صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - تاريخ وتراجم
------------------------------------------
العنوان: فضل الصحابة والرضا عنهم دروس للإمام الشيخ ابراهيم بن عمر بيوض
المؤلف: بهون بن يوسف بن بهون حميد أوجانه
إشراف: محمد بن موسى بن محمد باباعمي
[تقديم]: مصطفى صالح باجو
الناشر: معهد الحياة
مكان النشر: القرارة، غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1417ه/ 1996م
الطبعة: د.ط
أصله: بحث تخرج
الكلمات الدالة: سير الصحابة، صحابة رسول الله، أعلام الصحابة، تاريخ الصحابة
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=222&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/760
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 20 ربيع الأول 1447ه/ 13 - شهر 09 - 2025م. معهد الحياة القرارة (غرداية) - الجزائر
قسم التخصص شريعة السنة الثالثة
فضل الصحابة والرضا عنهم
دروس للإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
(1981 - 1899/ 1401 - 1316)
إعداد وتحقيق
بهون بن يوسف بن بهون حميد أوجانة
إشراف الأستاذ
محمد بن موسى بن محمد باباعمي القرارة: محرم 1417 هـ / جوان 1996 م (1/1)
صفحة 2
/ (1/2)
صفحة 3
1
بسم الله الرحمن الرحيم
معصد الحياة القرارة (غرداية) - الجزائر
قسم التحصص شريعة السنة الثالثة
فضل الصحابة والرضا عنهم
مدروس للإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
(1981 – 1899/ 1401 - 1316)
إعداد وتحقيق
بهون بن يوسف بن بهون حميد أوجانة
إشراف الأستاذ
محمد بن موسى بن محمد باباعمي القرارة: محرم 1417 هـ / جوان 1996 (1/3)
صفحة 4
الإهداء
ان والدتي العزيزة التي شعرت روحها الأجلي .... وانا والدي الكريم الذي كابر مقاق الحياة لرعايتي وخدمتي .. والا روح الحامد الفقير الدكتور عمرو خليفة النامي .... والا كل منا في ولاساندني ...
والا كان أصدقائي والمخلصين ... أهدي هذا الجهد المتواضع.
بہو
G (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين
و على صحابته أجمعين.
و بعد:
فإن من نعم الله على المسلمين أن بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنَ انفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (آل عمران: 164).
فكان مبعث محمد ميلاد فجر جديد على البشرية
أخرجها من ظلمات الضلال والجاهلية إلى نور الهداية و التوحد. و قد نصح الرسول مع الله لأمته و بلغ رسالة ربه و جاهد في الله حق جهادة حتى أتاه اليقين. و قال في حجة الوداع ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب ((. فوعى صحابته الكرام هذا التكليف و قاموا بأمانة التبليغ حق القيام، فانتشروا في الأرض دعاة مبشرين بهذا الدين
وكانت حياتهم كلها لله وفاء و للسول فداء، نصروه في الحيـ و نفذوا تعاليمه بعد لحاقه بالرفيق الأعلى.
ومن
اة
نافلة القول الإشادة بما بذلوه من نفس و نفيس لإعلاء
كلمة الله ونشر راية الحق في العالمين حتى استحقوا ثناء الله و رضوانه
I (1/5)
صفحة 6
في كتابه المبين لسبقهم إلى الإيمان و الجهاد في سبيل الله. و السابقون الأوَّلُونَ مِنَ المهاجرينَ وَالأَنْصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحْسَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة: 100). كما أثنى الحق تباركه و تعالى على أهل الحديبية، و أكد لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَء يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
رضاه عنهم
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا
قريبا} (الفتح: 18). واشتهروا بأهل بيعة الرضوان
و لإن شملتهم سنة الله في الأحياء فرحلوا إلى دار البقاء، فقد
أورثوا ذكرًا عاطرًا و تريخا ناصعًا
،
غدت سيرتهم نهجا يقتفيه من
رام السمو إلى ذراهم السامقة، و الفيء إلى ظلال دوحتهم الباسقة. و لكن لم يسلم هذا التاريخ الناصع من دخيل و وضع من بعض الناقلين، فتلقف رواة الأخبار ما وقع بين الصحابة من فتن قدرها الله
في الأزل، و جعلوها أنس أسمارهم، و سببًا للطعن في أقدارهم. وزاد الطين بلة ما أضافه القصاص عن جهل أو عمد إلى تلك الأخبار من تهويل و تخريق لا يستند إلى توثيق و لا تحقيق.
و تعصب الناس لتك الروايات بما فيها من غث و سمين فغدت
قنابل موقوتة لتفجير وحدة المسلمين. و لا تزال آثار الفتنة
II (1/6)
صفحة 7
الكبرى تلقي بدخانها الكثيف على علاقات المسلمين إلى يومنا هذا
ناسين الأصول التي تجمعهم و الحقائق القرءانية التي حددت طبيعة
علاقة المسلمين بصحابة رسول الله، السابقين إلى الإيمان و النصرة الحائزين على فضل الجهاد و الهجرة.
و في هذا البحث المستنير بيان شاف، و توضيح للموقف السليم و الصائب من صحابة رسول الله الكرام. و تجلية لأسباب اختلاف المسلمين في هذه القضية، و ما يجب على المنصف أن يعتقده في الصحابة، اتباعًا لكتاب الله الذي شرفهم، و جعلهم سابقين فكانوا قدوة للاحقين إلى يوم الدين.
و إنه لبلاغ مبين من دروس الإمام الشيخ بيوض رحمه الله صاغه قلم الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، و قام بتحقيقه و تخريجه الباحث بهون بن يوسف حميد أوجانه، ضمن بحوث التخرج لقسم التخصص في الشريعة بمعهد الحياة.
و قد حدد الشيخ الموقف السليم من الفتن التي حدثت بين
الصحابة بناءً على توجيه القرآن بأن الله لم يكلفنا أن نحكم بينهم
قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأَرضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ
تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (الزمر:46)
III (1/7)
صفحة 8
و لسنا كذلك مسؤولين عما شجر بينهم، بل يغنينا قول الحق سبحانه تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا
تُسْأَلُونَ عَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة: 134)
و كم هو رائع قول الشيخ: ((فلن يستطيع اليوم أحد أن يقول: إن الواجب على المسلمين أن يبحثوا في تلك الفتن، حتى
يعلموا المحق من المبطل، و الظالم من المظلوم ((.
و يرشد الشيخ رحمه الله إلى مواقف الحكماء في هذا المقام
كقول العوام بن الحوشب:
" أدركت صدر هذه الأمة يقولون: أذكروا محاسن أصحاب رسول
حتى
تتألف القلوب عليهم، و لا تذكروا ما شجر بينهم
فتجسروا الناس عليهم "
تلك كانت غاية الشيخ بيوض من هذه الدروس، مستهديا
بتعاليم الكتاب و السنة، مبتغيا رضوان الله و الجنة لا غرو فقد و كان إماما و رائداً أميناً، و الرائد لا يكذب أهله، و الأمين لا يدخر
وسعا في النصح و التوجيه و الإرشاد
و هو الذي أنشأ معهد الحياة سنة 1925 م، و لا يزال عطاؤه
يمتد على الأمة سخيًا خالصًا سائغا للواردين. فحق لمعهد الحياة أن
IV (1/8)
صفحة 9
يحوز فضل تخريج أمثال هؤلاء النجباء، ممن يواصل مسيرة الشيخ وجهاده لإصلاح النفوس و بناء الأجيال على هدي القرآن. فكان بحق شجرةً و أَصْلُهَا ثَابِتْ وَ فَرْعَهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حين بِاِذْنِ رَبِّهَا وَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (إبراهيم: 25/ 24).
د. مصطفى صالح باجو
قسنطينة 12 ذو القعدة
1420 هـ / 18 فبراير 2000. (1/9)
صفحة 10
بسم الله الرحمن الرحيم
الر
مقدمة
الحمد لله خالق السموات والارض، وخالق البشر من ماء وطين، والشكر الله جاعله نسباً وصهراً، ومبتليهم قائلا:
ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون.
وسبحان مستخلف العباد في الارض لينظر كيف يعملون
وإن ربك شديد العقاب، وإنه لغفور رحيم.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأرسل رسوله
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ولئلا يكون للناس عليه حجة بعد نبيئه إلى يوم الحساب ونشر الكتاب. ونشهد أنَّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله قائد الأمة ومخرجها من ظلمات الجهل إلى نور العلم والهدى والإيمان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغر الميامين السائرين على نهجه والمقتدين بهديه، القائل
فيهم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». (1/10)
صفحة 11
وبعد، فمما لا شك فيه ولا ريب أنَّ كثيرا من العلماء والباحثين
الذين ألفوا في تاريخ الصحابة والخلفاء، قد أطالوا وفصلوا وأطنبوا، ولم يتركوا شاردة ولا واردة خاصة في الفتن الواقعة بينهم، فمنهم من دخل في هذا عالما ومدركا مدى صعوبة المسلك وعظم المسؤولية متتبعا في ذلك كتاب الله، ومهتديا بسنة رسوله، فربما خرج سالما الألسن وزلات الأقلام ومنهم من خاض في الموضوع بأحكام مسبقة
من
فلتات
دون تدبّر وتمحيص، غير محتمل للعواقب، ولا مدرك للنتائج، فضل عن
السبيل وأضلَّ عنه
اختيار موضوع التحقيق
نظرا إلى مجهودات معهد الحياة في رفع المستوى العلمي لطلبته ونظرا لدخول أستاذ من الأساتذة المجدين في ميدان البحث العلمي والتحقيق إلى المعهد، آخذا بيد الطلبة إلى الجد والعمل، ارتأيت أن أمد يدي، محاولة مني في رفع مستوى البحث العلمي؛ فخيرت بين البحث والتحقيق، واخترت التحقيق لجدته من جهة واستجابة لنداء الأستاذ المشرف من جهة أخرى، مستغيثا بني قومه إلى من ينقذ آلاف المخطوطات المكدَّسة والمهددة بالضياع في ربوع وادي ميزاب، مبينا مدى أهميتها، وكثرتها وتنوعها.
- ü - (1/11)
صفحة 12
فاستجابة مني للواجب المقدَّس الذي ينتظرني وينتظر أمثالي من الطلبة، اخترت موضوعاً جديرا بالتحقيق، وهو عبارة عن دروس في
التفسير للإمام الرائد الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، في موضوع
الصحابة وفضلهم وواجب المسلمين تجاههم.
ورافع البحث
من دوافع البحث، إذن ما يلي:
1 الإسهام في إخراج التراث الإسلامي الإباضي إلى الحياة بعد أن كان مدفوناً لسنوات عديدة.
2. تبليغ رسالة الشيخ إلى الناس وتقدير الجهد الذي بذله في سبيل الصلاح والإصلاح.
3. الاختلاف الذي عاينته خلال مطالعاتي لكتب التاريخ في
الرضا عن بعض الصحابة، وأحيانا وسط المذهب الواحد.
4. الرد على الاتهامات التي يتهم بها الإباضية في أنهم لا يرضون عن بعض الصحابة، وما يترتب عليها من آثار سلبية في وحدة المسلمين. 5. لم يخرج إلى حد الآن على ما أعلم مؤلّف خاص ومركز في
هذا الموضع في التراث الإباضي، إذ نجده مشتتا في المصادر كخلاصات
وعناوين. (1/12)
صفحة 13
وصف الدرس
هذه الدروس ألقاها الشيخ بيوض في المسجد الكبير بالقرارة حوالي سنة 1975 م، في ثلاث حلقات تسع ثلاث أشرطة ذات التسعين
دقيقة (90) للواحد، وتشغر مجموع الدروس أربع ساعات ونصف. والحمد لله أني وجدتها منسوخة نسخا كاملا في أوراق من أ إنجاز الأستاذ الفاضل الشيخ بلحاج عيسى بن محمد بن بابه، ضمن
نسخه لأشرطة الشيخ.
طريقة العمل
1
1 بدأت أوَّلاً بسرد النص وقراءته قراءة سريعة، ثم قرأته ثانية مع السماع للأشرطة، لتثبيت المعلومات. فوجدت أنَّ الناسخ يتتبع طريقة منهجية مضبوطة تتمثل في ربط موضوعات الدرس بعضها ببعض، إذ كثيرا ما يسترسل الشيخ، ثم يعود إلى نقطة فيدرجها في غير سياقها العام، أو يتذكر نقطة نسيها فيلحقها متى تذكرها، فما كان من الناسخ إلا أن رتب الدروس ترتيبا يوافق المنهج العلمي للنصوص المكتوبة، بعد أن كان يلائم المسموع والمقروء.
وقد ترجم ما جاء في الدروس بالميزابية أو الدارجة إلى اللغة
العربية الفصحى، مع تنقيح الأسلوب قدر المستطاع. 2. وعملي: يتثمل في مراجعة الآيات وتصحيح ما قد يقع فيه من
- ix- (1/13)
صفحة 14
سهو،
، ثم تخريجها في الهامش على النحو التالي: سورة الحشر: الآية 10. 3. تخريج الأحاديث النبوية الشريفة، بتحديد ألفاظها، لأنَّ أغلب ما رواه الشيخ من الأحاديث كان بالمعنى، مع إيعازها إلى مصادرها الموثوقة وقد اعتمدت في التخريج على:
الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، ثم على صحيح البخاري وصحيح مسلم، فإن لم أجد الحديث رجعت إلى المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف، كما كان لي الحظ في استعمال الكمبيوتر في تخريج بعض الأحاديث من خلال برنامج موسوعة الحديث النبوي (48000) حديث.
ثمَّ أرجع إلى ما أحال إليه المعجم أو الموسوعة من الكتب التسعة مثل: مسند الإمام أحمد أو صحيح الترمذي، غير أنَّ الدارمي أعياني أمره فلم أجد نسخة في المكتبات التي بحثت فيها.
وإن لم أجد الحديث في كلّ هذه المصادر استعنت بمجمع الزوائد
للهيثمي.
الصعوبات
في الحقيقة لم ألق صعوبات تعيقني كليا عن العمل، إلا بعضا مِمَّا
لا مفرّ منه في بدايات البحث العلمي، مثل:
1. الشروع المتأخر. إذ كان ذلك في أواخر ديسمبر 1995 م
2 انشغالي بدروس الفصل، وضيق الوقت اليومي الممنوح للعمل. (1/14)
صفحة 15
3. تعارض بعض أوقات المكتبة مع أوقات الدروس، وإغلاق
أبوابها في العطل.
شكر وامتناه
أحمد الله تعالى على فضله في أن حقق أمنيتي المنشودة، التي طالما حلمت بها، وكثيرا ما كنت أستصعب البحث العلمي وأراه في عداد المستحيل.
1. وأتوجه أولا بالشكر الجزيل إلى معهدي العزيز: معهد الحياة
الذي لم يدّخر أي وسيلة في رفع شأن الدين والعلم.
2. وأكن ثانيا الفضل والاحترام والتقدير لأستاذي الفاضل ومشرفي المخلص: الأستاذ محمد بن موسى باباعمي، الذي لم يأل نصحا في سبيل إرساء قواعد البحث العلمي في معهدنا المزدهر. وهدفه
في ذلك تكوين طبقة من الباحثين والمحققين، يخدمون الدين والوطن. .3 كما أشكر كل مشايخي وأساتذتي الفضلاء الذين ساعدوني في إنجاز هذا العمل، من قريب أو بعيد، خاصة أستاذي وشيخي الكريم الشيخ بلحاج محمد بن بابه (الشيخ ابن الشيخ) الذي فتح لنا مكتبته نرتادها متى نشاء، ودافعه إلى ذلك كرم شديد وإخلاص
أكيد.
وأدعو الله تبارك وتعالى أن يقبل من الجميع، وأن يجعل أعمالهم
في ميزان حسناتهم:
- oi- (1/15)
صفحة 16
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين.
والحمد لله رب العالمين
بهوها بن يوسف بن بهون محميد أوجانة
القرارة في عاشوراء 1417 هـ / 28 ماي 1996 م
- vii - (1/16)
صفحة 17
تعريف بالإمام الشيخ بيوض
هو الشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيوض، من مواليد مدينة القرارة في: 1318 هـ الموافق لـ 21 أبريل 1899 م كان يُعرف عليه الذكاء
والنبوغ وحسن الحافظة منذ صباه، استظهر كتاب الله تعالى سنة: 191 م
وعمره
ه اثنا عشر سنة.
- التحق بحلقة العلم عند شيخه الحاج عمر بن يحي طالبا، وعند وفاته سنة 1921 م خلفه في تسيير الحلقة ورفع راية العلم والإصلاح
مدرسا.
- في سنة 1922 م: دخل عضوا في حلقة العزابة وبعدها عُيّن شيخا
للوعظ والتدريس بالمسجد الكبير بالقرارة.
في سنة 1925 م أسس معهد الحياة الثانوي لتعليم العلوم الشرعية والعربية. . في سنة 1931 م: شارك في وضع القانون الأساسي لجمعية العلماء
-
المسلمين، الجزائريين وكان عضوا في إدارتها.
في سنة 1937 م أسس جمعية الحياة للتربية والتعليم والثقافة في القرارة. في سنة 1900 م عُيّن رئيسا لمجلس العزابة في القرارة.
- من سنة 1941 م إلى سنة 1944 م فرض عليه الاستعمار الفرنسي
الإقامة الجبرية في مسقط رأسه القرارة.
-
في سنة 1948 م وسنة 1951 م: انتخب نائبا لدائرة غرداية في
المجلس الجزائري.
! (1/17)
صفحة 18
في مارس 1962 م: عُيّن وزيرا للتربية في اللجنة التنفيذية المؤقتة
في الحكومة الجزائرية.
والشيخ بيوض رحمه الله رحل إصلاح وكفاح في شتى الميادين:
الدينية الثقافية الاجتماعية، السياسية ... إلخ.
وأهم ما تركه من تراثه العلمي والثقافي تفسير مسجل لنص القرآن، وفتاوى، مطبوعة وأجوبة ومراسلات مخطوطة، ومجموعة من المسجلة المناسبات عدة منها الدينية: كرمضان
الدروس والأعياد، والجمع. والاجتماعية: كالأعراس، وحفلات الجوائز، والاجتماعات الخاصة والعامة والتعليمية كحفلات توزيع الجوائز على الفائزين من أبناء المدرسة والمعهد. والوطنية كالأعياد
الرسمية.
توفي الشيخ بيوض رحمه الله مساء الإربعاء 08 ربيع الأول 14 or هـ الموافق لـ 14 يناير 1987 م في مسقط رأسه بمدينة القرارة، عن عمر يناهز 83 سنة قمرية. وترك من بعده جيلا من الرجال المخلصين والعلماء الأفداد المنتشرين في الآفاق، حاملين رسالة العلم ولواء الإصلاح وروح
الجهاد.
يقول الرسول: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من
ثلاث: صدقة جارية أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له». (1/18)
صفحة 19
فضل الصحابة
9
الرضا عنهم
دروس للإمام الشيخ بيوض
(1
2 (1/19)
صفحة 20
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
[تمهيد في موقف الشيخ من الصحابة]
وعدت مراراً بدروس خاصة في الصحابة وليه
من هم؟ ما حكم الله تعالى فيهم؟ ما موقفنا نحن بالنسبة لهم؟
جميعاً،
وخاصة الفتن التي وقعت بينهم، بعد وفاة النبيء؟ أما الكلمة الجامعة في حقهم، فهي الرضى عنهم والاستغفار لهم، كما أمرنا الله تعالى؛ والوقوف فيما شجر بينهم.
هذه هي الخلاصة، وهذا ما أعتقده، وأدين الله تعالى به.
فأنا أرضى عن الصحابة أجمعين، وأقف فيما شجر بينهم، لا تخطئة ولا تصويب، ولا خوض ولا دخول فيما شجر بينهم، ولا موجب له؛ وفي هذا السلامة كل السلامة، والله سبحانه هو الذي يتولى أمر الذين خاضوا في هذا الموضوع قديماً أو حديثاً؛ ولهم ما اختاروا لأنفسهم.
(2) (1/20)
صفحة 21
الصحابة: لغة وشرعاً]
الصحابة لغةً]: (1)
يظهر معنى
لفظ الصحابة من كلمة الصحبة، والصاحب،
والكلمة معروفة ومشهورة المعنى تقول: فلان صاحبي، وأنا صاحبه
وصحبني وصحبته، وهؤلاء أصحاب فلان.
ليس في الكلمة غموض، فمعناها واضح ومفهوم، ولفظ الصحابة
إذا أُطلق ينصرف معناه إلى النبيء
1) - قال صاحب اللسان: «صحبه يصحبه صحبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحبه عاشره، والصحب جمع صاحب، والأصحاب جماعة الصحب»، وفي حديث: «خرجت أبتغي الصحابة إلى رسول الله له وهو بالفتح جمع صاحب ابن منظور: لسان العرب، مادة صحب، ج 1 / ص 519.
وقال صحاب القاموس: «صحبه كسمعه، صحابة، ويكسر، وصحبة عاشره، وهم أصحاب وأصاحيب، وصحابة واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه الفيروز أبادي: القاموس المحيط، مادة صحبه، ج 1 / ص 91.
(3) (1/21)
صفحة 22
الصحابة شرعاً]: ()
اختلف العلماء - قديماً وحديثاً - على من يُطلَقُ لفظ الصحابي،
ومن الذي يتسمى به.
النبيء
أما البعض فاشترطوا شروطاً، وقالوا: «لا بد أن يكون غزاً مع
?
غزوة أو غزوتين، أو كان في بعض سراياه، أو صحبة سنة أو سنتين، وروى عنه حديثاً أو حديثين، ولا خلاف في الإسلام
والبلوغ».
- يطلق اسم الصحابي على من أقام مع النبيء السنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين، قال بهذا سعيد بن المسيب؛ وقال الواقدي: هو كل من رأى رسول الله وقد أدرك الحلم، فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه، ولو صحبه ساعة من نهار؛ وقال أحمد بن حنبل: هو كل من صحب رسول الله له شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه؛ وقال البخاري: هو من صحب رسول
لله أو رآه من السلمين.
ينظر: ابن الأثير: أسد الغابة، ج 1 / ص 12.
ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، ج 1 ص 7.
(4) (1/22)
صفحة 23
النبيء
والبعض الآخرُ - وهم الجمهور - (قالوا: «الصحابي من أدركَ ورآه، وكان بالغ الحلم مسلماً»، ولا يشترطون أن يكونَ
روى عنه، أو غير ذلك مما يشترطه بعض؛ ولذلك يصنفون الصحابة
إلى:
1 - صحابة كبار.
- وصحابة صغار (2)
1 - قال ابن منظور في لسان العرب: «جمهر له الخبر أخبره بطرف له على غير وجهه، وترك الذي يريد، فقال الليث الجمهور الرمل الكثير المتراكم الواسع، وجمهور كل شيء معظمه، وجمهور
الناس جلهم، وجماهير القوم أشرفهم، وجمهرتُ الشيء إذا جمعته» مادة جمهر، ج 4 / ص 149. والجمهور: «من جمهر الشيء إذا جمعه، والجمهور من كل شيء معظمه». وإذا أطلق لفظ الجمهور عني به أغلب العلماء أو أكثرهم معجم لغة الفقهاء: قلعه جي، ص 166. 2 - لم نجد هذا التصنيف فيما رجعنا إليه من المصادر، ولعلَّ هذا من حيث اختلاف أعمارهم، فيكون الصغير من الصحابة من أدرك النبي في أواخر عمره، دون البلوغ، وآمن به، كعبد الله بن عباس؛ وتعريف البخاري للصحابة يشمل الصغار منهم والكبار. إن الشيخ فيما يبدو لي يعني كبير السن أو صغيره، والدليل قوله السابقون الأولون والتصنيف على كل حال فيما يدو
من حيث الأسبقية في الهجرة، وللكانة عند الرسول
(5) (1/23)
صفحة 24
وجمهور الأمَّة على هذا الرأي، وعلى أنَّ الصحابة منهم السابقون
الأولون، ومنهم الذين جاؤوا من بعدهم. (1)
1 السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار
فالسابقون الأولون - طبعاً - هم المهاجرون من أصحاب مكة، ومين المعلوم أن أول من آمن بالرسول الله - لما نبئ بالوحي - زوجته خديجة: أم المؤمنين رضي الله عنها؛ لأنَّها أوَّل مَن أخبرت بما وقع له في غار حراء (2) لما عاد وبوادره ترجف فآمنت به فأوَّل مؤمن خديجة، وأوَّل صحابي خديجة؛ ومن الرجال (3)
1) - إشارة إلى الآية الكريمة من سورة الحشر، وسيأتي تفصيلها.
2) - انظر تفصيل إيمان خديجة بالرسول الله في: محمد خضري بك نور اليقين، ص 26. وانظر تفسير سورة المدثر في التحرير والتوير للطاهر بن عاشور، ج 20 ص 292. 3) اختلف العلماء والمؤرخون في أوّل من أسلم من الذكور، فمنهم من قال: أبو بكر، ومنهم من علي بن أبي طالب، والقول الجامع أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي؛
وأغلب الروايات على أنَّ عليا أسلم قبل أبي بكر وكنم إسلامه، وأبو بكر أعلنه للنبي
الأول لحظة حينما دعاه.
ينظر: ابن الأثير: أسد الغابة، ج 4/ص 18.
ابن كثير: السيرة النبوية، ج 1 / ص 431 - 437.
قال:
(6) (1/24)
صفحة 25
أبو بكر له، الذي كان صديقا للنبيء قبل الإسلام،
ولما نزل عليه الوحي وأخبره بما جري، صدقه وآمن به دون تردد، كما ورد في الحديث ما معناه، يقول النبيء ما دعوتُ أحداً إلا كانت له كبوة، لكن أبا بكر
أسلم لأول وهلة».
وأوَّل الصبيان علي بن أبي طالب، لأنه لما يبلغ الحلم عند مبعث النبيء، فآمن به، وعُدَّ أول الصبيان
إسلاماً (2)
1) - لم أجده في المعجم المفرس لألفاظ الحديث النبوي، ولا في مصادر الحديث التي رجعت إليها مثل: الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، وصحيح البخاري ...
وقد أورده خالد محمد خالد في وجاء أبو بكر بنص: «ما عرضت الإسلام على أحد إلا
كانت له كبوة، عدا أبي بكر فإنه لم يتلعثم». ص 69
وانظر بألفاظ مختلفة ينظر: ابن هشام السيرة النبوية، ج 1 ص 252.
سيرة بن كثير: ج 1 ص 433.
خضري بك: نور اليقين، ص 30.
2) - وكان عمره آنذاك عشر سنين، وهو أول من صلى مع النبيء (ص).
ينظر: ابن كثير: ن، م. س، ج 1 ص 431 - 437.
الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2 / ص.
(7) (1/25)
صفحة 26
وأوَّل العبيد زيد بن حارثة) مولى النبيء المذكور في القرآن في قوله تعالى: {فَلمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا (2)، وكان
يُدعى زيد بن محمد، هو مولى لخديجة، وهبته للنبيء لما تزوجها، فمكث عنده، ولما جاء الأسلام أسلم.
فالأوائل هم من النساء خديجة من الرجال أبو بكر، من الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة؛ ثم تتابع الإسلام شيئا فشيئاً ينتشر على مدى سنين طويلة.
عثمان
وأبو بكر كان من الدعاة، أسلم على يديه أكثر العشرة: (3) عفان عبد الرحمن بن عوف، أبو عبيدة عامر بن الجراح؛ الجماعة الأولى من المسلمين، من أهل مكة الأصلاء، من
بن
هؤلاء هم
1) - هو زيد بن حارثة بن شرحبيل الكليبي (ت: 8 هـ / 629 م) من أوائل الصحابة إسلاما، اختطف في الجاهلية صغيراً، واشترته خديجة، فوهبته للنبي (ص) فتبناه قبل الإسلام، وأعتقه وزوجه بنت
عمته، واشتسهد في غزوة مؤتة.
ينظر: ابن الأثير، الإصابة، ج 563/ 1. الزركلي: الأعلام، ج 3/ص 96.
2) - سورة الأحزاب: الآية 37.
3 - ابن هشام السيرة النبوية، ج 1 / ص 250، تحت عنوان: ذكر من أسلم من الصحابة بدعوة أبي
بكر.
ابن كثير: السيرة النبوية، ج 1 ص 437
(8) (1/26)
صفحة 27
العرب أو من الموالي؛ ثم بعدهم بلال بن رباح الحبشي، وعمار بن
ياسر (2)، وآل ياسر (3)، وبدأت الجماعة تكثر في مكة
1 - هو بلال بن رباح الحبشي أبو عبد الله (ت: 20 م الله): موذن رسول الله، وخازنه على بيت ماله، وعند إسلامه لقي عذابا أليما من قريش، ولكنه ثبت على دينه، بقولته للمشهورة:
«أحد، أحد ... » وهو من السبعة الأوائل الذين أظهروا إسلامهم.
ينظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3 ص 232 - 233.
أعلام الزركلي: ج 2 /ص 49.
2) - هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني المدحجي: (ت: 37 هـ / 657 م): من ذوي الرأي، وهو أحد
السابقين إلى الإسلام، ومن السبعة الأوائل الذين أظهروا إسلامهم، وكان يلقبه النبيء الطيب المطيب»، وهو أول من بنى مسجداً في الإسلام، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى من سورة النحل: من كَفَرَ باللَّهِ من بعدِ إيمانِه إلا من أكرة وقلبه مطمئن بالايمان (الآية: 106)، وذلك لما أكرهته قريش بالكفر بعد الإيمان، وله في السنة اثنان وستون حديثا، وعاش ثلاثا وتسعين سنة.
ينظر: ابن كثير: السيرة النبوية، ج 1 ص 436.
ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3 ص 246.
الزركلي: الأعلام، ج 5/ص 191.
(3) - وهي عائلة عمار بن ياسر أبوه ياسر بن عامر الكناني للدحجي، وأمه سمية بنت خباط، توفيا
نحو 7 قبل الهجرة / 675 م، من الأوائل الداخلين في الإسلام من أصحاب رسول الله
احتملوا العذاب من كفار قريش، لأجل دينهم، وهم الذين قال فيهم الرسول (ص): «أبشروا
آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وسمية هي أول شهيد في الإسلام، إثر طعنة من أبي جهل. ينظر: ابن هشام السيرة النبوية، ج 1 / ص 319.
سيرة بن كثير: ج 1 ص 494.
،
(9) (1/27)
صفحة 28
وفي أواخر سني النبيء له بمكة جاء الوفد الأوَّل من المدينة في ستة من الأنصار)، فأعلنوا إسلامهم على يد النبيء، وبايعوه بيعة
العقبة الأولى (2)، ثمَّ رجعوا إلى المدينة، ونشروا فيها الإسلام.
وفي العام القابل، جاء منهم إلى مكة في موسم الحج اثنا عشر
رجلا (3)
أعلام الزركلي: ج 3 ص 205 و ج 9 / ص 153.
1) - الستة الذين لقيهم الرسول الله عند العقبة في للموسم هم أبو أمامة، وأسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وطبقة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن رباب، وهم
من الخزرج، دعاهم النبيء إلى الإسلام.
ينظر: سيرة ابن هشام: ج 1 ص 429.
ابن خلدون تاريخ ابن خلدون ج 2 /ص 728.
2) - في السنة 11 من البعثة النبوية.
3) - وهي بيعة العقبة الأولى - عند عموم المؤرّخين - وتسمى عقبة النساء، حيث حضر إلى رسول الله له اثنا عشر رجلا، خمسة من عدي، وسبعة من غيرهم، بايعوه على الطاعة، وعلى أن لا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يفتروا الكذب. وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب. ينظر: البخاري: صحيح البخاري، كتاب الحدود، ج 6 ص 2494. أبو داود، سنن كتاب الأدب، ج 2 / ص 131.
ابن هشام السيرة النبوية، ج 1 / ص 431.
ابن كثير: السيرة النبوية، ج 2 / ص 178.
ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج 2 /ص 729، 730.
(10) (1/28)
صفحة 29
وفي العام الثالث كان منهم سبعون رجلاً (1) وامرأتان لبيعة العقبة
الثالثة والأخيرة (2)، وهناك من يعد بيعة العقبة اثنتين (3)؛ هؤلاء هم الأنصار من أهل المدينة، لما أسلموا عاهدوا النبيء على التمسك بالإسلام، وعلى نصرته إذا جاءهم إلى المدينة، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وذراريهم، واعتمادا على ذلك العهد والوعد الذي
1) - وهي بيعة العقبة الثانية، لما رجع مصعب بن عمير إلى مكة ومعه ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان، جاؤوا فبايعوا رسول الله الله على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يهاجر إليهم هو وأصحابه، وضربوا له لموعد من أوسط أيام التشريق، فكان ذلك اليوم، واختار الرسول و اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم: «أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي».
ينظر: سيرة بن هشام: ج 1 / ص 438 439.
الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2 / ص 92 - 93
سيرة بن كثير: ج 2 / ص 192.
سيرة بن خلدون: ج 2 ص 731 - 736.
2) - وأغلب الروايات تنص على أنَّ أصحاب العقبة الثانية ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان. وانظر
التعليق السابق في هامش رقم 04 ص 07
3) - وأغلب الرواة على هذا، ولم نجد من عدَّها ثلاثا.
(11) (1/29)
صفحة 30
قطعوه على أنفسهم)، هاجر النبيء من مكة إلى المدينة لأنه
تكونت له فيها جماعة تأويه وتنصره.
1 إرسال مصعب بن عمير إلى يثرب]
وقبل هجرته إلى المدينة، وبعد بيعة العقبة الثانية أرسل إليها مصعب بن عمير، الشاب المثقف الحامل لما نزل من كتاب الله، لينشر الإسلام فيها، ويقرئ القرآن أبناء أهلها.
والمصعب بن عمير تاريخ مشهور (2)، والواجب على شباب الإسلام في جميع البلاد أن يتخذوه قدوة لهم، فقد كان فتى مدلّلاً في مكة بين أهله وقومه، محبوبا لأمه وأبيه، ثمَّ رضي الله له الإسلام وهاجر والديه والبيت المدلّل فيه حتى كان جلده ييبس من الجوع والحاجة الشديدة، بعد أن كانت على وجهه نضرة النعيم.
1) - والذي وتقهم على عهدهم هذا هو عم النبي الله العباس بن عبد المطلب، وهو آنذال على دين الكفر، فوتقهم على أن يدفعوا عنه ما يدفعون به على أنفسهم، وأن ينصروه ولا يخذلوه، فقبلوا وعاهدوا النبيء على هذا، وبايعوه، وكان أول من أخلص وبايعه البراء بن معرور، ثم تبعته أيادي الأنصار الباقين. سيرة بن هشام ج 1 / ص 44 42.
2) - وهو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف: من السابقين إلى الإسلام، كان فتى مدلّلا في أهله، لما أسلم نبذوه وحبسوه، فهرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، وهاجر إلى
(12) (1/30)
صفحة 31
هؤلاء الأوَّلون الذين دخلوا الإسلام في مكة، والأولون الذين دخلوا الإسلام من أهل المدينة، وهم المعبّر عنهم بالمهاجرين والأنصار، الذين هم السابقون الأوَّلون الذين تكوّنت منهم الجماعة الأولى في
الإسلام.
1 الآيات النازلة فى حق المهاجرين والأنصار
ولنستحضر بعض آيات القرآن الكريم النازلة فيهم، ونبدأ بآيتين
في سورة الأنفال:
الآية الأولى: وإن الذينَ ءامَنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم
وأنفسهم في سبيل الله، والذينَ ءاوَوا ونصَروا أولئك بعضهم.
(1)
أولياء بعض) عقد الله تعالى هذه العلاقة المتينة بين الجماعة الأولى من المهاجرين والأنصار بين أهل مكة المؤمنين الذين هاجروا إلى المدينة، وأهل المدينة
للمدينة، وكان أوّل من أقام الجمعة فيها، وأرسله الرسول الله ليقرئ القرآن أهلها، ويعلمهم الإسلام، وكان يلقب "مصعب الخير"، وكان حامل اللواء في غزوة أحد، وفيها استشهد.
ينظر: ابن سعد الطبقات الكبرى، ج 3 ص 116.
الزركلي: الأعلام، ج 8 ص 150.
1 - سورة الأنفال: الآية 72.
(13) (1/31)
صفحة 32
الذين آووا وضموا إخوانهم المهاجرين إلى أنفسهم، وعلى رأسهم النبيء
احتضنوهم في مدينتهم، وفي ديارهم، وشاركوهم أموالهم.
الآية الثانية وتنبهوا إليها جيداً، وهي قوله تعالى: {والذين ءامَنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذينَ ءاوَوا ونصروا أولئك هم, المومنون حقاً، لهم مغفرة ورزق كريم. (1)
فالجماعة التي ذكرناها في الآية الأولى هي نفسها التي كرّر ذكرها في الآية الثانية، ليحكم عليها بهذا الحكم الذي لا يُنقض أبداً،
لأنَّ الله تعالى لا يبدل القول لديه. (2)
قال في حقهم: أولئك هم المومنون حقا.
أولاً - أشار إليهم بلفظ البعيد "أولئك" تشريفاً لهم وتعظيماً،
وهو أبلغ وأعظم من لو قال "هؤلاء."
ثانيا - عظمهم بضمير الفصل "هم".
ثالثاً - عظمهم بقوله "المؤمنون"، فحكم عليهم بالإيمان بلفظ التعريف، ولو شاء لما قال "أولئك"، ولقال "مؤمنون" ولما جاء
هذا الأسلوب كثيرا ما كان يستعمله الشيخ بيوض (رحمه الله) عندما يوجه خطابه إلى أبنائه الطلبة
أو العوام. 1) - سورة الأنفال: الآية 74.
2) - إشارة إلى قوله تعالى: وما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد سورة ق: الآية 29.
(14) (1/32)
صفحة 33
بضمير الفصل، ولو سقط ضمير الفصل وسقطت أداة التعريف "أل" وقال: "مؤمنون" لكان المعنى صحيحاً، ولكن الروعة والبلاغة
والإشارة إلى عظمة هؤلاء وفضلهم في هذا الأسلوب: أولئك هم المومنون.
ثم زاد عليه كلمة "حقا"، وكلمة "حقا" لها وزن تقيل لا يقدر قدرها، فهم المسلمون حقا لا غيرهم إلا من سلك مسلكهم، وهنالك غيرهم ممن يدعى الإيمان ولكن ليس بمؤمن حقاً.
[ذنوب المهاجرين والأنصار لا نقع الا مغفورة] ولو شاء الله لقال "أولئك هم المؤمنون" فقط، دون كلمة "حقا"، فهل بعد هذه اللحظة التي نزلت فيها هذه الآية يمكن أن يكون إيمان أولئك باطلاً؟ لا نظن أنَّ عاقلاً يتصوّر هذا، فالله حكم عليهم بالإيمان الحق، حكماً لا معقب له)، وقضاء لا نقيض له. ثم بين جزاءهم بقوله: وهم مغفرة ورزق كريم، والمغفرة تكون – فيما نفهم، وفيما تدلُّ عليه كلمة "حقا" - لما مضى ولما يأتي وتنبهوا جيداً لهذه النكت.
1) - إشارة إلى قوله تعالى وا الله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب الرعد: الآية.
(15) (1/33)
صفحة 34
فهؤلاء المؤمنون حقا لهم مغفرة مما ارتكبوه قبل وهم
مشركون، قبل أن يدخلوا الإسلام، والإسلام يجب (1) ما قبله. ولهم مغفرة وعدوا بها لما يمكن أن يبدر منهم غير الرجوع إلى الكفر والشرك، إذ ربَّما يلم بهم شيء، أو يلمون بشيء، كما قال تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (2)، فالله تعالى أعطاهم هذا الحق وهذه المزية، وسيأتينا مزيد من شرح هذه النكتة عندما نعرض قصَّة حاطب بن أبي بلتعة (3).
(1) - الحب هو القطع، حبه يحبه حباً وجباباً واحتبه، وجب خصاه حبا استأصله، ومنه الحديث: «إن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها» أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر
وللمعاصي والذنوب.
ينظر: ابن حنبل: المسند، ج 4 / ص 195، 204، 205.
ابن منظور: لسان العرب، ج 1 ص 249.
2 - سورة الأعراف الآية 201 أو إشارة إلى قوله تعالى الذين يجتبون كبائر الاثم والفواحش
إلا اللهم إن ربك واسع المغفرة سورة النجم: الآية 32.
واللمم ما كان منهم في الجاهلية من ارتكاب الفواحش والآثام، ولما جاء الإسلام غفر لهم
ذلك. الطبري: جامع البيان، ج 9 ص 38.
3) - هو حاطب بن أبي بلتعة بن عمر بن عمير بن سلمة اللخمي حليف بني أسد (35 ق هـ - 30 هـ): صحابي مشهور شهد للمشاهد كلها مع رسول الله، وهو من أشد الرماة،
وكانت له تجارة واسعة.
(16) (1/34)
صفحة 35
"حقا"
ونحن نظنُّ أنَّنا إذا تدبَّرنا الآية حق التدبر خاصة كلمة بعد الصفات التي وصفهم بها، والتشريفات التي شرفهم بها، وهذا الحكم الذي أصدره في حقهم، ندرك قول العلماء: إنَّ البدريين - أو هؤلاء الذين تقدم ذكرهم – لا تقع ذنوبهم إلا مغفورة؛ فقد وعدهم الله تعالى بالمغفرة مسبقاً، ولو كان ما ارتكبوه يستلزم التوبة ما وعدوا المغفرة
فإنَّ الله يتوب عليهم كما قال: ثم تاب عليهـ ليتوبوا)، يعني: يوفقون إلى التوبة والاستغفار، ولا يُصرون على ذنب؛ فالمغفرة حقت لهم، وكأنها حق من
حقوقهم.
كما أنه ينبغي أن لا ننسى تنكير كلمة "مغفرة"، فهو سبحانه وتعالى لم يقل: "أولئك يغفر لهم ذنوبهم" أو "لهم الغفران" .. وإنما قال لهم مغفرة وللتنكير في هذا المقام
بكتاب إلى المقوقس صاحب الاسكندرية، مات بالمدينة وهو ابن خمس وستين (65).
بعثه النبيء. وصلى عليه عثمان بن عفان رضي
الله عنه ينظر: ابن سعد: طبقات، ج 3/ص 114.
ابن حجر: الإصابة، ج 1 ص 300
الزركلي: الأعلام، ج 2 /ص 163.
3
(17)
1) سورة التوبة: الآية 18 (1/35)
صفحة 36
روعته (1)، لهم مغفرة تأتي على ذنوبهم ما مضى منها وما يأتي، ورزق كريم بالخلود في الجنة يوم القيامة.
ر فضل السابقين الأولين على غيرهم
ثم يقول بعد ذلك في تفضيل من يذكرهم والذينَ ءامَنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم (2)، لنتنبه لهذه النكتة الغريبة في قوله: فأولئك منكم (3)، ماذا نفهم منها؟
نفهم من هذا أنَّ الجماعة الأولى التي تكونت وتبلورت، واشتبك بعضها ببعض، قواعدها وأصولها هم المهاجرون والأنصار الذين عبر عنهم بقوله: والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين جاؤوا بعد هذه الجماعة الأولى في ذلك الوقت نفسه، وآمنوا وهاجروا معهم فأولئك منهم.
1) - والتنكير هنا أفاد العموم، لأنَّ النكرة من صيغ العموم.
2) - سورة الأنفال: الآية 75. وقيل: هؤلاء هم المؤمنون للمهاجرون من بعد صلح الحديبية، وهي الهجرة الثانية، وقيل: من بعد غزوة بدر؛ والأصح أنَّ المراد بهم الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى.
ينظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 8 ص 59.
الألوسي: روح المعاني، ج 10 ص 35.
رشيد رضا: تفسير المنار، ج 10 ص 134.
3) - أي في الموالاة والنصرة، وقال بعض معكم في الموارثة. انظر للمراجع السابقة.
(18) (1/36)
صفحة 37
فأصل المؤمنين على وجه الأرض كلّها هم هؤلاء السابقون
الأولون من المهاجرين والأنصار)؛ والذين جاؤوا بعدهم وهاجروا وجاهدوا إلى يوم الفتح، لأنَّ الهجرة نسخت بيوم الفتح (2)، وقد كانت قبل واجبة.
هذا كلام الله عزَّ وجلَّ وليس كلام بشر، أو كلام مؤلّف أو راو: والذينَ ءامَنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين ءاووا ونصروا، أولئك هم المومنون حقا لهم مفغرة ورزق كريم، والذينَ ءامَنوا من بعد وهاجروا وجاهَدوا معكم فأولئك منكم.
1) - لأنَّ لهم الفضل في السبق والأولوية، ولأنَّها الجماعة الأولى التي كونت رابطة متينة، سواء الذين هاجروا مع النبي (ص) أو الذين نصروه وآووه، ولقوله له لما سئل: «أَيُّ الناس خير؟» قال: قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم».
العسقلاني: فتح الباري، باب فضائل أصحاب النبي (ص)، ج 7 / ص 4.
النووي: شرح صحيح مسلم، باب فضل الصحابة (ض) ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
ج 16 ص 85
2) - عن ابن عباس قال: قال رسول الله لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادا ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، وعن عائشة قالت: سئل رسول الله له عن الهجرة، فقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».
ينظر: العسقلاني: فتح الباري، باب فضل الجهاد والسير، ج 6 ص 3.
النووي: شرح صحيح مسلم، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير،
ج 3 ص 8.
(19) (1/37)
صفحة 38
إذن هذا
هو الرعيل من الصحابة، ويبدو أنَّ هذه الآية تفسرها وتبينها آية سورة الحديد من قوله تعالى: ولا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكُلا وعد الله الحسنى)، وآية
سورة التوبة، من قوله تعالى والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذينَ اتَّبعوهم بإحسان رضي الـ الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم (2)
وعبر بالسبق والأولوية وهما وصفان قد يُغني أحدهما عن الآخر، كأن يقول: "والسابقون من المهاجرين والأنصار" أو " الأولون منهم "، ولكن الله تعالى جمع الوصفين معا السابقون الأولون: الأوائل الدين سبقوا إلى الإيمان بالنبيئ لله وإلى الهجرة والنصرة، و إلى تقبل المهاجرين بينهم، فهؤلاء هم السابقون الأولون.
1 - سورة الحديد: الآية 10.
وانظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 17/ص 239.
2) - سورة التوبة: الآية 100.
وانظر الألوسي: روح المعاني، ج 1 ص 7.
(20) (1/38)
صفحة 39
والدين اتبعوهم بإحسان: هم الدين قال فيهم: والدين آمنوامن
بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم له وهذه الآية تعبر بصريح العبارة أن الهجرة لاتزال، وبابها لايزال مفتوحا، و لايزال من
فر بدينه من مكة في هذا العهد قبل الفتح يعتبر مهاجراً، ولكن ليس فضله كالأول السابق.
ترى من هم السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار (1)؟ قال بعض العلماء في القديم والحديث هم من شهد بدراً، وقال بعض: هم من شهد الحديبية.
1) - السابقون الأولون من المهاجرين قيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وروي هذا عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين والحسن، وقتادة وغيرهم؛ وقيل: هم الذين شهدوا بدراً رووي هذا عن محمد بن كعب، وعطاء بن يسار، وقيل: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان في الحديبية، وعليه الشعبي.
وأما السابقون الأولون من الأنصار قيل: هم الذين بايعوا النبيء عند العقبة الأولى، وكانوا ستة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا ثلاثا وسبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير يعلمهم القرآن.
ينظر: ابن كثير: تفسير القرآن، ج 3/ص 286.
الزمخشري: الكشاف، ج 2 ص 55 الرازي: التفسير الكبير، ج 4/ص 504
ابن عبد البر: الاستيعاب، ج /ص 3. رشيد رضا: تفسير المنار، ج 11 ص 13 - 14.
(21) (1/39)
صفحة 40
ولكن لماذا الخلاف، وتفسير ذلك جاءنا في كتاب ا في قوله تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظمُ درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكُلا وعد الله الحسنى، والفتح إما هو صلح الحديبية، وإمَّا هو فتح مكة، والجمهور على أنه وإن كان بدأ النصرة والفتح إنما كان الحديبية، لما من صلحاً مع المشركين، فأزيلت حالة الحرب (2)،
مكة (1) فتح
عقد
النبيء
ويومئذ اختلط أهل مكة والعرب الذين من حولهم، بعضهم ببعض، مؤمنهم وكافرهم، فتمكن المسلمون من نشر الإسلام والدعوة إليه، وتمكن الكفار من رؤية أخلاق المسلمين ومعاملتهم الحسنة، كيف رباهم القرآن وربَّاهم النبيء له في هذه المدة القصيرة، وكيف تحوّلوا وكأنهم خلق آخر (3) ولهذا بدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجا»،
فأسلم كثير من الأبطال منهم خالد بن الوليد، وقبل فتح مكة، فبدأت
1) - وانظر في بيان معنى الفتح من هذه الآية: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 17 / ص 239. 2) - انظر سيرة بن هشام السيرة النبوية، ج 2 /ص 316 - 317. 3) - وهذا كله حدث بعد صلح الحديبية عند عمرة القضاء، في السنة السابعة للهجرة، حيث حجّ من النبي (ص) يومئذ ألفان سوى النساء والصبيان
) - إشارة قوله تعالى: وإذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا،
فسبح بحمد ربك، واستغفره إنَّه كان توابا سورة النصر.
(22) (1/40)
صفحة 41
تباشير النصر، وبدأت أسبابه، يسلم بعضها إلى بعض، حتى كان الفتح في العام الثامن، فدخل النبيء له مكة فاتحاً في عشرة آلاف، بعد
أن كان الذين شهدوا بدرا ثلاثمائة وثلاثة عشر.
فالنص القرآني إذن ينص على أفضلية الجماعة التي أسلمت وهاجرت قبل الفتح، وأنفقت وقاتلت، وهذه الجماعة منها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ومنها الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا قبل الفتح؛ فهذا هو ترتيب طبقات الصحابة.
1 الذين جاؤوا من بعد هم ... والتابعون]
أما قوله تعالى في سورة الحشر: والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ... )، في البيان الصادر فيمن له الحق في الفيء الذي أفاءه الله على المسلمين، من أموال الكفار غير الأخماس الأربعة، التي تكون للمقاتلين إذا كان هنالك قتال والذين يأخذون من الخمس الذي هو الله وللرسول ولذي القربى، فهؤلاء الذين جاؤوا من بعدهم هم الذين يأتون بعد هذه الجماعة إلى أن تقوم الساعة.
1 - سورة الحشر: الآية 10.
(23) (1/41)
صفحة 42
ففرق إذن بين قوله: والذين اتبعوهم ياحسان، وقوله:
*
والذين جاؤوا من بعدهم، فافهموا جيداً دقة التعبير هنا ولا
غرابة، فالكلام كلام الله في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة، فالتابعون عبّر عنهم بالاتباع، وخصهم بذكر الهجرة والجهاد، وأما الذين ورد ذكرهم في سورة الحشر في بيان من له الحق في الفيء فعبر عنهم بالمجيء، والذين جاؤوا من بعدهم، أي من بعد المسلمين الأولين حتى قيام الساعة، ولذلك وصفهم بقوله: يقولون: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.
ر حكما الله تعالى على الصحابة بالمغفرة والرضوان] وقد حكم الله تعالى - في آيات عديدة من كتابه – بالمغفرة والرضوان على هؤلاء الصحابة في أساليب متنوعة، وعبارات مختلفة، منها قوله لهم مغفرة ورزق كريم أولئك هم المومنون حقا، ورضي الله عنهم ورضوا عنه. والله تعالى لا يعود في رضاه، وقد أسنده إلى المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.
* قد سبق التعليق عليه في هامش ص 14
(24) (1/42)
صفحة 43
ويقول الله تعالى في شأنهم في جيش العسرة في غزوة تبوك): ولقد تاب الله على النبيء والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العُسرة، من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم، إنَّه بهم رؤوف رحيم (2) خص الله تعالى ذكر المهاجرين والأنصار الذين يركبون جيش العسرة، وذكر إلى جانبهم النبيء تشريفا لهم، كما كان ذلك في قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم
من شيء، فأنَّ الله خُمسه وللرسول (3)
والجمهور على أنَّ ذكر الله تعالى في مثل هذه المقامات تشريف لنبيئه ولمن ذكر معه (4)؛ ثمَّ بعد ذلك يخص بالذكر الثلاثة الذين خلقوا: و على الثلاثة الذينَ خُلّفوا ... (ى)، في قصة طويلة مشهورة (6)
1) - وكان ذلك في رجب من سنة تسع للهجرة، وانظر ابن هشام: السيرة النبوية، ج 2 /ص 3 وابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج 1 ص 819 - 822.
2) - سورة التوبة: الآية 117.
(3) - سورة الأنفال: الآية.
4) - انظر الطبري: جامع البيان، ج 28 ص 24
5) سورة التوبة: الآية 118.
6) - والثلاثة الذين خلّفوا في الأرض هم: أ) كعب بن مالك بن أبي: كناه النبي (ص) أبا عبد الله، شهد العقبة، وبايع بها، وتخلف عن بدر، وشهد أحدا، وخلف أيضًا في تبوك. مات أيام
(25) (1/43)
صفحة 44
والمشقة التي تحملها جيش العسرة
وجيش العسرة هو الذي خرج لغزوة تبوك في مشارف الشام، بعد أن بلغ النبيء أنَّ هرقل ملك الروم، ونصارى الشام يتهيأون لغزوه، فبادرهم لتخويفهم، وكانت وقت الصيف والحر شديد، وخزائن المؤونة فرغت، لأنَّهم في آخر العام، وفي آخر العام لا يبقى إلا الشيء القليل من الغلة التي كانت من العام الماضي، والغلة الجديدة لم تطب بعد وهي في الإبان؛ وهم في عسر من جهة، المال وعسر من جهة الظهر، ليس لهم ما يحملهم، وكان العشرة يتعاقبون جملاً واحداً، والمسافة بعيدة، لا ماء
في الطريق، وصدق الله العظيم إذ سمى الغزوة بساعة العسرة. أراد الله تعالى أن يختبر الصحابة ويبتليهم، فنفروا لما استنفرهم، وأبلى فيها البلاء الحسن الإمام عثمان بن عفان، إذ جهَّز
النبيء ء،
قتل علي. العسقلاني: الإصابة، ج 8 ص 302. ب) (هلال بن أمية بن عامر بن قيس الأنصاري: شهد بدراً وما بعدها، وعاش إلى خلافة معاوية. العسقلاني:
ن، م، س، ج 8 ص 606 - 607.
ج) مرارة بن الربيع الأنصاري الأوسي: من بني عمرو بن عوف، صحابي مشهور، شهد
بدرا.
العسقلاني، ن، م، س، ج 8 ص 396.
1) - هرقل أو هيراكليوس (610 - 64 م): أمبراطور بيزانطي، قاهر الفرس، فشل في وقف الفتح
العربي، فتخلّى عن سورية وفلسطين وما بين النهرين ومصر.
دار الشروق المنجد في اللغة والأعلام، ص 595 (الأعلام).
(26) (1/44)
صفحة 45
جيش العسرة من ماله الخاص، ولغزوة تبوك وما وقع فيها من معجزات حديث يطول (2)، والله تعالى أعلن توبته على النبيء والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، وهو بهم رؤوف رحيم؛ ومن توبته عليهم أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يوفقهم إلى التوبة مما بدر منهم، ويحفظهم من الوقوع والإلمام بشيء، وإن الموا بشيء
ذكرهم فإذا هم مبصرون فتابوا وأنابوا.
1 رضا ا لله عن المبايعين تحت الشجرة]
وقبل العسرة قال تعالى في صلح الحديبية (3): ولقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرةِ فعلم ما في قلوبهم، فأنزل
1) - قيل إنه أنفق ألف دينار، فقال رسول الله: «اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض»، وكذلك التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها.
ابن كثير: السيرة النبوية، ج 4/ص 6 - 7.
2) - ومن معجزاته في هذه الغزوة: إذ كان اليوم يوم حر وعطش شديد، رفع يديه إلى السماء، فلم يرجعهما حتى أظلت السماء، ثم سكبت فملوا ما عندهم من الأواني.
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 8 ص 297.
وانظر تفاصيل الحادثة كاملة في الطبري: جامع البيان، ج 11 ص 39 - 40.
3) - صلح الحديبية كان في آخر السنة السادسة للهجرة النبوية.
وانظر ابن هشام السيرة النبوية، ج 2 /ص 308.
(27) (1/45)
صفحة 46
السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريباً، ومغانم كثيرة ياخذونها، وكان
الله عزيزاً حكيماً.
(1)
لقد: اللام مشعرة بقسم محذوف، وكأنه قال: وعزتي وجلالي. ثم زاد توكيداً آخر بعد اللام بـ"قد" التي هي للتحقيق.
رضي عنهم، وأكد هذا الرضى، وقال: إنه أنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحاً قريباً، ومغانم كثيرة يأخذونها. وهل يعود الله في رضاه؟ وهل ينقض الله تعالى رضاه؟ وأصحاب الشجرة معروفون، هم ما بين ألف وأربعمائة وألف وخمسمائة (2)
يقول الذين يطعنون في الإمام عثمان إنه لم يشهد بيعة الرضوان، ويعة الرضوان نفسها وقعت بسبب عثمان، إذ أرسله النبيء لا ليخاطب المشركين، لما
1) سورة الفتح: الآية 18 - 19.
2) - قال الشيخ اطفيش: «وجمع بين حديث مسلم وحديث البخاري بأن ما في مسلم في مبدأ البيعة، والمؤمنون ألف وأربعمائة عند الجمهور، ورواه البخاري عن جابر، وحدث سعيد بن للسيب عن جابر أنهم ألف وخمسمائة، وكذا رواه أبو داود عن عبد الله بن أبي؛ أو في ألف وثلاثمائة. وعند ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع ألف وسبعمائة؛ وذكر موسى بن عقبة أنهم ألف وتسعمائة؛ وعن ابن سعد ألف وخمسمائة وعشرين» لهـ.
تيسير التفسير: ج 5 ص 25). وانظر ابن هشام: السيرة النبوية، ج 325/ 2.
(28) (1/46)
صفحة 47
له من حذاقة ولباقة في المفاوضة، ولما يتمتع به من حماية، وقد كان النبيء عرض الأمر على عمر فأشار عليه بعثمان (1)
ولما دخل عثمان مكة، وطالت إقامته، شاع بين الناس أنَّ المشركين اغتالوه، فتأثر المسلمون، فأمر النبيء بالبيعة، فبايعوه تحت الشجرة، وكان المسلمون كلُّهم يمرون عليه واحداً واحداً، يبايعونه بيعة
فردية، على الجهاد في سبيل الله، وعلى النصرة والموت معه، حتى إذا
انتهى
المسلمون من المبايعة، ضرب النبيء
«هذه عن عثمان >>. (2)
1 إلزامهم كلمة التقوى]
عناه على شماله فقال:
ويقول الله تعالى في شأنهم: وإذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فأنزل الله سكينته على رسوله، وعلى المومنين، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شيء عليماً (3)، الله ما أعظم هذه الآيات في شأن الصحابة، خاصة أصحاب الحديبية.
1) - للتوسع ينظر «عثمان رسول محمد إلى قريش» ابن هشام السير النبوية، ج 2 ص 315. 2) - وانظر بن كثير: السيرة النبوية، ج 3/ص 319
3) - سورة الفتح: الآية 126 وانظر تفسيرها عند اطفيش تيسير التفسير، ج 5 ص 439 - 44.
(29) (1/47)
صفحة 48
ألزمهم كلمة التقوى، كأنه ألصقها بهم، وغرزها في قلوبهم
فالتزموها، ولم يلبسوها لبس الثوب ينزعه الواحد متى شاء، فالتقوى
لازمة لهم، كأنها لا تنفك عنهم، ولا ينفكون عنها في مغداهم
و مراحهم، وفي أقوالهم وأفعالهم، وحركاتهم وسكناتهم.
وكلمة التقوى هي: لا إله إلا الله، التي مثلها الله تعالى بقوله: ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، توتي أكلها كل حين بإذن ربها، فعقيدة الأولية والوحدانية الله تعالى متمكنة في قلوبهم؛ وإذا تمكنت في القلب فهم كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء والأغصان هي حر
حركات
ذلك
اللسان والعين والأنف واليد والرجل، وغيرها التي تصدر عن الأصل الطيب، عن تلك الشجرة المغروسة الضاربة جذورها في قلوبهم، ولذلك ارتفعت أغصانها، فهي تؤتي أكلها كل حين، والتعبير بـ"كلّ حين" يدلُّ على ما دلت عليه كلمة "وألزمهم كلمة التقوى"، فهم متقون في كل حين، وشجرة التقوى متمكنة تؤتي أكلها كل حين، في العسر وفي اليسر، في المنشط والمكره في السفر والحضر، في الرخاء والشدة، في
البأساء والضراء، وفي النعماء والسراء.
1 - سورة إبراهيم: الآية 2 - 25
(30) (1/48)
صفحة 49
وإذا تأملنا قوله تعالى وألزمهم كلمة التقوى ثم قوله:
وكانوا أحق بها وأهلها، نرى العجب والعظمة في ثلاثة أمور: أولاً - ألزمهم كلمة التقوى ومن ألزمه الله شيئا لا يمكن أن
ينفك عنه، ولا أن يفكه عنه أحد، لا شيطان إنس ولا شيطان جن. ثانياً - وكانوا أحق بها يعني هؤلاء هم أحق بالتقوى، فقد يصف الناس أنفسهم بالتقوى، فيقول أحدهم: أنا متق، أو عندي تقوى. ولكن الأحق بالتقوى هم هؤلاء، وهم أحق بحقيقة الاتصاف بها من غيرهم ولا يوجد من يماثلهم فيها والصيغة جاءت على صورة اسم التفضيل.
ثالثاً- وأهلها لم يكتف الله تعالى بما تقدم فزاد قائلا:
وأهلها، وكأنه يقول: هؤلاء هم أهل التقوى. فإذا سألتهم عن أهل التقوى؟ فهم هؤلاء.
وإذا سألتهم من أحق بالتقوى؟ فهم هؤلاء.
وإذا سألتهم عمَّن ألزمهم التقوى، لا تنفك عنهم ولا ينفكون
عنها؟ فهم هؤلاء.
فلله
ما أعظم هذه الأوصاف.
(31) (1/49)
صفحة 50
1 الذين هاجروا وجاهدوا من بعد ما فتتوا ... ويقول الله تعالى في سورة النحل: ثمَّ إِنَّ رَبَّك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثمَّ جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)، هذه الآية خاصة بالمهاجرين، ثمَّ إِنَّ رَبَّك للذين جعل الله تعالى نفسه لهم، ويبدو لي أنَّ هذا التعبير أقوى وأعظم من المعيَّة في قوله تعالى: وإنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (2)، وإن لم يكن أعظم منه، فهو في درجته؛ وإذا كان الله لهم، فإنه يرأف بهم، ويرحمهم، ويحبهم، ويعطيهم ما يريدون. فالتعبير باللام غريب في بابه، وانظروا إلى هذه الأوصاف الأربعة، حتى نعلم لماذا استحقوها: هاجروا من بعد ما فتنوا، ثمَّ جاهدوا و صبروا.
أول البلاء الفتنة التي أصابتهم وهم بمكة لما دخلوا الإسلام، فمكر بهم المشركون، وعذبوهم، كما فعلوا ببلال وعمار، وآل ياسر، فمنهم من مات في العذاب، ومنهم من تحمله حتى نجاه الله (3)
1 - سورة النحل: الآية 110.
2) - سورة النحل: الآية 128.
3) - منهم من مات في العذاب كياسر وسمية رضي الله عنهما، ومنهم من بعاه الله كعمار بن ياسر وبلال
بن رباح رضي الله عنهما.
(32) (1/50)
صفحة 51
و معنى قوله فتنوا، يفيد أنَّ المشركين فعلوا بهم ما في وسعهم
ليحملوهم على ترك الإسلام، فأبوا (1)
بعد هذه الفتنة التي تحملوها سنوات في مكة، هاجروا وتركوا
أموالهم وديارهم وأهلهم في هذا الوطن العزيز المقدس: مكة. الذي لا أشرف منه في الدنيا (2)
ثم جاهدوا: لما هاجروا لم يهاجروا إلى مكان يستريحون فيه، ويعبدون ربَّهم في الظل والرخاء، وإنما هاجروا إلى المدينة استعداداً للجهاد فكانت سرايا وكانت غزوات وفي كل هذه كانوا صابرين. فالمحنة أولاً، والهجرة ثانيا، والجهاد ثالثا، والصبر في ذلك الجهاد رابعا. سواء جاءهم من جهة الوقت كوقعة العسرة؛ أو في وقت فيه شيء من رخاء.
1) - مثل بلال له حينما وضعوا على صدره صخرة كبيرة، ولكنه ثبت على دينه بكلمة التوحيد، حتى
نجاه الله من غيض للمشركين.
ابن هشام: السيرة النبوية، ج 1 / ص 318
2) - وكان ذلك في زوال يوم الاثنين، لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول من السنة الثالثة عشر من
البعثة.
ينظر: ابن هشام، ن، م، س، ج 1 ص 590
ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج 1 / ص 739.
4
(33)
1 (1/51)
صفحة 52
إنَّ رَبَّك من بعدها الضمير يعود إلى هذه المحن المتتالية، والتعبير بقوله: ومن بعدها لغفور رحيم، يبين أنَّ هؤلاء بمحنهم هذه المتتالية لا يستحقون من الله تعالى إلا المغفرة والرحمة، فكل ما فعلوه مغفور
لهم ومسموح. والتنصيص بقوله: ومن بعدها له وقوله: والغفور رحيم الله، يدل على كثرة المغفرة وعظمتها، إما لكثرة الذنوب، والله تعالى لا يستكثر ذنوبا فلا يغفرها (1)؛ فإذا كان الإخلاص وكانت التوبة، وكانت أسباب المغفرة متوفّرة، يغفرها على كثرتها. وإما أن يكون الذنب عظيما فإنَّ الله تعالى لا يتعاظم عنده ذنب، إذا كانت التوبة من بابها المشروع (2)، ونحن في دعائنا نقول: «اللهم إنَّ ذنوبنا قد عظمت وجلت وعفوك أعظم منها وأجل» (3)
1) - إشارة إلى قوله تعالى: وإن الله يغفر الذنوب جميعا إنَّه هو الغفور الرحيم له سورة الزمرة الآية 53. 2) - إشارة إلى قول الرسول له في حديث قدسي عن سعيد بن بن عبيد قال: سمعت بكر بن عبد الله للزني يقول: حدثنا أنس بن مالك، قال سمعت رسول الله يقول: «قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك إن أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. الترميذي: صحيح الترمذي، أبواب الدعاء، باب 98، ج 13، ص 59 (3) - لم أهتد إلى هذا الحديث في المعجم المفهرس، ولا في صحيح البخاري، ولا في مجمع الزوائد. (1/52)
صفحة 53
فإذا كانت هذه الآية واردة في حق هؤلاء السابقين الأولين، فماذا يبقى
لهم من ذنوب يا ترى؟
فالآيات الواردة في فضل الصحابة، وفي توكيد المغفرة لهم،
والرضى عنهم كثيرة، حتى أنه أمرنا بالاستغفار لهم، وجعله من الصفات التي كلف بها من جاء من بعدهم.
بعد كل هذا، كيف يمكن أن يُطلق أحد لسانه في هؤلاء
الله
عنهم، أم أنَّ الله تعالى لا يعرف ما سيفعلون وما
الأصحاب رضي سيكون منهم من بعد ذلك؟!.
[فضل العشرة المبشرين بالجنة)
ومِمَّا يجب أن نعلمه مسبقا - قبل الدخول في الكلام على ما وقع - أنَّ الأصحاب العشرة ومنهم الخلفاء الراشدون، كلهم من السابقين الأولين من المهاجرين، فمن هؤلاء العشرة؟
ينهم
هم
الخلفاء الراشدون الأربعة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؛
خلفاء بإجماع الأمة ما عدا الرافضة (1) قبَّحهم الله.
1) - الرافضة أو الروافض هي فرقة من الشيعة، خرجت عن إمام الزيدية زيد بن علي بن الحسين، وأطلق عليهم اسم الرافضة، لأنهم رفضوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر، وتبرأوا منهما. انظر: الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1 / ص 155. شفيق غربال: الموسوعة العربية الميسرة،
ص 854.
(35) (1/53)
صفحة 54
ثمَّ طلحة)، والزبير (2)، وسعد بن أبي وقاص (3)، وسعيد بن
زيد (4)، وأبو عبيدة عامر بن الجراح (5).
1) - هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو 28 ق. هـ - 36 هـ): ويكنى أبا محمد، من السابقين الأولين إلى الإسلام ويدعى طلحة الجود وطلحة الخير، كما كان يدعوه النبيء
شهد أحدا وسائر الغزوات وقتل يوم الجمل ودفن بالبصرة، وروى 38 حديثا.
ينظر: ابن سعد: طبقات، ج 3 ص 214 - 225
الزركلي: الأعلام، ج 3 ص 331
2) - هو الزبير بن العوام بن أسد بن عبد العزى 28 ق. هـ - 36 هـ): أحد الصحابة الأجلاء والسابقين إلى الإسلام، أسلم وعمره 12 سنة، وهو أول من سلَّ سيفه في الإسلام؛ شهد بدرا وأحدا وغيرها من الغزوات. قتل يوم الجمل بوادي السباع وله 38 حديثا. وقال عنه النبيء ان لكل نبيء حواريا، وحواربي الزبير بن العوام».
ينظر: طبقات بن سعد: ج 3 ص 100 - 114.
p/37
أعلام الزركلي: ج 3 ص 74.
3) - هو سعد بن مالك بن وهب بن عبد مناف القرشي 23 ق. هـ - 55 هـ): صحابي جليل، أسلم وعمره 17 سنة، وشهد بدرا وافتتح القادسية، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، كان واليا على الكوفة في عهد عمر، ولما جاء عثمان أقره عليها فترة ثم عزله. مات في قصره بالعتيق، وهو من المكثرين له 271 حديثا.
طبقات بن سعد: ج 3 ص 137 - 148. أعلام الزركلي: ج 3 ص 137. 4) - هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى أبو الأعور (22 ق. هـ - 51 هـ): صحابي جليل، هاجر إلى للمدينة وشهد للمشاهد كلها، ولاه أبو عبيدة دمشق، وتوفي بالعقيق،
فحمل إلى المدينة ودفن بها، وعمره بضعا وسبعين سنة.
طبقات بن سعد: ج 3 ص 379 - 385.
p/37
أعلام الزركلي: ج 3 ص 146.
5) - هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح (40 ق. هـ - 18 هـ): الصحابي للمشهور، شهد للمشاهد كلها، وولاه عمر بن الخطاب قيادة الجيش الزاحف إلى الشام، ففتح عدة بلدان أخرى،
(36) (1/54)
صفحة 55
وعبد الرحمن بن عوف) والأمة كلُّها أجمعت على هؤلاء
العشرة، وحتى العامة تقول: «أصحاب الرسول عشرة»، لأنهم هم المبشرون بالجنة، ولأنَّ ما تذكره الآيات من فضل يعم هؤلاء، ولكل واحد منهم مزايا وفضائل لا تكاد تُعدُّ؛ وقد حكم الله على إيمانهم بأنَّه حقٌّ وَأَنَّهُم، فائزون، وأنه رضي عنهم وأنَّه تاب عنهم، وأنه لهم ...
والنبيء بشرهم واحداً واحداً بالجنة (2)
ولنستحضر في أذهاننا أنَّ الأصحاب يدخلون دخولاً أولياً في كل
الآيات التي ذكرناها.
حتى وصل إلى شرق الفرات، وشمال أسيا الصغرى. توفي بالطاعون، ودفن في غوربستان، وعمره 58 سنة. قال فيه رسول الله (ص): «لكل نبيء أمين وأميني أبو عبيدة بن الجراح».
ينظر: طبقات بن سعد: ج 3 ص 409 - 45. أعلام الزركلي: ج 4/ص 21.
1) - هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث 44 ق. هـ - 32 هـ): ويكنى أبا محمد، من أكابر الصحابة، وهو أحد السنة من أصحاب الشورى، الذين جعل عمر الخلافة فيهم شهد بدرا والمشاهد كلها، واجتمعت له ثروة كبيرة، وأوصى قبل أن يموت بخمسين ألف دينار في سبيل الله، توفي بالمدينة. وله 56 حديثا.
طبقات بن سعد: ج 3 ص 124 - 137.
2) - وقد ذكر ثلاثة منهم وهم أبو بكر وعمر وعثمان في حديث طويل.
انظر: صحيح البخاري، كتاب (66) فضائل الصحابة، باب (5) قول النبي (ص): لو كنت
متخذا خليلاً، ججى رقم 3457.
(37) (1/55)
صفحة 56
فقوله تعالى والسابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار منهم
الأصحاب العشرة.
وقوله: والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين ءاوَوْا ونصروا أولئك هم المومنون حقا منهم الأصحاب
العشرة.
وقوله: واللفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم (1)
منهم الأصحاب العشرة.
وهم أيضًا ضمن من بايعوا بيعة الرضوان (2)، وهم
جيش العسرة.
كذلك ضمن
[عدد الصحابة وأسماؤهم والمكتب المؤلفة فيهم الصحابة عددهم يتكاثر شيئا فشيئا، خاصة بعد صلح الحديبية، ثمَّ بعد فتح مكة، وفي كل غزوة كان عدد الصحابة يزيد عن الغزوة
1) - سورة الحشر: الآية 8.
-
2) - إلا عثمان بن عفان الله الله كان غائبا، وأدى الرسول عنه البيعة.
(38) (1/56)
صفحة 57
التي قبلها، حتى كان حجة الوداع في ذي الحجة من السنة العاشرة،
حيث حج معه له مائة ألف أو يزيد.
وكانت قبل ذلك سنة الوفود (2)، حيث كانت وفود العرب، تفد
عليه الله لتعلن الإسلام وتظهر الولاء)، ولكن كم يعلم المسلمون من
أسماء الصحابة؟
لقد ألف كثير من العلماء في القديم كتباً في ذكر أسماء الصحابة،
وتواريخهم وفضائلهم، مثل:
کتاب
الأسد
الغابة في معرفة الصحابة"، في
س مجلدات
1) - فمثلا يوم بدر كان عدد المسلمين (314) رجلا، ويوم أحد تضاعف إلى (700)، وفي بيعة الرضوان (1400) رجلا، وفي فتح مكة (10000) رجل. وانظر هذه الأعداد خلال غزوات
الرسول وسراياه في كل من:
ابن هشام السيرة النبوية، كله.
ابن كثير: السيرة النبوية كله.
ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج.
2) - وكان ذلك في السنة التاسعة (9) سيرة بن كثير: ج 4/ص 76.
3) - ينظر: سيرة بن هشام ج 2 / ص 559 ..
سيرة بن كثير: ج 4 / ع 26.
(39) (1/57)
صفحة 58
لابن الأثير) وكتاب "الإصابة في معرفة الصحابة" لابن حجر.
(2)
وقد احتوت هذه الكتب على المئات منهم وربما الآلاف، فهي
لا تذكر الصحابة جميعهم، لأنَّ المذكورين فيها هم المشهورون مثل الخلفاء الراشدين، وأمراء الأجناد، وقواد الجيش، ومن تولى أمراً من أمور النبيء، أو أمراً في عهد أبي بكر أو عمر، أو من كانت له قصة مع النبيء أو روى عنه حديثا أو أحاديث ممن يمر عليهم سند الحديث؛ فهؤلاء هم الذين أرخ لهم العلماء، أما عشرات الآلاف الآخرين فلم يذكروا.
1) - هو المبارك بن محمد بن محمد بن محمد الشيباني الجزري) - 606 هـ): ولد ونشأ بجزيرة ابن عمر؛ انحدّث اللغوي، الأصولي، أصيب بالنقرس فبطلت حركت يده، حتى توفي في
إحدى قرى الموصل.
وأهم تأليفه النهاية، جامع الأصول في أحاديث الرسول.
الزركلي: الأعلام، ج 6 ص 152.
2) - هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر (773 852 هـ): ولد بعسقلان بفلسطين، كان مولعا بالأدب والشعر، ثم اتجه إلى الحديث. ولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل.
ومن تصانيفه: فتح الباربي في شرح صحيح البخاري الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ولسان الميزان، وتقريب التهذيب. وتوفي بمصر عن عمر يناهز 77 سنة.
أعلام الزركلي: ج 4 / ص 171 - 172.
(40) (1/58)
صفحة 59
[بداية الفتن في الأمة الإسلامية]
ومن هؤلاء العشرة الذين ذكرنا قبل من تولى الخلافة بعد النبيء
كأبي بكر له، الذي دام له الأمر سنتين وأربعة أشهر (1)؛ ثمّ الخطاب فأجمعت الأمة عليه، ودام في الحكم عشر
استخلف عمر بن
سنين وستة أشهر (2)، ثم قتل بيد غلام المغيرة أبي لؤلؤة المجوسي
(العنه
الله؛ وترك عمر الأمر شورى بين ستة (4) فأجمعوا على عثمان
بن
1) - انظر: ابن سعد: طبقات، بيعة أبي بكر، ج 3 ص 185.
274.13€
2) - انظر: طبقات بن سعد: استخلاف عمر الله، ج 3 ص 274.
3) - حيث طعنه ثلاث طعنات وطعن معه ثلاثة عشر من المصلين، فمات منهم. ستة أو سبعة، فنادى عمـ
4
بن الخطاب وهو يشير بيده دونكم الكلب قد قتلني طبقات بن سعد: ج 3 ص 340 - 341.) - والستة هم: عثمان بن عفان علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله. انظر: طبقات بن سعد: ج 3 ص 340.
ابن خلدون تاريخ ابن خلدون، ج 1 ص 994 ..
(41) (1/59)
صفحة 60
عفان (1) حتى قتل في فتنة الدار (2)؛ ثم تولى الخلافة بحق علي بن أبي
طالب (3)، حتى قتل بيد عبد الرحمن بن ملجم (4)
فهذه الفتن التي ثارت بداية من عهد عثمان، فكانت فتنة الدار التي أودت بحياة الخليفة عثمان؛ ثم كان يوم الجمل (5) بين طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين من جهة، والإمام علي من جهة أخرى؛ ثم كان يوم صفين (6) بين الإمام علي ومعاوية الذي لم يقبل خلافته، فكان ما كان مِمَّا أراده الله
1) - انظر: طبقات بن سعد بيعة عثمان بن عفان رحمه الله، ج 3 ص 62 2) - قتلوه وهو يقرأ في المصحف، فتقدّمهم محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، ثم طعن جبينه مشقص في يده، وأخذ كنانة ابن بشر بن عتاب سيفه وقتله، فسال الدم على مصحفه، ومات بداره
وسميت بذلك فتنة الدار.
طبقات بن سعد: ج 3 ص 72.
3) - وكان ذلك في الغد من يوم قتل عثمان يوم الجمعة لثاني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة كته ودامت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. طبقات بن سعد: ج 3 ص 31
4) - قتله وهو خارج من بيته إلى المسجد لصلاة الصبح، فأصابه بسيفه في جبهته، حتى وصل إلى دماغه، فمات ودفن بالكوفة في الرحبة، وكان ذلك في سنة 39 للهجرة ..
5) - وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة 36 لما قدم إلى البصرة علي بن أبي طالب فلقي طلحة والزبير وعائشة، وظفر بهم، وقتل يوميذ طلحة والزبير وثلاثة عشر ألف قتيل طبقات بن سعد:
ج 3 ص 32.
6) - وكان ذلك في صفر سنة 37 للهجرة، وقتل في المعركة عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت
وغيرهما. طبقات بن سعد: ج 3 ص 32 - 33
(42) (1/60)
صفحة 61
والله تعالى أراد - لحكمة يعلمها هو - أن تثور هذه الفتن، وأن
يذهب فيها كثير من أفاضل المسلمين ضحايا.
موقف المسلمين من الفتن]
فما موقف من جاء بعد هذه الفتن؟
الفتنة نار لعن الله من أوقدها والفنتة نائمة لعن الله من
6
أيقظها»، والفتنة محنة وبلاء يضلُّ فيها الحليم، وترتبك فيها العقول، وتزلُّ فيها الأقدام، وليس من السهل أن نتعرف على الأسباب الحقيقية
للفتنة وعلى المسؤول عنها
فما موقف المسلمين عامة من هذه الحروب والفتن؟
وما موقفنا نحن - اليوم - الذين جئنا بعدها بقرابة أربعة عشر قرنا،
وإلى أن تقوم الساعة؟
إنه الأمر الخطير، والموضوع الكبير، نرجو أن يوفقنا الله تعالى إلى بيان وجه الحق فيه معتمدين على ما يحضرنا من الأدلة.
1) هذا الحديث لم أهتد إليه فيما رجعت إليه من المصادر: الجامع الصحيح، المعجم المفهرس، صحيح
البخاري، مجمع الزوائد ... وغيرها.
(43) (1/61)
صفحة 62
وفي هذه المقدّمة، وهذه الفذلكة في فضل الصحابة، وما ورد في حقهم من آيات ضوء ينير الطريق أمامنا، والذي سنسلكه في قضية الفتنة بحول الله.
إنَّ الأمر الذي يهمنا في معرض حديثنا عما جرى من الفتن بين
قضية التوبة والمغفرة التي وردت في كثير من الآيات
الصحابة، هي الكريمة، السابق ذكرها.
وفي معناها يقول ابن عباس: «أمر الله تعالى بالاستغفار
لأصحاب محمد الله وهو يعلم أنهم سيفتنون». (1)
ففي الوقت الذي كان الله تعالى يؤكد على الرضا عن هؤلاء، خاصة على التوبة عليهم، وعلى تكفير ذنوبهم ومغفرته ورحمته لهم، يعلم - وهو علام الغيوب - أنهم سيفتنون، وسيقع بينهم ما يقع.
•
1 - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 18 ص 33
(44) (1/62)
صفحة 63
كما أخبرنا بذلك رسوله» بـ «أن فتنا كقطع الليل المظلم ستكون بين هذه الأمة»)، وسأله أصحابه عن المخرج، فدلهم عليه. فا الله تعالى لم يكتف بتأكيد التوبة والمغفرة لهؤلاء، بل زاد وأمر كل من جاء من بعدهم - إلى أن تقوم الساعة – بالاستغفار لهم، وذلك قوله: والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان (2)
يمكن لأحد أن يقول: إنه يدخل في قوله: والذين سبقونا بالإيمان له جميع الأجيال التي تقدمتنا ووصلتنا على أيديهم شريعة الله وكتابه، لكن الذين يدخلون في الآية دخولا أوليا هم الرعيل الأول الذي صحب النبيء وسبق إلى الإيمان به، وإلى الهجرة والجهاد
1 حدثني يحي بن أيوب وقتيبة وابن حجر جميعا عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل قال: أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا، وعمسي كافراً، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يتبع دينه بعرض من الدنيا».
صحيح مسلم کتاب (1) باب (5) الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن،
ج 1 ص 110، رقم 186.
مسند أحمد بن حنبل، ج 1 ص 186.
صحيح الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم، ج 9 ص 49.
2) - سورة الحشر: الآية 10
(45) (1/63)
صفحة 64
معه، وإلى تلقي القرآن والسنة عنه، ثم بلغوها للجيل الذي كان معهم، فهؤلاء طبعا المقصودون أوَّلاً، لا أجدادنا وآباؤنا الأقربون، ومن قواعد الشرع الثابتة عدم الاستغفار لمشرك أو لكافر أو لمن يبرأ
منه (1)
فزيادةً في فضل هؤلاء أراد الله تعالى أن تكون أطباقا من النور تدخل عليهم ما دام على ظهر الأرض مؤمن يذكر الله ويستغفر للذين سبقوه، فإذا قلنا نحن اليوم: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان؛ فإنَّ الحظ الأوفر من هذا الدعاء ينصرف إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
جزاء من سب الصحابة مبغضا لهم:
وبما أنَّ هذه الآية جاءت بعد ذكر الأقسام الذين يقسم عليهم الفيء، قال العلماء والمفسرون: «إنَّ من سب أحداً من أصحاب رسول الله أو كان في قلبه بغض لأحد منهم، خاصة السابقين الأولين، فإنَّه لا حظ له في الفيء (ء)، لأنَّ الله
1 - إشارة إلى قوله تعالى ما كان للنيء والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا أولي قربي، من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم سورة التوبة: الآية 113.
- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 18 ص 32
(46) (1/64)
صفحة 65
تعالى جعل هذا الحظ للذين جاؤوا من بعدهم، مقرونا بشرط وهو الاستغفار لهم، فمن كان لا يستغفر لمن سبقه بالإيمان أو كان في قلبه بغض لهم، أو كان يسبهم، فإنه لا يعطى من الفيء. روي عن الإمام مالك صلي الله عنه قوله: «من كان له في أحد من
الصحابة لها قول سيء أو بغض فلا حظ له في الفيء» (1). وروي
مثل هذا
عن الشيخ اطفيش في التيسير (ه) وعن غيره من الأئمة. ذلك إذن كان حكم الله تعالى على أصحاب رسول الله في
كتابه الكريم.
الأحاديث الواردة في فضل الصحابة والنهي عن سبهم وقد وردت عن رسول الله أحاديث كثير في فضل الصحابة و نذكر منها حديثا رواه أصحاب السنن، ود كره الشيخ اطفيش في التيسير. قال رسول الله: «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ
) - ابن العربي: أحكام القرآن، ج 4/ص 1778. القطب اطفيش: تيسير التفسير، ج 6 ص 157.
- ابن العربي: أحكام القرآن، ج 4/ص 1778. القطب اطفيش: تيسير التفسير، ج 6 ص 157.
(47) (1/65)
صفحة 66
3
أحدهم ولا نصيفه» (1) - وهى من الأحاديث المتفق عليها بين الأمة - يعني: اتركوا لي أصحابي لا تسبوهم ولا تمسوهم بسوء، فلو أنَّ أحدمكم يكون عنده مثل جبل أحدٍ ذهبا - وجبل أحد جبل عظيم يعرفه كلُّ من زار المدينة - أنفقه في سبيل الله، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا
نصيفه.
ويقول في حديث آخر: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً، بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله
سبحانه، ومن
آذى الله يوشك أن يأخذه» (2)
«الله الله» يعني: اتقوا الله اتقوا الله في أصحابي.
Y» :
) - عن الأعمش قال: سمعت ذكوان يحدث عن أبي سعيد الخدري له قال النبيء تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». صحيح البخاري، كتاب (66) فضائل الصحابة، باب (5) قول النبي (ص) لو كنت متخذا خليلا، ج 3 ص 1343، رقم 3470.
صحيح مسلم، کتاب (44) فضائل الصحابة، باب (5) تحريم سب الصحابة رضي
عنهم، ج 4 ص 1967، رقم 201 .. بلفظ: « ... ما أدرك مد أحدهم ... ».
الله
2) - مسند أحمد بن حنبل، ج 5/ص 54.
المعجم المفهرس، ج 3 ص 256.
(48) (1/66)
صفحة 67
«لا تتخذوهم غرضاً بعدي»: الغرض هو الهدف الذي يرمى إليه، وهو الشيء الذي ينصبه الناس شارة يرمونه بالحجارة أو بالنبل، أو بشيء آخر، إما للعبث واللهو واللعب، وإما لتعلم الرمي. وقوله غرضا أي ترمونهم، ومن كان يسب أحداً أو يقول فيه
فكأنه يقذفه ويرميه، فيضربه ويجرحه.
«فمن أحبَّهم فبحبي أحبَّهم: أحبَّهم لأنهم أصحاب رسول الله، لأنهم الطائفة الأولى التي سبقت إلى الإسلام والهجرة والنصرة، وهم جلساؤه وحملة الشريعة عنه، وهم الذين وقع عليهم اختيار الله تعالى لصحبه نبيئه، واختيار الله لا يقع صدفة، وإنما عن قصد وعمد، فكما فضل محمداً لله على الخلق فضل الجماعة التي تلتف من حوله، فتكون أوّل من يؤمن به، وأوَّل من يصحبه، وأوَّل من يهاجر معه، وأوَّل من يموت في سيبله، وأوَّل من ينقل الدين عنه؛ فهم مختارون منتخبون، وهم خير الأمة على الإطلاق، وهذه المزية لم
تكن لأحد غيرهم.
1) - في حديث قال «خير هذه الأمة القرن الذي بعثت أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يكون قوم تسبق شهادتهم إيمانهم، وإيمانهم شهادتهم».
مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ص 357.
5
(49) (1/67)
صفحة 68
«ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم»، من أبغضهم فقد أبغض
رسول الله ومن آذاهم فقد آذاني ... ». والحديث واضح مفهوم، وقد رواه الشيخ اطفيش في التيسير (كذلك، وقال: «قيل لعائشة رضي الله عنها: إنَّ أناساً يتناولون الصحابة حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون! انقطع عنهم العمل، وأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر». (2)
هذا كلام جميل لعائشة معناه: إنَّ هؤلاء السابقين الأولين الذين ذهبوا إلى ربهم وانقطعت أعمالهم، أحب الله تعالى أن لا ينقطع: الأجر عنهم، من جهة الذين يسبونهم، ومن جهة الذين يستغفرون لهم. وقد قالت عائشة في حديث آخر: «أُمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبوهم» (3)
ثمَّ إنَّ الآيات الكريمة من قوله تعالى: للفقراء المهاجرين ... والذين جاؤوا من بعدهم ... دليل على وجوب حب الصحابة، وعلى كفر وضلال من سبهم وشتمهم في أي زمان وأي مكان، خاصة الطائفة الأولى من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وبخاصة أصحاب
1) - ج 6 ص 158.
2) - القطب اطفيش ن م س ج 6 ص 158.
(3) - ينظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 18 ص 33.
القطب اطفيش: ن، م، س، ج 157/ 6 - 158.
(50) (1/68)
صفحة 69
بدر، وأصحاب أحد، وأصحاب الخندق أو الأحزاب، وأصحاب الحديبية، وأصحاب خيبر وأصحاب جيش العسرة أو تبوك، الذين نزل فيهم ما نزل، وقد حكم الله تعالى عليهم بأنهم المؤمنون حقا،
وأنَّ كلمة التقوى لازمة لهم، وأنهم أحق بها وأهلها، تم اكد لهم المغفرة في آيات كثيرة.
[قصة حاطب بن أبي بلتعة)
بلتعة (1).
وأذكر حديثا واحدا في المغفرة كدليل، وهو حديث حاطب بن أبي
وهو ممن شهد بدراً ومن السابقين الأولين من المهاجرين؛ وقد ارتكب ذنباً عظيماً، وهو ما يعبر عنه اليوم بالخيانة العظمى، التي يحكم على صاحبها بالإعدام شنقا أو رميا بالرصاص.
وذلك أنَّ النبيء لله لما نقضت قريش الهدنة التي عقدت في اتفاقية صلح الحديبية، عزم على فتح مكة بإذن من الله تعالى، وكتم الأخبار، ودعا الله (2) أن يأخذ العيون (3) والأخبار عن قريش، حتّى
يبغتهم في ديارهم.
ا) - قد سبق تعريفه في هامش ص 16.
م - قال: «اللهم عم عليهم خبرنا». ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 6 ص 260.
3) - العيون: جمع عين، والعين هو الذي يبعث لتجسّس الخبر، ويسمى ذا العينين. ابن منظور لسان
العرب، ج 54/ص 301.
(51) (1/69)
صفحة 70
فكان الأمر كذلك، وبدأ النبيء له في التجهيز، ولم يعلم الناس
بوجهته إلا الخاصة من الصحابة لله، ووصاهم بعدم إشاعة الخبر، ولكن حاطبا كتب رسالة إلى قريش، يخبرهم فيها بعزم النبيء على غزوهم، وأعطى الرسالة امرأة (1) ظعينة (2) فظفرتها في ظفرتها،
وخرجت تطلب مكة.
) - هي سارة مولاة أبي عمرو بن صفي بن هشام.
) - الظعينة: الجمل يطعن فيه، وهو أيضا الهودج تكون فيه للمرأة وقيل: سميت للمرأة ظعينة، لأنها تطعن مع زوجها، ولا تسمى ظعينة إلا وهي في الهودج.
ابن منظور ن م س ج 5 ص 271
(52) (1/70)
صفحة 71
ونزل جبريل من قبل الله جل جلاله يخبر النبيء
بالحادثة، فأرسل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام (1) في طلب المرأة، فأدركاها في بعض الطريق، في مكان يسمى
"روضة خاخ" (2). طلبا منها الكتاب فأنكرته، وفتشاها تفتيشاً بسيطاً فلم يجدوا شيئا، حتّى هما بالرجوع، لكن الإمام علي قال لها: لتخرجن الكتاب أو لنجردنك»؛ والذي دفع بالإمام علي كرم
الله وجهه إلى هذا التهديد تصديقه لخبر النبيء أن مع المرأة كتابا، وحاشا الإمام علي أن يتجراً على عورة وهو الكريم الذي تعف نفسه عن النظر إلى عورة من العورات، وقصته مع عمرو بن العاص في صفين مشهورة، إذ لما تغلب الإمام عليّ على عمرو وأراد قتله، لجأ عمرو إلى الخديعة، وهو يعلم أنَّ الإمام علي حيي لا ينظر إلى عورة أبداً، فكشف له عورته
) - وفي رواية أخرى أرسل معهما للمقداد، وفي رواية أخرى كذلك أرسل عليا والزبير وأبا مرشد الغنوي، وفي رواية أرسل عليا وعمار بن ياسر، وفي رواية أخرى أرسل عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد.
هم - روضة خاخ موضع بين الحرمين بقرب حمراء الأسد من المدينة.
الحموي: معجم البلدان، ج 3/ص 384
(53) (1/71)
صفحة 72
فالتفت علي وأعرض عنه، فنجا عمرو بهذه المذمَّة، حتّى
شاعر فيه:
ولا خير في دفع الرذى بمذلة كما ردها يوماً بسوءته عمرو (1)
وهذه الحادثة تبين لنا كرم نفس الإمام علي كرما عجيباً،
لا تقبل أن ترى عورة أو تكشف عورة أحد.
وكذا كان حال هذه المرأة لما وصل الأمر إلى التهديد بالكشف، حلت ظفيرتها وأخرجت الكتاب وسلّمته إياه، فجاء بالمرأة والكتاب إلى النبيء.
فوجد الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم
بعزم النبيء على غزوهم في مكة.
ناده النبيء له فقال له: «ما حملك على هذا يـ حاطب؟». فقال: «والله يا رسول الله إني لمؤمن با الله ورسوله، ما بدلت وما غيّرتُ، ولكن لي بين ظهرانيهم أهل وولد وليس لي عشيرة، فصانعتهم عليه».
- لم أهتد إلى هذه الحادثة، ولا إلى هذا البيت وقائله.
(54) (1/72)
صفحة 73
و حاطب بن أبي بلتعة أجنبي عن مكة، هاجر إلى
المدينة وترك أهله بها، وشارك في غزوة بدر، فخاف على أهله وولده فصانع أهل مكة علّه يدفعهم لحماية أهله،
وهو موقن بانتصار النبيء لكنه خطر له هذا الخاطر فقام بهذا العمل.
وهذا الفعل في حقيقته خيانة عظمى، خاصة وأن النبيء كتم الخبر وحجر، إذاعته، ودعا ربه أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش وكان عمر له حاضرا بالمجلس فقال: «دعني يا
رسول الله أضرب عنقه، إنه قد نافق».
فماذا كان جواب رسول الله والحكمة في جوابه؟ قال: «ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)).
ا) - تفاصيل هذه القصة المشهورة مبسوطة في كتب الأحاديث والتفاسير، وانظر مثلا: صحيح البخاري، كتاب (60) الجهاد، باب (140) الجسوس، ج 3 ص 1095، رقم 2245.
صحيح مسلم، كتاب (44) فضائل الصحابة، باب (36) فضائل أهل بدر و قصة حاطب بن أبي بلتعة، ج 4 / ص 1941، رقم 161
(55) (1/73)
صفحة 74
وهنا
النكتة المهمَّة، وهنا تطأطأ الرؤوس اعملوا ما شئتم
فقد غفرت لكم.
ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، على هؤلاء الذين قاموا بهذه المعركة الأولى في الإسلام، والتي انتصرت فيها راية الله وعلت فيها كلمته، وقتل فيها صناديد
المشركين، وكان ما كان.
مغفرة الله واسعة)
ويكفي في الصحابي أن يقال فيه: إنه بدري.
ولهذا يقول بعض العلماء) في هؤلاء لا تقع ذنوبهم إلا مغفورة، يقع منهم الذنب وهو في حكم الله مغفور، بما قلم صاحبه
وبما أخر من عمل الخير، وهل في هذا عجب؟!
فهذه الكلمة إذن تفسر لنا وعود المغفرة الواردة في قوله تعالى من سورة آل عمران: فالذين هاجروا وأخرجوا من
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 18 ص 50 القطب الطفيش: تيسير التفسير،
ج 6 ص 172.
) - ابن حجر: فتح الباري، ج 8 ص 5/ 5.
(56) (1/74)
صفحة 75
ديارهم وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا لأكفرت عنهم
سيئاتهم (1).
السيئات الماضية، والآتية وهذا وعد الله الفعّال لما يريد. وقوله في سورة النحل: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتوا ثم جاهدوا وصبروا إنَّ ربك من بعدها لغفور رحيم (م).
والشيء الذي يجعل هذه المغفرة ميزة لهم خاصة، هو أنَّ الحكم العام الذي أنزله الله في كتابه في شأن الكفرة الذين أسلموا هو قوله: قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف (3). وهذا حكم عام لأنَّ الإسلام جب لما قبله، وفيهم ورد كذلك: «من قال لا إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق»)، يعني قبل قوله: لا إله إلا الله؛ أي في حال
) - سورة آل عمران: الآية 195.
- سورة النحل: الآية 110.
3) - سورة الانفال: الآية 38
م - عن أبي ذر الله قال: قال رسول الله: «أتاني آت من ربي فأخبرني – أو قال – بشرني أنَّه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق، قال وإن
زنى وإن سرق».
(57) (1/75)
صفحة 76
الشرك، لا كما يفهمه البعض، ولو كان بعد الإسلام، لأنَّ الرسول يقول: في حديثه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). فكلمة: لا إله إلا الله، تغفر ما تقدَّم في الكفر.
صحيح البخاري، كتاب (29) الجنائز، باب (1) في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، ج 1 / ص 47، رقم 1180.
ورواه كذلك مسلم عن أبي ذر قال: أتيت النبي الله وهو نائم عليه ثوب أبيض ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فجلستُ إليه فقال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق ثلاثا. ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذرّ قال فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي
ذر.
صحيح مسلم، کتاب (1) الإيمان، باب (40) من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار، ج 1 / ص 94، رقم 154.
وعند الهيثمي: عن أبي الدرداء، وقال في آخر الحديث: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء». رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، وإسناد أحمد أصح وفيه ابن
لهيعة، وقد احتج به غير واحد.
مجمع الزوائد، مج 1، ص 1 ص 16.
- قال أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وكان أبو هريرة
(58) (1/76)
صفحة 77
هذا حكم عام لكل كافر، وما ذكره الله تعالى من المغفرة
في شأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، هؤلاء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم من بعد ما فتوا ثم قاتلوا وقتلوا،
هو أمر خاص فوق هذا الحكم العام، والأمر ظاهر. فمغفرة ما قد سلف تثبت لهم بالإيمان، فبماذا امتازوا
إذن؟
امتازوا بما ذكره الله من الرضا عنهم، وحقيقة الإيمان، وبلزوم التقوى، وبأهليتهم لها، ثم الرضا عنهم، والمغفرة لهم أخيراً، ثمَّ لم يكتف بهذا حتى أمر الذين يجيئون من بعدهم أن
يستغفروا لهم.
3
يلحق بهنَّ: «ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو
مؤمن».
صحيح مسلم، کتاب (1) الإيمان، باب (2) بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبسين بالمعصية على إرادة نفي كماله، ج 1 / ص 76، رقم 100. ج 1 ص 76،
وفي صحيح البخاري مثله بتقديم شرب الخمر على السرقة، كتاب (57) المظالم، باب (3) النهب بغير إذن صاحبه، ج 2 ص 875، رقم 2342.
وانظر: المعجم المفهرس: ج 2 / ص 456،ترمذي، إيمان باب. (11) النسائي، أشربة باب (4). ابن ماجه فتن باب (3) الدارمي، أشربة باب. (11) أحمد بن حنبل، ج 2 /ص 139.
(59) (1/77)
صفحة 78
وقد يتساءل أحد فيقول: كيف يغفر لهم ما تقدم من
ذنوبهم؟
أولاً: الله تعالى - وهو خالقهم - أنزل فيهم حكمه بالمغفرة، وهو يعلم أنهم سيفتنون، ويعلم أنهم سيتوبون، كما يعلم عذرهم في اجتهادهم، وهذا مما استأثر الله بعلمه.
ثانيا: أولم يرد عن النبيء له قوله: «صوم عرفة يكفر سنة
ماضية وسنة آتية». وتُقبل الحديث بقبول حسن، حتى قال بعض ما كنا نرغب في صوم عرفة، حتى قال النبيء: «يكفر سنة قبله وسنة بعده»؛ ونحن نعلم وندرس أن صوم عرفة يكفر سنة ماضية وسنة آتية، ولا نقول: لماذا يغفر الله ما يأتي من الذنب؟!
سبحان الله، أليس الأمر بيد الله. فإما أن يعصمك فلا تقع في شيء، وإما أن تبتلى بشيء فيوفقك إلى التوبة إذا كانت المعصية كبيرة، وأما إذا كانت صغيرة فإنها تغفر بالحسنات:
م - ينظر تخريجه في موسوعة الحديث الشريف (d. o ... 48000 حديث للعالمية، البحث تحت مادة "صوم عرفة" و"صيام عرفة"، ومنها: سنن الترمذي، صوم 698 النسائي، الصيام 2347. أحمد، باقي مسند الأنصار 21492 ... وغيرها.
(60) (1/78)
صفحة 79
وإن الحسنات يذهبن السيئات (1)، فليس لعبد أن يقول: لماذا؟ أو كيف هذا؟ والمخبر رسول الله عن الله، والأمر كله
وكذلك قول النبيء: «ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (2).
إذن لا تقع ذنوبهم إلا مغفورة، ولا بد أن نشد أيدينا بهذا حتى نزيل الشبه والشكوك، وحتى لا يقول أحد: كيف يكون هذا؟
وما لنا نتساءل أو نحار في الأمر؟ والله تعالى يقول لنبيئه
في أول سورة الفتح: بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخرى). أليس هذا من أظهر الأدلة على أنَّ الله تعالى يضم
المغفرة لمن شاء من عباده فيما يستقبل من أمره؟
- سورة هود: الآية 114.
- سبق تخريجه في قصة حاطب بن أبي بلتعة في هامش رقم 01 ص 16
3 - الآيات 1 - 2 سورة التوبة
(61) (1/79)
صفحة 80
يقول الشيخ أبو نصر في نونيته:
أحب أناساً لم تضرُّهم ذنوبهم وأبغض قوماً عندنا هم ذوو حسن (1)
[ولاية الله وبراءته لا يتبدلان]
محبة الله تعالى لأوليائه، وبغضه لأعدائه لا يتبدلان، فهو تعالى لا يحب وليه وقت الطاعة، ويبغضه في الوقت الذي يبتلى فيه بشيء (2)؛ أما نحن البشر فالولاية عندنا والعداوة تتغيران، فقد توالي إنسانا اليوم وتدعو له بالخير، ولكن بعد ذلك ينقلب على عقبيه، فيرتكب ما يرتكب من الكبائر ولم يتب منها، فتبرأ منه و تعاديه، ثم بعد ذلك يتوب وينيب، ويتنصل مما عليه من تبعات للخالق أو المخلوق، فتتولاه (ى).
) - أبو نصر: متن النونية، تحت عنوان التوفيق والخذلان ص 16. البيت الخامس. ومكان "أناسا"
"عبادا".
ه - إشارة إلى قوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ءامنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز
العظيم سورة يونس: 62 - 64.
- الولاية والبراءة من الأصول الكبرى للمذهب الإباضي، وبهما يستقيم أبناء للمذهب.
(62) (1/80)
صفحة 81
وقد ينتقل الانسان من ولاية إلى براءة، أو من براءة إلى
ولاية مرات في عمره في علمنا القاصر، الذي لا يطلع ولا يتطاول إلى الغيب، لكن ولاية الله تعالى لأوليائه وعداوته لأعدائه لا تتبدل، لأنها مبنية على علمه القطعي بهم، فهو خالقهم، وهو الذي قضى وقدَّر كل ما يصدر منهم من حسنات أو سيئات، وقد كتب السعيد من بطن أمه والشقي من بطن أمه (1)، وما يبدل القول لديه.
من
فالولي ولي مهما تقلبت به الأحوال، لا يموت إلا مسلما
مؤمنا، موفيا صادقا على الصراط المستقيم.
وعدو الله الذي سبقت له الشقاوة شقي في علم الله
مهما تقلبت به الأحوال، لا يموت إلا كافراً.
انظر مثلا: الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1 / ص 45. الباب الثاني من الركن الأول في الولاية
والبراءة وأحكامها.
) - إشارة إلى قوله تعالى: ويوم ياتي لا تكلم نفس إلا ياذنه فمنهم شقي وسعيد سورة هود: الآية
(63)
105 (1/81)
صفحة 82
[العبرة بالخاتمة]
وفي هذا يقول النبيء فيما معناه: «إنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه القلم، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها؛ وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع،
فيسبق عليه القلم، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»). وفي التاريخ وأخبار السيرة أمثلة من هؤلاء، منهم الصحابي (2) الذي أسلم في صدر النهار والمسلمون في حرب،
) - ينظر تخريجه في موسوعة الحديث الشريف (e.d.com. 48000 (حديث) للعالمية، البحث تحت مادة " إن الرجل ليعمل"، ومنها: صحيح البخاري، بدء الخلق 6969، أحاديث الأنبياء 3085؛ والقدر 6105. صحيح مسلم 4781، 4782. الترمذي، القدر.6063. أبو داود، السنة 4085. ابن ماجه، المقدمة 73. أحمد بن حنبل، مسند المكثرين 3738.
ووجدت في كلّ ما رجعت إليه من الروايات عوض ... يسبق عليه القلم ... » « ... يسبق عليه الكتاب ... وانظر مثلا: صحيح البخاري، كتاب (85) القدر، ج 2433/ 6، رقم 6221. 2) - هو عمرو بن ثابت بن وقش: وهو من الأنصار، ويقال له الأصيرم، وهو من بني عبد الأشهل، أسلم يوم أحد، وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، ولم يصلّ الله ركعة، فذكروا ذلك لرسول الله
فقال: «إنه لمن أهل الجنة».
ابن هشام السيرة النبوية، ج 2 /ص 90.
(64) (1/82)
صفحة 83
فخاضها معهم، وقتل قبل الظهر فمات شهيداً، وذهب إلى الجنة مغفورا له، ولم يصل الله تعالى أي ركعة، لأنَّ الله سبحانه يعلم منه صدق إيمانه وصدق، جهاده، وقد بذل نفسه رخيصة في سبيل الله كفَّارة لما مضى منه، وهل هناك أغلى من الروح يبذلها المرء في سبيل الله؟
قد يستقل أحدنا عمل هذا الصحابي، فيقول: كيف
يدخل الجنة على ضحوة من الإيمان؟
الجنة
ولكن أليس الله تعالى يقول: إنَّ الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة). فالله تعالى باع واشتراها هذا بنفسه، فمن بذل نفسه وماله في سبيل الله البيع. فأين أعمالنا نحن بالنسبة لهؤلاء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله، حتى ولو قضى أحدنا أربعين أو خمسين سنة وهو يعبد، فإنها لا توازي غدوة أو روحة في سبيل
فقد
ربح
الله
وأورده كذلك صاحب القواعد تحت اسم عمرو بن أفيش الجيطالي: قواعد الإسلام
ج 1 / ص 50 (هامش).
) - سورة التوبة: الآية 1.
(65)
6 (1/83)
صفحة 84
ذكرت هذا حتى لا يستقل أحد عمل هذا الصحابي، الذي أسلم في الصباح ودخل الجنة في المساء، فيقول: إنه أخذ الجنة مجاناً.
لا، ليست الجنة رخيصة، ولم يأخذها مجاناً، وإنما بذل فيها روحه، وبذل قبل روحه أهله وماله وأولاده الذين تركهم بعده، فلم تمنعه زوجة جميلة، ولا ولد، بار، ولا دار فخمة ولا أي شيء آخر من الدخول في هذه المعمعة طلبا للشهادة، فمات واستشهد، كذلك يفعل الله بالذين سبقت لهم كلمته بأنهم سعداء () من أهل الجنة.
وعكس هذا رجل (2) كان يجاهد في صفوف المسلمين، فأخبر عنه النبيء لله بعض أصحابه بأنه من أهل النار، اهتم
لهذا الأمر أحد الصحابة، فجعله نصب عينيه، يتتبعه ليرى سيكون مآله ومصيره، فأصيب في المعركة بجرح كبير، فخر
- إشارة إلى قوله تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون سورة الأنبياء:
الآية 101
- هو قزمان الظفري: نسبة إلى بني ظفر، بطن من الأنصار، وكان يكنى أبا الغيذاق، وقد ورد فيه حديث طويل عن رسول الله. وانظر نص الحديث وشرحه عند ابن حجر: فتح الباري،
ج 7 / ص 378 - 387 - وابن هشام: السيرة النبوية، ج 2 /ص 88.
(66) (1/84)
صفحة 85
جريحا وأخرج من كنانته سهما قطع به عرقاً في ذراعه، فانتحر
بهذه الطريقة لما اشتد عليه الألم.
جاء الصحابي إلى النبيء له فأخبره بما صنع ذلك الرجل، فقال لهم: «ألم أقل لكم إني رسول الله» ()، فهذا الذي كان في الظاهر يقاتل إلى آخر لحظة مع المسلمين، لكن الله تعالى يعلم ما في قلبه، هل يقاتل حمية أو عصبية أو إعلاء
لكلمة الله؟
وقد سئل النبيء لله عن الرجل يقاتل حمية أو شجاعة ... فأيهم في سبيل الله، فقال كلمته المشهورة المدوية والمدونة في صحاح الحديث: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (*). ولنتيقن ولنعتقد كل الاعتقاد أن ولاية الله وعداوته لا تتبدلان ولا تتحولان.
- لم أجده بهذا اللفظ في كامل اللقصة مع طولها عند ابن حجر وعند ابن هشام، ولعل الرسول قاله بلسان الحال لا بلسان القال.
- صحيح البخاري، كتاب (3) العلم، باب (5) من سأل وهو قائم عالما جالسا، ج 1 ص 58 رقم 123. سنن أبو داود، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ج 3/ص 14،
(67) (1/85)
صفحة 86
فهؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأكد توبته
ومغفرته لهم، بتأكيدات عديدة لا غرابة أن يقال فيهم: لا تقع
ذنوبهم إلا مغفورة.
[استحقاق الصحابة للجزاء الرباني]
ونحن إذا نظرنا إلى فضل هؤلاء وتضحياتهم،
والامتحانات التي امتحنوا بها، والفتن التي ابتلوا بها في عهد
النجيء
، وما تحملوه، فإنهم يستحقون هذا وأكثر من هذا، ولا شيء أعظم من رضا الله.
يقول الشيخ رشيد رضا في معرض تفسيره لآية براءة الـ السابقين
أشرنا إليها وهذه الآية نص في أنَّ الطبقات الثلاثة من الأولين، والذين اتبعوهم في الإيمان والهجرة والجهاد، عندما أبيحت الهجرة، وتيسرت أسبابها بصلح الحديبية، قد فازوا كلّهم برضا الله ووعده بالجنة، وأنه ليس فيهم أحد من المنافقين ... » إلى أن يقول:
2017. سنن النسائي، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، مجحى
ج 6 ص 23
(68) (1/86)
صفحة 87
وجملة القول أن جميع أفراد هذه الطبقات الثلاث قد
جازوا القنطرة - قنطرة الامتحان - وجازوا الصراط، ولم يعد هنالك ما يؤثر في كمال إيمانهم، لأنَّ نورهم يمحو كل ظلمة تطرأ على أحدهم بإلمامه بذنب ... » (1).
النبيء
تفي
والله ما أعجب هذه العبارة، وهي ير لقول
: «ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل
بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
والكلام دائما منصب على هذه الطبقات الثلاث المنصوص عليها، لا الذين ارتدوا في زمن أبي بكر بعد وفاة النبيء، فقالوا: أما الصلاة فنصلي وأما الزكاة فلا نجعل في أموالنا شركاء، فحاربهم أبو بكر في حروب الردة ()، منهم من قتل ومنهم من تاب، وهؤلاء غير معنيين في كلامنا، وليسوا داخلين في الطبقات الثلاث الذين وردت في حقهم آيات كريمات، فارعوا لها انتباهكم إذا كنتم تقرؤون كتاب الله.
) - تفسير المنار، ج 11 ص 17.
- انظر ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج 1 ص 866.
(69) (1/87)
صفحة 88
من الغريب حقا أنَّ هذه الفتن التي سنشير إليها، ونبين
موقفنا منها وقعت في زمن السابقين الأولين من المهاجرين في
عهد الخليفة الثالث عثمان
بن
عفان وقعت الفتنة الكبرى فتنة
الدار ()، أوَّل فتنة في الإسلام، والتي أودت بحياة الإمام عثمان فقتل والمصحف بين يديه، حتى سالت دماؤه عليه، والمصحف
لا يزال إلى اليوم في بعض المتاحف الشرقية.
ثم فتنة الجمل (ه)، ثم فتنة صفين (3)، وأكبر الرؤساء في هذه الفتن هم الإمام عثمان في فتنة الدار، والإمام علي وطلحة والزبير وعائشة و في فتنة الجمل، وهم من العشرة المبشرين
بالجنة.
فمن يبلغ درجة عثمان، أو علي، أو طلحة، أو الزبير، أو
عائشة أم المؤمنين جميعا؟!.
) - تقدم ذكر تفاصيلها ص ..
- تقدم ذكر تفاصيلها كذلك ص .. - تقدم ذكر تفاصيلها كذلك ص ..
(70) (1/88)
صفحة 89
فكلامنا على الفتن التي وقعت بين هؤلاء السابقين
الأولين، وهم شهود حاضرون لا على أهل الردة أو غيرهم. تلك الفتن الكبرى التي بلبلت أفكار المسلمين، وجعلتهم
في حيرة من أمرهم حتى كان بعضهم يسب بعضا إلى يوم الدين، و لم ينج من هذا حتى الخليفة أبو بكر الذي تسبه الرافضة (1) على زعمهم أنه اغتصب الخلافة من علي – ولا تزال هذه الطائفة إلى اليوم، ولم يسلم من هذا السب عمر،
ولا عائشة
-
وللمناسبة أذكر حادثة وقعت هنا في القرارة، أمام سمعي وبصري وأنا تلميذ فقبل الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في سنة 1914 م، زار القرارة شخصية بارزة من العجم، وأظنه أميرا من الأمراء، جاء ضيفا موفداً عن طريق الحكومة الفرنسية، وكان قائد البلد آنذاك هو جدي من أمي المسمى
) - تقدم تعريفهم في هامش ص 35
- ذكرت هذه الحادثة لفضيلة الشيخ علون حفظه الله فقال مرت علي هذه الحادثة من كلام الشيخ بيوض، ولكن لم أتذكرها، ولم أكن حاضرا فيها». لقاء خاص بالشيخ عدون بداره أوائل مارس 1996 م.
(71) (1/89)
صفحة 90
قائد كاسي)، فأمر بالاحتفال بهذا الضيف العجمي. واجتمع العزابة (2) وأعيان البلد في دار القراءة لإمام المسجد الحاج إبراهيم بن كاسي (3)، وكنت أنا خادما للشيخ الحاج عمر بن يحي (ه)، فصحبني معه واستفدت فوائد كثيرة، امتلأت الدار
) - هو كاسي بن بهون بن ناصر أولاد بهون: ولد في غرداية ونشأ فيها وورث الذكاء وحسن التدبير، ولما صار شابا انتقل إلى القرارة واستقر فيها، وتولى رئاستها بعد مقتل أخيه لأيه إبراهيم بن بهون من عام 1293 هـ إلى 1333 هـ / 1915. مدة أربعين عاما. قال فيه الحاج بكير العنق زعيم النهضة: القائد كاسي، إنَّه للهائه واقتداره على الرئاسة وتصريف الأمور، لا يليق أن يكون حاكما لمدينة صغيرة، ولكن لدولة كبيرة»
دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 1 ص 132.
جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية،
- للتوسع في مفهوم العزابة انظر: أبو زكرياء: سير أبي زكرياء، ص 254.
د/ محمد ناصر: حلقة العزابة صح
- هو حميد أوجانة الحاج إبراهيم بن كاسي (ت 1921 م) من تلاميذ القطب اطفيش، هو إمام مسجد القرارة لمدة، كان رجلا صالحا ورعا، وهو جد الإمام الحالي محمد بن الحاج أحمد. الشيخ عدون: كتاب معهد الحياة.
جمعية التراث: ن، م، س، ج 2 ص 40، ترجمة رقم 050.
م - هو الشيخ الحاج عمر بن يحي بن إبراهيم المليكي (1858 - 1921 م): من زعماء الحركة الإصلاحية في القرارة، وهو شيخ الإمام بيوض إبراهيم بن عمر، وكان صاحب معهد قرآني
يعرف بمعهد الحاج عمر بن خي.
(72) (1/90)
صفحة 91
بالحضور، فجاء هذا الضيف وهو ضخم الجنة طويل القامة كبير الهامة، ذو وجه مشرب بحمرة، وهو يلبس قفطاناً كبيراً؛ وأديرت كؤوس الشاي والناس كأنَّ على رؤوسهم الطير، وأحد الحضور يلقي خطاب الترحيب، فجرى على لسانه ذكر عائشة، وبمجرد أن سمع هذا الضيف كلمة عائشة، حتى قال بصوت خشن ضخم كضخامة جثته: «لعنها الله»، وجم الناس والخطيب ولم يزد كلمة، فخرجت في التو جماعة من الدار قاصدة القائد فقالت له: «إمَّا أن يرحل هذا الرجل الآن وإلا فقد يكون ما لا تحمد عقباه». وكان الأمر كذلك، فرحل في
الوقت.
هذا ما وقع بمشهدي ومحضري وسماع أذني وأنا الآن أتخيل هذا المشهد، وهذا الشخص لعنه الله هو. وكيف انطلقت
الكلمة
من صدره بطريقة آلية بمجرد أن سمع كلمة عائشة!.
ولنعد إلى ما نحن فيه
وللتوسع في شخصيته انظر دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2 / ص 162 - 207.
د/ محمد ناصر بوحجام حياة الشيخين.
جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج 5/ص 550 ترجمة رقم 752.
(73) (1/91)
صفحة 92
ترى ما موقفنا نحن فيما شجر بين الصحابة؟ ماذا نعتقد فيهم، وقد قتلوا بعضهم ووقع ما وقع؟ أَوَّلاً: إِنَّ الله تعالى لم يكلفنا أن نحكم بينهم).
ثانياً: لسنا مسؤولين عما شجر بينهم.
فلن يستطيع اليوم أحد أن يقول: «إنَّ الواجب على
المسلمين أن يبحثوا في تلك الفتن، حتّى يعلموا المحق من المبطل
والظالم من المظلوم».
بل ينطبق علينا كلنا قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها
ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون) (م).
قد نقرأ أخبار هذه الفتن ولكن بشرط أن نكف السنتنا عن السب والشتم لأي كان منهم، وإذا نحن قرأنا أخبارهم فما الذي يوجب علينا أن نحكم بينهم، فنتولى من نتولى، ونتبرا ممن نبرا.؟!
ا) - بل الله يحكم بينهم كما أخبرنا بذلك في كتابه بقوله: قل اللهم فاطر السموات والارض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون سورة الزمر: الآية 46.
- سورة البقرة: الآية 14.
(74) (1/92)
صفحة 93
لا موجب لهذا أبداً، وإلا فهل جداتنا وأمهاتنا، وبناتنا،
يعرفن من هذا شيئا؟
وهل الملايين والملايين من عامة المسلمين - منذ ذلك
العهد – يعرفون من هذا شيئاً؟
لا يعرف هذه الأشياء إلا الدارسون لكتب التاريخ، ولا أحد يجرأ أن يقول لنا: «عليكم أن تتبرأوا من فلان، أو أن تتولوا فلاناً»، ومن قال هذا فكلامه باطل مردود عليه، لأنَّ هذا أمر يتعلق بكل شخص بمفرده، ومن اقتحم هذا الميدان، فليتحمل وزره ومغامرته إما في النار أو في الجنة، إذن عدم الخوض والوقوف في هذا أولى وأسلم، وقد رأينا في فتنة الدار - التي أودت بحياة الإمام عثمان بن عفانه - كثيرا من الصحابة لزموا الحياد، ولم يدخلوا في أحد الصفين، لما اشتبه عليهم الأمر، وذلك واجبهم.
فهؤلاء أصحاب رسول الله المبشرون بالجنة، وهذه عائشة أم المؤمنين، وقع بينهم ما وقع، فإلى أي صف نتحاز أإلى هذا أم إلى ذاك؟ قبضوا أيديهم ولزموا بيوتهم، وكفوا
(75) (1/93)
صفحة 94
ألسنتهم حتى لقوا ربهم، منهم: أبو هريرة، ومحمد بن
مسلمة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وغيرهم.
ومن الغريب أن ينكر عليهم بعض هذا الوقوف، وهو
واجبهم أمام هذه الفتن التي وصفها الرسول بأنها
كقطع الليل المظلم».
فإذا كان هذا موقف بعض الصحابة زمان هذه الفتن،
يوم وقوعها، أنأتي نحن من بعدهم بعد مئات السنين، فنخب (2) ونضع هذه المسألة؟
فالواجب إذن هو عدم الخوض، ومن قرأ شيئا أو اطلع على شيء في هذه المسألة، فليكل الأمر إلى الله، وليرض عن هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم، وليقل وربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا ().
ا) - حديث سبق تخريجه هامش ص: 45.
ه - حب النبات إذا طال وارتفع، فنحب أي فنرفع.
3 - سورة الحشر: الآية 10.
(76) (1/94)
صفحة 95
وقد سئل بعض السلف من العلماء () عن فتنة الصحابة، فأجابوا بقولهم: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما
كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
والله تعالى لم يكلف أحدا من عباده أبدا في الحكم عن
هذه الفتنة، بل رضى عمَّن رضي الله عنهم. وإلا فلو كان هذا واقعا لكان أكثر المسلمين ضالين، من النساء خاصة وأغلب الرجال، وربما في كل مائة ألف تجد واحدا يقتحم هذا الميدان، فيحكم ويخطّئ ويصوب، فمن أجابنا بقوله: تلك أمة قد خلت .... لا يمكن لنا أن نرد عليه، لأنه لا يوجد في قرآن أو سنة الأمر بالحكم على أولئك الصحابة؛ بل نجد الكف عنهم وارداً في قوله: «ذروا لي أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي» (ه) وقوله عليه السلام: ا الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي» (ه). فهذا
) - ذكر القرطبي هذه المعلومة في تفسير سورة الحجرات، وانظر: الجامع لأحكام القرآن
ج 16 ص 322
- تقدّم تخريجه في هامش ص 48
3) - تقدّم تخريجه كذلك في هامش ص 48.
(77) (1/95)
صفحة 96
همي من من اقترب منه خاف على نفسه، وقال آخر: «إنَّ سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف، ثمَّ إنهم لم يخرجوا بذلك عن الولاية
والنبوءة، وكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة» (1).
وهذا مثال جميل.
إنَّ الله تعالى قص علينا في القرآن قصة يوسف مع إخوته ()، ومكرهم به، وكيف ألقوه في الجب، بعد أن عزموا على قتله، وكيف ييع بيع العبيد بثمن بخس، وكيف كذبوا على أبيهم، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، ولما سألهم أبوهم عن يوسف قالوا له: أكله الذيب ()، مسكين هذا الذئب الذي ظلموه فصار مثلا جاريا، يقال: «فلان بريء من كذا
براءة الذئب من دم ابن يعقوب».
) - هو ابن فورك. وانظر جامع القرطبي: ج 16 / ص 322
- انظر تفسير سورة يوسف في
القطب اطفيش: تيسير التفسير، ج 6. (ط. عمان)
سيد قطب في ظلال القرآن، ج 13.
- سورة يوسف: الآية 17.
(78) (1/96)
صفحة 97
ودام الأمر زماناً ويوسف في مصر، وحدث ما حدث من
دخوله السجن، ثم خروجه منه، وتوليه منصب وزارة المالية، وكانت في يده خزائن، مصر، وكان ما كان بينه وبين إخوته، ثم الحيلة التي استعملها لأخذ أخيه، حتى قال إخوته: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. كل هذه المدة ويعقوب معذب الضمير لفقد ابنيه، حتى ذهبت عيناه من الهم، وحتى قال له أولاده: تا الله تفتاً تذكرُ يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين (2) ويعقوب ابيضت عيناه بأعمال قام بها أبناؤه، وإنَّ المرء ليعجب حقا من هذه الأعمال، فيقول: «أين حق الوالد، مكروا بأخيهم، وعصوا أباهم، وحملوه ما لا يطيق من الهم والحزن، حتى ذهبت عيناه». وإنها حقا لفتنة كبرى، ولكن لم تفقدهم رضا ال الله
وولايته ونبوتهم كما ذهب إلى هذا كثيرون.
إذن صدق هذا الذي شبه ما وقع بين الصحابة بما وقع بين
إخوة يوسف.
) - سورة يوسف: الآية 77.
ه - سورة يوسف: الآية 85.
(79) (1/97)
صفحة 98
والذي يحملنا على الوقوف () أيضًا مقولة الحسن البصري (2)
سيد التابعين، أدرك خمسمائة صحابي، وهو صديق حميم للإمام جابر بن زيد التابعي الشهير ()، والحسن البصري ومقامه في الإسلام، معروف، فتنبهوا إلى مقولته وقد سئل: «ماذا تقول في قتال الصحابة؟» قال: قتال شهده أصحاب محمد وعبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا» (ه).
- الوقوف: يعني أننا نقف عن إبداء أي رأي أو إصدار أي حكم في الصحابة سواء بالتصويب أو التخطيء أو الولاية أو البراءة، لأننا لم نشهد ولم نعلم علم اليقين بما وقع بينهم، وهذا أحوط للمؤمن الذي يتقي الشبهات.
- هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد (6) (728) تابعي، مشهور كان إمام أهل البصرة، ومن كبار العلماء الفقهاء الفصحاء، ولد بالمدينة استكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية، وكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، ولا يخاف في الحق لومة لائم، توفي بالبصرة، وله أقوال مأثورة وكلمات سائرة.
انظر: ابن سعد: طبقات، ج 7 / ص 156 - 178.
الرزكلي: الأعلام، ج 2 ص 242 ..
) - وانظر في تعريفه: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج 3 / ص 215، رقم 274. وبه قائمة
مطولة من مصادر تعريفه.
- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 16 / ص 322
(80) (1/98)
صفحة 99
كلمات ذهبية حقيقة تكتب بماء الذهب، قال: هذا قتال
شهده الصحابة ولم نحضره علموا أسباب هذا التقاتل، وكيف نشأ، ولماذا نشأ، وعلى ما اعتمدوا عليه وجهلنا. اجتمعوا على أحكام من الشريعة، وروايات رووها وأجمعوا عليها فاتبعناهم، واختلفوا فتقاتلوا فوقفنا.
فلنكف السنتنا وأيدينا.
قال الحارث المحاسبي (1) بعد نقله لكلام الحسن البصري: ونحن نقول كما قال الحسن ونعلم أنَّ القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، نتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف فيما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا، وأرادوا الله عزّ وجل، إذ كانوا غير متهمين في الدين، ونسأل الله التوفيق» (2). قال المحاسبي: نعلم أنَّ القوم أعلم بما دخلوا فيه، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول: «أنا أعلم بحقيقة الأمر منهم؛ فما
) - هو الحارث بن أسد المحاسبي (ت: 23 هـ): ويكنى أبا عبد الله، من أكابر الصوفية، عالم بالأصول والمعاملات ولد بالبصرة، ونشأ بها، وله تصانيف منها: آداب النفوس، الرعاية لحقوق
الله. توفي ببغداد. الزركلي: الأعلام، ج 2 /ص 153.
- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 16 / ص 322
~
7
(81) (1/99)
صفحة 100
جاؤوا به من سنة ودين نقلوه عن النبيء، نقبله لأنهم
بينهم
عدول وما اختلفوا فيه - والمراد القتال الذي كان نتوقف فيه، ولا نبتدع رأيا منا، ولا نقول شيئا فيما لم نحضره؛
وقديما قيل: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب»، بل الشاهد أحياناً قد تلتبس عليه الأمور. •
ونعلم أنهم كانوا غيورين على الدين، وأنهم قاموا بما قاموا عن اجتهاد، والله تعالى أعلم باجتهادهم ومآلهم، غفر لهم ذنوبهم، وأمرنا بالاستغفار لهم، ونسأل الله التوفيق.
ثم كلمة أخرى لسيدنا الخليفة عمر بن عبد العزيز للعبه وقد دخل عليه جماعة من أصحابه وسألوه في هذه الفتن فقال: تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلا تخضب بها السنتنا» (1).
هذه كلمته، وهي لعمري كلمة حق وعدل. دم لم تتلوث ولم تتلطخ به أيدينا، طهرها الله منه، فلم تخضب به ألسنتنا؟! تعبير حاو جميل، ويقال خضب يده بالحناء أو يد مخصبة
بالدم إذا تلطخت.
) - جامع القرطبي: ج 16 / ص 322
(82) (1/100)
صفحة 101
فهذه كلمة جامعة مانعة جرت على لسان عمر بن عبد
العزيز، الذي أجمعت الأمة على عدله بعد الخلفاء الراشدين الأربعة، وهو ابن بنت عمر بن الخطاب، عدل كما عدل جده، وهو أفضل ولاة بني أمية على الإطلاق)، فلنحفظ كلمته، ولنمتثل بها.
وقال العوام بن حوشب (): «أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله، حتى تتألف القلوب عليهم؛ ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس
عليهم» (3).
اذكروا فضائل أصحاب الرسول - ونحن مأمورون بذكر محاسن الموتى – وأول من ينطبق عليهم هذا الصحابة رضوان الله عليهم.
!
) - انظر في تعريف الخليفة عمر بن عبد العزيز الزركلي: الأعلام، ج 5/ص 209. - هو العوام بن حوشب بن رؤيم (ت: 148 هـ): يكنى أبا عيسى، كان ثقة، وصاحب أمر
بالمعروف ونهي عن المنكر. ابن سعد: طبقات، ج 7 / ص 311
3) - جامع القرطبي: ج 18 / ص 33
(83) (1/101)
صفحة 102
اذكروا محاسنهم لأبنائكم، ولطلبتكم، وأشيعوا فضائلهم بينكم حتى تتألف القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم، لأنكم حينئذ تجسرون الناس عليهم.
ويقول الشيخ اطفيش رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: للفقراء المهاجرين ... والذين جاؤوا من بعدهم ... الآية. بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل الصحابة، قال: وحب الصحابة كالمطبوع في القلب») وذلك لأن الشيخ رحمه الله عالم ومفسّر ومحدث، وقد ترك تراثا غريبا) في الوقت الذي لا توجد فيه الكتب إلا بقلة وبأثمان باهضة، انغرس حب الصحابة في قلبه حتى عبر بهذه العبارة، وكأنّ حب الصحابة شيء جبلت عليه القلوب.
ثمَّ قال: «والله أعلم بما يصيبني إذا تذكرت قوله للملائكة أصيحابي أصيحابي، وقولهم: ما تدري ما أحدثوا
لقد تقدم التعليق عليه في هامش ص 14
) - القطب اطفيش: تيسير التفسير، ج 6 ص 158.
- انظر في حصر تراثه مصطفى وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ملحق قائمة مؤلفات
الشيخ، ص 406390.
(84) (1/102)
صفحة 103
بعدك؟، وقوله: فسحقا سحقا). ثم قال: والله ما ندري من المراد بالحديث». يبدو لي شيء من التأويل في هذا: نحن نعلم أنه قد حج مع النبيء له في حجة الوداع (ه) مائة ألف،
) - أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبيء اخرج إلى القبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مومنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواني» قالوا: يا رسول الله السنا بإخوانك؟ قال: «بل أنتم أصحابي، وإنما إخواني الذين يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض» قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك؟ قال: «أرأيتم لو كان لرجل خيل غرّ محجلة في خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «فإنهم يأتون يوم القيامة غر محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، وليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بذلوا بعدك، فأقول: فسحقا فسحقا» الجامع الصحيح، باب (6) في الأمة أمة محمد، ج 1 / ص 13، رقم 43. صحيح البخاري، كتاب (84) الرقاق، باب (53) في الحوض، ج 5 ص 2006، رقم 6212. بلفظ: « ... فأقول: إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا
لمن غير بعدي».
صحيح مسلم، كتاب (2) الطهارة، باب (12) استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، ج 1 / ص 218، رقم 39 موطأ الإمام مالك، كتاب (2) الطهارة، باب (6) جامع الوضوء، ص 23، رقم 59
مسند أحمد بن حنبل، ج 2 /ص 300 ابن ماجه کتاب (37) تازهد، باب (36) ذكر الحوض، ج 2 / ص 1439، رقم 4306.
- وكانت الخمس ليال بقين من ذي القعدة، سنة 10 للهجرة ..
(85) (1/103)
صفحة 104
ولم يمض على حجه هذا إلا بضعة أشهر، حتى لحق بربه،
فارتد من هؤلاء من ارتد.
وقد حضروا مكة ووقفوا بعرفات، وشاهدوا النبيء واستمعوا إليه، وربما فيهم من صافحه وكلمه، فإذا جاؤوا يوم القيامة يزدحمون على الحوض تردُّهم الملائكة، فينادي النبيء غيرة على أصحابه كلّهم: «أصيحابي أصيحابي». فتجيبه الملائكة: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». ولا حملهم نحن على الردّة، إذا أمكن للإنسان أن يقول شيئا، أو على النفاق، وإلا فالواجب الوقوف في كل شيء.
يقول الشيخ محمد يوسف المصعبي، في رسالته " عقيدة الإباضية " في موضوع الصحابة: «ومِمَّا جاء به اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... (1) الآية، وكذا ما عليه أصحابه الراشدون المهتدون، وأخصهم به العشرة الكرام البررة الذين بايعوه تحت الشجرة، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان،
- سورة الحشر: الآية 7
(86) (1/104)
صفحة 105
وعلي، وطلحة والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح له أجمعين، وجعلنا لآثارهم تابعين، وبسنتهم مستمسكين غير مبدلين ولا مغيرين، إلى أن نلحق بدار كرامتهم آمين
ونعتقد أنَّ الكل عدول، ويُهتدى بهم، ونمسك عما شجر بينهم، كما يحكى عن السيد عمر بن عبد العزيز أنه قال: «تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلا نلوث بها ألسنتنا؛ فالله ربنا
ومحمد نبينا، والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، والصحابة قدوتنا.
وقد وردت آيات وأحاديث في مدحهم خصوصا وعموما، وليست رسالتنا هذه موضوعة لبسط الكلام، فهذه لمع يسيرة من أصول الدين وفروعه، التي ألفينا عليها سلفنا الصالح، سالمين من إفراط الأزارقة (1).
) - الأزارقة: هم أصحاب نافع بن الأزرق (ت: 60 هـ)، من أشهرِ فِرق الخوارج وأشدّها تطرفاً وعنفاً، وأول من سن تشريك أهل القبلة، وانتحال للهجرة، وتكفير القعدة عن القتال، وإسقاط الرحم عن الزاني والحد عن القاذف؛ وقالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر كفر ملةٍ، ولم يجوزوا التقية، لا في القول ولا في العمل.
(87)
الشهرستاني: ن. م، س، ج 118/ 1 - 122. (1/105)
صفحة 106
والخوارج) القائلين بتشريك أهل الكبائر، وتحليل
أموالهم ... » (2).
ونحن إذا قلنا كما قال الشيخ، وطلبنا وأمرنا بالرضا عمن ضي الله عنهم من الصحابة، فالمراد أولاً بالذات السابقون الأولون من المهاجرين والانصار الذين سمعتم ما سمعتم من فضائلهم، ومنهم العشرة المذكورون في الرسالة، الذين أجمعت الأمة على أنَّ النبيء توفي وهو عنهم راض.
هؤلاء الذين نرضى عنهم، ونقف فيما شجر بينهم في فتنة الدار والجمل وصفين، إلى حادث النهروان ()، ولا ندخل في الخلاف الذي وقع بينهم، والذي اشتدَّ وتنوع بصورة غريبة،
) - الخوارج طوائف من الناس من زمن التابعين، رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار، ومن شايعهم. وسموا خوارج، لأنهم خرجوا عن الحق. وعن الأئمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك، فاستحلوا ما حرم الله من الدماء والأموال بالمعصية ... ). علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 468
- هي رسالة أرسلها الشيخ محمد يوسف المصعبي إلى أحمد باشا، والي طرابلس، وهي مطبوعة قديما بمصر عام 1290 هـ انظر الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1 / ص 72.
3) - بفتح النون كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، حدّها الأعلى متصل ببغداد،
وفيها عدة بلاد متوسطة، منها سكان حرحرايا.
الحموي: معجم البلدان، ج 8 ص 347
(88) (1/106)
صفحة 107
وأجج لهيبها روايات موضوعة، لما افترقت الأمة، وكان كل
فريق يلعن الآخر.
ونحن في عام 1395 هـ، وقد مرَّ على هذه الفتن 1350 سنة، " ولا يزال الناس يكتبون ويبحثون، خاصة في العهود الأخيرة، ولا يمر العام إلا بكتاب جديد عن هذه الحوادث والفتن
والروايات.
وأنا أعتقد أنه لا يوجد اليوم من يجمع الكتب التاريخية قديمها وحديثها، ومما كتب طيلة 1350 سنة، فيقرأها ويخرج بحقيقة وها نحن بعد هذه المدة الطويلة نرى باحثين يكتبون. أشياء تنقض ما كان يُظنّ حقيقة، فيثبتون وبحجج غريبة أن عبد الله بن سبأ) الذي نُسب إليه الكثير في هذه الفتن بأنه شخصية أسطورية غير موجودة تماما، ويذكر البعض مائة وخمسين شخصا عُدُّوا في زمرة الصحابة وهم ليسوا بصحابة، وهذه البحوث تكتب وتُنشر، ويتخذها البعض موضوعات
1) - هو عبد الله بن سبأ (ت: 40 هـ): هو رأس الطائفة السبئية التي تقول بألوهية علي كرم الله وجهه، أصله من اليمن، قيل إنه يهودي أظهر الإسلام، وقيل إن عليا أحرقه بالنار.
الزركلي: الأعلام، ج 4/ص 220.
(89) (1/107)
صفحة 108
للرسائل التي يقدمونها لنيل الدرجات العلمية: الليسانس،
والماجستير، والدكتوراه.
والداخل في هذا المضمار كمن يدخل في بحر لا ساحل له، لا يعرف أبدا كيف ينجو يرد ولكن لا يستطيع أن يصدر: وأحزم الناس من لو مات من ظماً لا يقرب الورد حتى يعرف الصدر (()
) – البيت قاله صفي الدين الجلي، يحرّض السلطان الملك (ت: 740 هـ) على الاحتراز من المغول
ومنافرتهم.
أحمد الهاشمي: جواهر الأدب، ج 2 /ص 337. باب التهاني والتهادي والإغراء. ومطلع القصيدة:
لا يمتط المجد من لم يركب الخطرا ولا ينال العلا من قدم الحذراً
(90) (1/108)
صفحة 109
فلا تنزل في بئر أو بحر إلا إذا عملت كيف تخرج
وإنما ذكرتُ هذا حتى لا نعتمد إلا على كتاب الله في الحكم
على الطائفة الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ومنهم هؤلاء العشرة، وأولهم أبو بكر مات حتف أنفه، وعمر قتل شهيدا على يد الغلام المجوسي، وعثمان قتل على يد الثوار، وعلي قتل على يد عبد الرحمن بن ملجم، وطلحة والزبير قتلا في وادي السباع (1) إثر وقعة الجمل.
وللمناسبة أرد على فرية: يقولون فيها إنَّ الإباضية قتلوا
الإمام عليا.
كلا إنما الذي قتله رجل يُدعى عبد الرحمن بن ملجم، كما اشتهر في الروايات واتفقت عليه، وأصل الرواية أنه لما اشتدت الفتن والحروب بين أتباع علي الأحق بالخلافة، والتي أجمع عليها أهل الحجاز مكة والمدينة، وإجماعهم معتبر، وبين
- وادي السباع مكان يقع بين البصرة ومكة وبينه وبين البصرة خمسة أميال، ووداي السباع
ناحية من نواحي الكوفة.
الحموي: معجم البلدان، ج 8 /ص 373
(91) (1/109)
صفحة 110
من
معاوية الرافض للدخول في بيعة الإمام علي، اجتمع ثلاثة (1) الشباب ممن يمكن أن يطلق عليهم اسم الفدائيين، فقالوا: لنقتل الثلاثة عليا ومعاوية وعمرو بن العاص، وبعد ذلك يختار المسلمون خليفة جديداً»، ولم يكن هناك اتفاق لأحد منهم مع جماعة، ولا علم لأحد بهؤلاء، ولم يُعرفوا قبل إلا بهذه الحادثة، فقد خطرت لهم هذه الفكرة ونفذوها في ليلة محددة عند صلاة الفجر من يوم 17 رمضان، فأراد الله تعالى ما أراد، فقتل علي، ولم يُصب معاوية بالضربة القاتلة، إذ كانت الضربة في فخذه، ولم يخرج عمرو للصلاة يومها، وكان المقتول خارجة، الذي قام مقامه في الصلاة، وفي هذا يقول القائل تأسفا على قتل الإمام
علي:
) - وهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي الذي عزم على قتل علي بن أبي طالب، والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي الذي عزم على قتل معاوية، وعمر بن بكر التميمي السعدي الذي عزم على
قتل عمرو بن العاص.
ينظر: ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة، ج 2 /ص 338
لمبرد: الكامل، ص 27.
ابن خلدون تاريخ ابن خلدون، ج 1 / ص 1131
(92) (1/110)
صفحة 111
فيا ليتها إذ فدَت عمرا بخارجة فدت عليا بمن شاءت من البشر (1) فمن أين يقال إذن: إنَّ عليا قتله بنو فلان أو بنو فلان، وإنما كل شيء متعلق بجريرته، ونحن غير مكلفين بالحكم في هذه القضية، فالقاتل قتل هو أيضا، وانتهى كل شيء، فقولهم: «قتله بو فلان أو بنو فلان، ما هو إلا أراجيف من أكاذيب الرواة».
وروي أنَّ سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما سمع رجلاً يتناول أحد المهاجرين فدعاه، وقرأ عليه قوله تعالى: للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، وأولئك هم الصادقون (2)، فقال له: «هذه الآية في المهاجرين أمنهم أنت؟» قال: «لا».
ثم قرأ عليه قوله تعالى: والذين تبوأوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مِمَّا أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم
) - لم أهتد إلى قائل هذا البيت فيما رجعت إليه من المصادر مثل شعر الخوارج لإحسان عباس،
وقول على قول.
2 - سورة الحشر: الآية 8.
(93) (1/111)
صفحة 112
خصاصة (1)، فقال له: «هذه الآية في الأنصار، أمنهم أنت؟ قال:
«لا».
ثم قرأ عليه قوله تعالى: والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم (ه) فقال له: «أمنهم أنت؟»، قال: «أرجو»، قال عبد الله بن
عمر: «لا والله ليس من هؤلاء من سب هؤلاء» (ع).
هذه هي عمر، ليس من التابعين الذين جاؤوا من بعد من سب المهاجرين والأنصار، وهو صريح القرآن، لأنَّ أصحاب الطبقة الثالثة موصون
الكلمة الذهبية الحلوة التي نطق بها سيدنا عبد الله بن
بقولهم: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان. ونحن اليوم أيضا نسائل أنفسنا:
أنحن من المهاجرين؟ كلا.
أنحن من الأنصار؟ كلاً.
ا) - سورة الحشر: الآية 9.
2 - سورة الحشر: الآية 10
م - الألوسي: روح المعاني، ج 28/ص 48
القطب اطفيش: تيسير التفسير، ج 6 ص 157
(94) (1/112)
صفحة 113
أنحن من الذين جاؤوا من بعدهم؟ نرجو ذلك. ولكن لن نكون منهم إذا سبيناهم أو شتمناهم، وقانا الله
من أن نقول كلمة شوء في الصحابة، ونسأله أن يعمر قلوبنا بمحبتهم، وقد عوّدنا أسلافنا - رحمهم الله - السلام كلما كتب أحدنا كتابا أو قال خطابا، أن يبدأه بـ: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى وصحبه وسلّم تسليما». نحن نصلي عليهم ونسلم في كل
عليهم،
آله
وقت، تبعا للنبيء.
وللمناسبة أذكر فائدة نص عليها العلماء، قالوا: أما الصلاة على الصحابة، فلا تكون إلا تبعاً للنبيء، إذ لا يجوز أن نقول: صلى الله على أبي بكر، أو على عمر، أو على فلان أو فلان، وإنما تقول صلى الله على سيدنا محمد وعلى صحبه، وهذا هو مذهب الجمهور، وهو قولنا.
أما التسليم فيجوز استقلالا) فنقول: السلام عليكم سلام على عباد الله الصالحين، سلام على فلان أو فلان.
) - كما في التشهد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».
(95) (1/113)
صفحة 114
وبعد هذا لنخرج من هذا المقام الصعب الخوض فيه
بنتيجة وهي:
الرضا عمَّن رضي الله عنهم، وعمن رضي عنهم رسوله
وبشرهم بالجنة.
2 الوقوف فيما شجر بينهم.
3. عدم الخوض فيه.
عدم الحكم عليهم بشيء أبدا، إذ لسنا مكلفين بهذا
ولا ملزمين.
هم.
ى. لن يسألنا الله تعالى عنهم، بل يسألنا إذا لم نستغفر
ه نلتزم طريقهم حتى نلحق بهم.
نلتزم قوله تعالى: والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. حتى ندخل في جملة هذه الطوائف المتتابعة والقوافل المتلاحقة وراء
هذا الرعيل الأوَّل، حتى ندخل الجنة معهم ـ إن شاء الله -
(96) (1/114)
صفحة 115
وأختم بكلمة قالها أحد الأشياخ في السير، في اجتماع له ببعض فقال أحدهم: سب الأولون على خيل عتاق)، وبقينا على حمر دبرة (2)» فأجاب الشيخ بقوله: «أخاف أن لا نكون على الطريق، أما إذا كنا على الطريق فإنا سنلحق» (3). نحن كذلك نخاف أن لا نكون على الطريق، وأما إذا كنا على الطريق ووراء النبيء، وراء هذه الجماعات التي أمامنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، فسنصل على حمرنا الدبرة، ولن نبلغ درجتهم ولكن نصل وراءهم إلى الجنة إن شاء الله.
) - العتق خلاف الرق وهو الحرية، وعتقت الفرس عنقا سبقت الخيل، وفرس عاتق سابق.
ابن منظور: لسان العرب، ج 39 ص 235.
- ديرة: الدبر نقيض القبول، ودبره يدبره دبورا تبعه من ورائه، ودابر الشيء آخره. ابن منظور: ن، م، س، ج 16 ص 268.
3) - بعد بحث في طبقات الدرجيني لم أهتد إلى هذا القول، ولا إلى قائله، وسألت عنه بعض الأساتذة منهم: الشيخ ناصر المرموري، والأستاذ مصطفى شريفي ... اتفق الجميع على أنهم سمعوا هذا القول ونسوا قاتله، وهذا مما يدعو إلى ضرورة إعداد فهارس دقيقة لكتب السير حتى لا تضيع مثل هذه المعلومات الهامة.
(97) (1/115)
صفحة 116
والله تعالى نسأل أن يبارك، ويقبل القليل من أعمالنا
وهو كما وصف: يقبل اليسير، ويعفو عن الكثير.
أظن أني قد بلغت بعض ما أريد أن أبلغه في نفوسكم
في قضية الصحابة، فتمسكوا به، واسألوا الله المغفرة لأنفسكم
ولهم.
والحمد لله رب العالمين.
(98) (1/116)
صفحة 117
الفهارس
روف) (1/117)
صفحة 118
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث النبوية والآثار فهرس الأعلام
فهرس المصطلحات
فهرس الأحداث والأماك
فهرس القبائل والفرق
فهرس المصادر والمراجع
المحتويات
ملاحظة: في فهرس الآيات والأحاديث، لم نعتبر إلا ما ورد في المكان دون الهامش.
في الفهارس الأخرى، اعتبرنا المتن والهامش معا.
لم نعتبر ماورد كمصدر في فهرسة الأعلام، مثلا: البخاري: صحيح ... فالبخاري هنا لم نفهرسه ضمن الأعلام.
(100) (1/118)
صفحة 119
فهرس الآيات القرانية
أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون كم.
2 اكله الذيب.
3
م الزمهم كلمة التقوى)
ه وأولئك هم المومنون حقاكم.
ى أولئك هم المومنون كم
78
31 ..
24 14 ..
6. وإذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فأنزل الله سكينته على رسوله، وعلى المومنين وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها
9
وكان الله بكل شيء
عليما
وإن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ...
طوان الحسنات يذهبن السيئاتكم
15
29 ..
79
61 ...
و هو إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون .. 16 10 هو إن الذين ءامَنوا وهاجروا وجاهَدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين اووا ونصروا أولئكَ بعضهم أولياء بعض.
هو إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة ...
12 وإنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
13 والذين سبقونا بالإيمان.
14. وإن ربك لشديد العقاب وإنه لغفور رحيم.
13
65.
32.
45 .......
15 و بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله من ذنبك وما
تأخر كم.
16 هوتا الله تفتاً تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من المالكين لكلية.
17. وتلك أمة قد خلت ......
2.
61 .......
79 ..
77.
(101) (1/119)
صفحة 120
18 لتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا
يعملون)
...
77.74 .....
19. وثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إنَّ ربك من
بعدها لغفور رحيم.
20 هوثم إِنَّ رَبِّك للذين.
27. هو ثم تاب عليهم ليتوبوا.
22. وربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان.
57 32 ..
32.
17.
94.
23 وربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين
اموال.
24. ورضي الله عنهم ورضوا عنه ...
76 .....
24 ...
25 وضرب الله مثلاً كلمة طبية كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، توتي أكلها كل
حين بإذن ربها ... 26. فأولئك منكم كم.
27. فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا
لأكفرن عنهم سيئاتهم.
28 فلما قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا. 29. وقل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفّر لهم ما قد سلف ...
30
18 ..
57 36
8 ....
57.
30. ولا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكُلاً وعد الله الحسنى.
22,20
37 ولقد تاب الله على النبيء والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة
العُسرة، من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم، إنه
بهم رؤوف رحيم ...
25
(102) (1/120)
صفحة 121
32 ولقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريباً، ومغانم كثيرة ياخذونها، وكان الله عزيزاً
حكيماً .........
33 الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من! ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، وأولئك هم الصادقون
32 للفقراء المهاجرين ... والذين جاؤوا من بعدهم ... 35 واللفقراء للمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم الله 36 للفقراء المهاجرين ... والذين جاؤوا من بعدهم ... خرج الطولهم مغفرة ورزق كريم.
38 لهولهم مغفرة كرم
وحى الهيومن بعدها لغفور رحيم)
20. والزمهم كلمة التقوى.
و هو وأهلها كم
ہے. واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن الله خُمسه وللرسول.
28 27 ..
93 ......
1
84 ...
38 ..
84 50 .......
24 ..
17 ..
34 ...
31 ......
31 ........
25.
23 والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين ءاووا ونصروا أولئك هم
المومنون حقاكم.
38 ...
والذين تبوأوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ....... 93
صدورهم
والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
بالإيمان كم.
96 و و الذين جاؤوا من بعدهم
45.
24 ....
ہو والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان
ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم
96 94 ......
(103). (1/121)
صفحة 122
48 و الذين امنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ......... 2018 وهوالذينَ ءامَنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين ءاووا ونصروا، أولئك هم المومنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم، والذينَ ءامَنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا
معكم فأولئك منكم.
19 .....
50 والذين امنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذينَ ءاوَوا ونصروا أولئك هم, المومنون حقاً، لهم مغفرة ورزق كريم.
57 ووالذين اتبعوهم بإحسان له
2 والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ......
.
53. والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار
14 ....
24.
23 ....
38 18 ....
والسابقون الاولونَ من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز
العظيم ما
ي الله وعلى الثلاثة الذين خلفوا .... .356. و كانوا أحق بها وأهلها
ووما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ...
58. ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون. يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.
20 ...
25.
31 ..
86 ....
....
24.
(104) (1/122)
صفحة 123
2
فهرس الأحاديث النبوية والآثار
«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»
ه «أصيحابي أصيحابي»
3 «ألم أقل لكم إنِّي رسول الله»
8684.
67 ..
«أمر الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمد الله وهو يعلم أنهم سيفتنون .......
«أن فتنا كقطع الليل المظلم ستكون بين هذه الأمة»
«أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبوهم»
7
«إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
....
..
45 .......
50 .......
86.
«إنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه القلم، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها؛ وإنَّ الرحل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه القلم، فيعمل بعمل أهل الجنة
فيدخلها»
...
...
64 ..
43 ..
و الفتنة نار لعن الله من أوقدها والفنتة نائمة لعن الله من أيقظها» 10 «الله الله في أصحابي لا تتحذوهم غرضاً بعدي، ومن أحبهم فحبي أحبهم ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله سبحانه، ومن آذى الله يوشك أن يأخده»
«الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي. ...........
22 «اللهم إنَّ ذنوبنا قد عظمت وجلت وعفوك أعظم منها وأجل»
13
48.
77.
22.
«دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ
أحدهم ولا نصيفه»
47 ..
105 (1/123)
صفحة 124
14. «ذروا لي أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي»
15 «صوم عرفة يكفر سنة ماضية وسنة آتية»
16 فسحقا سحقا»
17. «فمن أحبهم فبحبي أحبهم».
18 «كقطع الليل المظلم»
وان «لا تتخذوهم غرضاً بعدي»
20
77 ..
60 ......
.
85.
49.
76.
49.
لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو
58 ........
85 84 ..
54 .......
مؤمن»
....
ما تدري ما أحدثوا بعدك».
21
22 «ما حملك على هذا يا حاطب؟»
23. «ما دعوتُ أحداً إلا كانت له كبوة، لكنَّ أبا بكر أسلم لأوَّل
وهلة»
7 .........
24 «ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت
لكم»
25 من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل
هي
الله»
26. «من قال لا إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق».
27
«هذه عن عثمان».
...
.
69,61,55.
67 .....
57.
29 ...
50.
50 ...
60.
106
28
ومن آذاهم فقد آذاني ... ».
29. ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم»
30 «يكفر سنة قبله وسنة بعده» (1/124)
صفحة 125
32 9 ........
72.
92.
فهرس الأعلام
التميمي
10
95. 91. 86. 71. 69. 50.41.40.37.35.8.7.6
9
58 ...
58 57.
48.
28.
85
87.36.8 ..
83 34.
66.
41.
36 ..
53.
21
.
107
1. آل ياسر
2. ابراهيم بن بهون
3. البرك بن عبد
4. أبو أمامة
عبد الله
5. أبو بكر
6. أبو جهل
7. أبو الدرداء
8. أبو ذر الغفاري
و. أبو سعيد الخدري
10. أبو شيبة
11. أبو عبيدة (إباضي)
12. أبو عبيدة الجراح
13. أبو عيسى
14. أبو الغيداق 15. أبو لؤلؤة المجوسي
16. أبو محمد
17. أبو مرثد الغنوي
18. أبو موسى الأشعري (1/125)
صفحة 126
62.
85 76 58 45 ......
88 .......
58 4 ......
10
48.
45
40 ..
67 45 40
28.
78 ..
58.
67
78.
64.
84 72 50 47 28.
34.
12
58.
34 ......
33 32 9 .......
108
19. أبو نصر 20. أبو هريرة
2. أحمد باشا
22. أحمد بن حنبل
23. أسعد بن زرارة 24. الأعمش
25. إسماعيل بن جعفر 26. ابن الأثير
27. ابن حجر
28. ابن سعد
29. ابن فورك
30. ابن لهيعة
31. ابن هشام
32. ابن يعقوب
33. أصير
34. اطفيش
35. أنس بن مالك
36. البراء بن معرور 37. البزار
38. بكر بن عبد الله
39. بلال (1/126)
صفحة 127
85 80 ..
28 10 ......
72 ......
72 ......
72 ... .81
61 55 54 52 51 16
81 80 21 ....
93 92
22 .. .7 ....
86 ........
42 ........
97 ....
48 .....
10
80 ..
68 ....
91 68 53 42 41 36
53 42 41.
8 ....
35 ...
109
40. جابر بن زيد 41. جابر بن عبد الله
42. الحاج ابراهيم بن كاسي
43. الحاج بكير العنق
44.الحاج عمر بن يحي
45.الحارث المحاسبي
46. حاطب بن أبي بلتعة 47.الحسن البصري
48. خارجة
49. خالد بن الوليد 50 خالد محمد خالد
51. خديجة
52. خزيمة بن ثابت
53. الدرجيني
54. ذكوان
55. رافع بن مالك
56. ربيع بن زياد
57. رشيد رضا
58.الزبير بن العوام
59. زيد بن حارثة
60. زيد بن علي (1/127)
صفحة 128
52
87 41 36
28 21 4.
8736
34 ....
28 .....
32 9 ..
21
.
72 71 14 ...
72 71.
90 .....
58 ....
10 ....
91 87 70 53 42 41 36 ..
75 73 71 70 50 42 19 .....
12
87 41 37 8 ...
92 91 42
28.
89 ..
88 ..
61. سارة مولاة أبي عمرو 62. سعد بن أبي وقاص
63. سعيد بن
المسيب
64. سعيد بن زيد
..
65. سعيد بن عبيد 66. سلمة بن الأكوع
67. سمية بنت خباط
68. الشعبي
69. الشيخ بيوض
70. الشيخ عدون
71. صفي الدين الجلي
72. الطبراني
73. طبقة بن عامر
74. طلحة
75. عائشة
بن
عبيد الله
76. العباس بن عبد المطلب
77. عبد الرحمن بن عوف
78. عبد الرحمن بن ملجم
79. عبد الله بن أبي
80. عبد الله بن سبأ
81. عبد الله بن الصفار (1/128)
صفحة 129
44 19 5.
94 93 76 ....
82. عبد الله بن عباس
الخطاب 83. عبد الله بن عمر بن
91 86 75 70 42 41 37 36 35 29 28 27 26 17 8 ...... Ulic
عفان 84. عثمان بن
85 عطاء بن يسار
.
21
10
45.
53.42.41.35.26.8.7.6
..
93.92. 91. 89. 87.71 70 - 54
53 42 32 9
86. عقبة بن ياسر
87. العلاء
88.علي بن أبي طالب
89 عمار بن ياسر
90. عمر بن الخطاب ....... 29 35 36 37 40 55535041 868371 91 95.
91. عمر بن بكر التميمي
92. عمر بن عبد العزيز ....
93. عمرو بن أفيش
94. عمرو بن العاص
95. عمرو بن ثابت بن وقش
96. العوام بن حوشب
97. عوف بن حارث
98. عيسي بن مريم
99. قائد كاسي
100. قتادة
101. قتيبة
92 ......
87 83 82 .....
65 .....
92 54 53
64 ....
83.
10
11 ...
72 ..
21
45 ......
111 (1/129)
صفحة 130
77
66
72 ...
25 ..
42 ...
47
42 ...
72 .....
76 .....
21
21
88 86
26 ......
58 .....
84 ......
97 ......
21 12 11 ....
92 80 42 26 ....
41.
53.
17
112
102. القرطبي
103. قزمان الظفري
104. كاسي بن بهون
105. كعب بن مالك
106. كنانة
يں بSر
107. مالك بن أنسر
108. محمد بن أبي بكر
.
109. محمد بن الحاج أحمد
110. محمد بن مسلمة
11. محمد بن سيرين 112. محمد بن كعب
113. محمد بن يوسف المصعبي
114. مرارة بن الربيع
115. مسلم
116. مصطفى وينتن
117. مصطفي شريفي
118. مصعب بن عمير
119. معاوية بن أبي سفيان
120. المغيرة
121. المقداد
122. المقوقس (1/130)
صفحة 131
28.
77.
88 87
88 ..
86
26
58.
4.
32 ...
45 ...
79 ...
79 78 .....
6
113
123. موسى بن عقبة
124. الناصر المرموري
125. نافع بن الأزرق
126. بجدة بن عامر
127. هر قل
128. هلال بن أمية
129. الهيثمي
130. الواقدي
131. ياسر
132. يحيى بن أيوب
133. يعقوب
134. يوسف عليه السلام (1/131)
صفحة 132
فهرس المصطلحات
47
27
28 ......
27 ....
89 49 48 37 35 ........
1. الأئمة
2. أحلاس
3. أصحاب الشجرة
4. أقتاب
5. الأمة
الأنصار
7. الأولوية
91 88 76 64 59 50 46 27 25 24 23 21 20 19 18 13 12 11 10 ?.6
20
8. البدريون
و. البراءة
10. التابعون.
11 التقية
12. الجب
13. الجمهور
14. الحواريون
15. خب.
114
17.
80 63 62 ........
97 94.
87
57
95 28 6 5 ......
11
76 (1/132)
صفحة 133
40 35 ..
55 51 .....
90
95 45 20 ...
97
95.
16 ......
20
41 37 .......
52
54 ...
71.
55 51 ..
72 ......
65
92.
....
47 46 24 23 ..
87
69
90
115
16 الخلفاء الراشدون
17. الخيانة
18. الدكتوراه
19. الرعيل
20. الرق
21. روحة
22. رماة
23. السبق
24. الشورى
25. الظعينة.
26 ظهرانيهم
27. العجم
28. العيون
29. العزابة
30. غدوة
31. الفدائيون
32. الفيئ.
33. القعدة
34. القنطرة
35. الماجستير (1/133)
صفحة 134
94 93 91 88 76 70 59 51 50 46 27 25 24 23 21 20 19 18 14 13 $1.36
90
26
49 29 22
51 ....
39
80 79 78 67 63 62.
37. الليسانس
38. النصارى
39. النصرة
40. الهدنة
41. الولاء
42. الولاية
116 (1/134)
صفحة 135
فهرس الأحداث والأماكن
37 ....
64 51 48 36 25 13.
51 ..
17
56 55 51 39 37 36 26 25 23 21 18.
91 81 80 42 36.
88 81.
39 38 28 21
51 27 26 25
88
40.
12
85 39 ....
68 51 38 29 27 22 21 18 ......
71
53 ...
69 ...
53.
117
17
1. آسيا
2. أحد
3. الأحزاب
4. الإسكندرية
5 بدر
6. البصرة
7. بغداد
8. بيعة الرضوان و. تبوك
10. جر جرايا
11. جزيرة بن عمر.
12. الحبشة
13. حجة الوداع
14. الحديبية
15. الحرب العالمية الأولى
16. الحرمين
17. حروب الردة
18. حمراء الأسد (1/135)
صفحة 136
80.
51.
51.
72 ..
37 ..
42.
53 .....
39 ......
26.
..
36 26.
88 .......
36.
37.
85.
....
60 ...
40.
........
21 10 ...
21 12 11
10.
10
22.
.
...
72.
118
19. خراسان
20. الخندق
21. خيبر
22. دار القراءة
23. دمشق
24. الرحبة
25. روضة خاخ
26. سنة الوفود
27. سورية
28. الشام
29. طرابلس
30. العتيق
31. العقيق 32. عرفات
33. عرفة
34. عسقلان
35. العقبة الأولى
36. العقبة الثانية
37. العقبة الثالثة
38. عقبة النساء
39. عمرة القضاء
40. غرداية (1/136)
صفحة 137
37 ......
51 39 38 23 22 21 19 ....
88 75 70 42 ..
37 ...
40 26 ..
36 ...
...
72 71 ..
91 42 36
8 .......
91 80 55 53 37 36 33 17 13 12 11 10.
88 79 40 26 ....
72 ..
...
1. غوربستان 2. الفتح
3. فتنة الدار
الفرات
5. فلسطين 6. القادسية.
7. القرارة
8. الكوفة
مؤتة
10. المدينة
11. مصر
12. معهد الحاج عمر بن يحيى
13. مكة ........
91 55 54 52 38 33 42 22 21 13 12 11 10 9 8
40 ...
88 ... .26 .....
87 68 49 45 33 24 22 21 19 18.
91 36 ...
88.
89 ...
...
14. الموصل
15. النهروان
16. النهرين
17. الهجرة
18. وادي السباع
19. واسط
20. اليمن
91 88 70 42 36
88 70 42.
21. يوم الجمل
22. يوم صفين (1/137)
صفحة 138
87
11.
91 62.
83. .66
64.
10
26. .91
11 10 ....
88 87
70 35
26 ...
35.
89.
35.
26.
1. الأزارقة
2. الأوس
3. الإباضية
4. بنو أمية
5 بنو ظفر
6. بنو عبد الأشهل
7. بنو عدي
8. بنو عمرو بن عوف
9. الثوار
10. الخزرج
11. الخوارج
12. الرافضة
13. الروم
14. الزيدية
15. السبئية
فهرس القبائل والفرق
55 54 52 51 29 9.
90 ....
120
16. الشيعة
17. الفرس
18. قريش
19. المغول (1/138)
صفحة 139
فهرس المصادر والمراجع
1 آراء الشيخ اطفيش العقدية: مصطفى بن ناصر - وينتن؛ رسالة
ماجستير؛ (مصفف).
2. أحكام القرآن أبو بكر محمد ابن العربي؛ تحقيق علي محمد البجاوي؛ دار المعرفة دار الجيل، لبنان.
3. أخبار الخوارج من كتاب الكامل في اللغة: أبو العباس المبرد؛ دار الفكر الحديث، لبنان؛
4. أسد الغابة في معرفة الصحابة: عزّ الدين الجزري المعروف بابن الأثير. ى أعلام الإصلاح في الجزائر من عام 1340 هـ / 1921 م إلى عام 1395 هـ / 1975 م): محمد علي دبوز؛ مطبعة البعث، قسنطينة، ط 1:
?1982–1974
6. الأعلام: الزركلي خير
الدين؛ ط 3؛ د. ت.
2. الإباضية بين الفرق الإسلامية، عند كتاب المقالات في القديم والحديث: على
يحي معمر؛ نشر مكتبة وهبة القاهرة.
8. الاستيعاب في معرفة الأصحاب أبو عمرو يوسف ابن عبد البر تحقيق
علي محمد البجاوي؛ مكتبة نهضة مصر.
121 (1/139)
صفحة 140
:. تاريخ الأمم والملوك أبو جعفر محمد بن جرير بن جرير الطبري؛ مطبعة
الاستقامة، القاهرة؛ 1357 هـ / 1939 م.
10. تفسير المنار: محمد رشيد رضا، مطبعة المنار، مصر؛ ط 1: 1346 هـ. 11. تيسير التفسير للقرآن الكريم: محمد بن يوسف اطفيش؛ وزارة
التراث القومي، سلطنة عمان؛ 1409 هـ /1988 م.
12. جامع البيان في تفسير القرآن تفسير الطبري أبو جعفر محمد بن جرير الطبري؛ دار الفكر، بيروت؛ 1398 هـ / 1978 م.
13. الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب: أبو عمرو الربيع بن
حبيب بن عمرو الفراهيدي؛ المطبعة العربية، غرداية؛ 1985 م.
14. الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله بن أحمد الأنصاري القرطبي؛ دار الكتاب العربي، القاهرة؛ 1967 م.
15 جواهر الأدب أحمد الهاشمي؛ مطبعة السعادة، مصر؛ ط 26:
1965/ 1385
16. حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي: محمد ناصر؛ جمعية التراث القرارة، الجزائر؛ 1410 هـ / 1989 م.
17. حياة الشيخين الابريكي ونور القلب محمد ناصر بوحجام؛ مصور.
122 (1/140)
صفحة 141
18. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المتاني: أبو الفضل شهاب الدي السيد محمود الألوس البغدادي؛ إدار الطباعة
المنيرية، مصر؛ د. ت
19. سنن أبي داود أبو داود سليمان بن ن الأشعث السجستاني
الأزدي؛ ضبط وتعليق محمد محيي "
العربي، بيروت.
الدين عبد الحميد؛ دار إحياء التراث
20. سنن ابن ماجة: ابن ماجة؛ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي؛ دار
الفكر؛ د. ت 21. سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي: النسائي، السيوطي، السندي؛ دار إحياء التراث العربي، وت
لبنان؛ د. ت
22. السيرة النبوية: أبو الفداء إسماعيل ابن كثير؛ تحقيق مصطفى عبد
الواحد؛ دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1403 هـ / 1983 م.
23. السيرة النبوية: ابن هشام شركة مصطفى البابي الحلبي، مصر؛ طع:
•1955) _1375
24 شامل الأصل والفرع: محمد بن يوسف اطفيش، المطبعة السلفية بمصر.
123 (1/141)
صفحة 142
25. شرح طلعة الشمس على الألفية: أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي وزارة التراث القومي سلطنة عمان؛ ج 1 ط: 1401 هـ 1981 م - ج 2 2:
•1985/ 1405
26. شرح عقيدة التوحيد: محمد بن يوسف اطفيش؛ ط. حجرية. 27. شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد؛ دار مكتبة الحياة، بيروت 1963 م. 28. صحيح البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي ضبط وتخريج الدكتور مصطفى ديب البغا؛ نشر: موفم للنشر -دار الهدى الجزائر - عين مليلة؛ 1992 م. 29. صحيح الترمذي (سنن الترمذي) بشرح الإمام ابن العربي المالكي: الترمذي وابن العربي؛ المطبعة المصرية بالأزهر، مصر؛ طه:
?1931/ 1350
30. صحيح مسلم: أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي؛ دار إحياء التراث العربي، لبنان؛ 1954 م. 31. طبقات المشايخ بالمغرب: أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني؛ تحقيق إبراهيم طلاي؛ مطبعة البعث، قسنطينة.
32. علم الحديث ومصطلحه صبحي صالح؛ دار العلم للملايين بيروت ط 10. 33. فتح الباري شرح صحيح البخاري: أبو الفضل شهاب الدين أحمد علي العسقلاني الشافعي؛ المطبعية البهية، مصر؛ 1348 هـ.
بن
124 (1/142)
صفحة 143
34. قاموس المحيط: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزاباذي الشيرازي
المطبعة الحسينية المصرية؛ ط 2: 1344 هـ.
35 قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر؛ تحقيق بكلي عبد الرحمن المطبعة العربية غرداية؛ ط 1: 1977 م.
36. كتاب العبر تاريخ ابن خلدون ابن خلدون؛ دار الكتاب اللبناني
لبنان؛ 1956 م. 37. لسان العرب: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مکرم ابن منظور؛ دار صادر-دار بيروت، بيروت؛ 1374 هـ 1975 م.
38. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي بتحرير الحافظين العراقي وابن حجر؛ دار الكتاب العربي، بيروت لبنان ط 3: 1402 هـ / 1982 م. 39. المسند بهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال أحمد بن حنبل، المتقي الهندي؛ المكتب الإسلامي، بيروت؛ طه:
1983/ 1403
40 معجم أعلام الإباضية: جمعية التراث النسخة التجريبية (مصورة). 41. معجم البلدان ياقوت الحموي؛ دار صادر - دار بيروت، بيروت
125
-1939) _1358 (1/143)
صفحة 144
42. المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي وضعه لفيف من المستشرقين
نشر
الدكتور أ. ي وينسنك؛ مكتبة بريل، ليدن؛ 1936 م.
حه. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي؛ دار الفكر طه:
1406 هـ/1986 م.
44. معجم
لغة الفقهاء (عربي - إنجليزية): محمد رواس قلعه جي
صادق قنيبي؛ دار النفائس بيروت؛ ط 2: 1408 هـ / 1988 م.
45. الملل والنحل: أبو الفتح الشهرستاني؛ دار المعرفة، بيروت.
وحامد
46. موسوعة الحديث النبوي العالمية؛ 48000 حديث؛ برنامج كمبيوتر. 47. الموسوعة العربية الميسرة: إشراف محمد شفيق غربال؛ دار الشعب. 48. الموطأ الإمام مالك بن أنس؛ تعليق سعيد اللحام؛ دار الفكر، بيروت ط 1: 1409 هـ 1989 م. 49. نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة: محمد علي دبوز؛ المطبعة التعاونية، ج 1: 1385 هـ/1965 م؛ المطبعة العربية، الجزائر؛ ج 2 - 3 1:
-
p 1971)_1391 – $1969|_1389
50. نور اليقين في سيرة سيد المرسلين محمد الخضري بك؛ المكتبة
التجارية، مصر.
51. وجاء أبو بكر: خالد محمد خالد؛ دار الكتب الحديثة؛ ط 1: 1382 هـ.
126 (1/144)
صفحة 145
المحتويات
تقديم للدكتور مصطفى بن صالح باجو
المقدمة
[تعريف بالإمام الشيخ بيوض]
[تمهيد في موقف الشيخ من الصحابة]
الصحابة: لغة و شرعًا]
[السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار]
[إرسال مصعب بن عمير إلى يثرب]
[الآيات النازلة في حق المهاجرين والأنصار] [ذنوب المهاجرين والأنصار لا تقع إلا مغفورة] [فضل السابقين الأولين على غيرهم] الذين جاؤوا من بعدهم ... و التابعون]
1 حكم الله تعالى على الصحابة بالمغفرة و الرضوان]
[المشقة التي تحملها جيش العسرة] ا
رضا الله عن المبايعين تحت الشجرة]
إلزامهم كلمة التقوى]
الذين هاجروا و جاهدوا من بعد ما فتنوا]
[فضل العشرة المبشرين بالجنة]
عدد الصحابة و أسماؤهم و الكتب المؤلفة فيهم]
بداية الفتن في الأمة الإسلامية]
موقف المسلمين من الفتن]
127 (1/145)
صفحة 146
جزاء من سب الصحابة مبغضا لهم]
الأحاديث الواردة في فضل الصحابة و النهي عن سبهم]
[قصة حاطب بن أبي بلتعة]
[مغفرة الله واسعة]
ولاية الله و براءته لا يتبدلان]
[العبرة بالخاتمة]
[إستحقاق الصحابة للجزاء الرباني]
الفهارس
128
المحتويات (1/146)