صفحة 1
الكتاب: عن كتاب الجواهر للبرادي
تأليف: لورا فيتشا فلييري
ترجمة بعض الفقرات المتعلقة
بالصراع بين علي ومعاوية وانفصال الخوارج
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ترجمة بعض الفقرات المتعلقة
بالصراع بين علي ومعاوية وانفصال الخوارج
عن كتاب الجواهر للبرادي
لورا فيتشا فلييري
LAURA VECCIA VAGLIERI
ملحق للمقال الذي ظهر في المجموعة السابقة من هذه الحوليات حجم، 4، ص1- 94)(1)
من كتاب الجواهر للبرادي(2)
موجز:
رفع المصاحف على الرماح وأولى الاحتجاجات على الحكومة ص2
احتجاج الأشطر ص 3.
خطابات علي. ص 6.
المزيد من الاحتجاجات على الحكومة. ص 8.
انهيار معنويات العسكر: ص8.
المفاوضات حول التحكيم. النقاش الذي رافق اختيار ممثل علي ص9
حكاية اعتبرت نبؤة: ص 12
عدم اعتراف معاوية لعلي بإمارة المؤمنين: ص 13
رفض الاشطر التوقيع على معاهدة الحكومة ص 14
نص صحيفة الحكومة: ص 17.
اتساع رقعة الانشقاقات بين أتباع علي: ص 17.
الخروج في حروراء: ص 18
أسماء أشراف خوارج حروراء: ص 13.
اتهام علي بالكفر: ص 23.
الحوار يين ابن عباس وخوارج حروراء: ص 23.
مزيدا عن الحوار بين ابن عباس وخوارج حروراء، ص 28
اللقاء بين علي وخوارج حروراء ص 29
وعود علي ودخول الحروريين إلى الكوفة ص 34.
الضغوط من أجل تفعيل الحكومة ص 35
تصريحات علي برغبته في تفعيل الحكومة وردود فعل معارضيه:ص 36.
الخطوات الأولى على درب تفعيل الحكومة: ص 38.
ضغوط المعارضين قصد الحيلولة دون تفعيل الحكومة: ص 38
__________
(1) فيتشا قلييري لورا Veccia Vaglieri laura صراع علي معاوية وانفصال الخورج في ضوء المصادر الإباضية.
(2) ص 111-147 من الطبعة الحجرية هذا كتاب الجواهر من تأليف أبو القاسم ابن إبراهيم البرادي (من نشر محمد ابن يوسف الباروني (القاهرة وسليمان ابن مسعود المغدلي (قسطنطينة) في 1302 هـ/ 84 – 188)5م إلى 8 ص 6 + 239 هذه طب&رديئة، لم اجني أي فائدة من مقارنتها بمخطوط لنفس الكتاب أشار إليه روبنتشي ـ في مقالته أخبار عن بعض المخطوطات الاباضية الموجودة في حوزة المؤسسة الجامعية للشرق بنابولي، في حوليات نفس المؤسسة، ن ص 3، 1943، ص 434. (1/1)
صفحة 2
اجتماعات وخطابات المعارضين: تعيين قائد لهم ص 40
تبادل الكتائب مع رفاق البصرة: ص 43.
المزيد من خطابات الخوارج: ص 45.
رحيل الخوارج عن الكوفة: ص 46.
رحيل الخوارج ص 46
لقاء الحكمين وما حكما به: ص 48.
الحوار بين معاوية وعبد الله ابن عمر: ص 43.
استمرار اجتماع الحكمين: ص 50
اللقاء بين أبي موسى ومعاوية ص 52
تصريح علي برفضه لقرار الحكمين: ص 53.
محاولات علي لاقناع الخوارج ص 53.
معركة النهروان: ص 56.
ما جاء على لسان عبد الله ابن وهب ص 57.
بعض أحداث النهروان: ص 53.
التوجع على قتلى الخوارج، تبادل التهم، انسحاب بعض أتباع علي وارتيابه في النصر ص 61.
إسقاط الحديث النبوي على أبي موسى ص 70
كرونولوجيا معركة النهروان ص 70
قتلى النهروان وتحسر علي على الخوارج ص 71.
نقاشات حول الحكم على من شكلوا طرفا في الصراعات الأهلية ص71.
[1 رفع المصاحف على الرماح وأولى الاحتجاجات على الحكومة] قال عمر(1): هل لك أن تدعو القوم دعوة أن أعطوها افترقوا وان منعوها منا افترقوا ولا تزيدنا إلا اجتماعا ولا تزيدهم إلا فرقة وشتاتا".
قال معاوية: " وما هي".
أجاب عمر "إني عارف بأهل العراق ارفعوا لهم المصاحف على الرماح وادعوهم إلى ما فيها.
قال معاوية: "أفعل".
__________
(1) لقد وضعنا بين [[]] الفقرات التي ترد مشابهة أو مطابقة لفقرات جاءت في مصادر أخرى. قول عمر هنا يأتي بنفس الصيغة عند ابن سعد، 64، 4 (= كيت )، 37، 124، قارن أيضا بلاذ وري عند كيت، نفس المصدر. 79) (1/2)
صفحة 3
أمر معاوية أن ترفع لهم المصاحف على الرماح ثم خرج غاديا وقال: " بيننا وبينكم كتاب الله فلما سمع ذلك منهم أهل الوهن مثل الأشعت بن قيس(1) وغيره من جبناء أهل العراق قاموا إليه [إلى علي] فقالوا: " يا أمير المؤمنين أنصفك القوم"(2) وخرجت طائفة من أصحاب علي فقالوا: " لا حكم إلا لله والله ما كتاب الله يريدون" تقلدوا سيوفهم واعتقلوا
__________
(1) من أشراف قادات اليمن تربطه بعلي علاقة نسب إذ زوج الحسن والحسين بناته، أخباره واردة في الموسوعة الإسلامية. أنظر LAMMENS، كتاب سبق ذكره ص 150 -152 ( II42-44) كيت، 42 (سنة وفاة الأشعت) س، 348-353 انظر خاصة 3 35 لتكوين فكرة عن هذه الشخصية الفذة والمهمة؛ وأيضا 36، ص 286 سلوك الأشعت، عند إعلان الحكومة أثار انتقادات عنيفة. بالنسبة للشيعة ليس إلا خائنا باع نفسه لمعوية (قد يكون علي قذفه بكلمات غلاظ من فوق المنبر: نهج البلاغة تعليق نوح عبده الذي أدخل عليه ما أدخل موح محي الدين القاهرة ص، 51 والأغاني، بولاق 1285 هـ (159. XXIII) والحقيقة انه لم يخرج من وكر علي. نبأ كونه خارجي غير معقول وإن كان صرح في بعض المواطن بذلك (ربما هناك خلط بينه وبين الأشعت ابن بشر العبدي انظر ص 21 – 23 رقم 2) اتهامه بالجبن كما جاء عند البرادي، لا أساس له، فقد ابان عن بسالته في معركة صفين (كيت 31، ص 21، 23، 291) كان على كل تقدير مدافعا عن الحكومة لأنه كان مقتنعا بأنها السبيل الوحيد للخروج من وضع لم يعد يرق أعداد هائلة من المسلمين (قارن وقعة صفين، ص 11-5539 (355)، عارض بشدة اختيار ابن عباس أو الأشطر كحكمة عن علي بدافع الانتماء: فهو يماني وأولئك من مغبرة (وقعة صفين 373(363) الخلاف بين عرب اليمن وعرب الشمال الذين كان قد اختفى تماما. خلال الحرب عاد لسوء الحظ إلى السطح (MAS IV. 388) بسبب الحكومة ومحاولة عروة اغتيال الأشعت (انظر ما هو ات)
(2) بالنسبة لمعنى "انصف" انظر مقالتي المذكورة ص 25. (1/3)
صفحة 4
رماحهم وقالوا لعلي: "قد مضى الحكم في معاوية وأصحابه وهم كفار حتى يرجعون إلى كتاب الله" فجاء الأشعت يسير في الأحياء يعرض عليهم(1) فمر برايات حنظلة(2) فحمل عليه عروة بن ادية(3) أخ أبي بلال(4) فضرب عجز بغلته بالسيف وقال: "ابن قتلانا يا أشعت: " أفي الجنة أم في النار] لا حكم إلا لله"(5).
قلت وهذا معنى قولهم أول سيف سل للحكومة سيف عروة بن أدية
تعليق:
أحداث هذه الواقعة جد معلومة فهي جاءت في ما روي عن رفعهم المصاحف عند الطبري، 3329 (كيت، 37، 55) إلى أخره، كما جاءت وبتفاصيل أدق في وقعة صفين، ص 546 موضوع 550 (350و353)، ما روي عن عروة هو تقريبا أشبه في الشكل أيضا ما جاء عنه عند الطبري، 3338، قارن الدنوري، 210، IV. MAS 385 (كيت، 37، 63، 95، 114) إلى أخره. ما جاء به البرادي من حداثة: أ جملة لمعاوية :" أنا أعرف أهل العراق" ماذا كان يقصد ؟ أيقصد أنهم متشددون: أم أنهم أهل نزاع. ب تصريح الخوارج: " إن الحكم ..." الذي يعتبر هاما في فهم موقفهم.
__________
(1) حسب رواية الطبري والدنوري فإن الأشعت خرج يقرأ على الناس صحيفة الحكومة .
(2) فرع من قبائل تميم (التي انجبت معظم رجالات الخوارج) بالنسبة لا سماء القبائل التي كانت معادية للحكومة أنظر أيضا وقعة صفين 587 (373).
(3) أدية هو اسم الجدة التي عاشت في الجاهلية اسم الآب كان هو حدير ( قار مبرد، 538، مكث الفرق ص 66) كان عروة من بين الخوارج القلائل الدين نجوا يوم النهر وقد ضرب عنقه زياد ابن أبيه فيما بعد (ماس، 539) .
(4) عن هذا الخارجي المشهور انظر ما هو ات
(5) تنسب هذه الجملة التاريخية إلى أخرين (أنظر على سبيل المثال الدنوري ص 210). (1/4)
صفحة 5
[2 احتجاج الاشطر] أ عن خالد بن سعيد(1) أن بعض القوم دعوا إلى القتال حين رفعت المصاحف على الرماح منهم الأشطر النخعي(2) وشيب بن ربيعة [شبث ابن ربعي(3)؟] يزيد بن قيس(4)
__________
(1) من الرواة الدين لم يكن لهم شان أحاديته واردة عند الدهبي في ميزان الاعتدال رقم 2372، فيه بعض أسباب الاعتراض [عن الحكومة[ انظر أيضا رقم 2377.
(2) هذا الشخص الشهير مالك ابن الحارث، الملقب بالاشطر لانقلاب جفون عينيه وليس الاشتر كما يكتب البرادي، كانت له يد في مقتل عثمان. ولاه علي قيادة ميمنته في وقعة صفين وبعته وليا على مصر فور انتهاء الاقتتال فمات في الطريق إليها سنة 38 هـ، أنظر الموسوعة الإسلامية، الأشتر، نكرولوجا في كيت، 37، ص 602-605.
(3) إذا كان شيب ابن ربيعة غير معروف فإن شبت ابن ربعي عرف لحظات مجدة في هذه الفترة التاريخية: كان من بين قادات الحركة الانفصالية في حروراء (الطبري 3349، اليعقوبي 223 إلى أخره = في كيت، 38، 171- 177) بل قائدها حسب المسعوي (IV، 389، جاء خطا هنا، شيبب) طبعت بعض التناقضات خطواته فيما بعد حسب البلاذوري (في كيت 38، 115)، أقنعه ابن عباس فعاد إلى الكوفة. حسب رواية أخرى، هي أيضا عند البلاذوري (كيت ،37، 175) عاد إلى مقر إقامته في انتظار ما ستنتهي به الحكومة، نجده في معركة النهروان قائدا للجناح الأيسر من جيوش علي (هو أو معقل ابن قيس الرياحي (الطبري 3380، الدنوري 223= كيت، 28، 104) 148 أنظر مقالتي التي تم ذكرها، ص 76 رقم1] كانت له يد في مصرع عبد الله ابن وهب (بلادوري، في كيت 38، 115) صرح وهو طريح فراش الموت أنه غير نادم على محاربته لمعاوية (البلاذوري 518. V)
(4) يزيد ابن قيس الازدي أو الأرحبي، رجل أخر لم يصمد في موقفه، يذكر اسمه بن بين النفار الذين حاصروا بيت عثمان (الطبري 3155 = كيت، 36-98)، نجده من بين الدين حاربوا معاوية (البلادوري في كيت 36. 3758) كان وليا لعلي على المدائن وجوخة. يذكر من بين أهم خوارج حروراء بل أكثرهم مهابة لاستمالته إليه نزل علي في خيمته وصلى بها واشترى وده بتوليته على أصفهان (الطبري 3352 = كيت 37، ص 543) كان بالفعل وليا على اصفهان وكان ولاءه لعلي بعد حروراء شتيمة له على لسان الخوارج يوم النهروان (الطبري، 3381 = كيت 32، ص 94). (1/5)
صفحة 6
وغيرهم وكان يأبا من القبيلة الرجل والرجلان وكان أكثر من يأبى من الناس همدان لما دخل الناس من الكراهية للحكومة حتى رجعوا وأجابوا إليها.
(1)[ب] [عن النخعي(2)] قال سمعت الأشطر يقول حين دعوا إلى الحكومة: "يا أهل العراق يا أهل الذلة والهوان(3) علوتم للقوم ظهورا(4) وظنوا أنكم لهم قاهرون فرفعوا لكم المصاحف على الرماح ودعوكم إلى ما فيها. أمهلوني فواقا فقد أحسست بالفتح" فقالوا: "والله لا تفعل" قال: "ويلكم أمهلوني عدوة الفرس(5) فإني قد أحسست بالنصر". قالوا: " إذا والله لا ندخل(6) معك في خطيئتك" قال: " حدثوني عنكم قد قتل أمثالكم(7) وبقي أراذلكم متى كنتم
__________
(1) جاءت هذه الرواية حتى سطريها الأخيرين بنفس الشكل والمضمون تقريبا في وقعة صفين (561) الطبري (3330)، والراوي الأول لها هو من النخع وهي على العكس تطابق تلك جاءت عند الدنوري في بعض الجمل فقط 8/ 2031 - 2043 ( كيت، 73، ص 150).
(2) قد يتعلق الأمر بعلقمة ابن قيس وهو من القراء المعروفين (قارن فهرس الاسماء عند الطبري) حسب وقعة صفين (211)(139) كان رسولا هو وآخرون بين علي ومعاوية. في نفس الكتاب (584) (372) يظهر كراوي لسنة أخرى لها علاقة بمعاهدة صفين له سيرة طويلة في الكاتب البغدادي، تاريخ بغداد، القاهرة 1349هـ، رقم 6743، شارك في وقعة صفين والنهروان إلى جانب علي، مات 61 هـ أو في السنوات الموالية لها.
(3) في وقعة صفين: الذل والوهن.
(4) في الطبري وفي وقعة صفين علوتم القوم، يجب مراجعة للقوم التي جاء بها البرادي
(5) عند الطبري "عدو" ولكن في وقعة صفين ـ عدوة لهذا يجب تصحيح عدوة التي جاء بها البرداي .
(6) عند البرداي: " لا" وهي غير واردة في وقعة صفين وعند الطبري: لذا فترجمتها ستكون " إن سندخل معك في خطيئتك" والمعنى واحد.
(7) يجب التأكد من الشكل أو النص الذي جاءت به في وقعة صفين عند الطبري: اماثلكم عوض أمثالكم وفيما بعد، أراذلكم عوض اردلكم عند البرادي. (1/6)
صفحة 7
محقين؟ حين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون ؟ فأنتم الآن إذا أمسكتم(1) علي القتال محقون أم انتم الآن مبطلون(2) فقتلاكم الذين خير منكم ولا تنكرون فضلهم إذا في النار وهم لها مستحقون؟".
قالو له: "دعنا منك يا اشتر، قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله(3) انا لسنا مطيعيك ولا [مطيعي أصحابك]"(4).
__________
(1) عند البرادي يجب تصحيح على ب عن "كما هو ذلك في وقعة صفين وعند الطبري".
(2) حتى يتم المعنى يجب هنا تغيير "محقون" بـ" مبلطون" ومبطلون" الموالية ب" محقون كما هو الأمر عند الطبري وفي وقعة صفين.
(3) هنا أيضا في الله " كما هو ذلك في وقعة صفين بينما عند الطبري نجد "لله" والصيغة الأولى أفضل .
(4) صيغة البرادي " أصحابك" خير من صاحبك عند الطبري الذي يبدو غير معقول إن كان إشارة إلى علي لأن هذا أمر بوضع الحرب وليس الإقدام عليها، كما كان يزيد الاشطر. في وقعة صفين ينقص إعلان الخروج عن طاعة علي، على كل حال يمكن ترجمة صاحبك أيضا بمن له نفس رأيك وليس "لسيدك" كما هو عند كيت. (1/7)
صفحة 8
قال: "خدعتم فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الحياة السود(1) كنا نظن أن فراركم من الدنيا وصلاتكم وصيامكم زهدا وشوقا إلى الأخرة فلا أر فراركم(2) لا من الموت إلى الدنيا فقبحا لكم يا أشباه النيب الجلالة(3) فأنتم ما أنتم برائين بعد هذا اليوم عزا(4) إلى يوم القيامة ابعدوا كما بعد القوم الظالمون"
سبوه فسبهم وضربوا وجه دابته وكر عليهم فضرب وجوه(5) دوابهم حتى قام إليه احدهم فأخذ بلجام دابته فقال: " دع هؤلاء فحسبهم ما بهم" وحال بينهم وبينه.
تعليق:
ألاحظ في الرواية الأنفة: أ) اسم اثنين من إتباع علي الدين كانوا يريدون مواصلة الحرب، إضافة إلى اسم الأشطر ويتعلق الأمر بقائدين سنجدهما فيما بعد بين خوارج حروراء. لن نجد من بين هؤلاء الاشطر الذي بعثه علي وليا على مصر. ب) من بين أشد الناس معارضة للحكومة في الوهلة الأولى الهمدانيون وهم من القبائل الأكثر طاعة لعلي (كيت، 37، ص 70 ملحوظة1) غير أنهم تراجعوا عن موقفهم هذا، كما هو وارد هنا أيضا، وقاتلوا إلى جانبه الخوارج يوم النهروان (البرادي رقم 34).
__________
(1) أصحح: الحياة السود البرادي ب الجباه السود الواردة في وقعة صفين وعند الطبري.
(2) يوجد في نص البرادي في السطر قبل فراركم " كلمة أر ويجب تصحيحها إقتداء بوقعة صفين والطبري ب أرى " وأن كان المعنى واضحا بدون الياء أيضا.
(3) اقرأ كلمات " يا شياه الثيب الجلالة الواردة في نص البرادي تباعا لما جاء في وقعة صفين وحسب تصحيح المؤلف لتاريخ الطبري ب يا أشباه النيب الجلالة: النيب هي الناقات، الجلالة هي الدابة التي تأكل غائط البشر لذا تعتبر نجسة.
(4) أصحح كلمة فرايين " الغير المفهومة" برائين، وغدا" ب" عزا" إتباعا لوقعة صفين والطبري.
(5) يحب تصحيح وجه " ب" وجوه " كما الحال في وقعة صفين وعند الطبري. (1/8)
صفحة 9
[3، خطا بات علي]، أ ([(1) قال علي للناس يوم صفين(2): "لقد فعلت(3) اليوم فعلة ضعضعت قوة وأسقطت منه(4) وأورثت وهنا ودلة لما كنتم الأعلون(5) وخاف عدوكم الاجتياح(6) واستحر بهم القتل(7) ووجدوا الم الجراح، رفعوا المصاحف(8) ودعوكم إلى ما فيها ليفثئوكم(9) عنهم، ويقطعوا الحرب(10) فيما بينكم وبينهم، ويتربصوا(11) بكم ريب المنون خديعة ومكيدة(12) فما أتيتم ان منعتموهم ما أحبوا وأعطيتموهم(13) ما سألوا لقد أعلمتكم ما يقولون وما يعبرون لكن أبيتم إلا أن تدهنوا وتجوروا(14)
__________
(1) خطاب علي الأتي وارد باختلافات طفيفة عند الطبري، 3340 (كيت ،37، 66).
(2) يوم صفين هنا يجب فهمه على أساس أنه اليوم الذي تم فيه الاتفاق على الحكومة .
(3) في الطبري: فعلتم اليوم فعلة... م أي أن علي يتهم الدين دفعوا به إلى قبول الحكمة بارتكاب أمر دو عواقب وخيمة
(4) عند البرادي: نية وأحسن منها عند الطبري منة = قوة
(5) عند الطبري نجد "الاعلين" وهي نحويا صحيحة، وعند البرادي "الاعلون".
(6) عند البرادي " الاحتياج " والتي أصححها تبعا للطبري ب " الاجتياح.
(7) عند الطبري استحربهم عوض استمر فيكم عند البرادي.
(8) عند الطبري " رفعوا المصاحف اما عند البرادي فنجد " نشروا المصاحف".
(9) عند البرادي ترد كلمة يفتروكم " بينما نجد عند محقق مخطوط الطبري، ليفثئوكم (عوض ليفثوكم في النص الأصلي المتردي) وهما تدلان على نفس الشيء.
(10) عند الطبري " ويقطعوا الحرب بينكم وبينهم.
(11) من الأفضل العطف عند الطبري " ويتربصوا بكم"
(12) هنا بعض الاختلاف بين النصين غير أن كلا من هما يبدو رديئا في الطبري" فاعطيتموهم ما سالوا وأبيتم إلا أن تدهنوا وتجروا وأيم الله ما اظنكم بعدها توافقون رشدا ولا تصيبون باب حزم .
(13) أقرأ منحتموهم"
(14) لقد صحح محقق الطبري النص عند ابن الأثير والنويري ب" تجوزوا. بما أن كلمة تجوروا جاءت عند البرادي فإني اتركها أجار " أخرج عن الطريق المستقيم" أي أنا ومن له نفس رأيي: (1/9)
صفحة 10
وايم الله ما أظنكم بعدها مصيبين رشدا(1) ولا موافقين باب حزم.."
[ب] سمع علي في ثلاثة مواطن، يوم الدار(2)، يوم الجمل(3) يوم صفين(4)، يوصي الناس بهده الكلمات(5)يقول: " عباد الله اتقوا الله وغضوا الإبصار واخفظوا الأصوات(6)
وأقلوا الكلام]] وطنوا أنفسكم على المنايا والمجاولة والمبارزة والمناضلة والمجالدة (7) والمعانقة والمكابدة [[ فاثبتوا واذكروا الله]] لعلكم تفعلون. [[ولا تنازعوا فتفشلوا ويذهب ريحكم واصبروا أن الله مع الصابرين]] اللهم ألهمهم الصبر ونزل عليهم النصر وأعظم لهم الأجر"!.
[4 المزيد من الاحتجاجات على الحكومة] بلغنا عن محمدا ابن الحنفية(8) قال: لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح قال بعض المسلمين للناس(9) والله ما الكتاب يريدون؟ أيها الناس أناشدكم الله أن تعظوا في دينكم الدنية".
قالوا "دعونا إلى ما كنا ندعوكم إليه" (10)
__________
(1) نص الطبري: توفقون رشدا خير من نص ابن الأثير توفقون رشدا " ونص النويري" توفقون لرشد وهو يجد ما يؤكده عند البرادي في "موافقين" غير أن افعال الجملتين تم تغيير مواضعها: "مصيبين رشدا وموافقين باب حزم" مقابل توافقون رشدا وتصيبون باب حزم
(2) يوم انتفاضة المدينة الذي قتل فيه عثمان .
(3) أي يوم معركة الجمل
(4) . أي يوم معركة صفين
(5) الجمل بين [] هي نفسها عند الدنوري 19-193 (كيت 37، ص 502)
(6) أصحح احفظوا التي جاءت عند البرادي "احفظوا " عند الدنرري.
(7) أصحح المجادلة " بالمجالدة" التي تعطي معنا ملائما للنص
(8) ابن علي المشهور انظر الموسوعة الإسلامية.
(9) هنا حسب عادات الكتاب الاباضيين يطلق "مسلم" على من يشاطرهم نفس المعتقدات
(10) سواء في الطبعة الحجرية للبرادي أو في المخطوط الجملة الواردة هي " كنا ندعوكم" والتي أصححها ب" كنا ندعوهم " على أساس نصوص مماثلة. (1/10)
صفحة 11
[5 انهيار معنويات العسكر] حدثنا مسعود بن حصن السلمي(1) عن أبي وائل شقيق ابن سلمة الاسدي(2): قال: "قلنا يا أبا سلمة(3) اخبرنا عن صفين"
قال: " بئس الصفون(4) كانت والله ما مات القوم حتى شكوا في دينهم" .
تعليق :
هذه الرواية مهمة لأنها توضح لنا كيف غزا الشك النفوس حول مصداقية الأسباب التي من أجلها رفعوا السلاح.
[6 المفاوضات حول التحكيم والنقاش الذي رافق اختيار ممثل علي]
أ أرسل علي إلى أهل الشام يقول: إن قد قبلنا بيننا وبينكم كتاب الله" فأرسل إليه أهل الشام [يقولون]: إنا لا نستطيع النظر في كتاب الله بجماعتنا وجماعتكم ولكنا نبعث حكما منا وحكما منكم ثم نرضى بالذي يحكمان به"
__________
(1) غير معروف
(2) من الرواة المشهورين ولد أيام محمد (صلى الله عليه وسلم) إلا أنه لم يكن من الصحابة جمع الحديث عن كبار الصحابة والتابعين، سكن الكوفة وتوفي سنة 79 أو 82 هـ أو ربما أكثر من ذلك أيام عمر الثاني سئل: أيهما أفضل عثمان أم علي، فأجاب " كان علي عليا ثم أصبح عثمانا" (ابن هجر، تهذيب IV. رقم 609، الدهبي، تذكرة، 1، رقم 48)
(3) يطابق أبو سلامة هنا أبو وائل الذي تم ذكره من قبل. جاء حديث لأبي وائل بنفس الكلمات " بئست صفون" (أنظر بصدد بئست صفون ملحوظة8) نجدة عند البخاري، 96، اعتصام 7.
(4) بئس الصفون النص مؤكد في تاج العروس حيث ترد الجملة "صف" تأكيدا لشكل الصفون" إلى جانب الصفين" بسب اسم المكان، بغض النظر عن هذا الشكل الثاني لاسم الموقع فإني أظن أن هناك جناس: تظهر صفين مرفولوجيا كجمع صحيح في النصب والأعراب لصف، هذا الجمع غير موجود إلا أن أبى سلامة ابتدعه في شكله الاسمي ليخلق تجانسا مع كلمة صفين. هناك رواية شبيهة لهده ترد عن أبي وائل نفسه عند البلادوري 511 – 13- 16 وقد جاء فيها الضفون " ويجب تعويضها "بالصفون". (1/11)
صفحة 12
ب قال من أراد الحكومة من أصحاب علي: "أنصفك القوم فأبعث إليهم أن يبعثوا رجلا" ففعلوا فأرسلوا إليه: "إنا سنبعث عمرو بن العاص فابعث أنت رجلا".
قال علي: " فإني أبعث ابن عباس " فقالوا له أصحابه: "نناشدك الله أن تبعت رجلا شهد قتل عثمان(1) وقلب عليه ولكن ابعث أبا موسى الأشعري(2) فإنه غير متهم عندهم فمتى قضى شيئا رضينا به في دم عثمان ونقطع عنا مقاتلتهم. مع أن الحجة في دم عثمان أعظم وأظهر وأوضح دلالة من أن تخفى على أحد ومثل هذا لا يسقط فيه أبو موسى".
ت قال علي:"إن كنت الإمام المطاع فلا أرضى بأبي موسى وهو صاحبكم بالأمس(3) وهو يقول :" أحذروا الفتنة البكما الصما(4) [التي القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي فاكسروا قسيكم واقطعوا أوتاركم] (5) واضربوا سيوفكم الحجارة".
فقالوا: إنه قد تاب وعرف ضلالة عثمان وسار معك إلى قتل عدوك"(6).
قال الاحنف بن قيس(7)
__________
(1) لم يكن أبو موسى الذي كان وليا على الكوفة ولا ابن عباس، الذي كان في مكة، من بين الدين شهدوا قتل عثمان. على العكس فالأشطر الذي اقترحه علي حكما عنه بعد رفض ابن عباس شهد الانتفاضة ضد عثمان. بن الرواية هنا تم اقتضاب اقتراح علي هذا في حين يرد مفصلا في رواية أخرى (وقعة صفين، 572 (363) = الطبري 3333) .
(2) بالنسبة لاقتراح حكم محايد انظر مقالتي السالفة الذكر ص 41.
(3) أنظر هنا التعليق عن رقم 6.
(4) نفس الجملة، وهي منقولة على الرسول (ص)، ترد عند الطبري، 3146 و 3373 (انظر كيت، 38، ص 95 ملحوظة 7 بالنسبة لذكر الحديث)، أيضا عند الطبري/ 3153، في "الفرق" (ص 57) جاءت، أي الجملة، على لسان عبد الله ابن خباب الذي اغتاله الخوارج.
(5) أي أوتار الرمح. تسند جملة شبيهة بهذه إلى أبي موسى عند الطبري، 3146، الدنوري 154 و ماس، IV، 408.
(6) انظر التعليق على رقم 6.
(7) يعتبر كيتاني الاحنف رجلا ذا مزايا فريدة. فهو محارب وسياسي محنك
(قارن ويلهوسون Skizzen und arbeiten – wellhausen برلين 1899، ص 112) فقد كان قائد بني سعد من البصرة الدين أووا ونصروا حرقرص ابن زهير إبان احتلال عائشة وطلحة والزبير للبصرة غير أنهم رفضوا بعدها الدخول في صفوف علي وكان الاحنف نفسه هو من نصحهم بذلك (الطبري 3168 قارن 3178 وما بعده = كيت 36 أ 99 في /103، قارن أيضا 275 ) ولو أنه كان يرجح كفة علي، إن كان حقا هو من أمر بقتل الزبير (البلادوري في كيت، 36، ص 139 و IV MASـ 320 = كيت، 38، ص 170 وما قبلها) دخل الأحنف بصفة نهائية تحت صفوف علي بعد واقعة الجمل حين ظهر له أن النصر حليف الخليفة، وقد عاتبه علي بهذا الشأن (الطبري، 3219 = كيت، 36 ص 193) فيما بعد نجده على اهبة الخروج مع علي ضد معاوية بعد انتهاء الحكومة وما ألت إليه؛ وقد كان حاضرا يوم النهروان على رأس 3000 رجل من البصرة (IV MASـ 410 = كيت، 39/130) إلا أن علاقته بعلي عرفت بعض الفتور (أنظر مقالتي ص 86 رقم 2) عن صيت الاحنف كرجل حكيم أنظر أيضا ملون جراردو Meloni Gerardo، مقالات في الفلولوجيا السميائية روما 1913، ص 175 ملحوظة 1، توفي الاحنف سنة 67 أو 71 أو 72 هجرية. (1/12)
صفحة 13
: " لا تبعث يمانيا(1) مرهب القلب ضعيف القوة ولكن ابعث قريشيا يعطفه عليك الرحم والحق فيقوم لك بالحجة وينفي عنك الأباطيل".
فأبوا إلا أبا موسى وقالوا: "أمرك بين من أن تدخل فيه شبهة، فقال الأحنف(2): "إن أبا موسى رجل كليل الشفرة قريب القعر وقد حلبت أشطره فإن أبيت يا علي إلا أن تبعثه فأبعث معه رجلا من
__________
(1) أي أبو موسى، قارن اليعقوبي، 2، 220 ( كيت 34، ص 491) حيث الحديث أيضا عن مسألة الصراع بين اليمنيين وبني مغيرة حول اختيار الحكمين: " لا يجوز أن يكون حكمين بيننا أبناء مغيرة، كان الأشعث يعارض بشكل واضح تعيين حكمين من بني مغيرة (قارن أعلاه ص 2 رقم2).
(2) خطاب الاحنف هذا يحوي عبارات مميزة نجدها بحدافرها في أماكن أخرى (مثال الطبري 3349. 10، 13 كيت، 37 ص 475 و 476، قارن أيضا الدنووي، ص 206 = كيت نفسه، ص 512) "كليل الشفرة، قريب القعرـ قد حلبت شطره" (أقرأ أيضا أنا حلبت لأن في الطبري الضمة واضحة) "قد رميت بحجرة الأرض" وأيضا الجملة التي يتم فيها الحديث عن العقد وحلها (قارن أيضا BaRhebraeus )، 183. (1/13)
صفحة 14
بني مغيرة(1) واجعلني ذلك الرجل أو فاجلعه أبا الأسود الدؤلي(2) فإنه لا يعقد لك عمرو بن العاصى عقدة إلا وحلها وعقد لك مكانها أخرى(3). فلا تفترش مهاد العجز فقد رميت بحجر الأرض(4) ومن حارب الله ورسوله في الجاهلية والإسلام وإنما صاحبه من دنى منه(5) فابعثني يا علي مع الشيخ الضعيف".
قال علي: أما أنه رأي مثل رأيك ولكن الله يفعل ما يشاء أنا متبع أمرهم"(6)
ج أرسل إليه أهل الشام [ويقولون]: " لانت على ما أعطيت ووقفت(7) لا نستطيع النظر في كتاب الله في ثلاثة أيام ولكنا نطلب منكم أن تنصرفوا إلى العراق وننصرف إلى الشام ثم ينظر الرجلان في أمرهم إلى الموسم فإن اتفق رأيهما على شيء فمن الله وإلا فنحن وانتم على ما كنا عليه من الحرب لعبا بعلي وخديعة له.
__________
(1) جاء خطأ في النص مصريا.
(2) كان شاعرا وفقيها في علوم اللغة، تقلد مناصب سياسية وأيضا منصب القضاء (الموسوعة الإسلامية)اعتزل الحرب ضد عائشة وطلحة والزبير (كيت، 36 / 41) ثم انضم إلى علي الذي كان أستاذا له، تقدم الاحنف باسمه ربما لعمق معرفته بالقرآن .
(3) تعود جملة مماثلة فيما تبقى عند البرادي إضافة إلى وجودها عند الطبري وغيره.
(4) قد رميت بحجر الأرض في أقوال العرب (كيت 37 ص 475) أقحم في نص البرادي أهل بعد حجر" هل يتعلق الأمر بشاكلة أخرى لهذا القول أم بخطأ ؟.
(5) توجز هذه الجملة واحدة أخرى أوضح منها ترد مرتين تقريبا هي نفسها في وقعة صفين (574 – 365) وتقول: " صاحب [أي ندا] أولئك القوم هو من يعلو ويبتعد عنهم حتى يبلغ النجوم ويقرب منهم حتى يكون بين رحى أيديهم، وهذا يعني ان يكون دبلوماسيا ما هرا.
(6) في النص "أمر" وقد ترجمتها، "بأمر" أي حكم وليس شيئا لأنه يظهر لي نوع من السخرية القاتمة في هذه العبارة، عن اشتكاء علي عدم طاعته وخضوعه لرغبة الآخرين: انظر وقعة صفين 554(38).
(7) حرفيا: أنت على يقين مما أعطيت ووقفت. (1/14)
صفحة 15
قال أصحاب علي (1): ما نكره من طول المدة وليس فيها علينا مضر نرجع إلى بلادنا ونلجم دوابنا(2) فلعل الله أن يهدينا ويخرجنا من ضلالتنا"(3).
قال رجل من القوم: " أناشدكم الله ألا تفعلوا فإن رجوعكم أول البلا وسبب الفتنة فأبوا عليه وتابعهم علي وكتبوا الكتاب بينهم.
تعليق :
" العناصر المستجدة في الرواية الانفة هي:
أ الإشارة إلى الفترة التي كان فيها أبو موسى متفقا مع علي، ربما في انتقاد عثمان."النص جد مبهم وغير واضح إلا أن يكون إشارة إلى اعتراف أبي موسى بالخلافة لعلي باسم الكوفيين: الطبري 3089، ماس،IV، 296، ابن الأثير أسد الغابة،V، 309 الخ) من اليقين أن علي كان قد اعتبر أبا موسى عدوا له (اليعقوبي، 2، 220 = كيت37، ص 491) فخلعه (أسد، في الموضع نفسه) لذلك فر هذا الأخير حتى حصل على الأمان من علي (وقعة صفين 572) (363)).
ب الإشارة إلى تشييعه علي بعد أن نبد الحرب الأهلية تأتي مخالفة لكل الانباء التي تبين أن أبا موسى اعتزل هذه الحرب في تطلع إلى انتهاء الخلافات.
ت التأكيد على أن وقت موسم الحج كان قد حدد كأقصى مدة لقضاء الحكومة (أنظر مقالتي ص 79 و 85 و رقم 2).
__________
(1) ترجمة هكذا عبارة أصحاب علي لأنه مباشرة بعدها أصبح يشار إلى الخارجي عن طاعة علي ب: "احد من القوم" ولأنه في رواية أخرى (الطبري 3353 = كيت، 37، ص 544) ورد أن الخوارج اخذوا على علي قبوله بمهلة لفض النزاع.
(2) نحن بالعكس سنقول سنترك السروج على ظهور صهواتنا" للدلالة على أننا سنكون مستعدين للخروج فورا.
(3) من الغريب أن تأتي هذه الجملة على لسان أصحاب علي فالخوارج الدين ينظرون إلى الحكومة على أنها ضلالة، وحدهم يجدون مبررا في النطق بها. (1/15)
صفحة 16
تكتسي هذه الفقرة أهمية لأنها تبين لنا أن أتباع علي مقتنعون تمام الاقتناع بأنهم على حق، فالحجج التي يمكن الإدلاء بها لتبرير مقتل عثمان لا يمكن تفنيدها في نظرهم لهذا فهم لا يمانعون في أن يكون حكما عليهم من هو في معزل عن الصراع القائم، ولا في أن تكون مدة التقاضي طويلة للفصل في النزاع لأنه ليس لذلك عواقب سلبية عليهم. قارن أيضا مقالتي ص 25 رقم 7.
[7 رواية تم اعتبارها نبؤة] حدثني عتاب ابن زكرياء(1)عن حبيب ابن يسار(2) عن سويد ابن عقبة [يقرأ غفلة](3) قال:" والله إني لا أسير مع أبي موسى على شاطئ الفرات فذكرنا بني إسرائيل فأخبر عنهم فلم يزل أمرهم حتى بعثوا حكمين ضالين مضلين وإنكم أيها الأمة لا تنفكوا حتى يبعث فيكم حكمان ضالان مضلان".
قال عبد الله بن علقمة(4): "فرأيته والله احديهما".
تعليق:
__________
(1) غير معروف
(2) الكندي الكوفي: من الرواة القدماء (ابن هجر تهذيب، 2، رقم 345).
(3) الجعفي: راوي كوفي شهير ولد قبل الإسلام ومات سنة 76 هـ أو سنوات بعد. شارك في معركة اليرموك (ابن هجر التهذيب، 4، رقم 477).
(4) اعتقد أن الأمر يتعلق بعبد الله ابن ابي أوفى علقمة الاسلمي، من صحابة الرسول وراوي شهير مات في الكوفة سنة 88 أو 87 أو 88 هـ (ابن هجر تم ذكره 5، رقم 280) غير أنه هناك أشخاص آخرون بهذا الاسم أي عبد الله ابن علقمة. (1/16)
صفحة 17
ترد نفس الرواية عند اليعقوبي، 2، 222 وماس، 4، 383، 384 (= كيت، 38، 30 ب و31، قارن هذه الفقرة الأخيرة من أجل استشهادات أخرى) عند اليعقوبي كما عند البرادي الناقل الأول هو سويد ابن غفلة = سويد الجعفي (يفسر باليوغرافيا استبدال غفلة بعقبة) لكن الرواية في نص اليعقوبي مختلفة والخاتمة تجعلها أكثر وضوحا. بالفعل سأل سويد أبا موسى:" وان كنت مثل أحد أولئك الحكمين؟ فأجابه أبو موسى: إن الله لن يترك لي سبيلا إلى السماء ولا ملجأ فوق الأرض". عكس هذا فإن الرواية التي جاء بها البرادي تبدو وكأنها مقصوفة مما اضطرني إلى إضافة الجملة الختامية إليها. إضافة إلى هذا يجب افتراض أن أخر من نسبت إليه نون المتكلم في حدثني الأول هو عبد الله ابن علقمة الذي نطق بالجملة الأخيرة.
[8 عدم اعتراف معاوية بالأمارة لعلي] (1) فما زالوا حتى كتبوا بينهم كتابا فأراد علي أن يكتب أمير المؤمنين فقال معاوية: " لو أقررنا لك بها لم نقاتلك وإنا إذا لظلمت لا حتى تكتب باسمك واسم أبيك ونكتب مثل ذلك حتى يحكم الحكمان".
فلما بلغ علي قول معاوية قال :"علي يدي يدار هذا الأمر أنا كتبت الكتاب يوم الحديبية بين النبي (صلى الله عليه وسلم) والمشركين(2) فكتب محمد رسول الله فقال سهيل بن عمرو لو شهدنا أنك رسول الله لم نقاتلك "(3).
__________
(1) ترد الفقرة الآتية في مصادر أخرى: وقعة صفين 586 (371)، الطبري 3375، اليعقوبي 2، 220، الدنوري، 208 (كيت، 37، 60، 82، 94، قارن 38 أ 129).
(2) بخصوص هذا الحدث المعلوم من سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انظر كيث، 6، 8، 34 ونولدك شولي noeldeke – schwally
( Geschichte des Qorans, leipzie - 1909-1938-1, 12)
(3) يعتقد كيتاني ان نفي صفة النبوة على محمد (صلى الله عليه وسلم) من طرف الكفار إنما هو أمر مستحدث لتبرير نفي صفة الامارة على علي من طرف معاوية، أنا أظن أن كلا الأمرين قد يكونا صحيحين لانهما وليدا ظروف مماثلة. (1/17)
صفحة 18
قال له الاحنف: " إنك رجل أهوج لا علم لك أنه ما كان لكم ما كان لرسول(1) الله (صلى الله عليه وسلم) ولا كرامة [في قبول اقتراح معاوية] وكان الحسن(2) يقول: "لله در أبي بحر ما وزن رأيه برأي إلا رجح به، [تعبيرا عن صدق الأحنف].
قال الاحنف ابن قيس: " قلت لعلي ابن أبي طالب: يا أمير المؤمنين لا تخلع اسما بايعك الناس عليه فإني أخشى إن نزعته ألا يرجع إليك أبدا ".
__________
(1) ما كان لكم ما كان لرسول الله وستكون "لك" هذا أفضل من "لكم" من الناحية المنطقية.
(2) ربما وقع خلط هنا عند الطبري 3336 (=كيت، 37،608) جاءت جملة مماثلة على لسان الحسن (ابن علي بالطبع) غير أن الأمر يتعلق بحكم لهذا الأخير على فطنة الاحنف وليس على علي تنقص عند الطبري" لله در أبي بحر"، وقد أقحمت الجملة بين مزدوجتين حتى يتم المعنى . (1/18)
صفحة 19
[9 رفض الاشطر التوقيع على صحيفة الحكومة] عن(1)عمارة ابن ربيعة الجرمي(2) قال: دعا علي الاشطر النخعي إلى كتاب القضية فقيل له: " اكتب اسمك " فقال: لا صاحبتني(3) يميني ولا نفعتني(4) بعدها شمالي، إن خط لي(5) في هذا الكتاب باسم على صلح(6) أو موادعة(7) أولست على بينة من ديني(8) ويقين من ضلالة عدوي، أما رأيت الظفر(9) أن تجتمعوا على الجور(10)
__________
(1) جاءت هذه الرواية تقريبا بعينها عند الطبري 3338 (كيت، 37، 62) حتى اسم الناقل الأول لها هو هو .
(2) من الرواة القدماء يقال له في بعض الأحيان عمارة بن رويبة (ابن هجر التهذيب، 7، رقم 875، تأجيل، رقم 762 و 1214) يظهر من خلال رواية جاء بها الطبري (3328) انه كان حاضرا يوم صفين.
(3) صرف الفعل عند الطبري إلى المؤنث صحيح.
(4) أيضا نفس الشيء
(5) عند الطبري اسم عوض باسم.
(6) في النص جاءت مواعدة وأصححها تبعا للطبري بموادعة.
(7) عوض فإذا نجد عند الطبري "أو" فالجملة إذن للاستفهام.
(8) عند الطبري " ربي" عوض ديني التي جاءت عند البرادي وفي نظري هي الصحيحة لأنها تعبر عن مقتنعات الاشطر ولو في تلك اللحظات (قارن مقالتي، ص 20).
(9) عند الطبري رأيتم عوض رأيت " لكن نص البرادي أفضل لأنه يتماشى مع الإجابة التي أعطاها الاشعت للاشطر.
(10) تبدو هذه الرواية معقدة لكن نص البرادي يقول: " أو لست قد رأيت الظفر ان تجتمعوا على الجور " واني لا أجد قراءة لها أفضل من هذه. عند الطبري " لو لم" تجمعوا (تصحيح الناشر "لتجمعوا" ربما ب" تجتمعوا" كما هو الشأن عند البرادي وهو ما يجعل الرواية سلسة، إلا أن بروكلمان صرح بعد أن وجد في وقعة صفين (أنظر نصر بن مزاحم سبق ذكره ص 22) كلمة الخور عوض الجور انه يفضل الأولى، أنا أرى أنه من الأفضل الاحتفاظ بالجور". عموما يمكن قراءة النص بثلاثة طرق: الطبري أو لم أرى الظفر لو لا أنكم اجتمعتم على هذا الجور؛ نصر بن مزاحم: لن تروا النصر الظفر إن لم تكونوا متحدين في الخور؟ البرادي: أولست قد رأيت الظفر أن تجتمعوا على الجور؟ (1/19)
صفحة 20
؟ " فقال الأشعت: " انك والله ما رأيت ظفرا ولا جورا، هلم بك إلى كتابنا هذا فإنه لا رغبة بك عنا" فقال له الاشطر: "بلى والله لرغبة بي عنك(1) في الدنيا وفي الآخرة، لقد سفك الله عز وجل بسيفي هذا دماء(2) رجال ما أنت عندي خير منهم ولا أحرم دما"(3).
قال الجربي عمارة بن ربيعة: "والله لكأنما وضع(4)على انف الأشعث الجمر"(5) فقال علي للأشطر: " مهلا مهلا، لا تفرق على الناس".
[10 نص صحيفة للحكومة(6)] فكتب الكتاب بينه وبين معاوية، باسم الله الرحمان الرحيم، هذا ما تقاضا عليه(7) علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان واتباعهما فيما تراضوا به من الحكم قاضيا(8) على أهل العراق ومن كان معه من شاهد أو غائب وقاضى(9) معاوية علي أهل الشام ومن كان معه من شاهد وغائب.
نقص
__________
(1) في الطبري عنك وهو غير وارد عند البرادي
(2) دم والأفضل الجمع الوارد عند الطبري دماء.
(3) يمكن ترجمة جملة الطبري "لا احرم دما" بما يلي: لا اعتبر محرما أو ليس علي محرم دم أي مخلوق " لكن هذا سيعني ان الاشطر فقد السيطرة على أعصابه من الغضب إلى درجة اعتبار جائزا له سفك دم أي كان. ويعتبر التحول الذي عرفته الجملة عند كيتاني صائبا "ولا دمك محرم علي" ومن الواضح أن المترجم صحح دما بدمك ونفس التصحيح يقتضيه نص البرادي حيث يرد لا احرم علي دما.
(4) عند الطبري "قصع" عند البرادي "وضع" ولهما نفس المعنى
(5) عند الطبرى " حمم عند البرادي الجمرة والمعنى واحد
(6) أنظر التعليق الأتي بخصوص مختلف نصوص صحيفة الحكومة
(7) تقاضى أنظر شرح الكلمات عند الطبري م CADXXVII
(8) في النص هنا تم التخلي عن على لقربها من اسم علي.
(9) جاء قاضي خطأ في النص عوض قاضيا " المماثل لسابقه (1/20)
صفحة 21
والناس أمنون على الأموال والأنفس إلى أن ينقضي هذا الأجل والسلاح موضوع والسبيل مخلا والشاهد والغائب من الفريقين سواء؛ والحكمان ينزلان منزلا عدلا بين الشام والعراق لا يحضروهما فيه إلا من أحبا واجل القضية بين الناس من شهر رمضان إلى انقضاء الموسم(1).
نقص
كتب يوم الأربعاء 13 ربيع الأول سنة 29 بعد وفات النبي (ص)(2) .
تعليق :
سبق وإن اشرنا في موطن أخر أننا نتوفر على نسختين من معاهدة صفين وكلاهما واردتان في "وقعة صفين" واحدة منهما في الصفحات 578-582 (367-371) والأخرى في الصفحات 585-586 (هذه محدفة في طبعة بيروت) نقل الأولى الدنوري 207-209 ( كيت 37-34) بينما نقل الطبري الثانية، 3336 3338 (كيت، 37، 61) والبلادوري، 515-516، في نفس المصدر أي وقعة صفين 578-584 (373 و 367) جاء أن الرواية الأولى استنسخت من النص الذي كان في حوزة زيدا ابن حسن والثانية من نص أخر كان يحتفظ به سعيد ابن أبي برد، مطبوع على ورق اصفر يحمل خاتمي علي ومعاوية. واعتبار للأسباب التي سندرجها فإن الرواية الثانية تظهر أكثر مصداقية.
__________
(1) أي إلى نهاية السنة القمرية، أيضا في وقعة صفين: إلى انقضاء الموسم، على العكس وبشكل غريب عند الدنوري (ص208) إلى أخر الأجل التي لا معنى لها لذلك وجب تصحيحها تبعا لنص وقعة صفين أو نص البرادي أو تغيير الأجل ب"الحول" أي السنة القمرية (قارن مقالتي ص 85 رقم 2).
(2) بخصوص هذا التاريخ الذي يثير العجب انظر التعليق الأتي. (1/21)
صفحة 22
علم البرادي بوجود النسخة الأولى وربما بوجودها فقط (بالفعل فإن فقرات الصحيفة التي ساقها إلينا تشبه بشكل واضح نص النسخة الأولى وليس الثانية) تجدر الإشارة إلى أنه في النسخة الأولى ترد بنود قد يقال عنها أنها أقحمت في الصحيفة فيما بعد من طرف أتباع علي قصد تعليل سلوك هذا الأخير، وهي غير واردة في النسخة الثانية وقد لا يدخل في باب المحال أن يكون البرادي وضع يده على النسخة الأولى فقط وأن يكون تعمد حذف جزء هام منها لأنه فطن إلى نوع من الانحياز فيها لصالح علي. حسب الرواية الأولى فإن للحكمين الأمان ما دام أنهما لم يأتيا بما يغضب الله والأمة لهما أنصار على ما يقضيان حسب كتاب الله، وبما أنهما خالفا ما أومرا به، سيؤكد علي فيما بعد فحكمهما غير مقبول ومن حقه إلا يأخذ به.
وأيضا إذ خالف الحكمان ما أنزله الله فالفرقا سيعودون في الحرب (هكذا جاء عند اليعقوبي أيضا، 2، 221 = كيت، 37، أ 82) تختلف النسخة الثانية بشكل واضح عن سابقتها فهي تأتي مختومة بضرورة الانتصار للصحيفة ضد من ترك ما فيها وأراد فيه الحادا أو ظلما.
تجدر الإشارة أيضا إلى أنه بسبب اختلاف طفيف يبدو نص وقعة صفين متحيزا لعلي وهذا غير وارد في النص الذي استنسخه الدنوري.
جاء البرادي بإضافة تكمن في تحديد تاريخ كتابة الصحيفة غير أن هذا التاريخ غريب جدا فهو قبل كل شيء لا يطابق المعطيات التاريخية التي جاء بها غيره من المؤرخين (أنظر مقالتي ص 78، رقم 6و7) ثم إن هذا التاريخ يحتسب انطلاقا من وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وليس من الهجرة، وليس هذا فقط بل يشير إلى سنة 29 عوض 26 وبهذا نكون قد وصلنا إلى سنة 40 ه (اليوم والشهر يصادفان يوم وشهر وفاة الرسول (ص)، على العموم لا يجب أخذ هذا التاريخ بعين الاعتبار. (1/22)
صفحة 23
[11 اتساع رقعة الانشقاق بين أتباع علي] حدثني عبد الله بن يزيد الفزاري(1) أنه بلغه أن معاوية انصرف بعد ذلك حيث حكم الحكمان وأهل الشام إلى الشام وانصرف علي وأهل العراق إلى العراق والتحكيم فاش في العسكر وكانوا إذا ارتحلوا زاحم بعضهم بعضا وتدافعوا على الماء(2) فإذا اجتمعوا قال من أنكر الحكومة لمن رضيها: "يا أعداء الله عصيتم الله وحكمتم في أمر الله(3) وشككتم في دين الله وخالفتم كتاب الله" فلم يزالوا كذلك حتى انتهى القوم إلى الكوفة.
__________
(1) هو السلطة التي يرد ذكرها مرارا في كتاب النهروان، أنظر مقالتي ص 15، تعود الهفوة الغريبة التي يكون على أساسها عبد الله ابن يزيد الاباضي مؤسس الحركة الاباضية عند كيتاني (Onomasticon 2، ص 1010) إلى فريد لندر friedlaender وThe heterodxies of the shiites 2 ملحوظة 565
(2) بهذا لا يحترمون روح الأخوة التي يجب أن تسود خلال سفر القوافل. بالنسبة للمنازعات على طريق العودة قارن الطبري 334 ( = 37، - 171) حيث الحديث أيضا عن الضرب المتبادل (وماس 4، 388).
(3) ترد جملة مماثلة لهذه عند الطبري (نفس المصدر) (1/23)
صفحة 24
ثم ساروا(1) الدين كرهوا الحكومة بصفين وخالفوا عليا على تحكيمه الحكمين وحكموا الله في أنفسهم إلى من كان إخوانهم مع علي فناظروهم ودعوهم إلى تحكيم الله وخلع ما سواه فقالوا لهم: أتعلمون أنكم عملتم عملا وكلتم فيه إلى رأي علي وقد سمعتم إنكار عمار (2) وهاشم بن عيينة(3) وأصحابه الدين مضوا على أمر الله لذلك وناهيهم وقول عمار جروا الخطام ما انجروا(4) وقوله لنضربنهم والله حتى يرتاب المبطلون(5)
__________
(1) الفعل هنا في النص مصرف إلى الجمع خلافا لقواعد اللغة.
(2) بالنسبة لعمار أنظر مقالتي، ص 24 رقم 4.
(3) الملقب بالمرقال: سجل الوفيات عند كيت، 37، 55، 364 ـ 365، كان من صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكان مقاتلا مقداما وقارئا للقرآن عاقبه عثمان لأنه افطر في رمضان قبل حلول وقت الفطرة. تنسب إليه بعض المصادر لائحة رائعة من المقاومة يظهر فيها بقاتل، رغما عن رجله المبثورة وهي نفس اللوحة التي تنسب في أماكن أخرى إلى شريح أو إلى محارب أخر خلال معركة النهروان (أنظر ما هو أت رقم 36 ب والملحوظة).
(4) الفعل هنا مصرف إلى الجمع.
(5) تأويل جملة "حتى يرتاب المبطلون" (الجملة واردة أيضا عند ماس، 4، 358) الذي جاء به كيتاني، 37، / 101 والذي يقول فيه: "بشكل يلقي الرعب في الشجعان " هو غير صحيح، بالفعل: 1) قد سبق وان صادفنا كلمة مبطلون وجاء نقيضا لها كلمة محقون (البرادي، 2 الطبري 3332) المعنى الذي أعطيه لكلمه مبطلون، " أولئك الدين هم على خطأ" يتماشئ مع الموقف ،3) نص المسعودي يجب قرائته في ضوء الذي يليه: يقول عمار بأن قادات الأعداد يقاتلون ببسالة لأن من هم على خطأ [ ويعتقدون أنهم محقون] يرتابون [أنهم على خطأ] إلا أنه يضيف [ أنه وإن دفعوا بهم إلى أخر شبر فوق الأرض] " فنحن سنكون دائما على حق وهم دائما على خطأ" 4) الآية القرآنية 47 XXIV حيث تظهر كلمتي ارتاب ومبطلون جنبا إلى جنب، يمكن الاستعانة بها ليس لتأكيد وإنما لقطع الطريق أمام "شجعان" كتفسير " المبطلون، والكلمة في الآية تشير إلى أولئك الذين يقولون بأن القرآن غير صحيح 5) أيضا في الجملة الواردة عند الطبري 33178 " ضرب يرتاب منه المبطلون" [جاءت مترجمة عند كيت 37، 39 ب " ضربة مشهودة ") يجب هنا تأويل " منه" ب "به " وليس ب "عليه" أو ضربا يجعل الذين هم في ضلالة يرتابون من صحة قضيتهم، ولا يمكن الاستعانة بالطبري 331917 حيث القراءة حسب ظني، وهي تلك التي يقترحها الناشر Prym: "ضرب غير مرتاب" أي ضرب إنسان لا يساوره الشك وهو على يقين أنه محق وضربه شديد، وليس القراءة التي جاءت في الشرح عند الطبري CLXXIII): ضرب غير مرتاب [منه] أي ضرب لا يترك مجالا للشك، التي أخذ بها كيتاني 37، 43، أيضا الطبري، II، 6954 و 2010 لا يؤكدان التفسير الذي جاء في شرح الطبري ولا يستطيعان إلا أن يبينا أن الجملة أصبحت قولا مأثورا. (1/24)
صفحة 25
وقوله هل من رائح إلى الجنة(1) قبل تحكيم الحكمين
[12 الانشقاق في حروراء] أ عرفوا بن ذلك ما عرفوهم فقالوا: "انا قد زللنا زلة نتوب منها إلى الله ونستغفره " فرجعوا إليهم ونزلوا حروراء وخرجوا(2) معهم فنزل علي على نفر ممن أنكر الحكومة فدخلوا عليه وعاتبوه وسألوه أن ينقض ذلك وكلمه رجل يقال له عتاب يقال انه من تغلب(3) فما رأيت رجلا قط كان احفظ لتأويل القرآن منه فأبا أن يطيعهم في نقض القضية. ب وخرجوا حتى نزلوا حروراء وهم إثناء عشر ألفا وقبل أربعة وعشرون ألفا فنادى مناديهم: (4) أمير القتال شيت من رفاعة(5) والأمر من بعد الفتح شورا البيعة لله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(6) .
__________
(1) ترد هذه الجملة في العديد من الروايات وتنسب دائما إلى عمار.
(2) لا يمكن ترجمة كلمة "خرج" هنا بالخروج في حملة عسكرية لأن معارضي علي لم يكونوا بعد يفكرون في أمر مثل هذا في حروراء وبالفعل جاء فيما بعد أنهم يقولون لابن عباس " نكره ان نحمل عليه بعجالة [أي علي] إلى أخره".
(3) جاء في وقعة صفين، 345 (220) إن احدا من بين المقاتلين كان اسمه عتاب ابن لقيط البكري من بني قيس ابن تعلبة ومن الممكن ان تكون ثعلبة أصبحت عند البرادي تغلب .
(4) ترد نفس الجمل الواردة في هذه الفقرة عند الطبري 1316-3349 = (كيت 37، /171 ).
(5) هكذا جاء فعلا عند الطبري 3349. حول هذه الشخصية انظر أعلاه ص 4 رقم2.
(6) حول تفسيري هذه الجملة أنظر مقالتي ص 65. (1/25)
صفحة 26
[13 أسماء أشراف خوارج حروراء(1)] [كان] الهيثم ابن النبهان(2)
__________
(1) يذكر الدنوري (= كيت 38، ص 125) من بين قادات الخوارج عمر ابن مالك النبهان وبشر (أو بشير) ابن زيد (أو يزيد البولاني)، وإذا كان من غير الممكن التعرف على هذا الأخير ضمن خوارج حروراء والواردة أسماءهم في اللائحة فإنه من الممكن التعرف على الأول مع افتراض وقوع الدنوري أو البرادي في خطأ في شخص مالك ابن النهبان ووزعة الذي جاء ما قبل الأخير في اللائحة.
(2) يوجد احدهم باسم الهيثم ابن التيهان (ربما عوض النبهان التيهان عند البرادي وهو من صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الدين شهدوا بدرا. تاريخ وفاته غير مدقق فيه (يقال 20 أو 21هـ أو خلال معركة صفين سجل الوفيات، كيت، 37، 36755 – 373 ) هناك من يقول أنه توفي بعد صفين (كيت نفس المصدر 371) وفي هذه الحالة قد يكون فعلا من بين الدين اجتمعوا في حروراء، حسب البلادوري (كيت 38، 1145) يعتبره الخوارج من بين ضحايا صفين الدين رفضوا الحكومة كعمار وهاشم ابن عتبة وآخرون. عكس هذا لا نجده عند الاباضيين كسلطة يستعان بها مثل من سبق ذكرهم، عمار ـ لإبراز ضرورة الاستمرار في القتال ربما لأنه لم يكن بعد مات في صفين؟.
يمكن أن ينفي هذه الهوية التي حققناها للنبهان كون البرادي لم يضف إلى اسمه لقب الصحابي البدري كما فعل ذلك مع أسماء أحرين، ويبقى السؤال لماذا هو رجل معروف؟ تجدر الإشارة إلى أنه جاء على قائمة اللائحة كأنه أسمى الحاضرين في حروراء. (1/26)
صفحة 27
وفروة بن نوفل الاشجعي(1) وسارية بن لجام السعدي(2) وحرقوس(3) ابن زهير [يقرأ حرقوص] السعدي، ويزيد ابن قيس الأزدي،(4)
__________
(1) من غطفان (عقد،2،62) حسب البلادوري (= كيت، 38، 1145) كان من بين الدين جاءوا عليا وطلبوا منه نقض معاهدة صفين انسحب من أرض المعركة يوم النهروان هو وخمس مائة رجل لأنه لم يكن يجد مبررا لقتال علي (الطبري 3380 والدنوري 223 = كيت، 38 55، 104 و 148) لكننا نجده فيما بعد من بين الثوار على علي (الدنوري 225 = كيت نفس الموضع/ 1425) كان قائد الخوارج الذين اجتمعوا بالنخيلة (البرادي نص 46) حيث لقوا حتفهم سنة 41 هـ (حسب البلادوري تم سحبه من المعركة من طرف أبناء قبيلته قبل اللقاء وأخذ احدهم مكانه) يذكره ابن هجر في التهذيب من بين الروات (VII رقم 434.)
(2) غير معروف
(3) حرقوص ابن زهير السعدي التميمي، صحابي معروف، شارك في حروب العراق وعين واليا على كل الأراضي التي خول له فتحها (سجل الوفيات عند كيت، 38، 3055) اعتبر انضمام صحابي معروف مثله إلى حركة الخوارج أمرا مستبعدا لهذا ينفي بعضهم أن يكون هو قائد الخوارج الذي لقي مصرعه في النهروان (ابن هجر، إصابة، 1 رقم 1654) على العكس فإن لدينا الشك في إمكانية عزل هاتين الشخصيتين بعضهما عن البعض، تورط في أحداث المدينة فتان من بين أولئك الدين يفترض أن يسلمهم علي لمعاوية، ظل متشبتا بفكرة ضرورة استمرار الحرب (البرادي، 22 ب ونفس الموضع استشهاد الطبري والبلادوري) تحمل عواقب تصلبه في مواقفه ودفع حياته ثمن ذلك (البرادي رقم 37، شام SHAMMص54) كان يوم النهروان يقود فرقة المشاة الطبري 3380 الدنوري 223 = كيت 38، ص 93 و 130)، حسب بعض المصادر كان يلقب بدي الخويصرة وربما وقع خلط بسبب هذا اللقب فدو الخويصرة شخصية غريبة تنسب إليها شتى الأعمال الشريرة (انظر كيت، 38، 55، 150 وملحوظة 2، 159) ومكن أيضا أن يكون هذا اللقب مرادفا لدو الثدية (أنظر هما رقم 35) .
(4) أنظر أعلاه ص 4 ملحوظة 3. (1/27)
صفحة 28
وجعفر ابن مالك السعدي(1) وبشر ابن جبلة العامري،(2) وشريك ابن الحكم الأزدي(3) ومرداس أبو بلال(4) وأخوه حيان(5) والسورد(6) [ يقرأ المستورد] ابن علامة [ يقرأ علاقة](7) والأشعت ابن بشير العبدي(8) وميسرة ابن أبي خالد الفهري أي أبو الصهباء،(9) وعبد الله ابن وهب الراسبي(10) وحمزة ابن سنان(11)
__________
(1) غير معروف
(2) غير معروف
(3) غير معروف
(4) شخصية أصبحت مرموقة فيما بعد لأنها قادت ثورة الخوارخ سنة 60، 61 هـ ( انظر الموسوعة الإسلامية، تحت لفظ مرداس بن ادية، إضافة إلى Wellhausen Oppos-part سبق ذكره ص 25) أقنعه علي بالعودة إلى الكوفة (البلاذوري 517) فلم يرحل مع الخوارج حين انفصلوا بالنهروان (لم يرد اسمه ضمن المقالتين) منذ ذلك الحين تبنى موقفا معاديا للثورات الدامية لذلك تم اعتباره قائد الحركة ما قبل الإباضية "للحركة الاباضية في مهدها" ( Handworterbuch des islam s.v Ibadiya) إن قرر حمل السلاح والنزول إلى الميدان فيما بعد قائما حدث لهذا كما هو معلوم بسب الاضطهاد الذين كان يمارس على الخوارج.
(5) جرح أحدهم اسمه حيان ابن ضبيان في النهروان عفا عنه علي سنوات بعد ذلك (43 هجرية) قدم الدعم للخوارج الدين كانوا يستعدون للنزول إلى أرض المعركة وسجن بسبب ذلك بعضا من الوقت. كان عالما ومقرأ ( الطبري ة2، 28 ) هل يتعلق الأمر به؟ ربما قد يكون أخا لأبو مرداس من أمه.
(6) جاء في النص بكل وضوح السوردي بن علامة، لكن، وبغض النظر عن غرابة الاسم، فإن هناك شخص يحمل اسم المستورد ابن علافة ويمكن استبدال الاسمين حسب علوم الخطوط، كان من بين الدين تخلوا عن القتال يوم النهروان ثم عاد لحمل سلاح الثورة ضد معاوية سنة 43هـ.
(7) انظر هنا ص 23 ملحوظة3).
(8) أنظر هنا ص 29 ملحوظة 3.
(9) غير معروف
(10) أنظر مقالتي ص 58 – 60.
(11) هو أحد الدين اقترحت عليهم قيادة الخوارج قبل الرحيل إلى النهروان (البرادي، رقم 23 نفس الموضع، استشهاد بنصوص أخرى) حسب البلادوري (عند كيت 38، 114) كان من بين الدين حاولوا اقناع علي بنقض معاهدة صفين قاتل يوم بالنهروان وكان يقود الفرسان (الطبري 3380 = كيت 38، ص 93، قارن أيضا 3018 جاء خطأ عند الدنوري حمزة ابن سيار]. (1/28)
صفحة 29
وزيد ابن حصن الطائي(1)، عبد الله ابن الحرشاء الطائي(2) والحويرث [ يقرأ حوثر’] ابن ودع [ يقرأ: ودام؟ ] الأسدي(3)، عمير ابن الحارث الأنصري(4) يزيد ابن عاصم (5)
__________
(1) اسمه حسب بعض المؤلفين هو يزيد واسم أبيه حسين كان من بين القادات الدين اقترحت عليهم قيادة الخوارج قبل الالتحاق بالنهروان (البرادي، رقم 23) وقد وجهت له هذه الدعوة ربما لأنه كان من بين الدين أصروا على علي لنقض المعاهدة (حسب البلادوري = كيت، 38، 1155) كان يقود يوم النهروان الجناح الأيمن (الطبري 3380، الدنوري 223 = كيت 38 ص 93 و130) لقي مصرعه بالنهروان وهو يقاتل ببسالة (البرادي رقم 38).
(2) نتعرف عند البلادوري (535، 536 = كيت 38، 1045) ملحوظة1 ومبرد، ص 578) على عبد الله ابن الحوساء أو ابن أبي الحوساء الذي انسحب من ميدان القتال يوم النهروان ومعه ثلاثة مائة رجل، كان سنة 41 هـ قائد ثورة الخوارج بالكوفة (انظر أيضا ملحوظة 7 هنا) ربما يتعلق الأمر بنفس الشخصية التي جاء ذكرها هنا وخصوصا وأنه جاءت، عند ابن الأثير قراءة أخرى وهي " الحوشاء".
(3) نجد في النصوص ثلاثة أسماء متشابهة 1 ـ حوتر ابن وداع الأسدي عند البلادوري (535، 536، كيت، 38، 1043، ملحوظة 1 ومبرد، ص 578) وهو قائد من الخوارج انسحب من النهروان مع ثلاثة مائة رجل مثل عبد الله ابن الحوساء، ثم ثار في الكوفة سنة 41هـ، .2) هذا هو الحوريت ابن ودع الذي جاء به البرادي. 3) واحدهم اسمه حوير ابن وداع الأزدي الكوفي (البرادي رقم 44) وقد كان حسب بعضهم قائد الثوار الدين اجتمعوا بالنخيلة (عكس هذا وحسب رواية البلادوري فإن القائد هناك كان بعد رحيل فروة ابن نوفل، ربما هو عبد الله ابن الحوساء أو ابن أبي الحوساء. الطبري حسب الملحوظة السالفة وهكذا أيضا عند ابن الأثير ذكر).
(4) كان هناك بدري بهذا الاسم: ابن عبد الله البار، استيعاب رقم 1866، الذهبي تجريد 1، رقم 477و 4478.
(5) المحاربي حسب البلادوري (كيت 36، 175) يزيد ابن عاصم المحاربي الذي كان يتواجد في الكوفة حين تمت مبايعة علي ولم يكن يرغب في هذه المبايعة. ومن الواضح انه غير رأيه هذا بما أننا نجده فيما بعد في حروراء. حسب بعضهم كان أول من صاح بأن لا حكم إلا لله (البلادوري 516) واحتج كثيرا حينما أعلن علي من فوق المنبر أنه ينوي الالتزام ببنود الحكومة (انظر هذا رقم 20 ب). أيضا الشهرستاني (ص 88 = كيت، 38، 1425) يؤكد لنا مبايعته لعبد الله ابن وهب الراسبي. قتل في معركة النهروان (سجل الوفيات، كيت، 38، 3755). (1/29)
صفحة 30
وأربعة أخوة له ممن بايعوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) تحت الشجرة(1) وشجرة ابن الحارث السلامي(2) وعبد الله بن شجرة(3) الذي بايع الرسول (صلى الله عليه وسلم) تحت الشجرة هو وأربعة أخوة له وثلاثة من بني أخت له: المسيب ابن ضمرة الأسدي(4) وعبد الله ابن عفيف(5) وأخوه سفيان(6) الخزاعيان وأبو عمر بن نوفل(7) مولى له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم ونافع(8) مولى ترملةه(9)
__________
(1) المبايعة الهامة التي قدمها المسلمون بين يدي الرسول (صلى الله عليه وسلم) خلال مفاوضات صلح الحديبية، كيت6، أ.ج /33 حسب ابن هجر (1،936) فإن 800 من هؤلاء كانوا في صفوف علي.
(2) غير معروف
(3) السلمي كان قارئا ومتصوف (ما دام أنه كان يضع برنوسا) الدنوري 218 = كيت، 38، 1243) حسب البلادوري (كيت، 38، 114) كان من بين أولئك الذين جاءوا علي ليطلبوا منه عدم إرسال أبي موسى إلى مكان الحكومة. عند البرادي (رقم 28ب) يتم تقديمه كرجل أبان من الحماسة كثيرا في اجتماع للخوارج قبل الرحيل إلى النهروان، يحتفظ له بخطاب عند الدنوري أيضا (216 كيت نفس الموضع، ص 124) في النهروان شارك في محاورة قيس ابن سعد (الطبري، 3377، الدنوري 221 = كيت، 38، 55، 102، 147)؛ مات خلال المعركة على يد احدهم اسمه عبد الله بن زهر الخولاني (سجل الوفيات، كيت، 38، 2665).
(4) غير معروف
(5) هناك شخص باسم عبد الله بن عفيف وهو مشهور بقتاله إلى جانب علي في معركتي الجمل وصفين، غير أنه ليس خزاعيا، إضافة إلى أنه مات بسبب خطأ ناتج عن حبه لعلي للتأكد من هويته هنا على أساس أنه الشخص المذكور يجب افتراض أنه كان من بين أؤلئك الذين وحلوا في صفوف علي والتزموا بالولاية له.
(6) غير معروف
(7) غير معروف
(8) عن نافع هذا انظر إمامه ص 66.
(9) غير معروف. يعود ذكر نفس الاسم في النص البرادي رقم 237) ويأتي أيضا في كشف الغمة
( Uber die SASHAUسبق ذكره ص 58) متحركا، ويتأتي عند ابن هجرة (تهذيب 1، ص 350 رقم ) بالثاء عوض التاء. (1/30)
صفحة 31
وترملة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم(1) في نفر من بني حنظلة(2) وهرم بن عمرو الانصاري من بني واقف(3) وأبو قدامة بن لبيد من بني قيس(4) وعيينة بن معمر الانصاري من بني وائل(5) من الدين نزلوا [بحروراء] وأعينهم تفيض من الدمع(6) وزياد بن شرحبيل العجلي(7) والأشهب بن بشر الكوفي(8) وشجرة بن أولى السلامي بدري(9) ومالك بن النبهان وزعة(10) وحكيم بن عبد الرحمان الكناني(11).
__________
(1) لا يفهم من النص إن كان ترمله من بين خوارج حروراء أو إن كان اسم الصحابي هنا يعود عليه أو على نافع ومع ذلك انظر ص 66 رقم 8.
(2) حول دور بني حنظلة في قيام حركة الخوارج أنظر ص 3، رقم 3.
(3) غير معروف والمعروف هو هرم بن عبد الله الانصاري الذي كان من بين البكائين (الذهبي تجريد، 2، رقم1351).
(4) غير معروف
(5) غير معروف
(6) هذه العبارات القرآن سورة التوبة أية 93.
(7) غير معروف، في المخطوط زايد.
(8) ثار ضد علي بعد النهروان إلا أنه أنهزم وقتل في جرجريا (أراضي جوخا) في جمادى سنة 38 هجرية يلقبه البعض (يضيف كيتاني، بالأشعت)، والأمر هنا يتعلق بشخصيتين مختلفتين إذا ما نحن أخذنا بقول البرادي: الأشهب ابن بشر الكوفي والأشعث ابن بشر العبدي (أنظر أعلاه ص 21) ربما وقع خلط بين هذا الأخير والأشعت ابن قيس وتمخض عنه خبر لا أساس له من الصحة مفاده أن الأشعت بن قيس كان من الخوارج لهذا يجب تصحيح الأشعث ابن قيس " الذي جاء به الشهرستاتي (ص85) ب " الأشعت ابن بشر".
(9) غير معروف وليس لدي معلومات عن كونه بدري
(10) أنظر أعلاه ص 19 رقم 6.
(11) غير معروف (1/31)
صفحة 32
[14 اتهام علي بالكفر] وبلغنا أن الشيعة لما فارق المسلمون [الخوارج] عليا عاتبوهم(1) [[ فقال لهم المسلمون [ أو الخوارج]، استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان(2) أما أهل الشام فبايعوا معاوية على ما أحبوا وكرهوا وأما انتم فبايعتم عليا على أنكم أولياء من ولا وأعداء من عادا]](3).
[15 الحوار بين ابن عباس وخوارج حروراء](4) أ نزلوا [ أي الخوارج] حروراء فأرسل إليهم علي عبد الله بن العباس(5) فلما أتاهم عبد الله بن العباس قالوا له: "مرحبا بك يا بن العباس ما سرنا أن غيرك أتانا".
قال لهم: "ما نقمتم يا معشر المسلمين عن أمير المؤمنين"(6)
قالوا له: نناشدك الله يا بن عباس ألا أخبرتنا عن الأمر الذي كنا عليه نحن وعلي أهدى كان أم ضلالة ؟"
قال: " اللهم بل كان هدى".
__________
(1) نفس الخطاب نجده عند الطبري، 19- 17- 3350 (كيت، 37، 172) وعند البلادوري، 522، حيث تصبح كلمة "المسلمون " الواردة عند البرادي "الخوارج" عوضا عنها.
(2) كفرسي رهان تفسير الرهان وأرد في "تاج العروس " والمنجد"
(3) هنا إشارة إلى البيعة الثانية التي قدمها الشيعة لعلي بعد رحيل الخوارج (الطبري 3350، 3367 = البلذوري 522) الجملة تذكر بالقول المأثورعن الرسول (صلى الله عليه وسلم) والذي أوصى فيه أصحابه بعلي قرب مستنقع خم أنظر ما هو ات ص 30- رقم 7).
(4) هذه الفقرة تشبه فقرات أخرى لمؤلفين آخرين، أنظر تعليق ص 28.
(5) الاسم هنا معرف ابن العباس" وسيفقد "ال" فيما بعد، عن هذا الشخص انظر الموسوعة الإسلامية ومقالتي ص 31، رقم 1 ص 75-78.
(6) جاء عند الطبري، 3351 (كيت،37، / 172)؛ ماذا نقمتم من الحكمين؟ عوض ما نقمتم عن أمير المؤمنين؟ نفس الشيء عند البلادوري (5224) بدأ التغيير في الجواب مند الكلمات الأولى: (1/32)
صفحة 33
قالوا: " فنناشدك الله هل سفكنا دم عثمان على إحداثه التي أحدث وامتناعه من كتاب الله"(1).
قال: "اللهم نعم".
قالوا: "الله أكبر(2) " ثم قالوا: " نناشدك الله [أن تجيبنا على علي هذا السؤال] الست تعلم أن إنما سفكنا دم طلحة والزبير يوم الجمل وأصحابهما ببغيهما بكتاب الله وسنة نبيه"(3)
قال: " اللهم نعم" فكبروا القوم " الله أكبر" فقالوا له: نناشدك الله [ أن تجيبنا على هذه النقطة] الست تعلم أنا إنما فرقنا معاوية وعمرو بن العاصي وأشياعهما و استحللنا قتالهما وسفكنا دماءهم على بغيهم وتعديتهم كتاب الله وسنة نبيه؟"
قال ابن عباس: " اللهم نعم".
فقالوا له: "يا ابن عباس هل نزل على صاحبك أمر من السماء بتحريم الأمر الذي كنا نحن وإياه عليه؟ ".
قال لهم: "اللهم لا "
فقالوا له: " قد وجب على صاحبك [ الاستمرار في] القضية".
[ب] قال ابن عباس: " قد علمتم أن الله أمر(4) بتحكيم الحكمين في رجل وأمرأة إن هما تشاقا أو في طير يقتله محرم(5) [[ (6) فكيف بامرأمة محمد]].
__________
(1) يشار هنا، حسب اعتقادي، إلى المحاولة التي قام بها بعض المعارضين لدعوة عثمان إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله. قد يكون عثمان اعترف بزلاته غير أنه استمر في "حداثته".
(2) لهذا الكلام" استعمالات شتى، هنا يدل على الرضى
(3) بالنسبة للمقاتلين في معركة الجمل يتحدث في النص عن البغي" فقط وبالنسبة لمعاوية على "التعدية أيضا، هل هو من طرف الخوارج أم من طرف الناسخ؟.
(4) القرآن سورة النساء، آية 39.
(5) بخصوص تحريم الصيد هذا انظر القرآن سورة المائدة آيات 1،3،95،97 بالنسبة للتحكيم في حالة عدم احترام هذا النهي القرآن المائدة، إية 96. أيضا عند الذهبي: تأريخ (كيت 37، 1935) جاء ابن عباس بحجة تحكيم الحكمين بالنسبة لدم الطير أو بالنسبة للشقاق بين الزوج وامراته .
(6) الجملة بين [[]] واردة أيضا عند الطبري 3851 = كيت 37، ص 543، الذهبي تاريخ في كيت نفس مصدر ص 555. (1/33)
صفحة 34
فقالوا له: " أما كل أمر جاء فيه فصل من الله فليس للناس أن يحكموا فيه الرجال، وأما كل حكم جعله الله إلى الناس فهو إليهم، أرأيت يابن عباس لو أن سارقا سرق وزانيا زنا وقاذفا قذف (1) فطلب إمام المسلمين أن يقيم حكم الله فيهم فامتنعوا من ذلك فقالوا نبعث حكمين حكما منا وحكما منكم يحكمان رأيهما فما حكما به رضينا به، هل للناس أن يحكموا في هذا الأمر أحدا؟".
قال: اللهم لا"
فقالوا: "يا بن عباس فما حكم الله في الفئة الباغية؟ أليس الله قال: فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله؟"(2).
قال " اللهم نعم"
فقالوا له:" أفلا تعلم أن معاوية وعمرو وأشياعهما فئة باغية؟ أفلا ترى أن صاحبك يريد أن يبعث حكمين إلى من قد بين الله الحكم فيه؟ وأضافوا" يا ابن عباس أليس [[(3)الحكم في طير يقتله محرم والحكم في المرأة وزوجها كالحكم في الحرب ودماء المسلمين ودينهم]] لأنه ليس شيء من الحكم في الحرب جعل الله فيه الحكم إلى الناس كما جعل الحكم إليهم فيما بين المرأة وزوجها إذا تشاقا أو في طير يقتله محرم وذلك أن الله قد فرغ حكمه في كتابه وبينه لخلقه لأن الله قال في كتابه(4): "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله". وقال أيضا(5): " قاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله"، فنناشدك الله يا ابن عباس. [أن تجيب هذا السؤال] هل تعلم أن معاوية فاء إلى أمر الله ؟".
أجاب: " اللهم لا"
قالوا: " فأخبرنا عن هذه الآية التي نزعت بيننا وبينك(6)، كيف يكون الحكمان فيها عدلين أو غير عدلين؟
أجاب: " بل عدلين"
__________
(1) تثار هنا بعض الخطايا التي جاء القرآن بالحد فيها.
(2) القرن سورة الدخان أية 9.
(3) لاعتبار مثل هذا قارن الطبري، 14-13 – 3351 (=كيت، 37، ص 11، 543).
(4) القرآن سورة الأنفال أية 40
(5) القرآن سورة الدخان آية 3.
(6) الطبري، 15 – 14 3351 (= كيت، نفس الوضع، ص 54314). (1/34)
صفحة 35
فقالوا: [[(1) كيف كان عمرو عدلا وهو بالأمس أهل حربنا يقاتلنا ويسفك دماءنا؟ فإن كان عدلا فلسنا إذا بعدول ونحن أهل حربه(2)]] فقد حكمتموه في أمر الله وقد أمضى الله حكمه في معاوية وحزبه بأن يقتلوا حتى يفئوا ويرجعوا إلى أمر الله وقال(3) [أي الله] "قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" وقد حكمتم عمرو بن العاصي وهو شاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه نزل (4) أن شانئك هو الابتر" وقد هجا رسول (صلى الله عليه وسلم) بسبعين بيتا من الشعر فقال صلى الله عليه وسلم: " إني لا أحسن الشعر فالعنة بكل بيت لعنة"، فما نحن في شبهة من أمرهم، وأنت تعلم [[أنا قد دعوناهم قبل ذلك إلى كتاب الله(5)]] و معنا خيارنا وصلحاؤنا عمار بن ياسر(6) وخزيمة بن ثابت دو الشهادتين(7)
__________
(1) الطبري 15- 3351 (كيت نفس المرجع ص 14-543)
(2) عند الطبري: "ونحن أهل حرية" التي تمت ترجمتها عند كيت "بما أنه كان يحاربنا" وأظن أن ترجمتي لهذه الجملة أدق.
(3) القرآن سورة الأنفال أية 40
(4) القرآن سورة الأنفال أية 3.
(5) الطبري 14-3351 و 3352 (كيت، 37/543 ) بالنسبة للجمل الواقعة بين [[]] هنا وغيره.
(6) لقد تمت الإشارة هنا إلى عمار سابقا في الصفحة 18.
(7) سجل الوفيات عند كيت 37، 55، 400، 402، يقال له " دو الشهادتين " لأنه شهد بأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) اشترى فرسا دون حضوره ذلك لأنه كان على يقين من صدق الرسول (صلى الله عليه وسلم) فأقر الرسول (صلى الله عليه وسلم) منذ ذلك الحين بأن شهادته بشهادتين، يعتبره خوارج حروراء هنا احدا منهم غير انه وحسب رواية لابن هجر (تهذيب 3، رقم 267) لم يشهر سيفه إلا بعد وفاة عمار بسب تنبؤ الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقتل هذا الأخير من طرف الطائفة الباغية، وهو ما يدل على عدم تجدر القناعة عنده بعدالة قضية علي. الرواية المشار إليها لا يجب أن تنطبق على خزيمة لما جاء في نصوص أخرى: أ ـ لأنه اعترف بالخلاقة لعلي (ابن سعد، 3، ص 20 = كيت، 38، 435) وخرج معه يريد طلحة وأصحابه (ماس، 4، 08، 3 = كيت، 36، ص 114) ب و لأنه كان حاضرا في معركة الجمل (ماس،4، 328 = كيت، 36، 207). (1/35)
صفحة 36
وابنا بديل الخزاعيان(1) وهاشم بن عيينة (2) وزيد بن ورقا(3) [[ فأبوا كتاب الله]] وقاتل المسلمون عليه حتى مضوا [ إلى الآخرة] فتأمرنا يا ابن عباس بأن نحكم أبا موسى وعمرو بن العاص وان ندخل في دين معاوية (4) ونشهد أنه هدى بعد اد كنا نشهد أنه ضلال نرضى بذلك ونسلم لحكمهم؟ ونشهد أن قتلانا عمار وأصحابه قتلوا على باطل وأنهم في النار وأنهم أهل ضلالة وقد قتلوا على الحق؟ ونشهد أن قتلاهم قتلوا على الحق بعد إذ كنا عرفنا أنهم قتلوا على الباطل والجور والبغي [[(5) وكتبتم بينكم وبينهم كتابا جعلتم فيه المواعدة ووضع الحرب والسلاح فيما بينكم]](6) وقد قطع الله المواعدة (7) بين المسلمين وبين أهل حربهم(8)
__________
(1) أي عبد الرحمان وعبد الله (حسب رواية أخرى فإن الأول قتل من قبل في معركة الجمل، سجل الوفيات: كيت، 36، 425، انظر أيضا 1765 ملحوظة 1 و 37، 55 – 104 و 237) والثاني، عبد الله، قتل خلال معركة صفين رميا بالحجارة (وإن كانت هناك رواية أخرى تقول بأنه قتل في معركة الجمل وربما وقع خلط بينه وبين أخيه سجل الوفيات = كيت 37، 35، 241،246) شارك في العديد من فتوحات الرسول وفي حروب أخرى بعدها كان من بين الذين حاصروا بيت عثمان (كيت، 35، ص 219) كان مشهورا بفطنته ونباهته؛ كان مقرءا حسنا وراويا ا للحديث (ابن هجر، تهذيب، 5،رقم 268× الطبري، 2،8، إلى أخره).
(2) أنظر ص 18 رقم 2.
(3) لا يرد اسم هذا المقاتل في روايات أخرى. كان بديل ابن ورقا، ربما يكون قد حدث هنا تغيير في أماكن الكلمات وتم نسخ ابن ب "زيد"؟
(4) أنظر مقالتي ص 20 قصد الإطلاع على تفسير مصطلح "الدين". المسألة الدينية التي تولد عنها الصراع ذات أهمية بالغة لذا الخوارج ولا يمكن حلها إلا بما رضوا به أو عذاب جهنم (أنظر البرادي رقم 41).
(5) الطبري 33521 = كيت، 37، ص 543.
(6) الطبري 33522.
(7) أصحح هنا كلمة المواعدة التي جاءت في النص بالموادعة.
(8) أنظر أعلاه ص 26 ملحوظة 4 وقارن مقالتي ص 33 و 35 رقم 4 بخصوص معنى أهل الحرب (1/36)
صفحة 37
[مند] قد نزلت براءة(1) إلا من اقر بالجزية(2) ولم يضع الحرب والسلاح والأمر في أهل الحرب إلى أن يفيئوا إلى أمر الله.
تعليق: الحوار الأنف أساسي في فهم أطروحة خوارج حروراء (أنظر مقالتي، ص 31، 38) وهو وارد عند الطبري (33515 و 33523 = كيت 37 / 172) لكنه مبثور في نقطه الأساسية إلى درجة أن أفكار الخوارج تفهم بالكد؛ ونفس الحوار وبنفس الحذف ينقله مبرد في كامله (558) وفي العقد الفريد (260.1) = كيت، 38، / 135 قارن أيضا الذهبي عند كيت، نفس الموضع،/ 132) لكنه يبدو وكأنه جاء سابقا لخطاب علي بمسجد الكوفة، وهو أمر مستحيل فالحوار يجب ربطه دون تردد بلحظة الانفصال في حروراء وهو ما تؤكده بطريقة غير مباشرة هذه النصوص نفسها مصرحة بأن بعد هذا الحوار التحق 2000 من الخوارج بابن عباس، بينما بقي منهم 4000 أم صلاتهم ابن الكواء ونصح لهم باتخاذ شبت بن ربعي قائد إذا حدث وان دخلوا في حرب، وهذه أحداث وقعت كلها في حروراء.
__________
(1) أقرأ "منذ" عوض "قد" كما هو الحال عند الطبري.
(2) أي السورة التاسعة من القرآن انظر بخصوصها مقالتي ص 33 ملحوظة1. (1/37)
صفحة 38
عند الطبري وفي النصوص المشار إليها أعلاه تم حذف الجزء الأول من الحوار وهو الذي يحوي أهم حجج الحروريين، إذ يفتتح الحوار بتقديم ابن عباس فورا للدفاع عن شرعية التحكيم من خلال الآية 34 سورة النساء التي تتعلق بالشقاق بين المرأة وزوجها. هنا تبدأ نقط التشابه بين هؤلاء وبين المؤلفين الاباضيين والأمر يتعلق بنقط تشابه وليس بتطابق كلي لأن الشكل مختلف جدا، وتنتهي حيث يذكر الحروريون الآية القرآنية ومن سورة من سورة الحجرات التي تعتبر منطلقا لخروجهم مؤكدين على أن فئة معاوية هي الفئة الباغية وقد مضى فيها حكم الله على كل حال ترد إشارة طفيفة ومعزولة لهذه النقط عند الطبري (16-3315) وتأتي كالتالي: "انتم اخترتم رجالا للحكم في أمر الله وقد مضى حكم الله في معاوية وأشياعه وهو أن يقتلوا أو يتوبوا" بقية الحوار نقلها الاباضيون بإسهاب وجاءت مختصرة عند الطبري والآخرين.
[16 مزيدا عن الحوار بين بن عباس وخوارج حروراء] أ حدثني عبد الله بن يزيد الفزاري(1) أن بعضهم قال: " يا ابن عباس ما الحكم في محرم قتل جرادة".
قال: " حكومة دوي عدل"(2).
قالوا: " يا بن عباس فالمسلم أعظم حرمة أم الجرادة". قال: "بل المسلم"
قالوا: أ فعدل عمرو بن العاص وقد وليتموه أن يحكم في دماء المسلمين؟ فنناشدك الله يا ابن عباس لما رجعت إلى صاحبك فأخبرته بذلك [أي بما قلنا لك] وإلا يكن لنا حربا كحرب معاوية وقد لزمته الحجة(3) وإنا نكره أن نعجل إليه حتى تلزمه حجة الكتاب فنكون قد اعتذرنا بيننا وبين ربنا"(4).
ب انصرف ابن عباس وهو مخصوم قد عرض حجة القوم ولم يصنع شيئا [لم يحصل على أي شيء] فلما رجع إلى علي قال [سأله] ما صنعت ؟ [على ما حصلت].
__________
(1) أنظر مقالتي ص 15.
(2) القرآن سورة المائدة آية 96.
(3) لا يسطع النص هنا وضوحا.
(4) أوفياء لالتزامهم الديني، يوجه الخوارج أخر دعوة لعدوهم لعله يأخذ بمبادئهم. (1/38)
صفحة 39
قال: "قد خصمك القوم [القوا بك أرضا] يا علي وقد لقوني بالحجة التي كنت أخاصم بها الناس فخصموني".
تعليق:
ترد روايتان مختلفتان عند الطبري حول نهاية مأمورية ابن عباس كوسيط بين علي والخوارج: في أحداها (ص 3363 = كيت، 37/94) يروى أنه رحل دون الحصول على شيء يذكر؛ في الأخرى (ص 33513358 = كيت، 37، 172) أنه كان لا يزال يجادل الخوارج فلحق به علي واخذ مكانه. أي من الروايات الثلاثة جديرة بالتصديق؟". أصادقة أم متحيزة رواية البرادي التي تطلعنا على ابن عباس وهو مخصوم ومتأثر بحجج الحروريين، أم أن روايات الآخرين متحيزة إذ حاول السنيون طمس مغزى الحديث الذي دار بين ابن عباس وعلي".
[17 اللقاء بين خوارج حروراء وعلي] أ فضرب علي ظهر ابن عباس بالذرة وقال له ما صنعت شيئا".
لم يقيموا بعد ذلك حتى خرج إليهم فلما رواه اقبلوا إليه وأكثروا القول، قال لهم: " الكلام من جماعتكم لا يستطاع، لا تفهمون ما أقول لكم ولا أفقه ما تقولون لي، أخرجوا إلي منكم مائة" فأخرجوهم تم قال للمائة: "أخرجوا إلي منكم عشرة" فأخرجوهم فقالوا له: "لقد رجعت عن دينك"(1) وبلغني أنهم قالوا له: "أكفرت بعد إيمانك"(2).
[ب] قام وهو متكئ على قوسه(3) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال في أخر خطبته: "ما الذي نقمتم علي يا معشر المسلمين؟".
__________
(1) قارن مقالتي ص 20 .
(2) قارن مقالتي ص 70.
(3) يتكى علي على قوسه أيضا في الرواية التي جاءت في "عقد" 1، 260، ومبرد، 558. (1/39)
صفحة 40
قام خطيبهم ومكلمهم فحمد الله وأثنى عليه فقال:" نقمنا عليك رجوعك عن دينك الذي دعوتنا إليه فأجبناك وسفكنا دماءنا عليه وقطعنا أرحامنا(1) ثم شككت فيه وحكمت أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص وكتبت بينك وبين معاوية كتابا وأمنته هو وأصحابه وهم أهل حربك بغير رضا منهم بدينك ولا توبة عن ذنوبهم وبغيهم الذي قاتلوك عليه وقاتلوا عليه عمار ابن يسار وأصحابه من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان(2) إلى يوم الدين(3) رضي الله عنهم. أليس معاوية وأصحابه مظهرين لكل ولاية عدوك (4) وعدو المسلمين ومظهرين لك عداوة وليك وولي المسلمين، وأنت تزعم انك بمنزلة(5) المسلمين فيمن حاربهم أو عاداهم وخلعت اسما سماك به المؤمنون(6) حتى قتلوا عليه ورضيت بذلك وقررت به على نفسك وحكمت في دينك أولياء عثمان وهم يطلبونك بدمه ولم ترى ذلك حقا واجبا علينا وعليك يوم الجمل. وقد طلبه ألينا طلحة والزبير كما طلبه
__________
(1) بالفعل اقتتل أبناء نفس القبيلة تحت ألوية علي ومعاوية، الأخ ضد الأخ.
(2) التابعين بإحسان من وحي القرآن قارن سور ة التوبة. 101.
(3) ليس هناك ما يبرر إقحام عبارة " يوم الدين" هنا وربما جاءت كما أعتيد النطق بها بعد "بإحسان " ويمكن تفسيرها هنا بالاستمرار حتى النهاية غير أن هذا التفسير لا يلقى دعما لغويا.
(4) من وحي القرآن سورة الممتحنة حيث تقول الآية: " يا أيها الدين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة.." لكن أكثر منها ارتباطا بالقرآن ترتبط هذه الجملة بالوصية التي أوصى بها محمد (صلى الله عليه وسلم) أصحابه خيرا بعلي عند بركة خم: "علي ولي من واليت فكن وليا لمن والى وعدوا لمن عادى" يعتبر الشيعة هذه الوصية بمثابة التعبير عن إرادة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أن يكون علي خليفة له.
(5) المصطلح الوارد هنا هو "منزلة " أنظر مقالتي ص71.
(6) أي أمير المؤمنين " الذي حذف من صحيفة التحكيم انظر أيضا رقم 33 والتعليق. (1/40)
صفحة 41
إلينا معاوية اليوم فأبيت أن تجيبهم إلى ذلك وهم يدعونك. إليه رأيت أنه لا ينبغي لك أجابتهما حتى يقروا بحكم القرآن ولم تر إجابتهما حقا عليك فمن أين لمعاوية حق عليك دونهم وهم يطلبون دم عثمان كما يطلبه معاوية؟ يقولون لك: "بيننا وبينك كتاب الله(1) ورأيت أن قتالهم حقا واجبا عليك وهذا منك حكم بغير من أنزل الله(2) ونفد في أمر الله (3) وقد قال الله تعالى(4) " قاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " وقال: (5)" وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " فلما فعلت ذلك لم يسعنا أن ندخل معك في ذلك ولا أن نجامعك عليه ووجبت علينا مفارقتك والبراءة منك حتى ترجع إلى الأمر الذي كنا عليه نحن وأنت وتستغفر الله وتثوب إليه من خطيئتك هذه".
__________
(1) قارن مقالتي ص 25.
(2) عبارة "حكم بغير ما انزل الله من وحي القرآن: أنظر سورة المائدة الآية 48، 49، قارن نفس الموضع آيات 52،54.
(3) عبارة: تعد في أمر الله التي جاءت في المخطوط أفضل من عبارة نفد في أمر الله أي التدخل في أمر يعود الحكم فيه لله.
(4) القرآن سورة الأنفال أية 40.
(5) يتطلب فهم هذا الحديث تفسيرا: ففي الآية 22 من سورة ال عمران يشار إلى أهل الكتاب النصاري واليهود، بعبارة "الدين أوتوا نصيبا من الكتاب" ولكي يبرز علي قبوله دعوة تحكيم القرآن يحتج بالآية التي عير بها الله الدين يرفضون كتابه إذا دعوا إليه غير أن الحروريين من دهائهم أجابوه: "أنت تنزل نفسك ومن معك منزلة أهل الكتاب وتنزل معاوية منزلة المؤمنين وهذا يعني انك أوجبت على نفسك وعلى أصحابك الضلالة كأصحاب الكتاب وأوجبت لمعاوية وأصحابه الهدى " يضع البلاد ذوري أيضا هذه الآية على لسان علي كحجة له (525-526 ) (1/41)
صفحة 42
[ت] قال لهم علي(1): "إن القوم دعوني إلى كتاب الله والله تعالى يقول: (2) "الم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريقا منهم وهم
معرضون(3) "وإنما احتج عليهم بهذه الآية لأن الاشعت بن قيس احتج عليهم بها يوم صفين(4)".
قال خطيب المسلمين [أي الخوارج]: "يا علي، إنما أنزلت هذه الآية في كفرة أهل الكتاب، تولوا عما في كتاب الله وأعرضوا عنه إذ يدعون إليه فعيرهم الله بذلك. فإن كنت يا علي أنزلت نفسك ومن معك منزلة(5) أهل الكتاب حين تولوا عن كتاب الله وأنزلت معاوية ومن معه بمنزلة المؤمنين حين دعوا إلى كتاب الله فقد أوجبت على نفسك وعلى أصحابك الضلالة وأوجبت لمعاوية وأصحابه الهدى".
__________
(1) القرآن سورة ال عمران آية 22.
(2) نفس الآية جاءت على لسان عائشة في خطاب لها حسب الطبري 3319 = كيت 36، / 39)
(3) يقول النص "احتجوا عليهم غير أن عليهم لا يمكن فهمها" بمعنى "ضدهم" لأنها لن تسفر لنا عن أي معنى.
(4) أي حين كان يروج الحديث عن التحكيم غير أنني لم أجد أي رواية وضعت فيها هذه الآية علي لسان الأشعت.
(5) الحديث هنا أيضا عن منزلة " أنظر مقالتي ص 71. (1/42)
صفحة 43
[ث] لما سمع علي مخاصمتهم أقبل على قوم كانوا ممن والى أمر معاوية بصفين [أي دافعوا عن التحكيم] فاستنقدهم الله بإخوانهم من المسلمين بعدما قدموا الكوفة فقال لهم علي: "ألستم تعلمون أن القوم دعونا إلى كتاب الله فأتيتموني فقلتم لا نقاتل قوما دعونا إلى كتاب الله فقلت لكم إن هذا من القوم خديعة فقمتم في رحالكم(1) فقلت لكم دعوني ابعث رجلا منى لا تعقد علي عقدة(2) إلا حلها، فقلتم لا فأتيتموني بابي موسى الأشعري وقلت لكم كيف تثقون(3) هذا الرجل وعهدنا عهدكم به بالأمس وهو يقول: "احذروا الفتنة الصما البكما التي القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي فاكسروا قسيكم واقطعوا أوتاركم يا معشر المسلمين"(4).
[نقص]
[ج] لما سمعوا ذلك منه وما أعطاهم من نفسه كبروا بأجمعهم وكبر الناس بتكبيرهم واتصل التكبير إلى الكوفة حتى انتهى إلى المسجد الأعظم فكبر أهله بتكبيرهم"(5)
__________
(1) جاء عند الطبري، أيضا 3391 أنه لما استمر الاشتر في القتال رغما عن أوامر علي هدد الدين كانوا يدافعون على التحكيم بالرحيل (اعتزلناك).
(2) قارن أعلاه ص 11.
(3) في النص تتقون" عوض" تثقون"
(4) أنظر أعلاه ص 9.
(5) أنظر مقالتي ص 42- رقم 1. (1/43)
صفحة 44
[ح](1) ثم نظر القوم في أمرهم فقالوا: "أما علي فقد خرجت بيعته من أعناقنا للذي من حدثه(2) [للذي أحدثه] فانظروا رجلا تولوه أمركم " فلما سمع علي ذلك من قولهم قال: "أناشدكم الله يا معشر المسلمين أن تسلموني إلى أحد"(3)
تعليق:
تتم الإشارة إلى الحوار بين علي وخوارج حروراء عند الطبري أيضا (3352 = كيت 37، / 172-173) غير أنه ليست هناك عناصر توحد بين هذا الحوار والذي جاء به البرادي سوى معاتبة علي للحروريين على عدم الإصغاء إليه حين حذرهم من أن رفع المصاحف كان خديعة، وهذا العتاب في الحقيقة كان بإمكانه أن يوجهه للذين أصروا على التحكيم فقط (كما هو الحال عند البرادي حيث جاء هذا الجزء من الخطاب عند نهاية الحوار لما بدا على علي افتقاره للحجج".
__________
(1) الرواية التالية ليست فقط غير واضحة جدا ولكنها في غير مكانها إطلاقا. أنا اعتبرها ألحاقا وربما يمكن ربطها بتلك الفقرات من وقعة صفين" (6210 (358)) وبنصوص أخرى (مثال، الطبري 3330) حيث الحديث عن تهديد علي بتسليمه لعدوه، غير أن هذا حدث في الوقت الذي كان فيه أشياع علي يلحون عليه بقوة لقبول الحكومة وليس بحروراء.
(2) غير واضح في النص " الذي من حدث"
(3) يقول النص أناشدكم الله يا معشر المسلمين أن تسلموني إلى احد . (1/44)
صفحة 45
من بين هذه الروايتين تعتبر رواية البرادي أكثر أهمية لأنها تحتوي على تأنيب الحروريين لعلي (هذا التأنيب الذي اختزله الطبري إلى أقصى حد إذ يسأل علي: "ماذا نقمتم مني ؟" فيجيبه أولئك: "ما اقررته في صفين" وهو شيء جد قليل بالنسبة لحوار كانت هذه هي نقطته الأساسية) إضافة إلى هذا تحتوي رواية البرادي على محاولة علي الاستشهاد بآية قرآنية كحكم إلاهي ألهمه قراره والعكس تغيب عن حوار البرادي الحجتين اللتين جاء بهما علي لتبرير موقفه وهما واردتان عند الطبري: أولاهما أنه اشترط أن يكون قضاء الحكمين مبنيا على القرآن وإلا فهو غير ملزم به (يبدو أن هذه الحجة ابتدعت بعد أن حدث الذي حدث من طرف أشياع علي) وثانيهما انه لم يحكم الرجال ولكن القرآن، غير أن القرآن لا ينطق وينطق به الرجال (هذه حجة لا يمكن اعتمادها من منظور الفكر الخارجي لأنها تدخل ضمن التفكير السفسطائي).
وختاما وبينما تعكس رواية البرادي الحوار الذي قد يكون دار فعلا بين علي والخوارج فإن عصارة هذا الحوار التي جاء بها الطبري مصطنعة أو تعكس جزءا من هذا الحوار فقط .
تجدر الإشارة أيضا إلى أنه جاء عند الطبري مؤاخدة الخوارج عليا على المهلة التي أعطاها للحكمين قصد البث في الأمر غير أن ما ألت إليه الأمور يستبعدان يكون موضوع النقاش هو طول المهلة وليس شرعية أو عدم شرعية التحكيم.
هناك إشارة عند مبرد أيضا إلى الحوار بين علي والحروريين غير أن حجج هؤلاء تم تجاهلها، عند الدنوري هناك خلط بين الحوار الذي دار في حروراء وأخر قد يكون دار بين علي والخوارج قبل معركة النهروان.
نفس الملاحظة تسري على عبد القاهر البغدادي، الفرق، حيث يتم تأجيل الحوار إلى ما قبل معركة النهروان. (1/45)
صفحة 46
[18 وعود علي ودخول الحروريين إلى الكوفة]: حدثه(1)عبد الله بن يزيد الفزاري عن عبد السلام بن عبد القدوس(2) قال: قال لهم علي: "على أشد ما أخد الله على النبيين من عهد وميثاق أن انقض ما وليت الأشعري ولا ابعث إلى دومة الجندل أحدا من الناس ولا أسير إليها وأن أقاتل معاوية لكم علي بذلك يد الله [ إن نقضت هذا الوعد]
قال عبد السلام: "فأعطاهم من العهد والميثاق ما لو أعطاه الطير اطمأنت وسكنت" فقالوا [ أي الخوارج]: " ما نبالي أن نقبل هذه منك فإن تك صادقا ووفيت فهو المراد وإن تك مبطلا ونقضت وغدرت كانت حجة بعد حجة [للتخلي عنك] .
ثم انصرفوا من حروراء إلى الكوفة مع علي فقال لهم: "[[(3) نسمن الكراع ونسير إلى عدونا]] أن شئتم [نسير] على شاطئ الفرات(4) أو سرت أنا على شاطئه"(5).
__________
(1) من حدثه؟ مؤلف كتاب النهروان؟ في موضع أخر يتحدث الشخص الذي بلغه عبد الله بن يزيد الفزاري ما علمه بصيغة المتكلم ـ أنا ـ أقارن مقالتي ص 15.
(2) من الرواة القدماء اعتبر ابن هجر حديثه ضعيفا (تهذيب، VI، رقم 19).
(3) أنظر بخصوص جملة مثل هذه وردت عند الطبري والبلادوري إلى مقالتي ص 43.
(4) ورد في النص حرف العطف "أو" وأني لا أجد له معنا ربما هناك حذف وربما يجب قراءة "أو" ب: و التي تأتي عند البرادي أحيانا بدل "ف" في الجملة الافتراضية .
(5) أظن أن المعنى هنا هو " سنسير مباشرة للقاء السوريين. (1/46)
صفحة 47
قام(1) علي خطيبا فقال: "أيها الناس إن نظرنا في أمر الحكمين فوجدناه ضلالا وأنا برئنا إلى الله منهما وممن رضي بأمرهما". ثم قال في أخر خطبته: "زللت زلة فلست اعتذر فسوف أكيس بعدها وأشمر واجمع الأمر الشتيت المستمر"(2) ولم يزل يقولوها في أخر كل خطبة.
[19 الضغوط من أجل تفعيل الحكومة] [أ] فلما بلغ الأشعت بن قيس ما فعل علي وما تحدث الناس به من توبته دخل عليه فقال: "ما صنعت؟ ما بالكوفة أمة على ظهرها هاجرة إلا وهي تحدث بأنك تبث إلى القوم(3). أما والله ليوشكن أن يقتلوك كما قتلوا ابن عفان فإنهم استتابوه في عام وقتلوه من قابل(4) وما تنكر من الحكومة؟ أتخاف أن يعدل(5) الناس بينك وبين معاوية؟ فو الله لانت أكرم منه حسبا وأعظم شرفا وأقدم هجرة(6) واسبق إيمانا"(7).
__________
(1) ربما تملأ الفقرة الآتية الفراغ الذي جاء في ص 33 لا استطيع أن أصدق أن الأمر يتعلق بخطابات ألقاها علي أمام العموم بالكوفة وإلا ما ذهب إليه الأشعت بعد ليحدثه عما يقال في المدينة عن توبته.
(2) وردت كلمة المستمر" في النص ولا أفهم ما يقصد بها، ورد بيت شعر عند الطبري بكلمات لها نفس المعنى لكن قائله. أي علي ـ جاء به في مناسبة مختلفة. قارن أيضا نفس الموضع 3080.
(3) جاء ذكر حوار الأشعت مع علي أيضا عند مبرد وفي " العقد" (1/260) (=كيت، 38، 135) .
(4) هنا إشارة إلى الضغوط التي تعرض لها عثمان من معارضيه قصد الدفع به ليتوب عما أحدثه .
(5) في النص "يعدل" لترجمتها ب: "يمكن أن لا تكون عادلة" يجب تقديم "الا" عليها عوض "أن"
(6) ترجمت أقدم هجرة "ب" كنت من بين أوائل المهاجرين" وإن كان في النص عنصر مقارنة مع معاوية لأنه لا يمكن الحديث عن الهجرة بخصوص معاوية ما دام أنه اعتنق الإسلام في السنة التي دخل فيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) مكة وليس قبل.
(7) كان هناك إذن فريق من أتباع علي يريد احترام المعاهدة (قارن كيت 38، 28، رقم 1) (1/47)
صفحة 48
[ب] لما بلغ معاوية خبر علي ورجوعه عن الأمر الذي كان بينهما بصفين كتب إلى الأشعت بت قيس(1) وإلى وجوه أهل العراق يعدهم ويمنيهم ويقول: " يا معشر أهل العراق إنه لا يضركم أي أمير قريشي غلب فقد علمتم انه لم يعطكم الحق من نفسه فليس هو بأكرم عليكم من عثمان بن عفان".
لما وصل كتابه إلى إشراف أهل العراق نهضوا إلى علي نهضة رجل واحد فقالوا له: "أنت تريد أن نكفر باجمعنا في غداة واحدة ؟ فأخبرنا عنك حين رضيت حكومة الحكمين ما كنت ؟" فإن كنت كافرا برئنا منك بالكفر ولم نشهد على أنفسنا بالكفر".
[ ت] قيل لما بلغ معاوية تلكؤ علي ورجوعه عن التحكيم بعث إلى العراق عبد الله بن مسعود القراري(2) فأتى العراق فقال: " يا أهل العراق أنسيتم أن لقيتمونا بصفين فلما مسكم حر السيف أتيتم الحكومة. أعطيتمونا عهدكم ومواثيقكم بالوفاء فلما رجعتم اضطجعتم ولامستم النساء وشربتم ألبان البخت وأكلتم الفئ فجبنتم أما والله إن السيوف التي لا لقيناكم بها يوم صفين لفي أعناقنا قد صقلت!".
[ث] عن أبي وائل شقيق بن سلمة(3) قال: "أتى عليا الأشعت وكان جبانا فقال: " نقضت عهدك وكفرت بربك وفتحت عليك بابا لا يغلق عنك إلى يوم القيامة وإن أكثر الناس وجوههم معك وان كره التحكيم شرذمة قليلة فأوف بعهدك فإنه لاشك في تأميرك فإن أبوا عليك كفيناك شأنهم".
__________
(1) ربما علم علي بمكائد معاوية ولذلك اتهم فيما بعد الأشعت بالخيانة (ماس، 4064 = كيت 38، 483).
(2) أسماء رسل معاوية إلى علي في هذه الفترة تختلف في مصدر اخر (انظر مقالتي، ص 49). وقد بعثوا رسميا لحث علي على الوفاء لكن عبد الله بن مسعود الفزاري هذا الذي أجهل عنه كل شيء ربما كانت مهمته كمحرض سرية.
(3) انظر أعلاه ص 8 رقم 7. (1/48)
صفحة 49
[20 تصريحات علي برغبته في تفعيل الحكومة وردود فعل معارضيه] [أ] لما سمع ذلك علي من قوله صعد المنبر وخطب الناس وقال(1) "يا أيها الناس إنا نظرنا في أمر الحكمين فوجدناه هدى وصوابا فمن أنكر علينا ذلك فليبدلنا صفحته" ونادى مناديه بذلك وقال: "لا وتين(2) برجل ينكر علينا أمر الحكومة أو يطعن علينا في ذلك إلا عاقبناه(3)"
لما سمع(4) ذلك أهل العراق تواثبوا من نواحي المسجد ومن تحت المنبر وقالوا: " لا حكم إلا لله ولو كره الصادون!"(5).
[ب] [[ (6)قال علي: "الله أكبر(7) أن سكتوا غمصناهم(8) وان خرجوا(9) قاتلناهم".
__________
(1) نفس تصريحات علي وردت عند مبرد، 558 وفي "عقد" 1، 250، (= كيت، 38، /135).
(2) قسم قراني مشهور ( قرآن سورة التين أية1)
(3) يجب مقارنة هذه الفقرة برواية أوردها الطبري (3363 = كيت 38، 945) وهي ذات طابع علوي بالفعل أصبحت فيها تهديدات علي للخوارج مجرد مؤاخذة وتأنيب على موقفهم.
(4) في الحقيقة لم يحتج إلا فريق من الحاضرين.
(5) في النص: الصادون (صد في القرآن لها معنى لازم أي " الابتعاد عن الطريق المستقيم" ومعنى فعل متعد وهو إبعاد الآخرين" ربنا "صادون" كقاسطون" حلت مكان مشركون، أنظر مقالتي ص 70.
(6) ترد الرواية الآتية عند الطبري (336115 – 33624 = كيت، 38، /91) وعند البلادوري (525 = كيت، نفس الموضع، 115 ) بنفس الجمل.
(7) الجملة هنا عند الطبري هي كلمة حق يراد بها باطل.
(8) جاء في نص البرادي عمصناهم" وهي كلمة لا معنى لها، في نص الطبري "عممناهم" عند البلاذوري وابن الأثير (3. 280) غممناهم" أفضل تصحيح عمصناهم بغمصناهم كما هو الحال في المخطوط .
(9) في نص البرادي تنقص كلمة "علينا" التي جاءت في نص الطبري وتأتي هذه الجملة عند هذا الأخير مستهلة بشرطية تدل على فرضية ثالثة: إن نطقوا حججناهم". (1/49)
صفحة 50
قام زيد بن عاصم البخاري [يقرأ المحاربي] (1) وقال: "الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه(2)، اللهم إنا نعود بك أن ندخل في دينك فتعطى الدنية فإن الذليل(3) يعطى ما سئل مع إعطاء الدنية في الدين أدهان في أمر الله وذل(4) راجع بأهله إلى سخط الله. يا علي" بالقتال تخوفنا ؟ وبالموت تعرفنا ؟ أما والله إني لأرجو أن أضربكم بها عما قليل ثم لتعلم أينا أولى بها صليا"(5). ثم خرج من المسجد وأربعة(6) أخوة له وهو يقول :"لا حكم إلا لله ولو كره الصادون"(7)فأصيبوا مع المسلمين(8) بالنهروان وأصيب أحدهم بالنخيلة]].
__________
(1) أحد الخوارج، اسمه زيد ابن عاصم البخاري أو النجاري وهو غير معروف يفيدنا الطبري هنا باسم أخر: يزيد ابن عاصم المحاربي وهو رجل مشهور بين الحروريين (أنظر أعلاه ص 21 ملحوظة 10) ويمكن تفسير هذا التغيير في الاسم بليوغرافيا. احتجاج المحاربي، لكن في ظروف مغايرة، وارد عند البلادوري، 527.
(2) جاء عند الطبري غير مودع أي "لا يجب التخلي عنه" قراء "مودع" من وحي القرآن سورة الزخرف أية 3 لكن العبارة الموالية تدفعني إلى تفضيل الفعل المبني للمجهول.
(3) جاء في النص "الدليل" وقرأها الذليل.
(4) جاء في النص: "دل" أقراها: " ذل " تباعا للطبري والمخطوط.
(5) القرآن سورة مريم آية 71.
(6) عند الطبري: ثلاثة أخوة وهو رابعهم.
(7) المصطلح المستعمل هنا هو " قاسطون" عوض "مشركون" أنظر مقالتين ص 70)
(8) قتل يزيد بن عاصم المحاربي فعلا في النهروان حسب الطبري أيضا (كيت، 38، / 375) (1/50)
صفحة 51
[21 الخطوات الأولى على درب تفعيل الحكومة] ثم أجمع علي على السير إلى أبي موسى وعمرو(1) فأمر بجمل له أن يشد الساعة فبينما الجمل يشد عليه إذ مال فمات فتطير علي من سببه ثم أقام وبعث إلى أبي موسى أربعمائة عليهم شريح بن هاني الحارثي(2) فكان في شرطهما [ في صفين، أي شرط بين علي ومعاوية] أن يوافي كل واحد منهما [الحكمين] في أربعمائة. فإن أقام(3) أحدهما [أي علي، ومعاوية] بعث رجل مكانه.
[22 ضغوط المعارضين قصد الحيلولة دون تفعيل الحكومة] أ لما بلغ المسلمين [الخوارج] توجيهه إلى أبي موسى [الحراسة] مشى إليه نفر منهم فقالوا :"يا علي أين العهد الذي أعطيتنا ألا تبعث إلى أبي موسى الأشعري ولا تفي لهم بقضية"
قال لهم: "شككتمونا فأهلكتمونا".
قال له هلا الاعور(4): " اما نحن فنطلب بقتالك لله وأما انت فيمن تطلب بقتالنا؟. .
__________
(1) طريقة التعبير هنا جد بسيطة، حرفيا، تعني الجملة أن الاثنين اجتمعا في مكان وبقيا ينتظران وصول الحراسة لاستئناف السير، هذا التفسير غير وارد في أي مصدر، والمقصود هنا بالقول عكس ذلك هو أن علي قبل الذهاب إلى مكان اجتماع الحكمين.
(2) شخص مشهور قائد عسكر علي (شرطة علي)، أحد قادات الجيوش في صفين، قتل وعمره جاوز المائة سنة 75 أو 78 هـ (أو بتاريخ أخر) في سجستان، أنظر كيت كرونوكرافيا إسلامية روما، 1912ـ 1923، ص 901، أنظر أيضا مقالتي ص 52، 84، 86، رقم 7.
(3) عوض "قام" أقرأ "أقام" في الحقيقة لا يرد بند مثل هذا في صحيفة الحكومة.
(4) مقاتل مشهور، هو هلال ابن علفة أخ المستورد، من الخوارج، ثار بعد النهروان فهزم وقتل (سجل الوفيات. كيت، 38، 5303) ربما يتعلق الأمر بنفس الشخص أي هلال المذكور هنا . (1/51)
صفحة 52
[ب] بلغني أنه دخل(1) عليه حرقوص بن زهير السعدي(2) وذرعة(3) الطائي(4) فيما حدثني عبد الله بن يزيد (5) فقال له [الأول]: "يا علي تب عن خطيئتك ومن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا وعدوك" .
قال له علي: "قد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وشرطا فيه شرطا(6) وأخذوا(7) عهودنا ومواثيقنا وقد قال الله عز وجل: "(8) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا".
قال حرقوص: "إن ذلك ذنبا ينبغي لك أن تتوب منه" فقال [أي علي]: "ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي وضعف من العقل"(9).
قال له ذرعة الطائي: "يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لا قاتلنك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه".
قال له علي: بؤسا لك كأنك قتيل تسعى عليك الريح(10)" فقال "وددت أن قد كان ذلك فخرجا(11) من عنده وهما يحكمان.
__________
(1) جاءت الرواية الآتية عند الطبري أيضا بعدة جمل مماثلة (336010 – 33619 = كيت، 38 90، إضافة إلى هذا قارن البلادوري عند كيت نفس الموضع 114 و 115)
(2) حول هذه الشخصية أنظر أعلاه ص 20 رقم 2.
(3) عند الطبري والبلاذوري: زرعة بن برج الطائي.
(4) حسب ما جاء به البلادوري فإن زيد ابن حصن التحق بهاذين الشخصين .
(5) هو نفسه عبد الله بن يزيد الفزاري الذي سبق وأن قلنا عنه أنه سلطة كتاب النهروان.
(6) بخصوص الشروط التي فرضها علي انظر التعليق 10 أعلاه ص 16، قارن أيضا الدنوري 221 = كيت 38، ص 128.
(7) عند الطبري: أعطينا
(8) القرآن، سورة النحلـ آية 93.
(9) عند الطبري الفعل، عند البرادي " العقل" عند البلاذوري (527) يضاف الذي اقترفتموه وانا غير راض " وهو شيء يتماشي مع حقيقة الأمر.
(10) عوض "بسيفي" اقرا "تسعى" تبعا للطبري حيث الجملة تقول: بؤسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسعى عليك الريح.
(11) جاءت الجملة بصيغة جمع المتكلم في النص لكن الصحيح هو خرجا كما جاء في المخطوط . (1/52)
صفحة 53
[23 اجتماعات وخطابات الخوارج واختيار قائد لهم] أ حدثني عبد الله بن يزيد الفزاري [[(1) أن عليا لما بعث إلى أبي موسى لا نفاد الحكومة تراجع المسلمون [الخوارج](2) بعضهم إلى بعض فاجتمعوا فكان اجتماعهم يومئذ في منزل عبد الله بن وهب الراسبي قال: فحمد الله ابن وهب وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فو الله لا ينبغي لقوم يؤمنون بالله الرحمن وينتصبون(3) إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا في الركون إليها والإيثار لها اثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق فإنه من وطن نفسه أن يؤدي أو يضر في الدنيا فإن ثوابه على الله يوم القيامة فأخرجوا بنا إخواننا من القرية الظالم أهلها(4) إلى جنب هذه السواد(5) والمدائن منكرين(6) لهذه البدع المضلة والأهواء المزلة والأحكام الجائرة تجدوا غب ذلك عند الله غدا والقوة بالله واستغفره لي ولكم".
__________
(1) الرواية الآتية ورادة عند الطبري أيضا وبعدة جمل مماثلة 336314 – 336517 = كيت، 38، 96) قارن الدنوري (215 – 218= كيت، نفس الموضع،/144) حيث نجد جملا مماثلة هنا وهناك
(2) عند الطبري: "الخوارج".
(3) جاء في مخطوط الطبري " يثبون فصححها الناسخ ب: " ينيبون"، ربما من الأفضل الإبقاء على يثبون" التي جاء مرادفها " بنتصبون عند البرادي.
(4) القرآن سورة النساء، آية 77، جاءت هذه الآية على لسان شريح ابن عوف لما خرج للحاق بالخوارج بالنهروان (البلاذوري = كيت، 38، 117)، ولابد أن تكون هذه الآية بمثابة حكم عند الخوارج المتشددين. وبالفعل فالازارقة كانوا يعتبرون من الواجب الخروج من البلد الذي يحكمه غيرهم.
(5) لا يجب اعتبار "السواد" هنا كمرادف للعراق ولكن كمقاطعة حول مدينة الكوفة. فقد كان هناك بالفعل سواد الكوفة وسواد البصرة إلى أخره.
(6) أقرأ "بهذا" عوض "لهذا" بدل تصحيح "هذا" ب"هذه". (1/53)
صفحة 54
[ب] قام حرقوص بن زهير السعدي صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحمد الله و[أثنى عليه وصلى على النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم قال: "إن المتاع [في] هذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها إلى المقام بها ولا تلهينكم(1) عن طلب الحق وأنكار الظلم فإن الله مع الدين اتقوا والدين هم محسنون(2)".
[ت] قام حمزة بن سنان (3) وقال:
" الرأي ما رأيتم والحق ما قلتم، وقد اجبنا إلى الذي دعوتم إليه فولوا أمركم رجلا منكم فإنه لابد لكم من مسند وعماد ومن راية [[ تجمعون بها وترجعون إليها"]]
__________
(1) في النص "تلهيكم" أقرأ: تلهينكم عطفا على تدعونكم" السابقة "وتلفتنكم" ثم إضافة نقطة نون في المخطوط وإن كانت هذه غير موجودة.
(2) القرآن، سورة النحل، آية 128.
(3) أنظر بخصوص ص 21، ملحوظة 5. (1/54)
صفحة 55
بعثوا إلى زيد بن حصن الطائي(1) وقد كان عمر بن الخطاب أمره على إقامة كل حد في قومه أن يقيمه دون السلطان بالكوفة(2) وكان من أفاضلهم وخيارهم [[(3) فعرضوها عليه(4) فأبا وقبل ذلك عرضوها على حرقوص فأبا وعرضوها عليه ثانية فأبا، فعرضوها على (شريح بن اوفا العبسي) المسيب بن ضمرة(5) فأبا، ثم عرضوها على الأسدي(6) فأبا، فعرضوها على شريح بن اوفا العبسي(7) فأبا فعرضوها على عبد الله بن وهب بعدما تباخلوا وتقاذفوها فقال:
__________
(1) فيما يخص هذه الشخصية أنظر أعلاه ص 21 ملحوظة6.
(2) خبر هام إن كان نابعا من الحقيقة وذلك لأن هذا الأجرا، سيشكل سابقة في الفصل بين مهام القاضي ومهام الوالي.
(3) هنا يعود التماثل بين النص ورواية الطبري المشار إليها أعلاه.
(4) في الواقع جاء عند البرادي عرضوها "وها" هنا تحيل على "إقامة كل حد" لكن المعنى لا يقبل هذه الإحالة.
(5) لقد سبق وأن رأينا هذا الاسم بين أفاضل حروراء، أنظر ص 22 وملحوظة 4.
(6) أضيف: حمزة بن سنان" للأسدي كما جاء عند الطبري كان نسب حمزة بن سنان من الأسد
(7) جاء في بعض النصوص: ابن أبي اوف أما عند البرادي فهو دائما ابن اوفا يجب تفادي الخلط بينه وبين شريح ابن هاني. كان زاهدا (الدنوري، 223 = كيت، 38، 130) وربما متطرفا. ساهم في أحداث المدينة وكان حاضرا في اجتماع دار قبل معركة الجمل حيكت فيه خطة لجر الأطراف إلى الحرب (الطبري، 3163 و 3165 = كيت 36، ص 104-و105) بقي بعد صفين إلى جانب علي (لا يرد اسمه ضمن لائحة خوارج حروراء التي جاء بها البرادي) ؛ أعلن فيما بعد توبته (الطبري 3381 = كيت، 38، ص 94) وكان من بين أولئك الدين جاءوا علي ليطلبوا منه نقض المعاهدة (البلادوري، كيت، 38،ص 114) لابد أنه كان من بين أفاضل الخوارج لكي تعرض عليه قيادتهم. قاد في النهروان الجناح الأيسر للخوارج (الطبري، 3380 والدنوري 223 = كيت، 38، ص 93 و 130) مات في تلك المعركة (سجل الوفيات، كيت، 38،/، 370). (1/55)
صفحة 56
"هاتوها فو الله ما أخذتها رغبة في الدنيا ولا ادعها فرقا من الموت"(1). عندئذ بايعوا عبد الله بن وهب ذا الثفنات(2)]].
[ت] حدثني عبد الله بن يزيد الفزاري عن جابر بن زيد(3) رضي الله عنه قال: "خطب عبد الله بن وهب الراسبي فقال: "الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الدين كفروا بربهم يعدلون(4) ثم قال بعد هذا الكلام بكلام: "ثم إن عليا وأصحابه قد حكموا في دين الله عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص بعد قول عمار هل من رائح إلى الجنة قبل تحكيم الحكمين وبعد قول عبد الله بن بديل بن ورقا،(5) ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون(6) ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين"(7). افترقوا [المجتمعون] من ذلك المجلس.
__________
(1) جاء عن البلاذوري أيضا (كيت، 38، 114) اجتماع الخوارج في الكوفة ورفض أفاضلهم للقيادة وقبول عبد الله بن وهب بها وبنفس الجملة التي جاءت عند البرادي، عند الدنوري (216) نجد فرارا. عوض فراق ؛ عند الطبري (33656) فرقا.
(2) جاءت كلمة الثفنات بالفتحة على الفاء عند البرادي (أما عند الطبري فجاءت بالكسرة وكلاهما صحيحتين) بالنسبة للمعنى انظر مقالتي ص 59 وملحوظة3.
(3) أنظر مقالتي ص 14-15 بخصوص هذا العالم الاباضي كان له وزن في القضاء والحديث (أنظر ابن هجر تهذيب،2، رقم 61، الذي أنجز له سيرة طويلة يظهر منها أن انتماءه إلى الطائفة الإباضية أمر شكوك فيه، وذلك لأنه نفى بنفسه هذا الانتماء انظر أيضا الذهبي، تذكرة ،1، 68..
(4) القرآن، سورة الأنعام آية1.
(5) أنظر أعلاه ص 27، ملحوظة 1 و4.
(6) القرآن، سورة المائدة آية55.
(7) القرآن، سورة الأنعام آية 62. (1/56)
صفحة 57
[ج] [[ (1)واجتمعوا[ فيما بعد](2) في مجلس شريح بن اوفا السلمي(3) وهو ممن بايع [الرسول ص] تحت الشجرة، فحمد الله وأثنى عليه عبد الله بن وهب ثم قال(4): "أما بعد فإن هؤلاء القوم قد خرجوا لإمضاء حكمهم، حكم الضلالة والجور فاشخصوا بنا رحمكم الله إلى بلدة نتواعد(5) فيها الاجتماع من مكاننا هذا، فإنكم أصبحتم بنعمة ربكم(6) وأنكم أهل الحق من بين أهل الأرض إذ قلتم وصبرتم للعدل" ثم سكت بعد كلام طويل.
[ح] [بعدها] تكلم شريح بن اوفا فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم قال(7): [["أخرجوا بنا إلى المدائن فنقيم بها فنبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا"
قال زيد بن حصن: "أنكم(8) خرجتم جماعة تبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفيين وسيروا حتى ترتفعوا عن المدائن وتنزلوا جسر النهروان"(9).
أجابوه: "هذا الرأي فاجتمعوا على ذلك.
__________
(1) يطابق نص الطبري نص البرادي المذكور أعلاه بشكل تام (=كيت، 38 ،96).
(2) علم البلاذوري (=كيت، 38،، 116) والدنوري (217 – كيت نفس الموضع،، 114) أيضا باجتماع الخوارج في مجلس شريح وببعثهم رسالة إلى خوارج البصرة.
(3) نسب شريح عند البرادي نفسه: عبسي، السلمي عند الطبري هو نسب عبد الله ابن شجرة .
(4) قارن أيضا مختصر البلادوري عند كيت، 38، ،116.
(5) جاء في النص "نتواعد "ووجب تصحيحها ب: "نتواعد" أو ب: "تتواعدون".
(6) الباء [ب] هنا غريبة ربما سقطت عنها كلمة "أخوانا"، والجملة بإضافة إخوانا ستكون تذكير بالقرآن: "أصبحتم بنعمة ربكم اخوانا". (سورة ال عمرانـ آية 98.)
(7) إضافة إلى الدنوري (217 كيت،38، 144) ترد هذه الاقتراحات عند البلادوري أيضا (كيت، 38، /116) .
(8) لابد أنه تم حذف "إن" هنا (إنكم إن خرجتم...)
(9) هنا تنتهي أوجه التماثل مع الطبري الذي يقدم مؤجزا للرسالة الآتية وتبدأ أوجه التماثل مع الدنوري (217 = كيت، 38، 144). (1/57)
صفحة 58
[24 تبادل الكتائب مع رفاق البصرة] أ فكتبوا [[ إلى أصحابهم في البصرة]:
"باسم الله الرحمان الرحيم من عبد الله بن وهب وزيد بن حصن وشريح بن اوفا وحرقوص "بن زهير ومن قبلهم(1) من المسلمين إلى من بلغه كتابنا هذا من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم".
"فأنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو الذي أحب(2)عباده إليه أمرهم بتقواه(3)وأعلمهم "بكتابه وأصبرهم عند حكم القرآن وان أهل دعوتنا(4) قد حكموا الرجال بعد حكم الله [عز وجل في كتابه ورضوا حكم القاسطين(5)على عباد الله](6) .
__________
(1) من قبلهم، قارن الدنوري 219.
(2) يجب مراجعة ترجمة كيتاني: أحب إليه تعني " المحبوب لديه".
(3) يجب قراءة الكلمة الأولى ف أمرهم بتقوى الله ب أمرهم.
(4) تمت ترجمة أهل دعوتنا" عند كيتاني ب "أهل ديننا" لكن الأمر يتعلق بجملة جاءت على لسان احد الخوارج ونحن الآن نعلم بأنه بالنسبة للخوارج ليس هناك مسلمون غيرهم، لهذا فضلت ترجمة توضح عمق هذه العبارة: قوم كنحن دعوا إلى الإسلام ([لكنهم اليوم في ضلالة] ترد هذه العبارة مرتين عند الدنوري، ص 216 و 217..
(5) حذف الدنوري هنا الفقرة التي توضح موقف الخوارج واستبدلها بأخرى تجيب لأطروحة علي: قضى الحكمان بغير القرآن والسنة، لكن الخوارج لم يكن يهمهم الحكم في شيء لأنه في نظرهم لا داعي هناك حتى للحديث عن التحكيم.
(6) القاسطون (القرآن، سورة الجن آية 14-15) استعملت كنقيض للمسلمين والمسلمون كنقيض للدين هم في ضلالة. (1/58)
صفحة 59
"(1)فخالفناهم ونابذناهم وبليناهم، نريد بذلك الوسيلة إلى الله ليرضى وقد أتينا جسر "النهروان، نريد إعلامكم بذلك لتأخذوا من ذلك حظكم من الأجر والفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد بعثنا إليكم هذا الكتاب مع امن مسلم ذوى رأي وأمانة(2) فاسألوه عما أحببتم علمه واكتبوا إلينا برأيكم والسلام عليكم ورحمة الله"
بعثوا عبد الله بن سعيد العبسي(3) ودفعوا إليه الكتاب وقالوا له: "امض حتى تقدم على إخواننا في البصرة، اخرج إليهم من دور بني عبس"(4).
خرج حتى أتى البصرة فدفع إليهم الكتاب(5).
[ب] فكتبوا [فأجابهم هؤلاء ]
"باسم الله الرحمان الرحيم أما بعد فقد بلغنا كتابكم وفهمنا ما فيه فهنيئا لكم "الراي الذي جمعكم الله عليه من إنكار القوم والجور وإخلاص العمل والحكم لله. فالله "يجمع شملكم على الحق والهدى فإن عامل الله لا يغيب وقد اجتمع رأي إخوانكم على "المسير إليكم عاجلا فارشد الله أمركم وجعل إلى رحمته وجنته مروركم ومردكم والسلام عليكم ورحمة الله".
قدم [مبعوثهم] بالكتاب وقد خرج جل أصحابه إلى النهر فتبعهم حتى أصيب معهم هنالك.
__________
(1) جاء في النص "بليناهم" وكان الفعل ينتهي بألف مقصورة "ي" ونفس الشيء في فقرة أخرى (النص ص163).
(2) يقول النص: ذوي (أقرأ ذي) بعثنا إليكم... مسلم ذوي (دى) رأي وأمانه .
(3) كان المبعوث إلى أهل البصرة هو عبد الله ابن سعد العبسي حسب الدنوري (218 = كيت، 38، S،145) وحسب البلادوري أيضا كان عبسيا.
(4) لابد أن بني عبس كانوا أقوى قبائل البصرة، وقد اختير مبعوث أهل الكوفة منهم حتى يحظى بحمايتهم في حالة الخطر وهذا هو المغزى من أمره بالخروج من دور بني عبس.
(5) لا ترد الفقرة الموالية، والتي تحمل إجابة أهل البصرة، عند الدنوري. (1/59)
صفحة 60
[25 المزيد من خطابات الخوارج] [أ]: حدثني عبد الله بن يزيد القراري أنهم حين أرادوا الخروج إلى النهروان اجتمعوا في منزل يزيد بن حصن الطائي ثم إن زيدا حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "[[(1)أما بعد فإن الله اخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. قال الله: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله أن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب"(2) وقال أيضا: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون(3) والفاسقون(4) واشهد على أهل دعوتنا وقبلتنا أن قد اتبعوا الهوى وبدلوا حكم الكتاب وجاروا في القول والأعمال وان جهادهم حق على المؤمنين واقسم بالذي تعنى له الوجوه وتخشع له الأبصار لو لم أجد على قتال القاسطين أحدا مساعدا لقاتلتهم(5) فردا وحيدا حتى ألقى الله فيعلم أني قد أنكرت المنكر بلساني وبيدي".
[ب] بكى عبد الله بن شجرة السلمي(6) وقال:" يا أخوتاه لاتقاروا من عصى الله على المعاصي اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمان الرحيم فان تبعوا أو يطاع(7) الله كما أردتم أتاكم الله ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وان قتلتم فأي شيء أعظم من رضوان الله وجنته(8)؟.
__________
(1) تستأنف هنا أوجه التماثل مع نص الدنوري (216 = كيت، 38، 144)، 123 – 124) جاء الخطاب الأول عند هذا المؤلف على لسان عبد الله ابن وهب.
(2) القرآن، سورة ص أية 25.
(3) القرآن سورة المائدة، أية 51.
(4) جاء في النص كلمة " فاسقون" وهي غير موجودة في الآية .
(5) وجب تصحيح "لقتالهم" الواردة في النص ب"لقاتلتهم" أو إضافة هذا المصطلح إلى النص لأن حذف منه (قارن الدنوري).
(6) بخصوص هذه الشخصية أنظر أعلاه ص 22، ملحوظة3..
(7) جاء في النص "أو" أصححها ب"و"
(8) هنا تنتهي المقارنة بين النص وما جاء به الدنوري. (1/60)
صفحة 61
[26 رحيل الخوارج عن الكوفة] ثم اجتمعوا ليلة أخرى في منزل حرقوص بن زهير وهي ليلة الخميس فقالوا: "متى انتم خارجون؟" فقال عبد الله بن وهب الراسبي: "اخرجوا الليلة القابلة، ليلة الجمعة" فقال حرقوص:" أقيموا ليلة الجمعة(1) فتعبدوا فيها ربكم وأوصوا فيها بوصاياكم واخرجوا ليلة السبت" فاجتمع رأيهم على ذلك.
[27 رحيل الخوارج] أ حدثني عبد الله بن يزيد الفزاري أنه بلغنا أن أوس القرني(2) لما بلغه خروج المسلمين دخل على علي وقال: "لا ترض بما كره القوم " فقال له علي: " انك يماني ضعيف الرأي " خرج من عنده حتى قدم على المسلمين فلم يزل معهم حتى قتل رحمه الله.
[ب] انطلق شريح بن أوفا(3)إلى منزله فدعا بفرسه للخروج (4) فجاء بنو عمه ليحبسوه(5) فانتضا سيفه وقال: والله لئن عارضني منكم عارض لا ضربنه بسيفي هذا".
أجابوه: " إنما أشفقنا عليك وأحببنا بقاءك فإذا أبيت فأنت انظر" فلحق بالقوم.
__________
(1) أي الليلة بين الخميس والجمعة، فاليوم عند المسلمين يبدأ مساء ما يعرف عندنا بالأمس .
(2) صوفي معروف، سلطة في علم الحديث وان كان جموحا في نقله، جاء عن الكتاب الذين تحدثوا عنه ـ وهم عديدون (أنظر سجل الوفيات، كيت، 37، 436، 471) إنه مات في صفين وهو يقاتل إلى جانب علي. غير أنه سواء البرادي (رقم37) أو الشماخي (رقم 18) يعتبرونه منهم ويؤكدون أنه مات في النهروان، إضافة إلى هذا فإن البرادي وضع له سيرة (النص ص153) يذكر فيها أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعث إليه بالسلام مع أبي بكر وعمر، وهذا شرف عظيم له (الخبر بخصوص عمر مؤكد في مصادر أخرى) وقد نقل عنه البرادي جملتين رائعتين حدث بهما هرم بن حيان: "اجعل الموت وسادتك حين تنام وأمامك حين تستيقظ يا هرم " لا تعتبر صغر ذنبك واعتبر كبر من عصيت".
(3) أنظر أعلاه ص 41 ملحوظة 10.
(4) الخروج هنا قد يعني الدخول في الحرب ضد أحدهم.
(5) أنظر البلادوري، كيت 38ـ 177، بالنسبة لمعارضة الأهل على خروج بعضهم. (1/61)
صفحة 62
[ت] ... حدثني عبد الله بن يزيد [الفزاري] أن زيد بن حصن(1) خرج من داره بعد العتمة(2) راكبا على بغله [[ وهو قائد فرسه(3) ويتلو هذه الآية(4): " فخرج منها خائفا يترقب قال ربي نجني من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل"(5)]].
[ث] ثم خرج عنترة بن عبيد فأتاه عمه فقال: "يا ابن أختي اتق الله " فأجابه: " لا أنا منكم ولا انتم مني، لا حكم إلا الله" فاستعان عليه بقومه فقال: "يا ابن أخي ارجع أو أردك" فقال :"إذا والله تقتلني أو أقتلك. لا أضع يدي بأيديكم حتى تقتلني أو اقتل منكم من قدرت على قتله" فقال لهم عمه: "ارجعوا عنه يا بني أخي فو الله ما نحب أن تقتله وإنما اردنا بقاءه" انصرفوا عنه ولحق بالقوم.
__________
(1) تفاصيل الخروج الذي يروى عنه هنا تنسب عند الطبري إلى شريح 3366 = كيت نفس الموضع، ص 81-82- عند البلادوري (كيت، نفسه 117) وعند الدنوري (3218 = كيت، نفسه، 145) كما هو الشأن عند البرادي تنسب إلى زيد ابن حصن.
(2) تطابق الرواية التالية في الشكل أيضا تلك التي أوردها الدنوري (ذكر موضعها)
(3) كان من عادات العرب ركوب الجمل أو البغلة وقيادة الفرس بحبل (قارن على سبيل المثال كيت 36، 93 ).
(4) القرآن سورة الكهف آيات 21-22 وقد جاءت هذه الآيات على لسان نفس الشخص عند الطبري البلادوري والدنوري أيضا.
(5) يستمر الدنوري في الحكيعن التحاق خوارج أخرين بإخوانهم في النهروان (كيت، نفس الموضع، /145) وهي حكايات نجد مثيلاتها عند البلادوري (كيت، نفس الموضوع، 116، و 117) (1/62)
صفحة 63
[28 لقاء الحكمين وما قضيا به] أ التقى الحكمان [فيما بعد] حضر معاوية بنفسه وأرسلوا إلى رهط من قريش فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير وابن الجهم بن حذيفة العدوى والمغيرة بن شعبة الثقفي وعبد الله بن يغوث الزهري وعبد الرحمان بن الحارث(1) وهاشم المخزومي(2) وشعبة الثقفي(3) وقد كان تنحا(4) وينتقل في الأحياء من الشام إلى مكة إلى الطائف إلى المدينة لا يتقلد سيفا فلما حضر الناس التحكيم شهد معهم(5).
__________
(1) واو العطف هنا زائدة ويجب أن يحل مكانها ابن " (عبد الرحمان بن الحارث ابن هشام) .
(2) يذكر الطبري (3354 = كيت 38، 18) نفس الحاضرين وكلهم من شخصيات زمانهم حول الدين حضروا الاجتماعات (بين الحكمين) أنظر مقالتي، ص 88.
(3) في النص واو زائدة أو نقص
(4) اعتزال المغيرة بن شعبة الثقفي الصراع تؤكده مصادر مختلفة كما تؤكد تنقله في الأحياء للإطلاع على أحوالها، أنظر أيضا وقعة صفين، 620 (391، 397)
(5) لا يذكر اسمه من بين الذين شهدوا على الصحيفة كما جاءوا عند الطبري (337) والدنوري (209)، وفي وقعة صفين (580(369 – 371)) (1/63)
صفحة 64
[ب] لما التقى عبد الله بن قيس [= أبو موسى الأشعري] وعمرو بن العاص، كان كلما جلسا بدا عمرو بالجلوس(1) وإذا حضرت الصلاة قدمه فكانا إذا تذاكرا (2) ذكر عمرو بن العاص معاوية وشرفه في قريش وتقدمه في الجاهلية [كان يجيبه أبو موسى] أجابه موسى: "أن هذا [أي اختيار الخليفة] لا يكون بحسب التقدم في الجاهلية وإنما يكون بالسبق والتقديم في الإسلام"
ذكر الناس عبد الله بن عمر(3) فقالوا: "هو أحق بها [الخلافة] وهو ابن عمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) هذه الجملة غريبة. في روايات أخرى يذكر أن عمرو بن العاص كان يبدي احترامه وتقديره لمقام أبي موسى تمهيدا لخدعه (أنظر مقالتي، ص92، ملحوظة2) هل يريد الكاتب هنا أن يؤكد على أن عمر بن العاص كان يتظاهر باحترام أبي موسى وقت الصلاة فقط؟.
(2) كما لاحظت من قبل، كان منطقيا أن يبدأ الحكمين بالحديث عن قتل عثمان ظلما وسقوط الخلافة عن علي ثم الحديث فمن يتولى الخلافة، حول الأسباب التي يمكن أن تكون دفعت الرواة إلى التصرف في ترتيب هذه المواضيع أنظر مقالتي، ص 55، ملحوظة 4، من الممكن هنا أيضا أن يكون حدث تناقح بين مصدرين مختلفين قاطعهما نقل الذي دار بين معاوية وعبد الله بن عمر.
(3) أنظر مقالتي ص 90 و 92 بالنسبة لاقتراح عبد الله ابن عمر للخلافة والذي جاء على لسان أبي موسى. (1/64)
صفحة 65
[29 الحوار بين معاوية وعبد الله ابن عمر](1) بلغ ذلك معاوبة [يظهر نص الرواية ا؟لآتية متدهورا ومبتورا] فأقبل على جمل له حتى وقف عبد الله بن عمر والناس جلوس(2) فقال: "من هؤلاء الذين يزعمون أنهم أحق بالخلافة مني؟".
في كلام تكلم (3) به قال عبد الله بن عمر "ما رغبت في الدنيا قبل ذلك اليوم، فأردت أن أقول أنا أحق بها منك إذ أسلمت أنا طوع نفسي وأبيت أنت وأبوك على الإسلام حتى دخلتموه كرها".
تحدث [عبد الله ابن] عمر فذكر ما كان الناس عليه من الأجر والجهاد فضرب هؤلاء إلى الفتنة بأيديهم وسفك الدماء.
"أما أنى والله لست لمعاوية بحامد ولا لعلي بحامد".
[30 استمرار اجتماع الحكمين] أ قال عمر لأبي موسى: "اخبرني عن عثمان، ما قولك فيه: أقتل مظلوما؟".
أجابه: "نعم.
قال للكاتب: "اكتب ما قال أبو موسى"(4) قال: [الراوي] فكتب، قال: "ما تقول فيمن قتله أيقتل به؟"(5).
__________
(1) يظهر نص الرواية الآتية متدهورا ومبتورا ترد رواية تشبه هذه نوعا ما عند البخاري نشر كريل، 3، 96 (=كيت 38،،37) قارن أيضا الطبري، 3343، (كيت، ت،م 383) أبن سعد 4،1، 134714، ابن الأثير، 3، 2796 18 وتبقى هذه الرواية غير مؤكدة رغما عن كل هذه النصوص المستعان بها.
(2) في النص: حتى وقف عبد الله بن عمر والناس جلوس.
(3) جاءت هنا كلمة: قال "المعتادة في النصوص العربية والتي عوض أن توضح تحدث خلطا: قال عبد الله بن عمر فما رغبت .
(4) أنظر مقالتي ص 53 بالنسبة لمحاضر الاجتماع بين الحكمين.
(5) إقامة الحد التي يشار إليها في العربية ب" به" أي يقتل به. (1/65)
صفحة 66
أجاب: "نعم" قال للكاتب: " اكتب" قال عمر(1) فمن يقتله ؟" قال: "أولياءه" قال عمر(2) "يا أبا موسى الست تعلم أن عليا وأصحابه قتلوا عثمان(3) وآووا قتلته وان معاوية وأصحابه هم الطالبون لدمه ؟ وقال الله تعالى:" ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا(4)" فاقر أبو موسى.
[ب] ثم إن الرجلين اتفق رأيهما على أن يخلع أبو موسى عليا ويخلع عمر(5) معاوية ويجعل الأمر لعبد الله بن عمر ابن الخطاب، وبلغنا أن عمرو بن العاص قال لأبي موسى: "نبايع رجلا له صحبة [مع الرسول (ص)] ولا نسميه وهو عبد الله بن عمر فإنك إن سميته قال قائل: "ولما يجتمع الناس؟".
[ت] قام أبو موسى(6) فحمد الله وأثنى عليه وخلع ثم قال:" إنا قد اجتمعنا أن نوالي أمر هذه الأمة رجلا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع رسول الله أبوه".
__________
(1) جاء في النص عمر عوضا عن عمرو
(2) هنا أيضا جاء عمر، عوض عمرو
(3) بخصوص هذه التهمة الخطيرة في حق علي أنظر مقالتي ص 20 وملحوظة 2،54 وملحوظة6.
(4) القرآن، سورة الإسراء، أية 35، ذكرت الآية أيضا عند الطبري 3355 (=كيت 38، 185)
(5) في النص عمر عوض عمرو.
(6) ها نحن قد بلغنا الإعلان للعموم عن القرارات التي تم اتخاذها (أنظر مقالتي، ص 87) بدأ أبو موسى حديثه بالحمد والثناء كما هو معتاد الخطباء ونفس الشيء فعله عمرو. (1/66)
صفحة 67
قام عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن هذا قد خلع وإنا قد اتفقنا على أن نوالي أمر هذه الأمة معاوية وقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع رسول الله أبوه" قال له أبو موسى:"كذبت أنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث"(1) فقال عمرو: " إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا(2)
__________
(1) المقارنة هنا من وحي القرآن سورة الأعراف آية 175.
(2) من وحي القرآن سورة الجمعة أية 5 حسب العديد من الروايات تم تبادل الشتائم في هذا الترتيب (وقعة صفين. 628 (396) = الطبري، 3359، الدنوري، 214) وحسب اثنتين نقلهما البلادوري والمسعودي (البلادوري في، كيت، 38، 248؛ ماس، IV399) فإن هذا الترتيب معكوس أي أن أبا موسى قارن عمرو بالحمار الذي جاء ذكره في القرآن ويقصد بذلك:" أنت لم تعتبر دينك ولم تحترم المسؤولية الملقاة على عاتقك"، وقارن عمرو أبى موسى بالكلب المذكور في القرآن ويقصد بذلك: "أنت رفضت مسؤولية القرار ورفضت أيضا تفويضها لي" هكذا يفسر البلادوري على الأقل هذه المقارنات(نفس الموضع، قارن لقي ذي لقيدا، ذكر 475)
الثاني مع الإشارة إلى بعض تفاصيل الجلسات المغلقة أي إلى اقتراح تفويض أحد الحكمين لاتخاذ القرار، وبينما يمكن الأخذ بتفسير المقارنة الأولى فإن تفسير الثانية جد مجحف وإذا تم تبادل هذه الشتائم أمام العموم كما يحكى فإنه لا جدوى منه إطلاقا إضافة إلى هذا فإننا إذا عدنا إلى الآية القرآنية حيث المقارنة بالكلب تحيل على وصف الرجل الذي يتشبت بالدنيا المنهمك في شهواته واللاهي عن أوامر ربه. أبو موسى لم يكن كذلك إذا أخذنا بالرواية المتفق عليها عموما بخصوص تبادل الشتائم فإن معنى المقارنتين يجب فهمه في نظري هكذا "أنت يا عمر تشبه الكلب المذكور في القرآن لأنك تهوى الدنيا، وأنت أبا موسى تشبه الحمار الذي يجهل قيمة الأسفار التي يحملها فوق ظهره، فأنت رجل علم لكنك لم تفد طائفتك بمعرفتك" وهذا تفسير بسيط وجد ملائم للفترة الزمنية التي حدث فيها ما حدث (الشتائم تنبعث من نفوس جياشة وليس من عقول متيصرة) عكس الذي جاء به البلادوري، لهذا فإن المؤرخين الذين ينقلون هذه الشتائم في هذا الترتيب (عمرو = كلب، أبو موسى = حمار) لا يكترثون بتبريرها. (1/67)
صفحة 68
ولا يدري ما حمل عليه ثم تلاعنا وتقاذفا فخرج أبو موسى فقال لشريح(1):" الأمر ما أتمر(2) والملك ما أخذ بالسيف أما أنا فلا يراني علي ابد"(3).
ارتحل واحرم إلى مكة(4) ثم خرج [منها] هاربا من علي(5)
تعليق:
لم ترد في هذه الرواية أية إشارة إلى المكان الذي تم فيه الاجتماع بين الحكمين لكن كل التفاصيل الواردة فيها تتناسب مع الذي حدث في الأضرح وليست الإشارة فيها إلى الأشخاص الستة الذين حضروا لوحدهم في دومة الجندل خارجة عن نطاقها (أنظر مقالتي ص 86) لأنه يقال هنا نموذج واضح للجهد المبذول قصد التوفيق بين روايات مختلفة أنهم شاركوا في الاجتماع في حضور قريشيين أحرين، يتخلف هنا، وبشكل كبير الحديث عن خطبة، عمرو كما جاءت في روايات أخرى: فقد يكون عمروا حكم مكيدته بدفع أبا موسى إلى صياغة اقتراح مبهم، كان من المفروض على الحاضرين أن يروا فيه إشارة إلى عبد الله بن عمر، ولكن بشكل يمكن استغلاله لصالح معاوية حينما سيعلن عمرو فيما بعد عن أسمه.
__________
(1) بالنسبة لشريح بن هاني أنظر أعلاه ص 38 ملحوظة 8 الجملة التالية جاءت منسوبة في رواية أخرى (ابن سعد 4، 1، 84 = كيت، 38، 55) إلى أبي موسى غير أنه نطق بها في ظروف مغايرة لهذه. جاءت جملة مثلها عند البلادوري (كيت36، 17).
(2) عند ابن سعد "الإمر" عوض "الأمر" أيضا (أتمر- عند البرادي جاءت مكتوبة ب أو تمر، عند البلادوري عوض ذلك ب: أمر.
(3) جاءت المسعودي أيضا ( 4- 400) وفي "عقد" أن أبا موسى أقسم بأنه لم يعد يود لقاء علي.
(4) أنظر مقالتي ( ص 87 رقم 1 و 93 ملحوظة 3) حول رحلتي أبي موسى المحتملتين إلى مكة.
(5) لا يرد الحديث في مصدر أخر عن هروب أبي موسى من مكة خشية من علي وإنما عن هروبه منها خيفة من معاوية حينما دخلت جيوشه إليها. (1/68)
صفحة 69
[31 الحوار بين معاوية وأبو موسى] انصرف معاوية إلى الشام بعدما وقف على أبي موسى وقال له: "قد علمت أني قد وافيت وان عليا لم يوافي وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اختصم إليه رجلان وتخلف احدهما قضى للذي لم يتخلف".
أجابه أبو موسى: "إنما كان رسول الله يقضى في البعير والشاة وهذا أمر أمة صلى الله عليه وسلم".
قال معاوية: " فما ترا لي؟"
أجابه: "أرالك أن تأمن على من يأتيك من الناس وتتقي الله قال له معاوية " نعما أمرتني به"!.
تعليق:
إذا تم الأخذ بالرواية السالفة في كل تفاصيلها (رحيل معاوية إلى سوريا، إمكانية لقاء أبا موسى في نفس الوقت، الإشارة إلى تخلف علي) فإنه من الصعب تحديد الظرف الزمني الذي قد يكون دار فيه الحوار بين معاوية وحكم الخليفة، ربما في دومة الجندل حيث تخلف علي وتقرر إذا عدم وجوب حضور الخصمين؟.
يلاحظ هنا أن أبا موسى يكتفي بإسداء النصح دون المغالاة وهو الشيء الذي يتماشى مع طبعه وسلوكه في خضم هذا الصراع.
[32 إعلان علي رفضه لما قضى به الحكمان] أ: لما بلغ عليا ما حكم به الحكمان وما مكر(1) بأبي موسى الأشعري صعد المنبر وخلعهما وبرى منهما وقال: "ليس على المسلمين منهما حكم فانفروا إلى عدوكم وجاهدوهم". وأعطى الناس العطاء ثم سار إلى معاوية حتى انتهى إلى الانبار ولكن الأشعت قال له: " أتسير إلى الشام ومعاوية وتترك أهل النهر وراءك؟"(2) أجابه علي "إليهم أريد".
تعليق:
__________
(1) الخدعة التي يشار إليها هنا ليست بالضرورة تلك المعلومة والتي وقع فيها أبو موسى أمام العموم ولكنه في نظر أشياع علي فإنه كان خدعة أيضا استدراج أبا موسى لاعتراف لمعاوية وإعطاءه الحق في مسألة إغتيال عثمان ظلما، كما يلاحظ هنا الحديث عن حكم وليس عن خلع وبالتالي تعيين خليفة أخر والجملة لا يمكن أن تكون حجة ضد فرضية الاجتماعين.
(2) يدفع الأشعت علي نحو الخوارج عند الطبري أيضا (5337 = كيت 38،ص89) (1/69)
صفحة 70
خبر اتخاذ قرار السير إلى الخوارج في الانبار جاء أيضا عند الطبري (3376)، البلادوري (كيت، 38، 101) والمسعودي (4، 411 = كيت، نفس الموضع، 192) تقع هذه المدينة على الفرات شمال غرب الكوفة ويمكن الانطلاق منها سواء في اتجاه سوريا أو في اتجاه خوارج النهروان، وإذا كان لا يذكر عند الطبري والبلاذوري أن عليا انتقل إليها للخروج إلى معاوية فإن ذلك وارد عند المسعودي البرادي والشماخي(رقم 18).
[33 محاولات علي لإقناع الخروج بالعودة إلى صفوفه] (1) [أ] بعث [علي] إليهم [إبنه] الحسن في خيل، فلما جاءهم قالوا له: لم جئتنا يا حسن نذكر الله في دمائنا(2) على ما تقاتلنا على أن (3)سمينا أباك أمير المؤمنين وخلع نفسه وأبينا أن نخلعه ودعوناه أن يمضي إلى قتال عدو الله وعدونا فأبا وشك(4) وثبتنا نحن على ذلك".
انصرف الحسن ولم يقاتلهم حتى انتهى إلى علي. قال الأشعت لهذا: "ناجز القوم فإنهم إن كلموا الناس أفسدوهم عليك".(5)
__________
(1) يشير الشماخي (18) إلى أن الفقرة التالية تم حذفها من كتاب النهروان.
(2) جاء في النص: "في دمائنا = بخصوص دمائنا.
(3) هنا "أن" جاءت مخففة، نفس الشيء عند الشماخي.
(4) يقرأ عند الدنوري، 222، شككت في نفسك. قارن أيضا عبد القاهر البغدادي، فرق 59.
(5) يعتبر كيتاني (38،130 ملحوظة 1) أن نصيحة السير إلى الخوارج تنسب خطأ إلى إتباع علي للتخفيف من أعباء المسؤوليات الواقعة على عاتق هذا الأخير إلا أن مصدرنا وهو بعيد كل البعد عن التحيز لعلي، يوافينا بنفس الخبر. إضافة إلى هذا يمكن الإشارة إلى أنه في مناسبات مختلفة استنصح علي أعوانه فوقع في قبضة كبارهم. (1/70)
صفحة 71
[ب] ثم قدم صعصعة بن صفوان(1) العبسي فأتاهم فخطب عليهم فقالوا له: "يا صعصعة قد أعطيت بضعة تقليها في فيك(2) فنناشدك الله لو كان نحن الذين دعونا إلى تحكيم الحكمين وركنا إلى ذلك وكان علي هو الذي أنكر علينا ذلك أمعنا كان الحق أم مع علي؟" فلم يحاور جوابا فانصرف حتى أتى عليا فأخبره الخبر.
__________
(1) الصحيح هو صوحان" عند الشماخي وقد كان هذا من بين أتباع علي أصيب في معركة الجمل (الطبري3210، 3213 = كيت، 36، 232-236) لم يكن مقتنعا بصواب إبرام معاهدة صفين غير أنه لم يكن مع الخارجين (الطبري، 3341) حسب مبرد (ص 558) كان قد رافق ابن عباس إلى حروراء، كان مشهورا كخطيب ومقرء للقرآن (الذهبي، ذكر،1، ص 72) (الدنوري، 160): ملحوظات أخرى واستشهادات عند كيت، سجل الوفيات ص 678.
(2) جاء عند البرادي "تقليها في فيك بمعنى أظن مضغة طازجة يصعب ابتلاعها وعليك طهيها في فمك وهذا أمر مستحيل عند الشماخي، تقلبها في فيك = لقمة تقلبها في فمك وهما معا تعبير مجازي لـ: حملت أمرا صعبا ومهما كانت الحجج التي جئت بها فإنك لا تقتنع بها . (1/71)
صفحة 72
[ت] بعث إليهم [علي] قيس بن سعيد(1) فلما أتاهم سألهم " أنا شدكم الله يا معشر المسلمين في دمائنا ودمائكم ما الذي تريدون؟".
أجابوا: " قتال معاوية حتى يحكم الله ويعمل بكتاب الله"
قال قيس: "هذا أمير المؤمنين يعمل فيكم (2) بكتاب الله، قالوا: "ومن أمير المؤمنين؟"
__________
(1) هو قيس ابن سعد ابن عبادة الانصاري، شخص معروف في زمانه كان من الانصار الذين كان لهم شأن عظيم ثم خلعه من ولاية مصر التي عين بها سنة 36هـ يبدو لعدم كفاءته، لذلك كان يحمل على علي. تعرض للتهديد من طرف بعض أشياع معاوية فالتحق بعلي، تأسف معاوية لهذا لأنه كان يعتبره رجلا ذا رأي ومكر" (البلادوري، كيت، 36، 379) يعرفه البلاذوري بأنه اليد اليمنى لعلي بقي وفيا لعلي نجده الفعل يقاتل في صفين (الطبري، 3272 = كيت، 36، ص 275) وفيما بعد بين جيوش علي في النهروان (الطبري 3380 = كيت 38، ص 93) يظهر من مصادر أخرى %الطبري، 3372 = كيت، 38، 101) أنه كان مبعوثا علي إلى الخوارج، كان والي ادربيجان لبعض الوقت بعض صفين حسب البلادوري (540) بعد النهروان. كان مقراء جيدا استشهادات أخرى عند كيت سجل الوفيات ص 649.
(2) اعتقد أن قيس كان يريد أن يقول: " سيعتبركم الفريق الخارج عن طاعته وسيقاتلكم" (1/72)
صفحة 73
أجاب: " علي" قالوا: "أوليس خلع نفسه ونبذها وخلعها من عنقه وولاها أبا موسى فخلعه كما يخلع نعليه ؟ فما ترى عليا كيف صنع(1) الله به، ألم يسلبه دينه وسلطانه؟(2) وأنه لم يغضب لربه وإنما غضب لنفسه حين لم يحكم له وحكم لغيره(3)". قال قيس: " وكيف ذلك؟".
قالوا: "أليس قد حكم أبا موسى وعمرو بن العاصي فخلعناه؟ وترك حكم القرآن. قال الله عز وجل(4): "ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟ فابلغه ذلك".
[رحل قيس وبلغ عليا ما قيل له] فقال علي: "أرجع إليهم وأبلغهم أني قد أتيتهم تائبا وقل لهم أني أخاف أن أتيكم تائبا أن تقتلوني كما قتلتم ابن عفان"(5).
[أجابوه] فقالوا له :"وكيف نقتلك(6) إن أتينا تائبا وأنت قتلت عثمان وعن أمرك قتلناه(7)" فرد إليهم علي قيسا ثلاثا فقال: "إني أتيكم تائبا"(8) فخرجوا بذلك واسرحوا خيولهم وكان مكيدة(9) من علي.
تعليق:
__________
(1) بخصوص ترجمة كلمة "صنع" قارن كيت، 38، ص 163، 168.
(2) يقول النص فما ترى عليا كيف صنع الله بن الم يسلبه دينه وسلطانه لكني أقرأ "يسلب" لأن .هذا هو السبيل الوحيد ليدخل المعنى في تناسق مع مفاهيم تم طرحها في أماكن أخرى جاء عند الشماخي (النص ص52) جملة مماثلة لكن الله الذي يسلب عليا دينه لا معنى لها نفس الفعل "سلب" نجده فيما بعد عند البرادي (النص ص 13618) في الجملة التالية" سلبت سلطانك والتي أقرأها ب سلبت سلطانك.
(3) جاء في مصادر أخرى (الطبري، 3369 الدنوري 219 = كيت 38، 96 - 5 و 145) نفس الجواب الشديد اللهجة عن الخوارج لعلي.
(4) القرآن سورة المائدة أية 55.
(5) أي عثمان
(6) المقصود هنا: هو" أي علي، لأن الخوارج لا يتحدثون مباشرة إلى علي ولكن بواسطة شخص أخر.
(7) التهمة عند الشماخي (ص 52) أقل حدة: " يجيب الخوارج "انتم قتلتموه وبأمركم قتل"
(8) عوض هذا جاء عند الشماخي (النص ص 52) أن قيس قال: " سأقوده إليكم تائبا".
(9) تم عند الشماخي حذف الجملة التي تتهم عليا باللجوء إلى الخدعة (1/73)
صفحة 74
1) جاء الحديث عند مؤرخين آخرين عن المحاولات التي أجراها علي قصد التقرب من الخوارج فبل معركة النهروان (الطبري، 3376، 3379 = كيت،38،101 104) أنظر على الخصوص، الطبري 8933 = كيت نفس الموضع، ص، 100 حيث جاء أن: "علي بعث رسله إلى الخوارج يناشدهم ويأمرهم بالعودة إلى صفوفه ولم يتوقف سعي رسله حتى قتل أولئك أحدهم" (قارن ماس، 4 ،411 = كيت، نفس الموضع، ص 113) ربما لم يكن المقتول رسولا وإنما جاسوسا (الدنوري، 220 = كيت، نفس الموضع، ص 127) وقد كان هناك أيضا تبادل الكتائب (بين علي والخوارج) (الدنوري، 219 = كيت، نفس الموضع، 146).
يشكك كيتاني في مصداقية هذه المحاولات ويرى في الروايات التي تتحدث عنها محاولة لتبرير موقف علي والدفاع عن عدالة قضيته. حقيقي أن بعض النصوص تترك الانطباع لذا القارئ بالتصنع غير أن وجود ذكر هذه المحاولات في مصدرنا الاباضي يعيد إلي تلك الروايات قيمتها التاريخية. ويبقى تبادل الكتائب أمرا أبعد من الواقع.
2) حين كان الخوارج يتحاورون مع الحسن ويتهمون عليا بالتخلي عن إمارة المؤمنين بنفسه لم يكونوا يشيرون إلى حذف ذلك اللقب من الصحيفة بقدر ما يشيرون إلى كونه حين حكم أبا موسى وضع مصير خلافته بين يدي هذا الأخير، يقارن هنا بالفعل حوارهم مع قيس ابن سعد ابن عبادة. صحيح أنهم عند اليعقوبي (2،224 = كيت،38، ص 110) عاتبوه على التنحي عن لقب الإمارة في الصحيفة، لكن اليعقوبي الذي يرجح كفة علي هدفه هو أضعاف حجج الخوارج ضد علي. وقد كانت أسباب رفع الخوارج السيوف أهم بكثير من أمر التنحي على اللقب وهو على كل حال يبقى دليلا على شكوك علي من صحة موقفه.
3) إشارة الخوارج خلال حديثهم مع قيس إلى خلع علي يمكن اعتبارها دليلا على أن المشهد الأخير من الحكومة قد استهلك، إلا أنني اعتبر أنه ليس من الضروري الوصول إلى هذا الاستنتاج أتباع على كانوا يعرفون جيدا إن حكم أبي موسى كان يحمل معه خلع الخليفة. (1/74)
صفحة 75
[34 معركة النهروان] بالفعل أقبل علي بجميع من معه فلما رأي غرتهم وقلتهم(1) أشار إلى أمراء خيوله أن احملوا عليهم فأعظمهم (2) ذلك فقالوا: "لسنا بفاعلين حتى تبدأهم أنت" فرمى علي بسهمه فانعطفت(3) عليهم الخيول فنادوا واجتمعوا إلى عبد الله بن وهب ذي الثفنات(4) فتنادوا: اكسروا الجفون فارموا بها" ثم تنادوا: " هل من رائح إلى الجنة؟".(5)
نادوا عليا وقالوا له: "كيف ترا صنع الله فيك؟ الم تول الأشعري أمرك فخلعك وأعطيت من نفسك العهد لنا والميثاق فنقضت وأعطيت معاوية وأصحابه العهد فما وفيت، ووفي معاوية فبويع وتركت فسلبت(6) سلطانك ونقضت بيعتك ".
تعليق:
كم هي مطابقة للواقع وكم هي متناسقة مع الفكر الخارجي تلك التهم الموجهة في مصدرنا هذا إلى علي في تلك اللحظات، عكس تلك التي جاء بها عبد القاهر البغدادي والتي وجهت لعلي قبل المعركة. من المحتمل أن تكون صياغة هذه التهم تمت في وقت لاحق حين كان يبحث في القرآن والسنة النبوية على ما يهون من أخطاء علي.
__________
(1) هذا يؤكد ما كان قد لاحظه كيتاني 538،105 ملحوظة 1، 109 ملحوظة) أي إن علي وجد نفسه أمام نفر من المتشددين يقلون عددا بكثير من جيوشه
(2) جاء في النص " فأعظمهم ذلك، وجاء عند الشماخي: "أعظم ذلك" وهي أقل وضوحا إلا إذا صححت ب ـ "أعظموا ذلك"..
(3) جاء في مصادر أخرى أن الخوارج هم من سبق إلى الهجوم وأن عليا أمر جيوشه بانتظارهم لا لسبب ديني ولكن لأسباب استراتيجية (الطبري، 3384 = كيت، 38، ص 93 ـ 94) وعلى العكس، فالوازع الديني حاضر عند المسعودي، بل أن عليا انتظر حتى رموه بسهامهم عدة مرات قبل الهجوم عليهم (قارن أيضا مبرد، ص 543) تم إعادة توزيع الأدوار...
(4) عند الشماخي (نص، ص 52) ذي التفنات عوض الثفنات بسبب خطأ أو تبعا للهجة محلية.
(5) الطبري، 3381: "الرواح الرواح إلى الجنة".
(6) اقرأ سلبت، قارن أعلاه ص 55 ملحوظة3. (1/75)
صفحة 76
[35 خطابات عبد الله بن وهب] بلغني أن عبد الله بن وهب يومئذ خطب المسلمين فقال: "الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1)ولا إله إلا الله وكذب المشركون وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله " ثم "إنكم ستقاتلون والله يعلم ما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين(2).
__________
(1) القرآن، سورة الأنعام أية 1، بنفس هذه الآية القرآنية قد يكون عبد الله بن وهب افتتح خطبة أخرى (أنظر أعلاه ص 42).
(2) القرآن سورة الزخرف آية 76، قارن أيضا سورة التوبة آية 103، سورة النحل آية 119. (1/76)
صفحة 77
أولا ترون أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام: " اتبع ما يوحى إليك وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين"(1). وإنكم تعلمون أنهم قد حكموا في دين الله الرجال بعد قول الله عز وجل: "ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون(2)" وبعد قول الله تعالى :"قاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله(3) وبعد قوله: " فقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله(4) وبعد قول عمار بن ياسر وعبد الله بن يزيد والطفيل(5) ويزيد(6) وغيرهم من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان(7) رضي الله عنهم. وما من هؤلاء احد إلا وهو أفضل من الحكمين فماذا تنظرون ؟ ثم تنادوا: "هل من رائح إلى الجنة".
بلغنا أن عبد الله بن وهب لما فرغ من خطبته نادى: يا معشر المسلمين جردوا السيوف واكسروا الجفون واحملوا حملة يفتح الله بينكم وبين عدوكم".
تعليق:
__________
(1) القرآن سورة يونس آية 109.
(2) القرآن سورة المائدة آية 109.
(3) القرآن سورة الحجرات آية 109.
(4) القرآن سورة الأنفال آية 40 قارن أيضا سورة التوبة آية 103، سورة النحل آية 119 .
(5) لابد أن هناك خطأ في النص فلم يكن هناك، حسب علمي، أي طفيل بين أموات صفين، ولا يرد هذا الاسم بين أتباع علي الذين عارضوا على التحكيم قبل رفع المصاحف. كان من بين أشياع علي أحدهم باسم ابن الطفيل العامري البكائي، قائد بني قيس من الكوفة، وهو مقاتل مغوار (وقعة صفين 232 ملحوظة4) لكنه لم يلق حتفه في صفين لأنه كان من بين الموقعين على إحدى صحيفتي التحكيم (نفس المصدر 586) في الصحيفة الأخرى جاء اسم الطفيل بن الحارث بن المطلب لكن هذا مات حسب ابن هجر "إصابة" (2 ـ 9138) قبل ذلك ؟ لكن أين الخطأ؟.
(6) يجوز ما قيل في الملحوظة السابقة بالنسبة ليزيد هذا أيضا، هنا ربما حذف الاسم عبد الرحمان ووجب قراءة يزيد ب ـ بديل.
(7) التابعين بإحسان من أذكار القرآن سورة التوبة آية 101. (1/77)
صفحة 78
يبدو لي قول: "إنكم ستقاتلون والله يعلم ما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين" كدليل آخر على أن الخوارج لم يكونوا يرغبون في الحمل على علي" قارن مقالتي ص 62-64.
[36 بعض أحداث المعركة] أ بلغني أن رجلا من أهل النهروان يقال له زيد بن حدام(1) يقاتل يومئذ في المضيق وكانت همدان تجاهد وهو يقول(2).
أضرهم ولا أرى أبا الحسن
ذلك الذي كان إلى الدنيا ركن
كفى بهذا حزنا من الحزن
وبلغني أنه قتل من أصحاب علي نحو من مائة رجل (3)
__________
(1) جاء عند الطبري حدث مثل هذا مرفوق بأبيات شعرية يطابق شطرها الأول تقريبا هذه، غير أن المقاتل فيها هو شريح بن أوفا. جاء عند البلادوري أن المقاتل على المضيق، حسب قول بعضهم كان هو عبد الرحمان بن قيس الحداني، ويمكن أن يكون الناسخ هو من استبدل "حدام" عند البرادي ب" الحداني" و(والاحتمال الأكبر أن تكون القراءة هي "الحداني "لأن هذا نسب قبيلة تقطن البصرة) غير أن الأسماء الشخصية تختلف، وقد زاد الغموض حول هذا الاسم كتابة ثالثة جاء بها الشماخي (رقم 18) حيث يرد أن اسم المقاتل هو: زيد بن حويم.
(2) الوزن الشعري الرجز. يوجد بيت شعري يشبه البيت الأول عند المسعودي، 4، 414 (= كيت،38، ص 114) وأيضا الشطر الأول من البيت الأول والشطر الأول من البيت الثاني (هناك فقط شطر) يردان تقريبا بنفس الصيغة عند الطبري، 3199. قارن أيضا البلادوري 537.
(3) حسب الطبري (3382) لم يقتل الرجل الذي كان يقاتل في المضيق إلا ثلاثة رجال من همدان وتختلف الأخبار بشكل كبير حول عدد القتلى: قارن مقالتي، ص 69. ملحوظة3. (1/78)
صفحة 79
ب بلغني أن عبد الله الراسبي كان يقول(1)
أضربهم (2) ولا أرى عليا
ألبسهم البيض(3) مشرفيا
كفى بهذا حزنا عليا
[ت] لما قتل منهم ابن حدام مائة قال: "علي! أنا لله أفنيت همدان(4)" فشد عليه بعضهم من أخر النهار فضرب رجله فقطعها فجعل يتكى على الرمح وهو يقول "الفحل يحمي شوله معقولا(5).
__________
(1) بحر الرجز، يشبه البيت الأول إلى حد بعيد ذلك الذي جاء به الطبري (3383؛ يرد نفس شطره الثاني عند المسعودي(4،414) لكنه يعتبر استمرار للشطرين الذين قلنا عنهما أنهما يشبهان اللذين جاءا على لسان الرجل الذي يقاتل في المضيق ( قارن أيضا البلادوري 534) على العموم حدث عند البرادي تلاقح الآبيات الشعرية والأشطر التي نقلها المؤلفون على اختلافهم .
(2) أصحح "أضربوهم ب"أضربهم" حسب ما جاء عند الطبري، ويحد التصحيح ما يبرره في قوله " ألبسهم".
(3) أصحح "البيض" بـ "أبيض" تبعا للطبري، لأنه هذا هو السبيل الوحيد للربط بينه وبين المفرد الذي يتبعه "المشرفي، مشرفيا.
(4) الحدث الآتي والقول الذي يحويه "الفحل يحمي...." واردان عند الطبري 3382 (كيت، 106، البلادوري، 536، والدنوري، 224) غير أن الجريح عند هؤلاء هو شريح ابن اوفا.
(5) بالنسبة لهذا المثل أنظر "أمثال" نشر، فرايتاج، 2، 204، جاء خطأ عند البرادي "سول عوض "شول". (1/79)
صفحة 80
[ث] فما زالوا كذلك يقتلون وعلي واقف(1) ومعه رجل من أصحاب يقال له ذو العقيصة،(2) فسمع عليا وهو يقول [للخوارج] :"والله إن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار(3) وأصحاب الجمل يوم الجمل(4) وأصحاب صفين يوم صفين وأصحاب القرآن إذا تلي القرآن".
سأله صاحبه: "ففيم نحن إذا ؟" فلحق بهم(5) وقاتل معهم حتى قتل فلم يزالوا كذلك حتى أصيب أهل النهر رحمهم الله.
__________
(1) المسعودي (4، 414)، مبرد(543) وعبد القاهر البغدادي60، = بالتناوب، كيت 38، 130،137،139) وحدهم يصفون لنا عليا وهو يشارك شخصيا في المعركة. الحدث الأتي يرد أيضا عند الشماخي (النص، ص 53) مع اختلافات قليلة.
(2) العقيصة: حسب القاموس، كان لقب أبو سعد التيمي، أحد التابعين (قارن وقعة صفين، 161، ملحوظة2). هل هذا هو نفس الشخص الذي تحدث عنه البرادي؟ لأن المشار إليه أعلاه يظهر أنه كان قد قتل في صفين (نفس الموضع 309) بالإضافة إلى أن هذا الاسم جاء عند البرادي مسبوقا بـ:"ذو".
(3) أي الذين شاركوا في محاصرة بيت عثمان خلال أحداث المدينة..
(4) أي الذين شاركوا في وقعة الجمل
(5) يضيف الشماخي ه هنا: "ضرب [بسوطه] الفرس و ...." (1/80)
صفحة 81
بلغني أن أصحاب علي هزموا يومئذ مرارا فكثرهم (1) الناس وشد رجل من أصحاب علي على زيد بن حصن الطائي بالرمح حتى طعنه فمشى إليه زيد في الرمح وهو يقول: "يا ال حم"(2) فقال له الرجل: "يا زيد بؤ بالنار" فقال له زيد: "ستعلم أينا أولى بها صليا"(3). فأرسل الرمح من يده وخر صريعا رحمه الله (4) وقال عبد الله بن وهب يومئذ:
هيهات لم نرض بحكم الابتر(5) ... لا حكم الا لله الأكبر
هو السبيل يا خليل فاصبر ... قد غير القوم فلا تغير
وقامرت القوم عمار(6) الميسر ... بدينهم والدين في تهور
[خ] وقال عبد الله بن وهب رضي الله عنه:
أبا الله للذين الا القنا ... ولا السيوف الحداد المرهفات
ولا الجياد بارسانها ... رباطا تعد لها المقرنات
__________
(1) يقول النص فكثر الناس وأنا اقرأ يقال أنهم كانوا في عدد هائل.
(2) في النص يال حم كما هو معروف تقوم مقام يا آل ."حم" أحرف تبدأ بها سبعة سور قرآنية من سورة غافر إلى سورة الاحقاف، لها طابعها المميز: فهي تعود إلى الفترة الزمنية التي كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يواجه معارضه قوية من أهل مكة وكانت تريح المسلمين المعذبين بإعلان قرب نصرهم.
(3) من أذكار القرآن: قارن سورة مريم آية 71، نفس الحدث ينسب إلى زيد بن الحصين (=حصن) عند الطبري، 3382 (=كيت،38 ،106).
(4) ورد الحوار بين الجارح والمجروح أيضا عند الطبري مع اختلاف طفيف.
(5) الابتر أي عمرو بن العاصي، ترد الكلمة في القرآن، سورة الكوثر، أية 3، وهكذا يتم تفسيرها: حين فقد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ابنه القاسم سخر منه العاص، أب عمرو، ونعته بالابتر، أي من لا ذرية له ـ وقد كانت الآية إجابة له: أن شانئك هو الابتر " أو حسب بعض المفسرين " ذلك يخسر كل شيء" نفس اللقب أطلق على ابن العاص، عمرو قارن: تفسير الجلالين، القاهرة 1301 هـ، 2، 174.
(6) عوض قراءة لميسر ونسب اللام إلى عمار أظن أن لام المفعول به قد سقطت بسب الناسخ . (1/81)
صفحة 82
وأن عليا لقا ما لقاكما(1) ... لقى المرد عثمان عند الهتات
مضى ذلك معترما في الهوى ... وهذا اغترام الجموع العتات
[37 التوجع على قتلى الخوارج وتبادل التهم وانسحاب بعض أتباع علي وارتيابه في النصر]
[أ] عن عكرمة(2) مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس(3) قال :حدثني قنبر مولى علي(4) فقال: " لما قتل علي أهل النهر توحدت(5) أنا وإياه إلى النهر ليغتسل فقال فبينما نحن هناك إذ كب(6)علي يبكي طويلا فقلت ما يبكيك أمير المؤمنين فقال: " ويحك يا قنبر تدري من صرعنا هاهنا خيارا هذه الأنة وقراءها".
قال قلت: "يا أمير المؤمنين أي والله فابك"(7). فقال: " ويحك يا قنبر جذعت أنفي وشفيت غيظي"(8) فانكب يبكي طويلا وأظهر الندامة على قتله إياهم(9) وعرف ذلك من حاله.
__________
(1) اقرأ: كما
(2) يعتبر من بين أحد التابعين الأربعة العظام، رائد مدرسة نشرت علوم الحديث والفقه في المقاطعات والضواحي نقل الحديث عن شخصيات مرموقة ونقله عنه رواة مشهورون ي يذكر من بينهم أيضا جابر بن زيد، يعتبره الخوارج أحدا منهم توفي سنة 106 هـ أو أقل من ذلك (ابن هجر، التهذيب، 7ـ رقم475).
(3) يذكر الشماخي أيضا هذه الرواية (النص ص 59) مع بعض الاختلافات تكمن خصوصا في حذف بعض الكلمات التي لا أهمية لها، وهي تنسب أيضا عند الشماخي إلى ابن عباس .
(4) حامل لواء علي الطبري، 3257.
(5) عند الشماخي: تحولت": (أي انتقلت).
(6) عند البرادي :"إذ كب" وعند الشماخي: "انكب".
(7) جاء عند البرادي"فابكي" بينما جاء عند الشماخي "فابكى".
(8) جاء عند البرادي :"غيضي" وعند الشماخي نفسي وهي أقل حدة.
(9) بشار أيضا في كشف الغمة " إلى ندامة علي ( ساشو، تم ذكره، ص 58) (1/82)
صفحة 83
[ب] بلغني أن أصحاب علي حين فرغ من قتل أهل النهر كانوا يطوفون في القتلى ليدفنوهم فيمر الرجل منهم بأخيه فيقول: "هذا أخي فلان" فيأخذ التراب فيجعله على رأسه(1) ويخرج هاربا من عسكر علي.
[ت] بلغنا أنه خرج من عسكره اثنا عشرة ألفا في يوم واحد هاربين فرفع الناس قتلاهم فدفنوهم وهربوا من علي وتفرقوا عنه.
[ث] حدثنا عثمان بن بسطام الضبي(2) أن رجلا أقبل رافعا صوته وهو يقول في عسكر علي" بحديث يسمعه علي من حمل على بغلة شهبا:(3) "يوم قتلنا المشركين..."(4) فقال علي علي بالرجل فقال له: "ويحك إنهم ليسوا بمشركين، من الشرك فروا" قال: "فمنافقون" يا أمير المؤمنين" قال له [علي]: "ويحك إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهم يذكرون الله كثيرا".(5) قال: "فمن الدين ضل سعهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"(6) أجابه "ويحك ذلك أهل التوراة والإنجيل"(7). قال: "ما هم يا أمير المؤمنين" قال:"هم إخواننا بغوا علينا" قال فقام إليه رجل من أصحابه قال: " يا علي ليسوا بمشركين ولا منافقين فعلى ما قتلنا هم؟" فخرج عليه .
تعليق:
__________
(1) هذا أمر لا يجب الإتيان به حسب الأعراف تجاه أموات الأعداد لكن من الواضح أنه ترسخ عند العديد من أتباع علي فكرة انه لا يمكن للخوارج أن يكونوا أعداء.
(2) غير معروف
(3) هناك صدى للحديث الأتي عند الشماخي أيضا غير أنه لا يتجاوز في نصه سطران ونصف السطر (أي نص الشماخي)
(4) إشارة إلى أمر القرآن بقتال المشركين (سورة التوبة آية 35).
(5) من المعلوم أن في القرآن العديد من الآيات التي يقذف فيها المنافقون، في سورة البراءة يوضعون في نفس درجة المشركين.
(6) القرآن سورة الكهف، آية 104.
(7) لا يتعلق الأمر في الحقيقة باليهود والنصارى في الآية للمشار إليها هنا. (1/83)
صفحة 84
لقد سبق وأن سلطت الضوء في موضع أخر على الإحساس في تلك الفترة بضرورة تحديد موقف كل طائفة ثائرة لأنه انطلاقا من هذا يتم تحديد طريقة التعامل معها (قارن مقالتي، ص 71) الرواية السالفة، إلا أن لم تكن مفبركة فيما بعد تعطينا مثالا واضحا لهذه الضرورة وللعواقب التي كان من الممكن أن تترتب على اختلاف في الحكم.
[ج] بلغني أنه قام إليه رجل من أصحابه فقال له(1): " يا علي والله ما بين الطريقين طريق، إن كان أمر الحكمين هدى لقد ظللت بنقضك عهدك وبراءتك منهما وما اهتديت ولا اهتدينا إذا استحللت دماءهما واجتهدت في طلبهما لتقتلهما حتى فر أبو موسى إلى مكة وعمرو إلى الشام،(2) وإن كان أمرهما ضلالا، لقد ظللت بقتلك أهل النهر إذ نهوك عن الضلال واعتديت عدوانا مبينا".
[ح] بلغني أن اويس القرني(3) رضي الله عنه قتل معهم فعرفه رجل من أهل اليمن يسكن المدينة وكان عالما بما قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من وصية النبي (صلى الله عليه وسلم) أياهما إلى أويس القرني بالسلام فقال:" الرجل أنا لله وإنا إليه راجعون"، لما رأه صريعا مقتولا: "يا علي! رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل إليه السلام ونحن نطعنه بالرماح".
__________
(1) هذا التفكير الذي جاء على لسان احد أصحاب علي وارد أيضا عند الشماخي (النص، ص 53) غير أنه جاء موجزا جدا.
(2) حسب اعتقادي يشار هنا إلى الرحيل الأول لأبي موسى إلى مكة بعد اجتماع دومة الجندل (قارن مقالتي، 47، ص 87، ملحوظة1، وقارن ص 79 ملحوظة9) .
(3) أنظر أعلاه ص 46، ملحوظة6 (1/84)
صفحة 85
أجابه: " ليس هذا هو" فقال الرجل "لا والذي لا إله إلا هو أنه لاوس وكأنه ينطق إلى كما أنك يا علي إنسان" فقال له علي: "اسكت والا لقيت ما تكره فسكت الرجل حتى أمسى فخرج هاربا، وبلغني أنه قدم على أصحاب النخيلة(1) فبشرهم فاستبشروا(2) ثم لم يزل معهم حتى قتل.
تعليق:
إذا كانت هذه الرواية تنطوي على الحقيقة، فإننا سندرك لماذا اكتنف الكثير من الغموض وفاة أويس.
__________
(1) اجتمع في هذه البلدة الخوارج الذين لم يلحقوا بإخوانهم في النهروان (البلاذوري = كيت،38،217) وأنضاف إليهم أولئك الذين فروا من المعركة بعد موت علي وبالضبط سنة 41 هـ قضى معاوية على خوارج النخيلة.
(2) جاء الحدث الآتي عند الشماخي أيضا (النص، ص 54) لكن بإيجاز. (1/85)
صفحة 86
[خ] حدثني عبد الله بن يزيد الفزاري أن عليا لما فرغ من قتل أهل النهر قال له عدي بن حاتم الطائي(1): "تركتنا يا علي لا ندري أين نسكع، قتلت من دعا إلى القضية ورضيها وقتلت من أباها ونهى عنها، أما عبد الله بن وهب وأصحابه فكرهوها وأما الحريث بن راشد(2) وأصحابه فرضوها والله ما بين هؤلاء موضع قدم ياسر(3)
__________
(1) من صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنظر الموسوعة الإسلامية، كان معاديا لعثمان (الطبري، 3155 = كيت،36،98) وشارك في الأحداث التي اندلعت ضده. دخل صفوف علي وكان من بين الذين حضروا الاجتماع الذي تم فيه التخطيط لتفجير الصراع بين جيوش علي من جهة وجيوش عائشة وأصحابها من جهة أخرى (الطبري، 3169 = كيت، 36 ص 104) قاتل في معركة الجمل وفيما بعد في صفين (الدنوري، 155+ كيت، نفس الموضع، 114) نجده دائما إلى جنب علي في اهبة للخروج إلى السوريين ثم في النهروان (الطبري 3371 = كيت. 38، ص 86) (الطبري،3384 = كيت. 38، ص 96) خصص البرادي نصف صفحة لسيرته حيث يحكي عنه أنه تقدم إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) بخيط أبيض وأخر أسود لاستسفاره على الآية 183 من سورة البقرة مما أثار غبطة في نفس الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيه نزلت الاية6 من سورة المائدة. مات ما بين 67 هـ و 69 هـ عن سن 120 سنة (أسد،3 ،394؛ ابن هجر، أصابه، 2، رقم 2858) استشهادات أخرى واردة عند كيت سجل الوفيات، ص 789.
(2) قائد قبيلته، كان من أشياع علي لكنه ابتعد عنه حينما رفض هذا ما آلت إليه الحكومة وأعلن ثورته ضده (قارن مقالتي، ص 72 ملحوظة3؛ 73 ملحوظة4؛ 76 ملحوظة 1 و 4) .
(3) جاءت جملة مماثلة لهذه عند الطبري (3166 = كيت، 36، ص 106) "ما سلك أصحاب محمد قط طريقا دون أن يعلموا اين يضعوا قدامهم" (عند دوزي Dozy ملحق، قدم ) يبدو لي أن جملة من هذا القبيل تم تفسيرها خطأ والواجب فهمه من العبارة هنا هو شبر أرض والمعنى واضح، أي أنه ليس هناك أي رأي يذكر مخالف لذلك الذي يتشبث به هؤلاء وأولئك ولا حتى سند صغير كذلك الذي يكفي لوضع قدم يسرى. (1/86)
صفحة 87
إن كان إنكارها حقا من الله قد ظلمت عبد الله وأصحابه وإن كان باطلا لقد ظلمت الحريت وأصحابه" فقال علي:" يا عدي انك اعرابي تتوظأ ببولك" فقال والله ما أتوضأ ببولي ولقد صحبت محمدا صلى الله عليه وسلم ولكنا تركتنا لا ندري أين نسكع".
[د] حدثني عبد الله بن يزيد عن عوانة(1) قال: "كان الحريث بن راشد رجلا من بني ناجية من أصحاب علي، فلما حكم الحكمان فحكما بخلع علي اتى الحريث عليا فقال: "انكما حكمتما [أنت ومعاوية] هذين الرجلين وحكما بخلعك واختلفا في معاوية فأنت ليس لك من الأمر شيء".
ثم خرج فأتى الاسياف: أسياف بحر فارس،(2) يدعو إلى خلع علي فتابعه الناس على ذلك بعث إليهم [أي علي] معقل بن قيس الرياحي(3) وأصحابه فقاتلهم فقتلهم.
[ذ](4) بلغنا عن جابر بن زيد(5) أن عليا لما راى الناس وما نزل بهم من الندامة(6) وقيل له: قتلت قوما ثم صرت تعذرهم وتمدحهم وتزين أمرهم لتخلعن أو لتقتلن".
__________
(1) راوي مشهور Yaqut’s, Dict of learnedmen, ed Margoliouth. London 1923-1931, 6, pp. 93-95.
(2) جاء عند البلاذوري أيضا (555. 1. 5) "أسياف فارس".
(3) من مشاهير أشياع علي. أتى عليا معسكره على رأس فرقة وبقي له وفيا (الطبري، 8174 والبلاذوري= كيت،36، 124،127، الطبري 3371 = كيت، 38،ص 86) حسب مصادر أخرى كان هو من قضى على الحريث وإتباعه من في ناجية (الطبري، 3428،40،3535؛ اليعقوبي 2، 228 إلى أخره قارن مقالتي. ص 76 ملحوظة1،.
(4) جاء الحدث الأتي عند الشماخي أيضا وقد ساقه من كتاب النهروان استعمل رواية هذا لتصحيح نص البرادي لما لحقه من ضرر.
(5) الاباضي المشهور بخصوصه، أنظر مقالتي ص 14 ملحوظة4.
(6) تنقص هنا الجملة الرئيسية كما جاء عند الشماخي: أن عليا لما أظهر الندامة للناس قيل له..." (1/87)
صفحة 88
[ر](1) لما أصبح قال لهم [علي]: "ابتغوا في القتلى شيطانا"(2) وجدوا رجلا من المسلمين [الخوارج] كان قد(3) الفحل تندوته(4) فقال لهم [علي] :"هذا هو" قال له ابنه الحسن: "أليس هذا نافع مولى ترملة صاحب رسول (صلى الله عليه وسلم) ؟"
فعلا كان الرجل نافع له صحبة مع رسول الله وجاهد(5)، فقال [أي علي]: "اسكت يا بني فإن الحرب خدعة"(6).
تعليق:
لا يمكن فهم الحدث الأتي دون الاستعانة بروايات أخرى، فقد كان من بين الخوارج رجل يلقب بذي الثدية بسبب ورم كان على عضده: "لحمة تشبه ثدي امرأة لها حلمة وعليها شعيرات سوداء" (الطبري، 3383 =كيت، 38، 107).
__________
(1) ورد نفس الحدث عند الشماخي النص، ص 55.
(2) جاء عند الشماخي" رجل" لأنه بالطبع وجد غريبا الإشارة بالشيطان إلى أخ في الدين.
(3) أقرأ كان قد "الفحل" بالرغم من أني لم أتعرف على أي من أتباع علي بهذا الاسم استبدل الشماخي "قد" ب"قطع" وفي النصوص الأخرى يشار إلى قطع اليد التي فيها شوه.
(4) في النص "تندوته" اقتراح تصحيحها ب" ثديته" قارن التعليق حول هذا الحدث. جاء عند الشماخي "يده" عوض ثديته" في اتفاق مع نصوص أخرى قارن: التعليق أعلاه.
(5) أعلاه ص 22 يظهر أن ترملة وليس نافع هو من صاحب الرسول (صلى الله عليه وسلم) هناك تكرارا في اسم ترملة ربما هو خطا من الناسخ، يضاف عند الشماخي (نص، ص 55) أنه كان رجلا صالحا ومجاهدا.
(6) الجملة هنا عبارة عن حديث أصحح"جدعة" ب "خدعة". (1/88)
صفحة 89
بحث عليه علي بعد المعركة بين القتلى وجاء في الروايات أنه أحيانا يبحث عن ذو الثدية وأحيانا أخرى عن رجل مخدج اليد" إلا أن الأمر يتعلق بنفس الرجل كما تثبت رواية للبلادوري، ذلك (كيت، 38 ،119)، والسبب الكامن وراء بحث علي هذا هو ما تنبأ به الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقد جاء في هذه النبؤة أن قوما سيخرجون عن الإسلام وسيكون دليلهم رجل أخدج، وقد عانى أحدهم اسمه نافع ويلقب بالأخدج كثيرا من هذه النبؤة. لما وجد الاخدج أو ذو الثدية بين قتلى النهروان بعد بحث طويل، أمر علي ببتريده [أو نظر إليها] فحمد الله وقال: "لم أكذب ولم يكذب علي" (الطبري) (3384 و3389 = كيت. 38، 107 و 112 قارن، ماس6،415 =كيت نفس الموضع 130) إضافة إلى هذا فإنه حسب رواية (كيت، 38 ،158) أخرى يظهر هذا الرجل أكثر غموضا حين يتم التحقق من هويته على أساس أنه هو ذو الخويصرة أو ذو الخنيصرة، هذا الذي تنسب إليه الروايات الشعبية كل أشكال الخطايا وتعرفه بالشيطان، هذا العنصر يفسر لنا لماذا جاء عند البرادي أن عليا كان يبحث عن شيطان.
إضافة الفقرات التي تم ذكرها والتي تتعرض للحديث عن ذو الثدية أو الاخدج هناك أخرى عند كيت، 38، 115، 126،129، 139، 140، 152 انظر أيضا ساشو (تم ذكره) حيث الحديث عن شخص اسمه ترملة ذو الثدية بينما ترملة هو سيده (أنظر البرادي، أعلاه، ص 2،2 ملحوظة 9). (1/89)
صفحة 90
[ز] حدثنا عتاب ابن المخالد(1) قال: قال الشعبي(2) إن عليا لما فرغ من قتال أهل النهر ايس أن يستقيم له الأمر فقال لبنيه :" لا تكرهوا بيعة معاوية فو الله لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تبدر من كواهلها كأنها رؤوس الجراد".
تعليق:
هذه رواية إن لم أخطأ مشكوك في صحتها وهي ترمي إلى تبرير تخلي الحسن عن الخلافة. أنظر بالنسبة لجملة مماثلة أشار إليها البلاذوري في حكاية صغيرة (البلاذوري: الخليفة معاوية1. ترجمة بنتووج لقي دلافيدا روما 1938 .143)
[س](3) – قال الشعبي أيضا :" فلما قدم علي الكوفة بعد قتل أهل النهر قال له ابنه الحسن: "يا ابت هل قتلت القوم؟" قال: نعم" قال: "لا يرى قاتلهم الجنة" أجابه علي: " ليت أني أدخلها ولو حبوا".
[ش] قال الشعبي أيضا: فينما علي في الكوفة إذا افتقد تلك الأصوات التي(4) كان يسمعها بالليل كأنها دوي النحل سأل: "ابن أسد الليل ورهبان الليل؟ فأجابوه قتلناهم يوم النهر". قال: "هم قراؤنا ومجتهدونا"(5).
__________
(1) غير معروف.
(2) أظن أن الأمر يتعلق بالراوي المعروف عامر الشعبي الذي يعتبر نابغة بين التابعين (الموسوعة الإسلامية) وكان أستاذا لأبي حنيفة، يذكر له قول مأثور يتعلق بالأحداث التي نعرض لها هنا "أكره من يكره علي وعثمان " وهو قول يبين حياده تجاه الأحداث التي ميزت زمانه (ابن هجر، تهذيب،1، 77) أنظر بخصوصه الموسوعة الإسلامية تحت لفظ. الشعبي.
(3) جاءت الرواية التالية عند الشماخي أيضا (النص ص 54)
(4) في الطبعة الحجرية" الذي ويجب تصحيحها "بالتي".
(5) أي أولئك الذين اجتهدوا انطلاقا من المصادر المتوفرة آنذاك ؟ت الكتاب والسنة ـ في صياغة الأحكام التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي. (1/90)
صفحة 91
[ص] روي عن ابن عباس(1)رضي الله عنه قال للحسن بن علي: "كنتم لأهل بيت في العرب أحق أن تتيهوا كما تاهت بنو إسرائيل فقمتم بكتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وجاهدتم بهما(2) في الله عدوكم وجعلتم حكما على كتاب الله وقد استبان لكم حكم الله في عدوكم ثم عمدتم إلى فقهاء الناس وخيارهم وقد افنوا اللحم والمخ وأجهدوا الجلد والعظم في العبادة لله وبدلوا بعد ذلك أنفسهم وأموالهم لله والله لو كان الحكمان من المسلمين ما حل لكم أن تقتلوا المسلمين إن لم يرضوا برأيهما، فكيف وهم عدوكم وقد قتلوا أولياءكم"(3).
تعليق:
إن كانت هذه الرواية صحيحة فهي جاءت بعد رحيل ابن عباس ليس فقط لأنه يتوجه فيها بالكلام للحسن وهو ما يفترض معه أن عليا قد مات ن ولكن أيضا بسبب الحكم السلبي على سياسة علي. لست على علم إن كان حكم مثل هذا قد ورد في مصدر أخر غير أني لا استغرب أن يكون قد تم حذفه لأنه يتنافى وتصور أجيال المسلمين الدين جاءوا بعد أن يكون ابن عباس قد اعترف بصحة حجج الخوارج.
__________
(1) هناك إشارة عند الشماخي إلا أن الرواية التالية تم نقلها من كتاب النهروان بإسناد: (النص ص54) "حدثني مسعود ابن الحكم الهمداني (هل هو مسعود ابن الحكم ابن الزرقي الانصاري الراوي المعروف؟) ان بن عباس قال للحسن...".
(2) "بها" هنا تعني الضمير هنا يعود على السنة وليس الكتاب والمنطقي هو أن يشير إليهما الضمير معا لذلك أصحح "بها"ب"بهما".
(3) لقد حاولت جاهدة أن أعطي معنى لحديث ابن عباس (الذي جاء تقديمه في ظروف أخرى كرجل يطرح إشكالات ذات عمق ديني مبرد 14، ماس، 5، 188) لكن النص بعيد كل البعد عن الوضوح. (1/91)
صفحة 92
[ض] (1) حدثني مسعود ابن عبد الله بن شداد(2) إنه قدم المدينة فارسلت إليه عائشة أم المؤمنين فقالت له: " يا عبد الله تخبرني أنت على ما أسألك عنه؟ " قال: ".ولم لا أخبرك يا أم المؤمنين؟ " قالت: "أخبرني عن علي لم قتل أصحابه". فحدثها حديث صفين وحروراء حتى انتهى إلى النهر. فقالت :" قد ظلمتم(3) [ظلمهم] إنا لله وإنا إليه راجعون: هل تسمي لي أحدا ممن قتل هنالك ؟" قال:" نعم حرقوص بن زهير السعدي " فقالت: " إنا لله وانا إليه راجعون أشهد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان في منزلي فقال يا عائشة: "أول رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنة " فقلت في نفسي: " أبو بكر عمر فلان فبينما أنا كذلك إذا قيل حرقوص بن زهير وقد توضأ وإن لحيته لتقطر ماء. ثم قال [رسول الله] ذلك في اليوم الثاني فدخل حرقوص ثم قال ذلك في اليوم الثالث فدخل حرقوص " ثم قالت: " هل تسمي لي أحدا غيره، ممن قتل ؟" قال:" زيد بن حصن الطائي" قالت: "إنا لله وإنا إليه راجعون" قالت: "وكيف قتل؟ " قال: " حمل عليه رجل فوجاه(4) فمشى إليه وهو يقول: " يالحم الحديث [تابع مسعود بالحديث الذي ذكرنا](5). فبكت عائشة حتى كادت نفسها تخرج [من صدرها]
[ط] جاء في كتاب سالم الهلالي(6) إن أبا موسى الأشعري سأل عن حرقوص بن زهير فقيل له قتل يوم النهر فقال: " والذي نفسي بيده لو اجتمع أهل المشرق والمغرب على الرمح الذي طعن به حرقوص لدخلوا(7) به النار جميعا".
__________
(1) يخبرنا الشماخي (نص ص 54) ان الرواية التالية أخذت هي أيضا من كتاب النهروان.
(2) غير معروف
(3) أصحح ظلمتم ب ظلمهم كما جاء عند الشماخي.
(4) جاء في النص فوجاه ويفهم منها فجأة.
(5) أنظر أعلاه رقم 34.
(6) أنظر روبنتشي: "كتاب الجواهر" سبق ذكره، ص 104.
(7) جاء عند الشماخي عوض ذلك: فإن على الله أن يدخلهم النار جميعا ؟ افكرة الوجوب على الله لا تروق البرادي " لهذا حذف هذه الكلمات وهو المعروف بانفتاحه؟. (1/92)
صفحة 93
[ 38 إسقاط الحديث النبوي على أبي موسى] [أ] بلغنا أن نبي الله كان يقول(1): " حكمان يبعثان في أهل الصلاة ضالان، يضلان ويضل من اتبعهما "وقال أبو موسى لما ذكر هذا الحديث لأهل البصرة: "فلا تتبعوهما وأن كنت احدهما".
[ب] قال عمار بن ياسر رضي الله عنه لما ذكر له أمر الحكمين وأمر أبي موسى: " أذكرك بالله يا أبا موسى هل سمعت نبي الله يقول: " من كان ذا وجهين وذا لسانين في الدنيا جعل له وجهان ولسانان في النار ؟" قال أبو موسى: " اللهم نعم" فقال عمار: "فإني سمعت نبي الله يقول: " تكون فتنة يكون فيها أبو موسى ذا وجهين وذا لسانين".
تعليق:
هذه الرواية مشكوك في صحتها ويمكن القبول بصحة جزء منها إذا تم حذف الإشارة فيها إلى الحكومة ووضعها في إطار تاريخي يعود بها إلى الفترة التي كان فيها أبو موسى ورغما عن اعترافه لعلي بالخلافة، ينهي الكوفيين عن إتباعه والدخول في الحرب الأهلية.
[ت] بلغنا أن سماعة لما بلغه ما فعل الحكمان تلقاه فقال له: " يا أبا موسى إن كنت كاذبا فعليك الله وإن كنت صادقا فعليك غضب الله ألم أسمعك تقول "حكمان ضالان مضلان يضلان ويضل من اتبعهما؟".
[39 كرونولوجيا معركة النهروان] قد اختلف أصحابنا في أثارهم متى قتل علي أهل النهر وإن في بعض الآثار بعد افتراق الحكمين وبعد خلعهما إياه.
تعليق:
لقد أشرت من قبل إلى أهمية هذه الرواية: أنظر مقالتي ص84.
__________
(1) قارن بالنسبة لهذه الرواية روايات مماثلة لها عند كيتاني، 38، 35، و 36 يبدو أن الحديث ثم نسجه بعد الأحداث. (1/93)
صفحة 94
[40 قتلى النهروان وتحسر علي على الخوارج] قتل من أهل النهر أربعة ألاف، فيهم سبعون من أهل بدر وأربعمائة يقال لهم أهل السواري لا يبرحون من المسجد(1) من شدة اجتهادهم وقد ندم [علي] على قتلهم وجهل يأتي القتلى ويستغفر لهم ويقول: "ما صنعنا قتلنا خيارنا وفقهاءنا".
[41 نقاشات حول الحكم على من شكلوا طرفا في الصراعات الأهلية] اختلف الناس في هذه الفتن الأربعة فتنة الدار وفتنة الجمل وفتنة صفين وفتنة النهروان، فقال بعضهم أنها مسألة اجتهاد المصيب فيها غانم والمخطي سالم(2) وقال بعضهم: كل مجتهد مصيب وهو قول علي بن أبي طالب وقوله في عثمان وأهل الدار وأهل الجمل وصفين والنهروان(3) وقد ترحم على طلحة والزبير بعد نكثهم(4) الصفقة وترحم على عثمان واستغفر لأهل النهر.
وقال أهل الحق [أي الخوارج]:.
__________
(1) حسب الطبري (3381 = كيت، 38، ص 93) بقي منهم 2800 بعد رحيل من رحل عن المعسكر وهكذا أيضا عند مبرد (ص 543 = كيت نفس الموضع 137)، حسب الدنوري (ص 244) كان المقاتلون أقل من 4000.
(2) بالرغم من أن لين. يعطي في قاموسه لسالم معنى: بعيد عن الذنوب وينهي عما يجب النهي عنه، لمن له حظ عظيم، من يسكت [أظن أمام ما يجب النهي عنه] والغانم: "من يحصل على تواب من يقول ما هو حسن ولذلك هو رابح" فإنه من الواضح أن هذه المعاني ليست إلا نتاج تطور مفاهيم دينية أدق منها كما يتضح ذلك من خلال النص سالم: هو من يسلم يوم القيامة من عذاب النار وإن أخطأ بالعمل أو في عقيدته، غانم هو من يستفيد يوم الحساب من عمل له أو معتقد، هناك نقاش مماثل لهذا عند ابن حزم، 4، 106.
(3) فعلا كان يجيب من يسأله قبل معركة الجمل عما سيصير إليه من قتل من أصحابه فيها "من يرجو الله ينجيه" الطبري 3168 = كيت. 36، ص 107).
(4) من المعلوم أن هذين الصحابيين كانا قد بايعا عليا ولم يدخلا في الحرب ضده إلا فيما بعد. (1/94)
صفحة 95
"إنها مسألة ديانية المحق محق والمخطي هالك وليس فيها اجتهاد وقد تولى الله عز وجل النص عليها وقال: "(1)(اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" وقال(2): "قاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله وقال: "(3) افحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" وقال:(4) "افغير الله ابتغي حكما وتولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للبيات لهل وقال: "يتور دخانها تحت قدمي رجل يزعم أنه منا وليس منا الحديث في أمثالها من الأحاديث فأي اجتهاد فيها؟ "
في كتاب الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف(5) رضي الله عنه يقرأ:
__________
(1) قرآن سورة الأنفال آية 25
(2) القرآن سورة الحجرات آية 9
(3) القرآن سورة المائدة آية 55.
(4) القرآن سورة الأنعام آية 114.
(5) أنظر ربنتشي " كتاب الجواهر " سبق ذكره ص 108. (1/95)
صفحة 96
"ندين بتصويب أهل النهر في أفكارهم الحكومة يوم صفين بين علي ومعاوية وذلك انهما الحكمين في أمر الدماء التي تولى الله الحكم فيها فحكما رجلين غير مرضيين ولا مأمونين فما حكما به وجب العمل به على الفريقين فأنكر ذلك علي على ما كان معه من أهل البصائر(1) والفضل والعلم واحتجوا عليه بما كان معهم من الكتاب والسنة وأثار من تقدم قبل ذلك من الأخيار على إنكار الحكومة، وقد كان فضل المنكرين للحكومة مشهور وصلاحهم معروف، منهم عمار بن ياسر وأبناء يزيد الخزاعيان والاشطر النخعي وأمثالهم من البصائر من المهاجرين والأنصار وغيرهم من خيار المسلمين. قالوا لعلي بن أبي طالب: " لا يجوز لك أن تحكم الرجال فيما تولى اله الحكم فيه ولم يرده إلى أحد من خلفه بعد قول الله عز وجل: "(2) قاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله" وقد علمت يا علي أن معاوية ومن تبعه بغاة عليك وعلى المهاجرين وعلى الأنصار فلا يسعك إلا قتلهم حتى يفئوا إلى أمر الله، وعلى ذلك قاتلهم عمار بن ياسر ومن معه من المهاجرين والأنصار وخيار هذه الأمة، فكن يا علي على سبيلهم واتركنا أن نموت عليه أو يظهر الحق على يدينا أو(3) يموت الباطل". أبى عليهم علي إلا التحكيم ففارقوه وفارقهم وبرؤا منه وتبرأ منهم وقاتلهم على حجة الله وأتباع كتاب الله وسنة نبيه وأثار من كان قبلهم من المهاجرين والأنصار وأهل البصائر في الدين رحمهم وغفر لهم ومن علينا بالتمسك بآثارهم والسلوك على منهاجهم".
الإمامة الإباضية في عمان
__________
(1) جاء فيما بعد "أهل البصائر في الدين.
(2) القرآن سورة الحجرات آية 9.
(3) في النص "أو" لكن أقرأ "و" . (1/96)
صفحة 97
في سنة 1913 وعقب اضطرابات أمنية، وهو ما ليس بالنادر في بلاد العرب وخاصة منها عمان، حدث أمر ذو أهمية بالغة : في الجبل الأخضر الذي يحمل نفس اسم جبل سرنيكا. تأسست دويلة عاصمتها نزوا وعل رأسها إمام إباضي(1) وتكمن الحداثة في هذا الأمر في كون هذا النوع من الحكم، باستثاء فترة وجيزة(2)
__________
(1) – جاء في الموسوعة الإيطالية أن اسم هذا الإمام هو عبد الله بن حميد السالمي، لكن هذا غير صحيح، يتحدث ستولمان ( مؤلفه مذكور في ص 34 ملحوظة 2) عن شيخ بذلك الاسم ( في الحقيقة هو يكتب حميد والتي يمكن أن تكون طريقة نطق حميد في اللهجة)، ثار سنة 1913 وعن شيخ آخر سالم ابن راشد (هناك خطأ رشيد) العروصي الذي عين إماما.
وهذا الاسم صحيح لأنه مؤكد عند سلميان الباروني في أخباره عن عمان( الواردة في الشرق المعاصر، 1934، ص392-396). لما مات الإمام المشار إليه أعلاه والذي دفع بجيوشه حتى مسقط وحاصرها، عين خلفا له أبو عبد الله محمد الحليلي الخروصي،الذي دعا الباروني عند نهاية سنة 1926م (الشرق المعاصر، 1926، ص 544) لإعادة تنظيم دولته وشغل هذا المنصب حتى سنة 1934.
- أن يكون والد الشيخ السالمي اسمه حميد ( تصغير لحميد) هو ما تفيده الصفحة الداخلية لكتاب السالمي، نشر القاهرة ( انظر مقالة مرنو-Moreno.في هذا الكتاب.ص 299م.2)
(2) 2 - يخبرنا سلميان الباروني المذكور أعلاه ( الشرق المعاصر : 1934.ص.394) حوالي سبعين سنة ]قمرية [ مضت كان العلماء قد عينوا إماما أحدهم اسمه عزان ابن قيس وهو من نفس عائلة آل بو سعيد الذي تحكم اليوم سلطنة مسقط وقد استطاع عزان هذا أن يسيطر على كل أرجاء عمان وحتى عل عاصمتها مما اضطر معه السلطان الذي كان يعيش فيها إلى اللجوء إلى الهند والتي عاد منها لاسترداد منصبه بعد اغتيال غريمه في المطرح، الميناء التجاري مسقط.
التواريخ التي جاء بها ستولمان ( تم ذكره.ص.178) هي : احتلال عزان ابتن قيس لمسقط : 3 أكتوبر 1868م، هزيمة عزان بن قيس :4 أكتوبر 1870. (1/97)
صفحة 98
، غاب منذ القرن الماضي عن هذا البلد الذي كانت فيه السلطة الاسمية أكثر منها فعلية متمركزة في يد سلطان مسقط.والحقيقة أن الأسر لا يتعلق هما بحادث دون سابقه، ولكن بإعادة، وإن في شكل متواضع(1)، لبناء دولة لها تاريخ طويل لا يخلو من فترات مجد عبر القرون.
لن نقوم في هذا المقال بجرد لأحداث الإمامة القديمة(2) ولكننا نود أن نتوقف فيه عندما هو أساسي فيها لإبراز إلى أي حد يمكن اعتبار هذا الكيان تفعيلا لمقتضيات العقيدة السياسية الإباضية .سنحاول كذلك الرجوع إلى المصادر المحلية المتداخلة والمختلفة فيما بينها و المفعمة بالتفاصيل الغير المجدية لنستخرج مها أهم الأحداث قصد إدماجها في نسيج أحداث تاريخية ذات أبعاد كبرى، وهو الأمر الذي لم يباشره المؤرخون المحليون و لا حتى الباحثون الغربيون أما لأنهم ساورا بإخلاص أعمى(3) على نهج أولئك أو لأنهم لم يحصلوا على المادة الضرورية : وسنستعمل إضافة إلى هذا مصادر لم يتم بعد محاورتها أو بعض تفاصيل تلك التي تمت محاورتها لكن دون فهمها.
__________
(1) 3 –بالفعل لم يشمل هذه الإمامة سواء في الأراضي الجبلية الداخلية ونزوا وسمائل.
(2) 4 – و التي نحيل بخصوصها على المصادر العربية التي سنتحدث عنها بعد قليل وخاصة إلى المقدمة الجيدة لبادجر ( انظر أمامه ص.4 ملحوظة) وتاريخ العرب لهوارت –Huart-2،ص 257-280، مع أخذ بعين الاعتبار ملاحظاتنا ( ص6) حول الأخبار الواردة في هذا الكتاب.
(3) 5 –يلاحظ ساشو Ueber eine Arabische chronik aus Zanzibar in Sachau
Mitth.des sem.fur or.Sprachen, 1988, Westas, Studien, P.P 1-191
أنه سيكون من الصعب رصد تاريخ عمان بصدق انطلاقا من أخبار المؤرخين العرب إلا أنا سنحاول القيام بذلك وإن في شكل محدود. (1/98)
صفحة 99
تطل عمان على المحيط الهندي وتحمي بشبه جزيرتها، رؤوس الجبال المنتهية عند رأس مسندام، الخليج الفارسي ( تحول دون الوصول) الذي كان و لا أكثر من مرة عبر التاريخ منفذا للتجارة العالمية. غرا، سراف، بصرة ابله، صحار جزيرة قيس ( أو قيش أو قش. بالفارسية كيش أو كيس( هرموز، مسقط بمينائها التجاري في المطرح، كلها مدن بلغت في فترات متلاحقة ذروة ازدهارها(1) لأنها أصبحت مراكز لتجارة هائلة ولتوزيع البضائع بين الشرق والغرب وحتى قواعد لتلك الخرجات البحرية الباسلة التي لم يكن معروفا متى يجب نعتها بالقرضة الدنيئة أو بمجازفة أشخاص دافعهم التوسع مع تبرير ذلك أحيانا بأسباب دينية. إذا كانت كرا في القدم هي واحة الحفحوف الحالية الواقعة على القاعد الشمالية من شبه جزيرة القطيف(2)
__________
(1) 1 –ازدهرت غرا في القدم. كان لسراف السيطرة ما بين القرنين 9و10 ميلادية ؛ ازدهرت بصرة أبله حيث كانت الخلافة قوية؛ صحار منذ النصف ا\لأول من القرن 10 حتى النصف الأول من القرن 11 ؛ جزيرة قيس انطلاقا من القرن 11 وخصوصا عند النصف من القرن 12 وما بعد. (انظر الإدريسي و القرويني) بعد انتعاش التجارة في سيراف ( انظر الإدريسي و أبو الفداء) أصبحت هرموز مركزا تجاريا هاما ق(13-15 خاصة في القرن 14-15) حديث نوعا ما تطور مسقط كما سيظهر من خلال هذا المقال أيضا.
(2) 2 –انظر Vom WISSMANN HERMANN ( Arabien und seine Austrahlungen
Eine geographisch-geschitliche skizze-sonderdruck aus lebensram mragen europâischer Volker II. Europas Koliniale Erganzungsraume .Leipzig.1941,pp. 374 .388 ).
ص .140 ملحوظة 77 بالنسبة للاختلافات حول تحقيق اسم مينائه ( القاطف أو العقير ). (1/99)
صفحة 100
، إذن بجهة الأحساء، وإذا كان من الواجب البحث على مدينة سيراف وجزيرة قيس وهرموز المشهورة(1) و ليس فقط بل أيضا بندر عباس و بوشير قرب أو على الضفة الفارسية من الخليج الفارسي، فإن صحار والمطرح مسقط توجد بالعكس على الضفة العمانية منه. هناك مراكز أقل شهرة من هذه لكنها جد حاضرة في تاريخ هذه المنطقة ومنها : نروا بهلا. الرستق وكلها تقع في الداخل.
ما هي من بين هذه المدن تلك التي كانت مقرا للإمامة؟ نردف على هذا السؤال سؤالا آخرا : هل كانت أهم فترات ازدهار عمان توافق الفترات التي بلغت فيها الإمامة ذروة قوتها؟
مصادر تاريخ عمان :
__________
(1) 3 – هرموز المدينة التي أثارت إعجاب كل مسافري العصور الوسطى بغنائها حين بلغت أوج ازدهارها كانت تقع قرب بندر العباس الحالية ( كمون سابقا ) ثم انتقلت بسبب الخطر التركي الماغولي إلى جزيرة كانت توجد أمامها ( حارون أو جرون). (1/100)
صفحة 101
باستثناء تاريخها الحديث فإننا لا نتوفر إلا على مصادر قليلة تهم تاريخ عمان.فأهم المؤرخين العرب لا يتحدثون عن هذا البلد إلا من فينة لأخرى لأنه لا يستقطب باهتمامهم إلا إذا تعلقت أحداثه بأحداث الخلافة أو بأحداث الدول الكبرى التي نشأت في محيطه. وقد أكد لنا فحص كتب بعض المؤرخين أمثال الطبري، ابن الأثير المسعودي و آخرون ما جاء به باحثون سباقون ( بادجر، ساشو ) من رأي في هذا الصدد وإن لم تكن آراؤهم مبنية على بحوث معمقة. وليس مأمولا-اعتقد ذلك- وجود أخبار عن أباضيي هذه المنطقة في كتب إخوانهم من شمال افريقيا رغم غزارة مؤلفاتهم عكس العمانيين. فقد أقنعتني نظرة في سير الشماخي وأخبار أبو زكرياء بعدم جدوى البحث في هذا المضمار وعمقت عندي هذه القناعة ملحوظة لسليمان الباروني عن كتاب لأبيه وهو عبارة عن مزيج بين التأريخ والدفاع عن الإباضية كتب لاتباع ذوي ثقافة متواضعة(1) وقد ذكر الباروني الأب في هذا الكتاب أسماء بعض أئمة عمان كما يتذكرها فحاول الابن تحقيقها بتواريخ وأسماء لا تطابق دائما -ما جاء في مصادرنا- وخلص إلى أنه يستعصي الإدلاء بمعلومات إضافية بسبب قلة أو انعدام المصادر التي تهتم بهذا الموضوع في المغرب(2).
__________
(1) 1 – الباروني النافوسي ( عبد الله بن يحيى( " رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين " القاهرة /، مطبعة \ النجاح، 132ه.80، ص 55.
(2) 4 – تم ذكره .ص30. ملحوظة 1. (1/101)
صفحة 102
من جهة أخرى لا يمكننا أن نعول كثيرا على المصادر المحلية، إذ يؤكد بروكلمان (1) أن عمان بقي في شبه معزل عن ثقافة العالم الإسلامي ولم يبلغنا من نتاجات ثقافته المحلية- وهي كانت فعلا موجودة إلا القليل، وإنه يمكنه وانطلاقا من القرن 11هـ فقط أن يرشدنا إلى بعض الكتاب وعناوين كتبهم غير أن الأمر يتعلق بمخطوطات لا يمكننا وضع اليد عليها الآن ولا يهتم بالتاريخ(2) إلا أربعة أو خمسة منها.
ويظل أساسيا في رصد الأحداث العمانية بانتظام كتابين عربيين فقط لم يعرفا بعد طريقهما إلا الطبع؛ إلا أننا نتوفر منهما على ترجمة بالإنجليزية : أحدهما هو الإخبار ذات الطابع المحلي المحض التي كتبها ابن زريق من مسقط حوالي 1850م والتي ترجمها وحللها وعلق عنها بادجر(3)
__________
(1) 1 –408.II.Geschichte der Ar. Literateur.
(2) 2 –انظر بروكلمان وأيضا Narchtrage al supp.p.1297.
(3) 3 – هو سليل ابن رزيق: تاريخ أئمة وأسياد عمان من 661 إلى 1865م: ترجمه وعلق عليه بادجر، لندن 1871 : 8 ص. (10)435. هناك خلط عند بروكلمان بخصوص هذا الكاتب بسبب التكرار الوارد في مختلف المخطوطات وبسبب عمليات التصحيح المتتالية .عنوان الكتاب هو " الفتح المبين في سيرة السادات "آل البوسعيديين" بالرغم أنني لست على يقين بالنسبة لاسم الكاتب كما ينتابني من حيرة بين حميد ، حميد ( انظر ملحوظة مورينو السالفة الذكر) فإ نني أرجح أن يكون هو : حميد ابن محمد ابن رزيق، ويجب اعتبار "سليل اسما دالا على سلالته ساشو الذي وضع اليد على مخطوط لهذا الكتاب يقول بأن سليل ( الكاتب) كان له أخ يساعده اسمه حميد على عكس ذلك ينسب بادجر الكتاب دون أدنى شك إلى سليل بن رزيق ويقول بأن بعض الإضافات كتبت بيد محمد بن رزيق، أخ الكاتب حسب اعتقاده. أنا أظن أن الاسم الكامل على هذا الأساس هو حميدا ابن محمد و يمكن تحديد اسم الأب في محمد.
كان بادجر من بين أعضاء الهيئة التي قدمت تقريرا اللورد كانن-Lord Canning- نائب ملك بريطانيا على الهند، لما استدعي للحكم بين سيد ثويني الذي تولي عرش عمان و"ماجد" الذي كان يطالب بزنجبار وجزر قريبة منها وبعض المستوطنات العربية على القارة وقد أبان التعليق الذي جاء به على ترجمته عن حنكة حقيقية جد عالية وسابقة لزمانه. (1/102)
صفحة 103
( Badger) والآخر عنوانه كشف الغمة(1) وهو أطول نفسا، حرره شيخ من إزكي (2) ليس بالكثير بعد 1728م. بقي هذا الكتاب في نسخته الأصلية إلا أنه لا يمكن الاستفادة منه للخوض في تاريخ عمان من خلال الترجمة التي أنجزها لجزء منه السياسي الإنجليزي روس (3)
__________
(1) 4 – يعطي بروكلمان العنوان كاملا معتمدا في ذلك على ساشو ( تم ذكره) " كشف الغمة الجامع لإخبار الأمة. كما يأتي باسم الكاتب : " سرحان ابن سعيد البعلوي" معتمدا في ذلك على روس ROSS الذي ترجم ( كما سنذكر ذلك ) الجزء الخاص بعمان من الكتاب في مراسلة للشركة الآسيوية : (An Account of the tenets of the Ibadhi sect of oman in Proceedings of the AS.S ofBengal.2-11)بعض صفحاته يظهر من المراسلة أن الكاتب من قبيلة بنو علي وأن الكتاب تم فحصه كلية من طرف ساشو مقالة تم ذكرها ومن طرف البحث نفسه فيما بعد، وتم إيجاز الجزء الخاص منه بالعقيدة الإباضية في المقالة Ueber die religionsen Anschaunungen der ibadatischen Muhammedaner in Oman un ostafrika, in Mitth des fur or.spr 1899. westas.pp.47-82 ظهر مؤخرا لهدويج كلينHedwig Klein عن الفصل 33 الذي ينطوي على تاريخ عمان منذ الفتح الإسلامي حتى حوالي 300هـ ( قارن بروكلمان –Nachtrage al supp-ص1297 لم أوفق في الاطلاع على هذا النص.
(2) 5 – نسب الكتاب إلى سرحان ابن سعيد ابن سرحان : من أزكي (عند العامة زكي) من طرف روس تم باقتراح عالم من نزوة غير أن المخطوطات لا تشير إلى ذلك.
(3) 6 –" حوليات عمان منذ القدم حتى سنة 1728" من مخطوط عربي للشيخ سرحان بن سعيد بن سرحان بن محمد من قبيلة بنو علي العمانية ترجمة وتعليق روس في جريدة الشركة الآسيوية للبنغال. مجلد .ص 111-196.
ظل هذا العمل منسيا حتى سنوات مضت ولايظهر بين استشهادات بروكلمان. إلا في ملحق كتابه (1/103)
صفحة 104
Ten-Colonnells E.R.Ross أشار ابن رزيق مرات إلى كشف الغمة ومرات عديدة قام على طريقة الكتاب العرب باستنساخ سطور وصفحات منه دون ذكره وبكل احتمال حتى دون الإشارة إلى حيث يبدأ وينتهي النص المنقول. وقد خلص روس إلى أنه يجب اعتبار الكشف النص الأكثر مصداقية وتلاحما بالنسبة لتاريخ عمان، غير أن روس لم يقم بدراسة مقارنة للكتابين قصد تأكيد تصريحاته ( وهو أمر كان سهلا عليه وممتنعا علينا لأنه كان قد وضع نصب أعينه أحد المخطوطين على الأقل)؛ ولم يأخذ بعين الاعتباران ابن رزيق كلن إباضيا متحمسا قد يسكت تارة على بعض الأحداث أو يغير منها كما جاءت في الكشف قصد تبرير سلوك الأئمة الإباضيين.والحكم على توافق النصين أو اختلافهما من خلال ترجمات ليست بالتمام حرفية أمر صعب ورغم هذا فأنا قمت بمقارنة بين الكتابين وأني لأتفق مع روس على أن كتاب الكشف أكثر مصداقية والاختلافات بين الكتابين ( وهي تكمن في التواريخ والأسماء والأحداث) يكمن إرجاءها جزئيا فقط إلى انحياز ابن رزيق في حالات أخرى إنما هي تعكس التعديلات(1)التي جاء بها المؤلف انطلاقا من مصادره ومعلومات الخاصة، وربما تعزى إلى أخطاء الناسخ أو القراءة الغير السليمة للمترجمين وحتى إلى نقل مغلوط حين يتعلق الأمر بالأسماء. إذن وفي ظل هذه الاختلافات لا يمكن تفضيل الكشف على غيره للوصول إلى معرفة أعمق بالأحداث أو على الأقل مساءلة النصوص مباشرة ولا خيار لنا سوى استحضار المعلومات التي وافانا بها كلا المؤلفين.تجدر الإشارة إلى أن هوارت-Huart- في كتابه " تاريخ العرب" وزمبور-Zambur- في لوائحه الكرونولوجية القيمة و المشهورة و التي يرصد فيها تاريخ الحكام المسلمين ـ إنما اشتقا أخبارهما من كتاب بادجر دون غيره مع ما لذلك من عواقب سنشير إليها لاحقا دون إثقال كاهل عملنا هذا بالتفاصيل : وقد اعتمد " كمرر" Kammerer" هو الآخر بشكل كلي على بادجر في الفصل الذي خص به تاريخ (1/104)
صفحة 105
عمان(1) بل أعاد كتابة لا ئحة أئمة وسادات عمان كما جاءت عند هذا الأخير دون إدخال أي تغيير عليها .بالطبع كلن سيكون مفيدا إضافة لائحة مماثلة إلى هذا العمل انطلاقا من الكشف غير أن ضيق هذا الفضاء دفعني إلى العدول عن هذه الفكرة.
لابد أن يكون العمل التارييخ الذي قدم لكيان –Guillain- في زنجبار مختلفا على كتاب الكشف وكتاب ابن رزيق والذي كتب على أساسه صفحاته حول تاريخ عمان. بالفعل ليس اسم المؤلف هو الذي يختلف وحده ولكن أيضا تفاصيل بعض الأحداث المذكورة.إلا أن موجز كيان جد ضعيف بالنسبة للموضوع الذي يهمني إلى حد أنه لا يفيدني في شيء يذكر.
خاصيات البلد :
يتكون عمان من منخفض ساحلي شديد الحرارة تسوده الملاريا،ذو كثافة سكانية هامة، يطلق عليه الباطنة وتكسوه أشجار النخيل، ومن سلسلة جبلية تطل على الساحل يطلق عليها الجبل الأخضر (2) هو اسم يدل في حد ذاته على خصوبتها. وقد عرف الجبل فعلا الزراعة والاستقرار خاصة في أوديته التي تعبرها قنوات جوفية أنجزت اعتمادا على تقنية إيراينة تجمع فيها المياه لتوزيعها على الحقول وأشجار النخيل.
__________
(1) 1 – في البحر الأحمر ، الحبشة وبلاد العرب ، منذ القدم ، جزء IIص179-192.
(2) 2 – في : وثائق عن تاريخ ، جغرافيا وتجارة أفريقيا الشرقية، 1 ص473-624. (1/105)
صفحة 106
-بسبب الأراضي الصحراوية التي تعزله عن باقي بلاد العرب وبسبب البحر الذي يحيط به من كل الجهات الأخرى يمكن اعتبار عمان تقريبا جزيرة وقد كانت له عبر التاريخ علاقات مع البلدان الواقعة على الضفة الأخرى من بحره أكثر منها بالبلدان الواقعة غرب وشمال سلسلته الجبلية. ورغما عن هذا فقد كانت لعمان علاقات مع الداخل خاصة مع اليمن نتج عنها هجرة كبيرة القبائل اليمانية إليه فيما قبل الإسلام أثمرت مبادلات قارة فيما بعد بين البلدين .إضافة إلى هذه العلاقات، وذات أهمية بالغة. تلك التي حملت الإسلام إلى هذا البلد منذ زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ثم بعد عمر (رضي الله عنه) وفي الآونة الأخيرة تلك التي تربطه بالوها بين والتي ترتب عنها انتشار هذا المذهب في هذا البلد أيضا.
بينما تعتبر المنطقة الجبلية حصنا صعب المنال في وجه الأعداء، فإن السهل الباطن مفتوح أمام الغزو القادم من البحر لأن في أقصى جنوبه الشرقي فقط يصبح الساحل صخريا ويشكل خليجا صغيرا تحيط به حواجز طبيعية أقيمت عليه مدينة مسقط. إلا أن حمات عمان كلن لهم دائما إمكانية اللجوء إلى الجبل كلما بدا لهم صعوبة التصدي لأعدائهم، وكثيرا ما عادوا إلى الهجوم، بعد رص صفوفهم على غزاتهم والدفع بهم نحو البحر هذا إن لم يلحقوا بهم بحرا للقضاء عليهم، وذلك لأن العمانينن كانوا منذ قدم التاريخ بحارة مهرين إضافة إلى كونهم صيادين وقليلا ما كانوا لا يتوفرون على الوسائل البحرية للدفاع والهجوم . (1/106)
صفحة 107
كانت هناك فترات احتل فيها الأجانب الساحل ومارسوا هناك في هدوء نسبي تجارتهم غير أنه قليلا ما حدث وأن سيطروا على كل ربوع البلاد بل كانوا يتركون لساكنة التخوم الداخلية حرية تدبير شؤونها بالطريقة التي تفضلها هذا إن لم يتركوها عرضة للفوضى.وحدث مرات أن كان الجزء المقابل للبحر من البلد تحت سيطرة قائد محلي أو أكثر وبالداخل يحكم قائدا أو أكثر وهم أيضا محليون .فالبلاد شاسعة وطبيعتها تختلف بين السهل والجبل كما تختلف ساكنتها أيضا : في الجبال والأراضي المجاورة للصحراء يكثر البدو بينما في السهل ساكنة معظمها عرف الاستقرار.
كونهم يطلون على البحر وعلى بحر كانت الملاحة في سهلة بالنسبة للزوارق الشراعية أمر دفع العمانيين منذ أقدم العصور إلى ركوب الموج. فهم تعلموا مبكرا كإخوانهم اليمانيين خبايا الرياح الموسمية فخرجوا في رحلات طويلة جدا. ونعلم من مصادر مختلفة أنهم كانوا يتاجرون مع الهند(1) وما وراءها(2)
__________
(1) 1– في سيلون على ساحل ملبار وخصوصا في الشمال الغربي الهندي حيث نشأت مستوطنات عربية قارة من بينها تلك العمانية أيضا ( فون ويسمان تم ذكره .ص.449 Von Wissmann).
(2) 2-لا يمكن بالطبع تحديد الدور الذي لعبته عمان في التجارة مع الصين مقارنة مع بلدان أخرى عربية، وقد ظلت هذه التجارة قوية طيلة الفترة التي كانت فيها الصين تخضع لسيطرة الماغول (1280-1368) ثم ضعفت بوصول عائلة منغ-Ming- إلى الحكم بسبب حضر التجارة مع الأجانب Von Wissmann)) قان ويسمان ( تم ذكره ص 450 ).
يشير المسعودي أيضا (ed. Barbier de Meynard III, p 68) إلى تجارة عمان مع سيراف مع افر يقيا ، الهند والصين. ويخبرنا بأن منطقة سفلاه ( الموزمبيق الشمالية كانت وجهة البحارة العمانيين ومنها يأخذون العاج إلى عمان ومنها إلى الصين والهند. .يخبرنا أيضا عن بحارة سيراف وعمان الذي كانوا يشدون الرحال باستمرار إلى كله ( في سبه جزيرة ملكا ) وزابغ ( جافا). والمسعودي يتحدث انطلاقا من تجربته إذ سبق له أن خرج من عمان في سفر عبر المحيط الهندي وفيها رسا بعد عودته من قنبالي سنة 304 هـ . في زمانه ( 1،233) كانت سنغار ( يجب قراءتها بصحار، وهو غلط يجد ما يفسره في الخط العربي) ( ويقول أنها قصبة عمان وسلطانها أحدهم اسمه أحمد ابن هلال ابن أخت القيطاني ،وهو شخصية يمكن تحديد هويتها انطلاقا من أخبار كيان 1،482) في الوالي الذي تركه هناك ابن نور بعد حملته ( آت ص17) قارن أيضا أريب : ARIB .ed. Geoje ,P.68). (1/107)
صفحة 108
وكانوا يحملون من هناك بضائع ثمينة فيوزعونها على جيرانهم في الشرق وأر وربا. وبينما كانوا في فترات من تاريخهم يقبعون تحت السيطرة الأجنبية فإنهم في فترات أخرى كانت لهم قوة توسعية مكنتهم من الاستيلاء على بعض المناطق الواقعة على الساحل الفارسي والبلوشستاني. وأهم من هذا استعمروا-وهو المصطلح الصائب-بعض البلدان الساحلية وبعض الجزر في إفريقيا الشرقية(1) ويعود التطور الذي تعرفه زنجبار اليوم إلى نشاطات بعض الحكام العمانيين.
أهم الأحداث التي وقعت قبل تأسيس الإمامة:
-ظل عمان بعد معانقته الإسلام(2) شبه مستقل تحت قيادة حكام محليين ( الجولنديين) ولم يتم ضمه إلى الإمبراطورية الإسلامية إلا أبان حكم عبد الملك الأموي. وهذا أمر معقول إذا اعتبرنا بعد المسافة التي تفعله عن مراكز الإمبراطورية -المدينة أولا ثم دمشق- أيام الخلفاء الراشدين وأوائل الحكام الأمويين، غير أنه حين أصبح العراق أيام عبد الملك قاعدة للدفع بالجيوش لغزو مناطق بعيدة شرقا.
تبين للخليفة ضرورة إخضاع عمان، وقد نجح ولي العراق المعروف الحجاج في ذلك بعد عدة محاولات فاشلة. كان الحديث في عمان عن الخوارج، جرح تلك الحقبة التاريخية، جد محدود بينما كان شائعا في باقي مناطق بلاد العرب(3) أما الإباضية فلا أحد يذكرها وهذا أمر طبيعي لأن ابن أباض، مؤسس هذه الحركة المنبثقة عن الخوارج وإن مات في تلك الفترة، لم يكن لم كثر اتباع(4) بعد.
__________
(1) 1 – انظر في الموسوعة الإسلامية أحداث : مكديشو-سفال –كلو-ممبسا.
(2) 2 – انظر كيتاني ليون-Caetani leone- حوليات الإسلام السنة الثامنة.
(3) 3 – انظر أمامه ص. 9.
(4) 4 - لم يعترف قط ابن أباض كإمام .( قارن الباروني ، 1934، ص.399) (1/108)
صفحة 109
إلا أنه بعد سنوات قليلة تجدرت الحركة الإباضية في عمان بشكل جعل معتنقيها يؤسسون إمامة لهم بها ،وليس فقط، بل استطاعوا الدفاع عن وجودها حتى بداية القرن الماضي وإن تخللت هذا الوجود فترات من الغياب. كانت طويلة أحيانا. وقد عادوا في القرن الحالي إلى إحياءها وليست لدينا معلومات إن كان عمرها قد انتهى.
كيف ظهرت الإمامة ؟
لفهم نشأة وتطور هذا النوع من الحكم يجب الرجوع إلى الحروب الأهلية التي عرفتها الإمبراطورية الإسلامية والتي كان أبطالها علي ومعاوية وتمخض عنها انفصال الخوارج(1) إلا أن الأمر هنا يتعلق بأحداث جد معروفة لذا من اهتم ولو قليلا بالتاريخ الإسلامي وهوما يغنينا عن ذكرها هنا.
__________
(1) 5 – أهم الكتابات حول الحركة التي كانت في الأصل سياسة بطابع ديني ثم حركة دينية ، هي تلك المعروفة لبرنووويلهوسن –Brunnowe –Wellhausen- ومؤخرا مقالة طومسون THOMSON في The Macdonald Presentation volume P. Princton 1933,p.373. (1/109)
صفحة 110
يكفي هنا أن نذكر بأن شبه الجزيرة العربية أيضا كان مسرحا لصراع الخوارج؛ بل إنها كانت في وقت من الأوقات خاضعة بشكل شبه تام لنفوذ الطائفة النجدية-تفرعت عن الخوارج- التي انطلقت حملتها من اليمامة ثم من البحرين وقد استطاعت بسط نفوذها لفترة زمنية على عمان. بعد انهيار كيانهم الذي لم يعمر كثيرا سنة 73هـ، طفى الحديث عن الخوارج، بالضبط عن الإباضيين، إلى السطح عند نهاية الحكم الأموي بسبب الحركة التي انطلقت من حضرموت واستولت على صنعاء في أواخر سنة 129هـ وقد انطلق بعض الإباضيون من هناك ليستقروا في مكة والمدينة.ووجدت دمشق نفسها مطالبة بمواجهة ثورة أعداد هائلة من الناس وليست جماعات مكونة من مئات الأفراد على الأكثر.وقد استطاع الأمويون،قبيل سقوطهم على يد أعداء آخرين، قهر هؤلاء الثوار وتشتيت شملهم في الموصل والعراق، وشبه الجزيرة العربية.علينا إذن أن نتصور أن جبوش الثوار المنهزمة لجأت إلى هنا وهناك، وإني أظن أن نشأة الإمامة في عمان تعود إلى هزيمة الخوارج(1)
__________
(1) 1يحدثنا الطبري (2،ص 1946،3 ص77) وابن الأثير (5،ص 270) عن قائد آخر ثورات الخوارج ، شيبان الذي لجأ أول الأمر إلى كوان (جزيرة ابن كوان) التي كان يتواجد فيها خوارج آخرون ومنها إلى عمان حيث اغتيل سنة 134 هـ؛ وهناك روايتين حول موته : أولاهما وهو يقاتل ثانيهما على يد قائد الطائفة الإباضية في هذا البلد جولندا الذي سنتحدث عنه فيما بعد. والسبب في قتله يعزى إلى كونه صفريا أي كان ينتمي إلى فرع آخر من الخوارج كان بينه وبين الإباضيين عداوة.
في نقطة أخرى يشير الطبري ( II، ص 1979) إلى فرار أحد الخوارج إلى عمان؛ يخبرنا ابن الأثير (5، ص 447) أن سكان عمان كانوا يستقبلون ويساعدون الخوارج الثوار. (1/110)
صفحة 111
وتفرقهم ولجوءهم إلى أماكن مختلفة وربما إلى الهزيمة التي تلقتها الحركة الإباضية في وادي القرى بمكة واليمن ونعود هنا للتأكيد على العلاقات الكثيفة، إن لم نقل القارة بين اليمن وعمان.
أصبح من المألوف لدى المؤرخين الغربيين القول بأن الخوارج انكسرت شوكتهم في العصر العباسي لأن قوتهم انهارت وحماستهم الدينية تلاشت وثوراتهم التي كانت عنيفة في العصر الأموي أصبحت ضعيفة ونادرة. في الحقيقة يجب إعادة النظر في هذا القول، بل يجب تغييره إن لم أخطأ. حقا لم تعد الثورات في مركز الإمبراطورية بنفس القوة والاكتساح كسابقتها ولكم تعد تشكل خطرا مباشرا على الخلافة إلا أن روايات الأحداث التاريخية في عهد هارون الرشيد علة على سبيل المثال كانت تشير باستمرار إلى ثوار ينعتون بالخوارج. ويجب استنتاج من هذه الإشارات أن هذه الثورات كانت لا تزال مستمرة وإن كان قهرها أمرا غير صعب أو أن اسم الخوارج أصبح يستعمل للدلالة على كل ثائر.من جهة أخرى تجدر الإشارة إلى القوى الثورية الخارجية التي وجدت ضالتها في أقاليم بعيدة عن المركز (عمان، افريقيا الشمالية) وأسست فيها دولا مستقلة.ليس إذن من المجازفة القول بأن قوة الخوارج بعيدة كل البعد عن أن تكون اندحرت مع العهد الأموي، ولكنها حولت مسرح عملياتها إلى ضواحي الإمبراطورية حيث كان لا يزال بإمكانها تحقيق نجاحات كبرى.(1)
__________
(1) 2 – في الوقت الذي يكتب فيه المسعودي ( النصف الأول من القرن الرابع الهجري) كان الخوارج بجميع فصائلهم لا يزالون في سجستان، اصطحر في فارس، كرمان، شهرزور وفي أدربيدجان ومكران على الجبال العمانية، في حرات بالخرسان، وتاهرت ( انظر باربيي ذو مينارك-ص 400 Barbier de Meynard). (1/111)
صفحة 112
الدليل على ما نقول يأتينا من أحداث عمان،فهذه المنطقة لم تكن تبعد كثيرا عن العراق الذي أصبح مركزا للإمبراطورية، والتي كان لها في بصرة أبله منفذ على الخليج الفارسي. ورغما عن هذا القرب وعن موقعه الاستراتيجي على الخليج الذي يجعل عرضة لأطماع كل من كان يريد السيطرة من بغداد على ربوع الامبراطورية، فإن عمان،باستثناء فترات وجيزة، بقي مستقلا على الخلفاء. وهذا دليل على أن القوات الإباضية كانت كفيلة للتصدي لهم: بالفعل فهي قاومت أكثر من مرات وانتصرت على الجيوش التي أرسلت لإخضاعها. حقا كان غزو عمان أمرا صعبا بسبب انعدام منافذ برية إليه وضرورة تهيئ وسائل بحرية لنقل الجيوش قصد غزو الساحل وتسلق الجبل. وكما هو في علمي فإن الخلفاء لا يتوفرون على أسطول ضخم في الخليج الفارسي. وربما لهذا السبب كلف أحدهم ولي البحرين بالهجوم(1) على عمان. ومن الممكن أيضا أن تكون الأرجاء الداخلية على الخصوص هي التي ظلت مستقلة بينما كانت المدن الساحلية تحت تأثير وتحت سيطرة بغداد، غير أن هذه الفرضية لا تستند على دلائل لتزكيتها وذلك لأن المصادر سكتت عن ذكر حدود الإمامة في مختلف مراحلها التاريخية.
تم تعيين أول إمام في وقت كانت فيه الإمبراطورية الإسلامية تعيش في غليان بسبب الصراعات التي رافقت تحول الحكم من الأسرة الأموية إلى الأسرة العباسية. وقد اختير لذلك المنصب آنذاك جولندا ( أو الجولندا) ابن مسعود سنة (2)135هـ (52-753هـ). نذكر هنا أن معركة زاب الكبيرة –Grand Zab- التي أتت عل مقاومة آخر الأمويين وقعت سنة 129هـ/747م.
__________
(1) 1 –انظر ص 17.
(2) 2 –يلاحظ أنه سواء الطبري (3،ص 77) أو ابن الأثير (5،ص270) و إن يذكروا جولندا ما لا ينعتونه بالإمام ويتجاهلون في حديثهم عن الحملات العسكرية ضد عمان وجود الإمامة به.الاسم الكامل لجولندا حسب ابن الأثير هو جولندا ابن مسعود ابن جعفر. (1/112)
صفحة 113
من المناسب هنا إصلاح مغالطة وقع فيها د.زمبور- DE Zambur- في لوائحه، فهو يضع تحت الحكم الجولندي كل الأئمة الذين تناوبوا على الحكم منذ سنة 135هـ إلى سنة 833هـ. ولا نرى مبررا لهذا التعريف لأن الأئمة كانوا ينتخبون في تلك الفترة دائما دون أي اعتبار لروابطهم الأسرية(1). وقد تم اختيار معظمهم من قبيلة الأزد التي كان أصلها في اليمن وهاجرت عدة مرات إلى عمان، غير أن هذا لا يعني أنهم كانوا من أسرة واحدة. من الواضح أن د.زمبور وقع في المغالطة بسبب اسم أول إمام-جولندا- ولكون السلطة كانت فيما قبل في يد أعضاء تلك الأسرة والتي كان أحد أجدادها يحمل نفس الاسم(2) .يمكن الحديث إذن عن الجولنديين في فترة سابقة للإمامة الإباضية(3). من جهة أخرى فإن من مبادئ الخوارج وبالتالي من مبادئ الطائفة الإباضية التي تفرعت عنهم، أن يقع الاختيار لقيادة دولتهم على الشخص المناسب والكفء، كيفما كان انتماءه الأسري وتتم بلورة هذا المبدأ الخارجي هكذا: "ولو كان عبدا حبشيا". ودعما لما سبق نضيف هنا أنه وردت أخبار بعض الثورات بقيادة الأسرة الجولندية ضد بعض الأئمة ضجرا على انتزاع
__________
(1) 3 –هناك حالتين فقط معروفتين خلف فيها الأبناء آباءهم، وقد حدث هذا لأول مرة سنة 445هـ/1053هـ وفي فترة جد متقدمة في المرة الثانية (942 هـ/1536 م) ولم يكن ذلك ليحدث دون معارضة.
(2) 4 –كان أبناء جولندا فعلا يحكمون عمان لما أرسل إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مبعوثا قصد دعوتهم إلى الإسلام وكان لا يزال يحكمه أحفاده لما أخضعه الحجاج أيام عبد الملك.
(3) 5 –حسبه أبو الفداء فإن كل حكام عمان يقتبسون اسم جولندا حين وصولهم إلى السلطة والمقصود بالطبع هو في القدم هوارت لا يفرق حتى بين مجموعة الأئمة الذين تمخ اختيارهم من بين أفاضل الطائفة والأئمة الذين ينتمون في فترة متأخرة إلى نفس الأسرة وهذا أمر غير سليم لأن تاريخ عمان جد معمق ولا حاجة في جعله أكثر غموضا. (1/113)
صفحة 114
الحكم منها(1).
-الإمامة بالاختيار قديما-
135هـ/52-753م-281هـ/94-895م
العاصمة نزوا
لا ئحة الأئمة الذين تولوا الحكم بعد جولندا نوعا ما طويلة، غير أن أسماءهم وتواريخ توليهم لا تنطبق دائما مع بعضها البعض في النصين العربيين اللذين يشكلان في هذا المجال تقريبا مصادرنا الوحيدة.
__________
(1) 6 – يتم التصريح بهذا سواء في الكشف (ص 124وص 126)أو عند ابن رزيق (ص 13،17)بخصوص أعداء الإماميين الرابع والسادس،ويقال عن هؤلاء الأعداء أنهم ثاروا ضد المسلمين. وبما أن المسلمين بالنسبة لمؤلفينا هم الإباضيون يجب استنتاج أن الجو لنديين أو على الأقل جزءا منهم لا ينتمون إلى الطائفة الإباضية (1/114)
صفحة 115
ولنطرح الآن سؤالا: هل كانت الإمامة تطبيقا فعليا للمشروع الديني والسياسي الإباضي؟ هل كان الأئمة المختارون يستجيبون لما يريده علماء الطائفة ومنظريها، أي أن يكونوا رجالا نزهاء، أعفاء يعملون حسب المثل العليا للإسلام التي تشكل أسمى تطلعاتهم، أم لا؟ الأعمال-كان يقول الخوارج- عنصر هام في الإيمان ويعتبر كافرا كل من أتى الكبائر ولم يتب قبل وفاته ومثواه جهنم خالدا فيها أبدا.واتباعا منهم لنفس المبادئ يأمر الإباضيون بإبعاد الفاسق من مجتمعهم حتى يتوب ولا يفتئون يدعون إلى تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. في عرضه(1) للأسباب التي تولد عنها الإحساس بوجوب إعادة تأسيس الإمامة سنة 1913م لاحظ سليمان الباروني أن البلاد عرفت تحت قيادة سادات مسقط انحلالا خلقيا بفعل القناصل الأوروبيين ورعاياهم الذين لم يكن من الممكن إخضاعهم بالقوة؛ فقد كانت الخمرة تستورد إلى البلاد وكانت تحدث أشياء تعتبرها الشريعة الإسلامية محرمة.إضافة إلى هذا كان الحكام يبغون على الناس لذلك حمل عليهم العلماء وانتهى الأمر بالثورة.ويضيف الباروني أنه يجب على الإمام أن يكون على خلق ،صادقا في دينه، عالما، تسكنه خشية الله ودافعه هو عمل الخير. ،وان يكون حرا، مقداما خاليا من العيوب الجسدية. هذه هي المعايير التي يؤكد عليها الإباضيون في الشخص الذي يختارونه إماما إضافة بالطبع إلى أن يكون مسلما.
__________
(1) 1 –الشرق المعاصر، تم ذكره. (1/115)
صفحة 116
بقراءتنا للكشف وكتاب ابن رزيق لا يتولد لدينا الانطباع أن هذا المثل الأعلى للحاكم كان دائما مجسدا في الواقع. والحقيقة أن مؤلفينا لا يقتصدان في مدح عدل وثقاة وعقيدة أي إمام يستجيب لشروطهم(1) وهما متعصبان إلى طائفتهم إلى درجة أنهما لا يلقبان بالمسلم إلا من يدين بدينهم. بقية المسلمين بالنسبة لهم كفرة وأعداء الله مثلهم مثل أولئك الغزات الذين أرسلهم الخليفة لإخضاعهم. ومن عادتهما أن يحكيا عن الأئمة بطولاتهم ضد هذا أو ذاك العدو ضد هذه المدينة أو ذلك القوم وكأن قمة استحقاقهم تكمن في تأسيس كيان أكبر. ليس هناك في هذه السلسة الطويلة والمملة من الصراعات التي يرويان عنها حكاية تؤكد وبشكل يثير الانتباه على الحماسة الدينية،وحب الشهادة والإقدام الذي كان دائما دافعا للخوارج ومحركا لهم..
__________
(1) 2 –هذا هو المثل الأعلى الإباضي حسب المصادر المحلية : أن يكون لين الجانب لرعاياه، وقد كان راشدا ابن الوليد يتصرف في تناسق مع آرائهم ويعفو عن عيوبهم وذنوبهم ويرضى عن مزاياهم-كان نزيها تجاه كل طبقات المجتمع النبلاء، رجال الدين، الفقراء والأغنياء أيا كانوا. وكان يستقبل الكل بحسن ضيافة ويهتم بمشاغل الكل.كان من عادته استشارة أناس أقل منه درجة والأخذ بآرائهم (بكلمات أخرى كان جد ديموقراطي) للسهر -على أمور رعاياه كان يتخلى عما يطيب له وعن رفقة كل من كانوا أحب إليه، تحمل بصبر التضحيات والمصائب التي كانت تجلبها له رعيته (قارن، الكشف، ص 137). (1/116)
صفحة 117
يقال في المصدرين عن الإمام الأول، جولندا ابن مسعود، أنه كان حاكما عادلا يحظى بحب قومه ويعود له الفضل في جل القوة التي اكتسبها الطائفة وهذا الأمر الثاني يستجيب طبعا للحقيقة ويكمن وراء اختياره إماما. حول الحكم الصادر عليه كإمام يجب أخذ بعين الاعتبار أن إمامته لم تدم سوى عامين فعلا قتل جولندا الذي لم يكن يعترف بسلطة الخليفة في المعركة ضد الجيوش التي أرسلت إلى عمان للإطاحة به وذلك سنة 37هـ/54-755م(1).
__________
(1) 1 –جاء عند الطبري (3،77) ابن الأثير (5،346) اسم الشخص الذي قضى الحملة ضد خوارج جزيرة ابن كوان (قشم) ثم ضد خوارج عمان كان هو حازم ابن جزيرة الذي كان متهما في الإفارط في الحمل على أعدائه فتجنب العقاب بهذه الطريقة. وقد أرسل رؤوس جولندا وآخرين إلى البصرة ومنها بعد أيام إلى أبو العباس. وقد كان من المعتاد إرسال هدايا فظيعة من هذا النوع. حسب ابن الأثير كان عدد القتلى في صفوف الثوار ألف، وتم حرق قرى كاملة بسكانها (1/117)
صفحة 118
بعد هذا جاءت فترة استكمل فيها العباسيون غزوهم لعمان وتناوب على حكم هذا البلد ولات أرسلهم الخلفاء إليه أو اختاروهم من بين العناصر المحلية ومن بين الجو لنديين(1) أيضا. ترد بعض الأخبار(2) الخاصة بهذه الفترة حتى عند الطبري وابن الأثير، ولسنوات أخرى لا يأتي الحديث عن الإمامة وإنما عن الاضطرابات التي كانت تعرفها البلد. وفي آخر المطاف تأتى لشيوخ البلد اختيار قائد لهم (محمد ابن عفان). وهنا حدث أمر وهو من خصائص
__________
(1) 2 –ربما هذا تأكيد آخران الجو لنديين ليسوا كلهم إباضين قارن ص 12. ملحوظة1
(2) 3 –على سبيل المثال ( الطبري 3، ص73،ابن الأثير،5 ص343) تعيين سليمان ابن علي عم أبو العباس،وليا على بلدان مختلفة من بينها عمان أيضا ( حسب الكشف وعكس ذلك تم تعيين أبو جعفر) الطبري3، ص608، ابن الأثير، ص33) تعيين من طرف المهدي، محمد ابن سلميان وليا وقد كان هذا مولعا بالاحتفاظ بالهدايا التي يرسلها إليه رعاياه من عمان أيضا ولكن وبما أنه كان يجمع في نفس المكان الأشياء الثمينة والدهون، والأسماك والحبوب والجبنة فإنه حين توفى في عهد هارون الرشيد تم إخراج كل ما كان يحتفظ به فوجد متعفنا فألقي به في الطريق فكانت تنبعث منه رائحة كريهة تجبر الناس لمدة زمنية على الابتعاد من تلك الطريق. هذا الخبر يعطينا فكرة عن نظافة الأحياء في عاصمة هارون الرشيد الرائعة.ترد استشهادات أخرى عند ابن الأثير حيث تتم فيها الإشارة إلى أسماء ولات آخرين على مناطق من بينها عمان في 5.ص 348 إلى ص 45؛6، ص64 في هذه الفترة الأخيرة يتم الحديث عن ولي كان نطاق حكمه هو عمان فقط، اسمه ( الحسن ابن نسيم الحواري) يجعلنا نفترض أنه كان عمانيا، فالحواري يرد أيضا بين أسماء بعض الأئمة (الحاء والتشديد جاءتنا في فقرة لساشو) مع الأسف فالمنظومة التي اعتمد عليها بادجر وروس في نقل الأسماء ليست دقيقة لذلك لا أضمن دائما إعادة سليمة للخط العربي الذي جاءت به الأسماء. (1/118)
صفحة 119
الحركة الإباضية، فالرجل الذي وقع عليه الاختيار لم يكن يتصرف حسب إرادة رعيته فتمت الإطاحة به، وقد أطيح بعدة أئمة من بعده لكن ليس كحتمية لسلوكهم وإنما بالقوة ليحل أحد آخر مكانهم في السلطة.
وقد قيل مدح كثير في حق الإمام الثالث ( الوارث ابن كعب(1) الذي تم اختياره سنة 177هـ/39-794م)(2) الذي اقسم عند توليه أن يموت عوض أن يتنازل أو يولي الدبر ومن هنا لقب بالشاري وهو ما يعني في طقوس الخوارج أنه مستعد لشراء جزاء الآخرة ولو كان ثمن ذلك حياته الدنيا(3). وكان يطلق على الإمام الذي لا يقدم على هذا القسم الدافعي أي إمام الدفاع. وقد كان هناك العديد من الحكام من هذا النوع الأخير في عمان.
وقد أتيحت لهذا الإمام-أي الثالث-فرصة إبراز قدراته القتالية لأن هارون الرشيد، تقول مصادرنا، أرسل ضده حملة عسكرية لكن دون جدوى. وقد سكت كلا من الطبري وابن الأثير عن هذه الحملة بينما يشير البلادوري (ص77) إلى إحدى الثورات.
__________
(1) 4 –يعود الفضل إلى هذا الإمام في إدخال شجرة الليمون إلى عمان-
(2) 5 –ليس في 185 كما جاء عند بادجر ود. زمبور.
(3) 6 –لا يمكن للإمام أن يكون شاريا أن كان مدينا. (1/119)
صفحة 120
كانت الفترة الأكثر نقاوة وقوة وازدهارا هي التي تلك تزامنت وحكم رابع الأئمة ( غسان ابن عبد الله الذي انتخب سنة 192هـ=7-708م) وخلفه ( عبد الملك(1) بن حميد الذي انتخب سنة 208هـ=23-824هـ) ولا يذكر عن الأول أنه بنى السفن الحربية فقط بل أيضا ازدهار الثقافة في عصره (لم يبقى لهذه الثقافة أي أثر)، وتفاديا لتلطيخ ذاكرته يتم تبرئته من أعمال العنف التي اقترفت خلال حكمه كالاغتيالات والحرائق وتنسب إلى شرذمة من الجنود لأنه لو وقع العكس لحط ذلك من قيمته. ومن بين الأمور التي لا يقبلها العقل في تلك الفترة الذهبية على الأقل عند مؤرخينا هو بقاء الإمامة بين يدي من لا يستحقها.
لدينا القليل أولا شيء نلاحظه عن الأئمة اللذين جاءوا من بعد أو فقط الإشارة إلى الحديث الذي نشب حول إمكانية استمرار بعضهم في الحكم وهم مرضى وعجزة، فبينما تم في إحدى الحالات التدبير لتفادي هذه الصعوبة بحكم الوصاية(2) فإنه في حالة أخرى أصيب فيها الإمام بعجز في أطرافه فقط دون أن يؤثر ذلك على عقله وسمعه وبصره فإنه تم الإبقاء عليه.
__________
(1) 1 – توسع نطاق حكم الإمامة تحت سلطة الإمام السادس حتى المهرة. ورد في كتب التاريخ أن العشر كانت تجبى هناك بالتهديد ( الكشف ص126؛ ابن رزيق ،ص 16) ويخبرنا ابن حوقل ( أيضا مكتبة الجغرافيا العربية ، 2، ص32)، أن المهرة كانت إقليما عمانيا وكان الإمام السادس هذا رجلا متسلطا لا يجسد في شيء المثل الديمقراطية الخارجية.
(2) 2 -كان عبد الملك ابن حميد هو الإمام آنذاك، غير أن الكشف يسكت عن هذه الوصاية ومن الممكن أنها لم تر قط الوجود، قارب ص5 (1/120)
صفحة 121
لم يكن هذا رأي الرعايا عامة فإذا أراد جزء منهم- نظرا لظروفه الصحية- الإطاحة بالإمام فإن شخصا قاض، يقوم بإسناد الإمامة الإباضية إلى شخص من اختياره (273هـ-6-887م) وهذا شيء آخر غير الاختيار حسب المبادئ الإباضية. لكننا في فترة خلاف وفقر بالنسبة لتاريخ الإمامة .وقد اشتدت هذه الخلافات إلى درجة أن نفس الشخص (موسى ابن موسى) الذي أسند الإمامة تنكر لإمامه وأطاح به واختار أحدا آخر مكانه ليدخل بعد بضع سنوات في صراع مع هذا أيضا الذي أعفاه بدوره من مهامه كقاضي(1). وقد اقترفت العساكر التي استعان بها الإمام أعمالا وحشية لكنه كان من بينها عناصر تم تسريحها من السجون لذلك لم تكن تشكل هذه الأعمال أي تهمة توجه للإمام أي مؤاخذة على الإمام.
لقد بلغنا الفترة ( العقود الأخيرة من القرن الثالثهـ=نهاية القرن التاسعم) التي نشهد فيها لأول مرة اندلاع الحرب الأهلية بين بني نزار وبني هيناه وهي حرب ستدمي عمان لقرون(2)
__________
(1) 3 –يوجز ساشو (ذكر ص5) فصلا من الكشف بهذا الخصوص كان قد أهمله روس وهو جد مفيد بالنسبة للعقيدة الإباضية. ويتحدث فيه عن تكوين، في تلك الفترة الحرجة، لثلاثة أحزاب : الحزب الأول كان يؤيد البراءة أي أنه يعلن نفسه في معزل عن الذين يصبون إلى الحكم وينعتهم بالكفار الحزب الثاني يؤيد الولاية التي تمكن في اعتبار شرعية الأشخاص المتطلعين إلى الحكم. والحزب الثالث يؤيد الوقوف على فلان ويكمن هذا الوقوف في اعتبار أحد المتنافسين على الحكم أو أكثر غير شرعيين دون نعتهم بالكفر. وهنا يبدو جليا تأثير المرجئة والمعتزلة.
(2) 1 –جاء الحديث فيما قبل عن أشخاص اسمهم الهنائي ولكن ليس عن الصراع بين الهناويين والنزارين.
-وقد كانت تلك القبيلة ( الهناوية) تحكم عمان قبل ظهور الإمامة بها (ساشد،سبق ذكره، ملحوظة 2) جاءت إشارة ابن دريد، كتاب الاشتقاق،ص 292 و298، إلى القبائل العمانية، قبيلة بنو هنائه وقبيلة بنو هني (بالضمة).وقد يكون هنائه، حسب النص ( الاشتقاق)هو ابن فاتح عمان من الأزد من المحتمل أن النسخ الحقيقي يكون بالضمة (u) لكن في الكتب الحديثة يكون النطق المدون بالكسرة (1/121)
صفحة 122
.ويتعلق الأمر هنا بنفس الصراع بين القبائل القادمة من اليمن وتلك القادمة من شمال بلاد العرب-العربية- (الصراع)والتي كانت وراء دمار العديد من المناطق الإسلامية، غير أن أسماء هذه القبائل تختلف من بلاد إلى آخر. ليست مصادرنا واضحة حول أصول تلك القبائل وبالتالي حول أسباب عداوتها ولا تخبرنا عما إذا كان يجب نعت الأوائل بالبدو والآخرين بالحضر( وهو أمر محتمل على الأقل في تلك العهود الأولى) غير أننا نعلم بأن نزار حسب أنساب العرب كان ابنا لمعاد بن عدنان الذي هو ابن اسماعيل ويوازي قول نزاريين قول عدنانيين أو منذرين من شمال بلاد العرب. أما الهناويين فكانوا قبيلة من اليمن(1) وهذا هو إذن سر عداوتهم الدائمة.
أصبحت الخلافات سيدة الموقف في عمان و يلاحظ مؤلف الكشف في كآبة : أصبحت الإمامة مصدر للصراع والثورات" دافعا لأطماع جريئة، والدليل؟ هو أنه في سنة واحدة تناوب على الحكم 16 إماما(2).
__________
(1) 2 –عوض يمنييون يمكن في عدة حالات قول : قحطانيين وكنهنيين.جاء عند دبادجر النقل التالي لأسماء هذه القبائل : بني هني التي تقرب إلى هني للهجة العمانية تستبدل وبسهولة حركة الكسر بالضمة تصبح (I-U) هنا هناه، أو الهناوية.
(2) 3 –هكذا في الكشف (ص130) ابن زريق الذي يحاول إخفاء الأعمال المخجلة للإمامة يتحدث عن 16 مجلسا لم يحسم فيها أمر الإمامة. (1/122)
صفحة 123
كما يحدث حتما حين يتصارع فريقان فإن أحدهما يستنجد بالأجانب وهذا ما فعله النزاريون، فقد توجهوا بطلب مساعدة إلى الخليفة المعتضد (ما بين 279هـ\892-902هـ) فقبل طلبهم وأرسل ولي البحرين(1) إلى عمان لإعادة الأمور إلى نصابها. وقد كانت هذه الفترة فترة عصيبة بالنسبة للبلد فكثير من السكان هاجروا ولجئوا إلى هرموز، شيراز والبصرة وكتابنا لا يبخلون في توجيه التهم بالقساوة والاضطهاد لولي الخليفة والذي كان اسمه ابن نور لكن العمانيين حرفوه إلى ابن بور "الذي يعني ابن النذل". وجاءت أخبار هذه الحملة العسكرية والتي وقعت سنة 281هـ عند ابن الأثير(2) والاصطخري(3) إلا أنه يختلف في نصوصهم اسم قائدها : محمد ابن طور وهو خطأ يسهل تبريره في الكتابة العربية (الخط العربي) كما هو معتاد بعث المنتصر برأس الإمام كهدية قيمة إلى سلطانه وقد حدث وأن تم الدفع به حتى البحر إلا أن وصول التعزيزات خول له إعادة السيطرة على البلاد.
تألم مؤرخونا الإباضيون لهذا الغزو كثيرا وكيف لا ؟ فالإمامة عمرت 163 عاما إلا شهر و12 يوما وبسقوطها فقدت عمان استقلالها والطائفة الإباضية هيمنتها فوالى الخليفة السني وانتقاما منه من الطائفة الإباضية قام بحرق كتبها هل يمكن اعتبار هذا الفعل هو السبب في إتلاف أقدم منتوج ثقافي إباضي؟.
__________
(1) 4 – تم ضم العناصر السورية إلى هذه الحملة ( الكشف. ص130، ابن زريق ص22) تجدر الإشارة إلى أن السوريين قاتلوا من غيرهم الخوارج حتى في العصر الأموي.
(2) 5 – ابن الأثير 7 ص 322.
(3) 6 – مكتبة الجغرافيا العربية 1 ص 25 حسب هذا المؤلف فإن بني سامح ابن لئي هم من كان استنجد بالمعتضد (قارن دوزمبور بالنسبة لحكم هذه الأسرة) هو أيضا يكتب أبو طور والعكس ففي اختلاف نسخ المخطوط بن حوقل الذي يتفق مع الاصطخري في هذه الفترة (مكتبة الجغرافيا العربية 2 ص 32) يرد بور. (1/123)
صفحة 124
بالرغم من أن الخليفة بسط يده في هذه الفترة على البلاد، فإن أسماء الأئمة لم ينقطع تدوينها من الواضح أن الأمر يتعلق بأشخاص تمتعوا بسلطة ضعيفة على مناطق جد محدودة وربما لم يتولوا الحكم قط مكتفين بقيادة أهاليهم لمدة وجيزة وليس هناك اتفاق في روايات مؤرخينا على أسمائهم وعلى ترتيب توليهم، إلا أنه يتم الاسترسال في الحديث عن أحدهم (الحواري ابن المطرف) ويجب الاعتراف بأنه كان له سلوك خاص (كانت له شخصية خاصة به) فهو لم يكن يدخل في الحرب وكلما أقدم جبات الخليفة أو ربما أمير الأمراء (في النص يرد لقب سلطان بغداد) لتحصيل الضرائب ينسحب من المقر الرسمي للإمامة ويستقر في بيته الخاص ولا يحرك ساكنا ليحول دون اضطهاد وتعنيف رعاياه وبعد رحيل الجبات كان يعود إلى منصبه ويضع التاج على رأسه ويقول : " لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله". دفاعا عنه قيل في مصادرنا أنه كان إماما دافعا وليس شاريا هذا السلوك الذي ليس سلوك الأسد طبعا مثير للضحك إلا أنه لا يتنافى والأفكار الإباضية لأنه يوجد في الطائفة من يؤمن بالتقية أي كتم القناعات الدينية والسياسية عند الضرورة ومن الواضح أن ذلك الإمام كان يشمل بهذا المبدأ الحاكم أيضا ويظهر أن سياسته هذه كانت ناجحة لأن خلفه سار على نهجه. بالطبع كانت فترة صعبة، فقد عرفت البلاد خلال حكم هذا الإمام الأخير(1) هجوم القرماط عليها وهم طائفة إسماعيلية استقرت بالبحرين ومنه تنشر الرعب في الخليج الفارسي وما جاوره والقرماط قوم مقرفون في نظر المسلمين الصالحين وأكثر منهم في نظر الإباضيين لأنه إضافة إلى إتيانهم شتى البدع كان يجرؤون على التملص من الفرائض الأكثر قداسة في الإسلام مثل : الصيام، الحج والزكاة معتبرينها طقوسا رمزية ثم هل كان القرماط وحدهم من يدمي العمانيين. قد عرفت البلاد في تاريخ غير محدد أيضا حملة أخرى لسلطان بغداد استطاعت أن تخضع البلاد ويزرع
__________
(1) 1 – عمر ابن محمد بن مطرف. (1/124)
صفحة 125
فيها حاميات عسكرية(1) على العموم فإن في هذه الفترة كما تؤكد مصادرنا ذلك، لم يوفق أي إمام في الحصول على إجماع الناس.
وختاما فإن الأخبار التي نستقيها من المصادر ليست بقدر ما يطفئ فضولنا كمؤرخين. فمن خلالها لا نستطيع أن نعرف لا الحدود التي بلغتها الإمامة (هذا أيضا لأن المعنى الجغرافي لعمان غير قار فهناك عما تتربع على مساحة ما يصطلح عليه اليوم بعمان، وعمان حقيقي يقتصر على الأقاليم المركزية للجبل(2) ولا القوة التي بلغتها في أحسن أوقاتها تجدر الإشارة إلى أن نزو (نزوا – نزوه) وهي مدينة داخلية كانت هي مركز الإمامة في حين كان فيه الساحل هو مصدر ثراء البلاد بفلاحته وتجارته البحرية خصوصا وتبقى الإشارة إلى صنع الإمام الرابع لمراكب بحرية الدليل الوحيد على أنه كان قد بسط نفوذه على بعض المدن الساحلية(3) على الأقل.
فترة الأئمة المتقطعين
__________
(1) 2 – يجب إقحام هنا خبر جاء به ابن الأثير (8 ص 204) في سنة 321 هـ (933 م). تحت حكم الخليفة القاهر تم إبعاد بعض القادات الحنبليين إلى عمان وهذا يدل على أن عمان كانت تابعة في كل شيء أو في جزء من أمورها لبغداد وجاء نفس الخبر عن سنوات 319 و332 هـ ابن مسكويه نشر امدروز 1 ص 221.
(2) 3 – دون القول بأن عمان كانت بالنسبة لبعض الكتاب مجرد مدينة (مسقط) (أمثال : أبو الفداء نشر رينو ودوسليفا 2 137(
(3) 1 – ليس كل المدن إذا كان ابن الأثير يقول بأن طاهر أصبح سنة 196 هـ سيدا على عمان أيضا (6، ص 182). (1/125)
صفحة 126
ببلوغنا هذه النقطة من تاريخ عمان (نهاية القرن الثالث الهجري) يعود الغموض ليكتنف سلسلة الأئمة نجد أسماء دون أي إشارة إلى تاريخ توليها وفراغا تاريخيا يعد بعشرات السنين وفي الأخير قفزة تاريخية تفوق القرنين والنصف ماذا كان مصير الإباضية في هذه الحقبة ؟ هل يجب علينا الظن أنه تم القضاء عليها ؟ كلا لكنها كانت مقهورة كان يحكم عمان سادات لا ينتمون لطائفتها(1). فمن كان هؤلاء إذن ؟ يفيدنا ابن الأثير بالعديد من الأخبار وإن كانت غير متسلسلة تغطي الفترة الممتدة ما بين 331هـ (42-943م) و495هـ
__________
(1) 2 – نستنتجه أيضا من كون الصاحب الذي سندرج اسمه في الملحوظة الآتية (يوسف ابن وجيه) حصل برا على مساعدة القرماط من البحرين ولا يمكننا تصور حلف بين طائفتين مسلمتين تختلفان عقائديا وإن كان من الممكن التحالف من أجل أسباب حربية حتى مع الشيطان. (1/126)
صفحة 127
(1-1102)، و بخبر هزيل في الأخير يعود إلى سنة 611هـ (14-1215م) ونعلم بفضل هذه الأخبار أسماء بعض الحكام (صاحب) التي تجهلها مصادرنا (كان أحدهم جد قويا إلى درجة أنه قام بحملات عسكرية ضد البصرة)(1) ثم تظهر أسماء نعرفها جيدا أسماء معز الدولة عضد الدولة صمصام الدولة، وشرف الدولة وفي الأخير بهاء الدولة(2)
__________
(1) 3 – ابن الأثير، 8 ص 298 سنة 331 هـ كان صاحب عمان آنذاك هو يوسف ابن وجيه وكانت له عدة سفن فقام بمحاصرة البصرة وعرض حياة البريدي وإخوانه للخطر واستولى على أبله.البريدي هذا كان رجلا قويا أسس كيانا مستقلا عن بغداد عاصمته واسط وقد نجا من يوسف بفضل بحار (استطاع هذا إضرام النار في اسطول الغزوات وذلك بإرسال ضده وبعون التيار البحري قاربين محملين باوراق جافة تم إيقاد النار فيها من قبل سيقال اليوم : إجراء خرجة بواسطة معدات هجومية) قليل بعد ذلك حكم عمان عبد أسود (سيقال عنه فيما بعد أنه معتوق) اسمه نافع ثار ضد سيده (صاحبه المشار اعلاه) وقد استمرت سيطرة نافع على الحكم لمدة وجيزة لأنه في سنة 341 هـ ( ابن الأثير 8، ص 372) عاد يوسف ابن وجيه بنفسه للهجوم على البصرة وباء هجومه بالفشل ولم يتم القضاء على نافع لأننا سنجده فيما بعد يبارك الحملة البويهية على البلاد. عند "دوزمبور" يفتتح يوسف ابن وجيه سلسلة السلاطين الوجيه يين الثلاثة (يجب تصحيح التاريخ الوارد عنده 322 ب 332 هـ) الدين ترد أخبارهم عند ابن مسكويه أيضا (ذكر).
(2) 4 –معز الدولة هو ذلك الأمير الذي استطاع بعد السيطرة على أراض شاسعة تدخل ضمنها تلك الأراضي الأسيوية الواقعة بين دجلة والفرات، استطاع الدخول إلى بغداد سنة 394 هـ وظل يحكمها لمدة 21 سنة في سنة 354 هـ قام بحملة عسكرية ضد عمان وكان آنذاك يحكمها نافع (ملحوظة 2) فكان النصر حليفه إلا أنه اضطر إلى إعادة الكرة مرة أخرى سنة 335 هـ (ابن الأثير 8، ص 417-420) توقف ابن الأثير كثيرا عند هذه الأحداث (نفس الموضع) كم هي الأحداث التي شاهدتها عمان في سنة واحدة ! هجمة القرماط تعيين ثلاثة أمراء حتى الزنوج عينوا أحدا منهم فالعسكر هناك ما في بغداد أصبح هو من ينصب ويخلع ( قارن ابن الأثير ،8،ص 474).لقد لعب نافع دور المنسق في الحملة العسكرية البوهية الثانية على البلاد ( سنة 355هـ) والتي دعمها عسكر قريب معز الدولة، في سيراف. يكمن الاعتماد بخصوص هذه الأخبار على ابن مسكويه أيضا، نشرا، أمدروز،2، ذكر. (1/127)
صفحة 128
. والأمر هنا يتعلق بالبوهيين.
يجب أن نستنتج هنا أن هؤلاء الأمراء حكموا عمان انطلاقا من سنة 354هـ بينما انسحب الإباضيون تحت وطأة المهانة إلى الجبل حيث حصنوا أنفسهم وكما سنقول فيما بعد، هاجموا أعدائهم كلما كانت الظروف سانحة لذلك. قبل ذلك التاريخ ومن خلال فحص دقيق للمعلومات المتوفرة لدينا نستخلص أن البلد كان مسرحا لصراع أربعة عناصر : الإباضيون الذين كانوا يحاولون الاحتفاظ على استقلاليتهم، سادات محليون، ربما كانوا سنين غير أن هذا لم يمنعهم من طلب المساعدة للقرماط، قرماط البحرين والبوهيون. وقد انتهى الأمر بسيطرة(1)
__________
(1) 1 --تسلم عضد الدولة ( السلطان الرابع) زمام الأمر في عمان سنة 356 من يد والي أخيه عليها بعد وفاة المعز ( ابن الأثير، 8، 426؛ قارن أيضا بن مسكويه، 6، 277-280). غير أن الأمرلم يستتب له، فاضطر سنة 362هـ إلى إرسال جيش إليه ضد أحد الزنوج كان ينوي السيطرة على صحار قصبة عمان آنذاك والبريمي والرستاق ،وهي مناطق يسكنها الإباضيون ( ثم ذكرها سهوا عند ابن الأثير).
-في سنة 363 هـ (73-974) وقبل هزيمة الإباضيين التي سنقف عندها طويلا في ص 22 كان يحكم جبال عمان وزير بويهي ( ابن الثير8، ص474) وهو ما يؤكد لنا أن سلطان تلك الفترة كان قد فرض سيطرته حتى على الإباضيين في الداخل. من المعلوم أن الأوضاع انفجرت بين أعضاء الأسرة البويهية وكان لهذا الانفجار صدى في عمان أيضا لأنه جاء أن الخطبة سنة 375هـ (85-986م ابن الأثير،9 ص 28) كانت باسم صمصام الدولة ( ابن عضد الدولة وعاشر السلاطين في 379هـ) ثم باسم أخيه شرف الدولة. فيما بعد (390هـ-999-1000م، ابن الأثير،9، ص 157) كان بهاء الدولة هو من عين قاضيا على عمان والسواحل. (1/128)
صفحة 129
هؤلاء ( البوهيين) بفضل العناصر الداخلية التي كانت تساعدهم(1) في القرن الرابع الهجري: هذه هي الفترة التي بدأت فيها مدينة سيراف على الخليج الفارسي انحطاطها لتسلم المشعل لمدينة صحار: وهذا الأمر واقعي إذا كان كاتب عربي سافر إلى هناك عند بداية هذا القرن وهو المسعودي لا يفرق بين سيراف وصحار حين يتحدث عن الملاحين الذين يتاجرون مع بلدان بعيدة(2) ؛ وإذا كان عالم جغرافي مثل الأصطخري(3) الذي كتب عن صحار سنة 340هـ، ومن بعده المقدسي(4) سنة 375هـ، بأنها المدينة الأكثر كثافة وثراء على الخليج الفارسي أو بحر الصين كما كان يطلق عليه آنذاك. بالإضافة إلى هذا فإنه سواء هاذين العلمين الجغرافيين أو المهداني ( توفي سنة 334هـ=945م) يشيرون إلى صحار كعاصمة (قصبة) لعمان(5). إذن خلال القرن 4هـ كانت هذه المدينة الساحلية بساكنتها الفارسية(6)
__________
(1) 2 –تعود آخر محاولة للقرماط للوقوف في وجه البوهيين في عمان إلى سنة 354. بالفعل وبعد رحيل جيوش معز الدولة ( انظر ص19. ملحوظة) سلم الشعب أمر البلاد للقرماط غيرأن حكمهم لم يعمر كثيرا فقد تم نزعه منهم في السنة الموالية. ويظهر من هذه الأخبار أن القرماط وإن كانوا من الشيعة مثلهم مثل البويهيين فإنهم كانوا يقفون حاجزا أمام الأطماع التوسعية لهؤلاء.
(2) 3 – ذكر المصدر في ص 8.
(3) 4 – مكتبة الحغرافيا العربية ،1،ص 25: يؤكد فيها أن عمان كان مستقلا.
(4) 5 - نفس المصدر،2،ص32.يتحدث الكاتب عن انحطاط سيراف ويضيف إلى أن الفضل في ازدهار صحار يعود إلى البويهيين .
(5) 6 –الهمداني : نشر Muller. 1،ص 125).( توفي سنة 650هـ=1234م) : يتحدث ابن الأثير أيضا عن صحار بنفس العبارة ( انظر ص 120، ملحوظة 3 ص10).
(6) 7 –هكذا كان ينعتها القزواني ( توفي 682هـ-1282م) في جغرافيا في كتاباته الجغرافية :
(Kosmographie ,ed, wustenfeld,II Theil p.37). ويخبرنا المقدسي أيضا أنه بينما كانت لغة بلاد العرب كلها هي العربية فإن لغة صحار كانت هي الفارسية. (1/129)
صفحة 130
وليس الجبل وساكنته الإباضية، هي من كان يتحكم بشكل من الأشكال في الإدارة العليا للشؤون العمانية.
بموازاة مع السيطرة البويهية، حسب خبر أورده ابن الأثير ونود إثارة انتباه القارئ إليه، فإن عشيرة محلية بدأ يصبح لها شأن وهي عشيرة بني النبهان(1). ولابد هنا من فتح قوس كبير لتصحيح واستكمال المعلومات المغلوطة والهزيلة الواردة عند هوارت –Huart- ودوزمبور –Zambur- بخصوص بني النبهان هؤلاء الذين تحكمت أسرتهم في أمور عمان لعدة قرون كيف نشأت الأخطاء التاريخية التي وقع فيها هؤلاء الكتاب ( يتعلق الأمر باختلاف غير محدد بالنسبة لقيام حكم هذه الأسرة وباختلاف يزيد عن قرنين حول سقوطها) أمر غير مفهوم(2) أما فيما يخص النقص الوارد في معلوماتهم فهو ناتج عن كون مخطوط ابن زريق الذي ترجمه بادجر وهو مصدرهم الوحيد، كان ينقصه بعض الصفحات بكل احتمال(3)
__________
(1) 8 –ابن الأثير8،ص 474، سنة 363هـ أخذ أحدهم اسمه عمر ابن نبهان الطائي بزمام الأمر وشيع السلطان البويهي عضد الدولة.
(2) 9 –فهم يأتون بلائحة السلاطين الذين قد حكموا ما بين 549ه و809 ه ـ(= 1145-1406م) وربما وبكل احتمال دون الإطلاع على المقدمة التي جاء بها بادجر حيث الأحداث أكثر تفصيلا ودقة ولا على نص ابن رزيق مكتفين بالتواريخ المغلوطة التي تمت إضافتها إلى لائحة الملوك النبهانيين القلائل ولا يظهر من نص ابن رزيق فقط أنه يجب استنتاج أن بني النبهان حكموا البلاد لما يزيد عن 500 سنة واستمرت سلطتهم على بعض مناطقها لأكثر من تلك الفترة بل أيضا أنه من خلال الحديث عن أحداث آخر ملوكهم تتم الإشارة إلى المسيحيين، أي الربتغاليين الذين استقروا بعمان سنة 1508، وليس قبل،والأكثر من هذا تم ذكر تاريخ 1026هـ=1617م . ختاما فإنه تجري ما بين خبر ابن الأثير عن سنة 363هـ والذي تحدث فيه عن وصول أحد النبهانين إلى الحكم، وربما الأول وتاريخ القضاء على القوة النبهانية 1034هـ، تجرى 671سنة .
(3) 1 - بالفعل يأتي الكشف بأسماء ملوك سبقوا أولئك الذي يتحدث عنهم ابن رزيق. (1/130)
صفحة 131
.وبما أن الأمر يتعلق بالملوك وليس بالأئمة الإباضيين(1) فإننا نترك جانبا تاريخ بني البنهان مكتفين بالإشارة إلى أنه يجب إعادة كتابته كلية.
أكثر أهمية بالنسبة لنا الخبر الذي جاء به ابن الأثير(2) ومفاده أنه في سنة 363هـ (3-974م) اجتمعت حشود من الخوارج ( يقرأ الإباضيين) في جبال عمان وحاولت بقيادة إمام اسمه حفص بن راشد استرداد السيطرة على البلاد. من كان هذا الإمام؟ هل يمكننا التعرف عليه كأحد الإئمة الذين جاء ذكرهم في الكشف وعند ابن رزيق؟ ورد اسم مطابق لهذا في هذه المصادر لكنه كان لإمام دون أهمية والأكثر من ذلك أنه جاء في الكشف أنه اختير إماما سنة 557هـ وفي تاريخ ابن رزيق في سنة 445هـ.
يمكن عكس ذلك وانطلاقا من الفترة التي تولى فيها الحكم التعرف عليه على أساس أنه هو راشد ابن الوليد الذي عاش في فترة غير محددة، ما بين 328هـ و400هـ، وهو شخصية من الدرجة الأولى في الروايات المحلية قيل عنه أنه أجبر على الخضوع للسلطان، غير أن بعض التفاصيل البيوغرافية لهؤلاء الأشخاص، كما جاء بها من جهة ابن الأثير ومن جهة أخرى كتب التاريخ المحلية، لا تتفق مع بعضها البعض.ودعما للمطابقة بين هاتين الشخصيتين يجب ملاحظة أن ذلك الإمام، حسب ابن الأثير، قام بتغيير اسمه إلى راشد بالله وهو اسم شبيه في نطقه براشد ابن الوليد إلا أنه من جهة أخرى، هناك أمر يخلط الأوراق وهو كون ابن الأثير يذكر في حديثه عن سنة 422هـ ابن راشد آخر تشبه أعماله البطولية أعمال راشد ابن الوليد الذي جاء في كتب التاريخ المحلية. في أي نص وقع الخلط؟ في ظننا عند ابن الأثير لأنه يجب علينا تفضيل الكتاب المحليين بخصوص تاريخ الأئمة.
__________
(1) 2 - فيما يبدو فإن أحدهم انتدب نفسه إماما لكن دون سلطان حسب الإباضيين لأنه لا ينتمي إلى طائفتهم.( انظر بادجر ص19، ملحوظة 2 ونص ابن رزيق ص 52)
(2) 3 - ابن الأثير ،8،ص474. (1/131)
صفحة 132
بينما نعطي في الملحوظة تفاصيل الأحداث حسب ابن الأثير(1)
__________
(1) 4 - فهذه هي تلك التفاصيل : عين الخوارج كأمير لهم أحدهم اسمه ورد ابن زياد وكخليفة ( يقرأ إمام ) حفص ابن راشد وقد كان خطرهم كبيرا على البويهيين، فأرسل عضد الدولة جيوشه ضدهم وتقدموا إلى هرفان فأرسل أحد الأقاليم العمانية ، ثم ذما ( وهي تقع على بعد أربعة أيام من صحار) واقترفوا بها مجازر وهزموا الأمير والإمام معا. واستمروا في تقدهم حتى بلغوا نزوا عاصمة تلك الجبال وبينما قتل وردفر حفص إلى اليمن حيث تعاطى التعليم. واستمرت الحرب ضد الثوار حتى تم إخضاع البلاد كلها.
وهذه هي تفاصل الثورة الإباضية في سنة 1422هـ ( ابن الأثير ،9،ص387) : في سنة 420 هـ قام الخوارج الذين يقطنون الجبال بقيادة ابن راشد بالعودة إلى الهجوم بسبب استيائهم من الطريقة التي يدير بها عبد، يجد قوة ودعما من طرف المرتزقة البويهيين يدير بها البلاد.وقد كان أميرا في تلك الفترة ابن لأبي -كاليجار إلا أنهم تكبدوا الهزيمة فعادوا إلى مساكنهم ليعاودوا الكرة بمساعدة الأهالي الذين ضجروا من تعسفات البويهيين. بعد قتل العبد والعديد من المرتزقة وأسر الأمير والوالي وأعوانه، قام ابن راشد بتخريب مقر الإمارة صائحا : " هذه هي الدار التي تستحق الهدم ! أقيمت الخطبة باسمه وهو ما يعني كما هو معلوم إعلان الاستقلال. لا يحدثنا ابن الأثير عن نهاية هذا الإمام بل يضيف أنه كان في فترة سابقة قد حاول وضع البلد في قبضته ولكن السلطان المحلي( آنذاك أبو القاسم ابن مكرم)أوقفه واضطره إلى التخلي عن تطلعاته.
لا يبدو أن راشد ابن الوليد-الذي تتحدث عنه المصادر الإباضية كان قد قاوم كثيرا الغزات لهذا يشبه اكثر من الثائر الذي يحكي ابن الأثير أعماله البطولية في سنة 363هـ وليس ذلك الذي يحكي عنه في سنة 442هـ غير أنه لم يفر وإنما خضع للسلطان وهنا يكمن الاختلاف في التفاصيل البيوغرافية التي أشرت إليها أعلاه. (1/132)
صفحة 133
سنتعرف على بعض مميزات هذا الرجل حسب نفس المؤرخ دائما : فقد حكم ابن رشد بالعدل، ألغى الضرائب واكتفى بطلب العشر الشرعية ( هذا أمر يظهر تطبيقه لأحد مبادئ الإباضية ) اعتاد لباس الصوف وهو ما يعني أنه كان شخصا صارما في سلوكه.
هذه هي عصارة الصفحات التي خص بها الكشف، وبشكل مماثل تقريبا ابن زريق، راشد ابن الوليد: تاريخ إعلانه إماما غير محدود وقد تم بشكل يتنافى والقاعدة اللإباضية بهذا الخصوص وهو ما يفسر لهفة كتابنا لتبرير وضعه هذا: اجتمع بعض كبار الشخصيات وأكثرها استقامة، وهي موضع ثقة لذا الطائفة، فقاموا بتعيين راشد إماما بعد أن اشترطوا عليه عدة أمور فقدموه للناس الذين اجتمعوا في سهل نزوا للإجماع على اختيارهم.وقد توافد الناس بشكل كثيف من كل المدن العمانية وبايعوا الإمام بإجماع وبحرية. وقد قام الإمام فور انتخابه بتنظيم الجيش والإدارة واستخلص العشر شرعا وسار على سيراط مستقيم يظهر أنه غير شغوف بالدنيا ورعاية المصالح الشخصية. وقد اكتسب شعبية كبيرة بسبب طابعه الديموقراطي(1)(2)
__________
(1) 1 انظر أعلاه بخصوص : ص13 ملحوظة 1. (1/133)
صفحة 134
استمر على نهجه هذا حتى حين أرغمه أشياعه على تحمل المصائب والإهانات والقذف. وكان يكتفي بالدعاء بالضلالة على من كان وراء مصائبه. لكن آه لم تنفعه كل هذه الاستقامة، فقد تبرم الناس عليه ووشوا به إلى السلطان وفي يوم نحس تخلوا عنه وهو في جمع يسير نحو بهلى للتصدي للغزات وكان يفضل الهجوم عليهم على أن يلقاهم غير أنه فطن إلى قلة اتباعه فهرب. أثناء هذا كان السلطان قد دخل إلى نزوا ولم يهاجمهم راشد الذي ظل يتمنى عودة الرعية إليه فهاجمه أتباعه وتكبدوا الهزيمة. بعد ما تخلى عنه الكل اضطر المسكين إلى معاينة أفراد رعيته ينحنون أما الطاغية الذي أصبح سيدا لكل تخوم البلاد. وبينما كان هو تائها في الجبال والأودية بعيدا عن الأهل والبيت كان الرعايا في بيوتهم ينعمون بالأمان لأنهم أدوا الولاء للسلطان. خلاصة القول فإن مؤرخينا رسما لنا لوحة جد محزنة للصفح عن وهن إمامهم الذي قرر في آخر المطاف وبعد مشورة أهل الرأي الخضوع للسلطان، انحنى له غير أنه لم يكن يشاركه مجالسه رغما عن الضغوط التي كان يتعرض لها. هذا ما يؤكده ابن رزيق على الأقل، وعاش بعض الوقت يحظى بتقدير الكل.ومع الأسف هذا ما آلت إليه الإمامة في النهاية فمرت سلطتها إلى أياد أخرى.كاتب الكشف وهو أكثر عشقا للحقيقة، وستتاح لنا الفرصة لتوضيح هذا فيما بعد، يعترف بصراحة أنه تحت إصرار السلطان قبل الإمام، راشد أن يتردد على بلاطه، وكان هذا هو ما وضع حدا لإمامته. (1/134)
صفحة 135
بعد هذه -السيرة- توافينا مصادرنا الإباضية عن هذه الفترة إلى غاية وصول اليعربديين إلى الحكم بأسماء بعض الأئمة وبعض الأخبار الضعيفة. وكأن هذا لا يكفي للإلقاء الظل على هذه الفترة، فإن هناك اختلافات في هذه الأسماء( هناك أسماء إضافية في الكشف)وغموض وتباعد في التواريخ. والسبب وراء هذا واضح أيضا هذه المرة : أولئك الذين يحكمون البلاد كسلاطين مستقلين بذاتهم أو كاتباع للبويهيين، لوحدهم أو مع أمراء آخرين هم بنو نبهان (1)، وهم ليسوا إباضيين وأهميتهم عند المؤرخين المحليين إما قليلة أو منعدمة .
__________
(1) - يتم الحديث عند هلال السبي ( نشر أمدروزص. 440) عن ولي، الفراح، الذي جمع ثروة كبيرة في عمان وهذا سنة 392هـ. هل كان وليا للبويهيين؟ (1/135)
صفحة 136
الفراغ التاريخي الذي أشرنا إليه آنفا يمكن استدراكه بأخبار وردت عن ابن الأثير يعطي فيها أسماء سادات لكن دون ذكر إن كانوا نبهانيين أم لا(1). وبما أن الأمر لا يتعلق بأئمة وتباعا لرغبتنا في الحديث عن الإباضية العمانية فإننا سوف لا نتوقف عندهم. في مناسبتين على الأقل سنة 431هـ و433هـ، حصل هؤلاء على مساعدة البويهي ابو كاليجار (2) لهذا يمكن اعتبار أن البلد كان لا يزال يخضع للتأثيرات البويهية في النصف الأول من القرن 5هـ ( النصف الأول من 11م). ويكتنف غموض كبير النصف الثاني من هذا القرن، فالأسرة البويهية آلت إلى الانحطاط(3) .من يكون محمدا ابن مضار ابن محمود الذي كان سيدا ليس فقط على جزء كبير من عمان ولكن أيضا على بعض مناطق الخليج الفارسي وكان جد قوي إلى درجة أنه استطاع في سنة 495هـ-1102م، تجهيز أسطول بحري من 50 ثم 100 سفينة ليحد من ثائرة عدوله في جنوب العراق(4). أنا أجهل من يكون. وكل ما أعرفه، هو أنه سلجوقيا ( عماد الدين قرار سلان قورد) أحكم سيطرته حوالي النصف من ق 5هـ على الكرمان فأخضع عمان على يد أمير هرموز، وبأن خلفه أرسلان شاه استمر في الحفاظ على سيطرة سابقه على عمان حتى نهاية حكمه سنة 536هـ 1142م(5)
__________
(1) 2 – أي أبو القاسم ابن مكرم وأبناءه ( انظر ابن الأثير،9ن ص310، سنة 428؛9 ص318-320 سنة 431هـ؛ 9 ، ص344، سنة 433 هـ ) بالطبع لم يكونوا إباضيين لأن ابن مكرم هذا وقف حاجزا أمام الأطماع الدنيئة في الاستقلال للإمام الذي عينه أعضاء تلك الطائفة( انظر ص22 ملحوظة في الأخير).
(2) 3 – بالتدقيق : عماد لدين الله، خامس عشر السلاطين البويهيين من 416 إلى 440هـ.
(3) 4 –حددت نهاية حكمهم في سنة 447هـ ( 1055م)، تجدر الإشارة إلى أنهم في سنة 422 هـ قمعوا الثورة الإباضية التي جاء عنها الحديث في ص 22 ملحوظة 4.
(4) 5 –ابن الأثير ، ص223-224ن سنة 495 هـ.
(5) 6 –محمد ابن إبراهيم ( مجموعة نصوص متعلقة بتاريخ السلجوقيين، نشر هوستما) 1.ص.8-9و ص10، 26، كانت عمان أيضا مسرحا للصراع الذي دار بين السلجوقيين محمد وأخيه سلجوق شاه( نفس المصدر. ص31-32). ينقصنا تاريخ احتلال عمان. قارن أيضا : Houtsma in Zeitschr. d Morgenl. Gesellsch, 34.p 368. sykes . P.M, A History of Persia, London, 1915,1, p 102 حيث يجب تصحيح خلفائه بخليفته. (1/136)
صفحة 137
.
أما بالنسبة للقرون الموالية فإننا نلتمس طريقنا في الظلام باستثناء شعاع يسطع علينا بين الفينة والأخرى. ويمكننا أن نفترض أن عمان رغم كونه خاضعا عاش حياة نوعا ما مستقلة تحت قيادة بني النبهان وأمراء محليين كانوا تقريبا في صراع بينهم. ولكن على الساحل بدا اتساع تأثير ونفوذ مدن لضفة الأخرى التي أصبحت قوية. أن تكون التجارة في القرن السادس الهجري قد تحولت وجهتها إلى عدن بسبب قراصنة كيش، هو ما يخبرنا به الإدريسي (توفي 560هـ1166م)(1) كما نعلم منه أيضا أن الإباضيين، وهم كثرة في زمانه، كانوا يعيشون في قرى محصنة على جبل خاضع لسيطرتهم وأن أولئك الذين كانوا في نزوا لم تكن لهم مراكز مهمة على الساحل(2). في الفترة التي كان يكتب فيها ياقوت( بداية القرن 7هـ-13م) كانت قلهات في عمان آهلة بالسكان ومزدهرة (ازدهارها حديث ولم يأت إلا بعد 500هـ ) وهي عبارة عن مرفأ ترسو فيه السفن القادمة من الهند. كان يخضع لسيطرة صاحب هرموز. جل ساكنته إباضيون وهم لا يكترثون في الكشف عن معتقداتهم الدينية(3) يؤكد ياقوت نفسه من جهة امتلاك هرموز لمنطقة على السحال العماني. ويشير من جهة أخرى إلى سيد تلك المنطقة بملك ذلك البحر والذي كان مقرا إقامته في قيس أو كيش(4). بالفعل فإن هذه الفترة هي التي بلغت فيها قوة سلطان تلك الجزيرة ذروتها، في فقرة أخرى(5) يشير نفس الكاتب دائما
__________
(1) 7 – ترجمة ، جوبرت Jaubert ص152.
(2) 8 – نفس المصدر ص153 حيث تبدو أسماء الأماكن غير صحيحة، القاموس تحت صوت نزوا.
(3) 1 –ياقوت، 4، ص168. عن "كليتي" التي هي قلهات يتحدث أيضا ماركو بولو Marco Polo. (القرن 8 م) ويؤكد لنا استقلالها عن هرموز ويفيدنا بمعلومات قيمة عنها. كما يحدثنا عنها أيضا ابن بطوطة. كانت لا تزال مدينة جميلة وقوية عند بداية القرن 16 م.
(4) 2 –نفس الموضع، 4، ص215.
(5) 3 –نفس المصدر ،3، ص 396، يعرف ياقوت الكثير عن الجزيرة لأنه زارها مرات من أجل العمل. (1/137)
صفحة 138
إلى تؤام(1) كعاصمة قصبة عمان بالنسبة للمناطق المجاورة للجبل وهو ما يدفعنا إلى الظن أن هذه المدن المشار إليها كمراكز لمقاطعات كانت أيضا عواصم لدويلات على رأسها أمراء. بصيص أخر من النور ينير سبيلنا عند بداية القرن 7هـ. فقد قدم سلطان من آسيا الوسطى، بالضبط من منطقة منخفض أوكسوس- OXUS- يلقب بخوارزم (2)شاه واستطاع غزو المناطق الواقعة على الساحل الفارسي بما فيها هرموز سنة 611هـ وانتزع من أهلها إقامة الخطبة(3) فيها باسمه وفي عمان أيضا التي كانت تابعة لها(4). بهذا الشكل نحصل على تأكيد للهيمنة التي كانت لهرموز في حين نعلم من مصادر أخرى أن صحار قليلا بعد ذلك كانت في طريقها إلى الانحطاط أو إلى الاندثار على الإطلاق(5)
__________
(1) 4 –البريمي اليوم وهي منطقة يرد اسمها في أخبارنا المحلية كلما تعرض عمان لهجوم بري ، لأنها تقع على طريق سهل. يضيف بادجر إلى اسمها حركة فتصبح توام ولكن اسمها الصحيح هو الذي جاء به ياقوت والبكري تؤام.
(2) 5 - في الحقيقة خوارزم شاه ليس إلا لقبا عاما لسلاطين خوارزم؛ في سنة 611 هـ كان الذي يحكم تلك البلاد هو محمد خلف تكاش.
(3) 6 - أي أن الدعوة التي ترفع إلى الله في صلاة الجمعة تكون له، وهذا كان يعني تأكيدا على الاستقلال.
(4) 7 –ابن الأثير. 12،ص، 198 سنة 611هـ.
(5) 8 – هكذا أيضا في زمان أبو الفداء ، ( توفي 732 هـ-1331 م) ترجمة : Reinaud - Guyard،2ن ص136. (1/138)
صفحة 139
أنا نتوفر على خبر دقيق بخصوص سنة664هـ، فقد تعرضت البلاد لغزو قوم من شيراز ( كان يحكمها آنذاك بنو النبهان(1) إلا أن هذا الغزو باء بالفشل، سنوات بعد ذلك تعرضت لحملة تحت قيادة سلطان هرموز(2) لكن باءت هي الأخرى بفشل ذريع. على أي فإن هرموز استطاعت أن تحافظ على هيمنتها حتى بداية القرن 16هـ ). وهو ما تفيده مصادر برتغالية تطلعنا أن صحار كانت تؤدي لها في تلك الفترة ضريبة(3) وأن سكان مسقط، في الفترة نفسها، كانوا يعتبرون أنفسهم من رعاياها.
ابن بطوطة، الرحالة المقدام والذي لا يكل كان قد وصل إلى قلهات سنة 781هـ (1330م) وعكس ما كان يؤكده ياقوت في زمانه، فإن سكان هذه المدينة كانوا يخفون معتقداتهم المبتدعة أو الإباضية، خيفة من سلطان هرموز ومن هناك مضى حتى بلغ نروا الني يصفها على أنها مدينة جميلة أسواقها ومساجدها رائعة ونظيفة، سكانها إباضيون وهم في حرب دائمة بينهم، وسلطانها نبهاني(4) .
__________
(1) 9 – غير أن الساكنة كانت كلها إباضية باستثناء الأجانب ( قارن القزويني : Kosmographie,ed,wustenfeld, II,Theil,P 37) كان القزويني يكتب سنة 674هـ أيضا عن بني البنهان كأسياد البلاد. ابن بطوطة الذي زارقلهات سنة 729هـ (1328م) (Lee's Translation. P.62)
(2) 10 – جاءت هذه الأخبار في الكشف وعند ابن رزيق وكيان (1،ص 483 ) الذي يشير إلى أن تاريخ هذه الحملة هو 660 هـ(21-1262م) وأن تاريخ حملات سكان شيراز هو 674 هـ (1276هم) و 675هـ ويعطينا هذا المؤرخ أي كيان أسماء السلاطين النبهانيين الذين حكموا آنذاك.
(3) 11 – حسب رواية فريا اسوزا –Fariaysousa- انظر ملحوظة البادجر في مؤلفه الذي تم ذكره ص 12.
(4) 12 – نشر دفرمري وسنكوينني Defremery Sanguinetti-2 : ص 220-226-،227-229. (1/139)
صفحة 140
شهدت نهاية القرن 9هـ صحوة للحركة الإباضية حين استطاع إمام اسمه عمر ابن الخطاب أن يستولي على ممتلكات بني النبهان أثرا انهيار عابر لقواهم(1)؛ وبداية القرن 10هـ (16م) حين تم تعيين رجل مقدام إماما لكونه قتل سلطانا نبهانيا أذنب في حق امرأة كانت تستحم .(906هـ=1500م)(2).
هكذا نكون قد بلغنا عتبة الأحداث الأكثر أهمية بالنسبة لنا نحن الغربيين واقلها بالنسبة لسكان المناطق الداخلية لأنهم تركوا ومنذ قرون للأجانب الهيمنة على الموانئ. فهرموز كانت تتحكم في تلك البحار وكانت غنية بتجارتها ونفوذها عند ما قدم البرتغال بأسطولهم تحت قيادة –Albuquerque- واستقروا في المدن الساحلية من عمان ( صحار، صور، قريان إلى آخره).
__________
(1) 1–تم إحداث هيئة لتقصي الحقائق ( كان لبني النبهان من يمثلهم قصد الدفاع عنهم) وتعويض كل الذين تم اضطهادهم على يد النبهانيين. ما بقي من ممتلكات هؤلاء ولم يدفع لمستحقيها تم دفعه للفقراء وللإمام نيابة عنهم. تتحدث مصادرنا طويلا عن الواقعة لإثباتها كسابقة يجب اتباعها حين تتم السيطرة على ممتلكات العدو وقد حدث هذا سنة 887 هـ. (1482م).
(2) 2– غير أن هذا الإمام (محمد ابن اسماعيل) ( وابنه بركات) وهو إمام منذ 965هـ كانوا حسب الكشف، كفارا لكونهم حصلوا العشر بالقوة ولتعسفات أخرى.يعتبر الإباضيون شططا وتعسفا إرغام من يؤدي العشر ( وهي الشرع في الإسلام على أداء الخرج ( وهو ضريبة كان يؤديها الكفار فقط). (1/140)
صفحة 141
واتخذوا من مسقط قلعة لهم (1508م) واستطاعوا في الأخير الاستيلاء على هرموز نفسها (1515 م – 920هـ) سكتت مصادرنا الإباضية عن هذا الغزو. هل احتقارا منها للكفار ؟ لهذا السبب أيضا ولكن وبالخصوص لأن هذا الغزو الجديد لم يكن يؤثر كثيرا في مصير الطائفة الإباضية. حكم البرتغاليون أكبر الموانئ واكتفوا بفرض الضرائب على الموانئ الصغيرة مع ترك إدارتها في أيادي السلطات المحلية ولم يتقدموا نحو الجبل(1).
__________
(1) 1 – لهذا تركت جانبا في دراستي هذه المصادر البرتغالية. جوود بروس Ja à o di Barros الذي لم أتفحص مباشرة كتابه يتحدث عن إمام بهلى [عاصمة الإمامة آنذاك] والرغد والطمأنينة التي كان يعيش فيها رعاياه وأيضا عن وجود العديد من العلماء في دولته [إمامته] (كيان) تم ذكره 1. ص 500) كان محمد ابن اسماعيل آنذاك هو الإمام (الملحوظة السابقة) (1/141)
صفحة 142
ستتحدث مصادرنا عن المسيحيين فيما بعد ورغما عن نعتهم بالكفار سيتم الاستعانة بهم في الحروب الأهلية من طرف أحد المتطلعين إلى الحكم ثم حين سيتم إجلائهم عن البلاد على يد أحد الأئمة. كانت هذه فترة انحطاط ليس بالنسبة لاقتصاد البلاد الذي يحتمل أن يكون يستفيد من نشاط الغزاة، ولكن بالنسبة للإباضيين الذين هووا نحو الأسفل حتى ثقافيا إلى درجة أن أحد أمرائهم اضطر لما لم يجد من بين إخوانه من يعينه قاضيا على تعيين كافر سني في هذا المنصب (بالنسبة لعامة المسلمين سني)(1) حينما تكون الطائفة على هذا القدر من المهانة كما قد لاحظنا من قبل، فإن أعين مؤرخينا تصيبها غشاوة وأدانهم وقر. ماذا كان يحدث بتخوم عمان الداخلية حين كان البرتغال يحتلون الساحل ؟ بكل احتمال كانت تعيش في الفوضى كما حدث ذلك في حقب كثيرة من تاريخ البلاد والأكيد أن عمان كان منقسما إلى العديد من الدويلات(2) قبيل وصول اليعربديين إلى الحكم.
__________
(1) 2 – حدث هذا للأمير اليعروبيدي على وبل (مقاطعة الرستاق).
(2) 3 – في الكشف (ص 155) لائحة الملوك والسلاطين الذين حكموا مناطق مختلفة. قارن أيضا ابن رزيق ص 54 غلفار أو كرفار (ياقوت 2، ص 63 و104 وليس جلفار كما جاء عند بادجر) اليوم هي رأس الخيمة وكانت في يد الفرس.
جد صائب الوصف الذي يقدمه صاحب الكشف عن خصوصيات سكان عمان (ص 154) : طموحون ، لديهم لديهم عزة نفس تواقين إلى الحرية متطلعون إلى السلطة لأنفسهم ولمن يحبون غير أن لجيرانهم نفس التطلعات. (1/142)
صفحة 143
من جهة أخرى لم يكن البرتغاليون يتمتعون بالطمأنينة المطلقة ولم يكن العدو القادم بعيد(1) وحده من كان يقض مضجعهم ويخرجهم أحيانا من مواقعهم ولكن أيضا القادة المحليين وهؤلاء في ظني لم يكونوا إباضيين(2)هكذا مضى قرن على احتلال البرتغال لمسقط ثم جاء بعده الغلبة.
اليعربديون(3)
1034هـ/1624 م – 1154هـ/1741 م
العواصم : الرستاق، يبرين، نزوا إلى آخره
__________
(1) 4 – مثل الأتراك الذين احتلوا المدينة سنة 1552 والعرب القادمون من عدن سنة 1580 م .
(2) 5 – كان في سنة 1616 م سيد صحار أحدهم اسمه عمير، أظنه جد بني عمير الذين كانوا قبل وصول اليعربيدين إلى الحكم أسياد سمائيل.
(3) 1 – لفظ يعربد في الموسوعة الإسلامية كروهمان تم إنجازه انطلاقا من أخبار Neibuhr و Wellsted والتي تم تجاوزها من لوحات دزمبور ورد عن كيان أيضا لأخبار تهمهم إلا أنها لم توظف في ذلك. (1/143)
صفحة 144
الرجل الذي غير من مصير الطائفة الإباضية واستطاع سواء بالحرب أو الديبلوماسية أن يضع يده على أكبر جزء من البلاد(1) هو الأزدي يعربد ناصر ابن مرشد الذي انتدب إماما سنة 1034هـ (1624م) وتوفي سنة 1050هـ (1640م)(2) لم يكن يحارب البرتغاليين الدين هاجمهم في مسقط(3) صحار(4) وسور، والفرس الذين كانوا يحتلون إلى جانب البرتغاليين غلفار وحدهم ولكن أيضا أبناء جلدته. هل كان لهذه الحروب طابع الجهاد ؟ لا يظهر هذا في نصوصنا بل العكس فمن بعض التفاصيل يجب استنتاج أنها لم تكن تقوم على أية خلفية دينية وإلا كيف يمكن تفسير معاملة بني هناه وهم إباضيون حتى يثبت عكس ذلك معاملة جوفاء تضعهم في نفس درجة الكفار وبنفس الشروط كتقييد حقهم في المعمار ومنعهم من حمل السلاح إلى آخره ؟.
__________
(1) 2 – لم يبسط يده على مسقط وصحار بعد لأنها كانت تحت سيطرة البرتغال.
(2) 3 – كان قبره وربما لا يزال في نزوا وتبدو سنة 1050 سنة وفاته هي الأصح وليس 1059 هـ.
(3) 4 – تم تدمير البروج الأخرى لمسقط غير أن المدينة بقيت في يد البرتغال حتى سنة 1650 م أي إلى غاية تولي خلف ناصر (توفي 1090 هـ 1680 م حسب الكشف وليس حسب دي زميور) . الحكم احتفظ البرتغاليون ولقرن آخر على ضيعة في عمان لكنها دون أهمية : كونك. أما هرموز فقد انتزعها منهم عباس الأكبر سنة 1621 وبقيت في يد الفرس باستثناء فترة زمنية كانت قد تحولت فيها إلى شيخ عربي وفيما بعد إلى العمانيين. كلما تقوى السادات العمانيون وضعوا أقدامهم على الساحل المقابل.
(4) 5 - يتحدث الكشف عن الشيعة في صحار . هل هم فرس أم عرب اعتنقوا المذهب الشيعي ؟تم استرداد المدنية بشكل نهائي سنة 1643 م. (1/144)
صفحة 145
هنا حدث أمر جديد : قد خلف أعضاء من نفس الأسرة الإمام ناصر وذلك منذ وفاته حتى سنة 1741 م وكأنه انطلاقا من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا يمكن الحديث عن الأسر الحاكمة، أسرة اليعربديين أولا ثم أسرة آل بو سعيد من بعدها. مبدأ انتخاب الإمام الذي كان أساسيا بالنسبة للإباضيين ثم تجاوزه وأصبح يسري عوضه نظام خلافة شبيه بنظام دول إسلامية أخرى يتولى بمقتضاه الحكم أحد أفراد أسرة الحاكم الهالك غالبا ما يكون ابنه وليس دائما ابنه البكر ويبقى تقديم الولاء من القادات ومن خلالهم الشعب مجرد مراسيم شكلية ربما تم تجاوزها في بعض الأحيان. (1/145)
صفحة 146
تم إجلاء البرتغال والفرس(1) بشكل نهائي من عمان على يد الحكام الذين خلفوا ناصر وقد شهدت البلاد نهضة ثقافية وازدهارا اقتصاديا هاما ليس فقط بفضل التجارة البحرية التي سلكت نفس طرق قدماء العمانيين والبرتغاليين من بعدهم ولكن أيضا بفضل بناء قنوات الري التي ساهمت في تطور الفلاحة والأهم من هذا كله هو كون العمانيين كان لهم تحت قيادة هذه الأسرة (القرن 17 م – بداية القرن 18م) أسطول من النوع الأوربي(2) فركبوا البحر بحثا عن آفاق جديدة فهاجموا واحتلوا لفترة ليست بالوجيزة(3) مدن وجزر الساحل الشرقي الإفريقي مثل مومبسا(4) موزمبيق، يمبا، كلوبتا. في سنة 1698 تم تأسيس سلطنة زنجبار على يد إمام عماني. وقد تعرضت مدن الهند الغربية أيضا للنهب والدمار العماني. أصبحت التجارة بين بلاد فارس وبلاد العرب وأراضي البحر الأحمر والخليج الفارسي التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية من جهة والهند وإفريقيا الشرقية من جهة أخرى، تتركز في يد تجار مسقط.هذه المدينة التي فرضت هيمنتها على تلك البحار التي تنطلق منها جل الخدمات البحرية المقدمة لحجاج بيت الله الحرام. طبعا
__________
(1) 6 – جلفار كانت في يد الفرس.
(2) 7 – يتحدث الكشف عن كثرة العلماء في زمان خلف ناصر ابن مرشد وقد أسس الإمام اليعربدي الثالث مدرسة في يبرين استفاد منها الكثير من الناس.
(3) 1 – العلاقات ما بين الخليج الفارسي عامة وعمان خاصة والسواحل الإفريقية الشرقية كانت كثيفة وقارة منذ القدم وقد ورد خبر قائد سفينة عماني ألقت به عاصفة على ساحل سفا له (جنوب الموزمبيق) به في أقصى بلاد الزنج سنة 310 هـ-922 م (الموسوعة الإسلامية نحت لفظ سغال) غير أنه يتبين من مصادرنا الإباضية أنه كانت هناك هجرة عمانية قرنين قبل ذلك حين احتل الحجاج البلاد فر إلى بلاد الزنج السلاطين الجولنديين مع أسرهم وبعض أتباعهم.
(4) 2 – لا زال هناك في مومبسا إباضيون بين الشيوخ (الموسوعة الإسلامية صوت مومبسا). (1/146)
صفحة 147
كان استصدار المراكب المملوكة للكفار أيضا نوعا من النشاط العماني مثلما تجارة العبيد التي كانت زنجبار مركزا لها.
في إطار دراستنا هذه لا يهمنا الحكام اليعربديين من زاوية قوتهم الدنيوية وحروبهم الأهلية ولكن من وجهة نظر دينية. فكيف تحكم عليهم مصادرنا الإباضية ؟
كانت علاقات ناصر ابن مرشد بالبرتغال علاقات من النوع الذي يفرضه واقع الأشياء. نعلم فعلا من الكشف أنه توصل معهم إلى اتفاق يسمح لهم بربط علاقات حرة مع مسقط بعد مغادرة مواقعهم المحصنة ولم يدفعوا له إلا تعويضات عن الخسائر التي تكبدها. ابن رزيق على العكس لا يريد ولا يمكنه تصديق اتفاق حدث دون إخضاع الكفار ويترك جانبا مصدره الأساسي ليقسم بدين شيوخ البلاد أن شرط الاتفاق كان هو أداء المسيحيين لضريبة سنوية. تجهل المصادر البرتغالية هذا الخبر، وهو شيء طبيعي لأنه دون شك غير صحيح. بالرغم من أن ابن رزيق نفسه استرسل في الحكي عن خوارق يجهلها الكشف لإقناعنا باستقامة ذلك السلطان (تتفق مصادرنا حول نزاهته وعدله) فإنه من واجبنا أن نخلص إلى أنه كان غازيا وسياسيا محنكا وليس إباضيا ملتزما بمبادئ طائفته. (1/147)
صفحة 148
يتم التنويه بالإدارة الصالحة للأئمة الذين جاءوا من بعده مباشرة وبالحروب التي خاضوها من أجل إعلاء كلمة الله وفي بعض الأحيان برحمتهم (أكيد أن عمان عرف تحت قيادتهم ازدهارا كبير وسلما نسبيا). أمر طبيعي أن لا يسكت كتابنا عن الحروب التي اندلعت بين أفراد هذه الأسرة وبين الأخوة أيضا من أجل السلطة غير أنهم يكتفون بفضحها في كلمات قلائل. يذكرون بالخصوص عن خلف ناصر (سلطان ابن سيف الأول) أنه كان موضع انتقادات لأنه كان يمارس التجارة مما جلب له عداء رجال الدين وغير ذلك فإنه كان طيبا ومحبوبا إلى درجة أنه كان بإمكانه الخروج في الناس دون حماية. وينوهون بكرم وجود ابنه؛ ويقولون عن الإمام الرابع، دون تعليق، أنه كان منهمكا في جمع المال وكان له عدد كبير من العبيد؛ عند وفاته كان ربع كل نخيل عمان من ملكه. لا أرى كيف يمكن الجمع بين هذا الجشع وحب الترف والتعاليم الإباضية. (1/148)
صفحة 149
بدأ انحطاط هذه الأسرة بوفاة سلطان ابن سيف الثاني خامس الأئمة اليعربديين (الذي كان لا يزال قويا ومهابا إلى درجة نزع البحرين من الفرس)(1) وقد جاء هذا الانحطاط نتيجة اندلاع الحروب حول الخلافة فإذا كانت الأسرة والرعية يريدان حمل ابن الإمام الراحل على العرش وهو لم يبلغ بعد فإن الشيوخ لم يكونوا يرغبون في ذلك وكيف لا. هل تكون السلطة على حياة الناس وأملاكهم وأعراضهم لمن لا تتوفر فيه شروط إمامة الصلاة ؟ ها نحن أمام إشكالية منبعها الهواجس الدينية. وقد لجأ أحد القضاة إلى حيلة(2) لتجاوزها وذلك بحمل الناس على مبايعة الطفل تحت وصاية أحد أفراد أسرته، لكن حين تفرق الناس وانزاح خطر ثورة تلقائية عمل على حمل يعربديا آخر على العرش من هنا اندلعت الحروب الأهلية (تم خلالها إتلاف كتب قيمة أيضا) والأمر المثير هو أنه بينما كان الطفل إماما استطاع الوصي عليه إعلان نفسه إماما، فإذا بالقاضي الذي ذكرناه يتقدم ويدعو هذا إلى أن يتوب عن ذنوبه لأنه في هذه الحال سوف يغفر له ويعفى من واجب إعادة ما أخذه باطلا وهو الشيء الذي فعله الوصي. هكذا تم إعادة التأكيد عمليا على مبدأ التوبة الإباضي لتفادي الوقوع في الكفر مع كل ما يحمل ذلك من عواقب وخيمة على الحاكم : إذ يدفع بالرعية إلى العصيان. من المناسب هنا إبداء ملاحظة : بقراءة هذه الأخبار التاريخية الإباضية ينتابنا الإحساس بالسلطة التي كانت دائما لرجال الدين في هذا البلد. وكيفما كان الاسم الذي ينعتون به شيخ،
__________
(1) 1 – لمواجهة نفقات الحرب لم يكتفي بصرف الثروة التي جمعها أبوه بل أخذ سلفة من المساجد والمؤسسات الدينية يذكر الكشف هذا الأمر دون التعليق عليه وابن رزيق في موجركيان (1، ص 526) يقال بأن الرعايا كانوا يسكتون عند هذا الأمر احتراما وتقديرا لوالده وهذه السلفة ليست أمرا شرعيا من وجهة نظر الشريعة الإسلامية.
(2) 2 – قال للرعية وهي مجتمعة : ( سيف ابن سلطان أمامكم عوض إمامكم) (1/149)
صفحة 150
فقهي، عالم فإنه كلما كانت البلاد في حاجة إلى حاكم فهم كانوا دائما من يعينه ومن يحرك الناس للإطاحة به بفعل انتقاداتهم له؛ وكانوا دائما هم من يدعو إذا خول لهم ذلك القادات والشعوب إلى مراعاة مبادئ الطائفة وكما سنقول فيما بعد فهم من تسبب بشكل غير مباشر في القرن الماضي في القضاء على الإمامة؛ وهم من أدى في الماضي القريب إلى انفصال سلطنة الساحل عن إمامة الداخل ورغما عن هذا كله فإنه لا يبدو لي أنهم استطاعوا في الماضي خصوصا أيام اليعربديين إعطاء صبغة دينية لحكم البلاد.
دخلت البلاد بسبب هذه الصراعات حول الخلافة مرحلة جديدة من تاريخها. تحت حكم اليعربديين، ازداد بنو غافر، وهم على الأرجح قبيلة اسماعيلية استقرت بالشمال الغربي من البلاد، ازدادوا قوة بينما ساءت ظروف بني هناه وهم من أصل يماني وسبق وأن ذكرناهم بخصوص صراعهم مع النزاريين. ربما منذ ذلك الحين (بداية القرن 18) وبالتأكيد فيما بعد أصبح لا يجوز نعت بني هناه بالقبيلة لأنه انضمت إلى نواتهم الأصلية عناصر شتى من بقايا قبائل هلكت أو قبائل صغيرة ولا بد أن يكون حدث نفس الشيء فيما بعد لبني غافر لهذا يفضل اليوم نعت هذه وتلك بالفصائل(1) أصبحت الصراعات التي كانت تدور بين النزاريين والهناويين تدور الآن بين الغافريين والهناويين وستستمر هذه الصراعات إلى يومنا هذا لتشكل طابعا للوضع السياسي الداخلي للبلاد.
__________
(1) 3 –هذه الملاحظة بلورها من قبل روس في زمانه لكنها تجد ما يؤكدها في زماننا في الغموض الذي تنعت به في Handbook of Arabia/ed Admiralty War staff intelligence division. (1/150)
صفحة 151
على خلفية أحداث لا داعي لذكرها هنا استطاع غافري –جافري- اسمه محمد بن ناصر أسر الإمام القاصر واحتجزه رهينة هو وأهم أتباعه وقد كان محمد ابن ناصر هنا رجلا مقداما ومحنكا وقد اختير إماما بعد أن أصبح سيدا لأكبر جزء من البلاد (سنة 1137هـ -1724م) من باب الاحتياط حصل إذن على الإمامة لمدة زمنية غافري –جافري- وليس يعربديا كان من معارضي محمد بن ناصر هناوي، خلف ابن مبارك، وكان هو أيضا شجاعا ومقداما يلقب بالقصير ولم يكن يهادنه حتى وافتهما المنية معا وانتهى بوفاتهما الصراع فخلت الأجواء لابن سلطان بن سيف الثاني الذي أصبح الآن بالغا ليعود على رأس الإمامة. (1/151)
صفحة 152
فترة حروب محمد بن ناصر تطبعها أحداث تثير شكوكي حول نوعية إباضيته(1) فهو لم يكن بالطبع يمتثل تعاليم الدين الإسلامي في المراحل الأولى من حروبه لأنه عامل بني هناه كما يعامل الكفار وهم إباضيون (ليس هناك ما يدفعنا إلى الاعتقاد أنهم ارتدوا) وهذه هي الأحداث : تمكن من سلب أبناء أعدائه هؤلاء وبيعهم كعبيد؛ تم العثور في مغارة على مئات النساء والأطفال ماتوا عطشا لكونهم فضلوا البقاء في مخبئهم على أن يعودوا إلى رستاق خوفا من الوقوع في العبودية(2) والواقع أنه حسب الشريعة الإسلامية لا يجوز استعباد مسلم ولد حرا كيف يمكن إذن تفسير ما قام به محمد بن ناصر ؟ غير أنه لما أصبح إمام "من باب الاحتياط" (لاحظوا معي هذه الجملة المعبرة) لم يعد الرعايا بالأمان والمعاملة الشريفة كيفما كانوا "سواء كانوا يمنيين أو نزاريين بدوا أو حضرا" فحسب بل قطع على نفسه عهدا بتطبيق القانون حتى أصبح هو نفسه صحية لهذا التطبيق(3). ينتهي كشف الغمة بالأحداث المتعلقة بمحمد بن ناصر هذا (توفي حوالي 1140هـ/1728م) ونحن إلى هذا الحد بلغنا حقبة قريبة منا يقوم فيها كتاب ليسوا عربا فقط بتسليط الضوء وبشكل كثيف على أحداث عمان. فلم يتأخر في الوصول إلى بلاد العرب مسافرون ومكتشفون وبأعداد متزايدة نقلوا إلينا أخبارا حتى عن الماضي القريب(4)
__________
(1) 1 – جزء من بني غافر اليوم سنيون.
(2) 2 – لا يتطرق ابن رزيق إلى سبب موتهم (الخوف من الوقوع في العبودية) ولا يبدو لي أن محمد بن ناصر محبوب لديه، غير أن الأمر يتعلق بإمام
(3) 3 – وذلك بجلد بعض القادات وما أثاره ذلك في نفوس بني جلدتهم وقد أصر متضرر على تلك العقوبة عوض تعويض وكان في إصراره خدعة يقصد منها إبعاد جزء من أتباع ناصر.
(4) 4 – كان نيبهر Neibuhr الذي زار مسقط سنة 1765 م أول من قدم لنا لوحة تاريخية يستعيد فيها واقع الحياة السياسية في عمان انطلاقا من القرن 16 والمعلومات التي جاء بها جد موثوق بها وهو ما لا يمكن قوله عن الأخبار التي جاء به بلكفريف Palgrave والتي نعتها بادجر في مقدمته بسلسلة من الخرافات منذ البداية حتى النهاية .بخصوص Palgrave هذا فهي غريبة إن لم نقل مسلية المغالطة التي وقع فيها مسكراي Masqueray في مقدمته لتاريخ أبو زكرياء والتي تكمن في خلطه بين الوهابيين والخوارج وفي اعتباره الوهابيين فرعا من الإباضيين ونسبه معتقدات هؤلاء إلى أولئك ويلستد Wellsted الذي زار جزءا من عمان سنة 1835 م –1836 م لا يفيدنا تاريخيا في شيء يذكر وتوجد أخبار جد منتشرة عن الأحداث العمانية المعاصرة في : curzon George N, persia and the persian question, london, 1982 vol II pp 433 stuhlmann Franz, Der Kampf um Arabien zwischen der turkei und England, Berlin 1916, pp 151-195 ; wilson A.T, the persian Gulf, oxford 1928 ; Kajare Firouz, le sultanat d’oman la question de Mascate, Paris 1914. (1/152)
صفحة 153
وقد ازداد اهتمام البريطانيين بالخليج الفارسي والبلدان المجاورة له سنة بعد سنة وتعود فعلا إلى سنة 1798 أول معاهدة صداقة لهم مع سيد مسقط وليس إمامها كما سنشير إلى ذلك بعد قليل.
آل بوسعيد أو آل سعيد
1154هـ / 1741 م إلى يومنا هذا
استفاد الفرس بقيادة الفاتح الكبير نادرشاه من فترة الفوضى التي رافقت حكم آخر اليعربديين. فقد استنجد بهم أحد المتنازعين عن الحكم فاستولوا على مسقط وجزء من البلاد ولم يستولوا على صحار التي دافع عنها ببسالة حاكم اسمه أحمد بن سعيد(1) والذي قاد حركة لتحرير البلاد وتوحيد أراضيها. وقد قضت هذه الحركة على الفرس(2) واليعربديين وحملت إلى العرش أسرة آل بوسعيد التي لا زالت تحكم البلاد إلى يومنا هذا (1154هـ-1741م) كان لا بد من إعادة كل شيء : المصالحة بين الناس إحياء النشاط التجاري، غزو ما وراء البحار(3) وقد كان أحمد بن سعيد في مستوى هذه الوضعية. بمساعدة من الأتراك استمر في محاربة الفرس حتى بعدما أجلاهم عن عمان. حارب القراصنة والأعداء الداخليين. كان في دينه، حسب ما يؤكده ابن رزيق، إباضيا مثاليا غير أن هذا المؤرخ يذكر له عادة لا يظهر لي أنها تتماشى مع المبادئ الصارمة للطائفة : فقد أدخل أحمد نوعا من البهرجة في موكبه إذ كان يرافقه رجال يحملون ألوية رؤوس مقابضها من ذهب وفضة. الذهب والفضة أو ليست هذه هي المعادن التي يحرم
__________
(1) 1 – جاء الحديث عن آل بوسعيد في الكشف (ص 55) وقد كانوا أهم وأكبر أسرة في العكر وقد أجلاهم عنها اليعربدي ناصر لأنهم دخلوا في مؤامرة ضده.
(2) 2 – تم القضاء على القادات بواسطة مؤامرة تشبه تلك التي تم بها القضاء على الجنزرين Giannizzerin في تركيا وعلى الممالك في مصر على يد محمد علي يبدو أن الخيانة هنا لا تثير انتقادات ابن رزيق بقدر ما تلقى مباركة منه كما لقيتها من الشعب.
(3) 3 – انقسمت المستعمرات العمانية في إفريقيا إلى عدة دويلات صغيرة مستقلة عربية أو سوهيلية. (1/153)
صفحة 154
الإسلام على الرجال استعمالها ؟.
ترسخت في عهد أحمد بن سعيد عادة قطع مختلف مدن البلاد لأفراد الأسرة الحاكمة غير أن هؤلاء الأفراد لا يحترمون دائما بنود المقطعية ويثورون ضد سلطة قائد هم الأعلى مما يعني مزيدا من الحروب الأهلية وقد تحدث ابن رزيق عن هذه الحروب بتفصيل دقيق وممل غير أننا سنمضي وبسرعة إلى إنهاء عملنا هذا لأن الإمامة توقفت عند خلف أحمد الذي كان اسمه سعيد وقد كان رجلا متخاذلا غير قادر على الحكم خصوصا في وسط جد صعب كالوسط العماني. قد عوضه أحد أبنائه أكثر كفاءة في الحكم برضا منه. بقي وهو الإمام في الرستاق ينعم بهدوئها ولم يعد إلى الواجهة إلا حين توفي ابنه غير أن ثقل سلطته لم يساهم في تصفية الأجواء العكرة في البلاد فعاد إلى خموله حتى مات بعد عمر طويل ولا يعرف في أي سنة ما بين 1811م و 1821 (في 1820 حسب فلبي Philby(1).
منذ ذلك الحين أصبح لقب السلطان المستقر بمسقط ومختلف أعضاء أسرته هو السيد(2) وقد أطلق الإنجليز لقب الإمام خطأ على سيد مسقط الذي أبرموا معه أولى اتفاقياتهم (1800-1798). كان الإمام موجودا فعلا إلا أنه كان يخلد إلى الراحة في داخل البلاد دون الاهتمام بشؤون دولته ومن المحتمل أنه لم يكن بإمكانه نظرا للوسط الديني الذي يعيش فيه عقد معاهدة مع الكفار.
__________
(1) 4 Arabia London 1930
(2) 5 – يجب مراجعة الموسوعة الإسلامية أيضا التي تعطي تحت لفظ مسقط لائحة أئمة بينما وباستثناء الأولين يتعلق الأمر بأسياد (ج سيد) وقد ورد هذا اللقب لأول مرة في الكشف في إشارة إلى نبهاني حوالي 675 هـ. (1/154)
صفحة 155
لا غرابة في اعتبار الإمامة قائمة ما دام أن الإمام لا زال حيا ولم ينتفض ضده أي من أقاربه لينكر عليه هذا المنصب لكن لماذا لم يتم تعيين خلف له عند وفاته ؟ أو لماذا لم يحاول سلطان مسقط انتزاع هذا اللقب لنفسه ؟ سأل بادجر بهذا الخصوص مختلف شخصيات البلاد فأبدوا له كلهم جهلهم لأسباب انحطاط الإمامة فتقدم هذا الدارس بعدة فرضيات لتفسير هذا الأمر غير أنها في نظري غير صائبة أو غير كافية ولا بد أن تكون الأسباب شيئا آخر غير هذا ... فالإمام ليس قائدا روحيا كالخليفة وإنما سلطة دنيوية، لكن إذا كان الخليفة بحكم منصبه يأخذ على عاتقه التزامات ذات طابع ديني (الدفاع عن الإسلام، امتثاله وامتثال الرعية للشرائع الإسلامية إلى آخره) فإن هذه الالتزامات أكبر وقعا بالنسبة للإمام الإباضي كيف كان وضع عمان في القرن الماضي ؟ كان الوهابيون الذين أصبحوا قوة في بلاد العرب يمارسون ضغوطهم على عمان أيضا فقد استقروا في البريمي ومنه كانوا يقومون بغارات على السهل وعلى الجبل أيضا في بعض الأحيان وقد استطاعوا في عدة مرات أن يفرضوا الضريبة على الأهالي وبما أن الحروب الأهلية ظلت علة هذا البلد فإنهم كانوا يساعدون هذا المتنازع عن الحكم أو ذاك. كانت معتقدات الوهابيين هي أيضا تنتشر في البلاد خصوصا بين قبائل الشمال. الآن وسواء لأن الإنجليز ساعدوا أكثر من مرة سلطان مسقط بتدخلاتهم أو بعسكرهم ضد الوهابيين أو أعدائه الداخليين أو لأن المصالح الاقتصادية والسياسية، أراد السلطان أم كره، كانت تجعل نفوذ الإنجليز يتزايد يوما بعد يوم. فإن واقع الحال هو أن العلاقات بين حكومة المملكة البريطانية والسلطان تزداد ترسيخا(1) .في نظري هذه العلاقات التي كانت تثير اشمئزاز العناصر المتشددة في الطائفة إلى جانب رغبة إن لم نقل الضرورة
__________
(1) 1 – كانت هناك علاقات مع الفرنسيين أيضا تمت تقويتها بمعاهدة سنة 1807 م انظر على الخصوص كجري Kajare تم ذكره ص 74. (1/155)
صفحة 156
للسلطان في تفادي الرقابة الصارمة لرجال الدين كانت هي السبب الذي جعل هذا الأخير لا يطمح في لقب الإمام(1) .هذا اللقب الذي حمل معه واجبات تتنافى ومحيط مسقط التي أصبحت مركز البلاد حيث تعيش ساكنة تنتمي إلى عرقيات مختلفة ولها ديانات مختلفة الهندوسية، المسيحية والإسلامية بطبيعة الحال ولكن ليس الإباضية فقط. كيف يمكن إجبار ساكنة من هذا القبيل على اتباع نمط عيش صارم واحترام قوانين الشريعة الإسلامية التي كانت تقوم على أساسها الحياة الاجتماعية للطائفة الإباضية؟ كيف يمكن للسلطان التنازل عن بعض الامتيازات الاقتصادية كاستخلاص الرسوم الجمركية على سبيل المثال ؟ لأنه إن لم اخطأ فهذا النوع أيضا من الضرائب مثله مثل الاحتكار لا يقبل عند الإباضيين الذين يرون أنه لا يجب تحصيل سوى الزكاة من المسلمين.
من المنطقي أن لا تعلن العناصر المحلية لبادجر أن العلاقات مع الكفار كانت من بين الأسباب إن لم تكن السبب الرئيسي في انقطاع الإمامة ومن الممكن أن يكون بادجر بعد أن تحسس حقيقة الأمر فضل عدم الإفصاح عنها. تأكيدا لفرضيتي هذه سآتي بدليل : لا يسمح بدخول الأجانب(2) إلى أراضي الإمامة الحالية إلا في حالات استثنائية.
لقد انبعثت الإمامة ولكن أين ؟ بالداخل لأن الظروف به جد ملائمة لم يصبه بعد نفس التجديد والعصرنة والساكنة لديها قابلية للخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية التي تم تعويضها في معظم البلدان الإسلامية المنفتحة على الغرب بمدونات وقوانين أوربية وليس فقط بل لتتقاضى حسب القانون الجنائي الإسلامي الذي لا يقبل به إلا البدائيون.
__________
(1) 2 - من المعروف أن السيد سعيد كان منفتحا فيما يخص أمور الدين والعكس حسب مصادر غريبة كان ماجنا.
(2) 1 – حسب ما يؤكده سليمان الباروني في الشرق المعاصر موضع تم ذكره. (1/156)
صفحة 157
في بداية هذا المقال طرحت السؤال : إلى أي حد استطاعت الإمامة أن تكون تطبيقا للعقيدة السياسية للطائفة الإباضية ؟ علي الآن أن أجيبكم لكن أظن أنه اتضح لقرائي أن تاريخ عمان وربما باستثناء الفترة الأولى من الإمامة الإباضية التي كان لا يزال فيها النفس الديني قويا لا يحمل طابعا دينيا. بكل تأكيد فلا يلاحظ خلال فترة الحروب الأهلية الطويلة والمنهكة أثر للدعوة أو التأكيد على مبادئ الطائفة أو تطبيق نظام عيش تقشفي نواته الدين كما هو منتظر في الوسط الإباضي .من جهة أخرى لاحظنا أن تأثير رجال الدين كان ناجحا على الدوام تقريبا لكن كم هي الحالات التي لم يكن فيها هذا التأثير منبعثا من مقتضيات طبيعتها سياسية ؟ ربما في هذه الآونة الأخيرة ومع إعادة تأسيس الإمامة عرفت الطائفة الإباضية نهضة دينية غير أنني لا أستطيع أن أقول إلى أي حد يمكن اعتبار هذا التجديد الديني كرد فعل تلقائي على الفساد الذي ينتشر في المدن الساحلية (فساد بطبيعة الحال في أعين المسلمين المتشددين) أم نتاجا للتأثير وإن بشكل غير مباشر للصرامة الوهابية(1) عليها. لا يستبعد من جهة أخرى أن يكون للأطماع الشخصية وقع في هذه الانتفاضة ضد مسقط كما حدث ذلك مرات عديدة في الماضي (قام الثوار بعدة محاولات لبسط نفوذهم على الساحل إلا أنها أجهضت بمساعدة الإنجليز)(2)
__________
(1) 2 – في أراضي الإمامة يتم معاقبة من يشرب الخمر ومن يدخن كما هو الحال عند الوهابيين من جهة أخرى وحسب فلبي (تم ذكره) يشكل الوهابيون عنصرا هاما في تركيبة الساكنة الداخلية لعمان (قارن أيضا ص 363) يبدو أن هذا الكاتب يجهل وجود الإباضيين في عمان.
(2) 3 – وقع اتفاق بين السلطان والإمام منذ بضعة سنين (الشرق المعاصر تم ذكره) وليس بالأمر الغريب أن يتعايش الكيانين يلاحظ ليز Lees الذي قام بزيارة للتخوم الداخلية لعمان سنة 25-1926 م أن البلاد تتقاسمه قبائل مستقلة وتتجاوز سلطة السلطان بالكد الساحل (انظر مقال Georg-Journ ماي 1928 ص 470) .
ملحوظة إضافية : بالحديث عن ظهور الإمامة في عمان كنت أقصد التأكيد النهائي للكيان الإباضي في الميدان السياسي يشير لويتشكي في Handworterbuch des islam تحت لفظ إباضية بالنسبة لتلك الأراضي إلى دعوة كانت إرهاصا للإباضية ثم فيما بعد إلى دعوة إباضية عند بداية القرن الثاني هـ هذه الدعوة هيأت الأرضية للنجاح السياسي الذي حققه الناجون من الهزائم في مناطق أخرى من بلاد العرب. (1/157)
صفحة 158
على كل حال يختلف تأسيس وتطور الإمامة عن تأسيس وتطور دول إسلامية تولدت عن حركات دينية كالدولة الفاطمية والمرابطية ودولة الموحدين وفي الآونة الأخيرة الدولة الوهابية هذه الدول الثلاث الأخيرة قامت فعلا على تصور فكري ديني.
من كتاب السير الشماخي(1)
موجز :
الصراع بين علي ومعاوية ومعركة صفين : ص 74.
خطبة علي ص 76.
قول عمار ص 76.
انهيار معنويات المقاتلين . ص 77.
رفع المصاحف على الرماح وأولى الاحتجاجات ضد الحكومة . ص 77.
احتجاج الأشطر . ص 78
احتجاج عروة بن ادية . ص79.
الرضى بالحكومة على غير إجماع . ص79.
صحيفة الحكومة . ص79.
اتساع رقعة الانشقاق بين أتباع علي . ص 80.
الانفصال في حروراء . ص80.
الحوار بين ابن عباس والحروريين . ص 81.
الحوار بين علي والحروريين . ص 82.
الضغوط على علي من أجل احترام مواثيق صفين . ص 83.
انفصال الخوارج للمرة الثانية ومقتل ابن كباب ص 83.
اجتماع الحكمين : ص 84.
رفض علي لما قضى به الحكمان . ص85.
حرب علي ضد الخوارج . ص85
__________
(1) ص 44-56 من الطبعة الحجرية، هذا كتاب السير تأليف أبو العباس أحمد ابن سعيد ابن عبد الواحد الشماخي، القاهرة، نشر محمد ابن يوسف الباروني s.d.s {1301} : °8 ص 16+600. (1/158)
صفحة 159
{1- الصراع بين علي ومعاوية ومعركة صفين(1)} ثم كتب علي لمعاوية يسأله الدخول في طاعته كغيره من المسلمين، لكن معاوية رفض مبايعته. كان رسول علي لمعاوية هو جريرا ابن عبد الله البلغي {البجلي(2)} رغم ما قيل عن تعاطفه مع الأمويين ورغما عن مالك الأشطر النخعي(3) الذي حاول إقناع علي بالعدول عن ذلك.
معظم الناس كالأشعث(4) وأبو موسى(5) كانوا يتعاطفون مع عثمان لما يسدل لهم من عطاء بينما كان علي عادلا في توزيعه المال(6) أما عثمان فكان يوثر نفسه(7) على غيره.
التف أهل الشام حول معاوية للطلب بدم عثمان مثلهم مثل شرحبيل(8) .عمرو بن العاص وغيرهم وهم على هذا يجمعون.
عاد المبعوث دون أن يصنع شيئا فقام علي خاطبا يقول : " إن الله قتل عثمان وأنا كنت معه "(9)
__________
(1) بدأت ترجمة السير من بداية الصراع بغية إبراز أوجه التطابق بينه وبين الجواهر للبرادي .
(2) انظر بخصوص هذا المبعوث وما قيل عن استلطافه للأمويين كيتاني، 36 ، 319، يظهر أنه قال : " لن أبقى في بلدة يلعن فيها عثمان " ( ابن هجر تهذيب،2،215) توفي 51هـ أو في تاريخ آخر كيت سجل الوفيات ص 569.
(3) انظر أعلاه بخصوصه : ص 4 ملحوظة 1.
(4) انظر أعلاه بخصوصه . ص2 ملحوظة 2.
(5) قد شغل هذا مناصب هامة أيام عثمان. انظر الموسوعة الإسلامية تحت لفظ الأشعري.
(6) بالفعل كان علي قد وزع بالتساوي المال الذي كان في بيت المال، للمقارنة بين منظومة العطاء عند علي وعثمان انظر البرادي 19.
(7) ينتظر هنا عوض يؤثر صيغة المتكلم.
(8) أي شرحبيل بن الصمت الذي أرسله معاوية على رأس الحامية التي حضرت اجتماع الحكمين (ماس، 4، 390 = كبيت ، 38، 40) يرد اسمه كثيرا عند الحديث عن تلك الحقبة التاريخية.
(9) انظر مقالتي ص 21 ملحوظة 2 بخصوص هذا القول. (1/159)
صفحة 160
تحرك علي تجاه صفين ومن معه أهل العراق والمهاجرين والأنصار(1)، ومعاوية مع أهل الشام ومن كانوا يؤثرون متاع الدنيا والباغون بعد أن تبادلوا الرأي والكتائب.
كاتب معاوية أولئك الذين امتنعوا عن مبايعة علي كسعد(2)، عبد الله بن عمر(3) ومحمدا ابن عسلمة(4) غير أنهم رفضوا ما كان يتبناه معانين أنه ليس أهل للطلب بدم عثمان.
خرج علي في 70 000 {مقاتل } ومعاوية في 85 000 وقد اختلف الناس في عددهم . قتل (5)70 000 في صفين : 25 000 منهم من العراقيين و45 000 من أهل الشام. دارت 90 مواجهة بين الجيشين قتل خلالها عمار فتأكد عند الناس ما جاء عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن الفئة الباغية هي من سيقتله(6) "، كما قتل عدد كبار من الصحابة الأخيار.
__________
(1) يقول النص : " ومعه أهل العراق والمهاجرين والأنصار" لا أعتقد أنه من الممكن عطف المهاجرين على أهل العراق ولا التفكير في خطأ عفوي دخل على قائمة أسماء ( لأن هذا لا يستجيب للواقع التاريخي أي أن كل المهاجرين والأنصار الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة شيعوا كلهم عليا) لهذا افترض أنه تم حذف كلمة " معظم" أو لفظ آخر له نفس المعنى من النص.
(2) هو سعد ابن أبي وقاص. جد مشهور . انظر الموسوعة الإسلامية.حول حياده في الصراع قارن وقعة صفين 635 (397).
(3) ابن الخليفة عمر. انظر مقالتي ص 90 وأيضا الموسوعة الإسلامية .
(4) صحابي من بين السباقين إلى اعتناق الإسلام في المدينة. شارك في كل حروب النبي إلا واحدة، لذلك سمي بفارس رسول الله (ص) خلال الحرب الأهلية نصب خيمته قرب بئر في الخلاء حتى يتفادى الدخول في الصراع. توفي سنة 42 هـ أو 46 هـ ( ابن سعد، 3،2،16؛ أسد ،4،32 إلى آخره).
(5) بلغ عدد قتلى المعسكرين 70 000 حسب ما س أيضا ،4، 293.
(6) حول هذه النبؤة المحمدية انظر مقالتي . ص37. (1/160)
صفحة 161
{ 2 - خطبة علي} من بين الخطب التي ألقاها على خلال المعركة الخطبة الآتية(1) :
صيحوا جميعا(2)، سووا سلاحكم(3) واستشعروا الحسنة(4)، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها (5) والحظوا الخزر(6) واطعنوا الشزر(7) ونافحوا بالظبا (8) وصلوا السيوف بالخطا؛ وطنوا أنفسكم للمنايا واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم الرسول (ص) فعاودا الكرة واستحيوا من الفر فإنه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب (9) .
{3 – قول عمار } من بين الأقوال المؤثرة عن عمار الآتية:
__________
(1) ترد أيضا عند عند ماس ، 4،4 354-356 ( كيت، 37،39) في رواية جد ركيكة . فالراوية الأفضل جاءت مع بعض الاختلافات في نهج البلاغة ( مع تعليق لابن أبي الحديد. القاهرة، s.d 1329هـ،1،، 476 : ومع تعليق موح عبده الذي أطعمه محي الدين عبد الحميد . القاهرة s.d. 1،110)
(2) النص هنا مختلف عند ابن أبي حديد.
(3) حرفيا : الدرع في التعليق على النهج جاء اسلاحة.
(4) في النهج : " الخشية". إذن : واروا الخشية في أنفسكم " شعر الثياب ذلك الذي يلبس عل الجلد . من الواضح أن ناسخا كان يجهل معنى هذا اللفظ فربط استشعر بشعار الحرب مصحح الخشية بالحسنة.
(5) هذا حتى يسهل إشهارها أو سلها في الوقت المناسب : هذا التفسير جاء في التعليق على النهج المشار إليه أعلاه.
(6) في النهج : والحظوا الخزر.
(7) يقرأ الشزر كما في النهج.
(8) أصحح الظبات . في النهج بالظبا وهو جمع ظبة. هنا الفعل السابق عوض " ناجوا" هو نافحوا ويعني قاتلوا عن كتب وجها لوجه.
(9) تستمر الخطبة في النهج وعند المسعودي. (1/161)
صفحة 162
" والذي نفسي بيده إنا نقاتلكم من أجل تفسيره { أي القران} كما سبق وأن قاتلكم لنعرفكم أنه من وحي الله(1) " . وأيضا : " والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعحفات هجر(2) لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل ".
أصبحت أقوال عمار بخصوص الحرب الأهلية وأحداث أخرى جد مشهورة .
{4- انهيار معنويات المقاتلين} فائدة : لقد هزم العرب منذ ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أضاء نور رسالته الأرض، الشعوب الأخرى. وقد انتشر الرخاء منذ أن اعتنق عمر الإسلام حتى يوم وفاته، فبدأ هذا الرخاء يضمحل وبدأ الظلم(3) يظهر حين سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان في بئر أريس.(4) وكان للناس ما يقولون لتبرير موقفهم من الفتنة. لكن لما مات عمار أصبحت الأمور غامضة لديهم إلا القليل منهم.(5).
عن أبي وائل شقيق ابن سلامة(6) قال : " والله ما تقلدنا قط سيوفنا إلا وجعلت سبيلنا إلى غاية نرجوها(7) سهلا حتى معركة صفين وما مات القوم حتى شكوا وكف الناس عن القتال(8) ".
__________
(1) 10) انظر مقالتي ص 24 حول هذا القول.
(2) 11) مدينة في البحرين ( قارن كيت،12،55ملحوظة 2) تذكر سعفات هجر للدلالة على مسافة طويلة. لهذا جاء هنا " آخر بقعة على الأرض" ينسب مؤلفون آخرون هذا القول إلى عمار. انظر كيت ،37،ص586،589 إلى أخره.
(3) اقرأ ظهور – بدأ ظهور الظلم.
(4) حدث معلوم عن سنة 30 هـ انظر بخصوص كيت، 30، 176-177.
(5) أي الخوارج الذين كانوا يعلمون أنهم يقاتلون بأمر من الله.
(6) انظر أعلاه ص8 ، ملحوظة 7.
(7) إلى هذا الحد تطابق الرواية تلك التي جاءت عند البلاذوري 522 ( كيت، 37، 21).
(8) وما مات القوم حتى شكوا وكف الناس عن القتال. (1/162)
صفحة 163
{5- رفع المصاحف على الرماح وأولى الاحتجاجات}- لما رأى أهل الشام أنهم لا محالة منهزمون. أشار عمر(1) على معاوية أن نادوهم : " وليكن كتاب الله حكما بيننا وبينكم !. من لثغور الشام من المسيحيين بعد أهل الشام ومن لثغور العراق من الفرس بعد أهل العراق ؟(2) فرفعوا المصاحف فوق الرماح. قال علي : أني راض"
قام عمار بن ياسر(3) وقال : والله يا علي مارفعها معاوية إلا خودا { يحتمي بها} ومن اعترف له بها سيكون كافرا ومن ينكرها عليه فله النجاة.
كما تلى الله قوم طالوت بالنهر {=سول}(4) وما؟ انشك عن ديننا وتنازل عن حجتنا ؟ وما؟ انبعث حكمين في ديننا بعد أ قتل 100 ألف منا ومنهم؟ لقد دعاك طلحة والزبير وعائشة إلى هذا من قبل فأبيت وأوقفت أن من يعارض هذا الأمر في ضلالة يجوز سفك دمه، وإن الله قد قضى في الملل بالحكم الذي سمعت به { الذي تعرفه} فهم لم يفئوا إلى أمر الله ولم تخمد فتنتهم { لهذا أبقيت على قتالهم}"
__________
(1) في النص عمر.
(2) جاء في النص فارس وجب ترجمتها بفارس. نفس القول يرد في روايات أخرى : انظر الطبري29 33-،ماس،378 = كيت،37،55، 111.
(3) تتفق المصادر الأخرى بما فيها البرادي على إخبارنا بمقتل عمار قبل رفع المصاحف فوق الرماح، وقد سبق وأن قلت (انظر مقالتي ص 26) أن المفاوضات من أجل الحكومة كانت قد بدأت قبل ذلك الحدث وبكل احتمال فإن عمار كان على علم بها وكان يذمها.
(4) قارن القران سورة البقرة آية 250 . أبلغ {سول}. طالوت قومه بأن الله مبتليهم بنهر وبأن فقط من اعترف منه غرفة بيده منه
(من أصحابه) القصة وأورد في التوراة أيضا غير أن قائد الجيوش هنا هو جديون Geodeone. (1/163)
صفحة 164
لما رأى أن عليا واشيا وأشياعه كانوا يعجلون للحسم في الأمر صاح قائلا : " هل من رائح إلى الجنة؟"(1) فخرج هو وخمس مائة رجل ممن شهدوا بدرا واحدا وحضروا العقبة وآخرون من خيرة الحياء، وأغاروا على العدو بعد أن شرب ضياح لبن وكما تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك الضياح سيكون آخر زاده(2) في الدنيا { ترجمة : شربة الحليب تلك ستكون آخر شيء ينزل معدته} وقتل وهو يقول : " اليوم ألقى الأحبة محمد وحزبه(3)"
حمل علي على العدو بعد مقتل عمار فولاه الشاميون الأدبار ورفعوا المصاحف { على الرماح}(4).
قال الأشعث بن قيس : " والله ما ننكر عليهم أبدا ما دعونا إليه"(5)
في الحقيقة جاء رفع المصاحف في الوقت الذي تصدعت فيه الصفوف السورية والدعوة إلى كتاب الله جاءت قبل وفاة عمار.
{6- احتجاج الأشتر}(6) كان فريق من أتباع علي لا يرغب في السماع بالحكومة . قال مالك الأشتر :
__________
(1) يذكر قول عمار هذا في المصادر خصوصا كدليل على أن من يقاتل مأواه الجنة.
(2) يشار هنا إلى ضياح حليب شربه عمار قبل أن يهاجم العدو لآخر مرة. وحسب ما تنبأ به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن شربة حليب -لبن – ستسبق وفاته. انظر كيت ،37،158،534،587،588.
(3) جاء هذا القول على لسان عمار في مصادر أخرى، انظر كيت، نفس الموضع، ص 518،587،588.
(4) اختلاف الرويان حول لحظة وفاة عمار وما جاء من توضيح بهذا الشأن دلائل واضحة- دليل واضح على أن الشماخي اكتفى بنقل الروايات المختلفة تباعا للنص الذي كان ينقل منه.
(5) بالنسبة للدعوة إلى القران وضرورة الاستجابة لها انظر مقالتي ص 25.
(6) بالنسبة للحدث الآتي قارن البرادي رقم2. هناك أوجه تطابق مع مصادر أخرى. (1/164)
صفحة 165
" أمهلوني عودة فرس(1) أني قد رجوت أن يفتح لي " أجابوه : " إذا والله لا ندخل معك في خطيئتك" فقال لهم : " متى كنتم محقين؟ حين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون ويقتلون أم الآن إذا أمسكتم علي { القتال}؟ هل خياركم الدين لا تنكرون فضلهم إذا في النار؟ {هكذا} قال أو شيئا من هذا القبيل.
{7- احتجاج عروة بن أدية}(2) فجاء الأشعث يعرض على الناس أمر الحكومة فمر برايات حنظلة فحمل عليه عروة بن أدية وضرب سيفه عجز بغلته وصاح قائلا :" أين قتلانا يا أشعث؟ لا حكم إلا الله" فكان أول من نطق بها { أي هذه الجملة }.
{8- قبول الحكومة عن غير إجماع } فبعث معاوية يقول : " ابعثوا حكما منكم {سنبعث} وحكما منا ثم نرضى بالذي يقضيان به".
قبل علي بالاقتراح نزولا عند رأي من كان يرضى به أي الأشعث وغالبية من كانوا معه ورفضه خيار المسلمين اقتداء بعمار وعبد الله بن بديل(3) وغيرهم ممن قتلوا.
يقول بعض معارضينا أن الدعوة إلى الحكومة جاءت بعد مقتل عمار والواقع أنها جاءت قبل ذلك. تدبر ما {قلناه} عن رفع المصاحف.
{9- صحيفة الحكومة} لما أجمع الناس على الحكومة، باستثناء من أنكرها كتبوا بها صحيفة .
كتب علي بلقب أمير المؤمنين(4) لكن معاوية أنكرها عليه {أي الإمارة} . فقال علي : " على يدي يدار هذا الأمر " فذكر بالرفض الذي قابل به سهيل ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأراد أن يكتب اسمه دون لقب الإمارة.
__________
(1) يجب تصحيح غدوة بعدوة : انظر أعلاه ص 5 رقم 3.
(2) بالنسبة للحدث الآتي قارن البرادي رقم 1، هناك واجه تطابق مع مصادر اخرى.
(3) انظر بخصوص هذا الشخص أعلاه ص 27 ملحوظة 1.
(4) قارن البرادي بخصوص هذا الحدث : رقم 8 . هناك أوجه تطابق مع مصادر أخرى. (1/165)
صفحة 166
قال الأحنف الذي كان ينوي أن يحول بينه وبين ذلك : " أخشى أن لا يعود ذلك أبدا. ما كان لك ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم" فأبى علي ذلك.{10-اتساع رقعة الانشقاق بين أتباع علي}(1). فعاد القوم إلى العراق بعد كتابته صحيفة الحكومة يتدافعون على الماء، ويتنازعون عند الرحيل. كان أولئك الذين يرغبون في الحكومة يقولون للذين ينكرونها : " يا أعداء الله لقد خرجتم عن طوع أمير المؤمنين وعارضتموه." فيجيبهم هؤلاء {الذين رفضوا الحكومة } : " أنتم أعداء الله الذي لأنكم أذهنتم في دينكم وعصيتم ربكم وبعثتم حكما رجلين وتركتم حكم الله الذي يقول(2) : قاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله".
عرف كثير منهم أنه الحق فاتبعوه إلا من كان يهوى متاع الدنيا معاوية يمنيهم به"(3).
{11- الانشقاق في حروراء} لما نزل علي بالكوفة جاءه نفر ممن أنكروا الحكومة فعاتبوه وطلبوا منه أن ينقضها غير أنه رفض ذلك فخرجوا حتى أتوا حروراء فنزلوا بها وكانوا 12 ألفا وحسب بعضهم 20 ألفا وحسب آخرين 24 ألفا.
__________
(1) الحدث الآتي شبيه بالذي جاء به البرادي رقم 11.
(2) الجملة التالية من الفران وهي تختزل بكلمات أخرى كما جاء في الآية 9 من سورة الدخان .
(3) قارن البرادي رقم 19ب. (1/166)
صفحة 167
كانوا من خيرة من يعمر الأرض،قراؤهم وفقهاؤهم من بين كبار الصحابة والتابعين(1) الذين كانوا على قيد الحياة، كان من بينهم بدريون ورحالا وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة أمثال حرقوص بن زهير السعدي(2) الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم حسب رواية عائشة ( رضي الله عنها : " أول رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنة: فكانت حرقوص من دخل لثلاثة مرات(3) و{أمثال} شجرة ابن أوفا(4) الذي شهد بدرا. من أراد معرفة أسمائهم فلينظر كتاب النهروان(5) وكتب أخرى.
{12- الحوار بين ابن عباس والحروريين}(6) بعث إليهم علي ابن عباس فناقشوه في الأمر وسألوه إن كانوا على هدى – فعثمان قتل على إحداثه وامتناعه عن امتثال كتاب الله.وسفك الدم يوم الجمل بسبب نقض طلحة والزبير وعائشة بيعة علي(7) وبغيهم في كتاب الله وقوتل أهل الشام بسبب عصيانهم وبغيهم في كتاب الله وسنه رسوله - أم في ضلالة.
أجاب ابن عباس. : " بالطبع هدى".
فقالوه : " هل نزل على صاحبك أمر من السماء بتحريم الأمر الأول ؟
قال : " لا؟
__________
(1) يقصد بالتابع : الجيل الثاني من المسلمين الذين لم يعرفوا الرسول(ص) ولكنهم عرفوا أصحابه.
(2) بخصوص هذا الشخص انظر هنا أعلاه ص20 ملحوظة 2.
(3) يذكر البرادي هذا الحدث بمزيد ن من التفاصيل؛ رقم 37 ق وأيضا الشماخي( انظر النص ص 54).
(4) جاء اسم شجرة هذا بين خوارج حروراء ( انظر أعلاه ص23 ملحوظة 4)
(5) حول هذا المصدر المشترك للبرادي والشماخي انظر مقالتي ص13-15. حسب ما جاء هنا نستنتج أن البرادي اشتق لا ئحة أسماء خوارج حار وراء من كتاب النهر وان.
(6) يحمل الفصل الآتي الكثير من أوج التطابق مع الرقم15 عند البرادي ولكن ليس موجزا له فهو يبين لنا كيف أن كتابنا الإباضيين استغلوا نفس المصدر لكن كلا على حدة. بالفعل تغيب عند البرادي بعض الحجج وبعض التفاصيل الواردة عند الشماخي..
(7) تغيب هذه الحجة عند البرادي. (1/167)
صفحة 168
فقالوا له : " فلما بعث علي حكمين في أمر يعود إلى الله " (فلما حكم علي الرجال في أمر يعود إلى الله؟ ".
قال ابن عباس : " قد علمتم أن الله أنر بتحكيم الحكمين في رجل وامراة أن هما تشاقا أو في طير تقتله محرم وأضاف " فلما لا في أمر أمة محمد؟ "
قالوا له : " حق أن الله حكم دوا عدل في المرأة وزوجها وفي طير يقتله محرم أما في أمرنا هذا فقد فرغ الله حكمه في كتابه كحكمه في الزنا والسرقة والقذف ولا يجوز للرجال أن يقضوا في أمر جاء فيه فصل من الله . إذا أراد إمام قطع يد سارق فقال له الناس : " {انتظر} حتى نبعث حكمين فهل يجوز له أن يحكمهما أو يقضي بما أمر الله ؟ ".
قال ابن عباس : " طبعا {وجب عليه امتثال أمر الله } بل لا يجوز له أن يحكم الرجال"(1).
قالوا له : " أفاء معاوية إلى أمر الله؟ و{كذلك} عمر بن العاص ؟.
قال : " لا".
قالوا : " أعد لين عمرو بن العاص الذي أظهر العداء للرسول(2) صلى الله عليه وسلم والبغي وباع دينه بحكم مصر(3) وسفك دماء المسلمين على غير حق، وأبو موسى الذي كان يدعو الناس إلى القعود عن الجهاد؟ (4) "
قال : " لا".
__________
(1) هنا يقحم البرادي الآية 9 من سورة الحجرات التي تشكل قوام هذا التفكير وتوضحه. عند الشماخي تبقى مبهمة. إضافة إلى هذا يؤكد البرادي على أن تفسيرها ودعما لها يأتي بآيات قرآنية أخرى.
(2) جاء أكثر من مرة في المصادر اتهام عمر بالتحامل على الإسلام إلى أن فتح الرسول (ص) مكة فاعتنق الإسلام.
(3) تنسب مبايعة عمر لمعاية في المصادر المعادية للأمويين إلى الوعد الذي تلقاه من هذا الأخير بتعيينه وليا على مصر. انظر على سبيل المثال : ماس،4،378،54، ترد إشارة إلى هذا الوعد في النوادر أيضا ( انظر البلاذروي ترجمة :بنتوولفي دلافيدا. سبق ذكره رقم 255، 256)
(4) قارن هنا أعلاه ، ص9 و33. (1/168)
صفحة 169
" وأيضا. إن كان عمر عدلا فقاتلنا نحن إذن في ضلالة، وهو شانئ رسول الله بسبعين بيت شعر حتى أن محمداصلى الله عليه وسلم قال : " ربي إني لا أحسن الشعر فالعنة بكل بيت لعنة(1). وأيضا إن كان ذو عدل فإن علينا أن نشهد أن عمار ومن أراد معه الشهادة قتلوا على باطل وضلالة "
ثم عاد { ابن عباس} إلى علي فقال له : " لقد خصمك القوم { القوا بك أرضا}
{13- الحوار بين علي والحروريين}(2)- خرج إليهم علي من الكوفة فناقشوه في الأمر وناقشهم فقال(3) : لقد دعوني إلى كتاب الله فأجبتهم والله يقول(4) : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم تولى فريقا منهم وهم معرضون"وأجابوه : " إنك إذن تنزل معاوية منزلة المومنين وتنزل نفسك منزلة أهل الكتاب لأنه هو ومن معه دعوك إلى كتاب الله. إن كنت {عكس ذلك} على حق فإن كتاب الله قد قضى بقتالهم حتى يفئوا إلى أمر الله".
أجاب علي(5) : " أنتم كنتم من يقول : لن نقاتل قوما يدعوننا إلى كتاب الله " فقلت لكم : إن هذا من القوم خديعة، وقلت لكم أيضا أبعث رجلا لا تعقد علي عقدة(6) إلا حلها فأبيتم إلا ابا موسى الأشعري.
أجابوه : "إن إخواننا أرشدونا إلى الهدى وإنا لتائبون"
فختم علي قائلا : " إني أستغفر الله وأتوب إليه"
فصاحوا : " والله أكبر" ثم عادوا إلى الكوفة(7)
__________
(1) جاء " قالها" في حين ينتظر : " قاله".
(2) يحمل هذا الفصل أوجه تطابق مع الجزء الأخير فقط من الفصل 17 عند البلادوري.
(3) بخصوص هذا الرأي انظر التوضيحات الواردة في نفس الموضوع عند البرادي رقم 17 .
(4) القران سورة آل عمران آية 22.
(5) تغيب هنا عند الشماخي بعض التفاصيل ( الواردة عند البرادي). وهي تزيد الحوار وضوحا .
(6) جاء في نفس التعبير المجازي عند البرادي رقم 6، وفي روايات أخرى ( وقعة صفين 573(364) 574( 365).
(7) قارن البرادي رقم 18. (1/169)
صفحة 170
يحكى أن بعضهم قال لعلي: حكم الله حكمين ذوا عدل في الجرادة وأنتم حكمتم عمر في دماء المسلمين ".
{14- الضغوط على علي من أجل احترام مواثيق صفين}. لم ينتهي الأشعث بن قيس من الضغط على علي حتى نقض ما أعطاه لهم { أي الحروريون} وعاد إلى { فكرة} الحكومة. { بالفعل في ذلك الأثناء} كان معاوية كتائبه إلى أفاضل أهل العراق يمنيهم فكانوا يدفعون بعلي لنفاذ الحكومة.(1)
{15- انفصال الخوارج للمرة الثانية ومقتل ابن خباب } بعث علي أبا موسى فخرجوا { الذين ينكرون الحكومة} إلى النهروان وبايعوا عبد الله ابن وهب الراسبي حتى يحميهم ممن يريد أداؤهم.خرج مسعار ابن فداكي(2) من البصرة في فرقة فمر بقرية كان فيها عبد الله بن خباب فعرفه أمر الحكمين فقال له عبد الله : أمرني أبي بالقعود إذا وقعت الفتنة" فقال مسعر : " إن الله أمرنا أمرا غير الذي أمرك أبوك وهو القائل { أي الله}(3) : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" ثم قتله . فجاء أهل النهر فأنكروا عليه فعلته وقاموا لقتله(4)، ففر منهم وبرئوا مما اقترفوه. يقال أن ريس الفهري هو من كان سيقتله لكن أهل النهر اكتفوا بطرده وأعلنوا برادتهم مما قد فعل. رحل عنهم واحد يسأل الناس { يقتلهم إن لم يكن رأيهم من رأيه}.
جاء في كتاب النهر وان : حدثني عتاب ابن ابراهيم (5)إن مسعر لما هرب لقي رجالا من خراسان يقصدون الحج فضرب أعناقهم ثم دخل المدائن. ولم يفطن علي بوجوده إلا حين وجده منتصبا أمامه فأعطاه الأمان والله أعلم إن كان هذا حقا.
__________
(1) قارن البرادي رقم 19ب.
(2) حول هذه الواقعة انظر مقالتي ص 62.
(3) القرآن سورة البقرة آية 189، الأنفال آية 40.
(4) هنا يظهر الإباضي ( أي الكاتب) الذي نبد الاستعراض. انظر مقالتي ص 63.
(5) غير معروف. (1/170)
صفحة 171
{16- اجتماع الحكمين} أ- التقا الحكمان في الأدرح(1) وكان من بين الحاضرين عبد الله بن عمر(2) وعصبة من القريشيين . استمر الأمر بينهم حتى اتفق الحكمين على خلع الخليفة(3) واختلفا بخصوص معاوية انحيازا منهما إليه وحبا لمتاع الدنيا.
ب- قال بعض المعارضين أن عبد الله ابن عباس كان حاضرا عن علي غير أن الأمر ليس كذلك(4). فعلي بعث شريح ابن هاني الحارثي(5) وكان يرجوا حضور ابن عباس، والأحنف كان يسأل أن يحضر هو وابن عباس وأبو الأسود(6) أيضا لكنهم لم يجدوا ذلك بالناس(7).
{17- رفض علي لما قضى به الحكمين} لما علم علي ما كان من الحكمين صعد المنبر وخلعهما وبرئ منهما. لكن ذلك صدر منه بعد فوات الأوان فهو لم يأخذ برأي أهل الدين الذين كانوا يرون في الحكومة ضلالة ولا برأي أهل الدنيا الذين قالوا له ؟: " ابعث الأحنف أو أبا الأسود او ابن عباس. لم يسمع علي أيا من الفريقين لهذا خرج العديد من أشياعه والتحقوا بمعاوية الذي أسدل لهم العطاء.
__________
(1) يخبرنا ياقوت أن بعضهم يكتبون أدرج.
(2) ابن الخليفة عمر. كان حاضرا في الأدرح. انظر مقالتي ص 51.
(3) انتزع منه الحكم لأن الخلافة انتزعت منه ( انظر مقالتي ص 51).
(4) يريد الشماخي أن ينزه ابن عباس الذي يحظي بتقدير الإباضيين من تهمة المشاركة في اجتماع الحكمين نيابة عن علي، حضور ابن عباس في دومة الجندل وفي الأدرح أيضا أمر مؤكد غير أنه حسب اعتقادي لم يقم بأي شيء في صالح علي . انظر مقالتي ص 77.
(5) كان شريح قائد البعثة إلى دومة الجندل . انظر مقالتي ص 86 ملحوظة 7.
(6) حدث هذا خلال النقاش الذي رافق تعيين الحكمين . انظر البرادي رقم 6. نفس الموضع. بالنسبة لأبي الأسود.
(7) جاءت الجملة في النص جد موجزة : لم يجدوا ذلك بالناس. (1/171)
صفحة 172
{18-أ- حرب علي ضد الخوارج} لما بلغ علي الأنبار حاولوا إقناعه بالعدول عن مهاجمته أهل الشام ( بحثوا عن وسيلة تلهيه عن أهل الشام). قال الأشعث : أتسير إلى الشام وتترك أهل النهر وراءك؟ { هكذا} ووجهه الأشعث نحو هؤلاء فأرسل علي ابنه الحسن.
{ يقرأ} في كتاب النهر وان(1) حسب رواية عبد الله بن يزيد الفزاري أن الخوارج قالوا له :{ يأتي النص تقريبا مماثلا للذي جاء به البرادي رقم 33 و(2)34 إلى غاية قولهم : " تنادوا القتال هل من رائح إلى الجنة"
فاشتد القتال بينهم، فقتل زيد ابن حويم{ حويم} مائة رجل جلهم من همدان فقال علي :" رجل واحد أفنى همدان(3)" ، استمر القتال من الفجر حتى الغروب.
{ يأتي النص تقريبا كما جاء عند البرادي رقم36 إلى غاية : " فخرج عليه"}
تقدم ابن لعدي ابن حاتم(4) وسأل عن زيد ابن حصن فقيل له : " إنه هناك " فالتحق بالخوارج .
قتل في المعركة خيار أهل الأرض وكان من بينهم أويس القراني(5).
{ يأتي النص مطابقا تقريبا لنص البرادي ، رقم 37، حتى : " جدعت أنفي وشفيت غيظي"}.
ندم{ علي} على قتلهم فقال له أحدهم : " هؤلاء من يحسبون أنهم يحسنون صنعا" أجابه علي(6) : " ويحك أولئك الذين تحدث عنهم القرآن} هم أهل التوراة والإنجيل"(7)
__________
(1) يجب دون شك تصحيح النهر بالنهروان. يأتي راوي اسمه عبد الله وهو نفسه عبد الله بن يزيد الفزاري الذي ورد اسمه كثيرا عند البرادي . وهو سلطة النقل في كتاب النهروان.
(2) نص الشماخي أكثر إيجازا ويحمل اختلافات شكلية فقط وسنأتي بالإشارة على أهمها في ملحوظة للبرادي.
(3) نفس الحدث جاء عند البرادي رقم 34أ.
(4) قارن هنا ما هو آت ص 86 رقم 4. إن كان الأمر يتعلق بطرفة فإنه ينتظر حتى آخر لحظة للالتحاق بالخوارج ، الطبري 3366.
(5) انظر أعلاه ص 46 رقم 6.
(6) إشارة إلى القرآن سورة الكهف آية 104.
(7) يكون فهم هذا الحدث أكبر إذا روي برمته كما هو الحال عند البرادي رقم 37ج. (1/172)
صفحة 173
وقال آخر : والله ما بين الطريقين طريق. إن كان أمر الحكمين هدى فقد ضللت بنقضك عهدك وبراءتك منهما، وإن كان أمرهما ضلالا فقد ضللت بقتلك أهل النهر إذ نهوك عن الضلالة"(1).
دفن الناس أمواتهم وفعل عدي ابن حاتم ذلك بابنه(2) قائلا : " الحمد لله الذي ابتلاني بموتك في وقت لي فيه أمس الحاجة بك".
مات من بينهم اويس القراني(3) وقد جاء خبره في الكتب التي تطرقت بإسهاب لهذا الموضوع.
لما رأى أشياع علي أنهم قتلوا خيرة رجالهم تفرقوا وتخلوا عنه وقد خرج منهم من معسكره في يوم واحد 12 ألف(4) بل أكثر ثلاثة مائة أخرى.
ضعف شأن علي بعد هذه المعركة فانتزع منه معاوية اليمن والحجاز ومصر وبلغ فرسانه الإنبار وقتلوا ولاته بها ولم يعد يسمع له كلام ولا نفاذ أمر.
{ يأتي النص بإيجاز للرواية التي نقرأها عند البرادي رقم 37 . لذلك فهو تقريبا مطابق لنص البرادي رقم37n 37o وأيضا ( لكن بإيجاز أكثر) p37، إلى غاية : اتفقوا أموالهم وأرواحهم في سبيل الله " ، ويستمر النص بنفس رواية البرادي ص 37q. (الاختلاف الوحيد بين النصين : جاء على لسان عائشة لزيد ابن حصن القول المنسوب عند البرادي لأبي موسى الأشعري }.
فرح معاوية كثيرا لقتل علي أولئك.
__________
(1) جاء هذا الرأي بتفاصيل أكثر في البرادي رقم 37.
(2) التحق فعلا أحد أبناء عدي ابن حاتم بالخوارج وكان اسمه طرفة ولا يجب خلطه بابن آخر التحق بصفوف معاوية مما غاض أباه كثيرا وقعة صفين 599-601 ( بعض المصادر تقول بأن زيدا هو من انضم إلى الخوارج وما يرويه عنه هنا الشماخي وارد أيضا عند الطبري (3384-كيت، 38ص 96) وعند البرادي ( النص ص 153).
(3) سبقت الإشارة إليه أعلاه ص 85.
(4) قارن البرادي رقم 37ث. (1/173)
صفحة 174
ت – جمع علي أتباعه للخروج من بعد النهر إلى سوريا لكن الأشعث قال له : " نفذ زادنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا فارجع بنا إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدتنا وعدة إخواننا الذين قتلوا(1). أقام علي في النخلية وأمر أشياعه بالبقاء في المعسكر، لكنهم تخلوا عنه وتسللوا منه ودخلوا الكوفة. فلحق بهم هو أيضا إليها.ثم أغار سفيان ابن عوف على الانبار(2) التي كان عليها أشرس ابن حسان فقتله واحتمل الخيول التي كانت بها وسلب النساء فعاد محملا بالغنائم . خرج علي في طلبهم فأتى النخيلة فنزل بها ودعى الرجال للدخول إلى المعسكر فتثاقلوا فآخدهم على ذلك فعيرهم في خطاب كاتبهم لكن كل ذلك لم يجده شيئا. قال في إحدى خطبه :
" جيوشي لم تعد تدفع الظلم ثم من هزمكم فإنما تأتى له ذلك بأسهم قلما أصابت والله إني لم أعد أثق بكلامكم ولا أطمح في نصر فرق الله بيني وبينكم.
في كتاب نهروان يقرأ ]النهروان[ .
{ يأتي النص مماثلا لما جاء به البرادي رقم37m لكن دون مقارنة بالجراد وتقريبا نفسه في 37i (ودائما من كتاب النهروان) وينتهي بالواقعة التي ذكرها البرادي في رقم 37l }.
أولئك الذين بقوا على قيد الحياة من أهل النهر أتوا النخيلة وأقاموا بها. ثم قتل عبد الرحمان ابن ملجم(3) عليا.
__________
(1) قارن الطبري 3385 وماس، 4،417 = كيت،38،110،131،البلادوري 539.
(2) جاءت إشارة إلى هذا الأمر في خطبة لعلي وردت في نهج البلاغة ( نشر وتعليق موح عبده تم ذكره، 1،64). سفيان أبو عوف سمي هنا بأخي غامد لأنه من قبيلة غامد . حول هذه الحملة انظر كيت، 39،29-
(3) المرادي : انظر كيت 40،32،96. (1/174)