صفحة 1
الكتاب: ليبيا لـ؟؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] غدامس:
... تقع في جنوب الغربي من ليبيا، وتبعد عن طرابلس بحوالي600ك.م،وهي واحة في واحة الصحراء بين العرق الكبير والحمادة الحمراء، وكانت موجودة قبل الفتح الإسلامي، وتسمى صادموس (1) ، ثم فتحها على يد عقبة بن نافع سنة42هـ (2) .
... تعتبر غدامس بوابة متقدمة في الصحراء، وكانت مهمتها منذ القديم حراسة ومراقبة الطريق الصحراوي الذي يمر بها إلى السودان الغربي، وربما كان لها دور في مراقبة القبائل الجرمنية (3) ، في جنوب ليبيا، الأمر الذي جعل موقعها استراجياَّ وذا أهمية كبيرة.
... وغدامس تتمتع بثروة اقتصادية مهمة بسبب موقعها في القوافل التي كانت تتردد عليها (4) ، كانت غدامس ترتبط بعلاقات وثيقة مع جبل نفوسة، حيث تبعد عنها بحوالي 110 ك.م، ومدينة درج أو ادرج حسب المصادر الإباضية، ويقارنه ليفسكي مع اسم قبيلة زناتية وهم بنو ادرج، وهي التي ذكرها ابن حوقل من ضمن القبائل البربرية (5) في القرن الثاني الهجري.
... كان سكان غدامس ودرج مثل جبل نفوسة إباضية، وكان نظامها السياسي يشبه النظام السياسي بجبل نفوسة حيث كان لها أشياخ يحكمونها (6) .
... كانت غدامس تقع في مفترق طريقين هامين هما شرق وغرب مصر إلى السودان عبر سجلماسة (7) وطريق آخر مباشر جنوب، وهو خط التجارة الإباضية للذهب و الرقيق (8) .
__________
(1) - thry,opcit,p339.
(2) - ibidem.
(3) - ibidem.
(4) - ibidem.
(5) - ibidem.
(6) - ibidem.
(7) - ibidem,p 339.
(8) - ibidem. (1/1)
صفحة 2
ونظرا لوقوع غدامس جنوب الجريد فهي تأتي في طريق التجارة مع السودان، عبركانم مما كان يسمح لها بجباية مهمة على تلك التجارة (1) ، بالإضافة إلى هاتين المحطتين غدامس وزويلة وما يمثله موقعها من أهمية كبيرة في حركة التجارة، توجد محطات أخرى في إقليم ليبيا، ولكن لا تضاهي في أهميتها تلك المدينتين، نظرا لكونها بوابة الصحراء، أو المحطات الأولى في الاتجاه نحو الصحراء، فعلى الطريق التجاري بين مصر وزويلة يوجد عدد من المحطات منها جالو وأوجلة واجدابيا في النصف الشرقي من ليبيا وهي واحات هامة ومدن تجارية كبيرة.
درس الباحث جاك تيري(thiry) (2) عددا من الطرق والمسالك من المشرق على المغرب ابتداءً من مصر مروراً بإقليم برقة في شرق ليبيا، معتمدا في وصفه هذا على تحليل عدد من نصوص الجغرافيين المسلمين أمثال: ابن خرداذابة واليعقوبي وقدامة والمقدسي وابن حوقل والبكري والإدريسي، وهكذا ميَّز الطرق التالية:
الطريق من برقة إلى طريق برنيق بالقرب من أجدابيا مسافته يومان وهو طريق إلى إفريقيا مرورا باجديب، وكانت في بدايته يمر بمدينة سلوق وهي تقع إلى شمال الشرقي من اجدابيا وتقطع هذه المسافة في أربعة أيام. ويذكر أن عدد محطاتها هي ستة (3) دون التعريف بها وبأهميتها. فليس مستبعدا أن تكون محطات صغيرة للتزود بالماء و الكلأ للوصول إلى اجدابيا.
__________
(1) - thiry.pg.339.
(2) - thiry.pg.406.
(3) - thiry.pg.406. (1/2)
صفحة 3
... وأِشار نفس البحث (1) إلى طريقين آخرين يرتبطان بأجدابيا هما الطريق الأول: الذي كان منطلقة من المحلى على خط الإسكندرية برقة الداخلة في إتجاه الجنوبي الغربي (2) ، وهو ربما الطريق المتجه نحو زويلة، أما الطريق الثاني فهو بمثابة تكملة للخط الأول الذي كان منطلقه ميناء برنيق أجدابيا وصولا على سرت على مسافة 380 ك.م في خمس أو ستة مراحل (3) ، وهذه المراحل التي لم التعريف بها، غير أن مدة الرحلة عبر هذا الطريق كانت تستغرق عشرة أيام (4) . هذا الخط كان يسير في خط المغرب بمحاذاة ساحل البحر، فمن سرت على طرابلس كان السفر يستغرق بهذا الخط ما يزيد عن عشرة أيام، تتخللها ثماني محطات مرورا بمحطة مغمداس إلى الغرب من سرت إلى تاورغاء على البحر الأبيض من بالقرب من طرابلس وإفريقية (5) .
وهذا الخط كان يمر بمحطات أخرى ذات أهمية كبيرة هي مدينة لبدة الواقعة على البحر، الشيء الذي جعل منها ميناء، وهي تتميز بوجودها في منطقة زراعية مشهورة بخصبتها، وحينما وصل هذا الخط إلى إقليم طرابلس كان يتفرع إلى طرق أخرى ثانوية داخل الإقليم، إلى جانب استمرار الخط الأساسي في سيره من طرابلس إلى صبره، وعبور سهل جفارة بمحاذاة شاطىء البحر وصولا على قابس قبل أن يأخذ الطريق الداخلي في الاتجاه نحو القيروان (6) . وكانت رحلة القافلة من طرابلس إلى القيران تستغرق عشرة أو أحد عشر يوما تتخللها جطوط داخلية في إفريقيا، أما مدة الرحلة من طرابلس إلى جبل نفوسة فكانت تتفاوت بين ثلاثة أو خمسة أيام.
__________
(1) - thiry.pg.406.
(2) - thiry.pg.406.
(3) - thiry.pg.406.
(4) - thiry.p.406.
(5) - thiry.pg306.
(6) - thiry.pg.406. (1/3)
صفحة 4
حسب موقع المدينة وقربها من طرابلس، فشروس عاصمة الجبل مثلا كانت المسافة إليها من طرابلس تستغرق خمسة أيام. والجدير بالملاحظة أنَّ هذا الخط التجاري الساحلي هو طريق عسكري، إذ كانت الجيوش تمر عبره من مصر إلى أفريقيا في مختلف فترات التاريخ غير أن هناك عددا من الطرق الثانوية التي تربط بين القرى القريبة في إفريقية، وقد منيَّز الباحث البلجيكي جاك تيري بعض الخطوط الخاصة منها، التي كانت تمر بتونس الحالية، فهناك خط من طرابلس إلى قابوس بتونس مسافته ستة أيام، إلى القيروان مسافة أربعة أو خمسة أيام، وهناك خط آخر كان يؤدي على صفاقص، ومنها إلى المهدية وتونس وخط ثالث كان يربط صفاقص بقفصة والجريد (1) .
... وفي معالجتنا للخطوط الثانوية من جبل نفوسة إلى المدن المحيطة به هناك عدة خطوط التي تربط طرابلس بجبل نفوسة منها خط طرابلس جادو الذي كانت الرحلة عبره تستغرق ستة أيام، في حين أنها من طرابلس على شروس كانت لا تتعدى خمسة أيام كما أشرنا. أما من جبل نفوسة على نفزاوة وغلى الجريد فكانت تستغرق ستة أيام، ونفس المدة إلى قفصة، في حين أنها كانت تستغرق من جبل نفوسة إلى القيروان وإلى الركلة اثني عشر يوما. وهناك طريق ثانوي آخر كان يربط غدامس بقابس، وكانت الرحلة تستغرق عبره أربعة أيام (2) .
إن مختلف هذه الطرق الرئيسية منها و الثانوية تبين بوضوح مدى الحيوية التي لعبتها التجارة الإفريقية _ المتوسطية في هذه المناطق التي كانت تمر منها الشيء الذي ساهم إلى حد كبير في إعمارها وازدهارها واتساع إشاعها.
تنظيم القوافل:
__________
(1) - thiry.pg.406.
(2) - thiry.pg.406. (1/4)
صفحة 5
... إن حركة التجارة عبر الصحراء تعتبر مصدرا مهماً لعدد من التجارة بل الكثير من المدن والأقليم التي تتعامل بتجارة الصحراء، فهي مصدر رواج مهم لعدد من البضائع و المنتوجات، كما أنها تشكل حلقة وصل بين المواني المطلة على البحر الأبيض، والتب بدورها تعتبر الرابط الأساسي للتجارة مع أوروبا وخاصة الجنوبية منها، ولهذه الأسباب كان من الضروري اتخاذ جملة من الترتيبات والاستعدادات لتنظيم القوافل لتسيرفي أفضل الظروف محافظة على ما تحمله من بضائع وسلع تجارية بعضها سريع العطب ويحتاج إلى نوع معين من من العناية و الاهتمام، مثل تجارة الرقيق و الذهب، الأولى عطبها وسهولة تحملها، والثانية لقيمتها الثمينة وما يعترض تجارتها من المخاطر.
... فجاك تيري(thiry) يقدم لنا وصفا لتنظيم القافلة ولو أنه مختصر ولا يتضمن الأعداد التي تتكون منها القافلة، إلا أنه يعطينا صورة واضحة عن التنظيم القافلة، ويقول في هذا الشأن: إن لكل شخص في القافلة ثلاثة جمال، أحدهما لركوبه والثاني لحمل الماء والثالث لنقل التموين، ويضيف أن على كل رأس القافلة شيخ يقوم بتدبير أمورها طيلة مدة الرحلة، وبعض هذه القوافل، وخاصة ذات العدد الكبير هي بمثابة " مدينة تسير على الطريق" فتجد من بين أعضائها الإمام والقاضي و المؤذن إضافة إلى الشيخ (1) .
__________
(1) - thiry.pg.406. (1/5)
صفحة 6
... ومما ورد عند بحاز (1) في هذا الموضوع نقلا عن bengeirc"" ربما كان يتجر لوحده كان يتخذ ثلاثين جملا إلى بلاد السودان. وبمجرد وصوله إلى هناك كان يبعها كلها ولا يبقى منها إلا ثلاثة أو اثنين واحد لمركبه و الآخر يحمل عليه ماءه، وثمن الجمال المباعة يأخذه ذهبا على بعير ثالث، ربما كان هذا الوصف لنوع من القوافل فهي ليست كلها على نمط واحد أو بصورة واحدة فهناك قوافل تتعامل في المبادلات بدل الذهب نقدا مقابل السلع، فهي ربما تعود محملة بسلع تجارية من السودان تحتاجها أفريقيا وبلاد المغرب.
... إذاً ما عرض له بحاز ربما لاينطبق على كل القوافل التجارية العابرة للصحراء.ولعل ما ذكره ابن خلدون (2) عن عدد جمال القوافل تجارية ما بين فزان وبلاد السودان، والذي بلغ تعدادها اثني عشر ألف راحلة ليس بالأمر المستبعد؟
... وتنظيم القوافل وسرعة سيرها تتحكم فيها جملة من الظروف، منها نوعية البضاعة التي تحملها القافلة والفصل التي تسير فيه. ففي فصل الصيف عادة تكون المسافة بين المحطات متقاربة نظرا لحرارة المناخ ووهج الرمال الحارقة، وكذلك خط السير والرمال التي تعلو تلك الطريق، وتوفر المياه على خط المياه على خط القافلة، ووجود قطاع الطرق كل هذه الظروف تحكم سير القافلة وتنظيمها.
فالقافلة التي كانت تحمل الملح من ملاحات جنوب الصحراء إلى بلاد السودان، كانت تسافر في الربيع والخريف، و القوافل التي كانت تعبر الصحراء تسافر في الخريف و الشتاء وكان معدل سير القافلة في اليوم تسع ساعات، تتعدى اثنتي عشر ساعة في اليوم (3) .
__________
(1) - بحاز، مصدر سابق، 238.
(2) - ابن خلدون، العبر، ج7، ص108، بحاز، الرستمية، ص 237.
(3) - thiry.pg.464. (1/6)
صفحة 7
... كانت القافلة يحكمها شيخ يساعده عدد من العمال إذا كانت القافلة ضخمة، ويكون مصحوبا بخبير على الدراية بمسالك الطريق وموارد الماء، وبعض الأحيان يكون شيخ القافلة هو الخبير، وهو الذي يقرر خط السير، ويعطي معلوماته للتكشيف الذي في أغلب الأحيان يسبق القافلة، ومهمة اختيار المسلك الآمنة، والتي تتوفر على الماء و الكلأ.
... ومهمة شيخ القافلة تشكيل أفراد الجيش لحماية القافلة من قطاع الطرق، ومن مهامه أيضا حل المشاكل داخل القافلة، والاتصال معه القبائل التي كانت تمر القافلة على أرضيها، لتسديد ضرائب المرور و الحماية، فالقافلة الكبيرة كانت تشبه المدينة الكبيرة المتحركة يكون عادة لها مؤذن وإمام، وكل فوج داخل القافلة يكون له رئيس ومجموعة الرؤساء يحكمها شيخ القافلة (1) ، وكانت هذه القوافل تنتقل البضائع كالمصنعات من الزجاج والرصاص والنحاس إلى السودان (2) .
... وكان يصدر من برقة الحرير و الصوف التي اشتعر بهما، وكان جبل نفوسة يصدر الكتن عالي الجودة (3) ، كما كانت برقة تشتهر بتصدير الخيول التي كانت ثمنها غالي جدا في السودان (4) .
... بينما يستورد من السودان جلد الماعز الذي يستخدم صناعة الأحذية، وكانت بلاد المغرب تصدر الزرابي المصنوعة من الجلد نحو المشرق، وكانت أفريقيا تصدر المزاود والقرب والمجوهرات والعاج (5) .
... ومن الصعوبات التي تواجه القوافل طبيعة الصحراء القاسية، وقلة الماء بها (6) ، إلا أن تلك الصعوبات يمكن تجاوزها بقطع القفار في فصل الشتاء أو الخريف، وهو ما أشار إليه ابن حوقل و الإدريسي (7) .
__________
(1) - thiry.pg456.
(2) - thiry.pg.487.
(3) - thiry.pg.489.
(4) - thiry.pg492.
(5) - thiry.pg.492.
(6) - thiry.pg.495.
(7) - بحاز، الرسنمية، ص235. (1/7)
صفحة 8
... ولتفادي خطورة فقدان الماء يلجأ التجار المسافرون إلى حفر آبار لا يتعدى عمقفها نصف قامة في بعض المناطق التي يكون فيها المياه الجوفية قريبة من السطح، و الحقيقة أن سر هذه الدلالة على المياه الجوفية تحتفظ بها في بعض القبائل دون غيرها (1) ، كما أن لقبيلة مسوفة معرفة بأوضاع البر وأشكاله والهداية والدلالة على المياهه (2) .
... ومن الصعوبات التي تعاني منها الخطوط الصحراوية مشكلة تنقل الرمال التي كانت تضيع معها معالم الطريق لولا وجود الأدلاء الذين اشتهروا بمعرفة تلك الطرق وحركة الرمال بها حيث اكتسبت بعض القبائل خبرة واسعة في تلك الطرق لما استمرت تلك التجارة قرونا طويلة. ولتجنب خطورة قطع الصحراء فإن التجار جندوا كل الأسباب لضمان نجاح رحلاتهم، ومن ذلك ما يرويه الإدريسي عندما يقول في وصفه:"السير بها أنهم يوقرون أحمالهم في السَحَر الأخير ويمشون حتى تطلع الشمس، ويكثر نورها في الجو ويشتد الحر على الأرض فيحطون أحمالهم ويقيدون جمالهم، ويخيمون على أنفسهم ظلالا تكنهم من حر الهجير وسموم القائلة ويقيمون كذلك في وقت العصر، وحين تأخذ الشمس في الميل و الانحطاط في جهة المغرب يرحلون من هناك، ويمشون بقية يومهم ويصلون المشي إلى وقت العتمة، ويعرسون أينما وصلوا ويبيتون بقية ليلهم إلى وقت الفجر الأخير، ثم يرحلون وهكذا سفر التجار إلى بلاد السودان (3) .
__________
(1) - بحاز، الرسنمية، ص235، نقلا عن الإدريسي، ص11.
(2) - بحاز، الرسنمية، ص235، نقلا عن ابن حوقل، ص101.
(3) - بحاز، الرسنمية، ص236، نقلا عن الإدريسي، ص18. (1/8)
صفحة 9
إن هذا النص يبين ما يعانيه التجار من مشاق السفر لطبيعة الصحراء القاسية، وكيف يقسمون الوقت ويختارون الأنسب للسفر والراحة عندما تكون الراحة ضرورة ملحة. إضافة إلى ماذكر من مشاق الصحراء ومتاعبها فعلى التجار أن يكونوا حذرين من هوام الأرض ودوابها فهي كثيرة (1) . وكذلك الاحتراس من الأعداء وقطاع الطرق.ولعل أخطر ما تواجهه القوافل المتجهة أو القادمة من السودان تلك الرياح العاصفة التي تشتت شمل التجار وقافلتهم وتنفر الجمال وتمحي آثار المسالك فيقع الكثيرون منهم ضحية لها ضائعين تائهين (2) .
... هذه جملة من الصعوبات التي تواجه حركة التجار عبر الصحراء ويلاقي التجار منها ما يلاقون، ولذلك نجد لا يسيرون لا يكون إلا في جماعات منتظمة، ووسيلة نقلهم هي جمل أدى في تجارية الصحراء، مالم تؤدي السفن في التجارة البحرية، وهذا السِّر الحقيقي في نجاحها.
إذن، كانت القوافل خاضعة لنظام محكم تجنبا تلك المخاطر التي قد تعترض سبيلها مما جعلها تصل بانتظام إلى مقاصدها في النهاية.
الفصل الثالث
الوضعية الفكرية
المبحث الأول الخصائص الفكرية:
__________
(1) - بحاز، الرسنمية، ص236، نقلا عن الإدريسي، ص18.
(2) - بحاز، الرسنمية، ص235. (1/9)
صفحة 10
... اهتم سكان جبل نفوسة منذ القرن الأول الهجري بعلوم القرآن والفقه والسير بالدرجة الأولى، مما جعل المنحى الديني والانحياز للمذهب الإباضي أو سير الأشياخ الذين عاشوا في الجبل، يطغى على الكتابات التي وصلت إلينا. كما أن النشاط الثقافي في ليبيا بصفة عامة يشوبه افتقار أي لم تكن حركة علمية مزدهرة بالمفهوم المتعارف عليه في حواضر الدول الأخرى. وقبل أن نتطرق إلى الحركة الثقافية في الجبل بشكل خاص يجدر بنا إعطاء لمحة عن ضعف أو ندرة الحركة الثقافية في إقليم طرابلس بصفة عامة، وذلك بالإشارة إلى بعض الآراء التي أوردها المهتمين بالثقافة وتاريخها في ليبيا، والتي ربما يكون بعضها موضوعيا ويعطي تفسيرا لضعف الحركة الثقافية والنشاط العلمي في إقليم طرابلس (ليبيا) ولماذا تمَّ التركيز على لون معين مكن الثقافة وإهمال المجالات الثقافية الأخرى؟
وقد ورد الأستاذ إحسان عباس أسباب تلك الظاهرة إلى:
1. أن ليبيا وجد بها علماء وأدباء، ولكن لم يشتهر منهم إلا الذين رحلوا عن ليبيا واتصلوا بعالم أو الأديب أو البلاط مشهور بينما ظلت البقية الباقية مغمورة فذهبت أخباها طي النسيان والضياع (1) .
2. أنَّ ليبيا لم تنشأ بها عاصمة إسلامية مشهورة (وخاصة في العصور الوسطى)؛ ولذلك لم تنجب أدباء وشعراء من الطراز الأول، لأن الأدب ولاسيما الشعر هو وليد العواصم السياسية (2) بينما يقتصر تعليل القاضي النعمان للفقر الشعري ف يليبيا على عاملين:
__________
(1) - عبد اللطيف محمود البرغوثي، تاريخ ليبيا الإسلامي من الفتح حتى بداية العصر العثماني، منشورات الجامعة الليبية، دار الصادر، بيروت، 1393هـ، ص297.
(2) - البرغوثي نفسه، ص297. (1/10)
صفحة 11
أ). إن معظم القوات التي فتحت ليبيا كانت من عرب اليمن وموهوبة الشعر مضرية وليست يمنية (1) .
ب). إن المؤرخين والرواة كانوا في مجملهم من العراقيين فسجلوا ما يتعلق بالعراق فقط، ولذلك ضاع الشعر الذي نظم في الفتوحات الإسلامية بغربي الدولة العربية ومنها ليبيا (2) .
كما يضيف البرغوثي إلى أن هذه الآراء أو جهات النظر أسبابا أخرى تعلل ضعف الحركة الأدبية في ليبيا أو إقليم طرابلس منها:
1. بعد ليبيا عن مركز الخلافة، فقد تسبب بعدها عن المدينة المنورة ودمشق وبغداد ومصر في شبه عزلة عن الدوافع والتيارات الفكرية، ولذلك ظلت الحركة العلمية الأدبية فيها حركة محلية تتسم بالضعف والركود (3) .
2. اتساع ليبيا وفقرها وقلة عدد سكانها فالعالم أو الأديب الذي يطمع في الثروة لابد أن يطمع في الشهرة، إذا فلا نتوقع من أي الصنفين أن يأتي يستوطن ليبيا؛ لأنها لا تضمن له ثروة بسبب فقرها ولا شهرة بسبب بعدها عن مركز الدولة (4) .
__________
(1) - القبلية الوحيدة التي اشتهرت بالشعر هي قبيلة بني هديل التي ينتمي إليها الشاعر أبو دؤيب الهدلي المشهور، ولكن هذه قبيلة استقرت بمصر، البرغوثي، مصدر سابق، ص297.
(2) - نفسه،ص297.
(3) - نفسه، ص298.
(4) - البرغوثي، ص298. (1/11)
صفحة 12
ولنا على وجه النظر هذه تعليق، فإن ليبيا أو طرابلس على وجه التحديد كان أهم المراكز التجارية منذ عهد الفينيقيين والرومان بما اشتمل عليه من موانىء تجارية لها علاقة مع الدول أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وأيضا مع الصحراء وجنوب الصحراء (بلاد السودان) عبر تجارة القوافل، وبذلك شهدت ازدهارا اقتصاديا كبيرا على مدى عصورها الفينيقية والرومانية والعربية الإسلامية، إضافة إلى ما تشتمل عليه من ثروات زراعية وحيوانية أوردناها في حينها. إذا رأي الأستاذ البرغوثي تنقصه الدقة و الموضوعية في تحليل أسباب ندرة أو عدم ازدهار الحياة الثقافية في إقليم طرابلس بشكل له شأن، فإذا أخذنا بوجه النظر القائلة ببعدها (ليبيا) عن مراكز التأثير الثقافي والعلمي، يمكن أن نضيف سببا آخر وهو أن إقليم طرابلس يعتبر دائما (وخاصة في فترة دراستنا) منطقة الحروب و صراعات، وما نتج وعنها من إتلاف للعمران والمكتبات وهجرات للسكان، فالصراع الأغلبي و القبائل المحيطة بطرابلس كان سببا في عدم الاستقرار في المنطقة يكن ومهما يكن من أمر فإقليم طرابلس وجبل نفوسة لم يعدم العلماء الأجلاء في مختلف العلوم وإن ليس بما هو في الحواضر الكبرى التي حظيت بالاستقرار والأمن، ولكن قد أخذت نصيبها في ذلك. وما يهمنا في الموضوع دراستنا هو التركيز بشكل خاص على جبل نفوسة.
... لقد اتسمت النهضة العلمية في الجبل نفوسة بالتركيز على الدراسات والمؤلفات الدينية وخاصة فيما يخدم أغراض المذهب الإباضي ويدعو له. (1/12)
صفحة 13
... كما تركزت الحياة الفكرية على لون آخر من فنون الأدب وهو كتابة السير وخاصة المتعلقة بالعلماء وأشياخ المذهب والحكام(الأئمة)، وما عدا هذين اللونين من الثقافة فهناك علم الكلام والجدل وهو يخدم أهداف المذهب في المناظرات التي كانت تجري في الجبل ولتجنب الإطالة في هذا الموضوع سنشير إلى عدد من العلماء هم رموز الحركة العلمية في الجبل، مما يعطينا صورة كافية عن اهتمام أهل الجبل بالعلوم وخاصة الدينية منها والتي نفق سوقها وقلت
منافستها في بقية العلوم و الآداب الأخرى.
هذا بالنسبة للأدب العربي فقط، أما الأدب الأمازيغى وإن لم تصلنا عنه أصداء فلا بد أن يكون مزدهرا في ذلك بحكم أهمية السكان الأمازيغ في تلك البقاع يومئذ. ...
... لا ينبغي كذلك نسيان الصراع بين الفقهاء السنيين وغيرهم. فانتشار المذهب السني في المغرب الكبير جعل فقهاء هذا المذهب يقفون في وجه من خالفهم فأتلفت مؤلفاتهم الخ...
المبحث الثاني
رواد الحركة الفكرية
علماء القرن الثاني
من علماء الجبل الأوائل في هذه الفترة:
2- عمربن يمكتن:
كان يعيش في أوائل الدولة العباسية(140هـ)، ويذكر الشماخي أنه أول من علم القرآن بجبل نفوسة؛ علمه بقرية يقال لها إيفاطمان ويذكر أن عمر بن يمكتن تعلم القرآن بطريق مغمداس (مكان إلى الغرب من مدينة سرت) يلتقىفيها السابلة من المارة من المشرق فيكتب عنهم لوحة من القرآن وينصرف، فإذا حفظه رجع إلى المحجة فيكتب من المارة والرفاق كذلك حتى حفظ القرآن وتعلم العلم، وذلك لحرصه على طلب العلم والقرآن في أول الإسلام وقلة المتعلمين في البلدان (1)
2-محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي الجناوني:
__________
(1) - الشماخي، السير، ص148، أحمد مختار، النشاط الثقافي في ليبيا، ص133. (1/13)
صفحة 14
وقد سافر إلى أبي عبيده (1) ورجع قبل وفود الخمسة حملة العلم الآخرين أي من قبل عام 135هـ ويقال إنَّه أول من جمع القرآن كله في جبل نفوسة. وقد قال عنه الشماخي: "كان سيخا فاضلا فقيهاً مفتياً... وكان محل الثقة من أمير المؤمنين عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم. وحينما كان الأمير بجبل نفوسة اختصم عنده رجلان فلم يسمح لنفسه بالفصل بينهما، وإنما درهم لابن مغطير نظرا لعلمه وفصله". (2)
... هذا النص بقدر أن نفهم من خلاله مدى ما وصل إليه بعض علماء الجبل من مكانة وتقدير لدى حكام تاهرت فإننا نجد أن هناك نهضة علمية مبكرة قد شهدها الجبل.
3- إسماعيل بن ضرار الغدامسي:
وهو أحد الذين ذهبوا إلى البصرة وتتلمذوا على يد أبي عبيدة مسلم، وقد مكث مع أستاذه خمسة أعوام، وحين عزم على مفارقته أخذ يسأله عن مسائل بلغت ثلاثمائة مسألة حتى قال أبو عبيدة: اتريد أن تكون قاضيا يا ابن ضرار؟ فأجابه أرأيت إن أيتليت بذلك (3) ؟
4- نفاث بن نصر النفوسي:
__________
(1) - هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، عده الدرجيني من علماء الطبقة الثالثة، أما رجال الطبقة الأولى فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما رجال الطبقة الثانية فمنهم جابر بن زيد وعبد الله بن إباض وأبو بلال مرداس وكتاب الطبقات مقسم على اثتى عشرة طبقة كل طبقة تشمل تراجم خمسين سنة وفد وصف الدرجيني أبا عبيدة بقوله:"كبير تلامذة جابر وممن حسنت أخباره، حافظ على خفية على الدين يعني المذهب"حتى ظهر على الخمسة (ألميامين) يعني بذلك تلاميذه الذين حملوا عنه العلم ونشروه. الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، طبفات الأئمة وسير العلماء. تحقيق: إبراهيم طلاي. 1/21. كذلك الشماخي السير ص124. أحمد مختار. مصدر سابق؟،ص134.
(2) - الدرجيني، طبقات،ص21.
(3) - الدرجيني، طبقات، مصدر السابق،1/21. أحمد مختار، النشاط الثقافي في ليبيا، 134. مصطفى مفتاح، تاريخ ليبيا، مصدر سابق، 251. (1/14)
صفحة 15
... لم يكن على وفاق مع الأئمة الرستميين وخاصة الإمام أفلح (190هـ). سنتناول ذلك في الجانب السياسي. ولذا ترك بلاد المغرب وذهب إلى العراق. وقد ذكر الباروني"في أزهاره" أنه أثناء إقامته في بغداد طرات للسلطان مسألة فقهية أشكل عليه فيها الأمر وعجز العلماء عن إجابتها، فأمر أن ينادي في الأسواق بأن كل من أجاب عنها بجواب مقنع فله ما يسأله من السلطان، وسمع نفات هذا النداء وذهب إلى السلطان وأخذ يستشيره في مسائل أخرى ففعل، وذلك في مجلس حافل من العلماء والفقهاء والأدباء وذوي الوجاهة (1) .
__________
(1) - سليمان الباروني، الأزهر الرياحنية في تاريخ أئمة ملوك الإباضية، تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة الأزهار البارونية، ص195. أحمد مختار، الشاط الثقافي، ص134. مصطقى مفتاح، تاريخ ليبيا، مصدر السابق، ص252. (1/15)
صفحة 16
5-أبوداودالقبلي: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وهومن أكابر علماء القرن الثاني الهجري ومن حملة العلم الخمسة عن أبي عبيده، وعندما رجع من العراق اشتغل بالتدريس، وكان الإمام عبد الوهاب على غزارة علمه يجلس بين يديه كالتلميذ الصغير أمام أستاذه، وعنه أخذ كثيرا من علمه.ويبدو أن اهتمام إباضية نفوسة بالدراسات الإسلامية وخاصة فيما يتعلق بالمذهب الإباضي يفوق غيرهم من أهل المذاهب الأخرى، فقد روى أنه اجتمع في بلدة إجناون وهي في سفح جبل جادو سبعون عالماً أيام أبي عبيده عبد الحميد الجناوني والى الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة (1) .بل أكثر من ذلك فقد لجأ الإمام عبد الوهاب حين ضايقه جماعة الواصلية بتاهرت إلى جبل نفوسة وطلب من واليه على الجبل أن يرسل إليه من له القدرة على الجدل والمناظرة،مما يدل دلالة واضحة على تبحر علماء الجبل في علم الكلام والمناظرات وهو ذلك اللون من العلم الذي كان يتقنه الواصلية.مما يفيدنا في هذا السياق أن أهل الجبل إضافة إلى اهتمامهم بعلوم الفقه والسيرة قد برعوا في علوم أخرى منها علم الكلام والذي لا غنى للدولة الرستمية عنه للدفاع عن معتقداتها وآراءها المذهبية، مما يؤكد حقيقة أخرى أكثر أهمية وهي الدور الثقافي الذي لعبه الجبل لصيانة مذهب الدولة الرستمية(والتنظير له إذاصح هذا التعبير):أي أن الجبل بعلمائه شكل هيكلية ثقافية هامة اعتمدت عليها الدولة الرستمية في تاهرت لمقارعة خصومها من الفرق والمذاهب الأخرى. ... ...
__________
(1) - أحمد مختار، النشاط الثقافي، مصدر سابق، ص 135، نقلا عن قناطر الخيرات، للجيطالي،2/90. (1/16)
صفحة 17
1-أبو خليل صال الدركلي(نسبة إلى دركل إحدى قرى نفوسة): ... ... ... ... أخذ العلم عن محمد بن يانس عن حملة العلم عن أبي عبيده، وضعه الدرجيني في الطبقة الخامسة، وقد توفي وله من العمر مائة عام (1) هذا العالم من علماء الطبقة الخامسة، ولكن مازال يحمل إسما غير عربي بل اشتهر باسم قريته البربري دركل. ... ... ... هذه العينةمن الأسماء تبين بوضوح مدى تقبل سكان جبل نفوسة وتجاورهم مع الإسلام إلى درجة أن منهم من أصبح يتبحر في علومه ومعارفه. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الفصل الرابع
... الوضعية السياسية والإدارية
... ... ... ... ... المبحث الأول
... نظام الولاة
إن الحديث عن الوضعية السياسية والإدارية في الجبل يتسم بشيء من الغموض والتشابك وخاصة في مراحل بنائه السياسي الأولى، إذ إن المصادر التي بين أيدينا لم تشر إلى نظام سياسي وإداري قائم بذاته وخاصة في مرحلة الثورة والخروج عن الدولة العباسية وولاتها والتي تشير المصادر إلى آخر معركة وقعت في جبل نفوسة سنة 155هـ (2) .وكانت نفوسة وهوارة تخوضان هذه الحرب بقيادة أبي حاتم الملزوزي الإباضي والذي قتل في تلك المعركة مع عدد كبير من أصحابه. كما أن النصوص التي إستطعنا إعادة قراءتها واستنطاقها وإن أشارت إلى بعض المناصب والوظائف فهي بشكل عرضي لا تشفي غليل الباحث في مدى رسوخ المؤسسة الإدارية والمدنية في الجبل، أو المهام والخصائص السياسية والإدارية لتلك الوظائف مثل مهام الوالي ووظيفته الأساسية والوظائف التي كان يتقلدها إلى جانب عمله كحاكم للجبل. ورغم هذا لا نعدم الإجابة في بعض الأحيان من خلال نازلة أو حادثة وقعت في الجبل كان فيها دورا للوالي أو العامل أو المحتسب أو القاضي أوالمقدم إلا ما نجده في مدينة تيهرت حاضرة بني رستم.
__________
(1) - أحمد مختار، النشاط الثقافي، مصدر سابق، ص135.
(2) - الرقيق، تاريخ أفريقيا والمغرب، ص124. (1/17)
صفحة 18
فمن بين الوظائف التي وصلتنا عنها معلومات مهمة أو تم تناولها من خلال إبراز دور قبيلة نفوست في تيهرت هي وظيفة المحتسب.
فابن الصغير، المعاصر للدولة الرستمية وخاصة في مراحلها الأخيرة، يعطينا وصفا مهما للمحتسب ومعنى الحسبة وإن لم يسمها باسمها، وذلك في نص يتحدث من خلاله عن دور نفوسة وهيمنتها على الإدارة في تيهرت. كما يفيدنا هذا النص في معرفة الدور الذي كانت تلعبه قبيلة نفوسة في تيهرت والدولة الرستمية بصفة عامة، وهو مايبين تأثير الجبل وقبائله في مهام الإدارة والسياسية في الدولة الرستمية،قال ابن الصغير، "ثم أمر (1) قوما من نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فإن رأوا قصابا ينفخ في شاة عاقبوه، وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها، وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قدرا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه" (2) .
إن هذه الوظيفة التي وردت في نص ابن الصغير هي وظيفة المحتسب وإن لم يذكر باسمه فالمهمة ذاتها هي التي كانت موكولة إلى المحتسب في المدينة الإسلامية (3) في العصر الوسيط. كما أن هذا النص أفادنا إفادة تامة في أن هذا العمل أنيطت به نفوسة الجبل مما يسهل لنا مهمة المطابقة بين النظام المحتسبي في الجبل وفي مدينة تيهرت وإن لم يذكر ابن الصغير وجود ديوان للمحتسب أونظام إداري ينظم سير عمل هذه الوظيفة، بل إن هذا العمل تقوم به قبيلة نفوسة بتكليف من الإمام الرستمي.
__________
(1) - المقصود بمن أصدر الأمر هو أبو اليقظان محمد بن أفلح.
(2) - أخبار الأئمة ص88.
(3) - الأستاذ إبراهيم حركات، عن محاضرة من المدينة الإسلامية ألفاها عن طلبة السلك الثالث للعام 90-1991. (1/18)
صفحة 19
وما نود الإشارة إليه أن وظيفة المحتسب وإن أسندت إلى شخص أو قبيلة بعينها، فإن الوالي والعامل والقاضي يمكنهم القيام بها خاصة إذا علمنا إن أساس هذه الوظيفة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل حتى عامة الناس من المسلمين من مسؤليتهم النهوض بهذا الأمر.
ولكي نعرف الوضع السياسي والإداري في الجبل لابد من تحديد الوظائف التي كانت موجودة في الجبل من سياسية وإدارية وشرعية ومهام كل وظيفة بهذا نستطيع تكوين صورة واضحة إلى حد ما وفق ما تتيحه المصادر التي تناولت هذه الوظائف ولو بإشارات عابرة مما يمكننا إثارة أسئلة حولها.
ووظيفة الوالي أو الحاكم هي من الوظائف التي يرد ذكرها في أغلب المصادر، وهي ذات أهمية قصوى لأنها كانت تأتي على رأس هرم السلطة في الجبل، فهي الوظيفة الأساسية التي كانت محل نزاع وجدال وتجاذب بين الأئمة في تيهرت وجبل نفوسة، مما أدى إلى بعض الإنشقاقات في الجبل، ولذلك فكثيرا ماكان النزاع ينشب بين الجبل وتيهرت بسبب هذه الوظيفة وصلاحيتها وتسميتها ومن له حق اختيار الوالي من الأهالي في الجبل وعامة الناس منهم أو يعين من قبل الإمام ومن الوظائف المشار إليها وظيفة العامل إلا أن المصادر صمتت عن الدور المنوط بها.
وهي وظيفة تأتي في الأهمية بعد وظيفة الوالي، حيث تتكون الولاية من مجموعة من العمالات يعين على كل عمالة شخص يسمى العامل، وهي وظيفة أقل مستوى في المسؤولية من سلطة الوالي، ويأتي تعيينه حسب أهمية العمالة إما من قبل الإمام الرستمي مثل ما حدث في عمالة قنطرارة وما حدث حولها من خلاف واتفاق من أهل الجبل على شخصية معينة، وتتم المصادقة على هذا الإتفاق من قبل الإمام إذا كانت الأوضاع السياسية بين الجبل وتيهرت في حالة تقارب وتفاهم. (1/19)
صفحة 20
ومن الوظائف الأساسية في جبل نفوسة وظيفة القاضي الذي لا تكاد تخلو منه مدينة أو حتى قرية في الجبل خاصة قاضي الجماعة أو قاضي الأحوال الشرعية الذي تنحصر مهمته في المناكح والمواريث وكل ما يعن من أمور شرعية.
وهذه الوظيفة يزاولها الوالي أو العامل في بعض الأحيان،خاصة إذا كانت القضايا المراد البث فيها ذات طابع جنائي أو إداري أو تحكيمي تحتاج إلى سلطة جزائية لتنفيذ الأحكام.
وإلى جانب هذه الوظائف الأساسية، وظيفة المحتسب التي تجدر الإشارة إليها والحديث عنها نظرا لأهميتها في حياة العامة اليومية وإن غاب عنا تنظيمها الدقيق والأشخاص الذين كلفوا بها فمن الأهمية بمكان أن نفحص ما لدينا من مصادر ونصوص وإشارات عابرة عن هذه الوظيفة أما وظيفة الأشياخ والمقدمين فيبدو أنها وظيفة ضبطية لحفظ الأمن، والاختيار فيها يتم في إطار اجتماعي يعود إلى وجوه كل قبيلة وحنكتهم وتصدرهم لمهام الأمور، وتتحكم فيه عوامل اجتماعية مثل اختيار الشيخ للقبيلة، فهذه الوظيفة تتم وفق وجاهة الشخص المراد تعيينه وسلطة عشيرته داخل القبيلة ووضعيته الإقتصادية، وما يملكه من المال والنعم.
الوالي(الحاكم)في الجبل:
يمكن القول إن هذه الوظيفة هي الوحيدة التي وصلتنا عنها معلومات أكثر من غيرها من الوظائف حيث كانت محل نزاع في أغلب الأحيان بين الإمام الرستمي في تيهرت وسكان جبل نفوسة وسببا مباشرا في المحاولات التي ظهرت في الجبل لقيامة إمامة مستقلة في جبل نفوسة عن إمامة تيهرت. (1/20)
صفحة 21
... ومن حسن الحظ بالنسبة لهذه الوظيفة أن احتفظت لنا بعض المصادر الإباضية بأسماء عدد مهم ممن تقلدوها، وما صاحب ذلك من نزاعات سياسية وعسكرية بشأنها. ويبدو أنها تداخلت مهامها مع بقية الوظائف الأخرى أو استوعبتها كوظيفة في إطار منصب القاضي أو المحتسب كما سنرى مع أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني الذي مارس مهنة الحسبة بالإضافة إلى ولاية الجبل عندما حجر على أهل قرية إجناون (1) جمع محصول الزيتون قبل أوانه وعاقب من خالف ذلك.
فرغم أن المصادر الإباضية تحديدا احتفظت لنا بعدد من أسماء ولاة الجبل، إلا أن تلك المصادر سكتت عن تحديد مهام الوالي تحديدا مفصلا. فهل له مجلس يساعده في تسيير شؤون الولاية أم لا؟ رغم الإشارة إلى بعض الإستشارات التي يبد بها بعض الأشياخ والعلماء للوالي، كما أنه لم تكن هناك على ما يبدو مدة زمنية محددة لولاية الوالي وعزله، بل غالبا ما تنتهي بالوفاة أو بالعزل في حالات نادرة وقد رسم الباحث لويكي (lewicki) صورة مبسطة عن الوظتئف الحكومية المهمة في الدولة الرستمية، مظهرا أنها وظائف تتماشى مع نساطة الأئمة وطبيعة الإسلام. فمن وظائف المهمة الموجودة في الإدارة الرستمية وظيفة العامل (الوالي) على جماعة دمر وجبل نفوسة لبعدها القاضي الخطيرة، ثم وظيفة صاحب بيت المال، ووظيفة صاحب الشرطة والمحتسب.
"وتجدر الإشارة إلى أن عامل جبل نفوسة كان يدير الجماعات البعيدة باسم الإمام، وكانت له نفس السلطة ونفس النفوذ غير أنه كان مقيداً بنفس القيود التي يخضع لها المتمثلة في المشايخ الذين يرشدونه ويراقبونه". وبالإضافة إلى ذلك فإن نفس الباحث (أي لويكي) يشير إلى وجود مجلس استشاري، وهذا لا يتفق نع سير الأحداث.
__________
(1) - البغوري، مخطوط ورقة 145. (1/21)
صفحة 22
والأهم من ذلك مالم التي لم تشر له المصادر التي بين أيدينا على الأقل وهو وجود ولاة في أول عهد إمام رستمي وهو عبد الرحمان بن رستم مؤسس الإمامة في تيهرت، ذلك أننا لم نجد إشارة تفيد بوجود علاقة سياسية بين الجبل وتيهرت أو مراسم تنصيب والي على الجبل في تلك الفترة، كما يتضح ذلك في عهد الإمام الثاني عبد الوهاب.
كما أن المصادر سكتت عن الفترة الممتدة من155هـ (1) إلى 162هـ (2) : أي تاريخ مقتل أبي حاتم الملزوزي في التاريخ الأول وتولى عبد الرحمان بن رستم الإمامة في تيهرت في التاريخ الثاني. وكان أبو حاتم يقود إمامة الدفاع في حيز طرابلس، وقتل في إحدى مدن الجبل يذكرها الزاوي باسم جندوبة (3) بينما في نفس الموقع- وهو غربي جبل نفوسة- يوردها أبو زكريا باسم جنبي (4) .
... إلا أن أبا زكريا أشار إلى أن أبا حاتم كان يرسل الصدقات إلى عبد الرحمان قبل أن يتولى إمامة الظهور.
فمنذ تاريخ مقتل أبي حاتم المشار، إليه وخلال فترةحكم الإمام عبد الرحمان بن رستم في تيهرت سكتت المصادر عن وجود أي نشاط سياسي في الجبل.اللهم إلا حروب هوارة مع عمال طرابلس، وقد أشار محمود إسماعيل إلى "أن إباضية طرابلس قد استكانوا وغلبوا على أمرهم بعد فشل حركة أبي حاتم" (5) :أي أن فترة مابعد أبي حاتم تعبر فترة ركود سياسي في الجبل، كما إن بعض المصادر تشير إلى أن ستين من الأشياخ من نفوسة طرابلس قد رافقوا عبد الرحمان بن رستم أو لحقوا (6) به إلى المغرب الأوسط.
__________
(1) - الزاوي، تاريخ ليبيا، ص154، محمود إسماعيل، الخوارج، ص95.=
(2) - أبو زكرياء، السيرة،ص85.
(3) - الزاوي، تاريخ ليبيا، ص154، أبو زكرياء، السيرة ص83.
(4) - أبو زكرياء، السيرة ،ص 145.
(5) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص 95.
(6) -يذكر أبو زكرياء" أن عبد الرحمان بن رسنم لحقه بسوفجج ستون شيخا من مشائخ الإباضية في طرابلس" (أبو زكرياء، السيرة ص77) (1/22)
صفحة 23
بينما ينفي علي يحي معمر هذا السكون في الجبل ويؤكد على أن الجبل خلال هذه الفترة" عاش مستقلا عن جميع الحكومات فعمال الدولة العباسية لا يجرءون على مطالبتهم بشيء، وعبد الرحمان بن رستم لم يطلب منهم الطاعة، رغم الولاء المتبادل واعترافهم بإمامته" (1) . والذي لم يفصح عنه هذا النص هو الكيفية التي تم بها الإعتراف بإمامة عبد الرحمان من قبل جبل نفوسة إذا سلمنا أن الولاء المتبادل يمكن أن يتم باعتبار الطرفين ينضويان تحت مذهب واحد هو المذهب الإباضي.
وكيفما أولنا هذا النص فإن جبل نفوسة لم تكن له علاقة سياسية واضحة مع الدولة الرستمية خلال فترة حكم عبد الرحمان بن رستم. ولم تكن له أي ولاية سياسية على الجبل، مما يوضح بأن الجبل لم يدخل ضمن البناء السياسي للدولة الرستمية على عهد عبد الرحمان.
... وبهذا نستطيع القول بأن أول علاقة سياسية ربطت بين الجبل والدولة الرستمية تمت في عهد الإمام عبد الوهاب الذي تولى الإمامة بعد وفاة أبيه عبد الرحمان(171هـ) (2) .وقد قدم عبد الوهاب إلى الجبل على أرجح الاحتمال بين عامي 188هـ- 189هـ على اعتبار أن حصار طرابلس تم في آخر مدة بقائه في الجبل وهو 196هـ.فكل المصادر سكتت عن ذكر وصول الإمام إلى الجبل الذي أمضى فيه سبع سنوات (3) .
__________
(1) - علي، يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ص 77.
(2) - الباروني، الأزهار ص 218. هكذا ذكرها الباروني بأن جعل تاريخ وفاته 190هـ أي مدة حكمه تسعة عشر سنة، هذا لا يستقيم مع سير الأحداث، حيث كان عبد الوهاب محاصرا لمدينة طرابلس على إثر نجدته لهوارة ومهاجمة عاملها الأغلبي سنة 196هـ ، (ابن عدارى، ج1، ص 95).
(3) - أبو زكرياء ، السيرة، ص 116 ، الباروني، الأزهار، ص 194. (1/23)
صفحة 24
والحديث عن مقدم الإمام عبد الوهاب وبداية العلاقة السياسية مع الجبل رأينا تأجيله إلى أن نأتي علىنظام القضاة في الجبل ونظام الحسبة نظرا لارتباط قدوم عبد الوهاب بتعيين عدد من الولاة، وما حدث من جدال حول هذا الموضوع. وبالتالي رأينا أن ترك موضوع الولاة المعينين في الجبل يتزامن مع الحديث عن علاقة الإمام عبد الوهاب مع أهل جبل نفوسة وما نتج عن ذلك:
المبحث الثاني
... ... نظام الإدارة
نظام القضاء والحسبة في جبل نفوسة:
لقدحرص أهل جبل نفوسة على وجود وظيفة القاضي، وخاصة القاضي الشرعي أو قاضي الأحكام الشرعية، الذي يفصل في أمور المعاملات اليومية وتحري مطابقتها للشريعة وخاصة فيما يتعلق بالمناكح والمواريث وما في حكمها من معاملات تتطلب وجود قاض قار لهذه النوازل للبث فيها وإصدار أحكامه عليها.
وإذا علمنا أن نفوسة كانت تتولى هذه الوظيفة في تيهرت بتفويض من أئمة الدولة الرستمية، فإنه من باب أولى أن تحرص على هذه الوظيفة وعلى اختيار رجالها في جبل نفوسة الذي يعتبر موطنها الأول، وعليه تقع مسؤولية القيام بنفوذها الواسع في الدولة الرستمية. (1/24)
صفحة 25
وفي أمر تولي نفوسة للقضاء قال ابن الصغير:" وكانت نفوسة تلي عقد قديم القضاة وبيوت الأموال". (1) في هذا النص يخبرنا ابن الصغير عن مدى القوة التي بلغتها نفوسة في تيهرت وما لها من نفوذ، فهي تلي عقد أخطر وظيفتين: القضاء وأمناء المال إضافة إلى الحسبة التي أشرنا إليها آنفا، وكانت تلك الوظائف يتولاها بتفويض من أئمة تيهرت، نظرا لدور نفوسة الأساسي في بقاء الدولة الرستمية والحرص على استمرارها. ورغم أن المصادر التي بين أيدينا لا تسعفنا كثيرا في هذا الموضوع، فقد احتفظت لنا باسم شخصية أحد القضاة في زمن حاكم الجبل أبو منصور إلياس، وهذا القاضي هو عمروس بن فتح النفوسي الذي عده الدرجيني من علماء الطبقة السادسة (250هـ-300هـ) (2) ،وكان هذا القاضي شديدا في أحكامه. قال عنه الشماخي: (3)
"قال لأبي منصورإلياس إن لم تأذن لي بثلاث فخد خاتمك عني ياإلياس، قتل مانع الحق، والطاعن في دين المسلمين، والذال على عوراتهم"
يستخلص من هذا النص أن القاضي عمروس كان معينا من قبل حاكم الجبل أو(الوالي على الجبل)، وأن إرجاع الخاتم لأبي منصور الذي هو حاكم الجبل دليل على أنه هو من قلده وظيفة القضاء كما نفهم من النص مدى تشدد القاضي عمروس في أحكامه وتهاونه في الدماء، وإلا فإن الحدود التي تجبر بالقتل فقد شرعها الله تعالى في الإسلام في نطاق محدود جدا لئلا يمتهن الإنسان المسلم ويتعرض لهدر دمه لأتفه الأسباب.
والقاضي عمروس كان ممن حضر وقعة مانو حيث قتل فيها من ضمن من قتلوا 283هـ (4) ،كما ألف كتابا في الأصول عرف بالعمروسي بناءا على رغبة علماء أهل فزان من الإباضية (5) .
__________
(1) - ابن الصغير، الأئمة، ص63.
(2) - الدرجيني، الطبقات، ص 319 وما بعدها.
(3) - الشماخي، سير، ورقة 226.
(4) - أبو زكرياء، السيرة ، ص 153، الشماخي، سير، ورقة 229.
(5) - الباروني ، الأزهار، ص 214. (1/25)
صفحة 26
أما وظيفة المحتسب: فقد كانت موجودة في الجبل كما هي في تيهرت، عندما تولت نفوسة أمرها في تيهرت في حين كان الوالي في الجبل هو الذي يتولى هذه الوظيفة بنفسه. ولا ندري ما إذا كانت هذه المهمة قد أسندت إلى غيره من العماء إذ لم تصلنا أية معلومات عن أشخاص بعينهم تم إسناد هذه المهمةإليهم.
ومعلوم أن صاحبها كان يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراقبة الأسواق والمكايل والموازين. والمحافظة على السابلة، وإزالة الأذى عن طريق المسلمين، وتخفيف الأحمال على الدواب وكل هذه المهام التي كانت من مهام المحتسب مارستها نفوسة في تيهرت. ... ...
ويورد البغطوري في هذا الشأن أن الوالي أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني قد زاول وظيفة المحتسب وهو يتولى ولاية الجبل عندما منع أهل إجناون من جني محصول الزيتون قبل نضجها، فقال" إن أبا عبيدة حجر على أهل إجناون أن لا يخرطوا زيتونهم إلا في وقت معلوم، فكسر واحد منهم حجره وخرط من زيتونه قليلا ليجعله للرزق وللدباغ، فضربه أبو عبيدة على ذلك" (1) .
يفيد هذا النص في أن وظيفة المحتسب تتعدى ما أشرنا إليه من حماية الأسواق إلى الإنتاج ذاته عندما لا يزال في حقله ولم يتم نضجه بعد، كما أن العقوبة كانت زجرية، أي عقوبة الضرب مباشرة من قبل الوالي.
وفي نص آخر للبغطوري عن دور الحسبة في السوق يذكر بأن هناك شخصا مسؤولا عن السوق، وهو الذي يعطي الإذن لمن يحق له أن يبيع مواشيه في السوق لتحري منع اللصوص من بيع المسروق في الأسواق. وقد أشار إلى ذلك في حديثه عن العالم أبي يوسف وجدليش" أنه كان شديدا في الأمر والنهي...وأنه كان هو الذي يأذن لمن يبيع الغنم في جادو..." (2) .ويتحرى عن الغنم المباعة في السوق.
__________
(1) - البغطوري، مخطوط، ورقة 145.
(2) - نفسه ، ورقة 157. (1/26)
صفحة 27
"فأتاه رجل فسأله أن يأذن له في بيع غنمه، فقال له: من تكون؟ فقال له أنا ولد فلان من أهل أنير يا شيخ. فقال له: هذه الغنم تلد عندكم؟ قال: نعم. فقال له:بع غنمك".
يستخلص من هذا النص أن وظيفة المحتسب كانت قائمة في جبل نفوسة، وأن الوالي كان يمارسها بنفسه أحياناأو توكل إلى أحد الثقاة من العلماء مثل أبي يوسف وجداليش-المشار إليه-مثل مراقبة السوق، والتحري على المباع، وتخصيص شخص للقيام بذلك. وهذا ما أسعفتنا به المصادر عن مزاولة الحسبة في الجبل.
... الباب الثاني
العلاقة السياسية لجبل نفوسة
بالدولة الرستمية
... تمهيد
... قبل التطرق إلى العلاقة السياسية التي تكونت بين جبل نفوسة والدولة الرستمية في تيهرت يستلزم الأمر الانطلاق من نقطة البداية وهي محاولات تكوين دولة إباضية في إقليم طرابلس. وهي المحاولات التي سبقت قيام الدولة الرستمية في تيهرت، وكانت سببا أو حافزا لتكوينها بل امتدادا لها في الهدف وفكرة التكوين.
وربما تعود بنا هذه المقدمة إلى أوائل القرن الثاني الهجري، حيث قامت ثورة الإباضية في طرابلس وما نتج عنها من محاولات لإرساء حكم إباضي خارجي يعتمد مبدأ الشورى في الحكم ويرفض الحكم الوراثي السائد على عهد الدولة الأمية ومن بعدها الدولة العباسية.
يمكن اعتبار هذه الأهداف الإباضية من الناحية النظرية محاولة تطبيق مبدأ الشورى في الحكم التي نجدها قد انهارت في النظام الخارجي عند أول محاولة لتطبيقها بعد وفاة أول إمام رستمي وهو عبد الرحمان بن رستم مؤسس الدولة الرستميةوفق المذهب الإباضي ، كما سنرى فيما بعد.
... ... ... ... الفصل الأول
... ... العوامل المؤثرة في العلاقات بين ...
... ... ... إباضية الجبل وإباضية تيهرت
تمهيد (1/27)
صفحة 28
كانت هناك محاولات للإباضية في بداية القرن الثاني الهجري لقيام كيان سياسي في طرابلس، ولكن المصادر الإباضية تسقط تلك المحاولات من اعتبارها كنشاط للإباضية سابق على حركة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري(140هـ757م) فتعتبره أول الأئمة وتؤرخ لثورته باعتبارها بداية لمرحلة الظهور (1) .
... وإذا كانت ثورة أبي الخطاب تعد في الواقع أول ثورة إباضية ذات طابع شامل وبشكل منظم فقد سبقتها حركات أخرى لم تتمخض عن شيء سوى إضعاف الحركة الإباضية قبل أن يشتد عودها (2) .
ولكن مهما يكن من أمر تلك المحاولات فقد كانت الدافع القوي الإباضية لإعادة تنظيم صفوفها والإفادة من تلك المحاولات والإستعداد لإمامة الظهور (3) على يد أبي الخطاب.
ومن تلك المحاولات أو الثورات التي سبقت إمامة أبي الخطاب في طرابلس ثلاث ثورات قامت أولاها:سنة126هـ744م بزعامة عبد الله ابن مسعود التجيبي الذي ترأس بربر هوارة في منطقة طرابلس متحديا حكم عبد الرحمان بن حبيب في القيروان، وأخمدت هذه الثورة دون عناء بعد أن قبض أخ عبد الرحمان وعامله على طرابلس على التجيبي وضرب عنقه (4) .
__________
(1) -محمود إسماعيل، الخوارج في بلاد المغربحتى منتصف القرن 4هـ ، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب،ط2، 198، ص 82.
(2) - نفسه، ص 83.
(3) - فيما يتعلق بهذا المصطلح وهو ترتيب الإمامة عند الإباضية سنفرد لهذا الموضوع مبحث خاص لشرح ذلك النظام.
(4) - محمود إسماعيل ، الخوارج ، ص 84. (1/28)
صفحة 29
... وثانيها: هوارة على اثنين من زعمائها هما عبد الجبار بن قيس المرادي والحارث بن تليد الحضرمي، وزحف الحارث وعبد الجبار إلى طرابلس وضربا عليها الحصار حتى استسلم عاملهما (1) ، وأخذابثأر التجيبي واقتصا من قاتله وهو نصير بن راشد مولى الأنصار (2) . وأمام هذا الوضع الجديد عين عبد الرحمان بن حبيب واليا جديدا لطرابلس هو يزيد بن صفوان المعافري (3) .
وأنفد عبد الرحمان ثلاثة جيوش لاسترداد طرابلس، هزمها الإباضية جميعا فلجأ إلى الحيلة واستمال أحد شيوخ هوارة دون جدوى فعقد العزم على الخروج بنفسه وقاد جيشا لاسترداد طرابلس وصل به حتى قابس، ثم عاد أدراجه إلى القيروان لما علم بتآمر أهلها على خلعه.
لكن حادثا مفاجئا أفضى إلى مقتل الحارث وعبد الجبار سنة(131هـ)، كفى عبد الرحمان بن حبيب مئونة قتالهما (4) .
__________
(1) - كان عامل طرابلس المشار إليه هو حمد بن عبد الله العكي، ابن عبد الحكيم ، فتوح مصر وأفريقيا، ص 224.
(2) - ابن عبد الحكيم ، نفسه، ص 244، ليبيا في كتب التاريخ، ص 37.
(3) - البرغوثي ، تاريخ ليبيا، ص 238.
(4) - الحارث وعبد الجبار تختلف المصادر حول كيفية اشتراكهما في الحكم فذكر البرادي "أنهما كانا شريكين في الملك" أما الشماخي فيرى أن أحدهما كان إماما والآخر وزير * ونفهم من رواية بن عبد الرحمان وهي الأرجح أن عبد الجبار كان إمام الصلاة والحارث إمام الحرب ، هامش 121 ص 83. (1/29)
صفحة 30
... وتختلف المصادر حول دوافع هذا الحادث، والراجح أنهما اختلفا حول مسائل فقهية أو تنازعا حول الحكم. كانت تلك رواية الشماخي التي أيده فيها محمود إسماعيل (1) فاحتكما إلى السيف فقتل كل منهما صاحبه، ومهما كان الأمر فقد تمخض هذا الحادث عن حدوث انشقاق بين جماعة الإباضية بالمغرب على غرار ماكان يحدث بين الخوارج في المشرق، ولم تجد نفعا نصائح فقهاء المذهب بالبصرة بالكف عن ذكر هذه المسألة، فظلت تشغل إباضية المغرب حتى تولى أبو الخطاب الإمامة سنة 140هـ757م (2) .
... أما ثالثها فكانت من نصيب قبيلة نفوسة إذ بادر زعيمها إسماعيل بن زياد النفوسي، بعد أن عظم شأنه وكبر بيعه بالاستيلاء على قابس سنة 132هـ751م (3) ، فخرج إليه عبد الرحمان بن حبيب وانفد طلائعه من الخيالة ليسبر غوره، لكن عامله على طرابلس التحم بنفوسة الإباضية وقتل زعيمها وأسر كثيرا من رجالها، واصطحب عبد الرحمان بن حبيب أسرى الإباضية إلى طرابلس وذبحهم وامتحن بهم فكان يأتى بالأسير منهم فيأمر من يتهمه بتحريم ذمة بقتله كما عهد لعامله على طرابلس بتوزيع الغنائم على جنده وأعاد بناء سور المدينة (4) .
لاشك أن هذه المحاولات التي وقعت من قبل الإباضية في طرابلس بإعلان الثورة على ولاة القيروان وما صاحبها من هزائم وفشل ذريع جعلت الإباضية تعيد حساباتها وتنظم صفوفها بشكل يضمن لها النجاح في المحاولات اللاحقة.
__________
(1) - محمود إسماعيل، الخوارج، مصدر سابق، ص 83.
(2) - أبو زكرياء، السيرة ، ص 64 ، محمود إسماعيل ، الخوارج، ص 84.
(3) - محمود إسماعيل. الخوارج. ص 84.
(4) - الرقيق، تاريخ أفريقيا والمغرب، ص 92، محمود إسماعيل، الخوارج، ص 54. (1/30)
صفحة 31
... وبذلك نجد زعماء الإباضية في المغرب الأدنى ونتيجة للجهود التي قام بها سلمة بن سعيد في نشر المذهب الإباضي في المغرب (1) حسب ما ذكره أبو زكرياء في كتاب"السيرة"، وكان من أهم التبدلات في السياسة الإباضية هو الإتجاه نحو المشرق والإسترشاد بمشايخ المذهب في الإعداد للثورة المنظمة بعد أن بذرت بذور الإباضية كما سلفنا على يد سلمة بن سعيد ومن بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغيطر الذي تتلمذ على أبي عبيدة بالبصرة وفي أيامه انتشر المذهب بين بربر نفوسة في مستهل القرن الثاني الهجري.
ومنذ ذلك الحين أصبح جبل نفوسة"دار هجرة المذهب الإباضي في بلاد المغرب" (2) ، وكان من ضمن هذا التواصل بين المغرب الأدنى أو بلاد إفريقية والمشرق ومدينة البصرة تحديدا هو ذهاب الخمسة حملة العلم إلى البصرة.
... بما أن رسوخ المذهب الإباضي في جبل نفوسة قويا وواضحا، وامتد انتشاره بين القبائل الأخرى مثل هوارة وزناته وسدراته وزواغة ولواته (3) أما مطماطمة فلم تعتنق المذهب إلا في عهد الأيام عبد الوهاب بن رستم (4) .
... رغم انتشار المذهب الإباضي في أفريقيا ووجود مناصرين له من القبائل القاطنة في إقليم طرابلس مثل هوارة ونفوسة وغيرها، إلا أن ما تعرضت له الإباضية من هزائم في محاولاتها الأولى للسيطرة على طرابلس جعل رجال المذهب يعيدون حساباتهم في البناء السياسي والفكري الذي كان سائدا في إفريقية وعلى إثر ذلك قرروا إرسال عدد من رجالهم إلى المشرق والتتلمذ على علماء المذهب الإباضي في البصرة.
__________
(1) - أبوزكرياء ، السيرة، ص 26- الشماخي، سير، ورقة 97- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 54.
(2) - أبو زكرياء، ص 32- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 54.
(3) - ابن خلدون، العبر، ج6، ص 120- 121.
(4) - محمود إسماعيل، ص 55، نقلا عن " الجربي مؤنس الأحبة". (1/31)
صفحة 32
... بخصوص سلمة بن سعيد ومن بعده ابن مغيطر أنهما كسبا أنصارا أنهم في حاجة لتدعيم المذهب في المغرب، فاتفق الرأي على إرسال ممثلين عن الجهات التي انتشر فيها المذهب للتوجه إلى البصرة لمزيد من الدرس؛فاختير عاصم السدراتي من غرب الأوراس، وأبو داود القبلي النفزواي من نفزة جنوبي إفريقية، وإسماعيل بن ضرار من غدامس جنوب طرابلس، وانضم إليهم عبد الرحمان بن رستم من القيروان، وتوجه هؤلاء النفر الذين عرفوا بحملة العلم إلى البصرة حيث ظلوا صحبة أبي عبيدة مسلم لمدة خمس سنوات (1) يتلقون العلم على يديه ويعدون العدة للظهور، ويتعلمون أصول الحكم وفنونه.
__________
(1) - إذا علمنا أن البعثة عادت إلى المغرب سنة 140هـ فيكون رحيلهم إلى البصرة 135، ( محمود إسماعيل، الخوارج، ص 55) ينما الطاهر الزاوي ويقول: فرجعوا في زمن غير معين، ويظهر أنه فيما بين الخمسة والعشرين والأربعين( قرن 2 هـ)، (الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 121). (1/32)
صفحة 33
... وجدير بالذكر أن أبا عبيدة أشار عليهم بأحد أتباعه من العرب ويدعى أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (1) ليتولى إمامة الظهور (2)
__________
(1) - هو عبد الأعلى أبو زكرياء، السيرة الخطاب بن عبد الرحمان بن السمح ( بن عبيد بن حرملة) المعافري اليمني، من كتاب الأنساب والأسرات الحاكمة ( الزاوي، تاريخ ليبيا، ص 32). ويضيف أبو زكرياء، اسم المعافري- ومعافر إسم قبيلة من العرب باليمن، ( كتاب السيرة وأخبار الأئمة ص 57)، وبإضافة النصين يكتمل لنا تعريف أبي الخطاب أنه معافري من اليمن ومن بقايا حمير اليمن.
(2) - إمامة الظهور ، لقد تعددت أنواع الإمامة عند الإباضية الذين تمذهب بمذهبهم سكان جبل نفوسة والدولة الرستمية فقسموها وفق نظرية " مسالك الدين" إلى أربعة مراحل من الإمامة، أما مسالك الدين اصطلاحا فهي الطرق التي يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية، وهي تعبر عن مراحل الإمامة الإباضية التي يمكن أن تجتازها في مختلف أدوار حياتها إزاء واجب الدعوة إلى الله، وخلاصة ما يهدف إليه هذا الأصل أو النظرية ( مسالك الدين ) هو التخطيط لإقامة دولة إسلامية عادية دستورها القرآن والسنة وحكامها خبراء في أمور الدين والدنيا. وتشتمل " نظرية المسالك " هذه على أربعة مراحل من الإمامة : إمامة الظهور، إمامة الدفاعن والشراء ، والكتمان والظهور هو الأصل والمأمور به ويمثل المرحلة الأولى من مسالك الدين وتعتبر أفضل المراحل وأحبها ، وعادة ما تكون تتويجا للمساعي والجهود للحالات الثلاث : الكتمان، الدفاع ، الشراء . وعند الإنتصار تسمى هذه الحالة ( ) كما استدل الإباضيون على مشروعيتها من الآية 8 من سورة المنافقون ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) وبالآية 104 من آل عمران ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) . (عدنان جهلان ، السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف طفيش . جمعية التراث..القرارة. الجزائر. بدون تاريخ ). (1/33)
صفحة 34
لما له من دراية بأحوال المغرب ولحصافته ودربته بأصول السياسة وفنون الحكم (1) ولعل من أقوى أسباب اختيار إمام من المشرق له ما يبرره، وهو ضمان الاتصال والتبعية للمشرق.
... ... ... ... ...
المبحث الأول
قيام كيان سياسي في طرابلس
... وصل الخمسة حملة العلم إلى بلاد المغرب وإلى إقليم طرابلس تحديدا سنة 140هـ 757م (2) وماإن وصلوا حتى بادروا بالإتصال بالقبائل المحيطة بطرابلس وتحسيسها للقيام بالثورة.
... وقد ذكر أبو زكرياء في كتابه "السيرة" أن أبا الخطاب هو من أشار به أبو عبيدة بتقلده زعامة الحركة (3) .
... وقد أبدى نشاطا ملحوظا في الكتمان فاتصل بمشايخ القبائل للتشاور في إعلان إمامة الظهور وقد كللت مساعيه بالنجاح، فانضم إليه جمهرة من الإباضية وكسب كثيرا من الأتباع، وأجمع رؤساء المذهب على مبايعته بالإمامة، وانضوت قبائل نفوسة وهوارة وزناته (4) .
... بينما يورد الطاهر الزاوي ذكر قبائل لماية ونفزاوة ومغيلة ومغراوة وبني يفرن من زناته (5) .
__________
(1) - محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص 85.
(2) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص 86.
(3) - أبو زكرياء، كتاب السيرة ، مصدر سابق ، ص 60.
(4) - محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص 86.
(5) - الطاهر الزاوي، تاريخ الفتح، مصدر سابق، ص122. (1/34)
صفحة 35
... وقد تحدث أبو زكرياء (1) عن تفاصيل اختيار الإمام أبي الخطاب ومبايعته سرا في بداية الأمر في قرية غرب طرابلس تدعى جنزور (2) ، ومن ثم اقتحموا طرابلس على عاملها من قبل والي القيروان. وفي هذا الموضوع تحدث البرغوثي (3) عن عملية مبايعة أبي الخطاب إماما لطرابلس حيث قال: كانت بعثة العلم قد عادت من البصرة واستقرت في طرابلس فاستدعى أربعة منهم زميلهم الخامس أبا الخطاب عبد الأعلى إلى قرية صياد المجاورة لجنزور إلى الغرب من طرابلس، وعرضوا عليه أن يبايعوه إماما عليهم وهددوا بقتله إن رفض ذلك العرض، وقبل أبو الخطاب ولكنه اشترط عليهم ألا يذكروا مسألة الحارث وعبد الجبار في عسكره، وتمت بيعة الإباضية لأبي الخطاب فتقدم بجموعه إلى طرابلس سنة 140هـ/ (4) 757م (5) فدخلها وقبض على عاملها عمرو بن عثمان القرشي (6) فخيره بين البقاء أو الخروج فاختار عمرو الخروج إلى المشرق.
__________
(1) - أبوزكرياء، مصدر سابق، ص 62.
(2) - جنزور لا زالت تحمل هذا الإسم إلى يومنا هذا وتحولت إلى مدينة شاسعة وتبعد عن مدينة طرابلس بحوالي 20 كم.
(3) - عبد اللطيف محمود البرغوثي، تاريخ ليبيا الإسلامي، منشورات الجامعة الليبية ، دار صادر، بيروت، ط1، 1972.
(4) - أبو زكرياء، كتاب السيرة مصدر سابق، ص 64- الزاوي، تاريخ الفتح، ص 133، نقلا عن الشماخي .
(5) - محمود إسماعيل ، الخوارج، مصدر سابق، ص 85.
(6) - هكذا ذكره محمود إسماعيل، ص 86، بينما يذكر الزاوي اسمه عمرو بن سويد المرادي ( على سبيل التقريب ) لأنه هو الذي عينه عبد الرحمان بن حبيب قبل موته عاملا على طرابلس ولا يبعد أن يكون أبو جعفر أقره بعد وفاة " عبد الرحمان " ( الزاوي، ص 133 ). (1/35)
صفحة 36
... بعد ذلك قرر أبو الخطاب أمور الدولة، وعين عبد الله بن رحيمة واليا على طرابلس، كما أسند أمر القضاء لابن ضرار الغدامسي، وولى عمر بن يمكتن من قرية إفاطمان بجبل نفوسة على سرت وما والاها (1) .
... ثم أخذ في الإستعداد لإنقاذ القيروان من قبيلة ورفجومة البربرية الصفرية، ولما تمت له كافة الإستعدادات زحف على القيروان سنة 141هـ (2) فاستولى في طريقه على قابس دون عناء، ثم واصل سيره إلى القيروان حيث هاجم جموع ورفجومة وهزمهم خارج المدينة، فالتجئوا إلى المدينة للإحتماء بأسوارها وضرب عليهم الحصار حتى أضطرهم للخروج وهزمهم عند رقادة ودخل المدينة بعد مقتل عبد الملك ابن أبي الجعد مقدم الصفرية (3) .
... وباستيلاء أبي الخطاب على القيروان أصبح أول وال على أفريقية من الإباضية (4) .
... كما أنها المرة الأولى التي تصبح فيها القيروان تابعة لطرابلس حيث نصب أبو الخطاب صاحبه عبد الرحمان بن رستم عاملا على القيروان (5) .
وفي سنة 142هـ أرسل محمد ابن الأشعث والي مصر من قبل الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور قواته الموجودة في برقة بقيادة العوام بن عبد العزيز البجلي (6) لإخماد حركة الإباضية.
__________
(1) - البرغوثي، تاريخ ليبيا ، ص 44- الزاوي، تاريخ الفتح ، ص 134.
(2) - ابن عذارى، ج1، ص 71- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 86.
(3) - البرغوثي، مصدر سابق، ص 44- محمود إسماعيل ، مصدر سابق، ص 86.
(4) - الزاوي، مصدر سابق، ص 135.
(5) - البرغوثي، مصدر سابق، ص 144.
(6) - هكذا ورد اسمه عند البرغوثي ص 144، بينما ذكره ابن عدارى بلفظ " أبو الأحوص " فقط . البيان ، ص 71، بينما الزاوي يذكر بأنه عمر أبو الأحوص العجلي تاريخ الفتح. 136. (1/36)
صفحة 37
وندب أبو الخطاب أحد رجاله وهو مالك بن سحران الهواري على رأس قوة للتصدي لجيش العوام فجابهته في موقع مغمداس (1) في أرض سرت فانتصر عليه بعد معركة حامية ألحقت فيهما خسائر بالطرفين هزم فيها أبو الأحوص (2) .
... كما يشير البرغوثي استنادا إلي مصادر إباضية إلى وقوع مجابهة أخرى بين الجيش العباسي بقيادة أبي الأحوص الذي أرسله ابن الأشعث وبين الجيش الإباضي بقيادة أبي الخطاب المعافري وذلك قرب سرت (3) .
... وربما تكون هي نفسها الوقعة السابقة التي أشرنا إليها حيث إن أغلب المصادر أشارت إلى وجود أبي الأحوص في هذه المعركة، كما أن البرغوثي يؤرخ لها في نفس التاريخ(142هـ)الذي اتفقت فيه بقية المصادر (4) وربما تكون محاولة العوام التي انفرد بها الشماخي هي عبارة عن طليعة من طلائع ابن الأشعث لتسقط أخبار أبي الخطاب وقواته ومدى استعدادها واستحكاماتها القتالية.
__________
(1) - مغمداس. مكان على شاطيء البحر إلى الغرب من سرت في منتصف الطريق بينها وبين قصور حسان ، ( الزاوي، مصدر سابق، ص 13).
(2) - الزاوي، مصدر سابق، ص 136- البرغوثي، مصدر سابق، ص 145.
(3) - الشماخي، السير، ص 130- البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص 145.
(4) - الزاوي، مصدر سابق، ص 145- البرغوثي، مصدر سابق، ص 145- السيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، ص 537- محمود إسماعيل ، الخوارج ص 87. (1/37)
صفحة 38
... ومهما يكن من أمر فإن المعول عليه هنا هو أن هذه الهزيمة التي تعرضت لها الجيوش العباسية استثارت الخليفة المنصور مما جعله يستصرخ وإليه على مصر محمد ابن الأشعث ابن عقبة الخزاعي وهو حسب ما ذكره الزاوي، أول أميرعلى إفريقية من قبل العباسيين (1) ويأمره أن ينهض بنفسه لمحاربة الإباضية على رأس جيش قوامه أربعين ألف مقاتل (2) بلغ عدد قواده ثمانية وعشرين قائدا (3) ، كان بينهم الأغلب بن عقال بن خفاجة بن سواد التميمي، وهو جد الأغالبة الذين حكموا إفريقية (4) . والمحارب بن هلال الفارسي، والمخارق بن غفار الطائي (5) .
__________
(1) - الزاوي، مصدر سابق، ص 137.
(2) - البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص 145.
(3) - نفسه، ص 145- محمود إسماعيل، الخوارج، ص 88.
(4) - الزاوي، مصدر سابق، ص 137.
(5) - محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص 88. (1/38)
صفحة 39
... واتصلت أخبار بن الأشعث بأبي الخطاب في طرابلس فخرج للقائه في جيش بالغت الروايات في عدده، حيث ذكر بن عذاري أن قوامه مائتي ألف مقاتل (1) ، وعسكر في ورداسة (2) بالقرب من تاورغاء، وعلم بذلك بن الأشعث فقطع أفواه السكك حتلى انقطع خبره عن أبي الخطاب وبث العيون لاستطلاع أحواله مما جعل أبا الخطاب يطمئن جانبه إلى أن الجيوش العباسية قد عادت أدراجها من حيث جاءت مما ساعد في الركون إلى الراحة ولو قليلا.
__________
(1) - ابن عدارى، ج1، ص 71- الزاوي، ص 137، البرغوثي، ص 145.
(2) - ورداسة: حدد الزاوي موقعها بدقة حيث قال: "كانت المعركة بين ابن الأشعث وأبي الخطاب في ورداسة قرب قصر قداس غرب تاورغا وهو قصر قديم بين سوف الجين وزمزم وهي كلها أودية على طريق سرت ويمر به وادي لا زال يعرف بوادي ( قداس. واتضح أن ورداسة التي وقعت فيها المعركة هي المعروفة الآن بقداس. وفي سنة 1340هـ كشفت السيول عن بئر رومانية بقرب قصر قداس كثيرة الماء وكانت مغطاة بالتراب وهذه البئر وأمثالها هي التي كانت تمد قصر قداس بالماء مما جعله مركزا يصح أن تستند إليه تلك الجيوش المتقاتلة في إمدادها بالماء وإلا لما أمكن أن تنزل على غير ماء في تلك الصحراء القاحلة " ( أ، هـ، الزاوي، ص 138 ). (1/39)
صفحة 40
... وكانت تلك هي الفرصة التي ينتظرهاابن الأشعث إضافة إلى عوامل أخرى ساهمت في إلحاق الهزيمة بجيش أبي الخطاب إمام الإباضية، سنذكرها في حينها، وفي سنة 144هـ (1) التقت جيوش ابن الأشعث القائد العباسي ـ وهو والي مصر في نفس الوقت مع جيوش أبي الخطاب في موقعة ورداسة ـ المنوه عنها في الهامش ـ على حين غرة من جيش أبي الخطاب مما جعل الهزيمة قوية والضربة مميتة لأبي الخطاب وجيشه حيث قتل أبو الخطاب مع آلاف (2) من رجاله ونجا منهم نفر قليل لادوا بالقلاع والحصون في الجبال (3) .
... ودخل ابن الأشعث طرابلس وعين المخارق بن غفار الطائي واليا (4) عليها حيث ظل على ولايتها من 144ـ150هـ (5) .
... وقبل الاستطراد في التحولات التي طرأت على احتلال ابن الأشعث لطرابلس ومن ثم التوجه غربا نحو القيروان يجدر بنا أن نقيم الأوضاع التي أحيطت بسحق جيش أبي الخطاب ومقتله رغم ما ذكرته المصادر من الأعداد الكبيرةالتي كان يتألف منها جنده.
... وتأتي أهمية الإشكالية السياسية وما ترتب عنها فيما بعد من انقسامات وصراعات داخل الحزب أو المذهب الإباضي الواحد.
... وهناك عدة أسباب وراء الهزيمة التي تعرض لها أبو الخطاب وجيوشه رغم كثرة عددها فاقت المأتي ألف (6) مقاتل حسب بعض المصادر.
__________
(1) - ابن عدارى، البيان، ج1، ص71- الزاوي، تاريخ الفتح، ص 137، البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص146، محمود إسماعيل، ص 86.
(2) - أبو زكرياء، السيرة ، ص 79، حيث ذكر أن أبا الخطاب استشهد واستشهد معه أربعة عشر ألفا ، فيما ذكر بعض الرواة وذكر آخرون أثنى عشر ألفا /أ.هـ،فلاحظ أن أبا زكرياء يذكر كلمة استشهد بدل قتل، لكونه مؤرخ لنفس المذهب، وكذلك الشماخي. ص 139.
(3) - أبو زكرياء، السيرة، ص 79.
(4) - البرغوثي، تاريخ ليبيا، 164- سعد زغلول عبد الحميد ، المغرب العربي، ص 346.
(5) - البرغوثي، نفسه، ص147.
(6) - ابن عذارى، البيان، ج1، ص71- البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص 145. (1/40)
صفحة 41
... من جملة الأسباب التي يمكن أن نسوقها في هذا المجال هناك سبب رئيسي كان دائما ملازما للإباضية في مختلف مراحل حكمهافيما بعد، يتمثل في الإنقسامات الداخلية بين القبائل المنضوية تحت مذهب الإباضية، وكذلك بين رجالات الحكم الرستمي فيما بعد، فأسفرذلك عن ظهور فرق جديدة وانقسامات متعددة (1) تسمت بأسماء منها الخلفية، والوهبية، والنكارية (2) .
... فجيش أبي الخطاب لم يكن بالجيش النظامي التقليدي، بل هو عبارة عن مجموعة من قبائل نفوسة وهوارة وزناته وغيرها من القبائل، وكانت لكل قبيلة منها مطامحها ومصالحها الخاصة.
... كما أن هذه القبائل لم تكن تتلقى نصيبا ثابتا من بيت المال بل تعتمد على كسبها الذاتي ومواردها الخاصة. وفي إشارة إلى ذلك ذكر أبو زكرياء " أن ليس لهم بيت مال يرتزقون منهوإنما معاشهم من كسب أيديهم" (3) .
... لاشك أن هذا عامل أساسي من عوامل ضعف الإمامة وعدم قدرتها علىالاحتفاظ بعدد كبير من الجيوش جاهزة باستمرار لمواجهة أي خطر، بل كانت لهذه القبائل زروع ومواش خاصة لا تحتمل الإستمرار المنظم في المرابطة للقتال.
__________
(1) - سنفرد لهذه الإنقسامات فصل خاص في الحديث عن إمامة تيهرت.
(2) - سعد زغلول، المغرب العربي، ص 32.
(3) - أبو زكرياء، مصدر سابق، ص71. (1/41)
صفحة 42
... أما الشماخي (في مخطوط سير نفوسة) فيرى أن أسباب هذه الهزيمة كانت تتمثل في انصراف القبائل التي كانت مع أبي الخطاب إلى موسم الحصاد (1) ، ومما أورده أيضا في هذا الصدد: أن ابن الأشعث عندما عاين قوة أبي الخطاب هاله ما كان معه من القوة وضاق بلقائه فلا بد من مكيدة للإيقاع بأبي الخطاب وجيوشه، فأعلن في الناس أن الخليفة قد أمره بالرجوع إلى مصر، فرجعت عيون أبي الخطاب فأخبروه بذلك وشاع الخبر في جيشه وكان الوقت زرع، فأراد الناس التفرق إلى زروعهم وأوطانهم، ولم تجد محاولات أبي الخطاب بأن تلك خدعة من ابن الأشعث فلا تتفرقوا عن إمامكم، فما زالوا به حتى أذن لهم بالرجوع.
... فلما رجعت عيون ابن الأشعث إليه أخبروه بتفرق أصحاب أبي الخطاب فطوى المراحل ليلا ونهارا ولم يشعر أبو الخطاب إلا وقد دخلوا حيز طرابلس (2) .
... هذه الرواية تنفرد بها المصادر الإباضية في تبرير أسباب الهزيمة التي لحقت بأبي الخطاب وجيوشه وماتكبده من خسائر منكرة كانت غير متوقعة بأي حال، ولكن الذي أجمعت عليه المصادر السنية الأخرى هو النزاع الذي حدث في صفوف أبي الخطاب بين هوارة وزناته ويذكر ابن عذارى أن هوارة وزناته تنازعت فيما بينها واتهمت زناته أبا الخطاب في ميله إلى هوارة ففارقته جماعة منهم (3) .
... كما أن زناته التي اعتنقت مبكرا المذهب الصفري في المغرب الأقصى وقادت الثورة على ولاة الأمويين سنة 122هـ (4) بقيادة ميسرة المطغري يعتبر مكان تواجدها الأساسي في المغربين الأقصى والأوسط، كما أنها قد دأبت على الخلاف مع الإباضية عندما يتعلق الأمر بعصبيتها القبلية.
__________
(1) - الشماخي، السير، ص131-132.
(2) - نفسه، ص132.
(3) - ابن عذارى، البيان، ج1.ص72، وكان هذا النزاع سبب قتل بعض أفراد من هوارة لرجل من زناته، (محمد بن عميره، دور زناته في الحركة المذهبية بالمغرب العربي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ج1، هامش ص162).
(4) - سعد زغلول، المغرب العربي، ج1، ص288. (1/42)
صفحة 43
... وفي هذا الشأن قال محمد ابن عميرة:"... وكانت أول حركة مذهبية عرفها المغرب هي حركة الخوارج الصفرية التي اعتمدت بالدرجة الأولى على البتر وخاصة زناته التي شاركت إلى جانب ميسرة المطغري، وبعد قتله خلفه أحد أفرادها هو خالد بن حميد الزناتي" (1) .
... من هنا نرى أن زناته وإن انضوت مذهبيا في بعض الأحيان تحت المذهب الصفري أو الإباضي فهي تلجأ دائما للعصبية القبلية وترجحها لبسط نفوذها على بقية القبائل وإن كانت من نفس المذهب. ...
... ومما يؤكد ذلك تلك المحاولة التي قامت بها زناته لمواجهة ابن الأشعث بعد انتصاره على أبي الخطاب وتمزيق عسكره والتي كانت بدورها محاولة يائسة ولم يكتب لها النجاح، وفي هذا الصدد يقول البرغوثي:"يبدو أن زناته ندمت على تخليها عن أبي الخطاب فقامت بثورة جديدة على ابن الأشعث في ستة عشر ألف رجل يتزعمهم أبو هريرة الزناتي، ولكن ابن الأشعث تمكن من هزيمتهم في ربيع الأول من السنة ذاتها (144هـ)" (2) .
... أما عبد الرحمان بن رستم الذي كان عاملا على القيروان من قبل أبي الخطاب عندما أدركته أنباء الكارثة التي حلت بأبي الخطاب والإباضية في طرابلس أدرك أن النجاح في منطقة تقاتل عنها الجيوش العباسية بكل شراسة وتعتبره ممرا مصيريا لبقية المغرب، أمر غير مكفول (3) .
__________
(1) - ابن عميره، مصدر سابق، ص306.
(2) - ابن عدارى، البيان، ج1، ص72- البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص146، بن عميرة دور زناتة ، ص103.
(3) - البرغوثي، تاريخ ليبيا، ص146. (1/43)
صفحة 44
... فترك بن رستم القيروان وسار نحو المغرب الأوسط حيث سيبني مدينة تاهرت الجديدة التي أصبحت عاصمة الإباضية في المغرب الأوسط (1) ـ كما سيأتي بيانه ـ وهكذا وضعت معركة ورداسة بتاورغاء نهاية لإمامة الظهور التي استمرت أربعة أعوام، سيطر فيها الإباضية على أفريقيا والمغرب الأدنى، فلم يقو الإباضية بعدها على الظهور ولو مؤقتا، واضطروا إلى العمل في تستر وكتمان وهو ما يعرف في اصطلاحهم بإمامة الدفاع (2) .
... وقبل أن نتجاوز أحداث هذه الموقعة التي قطعت الطريق على إقامة نظام حكم إباضي في طرابلس، يجدر بنا إثارة جملة من النقاط، منها إصرار الإباضية على إقامت الإمامة في طرابلس ونواحيها رغم ما لاقته من مقاومة شديدة في هذا الإقليم، وكذلك المحاولات المستميتة التي بذلتها الدولة العباسية في المحافظة على هذا الإقليم خاليا من أي نظام دخيل. وقد نتج عن المحاولة الأولى لقيام إمامة إباضية في طرابلس دملة من التحولات: فعند مقتل أبي الخطاب وجملة من أتباعه، تحصنت بقية فلوله بالجبال والقلاع التي كان أهمها جبل نفوسة، نظرا لحصانته ومنعته ولأهمية موقعه الجغرافي الذي تميز به عن بقية المنطقة المحطة به، ولكونه مخزنا إقتصاديا لتموين حركات الإباضية وثوراتهم على الدولة العباسية وولاة القيروان وعمال طرابلس، كذلك استبداد الصفرية بالمغرب الأقصى وانتشار مذهبهم بين قبائله مثل مطغرة ومكناسة وزناته وبرغواطة، وعنصري الأفارقة والسودان، كما امتد نفوذه إلى بعض جهات المغربين الأدنى والأوسط (3) .
... كما أن الصفرية كانوا السابقين في ثوراتهم والخروج على الدولة الأموية قبل سقوطها 132هـ حيث خرج عليها ميسرة المطغري زعيم الصفرية (121هـ) (4) .
__________
(1) - سعد زغلول. المغرب العربي. ج1. ص346.
(2) - محمود إسماعيل. الخوارج. ص89.
(3) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص62.
(4) - محمود إسماعيل، مصدر سابق، ص50. (1/44)
صفحة 45
... وكذلك أصبح مجال الحركة الإباضية أو المتاح لها هو إقليم طرابلس وإفريقية، كما يفهم من محاولات الإباضية المستمرة في التصميم على الاحتفاظ بإقليم طرابلس تحت حكم الإباضية المستمرة في التصميم على الاحتفاظ بإقليم طرابلس تحت حكم الإباضية هو لقطع الطريق على ولاية إفريقية في القيروان، والتي كانت تأتي إليها النجدات والإمدادات من المشرق ومن مصر أغلب الأحيان والتي كانت تنهض بمهمة استعادة أفريقيا لحظيرة دولة الخلافة في المشرق أو الحكومة المركزية بشكل أكثر دقة.
... كما أن أنصار المذهب والمتحمسين له كانت مواطنهم جبل نفوسة وحيز طرابلس وأهمها قبائل نفوسة وهوارة التي ساندت المذهب وثبتته كأسلوب حكم زمني وديني.
... ويرى الإباضية أن استلائهم على إقليم طرابلس كان يتيح لهم التوجه غربا إلى إفريقية وبسط نفوذهم على القيروان عاصمة ولاية إفريقية، والتي كانت مطمح كل الثورات الخارجية على الدولة المركزية في الشرق حيث احتلت من قبل ورفجومة 139هـ (1) .
... وكانت فرصة سانحة للإباضية بقيادة أبي الخطاب المعافري في طرابلس للتوجه إلى القيروان واحتلالها وطرد الصفرية منها في 141هـ (2) وولى عليها عبد الرحمان بن رستم (3) . وبذلك أصبحت القيروان لأول مرة تابعة لطرابلس كما أسلفنا الحديث في ذلك.
__________
(1) - ابن عذاري ، في سنة 138 قام بربر إفريقية على حبيب بن عبد الرحمان بن حبيب ولم يحدث أن هذه السنة هي سنة دخولهم للقيروان وكذلك لم يذكرها في أحداث 139 لبيان 69، وبينما الزاوي يذكر أنها في 139هـ ، تاريخ الفتح، ص 134، وكذلك محمود إسماعيل، الخوارج، ص406.
(2) - ابن عذاري، البيان، ص71.
(3) - نفسه، ص71. (1/45)
صفحة 46
... إذا كان هدف هذه السياسة الإباضية في احتلال طرابلس وأفريقيا وهو قطع الطريق على الجيوش العباسية القادمة من مصر والشرق، وتكوين دولة حاضرتها طرابلس، وامتد نفوذها إلى سرت شرقا وإلى فزان جنوبا، وتهدف إلى التوجه غربا إلى ناحية المغربين الأوسط والأقصى بعد احتلال القيروان.
... هذه السياسة الإباضية في التمسك بإقليم طرابلس جعلت الإباضية يدفعون الثمن باهضا من إمكاناتهم المادية وقدرتهم البشرية ومن مواقعهم وتحصيناتهم. حيث جعل الإباضية أنفسهم مباشرة في وجه أي حملة عسكرية عباسية تأتي من المشرق أو أي تجريدة يقوم بها ولاة القيروان لاسترجاع طرابلس، مما فت في عضدهم وجعلهم يفكرون في التخلي عن طرابلس وقد احتفظوا بالجبل(جبل نفوسة) كمعقل أخير وحصن منيع عن جيوش الخلافة، مما حدا بعبد الرحمان بن رستم فيما بعد إلى التوجه إلى المغرب الأوسط بعيدا عن متناول الجيوش العباسية حيث استطاع أن يقيم دولة لأنصاره من الإباضية الذين رحلوا معه من طرابلس (1) أو لحقوا به هناك، وتقريبا نفس الدوافع الإباضية التي تحركهم للتمسك بإقليم طرابلس هي أهداف العباسيين، وهي اعتبار طرابلس المحطة الأولى في إفريقية، وأنها في طريق التواصل مع القيروان حاضرة الولاية، وأن أي تواجد خارجي في إقليم طرابلس معناه قطع الصلة بين إفريقية والدولة المركزية في المشرق.
... ولذلك نجد العباسين يجردون الحملة تلو الأخرى في سبيل الحفاظ على هذا الطريق سالكا إلى إفريقية والمغرب، كما أن احتلال إقليم طرابلس يعتبر تهديدا لمصر الولاية الكبرى، والتي تأتي منها الإمدادات والجيوش لاستعادة الاستقرار في إفريقية.
__________
(1) - قال أبو زكرياء في كتاب السيرة: " وحدث أبو الربيع سليمان بن خلف عمن حدثه أن عبد الرحمان بن رستم لحقه بسوفجج ستون شيخا من مشايخ الإباضية في طرابلس ( السيرة، ص76-77- الدرجيني، طبقات، ص36). (1/46)
صفحة 47
... ومن ضمن هذه التحولات بعد أن أخفق الإباضيون في إقامة كيان سياسي وفق مذهبهم الإباضي وتجسيد إمامة الظهور أمام الضربات الموجعة التي تلقتها الدولة الإباضية الفتية (140-144هـ)على أيدي جيوش الدولة العباسية وقائدها محمد بن الأشعث وذلك ـ كما أشرنا سلفا ـ.
... وما يهمنا من هذا الصراع هو ما نتج عنه من اختفاء إمامة الظهور التي حاول الإباضية إقامتها في إقليم طرابلس، والعودة من جديد إلى إمامة الدفاع ذلك ما سوف نبرزه من خلال الصفحات القادمة حتى يتيسر التركيز على مواطن هذا الصراع وأطرافه ونتائجه. (1/47)
صفحة 48
... لقد ظهر على مسرح الأحداث قائد إباضي جديد لقيادة إمامة الدفاع (1) وهو يعقوب بن حبيب (2) ، الملزوزي الهواري (3) ، وكنيته أبو حاتم، وكان ذلك في سنة 150هـ767م (4)
__________
(1) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص89.
(2) - ابن سلام الإباضي، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية ، تحقيق د.ف شنارتز وسالم بن يعقوب،دار اقراء، ط1، 1985، ص151، وهو يعتبر أقدم مؤلف تحصل عليه من تاريخ بحثنا ، فقد عاش ابن سلام في النصف الثاني ق 3 هـ، نفسه، ص5.
(3) - اختلفت آراء المؤرخين حول أصل أبي حاتم الملزوزي، فبينما ينسبه الزاوي إلى هوارة ( تاريخ الفتح ص 143 )، ويتفق هذا مع رأي محمود إسماعيل الذي يرجح رواية الدرجيني معللا أن هوارة من أشد قبائل الإباضية قوة وأكثرها عددا ومشاركة في ثورات الإباضية ، ( محمود إسماعيل ، الخوارج، ص89 )، بينما محمد بن عميرة ، يعطي رواية أخرى مختلفة إستنادا إلى محمد علي دبوز، ( تاريخ المغرب الكبير ، ج3،ص 58 )، إنه من ملزوزة وهي فرع من مغيلة كانت تسكن المغرب الأوسط وانتقل أبوحاتم أو أجداده إلى طرابلس فنزل في هوارة فصار ينتمي إليها، ( أ.هـ ، ابن عميرة، دور زناته، ص105 )، ومهما يكن من أمره فهو ينسب إلى هوارة سواء بالنسب أو الإقامة .
(4) - اضطربت الأخبار عن تاريخ ولاية أبي حاتم الملزوزي لإمامة الدافع، بينما الزاوي يثبت هذا التاريخ 150هـ - 767م ، فنجد الدجيني يحدد تاريخ 154هـ ولذلك ينقل عنه الشماخي، وفي الوقت الذي استشهد محمود إسماعيل بهذه الرواية خطأ يثبت تاريخا آخر عندما استشهد به وهو 145هـ - 762م ( محمود إسماعيل، الخوارج، ص89 )،ونجد ابن عذاري يشير إلى حوادث في نفس الفترة في إفريقية " في سنة 145هـ اشتغل ابن الأشعث ببناء سور القيروان وأخصبت بلاد إفريقية وكان قد بعث إلى زويلة وودان ففتحها وقتل من بهما من الإباضية وسكن ابن الأشعث أحوال إفريقية في هذه السنة فلم يكن بها حركة له " ( أ..هـ، ابن عذاري، البيان، ج1، ص73 )، بينما يذكر ابن عذاري أحداث 151هـ " واشتراك أبي حاتم في حصار القيروان وكان الوالي عليها عمرو بن حفص بن قبيصة واتاها ( القيروان ) أمراء القبائل من كل فج واجتمعوا في اثني عشر ألفا ... وكان أمراء المغرب ورؤساؤهم أبوقرة الصفري في أربعين ألفا... وأبو حاتم في عدد كبير " ( ابن عذاري، البيان، ج1، ص75 ). ومهما يكن أمر هذه الأحداث فإننا نرجح رواية الزاوي نقلا عن ابن حداش ( الزاوي، تاريخ الفتح، ص143 )، لا تساقها مع الأحداث وتوافقها مع الواقع ، أو ربما تاريخ البيعة ليس هو تاريخ ( إعلان الخروج على جند طرابلس) وذلك في محاولة من محمود إسماعيل للتوفيق بين التاريخين 145-150 " بويع أبو حاتم بالإمامة 145-262 وظل مستترا طيلة أربع سنوات " (محمود إسماعيل ، الخوارج، ص89 ). (1/48)
صفحة 49
وذلك بعد أن اجتمع إباضية طرابلس وولوه عليهم وكان قبل هذا التاريخ مستترا قضاها في جمع شمل الإباضية.
... وكان يرسل في الوقت ذاته بما جمع من الصدقات للإمام عبد الرحمان بن رستم قبل أن يتولى هذا الأخير إمامة الظهور (1) في تيهرت. ... ...
ويبدو أنه في سنة 150هـ أنس أبو حاتم من نفسه القوة فأراد الخروج على جند طرابلس وعامل أبي جعفر المنصور (2) .
... تنبه عامل طرابلس لما يدبره أبو حاتم وجماعة الإباضية في نواحي طرابلس فخرج إليه على رأس جنده وطلب من الإباضة الإذعان لطاعته والدعوة للخليفة العباسي، فرفض الإباضية ذلك واقتتلوا مع عامل طرابلس فكان النصر لأبي حاتم الملزوزي ودخل طرابلس التي لم يستقر بها إلا أشهرا (3) حيث توجه لمحاصرة القيروان. وكان عامل طرابلس الجنيد بن سيار (4) . قد أرسل إلى عمر بن قبيصة يستمده بأمده بأربعمائة فارس بقيادة خالد بن يزيد المهلبي (5) . والتقى مع أبي حاتم في معركة لكنه انهزم وسار إلى قابس.
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة وأخبار الأئمة ، ص78.
(2) - نفسه، ص79- محمود إسماعيل ،الخوارج، ص 90. يذكر الزاوي: " وولى عمر بن قبيصة والي القيروان... ولى على طرابلس الجنيد بن سيار الأسدي (أ.هـ الزاوي، ص 142).
(3) - هنا تضطرب رواية الزاوي حيث يحدد دخول أبي حاتم طرابلس 154هـ وبعد هذا التاريخ يشارك في " حصار طبنة وبها عمرو بن حفص " وهذا يتناقض مع رواي ابن عذاري السابقة هامش (4)أن حصار طبنة كان 151هـ، ( الزاوي، ص142، ابن عذاري، البيان،ص75 ).
(4) - بينما الزاوي يذكر أن الجنبدهو عامل طرابلس عند احتلالها من قبل أبي حاتم، يرى محمود إسماعيل، أنه هو الذي جاء على رأس قوة لنجدة طرابلس، ( الزاوي، ص42، محمود إسماعيل، ص90 ).
(5) - محمد ابن عميرة، دور زناته، ص106. (1/49)
صفحة 50
... كما فشلت المحاولة الثالثة أيضا وهي التي أرسل فيها عمر بن حفص حملة بقيادة سليمان بن عبادة المهلبي حيث طارده الإباضية وعاد من حيث أتى (1) .
... لقد أراد أبو حاتم أن يجعل قاعدة انطلاقه من طرابلس مثل ما فعل سلفه أبو الخطاب إمام الظهور نتيجة لتواجد القبائل المؤيدة لحركته الإباضية في طرابلس وجبل نفوسة الذي يعتبر معقلا حصينا يلتجيء إليه عسكر الإباضية كلما واجهوا مقاومة من جند طرابلس والقيروان.
... إذا إقليم طرابلس وجبل نفوسة بما يمثلانه من حصانة كان هدفا أساسيا للإباضية لقيام دولتهم به، وأن محاولاتهم التي استمرت منذ سنة 130-155هـ تاريخ القضاء على ثورة أبي حاتم، كانت كلها تقريبا تسعى للسيطرة على هذه المنطقة وجعلها قاعدة انطلاق وحصنا وملاذا لهم.
... في الوقت الذي يتصدى فيه أبو حاتم وعسكر الإباضية معه لنجدات عمر بن حفص التي كان يرسلها من القيروان لإنقاذ طرابلس.
__________
(1) - محمود إسماعيل، ص90. (1/50)
صفحة 51
... تعرضت إفريقية لثوراة أخرى شارك فيها اثنا عشر جيشا (1) ؛اشترك فيها الإباضية إلى جانب الصفرية وتوجهوا إلى منطقة الزاب (2) وكان يقود كل جيش رئيس، ذكر منهم بن عذارى، أبا قرة الصفري في أربعين ألفا، وعبد الرحمان بن رستم الإباضي في خمسة عشر ألفا، وأبو حاتم في عدد كثير (3) ، والمسور بن هاني الزناتي في عشرة آلاف فارس (4) ، وعبد الملك بن سكردير الصنهاجي الصفري في ألفين سوى جماعات أخرى (5) ... ورغم اضطراب المصادر التي تروي تلك الأحداث وتداخل رواياتها وتعارضها مع بعضها البعض ولكن نستطيع أن نجمل القول بأن المصادر الإباضية لم تشر إلى ولاية أبي حفص الذي واجه الإباضية ومنهم أبا حاتم الملزوزي، بل تنسب تلك المواجهة إلى الجيش الخلافي بقيادة ابن الأشعث (6) .
__________
(1) - ابن عذاري، البيان، ص75- ابن عميرة، دور زناته، ص106.
(2) - ابن عذاري، البيان، ص75- محمود إسماعيل، الخوارج، ص91.
(3) - ابن عذاري، البيان، ص75، بينما يذكر الرقيق رقمين لجيش أبي حاتم الأول والذي كان فيه عمرو بن عثمان الفهري وكان عدده مائة ألف وثلاثين ألفا، كما يشير إلى تكاثر البربر وهو ما يعني انضمام جموع أخرى لجيشه بعد مغادرته لحصار ( طبنة ) وتوجهه للقيروان قال الرقيق "... كان أبو حاتم الإباضي في ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا، ( الرقيق. تاريخ أفريقيا، ص 108 )، ونفهم من التعليل الذي وضعه محمود إسماعيل أن سبب هذه الزيادة هي التحاق المسور الزناتي ومن كان معه بجيوش أبي حاتم. الكامل. ج5. ص222. محمود إسماعيل . الخوارج، ص91 ).
(4) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص91.
(5) - ابن عذاري ، البيان، ص75.
(6) - محمود إسماعيل ، الخوارج، ص91. (1/51)
صفحة 52
... بينما المعروف أن بن الأشعث غادر القيران سنة 148هـ (1) بعد ثورة الجنيد عليه، بينما الأحداث التي نتناولها في بحثنا هذا تقع بعد(150هـ)وهو تاريخ إعلان ثورة أبي حاتم الملزوزي في طرابلس وإعلان إمامة الدفاع –كما أشرنا سلفا- ورغم الحصار الذي تعرض له عمر بن حفص في طبنة من قبل الخوارج الإباضية والصفرية تحت لواء أبي قرة الصفري المغيلي الذي أعلن نفسه إماما (2) ، استطاع عمر بن حفص أن يكسره ويفر بحياته عائدا إلى القيروان وخرج الإباضية بأجمعهم ليجهزوا عليه قبل قدومه لكنه، أخذ طريقا مغايرا فسلك طريق تونس بدلا من الأربس (3) .
... وبادر فشحن القيروان بالمؤن والأقوات والميرة والرجال وأدوات الحصار (4) ، وحفر خندقا على باب أبي الربيع (5) وجعل عسكره خلفه مؤثرا سياسة الدفاع، وقد عادت هذه السياسة على أبي حفص بأوخم العواقب فلم يتوان الإباضية عن قتاله وأضطر للخروج لفك الحصار الذي فرضه على نفسه فانهزم وارتد إلى خندق أبي الربيع (6) ، وتبعه أبو حاتم حتى جاوز مشارف الخندق كما وزع رجاله على سائر أبواب المدينة فمنع المحاصرين داخلها من الخروج، وظلوا كذلك حتى نفذت أقواتهم (7) .
__________
(1) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص91، بينما يذكر الزاوي أن ثورة الجنيد على ابن الأشعث كانت بقيادة موسى بن عجلان 147 ولما أخرجوابن الأشعث إلى المشرق ولوا عليهم عيسى بن موسى الخرساني ، في ربيع 148هـ ، ( تاريخ الفتح، ص139 ).
(2) - ابن وردان، تاريخ مملكة الأغالبة ، تحقيق ودراسة محمود زينهم عزب ، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1988، ص1.
(3) - الأربس : إحدى مدن إفريقية تقع غربي القيروان بمسيرة ثلاثة أيام، ( الناصري، الاستقصا ) بأخبار دول المغرب الأقصى ، ج1، ص 118 .
(4) - الرقيق، تاريخ أفريقية،ص106.
(5) - نفسه، ص106.
(6) - نفسه، ص107.
(7) - ابن عذاري، البيان، ج1، ص76. (1/52)
صفحة 53
... وزاد الأمر سوءا تقاعس قواد عمر بن حفص واختلافهم في القيام بمحاولة يائسة لفك الحصار المضروب عليهم.
... وحين وصلته أخبار يزيد بن حاتم (1) لنجدته استنكف عن الإنتظار، وآثر الموت فظل يقاتل الإباضية حتى قتل في منتصف ذي القعدةسنة 154هـ (2) .
... وفي هذا التاريخ تضرب رواية الرقيق عن قدوم يزيد بن حاتم إلى إفريقية وهو بن أخ لعمر بن حفص يقول الرقيق عن سبب قدوم يزيد بن حاتم إلى إفريقية" أنه عندما اتصل بأبي جعفر المنصور أن عمر بن حفص قتل، غمه ذلك وشغله، وأخبر بفساد البلد وكثرة اجتماع البربر وصنعهم بجنده، رأى أن يوجه يزيد بن حاتم إلى أفريقيا لعلمه بقيامه وحزمه ونكايته، ولأن عمر بن حفص عمه فهو لا يألو في طلب ثأره" (3) .
... بينما يشير الرقيق في رواية أخرى أن عمر بن حفص استنكف عن الإنتظار وخاصة عندما علم بمقدم قريبه يزيد بن حاتم لنجدته، وذكر عنه عندما قيل له وما عليك أن يأتي رجل من أهلك فتخرج من الحصار..." (4) .فقال تتحدث نسوة العتيك أن يزيد أخرجني من الحصار؛إنما هي رقدة حتى أبعث للحساب. ويستخلص من الروايتين السابقتين مدى تضاربهما؛ فالأولى تشير إلى أن يزيد بن حاتم قدم أفريقيا بناء على الأخبار التي جاءت للخليفة العباسي بمقتل قائد جنده عمر بن حفص وخشيته من فساد أفريقيا وخروجها من قبضته، بينما نفهم من الرواية الثانية أن عمر بن حفص لا يزال حيا حين قدوم بن أخيه يزيد إلى إفريقية.
__________
(1) - هو يزيد بن حاتم بن قبيصه بن المهلب ويكنى أبا خالد، ولاه أمير المؤمنين أبوجعفر المنصور العباسي ( أ.هـ، ابن عذاري، البيان، ج1.ص78.
(2) - الرقيق، تاريخ أفريقيا، ص108- 109، ابن عذاري، البيان ، ج1،ص78.
(3) - الرقيق، نفس المصدر، ص123.
(4) - الرقيق، نفسه، ص109. (1/53)
صفحة 54
... ومعما يكن من أمر الروايتين فالذي يهما هو أن أبا جعفر المنصور علم بتحرج موقف جيشه في أفريقيا بقيادة عمر بن حفص في مواجهة الإباضية بقيادة أبي حاتم الملزوزي وخشيته من ضياع إفريقية وخروجها من قبضته.
... وما يدر تتبعه في هذا السياق هو مصير أبي حاتم الإباضي الذي كان جيشه يتكون من إباضية هوارة ونفوسة وهويشة (1) .ونتائج المحاولات التي قام بها الإباضية في حيز طرابلس وجبل نفوسة بعد مقتل عمر بن حفص في حصار القيروان الذي ضربه عليها أبو حاتم.
... بايع الناس جميل بن حجر وكان أخا لعمر لأمه، ودخل في صلح متساهل مع أبي حاتم" فصالحهم على أن جميلا وأصحابه لا يخالفون طاعة سلطانهم ولا ينزعون سوادهم(شعار العباسيين)، على أن كل دم أصابه الجند من البربر فهو هدر، وعلى أن لا يكرهوا أحدا من الجند على بيع سلاحهم ودوابهم فأجابهم إلى ذلك أبو حاتم" (2) .
... وكانت هذه الشروط متساهلة نظرا لأن أبا حاتم علم بمقدم يزيد بن حاتم من المشرق، فكان مضطرا لمغادرة القيروان إلى طرابلس.
... بينما كان أبو حاتم في طريقه إلى طرابلس لملاقاة جيش الخلافة بقيادة يزيد بن حاتم جاءته الأخبار بقيام الجند العرب بثورات على عماله في تونس والزاب، مما اضطره للعودة ثانية إلى تونس، فنجح في تفريقهم، وعهد إلى بعض قواده بمهمة القضاء على البعض الآخر، ومضى إلى طرابلس لمواجهة يزيد بن حاتم.
__________
(1) - أبوزكرياء،السيرة، ص83.
(2) - الرقيق، تاريخ أفريقيا، ص 108. (1/54)
صفحة 55
... والواقع أن أبا حاتم كان في موقف لا يحسد عليه، ففضلا عن ضخامة حملة يزيد بن حاتم وحسن استعدادها، دب الخلاف داخل معسكره، فانحازت قبيلة مليلة (1) الهوارية إلى يزيد بن حاتم وكذلك بعض رجال من نفوسة (2) الذين استرشد بهم يزيد في الوقوف على عورات البلاد، وخاصة في جبل نفوسة نظرا لصعوبة مسالكه وطبيعته الجبلية.
... ورغم تصدي أبي حاتم لطلائع جيش يزيد بن حاتم التي قادها سالم بن سوادة التميمي وذلك قبل وصول هذه الطلائع إلى طرابلس، إلا أن هذه المواجهة ورغم أنها كانت لصالح أبي حاتم، لم تغير من مجرى الأحداث التي تداعت بشكل متوالي على جيش أبي حاتم الذي حاول الإعتصام بجبل نفوسة في موضع حصين خلف خندق حفره الإباضية على وجه السرعة أن يزيد فاجأالإباضية وأفسد خطتهم بأن اقتحم عليهم هذا الخندق، والذي تذكر المصادر أنه في مدينة تسمى جنبي (3) عند الرقيق وأبي زكرياء، بينما ترد عند الزاوي باسم جندوبة وهو الإسم الحالي لنفس المكان المختلف على تسميته.
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة ، ص83، ذكر أبو زكرياء، "فمدت قبيلة من هوارة يقال لها مليلة يزيد بن حاتم على أبي حاتم ، فسأل أبو حاتم عمن أعان عليه من البربر ومن كان مع يزيد ؟فقالوا له ليس معه خلا مليلة فقال أبو حاتم: اللهم ذل مليلة ( أبو زكرياء، السيرة .ص83-84).
(2) - وبلغنا أن مع يزيد بن حاتم رجلا من نفوسة يقال له عمر بن مطكود النفوسي ، (أ.هـ، نفسه،ص84).
(3) - جنبي: موضوع غربي جبل نفوسة، (الرقيق، ص159أبو زكرياء، ص83)، وعند الزاوي هي جندوبة مشيدا لنفس الموقع " وقد وقعت بها المعركة الفاصلة ضد الإباضية " (أ.هـ، الزاوي،ص145). (1/55)
صفحة 56
... ونتيجة لتعاون بعض القبائل التي كانت مع أبي حاتم مثل قبيلة مليلة من هوارة وبعض الرجال من نفوسة كما أسلفنا، وكذلك نتيجة لاقتحام يزيد بن حاتم بجنده لمدينة جندوبة وتحطيم تحصينات البربر الإباضية، لكل ذلك دارت الدائرة على أبي حاتم وجيشه. وعندما شعر أبي حاتم بوقع الهزيمة، وقد نظر إلى أصحابه وقد كثر فيهم القتل، أقدم على عمل يائس دون جدوى، حيث قال لأصحابه" زفوني إلى القتل في سبيل الله زفيف العروس وقفوا إليّ قليلا" (1) .
... فقتل أبو حاتم في هذه الموقعة (2) ، وبذلك انتهت حلقة من حلقات الصراع في التمسك بإقليم طرابلس كموطإ قدم للإباضية يحصنه جبل نفوسة كمعقل نهائي بعد الإنسحاب من طرابلس، ولكن لم ينتهي هذا الصراع بشكل حاسم كما يتبادر إلى الذهن منذ الوهلة الأولى.
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة ، ص84.
(2) - قتل أبو حاتم في ثلاثين ألفا من أصحابه في يوم الإثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة خمسة وخمسين ومائة .)أ.هـ ، الرقيق.ص124- الزاوي هامش، ص145). (1/56)
صفحة 57
... بعد موقعة جندوبة المشار إليها ومقتل أبي حاتم 155هـ، تحصن بربر الإباضية في جبل نفوسة، وبمقتل أبي حاتم أصبح يفصلنا عن قيام الدولة الرستمية في تيهرت خمس سنوات والتي كان قيامها على يدي عبد الرحمان بن رستم الذي فارقتنا أخباره منذ كان واليا على القيروان لأبي الخطاب إلى حين مقتل هذا الأخير في سنة 144هـ وإن ورد ذكره ضمن الجماعات التي حاصرت القيروان سنة 153هـ (1) /770م. وخلال هذه الفترة لا يعني أن القضاء على ثورة أبي حاتم هو انتهاء شأفة الثورة بشكل نهائي ، فها هو يحي بن قرياس الهواري يعلن الثورة في ناحية طرابلس 156هـ (2) ، واجتمع إليه الكثير من البربروكان بها - أي طرابلس –عبد الله بن السمط الكندي قائدا من قواد يزيد، فالتقوا على شاطيء البحر واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو يحي وقتل عامة أصحابه وتهدنت إفريقية ليزيد بن حاتم وضبطها (3) .
... وقد علق محمود إسماعيل على ذلك بقوله: فثورة هوارة بزعامة أبي يحي بن قرياس سنة 165هـ -773م بنواحي طرابلس انتهت بكارثة إباضية هوارة على يد عبد الله بن الصمط الكندي الذي قتل أبا يحي وعامة أصحابه" (4) .
... وكما نلاحظ فإن الثورات الإباضية رغم تعرضها لضربات مميتة أضعفت من قوتها وقللت من شأنها، فنجدها تظهر بين الحين والآخر حتى بعد قيام الإمامة في تيهرت في المغرب الأوسط كما سنرى.
... ففي سنة 180هـ -796 م (5) قامت إباضية هوارة بثورة بزعامة عياض بن وهب الهواري ولكن تم إحباطها.
... ويرى محمود إسماعيل أن إباضية نفوسة قد استكانوا وغلبوا على أمرهم بعد فشل حركة أبي يزيد (6) .
__________
(1) - ابن عذاري، البيان، ج1، ص75، حيث ذكر: " وعبد الرحمان بن رستم الإباضي في خمسة عشر ألفا "، ( محمود إسماعيل، الخوارج، ص91).
(2) - ابن عذاري، البيان، ج1،ص79.
(3) - نفسه، ص79.
(4) - محمود إسماعيل.الخوارج. ص 94.
(5) - نفسه، ص94.
(6) - نفسه،ص94. (1/57)
صفحة 58
لكن ما نراه في جوهر الأمر أن إباضية نفوسة وجهت أنظارها بل جهودها ودعمها لعبد الرحمان بن رستم، الذي أقام دولة إباضية في المغرب الأوسط، وكانوا هم دعامتها وسندها الذي قامت عليه الإمامة الرستمية.
المبحث الثاني
قيام الدولة الرستمية في تيهرت
... قبل أن نتناول موضوع الدولة الرستمية ككيان سياسي قائم بعد تلك الثورات التي استعرت في إفريقية وخاصة في إقليم طرابلس والقيروان وما صاحبها من فشل لجهود الإباضية في ترسيخ أقدامهم في إقليم طرابلس أو القيروان، يجدر بنا البدء بتوطئة لهذا الموضوع تجيب عن بعض التساؤلات حول النظام السياسي الإباضي مثل نظام الإمامة وأنواعها، وكذلك شخصية مؤسس الدولة الرستمية( عبد الرحمان بن رستم)، ودور نفوسة الجبل وإباضية طرابلس في مساندته ومؤازرته منذ الوهلة الأولى لانتقاله إلى المغرب الأوسط، وكذلك الحديث عن العاصمة تيهرت ودوافع الإختيار.
... أولا قبل الإجابة عن تلك التساؤلات نذكّر بملاحظة هامة وهي ظاهرة تكاد تكون قد طالت كل الدول المستقلة في إفريقية والمغرب خلال القرنين الثاني والثالث الهجري وهي أن رؤوس تلك الثورات ومن بعد حكام دول وقادة بعد نجاح تلك الثورات هم دائما رؤوس مشرقية سواء بالواقع العملي أو التوجيه الفكري والسياسي والقاعدة دائما إفريقية والمغرب: أي أن ما يطلق عليه اليوم"مبدأتصدير الثورة" بالمفهوم الحديث يكاد أن يكون هو النظام الذي ساد في تلك العصور: أي أن أفكار هذه الثورات الخارجية في إفريقية والمغرب سواء كانت إباضية أو صفرية أو غيرها من الأنظمة الأخرى كالتي تعاقبت على القيروان مثل الأغالبة والفاطميين بعدهم أو الأدارسة في المغرب الأقصى هي أفكار مصدرها المشرق. (1/58)
صفحة 59
... وفيما يتعلق بالخوارج فهم من البصرة تحديدا (معقل أئمة تلك الفرق)، كما أن الصراع لم يأخذ دائما طابعا عرقيا أو قبليا بل يتعداه إلى تضارب المصالح بين بعض الأطراف المختلفة في المباديء والفكار، مما يضفي على هذه الثورات مهما تزيت بزي مذهبي، طابع ثورات سياسية ذات دوافع وأطماع سياسية لم تتمكن من تحقيقها في المشرق، فانتقلت إلى أطراف دولة الخلافة في أفريقيا وفي جنوب الجزيرة اليمن وعمان.
... أما فيما يخص تحالف المصالح، فنجد أثناء الصراع بين يزيد بن حاتم قائد الجند العباسي وأبو حاتم الملزوزي قائد الإباضية، انحازت قبيلة مليلة الهوارية إلى يزيد بن حاتم (1) ، كما يذكر الرقيق تحالفات بعض أفراد الأسرة الفهرية مع قبائل ورفجومة ضد أبناء عمومته"...وهرب عبد الوارث بن حبيب (2) ومن كان معه من فل من عسكر الياس إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة" (3) .
... كما يروي الرقيق أن هناك تحالفا تم بين البربر والخوارج وزعيمهم عاصم بن جميل وبين بعض العرب..." فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرم بالبربر ومن لجأ إليهم من العرب بعد أن هزموا حبيبا" (4) .
... وعلى إثر هذا التحالف دخلت ورفجومة القيروان بزعامة عاصم بن جميل ودمرتها واستحلت محارمها (5) ثم ولى عليها عبد الملك بن أبي الجعد (6) .
__________
(1) - محمود إسماعيل،.الخوارج،.ص93.
(2) - عبد الوارث بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، لقد هرب من بطش ابن أخيه حبيب بن عبد الرحمان واستعان بقبائل ورفجومة ( الصفرية )ضد ابن أخيه، الرقيق، تاريخ أفريقيا، ص 101.
(3) - الرقيق، مصدر سابق، ص 401.
(4) - نفسه، ص 102.
(5) - نفسه، ص102.
(6) - عبد الملك بن أبي الجعد النفزى، الرقيق، ص 103، ويذكره ابن عذاري "اليفرني"، ( البيان، ج1، ص70 ). (1/59)
صفحة 60
... وكذلك فعل حبيب بن عبد الرحمان عندما تغلب عليه عاصم وقبيلة ورفجومة، فنجده التجأ إلى جبال أوراس واحنمى بأخوال أبيه من البربر وأغزى بهم القيروان ولكنه هزم أمام قبيلة نفزة بزعامة عبد الملك بن أبي الجعد.
... وما يهمنا من أمر هذه التحالفات والتحالفات المضادة لها والتي اتفقت فيها مصالح الخوارج مع أهداف المعارضين من الأسرة الفهرية الحاكمة هو أن هذا الصراع لم يكن صراعا عرقيا ولا مذهبيا، بل صراع مصالح، تلتقي فتتفق ويقاتل الأخ أخيه، في سبيل أغراض سياسية مستعينا بأعداء الأمس مهما كانت تلك النتيجة،
...
... (1/60)