الصبحي قد ألزمت نفسي ولاية هذا الإمام، وطاعته مع ما صح معي وصحت حجته على يد المسلمين، وصحت عقدته وهو سلطان بن سيف بن سلطان، قال: وعندي- والله أعلم- أن إمامته في ظاهر الأمر أوجب من إمامة أبيه، لأن المسلمين دخلوها. قال: وحكم التقية زال عنهم فيما بلغني. قال: وعندي أن طاعته واجبة على جميع الرعية، وولايته لازمة جميع من صح معه صحة إمامته، كان من رعيته أو من غيرها. وقد قيل لي في حصن المسلمين بنزوى، بحضرة المشايخ ناصر بن خميس، وناصر بن سليمان، وسليمان بن محمد، ودرويش بن جمعة وغيرهم من المسلمين، ما تقول في الأمر؟ فكان جوابي: إني قد ألزمت نفسي ولايته وطاعته، ودعوت إليها من أجابني، قال: وقد افترقنا على أمر واضح نهار سابع، عشية تاسع، وبكرة اثني عشر من شهر رمضان.
قال الإمام: يعني أنه حصل لهم النظر في هذا الأمر ثلاثة مجالس، قال: وقد اتفقنا على إمامته بلا كراهية ولا تقية من الجميع، قال: وهذا يقتضي جواز الدخول، وتنفيذ الأحكام مع الأخذ والعطا، وجميع أمور المسلمين بعد التحديد منه وفيه وقبله فيه اختلاف لمن جاز له الدخول، قبل، قال: وكتب سالم بن عبدالله من إملاء الشيخ سعيد ابن بشير الصبحي.
قلت: كان الشيخ من رجال العلم إذ ذاك، وفي مقدمتهم، وكان أول الكلام عنه يقول الإمام، وكتب العلامة الصبحي لبعض (4/16)
صفحة 842
إخوانه إن سيف بن سلطان صح معنا موته، ثم صح معنا تقديم المسلمين ابنه سلطان إماما لكافة المسلمين، تلقفت صحة ذلك من الفقيه ناصر بن خميس، وخلف بن سنان رحمهما الله، وكأن هذا الشيخ لم يكن مع الحاضرين للعقد، وإنما كان يسكن قرية بني صح التي هي الآن من أعمال الحمراء، ولكن بعد ذلك دخل في الأمر، وتحقق الحق، وما كان يعد على هذا الإمام من أول الأمر، إلا دخوله فيما دخل فيه أبوه، وأمر أبيه كان فيه ما فيه مما ذكره المسلمون، ولما أرادوا منه توبته تاب وقبلوا منه ذلك، ولم يعدوا عليه شيئًا فيما بعد، والله يعلم المصلح من المفسد، والله يتولى من عباده الصالحين. (4/17)
صفحة 843
الإمام سلطان يتحفز لجهاد الأعداء
لما رأى العجم تقلص ظل البرتغال من الخليج، تحركوا للبحرين، فاحتلوها، ولما رأى الإمام العجم يرومون أن يحلوا محل البرتغال في بلاد العرب، وهم لهم بعمان سوابق شر، جهز لهم الإمام جيشاً بقيادة الشيخ حمير بن سيف بن ماجد، وعضده برجال من أهل عمان الذين تعودوا الحروب، فزحف الجيش على البحرين، ودارت رحى الحرب بين الفريقين، فاندفعت العصا الفارسية بالصخر العماني فكسرها، وفر العجم من البحرين، وتوالت عليها الولاة العمانيون إلى أن كان آخرهم سيف بن ناصر بن محمد الغافري الذي بنى حصن العينين من خراج البحرين كما سوف ترى ذلك في محله إن شاء الله.
وقد أشار الإمام السالمي رحمه الله إلى ذلك بقوله، نقلا عن ابن رزيق وسرحان بن سعيد قال: ثم إن الإمام قام واستقام وجاهد الأعداء في البر والبحر، وحارب العجم في مواضع شتى، وأخرجهم من بلدانهم ودمرهم في أوطانهم، وأخذ البحرين والقسم ولاك وهرموز، أي اجتاح هذه الأماكن حيث هي على خط الساحل في الخليج العربي، وكانت هرموز فتحها الشاه عباس وطرد البرتغاليين منها فاستلمها الإمام منهم، ثم سحب على الباقي واجتاحه، ولم يقف له معارض أبدا، ومازال الساحل الإيراني على الخليج العربي بأيدي العمانيين على عهد قريب، سوف نذكره إن شاء الله.
وإلى قضية البحرين التي يترنم بها شاعرنا الحبسي في قوله: (4/18)
صفحة 844
ألا ... فانظروا ... كيف ... الأعاجم ... صاروا
غدوا ... شجرات ... مالهن ... قرار
طغوا ... وبغوا ... في ... الأرض ... حتى ... أصابهم
عقاب ... أليم ... مهلك ... ودمار
ومشى فيها الحبسي المذكور على أن قال في آخرها:
وقد ... صارت ... البحرين ... في ... ملك ... سيد
كريم ... زكي ... فرع ... له ... ونجار
سلالة ... سيف ... نجل ... سلطاننا ... الذي
لنا ... أمنت ... سوج ... به ... وقفار
وقد قتل في وقعتها قائد السرية المذكور، وراشد بن عزيز، ومبار ابن غريب، ومحمد العضد الحضرمي الذين هم أركان الجيش العماني في هذه الحرب البحرينية الفارسية، فرف العلم العماني الأبيض البراق، الذي يضاحك السلاح الأبيض، والوجوه البيض، والعمائم البيضاء، وكان البطل الحضرمي ممن يقدم على العدد الوفير في الجيش، وإلى هؤلاء يشير الشاعر بقوله:
وما ضرنا من غير موت
كرامنا لأنهم عدل بها وخيار
كحمير الزاكي بن سيف بن ماجد
في بعده النوم اللذيذ مطار
ونجل عزيز راشد ومبارك
سليل غريب هم هديت ذمار (4/19)
صفحة 845
ولم ... أنس ... ذاك ... الحضرمي ... محمداً
فموتته ... للمسلمين ... خسار
شجاع ... كفاح ... لم ... يقاومه ... ضيغم
وغضب ... وغي ... لم ... ينب ... منه ... غرا
ومن هنا تعلم مقام الدولة اليعربية وقوتها، حيث أصبحت بلاد العرب على البحر الأحمر تحت رايتها، والخليج العربي كذلك، والساحل الهندي كذلك، والجزائر الأفريقية أكثرها. فأكبر بعمان في ذلك العهد وأعظم يتلك الدولة اليعربية.
وقد أقبل سلطان الإمام علي بن عمران عمان مطلقاً، وحسبنا هنا ما قوله فيه الإمام السالمي رحمه الله حيث يقول: وهم أن يجعل عمان كجنتي مأرب، وهو الذي يقول لأن أعاشني الله لأجعلن المسافر للحج يخرج من عمان بلا زاد، يعني سيعمر البلاد العربية التي يمر فيها الحاج من عمان إلى مكة، لأن البحر الأحمر معهم وإلى البحرين كذلك، ولم يبق إلا اليسير في ذلك العهد، وهذه كانت نيته لو أراد الله لأهل عمان خيرا لطال عمر تلك الدولة، ولكن أمر الله محتوم من الأزل، ولله أمر هو بالغه وحكم هو نافذه.
قال رحمه الله: وتوفي بحصن الحزم الذي بناه للعزة والمنعة، فكان من قدر الله أن صار موضعا لوفاته، ومحلا لجثته بعد مماته، قال فدفن فيه في البرج الغربي النعشي، قال: وهذا الحصن غاية في التشييد، وهو من عجائب الدنيا، قال ذكر لي بعض الأصحاب أنه ألف فيه أي في وصفه وفي بنائه كتاب نظما ونثرا، فالنظم قصيدة ميمية، والنثر شرحها، ولم أقف على هذا الكتاب. (4/20)
صفحة 846
قلت: وقفت عليه أنا أيام الصغر عند مشايخ بني خروص أهل سمائل، وقرأت بعضا منه، ولم يتح لي القدر نسخه ونسخت منه القصيدة بطولها لتبقى عندي تذكارا، وعندما حاولت كتابة هذا التاريخ لم يساعد الحظ على الوقوف على هذا الكتاب، وكان فيه تاريخ هذا الإمام العادل البطل وهذا مطلع القصيدة المشار إليها:
لقصر ... بكر ... العلى ... والمجد ... والكرم
قصر ... نشا ... في ... مقر ... العز ... بالحزم
هذا البيت الوحيد في ذاكرتي منذ أكثر من خمسين سنة، وبهذا يضيع التراث العماني ويتلاشى التاريخ، وكان في هذا الكتاب من أعمال اليعاربة شيء غير هين، ولكن ماذا نقول، ولا حول ولا قوة إلا بالله أن عدم نشر الكتب بالطبع يمحق المآثر، ويدمر العمال ويخفى أفعال الرجال، وأقول بحق إن كل واحد من أئمة اليعاربة له تاريخ مستقل، إلا أن عدم الاهتمام بذلك أضاع الحقائق، والذي كتبه عنهم المتأخرون هو لقط ما تبعثر هنا وهناك، وبعضه تلاعب به النساخ، وبعضه قضى عليه الأعداء والأمر لله.
قال الإمام: وتوفى أي الإمام سلطان بحصن الحزم الذي بناه للعزة والمنعة، فكان من قدر الله أن صار موضعا لوفاته ومحلا لجثته بعد مماته فدفن فيه في البرج الغربي النعشي. قال: وهذا الحصن غاية في التشييد إلى آخر ما سبق من الكلام فيه، قال: وكانت وفاة الإمام سلطان يوم الأربعاء لخمس ليال خلون من جمادي الآخرة سنة 1131 إحدى وثلاثين ومائة وألف، قال: وكانت إمامته سبع سنين وتسعة أشهر، قال: وبموته انتقص الشر بعمان، وجرت فيهم العصبية والحمية، قال: وأرادت الرؤساء أن تجعل الدولة ميراثا. (4/21)
صفحة 847
قلت: هذا هو غالب أحوال الأمة جاهلية وإسلاميا، إذا استمر الأمر في قوم عضوا عليه بالنواجذ، ورأوا أنهم أحق بالأمر من غيرهم، ولم ينظروا إلى أصل الأمر، وأنه الصلاح والعدل وهكذا، ويرى أن الذي كان المر إلى أبيه أو إلى قريبه، كان أسرع انقيادا إليه ولذلك يميلون إليه، وإن كان مفضولا من الناحية الدينية، إلا أن انقياد الناس إليه أسرع ولقبول أمره أطوع. (4/22)
صفحة 848
إمامة الإمام مهنا بن سلطان
ابن ماجد بن مبارك بن بلعرب اليعربي كان هذا الإمام المهنا بن سلطان عالي المنزلة في العائلة اليعربية، مرقوق في الأمة العمانية، ولذلك تزوج بنت الإمام سيف أخت الإمام سلطان الراحل، قال أمير البيان: مات سلطان تاركاً ولدين، أحدهما اسمه سيف وكان يافعاً والآخر، مهنا وكان بالغا رشيداً، فانقسم الناس في أمر الخلف، إذ بعضهم أرادوا سيف إمامًا والآخرون اعترضوا من جهة حداثة سنه، وأرادوا مهنا، وكان هوى العمة مع سيف، وهوى الخاصة والعلماء مع المهنا، وكان لذلك العهد رجل عظيم الوجاهة نافذ القول اسمه الشيخ عدي بن سليمان الذهلي، فتدخل في الأمر في أثناء الفتنة، فنادى بسيف إماما ولكنه كان بفتح الهمزة أي أمامكم بمعنى قدامكم، والعامة لا تفرق بين معنيي الفتح والكسر.
قال: وسكن بذلك العامة ريثما انقطعت تلك الهيعة فأدخلوا مهنا القلعة سرا، وجعلوه إماما سنة 1131الموافق سنة 1718 والمعنى أن العامة وهم طغام الناس وغوغائهم، وهم البلاء العام في الإسلام، وكانت سياسة الشيخ الفقيه عدي بن سليمان، وهو الركن الأكبر في هذه الحركة السيئة ولو أنه تناول الأكابر وفاكرهم في هدوء واطمئنان، وبين لهم الحقائق وأرضاهم من ناحية الدنيا التي يطلبونها حتى تستقر قواعد الأمن على قرارها، وبعد ما يرى اليد قد قويت يستدرج القوم زرافات ووحدانا، ولكن ما قدر لابد من كونه، ولقد انتفخ أهل الكبر والبطر فركبوا ظهر الشقاق غير مبالين، وكل غرضهم من هذا أن تكون لهمم بذلك عند سيف بن سلطان يد يتسلطون بها على عباد الله، وإلا فما (4/23)
صفحة 849
بالهم يعارضون العلماء، وقد علموا أن الإمامة لا تقوم إلا على محور العلماء، ومن هنا ينبعث الشر، ويقوم في الأمة الأمر المضر، ولقد أراد الله أن يمحص المؤمنين الذين ابتلاهم بأمر الدين.
قال أمير البيان: وكان مهنا على جانب عظيم من الحذق والمهارة وطول الباع في الإدارة، فإنه بدأ يجعل مسقط مرفأ حرا بأن أسقط المكوس وسائر ما يؤخذ على البضائع مما زاد حركة الأخذ والعطا، قال: وبشر بمستقبل عظيم إلا أنه افتلت بأمر لم يكن يفطن لهن وهو أن أهالي الرستاق ونفس عشيرته قاموا يطلبون الإمامة ليعرب بن بلعرب، ورفعوا لواء العصيان، وزحفوا إلى مسقط ودخلوها، وقعد الآخرون عن نصرة مهنا. قال: فاعتصم بقلعة الرستاق، ومعنى هذا أنهم احتلوا مسقط وتولوا أمرها، وهو بالرستاق لم يجد من يناصره فيقوم معه، وبعد ذلك زحفوا على الرستاق مصممين على قهره وانتزاع البلاد من يده راضيا أو كارها، وماذا كان جرمه أظن كونهم أدخلوه قلعة نزوى على حين غفلة من الناس، وبايعوه وأعلنوا إمامته، وكان الرؤساء وأتباعهم يعهدون الإمام سيف بن سلطان الذي يريدون أن يتلاعبوا بدولته.
فتآمروا عليه هم والمتنطعون من بقية اليعاربة، وبذلك أصبح السواد الأعظم عليه، والأقلون معه قال: ثم داخلوه في الأمان فأمنوه وسلم لهم القلعة، فلما صار في أيديهم ورأوا أنهم الغالبون عليه باقوه وقتلوه سنة 1133.
قلت: هنا ارتكبوا أمرين عظيمين، أولا أمنوه على العهد والميثاق ثم قتلوه بعد الأمان، أمران أسهلهما عظيم عند الله، بل أصل قيامهم عليه مصيبة كبرى، ولابد أن تكون الثمرة لهذه الأعمال كبيرة تمحق (4/24)
صفحة 850
الدين وتهدم الشرف وتقطع أعضاء دولة المسلمين التي بناها أولئك الأئمة الغر الميامين.
قال الإمام السالمي وكذلك سرحان بن سعيد وابن رزيق: أن مهنا بن سلطان بن ماجد بن مبارك بن بلعرب. وهو الذي تزوج بنت الإمام سيف أخت الإمام سلطان، بايعوه بعد موت الإمام سلطان في ذلك الشهر بعينه. قال: رأوه أهلا للإمامة لكونه ذا قوة عليها، أي والحال في مثل ذلك الوقت يستدعي القوى لحمل الأمانة الكبرى. قال: ولم يكن كثير علم لكنه يتعلم ويسأل ولا يقدم على أمر إلا بمشورة العلماء، قال: وسبب بيعته أنه لما مات الإمام سلطان أرادت اليعاربة، ورؤوس القبائل أن يكون الإمام ولده سيف بن سلطان، وكان صبياً لم يراهق، وأراد أهل العلم وبنت الإمام سيف بن سلطان أن تكون الإمامة لمهنا بن سلطان، وهو ابن عمهم لأهليته، وقال أهل العلم للناس: إن إمامة الصبي لا تجوز على حال، ومن لا يجوز أن يجوز أن يكون إماما في الصلاة، فكيف يجوز أن يكون إماما على المسلمين يتولى أحكامهم ويلي أمورهم في الدماء والفروج، والتولية للولاة والقضاة والعزل والولاية والبراءة، وهذه أمور تستدعيها الإمامة الكبرى، والصبي لا يجوز أن يقبض مال يتيم، بل لا يجوز أن يقبض مال نفسه فكيف يجوز أن يقبض مال الله ومال الأيتام والأغياب ومن لا يملك أمره، فكيف يملك أمر غيره.
قال: فأبت العامة إلا إمامة الصبي، وأعادوا العلماء أذناً صماء، وتجمعوا واجتمعوا بالسلاح، وربما أشهروا سلاحا ووقع بعض الجراح، وعند ذلك خاف العلماء الفتنة وشق عصا المسلمين كبير في الدين، وإذا بالبلية الدهياء لتبرز في الميدان لتأخذ دورا فعالا. قال: فخاف العلماء (4/25)
صفحة 851
الفتنة وانتشار الشر، فقال القاضي عدي بن سليمان الذهلي، وهو العنصر الكبر إذ ذاك في الإمامة، إذ هو القدوة الصالحة، قال: أمامكم سيف بن سلطان بفتح الهمزة أي قدامكم، وأراد بذلك تفريقهم وإطفاء الفتنة فعند ذلك نادت العامة بإمامة سيف بن سلطان، وضربت المدافع أي أطلقت اظهار للأمر وإشهارا للإمامة، وانتشر الخبر الكاذب في البلدان أن الإمام سيف بن سلطان، قال: فلما سكنت الحركات وهدأت الناس أدخلوا الشيخ مهنا الحصن خفية، وعقدوا له الإمامة فقام بالأمر واستراحت الرعية في زمنه وحط عنهم المعشرات في مسقط لأنها الميناء الوحيد لعمان، قال: ولم يجعل بها وكيلا لهذا الصدد، قال: وربحت الرعية وراجت التجارة، ورخصت الأسعار، وبورك في الثمار ولم ينكر عليه أحد من العلماء في شيء من سيرته.
قال: لبث على ذلك سنة، ثم خرج عليه يعرب بن بلعرب بن سلطان ولد الإمام المحصور في جبرين، قال: وسبب ذلك أن اليعاربة وأهل الرستاق أضمروا العداوة للإمام، مهنا وللقاضي عدي بن سليمان ومن معهما من المسلمين بسبب ما وقع عند بيعة مهنا، أي جعلوا ذلك ضغنا وحقدا في قلوبهم، وظلوا يتحينون الفرصة لهذا الصدد، وهنا فتح لهم الشيطان الباب الذي يدخلون منه على الإمام.
قلت: وأنا أعتقد أن ذلك لسوء سياسة عدي بن سليمان ومن معه، حيث رأوا تعصب السواد الأعظم لسيف بن سلطان، ونادوا به إماما وأطلقوا المدافع، وجاءت القبائل تلقى إليهم إذعانها، وبعد ذلك ما شعروا وهم على ما هم عليه، وإذا بمدافع القلعة تطلق معلنة إمامة مهنا، وهذا (4/26)
صفحة 852
مما يدعو إلى التحاقد والتغاضن والتنافر، وعلى كل حال إن السواد الأعظم هو البلاء الأكبر على المسلمين، ولذلك ترى الأمر كما أشرنا إليه.
قال: فلم يزالوا يكاتبون يعرب بن بلعرب، ويحرضونه على القيام بأمر سيف المخذول بحسب ما في نفوسهم، وعلى الخروج على مهنا حتى خرج المذكور، فسار مختفيا إلى مسقط، فدخل الكوت الشرقي أي الحصن الجلالي، قال: ووالي مسقط يومئذ الشيخ محمد بن مسعود الصارمي المقدم ذكره في حروب الإمام سلطان، قال فلم يشعر إلى ويعرب قد دخل الحصن قال: ولعل أهلها لم يخلوا من خيانة.
قلت: لو لم تكن خيانة كيف يدخل، وإذا دخل كيف يستقر قراره والحال أنه معتدي.
قال: وكان الإمام خارجا إلى فلج البزيلي من أرض الجو، فبلغه الخبر فرجع إلى الرستاق، وقام وشمر عن ساق الجد، ورام النهوض على هذا الثائر الذي لم يدخل الأمر من بابه، وطلب من أهل الرستاق النصرة فخذلوه، وهذه الداء العقيم في الأمة تراهم يقومون به مع من يهوون بالمال والرجال في رغبة ونشاط، وحينا تراهم يخلدون إلى الأرض، ولم يكف أهل الرستاق أنهم خذلوه فقط، بل ناصبوه الحرب حتى ضاق ذرعه، ولم يكن بالقلعة استعداد كاف، فطلب الأمان على العهد والميثاق أن ينزل من القلعة فأعطوه عهد الله وميثاقه على نفسه وماله ومن معه، ففكر في أمره، فرأى أنه مخذول إذ لم يقم له مناصر ومسقط قد خرجت عنه وهو بقلعة الرستاق محصور، ولم يكن له مناصر يدافع عنه المحيطين به فتبين له الخذلان من أهل عمان، فأجابهم إلى (4/27)
صفحة 853
ما أعطوه من الأمان فنزل من القلعة فزالت بذلك إمامته. قال: فأخذوه وحبسوه هو وواحد من عمومته وبعض أصحابه، وبعد ذلك خشبوه في قيد وخشبة هو ومن معه وأذلوه ذلا لا مزيد عليه ثم لم يكتفوا بذلك بل جاء خدامهم فذبحوه في خشبته هو وأصحابه كما يذبح الخروف، لا حيلة لهم ولا أي حركة يستطيعون.
قال: واستقام الأمر ليعرب بن بلعرب بن سلطان، قال: ولم يكن يدعي الإمامة لنفسه، وإنما يدعيها لسيف بن سلطان الصغير الذي نادوا بإمامته أولا، وكان يعرب المذكور قائم بأمره، وشاد لأزره وسلمت له م جميع حصون عمان وقبائلها، قال: كان هذا في سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف فلبث على ذلك حولا، ثم انقلبوا إليه وبايعوه إماما بعد ما كان محافظا لأمر سيف بن سلطان، فهاتان اثنتان كل واحدة أكبر من أختها الأولى خروج سيف بن سلطان على بلعرب وحصره له في حصن جبرين حتى مات غما.
والثانية هذه التي فعلوها في مهنا وأصحابه وإنها لفعلة منكرة لا يرضى بها من له أدنى مروءة في عدوه فضلا عن أخيه وابن عمه، هنا بدأ الملك العضوض لهذه الدولة العلية التي تحدثنا عنها، وكان كما علمت خرج على الإمام مهنا باغيا. قال: فتاب من بغيه ورد الأمر إلى القاضي عدي بن سليمان الذهلي زعيم العلماء إذ ذاك، قال: فاستتابه من جميع أفعاله ومن بغيه على المسلمين، وتعديه على مهنا بن سلطان واغتصابه لدولة المسلمين.
قال الإمام السالمي رحمه الله: قالوا: وكان يعرب مستحلا في خروجه هذا لأنه يظن أن الإمامة لسيف، وأنها قد غصبت منه. قال: فلم ير الشيخ عدي عليه ضمان ما تلف لشبهة الاستحلال والمستحل لا يلزمه غرم ما أتلف فقبلوا توبته من غير غرم، هذا، ما أورده المؤرخون العمانيون ونقله الإمام عنهم في هذا المقام. (4/28)
صفحة 854
إمامة يعرب بن بلعرب بن سلطان بن سيف
قال أمير البيان: وتولى يعرب في البداية باسم سيف بن سلطان الصغير، قال: ثم جعل نفسه إماما أصيلا، قال: وأخذ حكما شرعيا من قاضي ذلك الوقت بأنه أحرز الإمامة بحق، وأنه ليس بعاص ولا خارج ولا غاصب، حتى إن الأموال التي اغتصبها هي حل له، بحجة أن التوبة تكفي عن الذنب، وكانت البيعة سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، فاستقام له الأمر وسلمت له حصون عمان، ولبث في الرستاق أياما يسيرة، ثم سار إلى نزوى فدخلها يوم تسعة وعشرين منن شعبان من هذه السنة.
قال الإمام: فلم يرض إمامته أهل الرستاق فتعصبوا لسيف بن سلطان الصغير، فكاتبوا يعرب بن ناصر اليعربي وهو خال سيف بن سلطان، وكان بنزوى مع سيف المذكور، قال فما زالوا به حتى خرج بعد ما نفخوا في دماغه، فخرج من نزوى متكتما عن الإمام سيف الذي هو منه بتلك الحال، وكان خروجه من نزوى لست ليال مضت من شوال من نفس السنة، قال: وقصد بلاد سيت فحالف بني هناءة على القيام معه طمعا في الرئاسة وتلاعبا بالأمر، وطمعا في الدنيا، وتعهد لبني هناءة أن يطلق لهم ما حجره عليهم الإمام الولي ناصر بن مرشد، وكان الإمام المذكور رحمه الله حجر على بني هناءة حمل السلاح، ومنعهم من المباني المخوفة وأشياء أخرى منعهم منها نظرا منه رضي الله عنه، فما تجاسر أحد أن يفك ما حجره ذلك الإمام، ولم يقدر بنو هناءة أن يحلوا شيئا منه وأعطاهم يعرب بن ناصر عطايا ضخمة، فقاموا معه إلى الرستاق، فهذا تراه طامعا في الأمر. (4/29)
صفحة 855
ومن هنا بدأ بالاستجاشة على رأي الداعين له، ولما وصلوا الرستاق أعلنوا الحرب وأحاطوا بالحصن، وشدوا عليه من كل جانب حتى أحرقوا باب الحصن بالنار، فخرج الوالي منها راغما، وبسبب ذلك الحريق احترق وجه الحصن والباب وتصدع جداره، فظهر بالحريق المذكور مال عظيم مخزون فيه، إذ كان الحريق عظيما مخطرا، واحترق فيه رؤساء بني هناءة ورؤساء بني عدي المجتهدون في الأمر، وكثير من الناس، فقيل: إن جملة المحترقين خمسون ومائة رجل، فكانوا طعمة الفتح المشار إليه، واتصل الحريق بداخل الحصن واحترقت منه مكتبة الحصن، وذهبت بذلك الحريق كتب جليلة فقهية وغير فقهية من أمثال بيان الشرع والمصنف وغيرها من الكتب القيمة الثمينة، ومنها كتاب الاستقامة.
قال الإمام: واحترقت كتب كثيرة لم يكن لها نظير بعمان، وأسفرت القضية عن خسائر كبيرة يرثى لها في عمان، وقام أمر يعرب ابن ناصر، فلما بلغ الأمر الإمام وعلم ما صنع أهل الرستاق مع الخارجين عليه، جهز سرية أمر عليها صالح بن محمد بن خلف السليمي وأمره بالمسير إلى الرستاق، فسار حتى وصل العوابي فرأى أن لا قدرة له على دخول الرستاق، لما بلغه من احتدام الأمر وشدة الزيغ عن الحق، فرجع صالح بن محمد بمن معه إلى نزوى، وإذ ذاك قام يعرب بن ناصر، وكتب على والي مسقط أن يسلم البلاد لهم وكان الوالي بها الشيخ حمير بن منير بن سليمان الريامي الأزكوي من أهل حارة الرحى فسلمها إلى يعرب عمان. (4/30)
صفحة 856
وفي هذه الأثناء سلمت نخل لرجل يعرب بغير حرب، ثم قام المذكور وأخرج سرية ولى عليها مالك بن سيف بن ماجد اليعربي، فوصلت السرية على هدفها وهو سمائل، فسلمت لهم سمائل بغير حرب، وتوجهت السرية في صددها وخرج معها بنو رواحة وجاءت على إزكي، فأذعنت لهم تباعا لمن قبلها وخرج الوالي منها في شهر ذي القعدة من هذه السنة. (4/31)
صفحة 857
الإمام يعرب يخرج إلى جرنان
لما كانت إزكي تعد من أبواب نزوى في الجانب الشرقي، وهي كما عرفها التاريخ، اهتم الإمام بالخروج ليتأكد من أمرها، هل هي معه أم عليه؟ فإن أمر اليعاربة الآن تتقاذفه الأمواج ولا يدري أين ترمي به، خرج الإمام يعرب بمن معه من الرجال خصوصًا أهل نزوى وبني ريام، والشيخ عدي بن سليمان الذهلي، ووصل إلى إزكي وخرج إليه مشايخ أهل إزكي يتلقونه بالكرامة، وقدموا له الضيافة والطعام له ولدوابه، وقد رأى منهم حالا حسنا، وتفاهم معهم في الأمر، فقالوا له: نحن معك فمكث بها يكاتب مالك بن سيف ليخرج من الحصن، فلم يخرج فنصب له الإمام الحرب. وأطلق عليه طلقتي مدفع فلم يصغ ولعله كانت بينه وبين بني هناءة مفاهمات سرية.
فإنه في هذه الأثناء وصلت كتيبة من بني هناءة مناصرة لمالك بن سيف يقدمهم علي بن محمد العنبوري من فرق بني هناءة، ولما وصل المذكور فر عن الإمام جنوده، وتفرق رجاله وركبهم بنو هناءة بالسيف يقتلونهم حتى قتل منهم خلق كثير، وكان من الصدف الغريبة أن رصاصة مدفع أطلقت من جانب خصوم الإمام، فدخلت في فم مدفع الإمام وألجمته فاخترب، فكان دليلا على سوء حظ المذكور، ولما رأى الفشل ينزل عليه كر راجعا إلى نزوى، وأما القاضي الشيخ الذهلي توجه إلى الرستاق فقبض عليه قوم يعرب بن ناصر، ومعه سليمان بن خلفان، ولم أعرفه من أي القبائل فصلبوهما، وجاء أعوان يعرب بن ناصر، ولعله عن أمره فقتل القاضي وهو في القيد والصلب، وقتل سليمان بن خلفان، وعاملوهما معاملة لم يعهد أن عامل بها جبابرة عمان أحداً من (4/32)
صفحة 858
أهل عمان أو من غيرهم، فإنهم أمروا بسحبهما في الطرق كما تسحب الفرائس، وذلك في يوم الحج الأكبر من هذه السنة، ولم يحترموا على الأقل العلم، وقد قتلوهما فما الداعي على سحبهما، ولو كانا مجرمين فإن قطع رؤوسهما أهون من سحبهما في سلك الرستاق. ولكن أسباب الانحطاط هذا من أعمالها، فإن الدور اليعربي يمشي في هذه الآونة في الهبوط وقد اشتغل أهل عمان بأهل عمان فتقلص ظل الدولة وسار يتبع عروب شمسهم ولله الأمر.
قال أمير البيان وهو ينقل التاريخ العماني عن الأجانب: كان لسيف أشياع وأنصار لم يخضعوا لهذه الثورة، وهو يشير إلى ثورة يعرب بن بلعرب. قال: فقام بلعرب بن ناصر بأمر سيف الصغير، وزحف إلى الرستاق ففر يعرب، أي الإمام، إلى نزوى وقتل القاضي عدي بن سليمان، وطيف بجثته في الأسواق، قال: وتفاقمت الفتنة فتوسط أناس في الأمر، قال: فتحول يعرب أي الإمام إلى يبرين وأقام بقلعتها، وأقيم سيف بن سلطان إماما بكفالة عمه بلعرب، والصواب هو خاله. قال أمير البيان: وقيل إنه لما جاءت وفود القبائل تهنئ الإمام الجديد بالملك أساء بلعرب هذا مقابلة محمد بن ناصر زعيم بني غافر، وقيل: إنه توعده فانصرف هذا مغاضبا وداخل يعرب في الاتفاق على سيف وعمه بلعرب، ثم انتقص محمد بن ناصر على الإمام ظاهرا أي تظاهر بالخلاف، واستولى على الرستاق ثم أسر الإمام واستبقاه رهنا في قبضته، ومازال أمره يقوي حتى دخلت جميع عمان في حوزته ما عدا مسقط وقلعة برقة، أي «بركا».
قال: ومات في أثناء ذلك يعرب الذي كان محمد بن ناصر يحارب من أجله ويقاتل باسمه، فلم يبق رئيس في وجه محمد بن ناصر إلا خلف (4/33)
صفحة 859
ابن مبارك المسمى بالقصير بالتصغير المشدد، فوقعت الحرب بينهما والتجأ القصير إلى حصن برقة أي بركا، فحاصره محمد بن ناصر محمد بن ناصر فلم يقدر عليه وفي كشف الغمة مضى العنبوري إلى نزوى، وجعل يكاتب الإمام وهو في قلعة نزوى، ودخل عليه أناس من أهل نزوى فسألوه الخروج منها حقنا للدماء، فلم يزالوا به حتى أعطاهم ذلك على أن يتركوه في حصن يبرين، ولا يتعرضوا له بسوء فأعطوه العهد على ذلك، وخرج من نزوى فزالت إمامته بذلك، ومضى إلى جبرين، ودخل العنبوري قلعة نزوى وضرب جميع مدافعها، ونادى بالإمامة لسيف بن سلطان فخلصت له جميع حصون عمان وسلمت لهم كافة القبائل والبلدان. (4/34)
صفحة 860
محمد بن ناصر الغافري يعيد الحرب سيرتها الأولى
لما كان محمد بن ناصر من الرؤساء المتبوعين، ومن أهل الأرهاط الناشطة يرى له بذلك المقام الموقر والمحل المحترم، (وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) 1فقد تأثر محمد بن ناصر من تهديد يعرب بن ناصر الذي جاء مهنئا كغيره للإمام، فرجع محمد بن ناصر ونار حقده تتقد: ومرجل وعيه يغلي كغلي الحميم، وشاء القدر أن يتسع خرق الشقاق على الراقع، ويطول مدى الشر لتنهار المملكة العمانية من أساسها، ويستقل الولاة في الخارج مستغلين ولاياتهم، جعل محمد بن ناصر يكاتب يعرب ابن بلعرب المخذول آنفا الذي أخرجه خلف بن مبارك العنبوري من قلعة نزوى، ويكاتب أهل بهلى، فإنهم من جملة من هددهم يعرب بن ناصر ليقوموا بالحرب التي سيقوم بها فهيأهم.
ثم ركب على البدو العمانيين بالظفرة وبنى نعيم وبني قتب، وغيرهم من طغام الناس، وهم بحرب المهددين له حتى يتشفى منهم عما صار عليه، ويعلو أفق الزعامة التي يتزعمها، وعند ذلك علم يعرب بن ناصر بنوايا محمد بن ناصر الغافري، فكاتب أهل نزوى أن يصلوا إليه فجاءوه فتظاهر لهم بكرامة بارزة، ورأوا منه التفاتا، وأمرهم بالبيعة لسيف ابن سلطان وقصده التفاف (أهل نزوى) المشار إليهم تحت رايته ليتوصل بهم للدفاع عندما يصبح محمد بن ناصر مناوئا له، وكان متمركزا بقلعة الرستاق، وإذ ذاك سرى سرية إلى يعرب بن بلعرب لتأتيه به إلى الرستاق، وجعل أخاه سليمان بن ناصر قائدها، فخرجت السرية على طريق وادي سمائل. (4/35)
صفحة 861
وقعد أهل نزوى عنده بعد ما طلب منهم الخروج مع السرية، فظلوا يتعللون له بعلات، وأخيرا تشفعوا بأعيان أهل الرستاق فتركهم، ولما نزلت بلدة فرق للمبيت، بعث لهم أهل نزوى طعاما لدوابهم وعشاء لهم، فبينما هم كذلك قبل أن يناموا في مناخهم، سمعوا ضرب المدافع في قلعة نزوى، فسألوا عن الخبر فقيل لهم إن يعرب بن بلعرب، دخل القلعة، ومعنى دخول القلعة ملك نزوى، لأن العادة العمانيين مألوفة بأن قابض حصن البلد هو المالك مهما كان، وكيف كان فلما تحققوا سقط في أيديهم ورأوا الرجوع إلى الرستاق أولى، فأشار من أشار على سليمان بن ناصر بقبض حصن إزكي، فقبضه بعد رجوعه من فوق وتمركز فيه بقواته، ومكث بإزكي.
وكان يعرب بن ناصر الرئيس سرى أيضا سرية أخرى إلى يعر ب ابن بلعرب، ووجههم إليه من جهة الظاهرة، ولعله كان أراد أن تلتقي عليه السريتان كل واحدة من جهة، فلما وصلت هذه السرية المشار إليها بهلى، تصارخ عليهم أهل بهلى من كل جهة، وتمكنوا منهم فقضوا عليهم وأودعوهم السجن.
وكان أيضا بعث سرية أخرى إلى وادي بني غافر غازية، فأصيبت ثم رجعت إلى الرستاق، وأما يعرب بن بلعرب الإمام الحالي، فإنه بعث سرية إلى إزكي هاجموا حالا الحصن، ودارت رحى الحرب بينهم فانهزموا، وقتل منهم ناس ورجعوا إلى نزوى، ثم سرى سرية أخرى إلى إزكي فتمركزوا بالجنى الغربيات، ولم يستطيعوا الدخول، ورجعوا من ليلتهم إذ رأوا أن البلاد محصنة تماما ولم يجدوا مستطاعا لإعلان (4/36)
صفحة 862
الحرب، ثم جهز الإمام سرية أخرى، ووصلت إزكي أي نفس المكان الذي وصله من قبلهم، ولم يستطيعوا الدخول، بل ظلوا يطلقون مدافعهم على الحصن من هناك، وبقوا في ذلك المحل قدر خمسة عشر يوما على ذلك الحال.
وفي هذه الأثناء وصل إزكي مالك بن ناصر من الرستاق مددا لسليمان ابن ناصر، ولما قر قراره بالحصن قرر الهجوم على قوم يعرب بن بلعرب في مركزهم المعروف، فانهزموا ورجعوا على الحصن وعند ذلك أغارت البدو من قوم يعرب بن بلعرب على سدى، وحارة الرحى من إزكي، ولعلهم رأوا أنهم أنصار سليمان ومن معه، فعاث البدو في ضواحي إزكي، ونبهوا من لقوا وأحرقوا منازل عديدة من بينها منزل الشيخ حمير بن منير الريامي خارج حارة الرحى، ثم جاءت فرقة أخرى فهاجمت اليمن من إزكي ولم يتمكنوا، وقتل منهم ناس من بينهم أمير السرية محمد بن سعيد بن زياد البهلوي، ولما بلغ مالك بن ناصر أن أهل النزار خرجوا مع سرية يعرب بن بلعرب، وركضوا على اليمن، أرسل إلى مشايخ النزار وقيدهم بالجامع من إزكي.
ثم استجاش أهل الشرقية فجاءته منهم رجال كثيرون، وجاءه أيضا بنو هناءة ومعهم جمع كبير من رجال الغربية، واجتمع الكل بإزكي، وتزاحمت الكتائب ليكبر الضغن بين أهل عمان من بعضهم على بعضهم لتنهار صروح الزعامة العمانية وتندك مباني الدولة اليعربية، إذ خرجت كل سرية مع زعيمها، وكل فرقة خرجت من جهة، ودقت الطبول، ونفخ الشيطان بينهم في أبواق الكل منهم من جاء من جهة المنزلية، ومنهم من (4/37)
صفحة 863
جاء من ناحية العتب يوم الجمعة عند زوال الشمس، والتقى الكل على غير هدى من الله، بل على نزعات الشيطان، فتواقعوا ذلك الوقت، ودارت رحى المعركة، واشتد القتال.
وظل الحال إذ ذاك لا تسمع إلا البنادق كالرعد، ولا ترى إلا السيوف كبروق الصيف فانكشفت الوقعة فانكشفت الوقعة عن انهزام جمع الإمام، وقد وقع فيهم قتل كثير، وصار جملة القتلى من الفريقين قد ثلاثمائة رجل. (4/38)
صفحة 864
مالك بن ناصر يثير حربا بغير هدى من الله
لما رأى مالك بن ناصر اليعربي أن بيده سلطة من الزعامة اليعربية، وأنه أحد الرجال الذين تقف العيون دونهم، خرج بمن معه ممن أطاعه من الطغاة الذين معه ليفسدوا في الأرض، ويعيثوا في الأمة، خرج إلى بلدة منح بقومه، وانتشروا في البلاد ينهبون ويسلبون، وأغارت شرذمة على وادي الحجر الذين هم لا في العير ولا في النفير، فقتلوا من وجدوا على حين غفلة منهم، ونهبوا ما وجدوه في تلك البلدة الحقيرة، وأفسدوا الزروع وأحرقوا السكاكر، وخرجوا مخرجهم ذلك إلى نزوى، وظلوا محاصرين لها، وضربوا معسكرهم في بلدة فرق عند مسجد المخاض منها، وأحرقوا المقامات التي فيها وهي منازل الأهالي وقت القيظ، وعاثوا في الأرض فسادا، وتبدل الوضع من حرب دولية إلى قبائلية بغير حق، ولما رأى أهل نزوى ما هم عليه تآمروا فيما بينهم، ورأوا أن الشر أحاط بهم فخرجوا بمن معهم من عساكر يعرب بن بلعرب، والتقوا في أطراف نزوى فوقعت الحرب، وقتل من قتل.
ثم رجع كل إلى مكانه وبقوا على هذه الحال بينهم الغارات والغزوات، حتى كثر القتل والجراح، واشتد على أهل نزوى البلاء، وبقوا في خوف محدق بهم لا كاشف له إلا السيف، فتجمعوا وزحفوا على عدوهم في أطراف نزوى، فوقعت بينهم معركة حامية، وقضى الله فيها على رجال عدة، وكاد أهل نزوى أن ينتصروا على عدوهم، وكاد جند مالك بن ناصر أن ينهزموا، إلا أنهم رأوا أن الرجال أحاطت بهم من كل جانب وأنهم لا مناصر لهم من القتل ولا مخلص لهم من العدو، (4/39)
صفحة 865
وراموا للهرب إلا أنهم لم يجدوا له سبيلا، فصبروا صبر المستميت بعد ما فر منهم من وجد للفرار سبيلا، وبقى القتل بيت الطرفين مستمرا. الحر ب ما زالت رحاها دائرة، فصبروا رغم الأنوف.
ولما رأى أهل نزوى أن القوم في ضعف، وقد أحيط بهم اشتغلوا بالنهب والسلب، وراحوا يلتقطون سلاح الهاربين وأثاثهم، وهم مستوثقون من عدوهم أنه هالك لإحاطتهم به، وعند ذلك صال عليهم عدوهم ومالوا عليهم بالسلاح الأبيض والسود، فهزموهم وأكثروا القتل فيهم، وأثخنوا الجراح وطردوهم على جنور الخوصة من نزوى قريبا من جناة العقر، وانكشفت حربهم هذه عن قتلى كثيرة.
ورجع قوم مالك بن ناصر إلى معسكرهم، ولم تزل الحرب بينهم قائمة كل يوم على البغي والظلم، وفي هذه الأثناء زحف مالك بن ناصر بقومه، وساق كافة أصحابه معه غلا قليلا منهم تركهم حفاظا لمعسكرهم وهاجم نزوى حتى وصل جناة العقر، وأراد أن يحاصر أهل نزوى في بستان مويخ، وقام بثقب جدرانها لمرامي البنادق فيرمي منها العدو، فثار عليه أهل نزوى، ودارت رحى الحرب ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
فقتل فيها مالك بن ناصر وانهزم قومه، فرجعوا إلى معسكرهم وأقاموا هناك يديرون الآراء ويكاتبون من يلمعون أنه من أنصارهم، ولكن بطبيعة الحال إذا قتل الزعيم هوت الرايات، وتأخرت الجماعات، وضعفت القوات، ولكن لم يزالوا حربا لنزوى ورماة لها يقتلون من يجدون، وبقيت الغزوات مستمرة والحرب بينهم قائمة حتى وصل الصنديد الكبير محمد بن ناصر الغافري بجيش سحبه من الغربية، فتلقته (4/40)
صفحة 866
أعداؤه في عدة مكانات كلما جاء إلى بلد لها شف في عدوه اعترضه رجالها وتواقعوا عدة وقعات.
قال المؤرخون العمانيون وغيرهم: جاء محمد بن ناصر بجيش من الغربية بعد حروب كثيرة، وكانت بها وقعات عظيمة منها بوادي ضنك، ومنها بوادي الصقل، ومنها بالجو ومنها بالغبي، قالوا فلما وصل محمد بن ناصر أمر بحرب الباقين، من قوم مالك بن ناصر المحاصرين لنزوى، وحالا أحاطوا بهم إحاطة السوار بالزند، والخاتم بالأصبع ومازالوا طول ليلتهم في قتال، وتزاحف من بعضهم حتى استشعر أولئك المذكورون العجز، وكان قد علم محمد بن ناصر أنهم يرومون الفرار والنجاة، فأمر أن يترك لهم الجانب الشرقي، فرأوا ارتحال عدوهم من ذلك الجانب فاغتنموها فرصة للهرب، فأصبحوا ولم يبق بمعسكرهم أحد، وذهبوا على غير وجه، وانحلت أزمتهم وانكشف جانبهم، فدخل محمد بن ناصر نزوى، وكان يعرب بن بلعرب الإمام مريضا في هذه الأثناء في قلعة نزوى، فأقام محمد بن ناصر بنزوى أياما قلائل.
وكان الحصار الذي وقعه مالك بن ناصر على نزوى قدر شهرين إلا ستة أيام، وفي هذه الأثناء توجه محمد بن ناصر إلى الرستاق بجيش جرار وجحفل ضخم، فدخلها ونزل بفلج الشراة وأراد أن يهاجم البومة التي فيها علي بن محمد العنبوري، وهي المرصد المحكم في عرف أهل عمان، قالوا: وسرعان ما جاءهم العنبوري كالأسد الصائل، فتلقاه قوم محمد بن ناصر، فدارت رحى الحرب فكان العنبوري وسط المعمعة قتيلا، وقتل من قومه الكثير وانهزم الباقون، ورجع محمد بن ناصر إلى معسكره بفلج الشراة. (4/41)
صفحة 867
وفي اليوم الثاني انتقل على فلج المدري، فجاءه يعرب بن ناصر مذعنا منقادا ناسجا حيلة له أن توفق لتنفيذها، ذلك أنه صالح محمد ابن ناصر على تسليم قلعة الرستاق، ويكون منه في أمان، فوافقه على ذلك، وكان قصد يعرب بن ناصر أن يدخل محمد بن ناصر القلعة فيقبض عليه ويقضي على حياته، لكن الرجل أحذر من غراب، لاسيما إذا كان الأجل نائيا، أما إذا دنى الأجل فلا تنفع الحيلة كيف كانت، فدخل محمد بن ناصر قلعة الرستاق بقومه، وقبضها بيد من حديد، ولما قبض محمد بن ناصر القلعة انطلق قومه في البلد ينهبون ويسلبون بدعوى أنهم أنصار يعرب بن ناصر، الذي أثار هذه الحرب، ولاسيما أن القوم الذين عند محمد بن ناصر كلهم شلاعة نهابة ما جاءوا إلا ليحتطبوا لأنفسهم من يابس العمانيين ورطبهم، وقد مروا على ديار الغربية من عمان، فأكلوا ما لاقوا.
قال الإمام رحمه الله: وسبوا الذراري ونهبوا الأموال، قال: حتى بيعت أي ذراري أهل عمان في الأسواق خارج عمان، وذلك بما كسبت أيديهم جزاء بما كانوا يعلمون، وبما فعلوا في الشيخ العالم عدوى بن سليمان، والقاضي سليمان بن خلف، وربما فعلوا في إمامهم مهنا، وبما فعلوا في أفاضل المسلمين والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، عاهدوا إمامهم على النزول من القلعة، فنزل على العهد والميثاق فقيدوه وذبحوه في قيده وخشبته، وطافوا بجثة عالمهم في الأسواق والسلك، وهذه أفعال تؤذن بالنقمة التي تعم وتمحق الأمن والشرف وتسحق الدين والمروءة.
وفي هذه الأثناء مات الإمام يعرب بن بلعرب بنزوى، ومحمد بن (4/42)
صفحة 868
ناصر في الرستاق، وذلك لثلاث عشرة خلت من جمادي الآخرة من سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، قال: وكتم أهل نزوى موته خيفة أن يقوى عليهم عدوهم نحوا من خمسين يوما، لأن محمد بن ناصر لا يزال بالرستاق.
ولما قبض محمد بن ناصر على يعرب بن ناصر أودعه القيد، وقبض منه الأمر بتخليص حصون عمان التي يرجع أمرها إليه، ولم يبق إلا مسقط وبركا في أيدي بني هناءة، وفي كوت مسقط جاعد بن مرشد بن عدي اليعربي بصفته واليا لها، فاحتالوه وأخرجوه من مسقط على أن يولوه نخل، وأقام محمد بن ناصر بالرستاق، وأشاع أن الإمام سيف بن سلطان، وهو مع ذلك كله غير بالغ الحلم.
قال الإمام: وتفرق أهل الرستاق في الجبال والأودية، فقيل أنه وجد في كهف كلاة بلدة المهاليل مائة نفس من صبيان ونساء ميتين من العطش، خافوا القرار بالرستاق، ثم خافوا الرجوع إليها فيحملهم البدو فيبيعونهم، وهذه مأساة عظيمة أرسلها الله عليهم، وفي هذه الأثناء ومحمد بن ناصر مخيم على عرش قلعة الرستاق، جاءته كتيبة من بدو الغربية بعد قبضه الرستاق بثلاثة أيام خمسمائة رجل وألف (4/43)
صفحة 869
رجل من بني قليب وبني كعب وأصحابهم، يحملون السلاح الأسود والأبيض، ثم لحقهم بعد ذلك رحمة بن مطر بن رحمة الهولي، ومعه قدر خمسة آلاف رجل من بدو وحضر.
قلت: بل كلهم بدو لا حضر فيهم. قال الإمام: وفيهم من لا يعرف العربية ولا يعرف صديقا من عدو.
قلت: نعم جاءوا لإشعال الشر الذي يتقد هنا وليأخذوا نصيبهم منه وليفعلوا بما يقابلهم في عدوهم. (4/44)
صفحة 870
محمد بن ناصر وخلف بن مبارك يقتتلان في عمان بأهل عمان
لما رأى محمد بن ناصر أنه له السلطة الكبيرة، وله النفوذ الفعال في عمان، ورأى جيوشه تترى في البلاد، وعلم أنه السيد المطاع أرسل إلى حصون مسقط يطلب تسليمها له، لأن حصون عمان كلها سلمت له وبقيت مسقط وبركا في أيدي بني هناءة، أرسل إليهم محمد بن علي الخروصي وجماعته، ليكون واليا لحصن بركا، فتناوله بنو هناءة فقتلوه هو ومن معه إلا من تمكن من الفرار إلى محمد بن ناصر، فأخبروه بالواقع فأمر محمد بن ناصر على الجيش بالمسير إلى بركا، فخرج القائد الأكبر رحمة بن مطر بن رحمة بقومه، وخرج القائد الثاني حمزة بن حماد القليبي بقومه، والقائد الثالث أحمد بن علي الغافري بقومه في عسكر ضخم، والقائد الرابع محمد بن عدي بن سليمان الذهلي ولد الشيخ المقتول، الذي طيف بجثته في سلك الرستاق بقوم جاء بهم من الصير لأخذ ثار أبيه، والقائد الخامس محمد بن ناصر الحراصي بجماعته، سار هؤلاء الأبطال كل واحد منهم قائدا لرهطه إلا الذهلي، فإنهم ليسوا رهطه، لكنهم ملبين دعوة الزعيم الأكبر محمد بن ناصر، نزل الجيش المصنعة غربي بركا.
ولا شك أن بني هناءة يتوقعون الزحف عليهم لما فعلوه ولما تأصل من العداوة بينهم وخصمهم، ونزل الكل المصنعة كما ذكرنا لتكون لهم منطلقا لحصار بركا، وبعد جاءهم كتاب من قرع الدرمكي من بني هناءة وكان قرع أحد القواد لبني هناءة ومن صناديدهم، يقول فيه لرحمة بن مطر: لا تصلنا نحن نصلكم تهديدا لهم، فلما قرأه رحمة أمر (4/45)
صفحة 871
بالمسير لملاقاة قرع الدرمكي، وقد مر أمامه عيونا يكشفون الحقائق، وإذ بقرع المذكور مقبل بقومه عليهم، فالتقاهم أولا رحمة المذكور بموضع وادي القاسم من بركا، وانطلق في أوجههم من قومه قضيب الهولى على فرس، والقوم يتخابون وراءه، فقتل رحمة عسرة رجال وانهزم قرع بقومه، وجرح قضيب المذكور جرحا غير كبير، وسار رحمة مشرقا في أثر المنهزمين حتى نزل بالحفري التي للجبور في بركا، لكي يستريحوا ويأكلوا وقد قدم العيون أماه ليعلم ما وراءه القوم، ورجع العيون مخبرين عن خلف بن مبارك القصير مقبلا بجنوده ليناصر قومه الذين ببركا.
وكان خلف جاء بجيش بحري وجيش بري فوق الكثرة، جمعهم من عدة قبائل ومن أجناس مختلفة، وكان عدد جيش محمد بن ناصر يبلغ خمسة عشر ألفا من بدو وحضر من سائر القبائل الذين سبق ذكرهم، فالتقوا غربي بركا إذ جاء المذكور ليحيط بجيش محمد بن ناصر من جهاته، ولكن النصر حليفه، فدارت رحى الحرب بينهم، ونادى منادي الطعن والضرب.
وكان عند أصحاب رحمة مدافع يسحبونها ليضربوا بها حصن بركا، فضربوا بها السفن التي في البحر، فأغرزت ونجت بمن فيها، وانهزم خلف بن مبارك وركب ناقته وفر وخلف المعركة ونارها تشتعل، وانهزم قومه وراءه فتبعهم أصحاب محمد بن ناصر، يقتلون ويأسرون، ووجدوا جيش محمد بن ناصر محيطا بهم، فتهافتوا إلى السفن وهي قد فرت من ضرب المدافع فلم يجدوا ملجأ من القتل، وكانوا يدخلون البحر ليتخلصوا من المراكب، فأغرزت بحرا فلم ينالوها، والقوم من البر تطلق عليهم النار فهلكوا جميعا، وأخذ أصحاب محمد بن ناصر بسلبهم ومواد حربهم وجميع ما معهم. (4/46)
صفحة 872
قال الإمام السالمي رحمه الله، نقلا عن ابن رزيق: عن القتلى الذين لفظهم البحر اثنا عشر ألفا واثنا عشر رجلا، قال: ولم يزلوا يتبعونهم حتى دخلوا حصن بركا، أي باقيهم التجأ بالحصن، وانتقل محمد بن ناصر بجيشه لضرب معسكره ناحية السوادي قرب الجبل، وحاصروا الحصن، فأقام على ذلك أربعة أيام، ثم إن أهل الحصن خرجوا منه في المواكب المذكورة الواقعة في البحر، ولعل خروجهم كان ليلا، وراحوا على مسقط ولم يبق في الحصن إلا القليل، ولم يبق في البلد أحد منهم ولا من غيرهم خوفا من معرة الجيش، إذ قد علموا ما صار في الرستاق وإذ ذاك أرخص محمد بن ناصر لقومه بالعودة على الرستاق، ورخص لرحمة بن مطر بالعودة على وطنه، ورجع محمد بن ناصر أيضا إلى الرستاق.
وفي هذه الأثناء أصيب بمرض الجدري واشتد عليه حتى أشرف على الموت، ثم عوفي منه وأمر بالمسير إلى ينقل، وجعل في الرستاق واليا محمد بن ناصر الحراصي، وعنده أصحاب بهلى وزعيمهم سنان بن محمد ابن سنان المحذور الغافري في قلعة الرستاق كعقيد للعسكر، وخرج محمد بن ناصر واصطحب معه سيف بن سلطان، وحمل معه كافة اليعاربة وهم ذرية غير كثيرة، وترك يعرب بن ناصر مقيدا وكانت إقامته بالرستاق بعد الرجوع من حرب بركا قدر شهرين، ونزل مقنيات وأرسل لإلى قبائل الظاهرة وعمان يستمدهم، وإلى بني ياس أيضا فجاءه قوم يبلغون اثني عشر ألف رجل، وكان معسكره بفلج المناذرة من ينقل، وإذ ذاك أرسل إلى أهل البلد أن يدخلوا في طاعته ويسلموا له الأمر ويتخلوا عن الحصن، فأبوا بل لم يردوا له جوابا وصباح يومه تحرك يريد الانتقال إلى الجانب الأعلى على شريعة فلج المحيدث من البطحاء، فالتقاه بنو (4/47)
صفحة 873
على بمن معهم من أهل ينقل، فدارت رحى الحرب تطحن الرجال، وقتل من بني علي قوم كثيرون، ومن بينهم ابن شيخهم سليمان بن سالم، وقتل من أصحاب محمد بن ناصر سالم بن زياد الغافري، وسيف بن ناصر الشكيلي، وأحد من الجرحى، ثم إنه نزل شريعة المحيدث وهو المحل الذي أراد النزول فيه من الجانب الأعلى، وحصر ينقل وضربها بالبنادق، وأطلق عليها مدفعا، وتلاقى الطرفان على الأبيض، فانكشفت الحرب عن قتلى كثيرة وقتل من أصحاب محمد بن ناصر الوالي محمد بن خلف القيوضي وواحد من بني عمه، ثم إنهم كسروا عنهم الفلج فلم يبق معهم ماء يشربونه، وإذ ذاك أذعنوا بتسليم الحصن راغمين، وتولاه محمد بن ناصر.
وفي هذه الحال جاء إلى محمد بن ناصر الخبر أن سعيد بن جويد دخل حلة السليف مع الصواوفة من بني هناءة بقومه، فأمر محمد بن ناصر الجيش بالمسير إلى السليف، فتوجه ذلك الجحفل الجرار، ولما وصلها حالا أرسل إلى سعيد بن جويد وأهل السليف أن يؤيدوا له الطاعة، فأبوا ووصل إليه الصواوفة من أهل تنعم مؤدين له الطاعة خوفا أن ينحال عليهم، ولما رأى إصرار القوم وجه الجيش بالزحف على حصن المراشيد من السليف، فاختطفه الجيش فهدمه على من فيه من رجال ونساء وأولاد، وسقط في يد سعيد بن جويد، ورأى أنه رهن إشارة محمد بن ناصر، فطلب منه التسيار إلى بلده هو وأصحابه فسيرهم محمد بن ناصر كما زودهم بما يحتاجون، وبقى بالسليف حصن الصواوفة وحصن المناذرة، ووقع في أفكار المناذرة مما رأوا مما حل بحصن المراشيد، وما وقع فيه سعيد بن جويد رأوا أن لا محالة من الخضوع لمحمد بن ناصر والإذعان له، وقد أخذوا الدرس من أصحابهم، (4/48)
صفحة 874
وذكروا ينظروا بعقله لا بعينه، فأدوا الطاعة لمحمد بن ناصر وسلموا الأمر إليه، فسلموا أنفسهم وساسوا الحاضر، ولم يصروا إصرارا يردهم على ورائهم ويقضي عليهم، فلم يصبهم بأس وأقرهم مكانهم.
وأما الصواوفة لم يخضعوا لمحمد بن ناصر حتى تدور رحى الحرب وتأخذ حظها. فأقام محمد بن ناصر يقطع نخل الصواوفة، وسرى القتل فيهم كل يوم.
قال الإمام نقلا عن التاريخ العماني: وفسح محمد بن ناصر للبدو من أصحابه إلا بني ياس وقبائل الحضر، ودام الحصار شهرين، ولما رأى الصواوفة العجز صالحوا محمد بن ناصر على هدم حصنهم بأيديهم فهدموه، وهذا من سوء السياسة، ومحمد بن ناصر تعود لا يهزم له جيش، ولا تنتكس له راية، ولا يفل له سيف كما سمعت وكما ستسمع فيما أقبل من حروبه حتى آخر ذرة من حياته. (4/49)
صفحة 875
خلف بن مبارك يحاصر الرستاق
لما رأى خلف بن مبارك أن محمد بن ناصر مشتغل بحرب السليف زحف على الرستاق، أحاط بحصنها وحاصرها، ولم يكفه ليعتبر بمن قتل من قومه ببركا، والغريب من القوم الذين يتبعونه وهو على هزيمة تلو هزيمة، ولا يثبت لمواقعة محمد بن ناصر، قام خلف بن مبارك لحصار الرستاق، وقتل الزعيم الذي ولاه محمد بن ناصر قلعة الرستاق، وهو سنان بن محمد بن سنان الغافري، وأخرج الوالي محمد بن ناصر الحراصي من الحصن، فدخل خلف بن مبارك الحصن وخلصت له الرستاق، وكان سباع العنبوري قد أخذ صحار، وبلغت الأخبار إلى محمد بن ناصر ولم يلتفت إلى شيء منها حتى انتهى أمر السليف حتى لا يقوى عليه أمر عدوه.
وكانت سياسته مبنية على القوة، وأنه يرى لو ترك السليف قبل النهاية، وذهب إلى الرستاق فكأنه لم يعمل شيئا، وإذ ذاك وخلف بن مبارك يزحف على حصن الحزم ليضيفه إلى حصن الرستاق، وكان الوالي فيه عمر بن صالح بن محمد الغافري، فحاصره خلف وأحال الفلج عنه وأرسل إلى الوالي المذكور أن يخرج من الحصن هو وأصحابه بأمان، فأبى وكتب إلى محمد بن ناصر يخبره بالحال، وأنهم لم يبق معهم ماء إلا بركة قليلة، فتوجه محمد بن ناصر إلى الحزم بعدما صالح أهل السليف، وهدم حصونهم بجيش عظيم لا يعلم عدده إلا الله. (4/50)
صفحة 876
فلما وصل الحزم صال على أصحاب خلف فقتل من قتل منهم وولوا هاربين وتركوا آلة حربهم من مواد عديدة بارودا ورصاصا وطعاما، وهذا حال خلف بن مبارك في حروبه مع محمد بن ناصر، وهذه أحدوثة غير لائقة بالحر في كل مرة ينهزم ويفر بل الموت أولى من أحدوثة كهذه. (4/51)
صفحة 877
محمد بن ناصر يزحف على بلادسيت
لما رأى محمد بن ناصر أن خصمه الألد خلف بن مبارك، وأنه لا يزال يجاذبه الحبل وغير تاركه على حال، وكانت بلادسيت بلاد بني هناءة بل هي عاصمتهم، وديوان أمرهم، ومركز ندوتهم، كان محمد ابن ناصر أراد أن يوقع بها كسرا لقوته وانتقاما منهم، فإنه لما فرغ من أمر الحزم توجه إلى الظاهرة ليجمع الجموع لحرب بلادسيت.
قال الإمام السالمي رحمه الله: خرج محمد بن ناصر من الحزم إلى الظاهرة، ولم يمر بالرستاق لأنه قصده بلادسيت، قال: وحشر من البدو والحضر، واجتمع عنده عسكر كثير، وسار من الظاهرة إلى بلادسيت، ولما وصلها أرسل إليهم أن يؤدوا له الطاعة فأبوا، فحاصرهم وأمر القوم بالهجوم عليهم فهجموهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم هجموا على العارض وكانت لبني عدي فأخذوها منهم، وأخذوا أيضا غمر وخضعت له بلدان بني هناءة كلها، ولم يبق فيها أحد منهم، فالذي قتل قتلَ والذي طلب التسيار سيره بأمان.
قال الإمام: وقتل من أصحاب محمد بن ناصر في أول الهجوم على باب بلادسيت قدر عشرة رجال وجرح أناس، وانتهى أمر بلادسيت وتوابعها وخرج عنها محمد بن ناصر وهذا حالها. (4/52)
صفحة 878
عودة محمد بن ناصر إلى نزوى للنظر في الأحوال
وصل محمد بن ناصر نزوى بعد حرب بلادسيت ليدبر أموره في صدده، وأقام بها ستة أشهر في أيام الشتاء، وتأكد من عدوه وصديقه، وقد أصبح الحال في عمان ولا زعامة لأحد إلا لمحمد بن ناصر، ويجاذبه الحبل خلف بن مبارك، وإذ ذاك أرسل إلى أهل منح خصوصا أهل حجرة البلاد أن يدخلوا في طاعته، فأبوا وامتنعوا، فجهز لهم جيشا فأحاط بهم ولا منقذ لهم ولا معين، فقطع الجيش نخليهم من الفيقين وجر عالي، حتى إذا رأوا أنهم مغلوبون لا محالة خضعوا وأذعنوا بعدما ذهبت أموالهم، فخرج عنهم متوجها إلى الظاهرة، ونزل الغبي وأخذ في جمع له جحفل ضخم بدوا وحضرا، وأمر بحمل التمر من الظاهرة إلى الحزم، وصحبهم أهل وادي بني غافر، ومن هو من أصحابهم وتوجه بنفسه شرقا يريد حرب العوامر، لأنهم ناصروا سابقا خلف بن مبارك هم والحبوس وآل وهيبة وكثير من قبائل الشرقية، ومعهم بنو هناءة، لأن بني هناءة جاءوا إلى العوامر مناصرين لهم لما بلغهم أن محمد بن ناصر يريد حربهم.
وكان محمد بن ناصر وخلف بن مبارك، بل مطلق بني غافر ومطلق بني هناءة اشتدت العداوة بينهم لهذه الحروب والفتن التي يخوضونها على الرئاسة والزعامة، والدم أكبر مثير للضغن وأعظم مورث للحقد والعداوة، سحب محمد بن ناصر جيشه على بلدان العوامر، فالتقته الجموع من العوامر وآل وهيبة وبني هناءة، فدارت رحى الحرب بينهم، وعظم الخطب وعمل السيف عمله، وزهقت أرواح. (4/53)
صفحة 879
قال المؤرخون العمانيون وفيهم الإمام رحمه الله: وقعت بينهم حرب عظيمة، حتى كاد أن تكون الهزيمة على أصحاب محمد بن ناصر ومن معه، ثم إنهم ثبتوا وتراجعوا، فوقعت الهزيمة على بني هناءة، وقتل منهم خلق كثير فولوا الأدبار هاربين، وأصحاب محمد بن ناصر خلفهم، حتى أدخلوهم حجرة العاقل، فرجع محمد بن ناصر ومن معه غالبا مظفرا، وكان سيف بن سلطان معه، فتوجه جبرين ولكنه لم يقر قراره لنشوة النصر حتى صار أشهى إليه الحرب، فإنه ما لبث في جبرين إلا قليلا، ثم توجه الظاهرة ليجمع جيشا، وعلى كل حال إن المنتصر يزداد نشاطا وقوة وتميل النفوس إليه عادة أيا كان، فلذلك تراه كلما توجه إلى قوم لبوا أمره، ويظهر أنه كان مبذالا للمال، فاجتمع معه جيش كبير خرج به إلى نزوى، وجمع معه أهل نزوى وأهل إزكي وأهل بهلى أيضا، وبنى ريام وسار بهم إلى سيفم، وكل يظن أن الجيش قاصد إليه، وفي سيفم أرسل إلى سعيد بن جويد الهنائي ومن معه من أهل العقير والغافات، ليدخلوا في طاعته، فأبوا، وأظهروا عتوا، وكأنه لم يكف ابن جويد الدرس المتقدم، ولم يجعله معتبرا. ويرى قوة خصمه متوافرة، لكن إذا ضلت العقول على علم لم تفد النصائح، فأمر محمد بن ناصر بحصار القوم.
وفي أثناء الحصار خرج سعيد بن جويد خفية متسللا ليستجيش من يظن يرجو نصرته، فمر على الظاهرة إلى صحار، فجمع قوما من صحار وينقل، لأن ينقل نكثت الصلح الواقع بينهما وبين محمد بن ناصر، فاجتمع عند سعيد بن جويد الهنائي جيش، وجاء إلى عملى وضم وجمع معه بقية بني هناءة ومن شف منهم وأرادتهم، وكذلك أهل وادي العلا (4/54)
صفحة 880
وجميع بلدانهم، وكان ذلك في ظرف سبعة أيام، لأنه يعهد أصحابه محاطا بهم ومحصورين.
ولا شك أن يقظة محمد بن ناصر تقيل معهم وتبيت، وقد تحقق أمر ابن جويد عند محمد بن ناصر تماما، فاستعد لملاقاته، حتى إذا نزل سعيد بن جويد العبشي أراد الهجوم على حمد بن ناصر وأصحابه مباغتا لهم، فالتقوهم في صدر الغافات، فدارت المعركة بين الطرفين، فوقع ابن جويد قتيلا وقتل معه زعيم بني علي غصن، وقتل جملة في هذه المعركة، وأثر عليهم قتل سعيد بن جويد وغصن العلوي، وأعيان رجالهم وانهزم الباقون شر هزيمة، واهتز محمد بن ناصر نشاطا.
قال الإمام: وأمر محمد بن ناصر بالغزوة في كل بلد ملكها من بهلى ونزوى وبلدان الظاهرة، لإظهار الناموس.
قلت: لم أعرف معنى إظهار الناموس إلا أن يكون القوة. قال: وسحب أصحاب محمد بن ناصر محمد بن ناصر سعيد بن جويد إلى الغافات، وفيها حصنه وفي الحصن عياله وأهله وأولاده وقومه، لينظروه ويخضعوا بالطاعة لمحمد بن ناصر، فأبوا وأصروا، فضرب عليهم الحصار، وبقى محاصرا لهم قدر شهرين حتى فرغ ما عندهم من الزاد، حتى أكلوا الأنعام وأفنوا ما لديهم من الطعام.
وكان القائد لهذه الحرب من جهة محمد بن ناصر مبارك بن سعيد ابن بدر الغافري، وكان محمد بن ناصر بعد قتل ابن جويد وهزيمة قومه عهد بالأمر إلى مبارك بن سعيد وإلى جبرين، ولما رأى آل سعيد بن جويد أن لا مناص من الخروج حين نفد ما عندهم، وقتل من قتل من قومهم، وبعد ذهاب أموالهم بالاستهلاك نخلا وحروثا وحيوانا، صالحوا (4/55)
صفحة 881
على هدم حصنهم، أي على أن يهدموه بأنفسهم فهدموه بأيديهم، ووصلوهم بأمان وبقى حصن العقير محاربا، ولعله ينتظر العقر وإلا فقد رأى أمامه دروسا يحسن السكوت عليها، ولكن بعض النفوس لا تهتدي حتى لصلاحها.
وفي هذه الأثناء عزل محمد بن ناصر مبارك بن سعيد بن بدر، وجعل مكانه راشد بن سعيد بن راشد الغافري، وأقام هذا محاصرا لحصن العقير المشار إليه جيش كبير من أهل بهلى ونزوى وإزكي والظاهرة وبنو عافر وبنو ريام، وداروا بالحصن كالخاتم بالإصبع وطوقوه بالحصار، فلا يخرج منه خارج ولا يدخله داخل حتى أكلوا ما عندهم، ورأوا أنهم في ذل قاهر لهم، وإذ ذاك طلبوا الصلح على أن يهدموا حصنهم بأيديهم فوافقهم القائد فهدموه، فكانوا كما يقول الله عزوجل: (ُيخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ) 2 وذلك بعدما خربت بلدانهم، وقطعت نخيلهم، ودمرت أوطانهم، ولم تبق لهم نخلة ولا فلج يجري على وجه الأرض، ورجع الأقوام كل إلى وطنه. (4/56)
صفحة 882
خلف بن مبارك يزحف لحرب نخل
ولما رأى خلف بن مبارك أن محمد بن ناصر مشتغلا بحروب الداخلية، خرج من مسقط إلى بركا واستجاش من قدر عليه ومن خف معه، وجاء إلى وادي المعاول واستجاش المعاول وطلب منهم حرب نخل فأجابوه. قال ابن رزيق والإمام أيضا: أما خلف بن مبارك فإنه جمع جمعا ونزل وادي المعاول، وانتقل بهم إلى نخل فحاصرها، وكان فيها مرشد بن عدي اليعربي، قال: فمكث أربعة أيام، ثم خرج مرشد من الحصن، وكأنه كان على غير استعداد فيه، قال: فأحرقوه وهددوا منه ما قدروا عليه، ومع ذلك صالحه أهل حجرة الجميمي.
قال: ثم عقب عليهم من عقب، ودخل على حين غفلة من أهلها، قال: هرب أهلها إلى سمائل، وبعضهم التجأ في حجرة الجناة مع بني مهلل، قال: ثم إن الذين بقوا عند بني مهلل أرسلوا إلى أهل نخل أن يجيئوا من جانب الحمام، أي من أعلى البلد، فجاءوا بقوم من حيث لا يدري بهم آل مهلل، فدخلوا عليهم على حين غفلة منهم، وقتلوا من قتلوا فخرجوا إلى وادي المعاول حتى إن المعاول نصروهم ودمروا لهم الحرب إلى حجرة الجناة، وكأن بني مهلل هم من عصبة المعاول.
قال: فمكثوا يحاربونهم ثلاثة عشر يوما لا يهدأ ضرب البنادق حتى انهزموا من الحجرة، وكثر فيهم القتل وتخيبوا، ثم إن المعاول قالوا لا نبغي حجرة في الجناة فهدموها، وكأن علاية نخل هي تابعة للمعاول، وتخربت نخل وتشوه وجهها وساءت حالها. (4/57)
صفحة 883
قال الإمام: ومكثت نخل مدة من الزمان لم يوجد فيها من الإنس إلا الكلاب والسباع على القتلى، وبعد ذلك قسم بنو هناءة نخل على بني هناءة، ومكثوا فيها_ أي بنو هناءة_ إلى أن ملك سيف بن سلطان أي أخذوا فيها مدة كما سوف تراه وهذه من الخطأ3 حيث تؤخذ أموال أهل القبلة فتغنم بغير حق، ويتولى المسلمون أموال إخوانهم يأكلونها بغير حق، وعضوا عليها بالنواجذ إلى أن ملك سيف بن سلطان بعد ما بلغ الحلم، وأقيم إماما فعند ذلك سلموها لهم وذلك أوان تخليج النخل، فصاروا يتوسلون بالقاضي ناصر بن سليمان المدادي في نزوى، فجاءوا بكتاب إلى المعاول فسلموها لهم وتراجع أهلها الذين فروا منها والذين اختفوا في جوارها. (4/58)
صفحة 884
محمد بن ناصر يجهز الجيوش لحرب الحبوس
لما كان متوقعا عند الحبوس أن محمد بن ناصر لابد وأن يغزوهم يوما ما حيث تظاهروا بحربه مع عدوه خلف بن مبارك، وكأن خلف بن مبارك يرى أن لا مناص من حرب محمد بن ناصر للحبوسي، بقى هو وإياهم يتراسلون في أمر محمد بن ناصر، ويتفاهمون وكأنه من المقرر لديهم.
قال التاريخ العماني: وأما محمد بن ناصر فجهز جيشا من البدو والحضر، فقصد به بلدان الحبوس من الشرقية من المضيبي والروضة، ولما علم خلف بن مبارك صحة ذلك تجهز لمناصرة الحبوس، فخرج بجيش مسقط والباطنة ومن معه من جماعته، وكان الالتقاء بالمضيبي لأكثر الله هذه اللقاءات على هذا الحال.
قال الإمام رحمه الله: والتقى_ أي محمد بن ناصر_ بجيش خلف بن مبارك، بالقصير والحبوس وغيرهم من بني هناءة بالمضيبي، فوقعت الحرب وجلت المعركة. قال الإمام: فوقع بينهم حرب عظيمة وانكسر خلف بن مبارك، وتحصل في حجرة المضيبي فحاصرهم محمد بن ناصر وقطع نخلهم وخشاها، ولما استشعروا العجز عن دفاعه طلبوا الصلح والأمان، فأمنهم محمد بن ناصر وأدوا له الطاعة، ولم يعلم محمد بن ناصر أن خلف بن مبارك معهم في حجرتهم، ثم شاع الخبر بوجود خلف معهم، وأنه متحصل في حجرتهم فلم يستحسن محمد بن ناصر أن ينكث العهد الذي عاهدهم به، وأن ينقض صلحه الذي صالحهم إياه، ثم خرج خلف هاربا إلى إبراء عند آل الحارث، فاتبعه محمد بن ناصر بجيشه حتى وصلا إبراء، ودخل خلف إبراء ولم يظن أن محمد بن (4/59)
صفحة 885
ناصر يتبعه، فأقام مع آل الحارث فأرسل إليهم محمد بن ناصر أن يؤدوا له الطاعة ويخرجوا خلفا من عندهم، فأبوا ورأوه صعبا عليهم أن زعيما التجأ بهم فيسلموه لخصمه، فأعلن محمد بن ناصر حربهم، وما كان خلف بن مبارك إلا جارا لهم بلاء أراد أن يغمسهم فيه، ولعله كان يراهم من أنصاره، فأقام محمد بن ناصر يقطع نخيلهم ويدمر أنهارهم، ولم يقدروا على دفعه حتى رأوا لا بد من إخراج خلف من بينهم، وأن البلاء بوجوده بينهم لا يزال مستمرا عليهم، وماذا عسى أن ينفعهم وهو لا يزال في سأم الهزيمة، ومحمد بن ناصر في نشاط النصر والظفر، فبين الحالين فرق كبير.
قال الإمام رحمه الله: فأخرجوا خلفا، وكان خلف رئيس بني هناءة كافة، وكان مقره مسكد وهي مسقط ولا تزال في يده. قال: ثم إنهم صالحوا محمد بن ناصر من بعد خروج خلف من عندهم وقبل منهم محمد بن ناصر وأعطاهم الأمان على العهد والميثاق، ورجع عنهم وأقام بيبرين، وكان أكثر إقامته بها، ثم إنه لم يطل المقام بها بل خرج إلى الظاهرة. (4/60)
صفحة 886
محمد بن ناصر يتجهز لحرب الرستاق
لما تبين لمحمد بن ناصر أن أهل الرستاق لهم ميل إلى خلف بن مبارك. وأنهم ظاهروه لما زحف إلى الرستاق في حال دخوله عندما كان محمد بن ناصر مشغولا بحرب بني هناءة، فأكن لهم سوءا يتحين له الفرصة، وكل ذلك عقوبة من الله لأهل الرستاق على ما فعلوه في الإمام مهنا، وما فعلوه في القاضي عدي بن سليمان وزميله، والفتنة إذا جاءت يعم شرها الأمة صالحها وطالحها.
خرج محمد بن ناصر من جبرين إلى الظاهرة ليجمع جيشه منها، وكلن أكثر ما يستجيش أهل الظاهرة لقساوتهم وغلظ أكبادهم وعدم مبالاتهم بما يلاقون، فجمع من الظاهرة جيشا ضخما وغرب بهم، ولم يعلم به أحد من قومه أين يريد، فمر ببلدان بني نعيم وجمع ناسا من بني ياس وبني نعيم أيضا وغيرهم من القبائل، وسار بهم على طريق وادي الجزي، ومر على بلدان بني قليب، فصحبه من رجالهم من صحبه ومضى على خط الباطنة يسحب جيشا أرعن، فخاف منه أهل صحار فلم يغشهم، ثم أخذ في الشرق سائرا فخافه أهل فلج الحواسنة أن يدمر واديهم، وأصحابه يأخذون كل ما يجدون من إبل وغنم، وفيهم من لا يعرف الصديق من العدو، وارتاعت القبائل في الباطنة، كل يظنه قاصده، وكان المذكور يروم حرب الرستاق، فالتقاه خلف بن مبارك بمن معه من قومه عند أفلاج عرعر من الرستاق، فالتحم القوم قتالا، وأحاط محمد بن ناصر بجيش خلف، وليت خلفا تأخر عن هذه الأمور التي تجلب له عار الهزيمة في كل مرة. (4/61)
صفحة 887
قال الإمام: ولى أصحاب خلف هاربين منهزمين، ودخل خلف في بيت هنالك، واختفى فيه واتبعه محمد بن ناصر بقومه، ولم يعلم أنه هناك مختفيا. مالك يا خلف في كل مرة تنهزم ثم تختفي، أبرز لمحمد بن ناصر الذي جئت لملاقاته المرات العديدة، قال: وظن خلف أن محمداً تركه بعد القدرة عليه، فدخل محمد بن ناصر الرستاق، ولا تسل عن خوف أهل الرستاق لما رأوه منه في المرة الأولى حيث خرجوا من البلاد فتاهوا في الفلا، وماتوا جوعا وعطشا، فقام محمد بن ناصر يدمر أفلاج الرستاق ويقطع النخيل000000 ويراسلهم أن يذعنوا بالطاعة، وهم يأبون خوف العاقبة التي لا يدرون فيها مصيرهم فدمر فلج الميسر وهو أكبر أفلاج الرستاق، ودمر فلج أبو ثعلب وفلج الحمام، وقطع نخلا.
ولم يكن لأهل الرستاق قدرة على الخروج لحربه ومنعه، ولما رأوا العجز ورأوا أن الرجل غير تاركهم، وقد رأوا منه وسمعوا وهموا بالخضوع فساعدهم القدر إذ جاءت الرسل من الظاهرة تخبره أن راشد بن سعيد الغافري أخذ حصن مقنيات، والوالي فيه مبارك بن سعيد بن بدر حسدا منه لمبارك المذكور، لأنه رأى محمد بن ناصر يقدمه، فأمر محمد بن ناصر بترك الرستاق على حالها ذلك، ونهض تاركا لها بعدما دمر أنهارها.
وكان علي بن ناصر بن حمد الكلباني اتحد زعماء بني كلبان، قام لراشد بن سعيد وناصحه وخوفه سطوة محمد بن ناصر ونقمته التي لا يقدر لها راشد، ومن كان مثله وسلم له الحصن بعد ما ضمن له من محمد بن ناصر ألا تصيبه منه عقوبة، وكان محمد بن ناصر يعرف أقدار الرجال، وكانت حربه على قانون الحروب الصحيحة، لا على غطرسة (4/62)
صفحة 888
الباقين، فقبض علي بن ناصر الحصن إلى أن وصله محمد بن ناصر، فترك فيه مباركا واليا، وترك معه الحواتم_ فرقة من بني غافر_ وسار قاصدا إلى يبرين وكانت هذه القضية رحمة لأهل الرستاق حيث استنهضت محمد بن ناصر من بلدهم، وإن كان قد قضى وطره منهم ودمر أنهارهم، إلا أنه لا يعرف ماذا يفعل بعد ذلك فيهم، وأقام بيبرين مدة، ثم انتقل بجيشه إلى نزوى وتمركز بها وهو الحاكم القوي في عمان الداخلية كلها، وله الحول والطول في عمان، والله يعز من يشاء ويذل من يشاء.
كان محمد بن ناصر من رؤوس القبائل العمانية، ومن الزعماء المعروفين، فأصبح الآن يطلب الزعامة الكبرى للسلطنة أو الإمامة، ولكنه كان بطلا صنديدا لا يعرف للموت ولا للذعر أبدا، وإذا كان من العلم ما يقوم به أوده كان حقيقا بالزعامة الكبرى، لأن الزعيم إذا لم يكن شجاعا جريئا لا يصلح أن يكون قائد أمة، كما قيل: إذا كان القائد ثعلبا كانت أسود الأمة ثعالب، وإذا كان قائد الأمة أسدا كانت ثعالبها أسودا وهكذا.
ومحمد بن ناصر في وقته أقوى رجل عرفه التاريخ، فإنك كما قرأت عنه ستقرأ أنه ما خرج من حرب إلا قام لمثلها ولا رجع من غزوة إلا خرج لمثلها وهكذا أيامه بغير ملل، ولا خوف ولا سآمة، ولا تحدثه نفسه إلا بالنصر والواقع هو كذلك، فإنه لم تعرف له هزيمة أبدا. (4/63)
صفحة 889
إمامة محمد بن ناصر الغافري
نسبه: محمد بن ناصر بن عامر بن رمثة بن خميس الغافري، قال الإمام: نسبة إلى غافر جد له، قال: ووجدت أنه من سامة بن لؤي بن غالب القرشي.
قلت: وقضية سامة بن لؤي بن غالب المذكور ذكرناها في «العنوان» وسبب خروجه إلى عمان وصحة نسبه إلى لؤي بن غالب، وإن دفعه بعض نسابة قريش.
قال الإمام: وسبب ذلك أي سبب إمامته أن محمد بن ناصر لما كان منه لما ذكرونا من الحروب، أي وتوجهه إلى نزوى بعدما قضى أعظم مهماته، وصل نزوى بمن معه، وأرسل إلى رؤوس القبائل وأهل العلم من غرب عمان وشرقها، فاجتمعت إليه جموع كثيرة ولما اجتمعوا طلب منهم أن يبرأ من الإقامة بالحرب وبأمور المسلمين، وأن يقيموا من أرادوا مع سيف بن سلطان، واعتذر إليهم فلم يعذره القاضي ناصر بن سليمان بن مداد ومن حضر من المشايخ من رؤساء القبائل، ولم يزالوا في معالجة هذا الأمر، وغلقت أبواب حصن نزوى والعقر، فلا يدخل ولا يخرج خارج اهتماما بهذا الأمر الجلل الذي يريد محمد بن ناصر أن يتخلى عنه، وهم لا يرون له أحدا إلا محمد بن ناصر الذي لم يعرف له انهزام في حرب، ولا لسبقه نبوة عند الضرب، ولا لسهمه التواء عند الطعن، ولم تعرف له خفقة في حروبه التي مرت على القارئ. (4/64)
صفحة 890
قال الإمام: وما زالوا كذلك ليلتهم حتى قرب الفجر، فعقدوا له الإمامة وضربت مدافع قلعة نزوى، ونادى المنادي له بالإمامة والعز والأمان، لكل قبيلة تؤيد المواجهة من يمن ونزار من بدو وحضر، وكان هذا ليلة السبت لسبع ليالي خلون من المحرم سنة 1137 سبع وثلاثين ومائة ولأف للهجرة. (4/65)
صفحة 891
الإمام السالمي يناقش القضية
قال الإمام رحمه الله: وانظر في مبايعتهم له بعد تلك الأحداث المنكرة والأمور المهولة، قال: وفي كشف الغمة أنهم بايعوه تقية، قال الإمام: قلت: ولا يسوغ ذلك لقضاة المسلمين وعلمائهم، وكان الإمام، رحمه الله وعفا عنه، ينظر إلى الأحوال الواقعة في حروبه من فعل جيوشه من حمل أولاد الناس، وبيعهم في الأسواق، وانتبابهم لأموال عباد الله، ولا يردعهم ولا يزجرهم، وإن منصب الإمامة منزه عن مثل هذه الأحوال، وأن الإمام من شرطه أن يكون من خيار أهل الإيمان والتقوى مع العلم الذي يجب لحامل هذا المنصب، وأن محمد بن ناصر من الرجال الذين يقاتلون من أجل الدنيا.
قال الإمام: غير أن الأمر يحتمل شيئين، أما الأول أن يكون محمد ابن ناصر محقا عندهم في حروبه السابقة، لأن يعرب بن ناصر وأشياعه كانوا بغاة على المسلمين، وعلى هذا الاحتمال، فيقال إن تلك الأحداث إنما كانت من معرة الجيش، ومن أحداث بعض السفهاء كما وقع بعض الأحداث في جيوش أهل العدل، وهم لم يرضوا بذلك ولا صوبوا فاعله قال:000 والاحتمال الثاني أن يقال إن تلك البيعة كانت على سبيل الدفاع حتى تضع الحرب أوزارها، وللمسلمين أن يقدموا في الدفاع إذا غشاهمم العدو من لا ولاية له عندهم، إذا رأوا صلاحيته، وأن غيره لا يقوم مقامه، فثبتت إمامته عليهم على هذا الشرط الذي شرطوه عليه وتجب عليهم طاعته إذا دعاهم لدفع عدوهم على حسب ما بايعوه.
قال: وإنما جازت الإمامة ها هنا لمن لا ولاية له، لأن الدافع واجب على الكل، فهم إنما قلدوه واجبا عليه رجوا أن يقوم به، وأن يكون لهم به الظفر ولا تزيد هذه الإمامة إن لم يصلح منزلة فوق منزلته إلا (4/66)
صفحة 892
وجوب الطاعة في الدفاع، وذلك إن لم يصلح حاله، فإن صلح فلكل درجات مما عملوا، ورب إمام بويع على الدفاع أولا، ثم ترقى أمره حتى صار في منزلة الظهور، وأكثر الأئمة من بعد مهنا بن سلطان إنما بويعوا على الدفاع فيما يظهر من حالهم.
قال: وإذا نظرت إلى فعل المسلمين في أول ظهور أمرهم بعمان، وفي تقديمهم لمحمد بن أبي عفان على ما قيل فيه سهل عليك الأمر، واتضح السبيل، وبرح الخفا، وعلمت أن الدين سهل يسر.
قلت: لما بويع محمد بن ناصر بالإمامة أصبح متتوجا تاج الفخر والشرف، وعظم بذلك قدره وشاع في الناس ذكره، وعلا صيته وارتفع قدره، وعند ذلك ثار حسد أعدائه وزاد حنقهم، وغلت مراجل حساده في عمان، فقاموا يتظاهرون لمعاداته حسدا من عند أنفسهم. (4/67)
صفحة 893
الحسد عنصر الشر
لما علم أعداء محمد بن ناصر ما صار إليه من العز والشرف، وما رقى إليه من المجد، قاموا يتعسفون فسادا في الأرض، وأخذوا في التقحم على الأمور بغير هدى، وراموا أمورا تركسهم في الباطل على هاماتهم، ولا يخلفون وراءهم إلا سوء الأحدوثة، ومع ذلك يشاهدون أحوال هذا البطل القوي، ويعلمون عنه ما يكفي لإرشاد أهل الأفكار، ولكن إذا عمى السمع والبصر لا يكون للإنسان إلا العثار، فإن محمد بن ناصر لما تقرر عقد البيعة له بالإمامة، وانتهت الأمور على هذا الحال، بقى في نزوى حتى صلى الجمعة، ثم توجه إلى جبرين وفسح للأقوام المتجمعة معه إلا القليل منهم، وأقام بجبرين مدة يسيرة، ريثما يصلح أحواله ويرتب أعماله ويهيئ عماله، بلغه أن مانع بن خميس العزيزي هجم على الغبي، وقهر حصنها ونهب سوقها، وأفسد فيها، وأغار مهنا بن عدي اليعربي، وعامر بن سليمان بن بلعرب الريامي، وسليمان ابن حمير بن علي اليعربي على خزانة التركة وأخذوا ما فيها، واتصلت أخبار هذه الحوادث إلى الإمام محمد بن ناصر.
فقام متوجها إليهم، وأرسل إلى القاضي ناصر بن سليمان بن محمد ابن مداد، والوالي عبدالله بن محمد ليلحقوه بالقوة الذين دعاهم لهذه البادرة الحاضرة، والمتجمعون بنزوى وهو يسير أمامهم لأنه لم يمر نزوى، بل جاء عن طرق خميلة ولم يكن عنده من العسكر إلا القليل، لكنه عنده جيش من عزمه لم يتعود الانهزام ولا الذعر، وبذلك هجم على أهل البركة الذين احتلوا ذخيرة الدولة، واغتنوا بغيا وبطرا على أهل الحق، وكان الهجوم وقت الضحى حين ترى العين أختها، ولم يرد (4/68)
صفحة 894
قتالهم، بل ناصحهم على الرجوع عن مثل هذه الأحوال، وعلى رد ما أخذوا من غالة بيت المال، فأبوا وأصروا على حربه وقتاله، وسرعان ما صنعوا لهم مرصدا على مسجد الشريعة، وهو الذي يسميه أهل عمان بومة، وهذه التسمية أصلها غير عربية، وقبضوا الجبل الشرقي، وكسروا فلج البركة واشتدوا في أمرهم، فصنع الإمام بومة تقابل العدو بالمسجد الأسفل من شريعة البركة والجبل الأسفل كذلك، وبقى بين الطرفين إطلاق النار، وقذف الرصاص.
قتل منه بعض عزابة الركاب من أصحاب محمد بن ناصر، وجرح كذلك، فصالت بعد ذلك بعد رجال محمد بن ناصر البواسل كالأسد الكاسرة، فهرب القوم منهزمين، وإذ ذاك قبض رجال محمد بن ناصر على ناصر بن بلعرب الريامي، وعلي بن صالح من أهلي كمه بفتح الكاف والميم آخره هاء ساكنة، بلدة بأعلى نزوى على سفح الجبل الأخضر، وكان هذا الهجوم من محمد بن ناصر قبل أن يصله أحد من المدد، بل كان ذلك بالذين كانوا مع الإمام أول ما وصل كما ذكرنا، وانسحق شر القوم، وانحمى كما يمحو الماء المداد.
وأمر الإمام بحمل التمر الباقي في خزانة البركة إلى يبرين، ورجع الإمام إلى نزوى ونزل بمساجد الغنتق، لأن ذلك المكان أوسع له ولم يدخل نفسه خوف من عدوه، ولو كان خائفا لتغلغل بالحصن وقلعته الحصينة، وكان في هذه الآونة أراد حرب أهل تنوف، لأنهم صاروا أعوان العدو في البغي على الناس، ولكن توسط بين الطرفين رجال من الأعيان، فتركهم بعد ما قرر تخريب تنوف عن آخرها لما كان منهم، فأذعنوا له وواجهوه وعاهدوه ألا يخونوه، وكان عفوا إذا أذعن المجرم (4/69)
صفحة 895
غير متأثر مما فعل، موفقا في مساعيه، منصورا في إقدامه لا يثبت له عدوه في ميدان الحرب، ولما رأى الانقياد من أهل تنوف طابت نفسه عليهم وعفا عنهم، وبعد ذلك توجه إلى الغبي ومعه ستة رجال، فلم يشعر أهل الغبي إلا ومحمد بن ناصر يقتحم سور الحصن، ويدخل عليهم برجاله الستة.
وكان في الحصن مانع العزيزي كما سبق الكلام عليه معاديا لمحمد ابن ناصر، وكان يظن أن محمد بن ناصر سيأتيه في جيش، وإذا به يحتل ذلك الحصن الذي تولاه عدوه بستة رجال هو سابعهم، إنها لبسالة يضرب بها المثل الرائع، فخرج العزيزي ذليلا هاربا من الحصن تولاه وسيطر عليه فكان الخوف والرعب من محمد بن ناصر أقوى من جيشه، وخرج القوم الذين معه هربا لا يلوون على شيء ما أبدا، بل فرارا من الخطر الداهم هو محمد بن ناصر، فكان روعهم منه كفيلا بطردهم عنه، وقتل خادم لمانع المذكور.
وتولى الحصن وولى عليه واليا ورجع هو إلى يبرين مقرره المعروف، ثم انتقل إلى نزوى وطلب حضور القبائل إليه، فحضرته جموع كثيرة وخرج بتلك الجموع يريد ضنك إرجاع الوحاشا بضم الواو وحاء مهملة وشين بعدها، قوم من أهلي ضنك ويردهم إلى بلدهم، فإنه أخرجهم منها صاغرين، ودمر حصنهم، وكسر قوتهم، حين عادوه.
والآن لما خضعوا وأذعنوا وقهرت عليه يده ورجعوا عن مظاهرة خلف بن مبارك، فإنهم ناصروا المذكور، وصاروا في طاعته، فغزاهم محمد بن ناصر قبل إمامته، فدك صرحهم وقضى على نعرتهم، فلم يقدر (4/70)
صفحة 896
خلف بن مبارك أن يرد عنهم، وبذلك لاموا أنفسهم وعرفوا حقيقة الأمر.
ولما شاع هذا الحال وأن محمد بن ناصر جاء لهذا الصدد، تبرم آل عزيز أهل ضنك، ولم يرضوا أن يبني الآن عزيز حصنهم، ولا أن يرجعوا إلى وطنهم، وبذلك دخلوا على بعض طغام مظاهرة، فلقوا لفيفا منهم، وجمعوا جمعهم، وراموا حرب محمد بن ناصر، فجاءوا بجمعهم والتقاهم محمد بن ناصر بطل الحرب في ضنك نفسها، فسرعان ما تمزق شملهم وفرق جمعهم، وانهزموا تماما وحينئذ تحققوا أن لا طائفة لهم بحربه، وعمل محمد بن ناصر في ضنك ما شاء أن يعمل في مضاء لا يعرقله أي شيء. (4/71)
صفحة 897
مانع بن خميس يلتجئ بالنعيم
لما خرج مانع بن خميس العزيزي من حصن الغبي هاربا بعد ما عاث في ذلك البلد هو ومن وازره، لم ير له ملجأ يلتجئ به، وكادت الأرض تضيق به، وفعل السوء لا يكون منه إلا الوبال لراكبه، قصد مانع بن خميس السنينة ليحتمي بحماها الذي لا يحميه من محمد بن ناصر كما لم يحمه حصن الغبي من بطل الحرب، فكيف بالسنينة، ولكن من لم يفكر في أمروه لا يزال حائرا ذليلا، فلما علم محمد بن ناصر بوجهة مانع المذكور، خرج في إثره طالبا له في شرذمة من الرجال قليلة أصحاب خيل وإبل، فلم يشعروا به إلا وهو معهم فقبض مانع بن خميس أسرا، ورجع به قائدا له برغم أنفه، وجاء إلى ضنك حيث لمانع القوة والرهط، وهل يتحرك أحد من قومه مناصرا له، فلم يكر ثم توجه الغبي فمر على أفلاج بدو آل عزيز جماعة مانع المذكور الذين نهبوا سوق الغبي بالأمس مع مانعهم، فنزل محمد بن ناصر على أفلاجهم فدمرها، ورجع إلى الغبي وأقام سوقها ولبث ما شاء الله أن يلبث، ثم حشد من جانبها من قبائل الظاهرة ما شاء الله، وتوجه إلى جبرين وأقام بها أياما قلائل، ثم توجه لنزوى فنزل ببيت المزرع ليجمع رجالا من نزوى، ثم مضى إلى إزكي وأخذ منها رجالا، وأرسل إلى الشرقية فلباه أهلها ولا يعلم أحد أين يريد، وبقى عدوه في كل بلده خائفا هذا الجيش على.
وهكذا فسرت بذلك هيبته في أرجاء البلاد. (4/72)
صفحة 898
الإمام محمد بن ناصر يهاجم أهل علاية سمائل
كان في سمائل إذ ذاك أناس تمردوا كما يقول أحد كتاب الإفرنج، ومنهم البكريون في سمائل وأهل فلج الحيلي، وقوم عكاشة وبني ربيعة وأولاد سعد أمبو علي، وأفسد في سمائل آل عمير أيضا قبلهم، فجاء هذا البطل لتطهير البلد من السوء الذي بها، والتمرد على الحق، وكانت جموعه التي جمعها كما ذكرها.
قال الإمام رحمه الله: فخافت منه بنو رواحة أي لعلاقتهم بأهل العلاية، فلم يلتفت على بني رواحة شيء حتى أتى سمائل، فأول شيء عمله ألقى نصحه للبكرين.
قال الإمام: فلم يزل يناصحهم وأهل الحيلي وقوم عكاشة، ولكن يا للأسف لم يبين التاريخ عماذا يناصحهم؟ وما هي الأعمال التي ارتكبوها؟ وكأنه أمور لها أهمية كبرى، حيث اجتاحت إلى هذه الحركة الكبرى.
قال الإمام: فأما أهل الحيلي وأصحاب عكاشة فصالحوه وأدوا الطاعة، فأرسلهم إلى البكريين ليناصحوه فلم يقدروا عليهم، وكأنهم أصروا على خلافهم، فأمر بالركضة عليهم في ليلة باردة شاتية مطيرة مظلمة ذات رعد وبرق، فلم يشعروا به إلا هو في أعلى السور مع الحارس يقول له: عمن تحرس؟ فقال: مخافة أن يهجم علينا محمد بن ناصر، فقال له: هذا محمد بن ناصر عندك، فسقط في يده، وانخذل حالا وانخذل أهل الحجرة كلهم لما نادى محمد بن ناصر على رأسها.
وطلب أكثرهم الخروج بأمان فأمنهم، ولم يبق من الحجرة شيء (4/73)
صفحة 899
إلا برج واحد وشيء من الغرف فيها بكر وأولاده وبنو عمه، فأطلقوا عليهم النار حتى قتلوا عن آخرهم، وقتل من قوم الإمام أربعة رجال فيهم مملوك للإمام اسمه بخيت، كان قدمه على جميع الخدام، فجاءته رصاصة فقضت عليه، وهدمت الحجرة كلها، وأقبل على أولاد سعد أمبو علي فأودعهم القيد، وهدم المهم من حجرتهم، ولأجل البيان فإن عرف العمانيين أن الحجرة في البيوت الملتفة على بعضها بعضا، تحيط بها أسوار وأبواب، فهي كالحصون في معناها.
قال الإمام: وسلمت له سمائل زكاة ثلاث سنين، ومنه نتبين أن الخلاف بينهم والإمام محمد بن ناصر من جملته امتناع زكاتهم، فكانت تلك العاقبة، قال: وكان آل عمير قد أفسدوا في سمائل، وجازوا جميع أموال الأغياب، وفرد محمد بن ناصر كل مال لأهله ورد الأمور على القرار الصحيح، وأجراها في مجاريها والرجل غير متغطرس كما تشهد له أعماله، والأفعال دالة على ما في نفس الفاعل. (4/74)
صفحة 900
محمد بن ناصر يلاقي خلف بن مبارك في حيل العوامر
بلغ محمد بن ناصر وهو في سمائل أن خلف بن مبارك يروم الخروج من مسقط لحرب الرستاق، حين علن أن محمد بن ناصر مشغول بأمور سمائل، فتجهز له محمد بن ناصر ليلاقيه في حيل العوامر من السيب، فيلتقيه قبل قصده فوصل الباطنة وكان خلف بن مبارك في مسقط، وكان محمد بن ناصر يخرج من معسكره بالحيل إلى غبرة بوشر لعله يلتقي بخلف في هذه البيئة، فلم يخرج خلف بل بقى خائفا هجومه على مسقط، فما رأى له إمكان الخروج كان محمد بن ناصر يخرج هو ومملوك له اثنان فقط، وهو يعلم أن خلف بن مبارك إذا خرج لا يخرج إلا بجيش، فهنا يتجلى ما يقوله الناس إن محمد بن ناصر عنده أسرار.
يدلك على ذلك أنه لم يهزم مرة واحدة، ولم يصب برمية واحدة في كل تلك الحروب التي خاضها، مع أنه يباشر الحرب بنفسه قبل أن يصل الجيش فيقتحم الأسوار، ويباشر بصدره خطوط النار، ولم يتعثر بأي شيء يعرف، وهذا هو هنا يتلقي خلف بن مبارك ومعه مملوك من خدمه فقط وهذا أكبر دليل على ما قيل، فإنا ما قرأنا في التاريخ عبقريا من الرجال يغامر بنفسه كهذه المغامرة، ويرتكب هذه المراكب الصعبة، ولا بأس عليه ولا خوف، ولله في خلقه أسرار.
وإذا تتبعنا أحوال محمد بن ناصر في حروبه أيقنا أن الرجل أوتي شيئا فوق العقل، فإن وقائعه مع أعدائه لها أهميتها البالغة، فإن الحرب في جميع الأمم تكون سجالا إلا حرب محمد بن ناصر لم تكن سجالا، بل (4/75)
صفحة 901
هي انتصار محض، وهذه المحررات التاريخية من شك، فليتتبع ذلك يجده كما قلنا، فإن أبطال الحرب معروفون جاهلية وإسلاما، ولم يعرف لواحد منهم نصر محض في كل موقعة، وكذلك لم تكن لهم سلامة نفسية، ومما يدل على أنه ذو خصائص سرية لما كان عند آخر ذرة من حياته في صحار، إذ جاءه الخبر أن خلف بن مبارك أقبل بجيش كثيف، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذه ساعة لا لنا ولا علينا، ما ندري ماذا يقضي الله فيها، فقضى الله بقتل الرجلين كما سوف يأتي إن شاء الله في محله.
ولازال خلف بن مبارك خائفا من محمد بن ناصر في مسقط، وقد سد الأبواب، وأقام الحرس على الطرق، ولم يقصده محمد بن ناصر قصداً خاصاً في مسقط، ولو قصده لم تكن لتمنعه أكثر من بقية حصون عمان وقلاعها، ولأن العادة قاضية بينهما بانهزام خلف بن مبارك ونصرة محمد ابن ناصر، وقد أقام محمد بن ناصر في حيل السيب قدر نصف شهر منتظراً خروج خلف ولم يخرج من مسقط. (4/76)
صفحة 902
محمد بن ناصر والمعاول
لما أيس محمد بن ناصر من خروج خلف بن مبارك من مسقط رجع إلى سمائل، وكان المعاول أنصارا لخلف بن مبارك، كما أنهم هم الذين قادوه على حرب نخل كما سبق، ثم وقع بينه وإياهم شرهة وعتاب رأوا أن يهاجموا حصن بركا، فاحتالوه على دخوله فدخلوه بصفة الاحتيال، فتولوه ليعلم خلف بن مبارك أنهم ينفعونه ويضرونه، ويؤثرون عليه إذا لم يتراجع عن سياسته التي هو عليها في جانبهم، وإذ ذاك أرسلوا لمحمد بن ناصر في سمائل يخبرونه عما فعلوا.
وكأنهم يتخوفون من خلف أن يهاجمهم، فجاء محمد بن ناصر إلى السيب والتقاه المعاول، وعاهدوه على حرب خلف بن مبارك، وعلى تخريب مسقط ولم يجر كلام في حصن بركا من الطرفين، بل هو في يد المعاول، والمذكورون هم بعهدهم مع محمد بن ناصر. ولما افترقوا غرب محمد بن ناصر فظن المعاول أن محمد بن ناصر توجه لقبض الحصن، فلحقوا به ونزل هو الحرادي من بركا، ونزل المعاول في مناخه وعند غروب الشمس، فرشوا على ركابهم يرومون التوجه إلى بلدانهم، ولكن أرادوا أن يصلوا المغرب فنزلوا الساحل أفرادا، ومن هناك يتسابقون إلى الحصن، وقالوا لطناف الركاب سر بركابك في خفية حتى تدخل بهن وادي المعاول، وسرعان ما نكثوا العهد، فلما تحقق محمد بن ناصر أمرهم أرسل إليهم ما بقى من متاعهم في مناخه، وتوجه راجعًا إلى سمائل وكان أهله بها فحمل أهله منها وتوجه إلى جبرين. (4/77)
صفحة 903
محمد بن ناصر يهاجم بغاة البدو من عامر بن ربيعة
لا يخفى أن البدو أفسدُ خلق الله من أول يوم عرف فيه التاريخ، ذلك لأنهم أشد كفرا ونفاقا، وأجدر ألا يعلموا ما أنزل الله، وقد عاشوا على الغزو والنهب ما لم تصرفهم عنه قرينة هي بريق السيف ورصاص البنادق، ولما كان محمد بن ناصر قد برز بسيفه في الميدان يقطع رؤوس البغي، ويرد الطاغي عن هواه برغم أنفه، فإنه لما رجع من الباطنة ورأى من المعاول خلاف ما عاهدوه عليه، أحب إبقاءهم على ما هم عليه إرغاما لخلف بن مبارك.
ولما قفل من سمائل قصد البدو من عامر بن ربيعة وآل سعلى، ومن اشتمل عليهم ومن وأطأهم من سكان الباطنة، وهج عليهم في باديتهم، وتوجه أولا إلى ركابهم فظل يعرقبها ويعقرها، لأنها قوتهم التي يفسدون بها في الأرض، وهرب منه الرجال فقتل إبلا كثيرة تمكن من قتلها، وكان راكبا على فرس، وبيده كتارة أمضى من عزمه، ومعها رمح طويل، فكان يضرب الإبل يمينا وشمالا يقطع أعناقها، ويعرقب أرجلها، ولم يسمح لأحد يأخذ شيئا، ذلك لأن يبيح كسر قوة الباغي، ولا يحل ماله لعصمته بالتوحيد، عمد بالنص الوارد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتقتل خيل الباغي وإبله وبغاله وحميره، وتخشى أمواله نخله وشجره، وتهدم قصوره وحصونه، ويقتل عندما يتمكن المسلمون منه، أم غنم أمواله فلا أبداً، ويستعان بسلاحه وآلة حربه على قتاله، وهذا هو عمل المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين.
قال الإمام نقلا عن التاريخ العماني: ووصل إلى فريق من فرقانهم فقتل رجالهم، فصاحت نسائهم بالأمان يا خلف بن مبارك إنا في طاعتك، (4/78)
صفحة 904
يظنونه خلفا. فأكثر فيهم القتل، وهو إمام القوم لم يلحقه إلا أهل الخيل والإبل السيارة. قال: وسيف بن سلطان معه لا يفارقه في جميع حروبه وغزواته حتى قضى غرضه من هؤلاء البدو البغاة المفسدين في الأرض، ثم رجع إلى الحزم فأقام بها أياما قلائل، ورجع إلى بلدة سِنى بكسر السين المهملة، وبكسر النون مخففة بعدها ياء ساكنة لا يظهر عليها الإعراب، وهي في وادي بني غافر.
قال: فأقام بها أياما ثم رجع إلى يبرين، قال: وكان إقامته بها، وكانت البدو من عمان قد أفسدوا الطريق ينهبون ويقتلون فلا يقدر أحد أن يسافر إلى مكان إلا بجماعة كثيرة.
قلت: وهذا شأن البدو في كل الأجيال، وهنا وجدوا الباب مفتوحا لمخافة خلف بن مبارك، ومحمد بن ناصر، وكثرت الصيال والقتال والغارات المتواليات، فأظلمت الطرق، وتخوف الناس، وتعطل السعاة، وتوقفت الحركات التجارية إلا ما شاء الله، وأصبح الناس تأخذ منهم مأخذها. (4/79)
صفحة 905
محمد بن ناصر يسوق زعماء وهيبة لواحة جبرين
لما كان آل وهيبة أكثر البدو نهبا وسلبا لاسيما كونهم أنصار خلف ابن مبارك، وقد استأذت الناس من بطشهم، وكان لهم رئيس يقال له بوخرق، لأن البدو غالبا يستعملون الألقاب ولا يتبرمون منها كهذا اللقب وكخرق الفضعة وأمثالها، قال: وخاصة آل وهيبة.
قال الإمام رحمه الله: فحشدهم أي محمد بن ناصر بجميع أهلهم وإبلهم وغنمهم، وأمرهم بالنزول حوالي جبرين، قال: وذلك قهر منه لهم حتى ماتت إبلهم وأغنامهم، وضعف حالهم، ولم يقدروا على مخالفته، فلما كانت ليلة أحد عشر من شهر الحج، خرج محمد بن ناصر بمن معه من القوم قاصدا منازل آل وهيبة، وهاجم بلدهم السديرة ودمرها، وقتل من وجد فيها منهم. قال: فكانوا يهربون إلى الرمل من أسافل عمان وخرابها، أي من جهة الجنوب، وكل موضع ليس فيه ماء يظنون أنه لا يتوصل إليهم لقلة اهتداء الحضر لتلك الأماكن، وقلة دلالتهم بمواردها.
قال: فمضى إليهم أي تابعا لهم ليقطع عروق الفساد، ويستأصل شأفة القوم، قال: فقتل: منهم ستة وثلاثين رجلا من أكابرهم، وأسر خمسة وتسعين رجلا، وقتل إبلهم وأغنامهم وحمل الأسارى إلى يبرين مربوطين في الحبال، قال: وأما بوخرق فإنه قصد مسكد أي مسقط ودخل مع بني هناءة، قال: وقيد محمد بن ناصر الأسارى في يبرين شهرا وأرسل بو خرق إلى الإمام أنه يعاهده لا يضر أحدا، ولا يفسد.
قال الإمام: وأمنت الطرق. قلت: كيف لا تأمن الطرق وسيف (4/80)
صفحة 906
الإمام لا يزال على أعناق البغاة لا يقي منه واقي ولا يرده راد، ويقول الشاعر العربي الحكيم:
بسفك ... الدما ... يا ... جارتا ... تحقن ... الدما
وبالقتل ... تنجو ... كل ... نفس ... من ... القتل
ولا شك أن أهل البغي والفساد لا يردعهم إلا القوة الغالبة، ومحمد ابن ناصر أقوى رجل في عهده، فإن آل وهيبة أنشط قبيلة وأقوى في بادية عمان فجمعهم حول جبرين رغم أنوفهم، ويهوي على بقيتهم في سديرتهم، فيهز تلك السديرة هزا روع أهلها فيرتحلون هاربين عنها إلى الرمل النائي، ثم يتبعهم على تلك الأماكن، فيقتل الرجال ويؤسر الباقي في الجبال، كما تقاد الأغنام للبيع إنها لخطوة لا يستطيع مثلها قادة الدول الكبرى الذين عرفهم التاريخ من العهد البعيد، فلله در تلك الشخصية البارزة ملء عيون عهدها إنها لخصيصة قل أن يوجد مثلها خلق الله للحروب رجالا، ورجالا لقصعة من ثريد، سبحان من يمنح من يشاء من عباده خصالا عديمة المثال، ويرفع أقدار بعض الرجال حتى يظهر بهم من سلطانه ما شاء. (4/81)
صفحة 907
ينقل تظهر الخلاف لمحمد بن ناصر وتتعرض للهجوم
لقد سبق أن أهل ينقل رفضوا ما بينهم ومحمد بن ناصر، وتداعوا لحربه. قال الإمام، وابن رزيق، والمعنيون بالتاريخ العماني: إن محمد بن ناصر أم بالحشد إليه بيبرين، أي طلب اجتماع جنوده المطيعين له في عمان من شرقها وغربها، فاجتمعت إليه في يبرين جموع عظيمة لا يعلم عددهم إلا الله، وأرسل إلى بني هناءة من بلدان وادي العلا والحيل، وضم وعملى، فأطاعته جميع بني هناء ولم يعصه أحد.
هذه عبارتهم بنصها، وهي تدل على قهره الباهر وسلطانه القاهر، قال: وسار بهم قاصدا ينقل، ونزل في أعلى البلد وأرسل إليهم ليخلصوا له الحصن، فأبوا وشدوا الحرب.
قلت: هذا جنون سافر حيث عرفوا حق الرجل، وعملوا العلم اليقين عيانا وسماعا، وجربوه فلم يعصونه؟ فإذا صال عليهم لم يقفوا له في كل معركة يبتدئونها ويهربون آخرها، أليس لهم عقول يهتدون؟ أليس لهم رؤوس تنصحهم؟ أليس لهم أصدقاء تبين؟ وقد داس محمد بن ناصر وهاجم القلاع بالقلة من الرجال، وكيف وقد سحب عليهم الجحفل الوفير.
قال الإمام: فخرج ذات ليلة رجل من أهل ينقل يقال له عصام، فصالح الإمام محمد بن ناصر إلا أن البلد ليست في يده.
قلت: ليس ممن يصالح، بل هذا ممن يخضع ليد يريدها عند محمد بن ناصر. (4/82)
صفحة 908
قال الإمام: فقال له محمد بن ناصر: جماعتك لأجل حقن الدماء، قال: يتبعوه، والمعنى ناصحهم فلم يقبلوا منه.
قلت لو قبلوا منه لكان أعز لهم وأكرم، ولكن الله يلب عقولهم، قال، وأقاموا الحب غير مفكرين فيما يكون، قال: وكان بيت عصام على السور، فأدخل محمد بن ناصر ومن معه البلد، فلما دخل محمد ابن ناصر البلد، أطلق للسيف حده وأعطاه عند ذلك زنده، فلم يزل يعمل اللازم الملقى على عاتقه حتى طلبوا الأمان فأمنهم، وهذا غاية أمرهم، أليس كان الأمان في أول الأمر وقبل انكشاف العجز والاعتراف بالذل وطلب الأمان فيمن به عليهم.
قال الإمام: فقيد أشياخهم، وحملوا إلى يبرين مصفدين في الحديد، قال: وترك فيهم واليا وادت له الطاعة والمعنى خضعت له راغمة. (4/83)
صفحة 909
نهاية المزاولة بين محمد بن ناصر وخلف بن مبارك
والصراع المرير
لما كان لكل شيء نهاية، ولكل قائم غاية، وهذا حكم الله في عباده وإن بلغوا ما بلغوا، وفعلوا ما فعلوا، وعاشوا في هذه الحياة ما عاشوا، فإن محمد بن ناصر، لما فرغ من أعمال ينقل، ورتب أ/ورها توجه لصحار وقدم أمامه من رؤساء جيشه ربيعة بن حمد الوحشي ليناصح بني عمه القابضين لحصن من ط رف خلف بن مبارك بل باسمه، ليهبطوا من الحصن، فلما وصلهم قال: شدوا الحرب إذ كان ميله نحو خلف بن مبارك، وإنما كان مع محمد بن ناصر بالقهر، وأما محمد بن ناصر فكان من الرجال الذين إذا تولوا يتولون بخالص ضمائرهم، وإذا خاصموا كانوا بتلك الضمائر.
قال الإمام، وابن رزيق، وابن سرحان وغيرهم من مؤرخي عمان: لما دخل محمد بن ناصر صحار التقته بنو هناءة الذين مع خلف بن مبارك، وقامت الحرب على ساقها بين الطرفين، وهم بحصن صحار، فوقع القتل فيهم، فقتل منهم جملة، وجرح ربيعة بن حمد الذي قدمه محمد بن ناصر ليناصح قومه عن الحرب وأخذ أسيرا جزاء خيانته، وانكسر بنو هناءة كما هي العادة التي يمشي فيها محمد بن ناصر، فسبحان الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء.
وتراجع بنو هناءة إلى الحصن بعد الهزيمة، ونزل القوم بالجامع الكبير، ونزل محمد بن ناصر في بيت ابن محمود أحد أعيان صحار (4/84)
صفحة 910
إذ ذاك، وطلب إحضار ربيعة بن حمد، فلما حضر، قال له: إن شئت أن تقيم معنا فعليك الأمان، أي لا تخاف لأجل ما فعلت، وهذا من الحلم بمكان، قل أن يوجد مثله، وإن أردت أن تسير إلى أصحابك بالحصن سيرناك بأمان، فأراد المسير إلى الحصن فسيره، وكان لمحمد ابن ناصر اثنتا عشر فرسا، كانت وظيفتها كشف الأحوال، واستطلاع العدو، يبعثها عيونا تطالع المشرق، تراقب خلف بن مبارك، هل له نهوض إلى صحار عندما شاع خبر مسير محمد بن ناصر إليها، وكان بلغه أن خلف بن مبارك جمع بني هناءة من الرستاق ومسكد، ومن شف معه من القبائل، وأنه نزل بحصن ضخم، وكان محمد بن ناصر قد استخلص جميع صحار وسلمت له رعاياها، ونادى مناديه فيها بالأمان لكل أحد.
قال الإمام: وأمن أهلها من جميع الطوائف، فلم يؤخذ على أحد منهم شيء، وكانت عنده البدو من بني ياس والنعيم، ومن اشتمل عليهم، والحضر أيضا كذلك، فأصبحت ليلة من الليالي قد خرب زرع دخن من طوى في البلد، فجاء صاحبها إلى الإمام شاكيا فسأله من خرب زرعك؟ فقال: بنو ياس والنعيم والبدو الذين معك، فقال له: كم غرامة زرعك؟ خذ مائتي محمدية، إذ كانت العملة المتداولة في ذلك العهد، فأبى صاحب الزرع أن يقلبها، فقال له: خذ أربعمائة محمدية، فأبى فقال له: خذ خمسمائة محمدية، فقال: لا أرضى إلا أن تنصف لي منهم.
قال: فأرسل إلى مشايخهم فحضروا عنده، فأمر بهم فصلبوا، وما كانت نصفته إلا الجلد فجلدوهم جميعا وهم يستغيثون به، فلم يغيثهم إلى أن انقضت النصفة فأطلقهم من الحبال. (4/85)
صفحة 911
قال الإمام: وكانت هذه حيلة من بني هناءة لينفروا عنه البدو، قال: وكان هذا من محمد بن ناصر عن جهل بالأحكام، فإن أمر التعزيز والعقوبات راجع إلى نظر الإمام لا إلى صاحب الحق، ولا إلى سائر الرعية وإنما لصاحب الزرع غرم زرعه فقط، فإن عرض عليه حقه فلم يقبله فلا حق له، وقيل يجبر على قبول حقه وليس له أن يتحكم على الإمام في عقوبة الجاني.
قال: ثم إن البدو خرجوا من عند محمد بن ناصر إلى بلدانهم راجعين، فعلم خلف بن مبارك بخروجهم، فزحف عليهم بمن معه من القوم، وهجموا عليهم بعد طلوع الشمس قليلا، فجاء من جاء إلى محمد بن ناصر يخبره أن خلف بن مبارك وصل بمن معه من بني هناءة، فقيل إنه قال: «هذه ساعة ليست لنا ولا لهم إلا ما شاء الله».
قلت: هذا ما أشرنا إليه سابقا أن محمد بن ناصر كان له أسرار يمشي على ضوئها.
قال الإمام رحمه الله: ثم ركب فرسه وركب أصحاب الخيل معه والتقوا خلفا ومن معه على باب حصن صحار، فوقع بينهم القتل وقتل خلف بن مبارك، وهو أي محمد بن ناصر يتبعهم، حتى وصل تحت جدار الحصن، فضرب محمد بن ناصر من فوق الحصن ضربة تفق، وأخذه أصحابه فمات، وقتل من أصحابه قدر خمسة عشر رجلا.
قال الإمام: ودفن خلف بن مبارك داخل الحصن، ودفن محمد بن ناصر في بيت غربي الحصن عند حجرة الشيعة، قال: ومكث بعدها دفن ثلاثة أيام لم يعلم بموته إلا الخاصة، قال: وكاد أصحاب الحصن أن (4/86)
صفحة 912
يسلموه، قال: وقيل والله أعلم إن أحدا بعث محمد بن ناصر من قبره، ورمى به خارج البلد، وذلك بعد أن رجع كل إلى بلاده. وهنا انتهت مزاولة الرجلين ومنافستهما على هذه الحياة، ولم يحصلا على شيء منها كما يقول المتتنبي:
تفانى ... الرجال ... على ... حبها
وما ... يحصلون ... على ... طائل
وقد تواقع هذان الزعيمان في عمان بأهل عمان بأكثر من خمس وقعات التي يباشرها كلا الزعيمين، أما الحرب التي خاضها محمد بن ناصر فكان النصر حليفه فيها بعمان. (4/87)
صفحة 913
إمامة سيف بن سلطان بن سيف
نسبه: هو سيف، الذي كان رؤوس القبائل يريدونه للإمامة ابن سلطان صاحب الحزم ابن سيف قيد الأرض بن سلطان بن مالك بن أبي العرب اليعربي، الذي كان محمد بن ناصر لا يزال حاملا له في جميع حروبه وغزواته، ويتذرع به على الإمامة ليقتاد به سواد الأمة، وآل الأمر على إمامة محمد بن ناصر فقام قياما دوخ القبائل، وقهر به العتاة، وأذل به البغاة إلى آخر ذرة من حياته.
ولما قضى الله عليه، وعلى خصمه خلف بن مبارك، ورجع الناس إلى سيف بن سلطان المذكور، وهذا مقصد الرؤساء الذين أرادوا هذا الأمر للمذكور، فعاكسهم فيه القدر، وسلط الله عليهم محمد بن ناصر يقطع الرؤوس، ويقهر العتاة، حتى إذا انتهى دوره، ورجع الأمر إلى سيف بن سلطان المذكور، وكان قد بلغ الحلم وأخذ درس الحرب من لك الصنديد الغافري، الذي مازال معه في حله وترحاله.
قال الإمام السالمي رحمه الله: سيف بن سلطان الصبي الصغير الذي مات عنه والده صغيرا، ومالت إلى تقديمه غوغاء الناس أهل الشقاق من أكابر الرستاق، وهذه الجملة من هذه الإمام العلامة، أشبه بقنبلة ذرية رمى بها ذلك العالم. قال: وكان ذلك سببا للفتنة العظيمة والبلاد الطويل، (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) 4، فكان سبب اختلافهم ما قصصناه وما سنقصه إن شاء الله، ولله الملك الدائم، وهو الواحد القهار. (4/88)
صفحة 914
قال: وكان سيف بن سلطان هذا لم يفارق محمد بن ناصر، لأن محمدا كان يحمله معه في جميع حروبه ومواقفه سياسة منه وطمعا في انقياد الناس بسببه، فلما قتل محمد بن ناصر بصحار، رجع بنو غافر ومن معهم بسيف بن سلطان إلى نزوى، وذلك حين ما بلغ الحلم. قال: فأقامه القاضي ناصر بن سليمان بن محمد بن مداد إماما للمسلمين يوم الجمعة بعد الزوال في العشر الأوائل من شهر شعبان من سنة أربعين ومائة وألف. قال: قدموه إماما لتقدم ولايته بسبب ولاية أبيه، فإن أباه كان إمام المسلمين، وكانت ولايته على رعيته واجبة وأطفاله تبع له في ذلك حتى يبلغوا الحلم، ويحدثوا حدثا يخرجهم من الولاية عند المسلمين، وقيل إن البالغ منهم يكون في الوقوف حتى يعلم منه حال يوالي عليه أو يعادي عليه، فتمسك القاضي بأحد القولين، نظرا منه للأمة، وطلبا للسداد ومحاولة لجمع الشمل، ولا راد لقضاء الله، ولا معقب لحكمه.
قال: فإن سيف بن سلطان لبث ما شاء الله، ثم أحدث أحداثا لا يرضاها المسلمون، فعزلوه ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكان سيف بن سلطان قبل عزله طلب من الشيخ سعيد بن بشير الصبحي، أن يزيد في الجعل المقرر للإمام لمعاشه في بيت مال المسلمين، ويعرف في العرف العام بعمان بالفريضة، أي الشيء المفروض له والمقدر لمعاشه، طلب سيف المذكور زيادة على من سبق من الأئمة قبله، وكان أمر المعاش منوطا بنظر المسئولين في الدولة من خيار المسلمين الذين إليهم الحل والعقد منذ عهد الجلندي بن مسعود رحمه الله، عملا بتقرير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأن الإمام بمنزلة الأخير في بيت مال المسلمين ليس له أكثر عن حاجته الخاصة. (4/89)
صفحة 915
وكان المسلمون قد جعلوا للأئمة شيئا معينا لا يتجاوزه الإمام، ولما نصب محمد بن ناصر الغافري زاده المسلمون حين رأوا حاجته تتجاوز اللازم الذي فرضه المسلمون سابقا، فزادوه عليه نظرا منهم رحمهم الله، وأراد سيف بن سلطان أن يجعلوا له مثل ما جعلوه لمحمد ابن ناصر، وكان الوالي سالم بن راشد البهلوي قد ألح على الشيخ الصبحي في ذلك، فقال له: لا بل فريضة آبائه لأن العاقدين الإمامة لجده الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله، لم يألوا جهدا ولم يتركوا اجتهادا ولو جاز لهم، ووسعهم فوق الألف، الذي جعلوه لجده الإمام ناصر لما بخلوا به، فرحم الله الإمام الناصر، كان أزهد القوم وأعلمهم وأتقاهم، ولم تطل عينه إلى رياش الدنيا، ولم يغره حطامها، ولا طالت إليها عينه بأكثر مما يسد جوعته ويستر عورته، ويحفظه من العدو، ويقيه الحر والبرد، كانوا جعلوا له كل سنة ألف محمدية عملة ذلك العهد.
قال الإمام السالمي رحمه الله: ول جاز لهم أن يزيدوه لما بخلوا عليه حاشاهم، ولو لكل يوم ألف لو جاز لهم ذلك لجاز للإمام أخذه وقبوله منهم إذ لا غرم عليهم في أموالهم، ولا دخل على الإمام في قبوله منهم إذ صار للعطاء المفروض في بيت مال الله، ول جاز لهم ما اختاروه لجاز للإمام ما فرضوه.
قال الإمام: وأرجو أنهم أخذوا ما فعللوا تأويلا من قول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) 5، أي وسطا بين الحالين، فإن القوام معناه ما تقوم به الحياة.
فقال الشيخ الصبحي للإمام سيف: هذه هي فريضة آبائك، ولله (4/90)
صفحة 916
در آبائه الكرام، وليته لم يتجاوز خطوهم ولم يخالف سيرتهم، ولكن الأمر لله عز وعلا وكل ما يفعل العباد يحفظ لهم عند الله جل شأنه، فخذها سيدنا فريضة هنية وهبة برية لا وبية، خارجة على حكم التقية، ولا أعلم أن جدك الإمام سلطان بن سيف، ولا جدك سيف، ولا عمك بلعرب، ولا أباك سلطان طلبوا ولا أخذ أحد منهم زيادة على ما مضى عليه إمامهم الزاهد العبد الصالح ناصر بن مرشد، وتلك فرضة كافية، ومات عليها الأسلاف، ولا أريد لك خلاف ما عليه السلف، فهذا اختياري، والجهدة مني، ولا خفت في أمرك لومة لائم، بل اخترت لك ما اختاره الله لمثلك من الأئمة، واختار المسلمون لهم ذلك نظرا ومعونة، وموافقة لكتاب الله.
قال سالم بن راشد: كيف جعلت فريضة الشيخ محمد بن ناصر أكثر من هذا؟ قال الشيخ: أخاف أن يكون وقوعها على وجه التقية والحلال أولى في حكم الله وحكم البرية، وكان هذا نهار 21 شعبان سنة 1145 خمس وأربعين ومائة وألف للهجرة. قال: ثم غير السيرة بعد ذلك، وعزلوه أي رأوا منه أشياء تخالف سيرة الصالحين قبله، وهم إنما يريدون أن يحملوه عل تلك السيرة الزاهرة والدولة الطاهرة.
قلت: أما أمر المعاش فيختلف باختلاف الأوقات غلاء ورخصا كما قرروه في نفقة من لا يملك أمره ونفقة المرأة على زوجها، ونفقة الأولاد على أبيهم، وأن ذلك موكول إلى نظر الحاكم الشرعي، فيجاري فيه حالة الوقت، فإن الأحوال تتحول من حال إلى آخر، ولكنهم رحمهم الله كانوا على سيرة سلفهم حراصا أشداء، ولضبط النفس عن الشهوات أشد، رضوا من الدنيا بقوت الأكل، رحمهم الله ورضي عنهم. (4/91)
صفحة 917
ولما عزلوا الإمام للأحداث التي عدوها عليه راح إلى نخل، وكان الوالي فيها جساس بن عمر بن راشد الحراصي، فأدخلوا بلعرب بن حمير الحصن وسيف بن سلطان بالبطحاء، ولم يدروا بدخوله ومنعوا الحصن من سيف بن سلطان، ونهض المذكور إلى بطحاء وهي من وادي المعاول، وأرسل خاله سيف بن ناصر إلى مسقط فقبضها، وأما بلعرب ابن حمير فأقاموه بنزوى إماما. (4/92)
صفحة 918
إمامة بلعرب بن حمير
لما عزل سيف بن سلطان عن الإمامة، بويع بعده بلعرب بن حمير ابن سلطان بن سيف بن مالك بن بلعرب اليعربي بنزوى، وذلك في سنة 1145، وقام معه فريق من أهل عمان، وبقي فريق آخر عند سيف بن سلطان متمسكين بإمامته كما أرادوها من أول الأمر، أي من يوم هو صغير لم يبلغ الحلم. وهنا انقسم أهل عمان فرقتين، فرقة آزرت الإمام الجديد، وفرقة بقيت على ولائها لسيف بن سلطان، فتولى الإمام نزوى وبهلى، وإزكي وسمائل والشرقية وعمان الداخلية، وبقي في يد سيف بن سلطان مسقط والباطنة والرستاق. (4/93)
صفحة 919
الحرب يقيمها الإمام على سيف بن سلطان
لما رأى بلعرب أنه الإمام المقبول، ورأى أن سيف بن سلطان مرفوض من الإمامة لأحداثه لزمه القيام عليه ليرفع يده عن المملكة العمانية، وليدخل فيما دخل فيه المسلمون، وهو يرى أنه الإمام المؤيد من أول يوم، وأنه الأحق بهذا الأمر لما سبق من حاله، وبيده المملكة العمانية، فإن مسقط والساحل كله يقوم مقام الداخلية، وهنا يبتلي الله عباده حيث يخالف الناس أمر ربهم.
جهز الإمام بلعرب جيشا لحرب بني رواحة الذين يناصرون سيف ابن سلطان على الإمام العدل، ولما علم سيف بن سلطان بذلك جهز جيشا لمناصرة بني رواحة، وجعل قائده أخاه بلعرب بن سلطان، والتقى الجيشان واصطدما في وادي بني رواحة، وانهزم بلعرب بن سلطان وقومه، وفروا إلا من تحصن منهم في حجرة وبال، فحاصرهم جيش الإمام بها، وأمر بقطع نخل بني رواحة إلى أن رأوا ضرورة الانقياد والخضوع لما لا بد منه، فأذعنوا ونزلوا على حكمه راغمين، وبعد ذلك رفع الحرب عنهم وأذن لقومه بالرجوع إلى أوطانهم، وهدم بروجهم ورسم لهم خطة القهر والغلبة، وأراهم ما يكرهون، وارتحل عنهم بعدما تحقق خضوعهم. (4/94)
صفحة 920
الزحف على بني هناءة في بلادسيت
لما رجع الإمام بلعرب من تدويخ بني رواحة رأى من المحتوم الزحف على بني هناءة الذين ما زالوا طيلة تلك الأيام اليعربية منذ عهد الإمام ناصر بن مرشد، وهم على حال مغالبة ومطاولة حتى صار عليهم ما صار، وتقاتلوا هم ومحمد بن ناصر، ووقع بينهم وإياه ما وقع، وأحاط الإمام بلعرب بن حمير ببلاد سيت، وقطع نخلها ودمر أفلاجها وهدم مبانيها حتى أخضعها لسلطانه راغمة ثم خرج عنها. (4/95)
صفحة 921
الزحف على جبرين وفيه بنو هناءة
كان سيف بن سلطان لما تولى الأمر أدخل بني هناءة حصن جبرين وولاهم إياه، فعضوا عليه وظنوا أنها أنشودة أدركوها، وعزة وصلوا إليها، وأن هذا الحال من هذا الإمام ضد ما كان عليه محمد بن ناصر فإنه كان يطاردهم ويستمر الصراع بينهم وإياه، وإذا بهذا الإمام يعكس القضية فيوليهم المقام الذي جعله محمد بن ناصر غابه وعرينه، فأذلهم هذا الإمام وأخرجهم منه، وسيرهم بأمان إلى أوطانهم مع أهلهم وعيالهم وذراريهم وأمتعتهم، أوصلهم إلى بلدانهم وأرحامهم في الحال، واستراح منهم وهدأت الحال بينهم وإياه، والدهر يعمل ما يدق به العصف ويطيل به الخلف وهكذا الأيام نداولها بين الناس. (4/96)
صفحة 922
سيف بن سلطان يجر الأعداء على عمان
لما رأى سيف بن سلطان أن الأمور تسير في غير صالحه، طلب من أهل مكران نصرة على قومه أهل عمان، ولم يبال بما يكون منهم في الوطن والدين، فجاءه رهط من البلوش أهل البنادق، والتقاهم ولف جموعه معهم، وأقبل بهم على طريق الجو، فالتقاهم بلعرب بجيشه العماني، ودارت رحى الحرب بينهم لا كثر الله من أدارها على هذا الطريق، واقتتلوا قتلا شديدا حتى كادت الهزيمة أن تكون على الإمام بلعرب وأصحابه، ولكنهم صبوا وقاتلوا حتى لان الحديد من حرارة النار، فانهزم سيف بن سلطان وجنوده، ومزق الله شملهم وفرق جمعهم، وركبهم العمانيون قتالا وأسرا وسلبا، ومنهم من فر على وجهه ومات عطشا وجوعا، ومنهم من لا يهتدي لطريق فتاه في الأرض فهلك، وسقط في يد سيف بن سلطان، ورأى أن عداوة أهل عمان تتجسم في وجهه وأنه لا وجه له معهم لهذه الأحوال التي اقترفها وهو كذلك يرى أن العداء قد تناهى، وأنه لا يزيله إلى غلبته عليهم ولا يمحوه إلا أمر يذل العمانيين وبقهرهم فيأتوا إليه خاضعين. (4/97)
صفحة 923
طلب سيف بن سلطان من العجم النصرة على أهل عمان
لما رأى سيف بن سلطان سقوط الأمر من يده، وأن وراء ذلك الذل الذي يرمى به في الحضيض، طلب من ملوك العجم وأرسل أعوانه هذا الصدد، ولا يدري أن القوم لا يبذلون أرواحهم، ويسفكون دمائهم لأجل سيف بن سلطان، لكنهم يريدون ملك عمان إذ تذكرهم الأيام بعهدهم السالف فيها، ولكنه غير مبال، ولعله متمذهب بمذهب من يرى الكفر خيرا له من الغلبة والعياذ بالله.
ولما وصل طلبه إلى القوم بادروا بسرعة ملموسة لإجابته، عسى أن يدركوا محو هذه الأرسم العربية من أرضها، أو اغتنام ما لديها على الأقل، فجاء جيش العجم ونزل خور فكان آخر ليلة الخميس من شهر ذي الحجة سنة 1149 تسع وأربعين ومائة وألف للهجرة، وقصدوا الصير، فخرج سيف بن سلطان ليتلقاهم وترك في مسقط عنه واليا، وعلم بلعرب بن حمير عنه، فحشد الجموع وخرج من نزوى أول شهر المحرم سنة 1150 خمسين ومائة وألف للهجرة.
والتقى الجيشان بالسمينى، واجتمع سيف بن سلطان وبلعرب ابن حمير اليعربيان وأجنادهما في غرة شهر صفر من نفس السنة المذكورة، ووقع بنهم تناوش، فقتل من قوم بلعرب الأكثر حتى آخر ذلك اليوم، وانهزم بلعرب وقومه، وأخذ كل ما لديهم من عدة ولم يرجع أحد منهم إلى هرب عن الوقعة، ولم يرجع أحد بشيء مما لديه من سلاح وعتاد وغيره، وبعضهم ضل الطريق وتاه في المضيق، وقتل بعضهم (4/98)
صفحة 924
في الطريق، لأن المنهزم كل يتعاطاه لتأثير الهزيمة عليه عادة، وضاع ذلك الجيش الذي قاده بلعرب في هذه المرة بجامع ما لديه من قوة وقدرة وآلة حرب، ولم يرجع أحد بعد الهزيمة فكانت شر هزيمة.
وبذلك استولى سيف بن سلطان على الجو، أي البريمي وظنك والغبي وأدت له الطاعة وأعلنت له الخضوع القبائل التي بهذه المنطقة الحساسة، وأدت له هذه القبائل إلى الظاهرة الخراج، وساق له الأموال العظيمة أهلها اتقاء لشر العجم الذين معه والغالب يتشفى من المغلوب كما يشاء، وانساق العجم على أوجههم حتى دخلوا عبري وأوقعوا بأهلها الشر العظيم، قتلا وسلبا ونهبا، وأخذت أموالهم كلها رغم أنوفهم، وهذا فيمن اكتفوا منه بذلك، وحملت نساؤهم وصبيانهم وذراريهم.
قال الإمام: وأصابهم ذل وهوان، ورجعت العجم إلى مركزها بالصير بغنائمها من عمان، قال الإمام: وأما سيف بن سلطان فإنه مر بقومه على بهلى وناوشته الحرب، ثم خضعت له وأصلحت معه خوفا من عجمه المشار إليهم، ولما سلمت له الأمر ولى عليها سالم ابن خميس العبري، ومضى فبات بطيمسا فارتاع منه أهل نزوى حتى الذين في قلعتها، ففضلوا الهرب منها خوفا من سيف بن سلطان حتى كاد بلعرب بنفسه يخرج من الحصن مرتاعا لما شاع بينهم من الذعر، إلا أن سيف بن سلطان لم يقصد نزوى، بل جاء منح ثم إزكي ثم سمائل، (4/99)
صفحة 925
وأناخ بفلج العد المعروف الآن بالمدرة أعلى سمائل، وطلب قبائل وادي سمائل، فواجهوه هناك ولبوا دعوته، ثم توجه لمسكد ولم يتعرض للحصون بل أعرض عنها سياسة منه، ثم انتفض أهل الغبي وقام معهم بنو غافر فاستولى بنو غافر على الغبي، وخرج الوالي منها ثم جاء أهل بهلى إلى بلعرب بن حمير فأدخلوه واستولى عليها. (4/100)
صفحة 926
سيف بن سلطان يواصل جيوشه من العجم على أهل عمان
لما رأى سيف بن سلطان أن عمان قلته وغير راغبة فيه لهذه الأحوال التي رآها الناس والنوايا التي يتحسسونها منه، وهو قد خرق حجاب الشرف وكسر جسر الإيمان ولم يبال بما يلاقي تبعا للملوك الجورة، وقد رأى محمد بن ناصر وحروبه بعمان، وهو دائما معه لا يفارقه ولم يره يوما يميل إلى أعداء الدين والوطن، ولكن كان أول اليعاربة خير أول وها هو الآن يريد أن يكون آخرهم شر آخر، فسبحان الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
فإن سيف بن سلطان طلي من ملك العجم زيادة جنود فأرسل إليه رهطا عديدا من عتاة القوم، فجاءوا على طريق شيراز. ولما نزلوا الصير انضموا إلى أصحابهم وتقوى بعضهم ببعض، ونشط البغاة الظالمون، وفي يوم التاسع عشر من شهر شوال من سنة 1150 خرجوا إلى عمان على طريق البريمي والظاهرة، ووصلوا إلى بهلى وتحرك أهل بهلى لحربهم والتقاهم أبطالها فدارت رحى الحرب، فقتل من العجم الكثير، وكذلك من أهل بهلى بل الأكثر، وانهزم أهل بهلى ودخلت العجم بهلى في اليوم الثالث عشر من ذي القعدة من نفس سنة 1150، واستولى عليها وهرب أهلها وقتل من قتل من الأهل والصبيان والنساء والولدان وسلبوا جميع ما في بهلى، وعلى كاهل سيف بن سلطان جريمتهم يوم القيامة وإن شاء الله ليجزي كلا بعمله والله المستعان على هؤلاء الجورة الذين لا يراعون الحق ولا يشمئزون من الباطل. (4/101)
صفحة 927
العجم يعيثون في نزوى
لما أنهى العجم أمر بهلى خرجوا إلى نزوى ليعملوا عملهم الذي جاءوا له، وقد تركوا حامية في بهلى، وكان خروجهم لنزوى أول يوم من شهر الحج من سنة الخمسين ومائة وألف، وقد ضاق ذرع أهل نزوى من هذا العدو الداهم، وكان أهل عمان في تيه بني إسرائيل لا يهتدون لشيء مما ألم بهم، ولم يتحركوا لمناصرة إخوانهم ومعاونة أخدانهم، وقد سمعوا ما حل بجيرانهم، وأنه لا شك نازل بهم بل غاية أمرهم أن يكونوا مع العدو المهاجم حتى ضاق الحال ببلعرب بن حمير في قلعته التي هي الحصن الحصين، فاستولى الرعب على الكل فهرب بلعرب كما هرب غيره، وبقيت البلاد ولا مدافع للعجم ولا منازع، والتجأ بلعرب بوادي بني غافر.
وكان بالقلعة بنو حراص فثبتوا فيها، ولم يتزعزعوا منها، وخضع بقية أهل نزوى للعجم وصالحوهم على ما أرادوا منهم، فلم تمكن العجم من نزوى، ورأوا أن أهلها استشعروا الذل والخوف، وضعوا عليهم الخراج وامتصوهم، ثم عذبوهم أشد العذاب فقتلوا الرجال والنساء والأطفال والكبار والصغار لقصد الإرهاب وبث الروع والخوف في الأرض.
قال الإمام رحمه الله: وحملوا من النساء من أرادوا حمله، وفعلوا في نزوى أفعالا قبيحة، وأذاقوهم أليم العذاب حتى قيل أنهم قتلوا من أهل نزوى مقدار عشرة آلاف من الرجال والنساء والأطفال.
قال الإمام: ولم يسلم من أهل نزوى إلا من قدر على الهرب وهم (4/102)
صفحة 928
القليل والله المستعان. قال الإمام: ولسيف بن سلطان من ذلك النصيب الأوفر من الوزر، حيث قاد إليهم الأعداء ونسي ما فعله آباؤه وما وقع فيهم من آبائه الكرام، وظن أنهم ينصحون له وهم أعداؤه.
قال الإمام: وما ينتج رأي السفيه إلا مثل هذه الأفعال القبيحة، قال ولم تقدر العجم على القلعة.
قلت: لاسيما وهي جديدة العهد، وليست لديهم النسافات العصرية، ومن حسن الحظ لأولئك السادة الأمجاد، بقاؤها ذكرا لهم بعمان.
قال الإمام: وكذلك الحصن لم يقدروا عليه، لأن القلعة هي الحامية له، وقد بلغ العجم أربهم من نزوى حيث لا دافع لهم، وإنما بقيت القلعة حامية نفسها فقط، وما زال العجم في نزوى يعيثون في ذلك الحرم الذي بغار عليه كل من في قلبه ذرة من إيمان بعمان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن من شر الناس ناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس ناسا مفاتيح للشر مغاليق للخير». الحديث. فكان سيف بن سلطان مفتاح شر لعمان، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ثم خرج العجم من نزوى يوم ستة عشر من شهر الحج بعدما حجوا في نزوى وقضوا مناسكهم فيها إلى إزكي، فصالحهم أهلها وأدوا لهم ما أرادوا منهم، ثم شمائل وإلى الباطنة بعد خروجهم من إزكي لم يقفوا في سمائل ولا في غيرها حتى دخلوا مسكد في اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة من نفس السنة، واحتووا على البلد وما فيها، ولم يبق سوى الحصنين الجلالي والميراني، وحاصروهما واحدا وأربعين يوما حتى يوم الخامس من صفر من سنة 1151 واحد وخمسين ومائة وألف للهجرة، ولم ينجحوا فيهما، ثم خرجوا من مسكد ومضوا إلى بركا وصحار. (4/103)
صفحة 929
قال الإمام: فرد شر سيف بن سلطان عليه، جاء ليقهر بهم صديقه الذي يزعم أنه عدوه، فطلبوا قهره بنفسه، وحاصروا حصونه وهرب هو عنهم في مراكب في البحر حتى نزل ببركا، وخرج الطو وتلقاه أهلها بالكرامة وصحبوه إلى نخل، ثم توجه إلى الظاهرة والتقى هو وبلعرب ابن حمير بوادي بني غافر، إذ كان بلعرب هاربا عن العجم من نزوى لما وصلوها إلى بني غافر، ولم يزل معهم حتى هذا العهد، وإذ ذاك قام بعض مشايخ بني غافر ومن معهم من بقية شيوخ القبائل، وقاموا لبلعرب يستعفونه من الإمامة ويرجعونها لسيف بن سلطان رضاء له ودفعا لشره وقطعا للمفسدة العظمى، وإنما كان هذا من رؤساء القبائل وشيوخ البلدان الذين رأوا الأعمال التي سلفت وهو بسببها ولم يشترك معهم أهل العلم والفضل.
قال الإمام: فما بلى أهل عمان بهذا البلاء إلا بمخالفتهم لأهل العلم وأهل الفضل، فإن أهل العلم يدعون إلى الحق وإلى ما أوجب الله على عباده، وأهل الدنيا يدعون إلى شهواتهم وما ينالونه من حطام دنياهم، فإنهم لا يعرفون الحق، ومن عرفه يفضل وجهة الطمع على وجهة الدين، وبعضهم يرى أن أمر الدنيا مقدم على أمر الدين، لأن الدنيا هي كرسي الدين، ولا بأس إذا كانت الدنيا تأتي من ناحية الدين، أما إذا كانت تأتي من حظيرة الشيطان ومن شر بني الإنسان فلا خير فيها بل فيها الشر فنعوذ بالله مما لا يرضاه الله. (4/104)
صفحة 930
سيف بن سلطان يتغلب على الأمر بعمان
لما كان سيف بن سلطان يبالي بما يأتي وما يذر، ولا يفتكر في حق ولا باطل، بل غاية ما عنده نيل السلطة مهما كانت وكيف كانت، ورأى الناس الأحوال خارجة عن نهج الحق، وأصبح أهل عمان يئنون ويبكون على الواقع فيهم من القتل ومن سبي ذراريهم ونسائهم وولدانهم، وتدمير منازلهم ونهب أموالهم، وتبدل حبهم لليعاربة وتوقيرهم إياهم، للأعمال التي لاقوها من سيف بن سلطان وعجمه، إذ قتلوا من أهل نزوى خاصة أكثر من عشرة آلاف قتيل غير المسبيين، وتبدل الحال الأول بهذا الحال الحالي، وتأثر الناس بذلك، لم يعد الحب السابق لهذه العائلة التي هذه أفعالها.
وإذ ذاك اجتمعوا حين رأوا المكروه و يدرون ماذا يكون من هذا الذي غير الوضع وكدر الصفو، وأوقع الناس في المآسي الكبيرة، وصاروا هنا يدًا واحدة رغم الواقع، ورأوا انقطاع العجم الذين خرجوا من مسقط وأصبحوا في بركا وصحار، وبقيت بقية قابضة على ناصية بهلى، وانقطعت عنهم أخيار أصحابهم، بعثوا منهم قدر مائة نفر فرسانا ليأتوهم بخبر أصحابهم، وأين هم الآن؟ وماذا الذي اقتضاه نظرهم؟ فإن هؤلاء في قلب الداخلية.
وكان قصدهم أولا مسكد ليعلموا ما هم عليه هناك ولما نزلوا وادي سمائل، تلقاهم أهل وادي سمائل، وحمير بن منير بقومه أول النهار يوم ثامن من شهر صفر، فقاتلوهم وقتلوا أكثرهم، ثم صار حمير بن منير بمن معه من العسكر وأهل إزكي وبنو ريام إلى بهلى يوم تاسع عشر من صفر، ودخلوها يوم واحد وعشرين، واستولوا عليها، (4/105)
صفحة 931
واحتضن العجم بحصنها فحاصروهم، ولما اشتد عليهم الحصار خرج فريق منهم ولعلهم يريدون بذلك الخروج التخفيف عن المؤنة التي عندهم، أو يريدون التسلل شيئا فشيئا، فلما خرجوا اعترضهم المحاصرون لهم، فقتلوا أكثرهم وبقى من بقى منهم، لم يقدروا على الخروج من الحصن، لأنهم يعلمون أنهم بخروجهم مقتولون جزاء ما فعلوا في البلاد، وبقوا في حصنهم، وجاء سيف بن سلطان ومن معه فأخرجهم بسلاحهم ومتاعهم ودوابهم، وأوصلهم سيف بن سلطان بأمان، لأنه جاء بهم وهو السبب في مجيئهم، وأصحبهم مبارك بن مسعود الغافري إلى صحار كخفير لهم من طرف الإمام، لا بارك الله في تلك الإمامة التي هذا عملها.
وفي كلام شكيب: أن سيف بن سلطان التجأ على نادر شاه صاحب فارس، وساق العجم لحرب عمان باسمه، وذكر الحوادث التي ذكرها التاريخ العماني كما هي، وكانت تلك أعمال سيف بن سلطان في عمان، وتبدل حال عمان من مجد مشرق بلغ رأس الرجاء الصالح، ثم أصبح بلاء وبيلا، عم الصالح والطالح، وهذه الفروق التي تمتاز بها الرجال وتختلف لديهم الأعمال، ولكل درجات مما عملوا، والله يتولى من عباده الصالحين.
قال شكيب: إن سيف بن سلطان مازال يخشى ابن عمه بلعرب ابن حمير، فاستمد العجم فأنجده بجيش تقدم إلى الظاهرة ومعهم سيف ابن سلطان المذكور وجماعته، قال: فتغلبوا على بلعرب وأفحشوا في القتل والنكاية حتى رجع سيف إلى نفسه، ورأى عداوة ابن عمه أهون عليه من صداقة العجم، فانحاش إلى مسقط كما قدمناه أنه جاء بهلى، ثم منح وأزكي وسمائل، حتى جاء مسقط وذلك حين رأى أن الأمر بيد (4/106)
صفحة 932
العجم لا بيده، ولا يلتفتون إلى أمره، وهم إنما جاءوا لغرض الانتصاف، وأخذ الثأر من أهل عمان لما سلف من الأحوال التي لا يزال التاريخ العماني يرتلها عن العهد القديم، ثم جددته الدولة اليعربية الزهراء، وقادت الأعداء من أنوفهم راغمين، إلا أنها لم تفعل شيئا لم يأمر به الشرع، حتى جاء دور سيف بن سلطان، فدمر موارد الشرف المورودة، ثم قضى على المجد العماني حين ساق له من يبتلعه منه، وهو يرى ولا قدرة له على أمر ولا نهي ولا حركة ولا سكون، وأصبح العجم يحتلون الحصون منه برغم رغبته.
قال: ولبث العجم يجتاحون البلاد، ويوقعون بالأهالي، حتى قام بنو غافر على بلعرب وأجبروه على التخلي عن دعواه الإمارة، ومبايعة سيف بن سلطان بدون منازعة، قال: فلما ثقلت حملة العمانيين باتفاق كلمتهم على العجم، جلوا عن البلاد إلا الجيش الذي كان أمام صحار، فإنه بقى يحاصرها وفي هاتيك الثناء قام رجل في مدينة نخل اسمه سلطان بن مرشد من بني يعربن فادعى الإمامة سنة 1150الموافق سنة 1738، وانتزع البلاد من يد سيف بن سلطان ومن جملتها مسقط، قال: فاستغاث سيف بالعجم ووعدهم بالتخلي لهم عن صحار إن ضمنوا له الاستقلال بالإمامة، قال: فسرح العجم جيشا إلى مسقط استولى على البلد والحصون، قال: ولكنهم لم يسلموها إلى سيف، فذهب هذا إلى بلدة الحزم ومات بعد ذلك بقليل، قال: أما سلطان بن مرشد فمات على أثر جراحة في قتال العجم عن صحار. هذا كلام أمير البيان شكيب المصري، وهو يتلقى الأنباء من بعيد، وأكثرها من كتب الأجانب، فإن الحروب التي خاضها سيف بن سلطان أعرف بها أهل عمان، قالوا: إن العجم الذين انكسروا من مسكد ساروا إلى الصير، وفيها إخوانهم وركب منهم أناس إلى بلدانهم، وبقيت منهم (4/107)
صفحة 933
بقية بالصير ما شاء الله من الزمان، وسار إليهم سيف بجيش عظيم من البر والبحر، وسير إليهم المراكب من البحر، فلما وصل بلدة خت بالخاء المهماة والتاء المثناة من فوق وهي قرب الصير، جاءه الخبر أن مركب الملك، بسكون اللام، أحد مراكب الدولة اليعربية قد احترق وغرق بمن فيه، فعزم على الرجوع، إذ هذه فادحة هامة، فإن هذا المركب هو الأسطول الضخم في الدولة، وهو أكبر البواخر المهمة، وفيه الأموال والرجال والسلاح والعتاد، فرجع سيف بن سلطان عن العجم إلى عمان، وبقوا هم بالصير ودانت له جميع حصون عمان، وأدت له الرعية الطاعة.
فلبث على ذلك الحال مدة ثم ظهرت منه أحداث لم يرضها المسلمون، قال الإمام: ولا رضوا مبدأ أمره ولا منتهاه، ووضع الخراج على الرعية، واتفقوا على غيره فنصبوا سلطان بن مرشد. (4/108)
صفحة 934
إمامة سلطان بن مرشد اليعربي
قال الإمام رحمه الله: هو آخر أئمة اليعاربة فيما انتهى إلينا علمه.
قلت: .... سيأتي بعده بلعرب بن حمير المخلوع لأجل سيف بن سلطان فإنهم بايعوه مرة أخرى فيكون آخر أئمة اليعاربة، أما سلطان ابن مرشد فإنه بويع بعد أن استغاث الناس والرعية من أحوال سيف ابن سلطان.
قال: فاجتمع من شاء الله من مشايخ العلم من بهلى ونزوى وإزكي ورؤساء القبائل من بني غافر وغيرهم، وأهل وادي سمائل ومشايخ المعول، واجتمعوا في نخل وتناظروا فيما بينهم، فاتفقوا على إمامة سلطان بن مرشد وعقدوا عليه بعد الاتفاق بجامع نخل ليلة الحج، أي ليلة عرفة التاسعة من ذي الحجة سنة 1154 أربع وخمسين ومائة وألف، فقام بأمر الله واستقام بحمد الله على الحق والعدل، وخاضت له الحصون، ووهي كما قلنا عنها سابقا يراد بها طاعة البلاد كلها، لن الطاعة وعدمها منوطة بالحصون التي هي الحجة في المملكة العمانية إذ ذاك، بخلاف عهدنا الحالي حيث الأوضاع تغيرت، وأصبحت ترمى من السماء، وبذلك أصبحت الحصون غير كبيرة الأهمية حيث لا تحصن من فيها، بل ربما صارت وبالا على أهلها منا شاهدنا في عهدنا الحالي، ونحن على رأس القرن الرابع عشر للهجرة، وقبل هذا كله كان المعول على الحصون وكان التطاحن والتنافس عليها.
فسبحان من يظهر بدائع ملكوته في كل آن وهو على كل شيء قدير. (4/109)
صفحة 935
سيف بن سلطان يستعد لمصادمة الإمام ثم ينهزم
لما علم سيف بن سلطان اجتماع أهل عمان على سلطان بن مرشد، وقد قلدوه الزعامة الدينية، ووضعوا على هامته تاج الإمامة، أيقن أنهم عادوه وباينوه، وعلم بل تحقق أنهم قادمون عليه في رستاقه، تجهز لحرب وضرب معسكره أعلا فلج الميسر من علاية الرستاق، لأن طريق القادمين من هناك وبقى متأهبا في شدة، ثم دخله الرعب وتصور في نفسه غلبتهم عليه، إذ كان اجتماع المسلمين مع إمامهم لله وفي الله ووقع الخوف في نفسه، واستشعر العجز عن مقاومتهم، فعند ذلك فضل الهرب عن أصحابه.
فلما جن الليل انسل الرجل من معسكره تاركا فيه كل حاجاته لئلا يعلم أحد من القوم بهزيمته، ولما وصل الإمام سلطان بن مرشد أعلا الرستاق، حيث المعسكر المشار إليه صباح الجمعة آخر شهر ثعبان، لم يجد مقاومة وتحقق أن السيف أغمد وكفى الله المسلمين شره، ودخل الإمام الرستاق على حال هدوء واطمئنان، وتلقاه أهلها بصفاء القلوب من غير أن يرى من أحدهم شيئا، وقابلوه بالكرامة، ودخلها بحال السلامة، ولما رأوه أهلا للإمامة، ووازروه وناصروه، واحتوى على جميع علائق الرستاق، ولم يبق له معارض إلا حصنها فيه عبيد سيف بن سلطان ووالدته وبعض عياله، فخاطبهم الإمام بالنزول من الحصن ولم يقبلوا، وفي أنفسهم رجاء لسيف بن سلطان، فحصرهم الإمام وأحاط الجيش بهم من كل جهة، وما زالوا على ذلك الحال، والجيش محاصر لهم، وبقوا شهرين وعشرة أيام، ولما لم يرووا من سيف بن سلطان حركة، نزلوا من الحصن وتولاه الإمام. (4/110)
صفحة 936
وانكشف بعد ذلك أن سيف بن سلطان في مسقط، وكان قد جمع قوما من مسقط ومطرح والسيب وبركا، وعسكر ببركا وبعث الإمام له بعض قومه، وأمر عليهم أخاه لأمه سيف بن مهنا اليعربي، فتوجه بجيشه إلى بركا فالتقاهم سيف بن سلطان بجيشه، ودارت بينهم معركة حامية رهيبة، أسفرت عن انتصار الإمام على سيف بن سلطان، وقتل من جيشه القليل، أما جيش سيف فهلك أكثره ولم ينج منه إلا القليل الذين انهزموا، أو الذين ألقوا بأيديهم إلى الإمام، وانهزم سيف المذكور إلى مسقط، ورجع سيف بن مهنا إلى الرستاق بالنصر المؤزر والظفر الأكبر.
ولما قر قرار سيف بن سلطان بمسقط، جاءته ثيبة أي جماعة مناصرة له هكذا في العرف العام عند أهل عمان، وهم بدو من طغام الظاهرة، فنزلوا الحزم، ولما علم بنزولهم طلع هو من مسقط وجمع من الباطنة قوما فجاءته جنود كثيرة، من مرتزقة البدو وغوغائهم، الذين لا يعرفون دينا ولا يتبعون دليلا من عامر بن ربيعة، أجلاف لا خبرة لهم بحرب، ولا غرض لهم إلا السلب والنهب، وكان من قدر الله أن وقع بينهم شقاق وتنافس، أثار الشر بينهم فاقتتلوا فيما بينهم وعمل السلاح عمله فانهزموا عن قتل ذريع فيهم، ثم تنافروا إلى أوطانهم وبقى بدو الظاهرة في الحزم، ورأوا أنهم على غير طائل من أمرهم، وبذلك فضلوا الرجوع إلى أوطانهم، ولما تحقق الإمام سلطان بن مرشد سوء أمور سيف بن سلطان، جمع قوما من الرستاق وتوجه إلى نخل ... واستجاش أهلها وصحبه منهم الكثير، ثم خرج إلى بدبد واستجاش أهل وادي سمائل، ثم وصل إزكي وجمع من رجالها رهطا هاما، وخرج بهذا الجمع إلى مسقط يوم الخميس ثاني ذي الحجة من هذه السنة، (4/111)
صفحة 937
ولما وصل روي ضرب معسكره فيها، وكان جيشه ضخما كثير العدد، وكان نزوله روي ليلة رابع ذي الحجة، ثم خرج بقومه إلا القليل منهم تركهم في روي حفظا للمعسكر، ثم زحف برجاله على مسكد ليلا فهاجمها تحت ظلام الليل، فأحدر القابضين للجبال وأنزلهم إلى الأرض من ليلته تلك، وتمكن من جميع مقابض مسقط من بروج وسيران وقلاع.
وتولى الإمام البلد إلا الحوتين الجلالي والميراني، وهما الحصنان المانعان وأرسل شرذمة من الجيش لحصن المطرح فاحتلته حالا، وكان من أمر سيف بن سلطان هرب على طريق البحر، ولما علم به الإمام أرسل في طلبه مراكب إلا أنهم لم يتوفقوا فإن ريحا عاصفا هب عليهم دون ناحية خورفكان فغرقت بالقوم وتلاشى أمرهم وكان قائدهم بجاد ابن سالم، فرجع بقومه إلى مسكد، أما سيف بن سلطان فانكسرت دقالة مركبة في حوزة خورفكان قبل الوصول إليها، فاستأجر سفنا أوصلته إلى خورفكان، ثم توجه بمن معه وهم فقط خمسة رجال، وقيل ثمانية رجال، وتوجه من هناك إلى العجم الذين بالصير، ثم منها إلى فارس ليعيد البلاء على عمان، ولما علم العجم الذين هناك تلقوه خيالتهم وحملوه على فرسانهم، وبقى المركب هناك، فتولاه أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي ورث العرش بعدهم كما سوف يأتي إن شاء الله في تاريخه وخرج سيف ببن سلطان إلى شيراز. (4/112)
صفحة 938
أحمد بن سعيد بن أحمد البوسعيدي
يبرز في الميدان ليتولى ملك عمان
كانوا يقولون إن أحمد بن عيد اتصل بسيف بن سلطان في صدر دولته، وإنه ولاه صحار لأهميتها في ذلك الوقت، لما رأى فيه من الكفاءة، ويقول بعضهم إن سيف بن سلطان أراد مشيرا له في أموره بصفة وزيرا يستعين به في مهماته، وكان أحمد بن سعيد تاجرا جمع ثروة وتحصل على أموال، فاختاره سيف بن سلطان خصيصا لصدده.
قال شكيب في تعليقه على حاضر العالم الإسلامي: وكان سيف بن سلطان محتاجا إلى مشير يعتمد على رأيه، فأشار الناس عليه برجل من التجار كان معروفا بالاستقامة اسمه أحمد بن سعيد من عترة يقال لها البوسعيد، قال: فتولى هذا مدينة صحار، قال: وأحسن إدارتها وحمد الناس طريقته، قال: فحسده سيف بن سلطان على المنزلة التي نالها في قلوب الأهالي، قال: وأراد أن يقبض عليه إلا أن الناس أصلحوا بينهما.
وفي ابن رزيق قال: وقد عدم سيف بن سلطان الصديق الذي يفرج عنه الكروب، فقال له رجل من خاصته: لا أرى لك اليوم للمساعدة رجلا حازما تقر به عينك إلا أحمد بن سعيد البوسعيدي، فإنه هو في الرأي الحميد نهاية، وفي الشجاعة غاية، فقال: أي سيف بن سلطان، ومن ولي به؟ فقال له: أنا إن شاء الله آتيك به، فكان من التوفيق المقرر للتصديق أن الإمام سيف بن سلطان، قد أزمع المسير من مسقط إلى الرستاق، ثم منها إلى نزوى. وإذا بأحمد بن سعيد مقبلا على (4/113)
صفحة 939
ناقته، وكان الإمام سيف بن سلطان لم تسبق له معرفة بأحمد بن سعيد، فعرفه به أحد رجاله قائلا له: هذا أحمد بن سعيد الذي تسمع به. وكان الإمام على فرس فنزل إلى الأرض وترجل كل من معه من رجاله، ونزل أحمد بن سعيد أيضا، فتصافحا باليدين، وأخذ الإمام بأحمد فجلسا في ناحية عن القوم يتحدثان فيما بينهما، ويقول الإمام لأحمد بن سعيد إلى أين تريد؟ فقال: للمطرح لقضاء أغراض خاصة، فقال: امض إليها، وإذا سمعت برجوعي من الرستاق إلى مسقط فائتني بمسقط.
فلما رجع الإمام سيف بن سلطان وسمع به أحمد بن سعيد أنه رجع إليها وفد عليه فأكرم محله، ثم بعثه إلى الحسا لقضاء وطر له، فمضى إليها وأتاه بما أراد، فشكر صنيعه، وأكرم وأدني محله إلى أن قال: فلما رآه أهلا للولاية ولاه مدينة صحار وأعمالها، أي ومن أعمالها الطرف الشمالي كله، فتسيطر صحار على ذلك الجانب، فتولى وتعزل وتبدل وتغير وتسود ذلك الإقليم العماني إلى آخر حدود عمان، لأن ذلك الحال كان لها من عهد الجاهلية، إذ كانت هي كرسي عمان معا، قال: فأظهر أحمد بن سعيد العدل والإنصاف بين الرعية، وفشى إحسانه وكرمه فيهم، فأحبوه على ذلك، وأتته قبائل الشمال والظاهرة أفواجا وفرادى وأزواجا، فأكرمهم وأحسن إليهم.
ولا شك أن للكرم تأثيرا في النفوس، قال: وألان جانبه لهم وساوى بينهم في المعاملات، قال: وقصدته شيوخ الجبور من الحفري والحرادي وحي عاصم، فرفع منزلتهم وأحسن إليهم، وسرى صيته فيهم وعم البلاد وأذعنت له الناس بالانقياد، وأظهر العدل، فأثنت (4/114)
صفحة 940
عليه الأمة. قال، فلما بلغ صنيعه ذلك الإمام سيف بن سلطان، قال لبعض خاصته: والله ما فعل أحمد بن سعيد ذلك إلا لينفر الناس مني، وليجعلهم إليه، وأنه يحاول بهذا الشأن ليتولى الأمر عني فإني إن لم أعزله من ولاية صحار ليشقيني.
وكلاما مثل هذا مما يدل على تبرمه والحجة عليه أن واجبه هو هذا الحال فلم يعدل عنه ولم يترك الحق ويركن إلى غيره؟ وهو يتسمى بالإمامة وهو أبعد منها بعد الثريا عن الثرى، وليس أحمد بن سعيد بمجرم، إنما هو المجرم، إنما فعل أحمد بن سعيد الواجب وتظاهر بما ينبغي، فما باله الآن بأفعال كان هو حقيقًا بها.
قال ابن رزيق: فبعث له كتابا يطلبه فيه بالوصول إليه بمسقط، فلبى دعوته فجاءه معه خادم يدعى مسعدا وهو لا يدري ما عند سيف بن سلطان، ولم يعهد أنه صدر منه ما يخالف الحق، أو يحدث حدثا يوجب تغير الوضع بينه وبين سيف بن سلطان، وإذا بسيف بن سلطان ينوي الانتقام من أحمد بن سعيد، وكان أمر خاصة عبيدة وإيداعه السجن بالكوت الشرقي، وربما رام قتله.
وكل هذه الأحوال تعسفات من سيف بن سلطان التي لا يبقى له معها عمل مرضي، وإذا كان قد ساءه عمل أحمد بن سعيد، وأراد عزله فللعزل مناهج صحيحة وطرق لا يتبرم منها عامل، فبالأمس عاملك واليوم ترميه للنار تأكله، ليس هذا من الحق في شيء، ولكن الأمور عند إدبارها ترى الناس العجب فأحمد بن سعيد بالأمس جئت به لتنتصر (4/115)
صفحة 941
به، وتستعين بآرائه، واليوم تعامله بسوء المعاملة، وأنت تتسمى بالإمامة، ثم إن عهد آبائك نصب عينيك لم تبل سرابيلهم، وقد أبليت أنت سيرتهم وعملت بضد أعمالهم، أما كنت غنيا عن هذا الحال.
قال ابن رزيق: وكان بيت الإمام سيف بن سلطان هو البيت الذي صار بعده لداود المارديني، قال: ولما وصل أحمد بن سعيد قرية روي جاء هو وخادمه من عقبة وادي الكبير حتى نزلا على الزبادية من ذلك الجانب، فأناخا ناقتهما هنالك، وقصد أحمد بن سعيد يريد الإمام سيف بن سلطان بنفسه فردا يظن أن هند الإمام شيئا من الأمور السرية، فيتفاهم معه فيها.
قال ابن رزيق: حتى بلغ حذاء بيت جده رزيق بن بخيت بن سعيد بن غسان، وكان قد تقلى من الإمان ما يريده في أحمد بن سعيد من سوء الفعل، قال: وكانت بينهما مكاتبات ومراسلات ودية، فسأله عن قصده فأجابه أنه جاء إجابة لدعوة الإمام له، فأنذره رزيق وحثه على الرجوع والنجاة بالنفس من الوقوع في الهلكة.
فال ابن رزيق: فقال أحمد بن سعيد لابن رزيق المذكور: لعله يريد أن يعزلني عن ولاية صحار؟ فقال ابن رزيق: أجل ويريد أن يقتلك، ولما تحقق أحمد بن سعيد ذلك من ابن رزيق هذا كر راجعا على أثره، لأنه رأى صدق مقال ابن رزيق، لأنه مطلع ودلائل الأحوال تؤيده، وكان أحمد بن سعيد يرى انهيار صروح الدولة بأعمال سيف بن سلطان، وقد صار أحمد بن سعيد سيد الطرف الغربي الشمالي بالسيرة الحسنة، وبائتلاف الناس وتأليفهم، فخرج من مسقط وعلى (4/116)
صفحة 942
وجهه حلة حنق وفي قلبه حقد على رجل يروم قتله في غير ما جرم، وعلى الأقل يروم عزله في غير ما سبب، بعد ما تألف الناس وألفهم.
ولكن الرجل كان ممن يدري ويدري أنه يدري، فعمل بالحزم واخذ يمد أياديه على الحجر القوي، ويأخذ الأشياء من مظانها، ويتهيأ للأمر الذي هو أكبر وهو الاستيلاء على الأمور بيد من حديد، وفتح أبواب السياسة وهيأ نفسه للرئاسة، فاجتلب أهل الباطنة وواثق أهل الحل والعقد بالعمل المثمر، وبسط يده لمن رآه من الرجال الذين يعول عليهم، وقابل الأمور بلوازمها، وركز معالمه في ذلك الأفق على القوى المعتبرة، وربط الأمور كما ينبغي، وبقى يخايل الحوادث بقلب لا يمل وعزم لا ينثني، يرى أن الناس قد اشمأزت من سيف بن سلطان وأعماله وأنهم نافرون منه مباينون له، والذين معه إنما يجارونه تقية له خوف تعسفه، والناس يبتلون بمثل هؤلاء الرجال الذين لم يكونوا للأمور بأهل، وإنما أن ابن الإمام الفلاني أو السلطان الفلاني.
وهكذا ولا يفهمون أن فلانا صار سلطانا أو إماما بأعماله الحسنة، وأن سوء الأعمال يهدم الشرف ويستحق الأثر الجميل، ويبقى أحدوثه السخرية، وباختلاف العقول وتباينها تتباين الأعمال، وتلك حكمة الله عزوجل في خلقه، وبها يتفاضلون وبمقتضاها يمتازون.
وما من شرف يكون في أمة إلا وأصله فيها الصلاح، وتلك سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا، والله يعلم المفسد من المصلح. (4/117)
صفحة 943
وساق ابن رزيق القضية بين أحمد بن سعيد وسيف بن سلطان بلهجة العامة، وعلى أسلوبها الطويل الفارغ، ولذلك ترانا نلخص القضية ونضعها في أسلوب المناسب وعبارات لها قيمتها، وإنما نأخذ م ابن رزيق نفس المعنى ونضعه في قالب صحيح من نوع الوضع العربي المعتبر.
ولما تحقق سيف بن سلطان، أن ابن رزيق جد الشاعر هو أنذر أحمد بن سعيد، وأعرب عن نوايا سيف بن سلطان فيه، ورجع إلى صحار وعض عليها بالنواجذ، وقرر في نفسه ألا يخرج منها إلا إذا أرغمه القدر، لأن سيف بن سلطان لم يعد يصلح إدارة ملك أو لقيادة أمة، لاسيما أن الأ/ة العمانية قد لفظته لأفعاله السيئة، وعند ذلك تناول سيف بن رزيق وزج به في السجن بعد ما هدده، وظل المذكور يتلطف له وينكر إنذاره لأحمد بن سعيد، وهذه هي في الحقيقة واجبة على ابن رزيق، حيث علم بقتل رجل مسلم على غير حق، فبقى في سجن سيف بن سلطان ثلاثة أشهر، وكان سابقا من المعتمدين عنده والمقربين في أعماله.
ثم طلب سيف بن سلطان أحمد بن سعيد مرة ثانية، ليأتيه إلى مسقط فتعلل له واعتذر بأعذار لا يسلم لها سيف بن سلطان، لأنه الأمير وأحمد بن سعيد المأمور، وعلى المأموم أن يتبع إمامه، ولما تحقق سيف بن سلطان إصرار أحمد بن سعيد على إجابته، تجهز إليه في أربعة مراكب من مراكب الدولة الكبار منها، وما يدري سيف بن سلطان أن الأمور تتحول بمعناها الكلي إلى أحمد بن سعيد، وأن في الغيب مناديا (4/118)
صفحة 944
يناديه لها، وأن عهد بني يعرب قد آن انتهاؤه، ولكل شيء غاية ينتهي إليها، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وأن الله يفعل مما يريد.
وخرج سيف بن سلطان بأساطيله الضخمة المشحونة بالمال والرجال، والمجهزة بسلاح الوقت حتى أرست بجانب حصن صحار، وأرسل سيف ابن سلطان إلى أحمد بن سعيد بالوصول إليه، فتوجه إليه في قارب صغير يسير سيراً عنيفاً، وقد وقف الناس ينظرون إلى هذا الشخص الذي له عند الإمام هذه الأهمية، ولما قارب من مركب الإمام ناداه خدام الإمام ارجع إلى حيث كنت، فرجع فأخبر الإمام برجوعه بعدما دنى منهم، فقال: اتركوه لعله نسى شيئا ذهب ليأتي به.
ومن هنا يدرك العاقل معنى الانقلاب من سيف إلى أحمد، حث أصبح عبيد سيف بن سلطان يصرخون لأحمد بن سعيد بالرجوع إلى مقره، وبقوا في انتظاره يومهم ذلك إلى الغد، وبقى سيف بن سلطان في مراكبه، وأحمد بن سعيد في حصنه، ولا يعرف أحد ماذا يكون وكل واحد من الرجلين يدبر أمره ولا يريد أن يتظاهر بالعداء السافر وكان سيف بن سلطان كل يوم يرسل إلى أحمد بن سعيد يدعوه بالحضور ولا يرد له جوابا.
وشاع الخبر في البلاد بالأزمة التي وقع فيها الرجلان، فكان الناس ينثالون إلى أحمد بن سعيد، ويتكاثرون حتى ثار الجبور من الحفري والحرادي وحي عاصم، وكانوا كثيرا أعيانا في بركا، فجاءوا سيف بن سلطان في أسطوله، وتكلموا معه بشأن أحمد بن سعيد، وأن الرجل متخوف منك، ولن ينقاد لك وأنت على هذه الحالة، وإذا اختصمتما (4/119)
صفحة 945
فإما لك وإما عليك، وما كان أحمد بن سعيد مستحقا منك مثل هذه المعاملة بعد ما صان البلاد وحماها من الأعادي، وقام بواجبه في حق الأمة، ونهاية الأمر أصلح الجبور الحال بصالح أحمد بن سعيد، ولعل ذلك كان عن تعارف بينهم، فكان الصلح أن يواجه سيف بن سلطان هلال بن أحمد، وهو أكبر أولاده.
وكان هلال رجلا عاقلا منظورا إليه في الناس، وهو الذي قاد الحملة العمانية إلى البصرة لإنقاذها من براثن الفرس، كما سوف يأتي ذلك في محله إن شاء الله.
فواجه هلال بن أحمد عن أبيه، وعلى أن يبقى هلال عند سيف بن سلطان نيابة عن أبيه، وأشاعه إلى الناس عن اتفاقهما، فأكرم سيف ابن سلطان هلال بن أحمد وأجله، فرجع سيف بن سلطان بأساطيله إلى مسقط، وهلال المذكور معه.
وكأن الحال أصبح على هدوء بينهما لاسيما أن عمان الداخلية فيها منافس كبير لسيف بن سلطان، وهو الإمام سلطان بن مرشد اليعربي، الذي احتل الداخلية كلها، فلم ير سيف بن سلطان إلا احترام أحمد بن سعيد، برغم ما هو فيه، ورجع مسقط ولم يزل هلال كذلك يغدو ويروح عند سيف بن سلطان، حتى جاءه الخبر أن العجم الذين طلبهم، وصلوا خورفكان، ووصلته كتب شاه العجم بذلك، وإذ ذاك أذن سيف ابن سلطان لهلال بن أحمد أن يعود لصحار، فرجع هلال إلى أبيه أحمد بن سعيد، وأخبره عما علم.
ولا شك أن أحمد بن سعيد أصبح في أزمة أكبر من الأولى، حيث (4/120)
صفحة 946
قد تخالف هو وسيف بن سلطان، وأدى الحال بينهما إلى ما علم كل أحد، وهؤلاء العجم يكونون قوة لسيف بن سلطان، فلعله يرميه بهم أحمد بن سعيد ليتشفى منه، وهم نهمون إلى صحار وإلى بطلها الكرار، إذا ساعدتهم الأقدار، وكان سيف بن سلطان وعدهم بها وهم يدعونها من قديم العهد، ولهم رغبة إلى الأخذ بناصيتها، والتحكم عليها، ولكن الأمور في يد القدر والله ولي كل شيء. (4/121)
صفحة 947
العجم ينزلون خورفكان
بناء على طلب سيف بن سلطان النصرة من العجم للمرة الثانية، جاءوا بجيش عظيم ونزلوا خورفكان، وكان أحمد بن سعيد في بلدة العوابي، فزحفوا على صحار لأن أحمد بن سعيد استعصى على الإمام وباينه، وليس الغرض الحقيقي هذا، وإنما هو سحق أحمد بن سعيد، لأن العجم رأته حجر عثرتها فيما تحاوله، وأحاطوا بالحصن يضربونه بالمدافع، وإذ ذاك سارت الرسل إلى أحمد بن سعيد بالعوابي، فجاء مسرعا واشتدت شكيمته على العجم، ووقف لهم وقفة الليث في عرينه، وكان زحفهم على صحار حال وصولهم خورفكان، واغتنموا فرصة غياب أحمد بن سعيد عنها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 1149.
وشاع خبر وصولهم في عمان، فاستوحش الناس منهم وحشة لا مزيد عليها، لما عرفوه منهم في المرة الأولى، وما فعلوه في عمان في عهد غير بعيد، وهذه أفعال سيف بن سلطان المريرة التي تريد الرجل بغضا في قلوب الأ÷الي، واشمئزوا منه، ومن بقية اليعاربة الذين يمتون إليه بصلة ليمحي الشرف اليعربي، ويهوي إلى الحضيض الأسفل، وكان العجم وهم على ما يقول ابن رزيق، ستون ألفا انقسموا قسمين، قسم تجرد لحرب صحار، وقسم توجه بمعية سيف بن سلطان إلى عمان عن طريق البريمي، فكتب إليه بعض أهل العلم ينصحه عن هذه الأفعال، ويؤنبه فيها ويبين له أحوال القوم، ولم يذكر هذا الناصح باسمه خوفا من سيف بن سلطان وأعوانه.
ومن جملة ما قاله: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) 6، (4/122)
صفحة 948
وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له من الله، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) 7، هذه مصيبة علينا وعليكم ما أعظمها، ورزية ما أشأمها، فغن ظفروا طغوا وليسومونكم سوء العذاب، يذبحون أبناءكم ويستحون نساءكم، وفي المثل: إذا أتاك امرؤ أوغرت صدره فلا تأمنن مكره وكيده وغدره، يشير بذلك إلى ما سبق من آبائه الأئمة الكرام حال اصطلامهم لفارس وتوابعها، قال: أأنت نائم أم يقظان؟ أم استولى على قلبك الشيطان؟ أم لك حجة على المسلمين؟ أم سلطان أتى لك أن تتولى قوما غضب الله عليهم، وتبعث كتبك ورسلك قاصدة إليهم، وتدعوهم إلى حضرتك، وترجوهم لنصرتك؟ إنها لأكبر العبر لمن اعتبر، أجهلت أم علمت ... فغفلت ما حل منهم في جزيرة البحرين من قتل رجالهم، وأخذ سفنهم قسرا، وما صنع بكبيرهم مهراب سلطان، ومن معه من عجم وزعاب، وجرثومتهم محمد ابن عبدالله البحراني ... إلى أن قال: والله لو كانت القلوب لها أبواب، وفتحت لوجدتم نيران العداوة تتقد، ولظاها يخرج من خياشيمهم إلخ ما قال، ولكن النصح يؤثر ويقبل إذا كان في النفس إيمان، أما إذا كانت منهارة لا تعول إلا على هواها، فليس للنصح مجال:
إنما ... تنجع ... المقالة ... في ... المرء ... إذا
صادفت ... هوى ... في ... الفؤاد
ولكن نفس سيف بن سلطان زاغت عن الحق واستمرأت السوء. (4/123)
صفحة 949
العجم وحصارها لحصن صحار
رأى العجم أن أحمد بن سعيد هو الخط الذي يجب أن يمحى من صحيفة عمان، فإنه البطل الذي لخطته جمرة حمراء، وحية عسراء، وقد رغب إليها سيف بن سلطان أن تكون صحار لها إذا نصرته لإثبات إمامته التي يحملها بلاء عمان، وقد شدد العجم الحصار لصحار، وضربوا حصنها بالمدفعية التي معهم، حتى كاد أن يتهدم من شدة ضربهم إياه، وكانت مدفعيتهم ثقيلة جدا بالنسبة إلى عهدهم، ولما رأوا صموده لهم ووقوفه في أجوههم كالطود، أقاموا لهم بنيانا محاصرا للحصن، وليكون ملجأ لهم ومعتصما، ومن لأحمد بن سعيد ينصره في أزمته، وعمان الداخلية تتلاقى عليها موجات من سلطان بن مرشد، وبلعرب ين حمير الذي خلع إرضاء لسيف بن سلطان، وأن سيفا المذكور عدو أحمد ابن سعيد، لاسيما أن العجم الذين جاءوا لمناصرته كانوا موعودين بصحار لهم طعمة على مناصرتهم، وهم لا يزالون عاشقيها من العهد الأول.
قال ابن رزيق: كان عدد المحيطين بصحار ستين ألفا.
قلت: الصحيح عشرون ألفا، والباقون توجهوا لعمان الداخلية مع سيفهم ليعيدوا له الملك.
قال: وعدد سفنهم خمسمائة سفينة، قال: ومضت سرية منهم إلى وادي المعاول غزاة، فبلغوا دون مسلمات، فهزمهم المعاول، قال: ومضت منهم سرية إلى قريات فقتلوا منها خلقا كثيرا، وأسروا نساء وصبيانا، فبعثوا بهم إلى شيراز. (4/124)
صفحة 950
قال: ومضت منهم سرية إلى مسقط، وفيها سيف بن مهنا اليعربي والي الإمام سلطان بن مرشد، فتلقاهم في سيح الحرمل الذي هو الآن مطرح الكبرى، فدارت رحى الحرب بينهم حتى انكشفت عن ملحمة عظيمة انهزمت فيها العجم إلى روي، ثم كروا في اليوم الثاني فقاتلهم سيف بن مهنا بمن بقى معه من العرب، فقتل المذكور، وقتل معه من اليعاربة ثلاثون رجلا، ومن سائر قومه خلق كثير، وقيل إن جملة قتلى العرب ثمانون رجلا، ثلاثون من اليعاربة والباقون من بقية عسكره، واحتل العجم المطرح ومسقط، ثم زحفوا على الحصنين الجلالي والميراني، وقام الصراع على أشده، فانهزموا ولكنهم بقوا مسيطرين علة البلاد، والكوتان محصورتان، حتى وصل إليهم ربعهم المحيطون بصحار، فإنهم لم يزعزعوا من صخرة أحمد بن سعيد شيئا أبدا، وعند ذلك تركوه وتوجهوا لمسقط عندما بلغهم أنهم فتحوها، ولما وصل هؤلاء أعادوا الكرة على الكوتين مرة أخرى، فاحتلوها وهلك أكثر من فيهما وعند ذلك تمكنوا من البلاد وعسكروا فيها، ومن جملة الذين باعهم العجم أبناء جد حميد المؤرخ. (4/125)
صفحة 951
الإمام سلطان بن مرشد يتوجه لحرب العجم الذين بصحار
لما تحقق سلطان بن مرشد حصار العجم، جمع جيشا توجه به لمناجزة العجم في صحار، لأن أحمد بن سعيد صار ضد سيف ابن سلطان، وأن سيفا المذكور عدو الطرفين، وأن العجم أعداء الكل، خرج الإمام المذكور بجيشه مناصرة لصحار ولأميرها أحمد بنن سعيد، الذي لم يتزعزع عن مركزه ولم يخضع لجيش العجم، إذ كان على استعداد كامل، ولما وصل الإمام الخابورة بلغه أن العجم بعثوا سرية منهم إلى القصير القريب منها، وأن أهل البلد خرجوا لهم بعدما رأوهم مشتغلين بالنهب، فإنهم تمكنوا من البلد، وقاموا ينهبون مل يلاقون، فحينئذ كر عليهم أهل البلد، فوضعوا السيف فيهم، فكشفوهم وقتلوا الأكثر منهم، ولم يرجع إلى صحار منهم إلا القليل.
قال: وأمر أميرهم الخان الخائن بالغارة على صحم وما حواليها، ومنها القصير أيضا، فصادفوا الإمام سلطان بن مرشد، فاقتتلوا هم وإياهم، وسقط في المعركة من فرسانهم الكثير، ثم توجه الإمام بمن معه إلى العجم الذين بصحار، وعندما وصلوا وجدوا العجم قد تهيأوا لهم في أكمل أهبة، فقام القتال على أشد ما يعرف، وكان جيش الإمام الذي وصل به صحار باالنسبة إلى جموع العجم الذين بها، ومن لف معهم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وتعاطى الفريقان كؤوس الحمام، فسقط من أمراء العجم كلب على، وقتل من رجالهم المشاهير كثير، وقتل من العرب رهط الإمام مهنا بن سلطان، وثلاثون رجلا من اليعاربة وأصابت الإمام أيضا جراحات من العجم، لأنه باشر الحرب (4/126)
صفحة 952
بنفسه لقلة الجيش، فتناولته سيوفهم ورماحهم ولكنه استطاع البقاء عليها حتى دخل حصن صحار الذي جاء لمناصرته عند أحمد بن سعيد، فبقى في الحصن يوما واحدا، وقيل عاش ثلاثة أيام فقضى الله عليه رحمه الله وغفر له وللمسلمين المجاهدين معه.
وكان سيف بن سلطان في هذه الآونة في حصن الحزم، والعجم تفعل أفاعيلها في عمان وأهل عمان، فاسترسل بطن سيف بن سلطان، ولم يلبث إلا أياما يسيرة فمات وانتهى أمر الرجلين، والحرب قائمة بين أحمد بن سعيد والعجم عل ساقها، ولم يروه في يومهم إلا وهو أشد من أمسهم، وعند ذلك رأوا أنهم لا يقدرون عليه، فوهنت عزائمهم وضعفت نفوسهم، ورأوا أحمد بن سعيد كل يوم يشتد ساعده وتقوى همته، فطلبوا مسالمته وحالوا النجاة منه، وفضلوا الارتحال عنه، فصالح قائدهم أحمد بن سعيد على الارتحال بما معهم، وقنعوا من الغنيمة منه بالخروج عنه والإياب، فأجابهم إلى ذلك، وقد استدعى أميرهم ومعه عشرة رجال من أعيانهم، فأدخلوا الحصن وأكرمهم، وقدم لهم الطعام، فلما أكلوا وشربوا واطمأنوا، طلب أميرهم من أحمد بن سعيد أن يوسع لأصحابهم الذين بمسقط أن يخرجوا بما معهم، كما وسع لهؤلاء، فأذن لهم أحمد بن سعيد أن يحملوا ما معهم من آلة حرب وغيرها من أسبابهم التي في أيديهم، وطلبوا منه أن يحملهم إلى بندر عباس فقال عن شاء الله.
كلمة شرطية لا يعرف جراء شرطها ما هو، وعند ذلك خرجوا عنه، ولم يمكثوا في البلاد أكثر من ثلاثة أيام، وقيل يومين فقط، ثم ركبوا سفنهم ومضوا إلى بندر عباس. (4/127)
صفحة 953
أحمد بن سعيد يزحف إلى بركا ليتولاها
لما ارتحل العجم من صحار، وصرف الله شرهم، وغرب نجم بعيهم، فلا يعود طالعا إن شاء الله، خرج أحمد بن سعيد وعلى هامته تاج شرف يلمع في وجوه الأعداء، وعليه وقار المجد، وقد تدرع هيبة ألفتت الأنظار إليه، ورفعت معنويته فوق ما كان عليه، وانتخب من رجاله ألفي رجل خرج بهم إلى بركا، وكان حصنها بيد المعاول فسلموه له، ولعل تعارفا تقدم بينهم وإياه، فتولى الحصن المذكور، وولى علي خلفان بن محمد السعيدي المعروف بالمحل، ورجع هو إلى صحار منتظرا للأمور كيف يكون وضعها، وهل للعجم عودة فإن صحار أصبحت حديث السمر عند القوم. (4/128)
صفحة 954
أحمد بن سعيد يستعمل بركا ميناء لعمان بدل مسقط
رأى أحمد بن سعيد أن العجم الذين في مسقط قذى في عينه، لكن زوال ذلك القذى غير هين في الحال، ومن سياسته أن سيتحين الفرص، فإذا آن أوانها لم يضيعها، ورأى الرأي أن يتركهم ومسقط الآن حتى تدق ساعة زوالهم منها، ورأى مما يذلهم استعمار بركا كعاصمة وميناء لتجارة عمان، فإذا قامت سوقها لم يأت مسقط أحد. وبذلك يظلم أفقها في وجه العجم، وتنهار حياتها، وبانهيارها يصبح العجم في لا شيء طبعا، فأقام في بركا كل حاجيات عمان وضرورياتها، وأن لو تحرك العجم إليها لكانوا في أوهن من بيت العنكبوت، فإنهم في مسقط في حصن منيع لإحاطة الجبال الشاهقة بها، ولاسيما إذا سقط العدو المهاجم في بطنها بقي الحصنان في منعة، أما بركا فلا لأن الحصن في يد العرب، وهي أرض ساحلية مكشوفة.
وكأنه لم يحب أن يتحرش بالعجم، ولم يبتدئهم بحرب، فانحاز الناس على بركا للبيع والشراء، وللأخذ والعطا، وسارت إليها السفن من البحر، وناقلات الأمتعة من عمان إبلا وحميرا وغيرها.
ففي التاريخ: وأقيمت الموازين في بركا لوزن الأمتعة التي تجلب من الهند ومن عمان، كما كانت تجلب إلى مسقط أيام سيف بن سلطان، وكان الوالي خلفان بن محمد بن السعيدي المعروف بالمحل، هو العامل من طرف أحمد بن سعيد، قال: فاستقامت في بركا سوق راج فيها ما كان يروج في غيرها، وقصدها الناس لحوائجهم من شتى الجهات، (4/129)
صفحة 955
وانتقل إليها التجار من عمان، قال: وانتهى إليها وفود عمان والظاهرة للبيع والشراء، وحمل ما يحتاجون إليه منها، وبذلك انقطعت المادة عن مسقط، وسقط في أيدي القابضين لها، وضاق ذرعهم فيها، وضجروا بمقامهم وانقطاع المواد عنهم، فإن مسقط كما يعلم حالها، وإذ غير ذي زرع تحيط بها الجبال الجرداء، وهيهات أن يأتيها العمانيون في حالها ذلك، وزاد في ضعف العجم ارتحال أصحابهم من صحار.
ثم زاد خوفهم أيضا لما بلغ موت سيف بن سلطان، الذي جاءوا على اسمه، فعند ذلك بعثوا رسولا إلى الحزم يطلبون أقرب رجل إلى سيف بن سلطان يصل إليهم بمسقط، فلما بلغ أهل الحزم رسول العجم، أرسلوا إليهم رجلا اسمه ماجد بن سلطان، فلما وصل إليهم طلبوا منه أن يسر إلى شيراز بكتاب منهم، أن يسلموا إليه البلاد، ووافقهم فكتبوا له كتابا إلى الشاه يخبرونه فيه بموت سيف ابن سلطان، وأن الواصل بكتابهم هو أقرب الناس إلى سيف بن سلطان رحما، وأتنهم بقوا في مسقط ومطرح أضيق حال، وقد انقطعت العرب عن مسقط، وانحصرت المادة ولا شيء في مسقط مما يعتاشون به، وقالوا لماجد: أظهر الطاعة للشاه، أي تلطف له وجدد بينك وإياه عهدا، فإنه إن كتب إلينا بتخليص ما بأيدينا من معاقل مسقط ومطرح إليك نخلصها لك، فأجابهم ماجد إلى ذلك، وخرج إلى شيراز عن طريق بندر عباس.
فلما واجه الشاه وأعطاه الكتاب الذي زوده إياه العجم من مسقط، وقرأه وفهم ما فيه أقامه في دار الضيافة ثلاثة أيام، ثم كتب له كتابا إلى أصحابه الذين بمسقط يأمرهم فيه أن يسلموا ما بأيديهم من معاقل (4/130)
صفحة 956
مسقط ومطرح، ورجع ماجد على الطريق الأولى، ومن بندر عباس ركب سفينته التي جاء فيها فضربها الريح، وثار عليها طوفان البحر وهي سفينة صغيرة لا تقدر على مصارعة أمواج البحر، فقذفتها الأمواج إلى صحار، فمضى على أحمد بن سعيد في حصن صحار، وأخبره بما جاء به من عند الشاه، وأنه أمره تسليم المعاقل إليه، فأخذ أحمد بن سعيد الكتاب منه، وأرسل به أحد جماعته وهو خميس بن سالم البوسعيدي، وأمره بقبض المعاقل المشار إليها، وأن يظهر لهم أنه رسول ماجد وأنهم اتفقوا هم وماجد المذكور على حال صلح لا فرق بينهم، وأن ماجد مقيم عند أحمد بن سعيد، فسار خميس بن سالم، ومعه أربعمائة رجل من رجال أحمد بن سعيد.
فلما وصل إليهم وعرض عليهم كتاب الشاه، ظنوا أنه من جماعة ماجد بن سلطان، وقد بثه ماجد غليهم فسلموا له المعاقل كلها، فترك فيها خميس بن سالم أصحاب أحمد بن سعيد الذين جاء بهم من صحار، قال: وكتب خميس بن سالم إلى أحمد بن سعيد بقبض معاقل مسقط ومطرح من العجم. وأشار إلى قضية ماجد أمير البيان، حيث قال: إن أحمد بن سعيد هذا لم يكتف بتخليص صحار حتى استولى على بركا، فحاصر مسقط، فأرسل الإيرانيون ماجد بن سلطان من أبناء عم سيف ابن سلطان على الشاه يلتمسون منه الأمر اللازم إلى الحامية الفارسية بتسليم الحصون إليه، فوقع الأمر باتفاق غريب في يد أحمد بن سعيد، فابلغه إلى الحامية وخرج هؤلاء على أنهم سلموا الأمر والحصون إلى أحمد بن سعيد باسم ماجد بن سلطان، والحقيقة أن أحمد تسلمها بالخديعة. (4/131)
صفحة 957
وقيل: إن أحمد بن سعيد لما رأى سفينة ماجد جاءت على غير قانون سير السفن، استنكرها فأرسل جنده لها، وإذا فيها ماجد بن سلطان ومعه كتاب الشاه، فقبض عليه ثم سجنه، وتولى منه الكتاب وأرسل به إلى العجم، هذا الذي شاع، وهذا كله من حظوظ أحمد ابن سعيد، حيث انساق إليه الإمام سلطان بن مرشد، فمات في حصن صحار عند أحمد بن سعيد، ثم جاء الآن ماجد بن سلطان حاملا استلام مسقط، فاستلمها أحمد البطل الذي قام ليلتقط شذاذ الملك العماني عند تبعثره.
وبعد ذلك صنع أحمد بن سعيد وليمة عظيمة للإيرانيين في بركا، كانت نهايتها أن الأهالي هجموا عليهم وذبحوهم، ونجا فلهم بالسفن قاصدين ساحل إيران. قال: ولما كان ملاحة السفن هم العرب، فإنهم أخرقوا السفن لإهلاك الإيرانيين الذين كانوا منهزمين بها إلى بلادهم، وقذفوهم أنفسهم في اليم ونجوا بسباحة على الشاطئ، قال: ومهارة العمانيين في السباحة واقتحام البحر معلومة، وهكذا انتهت غزاة الفرس ببلاد عمان.
وفي التاريخ العماني: أن أحمد بن سعيد استدعى العجم بصحبة خلفان بن محمد المحل على بركا، وبعث غليه ألفي رجل من رجاله الذين يعتمد عليهم من رعايا صحار، فإنهم أصبحوا أنصاره الخاصين، وكذلك أهل بركا وطبعا أن والي المنطقة يكون في أهلها طاعة وانقياد لاسيما إذا كان محسنا إليهم يصير محبوبا فيهم مطاعا لدبهم، وهؤلاء الرجال أرسلهم أحمد بن سعيد إلى خميس بن سالم والي مسقط في هذه الآونة ليتركهم على مقابضها وحصونها عندما يخرج بالعجم إلى بركا كما أمر أحمد بن سعيد، ففعل خميس ما أمره به سيده أحمد بن سعيد، ولما (4/132)
صفحة 958
وصل بركا ومعه العجم المشار إليهم ضربوا خيامهم بالقرحة لتحل عليهم قرحة الدمار، وإذ ذاك بعث إليهم أحمد بن سعيد الضيافة ولخيلهم بالطعام.
قال ابن رزيق: أخبرني أبي محمد بن رزيق عن أبيه جد حميد وهو رزيق بن بخيت بن سعيد بن غسان، والشيخ معروف بن سالم الصائغ، والشيخ خاطر بن حميد البداعي، والشيخ محسن القصاب العجمي، وقد دخل كلام بعضهم في بعض. (4/133)
صفحة 959
أحمد بن سعيد يأخذ ثأر العمانيين من العجم
قالوا لما رجع العجم من مسقط إلى بركا في صحبة خميس بن سالم السعيدي، وفيها يومئذ أحمد بن سعيد، أي في بركا ضربوا مخيمهم في القرحة، وكان أحمد بن سعيد أعلن لأهل بركا بإكرام العجم المذكورين إكراما عاما، وأن يتظاهروا بالرعاية التامة.
قال: فما يمر أحد على حلة من حلل بركا إلا ورأى فيها قدورا تفور بالطعام ضيافة للعجم من أحمد بن سعيد، ولا يمر أحد بحلاو- والمراد به صانع الحلوى المعروفة في عمان_ في سوق بركا، إلا وهو يصنع الحلوى بأمر أحمد بن سعيد للعجم، ولا يمر أحد بزراع إلا ورآه يجز زرعه لخيل العجم.
قال: وما بات لأحد درهم أو فلس على أحمد بن سعيد، فضلا عن دينار. قالوا: وكلام الناس على حدة يقولون: إن العجم لا يستحقون هذا الإكرام، وإنما يستحقون أن تضرب أعناقهم بالسيف، قالوا: وبعد ما خيم العجم ببركا لثلاثة أيام، خرجت موائد كثيرة للعجم في صواني رحبة، وهي الجفان التي يوضع فيها طعام الأضياف غالبا. قالوا: ودخل أكابرهم الحصن مع رسول أحمد بن سعيد، أي خميس ابن سالم، قالوا: وعدد الداخلين خمسون رجلا وهو أعيانهم، قالوا: فما كان بعد دخولهم الحصن إلا ساعة من النهار، حتى ضرب طبل في الحصن، ومعه منادي ألا من له وتر في العجم فليأخذه منهم.
قال: فما استتم كلامه إلا والصائح يصيح من كل مكان، فخرج (4/134)
صفحة 960
عليهم الصغير خلف الكبير، من أهل بركا، ومن انضاف إليهم من سائر البلدان، فوضعوا فيهم السيف، ففشا فيهم القتل، وقام لهم كل أحد من جانبه، فما بقى إلا قدر مائتي رجل يصيحون الأمان الأمان يا أحمد ابن سعيد، فلما بلغ أحمد كلامهم، وارتفع إليه ضجيجهم نادى المنادي من الحصن ارفعوا عنهم السيف، فرفع عنهم وبقوا رهن الذل والصغار جزاء أعمالهم التي أوقعوها في العمانيين، وحصارهم لأحمد ابن سعيد، وضربهم إياه بالمدافع، ولو تمكنوا منه لقتلوه.
وقالوا: وأما أكابرهم الذين دخلوا الحصن فقد ضحى بهم الحصن في ضحوتهم تلك، وتركهم جزر السباع، فذاقوا وبال أمرهم، وغسل بهم أحمد بن سعيد عار العمانيين، وأخذ بهم الثأر، فإن ذلك الإكرام الذي تظاهر لهم به أحمد بن سعيد، أراد به تسكين نفوسهم وفك حزمهم، وتفكك جمعهم، فلما رأى العجم ذلك منه تناسوا ما فعلوه فيه وفي قومه، واطمأنوا إلى الهدوء الذي رأوه، وما دروا أن الدم العماني غال عند أهله، وأن أحمد بن سعيد هو الذي يغار عليه عندما أضاعه سيف بن سلطان، وكان من سياسته التي امتاز بها في هذه البادرة أنه لم يكن منه لهم عهد ولا ميثاق في اطمئنانهم، فيقال إنه غدر بهم أبدا، بل كان متلفتا ومتحرزا مما يسجل عليه وصمة في هذه الحادثة، ولا طلب من أولئك الخمسين الذين دخلوا عليه، لكنه كان متوقعا ذلك منهم حين اطمأنوا بين ربوع بركا، ونسوا فعلهم، ولم يهتموا بشيء من أمر العمانيين.
ولا شك أن الحرب خدعة، ثم إن اللائذين به، الصارخين له، (4/135)
صفحة 961
لما أر برفع السيف عنهم، طلبوا منه التسيار فسيرهم في سفن أهل بركا إلى بندر عباس، وفي الطرق التي جاءوا منها، وخرج العمانيون، فلما لججوا بهم خرقوا السفن، وتقاحموا عنها سبحا في البحر، فغرقوا جميعا، وبذلك نال أحمد بن سعيد من العمانيين المكانة العالية، وعظم شأنه فيهم، وجل سلطانه وطار له صيت ملأ الآفاق وتتوج هيبة الملوك على الإطلاق. (4/136)
صفحة 962
أحمد بن سعيد يعيد خميس بن سالم لمسقط
لا يخفى أن أهل مسقط لما جاء العجم هربوا منها بذراريهم خوفا منهم، ولم يبق إلا أعمى أو ضعيف لا يريد ولا يراد، وتفرقوا في الباطنة جماعات وأفراد، وبعضهم في حطاط، ولما قر قرار الأمن بمحو رسم العجم، أرسل أحمد بن سعيد خميس بن سالم عائدا لمسقط ليصلح من شأنها، وأمر أن يصحبه كل من كان يسكن مسقط والمطرح.
فلما وصل خميس ومن معه لم يعرفوا حدود بيوت الأهالي الخارجة من السور، إذ خربتها خيل العجم إذ كانت غالبا مبنية بالسعف والجريد، فأكلتها خيل العجم ولم تبق منها باقية، وعاثت فيها إذ كانت مطلقة لا تربط حيث يحيط بها سور من الجبال المنيعة، وإذا بأرواثها ملء الأماكن، وقامت الفتنة بين الأهالي وأشهر والسلاح على بعضهم في وجه خميس بن سالم، ووقع القتل ولم يقدر خميس على منعهم حتى انكشفت الفتنة عن ستين قتيلا.
وبعد الشقاق واضطراب الأمر، سكن خميس نارهم بالتعب والنصب، وقسم خميس المنازل والأمكنة التي لم تعرف بينهم على التحري، وبارى بينهم في الدماء التي سفكت، وقاموا بعمرانها من جديد، وخططوها على أهلها. وكان خميس بن سالم هو الوالي، وتراجع الناس إليها، وقامت سوقها هي والمطرح، لأن المطرح وليدتها في الحرب والسلم، أمرهما واحد وعاد العمانيون إليهما. (4/137)
صفحة 963
أحمد بن سعيد يزحف إلى الداخلية
لما أطمأن أحمد بن سعيد من العجم في الحال، زحف بجيش كثيف إلى الداخلية ليضعها في يده كما وضع مسقط العاصمة، وليجمع شمل الكل في إطار عزيمته، خرج إلى الرستاق فسلمت له، وكيف لا تسلم له وقد عرفته العبقري الكريم، ثم مضى على سمائل، وأذعنت له تماما غير ناظرة في شيء ما.
ثم ارتفع على إزكي فألقت إليه مقاليدها راغبة، فقبضها بغير نزاع، وإنه للكفؤ الكريم، ثم مضى إلى نزوى فصافحته بأكفها مصافحة الود والرضا، ثم توجه لبهلى وهي منتهى القصد، وقد تأهبت للقياه بإخلاص وصفا، لم يجد من هذه البلاد كلها إلا الرضا به سيدا كريما، وهماما عظيما، وعليه علم العدل يرف، ويد الإحسان مبسوطة البنان، والسيف والسنان جمال الميدان، وكان سليمان بن محمد بن عدي اليعربي واليا بسمد الشأن، فأتاه يحمل الخضوع والإذعان.
وكان قد ولاه إياها الإمام سلطان بن مرشد، فقبضها أحمد بن سعيد، وولى سليمان المذكور حصن نخل، وتعاهد أحمد بن سعيد، وسليمان بن محمد ألا يخون أحدهما صاحبه، وتولى أحمد بن سعيد ملك عمان بغير معارض أو منازع، وأصبح هو الحاكم المطلق في عمان كلها.
قال ابن رزيق: فهذا سبب انتقال الدولة من اليعاربة إلى أحمد بن سعيد البوسعيدي0 (4/138)
صفحة 964
أحمد بن سعيد وبلعرب بن حمير
في التاريخ العماني أن بلعرب بويع بالإمامة مرة أخرى، فإنه انخلع منها أولا على يد مشايخ بني غافر إرضاء لسيف بن سلطان، ورجاء لكفاف شره.
قال الإمام السالمي رحمه الله، وهو أولى بالنقل عنه في مثل هذه النوازل قال: إن سياق التاريخ يقتضي أن بويع له مرتين، مرة قبل سلطان بن مرشد رحمه الله، وذلك في سنة 1145، ثم استعفى من هذه الإمامة وترك الأمر لسيف بن سلطان، حين خافوا العجم على عمان، بافتراق سيف وبلعرب.
قال: والمرة الثانية بعد ذلك، لكنه لم يعرف تاريخها أب لم يجد لها تاريخا، وهو الذي حكم بتفريق أموال سيف بن سلطان، ومعه الشيخ حبيب بن سالم أمبو سعيدي العقري النزوى ومن معه من المشايخ، وهذا الشيخ اضطراب حاله مع إمامه المذكور وقيده، ومن هنالك تكدر الصفو بين الإمام والشيخ، وعاد الشيخ يعد على الإمام أحداثا، ورأى خلعه بها إلا أنه لم ينخلع هذا الشيخ، بل انخلع أحمد ابن سعيد في وقعة فرق، وذلك بدل أنه عاد إلى نزوى وأعلن إمامته، وقام بدوره في عهده، فخرج عليه أحمد بن سعيد برؤوس القبائل من عمان، واحتج عليه في نقاش طال بينهما في بلد فرق، فإنه خرج ليتلقى أحمد بن سعيد بمن معه، فاقتتلوا في فرق وقتل بلعرب وأكثرية جيشه.
وكان النصر حليف أحمد بن سعيد، وهناك نصائح أوردوها وأحداث (4/139)
صفحة 965
عددوها، وأقوال دونوها، وآثار عولوا على مقتضاها، والحقيقة كل إنسان له جانب مدح لمحبيه، وجانب قدح لمنافسيه، ذلك لأن الكمال لله وحده، وكان جانب القادحين فيه قويا، والأخذين عليه لهم مقال محفوظ.
قلت: والمفهوم من سياق التاريخ، أن بلعرب عاد إلى إمامته بالقعد الأول فقط، ولذلك لم يجد الإمام السالمي رحمه الله، تاريخا لإمامته الثانية، فإنه لما مات سلطان بن مرشد بصحار، ومات بعده سيف بن سلطان بالحزم، لم يبق منافس لبلعرب هذا، فجاء بإمامته إلى نزوى.
وكان أحمد بن سعيد قد تولى البلاد، والتفت حوله أكثر أهل عمان ساحلا وداخلا، وأصبح هو صاحب الحل العقد، وظهرت قدرته الساحقة للعجم، ولم يرد العمانيون قائدا لهم غيره لاسيما في تلك الآونة الحرجة التي لها أثرها الرائع.
قال الإمام: وكان قتله بعد خلعه بسنيات.
قلت: تلك السنيات هي التي مشى فيها سيف بن سلطان مع العجم الأخيرين، حتى انتهى أمرهم على يد أحمد بن سعيد العبقري اليقظ الذي تصدى لسحق تلك القوة العجمية المتغلغلة في مسقط.
قال: وخرج عليه أحمد بن سعيد البوسعيدي، وذلك بعد أن استولى على حصون الباطنة وما حولها، وخرج إلى نزوى وهذا الكلام يوهم أن ذلك في حال خروج أحمد بن سعيد إلى الداخلية، وليس كذلك، بل ثبت أنه تولى الحصون أحمد بن سعيد بغير حرب وخرج عنها، وهي في يده، ثم جاء بلعرب إلى نزوى، وأعلن إمامته فخرج له أحمد بن سعيد. (4/140)
صفحة 966
قال: وذكر بعضهم أن أحمد بن سعيد التقى ببلعرب بن حمير، وقال له: أنت إمام فوق إمام كيف هذا؟ أي كيف صح إمامان في حوزة واحدة، ليس هذا من دين المسلمين؟ فاحتج بلعرب على أحمد بن سعيد بأن سيف بن سلطان غير السيرة، وخالف الجماعة، وسد باب الطاعة، واختار المسلمون إماما غيره، فلذلك عزلوه، ثم اختاروني وعقدوا لي بالإمامة، قال: فقاتله أحمد بن سعيد برؤوس القبائل، فقتل بلعرب بفرق وخلصت نزوى لأحمد بن سعيد، وذلك في سنة 1167.
وفي هذا الكلام ما فيه من اعتياض، لأنهم ذكروا دخول أحمد بن سعيد عمان الداخلية بعد انتهاء أمر العجم في بركا، وأنه لم يعارضه أحد من أهل عمان، حتى انتهى إلى بهلى، ثم جاء الرستاق عن طريق الجبل، وبذلك انتهى أمر اليعاربة، وتقلص ظلهم، واقبل أمر عمان ينساق إلى أحمد بن سعيد كما عرفته متتابعا ولله الأمر كله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
إن أحمد بن سعيد ممن له في عمان غيرة كبيرة، ولها بها اهتمام عظيم عرفه التاريخ، وله صمود وصبر على الحوادث إذا نزلت، ومن اعتبر في أعماله ومساعيه عرف منه بطلا عبقريا لا يقعقع خلفه بالشنآن، ولا شك أن الرجال بعزائمها، فإنه لما كانت عزائم بني عباس نابعة من العنصر الصحيح، كانت مفخرة عربية يعتز بها العرب، حتى إذا جاء الخلف الأخير على منهاج الخلاعة خرت المملكة على وجهها وتبعثر بناؤها، وتلاعب بها أعداؤها انظر بين المعتصم والمستعصم ترى عجبا. (4/141)
صفحة 967
أحمد بن سعيد في طالعه السعيد
كان أحمد بن سعيد من أهالي أدم، وكان الشيخ خلف بن سنان الغافري معروفا بأسرار إلهية، زار أدم ولقي أحمد بن سعيد، وتفرس فيه النجابة التي تؤهله لأن يكون ملك البلاد وسلطانها، وكان من عنصر زعامة معروفة بعمان، وكان يقال إن الشيخ خلف من أهل الكشف وهم الذين منحهم الله علما عما يحدث في الكون.
فلما رأى أحمد بن سعيد وكان غلاما صغيرا، وأحسب أنه أيضا كان يتيما، تلقاه الشيخ بوقار، ومسح على رأسه قائلا له: اتق الله في الرعية معربا عنه أنه سيملك أمر عمان، ونشأ وشب وشاع لع ذكر في الوسط من الناس، حتى اتصل بسيف بن سلطان اليعربي، واستعمله سيف بن سلطان المذكور، فوجد منه كفاءة لم يجدها من غيره حتى جعله محل ثقته، وسيف دولته، وألقى إليه أهم أموره، وكانت صحار ولا تزال هدف الغزاة، ولبعدها عن العرش العماني نزوى.
وكان والي صحار يعتبر بمنزلة حاكم مستقل له حله وعقده في الطرف الشمالي من عمان إلى الحسا وما إليها، ولكفاءة أحمد بن سعيد وللأحوال التي تناط بصحار ولاه إياها فأدار شئونها إدارة رفعت قدرها وأعلت منارها، وأصبح علمها منظورا إليه بأعين الإكبار كما قال الإمام، وجد سيف بن سلطان من أحمد بن سعيد كفاءة لم يجدها من غيره، فجعله سيف دولته، وموضع شوكته وصولته، فوض إليه الأمور كلها. (4/142)
صفحة 968
قلت: ومن هناك جد الرجل حتى لحظته العيون بالوقار، وعلا صيته وهو الذي هيأه الله أن يكون خليفة المستقبل في عمان، وعمان إذ ذاك في أرفع مكانة في الجزيرة، كما أنها كذلك من عهدها الجاهلي.
قال الإمام: إن أحمد بن سعيد هو أول هذه الدولة البوسعيدية، بل هو رافع بناءها وواضع حجر أساسها، وهو أبو ملوك العصر، وأشار إلى ما قلناه في التاريخ العماني، وذكروا في استيلائه على ملك عمان وجهين:
الأول: أن سيف بن سلطان أرسله ليخلص له حصون عمان، ويقاوم بلعرب بن حمير الذي هو ضد سيف المذكور، وخرج بجمع كبير من زعماء القبائل حتى انتهى إلى نزوى وفيها بلعرب. فقال له أحمد ابن سعيد: أنت إمام فوق إمام، كيف هذا؟ أي هذا لا يصح، وساق القضية التي ذكرناها، وأن أحمد بن سعيد قاتله حتى قتل في فرق، وإذ ذاك عقدوا الإمامة لأحمد بن سعيد حين رأوه أهلا لها، والصحيح عند أهل التاريخ هو ما قدمناه، وكان أحمد بن سعيد واليا بصحار، واليعاربة تتهارش في عمان، فسيف بن سلطان يقول أنا الإمام، ومعه جانب من أهل عمان، وسلطان بن مرشد يقول أنا الإمام الصحيح للإمامة، وبلعرب بن حمير يقول أن الإمام وهكذا.
وكان أحمد بن سعيد من حزب الإمام سلطان بن مرشد عندما رأى أحوال سيف بن سلطان تجري في غير طريقها، حتى وقع من سيف بن سلطان ما وقع من انقلابه على أحمد بن سعيد، وهمه بقتله، (4/143)
صفحة 969
وأن أحمد بن سعيد اتحد مع سلطان بن مرشد حين رآه على الصراط المستقيم، وهذه من محامد أحمد بن سعيد، ولذلك لما أحاط العجم بصحار، وحصروا أحمد بن سعيد فيها خرج سلطان بن مرشد لناصرة أحمد بن سعيد، واعترضه العجم في الطريق، فاقتتلوا هم وإياه، وجرح الإمام المذكور ولجأ إلى أحمد بن سعيد، ثم مات معه في حصن صحار، إذ أصابته جراحات من سيوف العجم، وأن أحمد ابن سعيد لما أصبح العلم المفرد بعد سيف بن سلطان، وبعد سلطان ابن مرشد، سلطه الله على العجم فمحا رسمهم من عمان، ثم خرج إلى الداخلية ليتولى ما بقى من ملك عمان كما قدمنا، حتى صفا له الأفق، وذرت رياح عزيمته غبار أعدائه في عمان، ونظرت عزيمته إلى منافسيه نظرة الحجر اليقظ، وكان على أوفى المرام في إرساء دعائم الملك، ولا يزال ينظر إلى الأعداء بأعين الحزم، ويحسب لها حساب من لا يطمئن بالدهر إذا سكن، فإنه سرعان ما تنقلب أحواله، ويتغير عن مجراه الطبيعي، وإذا نام الراعي تعاوت الذئاب على الغنم، وعث الوحش في المراعي، وصعب الأمر على القائد والسائق، إلا إذا ساعد الحظ.
وأحمد بن سعيد من الرجال الأفذاذ في عمان، ومن الملوك الأجلاء الذين هم الشهب اللامعة، وإنه العبقري العظيم في عهده، ولو لم يكن له من العمل في عمان إلا سحق العدو الفارسي الذي كان منه بعمان ما تذوب له الأكباد، وينصهر له وعي العقل ونور الفؤاد، ومن كأحمد (4/144)
صفحة 970
ابن سعيد صارع العدو عن الوطن، وكافح الشر حتى سكن، ودافع عن البيضة بصدر رحب، وجد واجتهد حتى جلا السوء عن وجه عمان، وأطار في ربوعها طائر اليمن، فله بذلك الحمد الخالد والشكر الذي لا ينمحي من سجل التاريخ فلله دره من همام والرجال بالأفعال. (4/145)
صفحة 971
أحمد بن سعيد وزعماء بني غافر
لا يخفى أنه لما أصبح أحمد بن سعيد حاكم عمان، وإليه أمرها، وبيده الحل والعقد، وكان بنو غافر بقى في أدمغتهم من عهد محمد ابن ناصر من نوع ما بقى في نفوس اليعاربة من الادعاء بالملك، ومن الانتساب إليه كما هو شأن الأمم غالبا إذا كانت فيها زعامة دينية أو دنيوية، ترى طيلة العهد أن لها ما ليس لغيرها، وهذا أمر معروف في كل الأجيال، ألا ترى هرقل لما قام يبحث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: هل كان في أجداده من ملك؟ فقيل له: لا ... فقال: قلت: لو كان في أجداده من ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه.
والمعنى أن دعوى الملك لا تكاد تنمحي من نفوس ذرية الملوك سواء كان الملك إماما أو سلطانا تبقى دعوى الملك في ذريته، لذلك بقى في نفوس ذرية محمد بن ناصر شيء مما ذكرنا، ولقد قام أحمد بن سعيد بأمر عملن واحتوى على الساحل والداخل إلا ما كان من أمر الظاهرة، فإنه بقى صوت بني غافر صناجا فيها، وتبين لأحمد بن سعيد ما يخالف لأمره، وما يخشى من وميض رماده، فخرج على القوم بقوته العسكرية ليتحسس أحوال القوم، ويجس نبض عروقهم هل هو ساكن أو متحرك؟ وإذا به غير ساكن فقيل إنه دس على رؤوس بالقتل، فقتل جملة منهم.
قال الإمام السالمي: قال ذو الغبرا: لما ملك أحمد بن سعيد وساد، ودانت له الخلائق واستقام ملكه، وخذل عدوه ودولته نفسه بقتل أكابر بني غافر، فلما قتلهم مشى إلى ديارهم بجيش عظيم، فالتقوا بالأثلية، فصح عليهم الكسر وهم فئة قليلة، وفي حديث الشيخ (4/146)
صفحة 972
ناصر بن جاعد أنه جيش عليهم ثلاثين ألفا إلى الظاهرة، وخرج لهم مقدار سبعين رجلا، وكسروا الجيش كله، ومات كثير منهم بالجوع والعطش بعد أن ولوا الأدبار، قال: وكثير منهم لم يتمكن في الهزيمة أن يستريح مقدار نصف ساعة أو ربع ساعة، ولذلك ماتوا.
قلت: لا يعقل أن ينهزم جيش بلغ ثلاثين ألفا بسبعين رجلا، إلا أنه يحتمل أن تكون في الجيش خيانة، ولعل القوم كانوا يرون أن قتل شيوخ بني غافر كان غير مرضي عندهم، زهنا خانوا وانقلبوا بالجيش إلى الهزيمة المنكرة، حتى لم يقر لحد قرار حتى ربع ساعة، وحتى مات الأكثر بالجوع والعطش، نعم لو كانت القضية قضية نبوة لقلنا تلك معجزة، وأما والحال على خلاف ذلك، فهنا تتبين مؤامرة في الجيش أخفيت وراء الستار، والله أعلم بما هنالك.
إلا أن لهذه الهزيمة لما شاع خبرها أثر على السواد الأعظم في عمان.
قال ابن رزيق وغيره: إن تلك الحرب وقعت بين أحمد بن سعيد، وناصر بن محمد الغافري، وقال: وكان النصر فيها لناصر بن محمد بن ناصر، وقتل من قوم أحمد بن سعيد اثنا عشر ألفا، فيستفاد من كلام الشيخين: ناصر بن أبي نبهان، وخميس بن راشد المعروف بذو الغبرا والد الشيخ ماجد، أن أحمد بن سعيد قتل مشايخ بني غافر، ولا شك أن القتل لا يكون إلا بسبب، وبقى النظر في السبب هل هو حق أو غير حق، ولعله ما أشرنا إليه والله أعلم بما هناك.
ولعل قتل شيوخ بني غافر المذكورين هو الذي وقع على يدي هلال ابن أحمد بن سعيد، وأن هلالا لم يقل للقاتلين شيئا، فإنهم لما استجابوا (4/147)
صفحة 973
لداعيه ووصلوا إليه، وصاروا في ذمته هوى عليهم فريق من قومه فقتلوهم عن آخرهم، وهم الذي يقال لهم أولاد فرخ الريح من أهل القرطبي، وكان محمد بن حمير اليعربي وهو الذي جاء بهم على هلال، وطلب هلال منهم تسليم حصن القرطي فلم يوافقوا، وكانوا في أمان محمد بن حمير أحد أركان ثورة هلال بن أحمد بن سعيد، وكانوا أخض الخاصة لناصر بن محمد بن ناصر الغافري الزعيم الكبير في الظاهرة، وهو صاحب حصن العينين، كما سوف يأتي خبره في محله، وهؤلاء الشيوخ المقتولون هم شرارة الظاهرة.
ولما بلغ قتلهم أحمد بن سعيد لم يقل شيئا فظن الناس هو الآمر بقتلهم، وإلى هذا يشير كلام المشايخ وتحقيق الحق لا يدركه إلا الله عزوجل، ولذلك على أثر القضية المشار إليها جهز أحمد بن سعيد جيشا ليطفئ به ثائرة الظاهرة، وليريها أنه القوي على إطفائها، وله السلطان الذي لا تقدر الظاهرة أن تظهر عليه، فسحب جيشا أرعن جمع فيه أهل عمان من نزوى إلى جعلان، وأضاف إليه أهل الباطنة فخرج به وهو كما وصف ثلاثون ألفا دخل به الظاهرة من الجهة الغربية، ولما سمع به بنو غافر تجمعوا له، وكانت الظاهرة كلها تحت إمرة ناصر بن محمد والجيش الوافد كلهم كانوا غربا، ونزولهم ساحة القتال في حال تعب ونصب من الطرق، إذ كانوا مشاة على الأقدام طيلة طريقهم، وكان الوقت حارا شديد الحرارة والناس في أشد التعب لذلك، ولما دنى بعضهم من بعض سرعان ما انهزموا وبانهزام فريق واحد تعم الهزيمة الكل، فكان الأمر كما قيل إنهم هلكوا إلا ما شاء الله. (4/148)
صفحة 974
أخلاق أحمد بن سعيد وصفاته
كان لأحمد بن سعيد أخلاق حسنة عرف بها, وصفات اتصف بها, والأخلاق الجميلة في الزعيم أيا كان تضعه على هامة النفوس, بل على قلوب الرءوس, وأي رئيس يكون في الأمة, ولم تكن له أخلاق حميدة, سرعان ما تنفض الناس من حوله. قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: (وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) 8, وصفه بصفة كانت مدحا عظيما له, إذ قال*: (* وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) 9.
قال ابن زريق: إن امرأة بشرته أنه يكون إمام عمان, فلما صدقت بشارتها أبقى لها في نفسه ما يرعاها به, لكنه أدركها ميتة, فأجرى لذريتها فريضة مكافأة لها, وكذلك العجوز التي اختفى في بيتها بينقل من الظاهرة أبقى لها مقاما هاما, وكان أراد أن يعلم ود قومه له, ومحبتهم له, فخرج في خفية ولم يعلم به أحد, وأشيع أنه لا يعرف في أي مكان أو أنه ميت, فلما بلغه ثورة بلعرب بن حمير, خرج فأحس من قومه الإصرار على أوامره, وعلم أنهم ثابتون على ولائه محافظون على زعامته عاضون عليها بالنواجذ, كما أكر الجبور الذين جاءوا إليه, حين زحف عليهم سيف بن سلطان في حصن صحار بسفنه لإخراجه منها, وأصلحوا الحال بينهما بجعل ولده هلال بن أحمد, عند سيف بن سلطان ليطمئن من منافسة أحمد بن سعيد له, فكان معه حتى وصول العجم إلى خور فكان, ثم أرخصه.
وقد صاهر الجبور المذكورين تألفا لهم وتقريبا لهم حين رأى منهم ما سره, وأكرم صالح بن صباحية من أهل حوائر الوادي من نزوى, (4/149)
صفحة 975
وجعل له الرئاسة على قومه لأجل ضيافة كانت منه له في نزوى, وكان يحل الأعيان ويحترمهم ويوقر الصغير والكبير, أكثر من توقيرهم إياه, وكان إذا أراد الخروج من الرستاق إلى بركاء يأمر أن تصنع له حلوى في الرستاق, ولعلها كانت لها شهرة, وكان إذ جاء نزل بنعمان فيقيم فيها يومين أو أكثر, فإذا نزلها جاءه أولاد الفقراء والضعفاء والمساكين, فيعطيهم من تلك الحلوى, فيذهبون بها إلى أهليهم وهم مسرورون منه وكذلك أهلهم, وهذا يعم سكان المنطقة من حد حي عاصم في الشرق إلى الحفرى في الغرب, ثم تأتيه رعايا بركا للتسليم عليه, وكذلك أهل السيب إلى المصنعة, فيستقبلهم ببشاشة وطلاقة وجه وحسن التفات, ويقضى لهم حوائجهم ثم يتوجه إلى مسقط, فإذا جاء روي نزل بها فيمكث فيها يومه ذلك.
وبالصباح الباكر يتوجه إلى المطرح فتصطف له أهلها على الطريق من منطقة سيح الحرمل إلى ثغر المطرح, فإذا وصل إلى المطرح نزل في بيت بالدكة, فيأتيه بنو حسن للتسليم عليه أولا, ثم تتبعهم اللواتيا, ثم بنو زراف, أما بنو حسن لكونهم أهل البلد وأما اللواتيا وبنو زراف, لكونهم تجار البلاد, فهو يراعيهم لذلك, ويرعى لهم أحوالهم هنالك, ثم يتبعهم بقية أهالي المطرح, فإذا تم أهل المطرح توجه إلى مسقط القوارب التي تجر في البحر.
فإذا وصل الجزيرة أطلقت المدفعية طلقات من الصيرتين ومن الكوتين, ومن المراكب الراسية في البحر, فلا تسمع إلا دوي المدفعية في جبال مسقط تتردد لها زجل عظيم, فيبرز للناس في الجزيرة فتأتيه الناس زرافات ووحدانا حتى إذا انتهى استقبالهم ومقابلتهم, دخل بيته بالحريزة, وكان واسع الصدر كثير البذل, جم النوال معطاء (4/150)
صفحة 976
مبذالا, كما يلزم وفوق اللازم, ذا تواضع وتؤدة وحلم والتفات إلى الرعايا, وبذلك غرس حبه فيهم, وأطبقوا على تعظيمه, وتهافتوا على طاعته, كان صبورا على كيد العدو لا يتأثر من الخلاف والشقاق, وإذا رأى الفرصة لم يضيعها, شجاعا مقداما لا يبالي بالعدو كيف كان موفقا في غالب أحواله.
وذكر ابن زريق له أسرارا الله أعلم بصحتها, وكرامات قبل أن يتولى الأمر, وهي دالة على توليته, ولقد أحسن إدارة شئون الوطن والبلاد حين أمنت واطمأنت, وسكنت.
قال الإمام السالمي رحمه الله: كانت أيامه أيام راحة واستراحة بعد الفتن والمحن.
قلت: وكانت له همة عالية في بناء مجد عمان, وإعلاء شأنها.
قال ابن زريق: لقد حاز أحمد بن سعيد قصب السبق في مكارم الأخلاق, توفيقا من ربه الخلاق, فقد ساوى بين الغني والفقير, والبصير والضرير, ورعى رعيته بإحسانه, وأقر أعينهم بمكين مكانه, فهو في الكرم آية, وفي الشجاعة غاية, لولاه لصارت عمان وأهلها في حكم العجم, وأضحوا هم الملوك وأهل عمان لهم خدم, فجرع أكثرهم كأس الحمام لما أحاطوا بصحار ستين ألفا أو يزيدون في المقدار, فصالحوه لما رأوا عزيمته أحد من السف البتار, ورجعوا إلى بلادهم أذلة بعد العزة, وأخرج من كان بمسقط إلى بركاء, فقضى عليهم فيها.
وكان ولى خلفان بن محمد بن عبد الله البوسعيدي شئون الخراج (4/151)
صفحة 977
بمسقط, وولى خميس بن سالم شئون العسكر بمسقط ومطرح, وولى حسن الصرهنج على مراكب السلطنة, وولى القضاء بمسقط الشيخ محمد بن عامر بن عريق العدوي المعولي من أهالي حلة المطلع من أفي, وولى قلم الحسابات رزيق بن بخيت بن سعيد بن غسان, جد المؤرخ حميد المعروف بابن زريق, ورتب أعمال السلطنة أحسن ترتيب, يتناسب مع العصر, واشترى العبيد الزنوج ألف عبد من الزنوج, وألف عبد من النوبان, وأسكنهم الرستاق, وأضاف إليهم من العمانيين ألف جندي, جعل الجميع بالرستاق إذ جعلها هي العاصمة, وجمع الخيل والإبل المعدودة لمهمات الدولة بالرستاق, واتخذ أربعة أعلام خاصة به تنتشر على موكبه عندما يتحرك لهم, اثنان رأساهما من ذهب, واثنان رأساهما من فضة, وإذا خرج إلى مكان خرج بأهل العلم الموجودين معه من مشاهير العلماء.
وكان لا يطيل بمسقط بل كان لا يتم شهرا فيها وفي كل مرة يتفقد حصونها, وما بها من عدة, وما يلزم لها من مؤونة, ثم يمر على الفرضة عند خروجه من الحصون, وينادى أن كل ما نزل هذا اليوم بالفرضة لا عشور عليه قل أو كثر, وكان دخل الفرضة التي تعرف الآن بالجمرك قدر ثلاثة لكوك صافي المصاريف كلها, ويرتفع أحيانا إلى خمسة لكوك, وكان له عسكر كثير في المراكز المهمة والعثور المنظور إليها رعاية لحفظ المملكة من هجوم العدو المباغت, فإن الحزم هو الحفاظ وهو سور المملكة, وكان أكثر عسكره بالرستاق حيث هو بها وهو المقصود بالذات من ناحية الأعداء, ثم بصحار لأنها في وجه الغازي, ثم في مسقط لأنها الميناء المهم. (4/152)
صفحة 978
قال الأمير شكيب: أحسن التدبير, وسن للمملكة قوانين مالية وتجارية, واستبقى لنفسه إمارة الجيش البرى, وعهد إلى رجل من خواصه بنظر الأسطول, ونظم جيشا دائما.
قال الإمام السالمي: أعطى أحمد بن سعيد المملكة حقها, والمعنى صان البلاد وحماها, واحتمل على كاهله أهم الأمور, وهو عداء العجم, وكان حكيما في أعماله يعلم أن بغض العجم قد تغلغل في قلوب أهل عمان, وعم ذلك البغض اليعاربة الذين جاءوا بهم إلى عمان لغير موجب إلا التنافس الضار, وما من أحد يجر عدوا على وطنه إلا كان لدماره غارسا لما يقلعه من أرضه, فإن غرس الشر لا يكون ظلا لغارسه, ولا يثمر إلا الذعاف له, وهذا أمر جربته الأمم قديما وحديثا, وإذا أراد الله أمرا هيأ له أسبابا, وكان أحمد بن سعيد ممن بعثه الله لحفظ الوطن في تلك الأزمة, وليعلم أهل عمان أن الأمر إذا لم يعضده الدين والإيمان سرعان ما ينهار.
فإنه لما كان الإمام ناصر بن مرشد الرجل المؤمن أيده الله ونصره وشد عضده, وقوى عزيمته, ثم جاء بعده أولاد عمه الذين خلفوه على الأمر يحملون تيجان الإيمان وأعلام الرشاد, أصبح العمانيون يضعون رءوسهم لهم لوقايتهم من الأسواء, ويفدونهم بالأرواح. ولما جاء سيف بن سلطان على خلاف ذلك خرج منه كالشعرة من العجين. (4/153)
صفحة 979
أحمد بن سعيد يناصر الدولة العثمانية على العجم بالبصرة
كانت الدولة العثمانية مدت أياديها إلى الشرق العربي, وكانت البصرة من جملة ما تولته تلك الدولة, فزحف إليها من الإيرانيين جحفل ضخم اصطلمها من أيدي رجال الدولة المشار إليها, وحيث ذلك الوقت بزغ فيه الطالع السعيد لأحمد بن سعيد, وشاع له صيت بلغ مسامع الدولة العثمانية, فطلبت منه المساعدة على الفرس المحتلين للبصرة.
قال أمير أبيان: استولى العجم على البصرة, فذهب أحمد بن سعيد بعشر سفائن حربية تجر عددا كبيرا من القوارب, حمل عليها عشرة الآف مقاتل.
قلت: وفي بعض الروايات ثمانية عشر ألف مقاتل, وقائد الحملة هو ولده هلال بن أحمد.
قال شكيب: وهزم الإيرانيين ونصر الدولة نصرا مؤزرا, قال: فسرت الدولة منه وأجرت له راتبا سنويا كان لا يزال يتقاضاه أئمة مسقط إلى أواخر القرن التاسع عشر, ومن جملة أسطوله طراد اسمه الرحماني, هو الذي كسر سلسلة الحديد التي وضعها الإيرانيون في شط العرب لمنع أسطول عمان من الدخول إلى البصرة, فأرسله أحمد ابن سعيد إلى مانغالوا في جنوبي الهند سائلا عن السبب في حجز مؤونة الأرز التي كانت ترد عمان كل سنة, قال: فاستقبل تييبو عامل السلطان أعلم من في مملكة غرناتيك مندوب عمان بكل حفاوة, وأخبره أن السبب في ذلك هو من متلصصة البحر الذين هم بساحل المالابار, قال: فقصدهم الطراد إلى ديارهم, وقتل زعيمهم, أع وبعد ذلك تأدبوا عن الاعتراض للمارة فلله در أحمد بن سعيد. (4/154)
صفحة 980
الظاهرة وأحمد بن سعيد
كنا قلنا تحت عنوان أحمد بن سعيد وزعماء بني غافر, إن بني غافر لما كانوا عاشوا تحت علم محمد بن ناصر, وكان محمد بن ناصر بحيث لا يخفى مقامه في وقته, حتى بلغ درجة الإمامة, وكانت بسالته مضرب المثل في عمان, وكان النصر حليفه في كل وقعة, وكان يباشر الحرب بنفسه, ولم تعرف له قط كبوة, ولا لسيفه نبوه, حتى عظم قدره وعلا ذكره.
وافتقرت عمان بينه وخلف بن مبارك الهنائي, وتغلغلت العداوة وخصوصا في قلوب المغلوبين, حتى شاع ذلك وذاع, ولما مات محمد ابن ناصر, وخلف بن مبارك قتيلين بصحار, واعتقل بالأمر من جاء بعدهم بقى في نفوسهم ما بقى مما خلفه المذكور, ولذلك قاموا ببلعرب ابن حمير حين رأوا أحمد بن سعيد يتقدم على حصون عمان ليتولى ملكها.
ثم كان الأمر على خلاف رغبتهم, وكانت حركتهم مزيجا من بني غافر واليعاقب, ومن اشتمل عليهم من دروع وظواهر وبني قتب, وبني كلبان ومن إليهم الذين كانوا أنصار محمد بن ناصر, وكذلك النعيم, وبني ياس وهؤلاء تألبوا على أحمد بن سعيد, وباينوه بالعداء وانهزموا في وقعة فرق, ورجعوا وقلوبهم حامية حقدا على أحمد بن سعيد, ولذلك تألبوا عليه من امتلاك حصون الظاهرة, وقصدهم أحمد بن سعيد, فلم ينتصر عليهم, بل انتصروا عليه, وبذلك نهجوا إلى غير عمان, وتعلقوا بأناس آخرين حتى تبدلت جميع صفاتهم وتركوا قوميتهم إلى قومية أناس آخرين, لأن قلة العلم وغلبة الجهل واشتعال الحقد في قلوبهم أثمر تغيير أفكارهم ومعتقداتهم وأخذ بهم إلى موالاة غيرهم (4/155)
صفحة 981
فعم ذلك وبعد حين أكثر قبائل الظاهرة إلى ما شاء الله. ولم يزل يسري فيهم داء الجهل والفوضوية حتى أنه لم يعرف في الظاهرة بعد الدولة اليعربية عالم ولا حتى متعلم أو متخلق بأخلاق المتعلمين. ونتيجة لفوضويتهم وجهلهم أضمروا عداء للسلطات العمانية التي هي جامعتهم, ولكون الجهل يسري فقد لحق بأهل الظاهرة أهل جعلان التي خرج منها أول عالم جليل هو, منير بن النير الجعلاني وبإختلاطهم مع بعض أهل الظاهرة ونفورهم من أبناء خلوتهم, خيم عليهم الجهل فأصبحوا لا يعرفون من معتقدات الدين الإسلامي شيئا فأورثهم جهلهم فوضوية مطلقة, ومع تأكدهم أنهم فقدوا العلم والمعرفة فقد أصروا على ما هم فيه من جهل ونعرات جاهلية, لذلك فقد تغير الوضع العماني من أقاصيه وأصبح الأفق العماني وعليه غبار الجهل والضلال, فإنهم أصبحوا أنصار الباطل من أول يوم وقعت فيه حرب بلعرب بن حمير بفرق. ثم قام أحمد بن سعيد فقبض على شيوخهم فزادت النفرة ونأت النفوس إلى حد بعيد. ثم زاد الطين بله, الواقعة التي وقعت بينهم وأحمد بن سعيد التي لم يخططها تخطيطا كاملا. لذلك لم ينتصر فيها أحمد بن سعيد, فلذلك ابتعدوا عن دولتهم العمانية وبقيت فيهم نخوة بني غافر ومعرة النفوس فيها, وفيمن أنضاف إليهم وتفرقت الوحدة الدينية إلى مذاهب شتى, إذ لم يكن بعمان سابقا إلى هذا العهد الذي ذكرناه غير وحدة علمية دينية قديمة واحدة. وقد عانت السلطنة العمانية من هؤلاء الفوضويين ذوى النعرات الكثير, والكثير. وأصبحت الظاهرة بابا لغزاة عمان وأصبح العراك مستمرا بين الغزاة والسلطات العمانية حتى عهد قريب.
قال أمير البيان: وكانت بلاد الظاهرة بمكانتها من الداخلية لم تخضع تماما لأحمد بن سعيد, وكان علة الكلمة لبني غافر. قال: فثار منها أحدهم وهو ناصر بن محمد, أي ولد الإمام الآنف الذكر. قال: واشتعلت الحرب بينه وأحمد بن سعيد. قال: فساق إليه هذا عساكر (4/156)
صفحة 982
من العمانيين فانكسروا وأخيرا تصالح الفريقان على أن تبقى الظاهرة في يد بني غافر ويعترفوا بالسيادة للإمام أحمد.
ومضى الحال على هذا غير مرضي من الجانبين, بل كان في نفسه على خصمه. قال ابن رزيق: وسبب حرب الإمام أحمد بن سعيد, وناصر بن محمد الغافري, أن ناصر بن محمد كان من دهاة العرب, وكان صاحب أموال ورثها من آبائه, وكان له مال جزيل حيث تولى البحرين من الإمام الطيب الذكر سلطان بن سيف اليعربي بعد فتحها من العجم, كما قدمنا ذكرها في كلام على هذا الإمام, ولما مات الإمام المذكور رحمه الله, ووضع النزاع بين اليعاربة بعمان, اغتنم العجم الفرصة, فزحفوا على البحرين بجيش ضخم, أحاطوا بالوالي المذكور وحصروه, وطال الحصار, واستمرت الحرب, وناصر قابض على الأمر بيد من حديد, ولا يزال ينتظر نصرة الدولة, فتأتيه فتفرج أزمته والدولة أصبح داؤها في جسمها, ويعالج جروح روحها, فأنى تكون نصرتها لوالي البحرين.
وقد حاول العجم نزول ناصر بن محمد من قلعة عراد التي بناها العمانيون, ولم يقدروا على ذلك, وأرسل العجم إلى ناصر في صورة الناصح أن الإمام قد مات, وأن اليعاربة الآن في خلاف ونزاع فيما بينهم, وأهل عمان منقسمون أيضا كل واحد والاضطراب سار فيهم, فخذ ما شئت من المال, ولا عار عليك في ذلك, فلم يصغ إليهم أولا, ولما طال العهد, رأى أن لا بد من الخروج, لأنه لا ناصر له من قومه, فصالح العجم على النزول على ما بيده من المال, وما يدفعونه له, وكان قد جمع أموالا طائلة, إذ بقى مدة على ولاية البحرين, وخراج البلد كله إليه.
فخرج من البحرين وسلمها للعجم, وجاء إلى عمان حتى جاء الغبي, وكانت هي كرسي الظاهرة, وبها واجهة أكثرية الظاهرة, وصار (4/157)
صفحة 983
هو الرئيس عليهم, فطلب منهم أن يبني بيتا في العينين على رءوس الأفلاج ليكون لهم حصنا ومرجعا, وليسيطر به على الغبي وغيرها, فلم يسمحوا له بذلك, وبقى يفكر في الطريق الذي يتسنى له به مطلبه, حتى إذا صار الأمر إلى الإمام أحمد بن سعيد, وزال الأمر عن اليعاربة, وقع اتصال خاص بين الإمام أحمد, وناصر بن محمد, حتى صاهر الإمام ناصرا, والتحم الصفر والحديد بعضه ببعض.
وبذلك رأى أهالي الظاهرة أن الأمور جاءت منقادة إلى ناصر بن محمد, فإنه ابن الإمام المعروف, وأنه الغني الموصوف, وتلك أهم مؤهلات الزعامة, وكان ناصر المذكور كما هو معروف من دهاة العرب, فعند ذلك قال ناصر للإمام: على أي شئ تركت حصن الغبي بيد غيرك؟ قال له الإمام: أنا لا أحب الفتنة, قال ناصر: بيني وبين أهل الظاهرة, فقال ناصر: وأي فتنة وأنت إمام عمان كلها, فكيف لا تكون الغبي من حملة ممالك عمان. قال: لا أحب الفتنة بيني وبينهم, وبالأخص لما صرت أنت صهري, وقدموك عليهم فصرت الرئيس عليهم, فقال ناصر: أرى أن تقبض حصن الغبي, فإذا قبضته لم يبق لك عدو يقدر على إظهار عداوته لك من أهل الظاهرة كلها إذا كانت الغبي هي المركز المهم في الظاهرة, ولا يهولنك الأمر, فأنا أقبض الحصن وأقبضه من تريد من الولاة, فوافق الإمام على ذلك, فأرسل معه محمد بن عمير البوسعيدي فقبض ناصر حصن الغبي, وقبضه الوالي المذكور بدون منافس.
وقال ناصر للوالي: لا تهتم من أهالي الظاهرة, ولا تهتم من أهالي الغبي, فأنا أكفيك أمرهم وعندي المال والرجال, وهذا كله مكر (4/158)
صفحة 984
وخداع, فلما أحس أهل الظاهرة بحر الإنصاف من الوالي المذكور, وخصوصا جبابرتهم وعتاتهم الذين تعودوا لأن يسيروا كما يهون, وجاءوا إلى ناصر بن محمد يشكون أمر الوالي, فقال لهم ناصر بن محمد: والله ما صنع فيكم غير العدل والإنصاف, لكنكم يا أهل الغبي لا تحبون العدل بينكم ولا الإنصاف منكم, وكل من صار لكم محبا صرتم له أعداء, أردت أن أبني بيتا في العينين بمالي لا بمالكم, وفي أرضي لا في أرضكم, ليكون معقلا لعزكم, فأبيتم وأنا حالي حال الإمام أحمد بن سعيد, فمن أطاعه منكم فهو محب لي, ومن عصاه منكم فأنا عدو له.
ولم يزل ناصر بن محمد بن ناصر يتردد على الإمام ويدخل معه ويكثر المسير إليه, وقد اصطفاه الإمام وأعلى مقامه عنده, وهو يدرس له جبابرة الظاهرة فردا فردا, ويشير إليه من يريد له قيدا منهم, فلما رأوا تقدمه مع الإمام, ورأوا تأييد الإمام له, وكيف لا يؤيده الإمام وقد تقدم إليه بحصن الغبي أكبر حصن في ذلك العهد.
فحينئذ تراجع القوم, وقالوا في أنفسهم: إن ناصر سيقهرنا قهرا بالإمام والأولى إرضاؤه, فجاءوه وقد سرى الضعف فيهم فقالوا: ابن ما شئت أن تبني نحن غلطنا في منعك حسب المفهوم. فقبل ذلك منهم وشرع في البنيان, ولما أكمله وسكن فيه, وحط فيه ثقله خرج إلى الإمام ومعه بقية الذين يخشى منهم.
وقال: للإمام ما بقى من يخشى منه الخلاف لك, ولا بقى خصم في الظاهرة إلا هؤلاء القوم الذين جئت بهم إليك, وأخبره بأسمائهم واحدا واحدا فاحبسهم وقيدهم ولا تطلقهم حتى يهلكوا فإذا هلكوا (4/159)
صفحة 985
انقادت لك الظاهرة كلها, ففعل الإمام, وكان مستصفيا له. وإذا به يعمل لنفسه بإهلاك معانديه, فلما رجع عن الإمام وبلغ إلى مكان يسمونه دفع الأودية وهو مضيق بين الجبال قال لجماعته: إن الإمام لا يحب إلا هلاكنا, فإنه ما احتشمني لما أتيته ببقية المحبين فلان وفلان وعدد أسماءهم فقيدهم وهربت أنا عنه خوف أن يقهرني معهم في غفلة منه ومن رجاله, والآن عومت على حربه, فهو بهذا مكر بجماعته إذ ساقهم إلى الإمام ليقيدهم بدسيسته, ويقضى عليهم انتقاما له حين عارضوه, ثم مكر بهم هنا قائلا لهم: إن الإمام يريد يهلكنا ليكونوا في جانبه, وقد بلغ مراده من الإمام ومنهم.
وهذا من جملة دهاه الذي عرف به, ولكنه يفكر لعل يوما ما تكشف عن هذا فيكون وبالا عليه من الجانبين, وقال لهم: إن كان حالكم حالي فابنوا بروج واديكم, وشنوا الغارات على الرستاق, فأنا معكم بالمال والحال, ولقد كفانا ما أتانا منه, فأجابوا على ذلك, إذ الظاهر كما يقول والغيب لا يعلمون عنه شيئا, فبنوا بروج واديهم بغاية السرعة.
ولما رجع إلى الغبي قال لأهلها كذلك, ولما أجابوه على حرب الإمام كتب إلى ابن رحمة الهولي بوصوله إليه للمفاهمة, وأن يجئ بقومه, ولوح له بإشارات من كيده ومكره, فجاء المذكور ومعه قدر خمسمائة رجل, فعند ذلك أمر أهل الغبي بمناوشة الوالي, وأن يبينوا له خلاف ما كانوا عليه, واجتمعوا بالعينين للمشورة على حرب الوالي إن خالفهم, ولما أحس الوالي الخلاف من أهل الغبي, وكان ناصر هو المتعهد بمناصرة الوالي, وبلغ الوالي أنهم مجتمعون بالعينين (4/160)
صفحة 986
سار إليهم لشكوا لهم ما سمع وما رأى, فدخل عليهم, وإذا بهم على شوكة حرب ولعله ظنهم عليه لا معه.
قال لناصر ما الذي عزمت عليه وأنت, وجماعتك بهذا الاجتماع؟ قال: لقد عزمت أنا والجماعة على حربك إذا أبيت الخروج من الحصن وتسليمه إلي, فمن أنذر فقد أعذر, فقال الوالي: أريد منكم المهلة ثلاثة أيام, إما سلمت إليكم الحصن, وإما بادرتكم بالحرب, فقالوا له كلهم عن لسان واحد: ذلك لك. فلما رأى الوالي أن لا طاقة له بحربهم سلم الحصن إليهم ذلك اليوم, لأنه تحقق ألا يقدر على عمل أي شئ وهو بين ظهورهم, وإمامة بعيد منه, فخرج كما دخل ولم يفكر ناصر ابن محمد أن وراء الوالي إماما حاكما قويا, لكن في نفس ناصر أنه أقوى من الإمام في الظاهرة, فإن قواته التي يقوم بها من عمان وأهل عمان الشرقية لا يهتم منهم أهل الظاهرة لبعد الشقة, وكون الطرق في أيدي غافرية الظاهرة ويرون من أصعب الأمور حرب الظاهرة. (4/161)
صفحة 987
أحمد بن سعيد يجهز ولده هلالا لحرب الظاهرة
لما وصل والي الغبي إلى الإمام أحمد بن سعيد وأخبره عن الواقع, وأن زعيمهم الذي كان الإمام يعتمد عليه أصبح هو عميد العدلوة, وأن أهل الظاهرة جعلوه رئيسهم, استغرب الأمر واستعظمه حيث لم يكن منه في حق ناصر إلا إمضاء رغبته, وامتثال أمره, وهو الذي طلب من الإمام أن يقبض حصن الغبي, وهو الذي أشار على الإمام بقبض أولئك الشيوخ الذين جاء بهم ناصر إلى الإمام أحمد ابن سعيد .... , وأشار عليه بقتلهم, وأنهم هم المحذورون في الطرف الظاهري, وبصرفهم يستريح من نوازل الظاهرة.
ولما حصل المطلوب وأصبح ناصر معاديا للإمام أحمد بن سعيد بغير موجب, فتبين أن له غرضا خاصا, ليته لما أراد ذلك أبقى صحبة الإمام قوة له وسندا يعتمد عليها في سواد الأمة, وساس الأمور بغير هذا العداء السافر, فأين الدهاء الذي عرف به, ولكن هزة المال تجلب للنفس العطب.
ولو قال للإمام إن عاملك رأيناه لا يصلح لسياسة الحال الحاضر في الظاهرة, ونحن عمالك والحصن نحن سلمناه إليك, ونحن هنا منك وإليك وعدها تأمر بأمر فنحن نقوم به إن شاء الله, ولكان الإمام يقبل منه ولو تحقق في الباطن أن الرياح منه والمطر منه, إلا أن الأحوال تكون مستورة عن سواد العامة, وإن كان ظن أن أهل الظاهرة يتهمونه بقتل الشيوخ الذين سعى هو بقتلهم عند الإمام, فإن الظاهر يعبر عن الواقع, أن الإمام هو الذي قتلهم, فلا تعلق لهم بناصر بن محمد بن ناصر المذكور إذ هو بنفسه خرج هاربا من الإمام كما يزعم, ولكن أبى الله (4/162)
صفحة 988
إلا ينكشف غدر ناصر للإمام والناس, فعند ذلك جهز الإمام أحمد بن سعيد قوته للزحف على هؤلاء في دفع10 الأودية أولا ليزيل ما هناك من شوك الشر الذي قام به ناصر بن محمد, وجعل ولده هلالا القائد لهذا الجيش, وكتب لمحمد بن سليمان بن عدي اليعربي والي نخل, أن يذمر له رجالا من نخل ينصافون إلى هلال بن أحمد, ويكون أميرهم محمد لبن حمير اليعربي, واستدعى أيضا قبائل الشرقية إلى جعلان, وطلب نجدة من بلوش مكران, ومن الزدجال.
وأثار الإمام الكتائب من جهات عديدة, ومضى هلال بن أحمد يقود القوات المتجمعة مع الإمام, حتى أتى دفع الأودية وهو المضيق المهم فلم يقدر بنو غافر على الدفاع11 عنها وهرب القابضون لتلك الأبراج التي حصنوا بها ذلك المضيق, فقبضها وقضى عليها ثم جاء القرطي وهو لبني شكيل, وكان بنو شكيل من أنصار ناصر بن محمد بن حمير يناصحهم فانقادوا له, وأتى بهم إلى القائد هلال بن أحمد.
وعندما وصل إليه وقد أعطاهم محمد بن حمير الأمان إذ سلموا حصن القرطي إلى القائد هلال, وإذ ذاك وثب عليهم من قتلهم جميعا, وكانوا اثني عشر رجلا يلقبون أولاد فرخ الريح, وكلهم أولاد عم, وهم أخص الخاصة من بني شكيل, وأخص أنصار ناصر بن محمد الغافري, فحمل بنو غافر قتلهم على محمد بن حمير اليعربي, وأضمروا العداوة لمحمد بن حمير وأقاربه, وبقوا في حقد متقد لم يبرد حتى قتلوا سيف ابن مالك بن سيف اليعربي في نفس القرطي. (4/163)
صفحة 989
وقضى هلال بن أحمد أيضا على حصن القرطي وهذه القضية هي التي يشير إليها الشيخ أبو نبهان, ورجع هلال بن أحمد إلى أبيه منصور وغانما من هذه الحملة, حيث قضى على القوة رجالا وحصونا, وكان الإمام أحمد بن سعيد بصحار, وقد اجتمع معه جحفل ضخم, وجيش جرار من شرق عمان كلها, فخرج بهذا الجيش على طريق الظاهرة, وجاء على طريق السليف, وكان الوقت حارا شديدا إذ كان وسط القيظ, فمضى حتى سيح الطيب والقوم في تعب, إذ أكثرهم مشاة, فدارت رحى الحرب بينهم, فانهزم جيش الإمام إلا الزدجال, وآل وهيبة البلوش, حتى قتل هؤلاء كلهم جميعا, ولم يفلت منهم أحد.
وهذه الوقعة تعرف بوقعة سيح الطيب, أفنت رجالا عديدة, وهلك المنهزمون بالعطش, لأنهم غرب لا يعهدون الموارد, وتوجه الإمام وولده منفردين لا ثالث لهما على طريق نجد الحديد إلى نزوى, وتفرق ذلك الجيش كله كما يقولون شغر بغر, ولم ينج منه إلا من لاذ بالغبي, فإن ناصر بن محمد أكرمهم وسيرهم إلى أوطانهم بحال السلامة. (4/164)
صفحة 990
أحمد بن سعيد يشن الحرب على نخل
كان بنخل محمد بن سليمان اليعربي على اتفاق هو والإمام أحمد بن سعيد, وتعاهدوا ألا يخون أحدهما صاحبه, وكان من أولاد الإمام أحمد بن سعيد سيف وسلطان أرادا أن يتوليا الأمر على أبيهما, وحاولا حصن بركا.
قال ابن رزيق: كان ولدا الإمام أحمد بن سعيد سيف وسلطان مستنكفين عن طاعة والدهما الإمام أحمد بن سعيد, يحاولان انقياد الرعية إليه ما دونه, فأرادا أن يقبضا عليه حصن بركان, فمكثا في حصن نعمان أحد حصون بركا وهو محل إقامة الإمام في بركا, أي يتحينان الفرصة لحصن بركا, فمكثا في نعمان ثم بعثا إلى سيف بن سلطان اليعربي بنخل, إذ كان نائبا لمحمد بن سليمان في نخل حال غيابه إلى وادي بني خروص طلبا أن يرسل إليهما مائة رجل من أهل نخل, فلما وصله كتابهما لم ينتظر عودة محمد بن سليمان من وادي بني خروص, ولم يشاوره في هذا الصدد, ولعله ظن أن ذلك عن اتفاق بينهم, فقام بطلبهما وذمر الرجال, وجعل القائد عليهم من أهل حلة العتيك اسمه خنجر بن سعود.
فلما وصل خنجر بن سعود بقومه من أهل نخل, قام الأميران سيف وسلطان واقتحما بهم حصن بركا, وما شعر قابضوه إلا والقوم معهم في الحصن, ولما علم أهل الحصن أنهما أبناء الإمام لم يكترثا منهما, ولعلهم ظنوا أن الإمام أمرهم بذلك خوف عدو تخشى مباغته هجومه, وكان أحمد بن سعيد إذ ذاك بالرستاق, فلما بلغه الخبر استنكر الأمر من ولديه اللذين يرجو أن يكونا له عونا على عدوه, وإذ بهما يقتحمان (4/165)
صفحة 991
على الأمر منافسين له, ولعله غرة الشباب وسورة الملك حركتها, فإنه كما قيل لا يلد الأسد إلا أسدا ولا تلد الحية إلا الحية.
وعند ذلك توجه الإمام أحمد بن سعيد بوجه حنق على فعل ولديه المذكورين, فأحاط بحصن بركا وطوقه بالجيش وحصره حصرا حارا, وأطلق عليه مدفعية ثقيلة, ولم يزل الحصن يتحطم من ضرب المدافع حتى كاد أن يندك وهما فيه, ولم يقدر أحد أن يقترب منه لشدتهما ومرارة صبرهما تحت غبار رصاص المدافع الداوي كالرعد في صعقاته, حتى استأذن القضاة الذين صحبوا الإمام من الرستاق, سألوه الإذن في الدخول عليها لإلقاء النصح لهما, فدخلوا وبينوا لهما أن الله لا يرضى عليهما ولا يوفقهما ما داما معاديين لأبيهما مخالفين لأمره, فأثر في الرجلين وامتثلا أمر والدهما وخرجا من الحصن إلى أبيهما.
وأخرج أهل نخل إلى نخلهم, وعفا الإمام عن ولديه وأعرض عن أهل نخل, ولكنه أضمر العداوة لمحمد بن سليمان واتهمه بالمواطأة لهما, واتفاقه معهما أمامهما, فقد قبل عذرهما آملا فيهما عدم العودة لمثل ذلك, وأن الحركة التي أقاماها غلطة منهما, وأما محمد بن سليمان اعتقد فيه نكث العهد, وعدم الوفاء بالوعد, ولما علم محمد بن سليمان بما كان من أهل نخل بواسطة نائبه, ولم يملك من الأمر شيئا إذ السهم ملك قصده, ولم ير التوجه بعذره إلى الإمام, والحرب قائمة بينه وبين ولديه على ساقها, وهو يطلق المدافع على حصن بركا وأهل نخل, وبقى حائرا لم يدر ماذا يفعل.
ولما انتهى الأمر بنزول سيف وسلطان, ورجع الإمام إلى الرستاق (4/166)
صفحة 992
قام محمد بن سليمان يكاتبه ويعتذر له ذلك بأعذار عنده, فلم يقبل الإمام عذره, والحقيقة أن طريق العذر غير مبعدة, وصفه العذر غير واضحة, ولو كان ذلك كما يقول لنزل حالا إلى الإمام وألقى ما عنده واعتذر إذ ذاك بما لديه من عذر, أما كونه بقى ينتظر الأمر لمن يصير فإذا صار لسيف وسلطان فهو معهما بمقدمة رجاله, أو صار للإمام توجه إليه بعذره أنه غير موجود.
فهذا العذر أوهن من بيت العنكبوت, وكل أحد يفهم العذر المشار إليه أنه واهي, وقرر الزحف على نخل, فجمع جيشا ضخما من السند ومن الزدجال ومن الرستاق ومن سائر بلاد عمان داخليا وساحليا, فاجتمع له جحفل جرار, وتوجه بهذا لنخل والحقيقة أن سيف بن سلطان هو الذي جر البلاء على نخل في هذه القضية والجاهل لا يبالي وقديما قيل:
وجرم ... جره ... سفهاء ... قوم
فحل ... بغير ... جارمه ... العذاب
فدخل الإمام نخل ولم تقاومه البلد, إنما قاومه الحصن, فوجه إليه المدافع ذات القنابل الوارية وقد ضرب الجيش معسكره في نخل كل في مكان, أما الزدجال فعسكروا في بيت الشريحة الذي لبني عزان فرقة من أهل نخل, وبقية القوم انتشروا في نخل إلى حضين, حتى لا يأتيهم عدو يباغتهم على طريق عقبة الصخبري.
وكان الشيخ عبد الله بن صالح الرواحي رئيس بني رواحة, وشيوخ المعاول غير راضين بحرب نخل, نظرا إلى أن محمد بن سليمان ما أحدث حدثا أن يعامل عليه بسخط. (4/167)
صفحة 993
قلت: أما في نظر الإمام فإنه حدث هام حيث ساق عامله جيشا لمناصرة ولدي الأمام أحمد بن سعيد.
قال ابن زريق: فلما طال الحصار خرج الشيخ عبد الله بن صالح بجماعته بني رواحة إلى بلدانهم, وخرج أيضا شيوخ المعاول بقومهم, كذلك بغير إذن من أحمد بن سعيد, وكان هو لما طوق الحصن بالحصار, وأمر بضربه بالمدافع وأحكم الرصد عليه توجه إلى الرستاق للتدابير اللازمة, فكان خروج الذين خرجوا والإمام غير موجود بنخل, وبقى باقي الجيش على حاله يعيث في البلاد, يقطع النخل ويهدم البناء, ويقتلع الشجر من أصوله, وما أبقوا من النخل والشجر إلا قليل, وأهل البلاد هاربون منها وأرسل يطلب من زعماء الظاهرة المناصرة, فلم يتحصل منهم على مفيد, ورجع بالخيبة.
ثم توجه إلى النعيم وكان زعيمهم إذ ذاك شامس بن محمد بن بيات الشامسي, فأجابه بألف رجل من نعيم وبني قتب, فمر بهم على طريق جبرين ثم على طريق وادي بني رواحه, وتسللوا في الوادي في حال خفية وانقسموا جماعات وفي دفعات أيضا, وتوجهوا للمطرح ليشاغلوا الإمام في فكره, ولشوشوا عليه في هذه الجهة المهمة, وكان دخولهم المطرح عن طريق عقبة مراخ, وهجموا البلاد, ونهبوا وسلبوا وعاثوا في البلاد كلها, وانتهبوا السوق وحملوا أموالا على الأهالي والتجار, وتجهوا إلى نخل فاعترضهم المعاول, ولم يغنوا شيئا ولعلهم لم يبذلوا جهدا لأنهم خرجوا عن الجيش هم وعبد الله بن صالح الرواحي.
وكان جيش الإمام خرج من نخل زرافات ووحدانا, وحل محلهم قوم جاءوا لنصرة محمد بن سليمان من بني غافر أعداء الإمام, وجاء (4/168)
صفحة 994
قوم من بلدة الحزم التي هي تحت الرستاق, ثم خرج أهل الرستاق, وأخيرا خرج الزدجال.
ولعل الإمام يبذل في حرب محمد بن سليمان وكان سبب فشل جيش الإمام أحمد بن سعيد خروج عبد الله بن صالح والمعاول, وبخروج هؤلاء تزعزع قرار الجيش, وظل يتملص من نخل خارجا, ولما وصل الخارجون من مطرح ووصلت نجدة بني غافر وأهل الحزم, تقوى محمد ابن سليمان وأحاط على الجيش المحاصر لحصن نخل, فأحاطوا بأهل الرستاق والزدجال, ولما ضاق عليهم الحال طلبوا من محمد بن سليمان أن يسيرهم بما عندهم من السلاح فوافقهم, فخرجوا من نخل.
قلت: يتبين أن أحمد بن سعيد لم مجتد في هذه الحرب أولا لأنه خرج وترك الجيش يعيث في البلاد, ثم لم يعد عليه بعائدة, ثم بلغه خروج الخارجين منه ولم يرسل قوما يدلهم, وعلم عن وصول المناصرين لهم ولم يتحرك بشيء ما, ومما يؤيد ما نتحراه أن السعاة لما رأوا أحمد بن سعيد غير مجتهد في حرب محمد بن سليمان, سعوا بالصلح بينهم على أن يبقى محمد بن سليمان مكانه, وألا يخون أحدهما صاحبه وانتهى الأمر في قضية نخل على هذا الحال.
ولعل الإمام أحمد بن سعيد في تراخيه عن حرب نخل خاف استفحال الخطب بينه وبين المناصرين لمحمد بن سليمان من أهالي الظاهرة, وكان لكل عهد سياسة, وكان أحمد بن سعيد السائس الأكبر المحنك المشهود له بذلك في أحوال عديدة. (4/169)
صفحة 995
سيف وسلطان ابنا أحمد بن سعيد يحتلان مسقط
لقد سبق أن سيف وسلطانا ابني أحمد بن سعيد احتلا حصن بركا بأهل نخل, وقام والدهما أحمد بن سعيد عليهما, فأخرجهما من الحصن بعد شدة, وسلما أمرهما لوالدهما الإمام, واصطلح الحال بينهما وأبيهما, وظن الإمام أحمد لا يعودان لمثلها, وإذا بهما يقتحمان على الحصنين الجلالي والميراني, فقبض سيف بن أحمد الحصن الجلالي, وسلطان الميراني, وبقبضهما على ناصية مسقط, واحتلاها وأخرجا من في الحصنين من جنود أبيهما ومعهما الشيخ جبر بن محمد الجبري, وبعض الرجال فواجههما أهل مسقط من تجار وغيرهم وتمكنا من البلاد.
ولعل ذلك كان عن خيانة من القابضين والدراهم تفعل أكثر مما تفعله الجيوش, ولما بلغ خبرهما أباهما أحمد بن سعيد هبط من الرستاق بجيش لا يزال معه معتدا له دائما للحوادث الطارئة, فلما دخل مسقط هم بضربهما بالمدافع, وكان معه أخيار الرستاق, وبالأخص هم الذين أخرجوهما من حصن بركا برضا أبيهما, فساروا إليهما بصفة الناصح المشفق بالكل, وصورا صلحا بين الطرفين, هو أن ينزلا إلى أبيهما مذعنين له, وأن يبقى سيف مع أبيه في حله وترحاله, وأن يكون الحصنان في أيديهما لا ينزعهما منهما, ولا يرفع أيديهما عنها, فقبل الطرفان هذا الصلح والداعي لهما إلى ذلك, كأنهما أحسا بأن أباهما قدم عليهما ولده سعيد, وتخيلا ميل الناس إليه, وقد ظهر هذا الحال بعد أبيهما وبقى الحال على ذلك سنة كاملة. (4/170)
صفحة 996
وبعده هبط الإمام أحمد بن سعيد من نزوى وولده سيف معه, ولما وصل بدبد قيد ولده سيف وحمله إلى مسقط مقيدا, ولما وصلها هم يضرب الحصنين بالمدافع على من فيهما من العسكر أيا كانوا, فقام الناس بينهما بالصلح على أن يسلما إليه الحصن الغربي, ويبقى الحصن الشرقي في أيديهما, ويطلق الإمام ابنه سيف من القيد, فأطلق ولا يلزمه ملازمة أبيه, بل إن شاء سار, إلا فعلى رغبته متى يريد المسير إليه لمقابلته.
ورجع أحمد بن سعيد من مسقط إلى عاصمته الرستاق ورجع ولداه إلى بركا, ونزلا حصن نعمان وكان يقيمان في نعمان غالبا, ولم يزالا بعين الإمام, وهما لم يحاولان أمرا لو نبا السيف دونه لما عيب.
وبناء على ما أشرنا إليه سابقا أنهما لحظا عطف أبيهما على ولده أرادا أن يعمل به أخوة يوسف بيوسف, ليخلوا لهما وجه أبيهما, وكان المذكور تأثل أموالا بالبلد من وادي المعاول, ولعل ذلك من جملة ما غاظهما, فسارا إليه بصفة زائرين, ومكثا معه يومين فقابلهما بكل حفاوة وجميل, ولعله لم يتصور مل يريدان, فطلبا منه أن يصحبهما إلى نعمان بصفة زائر لهما فوافقهما وخرج معهما, فلما وصلا نعمان قيداه وحملاه في سفينة إلى مسقط ونزلا بالحصن الشرقي, إذ كانت في أيديهما بالصلح المتقدم.
فلما بلغ خبرهما أحمد بن سعيد قام من الرستاق مغضبا, ونزل مسقط بجمع كبير فأرسل إليهما أن يطلقا أخاهما المذكور, فأبيا وأصرا على عدم إطلاقه, وعند ذلك أمر على قابضي الحصن الغربي بضربهما بالمدافع, ونصب على الحصن المذكور المراصد, وهي السيب المحاصرة (4/171)
صفحة 997
له المحيطة به, وأمر قادة المراكب أن تضرب الحصن بالمدافع من البحر, فأطلقت النيران على الحصن الجلالي من كل جانب, فلا تسمع في مسقط إلا صعقات المدافع بشدة مريعة, وبقيا في حصنهما والمدد يصل إليهما من بطانتهما, فإن لهما بطانة, ولكل أحد بطانة.
فكان أهل طيوي وأهل صور ومن معهم يسحبون لهم المئونة اللازمة بأنواعها تمورا وأغناما وغيرها مما تدعو إليه حاجتهما, حتى طالت الحرب بينهما وأبيهما, فهرب أهل مسقط إلى يتى وقريات وغيرها من الساحل خوفا من رصاص المدافع الذي ينتشر في البلاد, حتى تنكسر جانب كبير من الحصن: فلما حاول الجنود الركضة عليه لم يقدروا, إذ وجدوا رصاصا أحمر يخطفهم, فقتل منهم رجالا في حال زحفهم عليه, وكان الشيخ الجبري معهم, فخرج إلى الطرف الشمالي يستجيش أهل ذلك الجانب, وجاء بجيش أميره صقر بن رحمة الهولي.
وكانت سياستهم تقتضي الإحاطة بالرستاق ما دام أحمد بن سعيد محيطا بالكوت في مسقط, وأنه كان يغار على الرستاق كثيرا, لأنه اتخذها عاصمة ووطنا, فأحاطوا بحصنها, وأرجفوا بها إرجافا شديدا, فكان من القدر أن خان أحد الخدام في الجلالي, وأهبط سعيد بن أحمد إلى أبيه بحبل من الكوت يحمله على ظهره.
وكان الخادم قويا ويعرف بابن منح فجاء بسعيد إلى أبيه, ولما أصبح الصباح تحققا هرب أخيهما سعيد والخادم معه, وكانا جعلاه الحارس الخاص على أخيهما المذكور, ولما بلغهما إحاطة الهولي بالرستاق, خافا اجتياحا إياها, ثم يعود على مسقط فيجتاحها, إذ قيل (4/172)
صفحة 998
له إن عنده ثلاثين ألفا, فأرسلا إلى أبيهما بالخروج من الحصن, وواجها أباهما بالجزيرة, وطابت نفسه عليهما وأعطاهما عطايا, وحمد نظرهما وما لا حظاه في هذه المبادرة وخرج أبوهما إلى الرستاق وهما إلى نعمان, وإلى هذا يشير أمير البيان حيث قال: ولم يكف كون بني غافر مستقلين بالظاهرة, واليعاربة مالكين بعض الحصون, حيث ثار على أحمد ولداه سيف وسلطان, واعتصما بقلعة بركا.
ثم ذكر حرب مسقط إلى أن قال: ثم إن أحمد أخذ هذه المسألة بالتؤدة, وانتهت بينه ولديه بسلام, والحقيقة أن أحمد بن سعيد لم يتأثر من ولديه كل التأثر, لما للولد في قلب الوالد من الحنو والعطف, ومن ناحية الرجلين رأى فيهما الحفاظ على الملك وأنهما لن يضيعاه, وأن تلك الحروب التي قاما بها ما هي إلا دروس تعبر عن المستقبل الذي سوف يعترضهما, فمن هذه الناحية رأى فيهما العزم الذي يحبه منهما, وعرامة الولد في صغره دليل عقله في كبره, وأن أحمد بن سعيد في آخر عمره فضل الرفق, واحتمل عدة أسايا.
ومن ذلك سكوته عمن أحاط بالرستاق في حال الحرب بمسقط بينه وبين ولديه, وأن ذاك كبير في اعتبار الزعامة العامة, إلى آخر ما عرف له من أخلاق واشتهر به من رعاية, فإنه كما قال الإمام السالمي رحمه الله: وكان أحمد بن سعيد صاحب همة عالية, ومطلب سام, وجرأة وإقدام, فصار ملك عمان كله إليه ما شاء الله. (4/173)
صفحة 999
قلت: هذا الذي استثناه الإمام العلامة هو ملك الظاهرة من عمان كما أشرنا إليه. قال: ودانت له القبائل, وسكن الحركات, وأطفأ كثيرا من الفتن, وأمر ونهى, وقام بأمر الدولة, وأعطى المملكة حقها, ودافع العجم, قال: واستراحت الرعية وتجدد الملك اهـ. (4/174)
صفحة 1000
مقام أحمد بن سعيد من الناس
إن مقام أحمد بن سعيد من الأمة بعمان بحسب مقام وطيد, لا يتزعزع حبه خصوصا أهل الساحل من صحار إلى مسقط لهم فيه محبة خاصة, لأنهم ألفوه أكثر من غيرهم واصطفاهم قبل غيرهم, فكان يقوم ويقعد بهم, وجعلوه بمثابة الأب الشفيق عليهم خصوصا في حال أزمة العجم, وخوف الناس منهم, وأما أهل عمان الداخلية, فمقامه عندهم مقام هيبة, لأنهم علموا منه ما أكبروا عليه في أحوال متعددة, فأهل الساحل على طول الخط لا يرون لأحد فضلا كفضل يرونه لأحمد ابن سعيد, فلا تسمع منهم إلا الإمام, وابن الإمام, وسوق الإمام, وبلاد الإمام.
وهكذا حتى رسخ في قلوب الذرية, وحتى إن بعضهم يلهج بهذا في حواره وحديثه, ولا يعرف من هو الإمام المعني بهذا فقرر ذلك في قلوب النشء بعدهم متوارثا حتى الآن, يجري ذلك على ألسنتهم وإن كانوا لا يعرفون المعنى به من هو.
ولا شك أن للفضل مقام, وللزعامة لزام, وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها, وهو قد أحسن إلى أهل الباطنة ليكونوا له أداة صالحة عندما يتهجسون من العدو شيئا أن يكونوا مع الإمام بكل مستطاعهم, وإذا كان الإمام ذا أخلاق وذا رعاية, ولو شعور حساس, وله حفاظ صحيح على الأمة, أنزلته الأمة منزلة التوقير والتعظيم, وبذلت في صالحه ما عز وما هان, وإذا كان بخلاف ذلك كان الأمر على العكس, والله يعلم المفسد من المصلح. (4/175)
صفحة 1001
وكان أحمد بن سعيد من صالحي الملوك, ومن السلاطين المحبوبين في سواد الأمة, على المعروف في الجيل الذي عاش فيه, وكان أحمد بن سعيد حجر أساس هذه الدولة البوسعيدية, وواضع دعائم أساسها بالسيف, وكان الباني لأركانها, والمشيد لمعالمهما, والموطد لعرشها, والمعبد لطريقها, بحيث يعرف ذلك الكل من أهل عمان, فإنه لم ينلها بالهوينا, ولم تأته ميراثا, وإنما جاءته بحد الصارم الذكر, وببذل المال على الرجال الذين هم دعاة إليه, والحماة له, والرعاة لأوامره, وبسهر الليالي بين السيف والرمح, ومن طلب العلا سهر الليالي, واحتمال الأذى وركوب المشقات قال أبو تمام:
طلب ... المجد ... يورث ... المرء ... خبلا
وهموما ... تفضفض ... الحيزوما
فتراه ... وهو ... الشجي ... خليا
وتراه ... وهو ... الصحيح ... سقيما
ولقد قضى أحمد بن سعيد على الدولة اليعربية حين رآها على الطريق النائي عن الحق, ورآها تجنح إلى الباطل, وتجمع إلى فساد عمان بحر الأجنبي إليها بعدما أخرج آباؤه منها إلى الأيدي الأثيمة, حتى قضى على ظلمها وفسادها, الذي طم على الأمة, وغسل أحمد بن سعيد العار عن وجهها, وأعاد إليها سمعتها, وكبح جماح عدوها, بحيث أصبح انتقامه من العدو يغطي ما فعله بعمان, وعليه فيجب أن يرفع شأنه, ويعلى مكانه, وتؤيد زعامته, فإنه البطل الغيور, والليث الهصور, الذي قام بواجب الوطن. (4/176)
صفحة 1002
وفاة أحمد بن سعيد الإمام
وحيث أن كل حي ميت (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) 12 وإن ذلك لا بد منه فقد توفى أحمد بن سعيد في سنة 1196 بالرستاق وقبره بها غربي الحصن.
قال الإمام السالمي رحمه الله: كانت أيامه أيام راحة واستراحة بعد تلك الفتن والمحن, يعني الفتن التي قام بها سيف وسلطان, والعجم بعمان, وكانت مدة ملكه بعد العقد تسعا وعشرين سنة, وقبل العقد منذ أن كان واليا على صحار كذلك, فكان عهده له أثره الخالد.
قال ابن زريق: وكانت وفاته في حصن الرستاق ليلة الخميس من شهر ذي العقدة سنة1188.
قال أمير البيان: كانت مدة ملكه أربعا وثلاثين سنة, قال: وكان خلاص عمان من العجم على يده.
قلت: وكانت مصيبته على أهل عمان كبرى, لأنه أصبح السد المنيع لعمان من العدو الأجنبي الذي يحاول في عمان ما يحاول, فإن الشر العماني الفارسي لا يزال من العهد الأول الذي عرفه التاريخ, ولكن كل شئ يجري بمشيئة الله عز وجل, والله يعز من يشاء ويذل من يشاء, وكل شئ ينتهي إليه, وتلك هي سنته.
وبموت أحمد بن سعيد وقع الخلاف فيما كان منظورا إليه, فإن (4/177)
صفحة 1003
خلاف أولاد أحمد بن سعيد بزغ فجره في أيام أحمد بن سعيد كما علمت, وقد حاول سيف وسلطان الاستيلاء على الأمر في عهد أبيهما, وقيدا أخاهما سعيد بن الإمام, فماذا يكون الحال والعمانيون الذين يستغلون الخلاف ينتظرون دق ساعته, لينظم كل فريق إلى جانب, وقد أصبح الملك يبكي بانيه, ويندب بالأسف المضني راعية, فإن أحمد بن سعيد بذل في صالح الأمة النفس والنفيس. (4/178)
صفحة 1004
أولاد أحمد بن سعيد
لقد توفي أحمد بن سعيد وترك أولادا ذكورا سبعة:
أولهم وهو أكبرهم: هلال بن أحمد, الذي قاد الحملة إلى البصرة, وهو الذي قضى على مشايخ بني غافر في حرب القرطي فقرطهم قرطا أتى على آخرهم, ومات بالسند إذ أصيب بالعمى, فخرج للعلاج, فكان سبب موته بالسند.
والثاني: سلطان, وهو الذي قام هو وأخوه سيف بالحرب عهد أبيهما في بركا, وفي مسقط كما سبق.
والثالث: سيف الذي توطأ هو وسلطان على تلك الحرب المشار إليها, وإلى سلطان تتصل الملوك في عمان وزنجبار كما سوف يقف على ذلك القارئ إن شاء الله.
والرابع: هو سعيد الذي كان أحمد بن سعيد يحبه, وهو الذي تآمر عليه أخوه سيف وسلطان وقيداه, وهو الذي تولى الملك بعد موت أبيه كما سوف يأتي خبره إن شاء الله, وإليه ينتسب أولاد بدر بن حامد.
والخامس: قيس بن الإمام الذي تولى الرستاق العاصمة المحبوبة لأحمد بن سعيد, وتولى صحار أيضا, وإليه تتصل سلسلة آل عزان كما سوف يأتي بيان ذلك إن شاء الله.
والسادس: محمد وإليه يتصل نسب أولاد راعي ظبية المعروفون, وهو الذي تولى السويق أولا, وسيأتي خبره مفصلا. (4/179)
صفحة 1005
والسابع: طالب الأعمى الذي تولى الرستاق أيضا, وله فيها حل وعقد وقد كان شديدا, ولم يعقب وسنفرد لكل واحد منهم ذكرا خاصا لإيضاح قضايا تاريخهم والله ولي التوفيق.
قال الإمام السالمي: وهو يذكر وفاة أحمد بن سعيد قال: وخلف أولادا منهم سعيد بن أحمد, وسلطان بن أحمد, وقيس بن أحمد, ومحمد بن أحمد, وطالب بن أحمد, وهؤلاء كلهم يقال لهم أولاد الإمام, قال: فأما سلطان فهو أبو ملوك مسكد وزنجبار, وأما قيس فهو أبو ملوك الرستاق, وكانوا قبل ذلك على صحار وتوابعها, وأما محمد وطالب فإنهما وليا من قبل إخوتهما فولى طالب الرستاق, وولى محمد السويق من الباطنة, وأما سعيد فهو الذي ملك بعد أبيه بالحال, وتسمى بالإمامة, وخاطبه بها أبو نبهان لمعنى خاص.
قال: واشتهر بهذا من بين إخوانه فأولاده يقال لهم أولاد الإمام ابن الإمام, قال: ولم يعدل في ملكه, ولم يرض المسلمون عليه, وكان أديبا لبيبا معدودا من أدباء عصره, قال: ومما ينسب إليه من الشعر قوله متغزلا:
يا ... من ... هواه ... أعزه ... وأذلني
كيف ... السبيل ... إلى ... وصالك ... دلني
وتركتني ... حيران ... صبا ... هائما
أرعى ... النجوم ... وأنت ... في ... عيش ... هنئ
عاهدتني ... ألا ... تميل ... عن ... الهوى
وحلفت ... لي ... يا ... غصن ... لا ... تنثني
هب ... النسيم ... ومال ... غصن ... مثله
أين ... الزمان ... وأين ... ما ... عاهدتني (4/180)
صفحة 1006
جاد ... الزمان ... وأنت ... ما ... واصلتني
يا ... باخلا ... بالوصل ... أنت ... قتلتني
واصلتني ... حتى ... ملكت ... حشاشتي
ورجعت ... من ... بعد ... الوصال ... هجرتني
لما ... ملكت ... قياد ... سرى ... في ... الهوى
وعلمت ... أني ... عاشق ... لك ... خنتني
فلأقعدن ... على ... الطريق ... فأشتكي
في ... زى ... مظلوم ... وأنت ... ظلمتني
ولأشكونك ... عند ... سلطان ... الهوى
ليعذبنك ... مثل ... ما ... عذبتني
ولأدعون ... عليك ... في ... جنح ... الدجى
فعساك ... تبلى ... مثل ... ما ... أبليتني
هذه الأبيات الرقيقة ذات الانسجام العذب, والمشرب الحلو في أسلوبها اللطيف, ولفظها الرائق, ذات الذوق الحلو عند أهل الفن. (4/181)
صفحة 1007
سعيد بن أحمد بن سعيد الإمام
لا يخفى أن أحمد بن سعيد الإمام هو الباني لهذه الدولة البوسعيدية, وواضع حجر أساسها, وهو هيولاها على الصحيح, وبجهوده وعزمه قامت على أنقاض تخريبات سيف بن سلطان, الذي ساء فعله عندما تولى الأمر, وقد قلده العمانيون أمرهم, وخضعوا له احتراما لآبائه الذين كانوا يتولونهم ويرضون عنهم, ولما تولى سيف المذكور جاء في طريق خاص به اختاره لنفسه, ولم يصغ لنصح ناصح, ولا لرأي مجرب الأمور, ولا للعرفين بالحقائق من مشايخ العلم الذين يقوم البناء على كواهلهم.
فإن الإمامة قضية علمية تقوم بأهل العلم وتقعد بهم, ولما ظن اليعاربة أن الدولة ميراث سواء كان الوارث صالحا أو غير صالح, ورأوا أنهم السادة في عمان, نزع الله ذلك من أيديهم, ووضعه في أيدي غيرهم ليعلموا أن الأمر في الحقيقة بيد مالكه الحقيقي الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء, وهو الذي ينزع الملك من أيدي مالكه الذي يظن أنه الحقيق به, والمالك له, ويضعه في يد الآخر الذي لم تحكم به النفوس, ولم تتصوره العقول والله أعلم حيث يضع رسالته.
ولما مات أحمد بن سعيد كرسي الدولة البوسعيدية, وواضع حجر أساسها, تولى الأمر ولده سعيد, وتسمى بالإمامة من غير أن يجتمع عليه أهل الحل والعقد, ممن هم الحجة في الدين, فإن الإمامة في المذهب أصلها اختيار المسلمين لصالحها لا لكل من يقول أنا الإمام, فإن إمام الصلاة لا تصلح إمامته إلا إذا رضيته الجماعة, فكيف بالإمامة العظمى, التي عليها أحكام شرعية ليس لأحد أن يقضى فيها إلا بأمر الإمام الذي تجب طاعته من الناحية الشرعية. (4/182)
صفحة 1008
وكان سعيد بن أحمد الابن المحبوب لدى والده أحمد بن سعيد, فإنه يتوسم فيه سمات الخير, ويرجو منه المصلحة العامة في الأمة, ولذلك غار منه أخوه سيف وسلطان, فأركباه الأدهم, وأودعاه الجلالي, وخاف أبوه عليه من ذلك, ولكنه نجا منهما, وبعد أبيه تولى الأمر على إخوته.
وكان ابن زريق يصفه بالشجاعة وفصاحة اللسان والأدب العربي, وله رواية ودراية,
وله شعر أوردنا منه تلك الأبيات المارة آنفا, وبعد موت أبيه تولى حصون عمان إلا حصن الحزم, وحصن نخل, وحصن جبرين, وهو الذي ولى أخاه قيس صحار, وجيش لأرض السر جيشا ضخما أراد به إخضاع قبائل الظاهرة, فقتل منهم عدة رجال خصوصا من بني غافر, فإن بني غافر بقوا على الحال الذي كان عليه والده, ورأى الظاهرة عدوه الذي لا بد من الأخذ على يده مهما كان.
قال ابن زريق: وغزا الحمرا فقتل شيخهم, وهابه أهل عمان, واتخذ الرستاق عاصمته إذ ذاك, وولى على مسقط الشيخ محمد بن خلفان البوسعيدي المعروف بالوكيل.
ولما كانت الحرب التي قام بها محمد بن ناصر الغافري, وخلف بن مبارك الهنائي, سيئة الأثر بعمان, وكان من أثرها تأصل الضغن بين العمانيين, وتحزبوا من أجلها, وتغلغلت العداوة في قلوبهم لبعضهم بعضا, وشمل ذلك كل من دخل فيها من القبائل ومن لم يدخل, وسرى في النفوس سريان النار في الهشيم, فانقسم الناس من أجلها في عمان قسمين كما هو معلوم, فأثر ذلك العداوة بين المسلمين في الوطن والدين, وأصبحوا حزبين متعاديين أشد العداوة, وإذا اعتبرت الأحوال ربما (4/183)
صفحة 1009
وجدت لمحمد بن ناصر العذر, لأن أكثر المسلمين كانوا معه حتى بايعوه بالإمامة, وعاش إماما يقوم ويقعد باسم الإمامة, ولم يقل أحد من أهل العلم إنه أحدث حدثا يوجب خروجه من اسم الإمامة, وكانت القبائل معه, وأما خلف بن مبارك بخلاف ذلك, ولكن للضعف أسباب منها الجائز ومنها غير الجائز, وأهل عمان لا يليق بهم والأعداء محيطة بهم من كل جانب, إلا أن يكونوا يدا واحدة, ولسانا واحدا, ويتركوا كل ما يخل بموقفهم, وإلا أكلتهم الأمم المحيطة بهم, وهم في فخ عداوتهم لبعضهم بعضا ليس ولعمر الحق هذا من صفات الرجال الأحرار.
ولم يصرح لنا التاريخ عن الصفة التي تولى بها سعيد بن الإمام أحمد الأمر بعد أبيه, هل هو بولاية العهد له؟ أم باتفاق العلماء الذين هم الحجة في الإمامة؟ أم تولى بحكم القهر والغلبة مع أن أخويه سيف وسلطان نافسا أباهما على الأمر وقاتلاه كما عرفت, وقبضا على سعيد المذكور وأودعاه السجن, وهما هنا موجدان ولم يعرف لهما نزاع في الأمر, ولا مقال ولا احتجاج.
وكان سعيد المذكور في عهد أبيه تولى نزوى, وهذا يدل على مكانته من أبيه إلا أنه لم يحسن العمل فعزله أبوه وولى غيره, وكان أهل نزوى ممن يكرهه حتى شكوه إلى أبيه, وكان الشيخ الصائغى كذلك وهو من أهل نزوى لا يرغب في سعيد بن الإمام أحمد, بل اعترض له عمله.
قال ابن زريق: إن الإمام سعيد بن الإمام أحمد أحدث أحداثا بعمان غير صالحة, قال: فمقته أهل عمان كافة, ومالوا إلى أخيه قيس وهموا بعقد الإمامة له في المصنعة, ومعهم سيف وسلطان وطالب ومحمد, ولم تنته القضية, وأرجأوها إلى العاصمة السعيدية الرستاق, فتوجهوا إليها, وكان سعيد المذكور فيها وأرسلوا إليه بالحضور معهم فلم يحضر, ولعله خاف على نفسه فأرسل إليهم بالضيافة ليشاغلهم بها (4/184)
صفحة 1010
عن الحضور, ولما تحقق الأمر الذي اجتمعوا له باغتهم بإطلاق مدافع القلعة عليهم, ووافق ذلك حال فراغهم من الأكل, فتفرق القوم عن غير شئ يحسن السكوت عليه, وكان اجتماعهم بمحلة قصري من الرستاق, وتبعثر الرأي الذي بيتوه, ولعلهم رأوا نار الفتنة تشتعل بهم, ففضلوا التأخير إلى وقت أخير.
حتى في السنة الثانية من ولاية المذكور, اجتمعوا في نخل لهذا الصدد بعينه, وكان بها محمد بن سليمان بن عدي اليعربي, وطلبوا حضوره معهم ولم يحضر, ولعلهم رأوا منه العداوة وهم في بلاده, وكان أيضا أرسل لهم بالطعام لهم ولدوابهم, ولعله خائف من الأولى التي وقعت عليه من نائبه في عهد الإمام أحمد بن سعيد, وخرجوا من نخل ولم يتم لهم أمر, وعلى كل حال إن الأمور مرهونة بأوقاتها وفساد الرأي إذا تردد. (4/185)
صفحة 1011
حمد بن سعيد بن الإمام أحمد بن سعيد
كان للإمام سعيد بن الإمام أحمد, ولدان هما حمد وأحمد, وكان لكل واحد منهما كياسة وعقل, وكان حمد أعقل الرجلين, ولعله أدهاهما, ولما رأى عدم قابلية أهل عمان لأبيه سعيد, وأن عدم قابليتهم له لا بد أن يؤثر على الأمر, وكانت له أفكار بعيدة, وكان أيضا يحاول الملك من أبيه ولكنه يرى أعمامه سيف بن سلطان وإخوتهم حوله كالأسود الضارية, ومثلهم كما قيل من تلقي منهم لاقيت سيدهم, فأراد أن يدخل الحظيرة من بابها, وقد مهد سياسة لمرامه قد لا يفطن لها منهم إلا غواص ذو فكر ثاقب.
قال ابن زريق: كان حمد داهية من دواهي العرب, لما رأى أحوال أبيه لا يقتضيها الحال, فعند ذلك التفت إلى أهل عمان بما يقربهم منه, وتدخل فيهم وفتح لهم باب الاتصال رامزا إلى ولده استكشاف ما عندهم, والاطلاع على ما تقضيه نواياهم, ولم يسأم والده من ذلك, فكانوا يأتونه زرافات ووحدانا, وكان لأبيه بمنزلة الوزير, وكانوا يأتونه يتوسلون به إلى أبيه فيما يهمهم, فيقوم معهم ويكرمهم, فأحبوه وأخلصوا له المعاملة كما ينبغي, وإذا رأوا من أبيه شيئا يحذرون منه أو يخافونه, أتوه فقام معهم, وبذلك نال منزلة في قلوبهم, وسار به حديثهم, ويقرب أهل العلو والفضل والورع.
قال ابن زريق: فأحبه أهل عمان وزاد بغضهم لأبيه, وتآمر هو وبعض أهل عمان في الاحتيال على أن يتولى الملك عن أبيه, لأنه الأحق به, وسوغوا له ذلك ورغبوه فيه, ولكنه يتظاهر لهم بضد ذلك. ولعله (4/186)
صفحة 1012
سياسة منه, ولعله خوفا أن يطلع عليه أبوه, فلم يفتح لأحد منهم باب مجارات في الموضوع, ولكنه يعمل في نفسه نفس المطلوب, وهو بحسب الظاهر يتباعد عن الصدد بعيدا, ويمنع الحديث في الموضوع أصلا, ولكنه يعطي الوافدين عطاء هاما, ويبذل لهم مبذلا فوق الحد, وهكذا كان حاله حول هذا المقام الهام.
قال ابن زريق: وأكثر النقل هنا عنه, وإن كان بعبارة أخرى لأنه في الغالب لا يعبر تعبيرا صحيحا, بل يأتي بكلام العامة. قال: وما زال حمد المذكور يتحين الفرصة ليتناول ما بيد أبيه من السلطة, حتى ثارت فتنة بين أهل اليمن, وأهل النزار من أزكي, ووقعت بينهم حرب دامت مدة, وسعيد يسمع ويرى ولا يتحرك, فقام حمد على أبيه في هذا الصدد, وثار سعيد بجمع كبير من أهل عمان, وبالأخص أهالي الرستاق, وبعد ما تمت قضية أزكي قام حمد لأبيه قائلا: إنك وليت على مسقط محمد بن خلفان بن محمد البوسعيدي المعروف بالوكيل, وإن محمدا المذكور أخرج العسكر الذين تركتهم أنت في الحصن الشرقي, وكذلك عسكر الحصن الغربي, واستبدل بهم صبيح الضوياني في الحصن الشرقي, وكذلك الحصن الغربي ترك فيه مسعود بن أحمد البارحي, وهذا يدل على تصرف يوهم الاستبداد بالأمر.
فقال سعيد: ما أظن ذلك إلا لمصلحة لنا, وما يراه الحاضر لا يراه الغالب, فكان سعيد يحمل القضية على محمل حسن, وهو مطمئن من المذكور لا يعتقد فيه إلا الطاعة, وكان حمد يريد بذلك فتح باب الدخول (4/187)
صفحة 1013
على الأمر الذي بيد أبيه, وهنا قال له: اكتشف للأمر أرسل له يرسل لنا دراهم وأرزا لمقابلة شئوننا هنا, واكتب له ذلك بخط يدك خاصة, فإن أرسل المطلوب, فهو كما تعتقد أنت, وإلا فالرجل ليس بواليك.
فوافقه وكتب الإمام سعيد لمحمد بن خلفان بالمطلوب, وإذ ذاك دس حمد لمحمد بن خلفان إذا جاءك كتاب من والدي يطلب كذا وكذا من الدراهم والأرز, فلا ترسل له شيئا, فقد حصل كفايته من هنا, واعلم أنه يريد الهجوم عليك بالقوم الذين معه ليخرجك من عملك, لأن الناس قد أوحشوه بك لما بدلت العسكر, وإنك شريت جملة من العبيد, وإنك بسطت لصبيح بالعطاء تريد ليكون معك وإنك رفعته فوق قدره إذ أمرته أن يدخل سوق مسقط على حصانه والعسكر خلفه, وأمامه, وهكذا في سكك مسقط, وإن هذا كبير قد تأثر منه في نفسه وأضمر لك ما أضمر, وكذلك تقريبك لمسعود بن أحمد البارحى, وبذلك العطاء له داخل في نفسه, وإنك أمرته يتعمم بالشالات الكشميرية, وهي ملابس فاخرة يتزين بها الأكابر في ذلك العهد, وإذا أرسلت له ما طلب ليصلك بخيله ورجله, فيعزلك من الولاية إذا سلمت من القتل.
قال: وتلك مكيدة من حمد وحيلة منه يريد بها أن يصل الأمر إليه من أبيه, فوصل كتاب حمد إلى المذكور محمد بن خلفان الوالي, قبل أن يصل إليه كتاب أبيه, فلما قرأ كتاب حمد ظنه إخلاصا منه ومودة, وتصور صدقه, وأنه ناصح أمين.
ولما وصله كتاب الإمام سعيد, وعرف ما فيه, قال له: ارجع (4/188)
صفحة 1014
إليه, وقل له يقول لك محمد ما عندي لك شئ, وهذا جوابه شفاهيا فقط, ولما رجع الرسول إلى سعيد وأخبره بما رد عليه محمد بن خلفان, وعند ذلك خلا بولده, وأخبره بجواب الوالي له, وأنك يا حمد صدقت فيما قلت, فقال له حمد: أنا ما قلت إلا حقا, فإن لي رجالا بمسقط يكاتبونني عن صنيعه كله, فإنك صرفت همتك عن مسقط, فلا تظن أن مسقط لك, فقال له: ما الرأي إذن في القضية؟ فقال له حمد: أرسل ولدك أحمد ليناصحه ويتعرف حقيقة الرجل, ليطلع على أخباره, ثم يرجع إلينا حتى نعلم حقيقة الأمر عنه, ولسنا بمنصرفين من أزكي إلى الرستاق, ولا إلى غيرها حتى يرجع إلينا ولدك الأخ أحمد.
واتفقا على ذلك, وهنا قدم حمد لمحمد بن خلفان الوالي كتابا إذ أتاك أخي أحمد أحبسه وأودعه القيد, قبل أن يحبسك ويقيدك, فإذا فعلت ذلك قطعت طعمه منك وطعمه من مسقط, وأرسل به رسولا عانيا, وأسر إليه بذلك.
فلما وصل أحمد مسقط حبسه الوالي وقيده في الجزيرة, وهرب أصحابه إلى أزكي وأخبروا سعيد الإمام بالواقع, فتأثر منه وعيل صبره, ورأى نفس الأحدوثة في الناس كبيرة, وقال لوالده: حمد هذا عاقبة رأيك الذي قلت لي به إنه الرأي السديد, فأجابه حمد: أرى أن نمضي إلى مسقط بمقدار هين من الرجال قدر مائة رجل فقط, فننزل روي وأنا أمضي إلى مسقط, واجتمع بمحمد بن خلفان, وأخلص أخي من حبسه, ثم آتيك به فقال سعيد: أما تكفي الأولى عن الثانية, أي ربما حبسك أنت فتكون الرزية أعظم, والجريمة أجل, وكأني به فاعل. وكان على وجهه لا يظن أن القضية هي عملية حمد, فعذله ابنه (4/189)
صفحة 1015
حمد قائلا: دع الوساوس وطاوعني في هذا الأمر, وألح على أبيه وأكثر له المقال, وأطال معه الجدال, والوالد الحنون يتلوى على الابن الثاني لمحبته له, لا يرضى أن يلحق بأخيه في الأسر والشماتة, وما زال حمد بأبيه حتى وافقه ومرجل غافل لا يظن في الولد خيرا.
وكان حمد يحاذر أن لو وصل الإمام, وقبض مثلا على الوالي أن يبين منه شئ دسائسه ضد أبيه وأخيه, فتنقلب الأمور عليه قبل أن يتمكن على الحصول من نتيجة العملية التي وضع خطتها, ورتب مجراها.
ولا شك أن المأخوذ غافل, والملك له ثمن, والنفس تتطلبه بما عز وهان لا سيما أولاد الرؤساء, فإن هذا أمر وضعه الله في الطبيعة البشرية من أول عهدها, وما زال التنافس عليه في العرب والعجم, ولولا ذلك لما احتاجت الأمم إلى التطاحن بالمدافع, ولما هلكت الجيوش العظيمة بذلك, وكم ممن قتل أباه على الملك فضلا عن غيرهم, وعند هذا الحال كتب حمد إلى الوالي محمد بن خلفان يقول له: إذا وصلك كتابي هذا أجمع أهل مسقط ومطرح وخدامك وعسكرك, وانزل بهم في سيح الحرمل, وهذا السيح هو الذي تقع عليه الآن مطرح الكبرى, فإذا أبلغك عنا أننا نزلنا روي أبعث لنا رسولا ومعه كتاب منك للوالد تقول فيه: إن كنت تريد إطلاق ولدك أحمد فليأتني ولدك حمد, وله الأمان مني, وامكث أنت ومن معك في روي, فإذا تقدمت إلينا فترا من روي تقدمنا إليك بخيلنا ورجلنا السلام.
وأرسل حمد بكتابه هذا رسولا سريا, فلما وصله هذا الكتاب جمع (4/190)
صفحة 1016
الوالي جموعه كما أمر حمد ليوهم سعيد بن الإمام القوة عليه, وكان المذكور غافلا, والعملية تمشي في ظلام غفلته, فلما وصل الإمام سعيد روي, وأخبرهم العوام من الناس الذين لا علم لهم بظاهر الحال, وكان القابضون بسد روي وأهل البلد يخبرون سعيدا وولده عن الجمع الذي جمعه الوالي, وأنه معسكر بسيح الحرمل بجيش ضخم.
فمكث سعيد ومن معه في روي, ومضى حمد إلى الوالي, ولما تصافحا وهش أحدهما صاحبه, والعملية بينهما لها مقامها, ولها أثرها وشكر محمد بن خلفان رعاية حمد له, وكان حمد ماكرا بالرجلين معا, ومحتالا عليها, وتبادلا الحديث, وكل واحد منها يشكر الآخر على حسن الصنيع معه, والحيلة ماشية في نشاطها, فأمر حمد بإطلاق أخيه أحمد, وأنهما يرجعان معا وأبيهما إلى الرستاق لإتمام البرنامج المخطط, وكن أنت يا محمد مكانك لا ينازعك في الملك منازع, وسوف أعود عليك بعد استقرارنا بالرستاق.
وحقيقة المعنى لأضعن والدي وأخي بالرستاق, وأصل أنا لسلخك من الحكم, وقبض الأمر عنك, والظاهر أصلك لحسم الصلح بينك والوالد, فإنا لا نرضى لضياعك أنت ولا نرضى ما يريده الوالد فيك, وأنت حر اليقظ الذي قمت بالواجب, وأيدت الدولة, ولك عندنا مقام, ونحن معك لا مع الوالد الذي يريد هدم هذا البناء الشامخ والركن الباذخ.
ووضع لمحمد بن خلفان وضعا نام عليه في وطاء مهيأ على حسب الظاهر, وللرجال عوائل لها تأثيرها, وبعد رجوع الإمام سعيد وأولاده وخاصته إلى الرستاق, تصور له أن مسقط خرجت من يده, وأن محمد ابن خلفان عاض عليها بالنواجذ, ولعله عنده من يؤيده, وبالجملة (4/191)
صفحة 1017
استولى اليأس على الإمام المذكور من مسقط, وبقى حائرا لا يعرف الطريق الموصل إلى حل هذه الأزمة الجاثمة على كاهل إمامته.
وبعد أيام قام حمد لأبيه قائلا: ألك يا والدي حيلة على قبض محمد ابن خلفان أو قبض ما في يده بغير حرب. فقال: لا, وماذا أفعل؟ وقد تمكن الرجل من الأمر وساعدته الأقدار, فجمع أموالا وافرة واستجلب لتأييده أناسا, وربما ساء ظنه في إخوته الذين عرفت منافستهم له سابقا, وقد تبين منه
العناد والرد للأمر, وهذا يعبر عما هم عليه من المخالفة.
ثم قال لأبيه بعد ما تحقق عجزه: أرأيت إن عملت حيلة وأخرجت الأمر من يده, وتمكنت منه أتترك لي ذلك؟ قال: نعم قال: أتعاهدني على ذلك, وعلى أن تترك لي حصون عمان أدبرها بنفسي إلا حصن الرستاق, ولك على الطاعة والامتثال فيما يرضاه الله, فقال له: نعم, نظرا لأن أمر الولد لا يبعد عن يد الوالد, فأجابه على ذلك من غير تردد.
والظاهر أن هذا الحال لا يدل على عقل مميز ولا على وعي صحيح, قال حمد لأبيه: أنا أذهب إلى مسقط لتدبير الأمور, وإذا وصلك كتابي أدعوك فيه للوصول إلى مسقط, فأسرع الكرة ولا تتعرقل, وأقدم بمن معك من الرجال, ثم عزم الرجل على تنفيذ خطته, واصطحب معه قدر رجل, فجاء مسقط مباغتا مع أنه كان قد مهد له طريقا يبسا لا يخاف معه ولا يخشى.
ولما نزل الجزيرة, وكانت المناخ الصالح, فأجلس رجاله في (4/192)
صفحة 1018
مناخه, وذهب هو إلى بيت الوالي, فلما تلاقيا هو ووالد الوالي خلفان, تصافحا وربما تعانقا, وبعد حديث ودي دار بينهما عاجلا منه, جئت لأصلح الشأن بينك والوالد, وبين الوالد وولدك محمد, ذلك هو أن يدفع ولدك محمد للوالد كذا وكذا من الدراهم سنويا ولمحمد ما قضت يده من المعاقل لا ينازعه فيه منازع, فسر خلفان بذلك وأنعم له بذلك إنعاما قلبيا, وطلب حمد المقام بمسقط ثلاثة أيام, فأجابه البلاد بلادك فأقم بها ما شئت لا حرج عليك, وطلب أن يخلي له جانب من بيت النواب, فأخليا له ذلك وسبقت إليه الفرش والأواني, لأنهما رأياه أحسن إليهما الإحسان الكامل, حيث أعطاها ملك مسقط وتوابعها بعد ما كان المذكور واليا أصبح حاكما.
وفي الليلة الثانية خرج عندما تمكن الليل وهبط الظلام على الأرض, وحمل معه شيئا من النقود, ومعه خمسون رجلا من قومه, وسار توا إلى الحصن الشرقي, فلما كان بالباب الأول من الحصن نادى بأعلى صوته صبيح الضويانى أمير عسكر الحصن, فأتاه ففتح الباب وأدخل حمد الحصن هو ومن معه من الرجال, فلما رأى حمد أنه تكمن من الحصن, قال للضوياني المذكور: لقد كفرت النعمة التي أنعم بها عليك أبي أيام مقامك معه بالرستاق, فصرت لنا بعدما أنعمنا عليك عدوا أزرق, ما حملك على ذلك؟ وكان الضوياني يعهد أن حمدا والوالي على حال اتحاد, فلذلك أدخله الحصن, ولكنه عن أن الدخول في مثل هذا الوقت فيه ما فيه, ثم قال حمد للضوياني: والدي أرسل لك هذا المال, وأمرني أن أقعد معك برجالي حتى يأتي هو إلى مسقط, وأمرني أن أبلغك أن تعصي أمر محمد بن خلفان, فإنه عاملنا فلا تطعه في كل شئ (4/193)
صفحة 1019
من الأمور فإذا جاء إلى هنا أن ترده خاسئا أو تطلق عليه النار هو أو أحد من رجاله.
فامتثل الضوياني أمر حمد, وأخذ المال وأعطى الشراع وجهة الريح لا سيما رأى أنه مغلوب على الأمر, ومقهور في حصنه, فلما رأى حمد تحقق أمر الحصن, هبط وأبقى أصحابه الخمسين رجلا في الحصن, ثم توجه إلى الحصن الغربي, وكانت العملية هي نفسها وكان التعارف بينه والبارحي منذ مدة قد تقرر ففتح الباب, ودخل حمد ومعه الخمسون من رجاله, وأفاد البارحي أن الملك لكم وأن محمد بن خلفان عاملكم ولا مانع لدينا, ويا بواب افتح لا سيما حين علم أن الحصن الشرقي الآن في يد حمد, وأن رجاله فيه, وأن الضوياني سلم الأمر له, فقال له, فقال حمد لمسعود نفس ما قال للضوياني, فإن أتاك هو أو أحد من رجاله أطلق عليه الرصاص.
ولما تمكن من وضع عمليته هنا هبط أيضا وقد نال ما طلب, وقد أنفذ خطته كاملة كما أرادها, وكان ذلك كله في نفس الليلة المشار إليها, وخرج حمد منهيا عمليته في الحصنين, يريد الحصن الشرقي وإذا بماجد ابن خلفان أخي محمد بن خلفان في الطريق, وكان متخفيا فظنه حمد بن سعيد, فجاء إلى أبيه قائلا: إن حمد بن سعيد راح إلى الحصن الشرقي, وقد احتال عليك ووضع برنامجا عنده للاحتيال, فغالطه أبوه بأن حمدا عندي أسراره وإلى يلقى ما عنده, فلا تظن الأمر غير ما عندي, فقال له: اذهب إلى مناخه في بيت النواب, فإن وجدته ووجدت أصحابه معه فالغلط مني, فسارا معا وإذا بالمكان خالي إلا الفراش فقط والأثاث, (4/194)
صفحة 1020
فعلم محمد بن خلفان أن المكيدة قد انتهت من حمد, وأن تلك المراسلات كلها خداع, فانتظر محمد بن خلفان طلوع الشمس, وإذ ذاك تجهز في خدمه وحشمه, وسار يريد الحصن, فلما دنى منه أطلق عليهم الرصاص ثم رجعوا إلى الحصن الغربي فكان الأمر كذلك.
وبذلك سقط في يد محمد بن خلفان هذا, وعلم أن الأمر انتهى لحمد, فرجع إلى بيته يفكر في الحادث على هذا الوضع, وماذا يكون بعده وعند ذلك أرسل حمد إلى أبيه بالثورة عاجلا, فجاء أبوه بقوته العاجلة حتى دخل مسقط ولا منافس له ولا منازع, وإذ ذاك أطلقت من الحصنين والسفن الراسية في الميناء, ونشرت الأعلام المخبرة عن الواقع وهبط حمد لمقابلة والده, وأرسل إلى محمد بن خلفان أن يحضر, فحضر الكل في بيت الجزيرة.
ولما استقر بهم الجلوس قال حمد بن سعيد لمحمد بن خلفان: قد عزلناك عن الولاية, وسامحناك عما سبق منك من الإساءة والاجتراء علينا فلك الأمان منا, فمضى محمد بن خلفان وإخوته وأبوهم معا إلى بيتهم, ثم بعث حمد إلى سليمان بن خلفان بن محمد, فولاه مسقط وقد قبضها حمد فعلقها عن خلفان وأولاده بعيدة بوضع رجاله في الحصنين, وتولاها عن الوكيل وأبيه.
والحقيقة أن هذه العملية كان المقصود بها والده سعيد, وهو الذي رفع قدر محمد بن خلفان إلى المحل الذي رمى به منه, لأنه لم يكن عمرو ابن العاص, وإنما كان أبا موسى الأشعري, ومكث سعيد بن الإمام أحمد في مسقط ثلاثة أيام, ثم عاد إلى الرستاق, وقد علم أن أمر ملك (4/195)
صفحة 1021
عمان بيد ولده حمد, وأنه هو تحت مراحم حمد المذكور, فكانت الرستاق وطن سعيد بن الإمام لا يخرج منا إلا لغرض خاص, ثم يعود إليها وبقى حمد وهو السيد المطاع, والملك المتبع, فأصبح له الحل والعقد في عمان كلها, وجاءته القبائل خاضعة ومسلمة إذ كانت معه في عهد ملك أبيه كما قدمنا, وسار سيرة حمده المسلمون فيها, وعدل في الناس وكان كريما مطلق اليد, وأحسن إلى الكثير من الناس, وكان على حال يرغب فيه المسلمون من حسن الرعاية كما سبق الإشارة عنه.
قال ابن زريق: فكان من جملة خاصته من أهل العلم والورع, الشيخ القاضي مبارك بن عبد الله النزوى, والشيخ سليمان بن ناصر المهللي, والشيخ أحمد بن ناصر الحراصي, والشيخ خميس بن سالم الهاشمي, والشيخ فضل بن سيف اليحمدى, وغيرهم من أهل العلم والورع والفضل, وجعل مسقط وطنه الخاص. (4/196)
صفحة 1022
الحرب بين المعاول وأهل نخل
في أيام حمد المذكور, قامت حرب بين أهل نخل والمعاول, سببها ثورة أهل نخل على حجرة الجناة التي لآل مهلل على رءوس أفلاج أهل نخل, وكان بناء تلك الحجرة مراغمة لأهل نخل بمساعدة من السلطان سعيد بن الإمام أحمد بن سعيد أيام احتلال نخل, وفي هذه الأثناء وجد أهل نخل متنفسا لهم, فثاروا على الحجرة المذكورة ثورة موحدة, فقضوا عليها, قتل فيهل من قتل من الطرفين, ولكن انتصر فيها أهل نخل.
وعند ذلك قام المعاول مناصرين لآل مهلل, إذ هم من أهل عصبتهم, ولم تزل الحرب في اشتعال, وسعيد الذي هو السلطان أصبح سلطانه إلى ولده حمد. وكان المذكور متعصبا لآهل مهلل, ولعله يرى تلك الثورة مخالفة, وأنها لم تكن عن اتفاق.
قال ابن زريق: الذي هو المعنى بهذه الحوادث: ولما اشتدت الحرب بين المعاول وأهل نخل من قبل هدم أهل نخل لحجرة الجناة التي لأولاد مهلل, أعان حمد المعاول على حرب أهل نخل بالمال والرجال.
قلت: ما كان ينبغي من الحاكم الذي هو الرئيس العام, أن يعين فريقا على آخر أو طائفة على الأخرى, بل عليه أن يقوم لإطفاء الفتن وردع المثيرين لها, اللهم إلا إن لم يكن قادرا على الإنصاف, وتحقق عجزه.
قال ابن زريق: أخبرني غير واحد أن حمد بن الإمام سعيد حشد أيام حربه لنخل من أعراب جعلان, وهم بنو بحسن وحلفاؤهم, وأضاف (4/197)
صفحة 1023
إليهم أعراب الساحل, وأهل الرستاق وغيرهم من الحضر, قال: فركض بهم على نخل ومعهم رجال المعاول قال: فانكشف جيشه.
قلت: لعل في الجيش خيانة وإلا فنخل يكفيها المعاول إن كان القيام على الحق, اللهم أن يكون مع أهل نخل تعصبات من أناس آخرين, وهذا من الغلط الذي يقع فيه كثير من الحكام الذين لا يبالون بإخلال أحوال المنصب العام, الذي يستدعي أن يكون الحاكم الميزان العدل في الأمة.
قال ابن زريق: ثم رأى أي حمد الصلاح في إصلاح شأنهم, أي بعد ما انكشف جيشه وتحققت, راح إلى بركا. قال: فاستدعى مشايخ الجبور الذين في بركا والنوافل, فأرسلهم إلى والي نخل ليأتوه به لإتمام الصلح, وكان الوالي المذكور مهنا بن محمد بن سليمان اليعربي, الذي ما زال في نخل منذ الإمام أحمد بن سعيد: فقام المشايخ المذكورون بما كلفوا وكتبوا للوالي المذكور, فلبى دعوتهم بمن معه, وجاء على طريق الطو تفاديا من لقاء المعاول, وليكون أهل الطو العضد له, ولعل المشايخ المرسلين إليه كروا قاصدين إليه, فالتقوا بعقبة الطو, وكانوا جمعا كبيرا فتوجه الكل إلى بركا, فلما تقابلوا عند حمد, تمم الصلح بينهم ولم يبينوا حقيقة الصلح على أي صفة كان, ولعله على هدم ما وقع.
قال ابن زريق: واستفتى-أي حمد- أهل العلم في حربه لنخل. قال: وزعم أن حربه لهم لرأى رآه استحقوا به الحرب, قال: فلم يلزموه الضمان, أي لأنه كان مستحلا لحربهم, قال: فتاب عما كان منه, أي ليس عليه إلا التوبة, وهو المفروض على المستحل إذ رأى هو أو رأى من يعتمد عليه من أهل العلم خطأه في حربه, والمرجع إلى الله. (4/198)
صفحة 1024
قال: فضرب الطبل في حصن بركا بالأمان على أهل نخل, وقال حمد لمهنأ الوالي: ارجع إلى نخل فإني سآتيك, أي لإتمام الصفا وإعلان الوفا, ثم جاءه حمد المذكور لإصلاح الشأن بين الوالي عن أهل نخل والمعاول من الشق الثاني, وجمع حمد الكل لإصلاح الشأن, وقابلهم مهنا الوالي بنخل بما يليق إذ استضاف الكل, ثم عاد حمد أيضا إلى نخل بصفة ودية بينه والوالي لتدعيم العلاقة في المستقبل, ودخل الحصن عند صلاة الفجر, والتقى بالوالي وصليا معا. وقعدا يقرأن القرآن حتى طلوع الشمس.
وكان حمد المذكور وصل نخل مفردا فقط, ثم تواصل أصحابه عند الضحى مبلغ ألف رجل.
هذا خلاصة ما في المقام مع ترك إطالة الحكاية عنهم حيث نوخوا, وحيث يتناجون, وماذا قال أحد الزعمين للآخر إلى الآخر لابن رزيق مما يشبه أقصوصة ألف ليلة وليلة. (4/199)
صفحة 1025
أعمال حمد بن سعيد أيام دولته
قال ابن زريق, وهو يصف أعمال حمد بن الإمام سعيد قال: بني برجا على مكلا مسقط, أي ثغر البحر عند المدخل إلى ميناء مسقط, فقال مصحح ابن زريق, يصف المكلا: جمهورية اليمن الجنوبية, ولم يعلم المكلا الذي يعنيه ابن زريق, فذهب بسهوه إلى البلد المعروف بهذا الاسم في اليمن, ولم يسبق لهذه البلدة أو المنطقة ذكر في تاريخ عمان, فهذا ليس من التصحيح, لكن من البلية إسناد الأمر إلى غير أهله, وكم مثل هذا.
قال ابن زريق: وأودعه- أي برج المكلا- مدافع كبارا, أي لأنه في وجه الداخل لثغر مسقط, قال: وبني قلعة نزوى, وهي المعروفة حتى الآن, وبني قلعة بحصن بركا, وأدخل فيها المدافع الضخمة التي تليق للدفاع في ذلك العصر, قال: وأمر بصنع باخرة حربية في زنجبار, وهو الذي سموه الرحماني, وكان مركبا ضخما بديع الصنعة, غريب الشكل, يحمل ثقلا كبيرا اشتهر في دولة آل بوسعيد, واستقضى في بركا الشيخ سالم بن محمد المعروف بأبي الأحول البلحسني الأزكوي الشاعر الأديب, وأحسن إليه كما ينبغي, وعلى كل حال أن الإحسان في أهله شبه الواجب, بل مما تحمد عقباه.
ويسجل التاريخ لصاحبه الثناء الحسن الجميل, ويبقى أحدوثة حسنة طيلة الدهر, من ذلك أنه أمر ببناء بيت خارج سور بركا, ولما كمل بناؤه ساق إليه التمر والأرز والسكر والأواني اللازمة, حتى الصناديق المعتاد استعمالها والفرش التي يستدعيها الحال, ثم أرسل (4/200)
صفحة 1026
إلى أهل الشيخ للوصول إلى بركا على اسم الشيخ بحصن بركا قائما بأعمال القضاء فلما وصل أهل الشيخ بركا, وكانوا ظنوا أن سالم مريض, فاستدعى وصولهم إليه, أمر حامليهم أن ينزلونهم في ذلك البيت, وأمر أن يخبروا أن البيت بيتهم, وأن كل ما فيه لهم, قال له: إن هذا البيت لك, وكل ما فيه هو لك, وإن أهلك الذين خلفتهم وراءك هم الآن في البيت, فلما دخل الشيخ البيت عجب من الحال الواقع حيث وجد البيت مملوءا من المال على اختلاف الأنواع, فحمد الشيخ الله, وشكر الأمير حمد شكرا من عميق شعوره, وفيه قال تلك القصيدة الرائقة التي يقول في مطلعها:
سوق تباع به القلوب بلا ثمن
وما بين بابي عين سعة واليمن
ومشى فيها يتغزل ويشبب إلى أن قال متخلصا:
لا ... زلت ... مقتصرا ... عليه ... كما ... غدا
مولاي ... مقتصرا ... على ... الفعل ... الحسن
حمد ... الذي ... حمدت ... جميع ... خلاله
فحلت ... به ... للخلق ... أخلاق ... الزمن
وذهب يمدحه مدحا يعبر عن الواقع من المذكور, لا عن صفات مستعارة أو مختلفة, وعلى كل حال إن اللها تفتح اللها, وتنطق العي حتى يظن أنه من الفصحاء أهل النهى. (4/201)
صفحة 1027
ولما شاع صيته, وتحدث عنه الناس تأثر من حديثهم عمه سلطان, وخاف منه أيضا عمه سيف بن الإمام أحمد لمقدمات جرت بين سيف وأخيه سعيد والد حمد, حيث قيده هو وأخوه سلطان, وحلاه إلى كوت مسكد كما علمت ذلك مما سبق, وأن الخادم ابن منح أخرجه من الكوت والمدفع يدوي في جبال مسقط, ووالده في بيت الجزيرة, لهذا ولما بقى في النفوس خرج سيف المذكور إلى لاموه من أفريقيا الشرقية من أرض الزنج, وإذ ذاك خاف حمد من عمه سيف ما يريد أن يصنع في تلك الأرض وهي مستعمرة عمانية.
ولما وصل وجد عمه سيف ميتا, فرجع إلى عمان وبقى عمه سلطان, وكل واحد منهما يخشى بأس الآخر, وكان سلطان وسيف متوالين وهما شقيقان, فعد سلطان مسير حمد إلى لاموه ضغينة وحرجا كبيرا, حيث إن سيف ترك حمدا لا يعارضه في أمر عمان, وأضمر له العداوة, فجاء سلطان إلى نزارية وادي سمائل كما يقول بن زريق, وطلب منهم المناصرة على حرب حمد بن سعيد المذكور لبن أخيه, فعاهدوه على المناصرة, فأول شئ عمله اقتحم على حصن سمائل فتولاه, وطرد منه عمال حمد, وكان دخولهم له من جهة السوق, ثم خرجوا منه حيث طردهم البرج المربع منه, فلم يقر قرارهم فيه, وعند ذلك زحف سرحان ابن سليمان الجابري السرحاني على عوامر سيجا, وكانوا من أنصار حمد متحصنين في حجرتهم, فاحتلها منهم وشرد بهم, فغضب حمد على بني جابر وتأصلت عداوته لعمه سلطان, فجاء بجيش ضخم, ولما وصل لم يجد من يكون معه لما جاء به, ووقعت الخيانة في الجيش فتعللوا له بعلل رآها ترده على ورائه, فرخص الجيش كله, وتوجه (4/202)
صفحة 1028
هو إلى مسقط, ولم يعول على شئ في وادي سمائل, وأعرض عن حرب بني جابر, إذ رأى في قومه ما لا يرغب فيه وللناس أنظار.
ثم رجع حمد إلى مسقط إلى الرستاق ليتفاهم مع أبيه فيما هو بصدده, ولما علم سلطان بتوجهه إلى الرستاق هاجم سلطان مطرح بقومه من وادي سمائل, فدخل عليها من عقبة مراخ شرقي الوطية, فنهبوها وحملوا أموالا طائلة, ثم ضرب معسكره بدار سيت شمالي بيت الفلج, وإذ ذاك جاءه والي مسقط سليمان بن خلفان بن محمد الوكيل القائم بها من طرف حمد بن سعيد, وعنده جمع من خدام وأحرار وعساكر مسقط ومطرح, فكان جمعا كبيرا, فالتقاهم سلطان بمن معه من نزارية وادي سمائل, يعني الغافرية على رأس عقبة دار سيت, فانهزم الوالي وجيشه, ووقع فيهم قتل كثير, وجراح أكثر أثخنهم, ورجع عنهم سلطان وجنده من جبروه, وبقوا في دار سيت, ولم يقدر الوالي أن يعود عليهم مرة أخرى, ثم عاد سلطان إلى وادي سمائل, وضاق حمد بسلطان ذرعا وأهمه أمره كثيرا, وبعد عهد غير طويل, تواقف كل واحد منهما عن صاحبه.
وفي هذا الحال غزا حمد أهل وادي السحتن, فهدم بروجهم وقهر قوتهم, ثم توجه لمسقط وأقام بها أياما, ثم توجه إلى نزوى وحشد الحشود من قبائل الداخلية, فهاجم بهلى إذ كانت في راشد بن مالك العبري من أهل العراقي, وما كان مع راشد المذكور من الرجال المعول عليهم إلا قدر سبعة رجال, وكان بينه وبين بني كلبان عداوة, وهم الذين أثاروا حمد على حرب بهلى, ولم يشعر بهم إلا وهم محيطون بالحصن, وما زال راشد بن مالك يهوى عليهم هوي الأسد الضاري, (4/203)
صفحة 1029
حتى كاد أن يخرجهم من البلد, فضلا عن الحصن, ولكن القدر قضى عليه فقتل بعد أن هاجمهم سبع مرات بأولئك الرجال السبعة, فقتل المذكور وقتل معه رجل يعرف بالشمار, وبقتله سلم الحصن لحمد وتولاه, فولى عليه بني هناءة.
ثم رجع يريد مسقط, ونجح حمد في حرب بهلى, ولكن لم تكن في صالح بني كلبان, إلا أن بني كلبان كان نصيبهم منها شفوا غيظهم من راشد العبري, وقد ذكر شكيب أرسلان أعمال حمد في عمان وفي أفريقيا بموجز من الكلام, كما تراه في العليق والبسط في بعض الأحوال يقتضيه الحال, ولكن ابن زريق يدون القضايا بحسب معرفته, ويضعها بلغته, ولا يميز بين القبائل بأنسابها, وإن ذكر القضايا بأسبابها, ثم جاء المصحح فزاد الطين بلة, إذ كان لا يعرف المصطلحات العمانية فيأخذها كما يفهمها, وكان واجب المؤرخ أن يدرس أولا المصطلحات, وليس له أن يحكم في قضية قبل العلم بتحقيقها.
قال ابن رزيق: وكان حمد يجل عمه سلطان إلى حد بعيد, كما أن سلطان كذلك كما سوف تراه في كلام الإمام السالمي. قال ابن زريق: وكان حمد مع عظم هيبته التي سرت في عمان وغيرها, إذا ذكر عمه سلطان يقول لما أظن أحدا من الملوك أهل القوة والبأس, إلا دون سلطان. قال: وإذا ذكر سلطان حمدا قال: لا نظير لحمد في الهيبة والبأس.
وكان مما حكاه ابن زريق من اهتمام يرويه عن القاضي سعيد ابن أحمد بن سعيد اليحمدي: وكان كثير الملازمة للشيخ فضل بن سيف اليحمدي, وهو كثير الملازمة لحمد بن الإمام سعيد, وذات يوم (4/204)
صفحة 1030
خرج معه من مسقط إلى بركا, ووصل سلطان نعمان قبل وصولهم, وكان سلطان يعالج حمدا ليقبض عليه, ومع ذلك لما قضوا صلاة الفجر قاموا لقراءة القرآن كما هي العادة معهم, فاعتزل حمد في جهة خاصة, وظل يفكر في هيئة المهموم, وبعد الفراغ قال له فضل اليحمدي: أسألك بالله ما هذا الفكر الذي أنت فيه؟ قال: أتفكر في ثلاثة أشياء لاطيب للعيش إلا بها, فقال له فضل بن سيف ما هي؟
فقال: أولا ممباسة فإن حصنها قوى وحصولها كالمتعذر, وحلفاء بني مزروع الونيكة, وهم قوم كثيرو العدد, وقد تحالفوا مع المزاريع على المناصرة.
وأما الثانية: فبمبي الهند فهي بلدة كثيرة العدد شديدة العدة.
وأما الثالثة: وسكت قليلا ثم قال: أعظم شأنا من الحالتين, وهي الرجل الواصل إلى نعمان قبل وصولنا, ويعني به عمه سلطان. فجعله أهم من حرب ممباسة في عددها وعصبيتها, وأهم من بمباي الهندية في قوتها, فقال له فضل: هو همك وما معه أكثر من اثني عشر رجلا, قال: هو أعظم من أمر ممباسة وبمباري شأنا عندي, ثم أمر بالمسير إليه, فقربت الخيل والركاب, ثم توجه إليه في جمع كبير, وفي أثناء الطريق إذا هم بسلطان ومعه الاثنا عشر رجلا أصحابه, ولما رآهم سلطان ترجل إلى الأرض وترجل أصحابه أيضا للقاء حمد بن سعيد, وجعل يمشي وخطام ناقته في يده, فابتدأه حمد بالسلام, وهو على ظهر جواده, ولم ينزل كما نزل عمه والجند محيطون به, فقال: يا عم تفضل معنا للضيافة, فأجابه سلطان أنت تفضل معنا ومن معك لتقيل في نعمان, فأجابه بالوفاق وذهب معه إلى نعمان, فقال معه على ضيافته, وبقى (4/205)
صفحة 1031
معه إلى الظهر, ثم رجع حمد وسلطان عمه معه مشيع له إلى أخريات الطريق, ثم رجع سلطان إلى حصن نعمان, فسأل فضل بن سيف حمدا في اليوم الثاني: واجهك عمك سلطان وهو يمشي ويقود ناقته تعظيما لك وأنت لم تنزل من على ظهر حصانك وهو والدك, فإن العم بمنزلة الوالد؟ فأجابه حمد: إني والله لعلى ظهر حصاني, وعمى راجل ونفسي ما تحدثني بالسلامة. فقال له فضل: كيف تخافه والجنود والعساكر من حولك؟ فقال: لو أن سلطانا عمى سل سيفه النجم- وهو اسم السيف- لما بقى معي أحدا أبدا.
وقال آل وهيبة لسلطان وأكثروا عليه: إن حمدا ليس لك بكفوء حتى تترك الملك في يده, وأنت قادر على نزعه منه, فنحن علينا أن نترصد له إذا خرج من بركا, قاصدا مسقط, فنبيته ونهج عليه وأصحابه ليلا, وبحول الله لنفرقهم عنه يمينا وشمالا حتى تقبض حمدا بيدك. وتودعه القيد.
فقال لهم سلطان: دعوا عنكم هذا الكلام, فإن حمدا ليس ممن يقبض باليد, فلا تتحدثوا بهذا وما زالوا به على هذا الحال حتى خرج حمد من بركا يريد مسقط, فجاءوا إلى سلطان وأخبروه وأنهم بيتوه في روي, وأنهضوا سلطانا لهذا الصدد, وكان سلطان يحاول هذا الأمر من حمد, لكن بصفة غير محرجة, وخرج سلطان بآل وهيبة وباتوا بالقرب من مبيت حمد, فحرك آل وهيبة سلطانا للهجوم في وسط الليل, ولم يتحرك, ولما أصبح توجه إلى حمد, ولما أصبح توجه إلى حمد, ولم يكن حمد يعلم عن سلطان شيئا حتى رآه مقبلا إليه بصحبه, فأخذ إبريقا في يد أحد خدامه وتوضأ وصلى ركعتين, وبعد ذلك أرسل إلى عمه وكان قريبا منه ينتظر فراغه (4/206)
صفحة 1032
من الصلاة فلما تصافحا قال لعمه سلطان: أعلم ما جئت له, وهذا لا يحسن بك ولا يليق منك, وأنا الآن بين يديك, فافعل ما بدالك, فقال سلطان: لا يا حمد لا تظن هذا الظن, وأنت ولدي وما في يدك في يدي ولا يهم الأمر فكن مطمئنا.
فافترقا وشيع سلطان حمدا إلى المطرح, وأمر له بعطاء وافر, ورجع سلطان إلى سمائل, فقال آل وهيبة: كيف أفلت الرجل وقد تهيأت لك الفرصة ولم يكن عند حمد من السلاح إلا خنجره فقط؟ فقال لهم: هبته وما كان بسلطان وهن ولا روع ولا جبن. ولكن هيبة حمد حالت بينه وبين سلطان وقصده.
وقال السالمي رحمه الله, وهو يتحدث عن حمد وسلطان, قال: حدثني من أثق به من أولاد الإمام أنه كان لسعيد بن الإمام أحمد ابن سعيد ولد يقال له حمد, كان قد طلع حسنة وثار ثورة مباركة, فكان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر في أيام والده, وكان أبوه بالرستاق, وكان هو ببركا, وكان يطوف بقومه على عمان باطنه وظاهرة, ثم يأتي الجوف والشرقية يصنع ذلك في السنة مرتين يتفقد الممالك والرعايا, وحصلت له في القلوب هيبة ومحبة.
قال: فدخل على أبيه يوما وكان قد جاء من سفر وأبوه بالرستاق, وكان بارزا في غرفة الصلاة, وكان قد تحزم بديولى بفتح الدال المهملة وياء تحتانية ساكنة وواو مكسورة ولام مكسورة أيضا بعدها ياء ساكنة رداء يعمل من الإبريسم والزرى, قال: فقام له أبوه ليحييه, (4/207)
صفحة 1033
فلما رأى حمد لباس أبيه لم يتمالك أن تناول الديولى من حزام أبيه فجذبه إنكارا لما رأى أبوه بذلك دورين أو ثلاثة, أي جذبه بعنف وغضب.
قلت: أساء فيما فعل, وقد أمره الله أن يحسن السيرة مع والديه, وأن يصاحبهما معروفا ويقول له الله: (ولا تقل لهما أف) 13 فكيف بمن يجذب والده حتى يدور دورين أو ثلاثة في حضرة الناس؟! إنها لسيئات يقع فيها أمثال هؤلاء الناس.
قال الإمام رحمه الله: وكان عمه سلطان أي عم حمد المذكور عند آل وهيبة في سيوحهم الحدرية, ساكنا معهم أي كان يحب البداوة لصحتها وما فيها من الفراغ, وتجميم القلوب. قال: وكان همه وعزمه هم الملوك وعزمهم, فأخذ يوما سبعين راكبا وقصد بركا ليقتل ابن أخيه خوفا على الملك أن يستولى عليه دونه, فلما وصل بركا وافق حمدا خارجا في البلاد على فرسه ومعه فارسان, أو قال ثلاثة, فتلقى حمد عمه بالترحيب ونزل عن فرسه وحياه, ثم ركب فرسه وقال: أنا قدامكم, ومضى إلى الحصن مسرعا, فقال أصحاب سلطان كيف أفلت الرجل وقد عومت على قتله؟ ولا تجد له فرصة مثل هذه؟ فقال: إني هبته.
قال الإمام: وما كان بسلطان من وهن في باب الرجال, غير أن الأقران تعترف للأقران, قال: ثم أناخ على الكرامة وترخص ومضى, فما لبث حمد ذلك إلا قليلا من الزمان, ثم توفى ورثاه أبوه بأبيات قال فيها: (4/208)
صفحة 1034
وافي ... حمامك ... يا ... حبيبي ... بالعجل
نار ... تلهب ... في ... ضميري ... تشتعل
إلى آخر الأبيات, ونسى الأب الحنون أخذ حمد الملك عنه وتركه في الرستاق, ونسى حين جذبه من حزامه الديولى جذبة دار معها ثلاث دورات في غرفة الصلاة بحصن الرستاق في ملأ من الناس, لكن شفقة الوالد وعطفه على الأولاد أمر غير مخفي. (4/209)
صفحة 1035
المحل يحل على عمان في عهد حمد بن سعيد
أصاب المحل عمان في عهد حمد بن سعيد بن الإمام أحمد بن سعيد, فاجتاح أكثر النخل وقضى على المزارع, وخرج أهل عمان أثر ذلك يلتمسون العيش في الباطنة حتى كادت تضيق بهم: وبلغ في عمان مبلغا حتى بيع دلو الماء في مسقط بعشرة فلوس, حتى تأثر منه الكثير في عمان, ولعل أفلاجا يبست منه ابتلاء من الله لعباده.
فخرج حمد بهم للاستسقاء في مسقط ثلاث مرات في ثلاثة أيام كل يوم بواد من أوديتها, فأجاب الله عز وجل دعوتهم, وأفاض عليهم غيثا مدرارا, وأرسل لهم سحائب غزارا والله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين, لا يتعاظمه ذنب عباده إذا رجعوا إليه, وكان حمد المذكور ملازما للصلاة في الجماعة ودراسة القرآن, ونوافل الصلاة كالضحى والإشراق, وكان رجلا مهابا وله همة
عالية في أولاد الإمام للقيام بأمر الملك ورعاية الأمة, وبذلك أحبه الناس, ولكرمه الذي عرف به, فإنه كان كريما, وقبل موته جمع جيشا أرعن جعل مخيمه في بركا وهو بنفسه في مسقط.
فلما اجتمع الجيش كما أراد في عدته وعدده, ولم يعلم أحد ماذا يريد بهذا الجمع الكبير, بل ظن صاحب الحزم أنه يريده, وظن عمه قيس بن الإمام أنه يريده في صحار, إذ كانت صحار إذ ذاك في يده, وظن آخرون أنه يريد حرب ممباسة, لأنهم كانوا يسمعون منه حديثا عنها وظن كل فريق جهة, ثم خرج مسقط إلى سيح الحرمل قاصدا بركا فأصيب (4/210)
صفحة 1036
بالحمى, فرجع إلى مسقط فاشتدت الحمى به, وظهر عليه جدري كثير, فكتب إلى أبيه بالوصول إلى أبيه في مسقط.
وفي هذه الأثناء قدر الله حرق المركب الرحماني أم مراكبه, ولما بلغه ذلك زاد مرضه, ثم توفي ببيت الجزيرة من مسقط ليلة الجمعة ثامن شهر رجب سنة 1206, ودفن وقت الضحى في ظهر الوادي الأوسط من مسقط قريبا من قبري الشيخين الشقصي, والشيخ الصبحي, وجعل أبوه مكانه أخاه أحمد بن سعيد الذي سماه باسم جده الإمام أحمد بن سعيد, وولى على بركا علي بن هلال بن أحمد الإمام, ومضى هو إلى رستاقه مقتنعا بها, والحقيقة أن الرستاق عاصمة مهمة لها شأنها في عمان. (4/211)
صفحة 1037
سعيد بن الإمام أحمد والعبريين
لا يخفى أن أحمد بن سعيد توفي سنة 1196, وقام بالأمر بعده ابنه المحبوب سعيد, ولم يحسن إدارة المملكة ولم يرضه أهل عمان, ورأى ابنه حمد أن الأمر إذا تلاشى ستكون عاقبته غير محمودة, فقام حمد بعد مضي ثلاث سنين منذ تولى أبوه الأمر واحتال على الملك كما تقدم. فتولاه وأداره بمهارة وسار فيه سيرة غير سيئة, وقام بواجبه حتى توفي في سنة 1206 وسعيد بن الإمام موجود على قيد الحياة.
وكان أمر الملك راجعا إليه, وما زال هو والعبريون على طرفي نقيض حينا يقوم عليهم, وآنا يصالحهم, وأحيانا يزحف عليهم بجيوشه فينالون منه أكثر مما ينال منهم.
قال الإمام رحمه الله حاكيا عن الشيخ ناصر بن جاعد رحمهما الله: إن السلطان سعيد بن الإمام قال مال إلى نسف الهناوية, وتنكرت عليه الغافرية, قال: ومن جملة من خالفه العبريون ورئيسهم يومئذ الشيخ سالم بن مسعود, قال أبو نبهان: فكم مرة جاء إلى بلدهم الحمراء بجيوش كثيرة, وأعداد وفيرة, ولم يقدروا أن يشربوا منها ماء.
قال: ويخرج لقتالهم أناس قلة, قال: وفي مرات لم يعم الجميع بهم فيبادرهم أناس قليلون من الخمسة عشر رجلا أو يزيدون قليلا أو أقل, وفيهم كبيرهم هذا, أي سالم بن مسعود, فيقتلون فيهم ويولون الأدبار, والقتل فيهم وأهل البلد في هيئة البراز لهم, وذلك إذا كان (4/212)
صفحة 1038
مجيئهم على غفلة منهم. قال: فلما لم يقدر عليهم صالحهم وأعطاهم العهود والمواثيق بالأمان عليهم جميعا.
قلت: وهذا يدل على تكرار الحال بينه وإياهم, قال: وقرب أخا الشيخ سالم بن مسعود وأعطاه عطايا وافرة, والقصد أن يكون ضدا لأخيه الشيخ سالم, وبني بينه وإياهم صداقة, ووعدهم بالزيارة تأكيدا للصحبة وتدعيما للصداقة وتمام الألفة بينه وإياهم, وجاءهم بجيش كبير وجحفل ضخم.
وكان من سياسته أن ترك معظم الجيش وراء الحورة حتى لا تشمئز نفوسهم, ودخل البلد بأناس قلة ونزل البلد, فقابله العبريون بما يجب في حقه, وما يلين بهم في حق الضيف الكبير, وهم معروفون بالكرم.
قال الإمام: فذبحوا له للضيافة وعظموا الكرامة وقعد معهم آمنا منهم وهم آمنون منه, ولما حضر أكابر البلد وكانت نيته أن يقبض الأكابر ويهلكهم, فما كان غير قليل إلا ورأى العبريون أن جيشا أحاط بهم, فظنوا أن وصول هذا الجيش لم يكن عن أمره, ولم يكن عن علمه, وإنما هو عملا بالعادة أن سلطان تتبعه الناس أين حل وأن رحل, ولا سيما في المهمات التي تلم بهم, فما شعر العبريون إلا والسيف على رءوسهم مسلولة عليهم, وأحاطت بهم الرجال من كل جانب, فقتلوا أولا أخا الشيخ بن مسعود, وعند ذلك ثار ثائر العبريين أولاد حكم الصايح كما يقولون, ودارت المعركة بين الطرفين, وكانت بسالة العبريين معروفة, وشجاعتهم موصوفة.
قال الإمام: وكانوا يفرقون منهم لشهرتهم بشدة البأس, وقلة (4/213)
صفحة 1039
المبالاة بالموت وعدم روعتهم في الحرب, قال: فانهزم القوم وولوا الأدبار والقتل فيهم ممن حضر الشيخ لا غير, قال: ولم يعلم بهم من في البلد إلا والقوم قد خرجوا من البلد فبعدوا عنهم, واستمر الحال بين السلطان سعيد بن أحمد والعبريين عهدا, فلما تولى الأمر ولده حمد لم يذكر عنه من هذا القبيل شئ, وإن هذه الأحوال وما كان من نوعها أورث سعيد بن الإمام أحمد بغضا في قلوب أهل عمان.
ولا شك أن سوء العمل وسوء التصرف في الأمور يورث صاحبه الخذلان. (4/214)
صفحة 1040
قيام الشيخ أبي نبهان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لا يخفى أن الشيخ أبا نبهان كان من خيرة أهل العلم, ومن أفضل أهل زمانه, ولعله لا يماثله أحد هدى وتقوى وعلما, وآتاه الله جاها ووسع الله له الثروة, فكان من أغنياء زمانه, وآتاه الله ذرية مباركة, فكان في أولاد الرجال الذين يشار إليهم بالبنان كالشيخ ناصر, الشيخ خميس, ولم تزل ذرية هذا الشيخ تتوالى على نهج الفضل, وما زال أهل العلم يخرجون منها حتى في عهدنا هذا.
ولكن لم يكن من صددنا الآن ذكرهم أفرادا, وإنما المقام مقام الشيخ العلم الهمام جاعد بن خميس أصبح في عهده كعبة القصاد لمختلف المآرب الدينية والدنيوية, ولما كان كذلك رأى من الواجب القيام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حد المستطاع, وكان أهل نزوى ظهر فيهم السفه وأخذت بهم النفوس الدنيئة إلى الأحوال المسترذلة, فخرجوا في بعض جبال سمد نزوى بنساء مسترابات, وقام عليهم أهل سمد, فكانت الفتنة بينهم حتى وقع بينهم وقع القتل, وكان هؤلاء الخارجون من أهل سفالة نزوى, من خصوص حوائر الوادي, وكانت الوقعة بينهم وأهل العلاية وقت الظهر, فسلت السيوف, وأطلقت البنادق, فوقع أربعة رجال قتلى, واثنان من الخارجين عليهم, وكذلك الجراح عم الطرفين.
وكان عالم أهل نزوى إذ ذاك الشيخ سعيد بن أحمد الكندي, ورئيس أهل سمد عبد الله بن محمد الكندي, صاحب بيت سليط أحد حصون نزوى المهمة, وكان هذا الشيخ زعيما كبيرا في نزوى (4/215)
صفحة 1041
لغناه, وكان جماعته أهل طاعة له, وكان مسئولا كبيرا في علاية نزوى خاصة, وكان السلطان سعيد بن أحمد بالرستاق, فكتب إليه الشيخ سعيد بن أحمد الكندي يقول له:
أما بعد فإن السوقة طغوا وبغوا, ونهيناهم مرارا فلم ينتهوا, فالآن قتل منهم أربعة رجال إلى آخر ما جاء في كتابه. ولم يرد له السلطان جوابا, قام أكابر أهل سفالة نزوى يطلبون من عبد الله بن محمد القاتلين فوعدهم بالغد, فشاورهم الشيخ سعيد بن أحمد الكندي عالم نزوى إذ ذاك. فمنعه من تسليم القاتلين إلى أحد, لأن الناس أصبحوا لا يؤمنون في شئ, حيث استولى عليهم الهوى, فخاف التعدي في العقوبة.
ثم كتب أكابر عقر نزوى إلى السلطان بصفة الواقع, وما وصلوا إليه, فجاءهم بجيش فلما وصل نزوى طلب من عبد الله بن محمد رئيس سمد نزوى المقتولين, فاعتذر إليه بأنهم اختفوا عليه ولم يعرفهم, ثم طلب بعد ذلك سبعة رجال ضمانة عنهم حتى يأتي بهم, فأجابه إلى ذلك خوفا منه, وكان أحد السبعة ولده, ثم طلب منه بيت سليط ليجعل فيه رجالا من طرفه, وكان البيت لعبد الله المذكور ملكا بناه في أرضه المسماة سليط, وكان حصنا منيعا على رأس فلج دارس الذي هو زمام نزوى وعمدتها, فأبى عبد الله أن يسلمه للسلطان, ولما أبى من تسليم بيته أضمر له العداوة فاستجاش أقواما وجمع جموعا, وقبض مقابض نزوى وخصوصا العلاية, واجتمع أهل العلاية في بيت سليط, وفي جامع سمد, والسلطان وجموعه في الحصن, وأهل السفالة في حرائرهم, وأهل العقر في عقرهم, وبقيت الأمور بين الطرفين غير (4/216)
صفحة 1042
مستقيمة من تاسع شوال إلى خامس عشر من ذي القعدة, وكانت القضية وقعت يوم ثامن شوال سنة1198.
ولم تقع في هذه الأيام التي ذكرناها حرب إلا كونهم متقابضين المعاقل, وإنما قتل رجل واحد جامودي من أهل علاية نزوى, أطلق عليه الرصاص من الحورة من بعض رجال السفالة, ولما تحقق عجز الشيخ سعيد بن أحمد الكندي, والشيخ الزعيم عبد الله بن محمد عن إخراج المقبوضين من يد السلطان, رجعوا بأمرهم إلى الشيخ العلامة أبي نبهان, وتناظروا فيما بينهم, واستنهضوه لهذه المهمة, فجاء الشيخ المذكور يوم خامس من ذي القعدة من الستة المذكورة, ونزل بالحذفة عند نفسه لا عند أهل العلاية, ولا عند أهل السفالة, ولا عند السلطان, وكتب إلى السلطان كتابا يقول فيه:
أما بعد فإني جئت مع نفسي لا مع عبري ولا ريامي ولا كندي, ولا مع غيرهم, بل جئت مع الحق, والحق مع من اتبع الهدى, وله أردت, وقد بلغني أنك قبضت رجالا بغير جنية, فهذا لا يصح لك ولا يجوز في دين الله, وفك عقولهم الساعة قبل اليوم, ولا تتأخر ساعة واحدة, وعليك من ذلك التوبة.
وكان السلطان يحترم الشيخ العالم أبا نبهان, فأجابه بالسمع والطاعة, وأرسل له هدية قبلها الشيخ منه, وقال السلطان: أنا ما أريد إلا الفاعلين بأنفسهم, فوعدوه بهم على أن يأتوه بهم وطلبوا منه أن تكون عقوبتهم في الرستاق لا في نزوى. خوفا عليهم من أصحاب المقتولين, فأجابهم وأطلق المقبوضين, ونادى مناديه بالأمان, وفسح (4/217)
صفحة 1043
لأكثر رجاله بالعودة إلى أوطانهم، وطال القيل والقال في هذا المجال، حتى ولى أهل سمد نزوى أمرهم الشيخ سالم بن مسعود زعيم العبريين على ما سبق بينه، والسلطان من الحرب المتقدم ذكرها، وحينئذ أمتنع سالم بن مسعود من تسليم المطلوبين إلى السلطان، بل أذعن بتسليهم إلى ثقات المسلمين لا غير، وأظهر حقدا على السلطان حيث قتل أخاه في أمان.
وانظم إلى الشيخ جاعد الشيخ سالم بن مسعود، وأخيار المسلمين الذين يرون الشيخ جاعد الرجل الفذ في وقته، ومع ذلك كاتبهم أخ السلطان سلطان بن الإمام أحمد في القيام معهم على أخيه، فاشترطوا عليه أن يكون الأمر إلى خيار المسلمين، فيقدمون من يرونه أصلح للأمر، فوافقهم فقبلوا منه وطلبوا وصوله، وشاع الحديث عن هذا الصدد، فجاء سلطان بن الإمام إلى وادي بني رواحة فمنعوه من الطريق، لأن شفعهم عند أخيه سعيد، ولعل ذلك المنع كان عن تعارف بينهم وبين السلطان، فلم تتم عمليتهم، ولو أراد الله لها إتماما لجاء سلطان وادي العق، وأصبح معهم في نزوى، ولكن الأمور تجرى بمشيئة الله عز وجل، فقوى أمر السلطان سعيد برجوع أخيه سلطان بن الإمام أحمد.
وبقيت الأمور في نزوى تترامى في لجنة المحاولات، ولم يستقر للناس قرار على أصل صحيح، والأحوال أقرب للخوف منها للأمن، والسلطان على كل حال غير مأمون الجانب، والشيخ جاعد في مناخه المعروف، والناس تتوافد إليه، والسلطان في الحصن، ورأى الشيخ جاعد اجتماع الناس حوله والتفاهم عليه، وأن العلامة الجليل الموقر في الأمة، تحركت نفسه لإقامة سنن العدل وإعادة السيرة التي سار عليها الأئمة في عمان، وذلك واجب كل مسلم عند الإمكان. (4/218)
صفحة 1044
قال الإمام السالمى رحمه الله: وأما أبو نبهان فإنه لما نزل الخدفة من نزوى، ورأى القبائل متجمعة على السلطان، أحسن في نفسه القوة على ما كان يحاول، فأخبر عن نفسه أنه نزل الحذفة ليكون غير والج معهم، وفي معزل عن غيرهم لمعنى أراده، قال: ثم أرسل إلى السلطان يخبرة بنزوله بها، وأن أمره إلية إلى غيره على آخر ما ذكر.
وحاول الشيخ وهن معه دخول العقر، لأنه أحد حصون نزوى المعروفة، وفي أنفسهم إذا دخلوا العقر تمكنوا من الأمر، لأن العقر فيه كل ما يستدعيه الحال من المال والرجال، والتحصن فيه من هجوم كل ضد لهم خصوصا عند الاتحاد، وكل المحاولة زوال السلطان، ورد الأمر إلى أهل العلم والإيمان وبتمكنهم من العقر تكون لهم قوة على الحصن.
أما القلعة فهي أيضا ميسورة المنال، إذا قبضوا على العقر والحصن، ولكن لم يكن التوفيق إلا من عند الله، وما النصر إلا من عنده، ولكل شئ سبب، وشاء الله ألا يتم الأمر الذي أراده الشيخ أبو نبهان لأمر أراده الله في أزله، ولا يكون إلا ما يريد الله عز وجل، وبعد محاولة من الشيخ ومن معه لدخول العقر، اقتضى النظر الإقتحام عليه من السور، فقلوا عليه السلالم ودخلوا في الثلث الأخير من ليلة ثامن عشر من ذي القعدة سنة 1198، والسلطان نائم في حصنه، فلما انتبه من نومه قال له بعض أصحابه: نخرج على القوم قبل أن يتكاثروا، فقال السلطان: لا، لأنا لا نعلم الدولة الداخلة قليلة أم كثيرة؟ وخاف السلطان الخديعة نظره الخروج من البلاد ليستجيش أقواما يعزز بهم قوته قبل أن يحاط به في حصنه، وتسد علية طرق المواصلات، فيبقى محصورا، ولا يعلم ما وراءه. (4/219)
صفحة 1045
فخرج حالا في نفر قليلين، وكان خروجه من باب السوق على خيل وركاب، ومضى إلى إبراء من الشرقية، من حيث استطاع وضل في مخرجه ذلك سبعة أيام يجمع الجموع، وأبو نبهان ومن معه في العقر محاصرين للحصن، ولعلهم استهانوا بأمر السلطان فظنوا هاربا منهم، ولعله لا يعود خوفا منهم، وإذا به عشية الأحد، بعد سبعة، يصبحهم بجيش عرمرم كالجراد المنتشر، من الجنود، ولا يخفى أن الناس تتبع السلاطين طمعا فيما معهم، وإذا ذاك خرجوا لهم في سعال، وكان هؤلاء الخارجون أبطالا جربتهم الأيام وجربوا الحروب, وهم في سبالة معروفة, الأمور تجرى بمشيئة الله عز وجل.
قال أبو نبهان نفسه: إن في الخارجين من أولى الشدة والبأس يقاتلون كثيرا، وإن قلوا يعرفون بذلك، وهو يشير بذلك إلى الشيخ سالم بن مسعود العبري وجماعته، قال: كانوا معروفين في قتال السلطان غير مرة، وفي قتال غيره ممن هو أقوى منه، فلا يقدر عليهم بحلية. قال: وفى هذه الوقعة تولوا على ورائهم منهزمين في الحال، من غير ما قتل ولا قتال، لأمر أراده الله تعالى في بقاء هذا السلطان، على ما هو عليه من البغي والغي والعدوان، والغي والطغيان، وعسى أن يكونوا كذلك أهلا، كذلك لا مرد لأمر الله، ولا معقب لحكمه، ولابد من كون ما في سابق علمه.
ثم رجع الشيخ أبو نبهان إلى العقر بمن معه، ونزل السلطان في جامع السوق، ونزل جيشه معه حتى ملأ حوائر الوادي والبطحا، أي المسيل المستطيل إلى برج القرن، وبهذا أصبحت محاولة لا أثر لها، فقام ناي بالصلح بين السلطان والشيخ، وقال الشيخ أبو نبهان: إن السلطان أرسل إليه مع أناس من أعوانه كتابا يدعوه فيه إلى الصلح، (4/220)
صفحة 1046
فأجابهم إلى ما طلبوه لما رأى أنه فاته ما رام بالتخاذل عن القيام لقهر البلاد ومجاهدة أهل العناد لإرضاء رب العباد، ووصل ناس من أولى الشدة والبأس، ففرح الشيخ بهم وأراد منهم أن يقفوا على الأسوار إلى الصباح فقط، ولم يقدر عليهم، والحقيقة لا لوم عليهم حيث جنود السلطان محيطة بها وربما وجدوا عند السلطان المال ولا يجدونه عند الشيخ، وهذا الزمام الذي يقود الناس من أنوفها، وبالأخص السواد الأعظم.
وهذا الحال هو الغالب في كل أمة، وكل زمان، وحالة الشيخ هنا ضئيلة جدا، فلا معاش ولا عتاد ولا سلاح، فلا لوم عليهم على هذا الحال، وأشار على الشيخ أحد أصحابة بجبر أهل البلد أن يبايعوهم الطعام بالقيمة، فأبى أن يجبرهم إذ لم يصح معه أن لهم فضلا عن حاجتهم.
قلت: ولو جبرهم لجاءوا بالسلطان على الشيخ حالا. قال الشيخ ناصر بن أبى نبهان يعنى والده: أجاز جبرهم على بيع الطعام لمثل هذا الأمر الذي ذكره أن لو عرف أن معهم فضلة عن فوتهم لسنتهم، وكان الشيخ أبو نبهان فيما حكاه عنه الشيخ ناصر أن دخوله في هذا الأمر، لأن أخ السلطان وعدهم بالإعانة على حرب السلطان، وقد هيأ الأشياء اللازمة كلها، ولكن حيل بين ما يشتهى وبينه ورجع القهقرى، وكل ذلك في صالح السلطان لأمر أراده الله عز وجل.
ولما قرر الشيخ (الخروج) من العقر لم يقف بنزوى وأراد أهل سمد وقوفه معهم فلم يوافقهم لما رآه من (فشل) ما خطط، وانيهار (4/221)
صفحة 1047
ما بني، وراوده الشيخ سالم بن مسعود زعيم العبريين ومن معه من أبناء عمه الأبطال الذين عرفهم الشيخ زايد بن نبهان وغيره، الإ أن الوقوف يحتاج إلى ألوف، وأن الرجال تحتاج إلى مال والدول، خصوصا في أول تأسيسها وهذا من لا ينكره عقل ولا نقل.
قال: ولما تحقق خروج الشيخ من العقر ثم من نزوى خرجت جنود السلطان إلى سمد نزوى فأوقعوا بأهلها قتلا وتشديدا. (4/222)
صفحة 1048
سلطان بن أحمد يحتل ملك عمان
كان سلطان بن أحمد أكثر مقامه بسمائل عند أخواله الجبور، فإذا خرج من سمائل لمهم عاد إليها خصوصا بد وفاة أخيه سيف بن أحمد شقيقه، وكان صاحب همة عالية وعزيمة طائلة وكيف لا وأبواه أحمد ابن سعيد وأخواله آل محمد بن ناصر، وما زال العداء بينه وأخيه سعيد مستمرا لا سيما لما تولى الأمر حمد بن سعيد، وقام قياما حمده فيه الناس اهتم بذلك سلطان اهتماما فوق الحد، وحاول قهر حمد مرات ولدنا ونحن آباؤه لا يمكن أن يتولى علينا، حتى إذا قضى الله على حمد، وعاد الأمر إلى سعيد مرة أخرى، خرج عليه سلطان وتولى عليه الأمر برغبة أهل عمان فيه وإعراضهم عن أخيه، ولم يبق في يد سعيد بن الإمام أحمد الإ الرستاق.
وعلى كل حال زالت عنه دنياه وزال عنه أهلها، ومقتوه لا سيما إذا كان مطاعا من أجلها، وكان سلطان رجلا عاقلا ذا رأى وتدبير، وأحسن إلى الشيخ أبى النبهان ورعاه واحترمه، ولم يأنس منه شيئا منه يكدره أبدا، واستراح في أيامه أبو نبهان وذريته، وقام في عمان مقاما حمد فيه من الجانبين الهناوى والغافرى، وألف بين الناس وساد الكل على وتيرة أبيه أحمد بن سعيد، وزاد بالبذل فإنه كان مبسوطا اليد لا يرد سائلا ولا يدخر عن قومه شيئا يستطيعه، فكان الناس معه بطبيعة الحال يوقرونه برغم ما يرون مما يؤثر عليهم من أمر الهناوى والغافرى. (4/223)
صفحة 1049
قال أمير البيان: وانتزع سلطان مدينة بركا من يد علي بن هلال كما قدمنا, ثم أخذ مسقط واستبد بالأمور, قال: وفي سنة 1798 في 12 أغسطس انعقدت بين شركة الهند الإنكليزية (معاهدة) أمضاها جون مالكوم سنة 1800 بين الشركة المذكورة وبين السلطان على بعض المسائل التجارية, قال: وتبعها معاهدة أخرى بينه وبين الإنكليز أمضاها جون المذكور, يحق بموجبها لإنكلترة إقامة معتمد بمسقط, قال: وأخذ يمد سلطته في البلاد, فانتزع من يد أخيه سعيد ثغري السوق والمصنعة, وافتتح جزائر قشم وهرمز والبحرين في الخليج, وجعل ابنه سالما أميرا عليها.
قال: إلا أن قبيلة العتوب التي كانت تلي أمور تلك الجزر عادت فاسترجعتها, وطردت ابنه منها, قال: وفي هاتيك الأيام غزا الوهابيون عمان, واجتنبوا الزكاة من الظاهرة ووقع الخوف من تقدمهم إلى الجنوب وكان سلطان قد حج تلك السنة, فلما عاد من الحج وجد البلاد في المقيم المقعد.
قال: فقعد مجمعا قرر فيه النفير العام لصد الوهابيين, فلما بلغ الأمر استوثق سلطان إلا أنه بقضاء الله وقدره, هلك بعد ذلك بقليل في قصة عجيبة, وهي أنه زار البصرة وبينما هو قافل منها زل من سفينته في مرسى لنجة, وركب قاربا بندر عباس, وكان الوقت ليلا فالتقاه ثلاث قوارب عليها رجال فتقاتلوا عليها وأسفرت المعركة عن مقتل سلطان, وذلك في 13 شعبان سنة 1219 الموافق 30 نوفمبر سنة 1804. (4/224)
صفحة 1050
قال ابن زريق: كان سلطان طويل القامة, جميل الصورة شجاعا بطلا صنديدا, لا يعبأ بكثرة أعدائه إذا كان في قليل من أهل خاصته فضلا عن الكثير منصفا من الظالم للمظلوم, وقد احتل حصن بركا من علي بن هلال ابن أخيه, وفي حال هجومه على حصن بركا صادف رجلا من العسكر خارجا يريد السوق لقضاء أغراضه, فقتله أصحابه وقتل سلطان بواب الحصن بخنجر طعنه بها, فأرداه قتيلا.
كان هو ومن معه اثني عشر رجلا فقط, فيهم خميس بن راشد الهنائي, ومصبح بن غريب القريني, ومحمد بن حمد الوهيبي, وسالم ابن ثاني الجابري, ثم دخل الحصن فلم يقدر من فيه على معارضته, بعث رسولا إلى الطو يطلب منها رجالا, فجاءه مائة رجلا غرقهم في مقابض الحصن, ولم يبق فيه أحدا من رجال علي بن هلال إلا بنو رواحة في القلعة تقبضوا فيها ريثما يؤدوا واجبهم, ويتضح عذرهم, ثم نزلوا منها.
وكان نزولهم على يد شيخهم ربيعة بن أحمد الرواحي من أهالي محلة الجنينة من بركا, وحملوا كلما لديهم من آلة وعدة, وأتى سلطان أخواله الجبور وأمدوه بالمؤونة اللازمة من تمر وأرز وسائر الحوائج, وأرسل كتبه ورسله إلى المعاول ونخل وسمائل, وطلب منهم أن يلاقوه في القرم من أعمال مطرح, فجاءه القوم الذين طلبهم بحسب الميعاد الذي قرره لهم, فاجتمع معه جيش ضخم.
ولما علم علي بن هلال بما وقع من سلطان من احتلاله حصن بركا وزحفه على مسقط, أنبه أبوه ولامه وعض على أصابع الندم, ثم أمره (4/225)
صفحة 1051
أن يتدارك مسقط فيأتيها من طريق البحر قبل دخول سلطان لها, فجاءه المصنعة وركب منها سفينة تقله إلى مسقط, وكان من قدر الله أن وصل علي بن هلال مسقط قبل سلطان, وتمكن منها لأن سلطان إذ ذاك بعده في القرم, وكان سلطان كتب من القرم إلى أهالي مسقط, وأن لهم الأمان على أموالهم وأنفسهم, ولم يشعر أن علي بن هلال فيها, وكتب أيضا إلى زريق بمثل ما كتب للتجار والأهالي, وأمره أن يتصل بهم ويبلغهم عنه ما قصد له.
وكان رسوله سعيد بن مصبح الرواحي, ثم صار إلى أحمد بن سعيد وعلي بن هلال, وأخبرهما ما وصله من عمها وأراهما كتابه, وعندما أطلعا على الكتاب تكلما بكلام ظاهره يعبر عن قدوتهما على معارضة سلطان, ولكن عندما تحقق الأمر إذ بهما دون ما قالا, وإذا بسلطان يدخل مسقط, ولما نادى المنادي بدخول سلطان مسقط لم يقدرا على الخروج لما قالاه, فهجم سلطان على الباب الكبير فقتل من أصحابه ستة رجال, فانهزموا عنه ثم كروا عليه الثانية فقتل منهم ستة رجال, وانهزموا أيضا, ثم جاءهم علي بن عبد الله شيخ بني وهيب, وكان قابضا للباب الصغير من طرف أحمد بن سعيد, فقال لسلطان وأصحابه أنا أدخلكم فأدخلكم من الباب الصغير بغير شئ, فلما دخلوا قال سلطان لعلي بن عبد الله: قبحك الله يا خائن, اطردوه من هنا فطردوه جزاء خيانته, وترك بالباب المذكور سرحان بن سليمان الجابري, ومعه مائة رجل من جماعته.
ثم دخل سلطان الجزيرة وهي إذ ذاك الحصن الكبير في رقعة مسقط, وكان دخوله من الباب المقابل لدكان محمد بن حبيب (4/226)
صفحة 1052
الرمحي الصائغ, ودكان عبد الغفور الصائغ مولى الحرث واشتبك القتال في مسقط من الجلالي والميراني, ونادت مدافعها بفتح الميدان, وزحف محمد بن خلفان على عقبة كلبوه, وكان من أنصار سلطان, وكان القابضون العقبة رجال حمد بن سعيد, وعلي بن هلال, فانهزموا وقبض محمد بن خلفان العقبة المذكورة وهي باب من أبواب مسقط.
وما زالت قوة حمد بن سعيد والي مسقط تضعف وقوة سلطان تتقدم, ثم سلمت الصيرتان وهما القلعتان اللتان على ميناء مسقط, وكذلك القطع البحرية سلمت لسلطان, وبذل محمد بن خلفان في
نصرة سلطان النفس والنفيس, ولما تمكن سلطان من مسقط كتب إلى أخيه قيس: أني قبضت مسقط لك, وإنما أنا سيف دولتك وأنت أولى بهم في وادي القاسم, وعليك أن تشغل أخي وأخاك سعيد عن الزحف لمسقط فيكون قوة لولده حمد وابن أخيه علي بن هلال, وتطول الفتنة وتكبر إلى حد بعيد.
فقام قيس كما أراد سلطان, وضرب معسكره في وادي القاسم مهددا لأخيه بالمعنى المفهوم, إنك إذا توجهت لمسقط فأنا أتوجه للرستاق, وأن سلطان ما دخل مسقط إلا بأذني, ولا قام لها إلا بأمري, فكن مكانك في رستاقك, واترك ولدك وسلطان وشأنهما, وأنذره بالتهديد.
فوقف سعيد بن الإمام مكانه, وبقى سلطان وحمد وعلي بن هلال ومن معهما في صراع لمسقط, ولكن كان أمر سلطان يتقدم, وأمر الرجلين يتأخر, وخرج محمد بن سليمان العدوي من الحصن الشرقي لينهب بيت أولاد عمه ولما بلغ الخبر سلطان وهو في بيت الجزيرة, (4/227)
صفحة 1053
قام كالأسد الخادر المغضب, فلما رآه محمد بن سليمان ومن معه مقبلا عليهم هربوا منه فلم يتمكن منهم إلا على رجلين أرادهما قتيلين, وأما الباقون فدخلوا الحصن الشرقي, وكان محمد بن سليمان المذكور في حال هروبه صادف مسعود بن محمد بن سيد بن عبيدان, فطعنه برمح في أنفه وأخرج السنان من عنقه, وقتل من أصحاب سلطان رجلا ظاهريا برصاصة أراده قتيلا فمات أما مسعود, فيقال إنه عاش بعد سلطان عهدا.
وفي هذه الأثناء قام أهل الخير الذين لا يحبون الفتن, ولا يرضون بها في الوطن, فسددوا الحال على أن يبقى الحصن الشرقي لسعيد بن الإمام, والحصن الغربي في يد محمد بن خلفان بن محمد الوكيل, باسم سلطان, ولقيس بن الإمام حصن المطرح, وخراجها وكل أمرها إليه, ودخل مسقط لسلطان وعليه تموين الحصن الشرقي الباقي باسم أخيه سعيد, وتموين المراكب الراسية في البحر, ويكون محمد بن خلفان هو والي مسقط, وهو عامل سلطان يقيم بالجزيرة ما دام في مسقط.
وبقى الأمر كذلك مدة ثم خرج حمد بن الإمام سعيد من الحصن وولى أمره محمد بن عبد الله الشقصي بأمر أبيه, وخرج علي بن هلال من الحصن الغربي وسلمه لمحمد بن خلفان والي مسقط, وقبض قيس حصن المطرح وترك فيه عماله وكل واحد منهم يتحين فرصة الآخر حتى جاء ذات يوم سلطان مسقط على حين غفلة من أهلها, وإذا بمحمد ابن عبد الله الشقصي في الجزيرة, فجاء ليسلم على سلطان فقبضه وأمر أن يكفت ومن حظه سلم من القتل, بل قال له سلطان: حياتك بتسليم (4/228)
صفحة 1054
الحصن, فسلمه راغما ولم تنفعه الحيل التي أبداها بين يدي ذلك البطل الذي ما زال أمر مسقط ممتزجا بدم دماغه.
ولما قبض سلطان الحصن سلمه إلى الجبور وجعل الأمير عليهم أحد خدامهم يسمى محيس بن سعيد المعروف بالزهيبي, وكتب سلطان لأخيه قيس بقبض الحصن الشرقي وأنه لك ليهدئ الحركة وكن واقفا لأخي سعيد مراعيا حركاته وسكناته, وانتهى أمر مسقط إلى سلطان وبقى محمد بن خلفان في مسقط بصفة والي لسلطان, ولكن لكل واحد عملية يدبرها نحو صاحبه, فقام محمد بن خلفان يبني الحصن الغربي ويقويه, ويضاعف له العدة ويشيد أركانه ويجلب له المدافع القوية ويزيد فيه الرصاص والبارود, ويملأ مخازنه بمثل هذه الأحوال من الرصاص وآلة الحرب. (4/229)
صفحة 1055
محمد بن خلفان يتحفز لحرب سلطان
لقد حاول محمد بن خلفان الاستقلال بأمر مسقط عن السلطان, وكل يرغب أن يكون ملكا, رأى محمد بن خلفان في نفسه قوة على قهر مسقط والاستبداد بها عن غيره, وليس بين ذلك إلا أخذ الأهبة للدفاع عن الحصون بالمعدات وبالرجال, إذ كان العمانيون وحدهم, بعث محمد ابن خلفان إلى خصيف بن مطر الهنائي أحد الرجال المقاديم في بني هناءة, يطلبه للوصول إلى مسقط بمن عنده من الرجال الذين هم ممن يعول عليه, فجاءه بمائة رجل من بني هناءة من خاصة بني عمه وأقاربه, ولما وصلوا قابلهم محمد بن خلفان بالجميل وانبسط لهم, وبسط لهم اليد وأعطاهم العطايا الوافرة, وأحسن إليهم تماما وأنزلهم في الحصن الغربي, ولا يخفى أن مائة رجل في ذلك الحصن, وفي مثل ذلك الوقت ماذا يخرجهم إلا القدر.
وجعل المذكور واليا عليهم, ثم ذهب واشترى عبيدا من الزنوج وكانوا يجلبون بكثرة فحلاهم بالخناجر والسيوف, وهي إذ ذاك من سلاح الوقت, ولما بلغ هذا الحال سلطان بن الإمام أوجس منه خيفة, وحاك في نفسه, وتأثر من هذا العمل عليه محمد بن خلفان.
وظاهر الحال أن محمد بن خلفان يخدم دولة سلطان, فالناس من هذه الناحية تقدره كما ينبغي, ولكن سلطان ذلك العبقري المحنك الذي أعطته أيامه دروسا من مراسم السلطنة, وعلمته ما ينبغي أن يفعل من حيث لا تدري الأيام وأهلها ماذا يفعل, فإن الله عز وجل خلق عباده (4/230)
صفحة 1056
كلا لعمل, ومنهم لقصعة من ثريد, فتغافل سلطان أعمال محمد بن خلفان, وكأنه لم يستنكر منه أصلا.
ثم خرج سلطان من بركا يريد مسقط, ومعه زعيم آل وهيبة محمد ابن حمد في مائة رجل من جماعته, فركب سلطان بهؤلاء الرجال ومن انضاف إليهم من خاصته سفينة ومعه أيضا بدر بن أخيه سيف, وكان سلطان كما هو الفطن اليقظ, وخبرة الحصن عنده بتمامها وكان للحصن المذكور باب سرى من ناحية البحر أعد للطوارئ المباغتة, وكذلك أيضا للحصن الغربي, وكذلك لحصن المطرح, وكانت هذه الأبواب مغطى عليها ومحفوظة بحرس خاص.
فدخل سلطان من هذا الباب المشار إليه وهو من جهة مغب, أي الجانب الشرقي, فشاع في البلد دخوله وأشيع أيضا أنه مصاب بألم الجدري فلما بلغ محمد بن خلفان هذا النبأ, وأن سلطان في الحصن, وأن به جدريا, توجه محمد المذكور وأبوه خلفان وأخوه على ليعودوا سلطان, فلما كانوا بالجزيرة لقيهم ماجد بن خلفان أخو محمد بن خلفان, وأخبروه عما توجهوا له, وما بلغهم بسلطان من مرض الجدري, فقال لهم ماجد ما بسلطان شئ من مرض أبدا, ولا تتعرضوا لنقمته منكم, وإياكم والقدوم عليه وما هي إلا إشاعة حيلة ليصطادكم بها, واتركوا سلطانا وحصنه, ولا توقعوا أنفسكم في الشبك, وقد علمتم بصنيعه في الشقصي, وله من هذا النوع نادر.
فلم يرق كلام ماجد لأخيه محمد, ولم يصغ له فتوجهوا إليه وإذا به بارزا في صحن الحصن لا بأس به, وعند ذلك أوجس محمد بن خلفان (4/231)
صفحة 1057
خوفا من السلطان, فلما أرادوا الخروج قال السلطان: أما أنت أيها الوالد خلفان فمرخوص, وأما ولداك محمد وعلى فلا. فقل له خلفان بن محمد: وما تريد من تأخيرهما؟ فقال: أريد الحصن الغربي, ثم أشار إلى قبض محمد بن خلفان فقبض, وأخذ إلى المحبس, فهبط خلفان والد محمد مذعورا مرتاعا يقول لمن يلاقيه قبض محمد قبض محمد.
أما علي فرخصه سلطان بعد ذلك, لأن المقصود بالذات هو محمد ابن خلفان, وغاية ما عند ماجد أن ركض هو وخصيف بن مطر على أهل السوق لينهبا أهل السوق, لما تحققا حبس محمد بن خلفان, فنهبوا ما قدروا عليه وما أمكنهم, وبذلك طافت عل أهل مسقط موجة ذعر عارم وابتأس الناس, فإن الشر كالنار يأكل ما يلاقي, وأغلق التجار دكاكينهم, وصك الناس على أنفسهم بيوتهم, وملأ الخوف البلاد, لأنهم يعلمون أن عند سلطان بدو وهيبة ولبسوا بأقل شرا من غيرهم.
وكان ماجد وخصيف أرادا بذلك الاعتداء لحرب سلطان إلى رزيق بن بخيت جد المؤرخ المعروف, وأمره أن يأخذ معه ناسا فيهدم مباني محمد بن خلفان عاملك في مسقط, فقال بن زريق: يا مولاي هذه مبانيك ومحمد ابن خلفان عاملك لا يملك فلا تخربوا بيوتكم بأيديكم, فوافق سلطان, ولكنه أمره بقفلها على ما فيها, لأنها بيت مال, وما فيها راجع إلى السلطان وأمره أيضا أن يرسل إلى القطع البحرية بإطلاق مدافعها على الحصن الغربي فصده رزيق بدعوى أن الحصن أعلى منها إذا ضربها دمرها, فتركها سلطان. (4/232)
صفحة 1058
ثم دخل رزيق على محمد بن خلفان في الحبس, وناصحه بتسليم الأمر لسلطان, فامتثل فسلمها لسلطان وأمر خصيف الهنائي بالتخلي منها وبالخروج عنها, وبعد أخذ ورد, وبوساطة الشيخ ماجد بن سعيد البرواني, أن يحمل خصيف من الحصن ما يريد, وانتقل محمد بن خلفان إلى بيت الفلج هو وخصيف الهنائي, وكان معه خمسون رجلا من جماعته, وكذلك حصن المطرح استخلصه سلطان من يد عمال قيس بن الإمام بعد ضرب مدفع, وإطلاق نيران البنادق, وبقى اثني عشر يوما, وكل يوم والمدافع ترسم التاريخ, وفي النهاية انتهى أمره إلى سلطان بحرب محمد ابن خلفان في بيت الفلج, ثم سحب سلطان المدافع التي في أسوار بيت الفلج وبروجه صلحا بينه وبين محمد بن خلفان. (4/233)
صفحة 1059
سلطان بن الإمام يحصن مسقط
لما قبض سلطان مسقط ومطرح, وقص أظافر محمد بن خلفان بسحب مدافع بيت الفلج, انتقى المحذور, وإذ ذاك أقبل سلطان على تحصين مسقط فأمر ببناء قلعة ضخمة على أرض الرواية, لتكون حصنا لمسقط في ذلك الثغر, لأن أكثر الداخلين لمسقط المهاجمين لها يدخلون من ذلك الثغر, فقام خلفان بن خلفان بن ناصر البوسعيدي الذي ولاه سلطان مسقط ببناء هذه القلعة, فبناها هذه القلعة, فبناها وبني البرج المقابل لها كحامية لها, وبني البرج الآخر الشرقي الجنوبي كذلك, فتم بنيان الجميع في ثلاثة أشهر, وجعل سلطان في هذه المباني رجالا انتخبهم واليه المذكور وحصن مسقط تحصينا كاملا لعلمه أن إخوته لا يقلون عنه عزما وهمة وأنهم ينظرون إليه شزرا.
ولا شك أن الملك لمن غلب ولا بد أن يتحركوا يوما ما لمهاجمة مسقط. (4/234)
صفحة 1060
قيس وسعيد أبناء الإمام يحاولون حرب سلطان
لم تبين لقيس وسعيد أن سلطانا يحاول أن يكون السلطان اسما ومعنى، وهم كلهم أولاد أحمد بن سعيد، ولا خصوصية لأحد، لكنه لابد أن يكون السلطان أو الإمام أحدهم لأنه ليس من المعقول في الأمم كلها إلا هذا، أما كونهم يتقاتلون على السلطة والرئاسة، فهذا ليس من الحق في شئ، بل هذا الحال هو الذي نهى الله عزوجل عنه يقول: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) 14.
واختلاف الكلمة وتلاشي الأمور مما يثير الضغن، ويدخل العدو على الصديق والاعتبار بالماضين أكبر مرشد لأهل العقول، وأصدق شاهد على ما نقول، لكن أنفس الزعماء ممزوجة بحب المنافسة، وكان قيس بن الإمام حاول العمانيون أن يبايعوه بالإمامة، ولكن لم يكن التوفيق حليفهم.
وقد مر عليك أيها القارئ الكريم ذلك، وأما سعيد فهو الذي تولى الأمر بعد أبيه ولكن لم يسعده الحظ، وأما سلطان فهو الذي مازال يحاول السلطنة في عمان، لما يرى في نفسه من القدرة عليها وهو الرجل العبقري الفذ الصريح، وكان عاش وقتا غير قصير في بادية وهيبة في سيوحهم الحدرية كما قال الإمام السالمي رحمه الله.
وكان ما لديه من وعي وإدراك يحاول به السلطنة في عمان حتى هذا الحال الذي تمكن فيه مسقط، وقام أخواه يستجيشان عليه وأكبر (4/235)
صفحة 1061
محرك لهما محمد بن خلفان المحل الذي أخرجه سلطان من مسقط والمطرح راغما، فتعاهد قيس وسعيد ومحمد بن خلفان على حرب سلطان، فاستجاش قيس من الظاهرة والباطنة خلقا، واجتلب حتى العفار الذين هم بين عمان وظفار فقيل إن جيشه بلغ ستين ألفا، وجمع سعيد بن الإمام أيضا من جانب الرستاق من استطاع، فلما بلغ أمرهم سلطانا أهمه جدا فأرسل إلى أهل الشرقية ومن يأمل مناصرته من أهل عمان إلى جعلان، ولم يأتيه إلا ماجد بن سعيد البرواني، وكان هو الرئيس على الحرث، ولم يكن معه إلا قدر مائة رجل فزحف قيس وسعيد بجيشهما إلى القوم من ناحية الوطية، وضربا معسكرهما وملأ جيشهما تلك الرقعة كلها.
فما كان من سلطان إلا أن أمر بإشعال النيران بالسليط في جبال بيت الفلج، وروي وما طول الليل ليوهم قيسا وسعيدا وقومهما أن الجبال كلها مملوءة رجالا، وما كان عند كل نار إلا واحدا واثنان يوقدان النار في السليط على الخرق والجواني، فظن قس وسعيد أن عند سلطان جيشا ملأ السهل والجبل، والحقيقة ليس معه إلا رجال ماجد البراوني، وقليل من الجماعة ثم إن سلطانا أرسل إلى قيس كتابا يقول فيه: إذا وصلك كتابي هذا فامض بقومك مسرعا إلى بدبد، وأقم بها حتى آتيك لأخلص لك بدبد وسمائل وذر مسقط حتى نتفاهم نحن وإياك فيما بيننا، وأوهمه أشياء.
وكان قيس تغلب عليه سلامة الصدر ولعل قيسا تخيل أن بدبدا مضيق عمان وبقبضها سيكون القوى على الداخل والساحل، فلما (4/236)
صفحة 1062
وصله كتاب سلطان تلقاه بالصفا وتأثر به، ورأى فيه النجاح، فارتفع حالا إلى بدبد وعسكر بها وتفرق جيشه إلا ما شاء الله.
فلما تزحزحوا عن مسقط، وانحلت الأزمة الداهمة أحكم سلطان قبض مسقط، وأتم عمليته فيها بأسرع ما أمكن، ثم خرج على طرق حطاط إلى سمائل، فلما وصلها صرخ في أهل وادي سمائل بأن قيسا جاء بالداهية الدهياء ليفعل أشياء تكون وبالا على البلاد، وعنده من لا يعرف الصديق من العدو، فاستثار حماس القوم، وأثار حفائظهم فقاموا معه قومه رجل واحد، فأشعلوا الحرب وأطلق حصن بدبد مدافعه على قيس ومن معه، وقد نفد زادهم لأنهم جاءوا ليقبضوا الحصن بغير عناء، وإذا به يلهب نارا ويلقي عليهم من لفحه شرارا، فتشاور الزعيمان قيس وسعيد، وتحققا من سلطان برقا خلبا، فافترقا من هناك فتوجه قيس إلى صحار وسعيد إلى الرستاق، وقد فرغ ما بأيديهما من المال الذي جمعاه لرخصة الجيش، فوقعت الحرب في الحال إلا أن الضغائن بلغت منتهاها.
ولا شك أن الملك ثمين ولا ينال بالهوينا ولكنه بركوب المخاطر وبقطع رقاب الأباعد والأقارب، وواجه سلطان كل أهل عمان من شرقها وغربها، ولباه جميع أهلها واستقر قراره فيه، وأعلن سيادته عليها، ولما كان خصيف بن مطر الهنائي لم يزل في قلب سلطان له حقد لا يزال باقيا خرج سلطان إلى نزوى بصفة سرية، وكأنه متغافل أمر الرجل أو معرض عنه فأمر على خادمه سويلم بن سالمين، ومحمد بن عيسى النيري الهنائي أن يرجعا إلى مسقط ويتحينا الفرصة لقبض المذكور، هو (4/237)
صفحة 1063
لا يزال عقيد بيت الفلج، ولكنه ينزل إلى مطرح لحوائجه الخاصة لكنه على حالة حزم وعلى صفة يقظة.
وفي هذه الأثناء يرى أن سلطانا في داخلية عمان، ولعل حقده قد زال وكان بين خصيف المذكور ومحمد بن عيسى ضغن أيضا، فساق القدر خصيفا غلى مطرح ليقضي بعض أوطاره آمنا من ناحية سلطان والمأخوذ غافل طبعا، وكان معه اثنا عشر رجلا من جماعته، وكان سويلم بن سالمين ومحمد بن عيسى النيري ومن معم كامنين لخصيف على طريقه، فما شعر خصيف إلا والقبض يعمل عمليته فيه، وفرعنه جماعته لدهشة راعتهم، وقبضوا خصيفا وقيدوه وأودعوه السجن، ومنعوه الطعام والشراب بحسب الأمر حتى مات، فألقوه في البحر بعيدا وانتهى أمره. (4/238)
صفحة 1064
سلطان يزحف على السويق والمصنعة
ولما استقر أمر مسقط وأمر وادي سمائل الذي هو حلقوم عمان، زحف سلطان على السويق على أثر قهره لوادي سمائل وطرده لأخويه قيس وسعيد، وكانت السويق إذ ذاك في يد سعيد بن الإمام، فقال سلطان الملك لا يكون مشتركا لما يخشى فيه من الأحوال التي يعرفها أهل هذا الشأن، فسلمت له السويق حين عرفته السلطان لها، ثم عطف على المصنعة فلم تبعد عن أختها بعيدا، وتم له هذا العمل متتابعا في عهد غير بعيد المدى، وعند ذلك وجه عزمه إلى ما هو أبعد من هذا فاصطلح مع محمد بن خلفان لما يخشاه من مكره وتدبيره. (4/239)
صفحة 1065
سلطان يتحفز لحرب شهبار وتوابعها
لما تم الأمر لسلطان كما ذكرنا تحرك لاسترداد المستعمرات العمانية في الخارج، فقام سلطان في قوته الوفيرة، وفي عزيمته الشهيرة، فزحف برجال عمان على تلك البواخر الكبرى التي هي كالجبال الرواسي، فنزل ساحل شهبار من بلاد مكران، فسلمت له ما سبق في روعها الخالد أنها بالأمس عمانية، ولا شك أن اليوم تبع لأمس.
ثم زحف بجيشه الضخم إلى مسقط وكانت من مهام بلاد بلوجستان، فاحتلها بعد يسير من الأمر السياسي، فقويت في ساحل مكران شوكته، ثم زحف على هرموز التي هي سويس الخليج، وكان احتلالها بآل معين الذين هم الزعماء فيها، وكان سلطان يدري من أين تؤكل الكتف، فأكرم سلطان بني معين فرفعوا العلم العماني عليها بعد ما غاب عنها عهدا، وتبدل وضعها.
ثم تابع زحفه الساحق وهجومه المتلاحق على البحرين فاحتلها راغمة، وقبضها مسالمة، وولى عليها الشيخ سيف بن علي بن محمد البوسعيدي، وبقى فيها عهدا غير طويل، ثم عزله وولى عليها ولده سالم بن سلطان، وكان ولدا صغيرا لم يجرب الأمور كما ينبغي، ولم يمارسها وفق المطلوب، فعضده بالشيخ محمد بن خلف الشيعي نظرا إلى أن بين زعماء البلاد والشيعة تباينا وتنافسا، وهذا من أخطاء السياسة.
فلما مضى وقت يسير إذا بعملية أهل البحرين تشرف على النجاح بتجمعهم على سالم بن سلطان واحتشادهم عليه وحصرهم إياه في قلعة عراد، ثم صور نوع من الصلح وهو إخراج الشيخ الشيعي ومن معه (4/240)
صفحة 1066
بما في أيديهم من سلاح وعتاد، وزاد وزناد، وخرج الشيعي فأخرج سالم بن سلطان معه وسويلم بن سالمين كذلك وسائر رجالهم إلى مسقط، وقبض على شيوخ البحرين بلادهم ووضعوا رئاستهم عليها، وهجم الزعماء على البحارنة أي الشيعة بعد منصرف سالم بن سلطان وأصحابه منها، وقتلوا الكثير منهم وأذلوا الأكثر، وحازوا الأموال وتفرق جمع الشيعة في سائر البلدان، وعذبوا الباقين منهم بها عذابا أليما ونكلوا بهم فوق الحد بدعوى دخول سلطان البحرين، لأنهم يدعون أن دخوله كان بسببهم، وأنهم هم الذين حركوه على البحرين واختلاف المذاهب بين الطرفين يؤيد المقصد، ورأى الشيعة البحارنة من أهل البحرين ما ساءهم فوق الحدو سيأتي لهذا المقام مزيد بيان في التعليق عليه إن شاء الله. (4/241)
صفحة 1067
النعيم يهاجمون صحار
من المصائب في عمان، ولا مصيبة مثلها معنى الهناوي والغافري، وما وضع الشيطان بلية بعمان مثلها ومن أجلها ثورة النعيم على صحار، إذ تصور لهم أن آل أحمد بن سعيد هناوية يحبون الهناوية ويميلون إليهم ويقربونهم أكثر من غيرهم، فقام النعيم على صحار متذرعين بأن لنا عادات من صحار وما أعطينا إياها، ودسائس أخرى يحوكها العمانيون وحدهم، فنزل النعيم في العوهى من أعمال صحار، وبالقرب منها، فما شعر أهلها إلا والقوم قد غشوا البلاد يقتلون وينهبون ويفعلون فيها غير الجميل، ولم يقدر قيس بن أحمد على زعزعتهم منها، لأنهم كثيرون وبادية البريمي تنساب إليهم زرافات ووحدانا، وأهل الأطماع من طعام الظاهرة كذلك.
ولما رأى قيس أن لا مزعزع لهم منها، استغاث بأخيه سلطان طالب منه النجدة العاجلة لكشف هذا المهم النازل، فاستصرخ سلطان أهل عمان الداخلية إلى جعلان، فجاءه رهط غير هين واستثار أخاه سعيدا حاكم الرستاق خوفا من استفحال الخطب وتعديه إلى أبعد، وكذلك دعا سلطان سيف بن علي بن محمد، واحتشد جند عظيم غصت به صحار وكان قيس يحاول حل قضية القوم بالتي هي أحسن نظرا لشر القوم القريب من صحار منذ عهد سابق، فكتب إلى النعيم أن يرجعوا إلى ديارهم بغير قتال، ووعدهم بالمال الذي يريدونه.
وكان قد استمال من بادية البريمي الظواهر وحلفاءهم، وقرب أهل ينقل والسليف، ولما لم يقبل منه الرجوع ولم يريدا من الحرب، عبأ كتائبه، ورتب جيشه، وجعل على الخيل سيف بن علي بن محمد، (4/242)
صفحة 1068
لأن الخيل تكون في المقدمة، وبقية القبائل كل قبيلة برايتها، ومع أميرها، وانضاف بنو ياس إلى النعيم وهم خصوصا أهل دبي وأميرهم هزاع، وكذلك بنو قتب.
فالتقى القوم بموضع يقال له الدباغ من صحار، فدارت رحى الحرب فهلك فيها ثلاثمائة رجل من النعيم، ومائة رجل من قوم قيس وسلطان، وكانت الهزيمة على النعيم لبغيهم المفرط، ثم خرج النعيم وقبضوا وادي الجزي، وهو مضيق معروف نظرا إلى أن المناصرين لقيس وسلطان من أهالي منطقة البريمي والظاهرة لا طريق لهم إلا وادي الجزي، وبالأخص الظواهر، ووقع في أذهان الظواهر أن شوكة النعيم انخضدت بتلك الواقعة التي تركت القتلى ملء ساحة الدباغ، ولما توسط القوم في وادي الجزي كر عليهم عدوهم كرة غضب وحقد، فأنقتل من الظواهر ومن كان معهم قدر ثلاثمائة رجل ورأوا- أي النعيم- أنهم أخذوا ثأرهم، وارتحلوا إلى البريمي، ولما تلاحقوا في البريمي ثارت الحرب بينهم بالغارات والغزوات، ولم تزل عهدا طويلا، وأغارت وهيبة على النعيم، فهجموا على القبائل فقتلوا من النعيم عدة رجال، وأغار سلطان على دبا عن طريق البحر، وخوفت الناس الشرقي ... والنقبيين جملة، وأفسدت الدروع السبل، وخوفت الناس ومازال التعصب يواصل أعصابه حتى جاء سلطان بن الإمام إلى تلك الجهات فسدد الأحوال وأطفأ نيران الضلال. (4/243)
صفحة 1069
سلطان يقوم ببناء حصن الفليج
نظر سلطان بن الإمام أحمد أن لابد للعائلة من مكان خاص لائق بعيد عن العواصف وهيشات الحروب، فاختار واحة الفليج لقربها من بركا ومن مسقط، وغير بعيدة من وادي سمائل الذي كان يألفه سلطان في واحة مطلقة الهواء لينة الموطئ منحازة عن معرات الجيوش، وهي واحة الفليج التي بين بركا ونخل والطو، فبنى سلطان ذلك البيت الحلو الأنيق في مدة وجيزة، وأسكن فيه بعض أهله، وكان كثيرا ما يتردد عليه ويقيم فيه، وولى على مسقط بعد موت خلفان بن ناصر البوسعيدي الوالي بها سيف بن مسعود البوسعيدي، ثم عزله عنها وولاه بهلى، وولى على مسقط سليمان بن سيف بن سعيد الزاملي، ثم لم يطل عهده وولى عليها ماجد بن خلفان بن محمد الوكيل البوسعيدي، ثم أخرجه وولاه الشرقية وجعلان وصور، وولى على مسقط بعده سيف بن محمد ثم عزله، وولى عليها خصيف بن خميس بن حمدون الوهيبي، ثم ولى عليها بعده خلوف مولى لبني هناءة، ثم ولاها بعده سيف بن حنظل البوسعيدي، ثم ولاها بعده سيف بن محمد البوسعيدي، ولم تزل ولاته تتخالف عليها، ولم يزل مهتما بها كل الاهتمام، ويدير الآراء بشأنها في كل آن.
ثم أقبل عليها بهمة فعالة، فبنى فيها قصر العلم، ذلك القصر الضخم الرائع، وجعلها وطنه الخاص، وهو أول من تلقب بالسيد من أولاد الإمام أحمد بن سعيد، وعلى أثر هذا العهد أوفد عبدالعزيز السعودي إلى عمان عبدا نوبيا من عبيده ليفتح له ثغرة بعمان، ويبني له فيها بناء جديدا تسجله الأيام في تاريخ السعودية في عمان، حين ظل أمراء عمان من آل أحمد بن سعيد يتقاتلون على الملك، ويتهارشون على الدنيا خلافا لسبيل المسلمين وعدم اهتمام بأمر الدين. (4/244)
صفحة 1070
الاضطراب في عمان في عهد سلطان بن الإمام
كان سلطان بن الإمام تزوج بنت ناصر بن محمد الغافري أخت حميد بن ناصر، فتوفيت عنده فطلب سلطان ميراثه من أخيها فلم يتيسر له شيء منه، بدعوى أن كل ما بيده هو بيت مال لا إرث فيه لأحد، وامتنع حميد من دفع شيء لسلطان بن الإمام من تركة أخته، فوقع في النفوس أمر كان سبب التنافر والشقاق بين سلطان بن الإمام وحيد بن ناصر، فطلب سلطان مواجهة حميد، فامتنع حميد خوفا من سلطان يقبض عليه، فتحقد سلطان وأضمر السوء لحميد بامتناعه من تسليم الإرث له وعدم إجابته لدعوته، فدس سلطان على حميد الدسائس من جهات شتى، وبأنواع مختلفة النواحي، ومنها أرسل من مسقط أحمد بن يوسف بن موسى الشيعي لكسر مدفع ضخم أمام حصن جبرين، كان من الصفر وكان هذا الشيعي صفارا أي يعمل من أجل الصفر وأنواع منها، فسار إلى نزوى وأقام بها صفارا ثم طلبه حميد إلى جبرين ليعمل له مراجل كبيرة، ولما رأى الفرصة سانحة عمل عمليته في كسر المدافع الصفر المذكور فكسره، ثم هرب بالليل إلى مسقط وكان ذلك المدفع من أشهر المدافع في قصر جبرين فقضى عليه.
قال ابن رزيق: فكثرت الغزوات والغارات، وتفاقم القتل ومالت النزارية كما هو تعبيره بذلك ويعني به الغافرية. قال: مالت النزارية وحلفائهم من أهل الحمراء والجبل وسيفم والظاهرة إلى حميد بن ناصر، فكان هو القطب.
قال في شأن الوالي سيف بن مسعود: فوقع التل بينه وبين أهل جبرين، وأصابه جراح برصاصة من إطلاق نيران القوم، فرجع هو (4/245)
صفحة 1071
وقوم إلى بهلى متحيزا بها، فعاش ثلاثة أيام، فمات في بهلى وظلت الحال تسير على هذا الحال، ومن المعقول إذا كانت الأمة لا جامع لها تحت راية واحدة لعب بها الشيطان وأغرى بعضها على بعض، فكان ذلك أعضل أدوائها وأصعب أمراضها، وهنا تغلغل هذا الداء وكاد لا يزول ولا يزال له عروق تنبض به لتمزيق عمان، اللهم إلا إذا كان للأمة جامع قوي من عدل وإنصاف، وإنزال الناس منازلهم وتأييد الحق أين كان، وممن كان وإلا فالأمر جلل والداء عضال. (4/246)
صفحة 1072
سلطان بن الإمام يتهيأ للحج وفي النفس مآرب أخرى
في سنة ثماني عشرة ومائتين وألف، تهيأ سلطان بن الإمام للحج، فاصطحب من أهل عمان جملة من رؤسائها من شمال عمان منهم الشيخ محمد بن مطر الشرقي صاحب الفجيرة، ومهنا بن سليمان اليعربي، والشيخ ربيعة بن أحمد الرواحي.
ولما مضى على توجههم الحج بعض الأيام، وتحقق ذلك بدر ابن سيف بن الإمام أحمد، قام بمن معه وكان يسكن حبرى من بلدان وادي المعاول، فدخل مسقط ليلا ومعه بعض الرجال، فدخل على ماجد بن خلفان بن محمد الوكيل البوسعيدي، وتعاهد هو وإياه على أخذ الحصن الشرقي من مسقط، وكان سلطان ترك فيه أحد خادمه يقال له كومبو بضم الباء الموحدة بعدها واو أميرا على الحصن. وكان عتيقا شقيقه سيف ابن الإمام والد بدر المذكور واختفى بدر عن الناس هو وأصحابه في الليلة التي دخل فيها مسقط في بيت ماجد بن خلفان، فلما كانت الليلة الثانية ليلة العملية مضى بدر إلى الحصن الشرقي وبصحبته خادمه براكا المعروف بالصرملة بسكون الراء المهملة وكسر الميم وتشديد اللام المفتوحة عتيق والده أيضا سيف بن الإمام، وخمسة رجال من أصحابه، وحمل معه كيسا فيه ألف قرش، ولما وصل هو وأصحابه عند باب الحصن نادوا (كومبو) فأشرف عليهم من كوة بالحصن قائلا: من أنتم؟ فقال له بدر أنا مولاك بدر بن سيف بن الإمام أحمد، افتح الباب لأدخل معك لقصد المفاهمة، وهذا لك ألف قرش مقدما (فأدلى كومبو) له قفيزا (4/247)
صفحة 1073
ويحذف أهل عمان نقطة الزاي فيجعلونها راء مهملة، فلما وصلت الدراهم إلى (كومبو) قال لبدر ارجع إلى ورائك وإلا أطلقت عليك الرصاص، ثم رماهم بحجر فرجعوا بالخيبة.
فلما رجعوا إلى ماجد بن خلفان، قال لهم: إياكم والمبيت في مسقط، فرجع بدر وأصحابه من ليلتهم إلى حبرى، ثم توجه منها لنجد، وكان مر على عجمان عند صديقه راشد بن حميد النعيمي، ثم توجه إلى الدرعية فألقى ما عنده إلى الأمير عبدالعزيز إمام الدرعية فتحالف معه.
ولما رجع سلطان من الحج أخبر عن شأن بدر وعمله قيد ماجد بن خلفان، ويأل عن الخادم (كومبو) ماذا صنع، فأخبر أنه قبض الدراهم وطرد بدر وصحبه، وقبض على الصرملة براكا وقيده في الحصن الغربي، وقطع عنه الطعام والشراب حتى مات، ثم أمر به فألقى في البحر، وأما بدر فقد اتصل بالدرعية فاهتم من أجله كثيرا لأن الخطر لابد أن يكون هاما جدا، وليته مكث في حبرى أو بعض بلاد عمان فإن مسيره إلى الدرعية فيه الرزية من قبل أهل الغرب وكان في العرف العام بعمان إطلاق لفظ الغرب على أهل نجد ومن إليهم، وبذلك كانت لأهل الغرب طرق لغزو عمان مهدها الأمراء المتنافسون على الملك الذين لا يراعون إلا نفس الرئاسة، على أي حالة كانت، وبذلك انجر حبلهم حتى امتد إلى عمان بواسطة القبائل والزعماء الذين أشرنا إليهم، ومن جر العدو على وطنه ضايقه في سكنه وأذله في أهله وتسلط عليه، ومن ذلك أغار بدو البريمي والظاهرة على مسارح الباطنة من السويق وحواليها، وعندهم من طغام بدو عمان أخلاط، وكان سلطان في بركا، فلما وصله الخبر ونمى إليه الصريخ أمر على محمد بن حمد الوهيبي ومن معه من آل وهيبة، وكانوا المقربين معه. (4/248)
صفحة 1074
فخرج الركب في طلب الغزاة المشار إليهم، وها قد دخلوا وادي الحيملي فتلاحقوا بالوادي المذكور، ولكن الغزاة تمكنوا من قبض الطريق، وجاء آل وهيبة يسيرون في بطن الوادي، فأطلق عليهم الرصاص من رءوس الجبال، فانتقل الشيخ الوهيبي وأكثر رجاله، ولم يسلم منهم إلا القليل، فلما وصل خبرهم إلى سلطان تأثر منه وضاق به صدره وعيل وصبره وخاف ما هو أكبر منه، فانتقل من بركا إلى الفليج واستدعى والي نخل مهنا بن محمد بن سليمان اليعربي، وتفاهم معه واتفقا على طلب أهل عمان لهذا الصدد المهم، فإن له ما بعده من أمر القوم ولا تدري النهاية ولا يعرف المصير. (4/249)
صفحة 1075
سلطان بن الإمام وأهل عمان يعقد مؤتمرا في بركا
ودعا سلطان بن الإمام بقبائل عمان الداخلية إلى جعلان، وعين لهم الاجتماع ببركا، فجاء الكثير فمنهم وكذلك أعيان آل بوسعيد أولاد عمه وإخوته أولاد الإمام أحمد بن سعيد، وهم أحمد بن سعيد بن الإمام، وعزان بن قيس بن الإمام، وطلب بن الإمام، وأخوه محمد بن الإمام، وسيف بن علي بن محمد والمشايخ ومحمد بن خلفان بن محمد، وأخوه ماجد بن خلفان بن محمد، والشيخ ماجد بن سعيد البرواني، ووالي نخل المقدم الذكر مهنا بن محمد بن سليمان اليعربي، والشيخ حجي ابن سعيد الحسني وسالم بن علي العلوي، والشيخ عيسى بن صالح الحارثي، وخادم بن محمد الهاشمي، وكان المجتمع بحصن بركا، ولما استقر بهم الجلوس، افتتح سلطان الكلام، وأخبر الحاضرين عن قتل أصحابه، وأنه متأثر بقتلهم حتى قال في نقل ابن رزيق: فبقيت ككف بلا أصابع، وهذه الحرب متفاقمة علينا من كل مكان، ومن كان لي محبا صار لي عدوا، ومن زعم أنه لنا صديق فهو لنا غير نافع في حزات الضيق.
وهو يشير بذلك إلى أناس من أهل عمان. قال: فما رأيكم في هذا الشأن؟ فسكت القوم وبقوا كل طائفة تنتظر جواب الأخرى، وحتى تكلم الشيخ سيف بن علي محمد البوسعيدي، وها نحن نحررها بفحواها لا بنقل ابن رزيق.
قال: إن أهل عمان باقون على ولائهم ثابتون على عهدهم، لهم شدة وصبر على الحرب، لا يرهبون الأعداء ولا يخافون، وما محمد بن حمد الوهيببي، إلا واحد من كثير وكذلك أصحابه، وفي عمان من هم (4/250)
صفحة 1076
أشد لقتال الأعداء فمن ذكرت، وأثبت في الأزمات. فما نحن بجازعين من الوهابية وغيرهم من الأعداء فإن قلوبنا التي نعصي بها الأعداء في صدورنا، والسيوف التي نضربهم بها على أكتافنا، وما خضاب الرجال إلا الدم، فطعم الحرب لنا كالمن والسلوى ولا خير في مقال لا تزكيه أفعال، وليعلم النجديون والأضداد المجاهرون أن منقلب ينقلبون.
ثم سكت فتكلم بعده آل بو سعيد مؤيدين لمقاله، وقال أكابر عمان والشرقية وبدية وجعلان: م أحلى لنا حرب الطاغين .. والباغين، ففي أعيننا كثيرهم قليل وفي قلوبنا عزيزهم ذليل، يأبى العزيز أن يعيش ذليلا، فبينما هم كذلك في هذا المجال وتداول المقام، إذ ورد على سلطان رسول من قيس بن الإمام يحمل كتابا منه يقول فيه: إن الحريق أحد خدام عبدالعزيز وصل، وأنه ضرب معسكره بالعوهى بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الهاء بعدها ياء مثناة من تحت من أعمال صحار، ويسأل أخاه سلطانا النجدة قبل استفحال الخطب، ويستحثه بالوصول إليه، فليرجع كل واحد منكم إلى بلده وقومه، وليأتني بما عنده ومن هم في طاعته من الرجال، وجعل موعد اللقاء الخابورة دون صحار، وافترقوا على هذا ومضى سلطان معه محمد بن خلفان وأخوه ماجد إلى مسقط للاستعداد المستعجل، وحالا أمر سلطان بشحن العدة والعتاد وآلة الحرب في باخرته الكبرى الفلك من مخلفات الدولة اليعربية عليها السلام، وحملها جميع ما تدعو إليه الحاجة من الأمور الحاجية، ومضى بحمولته وتوجه سلطان على طريق البر فعسكر بالخابورة لتلقي القوم بها.
وجاءت القبائل العمانية تترى من كل صوب: فكان الجيش اثني عشر ألف رجل، ولن يفلت جيش هذا عدده بشهادة الرسول عليه الصلاة (4/251)
صفحة 1077
والسلام، ولما بلغ الحريق هذا الأمر الذي قام به قيس وسلطان، لم يتمالك لقلع مخيمه، بل أشعل النار فيه روعا واستولى عليه الذعر، فهرب بأسرع ما يمكن، ولم يتراجع إلا في البريمي ولم يبق بها عهدا بل سرعان ما ارتحل إلى نجد ليلقي مهمته إلى سيده، وزحزح الله شره وصرف بلاءه حالا.
وعند ذلك جاء شيوخ البحرين مذعنين لسلطان خوفا منه حيث بلغه الحريق وجنده، خافوا من سلطان أن يرد الكرة عليهم.
وفي هذه الأثناء اصطلح الحال بين سلطان وحميد بن ناصر الغافري، ولا شك أن القوة هي التي تمهد طرق السيطرة وتدعم السلطان، لو أن لي بكم قوة، وعدوا لهم ما استطعتم من قوة، إني عليه لقوي أمين. (4/252)
صفحة 1078
محتويات الكتاب
الموضوع
الصفحة
الإمام سيف بن سلطان ينظم الجيوش5
الجيش البري بعمان6
الجيش البحري بعمان7
الإمام سيف بن سلطان يقبل على عمران عمان9
سلاح الدولة اليعربية12
الإمام سلطان بن سيف بن سلطان13
عقد البيعة للإمام سلطان بن سيف15
الإمام سلطان يتحفز لجهاد العدو18
إمامة الإمام مهنا بن سلطان23
إمامة يعرب بن بلعرب بن سلطان بن سيف29
الإمام يعرب يخرج إلى جرنان32
محمد بن ناصر الغافري يعيد الحرب سيرتها الأولى35
مالك بن ناصر يثير حربا بغير هدى من الله39
محمد بن ناصر وخلف بن مبارك يقتلان في عمان بأهل عمان45
خلف بن مبارك يحاصر الرستاق50
محمد بن ناصر يزحف على بلادسيت52
عودة محمد بن ناصر على نزوى للنظر في الأحوال53
خلف بن مبارك يزحف لحرب نخل57
محمد بن ناصر يجهز الجيوش لحرب الحبوس59
محمد بن ناصر يتجهز لحرب الرستاق61
إمامة بن ناصر الغافري64
الإمام السالمي يناقش القضية66 (4/253)
صفحة 1079
الحسد عند الشر68
مانع بن خميس يلتجئ بالنعيم72
الإمام محمد بن ناصر يهاجم أهل علاية سمائل73
محمد بن ناصر يلاقي خلف بن مبارك في حيل العوامر75
محمد بن ناصر والمعاول77
محمد بن ناصر يهاجم بغاة البدو من عامر بن ربيعة78
محمد بن ناصر يسوق زعماء وهيبة لواحة جبرين80
ينقل تظهر الخلاف لمحمد بن ناصر وتتعرض للهجوم82
نهاية المزاولة بين محمد بن ناصر وخلف بن مبارك والصراع المرير84
إمامة سيف بن سلطان بن سيف88
إمامة بعلرب بن حمير93
الحرب يقيمها الإمام بلعرب على سيف بن سلطان94
الزحف على بني هناءة في بلادسيت95
الزحف على جبرين زفيه بنو هناءة96
سف بن سلطان يجر الأعداء على عمان97
طلب سيف بن سلطان عن العجم النصرة على أهل عمان98
سيف بن سلطان يواصل جيوشه من العجم على أهل عمان101
العجم يعيشون في نزوى102
سيف بن سلطان يتغلب على الأمر بعمان105
إمامة سلطان بن مرشد اليعربي109
سيف بن سلطان يستعد لمصادمة الإمام ثم ينهزم110
أحمد بن سعيد البوسعيدي يبرز في الميدان ليتولى ملك عمان113
العجم ينزلون خورفكان 122 (4/254)
صفحة 1080
العجم وحصارها لحصن صحار124
الإمام سلطان بن مرشد يتوجه لحرب العجم الذين بصحار126
أحمد بن سعيد يزحف إلى بركا ليتولاها128
أحمد بن سعيد يستعمر بركا ميناء لعمان بدل مسقط129
أحمد بن سعيد يأخذ ثأر العمانيين من العجم 134
أحمد بن سعيد يعيد خميس ين سالم لمسقط137
أحمد بن سعيد يزحف إلى الداخلية138
أحمد بن سعيد وبلعرب بن حمير139
أحمد بن سعيد في طالعه السعيد142
أحمد بن سعيد وزعماء بني غافر146
أخلاق أحمد بن سعيد وصفاته149
أحمد بن سعيد يناصر الدولة العثمانية على العجم بالبصرة154
الظاهرة وأحمد بن سعيد155
أحمد بن سعيد يجهز ولده هلال لحرب الظاهرة162
أحمد بن سعيد يشن الحرب على نخل165
سيف بن سلطان أبناء أحمد بن سعيد يحتلان مسقط170
مقام أحمد بن سعيد عند الناس175
وفاة أحمد بن سعيد الإمام177
أولاد أحمد بن سعيد179
سعيد بن أحمد بن سعيد الإمام182
حمد بن سعيد بن الإمام أحمد بن سعيد186
الحرب بين المعاول وأهل نخل197
أعمال حمد بن سعيد أيام دولته200
المحل يحل على أهل عمان في عهد حمد بن سعيد210
سعيد بن الإمام أحمد والعبريين212 (4/255)
صفحة 1081
قيام الشيخ أبي نبهان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 215
سلطان بن أحمد يحتل ملك عمان223
محمد بن خلفان يتحفز لحرب سلطان230
سلطان بن الإمام يحصن مسقط234
قيس وسعيد ابنا الإمام يحاولان حرب سلطان235
سلطان يزحف على السويق والمصنعة239
سلطان يتحفز لحرب شهبار وتوابعها240
النعيم يهاجمون صحار242
سلطان يقوم ببناء حصن الفليج244
الاضطراب في عمان في عهد سلطان بن الإمام245
سلطان بن الإمام يتهيأ للحج وفي النفس مآرب أخرى247
سلطان بن الإمام وأهل عمان يعقدون مؤتمرا في بركا250 (4/256)
صفحة 1082
حقوق الطبع محفوظة لدى
وزارة التراث القومي والثقافة
ص. ب: 688 - الرمز البريدي: 113 مسقط
سلطنة عُمان
رقم الإيداع: 241/ 95 (4/257)