صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ إسلامي - السيرة والشمائل
------------------------------------------
العنوان: غزوة بدر الكبرى شاهد على التاريخ ومحطات للتأمل
المؤلف: كهلان بن نبهان الخروصي
الناشر: مكتبة خزائن الآثار - بصيرة
مكان النشر: بركاء - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1439ه/ 2018م
الطبعة: 1
أصله: برامج تلفزيونية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6499&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/773
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 13 رجب 1446ه/ 13 - شهر 01 - 2025م. غزوة بدر الكبرى
شَاهِدٌ عَلَى التَّاريخ وَمَحَطاتٌ لِلتَّأمُّل
كهلان بن نبهان الخروصي
مُسَاعِدُ المُفْتِي العام بسلطنة عُمان (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1439 هـ / 2018 م
نشر وتوزيع
مكتبة خزائن الآثار
سلطنة عُمان - بركاء
نقال: 0096898177789 - 0096895510025
الراعي الإعلامي:
موقع بصيرة الإلكتروني
موسوعة إلكترونية في العلوم الإسلامية
لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
للتواصل: www.baseera.net - info@baseera.net (1/2)
صفحة 3
باسم الرحمن الرحيم
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ افْتَحْ لَنَا أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَانْشُرْ عَلَيْنَا أَثْوَابَ حِكْمَتِكَ، وَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا عَلَّمَنَا، وَأَنْ يَجْمَعَنَا عَلَى طَاعَتِهِ، إِنَّهُ تَعَالَى سَمِيعٌ مُجِيبٌ. (1/3)
صفحة 4
ملاحظة
أضل هذا الكتاب ثلاث حلقات من البرنامج الإعلامي المشهور: (سُؤَالُ أَهل الذِّكْر)، جاءت حلقتان بعنوان: (غزوه بدر شاهد على التاريخ، والثالثة بعنوان: (غزوة بدر
محطات للتأمل).
وقد بنت الحلقة الأولى: يوم الأربعاء 17 رمضان 1432 هـ، والحلقة الثانية: يوم الخميس 18 رمضان 1432 هـ، والحلقة الثالثة: يوم الإثنين 17 رمضان 1433 هـ.
وقد أثبتت مقدمة هذه الحلقات مع تعديلات بسيطة، وهي
للإعلامي الدكتور سيف بن سالم الهادي.
هذا؛ وقد روعي في طباعة نص الحلقات المحافظة على الحوار كما هو إلا في مواضع بسيطة جدا يقتضيها التحرير، وقد
أضيفت عناوين فرعيَّة؛ لتسهيل القراءة.
اللجنة العلمية بموقع بصيرة الإلكتروني (1/4)
صفحة 5
المحتويات
مقدمة.
، سر اهتمام القرآن الكريم بغزوة بدرٍ.
سبب الحاح الرسول له في الدعاء قبيل غزوة بدر
• هل يُعوّل المسلمون على النَّصْرِ في غزوة بدر
في واقعهم الضعيف؟.
ه العير أو النفير؟.
دلالة نزول آيات تقسيم الأنفال والغنائم عند احتدام التنافس
بين المسلمين عليها.
هل تدخلُ المُتَّقِي شيء من أطماع الحياة الدنيا؟.
هل كان من المهاجرين والأنصار مَنْ يتساءل عن الغنائم ..........
الإمداد بالملائكة، وكم كانوا؟
هل مشاركة الملائكة في الغزوة ميدانية؟.
هل إبليس هو الوحيد الذي رأى الملائكة المقاتلة في غزوة بدر، أم رآها المسلمون أيضا؟. (1/5)
صفحة 6
تثبيت قلوب المؤمنين وأهميته في الحاضر.
الشورى في بدر.
المسلمون في بدر بين وصف القرآن الكريم وكتب السيرة ............
• تشويه صور بعض الصحابة الذين شهدوا بدرا كحرقوص
ابن زهير، وزيد بن حصن
• كيف يُنظَرُ للأعمال الفنية ـ كالمسلسلات ـ التي تُجَدِّدُ
أحداثًا قديمة؟ ..
غزوة بدر ودروس الدفاع عن النفس.
• بين الانهزام والتخطيط.
من عبر وعظات غزوة بدر للناشئة.
• هل كان المسلمون أول من بادر إلى الحرب في أول تَشَكُل
لدولتهم؟.
إذا كان الهدف من غزوة بدر هو استرداد الحقوق؛ فما بال مشاركة الأنصار؟.
هل المسلمون لا يُنْشِؤون حروبًا أبدًا ولا يبدأونها؟ ...... إلى أي مدى يمكن الاتكاء على الجانب الإيماني في خوض معركة غير متكافئة الأطراف؟.
لماذا كُلُّ هذا الاستعداد العسكري مع وجود وعد قاطع من الله الله بالنصر؟. (1/6)
صفحة 7
الرسول صلى الله عليه وسلم بين المشورة والوحي
مدى مشاركة المرأة في غزوة بدر.
مدى علم الصحابة بوجود ملائكة معهم.
• ما تفسير اختلاف الصحابة لي على الغنائم؟ (1/7)
صفحة 8
مقدمة
في صفحة التأريخ سجل القرآن الكريم أحداث غزوة
رسمت معالم الطريق، وشقّت في آفاق المسيرة الإسلامية طريق العز والمجد، كانت غزوة بدر منعطفا حول أنظار العالم إلى النواة الأولى لتوسع الدين الجديد باسم الله، فانعطف الشاردون إلى حياض الدين العظيم ينهلون منه معين الحياة.
ورغم أن غزوة بدر لم تكن مسبوقة باستراتيجية عسكرية مدروسة، ولم يتهيأ الفريقان لخوضها وفق الخطط المرسومة؛ إلا أنَّ القرآن الكريم يُفْرِدُ لأحداثها مساحةً واسعة، ويشرح أحوال النفوس قبلها وبعدها، ويضم إلى قراع السنان حديث اللسان، ثم يعود ليُذَكِّر بها في مشاهد لاحقة تَبْعُدُ عنها بضع سنين. (1/9)
صفحة 9
لكنه لم يكن في بال المسلمين أن تتقدم منهم ضربة
مُبَكِّرةٌ لقوى الاستكبار آنذاك، لكنَّ الأقدار الإلهية ترسم
للمؤمنين مسارًا آخر: وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ
وَلَكِن ليَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42].
كانت الثلة التي التفت حول رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعدت للمواجهة المصيرية مع قريش تطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق بإخوانها من أهل المدينة إذا لاحظ أن كثرة القتال ترجح لصالح المشركين، فهناك يا رسول الله رجال ما نحنُ بأشد حبا لك منهم، ولو ظنُّوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك»، وظلّ الكُتاب زمنًا يعصرون حلاوة العواطف في هذه المشاهد، فتذرف دموع، وتبكي عيون، فإذا جفت تسلّط منها
في جدار الأمة ضوء خارق بالحسد والبغضاء يزعم امتداد للمؤمنين الأطهار.
أنه وحده
في غزوة بدر تمَّ رسم معالم الطريق السريع لانتشار الإسلام وإزالة العوائق المعنوية والجسدية من طريقه، وقريبًا
من ساحة المعركة كان النبي يرفع أكفه يدعو ربه صلى الله عليه وسلم
الله (1/10)
صفحة 10
لهذه العصابة المسلمة ألا تضيع تلك العصابة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، وتنافح الكفر وأهله، وبعد فترة قليلة وقعت غزوة أحدٍ؛ إلَّا أنَّ النتيجة كانت معاكسة، رغم أن الفئة
المؤمنة هي نفسها التي شاركت في غزوة بدر، فما الذي طرأ
يا تري؟
إن غزوة بدر تحمل الكثير من العبر والدروس التي يحتاج المسلم إلى أن يتفكر فيها، وفي الحكم التي يستنبطها العلماء الأجلاء من أحداثها، ويُفسّرون بها آيات الله الله التي رسمت معالمها وكشفت الكثير من أحداثها، وفيها من المواقف التي إذا وعى المسلمون معانيها وحِكَمَها وأحكامها لكان ذلك أنفع لهم من العواطف الهوجاء، ما إن
تثور حتى تغور.
د. سيف بن سالم الهادي (1/11)
صفحة 11
سر اهتمام القرآن الكريم بغزوة بدر
نالت غزوة بدر عناية وافرةٌ في القرآن الكريم، وقيست على أحداثها أحداث لاحقة، فما سر هذا الاهتمام
بغزوة بدر؟
بسم
اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، الحمد الله الذي أكرمَ عبادَهُ المؤمنين بالنَّصرِ المبين يومَ الفرقان يوم التقى الجمعان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا مُحَمَّدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إِنَّ غزوة بدر معركة فاصلةٌ في تأريخ هذه الدعوة الإسلامية، ويكفينا أن الله تعالى قد سماها في كتابه كذلك حينما قال: {إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ (1/12)
صفحة 12
الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]، وسماها الله تعالى فرقانا؛ لأنها كانت غزوة فارقة بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، فقلبت الموازين المعروفة في ذلك الوقت، وغيرت مجرى التأريخ بلا مبالغة، وبيان ذلك أن الله قد
اطلع على عباده؛ فوجدهم يريدون إحدى الطائفتين.
ثم بين - جل وعلا ـ ما الذي يريده حقيقة لعباده حينما قال: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقِّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ لحقِّ الحَقِّ وَيُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) [الأنفال: 7 - 8]، فإحقاق الحق، وإزهاق الباطل، وجعل كلمة الله العليا،
هي
وكلمة الذين كفروا السفلى؛ هي التي أهلت هذه الغزوة لكي تكون في هذه المنزلة.
ونتذكر نحن حينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتهل إلى ربه ضارعًا متبتلا طالبًا مولاه أن يُنْجِزَ له ما وعده، ونتذكر جملةً كان صلى الله عليه وسلم يقولها، حَرِي بنا أن نتأمل في دلالاتها ومعانيها؛ لأنها تحمل الكثير مما يُبَيِّنُ ما حصل في التاريخ الإنساني بعد ذلك بسبب هذه الغزوة، وذلك حينما كان يقول: (1/13)
صفحة 13
«اللَّهُمَّ نَصْرَكَ، اللَّهُمَّ انْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَ اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبْدًا».
فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أبدا تحمل الكثير من المعاني العميقة؛ مما يؤكد إنسانية هذه الرسالة، وعالمية هذه الدعوة، وأن هدفها وغايتها إرساء العبودية الله تعالى في هذه الأرض، ووضل الأرض بالسماء، والاستمداد من الوحي لربط الخلق إلى عبادة الحق - جل وعلا ـ، وهذا لا يقتصر على أن يَعْبُدَ الله المؤمنون المسلمون فقط، بل أن يُعبد الله تعالى في هذه الأرض، ولا ريب أن في دعوة خاتم الأنبياء والمرسلين إحياء لسائر الملل الموحدة التي جاءت أيضا
بالعبودية لله عل، وبإفراده - جل وعلا ـ بالعبادة.
ولهذا؛ فإننا نُدْرِك سِرَّ كون هذه الغزوة علامة فارقة في التاريخ، إذ لو قُدّر وهُزِم المسلمون في هذه المعركة؛ فإنَّ يعني انقطاع مدد هذه الدعوة، وتوقف انتشارها،
ذلك
وانكفاءها على نفسها في النفر الذين تخلفوا أو تأخروا في
المدينة المنورة. (1/14)
صفحة 14
ونحن نعلم أنَّ الذين خرجوا أو الذين أخرجهم ربهم كما
قال الله - تبارك وتعالى -: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) [الأنفال: 5] هو الذي هيّأ الأسباب فأخرج نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والنفر المؤمنين الذين كانوا معه؛ تربية لهم وتنشئة وطلبا وتأهيلاً لهم؛ ليكونوا في مستوى إحقاق الحق وإبطال الباطل، هذا الإخراج كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه كبار المهاجرين، وفيه سادة الأنصار، وفيه ممن تربوا في تلك السنة، فغزوة بدر كانت في السني القليلة، فهناك ممن شارك من المهاجرين والأنصار من الشباب ومن الشيوخ ومن سادات أقوامهم في ذاك طلبًا للعير، ثُمَّ لَمَّا فاتتهم؛ كان الأمر حتما
خروجهم عليهم أن يواجهوا جيوش، قريش هؤلاء هم صفوة هذه
الدعوة، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم الذين حملوا بعد ذلك مشاعل الهداية للعالمين، وهم الذين أوصلوا رسالة الهدى والنور والدين والتوحيد والعبودية لله عل في أرجاء هذه المعمورة، فتصوّروا كيف كان يمكن أن يكون الوضع أن لو قدر الله ل وكانت موازين النصر في هذه الغزوة على خلاف ما كانت عليه؟! (1/15)
صفحة 15
ولذلك؛ فإنَّ كُلَّ ما حصل بعد ذلك لهذه الأمة في تاريخها ـ في حقيقته - يدين لانتصار المؤمنين في غزوة بدر؛ فقد تحطمت المعايير المادية التي كان على أساسها ينظر
الناس إلى إقرار الغلبة واستحقاق النصر هذه الغزوة غيرت هذه المفاهيم، وبينت أن هناك أسبابًا يُهَيِّؤُهَا الله الله أساسها: الإيمان والصلة الوثيقة بالله - تبارك وتعالى، هي التي يستأهل بها العباد النصر، فالله تعالى يقول: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10]، ويقول: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عِمْرَان: 126].
وتحطم هذه المعايير المادية في تقويم أسباب الغلبة ذلك والنصر ـ لا شك ـ كان فتحًا مبينًا لجماعة المؤمنين في الوقت؛ لأنه أورثهم مزيدا من الطمأنينة على عقيدتهم، وأورثهم هيبة لهم، ورعبًا في قلوب أعدائهم، مكنهم بعد ذلك من نشر هذه الدعوة ومن إنشاء التحالفات، ومن توطيد أركان دولتهم الناشئة، حتى تمكنوا بعد ذلك الهدى والنور والتوحيد إلى أرجاء هذه الأرض جميعًا.
من إيصال (1/16)
صفحة 16
سبب إلحاح الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء قبيل
غزوة بدر
ذكرتم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان مُلكًا في دعائه، ورتبتم عليها مجموعة من النتائج، فما سر هذا الإلحاح في الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه منصور من ربه، وأنه سَيُبَلِّغُ رسالته كاملةً وأنه قال لسراقة ـ الذي لحقه في الهجرة -: كيف بِكَ يا سُرَاقَة لَوْ لَبِسْتَ سِوَارَيْ كسْرَى؟!»، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنَّ هذا الدين سيمتد،
د:
فما سبب الإلحاح في الدعاء في تلك اللحظة؟ سبب الإلحاح في الدعاء إنما هو أخذ بكل أسباب النصر، فالنبي صلى الله عليه وسلم غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، ولكنه كان ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ـ يقوم الليل حتى تورمت قدماه الشريفتان، فهو يريد أن يُري ربه (1/17)
صفحة 17
جل وعلا - أنه أهلُ لِمَا وعده به، وأنَّ الأسباب إنما هي بيده، وما على العباد إلا أن يأخذوا بتلك الأسباب. هَبْ أن قائدا عسكريًا وعد جنديًا بترقية، وقال له: إنَّ الترقية لا شك قادمة؛ هل هذا يعني أن يتراخى الجندي في أداء مسؤولياته؛ لأنه ضمِنَ الترقية؟ لا ريب أن هذا لا يقوله
عاقل، ولو فعل الجندي ذلك؛ لخسر ما كان قد وعد إياه. ولذلك؛ فإن وعد الله الا الله لعباده إنما يحتاج إلى انفعال واستجابة منهم، وهذا ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما نجده في ما أمر به القرآن العظيم حينما قال - جل وعلا: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَانْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]، هذه هي الأوامر التي ابتدأ بها القرآن ليُعَلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من بعده الأسباب الحقيقية للنصر بما يؤهلهم؛ لاستمطار رحمة الله تعالى عليهم، فيتغلبوا على عدوهم، ثم قال بعد ذلك: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ) [الأنفال: 46]. (1/18)
صفحة 18
هل يُعَوِّل المسلمون على النَّصْرِ في غزوة بدر في واقعهم الضعيف؟
قلتم إنَّ غزوة بدر قلبت الموازين التي كان الناس يعتبرونها ويعتمدونها في قضية النصر والهزيمة، وإنَّ النصر لا يتحقق بكثرة العدد والعُدة، فلو طبقنا ما قلتموه على واقع المسلمين اليوم: من حال الضَّعْفِ، وقلة العدد والعتاد؛ فهل عليهم أن يُعَوِّلوا على هذه
النتيجة، وأنَّ النصر سيأتيهم حتما لا محالة؟
للنصر أسبابٌ، وأنا قلتُ بأنَّ من أهم أسباب النصر: الأسباب الإيمانية الروحية، والتي تعني توثيق الصلة بالله، والعلم بأنه هو الذي ينصر عباده، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} [الأنفال: 10]، ويقول: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُنَبَتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: 7]. (1/19)
صفحة 19
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا اقترب تلاحم الصفوف كان يقف حانا جيش المسلمين بقوله: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ»، حتَّى أَنَّ عُمَيْر بن الحُمَام يقول: جنَّة عَرْضُهَا السَّمَاواتُ وَالأَرْضُ!؟، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، عَرْضُهَا السَّمَوَات وَالأرْض»، فيقول: بَحْ بَخ، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حَمَلَكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَحْ بَحْ؟»، فيقول: ما حَمَلَنِي إِلَّا رَجَاءَةُ أنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، فيقول له صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا»، وكانت أمه قد أعطته بضع تمرات، وذلك كُلُّ ما كان عنده من زاد حينما خرج إلى بدر، فأخرج من قرنه بضع تمرات يأكلها، ثم رمى بهن، وقال: إنها لحياة طويلة إن أنا قعدتُ حتَّى آكل هذه الثَّمَرَات.
فلا شك أنَّ هذه العقيدة الإيمانية هي التي تُهيِّئهم للنصر بما تحمله من أمر بالصبر، وبتقوى الله عل، وبالثبات عند ملاقاة العدو، وعدم التولّي عند الزحف، وبالاتصال الوثيق بالله - تبارك وتعالى - بالدعاء والضراعة إليه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل. (1/20)
صفحة 20
ثم لا غنى لهم عن الأسباب المادية؛ لأن الله ان يقول لهم في نفس السورة (في سورة الأنفال) كما يقول كثير من المفسرين، وينسبون ذلك إلى ابن عباس، وطائفة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يعرفون سورة الأنفال بسورة بدر، فيقول فيها: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الْأَنْفَالِ: 60]، فالله لك قد أمرهم بالاستعداد بأحسن ما يستطيعون، فلم يُكَلِّفُهُمْ أن يكون استعدادهم بما يناظر عدوهم، أو بما يكافئ عتاد وعدد عدوهم، وإنما أمرهم بأن يكون استعدادهم بأحسن ما يستطيعون، {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الْأَنْقَال: 60]، وإن فعلوا هم بسائر الأسباب المادية العسكرية الحربية والعلمية، وسائر
الأن
ذلك؛ فهذا يعني
الأخذ
لأسباب التي لا بُدَّ منها في مثل هذه الأوضاع التي تلم بالمسلمين؛ حتى يتمكنوا من الخروج من حالة الضعف والتأخر والهزيمة إلى ما يؤهلهم إلى استمطار نصر الله وال ونزول رحماته عليهم. (1/21)
صفحة 21
فإذن هذه الأسباب مجتمعة لا غنى لهم عنها؛ إذ لا يمكن لهم أن يقعدوا حينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَجْأَرُ إلى ربه ويدعوه، وقد نُصِبَ له عريش ليكون مقرا للقيادة، فإنه حينما حمي الوطيس كما قال علي بن أبي طالب: كُنَّا إذا اشتد الوطيسُ اتَّقَيْنَا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان أقرب ما يكون إلى العدو، فكان قد شارك في الغزو، وهيأ سائر الأسباب والخطط اللازمة لتحقيق النصر.
ولذلك فإنَّ لي ملاحظة على ما ذكرتموه مِنْ أنَّ ما آل إليه الحال ـ حينما فاتتهم القافلة من أمر حتمية المواجهة - أنه أمر لم يكن مخططا لهم، لكن المواجهة نفسها أعد لها رسول الله الله و وصحابته الكرام العُدة اللازمة لضمان النصر؛ استجابة لأمر الله تعالى لهم بأن يُعِدُّوا ما يستطيعون من عُدَّةٍ، ومن رباط الخيل. (1/22)
صفحة 22
العير أو النفير؟
في
لِمَنْ جَهَزَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عُدَّة الحرب: للقافلة، أم للمعركة؟
للمعركة بعدما فاتتهم القافلة، فقد جمع أصحابه وشاورهم ذلك، واختاروا المكان وسبقوا إلى بدر، ثم إنه رتب
الصفوف، وبعث العيون والسرايا؛ لاستطلاع أخبار العير وأخبار جيش قريش، ورتب جيش المسلمين في صفوف حينما اقترب التلاحم بينما كان المشركون - لكثرة عددهم ـ يعمدون إلى طريقة الكرّ والفرّ، ويريدون بذلك إضعاف المسلمين، فكان التخطيط الذي ابتكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تقديم النابلة، وجعل أهل الرماح على الجوانب، وبعد ذلك تكون المقاتلة، وقسمهم إلى ألوية، وجعل لهم راية واحدة، وأعطى كُلِّ لواء رايةٌ، فكان هناك تخطيط حربي يتناسب مع ما يعرفون، مع
قلة عددهم
وعتادهم وقوة وكثرة جيش المشركين الذين يواجهونهم. (1/23)
صفحة 23
دلالة نزول آيات تقسيم الأنفال والغنائم عند احتدام التنافس بين المسلمين عليها
في هذه المعركة يُصَوِّر لنا القرآن الكريم تنافسًا بين الصحابة والالا لهم في قضية الأنفال والغنائم التي غنموها، والذي نعرفه أنَّ هؤلاء الصحابة كانوا صفوة الناس، وقد اختارهم الله تعالى؛ كي يُسجلوا هذا المشهد الأول في تاريخ الإسلام، ومع ذلك وُجد بينهم تنافس على الغنائم إلى حد السجال باللسان، فتنزل آية
لتحسم الموضوع، فما دلالة هذا؟
نقول أولا: إن هذا دليل على أن القرآن من عند
الله، فهو ليس من عند محمد، لذلك؛ فإنَّ
القرآن صوّر لنا المواقف التي فيها عتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
وفيها عتاب لمجموع المؤمنين، كما في موضوع الأسرى: (1/24)
صفحة 24
و مَا كَانَ لِنَبِي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ
عرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الْأَنْفَالِ: 67]
فهذه هي الحكمة الأولى من مثل هذا الحدث.
الأمر الثاني: هو أنَّ هذا الدين هو دين موضوعه الإنسان، وهذا الإنسان مركّب من عواطف ومشاعر ورغبات وأهواء وشهوات وهذه الفطرة التي فُطِرَ الناس عليها هي التي يتناولها القرآن العظيم بالإصلاح والتربية والتنشئة، خاصةً في مثل هذه المرحلة الحرجة، ففي هذه الفترة التي حصلت فيها هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ هاجر معه إلى المدينة، وقد خرجوا وقد تركوا وراءهم ديارهم وأموالهم وأولادهم، خرجوا بأنفسهم فقط، وأنشأوا مجتمعًا جديدًا في المدينة المنورة، واستقبلهم الأنصار، فآثروهم على أنفسهم، وكانوا في عوز، ومع ذلك فإن صدورهم كانت أوسع لهم من، فلا شك أن هذه الرحلة مرحلة تربوية هامة، ولذلك فإنّ القرآن وضح أنه لا نسب بين أحدٍ من العباد وبين
بيوتهم،
الله، ومقتضيات التربية القرآنية تبين مواضع
الخطأ
حتى (1/25)
صفحة 25
لهؤلاء الذين يقوم عليهم الدين، فالحقُ في هذا الدين إنما يُعرف بالحقِّ نفسه، والصواب إنما يُعْرَف باقتراب الناس من الحق، ولا يُعرف بالأشخاص، بل الأشخاص والرجال هم الذين يُعْرَفُون بالحق، ولذلك فإنَّ القرآن يُعَلِّم المؤمنين هذا المبدأ ويُرسيه ليكون أساسًا تقوم عليه تربيتهم لأنفسهم
ولأجيالهم، فالرجال إنما يُعْرَفُون بالحق.
أما الحكمة الثالثة فهي مبنية على الحكمة الأولى، وهي كون هذا الإنسان قد جبله الله تعالى على أهواء وشهوات ورغبات؛ فإنه لا ينبغي لنا أن ننسى أن المهاجرين كانوا قد أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وأُوذُوا من بني قومهم، وأخرجوا من أوطانهم، ومن مرابع طفولتهم، ومن المراتع التي قضوا فيها حياتهم، ولذلك فإنَّ هذا الموضوع من أصعب ما يمكن أن يلاقيه الإنسان والله تعالى قد جعله نظير القتل حينما قال: {وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ
أنَّ
اَخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النِّسَاءِ: 66]، ذلك كان باختيارهم أي هؤلاء من بني إسرائيل الذين (1/26)
صفحة 26
ومع
أمرهم الله الا الله بذلك، بينما هؤلاء قد أخرجوا من قبل قومهم وآبائهم وأبنائهم وإخوانهم ومن بني عمومتهم ومن بني عشيرتهم، وجُرِّدُوا من أموالهم ومن دورهم وأملاكهم، ووصلوا إلى الأنصار، وما كان الأنصار أهل يسار وغنى، ذلك فقد جادت نفوسهم وشاركوهم، فكانوا في عوز شديد، وأصابتهم المخمصة، حتى حينما خرجوا للرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: «إنَّ لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا»، فبعضهم استأذنه؛ لأن ظهورهم كانت في أعالي المدينة، فقال: لا، إِلَّا مَنْ كان ظهره حاضرا»، فحينما ننظر في العتاد الذي أخذوه معهم، كما يُقَال: فرسان، أو ثلاثة، على أقصى تقدير، وكانوا ثلاثمائة وبضع عشرة رجلًا، وما عندهم إلا سبعين بعيرًا، فكانوا يتعاقبون عليها النفران أو الثلاثة على البعير الواحد، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاركهم في ذلك، وكان حينما يأتي دوره ويطلب منه صاحباه أن يركب ويمشيان قال: «ما أنْتُما بأقوى مِنِّي، وما أنا بأغْنَى عَنْكُمَا من الأخر»، فجُرَّدُوا مِنْ كُلِّ أملاكهم وأموالهم، وهم
الآن
يرون هذه الغنائم والأنفال، ولَمَّا ينزل فيها حكم شرعي بَعْدُ، (1/27)
صفحة 27
وقد انتهت المعركة، فلذلك تساءلوا، فمنهم مَنْ باشر القتال وكان يريد نصيبه، ومن كان في الحراسة والنظارة يريد نصيبه، ومن أخْرَه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ـ لأي غرض كان ـ يريد نصيبه ولكن الله الله حسم الأمر، وقال حينما سألوه: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأَنْقَال: 1]، ثم مباشرة نقلهم إلى ما يعالج به هذا الوضع: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [الأنفال: 1]، ثم بيّن لهم الصفات التي ينبغي أن يتحلوا بها: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ايتهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَبِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَكُمْ دَرَجَتُ
عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال: 2 - 4]، ثم قال: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الأنفال: 5]، ثم بعد جملة آيات بعد صفحاتٍ قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خمسة وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إن كُنتُمْ وَآمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى
الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]. (1/28)
صفحة 28
هل تدخلُ المُتَّقِي شيء من أطماع الحياة الدنيا؟ هي ليست بأطماع، ولكنها مطالبة بالحقوق؛ بسبب الوضع الذي كانوا فيه، ولذلك ما أُثِرَ عن كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا الموقف؛ لأنهم كانوا صابرين مُتَحَمِّلِينَ، وإنما قد أُثِرَ عن جملة من الصحابة أنهم تساءلوا عن الأنفال والغنائم وعن سَلْبِهِمْ مِنْ قَتْلَاهُمْ: هل هي لِمَنْ قاتل وباشَرَ القتال؟ أو لِمَنْ كان في النظارة والحراسة؟ أو لِمَنْ تأخر؟
هل كان من المهاجرين والأنصار مَنْ يتساءل عن الغنائم؟ نعم؛ ولذلك فإن معالجة هذا الوضع لم تتأخر وجاءت فورًا قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1]، فلذلك أسكت الجميع، وهي ليست لأحدٍ، وإنما هي: لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، فلما المسلمون ذلك توقفوا، وفي هذا ـ كما قلنا ـ من التربية
سمع
ما لا يخفى. (1/29)
صفحة 29
الإمداد بالملائكة، وكم كانوا؟
ما سرُّ ومغزى مضاعفة الأعداد في غزوة بدر: من الألف، إلى ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف؛ إذ جاء في قوله الله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ وَالفِ منَ الْمَلَتَبِكَةِ مُنزَلِينَ. بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبِّكُم بِخَمْسَةِ وَالَفٍ مِّنَ الْمَلَكَةِ مُسَومِينَ) [آل عمران: 124 - 125]، وفي آية أخرى: {أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفِ مِنَ المليكة مردفين} [الأنفال: 9]؟
هناك كلام كثير للمفسرين، لكن الأظهر والأبين فيه أنَّ إمداد الله بالملائكة في بدر كان بألف من الملائكة بنص من
القرآن أني مُمِدُّكُم بِأَلْفِ مِنَ الْمَلَتيكة مُردِينَ} [الأنقال: 9].
وأما ما يتصل بالثلاثة آلاف والخمسة آلاف؛ فهذا ورد في سياق الحديث عن غزوة أحد، وإنما ذُكِّر المؤمنون بما (1/30)
صفحة 30
حصل لهم في بدر، ثم عاد الحديث إلى التذكير إلى سَرْدِ ما حصل في غزوة أُحُدٍ، وهي لا تتضمن الإمداد، وإنما
الوعد بإمداد.
فالله الا الله يقول: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَيِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مقعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121]، هذا في أحد. إِذْ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آلِ عِمْرَان: 122]، وهذا أيضا في أحد.
ثم تذكير بما حصل في بدر لبيان أسباب تُؤهّلُهُمْ للنصر؛ فقال: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ
? فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تشْكُرُونَ} [آلِ عِمْرَان: 123].
- ثم رَجَعَ للحديث عن أحدٍ؛ فقال: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ)
[آل عمران: 124].
فلا يتضمن الكلام بيانًا أنَّ الله تعالى أمَدَّ عبادَهُ في أَحُدٍ بالملائكة، وإنما يُبَيِّنُ لهم وَعْدَهُ الذي أجراه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حينما سألوه، كما في بعض الروايات، فأجابهم (1/31)
صفحة 31
بهذا: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبِّكُم بِثَلَثَةِ عَالَفٍ منَ الْمَلَيْكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ وَالَفٍ مِنَ الْمَلَكَةِ مُسَوّمِينَ} [آلِ عِمْرَان: 124 - 125].
إذن هذا حديث عن غزوة أحدٍ، وهذا وعد لهم أن لو كانوا اتقوا الله، وصبروا وثبتوا على ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكانوا أهلا لإمدادهم بالملائكة، كما وعدهم أولا بثلاثة آلاف، ثم بيّن أنهم إن استمروا على ذلك؛ فإنّ الإمداد يكون بخمسة آلاف.
وكما يقول القرطبي - وقد وافقه العلامة ابن عاشور - إنه لا دليل شرعي على أن إمدادًا بالملائكة حصل في أحد، مع أنه حصل في غزوة بدر بنص الآية: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُسِدُّكُم بِأَلْفِ مِنَ الْمَليكة مردفين) [الأنفال 9، ثم أيضًا في قوله تعالى حينما قال: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ 9]، إلى المليكة أني مَعَكُمْ فَثَبِتُوا الذِينَ ءَامَنُوا) - هذه مُهمَّةٌ للملائكة - {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]. (1/32)
صفحة 32
هل مشاركة الملائكة في الغزوة ميدانية؟
هناك مشاركة، والله الله علم الملائكة كيف يُقَاتِلُون، ولذلك ـ كما هو قول كثير من المحققين من المفسرين ـ فإنَّ هذا الخطاب هو لتثبيت المؤمنين ببيان ما أوحاه الله تعالى للملائكة الذين أمدَّهُم بهم في بدر: {إِذْ يُوحَى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)
[الأنفال: 12].
ويتعزّز هذا بكلام إبليس اللعين حينما وعد المشركين - بدايةً - أنه جارٌ لهم: {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِئُ مِّنكُمْ إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ الله بم
[الأنفال: 48]، قيل: بأنه رأى الملائكة تُقاتل معهم.
هل إبليس هو الوحيد الذي رأى الملائكة المقاتلة في غزوة بدر، أم رآها المسلمون أيضًا؟
هذا يحتاج إلى دليل وتوقيف، وفي ذلك روايات مختلفة، ولكثير من المحدثين كلام فيها. (1/33)
صفحة 33
أما الأثر فُوجِدَ في الصحاح وبعض السنن والأسانيد. أنهم كانوا يرون رؤوس المشركين تتطاير، ويرون أناملهم تُقطَّع دون أن يَرَوْا مَنْ فعل ذلك فيهم، وهذا غير مستغرب.
بدر،
حتى في تاريخ المسلمين دائمًا ما كانوا يقيسون على فقد ذكر أبو تمام في فتح عمورية أنه يُشْبِهُ يوم بدر، والشيخ أبو مسلم في رثائه للشيخ نور الدين السالمي قال: وعَلَى بَدْرٍ قِيَاسٌ يُحْتَمَلْ
وذُكر ذلك في كثير من حوادث هذه الأمة في عهد.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدها الكثير من هذه المواقف. (1/34)
صفحة 34
تثبيت قلوب المؤمنين وأهميته في الحاضر
في القرآن الكريم طمأنة للمسلمين من خلال تقليل أعداد المشركين، سواء كان ذلك في الرؤية المنامية، أو حتى في أثناء اللقاء الميداني، فكيف يستفاد من هذا في قضية طمأنة قلوب المؤمنين اليوم الذين يرون أنفسهم قلة في هذا العالم، ويرون عدوهم يستعرض نفسه عسكريًا؟
للتوضيح أولا؛ فإن رؤيا الأنبياء حق، والله الله قد صرح لنا أنه قد أرى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في منامه قلة عدد المشركين، أو أراهم إياه قليلا، وأنه أرى المؤمنين أيضا جيش المشركين قليلا، وفي ذلك من رفع معنوياتهم، ومن تثبيتهم، وإزالة الرعب والخوف من قلوبهم ما لا يخفى. (1/35)
صفحة 35
وفي المقابل لزيادة بطر المشركين وكبرهم ـ وقد. خرجوا بطرا ورثاء الناس؛ فإنهم رأوا أيضا المؤمنين قلة، وفي ذلك مزيد نكاية لهم، وتهيئة أسباب لهزيمتهم،
ونُصْرَة المؤمنين عليهم، لكن هذا إنما حصل بعدما أخذ المؤمنون بالأسباب.
فعلى المسلمين أن يسعوا إلى الأسباب والوسائل التي تُؤهّلُهُمْ إلى تنزل هذه الرحمات من عند الله، وتهيئة
أسباب النَّصْرِ إليهم، وهذه الأسباب والوسائل التي عليهم
أن
يتمسكوا بها هي الوسائل الإيمانية المعنوية، كما الوسائل والأسباب المادية العسكرية العلمية والحربية. (1/36)
صفحة 36
الشورى في بدر
الرواية التي فيها مشورة الحباب بن المنذر على الموضع الذي يُعَسكر فيه المسلمون روايةٌ ضعيفة، ولا حاجة لنا بها؛ إذ
إشارة المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة
فهناك أولا سورة الشورى، وهي سورة مكية، فكانت التهيئة لذلك في العهد المكي، وفيها: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: 138؛ لبيان صفات المؤمنين التي تلازمهم.
- ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه في أمر الخروج لما فاتتهم العير، فقال: «أشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، فَسَمِعَ من المهاجرين، وسَمِعَ من أبي بكرٍ وعُمَرَ، وسَمِعَ من المقداد، فَقَالَ وأجَادَ، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا وهو يقول: «أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاسُ»، فقال سعد بن معاذ (1/37)
صفحة 37
وفي رواية سعد بن عباد، وقيل: إن ذلك حصل في موقعتين في مكانين مختلفين قبل فوات العير، وبعد أن فاتتهم العير، فتكلم سعد بن معاذ وقال خيرا، وقال له: كأنك تعنينا يا رسول الله فقال: «نَعَمْ، هُوَ ذَاكَ»، فقال له سعد بن معاذ قولته المشهورة: لَوْ خُضْتَ بِنَا البَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَصِلْ مَنْ شِئْتَ، وَاقْطَعْ مَنْ شِئْتَ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ، وَاتْرُكُ مِنْهَا مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي أَخَذْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَ، فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
«فَسَبَقْنَا
أما موضوع الموقع؛ فرواية أنس بن مالك عند الإمام مسلم تدلُّ على أنه تخطيط حربي يُنقِنُه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، فقال ـ في رواية أنس بن مالك ـ: المشركينَ إلى بَدْرٍ، فالرسول وأصحابه هم الذين سبقوا إلى مياه بدر، وما كانوا يقومون به: مِنْ بَعْثِ العيون والاستطلاع والسرايا التي يتلمسون بها الأخبار؛ هي التي مكنتهم من ذلك. (1/38)
صفحة 38
المسلمون في بدر بين وصف القرآن الكريم وكتب السيرة
القرآن الكريم يتبيَّن أنَّ المسلمين كانوا كارهين للقاء، وأنهم ما كانوا يتمنون أن تقع بينهم وبين المشركين
معركة، ولربما كانوا يجدون صعوبة كبيرة.
في حين أنَّ السيرة النبوية التي نقرؤها عن أحداث الغزوة تُبَيِّن أنَّ المسلمين كانوا على استعداد كامل، وأنهم قدموا التضحيات، وأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم تقدم ليُعْلِنَ استعداده. فكيف نُوَفِّقُ بين الرَّسْم القُرْآني لتلك السورة، وبين ما نقرؤه في السيرة؟
تَعرَّض القُرْآنُ الكريمُ في بيان أحداث غزوة بدر الكبرى، وما ذلك إلا لعظيم أثر هذه الغزوة في تاريخ هذه الأمة، بل في تاريخ الإنسانية جمعاء، ولما انطوت عليه من حكم عظيمة ودلالات عميقة. (1/39)
صفحة 39
والسؤال يدور حول ما ورد في قوله تعالى: {كما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ) يجد لونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ ينظرُونَ} [الأنفال: 5 - 6]، وهذه الآيات الكريمة صُدِّرَتْ بأداة
تشبيه، وهي قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ [الأنفال: 5]، وهذا الحرف للمفسرين فيه أقوال كثيرة، إلا أنَّ أظهرها ـ بما يتناسب مع السياق القرآني، وما يُجْمَع بين هذا السياق وبين ما ورد في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة -؛ هو أنَّ هذا التشبيه إما أن يكون لما حصل من حسم الله رجل واختصاصه بأمر الغنائم حينما تساءل المسلمين عن الأنفال أي عن الغنائم، فجاءهم الجواب بعدما سألوا يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، ثم: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1، كما أنّ الله اختص لنفسه فيما يتصل بأمر الغنائم، وحَسَمَ مادة الخلاف الذي كاد ينشب بين بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن اشترك في بدر بأي وجه من الوجوه، سواء كان ممن طارد فلول الفارين أو ممن (1/40)
صفحة 40
وقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حاميا مدافعا، أو ممن تأخر في المدينة لغرض هو من تمام أمور المعركة، ومن عموم صلاح
أحوال المسلمين، فحسم الله صلى الله عليه وسلم هذا الخلاف.
فكذا الحال للخروج؛ فإنَّ الله تعالى قد وعدهم إحدى الطائفتين، وهو عل الذي اختص بتهيئة الأسباب لفوات العير، ولتكون المواجهة بين المسلمين وهم أذلة، وبين المشركين الذين خرجوا بَطَرًا وَرِثَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سبيل الله} [الأنفال: 47]؛ لأنه ولا يُرِيْدُ أَن يُحِقَّ الْحَقِّ بِكَلِمَتِهِ ويقطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ} [الأنفال: 7]، وهذا وجه لا يخفى ظهور التشبيه فيه.
والسياق القرآني يقول: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ} [الأنفال: 5]، فلم يكن كُلُّ المؤمنين ـ ولا أغلبهم - هم الذين كرهوا الخروج للقتال بنص القرآن، فإنَّ (من) للتبعيض، والأصل أن تُجْرَى في حقيقة معناها، فهم فريق من المؤمنين. ثم إن قول الله تعالى: يُجَدِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا نَبَيِّنَ له [الأنفال: 6]، فالمجادلة. هي بمعنى: المراجعة، وهي مراجعة (1/41)
صفحة 41
سؤال واستفسار وليست مراجعة اعتراض، وهذا كثير في الاستخدام القرآني، فالله لن يقول: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ، ثم قال: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا الْمُجَادلة: 1]، فتلك المراجعة ما كانت إلا حوارًا بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحينما نتأمل فيما ورد في السيرة؛ فإننا نفهم أن هذه المحاورة ما كانت لكراهية الاستشهاد في سبيل الله ـ حاشا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء الذين حين استشارهم هو عليه أفضل الصلاة والسلام - تكلم منهم المهاجرون والأنصار بما تكلموا به في مَحْفَل من هذا الجيش الذي أخرجه من المدينة حينها تكلم أبو بكر فقال وأجاد، وتكلم عمر بن الخطاب له فقال وأجاد، ثم تكلم المقداد والكُلُّ يسمع حينما قال المقداد -: «لا نَقُولُ لك كما قالَ مُوسَى لقومه: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلا إِنَّا هَهنا فَعِدُونَ) [الْمَائِدَةِ: 24]، وإنما نقول لك: امْض يا رسول الله، اذْهَبْ أنت وربُّكَ إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ»، وحينما تكلم سعد بن معاذ وقال قولته الشهيرة حينما قال: كأنك تقصدنا (1/42)
صفحة 42
يا رسول الله؟ فقال: «هُوَ ذَاكَ»، ثم قال سعد: «لقد آمنا بك، وصدقْنَاكَ، واتَّبَعْنَا الحق الذي جئت به»، ثم أضاف قائلا: «فَسِز بنا يا رسول الله؛ فإنَّكَ لو خُضْتَ بِنَا البَحْرَ لخُصْنَاهُ معك»، والأنصار والمهاجرون يسمعون هذا الجواب من أحد كبار ساداتهم.
وما كان يُعْقَلُ أنهم كانوا يكرهون الشهادة في سبيل الله، وهم يعلمون أن الله الله قد أذن لهم في القتال، فبعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يترقبون ذلك، وكانوا ينتظرون أن يُؤْذَن لهم في القتال، ولَمَّا هاجروا إلى المدينة المنورة، وأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مجتمع المسلمين، وقام بالإصلاح الداخلي لتوثيق العهود والمواثيق مع سكان المدينة من اليهود والمشركين، أي من الأعراب حول المدينة؛ فإن الله له أنزل عليهم: أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لقدير (الحج: 39]، وهذا - لا ريب ـ سبقه كثير من التعبئة} النفسية في كتاب الله في العهد المكي وفي العهد المدني مما يُرغب المؤمنين في الشهادة. (1/43)
صفحة 43
ولئن كان ذلك مما يُتَصَوَّر ممن نشأ وتربى مع رسول الله له في العهد المكي، ولازمه في مُدَّة مُكْثِه في مكة المكرمة، وشاركه في هجرته؛ فإننا لا نستغرب أن يَصْدر من الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه؛ ولذلك كان فتيانهم يتنافسون، حتى أن عبد الرحمن بن عوف يقول: نظرتُ يَمْنَةً ويَسْرةً فإذا فَتَيَانِ حديثا السن، فقلتُ: والله ما مكانكُما بآمن، ثم التفت إلي الذي عن يميني، فقال: يا عم؛ دُلّني على أبي جهل، فقال: وما حاجتك إليه يا ابْنَ أخي؟ فقال: إنّي عاهدتُ اللهَ لَئِنْ رأيتُهُ لأقتلنه، فقال: هو دونك، ثم يقول: أسرَّ إليَّ الذي عن يساري، فقال: يا عم؛ دلني على أبي جهل ـ دون أن يسمع صاحبه ـ، فقال: وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ فقال: مثل قول الأول، فقال: هو ذاك، دونَكَ إِيَّاهُ، فلما رآياهُ انْقَضَّا عليه كالصقرين. هكذا يقول عبد الرحمن بن عوف فقلتُ - أي: عبد الرحمن: والله ما وددتُ أنَّ مكانهما رجلين؛ لأنه شعر بالأمان
ذاك
من بسالة
هؤلاء الفتين، ولِتَوَتُّبِهِمَا للشهادة، فانقضا على أبي جهل، فأصاباه، واستشهدا، وقال: وهما ابنا عفراء. (1/44)
صفحة 44
الله،
فهذه الروح لا يتناسب معها أن نتصوّر أنهم يكرهون الشهادة في سبيل الله، أو أن أحدا منهم يكره الشهادة في سبيل، وإنما الظاهر أن المراجعة إنما كانت لأنهم لم يأخذوا العُدَّة اللازمة لخوض غمار حَرْب؛ لأنهم خرجوا خفافًا، فقد خرجوا يطلبون العير، وكُلُّ أخذ الظُّهْرَ الحاضِرَ عِنْده، وما أذِنَ لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يذهبوا لإحضار ما تصل إليه أيديهم، وما يتمكنون به من عُدَّةٍ يواجهون بها مشركي قريش، فخرجوا خفافًا، ولذلك رأوا بحسب ما يظهر لهم من أسباب أنهم إنما يُساقون إلى الموت، وكأنهم يرون النتيجة سلفا؛ إذ لا مكانة لهم في الدفع سوى النظر كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) [الأنفال: 1]، وما كانوا يتمنون إلا الجهاد في سبيل الله، ثم بلوغ
النصر أو الشهادة، فيعد لذلك عدته، ويهيئ أنفسهم له.
هذا هو أظهر ما يتبيَّن من هذا السياق القرآني، ومما يمكن لنا أن نجمع من ظاهره وبين ما ورد من روايات صحيحة في كتب السُّنَّة وكتب السيرة عن مواقف البطولة والشجاعة النادرة التي أظهرها المسلمون: صغارا وكبارا، مهاجرين وأنصارًا. (1/45)
صفحة 45
تشويه صور بعض الصحابة الذين شهدوا بدرا كحرقوص بن زهير وزيد بن حصن
ربما الذين كتبوا السيرة كانوا على درجة كبيرة من النزاهة، وكانوا يتوخون الحذر في الكتابة عن الصحابة، لكن الذين جاءوا فيما بعد وسجلوا التاريخ من منظور أفكارهم الخاصة كَانُوا تُهَما كثيرةً على جملة من الصحابة الذين ربما شاركوا في أحداث لاحقة حصلت للمسلمين، فهذا الذي كتبوه لم يتعرض للنقد والتمحيص بدرجة كافية، وإنما تحكّمت العواطف في تفخيمه والمصادقة عليه، وصيغ فيما بعد في شكل مسلسلات، أو في شكل أفلام من أجل تكريس هذا المعنى، في حين أن القرآن الكريم احتفظ للمؤمنين الذين كانوا يجادلون النبي ويكرهون الخروج؛ احتفظ
لهم بحق الإيمان، ووصفهم بوصف في غاية الأهمية. (1/46)
صفحة 46
حرقوص بن زهير وزيد بن حصن انا وغيرهما صحابة كما ذكر ابن حجر وغيره، ولكن يُصَوّر في بعض المسلسلات على أنهم من فريق الشر، وأنهم كانوا سببًا في نكاية الأمة وتدميرها.
هذا السلوك ما رأيكم فيه؟ وكيف يمكن معالجته في ظلّ هذه الأوضاع التي ينبغي على المسلم أن ينظر فيها بنزاهة إلى تلك الحقبة الطاهرة؟
هذا السلوك لا ريب أنه من تشويه الحقائق، ومن خيانة العلم، ومن تحريف التاريخ وتبديل الصواب، ولا ريب أن إثم هذا عظيم، وخطره جسيم، وهذه الأمة أريد لها أن تكون أمة صدق ونزاهة، وأن تعرف الرجال بالحق، لا أن تعرف الحق بالرجال، وهذا الذي نجده في السياق القرآني مما يتصل بأحداث بدر الكبرى أكبرُ شاهد على ذلك؛ فإنَّ الله عمل صدر هذه السورة - سورة الأنفال التي سماها بعض صحابة رسول الله، وسماها كثير من المفسرين سورة بدر - ببيان صفات أهل الإيمان حينما قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ (1/47)
صفحة 47
يتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمُ) الأنفال: 2 - 4، ثم قال: كَمَا أَخْرَجَكَ} [الأنفال: 5]، ثم شرع بعد ذلك في بيان أحداث الغزوة؛ ليُقر أن مواقف الرجال مهما اختلفت فإنها إنما توزن بالموازين الربانية التي أنزلها هو. ولذلك؛ فإنّ طائفةٌ من المفسرين يقول بأن هذا التشبيه
أيضا ـ وهو وجه آخر ـ في قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بيْتِكَ بِالْحَقِّ) [الأنفال: 5]، كان بعد أن بين الله الله الحق والصواب، وأنَّ الميزان إنما هو من عنده، وبين معالم هذا الإيمان وصفات أهله، ثم بعد ذلك بين بعض الأشخاص؛ لبيان إمكانية تحقق ذلك في أرض الواقع، فقال: إن مثال هؤلاء كمثال هؤلاء الذين أخرجهم الله من بيتهم المشركين، ووعدهم إحدى الطائفتين.
لملاقاة
وكذا الحال حينما نأتي في أحداث الأسرى ومعاتبة الله الله لنبيه في أمر الأسرى: {مَا كَانَ لِنَبِي أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الْأَنْقَال: 67]، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان (1/48)
صفحة 48
قد شاور أصحابه في أمر الأسرى، وكلُّ صاحب رأي إنما أراد ما فيه عِزّة لهذا الدين بحسب اجتهاده، فلما أشار أبو بكر ومَنْ معه بِمُفَادَاةِ المشركين إنما أرادوا نُصْرَة الدين وإعزاز أهل الإسلام بالأموال التي يتحصلون عليها من المفاداة، وأرادوا بذلك اهتداء هؤلاء المشركين بعد ذلك، وفي المقابل فإنَّ عمر بن الخطاب حينما أشار إلى أن هؤلاء المجرمين الذين نَكَّلُوا بالمسلمين وعذَّبُوهُمْ وأَعْمَلُوا فيهم القتل والتعذيب والتشريد والتجويع وسائر أنواع التنكيل إنما هم مجرمون يستحقون جزاءهم، وجزاؤهم القتل، إنما أراد بذلك إعزاز الدين، فلم يرد بذلك الثأر الشخصي؛ لذلك قال: أرى أنْ تُمَكِّنَني من أخي فلان فأضرب عنقه، وأنْ تُمَكِّن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وهكذا سَنَّ لِكُلِّ مُهَاجِرٍ قريبه؛ للتأكيد على أنَّ رأيه ذلك يُرَاد به إعزاز الدين، وقد سجل القرآن العظيم هذه المواقف.
ونجد في السُّنة المطهرة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانًا لهذه المواقف، حتى أنه لما أنزل الله الله هذه الآيات بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكى أبو بكر (1/49)
صفحة 49
الصديق له معه، فلما رآهما عمر بن الخطاب سألهما: ما يبكيك يا رسول الله؟ وظل الرسول صلى الله عليه وسلم يبكي، فألح عمر بالسؤال، وقال: «إنْ كانَ هُنَاكَ سبب للبكاء بكيتُ، وإن لم يكن تباكيتُ لبكائكُما»، حتى بين له رسول صلى الله عليه وسلم ما أنزل عليه من أمر العتاب في الرأي الذي ركن إليه بمفاداة الأسرى سواء كان بالمفاداة بالمال، أو كان بالمفاداة بتعليم نفر من أولاد المسلمين (أولاد
الأنصار والمهاجرين).
بل حتى
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد قال: «لو كان المطعم بن عدي حيا، وكلَّمني في هؤلاء لأجبْتُهُ فيهِمْ»، مع أن المطعم بن عدي مات وهو كافر، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وفيا لموقف المطعم بن عدي حينما كان منه بعد وفاة عمه أبي طالب أي بعد وفاة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن المطعم بن عدي هو الذي عرض الجوار على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي مَزَّقَ الصحيفة التي عُلِّقَتْ في الكعبة لمقاطعة بني بني هاشم وبني المطلب في الشِّعْبِ، فحفظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المواقف إلى أن يقول الذي قاله. (1/50)
صفحة 50
هذا هو التاريخ، وهكذا أريد لهذه الأمة أن تَتَرَبَّى على الإنصاف، وعلى أن يُوزَنَ الرجالُ بالحق الذي أنزله الله تعالى مِنْ عِنْدِه، وأن تُعْرَفَ المواقف من خلال هذه الموازين، وهي موازين الحق والقسط والعدالة لا من خلال منازل الرجال، ولا يكون ذلك أيضًا من خلال ما يتصوره الناس من درجاتهم ومن علوّ منازلهم، فإن ذلك لا ريب أمر محفوظ، لكن لا عصمة لأحدٍ من الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وإنما الناس لهم منازلهم بقدر ما يُنْزِلُهم الشرع، ولصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا شك - المنزلة العالية والدرجة الرفيعة والمحبة الكبرى في نفوس المؤمنين، ولكن ذلك لا يعني أن لا يُعرض عصرهم ما وقع فيه من أعمال على موازين القرآن وعلى موازين الحق أنزلها الحق الله، هذا ما أريد لهذه الأمة.
التي
ولذلك؛ فإن تشويه الحقائق وتبديل الصواب هو من خيانة أمانة العلم، وهذا - لا ريب ـ هو من خيانة هذه الأمة، ومن التدليس في تربية ناشئتها، ومن عدم الوفاء بواجب مسؤولية العلم التي بها تَتَرَبَّى الأجيال، ولذلك؛ نجد نحن أنَّ هناك تضاربًا في المواقف، فإن كان المقصود هو تنزيه (1/51)
صفحة 51
صحابة رسول الله؛ فلا تجد أن هذه قاعدة مضطردة، بل تجد أنها تجري على بعض الصحابة ولا تُجْرَى على غيرهم، فما الفارق بين صُحْبَةٍ وصُحْبَةٍ؟!
مع أن بعض هؤلاء ـ كالأسماء التي ذكرتم: كحرقوص بن زهير السعدي، وزيد بن حصن ما هما من كبار صحابة رسول الله، وكُتُب الرجال مليئة بمواقفهم وبأسمائهم، وهذه الكتب نفسها فيها الكثير من بيان مواقف
هؤلاء الصحابة، وغيرهم كثير.
لكن تجد أن هناك تعصبا يعمي القلوب، فيدفع بعض الناس إلى تشويه هذه الحقائق فيرفعون من منزلة البعض، ويغضون من منزلة آخرين فلا هم أجروا المعايير التي يتبعونها ـ حتى ولو كانت معايير خاطئة ـ، فلم يجعلوها معايير عامة تسري على الجميع ولا هم لجؤوا إلى المعايير التي أقرَّتْها هذه الشريعة، ونصّ عليها كتاب الله وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالرسول صلى الله عليه وسلم عاملهم على هذا الأساس القرآني، ألا وهو
القسط أو العدل الذي أرشده إليه ربه، بل هو
عامله
ربه (1/52)
صفحة 52
كذلك، فكان يُعَاتِبُه، كمثل موضوع الأسرى الذي ذكرناه، وفي بعض المواقف التي أشار إليها القرآن العظيم.
إذن: هذا بعيد عن الإنصاف ولا تستقيم أحوال هذه الأمة إلا بالمراجعة الصحيحة الواعية لتاريخها، ولتدوين سيرتها، ولتدوين تاريخها، ولا حرج في المراجعة، ولكن المراجعة والنقد لا بُدَّ أن يكونا مبنيين على أسس صحيحة سليمة، وعلى معايير لا تؤدي إلى طمس الحقائق، ولا إلى تشويهها أو تحريفها أو تبديلها، وإلا وقعنا فيما وقعت فيه الأمم السابقة الذين حَرَّفُوا وبَدَّلُوا وزيَّفُوا، فآل الحال إلى أن استبدل بهم الله و بهم مَنْ يحبهم ويحبونه، ومَنْ يطيعونه ويستجيبون له. وهكذا هو شأن الله له في الأمم؛ فإن الأمم إذا ما تنكبت عن معالم الحق، وتركت موازين القسط، وجانبت الصواب، واتبعت الهوى، وآثرت العصبيات على الحق والصواب؛ فلا شك أنَّ النَّصْرَ لن يكون حليفهم، ولن يَكْتُبَ
الله الله العزة لهم ولا التمكين.
روعه (1/53)
صفحة 53
كيف يُنْظَرُ للأعمال الفنية - كالمسلسلات - التي تُجَسّد أحداثًا قديمة؟
الذي يعيبه المسلمون على الرأسمالية أنَّ الذي يتحكم في مسارها هو الاقتصاد والتجار أصحاب رؤوس الأموال) الذين أصبح زمام الأمور بأيديهم، والذي يحصل في العالم الإسلامي أنَّ شركات الإنتاج الربحية التي تطمع الأموال يبدو أنها بدأت تسلك نفس المسلك؛ فتلعب
في بعواطف المسلمين، وتحاول إنتاج أحداث معارك قديمة جدا، ربما كانت سببًا في انشقاق بعض المسلمين وتفرقهم، فتعيد إنتاجها، لذا نجد أَنَّ كُلَّ فريق تَحَيَّزَ إِلى جهة، هذا الفريق ينتج مسلسلا وذلك الفريق الآخر صار ينتج مسلسلا، ويبدو أنَّ العالم الإسلامي أخذ يَتَفَرَّج على هذه الإنتاجات وكأنها تُعِيدُ إنتاج تلك الأحداث من جديد، وتلعب بهذه العواطف. (1/54)
صفحة 54
فهل يُنْظُرُ لهذه الأعمال على أنها أعمال فنية ينبغي أن يفسح لها المجال؛ لأنها ستجسد أحداثًا قديمة؟ أم يُنْظُرُ
إليها على أنها تمثل خطرًا جديدًا للعالم الإسلامي؟ أما إن كانت هذه الأعمال تبعث فتنا نائمة وتوقظها، وتحيي عصبيات مقيتة، وتُشَوِّسُ وتُشَوّه الحقائق، وتكون بعيدة
6 -
عن الإنصاف؛ فهذا لا ريب أنه من إحياء الفتن - والعياذ بالله. ومن إحياء العصبيات الذي حَذَّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا على صاحبه باللعن، أي: الطرد من رحمة الله، أما إن كانت مُنْصِفَة، وتعرض الحقائق، وتحاول أن تُقَرّب الهوة بين طوائف هذه الأمة وبين مذاهبها ومدارسها؛ فلا ريب أن ذلك عمل حميد. إذن هذه الشركات التي تُنتج مثل هذه الأعمال هي بين خيارين، خاصةً وأنّ الناس اليوم - بحمد الله تعالى ـ قادرون على الوصول إلى المعلومة الصحيحة من مضامينها، فقد أتاحت وسائل هذا العصر اليوم للناس الكثير من الأدوات التي تُعِينُهُمْ على الوصول إلى الحق والصواب، وما عادوا بالجماهير التي يمكن أن تُسَاق بمجرد عمل يظنُّ أصحابه أنه عمل مؤثر (1/55)
صفحة 55
لجودته أو لاكتمال عناصره الفنية، فإن الناس اليوم تبحث وتقرأ
وتقارن وتطالع وهذا - لا شك - من محامد هذا الزمان. ـ
وشباب هذه الأمة وأجيالها الناهضة
هم
ليسوا بمعزل عن
واقع هذا العالم الذي يحيون فيه، وليس نصيبهم من البحث والدراسة والتنقيب والتعلم بأقل من نصيب غيرهم؛ إذ ليست ملكاتهم بأدنى من ملكات، غيرهم، ولا طموحهم بأضعف من طموح غيرهم، ولا رغبتهم في أن يُنْصِفُوا أنفسهم، وأن يخيُوا أمجادهم وفق أسس صحيحة علمية مبنية على مبادئ راسخة من اتباع الحق والصواب بأقل من غيرهم، فلن تؤثر هذه الأعمال فيهم.
فإن كان أرباب هذه الشركات يظنون مثل هذا الظن فهم مخطئون كثيرًا، ولذلك؛ فإنَّ خيارهم الآخ: هو أن يُعِينُوا على بناء وحدة هذه الأمة، وعلى ردم الفجوة بين مذاهبها وبين أهل مدارسها ومذاهبها المتعددة المختلفة، وأن يُقَرِّبُوا وجهات النظر، فإما أن يسكتوا عما يثير الفتن، ويبعث القلائل بين الأمم، بل يجب عليهم أن يبعثوا على مشاريع تبعث في الأمم النهضة والتنمية، وتحثهم على العلم (1/56)
صفحة 56
والإنتاج الحضاري الرصين وإما أن تكون أعمالهم مما يحقق ذلك، فتكون أعمالا تحظى بالقبول.
وما أكثر ما يوجد في تاريخ هذه الأمة وفي تراثها من البطولات والأمجاد والفتوحات والغزوات والسير مما يبين تآخي المؤمنين، وتلاقيهم على أهداف مشتركة نبيلة جليلة، وتعاونهم على الحق وتعاونهم على دحر الباطل والعدوان عن أراضيهم، فنحن في تاريخنا العُماني نجد ذلك؛ فإنَّ العُمانيين حينما طهروا بلدانهم من المحتلين ما اكتفوا بذلك، وإنما أعانوا إخوانهم المسلمين في أرجاء هذه المعمورة في المحيط الهندي، فما سمحوا بالقرصنة، وفتحوا طرق القوافل التي كانت تتجه شرقا وغربا، وأعانوا إخوانهم على مدى التاريخ وحصل ذلك في كُلِّ فتراتهم، فأعانوا الدولة العثمانية على طرد الغزاة من البصرة، وأعانوا على تجنيب الجزيرة العربية الخلافات، وحثوا على تأمين
طرق الحجيج إلى مكة المكرمة، وسعوا عمليا إلى ذلك. وكذا الحال بالنسبة لتاريخ المسلمين عموما؛ فإنك تجد مثل هذه الأمجاد، ومثل هذه الفتوحات والبطولات (1/57)
صفحة 57
التي فيها تقريب للمؤمنين، وتقريب الأبناء لهذه الأمة، كما أن فيها تعريفا لهم وبتاريخهم وبأمجادهم، وتجد أيضا أنها مما يبعث الهمم ويشحذ الطموح
ويغرس الفضائل في نفوس الناشئة، وهذا من ما نحتاج إليه اليوم.
أشد
فما نفع أن نغرس الضغائن في نفوس أجيالنا الناشئة؟! وما نفع أن نُرَبِّي أجيالنا الحاضرة والمستقبلة على ما ورثناه من خلافات ونزاعات وشقاق؟ هل تريد مثل شركات
الإنتاج هذه أن تظل هذه الأمة في حالة من التيه لا تخرج منه؟! أم أنها تريد فعلا أن تقوم بمسؤولياتها؛ فتقوم بدور يشهد لها فيه التاريخ بكُلِّ نصاعة وشرف وأمانة أنهم قاموا بما يتوجب عليهم، وأنهم أعانوا على إحقاق الحق، وعلى تقريب المسلمين، وعلى نُصْرَة قضاياهم، وعلى تعليم أجيالهم وتثقيفهم وتنشئتهم على الفضائل وعلى خصال الخير الكريمة، وعلى أن تكون موازينهم التي يتعرفون بها على جوانب هذه الحياة وعلى صعابها ومشكلاتها موازين
صحيحة مستمدة من مصادرهم التي يعتمدون عليها؟! (1/58)
صفحة 58
غزوة بدر ودروس الدفاع عن النفس
تشكلت المجموعة الأولى من المسلمين؛ لحماية نفسها وعِرْضِها، واسترداد بعض الحقوق التي سلبتها قريش، وتتشكل عبر العصور - خاصةً في هذه الأزمنة ـ مجموعات تقوم بنفس الدور، فهل تحتفظ بنفس تلك المنهجية؟ أم أنَّها سلكت الطرائق القدد، وانتهجت نهجا آخر؟
هنا أمران الأمر الأول ما يتصل بالجهاد وأحكام الجهاد، وهذا ملخص البيان فيه: إنَّ الجهاد باق إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها، وهو من أركان هذا الدين، والله الله قد شرعه في كتابه وبَيَّنَ حالاته وشرائطه وضوابطه، وهذا مما لا ينبغي أن يُغْفَل، فإن للجهاد في سبيل الله تعالى ضوابط وشرائط لا بُدَّ أن يُتَقَيَّد بها. (1/59)
صفحة 59
الأمر الثاني: هو ما يتصل بِظَنِّ بعض الجماعات بأنهم ينوؤون بهذه المسؤولية، فتجد أنهم لا يفقهون فقه الجهاد، ولا يعرفون ضوابطه وشرائطه، وإنما يسعون من تلقاء أنفسهم دون بصيرة في أغلب الأحوال، وإنما تدفعهم العاطفة فقط،
دون حُسْبَانٍ للعواقب، فيقومون بما يقومون به.
لكن حينما ننظر في مثل هذه الأوضاع؛ فإنه لا يسوغ أن يكون النظر إليها مبتورًا عن أسبابها، فإنما أصيبت به هذه الأمة ـ ولا يزال يصيبها - كلها من الأسباب التي لا يمكن أن يُقطع النظر عنها حينما يراد أن يعالج مثل هذا الوضع، فلا تستقيم معالجة مثل هذه الأوضاع إلا بالنظر إلى أسبابها. أراضيها،
فإن ما يصيب هذه الأمة: هذه الأمة: في مقدساتها، وفي وفي أنفسها على مرأى من العالم ومسمع؛ هو مما لا يَرْضَاهُ عاقل، وهو ليس من الإنصاف في شيء، ولا شك أنه من الكيل بمكيالين في التعامل مع القضايا، حتى باعتبارها الإنساني العام، وهذا لا يسوغ، ولا شك أن مثل هذا يُوَلِّدُ أوضاعًا بعيدة عن التعقل، ويؤدي إلى توجهات قد لا تكون مسؤولة ـ في كثير من الأحيان ـ عن تصرفاتها. (1/60)
صفحة 60
ولذلك؛ فإنَّ مثل هذه الأوضاع، سواء كان من قبل هؤلاء الذين يحملون مثل هذا الفكر، أو ممن يريد صلاحًا وخيرًا وعزة لهذه الأمة، فلا بُدَّ أن تُعَالج معالجة شاملة بالنظر في سائر أسبابها وبالتقريب بين النظريات التي يجدها مثل هؤلاء الشُّبان، وبين الواقع الذي يرونه، الواقع الأليم الذي يحيون فيه، ويرونه عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن فوقهم ومن ورائهم، فهذه الأوضاع لا بد أن تتجه إليها معالجات
فكرية علمية دعوية صحيحة.
ومن
هذه المعالجات أيضا: عدم تمييع أسس هذا الدين وأركانه وأحكامه، إذ لا يسوغ أن تكون المعالجة بلي أعناق الأدلة الشرعية وبتوهين ما به قوام هذه الأمة، وما فيه عزتها، وما فيه كرامتها، وحفظ هيبتها والله الله يقول في سورة الأنفال: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ، أي: كل أنواع القوة، سواء: القوة العلمية والحربية والنفسية والعسكرية، ثم قال: ومن رِبَاطِ الْخَيْلِ، ثم بَيْنَ الغاية: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَ اللَّهِ وعدوَّكُمْ وَعَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنْقَال: 60]. (1/61)
صفحة 61
بين الانهزام والتخطيط
الآية التي تذكر التولي يوم الزحف أو التحيز إلى الفئة، وهي قول الله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِهِمْ يَوْمَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَبِرًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّن اللَّهِ وَمَأْوَنهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15 - 16]، هل تنطبق بنفس أوضاع الحرب التقليدية، فينطبق وصفها على نفس أوضاع الحرب الحديثة التي فيها صواريخ
ودبابات؟
نَعَمْ؛ فإنَّ التولي يوم الزحف هو من أكبر الكبائر، ويدل على ذلك هذه الآية الكريمة قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ
امَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (1/62)
صفحة 62
يولهمْ يَوْمَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيْرًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15 - 16]،
ولذلك فإنَّ بعض المسلمين لما عاتبوا مَنْ رجع مِنْ مؤتة، وقالوا لهم الفرار، قال لهم: «بَلْ هُمْ الكُرَّار، وأنا فِيَّتُهُمْ»، فإذن: لا يسوغ التولي (تولي الإدبار عن مواجهة العدو) إلا إذا كان لِخُطَّةٍ عسكرية، ولتكتيك عسكري، إلَّا متحرفا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَرًا إِلَى فِئَةٍ، والتحيز إلى فئة قد لا يكون بالانضمام إلى قوة أخرى، أو إلى حامية يستندون إليها، وإنما قد يكون لتنجية جيش، أو مَنْ بقي من جيش المسلمين من هزيمة محققة، ومن قضاء تام يُنكأ فيه المسلمون في أنفسهم وفي أبطالهم وفي صناديدهم، فيكون ذلك أيضا من التحيز إلى فئةٍ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «بَلْ
أنا فتَتُهُمْ».
هع هع هع (1/63)
صفحة 63
مِنْ عِبر وعظات عزوة بدر للناشئة
كيف تَتَرَبَّى الأجيال على العبر والعظات والحكم المستخلصة من غزوة بدر؟
نحتاج إلى أن نغرس فيهم هذه المعاني، أن نغرس فيهم معنى التضحية والفداء، وأن نعلمهم كيف تكون نصرة هذا الدين من خلال ما نجده من مواقف متعددة، فالصغار لهم أسوة وأمثلة كثيرةٌ في مَنْ كان من الفتيان المجاهدين في غزوة بدر، وأولئك الذين بذلوا أموالهم، وضحوا بأرواحهم، وأولئك الذين أيضًا انتدبوا أنفسهم، كُلُّ هؤلاء يصلحون أمثلةً
وقدوات وأسوةً حسنةً تُعْرَض على ناشئتنا وعلى أجيالنا.
على أن تكون في سياقها الصحيح، وفي إطارها القرآني الذي تحدثنا عنه، فإن هذا القرآن إنما أنزل على هذا الإنسان، (1/64)
صفحة 64
وهذا الإنسان فيه من الشهوات ومن الأهواء ومن العواطف والرغبات ما لا يمكن أن يطمس وإنما لا بُدَّ له من توجيه، وهذا التوجيه قد يكون بالتربية أحيانًا؛ أي: يكون باللين، فالله تعالى يقول لنبيه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آلِ عِمْرَان: 159]، وقد يكون بالتأديب أحيانًا، وبالمواقف الصعبة أحيانًا أخرى، وكُلُّ هذه لا بُدَّ لنا من غرسها وبيانها وتقديمها لناشئتنا إن أردنا لهم فعلا أن ينتفعوا من عِبَر بدر وعظاتها ودروسها. (1/65)
صفحة 65
هل كان المسلمون أول من بادر إلى الحرب في أول تَشَكُل لدولتهم؟
الإسلام دين السلام يدعو دائما إلى أن تَسْتَقِرَّ البشرية، وإلى أن تحصل على، أمانها وإلى أن تتحقق فيها العدالة والسلام، وكُلُّ نصوص الكتاب العزيز والأحاديث النبوية
تدعو إلى هذا؛ فلماذا كان المسلمون أول من بادر إلى
الحرب في أول تَشَكُل لدولتهم في المدينة؟
غزوة بدر تحمل من الدلالات والدروس والمعاني ما يحتاج إلى تأمل ونظر؛ لأنَّ دروس بدر لا تنقضي، وكيفما قلب المسلم صفحات هذه الغزوة، خاصةً حينما تمر عليه ذكراها؛ فإنه سوف يجد في هذه الصفحات الكثير من الدروس ومن العبر والعظات.
وما أجدر المسلمين اليوم أن يرجعوا إلى الحكم والأحكام، (1/66)
صفحة 66
وإلى الدروس والعظات المبثوثة في كتاب الله لك وفي الثابت الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يتصل بأحداث بدر؛ لكي يأخذوا منها ما يحتاجون إليه في واقعهم تصحيحا لهذا الواقع، وإعلاء أو تصحيحا لمسيرهم، ومعالجة لكُلِّ الإخفاقات ومظاهر الفشل التي تَعْتَرِي أفرادهم وجماعاتهم وأمتهم.
وهذه المقدمة ـ التي تفضلتم بها ـ هي غاية في الأهمية؛ فإنَّ الإسلام - لا ريب ـ دين سلام، وهو دعوة رحمة للبشرية، وهو ـ أي هذا الدين - إنما جاء لإنقاذ هذا الإنسان، ولإعادة الإنسانية إليه، ولإيقاظ هذه الإنسانية في ضمير هذا الإنسان بعدما كانت ميتة، فصار الإنسان بلا إنسانية، وصارت حياته بلا ضمير ولا روح
ومن وسائل تحقيق هذا السلام ما اقتضته الضرورة من مثل هذه الحروب؛ فإنَّ المسلمين في غزوة بدر لم يكونوا هم الذين اختاروا المواجهة الحربية العسكرية؛ لأنهم حينما خرجوا إنما خرجوا طلبًا للعير لاسترداد بعض حقوقهم المسلوبة، فقد كان المسلمون يَتَشَوَّفُونَ اللحظة التي يُؤْذَن لهم (1/67)
صفحة 67
فيها بالقتال دفعًا للظلم عنهم، وحينما أذن لهم بذلك؛ فإن أول آية آذنتهم بهذا الإذن قال الله تعالى فيها: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ} [الحج: 39]، فبينت الآية أن سبب هذا الإذن إنما هو ما تقدم من مقاتلة المشركين لهم، ومن ظلمهم إياهم، ولذلك أذِنَ الله له لهم بالقتال.
فهذا الدين لم يأت لأجل إقامة الحروب، وإعلان الحروب على الآخرين، وإنما جاء دعوة هداية وإنسانية ورحمة للناس جميعا، ومن وسائل تحقيق هذا السلام دفع الظلم عن الإنسان، وإزالة كُلّ العوائق التي تحول دون نشر كلمة الله الله في الأرض، وإزالة كُلّ ما يمكن أن يؤدي إلى تعطيل نشر
رسالة السلام في هذا الدين ولذلك كانت غزوة بدر.
أما كون المسلمين لم يختاروا المواجهة الحربية العسكرية؛ فإن ذلك مما نجده في كتاب الله وعمل حينما وصفهم الله تعالى بقوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تكون لكم [الأنفال: 7]، ولكن الله كل أراد أمرا آخر للمسلمين، فحينما وصفهم قال: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ (1/68)
صفحة 68
بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقِّ وَيُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ
المُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7 - 8].
فالأسباب الظاهرة التي سعى إليها المسلمون حينما أذن الله الا الله لهم بالقتال، ووعدهم إحدى الطائفتين: هو إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإعلاء كلمة الله تعالى، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، هذه هي الأسباب، فلم تكن لهم رغبةٌ في القتال لذاتِ القتال، أو في إعلان حرب على غيرهم، وإنما كانوا يريدون دفع الظلم، ومدافعة الباطل، وإحقاق الحق، وإزالة كُلّ ما يمنعهم من نشر دعوة الحق والسلام والرحمة لكُلِّ أصقاع هذه الأرض.
وفي المقابل نجد أن المشركين هم الذين أصَرُّوا على خيار الحرب، فإن أبا سفيان لَمَّا تمكن النجاة بالقافلة بعدما أرسل مستصرحًا بقريش في مكة، بعث لهم بعد ذلك بأنه تمكن من النجاة بالقافلة، وأن لا حاجة إليهم، فاختلف المشركون، إلا أنَّ رأس الكفر والضلال، وفرعون هذه الأمة أبا جهل - أصَرَّ على مقاتلة المسلمين، وقال قولته (1/69)
صفحة 69
المشهورة، والتي كانت تعكس ما في نفوسهم من الغيظ ومن الظلم والاستبداد والطغيان قال: لا، حتى نصل بدرا، فنقيم فيها ثلاثة أيام، وننحر الجزور، ونشرب الخمور، وتعزف لنا القيان»، لكن بدرًا كانت مصرعًا لهؤلاء الطغاة المستبدين. ما حصل من المشركين أنفسهم من اختلاف حول الذهاب للقتال بعد ما سَلِمَت العير دليل على أنهم هم اختاروا الحرب، بل يُرْوَى في كُتُبِ السِّيرِ أن عتبة بن ربيعة
ومع
الذين
وهو من كبار السادة - اقتنع بالعدول عن الذهاب للمواجهة بعدما سلمت لهم العير والقافلة، إلا أن أبا جهل اتهمه بالضعف والجبن، فكان تقدير الله الا الله أن تكون هذه المواجهة. وهي مواجهة فارقة في تاريخ الإنسانية، لم تكن مواجهة فارقة في تاريخ المسلمين فقط، وإنما كانت حدثًا فاصلا وفارقا في تاريخ هذا الإنسان؛ لأنها فَرَّقَتْ بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، كما وصفها الله تعالى في كتابه الكريم في سورة الأنفال حينما قال: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الْأَنْفَالِ: 41].
رهع هع هع (1/70)
صفحة 70
إذا كان الهدف من غزوة بدر هو استرداد الحقوق؛ فما بال مشاركة الأنصار؟
بيَّنْتُم في كلامكم أنَّ الهدف من هذا اللقاء التاريخي هو في الأصل استرداد لحقوق المسلمين التي سلبت في مكة المكرمة، لكن الذين نعلمه جميعا ـ والذي ورد في السيرة ـ أنَّ هذه المعركة شهدت مشاركة من الأنصار، ولم يكونوا من المهاجرين فقط، فإذا كان الهدف هو استرداد الحقوق فما بال مشاركة الأنصار؟
لا نستغرب أبدا مشاركة الأنصار؛ لأن المسلمين بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صار الجامع لهم هو رباط الأخوة الإيمانية، وصار الذي يجمعهم هو الإيمان بالله تبارك وتعالى،، فنشأت
بينهم من الموالاة حتى صاروا
كالنفس الواحدة: لا فَرْقَ بين مُهَاجِرٍ وأَنْصَارِيِّ، بل إن (1/71)
صفحة 71
عدد الأنصار كان أكثر من عدد المهاجرين، والذي وجد في السيرة أن عدد المهاجرين كان سبعين، وكان البقية من الأنصار، وهذا لا غرابة فيه؛ فإنَّ الله الا الله كما أثنى على المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أثنى على الأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان، والذين آووا مَنْ هاجر إليهم ونصروهم.
ونعلم جميعا أن من الأركان الوطيدة التي هَيَّأها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وهو يُنشئ هذا المجتمع توطئة لإقامة دولة الحق ودولة الإسلام هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فصاروا لُحْمَةً واحدةً، رباطهم هو
رباط الإيمان.
ولكن نظرًا لِمَا كانت تشتمل عليه بيعة العقبة من أنَّ الأنصار يدفعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدفعون عنه أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستوثق منهم، ولذلك فإنه لما استشار أصحابه والله وهو يقول لهم: «أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاسُ»، فتكلم أبو بكر، وتكلم عمر، (1/72)
صفحة 72
وتكلم المقداد، وكلهم من المهاجرين، وكلهم قال فأجاد وأحسن، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ»، حتى تكلم سعد بن معاذ ـ على أشهر الروايات ـ، فقال: «كَأنَّك تعنينا يا رسول الله؟»، فقال قولته الشهيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي سُرَّ بها، وسُرَّ بها المسلمون جميعا، ولم تكن مقولته تلك مقولة فردٍ يتحدث عن نفسه، بل كانت مقولة سيّد من سادة المسلمين صحابي جليل يتحدث عن كُلّ الأنصار، ولذلك فإنه قال: «فائض يا رسول الله إلى حيثُ شئت، وصِلْ حَبْلَ مَنْ شئتَ، واقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شئتَ، وَخُذْ مِنْ أموالنا ما شئت واترك ما شئت والله للذي أخذت أحب إلينا مما تركت امْض فإنَّكَ لو خُضْتَ بنا البحر لخُضْنَاهُ معك»، واستطرد في قوله، مما يؤكد أن رباط الأخوة الإيمانية جعل من ألفة المؤمنين حقيقة واقعة، ولم يكن مجرد شعارات وتنظيرات، براقةٍ بل كان واقعا ملموسًا، وكان ذلك من أهم عوامل النصر بعد الإيمان بالله واليوم الآخر.
فلا غرابة - إذن - في مشاركة الأنصار في هذه المواجهة، خاصةً وأنَّ بدرًا كانت أقرب إلى المدينة منها إلى مكة، ولو (1/73)
صفحة 73
قدر وتأخر الأنصار؛ فإن بطش المشركين من أهل مكة لن يكون على قراباتهم ممن هاجر إلى المدينة، بل ـ لا ريب - سوف يمتد إلى المدينة وأهلها.
ولا ننسى أنَّ هناك طابورًا خامسًا كان في المدينة، وهم اليهود والمشركون من الأعراب الذين كانوا يحاولون أن يفتلوا في حبل وحدة المسلمين وألفتهم، وأن يبثوا فيهم الفرقة، ولكن الله الله الحذر المسلمين من ذلك، فاستسلموا لأمره، حينما قال: {وَلَا تَنَزَعُوا فَنَفَشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصابرين) [الْأَنْفَالِ: 46]، فكان ما بَدَرَ من الأنصار هو الذي يُتوقع منهم، وهو الذي يأمله رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون منهم، وهو الذي يحقق لهم استجابتهم لأمر الله - تبارك وتعالى -
رفع معه (1/74)
صفحة 74
هل المسلمون لا يُنْشِئون حروبا أبدًا ولا يبدأونها؟
ذكرتم أنَّ المسلمين لم يُنْشِئوا حربًا، ولم يكونوا هم البادئين، وإنما كان لهدف اعتراض القافلة؛ فهل معنى هذا
أنَّ المسلمين لا يُنْشِئون حربًا أبدا ولا يبدؤونها؟ هذا
مع
وجود فتوحات إسلامية هي التي كانت مسؤولة عن توسع رُقْعَة المسلمين وانتشار الإسلام؟
ليس معنى ذلك أن المسلمين لا يُنْشِئون حربًا، إلا أنَّ إنشاءهم للحروب إنما يكون وفقا لضوابط وشروط لا بد منها. فنحن نعلم أنّ هذا الدين دين رسالة للناس جميعا، هو رسالة للعالمين، وأن نشر هذا الدين يقتضي إزالة الطغاة الذين يحولون بين نشر هذه الدعوة وبين الناس الذين يمكن
أن تصل إليهم فتخرجهم من الظلمات إلى النور. (1/75)
صفحة 75
إلا أننا نتحدث هنا عن خصوص أحداث بدر، ولذلك فإن القرآن صريح في أن المسلمين كانوا يودون أن
لو سلمت لهم العير، وتجنبوا ذات الشوكة، التي
الحرب.
لكن المسلمين يُنشئون حروبًا، والحروب التي يُنْشِئونها إنما تكون لرفع الظلم، وإزالة كُلّ ما يعترض سبيل الله وعل، ونشر دعوة الحق، كما يُنْشِئون حروبا أيضا نُصْرةً للمستضعفين في الأرض، كما قال الله الله في كتابه الكريم: وما لكُم لَا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ والْوِلْدَانِ} [النساء: 75]، فكُلُّ هذه من الأسباب التي يُنشئ لأجلها - إجمالا - المسلمون حروبا، كما أن حروبهم تكون للدفاع، وكما تكون أيضا لبثّ الرُّعْب والردع في قلوب مَنْ يُمْكِنُ أن تُسَوّل له نفسه بالاعتداء على شيء من حرمات المسلمين ومقدساتهم. (1/76)
صفحة 76
إلى أي مدى يمكن الاتكاء على الجانب الإيماني في خوض معركة غير متكافئة
الأطراف؟
الذي لاحظناه في غزوة بدر هو أنَّ الجانب الإيماني كان طاغيًا؛ لأنه كان هناك فرق كبير جدا بالعدة والعتاد، فإلى أي مدى يمكن الاتكاء على الجانب الإيماني في خوض معركة غير متكافئة الأطراف؟ أم أنَّ هذا خاص ببدر؟
لا ريب أنَّ أهم العوامل التي أدت إلى تحقق نصر الله الله لعباده المؤمنين وهم قلةٌ، كما وَصَفَ في كتابه الكريم امتنانا عليهم: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تشكرُونَ} [آل عمران: 133]، من أهم هذه العوامل هو صدق الإيمان بالله وال واليوم الآخر.
وهذا الإيمان الذي تَمَلك قلوب المؤمنين، وسيطر على جوانحها، ودفعها إلى البذل والتضحيات والإيثار لم يكن (1/77)
صفحة 77
وليد صدفة، بل كان وليد تربية محمدية، هذه التربية واجه فيها المسلمون حينما كانوا في مكة ما واجهوه من الصعاب والإيذاء والظلم والتعدي، لكنهم صبروا حفاظا على
عقيدتهم، وإيثارا لما عند الله، وإيثارا لنعيم الآخرة على حطام الحياة الدنيا، فكانت تربية صادقة تمكن فيها المسلمون من جوانب هذا الإيمان، فسيطر على نفوسهم، فصار هو الموجه لهم.
إلا أن ذلك لا يعني أن هذا الإيمان الذي تغلغل في نفوسهم كان وحده كافيًا لتحقق النصر لهم؛ لأن الله تعالى أمرهم بإعداد العدة، فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عدو اللهِ وَعَدُوكُمْ وع اخرينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الْأَنْفَالِ: 60]، فالله و لم يكلفهم هنا أن يُعِدُّوا أفضل العُدَّة وأقوى القوة اللازمة لمواجهة الأعداء، بل أمرهم بإعداد أفضل ما يستطيعون: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ، أي: أنهم مأمورون بإعداد الجوانب المادية بكُلِّ ما تشتمل عليه من علم، ومن تخطيط ومن جوانب عسكرية، ومن مؤونة (1/78)
صفحة 78
وتجهيز، ومن كُلّ ما يحتاجون إليه ماديا، ومن التعبئة المعنوية اللازمة؛ أمِرُوا بأقصى ما يستطيعون، فإن فعلوا ذلك فقد أخذوا بالأسباب، وهنا يأتي دور اللجوء إلى
الله، وهو اللجوء إليه بالضراعة والدعاء والاستغاثة
وهذا ما كان منهم.
فهناك إذن:
الإيمان الراسخ في النفوس، الذي هو سبب النصر الأول، وسبب استحقاقهم نصر الله وعل؛ لأن الله الله جعل النصر منه وحده حينما قال: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كثيرة} [التوبة: (25)، فإن الله لا يَمْتَنُ عليهم بأن النصر منه وحده وحينما قال: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) [آل عمران: 123]، فالنصر منه وحده الله، وقال: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ ينصُرْكُمْ وَيُنَبَتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7، ولا سبب يُوْصِلُ إلى الله الله أقوى من صدق الإيمان به وحُسْن الإيمان باليوم الآخر،
وتَمَثْل هذا الإيمان في واقع الحياة.
ثم تأتي بعد ذلك الاستعدادات ـ أي: الاستعدادات المادية، وما فَرَّط فيها رسول الله ولا صحابته الكرام، (1/79)
صفحة 79
بل أخذوا بكُلِّ ما استطاعوا، وبأفضل الوسائل التي تمكنوا منها لأجل ملاقاة العدو، ولأجل التمكن من الانتصار عليهم،
وتفادي كُلِّ أسباب الهزيمة. (1/80)
صفحة 80
لماذا كُلٌّ هذا الاستعداد العسكري مع وجود وعد قاطع من الله بالنصر؟
إنَّ المسلمين استحضروا في تلك اللحظة العُدَّة، من خلال
الخطة العسكرية التي وضعت ومن خلال الاستشارات التي قام بها النبي، والحركات التكتيكة العسكرية، رغم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنَّ النصر من الله قادم، وأنَّ الله تعالى قد وعده بذلك؛ فلماذا كُلُّ هذا الاستعداد وجود وعدٍ قاطع من الله الله بالنصر؟
كُلُّ ذلك إنما كان أخذا بالأسباب، فإن الله له حينما وعد المؤمنين بالنصر إنما وعدهم لما علمه من أخذهم بكُلِّ الأسباب المؤدية إلى النصر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه إنما يُظْهِرون لربهم الخالق الذي يعبدونه أنهم أهل للنصر، ولذلك كانوا في حاجة إلى الأخذ بكُل الوسائل التي تُعِينُهُمْ إلى بلوغ ذلك النصر. (1/81)
صفحة 81
وهذه الأسباب التي أخذ بها المسلمون هي في حقيقتها من لوازم إيمانهم الحق بالله - تبارك وتعالى؛ لأنّ أن الإيمان إنما يكون مجرد عاطفة تملأُ
الذي يتصور القلب فهو مخطئ الإيمان له تبعات ولوازم الإيمان عقيدة راسخة في النفس، إلا أنَّ لها آثارًا تظهر على هذه النفس، وهذه الآثار تتمثل في الاستسلام والانقياد لأمر الله - تبارك وتعالى -.
نحن نعلم عناية رسول الله الله في العهد المكي، وحينما وصل المدينة المنورة، كان يبني أفراد المسلمين بالعلم، وكان يُقوّي اقتصادهم، وكان يأمرهم أن يبحثوا عن سُبُل لتعزيز ما نعرفه نحن اليوم بالاقتصاد؛ لأن فيه قوام أمرهم، وكان يأمرهم على التدرب على الجوانب العسكرية، وعلى ما تستلزمه الحروب وكان يُنْشِئ علاقات دولية، وكان يوطد العلاقات داخل مجتمع المدينة، فكان يُنشئ العهود والمواثيق؛ لأنه يسعى من ذلك إلى تربية هذا الجيل، وإلى استتباب الأوضاع له؛ تهيئة لنشر دعوة الحق في مشارق
الأرض ومغاربها. (1/82)
صفحة 82
فهناك خطوات عملية قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لَمَّا كانت المواجهة في بدر، وهي في العام الثاني من الهجرة؛ فإنَّ ما أظهره المسلمون يعكس أنَّ الذي وصلوا إليه ما كان وليد إعداد بسيط، وبلا شك لم يكن وليد مصادفة، وإنما كان نتيجة لتربية حقيقة اشتملت على كُلِّ الجوانب النفسية والمعنوية والعسكرية والمادية مع الجانب الأصلي الذي تحدثنا عنه، وهو الجانب المعنوي جانب الإيمان بالله واليوم الآخر، فكانت هناك سِرِّيَّة، وكان هناك حرص على مباغتة العدو، وكان هناك حرص على استطلاع أخبار العدو في البداية، وكان هناك حرص على استطلاع أخبار القافلة، فلما فاتتهم العير تحرّوا، واستطلعوا أخبار المشركين، حتى أنهم تمكنوا من معرفة أعداد المشركين، كما في قصة الغلامين
أعداد
الذين أسرهم المسلمون، فأخذوا يسألونهم عن المشركين فقالوا لا نعرف حتى سألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم ينحرون؟ فقالوا: ينحرون يومًا تسعًا، ويوما عشرا، أي: مِنَ الجزور، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إنَّ القومَ ما بين تسعمائة إلى ألف»، وكانوا كذلك. (1/83)
صفحة 83
وكذا الحال في سائر خطواتهم، ثم في تنظيم الصفوف فرسول الله صلى الله عليه وسلم لجأ إلى المقاتلة بالصفوف، بينما كان المشركون يلجؤون إلى طريقة الكَرْ والفَرّ، وهي الطريقة المعهودة في الجزيرة العربية في ذلك الوقت ما عهدوا طريقة الصفوف. ولجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامل آخر، وهو شحذ همم المسلمين ورفع معنوياتهم، وكان لذلك الأثر البالغ، فإنه لَمَّا كان يتفقد الصفوف كُلُّنا نعلم قولته صلى الله عليه وسلم: «قُومُوا إلى جنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاواتُ والأَرْضُ»، فلما سمعه عمير بن الحمام فقال له: بَحْ بَحْ عَرْضُهَا السَّماوات والأرض؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حَمَلَكَ على قَوْلِك: بَحْ بَحْ؟!»، فقال: ما حملني يا رسول الله إلا رجاء أن أكونَ مِنْ أَهْلِهَا، فقال له رسول صلى الله عليه وسلم: «فإنَّكَ مِنْ أهلِهَا»، فشرع عمير في أكل بعض تمرات كانت في قرنه، ثم تذكر البشارة التي حملها له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنها لحياة طويلة إن أنا حييت حتى آكل هذه التمرات ما بيني وبين جنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوات والأرْضِ إلا أنْ يَقْتُلَني هؤلاء»، فرمى ما كان في يديه، وأقبل على مقاتلة المشركين، حتى استشهد ليلة (1/84)
صفحة 84
فكُلُّ هذه الجوانب لا تتعارض أبدا مع وعد الله وعل
للمؤمنين بالنصر، بل هي من أسباب النصر.
وهنا لي تعليق على موضوع الاستغاثة والدعاء؛ لأنّ شبابنا اليوم - للأسف الشديد - لا يولون هذا الجانب أهميته في حين أننا إذا تأملنا - ونحن نتحدث عن غزوة بدر؛ وجدنا فيها مما يتصل بهذا الأمر أمرًا عجبا:
فالله عَل حينما شرع يقصُّ لنا الأحداث بتفاصيلها؛ ابتدأ أول ما ابتدأ في كتابه الكريم بقوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَكَةِ مُردِفِينَ} [الأنفال: 9] ولو لم يكن للدعاء واللجوء إلى الله تعالى والضراعة إليه مع صدق الإيمان، ومع الأخذ بكُلِّ الأسباب؛ هذه المنزلة البالغة لما افتتحت هذه السورة الكريم استعراض تفاصيل غزوة بدر بهذه الآيات.
ونتذكر كيف كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما سَوَّى الصفوف، ورتب، جنده ووزع الرايات، وقسمهم إلى صفوف وإلى مقدمة وقلب وخاتمة وإلى طلائع للنظارة والحراسة (1/85)
صفحة 85
وجعل لهم راية واحدةً، وجعل لهم شعارًا واحدا، وهي كلمة: أحد أحد؛ بعد ذلك لجأ إلى ربه - تبارك وتعالى ـ بالضراعة والدعاء، وألح على ربه في ذلك، وكان يدعوه، ويقول له: «اللَّهُمَّ أنجز لي ما وعدتَ اللَّهُمَّ نَصْرَكَ، اللَّهُمَّ نَصْرَكَ، اللَّهُم إنْ تهلك هذه العصابة لا تُعْبَد في الأرض أبدا»، وهذه تُفسّر لنا أهمية هذه الغزوة في تاريخ الإنسانية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «اللَّهُمَّ إِنْ تهلك هذه العصابة لا تُعْبَد في الأرض أبدا»، فكأنَّ عبادة الله لا في الأرض إنما هي معلقة ببقاء هذه العصابة المؤمنة، وهذا ما حصل فعلا؛ فإن إعلاء دين الله - تبارك
وتعالى، ونشر دعوة الحق إنما تفتحت آفاقه وتنوعت وسائله بعد غزوة بدر، فقد تسامعت العرب، وتساءل مَنْ كان جاهلا وانتبه مَنْ كان غافلا، وخسئت كلمة المشركين، وكانت كما قال الله - تبارك وتعالى -: {كَلِمة الذين كفروا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُليا} [التَّوْبَة: 40]. (1/86)
صفحة 86
الرسول صلى الله عليه وسلم بين المشورة والوحي
الذي نلحظه في غزوات النبي أنه يأخذ بالاستشارات العسكرية، ويركز عليها، ففي غزوة بدر: استشارة الحباب بن المنذر، وفي غزوة أحد: أشار عليه مجموعة من المؤمنين إلى أن يخرج لملاقاة العدو، وفي غزوة الخندق: أشار عليه سلمان رابه إلى حفر الخندق. هذه الاستشارات التي يأخذ بها النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يستفيد منها المسلم على الرغم من أنه أفضل البشر على الإطلاق، ويمكن أن يستدعي إلهام ذلك. لا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُشَرّع لأمته، فهو معلمها الأول، وهو قدوتها العُلْيَا، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم يُعَلِّم أمته مبدأ الشورى، وهو مبدأ أصيل راسخ للمؤمنين، أقَرَّه لهم الله
من
الله. (1/87)
صفحة 87
تبارك وتعالى ـ وهم لا يزالون جماعة مضطهدة تُعاني العذاب والظلم من أهل مكة (من قريش في مكة المكرمة)، ووصفهم - تبارك وتعالى ـ بقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشَّوْرَى: 38] في سورة سُمِّيَتْ باسم: الشورى؛ تأكيدا لكون الشورى مبدأ أصيلا راسخًا، على المسلمين أن يمتثلوه وأن يطبقوه، ولهذا طبق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ:
أصحابه من
- طبقه حينما فاتته العير؛ فإنه جمع المهاجرين والأنصار - كما تقدم، وهو يلح عليهم فيقول:
«أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّهَا النَّاس، أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاس».
أما حادثة الحباب بن المنذر مما أشار إليه في مسألة المنزل الذي نزلوه في بدر؛ فهي ضعيفة عند المحدثين، لكن
الاستشارة وتطبيق مبدأ المشورة ثابت ـ كما تقدم -.
وكذا الحال بالنسبة لما حصل في غزوة أحد؛ فإنه مع ما صدر من مخالفة الرماة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن القرآن جاء ليخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ (1/88)
صفحة 88
ولو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ هَمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آلِ عِمْرَانَ: 159]؛ لأنه مبدأ أكبر من الأخطاء. ولئلا يدفع الحال الذي صدر من بعض المسلمين برسول الله صلى الله عليه وسلم وبقيادات المؤمنين إلى ترك هذا المبدأ؛ فإنَّ الله و قد أمرهم به تأكيدا في هذه الآية الكريمة بعد ما حصل لهم في غزوة أُحُدٍ.
وكذا الحال في سائر غزواته؛ لأنَّ هذا المبدأ ـ كما قلت - مبدأ أصيل لا غنى للمسلمين عنه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع كونه المسدد بالوحي إنما هو مُعَلِّمٌ لأمته، وهو القدوة والأسوة لهم، وهو المُشَرّع لهم، ولذلك يمتثل لأمر ربه بمشاورة أصحابه، وبإرساء هذا المبدأ تطبيقا عمليا في واقع حياتهم، ولهذا المبدأ مجال يمكن أن يطول، لكن الذي يتصل به من هذه المعركة هو ما ذكرناه.
أما مسألة ماء بدر؛ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في رواية أنس بن مالك التي ذكر فيها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل بسيسة (1/89)
صفحة 89
عَيْنا له يستطلع عِيرَ، قريش، فجاء بسيسة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، وما معه أحد ـ كما يقول أنس بن مالك ـ إلا أنس، ومع ذلك فإنّ بسيسة أسَرَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأخبار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن أنسًا لا يعرف ما الذي أسر به بسيسة للنبي. عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ـ، وفي بعض الروايات أنه جَنَّبَ بعض أهله - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في الدار؛ لئلا يسمعوا ما أتى به بسيسة، ثم لَمَّا خرج قال: «إن لنا طلبةً، فمَنْ كان ظهره حاضرًا فليركب معنا»، ثم يصف أنس بن مالك مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «خرج رسولُ الله وأصحابه معَهُ، فسبقوا إلى بدر»، مما يدلُّ على أن هذا التكتيك هو من الأمور التي يعرفها رسول الله وأصحابه الكرام.
فنفي صحة هذه الحادثة - وهي حادثة إشارة الحباب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنزل الذي نزل فيه ـ لا تنفي إرساء مبدأ الشورى وأهميته وممارسة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، والله تعالى أعلم.
??? (1/90)
صفحة 90
مدى مشاركة المرأة في غزوة بدر
1 هل كان للمرأة المسلمة في غزوة بدر مشاركة؟
سير المسلمين أن في بدر كانت هناك لا يُذْكَرُ في سير مشاركات للنساء، والسبب هو ما تقدم مِنْ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ندب صحابته للخروج قال: «إنَّ لنا طلبة، فمَنْ كان ظهره حاضرًا فليركب معنا»، حتى إن بعض صحابته استأذنه ممن كان ظهره في علو المدينة، فلم يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هذا لا ينفي أن يكون للمرأة المسلمة دور في غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي معارك المسلمين، وهذه قضية ثابتةٌ، معروفةٌ، وأيضًا فإنه لا يقتصر دور المسلمين الذين يشاركون في الغزوات على أولئك الذين يذهبون للمقاتلة، بل حتى الذين يستبقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحراسة المدينة، أو (1/91)
صفحة 91
لاقتفاء الأثر، أو لأي مهمة من المهمات التي يأمرهم بها؛ فلا شك أن في ذلك مشاركة في الجهاد نفسه، وهذا يتصل بالتمريض والتطبيب ومداواة الجرحى وإسعاف المرضى وسقي العطشى، إلى آخر ما كان معروفًا مُدَوَّنًا من مشاركات المرأة في غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/92)
صفحة 92
مدى علم الصحابة بوجود ملائكة معهم
هل علم الصحابة بوجود ملائكة تقاتل معهم أثناء
المعركة، أم علموا بذلك بعد انتهاء المعركة؟ الذي نجده في كتاب الله وعمل أن إمداد المسلمين بالملائكة
وهذا
كان من ضمن مقاصده تطمين المسلمين وتبشيرهم، يعني أن يحصل لهم ذلك قبل المعركة، فهم علموه إجمالاً بما أوحاه الله الا الله إليهم: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَتَبتُوا الَّذِينَ وَامَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الْأَنْقَال: 12].
وهناك روايات تشير إلى أن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عيانًا آثار مشاركة الملائكة في القتال نفسه، كما في الرواية عن الصحابي الذي سمع صوتا أعلى رأسه، ثم نظر إلى مشرك فوجد أنه قد جُدِعَ أنفه، وشجت جُبَّتُه، وخرَّ (1/93)
صفحة 93
صريعًا، يعني: رأى أثر الصوت على المشرك الذي كان
المسلم وراءه.
هذا الذي نفهمه مما أخبرنا به الله الله في كتابه الكريم، وكذا الحال أيضا بالنسبة للعوامل الأخرى التي هيأها ولمسها المسلمون: {إِذْ يُنَشِيكُمُ التَّعَاسَ أَمَنَةٌ مِّنْهُ وَيُنَزِلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُظْهِرَكُم بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ الْأَنْفَالِ: (1]، فكُلُّ هذه العوامل هي
مما ساعدت ورآها المسلمون. (1/94)
صفحة 94
ما تفسير اختلاف الصحابة على الغنائم؟
الذي وقع بعد المعركة بين الصحابة ريم من اختلاف على الغنائم؛ هل يُعَدُّ ذلك خطأ، أم هو طبيعة بشرية، ويمكن أن يُتَناول على أنه أمرٌ لا يُعْتَبَرُ من الأخطاء، إنما من الطبائع البشرية؟
أولا: تعليقا على ما قال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا سيما أهل بدر - لهم المنزلة العليا، فهم خير القرون.
لكن مسألة سؤالهم عن الأنفال مما قصه لنا الله - تبارك وتعالى؛ يمكن أن نفهمه في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان من ضمن ما توجه به إلى ربه أنه قال: «اللَّهُمَّ إنهُمْ عُرَاةٌ فاكْسُهُمْ حُفَاةٌ فَأَغْنِهِمْ، إِنَّهُمْ جَوْعَى فَأَشْبِعُهُم»، فهذا يعكس الحال الذي كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر؛ لأنهم (1/95)
صفحة 95
جُرَّدُوا من أموالهم، ومن ممتلكاتهم، ومن دُورِهِمْ، وأخرجوا من ديارهم.
والأنصار أيضا ما كانوا في سعة، وإنما كانوا في ضيق ذات اليد، لكن نفوسهم جادت على إخوانهم المهاجرين، وآثروهم على ما عندهم فكانوا في عُسْرٍ من أمرهم، وكانوا في ضيق ذات اليد؛ لذلك كانوا يتطلعون إلى هذه الغنائم، وإلى هذه الأنفال، فلما انتهت المعركة تساءلوا؛ لأنَّ حُكْمَ الله الله لَمَّا يَنْزِلْ فيها بَعْدُ، فتساءلوا عن ذلك، وهذا الذي قصه لنا كتاب الله وعلا في سورة الأنفال. (1/96)