صفحة 1
بحث تخرج: عُمان والعُمانيون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين
الطالب/ أبو عُبيد الهنائي
المُشرف: الشيخ / إبراهيم الأغبري
2003م
معهد العلوم الشرعية - وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عُمان
تأريخ
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] عمان والعمانيون في عهد الرسول ص والخلفاء الراشدين
أبو عُبيد بن هاشل الهنائي
2003 م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة البحث :
الحمد لله الذي جعل التأريخ عبرة لمن اعتبر وبصيرة لمن تفكر وتدبر ، والصلاة والسلام على خير البشر ، محمد يبن عبد الله النبي الأبر، وعلى آله وصحبه الذين كافحوا عن هذا الدين فضربوا لنا أروع الصور ، وعلى من تبعهم وسار على منهاجهم إلى يوم المفر .
وبعد :
فإن التأريخ العماني له آثار جليلة ، لا يدركها إلا من اطلع عليها ، وبعض هذه الآثار موجودة على الساحة ، والبعض منها مخطوط ينظر إلى من يكشف عنه ويزيل الغبار المتراكم عليه والبعض الآخر مبعثر بين ثنايا الكتب يحتاج إلى من يبحث عنه ويرتبه حتى نحصل على سلسلة متواصلة من الأحداث .
وقد عانى التأريخ العماني وخاصة القديم ، قلة من كتب فيه من الأصحاب وذلك لانشغالهم بإقامة العدل ، ولاهتمامهم بتعليم الناس أكثر من غيرهم، فلذلك لم يكونوا مهتمين بالتأريخ الذي أدى إلى فقد الكثير منه.
وقد رأيت أن يكون بحثي عن عُمان والعمانيين في عهد الرسول _صلى الله عليه وسلم _ والخلفاء الراشدين _ رضي الله عنهم _ عساي أن أوفق في لم ماتبعثر من هذا التأريخ المجيد ،وكان سبب اختياري لهذا البحث الأسباب التالية :
1- لم ما تبعثر من تأريخ أهل عمان في ذلك العهد الميمون .
2- حداثة الموضوع بالنسبة لطلاب معهد العلوم الشرعية .
3- إثرا مكتبة العهد بهذا النوع من البحوث الذي افتقدته رفوف المكتبة .
4- معايشة واقع العمانيين في ذلك الوقت.
وقد بذلت جهدي في هذا البحث للوصول إلى المعومة الصحيحة التي يرجحها العقل ، فقمت بالمقارنة بين الروايات الواردة في أهل عُمان وأخذ الراجح منها بالإضافة إلى هذا رتبت البحث على حسب التسلسل التأريخي حتى ينتقل القارئ وهو يقرأ البحث من عهد إلى عهد دون التشتت في الذهن . (1/1)
صفحة 2
وقد واجهت بعض الصعوبات في هذا البحث أهمها قلة المصادر التي تتحدث عن أوضاع أهل عمان في عهد الخليفتين عثمان وعلى .
وكانت خطتي في هذا البحث على النحو التالي :
ـــــ مقدمة
ـــــ تمهيد : وعرفت فيه عمان من حيث الموقع الجغرافي وسكانها
ـــــ الفصل الأول: ويتحدث عن عمان في عهد الرسول _صلى الله عليه وسلم _ من حيث إسلام أهل عمان ، أوائل
من أسلم من أهل عمان ، ووفود أهل عمان على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ــ.
ــــــ الفصل الثاني: يتحدث عن عمان في عهد الخلفاء الراشدين.
ــــــ الفصل الثالث: وتحدثت فيه عن فضائل أهل عمان في عهد الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ والخلفاء الراشدين وذكر آراء بعض الكتاب الذين تحدثوا عن فضل أهل عمان .
ـــــ الخاتمة وفيها أبرز نتائج البحث .
وفي الأخير لا أنسى أن أوجه شكري وتقديري لمشرفي وشيخي الشيخ / إبراهيم الأغبري الذي كان يوجهني التوجيه الصحيح ونفعني بإرشاداته السديدة فله مني جزيل الشكر وكذلك لا أنسى أن اوجه شكري إلى كل من ساعدني في كتابة هذا البحث وخاصة أمناء المكتبة مالك الحضرمي ورضوان عاشور ، وكذلك أتوجه بشكري لمن ساعدني في طباعة البحث وأخص بذلك عمر الوهيبي وعبد الله الراشدي وسالم الدغيشي ونايف مهيوب العواضي والشكر والثناء مني للجميع .
هذا فإن وفقت فمن الله وإن قصرت فجهد بشر لا يخلو من الزلل.
أبو عُبيد الهنائي
10/5/2003 م
تمهيد
التعريف بعمان
عمان بضم العين وفتح الميم ، قال ابن منظور : عَمَن يعمنُ وعَمِنَ : أقام . والعُمُنُ : المقيمون في المكان . يقال : رجل عامن وعمون ، ومنه اشتق عمان (1) .
وقال المقدس :ومن المدن مالها أثر من اسم نحو – عمان صحار مزون-. (2)
__________
(1) ابن منظور،لسان العرب ج1 ص289.
(2) المقدسي احسن التقاسيم في معرفة الأقاليم – دار إحياء التراث العربي – بيروت لبنان 1408 هـ 1987م ص38 . (1/2)
صفحة 3
وسنتكلم في هذا التمهيد في تعريف عمان من ناحية الموقع الجغرافي ومن ناحية السكان .
أولا : الموقع الجفرافي :
تتمتع عمان بموقع استراتيجي ، تُغبط عليه فهي بمثابة الحارس الذي يقف على مدخل الخليج ، يراقب كل من يمر عبرها من تيارات بشرية واقتصادية وحضارية . فهي تقع في جنوب شرق الجزيرة ويحدها الخليج العربي وخليج عمان من الشمال والشمال الشرقي ، بينما يحيط بها بحر العرب من الشرق الجنوبي الشرقي . وتقع اليمن إلى الجنوب الغربي بينما تقع المملكة العربية السعودية إلى الشمال والشمال الغربي (1) ويعتبرها المقدسي بأنها كورة بالجزيرة (2) وأن صحار هي قصبة عمان (3) وبهذا الموقع الاستراتيجي استطاع العمانيون أن يكونوا علاقات وثيقة مع الدول المجاورة والتي تتصل معها بالبحر كالهند والبلاد المجاورة لها.
ثانيا : السكان
بعد انهيار سد مأرب هاجرت قبائل الأزد في الجزيرة العربية ومنها ذهبت إلى عمان ومن الأزد الذين سكنوا عمان يحمد و حدان ومالك والحارث وعتيك وجريد (4) . وللأزد فضائل عظيمة فيكفيهم شرفا ما قاله رسول الله - صلى الله عليه و سلم-فيهم : ((نعم القوم الأزد يحسنون و لا يغلون هم مني و أنا منهم من لم يكن له أصل في العرب فيلحق بالأزد ، فإنهم أصل العرب )) (5) .
ويمكن أن نقسم سكان أهل عمان إلى ستة فئات رئيسية:
__________
(1) أحمد العبيدلي – الدولة العمانية الاولى أيام وأحوال – دار جريدة عمان للصحافة والنشر ص28 .
(2) المقدسي مصدر سابق ص37.
(3) المقدسي مصدر سابق ص87 .
(4) الحسن الهمداني – صفة جزيرة العرب – تحقيق محمد بن علي الأكوع – دار اليمامة 1394هـ 1974م .ص374.
(5) ذكره الهيثمي – معجم الزوائد . كتاب الفضائل – باب ما جاء في فضل الأزد ج1 دار الكتب العلمية بيروت لبنان ص49 (1/3)
صفحة 4
الفئة الاولى هم سكان مسقط ومطرح وصحار وصور وسكان المناطق الساحلية الأخرى التي يقطنها الناس منذ أجيال عديدة وهم يمارسون الملاحة والتجارة وصيد الأسماك.
والفئة الثانية هم مزارعو ساحل الباطنة التي تعتمد الزراعة فيها اعتمادا كبيرا على مياه الآبار.
والفئة الثالثة المزارعون أو الحضر الأصليون الذين يسكنون في المدن مثل نزوى والرستاق وقرى الداخلية الصغيرة والذين يعتمدون على نظام الأفلاج لري مزروعاتهم بواسطة قنوات على غرار القنوات المائية الموجودة في إيران.
والفئة الرابعة وهم البدو الذين يسكنون في السهول الواقعة إلى جنوب وغرب البلاد.
والفئة الخامسة وهم الشحوح وهم سكان المنطقة الجبلية في شبه جزيرة مسندم .
والفئة السادسة فهم سكان ظفار الذين ينحدر بعضهم من نسل حام بن نوح (1) أما في الوقت الحالي فإن عمان تضم عددا هائلا من القبائل (2) .
الفصل الأول :
عمان في عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم –
المبحث الأول : إسلام أهل عُمان
المطلب الأول :أوائل من أسلم من أهل عمان .
__________
(1) سيردونالد هولي : عمان ونهضتها الحديثة – مؤسسة ستايستي الدولية – لندن ص96 .
(2) ومن القبائل الموجودة الآتي : بنو بوعلي ، بنو بوحسن ، بنو راسب ، بنو هشام ، الوهيبة ، الحرث ، الحبوس ، العوامر ، بنو رواحة ، الجنبة ، بنو شكيل ، بنو ريام ، بنو هناء ، العبريين ، بنو عامر ، اليعاقيب ، البلوش ، آل بو شامس ، آل سعد ، بنو كعب ، المعاول ، بنو خروص، بنو بطاش ، ... . وغيرها من القبائل العديدة المتواجدة في عمان . (1/4)
صفحة 5
كان للعمانين الفضل الأسبق في الدخول إلى الإسلام ، بل الجدير بالذكر أن بعض أهل عمان بادر في الدخول إلى الإسلام . من تلقائى نفسه قبل أن يرسل رسول الله –صلى الله عليه وسلم – خطابا يدعوهم فيه إلى الإسلام . فكانت لهم الأسبقية في دخول الإسلام وممن دخل في الإسلام من أهل عمان في وقت مبكر وقبل أن يرسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عبد وجيفر يدعوهم إلى الإسلام ، ضماد بن ثعلبة ، ومازن بن غضوبة ، وكعب بن برشة فكانوا من أوائل من أسلم من
أهل عمان ، وسيأتي الحديث عنهم كل على حده :-
1-ضماد بن ثعلبة:.
ضماد بن ثعلبة الأزدي ، من أزد شنوءة ، كان صديقا للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية وكان رجلا يتطبب ، ويُرقى ، ويطلب العلم ، أسلم أول الإسلام . (1)
وكان من خبر إسلامه (2) أن ضمادا كان يُرقى الريح (3) فقدم ضماد إلى مكة وهناك سمع من سفهاء مكة يقولون :إن محمدا مجنون .
__________
(1) انظر ابن عبد البر الإستيعاب ج2 دار الجيل ص751 ، انظر : ابن الأثير : أسد الغابة ج3 دار إحياء التراث العربي ص56 .
(2) انظر قصة إسلامه : الإمام مسلم : صحيح مسلم ج2 دار الفكر صـ593-594 كتاب الجمعة (13) باب(44-46) حديث ، دار الفكر .
(3) يقصد به مس الجان والجنون . (1/5)
صفحة 6
فلما سمع ضماد هذا قال في نفسه لو أني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي . فذهب للنبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا محمد إني أُرقى من هذا الريح وإن الله يشفي على يدي من يشاء فهل لك رغبة في رقيتي . فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (( إن الحمد لله نحمده نستعينه من يهديه الله فلا مضل له . ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأن محمدا عبده ورسوله . أما بعد )) . فتعجب ضماد من هذه الكلمات فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد عليه تلك الكلمات . فأعادهن عليه الرسول – صلى الله عليه وسلم – ثلاث مرات . فقال ضماد : لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء . فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء . ولقد بلغن ناعوس البحر. وعندها طلب ضماد من النبي –صلى الله عليه وسلم – أن يمد يده حتى يبايعه على الإسلام . فبايعه النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – ((وعلى قومك)) أي -وعلى أن يبايع قومك على الإسلام – قال وعلى قومي .
فأصبحت العلاقة بين النبي – صلى الله عليه وسلم – وبين ضماد علاقة وثيقة، حتى أنه يروى أن الرسول –صلى الله عليه وسلم – بعث سرية فمروا بقوم ضماد قال صاحب السرية للجيش : هل أصبتم من هؤلاء شيئا ؟ فقال رجل من القوم :أصبت منهم مطهرة . فقال : ردوها فإن هؤلاء قوم ضماد (1) .
2-مازن بن غضوبة :.
__________
(1) وذكر في الإستيعاب أنه لما توفي الرسول –صلى الله عليه وسلم – بعث أبو بكر بعثا ، فمروا ببلاد ضماد ، فلما جاوزوا تلك الأرض وقف أميرهم فقال: أعزم على كل رجل أصاب شيئا من أهل هذه الأرض إلا رده فقالوا: أصلح الله الأمير ، ما أصبنا منها شيئا . قال وجاءرجل منهم بمطهرة فقال : إني أصبت هذه . فقال إرددها ، إن هؤلاء قوم ضماد الذي بايع رسول الله – صلى الله عليه وسلم –انظر ابن عبد البر : الإستيعاب ج2 ص 751 . (1/6)
صفحة 7
هو مازن بن غضوبة بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن مر بن حيان بن أبي خطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طي (1) .
وأمه زينب بنت عبدالله بن ربيعة بن خويص أحد بني نمران (2) . وكان مازن يسكن في سمائل (3) .
? إسلام مازن بن غضوبة :ـ
__________
(1) الإمام السالمي : تحفة الأعيان ج1 مكتبة الإستقامة ص51 . بينما نجد النسابة العماني العوتبي لم يذكر في نسب مازن بن غضوبة ، مر وحيان وخطامة . انظر العوتبي : الأنساب ج1 وزارة التراث صـ256-257 . وقال ابن عبدالبر مازن بن الغضوبة ويقال الغضوب الخطامي فخذ من طي الطائي العماني له صحبة. انظر ابن عبدالبر الإستيعاب ج3 دار الجيل ص1344 .
(2) ابن كثير البداية والنهاية ج2 دارالكتب العلمية ط1415هـ/1994م ص268 . وانظر ابن نعيم الأصبهاني دلائل النبوة : دار الباز صـ76.
(3) سمائل :تقع في المنطقة الداخلية للسلطنة وتعتبر سمائل حلقوم الداخلية حيث إنها واقعة في بداية الطريق للدخول إلى المنطقة الداخلية وهي ذات حدائق ذات بهجة وأنهار ( الأفلاج) متفرعة تجري من تحت الأشجار وقد تغنى بها الشعراء ، ووصفها الواصفون ، فهي تسحر العيون ، وتسلب القلوب . فقد قال الشيخ السيابي واصفا لها : ( هي حلقوم عمان الداخلية ، وواسطة عقدة . هي الفيحاء الوارفة الظل ، البهيجة الرياض ، الحسنة المنظر ، الجميلة الهيئة ، وهي بالنسبة إلى البلاد العمانية جنتها الوحيدة ، ودوحتها الغريدة ، وتاجها الموقر ، أنهارها جارية ، وأثمارها دانية ، وأشجارها وارفة ، ومياهها متدفقة ، ورياضها غناء مورقة ... ) انظر سالم بن حمود السيابي . العنوان صـ71،72 . (1/7)
صفحة 8
كان مازن بن غضوبة واحدا ممن أسلموا من أهل عمان منذ وقت مبكر وقبل أن تصل رسالة النبي- صلى الله عليه وسلم – إلى أهل عمان بل إن المصادر العمانية (1) تذهب أنه أول من أسلم من أهل عمان (2)
__________
(1) 1 ) انظر : العوتبى : مصدر سابق ج2 صـ260. وانظر السالمي مصدرسابق ج1 ص52 ، وانظر مؤلف مجهول : تاريخ أهل عمان وزارة التراث 1414هـ-1980م صـ40 . وانظر : سرحان الأزكوي : تاريخ عمان المقتبس من كشف الغمة وزارة التراث 1406هـ-1986م صـ33 . سالم السيابي طلقات المعهد الرياض وزارة التراث 1400هـ/1980م صـ11 بينما نجد أن المصادر غير العمانية تذكر قصة إسلام مازن منهم من فصل ومنهم من أشار إلى ذلك . انظر : البلاذري: فتوح البلدان : مكتبة الهلال ط1 (1403هـ/1983م) صـ83-84 . وانظر ابن سيد الناس : عيون الأثرج2 : دارالمعرفة صـ267-269 . وانظر : الطبري : تاريخ الأمم والملوك ج3 دار الفكر ط1 (1407هـ/1987م) ، صـ638. وانظر: ابن الأثير ، الكامل ج2 دار الكتب العلمية ط3 ( 1418هـ/1998م) صـ144 . زاد المعاد مؤسسة الرسالة ط2 (1418هـ/1997م) صـ605 . وانظر ابن هشام ، السيرة النبوية ج3،4 مؤسسة علوم القرآنصـ607 . أحمد زكي ، جمهرة رسائل العرب، المكتبة العالمية صـ149 . أحمد القلقنشندي، صبح الأعشى ج6 دار الفكر ط1 (1407هـ/1987م) صـ365 . ابن عبدالبر الإستيعاب ج3 دار الجيل ط1 (1410هـ/1992م) صـ1344 .البيهقي ، دلائل النبوة ج2 دار الكتب العلمية ط1 (1405هـ/1985م) صـ255. ابن الأثير أسد الغابة ج4 دار الفكر ط1 (1419هـ/ 1998م) ص214
(2) كان إسلام مازن في المدينة المنورة على الصحيح وذلك للأسباب التالية :.
- ... عندما أسلم مازن ذكر قصة رحيله إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم – ونظم في ذلك شعرا يقول في مطلعه :
إليك رسول الله خبت مطيتي تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
والعرج مكان يطلق على مكان بين مكة والمدينة وهو أقرب إلى المدينة فيكون بذلك قدومه إلى النبي –صلى الله عليه وسلم – بالمدينة
ويقول مازن :. فبدلني بالخمر أمنا وخشية وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي . ومن المعلوم أن الخمر حرمت في المدينة فيكون على هذا أن إسلامه كان في المدينة (انظر احمد بن سعود السيابي : مازن بن غضوبة السعدي حياة من أجل الإسلام ، وزارة التربية والتعليم مطبعة العنان ص34 بتصرف ) .
وبينما إذا ما القينا النظر قليلا إلى حديث رواه لنا الإمام مسلم ( الإمام مسلم مصدر سابق ج2 ص593 ، 594 ) في صحيحه ، نجده يتحدث لنا عن إسلام رجل من أهل عمان في مكة المكرمة ، وهو ضماد بن ثعلبة ، فبهذا يكون ضمادا سبق بالإسلام من مازن فيكون هو أول من أسلم من أهل عمان على الراجح (1/8)
صفحة 9
فقد أوردت بالتفصيل قصة إسلامه للتدليل على سرعة استجابته للدعوة فتذكر أن مازن هو من أهل سمائل كان يعبد صنما له يسمى ناجر وذات يوم سمع صوتا ينبؤه بظهور نبي وإنه يدعو إلى دين جديد وتكرر سماع هذا الخبر من جهة الصنم . وبينما هو في تلك الحيرة والدهشة ، قدم رجل من الحجاز يقول : ظهر رجل يقال له أحمد يقول لمن أتاه أجيبو ا داعي الله . عندما سمع مازن هذا الخبر قال: هذا نبأ ما قد سمعت ، فذهب إلى الصنم فكسره جذاذا .
ويمكن أن نستنتج من هذا ما يلي :.
إن مازن كانت عبادته للصنم إنما كانت إتباعا لملة آبائه الأولين ولم يكن على اقتناع من ذلك ويدل على هذا أنه بمجرد سماعه بظهور دين جديد وإنه يدعو إلى عبادة الله وحده ، سارع إلىكسر الصنم .
ويبدو أن مازن اتخذ قرار كسر الصنم بسرعة دون تمهل ، وذلك عندما تبين له أنه كان على غواية لم ينتظر حتى يشاور قومه في شأن الصنم بل بادر إلىكسره دون النظر إلى رأي الآخرين .
شدّ مازن الرحال نحو رسول الله- صلى الله عليه وسلم – وكله شوق ورغبة للقيا برسول الله –صلى الله عليه وسلم – والتعرف على هذا الدين الجديد .
وكان اللقاء في المدينة المنورة ، ودار بينهما النقاش حول هذا الدين الجديد وكان- صلى الله عليه وسلم – يجيب عن استفساراته ، فشرح الله صدره للإسلام ، فأسلم .
وطلب مازن من الرسول – صلى الله عليه وسلم- أن يدعو لأهل عمان وألح عليه بالدعاء ، ولم ينسى مازن في ذلك الوقت أن يطلب من النبي –صلى الله عليه وسلم- الدعاء لنفسه ، فأخذ يصف للنبي – صلى الله عليه وسلم- ما كان عليه من الفساد والظلام فدعىله النبي –صلى الله عليه وسلم- بأن يبدله الله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالعهر عفة الفرج وبالخمر ريا لا إثم فيه ، وآتهم بالحياء ، وهب له بالحياء ، وهب له ولدا . (1/9)
صفحة 10
أحدث لقاء مازن برسول الله –صلى الله عليه وسلم – نتاجا حسنا ومن ذلك ما أخبرنا مازن به حيث قال : فأذهب الله تعالى عني ما كنت أجد من الطرب والنشاط لتلك الأسباب ، وحججت حججا ، وحفظت شطرا من القرآن ، وتزوجت أربع عقائل العرب ، ورزقت ولدا وسميته حيان بن مازن ، وأخصبت عمان في تلك السنة وما بعدها وأقبل عليهم الخف والظلف ، وكثر صيد بحرها ، وظهرت الأرباح في التجارات وآمن عدد كثير من أهل عمان .
رجع مازن من عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى أهله بعمان وكله أمل وحماس لنشر دين الله ولكنه فوجئ بصدمة قوية من قومه واجهوه بالسب والشتم والهجاء ، فما كان من مازن إلا أن اعتزل قومه وبنى له مسجدا يتعبد فيه ولكن قومه لم يصبروا على فراقه لأنه كان القيم بأمورهم فما كان منهم إلى أن بعثوا إليه جماعة عظيمة تطلب منه العودة إلى بلاده وعاهدوه على أن لايسيؤا به وأن لا يحولوا بينه وبين ما يدعوا إليه ، وما هي إلا برهة من الزمن حتى أسلم قومه وانتشر الإسلام فيما بينهم .
قدوم مازن إلى قومه وما لاقاه من المصائب إلى أن أسلموا يقودنا إلى أن نستنتج أمورا منها:.
-مبادرة مازن بالدعوة إلى الله منذ لحظة وصوله .
- لم يهتم بالمنصب والجاه حيث إنه لما واجهه قومه بالسب والشتم اعتزلهم وترك كل شئ وراء ظهره .
- المعاملة الحسنة وما أنتجت من نتائج حسنة فلما وُجِه مازن بالسب لم يرد عليهم ولم يهجوهم بل سكت عنهم فأدى ذلك إلى أن القوم لاموا أنفسهم وتقدموا للاعتذار من مازن .
-تأسيس المسجد حتى يكون المنطلق منه للدعوة إلى الله فعندما خرج مازن عن قومه بنى مسجدا يتعبد فيه فما يأتيه مظلوم إلا دعى له وكان يقضي حوائج الناس فهذا يدلنا على أهمية المسجد وعلى مكانته في الإسلام وأنه المنطلق للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى . (1/10)
صفحة 11
وما إن انتشر الإسلام في قومه ، وأقبل العام الذي شدّ مازن الرحال فيه نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزف له البشرى وكان اللقاء في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال مازن : يا المبارك ابن المباركين الطيب ابن الطيبين ، وقد هدى الله قوما من أهل عمان ومنّ عليهم بدينك وقد أخصبت عمان خصبا هنيئا ، وكثرت الأرباح والصيد بها فقال عليه السلام ( ديني دين الإسلام سيزيد الله أهل عمان خصبا وصيدا ، فطوبى لمن آمن بي ولم يرني وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني ، وإن الله سيزيد أهل عمان إسلاما .
وفاة مازن بن غضوبة :-
اشتهر عند العمانيين أن مازن مات في سمائل ، وأن قبره موجود هناك في بلدة الدقدقين من أعمال سمائل ولكننا نجد بعض المصادر الغير العمانية تذكر (1)
أن مازن قتل هو ومولاه (2)
ببردعة وقبرهما هناك (3) .
ولعل ما اشتهر من وجود قبر مازن بسمائل إنما كان قبر أحد أقاربه وليس قبره هو .
3) كعب بن برشة الطاحي :-
__________
(1) انظر ابن الأثير ، اسد الغابة ج2 دار الفكر ط1416 هـ / 1996م ص403 وانظر ابن حجر العسقلاني ، الإصابة ج2 دار الكتاب العلمية ص168
(2) كان لمازن مولى اسمه صالح بن المتوكل وكان رجلا وسيما جميلا فعندما وفدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عنده غلامه سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الذي معك . قال مازن : هذا غلامي صالح بن المتوكل . فقال عليه الصلاة والسلام ( استوصي به خيرا ) فاعتقه مازن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(3) وهذا يدل دلالة واضحة على ان العمانين لهم دور كبير في الفتوحات الاسلامية وفي نشر الاسلام . (1/11)
صفحة 12
عندما يكون للإنسان أكثر من لغة ، تكون له هذه اللغة بمثابة السلاح لدفع الخطر عنه وكما يقال ـ من عرفه لغة قوم أمن مكرهم ـ . وكان للفرس بعمان بعض العلاقة مع العمانيين مما أدى إلى أن تعلم بعض أهل عمان اللغة الفارسية وكان منهم كعب فقد كان كعب بن برشة الطاحي العماني – رحمه الله – ممن يحسن اللغات الفارسية ، وكان عمدة ثقة في الدين من الرجال المعدودين الأبطال (1) ، وكان رجلا صادقا أمينا (2) .
ولكعب مكانة عظيمة في قومه من الأزد . حيث إن عبدا وجيفرا عندما وصلتهم رسالة رسول الله –صلى الله عليه وسلم – تدعو إلى الإسلام استحضروا جماعة الأزد وبعثوا إلى كعب بن برشة فسألوه عن أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : إنه نبي ، وقد عرفت صفته ، وإنه سيظهر على العرب ، وأسلم كعب وعبد وجيفر (3) .
وكان من خبر إسلامه (4) أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كتب إلى كسرى ابرويز يدعوه إلى الإسلام . فمزق كتاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – حين بلغه ذلك ( اللهم مزق ملكه كل ممزق ) فسلط الله عليه ابنه شيرويه ، فقتله .
__________
(1) انظر سالم بن حمود السيابي مصدر سابق ص25
(3) انظر سيف البطاشي اتحاف الاعيان ج1 ط1 1413 هـ / 1992م ص21
(2) سرحان الازكوي مصدر سابق ص38
(3) انظر العوتبي مصدر سابق ج2 ص259 وانظر سالم السيابي مصدر سابق ص 25 ، و انظر سيف البطاشي مصدر سلبق ج1 ص 12 (1/12)
صفحة 13
ثم إن شيرويه هذا أصبح متحيرا من أمر هذا الدين الجديد ،و أراد أن يتعرف على هذا الرجل الذي يدعي النبوة ، ومدى مصداقية ما يقول . فأرسل إلى عامله على الفرس في عمان وكان يسمى باذان ويقال الفستحان ، فأمره بأن يرسل رجلا عربيا صدوقا أمينا قد تعلم الفارسية إلى المدينة فينظر خبر هذا الرجل الذي يدعي النبوة . فبعث باذان كعب بن برشة ، لأنه وجد فيه المواصفات التي طلبها الأمير وكان نصرانيا . فقدم كعب المدينة ، ولقي النبي – صلى الله عليه وسلم – فكلمه فوجد فيه الصفات التي يجدها في الكتب التي قرأها،عرف أنه نبي مرسل فعرض عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – الإسلام، فأسلم.
ثم رجع كعب إلى عمان فأتى باذان فأخبره بأن الرجل نبي مرسل . عندها قال باذان : هذا أمر أريد أن أشافه فيه الملك . وخرج باذان إلى الملك كسرى بفارس ، بعدما استخلف مكانه رجلا من أصحابه يقال له مسكان .
المطلب الثاني :-
وفود أهل عمان للرسول – صلى الله عليه وسلم –
قدم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أهل عمان وفود عدة ويظهر أن بعض تلك الوفود أقبلت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد فتح مكة فيما يعرف بعام الوفود ( سنة 9هجري) .
ويرجع الدكتور رجب محمد سبب قدوم هذا العدد من الوفود من أهل عمان على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لسببين:
1. إما لأن جيفر وعبد لم تكن لهم سلطة ونفوذ على هذه القبائل فأقبلت وفودها تعلن إسلامها الذي قبلته واعتنقته على أرض عمان . وإنها ما جاءت إلا لتطلب من النبي أن يرسل معهم مصدقا أو رجلا يقيم أمرهم في هذا الدين الجديد الذي كانوا لا يعرفونه حق المعرفة ، أو تطلب كتابا من النبي يبين لهم فيه ما يجب عليهم من صدقة ، ويلتزمون به من فرائض أخرى يفرضها هذا الدين (1) .
__________
(1) انظر : د .رجب محمد عبد الحليم العمانيون والملاحة البحرية ص23 (1/13)
صفحة 14
2. هو أن هذه القبائل التي أرسلت هذه الوفود ما فعلت ذلك إلا حفاظا على ما كانت تمارسه في الجاهلية من حرية اتخاذ القرار ، وإنه لا بد للقبيلة من أن تعلن بنفسها عن موقفها من الأحداث التي تحيط بها أو تمسها في قليل أو كثير (1)
وفي حقيقة الأمر إننا قد نسلم للدكتور رجب على السبب الثاني في بعض الأمر وأما بالنسبة للسبب الأول فإننا لا نوافقه في ذلك ، وذلك لأننا لو تتبعنا تاريخ عمان لوجدنا أن عبدا وجيفرا كان نفوذهم ممتد من أقصى عمان شمالا إلى أقصاها جنوبا ويدلنا على هذا أنه لما أسلم عبد وجيفر أرسلا إلى عمالهم في دبا يدعونهم إلى الإسلام وكذلك أرسلا إلى عاملهم في مهرة وكذلك أرسلا إلى الفرس الذين كانوا يقطنون عمان وهكذا
بالنسبة لبقية عمان (2) هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نجد أن عبدا وجيفرا عندما أرادا الإسلام بعثا إلى قبائل الأزد للتشاور معهم في هذا الأمر . فلو لم نكن لهم سلطة ونفوذ في البلاد لما استطاعوا جمع الأزد والتشاور معهم ، وكذلك عندما قدم جيفر إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حمل معه رؤساء من الأزد ولم يخالفه أحد .
? أسباب قدوم تلك الوفود على رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
وإذا ما أردنا أن نعرف أسباب قدوم تلك الوفود على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يمكن أن نجمعها في أربعة أسباب :-
1. التشوق لرؤية الرسول – صلى الله عليه وسلم – فعندما سمعوا بالإسلام وسمعوا برسول الله – صلى الله عليه وسلم – تشوقوا لرؤيته وأرادوا أن يأخذوا زادا روحيا بعدما كانوا في غياهب الجهل .
2. إن الانتقال من دين إلى آخر ليس بالأمر السهل وإنما يحتاج إلى المزيد من التثبت والتيقن وليس الخبر كالعيان . لذلك ذهبوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) انظر : د . رجب محمد عبدالحليم ، العمانيون والملاحة البحرية ص23
(2) انظر الشيخ الازكوي : تاريخ عمان المقتبس من كشف الغمة ص38 (1/14)
صفحة 15
3. حب العلم والتشوق لمعرفة مبادئ الإسلام ونشر تعاليم الإسلام إلى قومهم بعد الرجوع إليهم.
4. ويمكن أن نقول أن من أسباب قدوم تلك الوفود إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعيدا عن عبد وجيفر ذلك لاتساع رقعة الأرض وعدم وجود الحدود المعروفة الآن ولقلة المواصلات .
بعدما عرفنا بعض الأسباب التي أدت تلك الوفود إلى المثول بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إليكم أهم تلك الوفود :-
1) وفد أزد عمان :
1) الوفد الأول وكان بقيادة أسد بن يبرح الطاحي :
خرج وفدهم إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلقوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فسألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم ، فقال مخربة العبدي واسمه مدرك بن حوط : أرسلني إليهم ، فإن لهم علي منة ، أسروني يوم جنوب فمنوا علي ، فوجهه معهم إلى عمان (1) فسرعان ما أظهر العمانيون رغبتهم في الإنخضاع لتعاليم الإسلام ورغبتهم في التواصل مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيث طلبوا منه رجلا يقيم أمرهم ويعلمهم مبادئ الإسلام وتعاليمه وهذا يدل دلالة واضحة على أن الإسلام إنغرس في قلوبهم وتسرب في دمائهم .
وحديث مخربة العبدي(2) عن فضل أهل عمان عليه إذ أطلقوا سراحه في يوم جنوب ، يدل أيضا على ما كان يتمتع به العمانيون من فضل وكرم وأخلاق منذ القديم حتى يومنا هذا ، وهذه منة ونعمة أنعمها الله سبحانه وتعالى على أهل عمان .
2) الوفد الثاني بقيادة سلمة بن عياذ الأزدي :
__________
(1) ابن سعد الطبقات الكبرى ج1 ص351
(2) مخربة العبدي بن بشر بن صبرة بن الدئل بن قيس بن رباب بن زيد العبدي ، أدرك الإسلام ووفد على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـفي وفد عبد القيس .ابن حجر ، الإصابة 3/ 369.
(3) ابن سعد ، المصدر السابق 1/356 (1/15)
صفحة 16
فقدم في ناس من قومه فسأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عما يعبد وما يدعو إليه ، فأخبره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال ( ادع الله أن يجمع كلمتنا وألفتنا فدعا لهم ، وأسلم سلمة ومن معه(3) .
طلب سلمة بن عياذ من النبي – صلى الله عليه وسلم – الدعاء بأن يجمع كلمتهم وألفتهم ، يقودنا لأمرين :
الأول : هو التأكد من نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – وصدقه وما يدعوا إليه وذلك من خلال الحوار الذي دار بينهم .
الثاني : تخصيص سلمه الدعاء يجمع الكلمة والألفة وذلك للإستعانة ببعضهم البعض في نشر دين الله بين قومهم وحتى تكون كلمتهم واحدة وحتى لا يتدخل الشيطان بينهم ويفرق الكلمة ويشتت الألفة .
2) وفد تمالة والحدان :-
قدم عبدالله بن عكس الثمالي ومسيلة بن هزان الحداني على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في رهط من قومهما بعد فتح مكة فأسلموا وبايعوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على قومهما بعد وكتب لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم ، كتبه ثابت بن قيس بن شماس ، وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد ابن مسلمة (1) .
__________
(1) ابن سعد : الطبقات الكبرى ج1 ص351
(2)مهرة :قبيلة وهي مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ،تنسب إليها الإبل المهرية ، وباليمن لهم مخلاف يقال بإسقاط المضاف إليه وبينه وبين عُمان نحو شهر ، الحموي معجم البلدان 4/347
(3) ابن سعد ، المصدر السابق ج1 ص356 (1/16)
صفحة 17
إسلام وفد ثمالة والحدان بعد فتح مكة هذا لا يدل على أن الإسلام لم ينتشر في عمان حتى ذلك الوقت بل إن الإسلام في عمان انتشر من أقصاها إلى أقصاها وذلك بعدما أسلم عبد وجيفر حيث إنهم أرسلوا إلى أغلب أهل عمان يدعونهم إلى الإسلام فأسلموا ما عدا الفرس الذين كانوا يقطنون صحار وإسلام هذا الوفد بعد فتح مكة إنما كان لعدم وصول الإسلام إليهم وذلك لا تساع رقعة عمان الجغرافية وما إن وصلهم نبأ محمد – صلى الله عليه وسلم – أرسلوا وفدهم إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم
3) وفد مهرة(2) :-
قدم وفد مهرة عليهم مهري بن الأبيض، فعرض عليهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الإسلام فأسلموا ووصلهم وكتب لهم وهذا كتاب من محمد رسول الله لمهري بن الأبيض على من آمن به من مهرة ألا يُوكلوا ولا يعركوا ، وعليهم إقامة شرائع الإسلام فمن بدل فقد حارب ومن آمن به فله ذمة رسوله __ مؤداة ولسارحة مُنداة والتفث السيئة والرفث الفسوق . وكتب محمد بن سلمة الأنصاري ، قال ( يعني بقوله لا يؤكلون أي لا يغار عليهم ) (1) .
المبحث الثاني :-
رسالة رسول الله – صلى الله علية وسلم – لأهل عمان
بعد انشار الإسلام ، ورفرفت الرايات لشهادة أن لا إله إلا الله ،محمد رسول الله أخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمراسلة الملوك ورؤساء القبائل يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ كل معبود يعبد من دون الله .
وأرسل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رسالة إلى عبد (2)
__________
(2) وقد ذكرهم بهذا الاسم : انظر ابن سعد الطبقات الكبرى ج1 ص262 القلنقشندي صبح الأعشى ج6 ص365 وانظر ابن سعد الناس عيون الأثر ج2
ص353 وانظر احمد زكي ، جمهرة رسالة العرب ج1 ص49 وانظر العوتبي الأنساب ج ص وانظر السالمي تحفة ص54 مجهول، تاريخ أهل عمان ص40 وانظر سرحان الأزكوي تاريخ عمان المقتبس ص37 وانظر ابن القيم زاد المعاد ج3 ص131 مؤسسة الرسالة 1406هـ /19886 م ص693 وقد ذكرهم البلاذري باسم عبيد فتوح البلدان ص83 وذكرهم الطبري باسم عباد تاريخ الطبري ج3 ص238 وذكرهم ابن الأثير باسم عباد الكامل ج2 ص144 وذكرهم ابن هشام باسم عياد ج3 ج4 ص607 والصحيح من هذه الأقوال عبد وذلك لأن اغلب المصادر تذكر على إن اسمه عبد ولأن نص الرسالة جاء باسم عبد ولشهرته بين أهل عمان بهذا الاسم . (1/17)
صفحة 18
وجيفر ابني الجلندى ملكي عمان يدعوهم إلى الإسلام (1) وكان نص الرسالة يقول : (بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي السلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأ نذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فان ملككما زائل عنكما وخيلي تطأ ساحتكم وتظهر نبوتي على ملككما) . وكان الكاتب لهذه الرسالة أبي بن كعب وعليه السلام يملئ عليه . فطوى الصحيفة وختمها بخاتمه عليه السلام وبعث بها عمرو بن العاص وقد اختلف الرواة في تحديد زمن إرسال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذه الرسالة واختلفوا أيضا من كان يحكم عمان في ذلك الوقت فبالنسبة لزمن إرسال الرسالة اختلف الرواة لتحديد زمن إرساله عليه السلام عمرو بن العاص لأهل عمان فيذكر الطبري(3) أنه كان في السنة السادسة (2) ويذكر ابن
__________
(1) انظر البلادري مصدر سابق ص83 وانظر ابن سعد الناس ، مصدر سابق ج2 ص267- 269 وانظر الطبري ، مصدر سابق ج3 ص638 وانظر ابن الأثير مصدر سابق ج2 ص144- 145 . وانظر ابن سعد مصدر سابق ج1 ص262 . وابن هشام ، مصدر سابق ج3،4 ص607 . احمد زكي مصدر سابق ص149 . وانظر احمد القلقنشندي مصدر سابق ج6 ص365 العوتبي مصدر سابق ج2 ص260 مؤلف مجهول مصدر سابق ص40 وانظر سرحان الازكوي مصدر سابق ص33 . وانظر السالمي مصدر سابق ص53
(3) الطبري : محمد بن جرير الطبري ،ولد في آمال طبرستان واستطن بغداد وتوفي بها له (أخبار رسل الملوك ،جامع البيان في تفسير القرآن ... .) ت 310هـ خير الدين الزركلي الأعلام ج6 دار العلم للملايين ، بيروت ط7 ،1986 م ،ص68،69
(2) انظر الطبري تاريخ الأمم والملوك ج3 ص238 . (1/18)
صفحة 19
الأثير قول بأنه كان في السنة السابعة(1) بينما يذكر أبو الحسن البلاذري(2) أنه كان في السنة الثامنة وينقل قولا عن قوم أنهم قالوا: إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان وجه أبا زيد بكتابه إلى عبد وجيفر في السنة السادسة ووجه عمر في السنة الثامنة بعد إسلامه بقليل.(3) ومهما يكن من الخلاف في تحديد زمن إرسال الرسالة فإننا نقول إن إرسال رسول الله –صلى الله عليه وسلم – عمرو إلى عبد وجيفر كان من السنة السادسة حتى السنة الثامنة .
أما بالنسبة لمن كان يحكم عمان في ذلك الوقت فتذكر اغلب المصادر إلى انه كان على عمان عبد وجيفر ابني الجلندى وقال آخرون : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كتب لأهل عمان .
وكان الملك في ذلك العهد بعمان الجلندى بن المستكبر.(4)
وفي حقيقة الأمر أن الملك في ذلك الوقت كان لعبد وجيفر وذلك لعدة أسباب:
الأول : على القول القائل بأن الجلندى أدرك الإسلام فإنه ربما كان هو بمثابة المرجع وإنما كانت أغلب الأمور بيد عبد وجيفر .
الثاني :وربما كان يقصد بالجلندى هنا الملك كما إن ملوك الفرس يسمون بالقيصر وملوك الروم يسمون بكسرى فكذلك كان بالنسبة لملوك عمان فقد قال ابن دريد : جلندا اسم مَلِك عمان ، يمد ويقصر. (1)
الثالث : إن نص الرسالة التي وجهها رسول الله –صلى الله عليه وسلم – إلى أهل عمان كانت باسم عبد وجيفر .
__________
(1) ابن الأثير الكامل ج2 ص145 .
(2) هو أحمد بن يحي بن جابر البغدادي البلاذري، أديب ، شاعر ،مؤرخ ،من أهل بغاد له من الكتب (البلدان الصغير ، البلدان الكبير ،فتوح البلدان ... ) ت 279 هـ ،892م،انظر عمر رضا كحاله ، معجم المؤلفين مؤسسة الرسالة ،ط 1،1414 ،1993م صـ322.
(3) انظر البلاذري ، فتوح البلدان صـ84 .
(4) انظر العوتبي الانساب ج2 ص260 .
(5) انظر ابن منظور لسان العرب ج3 ص176 (1/19)
صفحة 20
سلم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الرسالة إلى عمرو بن العاص بعدما ختمت بخاتمه الشريف فقدم عمرو بن العاص بكتاب برسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى عمان وكان أول موضع دخله في صحار مدينة (دستجرد) (1) .وبعث إلى عبد وجيفر وكانا في بادية عمان .
وعندما قدم عمرو عمان عمد أول الأمر إلى عبد وذلك لأن عبد كان أعلم من جيفر فقصده عمرو ، فدار بينهم حوار طويل ، ومفاد هذا الحوار أن عبدا كان يسأل عمرو عما جاء به وماذا فعل قومه وماذا فعل بالذي اتبع محمد – صلى الله عليه وسلم – ويمكننا أن نستنتج من هذا الحوار عدة أمور :-
1) حنكة عمرو ودهائه حيث إنه عرف مع من يبدأ الحديث مع عبد وذلك لما كان يعرف من حلم عبد وحسن خلقه .
2) تظهر في هذا الحوار عادات العمانين العريقة من حسن الخلق ومن حسن التعامل مع الآخرين ، ويتجلى لنا ذلك عندما قال عمرو إني رسول الله إليك وإلى أخيك ، فقال عبد أخي المقدم علي بالسن والملك ، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك . فكان بإمكان عبد أن يفتح الكتاب ويقرأ الرسالة ولكن أخلاقه الرفيعة واحترامه لأخيه منعاه من فعل ذلك .
3) إن للعمانيين علاقة ببلاد الحجاز قبل ظهور الإسلام بعمان وذلك يظهر عند قال عبد لعمرو يا عمرو إنك ابن سيد قومك . فكيف صنع أبوك . فسؤال عبد عن العاص يدل على أنه كانت علاقة بين أهل عمان ومكة المكرمة وربما تكون هذه العلاقة عن طريق التجارة.
4) قوة الإسلام والمنعة التي كان عليها المسلمون ، والصمود لإعلاء كلمة الحق . فهذا عمرو يقف أمام جيفر وقفة الرجل الجلد الثابت الذي لا يتززع من مكانه ، مظهرا لجيفر قوة الإسلام وما عليه المسلمون من شدة وبأس فقال عمرو : وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل ويبيد خضراؤك . فأسلم تسلم ، ويستعملك على قومك ...
__________
(1) انظر السالمي مصدر سابق ص56 ولم أعثر على موقعها بالتحديد من صحار ولكنها على الأغلب أنها كانت على الساحل . (1/20)
صفحة 21
5)الأخذ بمبدأ الشورى فهذا عبد وجيفر يطرحان فكرة الإسلام على قبائل الأزد وكان ييستشيران كعب بن برشة عن الإسلام فاخبرهم أن محمد – صلى الله عليه وسلم – نبي مرسل . وهكذا .
6)ول الإسلام عن رغبة لا عن رهبة كما ذهب إليه بعض الباحثين من أن أهل عمان دخلوا الإسلام عن خوف وذلك يتجلى لنا من موقف جيفر مع عمرو حيث قال – مبينا له انه لم يدخل الإسلام عن خوف وإنما عن إقتناع : إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا اضعف العرب إن ملكتُ رجلا ما في يدي وهولا تبلغ خيله إليّ هاهنا وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى .
فسرعان ما أعلن عبد وجيفر دخولهما في الإسلام وأخذا يدعوان العمانين إلى الدخول إلى دين الإسلام فأرسل جيفر إلى مهرة والشحر ونواحيها ، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا وكذلك بعث إلى دبا وما يليها ، إلى آخر عمان فما ورد رسوله على أحد إلا أسلم وأجاب الدعوة إلا الفرس الذين كانوا يقطنون ( دستجرد ) في صحار فإنهم أبو الإسلام فخيرهم جيفر بين الإسلام وبين أن يتركوا عمان فرفضوا ذلك فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل قائد الفرس مسكان ، وقتل من أصحابه العدد الكبير ورأوا أنه لا مناص من الإسلام أوالصلح ، فوافقوهم على أن يتركوا كل خضراء وبيضاء وحلقة وكراع ويخرجوا من عمان ، فأجابوهم وخرجوا من عمان كليا. (1)
الفصل الثاني: -
عمان في عهد الخلفاء الراشدين.
المبحث الأول: -
علاقة عمان بالدولة الإسلامية في عهد أبي بكر الصديق
__________
(1) ... انظر سالم بن حمود السيابي عمان عبر التاريخ ج1 وزارة التراث ص115 وانظر مؤلف مجهول تاريخ أهل عمان ص42 (1/21)
صفحة 22
مكث عمرو بن العاص في عمان , يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر , ويجمع الزكاة, ويطبق أوامر الله , وأهل عمان له طائعون ولقوله سامعون, وما فتئ عمرو بين أهل عمان يستأنس بأخلاق العمانيين وحسن تعاملهم مع الآخرين, وبينما هو على تلك الحال كان ما لم يكن في الحسبان , وصل إليه نبأ وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فما كان من عمرو إلا أن عزم العودة إلى مدينة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - (1)
وما إن سمع العمانيون بهذا النبأ المحزن ، أرادوا أن يعبروا عن مدى حزنهم على وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأنهم ماكثون على العهد الذي أعطوه لعمرو بن العاص , أرادوا أن يبرزوا مدى انتمائهم للإسلام , ويعطوا الولاء للخليفة الجديد مسلمين له زمام الأمور , فما كان منهم إلى إن جمعوا سبعين رجلا من أشراف قومهم وعلى رأسهم عبد بن الجلندى وكان معه جعفر بن خشم العتكي وأبو صفرة سارف بن ظالم الأزدي (2)
__________
(1) لمزيد من التفاصيل عن عودة عمرو بن العاص من عمان: انظر ابن الأثير . الكامل ج2 ص212 , الطبري : تاريخ الطبري ج4 ص78 , البلاذري: فتوح البلدان ص102 , والسالمي : تحفة الأعيان ص62 , وسعيد الأزكوي : تاريغ عمان المقتبس ص38, ومؤلف مجهول : تاريخ أهل عمان ص 42-.43
(2) انظر الامام السالمي التحفة ص59 (1/22)
صفحة 23
وحماس (1) وسبيعة بن غزال (2) . فخرج عمرو بن ألعاص بهذا الوفد إلى مدينة الرسول- صلى الله عليه وسلم- فهناك كان اللقاء مع خليفة رسول الله , كان اللقاء مع أبي بكر الصديق- رضي الله عنه وأرضاه- فتقدم سارف بن ظالم ليعرض لأبي بكر الصديق والمسلمين الأمانة التي ائتمنهم إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال : يا معشر قريش هذه أمانة كانت في أيدينا - ويقصد بها عمرو بن العاص- وفي ذمتنا ووديعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد برئنا إليكم منها. وما كان حديث سارف هذا إلا دلالة على أن أهل عمان كانوا يتمتعون بأخلاق عظيمة و على أنهم أهل وفاء و أهل حفظ للأمانة .
__________
(1) قال عنه ابن خلكان: وحماس من جملة السبعين راكبا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم انظر- ابن خلكان : وفيات الأعيان ج2 دار إحياء التراث العربي بيروت ط1 1417ه - 1997م –
(2) انظر : محمد ابن دريد الإشتقاق دار الجيل بيروت ط1 1411ه - 1991م – صـ501 (1/23)
صفحة 24
فأثنى عليهم الخطباء و مدحهم المادحون ، و تقدم عمرو و لم يدع شيئا من المدح و الثناء إلا قاله في أهل عمان و ما كان من أبي بكر إلا أن قام في اليوم التالي و جمع المسلمين و قام فيهم خطيبا يبين فيها فضل أهل عمان ، و أنهم أسلموا طوعا دون إكراه ، و أنهم أهل فضل و شرف ، و أغرقهم بالمدح و الثناء - رضي الله عنه - ثم إن أبا بكر استنهض عبدا لمقاتلة المرتدين ، فأرسله بسرية إلى ديار آل جفنة وكانوا من الغساسنة فقاتلوا قتالا شديدا ، أظهر فيها عبد الحزم و حسن التدبير ، و أبلى الأزد في هذه المعارك بلاءا حسنا ، حتى إن حسان بن ثابت قال عندما قدم عبد من قتال الغساسنة قال : قد شهر مقام عبد في الجاهلية و الإسلام فلم أرى رجلا أحزم و لا أحسن رأيا و تدبيرا من عبد و هو والله ممن وهب نفسه لله في يوم غارت صباحه و أظلم صباحه ، حتى أن أبا بكر سر من ذلك فما كان من أبي بكر الصديق إلا أن قال : هو كما ذكرت و القول يقصر عن وصفه و الوصف يقصر عن وصفه . هكذا كان لأهل عمان دور كبير في حروب الردة و لهم الفضل الأسبق في هذا المضمار ، فجزى الله أهل عمان خيرا . حتى أن أبا بكر الصديق كتب كتابا إلى أهل عمان يشكرهم و يثني عليهم و أقر جيفر و أخاه عبدا على ملكهما . و يذكر أن عامل أبي بكر الصديق على عمان حذيفة بن محصن (1) و لعله كان يجمع الصدقات ، وإنما كان الملك و السيطرة لعبد و جيفر.
المبحث الثاني :
قضية الوضع في دبا :
__________
(1) اليعقوبي مصدر سابق ج 2ص 138 (1/24)
صفحة 25
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ارتدت أغلب القبائل العربية عن الإسلام حتى بالغ أحدهم فقال : إن العرب ارتدت كلها ما عدا قريش و ثقيف. و يرجع سبب ارتداد هذه القبائل إلى عامل أساسي و هو رفض دفع الزكاة وذلك لأنهم اعتبروها إتاوة تنقص من سيادتهم ، و يمكن أن نرجع سبب ارتدادهم إلى سبب آخر و هو أن بعض القبائل كانت حديثة عهد بالإسلام فلم يتغلغل الإسلام في قلوبهم ، فما إن سمعوا بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ارتدوا عن الإسلام . تذكر بعض المصادر أن ردة حدثت في أهل عمان ، و بعضهم يخصها بدبا من أهل عمان بينما نجد فريقا آخر ينفي حدوث ردة في عمان أو في دبا ، فهل يا ترى حدثت ردة في عمان أو في بعضها أو لم تحدث ؟
هذا ما سنحاول أن نتناوله من خلال ذكر الروايات التي تذكر حدوث ردة في أهل عمان.
و أقدم هذه الروايات ما ذكره ابن سعد (1)
__________
(1) هو محمد بن سعدبن منيع الزهري ،مولاهم ،أبو عبد الله مؤرخ ،ثقة ، من حفاظ الحديث .ولد في البصرة ،وسكن بغداد وتوفي فيها، ت230 هـ 845 م.انظر الزركلي ، الأعلام 6/136.
(2) هو عكرمة بن أبي جهل بن عمرو بن هشام القرشي المخزومي ، أسلم عام الفتح ،قاتل أهل الردة ، وقتل يوم اليرموك في خلافة عمر .انظر ابن حجر الإصابة 2/489.
(3) انظر ابن سعد الطبقات ج 7 ص 101، 102، بتصرف (1/25)
صفحة 26
حيث يروي ، أن الأزد من دبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم مقرين بالإسلام ، فبعث عليهم حذيفة بن اليمان الأزدي ، يجمع الصدقات من أغنيائهم و يردها على فقرائهم . فلما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ارتدوا و منعوا الصدقة ، فكتب حذيفة إلى أبي بكر بذلك ، فوجه أبو بكر عكرمة(2) بن أبي جهل إليهم ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فظفر عكرمة عليهم ، و أكثر فيهم القتل ، ثم تحصنوا بحصن دبا فحاصرهم المسلمون ثم نزلوا على حكم حذيفة بن اليمان الأزدي فقتل مائة من أشرافهم و سبى ذراريهم و بعث بهم إلى أبي بكر بالمدينة فأراد أبو بكر قتلهم ، فقال عمر : يا خليفة رسول الله قوم إنما شحوا على أموالهم ، فيأبى أبو بكر أن يدعهم ، فلم يزالوا موقفين في دار رملة بنت الحارث حتى توفي أبو بكر وولي عمربن الخطاب فدعاهم فقال: قد أفضى إلى هذا الأمر فانطلقوا إلى أي البلاد شئتم فانتم قوم أحرار لا فدية عليكم(3). (1/26)
صفحة 27
أما الرواية الثانية فيذكرها الطبري المرجع و هي : إنه نبغ بعمان ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي و كان يسمى في الجاهلية الجلندى ، و أدعى النبوة ، و غلب على عمان مرتدا ، و لجأ جيفر و عبد على الجبال و البحر ، و بعث جيفر إلى أبي بكر يخبره و يستمده عليه ، و بعث أبو بكر حذيفة(1) بن محصن الغلفاني من حمير ، و عرفجة البارقي من الأزد ، حذيفة إلى عمان و عرفجة إلى مهرة و كل منهما أمير على صاحبه في وجهته ، و أرسل أبو بكر عكرمة و عمر أن يلحقا بحذيفة و عر فجة لقتال المرتدين من أهل عمان و كان قد بعث أبو بكر عكرمة إلى اليمامة فأصيب ، فلحقهما عكرمة قبل عمان ، فلما و صلوا رجاما كاتبوا جيفرا و عبدا ، و جمع لقيط جموعه ، وعسكر بدبا ، و خرج جيفر و عبد وعسكرا بصحار و قدم إليهما حذيفة و عر فجة و عكرمة ، و كاتبوا رؤوس الأزد مع لقيط ، ثم التقوا على دبا فاقتتلوا قتالا شديدا و كاد لقيط يستعلي على الناس ، و قد رأى المسلمون الخلل ، و رأى المشركون الظفر ، و جاءت المسلمين موادهم العظمى من بني ناجية ، و عليهم الخريت بن راشد ، و من عبد القيس و عليهم سيمان بن هوجان و شواذب عمان من بني ناجية و عبد القيس ، فقوى الله بهم أهل الإسلام ، ووهن الله بهم أهل الشرك فولى المشركون الأدبار ، فقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف و ركوبهم ، حتى أثخنوا فيهم ، وسبوا الذراري ، و قسموا الأموال على المسلمين ، و بعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عر فجة . (1) 2)
__________
(1) هو حذيفة بن محصن القلعائي ،استعمله أبو بكر على عُمان بعد عزل عكرمة ،وقال عمر بن شبة ولاه عمر على اليمامة.انظر ابن حجر ،الإصابة ،2/489
(2)انظر الطبري ، تاريخ الطبري ج4 ص 131، 132 بتصرف (1/27)
صفحة 28
أما الرواية الثالثة يذكرها البلاذري و هي : إنه لما قبض الرسول صلى الله عليه و سلم ارتدت الأزد و عليها لقيط بن مالك ذو التاج و انحازت إلى دبا و بعضهم يقول دما في دبا فوجه أبو بكر رضي الله عنه إليهم حذيفة بن محصن البارقي من الأزد ، وعكرمة بن أبي جهل ابن هشام المخزومي فواقعا لقيطا و من معه فقتلاه و سبيا من أهل دبا سبيا بعث به إلى أبي بكرثم إن الأزد رجعت عن الإسلام و ارتدت طوائف من أهل عمان ولحقوا بالشحر فسار إليهم عكرمة فظفر بهم و أصاب منهم مغنما و قتل بشرا .. (1)
هذه مجمل الروايات التي تحدثت عن ردة أهل عمان و كل من ذكر ردة أهل عمان إنما اعتمد على هذه الروايات التي ذكرناها آنفا .
أولا: لو نظرنا أولا إلى رواية ابن سعد لوجدنا فيه اضطرابا حيث إنه ذكر أن أبا صفرة كان من ضمن السبي الذي سباه حذيفة و أنه لم يبلغ الحلم يومئذ ثم ذكر بعد ذلك أن عمر بن الخطاب قد أطلق سراح السبي فخرجوا إلى البصرة و ذكر أن أبا صفرة نزل البصرة وولده ، وهذا لا يعقل لأن السبي كان في آخر عهد أبي يكر ، وكان أبوصفرة غلاما لم يبلغ الحلم فكيف كان له ولد بعد وفاة أبي بكر ؟!
ثانيا : إن الطبري ذكر أنه نبغ بعمان ذو التاج لقيط بن مالك و كان يسمى الجلندى و لقيط هذا لم يعرف إلا بعد هذه الحادثة فأين كان فيما سبق ثم إن الجلندى كان يلقب به ملك عمان و من المعروف أن في الجاهلية كان ملك عمان الجلندى بن المستكبر و بعد وفاته كان الملك لابنيه عبد وجيفر و لم يذكر أنه كان للقيط بن مالك .
ثالثا : ذكر ابن سعد أن الذي طلب المساعدة من أبي بكر حذيفة بن اليمان ،بينما يذكر الطبري أن الذي طلب المساعدة هو جيفر وهذا يدل على اضطراب الروايات
رابعا : يذكر ابن سعد أن أبا بكر بعث عكرمة بن أبي جهل لقتال المرتدين من أهل دبا بينما يذكر غيره أن أبا بكر بعث حذيفة بن محصن و عر فجة ثم ألحق عكرمة بهم .
__________
(1) البلاذري : فتوح البلدان ص 83 (1/28)
صفحة 29
خامسا : إن أبا بكر وجه لقتال المرتدين من أهل دبا ثلاثة جيوش بالإضافة على جيش أهل عمان بقيادة عبد و جيفر و الجيوش هي جيش عر فجة و جيش عكرمة القادم من معركة اليمامة و جيش حذيفة بن محصن ، فكيف يعقل أن يبعث أبو بكر هذا العدد الهائل من الجيوش لقتال شرذمة ارتدوا من أهل عمان بينما أرسل عكرمة بن أبي جهل وحده لقتال مسيلمة و كان مسيلمة اكثر عدة و عتادا و تحصينا من لقيط .
سادسا : يذكر ابن سعد و الطبري و غيره أن الردة وقعت في دبا بينما يذكر البلاذري أن طوائف من أهل عمان ارتدت و هذا أيضا يدل على التناقض بين الروايات (1) .
فهكذا كما رأينا أن هذه الروايات تضطرب اضطرابا شديدا في ذكر هذه الحادثة مما يجعلنا نشكك في صحتها ، و هذه الروايات جاءت خلافا عما ذكره العمانيون لهذه الحادثة .
فيذكر الشيخ العوتبي : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وجه حذيفة بن محصن الغلفاني إلى عمان ليجمع منهم الصدقة فلما صار في ولد الحارث بن مالك بن فهم ، ليصدقهم ، تناول بعض أصحابه امرأة من العفاة ، وكان عليها فريضة شاة سنة . فأعطتهم عتودا أو عناق مكان الشاة المسنة فأبوا أن يقبلوها ، فأخذوا ما أرادوا فنادت يا آل مالك . فقال حذيفة : دعوة الجاهلية و خاف أن يكون القوم قد ارتدوا فأغار عليهم فأخذ أناسا منهم ، فمضى بهم إلى المدينة . و تبعه سبيع بن عراك الصليمي و المعلى بن سعد الحمامي ، و الحارث بن كلثوم الحديدي . فوفدوا إلى أبي بكر فقالوا : يا خليفة رسول الله ، إن على إسلامنا لم ننتقل عنه ، و لم نمنع الزكاة ، و لم ننزع يد الطاعة و لم نرجع عن ديننا ، و قد عجل علينا صاحبك و كففنا أيدينا إلى أن أتيناك .
__________
(1) انظر إلى تحليل زايد الجهضمي .زايد الجهضمي حياة عمان الفكرية 1419 ، 1998 ص89، 00و انظر إلى تحليل عبد المنعم عبد الحميد سلطان دراسات في تاريخ عمان و الخليج في صدر الإسلام دراسة و وثائقية مركز الإسكندرية للكتاب ص45 (1/29)
صفحة 30
فقال : اصنع بكم ما صنعت بالعرب إن شئتم خليت المال ، و أخذت السبي فأعادوا السبي ، فقالوا وعلى كل أسير أربعمائة و خمسون درهما . (1)
و يقال أنه لما أتوا إلى أبي بكر وجدوه قد مات و كان مكانه عمر بن الخطاب ، فخاطبوه بشأن الشبه و رد عمر السبي إلى أهله. (2) وذكر الإمام السالمي عن الشيخ خلف بن زياد البحراني أنه قال: بلغنا أن أبا بكر بعث إلى أهل عمان مصدقا يأخذ صدقات أموالهم و هم مقرون بالحكم كله ، فأعطوه الصدقة جميعا لم يمنعها أحد منهم . غير أن امرأة من أهل دبا شاجرت بعض المصدقين فزعمت أنه قد استوفى جميع حقه و زعم أنه بقي عليها بقية منها فتنازعا في ذلك فقرعها قرعة فاستغاثت ببعض أهله فأغاثها فأقبل و من معه إلى الذي قرعها و هي معه من المصدقين فتواقعوا ، و تنادوا عند ذلك يا آل بني فلان حين رأوا أن القبائل قد فشت بينهم ، قال : وكانت دعوة جاهلية قد يقال إن من دعا بها حل دمه حين يدعوا بها أو يتوب, فاقتتلوا ما شاء الله وظهر المصدقون عليهم فجاء حذيفة الغلفاني وكان إلى ذلك فسبا أهل دبا وفيهم ذرية من النساء والولدان وذرية ومن كان قد غاب أو قد مات وهو مسلم و نساؤه في غير إنكار بشيء من التنزيل و لا امتناع منهم بما قبلهم من الحق (3)
ويقول الإمام السالمي بعد ذكر هاتين الروايتين : هذا حاصل قضية دبا من الكتب العمانية و هم اعرف بحالهم و بما عليه أوائلهم (4) .
و من خلال النظر إلى الروايات التي ذكرها أهل عمان عن ردة أهل دبا مع
الروايات التي ذكرها غير العمانيين في هذه الردة تجد أن الروايات العمانية
__________
(1) بتصرف العوتبي الأنساب ج2 ص240،248
(2) العوتبي الأنساب ج2 ص 241 ،و انظر تحقيق سيدة كاشف، السير و الجوابات ج2 ص109
(3) الإمام السالمي التحفة ص 68
(4) الأمام السالمي ، التحفة ص69 (1/30)
صفحة 31
اكثر دقة لهذه الحادثة ، و خالية من الاضطرابات التي وقعت فيها الروايات غير العمانية ، و لهذا نأخذ بالروايات العمانية و ذلك لعدة أسباب :
أولا : لأن أهل عمان أدرى بحالهم و ما عليه أوائلهم .
ثانيا : قدوم الوفد على أبي بكر بعد هذه الحادثة مباشرة ليبين أنهم على الإسلام و أن الأمر لم يكن إلا سوء فهم من الجباة .
ثالثا : عندما حدث القتال بين الجباة و أهل دبا توقف أهل دبا عن قتالهم ، و لو كان القوم قد ارتدوا لقضوا على حذيفة و من معه وذلك لأن حذيفة لم يكن على أهبة الاستعداد للقتال و إنما كان و اليا يجمع الزكاة و هذا يدل على أنهم ما زالوا متمسكين بدين الإسلام .
رابعا: الدعوة الجاهلية التي أطلقتها المرأة جعلت حذيفة يظن أن القوم قد ارتدوا و ذلك لأن في ذلك العصر كثرت الردة من العرب فخاف أن يكون القوم قد ارتدوا فبادر لقتالهم .
خامسا : تفهم عمر بن الخطاب للقضية و رد السبي يدل على أن القوم لم يرتدوا .
سادسا : الاضطرابات التي وقعت فيها الروايات غير العمانية تجعلنا نشكك فيها و عدم الأخذ منها و ذلك للأسباب التي ذكرناها سابقا .
و يرى بعض الباحثين : أن القضية لم تكن ردة و إنما بسبب دعوى الجاهلية ( بآل فلان ) ثم تجر الخلاف و اتسع حتى أدى إلى المواجهة بالإسلام ، بين قوم نصروا قومهم على تلك الدعوة ، وقوم اعتصموا بالهدى ، و تفيد الروايات أن هذه الفتنة وقعت في السنة الثالثة عشر للهجرة و هذا يعني أمرين :
1- لو كانت ردة لكانت بعد و فاة النبي صلى الله عليه و سلم و في زمن ارتداد العرب ، أبعد القضاء على الردة في الجزيرة العربية يرتد أهل عمان ؟ وقد رأوا مصير أولئك .
2- أن أزد عمان كانوا قد دفعوا الصدقات في السنة الحادية عشرة و الثانية عشرة ، و لو كانوا عزموا على الردة لارتدوا من البداية (1) .
__________
(1) زايد الجهضمي حياة عمان الفكرية ص (1/31)
صفحة 32
بينما يسعى أحد الباحثين أن يوفق بين الروايات العمانية و الروايات غير العملنية و يقول على حسب الروايات غير العمانية أنه لم تحدث ردة في عمان أكملها و انهم حدث في منطقة دبا فقط و أما الروايات العمانية فأنه قد حدثت ردة في أهل دبا و لكن قد حدثت قبل هذه الحادثة – حادثة المرأة مع المصدقين – و بهذا
تكون الروايات العمانية مع غير العمانية متفقة على هذا الأمر.(1) و في حقيقة الأمر لا نستطيع القول إن الروايات العمانية مع غيرها من الروايات متفقة على أن الردة لم تحدث إلا في دبا و ذلك لأن بعض الرواة غير العمانيين صرح بحدوث ردة من طوائف من أهل عمان كما ذكر البلاذري فكيف تقول بالتوفيق ؟ و كيف يمكن القول بأن أهل دبا ارتدوا بدون أي دليل سوى أننا نسعى لأجل التوفيق بين الروايات .
أما بالنسبة لكثرة الروايات في ردة أهل عمان هذا لا يعني بصحتها و ذلك لأنه في ذلك العصر كثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم فكيف يتعثر عليهم اختلاق قصة كهذه و ذكرها بين الناس و لو كانت صحيحة لما اضطربت هذه الاضطرابات الفاحشة و أخيرا نقول أنه لم تحدث ردة في أهل عمان و لم تحدث ردة في أهل دبا ، و نختم بقول الإمام السالمي بعدما ذكر رواية ابن الأثير : و كله باطل لا أصل له . (1) و هذا الكلام ينطبق على جميع الروايات غير العمانية و الله أعلم .
المبحث الثالث:
عمان في عهد عمر بن الخطاب :
و قبل الشروع في علاقة و دور العمانيين في عهد عمر بن الخطاب نرى أولا أن نتعرف على عمر بن الخطاب :
__________
(1)
(1) أحمد بن سعود السيابي محاضرة ألقاها في جامع سناو .
(2) الإمام السالمي التحفة ص 70 (1/32)
صفحة 33
عمر بن الخطاب بن ثقيل بن عبد العزى القرشي العدوي و يكنى بأبي حفص و يلقب بالفاروق ، و كان قويا شجاعا ، تقيا و رعا ، ذا هيبة و جلال ، لا يخاف في الله لومة لائم أسلم قبل الهجرة بأربع سنوات ، استخلفه أبو بكر الصديق على المسلمين بعد و فاته ، أبلى للإسلام و المسلمين بلاءا حسنا ، حيث فتح الله تعالى على يده ما يلي من جزيرة العرب و العراق و الجزيرة و الشام و مصر و طرابلس و فارس و كرمان حتى عرف ذلك العهد عهد الفتوحات الإسلامية ، استمر عمر بن الخطاب على هذا النهج و عم العدل و الأمان في البلاد الإسلامية .
استعمل عمر بن الخطاب على عمان عثمان بن أبي العاص ، و أمر بأن يتولى جميع الصدقات و الزكاة و أن يخلي شؤون عمان لعبد و جيفر و ذلك إكراما لهم ، و لأنهم أدرى بأحوال بلادهم و طبائع أهلها – و كما يقال أهل مكة أدرى بشعابها – لم يكتف العمانيون بهذا ، بل كان لهم مشاركات عظيمة في الفتوحات الإسلامية ، فكانوا كالصخرة العاتية في الحدود الجنوبية الشرقية ضد العراق و الفرس . فكان الفرس يطمعون بالاستيلاء على هذه المناطق و لكن العمانيين حطموا آمالهم ، و بددوا أحلامهم فكانوا لهم بالمرصاد ، و لم يتركوا لهم أدنى ثغرة يلجأون إليها أو يحققوا أطماعهم من خلالها . فبعد هزيمة الفرس بجلولاء سنة 16 هـ ، 663 م (1) بيد المسلمين لم يهدأ لعمر بالا فخشي أن تتجمع الفرس مرة أخرى لقتال المسلمين فأرسل إلى عامله بعمان عثمان أبن أبي العاص أن يجمع أهل عمان والبحرين لقتال الفرس فاجتمع حوله من العمانين ثلاثة آلاف مقاتل أكثرهم من الازد .
__________
(1) 4انظر قصة جلولاء من الطبري مصدر سابق ص 473، 474 ، البلاذري مصدر سابق ص260 ، 261 (1/33)
صفحة 34
فطلب عثمان بن أبى العاص المشورة من أهل عمان لما علم أنهم أصحاب خبره في مجال البحر ، فعبر عثمان بهم البحر من جلفار إلى جزيرة ابن كاوان (1) فما إن وصلت هذه الجموع من المسلمين إلى جزيرة ابن كاوان
و كانوا صفا واحدا فبدأوا المراسلات بينهم و بين قائد العرب ، و تحت التهديدات من قبل المسلمين و تحت ظل ما رأى من تكد س هذه الجموع آثر الاستسلام على الحرب ، فهكذا فتح المسلمون أول معقل من معاقل الفرس ، و ما إن علم كسرى بنبأ هزيمة قائده و استسلامه استشاط غضبا . فأرسل إلى واليه شهراك و من معهم فيلا في ثلاثين ألفا من الأساورة . (2) لمقاتلة المسلمين و لكنه فوجئ بأن المسلمين كانوا لهم بالمرصاد, فاقتتلوا قتالا مريرا , وكثر القتل في صفوف الفرس و أبلى العمانيون بلاء حسنا, وقتل قائد الفرس في هذه المعركة, وكان هذا الانتصار الذي حققه المسلمون درسا قاسيا كي لا يعود مرة أخرى لقتال المسلمين أو يطمعوا في شيء من أرض الإسلام وخيرات المسلمين فبهذا قطع العمانيون آمال الفرس في السيطرة على الخليج ونهب خيراتها . ولم يكتف العمانيون بهذا الحد من الفتوحات بل شاركوا في الفتوحات الأخرى من جهة العراق, ولم يثني العمانيون عن واجب الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله أي أمر , حتى إنه بلغ من كثرة عددهم في العراق أن خصص لهم حي خاص بهم في مدينة البصرة بعد إنشاء المدينة في عهد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- (3) وكان أول من قدم البصرة من أهل عمان وفد مكون من ثمانية عشر رجلا, (4)
__________
(1) انظر سعيد عاشور ، عوض خليفات ، عمان والحضارة الإسلامية ، جامعة السلطان قابوس ص28 – العوتبي الأنساب ص 325
(2) ابن در يد ، الاشتقاق ص 530
(3) سعيد عاشور,عوض خليفات مصدر سابق ص27
(4) العوتبي الأنساب ج2 ص326 (1/34)
صفحة 35
فهكذا ظل العمانيون يتوافدون إلى البصرة , ولم تقتصر الحركة العمانية على الفتوحات الإسلامية , بل كان لهم دور بارز في مجال القضاء ففي عهد عمر بن الخطاب عين أول قاض عماني على العراق وهو سليمان بن ربيعة الباهلي , واستقضى عمر شريحة من الحارث الكندي على الكوفة وبعث عمر كعب بن سور قاضيا لأهل البصرة (1) فقد ولى عمر كعباالقضاء
حين استحسن حكمه بين المرأة وزوجها . (2)
__________
(1) انضر: العوتبي: الضياء ج11 وزارة التراث القومي والثقافة 1514ه 1994م ص32 بتصرف .
(2) وقصة حكمه بين المرأة وزوجها: قيل أن امرأة أتت إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - فقالت: إن زوجي يقوم الليل ويصوم النهار ما احب أن أشكوه وهو في طاعة الله فلم يفهم عمر لقولها, فأعادت عليه القول فلم يفهم عمر قولها, فقال عمر: ما تأمريني أن امنع رجلا عن عبادة ربه , فقال رجل حاضر عنده وهو من أهل عمان, فقال له كعب بن سور : يا أمير المؤمنين هذه امرأة تقول لك ليس لها من زوجها نصيب, فقال له عمر : فإن فهمت قصتها فاحكم بينهما , فجلس الروج وحضر بين يديه , فقالت المرأة شعرا:-
يا أيها القاضي الحكيم أرشده
ألهى خليلي عن رقادي مسجده
أزهده عن مرقدي تعبده
وخوف رب باليقيقن يعبده
ليله و نهاره ما يرقده
ولست في أمر النساء أحمده
فقال للزوج: ما تقول ؟
فقال: -
اني امرؤ أوجلني ما قد نزل في سورة النور وفي السبع الطول
زهدني في فراشها أو الحجل وفي القران واعظ لمن عقل
فحثها ياذا على خير العمل من طاعة الله ومن بر النفل
وفي كتاب الله تخويف جلل إن خير الحاكمين من عدل
فقال القاضي وهو كعب: -
إن خير الحاكمين من عدل ومن قضى بالحق طرا وفصل
إن لها علبك حقا يا بعل واحدة من أربع لمن عقل
اجعل لهذا ورعا عنك المطل وأنت من أمر الثلاث في مهل
أذن فعمهن وفهمن وصل لا ينفع القول وتضييع العمل
ثم التفت الى عمر فقال: يا أمير المؤمنين , أحل الله من النساء مثنى وثلاث ورباع, فجعلت منه ثلاثا يصومهن ويقومهن ولها منها يوما وليلة , فقال عمر ألا إني لأعجب في فهمك قصتهما , أو في حكمك وقضاك بينهما, اذهب وليتك قضاء البصرة , أنظر العوتبي الضياء ج11 ص33-34 (1/35)
صفحة 36
فهكذا كان للعمانيين دور فعال في نشر الإسلام وفي الخوض لنشر رايات الحق ساطعة مدى الزمان , فبورك لهم من رجال حموا الإسلام والمسلمين.
المبحث الرابع :
عمان في عهد عثمان وعلي
المطلب الأول:
عمان في عهد عثمان
بعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تم اختيار عثمان بن عفان خليفة للمسلمين فبايعوه على سنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و سنة الخليفتين من قبله . سار الخليفة الثالث عثمان على المنهاج الذي انتهجه الخليفتان السابقان ، وواصل الفتوحات الإسلامية و فتح الثغور فافتتح ما وراء الدروب من الشام و الماهان و أذربيجان و خراسان بعد الري و حلوان و سجستان و أفريقيا و كانت هذه الفتوح متوالية في أطراف الأرض حتى وقع ما وقع من الافتراق و الشقاق (1) .
و لكننا نتساءل هل كان للعمانيين دور في هذه الفتوحات ؟ و ما صلتهم بعاصمة الدولة الإسلامية ؟
أمر عثمان بن عفان عبدالله بن عامر على البصرة (2) و كان للفرس في ذلك العهد طموحات لغزو البصرة فأرسل عبدالله بن عامر إلى عثمان بن أبي العاص (3) و كان بعمان و أمره بالقدوم إليه للدفاع عن حمى المسلمين فقدم عثمان بن أبي العاص و كان معه جند من أهل عمان ، و دافعوا عن بلاد المسلمين دفاعا مستميتا ، و كان هذا النصر عاملا أساسيا للتواصل بين أهل عمان و البصرة حيث توالت هجرات العمانيين إلى العراق في هذه الفترة و إلى البصرة خاصة التي أصبحت مركزا و عاصمة للولايات الشرقية في الخلافة الإسلامية و كانت عمان إحدى هذه الولايات ، و بلغ من كثرة العمانيين في البصرة أن ابتنوا حيا خاصا بهم دعي باسم درب الجوف و فيه ترعرعت و نمت الحركة الإباضية (4) .
__________
(1) انظر : سالم بن حمد الحارثي العقود الفضية ، ص219
(2) الطبري تاريخ الطبري ج 5 ص 264
(3) انظر الطبري مصدر سابق ج5 ص265
(4) انظر الدكتور سعيد عاشور ، عوض خليفات ، عمان و الحضارة الإسلامية ص28بتصرف (1/36)
صفحة 37
ولم تشر المصادر على أن الخليفة الثالث بعث عاملا إلى أهل عمان من قبله و إنما استكفى بحكم و إمارة آل الجلندى و ذلك ربما لأنه و جد فيهم الإخلاص و حسن تدبير الأمور فبذلك كانت علاقة عمان مرتبطة بالبصرة أكثر من كونها مرتبطة بمركز الخلافة بالمدينة المنورة (1) .
المطلب الثاني:
فتنة مقتل عثمان بن عفان :
بويع الخليفة عثمان بن عفان بالخلافة على أن يقيم حدود الله و رسوله صلى الله عليه و سلم و أن يسير على النهج الذي سار عليه الخليفتان السابقان أبوبكر و عمر رضي الله عنهما ، وفي بداية خلافته طبق ما أشترط عليه و أقام حدود الله و سار على منهج الخليفتين و لكن هذا الأمر لم يدم طويلا فغير و بدل و أنكر عليه المسلمون ذلك ، ومما أنكروا عليه ما ذكره عبدالله بن أباض في خطاب وجهه إلى عبد الملك بن مروان يقول فيه : و مما نقمنا عليه أنه أخذ خمس الله لنفسه و يعطيها أقاربه و يجهل منهم عمالا على أصحابه و كان ذلك تبديلا لفرائض الله و فرض الله الخمس لله و رسوله ومما نقمنا عليه أنه منع أهل البحرين و أهل عمان أن يبيعوا شيئا من طعامهم حتى يباع طعام الإمارة و كان ذلك تحريما لما أحل الله (و أحل الله البيع و حرم الربا (2) (3) و هكذا تفاقم الأمر على عثمان و عظم أمره على الناس و لما رأوا أن عثمان مصرا على موقفه و أنه لا يغير ما طلب الناس أن يغيره انقلب عليه المسلمون و حاصروه و اشتد الحصار عليه و انتهى بمقتل عثمان بن عفان .
لكننا نتساءل هل كان لأهل عمان دور أو مشاركة في هذه الفتنة العظيمة التي فتن المسلمون بها ؟
__________
(1) انظر زايد الجهضمي ، حياة عمان الفكرية حتى نهاية الإمامة الأولى 134 ه ، 1419ه –1998م ص68 بتصرف
(2) سورة البقرة آية 275
(3) تحقيق و شرح أد: سيدة إسماعيل كاشف : السير و الجوابات لعلماء و أئمة عمان ج2 وزارة التراث 1406ه 1986م ص325وما بعدها (1/37)
صفحة 38
لم تشر المصادر أن العمانيين شاركوا في هذه الفتنة و لم تذكر أنه كان لهم دور في هذه الفتنة .
المطلب الثالث :
عمان في عهد علي :
بعد مقتل عثمان بن عفان تولى علي بن أبي طالب الخلافة من بعده و بعث الحلو بن عوف الأزدي عاملا على عمان (1) و ما إن بويع الإمام علي على الخلافة و يمسك بزمام الأمور واجهته عدة مشاكل ، و كانت المشكلة الأولى : خروج المطالبين بدم عثمان و كان على رأسهم طلحة و الزبير و كانت معهم السيدة عائشة رضي الله عنها فقام طلحة و الزبير بتحريض الناس للخروج بمطالبة الإمام علي بدم عثمان فتفاقم الأمر و اشتد بين الطرفين حتى أن السيدة عائشة بعثت إلى قبائل الأزد المتمركزة في البصرة فأرسلت إلى صبرة بن شيحان الحداني و زيد بن صوحان العبدي (2) تدعوهم للخروج للمطالبة بدم عثمان .
أدرك الأزد خطورة الموقف بالصلح بين الطرفين فكانت أول مبادرة من كعب بن سور حيث إنه كان حكما بين الطرفين (3) و أراد كعب أن يرد صبرة بن شيحان من الخروج و أن يغيب بقومه عن حضور هذه الفتنة
و لكن صبرة رفض ذلك و قال : أتأمرني أن أغيب عن إصلاح بين الناس و أن أخذل أم المؤمنين و طلحة و الزبير إن ردوا عليهم الصلح و أدع الطلب بدم عثمان لا والله لا أفعل ذلك أبدا .
و أما زيد بن صوحان فإنه رد على رسالة أم المؤمنين بأن طلب منها أن ترجع إلى بيتها و أن تعتزل هذا الأمر و إلا فإنه لن يكون معها . و مع هذا كله لم يمنع السيدة عائشة و من معها من الخروج .
و لما نشبت الحرب بين الفريقيين قام كعب بن سور ممسكا بالمصحف يعض هؤلاء و هؤلاء ، لعل أحدهم يسمع كلامهم و يرتدع عما هو عليه .
__________
(1) أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي ج2 ، دار صادر بيروت ص195
(2) الطبري تاريخ الطبري ج5 ص588
(3) الطبري مصدر سابق ج 5 ص506 (1/38)
صفحة 39
نستنتج من هذه الأحداث أن الأزد كانوا على ثلاث طوائف إزاء هذا الموقف : طائفة كانت في صف الإمام علي ، و طائفة كانت في صف السيدة عائشة رضي الله عنها ، و طائفة توقفت .
و أما المشكلة الثانية التي واجهت الإمام علي كرم الله وجهه هو تحريض معاوية بن أبي سفيان أهل الشام على علي و مطالبتهم بدم عثمان فأرسل الإمام علي جريرا إلى معاوية و أهل الشام يدعوهم إلى طاعة خليفة المسلمين فانطلق جرير حتى أتى الشام و نزل بمعاوية ، فدخل عليه فحمد الله و أثنى عليه و قال : أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين و أهل البصرين و أهل الحجاز و أهل اليمن و أهل مصر و أهل العروض و عمان و أهل البحرين و اليمامة فلم يبقى إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها........ (1) و نستنج من هذا أن أهل عمان كانوا مع الإمام علي و أنهم خاضعين لدولة الإسلام و الخلافة الإسلامية ، غير أن المصادر تقف عند هذا و لا تذكر لنا شيئا من مشاركات أهل عمان في معركة صفين أو المعارك الأخرى التي خاضها الإمام علي على خصومه .
و بعد مقتل الإمام علي انفصلت عمان عن التبعية للدولة الحاكمة و أصبحت مستقلة في أمورها و في إدارتها و لم تعد خاضعة لأحد في ذلك الوقت إلا لعباد بن الجلندى .
الفصل الثالث :
فضائل أهل عمان
تمتع العمانيون بأخلاقهم الرفيعة ، ومعاملتهم الحسنة مع الآخرين على مر الزمان حتى أصبح للعمانيين فضائل جمة على فترة التاريخ ، و سنتناول في هذا الفصل فضائل أهل عمان و ذلك في ثلاث مباحث :
المبحث الأول :
فضائل أهل عمان في عهد الرسول - صلى الله عليه و سلم-
__________
(1) انظر نصر بن مزاحم المنقري واقعة صفين ،دار الجيل بيروت ص28 (1/39)
صفحة 40
إن لأهل عمان في عهد الرسول - صلى الله عليه و سلم - فضائل جمة فيكفي أنهم أسلموا طوعا و أذعنوا لقيادة النبي صلى الله عليه و سلم ورضوا بالله ربا و بمحمد نبيا و رسولا و بالإسلام دينا و تركوا ما كانوا عليه من عبادة الأوثان لما رأوا الحق ساطعا مثل القمر الساطع في الليلة الظلماء و مثل الشمس في كبد السماء ، كان للعمانيين الأسبقية في دخول الإسلام .
فهذا مازن بن غضوبة من أوائل من دخل الإسلام على يد رسول الله -صلى الله عليه و سلم - طلب من النبي - صلى الله عليه و سلم - أن يدعو لأهل عمان فلبى الرسول عليه السلام الطلب فقال : "اللهم أهدهم و ثبتهم " فقال مازن : زدني يا رسول الله ، فقال : " اللهم ارزقهم العفاف و الكفاف و الرضا بما قدرت لهم " فقال مازن : يارسول الله : البحر ينضح بناحيتنا ، فادع الله في ميراتنا و خفنا و ظلفنا ، فقال عليه السلام : " اللهم وسع عليهم ميرتهم و أكثر خيرهم من بحرهم " ، قال مازن زدني يارسول الله ، قال عليه السلام " اللهم لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم " فقال عليه السلام : يا مازن قل آمين ، فإن آمين يستجاب عنده الدعاء ، قال مازن : قلت آمين .
فاستجاب الله - سبحانه وتعالى - لدعوة نبيه فأسلم أهل عمان و حسن إسلامهم ، و كثر الرزق ، و كانوا اعف الناس ، و أحسن الناس خلقا و أكثرهم قناعة بما قدر الله لهم . فما إن رجع مازن لرسول الله صلى الله عليه و سلم يزف إليه البشرى لما حدث بعمان ، قال عليه السلام : ديني دين الإسلام سيزيد الله أهل عمان خصبا ، وصيدا ، فطوبى لمن آمن بي و رآني و طوبى ثم طوبى لمن آمن بي و لم يرني و لم يرى من رآني و أن الله سيزيد أهل عمان إسلاما فبارك الله في أهل عمان ، و بارك لهم في رزقهم و كثر صيدهم حتى اشتهر عن أهل عمان أنهم يركبون البحر . (1/40)
صفحة 41
و قد وردت أحاديث عديدة (1) تبين فضل أهل عمان فقد جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب أن نسوة من أهل عمان استأذن على عائشة رضي الله عنها فأذنت لهن ، فدخلن عليها و سلمن عليها ثم قالت من انتن ، قلن من أهل عمان ، فقالت لهن : لقد سمعت حبيبي عليه السلام يقول : يكثر رواد حوضي من أهل عمان (2) و قد روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث رجلا إلى حي من أحياء العرب فسبوه و ضربوه فجاء إلى رسول الله فأخبره ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك و لا ضربوك ) (3) .
نعم فعمرو بن العاص قدم إلى عمان فلقي من الترحيب ما لقي و آنس من أهل عمان المحبة و المعاملة الحسنة فلم يسبوه و لم يضربوه و إنما استقبلوه الاستقبال الرحب و أذعنوا له و أطاعوه فيما أتاهم به فقام فيهم حيث قام مكرما و رحل عنهم حين رحل عزيزا .
المبحث الثاني :
فضل أهل عمان في عهد الخلفاء الراشدين :
__________
(1) انظر : سالم بن حمود السيابي ، عمان عبر التاريخ ج1 ص 142، 143 و قد ساق أحاديث عديدة في فضل أهل عمان
(2) ما م الربيع الجامع الصحيح مكتبة مسقط الطبعة الأولى 1415 هـ 1994م ص247
(3) إمام مسلم ، صحيح مسلم ج1 ، دار الفكر ص 1971 (1/41)
صفحة 42
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم صحب عمرو بن العاص وفدا من عمان الى المدينة المنورة , مؤانسة للمسلمين لمصابهم في رسول الله ، و ليؤدوا أمانة رسول الله صلى الله عليه و سلم للخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه و ما أن وصلوا إلى المدينة المنورة استقبلهم المسلمون الاستقبال الرحب و قام الخطباء بالمدح و الثناء عليهم و خطب أبو بكر الصديق في الناس مبينا فضل أهل عمان فقال : يا معشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعا . و لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف و لا حافر و لا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب ، و لا ترموا بفرقة و لا تشتت شمل فجمع الله على الخير شملكم . ثم بعث فيكم عمرو بن العاص بلا جيش و لا سلاح فأجبتموه إذ دعاكم على بعد داركم و أطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم ، وعدتكم ، فأي فضل أبر من فضلكم ؟ و أي فعل أشرف من فعلكم ؟ كفاكم قول رسول الله شرفا إلى يوم المعاد . ثم قام فيكم عمرو ما أقام مكرما ، و رحل عنكم إذ رحل مسلما و قد من الله عليكم بإسلام عبد و جيفر ابني الجلندى و عزكم الله به و عزه بكم ، و كنتم على خير حال جميل ، حتى أتتكم وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فأظهرتم ما يضاعف فضلكم و قمتم مقاما حمدناكم فيه ، و محضتم بالنصيحة و شاركتم بالنفس و المال فيثبت الله به ألسنتكم و يهدي به قلوبكم ، و للناس دولة فكونوا عند حسن ظني فيكم ، و لست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم و لا أن ترجعوا عن دينكم جزاكم الله خيرا . (1)
فهذه أعظم شهادة يقدمها أبو بكر الصديق في فضل أهل عمان ، و هذا المدح و الثناء لم يكن عن فراغ و إنما كان عن واقع التمسه أبو بكر في أهل عمان .
__________
(1) الإمام السالمي ، التحفة ، ص13 ، 14 (1/42)
صفحة 43
ولم يقتصر فضل أهل عمان على هذا الحد فقط بل شاركوا في القضاء على الردة و الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب و كانت لهم الأسبقية في دحر أطماع الفرس في الاستيلاء على الخليج تصدى لهم العمانيون ببسالة و طاردوهم في البر و البحر حتى أن عثمان بن أبي العاص والي عمر بن الخطاب على عمان استعان بالخبرات العمانية في المجال البحري ، و اهتم العمانيون في هذه المرحلة بنشر الإسلام فقد ظهر منهم القضاة كأمثال كعب بن سور قاضي عمر بن الخطاب على البصرة ، و ظهر منهم طلبة العلم كجابر بن زيد فيروى أنه دخل على عائشة رضي الله عنها قيل فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها عنها من قبل سألها عن جماع النبي صلى الله عليه و سلم كيف كان يفعل و أن جبينها يتصبب عرقا و تقول سل يا بني ثم قالت له ممن أنت قال من أهل المشرق من بلد يقال لها عمان . (1)
وهكذا فقد كان لأهل عمان الفضل العظيم في هذا العهد الراشد .
المبحث الثالث :
آراء بعض الكتاب في أهل عمان
إن فضائل أهل عمان لم تقتصر على ما كان في عهد النبي صلى الله عليه و سلم و في عهد الراشدين ، بل تعدت هذا كله ، و ظهرت شامخة في مجرى التاريخ إلى يومنا هذا ، فظهر منهم أهل البيان و الحكمة و الخطابة و الفصاحة ، فقد قال الجاحظ : لربما سمعت من لا علم له يقول : و من أين لأهل عمان البيان ؟ قال و هل يعدون لبلدة واحدة من الخطباء البلغاء ما يعدون لأهل عمان ؟ منهم مصقلة بن الرقبة ، أخطب الناس قائما و جالسا و مفردا و منافسا و مجيبا و مبتدئا ثم ابنه من بعده كرب بن مصقلة و لهما خطبتا العرب : العجوز في الجاهلية و العذراء في الإسلام . (2)
__________
(1) الإمام الربيع جامع الصحيح ص 248 ، 249
(2) الإمام السالمي ، التحفة ص 14 (1/43)
صفحة 44
فقد برع العمانيون في الفصاحة والبلاغة والخطابة فكان من خطبائهم صعصة بن صوحان بن زيد , قال أبو عمرو: خرج صعصعة بن صوحان عائدا إلى مكة فلقيه رجل فقال له : يا عبد الله كيف تركت الارض؟ قال: عريضة أريضة ,قال: إنما عنيت السماء . قال : فوق البشر ومدى البحر, قال : سبحان الله , إنما أردت السحاب. قال : تحت الخضراء وفوق الغبراء, قال: إنما أعني المطر قال : قد عفر الأثر وملأ القتر وبل الوبر ومطرنا أحيا المطر. قال: إنسي أنت أم جني ؟ قال: بل إنسي في أمة رجل مهدي-صلى الله عليه وسلم- (1) ومن خطبائهم مصقل بن قبة وحرب بن رقبه (2) .
ومن خطباء أهل عمان وأهل الفضل والعلم كعب بن سور وأبو الشعثاء جابر بن زيد والربيع بن حبيب وأبو حمزة المختار بن عوف والخليل بن أحمد الأزدي وأبو العباس المبرد (3)
وممن أشاد على فضل أهل عمان من غير العرب المؤرخ كارستين ينبهور يقول : بأنني لم التق في حياتي بمحمديين يبدو عليه الوقار والتواضع كهؤلاء الأباضيين كما أنهم مشهورون بعدم الانفعال بسرعة وهم مهذبون اتجاه الأجانب ويسمحون لهم با لعيش في البلاد وفقا لقوانينها .
وقد كتب الرحالة و الكاتب ص . أس . بكنجهام يصف رحلته إلى مسقط يقول : أن سلوكهم على جانب كبير من الأهمية كما أنهم يتحلون بقدر كبير من الجدية و قلة الكلام . ومع ذلك فإنهم مرحون و راضون عن أحوالهم (4)
__________
(1) أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ج1 البيان والتبيين ج34 تحقيق حسن سندوبي دار إحياء العلوم ط1414ه 1993م ص1051
(2) الجاحظ مصدر سابق ج1 ص326
(3) الإمام السالمي التحفه ض16.17
(4) جون .ب . كيلي - بريطانيا و الخليج ج 1 ترجمة محمد أمين وزارة التراث ص 28 (1/44)
صفحة 45
و يقول روبرت جيران لاندن : قبل انتشار الإسلام في عمان بوقت طويل كانت الموانئ العمانية مسرحا لحركة ملاحية و تجارية هامة و حتى وقت قريب كنشاط عمان التجاري و الملاحي في منطقة المحيط الهندي بالإضافة إلى الجهود التي كان يبذلها الأباضيون لإقامة مجمع إسلامي مثالي ... فخلال العصر الذهبي للخليج ... لعب الملاحون و التجار العمانيون دورا هاما في الحياة التجارية للشرق . و كان أبناء عمان من أوائل الذين أبحروا إلى الصين و أسهموا بدور ملحوظ في إنشاء سلسلة من المدن البحرية على امتداد شواطئ أفريقيا الشرقية على غرار المدن التي أنشؤها على شواطئ الخليج ... (1)
فهكذا كان فضل أهل عمان مشهودا عليه على مر الأزمنة و لا يستطيع أن ينكره أحد و لا ينكره إلا جاحد أو حاسد .
__________
(1) روبرت جيران لندن ، عمان منذ 1856 مسيرا و مصيرا ، ترجمة بن عبدالله ، وزارة التراث (1/45)