صفحة 1
الكتاب: عُمان قبل وبعد الإسلام
المؤلف: عامر علي عمير المرهوبي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
السلسلة: تراثنا
تاريخ النشر: 1980
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة تراثنا
عُمان قبل وبعد الإسلام
المحاضرة التي ألقاها الأستاذ عامر علي عمير المرهوبي في مهرجان العالم الإسلامي بلندن (أبريل – يونيو 1976)
أكتوبر 1980 (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
«إنه لمما يثلج النفس آن نري وللمرة الأولي في تاريخ أوربا الحديث مجموعة من صفوة العلماء المسلمين تتولي عرض الإسلام ومبادئه وقيمه السامية علي العالم الغربي عبر هذا المؤتمر الإسلامي الدولي وعلي هذا النطاق الواسع ..
ندعو الله جل جلاله أن يكلل هذا الجهد والسعي بتوفيق من لدنه، وأن يحقق الهدف من عقده والمتمثل في تقديم الإسلام في صورته الصحيحة، وإبراز معالم حضارته للعالم الغربي».
قابوس (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
تقديم
شهدت عمان قبل وبعد الإسلام حضارات عريقة شامخة، ما تزال آثارها شواهد حية علي عظمة الإنسان العماني، فقبل الإسلام نبتت علي الأرض العمانية أروع الحضارات العربية، حيث أجمع المؤرخون العرب علي الإشادة البالغة بالتقدم الحضاري لمدينة «صحار» قصبة عمان آنذاك فسموها «خزينة الشرق».
وعندما أشرق فجر الإسلام علي يدي الرسول الأعظم صلي الله عليه وسلم، خف أهل عمان إلى تنور الفجر الجديد، مما حدا بالرسول الكريم صلي الله عليه وسلم إلى أن يقول: «رحم الله أهل الغبراء (عمان) آمنوا بي ولم يروني».
ومنذ ذلك الحين، وعمان ماضية في خدمة الإسلام ونشره والذود عن حياضه في جميع أصقاع المعمورة، وبالتالي فقد ساهمت عمان مساهمة إيجابية وفعالة في بناء الحضارة الإسلامية العريقة، فألف علماؤها الكتب القيمة التي تشرح أصول العقيدة وفلسفتها، وما يتبعها من عبادات ومعاملات، والتي تتناول كل صغيرة وكبيرة (1/5)
صفحة 6
من قضايا العلم والمعارف السائدة في مختلف العصور. ليس هذا فحسب، وإنما هناك أيضاً مؤلفات في اللغة والطب والملاحة.
ولا يغيب عن البال أن الخليل بن أحمد وابن دريد والملاح العربي أحمد بن ماجد هم من أهل عمان.
ومن الأدوار التي تعتز بها عمان في العصر الحديث أنها استطاعت أن تلقن الشيوعية العالمية درساً لا ينسي، وتحطم صخرة غروره وغطرسته الإلحادية المتهورة.
وهكذا .. فلا تكاد تلوح فرصة لخدمة الإسلام إلا ويكون لعمان دور هام فيها.
وتأكيداً لهذا الدور، وانطلاقاً من توجيهات حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم حفظه الله، فقد شاركت عمان مشاركة إيجابية في مهرجان العالم الإسلامي، الذي أقيم في الفترة من أبريل إلى يونيو 1976 بالعاصمة البريطانية، وحضره أقطاب العلم والفكر في العالم الإسلامي.
وقد وجه صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم رسالة إلى المؤتمر الذي عقد بهذه المناسبة، حيا فيها المؤتمرين، وبارك خطواتهم لخدمة الإسلام، مما كان له أطيب الأثر في نفوسهم. (1/6)
صفحة 7
وألقي الأستاذ عامر علي عمير المرهوبي في هذا المؤتمر محاضرة قيمة، تناول فيها مختلف الأدوار والأحداث التاريخية التي شهدتها عمان. (1/7)
صفحة 8
[صفحة بيضاء] (1/8)
صفحة 9
نص المحاضرة
التي ألقاها الأستاذ عامر علي عمير المرهوبى
في مهرجان العالم الاسلامي بلندن
ابريل – يونيو 1976
بسم الله الرحمن الرحيم
حتى وقت قريب لم يكن العالم يعرف إلا النزر اليسير عن عمان، ويعزو بعض المؤلفين عزلة عمان إلى أسباب ندرك الآن أنها بغير أساس، كما سنري من خلال محاضرتنا هذه ..
أما اليوم فقد استردت عمان مكانتها بين دول العالم، وأخذت تخطو خطوات واسعة نحو التقدم وذلك بفضل القيادة المستنيرة لصاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم. وهي اليوم تركز جهودها وتعبئ طاقاتها لبناء مستقبلها علي أسس متينة من التعاليم الإسلامية التي تنتمي إليها، مستعينة في ذلك بالتكنولوجيا الحديثة ومتمسكة في الوقت نفسه بذاتيّها وبتراثها الإسلامي والعربي .. وهي إذ تمضي قدماً إلى المستقبل فانها لا تنسي ماضيها العريق، تغتّرف منه معاني العزة والتطلع إلى المستقبل بثقة لا حد لها. (1/9)
صفحة 10
إن لعمان تاريخاً عريقاً يضرب بجذوره إلى ما قبل الإسلام بعدة قرون. ولقد اعتنق أهل عمان هذا الدين طواعية وبمحض رغبتهم، وكان لهذا أحسن الأثر في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام .. ولقد ساهم الإسلام في إثراء التراث العماني، كما فتح أمامها آفاقاً واسعة لوضع أسس متينة لحياتها الروحية تنبع من تعاليم الإسلام السمحاء التي بشر بها محمد صلي الله عليه وسلم.
والآن استميحكم العذر في أن أستهل هذه المحاضرة بعرض سريع لتاريخ عمان قبل الإسلام. وهو جزء يسير مما توفر لنا من بعض المصادر القليلة التي جمعناها من هنا وهناك، آملين في أن نتمكن من اكتشاف المزيد من الأدلة والشواهد عن هذا التاريخ استناداً علي عمليات البحث والتنقيب الجارية الآن.
من الحقائق المتفق عليها أن سكان عمان الأوائل أقاموا في قري منذ العصر الألفي الرابع قبل الميلاد، أي نحو ستة آلاف عام قبل الآن، كما كشفت الحفريات الأثرية عن وجود أوان فخارية تم العثور عليها في بعض مناطق عمان، الأمر الذي يدل علي أن عمان كانت لها إتصالات ببعض الأقطار المجاورة، وأن موانها وقراها كانت ملتقي لثقافات وفدت إليها من أقطار أخري قريبة منها (1/10)
صفحة 11
كالعراق وبلدان الخليج وبلوشستان وفارس وتركستان. ويروي لنا علماء الآثار أن أهل عمان كانوا يستعملون هذه الأواني.
كما اكتشفت مقابر يرجع تاريخها إلى العصور الغابرة، وقد تحدثت البعثة الأثرية الدانماركية التي جاءت إلى عمان عام 1972 م، وهي واحدة من عدة بعثات، فقالت: لقد تم اكتشاف عدد من المقابر مماثلة لمقابر أم النار، إلى جانب عدد كبير آخر يعود تاريخها إلى العصر الحديدي.
كما اكتشفت بمنطقة عبري مجموعات من المقابر لها دلالتها الهامة، وبالتالي فلا وجه للغرابة إن دلت ذه المقابر علي وجود مراحل تاريخية عديدة بدءاً بمقابر جمدت نصر للفترة الألفية الرابعة قبل الميلاد، مروراً بمقابر أم النار للفترة الألفية الثالثة، إنتهاءاً بالعصر الحديدي للفترة الألفية الأولي.
ومما يثير الاهتمام بوجه خاص أن سكان المستوطنات القديمة في عمان قد وصلوا إلى درجة كبيرة من الرقي. ولسوف نطلع علي نماذج أكثر وضوحاً لهذا التطور من خلال الأبحاث الجارية في هذا الشأن.
غير أن ثمة من القرائن ما يحمل علي الاعتقاد بأن البلاد التى (1/11)
صفحة 12
كانت تسمي مجان إنما هي عمان بالذات، وإذا صح هذا الاعتقاد كما ترجح هذه الآراء فإن عمان، أو مجان كما كانت تسمي، قد دخلت في علاقات تجارية واسعة مع الحضارات القائمة آنئذ كالعراق ووادي الأندوس.
وفي كتاب «الإمارات المتصالحة» يشير مؤلفه دونالد هولي إلى أن ملوك «أور» الذين عاشوا قبل الميلاد بألفي عام كانوا يتبادلون التجارة مع عمان، ويصدرون إليها الشعير والملابس مقابل النحاس، كذلك يشير هولي إلى تجارة العاج والبامبو والأحجار الكريمة وأوكسيد الحديد.
وقد وردت إشارة إلى ازدهار مثل هذه التجارة في اللوحات التي اكتشفت في مدينة بابل بالعراق، وكلها تؤكد أن السفن التجارية العمانية كانت ترتاد مواني «أور» محملة بمختلف السلع والمنتجات، وكان النحاس من أهم الصادرات العمانية، وكان يصدر في مقابل الفضة وزيت الطعام والمنسوجات والمصنوعات الجلدية.
ولقد ورد في تقرير بعثة من علماء الآثار التابعين لجامعة «هارفارد»، بعد عمليات مسح قامت بها في بعض أرجاء عمان (1/12)
صفحة 13
عام 1973: أن هناك من الدلائل ما يشير إلى وجود عمليات لصهر النحاس في عمان في أربع من مناطق التنقيب هي سمد والباطنة والظاهرة وأبرا.
كما ارتبط اسم عمان بتصدير كميات من النحاس إلى بلاد ما بين النهرين.
والمناجم الأربعة التي اكتشفتها بعثة هارفارد تقدم أول دليل حقيقي علي أن عمان من أوائل البلدان التي كانت تستخرج النحاس.
وتستطرد البعثة فتقول أن هناك أدلة كثيرة تشهد بأن العمانيين كانوا يستخدمون وسائل ري متطورة في تلك الفترة من التاريخ، كاقامة السدود الواطئة لحصر المياه الجارية في منطقة سمد، وإخصاب الأراضي الزراعية وذلك عن طريق غمرها بالطمي.
كما اكتشفت البعثة بقايا بيوت سكنية كبيرة مقامة فوق أساسات من الأحجار والتحصينات القوية.
وبوجه عام فان كافة الأدلة المتوفرة بهذا الشأن تؤكد ما سبق أن ذكرته من أن عمان كانت مجتمعاً متطوراً في منطقة الخليج خلال العصر الألفي الثالث قبل الميلاد، وكان يقوم بفلاحة الأرض علي أحدث الأساليب، كما كان ينتج الأدوات المعدنية للاستهلاك المحلي وللتصدير أيضاً. (1/13)
صفحة 14
كذلك فقد سجلت بعثة «هارفارد» وجود سبع مستوطنات أخري يعود تاريخها إلى العصر الألفي الأول قبل الميلاد، تضم مبان من الحجر، وعثر في تلك المباني علي أوان وأدوات فخارية، مما يؤيد أن عمان كانت تلعب دوراً هاماً بالنسبة للمجتمعات الأخري في الخليج.
وإذا انتقلنا إلى مرحلة أقرب من التاريخ، نجد أن اللبان يأتي في مقدمة صادرات الجنوب العربي في العصر القديم، وكان يصل إلى الأقطار البعيدة كروما حيث كانت تجارته رائجة هناك.
ولقد بلغت شهرة اللبان العماني في هذه الأصقاع حداً دعا الكاتب الروماني بليني إلى أن يصف الجنوب العربي القديم بأنه أغني بلدان العالم.
وفي الوقت الذي كتب بليني رأيه هذا كان اللبان العماني يصدر من بلدة سمهرام في ظفار وكانت تعرف عند الإغريق باسم موشكا.
ولقد وردت أول إشارة لهذه التسمية في كتاب « Thw Periplus of the Erythraean Sea لمؤلف مجهول يحتمل أن يكون إغريقياً، وذلك في نحو القرن الأول بعد الميلاد، فقد أشار إليه كميناء بحري أقيم لتصدير منتجات اللبان. (1/14)
صفحة 15
وكانت سفن البلاد الأخري تتعامل مع رجال الحاشية الملكية علي أساس مقايضة اللبان بمنتجات الحنطة والسمسم والمنسوجات.
ويبدو أن هذا الميناء يقع في منطقة خور روي لوجود أدلة أثرية قوية علي ذلك. وقد جاء في مقال لعالمة الآثار الفرنسية الشهيرة بيرين: «وبالتالي فان موشكا هي بالتأكيد في خور ظفار الآن حيث توجد منطقة خور روي، غير أنه لابد من التأكيد قبل ذلك مما إذا كان الميناء المشار إليه هو ميناء موشكا بالذات، أو أنه أحد المستوطنات الأقل أهمية».
ومن الجدير بالذكر أن اللبان لا يزال يزرع حتى اليوم بكميات وفيرة في جبال ظفار، وأن علماء الآثار يواصلون أعمالهم في منطقة خور روي لمعرفة طبيعة التاريخ القديم لهذه المنطقة. فلا تزال هذه المنطقة مليئة بالأنقاض، كما أن الكتابات التي عثر عليها هناك تلقي المزيد من الضوء علي جانب آخر من التراث العماني.
والنقطة التي تثير الاهتمام هي محاولة التوصل إلى معرفة تاريخ سمهرام التي كان يعتقد بأن تاريخها يعود إلى القرن الأول بعد الميلاد بينما يسود الاعتقاد الآن بأن هذا التاريخ يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد. (1/15)
صفحة 16
أما وقد سردت لكم في إنجاز تاريخ عمان القديم فإني أجد نفسي مدفوعاً إلى أن أنتقل بكم إلى الفترة الأقرب من تاريخ هذه البلاد وبذلك تصل إلى لب الموضوع وأعني به تاريخ عمان العربي الإسلامي.
إنني أخشي أن لا تكون لدينا أدلة تاريخية متسلسلة في هذا الصدد نسترشد بها في تحديد قسمات تراث أهل عمان قبل وصول الأزد إليها .. ويقول دونالد هولي في كتابه «الإمارات المتصالحة» أن عمان استهدفت لموجات متعاقبة من الهجرة من الجنوب. غير أن الأزد بزعامة مالك بن فهم هاجروا إليها في القرن الثاني قبل الميالد وإن كان الدليل ينقصنا لإثبات ذلك.
ومن هنا فلابد من الاعتماد علي المؤرخين العمانيين وحدهم وعلي الأخص علي أشهر هؤلاء المؤرخين، وهما سرحان بن سعيد ابن سرحان، وعبد الله بن حميد السالمي، وقد جاء في ترجمة إنجليزية الحكاية التي رواها سرحان عن كيفية انتقال الأزد بقيادة مالك بن فهم من اليمن إلى عمان، وقد وردت في كتاب مستر هولي.
وتتفق الصيغة التي أوردها السالمي عن غزو مالك بن فهم لعمان مع النقاط الرئيسية في رواية سرحان فيما عدا أن رواية السالمي لهذه الحكاية أكثر تفصيلا وإيضاحاً، أو بالأحري أكثر إيفاء لبطولة (1/16)
صفحة 17
الأزد، خاصة وأن السالمي قد اعتمد في روايته علي عدد من المؤرخين العرب، فهو يحدد تاريخ هذا الغزو بألفي سنة قبل الإسلام، كما يعزي أسباب هجرة الأزد إلى عمان إلى إنهيار سد مأرب في اليمن الذي كان مصدر خير تلك البلاد ورخائها.
وهذا يزيد من صعوبة إثبات تاريخ هذا الغزو من حيث أن فترة الألفي سنة قبل الإسلام تطابق القرن الخامس عشر قبل الميلاد بينما الاعتقاد السائد أن انهيار السد قد تم خلال القرن الأول أو الثاني بعد الميلاد.
وعلي أية حال فإذا افترضنا أن هذه الرواية عن بطولات الأزد مبالغ فيها، فإن هناك إجماعاً في الرأي علي أن الأزد احتلوا عمان وأنهم كانوا أول المجموعات العربية الحديثة التي أقامت حكمها في البلاد بزعامة مالك بن فهم.
وهناك مصدر عربي آخر يرجح أن بعض القبائل العربية كقبيلة عاد وثمود وطسم وجديس قد استوطنت عمان قبل أن يحتلها الفرس بزمن طويل.
وقد أعقب احتلال مالك لعمان فترة من الهدوء والاستقرار تخللتها جهود مركزة لتثبيت دعائم الحكم وإنشاء جهاز حكومي منظم.
(م 2 – عمان قبل وبعد الإسلام) (1/17)
صفحة 18
وقد تلا هذا وصول موجات أثر موجات من قبائل الأزد. وهؤلاء هم الذين أطلقوا علي هذه البلاد اسم عمان تيمناً باسم أحد الأودية في اليمن.
وعلي حد قول السالمي فقد أخذ الأزد يتوافدون علي عمان حتى ملأوا كل شر فيها مكونين بذلك وحدة وطنية متماسكة بزعامة قائدهم مالك بن فهم.
وإذا تحينا جانباً عنصر المغالاة في وصف بطولات الأزد في ساحة الحروب، فإن المؤرخين العرب لا يراودهم أي شك في صدق هذه الروايات.
ويقول مايلز في كتاب «بلدان وقبائل الخليج» إننا لو أغضضنا الطرف عن بعض المبالغة التي وردت في كتاب «كشف الغمة» لسرحان بن سعيد، فإن هذه الروايات قد اعتمدت علي القصص المأثورة عن العرب، وبالتالي فيمكن الاعتماد عليها».
إن اعترافاً كهذا من كاتب ينتمي إلى الغرب يضفي وزناً كبيراً علي كتابات المؤرخين العرب أمثال سرحان ابن سعيد الذي بذل ونخبة من أمثاله جهوداً مضنية لتسجيل تاريخ هذه الأمة.
أما فيما يختص بعرب عمان، فقد جري العرف علي إرجاع (1/18)
صفحة 19
نسبهم إلى قبيلة الأزد العربية، بل إن كتب التاريخ العماني تتضمن أسماء القبائل التي هاجرت إلى عمان وأسماء رجالها ورؤسائها، كما أن هذه العادة لا تزال متبعة إلى يومنا هذا في عمان.
ولقد أشار السالمي في مؤلفه «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» إلى أسماء رؤساء القبائل العمانية التي نزحت إلى عمان بعد وصول مالك بن فهم إليها، ممن لا تزال ترتبط بصلة نسب إلى القبائل العمانية الراهنية، ولعبت دوراً هاماً في تاريخ هذه البلاد.
ويهتم العمانيون – كغيرهم من العرب – بأنسابهم القبلية اهتماما كبيراً، ويحتفظ كثير منهم بشجرة العائلة التي ينتمي إليها ويتوارثها الخلف عن السلف.
ولقد استتبع هجرة قبائل الأزد إلى عمان وصول مجموعات قبلية أخري من أصل عدنان نزحت من الشمال.
ومن المعروف أن القبائل العمانية تتفرع كلها من قبيلتين عربيتين رئيسيتين إحداهما قبيلة اليمانيين الذين هاجروا إلى عمان بصحبة مالك ابن فهم أو بعده، والأخري قبيلة العدنانيين الذين نزحوا إلى عمان من شمال اليمن وذلك بعد هجرة الأزد إليها.
ويسجل السالمي قائمة بهذه المجموعات القبلية مبيناً أسماء زعماتها: (1/19)
صفحة 20
وقد لا تسمح لي هذه المحاضرة بأن أسترسل في الحديث عن هذا الموضوع. وكل ما أود أن أقوله هو أن هناك عدداً من المؤلفات التاريخية تلقي الضوء علي هذه الحقبة من تاريخ عمان، وعلي موضوع الأنساب القبلية، وأنه ليسعدني أن أحيل المهتمين بهذا الموضوع إلى الترجمة الإنجليزية لكتاب سرحان بن سعيد «كشف الغمة»، وهي بعنوان «تاريخ عمان»، ويقرر مايلز أن النص الأصلي لهذا الكتاب قد تم تأليفه في مدينة أزكي الواقعة في الداخلية، وقد عثر عليه الكولونيل «أي. سي. روس» في عام 1728 ميلادية، وطبعت ترجمته الإنجليزية في كلكتا بالهند، وظهر في مجلة: « Journal of Bengal Asiatic Society »
ويقال أن مالك بن فهم قد امتد حكمه زهاء سبعين عاماً، وأنه عاش حتى بلغ 120 سنة من العمر، وقد جاءت وفاته غيلة علي يد أصغر أبنائه وأحبهم إلى قلبه «سليمة» الذي هرب من البلاد بعد الحادث إلى كرمان.
ولا يوجد دليل علي الأحداث التي شهدتها عمان في أعقاب وفاة مالك، وإن كان من المرجح أن أبناءه ظلوا يتناوبون الحكم إلى أن انتقل منهم إلى أسرة أخري من الحكام، هي أسرة بني شمس، (1/20)
صفحة 21
وهي تفرع من قبيلة الأزد التي وفدت إلى عمان بعد وصول مالك اليها وكان يتزعمها معولة بن شمس.
ولا تتحدث السجلات التاريخية عن الكيفية التي تم بها انتقال الحكم إلى أسرة بني شمس، وكل ما نعرفه عن الموضوع ما ورد علي لسان المؤرخ العماني السالمي الذي يقول: «إن أول ملك يتولي الحكم من هذه القبيلة هو عبد العز بن معولة بن شمس، وبصفه بأنه كان حاكماً قوياً ونشطاً، امتد حكمه إلى أبعد من اليمامة والبحرين.
علي أن كتب التاريخ تتحدث عن أسرة بني شمس فتقول أنها استمرت تحكم البلاد حتى ظهور النبي صلي الله عليه وسلم، وكان يحكمها يومئذ جيفر وعبد إبنا الجلندي بن المستكبر.
ولا نعرف علي وجه الدقة ما إذا كان هذا الحاكم قد أسلم مع من أسلم أم لا، وإن كانت بعض الروايات ترجح أنه توفي قبل دخول العمانيين إلى الإسلام.
وعلي أية حال فإن العمانيين اعتنقوا الإسلام خلال حكم الأميرين جيفر وعبد ابني الجلندي، وهذا يميط اللثام عن كيفية دخول العمانيين إلى الإسلام.
وقد نلتزم هنا بالاعتماد علي المؤرخين العرب الذين تطرقوا إلى (1/21)
صفحة 22
هذا التاريخ بكثير من الإنصاف والإدراك رغم اختلاف التفسيرات والتأويلات، ومن هنا يمكننا أن نثق في أقوالهم بشكل عام.
وهناك أكثر من رواية عن كيفية دخول العمانيين إلى الإسلام، إذ يقال أن مازن بن غضوبة هو أول من اعتنق الإسلام، وكان من سكان سمايل في الجزء الداخلي من البلاد.
وتقول الرواية أن مازن بعد أن علم بأمر الدعوة الإسلامية سافر إلى المدينة وأسلم علي يدي الرسول صلاة الله وسلامه عليه، ثم تبعه عدد آخر من العمانيين.
كذلك من المحتمل أن يكون بعض العمانيين قد أسلم قبل وصول عمرو بن العاص مبعوثاً من النبي صلي الله عليه وسلم إلى عمان، وكان علي حكم البلاد يومئذ عبد وجيفر إبنا الجلندي اللذان خلفا أباهما علي الحكم.
وقبل أن نأتي علي ذكر قصة عمرو بن العاص يجدر بنا أن نتعرف علي الوضع العام في عمان قبيل دخول الإسلام. وتذكر كتب التاريخ أن قبائل من الأزد وعدنان بزعامة الأميرين عبد وجيفر كانت تحكم البلاد في ذلك الوقت، وأنه وفقاً لبنود الهدنة القائمة بين العمانيين والفرس يومئذ كان الفرس يحتفظون بحامية (1/22)
صفحة 23
عسكرية لهم قوامها أربعة آلاف رجل، وكانت تعسكر في حمستجرد قرب صحار كما كانت هناك أقليات من المسيحيين واليهود، وربما كان السواد الأعظم من سكان عمان يعبدون الأصنام.
وكما ورد في التاريخ الإسلامي فإن النبي محمداً صلي الله عليه وسلم قد أوفد عمرو بن العاص رسولا إلى عمان بكتاب منه إلى حاكميها عبد وجيفر، وذلك في العام الهجري التاسع، يدعوهما إلى الإسلام ويروي السالمي عن الوافدين نص خطاب الرسول إلى أهل عمان: -
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي –
السلام علي من اتبع الهدي.
أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول علي الكافرين، وأنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تطأ ساحتكما وتظهر نبوتي علي ملككما».
وكان الكتاب يحمل ختم النبوة الذي يقول «لا إله إلا الله محمد رسول الله». (1/23)
صفحة 24
وربما كان هذا ما دفع بعض المناهضين للإسلام، إلى إتهام العمانيين بأنهم لم يعتنقوا الإسلام من منطلق الإيمان به، وإنما خوفاً منه وبدافع المصلحة والضرورة، وأنه بعد أن رأي العمانيون كيف انتصر محمد صلي الله عليه وسلم علي اعتداء بني قومه عليه وعلي رسالته النبوية، خشوا من زحف قوات المسلمين علي بلادهم، كما أنهم وجدوا في جيوش المسلمين سنداً لهم في مقاومتهم للإحتلال الفارسي للبلاد. علي أن هذه مجرد تكهنات ليس لها ما يبررها.
والحقيقة هي أن العمانيين بعد التشاور بين زعماء البلاد وكبارها وعلي الأخص بعد التحقق من هوية الرسالة النبوية والتعاليم التي كان يبشر بها هذا الدين، اتخذوا بالاشتراك مع كافة الزعماء قراراً جماعياً بقبول الإسلام ديناً حنيفاً والإلتزام بتعاليمه السمحاء.
وبالنسبة للحامية الفارسية، فإنها عندما رفضت الدخول في الإسلام، قام الأزد أنفسهم بطردهم من البلاد، وبدون أي مساعدة عسكرية من أية جهة أخري.
وعلي ذلك فلقد جاء الإسلام إلى عمان ليبقي وينتشر. ولما كان جيفر وعبد نفساهما قد آمنا به، فإنهما ناشدا القبائل أن تحذو حذوها.
ولابد أن نسلم بأنه كان بديهياً أن يستغرق تحول عمان كلها إلى (1/24)
صفحة 25
الإسلام بعض الوقت، وأن تندثر بصعوبة بعض التقاليد القائمة من قبل مجئ الإسلام.
ولم يكن ذلك ليتحقق إلا بعد قدر كبير من شرح تعاليم الإسلام، ولذلك عرف عن العمانيين فيما بعد تمسكهم الشديد بالعقيدة الإسلامية والمشاركة في نشرها.
وبدأ الأتباع الجدد للإسلام يتشربون تعاليم الدين الجديد من المبعوث الذي أوفد إليهم لدعوتهم إليه، وهو عمرو بن العاص الذي أقام في عمان حتى غادرها عند سماعه بوفاة النبي.
وإذا افترضنا أن تاريخ وصول عمرو إلى عمان – في العام التاسع من الهجرة – كان صحيحاً، فإن معني ذلك أنه بقي في عمان لفترة لا تقل عن عامين، كأخ مسمل يلقي الترحيب، وكشخصية لها إحترامها الكبير، وخلال هذه الفترة، أوصل إلى شعب عمان بقدر ما يستطيع تعاليم عقيدتهم الجديدة.
وعندما اضطرته وفاة النبي إلى الرحيل، صحبه عبد وعدد من كبار شخصيات عمان، ومجموعة من رجال الأزد.
وأما المهاجرين والأنصار ألقي سيدنا أبو بكر كلمة ترحيب بالوفد العماني قال فيها: يا أهل عمان، إنكم أسلمتم طوعاً، ولم يطأ (1/25)
صفحة 26
رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر، ولا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب بفرقة ولا تشتت شمل، فجمع الله شملكم علي خير، ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش ولا سلاح فاجبتموه إذ دعاكم علي بعد داركم وأطعتموه إذ أمركم علي كثرة عددكم، فأي فضل أبر من فضلكم وأي فعل أشرف من فعلكم. كفاكم قول رسول الله صلي الله عليه وسلم شرفاً إلى يوم الميعاد. ثم أقام فيكم عمرو ما أقام مكرماً، ورحل عنكم إذ رحل مسلماً. وقد من الله عنكم باسلام عبد وجيفر ابني الجلندي، وأعزكم الله به وأعزه بكم. وكنتم علي خير حال حتى أتتكم وفاة رسول الله صلي الله عليه وسلم، فأظهر تم ما يضاعف فضلكم، وقمتم مقاماً حمدناكم فيه ومحصتم بالنصيحة وشاركتم بالنفس والمال فيثبت الله ألسنتكم ويهدي قلوبكم.
ولقد كانت العلاقات بين عمان والمدينة علي أفضل حال في عهد الخليفة أبو بكر، باستثناء حادثة واحدة كانت وما تزال محل جدل، وأعني بذلك معركة دبا – وهي بلدة قريبة من صحار – شمال غربي مسقط.
فلدنيا رواية عن معركة عنيفة دارت في هذه البلدة بين قوات المسلمين بقيادة الأمير بن عبد وجيفر، وبين قوات «المرتدين» - (1/26)
صفحة 27
الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي، في عهد أبو بكر بقيادة شخص يدعي «ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي»، وهو الذي نادي بنفسه نبياً، طبقاً لهذه الرواية.
ومصدر هذه الرواية هو المؤرخ العربي الشهير ابن الأثير، الذي نقل «مايلز» عنه بافاضة، وليس بمجرد عبارات أو تلميحات قليلة.
وعلي سبيل المثال فإن مايلز يقول – وأنا هنا أنقل عنه – رغم أن ممثلي الغالبية العظمي من قبائل عمان الذين اجتمعوا في نزوي، قد قرروا إطاعة النبي الجديد والتمسك بدعوته، فإن بعض القبائل كانت في عزلة تامة عن الحركة الجديدة. ومن بين قبائل الأزد الذين كان متوقعاً أن يتبعوا قيادة رؤسائهم القبليين، ظل بعضهم متمسكاً بعقائدهم الوثنية، وظهر من بينهم قائد جديد طامع ومغامر يقود معارضتهم لإبني الجلندي.
ولقد كان هذا القائد هو ذو التاج لقيط بن مالك – أحد شيوخ الأزد – ولكنه من قبيلة غير معروفة، وقد عارض قبول أتباعه للتعاليم الجديدة التي أتي بها عمرو بن العاص.
ويستطرد قائلا: «بعد أقل من عامين من عودة الوفد (يعنى (1/27)
صفحة 28
الوفد العماني إلى النبي)، فإن محمداً صلي الله عليه وسلم المصلح العظيم والداعي إلى التوحيد، قد مرض ومات في العام الحادي عشر للهجرة. وفي ذلك الوقت كانت كل القبائل والأراضي العربية تحت طاعته، ولكن مد الانتصار لم يكن قد بدأ يتدفق خارج حدود الجزيرة العربية.
كانت وفاة النبي صدمة للمؤمنين بالوحي الإلهي، كادت تهز أركان الدين الجديد. وانفجر التمرد في الحال في كل المناطق النائية من الجزيرة العربية، وكذلك في أماكن قريبة من المدينة.
وثار التمرد في عمان مثلما حدث في بقية الأجزاء، وسارع عمرو بن العاص بالعودة إلى الحجاز للإبلاغ عما حدث.
ويقول مايلز هذا القول في موضع، ولكنه يعترف في موضع آخر بأن «الأميرين ولدي الجلندي ظلا متمسكين بموقفهما، مع تشبث كثير من القبائل بشدة باسلامها».
وقبل أن نستطرد، يجب أن نحاول تحليل الموقف قليلا.
فإن القول بأن وفاة النبي كانت صدمة للمؤمنين بالوحي الإلهي لا يمكن أن يمر بدون تفنيد.
ذلك أن المؤمنين الصادقين كانوا يعلمون ويسلمون من البداية (1/28)
صفحة 29
بأن النبي محمداً صلي الله عليه وسلم عرضة للموت، وأنه سيرحل عن هذا العالم في يوم من الأيام.
وهذا أمر يتفق مع تعاليم القرآن الكريم في قوله تعالي: -
«وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفئن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم، ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين».
وهذه الآية ذاتها هي التي استشهد بها سيدنا أبو بكر وهو يذكر مسلمي المدينة بأن وفاة النبي ليست نهاية الإسلام. كما قال لهم بعبارات لا لبس فيها: «من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت».
ومن المؤكد أن خبر وفاة النبي كان خبراً محزناً للمؤمنين، ولكنه لم يكن له وقع الصدمة بالطريقة التي ذكرها بها مايلز.
وهؤلاء الذين انهار إيمانهم بعد وفاة النبي، لابد وأن وراءهم دوافع أخري.
أما الحديث عن التمرد ضد الإسلام، والذي افترض أنه يقصد به انهيار العقيدة بين المرتدين، فقد أوردها بطريقة توحي بأن كل العمانيين قد ارتدوا، بينما هو نفسه يعترف بأن عبد وجيفر ظلا على (1/29)
صفحة 30
إيمانهم القوي، وأن كثيراً من القبائل تمسكت بشدة بالإسلام. . أي تناقض في العبارات هذا؟! ..
إن عمان كدولة تحت حكم أميريها (عبد وجيفر) قد تمسكت بشدة بالإسلام في وقت حرج، ولو كان إيمان العمانيين بالدين الجديد موضع جدل، لأصبح في إمكانهم التحول إلى مرتدين وقطع علاقاتهم مع المدينة، ومواجهة النتائج، ولكن ذلك ما لم يفعلوه، لأنهم قبلوا الإسلام مختارين وباقتناع كامل.
والشخص الذي يفترض – طبقاً لرواية ابن الأثير – أنه قاد معركة دبا ضد المسلمين مشكوك في أصل نسبه. بل إن مايلز نفسه يقول أن قبيلته غير معروفة، رغم أنه يزعم وجود صلات له بالأزد. ثم أن اسمه غير شائع بين القبائل العمانية، ويعترف مايلز بأنه لم يعتنق الإسلام أبداً .. وبالتالي لا يمكن أن يكون مرتداً.
وبعبارة أخري – لا يمكن أن يقال عنة أنه تخلي عن عقيدة لم يكن قد اعتنقها من قبل. أما عن معركة دبا التي قبل أنها وقعت بين مسلمين ومرتدين، فأمر مشكوك فيه، ولم يكن مقبولا من جانب المؤرخين العمانيين.
والمؤرخ السالمي يدحض بشكل قاطع رواية ذي التاج، ويستند (1/30)
صفحة 31
إلي مصدرين وثيقين، ليوضح حقيقة ما حدث في دبا، طبقاً لما ذكره العوبتي في كتابه الأنساب، فإن حادثة دبا وقعت في نهاية خلافة أبي بكر تقريباً، عندما أرسل حذيفة ابن محصين الغلفاني إلى عمان لجمع الصدقة.
وفي دبا، طلب جامعو الصدقة من نسل الحارث بن مالك ابن فهم دفع الصدقة، وعندما اقتربوا من امرأة طالبين منها شاة مسنة عرضت أن تقدم عتوداً أو عناقاً بدلا من الشاة. ولكنهم رفضوا وأخذوا ما أرادوا. وصرخت المرأة قائلة «يا آل مالك .. » وعندما سمعها حذيفة اعتبرها دعوة جاهلية، وخشي أن يكون هؤلاء الناس قد تركوا الإسلام، فأغار عليهم وأخذ منهم بعض السبايا معه إلى المدينة.
وتستطرد هذه الرواية قائلة بعد هذه الحادثة، قام وفد مكون من سبيعة بن عراك الصيلمي، والمعلا بن سعد الحمامي، والحارث ابن كلثوم الحديدي، بالسفر إلى المدينة ليشرحوا ليسدنا أبي بكر حقيقة ما حدث، وليؤكدوا له أن أهل دبا لم يتخلوا عي عقيدتهم، وأنهم لم يمنعوا الصدقة، بل قد عجل عليهم حذيفة، واستطردوا قائلين: وكففنا أيدينا إلى أن آتيناك. وبعد بعض المداولات أمر عمر برد السبايا إلى عمان. (1/31)
صفحة 32
وطبقاً لرواية الشيخ خلف بن زياد البحراني، فإن سيدنا أبا بكر أوفد البعض إلى عمان لجمع الصدقة، وأن العمانيين جميعاً أعطوا الصدقة باستثناء امرأة من أهل دبا شاجرت بعض جامعي الصدقة، وزعمت أنهم أخذوا كل ما كان مقرراً أن تدفعه لهم. ولكنهم تمسكوا بأن عليها أن تدفع أكثر. فتنازعا في ذلك فقرعها أحدهم قرعة، فاستغاثت ببعض أهلها، فأغاثوها، وتواقعوا مع الذي قرعها ومن معه، وتنادوا عند ذلك يا «آل بني فلان».
قال الشيخ خلف وكانت دعوة جاهلية، ويقال أن من دعا بها حل دمه حين يدعو بها أو يتوب. فاقتتلوا ما شاء الله وظهر جامعو الصدقة عليهم، وجاء حذيفة الغلفاني وكان ولي ذلك فسبي أهل دبا، وفيهم ذرية من لم يقاتلهم من النساء والولدان، وذرية من كان قد غاب أو كان قد مات وهو مسلم ونساؤه.
وهؤلاء الناس لم يحدث أن تخلوا عن الإسلام قط، كما لم يمتنعوا عن دفع الصدقة، وتقول هذه الرواية أن حذيفة سبي كل أهل دبا، كما تردد أيضاً أن سيدنا عمر هو الذي أمر باطلاق سراح السبايا، وأنه أعطي كل واحد منهم تعويضاً قدره ثلاثمائة درهم، ويبدو أن هناك دلالات قوية علي أن حذيفة ظل بعد ذلك يحكم عمان ممثلا للخليفة. (1/32)
صفحة 33
وأثناء فترة خلافة عمر وضعت عمان تحت حكم عثمان بن العاص الثقفي، الذي كان مقره في البحرين.
وطوال هذا الوقت كان يحكم عمان عبد وجيفر، اللذان كانت علاقتهما علي أفضل ما يكون مع أبي بكر وعمر، وتمسك الإثنان بالولاء التام لكل من الخليفة أبي بكر والخليفة عمر، وأرسلا الصدقة السنوية بلا أي نكوص.
ويمكن وصف عهد عبد وجيفر بأنه عهد سلام، ورخاء، وتمسك بأهداف الدين، وأنه شهد بداية رعاية النهضة الأدبية.
وليس هناك سجل عن وقت وفاة عبد، ولكن يبدو أنه مات قبل جيفر، لأنه عندما مات جيفر في نزوي في العام الثلاثين للهجرة فإن عباد – ابن أخيه – هو الذي تولي الحكم، أثناء خلافة عثمان.
وبالرجوع إلى كتاب الشيخ سالم بن سليمان الحارثي «العقود الفضية في أصول الإباضية»، فإنه يحدثنا عن أنه وفقاً لما ذكره المؤرخون العمانيون، فإن أبا بكر ترك جيفر وأخاه يحكمان عمان، وجعل لهما أخذ الصدقات من أهلها وحملها إليه، ولم يزالا في عمان متقدمين إلى أن ماتا. ثم خلفهما عباد بن الجلندي (ربما هو في الحقيقة حفيده) خلال فترة خلافة عثمان وعلي. وعندما دب الخلاف،
(م 3 – عمان قبل وبعد الإسلام) (1/33)
صفحة 34
وانتقل الأمر إلى يد معاوية، فإن عمان لم تخضع لحكم معاوية إلى أن جاء عبد الملك بن مروان إلى الحكم واستعمل الحجاج علي العراق، وكان سليمان وسعيد ولدا عباد يحكمان عمان، واحتل الأمويون عمان.
واستمر هذا الاحتلال حتى مجئ حكم العباسيين عندما تولي عبد الله بن محمد السفاح السلطة، وأصبح أول حاكم عباسي، وقد عين عمه سليمان بن علي واليا علي البصرة مع تبعية البحرين وعمان لها. وقام سليمان بدوره بتعيين جناح بن عباد الهنائي كنائب له علي عمان.
وكانت هذه الفترة بالنسبة لعمان فترة نزاع وخلافات بالمقارنة بفترة الهدوء، والرخاء، والازدهار الثقافي، وهي الفترة التي سبقت احتلال الحجاج للبلاد .. وكانت فترة تناقضات نتجت عن معركة صفين بين قوات علي ومعاوية، والتي أدت إلى خلافات مذهبية، وإلي خسائر مؤسفة في الأرواح.
ومع أن موضوع هذه التناقضات ليس وارداً في صلب هذه المحاضرة التي لا تهدف إلى الخوض في جدل مذهبي، إلا أنه من الضروري أن نستعرض الموقف كما تأثرت به عمان من وجهة النظر الدينية. (1/34)
صفحة 35
ونكون قد إلتزمنا الصواب بعدم توريط أنفسنا في قصص عن المعارك والانتصارات، حيث لا أعتقد أننا جئنا هنا لكي نفعل ذلك، وكل ما أرغب في محاولة القيام به، وهو أن أوضح كيف خرجت عمان من هذه الخلافات بوحدة مذهبية كانت عرضة لتحريفات كثيرة.
فبعد معركة نهروان، تشتت الخوارج، ولا يوجد أي دليل يشير إلى أن أي قوات عمانية قد اشتركت في هذه المعركة ... ويفترض أن بعضهم قد هرب إلى عمان.
أما كيف جاء ارتباط الإباضيين العمانيين بالخوارج، فهذا ما يحتاج إلى تفسير، كما يلزم تحديد المعني التام لكلمة خوارج، كذلك بحب دراسة وجهة النظر الإباضية في هذا الأمر دراسة موضوعية، وبكل تجرد.
ذلك أن إصدار حكم علي أناس بصورة عاطفية، وتوجيه أصبع الاتهام إليهم بدون الرجوع إلى الحقائق، هو قول لا يؤخذ به، واتهامهم بالهرطقة، هو إتهام لا يمكن اغتفاره.
ومما يؤسف له أن كاتباً له مكانة مايلز، يلجأ إلى وصف الإباضيين بالهراطقة بدون أي أساس، واني لأتساءل عما إذا كان بدرك بالفعل مضامين هذه الكلمة التي يعرف هو معناها كما هو (1/35)
صفحة 36
وارد في قاموس أكسفورد «التعارض مع العقيدة السائدة أو التقليدية».
وعلي ذلك، فإن مايلز عندما يستخدم هذه الكلمة مشيراً إلى الإباضيين، لابد وأنه كان يعني أنهم يحملون أفكاراً متعارضة مع العقيدة الإسلامية.
وكيف يمكن أن يكون الإباضيون هراطقة في حين أن مذهبهم قائم علي القرآن والسنة، والإجماع والقياس. ورغم وجود بعض الخلافات في التفسير بينهم وبين المذاهب الأخري، وهو أمر شائع عند المسلمين وعند غيرهم من أصحاب الديانات، ورغم أنهم كانوا رافضين للسلطة المركزية للخلفاء الأمويين والعباسيين، فإن الإباضيين ظلوا مسلمين أقوياء الإيمان منذ عهد عبد وجيفر، ولم يخرجوا أبداً عن العقيدة الإسلامية.
وإذا كان هناك محل لاتهامهم، فهو إتهامهم بالتشدد في إيمانهم، وهذا هو ما اتهمهم به أخيراً مؤلفون عديدون. أما كيف يمكن أن يكونوا هراطقة ومؤمنين شديدي التمسك باسلامهم، فهذا ما لا يمكن أن يكون منطقياً.
والمذهب الإباضي هو من أقل المذاهب التي تلقي فهماً في العالم الإسلامي، ولما كانت غالبيتهم يقيمون في عمان، فإن من الأجدر بنا (1/36)
صفحة 37
أن نحاول تفسير تعاليم هذا المذهب، وما يمثله بالنسبة للإخوة المسلمين. وبالنسبة لغير المسلمين من المهتمين بهذا الأمر، وهدفنا الوحيد من ذلك هو أننا نريد أن نبدد سحب سوء الفهم التي تخيم فوق الإباضية.
وبصرف النظر عن أي خلافات تكون قد قامت بين المسلمين وبعضهم في الماضي، فإن العالم الإسلامي اليوم يعمل من أجل تضامن شعوبه، ويجب أن تكون الخلافات في التفسير دافعاً أكثر منها عائقاً. كما يجب أن تسود مجتمعاتنا روح الحج، وهي روح ذلك اليوم الذي يلتقي فيه ما لا يقل عن مليون مسلم سنوياً، يلبون جميعاً نداء الخالق في صوت واحد «لبيك اللهم لبيك».
وقد قيل أن الإباضيين فئة من الخوارج، ولكن الدراسة الدقيقة لابد وأن توضح أن الشئ الوحيد الذي يربط الإباضيين بالخوارج هو رفضهم المشترك للتحكيم. وبخلاف ذلك فإن الإباضيين لا يقبلون وصفهم بأنهم خوارج حسب المفهوم الشائع لهذه الكلمة.
وفي الماضي كانت كلمة خوارج تستخدم، إشارة إلى هؤلاء المسلمين الذين خرجوا للقتال في سبيل الله، ولكن معناها تحول تدريجياً إلى هذا المعني المشوه لتصبح وصمة. وهذه الوصمة هى (1/37)
صفحة 38
التي يرفضها الإباضيون، والخلاف الرئيسي في التفسير بين الإباضيين والخوارج هو الذي قدمه بوضوح الشيخ أبو إسحق إبراهيم الجزيري والشيخ عبد الله بن حميد السالمي، والشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي.
ويمكن العثور علي ذلك في كتب «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان و «العقود الفضية في أصول الإباضية»، كما نشر تفسير مختصر في كتاب «كتاب الوضع» للشيخ أبي زكريا يحيي بن أبي الخير الجناني من نفوسنا في ليبيا.
والدخول في تفصيلات هذه الخلافات سوف يأخذ من وقتنا أكثر مما هو متاح، ويمكن لمن يهمه متابعة هذه المسألة، الرجوع إلى الكتب المشار إليها، والتي أستطيع أن أؤكد أنها ستزوده بغذاء وفير للفكر.
وقد يقال أن الخلافات جوهرية وفلسفية وأنها أساساً في مجال التفسيرات، ومن هذه الخلافات في التفسيرات نشأ عدد من الخلافات الأخري المترتبة عليها، في مجال تطبيق النظريات المفسرة.
ولا أنووي الخوض في مناقشة حول الخلافات بين المسلمين، وكل ما أبغيه هو توضيح موقف الإباضية في مواجهة الخوارج بدون (1/38)
صفحة 39
أي محاولة لإصدار أحكام، لأن الحكم في مثل هذه الأمور لله وحده.
في فترة حكم الأمويين أصبحت البصرة مركزاً رئيسياً للديانة الإسلامية، وإذا كان يحق الافتراض بأن الإباضية كانت قد ولدت كمذهب، فإنه يحق أيضاً الافتراض بأن ولادتها قد تمت في البصرة، وإذا أسلمنا بأن الإباضية ولدت في البصرة، فلابد وأن نسرع بالإشارة إلى أن العمل بها قد تم في المدينة، ولدينا مثل يقول «باض العلم في المدينة، وفرخ في البصرة، وطار إلى عمان».
وعندئذ قد يقول قائل إن الإباضية في عمان هي قديمة قدم الإسلام نفسه، ويقول السالمي أن الإباضية ملتصقة بالعقيدة الأصلية وأنها لم تغير شيئاً.
وهذا هو سبب وصف الإباضيين في عمان بأنهم متشددون في عقيدتهم ورافضون للتغير، وهو ما أرجعه بعض الكتاب الغربيين إلى عدم التفتح علي الفنون والأفكار الحديثة لدي شعب عمان، وتلك فكرة خاطئة نسفتها التطورات الأخيرة.
ولنحاول الآن أن نتخيل كيف «طار طائر المعرفة الإسلامية إلى عمان» وهناك ما يشير إلى الروابط القديمة بين المدينة وعمان، وكيف شرب شعب عمان من منهل الإسلام ومن مصدره الأساسي. (1/39)
صفحة 40
فبعد عمرو بن العاص استمر العمانيون علي صلة مستمرة بالصحابة، وتعلموا منهم الكثير عن الإسلام، ومن خلال هذه الصلة برز فقيه شهير اسمه جابر بن زيد، ولد بقرية صغيرة تسمي «فرق» قرب نزوي.
ويقال أن تاريخ مولده يتراوح بين العام 18 والعام 21 بعد الهجرة، خلال فترة خلافة عمر بن الخطاب، ويمكن القول بأن جابر هو حجر الأساس للأباضية. وقد أمضي طفولته في مسقط رأسه، وأظهر رغبة واضحة في التعليم. وقد درس القرآن وهو صغير، وتبحر بعمق في الفقه، وكان تعطشه للعلم لا يروي. . وغادر عمان وذهب إلى البصرة، التي سبق أن أشرنا إلى أنها كانت مركزاً عظيماً للعلم في ذلك الحين.
وأمضي بقية حياته بين البصرة والمدينة بشكل جعله علي صلة بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك، واستوعب منهم كل ما أمكنه استيعابه من تعالم العقيدة الإسلامية من كافة جوانبها.
ولقد نسب إليه قوله أنه أدرك سبعين من الذين شاركوا في موقعة بدر ضمن جنود النبي، وأنه تعلم منهم كل ما كان ممكنا أن يعلموه إياه، باستثناء ابن عباس الذي وصفه «بالبحر»، (1/40)
صفحة 41
وقد تعلم منه الكثير، وكذلك من السيدة عاشئة زوج النبي صلي الله عليه وسلم، ومن أبي هريرة، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري وسيدنا علي بن أبي طالب، ومعاوية وآخرين كثيرين غيرهم.
وقد ورد أن ابن عباس قد قال للناس «اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لسوعهم علمه».
وعندما أشار ابن عباس إلى أهل العراق في ذلك الوقت، قال: «عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا ومعهم جابر بن زيد؟».
وكان ذلك في وقت وجود جابر بالبصرة، يشرح العقيدة الإسلامية كما تلقاها من معلميه الأصليين.
وقد وصل به الأمر أخيراً إلى أن يصبح هو نفسه معلماً في البصرة، وأن يكون له أتباع عديدون، أصبح عدد منهم فقهاء، ولقد نهل من علمه أباضيو عمان، وأباضيو أقطار أخري كثيرة مثل أقطار شمال أفريقيا، ويحتاج الأمر أن نشير إلى قلة فقط من هؤلاء: منهم مثلا عبد الله بن أباض، ومرداس ابن حدير، اللذان كانا من معاصريه في البصرة، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وكلهم من فقهاء الإباضية.
وهؤلاء تبعهم دارسون آخرون، من تلامذة تلاميذ جابر بن زيد، (1/41)
صفحة 42
وبينهم شخص يستحق تنويه خاص، هو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي، الذي أتم الكتاب الشهير «الجامع الصحيح»، وسلسلة الأقوال المنشورة في هذا الكتاب هي ما يشار إليه بالثلاثية. وقد اعتمد الربيع بن حبيب أساساً علي أبي عبيدة، وجابر بن زيد، وعبد الله بن عباس، والثلاثة معروفون بأمانتهم التي لاتقبل الشك.
وقد نشر السالمي شرحاً لهذا الكتاب الذي صدر في أربعة أجزاء. وقد كتب عز الدين التنوخي – وهو سني من دمشق – مقدمة الكتاب السالمي «شرح الجامع الصحيح» قال فيها أن ثلاثية الربيع بن حبيب الأزدي، وأحاديثها في مسنده من أصحها رواية وأعلاها سنداً، ورجال سلسلته الثلاثية الحلقات هم أبو عبيدة التميمي وجابر بن زيد الأزدي والبحر عبد الله بن عباس، شيخ جابر وغيره من الصحابة وكلهم مشهورون، بالحفظ والضبط والأمانة والصيانة.
وكان الربيع بن حبيب – نفسه – تلميذاً لأبي عبيدة ضمن مجموعة أخري من تلاميذه منهم أبو الخطاب المعافري، وعبدالرحمن ابن رستم، وعبد الله بن يحيي الكندي، والإثنان الأولان هما من أئمة الإباضية في أفريقيا، والكندي من أئمتهم في اليمن، وهناك إلى الآن مراكز للأباضية في نفوسا وميزاب في ليبيا والجزائر. (1/42)
صفحة 43
ولقد قال التنوخي وهو يشير إلى الشرح الذي كتبه السالمي، أنه واحد من الفقهاء العمانيين الذين كتبوا كتباً عديدة، ولابد أنه كان غزير الثقافة وحاد الذكاء، بحيث استطاع وضع هذا العدد من الكتب، خاصة وأنه توفي قبل بلوغه سن الخمسين، وأنه كان ضريراً منذ طفولته، وقد أورد التنوخي في مقدمته ذكر سبعة عشر كتاباً للسالمي.
وعندما تعمق التنوخي في شرح السالمي، فإنه تأثر للغاية بعلمه الواسع، ووضوحه، وقوة أسلوبه. كما أثرت فيه أيضاً موضوعية السالمي، كما أن السالمي غير متعصب، وأنه كان يرجع إلى ما كتب من خارج إطار مذهبه إذا وجد الحق هناك. وقد كان يضع الحق قبل الناحية المذهبية.
ومن كل ذلك يمكننا أن نستخلص أن المذهب الإباضي أقدم من إسمه، لأنه يشتق اسمه من عبد الله بن أباض بن تميم التميمي الذي شب أثناء حكم معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى وقت عبد الملك بن مروان، وكان معلماً كبيراً ومسلماً شديد الإيمان، لم يتهاون في عقيدته أو يسمح لنفسه بأن تغرقه المغريات الدنيوية.
وكانت عقيدته راسخة، ولم يعرف الخوف إلا من الله، (1/43)
صفحة 44
ولم يتردد عن قول الحق أو اللجوء إلى القرآن، وإلي سنة النبي، للحفاظ علي نقاء الإسلام.
وتعتبر رسالة التأنيب التي وجهها إلى عبد الملك بن مروان، والتي تعتبر طويلة إلى درجة لا يتناسب مجان هذه المحاضرة للحديث فيها، تعتبر دليلا كافياً علي ذكائه، وحميته الدينية.
وبإيجاز يمكن القول أن هناك جذوراً للأباضية، ذلك المذهب الذي يلتزم به غالبية شعب عمان حتى هذه الأيام، هؤلاء الناس الذين لا يسعون إلا إلى عبادة خالقهم بما يتفق مع كتابة المقدس، وسنة رسوله، هؤلاء الناس الذين يسايرون العصر مع المحافظة علي قدسية عقيدتهم، هؤلاء الناس الذين يعتبرون كل المسلمين إخوة لهم في الإسلام، ويعاملون أصحاب العقائد الأخري باحترام.
وإن تاريخ الشعب العماني – رغم خلافاته ومنازعاته الداخلية في الماضي – هو تاريخ شعب قد مد يد الصداقة للجميع باستثناء الذين حاولوا أن يسلبوه سيادته، أو الذين حاولوا أن يفرضوا عليه أفكاراً مناقضة لعقيدته، كما بلغت إليه من رسول الله عن طريق أتباعه.
ولم يحدث أن كانت العقيدة الإسلامية أو المذهب الإباضي حائلا (1/44)
صفحة 45
دون التعاون الدولي أو التقدم التكنولوجي، وتشهد علي ذلك المعاهدات التي وقعها الحكام المسلمون الإباضيون مع الدول الأوربية علي مر التاريخ.
كما أن المبادرة التي اتخذها السيد سعيد بن سلطان بإيفاده أول مبعوث عربي إلى الولايات المتحدة عام 1840، وإلي الملكة فيكتوريا عام 1842، هي دليل واضح علي بعد نظر الحكام العمانيين، ومدي اهتمامهم باقامة علاقات طيبة خارج الإطار المباشر لمنطقتهم، وتشجيعهم للصداقة مع شعوب أكثر البلاد بعداً عنهم.
ولم يعرف المذهب الإباضي التعصب أو المغالاة. وهم لا يؤمنون بالعدوان ضد الذين يتبعون طريقاً آخر.
الله ربنا، ومحمد نبينا، والقرآن إمامنا، والسنة طريقنا، والإسلام ديننا، ونحن نؤمن بالأمر بالمعروف وإتباعه، والنهي عن المنكر واجتنابه. (1/45)
صفحة 46
[صفحة بيضاء] (1/46)
صفحة 47
رقم الإيداع بدار الكتب 4120 لسنة 1980 (1/47)
صفحة 48
مطابع سجل العرب
شارع عماد العربي / القاهرة ت 932706 (1/48)