صفحة 1
الكتاب: كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم
المؤلف: أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر (ت: 471 هـ)
تحقيق وتعليق: إسماعيل العربي
الناشر: المكتبة الوطنية، الجزائر
تاريخ النشر: 1399هـ - 1979م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) إصدارات المكتبة الوطنية
النصوص والدراسات التاريخية - 3 –
كتاب سير الأئمة وأخبارهم
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر
(ت 471 هـ)
تحقيق وتعليق
إسماعيل العربي
المكتبة الوطنية الجزائر
1399هـ - 1979م
المقدمة
طريق الإباضية إلى المغرب
ترجع قصة الخوارج إلى أخطر شقاق ظهر في الإسلام في خلافة علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، عقب معركة صفين، حين فارقه الخوارج الذين استنكروا قبوله لمبدأ التحكيم مع معاوية. وبعد فشل هذا التحكيم نتيجة لمناورة عمرو بن العاص لحساب معاوية، واستئناف القتل، أبدى علي كثيرا من الحلم وسعة الصدر والميل إلى المهادنة مع العناصر الثائرة التي كانت تمثل سندا قويا لقضيته، ولكن بدون جدوى، حيث أن الحركة قد اتخذت موقف العداء السافر اتجاه الحزبين معا، وكذلك أعلن الخوارج مباديء حزب جديد واتخذوا لأنفسهم زعيما وقائدا هو عبد الله بن وهب الراسبي، ومن اسمه أخذت الطائفة نسبة الوهبية، ونادوا بشعارهم المشهور: لا حكم إلا الله، الذي رد عليه الإمام علي بقوله: كلمة حق أريد به باطل، ثم انسحبوا إلى قرية حدورة التي تقع غير بعيد من الكوفة ومنها أخذ الخوارج الأوائل اسم الحدورية. ومع مرور الأيام كثرت جموع الخوارج واشتدت شوكتهم بالتحاق كثير من أتباع علي ممن أغراهم مبدأ المساواة الذي أعلنوه بجيش عبد الله بن وهب الذي احتل موقعا استراتيجيا مهما على الضفة اليسرى لنهر دجلة، على طول ترعة نهروان. ونتيجة لشعورهم بالقوة، أخذت حركة الخوارج تزداد تطرفا وتعصبا وتصم بالكفر والردة كل من لا يرى رأيها ولا يتبرؤ من علي وعثمان، وكذلك اتخذت أعمالها طابعا استفزازيا، بل وإرهابيا، ولم تتورع بعض العناصر منها على قتل الصحابة الأبرياء والنساء (عبد الله بن خباب وزوجته)، بدون سبب سوى رفضهم تكفير علي بن أبي طالب. /1/ (1/1)
صفحة 2
فلما بلغت هذه الأحداث عليا بعث إليهم قائلا: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم اقتلهم بهم، ثم إنا تارككم وكاف عليكم. ولكن الخوارج ردوا عليه قائلين أنهم متضامنون في الأفعال التي يرتكبونها: كلنا قتلهم، وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم. وقد حاول عدد من الشخصيات ممن كانوا يحرصون على حقن دماء المسلمين، وفي مقدمتهم قيس بن سعد وأبو أيوب الأنصاري القيام بمساعي للصلح ولرأب الصدع، وناشدوا الخوارج العودة إلى صفوف علي لمواجهة العدو المشترك في الشام، ولكن هذه الجهود باءت بالفشل. وفي نفس الوقت، كان علي بن أبي طالب يواجه ضغوطا قوية في صفوفه حيث ارتفعت أصوات قوية من أنصاره تطالبه بالعمل لتأمين مؤخرة جيشه، ولتصفية الموقف بينه وبين الخوارج، قبل أن يقدم على مواجهة جيوش الشام. وكذلك اضطر الخليفة إلى أن يتخذ عدته للقضاء على الخطر المستشري، فأعطى أبا أيوب الأنصاري راية الأمان، فنادى الخوارج قائلا إن من جاء تحت هذه الراية فهو آمن، ومن لم يقتل منكم وانصرف إلى الكوفة أو المدائن، فهو آمن. وعقب ذلك زحف علي بن أبي طالب على الخوارج 9 صفر 38هـ فيما أصبح يعرف بعد ذلك بموقعة النهروان التي قتل من بين من قتل فيها عبد الله بن وهب الراسبي، والتي أحرز فيها الخليفة الرابع نصرا مبينا، ولكنه كلفه كثيرا من التضحيات، فضلا عن أنه لم يقض نهائيا على حركة الخوارج. وهذه الحركة لم تلبث أن ظهرت من جديد على مسرح الأحداث في سلسلة من الفتن المحلية في سنة 39هـ و40هـ، قبل أن يتوج نشاطها عبد الرحمن ابن ملجم باغتيال علي بن أبي طالب. وفي العصر التالي، واجهت الدولة الأموية ثورات هنا وهنالك قام بها الخوارج، ولا سيما في الكوفة والبصرة. وفي غضون العشرين سنة التالية، زاد من حدة شوكة الشراة كما يسمى الخوارج أيضا، بازدياد عدد كبار رجالهم الذين سقطوا في الميدان ويعتبرونهم شهداء. وأهم هذه الثورات، بدون شك هي ثورة مرداس بن أبي حدير، التميمي، أبي بلال التي لم يتمكن جيش عباد بن علقمة المازني من قمعها إلا بالغدر، حيث أحاط بأبي بلال وأصحابه، وهم في الصلاة وقتلهم عن آخرهم، وهو حدث سيترك جرحا في نفوس أصحاب المذهب لا يندمل مع مرور القرون./2/ (1/2)
صفحة 3
وقد زادت شوكة الخوارج حدة وقويت جموعهم واتسعت حركتهم، خصوصا أثناء الاضطرابات التي أعقبت وفاة يزيد بن معاوية، فكانت هذه القوة الثالثة، إلى جانب ضغط جيوش الأمويين بقيادة الحجاج الثقفي، من العوامل التي عجلت بنهاية خلافة عبد الله بن الزبير التي دامت تسع سنين (64 - 73). فقد كانت عدواة الشراة لهذا الخليفة الشجاع لا تقل حدة عن شعور العداء الذي يحملونه لبني أمية الذين نجحوا في إبقائهم بعيدا عن معاقلهم في الشام، وفي هذه الأثناء، تفتت حركة الخوارج إلى عدة فرق، يقول المؤرخون أنها تجاوزت عشرين فرقة لا تجمع بينهم سوى نظريتين: نظرية الخلافة التي لم يعودوا يشترطون أن تكون من قريش، ونظرية اعتبار العمل جزء من الإيمان. وقد اشتهر من هذه الفرق، خصوصا: الأزارقة (أتباع نافع بن الأزرق) والصفرية الذين لا يختلفون كثيرا عن الأزارقة، من حيث أنهم جميعا يكفرون المسلمين ما عداهم، والاباضية (نسبة إلى عبد الله بن اباض)، زعيم الطائفة الذين تتكون منهم الأغلبية الساحقة من الخوارج في المغرب. والإباضية طائفة تمتاز بالاعتدال في نظرتها إلى مخالفيها، حيث أنهم لا يحكمون بتكفيرهم، بل إنهم يعتبرون التزاوج والميراث مع غيرهم من المسلمين حلالا، وهم لا يستبيحون قتل غير الخوارج من المسلمين إلا في حاله إعلان الحرب (عكس الأزارقة). خرج عبد الله بن اباض المري التميمي عن المتطرفين من الخوارج باتخاذه موقفا يختلف عن موقفهم اتجاه أهل التوحيد. وبعد مقتل أبي بلال الذي قاد ثورة سنة 61هـ، وقتل فيها تسلم زمام رئاسة الطائفة عبد الله بن اباض الذي وصفه الشماخي بأنه إمام التحقيق والعمدة. وقد كان عبد الله يستم بحصافة وبعد نظر سياسي سيضمن لطائفته فترة من السلام والاستقرار هي في أشد الحاجة إليها. فإن الرجل لم يقف عند حد تناسي الماضي الدامي وعداء الخوارج المستحكم للأمويين، بل إن علاقة متينة قامت بينه وبين عبد الملك بن مروان (26 - 86هـ) سمحت له بأن يقوم بدور المستشار لهذا الخليفة. وسواء أكان هذا التقارب قد وقع بوحي من أكبر تلامذه عبد الله وأنجبهم جابر بن زيد أم أن عبد الله بن إباض هو صاحب هذه الخطة السياسية، فإن من المؤكد أن هذا الموقف لا يمكن أن يوصف بالتقية التي وصف بها موقف أبي نوح سعيد بن زنغيل وأبي القاسم يزيد بن مخلد من /3/ (1/3)
صفحة 4
المعز لدين الله الفاطمي، بعد ذلك بنحو قرنين، وهذا الموقف يمثل انقلابا في علاقات الخوارج بواحد من الحزبين الذين قاوموهما طويلا، وتلك العلاقات السلمية ستستمر حتى أواخر القرن الأول للهجرة. وبعد عبد الله بن اباض، حمل لواء الدعوة في البصرة أبو الأشعث جابر بن زيد الأزدي. وجابر بن زيد الذي ينتمي إلى مدينة نزوى، والذي ولد في سنة 18 للهجرة، يعتبر بشهادة أبي زكرياء نفسه من أكبر علماء المذهب، ومن يدري، فلو وصل إلينا ديوانه المشهور (مجموعة أعماله) والذي يحدثنا عنه أبو زكرياء باستفاضة، لكان من المحتمل أن نستخلص منه علما غزيرا عن عقيدة المذهب ورجاله. ولكان اسم هذا الإمام أكثر شعبية مما هو الآن، ولكن هذا الديون الذي يقع في حجم كبير يعتبر الآن مفقودا، وقصارة القول أن جابر بن زيد الذي يصفه الدرجيني ببحر العلوم العجاج، وسراج التقوى، أصل المذهب، هو الذي أقام دعائم المذهب الاباضي نهائيا على الأسس التي وضعها شيخه عبد الله بن اباض. وانطلاقا من القاعدة السياسية التي أرساها سلفه، فقد سار جابر في السنوات الأولى من زعامته على سياسة ودية اتجاه الأمويين، وارتبط بعلاقات وثيقة مع الحجاج بن يوسف الثقفي (40 - 95هـ)، بحيث عرض عليه عامل بني أمية على العراق القضاء. وقد كانت الواسطة بينهما، هو يزيد بن أبي مسلم الثقفي. صحيح أن هذه الصداقة السياسية يمكن أن تفسر بأنها مهادنة من الحجاج الذي لم يشتهر باللين ولا بالمسالمة، حيث أنه كان في تلك الفترة منهمكا في قتال الطوائف المتطرفة من الخوارج، ولم يكن من حسن السياسة أن يدفع بالاباضيين المعتدلين في أحضان أعدائه، ولكنه يجب ألا ننسى أن الحجاج كان عامل عبد الملك بن مروان الذي رأينا عطفه على الاباضيين وتقريبه لإمامهم. وأيا ما كان الأمر، فإن هذه العلاقات التي استمرت حتى بعد بناء مدينة واسط (83 - 86هـ)، أخذت تسوء تدريجيا في أواخر القرن. وسبب تدهور العلاقات بين الحجاج وجابر بن زيد، يعزي في المكان الأول، إلى وفاة عبد الملك بن مروان سنة 86هـ، ولكن مما لا شك فيه أيضا، أن التقارب الذي وقع بين الاباضيين في البصرة وأسرة يزيد ابن المهلب الذي كانت نصيحة الحجاج للخليفة عبد الملك بن مروان السبب في عزله من منصب الوالي على خراسان، كان عاملا آخر في تحول الحجاج عن الإباضيين. وهذا التقارب ندرك عمقه إذا عرفنا أن عاتكة، شقيقة يزيد بن المهلب، /4/ (1/4)
صفحة 5
كانت من المناضلين في صفوف الاباضيين، ومن الدعاة المتحمسين لعقيدتهم. وبعدما تمت القطيعة، أخذ الحجاج يقوم بحملة اضطهاد ضد الاباضيين كان من نتائجها تشتيت رجال المذهب، كما أبعد هو نفسه كثيرا من علمائهم عن العراق، ومن بينهم جابر بن زيد، وساروا إلى عمان وغيرها من المناطق. كان من أعلم تلامذة جابر بن زيد الذي توفي في سنة 93هـ، وأشدهم تفانيا في الدفاع عن الدعوة، رجل اسمه مسلم بن أبي كريمة التميمي، أبو عبيدة. ويبدو أن أبا عبيدة ينحدر من أصل فارسي فيما يقول صاحب الأغانبي، مثل تلميذه عبد الرحمن بن رستم، وإن انتماءه إلى قبيلة تميم إنما كان بالولاء، على أن الأصل الفارسي أو البربري، لا يؤخذ في الاعتبار عند الخوارج لدى النظر في اختيار الإمام وأبو زكرياء يعقد فصلا خاصا في سيره لذكر فضائل البربر والعجم، ولذلك فإن أصل أبي عبيدة لم يقم حائلا دون اختياره خليفة لجابر بن زيد، على رأس الأمة الاباضية. والشيء الذي يتميز به أبو عبيدة عن شيخه وسلفه، هو أنه تعرض لاضطهاد الأمويين وعرف سجون الحجاج ابن يوسف وما تنطوي عليه من ألوان العذاب. وفي معرض الحديث عن تجربة أبي عبيدة مع الحجاج ابن يوسف، يقول الشماخي: لما سجن الحجاج أبا عبيدة وضماما، منع أن يوصل إليهما شيء، وكانا يقصان شاربهما بأسنانهما، وكان أحدهما ينفض لحيته فيتساقط منها القمل، وكان طعام أهل السجن خبز الشعير وملح الجريش، ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ويطرح فيها الملح، ثم يضربونه حتى تخرج رغوته، فمن شرب أولا، كان أمثل قليلا ومن شرب أخيرا كان ذلك العذاب. كان مركز الإمامة الاباضية في البصرة، وهناك أنشأ أبو عبيدة معهدا للدراسات الإباضية، كان هو نفسه يشرف عليه ويعلم الطلبة ويدربهم على القيام بنشر الدعوة ثم يبعث بما يسمى حملة العلم إلى مختلف البلدان، وكانت التعليمات التي يزود بها هؤلاء تقضي بأن يقوموا بعمل سياسي وبنشر الدعوة في السر حتى يخلقوا الظروف الملائمة، ويجتمع لديهم عدد كاف من الأنصار والمؤيدين، ثم يعلنوا حالة الظهور. وفي هذا السياق، يجب أن نعرف أن الإباضية في هذه المرحلة قد /5/ (1/5)
صفحة 6
وجدت تربة خصبة في بعض أطراف الجزيرة العربية، وخصوصا في عمان وفارس وزنجبار وافريقيا الشرقية، وفي المغرب. وهذه الأقليات الدينية هي التي عمل أبو عبيدة على تغذيتها بالعلم وتزويدها بوسائل التوغل الايديولوجي ولشحذ همم أبنائها لتوسيع دائرة إشعاع المذهب. وكذلك وجه أبو عبيدة بعثات إلى اليمن وحضرموت وعمان وخراسان، وإلى المغرب أيضا، وقد كانت بعثة المغرب تتألف من أبي الخطاب المعافري، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، واسماعيل بن درار الغوامسي، وأبي دواد القبلي النفزاوي. وهذه العمليات التي نالت نجاحا باهرا بسبب ما كانت تتمتع به من التنظيم، ولكن أيضا لأن نشاط حملة العلم، صادف انهيار سلطة الدولة الأموية في مختلف أطراف الخلافة. ولما قامت الدولة العباسية استمر الإباضيون على نشاطهم الذي وجد تشجيعا، بل ورعاية، من بعض الشخصيات البارزة في الدولة الجديدة، وفي مقدمتهم عمة الخليفة المهدي وزوجها عبد الله بن الربيع الذي اعتنق المذهب الاباضي، بل أن الخليفة أبا جعفر نفسه كان يبدي ميلا إلى الطائفة الإباضية. ولكنه بعد وفاة أبي عبيدة في سنة 145هـ، دخل نشاط المذهب الإباضي في مرحلة من الركود النسبي، ولو أن وجود الطائفة استمر تحت إمامة الربيع بن حبيب البصري، الذي خلف أبا عبيدة بل إن هذا الإمام حاول إحياء التقليد الذي سنه أبو عبيدة بإرسال بعثات من حملة العلم إلى الأقطار. على أن علماء المذهب لم يلبثوا أن أخذو في الهجرة جماعات إلى من البصرة إلى عمان، ولو أن وجود الطائفة استمر في الكوفة، فيما يبدو، طوال القرن الثاني الهجري، وكذلك تحول مركز الثقل في الإباضية الآن إلى عمان، بفضل الأثر الذي تركه هناك جابر بن زيد وغيره من زعماء المذهب الذين لحقوا به، ومن عمان انطلق إشعاع المذهب في اتجاه الهند والصين، وخصوصاإلى شواطيء افريقيا الشرقية المجاورة، كما أصبحت مصر مركزا للدراسات الإباضية لا يقل عن أهمية البصر سابقا. ولكن الدور الذي سيلعبه رجال المذهب في المغرب سيكون حاسما في المراحل الأولى من تاريخ الإسلام في هذه البلاد. فأول من حمل الدعوة إلى المغرب، كما ذكر أبو زكرياء، هو سلامة بن سعد وعكرمة بن سعد الذي يعزى إليه نشر مذهب الصفرية، في أوائل القرن الثاني الهجري. /6/ (1/6)
صفحة 7
ويبدو أن نشاط سلامة وجد أرضا بكرا، فنالت دعوته نجاحا ملحوظا، حيث أنه لم يكد يمضي على دخوله إلى المغرب عشرون سنة حتى تكونت جماعة معتبرة من الإباضيين في طرابلس يتزعمها رجل يدعى عبد الله بن مسعود التجيبي الذي كانت تسانده قبيلة هوارة، ولكن هذا الزعيم لم يلبث أن قتله عامل طرابلس. وبعده تحولت زعامة المذهب إلى عبد الجبار بن قيس المرادي، ومعه الحارث بن تليد الحضرمي. وتحت رئاسة هذين الزعيمين اللذين كانا يتمتعان أيضا بتأييد هواره، أصبحت طرابلس قاعدة للمذهب، على أن خلافا ظهر بينهما فاقتتلا وقتل كل منهما الآخر في سنة 131هـ. وعقب ذلك، انتخب أتباع المذهب رئيسا عليهم اسماعيل بن زياد النفوسي الذي عظم شأنه وكثر بيعه، فيما يقول ابن عبد الحكم وخلعوا عليه لقب إمام الدفاع. وكذلك نال المذهب تأييد زناتة في مرحلة لاحقة في المناطق الغربية لطرابلس في جبل نفوسة. وفي سنة 132، استولى اسماعيل النفوسي على مدينة قابس، ولكنه قتل على مقربة من هذه المدينة في معركة خاضها مع جيش عباسي بقيادة عبد الرحمن بن حبيب، عامل القيروان. وبمقتل اسماعيل النفوسي انهارت الدولة الإباضية الأولى في طرابلس، وذلك على الرغم من بقاء بعض العلماء في طرابلس ومن تمسك سكان المنطقة بالمذهب. وعقب هذه المرحلة، عادت إلى المغرب بعثة حملة العلم التي من بينها عبد الرحمن بن رستم وعبد العلا ابن السمح المعافري، وأبو الخطاب الذي عينه أبو عبيدة رئيسا، بعدما تلقت التعليم والتدريب على هذا الإمام. وبعد وقت قصير تمكن أبو الخطاب من الاستيلاء على مدينة طرابلس وولايتها، ثم اتجت الجيوش الإباضية إلى مدينة القيروان، حاضرة افريقيا، التي كانت تحتلها ورفجومة في سفر 141هـ، واستولت عليها، وبذلك أصبحت الدولة الإباضية قوية وتمتد حدودها من برقة، مرورا بطرابلس ونفوسة، حتى حدود الجزائر الشرقية، بما في ذلك مناطق قسنطينة وأراضي كتامة من سطيف. على أن دولة أبي الخطاب لم تعمر طويلا، حيث قضى عليها جبش عباسي جمع إلى القوة دقة التنظيم وبراعة التخطيط بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي، والي مصر، عقب معركة حامسة وقعت في شرق طرابلس، /7/ (1/7)
صفحة 8
فقد فيها أبو الخطاب عدة آلاف من جيشه وقتل هو نفسه فيها. وعقب هذه الهزيمة التي ضمنت للعباسيين السيطرة على ولاية طرابلس وافريقيا، انسحب الإباضيون في اتجاه جنوب طرابلس وتونس والمغرب الأوسط. وقد كان في مقدمة الفارين للنجاة بأنفسهم، عامل ابن الخطاب على القيروان ورفيقه في الدراسة، عبد الرحمن بن رستم، الذي سلك طريق الجريد إلى منطقة تيرهت حيث ستواتيه الظروف ويؤسس الدولة الرستمية. وموضوع الدولة الرستمية عالجه أبو زكرياء في الكتاب الذي نقدمه بكثير من التفصيل بحيث يعتبر المرجع مع تاريخ ابن الصغير، عن هذه الدولة، وبالتالي فنحن لا نكلف أنفسنا مؤنة الحديث عن العهد الرستمي لاستعراض ما تخلله من الأحداث الدينية والسياسية. وإلى جانب عبد الرحمن بن رستم كان يوجد علماء إباضيون آخرون عاشوا بعد هزيمة أبي الخطاب وكانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين الطائفة بقوا في جبل نفوسة، وبعض هؤلاء كانوا يرون أن الإمامة تؤل إلى عبد الرحمن الذي استخلفه أبو الخطاب على القيروان، ولذلك أعلنوا ولاءهم له وكانوا يبعثون إليه بالزكاة اعترافا له بالولاية، وقد كان في مقدمة هؤلاء أبو حاتم الملزوزي. وفي سنة 151هـ قامت ثورة اشترك فيها الإباضيون مع الصفرية، بقيادة أبي حاتم الملزوزي الذي خلع عليه لقب إمام الدفاع، كان من نتائجها استيلاء أبي حاتم على طرابلس والقيروان، قبل أن يتجه غربا ليضرب حصارا على مدينة طبنة. وبعد سنوات من النضال، انهزم أبو حاتم واتجه إلى جبل نفوسة في فلول جيشه، فطارده يزيد بن حاتم إلى أن أدركه في جندوبة، فقتله في ثلاثين ألفا من أصحابه في سنة 155ه، وبذلك بسط بنو العباس سلطانهم من جديد على طرابلس وافريقيا. وكما حدث عقب هزيمة أبي الخطاب، قامت عناصر مهمة، بعد مقتل أبي حاتم الملزوزي بالهجرة من طرابلس وتونس نحو الغرب والجنوب الغربي، وخصوصا إلى بلاد كتامة حيث استقرت جماعة معتبرة منهم من سنة 156هـ، وانضم كثير منهم إلى منطقة تيهرت التي انتخب عبد الرحمن بن رستم إماما عليها في سنة 160هـ، وفي رواية في سنة 161هـ، والتي أصبحت الآن الموئل الرئيسي للإباضيين. /8/ (1/8)
صفحة 9
وتحت الأئمة عبد الرحمن، وابنه عبد الوهاب، وحفيده أفلح، بلغ المذهب الإباضي أوج عظمته العلمية والسياسية حيث كان أساسا لحضارة لم يشهد لها المغرب الأوسط مثيلا من قبل، فإن الأسرة الرستمية التي استطاعت أن تفرض سلطانها على القبائل المضطربة في هذه المنطقة دون أن يكون لها سند من العصبية القبلية، إنما تمكنت من ذلك بسبب المكانة الأدبية التي كان يتمتع بها هؤلاء الأئمة، وبفضل عنايتهم بالعلوم والفنون وحرصهم على إقامة العدل والقسطاس، واعتمادهم في السياسة منهج الشورة واحترام رأي الأغلبية. وباختصار تلك المباديء التي ناضل الإباضيون من أجلها كثيرا وكلفتهم تضحيات باهضة عبر العصور، ولم يتمكنوا من تطبيقها في المشرق. كان سلطان تيهرت يشمل منطقة تمتد من تلمسان غربا حتى طرابلس شرقا، وفي الشمال الغربي كانت حدود المملكة تمتد حتى البحر الأبيض عندى مرسى الفروج، ومن الشمال الشرقي حتى مرسى الخرز أبي بيان أرزيو الحالية والقالة وتشمل مرسى الدجاج الجزائر ومرسى بجاية. وفي هذه الرقعة كانت تقطن عدد من القبائل أهمها وأكبرها لماية وسدراتة ومزاته وزناته ولواته ومكناسه وغمارة وازداجه وهوارة ونقوسه، وهي بالطبع لم تكن كلها تدين بالمذهب الإباضي، ولكنها تخضع لسلطان الرستميين السياسي. وفي الجنوب كانت رقعة الرستمية تشمل عددا من الواحات التي أهمها وادي ريغ ووارجلان، إلى جانب الزاب وجزء من الجريد. وكذلك كان يوجد مضيق يمتد بين جزء من الحضنة والزاب وجبل أوراس يقطنه الإباضيون ويمثل حلقة الوصل بين إمامة تيرهت وبين المناطق المأهولة بالإباضيين في جنوب تونس وطرابلس. والمناطق الشرقية الإباضية، كانت في أوائل القرن الثالث الهجري، تشمل مناطق قفصة وقسطيلية، وقنطرارة، ونفزاوة، والجبال التي تمتد من الجنوب الشرقي التونسي، كما تشمل جميع ولاية طرابلس فيما عدا المدينة نفسها. ومن هذه الملاحظات، نستخلص أن الدولة الرستمية كانت تحيط بدولة الأغالبة من جميع الجهات فيما عدا شريط يمتد من الشمال بحيث كانت رقعة هذه الدولة في الربع الأول من القرن الثالث الهجري، لا تتجاوز الشمال التونسي وجزء صغير من الشمال الشرقي الجزائري. ولكنه في سنة 224هـ نجح الأغالبة في تحطيم هذا الحصار، باحتلال المضيق الذي يربط تيهرت بطرابلس أي منطقة قفصة وبلاد الجريد، وكان ذلك بفضل حملة قادها عيسى بن ريعان الأزدي. /9/ (1/9)
صفحة 10
وفي منتصف القرن الثالث منيت تيهرت بالشقاق الذي أحدثه النكار والواصلية واستغلته القبائل الساخطة سياسيا، ثم بخروج الخلفية وابن مصالة الذي كون دويلة صغيرة مستقلة عن تيهرت، وغير بعيد منها، وهذه أحداث يتناولها أبو زكرياء باستفاضة، ولكن القاريء يحسن صنعا إذا قارن رواية مؤلفنا الإباضي برواية ابن الصغير المالكي الذي كان يعيش تلك الأحداث في تيهرت. وقطع الأغالبة لطريق الاتصال بين تيهرت والمناطق الشرقية التابعة لها، والشقاق العقائدي، ومحاولة الولاة الاستقلال بما ولوا عليه أو اقتطعوه لأنفسهم، كانت كلها ضربات قاسية هزت كيان الدولة الرستمية، ولكن الضربة القاضية على سلطان الإباضيين، كانت معركة مانو بين طرابلس وقابس التي ألحق فيها إبراهيم بن أحمد الأغلبي في سنة 283هـ، هزيمة منكرة بالإباضيين، لا يتحرج مؤلفنا من ذكر تفاصيلها وآثارها السياسية والعسركية الوخيمة. ففي هذه المعركة تحطمت سوكة نفوسة التي كانت بمثابة العمود الفقري للدولة الرستمية في المنطقة. ومع ذلك فقد استمرت الدولة الرستمية في الوجود في الغرب، حتى سنة 296هـ، حين تعرضت لضغوط قوات العبيديين المباشرة، قبل أن تسقط في أيديهم، في آخر الأمر، وحينئذ لم يكن لآخر الأئمة الرستميين، أبي يوسف يعقوب من الفرار مع أسرته وأعيان دولته إلى سدراته وارجلان، في الجنوب الشرقي من تيهرت. وهناك فكر البعض في إعادة بناء الإمامة، ولكن هذه الفكرة لم تكن واقعية، وقد أدرك هذه الحقيقة الإمام نفسه. وفي هذه الأثناء تكونت دولة إباضية في جبل نفوسة الذي لم يقتحمه العبيديون إلا في وقت متأخر، بزعامة عالم يسمى أبو يحي زكرياء الأرجاني. وخلع عليه لقب الإمام المدافع، وقد دامت هذه الدويلة نحو 15 سنة، وهذا هم الحاكم الإباضي الوحيد الذي أخذ لقب الإمام بعد الرستميين، وعلى الرغم من أن سلطان أبي يحي لم يكن يتجاوز جبل نفوسة فهو مع ذلك، كان يحكم هذه المنطقة فعلا، ومنع عنها العبيديين. والإباضيون في الوقت الحاضر لا يزالون متمسكين بتراثهم ومميزاتهم التي ورثوها عبر القرون، وهم يعيشون في جماعات متضامنة منطوية على نفسها ثقافيا، ولكنها ترتبط بعلاقات بتبادل تجاري وتعيش في وئام مع مختلف الجماعات الدينية والاثنوغرافية في المغرب. والمناطق /10/ (1/10)
صفحة 11
الجغرافية الأساسية التي يعيشون فيها فيما عدا المدن الرئيسية التي يمارسون الأعمال فيها، هي ورجلة ووادي ميزاب في الجزائر وفي جبل نفوسة في ليبيا، وفي جربة في تونس، حيث توجد أقلية تمثل النكارية، كما هي الحال في زواغة بليبيا. /11/
[هوامش لم ترقن] (1/11)
صفحة 12
[هوامش لم ترقن] (1/12)
صفحة 13
من هو أبو زكرياء؟
لم يرد في التراجم القديمة غير الإباضية التي بين أيدينا ذكر لأبي زكرياء يحي بن أبي بكر. وأما كتب التراجم الإباضية التي تعرضت لسيرة أبي زكرياء، فهي تعود كلها إلى أصل واحد، وهو طبقات أبي العباس الدرجيني (ت سنة 670هـ)، وترجمة الدرجيني التي لخصها الشماخي تلخيصا جيدا ولكنه لا يضيف إليها شيئا يذكر، تصنف أبا زكرياء ضمن علماء الطبقة العاشرة (450 - 500هـ) مع أخيه زكرياء ومع أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي الذي مات في نفس السنة التي مات فيها أبو زكرياء 471هـ، وأبي سليمان يوسف، ونحن نكتفي هنا بنقل ما ورد في هذه الترجمة: ومنهم أبو زكرياء يحي بن أبي بكر وأخوه أبو يحي زكرياء رحمهما الله، كانا من الأفاضل المقتفين لآثار الأوائل، لم تزل الديانة بحياتهما حية، وطرق البر ناهجة، وطلب علوم المذهب وسير من ننسك وترهب، ولهما في علوم النظر أطول باع بأدلة ذات إقناع، وحجج تملأ القلوب والأسماع، وتغني عند المحاضرة ما لا تغني المشرفية عند القراع، فكانا مراد الفارين، مع تباعد الدارين. وذكروا أن أبا زكرياء بن أبي بكر، توجه ذات سنة إلى وارجلان زائرا، ثم رجع فمر بجماعة من أصحابه بقنطرارة فسألوه عن أحوال أهل وارجلان، وكان ذا فطنة وبصيرة فقال: أما ذهب بصرى، فلم أرى أحدا، وأما رأيت وارجلان خلت فما بها أحد. وحكي أن أهل وارجلان قالوا له حين وصل إليهم: أقم عندنا قليلا، فنأنس بك، فقال لهم: قولوا أقم عندنا قليلا يمت قلبك، وذلك لما أطلع عليه من سوء طريقتهم ورداءة أحوالهم. /13/ (1/13)
صفحة 14
وذكر غير واحد من تلامذة أبي الربيع بن يخلف، قال: أردنا الطلوع إلى جبل دمر لدراسة الكتب، ونحن جماعة نقرأ بتمولست، فلم يوافق ذلك أبا الربيع ولا أبا زكرياء. وقال أبو زكرياء، اعلموا أن سوء الرأي إنما يخرج منه من دخل فيه بالرجوع عنه لا بالتمادي عليه، وقال لهم أيضا: إنكم إن مضيتم إلى أهليكم على هذه الحالة، كنتم كمن تعمد إماتة الدين، وهذا تحريض وترغيب في طلب العلم. وكان كثيرا ما يوصيهم، فيقول لهم: إياكم والتسارع إلى قبول صنائع الناس وهداياهم، فإنه قيل كن عبدا لله ولا تكن عبدا للناس، وأنشد في ذلك:
ولست وإن قربت يوما ببائع ... لديني وأخلاقي رجاء التقرب
ويعتاده قوم لقوم تجارة ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
ويمضي الدرجيني، فيورد مراسلة أبي زكرياء لأبي نوح محمد في مسألتين فقهيتين وإجابة أبي نوح ثم يقول: وروي أبو عمرو عن أبي زكرياء بن أبي بكر، أنه كان كثيرا ما يردد قول يحي بن معاذ الرازي: للتوبة ثلاث مقامات، الندم والاستغفار، والحقيقة، فالندم عند التحول والشعور بمرارة المعاصي، والاستغفار طلب الغفران بصحة الإرادة، والحقيقة الأوبة إلى الله عز وجل، فآفة الندم الأمل، وآفة الاستغفار الغفلة، وآفة الحقيقة الشهوة./14/ (1/14)
صفحة 15
كلمة عن كتاب السير
قمت بتحقيق نص كتاب السير على أساس مخطوطة واحدة مكتوبة بخط مغربي حسن واضح والعناون مكتوبة بالحبر الأحمر، ويبلغ عدد صفحات المخطوطة 180 صفحة مقاس 18 x25، وعدد أسطر الصفحة 21 سطرا من المتوسط. والنسخة ملك للشيخ سليمان بن داود من غرداية، أعارها لي مشكورا، لغرض تحقيق الكتاب، وهذه النسخة منسوخة على نسخة أخرى بخط الشيخ عمر بن يوسف وصححت على نسخة أخرى بخط ابن أخ المذكور، وهو يحي ابن الحاج سعيد بن يوسف، وقد قام بنسخ النسخة التي اعتمدت عليها، بكير بن إبراهيم الذي نسخها للشيخ محمد بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم، وفرغ من نسخها في غرة محرم سنة 1335هجرية، بغرداية، وقد حبست النسخة برسم محكمة غرداية سجل 101. ونظرا لجودة النسخة التي أسعفني الحظ بالعثور عليها والتي هي النسخة الوحيدة المعروفة لدي ولدى أصدقائي الإباضيين الذين تحدثت معهم في الموضوع، فإنني لم أجد سوى صعوبات ثانوية في تحقيق هذا النص. وهذه الصعوبات تتصل خصوصا، بقراءة أسماء بعض الأشخاص والأماكن، وقد تمكنت من تذليلها بالرجوع إلى سير الشماخي وطبقات الدرجيني، وذلك بالإضافة إلى مخطوط إباضي آخر أتيحت لي منه نسختان قمت بتحقيقه، في نفس الوقت تقريبا، وأعني بذلك سير أبي الربيع الوسياني. فهذه النصوص بالإضافة إلى المراجع المعروفة والتي استعنت بها /15/ (1/15)
صفحة 16
لوضع الهوامش، هي التي استعملتها لمقارنة ما أشكل علي من أسماء الأشخاص والأماكن الواردة في مخطوطة كتاب السير. وهذا الكتاب يحقق وينشر لأول مرة بالرغم من مضي نحو عشرة قرون على وضعه، ولكنه مع ذلك معروف لدى القدماء والمحدثين من الدراسين لشؤون الإباضيين الدينية والسياسية. فإن المتشرق الألماني، ادوارد ساخو E.Sachau يخبرنا أن الكتاب قد اعتمده المشارقة مصدرا للأخبار التي تتعلق بإباضية المغرب، وإن المؤلف المجهول لكتاب كشف الغمة في سير أئمة عمان، إنما أخذ مادته عن رجال المذهب في شمال إفريقيا من كتاب السير لابن زكرياء. وقبل ذلك كان كتاب السير المصدر الأساسي مع سير أبي الربيع الوسياني الذي استقى منه الدرجيني مادة طبقاته ولاسيما الجزء الأول الذي يشتمل على عشرات الصفحات الملخصة أو المقتبسة حرفيا من كتاب السير، وكذلك استفاد منه ونقل كثيرا من روايات أبي زكرياء أبو الربيع الوسياني الذي عاش في القرن السادس في سيره. وأما الشماخي، فيبدو أنه لم يطلع على نص الكتاب، ولكنه مع ذلك ينقل عنه كثيرا بواسطة طبقات الدرجيني، وكذلك استفاد منه سليمان الباروني كثيرا في كتابه، أزهار الرياض الجزء الثاني، الذي أرخ فيه لتيهرت وللأئمة الرستميين. وكتاب أبي زكرياء هو المصدر الإباضي الأول والوحيد الذي يمكن بواسطته وضع صورة تركيبية للدولة الرستمية، وهو أيضا من المراجع التي لا يمكن كتابة تاريخ المغرب دون الاستعانة بها. وبالفعل فإن المؤرخين الأوروبيين الذين كتبوا عن المغرب في غضون القرن الماضي، منذ ترجمة كتاب السير إلى اللغة الفرنسية سنة 1878م، إنما أخذوا مادتهم الأساسية عن عدد من الموضوعات، وفي مقدمتها ما يتعلق بتاريخ تيهرت، من هذا الكتاب. على أن الشيء الذي ينبغي تسجيله أيضا، هو أن الكتاب قد صادف سوء طالع غريب، فبينما نجد الكتب الإباضية التي استقت منه واعتمدته، مثل سير الشماخي وطبقات الدرجيني قد نشرت نصوصها والأول نشر مرتين، فإذا به هو يظل مخطوطا نادر الوجود. والترجمة الفرنسية التي أشرنا إليها لكتاب السير قام بها ماسكاري تحت عنوان: تاريخ أبي زكرياء، وإنه لمن سوء الحظ أن هذه الترجمة لم تكن في المستوى المطلوب، بل إن من الممكن القول صراحة بأنها رديئة. /16/ (1/16)
صفحة 17
فإلى جانب الثغرات الكثيرة الموجودة في النص الفرنسي والتي تهمل فيها جمل أو فقرات هنا وهنالك، والتي أشرنا إليها، متى كانت مهمة، في هوامش كتابنا، نلاحظ أن النسخة التي اعتمدها المترجم مبتورة في الوسط وفي الأخير، بحيث يبلغ عدد الورقات التي سقطت في مكان واحد 30 ورقة من الورقة 130 جتى 161 في مخطوطتنا، وفي الأخير، يعترف المترجم بأن نسخته غير كاملة بحيث أنه لا يعرف عدد الصحفات الناقصة. وعلى الصعيد التقني فإن ترجمة مخطوط مغامرة كبيرة، ولكي يضمن المترجم لنفسه حظا من النجاح، يجب أن يتأكد من أنه ليس متضلعا في اللغتين فحسب، بل هو أيضا متمرن على آليات قراءة الخط العربي، وله تدريب معقول في ذلك، وهذه مع الأسف ليست حال مترجم مخطوطنا، الذي كان محروما من الميزة الأخيرة، في الوقت الذي كان فيه مستوى لغته العربية لا يتجاوز مستوى معلم فرنسي في مدرسة ثانوية لهذه اللغة في عهد الاستعمار، وفي هذا السياق نلاحظ أن الطريقة التي انتهجها المترجم، هي أنه يهمل بكل بساطة الجملة التي وجد صعوبة في قراءة إحدى كلماتها. والترجمة في مجموعها تنطوي على كثير من التمديد والإضافة غير الضرورية والحشو والاقتصاب، والمترجم بعد لم يبذل أي مجهود للتعرف على أسماء الأماكن الواردة في النص، أو على الأعلام المترجم لها، بل إن اسم المؤلف نفسه ورد في العنوان بهذا الاقتصاب الغريب أبو زكرياء، وهو اسم كنية يشترك فيه عشرات من العلماء الإباضيين. وفي غضون التعليقات الضافية التي كثيرا ما تفقد الصلة بالموضوع كلية، عبثا يحاول القاريء أن يكتشف حالة بذل المترجم فيها مجهودا للتوفيق بين روايات أبي زكرياء وأقوال غيره من المؤلفين، ونحن على كل حال، نعلن بكل أسف أننا لم نستفد من هذه التعليقات قليلا أو كثيرا في الهوامش التي وضعناها على النص الذي بين أيدينا، وإذا استغرب القاريء عدم الإشارة إلى هذه الترجمة وإلى هوامشها، فينبغي أن يعرف أن السبب في ذلك، هو أننا غير مدينين لهذا المترجم بشيء على الإطلاق. على أن الأسوأ من كل ما تقدم، هو الروح الاستعمارية الفجة التي تسود هوامش المترجم ومقدمته والتي لا نجد لها مثيلا إلا في الجيل الأول للمعمرين، أمثال بيجو وخلفائه، وهذه النزعة يصدمنا بها المترجم ويبرزها في مناسبة وفي غير مناسبة، ولاسيما حين يستعمل كلمات مثل: ممتلكاتنا وجزائرنا وشاويتنا وميزابنا، وهذه كلما تتردد في المقدمة والهوامش بالاعتزاز والفخر الذي يتحدث به الإقطاعي عن قطعانه وعبيده، والعملية كلها الترجمة في ذهن المترجم لا تنحصر في نقل معلومات وتقديم خدمة للباحثين والدارسين، بل هي تستهدف توفير /17/ (1/17)
صفحة 18
صورة خلفية لكي يفهم المستعمرون عقلية الأهالي الذين يحكمونهم، فإذا أردنا فهم شعب لكي نحكمه، فيجب أن نأخذه كما هو. وبعد مرور ما يقرب من قرن على ظهور ترجمة مسكاري لكتاب السيرـ قام المؤرخ المستعرب المعروف: لوتورنو R.LeTourneau في سنة 1960، بمحاولة لإعادة ترجمة الكتاب، ونشر قسما من هذه الترجمة يمثل أقل من ثلث النص الأصلي، في المجلة الإفريقية. وقد ذكر المترجم في الفقرة التي قدم بها لهذه الترجمة أنه اكتشف عددا من مخطوطات الكتاب، بعضها كامل، والبعض الآخر عبارة عن أقسام منه. ونحن نأسف لأن المترجم لم يدلنا على أماكن وجود هذه المخطوطات، وما إذا كان قد عثر عليها في مكتبة عمومية أم في خزائن الأفراد، وهو كذلك لم يقدم لنا أي وصف للمخطوطة أو المخطوطات التي اعتمدها للترجمة، مثل عدد أوراق المخطوطة وسطورها ونوع الخط وحالة ورقها إلخ، بل هو اكتفى بالقول بأن جماعة من المستعربين والمستشرقين قد عكفت على مهمة تحقيق النص العربي للكتاب وعلى ترجمته إلى اللغة الفرنسية، وذلك دون أن يذكر أسماء أفراد هذه الجماعة. وعلى الرغم من أن القسم المترجم من الكتاب لا يحمل سوى توقيع المسيو لوتورنو، فإن قلم تحرير المجلة نوه بأن هذه الترجمة جزء من ترجمة جماعة المستشرقين المقترحة. وكذلك أهمل المترجم أن يورد أرقام أوراق المخطوطة الأصلية، الأمر الذي كان يمكن معه التعرف على حجم المخطوطة إجمالا، على أن يدا مجهولة قامت بهذه المهمة بوضع أرقام الأوراق بقلم رصاص على هامش الترجمة في النسخة المحفوظة في المكتبة الوطنية الجزائرية، فكان عدد أوراق المخطوطة المترجمة 49 ورقة وهو يمثل أقل من ثلث الكتاب. ونحن لم نحاول دراسة هذه الترجمة بتعمق بمقارنتها بالنص العربي كما فعلنا بالترجمة الأولى، لأن نيفا وسبع عشرة سنة مضت دون أن يتمكن المترجم من إتمام عمله الذي لا يزال مجرد قطعة، ولكن الانطباع بشأنه هو أنه على الرغم من وجود أغلاط فيها تبرعت يد مجهولة بتصحيحها في نسخة المكتبة الوطنية من المجلة، فإن هذه الترجمة أفضل من ترجمة مسكاري. قلنا أن حظ الكتاب من الترجمة سيء، وقد شاءت الأقدار أن تكون هذه الترجمة الرديئة هي التي اعتمدها الكتاب في كل ما كتب في غضون هذا /18/ (1/18)
صفحة 19
القرن عن الأحداث التي تناولها أبو زكرياء، ولكن ما هي العوائق التي حالت دون تحقيق هذا الكتاب ونشره؟. السبب الأساسي، فيما يبدو لي، هو أن الكتاب يعتبر مفقودا، حيث أننا لا نعرف وجود نسخة منه في مكتبة عمومية أو فردية. وأما المخطوطة المبتورة التي اعتمد عليها مسكاري لترجمة الكتاب، فإنها قد اختفت عقب وفاة هذا الكاتب الذي اختطفته يد المنون إثر نشر ترجمته بوقت قصير، وقد فشلت جهود الباحثين المهتمين بالموضوع في العثور عليها، وكذلك اعتبر النص العربي لكتاب السير ضائعا، مما جعل العلامة جوتييه يقول بصدد الحديث عنه باستغراب: إنه من الأشياء المحيرة للعقل أن لا نعرف كتابا عربيا في التاريخ إلا عن طريق ترجمته. قلنا إن كتاب السير قد احتل المكانة اللائقة به بين المراجع التاريخية منذ ظهور ترجمته، ولكن ما هي نوعية المساهمة التي يقدمها أبو زكرياء بن أبي بكر للبحث التاريخي؟. في المكان الأول يعرفنا الكاتب بعدد من مراكز إشعاع المذهب الإباضي، مثل قنطرارة وقفصة ووارجلان وتيهرت وما كان يجري فيها من نشاط في التعليم والجدال والاجتهاد والافتاء .. إلخ، في الوقت الذي يترجم فيه لعدد من أئمة المذهب ومشائخه ويقدم إلينا عنهم صفحات مؤثرة تبرز، إلى جانب علمهم، فضلهم وتقشفهم وميولهم إلى العدل والتمسك بأهداب الدين الحنيف، وهو في ذلك كله، يتحدث عن شخصيات معاصرة له، أو هي قريبة العهد به ولا تزال مآثرها حية وذكراها عاطرة في نفوس الناس، ونحن نستطيع أن نطمئن إلى روايات أبي زكرياء لأنه واحد من ذلك القوم، ولأنه لم يكن من مؤرخي القصور ولم يلتمس رضا سيد من الأسياد، وإنما هو عالم يدفعه إلى تسجيل سير أشياخه ليكونوا قدوة للأمة، نفس الإيمان الراسخ الذي حمل أسلافه على الوقوف في وجه أمواج القوة المتعاقبة. والصفحات التي خصصها المؤلف لثورة أبي يزيد الخارجي صاحب الحمار مفعمة بالتفاصيل المثرية، وذلك فضلا عن أن الكاتب يفند زعم القائلين بأن الإباضيين متضامنون بطريقة العصبية وينصرون أخاهم ظالما أو مظلوما، حيث أنه لا يتردد في استنكار الفضائع التي ارتكبها هذا الثائر ويصفه بأنه عدو الله. وفي نفس الوقت، فإن وصف المؤلف للعبيديين بأنهم هم أيضا أعداء الله، لم يمنعه من أن يخصص صفحات من كتابه لينقل إلينا صورة فريدة عن معاملة المعز لدين الله لأبي نوح سعيد بن زنغيل ولأبي القاسم بن /19/ (1/19)
صفحة 20
يزيد بن مخلد، الإمامين الإباضيين اللذين قادا ثورة فاشلة ضده، وقد بلغ به الأمر في حرصه على إرضائهما وإرضاء أتباعهما أنه عرض عليهما إعادة ملك تيهرت إلى الطائفة الإباضية، وكذلك يعرض علينا المؤلف بسخاء تفاصيل ما لقيه أبو نوح في بلاط القيروان من الرعاية والكرم والتقدير لعلمه، مما يدل على نزاهة هذه الرواية وبعدها عن التعصب والحزازت التاريخية. صحيح أن رواية أبي زكرياء عن عبيد الله المهدي وعن أبي عبد الله الداعي تختلف في بعض التفاصيل عن رواية بقية المؤرخين ومثال ذلك ما يتصل بإقامته في وارجلان وفي سجلماسة وكون اليسع بن مدرار قد عينه وزيرا في دولته، كما أننا لا نفهم إلحاحه على تسمية أبي عبد الله الداعي باسم أبي محمد الحجاني، هل كان ذلك جهلا بهذا الإسم اللامع؟. ولكن هذا الاختلاف ينطوي على عناصر جديدة توسع آفاق النظرة التقليدية إلى بداية عهد العبيديين، ونحن لا نغالي إذا قلنا أن الباحث الذي يريد رسم خريطة تبرز مسيرة عبيد الله من الشام عبر مصر والجنوب التونسي وبلاد كتامه ووارجلان إلى سجلماسة، يحتاج إلى أن يدرس بعناية رواية أبي زكرياء. وكذلك نرى أن الباحث الذي يدرس ثورة أبي يزيد صاحب الحمار وشخصية هذا الرجل لا يمكنه أن يستوفي البحث حقه إذا أهمل العناصر الجوهرية التي يقدمها أبو زكرياء، والحق أن تغطية أبي زكرياء لهذه الثورة لا تفوقها في التفاصيل سوى رواية ابن الأثير. وأما ما ذكره أبو زكرياء عن الأئمة الرستميين، فهو بالتأكيد، أدق وأغنى ما وصل إلينا من المعلومات عن هذه الدولة، وكتاب السير سيظل المرجع الأول والأخير عنها. ولكن هذا لا يعني أن الكتاب يخلو من فجوات هنا وهنالك، فإن القاريء مثلا، سيندهش حين يلاحظ أن أبا زكرياء لا يذكر شيئا عن دور ورفجومة التي كانت تناصر أبا حاتم عندما نشب القتال بينه وبين يزيد بن حاتم، بعدما تحولت هذه القبيلة من موقف العداء الذي لا هوادة فيه للخوارج منذ بضعة أعوام إلى موقف الحليف والنصير. ومن الغريب كذلك أن الكاتب الذي يقدم إلينا صفحات ثمينة عن العبيديين في الشرق، لا يذكر قليلا أو كثيرا عن دولة الأدارسة ولا عن علاقات هذه الدولة بالرستميين، الذين كانت تتعايش معهم في سلم ووئام، وهذا الصمت يحيرنا، خصوصا إذا اعتبرنا أن الأدارسة كانوا، مثل الرستميين وبني مدرار في سجلماسة، جميعا يقاومون عدوا مشتركا غزا أراضيهم وشتت شمل أسرهم الحاكمة. /20/ (1/20)
صفحة 21
وأكثر من ذلك، فإن الكتاب لا يعطينا سوى صورة غامضة عن تيهرت في أيامها الأخيرة، قبل أن يدمرها العبيديون. والكتاب لا يذكر شيئا عن علاقات تيهرت بالخلافة الأموية في الأندلس، تلك العلاقات التي كانت نتيجة لظهور قوة العبيديين ولرغبة قرطبة في إقامة حواجز بينها وبينهم في أبعد نقطة ممكنة. ومن جهة أخرى، أهمل المؤلف كلية تاريخ الأغالبة، وما شهدته دولتهم من الثورات في القارة وحروبهم في صقلية وإنما يذكرهم لأول مرة لدى مرور جيوشهم بجبل نفوسة في طريقهم إلى تيهرت، حيث دخلوا في معركة حاسمة في تاريخ الإباضية مانو. بل إن أبا زكرياء لم يتعرض في روايته لافتتاح أبي عبد الله للجنوب التونسي، وخصوصا لقسطيلية وقفصة، وهما معقلان إباضيان من الدرجة الأولى. تلك وغيرها فجوات تستفلت أنظار الدارس المدقق لكتاب السير، وليس من السهل تفسيرها، اللهم إلا إذا راعينا أن انسحاب الإباضيين إلى الجنوب واحتلال العبيديين لكثير من مراكز الإشعاع لبلدهم قد حرمهم من مكتباتهم ولاسيما، مكتبة المعصومة بتيهرت التي قيل أنها أحرقت واضطر علماءهم إلى اجترار الرواية الشفهية التي عملوا بها لتسجيل الأحداث التي نقلتها إليهم واعتمدوا عليها دون سواها، وهذا الاعتبار يفسر لنا أيضا ظاهرة أخرى في سير أبي زكرياء وفيما كتب بعده من السير الإباضية، وهي خلوها من تواريخ ميلاد المترجم له وتاريخ وفاته، ومن التواريخ بصفة عامة، وخلوها كذلك، من الحقائق المجردة، ومن تسلسل أنساب المترجم لهم إلى ما فوق الأب والجد، وعدم إيرادها أية مراجع تاريخية لغير الإباضيين. ومهما يكن من أمر، يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن تاريخ أبي زكرياء إنما هو تاريخ إباضي ديني في المكان الأول، يرتكز على سير العلماء والأئمة الذين يقتصر على إيراد الحوادث التي وقعت لهم أو شاركوا فيها، دون أن يهتم بسياقها التاريخي العام في المغرب، ونحن يجب أن نأخذه كما هو ونثني على منهجية صاحبه وعلى دقته ونزاهته. الجزائر في 8 إبريل 1977، اسماعيل العربي. /21/ (1/21)
صفحة 22
[هوامش لم ترقن] (1/22)
صفحة 23
كتاب السير لأبي زكرياء
بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله، الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير. أما بعد، لما رأينا ما انطمس من الآثار، وما اندرس من الأخبار، انبعثت أفكارنا إلى تأليف أخبار من سلف من الأشياخ، أهل هذه الدعوة وصلحائها ونذكر مناقبهم، وحسن سيرهم، وجميل مذاهبهم، ونشر فضائلهم، فكتبنا من ذلك ما تيسر لنا كتابته ورجونا منفعته من بعد ما خشينا على العوام أن يتخذوه وراءهم ظهريا، ويجعلون نسيا منسيا، وإلى الله الرغبة وإياه نسأل العصمة، ومن لدنه نرجو الثواب فيما له قصدنا، وله المنة علينا، وهو حسبنا ونعم الوكيل. فأول ذلك، ذكر سبب وقوع مذهب الإباضية ببلاد المغرب، وكيف كان الخمسة النفر الحملة العلم إلى أرض المغرب، وكيف كان ابتداء الإمامة إلى انقراضها، ثم ما يتلو ذلك من أخبار المشائخ وأخبار أهل الدعوة مع الأئمة المسودة وكيف كان قيام من قام عنهم، قرنا بعد قرن وما (1) يتبع ذلك من أحاديث أهل الدعوة ونشر مآثرهم، وطلب مخابرهم، خلف عن سلف (2) وخلف بعد خلف، وعسى أن يتذكر به متذكر، ويستيقظ ذو هفوة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين. حدث غير واحد من أصحابنا وحدث به الإمام أفلح عن أبيه عبد الوهاب عن أبيه عبد الرحمن بن رستم رضي الله عنه في بعض ما يحدث به عنهم، وكان إذا ذكره، ذكره بالإمام، قال أخبرنا الإمام، أو قال سمعته يقول: أول من جاء بهذه الصفة يريد مذهب الإباضية ونحن بقيروان /25/
__________
(1) في الأصل: بعدما.
(2) في الأصل: سلف عن خلف. (1/25)
صفحة 24
افريقيا، سلمة بن سعد، قدم علينا من أرض البصرة، هو عكرمة مولى ابن عباس، وهما راكبان على جمل واحد حملا عليه زادهما، سلمة بن سعد يدعو إلى الإباضية، وعكرمة بن عباس يدعو إلى الصفرية. قال وسمعت سلمة يوما يقول: وددت أن يظهر هذا الأمر، يعني مذهب الإباضية بالمغرب يوما واحدا من غدوة إلى الليل، فما أبالي بعد ذلك ضربت عنقي. ثم إن عبد الرحمن بن رستم قام في ذلك الأمر مجتهدا في طلبة غاية الاجتهاد، فقال له رجل من أهل الدعوة، إن كنت تريد علم أهل هذا الأمر الذي كلفت به وعلقته وأراك تطلبه، فدونك أرض البصرة، فإن بها عالما يكنى أبا عبيدة، واسمه مسلم ابن أبي كريمة التميمي، فإنك تجده عنده ما تطلبه، وقيل إن أمه هي التي قالت ذلك له، فلذلك توجه عبد الرحمن بن رستم إلى أبي عبيدة رضي الله عنه، وله حديث عنه سأذكره بعد إن شاء الله، مع النفر الذين طلبوا العلم إلى أبي عبيدة إذا صرنا إليه. /26/ (1/26)
صفحة 25
/27/ (1/27)
صفحة 26
ذكر فضائل الفرس من العجم
ونظرنا في كتاب أعلام النبي ص لابن قتيبة وقد ذكر أبو عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الوعظ والزهاد، أن إيوان كسرى اهتز وسقط منه أربع عشرة شرفة ليلة تولد بها النبي ص، فهاله ما رأى من ذلك فعزم على كتمان ذلك عن وزرائه، فلم تحتمله نفسه وضاق به صدره، فلما كان بالغد من ليلته، أخذ بزته ولباسه وقعد تحت تاجه، فأرسل إلى وزرائه وأهل مملكته، فلما اجتمعوا عليه تكلم كسرى فقال لهم: أخبروني بم بعثت به إليكم، فقالوا: ليخبرنا الملك، فإن يكن عندنا شيء أخبرناه به، فقص عليهم خبر الإيوان. وكان من وزرائه رجل يقال له الموبدان، فقال: وأنا أصلح الله الملك، رأيت رؤيا أهالتني وأقلقتني. فقال له الملك: يا موبدان هات رؤياك.
فقال الموبدان: إني رأيت إبلا صعابا تقود خيلا عرابا حتى انشرت في دجلة وبلادها.
فقال الملك: أي شيء يكون ذلك يا موبدان؟.
فقال الموبدان: لا أدري غير أنه حدث يكون في ناحية المغرب وبينما هم في ذلك يتحاورون الكلام، إذ أقبل عليهم راكب يخبر بخمود نار فارس، وكانت قبل ذلك لم تخمد ألف عام، فهاله ذلك بأشد مما رأى من الإيوان ورؤيا الموبدان وبينما هم في ذلك أتاهم آت بغور بحيرة ساوة وفيض ماء السموات، فاشتد جزعه واستشار وزراءه وأصحابه، فقال له بعضهم: إن في ناحية المغرب علماء الكهنة، فلو بعث إلى عاملك النعمان بن المنذر فيبعث إليك بأعلم من فيهم. /28/ (1/28)
صفحة 27
قال: فأرسل الملك إلى النعمان بن المنذر، أن ابعث إلي بأعلم من في بلادك، قال: فبعث إليه النعمان بن المنذر بعبد المسيح بن عمر بن حيان بن ثغلبة (1) الغساني، وقد أتى عليه من السنين نيف وثلاثمائة سنة، وعمر حتى كانت ردة العرب، بعد مبعث النبي ص، فمر به خالد بن الوليد حين صدر من اليمامة، وهو في بلاد الحيرة وهو حي، وله معه حديث ليس هذا موضعه، وكان على دين النصرانية. فلما قدم على كسرى الملك، قال له: أخبرني فيم بعثت به إليك؟.
فقال عبد المسيح: ليخبرني الملك، فإن يكن عندي شيء قلته، وإلا أتيت رجلا من بني عمي بمشارف الشام، وهي ما والى الحجاز من أرض مؤتة استشهد بها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فيخبرني عن سؤال الملك، من غير أن أسأله فضلا عن أن استخبره.
قال: فأخبره الملك بإيوانه ورؤيا الموبدان وكل ما جرى عليه، فقال عبد المسيح: ليس عندي في هذا شيء مما أراد الملك، ولكن انظرنا حتى نقدم الشام وآتيك بعلم ذلك.
قال: فمضى عبد المسيح متوجها إلى الشام حتى قدمها، وقد أشرف في طريقه على الموت بالعطش، فلما قدم على سطيح وقف بين يديه، فلم يجب سطيح جوابا، ولم يرفع إليه رأسه، فلما استبطأه عبد المسيح، أنشأ يرتجز ويقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... أم فدفان لم به شأو العنن
يا فاضل الخطة أعيت من ومن ... أتاك شيخ الحي من آل سنن
وأمه من آل ديب بن حجن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن
يجوب في الأرض علندات شزن ... ترفعني وجن وتهوى لي وجن
حتى أتاه عاري الجابي والفطن .. إلخ. حتى أتم أرجوزته ورفع إليه سطيح رأسه، فقال جاء عبد المسيح على جمل مشيح أتي إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح، فقال: بعثك ملك ساسان لارتكاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبدان، وابلا صعابا تقود خيلا عرابا حتى انتشرت في دجلة وبلادها، فقال عبد المسيح: أي شيء يكون ذلك؟.
فقال سطيح: إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاضت السموات وغاضت بحير كساوت، فليس الشام لسطيح بشام، فقال: ما بال الشرفات؟.
فقال: يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، وذكر الجاحظ في كتابه أن سطيحا قضى مكانه، ثم إن عبد المسيح رجع إلى كسرى، فلما كان ببعض الطريق أنشأ يقول:
شمر فإنك ماضي الهمم تشمير ... لا يفزعنك إدلاج وتهجير/29/
__________
(1) كذا في الأصل، والأصح: ابن بقيلة، وقد سمي بهذا الاسم لأنه خرج من ثوبين أخضرين، فقال له إنسان: ما أنت إلا بقيلة!. (1/29)
صفحة 28
أن يمسي ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير
منهم أخو الصرح بهرام وإخوته والهرمزان وسابور وسابور
فربما ربما أضحوا بمنزلة ... يخاف صولهم الأسد المهاجير
والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أفل فمحفور ومهجور
الخير والشر مقرونان في قرن ... والخير متبع والشر محذور
فلما وصل كسرى خبره بما قال سطيح، قال له الملك: إلى أن تملك منا أربعة عشر، تكون أمور عظام، فملك منهم تسعة، فتأخر ملكهم بمبعث النبي ص. قال عبد الله بن قتيبة في كتابه، والله أعلم بمن كان به التمام ونرجو أن هؤلاء الذين وصلوا أرض المغرب بتيهرت من أئمتنا، وقد بلغوا فيها درجة عظيمة، وولوها نيفا ومائة وخمسين سنة، فيما ذكره بعض الرواة. وبلغنا أن رسول الله ص لما نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكفارين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}، فأشار سلمان الفارسي، وكان سلمان جالسا بين يديه، فقال: ولعلهم أن يكونوا من رهط هذا. وذكر في الكتاب أن رسول الله ص قال: إن لله كنزا ليست من ذهب ولا من فضة، ولكن في ظهور أبناء فارس، وذكر ابن أب؟ * أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشى ذات مرة مع المغيرة بن شعبة، وكان المغيرة أعور، فقال له عمر رضي الله عنه: هل أبصرت بعينيك هذه شيئا يا مغيرة؟، فقال المغيرة: نعم يا أمير المؤمنين.
فقال له عمر: ثم عورت؟، فقال له المغيرة: ثم عورت.
فقال له عمر: ليعورن الإسلام كما عورت، ثم ليعمى حتى لا يدري من له ومن عليه، فإذا مرت عليه مائة وستون سنة رد الله عليه سمعه وبصره بوفد كوفد الملوك طيبة أرواحهم، صالحة أعمالهم.
فسأله المغيرة: من أي ماء يا أمير المؤمنين، أمن ماء الحجاز، أو من ماء العراق، أو من ماء الشام؟ فولى عنه عمر رضي الله عنه وتركه، ثم أن الفرس وليته على رأس مائة وستين بتيهرت، وذكر بعض أصحابنا أن ولايتهم على رأس اثنتين وستين سنة. وروي عن زيد بن أسلم أن النبي ص رأى رؤيا فقصها على أصحابه، فقال: «رأيت غنما سوداء خالطها غنم بيضاء، فأولتها أن العجم يدخلون الإسلام، وسيشركونكم في نسائكم وأموالكم، فتعجبوا من ذلك، فقالوا: العجم يا رسول الله؟، فقال: اي والذي نفسي بيده لو أن الدين /30/ (1/30)
صفحة 29
متعلق بالثريا لتناولته رجال من العجم، وأسعدهم به فارس». وروي عن رسول الله ص من طريق آخر أنه قال: «لو أن العلم معلق بالثريا لناولته الفرس». وذكر بعض المفسرين في قوله عزوجل: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون}، فقال بعضهم هم بنو حنيفة، وقال بعضهم الفرس. /31/ (1/31)
صفحة 30
/32/ (1/32)
صفحة 31
فضائل البربر من العجم
وبلغنا أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه، دخل عنها ذات يوم رجل من البربر، وهي جالسة ومعها نفر من المهاجرين والأنصار، فقامت عائشة عن وسادتها، فطرحتها للبربري دونهم، فانسل القوم غضابا، فاستفتى البربري في حاجته ثم خرج، فأرسلت إليهم عائشة فالتقطتهم من دروهم، فجاؤوا كلهم، فقال لهم عائشة رضي الله عنه: أراكم قمتم عني غضابا، ولم ذلك؟، قال بعضهم: غضبنا عليك من أجل رجل جاءك من البربر كنا نزدريه وننقص قومه، فآثرته علينا وعلى نفسك.
قالت لهم عائشة رضي الله عنه: آثرته عليكم وعلى نفسي لما قال فيهم رسول الله ص، قالت: أتعرفون فلانا البربري؟، قالوا: نعم.
قالت عائشة: كنت أنا ورسول الله ص جلوسا إذ دخل علينا ذلك البربري مصفر الوجه غائر العينين، فنظر إليه رسول الله ص فقال له: ما دهاك، أمرضت مرضة؟ فارقتني بالأمس ظاهر الدم صحيح اللون، وجئتني الساعة كأنما نشرت من قبر. فقال له البربري: يا رسول الله، بت بهم شديد، قال له النبي ص: ما الذي همك؟، قال: تردد بصرك علي بالأمس، خفت من ذلك أنه قد نزلت في آية من الله، قال له النبي ص: لا يحزنك ذلك إنما تردد بصري عليك بالأمس من أجل جبريل عليه السلام، جاءني فقال لي: يا محمد، أوصيك بتقوى الله وبالبربر، قلت: يا جبريل، وأي البربر؟، قال: قوم هذا، وأشار إليك، قال النبي: فقلت لجبريل وما شأنهم؟، قال: قوم يحبون دين الله بعد أن يموت ويجددونه بعد إذ يبلى، قال /33/ (1/33)
صفحة 32
جبريل: يا محمد دين الله خلق من خلقة ينشأ بالحجاز وأصله بالمدينة، خلقة ضعيفة، ثم ينميه وينشئه حتى يعلو ويثمر كما تثمر الشجرة، ثم يقع، وإنما يقع رأس دين الله بالمغرب، والشيء إذا وقع لم يرفع من وسطه، ولا من أصله وإنما يرفع من عند رأسه. وبلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قدم عليه قوم من البربر، لواته، أرسلهم إليه عمرو بن العاص، وهم محلقون الرؤوس واللحاء، فقال لهم: من أنتم؟، قالوا: من البربر، لواته، فقال عمر لجلسائه: هل منكم من يعرف هذا القبيلة في شيء من قبائل العرب والعجم؟، قالوا: ليس لنا بقبيلهم علم، فقال العباس بن مرداس السلمي، إن عندي فيهم علما يا أمير المؤمنين، هؤلاء من ولد بربر بن قيس، وكان لقيس عدة من أولاد، أحدهم سالم بن قيس، وفي خلقه بعض الرعونة، يعني ضيقا، فقاتل إخوته ذات يوم، فخرج إلى البراري، فكثر بها نسله وولده، وكانت العرب تقول تبربروا أي كثروا، فنظر إليهم عمر رضي الله عنه، وكان أوفدهم إليه عمرو بن العاص وأرسل معهم ترجمانا يترجم كلامهم إن سألهم عمر عن شيء، فقال لهم عمر: مالكم محلقوا الرؤوس واللحاء؟، فقالوا: شعر نبت على الكفر، فأحببنا أن نبدل شعرا في الإسلام.
فقال لهم عمر: هل لكم مدائن تسكنون بها؟، قالوا: لا.
قال: هل لكم حصون تتحصنون بها؟، قالوا: لا.
قال: فهل لكم أسواق تتبايعون فيها؟، قالوا: لا.
فبكى عمر رضي الله عنه وقال له جلساؤه: وما يبكيك يا أمير المؤمنين؟، قال: أبكاني حديث سمعته عن رسول الله يوم حنين، حين انهزم المسلمون، ونظر إلي رسول الله أبكي، فقال: ما يبكيك يا عمر؟، قلت: أبكاني يا رسول الله قلة هذه العصابة من المسلمين واجتماع أمم الكفر عليهم، فقال رسول الله ص: لأنبئنك يا عمر فإن الله سيفتح للإسلام بابا من المغرب قوم يعز الله بهم الإسلام ويذل بهم الكفر، أهل خشية وبصائر، يموتون على ما أبصروا، ليست لهم مدائن يسكنونها ولا حصون يتحصنون بها ولا أسواق يتبايعون فيها، ولذلك بكيت الاسعة حيث ذكرت حديث رسول الله ص، وما ذكره لي عليهم من الفضائل، فردهم عمر إلى عمرو بن العاص وأمره أن يجعلهم في مقدمة عسكره، وكانوا مع عمرو بن العاص حين قتل عثمان بن عفان. فلما كان هذا الحديث في عصابة من أهل المغرب عن عمر، عن رسول الله ص، رجونا أن يكونوا أهل دعوتنا، وأن يستوجبوا فضل هذا الحديث. وقد بلغنا عن رجل من ذرية أبي بكر قال: قال علي بن أبي طالب /34/ (1/34)
صفحة 33
ض يا أهل مكة ويا أهل المدينة أوصيكم بالله وبالبربر، فإنهم سيأتونكم بدين الله من المغرب، بعد أن يضيعونه هم الذين ذكرهم الله في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}، وهم الذين لا ينظرون في حسب أحد خلاف طاعة الله. قال البكري: فمن حين وقعت الفتنة إنما نقاتل نحن العرب على الدينار والدرهم، وأما البربر، فإنما يقاتلون على دين الله ليقيموه. قال وهو يرفع الحديث إلى ابن مسعود أن آخر حجة حجها قام خطيبا، فقال: يا أهل مكة والمدينة أوصيكم بتقوى الله وبالبربر، فإنهم سيأتونكم بدين الله من المغرب، وهم الذين استبدل الله بكم إذ يقول: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونون أمثالكم}. والذي نفس ابن مسعود بيده لو أدركتهم لكنت لهم أطوع من إمائهم وأقرب لهم من دثارهم، يعني ثيابهم. وبلغنا عن عائشة رضي الله عنه أنها أبصرت صبيا له ذوابتان ذا جمال وهيئة، فقالتك من أبي قبيل هذا من السبع؟، قالوا: من البربر، قالت عائشة: البربر يقرون الضيف، ويضربون بالسيف ويلجمون الملوك لجام الخيل اللجم.
رجع الحديث إلى ذكر النفر الخمسة الحملة العلم
أحدهم أبو الخطاب عبد الأعلي بن السمح المعافري، ومعافر قبيلة من العرب، وعبد الرحمن بن رستم الفارسي، وعاصم السدراتي، واسماعيل بن درار الفدامي.
أخبار عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى الملك الفارسي
كان أصله من العراق وكان أبوه رستم عنده في العلم أن ذريته ستلي أرض المغرب، فأقبل رستم متوجها من العراق ومعه ابنه عبد الرحمن وزوجه ليتوصل إلى أرض المغرب منها، فلما كان بكة أو قريبا منها، أدركه حمامة، فانقضت أيامه، فمات، فالتقى ابنه عبد الرحمن وأمه مع الحجاج بمكة من أهل المغرب، فتزوجت أم عبد الرحمن رجلا من أهل القيروان، فأقبل بها حتى قدموا أرض القيروان، ونشأ بها عبد الرحمن بن /35/ (1/35)
صفحة 34
رستم، فلما بلغ مبلغ الرجال وقرأ وأفصح، نظر إليه رجل من أهل الدعوة، فقال له: يا فتى، إن كنت طالبا ما أراك تطلبه، فاقصد إلى أبي عبيدة، مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله عنه، تجد عنده ما رجوت. فسار عبد الرحمن بن رستم إلى أبي عبيدة، فالتقى مع النفر الذي ذكرنا، فصافحهم أبو عبيدة وسألهم عن أحوالهم ومن أين أقبلوا، فأخبروه أنهم من أهل المغرب، وأنهم أرادوا تعليم العلم، فأجابهم إلى ذلك، ومكثوا عنده سنين عدة، وكان الشيخ أبو عبيدة رضي الله عنه مستخفيا متخوفا من بعض أمراء البصرة وأدخلهم سربا وجعل فيه سلسلة، فصار يعمل القفاف بباب السرب، فمتى رأى شخصا حرك السلسلة فيسكتون، فإذا انصرف حركها فيأخذون في عزمهم. وكان عبد الرحمن شابا جميلا حدث السن، وكان أبو عبيدة يجعل بينه وبين الناس سترا لئلا يشغلهم بجماله، فلما بلغوا من العلوم ما قدر الله لهم، وأرادوا الانصراف إلى بلادهم، كلم العجائز أبا عبيدة وطلبن إليه أن يريهن عبد الرحمن فيدعونه، فأجابهن أبو عبيدة، فأدخلهن عليه، وكن ثلاثا، فدعت واحدة منهن، فقالت: بارك الله في عين الشمس، وقالت الثانية: وبارك الله فيك كما بارك في البحر، وقالت الثالثة: وبارك الله فيك، كما بارك في مطيب الطعام من الملح. قال: فلما عزموا على المسير إلى بلادهم، كلموا أبا عبيدة واستشاروه في شأنهم فقالوا: يا شيخنا، قد كانت لنا في المغرب قوة، ووجدنا من أنفسنا طاقة، أفنولي على أنفسنا رجلا منها، وما ترى؟، فقال لهم أبو عبيدة: توجهوا إلى بلادكم، فإن كان في أهل دعوتكم ما تجب به عليكم التولية في العدد والعدة من الرجال، فولوا على أنفسكم رجلا منكم، فإن أبى فاقتلوه فأشار إلى أبي الخطاب رضي الله عنه، فلما أراد الخروج من عنده، تهيأ الشيخ للركوب ولموادعتهم وجعل رجله من الركاب، فسأله اسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام، قبل أن يستوي على متن الدابة، فقال له أبو عبيدة: أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار، فقال له اسماعيل بن درار: أرأيت إن ابتليت به يرحمك الله في ذلك الوقت أم قبل ذلك؟، ثم توجهوا إلى المغرب، فلما وصلوا عرضوا الإمامة على عبد الرحمن بن رستم فاعتذر إليهم، وقال لهم أن بيدي أمانة الناس وبضائعهم، وقبلوا عذره وتركوه، وأرادوا تولية أبي الخطاب رضي الله عنه الإمامة. /36/ (1/36)
صفحة 35
إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ض
ذكر بعض أصحابنا أنه لما قدم أبو الخطاب مع أصحابه من أرض الشام إلى طرابلس، اهتم بأمور المسلمين من له النظر فيهم من المشائخ، فاجتمع جماعة من المسلمين بعدما اقتتل الحارث وعبد الجبار والناس في الكتمان، فكانوا يجتمعون ويذكرون عقد الإمامة، فأجالوا النظر وأطالوا الفكر فيما بينهم فيمن يولونه أمرهم، إن كانت لهم قوة على عدوهم، فكانوا يجتمعون في موضع يقال له صياد غربي المدينة، مدينة طرابلس، يظهرون على أنفسهم أنهم إنما يجتمعون في أمر أرض بين قوم أرادوا قسمتها، وأظهروا ذلك وأعلنوه، وقيل أنهم إنما يجتمعون على أمر رجل وزوجته اختصما، وإنما مرادهم الإمامة، فإذا اجتمعوا في ذلك الموضع، وفرغوا من كسلامهم، توجهوا إلى عامل المدينة، فيسلمون عليه مداراة له، حتى اتفق رأيهم على عقد الإمامة، فاجتمعت كلمتهم على مبايعة أبي الخطاب ض. وذكر بعض أصحابنا أنهم لما اتفقوا على ذلك، جعلوا بينهم موعدا يوما معلوما يجتمعون فيه بالصياد، فاتفقوا على أن كل واحد منهم يأتي بمن خلفه من الرجال، ومن تبعه من الناس بالسلاح، ويجعلون الدروق في الغرائز، ويحشونها بالتبن. وكان بينهم وبين مشائخ المسلمين من أهل المدينة ومن لا يقدر على النهوض معهم علامة، إذا رأوها دخلوا المدينة بجماعتهم وأن يشهروا السلاح ويظهروها، وأخبروهم أن الإمام هو أبو الخطاب في السر، فلما كانوا بالموعد اجتمعوا فيه بعامة المسلمين من شيوخهم البربر وغيرهم، من نفوسة وهوارة وجريشة، وغيرهم من أبناء القبائل. فلما توافوا بصياد، وقد أخرجوا أبا الخطاب حين خرجوا، وقالوا امضي معنا على بركة الله وعونه في هذا الأمر الذي تحيرنا فيه منذ زمان، قال: فخرج معهم أبو الخطاب ولم يدر ما يريدونه، وهو غافل عن مرادهم فلما وصلوا إلى صياد تكلم متكلمهم وقال: أليس قد اجتمع رأينا على ما قد علمتموه؟، قالوا: بلى.
قال: فأتموا أمركم إذا، قال: فقامت منهم طائفة ناحية فتكلموا فيما بينهم، ثم رجعوا، فقالوا لأبي الخطاب: ابسط يديك لنبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله وسنة رسوله، فقال لهم أبو الخطاب: استغفلتموني وليس لهذا أخرجت إليكم، فقالوا له: لابد لك من الدخول في أمور المسلمين. فلما رأى الحقيقة منهم والجد، قال لهم: لا أقبل أمانتكم إلا على شرط، فقالوا له: كل شرط يجوز، فنحن معطوكه ونطيعك فيه. /37/ (1/37)
صفحة 36
فقال: شرطي فيكم ألا تذكروا في عسكري مسألة الحارث وعبد الجبار، خوفا منه عليهم أن لا يكونوا في جماعة المسلمين اختلاف وفرقة. وقد حدث بعض أصحابنا أن مسألة الحارث وعبد الجبار اتصلت إلى أرض المشرق بينهم فيها اختلاف وفرقة، وفي المغرب أشد من ذلك، حتى كتب إليهم أبو عبيدة مسلم وأبو مودود حاجب رحمهما الله، يأمران جماعة المسلمين بالكف عن ذكرهما، فأراد أبو عبيدة أن يقطع الاختلاف من جماعة المسلمين بإماتة ذلك. فقالوا له: لك ذلك علينا، وبايعوه على الإقامة بحق الله فيما في كتاب الله وسنة رسوله وإتباع الأئمة المهتدين، فقبل مبايعتهم، وانصرف إلى المدينة ومعه جماعة المسلمين. وذكر بعض أصحابنا أن ولاية أبي الخطاب، كانت على رأس سنة أربعين ومائة سنة. ثم اجتمع رأيهم على دخول المدينة، مدينة طرابلس، وبها عامل لأبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس، ثم إنهم عمدوا إلى رجال مع سلاح، فحملوها في جوالق في هيئة الرفقة، وجعلوا أفواه الجوالق مربوطة في داخل من أسفل، وجعلوا مع كل جمل رجلين بالسلاح. ولما توسطوا المدينة ولم يفطن بصنيعهم أحد، فتحوا الجوالق وخرج الرجال والسلاح من أيديهم، فقالوا: لا حكم إلا لله، لا طاعة إلا طاعة أبي الخطاب. وقصدوا إلى نحو العامل ليقتلوه، وأبى عليهم أبو الخطاب ذلك، وقال لهم: إنما دخلنا عليهم بالأمان. فلما نظر أهل المدينة إليهم، وقد أشهروا السلاح، قالوا: هذه غدرة، وقال لهم المسلمون ليس ذلك بغدر، لابأس عليكم، فمن أراد منكم العافية فليقم في منزله، فخير أبو الخطاب العامل في الإقامة بالمدينة وينخلع من العمالة والخروج بالأمان، فاختار العامل الخروج إلى أرض المشرق، فدفع إلى أبي الخطاب مفاتح بيت المال فأخذ منه، وأحسن أبو الخطاب السيرة في أحكامه وأيامه. وكانت ولاية أبي الخطاب أربع سنين، فقد ولي على رأس أربعين ومائة سنة. وبلغنا أن امرأة من نساء القيروان كتبت بطاقة إلى الإمام أبي الخطاب رضي الله عنه، تشكوا إليه جور ورفجومة، فقالت: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن لي بنتا لم أحرزها إلا في حفرة حفرتها تحت سريري مخافة عليها من الورفجومية أن يفسدوها. /38/ (1/38)
صفحة 37
وكانت ورفجومة ولاية القيروان، فلما وصلت البطاقة إلى الإمام أبي الخطاب رضي الله عنه، صادفته وهو يتوضأ، وقرأ كتابها وصار يبكي رحمة لها لما نزل بها، فنادى بالصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فصلى بهم وصعد المنبر خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه خيرا ورغب أصحابه في الجهاد، وأمر رعيته بالاستعداد للحرب، وخرج أبو الخطاب من المسجد، فلما وصل إلى بابه، سل سيفه وكسر غمده، وقال: لا حكم إلا لله، ترغيبا للمسلمين في الجهاد وغضبا لله ولدينه. وبلغنا من طريق آخر أن ورفجومة أخرجوا من القيروان امرأة وهي تصيح وتقول: أغيثوني معاشر المسلمين من عسكره، فلما أصبح أبو الخطاب قطع خلفه ليعلم من رجع، فوجد أثر بعض عسكره قد رجع، فأمر مناديه أيضا في اليوم الثالث، فنادى فلما جنهم الليل، رجع من أراد الرجوع، وبقي من له رغبة في الجهاد، وعددهم ستة آلاف، فأمر أبو الخطاب رضي الله عنه أن يقطع خلف العكسر، ليعلم إن كان رجع أحد أم لا فقطعوا فلم يرجع أحد بعد ثلاث. وقال أبو الخطاب رضي الله عنه: أنا ضامن لمن مات في غزوتنا هذه الجنة، إلا من كانت معه إحدى ثلاث خصال: إحداها: قاتل النفس التي حرم الله، والثانية: من كان على فراش حرام، والثالثة: من كانت في يده أرض الغصب، وله منها مخرج. أما من كان على فراش حرام، فليبرأ منه وليستشهد أنها ليست بامرأته ويتوب إلى الله، وأما أرض غيره، إذا كانت في يده، فليتبرأ منها وليستشهد على تركها، وأما من قتل نفسا من غير حلها، فليفد نفسه لأولياء القتيل، فإن لم يجدهم فيلدفع نفسه في سبيل الله، فقام إليه رجل فقال: قد اجتمعت في يا أمير المؤمنين، فأمره الإمام أن ينتفي من الفراش الحرام ويتبرأ من الأرض المغصوبة ويقيد لأولياء القتيل، فإن لم يجدهم فليدفع نفسه في سبيل الله. وبلغنا أن أبا الخطاب رضي الله عنه جاز على مدينة قابس، فحاصر أهلها حتى ضعفوا وأذعنوا له بالطاعة، فجعل على المدينة عاملا. ولما وصل أبو الخطاب رضي الله عنه إلى أرض القيروان حاصرهم بأشد الحصار ما شاء الله. ثم إن عاصما السدراتي مرض مرضا شديدا، وكان من خيار العسكر، وهو أحد الخمسة الحملة للعلم، وأشد شوكة على أهل القيروان، فسمع أهل القيروان بمرضه وأنه اشتهى قثاة فبعث أهل القيروان رجلا بياعا يبيع القثاء، فسموا منها قثاة وأمروه أن لا يبيعها إلا لعاصم السدراتي. قال: فمضى البياع بما معه من القثاء إلى أن وصل العسكر واشترى /39/ (1/39)
صفحة 38
لعاصم أصحابه القثاة المسمومة وأتوه بها فأكلها، فقطعه السم فمات وهرب البياع حين باعها لهم، فاستشهد عاصم رحمه الله، فصاح أهل المدينة أين عاصم السدراتي القتيل بالسم، ثم قال أحدهم مات عاصمكم يا بربر، فعلم أبو الخطاب أنهم خدعوه، وبلغ فيه موت عاصم مبلغا عظيما، فقال لأصحابه: إنهم خدعونا وغدرونا، فسنخادعهم كما فعلوا، فخادعهم رحمة الله عليه، فأمر أهل العسكر أن يأخذوا أسلحتهم ويخلوا أخبيتهم، ويخرجوا تحت الليل، ويأخذوا الطريق شبه منهزمين، فأصبح عسكر أبي الخطاب خاليا، فظن أهل القيروان أنهم هزموا لهم ليلا، فقالوا: انهزمت البربر، فأخذوا في طريقهم على أثرهم. ومضى أبو الخطاب رحمة الله عليه فيمن معه من إلى واد وراء فحص رقادة، وكمن فيه برجله وخيله، فأخذ أهل المدينة في طلب أبي الخطاب رضي الله عنه وأصحابه، فلما لحقوهم وجدوهم معسكرين، فترأى أبو الخطاب فيمن معه في وجوههم فهزموهم فتبعهم أبو الخطاب وأصحابه يقتلونهم حتى دخلوا المدينة معهم، فحصلت المدينة لأبي الخطاب، وذلك في سنة إحدى وأربعين ومائة من التاريخ. فلما استولى أبو الخطاب على المدينة، استعمل عليها عبد الرحمن بن رستم. وكان أبو الخطاب في حصاره المدينة قد أمر أصحابه ألا يفسدوا زرعا من زرعهم. وحدث بعض أصحابنا أن شيخا من شيوخ القيروان بعث ابنا له يرتاد مزرعة كانت بقرب مناخ عسكر أبي الخطاب رضي الله عنه، فقال: أي بني اذهب وانظر إن كان قد بقي في مزرعتنا شيء، قال: فخرج الغلام إلى الزرعة فوجدها كما كانت، لم يفسدوا فيها شيئا، فرجع الغلام إلى أبيه فأخبره، فتعجب الناس من عدل أبي الخطاب رضي الله عنه، ومن سيرته وطاعة أصحابه له فيما يأمرهم به من الحقوق. وقال الشيخ لمن كان بحضرته إنما تشبهون دينكم بدين أبي الخطاب وأين مثل أبي الخطاب في عدله وفضله. وبلغنا أن امرأتين خرجتا من مدينة القيروان حين هزم الله أهلها على يد أبي الخطاب، فنظرت واحدة منها إلى القتلى مزملين في ثيابهم، كأنهم رقود، فسمي ذلك الموضع رقادة إلى يومنا هذا، فأمر أبو الخطاب أهل المدينة إذ هزمهم، أن يخرجوا إلى قتلاهم ليدفنوهم، فتفقد أبو الخطاب القتلى، فوجد قتيلا مسلوبا، فأمر أبو الخطاب مناديا ينادي في عسكره: من أخذ منكم من القتلى شيئا فليرده، فلما أيس أبو الخطاب منه دعى أن يفضحه الله ويظهره على أعين الناس، فأمر أبو الخطاب أصحابه /40/ (1/40)
صفحة 39
أن يركبوا ويجروا خيولهم بين يديه، وكان من أهل العسكر رجل من سدراته، فأجرى أهل العسكر خيولهم، فأجرى معهم. قال: فانقطع حزام سراجه، فوقع وخرجت كساة سفسارية تحت سرج فرسه، وقال بعضهم جبة حرير، فأخذه الإمام فحده، وقال: إنما نغزو بمن يغزى. وبلغنا أن أبا الخطاب رضي الله عنه حين هزمهم، أحسن فيهم السيرة، فأمر أصحابه ألا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح، فقال رجل من لواته، من عسكر أبي الخطاب نأكل من أموالهم كفعلهم بغنائمنا، فقال أبو الخطاب: إن فعلنا كما فعلوا، فحقيق على الله أن يرفضنا ويدخلنا معهم جهنم، فنكون كما قال الله تعالى: {كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا أداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار}. ثم إن أبا الخطاب توجه إلى مدينة طرابلس وقد استعمل على القيروان عبد الرحمن بن رستم رضي الله عنه، وولاه على ما والاها من المدن، واستعمل عبد الرحمن بن رستم على كتامة رجلا منهم يقال له عبد الله بن عقيبة. ثم إن الرجل المحدود من سرقة الثوب، توجه مغضبا بما فعل معه أبو الخطاب إلى أرض المشرق، قاصدا إلى بغداد، يريد أبا جعفر المنصور فلما وصل إلى بغداد وقع على بابه سنة لا يؤذن له خلالها بالدخول ولا بالانصراف. فلما كان عند رأس الحول، أذن له أبو جعفر المنصور، ودخل عليه وخلا معه، فسأله عن حاجته، فقال له: حاجتي أن تنفذ معي عسكرا إلى ناحية المغرب، فأمر أبو جعفر بالاستعداد للمسير إلى أرض المغرب، فأنفذ جيشا إلى ناحية المغرب، وجعل عليه محمد بن الأشعث الخزاعي. /41/ (1/41)
صفحة 40
/42/ (1/42)
صفحة 41
/43/ (1/43)
صفحة 42
سير ابن الأشعث إلى إفريقيا
وذكر بعض أصحابنا أن عدة العسكر خمسون ألفا، وقال بعضهم بل سبعون ألفا، وجعل على طائفة من العسكر رجلا دون ابن الأشعث وأمره أن يطيع ابن الأشعث، فتوجه ابن الأشعث من المشرق قاصدا إلى أبي الخطاب. فلما فصل عنه عسكره من مصر، أرسل عيوونه إلى عسكر أبي الخطاب، وبعث أبو الخطاب عيونه، فصارت العيون تختلف إلى الفريقين بكل ما حدث فيهما، فقد عاد عيون ابن الأشعث من عسكر أبي الخطاب فسألهم عن أخبار أبي الخطاب، وقالوا: نجمل أم نفسر؟، فقال لهم: بل اجملوا، فقالوا: رأينا رهبانا بالليل أسرابا بالنهار، يتمنون لقاءك، كما يتمنى المريض لقاء الطبيب، لو زنى صاجبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوه، وخيلهم من نتاجهم، ليست لهم بيت مال يرزقون منه، وإنما معاشهم من كسب أيديهم. فلما وصفوا لابن الأشعث من أخبار أبي الخطاب وأصحابه رحمة الله عليهم ما وصفوا من ذلك، استشار العامل المأمور له بالطاعة بالرجوع، فأبى له ذلك، ولما رأى ابن الأشعث ذلك تخوف من افتراق الكلمة، عمد إلى الرجال من عسكره، فأعطاهم هيئة المسافرين، وأعطاهم كتابا يأتون به على لسان أبي جعفر المنصور، فأمرهم ابن الأشعث أن يتنحوا عن العسكر، فإذا كان أوان الضحى أقبلوا وكأنهم جاؤوا من المشرق من عند أبي جعفر من بغداد. فلما كان الوقت الذي أمرهم فيه بالإقبال إلى العسكر، أقبلوا فابتدرهم الناس من كل نواحي العسكر، وأتوا بهم محمد بن الأشعث الخزاعي وأعطوا له كتابا فقرأه ابن الأشعث وأمر الناس بالرجوع، وأظهر لهم أن أبا جعفر يأمره بذلك، ويقول أنه قد ظهر بأرضنا ما نحن أحوج إليه العسكر مما أنتم فيه. فرجع ابن الأشعث وكره صاحبه الرجوع، فلما رآه ابن الأشعث كذلك أرسل إليه، فأمر به فقتل، فخيل إلى الناس أن أبا جعفر بذلك، فضم إلى نفسه العسكرين. ثم إن ابن الأشعث كر راجعا إلى المشرق وتباطأ في مسيره، وقرب المراحل والعيون تختلف بالأخبار لكلا الفريقين، فإذا ارتحل ابن الأشعث من أول النهار ارتحل من أول النهار، فإذا انتصف النهار نزل، فإذا كان بالغداة ارتحل، والعيون التي لأبي الخطاب، كلما رأوا ابن الأشعث، رجعت طائفة منهم مرحلة، وابن الأشعث كلما ارتحل مرحلة أمر خيلا تقطع الأثر من خلفه، إن كان بقي في عسكره من عيون أبي الخطاب شيء أم لا، وعيون ابن الأشعث في عسكر أبي الخطاب مقيمة. /44/ (1/44)
صفحة 43
فلما وصلت عيون أبي الخطاب إليه من عسكر ابن الأشعث تخبره برجوعه، وقد اجتمع على ابن الخطاب قريب من سبعين ألفا ابتدره الناس بالرجوع إلى منازلهم ومواطنهم، وذلك في زمان الحصاد. فقال لهم أبو الخطاب: يا قوم، إن العرب أصحاب مكر وخداع، فلا تفترقوا عن ملككم، حتى تستيقنوا برجوع القوم، فغلبته العامة، فأذن لهم أبو الخطاب رحمه الله، فسار كل إلى منزلة ووطنه، فتفرقوا عن أبي الخطاب وكل ذلك على مرأى من عيون ابن الأشعث مع أبي الخطاب، فلما تفرقت جنوده وجموعه، أسرعت العيون السير إلى صاحبهم يخبرونه بافتراق العسكر عن أبي الخطاب، فكر ابن الأشعث راجعا يطوي المراحل طيا، فلم يشعر بهم أبو الخطاب حتى غشيت عساكره حيز طرابلس، بعد رجوع أبي الخطاب إلى مدينته. فقال أبو الخطاب، إن العدو قد غشي حريمي ولا يسعني أن أقعد ولا أدافع عن رعيتي، فهذا ما أقول لكم: إن العرب أصحاب مكر وغدر وخداع ونكر. قال: ففرق أبو الخطاب رسله في البلدان التي وليها يستنفرهم ويستمدهم، وأرسل إلى عبد الرحمن بن رستم يستنفره ويستمده ويستحشده. فأمر أبو الخطاب أصحابه بالخروج، وأشار عليه بعضهم بالإقامة حتى يأتيه إمداده من عماله ورعيته، فأبى عليهم وقال: لا يسعني المقام بعد دخولهم حريمي ورعيتي إلا إن أراد ظلمهم، أو ألحق بالله. قال فخرج أبو الخطاب فيمن حضر من أصحابه ومن كان بقرب المدينة من نفوسة وهوارة وجريشة وسائر البربر، يريد محمد بن الأشعث فلقيه بتاورغا، وكان بينها وبين المدينة مسيرة ثمانية أيام، فيما قيل والله أعلم. /45/ (1/45)
صفحة 44
مقتل أبي الخطاب وأصحابه رضي الله عنهم
حدثغير واحد من أصحابنا أن أبا الخطاب لما سمع بإقبال ابن الأشعث إليه، خرج فيمن خرج معه من البربر، فأغذى السير إلى ابن الأشعث، فوجده أبو الخطاب، وقد سبقه إلى الماء ونزل عليه. فقال ابن الأشعث لأصحابه: إن نزل أبو الخطاب ومن معه فاستراحوا وسقوا كرعهم، واستقوا، فإنكم لا تقدرون لهم على شيء، وإلا فأنتم أقدر عليهم منهم عليكم، وقد بدأت المعركة بين الفريقين بموضع يقال له تورغا بقرب مدينة طرابلس على مسيرة أربعة أيام، فيما قيل والله أعلم. فلما وصلهم أبو الخطاب تاقت نفوسهم إلى لقائهم والجهاد في سبيل الله، والناس على بصائرهم ولاقوهم، وأبو الخطاب في قلة وابن الأشعث وأصحابه في كثرة، فأسرع القتل في أصحاب أبي الخطاب، وكان بينهم قتال شديد، فصار الرجال في الصفين (1) كالحيطان. ولم يبرح أبو الخطاب رحمه الله بقلة من معه من المسلمين حتى استشهدوا، وقد استشهد معه أربعة عشر ألفا فيما ذكر بعض الرواة، وذكر آخرون إثني عشر ألفا ولم يفلت من عسكره إلى اليسير، فتسامعت رعيته بمقتله، فهربوا إلى الجبال ولجأوا إلى الحصون المنيعة والقلاع العالية. وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم، لما وصلت رسل الإمام أبي الخطاب إليه يستنفره، أسرع السير فأدركه خبر مقتل أبي الخطاب ومن معه من المسلمين بمدينة قابس، فافترقت عساكره، ومر مستخفيا حتى دخل القيروان. فلما سمع عبد الرحمن بن حبيب بمصاب أبي الخطاب ومن معه من المسلمين، بافتراق عساكره، ثار في مدينة القيروان، وطلب عبد الرحمن بن رستم فلم يصبه ولم يقدر عليه، فما زال يبحث عن أخباره ويتكشف عن آثاره حتى ظفر به، فابتدر رجل من أهل المدينة من أصحاب عبد الرحمن بن رستم إلى عبد الرحمن بن أبي حبيب، فشفع فيه، فقال أيها الأمير لي إليك حاجة. فقال له ابن الحبيب: حوائجك كلها مقضية، إلا عبد الرحمن بن رستم، فقال له الرجل القروي: إن لم أسألك في عبد الرحمن ابن رستم ففيمن أسألك؟، قال: فتركه له ابن حبيب. وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم رحمه الله، قال في عبد الرحمن بن حبيب قبل ذلك، وقد أرادوا استعماله في بعض أمور المسلمين، قال: /46/
__________
(1) في الأصل كلمة غير مفهومة شكلها: تنهد. (1/46)
صفحة 45
يا معشر المسلمين، لا تولوا عبد الرحمن بن حبيب أمور المسلمين، فإنه إبليس إلا أن عليه بشرة بني آدم، فحقدها عليه ابن الحبيب. فلما افترقت جنود أبي الخطاب وجنود ابن رستم، (1) جعل عليه ابن حبيب الطلب، حتى شفع فيه القروي.
خروج عبد الرحمن بن رستم من القيروان
وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم خرج من القيروان، هو وابنه عبد الوهاب وعبد لهما، خائفين مستخفيين، فتوجهوا إلى أرض المغرب، ولم يكن معهم إلا فرس واحد، فمات لهم ببعض الطريق ودفنوه، مخافة أن يقتص أثرهم فيطمع فيهم من يتبعهم ويجتهد في طلبهم، إن علم بموت فرسهم، فسمي ذلك الموضع الفرس. وقد ضعفت قوة الشيخ عبد الرحمن فصار يحمله عبده تارة وابنه تارة أخرى، فإذا حمله العبد، قال له عبد الوهاب إن أدركنا العدو، فلا تضعن أبي إذا لم يكونوا إلا دون خمسمائة، أو نحوها فإذا أعيا العبد حمله عبد الوهاب، فقال له العبد مثل ذلك. فلما وصلوا إلى حوالي سوف أجج، وكان جبلا منيعا، تيممه عبد الرحمن وقصده والتجأ إليه. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف عمن حدثه أن عبد الرحمن بن رستم لحقه بسوف أجج ستون شيخا من مشائخ الإباضية من طرابلس، وتسامع ابن الأشعث بخبر عبد الرحمن واجتماع الناس عليه، فأقبل مجدا في طلبه، فأخبر أنه في جبل منيع يقال له سوف أجج، فقصده حتى وصله، وحاصر عبد الرحمن بن رستم وأحدق على عسكره في حصاره إياه، مخافة أن يفاجئهم عبد الرحمن ومن معه من المسلمين ويطرق عليهم بليل، فأطال المقام تحته، فوخم عسكر ابن الأشعث ووقع فيه الجدري، فمات منهم بشر كثير وجمع ابن الأشعث أصحابه وقال لهم: إن هؤلاء قوم في جبل منيع يقال له سوف أجج لا يدخله إلا دارع أو مدجج ماذا ترون؟، فأشار عليه بعضهم بالإقامة تحتهم، وأشار عليه آخرون بالارتحال عنهم، فأخذ برأي الذين أشاروا عليه بالارتحال، فارتحل إلى مدينة القيروان، وقد أيس من إدراك عبد الرحمن وأصحابه ودخلها وتحصن فيها./47/
__________
(1) في الأصل كلمة زائدة: ولذلك. (1/47)
صفحة 46
ولاية أبي حاتم رضي الله عنه وأرضاه
وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا حاتم يعقوب ابن لبيب الملزوزي (1) ولي مدينة طرابلس في رجب سنة خمس وأربعين ومائة، ومكث فيها أربع سنين، وكانت ولايته ولاية الدفاع، وطلب الحق، وكان يرسل بما جمع من الصدقات للإمام عبد الرحمن بن رستم، قبل أن يتولى عبد الرحمن ولاية الظهور. وسبب ولاية أبي حاتم أن جماعة من المسلمين من بقية أصحاب أبي الخطاب لما أنسوا من أنفسهم من حيز طرابلس قوة بعد أبي الخطاب، وكان لهم عدة، أظهروا عن أنفسهم أنهم يريدون الاجتماع على أمر امرأة مسلمة، وكان زوجها رجل سوء ساءت سيرته إليها، فأظهروا الاجتماع لشأنها وهم يريدون الخروج على جند طرابلس وعامل أبي جعفر، كما فعل أصحاب أبي الخطاب أول مرة حتى ولوه، فسمع باجتماعهم عامل المدينة، مدينة طرابلس، فأخرج إليهم خمسمائة فارس، وجعل عليها عاملا. فلما وصلتهم تلك الخيل، قال لهم عاملها: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين، فقالوا: أجبنا الطاعة لأمير المؤمنين، يعنون عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويريد العامل أبا جعفر. قال: فرجعت الخيل إلى عامل الجند بمدينة طرابلس، فأخبروه الخبر، إن القوم قد أجابوا الطاعة لأمير المؤمنين فلم يقنعه ذلك منهم. ثم إن جميع من ينظر إليه من خيار المسلمين اجتمعوا ليلتهم تلك، فاتفقوا على عقد الولاية لأبي حاتم، ولاية الدفاع، فعقدوها له من ليلتهم، فلما أصبحوا خرج إليهم عامل الجند بسيفه وبخيل عظيمة، فلما أتاهم، قال لهم: أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين أبي جعفر، فقالوا له: عليك لعنة الله وعلى أبي كافر معك، يعنون أبا جعفر، وكان أبو جعفر يلقب بأبي الدوانيق، ثم إن عامل الجند ناصبهم القتال وناجزهم إياه، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمهم أبو حاتم ومن معه من المسلمين، وأكثرهم من البربر، وهم الذين كانوا مع أبي الخطاب، وساروا حتى دخلوا مدينة طرابلس، وقتلوا منهم بشرا كثيرا. وبلغنا أن أبا حاتم لما هزم الله على يده العدو، كان معه من عوام البربر من لم يعود النظر في أمور الدين، غير أنهم سلموا لأمر المسلمين وأحكامهم، وعمدوا إلى إسلاب المقتولين فأخذوها وانتزعوا ثيابهم، فغضب /48/
__________
(1) في الأصل: لبيد الملزوزي. (1/48)
صفحة 47
أبو حاتم في ذات الله بفعلهم ذلك، فقال لهم: ليس من سيرة المسلمين، إذا قتلوا من بغي عليهم من أهل التوحيد، وكفى الله مؤنتهم أن يطلبوا من انهزم أو يجهزوا (1) على جريحهم، ولا أن ينتزعوا ثيابهم، ولكن يقال لهم إذا انهزموا، وكفى الله المسلمين مؤنتهم، ارجعوا إلى قتلاكم وادفنوهم وخذوا ثيابهم، والآه إن لم تردوا ما أخذتم من أمتعتهم فقد اعتزلت أموركم وتركت ولايتكم وبرئت منها إليكم. فلما سمعوا ذلك منه، أطاعوه وردوا أسلاب المقتولين. وقد دخل يوما أبو حاتم رحمه الله مدينة طرابلس، مع هزيمتهم، فأقام ما شاء الله ثم نادى بالخروج إلى إفريقيا. وبلغنا أنه خرج إليه جيش من إفريقيا، فتلقاهم أبو حاتم ببعض الطريق فقاتلهم فهزمهم الله، فأحسن فيهم السيرة، وأمر ألا يتبع مدبرهم، ولا يجهز (2) على جريحهم، ولا تؤخذ أسلاب المقتولين منهم، وقد تقدم إلى الناس في ذلك ونهاهم عليه، فلما قدم مدينة القيروان، حاصر أهلها سنة، وطال على أهلها الحصار، فألقوا إليه بأيديهم، فأذعنوا له بالطاعة، إلا ما كان من ابن الأشعث فإنه انحاز وانحجز في دار الإمارة في بقية أصحابه الذين قدم بهم من أرض المشرق، فحاصره أبو حاتم سنة أخرى بعد دخوله المدينة، فأجلى أبو حاتم من بها من بقية جند ابن الأشعث، فأعطى لكل خمسة منهم قربة وخشبة يحملون عليها قربتهم، وأعطاهم خنجرا يصلحون به نعالهم، وأعطى لكل واحد من الخمسة رغيفا من خبز لزادهم، فترفق أولئك الأسارى وانصرفوا إلى المشرق. وذكر بعض أصحابنا أن السدراتي المحدود من السرقة الذي جاء بالعسكر من أرض المشرق من عند أبي جعفر، ندم على ما فعل حين ظفر بإخوانه وأهل مذهبه عدوهم، فأبادهم بأيدي أعاديهم، فعمد إلى بقية الأسارى، فخرج معهم يريد أرض المشرق، فأظهر لهم أنه يريد أن يردهم إلى منازلهم ويوصلهم إلى مواطنيهم، فأعمى بهم وأخذ بهم طريقا لم يكن به ماء، فاستهلكهم عن آخرهم، وهم في كثرة، والله أعلم أي ذلك كان. /49/
__________
(1) في الأصل: في الأصل: ولا يجيروا.
(2) في الأصل: ولا يجاز. (1/49)
صفحة 48
[هوامش لم ترقن] (1/50)
صفحة 49
ذكر وقعة مغمداس
وبلغنا أن أبا حاتم سمع بطوالع أقبلت من المشرق فخرج من مدينة طرابلس، فتلقاهم بموضع يقال له مغمداس، وهو على مسيرة ثماني أيام من مدينة طرابلس، فلما وصلهم أبو حاتم لاقوه (1) فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم الله له العدو، ومنهم أكتافهم، فقتل منهم ستة عشر ألفا. وبلغنا أن رجلا من أهل الحضر نظر إلى رجل من أهل الدعوة فقال له الحضري: ما تفسير تاورغا، يذكره مقتل أبي الخطاب رضي الله عنه، ويعيره بذلك، وكان صاحبنا فطنا حذقا، فأجابه: تفسيرها مغمداس، فيه أربعة أكداس، في كل كدس أربعة آلاف رأيتها، ثم إن أبا حاتم لما قتلهم رجع إلى مدينة طرابلس وحسنت حالته بها. /51/
__________
(1) في الأصل: صافوه. (1/51)
صفحة 50
مقتل أبي حاتم وأصحابه رضي الله عنهم
وبلغنا أن أبا حاتم لما تمكن في مدينة طرابلس، دست الكتب بقية أهل المشرق من طوالعهم والمخالفين من أهل مدينة القيروان إلى أبي جعفر ببغداد يشكون أبا حاتم، وأنفذ إلى أبي حاتم جيشا كبيرا واستعمل عليه يزيد بن حاتم الأزدي. قال: فلما انفصل يزيد بن حاتم من مصر بعسكره، وسمع أبو حاتم بخبره، جمع أصحابه ومن ولي عليه من القبائل من نفوسة وهوارة وحريشة وأخلاط البربر، فحضهم على الجهاد ورغبهم في الاستشهاد، ثم إن يزيد بن حاتم، لما قرب من حيز طرابلس، خرج إليه أبو حاتم ومن تبعه من المسلمين إلى موضع يقال له جنى، فمدت قبيلة من البربر من هوارة يقال لها مليلة يزيد بن حاتم، فسأل أبو حاتم عمن أعان عليه من البربر، ومن كان مع يزيد، فقالوا له ليس معه خلا مليلة، فقال أبو حاتم، اللهم ذل مليلة، فبلغت إليهم دعوة أبي حاتم، فاستجاب الله فيهم، وكذلك كانوا من بين سائر البربر. وبلغنا أن الموضع الذي كانت فيه معركتهم يتضيء من كل ليلة خميس ويبصر ضياؤه من مكان بعيد، أو قد سطع في الهواء وامتد صاعدا، وقد ذكر بعض أصحابنا ممن في عصرنا هذا إنه رآه وهو نور ساطع وضياء عظيم. وحدث يعقوب بن يوسف الياجراني الملقب بأبي منصور أنه مر به صاحب له وقد سكنا بجبال ذلك الموضع في أحياء من البربر، فجاز به يعقوب وصاحبه بليل مظلم وقصدا ذلك الموضع، فلما وصلاه، وجدا مكان معركتهم في مطمئن الأرض، فشقاها، فاستبان أثر الهوام الصغار بالليل البهيم لما فيه من الضياء الساطع. فلما خرجا منه دخلا في ظلمة عظيمة، التفتا وراءهما، فإذا الضياء والنور الساطع في الهواء والظلمة تحفه من جوانبه، فصارا يدعوان الله تعالى حتى توسطا مكان المعركة. وكان يعقوب بن يوسف رجلا شجاعا شديد المراس (1) قوي الطبيعة لا يهتز لشيء من خور. /52/
__________
(1) في الأصل: المرة. (1/52)
صفحة 51
إمامة عبد الرحمن بن رستم ض
وحدث غير واحد من أصحابنا أن عبد الرحمن بن رستم رضي الله عنه ولي بتيهرت سنة ستين ومائة، وذكر بعض أصحابنا أنه إنما ولي على رأس اثنين وستين ومائة سنة، والله أعلم أي التاريخين أنفذ. وسبب ولايته أن جماعة المسلمين اتفقوا أن ينتخبوا موضعا يبنون فيه مدينة تكون حرزا وحصنا للإسلام، فأرسلوا الروافد في الأرض، فرجعوا فدلوهم على تاهرت، فاتفق جمهور المسلمين مع أهل تاهرت القديمة على أشياء معلومة أن يأخذوها من غلتها. وقد كانت قبل ذلك غياظا بالوحوش والسباع والهوام، فلما اتفقوا على عمارتها أمروا مناديا ينادي، إلى من بها من الوحوش والسباع، أن أخرجوا فإنا أردنا عمارة هذه الأرض، وأجلوا لها ثلاثة أيام. وبلغنا أنهم رأوا بها وحشا تحمل أولادها في أفواهها، خارجة منها، فكان ذلك مما رغبهم فيها وزادهم بصيرة في عمارتها وإنشائها. ثم إنهم أطلقوا فيها النيران، وأحرقت النيران ما عليها من أشجار، وقد عمدوا إلى أصول تلك الأشجار ودوحها فغسلوها فصاروا يدفنون الحيس تحت أصول تلك الأشجار، فلما جنهم الليل طرقت الخنازير تلك الأشجار، فصاروا يحفرونها حتى أتت على آخرها، حيث شمت ريح ذلك الحيس، فلما أصبحوا وجدها كلها مقتلعة على وجه الأرض ثم إنهم عمدوا إلى مكان فأصلحوه لصلاتهم، فلما أرادوا أن يبنوها انتخبوا أربعة أمكنة واقترعوا عليها أيها يجعلونه للمسجد الجامع، فوقعت قرعتهم على المكان الأول الذي أصلحوه للصلاة، فبنوا المسجد الجامع، فأخذوا في إنشائها وعمارتها، فجعلوها ديارا وقصورا. ثم إن جماعة من المسلمين من أهل النظر منهم، وجدوا في أنفسهم قوة وأنسوا طاقة فأرادوا التولية، فنظروا في عامة القبائل فوجدوا في كل قبيلة رأسا أو رأسين، كل يصلحون للإمارة فاشتوروا فيما بينهم، فقال بعضهم أن عبد الرحمن بن رستم الفارسي رضي الله عنه ممن لا تجهلون فضله، وهو أحد الخمسة الحاملين للعلم، وعامل الإمام أبي الخطاب ض. وقد عرض عليه المسلمون الإمامة قبل تولية أبي الخطاب فأعرض عنها ودفعها عن نفسه، ولم يردها ولاسيما وأنه ليست له قبيلة تمنعه إذا تغير وتبدل. وقالوا: إذا رأيتم أن تولوه أمور المسلمين، فافعلوا فاتفق رأيهم جميعا على توليته ومبايعته، فبايعوه على الإمامة بكتاب الله وسنة رسوله /53/ (1/53)
صفحة 52
ص، وآثار الخلفاء الراشدين المهتدين، فقبل عبد الرحمن أمانتهم وأحسن السيرة في إمامته (1) ولم ينقم عليه أحد في حكومة ولا في خصومة، ولم يكن على يديه افتراق الإباضية يومئذ، كلها مجتمعة مؤتلفة (2) لم يثر منها ثائر. وبلغنا أن الوالي على أهل عمان في إمامة عبد الرحمن، رجل يقال له الوارث وأبو عبيدة رحمه الله حي، وفي إمامة عبد الرحمن توفي. ثم إن عبد الرحمن اتصلت أخباره إلى أهل البصرة من أهل دعوة المسلمين، فبعثوا إليه بثلاثة أحمال مالا. فلما وصلت الرسل إلى تاهرت، صاروا يسألون عن دار الإمارة وقد كانوا خلفوا أحمالهم خارجا، فلما نعتت لهم الدار، قصدوا نحوها، فإذا الإمام رضي الله عنه فوق البيت يعمل السقوف والعبد تحته يناوله الطين، فسألوا العبد أن يأذن لهم، وقد أيقن العبد أن الإمام سمع كلامهم، فقال له: أخرهم قليلا، فنزل عن الحائط وغسل الطين عن جسده، فأذن لهم فسلموا عليه فرد عليهم، فوضع لهم شيئا من خبر مفتت، وعصر عليه عسكة. فلما أكلوه، استأذنوه أن يتناجوا عنه، فأذن لهم، فتناجوا عنه فيما بينهم، وأجمع رأيهم على أنهم راضون عنه، فاتفقوا أن يدفعوا له المال. فلما وصلت الجمال إلى عبد الرحمن، شاور أصحابه فيها، فأشاروا عليه أن يأخذها فيبثها في فقراء المسلمين وفي شراء السلاح والعدة ففعل رحمه الله ذلك، بمحضر تلك الرسل، فلما رجعت الرسل إلى المشرق، أخبروا أهل دعوتهم بعدل عبد الرحمن وفضله وورعه فبعثوا له بأموال أكثر من الأول. فلما وصلت إلى عبد الرحمن شاور أصحابه، فقالوا له: رأيك أمير المؤمنين، فلما ردوا الرأي إليه، قال لهم: أما إذا رددتم إلينا رأيها، فرأيي فيها أن ترجع إلى أربابها، فهم أحوج إليها منا، وقد استغنينا وقوينا، فشق ذلك على الرسل، وليس عليهم بد من طاعة إمامهم، فردوها إلى المشرق، فعجبوا من زهادته في الدنيا ورغبته في الآخرة، فاقروا بإمامته وواصلوه بكتبهم ووصاياهم. ثم إن تاهرت كانت حرزا وحصنا لجماعة المسلمين وسميت بأم العسكر، عسكر المبارك فلما حضرت الوفاة عبد الرحمن رضي الله عنه جعلها شورى في سبعة نفر (3) صنيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحدهم مسعود الأندلسي، وكان رجلا فاضلا، فقيها ورعا من شيوخ المسلمين، ومنهم أبو قدامة يزيد بن فندين اليفراني ورجل يقال له عمران (4) /54/
__________
(1) في الأصل: في أمانته.
(2) في الأصل: مؤلفة.
(3) في الأصل: ستة نفر وقد صححنا سبعة ووضعنا ورجل بين قوسين، حتى تتسق الرواية مع ما أورده الشماخي (ص145)، وصاحب أزهار الرياض (ص99)، وأما الدرجيني الذي نقل رواية أبي زكرياء فقد ذكر أن لجنة الشورى تتكون من ستة نفر (1 - 46)، ولكنه أهمل ذكر مصعب ابن سدمان، وقد فات محقق الطبقات أن يقوم بمقارنة نصه بالنصين الآخرين ويثبت هذا الإسم بين قوسين إن كان محذوفا في المخطوط.
(4) في الأصل: عثمان، وقد صححنا عمران اعتمادا على الشماخي وسليمان الباروني، وأما الدرجيني فقد أهمل هذا الإسم الأول وذكر صاحبه باسم مروان الأندلسي. (1/54)
صفحة 53
بن مروان الأندلسي، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن، وأبو الموفق سعدوس بن عطية، وسكر بن صالح الكتامي، ومصعب بن سدمان. /55/ (1/55)
صفحة 54
ولاية عبد الوهاب بن عبد الرحمن
فلما مات عبد الرحمن بن رستم رضي الله عنه وغفر له، اجتمع أهل الشورى على من يولونه أمور المسلمين فتدافع بعضهم إلى بعض، إلا أن عامة المسلمين مالت أنفسهم إلى اثنين منهم، أحدهما مسعود الأندلسي والآخر عبد الوهاب رضي الله عنه، فبعض المسلمين أرادوا تولية مسعود وبعضهم أراد تولية عبد الوهاب، فمكثوا حوالي شهر يديرون الرأي فيما بينهم. ثم إن العامة مالت إلى مسعود فبادروه ليبايعوه، فهرب لهم واستخفى، وابتدروا عبد الوهاب فلما سمع مسعود بتركهم لمبايعتهم له وإرادتهم مبايعة عبد الوهاب رضي الله عنه خرج مبادرا ليكون أول من يبايع عبد الوهاب هو. وكان أبو قدامة حين لم تمل أعين الناس إليه ولم تنصرف قلوب المسلمين لديه، ورأى أنه قد خلا منها، أراد تولية عبد الوهاب، وقال: هو أقرب منا رحما من غيره، ولعل ذلك أن يعطفه علينا، لأن أم عبد الوهاب يفرانية، فرجوا فيه أن يؤثرهم في الأمور لأنه ابن أختهم، فقام أبو قدامة في نفر من أصحابه، فأبوا إلا مبايعة عبد الوهاب، للمناسبة التي بينهم، فطمعوا فيه أن يؤثهم على غيرهم، ولكن تخوفت أنفسهم من جهته. فلما أراد الناس مبايعة عبد الوهاب رضي الله عنه تقدم مسعود الأندلسي ليبايعه فتكلم يزيد بن فندين وأصحابه، فقالوا: نبايعه بشرط ألا يقضي دون جماعة معلومة. فقال لهم مسعود: ما علمنا من أمور الإمامة شرطا غير أن تحكم فينا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ص، وآثار الصالحين قبله، فترك ابن فندين وأصحابه الشرط، حين رد عليهم المسلمون، فتقدم مسعود فبايع عبد الوهاب رضي الله عنه، وبايع الناس بعد ذلك بيعة عامة فحملوه إلى دار الإمامة، فلم يختلف عن بيعته أحد، ولم ينقم عليه أحد في أمور حكومة ولا في خصومة، حتى نجم ابن فندين وأصحابه. /56/ (1/56)
صفحة 55
/57/ (1/57)
صفحة 56
أول افتراق الإباضية
مع أن طائفة تنتحل اسم الإباضية، يقال لها العمرانية، لم تجمعنا وإياهم الكلمة من أول، وزعموا أنهم إباضية، وكثيرا ما يسندون مذهبهم إلى عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، فهم تبعة عيسى بن عمير وسنذكر مذهبهم إن شاء الله والرد عليهم فيما خالفوا فيه أهل الحق، ثم بعد ذلك نتحدث عن افتراق الإباضية ومذاهبهم واحدا بعد واحد، فنرد على كل فرقة منهم ما خالفت فيه أهل الحق، ونفرد كتابا نجمع فيه مقالاتهم إن شاء الله.
سبب افتراق الإباضية
فأما سبب افتراق الإباضية، فقد أخبر به غير وحد من أصحابنا، وذلك أن عبد الوهاب رضي الله عنه لما ولي أمور المسلمين وكانت رغبته في أهل الخير واستعمال أهل العلم والبصيرة من الدين في أمور المسلمين، فعمد إلى رجال ليست لهم رغبة في الولايات فولاهم الأمور. فلما نظر يزيد بن فندين وأصحابه إلى ما فعلن وقد خالفت فيه الرجعية تغيرت قلوبهم وتنكرت صدورهم، وساءت ظنونهم وسقط في أيديهم ما آثروا من تولية عبد الوهاب، فأخذوا في العلل، وقالوا إنما كانت ولاية عبد الوهاب على الشرط ألا يقضي أمرا دون جماعة معلومة، فرجعوا إلى ما عيب عنهم أول مرة، فأفشوه عند الجهال ومن ليست له بصيرة بأمور الدين، فصاروا يستنزلونهم عن بصائرهم، فكثر القال والقيل في البلد، ويقولون أنه حابا (1) بعض الناس علينا وولاهم الأمور دوننا، ونحن أولى بالأمور ممن ولاه على الناس، لأنه إنما كانت ولايته على أيدينا، وكان مما يقولونه للجهلة من الناس أنه لا تجوز تولية رجل إذا كان في جماعة المسلمين من هو أعلم منه، فاختلط قولهم وتفاقم أمرهم، وكثر التنازع، تارة يقولون لا تصلح ولاية رجل، إذا كان في جماعة المسلمين من هو أعلم منه، وتارة يقولون بل كانت ولايته على شرط. ثم إن جماعة المسلمين اصطلح أمرهم مع يزيد بن فندين وأصحابه أن يضعوا أوزار الحرب حتى يراسلوا إخوانهم بالمشرق، ويكف بعضهم عن بعض، فما أجابوهم به أخذوه. وبعثوا رسولين فتوجه الرسولان إلى المشرق، فلما وصلا إلى مصر، وجدا بها شعيب بن المعروف وشيعته فأخبراه بموت عبد الرحمن بن رستم رضي الله عنه، واستخلاف الناس ابنه عبد الوهاب، وخروج ابن /58/
__________
(1) في الأصل: حاما. (1/58)
صفحة 57
فندين عليه وادعائه الشرط في إمامة عبد الوهاب، وما زخرف به من الأباطيل. قال: فلما سمع شعيب بن المعروف ذلك من الرسولين، خلا بطائفة من أصحابه منهم أبو المتوكل، واتفقوا على المسير إلى تاهرت. ثم إن الرسولين توجها إلى مكة فوجدا فيها أبا عمرو الربيع بن حبيب رضي الله عنه في جماعة من أصحابنا منهم أبو غسان مخلد بن العمود (1) الغساني، فأخبرهم الرسولان فيما قدما فيه من إرسال أصحابهم إليهم من أهل المغرب، وبموت عبد الرحمن وتولية عبد الوهاب وخروج ابن فندين عليه وإدعائه العلل، ودفعا لهم كتب إخوانهم من أهل المغرب، فقرءوها وفهموا ما كتبوا فيها إليهم، فاجتمع من بها من المسلمين على أن يردوا الجواب، فلم يألوا جهدا فكتبوا إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، يا إخواننا، قد بلغنا ما كان من قبلكم وفهمنا ما كتبتمونا من أمر الشرط في الإمامة ألا يقضي أمر دون جماعة معلومة، فالإمامة صحيحة، والشرط باطل، فلو صح في الإمامة شرط، لما قام لله حق ولا أقيم له حد، ولتعطلت الحدود وبطلت الأحكام، ولضاع الحق، والجماعة يتعذر اتفاقها على أن الإمام إن قدم إليه سارق، لا يصيب أن يقيم عليه الحد فيقطع يده، حتى تحضر الجماعة التي ذكروا، أو زنى أحد فلا يرجم ولا يجلد، حتى تحضر الجماعة، ولا يجاهد الإمام عدوا ولا ينهى عن فساد إلا بحضرة الجماعة المعلومة، فالإمامة صحيحة والشرط باطل. وأما ما ذكرتم من تولية رجل وفي جماعة المسلمين من هو أعلم منه، فذلك جائز إذا كان في القناعة والفضل بمنزلة حسنة، وقد ولي أبو بكر الصديق رضي الله عنه وزيد بن ثابت أفرض منه، وعلي بن أبي طالب أقضى منه، ومعاذ بن جبل رضي الله عنه أعلم منه. وهذا ليس فيه اختلاف لقول رسول الله ص: «أفرضكم زيد وأقضاكم علي، وأقرأكم أبي (2) وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل»، وقوله ص: «معاذ بن جبل سيد العلماء»، فردوا الجواب بإثبات ولاية عبد الوهاب، وإبطال الشرط وتخطئة من انتحل الشرط. وذكروا أن الإمامة لا تبطل إلا بحدث في الإسلام، بعد الإعذار والإنذار منهم، والإصرار والاعتبار من إمامهم، فحينئذ يزول من الإمامة. ثم إن شعيبا حين جاز عليه الرسولان بمصر، عزم على المسير إلى تاهرت، فخرج في نفر من أصحابه بغير مشورة مشائخ مصر، طمعا في الإمارة، وقد كان بها لجماعة المسلمين مشائخ ذوو فضل وعلم وورع. /59/
__________
(1) كذا في الأصل.
(2) كذا في الأصل. (1/59)
صفحة 58
وقد نهاه بعضهم عن الخروج إلى تاهرت، فقالوا له: كيف تقدم إلى بلد اختلف أهله؟ ولم يشتغل بهم، واستعجل هو وأصحابه، طمعا في الأمور، فمضوا مستعجلين حتى أظنوا رواحلهم فصاروا يسوقونها سوقا. وحكي عنهم أنهم وصلوا من مصر إلى تاهرت في عشرين يوما. فلما وصل شعيب وأصحابه إلى تاهرت، دخل على الإمام ولم يكن له بد من الدخول عليه، فسأله الإمام رضي الله عنه: عن إمام وليي بشرط ألا يقضي أمرا دون جماعة معلومة؟، فأجابه شعيب أن الإمامة صحيحة، والشرط باطل. وسأله أيضا: هل يجوز تولية رجل وفي جماعة المسلمين من هو أعلم منه؟. فأجابه بجواز ذلك، ثم إن شعيبا خرج وتوجه نحو يزيد بن فندين وأصحابه، فأطمعوه في الأمور فندم على فتواه للإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، فبدا له فوز (1) ابن فندين وأصحابه على الإمام رضي الله عنه فخرج من كان ينظر إليه من النكار من المدينة إلى المنازل التي بجبال المدينة، فصاروا يجتمعون ويتناجون فلذلك سموا النجوية. ثم بعد ذلك، اجتمعوا بكدية بجبال المدينة، فأظهروا إنكار إمامة عبد الوهاب فسمو النّكار، وسموا الشغبية لإدخالهم في الإسلام الشغب، وسموا الملحدة حين ألحدو في أسماء الله تعالى، {والذي يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون}، وسموا النكاث لنكثهم بيعة الإمام بغير حدث. وبلغنا أنهم كانوا يدخلون المدينة بالجماعات، فتكلم بعض المسلمين إلى الإمام أن ينهاهم عن ذلك، ولم يشتغلوا به، فكلمهم في خروجهم من المدينة إلى المنازل، فقالوا: هذه مدينتنا، وتلك منازلنا، فإن عصينا في خروجنا من المدينة، فليخبرنا الإمام بذلك فنترك، قال: فتركهم الإمام، ثم بعد ذلك صاروا يدخلون المدينة بالسلاح، فكلم بعض المسلمين أن ينهاهم عن ذلك، فنهاهم الإمام عن إمساكهم السلاح، فإن آثمنا من إمساكنا السلاح، فليخبرنا بذلك الإمام فنترك. قال: فتركهم الإمام وأمر أهل المدينة بإمساك السلاح مخافة عليهم من الغدر بهم. وبلغنا أن نفرا منهم، اجتمعوا على غدر الإمام رضي الله عنه، فأداروا أمرهم بينهم، فقالوا: كيف لنا بالوصول إلى قتله، فلم يتجه لهم ذلك، ثم إن رجلا منهم قال لهم: هل لكم في رأيي؟، أن تأخذوا تابوتا وتجعلوني فيه وتمضون بالتابوت إليه، كأنكم مختمون عليه وتمتنعون من الاتفاق عليه، وأن يجعل في يد أحدكم دون غيره، فإذا صرتم إلى ذلك، فقولوا له لا /60/
__________
(1) في الأصل: فوازرا. (1/60)
صفحة 59
نرضى أن نضعه عند أحد سواك، فاتفق رأيهم على ذلك. وعمدوا إلى التابوت فأدخلوا الرجل فيه، ومعه سيفه، وكان التابوت مغلقا من داخل، وأقبلوا بالتابوت إلى الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، على اتفاقهم الأول، وهم يتنازعون عليه حتى أظهروا من أنفسهم أنهم يتجاسرون ويقع الشر بينهم. فلما وصلوا إلى الإمام، تكلم متكلم فقال: يا أمير المؤمنين افصل بين هؤلاء القوم، وانزع هذا التابوت من أيديهم جميعا، حتى تصلح بينهم، ويزول الشر الذي بينهم، فقال القوم: بأجمعهم صدق لك يا أمير المؤمنين ولسنا نثق بأحد أن نضعه عنده إلا أنت، فضعه لنا عندك حتى نتفق. فلما رأى الإمام منهم ذلك، وخاف أن يقع الشر بينهم، قال لهم: احملوا تابوتكم إلى الموضع الذي آمركم أن تضعوه فيه. قال: فلما حملوه ونظر إليهم الإمام مثقلين بحمل التابوت استرابهم، ثم إن الإمام عبد الوهاب تأمل التابوت فوجده مقفلا من داخله، فكان ذلك مما زاده ريبة فيهم، وظن أنهم أرادوا به المكر والغدر، وقد كانوا اشترطوا عليه ألا يضعه إلا في بيت ينام فيه، فلما وضعوه، خرجوا من عنده مستبشرين فرحين، وظنوا أنهم يظفرون بحاجتهم، فخيبهم الله، وكانوا أهل مكر وخداع وخبث النفوس. وبلغنا أنهم اتفقوا مع صاحبهم أنه إذا قتل الإمام، أن يؤذن لصلاة الصبح، عند طلوع الفجر، فإذا سمعوا أذانه وهم يعرفون صوته يبادرون إلى دار الإمام رضي الله عنه، وإن لم يؤذن عرفوا أن صاحبهم لم يظفر بحاجتهم. فلما جاء الليل اشتغل الإمام رضي الله عنه في صلاته، فلما فرغ منها وفرغ من حوائج أهل بيته، وكانت عادته إذا فرغ منها أن يأخذ كتابا فيقرأ فيه. فلما كانت تلك الليلة عمد الإمام رضي الله عنه إلى زق منفوخ، فوضعه على فراشه، فوضع عليه ملحفة بيضاء، فلما قضى حاجته من قراءة كتابه وجاء الوقت الذي يرقد فيه أخذ المصباح فأوقده، وألحف عليه غطاء بسترة، وتنحى إلى جانب البيت، وأقبل على الصلاة حيث لا يسمع به ولا يراه من كان في التابوت. فلما هدأ صوت الإمام عن صاحب التابوت، وظن أن الإمام قد رقد فتح التابوت وخرج منه، فنظر في البيت يمينا وشمالا، فلم يرى شيئا، إلا بياضا من ناحية البيت، فظن أنه الإمام، فقصده وبيده السيف مستلا، والإمام رضي الله عنه يبصره، فلما وصل إلى فراش الإمام ضرب بالسيف على الزق فظن أنه قتل الإمام وإنما أصاب الزق منفوخا. /61/ (1/61)
صفحة 60
فلما سمع الإمام ضربه بالسيف، نزع الغطاء عن المصباح واستضاء البيت، فقصده وضربه الإمام بالسيف، فقده نصفين، فأخذه ولفه في ثيابه ورده في تابوته، فبات القوم متململين ينتظرون متى تكون الصيحة على الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه أو يؤذن صاحبه، فلما كان بالغد، اجتمعوا فتساءلوا فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: هل سمعتم عن الإمام أو عن صاحبكم شيئا؟، فقالوا: لا. فقال بعضهم لبعض: امضوا بنا لنأخذ تابوتنا، ونقول له: قد اتفقنا عليه واصطلحنا. قال: فأقبلوا إلى الإمام رضي الله عنه، وقالوا له: اعطنا تابوتنا، فقد اتفقنا عليه. قال: فقال لهم الإمام امضوا إلى الموضع الذي وضعتم فيه تابوتكم فخذوه، فمضوا معه حتى دخلوا البيت فوجدوا تابوتهم في الموضع الذي وضعوه فيه فحملوه، فلما وصلوا إلى مأمنهم، فتحوا تابوتهم فوجدوا صاحبهم قتيلا مقدودا نصفين فخيب الله سعيهم، وأظهر بغيهم وأخلف ظنهم، فخرجوا من المدينة خوفا من صنيعهم من المسلمين. /62/ (1/62)
صفحة 61
ثورة ابن فندين
ثم إن شعيب بن المعروف تكلم إلى يزيد بن فندين وأصحابه، فقال لهم: ماذا تنتظرون بهم؟ فبادروا القوم واستغفلوهم ولا تتربصوا بهم، يريد الإمام ورعيته، وإنما قال ذلك مخافة أن يأتي الجواب من المشرق. فتكون عليهم الحجة، ولأنه علم أن الصواب هو ما أفتى به أولا، ثم رجع عنه حين أطمعوه في الأمور. وكان ابن فندين وأصحابه ينتظرون متى تكون لهم الفرصة أو يجدون من أهل المدينة غرة، وقد أمر الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه جماعة المسلمين أن يمسكوا السلاح، فكانوا كذلك إلى أن خرج الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه ذات يوم إلى بعض حاجته، فبادر يزيد بن فندين وأصحابه أهل المدينة واستغفلوهم حي سمعوا بخروج الإمام من المدينة ليدخولها عليهم على غفلة من أهلها، فقامت الصيحة في المدينة، فابتدرهم أهل المدينة من كل مكان، فصادف ذلك أفلح وأخته تظفر رأسه، وقد ظفرت له شق رأسه وبقي الشق الآخر لم يظفر، فأخذ سلاحه، فابتدرهم فوجدهم على باب المدينة، وقد كادوا يدخلون، فوفق لهم أفلح على بابها فنشب إحدى رجليه في الصفا فسلخ رجله إلى العرقوب، وصار يتقي بدرقته ويضربونه حتى لم يجد في درقته ما يتقي به فرمى بها، فعمد إلى باب المدينة فاقتلعه فصار يتقي به، فتمالك أهل المدينة، ويزيد بن فندين مقابل أفلح بن عبد الوهاب على باب المدينة، وعلى رأسه بيضتان يضرب الناس يمينا وشمالا، فقصده أفلح فضربه على أم رأسه بالسيف فقده والبيضتين والرأس، ونشب السيف في عمود الباب باب المدينة، فخر ابن فندين صريعا، فأحس أفلح بن عبد الوهاب رضي الله عنه في يده بعض الشدة حين ضربه، فظن أن ذلك كله من صلابة رأسه، فقال له: ما أقوى رأسك يا بربري، يا مشؤوم. فلما نظر إليه أصحابه قتيلا صريعا، ولوا منهزمين، فقتل منهم جماعة مقتلة عظيمة، فيها اثنا عشر ألف قتيل. وبلغنا أن دم القتلى جرى على باب المدينة كالسيل من كثرة القتلى، ثم إن أهل المدينة اجتمعوا بعدد كثير على أن يردوا الباب كما كان أولا، فلم يقدروا عليه، فقالوا لأفلح، اردد ما نزعت!، فقال: ردوا غيظي آنفا أرده لكم!. /63/ (1/63)
صفحة 62
ثم إن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، رجع من بعض حوائجه، فوجد على باب المدينة مقتلة عظيمة، فأخبره أهل المدينة خبر ابن فندين وأصحابه، فأمرهم بالقتلى فجمعوا ما أمكنهم، فصلى عليهم رجاء في الصلح، وطمعا في العافية لعامة المسلمين من بقية أصحاب ابن فندين. ثم إن شعيب بن المعروف هرب حين انهزم القوم إلى مدينة طرابلس، فأظهر فيها الخلاف للإمام والبراءة منه، واستقبل الحجاج بذلك، واتصل ذلك إلى الربيع بن حبيب رضي الله عنه، وجماعة المسلمين بأرض المشرق فتبرءوا من شعيب ومن يزيد بن فندين وأصحابهما الذين قتلوا معه ومن كان على سبيلهم إلا من تاب. وكان الربيع بن حبيب رضي الله عنه يقول في مجلسه: عبد الوهاب إمامنا وتقينا وإمام المسلمين أجمعين، ويظهر البراءة من شعيب ويزيد بن فندين، فقيل له: كيف تبرأ من شعيب بغير حدث؟، فقال: وأي حدث أعظم من براءته من عبد الوهاب أمير المؤمنين، فعند ذلك يقول عبد الوهاب إمامنا وتقينا وإمام المسلمين أجمعين. ثم إن بقية أصحاب ابن فندين الذين لم يصابوا يوم قتل، بقيت في أنفسهم حزازات وضغائن، فتنحوا ناحية من المدينة واجتمعوا بربوة، أو كدية، فسميت كدية النكار، ثم إن الرسولين الذين توجها نحو المشرق قدما إلى تاهرت وقد تقدمت من يزيد بن فندين وأصحابه الواقعة، فاجتمع أهل المدينة على جواب إخوانهم من أهل المشرق، فأخذوا الكتب فقرؤوها فوجدوا فيها تخطئة ابن فندين وأصحابه، وإثبات ولاية عبد الوهاب رضي الله عنه، فمكثوا في ذلك حينا. وبلغنا أن ميمون بن عبد الوهاب قتل بليل ومزق لحمه وقطع إربا إربا، فلما أصبح وجده أهل المدينة على تلك الحالة قتيلا، فأتاه الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه فلما نظر إليه، قال: إي بني اجتمعت فيك ثلاث: قول قائل، ويل لمن مرت الخيل بكسائه، وويح لمن أصيب بليل، وقول القائل: إذا أمسست ابن السلطان بسوء، فأمسسه مسا عنيفا. فأخذ عبد الوهاب ابنه فجهزه وكفنه ودفنه، ولم يدر من قتله. ثم إنه خرج ابن لميمون بن عبد الوهاب ساعيا، فلما وصل إلى النكار نادوه: بابن المهدور دمه، فرجع إلى جده عبد الوهاب فأخبره، فاستقصى عبد الوهاب رضي الله عنه في قتل ابنه، فلما صح عنده أن النكار هم الذين قتلوا ابنه أنفذ إليهم جيشا، فجعل عليه ابنا لميمون فخرج إليهم على مسيرة أيام في المدينة، فصادفهم مجتمعين على عدتهم، منتظرين له، فصادفوه فقاتلهم فهزمهم الله له، فقتل منهم عددا كبيرا /64/ (1/64)
صفحة 63
وقصر الناس عن تعدادهم، وقالوا في أي اسم أقل عددا من هؤلاء المقتولين، فوجدوه اسم هارون، فحسبوا كم اسم هارون أصيب فوجدوا ثلاثمائة هارون قتيلا، فأوهن الله شوكتهم وأضعف قوتهم. وكان بيت الرستميين بيت العلم في فنونه من الأصول، والفقه والتفسير، وعلم اختلاف الناس، وعلم النحو والإعراب والفصاحة وعلم النجوم. وبلغنا أن بعضهم قال: معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر. وبلغنا أن عبد الوهاب رضي الله عنه سمر ذات ليلة هو وأخوه، يتعلما مسائل الفرائض، فلم يصبح عليهما إلا وهما يورثان أهل المشرق وأهل المغرب، وكانا في سمرهما يقدان مصباحا يجعل له عبد الوهاب الفتائل من عمامته حتى أتى عليها. وذكر بعض أصحابنا أن عبد الوهاب بعث بألف دينار إلى إخوانه من أهل المشرق بالبصرة أن يشتروا له بها الكتب، فلما وصلهم الألف، اجتمعوا واتفقوا أن يشتروا بها رقا ويجعلوا من أنفسهم الحبر والأقلام وعولة الكتاب، وأخذوا في النسخ، فنسخوا له أربعين حملا من الكتب، فبعثوا بها إليه، فلما جاءته نشرها وقرأها حتى أتى على آخرها بأجمعها فقال: الحمد لله ليست منها مسألة ليست عندي إلا مسألتين، لو سئلت عنهما ما قستهما إلى نظائرهما من المسائل لصادفت ما ذكره في الكتاب. /65/ (1/65)
صفحة 64
/66/ (1/66)
صفحة 65
محاربة الواصلية للإمام ض
وحدث غير واحد من أصحابنا أن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، لما أوهن الله على يده كلمة النكار، وأورثهم الخزي والعار، تحركت الواصلية بعض الحركة، وهم قوم من البربر أكثرهم من قبائل زناتة، وذلك حين أحسوا ببعض الفرقة في الإباضية وأرادوا أن ينتهزوا بعض الفرصة، فبلغ الإمام ذلك، فاعتذر إليهم مرة بعد مرة، وقد نشأ إذ ذاك من الواصلية شاب حدث السن، شجاع عظيم بطل لا يقاوم له شيء، وهو ابن سيدهم وعمدتهم، وفيهم رجل منتحل للمناظرة يذب عن مذهبه، وقد جرت بينه وبين الإمام مناظرات كثيرة، وكان شديد المعارضة، حديد العارضة، فتكاثفت كلمة الواصلية واجتمعوا من كل نقب وجازوا من كل أوب، فانحازوا عن تاهرت، وأخذوا عن جبالها، وهم أصحاب العمود وأظهروا مخالفة الإمام رضي الله عنه، فاعتذر إليهم وخرج إليهم بعساكر كثيرة، فقاتلهم مرة بعد مرة، وكان الفتى المعروف بالنجدة والشجاعة، لا يدرك أحدا إلا قتله، ولا يبارزه أحد إلا قتله، وكان لذلك الفتى أب يحرضه عند القتال ويقول له: أقدم، أي بني!. فلما رأى الإمام رضي الله عنه ذلك، وإن حربهم جد (1) أرسل إلى جبل نفوسة يستمدهم أن يبعثوا إليه جيشا نجيبا، يكون فيه رجل ذو علم بفنون الرد على المخالفين ورجل عالم بفنون التفسير، ورجل شجاع بطل نجد يبارز الفتى المعتزلي الموصوف بالشجاعة، فلما وصلت رسل الإمام رضي الله عنه إلى جبل نفوسة، ائتمروا على من يرسلونه للإمام رضي الله عنه واتفق رأيهم جميعا على أن يبعثوا له بأربعة نفر: أحدهم مهدي، والآخر أيوب بن العباس، والثالث محمد بن يانس، والرابع لم يبلغنا اسمه، وقد قيل أن اسمه أبو محمد فارس، فأرسل إليهم عامل عبد الوهاب على نفوسة، فلما أتاهم رسول العامل، توجهوا نحوه، وقال لهم أن أمير المؤمنين احتاج إليكم في أمور وأنا منفذكم إليه، فكونوا على هيئة السفر. وبلغنا أن النفر تساءلوا فيما بينهم، فقال لهم مهدي: أما أنا فلا يغلبني مخالف في مناظرة إلا إن ركنت في دين الله، فقال لهم محد بن يانس: أما أنا فقد أخذت تفسير القرآن كله من الثقات، وعلمته منهم إلا حرفا واحدا أو حرفين، فإن اضطررت أجد مخرجا. /67/
__________
(1) في الأصل: وإن جربهم مجدا. (1/67)
صفحة 66
قال وأخذ النفر الأربعة في هيئة السفر، فخرجوا من جبل نفوسة، متوجهين إلى تاهرت، فلما انفصلوا من الجبل طلبهم محمد بن يانس أن يدعوه أن يكون خادمهم فأبوا عليه، وألح عليهم في الطلب، فأجابوه إلى ذلك، فإذا ارتحلوا نهارهم ونزلوا عند الليل، عمد محمد بن يانس إلى خيلهم فيعلفها، فيأخذ في صنع طعامهم، فإذا طعموا وناموا، أقبل على الصلاة راكعا وساجدا، حتى يطلع عليه الفجر، وكان صائما نهاره، قائما ليله، فكان ذلك دأبه ودأبهم، فلما رأوه متماديا على ذلك، أشفقوا عليه وشق عليهم ذلك، فطلبوا إليه أن يرفق بنفسه ولا يحملها فوق طاقتها، وأن يترك بعض ما يعمل في السفر ويأخذ غفوة بالليل، فأبى لهم، فعزموا عليه أن يترك وإلا طلبوا من يخدمهم غيره. فلما رأى جدهم وعزمهم، وخاف أن يمنعوه خدمتهم، ويخدهم غيره، قال لهم: أنا أفعل ما أردتم، ولكن على شرط أن تدعوني أركع ركعتين لا أزيد عليهما بعد إن شاء الله. فلما سمعوا منه ذلك، طابت نفوسهم بذلك وسرهم وظنوا أنهم أصابوا حاجتهم. فلما كانت الليلة المقبلة، وقد فرغ من خدمتهم، قام إلى الركعتين اللتين وعدهم (1) ألا يزيد عليهما شيئا، فقرأ في الركعة الأولى نصف القرآن، وفي الركعة الثانية النصف الآخر، وطلع عليه الصبح. فلما كان الغد شق على أصحابه ما فعل أكثر من أول مرة وبلغ فيهم ذلك، وطلبوا إليه أن يرجع كما كان أول مرة، لأن ذلك أرفق به وأروح مما التجأ إليه. وبلغنا أنهم رقدوا ذات ليلة، إذ انتبه أحدهم من منامه، فنظر إلى ابن يانس قائما يصلي، وكانت ليلة ممطرة ذات ريح (2) وقر، فسمع طرف كسوة ابن يانس يضرب بها الريح، فتصوت فقال: إن كان لا يدخل الجنة إلا من كان مثلك يا ابن يانس فستصيبك بها الوحشة. وبلغنا أن الإمام لما سمع بخروجهم من جبل نفوسة وإقبالهم إليه وقربهم منه، كلم عبيدة وقال: من بشرني منكم بقدوم أهل نفوسة، فهو حر وكانت العبيد إذا طلعت الشمس خرجوا من المدينة، ينظرون يمينا وشمالا، وكان للإمام رضي الله عنه عبد أعرج، لا يستطيع النهوض مع جملة العبيد، فعمد إلى سور المدينة فرقى عليه فلزمه، وقعد عليه فكانت حال العبيد كما ذكرنا، يخرجون كل يوم ينتظرون قدوم أهل نفوسة. فلما كان ذات يوم رأت عبيد الإمام رضي الله عنه أهل نفوسة وقد أقبلوا، فتبادروا إلى الإمام وتسابقوا إليه ليخبروه بقدومهم فنظر إليه الأعرج بعيدا، فقام وصاح إلى الإمام وأخبره بقدومهم وبشره بهم، فخرج /68/
__________
(1) في الأصل: وعدلهم.
(2) في الأصل كلمة غير مقروءة بالشكل التالي: وصر. (1/68)
صفحة 67
حرا، فجاء أصحابه بعد ذلك فوجوده قد سبقهم بالبشارة إلى الإمامض فقالوا: قد فاز بها الأعرج. فلما وصل النفر النفوسيون إلى مدينة تاهرت وأخبر الإمام بقدومهم، وأنهم كانوا أربعة نفر ساءه ذلك، وكان ينتظر قدوم العكسر، فأدخلوا على الإمام رضي الله عنه، فاستخبرهم عن أحوالهم، وسأل كل واحد منهم لما يصلح له، فأمر الإمام رضي الله عنه بإدخالهم في دار الضيافة وإجراء الضيافة عليهم وعلف دوابهم. وبلغنا أن الإمام رضي الله عنه أجل قبل ذلك للمعتزلة في اللقاء، أجلا قبل قدومهم، فلما قدموا قال لهم عبد الوهاب: الخروج، قال النفر النفوسيون: دعنا يا أمير المؤمنين حتى تستريح دوابنا، فإنها قد أخذ منها السير وأتعبها السفر. وبلغنا أن الإمام رضي الله عنه أدخلهم ذات مرة، فسألهم، فقال له مهدي: أما أنا يا أمير المؤمنين فقد كفيتك أمر المبارزة إن شاء الله. وأما محمد بن يانس: أما أنا يا أمير المؤمنين فقد كفيتك فنون التفاسير إن شاء الله. فقال الإمام لمهدي: إنه جرى بيني وبين هذا المعتزلي المنتحل للمناظرة وجوه منها أريد أن أعرضها عليك.
فقال مهدي: افعل يا أمير المؤمنين.
قال: فساق الحديث مما جرى بينه وبين المعتزلي من الكلام حتى أتمه فإذا به زغ المعتزلي، وحاد عن الجواب، قال مهدي للإمام رضي الله عنه يا أمير المؤمنين: هاهنا ذهب لك بالحجة وحاد عن المحجة، حتى اطلع الإمام رضي الله عنه على جميع ما ليس فيه المعتزلة عليه ومواضع يسرق له فيها السؤال ويحيد فيها عن الجواب. وبلغنا أن مهدي حين كان بتاهرت، خرج ذات مرة عن أصحابه فتغيب عنهم ولم يدروا أين توجه، فلما جنهم الليل، وقرب عشاؤهم، انتظروا حتى أيسوا منه وأكلوا حاجاتهم وأفضلوا له عشاءه، فكانوا كذلك إذا أقبل إليهم مهدي، فقالوا له: أين تغيبت؟، ومن أين جئت وقد برد عشاؤك؟. فقال لهم: إني رددت إلى دين الله سبعين عالما من أهل الخلاف في غيبوبتي عنكم. قال: فتقدم عشائه، فصادف عجينا عجنوه لغذائهم فكشف عنه فصار يأكل، فلما كاد يشبع، قال لأصحابه: كان عشاءكم الليلة لم يطبخ ولم يطب، وقد وجدت فيه طعم العجين. /69/ (1/69)
صفحة 68
قال بعضهم: لعلك إنما صادفت عجين غذائنا، قال: ففتشوا فوجدوا العجين هو الذي صادف. وقال لهم مهدي: حمدت الله على ثلاث: واحدة أنني إذا قدم إلي الطعام ما أبالي أي طعام كان، فإني أقضي منه حاجتي، والثانية إذا أخذت غفوة من النوم اجتزيت بها، والثالثة: لست أتخوف مخالفا على نفسي أن يغلبني في حجة إلا إن ركنت في دين الله. ثم إن الإمام رضي الله عنه بعث إلى رئيس المعتزلة وسيدهم بأنه سيخرج إليهم في اليوم الفلاني، وضرب لهم أجلا، فلما كان ذلك اليوم، وقد ساءت ظنون المعتزلة وانتفخت أسحارهم عماذا ينجلي لهم من نفوسة، وكانوا في غمة مطلخمة. قال أيوب بن العباس: يا أمير المؤمنين، إن فرسي أتعبه السفر، فلو أمر لنا أمير المؤمنين بخيل نركبها، فأمر الإمام رضي الله عنه أيوب أن يدخل في دار الدواب، فيأخذ منه فرسا يعجبه فدخل، فإذا نظر إلى فرس أعجبته هيئته، أخذ بناصيتها فجذبه جذبة فاقتعلت رجلاه وكاد أن يسقط على رأسه بين يديه، فكان كذلك حتى أتى على آخرها ولم يعجبه منها شيء منها، فقال أيوب بن العباس للإمام اجمع علي فرسي يا أمير المؤمنين، فإن عهدي به أحسن إلي من غيره. فأمر الإمام رضي الله عنه أن يؤتى بفرسه جذبه أيوب جذبة بقدر ما يقوم عليه فيقلع للفرس رأسه وينقلع من الهواء ولم يقدر له على شيء، فتأمل أيوب فرسه فوجده وبه الحفا، فأمر بإحراق الرمل وتسخينه فاتمر به، فجعله في بيت، فوضعه فيه، فأدخل فرسه في البيت، فجعل له ذلك ثلاثة أيام، فلما كان بعد ثلاثة أيام، أمر الإمام الناس بالخروج فخرجوا. والتقى العسكران والناس ينظرون إلى أيوب ويتعجبون به لما سمعوا من شجاعته ونجدته، وأنه لا يلقى شجاعا إلا قتله. فاعتذر الإمام إلى المعتزلة ودعاهم إلى ترك ما به ضلوا، فأعذر إليهم في الحجة، فأبوا إلا مناصبته، فسألوا المناظرة. ثم إن الإمام رضي الله عنه أمر بالصفوف فصفت، والواصلية قد صفت صفوفها، فخرج مهدي للمناظرة بين الصفين ومن معه من أصحابه وجماعة المسلمين فخرج معهم الإمام بوجوه أصحابه، فخرج الفتى المناظر من المعتزلة ووجوه المعتزلة معه، فقال مهدي لمحمد بن يانس: أخرج إليه فناظره، فقال له ابن يانس: بل اخرج إليه أنت، ولست بأعلم مني ولكني تخوفت إذا خرجت إليه العرق الذي يتصبب (1) من قبل يانس. قال: فخرج مهدي وتقدم إلى الفتى المعتزلي، وقد كان قبل ذلك أسلمته /70/
__________
(1) في الأصل: الذي في. (1/70)
صفحة 69
نفسه وظنت به الظنون، فأرسل إلى مهدي في سر من أصحابه يقول له إني إذا ناظرتك وغلبتني أريد أن تستر علي، وإن غلبتك سترت عليك، وليس فينا أحد يدري لمن الدائرة على صاحبه. فاتفق مهدي مع أصحابه أنه إذا غلبت المعتزلي، إن علامة غلبته له أن ينزع شاشيته عن رأسه ويضعها تحت ركبته. ثم إنهما جرت بينهما وجوه من المناظرة والناس يعلمون ما يقولان، فلم يفلح أحدهما على صاحبه، ثم إنهما دخلا في فنون العلم، فخفى ذلك عمن حضرهما، غير أن الإمام يعلم ما يقولان، حتى صار كلامهما عند جماعة من حضرهما كالصفق بين الحجرين عند الإمام وعند غيره، فما كان بأوشك أن غلبه مهدي. فلما غلبه، أخذ الشاشية فنزعها عن رأسه وجعلها تحت ركبته، وكان ذلك أمارة بينه وبين أصحابه، إذا غلب المعتزلي فكبر أصحاب مهدي لغلبة مهدي عليه. فلما نظر إليه المعتزلي وما فعل، قال: غدرتني يا مهدي، فلما افترقا من المناظرة، وقد أفلح عليهم مهدي، خرج الفتى المعروف بالشجاعة من المعتزلة فطلب المبارزة. فأخذ أيوب بن العباس في هيئة الخروج إليه فجذب فرسه حتى استوى بين الصفين، فأراد ركوبه حيث يراه الفريقان، فتجاهل في ركوبه، فضحك منه عامة الفريقين وازدرته أعينهم، فقال لهم أبو الفتى الشجاع من المعتزلة: هيهات الآن جاء من يقتل ابني، أولا ترى فرسه حين ركبه كيف أدلى، ولا يفعل الفرس ذلك إلا تحت الفارس الحاذق. فخرج أيوب إلى الفتى، فاقتتلا مليا وتضاربا قليلا، فحمل عليه أيوب بن العباس فضربه فقتله. وذكر بعض أصحابنا أنه طعنه فشقه برمحه (1) فلما رأت الواصلية ابن رئيسها وعميدها وفارسها الذي يحمي عنها صريعا، ولوا منهزمين، بعدما حمي الوطيس واشتدت الحرب واستمر القتل في المعتزلة. وكان أفلح بن عبد الوهاب يضرب على ناحية وأيوب بن العباس يضرب على ناحية أخرى، وكان سيف أيوب ابن العياس ليس له إلا حد واحد. وقيل شبران مما يلي المقبض، وليس له حد من ناحية واحدة، ولعله إذا عيي جعله على عاتقه. فلما أمعن أهل العسكر في قتل الواصلية وأثخن، وضعت الحرب أوزارها ولم يكد يفلت من المعتزلة إلا اليسير، صار المسلمون يعدون من أصابه أفلح ابن الإمام رضي الله عنه، ومن أصابه أيوب بن العباس فوجدوا /71/
__________
(1) في الأصل: في رمحه. (1/71)
صفحة 70
أحدهم أكثر قتلا بقتيل واحد، وقد ذكر أنه أفلح، وذكر بعض أصحابنا أن قتلى أفلح عدتها أربعمائة قتيل. وذكر بعض أصحابنا أن أحدهما كان يضرب على ناحية واحدة، والآخر يضرب على الناحيتين، والله أعلم أي منهما. وبلغنا أن المعتزلة حين انهزموا كان المسلمون في ساقتهم وأن أيوب بن العباس، نظر إلى شيء واقف كهيئة رجل في حومة العسكر، في نقيع الحجاج، فخاله رجلا فضربه بسيفه فيمن ضربه وأحس في يديه حين ضربه شدة، فلما رجع قال لأصحابه: إني ضربت شيئا قويا، ولست أدري ما هو، فتصفحوا من القتلى فوجوده عمودا واقفا، فلما مسوه بأيديهم وقع من ضرب أيوب له بالسيف فصار نصفين. ثم بعد ذلك بزمان، أرسلت المعتزلة إلى أيوب بن العباس أن يأتيها بعد ما فعل فيها الأفاعيل، فأراد المسير إليهم، فمنعه عامة المسلمين من ذلك، وأبى عليهم إلا المسير، وخوفوه من الغدر فلم يشتغل بهم. قال: فسار أيوب بن العباس حتى وصل إلى بعض أحيائهم تيممه، فابتدره أحل الحي وأنزلوه في خص ورحبوا به. فلما جنهم الليل قربوا له عشاءه، وهي قصعة كبيرة عليها شاة لحم ورطب من لبن، فأكل القصعة كلها وانتقى عظام الشاة، عظما عظما حتى أتى على آخرها، وشرب الوطب كله من اللبن، ولم يفضل شيئا. ثم إنه عمد إلى الركاز الأوسط من الخص، فاتكأ عليه، فأخذ في قراءة القرآن حتى أصبح، فلما أصبح عليه الصباح صلى صلاة الصبح بوضوء العشاء الأخيرة، ولم ينتقض عليه الوضوء. فلما طلعت الشمس، أمرهم أيوب أن يقربوا له فرسه، وقد اتفقوا أن يغدروا به، فلما ركب فرسه تكلم متكلمهم، فقال: يا أيوب إن فتيان الحي أرادوا أن تلاعبهم على فرسك.
فقال لهم أيوب: أجل.
ثم إن فتيان الحي ركبوا خيولهم، وأخذوا قضبانا يترامون بها، وكان فيهم رجل ذو نجدة وشجاعة فتكفل لهم بغدر أيوب. فلاعبهم أيوب قليلا، فلم يشعر إلا والرجل خلفه، فشد عليه بالرمح، فتغافل عنه أيوب حين علم به. فلما أراد أن يضربه اتقى أيوب ضربته فشد عليهم أيوب فقتل منهم ثمانية وحمل عليهم مرة أخرى فقتل منهم ثمانية أخرى، فصاح إلى نساء الحي: هل يكفيكن أم أزيدكن؟.
فقلن له: يكفينا.
قال: فتوجه أيوب بن العباس وبلغنا أنه جاز بواد فوجد فيه سبعا ولبوة وأشبالهما، فشد عليهم بالسيف وقطع حين ضرب رجلي الأسد /72/ (1/72)
صفحة 71
ورجلي اللبؤة، فتركهما يزحفان ويحبوان فجاز بحي من أحياء البربر، فنادى: يا أهل الحي، من أراد منكم اللحم فليمض إلى الوادي عند السدرة، فابتدر أهل الحي فوجدوا فيها سبعا ولبؤة يحبوان ومعهما أشبالهما، فمن يأكل المكروه طفق يأكل. وذكر بعض أصحابنا أن مهدي كان مشتغلا بأمر الآخرة كثيرا تاركا للدنيا، وكان ابن خالته مشتغلا بالدنيا ولم يعرض لعلم الآخرة. وبلغنا أن الإمام رضي الله عنه اختصم إليه مهدي وابن خالته بتاهرت، فقال ابن خالته: يا أمير المؤمنين إن هذا يريد مهدي، قد ضيع دنيا حتى كاد ذلك يضر بآخرته.
فقال مهدي: يا أمير المؤمنين إن ابن خالتي هذا اشتغل بأمر دنياه حتى كاد يضر ذلك بآخرته، فلم يرد لهم الإمام جوابا. فلما توجه الإمام رضي الله عنه إلى جبل نفوسة، قصد إلى دار مهدي، فوجدها دار عابد زاهد، ليست له في الدنيا رغبة ولا همة، وقد أضر بالإمام رضي الله عنه المطر، فلم يصب عند مهدي ما يقي عنه المطر. ثم إن ابن خالة مهدي، قال لمهدي: دعه يسكن عندي فهو أنفع للأمير وأحسن. قال: فخرج الإمام متوجها إلى داره، ومعه مهدي فلما وصل إلى الدار: وجدها دار مترف من نعمة قد انبسطت عليه الدنيا، فدخل صاحب الدار إلى المخزن، فاستخرج لهم ثيابا جديدة لم ينلها المطر ولم يبلتها، فكساهم إياها وفرش لهم فراشا ووطاء حسنا وأمر بالأطعمة فقربت ووسع عليهم الخير وأوقد لهم النيران، فرفع الإمام رأسه إلى مهدي، فقال: عليك الحجة يا مهدي ورد لهما جواب مخاصمتهما بتاهرت. وبلغنا أن مهدي خطب امرأة بجبل نفوسة فمضت المرأة إلى شيخ من شيوخ نفوسة، تستشيره في أمرها، فقال لها الشيخ: أما مهدي فرجل عبادة ورغبة في الآخرة، وهو من أهل الصلاح، ولها تلمة مائتا جلواخ، بعيني واسعة لها سد فوق سد قد انهدت وانهدمت جسورها لا يقدر على سدها وإصلاحها إلا قبيلة من الناس، فإذا تزوجته فأظنن الأشد إلا بتراب تنقليه على رأسك، فرجعت المرأة فتزوجها مهدي، ومكث الشيخ زمانا ثم أراد زيارتها في منزلها، فأتاها فوجدها ليست به، فسأل عنها، فأخبر بموضعها، فتوجه نحوها، فوجدها تنقل التراب على رأسها للتلعة، فتذكر قوله لها. /73/ (1/73)
صفحة 72
/74/ (1/74)
صفحة 73
/75/ (1/75)
صفحة 74
محاصرة الإمام رضي الله عنه لمدينة طرابلس
وحدث غير واحد من أصحابنا أن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، أراد المسير إلى الحج، فأخذ في هيئة السفر، فمضى متوجها إلى جبل دمر فجاز بها، فاستعمل عليهم رجلا يقال له فقداراب، وللإمام بها مصلى في موضع يقال له تلاليت، وفي محراب المصلى بلاط يتكيء عليها الإمام رضي الله عنه، كقعدته فيستوي رأسه ورأس البلاطة، فهي اليوم تبلغ الواقف منا إلى الصدر. ثم توجه إلى جبل نفوسة وقد عزم على المسير إلى الحج فاجتمعت عليه جموع نفوسة، فأخبرهم بمراده للمسير إلى الحج، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لسنا ندعك أن تمضي مخافة عليك من المسودة أن يأخذوك ويحبسوك، فتتعطل أمور المسلمين وحدود الله، ولو أصبنا أن يقتلوك، فنولي بعدك رجلا من المسلمين ما بالينا، ولهان ذلك علينا من أن تعطل حدود الله. قال: فأرسل الإمام رضي الله عنه إلى إخوانه من أهل المشرق، وكان المقدم في ذلك العصر، في الفضل والورع والعلم، أبو عمرو الربيع بن حبيب رضي الله عنه، وابن عباد فلما وصلت الرسل إلى المشرق وإلى الربيع وابن عباد، أجابه الربيع بأن من كان مثلك في العناء لأمور المسلمين وتحمل أمانتهم وخاف على نفسه من المسودة أن يبعث لحجه وهو حي. فقال ابن عباد: من كان مثلك على الصفة المذكورة من العناء لأمور المسلمين فليس عليه حج، لأن أمان الطريق من الشروط التي يجب بها الحج على من استطاعه. فمكث الإمام رضي الله عنه منتظرا لرسوله أن يقدم عليه من أرض المشرق، فلما قدمت الرسل بجواب عن مسألته أخذوا بقول الربيع بن حبيب، فأرسل بمال ليحج به عليه، فمكث في جبل نفوسة في تلك المرة، فيما بلغنا سبع سنين، يتعلمون عنده مسائل الصلاة، وبقي منها أبواب لم يذكروها. ثم إن الإمام حين أرسل إلى المشرق توجه بمن أطاعه من الناس إلى أهل حيز طرابلس وجبل نفوسة، وعامة من بجبالهم من البربر وغيرهم، يريد حصار مدينة طرابلس، ومكث عليها زمنا محاصرا لها، وكان بينه وبين أهل المدينة قتال شديد، وفيه استشهد مهدي. /76/ (1/76)
صفحة 75
وبلغنا أنه لما قتلوه قطعوا رأسه، فإذا قالوا له انهزم المسملون، انقبض وجهه وتعبس، وإذا قالوا له انهزم المسودة انشرح وجهه وتبسم. ثم إن الإمام رضي الله عنه، إذا أرادوا أن يتناجوا على كيد العدو، خرج سرهم، وكان ينتقص ممن يتناجون معه، ثم خرج سرهم أيضان وكان ذلك دأبه حتى لا يبقى إلا هو ووزيره، مزور بن عمران، فقال هم ارفعوا الحصار فأنا لا أحاصر المدينة برجل واحد، ثم توجه راجعا إلى جبل نفوسة، وقد أيس من فتح المدينة، فمكث بالجبل حينا، وكان الإمام أعطي من العلم والحلم والاحتمال والصبر والعناية بأمور المسلمين كثيرا. وبلغنا أن اختصم إليه رجلان بجبل نفوسة، فاستردد المدعي عليه، فامتنع وأبى من رد الجواب، فقال النفوسي: ماذا يقول هذا الحضري، يريد الإمام رضي الله عنه، فقال الإمام لجلسائه: هل هاهنا ابن مغطير؟، فقالوا: لا. فقال الإمام للخصمين: الأجل غدا، فلما كان بالغد، استمسك المدعي بالمدعى عليه، فامتنع أيضا من رد الجواب، كما فعل أول مرة. فقال الإمام لجلسائه: هل هاهنا ابن مغطير؟، قالوا: لا، فقال: الأجل غدا. فلما كان اليوم الثالث كذلك قال لهم الأجل غدا. فلما كان اليوم الرابع حضر الخصمان، واستمسك المدعى بالمدعي عليه، فاستردده الإمام الجواب، فامتنع وقال: ماذا يقول هذا الحضري، فقال الإمام لجلسائه: هل هاهنا ابن مغطير؟، وكان ابن مغطير قاعدا في طرف الناس مستغشيا بثيابه، فلم يتم الإمام قوله إلا وثب ابن مغطير على الرجل، فوطئه بركبته، والرجل يصيح ويقول: أدركني يا أمير المؤمنين فأمر الإمام رضي الله عنه بتركه، فاسترد الجواب فرده، وحكم بينهم ولم يضجر بطول سخافة الرجل. /77/ (1/77)
صفحة 76
/78/ (1/78)
صفحة 77
الافتراق الثاني بين الإباضية
حدث أكثر أصحابنا أن الإمام رضي الله عنه لما أراد التوجه إلى تاهرت، اجتمع إليه جوامع أهل طرابلس وطالبوه أن يولي عليهم رجلا، فأراد الإمام رضي الله عنه تولية بعض وزرائه عليهم، ولم يحبوا ذلك، وأراد الإمام رضي الله عنه أن يولي عليهم وزيره السمح بن عبد الأعلى رضي الله عنه، وطلبوه إليه، لما رأوا من محبة الإمام له وإيثاره له وحسن شأنه عليه، وهو ابن إمامهم أبي الخطاب رضي الله عنه قبل ذلك. فلما علم الإمام رضي الله عنه مرادهم في السمح كره مفارقته وأراد مؤازرته له وقال: يا معشر المسلمين، إنكم قد علمتم أن السمح وزيري، وأحب الناس إلي، وأنصحهم، ولن أريد مفارقته، فإذا أردتم أن أستعمله عليهم، فإني قد آثرتكم على نفسي واستعملته عليكم، ووادعهم الإمام رضي الله عنه، وتوجه يريد تاهرت، والسمح على حيز طرابلس، فأحسن فيهم السيرة وأعدل في حكمه، فذلل أهله وأصلحهم، مقرا بإمامة عبد الوهاب ض. فلما حضرت الوفاة السمح اجتمع إليه وجوه أصحابه وقد استعمل في طرابلس وحيزها عمالا كثيرة تحته، فقالوا له: وصنا، وامرنا بأمرك رحمك الله، فإنا مطيعوك في حياتك وبعد مماتك، وإنك لن تألونا رشدا، جزاك الله عنا وعن الإسلام خيرا. فقال لهم السمح: أوصيكم ونفسي بتقوى الله والاتباع لما أمركم به، والانتهاء عما زجركم عنه، وطاعة إمامكم عبد الوهاب رضي الله عنه، وتأييده ما دام مستقيما عن الحق الذي عليه سلفكم، وجاهدوا من خالفه وتوفي رحمه الله وغفر له. فلما توفي السمح رحمة الله عليه بلغ الأمر في الناس موته مبلغا عظيما وترك ولدا يقال له خلف، وقد بلغ حب الناس لسمح غاية عظيمة بحسن سيرته وعظم درجته، فائتمرت العامة من الناس، ممن ليس له علم في الدين ولا تمييز في أمور المسلمين، أن يولو على أنفسهم خلف ابن السمح، وظنوا أن ذلك أوفق لأمير المؤمنين رضي الله عنه من فعلهم، فرد ذلك عليهم من له علم في الدين وبصيرة، وقال: ليس ينبغي أن تسبقوا إمامكم إلى شيء من أموركم. وقال بعضهم: نوليه على أنفسنا، فإن رضي بذلك أمير المؤمنين، وإلا عزلناه عن أنفسنا، فأبى عليهم من ذلك أهل الصلاح منهم: (1/79)
صفحة 78
أبو المنيب اسماعيل بن درار الغدامسي رضي الله عنه، وأبو الحسن أيوب عامل الإمام رضي الله عنه على جبل نفوسة، ووجوه من ينظر إليهم من أهل دعوة المسلمين: فأبت العامة إلا أن يولوه خلف على أنفسهم فولوه، وبعثوا كتابا إلى الإمام رضي الله عنه عنه بتاهرت، بنعي عامله السمح واستخلافهم ابنه خلفا، فقالوا: إن رضي أمير المؤمنين بفعلنا، وإلا تركناه وعزلناه عن أمورنا. فلما وصلت الإمام كتب أهل طرابلس، بوفاة عامله السمح، وتولية بعض الناس ابنه خلفا، ورد أهل الخير ذلك عليهم، كتب الإمام رضي الله عنه جواب مكاتبتهم: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني آمركم بتقوى الله العظيم والاتباع لما أمركم به، والانتهاء كما نهاكم عنه، فقد بلغني ما كاتبتموني به من وفاة السمح واستخلاف البعض خلفا، ورد أهل الخير ذلك، فإن من ولى خلفا بغير رضا إمامه، فقد أخطأ سيرة المسلمين، ومن أبى من توليته فقد أصاب، فإذا أتاكم كتابي هذا، فليرجع كل عامل استعمله السمح إلى عمله الذي ولي عليه إلا خلف بن السمح، فحتى يأتيه أمري، وتوبوا إلى ربكم وراجعوا التوبة لعلكم تفلحون. فلما وصل كتاب الإمام إلى طرابلس، اجتمع أهلها عليه، فقرؤوه وأصابوا به تخطئة من ولى خلفا وتصويب من توقف عن توليته، وأمر الإمام بكل عامل أن يرجع إلى عمله، إلا خلف بن السمح، فكتبوا إليه رضي الله عنه مرة ثانية: يطلبون أن يجيز لهم ما فعلوا من توليتهم خلفا، وكتب الإمام إليهم كتابا أن ما سألوه من تجويز فعلهم، لا يسعه ذلك فيما بينه وبين الله، ولو وسعني ذلك لفعلته لكم، وأن يتوبوا من فعلهم ذلك، فأرسل الإمام إلى خلف أفرده فيه، يأمره بتقوى الله والاعتزال لأمور المسلمين والكف عنها، وحرم على من يدفع له صدقات من ماله، فحرم عليه أخذها حتى يعتزل أمور المسلمين. ثم إن الإمام رضي الله عنه اجتهد في النظر لأمور المسلمين بغاية الاجتهاد، فأرسل كتابا إلى الخاصة من جماعة المسلمين الذين كانوا في طرابلس، وكتابا آخر فيه استعمال خلف، وأمرهم أن يدفعوا له الكتاب الأول الذي فيه عزل خلف، فإن قرأه واعتزل عن أمور المسلمين وكف عنها وأطاع إمامه، ولم تكن له رغبة في الأمور، أن يدفعوا له الكتاب الثاني الذي فيه توليته، وإن أبى الاعتزال أن يتركوه في غيه وزيغه، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. فلما وصلت كتب الإمام رضي الله عنه إلى طرابلس، دفعوا لخلف بن السمح الكتاب الذي فيه عزله، فلما قرأه وفهمه، اعتز واستكبر وأبى من الاعتزال، وتمادى على تولية الجهال له، فتركه المسلمون في غيه وزيغه. /80/ (1/80)
صفحة 79
وأما الذين ولوه، فلما وصلهم كتاب الإمام رضي الله عنه، وحرم عليهم فعلهم والإقامة عليه، وأنه لا يسعه أن يجيز لهم ما فعلوه، وينهاهم أن يدفعوا صدقات من أموالهم، فلم يقنعهم ذلك، ولم يرضوا به، اجتمعوا وأرسلوا كتابا إلى المشرق، إلى أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وهو إذ ذاك رأس الدعوة والمقدم في المشرق، بعد انقراض طبقة الربيع بن حبيب، وابن غسان مخلد بن العمر، وأبي المهاجر، وأبي أيوب بن وائل. فلما وصلت الكتب إلى أبي سفيان محبوب بن الرحيل رضي الله عنه، كتب إليهم بجواب كتبهم، بتخطئة من ولى خلفا، وإصابة من لم يوليه، وأمرهم باتباع إمامهم عبد الوهاب ض. فلما وصل جواب محبوب إليهم، تركوه ولم يشتغلوا به حين لم يوافقهم ما أجاب به وأخذوا في العلل، وزعموا أن عبد الوهاب رضي الله عنه ليس بإمامهم، بغير حدث ولا بدعة، وزعموا أن إمامهم خلف بعد سؤالهم الإمام أن يجوز لهم ما فعلوا من توليته، وزعموا أن الحوزات منقطعة عن عبد الوهاب، وأنه في حزوة وهم في حزوة أخرى، فلم يكن بيننا وبينهم مسائل، إلا الإقرار بإمامة عبد الوهاب رضي الله عنه، وسنذكر قولهم والرد عليهم في كتاب افتراق الإباضية إن شاء الله./81/ (1/81)
صفحة 80
استعمال أبي عبيدة عبد الحميد رضي الله عنه ومحاربة خلف الحبيب بن الطيب
ذكر غير واحد من أصحابنا، أن عامل عبد الوهاب رضي الله عنه أبو الحسن بن أيوب، أدركته منيته، وهو أحد العمال الذين أنكروا على خلف ما صنع، فأرسلت نفوسة إلى الإمام رضي الله عنه يخبرونه بوفاة عامله وأن يستعمل عليهم عاملا، فأرسل الإمام إليهم أن يختاروا أفضلهم وأولاهم بأمور المسلمين يسمونه له فيستعمله عليهم. فراجعوا الإمام ثانية ألا يصلح لهذا الأمر أحد إلا أبو عبيدة عبد الحميد، رجل من أهل اجناون، فأرسل إليهم الإمام رضي الله عنه أن يولوه على أنفسهم، برأيه وأمره، فاجتمعت جموع نفوسة حين بلغتها وصية الإمام وأمره لهم، فأرسلوا إلى أبي عبيدة فقالوا له: إن أمير المؤمنين أمرنا بتوليتك على أنفسنا واستعمالك علينا لتقضي بيننا بكتاب الله وسنة نبيه ص وآثار الصالحين. فلما سمع أبو عبيدة منهم ذلك قال: أنا ضعيف، أنا ضعيف، فلست أقدر على القيام بأمور المسلمين، فراسلت نفوسة الإمام مرة أخرى في شأنه وأخبروه بقوله: أنا ضعيف، فأرسل إليهم الإمام رضي الله عنه كتابا يأمرهم باستعماله، وحلف لهم بالله بالعربية، وبرديو بالحضرية، وابيكيش بالبربرية لا أقلد أمور المسلمين إلا رجلا يقول: أنا ضعيف، أنا ضعيف. وكتب الإمام إلى أبي عبيدة يأمره بالدخول في أمور المسلمين، ويقول له: إن كنت ضعيفا في المال، فبيت مال المسلمين تغنيك، وإن كنت ضعيفا في البدن فادخل في أمور المسلمين، يقوي الله بدنك، وإن كنت ضعيفا في العلم فعليك بأبي زكرياء يصلتين التوكيتي. فلما ورد على نفوسة كتاب الإمام رضي الله عنه اجتمعوا، فأرسلوا إلى أبي عبيدة فقالوا له: لا يسعك إلا الدخول في أمور المسلمين وطاعة إمامك، فقال لهم: امهلوني حتى أستشير عجوزا. فمضى أبو عبيدة متوجها إلى عجوز معروفة بالعلم والأدب والورع، فأتاها فقال: إن أمير المؤمنين بعث إلي يريد استعمالي على الجبل، فماذا ترين لي وتشيرين به علي؟، فقالت: هل كان في جماعة نفوسة من هو أفضل منك وأحزم؟، فقال لها: أما في أمور الرجال فلا. قالت: ادخل إذا في أمور المسلمين لئلا يفسخ الله عظامك في نار جهنم!. /82/ (1/82)
صفحة 81
قال: فأتى أبو عبيدة إلى جماعة المسلمين من نفوسة، فأنعم لهم في الدخول في أمورهم، فولوه على أنفسهم. فقال بعضهم لبعض امضوا بنا لنزور وقاية أحسن من عمائمنا!، فلما ولي أبو عبيدة عبد الحميد أحسن السيرة في جميع أموره، أما أبو زكرياء الذي ذكرناه، فقد بلغنا عنه كثير من الفضل والورع، وبلغنا أن رجلا من أصحابنا من أهل المشرق، أقبل من المشرق يريد زيارة أهل الدعوة، فجاز بالجبل وتفحص أهله وتأملهم وتوجه إلى الإمام بتاهرت، فلما وصلها تصفح أهلها وتفرسهم، وسأله أهل تاهرت عن الجبل ونفوسة، فقال: الجبل هو أبو زكرياء وأبو زكرياء هو الجبل، وأما أبو مرداس فمثل الغزال، نفسي نفسي، وأما أبو العباس ففتي مقر عيني. فلما رجع من تاهرت إلى الجبل سأله نفوسة عن أهل تاهرت، فقال: ليس بها إلا الإمام ووزيره، يعني الإمام عبد الوهاب ووزيره مزور بن عمران. وبلغنا أن أبا مرداس اشتغل في أمر آخرته فضاع عليه أمر دنياه، وقد كان فقيرا، فارس ذات مرة رجلا يخطب عليه امرأة، فطاف الرجل بالجبل يطلب ويخطب له ولم يجد امرأة، إلا واحدة مجنونة، فأخبرها أن أبا مرداس أرسله يخطب عليهن فأجابته إلى نفسها، فأتاه فأخبره خبرها، فقال له أبو مرداس: تزوجها علي حين اختارتني. قال: فتزوجها عليه الرجل، فمكث معها أبو مرداس دهرا، فكانت بعد ذلك من أفضل نساء نفوسة وأحسنهن وأرفعهن ذكرا. فلما سمع خلف بن السمح بتولية الإمام رضي الله عنه أبا عبيدة، اشمخر واستكبر، وهيجه ذلك ودس اللصوص والغارات على أهل الدعوة، دعوة المسلمين من رعية أبي عبيدة. ثم إن أبا عبيدة بعث إليه يأمره أن يكف عن رعيته أمر الغارات، فإذا انتحل ما انتحل من أمر الخلافة لإمامه، فلكيف عن جماعة المسلمين الغارات. وأبى خلف ذلك ولم يشتغل به، وأرسل أبو عبيدة إلى الإمام رضي الله عنه يخبره ويقول له: إن خلف بن السمح اشتد علينا بالغارات والعساكر، فأذن لي يا أمير المؤمنين في دفاعه. قال: فرد عليه الإمام رضي الله عنه الجواب بالملاطفة والملاينة ما قدروا عليها، فإن فاجأهم فليدفعوا عن أنفسهم. ثم إنهم مكثوا كذلك برهة من الدهر، فأدركت الإمام رضي الله عنه منيته فتوفي رحمه الله وقدس روحه وبرد ضريحه. /83/ (1/83)
صفحة 82
/84/ (1/84)
صفحة 83
ولاية أفلح بن عبد الوهاب
ثم إن جماعة المسلمين بتاهرت لما توفي عبد الوهاب بتاهرت، وقد ألم بهم بجبال تاهرت من العدو كثير، ابتدروا ابنه أفلح رضي الله عنه، فولوه على أنفسهم من يومهم ذلك، وكان ميمون النقية، فسكم الله به البلاد ووقى به العباد. فلما اتصلت الأخبار إلى أبي عبيدة بموت الإمام رضي الله عنه كتب إلى الإمام أفلح رضي الله عنه يستشيره في أمر خلف ويستأذنه في الدفاع، فأمره أفلح بما أمره به أبوه عبد الوهاب رضي الله عنه من الرفق واللطف واللين ما لم يفاجئوه. فلما بلغت خلف وفاة الإمام وولاية ابنه، احتمى لذلك وأنف منه وانحاز بمن معه إلى موضع يقال له تيمتي فسلط الغارات على من كان على طاعة الإمام رضي الله عنه، فصاروا يأخذون الأموال وينهبون الديار ويقتلون الرجال، وقد قتل عدة من أصحابه غلطا في حريم أبي عبيدة وحيزه، وحسبوهم من عسكر أبي عبيدة. ثم إنه استمال كثيرا من الناس من أجل أن ما قبله من الأرض خصبت وتربعت وجذب ما قبل أبي عبيدة رحمه الله، فكانوا معه طلبا لمعاشهم ورغبة في الدنيا، وكانوا معه على رأيه وبدعته، ثم إنه خرج بعسكره يريد أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، حين أبصرهم في قلة، وكان هو في كثرة، ليستأصل شافتهم. فسمع بأخبارهم عبد الحميد، فأمر أصحابه بالخروج، فخرجوا فعسكروا بعيدا من الجبل. فلما قرب عسكر خلف من عسكر أبي عبيدة، أرسل خلف رعيلا من خيل نحو أربعمائة فأرسل فيهم إخوته ومواليه وعبيده، فلم يشعر بهم عبد الحميد حتى غشيه ومن معه نهارا، هو وأصحابه معسكرين في حيزهم وحريمهم. فلما رأى أبو عبيدة ذلك قدم إلى أصحابه ألا ينالوهم بمكروه وأن يكفوا عنهم حتى يعلموا ما يريدون، فكف عنهم عبد الحميد وأصحابه حتى هجمت تلك الخيل على قرية كانت بحيال عسكر أبي عبيدة تسمى ايدرف في حيز عبد الحميد وحريمه وطاعته، فوضعوا أيديهم في النهب وأكل الأموال، وقتلوا من قدروا عليه، فيما بين العسكر والمنزل. وبلغنا أن تلك الخيل أصابت نحوا من عشرة أنفس من أصحاب أبي عبيدة، فلما استبان لعبد الحميد ظلمهم وبغيهم، أمر أصحابه بمنابذة تلك /85/ (1/85)
صفحة 84
الخيل ومناصبتها، وناصبهم عبد الحميد وأصحابه، فانهزموا وقتل منهم كثيرا، فأراد أصحاب عبد الحميد متابعتهم، فأبى لهم ذلك فأحسن فيهم السيرة. فلما رأى خلف هزيمتهم، رجع بعسكره إلى الموضع الذي خرج منه، وهو تيمتي وانحجز فيه، ورجع عبد الحميد إلى منزله ووطنه، وأمر أصحابه بالرجوع إلى منازلهم وظن أن القوم لا يريدون بعد ذلك بأسا. ثم إن أرسل إلى خلف فقال له: فإذا فعلت ما فعلت، فلماذا الحرب (1) كن في حيزك وأكون في حيزي، فأبى ذلك خلف وأمر خلف أصحابه ألا يفتروا عن الغارات على أهل طاعة أبي عبيدة ورعيته، وأمرهم بنهب الأموال وقتل الأنفس والقيام بما قدروا عليه من الفساد. ثم إن خلفا مكث بعد ذلك حوالي سنة، وقد اجتمع له عدد كثير، وخرج معسكرا، يريد أبا عبيدة ومن معه من المسلمين. وأمر أبو عبيدة بالخروج فخرجوا فعسكروا بعيدا عن الجبل، وليس معه من الناس إلا القلة، ولكنهم أهل بصائر، يموتون على ما أبصروا، ولم يبالوا في قلة كانوا أو في كثرة، مرادهم بين أيديهم. وذكر بعض أصحابنا أن عدتهم سبعمائة، وذكر آخرون أن عددهم عدد أصحاب بدر من المسلمين، ثلاثمائة وثلاثة عشر، فأقبل خلف بمن معه من العساكر وقد أعجبته نفسه وكثرة من معه، ولم يعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وعدد عسكر خلف أربعون ألفا. ثم إن خلفا أرسل إلى أبي عبيدة رسولين بخلع ولاية أفلح وإثبات ولايته هو. فلما قدم الرسولان على أبي عبيدة يدعوانه إلى طاعة خلف، وخلع طاعة أفلح رضي الله عنه، حاججهما أبو عبيدة في أمر الأئمة وقال لهما: فهل أحدث الإمام رضي الله عنه أو ابنه افلح رضي الله عنه حدثا، أو أمرا يحل لكما به خلع ولايتهما؟، واحتج عليهما بطاعة السمح لعبد الوهاب رضي الله عنه حتى مات، فاعتلى بالحوزات وانقطاعها، وقال لهما أبو عبيدة أن السمح قد أقر بطاعته على افتراق الحوزات. فقال أحد الرسولين: إننا نخاف إن لم تجب طاعة هذا الرجل، إراقة الدماء. فقال له أبو عبيدة: أيهما أعظم، إراقة الدماء، أو ترك القيام بدين الله؟. فقال له الرجل: إراقة الدماء أعظم. فقال أبو عبيدة: لو كان الأمر كما ذكرتم، ما افترق أصحاب النهر وغيرهم ولا ذعنوا لطاعة الظلمة المسودة وأصحاب النخيلة وأبو بلال /86/
__________
(1) في الأصل: فما يال الحرب. (1/86)
صفحة 85
وأصحابه، وعبد الله بن يحي وأبو حمزة وأصحابهما، وأبو الخطاب ومن تبعه من المسلمين وأبو حاتم ومن تبعه رضي الله عنهم أجمعين، حتى لا يجتمع منهم اثنان حتى أعد له من أسلاف المسلمين عددا كثيرا (1)، وإنما أهرقت دمائهم على القيام بحق الله، ولم يتركوا القيام بحق الله مخافة إراقة الدماء، ولكنهم رغبوا في الجهاد والقتل في سبيل الله، فبذلوا مهجهم لأسنة السيوف، ولكنهم رغبوا في الجهاد والقتل في سبيل الله، فبذلوا مهجهم لأسنة السيوف، حتى أدركوا رضوان الله، فنحن على آثارهم إن شاء الله، لا نبتغي به بدلا ولا عنهم حولا، فمن أراد غير الله، فالله يحكم بيننا وبينه بعدله وفضله وهو خير الحاكمين. ثم إن أبا عبيدة قال للرسولين: إذا كان عندكم إراقة الدماء أعظم من القيام بدين الله، فعلم يقتل الناس؟ ارجعوا إلى صاحبكم، فقولوا له إن هذا يوم الخميس، دعونا منه، فإذا كان الغد يوم الجمعة إن شاء الله، نصوم لله تعالى وأطلع أنا وخلف بن السمح وأبو المنيب اسماعيل بن درار الغدامسي على شرف، فنيتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، وأن يفتح بيننا وبينكم وهو خير الفاتحين. فهذا كله والخيل ثائرة غادية ورائحة على القرى التي وليها أبو عبيدة، تقطع الميرة وتطلب الغارة بمال تأكله أو من تقتله. فرجع الرسولان إلى خلف، فأخبراه بما جرى بينهم وبين أبي عبيدة من الكلام، فأمر عساكره بالتهيء لمالاقات أبي عبيدة. فلما قرب العسكران وتراءى بعضهم من بعض، تقدم رجل ممن كان مع خلف بن السمح، وكان محاميا لجماعة المسلمين، ومن يشفق عليهم فقال لأبي عبيدة: تنح بأصحابك إلى سفح الجبل، فإن تكن الدائرة لكم أدركتم ما رجوتم، وآمنتم ما خفتم، وإن تكن عليكم كنتم في حصن ولا يغرنكم ذلك. فقال أبو عبيدة: نصيحة نزعها الله من عدوه، فأمر أصحابه بالتنحي فأسندوا ظهرهم إلى الجبل. فلما تنحى أبو عبيدة إلى الجبل، ظن خلف أن بهم جبنا وخورا عن القتال، فقدم سرعان خيله وتبعهم بعساكره. فلما غشيت الخيل أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، دعى أبو عبيدة بماء الوضوء فأمر رجلا فجعلوا له سترا فتوضأ وصلى ركعتين، ودعى الله تعالى وابتهل إليه أن يفت شوكتهم، ثم قال: يا من لم أعرض عنه منذ استقبلت أمره، لا تفرق هذه العصابة على يده. وبلغنا أن رجلا من عسكر خلف، تقدم إلى رجل في طرف صف أبي عبيدة فقال: ما الذي أوقفكم؟. فقال الرجل الذي في عسكر أبي عبيدة، وقفنا لذكر الله، فقال الخلفي: /87/
__________
(1) كذا في الأصل: وقد صعب علي قراءة النص بتعديل بسيط، ولربما كان من الملائم أن نقرأه كما يلي: حتى لا يجتمع وراء أحد منهم إلا وأعد له من أسلاف المسلمين إلخ. وقد قرأ ماسكري هذه الكلمة وترجمها كما يلي:
Deux de ces hommes suffiraient à représenter l’islamisme et la majorité des musulmans devraient les soutenir.(p.159) (1/87)
صفحة 86
ما بال السلاح؟، فقال له: للدفاع في سبيل الله، فقال له: من تدفعون؟، فقال: من بغي علينا. فتكلم رجل آخر من عسكر أبي عبيدة إلى صاحبه، فقال له: مالك بينت له الكلام؟، فقال له الرجل: طمعا في الصلح ولتأخير بعض الشر يا أخي. ثم إن الصفين تدانيا بعضهم من بعض، وذكل عشية الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى عشرة ومائتين، بعد هجرة رسول الله ص، والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان في عسكر أبي عبيدة رجل شجاع، حاذق بالطعن، يقال له العباس: وهو أبو أيوب بن العباس نظر إليه أبو عبيدة وهو يضرب في أعراض الخيل ويكشفها يمينا وشمالا وقد حمى الميمنة والقلب والميسرة، فقال أبو عبيدة (1): وقد ذكره صار في عيني كالعقاب معصم، لما أكلته النار، يريد العباس. وقد ذكروا عن العباس أيضا أنه ضرب رجلا بسيفه فطير رأسه، فقال العباس للرأس حين طارت: إلى النار!، فقال له الرأس مجيبا: ولبئس المصير!، وكان ممن قد عرف بالنسك والعبادة قبل ذلك، وقال العباس جسد ادعوا له بالجنة زمانا تأكله النار! إنا لله وإنا إليه راجعون. وبلغنا أن رجلا من أصحاب أبي عبيدة، رمى في عكسر خلف بمزراق، فصادف رجلا فخرج منه المزراق وركل خلف الرجل، فخر صريعا فبنوا بعد ذلك في ذلك الموضع وجعلوه مصلى، وهو إلى اليوم معروف فأرسع القتل في عسكر خلف وانهزموا وقتلت منهم مقتلة عظيمة. وأمر أبو عبيدة أصحابه أن لا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح، فأحسن فيهم السيرة، أحسن الله إليه، فانحاز عليه (2) خلف وبقية أصحابه إلى تيمتي فأمر بإخراج جميع من فيها من نفوسة وغيرهم، من أصحاب أبي عبيدة. ولقد أخرج منهم كثيرا من أصحابه غلطا عليهم وأجل لهم ثلاثة أيام، فمن وجد بعد ذلك فمهدور الدم والمال، ومن ليس له ذنب، على كره منهم، من منازلهم وأوطانهم. فلما هزمهم الله افترق جل أصحابه عنه من نفوسة وغيرهم، فصاروا يأتون إلى أبي عبيدة يتوبون ويقبل منهم توبتهم ويرجعون عن خلف. وبلغنا أن رجلا ذا مجهود أتاه فيمن أتاه تائبا فقال له: تبت يا أبا عبيدة، فقال له أبو عبيدة: قبلت عنك تاب الله عليك، فأتاه رجل آخر ممن أتى الأمر على عمد وعلم، فقال: تبت يا أبا عبيدة، إن لم يسدد بعد، يا بن تجيمت، يريد باب التوبة، فأوهن الله شوكة خلف، ولم تسكن له بعد /88/
__________
(1) في الأصل: له.
(2) في الأصل: إليه. (1/88)
صفحة 87
ذلك حركة، حتى مات في زيفه وغيه، ثم من بعد ذلك ابنه ولم تسكن له حركة، ثم أن ابن خلف انحاز إلى جربة والتجأ إليها، وسنذكر حديثه وخبره ومنتهى أمره، إذا نحن صرنا إليه إن شاء الله. ثم إن الإمام أفلح رضي الله عنه ألقى بيده يمينا وشمالا وتمكن في إمامته واطردت له الأمور. وبلغنا أنه قعدت عليه أربع حلق يتعلمون عنده فنون العلم، قبل أن يبلغ الحلم، وبلغ في حساب الغبار والنجامة مبلغا عظيما. وذكروا عنه أنه قعد ذات ليلة هو وأخته، فقال لها: هلم نحسب ماذا يذبح في السوق غدا أولا إن شاء الله، فحسب فقال لها أفلح: إن أول ما يذبح في السوق بقرة صفراء، في بطنها عجل ذو غرة في جبهته، فقالت له: صدقت هي البقرة الصفراء وفي بطنها عجل، غير أن الذي رأيته هو طرف ذنبه أبيض تعممه على جبهته، فخلته أبيض الجبهة ذا غرة، وإنما ذلك طرف ذنبه. ثم إن أبا عبيدة عبد الحميد أدركته منيته فتوفي رحمه الله، فاستعمل الإمام رضي الله عنه عنه على نفوسة العباس وكان يرجو فيه الخير بدعوة الشيخ أبي عبيدة له، حين قال: معصم لا أكلته النار. ولي فأحسن السيرة، فكان على سبيل أصحابه حتى مات رحمة الله عليه. (1/89)
صفحة 88
[هوامش لم ترقن] (1/90)
صفحة 89
[هوامش لم ترقن] (1/91)
صفحة 90
الافتراق الثالث في الإباضية
حدث غير واحد من أصحابنا أن الإمام رضي الله عنه استعمل على قنطرارة أبا يونس، وسيم النفوسي فولى قنطرارة وما والاها، فأحسن السيرة وكان أبو يونس أصله من نفوسة فخرج من الجبال متوجها إلى قنطرارة وكان سبب خروجه أن إماءه إذا خرجن إلى المفحص ليحطبن، صرن يأخذن الحطب من أجنة الناس، فإذا أمطر في وقته، كانت المواضع التي يأخذن الحطب منها يتمكن فيها المطر، فيأخذ الماء في الجريان، فتنهدم الجسور بذلك، فخرج خوفا من إتباعه، فولي بقنطرارة سنين عديدة. وبلغنا عن أبي يونس أنه طلع على الشرف الذي بنيت عليه قنطرارة، وهو يقول: لا فرار من الصدقة، والفار من الصدقة يؤدي، لا فرار من الصدقة والفار يؤديويكرر ذلك حتى صعد الشرف. وأرسل ابنه سعيد إلى الإمام رضي الله عنه ليتعلم عنده العلم، ومع سعيد نفاث بن نصر يتعلمان عند الإمام فلما بلغا من العلوم ما قدر الله لهما، توجها نحو بلادهما، حتى توفي أبو يونس وسيم، والد سعيد، فأراد الإمام رضي الله عنه أن يستعمل على قنطرارة، فاختبر الناس بذلك وميزهم فوجد سعيدا لأحكام المسلمين أصلح، ولأمور الدين أحسن، ولحدود الله أصلب، فكتب سجلا باستعمال سعيد فطواه وختم عليه بخاتمه، ولم يبين لهما العامل منهما، فدفع لهما السجل، فأمرهما ألا يفكا عن السجل حتى يأتيا إلى بلدهما ويصلا إلى قنطرارة. فمضيا فلما كانا ببعض الطريق، استخف بنفاث الشره والخفة وسوء الخلق وحب الرئاسة وإرادة الإمارة، واستغفل سعيدا، فتخلف إلى رحلهما، ففتش وراء المكتوب فوجه وفض خاتمه وفكه وقرأ الكتاب ليعلم من استعمله منهما، فوجد أن سعيدا هو العامل، فظنت نفسه الظنون، وأضمر في قلبه الغش والعدواة، حيث لم يستعمله الإمام. فوصل سعيد إلى قنطرارة فولي وأحسن السيرة وأقام بحق الله فيها وله منبر وجمعه. ثم إن نفاثا لما وصل إلى بلده، سئل عن الإمام فأظهر الطعن فيه، فقال: أضاع أمر المسلمين، ويزيد في الخلقة ويلبس الطرطور ويخرج إلى الصيد، ويصلي بالأشابر، فبلغ ذلك الإمام رضي الله عنه وما يقوله فيه، فأرسل إليه الإمام أن يأتيه، فما نقمه عليه نقضه بين يديه، وإن كان حقا، أعتبه الإمام من نفسه، وإن كان باطلا، فأيه .. ويواعده الإمام بقوله: ايه، فلما سمع نفاث بذلك قال: ايه من السلطان، هو القتل وله مسائل انتحلها لا أصل لها: منها الخطبة، زعم أنها بدعة. /92/ (1/92)
صفحة 91
وسئل عن مسألة، فقيل له رجل مات وترك إخوته من الأب وبني إخوته من الأب والأم، فقال بنو الإخوة من الأب والأم أولى من الإخوة من الأب، فزاد ضلالا إلى ضلاله. وذكر المشائخ أنه لو لم يفته إلا هذه المسألة لكفر بها وحدها، وبلغنا أن نفاثا له ابن أخت، فرأى ابن أخته ذلك ليلة رؤيا، فأتى إلى نفاث فقصها عليه، فقال: رأيت رؤيا، فعبرها لي، رأيت رجلا جمع عرمة شعير، فرقى على رأسها سنور فوقف عليها، فقال له نفاث: ذلك رجل يجمع العلوم، فيستولي عليه الشيطان. فقال له الفتى ابن أخته، فأنت هو يا خالي!. وبلغنا أنه دخل منزلا، فقصد إلى رجل فلم يجده في منزله، فخرج فجاء صاحب المنزل، فأخبره عياله بخبر نفاث، فأخذ دابة له فركبها وتبعه يريد أن يدركه ليكون على مذهبه، فجنه الليل فمشى حتى سمع صوته بليل مظلم وهو يقول: ضللت وأضللت، يا نفاث يريد نفسه وراح يردد ذلك. فلما سمع الرجل ذلك منه، قال: كيف لي باتباع رجل يقر على نفسه بالضلال، فرجع عنه وتركه. وبلغنا أنه أعطي في العلم منزلة عظيمة والفهم، ولكنه أفسد ذلك كله بالحسد وحب الأمور. وذكروا عنه أنه جاءته امرأة ذات مرة تستفتيه في مسألة، فقالت: ما تقول في بيض طاهر طبخ في ماء منجوس، فقال لها: قفي مكانك حتى أخرج إليك. فقعدت المرأة ودخل إلى الدار فأخذ بيضة ونيلا وجعله في قدر وماء، فطبخها حتى أنضجها، فنزع فكسر منها، فوجد النيل قد سود القشرة وتغير داخل البيضة حتى صار كلون النيل، فعلم أن القشر لا يمنع النجس، فخرج إلى المرأة فقال لها: إن البيضة قد نجست. وبلغنا أن سعيدا خرج متوجها في أثر نفاث، وهو بجبل نفوسة، مخافة من يضل من الناس فعمد سعيد إلى دار يحال فأخذ في بنيانها، وكان نفاث بناء عظيما، فأراد نفاث معاونة سعيد في البنيان، وصار يبني له ويجتمع الناس إلى سعيد في حوائجهم، فإذا نظر سعيد إلى الناس قد اجتمعوا عليه، وتخوف أن يتوهموا أنه قد رضي على نفاث، صار يقول في ملاء من الناس: فإلى متى تترك كفرك يا نفاث، فيقول له نفاث: معاذ الله من الكفر يا شيخ!. /93/ (1/93)
صفحة 92
فإذا خلا سعيد بأصحابه، قال: ليس جزاء من يخدمني ويبني لي أن أشتمه في وجهه، وإنما تخوفت من الفتنة على الناس، ولذلك فعلت ما فعلت، وإنما جزاؤه الخبز واللحم. وذكر بعض أصحابنا أن نفاثا توجه إلى أرض المشرق، فلما وصل إلى بغداد، مكث فيها زمانا وكان يستأنس برجل من أهل بغداد ويقعد معه في حانوته ويحدثه، فبينما هم كذلك، إذ سمع نفاث مناديا ينادي، فقال لصاحبه: ماذا ينادي المنادي؟، فقال له صاحب الحانوت: يقول من أجاب أمير المؤمنين في مسألة، فله سؤله ومناه. فقال له نفاث: أنا أجيب أمير المؤمنين على مسألته. فقال له صاحب الحانوت: أسكت لأنه سيقطع رأسك إن لم تجب أمير المؤمنين بعد تكلفك الجواب. فقال له نفاث: أجيبه عن كل ما سأل. فلما جاز أعوان السلطان على الحانوت، قال لهم صاحبه: إن هذا الرجل تكلف أن يجيب أمير المؤمنين على سؤاله. قال: فابتدر الأعوان إلى نفاث، فأخذوه وحملوه ومضوا به إلى دار الإمارة، فاستأذنوا له على السلطان، فأذن لهم السلطان فدخله عليه. فلما مثل بين يدي السلطان سلم سلام الإمارة، فقربه السلطان وأدناه فسأله عن أحواله وبلده ونسبه ومولده، فقال نفاث: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من البربر، والبربر ليس معهم أدب، فأريد أن تأذن لي أن أتكلم في مجلسك بما بدا لي. فقال له السلطان: قل ما بدالك. ثم إن السلطان سأله عن مسألة فأجابه عنها وزاد عليه السؤال، فكلما زاد عليه أجاب، وقد اجتمعت وجوه بغداد وفقهاؤها وعلماؤها، فطفقوا يسألونه عن العلم حتى عيوا، فلم يقدروا على شيء، فنظر إليه السلطان وتأمله مليا، وتعجب مما حوى من العلم، مع سخافته ونسبه، وقلة أدبه، فقال: نعم العسل في ظرف سوء، ففطن له نفاث فقال: وهو يعرض به، كما فعل هو: نعم الرجل في نفر سوء، يريد ديوان جابر بن زيد رضي الله عنه الذي كان محصورا في الخزائن لا يستنفع به أحد، واحتمى لذلك السلطان وغضب وأنف من قوله، وتذكر عهده وأمره له أن يتكلم في مجلسه ما يريد. ثم إن السلطان قال له: سل حاجتك؟، فقال له نفاث: حاجتي أن تهب لي ديوان جابر بن زيد أن أنسخه، فأجابه السلطان إلى ذلك، فلما خرج نفاث، قال للسلطان بعض وزرائه، وكيف يا أمير المؤمنين عند ديوان جابر بن /94/ (1/94)
صفحة 93
زيد، وفي بلدك وخزائنك وتجود به لغيرك وتخرجه من مدينتك، على أنه لا يوجد في شيء من البلدان سوى بلدك، أولا ترى ما فعل الرجل وما بلغ من العلوم على فقد ما يتعلمه منه، فكيف لو أصاب ديوان جابر بن زيد ض. فلما سمع السلطان ذلك من قولهم، ندم على وعده لنفاث نسخه، وقال للوزير، إني قد وعدت له ذلك، وما الحيلة ومثلي لا ينبغي له أن يخلف وعده؟، فقال له الوزير: أرسل إليه، وقل له الديوان الذي وعدتك أن تنسخه لك فاختر أي يوم شئت من أيام السنة وليلته، فتنسخ فيه ما قدرت عليه، وأما بغير ذلك فلا تصيبه. ففطن نفاث أن بعض وزراء السلطان طعنوا فيه عنده فقال نفاث للسلطان: أفعل يا أمير المؤمنين. ثم إن نفاثا اشترى دنانبر حبرا من عفص وزاج وصمغ وعمل أحواضا فحصها بالجير والشيد وهيأ للحبر أمكنة يمكن معها للوراقين الكتابة من أماكنهم. فلما كان أطول يوم في السنة، أمر مناديا في الناس: ألا إن كل وراق كتب في يومه هذا فله دينار، وللملي نصف دينار، فابتدره الناس من كل مكان فاتفق معهم. فلما جاء اليوم الذي انتخبه للكتابة، أخذ الوراقون في الكتابة، ولما كان عند غروب الشمس أمر مناديا ينادي: ألا من يكتب لنا ليلته هذه بدينارين وللملي دينار. فابتدره الناس من كل جانب يكتبون، فما طلع عليه النهار إلا وقد استكمل ديوان جابر بن زيد رضي الله عنه إلا كتابا واحدا، وكمل عنده سبعة أحمال، فدخل على السلطان يطلب إليه أن يدعه أن ينسخ ذلك الكتاب، فأبى عليه السلطان، فسأله أن يدعه يقرأ بين يديه مرة واحدة فأعطاه إياه، فقرأه مرة واحدة، فحفظه، فقال للسلطان: إني قد حفظتهظاهرا، وإن أردت أن أتلوه عليك فعلت. فقال له السلطان: أتله علي، قال: فأخذ في قراءته حتى أتمه. ثم إن السلطان جمع وجوه أصحابه ووزرائه، فقال لهم: إن هذا الرجل قد غلبنا، فما ترك لنا من حيلة، وأراه يريد الخروج بهذا الديوان، ولم أصب إليه سبيلا، فانظروا بما تحولون بينه وبين هذا الديوان، فافعلوا. ثم إن السلطان قال لهم: إذا أراد التوجه إلى بلده، فإني سأخرج إليه فأسأله، فإن وقف لي في مسألة قتلته. وإلا فاسألوه عما قدرتم عليه، فمن وقف منكم في مسألته قتلناه. /95/ (1/95)
صفحة 94
فلما أزمه نفاث على المسير إلى بلاده خرج إليه السلطان فتلقاه في عدة من أصحابه، فلما وصلوا إليه وجدوه وقد أراد الركوب على بغلة له وقد وضع رجله في الركاب، فسأله السلطان عن مسألة، فطفق الناس يسألونه حتى قرب وقت الصلاة، فلم يقدر له على شيء. قال: فتعرض نفاث لطريق، فأخذ غيره مخافة أن يتبعوه، فتوجه به إلى مكة، ثم من مكة إلى أرض المغرب. فلما وصل إلى حيز طرابلس، نظر إلى ضعف أهل مذهبه وتمغصت نفسه وساء ظنه مخافة أن يصير الديوان إلى أهل دعوة المسلمين، فأخذه فانتخب له موضعا، فحفر له فيه ودفنه، ولم يعرف موضعه إلى يومنا هذا، وهذا كله حسد وبغي وسوء العاقبة، نعوذ بالله من حوادث الدهر وما يختلف به الليل والنهار. وقال: ثم إن الإمام أفلح بن عبد الوهاب رضي الله عنه مكث في إمامته ستين سنة واليا، إماما حسن السيرة رؤوفا بالرعية، لا يخاف في الله لومة لائم، ثم توفي رحمه الله وولي من بعده ابنه أبو بكر. وكان محمد بن أفلح غائبا في أرض المشرق وقد دل بها عليه فأخذ وحبس حتى أطلقوه وأحسنوا جائزته، فتوجه نحو بلاده، فلما ابتعد عنهم حسبوا له فوجدوه ستكون له دولة لا محالة، فأخذوا في أثره يريدونه، فكان محمد ممن بلغ الغاية والنهاية في النجامة فحسب للوقت الذي يحسبون فيه فعلممها، فلما كانت تلك الساعة أخذ قصعة كبيرة فملأها ماء فدخلها فحسبوا له حين جاء الوقت الذي يحسبون فيه فوجدوه في الماء وظنوا أنه قد دخل البحر ولا يقدرون له على شيء، فرجعوا عنه وتوجه محمد بن أفلح رضي الله عنه إلى تاهرت، ومعه رجل من نفوسة رفيق له، فلما وصل إلى تاهرت وكان من أخيه ما كان من أمر ابن عرفة اعتزل محمد رضي الله عنه الفريقين من أمر أخيه وابن عرفة، فلم يكن مع أخيه ولا مع غيره. /96/ (1/96)
صفحة 95
/97/ (1/97)
صفحة 96
ولاية محمد بن أفلح ض
حدث غير واحد من أصحابنا أن محمد بن أفلح اجتمع عليه عامة المسلمين فولوه على أنفسهم، ولم يكن منهم في توليته اختلاف، وبلغ في العدل والفضل غاية عظيمة، وكانت نفوسة لا تعدل بولاته إلا ولاية جده عبد الرحمن ض. وكانت نفوسة تجعل باب داره كالمسجد يسهرون حوله، طائفة يصلون، وطائفة يقرءون القرآن، وطائفة يتحدثون في فنون العلم. ومكث في إمامته أربعين سنة حسن السيرة أورع من في زمانه، فعاش حتى كبر سنه، ثم توفي رضي الله عنه وكان له في الرد على المخالفين كتبا كثيرة بليغة شافية، وقد ذكر أنها قومت فبلغت قيمتها سبعة عشر دينارا، والله أعلم أي ذلك. /98/ (1/98)
صفحة 97
ولاية يوسف بن محمد بن أفلح رحمهم الله
فلما مات محمد بن أفلح رضي الله عنه، ولي من بعده يوسف بن محمد، فمكث في إمامته اثني عشر سنة، وقد اطردت له الأمور ولم ينقم عليه من رعيته أحد، وكان إلياس أبو منصور عاملا له على جبل نفوسة ولأبيه ولجده، وكان قاضي أبي منصور، عمروس بن فتح رضي الله عنه، وكان عمرون عالما كبيرا، له كتابان في الأصول والفقه، وما مات حتى هم (1) أن يفرز بين مسائل النص ومسائل السنة ورأي المسلمين، وكان حافظا فاطنا حاضر الحجة. وبلغنا عنه أنه استمسك رجل برجل عنده، فاستردد عمروس جواب المدعى عليه، فسكت قال: فوطئه عمروس برجليه وعليهما خفاه، وأبو منصور إلياس حاضر. فقال له أبو منصور: عجلت على الرجل يا عمروس، قال: فجمع عمروس أصابع يده، فقال له: كم هذا يا أبا منصور؟، فقال أبو منصور: خمسة، فقال له عمروس: لم أعجل، كما لم تعجل أيضا حين لم تأخذهم واحدا واحدا، حتى تأتي على آخرهم، فإن لم تأذن لي بثلاث، فخذ خاتمك عني: بقتل الطاعن في دين المسلمين، ومانع الحق، والدال على عورات المسلمين. وكان أبو منصورا فاضلا مستجاب الدعاء، وفي ذريته الولاية بنفوسة، وكان إذا خرج في عسكر ركب بغلته لا يتقي نبلا عن نفسه ولا على بغلته ولا يقع فيه ولا في بغلته واحدة ولا يبالي في الله لومة لائم. وحدث يعقوب بن أبي يعقوب رضي الله عنه أن أبا منصور خرج في طلب ولد ابن خلف في آخر دولة الرستميين، وقد هرب إلى زواغة والتأمت عليه وأرادوا منعه، وكانوا على مذهب أبيه، فسمعوا قوله، وأطاعوه وقبلوا دعوته إلى أن رجعوا عنه، وسنذكر ذلك وكيف كان رجوعهم عنها، إن شاء الله. قال: فسار أبو منصور ومن معه من نفوسة، فلما وصل إلى ريصة قرب طرابلس، وجد جماعة زواغة في عدد كبير قد اتحدوا (2) على ولد بن خلف، وأرادو منعه من أبي منصور، فتكلم شيخ كبير من شيوخ بني يهراسن، يقال له أبو سلمة: وقال: يا معشر زواغة، هل لكم في ثلاث أن تفعلوا واحدة منهن، الأولى أن تدعو تربة أريصة وتدخلوا جربةوتتحصنوه فيها وتمنعون صاحبكم، والثانية أن ترسلوا إلى تاهرت أن يستعمل عليكم عاملا فتخرجوا من طاعة نفوسة، والذل لهم، والثالثة أن /99/
__________
(1) في الأصل: اهتم.
(2) في الأصل: تحدثوا. (1/99)
صفحة 98
تدفعوا إلي ولد خلف لأسير به إلى نفوسة، وأنا ضامن لكم وكفيل أن لا يجاوزوا فيه. فلما أتم كلامه تكلم رجل من زواغة فقال: ما أراد هذا اليهرساني إلا أن يجلب (1) الوقيعة على الخليفة، فقال أبو سلمة: كيف قلت؟، فتكلم إلى أبي سلمة رجل آخر من زواغة، فقال: لا تسمع يا أبا سلمة لا تسمع!. فقال له أبو سلمة: لست أسمع، فجعل يده في الأرض فقام، ثم إن زواغة اجتمعوا على مناصبة أبي منصور، فلما وصلهم أبو منصور ناجزهم القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت زواغة. وكانت عامة أرض أريصة عامرة بأشجار صغار كما غرست، وكانت عادتهم لمن أراد أن يغرس أرضا بأغصان الأشجار، فيجعل لها الأمكنة، فيغرسها في تلك الأمكنة ويوصل ما بينها بجبال كبيرة أو خيوط لئلا يفسدها الوحش والبهائم. فلما هزمهم أبو منصور، تبعهم يقتلهم أينما وجدهم، وإذا انتهوا إلى تلك الجبال، ردتهم فما استطاعوا جوازها، فوقها ولا تحتها، فقتل منهم أبو منصور عددا كبيرا، فرجع عنهم ودخلت بقية زواغة جربة، والتجأ ولد ابن خلف إلى رجل من زواغة وأدخله في قصر من قصور جربة يقال له: غرادية. فسار إليهم أبو منصور ومن معه من نفوسة، فلما قرب أبو منصور من جربة، أرسل رجلا من بني يهراسن إلى الزواغي الذي مع ولد ابن خلف وأرسل معه مائة دينار صرفا، فدخل الرجل جربة. فلما وصل إلى الزواغي وهو معقل من بني مراية، سلم عليه فصار يصافحه ويصب الدراهم من كمه إلى الزواغي فلما أحس الزواغي بالدراهم، جعل يسأله عن أحوال الشيخ ويقول له: لو أتيت إلى أولادنا لدفعناهم إليك!. وكان أبو المنصور في مسيرته إذا حل وقت الصلاة نقر في طبله ويقف أول العسكر لآخره ويصلي بهم ركعتين فيرتحلون، وقدمها على ثلاثة أميال أو ما يقرب من ذلك. ثم إن الرجل الزواغي توجه إلى ولد بن خلف، فقال له: انزل أيها الأمير، فقد طالما أرملت نساء زواغة على يدك. فقال له ولد بن يخلف، ليتكم لم تسموني أميرا يا مشؤومات البربرية، فأنثهم لأنه رجل عربي لم يحسن البربرية فدفعوه لأبي المنصور فسار به، ولم يكن يومئذ في جربة حركة ولا قتال، فمضى به أبو منصور إلى الجبل فسجنه به، وكان في سجنه إلى أن نزلت عليهم مسألة قطع الرجل، /100/
__________
(1) في الأصل: يغلب. (1/100)
صفحة 99
فاختلفوا فيها، فتوجهو نحوه، فسألوه عنها: من أين تقطع؟ فأفتاهم أنها تقطع دون العاقب. فعند ذلك قال: سجنوني ويسألوني، فذكر بعض أصحابنا أنه رجع هذا الفتى إلى مذهب أهل الحق وحسنت أحواله والله أعلم. /101/ (1/101)
صفحة 100
/102/ (1/102)
صفحة 101
وقعة مانوا وانقراض الإمامة
حدث غير واحد من أصحابنا أن نفوسة بلغت في التأييد لسلطان الرستميين بأرض تاهرت مبلغا عظيما، لم يبلغه غيرهم في مغربنا هذا، فلذلك قال الإمام: إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة. واتصلت أخبار نفوسة إلى من كان بالمشرق من أئمة المسودة يدس إليهم بالكتب من كان بالقيروان ومدينة طرابلس ويخبرهم أن قيام دولة الفرس بتاهرت تضر بهم، وكان ذلك على عهد المتوكل ببغداد من بني العباس. فلما تواردت (1) الكتب والأخبار إليه، أنفذ إلى المغرب عسكرا وجعل عليه إبراهيم بن أحمد من بني الأغلب فسار إبراهيم نحو المغرب بعسكره. فلما قرب من طرابلس، سمع بخبر نفوسة الجبل، فاجتمعوا فاتفق رأيهم ألا يتركوه وما يريد إلى الجواز إلى تاهرت دون أن يناصبوه. قال: فاتصل ذلك به من قولهم وعزمهم على منعه دون الوصول إلى تاهرت، فوجه إليهم: أن اتركوا لي سأحل البحر مقار نشر عمامة لا جوز فيه، أنا ومن معي فأبوا له ذلك. قال: فلما رأى إبراهيم أن ليس له إلا الرجوع إلى المشرق أو مناصبتهم، تهيأ للقائهم وعزم على محاربتهم، فقال لأصحابه: خذوا عدتكم وشمروا أنفسكم، وجوزوا على الساحل، ولا تتعرضوا لهؤلاء القوم، فإن هم تركونا وطريقنا وإلا ناصبناهم. فوصل ذلك إلى نفوسة، فقال بعضهم لبعض: دعو هذا الرجل ولا تتعرضوا له بشيء، فأبى جمهور المسلمين ذلك وكان سعيد بن أبي يونس رضي الله عنه فيمن قال لهم: لا تتعرضوا له. فقال له بعضهم: اشتقت إلى المحافظة على قنطرارة ولم ترد الموت. فقال لهم: يا قوم، ليس بي ما تذكرون وما تقولون، ولكنني خفت أن تذبح البقرة فيتبعها عجلها، يعني بالبقرة الجبل، وبالعجل قنطرارة. ثم إنهم خرجوا فتوجهوا نحو الفاسق فقاتلوه بالموضع المعروف بمانوا، وهو قصر من قصور الأولين على ساحل البحر، فاقتتلوا فيه قتالا شديدا، فلم يذكر أنه رأى مثله في ذلك العصر بأرض المغرب، فطلب رجل من عسكر المسودة المبارزة إلى عسكر المسلمين، فلم يبارزه أحد إلا قتله، فأراد الخروج إليه أفلح بن العباس، فأبى له أصحابه ذلك، وكان إذ /103/
__________
(1) في الأصل: تدراكت. (1/103)
صفحة 102
ذلك هو واليهم العام عليهم، فأبى إلا الخروج إليه فخرج إليه فبارزه فقتله أفلح فاشتد القتال بينهم وأسرع القتل في الفريقين، فكثر القتلى والجرحى في نفوسة حتى هموا بالانهزام، فتهدم الرجال في الصفين كالحيطان. فلما رأى ذلك واليهم أفلح بن العباس، أمر صاحب البند أن يحفر له في الأرض ويوقفه كي لا ينهزم على البند أحد، فأبى له صاحب البند ذلك، ثم اقتتلوا مليا، فرجع إليه فقال: احفر للبند، فأبى عليه، ثم أبى له إلا الحفر، فقال له صاحب البند: مسكته عند جدك، فلم يقل ذلك، ومسكته عند أبيك ولم يقل لي ذلك، إن حفرت له حفر الله لك. فحفر للبند ووقفه، فولى أفلح مدبرا وتركهم يلوذون بالبند، ولم يستجيزوا أن ينهزموا والبند واقف حتى قتل منهم بشر كثير. وقد كان أفلح فيما بلغنا كره خروجهم إلى الفاسق وقتالهم إياه، فلذلك فعل بهم ما فعل. ثم إن رجلا من ذوي البصائر في الدين، نظر إلى البند واقفا والناس يصرعون حوله، فقال إن أمرك قد انتهك بالله وقصد نحو البند فضربه بسيفه فوقع. فلما رأى من بقي من المسلمين أن البند قد وقع، انهزموا وولوا مدبرين، فأفلت من أفلت منهم. وبلغنا عن ثقات أهل دعوتنا من أهل الجبل أن عدد قتلاهم اثنا عشر ألفا، أربعة آلاف من نفوسة، وثمانية آلاف ممن كان معهم من البربر وغيرهم، وفيهم أربعمائة عالم فقيه، فيما ذكروا. وبلغنا أن عمروس بن فتح كان في آخر المعركة يحمي الناس ويذود عنهم، ولم يقدروا عليه، وكان على فرس سابق، فلما أعجزهم وأتعبهم، عمدوا إلى حبال فنصبوها له واضطروه إليها، فعثر به الفرس فأخذوه أسيرا، ومضوا به إلى الفاسق، فسألوه أن يستعفيه ليعفيه، فقال لهم كلمة لا تسمعها مني، ولكن أسألك في سراويلي هذا، لا تكشوفني منه، فأخذوا يقطعونه بالحديد من أنامله، فلما وصلوا إلى عضده استشهد رحمه الله. وقد كانت بعض نسوة نفوسة حين خرجوا خرجن معهم، فأخذن، فكانت فيهم أخت عمروس بن فتح فتخوفت عليهن الفتنة من قبل الظلمة والفجرة، فأمرت أن تستخلف كل واحدة منهن عن نفسها من يزوجها لمن أرادها بسوء، وكانت عالمة فقيهة. ثم إن بقية نفوسة رجعوا إلى الجبل وتحصنوا فيه واشتوروا في عزل أفلح بن العباس وتولية ابن عم له، فاتفق رأيهم كلهم على عزله إلا ما كان من أبي معروف وغيره، فإنه أبى لهم من عزله، خشية الاختلاف، ولم يبق /104/ (1/104)
صفحة 103
من علمائهم وفقهائهم إلا أبو القاسم البغطوري وعبد الله بن الخير وهما اللذان يفتيان لأهل الجبل، في نوازلهم من تلك الوقعة، ولولاهما لعطلت الفتوى إلى يوم القيامة. ثم إن نفوسة عزلوا أفلح بن العباس وولوا مكانه ابن عمه، فلما علم بذلك أفلح وقد كان معه رجل ممن يحاميه، غضب وتحامى وقام يريده، فقال أفلح: احمني، فقال له الرجل: لا أقدر أن أحميك (1) فقاله: احمل لي ولو حلي، فلما سمع بذلك أبو معروف وتخوف الفتنة، توجه إليه فوجده في حالته تلك، فنهاه عن الفرقة والاختلاف وأمره بالصبر، فسمع منه أفلح وقبل قوله واطمأن إليه حين قال لنفوسة لا تعزلوه، وترك أفلح الاختلاف ومكث ابن عم أفلح حوالي ثلاثة أشهر، فلم يحسن شيئا فتركوه ورجع الناس إلى أفلح. وحدث غير واحد من أصحابنا أن الصفين لما افترقوا بمانوا وجنهم الليل، جاء رجل من عسكر الفاسق إبراهيم بن أحمد، إلى أخ له مات في المعركة ليحمله ويدفنه. فلما وصل إلى الصفين، وررفع أخاه على دابته، نظر إلى شخص كهيئة صورة سلوق يطوف في قتلى المسلمين، فسمعه يقول: كبروا يا أهل الجنة، كبروا، فكبر قتلى المسلمين بأجمعهم، ثم جاز على قتلى المسودة فسمعه يقول: انجوا يا كلاب النار، فنجوا بأسرهم حتى نبح أخوه بين يديه على سرج الدابة، فألقى به إلى الأرض وهرب وتركه ومضى لسبيله. ولما فرغ الفاسق من قتال نفوسة ومن كان معها، ذكر له أن قنطرارة كانت بها بقية أهل دعوتهم، فعمد نحوهم حتى أتاهم بغتة، فنزل عليهم عند طلوع الفجر، فقتلهم واختار من فقهائهم وعلمائهم ثمانين عالما، فشد وثاقهم. وبلغنا أنه لما فرغ من أهل قنطرارة سأل عن بقية أهل الدعوة، فقالوا له أن بنفزاوة رجلا عالما فقيها من علمائهم وفقهائهم يقال له أبو بكر بن يوسف النفوسي، فوجه إليه فأخذته الرسل بتيزي زاج (2). فلما أخذته رسل الفاسق طلبهم الشيخ أن يدعوه حتى يصلي ركعتين، فلما صلاهما، أخذ بالدعاء إلى الله فبعث الله عليهم ريحا عاصفا مظلما، فحال بينهم وبين الشيخ فأخذ ابنه يوسف، وكان الشيخ إذ ذاك قد كف بصره ومضى إلى تناوته. ثم إن الفاسق عدو الله، توجه بثمانين عالما يريد مدينة القيروان، فشد وثاقهم وقد كان فيهم رجل عالم يقال له ابن يثيب (3) وكان مقطوع العرقوب، فلما جن عليهم الليل استأذن أصحابه في الهروب، ولم /105/
__________
(1) في الأصل: احملني، فقال له الرجل: لا أقدر أن أحملك.
(2) كذا في الأصل: تيزي زاج؟.
(3) كذا في الأصل أوردها المترجم بالشكل الفرنسي Jetsoub (1/105)
صفحة 104
يرد الهروب حتى يأذنوا له، فأذنوا له فحل رجله من الوثاق، فهرب وقد كان حين أرادوا أن يشدوه أخرج لهم الرجل المقطوعة العرقوب، فأعطاها لهم فشدوها. فلما هرب ابن يثيب أمر إبراهيم بن أحمد بأصحابه كلهم فقتلوا عن آخرهم. فتوجه إلى مدينة القيروان، فدخلها وتحصن فيها، وهو الذي بنى لأهل المغرب المحارس على ساحل البحر، من سبتة إلى الاسكندرية. وكان سبب ذلك أن أهل الاسكندرية كانوا ينظرون من المنارة التي عملها ذو القرنين لهم في زمانه، فيرون قلاع الروم في البحر أينما كانت ويحذرون من كان بحواليهم. فلما بنى إبراهيم ابن الأغلب هذه القصور التي على الساحل، أمر أهل الاسكندرية إذا نظروا في مرآة المنارة ورأوا قلاع العدو أن ينيروا فيبصر نارهم من كان قريبا منهم من القصور، فينروا هم أيضا، فكل من رأى من أهل القصور نار القصر الذي يليه فينيروا هم أيضا، فتتصل نيرانهم حتى تبلغ في ليلة واحدة إلى سبتة، فيحذر الموحدون الروم، فكانت الروم بعد ذلك دهرا طويلا لا يظفرون بالموحدين في شيء، من سواحلهم ورجع الموحدون يغزونهم إلى أرضهم واغتم لذلك ملك الروم، فجمع أهل مملكته فاستشارهم في الحيلة، فوثب رجل يهودي فيما بلغنا فقال أيها الملك، إن أنت أذنت لي بالدخول إلى بيت الأموال، أخذ منها حاجتي، أكفيك المؤونة إن شاء الله. فقال له الملك: شأنك وما تريد قال: فعمد اليهودي إلى بيت المال، فأخذ منها أموالا عظيمة من الجوهر والدرر واليواقيت والذهب المضورب على سكة الأولين، فوفر من ذلك أحمالا، فقصد إلى أرض الاسكندرية، فصار يحفر في كل جبل من جبالها ويدفن الأموال في الأودية وعند المدينة، ثم أظهر على نفسه مرتبة وزينة وزيا حسنا، فأظهر أنه عالم بإخراج كنوز الأولين، ثم اتصل خبره بالسلطان بمصر، فبعث إليه فصار يخرج له الدفائن التي دفنها هو بنفسه، فلما نظروا إلى أموال جسيمة وكنوز عظيمة، اطمأنت نفوسهم إلى جهته وأعجبهم ما رأوا من ذلك. فلما أحس اليهودي منهم الثقة، قال للسلطان هاهنا كنز أعظم من جميع الكنوز، في المنارة تحت المرآة فإن أذن لي السلطان في نزع المرآة التي في المنارة ونزعناها وأخرجنا ما تحتها، وصقلناها فإنها قد تصدت ورددناها. /106/ (1/106)
صفحة 105
فأذن له السلطان في ذلك، رغبة في المال فلما نزع المرآة أمر بعض القوم بالهدم تحتها، وبعضا بصقالة المرآة، انسل اليهودي فلم يروا له أثرا، فعالجوا المرآة لردها على بنيانها الأول، فلم يتجه لهم ذلك./107/ (1/107)
صفحة 106
/108/ (1/108)
صفحة 107
أخبار عبيد الله ووقوعه بأرض المغرب
وعقبه من بعده: القاسم وابنه اسماعيل وابنه معد، ومسير معد (1) إلى مصر، ومسير الشيخ أبي حرز وأخبار من قام عليه من الإباضية. حدث غي واحد من أصحابنا أن عبيد الله أقبل من المشرق، وهو ينتمي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفاطمة بنت رسول الله ص، وكان عنده في العلم أنه سيلي الملك بمدينة يقال لها توزر، وأنه منها تقوم دولته، فأقبل من المشرق فلما وصل إلى توزر وحسب أنها هي التي تقوم منها دولته، فنظر إلى رجالها، فليس يرى عليهم زينة الملك ولا هيئة السلطنة، وإنما كانوا مشيطرين (2) وأصحاب الحوانيت، وكانت معه دابة نفيسه ركبها من مصر، فنزعها له رجل من بني جلتمين (3) وهم من بني واسين، فكتب عبيد الله اسم الرجل وقبيلته واسم بلده. فلما نظر عبيد الله إلى أهل توزر على الصفة التي ذكرنا، ازدراهم ونقصهم وبقي متحيرا في أمره، طالعا ونازلا لا يدري ما يفعل، فقعد ذات يوم في سوق توزر، فسمع رجلا ينادي ويقول: من يشتري قمح تاصورت، فأتاه فسأله: هل في المغرب مدينة تسمى تاصورت غير هذه؟. فأعلمه الرجل أن في كتامة قلعة تسمى تاصورت، فوجدها على الصفة التي توافق علمه، فوجه إليهم عبده الحجاني، فدعاهم إلى التشيع، وقبلوا دعوته. وحدثني من دخل بلد كتامة أن بقية الشيعة فيهم إلى يومنا هذا، بقلعة من قلاعهم تسمى حلافة. فلما قبلت كتامة دعوته، خلف فيهم مولى له يكنى أبا محمد ويسمى الحجاني يقرئهم القرأن ويشرح لهم مذهب التشيع. قال: فخرج عبيد الله متوجها إلى سجلماسة فجاز بطريقه إلى أورجلان فلما رآه سفهاؤهم هزؤوا منه، وقالوا: هذا الذي جاء من المشرق يطلب الملك؟، فرموا في وجهه وضربوا له القرون، وكان أشد الناس عليه في ذلك أهل قصر بكر، فلذلك خرق المسجد الكبير في رجوعه، وسنذكر كيف كان ذلك، إذا صرنا إلى موضعه إن شاء الله. ثم إن عبيد الله سأل عن شيخ أهل ورجلان، فقيل له غيار، فقال: أين منزله؟، فقالوا: تاغيارت، فقال: شيخهم غيار وبلدهم تاغيارت، غير الله ما بهم. قال: فخرج من ورجلان إلى سجلماسة وأقام بها مدة طويلة، فانتشر خبره في الناس وإنه هرب من المشرق بأموال عظيمة، فهاله ذلك وأفزعه. /109/
__________
(1) في الأصل: معاذ، وهو الرسم المحرف الذي اعتمده المترجم.
(2) كذا في الأصل: وقد أهمل المترجم الكلمة، وهي كلمة محرفة عن الشاطرين أي دهاة حاذقين.
(3) كذا في الأصل: وقد أوردها المترجم برسم Beni Djelthin (1/109)
صفحة 108
وكان الوالي على سجلماسة يقال له اليسع بن مدرار، فركن إليه عبيد الله فأعطى له بعض ما عنده ليرد عنه الناس، فمكث عبيد الله في سجلماسة زمانا طويلا، وسكن في عاليه دار وسكن رجل من وجوه سجلماسة في سفلاها. فبات الرجل صاحب الدار الساكن في سفلى الدار ذات ليلة إذ رأى، فيما يرى النائم ثعبانا عظيما مضطجعا في الدار، فانتبه مرعوبا فزعا، فمكث باقي ليلته متململا. فلما أصبح عليه طلع إلى عبيد الله، وهو في عليا الدار، وقد كان رآه قبل ذلك يقرأ كتابا وينظر فيه، فقص عليه الرؤيا ولم يخبره بمن رآه. قال عبيد الله: إن كانت الرؤيا صادقة، فالثعبان العظيم يملك المشرق والمغرب. فلما سمع الرجل ذلك من قوله، طأطأ على يده فقبلها، وقال: العفو يا مولاي. فقال له عبيد الله: مماذا تستفتني؟، فقال: أنا صاحب الرؤيا، وقد رأيت في منامي ثعبانا عظيما وليس معي في الدار أحد غيره، فأنت ذاك فزاده ذلك حرصا في حاجته، فمكث بسجلماسة حتى عرف بالعلم والفقه والقراءة، وصار الناس يختلفون إليه ويسألونه عن حوائجهم، فكانوا يجدون عنده فوق ما يريدون، حتى أدناه والي المدينة إلى نفسه وآثره على جميع أصحابه وجعله وزيرا في جميع أموره. قال: وكانت حالته كذلك، فربما يزحف عسكره إلى سجلماسة فيأمرهم بالخروج، فيظفرون وينهاهم عن الخروج، فلا يندمون، وإن عصوه في هذا كله، كان وبال ذلك عليهم، فزحف إليهم عسكر عظيم، فأمرهم بالخروج على كثرة العسكر، في قلة معلومة، فخرجوا وظفروا، فتيمنوا به في جميع أحوالهم. فلم يلبث أن توفي اليسع بن مدرار فابتدر أهل المدينة عبيد الله ليولوه على أنفسهم، فامتنع وأبى وتخوف منهم أن يقتلوه، فقال أنا رجل غريب انظروا من تولونه غيري، فأبوا إلا توليته فولي عليهم فولي في سجلماسة وما حولها من البربر، فصار يأخذ القرى والمدائن التي بحواليها إلى أن أخذ مدينة فاس. قال: فلما تمكن في البلد وتملك على الجند، بعث إلى مولاه الحجاني، وهو بكتامة أن يجمع له من أطاعه ويسمع دعوته من الناس ومن كان على مذهبه ويسير إلى سجلماسة. /110/ (1/110)
صفحة 109
[هوامش لم ترقن] (1/111)
صفحة 110
خروج الحجاني ألعنه الله من كتامة
حدث بعضهم أن الحجاني لما وصلته رسل سيده بالكتب متواترة أن يخرج إليه بمن أطاعه من الناس وقد تمكن الحجاني من نفس كتامة وعظمت درجته عندهم، وكان ذا علم عظيم بحساب النجوم، وكانت حاله عندهم مرضية، لا يأمرهم بشيء إلا فعلوه. وبلغنا أنه تعلم عنده من فتيان كتامة نحو من أربعمائة غلام. قال: فمكث في ذلك إلى أن قال لهم يوما من الأيام، لعامة من علمه من فتيانهم ليس مرادي التعليم، وإنما مرادي الملك. قال: فأجابوه لذلك واتبعوه على قوله، فلما تمكن أمر بالخروج إلى سجلماسة، وأظهر لهم من نفسه أنه وجد في العلم أنه سيلي أرض سجلماسة، وأنه سيغلب الأمير الذي كان عليها، فخرج متوجها يريد سجلماسة. وحدث بعض أصحابنا أن دوسر بنت يوسف بن محمد بن أفلح بن عبد الوهاب رضي الله عنه، لما قتل أبوها وغدره بنو يقظان، خرجت متوجهة إلى الحجاني مع أخ لها. فلما وصلت إليه أخبرته بقصة أبيها وما انتهك من حرمته، فلم يشتغل بها. فلما رأته كذلك، وعدته من نفسها، إن هو أخذ بثأرها أن تزوجه من نفسها. ثم إن الحجاني أخذ في طريقه إلى تاهرت، فلما كان بقرب منها، خرج إليه وجوه أهلها من المخالفين والشيعة والواصلية ومن بها من الصفرية وتلقوه، وشكوا إليه الإمارة ووعدوه العون من أنفسهم، على جميع الرستميين، وأمروه باستئصال شافتهم وتوهين شوكتهم، فأرسل الحجاني رسله إلى يقظان وبنيه أن أخرجوا إلي. فلما وصلت رسله إلى يقظان، خرج وهو بنوه فتلقوه على مسيرة أميال من تاهرت. فلما قدموا عليه، سأل الحجاني يقظان عن اسمه، فقال له: اسمي يقظان فقال له الحجاني: بل اسمك حيوان، فكيف قتلتم أميركم وسلبتم لأنفسكم ملكه، فأطفيتم نور الإسلام وألقيتم إلينا بأيديكم بغير قتال ولا حصار، فأمر به وببنيه فقتلوا عن آخرهم. فلما أيقنت دوسر بنت يوسف بقتلهم، تغيبت وهربت من الحجاني مخافة أن يتزوجها، وطلبها حتى عيي، فلم يقدر عليها. ثم إن الحجاني دخل المدينة وانتهبها وانتهك حرمتها وأجلى كثيرا ممن فيها وجعل أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون. /112/ (1/112)
صفحة 111
وذكروا أنه وجد بها صومعة مملوءة كتبا، فاستخرجها كلها واقتنى منها كل ما يصلح للملك والحساب، وأضرم النار في بقيتها. وذكر بعض أصحابنا أن يعقوب بن أفلح، لما سمع بإقبال الحجاني، خرج من تاهرت متوجها إلى وارجلان، وله حديث طويل سأذكره في موضعه إن شاء الله، وأذكر ابنه سليمان، وكيف انتحل الفرية، ثم إن الحجاني توجه يريد مولاه عبيد الله، ومولاه خارج من سجلماسة بمن معه من عساكره، يريد عبده الحجاني والرسل تختلف بينهما بالكتب. فلما قرب التقاء العسكرين أرسل الحجاني إلى عبيد الله: أنا إذا التقينا بالغد، فاخرج إلي من صف العسكر وأخرج إليك، فإذا التقينا نزلت وقبلت يديك، فاتفقا على ذلك. فلما كان الغد تراءى العسكران وتدانا بعضهم من بعض، خرج الحجاني إلى عبيد الله من الصف، فنزل عن دابته وقبل يديه وركبتيه، فتحامت لذلك كتامة، فقال لهم الحجاني: إنه مولاي وسلطاني وسلطانكم من ذرية علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول الله ص. فقالوا له: لا نعرف لأنفسنا سلطانا سواك، فقال لهم: هو سلطاني ومولاي، فسمعوا له وأطاعوه فالتأم العسكران لعبيد الله. ثم إن عبيد الله انتخب من عسكره أولي القوة والعدة والسلاح الشائك، فجعل عليهم عاملا وأنفذهم إلى ورجلان فتوجه بهم العامل، فلما وصل إلى ورجلان، وقد سمع أهل ورجلان بإقباله توجهوا إلى كريمة، وهي كدية عظيمة لا ترام فطلعوها فحفروا فيها مواجل للماء، فملؤوها فلما وصل إليهم حاصرهم أشد الحصار. وذكر أصحابنا أنه طوق عليهم سبعة أطواق من خيل، فأراد الإقامة عليهم حتى يموتوا عطشا، فلما رأوا ذلك ارتابت نفوسهم، وفيهم رجل يهودي، فأمر بجمال فزمت أفواهها فعطشها ثم أخذها فوقفها على حرف كريمة، فجعل لهم في قصاع كبار زيتا، فإذا نظرت الجمال إلى ما في القصاع، جعلت أفواهها في القصاع، فمن رآها من أسفل كريمة حسب أنها تشرب، فإذا أعيتها أزمتها رفعت رؤوسها فنفضت الزيت عن مناخرها، ومن بعد عنها حسب أنها تشرب. وبلغنا أنهم أخذوا كساءة فرشوها بزيت فنشرت على حرف كريمة، فلما رأوها قالوا إن مع القوم ماء، ونحن محاصروهم ليموتوا عطشا، فتنحوا عنهم، وقالوا: لا مطمع لنا فيهم، فارتحلوا عن أهل ورجلان، فحرقوا المسجد الكبير لجنون ابن يمريان رحمه الله، فدخلوا ديارهم ففتشوها، فوجدوا في دار واحد منهم بيضة النعامة مملؤة شعيرا فحملوها. /113/ (1/113)
صفحة 112
فلما وصلوا إلى رلمة أزلفان، لحقهم رجل من أهل ورجلان، ممن أراد هلاكهم، فأدرك بقية أهل العسكر، فقال لهم: ما لكم تركتم أهل ورجلان وليس معهم ماء، وإنما جعلوا لكم الحيلة. فنظر بعضهم إلى بعض فأخذوه وقتلوه قبل أن يفشي خبره في العسكر، فيرجع العامل إلى أهل ورجلان فيهلكهم. وإنما صادف هذا الرجل المقتول في ساقة العسكر من سدراته، فتحامت لإخوتها، ولذلك قتلوه. ثم إن بعض العسكر جاز بتوزر، فقصد نحو القبيلة التي أخذت له الدابة فقتلهم وأنهبهم. فلما وصل العامل إلى القيروان، وقد تمكن بها عبيد الله، أخبرهم خبر أهل ورجلان فقال له إنك رفقت بهم. قال: فعمد العامل إلى رمح طويل فوكزه ونصب عليه رغيفا، فقال له: أصلح الله مولانا، هل يقدر أحد أن ينتزع هذا الرغيف عن هذا الرمح على هذا الحال؟، فكذلك أهل ورجلان، فأخرج له بيضة مملؤة شعيرا، فقال له هذه مطاميرهم. وذكر بعضهم أن عبيد الله لما صحت له ولاية القيروان، أرسل مولاه الحجاني إلى كتامة عاملا له عليها، فتكاثف بها أمره واشتد سلطانه. فلما كبر عبيد الله وخاف من الحجاني على عقبة من بعده أن يفسد عليهم سلطانهم، أرسل إليه وقال له: اقدم علي بوجوه كتامة، فإني كبرت ورق عظمي، وأنا في آخر عمري، فأريد أن تقدم علي عاجلا لأوصيك بوصايا. فلما وصل كتاب عبيد الله إلى الحجاني، انتخب من وجوه كتامة عددا كبيرا فأقبل بهم إلى القيروان. فلما أتى إلى القيروان وقد بنى بها عبيد الله قصرا كبيرا وجعل عليه غرفا. فلما وصل إليه الحجاني وأصحابه، أدخله وأصحابه في بعض غرف القصر، فأعطى لهم طعاما وشرابا، فلما أخذت فيهم الخمر مأخذها، أضرم من تحتهم نارا في سقف الغرف وأحف رجالا عليهم السلاحن فلما أحسوا بالنيران، صاروا يتساقطون من القصر فمن أفلت من النيران، قتله الرجال الذين حفوا بالقصر، إلا ما كان من الحجاني، فلما أحس بالنار قفز قفزة صار بها خارج القصر، فأخذه الرجال فقال لهم: مهلا علي، لا تعجلوا بقتلي وامضوا بي إلى مولاي، فمضوا به إلى عبيد الله. فلما دخل عليه قال له الحجاني: هذا جزائي عندك؟، أطعتك وبلغتك السلطنة والملك وذكر له أياديه عنده. /114/ (1/114)
صفحة 113
فقال له عبيد الله: كل ما ذكرته قد كان، ولكني لم أوثر عليك إلا نفسي. فأمر به فذبح في طست، فأظهر عبيد الله التشريق في أرض المغرب حتى مات. فلما مات ولي من بعده ابنه أبو القاسم بن عبيد الله فظل ينظر متى تكون له الدولة في أرض مصر، وفي أيامه وعصره خرج أبو يزيد. /115/ (1/115)
صفحة 114
أبو يزيد مخلد بن كيداد اليفراني
حدث غير واحد من أصحابنا أن أبا يزيد كان رجلا من بني يفرن، وكان مسكنه بقلعة سدادة، وله حديث في مبدأ عزمه مع أبي الربيع سليمان بن زرقون ورجوعه إلى مذهب النكار، بعد الوهبية، وسنذكر ذلك إن شاء الله في أحاديث ابن زرقون، فإنما قصدنا من هذا الموضع خروجه عن القاسم ابن عبيد الله وإلى ما انتهت به المقادير. وحدث بعض أصحابنا أنه وجد على حجر مكتوب عليه: ثلاثة مفسدون في البلاد، شداد بن عاد، وفرعون ذي الأوتاد، ومخلد بن كيداد. وكان سبب ثورته (1) فيما بلغنا، أنه توجه إلى المشرق يريد الحج، فلما وصل إلى مصر نظر إليه رجل من أهل مصر، وقد حلق رأسه من عند الحجام، فقال له: غط رأسك أيها الثائر، فضربه عليه، فلما سمعها أبو يزيد، مخلد بن كيداد، وقع في نفسه من ذلك ما وقع. فلما حج وقضى مناسكه كر راجعا إلى المغرب. فلما وصل في طريقه إلى قرب جبل نفوسة، فوض من سار عنه نحو جبال نفوسة، فقال له: أقر عني السلام على جميع إخواننا، وقل لهم قد وافينا كثيرا، وإنه ليس لله علينا أن نشتري حجة. وقد بلغنا أنه أدى في طريقه تلك أقل من درهم، ولذلك قال: ليس لله علينا شراء حجة. فلما رجع أبو يزيد من أرض المشرق حفر غارا بقلعة سدادة فكان يجتمع فيه مع أصحابه، يذكرون ما يريدون من أمرهم، وذلك الغار اليوم معروف، وينتظرون متى يأتي وقت ذلك. وكان على قسطالية عامل من عمال أبي القاسم بن عبيد الله، وهو الذي بنى مدينة المهدية وسميت به، وكان يسمى المهدي، وتسمى أيضا القاسمية باسم القاسم. وكان عند المهدي علم بأنه سيخرج عليه رجل من البربر، بصفة كذا وكذا، فصار يتوقع ذلك ويتوكعه، ويرسل إلى عماله في البلاد يأمرهم أن يتحفظوا ويتحذروا منه ويعلمهم بصفة الرجل. فكان هو وعماله يستكشفون عن الصفة التي كانت عنده ويبحثون في طلبها، إلى أن ذكر لعامل قسطالية رجل بقلعة سدادة من نعته ومن أمره كذا وكذا، فبث إليه عامل قسطالية وهو بمدينة توزر. فلما رآه وعرفة بالنعت الذي نعته له صاحبه، أخذه فرماه في سجنه وقيده في الحديد ليرسله إلى السلطان بالقيروان. فلما طال مكثل أبي يزيد في الحبس ولم يجد لنفسه حيلة، وأمست /116/
__________
(1) في الأصل: تيارته. (1/116)
صفحة 115
نفسه من سلامة تكون على يد العامل، وبلغ ذلك جماعة النكار، اجتمعوا فيما بينهم واختاروا من أنفسهم أربعة رجال، يثقون بهم في الجلد والشجاعة والبأس والنجدة، فأرسلوهم إليه آخر النهار. فلما وصلوا إلى باب المدينة وقف واحد منهم على الباب وتقدم ثلاثة إلى الحبس، فلما أتوه بدؤوا بالسجان الذي يحرس الحبس، فقتلوه وكسروا السجن وأخرجوا جميع من فيه وأخرجوا صاحبهم مقيدا واحتمله أحدهم على ظهره، وكان اسم حامله يوجين فيما بلغنا، وبين يديه رجل بالسيف مصلتا، وآخر خلفه فكل من قام إليهم من الناس قتلوه، فخرجوا بصاحبهم حتى أتوا على صخرة بين الحامة وتوزر، وكسروا ما عليه من القيد، فسميت صخرة أبي يزيد. فمضى نحو بني يدرجتن في الصحراء، برملة سماطة، رجاء منهم أن يمنعوه وقد كانوا في قوة عظيمة ينتهون إلى ثمانية عشر ألف فارس، فيما بلغنا فالتجأ إليهم وطلبهم أن يمنعوه، فلم يجد عندهم ما يريد، فمضى من عندهم مستخفيا إلى جبل أوراس. قال: فلم يزل الطلب عليه والبحث عن شأنه حتى علموا بموضعه، فأنفذ إليه القاسم بن عبيد الله جيشا عظيما فحاصره بجبل أوراس سبع سنين، وبلغت فيه نفوسهم التراقي، وفي ذلك قال متكلمهم يذكر ما نزل بهم من البلاء والضرر، وطول الحصار والمطر، قال: جبل لا يصعد ومطر ساكب، وفتى مستقصي وشيخ غير مدفوع، ونحن المبتلون المقتولون. فلما رأى القوم ما نزل عليهم وحل بهم اجتمعوا إليه وقالوا له: قد رأيت ما حل بنا ونزل علينا من أمر هذا الفتى، ولم يبق لنا طاقة للقوم، فهلاك رجل واحد أيسر من هلاك العامة، فقال لهم أبو يزيد: امهلوني في هذه الليلة. فلما أظلم عليهم الليل أمر بخمسمائة ثور وأمر أن يشد على قرن كل ثور منها حزمة من حلفاء، وإلى ذنبه حزمة أخرى، قال: فاختار خمسمائة رجل من أصحابه من ذوي البأس والنجدة، فأخذوا عدتهم وسلاحهم وساق كل واحد منهم ثورا، حتى إذا قربوا من العسكر، أي جيش العبيديين ألقى كل واحد منهم في حزمات ثوره نارا. فلما بلغت حرارة النار إلى الثيران، ركضت أمامها فخاضت الثيران بالمعسكر والرجال في ساقتها بالسيوف مصلتة يضربون بها كل من أدركوه، فجعل الله ذلك هزيمة للمعسكر فانهزموا، فقتلهم أبو يزيد وأصحابه قتلا ذريعا. فلما كان صباح يومئذ من الهزيمة، عرض في اثني عشر ألف فارس من أهل عسكر القاسم خاصة ورجعوا إليه، فصار الطلب على باقي عسكر /117/ (1/117)
صفحة 116
القاسم، فتسامعت به القبائل وطار اسمه في الآفاق، فاجتمعوا إليه من كل أوب، والتأمت إليه عساكر كثيرة، حتى عدوا في عسكره ألفا من الخيل البلق والله أعلم، ومعه من مزاتة آلاف كثيرة، فأخذ في فتح المدائن والقرى والمنازل، ففتح الساحل كله، وأقبل يريد قسطالية التي منها خرج ففتحها بأسرها. قال: فلما أحس من نفسه القوة ورأى كثرة من اجتمع له من الناس، تكلم إليه بعض عزابتهم ماذا تنتظر للأخذ بثأر يزيد بن فندين، يا شيخ؟. فقال أبو يزيد: دعنا حتى نفرغ من نسج كسائنا، فإذا ما فرغنا منها وقعدنا في مصحات اشتغلنا في تنقية كساءاتنا. فقام إليه بعض من كان معه من مزاتة، وهو مسارة بن غني، فقال له: فلا تظن أن الوهبية قد خرجت معك، إنما كانت في مساجدهم، وإنما خرجنا معك نحن لنتواكل هذه الميتة، فدع عنك هذا، وإلا قتلنا كلاب الحي يريد بالميتة الغنائم والأموال التي يأخذونها. ثم إن عدو الله سار يريد القاسم بالقيروان، وكل قرية ومدينة مر بها في طريقه خربها وسبا ذريتها وغنم أموالها، كفعل نافع بن الأزرق وغيره من الخوارج، بل قد زاد عليهم وأربى. كان معه رجل من علماء النكار، يسمى زكرياء ينكر ذلك عليه، ويقول: إن هذا لهو الخروج من الدين. فلما رأى أبو يزيد إنكاره عليه، خشي أن يفسد عليه العامة من الناس، فأمر بقتله فقتل ليلا، ولا يدري أين كان. فلما سمع القاسم بإقبال أبي يزيد إليه بما لا قبل له به من العساكر، خرج من القيروان إلى المهدية، فترك على القيروان رجلا، وقدم أبو يزيد القيروان وحاصر أهلها، حتى اشتد عليهم الحصار، وقد أنهب من المدينة كثيرا من أطرافها، فخافوا على أنفسهم وألقوا إليه بأيديهم وخرجوا إلا قاضي المدينة، فقد انحاز في دار الإمارة بأموال جسيمة، فأرسل إليه أبو يزيد اخرج، فأبى القاضي إلا بالأمان، وأعطاه أبو يزيد الأمان. فلما خرج إليه القاضي، شاور وزراءه فقال له رجل منهم يسمى أبا عمارة: ألم تعلم ما ذكر في كتاب كليلة ودمنة؟، فقال له أبو يزيد: وكيف ذلك؟، قال له: ليس شيء أروح للقلب من قتل عدو مخوف، وإن بلغ من الضعف الغاية. قال: فأمر أبو يزيد بقتل القاضي، فقتل بعد الأمان، وأخذ تلك الأموال، وذكروا أنه بلغ عدة ما خرب على يده في إفريقيا ثلاثون ألف قرية لم تعمر إلى يومنا هذا، وفعل في إفريقيا من الفسوق والمعاصي والفجور، ما /118/ (1/118)
صفحة 117
لم يبلغنا مثله عن الفراعنة والأكاسرة والقياصرة والجبابرة. وبلغنا أنه عوتب على ما يفعله عسكره من الفساد والخراب، وهو شاهد كما يراهم ولا ينهاهم، بل قد يأمرهم به، فتلى قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان ولكن الشياطين}. وكان عدو الله على حمار جاء به من مصر، إذا مشى عدت الخل معه، وإذا عدا سبق الخيل. وبلغنا أن أبا القاسم يزيد بن مخلد رحمه الله، لما بلغه ما خرب على يد أبي يزيد وقد ذكر قومنا، فقال: لقد فتح فيهم أبو يزيد بابا إلا أنه لم يحسن السيرة. وبلغنا أنه مر بعسكره على مدينة قابس فنظر إلى غابة وقومها بكسر درهم، وأمر أصحابه بالنهب والأكل والفساد والخراب ومكث عليها زمانا كذلك، فلما أراد الانصراف قوم الغابة مرة أخرى، فجعلها درهما، فصار يطالب أهل قابس فيما زاد على التقويم الأول. وبلغنا أنه نزل بالساحل، فأخذ أهل عسكره صبيتين جميلتين، فجاءته أمهما تشكو إليه، فقالت له: يا شيخ إن الغزابة سبوا لي ابنتين، وهما حرتان، وغصبوهما، فلم يجبها عدو الله بجواب، غير أنه قال: هل في افريقيا حرة؟، فخافت المرأة على نفسها فهربت ونجت بنفسها. وبلغنا أنه عدو الله، لا يبي كل ليلة إلا على أربعة أبكار. ثم إن أبا يزيد سار من القيروان يريد المهدية فحاصر بها المهدي زمانا طويلا، حتى نزل بالرملة التي باب المدينة، وبنى بحيال باب المدينة مصلى، وهو بها معروف يدعى مصلى أبي يزيد. ثم إن ابن المهدي قضى الله عليه الموت ورجع في مكانه ابنه اسماعيل ابن أبي القاسم بن المهدي، فسمع أهل العسكر بوفاة أبي القاسم وسروا بذلك غاية السرور واستبشروا وطمعوا في أخذ المدينة، وبشروا بموته أبا يزيد، فساءه ذلك وتراجع وتنكس طويلا. فقال له أصحابه: لم هذا؟، فقال: مات رجل أديل لنا عليه، وولي رجل فلا ندري أيدال له علينا أم يدال لنا عليه. قال: فزحف أبو يزيد فيمن معه إلى أحد أبواب المدينة، فضرب فيها، وكان اسماعيل عنده في العلم أن أبا يزيد، إذا ضرب في باب معروف من إحدى البابين فإنه يخيب، وإذا ضرب في الآخر فإنه يظفر، ووقع ضربه على باب الخيبة، وخيبه الله. وقالوا له من أعلى البرج: أخطأت يا شيخ!. قال: فوقع القتال بينهم حتى انهزم عدو الله أبو يزيد وكانت الدائرة عليه. /119/ (1/119)
صفحة 118
وقد ذكروا أن ميمنة عسكره انهزمت، حتى انتهت الهزيمة إلى القيروان، ولم يشعر بذلك أهل الميسرة بسبب كثرة جنوده. ثم إن أبا يزيد سمع بأن أهل القيروان وثبوا على عامله عليها وحاصروه حتى أخرجوه، وقد دس إليهم الشيعي بالكتب في ذلك، فتراجع (1) أبو يزيد عن المهدية. فعندها انهزم عدو الله الهزيمة التي أصيب بها، فلما سمع اسماعيل بما فعل أهل القيروان بعامل أبي يزيد وأحس فيه التأخر وقيل أن اسماعيل خرج إليهم بخمسمائة فارس أو نحوها، خرج إليه وتبعه، فكانت عليه الهزيمة واستحر القتل في عسكر أبي يزيد. وبلغنا أن ما قتل بعضهم من بعض أكثر مما قتل منهم عدوهم. فلم يزل الشيعي في ساقتهم يقتلهم إلى أن انتهى إلى القيروان. فلما وصلوا إلى الموضع الذي بنيت فيه صبرة، قال أبو يزيد لأصحابه: اصبروا صبرة، فكر راجعا فلذلك سمي الموضع صبرة. قال: فخرج عليه أهل القيروان يقاتلونه فلما أخذته الغلبة ولى منهزما، وتبعه طائفة من خيل اسماعيل فأدركوه وقد تأثر من جروح فألقى بيده إلى أحدهم فقال له: خلصني!، فقال له الفارس: من تكون؟، فقال له: أبو يزيد، أنا أبو يزيد.
قال: فأخذه الرجل ومضى به إلى اسماعيل فلما مثل بين يديه قال الرجل لاسماعيل: إني أسرت هذا الرجل وزعم أنه أبو يزيد، وأنا لست أعرفه. قال: فدعى اسماعيل بمن يعرفه، فأخبره أنه هو، ثم دعى اسماعيل بالأطباء ليعالجوه، وقد أنفذته الجروح، لئلا يموت حيث أنه يريد أن يعذبه بأنواع العذاب، فقال له الأطباء: إنه لميت. قال: فلما علم بذلك اسماعيل من أمره أمر بسلخه وأخذوا في سلخه، فلما وصلوا إلى السرة مات عدو الله إلى النار وبئس المصير، فتفرقت عساكره ومضى كل في وجهته. ثم إن الفضل بن أبي يزيد، بعد موت أبيه، جمع على نفسه جمعا من أخلاط الناس، فلما رأى كثرة من اجتمع له، قصد إلى ظعائن مزاته، وفيهم أبو القاسم يزيد بن مخلد، وأبو خزر يعلى بن زلتان رضي الله عنه، فلم يشعروا إلا وعساكر الفضل تضرب أخيبيتها حولهم، وكانت عساكره في ثلاثين ألفا في صباح يومئذ، وقال لهم: ادفعوا إلى إخوتي من بني تيجرت، يريد أبا القاسم وأبا خزر ض. وذلك أن بني واسن وبني يفدن إخوة، وهم جميعا بنو تيجرت. فقال لهم الفضل: لم أقصدكم يا مزاتة، إنما قصدت إخوتي، فائتمرت /120/
__________
(1) في الأصل: فتأخر. (1/120)
صفحة 119
مزاته على دفعهما، فكان رأي بعض أهل الدنيا أن يدفعوهمان وأبى لهم أهل الصلاح منهم ذلك، وتنحوا ناحية عن أهل الدنيا، وهم في ذلك إذ أتاهم رجل من ملأ مزاته وقال لهم: إن إخوانكم من هذه الجماعة ليست لكم فيهم ما يقومون له، فإن أحببتم أن تشمروا عن أنفسكم وتدفعوا عن صاحبكم، فافعلوا. فقال بعضهم لبعض، قوموا بنا لنأخذ عدة الحرب، فقاموا غضبا لله ولدينه ولمشائخهم، فأخذوا من هيئة السلاح، بعضهم يشد السرج لفرسه، وبعضهم يسوي سنان رمحه، وبعضهم يقلد سيفه وأمثال ذلك من أنواع السلاح، وما منا إلا وله في القوم أخ أو ابن عم أو نسيب أو قريب، فإن هم رأونا محاربين لا يدعوننا ويسلمونا. فلما رأى أهل الدنيا عزيمة المشائخ على الحرب وجدهم على القتال، رجعوا إليهم فتابوا مما بلغ المشائخ عنهم، فقبلوا عنهم توبتهم. قال: فاجتمع رأيهم على ذلك، وكان مسارة بن غني، من مزاته، ممن وافق رأيه رأي المشائخ، فقال: لي اثنا عشر ابنا وقد وهبتهم لكم اليوم، يا مشائخ. وقال مسارة لبنيه: قاتلوا اليوم وقد أمر المشائخ، كقتال علي بن أبي طالب أمام النبي ص. قال: فتهيأت العامة للحرب واستجمع عسكر الفضل في خيله ورجله، واجتمعت المشائخ ومن معهم، ثم إن مسارة التفت إلى أحد ولده، وهو أصغرهم، فقال له: أمك طالق إن لم تكشف تلك الربوة التي عليها خيل الفضل (1). وقد كانت عليها الخيل حتى أسودت، فيما بغلنا، كالليل المظلم وحمل عليهم الفتى وكشف عنهم. ثم إن الفريقين التقوا ونشبت الحرب وكان ذلك ضحوة نهار، فيما بلغنا فاقتتلوا مليا، والفضل في ثلاثين ألفا، وكانت الدائرة على الفضل وأصحابه وقتل منهم خلق كثير. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه عن أبي يعقوب يوسف بن نفاث رضي الله عنه أنه قال: لما انهزم الفضل وعساكره، وصاروا ثلاث فرق، طائفة مستأصلة وطائفة هلك بعضها ونجى بعضها، وطائفة لم تصب من يتبعها، فهرب الفضل حتى انتهى إلى قرية من قرى تلك الأرض فدخلها فأخذه أهلها وقطعوا رأسه، وتوسلوا به إلى اسماعيل بن القاسم فتشفعوا به إليه، فشفعهم وانطفأ ذكره. وبلغنا عن رجل من هوارة يسمى محمد بن عربية، حين انهزم عسكر الفضل، ضلت له ابل ليلة يوم الهزيمة، فمضى في أثرها يطلبها ثم جنه الليل، فبات ولم يعلف حصانه. /121/
__________
(1) في الأصل: خيل الخيل، وهو تحريف واضح. (1/121)
صفحة 120
فلما كان صباح يوم الهزيمة رأى (1) العسكرين وقد تواقفا، وكان على فرس سابق، فلما انهزم الفضل وأصحابه كان سرعان الخيل، فإذا بلغ إلى جماعة رجال من أصحاب الفضل، اقتطعهم إلى من خلفه من أصحابه يقتلونهم ولا يقتل هو أحدا، فكان كذلك حتى استقتل منهم عددا كبيرا، وكان رجلا تائبا في آخر عمره بعد كبره، ولم يكن بالغا في العلم. فلما كان في الليلة المقبلة، علف حصانه أربعة أثمان بالثمنة الكبيرة. /122/
__________
(1) في الأصل: وافى. (1/122)
صفحة 121
/123/ (1/123)
صفحة 122
أخبار يعقوب بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ض
وحدث غير واحد من أصحابنا أن الحجاني لما سار متوجها إلى تاهرت، خرج يعقوب بن أفلح في خيل من أصحابه بعائلاتهم وأهاليهم، فتبعهم عسكر العدو، وكان عنده حصان عظيم الشأن، فتقدم لأصحابه على الطريق، وقد أسدل على رأسه ملحفة، فإذا قرب العدو من أصحابه وغشيهم خيلهم نادوه، فيقف لهم حتى يصلوا ويأمرهم بالسير على الطريق ويستقبل خيل العدو بوجه فرسه، وكان فرسه تضرب به الأمثال في المغرب، فإذا نظروا إليه وعرفوه، توقفوا له من هيبته، فإذا ما تباعد أصحابه عنهم سار في أثرهم حتى يدركهم فيسبقهم، وعسكر العدو أيضا في أثرهم، حتى كادوا أن يدركوا أصحابه تارة أخرى، فنادوه مرة أخرة، فيقف لهم حتى يتباعدوا فيأخذوا في أثرهم. فكانت تلك حالهم وحاله حتى أيس منهم العدو ورجعوا عنه وأصحابه، فمضى يعقوب وأصحابه سائرين إلى ورجلان. وبلغنا أنه نظر إلى الطالع في طريقه ذلك، فالتفت إلى أصحابه وقال لهم: إنه لا يجتمع منكم اثنان إلا كان عليهم الطلب، افترقوا فقد انقضت أيامكم وزال ملككم ولا يعود إليكم إلى يوم القيامة. قال: فتفرقوا وأقبل هو وعياله وأهله إلى ورجلان، وذلك على عهد أبي صالح جنون بن يمريان رحمه الله، فتلقاه أبو صالح في جموع أهل ورجلان، فأدخلوه وأكرموه وأحسنوا القيام به، فطلبوه أن يولوه على أنفسهم، فامتنع لهم من ذلك، فقال: لا يستتر الجمل بالغنم فأرسلها مثلا. ومكث فيهم دهرا، وكانت له بنتان وابنتا أخيه، قد منعهما وحبسهما من التزويج (1) فلما اجتمع إليه مشائخ أهل ورجلان يطلبون إليه أن يزوجهما ولا يدعهما، قال لهم: إني لا أزوج ابنتي إلا لرجلين، أحدهما من أهل الدين والآخر من أهل الصلاح، فأضع يدي بيد من شئت. فقالوا له: ضع يدك على من شئت، فقال لهم: فإن كان ولابد فالذي كان من أهل الصلاح حموم بن لؤلؤ، والثاني العز بن محمد، قال: فزوجهما لحمو وللعز، وكانت عند حمو امرأة غير ابنة يعقوب، فلما سمعت بتزوج حمو، خالطها الهم حتى قضى الله عليها بالموت. وبلغنا أن بعض أهل ورجلان سأل يعقوب بن أفلح، فقال له: أتحفظ القرآن كله؟، فقال يعقوب: معاذ الله أن ينزل على موسى وعيسى ما لم أحفظه وأعرف معناه، فكيف بكتاب الله أنزله الله على نبينا محمد ص. /124/
__________
(1) كذا في الأصل: وفي النص المترجم:
Il avait deux fils et deux filles, tous quatre de la même mére, mais il ne voulait pas les marier. (1/124)
صفحة 123
وكان يعقوب بن أفلح مجتهدا في الليل، وكان ذات ليلة في بيت يصلي وخر عليه السقف إلا الخشبة التي تقابل رأسه، فكان كما هو حتى أتاه الناس، فحفروا إليه، فوجدوه قائما يصلي وسألوه، فقالوا له: ماذا ظننت؟، فقال لهم: ظننت أن القيامة قد قامت وبورجلان بعض آثارها. /125/ (1/125)
صفحة 124
الافتراق الرابع من الإباضية
وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا سليمان بن يعقوب بن أفلح انتحل بعض العلوم ومدارسة الكتب، فحذر أبوه منه جماعة أهل ورجلان، وقال لهم: لا تطمئنوا إليه فإنه درس ديوان أحمد بن الحسين. فلما مات يعقوب بن أفلح، اجتمع إليه جموع أهل ورجلان فجهزوه ودفنوه بمقبرة أبي صالح جنون بن يمريان رضي الله عنه وقبره في عصرنا هذا لم يندرس كأنه ربوة. وكان أهل ورجلان قد أجدوا الضيافة لأبي سليمان ابن يعقوب وأصحابه، والناس يتهمونه على مسائل منها تنجيس الفرث، فأرادوا استخراج ذلك وتجربته وصنعوا له طعاما عليه العصب فيه فرث، فدعوه وأصحابه إلى الطعام، وذلك بعد صلاة العصر. فلما حضر الطعام بين يدي أبي سليمان وأصحابه وعليه عصب، أخذ أبو سليمان عصبة واحدة فشمها فأحس فيها الفرث، فرمى بها وألقاها، وقال: هذا طعام منجوس. فقال له أصحاب الطعام، ماذا نفعل بالطعام؟، فقال لهم: احفروا له وأفنوه وقطع عذر من أكله. فبلغ الشيخ صالح جنون بن يمريان رضي الله عنه ما فعل، وكان الشيخ صائما وأخبروه بتنجيسه طعاما طبخ فيه الفرث، وأخذ ذلك بمسامع أهل ورجلان، وتخوف الشيخ من الفتنة، وارتاب كثير من الناس في ذلك الطعام، وأبى أهله أن يطعموه حتى يأكل منه الشيخ، فلما رآهم كذلك مضى في جماعة من أصحابه إلى الدار التي بها الطعام فاستأذن، فأذن له أصحابه، فدخل فدعى بماء وغسل يديه وقربوا له الطعام، فأفطر وأكل هو وأصحابه، وقضوا حاجتهم. ثم إنه كان بين الشيخ وبين أبي سليمان على ذلك مشاجرة ومنازعة عن تلك المسألة، فقال له الشيخ: إن شئت باهلتك. فقال له أبو سليمان: أجل. واتفقا أن يبتهلا يوم الجمعة، ثم إن الشيخ أخذ في العبادة والابتهال إلى الله أن ينصر أحب الفريقين إليه. فلما كان يوم الجمعة اقترعا بين كريمة وتيسر سرين، فوقعت قرعة الشيخ على تيسر سرين، وتوجه نحوها، وتوجه أبو سليمان إلى كريمة، فعمل الشيخ بتيسر سرين مصلى، وهو اليوم معروف، فمكثا بقية يومهما يدعوان الله على المبطل، ثم رجعا فمكث أبو سليمان بعد ذلك ففضحه الله وكان من تبعه على أثره حتى أباد الله جملتهم، وقد أفتى لهم في /126/ (1/126)
صفحة 125
سبع مسائل: أولها الفرث، والثانية تحريم الجنين بعدما ذبحت أمه، والثالثة عرق الجنب، والرابعة عرق الحائض والخامسة دماء العروق التي اسبطنت الظهر بعدما ذبحت الشاة، والسادسة صوم يوم الشكر، والسابعة الزكاة للقرابة. /127/ (1/127)
صفحة 126
أخبار أبي الربيع، سليمان بن زرقون النفوسي ض
وكان أبو الربيع قادة وهو من نفوسة تابديوت (1) وبها مولده ومسكنه، ولقد أخبرنا بعض أصحابنا ممن كان في عصرنا، أنه أدرك ديوانه وكتبه بقرية تابديوت، وقد بلغ من العلوم ما لم يبلغه كثير ممن في عصره، وكان تعلمه في سجلماسة، هو وأبو يزيد عند ابن الجمع. وكان ابن الجمع رجلا من أهل الدعوة، أقبل من المشرق تاجرا ينتحل جميع الفرق وكان غزير العلم، فقدم توزر وأقام بها وإذ ذاك أبو الربيع شاب حدث السن. وكان ابن الجمع يرسله في حوائجه ويلوذ به، فاختبره في أمور كثيرة، فوجده فاهما حاذقا ذكيا، فقال له ابن الجمع يوما من الأيام لما رآه من فهمه وحضور ذهنه، إني أراك فطينا، وشد ابن الجمع الطاء ليوهم عليه أنه أراد الفطنة، فأجابه الشيخ أبو الربيع: غير منزلق يا عمي، فتعجب به. وبلغنا أنه قعد معه ذات ليلة، فلما أراد ابن الجمع الرقاد، أمر أبا الربيع بتغطيته فغطاه، فقال ابن الجمع: الزيت خيرا، ليوهم عليه أنه أراد جزيت خيرا، ففطن به أبو الربيع فأجابه فقال له: على الخبز يا عمي!، فعظمت درجته عنده لما رأى من فهمه وعقله. ثم أراد ابن الجمع المسير إلى سجلماسة فطلبه أن يسير معه ويعلمه ما أراد من العلوم. قال: فسار ابن الجمع وأبو الربيع، يريدان سجلماسة، فلما وصلاها مكث عنده سنين عديدة، ومعه أبو يزيد مخلد بن كيداد. ولما حضرت الوفاة ابن الجمع، أوصى بكتبه لأبي الربيع فلما مات ابن الجمع، أقبل أبو الربيع إلى قسطالية وقد اشتهر اسمه وعلا ذكره، فطفق الناس يسألونه عن فنون العلم، فكل من سأله أجابه، واضطربت قسطالية كلها من أجله. وكان بها رجل مؤدب قبل ذلك لأبي الربيع في صغره، قبل أن يتعلم، لم يتماسك أن يقول إنما قرأ عندي، وأنا علمته ويكرر ذلك أينما جاز. وبلغنا أن أهل سجلماسة اختلفوا بعده في مسألة، فكادوا يقتتلون عليها، فاتفقوا على أن يبعثوا رجلين بحملين إلى أبي الربيع أينما كان يستفتيانه، فما أفتى به أخذوا به. فمضى الرسولان وجعل لهما أهل البلد أجلا معلوما، فتوجها حتى أدركاه، فاستفتياه، فأفتى لهما بوجه الحق، فكر الرسولان راجعين حتى /128/
__________
(1) كذا في الأصل، وفي النص المترجم Tadiout (1/128)
صفحة 127
وصلا إلى سجلماسة فأخبرا بما أفتى به، فاصطلحوا بعدما كانوا يقتتلون، وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا الربيع وأبا يزيد مخلد ابن كيداد، خرجا ذات مرة سائرين في بعض حوائجهما، فصادفا بعض أهل الدعوة فاستضافهم فأخافوهما ولم يحسنوا ضيافتهما، فتلجلج في نفس أبي زيد شيء، وهو السبب الذي أهلكه أول مرة. ثم إنهما مرا بقوم من النكار، فاستضافهم فأضافوهما بأحسن ضيافة، فقال أبو يزيد لأبي الربيع: يا أبا الربيع، ألا ترى ما بين الرجال والرجال، فهل لك في الرجوع بنا إلى مذهب هؤلاء القوم؟، فقال له أبو الربيع: لست أريد الدنيا، ولو كانت مرادي، إذا لنلتها بعلمي. قال: فافترقا فرجع أبو يزيد نكاريا، وثبت أبو الربيع على مذهب الحق. وبلغنا أن أبا الربيع، توجه يريد افريقيا، فوجدها متغيرة راجعة إلى مذهب النكار، فلم يزل بهم حتى ردهم إلى مذهب الوهبية. وبلغنا أنه دخل خصا فوجد فيها سبعة أسرة منصوبة، وعلى كل سرير شيخ من شيوخ النكار، فقال له شيخ من شيوخهم، هاهنا يا أبا الربيع، ففسح له للجلوس، فقصد أبو الربيع نحوه، فأراد الطلوع إليه فوق السرير فلما طلع وكاد يستوي في الجلوس، عثر عليه عثرة ووقع على النكاري ووكزه بمرفقه فكاد يكسره، فقال له: كسرتك يا شيخ، وأوهم نفسه أنه لم يتعمد الوقوع عليه، فجرت بينهما مناظرات فغلبهم أبو الربيع وطردهم من تلك الأحياء قبل أن يتغذوا، وقد حضر غذاءهم، فأتبع أثرهم في افريقيا يطردهم أينما وجدهم ويردهم إلى الوهبية، حتى طهر افريقيا من آثار النكار. وبلغنا أنه توجه إلى جبل نفوسة، وكان الشيخ أبو القاسم البغطوري يوالي نفاثا قبل إحداث ما أحدث، ولم تقم البينة عند الشيخ على نفاث، فكانت على ولايته. فقال أبو الربيع لأهل منزله: شيخكم يوالي نفاثا، وأنتم توالون شيخكم، فكلكم نفاثية!. وبلغنا عنه أنه سألته عجوز عن براءة النكار، فقال لها: حسبتك يا أم فلان فقيهة في العلم ( ... ) فقال لها: من لم يصب ما ينفق، فليصبح ويلعنهم، فكأنه أنفق جراب دراهم، وكان يفتي في مسائل الرخص كثيرا. وبلغنا عنه أنه طلب إلى عجوز خرقة ليرقع بها جبته، فأعطته /129/ (1/129)
صفحة 128
خرقة منجوسة، فقال لها إنها نجسة، قال: فأخذها وانتزع من أطرافها شيئا ورمى به إلى العجوز وقال لها: خذي نجسك، فأخذ البقية لترقيع جبته. وبلغنا عنه أنه طلب إلى عجوز ماء ليشرب، فأعطته كوزا، فقالت: اشرب قليلا، قال: فأخذه وشربه كله، فلما أخذت الكوز منه وقد شرب الماء كله، قالت له: قلت لك اشرب قليلا وشربت كلا. قال لها: ما شربت إلا قليلا!، قال الله تعالى: {قل متاع الدنيا قليل}. وعوتب ذات مرة على فتيا في مسائل الرخص للناس، فقال: بيني وبينهم النسيان. وبلغنا أنه دخل ذات مرة قسطالية، فرأى نساءها متبرجات مكشوفات، فقال: ما أكثر خدم هذا البلد، حملهن على أنهن لسن بحرائر. وبلغنا أنه شمر ذات ليلة، فوطيء برجل على شيء رطب، فقال: ما أكثر طعام هذا البلد!. وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا الربيع مر بريصة (1) فوجد فيها أربع فرق من الإباضية متدهنين متساترين، وذلك في أيام أبي الخطاب وسيم بن سنتن، فأمر القضاء والأحكام عند أبي الخطاب، وأمر الفتيا إلى النكار، والإمامة في صلاة رمضان إلى الخلفي والآذان إلى النفاثي. فلما قدم عليهم أبو الربيع، وجدهم مجتمعين على ما ذكرنا، وكان فيهم من الوهبية من ذكره كذلك، ثم أن أبا الربيع وجدهم في الحلقة فقعد في طرفها، وكان بجانبه رجل فأمره أبو الربيع أن يسأل عن سؤال استمسكه له. وسأل الرجل صاحب الفتيا، وهو النكاري، فلما سمع المسألة تعجب بالسؤال وتوقف في جوابه وتلعثم. فقال له أبو الربيع: أجب الرجل سؤاله، فألح السائل في السؤال، وأبو الربيع يقول: أجب الرجل سؤاله، فقال له النكاري: أجبه أنت!، فقال أبو الربيع للسائل: كيف سؤالك؟، فأعاد الرجل السؤال فأجابه وزاد فأجابه، فقدموه وجه الحلقة يسألونه، والنكاري متروك لم يسألوه بعد. وكان في الحلقة من أهل الدعوة من كره تساترهم، وتداهنهم. فسأل رجل أبا الربيع فقال له: ما تقول في النكار يا شيخ؟.
فقال: هم كفار!.
فقال له: ما تقول في الخلفية؟.
فقال: هم كفار!.
فقال له: ما تقول في النفاثية؟.
فقال: هم كفار!. /130/
__________
(1) كذا في الأصل أورده صاحب الترجمة في الهامش برسم: بريضة، وقال أنه ربما يعني روضة (ص275 هامش1). (1/130)
صفحة 129
فلما سمعوا بذلك التفتوا فيما بينهم، فقالوا: تكلموا على المجلس، فتكلموا فافترقوا. فقام بعض أصحاب أبي الخطاب إليه فأخبروه بما فعل، فقال له: كأنه عجل على القوم، فقال لهم أبو الخطاب: كلا، إنه فصل لكم دينكم على حدة. وبلغنا أنه أبا الخطاب وسيم عاتبته نفوسة في أربعة أشياء، قالوا له: إنك التزمت الأمور ليقظان وتغرم اليتامى والأرامل بالظلمة، وتستفتي نكاريا، وتقدم في الصلاة خلفيا. فلما بلغه كتابهم وعتابهم، استعبر وبكى وقال: الحمد لله الذي جعل لي إخوانا يعاتبونني على ما بلغهم عني قبل يوم القيامة. ثم إنه كتب إليهم: أما ما ذكرتموه من التزامي من الأمور ليقظان، فلم ألتزمها ليقظان، وإنما ألتزمتها احتسابا لله، وأما ما ذكرتموه من أموال اليتامى والأرامل، فإن الظلمة إذا قبلت إليهم أمرتهم أن يداروا عن أنفسهم، وأما الاستفتاء في النكار فلم أحكم إلا بما عندي، وأما تقديمي في الصلاة الخلفي فإني إذا صليت الفريضة ناديت يا فتح، فيتقدم فيصلي بالناس، ولم أمره بالتقدم والسلام. وبلغنا أن رجلا من أهل القيروان كان عنده في العلم أن من بنى مسجدا في موضع معروف، يقال له: تبازريوت، بقرب بحر جربة أنه مسلم عند الله. قال: فخرج الرجل من القيروان متجهزا لبنيانه، فلما وصل إلى ذلك الموضع، وجد أبا الخطاب قد سبقه وبنى مسجده به. وهو اليوم معروف، وحدث علي بن يحي قال: أتى رجل إلى أبي الخطاب وهو لم يكن يعرفه، فقال له: لي عليك دينار، فأعطينيه، فقال له أبو الخطاب: لا أعرفك، فمن أين لك علي دينار؟، فألح عليه الرجل في الطلب، فتأمله أبو الخطاب مليا، فقال: إن خصومتي معك لعار، فانتزع دينارا فأعطاه إياه. وبلغنا أن أبا الخطاب أتاه رجل من أغنياء بني يهراسن، وكان له أخ فقير صعلوك يقال له تينون، فسأل الشيخ أبا الخطاب إن كان يجوز أن يدفع إليه من زكاة ماله. فقال له أبو الخطاب: ائتني به فأتاه به، فاستتابه الشيخ، فقال له: تبت يا شيخ، فقال لأخيه: ادفع إليه صدقة مالك. ثم قال الشيخ لتينون: ألبسناك لباس التقوى، فإن تعريت منها فلا /131/ (1/131)
صفحة 130
يقتلك إلا الجوع، فتغير تينون بعد ذلك، فابتلاه الله بالجوع، وكان ذلك في عقبه من بعده، فاستجاب الله فيه لأبي الخطاب. ولما مات أبو الخطاب قالت امرأة معافرية من ذرية أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح رضي الله عنه، وهي تندبه وتبكيه، قالت: لما مات أبو الخطاب مات الحق وبقيتم هاهنا، يا زواغة، ببطون كالأخرجة، وعمائم كالأبرقة وأحكام متعوجة. وبلغنا أن أبا الخطاب وأبا أيوب بن كلابة الزواغي، خرجا ذات يوم في بعض حوائجهما، فأبصرا ليلة القدر، فدعى أبو الخطاب وسأل لأمر آخرته، ودعى أبو أيوب أن يرزقه الله دنيا يصيب منها الآخرة. فقال له أبو الخطاب: ماذا تفعل يا أبا أيوب؟، كنا في موقف عظيم، فتتعرض للدنيا وذكرها؟، فقال له أبو أيوب: إن لم أنل بها الجنة فلا رزقنيها الله، وكانا جميعا في بريصة. ثم إن الله تعالى بسط الرزق على أبي أيوب، فاتسعت عليه الدنيا بأوسع ما يكون. وبلغنا أنه إذا جمع عرمة في الأندر ليدرسها بريصة، رآه من بجزيرة جربة، وأنه أطلق يده في ماله بالنفقة للوارد والصادر والغائب والحاضر، فإنا نرجوا أن ينال الآخرة من دنياه، كما سأل. وبلغنا أنه نزلت به رفقة ليمتاروا، ففتح لهم مطمورة، وهو الجب من القمح فلما بردت أنزل ابنه فيها لينظر ما فعلت، فلما دخلها الغلام، قال له أبوه: ماذا فعلت المطمورة يا بني؟، فقال الغلام: حسنت يا أبت، إلا .. فقال له أبوه: وما ذلك قمحها قمح الجنة!. وبلغنا أنه قال لابنه: اخرج أي بني فخرج الغلام، فأعطى منها لأهل الرفقة لكل واحد منهم ثمني ( ... ) قمح لزادهم، وأنفق البقية من المطمورة حتى أتى على آخرها. وحدث بعض أصحابنا عنه أنه جاءته جماعة من مشائخ أهل الجبل في سنة شديدة بالمحل والقحط، وقد تمكن بالناس الجوع والهزال. فلما نظر إليهم أبو أيوب، وقد دهاهم أمر السنة، أنزلهم ومكثوا عنده شهرا يذبح لهم في كل ليلة كبشا، وكل يوم كبشا، وكان عدة ما ذبح ستين كبشا، بغير ما أنفق عليهم من الطعام. ثم إنهم سمعوا برخص الطعام في جزيرة جربة، فأرادوا أن يرسلوا ما معهم ليمتاروا منها، فأرسلوا إلى أبي أيوب أبا مسور يسجا بن يوجين /132/ (1/132)
صفحة 131
ض، ليخبر أبا أيوب مرادهم. فلما وصل أبو مسور إلى أبي أيوب أخبره بمراد الشيوخ، فقال له أبو أيوب: وجد مكتوبا على حجر في طرف البحر ثلاث كلمات: الأولى لا يركب البحر إلا ذو خطر أو جاهل مغرور، والثانية مالي، مالي، ما دام في كمي! فإذا خرج من كمي صرت مدعيا، والثالثة من يعطي ماله على القراض يعتريه منه البرسام. فرجع أبو مسور إلى المشائخ فأخبرهم بما قال أبو أيوب وكان أبو مسور إذ ذاك شابا حدث السن. فلما جاء الشيخ استفهموه واستخبروه ثانية، فقالوا له: كيف قلت لأبي مسور؟، فقال لهم أبو أيوب: الأمر ما قال لكم أبو مسور، فإنه أخذ تشقيق الكلام من بني سلاوة، وهم أخوال أبي مسور، ثم إن أبا أيوب أطلق بغال المشائخ في الأندر تأكل كما أرادت، فقال بعضهم: عجبا للشيخ أبي أيوب كيف يصنع بزكاة ماله، فلما كان وقت إخراج الزكاة، أخذ في الكيل، فصار يكتال ويخرج العاشرة والتاسعة والثامنة والسابعة والسادسة، ثم يرجع فيخرج العاشرة والتاسعة والثامنة والسابعة والسادسة، وكذلك حتى يفرغ زرعه، فتعجبوا منه. ثم إنهم امتار لهم من عشوره، وكان في تلك الجماعة رجل يسمى أبا يعقوب الدمري، ومعه ابن له فقال لهم اجعلوا للصبي حظه. فقالوا له: إن كان متوليا لك نجعل له سهمه، فقال لهم: دعوني أبيت معه الليلة، فلما أصبح قال لهم: أعطوه، فإني قد توليته الليلة، فأعطوا له سهما. وبلغنا أنه خرج ذات مرة في عدة من أصحابه، يريدون زيارة نفوسة الجبل، فبينما هم يسيرون إذ نظروا إلى رفقة أقبلت إليهم، فظنوا أنها عكسر العدو، فنزلوا عن بغالهم وهربوا إلى الجبل، فباتوا فيه. فلما جنهم الليل، قال لهم أبو أيوب: حين أيقن أنه يبقى بلا عشاء، أن عندي ألف قفيز من طعام بالقروي والجربي، وعندي ما يلوثه من الزيت أو ما يؤكل بها، وأنا أبيت بلا عشاء، وخير ما يدخر المرء التقوى. ثم إن أهل الرفقة جازوا على بغال الشيوخ، فعقلوها وأخذوها ومضوا بها. /133/ (1/133)
صفحة 132
الافتراق الخامس من الإباضية خبر الشكاس وانتحال مذهبه
ذكر عدة من أصحابنا أن الشكاس كان يكنى أبد الله، وكان أبوه رجلا صالحا. وبلغنا أن أباه توجه إلى الحج قبل مولد ابنه أبد الله، فلما كان في سفره رأى فيما يرى النائم أنه قد ولد عنده شيطان. فلما رجع إلى أهله، وكان مسكنه بقنطرارة وجد ولدا ولد عنده، فسماه أبد الله، فنشأ الغلام لما احتمل الأدب، أدخله أبوه في الكتاب، فقر وحفظ فلما اشتد وبلغ الحلم، سولت له نفسه طلب العلوم. فلما بلغ منها منيته، دعته نفسه وسولت له مسائل خالف فيهن أهل العدل، وهي سبع مسائل: الواحدة منهن: إبطال سنة رسول الله ص، وإبطال رأي المسلمين، وأن الله أغنى بكتابه أهل العقول عن غيره، فليس من رأي ولا سنة. والثانية: أن الصلاة بالجماعة بدعة، والثالثة: أن الآذان بدعة، فإذا سمع هو وأصحابه آذان الصلاة، قالوا: نهيق الحمير!، والرابعة: أن الصلاة عنده لا تجوز بشيء من القرآن، إلا بما عرف معناه وتفسيره. والخامسة: أن الأجنة نجسة بما يعتريها من سماد بني آدم. والسادسة: أن الصلاة لا تجوز بثوب فيه قمل، والسابعة: أن الأندر إذا بالت فيها الدواب، لا يطهر القمح الذي تدرسه إلا بالغسل. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه، عن أبي يعقوب يوسف بن نفاث رضي الله عنه، قال: أدركنا بقية أصحاب أبد الله الشكاس، إذا قرب وقت الصلاة خرجوا متخبين عن الناس فذهبوا لأنفسهم، فصاروا يصلون فرادى. وبهذا الإسناد أخبرنا، قال: أدركنا جماعة من المشائخ بقسطالية يصلون على موتى أهل القبلة، كلهم إلا أصحاب الشكاس، فإذا مات منهم أحد جعلوا في رجله مرابط فيجرونه إلى موضع يوارونه فيه. /134/ (1/134)
صفحة 133
وحكى أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه عن أبي يعقوب يوسف بن نفاث، عن أبي الربيع سليمان من أهل تميجار أنه قال: إن من العلماء من يقول أنهم مشركون، ومنهم من يقول أنهم منافقون يعني الشكاس، وكان مذهب الشكاس لم يجاوز قسطالية، بل لم يجاوز قنطرارة، ولم تكن لهم بقية حتى فنوا عن آخرهم. /135/ (1/135)
صفحة 134
أخبار أبي القاسم يزيد بن مخلد وأبي خزر يغلي بن زلتاف الوسيانيان أيدهما الله
كان أبو القاسم وأبو خزر الوسيانين، وأبو القاسم اسن من أبي خزر، وكان مسكنهما بالحامة، وكان الذي تعلما عنده الأصول وأخذاها هو حسنون (1) بن أيوب، وأما غير ذلك من مسائل الإعراب واللغة، وفنون العلم، فعن أبي الربيع سليمان بن زرقون النفوسي. وكان أبو القاسم ذا مال كثير، وأما أبو خزر، فلم يكن كذلك، وإنما كانت معيشته من كسب يده، وكانا في اول ابتدائهما يقران كتابا واحدا، فإذا قام أبو خزر إلى إصلاح معيشته، قرأ أبو خزر واشتغل في قراءة كتابه ودراسته. فإذا أرجع أبو خزر من طلب معاشه، قال لأبي القاسم: ارجع إلى حيث قمت عنك، فيقول له أبو القاسم: نعم، لي مرتان ولك مرة، فيرجع أبو القاسم فيعيد ما قرأ بعده. وكانت تلك حالهما حتى بلغا من العلم مبلغا عظيما فعقدا الحلقة ويأتيهما من أهل الدعوة من كانت له رغبة في العلم والأدب وسير الصالحين، ويتعلمون عندهما حتى اشتهر أمرهما وعلى ذكرهما. وكان أبو القاسم يطعمهم وينفق عليهم من ماله، وأبوه مخلد إذ ذاك حي، فقال بعض الحاضرين لأبيه مخلد: إن ابنك هذا مجنون، يعلمهم ويطعمهم، وتزوج أبو القاسم امرأة يقال لها الغاية. وبلغنا عن أبي القاسم أنه سأل عن رجل من التلامذة، فقيل له: تزوج، فقال: ليبلغني موت واحد من التلامذة أحب إلي من تزوجه، فقالت له زوجته الغاية: فلم تزوجت أنت إذا؟، فقال لها: لو علمت أين كانت مسألة ليست عندي، لشددت رحلي إلى سجلماسة، وما أخاف أن يعذبني الله إلا على الجهل. وبلغنا عن زوجته الغاية أنها سمعت من قرأ القرآن قراءة السر في الصلاة بتكييف ولم يحرك شفتيه أنه يعيد صلاته، فلما جنها الليل أقبلت على الصلاة تحتاط لصلوات سنة في ليلة واحدة، وكانت عادتها قبل ذلك الصلاة بالتكييف. وبلغنا أن أبا القاسم وأبا خزر ومن معهما من التلامذة كانوا ببعض أحياء البربر، فقصد إليهم رجل من النكار، فأظهر الرجوع عن مذهبه إلى أهل الدعوة، فمكث عندهم دهرا طويلا يتعلم ويتكيف من الشيوخ غرة وأظهر على نفسه حالة حسنة، وإنما أراد من يغدر به من المشائخ. ثم إن أبا القاسم انتبه ذات مرة من القائلة فقام منتحيا عن الحي /136/
__________
(1) كذا في الأصل وفي النص المترجم، وفي طبقات الدرجيني: سحنون. (1/136)
صفحة 135
ليتهيأ للصلاة، وقد أخذ كل واحد من التلامذة في جهته يشتغلون في وظائف الصلاة، فنظر الرجل النكاري إلى أبي القاسم منفردا عن الناس مبتعدا عن الحي، ولم يكن معه أحد، فنظر إلى رماح التلامذة مركوزة بحانب خص فتيممها وأخذ منها رمحا ولم يشعر به الشيخ فتبعه. فلما بعد الشيخ عن الحي، قصد نحوه فطعنه من خلفه، فأخذ الرمح على جانب الشيخ وخرج الرمح من ثيابه أمامه، وكان الشيخ لابسا محشوة، فأخطأ الرمح جسد الشيخ فصادف محشوته بحمد الله، فقامت على الرجل الصيحة، فابتدره الناس من كل جانب فأخذوه، فصاروا يجرونه ويسحبونه إلى المشائخ ولم يريدوا أن يحدثوا فيه حدثا إلا عن رأي المشائخ، فقال لهم رجل: امهلوني حتى أسأل المشائخ. قال: فتوجه نحوهم يريدهم، فلما كان ببعض الطريق، تربص قليلا مقدار ما يصل فيه إلى المشائخ، فرجع إليهم فقال لهم: يقول لكم المشائخ اقتلوه، ولم يرى شيخا فقتلوه. وبلغنا أن رجلا من نفوسة نظر إلى أبي القاسم راكبا على دابة عليها سرج محلاة بالذهب بزينة حسنة، فقال له: يا شيخ، ليس هذا من سيرة أهل الدعوة وأفعالهم، فبكى أبو القاسم رحمه الله فأتى النفوسي إلى الجبل وأخبرهم، وقال لهم: لقد كلمت أبا القاسم ووعظته حتى بكى، فقالوا: بجهلك كان يبكي!. وكان لأبي القاسم عشرون جملا وخلاخل يسافر بهم إلى القيروان، وكان بها مشهورا عظيم المنزلة، معروفا بالعلم والأدب والورع. وبلغنا أنه إذا دخل مدينة القيروان،، اضطربت المدينة كلها، من أجله بفنون العلم والسؤالات والمعضلات يدخرونها ليسألوه عنها، من المخالفين أو ممن أراد تعلم مذهبه فعظمت درجته فيها. وروي عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل رضي الله عنه، أن أبا القاسم رحمة الله عليه، جاز برجل من الوراقين بمدينة القيروان، يقال له أبو إبراهيم المشبه، فمر به وهو يكتب تشببه الله بخلقه، فتعجب به أبو القاسم فجرى بينهما كلام كثير حتى قال له المشبه: إذ زعمت أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا صورة، فأخبرني عمن أراد أن يبطل ربه، كيف يقول؟.
فقال له أبو القاسم رضي الله عنه: فليقل مثلما تقول!.
فانقطع الكلام بينهما. وبلغنا أن رجلا من أهل القيروان سأل أبا القاسم عن بيت من الشعر فيه لغز، كيف تنشد هذا البيت: /137/ (1/137)
صفحة 136
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... ولداته إذ ذاك في تسعال
بفتح اللام في إنشاده من ولداته. فقال له أبو القاسم: نصبه (1) ينزله، إنما هو بكسر اللام، فقال القروي لأصحابه إن أبا القاسم لعالم كبير، فمن أنشد بفتح فهو ذم، لأنه أراد السدوات ومن كسر، أراد الأتراب والأقران. وكان أبو القاسم لما بلغ من العلم عظيم الدرجة رفيع الرتبة عند سلاطين القيروان. وبلغنا أن أبا تميم بعث إلى الحامة جيشا، وكان من عادته إذا سخط على قرية، أو مدينة أن يبعث مع جنده راية حمراء، فهي أمارة السخط على تلك القرية أو المدينة، وله أيضا راية بيضاء فهي أمارة لرضاه بعد السخط. فسمع أبو القاسم رحمة الله عليه أن أبا تميم بعث إلى الحامة جندا فيهم الراية الحمراء، وهو عالم بخبر الرايتين، فخرج مبادرا إلى القيروان، حتى وصل إلى أبي تميم. فلما دخل عليه سأله أبو تميم عن حاجته، فأخبره أبو القاسم عن حاجته واستعفاه عن الحامة، فعفى عنها فأعطى له أبو تميم الراية البيضاء، فأسرع بها أبو القاسم السير كي لا يسبقه العسكر إلى الحامة، فوافى أبو القاسم العسكر كما وصل إليها. فلما رأى العسكر الراية البيضاء، تنحو عن الحامة فتركوها. وكانت منزلة أبي القاسم عظيمة، وأبو تميم هو القائل فيه: يزيد بن مخلد لم تلد العرب مثله. وذكر أبو خزر، فقال: يغلي عالم ورع، وذكر أبا نوح سعيد بن زنغيل فقال: سعيد فقي مجادل. وبلغنا أن أبا القاسم رضي الله عنه دخل ذات مرة على أبي تميم فطلبه أن يريه سيف رسول الله ص ذا الفقار، فأمكنه منه وأراه إياه. فلما أخذه أبو القاسم رضي الله عنه وهزه بين يديه، رعد أبو تميم منه، ثم قال أبو تميم بعدما رد له السيف لبعض وزرائه: لم آمن على نفسي حين أمكنت أبا القاسم من السيف، حتى دخل يدي، فتخوف من جهة أبي القاسم كثيرا، وطعن في أبي القاسم رضي الله عنه بعض وزرائه وأكثروا فيه الطعن. وذكر أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه أن أبا القاسم رضي الله عنه تحدث مع يهودي فجرى بينهما كلام في أمر أبي تميم، /138/
__________
(1) في الأصل: رفعه. (1/138)
صفحة 137
فقال له أبو القاسم رضي الله عنه: ليس بيننا وبينه إلا يسير، فنقوم عليه ونخرجه من تلك المدينة إن شاء الله، يعني مدينة القيروان. فلما افترقا قام اليهودي مبادرا، فبلغ قوله لأبي تميم وبلغ المشائخ ما قاله أبو القاسم لليهودي، فأتوه وعاتبوه على ذلك ولاموه، وقالوا له: لو كنت على ذلك، فمثلك لا يفشى سره، ولا يهتك ستره، أحسن الله عزاءنا فيك!. وكان أبو القاسم رضي الله عنه وجماعة المشائخ يخرجون أوان الربيع إلى طعائن مزاته، وكانت لهم بها قوة عظيمة، وعدتهم اثنا عشر ألف فارس، وأما الرجال فلا يعدون. وكثر الطعن في أبي القاسم رضي الله عنه عندي أبي تميم ويذكر عنه أنه يريد الخروج عنه والقيام عليه. ثم إن أبا تميم بعث إلى عامله بالحامة، يأمره بقتل أبي القاسم رضي الله عنه ويبعث إليه برأسه، فتلكأ عنه العامل، ولم يرد قتله، لمكانته عنده وعظم شأنه لديه وكان له صاحبا عظيما، فأشار العامل لأبي القاسم رضي الله عنه بالمسير إلى الحج. فقال له أبو القاسم: قد حججت بعد، فقال له العامل: أنتم الوهبية تحتسبون إعادة الحج وتأثرونه لكثرة فضله.
فقال له أبو القاسم: ليس لله علي أن أحج مرتين.
فاستبطأ أبو تميم عامله، فأرسل إليه كتابا ثانيا يأمره فيه بقتل أبي القاسم. قال: فأشار العامل إلى أبي القاسم بالخروج إلى ورجلان، فقال له أبو القاسم: لست أخرج من الدنيا وأنا حي يريد بالدنيا قسطالية، قال: فاستبطأ أبو تميم إنفاذ أمره من عامله، فكتب إليه كتابا ثالثا يأمره فيه بقتل أبي القاسم، ويقول له: إما رأس أبي القاسم، وإما رأسك!، فلما رأى العامل عزمه على ذلك وجده عليه، أيقن أنه إن لم ينفذ أمره، فهو هالك. ثم إن العامل أرسل إلى أبي القاسم فلما وصلت رسل العامل إليه، ركب دابته وتوجه نحوه، فلما دخل عليه قعد عنده، فدفع إليه الكتاب الأول الذي وجهه إليه أبو تميم والكتاب الثاني والثالث. فلما قرأ أبو القاسم الكتاب، قال له العامل: هذا الذي أقوله لك، ولست أؤثر عليك إلا نفسي. فلما سمع ذلك منه أبو القاسم، علم أن لابد من الموت، فقال له: امهلني أركع ركعتين، قال: فتركه حتى ركع وفرغ منها، نظر إلى البيت فإذا هو مملوء بالرجال، عليهم السلاح فبادروا إليه ووثبوا عليه رحمه /139/ (1/139)
صفحة 138
الله، ولم يحتمل العامل أم يراه كذلك لما بينهما من الخلة والصداقة، طلع إلى غرف فوق البيت، فأغلق على نفسه الباب. وكان في عضد أبي القاسم رضي الله عنه سكين فسله فدافعهم به، فإذا دفعهم تفرقوا عنه، فتح العامل باب الغرفة وسره ذلك، فإذا اجتمعوا عليه، أغلق على نفسه الباب، كراهة أن يراه كذلك. فكان كذلك حالهم وحاله حتى ظفروا به وقتلوه ومات شهيدا ومضى فقيدا رحمة الله عليه ورضوانه ومغفرته. فلما قتلوه وغيبوه، ابتدروا أبا محمد ويسلان فأخذوه وقالوا له: أنت صاحب أبي القاسم فحبسوه. فقال لهم أبو محمد حين أخذوه: أين صاحبته؟ في المدارج أو في عريسا؟ وهما موضعان يقعد فيهما السلابة لقطع الطرق. وكان أبو محمد شيخا فاضلا قارئا للقرآن جهير الصوت، فلما انتهوا به إلى الحبس، تفرغ إلى قراءة القرآن، فاشتكى به أهل السجن أنه يسهرهم بقراءته ويؤذيهم، فأخرجوه من السجن. وسئل بعد ذلك عن السجن، فقال: يصلح لقراءة القرآن! /140/ (1/140)
صفحة 139
[هوامش لم ترقن] (1/141)
صفحة 140
خبر وقعة باغاي وكيف كان خبرها ومنتهى أمرها
وحدث بعض أصحابنا أن أبا القاسم لما قتل رضي الله عنه، بلغ في أهل الدعوة مقتله مبلغا عظيما ولم يجدوا في أنفسهم أن يصبروا عن حقه وعن طلب دمه. وعزم رأي الشيخ أبي خزر رضي الله عنه على القيام بثأره والطلب بحقه من الأئمة المسودة هو ومن معه من المشائخ، ولكن لم يريدوا أن يحدثوا حدثا إلا عن مشورة أهل الدعوة واستمدادهم. فأرسلوا إلى ناحية طرابلس أبا نوح، سعيد بن زنغيل رضي الله عنه، فتوجه أبو نوح إلى جبل نفوسة، وكان شيخهم ومن يرجع إليه أمرهم، أبا عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس النفوسي رحمة الله عليه. فجمعهم أبو نوح واستشارهم، فقالوا له: نحن في الضعف الذي تقدم ذكره، وهو الناجم عن وقعة مانوا، ولكن كونوا على هيئتكم، فنحن معا ونؤكد بما قدرنا عليه. فرجع أبو نوح إلى جربة، فاستشارهم وكان مراد العامة منهم طلب الثأر للشيخ، إلا ما كان من أبي صالح اليهرساني رضي الله عنه، فإنه كره ذلك، وقال لأبي نوح: لا تهيجوا لأنفسكم أهل الخلاف، فإنهم أكثر منكم عددا ومددا وأقوى بدا. ولكن العامة كانت تميل إلى الثأر على ما رأى الشيخ أبو خزر ومن معه من المشائخ، ورفع أبو نوح إلى المشائخ ما سمعه وأخبرهم بما كان عند أهل طرابلس. فاتفق رأي الشيخ أبي خزر رضي الله عنه، ومن معه على أن يكاتبوا بني أمية في شأن أبي تميم، فأمروا أبا نوح أن يكتب إليهم كتابا، فكتبه فأرسلوه إلى بني أمية، فأخذ الكتاب في الطريق، فانتهى إلى أبي تميم، فوقف عليه فقرأه وفهمه، فزاده ذلك حنقا. وكان أبو محمد ويسلان ممن ذكر قيامهم وخروجهم على أبي تميم، وكان يقول لأصحابه، ليس لكم ما تقومون به في مزاته. ونظر ذات مرة إلى أبي نوح وقد أكثر النجوى في أمر القيام على أبي تميم، فقال أبو محمد: سأعلم من أين يخرج نجواك، يا أبا نوح. ثم إن أبا تميم حين سمع بخروجهم عليه والتهيء لذلك، أرسل إلى المشائخ وقال لهم: ارجعوا إلى بلادكم التي وليتموها قبل هذا العهد في تاهرت وغيرهان فتكونوا على ما كان عليه أوائلكم ونكون على ما كان عليه أوائلنا، وكان مراد الشيخ أبي خزر رضي الله عنه أن يفعلوا ذلك، ولكن العامة أبت إلا مناصبة أبي تميم وقتاله والطلب لثأر الشيخ. /142/ (1/142)
صفحة 141
ثم إن أبا خزر أرسل إلى ناحية الزاب وأربع ووارجلان أبا محمد يستفزهم ويستحشدهم. وذكر يعقوب بن أبي إسحاق، أن رسل أبي خزر رضي الله عنه وصلت إلى وارجلان ليستفزوهم فأخذوا في التهيء للخروج، وخرجوا في السلاح الشائك. ثم إن أبا خزر رضي الله عنه اجتمعت عليه جموع من مزاتة تعد باثني عشر ألف فارس، وأما الرجال فلا يعدون، وكان رجاء أبي خزر رضي الله عنه أن ينال حاجته ببعض مزاته فضلا عن غيرهم. وحدث أبو عمرو ميمون بن حمودي رضي الله عنه، قال: أدركت ألواح التلامذة الذين خرجوا إلى باغاي بمسجد المنية، وكانت جماعة التلامذة الذين يتعلمون العلم ويتعلمون الفراسة، بفحص مسجد أبي خزر رضي الله عنه، ثم إن الشيخ أبا خزر رضي الله عنه، عقدوا له الولاية على الدفاع والطلب بحق الشيخ رضي الله عنه، فإن أدركوا حاجتهم عقدوا له ولاية الظهور، فزحف الشيخ أبو خزر رضي الله عنه ولم ينتظر إمدادهم. فلما وصلت عساكره إلى باغاي، حاصر أهلها بأشد الحصار، ثم اضطرهم إلى القصر القديم. فلما اشتد عليهم الحصار، رجعوا إلى الأموال فصاروا ينتهبون ما في القصر القديم ويوزعونها في العسكر فيرشون بها من يطمعون فيه نفعهم، وبلغنا أن أهل باغاي جاعلوا ناسا من مزاته يقال لهم بنو يليان على أن يجعلوا في أنفسهم الهزيمة، فكان بينهم وبين بدنة (1) ضغائنودحول وثارات. فلما التحم القتال، تنحت بنو يليان وانحازوا إلى ناحية وألقوا في مسامع العسكر أن بني بدنة تخلفت لهم لتستولي على أموالهم وأنعامهم ومواشيهم وأحيائهم، وجعلوا في أنفسهم الهزيمة وانهزم العسكر. وكان الشيخ أبو خزر والشيخ أبو نوح وجماعة التلامذة، في ساقة العسكر ووقع عبء القتال عليهم، وكان أبو نوح على فرس أدهم فاضطروه إلى الخندق وألجؤوه إليه، فرمى بفرسه في الخندق وعاد فيهم حتى حتى نفس على كثير من العسكر الهزيمة. وبلغنا أن شيخا منهم من بني عبود يقال له عبود من بني كريز، وعليه الحلقة، ركب فرسا له وقد قال له بعض تلاميذه قبل ذلك: يا شيخ، إنك على فرس، ونحن نخاف إذا كان شيء مما نكره أن تتنحى عنا وتمضي بفرسك وتفر عنا، فأنت راكب ونحن رجالة. قال لهم عبود: لا أفر عنكم إن شاء الله، فلما انهزم الناس كشر عبود /143/
__________
(1) في الأصل وفي طبقات الدرجيني، وقد قرأ المترجم غلطا: مديونة، مع أن مناطق مديونة في الغرب، بين تلمسان ووجدة، وحيل عمورة جنوبا. (1/143)
صفحة 142
وشكل فرسه للقوم ليفي لتلاميذه بوعده وكثر معه تلاميذه، فما برحوا حتى استشهد واستشهدوا معه. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه عن أبي زكرياء بن أبي زكرياء رضي الله عنه، أنه قال: ماتا في تلك الوقعة من التلاميذ عشرات: لم يفقهم أبو نحو سعيد بن زنغيل إلا بعلم اللغة، فافترق العسكر وكان الطلب على الشيخ أبي خزر. وحدث يحي بن أبي يحي عن أبي عبد الله محمد ابن الخير رضي الله عنه، عن أبي وانودين أن أبا محمد جمالا، لما استنفر أهل الزاب وأريغ وورجلان، خرجوا في جموع عظيمة، فخرج خزرون بن فلفول فلما وصل خزرون ومن معه إلى الموضع الذي يقال له افودان (1) تطلا وكان بينه وبين باغاي (2) مسافة قصيرة فيما قيل والله أعلم، سمع بخبر الهزيمة فرجع، وإن أبا محمد توجه بعسكره إلى الشيخ أبي خزر رضي الله عنه فتلقى كتاب الشيخ أبي خزر رضي الله عنه ببعض الطريق، فدفعه له رجل ففكه وقرأه، ووجد فيه خبر الهزيمة، ففاضت عيناه دموعا، فأمر الناس أن يرجعوا إلى منازلهم ومواطنهم، وأخبرهم خبر الشيخ أبي خزرون ض. وبلغنا أن أبا خزر قال: عقيب الهزيمة، كنا عجلنا بالتلامذة فاستهلكناهم. وبلغنا أنه رأى ثلاثة رجال رؤيا في ليلة واحدة أن يسموا هذه الوقعة وقعة الشهداء. ثم إن أبا خزر رضي الله عنه لما انهزم العسكر، تنحى وهرب إلى جبل يقال له تلتماجرت ومعه رجل يقال له أبو محمد يوجين، فاستخفى الشيخ رضي الله عنه أربعين صباحا حتى انقطع عنه الخبر وعيى عنه الأثر، وليس له طعام إلا الوبر يصطاده أبو محمد. ثم توجه نحو جبل نفوسة، وأما أبو نوح رضي الله عنه فتخنس ولبس عباءة وصار يرعى إبلا. فلما بلغ أمر الهزيمة أبا تميم خرج بعسكره مجدا في طلب الشيوخ من القيروان، وفرق رسله في البلاد تفتش وراء الشيوخ حتى صادفت رسله أبا نوح يرعى إبلا لابسا عباءة متنكرا في زي راع. فلما نظروا إليه عرفوه، فقالوا له: ليس مثلك يرعى الإبل، فقيدوه في الحديد، ومضوا به إلى أبي تميم في قيده، فتلقوه في بعض الطريق، فألبسوه لباس الزنار وخلعوا عليه الخلق والأطمار، وحملوه على جمل، وكانوا يطوفون به في كل مكان مروا به وينادون به عليه: هذا الذي سعى في فساد دين الله، سعى فيه زمانا، ونحن عقود، سعى فيه بجبل /144/
__________
(1) كذا في الأصل، وقد أورد المترجم رسمه العربي: افودان لكلا.
(2) وردت الكلمة في الأصل محرفة: مغيلة. (1/144)
صفحة 143
نفوسة واستمد الإمداد ووعد بالأصفاد. ثم يقول المنادي بعد ذلك: وهذا كله، فيما قال ابن ورمجوج. وكان حسن بن ورمجوج رجلا نفوسيا، من نفوسة قنطرارة. وكانت أم أبي نوح رضي الله عنه، قد تتبعته حين يطوفون به، فإذا نظروا إليها أعجبتهم ويقولون: لا يلد السبع إلا اللبؤة، فلما كان آخر النهار، نزل أهل العسكر فأنزلوه عن الجمل ووكلوا عليه صاحب السجن. قال: قال أبو نوح: فلما نزلت، وقد قرب غياب الشمس ابتدرت فتيممت لأصلي، قبل أن يقتلوني فنظر إلي السجان، وقال لي: يا سعيد، ادخل الخباء واسترح وأزل البرد عن نفسك، فعند ذلك تصلي. قال أبو نوح: فلما قال لي ذلك اطمأنت نفسي ورجوت الحياة. قال أبو نوح: وكان يأتيني رجل منهم فيقول: تركت رجال مولانا يتحدثون فيك ويأكلون لحمك مضغة مضغة. قال أبو نوح: فأقول مولنا خير كله، فيبلغ ذلك أبا تميم عني، فيعطفه علي، فلما عفى عني أبو تميم وقربني، وكان الرجل يأتيني ويقول: يا حبيبي، يا حبيبي. فقلت له يوما من الأيام: فهل ترى حبيبا يأكل لحم حبيبه مضغة مضغة؟.
فقال لي: نحن رجال مولانا فمن أحبه أحببناه، ومن كرهه كرهناه.
قال أبو نوح: ثم إن أبا تميم جمع أصحابه وتأملوا الكتاب الذي كتبته إلى بني أمية في شأنهم، وقد ذكر لهم أني كاتب الشيخ أبي خزر رضي الله عنه ومولى سره، فأرادوا استخراج خطي ليقيسوه إلى الكتاب المبعوث إلى بني أمية. فقال لهم يهودي: أنا أستخرج لكم خطه. قال أبو نوح: فبينما أنا في أيديهم إذ أتاني يهودي ببطاقة ومحبرة وقلم، فقال لي: أكتب إلى مولانا واطلب أن يعفوا عنك واعتذر على نفسك واحتج لها، فإن مولانا كثير العفو، فوضع البطاقة وكل ما معه وجلس ساعة، ثم خرج فأخذت البطاقة والقلم وكتبت: بسم الله الرحمن الرحيم، سطرا واحدا في أولها، فألهمني الله، وذكرنناي أمر البطاقة التي كتبت إلى بني أمية، فخفت أن يكونوا أخذوها وأرادوا استخراج خطي، قال: فقصصت ذلك السطر الأول الذي كتبته واستعملت كتابة خلاف الكتابة الأولى. فلما كان بعد قليل، دخل إلي اليهودي فأعطيت له الكتاب وحمله فرحا مستبشرا وظن أنه أدرك حاجته. فلما وصل الكتاب إلى أبي تميم، جمع على نفسه الكتاب والوراقين، فدفع إليهم كتاب أبي نوح، فقاسوه إلى الأول، فوجدوا حروفه /145/ (1/145)
صفحة 144
كلها مخالفة لحروف الكتاب الأول، فاتفقوا كلهم على أن الكتاب الأول ليس من خط أبي نوح، إلا رجلا واحدا كان أحذقهم (1) في الخط، فقال: إن الرجل الذي كتب الكتابين واحد، ولكنه بدل الخط في الثاني. فقالوا له: لو كان ما قلت صحيحا، لوجدنا حرفا واحدا قد اشتبه ولا يقدر على تبديل جميع الحروف، وإنما يقدر الكاتب على تبديل سطر واحد أو سطرين، أما البطاقة كلها فلا. ثم إن أبا تميم بعث إلى أبي نوح فجاءه في قيوده وزنانيره، فلما وصل إلى أبي تميم، وجده في قبة حمراء على سرير قوائمه من عظام الفيل، أحمر وعليه ثياب حمراء وعلى رأسه شاشية حمراء، وحول قبته رجال بأيديهم الحراب، فلما نظر الشيخ أبو نوح إلى أمتعة أبي تميم كلها، وقد احمرت، هاله ذلك وكاد يتيقن بالموت، فدخل عليه وسلم، وأطرق أبو تميم برأسه مليا ثم رفعه، فقال: يا سعيد، أحقا كاتبتم فينا بني أمية؟.
قال أبو نوح: فقلت له يا سيدي، إن كان لا ترفع لي حجة ويقبل لي عذر، فمولانا فاعل ما أراد.
قال أبو تميم: بل ترفع لك حجة ويقبل لك عذر، فاحتج على نفسك واعتذر.
وكان أبو نوح فصيح اللسان، كثير البيان، فقال: كيف نكاتب بني أمية وقد علمت ما بيننا وبينهم، يوم الدار ويوم الجمل، ويوم صفين، وهم الشجرة الملعونة التي ذكرها الله في القرآن؟. فلما سمع أبو تميم ذلك منه سره وتبسم، وانطلق وجهه وسره ما ذكر في بني أمية. قال: قال نوح، فدفع إلي الكتاب، فقال لي: أنت الذي كتبت هذا الكتاب؟. فحلفت له وقلت: والله ما هذا كتاب كتبته بيدي، واختلف من يمينه، فطائفة قالوا: لم يحلف ولكنه جعل الميم زائدة، وقال بعضهم: أنه من البربر لا يفطن لذلك ولا يفهمه، قال أبو تميم: نعم، ما هذا بخطك؟ إلا أن غيرته، يا سعيد، أرأيت لو صادفتني يوما باغاي، أكنت تتركني إلى غيرك؟. فقال له أبو نوح: لا أتركك إلى غيري، فقال لي: هذا هو أجمل ما قد أقررت به!، فعلم أبو نوح أنه قد صدقه في كل ما قال له. ثم قال أبو تميم: يا سعيد، إن القيود التي برجلك إنما دخلت فيهما بالعلم ولا ينزعان إلا بالعلم. فقال أبو نوح: عسى الله أن يجعل ذلك كفارة لذنوبي، قال: فغضب أبو تميم عند ذلك، وقال: فنحن إذا لك مسيئون! عسى الله أن يجعله لك متصلا بعذاب الآخرة. /146/
__________
(1) في الأصل: أحرى. (1/146)
صفحة 145
قال أبو نوح: فلما عرفت الغضب في وجهه، قلت: ليس في ذلك ما يثبت الإساءة لمولانا، ألا ترى أن الله جل ثناؤه يبتلي عبده المؤمن فيصبر، فيؤجر، وليس في ذلك ما يثبت لله الإساءة. قال أبو نوح: فرأيت فيه الانطلاق، وشفع في بلجين ابن زيري بن مناد بن منكوس الصنهاجي، وكلمه أن يحل وثاقي ويعفو عني. فلما أجابه إلى ذلك، خرج أبو نوح، وأرسل له أبو تميم ثيابا نفيسة، وأمر أن ينزع عنه التي عليه والأطمار. فلما وصلته رسله نزعوا ما عليه وحلوا وثاقه ونحوا عليه الأطمار والزنانير وأرادوا أخذها، فأبى عليهم أبو نوح، فقال لهم: متاع مولانا كله حسن، فبلغه أبو تميم ذلك عني فزاد في تكريمي. قال، قال أبو نوح: وكان يرسل إلي مرة فمرة، ثم إنه أرسل إلي ذات مرة فأتيته، فدخلت عليه وسلمت، فوقفت بين يديه، فسألني عن أبي خزر رضي الله عنه وقال: أين صاحبك، يغلي، فقلت له: لا أدري. فقال لي: لو كان صاحبك بغانة لجلبته دراهمنا، قال: فقال لي: أتخشى أمره؟، فقلت: إن كان السلطان أعطى الأمان للناس في بلادهم، فلا نخشى أمره، فإن لم يعطهم الأمان فإنه يخشى أمره، فرآني نصحته فبعث في أقاليم الوهبية كلها بالأمان ولا يهيج أحد منهم. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه عن أبي يعقوب بن يوسف بن النفاث رضي الله عنه أنه قال: إن أهل الدعوة في أمانه إلى يومنا هذا، وحدث إبراهيم بن إبراهيم أن أبا نوح رضي الله عنه دخل ذات مرة على أبي تميم، فأمر أبو تميم خازن بيوت أمواله أن يملأ كم الشيخ مالا، دراهم ودنانير. قال أبو نوح: فدخلت مع الخازن إلى بيت المال، فكان يدفع لي وأرخي كمي، فلا يكاد يمتليء كمي، فيقول الخازن لي: ألم يمتليء كمك؟، فقلت: لم يمتليء ولكنه امتلأ حتى كدت لا أنهض به، ثم قلت له: إن كمي قد امتلأ. قال: فخرج أبو نوح ودخل الخازن إلى أبي تميم، وقد امتثل ما أمره به لأبي نوح، فقال له أبو تميم: املأت كم أبي نوح سعيد!، فقال له الخازن: نعم. قال: فأمر أبو تميم رجلا أن يخرج إلى باب القصر لينظر ما يفعل أبو نوح بالأموال. فلما خرج أبو نوح إلى باب القصر، وجد الناس أفواجا، فصار يدخل يده في كمه فيملأها ويعطي يمينا وشمالا، حتى لم يبق في كمه إلا مقدار مقبض اليد، فرجع الرسول إلى أبي تميم، فأخبره خبر أبي نوح، فقال: إن /147/ (1/147)
صفحة 146
الشيخ لمجنون، يريد أبا نوح، يدخل يده في كمه، فيعطي المال جزافا. فقال له أبو تميم: كلا!، ما هو بذلك، ولكنه منتحل للرئاسة، فكان أبو تميم يجمع بين يديه علماء الفرق ويتكلمون بين يديه وقوفا ويتناظرون، فيحكم بينهم، فحسنت أحوال الشيخ أبي نوح رضي الله عنه لعلمه وفصاحته وبراعته وبلاغته وعلمه بفنون الرد على المخالفين، ولذلك قال فيه أبو تميم: سعيد فتى مجادل. /148/ (1/148)
صفحة 147
مناظرات أبي نوح رضي الله عنه بين يدي أبي تميم
وبلغنا أن أبا تميم كان يرسل إلى أبي نوح رضي الله عنه، يناظر بين يديه المخالفين، وبلغنا أنه أرسل إليه ذات مرة، فقال له: يا سعيد، سل ما بدا لك من السؤال. قال أبو نوح: فبدأت، فقلت: ما الدليل على أن لهذه الصنعة صانعا؟.
قال: فلبث جلساؤه حينا ساكتين، ثم أخذوا في الجواب، فقالوا أقاويل كثيرة، فما وافقوا فيها بجواب قاطع.
فقال لهم أبو تميم: أجيبوا ابن زنغيل من حيث يفهم، وذلك لأنه لم يرض بأجوبتهم.
قال أبو نوح: فرأيت في وجه أبي تميم إرادة الجواب وما أراد أن يجيب، ولم أسأله من كثرة أدبه وحسن سيرته، فقلت: إن رأى مولانا أن يتفضل على رعيته بالجواب، فليفعل، فرأيت في وجهه تبسما وانطلاقا، فقال: يا سعيد يقال لهذا السائل: اشرح سؤالك لكي تستحق جوابا، وفي شرح سؤاله جواب لقوله، وقوله: صنعة دليل على صانع.
قال أبو نوح رضي الله عنه: فأخبرت بهذا الجواب شيخنا أبا خزر رضي الله عنه، فتعجب به وقال: هذا جواب قاطع. وذلك أيضا أنه أرسل إليه أبو تميم ذات مرة، قال: قال له أبو نوح، فقدمت عليه فوجدته ورجل من المعتزلة واقف بين يديه، فأخذ في مسألة الأسماء، فنصت إليه وفرغت ذهني إلى كلامه حتى عثر عثرة نجا منها، بحمد الله، فقال: إن أسماء الله تعالى متغايرة كزيد وعمرو. فأقبلت الله بالكلام، فقلت له: إلى من كلامك إلي أو إلى مولانا؟.
فقال له السلطان: كلامك إليه، فقلت له: أليس قد قلت زيد غير عمرو؟.
قال: بلى.
قال: فقلت له: أليس لهما مغير غيرهما، فجعل زيدا غير عمرو.
فقال لي: نعم!.
فقلت له: وكذلك الله والرحمن، هذا غير هذا، ولهما مغير غيرهما، فجعل أحدهما غير الآخر.
قال: فقطع السلطان جوابه، فقال: هذا هو الكفر بعينه فخرجنا.
ثم إن أبا تميم أطال البحث عن أبي خزر رضي الله عنه حتى علم أنه بجبل نفوسة، فأرسل أبو تميم إليه بالأمان، وكان قبل يكاتب نفوسة في أمره، ويراسلهم في شأنه. فلما سمع أبو خزر رضي الله عنه بالأمان، خرج من جبل نفوسة متوجها إلى أبي تميم بالقيروان، وكان القائم على شأن أبي خزر رضي الله /149/ (1/149)
صفحة 148
عنه والحافظ له أبو زكرياء بن أبي عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس، وأبو زكرياء إذ ذاك حين خدمته لأبي خزر رضي الله عنه ( ... ). وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا نوح قال: أرسل إلي أبو تميم، وقال لي: سر إلى صاحبك فإنه قد وصل إلى قابس وما كنت قبل شعرت بموضعه حتى قال لي: سر إليه. قال أبو نوح: فطلبت إليه أن يرسل معي ناسا من مزاته، فأرسل معي ثمانين فارسا. فلما خرجنا عن السلطان، طعن فينا بعض جلساء السلطان، وقالوا للسلطان: إن أبا نوح حين أصاب ثمانين فارسا، يستطيع أن يمنع بهم أبا خزر إن أراد ذلك. قال أبو نوح: فأرسل وراءنا ورجعنا، واسترد كل ما كان معي إلا القليل. ثم إن أبا نوح مضى متوجها إلى أبي خزر رضي الله عنه بقابس. فلما وصل إلى المدينة وجد بها الشيخ أبي خزر رضي الله عنه، فالتقيا وتصافحا، وهما يبكيان، قال له أبو نوح: ما الذي جاء بك يا شيخ؟، أما تخاف على نفسك؟. فقال أبو خزر رضي الله عنه: ما بين قدومي وقدومك إلا يسير، وقد علمت أن أبا تميم لا ينقض العهد ولا ينكث الميثاق، فجئت حين أعطاني الأمان، فسارا ومن معهما إلى القيروان إلى أبي تميم. فلما دخل عليه الشيخ أبو خزر رضي الله عنه رحب به وأكرمه وتلطف به وعظم شأنه عنده، وجعل له قدرا وجاها ومنزلة عظيمة، وكان يقعد معه على سريره، وغيره من الناس وقوف بين يديه لا يصيبون القعود. ثم إن أبا تميم وافته رسله من مصر، وقد أخذها له عامله وأراد التوجه إليها بأهله وعياله وبيوت أمواله، وكانت مهمته أن يسير بالشيخين لخوفه من ثورتهما وخلافهما له ولم يرد أن يفارقهما، وكلمهما في المسير معه إلى مصر، فقال له الشيخ أبو خزر رضي الله عنه وكيف بالقعود بعدك؟. وأما أبو نوح فكره المسير معه. وكان عند أبي تميم يهودي، وكان يعرف فضل أبي نوح وتعظيم قدره ويجري في مراده، فأعلمه أبو نوح أنه كره المسير إلى مصر. فقال له اليهودي: خذ نخالة الشعير، فانقعها في الماء حتى الصباح، واشرب من مائها واغسل وجهك منها، ففعل أبو نوح ذلك، فاصفر وجهه، /150/ (1/150)
صفحة 149
فتفقده أبو تميم وسأل عنه وقيل له أنه مريض، وجيء به فرآه مصفر الوجه، فظن أنه مريض، ورجع أبو نوح وراءه، ومكث قليلا ولم يرسل إليه أبو تميم، فتوجه نحو ورجلان، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله، بعد فراغنا من أحاديث أبي خزر ض. وبلغنا أن أبا تميم لما خرج من القيروان متوجها إلى مصر وعزم على المسير مع أبي خزر رضي الله عنه وغفر له وللمسلمين جميعا، أمين يا رب العالمين، أبو خزر يقول:
عليكم سلام الله إني مسافر ... وما أدري بعد السفر إن كنت راجع
عليكم سلام الله في كل ساعة ... سلام كثير دائم متتابع
وإني إذا ما هجت ليلا بذكركم ... أبيت حزينا والنجوم طوالع
أحب لقا الإخوان في كل ساعة ... فإن لقا الإخوان فيه نوافع
فيا رب فاجمع بيننا بسلامة ... فإنك أنت للمشتت جامع
وإلا فصبرني على طول غربتي ... فأنت لمن يدعوك يا رب سامع
أجب دعوتي يا ذا الجلال فإنني ... دعوتك مضطرا إليك وطامع
ألا ليث شعري عن غزال تركته ... إذا ما أتاه مصرعي كيف يصنع
أيلبس أثواب السواد مجددا ... على مالك للبعل أم فيه مطمع
ثم إن أبا تميم استخلف على أهل مملكته من أهل افريقيا بلجين بن زيري بن مناد بن منكوس الصنهاجي، وأوصاه بوصاياه وقال له: اشفني من أولاد المجوس، زناتة ومزاته، وقال له: إني تركت لك في افريقيا مائة ألف منزل، فاجعل على كل منزل فارسا تكتفي به لمحاربته، فسار أبو تميم متوجها إلى مصر، ومعه الشيخ أبو خزر ض. فلما وصل الضيخ إلى لماية، أحسنوا القيام به وعظموا درجته وقاموا بحوائجه وساءهم مسيره مع المسودة، فعند ذلك قال أبو خزر: لماية أهل الدعوة. /151/ (1/151)
صفحة 150
وبلغنا أن أبا زكرياء فيصل بن أبي مسور رضي الله عنه عنهما، خرج من جربة حين سمع بمسير الشيخ وتلقاه ببعض الطريق وسأله عن ثلاث مسائل. وكان أبو زكرياء يحدث بذلك ويقول: سألته فلم يجبني فيها إلا بما أحب. ثم توجه أبو تميم بأهله وعياله وأهل مملكته وبيوت أمواله، يريد مصر، وكان أصحاب أبي تميم يطعنون في أبي خزر رضي الله عنه، عند أبي تميم لما رأوا من تعظيمه إياه وتفضيله عليهم. وبلغنا أنه سار ذات مرة في مركب من مراكبه، ومعه أبو خزر، فتعرض له زرع، فشقه أبو تميم وأصحابه، وعدل عنه أبو خزر رضي الله عنه، ناحية فتكلم أصحاب أبي تميم إلى أبي تميم في ذلك، وقالوا له: عدل من طريقك ولم يرض باتباعك! فغضب عليه أبو تميم، وقال له: لست ترضى بطريقنا يا أبى يغلي؟. فقال له أبو خزر رضي الله عنه: ألم تعلم أن رسول الله ص قال: «إذا غابت الثريا فلا يدخل الزرع إلا ساقيه، أو واقيه، أو ناقيه»، فأنا لست بساقيه ولا واقية ولا ناقية، وأما أنت فواقيه.
قال: فتعجب أبو تميم من بديهته وعلمه، وعجبته فراسته وحسن جوابه. قال أبو تميم لأصحابه: ألم أقل لكم إنكم لا تقدرون ليغلى على شيء، فأعذر إليهم ألا يتكلموا فيه عنده بعد ذلك. ثم إن أبا تميم وصل إلى مصر وتسامعت علماء مصر وفقهاؤها بأمر أبي خزر رضي الله عنه، وبلغهم أن أبا تميم أتاهم بعالم من أرض المغرب، فأرادوا امتحانه ومعرفة مبلغ علمه، ولكن تخوفوا من معارضته، واتفقوا أن يصنعوا طعاما ويدعوا إليه أبا خزر ض. فإذا حضر الطعام أخذوا في الأكل، فمن أكل قليلا رفع يده، فإن رفع الشيخ يده معهم قبل أن يقضي حاجته، علموا أنهم يظفرون به، وإن لم يشتغل بهم وأخذ في الأكل حتى يقضي حاجته، علموا أنهم لا يقدرون على شيء. ثم إنهم أحضروا الطعام وأحضروا الشيخ أبا خزر رضي الله عنه، وأخذوا في الأكل، فمن أكل قليلا رفع يده، فتأخر الشيخ رضي الله عنه، بعدهم حتى قضى حاجته، فمسح يده، فقالوا: يس لنا طاقة بالشيخ، وعلموا أنهم لا يقدرون على شيء فتركوا معارضته. وبلغنا أن رجلا من أهل تجديت، يقال له أبو سليمان اصطحب مع الشيخ أبي خزر رضي الله عنه إلى مصر، وكان يحدث ويقول: اصطحبت مع الشيخ أبي خزر رضي الله عنه، ولم نحمل عنه إلا مسألة واحدة، وهي: /152/ (1/152)
صفحة 151
إن المسلم من بني آدم أفضل عند الله من الملائكة. ثم إن أبا تميم اقتطع أبا خزر رضي الله عنه دارا وعقارا وحسنت أحوال الشيخ عنده. وبلغنا أن أبا خزر رضي الله عنه قال: وما همني إلا ما مضيت به لأهل الدعوة من مسائل بالرخص، ولكن من عمل بهذه الآية فأنا ضمان له الجنة، قول الله: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}. وبلغنا عنه أنه قال: لو أصبت من فتيان أهل الدعوة عشرين فتى يتعلمون، لكفيتهم مؤنة العيش من المأكل والملبس حتى الكراء الذي يكرون به، فينالون من العلم مرادهم. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف عن أبي عبد الله محمد بن بكر، عن أبي نوح سعيد بن زنغيل رضي الله عنه، أنه قال: وقد ذكر أبا خزر رضي الله عنه، فقال: ما أروعه! ما يسمع بشيء من الفضائل قط إلا علمه، وكانت عادته إذا صلى بالناس صلاة الصبح، يستفتح بالقرآن ويتنحى ناحية فيقبل على الدعاء والتضرع إلى الله تعالى حتى تطلع الشمس، وكان جامعا لخصال الخير والعلم والحلم والفراسة. وبلغنا عنه حين كان بأرض المغرب أن بني يكون وبني واسين التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا حتى بلغت الهزيمة إلى حي بني واسين، وأبو خزر على فرس له واقفا، ثم إنه نظر إلى الغاية، زوج أبي القاسم رضي الله عنه، وقد أدركتها السلابة وأخذوا في نزع ثيابها، فرمى بفرسه فيهم وهزمهم وحده، وقتل منهم عدة وانهزموا وأتبعهم بنو واسين. فلما كان بالغد أتاهم أبو خزر رضي الله عنه ليصلح بينهم وبين إخوتهم، فلم يزل حتى أصلح ما بينهم، فلم يكترث بما فعل بهم بالأمس. وبلغنا عنه أنه نظر إلى هيئة تلميذ قد أمسك لوحا، فخاله من أهل الدعوة فتبعه ووجده نكاريا فرجع عنه. ثم إن جماعة من التلامذة جازت عليه، فقال لهم: إنا لنقنع في غيركم بسببكم لأنهم قالوا: من غيب وجهه عن أخيه المسلم فهو هالك. وبلغنا عنه أنه أعطى بطاقة لأبي نوح سعيد بن زنغيل رضي الله عنه، يكتبها إلى بعض أمراء المسودة، وكان الشيخ يملي عليه ويدعو للأمير بالدعاء الحسن الذي لا يستحقه إلا المسلم والإمام العدل، فقال له /153/ (1/153)
صفحة 152
أبو نوح رضي الله عنه أتفعل هذا يا شيخ للرجل الكافر؟.
فقال له الشيخ: إنا كنا معهم كونا لو قلنا لهم لكم الدنيا والآخرة، لوسعنا ذلك. وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا تميم لما مات ولي من بعده ابنه وصلت الضيعة إلى الشيخ أبي خزر رضي الله عنه، حتى قدم رجل من المعتزلة مصر من بلاد المشرق يطلب المعارضة والمناظرة في الفرق، فكل من خرج إليه من علماء مصر ليناظره غلبه المعتزلي، فشق ذلك على أهل مصر وشكوا ذلك إلى السلطان، فجمع أصحابه ووزراءه وأهل مشورته، فاستشارهم في أمر المعتزلي، فقال له بعض من أدرك أباه أبا تميم، إن هناك شيخا جاء به أبوك من أرض المغرب يكرمه ويصفه بالعلم ويعظم منزلته ويرفع درجته، ولا تظن أحدا يقدر على المعتزلي إلا هو، يقال له يغلى، فلو بعثت إليه ليخرج إليه فيناظره. قال: فبعث السلطان في طلب أبي خزر رضي الله عنه، ليخرج إلى المعتزلي فلما وصل الرسول إلى أبي خزر رضي الله عنه، أخبره بأمر السلطان فقال أبو خزر: ليس لي لباس أحضر به المجالس، ولم يكن معي ما أركبه. فرجع الرسول إلى السلطان، فأخبره بقول الشيخ فبعث إليه السلطان بغلة يركبها ولباسا يلبسه. فلما وصلت البلغة واللباس إلى الشيخ لبس الثياب وركب البغلة. وخرج المعتزلي، فلما وصل إليه وجده في قبة قد نصبها في الفسطاط للمناظرة، فاستأذن عليه الشيخ، فأذن له، فدخل وسلم وسأله أبو خزر عن أحواله وفيما يمشي فيه؟، فقال المعتزلي: في المناظرة. ثم إنهما تناظرا فكل باب من أبواب العلوم ناظره فيه أبو خزر رضي الله عنه، غلبه فيه، فتعجب المعتزلي فقال لأبي خزر: أين تعلمت؟. فقال له أبو خزر: في بلاد الشيح والحلفاء، فقال له المعتزلي: كذبت، حاشى لبلاد الشيح أن يتعلم فيها مثلك. وروي عن أبي سليمان المذكور الذي اصطحب الشيخ إلى مصر، أنه قال: الحمد لله ما دخلت معه بابا من أبواب العلوم إلا غلبته فيه، وقد يعلم الإنسان غالبه. ونظر أبو سليمان أيضا إلى الشيخ أبي خزر رضي الله عنه يقرأ مصحفا، فقال له: يا شيخ أراك تقرأ في المصحف والكتب حاضرة، فقال له الشيخ: إنما ينظر في الكتب ويقرأ فيها من يستفيد منها، وأما من لا يستفيد منها، فأفضل له قراءة المصحف. وبلغنا أن أبا خزر رضي الله عنه صلى بالناس، فوقع الصرد على /154/ (1/154)
صفحة 153
رأسه من طول سكونه ووقاره في الصلاة، فأحس به من كان خلفه من الناس فضحكوا، فانتقضت عليهم الصلاة، ومضى هو في صلاته حتى أتمها. وكان الشيخ أبو القاسم، هو الذي يتقدم للناس في الصلاة، فلما كان ذات يوم أقيمت الصلاة، فقدوا الشيخ أبا القاسم، فتقدم أبو خزر. فلما تقدم أحس بأبي القاسم قد جاء، فتأخر وراءه، وقال له: تقدم يا شيخ، فتقدم الشيخ أبو القاسم رضي الله عنه فصلى الناس. وأما أبو الربيع سعيد بن زنغيل رضي الله عنه، فلما هرب من أبي تميم، توجه نحو وارجلان هاربا بظعائنه وأهله مستخفيا. فلما وصل إلى البركات التي يقال لها تيرسين، أرسل إلى الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان، فرد إليه الرسول، وقال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين. فلما انتهى أبو نوح رضي الله عنه إلى وارجلان، أكرمه أهله وحفظوه وعظموا درجته وأحسنوا القيام به، فملأ له الشيخ صالح جنون رضي الله عنه بيتا إلى السقف بالتمر، وأجرى عليه مائدة بكرة وأخرى عشية. وبلغنا أنه قعد معه ذات يوم وقال له أبو صالح رضي الله عنه: اجعل يدك في جيبي، فإن أصبت شيئا فخذه واغسل به ثيابك. فجعل أبو نوح رضي الله عنه يده في جيبه فوجد فيه صرة وفكها، فوجد فيها سبعين دينارا. فعند ذلك قال أبو نوح، من كان له أخ مثل جنون ابن يمريان لا يعدم شيئا. وكانت جموع أهل وارجلان تجتمع إليه في مسجد جنون بن يمريان، فسأله ذات مرة رجل من أغنيائهم، فقال له: أخبرنا يا أبا نوح بكل ما علمت من علوم الكلام الليلة. فقال له أبو نوح: فكيف أخبركم بما أكلت في تعلمه أقفزة ملح في ليلة واحدة. فمكث أبو نوح في ورجلان زمنا حسن الحال، ثم أراد الرجوع إلى بلاده وأخذ في أهبة السفر، فقال الشيخ أبو صالح جنون، اقعد في وارجلان وأقاسمك جميع ما ملكت، وكان الشيخ جنون ذا مال كثير في ورجلان، فأبى عليه أبو نوح. قال: فتوجه إلى افريقيا، فلما وصلها وجد البلاد قد تغيرت والصدور قد تنكرت. وقال له بعض أصحابه قبل ذلك، ما الذي ردك يا شيخ وأخرجك من وارجلان، وقد أحسنوا القيام بأمورك وقاموا بحوائجك؟، فقال له أبو نوح: /155/ (1/155)
صفحة 154
الإخوان والأصحاب، وكان أبو نوح رضي الله عنه تارة بافريقيا، وتارة بقسطالية. وبلغنا أن مقدم بني درجين حنين بن ويحبتين (1) ممن يغدون إلى المنصور بن بلجين بن زيري، وكان عنده بمكان مكين، فتوجه إليه ذات مرة، فلما رجع من عنده وقد حباه وأكرمه وأعطاه، والشيخ أبو نوح رضي الله عنه وتلاميذه بقنطرارة، فسمع أبو نوح رضي الله عنه برجوعه من عند السلطان، وخرج إليه أبو نوح بمن معه ومن تبعه من أهل المنزل ليتلقاه. فلما انفصلوا عن المدينة، نظروا إلى جماعة سبقتهم، فإذا هم جماعة النكار. فلما رآهم أبو نوح رضي الله عنه قد سبقوه وأصحابه أمرهم بالقعود، وقال لهم دعوه، فإن سلم عليهم حنين وصافحهم قبلنا هاجرناه. فلما قربت النكار من حنين وقد غشيهم، انصرف عنهم بفرسه ناحية، وأشار عليهم بالسلام بأصبعه وتركهم ومضى نحو الشيخ أبي نوح رضي الله عنه وجماعته. فلما رأى أبو نوح رضي الله عنه ما فعل بجماعة النكار، قال لأصحابه: قوموا بنا لنصافحه فقاموا. فلما اقترب منهم نزل عن فرسه ومشى إليهم. وحدث أبو يعقوب يوسف بن نفاث رضي الله عنه أنه قال: كأني انظر إلى حنين يسعى إلى الشيخ وأصحابه لابسا كساءة من خز وأشبورة يطعن كساءته حتى صافح الشيخ أبا نوح ومن معه، فاهتز أبو نوح لما فعل حنين فدعا له، وفي ولده بركة تلك الدعوة إلى يومنا هذا، فقال لهم حنين: ما همني غيركم وما كنت لكم عليه من أموركم لو مت في سفري هذا. وبلغنا أن أبا نوح أرسل إليه المنصور بن بلجين أن يسير إليه، فلما وصلت رسل المنصور إليه، توجه نحو دار حنين، وذلك عند الهاجرة ليستشيره في المسير إليه، إن خاف عليه منه أم لا. فقال له حنين: إن أردت أن تمضي فإني لا أخاف عليك، وإن أردت أن تقعد فإنا نمنعك ونخاف عليك، قال: فدعى له بخير، ومضى أبو نوح رضي الله عنه متوجها إلى القيروان. فلما وصلها استأذنوا له على السلطان فأذن له فدخل وسلم عليه وأكرمه المنصور وتلطف به وقربه وفضله على كثير من أصحابه. /156/
__________
(1) كذا في الأصل، وفي طبقات الدرجيني: حنين بن وريغول. (1/156)
صفحة 155
وبلغنا عن المنصور أنه قال: إن رمحي لوهبي وإن فرسي لوهبي. وكان أبو نوح كما تقدم ذكره عالما بفنون المناظرات والرد على جميع أصحاب المقالات، فاجتمع ذات مرة مع أبي حمو بين يدي المنصور، فتناظرا فبدأه أبو نوح بالسؤال. قال: قال أبو نوح: فقلت له: ما علامة الصنعة؟، قال: فقال الحدث، والحركة، والسكون، والانتقال، والزوال. قال: فقلت له كل محدث مخلوق فقال: وكابر على نفسه كل مخلوق محدث وليس كل محدث مخلوق. قال: فقلت له: الحدث على ضربين: محدث مخلوق ومحدث غير مخلوق، فيلزمك أن يكون القديم على ضربين: خالق وغير خالق.
قال: فقال عند ذلك بل القديم كله خالق.
قال: فقلت له: وكذلك المحدث كله مخلوق.
قال: بل كل قديم خالق، وكل محدث مخلوق.
قال: فقلت فالكفر إذا مخلوق لأنه محدث.
قال: وهو جواب مضطرب، الكفر مخلوق لي.
قال: فقلت له: إذا كان الكفر مخلوقا لك، فينبغي على هذا العيار والوزن، أن يكون مربوبا لك، ومأهولا لك، فأنت على هذا القياس، أله فعلك وربه.
قال: فقال: وهو مستخفي مضطرب، بل الكفر مخلوق لي، وليس يجب، إذا كان مخلوقا لي، أن يكون مربوبا لي.
قال: فقلت له: ويلزمك على هذا القياس أن يكون مخلوقا لله غير مربوب له، فإن الله خالق لما خلق من الأشياء، وليس بربها ولا إلهها.
قال: فقال لي المنصور: فما الذي يقول لك هذا الشيخ؟، قال: فقلت له: يا سيدي يقول إن له خلقا، ولله عز وجل خلق، فالله منفرد بخلقه.
فقال له المنصور: لقد جعلت لله شريكا، يا شيخ إذ قلت أنك تخلق، والله يخلق، فهذا هو الشرك بعينه. وأنكر عليه قوله هذا غاية الإنكار وقبحه عليه غاية التقبيح. ثم إن أبا نوح عظمت درجته عند المنصور بن بلجين فأجازه بجائزة سنية وأكرمه وأمره بالرجوع إلى أهله. وبلغنا أن أبا نوح رضي الله عنه ناظر ذات مرة يحي الأعرج النكاري، وكان شيخا من شيوخ النكار، وعالما من علمائهم، فقال له أبو نوح: أسألك في حجة السمع، أخبرني عن رجل مشرك، دعاه رجل /157/ (1/157)
صفحة 156
من المسلمين إلى دينه، فأخذ يعلمه التوحيد، وهو يتبعه حرفا بعد حرف، فما منزلته إلى أن يتم التوحيد؟، أهو على حالته الأولى من الشرك أم مسلم، قال: فقلت له إن قلت مسلم فإذا يسلم الناس ببعض التوحيد دون بعض، وإن قلت أنه مشرك، فبماذا أشرك بالذي سمع من التوحيد، أم بالذي لم يسمع منه؟. فوقف، فقال: لا أعلم. قال: فقلت له: لا تستحي ولا تحشم، ولكنك بلغت مبلغا لم تقف إلا في موضع وقف فيه عالمك وفقيهك عبد الله بن يزيد ولو وقفت دون ذلك، أمكنك. وبلغنا أن الشيخ كلمه بعض تلامذته، فقالوا له: أرأيت إن قال يحي، إنما أشرك بالذي لم يسمع؟، قال لهم: فإن قال أنه إنما أشرك بالذي لم يسمع فهو الرجوع إلى قولنا: حجة الله تقوم بسماع وبغير سماع، وهذا قد قامت عليه الحجة بغير سماع. وإن قال: إنما أشرك بالذي سمع، قال: فيقال له: إسرار التوحيد خير من إظهاره، ويلزمه أيضا أن يكون ترك التوحيد إيمانا ويكون فعله كفرا. وبلغنا أن رجلا من أهل الدعوة ناظر رجلا من النكار بمدينة توزر فجرى بينهما كلام، فقال أحدهما لصاحبه: يا حمار، وقال الآخر: يا ثور، فخرجا من المدينة مغضبين، فشكى النكاري إلى النكار ما أصابه من الوهبي، واشتكى الوهبي إلى الوهبية ما أصابه وما دهاه، وأبو نوح بتوزر. ثم إن الوهبية والنكار اجتمعوا بفحص توزر، فكان بينهم قتال شديد وأسرع القتال في النكار واستحر فيهم الموت، فانهزموا وتبعهم الوهبية ليقتلوهم إلى تيقيوس، ولحق رجل من الوهبية يحي الأعرج في الهزيمة، وكان يحي ذميم الصورة، أشبه شيء باليهود. فلما غشي الوهبي يحي قال له يحي: لا تقتلني فإني يهودي. فقال له الرجل الوهبي: فكيف أقتلك موحدا وأتركك يهوديا! فقتله. وبلغنا أنه أبا جعفر أحمد بن خيران رضي الله عنه أدرك رجلا من النكار صريعا في الهزيمة فأمسك عنه ولم يقتله، فقيل له بعد ذلك: لم لم تقتله يا أبا جعفر؟. قال: خفت أن تقول الوهبية، هذا هو الذي قتل الرجل، وكان صاحب مجهود وله روايات نفيسة كثيرة. ثم إن الوهبية ائتمرت في اتباع النكار وحصارهم في تيقيوس فأبى عليهم الشيخ أبو نوح رضي الله عنه، وقال لهم: إن رسول الله ص قال: {ما أديل على قوم مرتين في يوم واحد قط}. فأبت العامة إلا اتباع النكار وحصارهم لما أراد الله. /158/ (1/158)
صفحة 157
فلما وصلوا تيقيوس حاصروا من بها من النكار، ورجعت النكار بعضها إلى بعض، فخرجوا إليهم وقاتلوهم قتال رجل واحد، وانهزمت الوهبية إلى مدينة توزر، وكان أبو نوح من ساقة العسكر يذود ويحمي عن الوهبية حتى غشيه النكار، فلما اضطروه حملوا عليه، فحال بينهم وبين عزيز ابن عيسى، فحمل عليهم وفرقهم وسلم الله الشيخ أبا نوح، فكان يكر فيهم مرة بعد أخرى، حتى ايسوا من الشيخ أبي نوح، وكان يقول بعد ذلك عزيز أنا خير من أخي صابر فقد وقعت على الشيخ أبي نوح ودفعت عنه النكار وفر أخي، وكان مثل ليقة صوف طار بها الريح، فر عند الهزيمة وترك أبا نوح، ولولا أنا لقتلته النكار. وبلغنا أن أبا اسماعيل إبراهيم بن بلال المعروف بالبصير، كان يومئذ ممن يبطيء الناس على القتال، ويقول: أيها الناس احذروا القتال!. ثم إن أبا نوح رضي الله عنه وصل بعد ذلك إلى قنطرارة فتمارض فيها واضطجع، فدخل عليه أبو يعقوب يوسف ابن نفاث رضي الله عنه، وسأله عن أحواله، فقال له أبو نوح رضي الله عنه: أحسبت أني مريض؟، بل إنما اضطجعت هنا بهم بعض أهل الدعوة وكان ظني أن عبيد أهل الدعوة وإمائهم يقاتلون النكار ولو بالخزف، فضلا عن غيرهم، فكيف يقاتلوننا ويصيرون لنا أندادا. وبلغنا أن طائفة من مزاتة قدمت على أبي نوح رضي الله عنه، يستشيرونه في أمر المسجد الذي أرادوا أن يبنوه. فقال لهم أبو نوح: إذا قوم أرادوا أن يبنوا مسجدا، فليتفق خيار أهل البلد على موضع معلوم يصلح لبنيان المسجد، فإذا اتفق أهل الخير والصلاح منهم، عرضوا ذلك على العامة من أهل البلد، فإن اتفقوا، فليشاوروا جيرانهم، فإن أنعموا لهم بذلك، أرسلوا إلى من ينظر إليه من أهل الدعوة، فيستشيرونه فإن اتفقوا فليبنوه بعد ذلك إن شاؤوا. وحدث من أثق به أن الشيخ أبا نوح، أخذه بعض أمراء توزر فحبسه، وذلك أن أبا نوح عظمت منزلته وعلت رتبته فكبر في أعين الوهبية وعلا ذكره فيهم واشتهر أمره، فحبسه بعض أمراء توزر طمعا فيما يعطى عنه ورجاء لما ينال على يديه، وسلاطينها إذ ذاك صنهاجة. قال: فمكث الشيخ أبو نوح ما شاء الله في الحبس، حتى قدمت فرقة من أريغ إلى قسطالية للمير (1) فيها في بني تكسنيت وفيهم رجل واحد من أهل الدعوة يقال له يوسف بن توجينت. فلما وصلوا إلى نفطة، سمع الشيخ بمجيء الرفقة إلى قسطالية، فسأل عمن بها من أهل الدعوة، فقيل له: رجل واحد يقال له: يوسف بن توجينت. /159/
__________
(1) في الأصل: للأمير وهو تحريف. (1/159)
صفحة 158
قال: فأرسل الشيخ إليه فجاءه فسأله أبو نوح عن جمال تباع، فذكر له جمال أصحابه من بني تكسنيت، ثمانية عشر جملا. فساومهم يوسف بن توجينت عند أصحابهم، فأوفقهم بعشرين دينارا لكل واحد منهم، فجاء أعوان الأمير على الخيل، فوجدوا الجمال في الفندق، فحلوا لكل واحد منهم رسنة من رأسه، وجلبوها بغير موافقة أصحابها فتبعهم أصحاب الجمال، ومعهم يوسف وهم يقولون: ماذا فعلت بنا يا يوسف؟، والأعوان يطردون الجمال بالخيل، يقصدون بها نحو الأمير بتوزر، فنظروا فإذا واحد من الجمال أعرج، فردوه إلى أصحابه، فاستبشروا به وسروا لأجل ما يصلون به إلا بلادهم. ثم إن أبا نوح قدم إلى قنطرارة بعد ذلك، فقصده يوسف فوجده في بيته والمصباح يضيء، مع جماعة من الناس، فقال له أبو نوح: يا يوسف، أردت الوصول إلى أهل الدعوة، فأجابه يوسف إلى ذلك، وكانت معه بكرة جاء بها للأمير، فعمد يوسف إلى البسط فعمل منه حزمتين، وهيأها لركوب الشيخ على البكرة وبسط عليها بساطا يتكيء عليه أبو نوح، فركب فعاد به إلى بعض الطريق، قال له يوسف: ما أدري ما أسألك عنه، فأخبرني بشيء. فقال له أبو نوح: حب للناس ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، فقال يوسف: ظننت أنه لم يخبرني بشيء، فإذا هو لم يترك شيئا إلا أخبرني به. وسارا حتى وصلا اسوف، وادي سوف، فخرج إليهما الناس يلتقونهم فرحين مسرورين بمقدمهما وهم يعلمون ما نزل به، فصاروا يناولون له، وكل بمقدرته، ويدفعون إليه الأموال من الحيوان والصامت وما تيسر لهم، فجاءه رجل بدينار فدفعه إليه، فقيل له: أتعرفه؟، قال: لا، فقيل له: نكاري، فقال: ردوه، فردوه، فقال له: خذ دينارك. قال الرجل: لم؟، قال له أبو نوح: طبعت هذه القلوب على حب من أحسن إليها وعلى بغض من أساء إليها، فلا أريد أن أحبك، فرده له، وخرج من بني اسوف قاصدا بني ينجاسن. فلما وصل إليهم، قال له يوسف: إني أردت أن أصل إلى أهلي، فقال له أبو نوح: ائت أهلك، ثم تأتني بأصحاب الجمال. وذهب إلى أهله ثم أتى بأصحاب الجمال، فأوفاهم أموالهم، والحمد لله رب العالمين. وبلغنا أن الشيخ أبا نوح رضي الله عنه حين كان بوارجلان متربيا في بلاد النعمة، ومتنعما بطبيخ الملوك، اجتمع أهل وارجلان، فطلبوا امرأة تحسن صنع طعامه، فلم يجدوا إلا امرأة واحدة من بني جعفر. /160/ (1/160)
صفحة 159
وكانت تقوم بطعامه وتحسن عمله وتصلحه له، وكان الشيخ يدعو لها بالبركة فنفذت فيها دعوة الشيخ. وبلغنا أنها حين ماتت أحاط بها من ذريتها سبعون نسمة. وحدث بعض أصحابنا أن أبا نوح رضي الله عنه، سأله أبو عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه عنهما بمحراب مسجد قنطرارة عن ثلاث مسائل: قال أخبرني عن طفل رجل مسلم إذا بلغ الحلم، ما الحكم فيه؟، قال الشيخ: إن أنست منه خيرا فجدد له الاستغفار، وإن لم تأنس منه رشدا ولا خيرا فأمسك عن ولايته. فقال له أبو عبد الله: أليس يلزمنا معارضة النكار في الحارث وعبد الجبار، إذ قلنا بالإمضاء على ولايتهما، وقالوا بالوقوف فيهما. فقال له الشيخ: لا يلزمنا معارضة النكار في ذلك، لأننا نقول إنما كانت ولايتنا إياهم، بولايتنا لآبائهم، فإذا بلغوا رجعوا إلى أفعالهم، وزال عنهم حكم آبائهم، وتوقفنا فيهم إذ صاروا إلى حكم أنفسهم بعد إذ لم يكن لهم إلا حكم آبائهم. وأما النكار، فقد أزالوا المعنى الذي أثبتوا له من الولاية، ولم يثبتوا ضد ما أزالوا، وهو البراءة، فلا يلزمنا معارضتهم في شيء. والثانية: سأله عن معنى الرواية التي يؤثرها أهل التشبيه عن رسول الله ص، قالوا: لم تمتليء جهنم حتى يضع الجبار قدمه، فتزوى من نواحيها، وتقول: قطني، قطني. فقال الشيخ: إن كانت الرواية صحيحة، فلها مخرج ومعنى قدمه ما قدم لها من أهل الشقاوة، قال الله تبارك وتعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم}، وليس يرد قدم الجارحة. والثالثة: سأله عن الورود الذي تقوم به الحجة، فقال له: كما تفهم قول من قال لك قم فادخل وكل. وحدث عن رحيل المزاتية عن عدة من أصحابنا أنها قالت: قال أبو نوح رضي الله عنه: إن عشت قليلا يا رحيل ستدركين زمانا فيه أقوام يتبعون الطريق حتى يلتف لهم في ألف من بنات الطريق، الفضة في ألسنتهم والنحاس في قلوبهم، وإنما يسمعون بالأضراس أقوام يأخذون المتروك من العلم، وزيد عن غير رحيل: قوم إن أسديت لهم خيرا يصبحوك، وإن منعتهم بهروك. قال أبو نوح: إن شر ما خلق الله الكفر والفقر، وحدث عن غير واحد من أصحابنا، أن أبا نوح رضي الله عنه رجع إلى وارجلان ثانية بعد موت أبي صالح، جنون ابن يمريان رضي الله عنه، فلما وصل إلى /161/ (1/161)
صفحة 160
ورجلان، وجد أحوال أهله قد تغيرت فمكث فيها ما شاء الله فجمع من ينظر إليه من وجوه أهل وارجلان، فقال لهم: إني قد رأيت فيكم ثلاث خصال، كلها غير مرضية. أما الأولى: فنكاح السر فيكم فاش، فإذا مر أحدكم برجل وامرأة مجتمعين في موضع التهمة وزجرهما ونهاهما عن الاجتماع في موضع التهمة، قالا له: إنا قد تناكحنا، فكاد بظهر فيكم الفحشاء. والثانية: إن أحدكم يطلق عبيده ولا يعولهم ويأمرهم بطلب معاشهم، فيطلقون في أموال الناس من جرائد النخل والليف والكرانف، وغير ذلك، فيكاد أحدكم أن يكون سارقا وهو في المحراب قاعد. والثالثة: إنكم أظهرتم بينكم التفرقة: فطائفة يقولون مسجدنا ومسجدكم، وطائفة يقولون حصيرنا وحصيركم، ويهودنا ويهودكم. فاجتمعوا ليردوا له الجواب، فتباطؤوا في رد الجواب، فما استطابهم الشيخ استرابهم، فما بات تلك الليلة إلا عند حمو بن اللؤلؤ في تين بامطوس. وبلغنا أنه توجه من تين بامطوس (1) يريد ينجوسا، ومعه حمو بن اللؤلؤ، ومعه ابنه أبو عبد الله، ومع أبي عبد الله ابنه عبد الله، متتابعين على الطريق. ولما حضر وقت الصلاة نادى عبد الله إياه، فقال له: إن وقت الصلاة قد حضر، فتقدم أبو عبد الله إلى أبيه حمو، فقال له: الصلاة يا أبتاه، فقال له حمو: اسكت إنا قد كفينا المؤونة. قال: فمشوا قليلا ففعلوا ذلك مرارا، وفي كل مرة يقول لهم حمو كفينا المؤونة، حتى وصلوا إلى المصلى الذي خلف ينجوسا، خرج الشيخ من الطريق وأناخ إلى المصلى، ونزل حمو فأقام الشيخ أبو نوح الصلاة، فتقدم فصلى بهم. وبلغنا أن الشيخ أبا نوح رضي الله عنه توجه إلى زويلة ومعه عبد الله بن زرزتين الوسياني رضي الله عنه، ودخل الشيخ عند ابن خطاب بزويلة، فقربه وتلطف به وأكرمه، ووجد عنده رجلا من اليهود، يقال له: حلي، فقال له أبو نوح: أسألك يا يهودي عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عنهن فأنت حلي، وإن لم تجب عنهن فأنت جلي. فسأله عن رجل ضرب عنقه حيا فأبانها، متى قتل نفسه في حال حياته أو في حال موته؟، وعن الكائن في السفينة إلى متى يطلب الراحة، والسكون لا يمكن له على حال؟، وعن رجل رمى رجلا بسهم، فمات الرامي، قبل أن يموت المرمي، متى قتله حيا أو ميتا؟. قال: فبهت اليهودي وتحير، فما نطق بجواب، قال: فقال لي ابن خطاب /162/
__________
(1) كذا في الأصل: وفي طبقات الدرجيني: تينماطوس. (1/162)
صفحة 161
هات بجوابهن، فقلت له: أما الذي ضرب عنقه فأبانها، إنما قتل نفسه في حال الموت بما فعل في حال الحياة، وأما الكائن في السفينة فإنه لا يخلو من الحركة، حركحة اكتسبها بنفسه، وحركة السفينة وهي اضطرار. وذلك إنما يطلب الراحة إذا كانت مجتمعة إلى حركة الاضطراب ويكف عن حركة نفسه حتى يتبعه ذلك، فيطلب الراحة إلى اجتماع الحركتين، فيقصد إلى حركة نفسه، وأما الرامي الذي قتل المرمي، فإنما قتله في حال الموت بما فعل في حال الحياة. وبلغنا أن أبا نوح رضي الله عنه قال: يعلم الله ويطلع أن هذا الدين حق عند الله أني خاصمت به عند أبي تميم، وبين يدي ابن خطاب بزويلة، وعند المنصور ابن بلجين بالقيروان، ولم يبق دين إلا غلبه هذا الدين وأوقع التراب على رأسه، إلا من ابطأ به عمله. وبلغنا عن الشيخ أبي نوح رضي الله عنه أيضا أنه قال: كل معروف أسداه أحدكم إلى أقاربه ( ... ) فإن خلفته من وراء عتبة داره، يريد تعجيل الخلفة له (1). وبلغنا أن أبا محمد ويسلان بن أبي صالح رضي الله عنه، سئل ذات مرة عن رجلي إنسان إن كان يطهره المسح. قال: جسد ابن آدم كله يطهره المسح، إلا الفروج والرجلين، إلا إن كان رجلي أبي نوح سعيد بن زنغيل ومن كان مثله. قال: ولقد رأيته يوما نزع رجله من الخف ونحى عنهما اللفائف ويغسلهما كمثل البيضة وفيهما أثر القيود التي قيده بها أبو تميم. وبلغنا أن أبا نوح رضي الله عنه سمع برجل عالم أقبل من المشرق، وكان يأتيه فأتاه ذات مرة، فبدأه أبو نوح رضي الله عنه بالسؤال فقال: ما تقول في يعسوب الضلالة، فقال له الرجل: الأدب، الأدب يا أبا نوح!. تسلم وتجلس وتسأل عن الحال، وبعد ذلك اسأل عن يعسوب الضلالة، ثم قال الرجل: أما يعسوب الضلالة فهو ابليس، ويعسوب كل شيء أوله وقائده. وبلغنا أن الشيخ أبا نوح خرج من قنطرارة ومعه المعز ابن فضالة والشيخ راكب على بغلته، والمعز ماش على رجليه، فأمعنا في السير، فلما وصلا إلى أسوف، نزل الشيخ عن بغلته، فصار الشيخ يئن ويقول: ما في عظمي من مفصل إلا وهو يوجعني، فقال له المعز: أما أنا يا شيخ، فما بي وجع ولا أحسه. فقال له الشيخ: فإذا كنت هكذا، فإن لله عليك أن تحج من قوتك. قال: فأخذت تلك الكلمة بمسامع المعز، فرجع إلى الله وتاب وباع أملاكه وماله، وأعطى لأمرأته صداقها، فأنفذ وصيته. /163/
__________
(1) كذا في الأصل، ويلاحظ في الجملة اضطراب المعنى. (1/163)
صفحة 162
وبلغنا أنه أنفذها ثلاث مرات ورقي ربوة ( ... ) (1) ثم سار إلى الحج، فرجع فصار يختلف إلى مجالس الذكر حتى مات، ولذلك قالوا: من أراد أن يتوب فليتب توبة المعز بن فضالة. /164/
__________
(1) في الأصل كلمة غير مفهومة وتحر اللموت. (1/164)
صفحة 163
أخبار أبي مسور سيجا بن يوجين اليهرساني ض
كان أول من اشتهر بالعلم من بين يهراسن، وكان تعلمه بجبل نفوسة، وإنما أخذ العلم عن أبي معروف وأبي زكرياء يحي بن يونس السدراتي. وفي ابتداء تعلمه لم يكن بيده مال، وكان فقيرا (1) وربما أخذ شعيرا فيعطيه لمن يقليه له من الصبيان، فإن لم يجد من يقلبه له، وضعه في طرف ثوبه فيرشه بالماء حتى يبتل فيقتات به، وكان يتنحى إلى جربة فيأكل فيها شعيره وقد استمر ذلك برهة من الدهر لم يفطن به أحد فإذا جاء إلى مجلس المشائخ يقعد في طرف الحلقة، فإذا صار أهل الحلقة يقومون يتقدم إلى الإمام حتى لا يبقى أحد بين يديه، فيقعد بين يدي الشيخ، فيسأله ما دام قاعدا. وكان حاله كذلك إلى أن قعد ذات يوم في المجلس، فلما أراد الشيخ القيام قام أبو مسور، فانحل العقد فانصب الشعير من طرف ثوبه على الحصير. قال الشيخ: إنكم معشر نفوسة لا ترفعون إلا من رفعه الله. قال: فابتدرت المشائخ فردوه إلى رجل منهم يحسن القيام به ويتكفل بأموره، فحسن حال أبي مسور وتفرغ لطلبه وعزمه حتى أدرك من العلم ما قدره الله له. فلما أراد المسير إلى أهله، اجتهد في الكتب يكتبها، فنظر إليه رجل فقال له: إنها تجارة بائرة يا سيجا. ثم إنه تزوج في جبل نفوسة من زوجته التي ولدت له ابنه أبا زكرياء، فيصل بن أبي مسور، وكان سبب تزوجه لتلك المرأة، أن شيخا من شيوخ نفوسة بعث أبا مسور إليها ليخطبها عليه فأتاها أبو مسور وذكر ذلك، فأشارت إليه هو أنها تريد تزوجه دون الذي أرسله. فلما أحس ذلك أبو مسور رجع إلى صاحبه، فقال له: انظر من ترسله غيري، فقال له الشيخ: لعلها تريدك، قال: فمضى الشيخ إلى المرأة فخطبها لأبي مسور فتزوجها وتقدم بها إلى جزيرة جربة. وقد كانت جربة إذ ذاك، على مذهب خلف بن السمح الانفرايسيرا، فدعاهم أبو مسور إلى دعوة الإسلام، فأجابه بعضهم. وكان رجل من زواغة يقال له خلف بن أحمد على مذهب النكار، يدعوهم إليه فمن لم يجب أبا مسور، أجاب خلف بن أحمد، وكان ذا مال كثير سخيا يمضي بإحمال الدقيق يطعم الناس لكي يرجعوا إلى مذهبه. /165/
__________
(1) كذا في الأصل: الأولى قراءة: مقترا. (1/165)
صفحة 164
فلم يبق في الجزيرة على مذهب خلف بن السمح أحد. فأقام أبو مسور بجزيرة جربة وبنى بها المسجد المعروف اليوم بالمسجد الكبير لبني يهراسن ولم يتممه، فأتمه من بعده ابنه أبو زكرياء فيصل بن أبي مسور ض. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف عن أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل رضي الله عنه أنه كان إذا سئل عن المشهور الذي تجوز ولايته لمن يتولاه بغير شهادة الأمناء إلا بشهرته وخبر العامة، يقول: مثل أبي خزر في افريقيا، وأبي مسور في جربة، وأبي صالح جنون بن يمريان في وارجلان رضي الله عنه، ولأبي مسور رضي الله عنه ولد يقال له أبو زكرياء فيصل رضي الله عنه، فقد حوى من المآثر والمناقب والفضائل والمراتب ما لم يبلغنا عن أحد من أهل عصره. وبلغنا عن ثلاثة من المشائخ تكلموا فيه، كل واحد منهم كلمة، قال أحدهم: وهو أبو محمد عبد الله ابن مانوج رضي الله عنه، لو كان الوحي ينزل في هذا الزمان على أحد، لاستحق أبو زكرياء أن ينزل عليه، وقال الآخر، وهو أبو عمران موسى بن زكرياء رضي الله عنه لو كانت إمامة المسلمين قائمة في هذا الزمان، لاستحقها أبو زكرياء. وقال الثالث: وهو أبو عبد الله محمد بن بكم رضي الله عنه لو مسكت خصال الخير والبر كلها بيدك، فطلبت أن تزيده منها خصلة واحدة ليست فيه، لما وجدتها، وهؤلاء المشائخ تكلموا على افتراق الأمكنة وبعد المواضع. وكان أبو مسور رضي الله عنه أسن من أبي صالح بعشر سنين، وأبو صالح أسن من أبي زكرياء بعشر سنين. وكان تعليم أبي زكرياء رضي الله عنه بإفريقيا عند الشيخ أبي خزر ض. وحدث غير واحد من أصحابنا أن أبا زكرياء أرسله أبوه إلى نفزاوة ليمتار له التمر من بني يزمرتن في سنة ممحلة (1) ذات جذب وقحط. قال: فتوجه أبو زكرياء إلى نفزاوة، فلما وصلها اجتمع أهلها من بني يزمرتن ومن بها من أهل الدعوة، فعبوا للشيخ أحماله وأقوروها تمرا، فأنفذها أبو زكرياء رضي الله عنه، إلى أبيه وأنفذ أيضا ما جاء به من الدنانير التي أرسله بها أبوه لشراء التمر، ثم عمد إلى عمامته، فنزعها وباعها وأمسك ثمنها لحوائجه. وتوجه نحو الشيخ أبي خزر رضي الله عنه فمكث عنده ما شاء الله، فلما ذكر الشيخ أبو خزر الطلب بحق الشيخ أبي القاسم رضي الله عنه، /166/
__________
(1) في الأصل: محيلة. (1/166)
صفحة 165
والقيام بثأره كر أبو زكرياء راجعا إلى جربة لينزع تبعاته ويودع أهله ويستأذن أباه أبو مسور ض. فلما وصلها ونزع تبعاته وودع من أراد توديعه واستأذن أباه، فأذن له وطلبه من قبله إعفاءه من جميع حقوقه، فقال له: أحللتك من جميع حقوقي عليك، إلا ما فعلت حين رددت الدنانير من نفزاوة ولم تكن حبستها لحوائجك. قال: فخرج أبو زكرياء من جربة يريد أبا خزر رضي الله عنه، فلما كان ببعض الطريق سمع بخبر الشيخ أبي خزر رضي الله عنه وأصحابه وما كان أصابهم من الهزيمة فرجع. وبلغنا أن عامل المسودة جعل على بني يهراسن من الخراج شيئا، فقال له أبو زكرياء: أقل من ذلك، فجعله عليهم العامل، وبعد ذلك فكر الشيخ فيما فعل، فأنفق مثل ذلك على الفقراء. وبلغنا عن العامل أيضا أنه أخذ رجلا من الحضر في جزيرة جربة، فشفع فيه أبو زكرياء رضي الله عنه فشفعه وتركه. ثم إن الحضري بعث إلى الشيخ قميصا مستعملا، فأبى الشيخ أخذه، فقال له الحضري: يا شيخ أعطني ما اشتريت به ولا أترك لك إلا قيمة الخياطة، فإني خيطته بيدي، فأبى أخذه. وبلغنا عن أبي زكرياء أنه قال: إذا قحطت الأرض تنال الجنة بقبضة من طعام، وإذا قحط الإسلام، تنال الجنة بكلمة حق تقال، وقحط الإسلام أشد من قحط الطعام، وقد اجتمعا كلاهما في زماننا هذا. وبلغنا عن أبي زكرياء أنه قال: ما علمنا كيف نتكلم ولا كيف نسكت، مع ما بلغه من العلم والحلم والصبر في أمور الدين، وقد قالوا لو أن أحدا يوضع من حكمه منطقه دواوين، لكان هو أبو زكرياء ض. وحدث أبو زكرياء يحي ابن أبي زكرياء رضي الله عنه، قال: اجتمع أبو زكرياء مع شيخ من شيوخ النكار من ملأ من زواغة وفيه الوهبية والنكار، فجرى بينهم كلام إلى أن قال له النكار: يا أبا زكرياء، نحن وأنتم كلنا نكار، فإنا قد أنكرنا على علي بن أبي طالب ما فعل من التحكيم، وقد أراد النكاري أن يلبس على الضعفاء بذلك متى وقع في مسامع العامة، فإن سكت أبو زكرياء ولم ينقم عليه، لزم الفريقين اسم النكار، ففطن به الشيخ وعلم أنه من بعض مكائدهم. فقال له أبو زكرياء أما أنا فلست بنكار، فأفحمه وخيب الله كيد النكار، فتعجب الناس من فراسة الشيخ أبي محمد وبديهته، حتى قال قائل من زواغة: فلان يحتال على أبي زكرياء وأبو زكرياء قائم على نفسه. وبلغنا أن أبا محمد كموس مرض في آخر عمره، فطاف به الشيطان /167/ (1/167)
صفحة 166
وأخطر له بالبال: كيف ربه ومن أي شيء خلق، حتى كاد الشيخ أبو محمد يهلك. فقال لأبي القاسم يونس بن أبي زكرياء رضي الله عنه ائتني بأبيك يا يونس وعجل علي، فإن الشيطان كاد يهلكني على ضعفي وكبري، وأولع بي في آخر عمري. قال: فأسرع أبو القاسم السير إلى أبيه، فأخبره بخبر أبي محمد، فأقبل إليه أبو زكرياء مسرعا، تارة يمشي وتارة يسعى ويتوكأ أحيانا على ابنه حتى قدم عليه، فقال له أبو محمد: هلم إلي حبيبي، فإن الشيطان مولع بي ويخيل إلي أن أكيف ربي ويخطر لي بالبال ما أخاف أن يهلكني، فقال له أبو زكرياء رضي الله عنه: اعلم أن كل ما يخطر ببالك، أو يتمثل في وهمك أو يخطر بقلبك ويتلقاه ذهنك هو من خلق الله، ولا يخطر بالبال إلا ما أدركته الحواس، أو ما يشبه بما أدركته الحواس، فالله يتعالى عن شبه الأشياء، وقد قيل في بعض الآثار إن نفي هذه الخواطر عن الله تعالى محض التوحيد. فقال له أبو محمد: فرجت علي أجرك الله يا أبا زكرياء، وبلغنا أن أبا محمد استخرج لأبي زكرياء شيئا من لحم الغنم مطبوخا بالبارحة من يومه ذلك في آخر النهار، فقال أبو محمد لأبي زكرياء كل وألح عليه، وكان أبو زكرياء صائما ولم يرد أن يفطر في آخر النهار، فقال له أبو زكرياء: يا شيخ إني صائم ولست آكل، وقد مضى جل النهار، فألح عليه أبو محمد فأخذ منه أبو زكرياء فأكل لموافقة نفس الشيخ فأدخل عليه السرور. وكان أبو زكرياء رضي الله عنه يشكو من مرض يهيجه عليه أكل لحكم العنز واللحم المطبوخ الذي بات، فلما أكله تطييبا لنفس الشيخ، أبرأه الله من ذلك المرض ولم يره بعد ذلك. وبلغنا عنه أنه رأى في منامه أن واقفا وقف عليه، وقال له: إن موافقتك لمراد الشيخ أبي محمد، وطيب نفسه، وإدخال السرور عليه، أفضل من عبادة سنة. وبعد ذلك كان أبو زكرياء يأكل لحم العنز ولا يضره، وكذلك اللحم المطبوخ الذي بات، وقد استراح من علته. وسئل أبو محمد في آخر عمره عن أحواله، فتلا هذه الآية: {ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا تعقلون}. وبلغنا أن امرأة سائلة وقفت إلى أبي زكرياء رضي الله عنه تسأله شيئا من الزيت تدهن به رأسها، وقد أخذ بها الشعث، فأخذ طنجرة ليجعل لها فيها الزيت ففك عن الخابية، فرآها تنظر إلى ما أعطاه الله من السعة /168/ (1/168)
صفحة 167
وكثرة ما عنده، فصار يصب في الكنجرة وعيناه تهملان دموعا، وهو يقول: بالله ليس بيننا وبينك نسب تعطينا دون غيرنا، ولكن برحمتك يا أرحم الراحمين. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه أن أبا زكرياء رضي الله عنه خرج في بعض حوائجه فجاز على منزل موسى بن الإرث (1) في وقت، فوجده لم يكن به، فخرجت إليه امرأة موسى، ولم تكن تعرفه، فقالت: من أنت؟، فقال: أنا ضيف، فقالت له: ما اسمك؟، فقال لها: فيصل، فقالت له: الأضياف على منازل منهم المقربون باللحم ومنهم بالإدام ومنهم من لا يجعل له الإدام. فقال لها أبو زكرياء: اجعليني بالأوسط، صاحب الإدام، ثم إنها أضافته بالزيت. فخرج أبو زكرياء وجاء بعلها موسى بن الإرث فأخبرته خبره، فقال لها زوجها: ويحك ذلك أبو زكرياء. وبلغنا أن أبا زكرياء رضي الله عنه استودع عنده رجل من الحضر وديعة وهو من أهل سفاقس دنانير، فأبى أن يضعها عنده، فألح عليه الحضري ورغب في ذلك، فأنعم له، وطلب أن يعطيها له، فأعطاها له فخرج السفاقسي ومضى لسبيله. فلما حان وقت الزكاة أخرج عليها الزكاة من ماله، وكان ذلك زمنا فطالت غيبة السفاقسي صاحب المال عنه، فأطال الشيخ البحث عن أخباره، فسمع بالمجاعة من بلد الحضري، وهو سفاقس، وكان ذلك في حين يتعذر فيه ركوب البحر، فركب أبو زكرياء ومضى بالوديعة متوجها إلى سفاقس فطيب الله البحر. فلما خرج من البحر إلى مدينة سفاقس، سأل عن الرجل فأخبر بداره، فاستأذن عليه فوجده وقد ألم به الجوع، فخرج إلى السوق، فاستسلف من أهل السوق حوالي أربعة دنانير، فاشترى له بها طعاما، فرآه على شفا الهلاك، فصار يطعمه حتى أنقذه من التهلكة. فلما أفاق مما به، وتفتحت عيناه قال له الشيخ أبو زكرياء رضي الله عنه: ما أقدمك يا شيخ؟. قال: قدمت لي وديعتك، ها هي هذه خذها، قال: فطالبه السفاقسي أن يقاسمه فيها فأبى أبو زكرياء رضي الله عنه ورجع إلى جربة، وقال لو سنح بخاطري قبل دفعي الزكاة لدفعتها منها. وكان الشيخ أبو زكرياء رضي الله عنه حين وجه ابنيه زكرياء ويوسف وابن أخته أبا بكر بن يحي وإخوته رضي الله عنه، إلى أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، رد أبو زكرياء ابن أخته سعيد بن /169/
__________
(1) كذا في الأصل: وفي طبقات الدرجيني: موسى بن الإرب. (1/169)
صفحة 168
يحي أخا أبي بكر بن يحي، وكان يخدمه ويقوم عليه ويستفيد منه. وقال أبو زكرياء أن سعيدا لا يبادلهم، يريد ابنيه وابن أخته أبا بكر، في مسيرهم إلى أبي عبد الله محمد ابن بكر رضي الله عنه فرأى قعود سعيد عنده. وكان أبو زكرياء قد تعود الصلاة في موضع معلوم، فإذا طلع الفجر، نظروا إلى الموضع الذي يصلي فيه، فإذا هو قد ابتل بالدموع، كأنما توضأ فيه أحد من الناس. وبلغنا أن الليلة التي مات فيها أبو زكرياء رضي الله عنه، وهي في رمضان وكان ابنه زكرياء قدام الناس في قيام رمضان، فسمعوا صوت أمه وهي تقول: مات سيدي، أبو زكرياء فبهت الناس وتحيروا، وذهب كل منهم في وجهته فانتقضت عليهم الصلاة، إلا زكرياء ابنه، فإنه أقبل على صلاته حتى أتمها. وبلغنا أن عامل المسودة سأل عن أبي زكرياء، فقيل له: مات، فقال: امضوا بي إلى قبره، فمضوا به إلى قبره، فقال: عاش حميدا ومات فقيدا، اللهم اخلف على جربة بعده، وقال أيضا: مات امرؤ علم أنه سيموت. وحدث زكرياء ابنه فقال: إنه ما مثل أبي زكرياء في آخر عمره، إلا كمثل دابة مثقلة، رأت موضعا تحط فيه ثقلهان فأسرعت إليه وقال أيضا: مثل موضع يركع فيه أبو زكرياء إلا كموضع توضأ فيه إنسان. وبلغنا أن زكرياء وأخاه يونس رضي الله عنه توجها إلى الحج، فلما كانا ببعض الطريق وقد أضر بهما السير، وأنهكهما السفر، نام زكرياء وتخلف عن الرفقة. فلما انتبه من منامه دعا الله بهذا الدعاء، فقال: يا صاحب كمل عريب، ويا مؤنس كل وحيد، ويا قريبا غير بعيد، اجعل لي من سفري هذا فرجا ومخرجا، فرفع رأسه ونظر أمامه إلى عمود من نور ساطع في الهواء، فتيممه ومشى حتى وصل إلى الرفقة، فوجد أصحابه متحيرين من أجله. وبلغنا أنهم رقدوا ذات ليلة في طريقهم ذلك، وقد اشتتمل زكرياء سيوفهم، إذ غشيهم بعض السلابة، فانتبهوا، فصاح يونس إلى أخيه: اعطني السيف يا أخي مرتين، فمد أبو القاسم يده بحيال رجلي أخيه زكرياء، فأمكنه الله من قائم السيف، فضرب به واحدا من السلابة فقده نصفين، فلم يجاوزه واحد منهم. وبلغنا أن أبا القاسم يونس رضي الله عنه نام ذات ليلة بطريقهم ذلك، إذ تنبه، وقد جاوزتهم الرفقة ثم إن جماعة من أهل الرفقة مضوا عنه قليلا، فرقدوافلما انتبهوا أخذوا في أثر الرفقة حتى مر بهم أبو القاسم /170/ (1/170)
صفحة 169
يونس، وكان يقطعهم فوجا فوجا، وقد طال مكثهم خلف الرفقة، فجاز برجل قد أدركه العياء خلف الرفقة وتورمت قدماه وانتفخت رجلاه، ومعه صرة دنانير. فلما نظر إلى الشيخ أعجبته هيئته، فقال له: إن معي صرة دنانير وقد أشرفت على الهلاك فدونكها، فخذها فأنت أولى بها من غيرك، فأبى الشيخ أخذها، فألح عليه الرجل، فقال له: خذها، فأنت أولى بها من غيرك من هؤلاء الصامدة؟ * فأخذها منه، وتوجه نحو الرفقة حتى وصلها، فخلف الرجل خلفه، ثم إن أهل الرفقة نزلوا وأخذوا الرجل في أثرهم، تارة يمشي وتارة يستريح فبات فيها واستراح. فلما كان الغد، ارتحل المسافرون وارتحل معهم، ووجد من نفسه قوة وتذكرت نفسه صرته، فصار ينظر في وجوه الرجال ويتكشف عن خبر صرته بين المسافرين، ويسأل ويبحث وينظر، فنظر إليه الشيخ أبي القاسم رضي الله عنه وقد تغير وجهه، فقال له: ما الذي أصابك؟، فقال الرجل: قصتي كذا وكذا، فقال له أبو القاسم: أعطيتها له أو أخذها منك بغضب؟، فقال الرجل: بل أعطيتها له. فقال أبو القاسم: أتعقله؟ فقال له: لست أعقله، إلا أنه وسيم طويل مثلك، فقال له: أتعقل الصرة؟. فلما نظر إليها لم يتمالك، ودفعها إليه، فصاح وقال: والله ما هو إلا مسلم، والله ما هو إلا مسلم، فكررها مرارا، فصار يسعى في رجلان المسافرين، ويقول: هذا ما فعله، هذا ما فعله!، والله ما هو إلا مسلم!./171/ (1/171)
صفحة 170
/172/ (1/172)
صفحة 171
أخبار الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه وقعوده في الحلقة
وكان تعليمه على الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل وعند أبي زكرياء فيصل بن أبي مسور رحمهما الله. وبلغنا أنه نظر إليه ذات يوم أبو نوح سعيد بن زنغيل رضي الله عنه، فقال: إن كنت أفهم شيئا، فإن هذا الفتى هو الذي يحيي دين الله. فلما بلغ من العلم ما قدر الله له، ومات أبو نوح رضي الله عنه، توجه نحو القيروان وتعلم بها النحو والعربية، فلما صدر عن القيروان، قعد للحلقة. وسبب قعوده حدث به أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه، عن أبي يحي زكرياء بن أبي زكرياء رضي الله عنه، وذلك أن أبا زكرياء فيصل أرسل ابنيه زكرياء ويونس وابن أخته، أبا بكر بن يحي وغيرهم ممن خرج معهم إلى الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، فقال لهم أبو زكرياء رضي الله عنه: حين أرسلهم إليه: امضوا إليه، فإن أنتم وجدتموه، فكونوا معه ولو في شغل دنياه، قال: فخرجوا من جربة متوجهين نحوه، فلما وصلوا إلى جبال تمولست وجدوا أن ليس بها إذ ذاك من أهل الدعوة أحد، وإنما تغيروا ورجعوا إلى أهل الدعوة إلا يصليتين عم أبي الربيع سليمان بن يخلف ض. قال أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه: قال زكرياء بن أبي زكرياء رضي الله عنه: إن أهل تمولست قد تغيروا إذ ذاك، وليس بهما الايصلتيين، عمك والنساء والأطفال وأخذنا على جبالها وعدلنا عنها، إلى أمدو فسمع بنا عمك يصليتين فلحقنا في أمدو فطلبنا أن نرجع إلى تمولست، فأبينا عليه واستقصى علينا، فلم نجبه بالرجوع واعتذرنا له بالتعجيل وإن قد جاوزناها بعد. فلما رآنا يصليتين كذلك قال لنا: فأما إذا لم تفعلوا فإني راجع، وليس بها من أهل الدعوة إلا أنا والنساء والأطفال، ارجع وأخذ بأيديهم. فلما سمعنا منه ذلك أجبناه إلى الرجوع إلى تمولست، قال: فسرنا معه فلما وصلناها ومكثنا فيها ما شاء الله، وكان يصليتين يأتينا بالعشاء والغذاء ومعه النساء والأطفال، فتقول النساء والأطفال: هذا دينكم وهؤلاء أهل دينكم، ثم إنا خرجنا من تمولست، فمضينا فلم ندر أين نصادف الشيخ أبا عبد الله في البلاد. /173/ (1/173)
صفحة 172
فلما وصلنا إلى تيقيوس، التقينا مع الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه كما جاء من القيروان حيث كان يتعلم النحو والعربية، يريد المسير إلى أبي عمران موسى ابن أبي زكرياء رضي الله عنه بتجديت، ليتعلم عنده الفقه، وكانوا قبل ذلك لايدرون أين يصيبونه ولا أين يطلبونه فوفقهم الله. وذكر أبو الربيع سليمان عن أبي يحي زكرياء رضي الله عنه قال: وما ظننت مصادفتنا له، لأننا لا نعرف موضعا هو فيه، إلا بموافقتنا ليصليتين وإدخال السرور عليه وعلى النساء والأطفال. ثم إنهم كلموا الشيخ أبا عبد الله أن يقعد لهم في الحلقة، فأبى لهم ذلك وامتنع ومكثوا يراودونه ما شاء الله، فأبى عليهم حتى كادوا أن ييئسوا منه. وبلغنا أنهم قعدوا معه ذات مرة قدام مسجد المنية يراودونه ويطلبونه إذ خرج رجلان من تيقيوس، شيع أحدهما صاحبه، وهو يريد طريق الحامة. فلما افترقا نادى أحدهما صاحبه وقال: اسمع يا فلان، قال: فالتفت إليه وقال: اجعلها لله!، فمن جعلها لله فلا تضيع، فلما سمعوا تلك المقالة تفاءلوا بها وعطفه ذلك عليهم، فأجابهم على شرط ألا يسال ولا يجيب، حتى تمضي أربعة أشهر. ومكثوا في تيقيوس ما شاء الله، وهو لا يسأل ولا يجيب وكان ذلك في السنة التي تحركت فيها زناتة مع صنهاجة من ناحية طرابلس وهي تسمى سنة هزيمة الأبراج وكثرة الزلازل في الأرض، حتى أصبح لا يستقيم لهم شيء. فقال لهم الشيخ: إنا ههنا أناس رقاق القلوب، وأرجو أن ينجع فيهم الإسلام، وينبت فيهم الخير، فهل لكم أن تنتقلوا إليهم، وهم بنو مغرواة؟، فأجابوه إلى ذلك مسرورين مغتبطين. فأرسل الشيخ إلى أبي القاسم بن ورقون الويلي، ومن مععه يعلمهم بقدومه إلى ناحيتهم وأن يهيئوا له غارا يجتمع فيه التلاميذ للحلقة والعزم. فأخذ أبو القاسم في حفر الغار، فحفره فقد الشيخ أبو عبد الله وتلاميذه. وهذا هو السبب الذي قعدت عليه الحلقة. ثم إنه كان من عادته، إذا قعد للحلقة، إذا ختموا وأرادوا القيام أن يدعو الشيخ بواحد من تلاميذه فيقرأ عليه المواعظ قليلا، فيقوم الشيخ. وعند ذلك، انتقل إلى بني يسلي وانتقل معه تلاميذه وكانوا يكابدون /174/ (1/174)
صفحة 173
مؤونة العيش لأنفسهم واجتهدوا غاية الاجتهاد في عزمهم. وكان الشيخ يشتي في أريغ ويربع في البراري عند بني مصعب وغيرهم وكنوا إذا ذاك واصلية، فرد بعضهم إلى الوهبية. وبلغنا أنه سأل رجل من بني مصعب، فقال له: يا شيخ أي شيء من الغنم أعطى لصدقة مالي؟. فضرب له الشيخ مثلا فقال: ما تقول فيمن أعطاك أربعين شاة ثم بعد ذلك سألك أن تعطيه شاة واحدة، أيها تعطي؟، قال الرجل: أحسنها. فقال له الشيخ: إن الله عو الذي أعطاك أربعين شاة، فأخرج للصدقة أحسنها. وسأله رجل من بني مصعب عن رجل اختلط ماله بحرام كان عنده، أفيأكل من ماله شيئا أم لا؟، فضرب له الشيخ مثلا، فقال: أرأيت جحرا رأيت فيه فأرا ويربوعا دخلته حية، أكنت تدخل يدك لتخرج الفأر أو اليربوع؟، قال له: لا! مخافة الحية. وبلغنا عنه أنه توجه إلى قسطالية، فأراد المسير منها إلى طرابلس، فاجتمع عليه كثير من الناس، فوقع في نفسه مخافة من ناحية المخالفين حتى قيل أنه تا ( ... ). ثم إنه استغفلهم، فأعطى لواحد من تلامذته بغلته فأخذ بها طريقا، وأعطى للآخر سرجها فأخذ به طريقا آخر، وأخذ الآخر بيده وفرقهم على الطرق واتعد معهم في موضع معين. فلما ابتعدوا عن الناس، اجتمعوا فشدوا السرج على البغلة، فركب ولم يكن معهم يومئذ زاد غير أنهم مروا برجل، فدفع لهم طابق شاة لحم فتزودوا به، فسار الشيخ وأصحابه، فلما وصلوا إلى قريب من تمولست، ولم يصلوها وأبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه مقبل من الحي، وهم في الربيع في موضع يقال له ميركين (1) هو ومحمد بن عيسى بن إبراهيم الهواري، متوجها إلى تمولست فرأوا بغلة الشيخ فعقلاه فقصدا نحوه، فوجداه هو، فصافحاه هو ومن معه، وكان ممن معه عيسى بن إبراهيم المذكور أولا وأبو الربيع، فجلبوهم إلى الحي وصافحوهم، فقال عيسى بن إبراهيم لأبي الربيع، اجعل لمحمد سهما من الأجر، فقال له أبو الربيع: قد فعلت عنا أنه أراد ابنه، فقال له عيسى بن إبراهيم إنما عني لك محمد بن بكر. فلما فرغوا من العشاء، جعلوا عليه المجلس في المسائل، قال الشيخ أبو الربيع: فقعدنا حتى عيينا، فقمنا فدنت إليه النسوة، وفيهن أم البخث وأختها، وكانت أم البخت تدعي المسائل وقراءة الكتب، فجعل /175/
__________
(1) يمكن أن تقرأ في الأصل: هيركين. (1/175)
صفحة 174
عليه النسوان المجلس في المسائل والمواعظ، حتى طلع الفجر، فقالت أم البخت لأبي الربيع وهي ابنة خاله: لأجل هذه الفوائد طالت غيبتك عنا يا سليمان. فجاءه بليس بن سندي، فصافح الشيخ فسأل عنه أبو عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه فأخبر به، فقال الشيخ: هو صاحبنا قبل هذا، فقال له الشيخ: نعم أنت في واد ونحن في واد. ثم إن أبا الربيع وبليس المذكور، أراد أن يبشرا شيوخ لماية، فتوجها نحو لماية، يبشرانهم بقدوم الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، فقال بليس لأبي الربيع: حين سارا أن يبشرا لماية: اجعل لي سهما من الأجر في بشارتك للشيوخ بقدوم الشيخ، وذلك من حسن أدبه وسياسته، فبشرهم أبو الربيع وبليس معه، فتهيئوا لمسير الشيخ إلى لماية وغيرهم، وهناك اجتمع عليهم الشيوخ وفيهم عبد الله بن الأمير وابو محمد وارسفلاس، وكان أبو محمد وارسفلاس عالما كبيرا، فإذا سئل الشيخ أبو عبد الله بن بكر رضي الله عنه، عن مسألة من الفقه، يردها إلى أبي محمد عبد الله بن الأمير ض. وكان أبو محمد عبد الله قليل الجواب يتوقف في أكثر المسائل، فقال الشيخ أبو محمد وارسفلاس للشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه: أجب للناس، ليس لك عند أبي محمد عبد الله الجواب. فمضى الشيخ فلما دخل جربة، أسرع المسير حتى وصل إلى المسجد الكبير عند بني يهراسن، وصاحفهم ومكث ما مكث فأراد الخروج، فقربت دابته للركوب، وابتدره الناس ليمسكوا له الركاب، وابتدره معهم أبو نوح، صالح بن صالح ليمسك ركابه، فأبى الناس عليه ذلك، فقال لهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه: دعوه، فمسك له الركاب فتمثل الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه ببيتين من الشعر فقال:
لله أيام الشباب وعصره ... لو يستعار جديدهم فيعار
ما كان أقصر ليله ونهاره ... وكذلك أيام الشباب قصار
ثم خرج الشيخ فجاز بتباحالت على الشيخ عمروس، فاستمسك به ليضيفه، فنزل عنده الشيخ أبو عبد الله فذبح له عمروس خروفين كبيرين. وبلغنا أن خروفا منهما، أراد رجل أخذه، فتطاول الخروف فوقف على إحدى رجليه فكانت قامته كقامة الرجل، فلما ذبحوهما وطبخوهما، قدموا الشيخ اللحم منهما. /176/ (1/176)
صفحة 175
وحدث عن جابر بن عمار، قال: كنت أختار للشيخ مطايبهما فنظر الشيخ إلى سمنهما، فقال: كيف يكون قلب من يأكل هذا من ماله، فكيف من مال غيره، ثم إن الشيخ كر راجعا إلى أريغ. وبلغنا عن عبد الله بن مانوج رضي الله عنه أنه قال: عجبا لهذا النفوسي وأصحابه، كمثل الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام. وبلغنا عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه حين زار أهل ورجلان، ودخل على الشيخ أبي عبد الله محمد السدراتي رضي الله عنه، الذي ولاه أهل ورجلان أمورهم، فعندما كبر ولزم بيته، تنحى عن أمورهم، فقال هم أبو عبد الله السدراتي رضي الله عنه: يا محمد، تقولون خير الرعاة راع ساوى بين القوي والضعيف، فسكت الشيخ أبو عبد الله محمد بن زكرياء رضي الله عنه، ثم قال: أليس يقولون اصطحب الناس على المكروهات لئلا تفترقوا؟، فقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه في أي ذلك يا شيخ؟، في أمور الدين أم في أمور الدنيا؟. فقال له أبو عبد الله محمد السدراتي: قد انتهى علمي إلى هنا، وما تقول أنت؟، فقال له: إنما ذلك في أمور الدنيا، للنزول للمسافرين والارتحال وحسن المعاشرة وقلة الاختلاف ومثل ذلك، وأما أمور الدين فلو كان ذلك يسعها، ما فرق الأوائل أئمتهم حتى قتلوا، ولم يستهلك أهل نهروان أنفسهم في أمور مع القدرة مثل عبد الله بن يحي الكندي والمختار ابن عوف رضي الله عنه أجمعين. ثم قال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر رضي الله عنه: يا شيخ لا تطمئن إلى كثرة من يدخل عليك لئلا يقال عليك ما لا تقوله. فقال له أبو عبد الله السدراتي: من أتاني زائرا، فأجره على الله، ومن قال علي ما لم أقله فالله حسيبه. وبلغنا عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه أنه ولد له مولود، فأراد الناس أن يولموا له، فأبى ذلك وامتنع عنه، فكلمته امرأة أبي القاسم، يونس بن ورجون الوليلي، فقالت له: ولو نحن يا شيخ!، أتجعلنا مثل غيرنا من الناس؟. وإنما قالت له ذلك للذي بينه وبين الشيخ أبي القاسم من المودة والنصيحة. فقال لها الشيخ: لا، لست أفعل أصيب يدي فوق، فأردها إلى أسفل، إنما أراد بذلك قول الرسول ص: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، وإنما ذلك في الإعطاء والصدقة، والشيخ يجعل لها /177/ (1/177)
صفحة 176
وليس يريد ما يأتي من قبلها لئلا يضير مكافأة لما يجعل لها فيحرج، وكان الشيخ قد أعطاه الله فراسة وبصيرة لا يكاد يسبق تنبؤه بشيء إلا كان. وحدث يعقوب بن أبي القاسم، قال: قعدت عند الشيخ ذات مرة بتين يسلى، إذ سمع بأخبار جماعة من بني درجين مقبلة إليه يزورونه، فسألنا عن شاة لحم بالشراء، فقلت لست أعلم عند أحد شاة إلا شاة واحدة عند عجوز في أجلو، فقال إن بتين يسلى يصيب رزقها؟ *.فقام ودخل العريش، فرقد هنيهة ثم قال لي: قم يا يعقوب، انظر إلى ناحية القبلة. قال: فقمت فنظرت فلم أرى شيئا فرجعت وقعدت هنيهة، فقال لي: قم فتطلع، فقمت فنظرت وقلت له أرى شخصا. فقال: فانظر هل كان معه شيء؟، فنظرت فقلت له: أرى معه شيئا يخرج أحيانا من الطريق ويدخل أحيانا فتربصت له قليلا، فقمت إليه، فوجدت رجلا من بني ويليل ومعه شاة فدفعها للشيخ فجاء جماعة من بني درجين فذبحها لهم. وحدث يعقوب بن أبي القاسم قال: كنت ذات مرة عند الشيخ فقال لي: قم وأمر الرومي أن يزيد في غذائنا، قال: فقمت وأمرته أن يزيد في غذائنا فزاد فيه، فقعدت عنده مليا، فقال لي: قم وانظر إلى ناحية الشمال، هل ترى شيئا؟، قال: فقمت فنظرت إلى بلغة عليها راكبها، فجئت إليه فأخبرته، فقعدت قليلا، فرجعت فوجدته هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الخير رضي الله عنه، فنزل عن بغلته فصار يشكلها، فأتى إلى الشيخ فسلم عليه وناجاني الشيخ وأمرني أن أمر الرومي ليزيد في غذائنا، فنظر إليه الشيخ أبو عبد الله محمد بن الخير رضي الله عنه، فقال: كأني أعرف ما تقولان، اصبرا ها هنا شيء حاضر، فنزع خرجه، فإذا فيه طعام مطبوخ. فقال الشيخ: قم إلى الرومي وقل له أن يترك لئلا يفسد الطعام. وروى بعض أصحابنا أنه جاءته أضياف ولم يكن عنده ما يذبح لهم، وكانت غنمه في البراري، فقعدت قليلا، فقال لمن عمه: أنظر إن كان في العريش شيء. قال: فتطلع فوجد في العريش كبشا كبيرا، فأخذه فذبحه، فلما قدموا على رعاة غنمه، سألوهم عن حال الغنم، فقالوا: ما علينا من بأس سوى أن الكبش الكبير دارت عليه زوبعة الريح فتغيب ولم نعرف موضعه. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه قال: كنت عند الشيخ ذات مرة وكان له عمال يعملون، فقدم إليهم يسيرا ليأكلوه، فقال /178/ (1/178)
صفحة 177
لي الشيخ: كل معهم يا سليمان. فأبيت، فقال لي: إن من تطوع لحسن، فأردت أن أقول له: ولو فيما لا ينبغي؟ فسكتت. فقال لي: يا سليمان، إن ذلك مما لا ينبغي، فأخبرني عما أخفيته في نفسي قبل أن أذكره. وحدث غير واحد من أصحابنا أنه كانت عنده امرأة مهتمة بأمور التلامذة كثيرة العناية بهم، في زمان الشيخ فتزوجها واحد فتغيب عنها في ناحية طرابلس، في أحياء زناتة، فأضر بها ذلك. وبلغ الشيخ غيبة زوجها عنها واضراره بها، فبعث الشيخ رجلين أحدهما هو علي بن يعقوب السيتني والآخر هو عمر بن يحي الوليلي في شأنها، فلما استوثقا من عندها توجها نحو طرابلس. فلما وصلا إلى الرجل خلصاها منه وكرا راجعين ومضى علي بن يعقوب إلى نفوسة، ورجع عمرو بن يحي إلى أريغ. ثم إن علي بن يعقوب لما وصل إلى جبل نفوسة، أخذ على تلك الناحية فبات بقرية خاملة (1) الذكر في الجبل، فيها عجوز ذات علم يجتمع عليها أهل تلك القرية يستفتونها، وكان في بيت العجوز مصلى. قال علي بن يعقوب: فصليت فيه صلاة الصبح مع أهل المنزل، فتفرق الناس وبقيت وحدي وقعدت في موضع أقرأ فيه من القرآن ما تيسر إلى أن غلبني النوم، فنبهتني قراءة ولكني لا أرى شخصا قارئا بها قبل طلوع الشمس، فحستت حس تحريك ثياب جديدة، ففزعت فتكلم لي، فقال: لا تفزع، أنا رجل من الجن، فسألته عن الأخبار: فأخبرني بكثير مما سألته عنه، وسألني فيما أمشي فأخبرته بخبر الشيخ والمرأة وزوجها. فسألني فقال: كيف ولايتكم لنا وولايتنا لكم، فرددت إليه المسألة، فقال: أما ولايتنا لكم فبالأشخاص، وأما ولايتكم لنا فبالجملة فسمعت العجوز فقالت متعجبة: سبحانالله! سبحان الله!. ثم إني اشتكيت إليه أمر الخوف في الطريق، فقال لي: تعلم هذه الآية: {قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم واسماعيل} الآية كلها، فأخذ يعلمني إياها، فيقرأ وأتبعه ويكررها حتى حفظتها، فقال لي: أعد علي، فأعدت عليه، فقال لي: حفظت. ثم قال لي إن لنا بالجزيرة موعدا نجتمع فيه يومنا هذا، وهو موضعبجبل نفوسة، أريد أن أحضره، وأنا راجع إليك إن شاء الله، فلا تغيب وجهك عن هذا المكان، وأنا راجع إليك إن شاء الله، فقلت: نعم. وبينما نحن في ذلك إذ طلعت الشمس، فقال لي: تكلم، ادع الله، فرددت إليه، فقال لي: بل أنتم الأفضل، فادع، فدعوت فلما فرغت من /179/
__________
(1) في الأصل: خالية. (1/179)
صفحة 178
دعائي أخذ هو أيضا في الدعاء، والعجوز بحذائنا تسمع كلامنا. فلما فرغ، قال لها: زيدي يا امرأة، فتكلمت، فقال: سبحان الله، سبحان الله!. ثم إنه مضى علي وانتشر الخبر في تلك القرية أن جنيا تكلم إلى رجل من الإنس، فتنحيت على الناس، فدخلت قرية بحذاء تلك القرية، فنمت فيها. فلما انتبهت، أتيت إلى العجوز، فسلمت عليها، وسألتها عن الخبر، فقالت لي: أين تغيبت؟، وقد جاءني الجني صاحبك بعدك، فدخل علي فسألني عنك، فقلت: لا أدري فرمى علي بحصيات، فقال لي: إن جاء بعدي، فادفعها إليه. قال علي: فأخذتها فوجدت عليها خطا رقيقا لا أكاد أتبينه، فمضيت واشتريت من تلك البلاد كساة انطاكية فأخذت على ناحية نفزاوة، ومعي صاحب لي، فأخذنا على طريق بشير حين صدرنا من نفزاوة إلى تيقيوس فلما توسطنا السبخة، إذا بخيل في مقابلتنا، لا نستطيع الهروب ولا نجد ما يسترنا عنهم، فأخذنا إليهم الطريق، فأخذوه إلينا. فلما وصلنا إليهم، حلقوا علينا، وكنت أقرأ الآيات التي علمنيها الجني، وكان على تلك الخيل أمير، فتكلم إلينا، فتطلع وتصعد فينا ببصره من فوق إلى أسفل، حتى غشيني لعاب فرسه، والكساة الانطاكية على كتفي. فسألنا: من أنتم؟، فقلنا له: تلامذة، فقال: امضوا على طريقكم راشدين. قال: فمضينا وكنت توقعت أن يقول لي دع الكساة فخلصنا الله منهم، فكانت تلك الحصباة معنا حتى وصلنا بها إلى بلاد مكة، ولم يوكل لي مقدار قيد قط. وذكر يعقوب بن أبي القاسم أن أبا الحسن، أفلح كان تعلم عند حمو بن اللؤلؤ واستقضته بنور ورتيزلن برأي الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، فمكث فيهم سنين عدة قاضيا عليهم يحكم بينهم بالعدل، ووفعوا فيه عند الشيخ، وكثرة الشكوى في أمره. فلما طال ذلك، بعث إلى جماعة عزابة بني ورتيزلن وغيرهم من أهل تلك الناحية، فاجتمعوا عليه، وحلقوا حلقة وسكتوا طويلا. فقال لهم الشيخ: لم سكتتم وقد اشتكيتم بأبي الحسن، فقال قائلهم: إن أبا الحسن يحكم بين بعضنا ولا يحكم بين بعضه. فقال الشيخ: يا أبا الحسن، أكان ذلك؟، قال له: نعم، ثم قال لهم الشيخ: ثم ماذا؟، قالوا: حكم على رجل بصداق امرأته بغير إقرار ولا شهادة. فقال له الشيخ: أكان ذلك يا أبا الحسن؟، فقال له: نعم. /180/ (1/180)
صفحة 179
فقال لهم الشيخ: ثم ماذا؟. قالوا: اختصم عند رجلان في أمر الشفعة، فأبطلها الشفيع الذي ادعاها، فقال له الشيخ: أكان ذلك يا أبا الحسن؟، قال: نعم.
قال لهم الشيخ: ثم ماذا؟
قالوا: مات رجل من بني ورتيزلن بقرية يقال لها عين الحمار، فأكل وصيته، فقال له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟، فقال له: سأخبرك بما فعلت فيها، ثم قال لهم، ثم ماذا؟، فلم يجدوا ما يزيدونه ولا ينقصونه. ثم قال أبو الحسن: يا أبا عبد الله هل يثبت الحاكم الخصومة في أرض المشاع؟.
فقال له الشيخ: لا.
فقال له أبو الحسن: إن هؤلاء حين دخلت هذه البلاد شهد عندي خيارهم إن ما بين الموضع الفلاني إلى الموضع الفلاني، لبني ورتيزلن فوقعوا فيه، فصاروا يعمرون في ذلك المشاع، وهم الذين لم أثبت الخصومة بينهم.
ثم قال أبو الحسن: ما تقول يا شيخ في رجل أقر بالنشوز، هل يحكم عليه بالصداق؟، قال الشيخ: نعم.
فقال له أبو الحسن: اختصم عندي الخير بن فسار وامرأته تزوراغت، فأقر الخير بالنشوز، فحكمت عليه بصداق امرأته. ثم قال أبو الحسن: ما تقول يا شيخ في نخلة نبتت في مجرى العامة، هل يحكم فيها القاضي بالشفعة لبضعهم دون بعض؟، قال الشيخ: لا.
فقال له أبو الحسن: إن رجلين اختصما عندي في نخلة على مجرى العامة، فطلبها رجل من تلك العامة بالشفعة ممن اشتراها من صاحبها، فلم أحكم له. ثم قال: أما أمر الوصية فإن الرجل الذي مات من بني ورتيزل قد استحلف امرأته على وصيته، فجاءتني في أمر الوصية، فقالت لي: أرسل معي من يعلمني كيف أنفذ الوصية، فأرسلت معها الصبي، وهو ابني، وبلغني أنها تصدقت عليه من تلك الوصية بربع شاة لحم، فلم أره ولم أكله. ثم قال: يا شيخ لي إليك كلام أريد أن أبلغه، فقال له الشيخ: دع عنك كلامك، فحلف له أن لا يدخل قضاهم من حين ذلك إلى سبع سنوات، فصاح عليهم الشيخ فتفرقوا كل في جهته. فقال الشيخ ليعقوب بن أبي القاسم: أدرك أبا الحسن واردده. قال: فأدركته، ومضى مع الشيخ إلى الغار، فقال الشيخ ليعقوب: انتظرني وكان ذلك في أول الليل، فانتظرته حتى أصبح، فلما يخرج ثم إلى غروب الشمس، فلم يخرج ثم حتى الصباح فخرج إلي. /181/ (1/181)
صفحة 180
قال يعقوب: فقمت إليه، فقال لي: من هذا؟، ثم قال: وأنت قاعد هنا إلى الآن؟، فقلت له: أجل. فتودع الشيخ مع أبي الحسن، ثم قال لي: منذ دخلت عند إلى وقتي هذا لم يفتر لساني عن مسائل الأحكام ولم ينقطع سؤاله، إلا إذا قمنا إلى الصلاة، فلا يقوم بسؤال العال إلا العالم مثله، ثم قال: هيهات، إن جيرانك يتصارعون مع من لا يقدرون له على شيء. وحدث محبوب بن أبي عبد الله السدراتي رضي الله عنه أن الشيخ أبا عبد الله وصل إلى أحروان هو وأصحابه ذات مرة، وأحضرت لهم موائد الطعام، فوضع الشيخ يده على المائدة التي وضعت بين يديه، فوجد عليها ودك عجز شاة من اللحم، ثم قال لرجل بجنبه: ثم وتأمل الموائد، إن كان عليها مثل ما على هذه. فقام الرجل ففتشها: فلم يجد عليها مثل ذلك، فرجع فأخبره، فقام الشيخ فترك الطعام. وبلغنا عنه حين خرج من وارجلان وصل إلى تين بامطوس حيث أرسل إليه رجلا من ورجلان باللفائف وشيء من الجمار، فأبى أخذ اللفائف، وقال: هذه ترجع إلى صاحبها، فردها وقال: وما نحن والهدايا؟، فأكل الجمار. وذكر علي بن يعقوب السيتتني قال: رأيت في منامي بعد موت الشيخ أني أتيت إلى تين يسلي وسألت عائشة زوج الشيخ عنه، فقالت: قد خرج، وبينما نحن (1) في ذلك، إذ أقبل على فرس حسن أدهم، فنظرت إليه أكحل العينين ناعم الوجه، فقال لي: امض بنا، فقلت له: يا شيخ عاد لست بماض، فقال الشيخ: تركته للناقضين الذين يموت الدين على أيديهم ثم توجه إلى ناحية المشرق. وبلغنا عنه أنه أرسل محبوب بن الشيخ وأبا بكر بن محمد رضي الله عنه ليشتريا له خادما، فاشترياها له، فلم علم صاحب الخادم لمن يشتريانها، نزع لهما من الثمن خمسة دنانير، واشترياها وأتيا بها الشيخ، وأخبراه خبرها وما فعل صاحب الخادم في الخمسة دنانير، فردها وأبى أخذها تحرجا منه ض. /182/
__________
(1) في الأصل: وكيف. (1/182)
صفحة 181
/183/ (1/183)
صفحة 182
أخبار الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ض
وكان أبو الربيع سليمان بن يخلف ممن تعلم عند الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، فلما تعلم عنده الأوصل وبلغ بها مبلغا عظيما، توجه نحو ربة، فلما انتهى إليها يريد تعلم الفقه عند مشائخ بني يهراسن أبي محمد وأبي زكرياء ويونس وأبي بكر بن يحي رضي الله عنه، وجدهم في زمان الاشتغال وتكلموا فيما بينهم ألا يدعوه وحده في المسجد، فاتفق رأيهم على أن يعملوا له كل يوم من يقعد معه، فكانوا يتداولون عنده يوما فيوما، وكان يستفيد من كل واحد منهم. ثم إن التلامذة قصدوا إلى أبي محمد ويسلان ليتعلموا عنده الفقه وكانت الحلقة عليه وكثروا وكان فيهم من يتعلم عند الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، مسائل الحجة والنظر في الأصول ويريد تعلم الفقه، فقصد عند أبي محمد ويسلان عدد منهم أبو الربيع سليمان بن يخلف ويعثوب بن يغلي، ومصالة بن يحي ممن اجتمعوا من بلاد شتى، فكانت مشائخ بني يهراسن يجتمعون إليهم يعينونهم ويؤيدونهم على عزمهم تعلم علم الكلام، وهم أولاد الشيخ أبي زكرياء والشيخ أبي بكر بن يحي. ثم إن المشائخ المذكورين من بني يهراسن اهتموا بهؤلاء الفتيان الذين أرادوا تعلم علم الكلام، فأرسلوا إلى النفر الذين تعلموا عند الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، رسولا يرغبهم في القعود للفتية الذين أرادوا علم الكلام ويحببونهم إليهم. فلما وصل إليهم الرسول، أخبرهم بما أرسله إليهم به الشيخ وبمراده، فتكلم أحدهم، فقال: إنما جئت لأتعلم عند الشيخ أبي محمد ويسلان ولم آت لأعلم غيري، وقال له الآخر: مثل ذلك. فقال لهم أبو الربيع رضي الله عنه: أما أنا فلا أشترك معكم في هذا الرأي. فرجع الرسول إلى المشائخ فأخبرهم بما قال كل واحد منهم. ثم إن المشائخ اجتمعوا بالفتية فأخبروهم بجواب القوم، فقال لهم أبو القاسم يونس بن أبي زكرياء رضي الله عنه: خذوا في عزمكم ولا تطلبوا الراحة وتمثل لهم بقول الأولين. ثم إن الفتية اجتهدوا غاية الاجتهاد، وكان المشائخ يحضرون مجالسهم، والشيخ أبو الربيع يأتيهم إذا قامت الحلقة عن الشيخ أبي محمد ويسلان رضي الله عنه، فيجد مصباحهم يتلألأ. /184/ (1/184)
صفحة 183
وكانوا كذلك برهة من الدهر، وقعودهم أبا بيز سجهان؟ ولها شجرتان من الحروف؟. وكانت القبلية موضع حلقة أبي محمد ويسلان، والشمالية بها أصحاب الكلام والحجة. ثم انتقلوا إلى المسجد الكبير وكثر أصحاب الكلام، فاجتمع إليهم من أهل البلد وغيرهم كثير. فلما رأى الشيخ أبو محمد كثرة أصحاب الكلام وقلة أصحابه، انتقل بمن يتعلم عنده الفقه إلى بيت قبالة المسجد الكبير، وكانوا يتعلمون فيه. وكانوا على حالهم ذلك حتى أرادوا الخروج إلى الجبل، فخرجوا كلهم. فلما رجعوا من الجبل، قصد أبو محمد إلى جربة، وقصد الشيخ أبو الربيع إلى تمولست، فاجتمعت جموع زنزفه وزناته ولماية، فأيدوا الشيخ بما قدروا عليه، فمكثوا فيها ما شاء الله، وكانت تمولست طريق الغرب في الغرب من طرابلس إلى افريقيا، وكانوا في خوف شديد، فبلغ ذلك أبا القاسم يونس بن أبي زكرياء رضي الله عنه، فأرسل إلى الشيخ أبي الربيع وتلاميذه رجلا قاصدا إليهم، فحجر عليهم ألا يقعدوا في تمولست من أجل الخوف، فقالوا: نحن في أمان وسليمان وتلاميذه في خوف، فتفرق من كان مع الشيخ أبي الربيع، سليمان في لماية وجبال زنزفة لئلا يكسروا نهي الشيخ أبي القاسم. ثم إنهم اجتمعوا عليه بعد ذلك ومضى بهم إلى جبال زنزفة، وقصد بهم إلى قلعة بني علي، وكانوا في غار فكثر التلامذة حتى لم يعد يسعهم الغار الواحد، فانتقل بعضهم إلى غار آخر، فكان الشيخ ليلة عند هؤلاء وليلة عند هؤلاء. ثم إنهم أرادوا زيارة أهل دعوتهم، فأرسلوا إلى أهل جربة في ذلك، فلحقهم بعضهم قبل أن يخرجوا من الجبل، فصاروا حتى وصلوا إلى قسطالية، وذلك بقية سنة تسع وأربعين وأربعمائة، ووصلوا قنطرارة فخرجوا منها، وكان معهم رجل من نفطة خرج من مذهبه إلى أهل الدعوة، واسمه عمران بن علي، بلغني عنه أنه قال للشيوخ: وددت لو أنكم ركبتم البغال كلكم، فجاء ذلك الرجل المسمى إلى أبي الربيع بكسوة ليلبسها، فأبى أن يأخذها وسار الشيخ ومن معه حتى وصلوا إلى أسوف، فأراد أهل أسوف أن يلزموا المشائخ عندهم، فقال الشيخ خليفة بن عمارة، خفت أن يقطعوا بنا وأن يحبسونا، ولا يصيبوا هنا إلا ما يكرهون. وقال الشيخ أبو الربيع: اصبروا حتى يأتي أقوام مرادكم على مرادهم، فمكثوا في أسوف ما شاء الله ثم خرجوا منه فساروا حتى وصلوا إلى وغلانه، فأخذوا منه حتى وصلوا إلى تماسين، فاستعجل المشائخ المسير، /185/ (1/185)
صفحة 184
فتعلق إليهم أهل البلد في القعود عندهم. فما نظر الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، إلى تعجيل الشيوخ وكراهيتهم للقعود، قال لأهل المنزل مهلا عليكم، ليس شيء أحب إلى نفسي من أن يأكلوا طعامي، وموافقتهم أحب إلي من ذلك. قال أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه لخليفة ابن عمار، هذا الذي أقول لك في أسوف. ثم ساروا من عندهم، فكل من ساروا عليه وجازو به من المشائخ جاءوا به حتى وصلوا وارجلان. فلما قربوا من حيز ورجلان، اجتمع المشائخ ومن معهم من التلامذة، ونهوا عن فعل ما لا يليق، فحدوا لأنفسهم حدودا، ألا يتكلموا في أمور أهل ورجلان إلا على وجه الزيارة، من المواعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإقامة بحق الله تعالى، فنهو عن الأخلاق الدنيئة وأخلاق السوء، وكل ما يدنس دين الله وما يجر إلى تدنيسه من المطامع. فلما وصلوا إلى ينجوسا، اجتمعت إليهم جموع أهل ورجلان وخيار أهل الدعوة، حتى قال قائل: لم يجتمع من أهل الدعوة ومن الأخيار، مثلها اجتمع هذه المرة في بلد من البلدان في ذلك العصر. وكانت مشائخ تين بامطوس، اشتكوا إلى المشائخ أمر خليفة بن برارة، وأنه منع الحق عنهم ويفعل الباطل وكذلك اشتكوا إليهم أشياء أخرى كثيرة. ثم إن أبا خليفة خرج إلى الشيوخ ومعه من بني باجين جماعة، أبت جماعة المشائخ مصافحتهم، فصار يتوب أمامهم ونزل عن دابته. فلما وصلوا إلى طرف السبخة طلبهم بالدخول وقال لهم أنه سيفعل ما يريدون، فاشترطوا عليه أن ينزلوا بطرف المنزل، حتى يرضيهم من نفسه، فنزلوا على عين بحد المنزل، فنحروالهم ثلاث نوق، وانتظروا خليفة أن يأتيهم ليعطيهم الحق من نفسه، فلم يأتهم وامتنع عن إعطاء الحق، فخرجوا وتوجهوا نحو ورجلان، فلما وصلوا السبخة التي وراء بعمون، تلقاهم جموع أهل ورجلان، كلهم بأمرائهم وسلاحهم وهيئتهم، وكذلك تلقاهم من يليهم من منازل وارجلان بعدة عظيمة عجيبة، حتى قال قائل منهم: لم أرى مثل هذه العدة في صنهاجة ولا في غيرها، فقصدوا مسجد الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان رضي الله عنه فأخذوا على منازل سدراته أجمع. فإذا دخلوا منزلا، اجتمع إليهم أهله، فيأمرونهم بالمعروف واتباع سيرة أوائلهم وبإقامة حقوق الله عليهم. /186/ (1/186)
صفحة 185
وكان ذلك حالهم من وارجلان حتى خرجوا متوجهين إلى بلادهم، فأخذوا على ناحية. وقد كان الشيخ أبو القاسم سليمان بن موسى رضي الله عنه حين سمع بخبر الشيوخ مقبلين إلى وارجلان، أرسل إلى غنمه بأندرار وكان له بها غنم كثير، وأمر رسوله أن يأتي بأسمن غنمه، فوصل الرسول إلى أندرار، فتباطأ في سيره ولم يأت حتى خرج المشائخ من وارجلان. وبعد وارجلان نزلوا البكرات، فأخذهم المطر بها ولم يتجه لهم السير، فمكثوا حتى جاء رسول الشيخ بالغنم، وقد اختار ما كان فيها سمينا. فلما وصلهم أخذوها وذبحوها وأكلوا، ودخلت عليهم سنة خمسين وأربعمائة من التاريخ في البكرات. مضت جماعة الشيوخ متوجهين إلى بلادهم، فلما جاوزوا حد سماطس، توجه من كان يقيم بقسطالية إليها وما وراءها، وتوجه الطرابلسيون إلى بلادهم، ومضى أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه إلى زنزفة. ثم إن الشيخ انتقل من الجبل إلى تمولست، ثم إن التلامذة طلبوا أن يدون لهم ديوانا من تأليفه، ووضعه فلم ينعم لهم بذلك، فمكثوا دهرا طويلا يراودونه على ذلك، وهو يأبى لهم، فألحوا في الطلب، فما زال حتى أنعم لهم وأجابهم إلى ذلك، على كره. ثم إن إبراهيم بن إبراهيم رأى رؤيا أن جماعة التلامذة أخذوا الشيخ أبا الربيع فنقبوا صدره، فنزعوا منه قصعتين من عسل، فلما انتبه من منامه، هاله ذلك وأقلقه حتى ظن بالشيخ أنه يموت عن عجلة قبل أن يصنع لهما شيئا. ومضى إلى قابس فسأل عن معبر الرؤيا فاطلع عليه فلما رآه سأله عن رجل أخذ قوم ينقبون صدره فاستخرجوا منه قصعتين من عسل. فقال له المعبر: إن كان تاجرا صاحب مال، فإنه يستخرج منه المال كرها، فقال له إبراهيم: ليس بصاحب مال. فقال له المعبر: إن كان عالما فيستخرج منه العلم كرها، قال له: ذاك فرجع إبراهيم إلى الشيخ والتلامذة فأخبرهم خبر الرؤيا وما كان من شأنها، فألحوا على الشيخ في الطلب في تنظيم المسائل، فأخذ كبير تلامذته ألواحا فافترقوا على تأليفه، فإذا قام من مجلسه، وقد نظم لهم فنونا من العلم، يؤلفون كل ما جاز في مجلسه، حسبما سمعوا منه. فلما استفضوا كثيرا من مجالسه وقد ألفوا ألواحا كثيرة، أتوا بها فعرضوها عليه، فطائفة منهم أسقط ألواحها كلها، وطائفة أسقط كثيرا منها، وطائفة أثبتها، ثم عرضوها عليه مرة بعد مرة، ومكثوا زمانا يعرضون عليه الألواح ينقص ويزيد منها، حتى حققها وأمر بتدوينها، /187/ (1/187)
صفحة 186
فكانا دفترين يقال لأحدهما الأول، وللثاني: الثاني. ومكث الشيخ وتلامذته في تمولست ما شاء الله، ثم خرجوا منها وكانوا عرضوا الكتب على الشيخ أبي عبد الله محمد بن سدرين فلم يزد فيها إلا حرفين. ومضى سائر التلامذة إلى الجبل، وبقيت منهم بقية، فلما كان أوان رجوع التلامذة من الجبل، رجعوا إلى تمولست فمكثوا فيها سنتهم. واتصلت الأخبار إلى الشيخ وتلاميذه أن منجا بن عقيل أراد اغتيالهم، وأرسلت بذلك بنو يهراسن إلى الشيخ، فكانوا كذلك إلى ذات يوم غدوة، عند فراغهم من الصلاة فطائفة أخذوا في القراءة، وطائفة لم يأخذوا بعد في القراءة، إذ سمعوا صيحة حول تمولست، ابتدرت التلامذة إليهم بالرماح، فجاز بعضهم على بعض، فلما وصلوا الصيحة وجدوا منجار بن عقيل في خيل مغيرة على أهل تمولست وقتلوا رجلا من التلامذة يقال له زيري الرنداجي، فهربت التلامذة إلى الغار، والشيخ أبو الربيع خلفهم، فأدركه العرب ونزعوا كسوته وجرحوه رحمة الله عليه، ثم انتقلوا بعد إلى موضع يقال له توتير، فنزلوا فيه بالخيل، حتى صار منزلا ومأوى للعزابة، فجرى فيه العزم والاجتهاد أجل قدره الله، حتى فشى خبره وسمع ذكره في الخير، فأحيوا فيه السنن وأقاموا سير من كان قبلهم من أهل الدعوة حتى توفي فيها أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه وعنهم أجمعين، وغفر لهم ولنا وتاب عليهم وعلينا إنه هو التواب الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
انتهى الكتاب (1/188)
صفحة 187
المراجع
[صفحة لم ترقن] (1/189)
صفحة 188
[صفحة لم ترقن] (1/190)
صفحة 189
[صفحة لم ترقن] (1/191)
صفحة 190
[صفحة لم ترقن] (1/192)
صفحة 191
[صفحة لم ترقن] (1/193)
صفحة 192
[صفحة لم ترقن] (1/194)
صفحة 193
[صفحة لم ترقن] (1/195)
صفحة 194
[صفحة لم ترقن] (1/196)
صفحة 195
فهرس عام لأسماء الأشخاص والأماكن
[صفحة لم ترقن] (1/197)
صفحة 196
[صفحة لم ترقن] (1/198)
صفحة 197
[صفحة لم ترقن] (1/199)
صفحة 198
[صفحة لم ترقن] (1/200)
صفحة 199
[صفحة لم ترقن] (1/201)
صفحة 200
[صفحة لم ترقن] (1/202)
صفحة 201
[صفحة لم ترقن] (1/203)
صفحة 202
[صفحة لم ترقن] (1/204)
صفحة 203
[صفحة لم ترقن] (1/205)
صفحة 204
[صفحة لم ترقن] (1/206)
صفحة 205
[صفحة لم ترقن] (1/207)
صفحة 206
[صفحة لم ترقن] (1/208)
صفحة 207
فهرس
المقدمة ... ص
طريق الاباضية إلى المغرب ... 1
من هو أبو زكرياء؟ ... 13
كلمة عن كتاب السير ... 15
صفحتان من المخطوط المعتمدة ... 23
كتاب السير ... 25
ذكر فضائل الفرس من العجم ... 28
فضائل البربر من العجم ... 33
رجع الحديث إلى ذكر النفر الخمسة الحملة العلم ... 35
أخبار عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى ... 35
إمامة ابن الخطاب عبد الأعلى بن السمح ض ... 37
سير ابن الأشعث إلى افريقيا ... 44
مقتل أبي الخطاب وأصحابه رضي الله عنهم ... 46
ولاية ابن حاتم رضي الله عنه وأرضاه ... 48
ذكر موقعة مغمداس ... 51
مقتل أبي حاتم وأصحابه ض ... 52
إمامة عبد الرحمن بن رستم ... 53
ولاية عبد الوهاب بن عبد الرحمن ... 56
أول افتراق الإباضية - سبب الافتراق ... 58
ثورة ابن فندين ... 63
محاربة الواصلية للإمام ض ... 67
محاصرة الإمام رضي الله عنه لمدينة طرابلس ... 76
الافتراق الثاني بين الإباضية ... 79
استعمال أبي عبيدة عبد الحميد ومحاربة خلف الحبيب بن الطيب ... 82 (1/209)
صفحة 208
ولاية أفلح بن عبد الوهاب ... 85
الافتراق الثالث من الإباضية ... 92
ولاية محمد بن أفلح ض ... 98
ولاية يوسف بن محمد بن أفلح رحمهم الله ... 99
وقعة مانوا وانقراض الإمامة ... 103
أخبار عبد الله ووقعه بأرض المغرب ... 109
خروج الحجاني ألعنه الله من كتامه ... 112
أيو يزيد مخلد بن كيداد اليفراني ... 116
أخبار يعقوب بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ض ... 126
الافتراق الرابع من الإباضية ... 126
أخبار أبي الربيع سليمان بن زرقون النفوسي ض ... 128
الافتراق الخامس من الإباضية خبر الشكاس وانتحال مذهبه ... 134
أخبار أبي القاسم يزيد بن مخلد وأبي خزر يقلى بن زلتاف الوسيانيان أيدهما الله ... 136
خبر وقعة باغاي وكيف كان خبرها ومنتهى أمرها ... 142
مناظرات أبي نوح رضي الله عنه بين يدي أبي تميم ... 149
أخبار أبي مسور سيجا بن يوجين اليهرساني ض ... 165
أخبار الشيخ أبي عبد الله بن بكر رضي الله عنه وقعوده في الحلقة ... 173
أخبار الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ض ... 184
مراجع التحقيق ... 189
فهرس عام لأسماء الأشخاص والأماكن ... 195 (1/210)
صفحة 209
[صفحة لم ترقن] (1/211)
صفحة 210
[صفحة لم ترقن] (1/212)