صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: عمان والحركة الإباضية
المؤلف: محمد قرقش
كلمة: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: مكتبة مسقط
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1415ه/ 1994م
الطبعة: 2
الإيداع القانوني: 94/103
الكلمات الدالة: تاريخ الإباضية، أصول فرقة الإباضية، المذهب الإباضي، المذاهب الإسلامية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=124&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/86
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 23 شعبان 1446ه/ 22 - شهر 02 - 2025م. عُمان والحركة الإباضية
تأليف
د. محمد قرقش
الناشر
مكتبة مسقط (1/1)
صفحة 2
ـــــان
والحركة الإباضية
تأليف د. محمد قرقش
الطبعة الثانية 1415 هـ ـ 1994 م (1/2)
صفحة 3
حقوق الطبع محفوظة
مكتبة مسقط ص. ب: 2658 روي الرمز البريدي: 112 سلطنة عُمان (1/3)
صفحة 4
بسم
الله الرحمن الرحيم
«وإنّ هذه أمتكُم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون».
سورة المؤمنون: الآية (52) (1/4)
صفحة 5
تصدير
تفتقر مكتبة البحث التاريخي، العربية خاصة والعالمية عامة. إلى دراسات تاريخية عن قضية الأباضية في التاريخ. وأمام الإنتاج الهائل الذي أفرزته العقلية العلمية التاريخية في الآونة الأخيرة، في كافة مجالات التاريخ وفروعه. لم نجد أمامنا سوى أبحاث قليلة جادة. لأفراد قليلين حول هذا الأمر.
ويبدو أن هؤلاء الباحثين تكبدوا المشاق في سبيل جمع أوراق التاريخ الأباضي القليلة والمتناثرة، بين مصادر التاريخ الأخرى رغم أن الأبحاث التي قدموها تحمل في الغالب عناوين تشير إلى فترات زمنية واسعة لأبحاثهم)
(1)
محمد عوض خليفات (دكتور). نشأة الحركة الأباضية. الجامعة الأردنية، سنة، 1978 م. طالب هاشم الأباضية في المشرق العربي. نشأتها وتطورها حتى القرن الثالث الهجري. رسالة
مهدي
ماجستير نشرت في 1977 م.
ه عمر بن الحاج محمد صالح با دراسة في الفكر الأباضي. رسالة ماجستير. نيودلهي. نشرت سنة مسقط. م.
1986 (1/5)
صفحة 6
وبدأت تلك الصورة تتبدل. منذ بداية العقد الثامن من هذا القرن. ذلك لأننا فوجئنا بقيام وزارة خاصة في سلطنة عمان لهذا الغرض تحت اسم " وزارة التراث القومي والثقافة»، وبدأت هذه الوزارة تقدم كل عام عشرات الكتب في سبيل جمع الشتات من مؤلفات الأباضية وتراثها. وبذلت جهوداً كبيرة في سبيل إزالة الغبار عن مخطوطاتها. مما زاد الأمر جهداً للباحثين أمام هذا الكم الضخم من إصدارات الوزارة. كما أن هذا الكم تميز بسمة جديدة، وهي أن تلك الإصدارات لم تكن متخصصة في الغالب في مجال التاريخ. فهي تحمل عناوين تدل على محتوياتها الشاملة لجوانب عديدة في المجتمع الأباضي وتنظيمه مثل: جامع، سير. ديوان. أخبار، قصص. ويحتاج هذا الأمر إلى جهد من قبل الباحثين في سبيل استخلاص المسيرة التاريخية للحركة الأباضية من بين هذا الركام الكبير في صورته الحديثة.
وفي سبيل إعادة تصحيح العلاقة بين الأباضية وبين التاريخ الإسلامي ومسيرته (2)، كان لابد علينا أن نتحقق من التهم التي علقت بها في الماضي، بعد أن قدمت الأباضية، حالياً، أدلتها التي ستدخل بها محكمة المنهج التاريخي الحديث وتعيد وضعها التاريخي السليم، في
ظل مصادرها ومصادر الأطراف الأخرى المتعلقة بها.
(2) هذا، وقد عقدت في جامعة السلطان قابوس ندوة عالمية بعنوان «ندوة الفقة الإسلامي» في يوم 1988/ 4/9 م حضرها وفود من أكثر من أربعين دولة إسلامية. وألقى الشيخ جاد الحق علي. جاد الحق. شيخ الجامع الأزهر كلمة الافتتاح باسم الوفود. (1/6)
صفحة 7
سلطنة عمان
وزارة العدل والاوقاف والشؤون الاسلامية
SULTANATE OF OMAN
MINISTRY OF JUSTICE,
AWQAF & ISLAMIC AFFAIRS
الرقم
التاريخ
1
1
1
140 هـ
/ 198 م
كلمة مدير عام الشؤون الإسلامية.
AH.
A. D.
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه ومن والاه وبعد:
No.
Date
فليس بخاف ان الحديث أو الكتابة عن الفرق والمذاهب الاسلاميه لم يكن بالأمر الهين، إذ انه يحتاج إلى تجرد من الهوى والتعصب اللذين استحكما في كثير من الكتاب الذين كتبوا في هذا
المحال في القديم والحديث بيد ان الاستاذ الفاضل/ محمد قرقش في كتابه القيم
هذا عن المذهب الرياضي قد التزم الانصاف إلى حد كبير، ولا عزو في ذلك وليس بدعا من الأمر ان يكون المذكور على هذا المستوى من المسئولية العلميه فهو
ذو افق بعيد وتفتح في الفكر، كما ان وجوده في "سلطنة عمان» مكنه من الوصول الى الحقيقة العلمية حيث اتصل بصورة مستمرة برحال المذهب وعلمائه ومفكريه وعاش عن كتب من مكتباتهم العامرة قارة وستفسرا وباحثا، اضافة إلى ما كان يتحلى به من (1/7)
صفحة 8
SULTANATE OF OMAN MINISTRY OF JUSTICE,
AWQAF & ISLAMIC AFFAIRS
No.
Date
A. H.
AD.
سلطنة عمان
وزارة العدل والاوقاف والشؤون الاسلامية
الرقم
A 12.
التاريخ
/ 198 م
روح
علميه موضوعيه، وقد عرفت ذلك عنه اثناء
اتصاله المستمر فيه بنا عند اعداده لهذا البحث القيم المفيد، فجاء كتابه «عمال والحركة الرياضية)) دليلا حيا وشاهدا قويا على عظمة الفكر الأباضي
وسمو سلوك اهل الاستقامة،
والله نسأل ان يجعله رسول الحقيقة العلمية
إلى القراء والباحثين
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه.
احمد بن سعود السيابي
مسقط 86 تصان 51410
19 مارس 1990 م (1/8)
صفحة 9
مقدمة
حفلت صفحات التاريخ الإسلامي، وفهارس كتبه. بقضايا التمرد والثورة والخروج. حتى أن هذه السمة ظهرت بين مؤلفات الجماعة الواحدة. فيما بعد. وقد بدأت تلك الظاهرة منذ البداية. فلم يكد يتوفى الرسول (صلى الله عليه وسلم) حتى وقع الاختلاف بين المهاجرين والأنصار في السقيفة، حول من يخلف الرسول في قيادة الدولة الجديدة، في الوقت الذي لم يدفن فيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد. وبعد المداولات الطويلة بين الطرفين، استقر الأمر للمهاجرين، ثم لأبي بكر، حتى اعتبر البعض هذه اللحظات فلتة (1).
يوم
على أن أهم العصور في تلك الصفحات، كانت سنوات الخليفة عثمان بن عفان، فقد رفض سياسته بعض الصحابة. وثاروا عليه، في مركز الدولة بالمدينة، وقدم الثوار من الأمصار. مطالبين بتصحيح الأوضاع في بلدانهم. وتشابكت خيوط المعارضة حول الخليفة وأودت بحياته. داخل بيته، بعد حصار طويل وهي أول نكبة تحل بخليفة بهذه الصورة الواضحة والقاسية وبويع علي ليكون الخليفة الجديد الذي بدأت تتطلع إليه الأنظار، في سبيل إعادة الأمور إلى نصابها. ويبدو أن حادثة مقتل الخليفة عثمان، قد فجرت براكين من الثورات والتيارات بدأت تحتل الصدارة في برامج عمل الخليفة الجديد، وسيطرت دون أن يدري على عصره وأدت، دون إرادته. إلى نهايته. وقد وضع معظم الباحثين (2)، في تلك الفترة، الإمام علي على رأس التيار الإسلامي
-9_ (1/9)
صفحة 10
السلفي. في مواجهة التيار العصبي الذي اعتبر مقتل الخليفة عثمان مصيبة لا يمكن التهاون فيها أو السكوت عنها، وبدأ يفتش هذا التيار الأخير عن أساليب مناسبة للإنتقام.
ورغم ذلك، فإن المتتبع للأحداث وحلقاتها، يجد أن الإمام علي. لم ينجح في التحكم في زمام تياره فتقاذفته أمواجه. ذلك أن الأيام الأولى لخلافته شهدت حدثا جديدا لم يكن متوقعا. حينما خرج عليه: عائشة وطلحة والزبير وتشابكت سواعد الصحابة وحطمت سيوفهم بعضها البعض فيما عرف بيوم الجمل.
وبينما كانت تلك التطورات، يتعرض لها الخليفة الجديد، كان هناك واليا على الشام، هو) معاوية بن أبي سفيان (يشمر سواعده، ويشحذ سيفه وذهنه مترقبا أخبار المدينة. ونتائج يوم الجمل. وكان هذا الرجل يستند على رصيد كبير يؤهله، لأدوار كبرى. فهو قرشي. ومن أهم بيوتات قريش، البيت الذي فقد بالأمس خليفة من رجاله، كما أنه صحابي. ومن كتبة الوحي أو الرسول (3)، وتلتف حوله سيوف أهل الشام التي لا تعرف غيره أمرا لها.
وبدأت سيوف الطرفين تتجه صوب الطرف الآخر، فمن جنوب العراق، توجه الإمام علي بجيشه، أملاً في رد هذا الوالي العاصي، في الوقت نفسه بدأت القوات الشامية في التحرك شرقا لملاقاة جيوش الإمام وبدأت سلسلة أحداث حرب صفين المريرة، التي أثرت في توجهات التاريخ الإسلامي، في ما بعد، واعتبرت بداية لكثير من الإنقسامات.
كان الخليفة الجديد واثقا من قوته وقضيته أمام معاوية، ولكن مجريات الحرب ألقت به بين أمواج متلاطمة، ذلك أن جنده الذين تحركوا معه من العراق، خرجوا معه متحابين. أصبحوا متباغضين. فقد تمكن معاوية من التوصل إلى مكيدة بناء على نصيحة مساعده، عمرو بن العاص. تمكن بها من خلق هذا الجوبين جند الإمام. إذ أنه أحس بأن اتجاه الحرب ليست في صالحه. فأمر جنده برفع المصاحف على أسنة الرماح، طلبا من الطرف الآخر، أن يجلس معه حول القرآن للتوصل إلى حل. وكانت خدعة أودت بإمكانيات الإما
ودوى شعار: «لا حكم إلا لله» بين بعض المقاتلين. ولم يكن أحد يدري أن هذا سيقدر له أن يكون بداية لتيار سياسي مستقل، ما زال حتى الآن، ذلك أن أصحاب هذا الشعار. وهم أصدقاء الإمام بالأمس، أصبحوا أعداءه اليوم، وتحركوا إلى موقع جديد لبناء نظام قذ يخرج المسلمين من الإنقسام والضياع، فانتخبوا لهم إماما ووجهوا الدعوة للمسلمين، حتى إمامهم بالأمس نصحوه بأن يندرج تحت إمامهم. حينما أرسل إليهم بأنه اقتنع بآرائهم وأنه خارج لحرب معاوية. أطلق المؤرخون، قديماً وحديثاً أسماء عديدة على تلك الجماعة منها المحكمة، الحرورية، أهل النهروان، الوهبية، الخوارج، ويعد اللقب الأخير أكثرها شيوعا بين جمهور المؤرخين في الشرق والغرب، ففي الوقت الذي يحس فيه الباحث أن بعض المصادر القديمة التي تمسكت بهذا اللقب كان هدفها الإساءة إلى تلك الجماعة عند عامة المسلمين. قبلت فرقها هذا اللقب على أساس أنه يعني الخروج في سبيل الحق والعدل ... . وَمَنْ يَخْرُج مِنْ بَيْتِهِ مُهاجرا إلى الله ورَسُولِهِ ثُمَ يُدْرِكَهُ المَوت فقد وقَعَ أَجْرُه على الله ... » (4). (1/10)
صفحة 11
وظلت هذه الجماعة تشعر تجاه هذا اللقب بالثقة حتى ارتبطت به أعمال عنف لا ترتبط بالشرع الإسلامي، فبدأت بعض فرق المحكمة تتحفظ عليه ومنها الأباضية (9). بدأ الإمام (علي) يحاول ضم الجماعة من جديد، وجمع شمل رفاقه بالأمس، لكنهم رفضوا ذلك، بعد أن ظهرت إلى الوجود قيام إمامة حسب. ما يقتضيه الشرع بعد أحداث صفين وترتب على ذلك توتر بين الطرفين، أصدقاء الأمس. فوقعت بينهما معركة شديدة، أتت على جماعة المحكمة بالهزيمة القاسية. وإذا كانت صفين قد أثرت في توجهات الأحداث للمسلمين فيما بعد. فإن النهروان بدأت هي الأخرى تتحكم في مسار جماعتها بعد ذلك.
•
ذلك أن أحد رجالاتها الناجين، وهو أبو بلال مرداس، ازداد إصراراً على مبادئه، ولكن بأسلوب جديد يتناسب مع ظروفه فتسلل إلى البصرة وأخذ ينشر أفكاره بين الناس خفية، وكانت تلك المرحلة بداية جديدة لرحلة كفاح المحكمة، حيث انتشرت أفكارهم، وترسخت مبادئهم وخاصة بين قطاعات كثيرة من المسلمين، وفي مناطق متنوعة من العالم الإسلامي وانضم إليهم الكثير من العلماء وزعماء القبائل، وكان من بين هؤلاء جابر بن زيد، وعبد الله بن أباض. اللذان أثرا في مسيرة الحركة في الربع الأخير من القرن الأول الهجري. ولما توفى أبو بلال. بدأ الإنقسام بين رجاله حول الأسلوب الأمثل لتطبيق أفكارهم، فوقع الإنقسام سنة 64 هجرية / 683. م، وتعددت الفرق ومنها الأباضية. ومثلت البصرة، المدينة المتلاطمة الأمواج والمختلفة الأهواء قاعدة ثابتة لجماعة المحكمة وخاصة الأباضية، حتى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي. وتربى في كنفها أئمة الحركة فيما بعد وأعداد كثيرة من الدعاة وحملة العلم.
ويبدو أن فرقة الأباضية، كإحدى فرق المحكمة، كانت أكثر من زميلاتها إدراكا لتطورات التاريخ الإسلامي، وأقدر من غيرها على التكيف مع المتطلبات الجديدة. كما كانت أوسعها انتشارا في شتى أرجاء العالم الإسلامي، مشرقه ومغربه، حتى ظهر لها أكثر من أربع إمامات في مناطق متعددة من العالم الإسلامي (6)، وفي فترة زمنية متقاربة.
كانت تلك الجماعة تقوم على تخطيط وتنظيم دقيق، ينبع في المركز، ويظهر أثاره في أطراف العالم الإسلامي، وتمكن هذا التنظيم، الذي اتخذ البصرة نقطة له، أن يربط أتباعه في عمان. وفي الحجاز، وفي حضرموت، وفي اليمن، وفي بلاد المغرب، وفي خراسان، برباط قوي منظم. وأصبحت العلاقة بين الإمام وحملة علمه في الأمصار علاقة الرأس بالجسد الواحد. بحيث كانت قيادة البصرة ملجأ لجميع الأتباع.
واحتلت عمان، مكانتها المميزة في هذا الجسد الدقيق، أفرادا، وزعامات، وقبائل، ومكنتها ظروفها الطبيعية والاقتصادية والبشرية أن ترث زعامة الأباضية، وأن تكون قلعة للجماعة ومكانا متمسكاً بأفكارها، حتى أصبحت كلمة الأباضية، مرتبطة في أذهان الناس، بعمان، حتى
-11 - (1/11)
صفحة 12
الوقت الحاضر. كما يبدو أن الفكر الأباضي تجسد بوضوح في سلوك سكانها وأفكارهم، دون أن يتكلفوا في ذلك.
ولما كانت الدراسات، القليلة، التي اتجهت إلى حقل تلك الجماعة قد ارتبطت بفترات زمنية طويلة، أو تناولتها بصورة عامة، فإننا تخيرنا فترة زمنية هامة في تاريخ الجماعة وفي أهم معاقلها، وجعلناها عنواناً لموضوع بحثنا: «الأباضية في عمان، منذ نشأتها حتى سقوط الإمامة الأولى سنة 134 هـ / 751 م. . ونظراً للترابط التاريخي التام بين تلك الفترة وبين أحداث صفين، وترابطها التام، جغرافياً، مع البصرة فإننا أفردنا لذلك الفصل الأول بعنوان: «الأصول التاريخية للفرقة الأباضية».
وجاء الفصل الثاني، من الفصول الخمسة موضحاً لبدايات الحركة الأباضية في عمان وتناولت فيه الجوانب التالية: انتشار الدعوة بين أهل عمان، وعلاقة أزد عمان بالدعوة، وهي أهم القبائل بها مكانة وعدداً، ثم عوامل نجاح الجركة في عمان وأخيراً تحدثت عن دور جابر بن زيد، العماني المولد، والبصري الشهرة، ومؤسس الحركة الأول، في نشر أفكاره بين أهل عمان في البصرة، ثم بين أهل عمان.
ولما كانت السلطة الأموية ساهرة على متابعة معارضيها شديدة في معاملتهم، فقد أفردنا لذلك فصلاً، وهو الثالث بعنوان: «السياسة الأموية مع أباضية عمان» وتعرضت فيه إلى سياسة عبيد الله بن زياد، وهي امتداد لسياسة والده بالمنطقة، ثم سياسة الحجاج بن يوسف الثقفي في البصرة، وفي عمان. وجعلت بين الوانيين الأمويين دراسة الشخصية هامة لعبت دوراً واضحاً في تلك العلاقات وهو عبد الله بن أباض، الذي نسبت إليه الجماعة. ولما كانت قبائل الأزد العمانية، قد ركنت إليها الخلافة الأموية في بعض مهام المشرق الإسلامي، نظراً لكفاءتها وخفة حركتها بزعامة قائدها المهلب بن أبي صفرة، فإننا قد وضحنا جوانب لعلاقتها بالتنظيم ونجاحه. وأخيراً تتبعنا بسرعة وضع أباضية عمان خلال نهاية الدولة الأموية. أما الفصل الرابع فجاء مستقلاً بإمامة الجلندى بن مسعود سنة 132 هـ / 749 م من حيث ظروف قيامها، وانتخاب الجلندى بن مسعود من قبل أباضية عمان، ثم تحدثت عن النتائج التي ترتبت على قيام الحركة الأباضية في عمان وخارجها، وأخيراً التنظيمات الإدارية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية التي وضعتها الإمامة الأباضية في عمان.
ولما كان ميلاد الإمامة الأباضية، قد وقع بين عصرين إسلاميين، وهما: العصر الأموي، ثم العصر العباسي، فإننا قد أفردنا الفصل الخامس والأخير عن علاقة العصر الجديد بالأباضية في عمان. وتحدثنا فيه عن سياسة العباسيين تجاه المشرق والخليج العربي ثم الإصطدام الذي وقع في معركة جلفار الأولى سنة 134 هجرية / 751 م بين الأباضية وبين الصفرية، والمعركة التي نشبت بين العباسيين والأباضية وهي معركة جلفار الثانية، في الوقت الذي لم تمض فيه ساعات على جلفار الأولى. وأخيراً تحدثت عن عمان بعد زوال الإمامة الأولى حتى الإمامة الثانية مكتفياً بعصر كل إمام على حدة.
- 12 (1/12)
صفحة 13
ولا يفوتني أن أتقدم بخالص شكري وتقديري إلى كل من ساعدني في إنجاز هذا البحث منذ أن كان فكرة حتى خرج إلى حيز الواقع. وعلى رأس هؤلاء، الأستاذ الدكتور / أحمد عبد الحميد
الشامي،، على ما شملني به من توجيهات وإرشادات صائبة أثرت في إخراج هذا العمل. كما أتقدم بالشكر إلى الأفاضل الشيوخ في سلطنة عمان على ما قدموه لنا من معلومات وتفسيرات. وأخص بالذكر سماحة الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي، مفتي عام السلطنة على ما قدمه لنا من عون في عملنا. وإلى الفاضل / أحمد بن سعود السيابي، مدير عام الشؤون الإسلامية بوزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية بسلطنة عمان. وإلى الشيخ / سالم بن حمد الحارثي، قاضي محكمة القابل بالمنطقة الوسطى بسلطنة عمان، وإلى موظفي دار الوثائق والمخطوطات بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، وكذلك إلى أمناء المكتبات ودور الوثائق بمصر، لما قدموه لنا من مساعدات كان لها الأثر الكبير في الحصول على متطلبات بحثنا.
(1) البلاذري، أحمد بن يحيى. ت 279 هـ / 892 م، أنساب الاشراف، ج 1، تحقيق الدكتور محمد حميدالله. 581 - 585، دار المعارف، القاهرة. 1976 م.
-
ص
(2) إبراهيم بيضون (دكتور) التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، ص 121، بيروت، 1979 م. إبراهيم الشريف (دكتور). دور الحجاز في الحياة السياسية العامة في القرنين الأول والثاني الهجريين. ص 339. القاهرة. 1969 م. (3) حتى أن ابن عبد ربه. يروي في عقده الفريد، عن معاوية قوله، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال له: «إذا ملكت فاحسن يا معاوية» ومنذ ذلك الحين وهو يطلب الخلافة.
أحمد بن محمد العقد الفريد. مجلد 3. ج. . ص 106، تحقيق محمد سعيد العريان.
ابن عبد ربه. القاهرة. 1953 م.
(4) القرآن الكريم. سورة النساء. أية 100.
(2) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي، وهو مؤرخ أباضي معاصر. يعمل الآن قاضيا بالمنطقة الوسطى بعمان. في يناير سنة.1988 م
-
مقابلة
الخليلي. بمسجد قابوس بروي. فبراير 1986 م. سماحة مفتي السلطنة أحمد بن حمد مع حديث مع الفاضل / أحمد بن سعود السيابي، مدير عام الشؤون الإسلامية بوزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية. وهو محقق أيضا. فبراير مارس 1986 م ابريل 1988 م. (6) في حضرموت. واليمن. وفي عمان، وفي طرابلس، وفي تاهرت بالمغرب الأوسط.
- 13 (1/13)
صفحة 14
تقييم المصادر
أهملت المصادر التاريخية، عامة، تاريخ الأباضية، ولم نجد لها ذكر سوى في بضع سطور في كتب الفرق باعتبارها إحدى فرق المحكمة أو الخوارج. ويرجع هذا الأمر إلى أن معظم أصحاب هذه المصادر كانوا يؤرخون للحكومات الإسلامية. وكانت الأباضية من الجماعات الخارجة عنها. كما يرجع هذا الأمر إلى جهل البعض الآخر عن تتبع تاريخ الحركة وقلة معلوماتهم عنها. خاصة وأن الأباضية قد التزمت منذ بدايتها في البصرة بالسرية التامة، أو التقية الدينية، التي تبناها أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، ثم جابر بن زيد، ثم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ومن
جاء بعدهم.
ورغم وجود معلومات كثيرة عن فرق إسلامية أخرى تبنت سياسة السرية أو التقية مثل فرق الشيعة، إلا أن الندرة الشديدة في معلوماتنا عن الأباضية كانت بسبب عدم اهتمام علماء الحركة بالجوانب التي تشير إلى علاقاتها مع الفرق الأخرى أو الدول، ولذلك لم تحمل لنا القرون
الأولى من تاريخ الأباضية أي مؤلف مستقل يغنينا عن البحث عن تاريخها وعلاقاتها.
بل أن المصادر الأباضية هي الأخرى تحتاج إلى جهد كبير، في سبيل استخلاص مسيرة الحركة الأباضية منذ بداينها. ذلك لأنها اهتمت بالجوانب الفقهية التي تتعلق بمبادئها
_10_ (1/15)
صفحة 15
ومواقفها، في محاولة للحفاظ على نهجها وسط التيارات الأخرى وتوريثها لأتباعها جيلاً بعد جيل، ومن هنا أهملت الجوانب السياسية في التاريخ الأباضي، وأصبح لزاماً على الباحث عن أن يفتش عليها بين صفحات كتب الفقه الأباضي والسير الأباضية.
وتعاني الفترة الأولى من تاريخ الأباضية من نقص في مصادرها عامة، ذلك لأن مراكز الأباضية في المغرب قد تميزت باهتمامها بأخبار الحركة في بلاد المغرب، ومع ذلك قدمت بعض المعلومات عن تاريخ الأباضية في المشرق خاصة في البصرة، كمقدمة لكتاباتها، وخاصة فيما يتعلق بذكر روادها الأوائل. وهي معلومات هامة في تأسيس الجذور الأولى للأباضية عامة. أما عمان، فبالرغم من دورها الهام في تاريخ الأباضية، قديماً وحديثاً، فإنها تعاني هي الأخرى من قلة الدراسات التاريخية المتعلقة بتاريخها الكبير في الحركة. ذلك أن عمان أصبحت إقليماً متمرداً، في نظر الإدارة المركزية عند الأمويين، وعند العباسيين، بالرغم من نجاح الخلافتين في ضم عمان إلى إدارتهما لفترات متقطعة من التاريخ. وبدأت الكتابات تشير بصورة غير واضحة وغير صادقة أحياناً للأوضاع في عمان.
وفي الوقت نفسه بدأت الأوضاع الفكرية في عمان تنغلق على نفسها وظهرت مراكز في صحار ونزوى والرستاق، تصور لنا صوراً شتى من حياة شعبها وأهم القضايا التي تواجهه داخلياً، وترتبط بخيوط سرية مع مراكز فكرية خارج حدودها تشمل مراكز الأباضية في البصرة، أو في بلاد اليمن وحضرموت أو في بلاد المغرب. وتتسم هذه الصور بالتركيز على الجانب الفقهي في الشريعة الإسلامية، إذ غالباً ما تكون في شكل رسائل متبادلة بين الرعية والعلماء لتفسير إحدى القضايا الفقهية أو الأمور الحياتية بصورة فقهية.
***
من هنا كان لزاماً علينا أن نسعى جاهدين نحو لملمة كل ما يتصل بعمان في العصر الأموي داخلياً وخارجياً واعتمدنا في سبيل ذلك على مصادر متنوعة ومختلفة، يمكن أن نقسمها إلى
ثلاثة أقسام رئيسية هي:
أولاً: المصادر الأباضية والمحلية
وقد استفدنا من مخطوطات أباضية في دار الكتب المصرية، كما تمكنا بسبب وجودنا لفترة طويلة في عمان من التوصل إلى مخطوطات هامة ومصادر متنوعة سواء من أصحابها أو من قبل وزارة التراث القومي والثقافة. التي تعمل جهدها في سبيل نشر وتحقيق العديد من تراث بلدها عاما بعد عام، وهي تشرف على هيئة خاصة بالمخطوطات تسمى دار الوثائق والمخطوطات، وهي إدارة مستقلة داخل الوزارة. ومن أهم هذه المخطوطات والمصادر ما يلي:
1 - السير والجوابات: وهي عبارة عن مخطوط كبير يقع في حوالي ستمائة صفحة من القطع الكبير، وقد حصلت عليه بواسطة مفتي عام السلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وقد قامت الأستاذة الدكتورة / سيدة إسماعيل الكاشف بتحقيق قسم كبير من هذه السير (18
-17 - (1/16)
صفحة 16
سيرة)، صدر في مجلد عن طريق وزارة التراث القومي والثقافة سنة 1986. ولكننا أفدنا من م. القسم المخطوط حيث يضم رسالة عبدالله بن أباض بين صفحاته، كما أفدنا من القسم الذي تم
تحقيقه.
والمخطوط كله يحتوي على 34 سيرة. ومكتوب بخط النسخ العادي مع اختلاف في الخطوط، ولم نعثر فيه على اسم الناسخ ولكن إشارة في نهاية الموازنة بنهاية المخطوط تفيد أنه لأبي. محمد عبدالله ابن بركة العماني. وتم نسخه عشية الثلاثاء السابع عشر من جمادي الأولى سنة 1009 هجرية / 1600 م، وقد كتب المخطوط في ورق عرضه در 20 سم وطوله 30 سم وعدد سطوره (18000) سطراً في الأغلب مع ترك هوامش كبيرة على الجانبين. وقد اعتمدنا عليه في تتبع أخبار الإمامة وشروطها ونظامها وواجبات الأئمة وجوانب كثيرة من حياة أهل عمان والأباضية عامة.
2 ـ كتاب الإهتداء: وهو عبارة عن مجموعة أخرى من سير الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأئمة وعلماء عمان. تأليف العالم أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي النزواني. وقد حققته الأستاذة الدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف، وصدر عن وزارة التراث القومي والثقافة بعمان سنة 1985. م. وهو عبارة عن سير متعددة وأحكام يرجع سبب تأليف الشيخ أبي بكر الكندي لكتابه هذا حسب اعترافه، ما وجد عليه الأباضية في عمان من الإختلاف، وخاصة حول مسألة الإمامة. ولذلك تدور معظم صفحات الكتاب حول أفكار ما أقدم عليه موسى بن أبي
موسى من عزل الصلت بن مالك وتقديم راشد بن النظر إماماً.
وقد استفدنا من الكتاب تقسيمه للآراء التي تسود بين علماء عمان حول نظرته للإمامة.
كما أورد المؤلف لنا أبواباً ثابتة في الإمامة وسبب وجوبها وحقوق وواجبات الإمام. ـ كما ألحق بهذا الكتاب صلة بعنوان «المنتخب من سير الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأئمة عمان»، وهو عبارة عن سير أبي بكر أحمد بن محمد وسيرة إقرار الإمام محمد بن أبي غسان، وسيرة عبد الرحمن محمد بن موسى. كما تضمن رسالة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى أهل البحرين، وهي أول نص بين المخطوطات والمصادر (1).
م.
4 ـ كتاب ابن سلام الأباضي: الذي ظهر أخيرا بعنوان «الإسلام وتاريخه من وجهة نظر أباضية» وحققه ر. ف. شقارتر وسالم بن يعقوب. وصدرت الطبعة الأولى منه سنة 1985 فهو يعد من أهم كتب الأباضية وأقدمها وعلى وجه الخصوص (أباضية المغرب). ويرجع الفضل في ذكر أول نبأ عنه إلى المؤرخ الأباضي أبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي (ت 1028 هجرية / 1522 م). فقد ذكر في كتابه المسمى «بالسير» عدة روايات مأخوذة من كتاب «ابن سلام» تتناول تاريخ الدعوة الأباضية في شمال افريقية ومن خلالها عرفنا أيضاً أن ابن سلام عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.
وأول من أشار من الباحثين المعاصرين إلى أهمية ابن سلام كأقدم مؤرخي الأباضية هو العالم البولندي تاديوس ليفسكي Lewicki . عدا ذلك فإن كتاب ابن سلام كان يعد من
- IV_ (1/17)
صفحة 17
المفقودات حتى تم اكتشاف المخطوط سنة 1964 م. وهو يحتوي على نص الكتاب أو على الأقل
جل نصه. وقد تم اكتشاف الكتاب على يد العالم الشيخ سالم بن يعقوب الجربي، في إطار بحثه الموسع عن التراث الأباضي في مكتبة البعطور في حومة والغ الواقعة في جزيرة جربة بتونس (2) وقد مهد الشيخ سالم بن يعقوب لنشر هذا الكتاب، كما اشترك في بعض التحقيقات
المتعلقة
به.
ولا يعتبر كتاب ابن سلام أقدم ما كتب عن تاريخ الأباضية فحسب، بل هو أقدم مؤلف تاريخي للمغرب الإسلامي بأسره، وأقدم المؤرخين الأفارقة. وبالإضافة إلى ذلك فإن قيمة هذا الكتاب تتمثل في أنه يعتبر من المحاولات الأولى لغير العرب، أو بالأحرى لسكان البلاد الأصليين لوصف أسس الحياة الدينية.
ويحتل هذا الكتاب أهمية كبرى لمضمونه وقدمه، فقد كتب سنة 273 هجرية / 886 887 م. وبمجرد أن يطلع الباحث على صفحات الكتاب يتكون لديه انطباع بأنه مجموعة نصوص ناقصة، ويتكون النص في صورته الحالية من أربعة أقسام هي:
القسم الأول: التعريف بأسس العقيدة الإسلامية وما يميز المؤمنين الحقيقيين عن غيرهم. كما يشير إلى مجموعة من الصحابة الذين جعل حياتهم المثل الأعلى. ويورد كثيراً من الأحاديث النبوية التي تسند إلى عبدالله بن مسعود، وعبد الله بن العباس، والحسن البصري.
أما القسم الثاني: فقد عرض للتشريع الديني الذي ينظم حياة الفرد الدينية، وحياة المجتمع الإسلامي ويأتي هذا التعريف بالفئات المختلفة من المحدثين ومن أهل الكتاب. أما القسمان الثالث والرابع: فقد احتوى الثالث منهما على توضيح لجور وظلم الأمويين والعباسيين من وجهة نظر الأباضية. وجاء القسم الرابع عارضاً لذكر علماء المذهب الأباضي وفقهائه وزعمائه بالمشرق ومصر وأخبار الأئمة الأباضية خاصة الرستميين.
حسب
الموضوعات
وقد أضاف إلينا الكتاب معلومات جديدة عن زعماء الأباضية ومشايخ المسلمين الأوائل في البصرة، وخاصة تفصيله لسنة وفاة جابر بن زيد (3)، وآراء معاصريه فيه. كما فسر موقف الأباضية تجاه القضايا التي مرت بالمسلمين. وجاء تحقيق الكتاب بصورة متسلسلة. التي قدمها المؤلف. على أن أهم ما يميز هذا الكتاب، في حجمه الصغير، احتوائه على بيانات وأدلة قوية في عرضه للحقائق التاريخية. فقد أورد لنا قائمة بفقهاء الأباضية في قلة وهم خمسون ومائة رجل خمسة وعشرون من أهل عمان. وقد حدد المكان الذي يلتقي فيه أتباع الدعوة بفقهائها في مكة، خلف الجمرة بمنى أيام التشريق. وقد استقى رواياته من أبي حماد النفوسي، وهو رجل عالم لقى حجاج عمان أيام منى في تلك الأماكن، وقد أخذ عنه هذه الرواية سنة 273 هجرية / 886 م في جندوبة (4).
منهم
-14 - (1/18)
صفحة 18
ه ـ كتاب السيرة وأخبار الأئمة: لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر الورجلاني، المتوفي في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي. وقد عاش أبو زكريا في ورجلان (4)، التي كانت تابعة للإمامة الرستمية في المغرب الأوسط ويعتبر الكتاب من أقدم المؤلفات الأباضية في شمال إفريقية، ويبدو أنه كان قريباً من الأحداث الأخيرة وأصبح هذا المصدر مرجعاً هاماً لكثير من المؤلفين الأباضية المتأخرين مثل الدرجيني والشماخي وغيرهما.
ويظهر أن الورجلاني كان مهتماً بالفرس، وهي القومية التي ينتمي إليها الرستميون. فقد أورد كثيراً من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يمجد فيها الفرس ويشيد بدورهم في نصرة الإسلام. وقد كانت المعلومات المتوفرة في هذا المصدر المبكر قليلة بالنسبة لقضايا وموضوعات بحثنا خاصة عن التنظيمات الأباضية المبكرة في البصرة. ولكنه أشار إلى أسماء هامة تعتبر رواداً للأباضية في شمال إفريقية وكانت لها علاقات بالبصرة. وقد اعتمدت على آخر طبعة منه. وهي التي حققها عبد الرحمن أيوب سنة 1985 م. وقد أشار إلى وجود محاولات تحقيق سابقة من قبل أحد المستشرقين وهو بوسترو Bossoutro .
6 ـ كتاب الأنساب: فقد اعتمدت على مصدر هام في هذا المجال وهو سلمة بن مسلمة العوتبي، عاش في القرن الخامس الهجري في كتابه «موضح الأنساب» وقد ظل الكتاب في صورة مخطوط حتى فترة قريبة، حيث قامت وزارة التراث القومي والثقافة (1) بنشره من جديد في جزأين: الأول صدر عام 1982 م. والثاني عام 1984 م. ويبدو أن أهمية الكتاب تستند على معلومات العوتبي الموثقة.
عاش العوتبي في أحد أحياء، صحار، ورجح المحققون والباحثون وعلماء عمان المعاصرون (7)، أنه عاش في القرن الخامس الهجري، حيث أنه أسند رواياته إلى رواة حتى نهاية القرن الرابع الهجري. وبرغم نية العوتبي في تأليف كتابه في ذكر الأنساب العربية عامة، كما أوضح ذلك في مقدمة الجزء الأول، فبدأ بذكر بدأ الخلق والملائكة ثم قصة سيدنا آدم وأولاده. ثم بدأ بتتبع عناصرهم، إلا انه ركز بشكل واضح وملفت للنظر على القبائل القحطانية وخاصة قبيلة الأزد حيث فصل لأزد السراة، وأزد شنوءة (8).
أما أزد عمان فقد جاءت صفحات القسم الثاني من كتابه تفصل فروعها وبيوتاتها وأهم شخصياتها. وقدم صورة كاملة عن انتقال الأزد من اليمن وتفرقهم في البلاد خاصة أزد عمان. حيث قدم صورة كاملة لتحركات مالك بن فهم (1) وخروجه من اليمن بجموعه ثم اتجاهه شمالاً إلى الحجاز وعودته ثانية إلى دخول عمان من أرض الجنوب، وقدم وصفاً تفصيلياً شائقاً لتلك الرحلة الطويلة. ثم استعرض بالتفصيل تاريخ مالك بن فهم بن بداية من حربة ضد الفرس وانتصاره عليهم في معركة سلوت (10)، شمال عمان، وتتبع أولاده بما فيهم سليمة الذي اتجه إلى الساحل الآخر من الخليج في أرض مكران. انفرد العوتبي بذكر أحدات خاصة عن انتشار الأزد من أهل عمان على سواحل الخليج العربية الشمالية خاصة مع أحداث حملة عثمان بن أبي العاص زمن الخليفة عمر بن الخطاب،
-19_ (1/19)
صفحة 19
كما قدم العوتبي صورة كاملة وشاملة لأهم بيوتات أزد عمان، وهم آل المهلب منذ بداية العصر الإسلامي وحتى نهاية العصر العباسي مستعرضاً ما وقع بهم في المشرق الإسلامي.
ـ أما كتاب إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، لمؤلفه الشيخ سالم بن حمود السيابي، والذي طبع في دولة قطر سنة 1384 هجرية / 1864 م. فإنه قد أفادنا في توضيح الأنساب القبائل عمان في الفترة التاريخية الحديثة. فقد استعرض المؤلف في كتابه كافة القبائل التي تسكن عمان حالياً من خلال استعراضه للفرعين الكبيرين التي تندرج تحتها قبائل عمان وهما الفرع النزاري) الشمالي)، والفرع اليمني (عرب الجنوب). فاستعرض في القسم الأول الفرع النزاري، وفي القسم الثاني الفرع اليمني، وقد قدم المؤلف صورة حديثة عن آخر ما وصل بالقبائل الكبرى منذ بداية التاريخ الإسلامي، فقد تتبع نسب آل الجلندي في عمان حتى الوقت الحاضر وسماتهم الاجتماعية والحضارية.
- أما كتب الطبقات: فقد اعتمدنا على «طبقات الأباضية» لمؤلفه أبي العباس أحمد بن سعيد بن سليمان الدرجيني وقد عاش المؤلف في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي، وكان شاعراً وفقيها ومؤرخاً، وينتمي إلى أسرة تجارية تعيش في جبل نفوسة في ليبيا (11). وكان من فقهاء الأباضية وعلماء الحديث في تلك المنطقة، مما أتاح له الفرصة ليأخذ من العلم ما وسعه، وارتحل إلى أماكن متعددة من مواطن الأباضية في شمال إفريقية وفي عام (616 هجرية / 1219 ـ 1220 م) ارتحل إلى ورجلان حيث بقي هناك مدة سنتين تلقى خلالها العلوم والمعارف عن مشايخ الأباضية ثم رجع إلى بلاد الجريد واستقر في توزر (12)، حيث اتجه إلى دراسة التاريخ بعد عام 633 هجرية / 1235 م، ثم ارتحل إلى جزيرة جربة حيث أخذ عن مشايخها وأظهر نبوغاً وذكاء في العلوم المختلفة. وهناك كتب مؤلفه في طبقات الأباضية بناء على إشارة من مجلس العزابة (13) في جزيرة جربة.
وذكر البرادي الظروف التي أدت به للقيام بهذا العمل فقال: «ذكر لي بعض القرابة أن سبب تأليف أبي العباس هذا الكتاب لما وصل الحاج عيسى بن زكريا من بلاد عمان بما معه من الكتب التي ورد بها أرض المغرب كحل ابن وصاف وجامع الشيخ أبي الحسن وجامع ابن جعفر وغيره. فكان مما رغب فيه إخوانه أن قالوا له وجهوا لنا كتاباً يتضمن سير أوائلنا ومناقب أسلافنا. من أهل المغرب من لدن وقع فيه مذهبنا فإنه قد عميت علينا أنباؤهم وغابت عنا آثارهم من بعد المشقة، فشاء من بجربة يومئذ من العزابة والفقهاء ومن يشار إليه بالبنان إليه من الحذاق والنبهاء في تلبية طلب إخوانهم إليهم ووصف لهم الكتاب المشروط عليهم، فنظروا في كتاب الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر فوجدوه مخلاً ببعض التفصيل قاصراً دون أمد التحصيل ... فلم يردوا نهلاً لهذا التصنيف غير أبي العباس» (14).
وقد قام الدرجيني بهذا العمل فترجم لمشايخ الأباضية حسب طبقاتهم جيلاً بعد جيل، وأعطى معلومات قيمة حول نشأة الأباضية في البصرة من خلال حديثه الكامل عن أئمة الفرقة الأباضية ورجالها في المشرق والمغرب، وقد اعتمد الدرجيني في ذكر معلوماته على رجال (1/20)
صفحة 20
المحكمة الأوائل الذين يعتبرونهم الرواد، على حد تعبير كتاب المبرد وهو (الكامل) (15). وخاصة أن الكتاب الأخير قدم تفصيلات شاملة عن حرب صفين، وظهور المحكمة ووضعهم في البصرة وعلاقتهم بالأمويين في المرحلة الأولى. وإن كان الدرجيني قد ذكر مصادر أخرى لرواياته وخاصة للمؤرخ الأباضي أبا سفيان محبوب بن الرحيل، آخر الأئمة الأباضية في البصرة. ولكن لم نسمع بهذا الكتاب حتى الوقت الحاضر هنا في عمان.
يعتبر الجزء الثاني من طبقات الدرجيني (16) ذات أهمية كبرى للباحث في تاريخ الأباضية عامة وكذلك لأنه استعرض بالتفصيل طبقات الأباضية الأوائل ثم الطبقة الثانية واستعرض فيها ذكر عبد الله ابن وهب الراسبي ومكانته، وحرقوص بن زهير وغيرهما - ثم انتقل إلى ذكر طبقة التابعين وجعل على رأسهم جابر بن زيد وقدم معلومات هامة عن جوانب حياته، وكذلك عبدالله بن أباض، والأحنف بن قيس، وأبي بلال مرداس بن أدية التميمي، وعروة أخيه (17)، وقدم الدرجيني معلوماته في صورة منظمة ومنسقة تيسر على الباحث الوصول إليها.
وسار الدرجيني على نهج المؤلفين المغاربة في الميل للعناصر البربرية والفارسية، وذكر الأحاديث المنسوبة إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) في فضلهم ومكانتهم في الإسلام.
9 ـ أما كتاب «الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات» لصاحبه البرادي (18). الذي نشأ في مدينة دمر في تونس، وارتحل إلى جبل نفوسة وأخذ العلم عن الشيخ أبي ساكن عامر الشماخي (ت 792 هجرية / 1390 م) في مدينة يفرن، وأقام بعد ذلك في جزيرة جربة. وكان سبب تأليفه الكتاب استكمال عمل الدرجيني صاحب الطبقات. والكتاب في مجمله يتناول مدخل للتاريخ الإسلامي في عصر الخلفاء الراشدين، ثم يعطي صورة واضحة عن خلافة عثمان وأحداث حصاره ومقتله. وبعد ذلك يستعرض بالتفصيل الخلافات التي وقعت بين المسلمين في خلافة الإمام علي في معركة صفين، ويدعم آراء جماعة المحكمة في شرعية خروجهم على الإمام، ثم يستأنف حديثه عن المحكمة حتى النهروان، ويذكر نقلاً عن كتاب يسمى «النهروان» صورة لجماعة المحكمة في تلك المرحلة. وقد اشتمل الكتاب في هذه المرحلة على أسماء كثيرة لجماعة المحكمة الذين ظلوا معاديين للأمويين بعد النهروان ولكنه أوجز في سيرة جابر بن زيد. وينفرد الكتاب بوجود رسالة عبدالله ابن أباض إلى الخليفة الأموي بين صفحاته (19) في صورة حسنة. وقد أفدنا من هذا الكتاب في
هذا الموضوع.
10 ـ أما كتاب «السير» أو «سير المشايخ»، لأحمد بن سعيد الشماخي (ت 928 هجرية / 1531 م) فيعتبر أهم كتاب في السير والطبقات اعتمدنا عليه في بحثنا وقد حصلت على نسخة من مخطوطة من قبل مدير عام الشؤون الإسلامية بوزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية (20). وكان القسم الأول منه، والذي يتناول في معظمه فترة بحثنا أهم مصدر للرجوع إلى شخصيات البحث. (1/21)
صفحة 21
تناول المؤلف في القسم الأول مقدمة تاريخية عن أوضاع العالم الإسلامي في فترة الخلفاء الراشدين، ثم استعرض أحداث الخلاف بين المسلمين في خلافة عثمان واتساع هوة الإنشقاق في خلافة الإمام علي، ويعطي تفصيلات في مسألة صورة الخلافة في هذه الفترة ومسألة الشوري بين المسلمين. ويذكر بداية انفصال جماعة المحكمة ويعتمد أيضاً على مصادر متوفرة لديه ويمدنا بمعلومات غزيرة عن تلك الفترة تتسم بالتحليل والدراسة المقنعة، وتستند على رواة منهم أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي نوح صالح وابن، سلام، والربيع بن حبيب وغيرهم (21). على أن أهم شيء قدمه الشماخي في سيره بالجزء الأول هو أنه أفرد صفحات كاملة لكثير من رجال المحكمة وخاصة الأباضية بالترتيب، وقدم معلومات وافية عن أبي بلال مرداس بن أدية التميمي، وأخيه عروة بن أدية، والبلجاء، وجابر بن زيد، وعمران بن حطان وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأبو مودود حاجب الطائي. كما انتقل للحديث عن رجال المذهب في بلاد المغرب، حيث خصص لعبد الرحمن بن رستم وقائع كثيرة.
11 ـ كما اعتمدنا على مصدر آخر يتعرض بالدراسة لفترة انقسام المسلمين في نهاية عصر الخلفاء الراشدين، وهو كتاب «الكشف و «البيان» لأبي سعيد بن محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي، الذي عاش في القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي. ويقع في خمسين باباً يعالج في القسم التاريخي منه دراسة أحوال المسلمين منذ البداية وحتى العصر الأموي، ودراسة كاملة لأهم الفرق التي ينقسم إليها المسلمون ويعطي دراسة كاملة للأباضية. التي يسميها الوهبية (22).
12 ـ أما كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة» (23)، فقد استفدنا منه استفادة كبيرة في فهم الأحداث السياسية التي جرت في عمان في فترتين هامتين في البحث، الفترة الأولى: وهي التي نتجت عن قدوم الأزد إلى عمان وأهمية انتصارهم على الفرس في معركة سلوت. والفترة الثانية: في فهم الظروف السياسية في عمان في العصور الإسلامية وخاصة في زمن خلافة عبد الملك بن مروان حيث فصل حملات الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عمان، وأماكن نزول القوات على السواحل العمانية وخطوات المقاومة بالتفصيل.
كما استفدنا منه في أمر آخر وهو تحديد قيام الإمامات الأباضية في عمان بعد سقوط إمامة الجلندي بن مسعود سنة 134 هجرية / 751 م على يد العباسيين، في حملة خازم بن خزيمة التميمي. فقد أفرد عناصر مستقلة في صفحاته مستعرضاً كل إمامة بالتفصيل وأهم الأحداث التي وقعت فيها باختصار، مشيراً إلى محاولات أهل عمان في الإستقلال وتصميمهم على إعلان الإمامة، ومتتبعاً. جهود حملة العلم (24) خلال الخلافة العباسية بعمان.
وقد حظيت مخطوطة «كشف الغمة باهتمام كبير من قبل باحثين في الغرب والشرق، حقاً، منذ القرن الماضي، واستمر هذا الاهتمام إلى يومنا هذا وذلك لأن المخطوطة تجمع المعلومات المتعلقة بعمان في صورة سلسة منظمة زمنياً منذ فترة ما قبل الإسلام وحتى 1140 هجرية / 1728 م وهو العام الذي يقف عنده سرد الأحداث التي دارت في عهد الإمام سيف بن
- 22 (1/22)
صفحة 22
سلطان الثاني من دولة اليعاربة، وقد جرت عدة محاولات لتحقيق المخطوط في أوروبا منذ القرن الماضي من قبل الأوساط الأوروبية المهتمة بشؤون عمان والخليج العربي.
ومن أهم محاولات التحقيق: محاولة روس Ross (2) راعي الكنيسة في بومباي بالهند. والذي كلف بتقصي الصراع بين الأخوين ثويني وماجد على أثر وفاة أبيهم السيد سعيد بن سلطان سنة 1856. م. وقد تمخضت هذه المحاولة التي قامت سنة 1874 م بنسبة الكتاب إلى الأزكوي (26) الذي أصبح معروفاً به حتى اليوم وقد قام روس، بترجمته إلى الانجليزية ونشره في مجلة الجمعية الآسيوية الصادرة بالبنغال سنة 1974 م: وكانت هذه المحاولة أساساً لشهرة المخطوط في الأوساط العالمية العلمية أما المحاولة الثانية فكانت على يد هوفيج كلاين Klein () وكان ذلك سنة 1938 م.
أما محاولة عبد المجيد حسيب القيسي (28)، التي بدأت 1976 م، والتي كانت تهدف إلى تحقيق الكتاب كله ولكنه نشر المقتبس، والخاص بتاريخ عمان، وقد اعتمد على نسخة الدمام. والتي يبدو أنها في خزانة الإمام غالب، الذي يقيم حالياً بالسعودية بمنطقة الدمام، ونسخة دمشق، ونسخة مكتبة المتحف البريطاني. كما قارن بين مخطوطه وبين كتاب لمؤلف مجهول يسمى تاريخ أهل عمان (29).
وأخيرا كانت محاولة أحمد عبيدلي في تحقيق الكتاب والتي كانت ضمن متطلبات شهادة الماجستير في الدراسات الإسلامية في المعهد العالي للدراسات الإسلامية ببيروت، بإشراف الأستاذين: الدكتور هشام نشابة، والدكتور إحسان عباس. وقد نشرت في نيقوسيا بقبرص سنة 1985 م. وقد حصلت على نسخة منها من مكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي بالمنطقة الوسطى بسلطنة عمان.
وما زال حتى الآن الجدل قائم بين العمانيين حول نسب المخطوط إلى الأزكوي. وقد لاحظنا ذلك من مقابلاتنا مع بعض المهتمين بذلك، وقد نشرت بعض الآراء في جريدة عمان في شهر مارس سنة 1988 م لأحد أحفاد الأزكوي وهو الأستاذ يحيى السرحني الذي يعمل بوزارة النفط
بالسلطنة.
13 - كتابات ابن رزيق ومنها (30) ما يلي:
(أ) الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين (31)، تأليف حميد بن محمد بن رزيق بن بخيت سنة 1274 هجرية / 1857 م وقد حققه الأستاذ / عبد المنعم عامر، والدكتور محمد
مرسي عبدالله.
ويقع الكتاب في 614 صفحة من الحجم المتوسط، وهو يتحدث عن أصل البوسعيد، وقد تعرض في هذا الحديث عن آل المهلب وأنساب الأزد. أما القسم الثاني فقد تتبع أ أئمة عمان وحكامها منذ سليمان وسعيد حتى إعلان إمامة الجلندي بن مسعود. الثالث منه فقد خصصه لدولة البوسعيد الحالية.
أما
القسم
- 23 - (1/23)
صفحة 23
(ب) الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان: تأليف حميد بن محمد ابن رزيق بن بخيت. وحققه عبد المنعم عامر، وتناول في هذا الكتاب الحديث عن أئمة عمان وبدأهم بالجلندي بن مسعود سنة 132 هجرية / 749 م.
14 ــ أما كتاب «الجامع»، للعلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي (32). وهو يتناول الأمور الفقهية للأباضية، ولكنا أفدنا من الجزء الأول منه الذي استعرض فيه الخط الأباضي بدءاً من قيامه وذكر الأباضية باسم «أهل الاستقامة» وقد تناول بالتفصيل مسألة التقية والولاية، كما تحدث أيضاً عن ترتيب زعماء الدعوة منذ النهروان ومقتل عبد الله وهب الراسبي، وأورد مسائل وأجوبتها عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي.
15 - من الكتب الهامة التي صدرت حديثاً عن وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان وتمثل مصادر أساسية لدراسة الأباضية: كتاب: «بيان «الشرع» للعالم محمد بن إبراهيم
الكندي
(22)
ويقوم الشيخ سالم بن حمد الحارثي بتحقيق أجزائه. ويخص موضوع بحثنا الجزء الثالث منه حيث تعرض لأحكام كثيرة من وجهة نظر الأباضية في مسائل الولاية، والبراءة والعلم وولاية الأئمة والولاة (24)، كما تعرض لبعض الفرق مثل المرجئة والحشوية والجهمية. وفي الصفحات الأخيرة أورد سلسلة المذهب الأباضي من أبي بلال وجابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع بن حبيب مميزا عن باقي الفرق المتطرفة (34).
وفي الجزء الخامس منه أورد أخباراً عن أبي الحر علي بن الحصين، وسياسة عبدالله بن زياد تجاه أهل الدعوة في البصرة وأورد أخباراً عن أبي عبيدة في فترة رئاسته للحركة (36). وجاء بالجزء السادس رأي الفقهاء في موضوع التقية فأجازها قولاً لا عملاً (37).
16 ـ أما كتاب «قاموس الشريعة» تأليف جميل بن خميس السعدي، فقد اعتمدنا عليه في الجزء السابع) (38) منه على حكم الأباضية على أموال أهل القبلة وسبي أطفالهم (39)، وقد أجازوها إذ اعتدي عليهم.
17 ـ أما كتاب «جامع أبي الحواري» فقد أفدنا منه توضيحاً لبعض أحكام الأباضية مع ضرب أمثلة عليها مثل مسألة التقية والبراءة. وقد قدم أحداثاً جديدة زمن الإمام المهنا بن جيفر وخروج المغيرة بن روش الجلنداني، وكذلك بعض الأخبار عن عزان بن تميم. كما أورد جوانب هامة من إمامة الجلندي بن مسعود، ومسألة قتل جعفر الجلنداني وابنيه النظر وزائدة وأوضح سعيد بن زيادة في أهل الشرق. ويبدو أن هذه الأخبار التي أفادتنا جاءت كجواب من أبي الحواري إلى أهل حضرموت حينما أرسلوا إليه في هذه المسائل. وقد اعتمد على علماء كبار من الأباضية مثل بشير بن المنذر، وأبي المؤثر (40).
مسألة
18 ـ أما كتاب «الإستقامة» للشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي (41) فقد قدم لنا في
_ YE- (1/24)
صفحة 24
نهاية الجزء الأول موقف وحكم العلماء تجاه الأوضاع التي سادت عمان بعد الإمامة الأولى وقد قسم العلماء تجاه تلك الأحداث وسمى آراء الجماعة التي التزمت بالفكر الأباضي أهل الإستقامة، وإن كانت أغلب رواياته قد استمدها عن أبي الحواري.
19 ـ أما كتابه الآخر وهو «المعتبر» (42) فقد استعرض فيه أحكام الأباضية وأدلتها تجاه الكثير من القضايا الفقهية، وقد أفدنا منه في مسألة الولاية والبراءة والتقية وإن كان إسناده قليل للغاية بالنسبة لرواياته.
20 ـ أما كتاب جامع أبي الحسن البسيوي» (42) للشيخ أبي الحسن علي بن محمد علي البسيوي، فقد أفدنا في الجزء الرابع منه بالأدلة التي تستند عليها الأباضية تجاه دماء أهل القبلة من مخالفيهم وأهل العهد كذلك، فقدم آيات قرآنية عديدة وأحاديث نبوية شريفة، ومواقف كثيرة من حياة الخليفتين أبي بكر وعمر.
21 ـ أما كتاب «الجوهر المقتصر» (44) للشيخ أبي بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي النزواني، فقد أفدنا منه في توضيح وجهات الخلاف بين الأباضية وغيرهم في مسائل
فقهية كثيرة.
وأوضح المنهج السليم للمسلمين ولحياتهم حتى عصره وقد اعتمد المؤلف على مصادر كثيرة للكتاب منهم: أبو المذر بشير بن محمد بن محبوب، وأبو الحسن علي بن محمد أبو الحسن علي بن محمد البسيوي.
22 ـ أما كتاب «النور" الوقاد في علم الرشاد» (44) للشيخ محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي فقد أفاض في شرح مسألة الإمامة شرحا وافياً، باعتبارها فرضا من فروض الله أوجبها على العباد، وأورد أدلة فرضيتها وشروط الإجماع عليها وقد قسم كلامه عن الإمامة إلى مسائل حوالي عشرين مسألة بين فيها: من يجوز إمامته وصفة البيعة والنظام والعاقدين وعقد الإمامة، وشروط الإمامة وواجبات الإمام، وحقوق الإمام. كما قسم الإمامة للظهور وإمامة دفاع وكذلك أوضح أعمال الإمام ومجاهدة العدو.
يلي:
23 ـ قدم لنا الشيخ محمد بن يوسف أطفيش كتيبات هامة تدور حول موضوع بحثنا منها ما
(أ) كتاب «كشف الكرب» وقدم فيه الآراء الأباضية على مختلف اتجاهاتها حول مسائل تهم موضوع بحثنا وهي مسألة الولاية والتقية، وقد استند فيه على آراء حديثة مثل البيضاوي،
وابن البيطار، والتستري. كما استند إلى آراء لبعض الفقهاء من خارج الأباضية.
(ب) «شرح عقيدة التوحيد» (46) وقد قدم فيها جوانب كثيرة من الإسلام وعقائده بالشرح ثم تعرض إلى إمامة عمر بن الخطاب، وقدم دراسة مختصرة عن أوضاع المسلمين (الأباضية) في البصرة منذ معركة النهروان وعلاقة السلطة الأموية بهم، حتى زمن أبي
- Yo_ (1/25)
صفحة 25
عبيدة مسلم بن أبي كريمة، كما قدم نصوصاً حول علاقة الخوارج بمقتل عبدالله بن
خباب.
(ج) «شامل الأصل والفرع» جاء حاوياً لمسائل الإمامة والولاية والبراءة بالإضافة إلى بعض القضايا الفقهية وشرحها (7)
(47)
(د) «وفاء الضمانة بأداء الإمانة في فن الحديث» (48) وقد استعرض فيه الأحاديث النبوية الشريفة مستدلاً بها على مختلف جوانب الفقه، وفي الجزء الخامس تحدث عن الإمامة وأورد أحاديث نبوية شريفة تؤيد وجهة نظر الأباضية في هذه المسألة، كما أورد أيضاً أحاديث كثيرة عن الفتنة والاختلاف 24 ـ أما كتاب «قناطر الخيرات (للشيخ أبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي (49). وقد تحدث في كتابه عن الفقه الإسلامي وجوانبه وخص الباب الرابع في الحديث عن الإمام وشروطه وواجبات الإمام (50).
25 ـ أما العلامة أبو يعقوب بن يوسف بن إبراهيم الورجلاني (51) فقد قدم لنا كتابين أفدنا منها في بعض جوانب البحث وهما:
(أ) العدل والانصاف: وقد تعرض فيه إلى بعض جوانب العلوم الإسلامية وناقض قضية الإجماع وجاء في الصفحات الأخيرة ليعرض بعض صور الخلاف بين المسلمين فقهياً (52). (ب) الدليل والبرهان: وقد أفدنا منه في عرضه لجوانب الإنقسام بين المسلمين منذ البداية ثم تعرضه لكثير من زعماء الأباضية بالدراسة مثل جابر بن زيد وعزان بن الصقر، ولواب بن
(or),
سلام، والربيع بن حبيب) 26 ـ أما «المدونة الكبرى (للشيخ أبي غانم الخراساني الأباضي،، فقد جاءت على جزأين جاء الجزء الأول متناولاً المسائل الفقهية وأحكام الإسلام وبين فيه آراء الأباضية مع بعض الآراء المغايرة لهم. أما الجزء الثاني فقد استكمل هذا المعنى الفقهي وبدأ بأحكام النظام ولكنه أورد لنا في النهاية حديثاً كاملاً عن اختلاف المسلمين عن أبي حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي وقد أورد روايته عن إسناد حتى عمر بن الخطاب، الخليفة الراشدي الثاني. وأظهر موقف الخليفة أبي بكر الصديق من تأخير علي في البيعة وأقوال عمر بن الخطاب حتى احتوت هذه الأقوال على صفحات عدة (4) ... 27 ـ وهناك أعمال صدرت عن وزارة التراث القومي والثقافة عبارة عن مؤلفات وأبحاث ودراسات خاصة بعمان والأباضية من قبل باحثين غربيين أو صينيين في مسقط، وتم ترجمتها وطبعها بإشراف الوزارة إلى اللغة العربية منذ عام 1980 م منها ما يلي:
(أ) بريطانيا والخليج (1795 - 1870). تأليف جون. ب. كيلي، وترجمة محمد أمين وهو دراسة شاملة عن وضع بريطانيا وسياستها في منطقة الخليج العربي
عبدالله (50)
وخاصة عمان.
- 26 - (1/26)
صفحة 26
(56)
(ب) دراسة لآثار عمان. تأليف بياتريس دي. كاردي (1 (ج) ملاحظات حول توزيع الموارد الطبيعية واستثمارها في عمان القدمية. تأليف مود بتستو
توزي)
(57)
دو
(09)
(د) بحث مبدئي في التعدين القديم في سلطنة عمان. تأليف جي. و. جوتيلر وآخرون (58). (هـ) الفهرس الجغرافي لمواقع الآثار في عمان، 1976 م. تأليف دي. بي. (و) عينات سطح الأرض في عمان. تأليف دي. كاردي (60). (ي) أعمال التنقيب والدراسة في المنطقة الشرقية في سلطنة عمان. تأليف دي. كاردي (1 (ز) مشروع التنقيب عن حقول صحار القديمة. تأليف ويلكنسون (62).
(61)
28 ـ واعتمدنا كذلك على كتيبات صدرت عن وزارة التراث القومي والثقافة لمؤلفين عرب ضمن سلسلة تراثنا منها ما يلي:
(أ) عمان في فجر الإسلام (63). تاريخ الدكتورة سيد الكاشف. وهو بحث يتناول بسرعة وشمول ملامح تاريخ عمان وانتشار الأباضية بين أهلها.
(ب) عمان في أمجادها البحرية (64). إعداد عبد المنعم عامر، وهو يتناول دراسة لأهمية موقع عمان عبر الطرق البحرية العالمية وأهمية خبرة أهلها.
(جـ) اللمعة المرضية من أشعة الأباضية (65). تأليف نور الدين السالمي. وهو يتناول بعض الجوانب الفقهية من وجهة نظر الفكر الأباضي.
(د) الصلات التاريخية بين سلطنة عمان والولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة حكم عصر السيد سعيد بن سلطان (66). تأليف الدكتور رأفت الشيخ. وقد استعرض صورة لمدى انتشار النفوذ العماني على سواحل شرق إفريقية.
(هـ) الصلات التاريخية بين المغرب وعمان (67). تأليف الدكتور عبد الهادي التازي (68). (و) دور العمانيين في الملاحة والتجارة الإسلامية حتى القرن الرابع الهجري (66). تأليف الدكتور عبد الرحمن عبد الكريم العاني، رئيس قسم التاريخ بجامعة بغداد. ويعتبر من أهم الكتب التي تناولت أهمية موقع عمان وسواحلها على طرق التجارة البحرية العالمية، خاصة وأنه استند إلى مصادر أصلية متنوعة.
:
(ز) رسالة أبي كريمة في الزكاة للإمام أبي الخطاب المعافري (70). تأليف الإمام الأباضي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة. ورغم صغر حجم الرسالة إلا انها أعطتنا صورة مبكرة عن
العلاقة بين مركز الدعوة في البصرة وبين رجال الدعوة في الأقاليم الأخرى.
- YV_ (1/27)
صفحة 27
(ح) النقود العمانية من خلال التاريخ الإسلامي (71). تأليف الدكتور محمد أبو الفرج العش. وقد أفادنا. ا من هذا البحث بتقديم أدلة مادية حول نشاط النجدات في عمان من خلال العملات التي قدمها وتنتمي إلى هذه الفترة. كما استعرض وجود نشاط للسلاجقة
والمغول في عمان.
ثانياً: المصادر الشيعية
تقدم لنا المصادر الشيعية صورة هامة ومفيدة حول أوضاع العالم الإسلامي في فترة بحثـ وتقدم وجهة نظرها حول تلك الفترة. ومن هذه المصادر ما يلي: 1 ـ كتاب الأغاني (72).
تأليف أبي الفرج الأصفهاني. ت 356 هجرية / 966 م)، وقد أمدنا هذا المصدر بمعلومات هامة عن بعض فرق القاعدة وخاصة جماعة الأزارقة. واستفدنا منه في عرضه الشامل لثورة الأباضية في حضرموت واليمن عام 129 هجرية / 746 م. ودراسته عن طالب الحق، وقد أورد
الأصفهاني روايته عن رواة متقدمين.
2 ـ كتاب مقاتل الطالبيين (73).
تأليف أبي الفرج الأصفهاني أيضاً، وقد أفدنا منه في استعراضه لمقتل الإمام علي وروايته عن عبد الرحمن بن ملجم. وأثبت وجود اختلاف في الرأي بين الأشعت بن قيس والإمام علي. وأورد نص رسالة الإمام الحسن إلى معاوية، ورد معاوية عليه.
- تاريخ اليعقوبي (74).
تأليف أحمد بن أبي يعقوب (ت 284) هجرية / 897 م) وقد زودنا بمعلومات عن أوضاع العالم الإسلامي في المشرق أثناء فترة بحثنا وقدم معلومات حول ثورة الأباضية باليمن. ـ كتاب البلدان (75).
تأليف اليعقوبي أيضاً، وقد قدم هذا الكتاب معلومات حول أوضاع الأباضية في المشرق والمغرب وظروف أقاليمهم وهو يعتبر دراسة ميدانية.
ه - صورة الأرض (7). تأليف أبو القاسم النصيبي (ت 367 هجرية / 977 م) وقد انفرد بمعلومات عن نشاط الخوارج في عمان وبلاد المغرب والبصرة، كما قدم معلومات عن إمكانيات بلادهم. 6 ـ الإحتجاج (7).
تأليف أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (القرن السابع الهجري / الثالث
_ YA_ (1/28)
صفحة 28
عشر الميلادي». ويقع الكتاب في جزأين يتناول المؤلف قضايا شيعية واحتجاجات على أهمية مكانة الإمام علي وأهل البيت في التاريخ الإسلامي مستند إلى أدلة خاصة به. وقد قدم لنا معلومات عن معركة صفين وظروف صلح الإمام الحسن.
- وهناك دراسات شيعية حديثة منها ما يلي:
(أ) الإمام علي (78) تأليف سليمان كتاني: وقد تناول هذا الكتاب شخصية الإمام وعلاقته برجال عصره وبأحداث العالم الإسلامي خاصة بعد مقتل الخليفة عثمان.
(ب) صلح الإمام الحسن، أسبابه ونتائجه (79). تأليف محمد جواد مغنية. وقد تناول فيه بالتفصيل عصر الإمام الحسن وأسباب تنازله لمعاوية.
(جـ) وهناك دراسات له حول نظرة الشيعة للخلافة (80) مثل: فلسفة الولاية لمحمد جواد مغنية.
***
ثالثا: المصادر السنية
تتوفر لدى المصادر السنية معلومات هامة عن فرق المحكمة ومنها الأباضية وتشكل هذه الآراء مصادر لا غنى عنها. ومن هذه المصادر ما يلي:
1
2
4
-
--
أنساب الأشراف (81). تأليف أحمد بن يحيى البلاذري (ت 279) هجرية / 989 م) وقد زودنا هذا المصدر بمعلومات هامة ومستفيضة عن أوضاع المسلمين بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهي فترة تصمت فيها الكثير من المصادر.
كتاب فتوح البلدان (82) تأليف البلاذري أيضاً. وقد استفدنا منه بمعلومات عن أوضاع الأباضية بالمشرق الإسلامي وتنظيماتها. وانفرد البلاذري بذكر شخص آخر أرسله الرسول (صلى الله عليه وسلم (ليشارك عمرو بن العاص في مهمته لعمان. وهذا الشخص هو أبو
زيد.
تاريخ خليفة بن خياط (83). تأليف خليفة بن خياط، (ت 240 هجرية / 854 م) قدم لنا معلومات عن مشاركة أزد عمان في ثورة الأباضية باليمن. تاريخ الموصل (84). تأليف أبي ذكريا بن يزيد بن محمد، ت 334 هجرية / 945 م) وقد قدم لنا صورة عن انتشار الفكر الأباضي في مناطق العالم الإسلامي. تاريخ الرسل والملوك (89). تأليف محمد بن جعفر الطبري، ت 310 هجرية / 922 م). ويعتبر هذا الكتاب من أهم المصادر التي قدمت لنا تفصيلات واسعة عن الوجود الأباضي في النصف الثاني من القرن الأول الهجري / نهاية القرن السابع الميلادي. ويعتبر الطبري صاحب روايات فريدة لأخبار هامة تهم بحثنا، خاصة فيما يتعلق بتحركات أبي بلال
مرداس. (1/29)
صفحة 29
6
كتاب استشهاد الحسين (86). تأليف الطبري أيضاً، وهو كتيب صغير، استعرض فيه الطبري أخبار الحسين في تحركاته نحو كربلاء.
ـ كتاب الكامل في التاريخ (87). تأليف عز الدين علي بن الأثير (ت 630 هجرية / 1222 م) وقد قدم لنا تفصيلات هامة عن نشاط أزد عمان البحري في الخليج العربي في عصر
الخلفاء الراشدين.
- هناك كتب ومقالات أفادت البحث منها ما يلي:
أ - الفرق بين الفرق (88)، تأليف عبد القادر بن طاهر البغدادي (429) هجرية / 1037 م). . الملل والنحل (89)، تأليف محمد بن عبد الكريم الشهرستاني.
ب -
جـ ــ مقالات الإسلاميين، تأليف علي بن إسماعيل الأشعري (10).
وهذه المجموعة تتحدث باختصار شديد عن جماعة الخوارج ومنها الأباضية بصورة تتناقض مع المنهج العلمي التاريخي ولذلك جاءت مرتبطة بتناقضات كثيرة مع تحليلات البحث.
_ r_ (1/30)
صفحة 30
(1) سيدة الكاشف (دكتورة هامش كتاب الإهتداء، مسقط 1985 م. (2) ما زالت جزيرة جربة من أهم مراكز الأباضية في بلاد المغرب عامة وتونس خاصة. انظر الباروني، عبد الله الأزهار الرياضية، تونس، بدون تاريخ.
(3) ابن سلام، لواب بن سلام الإسلام من وجهة نظر أباضية، ص 129، تحقيق ر. ف. شقارتز وسالم يعقوب، تونس، سنة 1985 م. (ذكر الوفاة سنة 103 هجرية / 721 م، وهذا مخالف للآراء الأخرى). (4) ابن سلام، المصدر السابق، ص 130. (0) ورجلان من مدن بلاد افريقيا ومنطقة الجريد يسكنها البربر البغدادي. صفي الدين، ت 739 هجرية، مراصد الإطلاع، ص 1410، القاهرة، 1955 م.
(6) وقد اعتمدنا على نسختين: الأولى من دار الكتاب المصرية رقم 2461. والثانية من وزارة التراث القومي بسلطنة عمان.
(7) مقابلة مع الشيخ / سليمان بن حمد الحارثي، قاضي المنطقة الوسطى بعمان، يناير 1988 م. (8) افترقت قبائل الأزد حينما خرجت من اليمن إلى ثلاث أقسام هي أزد عمان وأزد السراة، وأزد شنوءة نسبة إلى المكان التي اتجهت إليه. العوتبي، سلمة بن مسلمة، القرن الخامس الهجري، الأنساب، ج 2، ص 200، سلطنة عمان 1984 م.
(9) سترد ترجمة بحياته في الفصل الثالث من البحث أثناء انتقال الأزد إلى عمان. (10) سلوت: صحراء في شمال عمان وقعت فيها المعركة بين الفرس والأزد العوتبي، نفس المصدر،
ص 256.
(11) جبل نفوسة: يقع بين طرابلس وبين القيروان من بلاد افريقية غني بالحياة الزراعية يعتبر من أهم مراكز الأباضية. البغدادي، مراصد الإطلاع، ج 3، ص 1382. (12) مدينة في أقصى بلاد افريقية بالقرب من الباب الكبير بها نخل كثير البغدادي، نفس المصدرج 1،
ص 280.
(13) نظام العزابة: هو نظام لجأت إليه الأباضية منذ القرن الخامس الهجري بعد أن فشلت في إقامة إمامات في العصر الأموي والعصر العباسي. وهو عبارة عن وجود مجلس من إثني عشر رجلا تتوفر فيهم صفة الصلاح والورع والتقوى، يقومون بخدمة أفراد الأباضية في السر، ويكونوا هيئة استشارية للإمام في حالة قيام إمامة أباضية.
1966 م.
انظر معمر، علي يحيى، الأباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص 976 وما بعدها، القاهرة كذلك ندوة الفقه الإسلامي. وكلمة علماء الجزائر في اليوم الرابع في الندوة (مسقط) ابريل 1988 م. (14) البرادي، أبو القاسم إبراهيم، القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي، كتاب الجواهر المنتقاة، ص 215، نسخة من وزارة العدل والأوقاف، مسقط.
(15) المبرد، محمد بن يزيد، ت 285 هجرية / 898 م، الكامل في اللغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، بدون تاريخ.
(16) الدرجيني، أبو العباس أحمد، طبقات الأباضية، تحقيق إبراهيم طلاي، الجزائر، 1982 م. (17) سترد ترجمة شاملة لهؤلاء الأشخاص في الفصلين الثاني والثالث من هذا البحث. (18) هو أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري. وقد حصلت على نسخة من كتابه بإذن من مفتي عام السلطنة من قبل ديوان عام الوزارة وهو في صورة مخطوط.
- M- (1/31)
صفحة 31
(19) هناك نص آخر للرسالة في كتاب السير ولكنها غير واضحة. (20) حقق الكتاب من قبل الفاضل / أحمد بن سعود السيابي، صدر الجزء الأول منه سنة 1987 م مسقط. (21) سترد بيانات حول تلك الأسماء في الفصلين الثاني والثالث.
(22) تنسب جماعة المحكمة إلى الوهبية نسبة إلى أول إمام بايعته وهو عبد الله بن وهب الراسبي بعد التحرك من حروراء والاستقرار في النهروان.
(23) اطلعنا على المخطوط الموجود في مكتبة المؤرخ الشيخ / سالم بن حمد الحارثي. ولكننا اعتمدنا على طبعة وزارة التراث القومي والثقافة التي حقق المقتبس فيها عن تاريخ عمان، المؤرخ العراقي / عبد المجيد القيسي. وقد سمعنا في هذا العام عن القائمين عن الجانب الثقافي بالسلطنة أن القيسي ينوي إصدار تحقيق كامل للمخطوط.
(24) سيرد تفصيل عن هذا التنظيم في الفصل الثالث من البحث.
(25) أحمد عبيدلي، كشف الغمة لمؤلف مجهول، تحقيق ودراسة، ص 50 وما بعدها. قبرص، 1986 م. (26) هو الشيخ سرحان بن سعيد بن سرحان بن محمد ينتمي إلى قبيلة الأمبو علي من منطقة أزكي بعمان. وقد ذكر عبيدلي أن قبيلته بني علي وهذا خطأ. (27) باحثة ألمانية يهودية تخصصت في الإسلاميات سنة 1933 م وهي من تلاميذ شترومان المستشرق الألماني. (نجيب عفيفي، المستشرقون، ج 2 ص 442، الطبعة الرابعة مصر. . سنة 1988 م). (28) قدم عبد المجيد القيسي أعمالاً للتراث العماني: فترجم مذكرات أميرة عربية وحقق سيرة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي.
(29) حققه الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، سنة 1986، مسقط، وزارة التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان. (20) له ديوان شعر يسمي ديوان ابن رزيق حققه دكتور محمد عبد المنعم خفاجي، وزارة التراث سنة 1982 م، مسقط، سلطنة عمان. (31) ابن رزيق، الفتح المبين، تحقيق عبد المنعم عامر، والدكتور محمد مرسي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1297 هجرية / 1977 م. (32) يقع في عشرة أجزاء وقد حققه الأستاذ / عبد المنعم عامر، وصدرت عن وزارة التراث القومي. 1979.
مسقط، سلطنة عمان.
(33) يقع الكتاب في (73) جزء يقوم الشيخ سالم بن حمد الحارثي بتحقيقها تباعاً وقد زرته في مكتبه
وشاهدت المخطوط واطلعت عليه.
(34) الكندي، محمد بن ابراهيم بيان الشرع، ج 3، ص 305، مسقط، 1982 م، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
(35) الكندي، نفس المصدر ج 3، ص 417.
(36) الكندي، نفس المصدر ج 5، ص 100 وما بعدها.
(37) الكندي، نفس المصدر ج 9، ص 121.
(38) السعدي. قاموس الشريعة، ج 7، ص 2407. مسقط، 1980 م. وزارة التراث:، سلطنة عمان. (39) لا تبيح الأباضية أموال مخالفيهم من أهل القبلة وسبي أطفالهم ودمائهم إلا إذا بدأوهم بالعدوان. السيابي، سالم بن حمود، أصدق المناهج في تمييز الأباضية من الخوارج، ص 18، 19 تحقيق د. سيدة الكاشف، سلطنة عمان، 1979 م.
_ ry_ (1/32)
صفحة 32
(40) هو أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي من بهلا بعمان، عاصر ابن بركة وأخذ عنه عاش في القرن الرابع الهجري وقد أخذ عن عالمين هما: محمد بن روح الكندي، والشيخ أبو الحسن النزوي.
(41) الكدمي المعتبر وزارة التراث القومي والثقافة، عدة أجزاء، 1985 م.
(42) وزارة التراث، 1984 م، ج 4، ص 152 وما بعدها.
(43) الكندي، الجوهر المقتصر وزارة التراث القومي والثقافة، 1985 م، تحقيق الدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف، ينتمي إلى القرن السادس الهجري.
(44) الرقيشي، محمد بن سالم، النور الوقاد في علم الرشاد، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عامن،
4
1984 م. (45) ابن أطفيش محمد بن يوسف، شرح عقيدة التوحيد وزارة التراث القومي والثقافة، 1983 م، سلطنة عمان.
(46) ابن أطفيش، شامل الأصل والفرع، ج 1، ص 56 وما بعدها، التراث، 1984 م. (47) هو الشيخ أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي نشأ في مدينة جيطال من مدن نفوسة بليبيا، ويبدو أنه من علماء النصف الثاني للقرن السابع الهجري، أخذ العلم عن أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي ت 722 هجرية / 1322 م، وأمضى حياته في التنقل بين مدن جبل نفوسة طلباً للعلم، له تأليف منها: شرح النونية لأبي ساكن، وكتاب الفرائض.
(48) الجيطالي، شرح قواعد الإسلام، ص 419، دار الكتب المصرية، رقم 11067 ب. (49) هو أبو يعقوب بن يوسف بن إبراهيم السدراتي الأباضي الورجلاني، عن شيوخ مسدراته من ورجلان بجنب الجزائر من وادي ميزاب، له مؤلفات كثيرة منها كتب في تفسير القرآن الكريم وكتاب مرج ا البحرين في الفلسفة، وترتيب مسند الربيع.
مسقط. م
(50) الورجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 178، وما بعدها التراث، سنة 1984، (51) الورجلاني، الدليل والبرهان المجلد الأول، ج 2، ص 91، وما عدها، التراث، 1983 م. (52) أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى، ج 1، ص 311، وما بعدها التراث، سنة 1984 ء، مسقط. (53) محمد أمين عبدالله. ولد في مسقط، عاش في باكستان ثم القاهرة، اشترك في النشاط الثقافي بالسلطنة في الفترة الأخيرة، وكانت له عدة مقالات في الصحف المصرية أثناء إقامته في القاهرة، ترجم الكثير من
كتب ومؤلفات المستشرقين حول عمان. ندوة الثلاثاء بالنادي الثقافي بالقرم، مسقط، 1988، (54) سلطنة عمان، يناير، 1983 م، العدد 39 «الترجمة العربية فقط» من قبل وزارة التراث». (55) سلطنة عمان فبراير، 1983 م، العدد 43 «الترجمة العربية فقط» «من قبل وزارة التراث». (56) سلطنة عمان فبراير، 1983 م، العدد 44 «الترجمة العربية فقط» «من قبل وزارة التراث».
(57) سلطنة عمان، 1984 م، العدد 59 «الترجمة العربية فقط» «من قبل وزارة التراث». (58) سلطنة عمان. 1984 م، العدد 52 «الترجمة العربية فقط» «من قبل وزارة التراث». (59) سلطنة عمان، 1984 م، العدد 50 «الترجمة العربية فقط» «من قبل وزارة التراث». (60) سلطنة عمان، 1984 م، العدد 49 «الترجمة العربية فقط» «من قبل وزارة التراث» ...
(61) سلطنة عمان سلسلة تراثنا، العدد الأول، 1980 م. (62) سلطنة عمان سلسلة تراثنا العدد الثامن، 1980 م. (63) سلطنة عمان سلسلة تراثنا العدد الثاني عشر، 1981 م.
م.
- rr_ (1/33)
صفحة 33
(64) سلطنة عمان سلسلة تراثنا العدد التاسع عشر، 1981 م.
(65) سلطنة عمان، سلسلة تراثنا العدد الثاني والعشرون، 1982 م. (66) يعتبر الدكتور عبد الهادي التازي، من المهتمين بتاريخ الخليج العربي وقد قدم إلى سلطنة عمان سنة 1984 م، والقى بحثا هاما في فندق الفلج بمسقط حول دور عمان في التجارة البحرية، وركز على دور
أحمد بن ماجد.
(67) سلطنة عمان سلسلة تراثنا، العدد 26، 1984 م.
"
(68) سلطنة عمان سلسلة تراثنا، العدد 24، 1983 م. (69) سلطنة عمان، سلسلة تراثنا، العدد 54، 1984 م.
(70) الأصفهاني، أبو الفرج، الأغاني، بيروت، 1982 م.
(71) الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، تحقيق السيد أحمد صقر، بيروت، بدون تاريخ.
(72) اليعقوبي، أحمد بن يعقوب، تاريخ، ليدن، 1883 م.
(73) اليعقوبي، أحمد بن يعقوب البلدان، ليدن، 1860 م. (74) النصيبي، أبو القاسم، صورة الأرض، بيروت، بدون تاريخ.
(75) الإحتجاج، لأبي منصور أحمد بن علي بن طالب الطبرسي، تحقيق السيد محمد باقر، دار النعمان.
النجف، سنة 1966 م.
(76) سليمان كتاني، الإمام علي، بيروت، الطبعة الثانية، 1982 م.
(77) محمد جواد، صلح الإمام الحسن، بيروت، 1979 م،،
(78)
محمد جواد فلسفة الولاية، بيروت، 1984 م، ط 4.
(79) البلاذري، انساب الأشراف، ج 1، تحقيق د. محمد حميد الله، القاهرة، 1959 (80) البلاذري، انساب فتوح البلدان، ج، تحقيق صلاح المنجد، القاهرة، 1956 م. (81) ابن خياط، التاريخ، دمشق، 1967 م.
م.
(82) أبو زكريا، تاريخ الموصل، تحقيق د. علي حبيبة، القاهرة، 1967 م. (83) الطبري، محمد بن جعفر، تاريخ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، 1979 م ط 4. (84) الطبري، محمد بن جعفر استشهاد الحسين تحقيق د. سيد الجميلي، بيروت، 1985 م. (80) ابن الأثير، عز الدين الكامل، القاهرة، 1356 م، تحقيق عبد الوهاب النجار.
(86) بيروت، 1973 م.
(87) القاهرة، 1961 م.
(88) تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد القاهرة، 1369 هجرية. (1/34)
صفحة 34
المراجع
العربية
الحديثة
1 - تاريخ المغرب الكبير، للأستاذ محمد علي دبوز، أستاذ الأدب والتاريخ بمعهد الحياة
2
1963
بالجزائر. وقد لاحظنا وجود معلومات هامة بين صفحات تاريخه الذي يقع في ثلاثة أجزاء. والمطبوع بالقاهرة عام. كما لاحظنا م. وجود علاقة واتصال مستمر بينه وبين مشايخ أباضية عمان حالياً. ولكن جاء سرده لقضايا التاريخ بصورة أسلوب قصصي بعيد عن المنهج العلمي في الكتابة، كما أنه أفاض في ذكر فضل البربر. نشأة الحركة الأباضية للدكتور عوض محمد خليفات (1)، ويعتبر أهم كتاب صدر عن تاريخ الأباضية في الفترة الأخيرة بسبب تمكن الباحث من السيطرة على مصادر بحثه واستعراضها بجدية تامة متناولاً بداية الحركة الأباضية وظهور الإمارات الأباضية في: حضرموت واليمن 129 هجرية / 746 م، عمان 132 هجرية / 749 م، بلاد المغرب 162 هجرية / 778 م.
أورد خليفات صورة أشبه بالكمال عن كل إمامة وقد استفدنا من حديثه وتحليلاته عن إمامة عمان. وقد حضر ندوة الفقه الإسلامي بمسقط وأبدى إشارات هامة لقضايا أباضية طرحت أثناء الندوة.
_ TO_ (1/35)
صفحة 35
لكننا لاحظنا أن هناك أموراً قد مر بها دون توضيح ولم يقدم لنا فصلاً بيناً لها ومن أمثلة ذلك الوضع في البصرة لجماعة المحكمة بعد مقتل أبي بلال بأسك، وقد بين عمران بن حطان ثم عاد وذكر جابر بن زيد. ثم انه لم يقدم لنا دليلاً محايداً حول علاقة أبي بلال بالشيعة. الحركة الأباضية في المشرق العربي للأستاذ مهدي طالب هاشم وهي عبارة عن متطلبات الحصول على درجة الماجستير (2)، في الآداب من جامعة بغداد وقد نشرت بالقاهرة عام 1981 م. وقد احتوى الكتاب المنشور على سبعة فصول تناولت الأباضية حتى القرن
الثالث الهجري وطاف الباحث بين إمامات الأباضية في كل موقع باختصار شديد. ورغم ذلك فقد قدم لنا تحليلات جيدة حول الفترة المبكرة لتاريخ الأباضية. على أن أهم مشكلة أثارت انتباهنا هو وجود قسم كامل من هذا البحث المنشور في مؤلف آخر عن تاريخ عمان بنفس الصفحات وفقراتها وسطورها وكلماتها وحتى هوامشها. والكتاب الآخر الذي اشترك معه في هذا الأمر هو كتاب «الخليج العربي في العصور الإسلامية» للدكتور / عمر فوزي سنة 1983 م «طبعة أولى» بينما كتاب الأستاذ / مهدي طالب صدر عام 1981 م «طبعة أولى» وقد شمل كتاب الدكتور فاروق على الصفحات من رقم 80 إلى 227. وهي تقابل الصفحات 45 إلى 242 من كتاب مهدي طالب بالنص متناً
وهامشاً.
4 ـ «الأباضية بالجريد» للباحث صالح باجية وقد نشر عام 1976 م في تونس. ويعتبر هذا الكتاب ضعيفاً في توثيق معلوماته وتحرير قضايا بحثه لأنه لم يقدم لنا مصادر جديدة في
بحثه.
تاريخ المذاهب الإسلامية) للإمام محمد أبو زهرة. وقد نشر هذا الكتاب في القاهرة عام 1959 م، وقد استندنا منه في توضيح الصلات الفقهية بين الأباضية والجماعات
الإسلامية الأخرى ولذلك فهو يجد ارتياحاً لدى مشايخ وعلماء الأباضية في عمان. - كتاب «الخوارج الحروريون»، للدكتور أحمد حجازي السقا، والذي نشر عام 1980 م. ويبدو على هذا الكتاب أنه جاء نتيجة انفعال صاحبه بأحداث المسجد الحرام عام 1980 م، واتهام البعض للخوارج بهذا الحدث. فانبرى المؤلف لإثبات براءتهم بطريقة عشوائية دون الرجوع إلى مصدر أو مخطوط لتدعيم وجهة نظره.
- كتاب «السيادة العربية والشيعية والإسرائيليات»، في عهد بني أمية تأليف فان فلوتن، وقد استفدنا من هذا الكتاب في فهم تحليلات المؤلف للصلات التاريخية بين الموالي وبين حركات المعارضة في العصر الأموي وقدم أدلة وتحليلات جيدة في هذا الصدد.
- كتاب تاريخ الشعوب الإسلامية، تأليف كارل بروكلمان وقد استفدنا منه بتحليلاته الصائبة أحياناً لأحداث العالم الإسلامي في فقرة بحثنا. ولكنه وقع في نفس خطأ المؤرخين حينما ذكر أن مقتل الإمام علي كان من الخوارج.
- M- (1/36)
صفحة 36
ـ الحركات السرية في الإسلام، لمحمود اسماعيل، الصادر في بيروت عام 1973 م وقد تضمن هذا الكتاب في القسم الأول منه موضوعات عن الأباضية. ولكن هذا الكتاب جاء حاملاً بعض الأخطاء التاريخية، منها أن إمامة عمان الأباضية هي التي فتحت اليمن، ثم
زحفوا إلى الحجاز. 10 ـ كتاب «الغلو والفرق الغالية»، للدكتور / عبد الله سلوم السامرائي (2)، قدم فيه المؤلف استعراضاً شاملاً لكثيراً من الفرق الغالية في الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة، وذكر
أسباب الغلو.
11 ـ كتاب ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري للدكتور ابراهيم بيضون (4)، ويعتبر هذا الكتاب من الكتب التي قدمت تحليلات جديدة لأوضاع العالم الإسلامي في القرن الأول الهجري، واستعرض بالتفصيل الجذور التاريخية لظهور التيارات الإسلامية.
12 - كتاب «الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرزاق (5)، وقد استفدنا منه رأيه حول الخلافة والحكومة في الإسلام وتحليلاته في أسباب إنقسام المسلمين.
13 کتاب «امتداد العرب في صدر الإسلام»، للدكتور / صالح أحمد العلي (6)، وقد قدم فيه بصورة سريعة عرضاً جيداً لكيفية تحرك القبائل العربية من عمان إلى العراق ومناطق المشرق حتى وسط آسيا.
14 ـ كتاب «دور الحجاز في الحياة السياسية في القرنين الأول والثاني الهجريين» للدكتور / إبراهيم الشريف. وقد استفدنا منه في تحليل المؤلف للعلاقات السياسية بين الحجاز والشام والعراق (7)، كما استعرض لنا العلاقة بين زعماء المحكمة وبين ابن الزبير عام 63 هجرية / 682 م وقدم أسباباً لتوتر العلاقات.
15 - كتاب «الإسلام والخلافة»، للدكتور / علي حسني الخربوطلي (8)، وقد استعرض هذا الكتاب قضية الخلافة عبر مراحل التاريخ الإسلامي في كافة عصوره وحتى زوال الخلافة العثمانية 1343 هجرية / 1924 م. وقد استفدنا منه في هذا الأمر.
16 ـ كتاب «الدولة والسيادة في الإسلام»، وهو عبارة عن رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، نشرت 1984. م، طبعة ثانية بجامعة القاهرة. وقد استفدنا منه في تحليله القانوني حول علاقة الدولة بنظرية السيادة في الشريعة.
17 ـ وقد اعتمدنا أيضاً على كتب أدبية تقترب من موضوع بحثنا منها ما يلي: أ - ديوان شعر الخوارج. للدكتور / إحسان عباس (1). الحياة الأدبية في البصرة. للدكتور / أحمد كمال زكي (10). الفرق الإسلامية في الشعر الأموي. للدكتور / نعمان القاضي (11).
ب
ج
-
--
- rv_ (1/37)
صفحة 37
د-أدب السياسة في العصر الأموي. للدكتور/ أحمد الحوفي (12).
18 - مؤلفات الشيخ سالم بن حمود السيابي وهي مؤلفات شاملة لتاريخ الأباضية وفكرها وأهمها ما يلي:
أ ـ عمان عبر التاريخ (14).
إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء (15). ب -
جـ ــ طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي (16).
19 - مؤلفات الشيخ نور الدين السالمي ومنها ما يلي:
أ - مشارق أنوار العقول (17).
ب - تحفة الأعيان في تاريخ أهل عمان (8)
(18)
20 كما اعتمدنا على مؤلقات الدكتور / أحمد الشامي ومنها ما يلي:
ا?
في تاريخ العرب والإسلام (19).
ب - الخلفاء الراشدون (20).
جـ ـ العلاقات التجارية بين دول الخليج وبلدان الشرق الأقصى (21).
وقد أفادتنا تلك الدراسات في إلقاء أضواء جديدة وتحليلات هامة حول فترة وقضايا البحث وخاصة منتصف القرن الأول الهجري وهي فترة تشابك قضايا التاريخ الإسلامي، فأفدنا من ذلك.
21 - الدراسات الحديثة المتعلقة بمنطقة عمان والخليج العربي من قبل المستشرقين والتي بدأت منذ القرن السادس عشر الميلادي مع بداية اهتمام الأوربيين بالمنطقة بعد حركة الكشوف الجغرافية.
بدأت دراسة المستشرقين تهتم بعمان والأباضية منذ اهتمام بريطانيا بسواحل شرق افريقيا والهند والخليج العربي واهتمام فرنسا ببلاد المغرب العربي واهتمام ايطاليا بليبيا وكل هذه الأماكن بها وجود أباضي واضح ولذلك بدأت محاولات الكشف عن المخطوطات والمصادر الأباضية وظهرت دراسات حديثة منها ما يلي:
ا?موتيلنسكي Motylinski وهو أول من صنف الكتب والمخطوطات الأباضية مستعيناً بمؤلفات أباضية وردت في كتاب الجواهر المنتقاة للبرادي.
ي - المستشرق الايطالي Rubinacci الذي قام بنشر قائمة مخطوطات موجودة في معهد الدراسات الشرقية في جامعة نابولي. كان المعهد قد حصل عليها من ليبيا.
_ YA_ (1/38)
صفحة 38
د
هـ
و -
قام المستشرق البريطاني شاخت Schacht بنشر قائمة بالمخطوطات التي اطلع عليها في رحلته إلى الجزائر. ولفت النظر إلى أهمية هذه المخطوطات.
قام المستشرق كوبياك Kubiak بنشر بحث بعنوان المخطوطات العربية في بولونيا وقد نشرت بمجلة معهد المخطوطات.
قام المستشرق ولكنسون Wilkinson بعمل قائمة لأهم المصادر الخاصة عن تاريخ عمان وقدم بحثاً عن مصادر تاريخ عمان في الندوة العالمية الأولى لدراسات تاريخ الجزيرة العربية (22) بالرياض.1977 م. ونشر ولكنسون بحثاً عن آل الجلندي حكام عمان (23).
قام المستشرق سميث Smith من المتحف البريطاني بزيارة سلطنة عمان 1976 م بدعوة من وزارة التراث القومي والثقافة وأجرى ترتيب الكثير من المخطوطات
بالسلطنة.
ويظهر أن معظم الدراسات الخاصة بالأباضية عند المستشرقين قد تركزت على تاريخ الحركة في شمال افريقية بسبب عوامل سياسية وإن كنا قد استفدنا منها في إلقاء الضوء على الفترة المبكرة من تاريخ الأباضية في البصرة وهي فترة مهمة في بحثنا.
-59_ (1/39)
صفحة 39
(1) شغل منصب وزير الشباب بالمملكة الأردنية عام 1988 م. (2) حسب النظام المعمول به في جامعة بغداد في ذلك الوقت. (3) السامرائي، عبدالله سلوم، الغلو والفرق الغالية، بغداد، م طبعة ثانية. (4) بيضون، إبراهيم التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، بيروت، 1979، طبعة أولى.
1982
(0) عبد الرزاق، علي الإسلام وأصول الحكم، تحقيق د. ممدوح حقي، بيروت، 1976 م. (6) العلي صالح أحمد، امتداد العرب في صدر الإسلام، بيروت، 1983 م طبعة ثانية. (7) الشريف، أحمد إبراهيم، دور الحجاز في الحياة السياسية العامة في القرنين الأول والثاني في الهجرة. القاهرة، 1969 م.
(8) الخربوطلي، علي الإسلام والخلافة، بيروت، 1969 م.
الطبعة الرابعة.
(9) عباس، إحسان، ديوان شعر الخوارج، بيروت، 1982 م، (10) زكي، أحمد كمال الحياة الأدبية في البصرة، دمشق، 1962 م.
(11) القاضي، نعمان، الفرق الإسلامية في الشعر الأموي، دار المعارف بالقاهرة، 1970 م. (12) الحوفي، أحمد، القاهرة، 1965 م.
(13) السيابي، سالم بن حمود، عمان عبر التاريخ، مسقط، 1982 م. (14) السيابي، سالم بن حمود، إزالة الوعثاء، مسقط، 1984 م. تحقيق د. سيدة الكاشف. (15) السيابي، سالم بن حمود، طلقات المعهد الرياضي، 1984، م. تحقيق د. سيدة الكاشف. (16) السالمي، الإمام نور الدين أبو محمد عبدالله، مشارق أنوار العقول، دمشق. (17) السالمي، الإمام نور الدين أبو محمد عبدالله، تحفة الأعيان، مسقط، 1980 م.
(18) الأنجلو، 1976 م، طبعة أولى.
(19) القاهرة، 1982 م، طبعة أولى.
(20) القاهرة، 1978 م، طبعة أولى.
Wilkinson, Sovrces for the ealy History of Oman, Universty of Riyad, 1977 (21)
(22) وقد ترجم البحث في كتيب صغير عن وزارة التراث القومي في السلطنة في سلسلة تراثنا، 1982 م.
مسقط. (1/40)
صفحة 40
الدراسات
العربية
الحديثة
لا شك أن هذه الدراسات قليلة ومعظم ما كتب منها يدور حول الموضوع وقد اهتمت جهات متخصصة بنشر ما يستجد من تراث الأباضية وتاريخها وعقائدها خاصة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، التي اهتمت اهتماماً فائقاً لكل ما يتعلق بهذا الأمر أو يقترب منه. ومن هذه الدراسات ما يلي:
1
: (1)
عمر خليل النامي) نشر مقالة هامة حول المخطوطات الأباضية الموجودة، منها مخطوطات ألفها أئمة أباضية في القرون الأولى من الهجرة وذكر مخطوطات ترجع إلى جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة. ويبدو أنه كان يعمل في تقديم أطروحة في الفكر الأباضي مما استدعاه إلى الرجوع إلى تلك الفترة المبكرة.
2 - فاروق عمر فوزي (2):
وقد قدم دراسات حول الأباضية منها ما يلي:
-?10 (1/41)
صفحة 41
أ
- بيليوغرافية في تاريخ عمان. نشرت بمجلة المورد العراقية، في العدد الرابع 1974 م. وقد نبهت هذه المقالة على أهمية التاريخ المحلي لعمان. واستعرض تاريخ عمان والأباضية من خلال مصادر محلية.
ب ـ ملامح من تاريخ حركة الخوارج الأباضية، كما تكشفها مخطوطة الأزكوي. وقد صدرت عن مجلة المؤرخ العربي، العدد الثاني 1975 م. واستعرض فيها جوانب هامة. من مخطوطة كشف الغمة، وهي التي تنسب للأزكوي وهي التي حققت فيما بعد من قبل أحمد عبيدلي في بيروت للحصول على درجة الماجستير. كما قام عبد باقتباس القسم الخاص بتاريخ عمان. - المحاضرات والندوات التي عقدت في النادي الثقافي بمنطقة القرم بمسقط حول موضوع البحث ونشر بعضها في كتيبات صغيرة من قبل وزارة التراث بالسلطنة ومن أمثلة ذلك:
أ ـ محاضرة الدكتور / محمد أرشيد العقيلي، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة العين بالإمارات العربية المتحدة، وكانت محاضرة بعنوان «الحركة الأباضية في بداية العصر العباسي» وقد استفدنا منها من خلال تنظيم المحاضر لأحداث ووقائع إمامة الجلندي بن مسعود رغم انه لم يقدم مصادر جديدة أو معلومات فقد اعتمد على كتاب نشأة الحركة الأباضية للدكتور / خليفات وبعض المصادر التقليدية.
ب ـ محاضرة سيرجي جلوزيو أستاذ الآثار بباريس، حيث استعرض بالتفصيل تاريخ عمان في العصور التي سبقت التاريخ وفي بداية العصور التاريخية وقدم الأستاذ المحاضر ملامح جديدة عن الوضع في العصور الحجرية ثم عصر النحاس وعصر ما قبل
الأسرات.
وقد أشار إلى أهمية موقع عمان بالنسبة لحضارات عرب آسيا وقدم أدلة مادية عبارة عن صور الآثار تثبت تلك التأثيرات.
وقد استفدنا من هذا البحث في تعميق فكرة أهمية الموقع الاستراتيجي على خطوط الاتصالات الحضارية حيث أصبحت عمان في العصور الإسلامية مركزاً هاماً للخطوط
الملاحية التجارية بين الخليج العربي وبين عالم المحيط الهندي والصين.
جـ ــ محاضرة الدكتور / عبد المنعم سلطان، أستاذ التاريخ الإسلامي المشارك بجامعة السلطان قابوس وقد استعرض ملامح تاريخ عمان في العصور الإسلامية استعراضاً
r-
سريعاً.
ندوة الفقه الإسلامي التي عقدت في جامعة السلطان قابوس في الفترة من 9 إلى 13 أبريل 1988 م وهي تعتبر ندوة علمية عالمية أفادتنا كثيراً في توضيح قضايا كثيرة من موضوع البحث.
- EY_ (1/42)
صفحة 42
هـ
وقد رعى
تلك الندوة الممثل الخاص لجلالة السلطان قابوس، وألقى كلمة الوفود شيخ الجامع الأزهر. وحضرها مائة عالم يمثلون دول إسلامية عديدة وقد ألقى أعضاء الوفود أبحاث عديدة تناولت جوانب جديدة من تاريخ الأباضية. وقد أعلن الدكتور / إبراهيم زيد الكيلاني، الأردن، المقرر العام للندوة التوصيات النهائية وركز على ضرورة إبراز وكشف كتب الأباضية والابتعاد عن التعصب المذهبي. ويعتبر البحث المقدم من الدكتور يحيى البكوش، الجزائر، بعنوان «أثر مدرسة جابر بن زيد في الفقه الإسلامي» أهم الأبحاث التي تفيد بحثنا.
حصاد ندوة الدراسات العمانية: وهي عبارة عن مجلدات عشرة تشمل الندوات والبحوث التي قدمت في مسقط 1980 م وتدور حول تاريخ وحضارة عمان.
(1) قدم رسالة الدكتوراه إلى جامعة كمبرج في بريطانيا بعنوان تطور الفكر الأباضي، 1971 م. (2) يعمل أستاذاً للتاريخ الإسلامي بكلية الآداب، جامعة بغداد بالعراق. ومن المهتمين بالبحث التاريخي في الخليج العربي.
_ er_ (1/43)
صفحة 43
اللقاءات الشخصية
ما زال العديد من مشايخ وعلماء عمان يحتفظون بمعلومات وبيانات تاريخية عديدة في صدورهم مما استدعى الأمر إلى إجراء مقابلات ميدانية مع بعضهم ومنهم ما يلي: 1 - سماحة المفتي العام للسلطنة، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، يناير، فبراير سنة 1986 م. قاضي المحكمة الشرعية بالمنطقة الشرقية بالسلطنة، الشيخ سالم بن حمد الحارثي. قاضي محكمة مسقط سابقاً، وعضو لجنة التراث بالسلطنة. الشيخ سالم بن حمود السيابي. يناير فبراير سنة 1986 م، يناير 1989 م.
2
4 ـ الشيخ أحمد بن سعود السيابي. ويشغل منصب مدير عام الشؤون الإسلامية بوزارة العدل والأوقاف بالسلطنة. يناير فبراير، 1986، أبريل 1988 م.
ه - عضو المجلس الإستشاري للسلطنة، الشيخ أحمد بن سليمان الكندي. ديسمبر، سنة
1987 م.
وقد استفدنا من تفسير بعض جوانب البحث التي ندرت حولها المعلومات في سطور المخطوطات والمراجع في البحث وخاصة التحليلات التي ذكرها الشيخ سالم بن حمد الحارثي حول الوضع الاجتماعي والإداري والاقتصادي زمن إمامة الجلندي. كما ربط الشيخ سالم بن
حمد بين قضايا أباضية قديمة ومعاصرة.
- 44 (1/44)
صفحة 44
الفصل الأول
الأصول التاريخية للفرقة الأباضية
_?0_ (1/45)
صفحة 45
(1)
ظهور
المحكمة
في أعقاب التحولات الكبرى في شبه الجزيرة العربية، وغرب آسيا، توفي الرسول (ص)، بعد أن أرسى دعوته وأسس دولته. ولكن ظهرت مشكلة من يخلفه في قيادة الأمة وتسيير أمورها وحفظ جوانب دينها، بسرعة بين المسلمين. وأصبحت هذه القضية أولى القضايا التي دار حولها الجدل بين المسلمين، وأطولها في التاريخ الإسلامي، وما زالت حتى الآن تحتل مكانة هامة في الدراسات التاريخية، وتستحوذ على جانب كبير من أفكار المؤرخين، وتتنوع تحليلاتهم حسب انتماءاتهم ومناهجهم.
ورغم وجود آيات بالقرآن الكريم: تشير إلى القيادة أو الخلافة أو الإمامة أو الإمارة كما في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (1)، وقوله تعالى: «ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم» (2). ولكن لم ترد نصوص صريحة بالقرآن الكريم توضح أولي الأمر، برغم شمول القرآن الكريم لكل شيء من أمور الدنيا والدين «ما فرطنا في الكتاب من شيء» (3).
كما أن السنة النبوية الشريفة، رغم إشاراتها إلى هذا الأمر، إلا انه لم يتفق على حديث مؤكد يفصل تلك المسألة، ولكن ترك الأمر شورى بين المسلمين، ووردت أحاديث كثيرة عن الرسول
_ {V_ (1/47)
صفحة 46
(ص))، ولكنها لم تأخذ صفة الإجماع، بدليل أن العلماء لم يستطيعوا أن يستدلوا في هذه القضية على حديث شريف، ولو وجدوه لقدموه في الاستدلال على الإجماع. وبالإضافة إلى ذلك فإن الرسول (ص) لم يعين، من بعده، من سيخلف المسلمين. وحتى منصب الإمامة والخلافة فقد اختلف في وجوبه أو فرضه، وسنرى من الأحداث أن هناك فرقاً تعتبره فريضة، ومنها الأباضية، بينما تذكر فرقاً أخرى بأنه واجب وفي ظروف معينة.
ولما كانت الناحية الدينية قد اكتملت قواعدها ورسخت جذورها بين المسلمين، وقد أكد ذلك قوله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» (ه). وهي الآية التي نزلت عليه (ص) بعد خطبته الجامعة، ولم تمض ثلاثة شهور (6) على حجة الوداع حتى أصيب الرسول (ص) بالحمى، وفاضت روحه الطاهرة، في ضحى الإثنين (7)، الثاني عشر من ربيع الأول (8) سنة 11 هجرية / 632 م. فإنه كان لا بد من وجود من يقود الأمة الإسلامية، ويحمي مكاسبها الجديدة، ويقيم حدود. دينها فكان أمر خلافة الرسول (ص)، بذلك من أول وأهم القضايا التي بدأت تظهر بين المسلمين، خاصة وأن الرسول (ص) كان قد أرسى أركان دولة جديدة توفرت لها كل المقومات من: شعب وإقليم ونظم وسلطة حاكمة. وكان الرسول (ص) حاكماً لها، بالإضافة إلى مهمته السماوية (1).
وأصبح من المحتم على المسلمين، وبسرعة، اختيار خليفة للرسول (ص) يخلفه في مهامه الدنيوية. وبدأت منذ تلك الفترة البذور الأولى للفرقة بين المسلمين. وذلك أن المسلمين لم يجدوا نصاً صريحاً من الرسول (ص) على من يخلفه، أو بين آيات القرآن الكريم في صفات ذلك القائد الجديد، في الوقت الذي ترك فيه الرسول (ص) مدرسة كاملة من الشخصيات المدربة التي يصلح كل فرد فيها، بحكم أعماله وأدواره، أن يتولى شؤون المسلمين الدينية والدنيوية خلفاً للرسول (ص). بل ان المفكرين المسلمين (10) أعطوا لنا صوراً متباينة حول تلك القضية، التي لم يتفق عليها بين المحدثين حتى اليوم.
4
وبدأت حلقات تلك المشكلة، والرسول لم يدفن بعد ذلك أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، في محاولة لاختيار خليفة له، ومن بينهم، واجتمعوا على أن يختاروا زعيمهم سعد بن عبادة. فسارع إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وانضم إليهما أبو عبيدة بن الجراح، وخشي عمر بن الخطاب من ضياع الوقت واتساع الأمر (11).
ووقع الاختلاف، في البداية، بين فريقين هما الأنصار والمهاجرين، وقدم كل فريق منهما حججه ومؤهلاته لهذا المنصب الكبير. فانبرى سعد بن عبادة يقدم للجموع من هم الأنصار: فهم المدافعون عن الإسلام بأنفسهم وأموالهم، وهم الذين أووا ونصروا، وهم أصحاب الدار (12). وبرهن سعد بن عبادة زعيم الخزرج، بنظرية الأنصار في خلافة الرسول (ص) (13). وبدأت النفوس تضطرب ويسود الجميع القلق في تلك الفترة القليلة (14).
تقدم المهاجرون بدعواهم في أحقيتهم بالخلافة، فهم أهل الرسول (ص) وعشيرته، والذين تحملوا المشاق لدعوته، وهاجروا في سبيلها، وها هو أبو بكر ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأقدم
_ EA_ (1/48)
صفحة 47
الناس صحبة للرسول (ص)، وخليفته في الصلاة، حتى ذكر أبو بكر أن الأئمة في قريش (15) وان العرب لا تعرف الرئاسة لأحد غير قريش، وزادت مكانتها بالإسلام. وأدرك الرجل ما يختلج في نفوس الطرف الآخر، فبين مكانتهم في الإسلام وأنهم سيظلوا موضع الثقة فهم الوزراء (16). فتقدم عمر لبيعة أبي بكر وتبعه أسيد بن خضير، ثم بايعه الحضور وازدحموا على بيعته في المسجد، في اليوم التالي تمت البيعة العامة لأبي بكر الصديق والتأمت بذلك (17) أول بوادر
فرقة بين فريقين كبيرين هما أساس الدولة الجديدة. وأعني بهما المهاجرين والأنصار. ويلاحظ في عملية انتخاب الخليفة أبي بكر، التي تمت في ظروف صعبة، امتزاج التقاليد والعادات العربية مع التعاليم الإسلامية، ذلك أن البيئة العربية كان لها الأثر الكبير على توجهات الأحداث في تلك الفترة. (18). ففكرة الانتخاب وعدم قبول مبدأ الوراثة، فكرتان من التقاليد العربية المتبعة في اختيار شيخ القبيلة، ولكنها زادت بصورة أشمل بين المسلمين، الآن، وكذلك كبر السن والتجربة والخبرة فهي أيضاً عادات عربية تتبع عند اختيار شيخ القبيلة، أما الروح الإسلامية الجديدة فيها فقد برزت في تفضيل مكانة أبي بكر في الإسلام لصحبته للرسول (ص) ودوره في الإسلام (19).
هذا، وقد اختلف المؤرخون في تقويم الطريقة الجديدة التي تم بها اختيار الخليفة الجديد، للدولة الإسلامية، بعد الرسول (ص). فقد رأى البعض أنها تمت بسرعة عجيبة بسبب الخوف من الفتنة على الأمة الجديدة الناشئة بالأمس، وخصوصاً أن بوادر التمرد والانقسام بدأت تلوح في الأفق، أفراداً وقبائل، وإن كان رأي السقيفة قد مثل رأي السواد الأعظم من المسلمين (20) خاصة. بعد البيعة العامة في المسجد. بينما اتهم البعض الآخر الطبقة الارستقراطية، الجديدة التي نشأت في المجتمع الإسلامي الجديد، وهي طبقة تعتمد على الاتصال والقرب من النبي (ص) والبلاء في سبيل دعوته، وان هذه الطبقة أصبحت صاحبة الحل والعقد في أمور المسلمين كلها.
وانقسمت هذه الطبقة الجديدة إلى قسمين هما المهاجرون والأنصار (21). وأصبح منصب الخليفة مقصوراً عليها. واحتلت الفئة الأولى من تلك الطبقة، وهم المهاجرون، قمتها، وتمكنت السقيفة من إحراز مكانة مرموقة على الأنصار وأستيقنت قريش أن الإمامة حق ثابت لها، وبذلك أصبحت القرشية (22) هي قمة الارستقراطية الجديدة، وطورت مكانتها فيما بعد (23).
يوم
ويبدو أن الأنصار قد أحسوا بهذا الخطر يوم السقيفة، ولم تكن محاورتهم مع المهاجرين من أجل إزاحة شخص عن الخلافة، وإحلال آخر مكانه، بقدر ما كانت استكشافاً لنوايا المهاجرين في الغد، واتضح هذا الأمر في حوار الحباب بن المنذر (24) الأنصاري، مع أبي بكر، حينما تخوف الحباب من الأمر، «فقال له أبو بكر أمنا تخاف يا حباب؟ قال: ليس منك أخاف ولكن ممن يجيء بعدك، فقال له أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك فالأمر إليك وإلى أصحابك ليس لنا عليكم طاعة. قال الحباب: هيهات يا أبا بكر، إذا ذهبت أنا وأنت جاء بعدك من يسومنا الضيم» (25). وقد ظهرت بوادر تأييد لهذه الجماعة من ارستقراطية قريش القديمة (26)، لخلافة أبي بكر (27).
-?9_ (1/49)
صفحة 48
ويرى البعض أن الظروف والأحوال التي تمت بها عملية البيعة للخليفة أبي بكر (رضي الله عنه)، لم تكن ملائمة، وان تقرير مسألة مصيرية كالخلافة خاصة، لم تكن مناسبة. ذلك لأنها أهملت كل الأصوات التي لها دور في الدولة الجديدة، وأنها كانت أداة موقوتة للتفجير، إذ فقدت توازنها وقوتها، وكانت نهاية الخليفة عثمان بن عفان، إحدى ضحاياها (28). وهكذا جرا قريش بالخلافة كثيراً من الفتن والاضطرابات التي أثرت في توجهات الأحداث في التاريخ الإسلامي فيما بعد.
استثناء
ومهما يكن من أمر فإن السرعة التي تمت بها عملية اختيار الخليفة أبي بكر، كانت لها مبرراتها. في ظل ظروف حرجة ودقيقة في تاريخ الإسلام، ومن أجل الحفاظ على الدولة الجديدة. وقد لاحظنا أن الروايات (29) تصف عمر بأنه كان أشبه بالنحلة، في سرعته وخفته في سبيل سرعة إنجاز البيعة، وتلهفه على جمع الناس حول الخليفة أبي بكر، وإجباره الأنصار وغيرهم من المتبرمين على المبايعة.
***
وكانت هذه التجربة، درساً لأبي بكر، في عدم تكرار ما وقع بين المسلمين حولها. فلما اشتدت به العلة عهد إلى عمر بن الخطاب بالأمر من بعده، وأمر عثمان بن عفان أن يكتب عهده بذلك، فكتب. وقد أحس أبو بكر بذلك في رده على عبد الرحمن بن عوف حينما دخل عنيه يسأله عن صحته، فقال له: أصبحت مولياً وقد زدتموني على ما بي ورأيتموني استعملت رجلاً فكلكم قد أصبح ورماً أنفه، وكل قد أصبح يطلبها لنفسه (30).
(31)
وكان عمر في نظر أبي بكر أجدر الشخصيات بالمنصب، بلا منافس، حتى أنه قد أشار على المسلمين، يوم السقيفة باختياره (32). وكان هذا العمل من جانب أبي بكر. سنة جديدة وتطور مفهوم الخلافة عند المسلمين، ذلك أنه اختار ولياً لعهده، من غير أهله أو أقاربه، ولم يترك الأمر للمسلمين خوفاً من الفوضى والانقسام. وكان هو مرتاحاً لهذا الاختيار كل الارتياح. يظهر ذلك من رده على الناس حينما قالوا له: قد وليت علينا فظا غليظاً: فقال لهم: لو سألني ربي يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم. (33). وبذلك لم يترك الفرصة للفتنة من جديد (34). وسارت الأمور في عهد عمر بن الخطاب كما توقع لها خليفته السابق أبو بكر.
وفي الأيام الأخيرة لعمر بن الخطاب، بدأت تقلقه تلك المسألة، هو الآخر، وبدأت تراوده أفكار بشأن مصير الأمة، وانحصرت في فكرتين الأولى: أن يستخلف واحداً من الصحابة، بالتحديد، ولكن يبدو أنه لم يكن مطمئناً إلى أحد منهم بعينه (35). والثانية: ترك الأمر للمسلمين لاختيار الخليفة من بينهم. ولكن يبدو أن الطعنة القاتلة التي وجهها إليه أبو لؤلؤة جعلته يسرع في حسم. هذا الأمر، بعد إلحاح الصحابة وعائشة. فاستقر رأيه على ستة من الصحابة، توفي الرسول عنهم وهو راض، كما انهم من العشرة المبشرين بالجنة وهم: علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، عبد الرحمن بن عوف، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، س ابن أبي وقاص. وعين صهيب الرومي ليؤم الناس في الصلاة (36)، وكان عمر مدركاً لاتجاهات
، سعد
50 (1/50)
صفحة 49
الجماعة فعين ثلاثة مقابل ثلاثة، وحدد بعد ذلك أن ينحصر الأمر في ثلاثة فقط، في سبيل أن تنحصر عملية الشورى في عدد أقل، وأن تكون تلك الفترة التي يتم فيها الاختيار قليلة لا تتعدى الثلاثة أيام.
وبالفعل انحصرت العملية في بداية الأمر في ثلاثة: علي، عثمان، عبد الرحمن، ولما تنازل الأخير، أصبحت محصورة في اثنين فقط وهما: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان. ولكلّ تطلعاته وأفضلياته نحوها. وسبب هذا الأمر حيرة لعبد الرحمن بن عوف. ولكنه في النهاية بايع عثمان على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وأن يقتدي بفعل أبي بكر وعمر وبايع علي أيضاً لعثمان بالخلافة، وهكذا فإن بيعة عثمان لا شك فيها، ومتفق عليها (37).
جاء عثمان بن عفان (28) إلى الخلافة، في وقت بدأت فيه الظروف والأحوال من كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والفكرية، وبدأت القوى الخفية تستعد للظهور. لقد أصبحت المدينة ممتدة بسلطانها على شبه جزيرة العرب كلها، بالإضافة إلى العراق والشام ومصر، وفارس وشمالي إفريقية، وأرمينية، وتحولت الحكومة الإسلامية من دولة المدينة City State إلى دولة عالمية واسعة World State ، في الوقت الذي لم تبدأ فيه تطورات في نظم الحكم تواكب تلك الأوضاع الجديدة فظل أسلوب حكم الدولة المدينة، هو أسلوب حكم الدولة، العالمية (29)، فبدأت الأزمات والصراعات وتوالت المشاكل.
في الوقت نفسه انطلقت قريش إلى الأمصار، واستأثرت بالمناصب الكبرى، مع منصب الخلافة (40)، واستحوذت على الأموال أيضاً (41). وبدأت الأصوات في المدينة، وخارجها، تطالب بالمساواة، وتندد أحياناً، بما يحدث، وكان أبو ذر الغفاري، وهو أحد كبار الصحابة، يمثل أحد الاتجاهات الاقتصادية ضد العهد الجديد، وسياسة الاستغلال والترف. فتقرر التخلص منه بنفيه من المدينة إلى الشام ليكون تحت مراقبة والي الشام، معاوية، ولكنه أعيد إلى المدينة لينفي من جديد خارجها (42)، وكان شعاره» والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم» (43). وبذلك كانت انتفاضة أبي ذر الغفاري، أول صوت لتحذير رجال العهد
الجديد.
تبع هذه الانتفاضة أصوات أخرى مثل عبد الله بن مسعود، كما أن بعض الصحابة أنكروا على عثمان أموراً كثيرة منها: هبته خمس خراج إفريقية لمروان بن الحكم، وتطاوله في البنيان وحصره العمل والولاية في أهل بيته وانه أول من ضرب بالسياط (44).
وامتدت أصوات الاستنكار خارج المدينة، وأظهر سكان الأمصار عدم ارتياحهم لسياسة الخليفة عثمان بن عفان، وبدأت بوادرها في البصرة، والكوفة، ومصر، وانتشرت في تلك الفترة أقوال تفيد بأن الخلافة ليست من حق عثمان، بل من حق علي. ونشطت آراء السبئية (45). وبدأ رجال عثمان يقدمون له العون في تلك الظروف، فعرض عليه معاوية بن أبي سفيان، والي الشام أن يرسل إليه جنداً من أهل الشام لحمايته، أو أن يذهب بصحبته إلى دمشق ليكون في (1/51)
صفحة 50
حمياته، لكن عثمان أصر على البقاء في المدينة قائلاً: أنا لا أبيع جوار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشيء وإن كان فيه قطع عنقي)
(46)
تطورت الأمور في الأمصار، تطوراً سريعاً. فقد رفض أهل الكوفة أن يأذنوا لواليهم سعيد بن العاص، أن يدخل مدينتهم، وطلبوا من عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري، فاضطر إلى تلبية طلبهم (47). وبدأ جموع الساخطين على سياسة الخليفة تتجه من البصرة والكوفة ومن مصر العاصمة بالمدينة في شوال 35 هجرية / 655 م، وأظهروا أنهم يريدون الحج، على أمل أن يبايعوا بالخلافة شخصاً آخر من كبار الصحابة، ولكنهم وجدوا إعراضاً من علي بن أبي طالب. ومن طلحة الزبير) ومن
صوب
(48)
عاد الثوار إلى المدينة، وبدأوا في حصار دار الخليفة عثمان لإرغامه على خلع نفسه، ولكنه تمسك بمنصبه وأصر على أن لا ينزع قميصاً ألبسه الله، ولكنه يتوب ويرجع عن أي سوء (49)، وإن كان الثوار قد صمموا على ضرب الحصار بشدة، وانتهى هذا الحصار بمقتل الخليفة عثمان بن عفان في شهر ذي الحجة 35 هجرية / 655 م (50).
ورغم مقتل الخليفة عثمان، فإننا نرى أن خلافته متفق عليها وأن سنى حكمه الأولى، كانت تسير بانتظام نحو توجه الجيوش الإسلامية للفتوحات، وترتب على ذلك ازدهار اقتصادي ملموس، غير أن هناك شوائب بعد تلك الفترة، منها أنه لم يراع المصلحة العامة بقدر مراعة مصلحة أقربائه، ثم موقفه المتشدد من بعض الصحابة، الذين نبهوه إلى خطورة ذلك، حتى أن الأنصار لم يقروا طريقته في إدارة الدولة (51). وأنهم لم يتوقعوا هيمنة قريش على إدارة الدولة بهذه الصورة.
كانت ثورة الأمصار، ضد الخليفة في العاصمة، والتي انتهت بمقتله حدثاً جديداً في تاريخ الدولة الإسلامية والأمة بأسرها، ذلك لأنها أدت إلى نتائج هامة وخطيرة في المستقبل القريب، فظهر في المجال السياسي قوى جديدة، خارج نطاق المدينة، وأصبحت الأمة الإسلامية متفرقة إلى فرق وأحزاب (52)، تضفي كل واحدة منها على نفسها رداء دينياً، ونشأ جو جديد لم يكن الأولون يتوقعونه، عرف بالفتنة (53). وبدأت القبائل، لأول مرة، تعبر عن وجهة نظرها في اختيار قائد الدولة أو الخليفة، وتشترك بوجهة نظرها، وأصبح لها دور كبير بعد أن كان هذا الأمر مقصوراً على مهاجري المدينة (54).
وتولى الخليفة الرابع، الخلافة، في جو ملبد بالغيوم وبويع علي (55)، ولكنه لم يجد مفراً من ذلك. فخطب الناس، ووعدهم خيراً.
وجد الإمام علي أمامه أمرين ملحين ينبغي حلهما هما:
الأول: إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه في الأمصار، فبدأ بعزل عمال عثمان، وأحل محلهم ولاة آخرين في محاولة لإرضاء سكان الأمصار وإقرار نفوسهم (56).
- 52 (1/52)
صفحة 51
الثاني: فكان إنهاء قضية القصاص للخليفة عثمان بن عفان لكن تحركت الأمور في مارلا
يتفق مع
مخططه.
ذلك أن قوى المعارضة بدأت تظهر على السطح السياسي، وتتمركز في مراكز حساسة من الدولة الإسلامية، وهما: مكة والشام. ففي تجمع بعض أهل المدينة الذين لم يبايعوا علياً، طلحة والزبير (57). وانضمت إليهما عائشة. وبدأوا في التوجه من مكة صوب البصرة، خاصة بعد أن علموا بأن والي الشام قد رد بيعة عليّ (58). وكان هذا التصرف عاملا من عوامل إلتهاب الأوضاع منذ بدايتها.
ولحق بهم
وأصبح على الإمام علي الذي كان يعد العدة للتوجه صوب الشام، أن يغير وجهته صوب البصرة للقضاء على هذا التمرد في بدايته، حيث التقى بهم في معركة يوم الجمل، بالقرب من البصرة، بينما لم تمض على خلافته إلا أشهر وتمكن بالفعل من القضاء عليها (59)، وإعادة عائشة إلى المدينة. وكانت أول حرب تدور بين الصحابة بهذه الصورة المباشرة. وقد ترتب عليها أمور سياسية أهمها: انتقال علي إلى الكوفة ليتخذها عاصمة له، بعد أن أرهقته الحجاز بمشاكلها المتعددة (60). كما انه كان يود أن يكون قريباً من الوالي المعارض له في الشام وهو معاوية (61).
وأخيراً، طغى الصراع بين الخليفة علي وبين معاوية على المناخ السياسي في العالم الإسلامي، منذ تلك الفترة وحتى مقتل الإمام علي سنة 40 هجرية / 660 م. فقد بدأ علي في التوجه من الكوفة صوب الشام، لإنهاء موقف واليها معاوية، وانتهت الأمور بينهما، بعد عملية إرسال الوفود، في أن معاوية ربط بين تلك البيعة وبين القصاص من قتلة عثمان، ومطالبته بتسليم هؤلاء القتلة، وزاد الأمر خطورة اتهام معاوية للخليفة الجديد بالتواطؤ في عملية القتل. (62). وانتهت الأمور إلى تحكيم السيف.
وهي
بدأت المواجهة العسكرية بين الطرفين في صفين (63). وكانت أول معاركها يوم الأربعاء غرة صفر 37 هجرية / 657 م (64). وكان المقام بها مائة وعشرة أيام، شملت تسعين معركة بين الجانبين (65). وظهرت على الفور صورة جديدة للنزاع من الصراع أخد صورة جديدة من العصبية العصبية الإقليمية (66)، التي أثرت في مسار التاريخ الإسلامي في العصر الأموي والعصر العباسي فيما بعد. حيث عبأ معاوية جند الشام في سبيل تحقيق ما يصبو إليه، بينما ارتكز الإمام علي على قوة العراقيين لنصرته في مطالبه الشرعية. وأعادت تلك الصورة الجديدة إلى الأذهان الصراع الفارسي الروماني قبل الإسلام. كما حملت تلك الحرب في طياتها أسماء لامعة لقبائل عربية برزت في الميدان العسكري، بصورة عصبية جديدة (17).
ويبدو أن تصميم الإمام علي على جعل الأمر للسيف حتى النهاية، لم يسايره تصميم من أتباعه رغم توجه نهاية المعركة لصالحهم (68). فاستغل هذا الأمر عمرو بن العاص، مستشار معاوية في حرب صفين، فأراد أن يثير الإنقسام بين جند الإمام، فأشار على معاوية بأن ترفع المصاحف على أسنة الرماح على أساس أن يكون كتاب الله بينهم وبين جند. علي (9)
(69) (1/53)
صفحة 52
وبرغم إدراك علي لأهداف خصومه (70)، فإنه اضطر إلى وقف القتال، وقبول التحكيم، مع خصومه وبدأت تظهر بين جنده بوادر تمرد سرعان ما انتشرت في قطاع جيشه الكبير، فها هو الأشتر يحاول إقناع جماعته بخدعة التحكيم.
وقد تحدثت المصادر بإسهاب عن تلك الفترة (71)، وبدايات الإنقسام بين جند الإمام نستخلص منها أن بعض العناصر في جند الإمام علي لم تكن مخلصة حتى نهاية الحرب ومنهم الأشعت بن قيس، الذي أعلن قبوله للتحكيم بسرعة، كما لا يستبعد أن تكون هناك اتصالات بين معاوية وبين بعض رجال عليّ أثناء المقام الطويل في صفين (72). وإن كانت هناك فئة ما زالت مصممة على خوض المعركة حتى نهايتها وهكذا أصبح الإمام علي بين تيارين لم يتمكن من قيادتهما فيما بعد. وخاصة بعد أن أعلن قوله: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما)). وكما أجبر الإمام على وقف القتال، من جانب بعض أصحابه، أجبر أيضاً على اختيار ممثله في المفاوضات، فقد تقدم باختياره عبدالله بن عباس، ليرأس وفده إلى المفاوضات، ولكنه رفض من قبل بعض أتباعه، كما رفض الأشتر أيضاً، الأول لقرابته، والثاني لحبه للحرب، وبدأت
الأحداث تتحرك، دون أن يكون للخليفة قوة في التحكم فيها أو في توجيهها.
ففي الوقت الذي بدأت فيه الوفود، الممثلة لقوى الصراع، تجتمع بدومة الجندل في شهر صفر سنة 37 هجرية / 657 م على أساس الحكم بما في القرآن والسنة حول الخلاف، وتعهد كلا الطرفين بقبول النتيجة. بدأت الأحداث تتجه صوب منحدر خطير مع قوات الخليفة علي، ذلك أنه أثناء قبول وقف الحرب، علا صوت يقول لا حكم إلا لله كان له صدى كبير بين الرافضين للتحكيم، وكان عروة بن آدية التميمي (74)، أول من نطق بها، وأصبحت هذه العبارة شعاراً لجماعة مستقلة لا تمت بآرائها إلى أي تيار سابق من قبل أهل الشام، أو حزب العراق. وضعفت معنويات العراقيين، وتفرق جند الإمام علي. لقد خرجوا إلى حرب معاوية متحدين متحابين فرجعوا، متباغضين منقسمين، وفشا بينهم الإنقسام، وعادوا يتدافعون وهم في طريق عودتهم إلى العراق ويتشاتمون ويضطربون بالسياط (25).
وانفصلت إلى النهاية، جماعة المحكمة الذين انطووا تحت شعار «لا حكم إلا لله» ولم يدخلوا مع رفاقهم القدامى، بل اتجهوا صوب حروراء، وأصبح هذا الموضع اسماً جديداً أطلقته المصادر على تلك الجماعة (3). وبدأت عقليات رجالها تتمخض نحو فكرة جديدة للخروج من الأحوال السيئة التي يتعرض لها المسلمون فسرعان ما انتقلوا من قريتهم الأولى، واتجهوا صوب النهروان، حيث بدأت مشاوراتهم نحو انتخاب إمام جديد لهم (). وبالفعل كان عبدالله بن وهب الراسبي (78). أول إمام لهم حسب ما تنص عليه الشريعة الإسلامية.
***
تعتبر المحكمة، أحداث صفين منذ التحكيم، أشبه بمهزلة (79)، سادت أحداث العالم الإسلامي، ذلك أن الخليفة علي قبل التنازل عن الخلافة، التي أعطتها له الأمة الإسلامية.
1021 (1/54)
صفحة 53
وكان هذا التنازل أمام وال، لا يرقى إلى منصب الخليفة. ثم انه حكم الرجال في أمر سبق فيه حكم لله، واعتبروا قضية التحكيم، عملية خدعة من جانب معاوية، الذي كان ينبغي الاستمرار في قتاله حتى النهاية، وحتى يذعن للإمام (80). وطلبوا من الإمام علي ذلك، فلما لم يجبهم إلى ذلك خرجوا عليه، وبدأوا ينتهجون نهجاً آخر، وقد تمكن هذا النهج من الانتشار بين قطاع كبير من الجماهير الساخطة على الخلاقة. ومثلوا حزباً جمهورياً جديداً في التاريخ الإسلامي (81).
ويبدو أن هذا الحزب قد مثل قطاعاً كبيراً من المسلمين في تلك الفترة، فقد ورد في روايات الشماخي أنهم أربعة وعشرون ألفاً شاملاً مجموعة كبيرة من القراء والزهاد وكبار الصاحبة والتابعين (82)، وفيهم من أهل بدر ومن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، كحرقوص بن زهير السعدي (83). وشجرة بن أوفى السلامي وكان بدرياً، وأعداد كبيرة من كبار الصحابة (84).
وهكذا ظهر تيار جديد ينادي بأن الخلافة ليست حكراً على قريش، ولا على أي بيت من بيوتاتها. وبذلك خالف جميع التيارات السابقة. وخالف أيضاً التيار الشيعي، الذي ظهر في تلك الفترة أيضاً بوضوح، وينادي بالتمسك بالخلافة في آل البيت (89). وبدأ هذا التيار الشيعي في الظهور على مقابل التيارين الآخرين وهما تيار معاوية، وتيار المحكمة. وبذلك ظهرت جماعة المحكمة كإحدى الجماعات التي تشارك في صنع أحداث التاريخ الإسلامي.
مسرح
الأحداث (1/55)
صفحة 54
(1) القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 59. (2) القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 83. (3) القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 38.
(4) ذكر علي عبد الرازق بما يلي: أسند ابن زبالة عن حسن بن محمد الثقفي، قال: بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني أساس مسجد المدينة ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فمر رجل فقال يا رسول الله: ما معك إلا هؤلاء القوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء هم ولاة الأمر من بعدي. وروى البيهقي في دلائل النبوة عن سفينة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لما بنى صلى الله عليه وسلم، المسجد وضع حجراً، قم قال: ليضع أبو بكر حجره إلى حيث حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى حيث حجر أبو بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى حيث حجر عمر، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هؤلاء هم الخلفاء من بعدي. (علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، نقد وتعليق الدكتور / ممدوح حقي، ص 49، 50، بيروت،
(1976
(5) القرآن الكريم، سورة المائدة آية. (1) د. الشامي، أحمد، سلسلة في تاريخ العرب والإسلام (1) حضارة العرب قبل الإسلام وحياة م 250، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1978 م.
(7) سيرة ابن هشام، ج 1، ص 222 223، بيروت، 1987 م.
محمد، ص
(8) المسعودي، علي بن الحسين، ت 1345 هجرية / 956 م، التنبيه والاشراف، ص 260، بيروت، 1981 م.
م.
(9) علي عبد الرزاق الإسلام وأصول الحكم، ص 68. (10) من هؤلاء: البلاذري، الأنساب، ج 1، ص 579 وما بعده. الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد، ت 450 هجرية / 1058 م، الأحكام السلطانية، مصر، 1386. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، ت 804 هجرية / 1401 م، كتاب العبر، بيروت، بدون تاريخ (11) البلاذري، المصدر السابق، ج 1، ص 579. ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 7، 8. أحمد الشامي (دكتور)، الخلفاء الراشدون، ص 16 وما بعدها، دار النهضة المصرية، 1982. (12) الجاحظ البيان والتبيين، ج 3، ص 527، تحقيق فوزي عطوي.
البلاذري، المصدر السابق، ج 1، ص 581.
(13) الريس، ضياء الدين النظريات السياسية في الإسلام، ص 36، 37، القاهرة، 1968، (14) الشامي، أحمد، في تاريخ العرب والإسلام ج 1، ص 250.
م.
(15) البلاذري، الأنساب، ج 1 ص 583. الطبري، محمد بن جرير، ت 10 هجرية / 922 م، تاريخ الرسل والملوك، ج 3، ص 220، تحقيق محمد
أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، 1972 م.
ابن هشام، الشيرة، ج 4، ص 338.
(16) البلاذري، الأنساب، ج 1،
ص 582
ابن قتيبة، أبو محمد عبدالله الإمامة والسياسة، المكتبة التجارية، القاهرة، بدون تاريخ الأشعري،
مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 39.
(17) أحمد الشامي (دكتور)، الخلفاء الراشدون، ص 26.
(18) أحمد الشامي (دكتور)، في تاريخ العرب والإسلام، ج 1، المقدمة. (1/56)
صفحة 55
(19) ماجد، (عبد المنعم)، التاريخ السياسي للدولة العربية، ج 1، ص 144، الأنجلو المصرية، 1973 م.
الطبعة الثالثة.
محمد خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 46.
(20) أحمد الشامي، (دكتور)، الخلفاء الراشدون، ص 26، 27.
(21) أحمد الشريف، دور الحجاز في الحياة السياسية، ص 135. (22) الريس، ضياء الدين الريس (دكنور)، النظريات السياسية، ص 43، ويطلق عليها الارستقراطية المكية. (23) إبراهيم بيضون، ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، ص 17/ 15. (24) هو الحباب بن المنذر بن الجموع بن زيد بن حرام بن كعب بن غتم بن كعب بن سلمة الأنصاري، الخزرجي السلمي. شهد بدرا. وهو الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم، يوم بدر في شان موقفه وموقف الصحابة قبل القتال: يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه، أم هو الرأي والحرب؟ فقال النبي: بل هو الرأي والحرب. فقال له الحباب: ليس هذا بمنزل، فقبل النبي
قوله.
(25) ابن قتيبة، عبدالله بن مسلم، الإمامة والسياسة، ج 1، ص 9، بدون تاريخ. (26) اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، بدون تاريخ، ج 2، ص 126. (27) هو أبو بكر بن عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن نوي، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم، عند مرة بن كعب، كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فلما أسلم سماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله ولقبه عتيق. أمه أم الخير بنت صخر بن عامر. (المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 263).
محمد
(28) إبراهيم بيضون (دكتور)، ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، ص 20. محمد باقر الصدر، بحث حول الولاية، ص 28. أبو منصور الطبرسي، الاحتجاج، ص 103 - 115. «يري باقر أن تلك العملية أهملت أحقية ومكانة آل البيت، وبالتالي لا ينطبق عليها مبدأ الشورى. لأن هذه العملية لو كانت قد أنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد عن النبي صلى الله عليه وسلم اننا لا نجد في الأحاديث أي صورة لها. وبالتالي فقد تجاهل أصحاب هذا الاتجاه مبدأ الشورى. فقد عينوا خليفة على المسلمين وفرضوا طاعة عليهم».
مع
(29) البلاذري، الأنساب، ج 1، ص 588/ 587. ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 8، 9. الطبري، تاريخ، ج 3، ص 199. ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 3، ص 158.
(30) اليعقوبي، تاريخ، ج 1، ص
127
(31) هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد الغرى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي. ويكن أبا حفص. أمه صنمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله عن عمر بن الخزم. قتل يوم الأربعاء 26 ذي الحجة سنة 23 هجرية / 643 م، وهو ابن ثلاث وستين سنة. على يد أبو لؤلؤة. (المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 266). (32) البلاذري، الأنساب، ج 1، ص
582
(33) الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، ج 1، ص 25، القاهرة، 1961 م. (34) البغدادي، عبد القادر بن طاهر، الفرق بين الفرق، ص 4، بيروت، 1953 م. (35) قال ابن عباس لعمر حينما وجده قلقاً على مصير المسلمين، هل لك في علي فقال إنه رجل به دعابة، وخاف من عثمان بن عفان حمله بني أمية على رقاب الناس، ومن طلحة زهوه. ومن الزبير بن العوام
_ ov_ (1/57)
صفحة 56
12،11
اهتمامه بالتجارة، ومن سعد بن أبي وقاص عسكريته وشدته. ومن عبد الرحمن بن عوف فظاظته (فرعون هذه الأمة). ابن قتيبة الإمامة والنسياسة، ج 1، ص 24، 25. الماوردي، الأحكام السلطانية، ص (36) الطبري، تاريخ، ج 4، ص 237، 229. (37) كان عبد الرحمن بن عوف قد صعد المنبر ودعا عليا لأخذ العهد على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفين. ولكن عليا قال: افعل بكتاب الله وسنة نبيه ثم بمبلغ علمي وطاقتي (راجع الشامي
الخلفاء الراشدون، ص 273، 274). (38) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، القرشي الأموي، ولد بعد عام الفيل بست سنين، وأسلم على يد علي يدي أبي بكر الصديق وزوجه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته رقية وماتت عنده، في أيام، بدر فزوجه بعدها أم كلثوم، ولذلك لقب بذي النورين وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية. أمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. قتل في المدينة يوم الجمعة 18 ذي الحجة سنة 35 هجرية / 655 م، وهو ابن اثنين وثمانين سنة. وقيل ثمان وثمانين. (المسعودي. التنبيه والاشراف، ص 269).
(39) الريس النظريات السياسية،.
ص
049
(40) إبراهيم بيضون التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، ص 107.
(41) الطبري، تاريخ، ج 4، ص 323.
(42) الطبري، المصدر نفسه، ص 378 بيضون التيارات السياسية، ص 108. (43) القرآن الكريم، سورة التوبة، أية 34.
(44) ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 32 الطبري، تاريخ، ج 4، ص 324. (45) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، تاريخ الخلفاء، ص 157، القاهرة، 1969 م. (46) الطبري، تاريخ، ج 4، ص 352.
(47) ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 34 - 36.
ابن الأثير، عز الدين علي بن محمد الكامل في التاريخ، ج 3، ص 57، القاهرة، 1383 هجرية.
(48) ابن الأثير، نفس المصدر، ج 3، ص 57 ـ 58.
(49) المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 269.
(50) ابن الأثير، ج 3، ص 29 - 42.
الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 26.
(51) إبراهيم الشريف، (دكتور)، دور الحجاز في الحياة السياسية، ص 272. (52) الطبري، تاريخ، ج 4، ص 436. ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 50.
ص
ovo
(53) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، (54) عوض خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 50.
(55) المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 271، 272. هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، يكنى أبا الحسن، أمه فاطمة ابنة أسد بن هاشم بن عبد مناف. بويع يوم مقتل الخليفة عثمان.
في 18 ذي الحجة 35 هجرية / 660 م، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام. (56) اليعقوبي، تاريخ، ج 2، ص 155. المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 581.
1911 (1/58)
صفحة 57
(57) بايع طلحة والزبير الإمام علي، ولكنهما زعماء فيما بعد، أن الأمر كان بالإكراه. فخرج إلى مكة. ابن قتيبة، المصدر السابق، ج 1، ص 52.
(58) طه حسين علي وبنوه، ص 29. بيضون، التيارات السياسية، ص 122، «يسميهم بيضون التحالف الثلاثي». (59) المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 271 - 272. الطبري، تاريخ، ج 4، ص 458، (أعطى تفصيلات وافية أشبه بيوميات للحرب).
(60) الشريف، دور الحجاز في الحياة السياسية، 397.
(61) الطبري، المصدر السابق، ج 4، ص 550.
(62) الطبري، نفسه، ج 4، ص 561.
(63) قرية صغيرة قديمة غربي الفرات، في منتصف الطريق بين العراق والشام. ياقوت الحموي، ج)
(64) المسعودي، المصدر السابق، ص 272.
ص
(65) المسعودي، المصدر السابق، ج 1، ص 272، 273.
(66) جمال سرور، الحياة السياسية في الدولة العربية الإسلامية خلال القرنين الأول والثاني الهجري،
ص 75. طبعة دار الفكر 1964 م.
أحمد الشريف، دور الحجاز في الحياة السياسية، ص 399، وما بعدها.
(67) ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص 144.
(68) الطبري، تاريخ، ج 4، ص 565 - 575، ج 5، ص 1، 63. ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 105 ـ 114.
المسعودي، مروج الذهب، ج 1،
(69) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 49.
1، ص 583 - 586، التنبيه والاشراف، ص 272.
(70) قال «ما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة» الطبري، تاريخ، ج 5، ص 48، 56. (71) ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 65 - 67. تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 155. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 49 ـ 65. الدنيوري، الأخبار الطوال، ص 143 ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص 116، 118.
(72) إبراهيم الشريف (دكتور)، دور الحجاز في الحياة السياسية، ص 300.
(73) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 51 الطبرسي، الإحتجاج، ج 1، ص 8.
(74) هو عروة بن آدية التميمي، حضر صفين مع أخيه بلال، مرداس، زعيم المحكمة فيما بعد، يعتبر أول سيف سل للمحكمة في الإسلام. وذلك ان الأشعث بن قيس أخذ يطوف بصحيفة التحكيم في منازل جند علي حتى أتى بني تميم فسل عروة سيفه وأقبل على الأشعث وقال: ما هذه الدنية يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ وقال لا حكم إلا لله. وقد قتل على يد زياد بن أبيه. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 215، 216. الشماخس، سير المشايخ، ج 1،، ص 48 الحارثي، العقود الفضية، ص (75) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 72.
(76) الحارثي، سالم بن حمد، العقود الفضية، ص 45، سلطنة عمان، 1980 م. (7) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 601.
046،45
(78) هو عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي العماني، كانت قبيلته من القبائل التي جاءت من عمان ونزلت الديرة. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وشارك في فتوح العراق تحت قيادة سعد بن أبي وقاص. كان من أنصار علي بن أبي طالب في حرب معين. ثم أنكر التحكيم، وخرج عليه، وانضم إلى الرافضين له. (1/59)
صفحة 58
وتحرك صوب النهروان وانتخب إماماً لجماعته. وكان معروفاً بالزهد والورع والعبادة حتى لقب بذي الثفنات لطول سجوده الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 201، 202. الشماخي، السير، ج 1، ص 52 المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 272.
(79) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، يناير، 1988 م.
(80) الشماخي، السير، ج 1، ص 47 - 49. الحارثي العقود الفضية، ص 49 - 51. (81) إسماعيل، محمود (دكتور)، الحركات السرية في الإسلام، ص 16، بيروت، 1973 م. (82) ورد ذكر كتاب جامع لأسمائهم يسمى «النهروان» في المصادر الأباضية ولكن لم يعثر عليه حتى الآن. مقابلة مع الحارثي.
(83) (ذكر عن عائشة عن النبي، صلى الله عليه وسلم انه قال أول من يدخل علينا اليوم من أهل الجنة. قالت: فقلت أبو بكر عمر فلان فلان، فدخل حرقوص ولحيته تقطر ماء وفي اليوم المثاني والثالث كذلك. واشترك في حرب الفرس) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 202، 203. الحارثي، العقود الفضية، ص
(84) البرادي الجواهر المنتقاة، ص 118، 119.
(80) هناك آراء كثيرة حول نشأة التشيع أهمها:
1 - يذكر البلاذري في انساب الأشراف، وآخرون، أن بدايتها كانت في سقيفة بني ساعدة.، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن العباس وجماعة من بني هاشم رأوا أن علياً أحق بالخلافة من غيره، ولم يستشر، وقد تخلف مع علي عن بيعة أبي بكر جماعة منهم: العباس وابنه الفضل. والزبير، وخالد بن سعيد، والمقداد، وسلمان الفارسي، وأبو ذر وعمار بن ياسر ويروي ا اليعقوبي أن أربعين رجلاً أتوا علياً فبايعوه فطلب منهم أن يأتوه في الصباح محلقين رؤوسهم عليهم السلام فلم يجب منهم سوى أربعة (البلاذري، انساب الأشراف، ج 1، ص 583، اليعقوبي، التاريخ، ج 2، ص 102. الطبري، تاريخ، ج 3، ص 208. أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 266، 278، يرى أنها تطورت زمن عثمان ولكنها بدأت بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. ب - يرى مؤرخو الشيعة، أنها بدأت منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم: القمي، المقالات والفرق، ص 15، مطبعة حيدري، طهران، سنة 1963.
- سعد
النوبختي، فرق الشيعة، ص 15.
الشيخ الصدوق، صفات الشيعة، ص 143.
الطبرسي، الإحتجاج، ج 1، ص 66 - 89
ج - ترى فئة ثالثة، أن التشيع ظهر بعد مقتل عثمان ومنهم: بان حزم الفصل في الملل والنحل، ج 2، ص 80.
م.
ولهوزن، أحزاب المعارضة السياسية الحديثة في صدر الإسلام ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، ص 146.
- ابن النديم الفهرست، ص 175. الدوري، مقدمة في صدر الإسلام، ص 61
يرى فريق رابع، بأنها بدأت، عصر الأمويين خاصة بعد حركة التوابين سنة 61 هجرية / 680 م، ومنهم:
فان فلوتن، السيادة العربية. ص 74.
کامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ص 12.
وإن كنا لا نقبل رأي الفريقين الأول والثاني. (1/60)
صفحة 59
(2)
النزاع بين
المحكمة وبين
الإمام على ويوم النهروان)
كان الواضح من البداية أن الإمام علي يتجه إلى الطرق الدبلوماسية مع معاوية (1)، إذ أنه كان يتحرك من موقع المسؤولية كخليفة للمسلمين، تجاه أحد ولاته، المتمرد عليه، ولما كان علي يعمل بقدر طاقته على لم شمل المسلمين. وإعادة الاستقرار إلى الدولة بعد مقتل الخليفة عثمان، فإنه أرسل إلى معاوية وفداً برئاسة جرير بن عبد الله البجلي (2). لكن الحرب فرضت حتميتها منذ البداية عليه أمام إصرار وادعاء معاوية (3).
وإذا كان معاوية قد فرض على علي القتال، فإنه فرض عليه أيضاً الاختلاف بين جنده بسبب حيلة التحكيم التي نادى بها جند الشام. (4). وبالفعل أحدثت هذه المناورة صدعاً خطيراً في جيش علي وأدت إلى تمييع الموقف العسكري وانكفاء النزعة القتالية بين جند علي، بينما ارتفعت بمعاوية وجنده إلى موقع الند للند مع الإمام. وبدأت بدايات انقسام متعددة في جيش الإمام أهمها انفصال جماعة من جنده عليه، بعد أن ردد عروة بن آدية التميمي «لا حكم إلا لله». كما أن عروة تعرض للأشعث بن قيس الكندي، وهدده بالقتل، فظهرت العصبية القبلية من جديد بين جنده. فبينما أيدت تميم عروة في رفضه للتحكيم، أيدت كنده الأشعث بن قيس وخسر الإمام كلتا القبيلتين فكلتاهما سارت في خط متناقض عن الأخرى على حساب جبهة
-11 - (1/61)
صفحة 60
علي. وكان هذا بداية ارتباط المحكمة في بداية الأمر بمساندة قبيلة تميم القوية خاصة في البصرة. (5). وظهر منها ألمع شخصيات المحكمة فيما
بعد
(1)
أنكرت جماعة المحكمة على إمامها عليّ في بداية الأمر، وقف القتال مع والي الشام الخارج عليه، وقبول التفاوض معه، ثم لأنه وضع حقه في الخلافة للتحكيم بين الناس، مع أن الخليفة السابق عثمان بن عفان رفض التنازل عنه وقتل في سبيله. فانشقت تلك الجماعة من جيشه ورفضوا دخول الكوفة معه واستقروا في قرية حروراء، فنسبوا إليها، وجعلوا شبث بن ربعي التميمي أميرا للقتال، وعبد الله بن الكواء اليشكري أميراً للصلاة. (7).
ولما أحس الخليفة عليّ بخطورة الوضع على جبهته، وأهمية عودة المحكمة إليه من جديد، خرج إليهم وبيّن لهم أنه أكره على وقف القتال والتحكيم إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما» (8). ولكنهم اعترضوا عليه جعل الخلافة موضع تداول بين الرجال، ودارت المحادثات
بينهما (1)، انتهت بتخفيض حدة التوتر على أمل ألا يرسل الإمام وفده إلى التحكيم. عادت الأمور إلى التوتر بين الطرفين، المحكمة، والإمام من جديد حينما علموا استعداد الإمام للتحكيم، وبدأوا يستعدون للمجابهة المباشرة مع الإمام بعد أن أدركوا التزام الإمام بوثيقة التحكيم، فأرسلوا رجلين إليه هما: زرعة بن البرج. وحرقوص بن زهير (10)، وحذرا الإمام من خطورة الاستمرار في التحكيم، فرد عليهم بقوله «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تَنقُضُوا الأيمن بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا» (11)، فرد عليه الرجلان بعبارات تدل على تمسكهم بموقفهما إذ قال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه. وقال الآخر: والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتك (12).
ضده،
وأمام استمرار الإمام علي في طريق التحكيم. بدأت المعارضة الشديدة من قبل المحكمة، ولكنها اتخذت صورة كلامية. فكان إذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم «لا حكم إلا لله»، فيرد عليهم بقوله: كلمة حق أريد بها باطل، ويتلو بعضهم عليه قوله تعالى «ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين» (13). فيرد عليهم بقوله تعالى «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون» (14)، ورغم ذلك فإن الإمام
ظل ملتزماً بعدم الدخول معهم في مواجهة عسكرية إلا إذا أجبروه على القتال (15). وفي مقابل المضي في عملية التحكيم تحركت جموع المحكمة إلى النهروان، وقاموا بتشكيل حكومتهم على النهج الإسلامي فبايعوا عبدالله بن وهب الراسبي إماماً. وظهرت بذلك دولتهم على أساس أفكارهم وتكونت على هذا الأمر ثلاث تيارات سياسية متناقضة لكل فكره ومركزه: الأول بالكوفة، والثاني بالشام، والثالث أخذ في جمع أتباعه والتحرك شمالاً الشمال صوب ليستقر نهائياً في النهروان (16).
وبدأ مرحلة تطبيق المبادئ عن المحكمة، ذلك أنهم أجازوا أن يكون الإمام من غير قريش وكل من نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إماماً ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه (17). كما أنهم أعلنوا أن علياً أخطأ في التحكيم وترك حكم
- TP_ (1/62)
صفحة 61
الله حينما حكم الرجال، وتبرأوا من الحكمين (18)، وبذلك خالفت المحكمة بقية الأحزاب السياسية في عصرها. حتى انه أطلق عليهم اسم الحزب الجمهوري» لأنهم لم يحصروا الخلافة في طبقة معينة أو جنس خاص، ويرون بعزل الخليفة منذ اللحظة التي يفقد فيها ثقة الأغلبية (19). وأصبح فكرهم السياسي معبراً عن قطاع كبير من الجماهير الإسلامية الناقمة على الخلافة، أو الأوضاع السائدة، ومن خلال مبادئهم التي تمسكوا بها أطلق البعض عليهم أصحاب المذهب الثوري الديمقراطي الإشتراكي» (20)، وارتبط تاريخهم الطويل عبر مسيرته المتعثرة بمحاولات تطبيق تلك المبادئ.
ويبدو
أن الإمام علي أدرك أهمية النصيحة التي قدمت له بعدما حدث في التحكيم، فقد اتفق عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري على خلع كل من عليّ ومعاوية، فتقدم أبو موسى لخلع إمامة علي، بينما ثبت عمرو من بعده معاوية في الخلافة (21). فبرأ علي من الحكمين، وأرسل بذلك إلى رفاقه القدامى، من المحكمة (22). لكن الإمام وجد منهم إعراضاً عنه، وتمسكاً بموقفهم ومبادئهم (23). أخذ الإمام يستعد لمتابعة حربه مع والي الشام، من جديد، في سبيل جمع كلمة المسلمين، وان يتجنب المحكمة حتى يفرغ من قضيته الأولى (24). ذلك لانه أدرك أن ترك الأمر شورى بين المسلمين في اختيار خليفته، كما زعم الحكمان في البداية، لا يؤدي إلا إلى حدوث الفوضى في العالم الإسلامي، وكثرة ظهور المطالبين بالخلافة، وانقسام القبائل فيما بينها (25)، ولكن وقعت أمور جديدة بينه وبين المحكمة جعلته يغير وجهته التي خطط لها ويتجه إلى جماعة النهروان.
ذلك أن نفوذ المحكمة بدأ ينتشر فيما حول منطقة النهروان، وبدأوا يستعدون للدفاع عن مبادئهم، ويتضح ذلك من الحوار الذي دار بينهم وبين عبد الله بن خباب بن الأرت، حول رأيه في خلافة عثمان بن عفان، ورأيه في موقف علي من التحكيم (26). ولما اختلفت إجابته عن آرائهم قتلوه (27).
في الوقت نفسه كانت سياسة الإمام علي معهم تنحصر في بداية الأمر في عدم مواجهتهم مواجهة عسكرية مباشرة، بل كان همه منصرفاً نحو عدوه الأساسي في الشام، خاصة بعد التطورات الجديدة التي وقعت أثناء عملية التحكيم واجتماع الحكمين. ولكن وقعت أمور غيرت من توجهات الإمام علي نحوهم ذلك انه أثناء عزمه على تجميع قواه من جديد للتوجه إلى الشام أشار عليه بعض أصحابه بضرورة القضاء على المحكمة قبل التوجه إلى الشام، حماية لجبهته من الخلف، وبذلك يتفرغ لحرب الشام (28). فتوجه الإمام نحوهم.
فقد
ظل الإمام علي حتى النهاية يتجنب الاصطدام المباشر معهم، رغم توجهه نحوهم، انحصر مطلبه في تسليم قتلة عبد الله بن خباب إليه، ولعل الإمام كان يأمل أن يضم إليه تلك الجماعة في الغد. ولكنه أدرك بعد المسافة بين الطرفين أثناء النقاش الطويل الذي دار بينهما قبيل معركة النهروان. وقد أعلنوا استنكارهم للإمام في ثلاثة قضايا هي
- T_ (1/63)
صفحة 62
-1
استنكارهم لسياسة يوم الجمل فقد استحل لجنده المال دون النساء والذرية. وكان رد الإمام عليهم أنه أباح الأموال بدلاً عما كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة قبل الحرب. ثم أن النساء والذرية لم تقاتل وكان لهم حكم الإسلام ودار الإسلام أنه محى اسم أمير المؤمنين عن اسمه في الكتاب الذي كتب بينه وبين معاوية أثناء التحكيم، وكان رد الإمام عليهم أنه فعل مثل الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية، حين قال له سهيل بن عمرو لو علمت انك رسول الله ما نازعتك، ولكن اكتب باسمك واسم أبيك، فكتب (29). - أنه وضع حقه في الخلافة موضع التحكيم، فقالوا له لم قلت للحكمين إن كنت أهلاً بالخلافة فاثبت، فإن كنت في شك من خلافتك فغيرك بالشك أولى. فرد عليهم علي بقوله: إنما أردت بذلك النصفة لمعاوية ولو قلت للحكمين أحكما لي بالخلافة لم يرض بذلك معاوية (30).
ويتضح من هذا الحوار مدى تصميم المحكمة على مبادئهم، في مقابل حرص الإمام علي على إقناعهم خاصة وأنه بدأ يستعد للعودة إلى الشام. وبالفعل فقد رفع أبو أيوب الأنصاري الراية وناداهم بأنه من جاء منكم إلى هذه الراية ممن لم يقتل أو يستعرض فهو آمن، فانصرف البعض، ولم يبق مع عبدالله بن وهب إلا أربعة آلاف (31)، وبدأت أحداث النهروان (32). يوم
وبالرغم من قصر فترة معركة النهروان بين الفريقين، إلا أنها أسفرت عن أمرين هما:
الأول: خسارة المحكمة الكبيرة فقد قتل معظمهم أمام جند الإمام، وتذكر المصادر أنه قتل كل المحكمة عدا بضعة أفراد (33) اعتقدت تلك الروايات أنها هي التي قامت بنشر الفكر الخارجي في الأقاليم. ولكن يبدو أن العدد كان أكبر من ذلك، فإذا كان الإمام تمكن من قتل معظمهم، فإنه بقي أكثر من ألفي رجل بدليل أن أهل النخيلة الذين قادهم فروة بن نوفل الأشجعي كانوا أكثر من ألفي رجل وهم من بقايا النهروان، وقد تعاون على قتالهم معاوية بن أبي سفيان والحسن بن علي) الثاني: خسارة الإمام علي أيضاً وكانت هذه الخسارة من جانبين. الجانب الأول: ضعف جبهة علي فبعد خسارته أصدقاء الأمس، بدأ أصحابه يتسللون من صفوفه
(34)
من
لم يبق معه إلا نفر يسير، فمضى الحارث بن راشد الناجي في ثلثمائة الناس، مرتدين إلى النصرانية، فأرسل علي إليهم معقل بن قيس الرواحي فابادهم، بل أن معقل نفسه اتجه إلى معاوية في نهاية الأمر (35). أما الجانب الثاني: فقد تمثل في انتقال خيوط الأحداث السياسية بكاملها من الإمام علي إلى معاوية بالشام، وبدأ معاوية بالفعل يجنى ثمار هذا الأمر.
ومهما يكن من أمر، فإن معركة النهروان قد أثرت على العالم الإسلامي بأجمعه. وتوجهات التاريخ الإسلامي بعد ذلك. ومهما تذكر المصادر من قلة الذين نجوا منها من طرف المحكمة،
-78 - (1/64)
صفحة 63
فإن هناك شخصيات شاركت فيها وأثرت في مسار الدعوة الخارجية فيما بعد من أهمها: عروة بن حدير (36)، وأبو بلال مرداس بن أدية التميمي، وقد تمكن الأخير من تأسيس الدعوة من جديد في البصرة، وجعل منها مركزاً لانتشارها في باقي الأمصار الإسلامية، ولذلك فإن الفرق الخارجية، جميعها تعتبره من روادها الأوائل. بسبب جهوده في الحفاظ على أفكار
المحكمة (37).
-1
ويمكننا حصر نتائج صدام النهروان فيما يلي: أن معركة النهروان كانت المعركة الفاصلة بين علي وبين المحكمة، حيث تمكن الإمام من قتل أعداداً كبيرة منهم، كما أنها أدت إلى ترسيخ فكر الخوارج ضد الإمام علي فيما بعد وتمسك أفراد المحكمة بمبادئهم، بل إن ثوراتهم استمرت ضده في الأنبار والمدائن (28).
2 ـ تحول الاستراتيجية في العالم الإسلامي من الناحية السياسية والناحية العسكرية من العراق إلى الشام. ذلك أن الأحداث التي وقعت بين جند الإمام وانتهت بمعركة النهروان كانت في صالح معاوية وأنصاره. فأصبح جيش علي الذي أفرز المحكمة بالأمس غير قادر على الصمود والتكتل، فقد أفسدته السياسة. وفتكت به القبلية وانتشرت فيه الروح الانهزامية (39). بل أن علياً كان شاغله الأكبر بعد معركة النهروان هو إعادة بناء جيشه المتفسخ، غير أن مشاريعه قد انطوت وسقط الخليفة قتيلاً في 17 رمضان سنة 40 هجرية / 661 م (40) في مسجد الكوفة بعد خمس سنوات من العمل الجاد في محاولة لإعادة الاستقرار إلى العالم الإسلامي. وكان هذا الأمر على يد عبد الرحمن بن ملجم. وبذلك انتهت فترة حكم النظام الذي اعتبره المؤرخون نظاماً إسلامياً وبدأ التيار الجديد الذي يقوم على التحالف بين القبائل والارستقراطية القرشية الجديدة (41).
3 ـ بدأ معاوية يتصرف باعتباره خليفة للمسلمين، وبدأ يتحول من الدفاع إلى الهجوم، فبدأ يوسع نفوذه خارج الشام حيث تمكن من أخذ مصر واليمن وبعض أجزاء الحجاز والجزيرة (42).
- انتشرت أفكار المحكمة بين قطاعات كبيرة من المسلمين، حتى أصبح من الصعب علينا قبول الرأي القائل بأن الذين خرجوا على عليّ ينتمون إلى القبائل العربية الشمالية وهي القبائل التي أسلمت متأخرة ولم يكن لها تراث حضاري وظل أفرادها يمثلون النزعة البدوية التي لا تقبل الخضوع لسلطة مركزية، خاصة قبيلة بني تميم (42).
ذلك لأن هذه الجماعة شكلت أهم أحزاب المعارضة الساخطة على وضع الخلافة، وكان فكرهم معبراً عن قطاع كبير من جماهير المسلمين. وكانت تمثل جزء من جيوش المسلمين أيضاً. .. ومن الممكن أن ينضم إليهم الموالي وبذلك لا يمكن اعتبارهم بدواً (44). وحتى وإن كانوا بدواً فإنهم أصبحوا محاربين ولهم أجورهم من بيت مال المسلمين. (1/65)
صفحة 64
من هنا أعلنت المحكمة وجهة نظرها تجاه منصب الخلافة، بأن لا يكون هذا المنصب وقفاً على جماعة معينة «الأمر شورى بعد الفتح» (45). وهي بذلك تمثل فئة هامة من قطاعات المسلمين التي لا تقبل في الحق، أو في سبيل مبادئها، مساومة، فقد كان فيهم القراء والفقهاء والحريصين على الالتزام بالكتاب والسنة. وكانت أفكارهم بمثابة ثورة على سلطة قريش وزعامة المهاجرين والأنصار (46). وكان تمسكهم بهذا المبدأ سبباً في انضمام العديد من الشعوب التي دخلت الإسلام، خاصة البربر الذين وجدوا في أفكارهم ما يناسب مزاجهم الفكري وما يريدون من بساطة في العقيدة، بالإضافة إلى ما وجدوا فيها من روح ديمقراطية، وأن أقل فرد فيهم يمكنه أن يصل إلى منصب الخلافة بفضل الشورى وأصبحت بلادهم بعد ذلك من أهم مواقع الأباضية ابتداء من طرابلس وإلى طنجة (47).
وظل تاريخ المحكمة، فيما بعد، يساير مبادئهم الاعتقادية في الحكم والثورة، فقد استمرت ثوراتهم على عليّ، كما استمرت على خلفاء الأمويين، ولكنها أخذت سمات خاصة في العصر الأموي، فقد انتشرت انتشاراً هائلاً بعد أن كانت محصورة في البصرة والكوفة في جنوب العراق (48) فشملت بعض الولايات الشرقية، ثم أصبحت حركة إسلامية شاملة لمعظم أقطار العالم الإسلامي (49)، كما اتسمت بعض تصوراتهم بالعنف والتطرف بسبب الظروف التي واجهت الحركة فيما بعد مما أدى إلى حدوث انقسام بين قياداتها. وانتهى الأمر بوجود الأزارقة الذين تبرأوا من مخالفيهم من أهل القبلة واعتبارهم كفاراً إلا إذا تابوا واعتبروا أنفسهم ممثلين للحق وأن خروجهم بمثابة هجرة من دار الباطل إلى دار الحق والجهاد (50) وخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين، ولما توجه تلقاء مدين قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل» (51).
***
2
-1
أما رأي الأباضية تجاه تلك الأحداث التي مر بها العالم الإسلامي فإنها تنحصر فيما يلي: إن إمامة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، قد صحت وتحققت بإجماع الصحابة، وهؤلاء لا يتفقون على الضلال (52).
إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استخلف في الصلاة أبا بكر حين كرر عدة مرات (مروا أبا بكر يصل بالناس) وهذا دليل على صحة خلافته بعد الرسول.
3 - ترى الأباضية أن عثمان بن عفان كان دون الشيخين في مكانته وسياسته، ولكنهم يقرون بشرعية مبايعته من قبل المسلمين وسياسته الملتزمة في سني حكمه الأولى، ولكنه أحدث بدعاً أنكرها المسلمون عليه وخالف فيها ما كان معروفاً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والخليفتين، أبي بكر وعمر، ولا نجد فارقاً بين المآخذ التي أوردها الأباضية (53) على عثمان وبين المآخذ التي وردت في المصادر الأخرى من هنا فإن الأباضية ترى شرعية الثورة على الخليفة الراشدي الثالث عثمان، وتعتبر الثورة عليه مساوياً للجهاد في
-17_ (1/66)
صفحة 65
_ C
سبيل الحق
(54)
ا، كما أن المصادر الأباضية تشير إلى اشتراك علي بن أبي طالب ومن كان موجوداً في المدينة من المهاجرين والأنصار بصور مختلفة في الثورة على الخليفة عثمان بن عفان وتأييد الكثير من الصحابة للثورة ضد الخليفة (55).
تعترف الأباضية بصحة بيعة علي بي أبي طالب على طاعة الله ورسوله وأن يتبع كل سنن رسول الله ويسير بسيرة الخليفتين المرضيين أبي بكر وعمر. وقد قطع علي على نفسه عهوداً بالعمل على إعادة الحق إلى نصابه. كما تقر تلك المصادر بمكانته الرفيعة وتاريخه الشامخ (56).
يوم
لا تقر الآراء الأباضية سلوك طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام على خروجهم على الإمام بعد أن بايعاه، وترى أنهما أتيا عائشة وأقنعاها بأن علياً استأثر بالإمامة دون مشورة وأن عثمان قتل مظلوماً، وقبلت بمرافقتهم إلى العراق، ولكن بعد أحداث الجمل عادت عائشة ورجعت تائبة نادمة (57).). وتروي أن جابر بن زيد عاتب عائشة على ما وقع منها يوم الجمل فاستغفرت الله وتابت على ما كانت قد دخلت فيه (58). 6 - تؤيد المصادر الأباضية موقف الإمام علي في حربه لمعاوية والي الشام، وتسهب المصادر في الحديث عن عمار بن ياسر وتورد أحاديثاً كثيرة منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتشير إلى أن عمار بن ياسر كان على حق وأن قاتليه كانوا على باطل، وهم أهل الشام. ولذلك لا تجوز موادعتهم إلا أن يتوبوا ويخضعوا لسلطان علي، وهو الخليفة الشرعي للمسلمين (59).
- لا توافق المصادر الأباضية ما ذهب إليه الإمام علي في التفاوض مع معاوية، وما ترب على ذلك من اختيار علي لأبي موسى الأشعري. واختيار معاوية لعمرو بن العاص لكي يمثلاهما في المفاوضات. فلما علم المحكمة بذلك فارقوا الإمام علي ونزلوا أرض في قرية حروراء واجتمع فيها يومئذ قرابة عشرة آلاف من الصحابة ورؤساء المسلمين وفقهائهم
وقرائهم وعلمائهم)
(1)
8 - تقر المصادر الأباضية ما قام به المحكمة من التحرك صوب النهروان وانتخاب عبدالله بن وهب الراسبي إماماً. وقد مثل هذا الأمر سابقة هامة نحو تحقيق أفكارهم مما أقلق بال علي ومعاوية بسبب وجود منافس ثالث لهما في القيادة. ويذكر القلهاتي أن الإمام علي تلقى رسالة من معاوية .. «أنه قد بلغني أن طائفة من عسكرك خالفوك، وخرجوا من عسكرك، وقد تعلم أن الأمر بيننا لا يتم إذا كان لنا منازع، فإن كان ذلك منهم عن غير رأيك وأحببت أن أكفيكهم فعلت) (61). ولكن الإمام رفض على أساس أن ذلك سيكون سابقة خطيرة في تدخل معاوية في شؤون العراق.
-
9
تؤيد المصادر الأباضية تمسك أهل النهروان بموقفهم الرافض للعودة إلى الإمام بعد إعلان نتيجة التحكيم، وما أقدم عليه الإمام عليّ من محاولة لإعادتهم إلى صفوفه، والتحرك لحرب معاوية وأهل الشام من جديد وقد أرسل الإمام رسالة إليهم هذا نصها:
- V_ (1/67)
صفحة 66
«بسم
الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى زيد بن حصن. وعبد الله بن وهب، ومن معهما من المسلمين: سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الحكمين نبذا كتاب الله وراء ظهورهما وحكما بغير ما أنزل الله فبرئ الله منهما ورسوله وأنا منهما بريء، فهلموا نعطكم الرضاء، ونرجع إلى الأمر الأول الذي طلبتموه مني ونقاتل عدونا وعدوكم حتى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين». فردوا عليه بالجواب التالي: «بسم) الله الرحمن الرحيم من إمام المسلمين عبدالله بن وهب الراسبي وزيد بن حصن ومن معهما من المسلمين إلى علي بن أبي طالب الخالع لنفسه: سلام على من اتبع الهدى وتجنب متالف الردى. أما بعد: فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو بلغنا كتابك تذكر فيه أن الحكمين نبذا كتاب الله، وحكما بغير ما أنزل الله، وقد علمنا، فالحمد لله أن أمرهما كان مخالفاً للحق من أوله، وأنت بتحكيمك إياهما أعظم جرماً منهما. وذكرت انك ترجع إلى الحق وتعطي الرضا وترجع إلى الأمر الأول، فلسنا نرد عليك توبتك فإن كنت صادقاً فادخل فيما دخل فيه المسلمون من طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة إمام المسلمين عبد الله بن وهب الراسبي، فقد بايعناه بعد خلعنا إياك لاستحقاقك منا أن نخلعك ولا يسعنا إلا ذلك والسلام» (62).
10 - تتألم المصادر الأباضية للأحداث الدامية يوم النهروان وتعتبر أن القتلى كانوا من خيار المسلمين من القراء والفقهاء وأهل الشرف وتسهب المصادر في وصف مناقب بعض هؤلاء، وتشير المصادر إلى أن علياً قد ندم على ذلك (63).
11 ـ تصف الأباضية هذه الفترة بأنها مهزلة التاريخ الإسلامي، وترجع السبب إلى غياب القيادات الواعية واختلاف الرأي بين المسلمين (64).
(12) تبرئ الأباضية المحكمة من تهمة التدبير لقتل الإمام علي. وتعتبر بعض المصادر أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي شخص أقحم في المحكمة أو أهل النهروان إقحاماً وزج به في أوساطهم زجاً مع أنه لا توجد له صلة برجالاتهم الأوائل وينقل محقق كتاب السير للشماخي (65) عن العلامة محبوب بن الرحيل قوله: أما عبد الرحمن بن ملجم فلم أجد من أصحابنا من يمدحه ولا من يذمه، وتنسب هذه الرواية مكيدة قتل الإمام إلى معاوية، وتذكر أن ابن ملجم بات في ليلة قتل الإمام في بيت الأشعث بن قيس وقد سمع حجر بن الأشعث وهو يقول لابن ملجم قم لقد فضحك الصبح. وألصقت قصة القتل بعد بالمحكمة. وقد استمر معاوية في تدبيره فقد دبر زواج الحسن بن علي من جعدة بنت الأشعث بن قيس فعملت له السم فقتلته (66).
عدي
ذلك
13 ـ يستخلص من الآراء الأباضية أن الخصومة الأساسية بين علي وفريق المحكمة بدأت منذ إرسال الإمام علي مندوبيه للتحكيم، وظهر لهم بذلك إصراره على التحكيم ولما تأكدوا من ذلك فارقوه واتجهوا إلى حروراء ثم إلى النهروان. وقد بقيت الاتصالات بينهم وبين الإمام متصلة بلا انقطاع من أجل البحث عن حل لأوضاع المسلمين. وتذكر بعض الروايات أن (1/68)
صفحة 67
عبدالله بن عباس، رسول علي إليهم، اعترف وأقر بوجهة نظرهم، وانه اعتزل معسكر علي فيما بعد. وهذا يفسر لنا اعتماد فرق المحكمة على روايات ابن عباس، وخاصة في مسند الإمام الربيع، حتى أن معظم الأحاديث أتت عن طريقه، وتشير المصادر الأباضية باستمرار إلى أن جابر بن زيد من تلاميذ عبدالله بن عباس وأنه أخذ العلم عنه، كما تشير كذلك فرقة الصفرية حيث كان عكرمة مولى لابن عباس، وهو صاحب النشاط الكبير في نشر المذهب في شمالي إفريقية حيث اعتبرت جهوده بتأسيس دولة صفرية في سجلماسة (67).
الله. وهي
تختلف
مع
14 - ترى الأباضية أن عقد الإمامة فريضة بفرض الله الأمر والنهي والقيام بالعدل وإثبات الحقوق ومجاهدة العدو. وفي إبطال الإمامة إبطال لإقامة حدود بعض فرق المحكمة التي تلتقي بإقامة كتاب الله بين الناس (68).
15 ترى الأباضية أن رئاسة الدولة أو الخلافة، ليست مقصورة على قريش أو على العرب وإنما يراعى فيها المقدسات والكفاءات فإن تساوت فتفضل القرشية أو العروبة، ويتم اختيار الإمام عن طريق الشورى وباتقان أغلية أهل الحل والعقد. واشترطوا في الإمامة الشروط التالية: الذكورة، البلوغ، العلم، الدراية، سلامة الحواس، وقد دافعت الأباضية عبر تاريخها عن هذه الفكرة (69).
_19_ (1/69)
صفحة 68
(1) إبراهيم بيضون (دكتور)، التيارات السياسية، ص 124.
(2) الطبري، تاريخ، ج 4، ص 561.
(3) أبو بكر بن العربي، العواصم والقواسم، ص 66. «قال معاوية لا أبايع منهما بقتل خليفة أو قائلاً له». (4) كان عمرو بن العاص متأكداً من حدوث الانقسام بين جند الإمام من موافق وغير موافق، وعلى أساسها يستريح جند الشام من القتال. وبالفعل خرج على الإمام جزء من جيشه دعوه إلى الإجابة إلى كتاب الله
وإلا ندفعك برمتك إلى القوم أو نفعل كما فعلنا بابن عفان» الطبري، ج 5، ص 48، 49.
(5) خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص
(1) من أهمهم: عروة وأخوه أبو بلال مرادس بن آدية التميمي، ومن قبيلة تميم في البصرة الأحنف بن قيس التميمي.
الدرجيني، الطبقات، ج 2. الشماخي، السير، ج 1.
(7) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 63. المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 591 - 599. (8) القرآن الكريم، سورة النساء، آية 35.
(9) أرسل إليهم ابن عباس ثم زياد بن النضر الطبري، تاريخ، ج 5، ص 64. (10) صحابي تجعله كتب الطبقات الأباضية في صدر طبقاتها. (طبقات الدرجيني، ج 2، ص 202).
(11) القرآن الكريم، سورة النحل، آية 91.
(12) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 63. (13) القرآن الكريم، سورة الزمر، آية 65. (14) القرآن الكريم، سورة الروم، آية 60.
074
(15) يتضح ذلك من رده عليهم: «إن لكم عندنا ثلاثاً: لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء، ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا». الطبري، تاريخ، ج) (16) انظر الخارطة بالملاحق.
، ص
قائلين» أخرجونا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة»، ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 142.
(17) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 116. (18) «ان أهل دعوتنا حكموا الرجال في أمر الله ورضوا بحكم القاسطين على عباده فخالفناهم» ابن قتيبة
المصدر السابق، ج 1، ص 142.
(19) فان فلوتن، السيادة العربية والشيعية والإسرائيليات،، ص 70، ترجمة د. حسن ابراهيم ومحمد زكي، القاهرة، 1934 م. محمود اسماعيل الحركات السرية في الإسلام، ص 16.
(20) محمود اسماعيل، المرجع السابق، ص 18. (21) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 596. (طبعة دار الشعب).
(22) ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 143.
(23) ردوا عليه بقولهم إنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك فلما قرأ كتابهم أيس منهم». الطبري، تاريخ، ج 5، ص 78. (24) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 79 (1/70)
صفحة 69
(20) سرور جمال، (دكتور)، الحياة السياسية في الدولة الإسلامية في القرنين الأول والثاني الهجريين، ص 83. دار الفكر العربي، 1966.
(26) كان عبد الله بن خباب بن الأرت ووالده من الصحابة، وذات يوم مر بجماعة منهم فسألوه: ما تقول في عثمان بن عفان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: انه كان محقاً في أولها وفي آخرها. قالوا: فما تقول
في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: انه أعلم بالله منكم، وأشد توقياً على دينه، فقتلوه. البلاذري، انساب الأشراف، ج 1، ص 175. تاريخ الطبري، ج 5، ص 82 ابن قتيبة، ج 1، ص 147. المسعودي، مروج الذهب، ص 601، دار الشعب البغدادي الفرق بين الفرق، ص 46. (27) قتله جماعة منهم، وقد تعرضت تلك الجماعة إلى العتاب وإقامة الحدود. (28) قالوا فيه: «يا أمير المؤمنين أين نمض وندع هؤلاء الخوارج يخلفوننا في عيالنا وأموالنا، ا، سربنا إليهم، فإذا فرغنا من قتالهم رجعنا إلى قتال أعدائنا من أهل الشام فاستجاب لهم. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 80. المسعودي، مروج الذهب، ص 601 (دار الشعب).
(29) البغدادي الفرق بين الفرق، ص 40. ابن هشام، السيرة، ج 3، ص 202.
(30). المصدر نفسه.
(31) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 86 (يذكر الطبري بأن البقية بلغت 2800 فرد فقط في رواية أخرى). (32) النهروان: هي مدينة يشقها نهر النهروان نصفين، وهي مدينة عامرة، تقع في الاتجاه الشمالي الشرقي من الكوفة. وهي كثيرة الغلات اتخذها المحكمة مركزاً لهم. ابن حوقل، صورة الأرض، ص 218،.219
(33) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 90. البغدادي الفرق بين الفرق، ص 48. (34) الشماخي، كتاب السير، ج 1، تحقيق أحمد بن سعود السيابي، التراث، 1987. الجواهر المنتقاة، ص.187
(35) المسعودي، مروج الذهب، ص 604 (طبعة دار الشعب المصرية).
(36) اشترك في صفين مع جيش الإمام ثم خرج عليه وهو صاحب عبارة «لا حكم إلا لله» اتجه مع أصحابه إلى النهروان ثم نجا فيمن نجا. اتجه إلى البصرة مع أخيه أبي بلال مرداس حيث قبيلته بني تميم القوية بها، ظل يدعو إلى أفكاره، قتل زمن ولاية عبيد الله بن زياد على البصرة، وله مكانة كبيرة في تاريخ الدعوة وتأسيسها. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 214. الشماخي، السير، ج 1، ص 61. (37) البغدادي الفرق بين الفرق، ص 48. الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 118. (38) البغدادي الفرق بين الفرق، ص 49. خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص (39) يذكر الطبري في تاريخه «أنه لما قتل عليّ أهل النهروان خالفه قوم كثير وانتفضت عليه أطرافه. وخالفه بنو ناجية. وانتفض أهل الأهواز وطمع أهل الخراج في كسرة» الطبري، تاريخ، ج 5، ص 122. ابن
". 150
قتيبة، الإمامة والسياسة،
ج ص.135
(40) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 143. (رواية أبي معشر والواقدي). المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 273. (جعله في أول العشر الأواخر من رمضان 40 هجرية / 661 م).
(41) بيضون، التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، ص 134. يذكر البلازري في أنساب الاشراف، ج 1، ص 587 - 590 أن أبا سفيان جاء عليا معترضاً على بيعة أبي بكر. وصدرت من البيت الأموي تصرفات
كثيرة تدل على معارضتهم لقيادة التيار الإسلامي.
(42) اليعقوبي، تاريخ، ج 2، ص 169. ابن الأثير، تاريخ، ج 3، ص 185. (1/71)
صفحة 70
،1
351. جمال الدين سرور، الحياة السياسية، ص 85. محمود ج ص
(43) أبو حديد، شرح نهج البلاغة، اسماعيل الحركات السرية، ص 16. خليفات، نشأة الحركة الأباضية ص 54. (44) فلهوزن، الخوارج والشيعة، ص 16.
(45) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 63.
(46) جولد تسيهر، العقيدة والشريعة، ص 190، 191. ابراهيم الشريف، دور الحجاز في الحياة السياسية.
ص 401.
(47) ابن خلدون، تاريخ، ج 1، ص 163. (48) البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 49.
(49) خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص
(50) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 120. البغدادي، الفرق بين الفرق، ص .. سرور الحياة السياسية في الدولة العربية، ص 85.
(51) القرآن الكريم، سورة القصص، الآية، 21، 22.
(52) بكير بن سعيد، دراسات إسلامية في الأصول الأباضية، ص 118، (الطبعة الثانية). الورجلاني، العدل
والإنصاف، ج 1.
ص 79
(53) البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 53، 156، 167. القلهاتي، ورقة 85. الشماخي، السير، ج 1، ص 29 - 40. الحارثي، العقود الفضية ص 19 وما بعدها السالمي، تحفة الأعيان، ج، (54) أبو يعقوب الورجلاني، العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، ص 44، وزارة التراث القومي والثقافة، 1984 م. (55) القلهاتي، ورقة 94 ـ 95. الشماخي، السير، ج 1، ص 38 البرادي الجواهر المنتقاة، ص 97. الحارثي، العقود الفضية في أصول الأباضية، ص 20. (56) القلهاتي، ورقة 54 البرادي الجواهر المنتقاة، ص 98. الشماخي، السير، ج 1، ص 40. الحارثي، العقود الفضية، ص 30.
102
(57) القلهاتي، ورقة 96. الشماخي، السير، ج 1، ص 44، 45. البرادي الجواهر المنتقاة، ص (58) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 206. (59) الورجلاني، الدليل والبرهان، مجلد 2 ص 56 وما بعدها الشماخي، السير، ج 1، ص 48. البرادي.
الجواهر المنتقاة، ص 125.
(60) القلهاتي، ورقة.98. الشماخي، السير، ج 1، ص 50 البرادي الجواهر المنتقاة، ص 126. (61) القلهاتي، ورقة 100. (62) القلهاتي، المصدر السابق، ص (63) نفسه، ص 100. الشماخي السير، ج 1، ص 55 وما بعدها البرادي الجواهر المنتقاة، ص 134، 141. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 201، 202. كما ردد البرادي اسم كتاب يسمى النهروان، وقد
100
سمعنا به عند بعض مشايخ الأباضية ولكننا لم نعثر عليه). (64) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمود السيابي، ابريل، 1986 م. مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي، القابل، داخلية عمان يناير.1988 م. (65) أحمد بن سعود السيابي، مدير عام الشؤون الإسلامية مقابلة معه في وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، مارس، 1987، كما م. ورد هذا الأمر في هامش كتاب السير للشماخي، ج 1، ص 54.
72 (1/72)
صفحة 71
(66) أجمعت المصادر الأخرى على أن عبد الرحمن بن ملجم هو قاتل الإمام علي وأوردت أبياتاً على لسان
عمران بن حطان، زعيم المحكمة، فيما بعد:
يا ضربة من تقى ما أراد بها إني لأذكره حين ا فاحسبه
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
أوفى البرية عند الله ميزانا
الأغاني، ج 16، ص 147. الكامل، ج 2، ص 123. شرح نهج البلاغة، ج 3، ص 262. مقاتل الطالبين، ص 8، بل ورددت ذلك المصادر الأباضية الأخرى: السير، ج 1، ص 70. الطبقات، ج 2، ص 226. (67) أبو زكريا، كتاب السيرة وأخبار الأمة، ص 42. البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 156 وما بعدها. خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 63. (18) علي يحيى معمر، الأباضية مذهب إسلامي معتدل، ص 25. بكير بن سعيد، دراسات إسلامية.
ص 115.
(69) علي يحيى معمر، المرجع السابق، ص 26، 27. بكير بن سعيد، المرجع السابق، ص 122.
- VT_ (1/73)
صفحة 72
(3)
أبو بلال مرداس بن آدية
التميمي
إذا كانت المصادر التاريخية قد أمدتنا بصورة واضحة عن مراحل ظهور المحكمة، وتطور علاقاتها بالإمام علي، وتحركاتها، وقيادتها، ابتداءاً من صفين حتى النهروان، فإنها عادت تضطرب خاصة في كتابة الفرق والنحل من أجل تتبع تطور تلك الجماعات. حتى أن تلك المصادر المتخصصة قد أغفلت جوانب كثيرة من تاريخ المحكمة.
"
فقد ذكرت كتب الفرق، مع غيرها من بعض كتب التاريخ، أن الإمام علي تمكن من القضاء على جميع أهل النهروان ولم يبق منهم سوى عشرة أو تسعة أشخاص تفرقوا في الأمصار، وأن تلك المصادر تتبع كل واحد منهم وتنسب إليه فرقة من الفرق، بينما نجد أن أهل النخيلة الذين ثاروا بعد مقتل الإمام علي بشهور كانوا حوالي ألفي رجل ومعظمهم من بقايا النهروان (1)، وأفردت لنا المصادر تاريخاً خاصاً لكل فرقة من فرق المحكمة فيما بعد دون أن تشير إلى رابط في أصول قيادتها سوى النهروان. فأفردت صفحات هامة للأزارقة والنجدات والثعالبة والأباضية والصفرية (2).
ورغم إشارة المصادر إلى زيادة حالة الثورة ضد الخلافة بعد النهروان، فإنها أشارت إلى نجاح الإمام علي في القضاء على أهل النهروان وإمامهم عبدالله بن وهب الراسبي، ويذكر
_ Vo_ (1/75)
صفحة 73
الطبري عبارة «كأنما قيل لهم موتوا فماتوا» (3)، ثم أشارت إلى أن القلة القليلة الناجية قد تحركت صوب أطراف العالم الإسلامي (4)
(?)
ولكن يبدو للمتتبع لتاريخ تلك الجماعة انها ظلت متمسكة بمبادئها وأهدافها بعد نكسة النهروان، واتضح ذلك في ترديد أفرادها مبادئهم أمام الولاة والخلفاء فيما بعد (5). وأصبح كل فرد منهم بمثابة رسول ومبشر لأفكارهم. وظلت ثوراتهم ونشاطهم بصورة فعالة في العصر الأموي، وظهروا بدور بارز في أحداث ذلك العصر، فإلى جانب ثوراتهم ضد الأمويين فإنهم اشتركوا في الدفاع عن مكة المكرمة بجانب عبدالله بن الزبير ضد الأمويين، برغم اختلاف أهداف الجانبين (6). وقد تحملوا الخسائر الكبيرة في سبيل ذلك، فقد أورد لنا الطبري عدداً هائلاً منهم قتل زمن زياد بن أبيه وابنه عبيد الله في منطقة جنوب العراق فقط، بلغ ثلاثة عشر ألفا وعدد من سجن منهم أربعة آلاف (7).
والواقع أن أبا بلال مرداس بن آدية التميمي يعتبر من أبرز قادة المحكمة أحداث بعد النهروان. وكان له الدور الكبير في نقل الأفكار الخارجية إلى البصرة، حيث أصبحت المدينة فيما بعد المركز الفعال في هذا الأمر (8). كما أن أبا بلال تتولاه جميع فرق المحكمة الأوائل وتجعله من أبرز أئمتها، خاصة الفرق المعتدلة منها. (1). كما أن آراء أبي بلال متفق عليها من قبل غالبية أهل البصرة.
ارتبط أبو بلال في حياته بالزهد والتقوى وحسن السيرة. وقد شهد الرجل معركة صفين مع جيش الإمام علي ضد معاوية، ولكنه أنكر التحكيم مع من أنكر وانضم إلى جماعة المحكمة وتحرك مع جماعته فيما بعد إلى حروراء ثم إلى النهروان (10). وكان غير مرتاح لما يحل بالمسلمين من قتل وتشريد وفتنة وحروب. واشترك الرجل في أحداث النهروان الدامية فزادت
بعد
آلامه لأحوال المسلمين فبدأ يتبنى أفكاراً جديدة نحو الخروج من الأوضاع الحالية. أحداث النهروان، رأى أبو بلال أن القتال بين أتباع الدين الواحد لا يضح، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، فانسحب مع نفر من أصحابه نحو البصرة، وأقام مع أبناء عمومته من قبيلة بني تميم، كبرى قبائل البصرة في تلك الفترة، وحيث زعيمها الأحنف بن قيس، المرتبط بالحلم والحكمة (11)، وربما كان الزعيم التميمي أحد أنصار المحكمة فيما بعد بسبب مواقفه المناصرة لهم، والمعارضة لمخالفيهم، ولذلك تعتبره المصادر الأباضية أحد مشاهير أسلافها، ربما كان ذلك بسبب حمايته لأتباع أبي بلال في البصرة في الفترة الحرجة للدعوة بعد النهروان (12).
وبذلك يعتبر أبو بلال أول من نقل أفكار المحكمة إلى البصرة (13)، وبدأ الرجل ينتهج طريقاً سلمياً في نشر أفكاره بين الناس في البصرة، خاصة من بني تميم مؤثراً طريق الإقناع والمناقشة وليس الثورة (14). وتكاد تكون سيرته أشبه بأسطورة في تاريخ كفاح المحكمة. النبيلة وآرائه المعتدلة، فقد رفض اشتراك النساء في الحرب، وعارض أعمال العنف واستعراض الناس ودعا أتباعه بألا يجردوا سلاحاً ولا يقاتلوا أحداً إلا إذا تعرضوا للعدوان (15). وبلغ من
بسبب مواقفه
__ (1/76)
صفحة 74
حسن سيرته أن عدداً من الفرق والجماعات الإسلامية تنسبه إليها مثل الشيعة والمعتزلة (16).
في هذا الوقت كانت السياسة الأموية الجديدة تضع اعتبارات خاصة لمنطقة جنوب العراق، خاصة بعد مرحلة النزاع الطويل منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان، فاستعان معاوية ومن بعده خلفاؤه بأشد الرجال وأقواهم الحكم هذه المنطقة الهامة من دولتهم. من جهة ثانية كانت جماعة المحكمة، تمثل حزباً ثورياً سياسياً له منهجه الخاص في العقيدة والحرب والخلافة، وكانت الضربة التي تلقوها في النهروان بداية لأعمال جديدة لهم فاتخذوا البصرة والأهواز أهم مراكز لقياداتهم (17).
ومع عام 45 هجرية / 665 م قدم إلى المنطقة زياد بن أبيه، وأظهر الوالي الجديد صورا تدل على مدى تفانيه في خدمة البيت الأموي، وما زالت خطبته المرتجلة التي ألقاها في أهل البصرة ومثلت برنامجاً هاماً لأعماله القادمة في المنطقة واحتوت على نواياه تجاه من تحدث له نفسه بالخروج على الأمويين (18). . وبسبب هذا النجاح امتد حكم زياد ونفوذه إلى ما يقرب من نصف الدولة في الشرق (19).
وبين
ونظراً للإختلاف بين المحكمة السياسة الأموية فإن الجماعة بدأت تتجه إلى الثورة قبل ظهور أبي بلال على مسرح الأحداث، وتمتلأ كتب طبقات الأباضية بأسماء عديدة كان لهم دور بارز في الثورة ضد الأمويين، وأشهر هؤلاء: فروة بن نوفل، وحوثرة، وشبيب، ومعين، وأبو
مريم
(20)
في ظل هذه الأوضاع ظهر أبو بلال مرادس في البصرة ليمثل نهجاً جديداً للعمل ضد الأمويين، والاتجاه صوب الطريق المستقيم، فقد بدأت أفكار أبي بلال في الظهور حينما عاب على أبي مريم، مولى الحرث، الخروج بالنساء في الثورة ضد الأمويين. وبدأت آراؤه حزباً سرياً منظماً، يمثل أصحابه الجماعة المتمسكة بتعاليم الإسلام الصحيحة. فقد دعا أصحابه إلى عدم
استعراض بقية المسلمين لأنهم موحدون، لا تحل دماؤهم ولا أموالهم، إلا بعدوان (21). اتبع أبو بلال أسلوباً جذاباً في دعوته يتجاوب مع رغبات الكثير من المسلمين، الذين لا يقرون السلطة الأموية، فانضم إلى صفوفه أعداد كبيرة من أهل البصرة، فقد كان يعقد المجالس والمناظرات لإقناع الناس، وأصبحت جماعة يطلق عليها «جماعة المسلمين». وأخذت هذه الجماعة تتطور فيما بعد زمن جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (22). ومنذ البداية ظهر الصدام بين أبي بلال وبين زياد بن أبيه، فقد وقف أبو بلال معارضاً في نهاية خطبته (22). ولكن زياد رد عليه بقوله «أنا لا نبلغ من أصحابك ما تريد حتى تخوض إليهم الباطل خوضاً» (24). وبذلك تحددت العلاقة بين الطرفين في أنه لن يبدأ الوالي بالهجوم على المحكمة المعتدلة ما داموا ملتزمين بالسكينة والهدوء، وبالفعل ظلت هذه العلاقة بين الطرفين حتى نهاية عصر زياد بن أبيه.
تبدلت الأوضاع في البصرة مع الوالي الجديد عبيد الله بن زياد، الذي كان عكس أبيه، فكان
_ W_ (1/77)
صفحة 75
جميع
الفرق
أبوه يقتل المعلن ويستصلح المسر، ولكن عبيد الله انتهج سياسة قاسية تجاه. المعارضة للأمويين ومن بينها جماعة المحكمة، فقد قام بحبس أفراد كثيرين من جماعة أبي بلال، ثم أقدم على القبض على أبي بلال وحبسه) (25)، ثم عفا عنه (26). وأظهرت الجماعة ألواناً من الصبر والتحمل وعلى رأسهم أبو بلال، الذي أثار إعجاب السجان فكان يتركه ينصرف ليلاً ويعود في الصباح (27).
اشتد ابن زياد في اضطهاد الجماعة فلجأ إلى أسلوب الوقيعة بين أفرادها، فيأمر بعضهم بقتل بعض، مقابل مكاسب فردية بينهم) (28)، وكان يخشى من انتشار أفكارهم بين الناس، ويقول: «أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع» (29)، وتطورت سياسة القمع ضد الجماعة حتى قام ابن زياد بإحضار اللجاء، إحدى أتباع أبي بلال (30)، ومثل بها فقطع رجليها ويديها ورمى بها في السوق. كما قام ابن زياد فأمر بقتل من بقي في السجن من أتباع أبي بلال.
اتجه ابن زياد إلى شن حرب إعلامية ضد أبي بلال وجماعته فقد أمر الناس أن يكشفوا جماعة الخوارج من بينهم، وحذر شيوخ القبائل وعرفاء الأحياء من التستر على أفراد تلك الجماعة. فكانت القبائل إذا أحست بخارجي أوثقوه وأتوا به إلى ابن زياد فيحبسه أو يقتله (31). كما وضع الجماعة تحت مراقبة شديدة فكان يبعث الجواسيس لتعقبهم، وكثيراً ما كانت الشرطة تداهم أماكن اجتماعاتهم ومنازلهم وتلقي القبض عليهم، وكانت هذه التصرفات تزعجهم في نفس الوقت، ومن أجل استمالة عناصر من المحكمة انتهج زيادة سياسة اللين فقد عين رجلاً منهم يكنى أبا الخير على أعمال جنديسابور (32). وما يليها وجعل رزقه أربعة آلاف درهم. ورغم ذلك فقد ظلت جماعة المحكمة مخلصة لقيادتها ولانتهاج آراء زعمائها وظلوا حذرين في علاقتهم مع زياد وابنه (32).
معهم
أمام هذه الفظائع التي أقدم عليها الوالي الأموي اضطرت جماعة المحكمة إلى التنظيم السري، فكانوا يعقدون اجتماعاتهم في سرية تامة للنظر في دعوتهم ومناقشة أمورهم. وكانوا يأتون مجالسهم متشبهين بالنساء لدفع الريبة عنهم، أو ينتحلون صفة التجار والباعة حتى يصلوا إلى أماكن اجتماعاتهم. ولكن عيون عبيد الله بن زياد كانت تتابعهم وتلقي الرعب بينهم (34).
ورغم تصعيد الولاة الأمويين سياستهم القمعية ضد الخوارج في البصرة، فإن أبا بلال ظل يدعو أصحابه إلى التحلي بالصبر والإلتزام بالتقية الدينية بقدر الإمكان (35). وقد أنكر فريق من المحكمة بالبصرة هذا الاتجاه في قعود أتباع أبي بلال عن الثورة فلقبوهم بالقعدة، احتقاراً لهم (36)، أي الذين قعدوا عن الجهاد في سبيل الله ومحاربة الولاة الظالمين. أما بقية المسلمين في البصرة فقد قبلوا موقفهم الذي لا يضر الآخرين.
ولكن كانت تصرفات ابن زياد في التسلط والقتل بالظنة والأخذ على الشبهة (37)، سبباً في التحول في سياسة أبي بلال، خاصة بعد قتل البلجاء والتمثيل بها (38)، فأظهر أبو بلال وأصحابه
_ VA_ (1/78)
صفحة 76
البراءة من الجبابرة، ودعوا إلى قتالهم والخروج عليهم، فخرج من البصرة مع رفاقه
الأربعين (39). وبذلك يمكننا تقسيم علاقة أبي بلال وجماعته بالأمويين إلى مرحلتين:
الأولى: فترة المسالمة.
الثانية: فترة البراءة والخروج.
وقال أبو بلال: «إنه والله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للفضل والله إن الصبر على هذا لعظيم» (40).
وكانت سلوكيات أبي بلال في الخروج مثالاً احتذته فرقة الأباضية فيما بعد. فقد أعلن أنه لا يسبي ذرية، ولا ينزل قوماً منزلة أهل الأوثان، ولا يغتنم أموالاً، ولا يخيف أمنا (1) كما أمن أبو بلال بأخذ العطاء من السلطان الجائر، فعندما مر به مال حمل لعبيد الله بن زياد أخذ منه أعطياته وأعطيات أصحابه ورد الباقي (42)، وقسمه بين أصحابه (43).
ومن سلوكياته أيضاً أنه كان يلقي الحجة في الحرب على المخالف المسلم، ولا يقاتل إلا من قاتله، أي الدعوة أولاً ثم الحرب ثانياً، وقد التزمت بها الأباضية ونلاحظ ذلك في موقف أبي حمزة الشاري، والمختار بن عوف الأزدي، قائد طالب الحق، إمام الأباضية في حضرموت واليمن سنة 130 هجرية / 747 م، الذي توجه لفتح الحجاز، وبرزت سلوكياته ومبادئه في خطبته التي ألقاها في الحجاز، وفي مواقفه مع أهل مكة والمدينة قبيل وأثناء وبعد معركة قديد سنة 130 هجرية / 747 م (44).
تحرك أبو بلال ورفاقه (45) خارج البصرة، معلناً استنكاره للأوضاع في المدينة، واستقر به المقام في آسك، بالقرب من الأهواز (46). وبدأت الأحداث تتجه إلى حتمية للصراع بينه وبين الأمويين. فيبدو أنه خرج ورفاقه دون أن يكون معهم ما يكفيهم فمر عليهم مال يحمل إلى ابن زياد، فحط ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، وترك ما بقي. فلما علم ابن زياد بهذا الأمر بالإضافة إلى أنه قد أعلن تمسكه بمبادئ المحكمة أثناء الخروج (47)، وزاد الأمر تدهوراً أخذه الأعطيات، فوجه إليهم أسلم بن زرعة الكلابي في ألفين من الجند، حتى لا تنتشر أفكاره ويزيد أتباعه. ويبدو من النقاش الذي دار بين الطرفين قبيل القتال أن أسلم كان مصمماً على قتال أبي بلال برغم توضيح أبي بلال لموقفه من أخذ الأعطيات وأنه لا يقاتل إلا من قاتله. فنشبت المعركة بين الطرفين وانقض أتباع أسلم على أبي بلال ورفاقه. ولكن تمكن أبو بلال ورفاقه القليلين من قتل عدد كبير من أتباع أسلم فعاد إلى البصرة منهزما (48). وارتبط به رده على ذم ابن زياد له «لأن تذمني حياً خير من أن تمدحنى ميتاً» (41).
وإن كنا لا نقبل تشكيك البعض في هزيمة أسلم وعدم واقعيتها، ذلك لأنه قد كلف بمهمة رسمية من قبل ابن زياد بضرورة القضاء على أبي بلال ورفاقه قبل أن ينتشر فكرهم. فكيف يعود أسلم من مهمته دون قتال أبي بلال على أساس أنه اقتنع بآرائهم فعاد وآثر السلام (50)، بينما لم يرد اسم أسلم ضمن رجال أو أتباع المحكمة فيما بعد، وظل سكان البصرة يعيرونه بهذا الأمر (1/79)
صفحة 77
حتى مماته وكان الصبية في البصرة إذا رأوه قالوا: أبو بلال ... أبو بلال (51). كما أتهم البعض أسلم بأنه كان يميل إلى رأي ابي بلال ولكنه كان يخاف أن يسقط ابن زياد عطاءه، وأنه خاض معركة ليس مؤمن بها (52). مما تسبب في هزيمة قواته هزيمة منكرة (53).
ورغم هذا، فإن ابن زياد اهتم بالأمر وسارع إلى إرسال قوة أكبر عدداً في أربعة آلاف مقاتل (54) على رأسهم عباد بن أخضر. ويبدو أن هناك حواراً قبيل القتال جرى بين الطرفين، وبين له أبو بلال سياسته وأهدافه من الخروج من البصرة، ولكن أمام تصميم عباد على القتال جرت معركة شديدة يوم الجمعة (55)، سنة 61 هجرية / 680 م فلم يزل القوم يجتلدون حتى جاء وقت الصلاة فناداهم أبو بلال للصلاة، فرمى القوم أسلحتهم وعمدوا للصلاة، فأسرع إليهم عباد حتى قتلهم جميعاً بين راكع وساجد وقاعد. وأتى برأس أبي بلال إلى ابن زياد (56). ويبدو من تتبع أخبار خروج أبي بلال ورفاقه من البصرة في اتجاه أسك أن المعركة الأولى بينه وبين أسلم كانت في أسك، وبالتالي فإن المعركة الثانية والأخيرة بينه وبين عباد لا بد أن تكون في مكان آخر غير مكان أسك، فليس من المعقول أن يظل أبو بلال ورفاقه في نفس المكان مع إحساسهم بأنهم موضع اهتمام الوالي ابن زياد وخاصة بعد أخذ الأعطيات من رجاله. فإننا نقبل رواية الطبري، حينما ذكر عن أبي مخنف: حدثني أبو المخارق الراسبي أن ابن زياد سرح إليهم ثلاثة آلاف عليهم عباد بن الأخضر التميمي فاتبعه عباد يطلبه حتى! بتوج فصف له» (57)، أو رواية المبرد حينما قال إن أبي بلال أحس بنية ابن زياد فتحرك بأصحابه إلى درا بجرد من أرض فارس (98)، وهي المكان التي دارت فيها المعركة الثانية الفاصلة بين الطرفين والتي قتل فيها أبو بلال ورفاقه.
لحقه
وبذلك فإننا لا نوافق بعض الروايات الأباضية وروايات المؤرخين المعاصرين فيما ذهبوا إليه
من أن المعركة الفاصلة بين أبي بلال ورفاقه وبين قوات عباد كانت في آسك (59). كان لمقتل أبي بلال ورفاقه على يد عبيد الله بن زياد أثر عميق في نفوس أتباعه وآثار هذا العمل نقمة شديدة ضد ابن زياد، فقد انبرى شعراء الخوارج في مدح أبي بلال واعتبروه المثل الأعلى، وبدأ رفاقه يستعدون للمرحلة المقبلة في عملهم ضد الأمويين. وبدأت عندهم عملية الاغتيالات ضد رجال الأمويين الذين يقومون بأعمال ضدهم، وبالفعل فقد قتلوا عباد بن علقمة قائد الجيش الذي قتل أبا بلال. (60). وقتلوا أيضاً غيره مثل شيبان بن عبدالله الأشعري، أحد رجال عبيدالله بن زياد. حتى ضاق بهم ابن زياد وقال «ما أدري ما أصنع بهؤلاء كلما أمرت بقتل رجل منهم اغتالوا قاتله» (61).
وقد زاد ابن زياد في سياسته القمعية ضد المحكمة في البصرة فأخذ في متابعتهم وملاحقتهم والزج بهم في السجون، كما أمر بالقبض على أي فرد يعتنق مبادئهم، وقبض على عروة بن أدية التميمي (أخي بلال) (62)، وقتله، وكان يهدف من وراء ذلك إلى القضاء على زعما الحركة ومبادئها في البصرة حتى لا تنتشر بين الناس.
-^- (1/80)
صفحة 78
اعتبر أبو بلال، زعيم الجماعة بعد النهروان، المثل الأعلى لرفاقه، وكان يمثل بأفعاله وآرائه القدوة الحسنة لأتباعه. فقد كان سلوكه يدل على حسن سيرته (63). وكان شديد الإيمان بالله ورعاً. كما كان يمثل الاتجاه المعتدل للمحكمة بعد أحداث النهروان فقد رفض سلوك قريب بن مرة الأزدي، وزحاف الطائي حينما خرجا بالبصرة (64).
ويبدو أن عام 61 هجرية / 680 م قد حمل بدايات متشابهة لأحزاب المعارضة ضد الأمويين عبر التاريخ الإسلامي. فقد أقدم والي البصرة الأموي عبيد الله بن زياد بسبب سياسته القمعية الشديدة ضد الآراء المعارضة على قتل أهم رجلين في حزبي المعارضة ضد الأمويين وهما أبي بلال زعيم المحكمة والحسين بن علي إمام الشيعة.
فقد اتجهت المحكمة بعد هذا الحدث الكبير إلى التعمق في الدين وأصوله من أجل تعميق مبادئهم وأفكارهم، كما بدأوا في الاتجاه إلى أسلوب الاغتيالات السرية، وهو الأسلوب الذي لم يقره أبو بلال في حياته، ومحاولة التخلص من رجال الأمويين الذين يتعرضون لهم بالأذى. كما ترك هذا الحدث أثراً عميقاً في نفوس المحكمة بسبب قيام الأمويين بقتل رجل مسالم لم يتعرض لهم بالأذى ولم يشهر سيفه في وجه مسلم (5)
(10)
أما حزب الشيعة فقد مثلت لها سنة 61 هجرية / 680. م بداية أعمال خطيرة. ففي هذا العام وفي العاشر من محرم منه قتل الحسين بن علي وأصحابه في كربلاء أمام جيوش ابن زياد. وكان لهذا العمل الخطير نتائج هامة في تطور العمل الثوري الشيعي ضد الأمويين من وجهات نظر سياسية. وصلت إلى عقيدة راسخة عند أتباعه (66)، فبدأوا في تنظيم أنفسهم ورأوا أنه لا يغسل ثأرهم إلا الثورة ضد الأمويين للإنتقام له، وأصبح سليمان بن صرد الخزاعي زعيماً لهم، بل أن فريقاً من المؤرخين يرون أن التشيع لم يبدأ إلا منذ تلك الواقعة في كربلاء سنة 61 هجرية / 680 م (17)، حيث تعتبرها المصادر أهم أحداث الشيعة (68). وقد ترك هذا الحدث ردود فعل خطيرة ضد الأمويين عند المسلمين عامة فضلاً عند الأوساط الشيعية (19).
وقد جرت هذه الأعمال الحكم الأموي إلى مزالق خطيرة مع أحزاب المعارضة الشيعية والخارجية. كما أن هناك تشابهاً بدأ يتضح في العمل لدى تلك الجبهات المعارضة وقد تمثل ذلك في انتهاز الجبهات لأي خلل في الحكم الأموي ثم الانقضاض على الأمويين. وقد اتضح ذلك سريعاً حينما مات معاوية وولى مكانه إبنه يزيد خليفة للمسلمين سنة 60 هجرية / 679. م وما ترتب على ذلك من فوضى في البصرة والكوفة وطرد ابن زياد منهما حيث اتجه إلى الشام، فقام الشيعة والمحكمة بالثورة ضد الأمويين.
ويبدو أن زعامة القعدة في البصرة قد آلت إلى عمران بن حطان (70)، ورغم إشارة كتب الفرق إلى أن عمران ابن حطان زعيم الصفرية فقط، إلا أن المتفحص لتطور فرق الخوارج يجد أن عمران قد ذكر في كثير منها (71). كما أنه ينتمي إلى أفكار عبد الله بن وهب الراسبي، وحرقوص بن زهير، وأبي بلال مرداس بن آدية التميمي. كما انه يذكر بالاحترام في كثير من كتب الأباضية وطبقاتها (72). ويدل على ذلك أيضاً اتجاه عمران بن حطان إلى التعمق في الدين وما
-^_ (1/81)
صفحة 79
يتصل به وأصبح فيما بعد محدثاً وعالماً وفقيهاً وسار على منوال أبي بلال في نشر دعوته (73).
ولكن كان للظروف السياسية الجديدة التي سادت بعد مقتل أبي بلال من جهة، ومن جهة ثانية سادت في العراق بعد موت معاوية وانتقال الحكم إلى ابنه يزيد، كل هذه الظروف أدت إلى طرد الوالي الأموي عبيد الله بن زياد من العراق واتجاهه إلى الشام، فخرجت قيادات القعدة من سجنها، وبدأت تبحث عن زعامة إسلامية جديدة تتوفر فيها شروطها، فاتجه نافع بن الأزرق وعبد الله بن أباض، وعبد الله بن صفار، ونجدة بن عامر الحنفي من البصرة إلى الحجاز حينما علموا بخروج ابن الزبير وإعلانه الخلافة، كما علموا أنه من الواجب الدفاع عن مكة بجانب ابن الزبير ضد الأمويين. (74). وبالفعل فقد قدموا إلى الحجاز والتقوا بابن الزبير واشتركوا في الدفاع عن مكة. ولكنهم افترقوا عنه قبل أن يبايعوه بالخلافة حينما علموا باختلاف مبادئه عن مبادئهم (75).
معه
وفي
أثناء العودة من مكة إلى البصرة وقع الاختلاف الكبير بين القعدة قبل أن يصلوا إلى البصرة بقليل. كما أن أهل البصرة قد أعطوا تبعهم لابن الزبير بعد طردهم للوالي الأموي ابن زياد (6).
ونظرا لخلو الميدان لدى القعدة من شخصية قيادية قادرة على فهم الأوضاع السياسية التي تمر بها الأمة الإسلامية في تلك الفترة، ولكي تتمكن بالاحتفاظ بوحدة جماعتها، فإنه وقع انقسام نهائي وخطير بين القعدة سنة 64 هجرية / 683 م يمكننا تقسيمه إلى تيارين
مستقلين هما:
التيار الأول:
وهو القعدة المتطرفة، فقد رأى نافع بن الأزرق أنه لا يجوز المقام بين ديار مخالفيهم من أهل القبلة، وأظهر البراءة منهم، وقام باستعراض الناس وإعلان البراءة من عثمان وعلي وطلحة والزبير، واستحلال الأمانة. وبدأ الرجل ينتهج خطاً ثورياً متطرفاً في سبيل الحفاظ على مبادئه والعمل على نشرها وتطبيقها (77). وقد اتضح ذلك بارتباطهم بهذه الأفكار والاخلاص لها في تاريخ كفاحهم الطويل (78).
التيار الثاني:
وهم القعدة المعتدلة الذين لم يرتاوا الخروج وقالوا: لا نقول فيمن خالفنا أنه مشرك لأن معهم التوحيد والإقرار بكتاب الله ورسوله، وإنما هم كفار نعم، ومواريثهم ومناكحتهم والإقامة معهم حلال، دعوة الإسلام، تجمعهم، وكان على رأس هذه الجماعة عبد الله بن أباض وعبدالله بن صفار (71). وإن كان قد وقع خلاف بين عبدالله بن أباض، وعبدالله بن صفار حول حكمهم على مخالفيهم فقد أحل ابن صفار دماء مخالفيهم من أهل القبلة فقال له ابن أباض «بريء ا منك فقد قصرت، وبريء الله من ابن الأزرق فقد غلى، بريء الله منكما جميعاً فقال الآخر: فبريء الله منك ومنه» (80).
الله
- AY- (1/82)
صفحة 80
(1) الشماخي، السير، ج 1، ص 54، تحقيق أحمد بن سعود السيابي.
(2) البغدادي الفرق بين الفرق، ص 45 وما بعدها الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 114 وما بعدها. الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 167.
(2) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 86.
(4) ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 149.
(3) مثال ذلك إعلان عروة بن أدية التميمي، أخو أبي بلال، مبادئ الجماعة أمام زياد ابن أبيه والي البصرة برغم تهديد الأمويين له. الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 118. كما يتضح ذلك في قول الأحنف بأن الخوارج لا تحارب إلا على مبدأ حينما خرج لحرب الأزارقة قال: إني ما خرجت لامتيار ذهب ولا فضة وإني لأحارب قوماً إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم»، الأغاني، ص 26، 142. (1) المبرد الكامل، ج 3، ص 106. المسعودي، مروج (7) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 564. (8) الطبري، المصدر نفسه. ج. ص 566 - 567.
الذهب، ج 1، ص 282
(9) خاصة جماعة الأباضية من ذلك أنه يلقي الحجة في الحرب على المخالف المسلم ولا يقاتل إلا من قاتله من أهل القبلة، وقد وضح ذلك في ا أحداث معركة آسك سنة 61 هجرية / 680 م، وتمسك رجال الأباضية بهذا الأمر في دخولهم للحجاز وسلوك المختار بن عوف الأزدي مع أهل الحجاز والأمويين. المبرد، الكامل. ج 3، ص
AT
(10) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 148. البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 55. المبرد، الكامل، ص.0.5
(11) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 526.
(12) الشماخي، السير، ج 1، ص 81. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 235.
(13) أورد الدكتور أحمد زكي في كتابه الحياة الأدبية في البصرة، ص 317، أن أشهر زعيم للخوارج في تلك المرحلة المبكرة هو حيان بن ظبيان. ولكننا لم نعثر عن دور ونشاط لهذا الاسم إلا في بداية القرن الثاني الهجري زمن قيادة أبي عبيدة للحركة. (الشماخي، السير، ج 1، ص 89).
(14) يرى ابراهيم بيضون في كتابه: التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، ص 231. أن تحول الخوارج من حرب العصابات الضيقة إلى نطاق الثورة المسلحة بدأ منذ عهد زعيمهم القوي مرداس ابن آدية التميمي. ولكن هذا يتناقض مع استراتيجية أبي بلال التي كانت في البداية تؤثر المسالمة. (انظر السير والجوابات. ج 1، ص 117، 118، تحقيق سيدة الكاشف).
(15) أبو جابر الأزكوي، الجامع، ج 1، ص 322، تحقيق عبد المنعم عامر، التراث، 1981 م. (16) خليفات. نشأة الحركة الأباضية. ص.65
، ص 116.
(17) سرور، الحياة السياسية في الدولة العربية، طبعة ثانية، (18) أحمد كمال زكي (دكتور). الحياة الأدبية في البصرة، ص (19) کارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص
(20) الشماخي، سير المشايخ، ج 1، ص 51 وما بعدها. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 200 وما بعدها.
البرادي. الجواهر المنتقاة، ص 146. ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 3، ص 208. (21) الرقيشي، النور الوقاد في علم الرشاد، ص 60، «ارجع أصل هذا المبدأ في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لابن أم عبد: «هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال:
123
239 (1/83)
صفحة 81
لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فينها».
(22) أبو جابر الأزكوي، الجامع، ج 1، ص 222. خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 65.
(23) ابن عبد ربه العقد الفريد، ج 5، ص 250. الجاحظ البيان والتبيين، ج 2، ص 242.
(24) ابن عبد ربه، نفس المصدر، ج 4، ص 172.
(25) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 69.
(26) يرجع سبب عفو ابن زياد عن أبي بلال إلى سببين: الأول منهما خوف الوالي من إثارة قبيلة بني تميم التي ينتمي إليها أبو بلال والتي كانت آنذاك تحتل مكانة كبيرة في البصرة من الناحيتين الفكرية والعددية والسياسية. والسبب الثاني هو أن ابن زياد كان يأمل في أن يستخدم أبو بلال نفوذه لدى أتباعه ليخففوا من نشاطهم ودعايتهم ضد الأمويين وضد ولاتهم. مهدي هاشم، الحركة الأباضية في المشرق،
ص 60. خليفات، نشأة الحركة ص 69.
(27) الشماخي، السير ج 1، ص 63 وما بعدها. (28) المبرد الكامل، ج 3، ص 258.
(29) أوقع بين أتباع أبي بلال من جهة وبينهم وبين الموالي الذين انضموا إليهم من جهة ثانية. ابن الأثير تاريخ، ج 3، ص 327 الشماخي، السير، ج 1، ص 62.
(30) المبرد، الكامل، ج 3، ص 257.
(31) من جماعة المحكمة التي قبض عليها ابن زياد ودار بينهما حوار أحس ابن زياد بمدى تمسك (البلجاء) بأراء المحكمة فأمر بقتلها، وقد حذرها أبو بلال من الخروج وإعلان آرائها ونصحها بالتقية. سار في جنازتها أبو بلال الشماخي المصدر السابق، ج 1، ص 66. المبرد، المصدر السابق، ج 3، ص 258. (32) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 150. (33) جنديسابور مدينة بخوزستان البغدادي، مراصد الإطلاع، ج 1، ص 351. (34) الشماخي، السير، ج، 1، ص 68. كما تم القبض على عروة بن أدية وهو يتعبد في سرب
وقتل).
فاخذ منه
(35) السالمي، مشارق أنوار العقول، تحقيق الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ص 451، يقول السالمي في (بحر الرجز): اجز تقية بقول إن خلص من نيل ضر من به القول يخص وامنعها في إتلاف نفس أن جنى والخلف في إتلاف مال ضمنا
(36) خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 17.
(37) الشماخي، السير، ج 1، ص 65.
(38) ترى الدكتورة سيدة الكاشف في هامش السير والجوابات، ج 1، ص 118. أن سبب خروج أبي بلال هو مقتل أخوه عروة ولكن قتل عروة تم بعد أحداث أسك.
(39) كان خروج أبي بلال حسب الفكر الأباضي خروجاً في سبيل الله وطلباً للشهادة هو وأصحابه، لأن فريضة الجهاد ضد الحاكم الظالم على المسلمين واجبة إذا كانوا نصف عددهم. الشماخي، السير والجوابات،
ج 1، ص 117.
(40) المبرد، الكامل، ج 3، ص 258. كتاب ابن سلام، ص 131.
(41) الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 2 أ.
(42) الشماخي، السير، ج 1، ص 64 وما بعدها الطبري، تاريخ، ج 5، ص 470. (1/84)
صفحة 82
(44) دار نقاش حول هذا التصرف من قبل أبي بلال زمن إمامة الصلت بن مالك (237 273 هجرية / 886851 م) حيث أخطأ أحد العلماء في الحكم على أبي بلال في ا أنه أخذ مال أصله حرام لأنه من جمع الجبابرة (السير والجوابات. ج 1، ص 33. الشماخي، السير، ج 1 1، ص 90.
(45) قديد: معركة وقعت بين الأباضية وبين الأمويين في مكان بين مكة والمدينة وانتصر الأباضيون. الطبري، تاريخ، ج 7، ص.393
(46) اختلف في عددهم: ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 148 ذكر انهم ثلاثون رجلاً. المبرد، الكامل، ج 3، ص 251، ذكر انهم ستة وثلاثون. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 470، ذكر انهم أربعون. وكذلك ابن سلام، ص 131. وتتفق المصادر الأباضية على العدد أربعين.
(47) الحموي، معجم البلدان، ج 1، ص 61. (48) قال أبو بلال في الخروج (من البحر الطويل): أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى أحب بق اء أو أرجى سلامة فيا رب سلم نيتي وبصيرتي
(المبرد، الكامل، ج 2، ص 214).
ومن خاض تلك الحروب المهالكا وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا وهب لي البقا حتى ألاقي أولئكا
(49) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 470، 471. ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 149.
(50) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 149. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 471. المبرد، الكامل، ج 3، ص 253
(51) رأى خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 70. الحارثي، العقود الفضية، ص 114. (52) المبرد، المصدر السابق، ج 3، ص 253.
(53) البغدادي الفرق بين الفرق، ص 55) ذكره باسم زرعة بن مسلم العامري). (54) يقول أحد شعرائهم: (يسميه ابن سلام عيسى بن فاتك «من بحر الوافر»):
االفا مؤمن منكم زعمتم ويقتلهم بأسك أربعونا
كذبتم ليس ذلك ما زعمتم ولكن الخوارج مسلمونا
کتاب ابن سلام، ص 132، السير والجوابات، ج 1، ص 118).
(55) المبرد، الكامل، ج 3، ص 256. ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 149. الحارثي، العقود الفضية في أصول الأباضية، ج 1، ص 115. تتفق الروايات سنة 61 هجرية / 680 م، عدا ابن سلام سنة 60 هجرية / 679 م. ابن سلام، ص 132.
(56) يقول في ذلك عيسى بن فاتك الخطى (من بحر مجزوء الوافر)
فلما أصبحوا صلوا وقاموا إلى الجرذ العتاق مسومينا
فلما استجمعوا حملوا عليهم فظل ذو الجعائل يقتلونا
راجع کتاب ابن سلام، ص 132).
وقال يرثي أبي بلال ومن قتل معه (من بحر مجزوء الوافر):
الا في الله لا في الناس شالت بداود واخوته الجذوع
مضوا قتلاً وتمزيقاً وصلبا تحوم حولهم طير وقوع
(المبرد، الكامل، ج 3، ص 256. شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 450. ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 149).
_10_ (1/85)
صفحة 83
وقال عمران بن حطان في ذلك (من بحر البسيط):
يا عين ابكي لمرداس ومصرعه يا رب مرداس الحقني بمرداس
تركتني هائما أبكي لمرزئتي في منزل موحش من بعد إيناس
(الاعلام، ج 1، ص 81 شرح النهج. ج 1، ص 451. ابن عبد ربه، ج 1، ص 256). (57) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 471، ومون: ينة في فارس شديدة الحر البغدادي، مراصد الاطلاع، ج 1، ص
YA.
(58) المبرد، الكامل، ج 3، ص 253. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص.222
(59) الشماخي، السير، ج 1، ص 66. الحارثي، العقود الفضية، ص 117. خليفات، نشأة الحركة الأباضية. ص 70. مهدي هاشم، الحركة الأباضية في المشرق، ص 61.
(60) الشماخي، السير، ج 1، ص 66. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 470.
(61) المبرد، الكامل، ج 3، ص 262.
(62) يذكر الطبري، ج 5، ص 312، وابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 159 أن عروة بن آدية التميمي قد قتل قبل خروج أبي بلال إلى أسك. بينما تذكر الروايات الأباضية أن ذلك تم بعد مقتل أبي بلال. الشماخي، السير، ص 66. البغدادي، الفرق بين الفرق. خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 71. مهدي طالب، الحركة الأباضية، ص 61.
(63) المشاخي، السير، ج 1، ص 67. المبرد، الكامل، ج 3، ص 260. (64) خرجا قريب وزحاف فاعترضا الناس وفزع الناس منهم وجعلوا يقولون: الحرورية .. الحرورية. فبلغ أبا بلال الخبر فقال قريب لا قربه الله، وزحاف لا عفا الله عنه فقد ركباها عشواء. (ابن عبد ربه، العقد
الفريد، ج 1، ص 150، 151 ـ السير، ج 1، ص 62،61).
(65) الحارثي، العقود الفضية، ص 117. خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 71. (66) حسن إبراهيم تاريخ الإسلام السياسي، ج 1، ص 310.
(67) فان فلوتن، الشيعة والإسرائيليات، ص 74. الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ج 1، ص 12. (68) ابن الطقطقي، الفخري، ص 106. ابن الأثير، الكامل، ج 2، ص 62.
(69) العقيلي، محمد أرشيد (دكتور)، الشيعة، ص 26، بيروت، 1982 م. (70) كان ورعا صالحا شاعرا خطيبا. وأشعاره كثيرة، خرج من سجن الحجاج وانتقل في القبائل حتى نزل عند روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان. ثم انتهى به المقام في: أزد عمان، مات سنة 89 هجرية / 707 م، ويقول في ذلك من البحر الوافر)
نزلنا بحمد الله خير منزل نسر بما فيه من الإنس والفخر
نزلنا بقوم يجمع الله شملهم وما لهم مقل سوى المجد يعتصر
الشماخي،،، السير، ج 1، ص 78، 79، المبرد، الكامل، ج 3، ص 168. ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 219. الاعلام، ج 1، ص 81 شرح نهج البلاغة، ج 1 ص.45
(71) البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 55
(72) الشماخي، السير، ج 1، ص 78. الدرجيني، الطبقات، ج 2،، 226. البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 168
(13) خليفات، الحركة، ص 72.
(74) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 566. ثار ابن الزبير وأعلن معارضته للحكم الأموي ولمبدأ الوراثة في الخلافة (1/86)
صفحة 84
في
الإسلامية، خاصة بعد حادثة كربلاء وقتل الحسين فبايعه الكثير من أهل مكة والمدينة ثم جاءه وفد من مصر فبايعه واضطربت أمور الشام والعراق على الأمويين. تاريخ الطبري، ج 5، ص 540 وما بعدها. ابن الأثير، تاريخ، ج 3، ص 319 وما بعدها. (75) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 566. المبرد، الكامل، ج 3، ص 290. حدثت بين الفريقين مناظرة حتى يتعرفوا على اتجاهات ابن الزبير قبل أن يبايعوه بالخلافة حتى أعلن ابن الزبير لهم: انه ولي لابن عفان الدنيا والآخرة فافترقوا عنه». (76) المبرد، الكامل، ج 3، ص 261. ويعتبر أن عملية طرد ابن زياد من البصرة كان بفضل نشاط الخوارج بها. (77) يتضح ذلك في الرسالة التي أرسلها إلى من بالبصرة من القعدة: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفار. ترون الظلم ليلاً ونهاراً وقد ندبكم الله إلى الجهاد فقال: وقاتلوا المشركين كافة (سورة التوبة: آية (36). ولم يجعل لكم في التخلف عذرا في حال من الأحوال فقال انفروا خفافاً وثقالا» (التوبة: آية (41). وإنما عذر الضعفاء والمرضى الذين لا يجدون ما ينفقون. ومن كانت إقامته لعلة. ثم فضل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال «لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله (النساء: آية (95. فلا تغيروا ولا تطمئنوا إلى الدنيا فإنها مرارة مكارة لذتها نافذة ونعمتها بائدة حفت بالشهوات اغتراراً وأظهرت حيرة وأضمرت عبرة، فليس أكل منها أكلة تسره ولا شربة تؤنقه إلا دنا بها درجة إلى أجله وتباعد بها مسافة من أمله وإنما جعلها الله داراً لمن تزود فيها إلى النعيم المقيم والعيش السليم فلن يرضى بها حازم دارا ولا حليم بها قرارا. فاتقوا الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى والسلام على من اتبع الهدى». المبرد، الكامل، ج 3، ص 290. الأغاني، ج 6، ص 142. ابن عبد ربه العقد الفريد، ج 1،، ص 152. (78) قال الأحنف بن قيس حينما خرج لحرب الأزارقة: «إني ما خرجت لامتياز ذهب ولا فضة وإني لا قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم. الأصفهاني الأغاني، ج 6، ص 142. (79) استندوا في أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقيم بين كفار قريش وأن مناكحتهم تجوز لأنهم منافقون يظهرون الإسلام المبرد، الكامل، ج 3، ص 293. العقد الفريد، ج 1، ص 152. الطبري،
تاريخ، ج 5، ص
0568
(80) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 568.
الأحارب
- AY_ (1/87)
صفحة 85
(4)
البصرة ودورها في مرحلة الكتمان
كانت مدينة البصرة المسرح المفضل لعمليات الخوارج منذ البداية، ويرجع هذا الأمر إلى عوامل سياسية قبلية وعوامل جغرافية. فوجود قيائل تميم والأزد، التي تشكل غالبية سكانها، جعلت أفراد تلك القبائل من الذين اعتنقوا فكر المحكمة يلجأون إلى قبائلهم طلباً للحماية وقت الشدة، أو سعياً وراء نشر أفكارهم بين أفراد قبائلهم بالإضافة إلى قرب البصرة من الأهواز ومدن فارس ووجود الفرس الذين استهوتهم أفكار المحكمة، في كثير من جوانبها خاصة مسألة وعدم حصرها في قريش (1).
الخلافة
والبصرة (2) تقوم على امتداد النهر الموصل بين نهري معقل والأبله، وقد نزلها المسلمون، وبني بها المسجد الجامع سنة 14 هجرية / 635 م بقيادة عتبة بن غزوان، وبني بها أيضاً داراً للإمارة وفي زمن أبي موسى الأشعري زاد في مسجدها حتى جاء العصر الأموي فزادت زيادات كثيرة في مساجدها ودورها وأحيائها.
كان التخطيط الأصلي لها زمن عتبة بن غزوان بسيطاً (3) فقد جعلها مدينة لاستيطان جنده وعوائلهم. ولكن ترتب على ازدحام المدينة بالسكان أن ضاع التنظيم الأصلي فتقدم سكانها في البناء في وسط الشوارع والمساحات حتى ازدحمت المدينة وضاقت الشوارع والسبل واختلطت
-19_ (1/89)
صفحة 86
أصول التنظيم. (4). وبعد أن سيطر العرب على ظهير المدينة أخذت المدينة تتسع وتزدهر اقتصادياً، ومن ذلك الحين بدأت القبائل العربية تستوطن فيها وتستقر في خطط خاصة بها ويزداد عدد سكانها حتى أصبحت أهم المدن الإسلامية (9).
كانت المدينة تمتد على شكل قوس تطوق بها البادية. وحول أسوارها أرض خصبة تسقيها أنهار صغار كثيرة، وبينها بساتين النخيل الواسعة، وبعد اتساعها السريع الحق بها عبادان (1) والأبلة (7)، والمذار (8)، وبذلك أصبحت مدينة الدنيا، ومقصد تجارتها وأموالها (1). حتى ذكر أنه كان بها في العصر العباسي أربعة آلاف نهر يجني في كل يوم من كل نهر مثقال ذهب (10). ومن دراستنا لكتب الجغرافيين والمؤرخين نجد أن البصرة ظهرت في شكلها الأول في سبع مواقع هي (11): البطينة في الوسط وحدان في الغرب، وهدادة في الشرق، والزابوقة والسبخة في الشرق أيضاً، والخريبة (12) والزاوية في الجنوب. ومن تتبعنا لتلك المواقع وتوزيعات القبائل نجد أن الأخماس كانت تتوزع على الشكل التالي:
أولاً: خمس تميم: في الجنوب الغربي من البصرة وتمتد رقعتهم إلى نهر الأساورة جنوباً حيث الزط (13) وأحلافهم، وإلى المربد غرباً حيث جتانة بن مازن بن تميم. وقيل أن جيش السيدة عائشة عرج في تقدمه إلى المربد قبل أن يصعد إلى الزابوقة ثم يحارب في حدان
الأزدية (14).
ثانيا: خمس بكر بن وائل في الشمال والشمال الغربي ويقع في شرقه قصر أنس بن
مالك (15).
ثالثا: خمس أهل العالية وهم الموظفون وأصحاب المناصب من قيس وقريش وغيرهما وكانت منازلهم إلى الجنوب الشرقي من البصرة. وسكنت ثقيف بالقرب من المسجد الجامع إلى الجنوب. كما نزلت هذيل في أقصى الجنوب الغربي (16).
رابعا: أما الأزد فقد وصلت البصرة متأخرة واستقرت في الجنوب إلى حدان (17). ويهمنا الأزد وأوضاعهم في البصرة، حيث الارتباط بينها وبين قضايا البحث، فقد انتشرت دورها في محلات ثلاث في الطرف الجنوبي، بعيداً عن المسجد الجامع، لأن بعضهم استوطن البصرة منذ تأسيسها زمن عمر بن الخطاب سنة 14 هجرية / 635 - 636. بينما وفد أكثرهم في العصر الأموي خاصة في خلافة معاوية (18). ومن أشهر عشائر الأزد في البصرة: عتيك وحرقة، وجود، وحدان، وزهران وجهضم، وقطيعة، وهناءة، واليحمد، وجابر، وشقرة، وجرم، ووهدان، ورباح وغيرها.
ولما زاد عدد سكان المدينة واتسعت اضطر زياد بن أبيه إلى إعادة تنظيمها وتقسيمها إلى قبائل كبرى وجعل وظيفة رئيس لكل خمس منها وكانوا يعينون بقرار من الخليفة (19). وقد قوى زياد من سلطة رؤساء الأخماس في سبيل السيطرة على المدينة وكانوا بالفعل أكبر عون له على السيطرة الإدارية والأمنية عليها (20).
_9_ (1/90)
صفحة 87
أنماط
ويبدو أن العرب برغم تحول بعضهم إلى الزراعة وامتلاك الأرض، لم يستطيعوا أن يثبتوا انسجامهم مع حياة المدن الجديدة، ولذلك ظل القرن الأول الهجري يشير لنا إلى صور متعددة من اضطراب الحياة السياسية كما تدل وقائع الأحداث. كما ظهر لنا في هذه الفترة بروز ا البداوة والتعصب عند سكان البصرة حتى أصبحت العصبية الجديدة هي البصرة، وظهر هذا التعصب في افتخارهم على أهل الكوفة: نحن أكثر منكم ساجاً وعاجاً وديباجاً ونهرا عجاجاً (21). كما ظهرت عصبيتهم في موقفهم ضد أهل الشام أيضاً، وهي بذلك تشير إلى أول صور المنافسة الإقليمية في التاريخ الإسلامي.
وقد ظلت البصرة طيلة قرن من عصر الأمويين مقر الإمارة في العراق وكان من سوادها الأهواز ودست ميسان (22)، وظل الحال كذلك حتى أسست بغداد سنة 146 هجرية / 763 م، إلا أن البصرة ظلت محتفظة بأهميتها الاقتصادية في اتصالها بالخليج العربي وعالم المحيط
الهندي. وقد عاش فيها السكان في العصر الأموي على شكل قطاعين عرقيين هي: 1 - طبقة العرب (23) ومنها الحكام وهي الطبقة الارستقراطية وأمسكت بزمام الثروة والتجارة.
-
2
طبقة الدعية من غير العرب: وهي طبقة العناصر التي استقرت في المدينة من غير العرب بعد التأسيس.
ومن الناحية الإقتصادية نجد أن سكانها قد انقسموا إلى فئات ثلاث هي:
الفئة الأولى:
وهم الفرس وأصحاب الأمر في البلاد سابقاً والذين يملكون الاقطاعات الضخمة وظلت تقوم على حراستهم الزط والأساورة (24).
الفئة الثانية:
وهم النبط أو سكان السواد ولم يكن لهم أي دور في الحياة السياسية في البصرة فيما بعد وقد
فرضت عليهم الجزية (25).
الفئة الثالثة:
وهم العرب الذين قدموا مع حركة الفتح واستقروا فيها على شكل خطط جديدة.
سلطة
ولم يخفف هذا التنظيم من حدة الفوارق العصبية بين القبائل العربية في مجتمعها الجديد وظل هذا المجتمع يصطدم باتجاهات متشابكة متضاربة ويعاني من مشكلات معقدة، ويبدو أن تنظيم زياد الخماسي كان يهدف إلى تطوير البصرة وإلغاء الفروق بينهم، فقوى من العرفاء (26) ليضعف من سلطة شيوخ القبائل. ولم تكن هناك وسيلة لمناقشة شرعية ما يقوم به الإداريون، واختلفت الآراء والأهواء بين محتج باللسان ومرجئ وعاص للحكومة. ووجد الخوارج
-91 - (1/91)
صفحة 88
في ظل هذه الأحوال فرصة مواتية لنشر أفكارهم كما أن الكثير من أهل البصرة قد وجدوا مثلهم العليا في أفكار الخوارج (37).
ومن الناحية الفكرية العامة بالمدينة، فإننا نلاحظ أنها كانت تمثل أهم مراكز الثقافة الإسلامية في القرنين الأول والثاني الهجريين (28). فقد انتجت المدينة قمماً في كل فروع العلم والثقافة وعلوم الدين برغم كل التناقضات التي جمعت بين قممها. وقد تكونت شخصيتها المدنية وهويتها الثقافية بفضل جوانب كثيرة منها: مجالس البيوت والمساجد.
وقد شكل المسجد أهمية كبرى في تكوين فكر أهل المدينة ووجد المحكمة وخاصة الأباضية في المسجد سبيلاً هاماً لنشر أفكارهم وآرائهم بطريقتهم السلمية. وقد مثل المسجد عند أهل البصرة مكاناً لأمور كثيرة غير الصلاة، فإلى جانب العبادة ظهر في مسجد أهل البصرة، الظرفاء، وأهل المجون (29). وكان لكل قبيلة مسجدها بالإضافة إلى المسجد الجامع. والمساجد التي كان ينشئها ولاة المدينة خاصة في العصر الأموي.
وفي المسجد الكبير كانت هناك التيارات الرئيسية التي تسود بين أهل المدينة. فهو يقع في وسطها، ويجتمع فيه أهل المدينة لمناقشة أمورهم، وبدأ العلماء يتخذون فيه حلقات للعلم (30). وتحول هذا المسجد في العصر الأموي إلى معهد علمي كبير تروى فيه الأحاديث الشريفة ويفسر فيه القرآن الكريم وتعقد فيه المناظرات وتسرد فيه الأخبار، وتحكم بالتالي في مسيرة الحركة الثقافية والفكرية في المدينة. وظهر فيه رواد أثروا في فكر أهل المشرق عامة مثل الحسن
البصري في الوعظ وعبدالله الحضرمي والخليل بن أحمد في فقه اللغة العربية (31). وقد أثرت التيارات السياسية التي سادت العالم الإسلامي في تلك الفترة على مسار التوجهات الثقافية بين علماء المدينة، فقد اتجه الكثير من طلاب العلم والعلماء إلى الإنحياز والإيمان ببعض هذه التيارات السياسية، برغم وجود روح الجدية في طلب العلم. فقد كان الحسن البصري يشتد على الحكومة حينما يدرس لطلابه هذه المواقف ويترحم على عثمان ولكنه حينما يذكر علياً يقول: لم يزل أمير المؤمنين علي رحمه الله يساعده الظفر حتى حكم، ليته لم يحكم (32).
وبالفعل مثل المسجد الكبير فرصة للمحكمة لنشر أفكارها فانضم إليها الكثير منذ زمن أبي بلال: فانضم جابر بن زيد، وعبد الله بن أباض وغيرهما. كما أن الأباضية كانت تخشى على أتباعها من الجلوس في حلقات مخالفيها تجنباً للاصطدام بهم أو التأثر، كما أن بعض زعماء الأباضية تزعم مجالس العلم في البصرة في فترة الكتمان، فكان جابر بن زيد يتصدر مجالسها بسبب علمه وفصاحته حتى أنه كان يتولى القضاء في البصرة حينما يخرج الحسن البصري للجهاد (33).
وهكذا ظلت القعدة المعتدلة من الأباضية يتمركزون في البصرة وشكلت لهم مركزاً هاماً لنشر أفكارهم في بقاع كثيرة فيما بعد وظل جابر وأتباعه ينظمون حياتهم ودعوتهم على أساس السرية والكتمان. وظلت هذه المدينة مركز الأباضية حتى منتصف القرن الثاني الهجري.
- 92 (1/92)
صفحة 89
(1) إبراهيم بيضون (دكتور)، التيارات السياسية، ص 231.
(2) استقر العرب بعد فتح جنوب العراق والسيطرة على مواقع كسرى في الخريبة. «وكتب عتبة بن غزوان إلى الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب يعلمه بنزوله إياها وانه لا بد للمسلمين من مكان يشتون به فكتب إليه عمر أن أجمع أصحابك في موضع واحد وليكن قريباً من الماء والمرعى واكتب إلي بصفته. فرد عليه عقبة بقوله ... إنّي وجدت أرضاً كثيرة القصبة في طرف البر إلى الريف ودونها منافع ماء فيها قصباء» أي على طرف البر المتصل ببراي الجزيرة العربية بعيداً عن أرياف دجلة حتى يحافظ العرب على
كيانهم.
وتختلف الروايات حول أصل كلمة البصرة، ويقسمها الباحثون إلى ثلاثة أقسام: 1 - الروايات العربية: التي تقول أن البصرة سميت كذلك لأن فيها حجارة سوداء أو لأن هذه الحجارة رخوة تضرب إلى البياض.
2 - الروايات الثانية: تقول أنها تجديداً لإحدى المدن العربية القديمة وهي الخريبة وهو الإسم الذي يطلق على البصرة في كتب الأخبار
- الروايات الأخيرة: التي تقول أنها تعريب للاسم الفارسي «بسي راه» أي الطرق الكثيرة. وهي
بذلك بلد قديم.
انظر البلاذري، فتوح البلدان، ج 2، ص 425. النبهاني، التحفة النبهانية، ج 2، ص 6، ص 4. اليعقوبي، البلدان، ص 23 معجم البلدان، ج 2، ص 193 ابن حوقل صورة الأرض، ص 212.
لسترنج، بلدان الخلافة الشرقية، ص 42 وما بعدها.
(3) انظر الشكل في الملاحق.
(4) لسترنج، بلدن الخلافة الشرقية، ص 43.
(0) البلاذري، فتوح البلدان، ج 2، ص 437.
(1) عبادان من أنهر البصرة. البغدادي، مراصد الاطلاع، ج 2، ص 914.
(7) الأبله: بالقرب من البصرة ـ حفر نهرها زياد بن أبيه. البغدادي، المصدر السابق، ج 1، ص 18. (8) المذار بلدة بين واسط والبصرة البغدادي، المصدر السابق، ج 3، ص 1247.
(9) اليعقوبي، البلدان، ص 23. (10) ابن حوقل صورة الأرض، ص 212.
(11) صالح أحمد المعلى (دكتور)، التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرنين الأول والثاني الهجريين، ص 78
(12) سميت الخريبة لأن المرزبان كان قد بنى قصراً وخرب من بعده، فلما نزلها المسلمون ابتنوا قرب أ اطلاله وسموها الخريبة. ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 426. (13) كانت الزط في جند الفرس ممن سبوا وفرضوا له من أهل السند، وقد أسلموا بعد فتح فارس وأتوا أبا موسى فأنزلهم البصرة كما أنزل الأساورة البلاذري، فتوح البلدان، ج 2، ص 259 - 263. (14) صالح العلي، المرجع السابق، ص 295.
(15) الطبري، تاريخ، ج 4، أحداث سنة 36 هجرية / 656 م. البلاذري، فتوح البلدان، ج 2، ص 435. (نسبة
إلى أنس بن مالك الأنصاري).
(16) الكدمي، الإستقامة، ص 114. (17) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 243. (1/93)
صفحة 90
(18) صالح أحمد العلي، المرجع السابق، ص.
296
(19) البلاذري، فتوح البلدان، ج 2، ص 436. بلغ سكان البصرة في ولاية زياد مائة وأربعين ألفا. الطبري. تاريخ، ج 5، ص 221.
(20) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 222. أحمد أمين فجر الإسلام، ص 117. «فقد قدمها زياد والفسق فيها ظاهر وفاش وتركها وكل شيء فيها هادي، وأكد فيها سلطان الأمويين». (21) الجاحظ، البيان والتبيين، ج 1، ص 340.
(22) الجاحظ، المصدر نفسه، ج 1، ص 192. الأهواز بين البصرة وفارس وبها قرى كثيرة، البغدادي. المراصد، ج 1، ص 135. دوست ميسان كورة واسعة بين البصرة وواسط المصدر السابق، ج 3، هـ
، ص.
(23) يذكر العوتبي في) أنسابه: أن هناك قبائل عربية اتجهت إلى جنوب العراق بعد انهيار سد مأرب في عصور ما قبل الميلاد، ومن أشهرهم جماعات الأزد التي تحركت من اليمن وأهم رجالها جزيمة الأبرش، وهو الوضاح بن مالك بن فهم، ومن كان معه بالحيرة من غسان من آل المحرمة فملكوا أمرهم إلى جزيمة الأبرش فسار بهم حتى نزل السواد فملك الحيرة وما حولها ستين سنة. الأنساب، ج 2، ص 199 - 203. . (24) فان فلوتن، السيادة العربية والشيعة، ص 47.
(25) بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 130) (ترجمة نبيه الفارسي). (26) فقد قسم زياد بن أبيه البصرة إلى أقسام وجعل على كل قسم منها عريفاً، بدلاً من شيوخ القبائل، وكان العريف يمثل المسؤول عنه فهو يوزع العطاء ويزيد فيه وينتقص منه ويسجل الأموات والمواليد ويراقب مثيري الفتنة الطبري، تاريخ، ج 5، ص 503).
(27) سادت الفوضى مدينة البصرة بعد وفاة يزيد بن معاوية في الرابع عشر من ربيع الأول سنة 64 هجرية / 683 م ووقعت فتنة شديدة بين أهل البصرة فرّ على أثرها عبيد الله بن زياد إلى الشام، وكان قبل فراره قد استجار بالأزد (مسعود ابن عمرو الأزدي) فثارت الفتنة القبلية من جديد بن الأزد وحلفائها من بكر بن وائل من جهة، وبين تميم وقيس من جهة ثانية. وسادت الفوضى البصرة بصورة عامة بعد مقتل زعيم الأزد ووالي المدينة مسعود بن عمرو. فكانت هذه فرصة لانتشار أفكار الخوارج. (الطبري، تاريخ، ج 5. ص 515).
(28) أحمد كمال زكي (دكتور)، الحياة الأدبية في البصرة، ص 6.
(29) الأصفهاني، الأغاني، ج 17، ص 11. المبرد، الكامل، ج 1، من 98. (30) پيروى أن جعفر بن الحسن كان أول من اتخذ في المسجد الكبير بالبصرة حلقة ليقرأ فيها القرآن الكريم، قبل العصر الأموي (الجاحظ، البيان والتبيين، ج 1، ص 346).
122
(31) المبرد، الكامل، ج 1، ص (32) المصدر نفسه، ج 2، ص 136. أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 185 قد الحسن البصري وبكر بن عبدالله المزني وصفوان بن محرز التميمي وغيرهم مجالس القصص والوعظ وكان الحسن البصري يجتذب النفوس بعلمه وسمته فهم يرون فيه معبراً عن أحوالهم. وظهر صراع بين شيوخ الحلقات. فكان الخليل بن أحمد يلتزم بنصحة شيوخه من الأباضية فلا يقرب من حلقات العلماء المخالفين لهم. (33) وردت عبارات كثيرة تدل على مكانة جابر بن زيد الهامة بين أهل البصرة نستخلصها من روايات المصادر الأباضية وغيرها وهي روايات متشابهة تقريباً ومن هذه الروايات ما يلي:
أنه كان مفتي أهل البصرة وكان أعلم الناس في عصره بتلك المدينة. كان ابن عباس يقول عنه: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر لأوسعهم علما).
_98_ (1/94)
صفحة 91
شهد المعاصرون من علماء المدينة له بطول باعه في الفقه والعلم حتى وردت أسماء كثيرة من هؤلاء
العلماء.
اتصف بالورع والزهد والصبر في طلب العلم (كان مسلماً عند الدرهم والدينار).
انظر:
ابن سعد، ت 210 هجرية / 825 م، الطبقات الكبرى، المجلد السابع، ص 179 وما بعدها، بيروت، دار صادر للنشر بدون تاريخ. البسوي، أبو يوسف يعقوب بن سفيان، ت 277 هجرية / 890 م، المعرفة والتاريخ، المجلد الثاني، تحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري، ص 12 - 15، بيروت، مؤسسة الرسالة لنشر بدون تاريخ. أبو نعيم، بن عبدالله الأصفهاني، ت 430 هجرية / 1038 م، حلة الأولياء، ج 3، ص)
بيروت، دار الفكر بدون تاريخ. ابن كثير، البداية والنهاية، ج 9، ص 104، بيروت، بدون تاريخ. بالإضافة إلى الروايات الأباضية الأخرى.
91 - 10
-10 - (1/95)
صفحة 92
الفصل الثاني
بدايات الحركة في عمان
- 9 V- (1/97)
صفحة 93
(1)
انتشار الدعوة
الأباضية في عمان
قبل أن نتحدث عن انتشار الفكر الأباضي بين أهل عمان، نستعرض ملامح الأوضاع في عمان قبيل هذه الفترة التاريخية. فمن المعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل الرسل والدعاة للدعوة إلى الإسلام بعد صلح الحديبية، ومع أن شروط هذا الحلف كانت قاسية، إلا أنه شكل فتحاً مبيناً للإسلام ودعوته، وقد دلت موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه. على دبلوماسية ماهرة (1). فقد أصبح اتصال الرسول صلى الله عليه وسلم بباقي أجزاء شبه
الجزيرة العربية ميسوراً وأمناً وأمن الناس بعضهم بعضا واختلط المسلمون مع غيرهم (2). أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الكتب إلى ملوك وحكام المناطق المجاورة يدعوهم للإسلام مثل: هرقل الروم (3) وكسرى، فارس، ونجاشي الحبشة، ومقوقس مصر، بالإضافة إلى رؤساء القبائل في أطراف الجزيرة العربية ومنهم: حكام عمان (4)، والبحرين (5). وكانت هذه الكتب تدل على عالمية الدين الجديد، ودعوة إلى عدم الاختلاف بين الناس.
ويبدو أن الأوضاع في عمان في تلك الفترة لم تكن في يد العرب وحدهم. ذلك أن الفرس تمكنوا من بسط سلطانهم على سواحل الخليج العربية (الغربية الجنوبية) نظراً لأهميتها على (1/99)
صفحة 94
طول الطرق الملاحية العالمية، وحتى يتمكن الفرس من تحقيق سياستهم التجارية والتي ترمي إلى احتكار الطرق التجارية برية وبحرية، ولذلك فإن المحاولات الفارسية قديمة لإحتلال السواحل الجنوبية الغربية من الخليج العربي. خاصة وأنهم يسيطرون على السواحل المقابلة من الخليج العربي، كما أن الطريق البري الذي يبدأ من الصين عبر أواسط آسيا حتى بلادهم يسيطرون عليه أيضاً (1).
لم يشارك أهل عمان في الأحداث المضطربة التي شهدتها المدينة في الأيام الأخيرة من خلافة الخليفة عثمان بن عفان، ولكن علاقة عمان بدأت في الضعف منذ تلك الفترة حيث حكمها عباد بن عبد بن الجلندي، وأصبحت الأمور فيها في يد زعماء الأزد، وانقطعت الصلة بين الطرفين في السنوات التي أعقبت ذلك من حرب صفين وأحداثها. ولم تشر الروايات إلى وجود عامل للإمام علي في عمان، وكان آخر ما أقره عثمان بن عفان في عمان هو عباد بن عبد الذي أصبح حاكمها الفعلي والحقيقي. كما أن الحسن بن علي لم يعين له عاملا على عمان، وبذلك صارت أمور عمان في يد أهلها (7).
وإذا نظرنا إلى الظروف التي سادت في تلك الفترة نجد أن أهل عمان قد أصبحوا مرتبطين بالبصرة بفعل عوامل جغرافية وتجارية من جهة وعوامل سياسية وقبلية وفكرية من جهة ثانية،
ولذلك فإن المناخ السياسي السائد في البصرة سيكون له أكبر الأثر في توجهات الأحداث في عمان فيما بعد. ولتوضيح ذلك نجد أنه من الناحية الجغرافية كان اتجاه أهل عمان صوب البصرة منذ إنشائها يمثل هجرة فصلية بسبب ارتفاع درجة الحرارة ارتفاعاً شديداً في عمان منذ شهر مارس من كل عام حيث تتعامد الشمس على مدار السرطان الذي يمر بعمان. وتبلغ هذه الحرارة أقصاها في شهور الصيف مصحوبة برطوبة شديدة مما يجعل الإقامة في عمان صعبة، فاضطر أهل عمان إلى الهجرة إلى جنوب العراق وأصبحت البصرة أهم مراكزهم للعمل في الزراعة (8). كما أن الطريق البحري الجديد الذي أصبح يبدأ من البصرة ماراً بالأبلة وسواحل الخليج العربي. أصبحت عمان أهم مراكزه ولذلك ارتبط تجار البصرة بأهل صحار، كما ارتبط أهل صحار بنهاية الطريق البحري في شمال الخليج العربي وهو البصرة (1). وبذلك ارتبط أهل عمان جغرافياً وتجارياً بالبصرة منذ البداية.
ومن الناحية الفكرية والقبلية والسياسية ارتبط أيضاً أهل عمان بالبصرة فقد اتجهت إليها جموع شباب أهل عمان في سبيل طلب العلم والمعرفة، خاصة وأن البصرة أصبحت أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامي في القرن الأول الهجري فرحل إليها جابر بن زيد مع من رحل لطلب العلم، ورحل إليها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وغيرهما، وأثبت طلاب العلم من عمان مكانتهم البارزة بين قممها الفكرية حتى ضربت بهم الأمثال كل في تخصصه (10). وأصبحت أحياء البصرة تحتوي على أحياء خاصة لأزد عمان. كما أن البصرة كانت أقرب إلى أهل عمان لطلب العلم من الحجاز (11) حتى شبه أهل عمان العلم بطائر باض بالمدينة وفرخ بالبصرة ثم طار إلى عمان (12).
-1 - (1/100)
صفحة 95
ومن الناحية القبلية أصبح لأزد عمان مكانة كبيرة بين قبائل البصرة منذ وصول حملة عثمان بن أبي العاص إلى سواحل شمال الخليج العربي. وإن كانت هناك جموع من أهل عمان قد استقرت بالبصرة منذ تأسيسها على يد عتبة بن غزوان سنة 14 هجرية / 635 م في خلافة عمر بن الخطاب (13). وزادت جموع أزد عمان فيما بعد التي قدمت للإستقرار فيها. ومن الناحية السياسية ارتبطت الأحداث السياسية التي وقعت في البصرة والمشرق الإسلامي بشخصية عمانية شهيرة قدمت مساهمات جادة في إقرار الأمور بالمنطقة وكانت هذه الشخصية من أزد عمان وهو المهلب بن أبي صفرة. (14). وكان لا يمكن للمهلب من تحقيق مكانته العسكرية في المنطقة بدون أزد عمان.
وهكذا قدمت عمان للبصرة شخصيات هامة في كل مجالات الحياة بها في القرن الأول الهجري / السابع الميلادي. حتى منتصف القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي وكان من أبرزهم الخليل بن أحمد (19) والمبرد (16) وابن دريد (17). وشارك أهل عمان الذين استقروا بالبصرة أهلها في توجهاتهم السياسية كما شاركوهم نهضتهم الفكرية والثقافية. ولما كانت البصرة تمثل أهم مراكز المعارضة ضد الأمويين. فقد استقر بها أبو بلال مرداس بن آدية التميمي بعد أحداث النهروان سنة 38 هجرية / 658 م، ونزل على قبيلته من بني تميم، واحتمى بزعيمها الأحنف بن قيس. وبدأ الرجل ينشر فكره بطريقة سلمية هادئة فاجتذبت أفكاره الكثير من عقليات أهل البصرة فانضم إليه جابر بن زيد الأزدي العماني، في من انضم إليه. حتى أن أبا بلال أعجب بفكره ومكانته العلمية فولاه قيادة جماعته وأصبح جابر بن زيد عضواً هاماً في مسار هذا التنظيم في البصرة. ولكن ظل جابر مستوراً من جماعته خوفاً من بطش الأمويين
به (18).
وفي البصرة بدأت العلاقات بين أهل عمان وبين فكر القعدة المعتدلة، خاصة، وارتبط هذا التنظيم بشخصيات كثيرة من أهل عمان خاصة الأزد منها فيما بعد. ولم تشر المصادر إلى علاقته بين أهل عمان وبين فكر القعدة المتطرفة، بل أن المهلب بن أبي صفرة كان بطل حرب الأزارقة وهو من أزد عمان.
كما أن اللقاءات بين أباضية البصرة وبين أهل عمان استمرت عبر مناطق ومنافذ أخرى منها، لأن أهل البصرة كانوا يتوقفون في صحار، بساحل عمان، وهم في طريقهم إلى المحيط الهندي و جنوبي شرقي آسيا. وقد مثلت عمان مكانة كبيرة على هذه الطرق التجارية منذ بداية العصر الإسلامي (19). وكان من بين تجار البصرة تجار ينتمون إلى الفكر الأباضي من أصل عماني (20). وكان هذا الأمر فرصة هامة لالتقاء أهل عمان في مواطنهم الأصلية بفكر إخوانهم من أهل
البصرة.
وكان موسم الحج فرصة هامة لانتقال الأفكار إلى أهل عمان، فقد أحس مشايخ الأباضية بضرورة استغلال موسم الحج لنشر أفكارهم (21)، وبالفعل كان من بين الدعاة شخصيات من أهل
-1.10 (1/101)
صفحة 96
عمان التقت
عمان.
مع
العمانيين في موسم الحج وكان هذا الأمر فرصة هامة لنقل الأفكار إلى أهل
وكانت جولة الشاعر عمران بن حطان (22) بين قبائل العرب، هروباً من سجن الحجاج شهادة حية لمدى انتشار الفكر الأباضي بين أهل عمان. فقد لاحظ تمسك أهل عمان بأفكار القعدة المعتدلة وهي التي نادى بها زعيمه أبو بلال مرداس بن آدية التميمي، حتى أنه أظهر أمره بينهم، ولاحظ أنهم يتناقلون أشعاره.
T (1/102)
صفحة 97
19
(1) ابن هشام، السيرة، ج 3، ص (2) سيدة الكاشف عمان في فجر الإسلام، ص 19.
(3) هرقل مؤسس الأسرة الهرقلية التي حكمت الامبراطورية البيزنطية من 610 م إلى 717 م. وقد حكم هو من 610 - 621. محمود سعيد عمران (دكتور) تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ص 317، دار
النهضة).
(4) بعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر الروم، وعبدالله بن حزافة إلى كسرى، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، وخاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، وعمرو بن العاص إلى حكام عمان، والعلاء بن عبدالله إلى البحرين سيرة ابن هشام، ج 4، ص 188.
الحضرمي
(0) ورد نص رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل البحرين في كتاب الإهتداء ص 240، 246، وهو النص الوحيد على مستوى المصادر والمخطوطات عامة حتى الآن.
(1) بدأت المحاولات الفارسية للسيطرة على سواحل الخليج العربية منذ عصر دارا الأكبر (521 - 485 ق. م.) من ملوك الدولة الفرتية في إيران، وذلك حينما قام بمشروع تجاري كبير لربط الخليج العربي بالبحر الأحمر لكي تكون فارس قلب العالم القديم، وذلك عن طريقين هما:
الأول: بري عبر شمال شبه الجزيرة العربية إلى البحر الأحمر ومصر. والثاني: بحري حينما أرسل قائده سيكلوكس الكرنيدي الذي طاف شواطئ شبه الجزيرة العربية حتى بلغ مصر، وبعد أن أنجز هذا القائد مهمته الاستكشافية، قفل راجعاً إلى فارس عن طريق البحر الأحمر بمحاذاة سواحل شبه الجزيرة العربية الجنوبية. وبذلك كان من المحتم أن يحتل الفرس سواحل عمان الشمالية من أجل تحقيق هذه السياسة الفارسية في منطقة غرب آسيا. (جورج فاضلو حوراني، العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 109 وما بعدها، ترجمة د. يعقوب بكر. قدري قلعجي، العربي، ص 35. د. أحمد فخري، دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 219).
الخليج
(7) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 1، ص 118. السالمي، التحفة، ج 1، 74. (8) عبد الغني سعودي، الوطن العربي، ص 227، بيروت، 1979 م. (9) عبد الكريم العاني، دور العمانيين في الملاحة والتجارة الإسلامية حتى القرن الرابع الهجري، ص 10، 11. وزارة التراث، العدد 26. سلطنة عمان.
(10) اشتهر الخليل بن أحمد الشاعر اللغوي بأنه واضع علم العروض. واشتهر جابر بن زيد بفصاحته وسعة علمه حتى قيل أنه أعلم علماء المشرق.
انظر: أحمد كمال زكي، الحياة الأدبية في البصرة، ص 227 228. السيابي، طلقات المعهد، ص 1. (11) كان الطريق من عمان إلى الحجاز صعباً يمر بشمال عمان ثم الإحساء ثم يتجه غرباً إلى الحجاز. انظر السيابي، طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي، ص 33.
(12) السالمي، التحفة، ج 1، ص 87. (13) كانوا ثمانية عشر رجلاً منهم كعب بن سوار الذي اصبح قاضيها الشهير في خلافة عمر بن الخطاب. وكذلك مسعود بن عمر كاتبه. وأصبح عبد الله بن عامر وهو من الأزد واليا عليها في خلافة عثمان بن عفان الأولى. انظر: العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 124. (14) المهلب بن أبي صفرة: هو أبو سعيد المهلب بن أبي صفرة، كان له بنت اسمها صفرة وبها كنى، وكان اسمه ظالم بن سراق، وكان من سبي أهل دبا. اتجه من عمان مع حملة عثمان بن أبي العاص إلى ابن كاوان ثم استقر بتوج وبعد ذلك نزل البصرة. اشتهر في البصرة مع أزد عمان بإمكانياته العسكرية المميزة
- 1 · r_ (1/103)
صفحة 98
وكفاءته القتالية العالية حيث تمكن من إزالة خطر الأزارقة عن المنطقة حتى سميت «بصرة المهلب». (ابن خلجان وفيات الأعيان، ج 4، ص 350 - 353).
33
(15) هو الخليل بن أحمد من أهل عمان اشتهر بمواهبه في النحو وعلم اللغة وهو صاحب علم العروض. وفيات الأعيان، ج 2، ص 187 وما بعدها. (16) المبرد: هو أبو العباس حمد بن زيد بن عبد الأكبر ينتهي إلى أزد عمان. توفي سنة 285 هجرية / 898 م. ابن خلكان المصدر السابق، ج 4، ص 313 وما بعدها. السيابي، طلقات المعهد، ص (17) ابن دريد: هو أبو بكر محمد بن الحسن ينتمي نسبه إلى مالك بن فهم إمام أهل البصرة في اللغة والأدب والشعر. ومن كتبه الجمهرة والاشتقاق واللجام والسرج والخيل الكبير. أخذ العلم عن أبي حاتم السختياني وارتحل إلى عمان فترة من الزمن. ابن خلكان المصدر السابق، ج 4، ص 323.
(18) صالح الصوافي (دكتور)، الإمام جابر بن زيد، ص 184، سلطنة عمان، 1986 م.
(19) عبد الكريم العاني (دكتور)، دور العمانيين في الملاحة، ص 5.
(20) جورج فاضلو العرب والملاحة في الميحط الهندي، ص 195.
(21) اهتمت الأباضية بفترة موسم الحج لصالح دعوتهم ونشر أفكارهم، وكان الإمام الأباضي إذا حج في سنة من السنين أقيمت له خيمة خاصة يزوره أتباعه فيها حيث يعلمهم أصول الدين ويجيب على أسئلتهم واستفساراتهم، وإذا لم يحج أرسل أحد المشايخ المشهورين بغزارة العلم وحلاوة المنطق وقوة الحجة وسداد الرأي، ومن أشهر هؤلاء فيما بعد: الربيع بن حبيب الفراهيدي، من أصل عماني، وصالح الدهان وغيرهما، وكانت منازل هؤلاء مدارس متنقلة لنشر الفكر الأباضي.
انظر: الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 254. الشماخي، السير، ج 1، ص 107. (22) هو عمران بن حطان الشيباني، كان شاعراً وعالماً وفصيحاً، أصبح من زعماء القعدة المعتدلة في البصرة بعد أبي بلال، كانت له أشعار كثيرة في رثاء أبي بلال. سجنه الحجاج ثم طرده فأخذ يتنقل بين قبائل
العرب، وكان إذا نزل حي من أحيائهم انتسب نسبأ يقرب منه، ويقول في ذلك:
وفي عاد وعامر عوثبان
نزلنا في بني سعد بن زيد وفي لخم وفي أدد بن عمر وفي بكر وحي بني العدان ثم نزل عند روح بن زنباع وكان وزيراً لعبد الملك بن مروان، ثم تركه حيثما أحس بكشف أمره، ونزل بزفر بن الحارث الكلابي، فانتسب إليه أوزاعياً وأخيراً استقر به المقام بين أزد عمان فوجدهم يعتنقون أفكار أبي بلال مرداس بن أدية ويظهرونه، ويقوله في ذلك:
نزلنا بحمد الله في خير منزل نزلنا بقوم يجمع الله شملهم من الأزد إن الأزد أكرم معشر انظر: المبرد، الكامل، ج 1، ص 172.
نسر بما فيه من الأنس والخفر وليس لهم دعوى سوى المجد يعتصر يمنية طابوا إذا نسب البشر
الأغاني، ج 16، ص 148. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 19. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 16 وما بعدها. الشماخي، السير، ج 1، ص 77 وما بعدها.
11.20 (1/104)
صفحة 99
(2)
علاقة أزد عمان بالدعوة الأباضية
تمثل قبيلة الأزد (1) أهم القبائل العمانية عدداً بين السكان، وأهمها نشاطاً في الحياة السياسية والجوانب التاريخية. وإذا كان تعريب عمان قد تم على يد الأزد حينما وصلت جموعهم بقيادة مالك بن فهم إلى عمان بعد انهيار سد مأرب، فإن الفكر الأباضي ومبادئه ارتبط بتلك القبيلة فيما بعد في عمان وخارجها.
فقد تبع انتصار مالك بن فهم في معركة سلوت على الوجود الفارسي في عمان أن أصبحت عمان يمانية أزدية، حيث بدأت جموع أخرى من الأزد، كانت تبحث عن مواطن لها، في اللحاق بازد عمان والاستقرار بجوارها حتى امتلأت بهم عمان، ومن هذه الجموع التي وفدت إلى عمان عمران بن عمرو بن ماء السماء، وربيعة بن الحارب بن عبدالله، وانتشرت قبائل الأزد فملات عمان (2)، وبجانب هؤلاء استقرت قبائل أخرى بجوارها مثل سامة بن لؤي الذين نزلوا شمال عمان، ونزلت بعض بني تميم منهم آل خزيمة، كما نزلها قوم من قضاعة.
أصبحت السيادة العربية في عمان ممثلة في الأزد، في شخص مالك بن فهم وولده، وقد مد مالك نفوذه شمالاً صوب سواحل الخليج العربية حتى سواحل الإحساء. كما نظم دولته في عمان واتخذ لنفسه مساعدين من أولاده وأهمهم هناءة الأكبر سناً، وكان يمثل وليا للعهد، كما اتخذ
11.01 (1/105)
صفحة 100
أوس بن يزيد وزيراً له (2). ولكن منذ القرن الثالث الميلادي انتقلت السيادة في عمان لبيت آخر من الأزد وهو بيت معولة بن شمس (4)، وظلوا حكاماً على عمان حتى قدوم كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان. وبرغم امتداد نفوذ أزد عمان إلى اليمامة وساحل الإحساء
والبحرين فإن السيطرة الفارسية عادت إلى سواحل عمان من جديد.
وبسبب موقف جيفر وعبد وقومهما من أهل عمان من الدعوة الإسلامية بمجرد وصول كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، زادت مكانة الأزد في المنطقة بين قبائل شبه الجزيرة
العربية (5) واتضح دور الأزد الهام في صدر الدولة الإسلامية في النواحي التالية:
الناحية الأولى:
اجتماع الأزد في الركن الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية على التحول إلى الإسلام بصورة جماعية شاملة ومعها بقية القبائل العربية الأخرى ونشر الإسلام والدعوة إليه بين القبائل المجاورة (6). دل على ذلك مكانة عمرو بن العاص بينهم، وخطبة الخليفة أبي بكر الصديق في وفدهم بالمدينة وعبارات الشكر والثناء لدورهم (7).
الناحية الثانية:
لعب أزد عمان دوراً هاماً في الفتوحات الإسلامية فقد شاركوا في حرب الغساسنة وفتوح الشام ومصر وشمال افريقية (8)، وكان دورهم المميز في تلك الفترة هو العمل الهام الذي قام به أزد عمان المشاركين في حملة عثمان بن أبي العاص الذين عبروا معه من جلفار. وتبدو أهمية هذه الحملة في تلك الفترة أنها كانت حملة بحرية وفي زمن الخليفة عمر بن الخطاب ضد القوات الفارسية التي بدأت تتجمع على سواحل الخليج العربي (9)، في وقت لم تكن فيه الخبرة الإسلامية قد اكتملت في مواجهة قوة فارسية بحرية كبرى، فكانت خبرة أزد عمان في هذا الأمر لها دورها الكبير في حسم الصراع نهائياً مع الفرس على سواحل الخليج، بل ان أزد عمان بدأوا في الاستقرار في تلك النواحي بعد هذه الحملة (10).
ويبدو أن هذا الانتشار الأزدي على سواحل الخليج العربي في صدر الإسلام كان تدعيماً لهجرات أزدية سابقة عليه، فقد ذكر أن أقليم فارس وسواحله على الخليج العربي شهد قدوم جماعات أزدية إليه منذ عصور ما قبل الإسلام منهم آل عمارة أولاد الجلندي، وكانت لهم مملكة عريضة وضياع كثيرة وقلاع على سيف البحر بفارس. وكذلك آل صفار وهم من بني الجلندي ومنازلهم على ساحل البحر العربي (11). وبدأت وفود أزد عمان تستقر في النهاية في البصرة، في تلك الفترة (12)، كما بدأت جماعات من أهل عمان خاصة الأزد بها تفد سنوياً إلى البصرة طلباً للعلم أو بسبب عوامل تجارية، فكثر الأزد بها وأصبح الأزد عمان دروباً خاصة ينزلون بها.
وفي البصرة حيث الأفكار السياسية التي مثلت أصوات المعارضة ضد الأمويين وسلطتهم، وحيث النهضة العلمية السريعة الشاملة التي نافست بها البصرة ما عداها من الأمصار والمراكز
-1.7 - (1/106)
صفحة 101
الإسلامية الأخرى. بدأ أزد عمان يشاركون أهل البصرة في مسيرتهم السياسية والثقافية والفكرية ويتأثرون بنزعاتهم وميولهم، وأعطى أزد عمان للبصرة رواداً في كل مجال: في اللغة قدم الأزد الخليل بن أحمد الفراهيدي، وفي السياسة والحرب كان المهلب بن أبي صفرة، الذي غلب اسمه على أحداث البصرة في الثلث الأخير من القرن الأول الهجري (13) وقدم خدماته لأمن البصرة وأمن سكانها حتى عرفت البصرة بـ «بصرة المهلب» وكان أهل الكوفة يقولون لأهل البصرة: يا موالي المهلب (14).
أما في مجال الفقه وعلوم الدين فكان جابر بن زيد، الذي شهد له الجميع بالعلم والتقوى والورع، وكان الفقيه والعالم في عصره، تولى الفتوى في البصرة في غياب الحسن البصري عنها، كما عرض عليه القضاء فرفض، وأسس جابر مدرسة فقهية هامة كان لها دور كبير في مسار الفكر الإسلامي فيما بعد (15). ولما كان هذا الرجل قد اقتنع بفكر أبي بلال مرداس بن آدية التميمي الذي كان يدعو له بعد فراره من النهروان ونزوله البصرة، فانضم إلى ابن بلال، أو أصبح رئيساً لجماعته بسبب مكانته العلمية، ولكنه ظل مستترأ عن الأمويين، وأدرك جابر من هذا الوقت بضرورة توجيه سياسته وجهوده نحو التركيز على ضم أفراد قبيلته من أزد عمان التي استقرت في البصرة إلى دعوته وفكره (16).
ومنذ ذلك الحين ارتبطت الأباضية بالأزد العمانيين، وخاصة أهم بيوتاتهم وهم آل المهلب زعماء أزد العراق والمشرق، وأصبح الكثير من دعاة الدعوة وحماتها البارزين من الأزد، ولم يقتصر هذا الأمر على الرجال بل تعداه إلى النساء أيضاً، فقد اشتهرت نساء مهلبيات بولائهن للمذهب مثل هند بنت المهلب، التي عاصرت جابر بن زيد وتعلمت أفكار الدعوة الأباضية منه وقدمت خدمات كثيرة للحركة ونصرتها وقدمت مساعدات لفقرائها (17).
ويبدو ان انتشار الأزد، وخاصة المهالبة (18)، في منطقة المشرق الإسلامي في بداية العصر الأموي، رافقه امتداد. سري للدعوة الأباضية أيضاً، فقد ثبت أن هناك مراسلات سرية جرت بين جابر بن زيد من البصرة وبين أفراد من أسرة المهالبة في خراسان، حيث كان جابر يطلب من عبد ا الملك، أحد أفراد أسرة المهلب، في خراسان أن يكتب له سراً في أمر الدعوة في منطقته، وأن تكون مراسلاته سرية تامة ومع أشخاص موثوق بهم) وهي طريقة كان يتبعها زعماء الأباضية في البصرة مع أتباعهم ودعاتهم في الأقاليم. وبذلك وفر أزد عمان من المهالبة العدد المناسب لانتشار الفكر الأباضي في مناطقهم.
، (19)
وقد أدى هذا إلى اعتقاد بعض المؤرخين إلى أن هناك ثورة أباضية وقعت في خراسان في نهاية العصر الأموي زمن ولاية نصر بن سيار، ولكن قضي عليها بسبب قلة أعدادها التي كانت لا تفي باعلان إمامة الظهور (20).
ومنذ نهاية العقد الثامن من القرن الأول الهجري / نهاية القرن السابع الميلادي وقعت تطورات في منطقة المشرق الإسلامي أدت في النهاية إلى الربط التام والوثيق بين الأباضية وبير الأزد خاصة المهالبة، حتى أصبح المهالبة العمود الفقري للدعوة الأباضية، وكان بالفعل أو
- 1. V_ (1/107)
صفحة 102
خير تناله الأزد والمهالبة ينعكس على الدعوة الأباضية، وأي شر يصيب الأزد والمهالبة يصيب الأباضية أيضاً، وظلت هذه الصلة الوثيقة بين الطرفين حتى نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي.
فقد قدم الحجاج بن يوسف الثقفي والياً على العراق منذ عام 75 هجرية / 694 م (21)، وبدأ الوالي الجديد ينهج سياسة صارمة ضد أحزاب المعارضة، فأخذ في الإسراع بالقضاء على الأزارقة وتتبعهم (22) ثم بدأ في بسط نفوذه من جديد على سواحل الخليج العربي وإعادتها إلى حظيرة الدولة الأموية (33). بعد أن ظلت بعيدة عن إدارة الأمويين. فأرسل حملات قوية لاخضاع عمان، وضمها إلى إدارته في العراق، ومن البصرة أرسل حملات، أولها حملة بقيادة القاسم بن شعوة المزني وهي عبارة عن حملة بحرية، توجهت عبر ساحل الخليج العربي إلى عمان، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً وتمكن العمانيون من هزيمتها (24).
غضب الحجاج بن يوسف من جراء فشل حملاته على عمان واعتقد أن هناك علاقة سرية بين الأزد بالبصرة وبين الأزد في عمان، من حيث إرسال المعلومات أو المعونات من البصرة إلى إخوانهم في عمان، فكتب إلى الخليفة عبد الملك بن مروان بذلك، وبدأ في إبعاد وجوه الأزد من البصرة إلى خارجها ضماناً لنجاحه في موقفه في عمان.
أعد الحجاج حملة قوية بقيادة مجاعة المزني، أخو القاسم السابق، وجعل جند الحملة من العرب النزارية، وقسمها قسمين الأول بري، والثاني بحري، وهو أمر سيثير الارتباك في قوات الأزد العمانية، كما أرسل عوناً للحملة بقيادة عبد الرحمن بن سليمان بقوة من جند الشام. وكان لهذا الأمر أثر كبير في إحساس قيادة الأزد العمانية بعجزها عن مقاومة الحجاج واصراره على دخول عمان، فاتجه سعيد وسليمان ابنا عباد بن عبد بن الجلندي ومعهما أهلهما من عمان إلى سواحل شرقي افريقية (25).
وكان لهجرة أزد عمان إلى مناطق جديدة خارج دولتها وقارتها أثر كبير في انتشار الإسلام (26) والفكر الأباضي في جهات عديدة لم تكن تتوقعها قيادة الدعوة في البصرة، ولم ترسل إليها الدعاة أو تتكبد فيها جهوداً لنشر مبادئها. وأصبح الساحل الشرقي لأفريقية مرتبطاً منذ ذلك الوقت بالفكر الأباضي (37).
وكان لسياسة الأمويين القاسية ضد الأزد في البصرة أو في عمان أثر كبير في زيادة سخطهم على الأمويين، وعلى الحجاج خاصة، فغضبوا بما حل بأبناء قبيلتهم ومذهبهم في عمان (28)، وبدأت أعداد كبيرة منهم تتحول إلى فكر جابر بن زيد في البصرة، وتمنى الأزد زوال حكم الأمويين، بل ان الحجاج هو الذي زاد من نار القبلية في تلك الفترة فقد أوكل مهمة إخضاع عمان إلى النزارية (29).
وفي تلك الأثناء اضطربت الأمور على الحجاج في المشرق الإسلامي، فكانت هناك شخصيات تنافسه في سمعته وكفاءته السياسية والعسكرية، فها هو ابن الأشعث يقود ثورة عارمة ضد الحجاج ويهدد القسم الشرقي من دولة الأمويين، فقد فرض نفوذه على سجستان وفارس
-1.^_ (1/108)
صفحة 103
والبصرة والكوفة، ولكن الحجاج تمكن في النهاية من هزيمته والقضاء عليه (30). أحس الحجاج بعد ذلك بأنه أمام شخصية أخرى قوية في المشرق، لها خبرتها في تلك الجهات وسمعتها الطيبة منذ فترة طويلة حتى لمس ذلك حينما قدم البصرة في ساعاته الأولى فوجد الناس يرددون اسم المهلب وأولاده، فقال لهم: والله إنكم لعبيد المهلب (31). وتعد رواية أبي مخنف التي أوردها الطبري عن علاقة الحجاج بآل المهلب رواية مقبولة لترابطها مع الأحداث فقد ذكر أن الحجاج حينما فرغ من عبد الرحمن بن محمد لم يكن له هم إلا يزيد بن المهلب وأهل بيته، ولم يكن يتخوف بعد عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالعراق غير يزيد، فاخذ الحجاج في مواربة يزيد حتى يخرجه من خراسان حتى آخر خلافة عبد الملك بن. مروان (32). وبدأ الحجاج في التفكير جدياً في التخلص من يزيد بن المهلب فسعى عند الخليفة ضده. ذاكرا له خدماته. مع والده مع آل الزبير وأنه لا طاعة لهم (32). كان الحجاج يدرك تماماً أن يزيد بن المهلب يرتبط بأزد عمان ولذلك جاءت كلمة مزون، وهي من أسماء عمان قديماً، مرتبطة باسم يزيد، فكان يزيد يرتبط بكلمة المزوني في مجالس الحجاج
وخططه ضده (34).
وأخيراً سنحت الفرصة للحجاج مع بداية عصر الوليد بن عبد الملك (86 - 96 هجرية / 705 715 م) بالقبض على يزيد بن المهلب وإيداعه السجن وعزله عن ولاية خراسان وتولية قتيبة بن مسلم الباهلي مكانه، واتهمهم بتبديد أموال قيمتها ستة آلاف ألف (ستة ملايين). وأخذ في تعذيب يزيد بن المهلب في سجنه، وطلق أخته هند بنت المهلب التي تأثرت لما حل بأخيها (35).
ارتبط هذا الموقف العدائي من قبل الحجاج تجاه يزيد بن المهلب بإصداره التنكيل بالأزد في عمان فقد تخير لهم والياً قاسياً كان حاقداً على آل المهلب وهو الخيار بن سبرة المجاشعي زيادة
في استذلال أهل عمان وخاصة الأزد بها فحقق سياسة الحجاج ضد الأزد في عمان (3).
وكانت لهذه السياسة القاسية التي سلكها الحجاج تجاه المهالبة والأزد أثر واضح في انتشار الأفكار الأباضية بينهم، واستغلت قيادة الدعوة في البصرة هذه الظروف لإقناع الكثير من الأزد والمهالبة بضرورة الإنضمام إلى حركتهم وبالفعل انضم الكثير من الرجال والنساء إلى الأباضية (27).
انعكست سياسة الأمويين زمن الحجاج على قيادة الدعوة الأباضية في البصرة، فأخذ الحجاج يرتاب في جابر بن زيد ورفاقه ونشاطهم رغم علاقتهم العادية السابقة، ولكن كان للتطورات الأخيرة بين الحجاج والأزد أثر في قبض الحجاج على جابر بن زيد وإيداعه السجن ثم نفيه إلى عمان. وكانت عملية النفي في حد ذاتها فرصة كبيرة لارتباط قوي بين الدعوة الأباضية وبين أزد عمان من جديد. فقد نزل جابر بن زيد بين أهله وأخذ يدعوهم إلى أفكاره (38)، وبالفعل تأصل الفكر الأباضي بين أزد عمان منذ هذه الفترة بسبب جهود جابر، وكان ذلك بعد النكبات التي أحلها الحجاج
-1.1_ (1/109)
صفحة 104
بأهل عمان. وكان نشاط جابر بن زيد في عمان في تلك الفترة مقدمة لنشاط حملة العلم الذين قاموا من بعده إلى عمان زمن خليفة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، والتي توجت في النهاية بإعلان إمامة أباضية في عمان سنة 132 هجرية / 749 م، بزعامة الجلندي بن
مسعود (39).
تحسنت الأحوال بين المهالبة وبين الأمويين بعد موت الحجاج والوليد بن عبد الملك وتولى الخلافة من بعده أخوه سليمان بن عبد الملك (96 - 99 هجرية / 715 – 718 م). حيث ارتبط الخليفة الجديد بعلاقات حسنة مع يزيد بن المهلب، منذ أن كان الأول ولياً للعهد، وأصبح يزيد بن المهلب، الرجل الثاني في الدولة، حتى أنه كان ساعد سليمان في كل أموره (40) وزعيماً للأزد بالمشرق عامة.
وبالفعل انعكس هذا الخبر على الأباضية فلم تذكر الروايات الأباضية أي نوع من التعنت أو الإرهاب أو المضايقات من قبل الأمويين ضدهم طوال فترة الخليفة سليمان بن عبد الملك (96 ـ 99 هجرية / 715 - 718 م). ولعل هذا يرجع إلى مكانة يزيد بن المهلب عند الخليفة الأموي الجديد حيث أصبح ساعده الأيمن وولاه العراق (41)، بل ظهرت شخصيات من أزد عمان تولوا مناصب أخرى في هذه الفترة، فقد أصبح عبد الملك بن المهلب أيضاً والياً على الشام ومد يزيد بن المهلب نفوذه إلى ولاية خراسان أيضاً منذ سنة 97 هجرية / 715 م. وبالتالي أصبحت أمور البصرة والعراق في يد المهالبة من جديد، كما استعادوا مكانتهم في منطقة المشرق الإسلامي
أيضا (42).
انعكس هذا الخير على الدعوة الأباضية وقيادتها في البصرة، فقد تولى زمام الدعوة في تلك الفترة الإمام أبو عبيدة مسلم بي أبي كريمة التميمي (43)، واستغل هذه الفترة من العلاقات الودية بين المهالبة وبين الأمويين، فالتقط أنفاسه وبدأ ينظم صفوف جماعته ويقوي من تنظيمها ومجالسها من أجل الوصول إلى الهدف الأسمى. وهو تأسيس إمامة الظهور وانتخاب خليفة جديد للمسلمين، فاستحدث تنظيمات متطورة عن سلفه جابر حيث تعددت مجالس العامة ومجالس حملة العلم، وقوى من التنظيمات المالية والإدارية للحركة (44). وساعدت الأمور رجال الدعوة في الفترة اللاحقة لها أيضاً فقد تولى الخليفة عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هجرية / 717 ـ 719 م)، واتسمت علاقته بالتسامح مع جميع أطراف المعارضة (45)، بغض النظر عن إنتماءتها، فكانت فترة خلافته ملائمة للدعوة وتنظيماتها، وقد لاقت سيرته استحساناً من رجال
الدعوة (46).
-
توترت الأمور مرة ثانية بين يزيد بن عبد الملك وبين الأمويين، إذ أعلن يزيد بن المهلب ثورته ضد الخليفة الجديد يزيد بن عبد الملك (47) (101 - 105 هجرية / 719 ـ 723 م)، وأعلن خلعه وانضم إليه أتباعه في العراق وفارس وكانت ثورته ثورة شاملة إذ تمكن من بسط نفوذه على الأهواز (48)، وكرمان (49)، وفارس (50)، وحتى بلاد السند (91)، بالإضافة إلى جنوب العراق،
-11 - (1/110)
صفحة 105
ولما علم الخليفة الأموي يزيد بخطورة الوضع أرسل إليه جيشاً كبيراً بقيادة مسلمة بن عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك (52). وتمكن الجيش الشامي في النهاية من هزيمة المهالبة في معركة العقر في العراق سنة 102 هجرية / 720 م، وقتل فيها يزيد بن المهلب وأهم أفراد أسرته وهرب الباقي إلى قندابيل بالسند، حيث لحق بهم هلال بن أحوز التميمي ونكل بهم)
(53)
وقد ربط العوتبي في أنسابه بين أهمية معركة العقر في العراق سنة 102 هجرية / 720 م، وبين معركة كربلاء السابقة سنة 61 هجرية / 680 م، من حيث أمن الدولة الأموية في العراق، فإذا كان يزيد بن معاوية قد تمكن من القضاء على نفوذ آل البيت في جنوب العراق، فإن يزيد بن عبد الملك قد تمكن فيما بعد من ضمان نفوذ الأمويين في العراق أيضاً بالقضاء على أكبر القبائل العربية نفوذاً في المنطقة وهم الأزد وأهم بيوتاتهم من المهالبة (54). وبالفعل تمكن الأمويين من استعادة نفوذهم بقوة في المشرق والخليج، وظلت أخبار المهالبة في طي الكتمان حتى بداية العصر العباسي إذ استمال أبو العباس السفاح معاوية بن سفيان بن يزيد بن المهلب وولاه ولاية البصرة (55).
هذا، وقد انعكست هذه الأوضاع السيئة على الدعوة الأباضية في البصرة بصورة واضحة، فقد كانت خسائر الأزد والمهالبة هي خسائر للأباضية أيضاً، وراح ضحية هزيمة العقر، أعداد كبيرة من أتباع الدعوة في العراق. ولذلك فقد نقم الأباضية والأزد في العراق على الأمويين وسخطوا عليهم وبدأوا في العمل السري ضدهم.
وظهر في تلك الفترة جناح من الدعوة ينادي الإمام أبي عبيدة بضرورة إعلان الثورة ضد الأمويين ومن بين هؤلاء الشيخ نوح بن صالح الدهان وبعض أفراد أسرة المهالبة الذين نجوا من يد الأمويين، لكن الإمام أبو عبيدة كان يرى أن الوقت لم يحن بعد لإعلان الثورة ومواجهة الأمويين، فرفض آراء هذا التيار (56)، وبدأ يخطط للقيام بثورات ضد الأمويين في أماكن خارج البصرة في الأطراف وهي الأماكن التي نجحت فيها بعثات حملة العلم في استقطاب أعداد كبيرة من سكان تلك الأماكن (57).
واتجه الإمام أبو عبيدة نحو اتخاذ اجراءات جديدة لحماية دعوته فزاد من إجراءات السرية والكتمان حتى انه لم يحبذ الزواج خارج جماعته، ونهى أتباعه عن تولي أية مناصب للأمويين، حفاظاً على السرية، وأنشأ حكومة سرية ثورية (58)، وكان لهذه الإجراءات أثر كبير في انتقال التنظيم من السرية إلى مرحلة الظهور، ونجحت الأباضية في ثوراتها في أماكن كثيرة معلنة إمامات إسلامية في اليمن وعمان وبلاد المغرب. وهكذا أثرت علاقة الأزد مع الدعوة الأباضية على مسيرتها التاريخية في العصر الأموي.
-111 - (1/111)
صفحة 106
(1) في ظل الأوضاع السياسية التي كانت تسود عمان في نهاية العصور القديمة من هيمنة فارسية على سواحلها في سبيل تحقيق مكاسب فارسية استراتيجية، وصلت جموع العرب من اليمن إلى عمان، وكان اليعاربة أول القبائل العربية التي استوطنت عمان بقيادة يعرب بن قحطان، إلا انه لم يترتب على وصولها أي تغيير سياسي يذكر في المنطقة. وتحركت جموع أخرى من اليمن صوب عمان هي جموع الأزد التي قادها مالك بن فهم. ورغم ذلك فتجمع الروايات العمانية على أن عمان قد سكنتها أقوام قديمة قبل وصول مالك إليها وأنها كانت عرضة لتأثيرات حضارية من بلاد الرافدين والفرس. ولكن يعتبر مالك بن فهم أول زعيم عربي تمكن من بسط نفوذه على عمان مع الأزد. وكانت الأزد قد سادت أرض مأرب بعد كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان، وكانت أخوتهم من سائل ولد كهلان ينزلون الأطراف من اليمن. وكانت مأرب مدينة عظيمة نظم العرب بها حياتهم ومعيشتهم فأحاطوها بسور عظيم وارتبطت سبأ بوجود سدها العظيم، وقد أورد العوتبي في أنسابه وصفا كبيرا له، وأن مساكن أهلها أصبحت أشبه بالخربة وراء هذا السد «وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى طاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي أمنين ولكن القرآن الكريم أشار إلى انهيار السد أيضاً. فبدأت القبائل العربية تستعد للهجرة من مواطنها وتقيم في أي اتجاه طلبا لأماكن جديدة للاستقرار. اتجه الأزد صوب الشمال فاستقرت جماعة بالسراة وعرفوا بأزد السراة، وجماعة ثانية بهمدان فعرفوا بازد، همدان وثالثة بيثرب وهما الأوس والخزرج ونزلت جماعة ببصرى بالشام وهم الغساسنة وتحركت جموع منهم إلى العراق. أما مالك فاتجه أولاً إلى الحجاز ثم عاد ليستقر بعمان عبر حضرموت.
- Wilkensom, the Origins of the Omani state, Olndon 1977.
- S. H. London, the Ancient History of the Near East, P.T.P. 415.
- H. Peake, the Copper Mountian of Magan.
العوتبي، الأنساب،، ص 182 وما بعدها.
، كلوزيو، مدير معهد الدراسات القديمة بباريس، محاضرة بالنادي الثقافي بمسقط، القرم.
سيرجي 1988/ 2/2 م.
(2) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 276. الأزكوي، كشف الغمة، ص 25، المقتبس، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة. مؤلف مجهول، تاريخ، عمان، ص 24، تحقيق سعيد عبد الفتاح عاشور. قدري قلعجي،
الخليج العربي، ص 72
(3) العوتبي، نفس المصدر، ص 278. (4) هو معولة بن شمس بن عمرو غانم بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأزد أصبح لولده ملك عمان وأولهم عبد العزيز بن معولة. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 246.
(0) وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في فضل الأزد منها ما يلي: ا عن زيد بن أبي الورقاء عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم القوم الأزد طيبة أفواههم فخرة أبدانهم تقية قلوبهم». ب ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأزد لا يخيبون ولا يعلون هم مني وأنا منهم، من لم يكن له أصل بالعرب فليلحق بالأزد فإنهم أصل العرب». ج - عن وكيع بن مسعود التميمي قال حضرت معاوية فسمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأمانة» في الأزد وحضرموت فاستعينوا بهم».
- 112 (1/112)
صفحة 107
ويقول النسابة حمير رأس العرب وبابها، وكنده، لسانها مدحج هامتها، والأزد جمجمتها. انظر الأنساب، ج 2، ص 44 وما بعدها.
(1) الأزكوي، كشف الغمة، ص 38 المقتبس. المؤلف مجهول، ص 41. (7) السالمي، التحفة، ج 1، ص 72.
(8) ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، ص 292، تحقيق عبد المنعم عامر.
(9) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 3، ص 10. تحقيق عبد الوهاب النجار. (10) ذكر العوتبي تفصيلات هامة حول تلك الحملة، فقد ذكر خطورة الاستعدادات الفارسية التي حشدها الفرس في كرمان والتي بدأت تتجه صوب جزيرة ابن كاوان وبلغت أربعين الفا، فلقيهم عثمان بن أبي العاص بجزيرة قشم وعربوها. ويذكر العوتبي أيضا أن باقي أفراد حملة عثمان من غير الأزد قد تركوها شروط الأزد مع عثمان ألا يخالط بهم غيرهم في غزوتهم. وبدأت معركة جديدة بين عثمان بن أبي العاص والأزد وبين الفرس في بنابيجان. وكان عدد ا الأزد في تلك المعركة الفين من أزد عمان وألفا من أزد البحرين، وانهزمت الفرس من جديد. فلما ظفر الأزد بالفرس خافتهم العجم وانتشرت أخبارهم وسادت الأزد تلك النواحي حتى قدموا أرض العراق حتى حسدهم أهل البصرة على مكانتهم. انظر العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 120 وما بعدها.
بسبب
(11) الاصطخري، المسالك والممالك، ص 140، 141. (12) أورد العوتبي قائمة بثمانية عشر رجلاً استقروا في البصرة في البداية من أهل عمان وهم: كعب بن سوار قاضي عمر بن الخطاب على البصرة - وهو من أزد عمان ومسعود بن عمر الثقفي كاتب كعب بن سوار ثم أن جماعة الأزد التي قدمت من حملة عثمان استقر بعضهم بتوج بجوار البصرة والبعض الآخر واصل سيره ليستقر نهائياً في البصرة. وفي ولاية عبد الله بن عامر على البصرة في خلافة عثمان بن عفان قدم بازد عمان الذين استقروا في توج إلى البصرة. العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 124. (13) تولى المهلب بن أبي صفرة رئاسة الأزد في المشرق في خلافة علي بن أبي طالب بتولية منه، كما ولاه الإمام أيضا نهر يبري، ومنادر الكبرى في فارس وأظهر المهلب منذ تلك الفترة خبرة واسعة بسياسة
الأقاليم الشرقية من العالم الإسلامي العوتبي، نفس المصدر، ج 2، ص 123.
م
(14) العوتبي، نفس المصدر، ج 2، ص 136. ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 4، ص 352. (15) انظر ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة في جامعة السلطان قابوس، مسقط، العاشر من أبريل 1988، محاضرة الدكتور / يحيى البكوش، من الجزائر، بعنوان «أثر مدرسة جابر بن زيد». (16) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 207. الشماخي، السير، ج 1، 1، ص 78. خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 96.
(17) الشماخي، السير، ج 1، ص 77.
(18) بدأت شخصية المهلب بن أبي صفرة في الظهور بمناطق المشرق الإسلامي منذ خلافة عثمان بن عفان فقد عمل المهلب تحت قيادة عبد الرحمن بن أبي سمرة القرشي في أقاليم سجستان وأظهر مقدرة مميزة في الحرب. وزادت شهرته في زمن زياد بن أبيه في العصر الأموي في حروب خراسان حتى اشتهر بالحزم والصبر في الحرب كما اشتهر بالبلاغة والأدب. وظلت أسرته لها نفوذ مميز في منطقة خراسان. حتى انه توفي سنة 83 هجرية / 702 م، ودفن في مرو الروز بخراسان. انظر: العوتبي، ج 2، ص 140. جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 15، 23، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة ابن خلكان، ج 4، ص 352. (19) جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 37، جمعها سعيد بن خلف الخروصي، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1985 م.
- 113 (1/113)
صفحة 108
(20) محمود اسماعيل (دكتور)، الحركات السرية في الإسلام، ص 21، 23.
(21) الطبري، تاريخ، ج 1، ص 202.
(22) محمد جمال الدين سرور (دكتور)، الحياة السياسية في الدولة العربية الإسلامية، ص 121 وما بعدها. (23) ظلت منطقة الخليج العربي بعيدة عن الإدارة الإسلامية منذ أحداث مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هجرية / 655 م، وبالتالي كل فترة خلافة الإمام علي وحتى مع بداية العصر الأموي، إذا انشغل الإمام بصراعاته مع معارضيه وانشغل الأمويون في البداية بتثبيت خلافتهم في العالم الإسلامي. وظلت عمان تحكم في هذه الفترة من أزد عمان من آل الجلندي وهم: عباد بن عبد ثم سعيد وسليمان ابنا عباد. أما البحرين فكانت ملجأ للحركات الخارجة ضد الأمويين. انظر: الدكتور فاروق عمر، الخليج
العربي في العصور الإسلامية، ص 65 وما بعدها الأزكوي، كشف الغمة، ص 40، المقتبس. (24) تذكر المصادر الأباضية أن الحجاج أرسل حملات أخرى قبل حملة القاسم ولكنها باءت جميعها بالفشل. كما فشلت حملة القاسم بن شعوة أيضا التي أرست سفنها على ساحل حطاط - بمنطقة مسقط اليوم. فهاجمها العمانيون بقيادة سليمان بن عباد وهزمها. الأزكوي، كشف الغمة، ص 41، المقتبس. المؤلف
مجهول، تاريخ أهل عمان، ص 47، تحقيق سعيد عبد الفتاح عاشور. (25) الأزكوي، كشف الغمة، ص 41. السالمي، التحفة، ج 1، ص 74. (26) الأزكوي، المصدر السابق.
(27) صلاح العقاد (دكتور)، وجمال زكريا (دكتور)، زنجبار ص 6. (28) استهوت الأفكار الأباضية الدارسين الأفارقة فقدم إلى عمان أحد شباب السنغال وهو عمر بن الحاج صالح با وقد حصل على درجة الماجستير من جامعة جواهر لال نهرو بالهند في الفكر الأباضي سنة 1986 م. وقد أكد شفويا، بعد رسالته، بأن مبادئ الفكر الأباضي تسود دول افريقية عديدة اليوم، دون أن تدرك تلك الدول مسألة المذهبية.
محمد
(29) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 100.
(30) تاريخ الطبري، ج 6، ص 334 – 382. محمد جمال الدين سرور، (دكتور)، الحياة السياسية، ص 155
وما بعدها.
(31) الطبري، المصدر السابق، ج 6، ص 211. (32) الطبري، نفس المصدر، ج 6، ص 396، 397. وقد أورد الطبري روايات أخرى للخلاف بين الطرفين ولكنها غير مقنعة، منها أن راهباً في دير نزل عنده الحجاج حذره من أن ملكه سيزول على يد رجل اسمه يزيد، فاحصي كل اسم يزيد له مكان في عصره ولم يجد إلا اسم يزيد بن المهلب ففكر في التخلص منه.
(33) الطبري، المصدر السابق، ج 1، ص 393.
(34) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 142 وما بعدها. يقول الشاعر: إن كسرى سمى عمان مزونا
و مزون يا صاح خير البلاد
وقال أحد أصحابه له لعنك الله يا حجاج أن أفلتك هذا المزوني».
(35) الطبري، تاريخ، ج 6، ص 448.
(36) الأزكوي، كشف الغمة، ص 42، المقتبس المؤلف مجهول، تاريخ أصل عمان، ص 49. (37) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 104. الحارثي، العقود الفضية، ص 104.
(38) الدرجيني، نفس المصدر، ج 2، ص 205 وما بعدها الشماخي، السير، ج 1، ص 71: (39) حملة العلم إلى عمان هم: الربيع بن حبيب الفراهيدي، أبو المنذر النزواني، منير بن النير الجعلاني
-118_ (1/114)
صفحة 109
موسى بن أبي جابر الأزكوي) لعب دوراً كبيراً في الحياة السيا ابن المعلى الكندي. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 229.
() محبوب بن ا
(40) العوتبي - المصدر السابق، ج 2، ص 149. ذكر العوتبي أن يزيد بن المهلب كان يجلس على يمين سليمان فإذا نهض عاد يزيد مكان سليمان وكان أمر جميع الناس في يده.
(41) الطبري، تاريخ، ج 6، ص (42) الطبري، نفسه، ص 528.
524
(43). العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 147. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 238 وما بعدها. (44) محاضرة د. عبد المنعم سلطان النادي الثقافي بالقرم، 1987/ 10/17 م. (العدد 2343 جريدة عمان). (45) يذكر رجال الأباضية أن سيرة عمر بن عبد العزيز سيرة عدل ولم ينقموا من سيرته أو من أحكامه. وأرسل إليه رجال الدعوة من البصرة ونفرا من علمائهم جعفر بن السماك، أو الحر علي بن الحصين العنبري، والحتاب ابن الكاتب والحباب بن كليب وأبو سفيان قنبر وتذكر المصادر أن ابن الخليفة عمر أصبح أباضياً هو وعبد الملك. انظر: الشماخي، السير، ج 1، ص 17 وما بعدها. محمد علي دبور، تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 75.
(46) السير والجوابات، ج 1، ص 120، تحقيق د. سيدة الكاشف وزارة التراث القومي والثقافة. (47) كان عمر بن عبد العزيز قد عزل يزيد عن العراق وولاها عدي بن أرطاة، الغزاري، ثم قبض على يزيد وزج به في السجن بسبب أمور مالية، ولما بلغ يزيد بن المهلب في سجنه أن الخليفة عمر بن عبد العزيز مريضاً خاف من يزيد بن عبد الملك لأن يزيد بن المهلب كان قد عذب أصهاره آل أبي: عقيل وكانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف عند يزيد وهي أم الوليد بن يزيد. فبعث يزيد بن المهلب إليهم واليه فأعدوا له العدة فهرب من سجنه. أما رواية الواقدي فتذكر أنه خرج من سجنه بعد موت عمر بن عبد العزيز (الطبري، تاريخ، ج 1، ص 564 وما بعدها. (48) الأهواز: سبق الإشارة إليها. (49) كرمان ولاية بين فارس ومكران كثيرة الزرع البغدادي، مراصد الاضطلاع، ج 3، ص 1160 (50) فارس ولاية واسعة تمتد من العراق حتى كرمان ومن جهة الخليج حتى مكران. البغدادي، المصدر السابق، ج 3، ص 1013.
(51) السند: بلاد واسعة بين الهند وكرمان وسجستان. البلاذري، فتوح البلدان، ج 1، ص 192. (52) البلاذري، الأنساب، ج 2، ص 174. الطبري، تاريخ، ج 6، ص 604. علي صافي حسين، مسلمة بن عبد الملك، ص 104، القاهرة، 1969 م.
(53) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 152. كما يعطي العوتبي تفصيلات دقيقة لوقائع معركة القعر سنة 102 هجرية / 720 م، وأخبار المهالبة بعدها في البصرة وعمان وقندابيل.
(54) العوتبي، نفس المصدر، ج 2، ص "
157
(55) العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 158.
(56) الدرجيني، الطبقات، ج 2،
، ص
(57) الحارثي، العقود الفضية في تاريخ الأباضية، ص 145.
(58) خليفات، نشأة الحركة، ص 118.
_110_ (1/115)
صفحة 110
(3)
عوامل نجاح
الحركة الأباضية في عمان
احتلت عمان مركزاً هاماً في الدعوة الأباضية منذ البداية، وإذا كان الفكر الأباضي قد اجتذب إليه مناطق وأجناساً كثيرة، إلا أن عمان ظلت مركز الأباضية الهام حتى قال البعض: العلم طائر باض في المدينة وفرخ بالبصرة وطار إلى عمان» (1). ويرجع نجاح الدعوة الأباضية في عمان إلى عوامل كثيرة منها ما يلي:
اولاً: العامل النفسي: ويتجلى هذا الأمر في رغبة العمانيين الدائمة في الاستقلال، فالمتتبع لتاريخ عمان وعلاقتها بالدولة الإسلامية منذ البداية، يجد أنها تمتعت بنوع من الاستقلال المحلي، فإذا كان حكامها جيفر وعبد قد سارعا إلى الإسلام وتبعهما قومهما، إلا أن جيفر وعبد ظلا يشتركان في إدارة عمان مع عمرو، وأقرهما الخليفة أبو بكر على حكم عمان وسمح لأهل عمان بتوزيع زكاة
أموالهم على الفقراء والمساكين في عمان بدلاً من إرسالها إلى بيت المال (2).
واستمرت الأوضاع في عمان في نهاية عصر الخلفاء الراشدين، تتطور نحو الاستقلال التام، فلم تعد هناك صلة بين الإدارة المركزية في المدينة منذ أحداث الفتنة (2). أو حينما انتقلت
- 117 - (1/117)
صفحة 111
الإدارة إلى الكوفة وأصبح أمر عمان بيد أهلها تماماً، واستمرت تلك الأوضاع في عصر الأمويين الأوائل حتى خلافة الملك بن مروان، وقدوم الحجاج والياً على العراق (4). عبد ومنذ البداية عارض أهل عمان الحكم الأموي (9)، وبدأت الظروف تساعد في اللقاء بين أهل عمان وبين الدعوة الأباضية منذ زمنها الأول في البصرة، حيث لمس أهل عمان أن الفكر الأباضي، الذي ينكر حق الأمويين في الخلافة، ولا يقر طريقتهم بالحكم، وينادي بالرجوع إلى السيرة الأولى في الخلافة، فتقبلوه بلا تردد، فقد وجدوا فيه المعبر عن نفسيتهم واعتبرت تلك الأفكار الأباضية الأفكار الصحيحة في نظر أهل عمان دون سواها من التيارات الأخرى (6). ويرى آخرون أن هناك تفاعلاً منذ البداية وانسجاماً تاماً بين الفكر الأباضي وبين آمال ونظرة العمانيين وقبائلهم في علاقتهم بالحكومة الإسلامية ووضعهم في الدولة الإسلامية ولذلك أقبلوا على اعتناقه وانتشر بسهولة بينهم (7). وبالفعل انتشر الفكر الأباضي بسهولة ويسر بين أهل عمان منذ الربع الأخير من القرن الأول الهجري. ويمكننا تقديم الأدلة على ذلك من خلال أمرين هما:
الأمر الأول: معارضة أفكار المتطرفة من القعدة من قبل أهل عمان، فقد رفض أهل عمان أفكار النجدات (8)، حينما أرسل نجدة بن عامر جيوشه بقيادة عطية بن الأسود، ورغم تمكن عطية من الانتصار على أهل عمان وقتل حاكمها عباد بن عبد بن الجلندي، وتعيين والياً له على عمان، إلا أن أهل عمان ثاروا عليه وقتلوه. فعاد عطية بن الأسود من جديد إلى عمان ولكنه فشل في السيطرة عليها لمقاومة أهلها الشديدة بقيادة سعيد وسليمان ابنا عباد وطردوا النجدات من البلاد، فاتجه عطية بن الأسود بقواته إلى كرمان حيث حقق نجاحاً فيها (1).
أما الأمر الثاني: فهو شاهد إثبات لأحوال أهل عمان في تلك الفترة، فقد شهد عمران بن حطان، وهو من زعماء القعدة المعتدلة بالبصرة في تلك الفترة، بأن أهل عمان يرددون شعاره وأفكار أبي بلال مرداس بن آدية التميمي (10) فنزل بينهم وأظهر أمره بعد أن ظل متخفياً لفترة طويلة من الحجاج. وهذا دليل على اعتناق أهل عمان للأفكار المعتدلة التي نادى بها أبي بلال وظل عليها جابر بن زيد. ولذلك يعتقد البعض أن هذه الأفكار انتشرت بين أهل عمان قبل مجهودات جابر بن زيد في نشرها بين الأزد وعمان (11).
ثانيا: نشاط زعماء الحركة بين أهل عمان: لاحظنا منذ البداية أن أهل عمان قد وصلت إليهم أفكار القعدة المعتدلة من البصرة، كما قدم إليها عدد من زعماء القعدة، فتعتبر جولة عمران بن حطان بين أهلها ونزوله بين الأزد فيها هروباً من الحجاج والفترة الطويلة التي مكث فيها بينهم، تعتبر كذلك عاملاً على ترسيخ هذه الأفكار بين أهل عمان، خاصة وأن عمران كان شاعراً موهوباً وخطيباً بليغاً، استفاد من هذه المواهب في نشر مبادئه (12)، كما أن عمران كان قد اتجه إلى الدراسة والتعمق في العلم
والدين بعد مقتل أبي بلال في البصرة (13).
-114 - (1/118)
صفحة 112
ثم أن جابر بن زيد الأزدي العماني، كان عاملاً هاماً في نشر الأفكار الأباضية بين أهله في عمان، حيث أنه ربط منذ البداية بين حركته وبين الأزد في البصرة، خاصة حينما أحس بوطأة السلطة الأموية وشدتها على أتباعه فوجه جهوده نحو إقناع أفراد الأزد في البصرة للإنضمام إلى دعوته حتى يكونوا عوناً له وسنداً في دعوته، وبالفعل فقد انضم إليه الكثير منهم) (14). كما وجه جابر جهوده نحو أزد عمان في أوطانهم فقد ثبت أن يزيد بن يسار، حاكم إحدى مناطق عمان من قبل الأمويين، كان على علاقة بجابر في البصرة وكان يراسل جابر سراً ويدعوه إلى أفكاره بين أهل عمان (15).
ولما تطورت الأمور إلى الأسوأ بين جابر بن زيد وبين الحجاج في البصرة بسبب التطورات التي وقعت في المشرق الإسلامي والخليج العربي في العقد الثامن من القرن الأول الهجري / نهاية السابع الميلادي، وشكوك الحجاج في أزد البصرة، قبض على جابر وحبسه ثم نفاه إلى عمان، وتعتبر المصادر الأباضية هذه الفترة من أهم فترات تاريخ الحركة في عمان نظراً لإفادة التنظيم والدعوة من هذه الفترة في نشر أفكارها بين أهل عمان (16)، وقد ساعده في ذلك ما يلي: 1 - وجود الأفكار المعتدلة منذ فترة قبل وصوله منفياً إلى عمان، فكان من السهل عليه ترسيخ فكره وزيادة نشره بينهم (17).
2 ـ انتماء جابر إلى الأزد في عمان، وهي تمثل أهم القبائل عدداً وتأثيراً في عمان (18)، كما أنه كان على دراية بعادات وتقاليد أهل عمان، وبذلك أصبح الطريق ممهداً لنشر أفكاره. ومهد بذلك جابر بن زيد أرض عمان لحملات بعثات العلم التي ستصل إلى عمان في عهد خليفته في زعامة الدعوة وهو الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي منذ بداية القرن الثاني الهجري (19).
ثالثا: انتماء معظم دعاة الحركة إلى أزد عمان:
شهدت الدعوة استقراراً كبيراً في السنوات الأخيرة من القرن الأول الهجري / نهاية السابع الميلادي، خاصة في خلافتي سليمان بن عبد الملك (96 - 99 هجرية / 714 ـ 117 م). وعمر بن عبد العزيز (99 - 101 هجرية / 717 - 119 م)، حيث اعتمد الأول على المهالبة في حكم المشرق الإسلامي، وانتهج الثاني سياسة التسامح مع جميع فرق المعارضة وكانت هذه السنوات فرصة لزعامة الدعوة في البصرة في التقاط أنفاسها وتنظيم صفوفها وإنشاء المجالس المتعددة والمتخصصة من أجل تطوير الدعوة والوصول بها إلى الهدف. وكانت هذه السنوات هي بداية زعامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي (20)، الذي انتهزها في نشر الدعوة وإرسال دعاتها في مختلف الأمصار شرقاً وغرباً وجنوباً.
وقد كان معظم دعاة الحركة ينتمون إلى الأزد من أهل عمان، ومن أشهر هؤلاء الربيع بن حبيب الفراهيدي، وكان يسكن البصرة في موضع يسمى الخريبة، ومنير بن النير الريامي، وبشير ابن المنذر النزواني، ومحمد بن المعلى الكندي الفشخي.
- 119 - (1/119)
صفحة 113
ويعتبر السيابي (21) أن الفضل الأول في نقل الفكر الأباضي من البصرة إلى خارجها يرجع إلى حملة العلم من أهل عمان الذين استقروا في البصرة واعتنقوا الفكر الأباضي وتحولوا إلى دعاة له. ويعلل بذلك إلى مكانة هؤلاء في النهضة الفكرية في البصرة في هذا الوقت وبالتالي فقد تمكنوا من تأسيس فكرهم على أصول إسلامية قوية (22).
وبجانب جابر بن زيد والربيع بن حبيب العمانيين، أورد لنا السيابي قائمة كبيرة من دعاة الأباضية من أهل عمان في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، منهم الجلندي بن مسعود، الذي بويع إماماً في عمان سنة 132 هجرية / 749 م، وهلال بن عطية، وخلف بن زياد البحراني، وشبيب بن عطية العماني، وموسى بن أبي جابر الأزكوي، وبشير بن المنذر النزواني، والحسن بن عقبة والوليد بن خالد، وموسى بن أبي سعيد، وجعفر بن بشير، ومعين بن عمر، ولوط بن سام، وحميم بن المغيرة، والهمام بن المغلس، والنير بن عبد الملك، وعبد الله بن أبي، ومحمد بن عبد الله بن سلوم، وعمرو بن يحيى، وحميد بن عبدالله، ويحيى بن يزيد، وعمر بن عبد الله (22).
وحتى على مستوى مجالس الدعوة السرية في البصرة كان أزد عمان يمثلون مكانة هامة في إدارتها وخاصة المختار بن عوف (24)، المعروف بأبي حكزة الشاري وبلج بن عقبة (25). من هنا نلاحظ أن معظم قيادات التنظيم في البصرة كانت من أزد عمان وأن إدارة المجالس السرية التي يقتصر حضورها على زعماء الحركة تحت قيادتهم وبحضورهم.
وبذلك تعانق الفكر الأباضي مع أهل عمان من جهتين:
الجهة الأولى: انتشار الفكر بين أهلها وفي مناطقها.
والجهة الثانية: أصبحت قيادات التنظيم مقصورة في أغلب الأحيان على شخصيات من أزد عمان (36).
رابعا موقع عمان وطبيعتها:
لعب موقع عمان (27) دوراً كبيراً في رسوخ الفكر الأباضي بها منذ البداية، فقد أفاد رجال الدعوة الأباضية من التجار لنشر مذهبهم في الأماكن التي يرون بها وينزلون بها، وخاصة منطقة صحار على ساحل عمان التي مثلت موقعاً هاماً على طول الطرق البحرية بين البصرة وبين المحيط الهندي (28)، وبذلك ارتبطت سواحل عمان بالبصرة بصلة وثيقة. ومن ثم كان هذا عاملاً
كبيراً في نشر الأفكار بين أهل عمان وانتقالها من البصرة إلى سواحلها بسهولة.
ويبدو أن عمان قد تبوأت هذه المكانة الهامة عبر الطرق التجارية عبر العصور التاريخية (29)، بسبب كثرة الإشارات إلى أهميتها في المصادر القديمة وفي كتب الرحالة (30). كما أن عمان كانت مورداً هاماً لاستيراد النحاس اللازم لصناعة الأسلحة في العصور الإسلامية (31). بل نظر البعض إلى ارتباط عمان بصناعة السلاح في العالم الإسلامي (32). (1/120)
صفحة 114
وقد أثر موقع عمان على انتشار الفكر الأباضي فيما يلي: 1 - تقوية الحركة الأباضية بالبصرة وفي عمان من الناحية المادية والمالية ودعم أتباعها، بل تشير المصادر الأباضية إلى أن زعماء الدعوة في البصرة كان هدفهم منذ البداية خلق مجتمع متماسك تسوده المحبة والألفة والتعاون (33)، ولذلك فقد أصبح أغنياء الدعوة عوناً لمن يحتاج من اتباعها، وذكرت الروايات الأباضية أن المساعدات والهبات والصدقات كانت تنهال على المحتاجين من أتباع الأباضية في المناسبات الدينية (34)، فيذكر أبو سفيان في السير أن الرجل ليأتي بالجمال حتى يقف على باب الدار فيقول أدخل فيكتب في خرقة كلوا واطعموا كما كان بعض أغنياء الأباضية يستأجرون الأكسية في البرد الشديد ثم يفرقونها بين الفقراء، وكان أغنياء الأباضية يتسابقون في دفع الديون المتبقية على من يموت من أصحابهم (35).
وقد رتب أبو عبيدة الأمور المالية بين المركز الأساسي وبين مراكزه في الخارج، فأنشأ بيت المال وجعل مصدره ضريبة يفرضها على أتباعه كل حسب قدرته وحالته، بالإضافة إلى التبرعات التي تجمع من كبار الأغنياء التابعين لحركته، وجعل أبو مودود حاجب الطائي، مسؤولاً عن الأمور المالية والعسكرية، خاصة وأن هناك مناطق للدعوة تحتاج إلى معونات مادية أو عسكرية في بعض الأحيان (3).
2 - وكان من أثر هذا الموقع الهام للسواحل العمانية بقربها من البصرة ووقوعها على طرق التجارة أن أصبحت عمان وأهلها تستطيع الوقوف في وجه أي حصار اقتصادي محتمل من قبل الحكومة المركزية لأنها منفتحة على العالم الخارجي مباشرة، كما أنها تمتلك مورداً مستقلاً من الناحية الاقتصادية عن المركزية الإسلامية، ويرتبط هذا المورد بأهم مراكز العالم ثراء في المحيط الهندي وجنوبي شرقي آسيا والصين (37)، ولذلك سمعت كلمة أباضي في ميناء كانتون بالصين (38).
- أما طبيعة عمان (39) فقد لعبت هي الأخرى دوراً بارزاً في حماية الأباضية بها ضد أي محاولة من قبل الأمويين لاحتلالها والسيطرة عليها بل فشلت كثير من حملات العباسيين فيما بعد من احتلال عمان وضمها إلى سلطته، فقد فشلت حملة القاسم بن شعوة المزني، وكلما أرسل الحجاج جيشاً هزم واستولى أهل عمان على متاعه، حتى تمكنت جماعة في النهاية بفضل كثرة أعدادها وتنوع جيوشها والإمدادات التي وصلت من خلفها أن تنتصر على أهل عمان بعد أن لاقت صعوبات كثيرة في سبيل ذلك. وبذلك ضمن أتباع الحركة في عمان أنهم في مأمن من أية محاولات من قبل أعدائها بفضل حماية الجبال (40) والموارد الزراعية المتوفرة في داخلها بعيدة عن أيدي السلطة. بل اتجهت انظار قادة الدعوة نحو جعل عمان المركز الأول للأباضية بعد تدهور أوضاع البصرة بحكم مؤهلات عمان من ناحية المكان والسكان، وبالفعل أصبحت عمان منذ بداية العصر العباسي، وحتى الآن، موطنا هاما للأباضية (41).
- 121 - (1/121)
صفحة 115
خامساً: الأحوال السياسية في عمان:
هيأت الظروف السياسية في داخل عمان لانتشار الفكر الأباضي بين أهلها واتجاه السكان نحو الاستقلالية عن الأمويين، فمنذ إسلام أهل عمان، والوالي الجديد يشاركه في السلطة قادة القبائل في عمان منذ وصول عمرو بن العاص، ولكن ساعدت الظروف التي سادت العالم الإسلامي أثناء الفتنة في اتجاه أهل عمان إلى حكم بلادهم ولم يعد هناك واليا عليها من قبل الإدارة المركزية (42). وكانت هذه الفترة فرصة سانحة نحو اتجاه أهل عمان إلى اختيار قادتهم من بينهم، كما كانت فرصة كبيرة سانحة لانتشار الفكر الأباضي بين أهلها. وهي الفترة التي نزل فيها عمران بن حطان بين قبائلها وما لمسه من انتشار أفكار القعدة بين قبائلها.
ومع قدوم حملات الحجاج مصممة على دخول عمان وضمها لسلطة الأمويين فإن معظم الولاة الجدد كانوا ينتمون إلى الأزد، وحتى لو كانوا من غير الأزد فإنه كان من الصعب عليهم التعرض بأذى لأتباع الأباضية بها خوفاً من غضب أقاربهم، ولذلك فإنهم تركوا حملة العلم ينشرون فكرهم بحرية ويسر، بل ان هناك بعض الولاة قدموا خدمات للدعاة، ولعل هؤلاء الولاة قد اعتنقوا الفكر الأباضي ولكنهم أخفوا معتقدهم على سبيل التقية الدينية (43). . التي جوزها علماء الأباضية في مرحلة الكتمان. ولم تجد واليا متسلطاً على أهل عمان سوى والي الحجاج الخيار بن سبرة المجاشعي الذي أرسله الحجاج للإنتقام من أزد عمان (44) أثناء غضبه على
آل المهلب.
وإذا تتبعنا ولاة عمان بعد فترة ولاية الحجاج نجد أن يزيد بن المهلب الذي أصبح حاكماً للعراق والمشرق عين على عمان سيف بن الهاني الهمذاني، ثم عين زياد بن المهلب والياً، ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، وعزل يزيد بن المهلب عين مكانه عدي بن أرطأة الفزاري، فاستعمل عدي عليهم عمر بن عبد الله بن أبي صبيحة الأنصاري، فأحسن السيرة فيهم (45)، ولم يزل مكرماً على عمان، حتى أحس عمر بن عبد العزيز أنه من الأفضل أن يتولى شؤون عمان من أهلها فخرج واليه منها قائلاً لزياد بن المهلب: «هذه البلاد بلاد قومك فشأنك بها» (46). وظل زياد يحكم عمان حتى نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي (47).
وهكذا ساعدت الأحوال السياسية في عمان في توفير الأمن والحماية في أغلب الأحيان لدعاة الأباضية في عمان، ووفروا المناخ الملائم لأهلها للانضمام إلى الفكر الأباضي بكل حرية ويسر، فقد حكمها زياد وهو من أهلها فترة طويلة في العصر الأموي.
بعد استقرار الأمور للعباسيين عينوا على عمان جناح بن عباد الهنائي (48)، وهو من أهل عمان، فداهن الأباضية وأعانهم حتى هيأت الظروف لأهل عمان إعلان إمامتهم الأباضية، وكان تعيين ابنه محمد انتصاراً آخر لأباضية عمان فمال إلى الأباضية وتوج الأمر في زمنه بإعلان إمامة الجلندي بن مسعود سنة 132 هجرية / 749 م (41).
في خلال هذه الفترة كانت منطقة المشرق الإسلامي ملتهبة ضد الأمويين فهناك ثورات
- 122 - (1/122)
صفحة 116
الصفرية في شمال العراق ووسطها (50)، كما بدأت ثورات الشيعة في الاشتعال، حيث أصبحت، خاصة الكوفة (51) التربة الخصبة لنمو التيار الشيعي. وبدأت نيرانها من منطقة فارس.
العراق،
وكانت كل هذه الظروف في خدمة أهل عمان في تدعيم استقلالهم (52)، وفرصة للدعاة بها في نشر أفكارها ومبادئها حتى توج الأمر بإعلان الإمامة الأباضية سنة 132 هجرية / 749 م.
- 123 (1/123)
صفحة 117
(1) السالمي، التحفة، ج 1، ص 87.
(2) محمد ارشيد العقيلي، (ذكتور) محاضرة ألقاها في الموسم الثقافي 1985/ 84 م، بالنادي الثقافي بالقرم، ص 1.
(2) الأزكوي، كشف الغمة، ص 40، المقتبس. المؤلف المجهول، تاريخ أهل عمان، ص 47، تحقيق الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور (4) أقر الخليفة عثمان بن عفان عباد بن عبد بن الجلندي واليا وحاكما على عمان. ولما وقعت الفتنة بين المسلمين ظلت أمور عمان في يده تماماً، وبعد موته تولى السلطة في عمان إبناه سعيد وسليمان ابنا عباد، وظلا في عمان حتى قدمت جيوش الحجاج، ولما لاحظا إصرار الحجاج على ضم عمان رحلا إلى سواحل شرقي افريقية السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 47. فاروق عمر، (دكتور)، الخليج
في
العصور الإسلامية، ص 122.
العربي (0) فاروق عمر (دكتور)، الخليج العربي في العصور الإسلامية، ص 157. (1) يقول السالمي: إن أهل عمان هم أهل الطريق القويم والصراط المستقيم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه مضى الخليفتان حتى لقيا ربهما وعليه مضى عثمان في صدر خلافته وعلي حتى حكم الرجال. (السالمي و التحفة، ج 1، ص 79، 80). (7) أحمد شلبي (دكتور)، ندوة الدراسات العمانية، المجلد الأول، ص 36. خليفات، نشأة الحركة الأباضية.
ص 129.
(8) انقسم زعماء القعدة أثناء عودتهم من الحجاز إلى البصرة، فتحرك نجدة بن عامر الحنفي إلى اليمامة لغناها النسبي ولوجود بني حنيفة بها، وقد تنازل أبو طالوت زعيم خوارج اليمامة إلى نجدة وأصبح زعيم الخوارج بها وعرفت الجماعة باسم «النجدات»، سنة 66 هجرية / 685 م، بدأ نجدة في توسيع نفوذه في الخليج العربي فضم إليه أجزاء من البحرين، وهزم جيوش البصرة الزبيرية سنة 67 هجرية / 686. وأرسل جيوشه لاحتلال عمان جنوباً. (ابن الأثير الكامل، ج 4، ص 202).
(9)
م،
Miles, Some New Light of the History of Kirman, P. 90. London, 1959.
(10) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 226 وما بعدها. الشماخي، السير، ج 1، ص 77. محمد أ أرشيد العقيلي، (دكتور)، محاضرة بعنوان «الأباضية في العصر العباسي الأول»، للموسم الثقافي، 1985/ 84 م.
(11)
Phillips, W. Oman Hirtory, P. 20, London.
(12) السير، ج 1، ص 77. (13) خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 72. وإن كنا لا نقبل ما أورده الدكتور خليفات من أن عمران قد أصبح زعيم القعدة على مستوى البصرة بعد أحداث آسك ومقتل أبي، بلال، فقد كان هناك جابر بن زيد
وغيره من الزعماء.
(14) فاروق عمر، (دكتور)، الخليج العربي في العصور الإسلامية، ص 80. (15) صالح الصوافي، (دكتور)، جابر بن زيد، ص 157. رسالة ماجستير نشرت من قبل وزارة التراث القومي والثقافة، 1986، سلطنة عمان.
(16) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 210. الشماخي، السير، ج 1، ص 78 وما بعدها.
محمد
(17) عمر بن الحاج. د صالح، دراسة في الفكر الأباضي، ص 109، رسالة ماجستير في جامعة جوار لال نهرو بالهند، طبعة من قبل وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، 1986، مسقط، سلطنة عمان. (18) مهدي هاشم الحركة الأباضية في المشرق، ص 86.
- 124 (1/124)
صفحة 118
(19) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 228.
(20) هو ابو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، كني بالقفاف، لأنه كان يتظاهر بصناعتها حتى لا يثير شكوك السلطة نحوم وهو من تلاميذ الإمام جابر بن زيد، تولى الزعامة بعد موت جابر. وأخذ ينظم الدعوة تنظيما دقيقا مستفيداً من جهود سلفه جابر بن زيد، ومن الأحوال السياسية الهادئة التي سادت بين أتباعه وبين الأمويين. فأخذ يطور الحركة في سبيل الوصول إلى إعلان إمامة الظهور وانتخاب خليفة للمسلمين من بين أتباعها، فقام بتطوير المجالس وأعمالها. وهي تنقسم في عصره إلى ثلاثة أنواع كما يلي: 1 ـ المجالس العامة: وهي مجالس كثيرة يحضرها اتباع الدعوة، وكانت تعقد أماكن سرية بعيدة عن أعين الأمويين، وينسب كل مجلس إلى الشيخ الذي يدرس فيه مثل مجلس عبد الملك الطويل. 2 ـ مجالس المشايخ ويحضرها كبار رجال الدعوة ويكون المجلس برئاسة أبي عبيدة نفسه أو من ينوب عنه. كان غرضها تخطيط وتنظيم الحركة ومناقشة السياسة العليا لها.
في
- مجلس حملة العلم: ويخصص لتدريب دعاة الدعوة قبل إرسالهم إلى الأمصار، وكان يحبذ أن يكون أعضاءه من الذين ينتمون إلى المناطق التي سيرسلون إليها فيما بعد، حيث يتم تعليم الداعية أصول
الدين.
انظر: الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 238 وما بعدها خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 106 وما بعدها. محمود اسماعيل، (دكتور)، الحركات السرية في الإسلام، ص 21. (لا نتفق معه أن التنظيم كان على يد جابر). العوتبي، الأنساب، ج 1، ص 229. والخريبة موضع بالبصرة كانت مدينة الفرس وخربت فلما مصرت البصرة ابتنوا إلى جانبها فسميت الخريبة لذلك. (البغدادي، مراصد الاضطلاع، ج 1،
ص 463.
(21) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، 26.
(22) يعتبر الربيع بن حبيب الفراهيدي من أهل عمان، ودعاة الحركة أول من دون الحديث في الإسلام، فقد صدر له مسنده الشهير وهو عبارة عن جزءين ويتميز بقرب إسناده فهو يروي عن اثنين أو ثلاثة فقط. انظر مسند الربيع، وزارة التراث القومي والثقافة.
(23) السالمي، التحفة، ج 1، ص 88
(24) روى أبو سفيان: «كان المشايخ لا يدعوننا أن نحضر معهم المجالس بالليل فقلت لرجل من أهل عمان انطلق بنا إلى منزل حاجب الطائي فلعلهم يأذنون لنا، فجئنا المنزل فأذن لنا فوجدنا المختار بن عوف ورجلين أو ثلاثة فقال لنا حاجب أخبرا بلج بن عقبة، فأخبرناه فأتى». الشماخي، السير، ج 1، ص 91.
(25) من فراهيد بعمان، انظر العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 218، 229. (26) مهدي هاشم، الحركة الأباضية، ص 86 ..
(27) تمتلك عمان سواحل طويلة تطل بها على مدخل الخليج العربي من جهة ومن جهة ثانية على المحيط الهندي، ونظراً لازدهار العلاقات التجارية عبر الطرق البحرية بين منطقة العراق والشام من جهة وبين المحيط الهندي وسواحل شرقي افريقية والصين من جهة ثانية عبر الخليج العربي، فقد أصبحت للسواحل العمانية أهمية كبرى في التأثير على مجرى العلاقات البحرية بين الخليج العربي وبين سواحل
المحيط الهندي، وخاصة أن أهل عمان لهم دور كبير في معرفة الطرق البحرية بين الموانئ. وكانت الطرق البحرية التي تمر بعمان في تلك الفترة تمثل أضمن الطرق الموصلة إلى الهند والصين خاصة وأن الأمور ما زالت مضطربة في وسط آسيا مما يعرقل الطريق البري. اعتمد العرب على الطرق البحرية في جلب الكثير من تجارة الصين والهند حيث المسك والعنبر والعود والكافور والأخشاب والأحجار الكريمة والمعادن والحرير وغيرها، وهي سلع ضرورية وهامة للعالم في
ذلك الوقت.
_190_ (1/125)
صفحة 119
انظر: ندوة الدراسات العمانية: ج 6، ص 5. . ج 3، ص 49 - 74، بعنوان دور عمان في نشاط التجارة العالمية، عبد الكريم العاني، (دكتور)، دور العمانيين في الملاحة، العدد 26، تراثنا، ص 6. نعيم فهمي زكي طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب، ص 154.
10
(28) صحار عبر التاريخ، سلسلة تراثنا، العدد 2، ص. ويرى أحمد الشامي، (دكتور)، أنهادهليز الصين وخزانة الشرق والعراق. الشامي، دكتور)، العلاقات التجارية بين دول الخليج والشرق الأقصى، ث 8. (29) لا نوافق مهدي هاشم فيما وصل إليه من أنها كانت معبراً في بعض الأحيان، الحركة الأباضية، ص
171
(30) انظر: سلطنة عمان، مقدمة جغرافية، ج 1، ص 163. ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 303. ابن حوقل صورة الأرض، ص 41، 42. المقدس، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 97. المسعودي، مروج الذهب، ج 1، 5، ص 108، ج 3، ص 303 الإدريسي نزهة المشتاق، ص 29. (31) حسن بي) أحمد الهمذاني، الإكليل، ج 8، ص 257، بغداد، 1931 م. يقول: «جعل على أهل البحرين وعمان ألف درع، وعلى أهل اليمن ألف
درع» ..
D. Nicalle, Arms Monulacture and Arms Jrade in South est Arabian in the Early Muslim. (32)
من ص 242 وما بعدها حصاد ندوة الدراسات العمانية، ج 7.
(33) الشماخي، السير، ج 1، ص 97. (34) الشماخي، المصدر السابق، ج 1، ص 27.
(35) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 250. (36) الدرجيني، نفس المصدر، ج 2، ص 249.
(37) عبد الرحمن العاني، (دكتور)، دور العمانيين في الملاحة والتجارة الإسلامية حتى القرن الرابع
1
الهجري، ص (38) جورج فاضلو العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 200. يذكر أن هناك اسم لتاجر يسمى أبو عبيدة الأباضي في الحوليات الصينية كان يتردد على ميناء كانتون بالصين وكذلك تاجر أباضي آخر هو النظر بن
ميمون البصري، 972 م. (39) انظر خارطة عمان بالملاحق.
(40) تضم عمان نمطين مختلفين من الأقاليم الجبلية، بالإضافة إلى أنها تضم خمس أقاليم مناخية متباينة وهي: إقليم الجبال، إقليم البحر المتوسط (داخليا)، الإقليم الصحراوي، الإقليم الموسمي (الجنوب). الإقليم المداري. أما النمطين التي تضمها في الإقليم الجبلي فهما: سلسلة جبال عمان الشمالية، سلسلة جبال ظفار وتحتل هاتان معا %15% من مساحة البلاد كما أنهما تختصان بوظيفة تحديد الظروف المناخية بسبب قربهما من الساحل، وموقعهما المرتفع (الأولى 3,000 متر، والثانية 15,000 م). وتمتد السلسلة الأولى من الشمال. أما منطقة رأس مسندم فهي على شكل قوس منحن واسع حتى رأس الحد من الشرق، بالقرب من مدينة صور، وتحتسب هذه السلسلة ضمن نمط الجبال الألبية طبقا لطريقة تكوينها ونشوئها. وهي تمثل قبوا هائلاً يمكن مشاهدته من الجبل الأخضر وجبل نخل. وتلتف حول سلسلة جبال عمان صخور بالغة الحداثة تراكمت في الوديان التي تسري في الأراضي الواقعة حول سلسلة الجبال، ويغلب وجود هذا النوع من الصخور الحجرية في جميع المناطق الداخلية
من عمان والباطنة.
وتتميز صخور شمال عمان بالاحتفاظ بالماء أو تسريبه لصفة خصائصية لكل نوع من أنواع الصخور، حيث (1/126)
صفحة 120
تجمع. مياه الأمطار في طبقات صخرية هشة، ترسخ فوق طبقة أخرى غير منفذة للماء ومن هنا فإن الماء يخرج في صورة ينابيع، وتوجد هذه الظاهرة في بعض الوديان مثل وادي السحتن ووادي بني خروص ووادي الجزي أو في سيق.
أما سلسلة جبال ظفار فإنها تختلف في النشوء أو التكوين عن سلسلة جبال عمان الشمالية، وتحتل سلسلة جبال ظفار كتلاً مرتفعة من باطن الأرض مكونة العديد من أنواع الصخور بارزة من البحر مباشرة. تختفي كلما توغلت في اتجاهها إلى الشمال إلى أن تتلاشى في الوديان.
وترتبط الأجزاء الساحلية من عمان التي تمتد حوالي 2,000 كم وتمتاز باختلاف مظاهرها. أما الصحاري الرملية في عمان فإنها تنتمي إلى أكبر منطقة رملية مقفلة موجودة على سطح الأرض وهي صحراء شبه الجزيرة العربية في غرب آسيا، وتضم هذه المنطقة من عمان صحراء الربع الخالي ورمال آل وهيبة. ويصل ارتفاع الكثبان الرملية إلى 300 متر.
وقد أدى هذا الوضع الجغرافي المميز لعمان إلى عزلتها من ناحية الشمال الغربي: تماماً. بسبب وجود الرمال الممتدة من رمال الربع الخالي، كما أن دخولها من الساحل يشكل صعوبة خاصة. امتداد بسبب السلاسل الجبلية التي تمثل خطراً على الجيوش التي تجهلها. أما المنطقة داخل عمان فقد وفرت لها الطبيعة موارد مائية هامة أنت إلى أن يعيش سكانها بنمط من الحياة أشبه بالإكتفاء الذاتي، سواء من مياه الأمطار أو مياه الأفلاج. وأصبحت عمان بذلك ملجأ ودرعاً للأباضية عبر العصور الإسلامية.
انظر:
- سلطنة عمان، مقدمة جغرافية، ج 1، ص 26.
عبد القادر زلوم، عمان والإمارات السبعة، ص 35 وما بعدها، بيروت، سنة 1383 هجرية / 1963 م. السالمي، عمان عبر التاريخ، ج 1، ص 15 وما بعدها.
السالمي، التحفة، ص.0
الحارثي، العقود الفضية، مقدمة جغرافية بقلم الشيخ إبراهيم سعيد العبري.
(41) خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص.130
(42) الأزكوي، كشف الغمة، ص 40، المقتبس. المؤلف المجهول، تاريخ أهل عمان، ص 47. للسالمي، التحفة ج 1، ص
(43) تشير بعض النصوص في جوابات الإمام جابر بن زيد أن هناك والياً على إحدى مناطق عمان في العصر الأموي يسمى يزيد بن يسار. كان يكاتب جابر بن زيد في البصرة سرأ ويستشيره في أموره ويطلب نصائحه. جوابات الإمام جابر، ص 21، جمعها وحققها سعيد بن خلف الخروصي، وزارة التراث القومي والثقافة.
(44) العوتبي. الأنساب، ج 2، ص، ص 149 (45) العوتبي، نفس المصدر.
(46) الأزكوي، كشف الغمة، ص 42، 43، المقتبس. المؤلف المجهول، ص 50 51. السالمي، التحفة،
{V
ج 1، ص 7. السيابي، تاريخ عمان، ج 2، ص (47) صالح الصوافي، (دكتور)، جابر بن زيد، ص 185. (48) هو جناح بن عباد بن قيس بن عمر الهنائي، قدم إلى عمان واليا لأبي جعفر المنصور، وهو صاحب المسجد المعروف في صحار بمسجد جناح. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 222. السالمي، التحفة، ج 1، ص 78
- 127 - (1/127)
صفحة 121
(49) الأزكوي، كشف الغمة، ص 43. السيابي، تاريخ عمان، ج 2، ص 49.
(50) الطبري، تاريخ، ج 6، ص 99 وما بعدها.
(51) المبرد، الكامل، ج 3، ص 195. ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 2، ص 24.
(52) محمد ارشيد العقيلي، (دكتور)، محاضرة بالنادي الثقافي بالقرم، وزارة التراث القومي والثقافة. الموسم الثقافي، 1985/ 84 م.
- IYA_ (1/128)
صفحة 122
(4)
دور جابر بن
زيد في الحركة
الأباضية
يحتل اسم جابر بن زيد مكانة خاصة عند الأباضية حتى اليوم، ويفضل الأباضيون أن ينتسبوا إلى جابر بن زيد، عنه إلى أي شخص آخر حتى عبد الله بن أباض. ولكن هذا الأمر يدخل الباحث في تناقض وحيرة، ذلك أن تسمية الجماعة بالأباضية أمر مستقر ومتفق عليه بين جميع المصادر منذ مئات السنين، ويبدو أن هناك أسباباً كثيرة منها أنه معترف بين جميع ا المذاهب، وبالتالي فإن له مرتبة علمية شاملة، بالإضافة إلى جهوده الكبيرة في تنظيم الحركة في أشد ظروفها صعوبة.
وقد لاحظنا أن أباضية المشرق والمغرب ما زالوا يصرون على أن إمامهم الأول في دعوتهم ومذهبهم هو جابر بن زيد، وقد قدموا فقههم ومسائلهم وقضاياهم في مؤتمر الفقه الإسلامي حول جابر بن زيد (1). وأبرزوا مع بقية العلماء المشاركين، مكانة الإمام جابر بن زيد في الفقه الإسلامي.
وجابر بن زيد من ولد عمرو بن اليحمد الأزدي (2)، ويكنى أبا الشعثاء بابنته الشعثاء (3)، ولد ببلدة فرق، التي تقع بمنطقة تسمى الجوف في نزوى عاصمة المنطقة الداخلية في عمان، فنسب إليها وعرف بالجوفي. (4). وتختلف الروايات في سنة مولده، ولكنها تنحصر جميعها فيما
" (1/129)
صفحة 123
بين عامي 18 - 21 هجرية / 639. 6400 م برغم اجماعها على نسبه ومكان مولده ونشأته (ه). وتصمت المصادر جميعها حول حياته الأولى في عمان ومع ذلك فيستخلص البعض انه عاش حياة بسيطة في بلدته، وشارك أهله في العمل بالزراعة حتى فترة صباه، واطلع على بعض المعارف الدينية البسيطة التي كانت متوفرة في بلدته واستندوا على أن رحلته إلى البصرة كانت من أجل العلم والبحث والدراسة (6)، وأنه كان يستكمل مشواره العلمي من البصرة حينما انطلق إليها مع رفاقه.
ارتبط جابر بن زيد بالبصرة في سنواته الأولى، فتلقى العلم وحفظ القرآن الكريم، ثم بدأ يتحرك منها إلى مراكز علمية أخرى في الدولة الإسلامية، فارتحل إلى مكة والمدينة حيث الصحابة، وأخذ العلم عن عدد كبير من الصحابة أهمهم ابن عباس والسيدة عائشة التي كان يسألها عن مسائل في الدين، حتى كانت علاقته بالحجاز علاقة وثيقة في آخر حياته، فرحلاته إلى هناك أصبحت سنوية، برغم كل محاولات التضييق عليه من قبل السلطة الأموية (7)، وقد أثرت رحلات جابر بن زيد إلى هذه المراكز على حياته الفكرية فيما بعد وفي كل شؤون حياته (8). وروي أنه قال: «أدركت جماعة من أصحاب رسول الله إذا سأل أحدهم عن حادثة أو نازلة ودوا أن أخاه كفاه فتياه» (9). وبذلك بدأ حياة علمية جادة وأخذ العلم من منابعه. فعاش جابر في البصرة ينشر العلم ويفتي الناس ويدعو إلى التمسك بالدين القويم والمحافظة عليه في كل المواقف (10).
وقد وردت مواقف عديدة تدل على حرصه نحو دعوة الناس إلى الصلاح في الروايات الأباضية وغيرها منها: أن هند بنت المهلب ذكرت أن جابر كان لا يعلم شيئاً يقربني إلى الله إلا أمرني به ولا شيئاً يباعدني إلا نهاني عنه وكان يأمرني أين أضع الخمار. كما روى أن جابر رأى أن الحجبة يصلي فوق الكعبة فناد بأعلى صوته قائلاً يا من يصلي فوق الكعبة لا قبلة له، فسمعه ابن عباس وهو في ناحية من المسجد فقال ان جابر بن زيد في شيء من البلد فهذا صوته (11) وهذا دليل على حرصه في نشر تعاليم الإسلام، كما يدل على معرفة ابن عباس الوثيقة به حتى قيل انه أشهر من صحبه (12).
ووردت عبارات كثيرة وإن كان فيها بعض المبالغة عن معاصري جابر بن زيد تشهد له بالمكانة العالية في أمور الدين، فقال إيباس بن معاوية قاضي البصرة، رأيت البصرة وما بها مفت غير جابر بن زيد وقال له الحسن البصري لما مات جابر بلغ موته أنس بن مالك، الصحابي، فقال: مات اليوم أعلم من على الأرض. وروى ثابت البناني أن الحسن دخل على جابر يعوده في مرضه فجعل الحسن يقول له: قل لا إله إلا الله يا أبا الشعثاء، فقال جابر: «يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها» (13) ولكني أقول أعوذ بالله من النار ومن سوء الحساب، فقال الحسن: «هذا والله العالم» (14)، وذكر ان ابن عباس قال: «أسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه، وقال ابن عباس أيضاً جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق، كما ورد عنه قوله أيضاً عن جابر: «عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه (15). (1/130)
صفحة 124
سالت
وعاش جابر بن زيد حياة بسيطة في البصرة مرتبطا بابنته وزوجته آمنة، فروي عنه قوله: ربي إمرأة وراحلة صالحة ورزقاً كفانا فأعطانيهن (16)، كما أن زوجته لعبت دورا هاماً في حياته في البصرة وكان جابر يكن لها كل تقدير، وقد روي عنه قوله: ما من نازل ينزل بي أحب إلي من الموت ينزل بي ثم بأمنة. فقد كانت تخرج إلى الحج في السنة التي لا يخرج فيها
هو (17).
عاش جابر في البصرة في فترة من أهم فتراتها السياسية والحضارية (18)، فأخذ يدعو الناس إلى الإلتزام بالدين الإسلامي ويندد بالمنحرفين عنه وكان يبارك الثورة ضد الظلم، كما كان يواجه الانحراف في الفكر والسلوك الذي ظهر في البصرة في تلك الفترة الهامة من حياة المدينة، حيث وردت عنه تحقيقات لكثير من تلك المسائل (19). وأصبح ديوانه (20) الذي ألفه منهلاً لطلاب العلم في كثير من فروع العلم، فنقلت عنه مسائل كثيرة وأقوال وأحكام عديدة، وترجع أهمية ديوان جابر وتأليف جماعته إلى قربها من عصر النبوة، فكان إسناده للرواية أو المسألة أو الحديث قليلاً فهو يأخذ من الصحابة مباشرة.
وكانت لجابر بن زيد آراء كثيرة ما زال معمولاً بها في معظم المذاهب الإسلامية منها تحريم نكاح الصبيان وهو تزويج الصبي بالصبية، أو تزويج البالغ بالصبية، أو تزويج الصبي بالبالغة، ومن آرائه كذلك جعل الخلع فسخاً للنكاح لا طلاقاً، ومنها كراهة الجمع بين بنات العم خوف القطيعة. وقد روى الحارثي أحكاماً أخرى مرتبطة به في كتابه العقود الفضية في أصول
الأباضية (21).
ارتبط بجابر بن زيد في البصرة جماعة كبيرة لأخذ العلم عنه سواء من التابعين، أي من طبقته أو من تابعي التابعين، ومن أشهر هؤلاء قتادة، شيخ الإمام البخاري، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أباض، وإن كانوا في طبقته، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، زعيم الجماعة من بعده في البصرة، وضمام بن السائب، وأبو نوح صالح الدهان، وسلمة بن سعد الحضرمي، الذي ذهب إلى بلاد المغرب يدعو إلى مبادئه، وأبو فقاس، بل قدم الكثير من طلاب العلم من عمان وخراسان وحضرموت بالإضافة إلى طلاب البصرة، وهكذا أصبح جابر مؤسساً لمدرسة فكرية مستقلة في عصره، (22)، وظل متفرغاً للعلم والدراسة حتى نهاية حياته، رافضاً تولي المناصب الإدارية في حكومة إدارة ولاية البصرة (23).
ونظراً لهذه المكانة العلمية الكبيرة فإن جابر بن زيد أصبح له دور في توجيه الأحداث في مدينة البصرة، فإذا كان جابر قد اقتنع بفكر أبي بلال مرداس بن آدية التميمي وانضم إليه بعد فرار الأخير من النهروان، فإن أبي بلال أعجب بمكانة جابر العلمية فجعله زعيماً لجماعته. واخذ جابر بن زيد منذ تلك الفترة يمثل تياراً مستقلاً من تيارات مدينة البصرة المضطربة فقد رفض الخروج والاستعراض للمسلمين بالسيف، بل كان يحاجج المسلمين لدماء المسلمين، فيلقي المتطرفين من المحكمة قائلاً: «أليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريهما بدين (24). بل تبرأ جابر من أفعال الأزارقة لأنهم قطعوا على أهل القبلة عذرهم في التقية (25). (1/131)
صفحة 125
وظل جابر في البصرة ملتزماً بمبادئ أبي بلال مرداس من خلال أحاديثه وفتاويه وأجوبته على مريديه ملتزماً بالسرية التامة ومستعملاً أسلوب التقية الدينية، ويعمل ما في وسعه نحو الحفاظ على سرية الحركة وإخفاء مبادئه. ولذلك اعتبر جابر منشئ الأباضية (26) ومؤسسها الأول، لأنه انتهج سياسة ناجحة تمكنت من العبور بالجماعة العواصف والأخطار وميزها عن جميع الفرق التي اشتركت معها في الأصول والبدايات. ومن جوانب هذه السياسة:
أولاً: اتباع الأسلوب السري المنظم لدعوته:
وقد لجأ إلى ذلك نتيجة لحملات الإبادة التي تعرض لها جماعة المحكمة في البصرة منذ ولاية عبيد الله بن زياد، لا سيما وأن هذه الفترة اضطرت بعض القعدة المعتدلين إلى التطرف، وخاصة بعد أحداث مقتل أبي بلال وأصحابه في عام 61 هجرية / 680 م (27). كما زاد أتباعه في التمسك بهذه السياسة فشل كثير من حركات الخوارج المتطرفة مثل الأزارقة والنجدات (28). ونتيجة لهذه التنظيمات الجيدة التي اتبعتها الجماعة زمن جابر فإن السلطات الأموية لم تتمكن من وضع أيديها على أي تحرك أو شبهة لجابر، وأتباعه، وبالتالي فإنها ظلت في أمان عن أعين الأمويين، حتى اننا لم نجد بين المصادر الأباضية وغيرها أن الولاة الأمويين زمن زياد وابنه عبيد الله تعرضوا بسوء لجابر.
وتمشياً مع تلك السياسة احتفظ جابر بعلاقات ودية مع والي العراق الأخير، في حياته، وهو الحجاج بن يوسف الثقفي، كما كان جابر صديقاً حميماً لكاتب الحجاج، يزيد بن أبي مسلم، وتذكر المصادر أن جابر قد تردد مرات على مجلس الحجاج، حتى أعجب الأخير بعلمه فعرض عليه قضاء البصرة (29)، فرفض جابر متعللاً بعجزه عن حل بعض القضايا (30). وبفضل صداقة يزيد كاتب الحجاج لجابر، جعله في أعوان صاحب ديوان البصرة وفرض له عطاءاً من بيت المال مقداره حوالي 600 درهم (31)، وهذا أمر مباح في الأباضية، فقد قبل بلال أخد أعطياته من ابن زياد، كما قبل جابر أخذ عطاء من الحجاج (32)، واستندوا إلى أن الأعطيات للمسلمين زمن عمر ابن الخطاب (33). وكانت هذه التصرفات من قبل جابر بن زيد أمراً هاماً في إبعاد الشبهات عن
أتباعه وعنه ولم يخطر ببال أن يتزعم جابر جماعة سرية مناوئة للحكم الأموي (34). وأثارت علاقة يزيد بن أبي مسلم بجابر شكوكاً لدى الباحثين لاحتمال كونه خارجياً، ولكن ينقص هذا الرأي الدليل، فلا يكفي أن يكون صديقاً لجابر لكي نقبل ضمه في الأباضية، في الوقت الذي كان فيه يزيد مخلصاً للحجاج، وكان يكن حباً وتقديراً للعلماء. كما أنه قتل على أيدي الخوارج حينما أصبح فيما بعد والياً لشمال افريقية في خلافة يزيد بن عبد الملك (25). ورغم تدهور العلاقات بين الحجاج وبين أزد العراق بما فيهم جابر بن زيد، بسبب التطورات السياسية التي وقعت في بلاد المشرق الإسلامي في العقد الثامن من القرن الأول الهجري / نهاية السابع الميلادي (36)، فإن الحجاج لم يتوصل إلى كشف تنظيمات الجماعة.
- 132 - (1/132)
صفحة 126
ثانيا: تحويل الحركة الأباضية من الجانب القبلي إلى المستوى الإسلامي: بدأ جابر يعمل جهده في سبيل تطوير ونشر دعوته والخروج بها من الحيز القبلي الضيق إلى جعلها حركة إسلامية واسعة. ذلك أن أبا بلال قد جعل من قبيلته بني تميم التي ينتمي إليها في البصرة حجراً لدعوته، بعد قراره من النهروان، وتمكن من الاحتماء بها بفضل زعيم القبيلة الأحنف بن قيس (17). ومن خلال هذا الأمر أخذ يدعو الناس إلى دعوته فانضم إليه الكثير ومنهم جابر بن زيد وعبدالله بن أباض وغيرهما.
ولما تولى جابر زعامة الحركة استفاد من سياسية أبي بلال في الإستناد إلى الحماية القبلية، فوجه قسماً كبيراً من جهوده نحو إقناع أفراد من قبيلة الأزد، خاصة أزد العراق إلى دعوته، وبالفعل انضم إليه الكثير منهم. ولكنه اتخذ من أفراد قبيلته جنداً ودعاة لنشر دعوته على المستوى الإسلامي الواسع، فأصبح معظم دعاة الحركة وحماتها البارزين ينتمون إلى الأزد، حتى أن نساء المهالبة، بذلن جهوداً وتضحيات من أجل نصرة الدعوة وحمايتها، فكن يعطين بسخاء من أموالهن لبيت مال الدعوة، ويساعدن المحتاجين فيها، زمن جابر وزمن خلفائه (38).
وبالفعل انتشرت دعوة جابر بن زيد بين عناصر متعددة من أهل البصرة، فبجانب اتباعها من تميم والأزد، انضم إليها العديد من الموال، وأصبح لها اتباع من خراسان وعمان واليمن وحضرموت، حيث كان جابر يرسل الدعاة ويراسل أتباعه في تلك المناطق ويكتب إليهم في شأن دعوته، بسرية تامة (39). وقد اعتبرت هذه السياسة الأساس الأول لتنظيمات الإمام التالي أبي عبيدة في تنظيمه لمجالس حملة العلم ومقاصدها. فقد أسس أبو عبيدة مدرسة لتخريج الدعاة يتعلمون فيه أساليب الدعوة وأمور السياسة والحرب وسموا» حملة العلم» (4). ولم يمت جابر ابن زيد إلا وأصبحت الدعوة الأباضية دعوة إسلامية شاملة.
وإذا كانت شخصية أبي بلال بن مرداس قد تجاذبتها الفرق فيما بينها مدعية انتمائه إليها (41). فإن شخصية جابر بن زيد دارت حولها الفرق والجماعات، ولكننا نرى أن المصادر والمراجع الأباضية تصر على نسبته إليها وتجعله في مقدمة زعمائها وفقهائها وعلمائها فهو بحر العلوم. وسراج التقوى، وأصل المذهب الأباضي وأساسه الذي قام عليه نظامه، ه، واعتبرته الإمام المعتمد (42)، وتستدل هذه المصادر والمراجع الأباضية بمواقف عديدة على أهمية قيادة جابر بن زيد لها وأنه كان يقوم مقام الإمام لها في مرحلة الكتمان مستدلين بحادث مقتل خردلة (43). أما المصادر الأخرى، فتعتبر جابر بن زيد من أهم علماء المسلمين في البصرة، فكان في نظرها حجة في أقواله وتفسيراته (44)، واحتج بأقواله مجموعة من المفسرين والفقهاء، فقد " وردت إشارات بمكانته العلمية عند السيوطي وابن حجر، وقال عنه ابن تيمية بأنه أعلم الناس في زمنه (وروى علماء السنة في البصرة عنه الحديث بلا منازع وأجمعوا على عدالته وضبطه بل أنه يعتبر من رجال أصح الأسانيد) فروى عنه ابن حزم، وقتادة، كما كان يستفتيه الحكام (45). وقد أدى هذا الأمر إلى وجود تناقض حول تقييم مركز عبدالله بن أباض، الذي نسبت إليه (1/133)
صفحة 127
الجماعة فيما كما أدى إلى وجود حيرة عند الباحثين حول علاقة الزعيمين جابر وابن بعد، أباض ببعضهما، وإصرار الروايات الأباضية على نسبة جابر إليها وهو رغبتها في الابتعاد عن حلقة الخوارج التي يوصلها به كل المذاهب الأخرى (46). وتؤكد الروايات الأباضية أن ذلك الأمر كان منذ البداية وأن الجماعة قد أصرت على اخفاء اسم جابر حتى لا يقع في أيدي الأمويين فتنتهي دعوته بينما كان عبد الله المتحدث الرسمي للجماعة وكان يصدر في كل أقواله وأفعاله عن جابر (47).
ورغم هذا الإصرار من قبل الروايات الأباضية على نسبة جابر إليها، فإنها تضطرب في بداية علاقته بفكر القعدة في البصرة، أو ترتيبه بين زعماء القعدة فيرى البعض أن جابر هو إمام القعدة في البصرة بعد مقتل عبدالله بن وهب الراسبي في النهروان سنة 38 هجرية / 657 م (48). بل يذكر الصوافي أن جابر له صحبة مع عبد الله بن وهب الراسبي ولكنه لم يخرج إلى النهروان (49) معه، ولكنه لم يقدم لنا مصادر إسناد لروايته. ولكن الروايات المقبولة هي التي تشير إلى انه انضم إلى حركة أبي بلال بالبصرة وأنه اقتنع بفكره وأن أبا بلال أعجب بعلمه فجعله زعيماً لجماعة. ذلك انه من غير المعقول أن يتولى جابر زعامة تنظيم أو جماعة بعد قدومه إلى البصرة من وطنه عمان مباشرة وهو في سن الشباب ولم يكن قد أصبح مؤهلاً علمياً وسياسياً في هذه البيئة الجديدة عليه. فكيف يصبح زعمياً لجماعة القعدة بعد النهروان مباشرة رغم وجود الفارق السياسي والعمري الكبير بينهما.
ويبدو من تتبع الروايات الأباضية حول جابر بن زيد انه انضم لدعوة أبي بلال في البصرة في سرية تامة منذ ولاية عبيد الله بن زياد للبصرة، بعد قدومه من عمان، فقد وردت روايات عن مواقف لجابر في الحركة منذ هذا الوقت، وتدعم روايات الأباضية التي أبرزت لجابر بن زيد دوراً قيادياً ونشطاً في البصرة، وتربط هذه الروايات بين أحداثها وبين عصر عبيدالله بن زياد (50). وتدل هذه الروايات على أن جابراً قد انضم بالفعل إلى الجماعة زمن عبيد الله بن زياد، ويمكن أن يكون ذلك عام 60 هجرية / 679 م تقريباً.
ويبدو أنه أصبح زعيماً لجماعة أبي بلال في البصرة عام 61 هجرية / 680 م، وهي السنة التي قتل فيها أبي بلال مرداس بن آدية التميمي ورفاقه على يد قوات عبيد الله بن زياد حينما خرج من البصرة، بدليل أن أبا بلال قد أعجب فكر جابر وعلمه فجعله زعيماً لجماعة، كما أن خروج أبي بلال كان بمشورة جابر (1).
وعلى الرغم من تبوء جابر بن زيد لزعامة القعدة منذ ذلك الوقت المبكر فإنه لم يشترك في الأحداث السياسية التي وقعت في تلك الفترة من تاريخ الأباضية، وظهر جابر بن زيد للناس في زمانه بأنه عالم مجتهد ولم يشعر سكان البصرة أن جابر كان إماماً أو زعيماً للخوارج القعدة، أو حتى انه على علاقة. لأن أصحابه عملوا على إخفاء أمره حتى لا يقضى على دعوتهم التي ترمي في النهاية إلى تأسيس إمامة علنية يعين فيها خليفة للمسلمين (52).
بهم
وبالفعل وقع تضارب في المصادر غير الأباضية فيما بعد حول تحديد مركز جابر بن زيد في
- 134 (1/134)
صفحة 128
التيارات الفكرية والسياسية في عصره، ويمكننا تقسيم هذه المصادر إلى ثلاث:
الأول منها يجعل جابر بن زيد من قيادات الأباضية، على وجه التحديد، ومن أهم رجالاتها (53).
(0°)
الثاني: يجعله في مصاف الخوارج الأوائل الذين ساروا على فكر أهل النهروان (54). الثالث: ويجعله من أئمة الحديث والفقه الموثوق بهم) وإن كانت هناك بعض كتب الفرق والنحل قد أغفلت اسم جابر تماماً وانتمائه إلى أية جماعة (56)، وإن كنا نرى أن جابراً أصبح زعيماً للفريق المعتدل من المحكمة ومنهم جماعة الأباضية بدليل ما ورد بذكره في سير الأباضية.
وتستند الروايات غير الأباضية التي تنكر علاقة جابر بن زيد بالأباضية إلى أمرين هما:
الأمر الأول: علاقة الحسن البصري بجابر والتي وردت عن ثابت البناني (56). الأمر الثاني: فيتلخص في رواية عزرة في أن الأباضية يزعمون أ أنك منهم،، فقال أبرأ إلى الله منهم» (57). ويبدو ضعف هذه الرواية من الأمور التالية:
-
1
2
أن الحسن كان صديقاً لجابر ولا بد أنه كان يعرف معتقده قبل زيارته له (58). أن كلمة الأباضية ومصطلحها لم تذكرها المصادر في تلك الفترة، نهاية القرن الأول الهجري / بداية الثامن الميلادي، ولكنها لم تطلق على تلك الجماعة التي أطلقت على نفسها: «جماعة المسلمين، المسلمين، أهل الإستقامة إلا بعد ذلك بقرون فقبلها الجماعة تسليماً بالأمر الواقع (5).
"
3 ـ تجمع المصادر والمراجع الأباضية على أن جابر بن زيد إمامهم وفقيههم ومؤسس مذهبهم (60).
4
توجد هذه العلاقة بين الحسن وجابر في المصادر الأباضية ولكن بدون عبارة الأباضية. يعتقد خليفات في نشأة الحركة أن هذه الرواية قد اختلفت من قبل المصادر السنية حتى لا تلصق صلة جابر بالأباضية لأنه في نظرها شيخاً جليلاً ومحدثا ثقة (61). لكننا نرى أن الظروف السياسية التي سادت هذه الفترة من التاريخ الإسلامي، وخاصة في البصرة، كانت تتميز بالمعارضة السياسية، حتى أن المرء يجزم بأن كثيراً من الناس ينازعون الأمويين في سلطتهم وكانت هذه تستند إلى أفكار دينية تضفي عليها شروعيتها وتبرر لجوئها إلى العنف لتحقيق أهدافها، وكانت هذه الأحوال هي التي أقلقت الأمويين ولذلك كان اختيارهم لواليهم للعراق يتصف بالحزم والشدة من أجل اقرار الأمن والنظام. وفعلاً نال كثيراً من. البصرة والتابعين في تلك الفترة كثيراً من الأقوال والروايات كما نالهم الكثير من شظايا الأمويين
علماء
_ iro_ (1/135)
صفحة 129
فقد وردت الروايات حول الحسن البصري وأنه كان يرى رأى المحكمة في البصرة (62) وكان ينكر على الإمام التحكيم.
وعاش جابر في هذه الفترة وأنكر أموراً وأقر أخرى، فقبل آراء القعدة المعتدلة ونظراً لعلمه ومكانته فقد أصبح الزعيم. واستفاد الرجل من مصير الحركات الخارجية من قبله وفي زمنه، فاتبع أسلوب التقية الدينية وابتعد عن العنف الذي اتبعه الأزارقة (63) وغيرهم وكان جابر شديد الحرص على هذه السياسة، حتى أن السلطات الأموية فشلت أن تضع يدها على أي خيط من خيوط جماعته.
ومات جابر بعد أن أسس جماعة قوية منظمة، ولكن الروايات عادت من جديد في الاضطراب حول تحديد تاريخ وفاته، ويمكننا أن نقسمها إلى ما يلي:
1 - رواية الربيع بن حبيب التي تذكر أنه توفي مع أنس بن مالك في جمعة واحدة سنة 93 هجرية / 711 م، وأيدته في ذلك روايات أخرى (64).
2 ـ أما علي يحيى معمر فيؤيد رأي الشماخي في أنه توفي سنة 96 هجرية / 714 م (65). - انفرد ابن سلام الأباضي بذكر سنة 103 هجرية / 721 م، وأيدته مصادر غير أباضية في
ذلك (66).
4 ـ أما ابن حجر فقد جعل وفاته سنة 104 هجرية / 722 م (67). وإن كان الرأي الثاني هو الأرجح بدليل أن خليفته أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة عاصرت زعامته للأباضية خلافة سليمان بن عبد الملك 96 - 99 هجرية / 714 - 717 م (68).
- In- (1/136)
صفحة 130
(1) عقدت في السلطنة في الفترة ما بين 9 - 13 ابريل 1988 م ندوة عالمية باسم «ندوة الفقة الإسلامي» حضرها مائة عالم يمثلون 22 دولة إسلامية، وكان على رأس الوفود فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر. وقد قدمت الوفود، من الجزائر وتونس ومن عمان أيضاً دراسات جادة أثبتت لأعضاء الوفد الأصالة الإسلامية للدعوة الأباضية. وأهم الأبحاث بحث الدكتور / يحيى البكوش، «مدرسة جابر بن زيد». والدكتور / فرحات الجعبيري، «المدرسة الأباضية في الفقه».
ص
(2) السيابي، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء. (3) قبرها موجود إلى الآن في بلدة فرق بجوار نزوى عاصمة المنطقة الداخلية. (4) الصوافي، الإمام جابر بن زيد، ص 20. ذكر البعض أنها نسبة إلى درب الجوف بالبصرة. خليفات، (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 86.
1
(ة) ذكر الجعبيري، (تونس)، أن ميلاده ينحصر بين 18 - 20 هجرية / 639 - 640 م. الندوة، اليوم الرابع، 1988/ 4/12 م.
(6) الصوافي، (دكتور جابر، ص 32. الحارثي، العقود، ص 94. (7) الشماخي، السير، ج 1، ص 77.
(8) روى عن الكثير: عبدالله بن عباس، عبدالله بن مسعود، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، والحكم بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وجابر بن عبدالله، وأسماء بنت أبي بكر، وسعد بن أبي وقاص. وغيرهم. كما روى عن التابعين منهم الحسن البصري، وعكرمة وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد وعروة بن الزبير. وبذلك أصبح جابر بن زيد يمثل مدرسة فقهية في البصرة وخاصة في الحديث.
انظر: بحث «مدرسة الإمام جابر بن زيد وأثرها في الفقه الإسلامي»، ويحيى البكوش، ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة في مسقط فيما بين 139 ابريل 1988 م.
(9) سالم البوسعيدي، الأخبار والآثار، ج 1، ص 42، سلطنة عمان، 1985 م. (10) ابن سعد، الطبقات، مج 7، ص 179، بيروت، البسوي المعرفة والتاريخ، مج 2، ص 13. (11) الشماخي، السير، ج 1، ص 73 أبو نعيم حلية الأولياء، ج 3، ص 89. (12) أبو سعيد الكدمي، الإستقامة، ج 2، ص 60، سلطنة عمان، 1985 م. (13) القرآن الكريم، الأنعام، الآية 158.
(14) كتاب ابن سلام الأباضي، ص 129، 130، تحقيق. ر. ف. شفارتز، سالم بن يعقوب. (15) الطبقات للدرجيني، ج 2، ص 205 وما بعدها. ابن سعد، الطبقات، مج، ط، ص 181. السيابي، إزالة
الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، ص 13.
(16) الشماخي، السير، ج 1، ص 73.
(17) الشماخي، السير، ج 1، ص 74
كما كانت تضم
(18) أصبحت البصرة مركزاً للتجمع وكانت أكثر المناطق استقطابا للكثافة السكانية العربية وغيرها بعد الفتح، أعداداً من التابعين والقراء، الذين حملوا لواء المعارضة الدينية ضد الولاة، كما اشتدت هذه المعارضة ضد الإنحلال الاجتماعي، وما رافق التطور الاجتماعي من مشاكل خلقية أدى إلى ابتعاد البعض عن القيم الإسلامية. البكوش، ندوة الفقه الإسلامي، اليوم الثالث، 1988/ 4/11 م، مسقط. (19) انظر ندوة الفقه الإسلامي، اليوم الثالث، د. يحيى البكوش، 1988/ 4/11 م.
- 137 (1/137)
صفحة 131
(20) يرى علماء الأباضية أن التأليف والتدوين بدأ عندهم مبكرا، ومن أشهر تأليفهم في القرن الأول الهجري ديوان الإمام جابر، وهو ديوان ضخم، كما يعتبر مسند الربيع بن حبيب أول من دون في السنة والأحاديث، وألف عبد الرحمن بن رستم تفسيرا للقرآن الكريم، كما ألف كثير من فقهاء الأباضية كتبا أخرى في فروع العلم وكان ذلك في القرنين الأول والثاني الهجريين / السابع والثامن الميلاديين. ويعتبر ديوان الإمام جابر أهمها فهو عمل ضخم. قيل حمل جمل واحد، وقد احتفظ به الأمويون. العباسيون في دار الحكمة. وتمكن أحد أتباع الأباضية وهو فرج بن نصر (مؤسس الفرقة النقائية الأباضية) في جبل نفوسة بطرابلس - أن يحصل على نسخة كاملة من الديوان وأتى بها إلى جبل نفوسة. وذلك أنه ذهب إلى أرض المشرق، ووصل إلى بغداد ومكث بها زمانا وكان يستأنس برجل من أهل بغداد ويقعد معه في حانوته ويحدثه، حتى وصل إلى المكتبة التي تحوي الديوان، ويورد الورجلاني روايات كثيرة خيالية في كيفية الوصول إلى الديوان. وتمكن نفاث من نسخه وعاد به إلى مكة، ثم إلى بلاد المغرب علي يحيى معمر، الأباضية مذهب إسلامي معتدل، ص 45). ويبدو أن نزاعاً نشب بينه وبين أهل مذهبه بعد عودته فساء ظنه إلى انه أعطى الديوان واحد من أتباعه فدفنه أو دمره. وربما كان هدفه عدم اطلاع مخالفيه من الرشميين عليه.
كان لديوان جابر مكانة كبيرة في صدر الإسلام وكان موضع تنافس في دور الكتب الإسلامية. وظل في مكتبة بغداد حتى اجتياح المغول لها سنة 656 هجرية / 1258 م، وفقد الديوان كما فقدت الكثير من كتب الأباضية بسبب الأوضاع السياسية ضد أتباع الحركة وإنتاجها الفكري والتعصب المذهبي.
انظر:
الورجلاني، الدليل والبرهان، ج 1، ص 139
ر الأباضية مذهب إسلامي معتدل وزارة العدل والأوقاف. الأباضية في موكب
علي يحيى معمر، ا التاريخ، ج 1، ص 149.
سالم بن حمود السيابي، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، ص 26، وزارة التراث القومي والثقافة.
الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص.273
الشماخي، السير، ج 1، ص 71.
«ندوة الفقه الإسلامي»، مسقط، من 9 - 13 ابريل 1988.
أبحاث:
ا ـ يحيى البكوش (دكتور)، «مدرسة جابر بن زيد وأثرها في الفقه الإسلامي». 4/ 10 / 1988 م (الجزائر).
ب - فرحات بن علي الجعبيري، (دكتور)، «دور المدرسة الأباضية في الفقه والحضارة الإسلامية». 4/ 11 / 1988 م، جامعة القيروان، كلية الآداب.
(21) الحارثي، العقود الفضية، ص 102.
(22) الكدمي، الإستقامة، ج 2، ص 61. ابن سلام الأباضي، ص 129 وما بعدها. الحارث، العقود الفضية، ص 102. الشيابي، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، ص 103. الباروني، مختصر تاريخ الأباضية،
ص 27
(23) رفض تولي وظيفة القضاء التي عرضها عليه الحجاج بن يوسف قائلاً «يقع بين المرأة وخادمها شيء فلا أحسن أن أصلح بينهما». الكدمي، الإستقامة، ج 2، ص 61. الدرجيني، الطبقات،، ج 2، ص 211.
- 138 (1/138)
صفحة 132
الشماخي، السير، ج 1، ص 72 وما بعدها.
(24) جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة، ج 8، ص 343.
(25) السالمي، مشارق أنوار العقول، ص 450.
(26) السيابي، إزالة الوعثاء، ص 25. علي يحيى معمر الأباضية مذهب إسلامي معتدل، ص 10. كتاب ابن سلام الأباضي، ص 129.
(27) طالب هاشم، الحركة الأباضية، ص 71.
(28) الشماخي، نفس المصدر، 1، ص 108. ج
(29) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 212. الحارثي، العقود الفضية، ص 101. السيابي، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، ص 21.
(30) قال جابر للحجاج متعللاً برفضه: يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما». (31) الشماخي، السير، ج 1، ص 74. (32) وقع خلاف حول قبول جابر لعطاء الحجاج، وقد وافق ابن الوزير من أتباع الأباضية، بعض النسوة في هذا الأمر، ولما رفع الأمر إلى أبي عبيدة أقر تصرف جابر. انظر الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 209.
(33) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي في بلدته بالقابل، يناير 1988 م.
(34) خليفات (دكتور)،، نشأة الحركة الأباضية، ص 212.
(35) ابن خلدون، التاريخ، ج 6، ص.201
(36) اضطربت الأمور السياسية في المشرق بما فيها الخليج العربي، فقد وقعت أحداث ثورة ابن الأشعث التي أرهقت الحجاج، كما ثار أزد عمان بزعامة سعيد وسليمان ابنا عباد ضد الأمويين، وتمكنا من هزيمة الجيوش التي أرسلها الحجاج في بداية الأمر، حتى تمكنت حملة مجاعة بن شعوة المزني من احتلال عمان من خلال قيادته لحلمة كبيرة برية وبحرية وإمدادات شامية. فأحس الحجاج بأن هناك صلة بين الوضع في عمان وبين أزد العراق فوضعهم تحت مراقبة شديدة، وأرسل إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بتضييقه على أزد، العراق، فقبض على جابر مع بعض رفاقه ثم نفي إلى عمان. ولم تذكر المصادر والمراجع المتوفرة لدينا بأن هذا التوتر في العلاقات بين جابر وبين الحجاج كانت حول زعامته للدعوة.
انظر:
الأزكوي، المقتبس من: كشف الغمة، ص.42
مسند الإمام الربيع، ج 2، ص 193 طبعة مكتبة الاستقامة.
ذكر في مسنده أن جابر مات بالبصرة بعد. ذلك، مع انس بن مالك في جمعة واحدة.
(37) الدرجيني، الطبقات. ج 2، ص 225. الشماخي، السير، ج 1، ص 81. (38) الشماخي السير، ج 1، ص 75 خليفات، (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 97.
(39) الأصفهاني، الأغاني، ج 19، إمام اليمن طالب الحق. من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 37 31، 15. وكان يراسل أحد ولاة بني أمية في خراسان وينتمي هذا الوالي إلى آل المهلب. أنظر رسائل الإمام جابر، المكتبة الإسلامية، روي، مسقط.
(40) أبو زكريا، السيرة وأخبار الأمة،.ص 15، محقق.
- 1 F 9_ (1/139)
صفحة 133
(41) تدعي ا الشيعة بانتماء أبي بلال إليها وتستند بكتاب منه إلى الحسن بن علي. (الحارثي، العقود الفضية.
ص 119).
1، ص
وما
(42) مسند الإمام الربيع، ج 2، ص 193. كتاب ابن سلام الأباضي،، ص 129 وما بعدها، محقق. الكندي بيان الشرع، ج 4، ص 103. الورجلاني، الدليل والبرهان، ج 1، ص 139. أبو زكريا، السيرة وأخبار الأمة، ص 14. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 205 وم ابعدها. الشماخي السير، ج بعدها. علي يحيى معمر، الأباضية مذهب، ص 9. الحارثي، العقود الفضية، ص 93. السيابي، إزالة الوعثاء، ص 27 وما بعدها الباروني، المختصر، ص 27. (44) ابن أطفيش، كشف الكرب، ج 2، ص 365. اعتبر أن سؤال الشاب له عن أفضل الجهاد وتوجه الشاب
لقتل فردلة بأنه جابر في مقام الإمامة.
(45) أبو نعيم، أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت 430 هجرية / 1038 م) حلية الأولياء، ج 3، ص 82 وما بعدها، بيروت، بدون تاريخ
بحث يحيى البكوش (دكتور)، «مدرسة جابر بن زيد وأثرها في الفقه الإسلامي» المقدم إلى ندوة الفقه الإسلامي التي عقدت في مسقط، ما بين 9 - 13 ابريل 1988 م، والتي عقدت بجامعة السلطان
قابوس. ونشرت في جريدة عمان يوم 24 شعبان 1408 هجرية، الموافق 11 ابريل 1988 م. (46) ابن سعد، الطبقات، مج 7، ص 179. المزي، تهذيب الكمال، مج 4، ص 425. ابن كثير، البداية والنهاية، ج 9، ص 104.
(47) عمر بن الحاج محمد صالح، با دراسة في الفكر الأباضي، ص 30، 44، رسالة ماجستير مقدمة إلى
جامعة جواهر لال نهرو بالهند. نشرت.
392
(48) محمد علي دبوز المغرب الكبير، ج 2، ص. (49) الباروني، المختصر، ص 27، علي يحيى معمر الأباضية مذهب، ص 9. بكير بن سعيد، دراسات إسلامية، ص 20. رغم ان جابر ولد سنة 18 - 20 هجرية / 639 - 640 م، وقدم إلى البصرة في شبابه
لطلب العلم.
(50) الصوافي، (دكتور)، الإمام جابر بن زيد، ص 149.
(51) ذكر الحارثي: «أن جابر بن زيد كان يصلي الجمعة خلف ابن زياد فعتب عليه أصحابه فقال لهم جابر: إنها صلاة جامعة وسنة متبعة». العقود الفضية، ص 97.
وذكر الشماخي عن أبي سفيان بن الرحيل: «ان شخصاً من الأباضية يدعى أبو سفيان قنبر قد أخذه عبيد الله بن زياد وجلده ليدل على أحد المسلمين (الأباضية) فلم يفعل، وقال جابر بن زيد وكنت قريباً منه وما كنت انتظر إلا أن يقول هذا، فعصمه الله». (الشماخي، السير، ج 1، ص 92).
كما ذكر الشماخي: «كان جابر بن زيد يرتحل إلى مكة سنوياً مع صديق له، فارتحل جابر بمفرده فسأله ابن عباس عنه فقال إنه في سجن ابن زياد الشماخي السير 1، ص 96. (52) ابن أطفيش، رسالة شافية، ص 14 الحارثي، العقود الفضية، ص 119. الرقيشي، مصباح الظلام ورقة 19، يقول: «وقد بلغنا أن أبا بلال، مرداس، رحمه الله وغيره من أئمة المسلمين لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم جابر بن زيد العماني ويحبون ستره عن الحرب لئلا تموت دعوتهم». (53) الحارثي، العقود الفضية، ص 119. بحث الدكتور يحيى البكوش، عنوانه: «مدرسة جابر بن زيد وأثرها في الفقه الإسلامي»، ندوة الفقه الإسلامي، مسقط، 9 - 13 ابريل 1988 م.
118_ (1/140)
صفحة 134
(54) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 188 200. ابن أبي حديد، شرح نهج البلاغة، ج 2، ص
18.
(55) الشهرستاني، الملل والنحل، ص 137، تحقيق محمد سيد كيلاني.
(56) أبو عمر خليفة بن خياط، الطبقات، ص 210. تحقيق د. أكرم ضياء العمري، بغداد، 1967 م. محمد بن حيان البستي، كتاب مشاهير الأمصار، ص 89، القاهرة، 1909 م. الرازي الجرح والتعديل، ج 1، ص 494. حيدر آباد، 1952 م.
(57) البغدادي الفرق بين الفرق، ص 47.
(28) سالم بن عبد الله، الأخبار والآثار، ج 1، ص 267. كما وردت في السير، ج 1، ص 72. والطبقات، ج 2، ص 207 طبقات ابن سعد، مج، 7، ص 179.
(59) الرازي، الجرح والتعديل، ج 1، ص 495. ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج 2، ص 38. (60) خليفات، (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص
93
(61) علي يحيى معمر، الأباضية مذهب إسلامي معتدل، ص 10. مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي، يناير، 1988 م. مقابلة مع مفتي عام السلنة، يناير، 1986 م.
(62) الربيع، المسند، ج 2، ص 193. الكندي، بيان الشرع، ج 4، ص 103. الورجلاني، الدليل والبرهان. ج 1، ص 139. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 205. الشماخي، السير، ج) 1، ص 75. علي يحيى معمر، الأباضية مذهب، ص 9 - الباروني، المختصر، ص 27. السالمي، التحفة، العقود، ص 97. السيابي، إزالة الوعثاء، ص 20 – 27.
(64) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 95.
ج 1، ص 26، الحارثي،
(10) المبرد، الكامل، ج 3، ص 216. كان إذا جلس يقول: «لم يزل أمير المؤمنين علي رحمه الله يتعرفه النصر ويساعده الظفر حتى حكم فلم تحكم والحق معك ألا تمضي قدماً».
(66) الدجيلي، فرقة الأزارقة، ص 140.
(67) الربيع، المسند، ج 2، ص 193. البرادي الجواهر المنتقاة، ص 155. البستي، مشاهير الأمصار، ص 89. الباروني، المختصر، ص 27. السالمي التحفة، ج 1، ص 26. الحارثي، العقود، ص 64. السيابي، إزالة الوعثاء، ص 26.
(68) الشماخي، السير، ج 1، ص 77. علي يحيى معمر الأباضية مذهب، ص 9. (69) ابن سلام الأباضي، ص 129، محقق، طبعة تونس 1985 م. ابن قتيبة، المعارف، ص سعد، الطبقات، مج 7، ص 83. (70) ابن حجر، التهذيب، ج 1، ص 38.
4
200. ابن
(71) الباروني، عبدالله بن يحيى سلم العامة والمبتدئين، ص 4، تونس، 1324 هجرية / 1906 م.
-1?1_ (1/141)
صفحة 135
الفصل الثالث
سياسة الأمويين مع أباضية عمان
- 143 (1/143)
صفحة 136
(1)
سياسة
عبيدالله بن زياد
إزاء الأباضية في البصرة
إذا كان المناخ السياسي في العالم الإسلامي قد ساده الاضطراب والانتقام قبل أن ينتصف القرن الأول الهجري، فإنه أصبح لكل تيار أو فريق طموحاته صوب القيادة وآماله في الزعامة. وإذا كان البيت الأموي يتزعم تياراً ارستقراطياً (1) أو هو في حد ذاته تيار مستقل، وقد برز هذا التيار بوضوح، أثناء الفتنة التي ترتبت على مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هجرية /
م.
استغل معاوية الظروف في تلك الفترة أحسن استغلال، فقد وقع مع البيزنطيين هدنة قبل أن يدفع إليهم جزية سنوية، مقابل أن يتفرغ وجيشه للوضع الجديد، كما بدأ يتحالف مع العقليات السياسية التي لها تجربة في هذا الأمر وكان هذا مع عمرو بن العاص (2) وبدأ الرجل يستند على تأييد الشاميين له الذين عرفوا الإسلام من خلال البيت الأموي (2) خاصة. وساعدت الظروف معاوية للتحرك في تحقيق أحلامه. فليس هو الرجل الوحيد الذي خرج على الإدارة الإسلامية، فها هي حرب يوم الجمل تجمع سيوف طلحة والزبير ومعهما السيدة عائشة (4) وأتباعهم،. الإمام علي، متعللين بأنهم جاءوا للطلب برد الخليفة المظلوم عثمان، وإعادة الأمر شورى بين المسلمين (5). ووقف معاوية يترقب النتيجة التي لا بد أن تكون في صالحه، فقد وضعت تلك المعركة الطرفين في موقف الضعف. ونجا معاوية من الصدام العسكري مع الإمام في صفين
، ضد
_120_ (1/145)
صفحة 137
حينما لجأ إلى حيلة التحكيم وتحول الموقف إلى مهزلة، وبويع بعدها معاوية خليفة على المسلمين سنة 40 هجرية / 660 م، في إيلياء (أو القدس)، وأصبح العالم الإسلامي يتربع عليه خليفتين خليفة الشام معاوية، والخليفة علي الذي انحسر نفوذه في العراق (6). وبعد قليل أزيح الإمام عن إمامته حينما قتل، واستفاد ابنه الحسن، الذي خلفه من الأحداث السابقة، ورأى فشل خططه أمام معاوية فتنازل عن الخلافة له وسلم الأمر إليه (7). وأصبح معاوية الخليفة الوحيد للعالم الإسلامي وسمي العام الذي تنازل فيه الإمام الحسن بالخلافة سنة 41 هجرية / 661 م، عاماً للجماعة، ولكن ظلت هناك تيارات قوية تعمل في الخفاء في سبيل إزالة الأمويين من الخلافة وإعادة الأمر شورى بين المسلمين، وكانت جماعة المحكمة في مقدمة هؤلاء. فقد أصبحت منطقة العراق التي تمركز فيها غالبيتهم تمثل مصدر القلق لمعاوية والأمويين من بعده.
لقد احتل العراق مكانة خطيرة في التاريخ الأموي، بالرغم من أن الشام كانت مركز الخلافة، ذلك لأن العراق شكل مركز الثقل السياسي والاقتصادي في الدولة الأموية. بالإضافة إلى موقعه الجغرافي الهام، مما جعل الدولة الأموية تهتم بها اهتماماً كبيراً (8). وكان جميع الخلفاء الأمويين يولون العراق جل اهتمامهم ويرسلون إليه أقدر ولاتهم مثل المغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، وعبيد الله بن زياد، والحجاج بن يوسف الثقفي، وخالد القسري وغيرهم (1). كما أصبح العراق مركزاً للتجمع خاصة الكوفة والبصرة، حيث استقر بها جماعة من التابعين والقراء وهم الذين حملوا لواء المعارضة.
بدأت جماعة المحكمة في تلك المنطقة تعلن منذ البداية معارضتها لخلافة الأمويين وقالوا: إن كل من ينصب برأي المسلمين وعاشر الناس على ما مثلوا عليه من العدل واجتناب الجور كان إماماً ومن خرج عليه نصب القتال معه، وأن غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله وقتله (10)، ولم تلتزم هذه الجماعة بمبدأ القرشية (11) في اختيار الإمام واستدلوا على أن منشأ الخلاف بين المسلمين في شرط القرشية هو عدم القطع بصحة النص الوارد فيه، كما أنه معارض للنصوص الكثيرة التي وردت بإلغاء دعوة العصبية (12). بدأت أول الصدامات بين جماعة المحكمة وبين الأمويين في الشهور الأولى لتولية معاوية الخلافة وتنازل الحسن عنها وكان ذلك في النخيلة وقد تمكنت تلك الجماعة من هزيمة جند الأمويين حتى استحث معاوية أهل الكوفة للخروج لقتالهم، حتى تمكن من هزيمتهم، كما تمكن الأمويون من القضاء على ثوراتهم بعد ذلك مثل جماعة عبدالله بن أبي الحوساء ثم حوزة بن وداع، وشبيب، وأبو مريم مولى بني الحرث بن كعب. وأبو ليلى.
وقد ترتب على ذلك تطور في أسلوب الطرفين، فقد أحس معاوية والأمويون من بعده بخطورة الوضع في العراق، كما أحس المحكمة والخوارج بمدى قوة الأمويين وبطشهم. فاستعان معاوية والأمويون بأهم رجالاتهم في حكم المنطقة، واتجه الخوارج إلى أساليب أخرى للمحافظة على دعوتهم ومبادئهم. فقدم المغيرة بن شعبة متبعا أسلوب الوقيعة بين الأطراف. من أجل ضمان سيطرة الأمويين على المنطقة (13).
المختلفة
-187_ (1/146)
صفحة 138
ولم تشهد هذه المنطقة استقراراً في العصر الأموي إلا منذ عصر زياد بن أبيه، لأن معاوية، اعترف بزياد إبنا لأبيه أبي سفيان (14)، ثم أرسله إلى البصرة والياً عليها وهو على ثقة منه. فقدمها زياد مدشناً حكمه بخطبة مرتجلة طارت لها شهرة واسعة في كتب الأدب والتاريخ (15) ومثلت هذه الخطبة برنامجاً جديداً لعمل الوالي الجديد، مصمماً على تطهير المنطقة من أي صورة للمعارضة. ومن هذا الموقف وتلك المنطقة استقل زياد بحكم النصف الشرقي من الدولة الإسلامية (16).
وفي الوقت نفسه بدأ أبو بلال مرداس بن آدية التميمي يشق لنفسه وجماعته طريقاً مستقلاً ونهجاً خاصاً بين جماعات المحكمة والخوارج (17)، وأمام شدة وقوة الولاة الأمويين على المدينة التي استقر بها وهي البصرة. فقد عاب على خروج أبي مريم بالنساء، وعلى كثير من ثورات الخوارج غير مستحل لأعراض المسلمين والخروج بالنساء. داعياً أتباعه عدم استعراض المسلمين لأنهم موحدون لا تحل دماؤهم ولا أموالهم إلا بعدوان (18). بينما عارض سياسة زياد (19) في بعض عبارات خطبته التي أعلن فيها أنه سيأخذ المصلح بالمسيء.
ويبدو أن الظروف السياسية التي سادت العراق (جنوبه) حتى هذه الفترة كانت تتمثل في محاولة الولاة الأمويين إقرار الأمور بأية طريقة ولذلك فإننا نلاحظ أن فترة ولاية عبد الله بن عامر ثم زياد بن أبيه للبصرة (20) وولاية المغيرة بن شعبة للكوفة اقتصرت على محاربة الجماعات
المتطرفة فقط، وتركت المجال أمام النشاطات السرية. ويتضح ذلك من أمرين هما: الأول: رواية الطبري وابن الأثير عن أحداث سنة 43 هجرية / 663 م (21) من أن المغيرة بن شعبة لم يتحرك بقواته تجاه المستورد بن علقمة التميمي (22) وأصحابه في الكوفة إلا حينما وصلته الأنباء عن المبايعة وتسميته أمير المؤمنين وبداية خروجهم ضد الأمويين. كما أن والي
البصرة عبدالله بن عامر سارع بإرسال قوة للمشاركة في القضاء على هذه الحركة. الثاني: كان زياد حينما قدم إلى البصرة سنة 45 هجرية / 665 م مكلفاً بمهام كثيرة في المنطقة تتعدى في خطورتها جماعة المحكمة، فكانت مناطق العراق ما زالت مضطربة وتحتاج إليه بسرعة. فبدأ في إرساء دعائم الحكم الأموي فيها وإقرار الأمن والاستقرار. وكانت خطبته البتراء التي ألقاها تعبيراً عن استراتيجيته الجديدة في إدارة المنطقة فأعلن فيها عصراً جديداً ونهاية عصر سابق (23). وبالفعل استتب الأمن في البصرة حتى كانت المرأة تبيت فلا تغلق بابها (24)، وزادت ثقة معاوية به فأضاف إليه الكوفة سنة 50 هجرية / 670 م بعد وفاة المغيرة، وبعد فترة أضاف إليه حكم، فارس، وهكذا استقل زياد بحكم القسم الشرقي من دولة الأمويين حتى تطلع إلى حكم مناطق أخرى (25). وأصبح رجل المهمات، ورجل الأزمات، الصغيرة والكبيرة عن الأمويين (26).
حدد زياد علاقته. مع القعدة المعتدلة في البصرة، منذ البداية، ذلك أن أبا بلال مرداس بن ادية التميمي أثناء إلقاء زياد لخطبته البتراء، عارض أخذه الوالي بالولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر، وذكره بالآية الكريمة ... «وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى» (37).
-\ {V_ (1/147)
صفحة 139
المحكمة
فاقتنع زياد بحجته بقوله: «إنا لا نبلغ من أصحابك حتى تخوض إليهم الباطل خوضاً. أي أن زياد لن يتجه إليهم ما داموا ملتزمين بالسكينة، بينما اشتد في مواجهة المتطرفين من وخاصة موقفه الصارم مع قريب بن مرة، وزحاف الطائي اللذين أثارا الفوضى في البصرة (28). وقد استنكر أبو بلال فعلهما في الخروج واستعراض الناس (29).
ويبدو من المصادر أن أبا بلال قد استغل هذه الفترة في توسيع نطاق دعوته وتنظيمها، ملتزماً بسياسته التي ينتهجها في استنكاره للخروج ولمبدأ العنف الذي ينتهجه المتطرفة من المحكمة، فنادى أتباعه ألا يجردوا سلاحاً ولا يقاتلوا مسلماً إلا إذا تعرضوا لعدوان وكان يقول: إن تجريد السيف وإخافة السبيل لأمر عظيم (30). فتزايد عدد أتباعه ومؤيديه حتى أصبح لهم مسجداً مستقلاً. بهم في البصرة (31). وبذلك تأصلت دعوة أبي بلال في البصرة، ورأى زياد في ميل تلك الجماعة إلى التعقل والاعتدال في الأمور نوعاً من إقرار ونجاح سياسته (32) فتركهم وشأنهم ولم نسمع في تلك الفترة عن أي توتر بين إدارة البصرة وجماعة أبي هلال. بل أن زياداً مثل لهم رجلاً مسالماً فكان مجلسه فيه رجال من أتباعهم، كما ولى بعضهم بعض أعماله وأغدق على بعضهم الهبات (32).
المعتدلة
لكن المصادر قدمت صوراً مختلفة لابنه عبيد الله (55 هجرية / 674 م) في معاملة المحكمة ة في البصرة، فقد لج في مطاردتهم وحبسهم، وأخذ يتتبعهم وأخضعهم لمراقبة شديدة وكان يبث الجواسيس والعيون لمراقبتهم، وكثيراً ما كانت الشرطة تداهم بعضهم وتلقي القبض عليهم في سراديبهم السرية. وأعلن أنه سيقتل من في حبسه منهم، إذا قتل أحد رجاله على أيديهم. ولجأ ابن زياد إلى أساليب الوقيعة بينهم فقد كان يفرج على أحدهم إذا قتل صاحبه، وأوقع بين العرب والموالي منهم وكان يأمر الموالي بضرب أعناق العرب (34) بالرغم من أن ذلك يتنافى مع شريعة الإسلام ومبادئه.
أصبحت الساحة السياسية خالية أمام جماعة المحكمة، وكان بإمكانها تحويل مجريات الأحداث السياسية في المنطقة لصالحها، ولكنها وقعت في مشكلة خطيرة وهي الإنقسام الكبير الذي وقع بين زعمائها. فقد استقر نجدة بن عامر الخنفي، في اليمامة مبايعاً من قبل أتباعه (35). وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز مستحلاً دماء مخالفيه من أهل القبلة، مكفراً القعدة عن الخروج مظهراً البراءة منهم رافضاً التقية في القول والعمل (36). واحتفظت لنا المصادر بصور من الرسائل المتبادلة بين زعماء المحكمة والتي نستشف منها أسباب الخلاف وتطور الأفكار والأساليب (37). وهكذا تفرقت المحكمة بدلاً من أن توحد جهودها للمرحلة
المقبلة.
وبدأت كل فرقة من فرقها تحاول استغلال الظروف لصالحها. ففرضت الأزارقة سيطرتها على مساحات كبيرة من أرض الأهواز وأجزاء من فارس وكرمان، ومدت نفوذها إلى سواحل الخليج العربي حتى عمان، محرزة انتصارات عديدة على الجيوش الأموية ثم الزبيرية (28). بينما تمكن نجدة بن عامر، وهو وسط بين التيارين (39)، من بسط نفوذه في اليمامة والبحرين وأرسل حملة لضم عمان وقد نجح في ذلك فترة من الزمن.
-1 EA_ (1/148)
صفحة 140
ولكن يبدو أن الجماعة المعتدلة التي ظلت في البصرة، محرمة دماء مخالفيها من أهل القبلة، قد ظلت مرتبطة بأفكار زعيمها الراحل أبي، بلال، وإن كانت المصادر تضطرب حول قيادتها الجديدة التي برزت خلال تلك الأحداث، ويبدو أن عمران بن حطان اعتبرته الصفرية إماماً لها ومؤسساً لنهجها الجديد (40)، بينما اعترفت به الأباضية كزعيم في تلك المرحلة ولكنها تعتبر جابر بن زيد إمامها والمعبر عن أفكارها (41)، ومن أهم فقهاء وعلماء البصرة آنذاك (42). ويمكننا القول أن سياسة عبيد الله بن زياد تجاه المحكمة في البصرة كانت لها نتيجتين هما:
الأولى: القضاء على زعامات الحركة، الذين حملوا أفكار المحكمة الأوائل من النهروان وكانت لها تجاربها الخاصة مع الأمويين وأسلوبها في الكفاح، وقد ظهر أثر هذا في فشل الزعامة الجديدة في استغلال ظروف الإضطرابات التي سادت البصرة بعد موت يزيد بن معاوية ورحيل واليها ابن زياد عنها. فتفرقت جهودهم واختلفت آراءهم.
الثانية: ظهور فريق متطرف من المحكمة رأى ضرورة الخروج على الحكام الظالمين، في نظرها، محرمة الإقامة بين ديار مخالفيها من أهل القبلة، وقد استندت هذه الجماعة إلى أدلة تؤيد وجهة نظرها (43).
وبذلك كان الانقسام بين تلك الجماعة في تلك المرحلة انقساماً مذهبياً فكرياً حول بعض القضايا الفقهية ومفاهيمها (44). وليس على أساس خطط مدبرة للقضاء على الدولة الأموية كما يعتقد البعض (45). . وبعد هروب ابن زياد، لم نجد أية مصادمات بين رجال العهد الزبيري الجديد وبين جماعة المحكمة المعتدلة، ذلك لأن المحكمة كانت ترى أن الحكم الأموي هو أساس المعارضة (46). كما أن مصعب بن الزبير كان يكن احتراماً لزعمائهم في البصرة، ويبدو أن الطرفين كانا يستعدان لعدو واحد هم الأمويون، ولذلك استفاد كلا الطرفين من هذا الأمر ولم يحاول استفزاز الطرف الآخر (47). وظلت الظروف هادئة في البصرة حتى في الفترة التي أعقبت زوال العصر الزبيري لأن الأمويين كانوا مشغولين بالقضاء على المتطرفين من الخوارج في الأهواز والخليج وكرمان.
وقد استفادت جماعة الأباضية من هذه الفترة في الاتجاه إلى الدراسة والتعمق في أمور الدين. واتضحت لديهم استراتيجية الكفاح والدعوة كفريق مستقل عن الصفرية (48) واستغلت الأباضية ظروف الاضطراب بين أهل البصرة وسكانها من صراع قبلي وتبادل حكمها بين الأمويين والزبيريين وثورات الخوارج إلى ضم الكثير من أهالي البصرة إلى مبادئهم (49).
وقد ظل أهل عمان مرتبطين بأفكار المحكمة المعتدلة في البصرة، وكانت جولة عمران بن حطان ونزوله بينهم شاهداً على تمسكهم بأفكار أبي بلال مرداس بن آدية التميمي (50).
- 149 (1/149)
صفحة 141
(1) إبراهيم بيضون، (دكتور)، التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، ص 20 وما بعدها. (2) فلهوزن، تاريخ الدولة العربية، ص 72. السيد عبد العزيز سالم، التاريخ السياسي والحضاري للدولة الأموية، ص 240 وما بعدها.
(د)
محمد حلمي أحمد الخلافة والدولة في العصر الأموي، ص 15 وما بعدها.
(4) هي: عائشة بنت عبدالله أبي بكر الصديق بن عثمان بن عامر بن عمرو التميمي القرشي، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، ولدت بعد البعثة بأربع أو خمس سنين، وهاجرت مع أبويها. كانت أفقه الناس وأعلمهم وأقواهم رأياً. وكان الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم عندها. روي عنها كثير من الصحابة والتابعين، وتوفيت سنة 58 هجرية / 676 م زمن خلافة معاوية. ابن حجر العسقلاني الإصابة في تمييز الصحابة، ج 3، ص 18.
(0) البلاذري، انساب الاشراف، ج 2، ص 174 وما بعدها. (6) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 161.
(7) البلاذري، انساب الأشراف، ج 3، ص 48 (ملحق).
محمد جواد فضل الله، صلح الإمام الحسن، ص 105، يقول: «ان الظروف هي التي حتمت على الحسن التنازل والصلح رغم تمسكه بمبدأ الحرب استمراراً لموقف والده، ولكنه لاحظ تمزق جيشه وانهيار معنوياته».
الطبري، تاريخ، ج 5، ص 162، يرى في بعض رواياته أنه لم يكن على قدر مسئولية والده. ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 1، ص 163.
(8) «ندوة الفقه الإسلامي»، مسقط، 9 - 13 ابريل 1988 م، اليوم الثاني من المؤتمر. (9) محمد جمال سرور (دكتور)، الحياة السياسية في الدولة العربية، ص 110. (10) البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 49. الطبري، تاريخ، ج 1، ص 74. الأشعري، مقاولات الإسلامية، ج 1، ص 167. ابن الأثير الكامل، ج 3، ص 171.
(11) مصلح وآخرون، هذه مبادئنا، ص 199 - 201، مسقط، 1987 م. محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 81.
(12) أثار هذا المبدأ جدلاً كبيراً عند المفكرين والكتاب والباحثين، فهناك فريق لا يؤيد هذا الرأي على أساس صحة الحديث وأحاديث مثل حديث صحيح مسلم عن أم الحصين:
-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا». وفي حديث آخر: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر».
ومن هؤلاء:
ه عفيف عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، ص 314.
محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 81.
ه علي عبد الرزاق الإسلام وأصول الحكم، محقق.
أحمد حجازي السقا، الخوارج الحرويون ص
كما استند البعض على صحة «الإمامة في قريش» بصحة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيها
110_ (1/150)
صفحة 142
واستدلوا بحديث أبي بكر الصديق يوم السقيفة وأن هذا الحديث هو الذي أنهى الأمر لصالح المهاجرين. أما ابن خلدون فيشير إلى صحة الحديث في مقدمته في حديثه عن الخلافة على أساس أن القرشية
نوع من العصبية والقوة والمنعة بين قبائل العرب.
(13) کارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 121. (14) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 213.
(15) الجاحظ، البيان والتبيين، ج 2، ص 242. أحمد كمال زكي، الحياة الأدبية في البصرة، ص 239. (16) كارل بروكلمان، نفس المرجع. ص 123.
(17) ابن الأثير الكامل، ج 7، ص 208.
(18) اعتبر الأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بقي من هذه الأمة، قال الله ورسوله أعلم قال: لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيئها». الرقيشي، النور الوقاد في علم الرشاد، ص 96.
(19) كانت مواهب زياد قد ظهرت منذ خلافة عمر بن الخطاب، ثم أصبح كاتباً لأبي موسى الأشعري، حتى عزله عمر بن الخطاب (إني كرهت أنه أحمل العامة فضل عقلك. ولما وصل معاوية إلى الخلافة استلحقه بنسبه. ولكن في عصر العباسيين زمن المهدي أرسل إلى واليه على البصرة برد آل زياد إلى نسبهم بن عبيد عبد آل علاج بن ثقيف وابطال نسبتهم إلى أبي سفيان. العقد الفريد، ج 4، ص 50. الطبري. تاريخ، ج 8، ص 159.
(20) تولي عبدالله بن عامر البصرة حتى سنة 45 هجرية / 665 م. ثم تولاها بعده لمدة أربعة أشهر سنة 45 هجرية / 665 م، الحارث بن عبد الله الأزدي. حتى قدمها زياد سنة 45 هجرية / 665 م. الطبري، تاريخ، ج. ص 216 وما بعدها.
(21) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 190. ابن الأثير الكامل، ج 3، ص 212. (22) الشماخي، السير، ج 1، ص 56. ذكر أنه قتل سنة 45 هجرية / 665 م، على يد جيش المغيرة بقيادة معقل بن قيس الرياحي.
(23) أعلن في خطبته أنه سيأخذ بالشدة في غير جبرية وعنف، ولين في غير ضعف حتى يلقى الرجل أخاه فيقول أنج. سعد فقد هلك سعيد. ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 4، ص 172 وما بعدها. الجاحظ، البيان
والتبيين، ج 2، ص 242.
(24) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 222.
(25) قال لمعاوية: «إنني جمعت العراق بشمالي وما زالت يميني فارغة»، ويقصد بها الحجاز. ابن عبد ربه،
العقد الفريد، ج 5، ص 250.
(26) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 5، 20.
(27) سورة النجم، الآية 37، 38.
(28) المبرد، الكامل، ج 3، ص 245. الجاحظ، البيان والتبيين، ج 5، ص 245. الشماخي، السير، ج 1، ص
62
ذكر الشماخي أنهما أبناء خالة، وقد خرجا ضد زياد، وكان بالبصرة عبيد الله بن أبي بكرة، فأسرع إليهما
زياد من الكوفة وقضى عليهما».
(29) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 204 وما بعدها.
_101_ (1/151)
صفحة 143
(20) ابن الأثير الكامل، ج
ص 64.
(31) البلاذري، انساب الأشراف، ج 5، ص 94.
، ص 129.
(32) عمر فروخ، تاريخ صدر الإسلام (33) المبرد، الكامل، ج 3، ص 261.
الدرجيني، الطبقات، ج، ص 218. الشماخي، السير، ج 1.
تعجب عمر بن عبد العزيز فيما بعد من هذه العلاقة بين زياد والمحكمة المعتدلة في قوله: «قاتل الله زيادة عمل لهم كما تجمع الذرة وحاطهم كما تحيط الأم البرة، وأصلح العراق بأهل العراق». (34) المبرد، نفس المصدر، ج 2، ص 260. الشماخي، السير، ج 1، ص 65. ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص 304. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 225. الحارثي، العقود الفضية، ص 110.
(35) المبرد، ج 3، ص 285. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 566.
(36) الدجيلي فرقة الأزارقة، ص 30 وما بعدها الأغاني، ج 6، ص 142.
(37) ابن عبد ربه، الكامل، ج 1، ص 152. المبرد، الكامل، ج 3، ص 275، 276، 285، 293. الطبري. تاريخ، ج 5، ص 567.
(38) الدجيلي، المرجع السابق، ص 80 وما بعدها.
(39) لأنه لم يكفر القعدة ولا يتبرأ منهم وقال الجهاد إذا أمكن أفضل مستنداً إلى الآية: «وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة». سورة النساء الآية 95. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 566.
(40) Schacht, the Origins of Mahammaden, p. 250
البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 54 الأشعري: مقالات الإسلاميين، ج 1، ص
(41) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص.205
(42) ابن سلام الأباضي، ص 129، 130، محقق.
199
(43) استندت إلى معاني الآيات: «إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون» البقرة، الآية 159.
(44) «براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين» التوبة، الآية 1.
(45) جميل بن خميس العدي، قاموس الشريعة، ج 8، ص 145، التراث، 1987 م. (46) سهير القلماوي، (دكتورة)، التيارات السياسية. ص 230.
(47) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 73.
(48) يرى الدكتور خليفات أن الانفصال بين الصفرية والأباضية قد تم بعد خروج عمران بن حطان من سجن الحجاج، ولكننا لم نجد في المصادر من يؤيد ذلك، فإذا كانت الأباضية تضع عمران بن حطان بين زعمائها وعلمائها فإنها تضع في المقدمة جابر بن زيد، بينما تجعل الصفرية عمران بن حطان مؤسس مذهبها ومنهجها الشماخي، السير، ج 1، ص 62. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 226. البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 51. (49) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 20. الأغاني، ج 1، ص 142. بيضون، التيارات السياسية، ص 232. (50) الأصفهاني، ج 18، ص 112. الشماخي، السير، ج 1، ص 62. (1/152)
صفحة 144
(2)
عبدالله بن أباض
المحت لنا المصادر عن وجود شخصية عبدالله. بن أباض،، من بين زعماء المحكمة بالبصرة، في الفترة السياسية المضطربة التي سادت المنطقة بعد وفاة يزيد بن معاوية وخروج من في سجون البصرة، كما أن عبد الله بن أباض شارك في دفاع المحكمة. عن الكعبة. مع ابن الزبير، وعاد مع رفاقه إلى البصرة بعد رفضهم بيعة ابن الزبير والاختلاف معه.
مستقلة
والواقع أننا وجدنا أن المصادر غير الأباضية، قد ربطت بين تلك الشخصية وبين جماعة من جماعات المحكمة المعتدلة، قعدة البصرة ونسبتهم إليه (1)، دون أن تشير لنا إلى الجذور التاريخية لظهور تلك الشخصية أو هذه الجماعة. كما أن المصادر الأباضية هي الأخرى قد أشارت إليه وإلى مشاركته في تلك الأحداث فجأة، بعد أن أشارت إلى أنه ممن انضم إلى أبي بلال مرداس منذ البداية، ولكنها هي الأخرى لم توضح لنا مساهمات أخرى له قبل تلك الفترة، واكتفت بعضها بعبارات التمجيد له ولدوره في الحركة (2). وكان موقفه بعدم الخروج مع من خرج تحديداً لنهج جديد لجماعته فيما بعد (3).
ويبدو أن شخصية عبدالله بن أباض أصبحت أشهر شخصية من شخصيات القعدة المعتدلة في البصرة في تلك الفترة، فقد بدأ يهتم بتحديد شكل حركته وتنظيمها من كافة الجهات من
_ lor_ (1/153)
صفحة 145
أجل الوصول بالدعوة إلى تشكيل دولة إسلامية على الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين كما أن داره في البصرة مثلت مركزاً للنشاط الأباضي في البصرة في تلك الفترة أيضاً، ولذلك فهو يعتبر من الناحية العملية أشهر شخصية بين رفاقه (4)، فنسبت جماعته إليه وإلى اسم والده أباض طلباً للتخفيف واختصاص الأشهر (9). وإن كانت هناك آراء تنسب الفرقة إلى غيره (6). ورغم تلك الآراء ومكانة عبد الله بن أباض بين صفحات كتب طبقات الأباضية، فإن المصادر الأباضية تعود فتتعجب من نسبة جماعتها إليه، ويجعلون هذا النسب غير قياسي بسبب وجود شخصيات أخرى بين روادها تفوقه في المكانة (7)، مثل جابر بن زيد وتعلل هذه المصادر هذا الأمر بنشاطه الكبير زمن خلافة عبد الملك بن مروان وحركته النشطة في نقد الحكم الأموي وأساليبه ومواقفه الجدلية المستقلة مع زعماء الخوارج قبل ذلك، فظهر للعامة والحكام بمظهر الزعيم (8). وتذكر هذه المصادر أن جماعتها كانت تسمى جماعة المسملين (9) أو أهل الاستقامة، وأنهم لم يسمعوا بتلك التسمية أو يقبلوها إلا بعد فترة طويلة، حينما انتشرت على ألسنة الجميع فقبلوها تسليماً للأمر الواقع. (10). ورغم ذلك فهي تعطي عبدالله دوراً هاماً في تاريخها والدفاع
عن مبادئها.
حتى
أن الباحث يقف مندهشاً أمام محاولة التوفيق بين تلك العبارات والأحكام التي تدور حول هذا الاسم في صفحات المصادر والمراجع الأباضية، فإذا كانت العبارات تذكر بأنه رئيس من في البصرة والأمصار، فإنها تعود وتذكر أنه أحد أتباع جابر ويصدر عنه في كل قول وفعل (11) ذلك لأن جابر تمكن من بلورة الفكر العام لجماعته بحيث أصبح مميزاً عن غيره من الفرق الأخرى وأصبح المصدر الذي يستقي منه فقهاء وعلماء الحركة (12)، كما أن عبدالله بن أباض كان يعتبر المسؤول السياسي والإداري للحركة، بينما أخفى الجماعة جابراً خوفاً من الأمويين، وتشير تنظيمات الجماعة فيما بعد في البصرة إلى وجود مساعدين للإمام مثل دور أبي داود حاجب الطائي زمن أبي عبيدة بعد فترة جابر بن زيد (13). وكان جابر بن زيد بالفعل هو إمام جماعته في البصرة وأن كل ما يصدر عنه كانت أوامر لجماعته (14).
كما أن هناك آراء ترجع السبب في تسمية الجماعة بالأباضية نسبة إلى عبدالله بن أباض ولم تنسب إلى جابر، إلا أن الأمويين هم الذين قصدوا ذلك، لأن جابر كان يحتل مكانة كبيرة بين علماء البصرة فخافوا أن يجذب الأنظار إلى حركته، وإن كان عبد الله بن أباض لا يقل عنه مرتبة في التقوى والورع والصلاح (15). بل وجدنا البعض يقبل تسمية الخوارج لجماعية على أساس الجهاد في سبيل الله «ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله» (16)، وعلى أساس أن هذه الجماعة متمسكة بحق علي في الخلافة ولكنها لم تقبل منه المساومة في هذا الحق فخرجت عليه خالعة بيعته (17) ويعلل البعض حذره من تسمية الخوارج بأنها تسمية شاملة لفرق متطرفة أخرى لم تقر الجماعة سلوكها مثل الأزارقة (18). ويرى فريق من المستشرقين أن هناك جذوراً على نسبة الجماعة إلى عبدالله بن أباض دو
11081 (1/154)
صفحة 146
على مسرح.
عبد
الملك
نغيره ويمكن تتبعها من العلاقات بين جماعته وبين الأمويين، فمع ظهور المحكمة المعتدلة الأحداث في البصرة منذ مطلع العقد السابع للقرن الأول الهجري / العقد التاسع من السابع الميلادي، واستمرارها في الأداء طوال العصر الزبيري للبصرة (67 - 71 هجرية / 686 690 م إلا أن الحركة ارتبطت في نظرهم بعلاقات ودية مع الأمويين منذ خلافة: ابن مروان، واستدلوا على ذلك بمسألة العطاء الذي أخذه رجال مثل عبدالله بن أباض، وجابر ابن زيد، كما استدلوا بعلاقات الود بين جابر بن زيد وبين الحجاج ثم بين عبدالله بن أباض وبين عبد الملك بن مروان في البداية (19)، بل زاد البعض في الاستدلال على ذلك بقولهم إن الفرقة الأباضية شهرت السيف في وجه الخليفة الأموي حينما تخلى عن تلك السايسة فيما بعد (20). وأن عبد الملك بن مروان قد أقنع عبد الله بن أباض، وبالتالي رفاقه، بالقعود وشغله بأمور فكرية وعقائدية (21).
ولا يمكننا قبول هذه الآراء وما يترتب عليها بسبب ما يلي:
أولاً: إن هذه الآراء لم تستمع إلى آراء الأباضية ورواياتها حول دور عبدالله بن أباض في الحركة والتنظيم وموقعه في جماعته، وأن توجهات سياسة الجماعة لا يمكن أن تكون صادرة من خارجها أو من عبدالله بن أباض وحده.
ثانياً: إن القارئ لرسالة عبد الله بن أباض (22)، إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان تضمنت نواح كثيرة لا تدل على الصلات الحسنة والعلاقات الودية بين الطرفين، فقد بدأها ابن أباض بعدم اعترافه بملك الأمويين، بقوله من عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان، كما أن محتوى الرسالة يتضمن هجوماً وانتقاداً صارماً لسياسة الأمويين، كما أنها كانت رداً على رسالة تحذير من عبد الملك إلى عبد الله بن أباض وجماعته وكتبت إلي تحذرني بالغلو في الدين» (23).
ثالثاً: من ناحية قضية العطاء من السلطان الجائر، فقد أقرتها الأباضية وأجازتها وحسم النقاش الذي دار حولها فيما بعد (24).
رابعا: إن مسألة القعود (25) كانت واضحة عند جماعة عبدالله قبل خلافة عبد الملك بن مروان سنة 65 هجرية / 684 م، فهي سياسة أبي بلال وجابر وعبد الله بن أباض، وقد تمسك بها الأخير أثناء الخلاف مع رفاقه قبل الانقسام وأيدتها الرسائل المتبادلة بين الزعماء (26)، كما التزم بها أبو عبيدة والربيع بن حبيب فيما بعد. حتى ذكر البعض أن ابن أباض وجماعته أقرب الناس إلى السنة (27).
ويمكننا القول أن التناقض الذي يلاحظه الباحث بين روايات المصادر الأباضية حول ابن أباض مردها الأساسي إصرارهم على توضيح نسبتهم لجابر بن زيد الذي تكن له جماعة السنة كل تقدير، عكس عبدالله بن أباض الذي ارتبط لدى المصادر السنية بأنه أحد زعماء الخوارج. كما أن تطور الحركة واضح لديهم فعبد الله كان يصدر في كل أقواله وأفعاله عن زعيم الجماعة
_100_ (1/155)
صفحة 147
جابر. وهذا دليل على حرص الجماعة التي يتزعمها جابر على الاندماج في المجتمع الإسلامي (28).
ورغم تلك الندرة حول بداية حياة عبد الله بن أباض. فقد ظهرت لنا آراء مجتهدة حديثة ترى بأنه كان صحابياً لفترة قصيرة من الزمن، وأنه قدم من نجد ليعيش في البصرة (29) ولكننا لا يمكننا قبول هذا الرأي لأسباب منها:
أولاً: إن المصادر الأباضية تضعه في طبقة التابعين (30).
ثانيا: يستند الحارثي في عقوده على أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم في عبارة «ومما الملك نقمنا عليه ـ يعني عثمان بن عفان - في حديثه في رسالة إلى عبد. عن الخليفة الأسبق عثمان بن عفان، والحقيقة أن ابن أباض يتكلم هنا باسم جماعته لأنه ليس هو الذي اشترك أو عاصر أحداث المدينة في تلك الفترة. كما أن الرسالة تستعرض تاريخ الجماعة الإسلامية منذ أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها إنكار لسياسة معاوية. فهل كان معاصراً بصورة واضحة
وواعية خلال هذه الفترات.
ثالثا: هناك رأي بأنه نشأ زمن معاوية وعاش إلى زمن عبد الملك (31).
ولكننا نستنتج أنه كان معاصراً بصورة واعية في أوائل العصر الأموي بدليل أنه انضم في البصرة إلى جماعة أبي بلال مرداس وأصبح من زعمائها فيما بعد برغم حدوث خلاف بينه وبين الزعامات الأخرى التي اتجهت معه إلى الحجاز في فترة الدفاع عن مكة مع ابن الزبير (22). ولكن، لماذا قدمته جماعته ليكون المتحدث باسمهم علناً، والمناظر لمناوئيهم؟ في الوقت الذي كانت فيه الجماعة تمر بمرحلة السرية والكتمان. يبدو أن هذا الأمر يرجع إلى عاملين
هما:
العامل الأول:
رأي جماعته ضرورة الإفصاح عن آرائها ومعتقداتها، وخاصة فيما يتعلق بوجهة نظرها نحو بعض متطرفي الخوارج وبقية المسلمين حتى لا يتعرضوا للسخط من بقية المسلمين الذين اعتبروا الخوارج المتطرفين مثل الأزارقة، مارقين تجب محاربتهم والقضاء عليهم، خاصة بعد أن انفصل عنهم بعد اجتماع صومعة جامع البصرة (33). وخاصة بعد أن استقر نافع بجماعة الأهواز (34). وجدد عبدالله رأي جماعته في رفضها لمبادئ نافع بن الأزرق وغيره من متطرفي الخوارج. ويبدو أن ابن أباض قد اكتسب سمعة هائلة بين معاصريه بسبب هذه المناظرات، حتى أن بعض الفرق نسبته إليها مثل الحارثية (35).
العامل الثاني: انتماء عبدالله بن أباض إلى قبيلة بني تميم القوية في البصرة، التي احتلت مكانة كبيرة بالمنطقة والمدينة بعد تمصيرها، وكان خمس القبيلة أهم أخماس البصرة (3)، حتى قيل إن
1107_ (1/156)
صفحة 148
حتى
البصرة كانت تميمية، واشتهر بها شخصيات تميمية عديدة مثل الأحنف بن قيس (37)، كما تربى العديد من الموالي في كنف تميم بالبصرة. مثل ابن المقفع وموسى بن سيار الأسواري (38). اعتقد البعض أن معظم خوارج البصرة تنتمي إلى تميم وبكر منذ المراحل الأولى (39). وكان من الصعب على ولاة البصرة التعرض بسوء لأي فرد من بني تميم خوفاً من إغضاب قبيلته (40). وتعد الرسالة التي أرسلها عبد الله بن أباض إلى الخليفة الأموي) (41) دليلاً قوياً على ذلك. وقد استفادت جماعة عبد الله من هذا الوضع فقدموه عنهم.
عبد
وقد اكتسب الرجل سمعة تاريخية بسبب الرسالة (42) التي أرسلها إلى الخليفة الأموي الملك بن مروان،، ويبدو لنا من فحص الرسالة ومضمونها الأمور التالية: الأول: أن الرسالة كانت رداً على رسالة سابقة من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان إلى عبد الله بن أباض «فقد جاءني كتابك مع سنان بن عاصم، وإنك كتبت إلي أن أكتب إليك بكتاب فكتبته» (43). ويبدو أن هناك قضايا قد أثيرت بين الطرفين وخاصة من قبل الأمويين الذين حرصوا على كسب ود الجماعات المعارضة بالطرق السلمية أحياناً، ومحاولتهم الحصول على الموافقة على شرعية خلافتهم من هذه الجماعات. وهي محاولات اتضح رفضها من قبل جماعة عبدالله بن أباض وقد حذره من أن يعتبر الدين من قبل الدولة.
ولا تقبل الآراء التي تذكر أن الرسالة كانت محاولة من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لإقناع عبد الله وجماعته بالقعود، وأنها كانت مناورة فكرية وعقائدية لعبد الله وجماعته (44). أو أن التوتر الذي ساد بين الطرفين كان بسبب تخلي عبد الملك عن سياسة احتواء الأمويين. لعبد الله وجماعته (45). وذلك لأن عبدالله كان يمثل فكر جماعته وسياستها تجاه الأمويين.
ثانيا: قسم عبدالله بن أباض التيارات السياسية في عصره، ووضح مكانة جماعته فيها. فقد ذكر أن الناس ينقسمون، في زمنه إلى ثلاثة أقسام هي: قسم مفرط في الغلو، وهم الأزارقة، وقسم مفرط في كتاب الله، وهم بنو أمية، أما جماعته فقد جعلها في المرتبة الوسطى بين الجماعتين وأطلق عليهم اسم المسلمون المؤمنون بكتاب الله بلا إفراط ولا تفريط، وهم متبرئون من الفريقين (46). وقد رفض كلمة الغلو والإفراط لجماعته (47).
ثالثاً: صحح عبد الله لعبد الملك مفهوم قضية الخوارج والخروج في الإسلام، وأوضح له أنها قضية قديمة، وأن منها الخروج على الخليفة عثمان بن عفان حينما أحدث البدع وفارقته الجماعة، ثم أشار إليه بخروج طلحة والزبير، وأثبت له مشروعية خروج جماعة المحكمة على الإمام يوم صفين حينما قبل التحكيم، وأنه وجماعته، سيظل متمسكاً بمبادئ تلك الجماعة «إنا لمن عاداهم أعداؤنا ولمن والاهم أولياؤنا بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا» (48).
رابعا: قارن عبدالله بن أباض بين سياسة أبي بكر وعمر وبين سياسة عثمان مستنداً إلى أدلة كثيرة تشير إلى المآخذ التي أخذها المسلمون عليه.
_ lov_ (1/157)
صفحة 149
خامساً: رفض عبدالله الإغراءات الدنيوية التي قدمها له عبد الملك «ولا تعرض لي الدنيا فإنه لا رغبة لي في الدنيا وليست من حاجتي ولكن لتكون نصيحتك لي في الدين ولما بعد
الموت» (49).
وبالرغم من أسلوب الرسالة وقسوتها أحياناً على الأمويين فإنهم استفادوا منها في النواحي
التالية:
أولاً: تحديد هوية عبد الله وجماعته وسلوكهم تجاه السلطة الأموية، خاصة وأن عبدالله بن أباض قد تبرأ من التيار المتطرف «إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنعه وأتباعه» (50). وأحس الملك أن هذا الفريق يمثل معارضة كلامية ولا يمثل خطورة على الدولة.
عبد
ثانياً: تدل هذه الرسالة على شهادة جماعة من الخوارج على خطأ جماعة أخرى منهم. وهذا يدل على شرعية حرب الخوارج المتطرفة من قبل الأمويين أمام المسلمين وبذلك برهن الأمويون أنهم حريصون على الجماعة الإسلامية وأنهم لم يحاربوا إلا من خرج عن الجماعة. ثالثاً: كسب الأمويين ود قبيلة بني تميم في البصرة، وهي التي ينتمي إليها عبدالله بن
أباض.
وبعد ذلك اختفى عبدالله عن مسرح الأحداث مباشرة، وبدأت المصادر تتضارب وتتناقض حول مصيره النهائي، فقد التزمت المصادر الصمت من جديد حول حياته بعد تلك الرسالة الشهيرة إلى الأمويين، حتى اعترف بعض علماء الأباضية حديثاً بأنهم لم يقفوا على شيء حول نهايته (41). وإن كانت بعض الروايات الأباضية الحديثة تعود فتتوقع نهايته في خلافة عبد الملك بن مروان ولكنها لا تحدد سنة وفاته على التحديد (52).
ولكن المصادر غير الأباضية أوردت لنا صورتين بنهايته وهما:
الصورة الأولى:
تزعم أن عبد الله بن أباض قد اشترك في ثورة طالب الحق التي قامت في اليمن سنة 129 هجرية / 746 م، في نهاية العصر الأموي (53). ولا يمكننا قبول هذه الصورة لأنه من غير المعقول أن يشترك عبد الله بن أباض بصورة فعالة في أحداث العقد السابع من القرن الأول الهجري، القرن السابع الميلادي، حينما كان شاباً وفي سن تؤهله لهذا الدور، ثم تمتد به الحياة حتى يشارك بنفس الفعالية في ثورة طالب الحق باليمن وحضرموت (54)، وإن كنا نقبل من يؤيد رأينا بحجة أن هناك التباساً بين الاسمين الأولين للرجلين (55). هذا مع العلم أن المصادر والمراجع
الأباضية لا تذكر ذلك.
الصورة الثانية:
(00)
تذكر أنه ارتحل مع عبد الله بن وهب الراسبي إلى جبل نفوسة بطرابلس وماتا هناك (56).
_101_ (1/158)
صفحة 150
ولا يمكن قبول ذلك أيضاً لأن عبدالله بن وهب الراسبي قد قتل في النهروان ضد جيش الإمام علي وقد اتفقت كل الروايات حول ذلك.
من هنا يتضح لنا أن عبدالله بن أباض كان بالفعل ينتمي إلى جماعة القعدة المعتدلة بالبصرة، وأنه أصبح عضواً بارزاً فيها بعد قتل أبي بلال مرداس بن آدية التميمي، واضطرت جماعته إلى تقديمه ليعبر عن وجهة نظرها أثناء الانقسام الذي اتضح بين قادة المحكمة. وأنه بالفعل كان ينتمي إلى قبيلة تميم بدليل أن الجماعة عادت إلى الكتمان والسرية بعد اختفائه
مباشرة.
-109_ (1/159)
صفحة 151
(1) الطبري، تاريخ، ج 5. ص 568. البغدادي الفرق بين الفرق، ص 15. الشهرستاني، الملل والنحل ج 1، ص 134. أبو المظفر الاسفرائيني، التبصر، ص 56. (2) ذكرت بعض المصادر الأباضية أنه رأس القعدة وإمام القوم ورئيس من في البصرة وغيرها من الأمصار والمتقدم في حلبة الفضل. وأنه صاحب النهج المستقيم في الفترة الحرجة. فقد تمكن من تحديد أسلوب الدعوة وذلك برفض الخروج وعدل عن طريق التطرف، وكان قدوة لأهل العلم.
ص
انظر: الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 514. الشماخي، السير، ج 1، ص 77. البرادي، الجواهر المنتقاة 155. الحارثي، العقود الفضية، ص 121، 122. الباروني، المختصر، ص 23. (3) ندوة الفقه الإسلامي، مسقط 13/ 11 ابريل 1988 م، محاضرة الجعبيري من تونس. (4) بكير، اغوشت دراسات أباضية، ص 22.
(5) المبرد، الكامل، ج 3، ص 297.
(1) هناك فرق تنسب الأباضية إلى غيره كما يلي:
- الملطي، التنبيه، ص 52، ينسبها إلى شخص يسمى أباض بن عمر. المقدسي، البدء والتاريخ، ص 138، ينسبها إلى الحارث بن أباض.
ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والنحل، ص 118. ينسبها إلى فريد بن أنيسة. ولكنها لا تقدم
أدلة مقنعة.
(7) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 214. الشماخي، السير، ج 1، ص 77. السالمي، التحفة، ج 1، ص 86. الباروني، المختصر، ص 23.
(8) علي يحيى معمر، الأباضية مذهب إسلامي، ص 9. بكير، اغوشت دراسات أباضية، ص 21.
(9) أبو جعفر، الجامع، ج 1، ص 222 وغيرها. (10) علي يحيى معمر، المرجع السابق، ص 10.
(11) الطبقات، ج 2، ص 214. الحارثي، القعود، ص 122. الشماخي، السير، ج 1، ص 70. (12) الخروصي، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 45، 47، التراث. مسند الإمام الربيع، الجامع الصحيح، جزءان، معظم أحاديثه واسناده عن جابر بن زيد.
(13) الشماخي السير، ج 1، ص 90، 92. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 248. د. خليفات، التنظيمات السياسية والإدارية عند الأباضية، ص 5.
(14) ابن أطفيش كشف الكرب، ج 2، ص 365. . استدل ابن أطفيش على ذلك بحادث مقتل خردلة، فقد جاء شاب إلى جابر وسأله أي الجهاد أفضل قال
قتل خردلة، فقتله ورفض الشاب أن يدلي باسم جابر.
(15) محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 398.
(16) القرآن الكريم، النساء: الآية 100.
(17) بكير آغوشت، دراسات أباضية، ص
r.
(18) من هؤلاء الشيخ سالم بن حمد الحارثي. مقابلة معه في مبنى المحكمة الشرعية، يناير 1988 م. داخلية
عمان.
Rubinacci, R. the Ibadies, Peligion in the Middle East, Cambridge, 1969, Vol, 2, p. 300
(19)
-17 - (1/160)
صفحة 152
(20) عبد الأمير دكسن، الخلافة الأموية (65 - 186 هجرية / 684 - 05 (705 م)، ص 306،، بيروت، 1973 م.
(21) فاروق عمر، (دكتور)، مجلة المؤرخ العربي، العدد الثاني، 1975 م.
ملامح من تاريخ حركة الخوارج الأباضية»، ص 72.
(22) الشماخي، السير، ص 224 وما بعدها. البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 156 وما بعدها. (23) بكير بن سعيد، دراسات إسلامية، ص 22 وما بعدها. (24) السير والجوابات، ج 1، ص 118، تحقيق د. سيدة الكاشف التراث. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 209. الشماخي، السير، ج 1، ص 72.
(25) تحدثت المصادر الأباضية بالتفصيل في كثير من صفحاتها حول التقية والتكتم في الدعوة وأجازت القعود
بين ديار مخالفيها من أهل القبلة منها:
جامع أبي جعفر، ج 1، ص 235 وما بعدها.
السالمي، مشارق أنوار العقول، ص 450 وما بعدها.
(26) ذكر ذلك في معظم المصادر والمراجع الأباضية، ومن المصادر غير الأباضية التي أشارت إلى ذلك: ابن عبد ربه العقد الفريد، ج 5، ص 145. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 568.
(27) المبرد، الكامل، ج 3، ص 292.
(28) انظر: ندوة الفقه الإسلامي، مسقط، من.9 - 13 ابريل 1988 م. الأبحاث المقدمة من: ا ـ يحيى البكوش، (دكتور)، بحث حول مدرسة جابر بن زيد.
ب ـ الجعبيري، (دكتور)، بحث حول دور المدرسة الأباضية في الفقه والحضارة. (29) ابن أطفيش، رسالة شافية في بعض التواريخ، ص 49،،الجزائر، 1299 هجرية / 1875 م
Rubinacci, the Ibadis, p. 73
ويؤيد هذا الرأي الشيخ سالم بن حمد الحارثي. في العقود الفضية، ص 138. (30) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 214. الشماخي، السير، ج 1، ص 57. البرادي، الجواهرا لمنتقاة، ص 156. الباروني، المختصر، ص 121. بكير بن سعيد، درسات أباضية، ص 22.
(31) سالم الحارثي، المرجع السابق، ص 121.
(32) يرى خليفات، (دكتور)، في نشأة الحركة الأباضية، ص 77، أن خروج عبدالله ورفاقه إلى مكة كان يهدف البحث عن زعامة قرشية يبايعونها، وكانت المحكمة تحاول إخضاع الزعامة القرشية لإرادة القبائل ومصالحها فبدد ابن الزبير أحلامهم فانصرفوا كلياً عن الزعامة القرشية. ولكن يبدو ضعف هذا
الرأي بسبب: 1 - أن تحرك الجماعة بما فيهم عبد الله بن أباض كان بهدف الدفاع عن مكة ضد الأمويين (المبرد، الكامل، ج 3، ص 276. الطبري، تاريخ، ج 5، ص 582. ابن الأثير الكامل، ج 3، ص 335). 2 ـ أن جماعة المحكمة جمعتهم مع ابن الزبير العداوة المشتركة ضد الأمويين وأن كلا الطرفين كان له أسلوبه الخاص. 3 ـ أن جماعة المحكمة قد حددت نظرتها للإمامة منذ أحداث صفين مروراً بالنهروان حتى البصرة وليس من السهل التحول عن أفكار السلف حول هذه المسألة. (بيضون (دكتور)، التيارات السياسية، ص 231).
-171 - (1/161)
صفحة 153
(33) تم الانفصال بين زعماء المحكمة نهائيا سنة 64 هجرية / 684 م، بعد اجتماع صومعة جامع البصرة وعزموا على الخروج وفيهم عبد الله بن أباض ونافع ووجوه المسلمين، فلما جن الليل سمع. عبد الله دوي القراء وترنين المؤذنين وحنين المسبحين فقال لأصحابه أعن هؤلاء أخرج: فرجع وكتم أمره. البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 155.
(34) الأهواز منطقة امتداد للبصرة في جنوب العراق، أراضيها منبسطة منخفضة تقطعها أنهار كثيرة، استقر العرب بها منذ أقدم الأزمنة، فقامت فيها دولة ميسان في القرن الأول ق. م. حتى قضى عليها الساسانيون بعد ذلك وأصبحت المنطقة بعد الفتح امتداداً لأحداث البصرة.
ابن حوقل صورة الأرض، ص 220. صالح العلي، امتداد العرب، ص 32. (35) اتباع الحارث بن مزيد الأباضي، قالت بأن زعيمها الأول عبد الله بن أباض. البغدادي، الفرق بين الفرق. ص 62.
(36) صالح أحمد العلي، التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة، ص 40 وما بعدها. (37) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 235. الشماخي، السير، ج 1، ص 81.
(38) أحمد زكي، (دكتور)، الحياة الأدبية في البصرة، ص.225
(39) جمال الدين سرور، (دكتور)، الحياة السياسية في الدولة العربية، ص 85. ابراهيم بيضون، (دكتور)، التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، ص 232.
(40) خليفات، (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 88
(41) البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 156 وما بعدها.
(42) يشكك البعض في صحة هذه الرسالة من قبل عبد الله بن أباض إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان والتي تناول فيها الحديث عن سياسة الخلفاء الراشدين ثم الأمويين بحجة أن الرسالة. هي اقتفاء أو تقليد لرسالة اصلية كتبها جابر بن زيد لأحد الشيعة وأن الرسالة تعود إلى منتصف القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي. ويستطرد هذا الرأي بقوله أن القراءة المتفحصة للنص تبعد هذه الرسالة عن عبدالله بن أباض. خاصة وأن وجود شخصية هامة في الجماعة مثل جابر بن زيد تجعل له دورا كبيرا فيها، ولذلك يعتقد أصحاب هذا الرأي أنها يمكن أن تكون قد كتبت أصلاً من جابر بن زيد ووجهت إلى عبد ا المهلب بن أبي صفرة، وهو الذي ارتبط بمراسلاته مع جابر بن زيد بسرية تامة، وذلك إذا قبلنا أن الرسالة من نتاج الفترة التي عاش فيها عبدالله بن أباض.
الملك بن
Micheal Cook, Early Muslim Dagma, Combridge University Press, p.p. 51 - 65, 1981.
(43) الشماخي، السير، ج 1، ص 71. البرادي الجواهر المنتقاة، ص 156. (44) فاروق عمر، (دكتور)، مجلة المؤرخ العربي، العدد الثاني، 1975 م، «ملامح من تاريخ حركة الخوارج الأباضية»، ص 0172
(45) عبد الأمير دكسن (دكتور)، الخلافة الأموية، (65) - 186 هجرية / 684 - 705 م)، ص 306 وما بعدها.
(46) بكير بن سعيد دراسات أباضية، ص 25
أوضح عبدالله لعبد الملك أهم أسس الخلاف بينه وبين جماعة الأزارقة. كما أوضح له أهم أسس الخلاف بينه وبين الأمويين منذ البداية. وقد أورد آيات قرآنية عديدة للاستدلال بها.
(47) انظر نص الرسالة في الملاحق.
- 162 - (1/162)
صفحة 154
(48) الرسالة البرادي الجواهر المنتقاة، ص 165.
(49) انظر نص الرسالة في الملاحق.
(50) انظر نص الرسالة في الملاحق.
(51) الباروني، المختصر، ص 22 الحارثي، العقود الفضية، ص 138.
(52) بكير بن سعيد، دراسات إسلامية، ص 22. وقد عاد الحارثي في عقوده في موضع آخر فذكر ذلك،
ص 122.
(53) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 212 وما بعدها.
(54) عن ثورة طالب الحق انظر الأغاني، ج 9، ص 275 وما بعدها.
(00) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة، ص 83.
(56) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 43. «ذكر أن المذيخرة جبل أعلاه نبت ومياه وهو جبل منيع من أسفله
جبل نفوسة ويسكن فيه الخوارج».
Lewicki, Al Ibadyye, 1. (1/163)
صفحة 155
(3)
الحجاج بن يوسف الثقفي يغزو عمان
كان لقدوم الحجاج بن يوسف الثقفي إلى العراق أثر كبير في بداية مرحلة جديدة من العلاقات بين الدولة الأموية وبين حركات المعارضة لها في المشرق الإسلامي عامة، ومنطقة الخليج العربي خاصة، بل لقد ارتبطت به القبضة الأموية القوية على مناطق لم يكن للأمويين عليها سلطان من قبل مثل سواحل الخليج العربي. وكان قدوم الحجاج في أحرج فترات الحكم
الأموي في المشرق الإسلامي، فكانت الظروف في حاجة إلى شخصية قوية لتهدئتها. ذلك أن الظروف التي مرت بها الدولة الأموية منذ موت يزيد بن معاوية، وحتى خلافة عبد الملك بن مروان أثبتت للأمويين أمرين هما:
الأول: أن الوضع في العراق ليس بالأمر السهل عليهم، فقد ثبت أن أهله يحاولون في المقام الأول جعل بلادهم مركز الخلافة وخاصة أن الإمام علي قد حقق لهم هذه الأمنية حينما نقل عاصمته إلى الكوفة، وقد بدأت أنظارهم تتطلع من جديد إلى هذا الأمر أثناء الإضطراب الذي ساد العالم الإسلامي في العقد السابع من القرن الأول الهجري / السابع الميلادي، وانقسام العالم إلى خلافتين: الأولى في الشام للأمويين، والثانية في الحجاز. ورغم كراهية
- 165 - (1/165)
صفحة 156
العراقيين للمركزين (1)، إلا أنهم بايعوا ابن الزبير بيعة شكلية غير خالصة، بدليل اختلاف وجهات نظرهم (2). وقد تمكن الأمويون من استغلال هذه الظروف لاستعادة نفوذهم فيها قبيل معركة الجثاليق سنة 71 هجرية / 690 م، التي استعاد بعدها الأمويون العراق وكانت البصرة أهم مناطق العراق اضطراباً في تلك الفترة، ذلك أنها أصبحت مسرحاً للعصبية القبلية من جهة، ومن جهة ثانية مسرحاً لهجوم الأزارقة (2) الذين تمكنوا من هزيمة جيوش البصرة، حتى قدوم المهلب إلى المدينة (4). وبدايته لحرب الأزارقة. وبذلك اتضح للأمويين ضرورة تأمين المنطقة ومحاولة فرض نفوذهم بها فيما بعد.
ثانيا: أفرزت تلك الأحداث للأمويين رجالاً مخلصين للبيت الأموي، كما أفرزت حرب صفين رجالاً استعان بهم معاوية من قبل. وكان الحجاج بن يوسف من ألمع تلك الشخصيات التي خدمت للبيت الأموي في مواقع كثيرة، فقد استخلص الحجاز للأمويين من الزبيريين، وأسكت به أصوات المعارضة مهما كانت منزلتها. (5). فظل بالمنطقة والياً لعدة سنين (70 - 74 هجرية / 689 - 693 م) ولكنه لم يجد في الحجاز المكان اللائق في الوقت الذي أحس فيه عبد الملك ابن مروان إلى أهمية هذا الرجل في خدمة دولته، خاصة حينما نجح في المهام الصعبة الموكلة إليه من قبل، والتي أثبت فيها حرصه على إرضاء الخليفة. فكتب عهده إليه بالعراق، وكان الامتحان الصعب للولاة من قبله.
وبذلك وضع الأمويون الرجل المناسب في المنطقة المناسبة له من أجل ضمان تلك المنطقة الهامة بمواردها وموقعها، إلى خلافتهم، وقدم الرجل المنطقة بما يليق بسمعته وهيبته، فألقى خطبته الشهيرة. (6). معلنا بداية عصر جديد، مبديا استعداده للقتل والبطش لمن يخرج عن
أوامره.
ومنذ ذلك الوقت بدأ الارتباط بين العراق وأمنه وبين شخصية الحجاج فقدمها وقت تهديد الأزارقة لأهل البصرة وجنوب العراق فدفع الناس دفعاً إلى اللحاق بالمهلب الذي عين من قبله لحربهم. وحث في الوقت نفسه المهلب على سرعة القضاء عليهم، وتمكن بالفعل في غضون ثلاث سنوات (75 78 هجرية / 694 - 697 م من دفع خطرهم بعيداً عن البصرة حتى أصبح المهلب بن أبي صفرة خبيراً بحربهم (7).
عاد الوضع في المشرق الإسلامي إلى التدهور من جديد، وبشكل خطير في العقد الثامن من القرن الأول الهجري / نهاية السابع الميلادي، حتى كاد يطيح بالحجاج والأمويين. وقد تمحور هذا الوضع في ثلاث محاور مستقلة عن بعضها البعض ضد الأمويين، نذكرها فيما يلي: المحور الأول:
مع
ويمثل الاتجاه الشيعي الذي حدد موقفه العلني من الخلافة الأموية والذي طور علاقته. الأمويين إلى معارضة منظمة مسلحة منذ حادثة كربلاء سنة 61 هجرية / 680 م ومقتل الإمام الحسين بن علي، وبرز هذا الاتجاه في حركات كثيرة ضد الأمويين مثل حركة التوابين (8) وحركة
-177 - (1/166)
صفحة 157
المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي أسقطه الزبيريون (1). وكان هذا المحور يفتقر إلى الإمامات التاريخية القادرة على توحيد مواقفها، ولذلك فشلت في الوصول إلى أهدافها في تلك المرحلة. المحور الثاني:
عبد
ويتمثل في الثورة الاجتماعية لموالي العراق، وقد أخذ هذا المحور يبحث عن أية وسيلة يتحالف معها ضد الأمويين. وكان هذا المحور يمثل في الكثافة البشرية والأغلبية السكانية للمنطقة (10). ا، وكانت الظروف الاجتماعية هي الأساس في تحركاته الثورية ضد الأمويين. ذلك أن المعاناة الصعبة التي عاشها الموالي زمن الساسانيين استمرت في العصر الأموي، وأصبحت تلك الطبقة لا تختلف عن طبقة الرقيق في شيء (11). حتى شاع عند العرب اطلاق لفظ: أو رقيق على المولى، كما كانوا ينادونهم بألقابهم دون أسمائهم مثل الرقيق (12) حتى عاشت تلك الطبقة في أحط الظروف الاجتماعية، وحينما انخرطوا في الخدمة العسكرية كانت لهم تشكيلاتهم الخاصة. بهم، بمعزل عن باقي الجيش، كما كان لهم رؤساؤهم المختصون بهم، وكانوا لا يدخلون مساجد العرب، الخاصة (13)، بل وحتى في الثورات ضد الأمويين كانت مساهماتهم هامشية (14)، ا، وهي أمور مخالفة للإسلام.
ومع قدوم الحجاج إلى المنطقة بدأ يعمل على وحدتها على أساس جعلها مركزاً للجيوش العربية، في الوقت الذي كانت فيه طبقة الموالي قد بدأت تنصهر في المجتمعات العربية وتحسنت أمورها بعض الشيء، لكن الحجاج بحكم انتمائه القيسي كان شديد التعصب للعرب فوقف أمام هذا الأمر وجمد عملية التلاحم العضوي (15) وأصدر أوامره الصارمة بعودة الموالي وضرورة دفعهم للجزية ووصفهم بالعلوج «إنما الموالي علوج وقراهم أولى بهم» (16) وأمر أن ينقش على يد كل إنسان منهم اسم قريته (17
(17)
ساهم الموالي في مصادمات مسلحة ضد الحجاج مثل اشتراكهم في ثورة عبدالله الجاورد (18) كما ساهموا في ثورة الزنج في منطقة الفرات التي تزعمها رباح (19) وثورة المطرف ابن المغيرة ابن شعبة (20). .وهي. مساهمات دلت على مدى سخط الموالي على سياسة الحجاج المحور الثالث:
ويضم الخوارج، وكان من أهم المحاور المؤثرة في الأوضاع في منطقة العراق في تلك الفترة، ذلك لأنهم ساهموا بدور كبير في استنزاف طاقات الأمويين في العراق، وشغلوا الإدارة الأموية منذ البداية تجاه تلك المنطقة من العالم الإسلامي. وقد تركت بصماتهم آثاراً على تاريخ العراق الأموي، خاصة منذ العقد السابع من القرن الأول الهجري / نهاية السابع الميلادي حيث ثورة الأزارقة وثورة شبيب الصفري (21). ورغم امكانات هذا المحور إلا أن الحجاج تمكن من القضاء على أغلب ثوراته بسرعة. على أن أهم الثورات التي أثرت في فترة حكم الحجاج وسياسته في منطقة المشرق الإسلامي والخليج العربي كانت ثورة عبد الرحمن بن الأشعث (22). وهي الثورة التي كلفت
-17 V_ (1/167)
صفحة 158
الحجاج الكثير من الجهد والوقت حتى تمكن من إخمادها وعودة الأوضاع في جنوب العراق إلى الهدوء خاصة بعد أن شملت البصرة والكوفة، وكذلك فارس. وقد برهنت هذه الثورة للحجاج ضرورة القضاء على معارضي السلطة الأموية، حتى الذين في موضع الاشتباه، وبدأت سياسته ترتكز بعد هذه الأحداث على القمع كأفضل الأساليب لحماية نظامه وتحقيق أهدافه، فزاد في ممارسة أساليب الشدة.
بعد أن تمكن الحجاج من إعادة الاستقرار إلى العراق والمشرق الإسلامي بصفة عامة، أخذ يتطلع نحو الجنوب في سبيل مد سيطرته إلى سواحل الخليج العربي حتى عمان، خاصة وأن هذه المنطقة تمثل أهمية خاصة في الخطوط الملاحية التجارية إلى المحيط الهندي وبلدان جنوبي شرقي آسيا (23)، كما انه لن يتمكن من مد نفوذه إلى مناطق المحيط الهندي دون ضمانه
السيطرة على سواحل عمان.
كانت عمان في السنوات السابقة تمثل نمطاً خاصاً في العالم الإسلامي، إذ أصبحت السلطة الحقيقية فيها في يد زعماء الأزد من آل الجلندي وخاصة منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هجرية / 655 م فأصبح عباد بن عبد بن الجلندي، الذي أقرته إدارة المدينة، حاكماً مستقلاً لعمان، بعيداً عن العواصف التي اجتاحت العالم الإسلامي، ثم خلفه في الحكم ولداه سعيد وسليمان. وقد حافظ هؤلاء الحكام على استقلال عمان، فقد رفض عباد بن عبد محاولات النجدات ضم عمان إليهم وقتل أثناء حربه معهم، ولكن أبناءه تمكنوا من طردهم (24). بل أن سيطرة حكام عمان امتدت إلى مياه المحيط الهندي والخليج العربي فكانوا يأخذون العشر من
السفن (25).
فأخذ الحجاج يتجه صوب سواحل الخليج العربي وعمان. ويبدو أن الرأي القائل بأن الحجاج قد أجل معالجة ثورة سعيد وسليمان ابني الجلندي في عمان حتى يتمكن من القضاء على ثورة عبد الرحمن بن الأشعث (36) هو رأي غير مقبول، ذلك لأن عمان كانت بعيدة عن الإدارة الأموية تماماً حتى هذا الوقت وبالتالي فلا يوجد نفوذ للأمويين فيها يؤدي إلى ثورة سعيد وسليمان ابني
عباد ضده.
ولكن يبدو أن الأسباب التي جعلت الحجاج يتجه إلى الخليج وعمان هو محاولاته تأمين الطرق البحرية إلى المحيط الهندي، ومد سيطرته على تلك المنطقة، كما أنه بدأ يتجه إلى
م
مواجهة الوضع في البحرين وسواحل الإحساء حيث نفوذ النجدات منذ 66 هجرية / 685. وقيام نجدة بن عامر الحنفي بضم أجزاء من البحرين إليه سنة 67 هجرية / 686 م، ثم قيامهم بضم عمان سنة 68 هجرية / 687 م، بل نجح نجدة في مد نفوذه إلى اليمن وحضرموت والحجاز (37). فبدأ الحجاج يدرك أن أمن البصرة وجنوب العراق مرتبط ارتباطاً كبيراً بأمن الخليج ة (28). العربي وسواحله خاصة حينما لاحظ شدة الارتباط القبلي بين قبائل الخليج العربي والبصرة (1) كما أن انتشار أفكار الخوارج في البحرين واليمامة وعمان، ومنطقة الخليج العربي بصفة عامة وتمسك أهلها بها يعتبر فكراً واتجاها مخالفا للخلافة الأموية ومعاديا للحجاج، كما أن
-174 - (1/168)
صفحة 159
هذه الأفكار تجد قبولاً لدى الكثير من أهل العراق. هذا بالإضافة إلى أن الحجاج أدرك أهمية الخليج العربي الجغرافية والاستراتيجية (29).
من هذا المنطلق اتجه الحجاج ببصره صوب الخليج العربي وإلى عمان. وتذكر الروايات العمانية (20) أن الحجاج أرسل جيوشاً عدة إلى عمان زمن سعيد وسليمان ابني عباد، ولكن أهل عمان تمكنوا من هزيمتها، حتى أرسل حملة كبيرة بقيادة القاسم بن شعوة المزني، الذي اتجه بحراً إلى سواحل عمان فأرسل سفنه على ساحل قرية حطاط (31) فسارع إليه سليمان بن عباد وتمكن من هزيمته بعد قتال شديد. غضب الحجاج بما حل بقواته على سواحل عمان فاتجه إلى خطط ترمي للسيطرة على عمان من جديد، وقد انحصرت هذه الخطط في أمرين هما:
الأمر الأول:
الملك
بن
قبلي، وذلك أنه لاحظ أن أزد البصرة، يتابعون أحداث عمان وما يحدث لاخوانهم من الأزد هناك، فدارت شكوكه حولهم، فقبض على زعمائهم، وأرسل إلى الخليفة الأموي عبد ا مروان بذلك حتى يتمكن من فرض السرية حول نشاطه في عمان. كما قام في نفس الوقت باستغلال العامل القبلي من جهة ثانية وذلك أنه أرسل الحملة الجديدة من قوات نزارية وجعل على رأسها أخو القائد المهزوم السابق، وهو مجاعة بن شعوة المزني (32)، أي أن الحجاج قد أمعن في التنكيل بأهل عمان.
الأمر الثاني: عسكري، حيث قسم الحجاج قوات الحملة إلى قسمين أحدهما. بري، والثاني بحري. وجعلهما متساويين في العدد والعدة، وجعل مجاعة على قيادة القوة البحرية، إدراكاً منه بخبرة أهل عمان بالبحر وفنونه (33)، وحتى يتمكن من إرباك خطوط الدفاع لديهم، كما جعل القوات على إتصال به في البصرة حيث أرسل لها مدداً آخر بقيادة عبد الرحمن بن سليمان على رأس قوة شامية قوامها خمسة آلاف (34).
وبالفعل نجح الحجاج في خطته، فقد واصلت القوات البرية سيرها حتى وصلت إلى شمال عمان، ثم دخلت منطقة بوشر (35) فخرج إليهم سليمان بن عباد في قوة متواضعة والتقى الطرفان في منطقة البلقعين واقتتلوا قتالاً شديد، وتمكن سليمان من هزيمة القوات البرية، وأخذ في مطاردتها.
في تلك الأثناء كانت القوات البحرية قد وصلت إلى منطقة قريبة من أرض المعركة وهي منطقة بركاء (36). وقد انتهج مجاعة في خطته الجديدة أسلوباً أربك العمانيين حيث نزل في منطقة جلفار، بشمال عمان، ثم ترك سفنه هناك وأخذ يسير مع قواته على طول الساحل حتى وصل إلى منطقة بركاء، وبذلك أبعد سفنه عن أيدي العمانيين.
-179 - (1/169)
صفحة 160
(37)
التي.
كانت
وأخذ سعيد بن عباد في اعتراض طريق مجاعة ومن معه من جنود الأمويين ولكنه لم يتمكن من صدهم، خاصة أنه أحس بأن قوات أخيه قد أنهكتها المعارك السابقة فانسحب إلى الجبل الأخضر. بينما ظل سليمان صامدا أمام قوات مجاعة وتحرك إلى ميناء مسكد تسير بمحاذاة الساحل. حيث تمكن من وقف زحف القوات الأموية، وحقق نصراً آخر عليها في منطقة سمائل (38)، وبعدها قرر مجاعة تجميع قواته والعودة من جديد إلى مركزه في جلفار شمالاً، وأرسل في طلب إمدادات من الحجاج استعداداً لجولة جديدة مع أزد عمان فأرسلت إليه حملة شامية على رأسها عبد الرحمن بن سليمان.
ويبدو أن الاستعدادات الجديدة وصلت إلى مسامع سليمان وسعيد ابني عباد عن طريق أحد أفراد الأزد الذين قدموا مع القوة الشامية (36)، وأخبرهما بأنهما أمام عناد الحجاج وقوته لن يستطيعا الصمود فحملا ذراريهما وسوادهما ومن خرج معهما من أهل عمان واتجها إلى شرقي افريقية حيث ماتا هناك (40)، حتى أصبح أهل عمان يرتحلون هناك كل موسم فزاد عددهم (41). وتمكنت جيوش الحجاج بعد ذلك من التوغل في داخلية غمان فدخلت نزوى واحتلتها وبهلا وإزكي (42) وغيرهم من المراكز الهامة في عمان، وتمكن الحجاج بذلك من إخضاع عمان إلى سلطة الأمويين. ويبدو أن المعارك السابقة بين القوات الأموية وبين قوات العمانيين أن هناك أخطاء ارتكبت من قبل القيادة العمانية وكانت في موضعين هما:
الأول: أن سليمان وسعيد ابني عباد أفسحا المجال لانتصار مجاعة حينما قسما قواتهما إلى قسمين وكان من الواجب اتحاد الجيوش لمواجهة الجيش الأموي القادم إليهما.
الثاني: أخطأ العمانيون حينما انسحبوا من المعركة أمام نبأ من أحد القوات الشامية وكان من المفروض الثبات في أرض المعركة، فربما يكون هذا الخبر خديعة من مجاعة لإضعاف معنويات القوات العمانية المنهكة منذ فترة في الحرب.
وقد احتلت عمان منذ تلك الفترة مكانة هامة في سياسة الحجاج، حيث أن التطورات التي واكبت ذلك فرضت عليه ذلك للأسباب التالية:
أولاً: توتر العلاقة بينه وبين المهالبة، زعماء الأزد، فقد قبض على يزيد بن المهلب وأودعه السجن (43). كما توترت العلاقة بينه وبين أزد البصرة أيضاً بعد إحساسه أن هناك تعاوناً بين أزد البصرة وبين أزد عمان (44). ونلاحظ أن هناك تزامناً تاريخياً بين إرسال حملات الحجاج ضد عمان وبين توتر العلاقة بينه وبين آل المهلب في المشرق الإسلامي (45).
ثانيا: بدأ الحجاج يشك في سلوك أزد البصرة، من أهل عمان، فأخضعهم لرقابة شديدة، وقبض على جابر بن زيد ثم نفاه إلى عمان مع بعض مشايخ الدعوة (46).
- IV_ (1/170)
صفحة 161
ثالثاً: أدرك الحجاج أن أمن العراق وأمن البصرة لا بد له من إحكام سيطرته على سواحل الخليج العربي بسبب الصلات القبلية والامتداد الجغرافي بينهما (47). خاصة وأنه تمكن من توحيد منطقة وسط آسيا وإخضاعها لنفوذه وأرسل الحملات إلى بلاد السند، مما أدى إلى ازدياد أهمية الخليج العربي في الخطوط الملاحية العالمية (48). وكانت سواحل عمان وخبرة أهلها من الأمور الهامة في ذلك (49).
ورغم خضوع عمان للحجاج ونفوذه القوي عليها، حيث جعل عليها الخيار بن أبي سبرة المجاشعي (50). إلا أن عملية نفي جابر إلى عمان أفادت الدعوة الأباضية إفادة كبيرة حيث وجدها فرصة للقيام بنشر أفكاره بين أهله وفي موطنه، وكانت هذه الجهود مقدمة لنشاط حملة العلم الذين أرسلوا إلى عمان زمن أبي عبيدة وزمن الربيع بن حبيب الفراهيدي.
- 171 - (1/171)
صفحة 162
(1) إبراهيم الشريف. (دكتور)، دور الحجاز في الحياة السياسية، ص 440. على أساس أن بيعتهم لابن الزبير تعني اعترافهم ببقاء الخلافة في الحجاز. وتبعيتهم للأمويين تعني اعترافهم بزعامة الشام للعالم
الإسلامي.
(2) الطبري، تاريخ، ج 6، ص 11.
(3) صالح العلي، (دكتور)، امتداد العرب في صدر الإسلام، ص 32. (4) الطبري، تاريخ، ج 1، ص 195 وما بعدها ذكر الطبري أنه استخف بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فختم جابر بن عبدالله في يده، وأنس بن مالك في عنقه، وقتل سعيد بن جبير المبرد، الكامل.
ج 3، ص 96.
(5) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 4. ص 119. ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج 2، ص 32. الجاحظ البيان والتبيين، ج 2، ص 307 وما بعدها.
(6) الطبري، تاريخ، ج 6، ص 197، 198.
(7) محمد علي مختار (دكتور) دراسات في تاريخ العرب، ث 162 وما بعدها، القاهرة، 1976 م، دار
النهضة العربية.
(8) التوابون: هم شيعة الكوفة الذين ندموا على عدم نصرتهم للحسين، وأمروا عليهم سليمان بن صرد ولكنهم هزموا على يد عبيد الله بن زياد في معركة عين الوردة سنة 65 هجرية / 684 م. الطبري، تاريخ، ج 6، ص 93 وما بعدها. ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 91.
المختار: كان خروجه في ربيع الأول 66 هجرية / 685 م، وكان أحد قواد الجيوش الإسلامية في العراق زمن عمر اتصل بالحسن بن علي ثم بابن الزبير، ثم خرج في ثورة محمد بن الحنفية زاعما أنه هو الذي أرسله للأخذ بثأر الحسين، لقب بالإمام المهدي، ضم إلى جانبه إبراهيم بن الأشتر، بايعته البصرة، وهزم جيوش عبيد الله بن زياد على نهر الخازن.
(9) فان فلوتن، السيادة العربية والشيعة، ص 35 وما بعدها.
(10) الطبري، تاريخ، ج 2، ص 492.
(11) فان فلوتن، المرجع السابق، ص 37.
(12) الأصفهاني، الأغاني، ج، 5، ص 155. (13) فان فلوتن، المرجع السابق، ص 38.
(14) ذكر ابن الأثير أن ثورة عبد الرحمن بن الأشعث الكندي كانت من أهل الكوفة وأهل البصرة بطريقة
متكافئة، وأهمل الموالي الكامل، ج 4، ص 220.
(15) بلياييف، العرب والإسلام والخلافة العربية، ص 232.
(16) المبرد، الكامل، ج 2، ص 97.
(17) المبرد، نفس المصدر.
(18) خرج عبدالله بن الجارود العبدي ضد الحجاج، حينما اتجه الحجاج لإنقاص العطاء في سبيل اختصار النفقات للإنفاق على الجيوش مما أغضب زعماء البصرة فخرجوا عليه بقيادة ابن الجارود. الطبري، تاريخ، ج 9، ص 211. ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 185. المسعودي، مروج الذهب، ج 3، ص 127.
- 172 (1/172)
صفحة 163
(19) عبد الأمير دكسن (دكتور)، الخلافة الأموية (65 - 86 هجرية / 684 705 م)، ص 238 وما
بعدها.
(20) الطبري، تاريخ، ج 6، ص 284. ابن الأثير الكامل، ج 4، ص 211، 212. (21) المصدرين السابقين، ص 287، 211.
(22) كان الحجاج قد أرسل عبد الرحمن بن الأشعث الكندي إلى سجستان لحرب رتبيل سنة 80 هجرية/ 669 م، ولكن وقع خلاف بين وجهتي نظر الرجلين، وكان إرسال هذه الحملة بعد فشل حملة عبيد الله بن أبي بكرة الحاكم السابق لسجستان، فجهز الحجاج حملة قوية قوامها عشرون ألفا من جند البصرة ومثلهم من جند الكوفة وانفق عليها الكثير حتى سمي جيش الطواويس. وذكرت بعض الروايات أن الحجاج كان همه التخلص من عبد الرحمن نفسه، لأن الأخير مثل شخصية هامة في الإدارة الأموية في العراق. كما أن عبد الرحمن ظل حذرا من الحجاج ولذلك أخذ في التحرك بحملته في بلاد الترك بحذر شديد واكتفى بما حققه من مكاسب ثم تراجع إلى بست، فغضب الحجاج وأمره بالتقدم وهدده بالعزل، فاعلن عبد الرحمن الثورة وتمكن من دخول البصرة والكوفة وظلت ثورته نحو ثلاثة أعوام (من 81
هجرية / 700 م) لكن الحجاج تمكن من هزيمته في دير الجماجم سنة 82 هجرية / 701 م. ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج 2، ص 34. الطبري، تاريخ، ج 1، ص 327 وما بعدها. ابن الأثير، ج 4، ص 212. دائرة المعارف الإسلامية، ج 5، ص 241 (بست).
(23) حوراني العرب والملاحة، ص 190.
(24) ابن الأثير الكامل، ج 4، ص 202. الأزكوي، كشف الغمة، ص 39 (المقتبس). ابن خلدون، العبر، ج 2، ص 314. السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 8.
(25) البلاذري، انساب الأشراف ورقة 16 أ.
(26) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 99.
(27) فاروق عمر (دكتور)، الخليج العربي في العصور الإسلامية، ص 77 وما بعدها.
(28) عبد الرحمن النجم، البحرين، ص 135.
امتدت حركات الخوارج في الخليج إلى البصرة منذ قاد زعماء من عبد القيس حركات خارجية في البصرة
مثل الريان الفكري ودواود المحاربي.
(29) فاروق عمر، (دكتور)، المرجع السابق، ص 79.
(30) الأزكوي، كشف الغمة، ص 40، 41. (المقتبس). المؤلف مجهول، تاريخ أهل عمان، ص 41. السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 74، 75. السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 9.
(31) السيابي، المرجع السابق، ج 2، ص 9.
حطاط اليوم اسم لمنطقة تتبع العاصمة مسقط وتسمى حالياً: منطقة وادي حطاط أو العامرات أو مدينة النهضة، وهي تبعد عن مسقط حوالي خمسة عشر كيلومتراً. بينما تبعد عن الساحل حوالي ثلاثون
كيلومتراً. مما يدل على تقدم جيش القاسم نحو الداخل. (انظر الخارطة بالملاحق).
(32) الأزكوي، المصدر السابق، ص 41. (33) عبد الكريم العاني، (دكتور)، دور العمانيين في الملاحة والتجارة، ص 6. (34) الأزكوي، المصدر السابق، ص 40.
- 173 (1/173)
صفحة 164
(35) بوشر، ولاية تابعة لمسقط حالياً تبعد عنها حوالي عشرين كيلومتراً. والبلقعين من أعمال العاصمة مسقط حالياً. (انظر الخارطة بالملاحق). (36) مدينة شهيرة قريبة من الساحل، تبعد عن مسقط بحوالي مائة كيلومتر. (انظر الخارطة بالملاحق). (37) هي مسقط الحالية، فما زالت تنطق مسكد حتى الآن من قبل بعض سكان المناطق الداخلية من عمان. (انظر الخارطة بالملاحق).
(38) الأزكوي المصدر السابق، ص 42. سمائل ولاية بالمنطقة الشرقية من عمان في اتجاه الغرب من مسقط (انظر الخارطة بالملاحق.
(39) الأزكوي، نفس المصدر السيابي، تاريخ عمان، ج 2، ص 15.
(40) يتفق عدد كبير من المؤرخين القدامى والمحدثين أنها أهم الهجرات العمانية والعربية إلى ساحل افريقية الشرقي.
انظر: السلوة في أخبار كلوة، ص 6، محقق، التراث، سلطنة عمان، 1986 م. صلاح العقاد وجمال زكريا، زنجبار ص 6. (41) السيابي، المرجع السابق، ص 15.
(42) نزوى: عاصمة المنطقة الداخلية من عمان، أصبحت مركز الأباضية حتى الوقت الحالي. انظر الملاحق. بهلا ولاية تقع على حوالي 150 كم من مسقط صوب الداخل.
أزكي: ولاية تقع في داخلية عمان. (انظر الملاحق).
(43) الطبري، تاريخ، ج 6، ص 394. المبرد، الكامل، ج 3، ص 370. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 143. (44) الأزكوي، المصدر السابق، ص 40.
(45) العوتبي، المصدر السابق، ص 142 وما بعدها.
(46) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 205. الشماخي، السير، ج 1، ص 76.
(47) فاروق عمر، (دكتور)، الخليج العربي في العصور الإسلامية، ص 79.
(48) صالح العلي، (دكتور)، التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري / السابع
256
الميلادي، ص. (49) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص: 14. ابن جبير، الرحلة، ص (50) العوتبي، الصدر السابق، ص 145.
042
_ IVE_ (1/174)
صفحة 165
(4)
أثر علاقة
أزد عمان بالمشرق
والبصرة على أباضية عمان
يبدو أن السياسة الحكيمة التي انتهجها جابر بن زيد في زعامة الحركة والتي تقضي بتوجيه جهوده نحو ضم أكبر عدد من أفراد قبيلة الأزد إلى دعوته، كان لها الأثر الكبير في توجهات الأحداث في الدعوة بعد ذلك. فقد تمكن جابر بذلك من تقديم خدمتين للدعوة: تتمثل الأولى
بعد
في توسيع نطاق دعوته التي كانت محصورة بين أفراد تميم بالبصرة في فترة ما. النهروان (1). وتتمثل الثانية في توسيع نطاق الدعوة في أفكار كثيرة بفضل أفراد من قبيلة الأزد الذين اعتمد عليهم في هذه المهام السرية والخطيرة.
وبالفعل لقد وجدنا معظم دعاة الحركة والمخلصين لها ينتسبون في الغالب إلى الأزد، رجالاً ونساء، وقدمت القبيلة خدمات جليلة وتبرعات سخية للدعوة ونجاحها، ويكفي للتدليل على ذلك أن خليفة جابر في زعامة الحركة كان من الموالي لبني تميم وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، عاش في حي الأزد بالبصرة بعد انضمامه للدعوة. (2). كما أن دعاة الحركة ورجالها كانوا في الغالب من الأزد، فحملوا الدعوة إلى باقي الأقطار، وأصبحوا سنداً لثورات الأباضية كما حدث في اليمن والحجاز، فقد أرسل الإمام أبو عبيدة من البصرة المساعدات لثورة طالب الحق
_100_ (1/175)
صفحة 166
الأباضية بحضرموت واليمن في نهاية العصر الأموي - كما سبق ذلك ـ وكان على رأس المساعدين المختار بن عوف الأزدي، وبلج بن عقبة (3)، وهما من أزد عمان.
حتى أن المناطق التي تركز فيها الأزد في الخليج العربي والمشرق الإسلامي، ارتبطت بنشاط لرجال الدعوة ودعاتها بفضل الصلات الوثيقة بين جابر وبين تلك المناطق كما حدث في خراسان فقد كان جابر يراسل عبد الملك بن المهلب في خراسان (4). حتى اعتقد البعض بوجود أنصار كثيرين للأباضية في تلك المنطقة وأنها قامت بثورة ضد الأمويين، ولكنها فشلت في
ذلك (5).
وقبل أن نتعرض إلى أثر انتشار أزد عمان في المشرق، وعلاقتهم بالأمويين على الدعوة الأباضية، نشير إلى أن هناك خطاً متماسكاً جمع بين تحركات الأزد العمانيين وبين من استقر منهم في مراكز المشرق الإسلامي، وقد أخذ هذا الخط شكل قوس على خارطة المشرق، بدايته في الجنوب الغربي في عمان، ووسطه في البصرة، ونهايته الشرقية من خراسان وأواسط آسيا. وقد مثلت البصرة قلباً نابضاً لهذا القوس وأصبح أي انفعال أو احساس في القلب ينتقل إلى الأطراف وعلى امتداد القوس. وقد ساعدها على القيام بهذا الدور مركزها السياسي في العصر الأموي بالنسبة لمنطقة المرق الإسلامي والخليج العربي. وقد تطور هذا الارتباط إلى اعتبار البعض أن ثورة يزيد بن المهلب ضد الأمويين كان خروجاً ضد الجبابرة (6).
والواقع أن لقدوم الأزد إلى عمان من اليمن، قبل الإسلام، ترتب عليه نتائج عامة في منطقة لخليج العربي وعمان، فقد تم تعريب عمان لأول مرة على أيديهم، كما تم فرض سيطرتهم من مان إلى السواحل الشمالية الغربية في الإحساء واليمامة والبحرين. وكان أمر عمان في يد زعماء الأزد (7) منذ قدومهم وحتى فترة بحثنا. ولكن يبدو أن الفرس قد تمكنوا في فترات ضعف الأزد من إعادة سيطرتهم على سواحل الخليج وعمان، وأصبحت صحار أهم مراكزهم على سواحل عمان، وخاصة في العصر الساساني حيث حرص ملوكهم على ضمان السيطرة على التجارة العالمية فكان لا بد من السيطرة على سواحل الخليج العربي وسواحل عمان (8). ورغم ذلك فقد ظل الدور العماني واضحاً في مجال التجارة العالمية البحرية. ومنذ بداية القرن الأول الهجري / الربع الثاني من القرن السابع الميلادي، وقعت تغيرات أساسية في منطقة غرب آسيا، ترتب عليها أيضاً تغيرات قوية في وضع الأزد في عمان. ذلك لأنهم اعتنقوا الإسلام طواعية وتمكنوا من توحيد جهودهم مع عمرو بن العاص في طرد الوجود الفارسي من سواحل عمان (1). واستفاد بذلك الفرس من الإسلام في توحيد قواهم ضد الفرس الذين رفضوا الدخول في الدين الجديد.
ومع تطور الأحداث في منطقة غرب آسيا والخليج في تلك الفترة بدأ انتشار الأزد من عمان في أقاليم المشرق الإسلامي والتي ترتبط بعمان ارتباطاً جغرافياً، وحضارياً وتجارياً. ويمكننا أن نقسم الهجرات العمانية من عمان إلى خارجها إلى نمطين هما:
-117_ (1/176)
صفحة 167
النمط الأول: هجرات صاحبت حركة الفتوحات الإسلامية، وواكبت استقرار العرب في الأقاليم المفتوحة وخاصة في العصر الراشدي والعصر الأموي.
النمط الثاني: هجرات تمت تحت ضغوط سياسية، وأهمها هجرة بعض أزد عمان إلى سواحل شرقي افريقية بسبب حملات الحجاج ضد أهل عمان (10).
أما النمط الأول من هجرات أزد عمان فهو الذي يخص موضوع بحثنا. ويمكن تتبعه من أخبار الفتوح الإسلامية البرية والبحرية زمن الخليفة أبي بكر الصديق والخليفة عمر بن الخطاب، ويبدو أن الطبري، قد أغفل مع غيره، تفاصيل تحركات أزد عمان في جبهة المشرق الإسلامي رغم تفصيلاته الدقيقة والهامة عن تلك الفترة (11). ويعتبر العوتبي، أهم المصادر التي أشارت إلى بداية انتشار أزد عمان زمن الخليفة عمر بن الخطاب في حملة عثمان بن أبي العاص سنة 15 هجرية / 636 م، للقضاء على تجمعات الفرس على سواحل الخليج العربي بعد معركة جلولاء (12). وقد استقر أفراد هذه الحملة. انتصارهم على الفرس في جزيرة ابن كاوان (13). ورغم أن هناك بعض الأفراد الذين اشتركوا في هذه الحملة ينتمون إلى قبائل أخرى، إلا أن أزد عمان استغلت بتلك الحملة. بعد أحداث جزيرة ابن كاوان. وتمكن الأزد بذلك من هزيمة شهرك الذي هرب إلى داخل فارس (14).
بعد
وقد ترتب على انتصار الأزد في تلك المهمة البحرية أن زادت مكانة أزد عمان وانتشرت أخبارهم في المنطقة، وأخذت جموعهم تتجه في اتجاه الشمال حتى وصلت إلى أرض العراق،
الخلفاء
فنزلت جماعة في توّج وجماعة في الخريبة، ثم استقر بعض الأفراد في البصرة (15). كما أن عثمان بن أبي العاص ظل في منطقة الخليج العربي طوال تلك الفترة مكلفاً بالقضاء على أي تمرد فارسي يقع في الخليج العربي، كما استمر في فتح سواحله وجزره المنتشرة بالقرب من هذه السواحل، وقد اتضح ذلك في قيامه بفتح جزر قشم (16)، ثم جزيرة أصطخر (17). من جهة ثانية بدأت شخصية أزدية من أهل عمان تشير إليها المصادر منذ نهاية عصرا الراشدين، وهي شخصية المهلب بن أبي صفرة (18). الذي ورث زعامة الأزد في المشرق بعد والده أبي صفرة الذي توفي في البصرة سنة 36 هجرية / 566 م، في ولاية عبدالله بن عباس للمدينة (19). فقد تمكن المهلب بفضل مهارته العسكرية وخبرته السياسية من تحقيق شهرة عالية في أحداث المشرق الإسلامي فاشترك في حركة الفتوحات الإسلامية منذ سنة 44 هجرية / 664 م (20).
القائد
وذاعت شهرة القائد الأزدي من جديد مع نجاحه في حرب الأزارقة، وأصبح هو ا المتخصص في قتالهم، فقد ألحق بهم ثلاثين هزيمة (21) متتالية، فأمن أهل البصرة على أنفسهم وأموالهم، بعد حرب استمرت تسعة عشر سنة ابتدأت سنة 65 هجرية / 684 م حتى 78 هجرية / 697 م. وارتبطت سمعة البصرة بالمهلب في تلك الفترة حتى سميت بصرة المهلب (22). وقد اتضح من المصادر في تلك الفترة أن الأزد أخذوا يمثلون قوة هامة في البصرة، خاصة وأن
177 (1/177)
صفحة 168
المهلب لن يستطيع تحقيق انتصاراته بدون الاعتماد على أفراد قبيلته. فقد أورد لنا العوتبي نصاً نستفيد منه ذلك قام المهلب في بنيه وبين أخيه فمشى على الأخماس وانتخب شجعان القبائل وأهل البأس، وكان أكثر من انتخب من قبائل الأزد» (23).
وقد ترتب على ذلك أن أصبح أزد عمان أهم قبائل المنطقة وعلى رأسهم المهلب بن أبي صفرة (24)، حتى أن أهل الكوفة كانوا يعيرون أهل البصرة فيقولون لهم يا موالي مهلب (25). ورددها الحجاج في قدومه إلى العراق فقال: أنتم عبيد المهلب (26)، كما كانت قواته تنادي ب. يا شباب الأزد وفتيان اليحمد» (27) بها وهم إحدى فروع الأزد.
بدأت أزد عمان تنتشر في تلك الفترة في مناطق وسط آسيا في سجستان وخراسان بعد تولي المهلب هذه المناطق من قبل الحجاج وأصبح الأزد أهم القبائل في المنطقة المحصورة فيما بين البصرة وخراسان. وقد شهد الطبري على هذا الانتشار فقد ذكر أن المهلب أرسل قواته لزوبلخ ونزل كس (28). كما زادت مكانة الأزد في المنطقة برفضهم الاشتراك في الاضطرابات التي تعرضت لها منطقة العراق والمشرق وأهمها ثورة ابن الأشعث حيث أثبت المهلب والأزد أنهم بعيدون عن الحركات الانفصالية وأسباب الاضطراب، والملتزمين بالطاعة والانضباط (29). وقد استمر ابنه يزيد الذي تولى مهامه من بعد من قبل الحجاج (30) يقوم بهذا الدور في البداية.
،
بعد،
وقد بدأ أزد عمان في الهجرة إلى تلك الأقاليم التي ارتبطت بنشاطات سياسية لهم فيما فقد هاجر الكثير منهم: سليمان بن عبد الملك السليمي الذي كون إمارة في هرمز، كما هاجر بعض أهالي صحار واستقروا في سيراف، على الساحل الفارسي من الخليج والبصرة في شمال الخليج، وغيرها من تلك الموانئ (31)، واستقر بعض آل المهلب في كرمان (32). وهكذا شكل امتداد أزد عمان قوساً متصلاً يبدأ من عمان وينتهي بخراسان وكانت البصرة قلب ومركز هذا القوس. وقد تمكن هذا القلب من التأثير والتأثر بالأطراف. فقد أصبح جابر بن زيد أحد أفراد قبيلة الأزد العمانية زعيماً لأهل الدعوة الأباضية، واتجه الزعيم إلى أهله وقبيلته لحمل هذه الدعوة معه. فبدأ من القلب من البصرة، مركزاً سياسته ودعوته إليهم فانضم إليه الكثير وبدأت أفكاره تنتشر بهم ومع مناطقهم (32). وقد ركز جهوده نحو المهالبة زعماء الأزد. وقد ارتبط الأزد بفكر القعدة المعتدلة من الأباضية فقط، وقاوموا أي فكر دونه، ونستدل على ذلك من الحرب الطويلة التي قام بها المهلب وقومه ضد الأزارقة، وكذلك من رفض أهل عمان فكر النجدات، حينما أرسل نجدة بن عامر الحنفي قائده عطية بن الأسود (34) لضم عمان إليه، وبالفعل تمكن عطية من هزيمة أهل عمان بعد مقتل عباد بن عبد وضمها إلى النجدات، ولكن أهل عمان ظلوا يقاومونهم حتى تمكنوا من هزيمة الصفرية في جلفار سنة 134 هجرية / 751 م ومنعوهم من دخول عمان (35). وبذلك ارتبط الأزد بفكر جماعة الأباضية منذ البداية وقاوموا باقي أفكار القعدة الأخرى سواء المتطرفة منها مثل الأزارقة والنجدات أو المعتدلة مثل الصفرية (36). ورغم عدم إشارة المصادر الأباضية وغيرها إلى بداية انتشار الأفكار الأباضية بين أزد عمان
(ده)
- IVA_ (1/178)
صفحة 169
بصورة دقيقة (37)، فإننا يمكننا القول أن تلك الأفكار بدأت في الانتشار بين أهل عمان بعد انتشارها بين أزد البصرة مباشرة، ذلك أنهم كانوا على اتصال بأحداث الحروب الدائرة في صفين
وفي النهروان.
وبذلك فإننا نتفق مع الأستاذ فيليبس (38) في أن انتشار الأفكار الأباضية كان منذ الفترة التي ظهرت فيها جماعة الأباضية في البصرة وقبل نفي جابر بن زيد إلى عمان زمن الحجاج. فبرغم دور جابر في الحركة ومكانته بها، إلا أن هناك عوامل كثيرة جعلت الأفكار الأباضية تنتشر بين أهل عمان وقد لاحظ عمران بن حطان هذا الأمر بنفسه، أما نفي جابر بن زيد إلى عمان فقد كان عاملاً مساعداً في زيادة ترسيخها.
وكان لارتباط أزد عمان بالأباضية على هذا النحو، ميداناً للتأثير من ناحية علاقة الأزد بالدولة الأموية. فإذا كنا قد لاحظنا أن أزد عمان وعلى رأسهم المهالبة كان لهم دور كبير في أحداث البصرة زمن الأزارقة، وكذلك في فتوحات الجبهة الشرقية زمن الأمويين، فإن هذا الأمر قد انعكس بصورة ايجابية على نشاط الأباضية في عمان وفي المناطق الأخرى. وقد شهدت بعض الروايات الأباضية بأن آل المهلب كانوا حماة للدعوة أيضاً (39).
ولكن علاقة الأزد خاصة آل المهلب، بالأمويين أثرت بصورة سلبية على أوضاع الأباضية في عمان من جديد، في العقد الثامن من القرن الأول الهجري / القرن السابع الميلادي، فقد توترت العلاقات بين الحجاج وبين يزيد بن المهلب وأدى هذا الأمر إلى عزله وحبسه، وفي الوقت نفسه بدأ الحجاج يرسل حملاته لاخضاع أزد عمان إليه يقودهم سعيد وسليمان ابنا الجلندي، إلى سلطته وقد أرسل حملات عديدة حتى تمكنت حملة مجاعة من تحقيق ذلك (40).
وبذلك نجد أن هناك خيطاً ربط بين علاقة أزد عمان مع الأمويين على الأباضية والأوضاع عامة في عمان.
من جهة أخرى هناك صورة ثانية من تأثير علاقة أزد عمان مع الأمويين على الأوضاع في عمان. ففي الفترة التي أصبح فيها سليمان بن عبد الملك خليفة للمسلمين (96 - 99 هجرية / 714 - 707 م)، كانت الأمور في عمان هادئة والنشاط الأباضي فيها سائداً. ذلك أن الخليفة الجديد سليمان كان صديقاً ليزيد بن المهلب، حيث ولاه المشرق الإسلامي، وعين يزيد من قبله زياد بن المهلب والياً على عمان فأحسن السيرة بين الأزد فيها، وكان هذا الأمر فرصة لتنفس الأباضية الصعداء في عمان وغيرها (41).
أما الصورة الأخيرة من تأثير هذه العلاقة على أباضية عمان، فيمكن أن نلاحظها في النتائج التي ترتبت على ثورة يزيد بن المهلب ضد الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك في منطقة العراق وفارس، وما ترتب على ذلك من معارك شديدة بين الطرفين انتهت بهزيمة يزيد بن المهلب في معركة العقر سنة 102 هجرية / 720 م، وقتله مع الكثير من أهله وقادة الأزد (42). (1/179)
صفحة 170
وقد أثرت هذه النكسة التي حلت بزعماء أزد عمان بالعراق على أباضية عمان في أن الكن من القتلى كانوا من الأزد، والأباضية، ولذلك اعتبر البعض خروج يزيد بن المهلب ضد الأموي خروجاً للجهاد في سبيل الله (43)، كما ظهر فريق متطرف من الأباضية ينادي الإمام أبا عبي بضروة إعلان الثورة ضد الأمويين.
وهكذا، نلاحظ أن أي خير للأزد العمانيين من الأمويين ينعكس بصورة حسنة على الأباض في عمان. وأن أي شريصيب الأزد العمانيين يصيب الأزد في عمان. ورغم الضربات التي وجه إلى الأزد في العراق فإن الأزد في عمان ظلوا متمسكين بالفكر الأباضي حتى تمكنوا من إعد إمامة الجلندي بن مسعود. وما زالت الأباضية مرتبطة بالأزد في:
إمامة مستقلة هي
حتى اليوم.
عم (1/180)
صفحة 171
(1) خليفات، (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 98.
(2) الشماخي، السير، ج 1، ص 83. الحارثي، العقود الفضية، ص 139 وما بعدها. الدرجيني، ا
ج 2، ص 238 وما بعدها.
(3) البلاذري، الأنساب، ج 2، ص 373. الأصفهاني، الأغاني، ج 2، ص 97. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص
1. الشماخي، السير، ج 1، ص 98.
(4) من جوابات الإمام جابر، صفحات متعددة تبدأ بعبد الملك.
(5) محمود اسماعيل (دكتور)، الحركات السرية في الإسلام، ص 23.
(1) أبو الحواري، الجامع الحواري، ج 1، ص 101 وزارة التراث القومي والثقافة.
(7) ظل حكم عمان في الأزد منذ هجرتهم من اليمن حتى ظهور الإسلام، وظل هذا الأمر في بيتين هما: 1 ـ بيت مالك بن فهم: قائد الأزد الذين قدموا إلى عمان والذي تمكن من هزيمة الفرس في يوم سلوت. وقد تمكن من تعريب عمان
2
بيت معولة بن شمس بن عمرو بن غانم بن عثمان بن نصر بن زهران. وينتمي إلى هذا البيت آل الجلندي وهم حكام عمان في فترة ما قبل الإسلام وفي العصور الإسلامية الأولى. وقد تمكن هذا البيت من فرض سيطرته حتى سواحل البحرين واليمامة وكان له أتاوة معلومة.
أنظر: العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 246، 259. صالح العلي، (دكتور)، امتداد العرب في صدر الإسلام، ص 3.
(8) حوراني العرب والملاحة ص 90، 92، 16، 99.
(1) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 258 - 262.
(10) ولا زال الإسلام حتى الآن ينتشر بين سكان دول شرقي افريقية من سواحل الصومال شمالاً حتى سواحل موزمبيق جنوباً، بما فيها دولة تنزانيا والدول المجاورة لها في وسط القارة، وينتشر فيها المذهب الأباضي. فقد عادت معظم أفراد القبائل العربية من سواحل شرقي افريقية منذ عام 1970 م، وهي ما زالت على فكرها ومبادئها الأباضية كما نلاحظ ذلك من خلال لقاءاتنا. أفراد تلك القبائل ..
(11) صالح العلي، (دكتور)، امتداد العرب في صدر الإسلام، ص 18.
(12) العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 122.
ذكر أن عثمان بن أبي العاص طلب من عبد وجيفر إرسال رجال له من أزد عمان في حملة فارسلوا له جماعة من الأزد كانت من ثلاثة بيوت هامة
ا - بيت شنوة: ويرأسها صبرة بن سليمان الحداني.
2 - بيت عمران ويرأسه أبو صفرة. وقد أصبح مستشارا لعثمان بن أبي العاص في الحملة. 3 ــ بيت مالك بن فهم: ويقوده يزيد بن جعفر الجهضمي.
(13) هي جزيرة عامرة بالسكان والزرع والقرى على ضفة الخليج العربي الغربية وتقع بين عمان والبحرين. ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج: ص 79
(14) يذكر العوتبي أنه قتل على يد قوات الأزد. بينما يذكرا لطبري برواية عن عثمان بن أبي العاص أن شهرك لم يقتل لأنه تمرد ثانية ضد المسلمين سنة 20 هجرية / 640 م، في خلافة عمر. وشهرك قائد القوات
الفارسية ضد المسلمين بعد أحداث جلولا.
العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 123. الطبري، تاريخ، ج 4، ص.176. (1/181)
صفحة 172
(15) البلاذري، فتوح البلدان، ج 2، ص 425. سبق التعريف بالأماكن في الفصل الثاني من البحث. (16) جزيرة بالقرب من مدخل الخليج العربي.
(17) الطبري، تاريخ، ج 4، ص 176. ابن الأثير الكامل، ج 3، ص 216. (18) العوتبي، ج 2، ص 125 ابن الأثير، ج 2، ص 216.
0543
(19) العوتبي، المصدر السابق، ص 127. الطبري، تاريخ، ج 4، ص (20) ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص 221. اشترك في غزو ثغور السن وهم: بنه والأهواز ولاهور وقندابيل، كما اشترك في فتح بلاد الترك منذ البداية. وأورد قول الشاعر:
ألم تر أن الأزد ليلة بيتوا (21) العوتبي، المصدر السابق، ص 130.
بينه كانوا خير جيش المهلب.
(22) ابن خلكان وفيات الأعيان، ج 1، ص 350 البغدادي الفرق بين الفرق، ص 51.
(23) العوتبي، المصدر السابق، ص 132.
(24) العوتبي، المصدر نفسه، ج 2، ص 137. (25) العوتبي، المصدر نفسه، ج 2، ص 136. (26) الطبري، تاريخ، ج 5، ص 619. (27) نفسه، ج 5، ص 620.
(28) نفسه، ج 6، ص 326.
(29) بيضون، (دكتور)، التيارات السياسية، ص.
(30) الطبري، المصدر السابق، ج 6، ص 354.
(31) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 220 وما بعدها.
وإن كانت هذه الهجرات قد بدأت بشكل ملحوظ خلال العصر العباسي حيث أرسل العباسيون حملات
عديدة ضد أهل عمان لاخضاعهم.
(32) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 462.
(33) يذكر العوتبي أن عمران بن حطان نزل بين أزد عمان الذين استقروا في منطقة زوندستان بجنوب العراق وظل متخفيا بينهم من الحجاج حتى مات. وكان ذلك بعد رحيله من عمان.
العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 119. (34) ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص 353. عمر فاروق (دكتور)، الخليج العربي في العصور الإسلامية، ص
A.
(35) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 463.
(36) يعتقد البعض أن شيبان بن عبد العزيز أرسله الخليفة العباسي المنصور للقضاء على الأباضية في عمان، ولكن الصحيح أنه أراد دخول عمان بعد مطاردة العباسيين له. ومن هؤلاء:
أحمد عطية الله، القاموس الإسلامي، مج 1، ص 6، القاهرة، 1963، محمد عبد الله عثمان، تاريخ الجمعيات السرية، والحركات الهدامة، ص 19، القاهرة، 1954 م. (37) فاروق عمر) مر (دكتور)، ملامح من تاريخ الحركة الخارجية بعمان، مجلة المؤرخ العربي، العدد الثاني، بغداد، 1975 م ص 174.
- 182 - (1/182)
صفحة 173
Phillips, W, Oman, Ahistory, London, 1969, p. 20
(38)
(39) الشماخي السير، ج 1، ص 70. الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 214، 234. (40) الطبري، تاريخ، ج 6، ص 394.
(41) العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 148. الأزكوي، كشف الغمة، ص 42. (42) المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 294. العوتبي، المصدر السابق، ص 156. (43) أبو الحواري، الجامع، ج 1، ص 101.
روي في سيرة المحاربة أن جعفر بن السماك وحتات بن كاتب سارا إلى حبيب بن المهلب إلى القتال معه فتكلم الناس في ذلك فأظهر أبو عبيدة ولايتهما من فقهاء المسلمين. كتاب الاهتداء، ص 229).
- MAY- (1/183)
صفحة 174
(°)
الأباضية في عمان حتى نهاية العصر الأموي
عبد
تناولنا في الصفحات السابقة الوضع في عمان منذ بداية العصر الأموي وحتى نهاية فترة ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على المشرق الإسلامي، أي حتى نهاية خلافة الوليد بن. الملك (1) (86 - 16 هجرية / 705 - 715 م). وكانت أهم السمات التي ميزت هذه الفترة الطويلة من تاريخ عمان ووضع الأباضية بها ما يلي: أن البداية الحقيقية لانتشار الأباضية بين أهل عمان كانت منذ بداية العصر الأموي. وكان ذلك من البصرة عبر سواحل الخليج إلى عمان.
2
-
ظهور الرغبة القوية لدى أهل عمان في الاستقلال عن الحكم الأموي، ومقاومة أي محاولات لضم عمان إلى سلطة الأمويين.
لم تنجح الإدارة الأموية، في العراق، زمن الحجاج في القضاء على سيادة الفكر الأباضي بين أهل عمان، باعتباره مخالفاً لحكمهم، أو في القضاء على. روح الاستقلالية لديهم.
4 - امتزجت الأفكار الأباضية في عمان مع الأوضاع السياسية السائدة في تلك الفترات،
- 140_ (1/185)
صفحة 175
الاستقلال والرغبة في الانفصال عن الأمويين، كما ارتبطت
وأصبحت هي. المعبرة عن روح. أيضاً بكبرى قبائل عمان من الأزد وتأثرت بعلاقتهم مع
الأمويين.
من هنا لاحظنا أن الحجاج فشل في إقرار الأمور في عمان لصالح الأمويين كما أقرها في مناطق المشرق الأخرى، لا سيما وأنه نجح عسكرياً في هزيمة (2) أهل عمان، ولكنه لم يدرك مدى الترابط الوثيق بين الفكر الأباضي وبين روح الاستقلال عند أهل عمان وإصرارهم على مواجهة حملاته العديدة التي أرسلها منذ البداية وباءت بالفشل في عمان (3)، واكتفى بملاحظة التعاون بين أزد البصرة العمانيين، وبين إخوانهم (4)، من وجهة نظر سياسية أو إقليمية قبلية.
أما
الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك (96 - 99 هجرية / 15 – 717 م): فإننا عصر نلاحظ أن الأوضاع الأباضية في كل المراكز تبدأ في التغير ذلك أن الأباضية تنفست الصعداء واستراحت من فترة الاضطهاد والشقاء التي عانتها في العصور الأموية السابقة خاصة زمن عبيد الله بن زياد، والحجاج بن يوسف على العراق، ويرجع هذا الأمر إلى أن سليمان بن عبد الملك كان على علاقة ودية مع يزيد بن المهلب، وأصبح عامله على المشرق الإسلامي (5)، ولم تذكر المصادر الأباضية، أية علاقات عدائية بين الأباضية في عمان، أو غيرها، مع الأمويين طوال تلك الفترة، عكس ما وصفت في الفترات السابقة، ولعل هذا يرجع إلى حماية يزيد بن المهلب للأباضية خاصة وأن آل المهلب بدأوا في الارتباط بالفكر الأباضي (6).
أصبح والي عمان الجديد في تلك الفترة هو زياد بن المهلب، من قبل أخيه يزيد، وكانت أول مهمة كلف بها الوالي المهلبي الجديد في عمان هي القبض على والي الحجاج في عمان وهو الخيار بن أبي سيرة المجاشعي. وكتب يزيد إلى زياد في عمان «أني لم أبعثك جابياً، ولكن بعثك ثائراً» (7). وبذلك انتقم الأباضية في عمان من ولاة الحجاج، واستراحت الأباضية في ظل الإدارة المهلبية الجديدة حيث بدأت فترة من التنظيم للدعوة وزيادة عدد أتباعها.
سيرها
في تلك الأثناء كانت زعامة الحركة الأباضية في البصرة قد بدأت مرحلة جديدة في سيره نحو الهدف، فقد تولى الزعامة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، واستغل الزعيم الجديد فرصة تحسن العلاقات بين الأمويين وبين الأزد وزعيمهم يزيد بن المهلب، فقام بإجراء تعديلات وإدخال تنظيمات على أسلوب نشر الدعوة واستفاد من وضع أزد عمان الجديد في الدولة الأموية في تأسيس مجالس جديدة عرفت باسم مجالس حملة العلم وقد كان معظم هؤلاء من أزد عمان (8).
وتشير المصادر الأباضية إلى أن هناك بعثة من حملة العلم من العمانيين قد وصلت من البصرة إلى عمان، بعد أن تلقوا تدريباً دقيقاً في دراسة الدين والقيادة من مدرسة أبي عبيدة في البصرة، وعادوا إلى بلادهم وأخذوا على عاتقهم ترسيخ الفكر الأباضي بين قبائلهم وبلدانهم وقد ساعدتهم الظروف القبلية والاجتماعية (1) بالاضافة إلى الظروف السياسية فقد أصبح زياد بن المهلب هو الوالي الجديد في عمان، الذي أخذ على عاتقه تهدئة الأوضاع بين مناطق عمان.
-147 - (1/186)
صفحة 176
وأورد لنا العوتبي قائمة بأول بعثة علم إلى عمان من البصرة وهم: الربيع بن حبيب الفراهيدي (10)، ومنير بن النير الريامي، وبشير بن المنذر النزواني، ومحمد بن المعلى الكندي الفشخي (11). ويبدو أن هذه البعثة تمكنت من تقوية الفكر الأباضي بين أهل عمان وجعله العقيدة السائدة بين مناطقها، خاصة وأن كل العوامل كانت مهيأة لنجاح مهمتها. وأصبح أباضية عمان، فيما بعد أكبر عون للحركة. كما ذكر لنا المؤرخ الأباضي ابن أطفيش قائمة أخرى قدمت من البصرة كحملة علم إلى عمان منهم: محبوب بن الرحيل، وموسى بن أبي جابر الأزكوي، ومنير بن النير، وهاشم بن غيلان (12)، ولعل هذا التعدد والتكرار في الأسماء يدل على استمرارية التبادل الفكري بين أباضية البصرة وأباضية عمان خاصة وأن الزعامة الأباضية الجديدة في البصرة كانت للربيع بن حبيب الفراهيدي (13)، وهو من أزد عمان.
بعد
أثر هؤلاء الدعاة الذين قدموا من البصرة تأثيراً كاملاً في الحياة العمانية في كافة مجالاتها السياسية والاجتماعية والفكرية، فلم يكن هؤلاء حملة العلم أو مجرد فقهاء وأصحاب فتيا فقط، بل كانوا رجال فكر ودولة في آن واحد، وأصبحوا سادة الموقف السياسي في عمان فيما (14)، فلا يعين إمام إلا باختيارهم. ومنذ تلك الفترة أصبحت الأباضية هي السمة المميزة لعمان، حتى تمكن أتباعها من إعلان إماماتهم في نهاية العصر الأموي وفي العصر العباسي، ورغم تمكن العباسيين من إسقاط الإمامة، إلا أن الأباضية هي السمة المميزة لعمان حتى اليوم، كما أنها أصبحت مركز الدعوة بعد انتقال مركزها من البصرة (15).
بل إن أزد عمان أصبحوا يؤثرون في مسار الحركة الأباضية على مستوى العالم الإسلامي في تلك الفترة، فكانت مجالس المشايخ، التي يحضرها كبار القادة في البصرة، ويرأسها الإمام أبو عبيدة تضم بين أفرادها شخصيات أزدية عمانية هامة مثل بلج بن عقبة، والمختار بن عوف الأزدي المعروف بأبي حمزة الشاري (16). وفي أثناء فترة الخليفة عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هجرية / 717 – 720 م) استمر النشاط الأباضي في عمان على ما كان عليه، رغم وجود مشكلتين هما:
-1
-
توتر العلاقة بين الخليفة عمر بن عبد العزيز وبين يزيد بن المهلب، فقد اتهم الخليفة عمر، يزيد بن المهلب بعدم تسلميه خمس غنائم حملته على جرجان و طبرستان زمن الخليفة السابق سليمان (17). فقبض على يزيد وسجنه مع عدة اخوة له من البصرة وقد بقي يزيد في السجن طيلة حكم الخليفة عمر. ولكن ذلك لم يؤثر على العلاقات الأموية الأباضية في البصرة أو في عمان. ذلك لأن الخليفة عمر كان ملتزماً بسياسة التسامح.
2 - سوء سيرة بعض ولاة عدي بن أرطاة الفزاري في عمان، وكان عدي عامل الخليفة عمر بن عبد العزيز على العراق، وقد تبدل هذا الأمر سريعاً فقد كتب أهل عمان إلى الخليفة عمر ابن عبد العزيز بذلك، فبدل الوالي وأصبح عمر بن عبد الله بن صبيحة الأنصاري (18) عليهم
- 187 - (1/187)
صفحة 177
فأحسن السيرة بينهم، ولم يزل والياً على عمان ملتزماً بسياسة التسامح مع أهلها وبعلاقاته الطيبة حتى نهاية خلافة عمر بن عبد العزيز.
هذا وتذكر المصادر الأباضية أنه التزاماً بسياسة الخليفة عمر بن عبد العزيز وحرصه على وحدة المسلمين، وإزالة الخلافات بينهم، فإنهم أرسلوا إليه وفداً من علمائهم على رأسه: جعفر ابن السماك، وأبو الحر علي بن العنبري والحتات بن الكاتب، والحباب بن كليب، وأبو سفيان قنبر، وسالم بن ذكوان. وقد ناقش الوفد قضية الأباضية مع الخليفة، ولكنه لم يقبل مبادئهم ودعوتهم له في التبرأ ممن خالف الحق والشرع من وجهة نظرهم، بينما تذكر هذه الروايات أن ابنه عبد الملك اقتنع بأفكارهم وأصبح من أتباعهم فيما بعد (19).
ومهما تكن نتيجة المفاوضات بين وفد الأباضية وبين الخليفة عمر بن عبد العزيز فإن المصادر الأباضية تشير بعد الته ونزاهته وتسامحه، ولا تشير إلى وجود أي علاقات سيئة بين الطرفين، ويكفي أن قاضي البصرة في تلك الفترة هو العالم الأباضي الشهير إياس بن معاوية المزني، صاحب جابر بن زيد (20).
وكانت هذه الفترة فترة مناسبة لزيادة الارتباط بين أهل عمان وبين الفكر الأباضي، حتى أصبح من العسير تحويل أهلها عن هذا المسلك كما ذكر آخر ولاة عمر بن عبد العزيز لزياد بن المهلب «هذه البلاد بلاد قومك فشأنك بها» (21).
لم تؤثر الأحداث الدامية التي وقعت بين الأزد المهالبة وبين الخليفة الأموي الجديد يزيد بن عبد الملك (101 - 105 هجرية / 720 ـ 724 م) على أوضاع الأباضية في عمان في تلك الفترة بشكل مباشر. ذلك أن يزيد بن المهلب خرج من سجنه حينما علم بوفاة الخليفة عمر بن عبد العزيز (22)، وذلك استعداداً للخليفة الجديد التي ينتظر فرصة للانتقام من يزيد بن المهلب الذي نكل بأقاربه من الثقفيين (23). فأعلن يزيد بن المهلب الثورة وخلع الطاعة ليزيد بن عبد الملك، فأرسل إليه يزيد جيوشاً تمكنت في النهاية من هزيمة المهالبة سنة 102 هجرية / 720 م (24).
وقد أصبحت عمان في تلك الفترة الحرجة من محنة الأزد مكاناً نتجه إليه الأنظار للتحصن بها من الأمويين خاصة وأن بها يزيد بن المهلب حاكماً، وبالفعل اتجهت مجموعة، بعد معركة العقر، إلى عمان وأظهر لهم زيادة إمكانياته من وجود الحماية الطبيعية والبشرية لهم (29)، ولكنهم اتجهوا للسير من جديد إلى بلاد السند، في قندابيل (26).
ومنذ عصر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (205 - 125 هجرية / 724 ـ 743 م) حتى نهاية الدولة الأموية لم تكشف لنا المصادر، على مختلف هويتها، عن نشاط أموي في اتجاه عمان، أو اهتمام بشؤونها، وذلك لانشغال الأمويين بمشكلات المشرق الإسلامي، ونشاط الجماعات المعادية لهم ولم يعيروا عمان أي انتباه في تلك الفترة. وإن كنا نلاحظ أن ولاية يوسف بن عمر الثقفي (27) للعراق وأتباعه سياسة شديدة تجاه الفرق والجماعات المعادية
- 188 - (1/188)
صفحة 178
للأمويين ومنها الأباضية، مما كان له أثر كبير في توجيه الإمام أبو عبيدة مسلم في البصرة لاتباعه بضرورة التحلي بالصبر، بينما أخذ يعد العدة لإعلان الثورة، وبدأ الإمام يقتنع بأن الخروج من هذه الأوضاع الحرجة لن يتم إلا بإعلان إمامة الظهور والوصول إلى الهدف في الأماكن البعيدة عن البصرة في عمان وحضرموت وغيرها (28).
وبدأت القيادة الأباضية في البصرة تضع خططاً جديدة نحو التكامل والتنسيق بين مناطق الأباضية في عمان وغيرها. وبالفعل شارك عدد من أزد الأباضية من أصل عماني في الأحداث الهامة التي رافقت ثورة الأباضية في حضرموت واليمن ومنهم أبو حمزة الشاري وبلج بن عقبة (29). كما تذكر بعض الروايات أن قادة الأباضية في عمان حضروا بيعة الإمام طالب الحق بصنعاء وعلى رأسهم الجلندي بن مسعود، الذي بويع إماماً لأباضية عمان فيما بعد، وكان هذا بايحاء من أبي عبيدة من البصرة (30). كما أن هناك ترابطاً تاماً بين اعلان الإمامة الأباضية في عمان 132 هجرية / 749 م، وبين نهاية إمامة حضرموت واليمن الأباضية في نفس العام، بعد مقتل عبد الله بن سعيد الحضرمي في أوائل سنة 132 هجرية / 749 م (31).
وبذلك اتجهت الأوضاع في عمان نحو إعلان الإمامة بعد أن توفرت لها كافة الظروف
والمناخات والتجارب.
- 149_ (1/189)
صفحة 179
(1) كانت وفاة الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل. عامل الوليد، وعامل أبيه على العراق، في واسط، في شهر رمضان سنة 95 هجرية / 713 م، قبل وفاة الوليد بتسعة أشهر. وكانت ولايته عشرين سنة. المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 290. الطبري، تاريخ، أن وفاته كانت لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة 95 هجرية / 713 م. الطبري، تاريخ، ج 1، ص 493.
(2) الأزكوي، كشف الغمة، ص 40.
(3) الأزكوي، المصدر السابق، ص 40. (4) نفسه، ص 41.
(0) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 148.
(1) خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 104.
(7) يبدو أن هناك والياً عين على عمان في الشهور المتبقية من خلافة الوليد بن عبد الملك وحتى خلافة اخيه سليمان وهو سيف بن هاني الهمداني الذي أمره يزيد بن المهلب بالقبض على الخيار بن سبرة المجاشعي وايثاقه حتى قدوم أخيه زياد بن المهلب إليه العوتبي، المصدر السابق، ص 148.
(8) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 128.
(9) ابن أطفيش الامكان، ص 108
(10) تولى زعاة الأباضية في البصرة بعد الإمام أبي عبيدة سملم بن أبي كريمة. وهو صاحب المسند الشهير، وكان يسكن البصرة في موضع يسمى الخريبة.
10
(11) العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 229. وهؤلاء عمانيون تلقوا العلم في البصرة ثم عادوا إلى عمان. (12) ابن أطفيش الامكان، ص 109 الجزائر 1304 هجرية. جامع أبي الحواري، ج 1، ص (13) من أزد عمان، اتجه لطلب العلم من البصرة، من أشهر علماء الأباضية في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، اشتهر بكتابه «الجامع الصحيح» أو مسند الإمام الربيع في الحديث، الذي يتميز بقرب سنده.
الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 273 وما بعدها. الشماخي، السير، ج 1، ص 102 وما بعدها. (14) تجعل الأباضية العلماء فوق الحكام، فهم أهل العقد والحل. مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي، يناير، 1988 م بمنزله بالقابل بالمنطقة الشرقية.
(15) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 132.
(16) العوتبي، المصدر السابق، ص 229.
(17) المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 293 وما بعدها. الطبري، تاريخ، ج 1، ص 556 وما بعدها.
(18) الأزكوي، كشف الغمة، ص 42، 43. (المقتبس). ابن رزيق، الفتح المبين، ص 221. (19) السير والجوابات، ج 1، ص 120. تحقيق الدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف، التراث. الشماخي، السير ج 1، ص 97 وما بعدها.
محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 175، 181، 182. خليفات، (دكتور)، نشأة الحركة
الأباضية، ص 104.
(20) الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 238. الشماخي، السير، ج 1، ص 81. (21) الأزكوي، كشف الغمة، ص 43.
-19 - (1/190)
صفحة 180
(22) المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 293. ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 5، ص 177. الطبري، تاريخ،
ج 6، ص 564. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 156 وما بعدها. (23) الطبري، تاريخ، نفسه.
(24) المصادر السابقة، يذكر العوتبي، أن الهزيمة كانت سنة 103 هجرية / 721 م. الأنساب، ص 156. نفسه. (25) العوتبي، (26) قندابيل: مدينة بالسند، قصبة لولاية يقال لها الندهة. البغدادي، مراصد الإطلاع، ج 3، ص 1125. (27) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 147. تولى يوسف بن عمر سنة 120 هجرية / 737 م. (28) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 112.
(29) البلاذري، ج 2، ص 373. الأغاني، ج 2، ص 97. الشماخي، السير، ج 1، ص 98. (30) السالمي، التحفة، ج 1، ص 88 الحارثي، العقود الفضية، ص 253. (31) البلاذري .. المصدر السابق، ص 383
-191 - (1/191)
صفحة 181
الفصل الرابع
إعلان الإمامة الأباضية عام 132 هـ / 749 م. (1/193)
صفحة 182
(1)
ظروف قيامها
بدأت الأوضاع العامة للأباضية تتحسن في نهاية الربع الأول من القرن الثاني الهجري / الربع الثاني من القرن الثامن الميلادي، وكللت نشاطات أئمة البصرة بالنجاح بعد سلسلة من الكفاح ضد الأمويين من أجل تحقيق هدفهم الأسمى وهو إعلان الخلافة الإسلامية، على أساس الشريعة الإسلامية، وعلى طريق الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما»، وأصبحت هناك مناطق كاملة ترتبط بالفكر الأباضي. وبدأ الإمام أبو عبيدة يتحسس الأماكن التي يمكن أن تعلن فيها إمامة أباضية، فوافق على ثورة حضرموت واليمن مصدراً أوامره بإعلان إمامة هناك ولكنها فشلت.
وقد أدرك الإمام أبو عبيدة من جديد أن عمان هي المكان المناسب لإمامة أباضية ناجحة، خاصة بعد فشل إمامته الأولى في حضرموت واليمن أمام زحف الجيوش الشامية، وأصدر الإمام من البصرة أوامره بإعلان الإمامة مستغلا الظروف المحلية والدولية في عصره، وبالفعل أعلنت إمامة عمان الأباضية الأولى سنة 132 هـ 749 م.
وقبل الحديث عن إمامة عمان الأباضية، وقيامها، ومراحلها، وتنظيماتها، وسقوطها. يجدر
_190_ (1/195)
صفحة 183
بنا أن نبدأ الحديث عن ظروف قيامها المحلية والإقليمية والإسلامية عامة ذلك لأن هذه الظروف كان لها تأثيرها الكبير في نجاحها في المرحلة الأولى، كما كان لها تأثيرها في سقوطها من
جهة ثانية.
أولاً: الأوضاع العامة في العالم الإسلامي:
بدأت الخلافة الأموية تعاني من ظهور أعراض أمراض خطيرة تسببت عن أوضاع سياسية سابقة ومن هذه الأعراض والمشكلات ما يلي:
-1
2
-
العصبية القبلية: بدأت هذه المشكلة بصورة واضحة منذ وفاة يزيد بن معاوية، فقد ظهر الصراع القبلي على من يتولى الخلافة (1) من بعده. فقد بايعت القبائل القيسية عبدالله ابن الزبير، بينما تعصبت القبائل اليمنية للأمويين لما كانت لهم من خطورة لديهم. وكان من آثار هذه العصبية هزيمة الجيش الأموي الذي يقوده عبيدالله بن زياد ضد المختار بن أبي عبيد الثقفي (2). ولكن الدولة الأموية كانت من القوة بحيث لا يظهر تأثير في هذا الصراع.
ظهرت صور هذا النزاع القبلي من جديد متمثلة في ثورة يزيد بن المهلب في العراق (3)، كما زادت حدتها في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك الذي انقلب على أحد زعماء اليمنية وهو خالد القسري والي العراق. (4). وقد احتدت الصراعات القبلية في نهاية العصر الأموي وأصبحت تتحكم في اختيار الخليفة أو عزله (5). اضطهاد الموالي: أهمل الأمويون الموالي، برغم دعوة الإسلام بالمساواة، فاستاء الموالي من هذا الأمر وأصبحت نظرتهم للأمويين نظرة عداء، وأخذوا بالإنضمام إلى أي ثائر ضد الأمويين (1) على الأقاليم الشرقية صوراً من التعسف والظلم للموالي البعض أن سياسة الحجاج القاسية تجاه الموالي كانت سبباً في نهاية الحكم الأموي الذي اعتمد على العنصر العربي) وهكذا بدأ الموالي في الإنضمام إلى ثورات الخوارج ضد الأمويين كما انضموا إلى الدعوة الشيعية، ونجح العباسيون فيما بعد في إغرائهم بالإنضمام إليهم في سبيل تحسين أحوالهم، خاصة وأن العباسيين نادوا ببرنامج اجتماعي لإصلاح وضعهم على أساس
(^)
(7)
مبادئ الإسلام (1)، كما انضم البربر أيضاً إلى الحركات المناهضة للأمويين.
حتى
اعتقد
3 - سوء سلوك بعض الخلفاء الأمويين، فكان يزيد بن معاوية صاحب لهو ومنادمة (10)، وكذلك سار على هذا المنوال الكثير من الخلفاء الأمويين في السنوات الأخيرة، حتى اتهم الوليد ابن يزيد بالمجون والفسق والزندقة (11). - كانت عوامل أخرى أضعفت الأمويين منها تولية الخلافة لأكثر من واحد (12) وكان هذا
-197 - (1/196)
صفحة 184
الأمر الذي سار عليه الخلفاء الأمويين قد تسبب في عدم الاستقرار في دولتهم وزوال
ملكهم.
واضطربت أمور العالم الإسلامي منذ بداية القرن الثاني الهجري / القرن الثامن الميلادي فنشطت أحزاب المعارضة ضد الأمويين، وقويت أحزابها على حساب الأمويين، وبدأت تلك
الأحزاب تتطلع إلى الوثوب على الأمويين والوصول إلى الخلافة الإسلامية. وقد تمكن العباسيون (13) من استغلال تلك الظروف منذ هذا الوقت لصالحهم والعمل على انتزاع الخلافة من الأمويين، وبدأت دعوتهم تنتشر في العراق وخراسان، وأظهر الدعاة أنه لا خلاص للناس إلا إذا ولي الأمر رجل من آل البيت .. وصور الأمويين في صورة
المستبدين الكافرين.
ثانيا: الأوضاع العامة للدعوة الأباضية في المنطقة: بدأت الدعوة الأباضية منذ نهاية القرن الأول الهجري / السابع الميلادي، تضع أقدامها بثبات في مناطق هامة في منطقة شبه الجزيرة العربية وخاصة في عمان (14). ومن البصرة بدأت جماعات وبعثات حملة العلم تنطلق إلى أماكن جديدة. وقد مثلت البصرة قلب الدعوة الأباضية ومركزها الأول (15).
ونظراً لتتبع ولاة الأمويين وشدتهم على تلك التنظيمات المعادية لهم في البصرة، فإن الأباضية اضطرت إلى تطوير تنظيماتها منذ البداية في شكل مجالس سرية، كما أصبح للحركة زعيمان أحدهما معلن والآخر مستتر، فكان أبو بلال مرداس بن أدية وعبد الله بن أباض زعيمين معلنين، بينما جابر بن زيد مستترأ (16)، كما لجأت الأباضية إلى الالتزام بنظام التقية (17). وكانت هذه التنظيمات بمثابة حماية للدعوة في البصرة، أولاً، وفي المناطق الجديدة لها بعد
ذلك.
تمكن الزعيم الجديد للجماعة وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة من الإستفادة من التجارب السابقة التي مرت بها الحركة فطور المجالس السرية لها وجعل لكل منها هدفاً وتخصصاً وبدأ في استغلال القدرات والعقليات التي توجد بين أتباع التنظيم في تكليفهم بمهام خارج البصرة حتى أصبحت الأباضية في صورتها الشاملة، وأصبحت لها أتباع في المدينة منهم: محمد بن سلمة، ومحمد بن حبيب، عبد العزيز الكاري. وفي مكة انتشرت بين سكانها الأفكار الأباضية حتى أنهم أصبحوا حوالي أربعمائة رجل، انضموا للجيش الأباضي القادم من اليمن إلى الحجاز فيما بعد (18)، كما امتدت الدعوة الأباضية بشكل ناجح في بلاد المغرب مع نهاية القرن الأول الهجري / السابع الميلادي، وكان سلمة بن سعد الحضرمي، صاحب الفضل الأولى في ذلك (19). وفي حضرموت واليمن كان الدعاة الأباضيين يجوبون تلك المنطقة يدعون إلى مبادئهم مستغلين سوء سياسة الولاة الأمويين فيها وتولي الدعوة بعض الأشخاص المشهورين بالعلم من
-19 V- (1/197)
صفحة 185
أهل البلاد الذين ينتمون إلى قبائلهم على رأسهم عبد الله بن يحيى، المشهور بطالب الحق (20). ووائل الحضرمي.
وفي خراسان نشطت الدعوة الأباضية في تلك المنطقة. منذ فترة مبكرة، وتظهر الروايات الأباضية وجود نشاط بين قيادة الحركة في البصرة وبين دعاتها وأتباعها في خراسان (21)، حتى اعتقد البعض أن أتباع الأباضية هناك قاموا بثورة في نهاية العصر الأموي ولكنها لم تنجح (22). وقد اختلف في شأن هذه الجماعة زمن أبي عبيدة بالبصرة لأنهم قاموا بثورة وغنموا أموالاً من حرام. فتبرأ منهم أباضية خراسان وأرسلوا إلى الإمام بالبصرة.
حله،
وقد قام الإمام أبو عبيدة بتنظيم العلاقة بين مركز الدعوة في البصرة وبين حملة العلم في الأمصار البعيدة، فكانت أخبار الدعوة والمنطقة تصل إلى البصرة باستمرار، وإذا وقع خلاف بين أفراد حملة العلم في أي من الأمصار فكان عليهم العودة لمشايخ البصرة للنظر فيه والعمل على، وكثيراً ما كان أبو عبيدة يرسل أحد أصحابه المعروفين بالحصافة والعلم للنظر في مثل هذه الطوارئ، وكان مندوبه في هذه المهام حاجب الطائي، المسؤول عن الشؤون العسكرية والمالية وشؤون الدعوة خارج البصرة، كما حدث في حضرموت حينما وقع خلاف بين أهل الدعوة وقبض فريق منهم على رئيسهم عبد الله بن سعيد وشدوه في الحديد، وبايعوا رجلاً آخر مكانه واتفق الفريقان على تحكيم مشايخ البصرة، وأرسلوا لهم يعرضون مشكلتهم. فأرسل إليهم أبو عبيدة أبا مودود حاجب الطائي في موسم الحج، ووافاه أهل حضرموت في موسم الحج (23). كما أفادت قيادة الدعوة في البصرة في موسم الحج لصالح دعوتهم ونشر عقيدتهم وكان الإمام أبو عبيدة إذا حج أقيمت له خيمة خاصة يرتاد أصحابه منها حيث يعلمهم أصول الدين ويجيب على أسئلتهم واستفساراتهم، وإذا لم يحج فإنه يرسل أحد مشايخ الأباضية المشهورين بغزارة العلم وحلاوة المنطق وسداد الرأي ليرأس وفد الأباضية في موسم الحج، ومن أشهر هؤلاء أبو مودود حاجب الطائي، والربيع بن حبيب، و وصالح الدهان (24)، وكانت منازل هؤلاء المشايخ وخيامهم مدارس لنشر الفكر الأباضي وكانت ملتقى لأهل الدعوة حيث يتشاورون في أمورهم وتبادل الرأي والنصيحة حول خططهم وأفكارهم المختلفة (25).
وشملت الدعوة الأباضية أيضاً مناطق بعيدة في بلاد المغرب غرباً وفي الصين شرقاً حيث لعب تجار الحركة دوراً بارزاً في هذا الأمر و وقد أشارت الوثائق الصينية إلى وجود تجار أباضيين يترددون على موانيها (3)، كما امتدت الدعوة الأباضية إلى الكوفة والشام أيضاً (37).
ثالثا: الأوضاع العامة للحركة في عمان
برزت عمان بمكانة كبيرة في التنظيم والدعوة الأباضية، منذ البداية، وأصبحت الظروف مهيأة لإعلان إمامة ظهور أباضية منذ نهاية العصر الأموي والمتتبع للأوضاع في عمان يلاحظ أن هناك مؤشرات هامة تدل على العلاقة الوثيقة والمصيرية بين الطرفين من
خلال ما يلي: (1/198)
صفحة 186
1 - إذا كان معظم دعاة الأباضية ينتمون إلى قيلة الأزد في عمان فإن أهل عمان بدورهم دافعوا عن المبادئ الأباضية وعلى استقلال بلادهم ضد المخالفين للفكر الأباضي من الصفرية أو من الأمويين، فقد طردوا النجدات (28) من البلاد، كما صمدوا أمام حملات
-
2
-
الحجاج (29) أيضاً، وهذا يدل على مدى رسوخ العقيدة الأباضية بينهم (30).
إذا كان لأباضية عمان دوراً بارزاً في المركز الأساسي بالبصرة، فإنهم قاموا بدور كبير في نجاح الثورة الأباضية في حضرموت واليمن 129 هجرية / 746 م، فإذا كانت عناصر أباضية أزدية تحركت بأوامر الإمام أبي عبيدة من البصرة مثل بلج بن عقبة والمختار بن عوف الأزدي (31) فإن هناك جماعة من أباضية عمان تحركت لنصرة الثورة الأباضية هناك والمشاركة في مبايعة الإمام، وكان على رأس هذه الجماعة الجلندي بن مسعود (32)، الذي أصبح إماماً لأباضية عمان فيما بعد.
تمتعت عمان بمكانة خاصة في نظر أباضية وأزد عمان بالبصرة، فبفضل موقفها الجغرافي الهام على الطرق التجارية البحرية، أصبح لها مواردها الخاصة بها. كما أن تضاريس عمان وجبالها شكلت حماية طبيعية وملجأ قد تضطر إليه الجماعة إذا تعرضت لأي أدى خطر فيما بعد، وقد وضح هذا جلياً في مميزات عمان التي أبرزها واليها زياد بن المهلب لقومه بعد نكبة العقر 102/ 720 م (33).
4 ـ اعتقد البعض من الباحثين أن عمان شهدت ميلاد أول إمامة أباضية في التاريخ الإسلامي (34). وأن إمامة الجلندي بن مسعود قد أعلنت في عمان ثم مدت نفوذها صوب حضرموت ثم إلى اليمن ثم تقدمت شمالاً صوب الحجاز حيث قاد جيوشها في تلك المرحلة رجلان من أزد عمان هما: المختار بن عوف الأزدي، وبلج بن عقبة. ولكن هذا الرأي لم يقدم لنا أدلة على هذا الأمر. وإن كنا نعتقد من الذي تبنى هذا الرأي نظراً لمساهمات أباضية عمان في ثورة اليمن الأباضية، كما أن هناك من يذكر أن الجلندي ابن مسعود لم يغادر اليمن عائداً إلى عمان إلا بعد فشل ثورة طالب الحق الأباضية ومقتل الإمام
نفسه (20).
هذا وقد بدأت الأمور في عمان تتحسن مع نهاية العصر الأموي وبداية الخلافة العباسية لصالح الأباضية فيها، وأصبح من الصعب التعرض للنشاط الأباضي بها أو مواجهته من قبل أي سلطة من خارجها. كما أن أوضاع البصرة والأزد بها قد تحسنت، هي الأخرى في تلك الفترة، فقد عاد نشاط المهالبة من جديد إلى جنوب العراق بعد غيابهم عن السياسة استمر أكثر من ربع قرن، فيذكر العوتبي أن سفيان بن معاوية بن يزيد المهلبي عاد إلى البصرة معلنا الثورة فيها ضد الأمويين وهم أن يحرقها، في فترة قدوم جيوش الثورة العباسية إلى المنطقة، ونظراً لاتفاق الطرفين المهلبي والعباسي على خطر واحد فقد هدأت نفوس المهالبة بعد أن أدركوا نهاية الأمويين وعودة مكانتهم إلى المنطقة حتى أن العباسيين وافقوا على إعطائهم نصف خراج البصرة رغم حاجة العباسيين إلى الأموال في بداية تأسيس دولتهم، وبذلك نجد أن المهالبة
-199_ (1/199)
صفحة 187
ناصروا الدولة العباسية ودعوا النصرتهم (3)، وأصبح من المهالبة ولاة في فارس والسند كما أصبح سفيان بن معاوية المهلبي والياً على البصرة (37).
تدعم الوضع الأباضي في عمان بصورة قوية في بداية العصر العباسي، ذلك أن والي البصرة العباسي الجديد عين والياً على عمان وهو جناح بن عباد الهنائي (38) وهو من أزد عمان المستقرين بالعراق، وكان من الصعب على والي عباسي تعديل الأوضاع في عمان فداهن الوالي الجديد الأباضية (29)، كما استمر ابنه محمد بن جناح الذي عين والياً على عمان للعباسيين محل والده، في مداهنة الأباضية حتى قويت كلمتهم (40).
وكانت هذه الظروف في خدمة الوضع الأباضي في عمان فأعلن الأباضية بها إمامتهم الأولى وبايعوا الإمام الجلندي بن مسعود 132 هجرية / 749 م (41)، محققين بذلك ثمرة كفاح طويل. (1/200)
صفحة 188
(1) المسعودي، مروج الذهب، ج 3، ص 20. اليعقوبي، تاريخ، ج 3، ص.:. الطبري، تاريخ، ج 4، ص
810
(2) غلب المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي على الكوفة، وأعلن الدعاء لابن الحنيفة، والتقى بجيوش عبيدالله بن زياد بالزاب بمنطقة الموصل مع قائد المختار وهو إبراهيم بن الأشتر، فهزم عبيد وقتله، 67
هجرية / 686 م. المسعودي، التنبيه والاشراف، ص 286.
(3) المبرد الكامل، ج 3، ص 370. الطبري، تاريخ، ج 6، ص 397.
(4) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 254 وما بعدها.
(5) ثارت اليمنية على يزيد بن الوليد الناقص وقتلوه الطبري، تاريخ، ج 7، ص 216. (1) شحاتة، عبد الفتاح (دكتور)، دراسات في تاريخ الأمويين، ج 1، ص 248، القاهرة، 1968 م. (7) ورغم ذلك فقد استعان زياد وابنه عبيدالله والحجاج برؤساء العجم. (8) جمال الدين سرور، (دكتور)، الحياة السياسية، ص 156. (9) عبد العزيز الدوري، (دكتور)، مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، ص 88 1، ص 15. المسعودي، التنبيه والاشراف
(10) المسعودي، مروج الذهب، (11) الأصفهاني، الأغاني، ج 2، ص 29.
29
(12) كانت مظاهرها منذ البداية في الفرع المرواني فقد خرج عمرو بن سعيد ضد عبد الملك بن مروان في 70 هجرية / 689. م». الطبري، تاريخ، ج 7، ص 140 وما بعدها. اليعقوبي، تاريخ، ج 7، ص 15. (13) ينحدر العباسيون من نسل العباس بن عبد المطلب، عم الرسول صلى الله عليه وسلم وأدعوا أحقيتهم بإرث الرسول لأن (العصب) يحجب البنت في الإرث وقد قوي حزبهم حينما ذكروا أن ولاء الكيسانية قد انتقل إليهم منذ عام 98 هجرية / 716 م أي بعد وفاة أبي هاشم بن محمد بن علي أبي طالب، الذي أوصى بحقه في الإمامة إلى علي بن عبدالله بن عباس وابنه محمد وأمده بأسماء داعي الدعاة بالكوفة وقد ظلت الدعوة العباسية سرية حتى 129 هجرية / 747 م، حينما بدأ أبو مسلم الخراساني بالتسويد
ولبس أتباعه السواد جهراً وبدأت المعركة بينهم وبين الأمويين وكانت الغلبة دائماً لهم. أنظر اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 7، ص 92 وما بعدها. ابن قتيبة الإمامة والسياسة، ج 2، ص 126. المسعودي، مروج الذهب، ج 3، ص 183. الطبري، تاريخ، ج 7، ص 437 وما بعدها. حسن إبراهيم، (دكتور)، تاريخ الإسلام السياسي، ج 2، ص 26، 27. أحمد الشامي، (دكتور)، الدولة الإسلامية في العصر العباسي، ط. ثانية، ص 16، القاهرة، 1986 م.
(14) وردت عبارة «باض العلم في المدينة وفرخ بالبصرة وطار إلى عمان» عند بعض المؤرخين العمانيين وهذا يدل على الارتباط التام بين البصرة ومناطق أخرى في شبه الجزيرة العربية.
183
انظر: السالمي، التحفة، ج 1، ص 87. الحارثي، العقود الفضية، ص (10) ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج 1، ص 87 خليفات، (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص 64. (16) خليفات، (دكتور)، التنظيمات السياسية، ص 4.
(17) السالمي، نور الدين مشارق أنوار العقول، فى 450. الدجيلي، الأزارقة، ص 82.
(18) الحارثي، العقود الفضية، ص 183 وما بعدها.
(19) أبو زكريا، السيرة وأخبار الأمة، ص 42. (1/201)
صفحة 189
(20) الأصفهاني، الأغاني، ج 3، ص 242. وهو عبد الله بن يحيى أحمد بن عمرو بن معاوية، ينتمي إلى قبيلة كندة في جنوب الجزيرة العربية، وتزعم بعض المصادر غير الأباضية أن طالب الحق لم يكن أباضياً في الأصل وإنما التقى في موسم الحج عام 128 هجرية / 745 م، بأبي حمزة الشاري فأعجب به طالب الحق ودعاه إلى مرافقته إلى حضرموت ولكن هذا غير صحيح، لأن طالب الحق كان أحد دعاة الأباضية في منطقة حضرموت في فترة الكتمان ولكن اسمه ظهر في مراسلاته مع الإمام أبي عبيدة ويخبره بالظلم.
المصادر غير الأباضية: الطبري، تاريخ، ج 7، ص 348 ابن الأثير، الكامل، ج 5، ص 351. المصادر الأباضية: الدرجيني، الطبقات، ج 2، ص 258. الشماخي، السير، ج 1، ص 81.
(21) من جوابات الإمام جابر ص 37 45 جامع أبي جعفر، ج 1، ص 158. (22) اسماعيل محمود (دكتور)، الحركات السرية في الإسلام، ص 21. (23) الشماخي السير، ج 1، ص 90 وما بعدها.
(24) نفس المصدر، ج
ص 90 وما بعدها.
(25) جورج فاضلو حوراني العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 109.
(26) نفسه، ص
(27) کتاب ابن سلام الأباضي. (5). الرقيشي، مصباح الظلام، ص 30، 31. ابن أطفيش، الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان، ص 108، 109. العوتبي، الأنساب، ج 2، 1، ص 219. سيرة ابن مداد، ص 10 - 17.
(28) فاروق عمر، (دكتور)، الخليج العربي في العصور الإسلامية، ص 77.
(29) الأزكوي، كشف الغمة، ص ص
2.
(30) يذكر مهدي طالب، أنه لم يكن للخوارج الأباضية أي نشاط واضح أو ملحوظ في عمان في تلك الفترة من العصر الأموي. مهدي طالب، الحركة الأباضية في المشرق، ص 166.
(31) الأصفهاني، الأغاني، ج 3، ص 224.
(32) الحارثي، العقود الفضية، ص 187.
(33) بعد نكبة المهالبة والأزد في العقر مضى الباقون حتى انتهوا إلى عمان فآواهم زياد بن المهلب وقال لهم: قد عرفتم أني أكثركم مالاً فأقيموا بعمان فإن جاءكم ما لا تقوون عليه من الجنود وغلتم في بلاد السحر. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 156.
(34) محمود اسماعيل (دكتور)، الحركات السرية في الإسلامي، ص 22.
(35) الحارثي، العقود الفضية، ص 254. (36) «وقد ذكر أن غلة سفيان في اليوم كانت أربعة آلاف دينار، كما ذكر أن روح بن حاتم بن قبيضة بن المهلب دعا إلى أبي سلمة». العوتبي، الأنساب، ج 2،
(37) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 540.
2، ص
(38) هو جناح بن عباد بن قيس بن عمرو الهنائي، وهو صاحب المسجد المعروف باسمه في صحار، من كبار أزد عمان في البصرة. العوتبي، الصمدر السابق، ج 2، ص 222.
(39) الأزكوي، كشف الغمة، ص 42 (المقتبس). (1/202)
صفحة 190
(40) يتفق الطبري والعوتبي على أن والي البصرة العباسي الجديد هو سفيان المهلبي بينما يذكر الأزكوي أن واليها الجديد هو أبو جعفر المنصور من قبل السفاح ولكن روايته ضعيفة لأن أبا جعفر كان والياً على الجزيرة وأذربيجان وأرمنية 132 هجرية / 749 م، أي في تلك الفترة.
الطبري، تاريخ، ج 7، ص 458. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 157 الأزكوي، كشف الغمة، ص 43. (41) يذكر ابن مداد في سيرته، أنه بويع في 131 هجرية / 748 م. (1/203)
صفحة 191
(2)
انتخاب الجلندي بن مسعود
ترتبط عمان حتى تاريخها المعاصر بين صفحات الكتب وأجهزة الاعلام، بمصطلح الإمامة أكثر من غيرها من الدول الإسلامية الأخرى (1)، وهو مصطلح مرادف لكلمة الخلافة (2) سمة تميز كفاح الشعب العماني عبر تاريخه الإسلامي الطويل.
وكانت الأباضية في عمان تتلهف إلى اليوم الذي تعلن فيه إمامتهم لأنها تعتبر أصلاً اجتماعياً عندهم وهي فريضة بفرض الأمر والنهي والقيام بالعدل وأخذ الحقوق من غير مواضعها ووضعها في مواضعها، ومجاهدة العدو (3) والدليل عليها من الكتاب والسنة والاجماع. وقد تحدثت أقلام الأباضية عبر تاريخها حول هذا الأمر من كافة نواحيه، حتى أصبحت هذه الأفكار أساساً لأحزاب سياسية معاصرة (4).
من هنا أوجبت الإمامة في نظر الأباضية بوجود شروط ثلاث: قوة أهل الدعوة، وكثرة عددهم عن أربعين،، ووجود العلماء بينهم (5). تعتبر الإمامة عند الأباضية فرض من فروض الله التي أوجبها على عباده وهي فرض كفاية (6)، وتشترط الأباضية في الإمامة شروطاً كثيرة من أهمها أن يكون الاختيار والبيعة هما
_ Y.O_ (1/205)
صفحة 192
الطريق لتنصيب الإمام (7). كما أن رئاسة الدولة الإسلامية ليست مقصورة في قريش ولا يحل الخروج عن الإمام العادل بينما جوزوا الخروج على الإمام الظالم (8).
ولما كانت الأحوال في عمان قد تهيأت لإعلان إمامة ظهور (1) مستقلة، فقد بايع الأباضية فيها الجلندي بن مسعود إماماً لهم، ويبدو أن هناك عوامل قد أدت إلى مبايعة الجلندي منها: دوره الكبير في النشاط الأباضي وحضرموت واليمن.
2 ـ صفاته من التواضع والتسامح والعفة بالإضافة إلى ورعه وتقواه وعلمه. - كما أن الإمامة لم تعقد لأحد غيره في وقت مبايعته.
4. ـ كفاءة وسلامة حواسه.
كونه من سلالة الملوك السابقين لعمان من آل الجلندي. وقد قامت هذه الأسرة في المرحلة السابقة بدور كبير في إفساح المجال للدعوة الأباضية بين أهل عمان حتى أصبح مذهبها الرسمي. وقد وقعت منافسة بينه وبين سعيد ولكن فضل الجلندي لأهمية بيته.
تلك
6 ـ وجود علماء تعقد لهم الولاية والإمامة من قبلهم. وكان هناك مجموعة كبيرة في: الفترة في عمان منهم شبيب بن عطية، وموسى بن أبي جابر الأزكوي، وعبدالله عبد القاسم، وهلال بن عطية، وخلف البحراني، وبشير بن المنذر.
ويبدو أن إعلان الإمامة الأباضية بعمان كان بإيعاز من إمام البصرة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، خاصة وأنه أدرك أن الظروف المحلية في عمان تساعده على ذلك. كما أنها جاءت بعد نكسة الأباضية في اليمن وحضرموت وقد استغل الإمام في البصرة الظروف السياسية التي يمر بها العالم الإسلامي. فبويع الإمام الأباضي في عمان ووجهت الدعوة لبقية المسلمين لمبايعة الإمام الجلندي خليفة للمسلمين ووصلت المساعدة المادية من البصرة مع يحيى بن نجيح)
(·) ,
وأصبح الجلندي بن مسعود (11) أول إمام أباضي يمارس في عمان وكان ذلك 132 هجرية/ 749 م، وقد بويع من قبل العلماء بعمان، وبدأ الإمام يمارس مهام منصبه الجديد كرئيس تنفيذي لها. أما الهيئة الاستشارية، فظلت في يد العلماء لأن الأصل في الفكر الأباضي أن يكون العلماء فوق الحكام (12).
"
وتكون بيعة الإمام كما يلي: أن يتقدم أفضل الحاضرين من أهل العلم والفضل فيمد يده اليمني فيصافح بها الإمام بيده اليمنى فيمسكها ثم يقول له: إنا قدمناك إماماً على أنفسنا وعلى المسلمين على أن تحكم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، على أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتظهر دين الله الذي تعبد به عباده وتدعو إليه ما وجدت إلى ذلك سبيلا. فيقول الإمام نعم. فإذا قال نعم وجبت البيعة. فيقوم الثاني والثالث والرابع ويقول مثل الأول. فيقوم الخطيب فيحمد الله ثم يذكر أمر بيعة الإمام والحث على بيعته، فيبايعه
الناس (13). (1/206)
صفحة 193
(1) عبدالله محمد الطائي، دراسات عن الخليج العربي، ص 70، سلطنة عمان، 1978 م وهي مجموعة مقالات صحفية كانت قد نشرت في صحف الكويت.
(2) اختلفت تعريفات الإمامة والخلافة عند فقهاء المسلمين ومن هذه التعريفات ما يلي: 1 - الماوردي: عرفها بأنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.
2 ـ محمد رشيد رضا: عرفها بأنها رئاسة عام في الدين والدنيا، خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الخلافة، ص 17»، طبعة الزهراء، 1988 م.
- ابن خلدون: حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا، المقدمة، ص 159.
(3) علي يحيى معمر، الأباضية، مذهب إسلامي، ص 25. بكير بن سعيد، دراسات، ص 99. (4) علي يحيى معمر، المرجع السابق، ص 25.
(0) أبو اسحق إبراهيم مختصر الخصال، ص 192 وزارة التراث، 1984 م. (6) الرقيشي، النور الوقاد، ص 96، وزارة التراث، 1984 م.
(7) الجامع الصحيح، ج 3، ص
12
(8) الرقيشي، النور الوقاد، ص 97. علي يحيى معمر، المرجع السابق، ص 26.
(9) يقسم فقهاء الأباضية الإمامة إلى أربعة إمامات هي:
أولاً: إمامة الكتمان وهي مرحلة السرية والكتمان في تبني أفكار الأباضية وهي غالباً ما تكون في فترة وجود مغتصبين للخلافة يتسموا بالقوة والبطش مع مخالفيهم ويكون الإمام في هذه المرحلة مستترأ عن أعين الحكام الظلمة وقد عمل الأئمة في هذه المرحلة على ربط مركز قيادتهم بأتباعهم في كافة
المناطق. ومن أمثلتها في هذه المرحلة من تاريخ الأباضية:
جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم أبي كريمة، في العصر الأموي. الربيع بن حبيب الفراهيدي في العصر العباسي.
انظر: الجناوني، كتاب الوضع، ص 29، تحقيق أبو اسحق مكتبة الاستقامة، مسقط، 1986. الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، ورقة 16 ب، 126.
ثانيا: إمامة الدفاع: وهي التي تظهر عند الأباضية في الظروف التي تفاجأ مجتمعها فيضطرها الأمر إلى اختيار إمام يقود الجماعة للدفاع عن البلاد التي بحوزتهم وهي غالباً ما تكون في بداية الحركة مثل مبايعة الأباضية لمحمد بن عبد الله بن أبي عفان، 177 هجرية / 739 م، عند تأسيس الإمامة الأباضية الثانية بعمان. أو في نهاية إمامة الشراة ومقتل إمامها، كما حدث في بيعة عبد الله بن سعيد الحضرمي إماماً للدفاع بعد مقتل الإمام الشاري طالب الحق في اليمن. وهي فرض واجب، ونظراً لكون هذه الإمامة تكون في ظروف عسكرية ودفاعية فكان عادة يختار الإمام الشخصيات المتميزة بالكفاءة العسكرية والقتالية والقيادية والتي تتميز بقدرتها على تنظيم وتعبئة إمكانيات الأباضية. أمثلتها المبكرة الإمام عبد الله بن وهب الراسبي الذي بويع في النهروان للدفاع عن جماعته إذا
ومن
تعرضوا لعدو.
أنظر: الجناوني، كتاب الوضع، ص 29. يعترض أبو اسحق في الهامش ويعتبر بن وهب إمام ظهور. الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، ص 26 ب. علي يحيى معمر الأباضية في موكب التاريخ، ج 21، ص
61 وما بعدها.
_ Y.V_ (1/207)
صفحة 194
ثالثا: إمامة الشراة: وهي تعني مبايعة الإمام الشاري على أساس النصر أو الشهادة في أرض المعركة ولا يجوز للإمام أن يتخلى عن ميدان المعركة. وهي تدل على أن الإمام وجماعته قد باعوا أنفسهم وأرواحهم في سبيل الله، كقوله تعالى: «ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله» وفي الآية الكريمة (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة». وتعتبر هذه الإمامة من مراحل الأباضية الصعبة. ومن أمثلتها المبكرة للإمام الشاري أبي بلال مرداس بن أدية التيمي، وأبي حمزة الشاري. انظر: الجناوني، كتاب الوضع، ص 29، وهامشه ابي اسحق. وإن كان لفظ الشراة قد أطلق على الخوارج عامة في الكتب غير الأباضية المسعودي، المروج، ج 3، ص 100. البغدادي، الفرق بين الفرق.
ص 100.
رابعا: إمامة الظهور: وهي تعني الإستقلال التام، وهي تتويج لمساعي وجهود مضنية سابقة والهدف الذي يقاتل الأباضية في سبيله، لأنها تصل إلى مرحلة إقامة دولة أباضية تحكم وفقا لتعليم الشرع الإسلامي وسيرة أبي بكر وعمر وهي واجبة وتختلف الأباضية مع فرق المحكمة الأخرى حول نظرتهم لتلك الحكومة فقيام إمامة لا يتم إلا في مرحلة متقدمة لترسيخ الفكر الأباضي بين الأتباع ولذلك كانت الأباضية أكثر فهما للأمور السياسية من غيرها من فرق المحكمة الأخرى مثل الأزارقة. ومن أمثلة هذه الإمامة: إمامة أبو بكر وعمر وطالب الحق والجلندي بن مسعود وفي المغرب أبي الخطاب المعافري والأئمة الرستميون وقد أقر الفقهاء من الأباضيين بجواز وجود إمامتين في وقت واحد. انظر: الشماخي: شرح مقدمة التوحيد، ص 216. الجناوني: كتاب الوضع، ص 29. الرقيشي، النور 95. يشترط أبو اسحق ابراهيم إحدى عشر خصلة في الإمام كلها متوفرة في الإمام الجلندي.
الوقاد، ص انظر مختصر الخصال، ص 192 وزارة التراث، 1984 م.
(10) السالمي، التحفة، ج 1، ص 88 وما بعدها. الشماخي، السير، ج 1، ص 113، 114. الحارثي، العقود
الفضية، ص
253
(11) هو الجلندي بن مسعود بن جيفر بن الجلندي بن المستكبر بن مسعود بن عبد بن معولة بن شمس. العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 225.
(12) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي، القابل المنطقة الشرقية، يناير، 1988 م. (13) نفس المقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي، يناير سنة 1988 م.
_ YA_ (1/208)
صفحة 195
(3)
نتائج قيام الإمامة الأولى في عمان
على الحركة الأباضية
ترتب على إعلان الإمامة الأباضية في عمان، ومبايعة الجلندي بن مسعود إماماً سنة 132 مجرية / 749 م، عدة نتائج هامة على المستوى المحلي والمستوى الإسلامي بصفة عامة كما
لي:
أولاً على المستوى المحلي:
1 - بالرغم من أن العقيدة الأباضية أصبح لها تأثير كبير بين أهل عمان وفي التوجهات السياسية منذ فترة طويلة إلا أن العنصر القبلي ظل محتفظاً بـ بوجوده على مسرح ا الأحداث من مبايعة العلماء للجلندي بن مسعود، الذي ينتمي إلى الأسرة الحاكمة بعمان، وكان هذا عامل تفضيل بجانب صفاته الأخرى ودوره الكبير في النشاط الأباضي، وخاصة تفضيله على سعيد بن عبدالله الرحيلي (1).
ويبدو
ذلك
كما أن العنصر القبلي ظهر منذ البداية حيث رفض آل الجلندي بن مسعود،، فقد رفض البيعة جعفر بن سعيد الجلنداني وابنيه النظر وزائدة، ونتيجة لهذا الأمر فقد ضربت أعناقهم، رغم صلاتهم القرابية بالإمام الأباضي، وقد أبدى الجلندي بن مسعود حزنه على (1/209)
صفحة 196
القتلى من أقربائه، واستنكر الأباضية هذا الحزن وقالوا «أعصبية يا جلندي»؟ فقال ولكن الرحمة، وقد تسببت هذه المواقف في توتر العلاقة في بداية الأمر بينهم وبين الإمام الجلندي (2).
وبذلك كانت الأفكار الأباضية من أهم العوامل التي بدأت تعمل في إذابة القبلية التي تسيطر على أوضاع عمان، رغم دورها في نجاح الحركة الأباضية وانتشارها بين أهل عمان
منذ البداية. 2 ـ كانت الإدارة الجديدة على مستوى الإمامة ملتزمة بالطابع الأباضي المعتمد بدوره على الطابع الإسلامي (3)، وهذا يؤكد بدوره على أن الأباضية ومبادئها بدأت تتغلغل في معظم أمور الحياة في عمان وبدأت تظهر هذه الناحية بوضوح في الناحية الاقتصادية ونظام
4
_ O
الجباية.
بدأت قوى الدعوى الأباضية تلعب دورها بوضوح في الحياة السياسية في عمان، فكان عقد الإمامة الأباضية الأولى بفضلهم، ورغم اختيارهم للجلندي بن مسعود إماماً عليهم بما لديه من روابط قبلية وأباضية، إلا أنهم حاولوا مواجهة القبلية بشدة وقوة منذ البداية وقد ظهر ذلك في قتلهم لأقرباء الإمام الرافضين لبيعته وتهديدهم للإمام نفسه حينما أبدى حزنه عليهم. كما أن هؤلاء العلماء أصبحوا يسيطرون على جهاز الدولة الجديد من الناحية الإدارية والسياسية فمنهم المحتسب ومنهم الولاة ومنهم القضاة، وقد تمكن هؤلاء جميعاً من صبغ الحياة في عمان بصبغة إسلامية قوية (4).
ظهور بداية صراع مرتقب بين علماء الأباضية ودعاتها، وبين العناصر القبلية. وقد ظهر هذا الأمر بصورة جلية بعد سقوط الإمامة الأباضية سنة 134 هجرية/ 751 م، على يد العباسيين. فقد عادت السلطة في عمان إلى آل الجلندي الذي انقادوا للعباسيين حتى إعلان الإمامة الأباضية الثانية 177 هجرية / 793 م، وكان من أبرز هؤلاء محمد بن زائدة وراشد بن النظر، وقد تمكنا من السيطرة على عمان، بينما أشارت بعض المصادر الأباضية بدور ملحوظ لشبيب بن عطية بعد مقتل الجلندي 134 هجرية / 751 م، أي نفس الفترة، وقد عمل زعماء الأباضية على استغلال الصراع القبلي لإزالة آل الجلندي وإعلان إمامة أباضية أخرى (5).
حقق العمانيون أمنيتهم ورغبتهم في الاستقلال عن الإدارة المركزية للدولة الإسلامية، وهي الأمنية التي وجدوها في الفكر الأباضي الذي ينص على عدم حصر الزعامة في قبيلة بعينها، فتعانق الفكر الأباضي مع الأماني العمانية في قيام إمامة مستقلة في
بلادهم (1). (1/210)
صفحة 197
أثبت العمانيون أنهم على مقدرة كافية بالاستقلال ومواجهة أي حصار من الإدارة المركزية، وأن لديهم إمكانياتهم الخاصة من مواردهم المحلية وموقعهم الاستراتيجي
على طرق التجارة العالمية (7).
ثانياً: على المستوى الإسلامي:
-1
أثبتت قادة الأباضية الموجودة في البصرة زمن الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أنها على مقدرة فائقة في تفهم الأحوال والمناخات السائدة في العالم الإسلامي فكان توقيتها ملائماً لإعلان إمامة عمان الأباضية. والثانية على مستوى التغير في العالم الإسلامي. منتهزة الفرصة في زوال خلافة الأمويين، وبداية عصر العباسيين، وكان في مقدور الإمامة الأباضية في عمان، أن توسع من حيزها الاقليمي خاصة وأن الإمام الجلندي بن مسعود قد أعلن الدعوة إلى المسلمين عامة للدخول في طاعته (8) ولكن يبدو أن مشاغل الإمامة المحلية قد أعاقتها على تحقيق هذا الأمر بالإضافة إلى أن هناك ضربات سابقة قد وجهت لموطن الأباضية في جنوب شبه الجزيرة العربية حيث سقطت إمامة حضرموت واليمن (1).
2 - ورث العباسيون الخليج العربي، كما كان زمن أسلافهم الأمويين، فإذا كان الخليج العربي قد ظل موطن الفتن والحركات الثورية ضد الأمويين من ثورة النجدات (10) إلى قيام حكام عمان برفض التبعية لواليهم في البصرة (11) ... فإنه كان على العباسيين منذ البداية سرعة الموقف في عمان حيث سواحل الخليج العربي الجنوبية الهامة لتحقيق
توجهاتهم صوب المشرق والمحيط الهندي (12).
ثبتت مرونة التنظيم الأباضي وقوته ومقدرته على التكيف مع الأمور في كل المناطق والأحوال، فلم تؤثر نكبة الأباضية على الحركة بصورة شاملة بل أصدرت الأباضية أوامرها في نفس العام الذي سقطت فيه إمامة حضرموت واليمن إلى منطقة ثانية وهي عمان، كما بدأت ثمار النشاط الأباضي تضهر بعد ذلك في بلاد المغرب، وظلت قيادة البصرة ترتب هذه الأحداث بمهارة سياسية وإدارية فائقة.
4 ـ ثبت للعباسيين، كما ثبت للأمويين من قبل، صعوبة إخضاع عمان وضمها للسلطة المركزية وخاصة وأن أفكار الأباضية أصبحت هي السائدة بينهم منذ فترات طويلة. (1/211)
صفحة 198
(1) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 88 السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2. (2) جامع أبي الحواري، ج 1، ص 60. السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 93. السيابي، المرجع السابق، ج 2، ص 66.
(3) السالمي، المصدر السابق، ج 1، ص 89 وما بعدها.
(4) نفسه، ج 1، ص 93.
(ه) نفسه، ج 1، ص 89 وما بعدها العوتبي الأنساب، ج 2، ص 225، 226.
(1) حصاد ندوة الدراسات العمانية، المجلد الأول، ص 18.
(7) حوراني العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 223 وما بعدها. خليفات، (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، ص
130
(8) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي، القابل، المنطقة الشرقية، يناير، 1988 م.
(9) أعلنت في نفس عام السقوط في حضرموت واليمن 132 هجرية / 749 م. البلاذري، الأنساب، ج 27،
ورقة 112.
(10) فاروق عمر، (دكتور)، تاريخ الخليج في العصور الإسلامية، ص 77 وما بعدها. (11) الأزكوي، كشف الغمة
ص
40
(12) مهدي هاشم، الحركة الأباضية، ص 181. عوض خليفات، نشأة الحركة، ص 130.
- 212 (1/212)
صفحة 199
(4)
التنظيمات
الاجتماعية
والسياسية
والاقتصادية للإمامة
كان إعلان إمامة الجلندي بن مسعود الأباضية سنة 132 هجرية / 749 م في عمان بداية لمرحلة جديدة في تاريخ عمان وتنظيماتها. ذلك أن هناك مجموعة من العلماء الأباضية تعاونوا معه على أساس العمل لخدمة الإمامة الجديدة والإخلاص لها حتى الموت (1)، منهم موسى بن أبي جابر، وعبد الله بن القاسم، وهلال بن عطية، وخلف بن زياد البحراني، وشبيب بن عطية العماني، وبشير بن المنذر النزواني، ومنير بن النير الجعلاني، وسعيد بن عبد الله (2). بالإضافة إلى الإتصال المباشر مع قيادة البصرة الخاصة أبي مودود حاجب الطائي، والربيع بن حبيب الفراهيدي.
وتتسم هذه التنظيمات الجديدة بالإلتزام بالطابع الإسلامي في كل الأمور «لم يأخذوا الصدقة بغير حقها ولم يضعوها في غير موضعها»، «وقسموها على أهلها بحكم القرآن» (3)، أما السمة الثانية فهي وضع الرجل المناسب في مكانه المناسب، «ولا يستقضون على أهل ولايتهم إلا أهل الثقة وأهل العلم والفهم والورع» (4). كما اتسمت أيضاً بمحاولة تفتيت الروح القبلية بين أهل عمان، فقد وجدت مجموعة من الأشخاص اعتمدت عليهم الإمامة في إدارة عمان بجانب حملة العلم، منهم: الحسن بن عقبة، والوليد بن خالد، وموسى بن سعيد، وجعفر بن بشير، ومعين بن
- 213 (1/213)
صفحة 200
عمر، ولوط بن سام، وحيم بن المغيرة، والهماش بن المغلس، والنير بن عبد الملك، وعبدالله بن أبي، وعمارة بن همام ومحمد بن عبدالله، وعمر بن يحيى، وحميد بن عبدالله، ويحيى بن يزيد، وعمر بن عبدالله. ويبدو أن هذه العناصر تبتعد عن الطابع القبلي وتستند على إمكانياتها العلمية وسمعتها الخلقية والدينية، «ولا يتهمون في دينهم، مرضيون في إخوانهم، متبع رأيهم معروف فقههم» (ه).
أما التقسيمات الإدارية فكانت كما يلي:
أولاً: الهيئة الاستشارية العليا للإمام: وكان يمثلها في عمان رفاق الكفاح للإمام
الجلندي وهم من حملة العلم وأئمة الدعوة بها مثل عبد الله بن القاسم، وهلال بن عطية العماني، وخلف بن زيد البحراني، وشبيب بن عطية العماني، وموسى بن أبي جابر الأزكوي وبشير بن المنذر النزواني، ومنير بن النير الجعلاني، وسعيد بن عبد الله (6) وكان لهؤلاء الأئمة مكانة هامة في الحكم ذلك لأن الفكر الأباضي في السياسة يجعل العلماء فوق سلطة الحكام، بل كثيراً ما تدخل هؤلاء العلماء في كثير من القضايا وعزلوا أئمة وولوا غيرهم. بالإضافة إلى أباضية البصرة (7).
ثانياً: الهيئة التنفيذية: ويرأسها الإمام، فهو رئيس الدولة بالمعنى السياسي العام المعبر عن السلطة الحاكمة، والمكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهراً والمطبق لحقوق الله، والحاكم بكتاب الله. وإمام الظهور هو الأصل المأمور به الذي يجب أن يكون عليه المسلمون (8).
كما كان يعاون الإمام في الإدارة أيضاً رئيس وزرائه، أو وزيره الأكبر هلال بن عطية الخراساني، وقد ظل يعمل للإمامة حتى اللحظات الأخيرة التي استشهد فيها في جلفار 134 هجرية / 751 م، بعد أن أبدى بطولاته في المعركة (1).
ثالثاً: شؤون الولايات والمناطق: قسم الإمام دولته إلى ولايات وجعل على كل منطقة أو مدينة والياً له فقد كان صالح الوضاح والياً على مدينة إبراء (10) كما استعمل القضاة وجباة الصدقات مثل موسى بن أبي جابر الأزكوي والحسن بن عقبة وجعفر بن بشير، وأصبح شبيب بن عطية في وظيفة المحتسب (11) للإمامة (12). فقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قدر استطاعته كما كان يجبي القرى وقت توفير الحماية لها من قبل الإمامة (13).
رابعاً: الناحية العسكرية: يعتبر الإمام الجلندي أول من اتخذ الشراة للدفاع عن إمامته. ويبدو أن التنظيمات القتالية في زمنه قد اقتصرت على القوات البرية فقط، فلم يمهله الوقت للإعداد لقوة بحرية لحماية سواحل البلاد الطويلة وقد لاحظنا ذلك من رفض الإدارة جباية صدقة البحر إلا ما طابت به أنفس الناس أن يدفعوه إلى الإمام، لأنهم لم يتمكنوا من توفير الحماية العسكرية للسواحل والبحر (14).
214 ـ (1/214)
صفحة 201
-1
2
4
-
ويبدو من الروايات أن التقسيمات والتشكيلات القتالية كانت كما يلي: الإمام: وهو أمير الجيش وقائده الأعلى.
تقسيم القوات إلى كتائب جعل كل كتيبة في مائتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة، وجعل على كل كتيبة قائد من أهل الثقة والعلم والمعرفة والحزم والقوة.
تقسيم الكتائب إلى فصائل أو سرايا من عشرة أفراد من الشراة على كل واحد مؤدب من أهل الفقه يعلمهم الفقه والدين ويؤدبهم بالمعروف.
- كانت إقامة التشكيلات في معسكرات خاصة بعيدة عن المدن، بدليل أن أنفس بعض الجنود تاقت إلى النساء والشهوات. وقد أبيح لهم الزواج كل حسب مقدرته (15). ه - لم تذكر أسلحة لجيش الشراة غير الأسلحة التقليدية وهي السيف والسهم والرمح.
6 ـ كانت الروح القتالية لدى الجنود عالية فهم قد باعوا الدنيا واشتروها بالآخرة (16). - كانت رواتب الجند والمقاتلين قليلة جداً بالنسبة لمستوى المعيشة المرتفع في زمانهم فكان المرء منهم يرزق في الشهر بسبعة دراهم في غلاء من السعر فيصبر على القوت اليسير، بل ربما بقي مع الرجل منهم الدرهم والدرهمان فيرده في فيء المسلمين (17).
أما التنظيمات الاجتماعية فهي كما يلي:
أولاً: بدأ الإمام في العمل على خلق مجتمع إسلامي متكامل يلتزم بالدين الإسلامي فأمر النساء بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ورفع الخمر فوق الأذقان وستر النواحي وسائر الزينة إلا الوجه والبنان (17).
ثانيا: نهى الإمام النساء عن الجلوس في الطرق والخروج أيام المطر أو الريح أو
العاصفة (18).
ثالثا: أمر الرجال بتقصير شعورهم وملابسهم.
رابعا: أنكر الإمام على المسلمين بزي أهل الذمة والانكار على أهل الذمة أن يتشبهوا بزي أهل الإسلام (19).
خامسا: طهر الإمام عماله من الرشوة والبغي (20).
سادساً: ظهرت مشكلة غلاء المهور في الزواج، فلما كانت رواتب الشراة قليلة ويرغبون في الزواج، عرض هذا الأمر على قيادة البصرة فساءهم ذلك فأمروا أن يعرض الفقير منهم نفسه على النساء بعشرة دراهم وإن صبر عن النساء فهو خير له (21).
_110_ (1/215)
صفحة 202
أما التنظيمات الإقتصادية فهي كما يلي:
أولاً: برغم أن عمان تتميز بموقعها المتوسط على الطرق التجارية العالمية التي تربط منطقة الشرق الأدنى بعالم المحيط الهندي وجنوبي شرقي آسيا (22)، إلا أن الإمامة الجديدة كانت حديثة العهد فلم تتمكن من استغلال هذا الأمر بصورة جدية ويرجع هذا إلى عدم إمكانية السيطرة على السواحل العمانية التي تتحكم في مدخل ومخرج الخليج العربي وعدم قدرتها على حماية مياهها (23) الإقليمية فخسرت بذلك مورداً هاماً من مواردها الرئيسية. وقد أثر هذا الأمر على الأوضاع الاجتماعية للسكان فتفشت العزوبة بين الشراة.
الشراة: شكلت الزراعة الدخل الرئيسي للإمامة، حيث تعتمد عمان على نظام ري قديم يعرف بالأفلاج (24)، كما تسقط الأمطار فيها في بعض فترات العام خاصة في بداية فصل الصيف وفصل الشتاء، كما يعمل بعض العمانيون في فصل الصيف في جنوب العراق (25)، وقد شكلت هذه موارد جديدة للدولة وقد اشتهرت عمان بوفرة محاصيلها الزراعية.
ثالثاً: أنشأ الإمام بيت المال لتنظيم الإنفاق والدخل في الدولة الجديدة (26). رابعا: المعونات: قدمت معونات إلى الإمامة من مركز الدعوة بالبصرة لمساعدة الإمامة الجديدة (27)، وإن كان معظمها من كبار تجار الأباضية هناك.
خامسا: عين شبيب محتسباً ومسؤولاً عن الجباية، ويبدو أن هناك خلافاً بين علماء عمان حول أمر شبيب ونظراً لعدم خضوع بعض المناطق في عمان للإمامة الجديدة فإن شبيب كان فقط المناطق التي تحت حمايتها (29).
يجبي
وبذلك تمكنت الإمامة الأباضية الجديدة في عمان من إدخال تعديلات هامة على المجتمع العماني بصورة رسمية، وأصبحت هذه التعديلات معبرة عن المجتمع العماني فيما بعد.
-717 - (1/216)
صفحة 203
(1) مخطوط السير، ص 36، ملك بن أسد الكندي، روي ـ مسقط.
(2) كانوا من حملة العلم من البصرة إلى عمان، وينتمون إلى أصول عمانية فأصبحوا على دراية بشؤون
عمان، العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 229.
(2) السالمي، التحفة،،ج 1، ص 89
(4) السالمي، نفس المصدر، ج 1، ص 90. (0) نفسه، ج 1، ص 91.
(1) العوتبي، الانساب، ج 2، ص 225 السير والجوابات، ج 1، ص 244. (7) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي القابل الشرقية، يناير، 1988 م.
(8) سعيد بن بكير بن سعيد دراسات إسلامية، ص 111.
(9) بكير بن سعيد، دراسات إسلامية. ص
111
(10) إحدى مدن المنطقة الشرقية حالياً، انظر الملحق.
(11) السيابي، المرجع السابق، ص 88. سيراً على سيرة الخلفاء الراشدين من قبل. (12) السالمي، التحفة. ج 1، ص 91.
(13) السير والجوابات، ج 1، ص 241، تحقيق دكتورة سيدة الكاشف. (14) السيابي، المرجع السابق، ص 58.
(15) السيابي، المرجع السابق، ص 58. (16) السير والجوابات، ج 1، ص 242، 243. (17) سعيد بن بكير، دراسات إسلامية، ص 111. (18) السير والجوابات، ج 1، ص 242، 243. (19) نفسه، ج 1، ص 243، 244.
(20) السالمي، التحفة، ج 1، ص 91.
(21) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 60.
ص
61
(22) السير والجوابات، ج 1، ص 243 السيابي، المرجع السابق، ج 2،. (23) عبد الكريم العاني، (دكتور)، دور العمانيين، ص 6، سيرة ابن مداد، ص 10. الشامي، (دكتور)، العلاقات التجارية بين الخليج العربي والشرق الأقصى، ص 6.
(24) السير والجوابات، ج 1، ص 241 السالمي، التحفة، ج 1، ص 91: (25) انظر صورة للفلج بملاحق البحث. (26) سعودي، عبد الغني، (دكتور)، الوطن العربي، ص 242، القاهرة، 1968 م.
(27) السيابي، المرجع السابق، ج 2، ص 59.
(28) مهدي هاشم، الحركة الأباضية، ص
193
(29) السيابي، المرجع نفسه، ج 2، ص 88، 89 وما بعدها، سيرة ابن مداد، ص 10.
_ IV_ (1/217)
صفحة 204
الفصل الخامس
العباسيون وإسقاط الإمامة (1/219)
صفحة 205
(1)
سياسة العباسيين
تجاه المشرق الإسلامي والخليج
بالرغم من أن العباسيين ورثوا الخلافة الإسلامية عن الأمويين، فإن هناك مميزات سياسية وحضارية ميزت تلك الخلافة الجديدة عن سابقتها، فقد بلغت الحضارة الإسلامية أوج ازدهارها في العصر العباسي، كما أن العباسيين بدأوا في تدعيم علاقتهم مع القوى المجاورة لدولتهم الواسعة مثل دولة الفرنجة الكارولنجيين (1) في الغرب، والإمبراطورية الصينية في الشرق، كما بدأ العباسيون يتطلعون إلى مناطق جديدة مثل سواحل المحيط الهندي، خاصة سواحل شرق
افريقية والهند.
ويمكننا تقسيم ميادين السياسة الخارجية في العصر العباسي إلى الاتجاهات
التالية:
ميدان الشام آسيا الصغرى والبحر المتوسط.
2
ميدان الهند وجنوبي شرقي آسيا بما فيها سواحل المحيط الهندي.
- ميدان التركستان وأواسط آسيا. (1/221)
صفحة 206
وبالرغم من أن الفترة الأولى من هذا العصر كانت فترة تأسيس، فإن العباسيين اتجهوا إلى تأمين حدودهم، أكثر من التفكير في توسيعها (2)، وبالتالي فإنهم اتبعوا سياسة سلمية مع القوى
()
المجاورة خاصة في الشرق، حتى يتفرغوا لحل مشكلاتهم الداخلية في العالم الإسلامي) اتضحت التوجهات السياسية العباسية منذ البداية صوب المشرق خاصة إلى بلاد التركستان وعالم المحيط الهندي، وكان ذلك من خلال إنشاء مدينة بغداد لتكون عاصمة لدولتهم (4)، وهي التي أنشأها المنصور. وقد اكتسبت المدينة أهميتها من موقعها الاستراتيجي على طول الطرق التجارية القادمة من أواسط آسيا عبر فارس إلى بلاد الرافدين (5)، وكان الخليفة العباسي مدركاً للميزات الاقتصادية والإستراتيجية التي ستترتب على موقع عاصمته الجديدة، يظهر ذلك في العبارة التي وردت على لسانه في هذا الصدد: «وإلا فجزيرة بين دجلة والفرات مشرعة للدنيا، كل ما يأتي في دجلة من واسط والبصرة والأبلة والأهواز وفارس وعمان واليمامة والبحرين وما يتصل بذلك فإليها ترقى وبها ترسي» (6).
هذا بالإضافة إلى عدة مميزات أخرى للعاصمة من مناخها الجيد وتوسطها للسهول الخصبة، فصارت امتداداً لأهمية بابل في العصور القديمة في علاقاتها مع الشرق عبر سواحل الخليج العربي (7). كما كانت استمزاراً لأهمية المدائن، عاصمة الدولة الساسانية، وقد كانت كلتا العاصمتين السابقتين وهما بابل والمدائن، تتجه في سياستها الخارجية إلى احتكار التجارة العالمية برية وبحرية، ولما كانت دولتها تسيطر على أجزاء من الطرق البرية فإن الأمر اضطرهما إلى الإتجاه إلى السيطرة على سواحل الخليج العربي (8).
وكانت عبارات المنصور التي قالها حينما وقع على موقع عاصمته الجديدة «ليس بيننا وبين الصين شيء يأتينا منها كل ما في البحر» (1)، أي أن اتجاه العاصمة كان اتجاهاً بحرياً تجارياً (10) بحثاً، وكان العصر العباسي يمثل في حد ذاته قوة جديدة دفعت التجارة البحرية العالمية إلى الإمام (11)، فهي متصلة بعالم وسواحل المحيط الهندي وبالتالي بالساحل الشرقي
لافريقية وجنوبي شرقي آسيا وجزر تلك المناطق وأخيراً بالسواحل الصينية.
وتأتي أهمية الشرق عامة للعباسيين في أمرين هما: الأول: أن العصر العباسي كان امتداداً للعصر الساساني (12)، وكان الفرس أصحاب فضل كبير في إظهار دولتهم، ونشأ عند الخلفاء العباسيين منذ البداية شوق إلى استطلاع النظم الفارسية وتشريعات الساسانيين رغبة في محاكاتهم، كما شجعوا امتزاج رعاياهم في وحدة إسلامية لسانها العربية، حتى أصبحت الوثائق التي ترجع إلى العصر العباسي وتذكر مصطلح المسلمين أكثر مما تشير إلى الفرس أو العرب (13).
الثاني: الإتصال بالتجارة القادمة من الصين والمحيط الهندي، والتي كانت تمثل مورداً هاماً للسلع التي تحتاجها الدولة الإسلامية، والغرب الأوروبي أيضاً. وأصبحت سواحل الخليج العربي تمثل أهمية خاصة في نظر السياسة العباسية منذ البداية
- 222 - (1/222)
صفحة 207
لأهميتها في تحقيق السياسة الجديدة مع الهند والصين والمحيط الهندي والتي يمكن استعراضها فيما يلي لإدراك أهمية الخليج للعباسيين:
اولاً: العلاقات العباسية مع الهند:
شهدت منطقة السند ثورة واليها منصور بن جمهور الكلبي الذي ثار في نهاية العصر الأموي فأرسل إليه العباسيون عدة حملات نجحت آخرها بقيادة موسى بن كعب (14) في القضاء عليه. وكانت سياسة العباسيين ترمي في تلك المنطقة إلى إقرار الأمور ونشر الإسلام وحماية حدود الدولة دون التوسع (19)، ولكن العباسيين اضطروا إلى غزو بعض المدن الحدودية والأقاليم
المجاورة لتوطيد سلطانهم في تلك الجهات.
ثانيا: العلاقات العباسية مع الصين:
كانت أهم غايات الإدارة العباسية الجديدة هي توطيد علاقاتها مع الصين، لما تنطوي عليه هذه العلاقة من أهمية اقتصادية وسياسية كبرى في عصرها. فقد مثلت العلاقات مع الصين في الفترة العباسية الأولى تطوراً هاماً (16) فقد ذكرت الروايات وقوع معارك على الحدود البرية بين العباسيين والصين 134 هجرية / 751 م، من أجل القضاء على تمرد الأتراك الشرقيين الذين تناصرهم الصين، وقد نجحت هذه الحملة في القضاء على هذا التمرد وإبعاد الأتراك الشرقيين عن المساعدات الصينية.
ولكن هذا الصدام المبكر لم يؤثر على العلاقات السليمة بين الطرفين، فقد طلب الإمبراطور الصيني (سوزونج) المساعدة من العباسيين لقمع ثورة داخلية في بلاده، وقد قدمت قوة عباسية استقرت في شمال وغرب الصين واستقرت بها لإقرار الأمور هناك (17). ازدهرت العلاقات والتبادلات بين الطرفين العباسي والصيني، فقد قدم جياوان (112) – 190 هجرية / 730 - (805 م) وهو عالم جغرافي صيني مشهور إلى المنطقة العربية وسجل معلومات واضحة وهامة عن العرب الذين اختلط بهم، كما ذكر معلومات عن العرب الذين زاروا الصين ووضع كتاباً بعنوان «الطريق إلى البلدان الأجنبية عبر البحار إلى كانتون» واصفاً الطرق البحرية من الخليج العربي والهند حتى كانتون بالصين، وقد وردت في كتابه أسماء لعدة مواني على ساحل الخليج.
ومن جهة ثانية قدمت لنا المصادر والمراجع العربية وصفاً للطرق البحرية التي تصل الخليج العربي والمحيط الهندي وجنوبي شرقي آسيا إلى سواحل الصين ووصفت هذه المصادر الوجود العربي عبر تلك الموانئ، كما قدمت لنا أوصافاً عن سواحل الخليج العربي (18).
بدأ العباسيون في الإهتمام بالطرق التي تربطهم بالصين برية وبحرية، إلا أنهم لاحظوا أن الطريق البري يخضع لاضطرابات سياسية وظروف محلية، ولذلك أصبح الطريق البحري هو الطريق الرئيسي لربطهم بالصين، وابتعدوا في الفترة الأولى من دولتهم عن الطريق البري الذي
- 223 (1/223)
صفحة 208
(19)
كان يتحكم فيه الأتراك الشرقيون الذين ربطتهم علاقات متوترة في البداية معهم) وبرغم ندرة المعلومات عن النشاط العباسي في العصر الأول في مياه المحيط الهندي وتجارتهم في موانيه، إلا أن هناك اضطراباً وصعوبات بالغة كانت تواجهها القوافل البحرية التي تتجه جنوباً إلى المحيط الهندي، حيث تعرضت الحركة التجارية في مياهه لخطر القراصنة الذين كانوا يغيرون على أرجاء فسيحة من سواحله، وكانوا يبلغون أحياناً مصب نهر دجلة أو جزر البحرين (20) كما ظهر خطر الميد الذين تمركزوا في ميناء الديبل بالسند ووصلوا في هجماتهم أحياناً إلى ميناء البصرة وشط العرب وهددوا جنوب دجلة والفرات (21).
من أجل هذا الأمر اتجه العباسيون، منذ البداية، إلى الاهتمام بالخليج العربي وأمن مياهه وسواحله، في سبيل تأمين سياستهم في منطقة الهند والمحيط الهندي والصين، حيث واردات الشرق الأقصى وإفريقية التي ترد واردتها عبر الخليج العربي والصوف والسجاجيد والمصوغات المعدنية وسبائك الذهب والفضة والكافور والمسك والتوابل والجلود (22) كما بدأ العباسيون يتطلعون إلى سواحل شرقي افريقية أيضاً، وشهدت منطقة جنوب العراق في البصرة تجمعات زنجية (23) شكلوا عنصراً اجتماعياً مميزاً في ظل رواج تجارة الرقيق والنخاسة (24) فقاموا بثورة
هائلة (25).
ويبدو أن المهارة البحرية والخبرة التجارية لسكان السواحل أهلتهم للقيام بدور الوسيط التجاري بين أمال العباسيين، وعالم المحيط الهندي وجنوبي شرقي آسيا وهي خبرة قديمة ووثيقة، وقد تمكن بعض أهل ميناء شيراز من تكوين أول دولة سواحلية على سواحل شرقي افريقية هي مملكة كلوة (26) التي أسسها أهل شيراز الفرس هناك، كما أن هناك وجوداً عمانياً قوياً منذ هجرة زعماء أزد عمان في خلافة عبد الملك بن مروان (65 - 86 هجرية / 684 - 705 م بسبب حملات الحجاج على عمان (27).
ويبدو من تتبع السياسة العباسية في الخليج العربي في مراحلها الأولى نلاحظ أن العباسيين في البداية عملوا على إرسال أساطيل بحرية لتطهير مياه الخليج من القراصنة من أجل تأمين تجارتهم (28) وبالفعل بدأت الرحلات البحرية تزدهر إلى مياه المحيط الهندي متجهة إلى سواحل شرقي افريقية أو الصين (29).
واتضح للعباسيين منذ البداية أهمية السواحل العمانية (30) في تحقيق سياستهم البحرية في مياه الخليج العربي والمحيط الهندي، ولذلك سارعوا إلى تلك المناطق لتحديد علاقتهم بها منذ البداية، على عكس الأمويين الذين أهملوها فترة حتى قدوم واليهم الحجاج على العراق في عبد الملك بن مروان.
خلافة
وترجع أهمية عمان إلى أنها المركز الرئيسي للتجارة البحرية مع سواحل المحيط الهندي والشرق الأقصى من جهة، ومن جهة ثانية سواحل شبه الجزيرة العربية الجنوبية ومدخل البحر الأحمر وساحل شرقي افريقية من جهة ثانية. فكان أي اتصال بهذه الجهات من منطقة الخليج
- 224 (1/224)
صفحة 209
العربي والعراق لا بد أن يمر بالسواحل العمانية خاصة صحار (31) فقد هيمن العمانيون على التجارة مع افريقية وكانت تجارتهم النشطة مع سواحل افريقية الشرقية تصل إلى جزيرة قنبلو العالم الإسلامي (32). وسفالة، في جنوب الساحل الافريقي. وعن طريق عمان كانت كثير من سلع إفريقية تأتي إلى
ومن جهة ثالثة وصل النشاط البحري العماني إلى مواني الصين، حتى أن تجار سمرقند كانوا يفضلون في بعض الأحيان الطرق البحرية عبر الخليج العربي للوصول إلى الصين، رغم قرب بلادهم من غرب الصين مباشرة (33) وبدأت الجاليات العربية تكثر في ميناء كانتون بالصين. كما بدأ أهل عمان ينتشرون في جزء جنوبي شرق آسيا، فقد ذكر المسعودي (34) أن بحارة عمان كانوا يترددون على كله، حتى أن عمان أصبحت المركز الرئيسي للتجارة مع الشرق التي تجلب معها العود والكافور والصندل والعاج والرصاص. كما أصبحت عمان مركزاً لتجارة غيرها من مراكز التجارة في جنوبي شرق آسيا (35).
امتد النشاط التجاري العماني إلى سرنديب (سيلان) وإلى الهند، وخاصة ميناء الديبل وسندان (36). وقد عني العمانيون بتوسيع نشاطهم التجاري إلى سواحل المحيط الهندي في أي اتجاه حتى أصبحت صحار سوقاً تجارياً مهماً للعرب والمسلمين وتجار المحيط الهندي، منذ فترة ما قبل الإسلام، وازدهرت بعده وارتبطت في جزيرة العرب بضاعة الأثواب الصحارية (27). وأصبحت في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، المركز الرئيسي للملاحة والتجارة حتى وصفها البحارة بأنها أهم مدن الخليج وبلاد الإسلام، ولا يوجد أكثر منها مالاً وعمارة، وقال عنها ابن حوقل أن بها من التجار ما لا يحصى كثرته (38) وأصبحت صحار مركزاً للتجارة والملاحة في الخليج العربي والمحيط الهندي.
شمالاً
كما اشتهرت عدة مواني على سواحل عمان منها ميناء مسقط الذي تحتمي فيه السفن من أخطار العواصف واضطرابات البحر، وقد وصفه المقدسي بأنه موضع حسن (39)، كما اشتهر ميناء دبا، الذي انتقلت أهميته التجارية فيما بعد إلى ميناء صحار، وهكذا شكلت مواني عمان من دبا وحتى مسقط جنوباً، مسقط، أهمية كبرى في التجارة البحرية والملاحة (40). كذلك ساهم العمانيون في أعمال البحار، أي كان منهم عدد من النواخذة وربابنة السفن التي اتجهت إلى مختلف البحار (41) كما قام العمانيون بأعمال أخرى في الملاحة. كما اشتهر العمانيون بصناعة السفن التي تعرف بالسفن (المقلفطة / المدسرة)، أي التي لا يدخل في بنائها مسمار واحد، وكانوا يجلبون أخشاب الساج اللازمة لها من جزر لكاديف وملديف والهند (42)، وقد امتلكوا عدداً كبيراً من سفن التجارة في تلك النواحي (43) وهي السفن
المقلفطة (44).
من هنا كانت الضرورة تحتم على العباسيين أن يعملوا على تأمين طريقهم البحري عبر مياه الخليج العربي حيث لا يمكن الوصول إلى خيرات وسلع الشرق الأقصى وتحقيق سياستهم الخارجية بدون تأمين الخليج وسواحله.
225 (1/225)
صفحة 210
(1) بلغت تلك الدولة مكانة هامة في زمن شارلمان، 151 - 199 هجرية / 768 - 814 م، وقد تولى السلطة بعد وفاة أبيه، وترجع عظمته في أعين معاصريه والباحثين إلى ما أنجزه في المجال الداخلي والخارجي فقد كانت إصلاحاته الداخلية علامة بارزة في عصره.، كما كانت حروبه التي أخذت طابعاً دينياً رائعاً في نظر معاصريه وصورته في صورة أسطورية. عمران، محمود سعيد (دكتور)، أوروبا في العصور الوسطى، ص 171، 172، بيروت. 1982 م.
(2) شاکر، مصطفى، (دكتور)، دولة بني العباس، ص 330، الكويت، 1982 م: (3) بروكلمان تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 176.
(4) كانت الهاشمية، في جنوب العراق، هي عاصمة العباسيين في البداية زمن السفاح، وكانت تقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات. ولكن المنصور أسس عاصمته الجديدة لخلافته بغداد 146 هجرية / 763 م. الطبري، تاريخ، ج 7، ص 604. حسن الباشا (دكتور)، مدخل إلى الآثار الإسلامية، ص 73،
القاهرة، 1975 م.
(ه) شاكر مصطفى دولة بني العباس، ص.331
(6) اليعقوبي، البلدان، ص 237.
(7) قدري قلعجي، الخليج العربي، ص 67.
(8) جورج فاضلو العرب والملاحة. ص. 43 - 45، 98
(9) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 614.
(10) شاكر مصطفى (دكتور)، دولة بني العباس، ص 331.
(11) حوراني العرب والملاحة، ص
(12) بروكلمان، نفس المرجع.
(13) بروكلمان، نفس المرجع.
195
(14) ثار منصور بن جمهور الكلبي في السند في نهاية العصر الأموي، وقد أرسل إليه أبو العباس موسى بن كعب إلى الهند لقتاله في المرحلة الأخيرة، وفرض لثلاثة آلاف رجل من العرب والموالي ولألف من بني تميم حتى وصل إلى السند وأتى منصور بن جمهور في إثني عشر ألفا فهزمه ومن معه ومضى منصور فمات عطشاً في الرمال، واتجه أعوانه إلى بلاد الخزر. وكان ذلك 134 هجرية / 751 م. الطبري، تاريخ، ج 7، ص 46. ابن الأثير، الكامل، ج 5، ص (15) شهدت المنطقة صراعات جديدة بين العباسيين وبين العلويين، حينما حاول عمر بن جعفر والي الخليفة المنصور الجديد على تلك المنطقة 142 هجرية / 755 م، أن يتحالف مع العلويين، وبايع محمد النفس الزكية، ولكن هذا الأمر قضى عليه وفرت جموع العلويين عند ملك من ملوك السند الطبري، تاريخ، ج 8،
ص 33 - 35.
453
(16) كانت العلاقات بين الطرفين الصيني والإسلامي، قديمة ووثيقة، كما شهد عام 651 م وصول أول وفد رسمي من الخلافة الإسلامية إلى امبراطور الصين في خلافة عثمان بن عفان، ومنذ ذلك الحين راح العرب يوفدون مندوبين إلى البلاط الصيني تباعاً. وشهدت سنوات حكم أسرة نافع بن دارش (147 عاماً)، وصول أكثر من 29 وفداً رسمياً إلى البلاط الصيني من العرب الطبري، تاريخ، ج 6، ص 36. (17) ندوة الدراسات العمانية، ج 6، ص 10 - 16. مقال الباحث الصيني «هو» بعنوان:
Z. Who, Relations Between Oman and China.
- 226 - (1/226)
صفحة 211
(18) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 128. ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص 157. الإدريسي، نزهة المشتاق، ص 29 وصف الهند. المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 25. أحمد الشامي (دكتور)، العلاقات التجارية، ص 7 وما بعدها.
(19) ارتبطت الخلافة العباسية مع الصين بطريقين هما:
الأول: بري ويبدأ من أواسط الصين إلى بلاد التركستان ثم إلى فارس حتى بلاد الرافدين. الثاني: بحري ويبدأ من سواحل الصين الجنوبية إلى منطقة جنوبي شرقي آسيا إلى سواحل الهند وبعد ذلك إلى سواحل الخليج العربي ثم لميناء الأبلة ثم بغداد.
انظر مشروع اليونسكو المزمع القيام بتنفيذه هذا العام الذي سيبدا من فينيسيا ويتفرع فرعين بري وبحري وسيتوقف البحري في ميناء مسقط». (صحيفة عمان، مارس، 1988. م نقلاً عن مندوب عمان الدائم لدى اليونسكو).
(20) ابن الأثير الكامل، ج 5، ص 448. ارنولد، توماس الدعوة إلى الإسلام، ص 333، ط 2، القاهرة،
1957 م. (21) جورج فاضلو العرب والملاحة، ص.
817
(22) جورج فاضلو، المرجع نفسه، ص 218. (23) قدري قلعجي، الخليج العربي، ص 268. (24) المسعودي، مروج الذهب، ج 2،
ص
237 - 244
(25) بدأت أحداث ثورة الزنج في جنوب العراق في الربع الثالث من القرن التاسع الميلادي واستمرت لمدة أربعة عشر عاما، وكان يقودها علي بن محمد (ملهم الزنج) وترجع أسبابها إلى نواحي اجتماعية متمثلة في الظلم الاجتماعي الذي كانت تعانيه تلك الطبقة أمام طبقة أثرياء تجار البصرة، وقد مرت بمرحلتين هما: مرحلة إعتاق العبيد من سادتهم، ومرحلة الثورة ضد العباسية، وقد تمكنت تلك الثورة من الإمتداد إلى الإحساء ثم شملت جنوب العراق وأصبحت المختارة عاصمة لهم ولكن الخليفة العباسي الموفق تمكن من القضاء عليهم.
ابن كثير، أبو الفدا، 774 هجرية / 1372 م، البداية والنهاية، ج 11، ص 40 - 44، الطبعة السادسة،
1985 م، بيروت. قدري قلعجي، المرجع السابق، ص 134.
(26) السلوة في أخبار كلوة، ص.9 وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، 1986 (27) صلاح العقاد، وجمال زكريا، زنجبار ص 6، القاهرة، 1959 م.
(28) شاكر مصطفى دولة بني العباس، ج 1، ص 346.
م.
(29) بدر الدين الصيني، العلاقات بين العرب والصين، ص 190، القاهرة، 1951 م.
(30) كانت عمان من المراكز التجارية المعروفة عند ظهور الإسلام وقد وصلت شهرتها التجارية والأرباح التي تدرها التجارة فيها إلى الحجاز، وقد ازداد نشاط عمان التجاري واستقرار الدولة العربية الإسلامية حتى روي عن الجغرافيين قولهم: «الدنيا ثلاثة عمان والأبلة وسيراف».
-القزويني، آثار البلاد، ص 56.
ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 3، ص 718
(31) صحار وامجادها البحرية، سلسلة تراثنا وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. (1/227)
صفحة 212
(32) عبد الكريم العاني، (دكتور) .. دور العمانيين في ا الملاحة التجارية الإسلامية. أحمد الشامي، العلاقات.
ص 7.
(33) ذكر المسعودي أن تاجرا سمرقديا أتى من سمرقند إلى البصرة ومنها ذهب إلى عمان حيث سلك الطريق البحري إلى الصين، المسعودي، مروج
الذهب.
(34) المسعودي، المصدر السابق، ج 1، ص 197.
(35) انظر الخارطة في الملاحق.
(36) - سرنديب: جزيرة عظيمة ببحر هركند بأقصى الهند، وبها الياقوت الأحمر البغدادي، مراصد الإطلاع.
ج 2، ص 10.
الديبل: مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند وإليها تقضي مياه لاهور ومولتان فيصب في البحر، البغدادي، المصدر السابق، ج 2، ص 548.
سندان: قصبة ببلاد الهند البلاذري، فتوح البلدان، ج 3، ص 545. البغدادي، المصدر السابق، ج 2،
ص 746
(37) ابن خرداذبة، ص 25 ابن حوقل صورة الأرض، ص 39.
(38) عبد الكريم العاني، (دكتور)، دور العمانيين، ص 30. (39) المقدسي، أحسن التقاسيم، ص.
93
(40) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 543.
(41) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 99. وقد ذكر منهم يزيد العماني ناخوذة الزنج، وجعفر بن راشد وهو أحد ربابنة الذهب ومرد إنشاءه أحد نواخذة بلاد الفلفل، ومحمد العماني، والربان عمران الأعرج.
(42) جورج، فاضلو العرب والملاحة، ص 242 وما بعدها.
(43) المسعودي، المصدر السابق، ج 2، ص 6.
(44) القلفطة أو الجلفطة: وهي عملية شد الواح السفن بعضها إلى بعض بخيوط من شعر جوز الهند ثم سد ثقوبها بقطن مبلل بزيت وكتان وكذلك سد الفراغات ما بين الألواح وبعد ذلك تطلى السفينة بمادة تسمى القار» وتفيد عملية الجلفطة في حماية السفينة لعدم دخول مياه البحر إليها وكانت هذه العملية ترجع إلى عدم معرفة المسامير وهو السبب الحقيقي. أما السبب الخرافي فمفاده أن هناك جبال من المغناطيس تجذب السفن التي بها مسامير حديدية فتهوي إلى القاع وتغرق.
أحمد الشامي، (دكتور)، العلاقات التجارية، ص 19.
حوراني، المرجع السابق، ص 249.
- YYA- (1/228)
صفحة 213
(2)
معركة جلفار الأولى
إذا كانت دوافع العباسيين للتوجه إلى عمان دوافع اقتصادية واستراتيجية فإن هناك دوافع أخرى، فيبدو لنا من تتبع حركات التمرد والثورة ضد الأمويين أنها كانت تنحصر في قوتين رئيسيتين رفضتا الإعتراف بخلافة الأمويين، ونعني بها الخوارج والشيعة، وقد لاحظنا مدى التطور الذي طرأ على كلتيهما، فإذا اعتبرنا وقعة صفين هي البداية على وجه التقريب، وإن وقعت خلال العصر الأموي كانت سنة 61 هجرية / 680 م، تحمل أحداثاً مريرة لكلا الفريقين، فقد قتل أبو بلال مرداس بن آدية التميمي ورفاقه وتتبعنا ما نتج عن هذا الأمر في تطور حركته. كما قتل في نفس العام وبالقرب منه الحسين بن علي وكان لهذا الأمر أثره الهام في تطور فريق المعارضة الثاني وهو الشيعة. كما لاحظنا أن في خلافة سليمان بن عبد الملك 96 - 99 هجرية / 714 - 717 م، بدأت الأباضية تتطور إلى مرحلة جديدة، وفي نفس الوقت حدث تطور جديد في الدعوة الشيعية (1).
وفي أثناء تلك الرحلة الطويلة من الكفاح للأباضية والدعوة العباسية كانت هناك عوامل تربطهما في العمل وفي الصدام (1/229)
صفحة 214
العامل الأول: التزام الدعوتين بالسرية والكتمان (2) فالأباضية اتجهت إلى السرية التامة. بعد اختفاء ابن أباض من مسرح الأحداث (2)، كما أن الإمام أبو عبيدة كان يوصي دعاته. من الأباضية بعدم ذکر نشاطهم وأسمائهم لدى الأمويين. كذلك كانت الدعوة العباسية تلتزم بالسرية والكتمان فكان على الدعاة أن يتستروا تحت شعار (اكتساب الرضا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم)، ولا يصرحوا بأنهم يريدون الخلافة للعباسيين حتى يكتسبوا ثقة الحزب الشيعي الذي ساعده منذ البداية على صبغ دعوتهم بصفة شرعية (4).
العامل الثاني:
كان الهدف مشتركاً لكلا الطرفين في إسقاط الخلافة الأموية وإن كانت كل دعوة عملت بطريقتها الخاصة وأسلوبها المميز، وأخذ الطرفان يسعيان إلى إزالة الخلافة الأموية والوصول إلى مقعدها واعتبر كل طرف نفسه الممثل الحقيقي للمسلمين (5).
وبدا واضحاً حتمية الصدام بين الإتجاهين الأباضي والعباسي، خاصة وأن هناك أقاليم شملت أتباع الطرفين في المشرق الإسلامي، وتجاورت مراكز الدعوتين في تلك الفترة (1). العامل الثالث:
نلاحظ أن الأباضية قدمت خدمات دون أن تقصد للدعوة العباسية. فكانت ثورة الأباضية في حضرموت واليمن 129 هجرية / 746 م (7) وما ترتب على ذلك من إعلان إمامة أباضية وتحقيق انتصارات على الأمويين (8)، كانت هذه العوامل مساعدة للعباسيين على تدعيم نفوذهم في خراسان فأعلن أبو مسلم الخراساني الدعوة العباسية 129 هجرية / 746 م، وتحرك بجيوشه
صوب الغرب (9).
العامل الرابع:
10
أعلنت الإمامة الأباضية في عمان في نفس الفترة التي أعلنت فيها الخلافة العباسية واعتبر كل طرف نفسه الممثل للمسلمين، فأعلن الجلندي بن مسعود الدعوة للمسلمين للإنضمام إليه (10)، كما أعلن أبو العباس على أثر بيعته في مسجد الكوفة في الأول 132 ربيع هجرية / 749 م أن الخلافة حق له ولأسرته (11). من هنا وقع الصدام بين الطرفين حول الخلافة والقيادة للمسلمين، خاصة وأن الأباضية اعتبرت الإمامة أصلا من أصول الإسلام (12).
بدأ العباسيون ينظرون بقلق إلى أحداث الخليج العربي ذلك الممر البحري الهام الذي يعلقون عليه آمالاً كثيرة في اتصالاتهم بالهند والصين وإفريقية، فهذه جموع الصفرية تستقر في جزيرة ابن كوان بالبحرين. كما أن العمانيين أعلنوا إمامتهم الأباضية الأولى. مما أدى إلى أن
- 230 - (1/230)
صفحة 215
يرسل العباسيون حملة عسكرية بقيادة خازم بن خزيمة التميمي 134 هجرية / 751 م (13)، من اجل تحقيق الأهداف التالية:
أولاً: تأمين الطرق البحرية عبر مياه وسواحل الخليج للوصول إلى تجارة المحيط الهندي وجنوب شرقي آسيا، حيث تقع معظم محطات السفن عليه، ويقع معظمه في يد الصفرية والأباضية فكان لا بد من فرض السيطرة العباسية على هذه المحطات التجارية الهامة عبر مياه الخليج.
ثانيا: قدمت الصدفة خدمة هامة للعباسيين، فقد تجمعت معظم حركات الخوارج في بلاد المشرق في منطقة واحدة وهي منطقة الخليج العربي وكان ذلك عاملاً في إسراع العباسيين في إرسال حملة للقضاء عليهم.
دورهم
ثالثاً: يحتمل أن يكون التخلص من القائد العباسي خازم بن خزيمة التميمي عاملاً من عوامل إرسال الجيش العباسي إلى هذه المنطقة الخطرة بالنسبة لهم، كما تروي بذلك بعض المصادر السنية والأباضية. ذلك أن خازم قد أقدم على قتل بعض أقارب الخليفة العباس وهدم أثناء مهمة له في المشرق سنة 134 هجرية / 751 م، ولما وصلت الأنباء إلى الخليفة العباس قرر التخلص منه بإرساله إلى المهمة الصعبة في الخليج (14). ويبدو أن تلك المهمة كانت انتحارية لإدراكهم أنه من الصعب أن يعود خازم إليهم حيا، فجهزت الحملة وصدرت الأوامر لوالي البصرة بإعداد السفن اللازمة لحمل خازم وقواته إلى الخليج (15).
تلقت الصفرية في جزيرة بن كاوان ضربة سريعة من قوة فرعية من قوات خازم قادها أحد رجاله، فانهارت جموع الصفرية وسارعت إلى الرحيل من الجزيرة واتجهت جنوباً صوب سواحل عمان ونزلت في منطقة جلفار (16). سارعت القوات الأباضية بقيادة الإمام الجلندي بن مسعود بالتحرك شما ملاً للتصدي لجموع الصفرية اللاجئة إلى سواحلهم.
ويبدو أن هناك مراسلات بين الطرفين قبل أن تشتبك قواتهما فقد رفض الإمام الجلندي السماح للصفرية بدخول بلاده حتى يدخلوا في طاعته ويعتنقوا فكر جماعته (17)، كما أن القيادة الأباضية كانت على علم بتطورات الموقف في العراق وشمال الخليج العربي، وربما كان ذلك من خلال قيادة الأباضية بالبصرة، التي خرجت منها سفن حملة خازم، وكانت تلك القيادة تدرك أن الصدام واقع لا محالة مع العباسيين، ولذلك أرادت أن تتحاشى القتال مع الصفرية بقدر الإمكان استعداداً للصدام الهام مع العباسيين.
ويبدو
أضف إلى ذلك أن الأباضية تحرص على إلقاء الحجة على أعدائهم قبل الحرب (18). أنهم لمسوا أن الصفرية لا تريد إلا استقراراً في بلادهم بالقوة واتخاذ مركز لهم في جلفار (19). (1/231)
صفحة 216
أمام هذا الأمر اضطر الإمام الجلندي إلى إرسال قواته إلى أرض المعركة (جلفار) وجعل على قيادتها هلال بن عطية، ويحيى بن نجيح) (20). ودارت معركة سريعة تمكنت فيها قوات الأباضية من إحراز نصر سريع على القوات الصفرية التي تلاشت تماماً خاصة بعد مقتل قائدهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري وأسدل الستار على حركتهم في منطقة الخليج العربي، كما قتل قائد أباضي في المعركة وهو يحيى بن نجيح.
وهكذا انتهت معركة جلفار الأولى سنة 134 هجرية / 751 م، لتثبت الخط المستقيم لأباضية
عمان.
- 232 (1/232)
صفحة 217
(1) كانت البداية الحقيقية للدعوة العباسية في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان أيضاً فقد استطاع العباسيون أن يكسبوا ولاء الكيسانية لهم، فيقال أن أبا هاشم بن محمد بن علي كان فصيح اللسان جاهز الذهن بحيث خافه الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك فاستدعاه إلى دمشق وأكرم وفادته ولكنه ما لبث أن دبر وقتله خشية أن يدعو لنفسه، فدس له سم وهو في طريقه إلى إقليم السراة 98 هجرية / 716 م، ولما أحس بدنو أجله عرج إلى الحميمة حيث كان يقيم علي بن عبدالله وابنه محمد،، وأوصى إلى علي هذا وأولاده بحقه في الإمامة وأمدهم بأسماء داعي الدعاة له في الكوفة ومن يليه من الدعاة كما سلمهم كتباً يقدمونها إلى هؤلاء الدعاة.
وبعد وفاة علي بن عبدالله بن عباس 118 هجرية / 736 م انتقل ولاء الكيسانية إلى محمد بن علي العباسي الذي اضطلع بأعباء الدعوة بعد موت أبي هاشم. وقد لاقت الدعوة العباسية نجاحاً كبيرا على يد محمد بن علي وكان ذلك منذ حياة أبيه علي فوجه الدعاة إلى العراق وخراسان، وكان أبو عكرمة السراج الذي اختاره محمد بن علي ليتوجه إلى تلك الأقاليم قد اختار اثني عشر رجلاً. واختار أيضاً أبو عكرمة سبعين رجلاً من أهل خراسان وكتب إليهم محمد بن علي كتاباً ليكون لهم مثالاً وهادياً يهتدون به. انظر: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج 2، ص 131. ابن الأثير، الكامل، ج 5، ص 20. حسن إبراهيم، تاريخ الإسلام السياسي، ج 2، ص 20. أحمد الشامي، (دكتور)، الدولة الإسلامية في العصر العباسي الأول، ج 1، ص 16، القاهرة، 1985 (2) الكدمي، الإستقامة، ج 1، ص 42.
م.
(3) السالمي، مشارق أنوار العقول، ص 45 وما بعدها. الجيطالي، شرح قواعد الإسلام، ورقة 17 ب. ابن أطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 77، 165.
(4) سرور، (دكتور)، الحياة السياسية في الدولة الإسلامية، ص. 173. حسن إبراهيم، تاريخ الإسلام السياسي، ج 2، ص 18. أحمد الشامي، (دكتور)، الدولة الإسلامية في العصر العباسي الأول، ص 17.
293
(0) تعتبر الأباضية أن الإمام يجب أن يختار من قبل الأمة اختياراً حراً بعيداً عن العصبية. (6) المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص (7) الأصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 324. خليفة بن خياط، تاريخ، ج 2، ص 512. (8) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 376. ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ص 138، 139. فلهوزن، تاريخ الدولة
العربية،
ص
o.V
(9) أحمد الشامي، (دكتور)، الدولة الإسلامية في العصر العباسي، ص 26. (10) خليفات، نشأة الحركة الأباضية، ص 131.
(11) اليعقوبي، التاريخ، ج 2، ص 83. علي الخربوطلي، (دكتور)، الخلافة، ص 68، بيروت، 1979 م. (12) الرقيشي، النور الوقاد، من 96. ابن أطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 224. الكدمي، الاستقامة، ج 1،
ص 141. الكدمي نفسه: 1، ص 97.
(13) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 345 وما بعدها.
(14) ابن الأثير الكامل، ج 4، ص 343 السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 82. (15) الطبري، نفس المصدر، ج 1، ص 463. مؤلف مجهول العيون والحدائق، ج 3، ص 343. ابن كثير. البداية والنهاية، ياقوت، ج 10، ص 57. (1/233)
صفحة 218
(16) جلفار إحدى بلدان عمان وهي مدينة مزدهرة الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص إمارة رأس الخيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
(17) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 72.
104
وهي
الآن
(18) الأزكوي، كشف الغمة، ص 43، المقتبس. أبو اسحق إبراهيم بن قيس، مختصر، ص 191، مسقط،
1984 م.
(19) السيابي، المرجع السابق، ج 2، ص 73. السالمي التحفة، ج 1، ص 92. (20) كان يحيى بن نجيح من البصرة، وقد أرسل إلى عمان مع هلال بن عطية الخراساني، وكان مختصا بجمع المال في البصرة، ومن المحتمل انه وصل ومعه الدعم المادي للإمام الجلندي أثناء إعلان الإمامة. وكان يجول في البصرة ومعه جراب يجمع فيه الصدقات من الأغنياء ويفرقها على فقراء الأباضية. الشماخي، السير، ج 1، ص 113، 114.
- YTE_ (1/234)
صفحة 219
(3)
معركة جلفار الثانية
قدمت معركة جلفار الأولى، بين الأباضية والصفرية، خدمة كبيرة للقائد العباسي خازم في نجاح المهمة المكلف بها في الخليج. وبرغم صعوبتها وتعقيداتها في بداية الأمر إلا أن مجرى الأحداث كان لصالحهم، فقد ظل خازم محتفظاً حتى هذه اللحظة بقواته وإمكانياته ولم يخسر شيئاً منها في المعركة الخاطفة مع الصفرية في جزيرة ابن كاوان، فكسب أرضاً جديدة وقدم الأباضية بذلك خدمة هامة لخازم وللدولة العباسية (1).
بدأ خازم قائد العباسيين في إكمال مهمته مع أباضية عمان. فقدم في أثر الصفرية واستقر بالقرب من أرض المعركة التي دارت في جلفار ينتظر نتيجة الحرب، وهي مهما كانت فهي في صالحه. فتحرك ليستقر بقواته في صحراء بالقرب من جلفار (2)، وبدأ في المفاوضات مع الأباضية بعد أن علم أنهم تمكنوا من القضاء على الصفرية، وانسحبت القوات الأباضية الأخرى إلى تلك الصحراء، وهي في منطقة جلفار أيضاً.
ظهر خازم، الواثق من إمكانياته وقدراته، فقد أكمل جزءاً مهماً، ويبدو أ أمامه الجيش الأباضي منهك القوى، فبدأ يطلب من الإمام الجلندي مطالب من الصعوبة قبولها أو تحقيقها.
- 235 - (1/235)
صفحة 220
ويبدو من الروايات الأباضية أن خازم بن خزيمة أظهر للأباضية أنه كان في أثر الصفرية فقط
وأنه لا يرغب في قتال الأباضية ولكنه يطلب منهم تحقيق ما يلي (2):
2
-1
-
-
السمع والطاعة للخليفة العباسي.
تسليم خاتم وسيف شيبان بن عبد العزيز اليشكري، وزعيم الصفرية، الذي قتل في جلفار الأولى.
أن يخطب للخليفة العباسي ويعترف بخلافة العباسيين على أنها الخلافة الإسلامية.
وكان المتوقع عدم قبول هذه الشروط من قبل الإمام الجلندي وجماعته، فقد شاور الإمام أصحابه وكان فيهم كبار العلماء ورجال الدعوة مثل: هلال بن عطية الخراساني (4) وشبيب بن عطية (5)، وخلف بن زياد البحراني (6)، وأشار البعض عليه أن يدفع سيف شيبان وخاتمه وما يرضي خازم من المال، ويضمن لورثة شيبان قيمة السيف والخاتم. ولكن الأمر استقر على أن الخاتم والسيف أمانة في يد الإمام حتى تؤدى إلى ورثة شيبان (7).
أما المطلب الأخير والخاص بالإعتراف بالخلافة العباسية فقد رفضها الإمام وأصحابه على أساس أنه لا يجوز في باب الدين أن يدفع عن الدولة بالدين وإنما يدفع عنها بالمال والرجال (8). وأمام إصرار خازم على تحقيق مطالبه بدأت المعركة والتي لم تكن الأباضية قد استعدت لها الإستعداد الكافي، فقواتهم ما زالت تنظم صفوفها بعد معركة الأمس مع الصفرية. ولكننا لا يمكننا القول بأن السبب الأساسي الذي دفع خازم بن خزيمة للقدوم إلى جلفار والإحتكاك بالأباضية هو فقط إخضاع عمان للعباسيين. وأن أي أسباب أخرى ليست ذات قيمة في سبيل تحقيق سيادة العباسيين الفعلية على عمان وساحل الخليج العربي. وهو الهدف الذي قدمت حملته من أجله وأن ما تردده المصادر الأباضية من أن خازم قدم إلى عمان تتبعاً للصفرية لا يؤيد بالدليل. ذلك أن الاتفاق الذي اتفق عليه الوسطاء بين الخليفة العباسي وبين خازم هو أن يعفى خازم من القتل مقابل أن يقوم بمهمة إخضاع سواحل الخليج العربي للعباسيين «فأشاروا عليه بالتوجه إلى الخوارج بعمان إلى الجلندي وأصحابه (9) وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان وهي مهمة صعبة قد يكون فيها رضاء تام من الخليفة العباسي، فإن قتل فسيكون مصيره القتل على يد الصفرية أو الأباضية، وإن نجح فقد حقق سيادة للعباسيين في الخليج العربي. وكان المفروض أن تكون أولاً قبل مهمته في جزيرة ابن كاوان، ولكنه اصطدم بالصفرية لأن قواته كانت بحرية ولا بد أن يطهر طريقه ويحمي ظهره من أعدائه لأنه لو كانت مهمته الأولى تقتصر على جزيرة ابن كاوان لقفل راجعاً بعد هزيمتهم السريعة على يد جزء
من قواته.
ورغم ذلك فإن المصادر والمراجع الأباضية (10) تصر على أن قدوم خازم كان تعقباً للصفرية، واضطربت بعض تلك الروايات في تحديد ذلك فيذكر السيابي في تاريخه «جاء خازم بن خزيمة طلباً لشيبان، ولما وجده مقتولاً وأراحهم الله منه لم يكتف خازم إلا بخضوع أهل عمان السلطان
-
236 - (1/236)
صفحة 221
2
بغداد وهو السفاح» (11). ويتضح عدم توفيقه في روايته لأمرين هما: 1 - لو كانت المهمة الأساسية لخازم مع الصفرية فقط لكفاه انتصاره عليهم في ابن كاوان، وحتى إن كان مصراً على القضاء عليهم لكان هدفه قد تحقق نهائياً بعد علمه بنتيجة معركة جلفار الأولى ونجاح الأباضية في القضاء عليهم، ولما ظل ساكناً يترقب المعركة عن كثب.
إن الخليفة العباسي أبو العباس السفاح الذي أرسلت الحملة في زمنه، وهو أول خليفة عباسي، لم يكن بعد قد انتقل من عاصمته الهاشمية في الأنبار (12) فقد ظل بها طيلة حياته، وأما اتخاذ بغداد عاصمة للعباسيين فكان ذلك زمن الخليفة المنصور الذي بدأ بتنفيذ مشروعه 145 هجرية / 762 م، وانتهى بنقل عاصمته إلى بغداد (13) 147 هجرية / 764 م وهذا لا يتفق مع عبارة السيابي.
وبذلك تظهر الأحداث حتمية الصدام بين الطرفين، حيث يتطلع كل منهما إلى القضاء على الآخر على أساس أحقيته وشرعيته في الحكم، كانت إمامة عمان ترى أنها هيا السبيل الوحيد لإخراج المسلمين من متاهاتهم (14).
ويمكننا أن نلمس قوة موقف خازم من إدراكه للفرصة السانحة له بتنفيذ مهمته أثناء تفكك الجيش الأباضي، بعد معركة جلفار الأولى، كما أنه كان قريباً من أرض المعركة ووضع يده على نقاط الضعف في جيش الأباضية. كما أنه زاد في شروطه مع الإمام الأباضي أمام التنازلات التي أبداها الأباضية حتى يتجنبوا الإشتباك معه. فوجد أمامه فرصة لإرضاء الخليفة العباسي.
بدأت معركة جلفار الثانية بين الإمام الأباضي الجلندي وقواته، وبين خازم وجيشه العباسي. وتشير الروايات إلى أن هذه المعركة كانت قاسية، وأنها بلغت في ضراوتها أشد من معركة جلفار الأولى، فقد اختلفت فيها توازنات القوى، ففي البداية كانت لصالح الأباضية، حيث تمكنت من إحراز انتصارات على القوات العباسية حتى قتل في هذه المرحلة أخ للقائد العباسي خازم بن جزيمة يقال له اسماعيل (19). أما المرحلة الثانية فقد تمكن خازم من قيادة الهجوم على الأباضية وجعل على ميمنته رجل من أهل مرو الروز، وعلى ميسرته مسلم الأرغدي، وعلى طلائعه نضلة بن نعيم النهشلي، وتمكن في هذا الهجوم من تحقيق عدة انتصارات على الأباضية وقتلوا منهم تسعمائة رجل (20). وكانت هذه المرحلة بمثابة تعادل للقوتين وبداية التفوق العباسي.
أما المرحلة الأخيرة من القتال فقد وقعت بعد عدة أيام وفيها بدأ القائد العباسي يلجأ إلى خطة مدبرة جديدة، وبعد أن أدرك صعوبة الإنتصار على الأباضية، فقد أشار عليه رجل من أهل الصغد من جيشه، بأن يتبع حيلة يتمكن فيها من شغل جند الأباضية عن مواجهته وذلك بأن يقوم بإشعال النار في بيوت أصحابه (21) فلما فعل ذلك سارع جند الإمام بانقاذ أمتعتهم وأولادهم فشد خازم عليهم وأعمل فيهم القتل. وقتل الإمام الجلندي نفسه وعشرة آلاف معه،
- TV_ (1/237)
صفحة 222
وبعث برؤوسهم إلى البصرة، ثم إلى أبي العباس وأصدر الخليفة العباسي أمره لقائده بالعودة
فعاد (22).
وتظهر الروايات الأباضية أن المعركة الأخيرة أسفرت عن قتل معظم أصحاب الجلندي ولم يبق إلا هو وهلال بن عطية، فتقدم الجلندي ومن بعده هلال حتى قتلا، وقتله خازم بن خزيمة. ولا تذكر هذه الروايات عدد القتلى بالتفصيل ولكنها تذكر أنها انتهت بقتل الإمام وأصحابه (23).
وإن كنا لا نتفق مع رواية الطبري (24) وغيره التي تذكر أن عدد القتلى عشرة آلاف من جند الإمام الأباضي لسببين هما:
1
لا يعقل أن يقتل هذا العدد من قبل حملة قوامها سبعمائة رجل تحارب على أرض غريبة عنها كما أنها اشتبكت في حروب سابقة في ابن كاوان.
2 - لا يمكن أن يتمكن الإمام الجلندي من أن يجهز حملة بهذا العدد في تلك المدة القصيرة من إمامته (25)، في الوقت الذي كان مشغولاً بمهام دولة جيدة جديدة وترجع أسباب هزيمة القوات الأباضية إلى أمرين هما:
1 ـ أن الجيش الأباضي لم يكن قد استراح واستعد بعد معركته السابقة مع الصفرية. 2 ـ ربما كان هناك تعاوناً سرياً بين القائد العباسي وبين بعض الزعماء القبليين من آل الجلندي ممن عارضوه في البداية، بدليل أن العباسيين أسندوا إليهم حكم عمان مباشرة بعد المعركة.
وقد ترتب على هذه المعركة نتائج هامة منها ما يلي: أولاً: نجاح العباسيين في القضاء على إمامة عمان الأباضية وإعادة ضم البلاد إلى
خلافتهم.
ثانيا: استتاب الأمن والاستقرار في مياه الخليج العربي وسواحله للعباسيين. ثالثا: ظهور الصراعات القبلية من جديد في عمان بعد فشل تجربة الإدارة الأباضية برغم محاولات الإمامة الارتقاء على مستوى الصراعات القبلية.
رابعا: أعطت معركة جلفار الثانية لدعاة الأباضية دروساً وتجارب جديدة مع الإدارة العباسية الجديدة في العراق بعد مآسيهم مع إدارة الأمويين، فجدوا من جديد لإعلان إمامة ثانية (26). وأصبح الفكر الأباضي هو ا السائد بين أهل عمان.
خامسا: أخطأت الخلافة العباسية في التعامل مع قضية الأباضية، منذ البداية واستمرت على نفس طريقة الأمويين، عدا عمر بن عبد العزيز، واستمرت في إرسال الحملات وضم البلاد بالقوة دون أن تتريث في فهم جوانب القضية. خاصة وأن عمان ذات موقع هام لخلافتهم. فلم
- YTA_ (1/238)
صفحة 223
يدركوا طبيعة الدعوة الأباصية أو رغبات الشعب العماني، فظلت عمان تشكل خطراً عليهم
بعد ذلك.
سادسا: ازدهرت مدينة نزوى في داخل عمان، بعد تلك الأحداث، وأصبحت المقر الإداري للإمامة والنشاط الأباضي (27) وقد سميت تلك الفترة بـ «بيضة الإسلام» (28) وذلك لبعدها عن الساحل الذي تصل إليه جيوش وأساطيل العدو، وظلت تلعب هذا الدور حتى التاريخ المعاصر (29).
وبذلك ضم العباسيون عمان بعد معركة جلفار الثانية 134 هجرية / 751 م، ولكن قضية عمان والأباضية استمرت فيما بعد. (1/239)
صفحة 224
(1) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1، ص 94. (2) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 463.
(3) الأزكوي، كشف الغمة، ص 43، المقتبس. السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 95، 96. السيابي. عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 74 وما بعدها.
(4) من رجال الدعوة بعمان الشماخي السير، ج 1، ص 119
(5) من علماء الأباضية. سيرة ابن مداد، ص 10.
(1) نشأ في البحرين ثم خرج منها يلتمس العلم حتى وصل إلى البصرة وتتلمذ على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بها. ابن مداد، نفسه، ص
(7) جامع أبي الحواري، ج 1، ص 90.
9
(8) أجاز البعض أن يعطوهم السمع والطاعة بألسنتهم إذا خافوا على الدولة والرعية. أبو الحواري، نفس المصدر، ص 90 وما بعدها السيابي، المرجع السابق، ج 2، ص 74، 75.
(9) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 462. كما يخلط ابن الأثير بين الصفرية وبين الجلندي، فيقول: «إن الجلندي هو زعيم الصفرية. أي أن الجلندي هو الهدف الأساسي». ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 57. (10) أبو الحواري، الجامع، ج 1، ص 90. الرقيشي، مصباح الظلام، ص 231. الأزكوي، كشف الغمة، ص 43، المقتبس. (11) السيابي، تاريخ، ج 7، ص 614. (12) كمال الدين سامح، (دكتور)، العمارة في دور الإسلام، ص 56، القاهرة. 1972 م. محمد الخضري، الدولة العباسية، ص 77.
(13) خليفات (دكتور)، نشأة الحركة الأباضية، من 131.
(14) محمد أرشيد العقيلي، (دكتور)، الحركة الأباضية بعمان وعلاقاتها، ص (15) الطبري، تاريخ، ج 7، ص 463 ب. الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 31. (16) الطبري، نفس المصدر، ج 5، ص 463.
(17) الطبري، تاريخ، ج 3، ص 381. (18) الطبري، نفس المصدر، ج 3، ص 381.
25
ب.
(19) الأزكوي، كشف الغمة، ص 43، 44، المقتبس. السالمي، التحفة 1، ص 96 وما بعدها. ابن زريق الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، ص 28.
(20) ظهرت في سنة 177 هجرية / 793،م، الأزكوي في كشف الغمة، ص 45. سيرة ابن مداد، ص 7. السيابي، المرجع السابق، ج 22، ص 117. السالمي، التحفة، ج 1، ص 109.
(21) الرقيشي، مصباح الظلام، ص 128 (22) السالمي، التحفة، ج 1، ص.125
(23) نزوى: تقع نزوى ضمن إقليم الجبال في عمان. وهي من أهم المراكز الحضارية في عمان حتى الوقت الحاضر. وتبعد عن العاصمة مسقط حوالي 170 كم صوب داخل عمان محمد متولي، (دكتور)، حوض الخليج العربي، ج 1، ص 198، القاهرة، 1977 م. انظر الخارطة في الملاحق. (1/240)
صفحة 225
(4)
عمان بعد زوال
الإمامة الأباضية الأولى
لم تكد جيوش العباسيين تنتهي من مهمتها في عمان، وتعود إلى العراق، حتى صارت الأوضاع في عمان تعمها الفوضى ويسودها الاضطراب (1)، وبرغم أن تأثير المعركة الأخيرة كان قوياً في إزالة الإمامة الأباضية، فإن الأمور عادت إلى يد أهل عمان كما ظلت الأفكار الأباضية هي عقيدة العمانيين الراسخة.
ولكن تنازعت السلطة في عمان قوى عديدة أهمها قوتان هما:
أولاً: القوى العباسية: وهي التي اكتفت بفرض نفوذها على الساحل، بسبب أهميته للعباسيين، ولم تتمكن من إخضاع أي قبائل لها بسبب كراهية قبائل عمان للتدخل العباسي أو الأجنبي في شؤونها.
ثانيا: القوى العمانية: وقد انقسمت إلى قسمين:
قوى دعاة الحركة الأباضية، الذين استمروا في الدعوة من جديد وبنشاط زائد من أجل إعلان إمامة أباضية ثانية، وكان ذلك بدعم وتشجيع من قيادة البصرة وعلى رأسها الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي.
- 241 - (1/241)
صفحة 226
2
القوى القبلية، وهي التي وصفت في الروايات الأباضية بالجبابرة الذين أفسدوا في عمان وكانوا أهل ظلم وجور (3). وقد اعتمدت تلك القوى على نفوذها القبلي ومن أهمها آل الجلندي ثم بنو هناءة.
وقد ظهرت القوى القبلية قبل إعلان الإمامة الأباضية الأولى رافضة البيعة، مما اضطر علماء الأباضيين إلى التخلص من زعمائها فضربت أعناق جعفر بن الجلندي (3) وولديه النظر وزائدة، وعلى حسب ما يقضي الفكر الأباضي، حتى أن علماء الأباضية أنكروا على الإمام الجلندي بكائه عليهم واتهموه بالعصبية. وكان هذا الموقف من قبل الأباضية محاولة لكسر التعصب القبلي وصهر العمانيين تحت الإمامة الجديدة (4).
وزادت قوة آل الجلندي بعد هزيمة جلفار الثانية، فقد عاد القائد العباسي إلى العراق بعد أن ترك أمر عمان في يدهم (9) وقد ارتبطوا بالخلافة العباسية حتى تمكن الأباضية من إعلان إمامتهم الثانية 177 هجرية / 793 م. وتحدد الروايات الأباضية شخصيتين من هذا البيت سارعتا إلى استغلال الموقف والسيطرة على نواحي عمان ومدنها وهما: محمد بن زائدة، وراشد بن شاذان بن النظر، ويحتمل أن يكونا من أولاد آل الجلندي الذين قتلهم الإمام قبل ذلك (1). وباتت قصة الصراع الطويل بين الإمامة وبين القوى القبلية تأخذ جذورها في تاريخ عمان حتى العصور الحديثة، وتوالى على السيادة في عمان صور من إمامة إلى ملكية ومن ملكية إلى إمامة، فمتى ضعفت الإمامة برزت إلى الميدان القوى الملكية وهي التي تستند إلى قوة قبائلها. ولكن ظلت الإمامة تشغل أكثر صفحات هذا الصراع (7)، وظلت كلمة الإمامة من أهم الألفاظ لتي تتداولها الأوساط العلمية والثقافية مع عمان، وهذه الكلمة شكلت رمزاً للوحدة الوطنية نعمان عبر تاريخها، والملجأ الذي يلجأ إليه أهل عمان في مقاومة أي تدخل من عباسيين وبويهيين وقرامطة بل وحتى البرتغاليين في التاريخ الحديث حيث تمكن ناصر بن مرشد من الوصول إلى منصب الإمامة 1034 هجرية / 1624 م، فوحد جهود أهل عمان ضد البرتغاليين. كما كان لظهور شخصية الإمام أحمد بن سعيد 1154 هجرية / 1741 م، حماية للبلاد من الغزو الفارسي (8).
وبرغم سقوط الإمامة الأباضية 134 هجرية / 751 م، فقد ظل لها نفوذ في بعض المناطق إذ قام شبيب بن عطية، وهو من رجال الأباضية (1)، بدور سياسي ملحوظ في عمان، فكان بجبي الضرائب من بعض القرى رغم أنه لم يكن إماماً منصوباً، ويبدو أنه كان مستندا إلى موافقة زعامة الأباضية في البصرة والتي كانت تتابع أخبار عمان، وقد تسببت أعماله في انقسامات بين الأباضية حول مشروعية عمله (10).
بدأت مراحل الصراع القبلي في عمان منذ عام 145 هجرية / 762 م، فقد وقع النزاع بين طرفين هما: بني هناءة بزعامة غسان بن سعد الهنائي، وبين نافع وبني هميم. وقد تمكن الهنائيون من نهب نزوى وهزيمة بني نافع وبني هميم 145 هجرية / 762 م، بعد أن قتلوا منهم خلقاً كثيراً (11)، وترتب على ذلك اتساع دائرة الصراع القبلي في عمان. ولما كان بنو نافع وبنو
- 242 (1/242)
صفحة 227
هميم ينتمون إلى الحرث، فقد تدخل الحرث عن إبرا (12) وتحركوا ومعهم رجل من بني بكرة يقال له زياد بن سعيد البكري، وتمكنوا في النهاية من قتل غسان حينما جلسوا له أثناء عودته إلى داره. واتسعت دائرة الحرب لتشمل أطراف قبيلة أخرى حيث تقدمت قوات منازل العبري وهو من عمال الجلنديين، إلى إبرا للإنتقام من الحرث (13).
بدأت الزعامة الأباضية تستغل هذه الأوضاع لإعادة فرض سيطرتها على عمان من أجل إعادة الإمامة. ولعب موسى بن أبي جابر الأزكوي (14) كأحد تلك الزعامات دوراً هاماً في توجيه مجريات الأمور في عمان خلال تلك الفترة. فانتهز خروج غسان بن عبد الملك على راشد بن النظر الجلندي، ووقف مع رجال الأباضية مع غسان ضد راشد من أجل إزالة آل الجلندي عن حكم عمان، وقد مهد هذا الموقف نجاحاً لزعماء الأباضية نحو إزالة آل الجلندي وإعادة السيطرة على عمان. ومن هذه الأحداث نستخلص أموراً جديدة كان لها أثر في تطور الحركة الأباضية في عمان فهي ما يلي:
لا تحمد
أولاً: أصبحت الحركة الأباضية أكثر نضجاً من الناحية السياسية والعملية في التعامل مع متطلبات المرحلة وما تقتضيه من مواقف، وظهر هذا الأمر جلياً في عدم ركونهم إلى أفكار السلف والتبرأ من الظالم، وظهرت قاعدة جديدة في أعمالهم تقول: «بجواز الخروج مع الظالم على من هو أظلم منه» (15) واتضح ذلك حينما خرج الشيخان موسى بن أبي جابر ومحمد بن عبدالله بن جساس مع عثمان بن عبد الملك ضد راشد بن النظر، مع علمهما بأن غسان ممن سيرته، ولكن راشد أشد ظلماً منه. وقد استغلت الزعامة الأباضية هذه الأحداث لصالحها فيما بعد. ومثل هذه المواقف لا نجدها في حركات فرق المحكمة المتطرفة الأخرى مثل الأزارقة الذين امتازوا بمواقفهم المتزمتة وأوجبوا امتحاناً لكل من يلتحق بهم ليتأكدوا من مطابقته لآرائهم فإذا اجتاز الامتحان سمحوا له بالقتال في صفوفهم وإلا قتلوه (16). ثانياً: كان على زعماء الأباضية أن يتحملوا تبعية اعتمادهم على بعض الأطراف القبلية لغرض سيطرتهم على عمان وهي مهمة صعبة للغاية. فقد اعتمد الإمام محمد بن عبدالله بن أبي عفان على سعيد بن زياد البكري للقضاء على الفتن والاضطرابات في المنطقة الشرقية، أو بأهل الشرق، وقد قام سعيد بن زياد بإخماد هذه الفتن للاستيلاء على المنطقة (17). وقد حركت الدوافع القبلية سعيد بن زياد في الانتقام للحرث من أهل نزوى وأهل إبراء الذين أوقع بهم بنو هناءة إبان حكم راشد بن النظر 145 هجرية / 762 م، فأقدم على قطع النخل وهدم المنازل. وقد أثارت هذه الأعمال انقساماً بين كبار الدعاة حول شرعية أعمال سعيد بن زياد في قطع النخل وهدم البيوت ففي الوقت الذي أجازه موسى بن أبي جابر الأزكوي، أنكرها البعض مثل وائل بن أيوب الحضرمي (18)، وحمل تبعية ذلك للإمام، معتبراً ذلك ضياعاً وخسارة لبيت المال وإضراراً للدولة، وقد وافق البعض مثل محمد بن محبوب معتبرين تركاً للمعروف وسفكاً للدماء.
ما
يسمى
وقد تحمل الإمام مسؤولية هذه الأعمال. فكان ذلك عاملاً أساسياً في إزالته عن منصب
- 243 (1/243)
صفحة 228
الإمامة، بعد أن افتقد تأييد زعماء الدعوة وسعيا وراء وحدة البلاد من جديد تحت الإمامة الأباضية، فإن الإمام الوارث بن كعب الخرومي 179 هجرية / 795 م، قام باتخاذ إجراءات جديدة حول هذه القضية فأبعد سعيد بن زياد إلى خارج البلاد (19)، لكي يرضي زعماء الأباضية ويخفف من حدة الإنقسامات القبلية بين بني هناءة وبني الحارث.
(19)
(·)
ثالثاً: ظلت لمدرسة البصرة، وعلى رأسها الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ثم الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، الدور الكبير في توجيه الأحداث السياسية في عمان) في تلك الفترة القلقة، خاصة وأن المراسلات والإتصالات بين الطرفين الأباضيين في البصرة وفي عمان كانت دائمة ومستمرة، وأصبحت المجهودات التي يبذلها علماء الأباضية لها دورها الكبير في التوجهات السياسية في عمان في محاولة إنقاذها من الفوضى والانقسام، «ثم من الله على أهل عمان بالألفة على الحق بفضل خروج جماعة من المسلمين تمكنوا من عقد الإمامة للإمام محمد بن عفان (21).
وكان لحملات الدعوة التي ترسلها قيادة البصرة دوراً كبيراً في إضعاف آل الجلندي في عمان، والتمهيد لإعلان إمامة أباضية ثانية. كما لعبت أباضية البصرة والأزد بها دوراً هاماً في مراقبة التحركات العباسية ضد أهل عمان، وظهر ذلك بوضوح في إخطار داود بن يزيد المهلبي (22)، الإمام الوارث بن كعب بحملة عيسى بن جعفر إلى عمان وكان لهذا أثره في استعداد الإمام لمواجهة الحملة العباسية القادمة إليهم وبالفعل تمكن من هزيمة عيسى بن جعفر في حتّى (22).
رابعاً: فشل العباسيون في تدعيم نفوذهم في عمان، خاصة وأنهم اعتمدوا على آل الجلندي كقوة قبلية، وقد واجهت هذه القوة صعوبات جمة في عمان من الناحية القبلية ومن جهة زعماء الحركة الأباضية. وظل شعار: «لا حكم إلا لله رمزاً للثورة ضد آل الجلندي من قبل الأباضية، وكانت معركة المجازة في شهر رمضان 177 هجرية / 793 م، هزيمة ساحقة لآل الجلندي (24) ولنفوذهم في عمان، وقد تزامن ذلك مع أهم الفترات في العصر العباسي وهي خلافة هارون الرشيد.
وبعد سقوط الإمامة الأولى 134 هجرية / 751 م، توالى على حكم عمان عدة إمامات أباضية هي:
1 - إمامة محمد بن أبي عفان:
أعلنت إمامته في شوال 177 هجرية / 793 م (29)، والإمام الجديد من اليحمد نشأ في العراق وكان من أهلها ثم قدم إلى عمان، واختلفت الفقهاء الأباضية في صفة إمامته، فقيل كان إمام دفاع حتى تضع الحرب أوزارها، ويذكر السالمي عدة روايات عن مصادر أباضية قديمة يبين فيها إتفاق العلماء على أنه إمام دفاع رغم ذكره في البداية أنه إمام شري. بينما أظهر العلماء الأزكوي في كشف الغمة أن محمد بن أبي عفان عقد له الإمامة وبويع من قبل عميد الأباضية وهو موسى بن أبي جابر الأزكوي (26).
_ YEE_ (1/244)
صفحة 229
ومن هذه الآراء نستخلص أمرين هما:
الأمر الأول:
إجماع الروايات الأباضية، قديمها وحديثها (27)، على الطعن في سيرة وسلوك محمد بن أبي عفان حيث أظهروا جفوته للمسلمين ورده للنصائح وقد إتضح ذلك في الأحداث التي وقعت في المنطقة الشرقية وأعمال قائده سعيد بن زياد البكري.
الأمر الثاني:
إن إمامته صحيحة بدليل مبايعة عميد العلماء موسى بن أبي جابر الأزكوي له وتصح هذه الإمامة بمبايعة كبار العلماء (28) له. وإن كانت إمامة دفاع من أجل إنقاذ عمان من الفرقة والإنقسام وإزالة الجبابرة وهما محمد بن زائدة، وراشد بن النظر الجلنديان وكانت إمامته سنتان وشهراً (29).
2 ـ إمامة الوارث بن كعب الخروصي:
عقدت له الإمامة بعد اجتماع علماء الأباضية على عزل (30). محمد بن أبي عفان وكان ذلك 179 هجرية / 795 م، وسار الإمام الجديد على هدي السلف الصالح والتزم بالمنهج المستقيم وكان قد اشترك قبل توليه الإمامة في الأحداث التي أدت إلى عزل محمد بن أبي جابر الأزكوي والعلماء (31). وتعتبر فترة الإمام الوارث بن كعب من أهم عهود الإمامة في عمان داخلياً
وخارجياً.
فمن الناحية الداخلية عم الاستقرار ربوع عمان ولم يحدث ما يعكر صفو الأمن في جميع انحاء الإمامة، كما امتدحه المؤرخون لحسن سيرته والتزامه بمبادئ الأباضية، وقد قام الإمام بطرد سعيد بن زياد البكري للتخفيف من حدة العصبيات القبلية.
وأصبحت الدعوة الأباضية العامل الحاسم في السياسة التي ينتهجها الإمام. وأوردت
الروايات صوراً متعددة عن عدله وإخلاصه والتزامه بمبادئ الأباضية (32).
ومن ناحية السياسة الخارجية: فقد عاصرت تلك الإمامة خلافة هارون الرشيد 170 – 193 هجرية / 786 - 808 م، وقد ساعدتهم الظروف الطبيعية والسياسية في مقاومة المحاولات العباسية لإخضاع عمان. كما أن العباسيين افتقدوا في تلك الفترة وجود حلفاء لهم في المنطقة مما ساعد الإمامة على ترسيخ أقدامها في عمان (33). وبالفعل أرسل العباسيون حملة عسكرية إلى عمان ولكنها وصلت متأخرة، كما أن الإمامة كانت قد استعدت لها خاصة بعد إخطار أزد البصرة للإمام بأخبارها. ونظراً لأهمية هذه الحملة التي تعلق الخلافة العباسية عليها أمالاً فقد عين الخليفة هارون الرشيد أحد أقاربه قائداً عليها وهو عيسى بن جعفر (34).
1 Y?01 (1/245)
صفحة 230
ومن هذه الحملة نستخلص الأمور التالية:
الأول: أنها كانت تفوق حملة حازم بن خزيمة في العدد والعدة فقد بلغت ألف فارس وخمسة آلاف راجل (35) وكانت مكلفة بمهمة واحدة في الخليج العربي وهي إخضاع عمان فقط.
الثاني: أن هذه الحملات سارت بحراً، وهذا يشير إلى صعوبة الطرق البرية الموصلة إلى عمان، وكذلك إلى رغبة العباسيين في سرعة القضاء على إمامة عمان ...
الثالث: أعادت هذه الحلمة إلى أذهاننا ملاحم التعاون بين الأباضية وبين آل المهلب، شيوخ الأزد في المشرق، فقد أشارت الروايات الأباضية إلى أن داوود بن يزيد المهلب كتب إلى الإمام الوارث حول أمر الحملة وكان لهذا الأمر نتائج هامة في استعداد إمامة عمان. وبالفعل تمكنت من الانتصار على الحملة بعد نزولها على أرض عمان الشمالية (36) وإن كنا لا نتفق مع الرأي القائل: «بأن القوات العباسية كانت قد تمكنت من التوغل في عمان (37) لأن حتى (38) تقع في شمال عمان.
الرابع: لأول مرة تتمكن القوات الأباضية من دخول معركة ضد العباسيين بقوات كافية ومنظمة، فقد تمكن قائدها مقارش بن محمد اليحمدي، والي صحار، من قيادة القوات في أرض المعركة برأ. بينما كان أبو حميد الحمداني السلوتي يعاونه بحراً.
الخامس: مثلت قضية مصرع عيسى بن جعفر أهمية كبرى بين الروايات العمانية، وذلك أن الإمام استشار أصحابه في مصيره قبل أن يتخذ قراراً بقتله أو بعدمه فنظر بعض العلماء بتركه في السجن، حتى لا ترسل حملات عباسية أخرى للانتقام (39) منه، فقام الإمام بإيداعه سجن صحار، فأخذ الفقهاء يتحدثون في الأمر، حتى تحركت جماعة من أباضية صحار وقتلوا عيسى
بن جعفر في سجنه بدون علم الوالي.
السادس: كان انتصار الأباضية على تلك الحملة دليلاً على قوتها وتنظيمها لأمور عمان فرسخت جذورها ومدت من نفوذها حتى شملت سواحل عمان الشمالية وظلت عمان بعيدة عن الخط العباسي لفترة طويلة حتى 280 هجرية / 883 م، حينما أرسل. محمد بن نور على رأس حملة لإخضاع عمان وكما أن الخلافة العباسية خسرت حملتها، فقدت سيطرتها على سواحل عمان وخاصة أثناء أحداث الفتنة والمأمون (40).
وبعد وفاة الإمام الوارث بن كعب تولى على حكم عمان عدد من الأئمة أجمعت عليهم الدعوة الأباضية واستمروا في حكم عمان حتى سقطت الإمامة الثانية بعمان وهم: الإمام غسان عبدالله الفثمجي الأزدي: 192 - 208 هجرية / 807 ـ 823 م، وهو أول من اتخد اسطولاً لحماية سواحل عمان من القراصنة.
1
2
-
الإمام عبد الملك بن حميد: 208 - 216 هجرية / 822 - 840 م، وكان عصره استقراراً
وازدهاراً.
- 246 - (1/246)
صفحة 231
الإمام المهنا بن جيفر الفحجي اليحمدي: 226 - 237 هجرية / 840 ـ 851 م.
4 - الإمام الصلت بن مالك: 237 - 273 هجرية / 851 - 886 م، وقد تمكن من فتح جزيرة سوقطري (41).
الإمام راشد بن النظر اليحمدي: 273 - 277 هجرية / 886. 890 م.
6 - الإمام عزان بن تميم الخروصي: 277 280 هجرية / 890 - 893 م. ونلاحظ أن فترة حكم هؤلاء الأئمة لم تشهد تدخلا عباسيا. بسبب الظروف التي مرت بها البلاد العباسية بعد حملة بن جعفر. كما طغت خلافات قبلية من جديد أثناء إمامة الصلت بن مالك (42) وتعددت فيها آراء العلماء، ويمكننا أن نوجز هذا الأمر إلى عاملين هما: أولاً: تصدع قيادة الدعوة الأباضية، وبروز الطموحات الشخصية لدى بعض الدعاة أيضاً، وقد حمل السالمي وغيره الأجيال الجديدة من الدعاة مسؤولية تلك الاضطرابات التي وقعت بعمان وقد وصفهم بقوله: «نشأ في الدولة شباب وناس يتخشعون من غير ورع ويظهرون حب الدين ويبطنون حب الدنيا ويأكلون الدنيا بالدين» فلما طال عمر الصلت بن مالك عليهم ملوه (43).
الثاني: احترام الصراع القبلي من جديد: فقد استهل الإمام راشد بن النظر اليحمدي إمامته بالخلاف القوي والحاد بين القبائل العمانية من يمنية ونزارية، وتمحورت هذه الصراعات من جديد في شكل سياسي، وتدخل فيه رجال الدعوة الأباضية فقد قام شاذان بن الإمام الصلت المعزول باستقطاب مجموعة من القبائل وظهر في عمان محوران هما:
ا?
محور أنصار الإمام المعزول بقيادة ابنه.
ب - محور أنصار الإمام المنتخب راشد بن النظر.
والتحمت القوتان في معركة الروضة في الداخل من عمان، انحاز خلالها كبار رجال الدعوة إلى المعارضة بقيادة شاذان بن الصلت وأسفرت المعركة عن هزيمة الإمام راشد بن النظر وألقي القبض عليه وخلعه وسجنه وعقدت الإمامة لعزان بن تميم الخروصي. واعتبر هذا الأمر فوزاً
لليمنية (44).
وكان ذلك سبباً في وقوع وقعة أخرى 278 هجرية / 891 م، هي وقعة القاع (45) بين التكتل اليمني بقيادة الإمام عزان وبين التكتل النزاري بقيادة الحواري بن عبد الله الحداني، فانهزمت النزارية، وقد فر جماعة من المهزومين إلى والي البحرين العباسي محمد بن نور الذي استأذن الخليفة العباسي وتحرك بجيشه إلى عمان لينهي الإمامة الثانية ويحتل عمان وأشاع في البلاد الدمار فسمي محمد بن بور)
(13)
وبذلك أسدل الستار على الإمامة الأباضية الثانية.
- YEV_ (1/247)
صفحة 232
(1) الأزكوي، كشف الغمة، ص 44.
(2) السالمي، التحفة، ج 1، ص.\ ..
(3) أبو الحواري، الجامع، ج 1، ص 60. (4) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2، ص 66.
(5) السيابي، المرجع السابق، ج 2، ص 80. (6) الأزكوي، كشف الغمة، ص 44. المقتبس، ص 44. (7) السالمي، التحفة، ج 1، ص 103.
(8) عبد الله الطائي، دراسات عن الخليج العربي، ص (9) الشماخي، السير، ج 1، ص 113.
(10) السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 105، 106.
(11) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 225، 226.
(12) من مدن المنطقة الشرقية بعمان، ويسكنها حالياً بعض الحرث «انظر الملاحق». (13) العوتبي، المصدر السابق، ج 2، ص 220. الأزكوي، كشف الغمة، ص 44، 45.
(14) هو من بني ضبة بن سامة لؤي بن غالب وهو الذي عقد الإمامة للوارث بن كعب، ويعتبر من أهم دعائم الأباضية في تلك الفترة وهو من تلاميذ الربيع بن حبيب الفراهيدي، توفي سنة 181 هجرية / 797 م.
الشماخي، السير، ج 1، ص 221. السيابي، إزالة الوعثاء، ص 45، 46.
(15) السالمي، التحفة، ج 1، ص 108.
(16) جامع أبي الحواري، ج 1، ص 63، 64. السالمي، التحفة، ج 1، ص 112.
(17) وخاصة بعد أن جاءه الرد من أبي موسى بن أبي جابر الأزكوي بقوله تعالى: «ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليجزي الفسقين». الحشر آية 51.
(18) هو أيوب أبو وائل بن أيوب الخضرمي من رجال الأدب في البصرة، واشتهر بالزهد والتقوى والعلم، وارتبط بخط الإمام الربيع بن حبيب في الفقه ومناظرة المعتزلة والرد عليهم. واشترك في ثورة الأباضية في حضرموت واليمن الشماخي السير، 1، ص 105، 106.
(19) جامع أبي الحواري، ج 1، ص 64. السالمي، التحفة، ج 1، ص 112.
(20) السالمي، التحفة، ج 1، ص 113، نفاه إلى البحرين ثم رجع بعد موت الإمام الوارث».
(21) الأزكوي، كشف الغمة، ص 45.
(22) السالمي، التحفة، ج 1، ص 46.
(23) منطقة تقع على حدود سلطنة عمان الشمالية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وإن كانت معظمها يقع جغرافيا داخل دولة الإمارات العربية المتحدة. محمد متولي، حوض الخليج العربي، ج 1، ص 215.
السالمي، التحفة، ج 1، ص 114.
(24) السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 108.
(25) أورد السالمي تاريخين 23 رمضان 177 هجرية، شوال 177 هجرية، ص 111. (26) السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 110. كشف الغمة، ص 45، المقتبس.
- YEA (1/248)
صفحة 233
(27) أبي الحواري، الجامع، ج 1، ص 64، 65. السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 111.
(28) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي القابل المنطقة الشرقية، يناير، 1988 م. (29) السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 44، 45.
(30) يجوز عزل الإمام من قبل العلماء ولا يجوز أن تخلع الرعية إمامها أو أن يخلع الإمام الشاري بفقد سمعه أو بصره أو عقله ويجوز للعلماء أن يعزلوا الإمام إذا ضعف.
(31) الأزكوي، المصدر السابق، ص 44، 45.
(32) جامع أبي الحواري، ج 1، ص 64. السالمي، التحفة، ج 1، ص 115. السيابي، المرجع السابق، ج 2،. «يورد كل منهما أساطير حول اختياره ونهايته وحتى قبره حتى الآن الموجود في الهجار بالباطنة».
ص.115
(33) فاروق عمر، (دكتور)، الخليج العربي في العصور الإسلامية، ص 205. (34) تختلف الروايات في نسبه: تذكر الروايات الأباضية أن عيسى بن أبي جعفر، كشف الغمة، ص 46. السالمي،، التحفة، ج 1، ص 118، بينما تذكر الروايات الأخرى أنه عيسى بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبدالله بن العباسي. البلاذري، فتوح البلدان، ج 1، ص 93. اليعقوبي، تاريخ، ج 3، ص 166. (35) الأزكوي، كشف الغمة، ص 46.
(36) الأزكوي، الكشف، ص 46، «ذكر أنه كتب إلى الإمام مباشرة»، بينما ذكر السالمي والسيابي أنه داود كتب إلى والي صحار مقارش اليحمدي وقام والي صحار بالكتابة بدوره إلى الإمام بنزوى. السالمي التحفة، ج 1، ص 118. السيابي، عمان، ج 2، ص.119
(37) مهدي طالب، نشأة الحركة، ص 217.
(38) «حتى» منطقة تقع على الحدود بين سلطنة عمان وبين إمارة دبي (انظر الملاحق).
(39) الأزكوي، المصدر السابق، ص 46. السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 118. (40) أبي الحواري، الجامع، ج 1، ص 65. السيابي، عمان، ج 2، ص 120، 121. (41) السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 162. وجزيرة سوقطري تابعة اليوم لليمن الجنوبي.
(42) انظر السير والجوابات، ج 1، ص 125، تحقيق الدكتورة سيد إسماعيل الكاشف. (43) السير والجوابات، ج 1، سيرة أبي قحطان، ص 125 وما بعدها، ص 186 وما بعدها. السالمي، السابق، ص 20.
(44) أنظر تفاصيل وقعة الروضظة في العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 223، 227. (45) السالمي، المرجع السابق، ج 1، ص 263 وما بعدها.
- 249 (1/249)
صفحة 234
الخاتمة
شكل الجزء الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، تاريخاً وملامح خلاصة عن باقي أجزاء شبه الجزيرة العربية أولاً، وعن الدولة الإسلامية ثانياً. فإذا كانت القبائل العربية قد بدأت في الإتجاه إليه بصورة واضحة بعد انهيار سد مأرب في صورة جماعات قوية وكثيرة العدد، فإنها تمكنت أن تقيم كياناً عربياً مستقلاً لأول مرة في التاريخ، وتمكنت من إزاحة الهيمنة الفارسية المستمرة على أجزائه الساحلية، رغم ضعف الوجود العربي بهذا الجزء، في بعض الأحيان، إلا أن هذا الوجود ظل محتفظاً بطباعه وعاداته واستقلاله متخذا من جبال عمان وأوديتها حصوناً وحماية له.
ولما وصل الإسلام إلى هذا الجزء، سارع العرب إلى اعتناقه بينما رفضه الفرس كنوع من العصبية ضد الدعوة الإسلامية الجديدة، ومكن الإسلام الوجود العربي منذ البداية من تحقيق سيادة حقيقية على عمان تماماً، فطرد بقايا الفرس وأصبحت عمان جزءاً من الدولة الإسلامية تخضع لحكومة المدينة المنورة في كل شيء مثلها مثل بقية الولايات الإسلامية الأخرى. في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وبداية عصر عثمان. وإن كان الوجود القبلي فيها ما زال واضحاً.
- 251 - (1/251)
صفحة 235
النكسة الكبرى والمهزلة التي تعرضت لها الدولة الإسلامية في حرب صفين وما ترتب ومع على ذلك من انقسام المسلمين بشكل واضح وحاد، وبصورة خطيرة، وصلت نتائج هذا الأمر إلى عمان فظهرت السيطرة القبلية بصورة واضحة في تحديد التوجهات السياسية فيها بشكل واضح عن ذي قبل، ورغم وجودها بصورة مشاركة في الفترة السابقة، وعاد آل الجلندي إلى حكم عمان بلا منازع وأصبح عباد بن عبد بن الجلندي حاكماً مستقلاً ببلاده، فقطعت صلاتهم بالقيادة الإسلامية.
ولكن عمان قد ارتبطت بصورة وجدانية وعقائدية وثيقة مع العالم الإسلامي، فألقت عمان بقبائلها ورجالها في التيارات السياسية والعقائدية التي شهدها العالم الإسلامي بعد صفين، وساعدت عوامل قبلية في هذا الأمر، كما كان القرب الجغرافي والارتباط التجاري بين عمان وجنوب العراق عاملاً أدى إلى المساهمة الفعلية في الأحداث التي تعرض لها العالم الإسلامي منذ تلك الفترة، خاصة منطقة المشرق الإسلامي.
بدأ التعانق بين فكر المحكمة ومبادئهم وبين أهل عمان، وبصورة عملية في البصرة، بجنوب العراق وشمال الخليج العربي وعمان، فهي المدينة التي يشغل الأزد منها حياً مستقلاً في الأزد وشمل هذا الخمس دروباً لأزد عمان، وهي المدينة التي فر إليها جماعة من زعماء المحكمة احتماء بين قبيلتهم تميم، كبرى قبائل البصرة. وبدأ أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، يدعو إلى فكره في المدينة فانضم إليه الكثير من سكانها منهم جابر بن زيد الأزدي
خمس
العماني.
ولم توجد قضية قلقة بين الأقلام التي اقتربت من الروايات الأباضية وغيرها، مثل ما لاقت قضية جابر بن زيد ومكانه الصحيح في الحركة، ودوره في فكر المحكمة لقد وجدت شخصيات هامة تحركت مع جابر لنصرة فكر أبي بلال في البصرة، ولكن يبدو أن مكانة جابر العلمية وسعة فقهه جعلت منه زعيماً بين أقرانه، حتى في وجود أبي بلال مرداس نفسه. فهناك عبدالله بن أباض وغيره في تلك الفترة.
ولكن الظروف السياسية حتمت الربط بين الأباضية وبين عمان، فإذا كانت هذه الظروف قد أدت إلى انقسام المحكمة منذ 64 هجرية / 683 م، إلى فريقين أساسيين هما: الفريق المتطرف وعلى رأسه جماعة الأزارقة، والفريق المعتدل وعلى رأسه جماعة الأباضية، فإن تلك الظروف أيضا اضطرت زعيم الأباضية أن يحمي نفسه ودعوته من سيوف وسياط الأمويين وولاتهم في البصرة، فوجه جهده نحو أفراد قبيلته من أزد عمان الموجودين في البصرة، وعلى رأسهم آل المهلب، زعماء أزد العراق والمشرق. فانضم إليه الكثير وأصبحوا حماة ودعاة وقادة للأباضية
فيما بعد.
وحمل هؤلاء فكرهم إلى بلادهم عمان، فتلقفها أزد عمان وأهلها لأنهم وجدوا فيها صورة معبرة يحول في نفوسهم وخواطرهم وأمانيهم الوطنية، خاصة فيما يتعلق بقضية رئاسة الدولة. التي أصبحت حسب مفهوم الفكر الجديد لا ترتبط بقبيلة معينة من قبائل العرب أو بمنطقة دون
- 252 - (1/252)
صفحة 236
غيرها. فقبلوها دون تردد، وصل جابر بن زيد بنفسه إلى عمان بلده منفيا من سلطات البصرة الأموية، فأخذ الرجل يبذل جهده نحو نشر فكر الأباضية مبادئها.
وبذلك ارتبطت الدعوة الأباضية بالأزد، وخاصة أزد عمان، وانطلق الأزد للدعوة إلى الأباضية في خراسان واليمن وبلاد المغرب، كما سارعوا إلى نصرة ثورات الأباضية في اليمن 129 هجرية / 746 م، وقدم الرجال والنساء مساهمات جادة في نصرة الأباضية في كل مكان.
واستغلالاً للموقف العام في نهاية الثلث الأول من القرن الثاني الهجري / حوالي منتصف القرن الثامن الميلادي، أقدم أهل عمان على جني ثمار جهدهم الطويل مع الأباضية، فأعلنوا إمامة أباضية في بلادهم وجعلوا الجلندي بن مسعود إماماً عليهم، وأعلنوا أن هذا الأمر فيه خلاص ونجاة من أوضاع المسلمين الممزقة ووجهوا الدعوة إلى المسلمين للإنضمام إليهم.
وباركت القيادة السرية في البصرة هذه الخطوة وقدمت في سبيلها كل المساعدات.
ولكن الموقف العام للدولة الإسلامية كان قد تغير، إذ ورث العباسيون خلافة المسلمين، وكانوا قد بدأوا في رسم سياستهم بالاتجاه شرقاً براً وبحراً، فسارعوا إلى تحديد علاقتهم مع الأباضية في عمان بصورة سريعة معتمدين على السلاح وحده. ذلك لأنهم أدركوا أن وجود إمامة منفصلة عنهم في عمان تطل على سواحل الخليج العربي ستعرقل مشاريعهم في الاتصال بعالم المحيط الهندي واستثمار خيراته. رغم أن الطرفين العباسي والأباضي ربطتهما صداقة سابقة في الكفاح ضد الأمويين.
كان لسقوط الإمامة الأباضية الوليدة في عمان اختباراً قاسياً لنبض عمان، فظهرت على السطح من جديد قوى قبلية ارادت انتهاز الفرصة للصعود إلى مركز القيادة معتمدة على رصيدها القبلي والسياسي في الماضي، وهو الرصيد الذي أرادت أن تصهره أفكار الأباضية في سبيل بناء مجتمع إسلامي على قدم المساواة. ولكن رجال الأباضية استفادوا من هذه المحنة وزادوا من نشاطهم بين مناطق عمان وأخذوا في التصدي للقوى القبلية، بل واستغلالها أحياناً في سبيل الوصول إلى الهدف الأساسي وهو إعلان إمامة أباضية، وبالفعل تحقق لهم ذلك، فقد أعلنوا إمامتهم الثانية في عام 177 هجرية / 793 م، وباتت عمان هي الأخرى تستفيد من هذه التطورات فبدأ الاتجاه للداخل، وولى الزعماء الجدد ظهورهم للساحل القريب من الأخطار، وأصبحت نزوى (بيضة (الإسلام مركز الأباضية في عمان ومناطقها وقبائلها. كما ارتبط بها وبعمان الصراع القبلي المرير.
على أن أهم القضايا التي ما زالت بدون حل في هذا البحث هي قضية مصطلح الأباضية. وحتى الآن ما زال يثير قلقاً لغوياً بين الأباضية، لقد رفضت الروايات العمانية القديمة هذه التسمية، وأصرت وكررت تسمية جماعتها بالمسلمين، أو جماعة المسلمين، وأهل الدعوة أو أهل الاستقامة، وتذكر أنها فوجئت بهذه التسمية فيما بعد فقبلها البعض على مضض. أما
- 253
- (1/253)
صفحة 237
الروايات الأباضية الحديثة فلا ترى ما يسيء إلى تاريخ الجماعة من هذه التسمية، خاصة وأن ابن أباض من زعماء الدعوة، ولكنها تتبرم من دوره القليل في الدعوة أمام جابر بن زيد المستتر عن معاصريه بهذا الأمر. وحتى أنها تشير إلى تراثها الضخم من الناحية الفقهية واللغوية ولا تجد فيها مسألة تؤثر عن ابن أباض، بينما هناك مصنفات كاملة تروى عن جابر بن زيد. كما أنها لا ترغب في أن تنسب إلى شخص بمفرده بينما هي ترتبط بأفكار لأئمة عديدين ومجتهدين كثيرين على مر عصورها. ولكن ظلت تسمية الأباضية مرتبطة بتلك الجماعة وبهذه المنطقة حتى الآن ويمثل فكرها ومبادئها أساساً لهم.
_ YOU_ (1/254)
صفحة 238
الملاحق
255 - (1/255)
صفحة 239
رسائل جابر بن زيد:
تتكون هذه الرسائل من سبع عشرة رسالة، وتوجد منها نسخة مخطوطة بالمكتبة الإسلامية بمسقط وهي نسخة منقولة عن نسخة أخرى أشير إلى أنها موجودة بالمملكة المتحدة (دون تحديد لإسم المكتبة أو المدينة).
ونسخة المكتبة الإسلامية مشفوعة ببعض التعليقات والتصويبات الخفيفة دون ذكر لاسم من قام بها، وهي مكتوبة على الآلة الكاتبة وقد كتب على كل رسالة عنوانها بخط حديث وقد تركت في بعض السطور فراغات بيضاء للكلمات التي لم يهتد الناسخ إلى قارءتها وورد فيها نماذج قليلة من كلمات نسخت الأصل بطريقة الخط القديمة أو صورت ووضعت وهي تشير إلى أن الأصل كتب بخط نسخ قديم.
عنا
وتمتاز الرسائل السبعة عشرة بالتجانس من حيث الشكل فهي جميعاً منسوبة إلى جابر بن زيد وتبدأ جميعاً بالبسملة ثم بعبارة «من جابر بن زيد إلى فلان وقد تعكس هذه العبارة الأخيرة كما جاء في صدر الرسالة السادسة عشرة فيقال بعد البسملة «لعبد الملك بن المهلب من جابر
بن زيد».
257 (1/257)
صفحة 240
كذلك
بالإضافة إلى ذلك فإن البناء الفني للرسائل جميعاً يسير على خطة واحدة ويسير. أسلوبها على نسيج واحد مما يؤكد صدورها جميعاً عن كاتب واحد وفيما يتصل بالنسبة للبناء
الفني تتشكل كل رسالة على النحو التالي:
1 - البسملة.
2 ـ تحديد المرسل منه والمرسل إليه.
- التحية بالسلام.
مقدمة وعظية رقيقة قد تطول وقد تقصر.
ه - رد على تحية المرسل وشكر له على السؤال.
6 ـ إجابة على الأسئلة الفقهية التي طرحها في رسالته مع تواضع علمي بالغ. - توصية المرسل إليه في بعض الأحيان بأن يكتم أمر الرسالة.
ـ تحية الختام.
هذه هي ا النقاط التي تشكل الهيكل الفني الذي تشترك فيه جميع الرسائل، وهو اشتراك يؤكد وحدة المنبع فإذا أضيف إليه خصائص الأسلوب الرفيع الذي تتمتع به جميعاً وتناسق المعلومات الواردة بها عن كابتها وعن عصره، مما ستشير إليه أمكن الاطمئنان العلمي إلى صحة نسبة الرسائل إلى جابر وهو اطمئنان يحتاج بالطبع إلى مزيد من التثبت من خلال العثور على نسخة أصلية للمخطوطة أو أكثر ومقابلتها وتحقيقها.
يلاحظ أن هذه الرسائل جاءت جمعيها رداً على رسائل سابقة وردت إلى جابر في البصرة من أطراف متعددة لم تحددها الرسالة ولكن يفهم من بعضها أنها واردة من عمان كما هو الشأن في الرسالة الثامنة والرسالة الخامسة عشرة وبعضها الآخر وارد من بلاد فارس حيث ترد كلمة «الدهاقين» في الاشارة إلى نظم زراعة الأرض وتملكها كما هو الشأن في الرسالة التاسعة والرسالة السابعة عشرة.
وهذا التنوع الجغرافي للرسائل له دلالات هامة:
منها أن جابراً كان قد نجح في تمكين طريقته في «التدوين» كوسيلة حضارية لنقل العلم وتبادل الرأي والفتوى مع من يحتاج إليها في أرجاء العالم الإسلامي وهي نقلة حضارية أشرنا إلى قيمتها فيما سبق وإلى أهميتها وضرورتها مع اتساع رقعة العالم الإسلامي وتجدد مشكلات الحياة التي تبحث عن آراء العلماء ولا تجد الوقت لانتقال السائلين من أطراف الأرض إلى البصرة أو إلى مكة المكرمة والمدينة، والرسائل من هذه الناحية تثبت أهمية وفعالية الوسيلة الحضارية التي ناصرها جابر وتحمس لها وهي وسيلة «التدوين والكتابة».
_ YOU_ (1/258)
صفحة 241
ومن الدلالات كذلك أن شهرة جابر وعلمه قد ملأت الآفاق وأن الناس يكتبون إليه من بلاد
بعيدة ويبحثون عن فتاواه على نحو خاص وجابر يشير إلى شيء من ذلك في الرسالة السادسة عشرة حين يقول: «أتاني كتابك الذي تسألني فيه من الذي تزعم أن صدوركم لا تثلج إلى فتيا غيري فلعمري ما أنا إلا متعلم متبع آثاراً قد وطئت قبلي، وما عندي من ذلك ثقة ولا دلالة إلا
رواية عسى أن نختلف فيها»، وهي عبارات مشبعة بروح التواضع الجم عند العلماء. رسائل جابر إذن رسائل «رد» وليس رسائل «طلب» فعلى من يرد جابر في رسائله؟. تحدد الرسائل السبعة عشرة أسماء من توجهت إليهم فيما عدا الرسالة الأولى التي ضاعت صفحتها الأولى من المخطوط وهي الصفحة التي تحمل اسم المرسل إليه ومن ثم فهي تحمل في المخطوطة عنوان: «رسالة جابر بن زيد إلى أحد أصحابه»، وبقية الرسائل ممهورة بأسماء من
توجهت إليهم.
- 259 - (1/259)
صفحة 242
رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم
إلى
جيفر وعبد ابني الجلندي بعمان
بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى جيفر وعبد ابني الجلندي برسالة مع عمر بن العاص، وكان كتابه صحيقة أقل من الشبر فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم»، من محمد بن عبد الله، إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوكما بداعية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين. وإنكما إن اقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تطأ ساحتكما، وتظهر نبوتي على
ملككما.
كان الكاتب بهذا أبي بن كعب، والرسول - صلى الله عليه سولم ـ المملي عليه.
العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 260،
وزارة التراث القومي والثقافة، 1984 م، سلطنة عمان.
- 261 - (1/261)
صفحة 243
رسالة
جابر بن زيد إلى غطريف بن عبد الرحمن (ه)
«بسم
الله الرحمن الرحيم»
من جابر بن زيد، إلى غطريف بن عبد الرحمن سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله
به،
إلا هو، وأوصيك بتقوى الله، وحسن الثقة في التوكل عليه فإن الحسن الظن بالله يكن ثقته بـ ومن يكن سيء الظن بالله يكن ثقة بمن لا يكفيه من أمره كفاية وينزل السيء ظنهم بالله بمنزلة الردي والخسران، فاتق الله ولا تكن منه على حرف، وكن صادقاً في النصيحة ولا تكن مخدوعاً خادعاً. واعلم أن الأحمق الجاهل من طلب مخادعة الخالق، خالق الخداع،، ذلك ينزل به جهله أبواب النفاق. واعلم أن لأهل النفاق أبواباً نسبتهم في منازل مختلفة الناس منها ما يصغر في أنفسهم أمره يخلف الله به من الإسلام فيعلم من شاء بذلك، ومنهم من يصير له بأخلاق يتخلق بها في الإسلام. واعلم أنه كان من أصغر أبواب النفاق في أنفس الناس الخلف، فاعلم الناس أمراً عرفوا أن مصيره من خالطه من الذي يصغر في نفوسهم إلى الناس فيعرف أهل اللب
(*) نقلاً عن مخطوطة رسائل جابر بن زيد بالمكتبة الإسلامية بمسقط.
الله
به
- 263 - (1/263)
صفحة 244
إن ما سوى ذلك عند الله ما هو أكبر من الخلف على قدر ما يعظم من أبواب النفاق. فتعاهد تلك الأمور وتذكر عاقبتها، وتنزه عنها تنزه من توقاها من ترك فيه كثيراً من صفة الأمور مخالفة القرية من التي بها يسخط الله على المفارقين لها. واعلم أن العباد بمنزلة مورالكيس منهم المفارق للحزن والبكاء والخوف مخافة الاستدراج. فإن استطعت أن تعاهد منزلتك في كتاب
مما
الله فافعل فإن منازل العباد مستبينة واضحة يعرفها أهل المخرج من الزلل والعثرات. واعلم أن الجبار لم يزل يصنع إلى الناصحين له في أمره من الصنع صنعاً عرفهم به منازلهم من الله في كتابه فما زالوا به للمهتدين منارة يهتدوا بها فيأخذون في جادتها، اعلم لهم فيها النور حتى إذا ذللت لهم طرقها، وذلوا بعرفانها، ووطنوا قلوبهم عليها وتبين لهم واضح مبيع. بهم في مزيد الهدى والثبات حتى أعلمهم جملة نسبتهم ونسبة الناس حتى عرفوا أمر الله ونسبته لخلقه ما لم تعرف الملائكة، حتى عرفوا مواضع الكلام وكل لحظة وزلة، فإن استطعت ألا تكون متعاهداً لما لا تغني به شيئاً، وتصنع الذي أنت عليه مسؤول من هذا، واحذر أن تدل على الله بدالة، ولا ترين أن لك فضلاً في الإسلام، فإنه من يكون بتلك المنزلة من التزين تزيد من معرفة فضله ومن يكن بهذه المنزلة يكبر مقته عند الله، وكفى بالغباد شقاء أن يكونوا بمنزلة يرون أن لهم فضلاً على سائر العباد بغير ابتلاهم الله واختصهم به. واعلم أن المصغر إليه نفسه المحتقر إليه عمله بمنزلة غبطة عند الله وشرف، فتفهم في الذي عمر الله به قلبك من كتاب الله، فإن القارئ له من عرف منزلته، والجاهل له من لم يدر أموره وإن دل به لسانه. فنسأل الذي بفضله ورحمته يتدارك أهل الزلل والخطابا أن يتداركا في الذي اسخطناه فيه.
أما
بعد، فإنا صالحون سالمون إن عرفنا الله فضله وفواضله، وقد أتاني كتابك تذكر فيه صلاح عافيتك فحمدت إليه على ذلك، وسألته تمام كرامته فيما يوافق محبته حتى يمضينا
على ذلك.
وأما الذي ذكرت من رجل أسلف برداً بثوبين، فإن يرد غير البرود فإن ذلك لا يصلح. وأما الذي ذكرت من شأن الجلوب وما يباع شيء منها نسيئه ببر فإن ذلك لا يصلح. وأما الذي ذكرت من رجل أدرك الإمام يوم الجمعة وقد تقدم إلى الصلاة وليس الرجل على طهر ولا ماء كونه إن طلب الماء فاتته الصلاة مع الإمام هل له أن يتيمم بالصعيد ويصلي؟ فلا لعمري الصعيد في قرية فيها الماء إنما الصعيد في الفلوات حيث ليس الماء فليطلب الماء ثم يصلي الأولى، فلا والله ما
أنا بمرخص له في الصعيد وهو غير متوض وما بال الرجل يأتي الجمعة وهو غير متوض. وأما الذي ذكرت من رجل أصاب من إمرأة زنى في شركهما ثم أسلما بعد ذلك هل يصلح له. أن يتزوجها يجدد لها، فذلك الذي كان يقول ابن عباس رضي الله عنهما، أوله سفاح وآخره نكاح. وأما الذي ذكرت من رجل اعتمر عمرة ثابتة ثم رحل إلى أهل قضى له أن يحج هل له أن يتمتع. فإن قدم من يوم غرفة فلا عليه أن يتمتع، فإن قدم قبل ذلك وأنف فإني أكره أن يقيم بمكة أياماً محرمة فليتمتع، على أنه العمرة في السنة الواحدة.
اكتب إلي بما كان لك من حاجة، والسلام عليك ورحمة الله.
- 264 - (1/264)
صفحة 245
حكام عمان وولاتها
حتى إمامة الجلندي سنة 132 هجرية / 749 م.
م الحاكم العصر ملاحظات
عمرو بن العاص الرسول صلى الله عليه وسلم يساعده عبد وجيفر
جيفر وعبد أبو بكر حذيفة بن محصن - صدقات
جيفر وعبد عمر بن الخطاب عثمان بن أبي العاص - صدقات
عباد بن عبد
عثمان - علي ـ بداية الأموي قتل على يد عطية بن الأسود
سعيد وسليمان
عبد الملك بن مروان
6 الخيار بن سبرة المجاشعي الوليد بن عبد
صالح بن عبد الرحمن صالح بن عبد الرحمن
زياد بن المهلب عمر عبدالله الأنصاري
11 زياد بن المهلب
12 جناح بن عباد الهنائي
الملك
الوليد بن عبد الملك سليمان بن عبد الملك سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز حتى نهاية العصر الأموي
المنصور
13 محمد بن جناح بن عباد المنصور
14 الجلندي بن مسعود إعلان الإمامة الأباضية
هربا إلى شرقي افريقية ولاية الحجاج
ولاية يزيد بن أبي مسلم
ولاية يزيد بن المهلب
المصادر:
1 - الأزكوي، كشف الغمة، 40 - 44، تحقيق عبد المجيد القيس. ص
2 - ابن زريق، الفتح المبين، ص 212 - 221، تحقيق عبد المنعم عامر، د. محمد مرسي عبد الله. (1/265)
صفحة 246
المخطوطات والمصادر والمراجع والدوريات والندوات
أولاً: المخطوطات:
1 -
2
-
ابن عبد السلام، جعفر بن أحمد، توفي أواخر القرن الحادي عشر الهجري، إبانة المناهج في نصيحة الخوارج، دار الكتب المصرية، رقم 25499 ب.
ابن عطية، شبيب، عاش في القرن الثاني الهجري، سيرة شبيب، دار الكتب المصرية رقم
22298 ب.
البرادي، أبو القاسم ابراهيم، (توفي سنة 697 هجرية / 1297 م)، الجواهر المنتقاة، نسخة بخط سالم بن عامر بن عبيد الحارثي كتبها يوم 9 شعبان سنة 1393 هجرية، ملك أحد علماء عمان آلت إليه بالشراء من زنجبار، وحصلنا على نسخة منها من مكتب ديوان عام وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، بناء على إذن من سماحة مفتي عام
السلطنة.
4 ـ الجيطالي، اسماعيل بن موسى، توفي سنة 575 هجرية / 1179 م)، شرح قواعد
الإسلام، دار نسب المصرية، رقم 22067 ب.
- 267 - (1/267)
صفحة 247
5 الشماخي، أحمد بن سعيد بن عبد الواحد، (توفي سنة 928 هجرية / 1574 م)، كتاب سير المشايخ، مخطوط يقع في جزءين، حصلنا عليه من الفاضل / مدير عام الشؤون الإسلامية بوزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد بن سعود السيابي.
6 - الرقيشي، أحمد بن عبدالله (القرن العاشر الهجري، مصباح الظلام، دار الكتب المصرية، رقم 20549 ب.
مجموعة السير والجوابات. كتبها مجموعة من علماء الأباضية. حصلنا على نسخة منها طرف الفاضل / محمد بن أسد الكندي، بمسقط، بمنطقة روي، بناء على توصية سماحة المفتي العام للسلطنة.
مجموعة رسائل الإمام جابر بن زيد، المكتبة الإسلامية، روي، مسقط، سلطنة عمان.
ثانياً: المصادر
المصادر العامة:
1 - ابن أبي حديد، عبد الحميد هبة الله، (توفي سنة 655 هجرية / 1257 م)، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، 1964.
ابن الأثير، مجد الدين المبارك بن محمد، توفي سنة 630 هجرية / 1232 م)، الكامل في التاريخ، (طبعة عيسى البابي الحلبي)، تحقيق عبد الوهاب النجار، 1356 هجرية / 1937 م، الطبعة الأميرية.
أسد الغابة في تميز الصحابة، القاهرة، 1258 هجرية / 1842 م ..
3 ـ ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، توفي سنة 778 هجرية / 1376 م)، رحلة ابن بطوطة، المسماة تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الآثار، بيروت، 1960 م.
4 - ابن بكار، الزبير، توفي سنة 246 هجرية / 869 م، جمهرة نسب قريش أخبارها، تحقيق محمد محمود شاكر، القاهرة، 1381 هجرية / 1961 م.
ابن حبيب، أبو جعفر محمد بن أمية، توفي سنة 345 هجرية / 956 م)، المحبر، تصحيح زاشتر، حيدر آباد، 1942 م.
6 ـ ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، توفي سنة 456 هجرية / 1067 م)، جمهرة أنساب العرب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار المعارف، 1971 م.
-الفصل في الملل والنحل، مصر، 1320 هجرية
ابن حوقل، النصيبي، توفي 1367 هجرية / 977 م)، صورة الأرض.
- 268 - (1/268)
صفحة 248
- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمود، توفي سنة 804 هجرية / 01، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار البيان، بيروت، بدون تاريخ.
-
9
المقدمة مطبعة مصطفى محمد، القاهرة، بدون تاريخ.
ابن خلکان، أحمد بن محمد، توفي سنة 681 هجرية / 1282 م)، وفيات الأعيان، تحقيق الدكتور احسان عباس، بيروت، 1971 م.
10 ابن خياط أبو عمرو، خليفة، توفي 240 هجرية / 854 م، تاريخ خليفة، تحقيق سهيل زکار، دمشق، 1968 م. الطبعة الأخرى تحقيق د. أكرم ضياء العمري، العراق، 1967 م. 11 - ابن سعد، محمد،، توفي سنة 210 هجرية / 825 م، الطبقات الكبرى، بيروت، سنة
1958 م. 12 ابن سلام الأباضي، سلام بن عمر، (توفي نهاية القرن الثالث الهجري، بداية العاشر الميلادي)، تاريخ ابن سلام، بعنوان «الإسلام من وجهة نظر أباضية»، تحقيق، ر. ف. شقارتز وسالم بن يعقوب، تونس، 1985 م. 13 ابن عبد الحكم، عبد الرحمن بن عبدالله (توفي 257 هجرية / 870 م)، فتوح مصر، تحقيق عبد المنعم عامر لجنة البيان العربي، القاهرة، بدون تاريخ.
14 ابن عبد ربه، أحمد بن محمد، .. توفي 328 هجرية / 939 م)، العقد الفريد، تحقيق محمد سعيد العريان، 1940 م، بدون ص.
15 ابن قتيبة، أبو محمد عبد الكريم بن مسلم، توفي 276 هجرية / 889 م)، الإمامة والسياسة، القاهرة، 1969 م.
16 ابن ماجد، شهاب الدين أحمد بن ماجد بن محمد النجدي، (توفي بعد 906 هجرية)، كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد، تحقيق إبراهيم خوري وعزة حسن، دمشق،
1971 م
م.
17 ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (توفي 711 هجرية / 1311 م)، لسان العرب، تحقيق يوسف خياط، بيروت،.
، 1968 م.
18 ابن النديم، محمد بن اسحق، توفي 235 هجرية / 849 م، الفهرست، القاهرة، سنة
1832
19 ـ ابن هشام، أبو محمد عبد الملك، (توفي نهاية العقد الثاني من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي)، السيرة النبوية تحقيق محي الدين عبد الحميد، القاهرة، 1383 هجرية / 1963 م.
-179 - (1/269)
صفحة 249
20 - أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، (توفي 356 هجرية / 966 م)، الأغاني 24 جزء، القاهرة، 1963 م.
21 - أبو نعيم، أحمد بن عبدالله، توفي 340 هجرية / 951 م، حلية الأولياء، القاهرة،
1938
22 ـ الأسفرائي، أبو المظفر شاهفور بن طاهر محمد) د، توفي 471 هجرية / 1078 م)، التبصير في الدين وتمييز الفرق الناجية، تحقيق محمد زاهد القاهرة، سنة 1955 م.
د.
23 - الأزدي، أبو زكريا يزيد بن محمد، توفي 234 هجرية / 848 م)، تاريخ الموصل، تحقيق. علي حبيبة، القاهرة، 1967. 24 ـ الأشعري، أبو الحسن علي بن اسماعيل، (توفي 324 هجرية / 935 م)، مقالات إسلامية واختلاف المصلين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، 1369 هجرية /
1949 م.
25 الأصطخري، أبو اسحق إبراهيم بن محمد، توفي 1 هجرية / 951 م)، المسالك والممالك، تحقيق جابر عبد العال، القاهرة، 1961 م.
26 ـ البستي، أبو هاشم محمد بن حيان (توفي 354 هجرية / 965 م)، مشاهير علماء الأمصار، تصحيح فلاشهمر، القاهرة، 19610 م.
27 ـ البخاري، محمد بن اسماعيل بن إبراهيم، (توفي 256 هجرية / 869 م)، كتاب التوحيد، شرح الشيخ أبي محمد عبد الحق الهاشمي، الرياض، سنة 1403 هجرية / 1982 م. 28 ـ البغدادي، عبد القادر بن طاهر، (توفي 129 هجرية / 1037 م)، الفرق بين الفرق، بيروت، 1973 م.
29 البلاذري، أحمد بن يحيى بن أبي جابر، توفي 279 هجرية / 892 م)، أنساب الأشراف. الجزء الأول، تحقيق الدكتور محمد حميد الله، معهد المخطوطات العربية، دار
المعارف، 1959 م. الجزء الثالث، تحقيق محمد باقر الحموي، بيروت، 1977 م.
باقي الأجزاء مخطوطات.
فتوح البلدان، تحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة، 1956 م.
30 الجاحظ، عمرو بن بحر (توفي 255 هجرية / 868 م، البيان والتبيين، تحقيق فوزي عطوي، بيروت، 1968 م.
31 الحنفي، أبو محمد عثمان بن عبدالله، (توفي حوالي 500 هجرية / 1106 م)، الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة، تحقيق د. باشر قوتلو آي، أنقرة، 1961 م.
2700 (1/270)
صفحة 250
36 الرازي، أبو محمد بن عبد الرحمن بن أبي حاتم، توفي 327 هجرية / 938 م)، كتاب الجرح والتعديل، حيدر آباد، 1357 هجرية / 1938 م.
33 ـ الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر، (توفي 548 هجرية / 1153 م الملل والنحل تحقيق محمد سعيد كيلاني، القاهرة، 1961 م.
34 الطبري، محمد بن جرير، توفي 310 هجرية / 922 م، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الرابعة، 1979 م. سلسلة ذخائر
العرب.
استشهاد الحسين، تحقيق الدكتور السيد الجبيلي، بيروت، سنة 1985 م.
35 القزويني، زكريا بن محمد، بيروت، 1960 م.
، توفي 682 هجرية / 1230 م)، آثار البلاد وأخبار العباد،
36 ـ الماوردي، أبو الحسن، توفي 450 هجرية / 1058 م)، الأحكام السلطانية، القاهرة،
الطبعة الثالثة، 1973 م.
37 - المبرد
، محمد بن يزيد الأزدي العماني، (توفي 258 هجرية / 871 م)، الكامل في اللغة والأدب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، سنة 1977 م.
38 ـ المسعودي علي بن الحسن بن علي، توفي 346 هجرية / 957 م)، مروج الذهب،
الطبعة الرابعة، 1981.
-
م.
التنبيه والأشراف، بيروت، 1981 م.
، توفي في القرن الرابع الهجري / نهاية العاشر
39 ـ المقدسي، شمس الدين محمد الميلادي)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن، 1906 م.
40 - الملطي، أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، (توفي 377 هجرية / 987 م)، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، بيروت، 1388 هجرية / 1968 م. .
41 ياقوت الحموي، توفي 626 هجرية / 1228 م)، معجم البلدان، ليبزغ، 1873 م. 42 ـ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر (توفي آخر القرن الثالث الهجري / العاشر
الميلادي).
تاريخ اليعقوبي، النجف، 1964 م.
البلدان، ليدن، 1860 م.
- 271 - (1/271)
صفحة 251
المصادر الأباضية (1)
-1
2
4
-
_ O
V
ابن زريق، حميد بن محمد،. (1274 هجرية / 1857 م)، الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، تحقيق عبد المنعم عامر، د. محمد مرسي عبدالله، 1977 م. الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي والثقافة.
ابن جعفر، أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي، الجامع، تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي، 1981 م.
ابن النظر، أبو بكر أحمد بن النظر العماني، الدعائم، شرح محمد بن وصاف، تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي.
ابن بركة، أبو محمد بن عبد الله بن محمد، كتاب الجامع، تحقيق عيسى الباروني، وزارة التراث القومي والثقافة.
البسيوي، أبو الحسن علي بن محمد الجامع، وزارة التراث القومي والثقافة، 1984 م. - البوسعيدي، مهنا بن خلفان، كتاب لباب الآثار، تحقيق عبد الحفيظ، وزارة التراث،
- A
1981 م.
الشقصي، خميس بن سعيد، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق ابن حمد بن سليمان الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة.
الشماخي، عامر بن علي، كتاب الإيضاح، وزارة التراث القومي، 1983 م.
"
9 - الجناوني، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير، كتاب الوضع المختصر في الأصول والفقه، علق عليه إبراهيم بن اطفيش مكتبة الاستقامة. 10 الجيطالي، أبو طاهر اسماعيل، قناطر الخيرات، وزارة التراث القومي والثقافة، 1983 م.
11 - الخراساني، أبو غانم، المدونة الكبرى، وزارة التراث القومي والثقافة، 1983 م. 12 الكندي، أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي 557 هجرية / 1162 م)، المصنف، تحقيق عبد المنعم عامر ود. جاد الله أحمد، وزارة التراث القومي والثقافة.
13 ـ الكندي، محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، تحقيق لجنة من علماء عمان، باشراف سماحة الشيخ أحمد بن محمد الخليلي، مراجعة عبد الحفيظ شلبي، وزارة التراث القومي والثقافة، 1982 م.
(1) صدرت هذه المصادر حديثاً عن وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان بعد أن كانت في صورة
مخطوطات.
- 272 - (1/272)
صفحة 252
14 ـ الورجلاني، أبو يعقوب يوسف، الدليل والبرهان، تحقيق سالم بن حمد الحارثي، وزارة
التراث القومي والثقافة، 1983 م.
- حاشية الترتيب، وزارة التراث، 1982،
م.
15 الأزكوي، سرحان بن سعيد، كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تاريخ عمان المقتبس منه، تحقيق عبد المجيد القيسي، وزارة التراث.
16 ـ السعدي، جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعية، تحقيق عبد الحفيظ شلبي، وزارة التراث القومي والثقافة، 1982 م.
"
17 ابن اطفيش، محمد بن يوسف، شرح عقيدة التوحيد وزارة التراث القومي والثقافة 1983 م.
الجنة في وصف الجنة، وزارة التراث القومي والثقافة، 1983 م. جامع الشمل في حديث خاتم الرسل وزارة التراث القومي والثقافة، 1984 م.
شامل الأصل والفرع وزارة التراث القومي والثقافة، 1984
م.
- إزالة الاعتراض عن محفي آل أباض، سلسلة تراثنا، رقم 29.
18 ـ أبو كريمة، الإمام أبي عبيدة مسلم، رسالة أبي عبيدة في الزكاة، سلسلة تراثنا، العدد
34
19 مجهول، تاريخ أهل عمان، تحقيق د. سعيد عبد الفتاح عاشور، وزارة التراث القومي والثقافة، 1982 م.
20 - المغيري، سعيد بن علي، جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، تحقيق محمد الصليبي، الطبعة الثانية وزارة التراث القومي والثقافة، 1986 م.
21 ـ المحروقي، درويش بن جمعة، الدلائل في اللوازم والوسائل، تحقيق عبد المنعم عامرود. محمد الهادي وزارة التراث القومي والثقافة.
22 ابن قيصر، عبد الله بن خلفان، سيرة الإمام ناصر بن مرشد، تحقيق عبد المجيد القيسي، وزارة التراث القومي والثقافة.
23 - السالمي، عبدالله بن حميد معارج الآمال على مدارج الكمال، تحقيق محمد محمود اسماعيل وزارة التراث القومي والثقافة، 1983 م.
24 ـ الخصيبي، شقائق النعمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1984 م.
بالإضافة إلي:
كتب الأدب ودواوين الشعر. * كتب الفقه.
- 273 (1/273)
صفحة 253
ثانيا: المراجع المراجع العربية العامة
أبو زهرة، محمد، المذاهب الإسلامية، القاهرة، 1959 م.
أطفيش، محمد بن يوسف: رسالة شافية في بعض التواريخ الجزائر، 1299 هجرية.1881 - شرح كتاب النيل، بيروت، 1972 م.
م.
الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان الجزائر، 1305 هجرية / 1887
ـ أمين أحمد، فجر الإسلام، القاهرة، 1928 م.
الباروني، أبو ربيع سليمان، مختصر تاريخ الأباضية، تونس، 1936 م.
م.
ه ـ الباروني، عبدالله بن يحيى، سلم العامة والمبتدئين، تونس، 1324 هجرية / 1906 م. 6 - بروکلمان، کارل، تاريخ الأدب العربي، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار، دار المعارف، القاهرة، 1974 م.
تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه فارس ومنير الثعلبي، الطبعة العاشرة، بيروت،
1984
م
ـ حسن حسن إبراهيم تاريخ الإسلام السياسي، القاهرة، 1961 م.
- حسين طه الفتنة الكبرى، دار المعارف، القاهرة. بدون تاريخ.
9 ـ الخربوطلي، علي حسني، الإسلام والخلافة، بيروت، 1969 م.
10 ـ الدجيلي، محمد رضا فرقة الأزارقة، النجف الأشراف، 1973 م. 11 ـ دكسن، عبد الأمير الخلافة الأموية، (65 - 86 هجرية / 684 ـ 705)، بيروت،
1973 م.
12 ـ الدوري، عبد العزيز، مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، بيروت، 1960 م. بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب، بيروت، 1960 م.
13 زلوم عبد القادر، عمان، الإمارات السبع، بيروت، 1963 م. 14 ـ الشامي، أحمد، (دكتور)،
-
في تاريخ العرب والإسلام، طبعة أولى الأنجلو، 1976 م، القاهرة. الخلفاء الراشدون، طبعة أولى، 1982 م، القاهرة.
الدولة الإسلامية في العصر العباسي الأول، طبعة ثانية، الأنجلو، القاهرة، 1986 م.
- YVE_ (1/274)
صفحة 254
العلاقات التجارية، بين دول الخليج وبلدان الشرق الأقصى وأثر ذلك في بعض الجوانب الحضارية في العصور الوسطى، الطبعة الأولى، النهضة المصرية، 1987 م.
15 عباس، إحسان، شعر الخوارج، بيروت، 1974 م.
16 ـ عبد الحميد، سعد زغلول تاريخ المغرب العربي، القاهرة 1967 م.
17 ـ عبد الحميد، عرفان، دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية، بغداد، 1967 م.
18 ـ عبد الرزاق، محمود اسماعيل، الخوارج في بلاد المغرب، الطبعة الثانية، سنة 1986 م، جامعة عين شمس.
الحركات السرية في الإسلام، القاهرة، 1973 م.
19 ـ عبد المطلب، رفعت، فوزي الخلافة والخوارج في المغرب العربي، القاهرة. 20 ـ عبد الوهاب، حسن حسني، ورقات عن الحضارة العربية بافريقية، تونس، 1966 م.
21 ـ عطية الله، أحمد، القاموس الإسلامي، القاهرة، 1963 م.
22 ـ العلي، صالح العلي، التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري / السابع الميلادي، بغداد، 1953 م
م.
امتداد العرب في صدر الإسلام، الطبعة الثانية، بيروت، 1983 م.
23 ـ عمر فاروق، تاريخ الخليج العربي في العصور الإسلامية، دبي، 1983 م. 24 ـ الغوابي، علي، تاريخ الفرق الإسلامية، القاهرة، 1948 م.
25 - عنان، محمد عبدالله، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة، القاهرة، 1954 م. 26 - قاسم جمال صلاح العقاد، زنجبار، سلسلة الألف كتاب، 1959 م. دولة البوسعيد في عمان وشرقي أفريقية، القاهرة، 1967 م.
27 ـ القلماوي، سهير، أدب الخوارج في العصر الأموي، القاهرة، 1945 م. 28 ـ كحالة، عمر، معجم قبائل العرب، دمشق، 1949 م.
29 فروج، عمر، تاريخ صدر الإسلام، الطبعة السابعة، بيروت، 1986 م.
المنجد، صلاح الدين معجم المخطوطات، القاهرة، بدون تاريخ
"
31 بيضون، إبراهيم، ملامح التيارات السياسية في القرن الأول الهجري، بيروت، 1979 م.
32 ـ لوريمر، ج. ج،
، دليل الخليج، القسم التاريخي والجغرافي، مكتب أمير دولة قطر.
_ YVO_ (1/275)
صفحة 255
-1
2
4
المراجع الأباضية
أغوشت، بكير، دراسات إسلامية في الأصول الأباضية، وزارة العدل والأوقاف والشؤون
الإسلامية،
، سلطنة عمان.
السالمي،، نور الدين، تحفة الأعيان، وزارة التراث القومي والثقافة، سنة 1981 م.
- السيابي، سالم بن حمود:
5 -
6 - عمان عبر التاريخ وزارة التراث القومي والثقافة، 1982 م.
العقود المفصلة في الأحكام المتواصلة، وزارة التراث القومي، 1982 م. إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، تحقيق د. سيدة اسماعيل الكاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، 1979 م.
أصدق المناهج في تمييز الأباضية من الخوارج، تحقيق د. سيدة اسماعيل الكاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، 1979 م. الحقيقة والمجاز في تاريخ الأباضية باليمن والحجاز، وزارة التراث القومي، 1980 م. طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي، وزارة التراث القومي، 1980 م.
الصوافي، د. صالح بن حمد:
- جابر بن زيد وآثاره في الدعوة وزارة التراث القومي والثقافة، 1983 م.
-الحارثي، سالم بن حمد:
العقود الفضية في أصول الأباضية وزارة التراث القومي والثقافة، 1983 م.
معمر، علي يحيى:
الأباضية مذهب إسلامي معتدل وزارة العدل والأوقاف، 1986 م.
الأباضية في موكب التاريخ، مصر، 1964 م.
الأباضية بين الفرق الإسلامية مكتبة وهبة، القاهرة، 1976 م.
- مصلح، وآخرون، أحمد مهنى مصلح، هذه مبادئنا، مسقط، 1987 م.
- 276 - (1/276)
صفحة 256
خامسا: الدوريات
1 ـ المجلة التونسية للعوم الاجتماعية، «تاهرت عاصمة الدولة الرستمية»، الحبيب الحنجاني، 1975 م.
2
صحيفة معهد الدراسات الإسلامية، مدريد، «دولة الرستميين أصحاب تاهرت»، محمد التطواني، ج 5، عدد 221، 1957 م.
ـ المورد، «بيليوغرافيا تاريخ عمان»، عمر فاروق، بغداد، عدد 344، سنة 1974 م. مجلة المؤرخ العربي، «ملامح من تاريخ حركة الخوارج الأباضية، كما تكشفها مخطوطة الأزكوي»، العدد الثاني، بغداد، 1975 م.
-
مجلة المجتمع العلمي العراقي، ظهور الخوارج»، سالم النهيمي، جزء 15، سنة
1967 م.
- 277 - (1/277)
صفحة 257
رابعاً: الندوات والمحاضرات
1 - ندوات النادي الثقافي في القرم – مسقط: - محاضرة سيرجي كلوزيو، مدير وحدة بحوث الآثار العربية بالمركز القومي والبحوث، باريس، 1987/ 2/2 م. محاضرة د. عبد المنعم سلطان، تاريخ وحضارة عمان في العصر الإسلامي،
- ?
1987/ 10/5 م.
مجلس الثلاثاء، وهو عبارة عن مجلس يتخصص في كافة فروع الأدب والعلم، ويخصص جلسة لكل قضية.
3 - ندوة الفقه الإسلامي، مسقط، جامعة السلطان قابوس، من 9 – 13 ابريل 1978 م. تقرير مندوب عمان الدائم لدى اليونسكو حول مشاركة السلطنة في رحلة اليونسكو الحضارية «خط الحرير» وقد استفدنا منه في نواحي عديدة. وقد وصلت القافلة إلى مسقط في يناير 1989 م واستقبلت اللجنة استقبالاً رسمياً من المسؤولين عن التراث بحكومة السلطنة وبدأت عملها خلال شهر يناير ومن المحتمل أن تستأنف رحلتها البحرية إلى
الصين.
ندوات سنوية: بدأت وزارة التربية والتعليم والشباب بالسلطنة في عمل تقليد جديد يقضي باستعراض ودراسة شخصية عمانية كل عام تركت أثراً في مسيرة الثقافة الإسلامية. وعقدت ندوة تحت عنوان: «الإمام جابر بن زيد في معهد الإدارة العامة بمسقط في 1988 م وألقيت فيه عدة محاضرات كان أشهرها كتيب بعنوان «جابر بن زيد رحلة من أجل العلم» للدكتور أحمد درويش. وسيكون العام المقبل 1989 م هو عام شخصية ثانية وهو «المختار بن عوف الأزدي» المشهور في بحثنا بأبي حمزة الشاري.
ديسمبر
_ TVA_ (1/278)
صفحة 258
أهم المراجع الافرنجية
1 - Chejne, A, Succession to the Rule of Islam, Lahore, 1960.
2 - Dennett, D.C., the passing of the umayyed calijshate, ph. d; thisi, Harvard, 1939.
3 - Gihb, H.A.R., Studies on the civilisation of Islam, London, 1969. Mohammedanism, Oxford, 1969
4 - Lammens, S.J., Islam, Beliefs and Institutions, Irans by Lisa Sergia, London, 1963.
5 - Luicki, T., Etudes Ibadite Nord Africaine, 1955.
6 - Shaban, M. A., Islamic History; Gombridage, 1977.
- rva_ (1/279)
صفحة 259
أهم المقالات الافرنجية المنشورة
1 - Kurar, R., "British attitude towards the Ibadiyya reivialish movement in East Africa" Int Studies, Vol, 3 p. 443 - 450, 1960.
2 - Leuichi, T., "Undocument Ibadite medit sur L'emeration des Nofuse du Gabel", Falle Orientatie, Vol. 2 pp.214 - 216, 1960.
3 Rulinacci, R., "The Ibadis", in the Religion of the Middle East, Vol. 2. pp. 302 - 317.
4 - Wilkinson, J. C., "Bio-Bibliographical Backgrount to the Crisis period in the Ibadi Imamate of Oman", Arabian studies, Vol. 3 pp. 137 - 164., “The Hjulande of Oman" d. of Omani studies, London-Muscat, pp. 102, 1976. Sources for early History of Oman "Unmiblished papers read in the first International Symposium on studies in the History of Aribia, University of Riyd, 1977. "The origins of the Omani state", in the Arabian peninsula, ed. Gy. D., Hapwood, pp. 67 - 88, 1972.
رقم الإيداع
94/ 103
- PA.- (1/280)
صفحة 260
محتويات البحث
التصدير: المقدمة:
- تقييم المصادر
المراجع العربية الحديثة
الفصل الأول: الأصول التاريخية للفرقة الأباضية:
1 - ظهور الحركة.
2 - النزاع بين المحكمة وعلي، ويوم النهروان. 3 ـ أبو بلال مرداس بن أدية التميمي.
-
4 ـ البصرة ودورها في مرحلة الكتمان.
- الفصل الثاني: بدايات الحركة في عمان:
1 - انتشار الدعوة بين أهل عمان. علاقة أزدعمان بالدعوة.
- عوامل نجاح الحركة في عمان.
4 ـ دور جابر بن زيد في الحركة. (1/281)
صفحة 261
الفصل الثالث: سياسة الأمويين مع أباضية عمان: 1 - سياسة عبيد الله بن زياد إزاء الأباضية في البصرة. 2 ـ عبدالله بن أباض. 2 - الحجاج بن يوسف يغزو عمان، وينفي جابراً إليها. - أثر علاقة أزد عمان بالأمويين على أباضية عمان. ه - أباضية عمان خلال نهاية الدولة الأموية.
- الفصل الرابع: إعلان الإمامة الأباضية عام 132 هـ / 749 م: 1 - ظروف قيامها.
2 - انتخاب الجلندي بن مسعود.
3 - نتائج قيامها على الحركة الأباضية.
4 ـ التنظيمات الإدارية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للإمامة.
الفصل الخامس: العباسيين وإسقاط الإمامة:
1 ـ سياسة العباسيين تجاه المشرق والخليج. 2 ـ معركة جلفار الأولى.
3 ـ حملة خازم بن خزيمة التميمي ومعركة جلفار الثانية. 4 - عمان بعد زوال الإمامة.
الخاتمة
الملاحق
رسائل جابر بن زيد
رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جيفر وعبد ابني الجلندي بعمان
رسالة جابر بن زيد إلى غطريف بن عبد الرحمن المخطوطات والمصادر والمراجع والدوريات والندوات
أهم المراجع الافرنجية
أهم المقالات الافرنجية المنشورة (1/282)