صفحة 1
الكتاب: عُمان في فجر الحضارة
المؤلف: [د. م]
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر: 1985
الطبعة: الثانية
العدد: السادس
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة التراث القوى والثقافة
عُمَان
في فجر الحضَارة
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
العدد السادس
الطبعة الثانية (1/1)
صفحة 2
إهداءات 1998
وزارة التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان (1/2)
صفحة 3
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
عمان
في فجر الحضارة
1985 (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم (1/4)
صفحة 5
تقديم
أثبتت الأبحاث العلمية، وعمليات المسح الأثرى أن جذور الحضارة العمانية تمتد فى حقب التاريخ إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، ولا تكاد المراجع الميسورة أن تساعد الباحثين والمفكرين فى تصور الحضارة العمانية الزاهرة على طول خمسة آلاف عام مدى حياتها.
وإنه ليهم وزارة التراث القومى والثقافة بسلطنة عمان أن تقدم فى هذا الكتاب عرضاً موجزاً لمجموعة الأبحاث والتقارير التى قدمتها مؤسسات البحث والتنقيب المتخصصة، وبعثات الآثار التى قامت بزيارة السلطنة، رجاء أن تجلى معارفه غبار الماضى، وتكشف عن المواطن النيرة فى تاريخ سلطنة عمان. مستلهمين فى أعمالنا توجيهات صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم فى ميدان إحياء التراث العمانى بما يتيح لأبناء الجيل المعاصر التعرف على ملامح الحضارة العمانية العريقة، ومعالمها البارزة على مر التاريخ.
فيصل على بن فيصل
وزير التراث القومى والثقافة (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 7
الباب الأول
عمان فى الألف الثالث قبل الميلاد
استطاعت بعثة هارفارد الأثرية – التى دعيت عام 1973 للقيام بأول عملية مسح للآثار فى عمان – أن تحدد موقع سبع عشرة مستوطنة يعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وذلك بناء على قطع الفخار المتصلة بها والمبانى والبقايا الحجرية والنحاسية، والأدلة التى تم تجميعها ويمكن بها تكوين فكرة مبدئية على أحوال الحياة فى العصر البرونزى فى عمان.
وقد استنتجت البعثة نتيجة لعملية المسح الأولى عام 1973 فى وادى بهلا، أنه كان من العوامل الأساسية فى اختيار موقع لمستوطنات الألف الثالث أن يكون قريباً من مصدر للمياه يكفى لإقامة نظام بسيط للرى وكذلك لتلبية الحاجة إلى الشرب وسقاية الحيوانات.
وفى عام 1973 امتدت منطقة المسح جنوباً وشرقاً على منابع أودية حلفين وقنت وعندام وسمد والآثلى وعبرى والبطحا وهى مساحة تبلغ خمسة آلاف كيلو متر مربع وتحقق ما افترضته البعثة من غلبة الحاجة إلى الماء، وما يتصل بها من أرض (1/7)
صفحة 8
قابلة للزراعة، وفى نهاية عملية المسح تم تحديد رقعة من ساحل الباطنة الذى تشرف عليه الجبال بين الرستاق والبحر وبين وادى الفرع ووادى بنى خروص لمعرفة .. هل الطراز الغالب فى المنطقة الداخلية يصح أيضاً وراء الجبال، وقد تبين موقع مستوطنة الأف الثالث التى سميت وادى الفرع على بعد حوالى خسمة كيلو مترات شمال الرستاق فى موقع مماثل لموقع مستوطنات الداخل.
أما على ساحل الباطنة فلم يكن هناك ما يدل على وجود مواقع جديدة، وربما كان ذلك بسبب أن كثبان الرمل أو بساتين النخيل قد حجبت الدليل اللازم. ورغم تيسير المنافذ إلى الماء وإلى تربة منخفضة لكل المستوطنات تكفى على الأقل لقيام نوع بسيط من الزراعة بالرى أو من السيول فقد يكون هناك شك فى وضوح ذلك للوهلة الأولى ..
مستوطنات ما قبل التاريخ فى عمان
ليس هناك دليل بارز على وجود مستوطنات ما قبل التاريخ فى عمان إذ يبدو أن السكان كانوا يعبلون إلى التنقل فى جوانب الوادى صعوداً وهبوطاً بدلا من الاستقرار فى مكان واحد .. ولعل هذه التنقلات هى التى كانت تسبب إنهاكاً (1/8)
صفحة 9
للأرض المزروعة مما يضطرهم إلى الانتقال إلى منطقة أخرى غير مطروقة، وبالتالى تكون تربتها خصبة، وربما كان ذلك أيضا نتيجة لقلب الأحوال الجوية حيث قد يؤدى توالى سنوات الجفاف إلى استحالة الزراعة التى تعتمد على مياه السيل. وبالتالى يتحطم اقتصاد المستوطنة.
وتضم المواقع السبعة عشر بعض التجمعات، فهناك بعض منها فيه بناء مسوراً مرتفعاً مركزياً ويحيط بهذه المبانى أبنية سكنية أقل شأناً .. وبعض القبور من الحجارة وإن كانت بعض المستوطنات ليس فيها مثل ذلك.
صهور النحاس فى عمان القديمة
وقد تم اكتشاف أدلة على صهر النحاس فى مستوطنات أخرى واتضح الآن من عمليات المسح الجيولوجى أن هناك مصادر كثيرة لحام النحاس فى عمان، وصحيح أن بعضها أصغر من أن يصلح للتعدين الحديث ولكنها تكفى للإنتاج على نطاق صغير فى العصور التاريخية القديمة. مما يدل على أن إنتاج النحاص فى العصور القديمة كان جزءاً متكاملا مع حياة الجماعة على أنه صار فيما بعد صناعة خاصة بل وربما للتصدير تلبية لطلب جهات أجنبية. (1/9)
صفحة 10
أساليب البناء فى مستوطنات عمان القديمة
تتميز أساليب البناء فى كل هذه المستوطنات بالبساطة والمتانة فى نفس الوقت، فالمبانى الشبيهة بالحصون استخدمت فيها كتل ضخمة قطعت من المرتفع الصخرى نفسه ثم سويت على شكل قطع مربعة. أما أبنية المساكن فعلى خلاف ذلك مبنية بأساسات مكونة من صفين من الحجارة العادية، وكان يستعمل فى الجدران العليا مزيج من الحجارة العادية والطينية، وقد ساعد على البناء بالحجارة فى عمان وجود الحجر المحلى الذى يتميز بأنه يتفكك بفعل الأحوال الجوية ويقطع بسهولة إلى قطع رقيقة، وهذه القطع منتظمة الشكل إلى حد يجعل الإنسان يظن أن القبور البعيدة أبنية من حجارة
منحوتة مربعة الشكل على حين أنها فى الواقع مشيدة من قطع مرصوصة جنباً إلى جنب، والبناء الوحيد المبنى بحجارة منحوتة مربعة من الألف الثالث فى عمان هو الحجارة الكلسية البيضاء المنحوثة المستعملة فى واجهة البناء الموجود فى قبور منطقتى بات وعملى.
وأن الظاهرة الأساسية فى المستوطنات العمانية هى انفرادها بشخصية عمانية متجانسة فيما بينها. متميزة إذا (1/10)
صفحة 11
قيست بجنوب شرقى إيران وبلاد ما بين النهرين الدنيا والمناطق المجاورة الأخرى فى هذه الفترة.
وبما أن هذه المجموعة إنما جمعت من فوق سطح الأرض دون استخدام أسلوب معين لتحديد الطبقات والتقسيمات فان الدراسات والبحثو إنمايراد بها إبراز المعالم الأساسية فقط دون تحديد مفصل.
والفخار أساساً عبارة عن عدد من الأوانى المصفوفة على دولاب لونها من الأحمر والبرتقالى ويغلب أن يكون لون قلب الفخار رمادياً وأحياناً يكون لونه رمادياً ليس فيه إلا سطح أحمر وهو بوجه عام جيد ليس فيه أية شوائب منظورة.
وفى عمان ثلاثة أصناف من الفخار، إثنان منها آنية رمادية أحدهما الرمادى والآخر أسود على رمادى الذى يغلب أن يرد ذكره فى آثار إيران الجنوبية الشرقية فى أسفل الخليج. والصنف الثالث آنية رقيقة جداً حمراء فاتحة أو برتقالية تميل إلى التشقق دون الانكسار وقد تم العثور على هذه الأصناف الثلاثة من الآنية بكميات فى عمان عند بات وعملى، ولكن هذه المجموعات كلها قد تم استخراجها من قبور، ونفس الشئ بالنسبة للأصناف الثلاثة من الآنية فى أم النار وهيلى ومن المرجح أن وجود هذه الأصناف من الآنية يشكل علامة تاريخية (1/11)
صفحة 12
هامة فى جنوب الخليج وإيران الجنوبية الشرقية بالنسبة لمجموعات القبور والحياة المنزلية كذلك.
ويبدو أن أقدم مادة تم العثور عليها هى قطع الفخار التى تعرف بآنية قبور ديلى وقبور حفيت الأولى فى زمن جمدة نصر أو من السلالات الأقدم عهداً وعلى هذا فانه من المحتمل أن تاريخ هذه المجموعة يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد.
المواصلات ومتجارة بين الساحل والداخل
من العجيب أنه قد تم اكتشاف بعض صدفات البحر فى كل مستوطنة من المستوطنات السبع عشر وربما كان من المحتمل أن حركة المواصلات بين الساحل والداخل كانت نشيطة مستمرة، وربما كانت تتم مقايضة النحاس والحبوب من الداخل بالمحار والسمك من الساحل، فلا يزال البدو حتى اليوم فى أعماق الداخل عند أم السميم وقارة الملح وقارة الكبريت يستخرجون الملح لاستخدامهم وللإتجار به مع المدن على امتداد الجبال.
وقد ظهرت أدلة قوية على وجود تجارة خارجية فى عمان (1/12)
صفحة 13
إبان العصر البرونزى فهناك بعض الفخاريات التى تشابه ما كان فى بلاد ما بين النهرين وأكثر من ذلك مما يشابه ما كان فى جنوب شرق إيران .. وإن كان ذلك لا يعنى بالضرورة وجود تجار أجانب ولا قيام علاقات تجارية نشطة مع منطقة بعينها خارج عمان، فالكميات الصغيرة من قطع الفخار العربية والأشكال القليلة فى آنية الفخار التى تشابه مثيلاتها فى مناطق خارج عمان لا تكاد تكفى لتحديد تاريخ لقبور عمان ومستوطناتها.
ولقد راودت الباحثين دوماً فكرة أن يجعلوا من عمان مكاناً لمملكة «مجان» التاريخية. والمستوطنات التى كانت تشتغل بصهر النحاس خير دليل على وجود جماعة فى الألف الثالث تشتغل فى صهر الناحس وإن لم يتوفر إلى الآن دليل ثابت على تصدير النحاس إلى خارج عمان.
ويبدو أن عمان فى الألف الثالث قبل الميالد كانت أرضاً عامرة يقوم اقتصادها على أنظمة زراعية تعتمد على الرى من السيول. وكان هناك إنتاج محلى للنحاس فى كثير من المواقع. وكانت تتراوح مساحات القرى بين 6 – 8 أفدنة، (1/13)
صفحة 14
كما أنه لا يبدو أن مستوطنة ما كانت تتميز بقوة أو ثروة أكبر من غيرها ومن الناحية السياسية لم يستدل على وجود سلطة سياسية ثابتة وإن وجد ملك فان فضل تملكه يعود فقط لتفوقه على أقرانه وقد كان الجو العام يغلب عليه رخاء هادئ لم تصل إليه دوامات ما بين النهرين أو إيران. . (1/14)
صفحة 15
الباث الثانى
الموارد الاقتصادية فى عمان القديمة
توزيعها. . استثمارها
تقع عمان الشمالية بين خطى عرض 22. و24. و30. شمالا عند مدار السرطان وهى بذلك تقع فى المنطقة الاستوائية ذات المناخ الجاف ومعدل سقوط الأمطار منخفض، ورغم أن هذه الأمطار القليلة لا يكاد يكون لها أهمية بالنسبة لزراعة جافة تعتمد على تقلب حالات الجو إلا أن هذه االأمطار القصيرة الأمد تكفى أن تكون فترات لنظام واسع الامتداد من طبقات حاملة للماء فى منطقة تقع أسفل الجبال ولذا فإن وفرة المياة صفة من الصفات الجغرافية التى تتصف بها الأطراف الساحلية وعلى منحدرات الجبال على أطراف الصحراء بحيث أن هذه الجهات رغم جفاف مناخها تصلح لتنمية معايشة أكثر غنى وتنوعاً مما يوجد فى بلوخستان القريبة، ولذا فقد قام بها استيطان إنسانى منذ عصور ما قبل التاريخ، وكان (1/15)
صفحة 16
لوفرة المياه فضل فى استغلال أنواع كثيرة فى الموارد الطبيعية.
وفى الاستطلاع الاقتصادى للعصور القديمة نجد أن الماء كان نقطة الارتكاز الأساسية فى تحديد نوع الاستيطان ومقدار التركز السكانى على حين أن العناصر المتغيرة الأولية الأخرى والتى لها
أهمية حاسمة فى إعادة تكوين صورة عن أساليب الإنتاج وعن طراز التركيبة الحضارية تتشكل من الموارد الأخرى سواء الزراعية أو البحرية أو المعدنية.
ويجد الباحث فى أنماط الإنتاج وعوارض التغير فى عمان أن مما تيسر عمله هو أن توزيع الموارد يجرى على نفس الوضع الجغرافى. وهو عبارة عن سلسلة من شريط أرضى تجرى متوازية تقريباً على المحور الشمالى الشرقى – الجنوبى الغربى لشاحل الشمالى من شبه جزيرة مسندم إلى رأس الحد.
شكل الأرض وتضاريسها
أماكن قليلة فى العالم تلك التى أثرت فيها عملية تشكيل شكل القشرة الأرضية المتصلة بالحرف القارى كما أثرت فى عمان فلو نحن أخذنا مقطعاً عرضياً يمتد من بركا على الساحل (1/16)
صفحة 17
إلى منخفض أم السميم لظهر فيه بوضوح ذلك التعرج الساحلى للجبل الأخضر، فالجبل الأخضر بسبب ما يفرضه من اختلافات واضحة فى الارتفاع على 100 كم على امتداد المقطع العرضى يشكل جداراً حقيقياً بين الساحل والداخل ينتج عنه توزيع للموارد الاقتصادية فى إتجاه يجارى خط سلسلته، فمن سطح الجبال المستوى إلى وسط المنخفض الصحراوى تتباين البيئات عمودياً بتأثير الارتفاع فوق سطح البحر وأفقياً بتأثير البعد عن الوادى وينتج عن هذا اختلافات طبيعية فى أطراف البلاد وفى وجود الموارد حتى فى مناطق متقاربة جداً.
والمناخ الساحلى شبه الاستوائى على امتداد الساحل وفى الشرق يؤدى إلى تلال يتنائر فيها شجر السمر وتجعل كثافة الأنواع النباتية أشد وأكثر تنوعا مما هى فى بلوخستان القريبة.
وتنوع النبات والحيوان فى المنطقة ناتج عن عدد من العوامل منها تباين الارتفاع واختلاف تأثير الصحراء والمحيط الهندى، واختلاف سقوط الأمطار المترسبة على الجدار الجبلى وقصر المسافة عن الرياح الموسمية الهندية. ولكن المناخ الجاف يؤدى إلى زيادة هذه التباينات فى الأحياء فبعد أن تتكيف هذه النباتات والحيوانات مع هذه الأحوال فانها تتركز (1/17)
صفحة 18
فى تجمعات تفضل بينها حدود واضحة لها خصائص متميزة وفقاً لموارد محدودة وعندها لابد للجماعة الإنسانية التى تعتمد عليها أن تخضع للأوضاع نفسها وأن تنوع طراز بنية الحياة المستقرة.
وقد اتضح أن كلا من المظاهر الجغرافية الطبيعية – الصحراء والجبل والساحل – قد شجع على نوع منفرد من التخصص فى استعمال الأرض دون أن يحدث مع ذلك تجزيئاً أو عزلا أو تخصصاً ذا سمة اقتصادية اجتماعية وذلك بفضل قيام ظروف من تبادل المنافع ساعد عليها قصر المسافات وطبيعة التكامل بين الموارد.
وتتكون جبال عمان أساساً من –طبقات رقية متدافعة متراكمة على قاعدة كونتها سلسلة من تسلخات أرضية ذاتية وهذه هى الصخور التى أعطت عمان ثروة من اعظم ثرواتها الطبيعية والاقتصادية وهى
النحاس الذى كان له مكانة عظمى فى تاريخ البلاد كما يدل على ذلك عدد المناجم القديمة التى تم العثور عليها.
ويمكن تقسيم مناطق عمان على أساس الأحوال الحاضرة للبلاد وعلى النحو التالى: (1/18)
صفحة 19
1 - الساحل:
ويتكون من شواطئ وشعب مرجانية وجزر ساحلية صغيرة ثم من المنطقة الداخلية التى تقع وراء الشاطئ مباشرة بما فى ذلك مضبات الوديان وتكثر هنا الموارد البحرية رغم أن منطقة عمان الساحلية أو الباطنة بين خور فكان ورأس الحمراء يبلغ عرضها 20 كم وتقطعها وديان عميقة وهضاب عريضة على ضفاف منابع الماء التى سهلت قيام زراعة كثيفة فى مناطق تكاثر شجر السمر.
2 - شريط سفوح الجبال المطلة على مساحل:
يتراوح ارتفاعها من 100 – 750 متر فوق سطح البحر بمحاذاة سهل الباطنة من وادى الأسود إلى وادى سمايل ولكن قطع الحصى الكثيرة هناك تجعل الاستيطان الإنسانى صعباً غير محتمل خارج مجارى الأودية الرئيسية حيث تحتل مناطق الاستيطان الوديان الجنوبية والهضاب القديمة، وقد أدى تراجع الهضاب البحرية إلى تجديد إحياء بطائح القديمة، وقد أدى تراجع الهضاب البحرية إلى تجديد إحياء بطائح منابع الأنهار عند أعاليها كما يرى أنه قد صحب ذلك تنوع كبير فى خطوط الشواطئ وفى مجارى الماء ولعل هذا الأمر كان له أثر فى زيادة عدم الاستقرار فى مناطق الاستيطان. (1/19)
صفحة 20
3 - سلسلة الجبال:
ما زال فى هذه المنطقة حيوانات جبلية من النوع المعهود تسكن بعض أجزائها وتنتشر فيها صخور بارزة تحمل خام النحاس.
4 – شريط سفوح الجبال المطلة على الداخل:
يبلغ معدل سقوط الأمطار الحد الأعلى فى جميع شرقى جزيرة العرب وتكثر المياه الجوفية وتتجمع بمقادير كبيرة فى أحواض الوديان التى يتوزع عليها كل الحياة النباتية وتوجد واحات كثيرة ورغم أن عرض هذه المساحة يبلغ 80 كلم إلا أن منطقة الاستثمار الأمثل تقع على سفوح الجبل على خط ارتفاع 500 متر فوق سطح البحر وهى تشمل كل الأراضى التى بين البريمى وأزكى، وفى الوديان الكبرى تنتقل منطقة الاستيطان الزراعى الكثيف نحو أعلى الوادى على ارتفاع 750 متبر فوق سطح البحر عند نقاط بدء جريان الوديان فى السهول التى عند سفوح الجبال، وهذا هو الحال فى الوادى الكبير ووادى عملى ووادى سيفهم ووادى حلفين. (1/20)
صفحة 21
5 – سهل الشرقية:
يشبه سابقه رغم اختلافه عنه فى قلة تعرضه لرمال الصحراء وبأنه نسبياً أكثر انفتاحاً نحو المحيط الهندى إلى الشرق منه ونتيجة ذلك فان الحياة النباتية هنا أغنى، كما وكيفاً، وترتبط مناطق
(م 2 – عمان فى فجر الحضارة)
الاستيطان والأرض القابلة للزراعة بأحواض منابع مياه وادى عندام وعند وادى سد ووادى الأثلى وهما أصغر حجماً ووادى البطحاء ولا نجد فى سائر البلاد إلا تجمعات من مناطق استيطان جبلية أو ساحلية على حين تغلب الصحراء على الداخل وكذلك تغلب التشكيلات الجرانيتية فى سيح حطاط والصخور الكلسية فى جبل بنى جابر.
وهذا التقسيم الإقليمى قائم على اعتبارات جغرافية، ولا شك أنه لا يمكن أن يطبق تطبيقاً مباشراً على المشكلات التاريخية دون أن تقارنه مقارنة واسعة بالمعلومات الأثرية، ولكن قلة هذه المعلومات تجعل العمل لا يتعدى فى قيمته مجرد صياغة لمنهج الدراسة وينبغى لذلك أن نشير إلى الحالة السيئة التى نجد عليها المخلفات الأثرية وانعدام مواقع الكهوف والمخابئ يجعل من الصعب القيام بدراسة محلية لسلسلة التغيير الزمنى، وسيبقى نجاح الأبحاث الأثرية فى عمان مرتبطاً من نواح كثيرة بتطبيق معلومات تتعلق بالمناطق المحيطة قائمة (1/21)
صفحة 22
على صياغة استقرائية فى الأنظمة الأنتروبولوجية والاقتصادية القديمة مقترنة بتحليل معلومات عن البيئة تكون أدق ما يمكن.
الموارد البحرية
يشكل ساحل عمان على طول امتداده منطقة حياة متجانسة ملائمة للحياة البرية ويساعد على هذا انحدار الجرف القارى انحداراً شديداً والتيارات الساحلية القوية وحرارة الماء ومعدل الملوحة، فالرخويات وبطنيات الأقدام واللاحشويات والأسماك كثيرة قرب الساحل وتخلق جواً ملائماً جداً لصيد البحر.
وعلى امتداد مسافة 140 ميل بحرى أهم شريط من الساحل العمانى من الناحية الاقتصادية وهو الباطنة وهو مساحة من الأرض لا يكاد عرضها يزيد عن بضعة كيلو مترات ولا يكاد ارتفاعها يزيد على 7 – 9 أمتار فوق سطح البحر وتكثر فيها الآبار التى تستمد ماءها من مخزون الماء عند سفوح الجبال وهو المخزون الذى ينبع منه أيضاً عدد قليل من الجداول الدائمة التى تصب فى البحر وقد ساعد توفر الموارد الزراعية والبحرية على جعل الباطنة ركناً من أركان الاستيطان البشرى فى عمان. (1/22)
صفحة 23
الموارد المعدنية فى منطقة سلسلة الجبال:
تتركز مناطق تعدين النحاس فى منفرج سمايل – وهو الحزام الكبير الذى يدور حول طرف الهضبة الصخرية الكلسية للجبل الأخضر والموارد المتعدنة الموجودة سواء من الأوكسيدات أو الكبريتات تقترن كلها بشكل كبير بخام الحديد. أما النحاس الطبيعى فهو نادر جداً ومعظم أنواعه على شكل رواسب مؤكسدة فى شكل قشرة أو طبقة خارجية استغلت فى العصور القديمة والوسطى. أما خام الحديد فيوجد فى جميع مراحل التحلل وهناك مناجم قديمة كثيرة وقد أمكن تحديد مواقعها ودراستها منذ عهد قريب.
وقد أثبتت الأبحاث أن مناطق تركز النحاس الطبيعى أو على الأقل المواد ذات المحتوى كانت أكثر وفرة فى الماضى مما قد نتصور اليوم. ولا يوجد بين المناجم القديمة ما يمكن ربطه باستغلال جرى فى فجر التاريخ ما عدا المنجم الموجود عند منطقة السياب قرب وادى الجزى. وقد جمعت بعثة هارفارد قطعاً من بوتقات ونفايات سك معدنى من مواقع مختلفة فى وادى عندام يمكن أن يرد تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد. ولا شك أن النحاس تم جمعه وتصنيفه فى فترة حضارة أم النار رغم أن التعدين البدائى أو جمع الحصى (1/23)
صفحة 24
المحتوية على معادن من مجارى الوديان كان يعتمد عليه أكثر من عمليات التعدين الفعلية، ففى الشرقية حيث أزاحت التعرية النهرية جزءاً كبيراً من الحزام الصخرى وضح أن الطريقة الأخيرة هى التى وفرت كميات كبيرة من المعدن الخام وجميع المناجم يرجع تاريخها إلى العصور الوسطى ولكن الأساليب المستخدمة فى صهر المعدن الخام تشبه إلى حد كبير الأساليب المعروفة عن جنوب شرقى إيران أثناء الألف الثالث ق. م. وعلى هذا فدراستها أمر بالغ الأهمية لتاريخ عمان وتاريخ تعدين المعادن بوجه عام.
لسيل:
يقع منجم لسيل على ارتفاع 260 متراً فوق سطح البحر وفى وادى جانبى من وادى الجزى، هو طوى عبيله، على المنحدرات السفلى من الجانب الشرقى من تشكيل صخر جوفى قاعدي صغير
أما المعدن الذى كانت تجرى صناعته فهو البروكانتيت الذى تحتويه صخور بركانية لوزية الشكل فى عروق شمكها بضع سنتيمترات ومحتوى من النحاس يعادل 1% تقريباً وتغطى منطقة الصهر مساحة مئات من الأمتار المربعة حيث تم حفر (1/24)
صفحة 25
حفرات معدل قطرها متر واحد. . وهناك أيضاً بقايا بوتقات صهر مصنوعة من صلصال حديدى عال لرفع درجة ذوبانها وفيها مخلوطات من الصوان والحصى المدقوقين والبوتقة مخروطية الشكل لها قاعدة مرتفعة وكان قطرها عند حافتها العليا حوالى 30 سم.
ويظهر الموقع مكوناً من سلسلة من الأكوام العالية من نفايات المعادن يفصل بينها مساحات تغطيها بقايا حديدية دقيقة، وتم تقدير نفايات المعادن فى لسيل بحوالى 000,25 متراً مكعبا. ولكن يبدو أن أسلوب الصهر الذى كان متبعاً هو التطفيح أو الطفو حيث كان النحاس الذى يغلى فى البوتقة ينفصل عن كتلة الأصل ويطفو إلى أعلى تاركاً وراءه فى البوتقة راسباً جديداً ثقيلا.
وقد تبين من التحليل الكمى لنفايات المعادن الذى تم إجراؤه وجود محتوى أكسيد حديد يعادل 50% وقد أجريت تجارب بأشعة إكس فى معهد الهندسة النووية فى جامعة روما فأيدت استمرار وجود نسبة عالية من الحديد.
عرجا:
وعلى ارتفاع 240 متراً فوق سطح البحر وعلى بعد (1/25)
صفحة 26
كيلومترات قليلة من لسيل فى منطقة وادى الجزى أيضاً عند ملتقى خطى انكسار جيولوجى يقع منجم عرجا.
والمواد المتمعدنة النحاسية تحويها صخور بازلتية، ومناطق الصخر قائمة فى فتحة طبيعية داخل دائرة التلال ومرتبة فى أسلوب يشبه ما فى لسيل وإن كان يكثر هنا وجود كتل من حجر اليشب. وقد جرى الحفر مع خط العروق المكشوفة العليا. ولا تزال مناطق التصنيع المختلفة واضحة. وتوجد ثلاثة أكوام كبيرة من بقايا المعادن داخل خندق تنقيب عميق غطته مناطق صهر المعادن التى تركت تدريجياً ولا تزال آثار مساكن أساساتها من جلاميد صخر تهرية كبيرة واضحة خارجة منطقة العمل إلى الشمال على امتداد الوادى. وعلى بعد بضعة كيلو مترات شمالا عند موقع البيضاء وجد النحاس والقصدير فى الصخور لوزية الشكل .. ويظهر أنه ليس هناك فرق تاريخى بين الفترات التى جرى فيها استغلال المعادن فى كل من لسيل وعرجا.
مسجد:
يقع على وادى الكرخ على بعد حوالى 10 كيلو مترات شرقى وادى سمايل الذى يمثل شريان المواصلات الرئيسى بين (1/26)
صفحة 27
الساحل وعمان الداخلية. وفى منجم مسجد نحاس موجود ضمن عروق بيريدويت وقد يوجد فيها أحياناً ملكيت وذلك فى الطبقات التى تم تعدينها، ورواسب هذا النحاس تتكون من سلسلة من عروق المعدن نقطع ظهراً أحدباً أشبه بالقبة.
مراحل تصنيع النحاس فى عمان القديمة:
لعلنا رأينا فى هذه الجولة السريعة فى جميع مناطق إنتاج النحاس أن المراحل الأساسية لتصنيع المعدن الخام وهى استخراجه ودقه وصهره كانت تجرى فى مكان واحد ولعلها كانت تجرى فى دورة متصلة ن ولم تكن قلة الماء السائدة فى جميع المناطق الجبلية الداخلية عقبة، ذلك لأن دورة الإنتاج لم تكن تحتاج إلى كميات كبيرة منها، أما الوقود فقد كان متوافراً فى معظم الأماكن وذلك لوفرة شجر السنط ن فهذا الخشب الصلب البطئ الاحتراق كان وقوداً مثالباً لعملية الصهر التى كانت تحتاج إلى حفرة فحم خشبى فعلية ..
وأظهرت الأبحاث أن منطقة التعدين كانت تقع أحياناً على مسافة لا بأس بها من المكان الذى كان يجرى فيه تصنيع المعدن الخام والذى كان عادة فى منفرجات الوديان .. ويقال إن هذا كان الحال السائد فى مركزين فى منطقة وادى سمايل، واحد (1/27)
صفحة 28
فى لصق والآخر جنوب نزوى، وفى الحالتين كان المعدن يجلب من منطقة الجبل على شكل كتل أو قوالب أو على الأقل فى حالة بسيطة من التصنيع، وإذا نظرنا إلى المناطق الثلاث الكبرى التى كانت مواقع الإنتاج
تتركز فيها لوجدنا أن أهم منتفع بانتاج النحاس والمسيطر عليه مباشرة أغلب الأحيان كانت قرى الداخل حيث كان تخزين فائض المحصول الزراعى أيسر من حفظ الطعام المستخرج من البحر، ولا شك أن المنطقتين كانت تكمل أحداهما الأخرى إلى حد ما، ولعل من الممكن استثناء صحار من ذلك فقد كانت قريبة نسبياً من مراكز طوى العبيلة، والواقع أن وادى الجزى يشكل شرياناً للتكامل الاقتصادى بين ساحل المحيط الهندى ومناطق التعدين عند سفوح الجبال وعلى امتداد سلسلة الجبال الساحلية وواحة البريمى فى الداخل بل قد يمكن أن نمد ذلك إذا دعت الضرورة مسافة 140 كم تحد الصحراء حتى تبلغ أبو ظبى.
ولعل المحاور التى تقطع البلاد بين أم النار – صحار – البريمى – ابرا كانت هي الخطوط الرئيسية التى تنتظم فيها العلاقات وطرق التبادل خلال الألف الثالث قبل الميلاد، بحيث أنه من المحتمل أن نقول إن التكامل بين هذه الموارد كان يشجع التكامل الحضارى أمام زيادة السكان وزيادة الطلب على السلع. (1/28)
صفحة 29
الأدلة على استغلال المعادن خلال الألف الثالث ق. م.
ليس بين أيدينا الآن عناصر مباشرة تشهد على استغلال موارد المعادن أثناء الألف الثالث قبل الميلاد إلا قطع بوتقات من مستوطنة فجر التارية فى وادى ابرا اكتشفتها بعثة جامعة هارفارد وهى بوتقات قدحية مخروطية مصنوعة من صلصال حديدى مخلوط يحصى دقيق وقش، وشكل البوتقات وصغر حجمها يذكرنا تذكيرا قوياً بتلك البوتقات التى تم العثور عليها فى شهرى شخطة فى مدينة سيستان الإيرانية التى يرجع تاريخها إلى 2600 ق. م. وقد ظهر من فحص بوتقات شهرى شخطة بأشعة إكس وجود نسبة عالية من رواسب الحديد وأعطى الفحص نتائج هى نفس النتائج المأخوذة على عينات من وادى ابرا.
ووفرة النحاس فى بلوخستان الإيرانية يجعلنا نستبعد قيام تبادل واضح بين عمان وسيستان .. ورغم ذلك فالمقارنة ليست ضارة فهى تدل على توافق حضارى شائع فى جنوب شرقى إيران وعمان يؤدى إلى أن نرى أن المستوى الصناعى وأساليب الإنتاج هى نفسها ويمكن اعتبار هذا الأمر عاملا هاماً فى العلاقات بين ساحلى خليج عمان فى الألف الرابع. (1/29)
صفحة 30
معادن أخرى فى عمان القديمة:
ولم يكن النحاس هو المعدن الوحيد المستخرج فى عمان القديمة فالمنطقة تزخر بالقصدير والرصاص وهو ما لا بد من توقعه نتيجة نفس أحوال انزلاق قشرة الأرض التى سببت الحرام الإلتوائى المحتوى على النحاس، وقد تم اكتشاف عدد من المواقع فى وادى الحواسنة وفى التربة المتحولة فى سيح حطاط وراء مسقط.
وقد ظهر وجود الرصاص بكميات كبيرة فى التحليل الذى أجرى على أربع قطع برونزية من القبرين فى أم النار .. وقد ظهر أن الرصاص والقصدير يوجدان مجتمعين مباشرة مما قد يدل على أنه قد تم الحصول عليهما من المعدن الخام نفسه،
الزراعة فى المنطقة الداخلية عند سفوح الجبال:
إن الاستيطان الإنسانى فى الألف الثالث ق. م. كان متواصلا فى منطقة سفوح الجبال كلها من البريمى إلى ابرا، أى على طول مسافة قدرها 350 كم وأنه كان يتركز فى الوديان وفى بعض الواحات التى توجد فيها ينابيع وقد وجدت آثار (1/30)
صفحة 31
مستوطنات وقبور فى البريمى وحفيت والوادى الكبير ووادى عملى ووادى بهلا ووادى عندام ووادى الأثلى ووادى ابرا ومن الطبيعى أن طراز الاستيطان يتبع نسقاً طولياً يساير إتجاه جريان السيل، والمساكن مبنية عادة عند المنحنيات فى مواقع قريبة جداً من ضفة السيل حيث لم يكن من الممكن تفادى السيل عدداً من المرات أو أن يدمرها فى أغلب الأحايين .. وهذا الاختلاف بين الساحل والداخل فى تركيب المستوطنات هو العنصر الحاسم فى النجاة من الهلاك والدمار، فكلما اقتربنا من الساحل إزداد مقدار النجاة من الهلاك، حتى إننا نجد عند ساحل الباطنة تلالا أثرية حقيقية، والأمر يختلف عن ذلك فى حالة القبور والتى توجد فوق التلال أو على جزء من الأرض غير قابل للرى .. اما فى الوادى الكبير فقد استغل موردان محليان هامان أحسن استغلال، وهما الحجر الكلسى المتعدد الأشكال والصخور المتبلورة المألوفة فى عمان والتى يمكن تقطيعها بسهولة إلى أجزاء ذات أشكال مناسبة لبناء مقابر بات الكبيرة.
أما العامل الحاسم فى تقرير مواقع إقامة المستوطنات فكان الإنتاج الزراعى مع اعتبار وجود موارد ضرورية أخرى لصناعة الأدوات وقد استخدم لهذا الغرض ثلاث مواد هى اليشب والصوان غير النقى والنحاس. ومستوطنة فجر (1/31)
صفحة 32
التاريخ فى وادى عملى مبنية مباشرة على قمة بارزة من مادة اليشب ذى جودة عالية وسلسة المستوطنات فى وادى عملى كانت تكفى نفسها بنفسها فى الواقع من حيث الموارد الأساسية، فالنحاس فى أعلى الوادى والصوان أو اليشب أو كلاهما معاً على سفوح الجبال أو على طرف الصحراء عند أسفل الوادى والصوان موجود بكثرة فى منطقة وادى الحواسنة على شكل عروق دقيقة تظهر من تحت السلسلة الالتوائية لوادى سمايل. ويلاحظ وجود تركزات استيطان قوية حول سلسلة الصخور الكلسية فى اتجاه رأس الحد إلى الشرق من المستوطنات الزراعية من فجر التاريخ .. وعلى كل حال فقد وجدت مراكز فعلية لتصنيع الصوان تصنيعاً جزئياً وذلك عند الأطراف البعيدة من وادى البطحاء ولذا يبدو أن المستوطنات الزراعية فى الداخل موزعة إلى وحدات شبه مستقلة وفق محور مجرى الماء الذى تعتمد عليه بالدرجة الأولى لإنتاج طعامها، وواضح أيضاً أن المبانى كانت متباعدة منفصلة موزعة على المدرجات العليا من سفوح الجبال أو قرارات الوديان غير المزروعة، وهذه تكون عادة مكسوة بكساء كثيف من نبات ينمو برياً يتكون من مجموعات من السمر والسدر يضاف إليها الأثل فى عدد من مناطق الشرقية وهى بذلك لا تخرج عن مناطق الخط الواحد فى الاستيطان الزراعى بل تتكامل معه وتزيد من نطاق الموارد (1/32)
صفحة 33
المتيسرة .. وليس هناك مجال للشك فى خصب المدرجات السفلى من منابع الوديان بغض النظر عن شجرة النخيل التي يبدو أنها كانت فى جنوب شرقى إيران .. وتبذر الحنطة والشعير فى دورة متلاحقة وينتجان غلة جيدة للهكتار الواحد فى الأرض المسماة العوابى خارج مناطق النخيل وقد تبين أن سلسة من الحقول فى الوادى الكبير تمت ملاحظتها من الحصاد «مارس – إبريل 1975» كانت تحوى نبتاً كثيفاً من القمح الصيفى، بل إن الجزء الأوسط من عمان اليوم حيث مواقع الاستيطان الكبرى هو أكثر أجزاء عمان خصوبة حيث الأرض الصالحة للزراعة تبلغ 2% من مجموع المساحة. رغم أن هذه النسبة أقل بكثير مما يفترضه الباحثون للقرن السادس قبل الميلاد. أى حين أدخل نظام القنوات لأول مرة ولعل استهلاك الحبوب والبقول كان يمثل استغلالا أكمل للماء الموجود حيث أن هذه النباتات قدرة أكبر على التكيف وخسارة من الماء أقل من شجر النخيل السائد اليوم .. على أنه شجر ذو علة أساسية بسبب محتويات ثمرها من البروتين والسكر وقدرتها الطويلة على البقاء.
وهناك عاملان مهمان يجب أخذهما فى الاعتبار حيث كانا من سمات نظام الإنتاج القديم بالمقارنة بالنظام السائد اليوم (1/33)
صفحة 34
كى نستطيع تصور دراسة الاقتصاد الزراعى عند فجر التاريخ فى عمان الداخلية وأن تخطط لها من وجهة نظر مختلفة وهما:
1 - انفصال بين مجموعات السكان المنفردة أكثر مما هو الآن مماكان يستوجب مساحة أوسع للزراعة يغلب عليها مزرعة الاستهلاك المباشر كالحبوب.
2 - طبيعة تبادل الموارد كانت أقل انتظاماً ونتوقف على مستويات طلب محدودة تقليدية.
ولغل العامل الثانى يفسر الاتصال الحضارى الكبير فى عمان زمن فجر التاريخ فى مجتمع يرتكز على قرى تتناثر فى أنحاء البلاد والمحافظة على بقاء الحياة القبلية عاملا يناهض تشكيل الدولة. وكانت هذه المحافظة واضحة فى المظاهر المكانية التى تقرر تركيز كل منطقة استيطان من طراز أم النار فى عمان الداخلية، ألا وهى القبور – القرية – الوادى. فالجماعة الحية كانت محيطة بين وسائل البقاء وبين نقل التقاليد إحاطة أوضح من أن تكون رمزية فقط ولذا فمن المنطق أن تكون المستوطنة عبارة عن بيت منفرد مستدير على شكل برج مقسم أو فناء ويكثر أن يحيط بالأبراج المستديرة سلسلة من المبانى المربعة. (1/34)
صفحة 35
الباب الثالث
صناعة التعدين فى عمان القديمة
فى فبراير عام 1973 عقدت سلطنة عمان اتفاقاً مع شركة بروسبكشن المحدودة ومارشال «عمان» اكسبلوريشن المساهمة، يقضى ببرنامج تنقيب معدنى فى جبال عمان. ويرجع اهتمام شركة بروسبكشن بالمواد المعدنية فى عمان إلى بحث علمى أثرى تاريخى تم فيه دمج عدد من العلوم المترابطة.
وقد كان الزائرون للمتاحف يلاحظون مصنوعات تحاسية يرجع تاريخها إلى الألف الثانى قبل الميلاد .. وقد سبق لدكتور جيوفرى يبى – أحد علماء الآثار – أن اقترح مصدراً ممكناً للنحاس حيث وصف فى كتابه البحث عن دلمون، ألواها فخارية تم العثور عليها فى منطقة أور، وقد ذكر فيها خبر عن شحن عشرين طناً من النحاس حوالى عام 1800 ق. م. من مجان إلى أور.
وعلى ضوء عيناته الأثرية وبالبحث والاستقراء اقترح هذا العالم الأثرى أن موضع مجان هذه ومصدرا هذا النحاس كان فى مكان ما بحبال عمان .. وبالفعل أبدت نتائج (1/35)
صفحة 36
الكشف والتنقيب هذه النظرية تأييداً كبيراً وفى أثناء برنامج التنقيب عن المعادن فى سلطنة عمان تم العثور على مواقع لبقايا ما لا يقل عن 44 موقعاً للتعدين
القديم وكان وجود بقايا معادن من عمليات الصهر القديمة التى كانت تجرى عادة فى موقع التعدين هو الدليل على هذه المواقع. وقد كانت عمليات الصهر تجرى عادة مكان التعدين أى أن الوقود «أى فحم الخشب» كان يحلب إلى المعدن الخام فى مركز الصهر، وهناك دلائل على حالة استثنائية مخالفة تم الكشف عنها فى نتائج البحث فى تل صحار، حيث تم العثور على بقايا معدن تدل على أن الصهر كان يجرى فى صحار، ولما كنا لا نجد دليلا على وجود تكوينات معدنية محتوية للنحاس فى ذلك الموقع وما حوله مباشرة فلابد أن المعدن الخام كان ينقل إلى صحار، وتوحى أكوام بقايا المعادن التى وجدت أنها متخلفة عن عدة أطنان قديمة فيما عدا حالة واحدة عند لسيل والتى قد تبلغ مائة ألف طن، ويبدو واضحاً أن الطريقة البدائية فى الكشف عن المعدن كانت عملية الصهر، فان وجود بقايا معدنية ضئيلة لا يمكن أن يدل إلا على إجراء الاختبارات، وهذه المواقع تمتد على تشكيلات جيولوجية متنوعة منتشرة فى جميع أنحاء جبال الحجر، ومنها 19 موقعاً يقدر ما يحويه كل منها بما لا يقل عن ألف طن من بقايا المعادن، ولم يكن قد تم إجراء بحوث مفصلة إلا على (1/36)
صفحة 37
تسعة من هذه المواقع وقت كتابة هذا الموضوع. وإن كان قد تم إجراء بحث مبدئى على موقع أخرى ولذلك فإن بعض تفصيلات العمل الذى سبق إجراؤه وتعيين مواقع الخرائب وما إلى ذلك ما يزال غير مستوف، وينبغى أن نذكر أن تعليمات شركة التنقيب إلى الأشخاص القائمين بالعمل الميدانى لا تسمح لهم إطلاقاً بالتدخل فى المواقع الأثرية التى يتم العثور عليها.
ولحسن الحظ لم يكن نشاط التنقيب عن المعادن الذى تم حتى الآن، وهو دراسة طبيعة الأرض، بالقدر الذى يغير من أحوال سطح الأرض أو ما تحته، خاصة وأن الحفر يتم بمثقاب ماسى.
الفرق بين صناعة التعدين قديماً وحديثاً:
يختلف التعدين الذى قام به القدماء عن التعدين الحديث بصورة كبيرة، فقد كان التعدين القديم يقوم على حفر صغيرة وخنادق وقصبات، أو على حفر اسطوانية عميقة وأنفاق يتم حفرها عند شواهد معدنية سطحية، ورغم أنه لم يتيسر حتى الآن فحص أية فتحة من فتحات التعدين القديمة (باستثناء الحفروالقصبات القصيرة) وذلك بسبب تصدع وانهيار صخور الجدران إلا أن هناك دلائل عند الكثير من (1/37)
صفحة 38
مواقع الكشف، تدل على أن التعدين كان يجرى على صورة حفر مفتوحة، ففى كل المواقع توجد فتحات مستديرة عرضها من 20 – 100 متر وينخفض سطحها الحالى متراً عن سطح ما حولها.
وتتراوح كمية بقايا المعادن الموجودة فى المواقع المختلفة بين 100 طن إلى 100 ألف طن مما يدل على استخراج كميات ضخمة نسبياً من المواد المعدنية. وقد امتلأت هذه الحفر الآن بمواد أخرى
من الصخور المتحللة والبيريت المتأكسد .. وقد تسبب تقلب الأحوال الجوية وفعل الرياح فى دفن مواقع هذه الحفر، ولعل ذلك قد تم بعد أن أصبح التعدين متعذراً بسبب:
1 - بلوغ مستوى الماء الجوفى.
2 - ندرة كتلة خام الأوكسيد.
ومن المحتمل ظهور آخرين قاموا بالتعدين فيما بعد، فأعادوا العمل على أكوام البقايا القديمة وأعادوا بقايا ما جددوا العمل عليه إلى الفتحات الأصلية. (1/38)
صفحة 39
وقد تبين من الحفر ما يؤكد أن فتحات المناجم تصل إلى أعماق بالغة، ففى أربعة مواقع اعترضت مثقاب الحفر فتحات جوفية، وفى موقعين من هذه المواقع الأربعة يمكن القول إن التجاويف التى اعترضت المثقاب كانت طبيعية، لا من عمل الإنسان، ولكن عند موقعى لسيل وركاح ظهرت دلائل قوية على أن الفتحات من عمل الإنسان، والدليل على ذلك أنه فى كلتا الحالتين ظهرت قطعة من بقايا المعادن وجدت فيما تجمع فى أنبوب قلب المثقاب، وإذا أخذنا بعين الاعتبار جميع الدلائل الأولية والثانوية لتبين لنا بوضوح أن جهداً عظيما قد بذل وأنه استتبع عملا شاقاً منظماً تنظيما غالباً، ولابد أن الأدوات المتيسرة كانت بدائية، وأن التعدين كان حفراً بطيئاً مضنياً، أما أن التعدين استدعى اختراق صخور صلبة فهذا واضح بجلاء فى موقع لسيل، ولكن الاعتقاد الذى يجب أن نؤكد عليه هو أن تحديد عصر مواقع التعدين القديم له أهمية كبرى خاصة وأنه لم يجر استقصاء لهذه النقطة، أو كان الاستقصاء ضئيلا جداً. والدليل الموجود حالياً يدعو إلى الاعتقاد بأن التعدين الذى جرى فى معظم المواقع كان منظماً تنظيما شديداً، ولكنه كان متقطعا وغير مستمر، ومن المحتمل أنه كانت هناك ثلاث فترات أساسة لاستغلال هذه المناجم: (1/39)
صفحة 40
1 - المرحلة الأولى قبل الإسلام.
2 - من القرن التاسع إلى القرن العاشر.
3 - أثناء القرنين السادس عشر والسابع عشر تحت حكم البرتغاليين الذين كانوا قائمين على ساحل عمان خلال تلك الفترة.
وقد تم التوصل إلى هذه الفترات اعتماداً على عدة مصادر:
1 - عمليات المسح الأثرى التى أجريت فى الفترة الأخيرى.
2 - بعثة جامعية هارفارد الأثرية.
وهناك طريقة أخرى لتأريخ مواقع أخرى وذلك بالاسترشاد بالقبور المنتشرة قرب مواقع التعدين واعتماداً على عدد مواقع التعدين القديم التى تدل عليها بقايا المعادن التى تجدها منتشرة فى سائر جبال عمان يتوقع المرء استنتاج معلومات عن أساليب الصهر أو العثور على دلائل عن طرق صهر أكثر مما تقع عليه العين حتى الآن، ومن الطرق التى (1/40)
صفحة 41
عرف أنها قد استخدمت طريقة تشهد عليها أفران صغيرة على نمط خلية نحل، قطرها وارتفاعها حوالى متر، كانت تبنى الى جانب الحبل، ويكون جزء منها داخلا فيه، وقد عثر على بقايا مثل هذه الأفران فى ثلاثة أماكن، وفى المناطق التى وجدت فيها أكوام كبيرة من بقايا المعادن نجد فى الأكوام قطعاً مستديرة كثيرة موزعة على غير نظام قطرها يتراوح بين متر ومتر ونصف ويبلغ عمقها متر، ولعلها مواقع أفران صهر سابقة، أو ربما كانت بقايا حفر استخرجت منها بقايا معادن لإعادة العمل عليها.
ماذا كانت مادة الصهر القديمة؟
وهناك أمر آخر ذو قيمة أثرية عظيمة، ألا وهو تلك المادة التى كان القائمون بالصهر يستمدون منها المعدن، وقد دلت العينة المأخوذة عن طريق الحفر بالمثقاب الماسى وهى مستقرة فى صخور بركانية، كبريتيدات تحتوى على النحاس وهى مستقرة فى صخور بركانية، وأن الجزء الأكبر من مادة الصهر كان هو المواد المعدنية الثانوية لأكسيد النحاس وكربونات النحاس. ففى ثلاثة وعشرين موقعا من المواقع الأربع والأربعين يشمل المحيط الجيولوجى لمواقع الصهر مناطق مقراضية فى تراكمات قاعدية ليس فيها تكوينات معدنية إلا المواد المعدنية الثانوية للنحاس، ولهذه المواد المعدنية ألوان براقة خضراء (1/41)
صفحة 42
وزرقاء، ولذا فقد كان من السهل أن يراها عمال ذلك الوقت وأن يميزوها، وتحوى هذه المواد نسبا عالية من النحاس وهناك عامل آخر، ما يقال بأن خامات كربونات النحاس كانت مادة الصهر عند أوائل الذين قاموا بعملية التعدين وهو أن بيريت النحاس وهو معدن كبريتيد النحاس السائل فى كتل الكبريتيد السائل الموجود فى عمان يكون ممتزجاً بقطعة المعدن الخام امتزاجاً ناعما متلاحما إلا فى العروق المعدنية ذات الدرجة العالية التى يتم العثور عليها بين حين وآر عن طريق الصدفة ففى مثل تلك الكتل من الكبريتيد لم تكن طريقة الفرز باليد لتستطيع أن توفر مركزات ذات درجة عالية تصلح لعملية الصهر، أما القول بأنهم كانوا يستخدمون نحاساص طبيعياً نقياً فهذا أمر نراه بعيد الاحتمال، ذلك أنه لم يتم العثور على نحاس طبيعى فى كل عمليات التنقيب للآن إلا فى فتحتين تم حفرهما فى موقع لسيل بالمثقاب الماسى فى صخور قديمة، ولم يرد النحاس الطبيعى الذى وجد عن أن يكون طرفة من المعدن، ذلك أنه كان يتكون من رقائق صغيرة جداً منتشرة فوق بضعة أمتار. (1/42)
صفحة 43
الفرق بين قرية الألف الثالث وقرية العصر الإسلامى
فى صناعة التعدين
يقول ج. هـ. همفريز إنه مما بلفت النظر أن مواقع صهر النحاس فى الألف الثالث والتى تم اكتشافها عام 1975 كانت واقعة قرب الماء والأرض الصالحة للزراعة، رغم أن هذه المواقع لم تكن موجودة فوق رسوبات الخامات، كما أصبح الحال فيما بعد، والفرق بين قرية الألف الثالث المشتغلة بالصهر وسط محيطها الخصب وبين
القرى المشتغلة بالصهر فى العصر الإسلامى بعد ذلك حيث تصعب الزراعة هو أن إنتاج النحاس فى العصور القديمة كان جزءاً متكاملا مع حياة الجماعة على حين أنه صار فيما بعد صناعة خاصة ربما للتصدير فقط.
ولا يوجد فى أكبر مواقع التعدين القديمة فى عمان، وهو موقع لسيل، دليل واضح على قيام مستوطنة فى الموقع وإن كنا نجد على مسافة أقل من ثلاثة كيلومترات إلى وادى الحزى آثار حقول زراعية وأنظمة رى قديمة وماء وفيراً مما يوحى بأن مستوطنة التعدين كانت موجودة هناك، وزيادة على مستوطنات التعدين نجد ثلاثة أشكال من أشياء صنعتها يد الإنسان .. أولها أقواس منحوتة من الصخر فى موقعها .. (1/43)
صفحة 44
وهناك قوسان من هذا النوع واحدى فى لسيل والآخر فى طوى ركاح، وكلاهما موقع معدنى خام هام، وقد نحت القوسان على ما يبدو من الصخر الطبيعى وربما – كما يبدو من اتجاههما – كى يسهل للناظر أن يرى ويراقب جميع مناطق التعدين، ورأى بعضهم أنهما كانتا نقطتين للمراقبة والإدارة، فمجال النظر لا يعوقه شئ كما أنهما يوفران الظل، ولابد أن تمر بهما كل حركة للرياح، ولابد أن لبروز موقعيهما دلالة قوية .. أما الظاهرة الثانية فهى هذا البناء الموجود عند موقع عرجا، وهو عبارة عن بناء من طبقتين. السفلى حوالى عشرين متراً مربعاً، والجدران التى تسند البناء مبنية بصخور كبيرة شبه مستديرة، ولعله قد جئ بها من الأنقاض عند أسفل صخور الجابر الواقعة على بعد مئات من الأمتار على الجانب الشمالى، الغربى وعلى نفس الجانب من البناء توجد آثار ممر عريض يصعد إلى الطبقة الثانية .. وإن كان ينبغى عدم التسرع فى إعطاء المبنى صفة دينية .. والمبنى يشبه أبراج ما بين النهرين وإذا كان الأمر كذلك فهو يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد .. أما الظاهرة الثالثة فهى بناء مستدير قطره 20 متراً على بعد حوالى كيلومتر واحد شمالى موقع عرجا الذى سبق الحديث عنه ولعله كان صهريجاً مفتوحاً وجدرانه مبنية بكتل من الحجارة المستديرة المغطاة بطبقة طينية وتوجد فتحة على شكل طبق داخل البناء يتراوح (1/44)
صفحة 45
عمقها من متر إلى مترين وقد امتلأت الآن بالرمال، وعلى امتداد عشرة أمتار من الجانب الغربى للبناء يوجد بناء غريب الشكل لعل، خير وصف له هو أنه خطوط صليب مزدوج يتصل بالبناء الأساسى بواسطة حوض ضيق قليل العمق وعلى بعد بضعة أمتار منه وجدت بعض قنوات للماء ضيقة أيضاً وغير عميقة.
هل ظهر الزرنيخ فى عمان القديمة:
فى جميع التنقيبات وحتى يومنا هذا لم يتم العثور على تكوينات معدنية تحوى كميات من مكونات الزرنيخ. لذا فهناك شك كبير فى أن يكون النحاس الصادر عن عمان فى مرحلة التعدين قبل الإسلام محتوياً على أكثر من آثار كميات ضئيلة من الزرنيخ، وليس هناك دليل على مادة زرنيخية خارجية كان من الممكن أن تضاف إلى المعدن الخام عند الصهر، وهناك أسئلة ذات أهمية كبرى تتعلق بطرق التجارة التى كانت تستخدم لتسويق النحاس الناتج من عملية الصهر المحلية وكذلك بمصدر فحم الخشب الذى كان ضرورياً، وبكميات كبيرة وبتوفر مصادر الماء، وهى مشكلة يواجهها القائمون بالتعدين فى العصر الحالى. ومن خرائط المواقع يظهر أن عدداً من مواقع العمل الكبرى كان قرب وادى الجزى، وقد كان (1/45)
صفحة 46
مدة قرون عديدة طريقاً للتجارة يخترق جبال عمان من صحار على خليج عمان إلى واحة البرمى وطرق النقل البحرى وراءها .. وواضح أيضاص أن كثيراً من المناجم القديمة الأخرى كانت تقع على جوانب كتلة الجبال الكبرى لا داخل الجبال، وما يزال الميدان واسعاً للاستقصاء والبحث فى مواقع التعدين والصهر القديمة لمعرفة تلك الجهود الكبيرة والطرق التكنولوجية الصناعية فى الألف الثالث قبل الميلاد أو فى العصور الإسلامية على ضوء العينات التى تستخرج من تلك المواقع. (1/46)
صفحة 47
الباب الرابع
بات. . مدينة من الألف الثالث ق. م
فى الفترة ما بين يناير وفبراير عام 1973 وفى منطقة بات شرقى عبرى ثم تركيز العمل الذى قام به فريق أثرى دانمركى على منطقة دفن من الألف الثالث التى تقع على منبسط خفيض بين أحد الأودية وبين بعض القطع الصخرية على بعد 2 كيلومتراً من الشمال الغربى من القرية الحالية، وقد كان الجزء الجنوبى من منطقة الدفن هذه يحوى قبوراً على نظام أم النار وإن كانت كلها قد نالتها يد العبث ولكن يسهل التعرف عليها عن طريق نظام الجدار الداخلى فيها، والفخار المبعثر حولها إلى جانب بعض القنوات التى لم تعد صالحة للاستعمال ويوجد فى المنطقة كذلك عدة آبار.
والقرية الحالية التى نتحدث عنها .. هى المكان الوحيد فى المنطقة المجاورة التى يمكن اعتبارها مثل مستوطنة مسكونة والفخار الذى تم العثور عليه على سطح الأرض من العصر الإسلامى ويوجد فى أطراف القرية وضمن البساتين المحيطة تل متوسط الحجم نصف قطره حوالى عشرين متراً وارتفاعه من 6 – 8 أمتار يحتوى على جدران من حجارة بناء مربعة (1/47)
صفحة 48
تربيعاً غير متقن، حجمها أكبر من حجم أية حجارة مستعملة فى القبور، وقد تم العثور على تل مماثل، ويقترب فى حجمه من التل السابق، ولكن حجارته أصغر قليلا، وهو يقع جنوب المقبرة مباشرة خارج المنطقة المزروعة، وقد وجد على سطحه قليل من فخار الألف الثالث قبل الميلاد، ومختلف قليلا عن الأوانى التى تم العثور عليها فى القبور، وكان الجدار الذى يطوق البناء أقوى ما يكون فى عين الناظر عند جانبه الجنوبى نحو الوادى ولذا فقد تم الكشف عن قطاع من الوادى فى إتجاه الجدار وكان الانطباع الأول أن البناء كله قائم على أساس، ارتفاعه متران مبنى بحجارة مربعة على حين أن حفرة الأساس المنحدرة الجوانب ما تزال واضحة قرب الحائط، ولكن هذا الأساس لم يستخدم إلا تحت مصطبة أو طريق صاعد عريض عند الناحية الجنوبية الشرقية ولابد أنه كان يؤدى إلى المدخل، وقد يتبين من الكشف عن عدة أمتار حول المبنى أنه ليس فى الجانب الغربى بقايا مختلفة إلا موقع دفن فيه هيكل عظمى ممدود على ظهره فى حفرة قليلة العمق على بعد ستة أمتار من الحائط ولعل قطع الفخار الأحمر القليلة التى ترجع إلى موقع الدفن تكون من الألف الثالث قبل الميلاد وإن كانت ليست من الطراز المعهود للفخار المعروف حتى الآن، والأجزاء الخارجية من البناء مركزة فى الجانب الشرقى، وأهم ما فيها وأحسنها حالة المصطبة فوق (1/48)
صفحة 49
أساسها الثقيل والجدار أو البناء الذى يحيط بها فى إتجاه الوادى، ولما كان الحفر لم يتم إلا عن جزء منها فإنه من الصعب الخروج بفكرة واضحة عن هذا المجتمع الذى يوجد فى داخل جدرانه بئر أيضاً، ولكن ربما كان هذا المجتمع مرتبطاً بالبناء المستدير .. ذلك أن كلا من البناءين مبنى على المستوى نفسه والمصطبة والجدار المقابل لها مبنيان على نفس نظام حجارة الجدار الذى يطوق المبنى، وقد تم الكشف عن ثلاثة جدران أخرى عند الجانب الشرقى لم يبق منها إلا جزءأن أو ثلاثة من حجارة بناء اصغر مبنية على مستوى الجدار الذى يطوق المبنى، وقد تم العثور على معظم الفخار بين هذه الجدران حيث تم العثور أيضاً على موقد وتخطيط للحجرات الداخلية يكاد يكون متناسقاً، وهناك جزء داخلى يوجد فيه بئر يقسم الدائرة نصفين، فى كل نصف منهما حجرات مستطيلة متتابعة، ولم يتم الكشف التام إلا عن ثلاث حجرات هى الحجرة الموجودة فى أقصى الشرق فى الجزء الداخلى وحجرتان على جانبى، البئر وذلك للحصول على مقطع عرضى للمبنى، ومن الغريب أن البناء يرتفع إلى ما بين مترين إلى خمسة أمتار فوق مستوى السطح القديم، ولا يوجد فيه مع ذلك أى دليل إلى مدخل يصل ما بين الحجرات الداخلية أو ينفذ من الجدار المطوق للمبنى، ومن الغريب كذلك قلة المخلفات التى تم العثور عليها، وواضح أن الأيدى (1/49)
صفحة 50
قد عبثت بالطبقة العليا من التراب والرمال، وقد كان فيها إلى جانب بضع قطع من الفخار وقطع الحجر الصابونى إناء كامل من الحجر الصابونى وثلاثة من أسنة السهام وسوار معصم من النحاس المخلوط بالرونز وبعض قطع من نفس المعدن وقد كان الفخار موزعاً توزيعاً أكثر انتظاماً، أما الحجر الصابونى والمعدن فقد وجدا متصلين بالجدار وتم العثور عليهما فى حالة واحدة مع قطع صغيرة من عظام بشرية، وإذا أضيف لهذا الأمر أن أسنة السهام التى وجدت على هيئة أوراق الشجر والمرتبطة بأوان مشابهة من حجر الصابون وجدت أيضاً فى الألف الأول (ق. م.) فى أبى ظبى وفى البحرين يترك فى النفس شكاً يخامرها بأن هذه الأشياء دخيلة على هذا المكان من وقت لاحق استعمل فيه المبنى المهجور كمكان للدفن، وعدا هذه الطبقة التى امتدت إليها يد العبث والتى يبلغ عمقها نصف متر كان داخل الحجرات يتكون من تراب إلى جانب بعض حجارة البناء المبعثرة والتى سقطت من الجدران.
ويوجد بين الجدار الداخلى والجدار الخارجى حشو من حجارة بناء صغيرة وأحجار وحصى وهو أسلوب بناء معروف أيضاً من القبور، والبئر مطوية بحجارة مقطوعة بعناية، وفى واجهتها الداخلية انحناء وقد أغلقتها بعض الحجارة وخليط متراص من الرمل والطين، وقد تمت إزالة الردم منها على عمق ثلاثة (1/50)
صفحة 51
أمتار حيث كانت الجنبات قد انهارت جزئياً، وكانت قطع الفخار التى وجدت فيها من الألف الثالث قبل الميلاد، وفى أسفل الججرة التى حفر عنها فى الشمال الشرقى تم الحصول على موقد نار من حجارة منصوبة، ويقوم جدار التقسيم على جزء منه مما يدل على أن الموقد كان يستعمل قبل وجود البناء أو أثناء إقامته وقد تم جمع فحم خشبى من الموقد، لعله قد يدل على معرفة زمن أدنى لتاريخ البناء، أما الفخار ومعظمه من الأجزاء الخارجية من البناء فانه يرد تاريخ المبنى إلى الألف الثالث ولكنه لا يعطى الأدلة على الغرض الذى استعمل فيه البناء. ومن حسن الحظ إمكان مقارنته ببناء مماثل مقارب فى الحجم ولكنه مبنى بطوب، وقد حفر عن ذلك المبنى فى هيلى فى البريمى قرب مجموعة من قبور أم النار وبناء على فخارة ثم إرجاع تاريخه إلى الفترة نفسها، وهناك أيضاً نجد ترتيباً منسقاً لحجرات حول بئر، ولم يكن هناك أيضاً نجد ترتيباً منسقاً لحجرات حول بئر، ولم يكن هناك أيضاً فى الحجرات مخلفات أثرية بل إن الحجارة كانت مغطاة بطبقة متماسكة من الرمل والحصى إلى عمق مترين، وعلى مقربة من الجدار وجد جدار آخر لنفس الغرض. وعند الجانب الغربى تم العثور على بقايا جدار قد يكون لها صلة بمدخل للمبنى، وحول ذلك كان هناك خندق عرضه أربعة أمتار وعمقه خمسة أمتار، ويمكننا أن نعتبره حصناً، أو لعله كان برج حراسة، وربما كانت قاعدة البرج والجزء الأسفل منه على ارتفاع بضعة أمتار (1/51)
صفحة 52
فوق الأرض مصمتين مسدودين ولم تكن الحجرات صالحة للسكن إلا فى أجزائها العليا على الأقل.
وهذا المبدأ فى البناء معروف عن أبراج من أزمان متأخرة جداً
عن ذلك وما تزال قائمة فى عمان، ولعل أشهرها برج نزوى أو حصنها المستدير، وهذه الطريقة فى البناء تقوى الحصون تقوية كبيرة، ومن الخطأ محاولة حساب الارتفاع الأصلى لبرج بات من حجارة البناء سبق أن نقل لاستعماله فى بناء الجدران الحديثة على امتداد الوادى، وإذا استشهدنا بحصن نزوى وارتفاعه حوالى 24 متراً أى ما يزيد قليلا على نصف قطره فإن حصن بات وقطره 20 متراً ربما كان ارتفاعه حوالى 10 أمتار، والجزء المركزى بما فيه البئر يرتفع الآن خمسة أمتار فوق الأرض ولكن من الموكد أن البئر كانت أعلى من ذلك بكثير كما تدل على ذلك الحجارة المبعثرة حولها وداخلها، ووراء الطريق الحالية وعلى مسافة من البرج الذى تم الحفر عنه نقل عن مائة متر تم العثور على أساسات مستديرة لبناء أصغر قليلا لكنه مشابه، وعلى المنحدر الجنوبى من جيل وإلى الشرق والجنوب مباشرة من هذا وجدت كمية فاخرة من الفخار وبقايا جدران مبنية من حجارة ذات حجم كبير بما فى ذلك حجارة بناء فيها (1/52)
صفحة 53
تجويف لفتحة باب مما يدل على وجود سكن على امتداد حوالى 20 متراً مع المتحدر والوادى.
وقد تم العثور على فخار مشابه له صلة بالقبور والمستوطنات فى وادى العين الذى لا يبعد كثيراً عن شرق بات، وفخار مدينة بات من آنية جيدة، ألوانها بين الحمراء والصفراء البرتقالية والزخارف المألوفة هى خطوط سوداء أفقية أو متموجة على كتف الآنية، والقواعد إما مسطحة أو فيها بعض البروز ويوجد نوع من الجرار من القبور والمستوطنات معاً من حضارة أم النار، والحواف البارزة المتعرجة على أكتاف الأوانى والتى تنتهتى فى بعض الحالات برأس الحية فتلك معروفة من أم النار ومن غرب باكستان كذلك، وكذلك غرباً حتى البحرين إذ ترد فى أقدم مستويات قلعة البحرين وهى آنية فخارية لها صفتها الخاصة، فهى آنية تخزين كبيرة صلبة بسبب شدة حرقها.
وهناك تصميم آخر متميز فى بات وهو أشكال لولبية فى نهايتها شكل علامة «7» وهو تصميم غير معروف لا من أم النار ولا هيلى ولكن العلامة التى على شكل «شكل» تم العثور عليها على إحدى قطع الفخار من وادى سمد فى الشرقية ولذا فهى ليست محلية بالمعنى الدقيق، وربما تكون دليلا على (1/53)
صفحة 54
تسلسل تاريخى، وليست الصنابير شائعة ولكنه توجد على أكتاف بعض الآنية، أما الفخار الرمادى المدهون أو المرسوم عليه بالحفر والذى يعتبر جزءاً من فخار أم النار فليس معروفاً هنا. وهناك قطع من الفخار الرمادى جيدة الصنع وربما كانت الصدفة هى السبب فى أنه لم يتم العثور على قطع من تلك الرسوم فوقها بالحفر، والفخار المختلط بحصى أو تبين موجود ولكن بنسبة صغيرة ولم يتم العثور على نحاس برونزى فى الخندق الذى تم حفره.
وفى المنطقة الزراعية شمال القرية تم العثور على بقايا بناءين مستديرين آخرين قطر كل منهما 20 متراً، مبنى بحجارة كبيرة غير متقنة التسوية، لكن السبيل إلى التنقيب عنهما كان صعباً. وقد تم العثور على بناء ذى جدار يطوقه على حوالى 2 كم غربى بات حيث تبدأ القبور التى يعتبر ذلك الموقع مركزها ولأول وهلة يبدو للناظر كأنه جزء من المنحدر الطبيعى الذى يجازى الوادى، وقد أضيف إلى أعلاه جدار من حجارة بناء مسواة ولعل جزءاً من هذه المساحة كان بالطبع أرضاً زراعية فى الألف الثالث قبل الميلاد ومع ذلك فإن وجود مقبرة واسعة ووجود مبان ضخمة على الأقل لهى أمور تدل على قيام مدينة لا قرية. (1/54)
صفحة 55
وعبرى هى مركز الإدارة وسوق المنطقة اليوم، وتقع على بعد حوالى 30 كيلوم متراً غرب بات حيث تلقى عدة طرق من طرق التجارة القديمة، ولما كانت هذه الطرق خاضعة إلى حد كبير بطيعة الجبال والصحراء فلا داعى أن نظن أن خط سيرها فى الألف الثانى كان يختلف اختلافاً جوهرياً ويؤيد توزيع القبور اختلاف هذه الفكرة فهناك مثلا قبور كثيرة من أوائل الألف الثالث قبل الميلاد على امتداد طريق عبرى – البريمى.
ولكن هل المدن والقرى فى الألف الثالث كانت تسعى أن يكون أقرب إلى الجبال من حيث كانت تستمد حاجتها من الماء والمواد الخام كالصوان والحجر الكلسى والنحاس.
ومن الصعب تبين نظام لتوزيع أماكن الأبنية المستديمة المعروفة فى بات حتى إذا طرحنا جانباً فكرة أنها أبراج حراسة ولا يعقل أيضا أنها كانت المساكن العادية لأهل القرية أو المدينة فى ذلك الزمن حيث أن حصن نزوى اليوم هو مقر والى المنطقة .. كما أن لابد أنه كان الحال فى كثير من الحصون الإسلامية فى عمان حيث كانت مقار للسلطة ولكبار الشيوخ. ولعل الحال فى أبراج ما قبل التاريخ كان شيئاً كهذا أو لكن من المعقول أيضاً أنه كان لها صلة ما بشبكة الماء أو الرى، (1/55)
صفحة 56
وإذا ما جرت حفريات أخرى على المبانى المجاورة فلابد وأنها ستبرز دلائل على الغرض منها وتكشف عن وسيلة الدخول إلى البرج .. وهذه النقطة بالذات سيكون لها أهمية خاصة بلاشك، خاصة وأن مبانى أخرى ذات جدران للتطويق تشبه هذه المبانى تم العثور عليها فى عدد من مواقع الألف الثالث قبل الميلاد وواضح أنها كانت صفة مميزة لعمان فى الألف الثالث مثلما أن الأبراج سمة مميزة لأرض عمان اليوم. (1/56)
صفحة 57
الباب الخامس
عمان فى العصور الإسلامية
فى شتاء عام 1975 عادت بعثة جامعة هارفارد مرة أخرى لمواصلة برنامجها فى تسجيل البقايا الأثرية من عصور التاريخ القديم والحالى لعمان، ولكنها فى تلك الزيارة ركزت على القيام بمسح منهجى مكثف فى عمان الوسطى من مساقط مياه وادى بهلا شرقاً إلى الشرقية، وبالإضافة إلى ذلك قامت البعثة باستطلاع عام للمواقع الأثرية على ساحل الباطنة وفى المنطقة الجنوبية الشرقية حتى رأس الحد
وكان الهدف من الدراسة هو عرض كافة الموارد الأثرية الخاصة بالعصر الإسلامى بأكمله والمتجمعة من هذا الاستطلاع. وقد تعرضت البعثة لكل ما فى شمال عمان من تنوع، يمكن بنيان أهم خصائصه فى إيجاز.
ولعل أبرز ظاهرة جغرافية هى تلك السلسلة من الجبال الصخرية الطويلة التى تمتد من رأس مسندم إلى رأس الحد، ويسيطر الجبل الأخضر على الجزء الأوسط منه وتسقط هذه الجبال فى الشرق إلى البحر إلا فى الباطنة حيث السهل الساحلى الخصب، الذى يمتد من شمال صحار إلى حوار مسقط، (1/57)
صفحة 58
حيث تقطع الجبال، وتوجد وديان تتسع تدريجياً، حتى تصير سهولا منبسطة، تؤدى بالتدريج إلى
سهلو أكثر جفافاً، وأخيراً إلى رمال الصحراء. وعلى ذلك يمكن تقسيم أرض شمال عمان إلى مناطق ثلاثة هى:
1 - شريط الباطنة الساحلى.
2 - الوديان الجبلية.
3 - سفوح الجبال الداخلية.
ومواضع الاستيطان البشرية تتخذ نماذج خاصة ضمن هذه المناطق، وتتصل على الترتيب بأسباب العيش على البحر أو الزراعة أو رعى الماشية.
ولكن هذه التجمعات الاجتماعية – الاقتصادية ليست متباعدة فلكل منها مصلحة ما فى منطقة الجبل، فالجبال هى رمز لوحدة البلاد ولعزلتها فى آن واحد.
وإن عزلة عمان تتضح فى مصاردها التى يتم الاستعانة بها على البحث التاريخى فلم تقم محاولة للدراسة قائمة على دليل من الوثائق المحلية إلا فى السنوات الأخيرة، وحتى القرن الثامن عشر كان تاريخ عمان قائماً على علاقات اتصال مع مناطق الخليج والشرق الأوسط تناولتها كثير من المراجع التاريخية، (1/58)
صفحة 59
واقتصرت هذه الصلات على أن عمان ملتقى تجارى، أو أنها فى كثير من الأحوال كانت هدفاً لغزوات خارجية.
ولذلك كان لابد للسجل الأثرى أن يعتمد على الصلات الخارجية وهى عادة أدوات خزفية مستوردة، إلى أن يمكن تحديد تسلسل
تاريخى للأوانى المحلية عن طريق مواد تخرجها الحفريات، وإن كان لسوء الحظ بندر أن تكون هذه الأوانى الخزفية المستوردة قطعاً من فن الخزف لها القيمة التاريخية المشهورة عن خزف الفترة الإسلامية، ومع ذلك فان الاهتمام الكبير بالخزف الجيد يفسر إلى حد ما إهمال الأوانى المحلية التى يغلب أن تكون خالية من الصنعة الفنية ولكن تجميع هذه التقاليد الصغيرة سيجعل من الممكن الاستفادة من أوانى الخزف، لا كأدلة تأريخ فحسب، بل كنماذج للتطور الاقتصادى والاجتماعى.
وهذا العرض غير المكتمل للمصنوعات الإسلامية من عمان يقدم خطورة أولى نحو إقامة أداة تستفيد منها العلوم الاجتماعية الأخرى
ولقد كانت أقدم بنية إسلامية اكتشفتها بعثة هارفارد للمسح الأثرية عند أطراف وادى بنى خروص على ساحل الباطنة. (1/59)
صفحة 60
وموقع وادى بنى خروص، ليس بعبارة دقيقة، موقعاً أثرياً، بمعنى أنه مستوطنة بدائية، بل هو بالأحرى منطقة ينتشر فيها شقف خزف، ويبلغ أكثر تراكم لها نحو خمسمائة متر فى قطره على كلا جانبى الوادى. والوضع يكاد يشبه وضع المنطقة الداخلية الزراعية وراء ميناء صحار فى القرنين التاسع والعاشر.
ويرى الباحثون أن وجود شقف الخزف فى حقول مثل تلك التى على مقربة من وادى بنى خروص قد يكون نتيجة تجميع القمامات القديمة.
ويغطى بعض الكثبان المنخفضة فى المنطقة الداخلية من صحار تجمعات كثبان رملية يبدو أنها آبار أو حزام زراعى فوق الحافة الحديثة من بساتين النخيل.
وإن شقف بنى خروص ليدل على استعمال هذه المنطقة فى الفترة الإسلامية الأولى، رغم أنه لم يظهر ما يدل على وجود مستوطنة إسلامية كبرى خلال الاستطلاع الذى أجرى عام 1975 م
وأغلب أوانى الفخار التى وجدت فى وادى بنى خروص من طراز الآنية المعروفة من صحار، وهى الآنية الخضراء (1/60)
صفحة 61
المشوبة بالزرقة والمدهونة على تزجيج سفلى، والآنية المزججة المرشوشة والآنية الكوبالتية، وقطع أخرى عليها تزجيج لماع، وهى كلها تشير إلى العراق فى أوائل العصر الإسلامى، ولا سيما مجموعات الفخار من سامرا.
وهذا التنوع فى الفخار معروف فى عدة مواقع أثرية فى الخليج مثل سيراف وجوار الطهران وفى الإمارات العربية المتحدة.
ومن شقف فخار وادى بنى خروص قسم صغير، يرجع إلى الفترة الإسلامية المتأخرة، ومنه آنية مزخرفة بطريقة الكشط متنافرة وخزف وآنية من بهلا، وكثير من هذه الأوانى لها وجوه شبه بقطع فخار من اليمن غير معروفة التاريخ بعد.
وآنية الفخار من وادى بنى خروص التى ترجع إلى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين تعكس التجارة الدولية التى كان لصحار
دور رئيسى فيها، كما تعكس حالة الرخاء العام فى الخليج، فلقد مد العباسيون والبويهيون نفوذهم المباشر على عمان، ولم يقتصر اهتمامهم بها على كونها ملتقى عظيما للتجارات، بل اهتموا بها أيضاً لمنتجاتهم.
ولقد أعيد تشغيل مناجم النحاس فى عمان، كما كان (1/61)
صفحة 62
الشأن فى فترات ما قبل التاريخ، وكشفت عمليات الاستطلاع والمسح عام 1975 عن آثار منجمين من مناجم أوائل الإسلام، وهما المنجم الذى فى لسيل والمنجم الذى يوجد فى أعلى وادى عندام.
وتقع لسيل فى الجبال التى وراء صحار مباشرة ن غير بعيدة من ممر وادى الجزى، وقد قدر خبراء التعدين أن أكوام نفايات المعادن التى تغطى الموقع قد تزيد على 000,100 طن، ومن الموقع بين نفايات المعادن وبقايا الكبريت والحديد المتحللة خرائب عدة أبنية.
وإن قطع الفخار التى عثر عليها فى موقع صهر المعادن تحوى كل أنواع الآنية الجيدة الصنع المستوردة التى وجدت فى صحار وفى وادى بنى خروص.
وإنه من الواضح أن استغلال موارد النحاس فى الفترتين العباسية والبويهية كان أكثر اتساعاً، مما يدل على ما كان لعمان من دور اقتصادى فى منطقة الخليج وشرق العالم الإسلامى، وإنه لتجدر الإشارة إلى أن داراً امسك النقود كانت تعمل فى تلك الفترة، وهى العملة النقدية العمانية الوحيدة التى بقيت حتى العصور الحديثة. (1/62)
صفحة 63
وفى القرنين الحادى عشر والثانى عشر للميلاد اضطربت أحوال التجارة فى الخليج، وحل محل البلاد الكبيرة مثل سيراف وصحار مراكز جديدة مثل قيس وهرمز، وكان من بلدان عمان فى هذه الفترة بلدة فى رأس الحد، فعلى اللسان الرملى الطويل الذى يحمى خور جرامه مساحة من التلول الصغيرة ممتدة، تزيد على كيلو مترين طولا، و200 إلى 500 متراً عرضاً، عليها ساسات مبان من الحجر وأكوام كثيفة من شقف الفخار.
وهذا البلد الصغير على رأس الحد كان يتلقى الفخار من كل جهة .. من إيران ومن باكستان ومن الشرق الأقصى ومن جزر لاموفى شرقى إفريقية، وإنه ليغلب على معظم مجموعة فخار رأس الحد أنها آنية مكشوطة، يمكن رد تاريخها إلى القرنين الحادى عشر والثانى عشر، وهناك قطع أخرى قليلة من آنية خضراء مشوبة بالزرقة، وآنية مزججة تزجيجاً مرشوشاً، وقطع مزججة بقصدير تدل على أن الموقع يحوى أشياء من فترة متقدمة بعض الزمن.
وقد زالت مكانة هذا البلد حين علت مكانة قلهات القريبة منه فى القرن الثالث عشر، وذلك حين انتقلت السيطرة إلى قيس وهرمز (1/63)
صفحة 64
وإنه لمما ينبغى التنبيه إليه هو أن ساحل جعلان بما فى ذلك رأس الحد كانت صلاته الاقتصادية مرتبطة دائماً بالمناطق المأهولة من الشرقية، وأن كل حصن فى أى موقع على رأس جبل فانه يحمى ممراً أو منفذاً فى واد، وربما كانت القرى القائمة هناك اليوم واقعة فوق قرى سابقة كانت تقوم على حواف الوديان أو فى داخلها
وإن هذا الجمع بين الحصون وبين القرى يمثل أنماط الحياة فى المستوطنات التى تقوم على ضفاف الأنهار، كما هو الحال فى الفرات
ولقد خضع داخل عمان منذ القرن الثالث عشر لحكم ملوك آل نبهان، وكان مقامهم فى بهلا، وإلى الجنوب مباشرة من بهلا تقع بسيا، ويوجد بها تل محصن يحرس المنفذ إلى مسايل مياه بهلا تقع بسيا، ويوجد بها تل محصن يحرس المنفذ إلى مسايل مياه بهلا من السهول الجنوبية، وهذا التل يبلغ حوالى 100 متر فى قطره عند القاعدة، وعلى قمته جدران من حجارة غير مطبنة، كانت تشكل بناء دفاعياً ضخماً، وقد عثر على شقف فخار على سطح هذا التل ترجع إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وهى المجموعة التى يمكن أن توصف بأنها فخار نبهانى.
وهذا الفخار النبهانى يجوى نوعاص غليظاً من آنية مشطبة متأخرة يبدو أنه ينحدر مباشرة من الآنية المكشوطة (المشطبة) التى من رأس الحد. وأما الآنية المزججة الأخرى فتحوى (1/64)
صفحة 65
قطعة مفردة من آنية خضراء مشوبة بالزرقة متقدمة الزمن، ومعظم الفخار الموجود غير المزجج عليه تحزيز واضح على شكل مشط، كما أن جرار التخزين الكبيرة توجد عليها أضلاع بارزة على شكل سلسلة، والجرار التى لها آذان مثلثة بارزة تشبه مثيلاتها من سيراف وفى الإمارات العربية المتحدة.
وهناك مثال ثان على الفخار النبهانى يتمثل فى مجموعة وادى قنت الذى يقع على قمة تل طبيعى يسيطر على أعالى مسايل مياه
هذا الوادى قرب قرية القريتين، ويوجد فوق هذا التل حصن تتكون جدرانه من حجارة غير مطينة، وفيه سلسلة من الحجرات الدفاعية، وفى الجانب الجنوبى بوابة محصنة تحمى المنفذ الرئيسى.
ويذكر الباحثون فى تقاريرهم وجود أمثلة أخرى على رءوس تلال محصنة من زمن النبهانيين فى المزارع الشرقية. وفيها آنية مكشوطة مشطبة وجرار تشبه أوانى بهلا. وأوانى حورة برغا فى الجبال وراء صحار.
وفى وادى عندام حصن كثير التقسيمات فوق الوادى عند قرية خضراء بن دفاع، وإن الجدران الخاريجة لهذا الحصن تشبه جدران حصن وادى قنت فى بنائها، بها فيها من حجرات (1/65)
صفحة 66
دفاعية بسيطة ومبان أخرى مجمعة على طور الجدار الخارجى، وفى أعلى زاوية من التل يوجد برج مدور فيه فتحات لإطلاق النار، وإن أعظم ما يلفت النظر فى أجزاء هذا البناء هو بناء البوابة المشيد بحجارة طينها متين جداً، ويبدو أن هذا البناء كان يستخدم حصناً أمامياً.
وما يزال حول قاعدة هذا التل حوالى عشرة مساكن مبنية باللبن فوق أساسات من الحجر.
ولقد وجد فى هذه المنطقة السكنية فخار مماثل تماماً لفخار وادى عندام على بعد كيلومترين من الحصن وإن الغالبية من الفخار
المزجج من وادى عندام تنتمى إلى طراز يعرف بآنية بهلا، وهذه الآنية إما صلصال لونه برتقالى إلى رمادى شديد، أو صلصال أخف، لونه أصفر برتقالى خفيف.
وإن استطلاعات المسح الأثرية فى عمان الداخلية والساحلية ستزيد الباحثين وضوحاً فى تصور كيفية تشكل القرى وتنظيم الزراعة وستضيف إضافات هامة إلى دراسات عمان التاريخية والجغرافية، وتيسر حلقة نفسر بها الماضى البعيد .. ماضى ما قبل التاريخ. (1/66)
صفحة 67
[صفحة بيضاء] (1/67)
صفحة 68
رقم الإيداع بدار الكتب 2540 لسنة 1980
مطابع سجل العرب (1/68)