صفحة 1
الكتاب: محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) محاضرات عن الثّورة التّحريريّة الجزائريّة
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الطّبعة الثّانيّة مزيدة ومنقّحة
حقوق الطّبع محفوظة للمؤلّف
نشر:
محاضرات عن الثّورة التّحريريّة الجزائريّة
1437هـ ... / 2015م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الإيداع القانوني:
ردمك:
حقوق الطّبع محفوظة للمؤلّف (1/1)
صفحة 2
نشر
بسم الله الرّحمن الرّحيم (1/2)
صفحة 3
نُفَمْبَرُ! غَيَّرْتَ مَجْرَى الحَياة
وَكُنْتَ نُفَمْبَرُ! مَطْلَعَ فَجْر
وَذَكَّرْتَنَا بالجَزائِرِ ... بَدْرا
فَقُمْنَا نُضَاهِي صَحابَةَ ... بَدْر
مفدي زكريّاء
مقدّمة الطّبعة الثّانيّة
ما تزال الثّورة التّحريريّة الجزائريّة العظيمة محلّ تقدير وإعجاب كلّ من يعرف قيمة التّضحيّة والفداء، ويدرك دور الجهاد بالنّفس والنّفيس في سبيل الظّفر بالحياة الكريمة .. ويفقه حقيقة النّضال للخروج من حياة الذّلّ والهوان، والانفلات من شِراك التّبعيّة والخضوع لغير المبادئ التي تحكم مسيرته الخاصّة، وعدم التّفريط في الأصول التي توجّه حياته .. وكلّ من يعي أنّ الشّخصيّة الذّاتيّة يحب أن تكون متميّزة ومنفردة بخصوصيّات، لا تلغيها المتغيّرات ..
هذه المعاني هي ما أفرزته ثورة التّحرير الجزائريّة، التي ضحّت بالشّهداء، وقدّمت مجاهدين ورجالاً عاهدوا الله على القيام بواجبهم الدّيني والوطني والإنساني .. من أجل التّحرّر من كلّ أنواع الغلّ والعبوديّة ..
هذه الثّورة قدّمت ألوانًا من طرق العمل في التّخلّص من الأخلاق الدّنيئة، وأفرزت قيمًا ومقوّمات للبناء والتّعمير، والسّير في سبيل واحدة، طرفاها (1/3)
صفحة 4
واضحان، منطلقها مبادئ محدّدة وأصول ثابتة، ومنتهاها غاية واحدة هي إرضاء الله عزّ وجلّ؛ باتّباع الطّرق المشروعة في الحصول على المبتغى.
هذه الثّورة الكبيرة تعلّم منها الكثير – أفرادًا وجماعات – كيف يكون النّضال، وبماذا ولماذا، وكيف يستثمر كلّ هذا في خوض معترك الحياة بأصالة وقوّة، تضمن عدم الانحراف عن سواء السّبيل ..
في هذا الكتاب اجتهدنا في إبراز هذه المعاني، بما عرضناه من أعمال لنا متفرّقة، قدّمناها في مناسبات مختلفة .. في هذه الطّبعة الثّانيّة أضفنا وصحّحنا وصوّبنا، وزدنا بعض التّحليلات .. عسى كلُّ هذا يسهم في تذكير الكبار بما قامت به الثّورة من أجلهم، وبما قدّمته من أجل زرع القيم الصّحيحة، والمثل العليا في المجتمع .. لتستثمر بعد استقلال الجزائر من الهيمنة الأجنبيّة .. وتنفرد بتسيير شؤونها بنفسها، و على أيدي أبنائها ورجالها ..
نرجو أن يقرأ كلّ جزائري ما حملته هذه السّطور من تسجيل لأعمال الرّجال المخلصين الذين ناضلوا وجاهدوا في هذه الثّورة .. وأن يقفوا عند الانطباعات والمشاعر التي أثبتناها عن علاقة الجزائريّين بثورتهم بعد الاستقلال إلى يومنا .. ثمّ يسألوا أنفسهم: هل هم أوفيّاء لتضحيّات الذين صنعوا ملحمة هذه الثّورة، وبنوا الأمجاد ... ؟ هل ما يقومون به في نشاطهم اليوم وما بعد الاستقلال هو استمرار للرّوح التي كانت تسكن آباءهم وهم يقودون النّضال ضدّ كلّ أشكال الهيمنة والاستبداد والتّبعيّة والإمعيّة؟ هل هم يحملون القيم والمقوّمات التي تنتظم حياتهم التي يجب أن تكون مواصلة لحياة من سبقهم، من حيث الارتباط الأصول والمبادي والمشاعر والأهداف والمقاصد ... بعيدة عن الانحرافات والمفاسد ..
نرجو أن تكون قراءتنا لأحداث الثّورة التّحريريّة، جامعة لأداء واجب معرفة التّاريخ، وقراءته قراءة معمّقة وواعيّة. ثمّ الوقوف على الجوانب الإيجابيّة والسّلبيّة فيها، وتحليلها ومناقشتها ونقدها .. ثمّ الإفادة منها ما يعين على تنظيم شؤون الحياة وأمورها .. وأخيرًا عرض مسيرتنا الحاليّة على مبادئ هذه الثّورة وبياناتها ومواثيقها ومجرياتها وسيرورتها، وما حقّقته من نتائج، وما بلغته من إنجازات ..
كلّ واحد منّا يقوّم سيرته وعلاقته بهذه الثّورة اليوم في تبيين حقيقة الولاء لهذا الوطن العزيز، والوفاء للتّضحيّات، والبناء له على الأسس الصّحيحة التي تتّصل به؛ دينًا وفكرًا وثقافة واجتماعًا ... وكلّ ما يكوّن (1/4)
صفحة 5
قوام كيان وطنه. والله الهادي لسواء السّبيل والصّراط .. الجزائر يوم الثّلاثاء: 12 صفر 1437هـ/24 نوفمبر 2015م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رئيس جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر
مقدّمة الطّبعة الأولى
ثورة التّحرير الجزائريّة عظيمة بإنجازاتها الكثيرة، وبما قدّمته للجزائر من فضائل، أدّت وقادت إلى استرجاع حريّتها وكرامتها وسيادتها. وكبيرة بما أفرزته من مواقف ومشاهد مثيرة، عُدَّ بعضها من خوارق العادات، ومن الأشياء المدهشة المذهلة. ومتميّزة بما خلّفته من آثار إيجابيّة على المستوى الخارجي، وبما تركته من أصداء في العالم، في أثناء قيامها وسيروتها، وبعد انتهائها وما تزال هذه الآثار قائمة إلى اليوم.
كتب عن هذه الثّورة الكثير، وقيل عنها أكثر، وسردت أحداثها بكثرة، رغم كلّ ذلك فإنّ كثيرًا من الشّباب – بخاصّة – لا يَقْدُرُها حقَّها، ولا يُحلّها في قلبه المحلّ الذي يليق بهذه العظمة، ومن ثمّ لا يحتفل بها ولا يحتفي كما يجب ويليق بالشّيء العظيم الجليل.
لهذه الظّاهرة المقلقة أسبابها وعواملها، التي قد يتحمّل مسؤوليّتها بعض من نصّب نفسه وصيًّا عليها ليقدّمها للأجيال التي لم تعشها، إنّما سَمِعَتْ عنها. وكانت تطمح أن تقرأ عنها قراءة صحيحة، أو تسمع عنها (1/5)
صفحة 6
سماعًا سليمًا، لكنّها في بعض الأحيان لا تظفر بذلك، وتمرّ الأيّام وتكرّ الذّكريات، وتبقى دار لقمان على حالها، وتاريخ الثّورة لا يُقدَّم كما يجب، والشّباب لا يتحمّس للتّعرّف على حقيقة ما جرى، وهَلُمّ جرًّا ...
يسجّلُ في الحالين وعلى الطّرفين تقصير في حقّ الثّورة التّحريريّة المظفّرة، لهذا وجب إعادة النّظر في منهجيّة تقديمها لمن لم يعشها، حتّى تظفر وتحتلّ مكانتها في النّفوس، وتحظى بالعناية للإفادة من نتائجها في إكمال مسيرة من كافح، ومن مات من أجل أن تحيا الجزائر حرّة مستقلّة، وتسعى بأخلاف الأسلاف إلى تطويرها؛ بالوفاء لنهج الأوائل، ورسم خطط التّعمير، باستلهام مبادئهم، والارتباط بأهدافهم.
في الصّفحات الآتية نعرض بعض ما كتبناه عن هذه الثّورة، وكنّا قد قدّمناه في مناسبات مختلفة. هي قراءات فيما قدّم عن هذه الثّورة، وليس سردًا للأحداث، وتقديمًا لمجرياتها وتطوّراتها. هذه الكتابات تحمل طابع وجهات النّظر القابلة للمناقشة والقبول والرّدّ. نزعم، بل نطمح أن يسهم ما حرّرناه في توضيح بعض الرّؤى، وتصحيح بعض المفهومات، ووضع بعض الأطر في إعادة فهم هذه الثّورة، ووعي حقيقتها.
كما أنّ القصد من هذه القراءات الدّعوةُ إلى التّعمّق في طبيعة هذه الثّورة، وربطُها بالمبادئ التي صدرت عنها، وشدُّها ووصلُها بالأهداف التي رسمتها؛ حين انطلقت بقوّة، وأيّامَ اندفعت تشقّ طريقها بشجاعة، وحين رمت بالعدوِّ في البحر من دون رجعة ... فِقْهُ ذلك يضع كلَّ واحد ممّن ينتمي إليها بأيّ سبب أمام مسؤوليّة الوفاء لها؛ تقديرًا ونقلاً لها، وتنفيذًا لما دافعت عنه، والتزامًا بما دعت إليه، وخطّطت له.
في هذه القراءات كثيرٌ ممّا قد يقرؤه المتأمّل المتأنّي، وهو ينظر فيها ويطيل النّظر. يقرأ فيها مسألة المرجعيّة في التّخطيط والتّحرّك، والعمل المؤسَّس على قواعد وأسس صحيحة، والرّؤية المستقبليّة في التّفكير والتّدبير، وضبط المفهومات وحسن التّعامل معها، وتصحيح الحقائق، ووعي الواقعات والوقائع ... وغيرها من الدّروس والعبر المستفادة من هذه الثّورة العظيمة، المثيرة بأحداثها وإنجازاتها ومفاجآتها ...
هذه محاولات قدّمناها لقرّائنا الكرام، نرجو أن نكون موفّقين فيها. وكان منطلقنا فيها قانون السّماء وتوجيه الله {: - عز وجل - ... إِنُ ارِيدُ إِلاَّ الاِصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِيَ إلاَّ بالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيِهِ أُنيبُ} (1/6)
صفحة 7
(سورة هود/ 88) إنّنا ننتظر ممّن يقرأ هذه الخواطر النّقدَ والإثراءَ والله الهادي إلى سواء السّبيل.
الجزائر يوم الأربعاء: 16 من شعبان 1431هـ
28 من جويلية 2010م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
إرهاصات الثّورة في الشّعر الجزائري (1)
إنّ أعمال العسف والظّلم والقهر، ومحاولات القضاء على الشّخصيّة الوطنيّة والإسلاميّة، التي اقترفها المستعمر الفرنسي ضدّ الشّعب الجزائري، وتفنّنه وتجريبه كلّ الأساليب الممكنة والموصلة إلى بلوغ أهدافه ... شحذت عزائم الشّعب، وأذكت فيه أوار الانتقام لنفسه، والانتصار لقضيّته الأساسيّة، وهي التّحرّر والانعتاق؛ بإحباط كلّ هذه المؤامرات، وفضح كلِّ هذه الدّسائس، والإعلان عن الرّفض التّام لكلّ ما ينال من السّيادة الوطنيّة.
بقي الشّعب يعيش بهذه الرّوح، وبهذه النّظرة، وعلى هذا المبدأ، متطلّعًا إلى مستقبل مشرقٍ باسم، يزيل هذه الغمّة، ويقضي على هذه الوضعية، منذ وَطَأَت أقدام المستعمر أرض الجزائر، إلى يوم طُرِدَ منها إلى غير رجعة. لم ينقطع هذا النَّفَس منه، وإن كان يتشكّل بأشكال مختلفة، ويتّخذ أساليب متنوّعة، حسب الظّروف، وحسب الثّورات المتعاقبة، ابتداء من ثورة الأمير عبد القادر.
__________
(1) - ألقي البحث في ملتقى الأدب والثّورة، الذي انعقد في مدينة باتنة، الجزائر في شهر نوفمبر 1987م، ثمّ نشر في المجلّة الثّقافيّة، الجامعة الأردنيّة، عمّان، المجلّد الثّلاثون، 1414هـ/ 1993م. (1/7)
صفحة 8
ثمّ كانت جهود الحركات الإصلاحيّة وجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، وكانت معركة العلم والتّربية والأخلاق والتّوجيه؛ للوقوف أمام هجوم المستعمر المتكرّر على الهويّة الوطنيّة والانتماء العربي والإسلامي، والارتباط بالماضي العريق. وكانت وسائل التّعبير والرّفض والمقاومة في هذه المرحلة هي الجمعيّات والنّوادي والكتب والمؤلّفات والصّحافة الوطنيّة، والتّعليم والإرشاد والوعظ، والأدب بكلّ أشكاله، التي أتيح التّعبير بها في تلك المرحلة. ثمّ كانت التّعبئة السّياسيّة، وكانت الحركات الوطنيّة والتّنظيمات السّياسيّة، التي عملت كلُّ واحدة منها حسب برنامجها السّياسي واجتهادها، وكلّها كانت هادفة إلى إخراج الجزائر من محنتها ومأساتها.
كانت كلّ مرحلة من هذه المراحل تستفيد من سابقتها: اقتراحًا لأساليب الكفاح، وتداركًا للأخطاء التي ارتكبت في تجربة سابقة، وتصحيحًا لبعض المفهومات ... حتّى جاءت ثورة التّحرير الكبرى التي استفادت من الأعمال السّابقة، والتّعبئات المتقدّمة، فَبَنَتْ بذلك قاعدة ثوريّة متينة، انطلق منها الشّعب بكلّ حماسة؛ ليسترجع سيادته الوطنيّة، بعد حرب ضروس، وتضحيّات جسام.
قام الشّعر بدور كبير في التّحضير والتّهيئة لهذه الثّورة الكبرى، بالتّعبئة العامّة، وإذكاء الحماسة في الشّعب، تقول الدّكتورة نور سلمان " حمل الشّعر قبيل الثّورة إرهاصاتها، معبّرًا عن النّقمة والتّململ الرّافض، فصوّر الأوضاع الفاسدة والقلق والتّوتّر، وساهم في الوثبة، مجاهرًا بتسميّتها وثبة كفاح وحربٍ، بعد أن قصر الكلام والحوار السّياسي عن تحقيق الهدف." (1)
نظرًا لأهميّة الدّور الذي قامت به الكلمة والعبارة الشّاعرة، فإنّنا نتوقّف قليلاً عند إرهاصات الثّورة في الشّعر الجزائري؛ لنبيّن الدّور الخطير الذي قامت به الكلمة المسؤولة.
أشكال إرهاصات الثّورة
لقد كانت حوادث الثّامن من سنة 1945م بداية للتّحوّل في الكفاح الوطني؛ بانتهاج أسلوب أكثر واقعيّة ونجاعة في الاقتراب من الهدف
__________
(1) - الدّكتورة نور سلمان، الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، 1981م، ص: 324. (1/8)
صفحة 9
المرسوم، وهو الظّفر بالحياة الكريمة، بعد الحصول على الحريّة. تقول الدّكتورة نور سلمان: "وكانت أحداث مايو نقطة انطلاق جديدة في تاريخ الحركة الوطنيّة الجزائريّة، إذ صعّدت النّقمة الشّعبيّة، وكتّلت العناصر الرّافضة في طريق الثّورة. إنّها بداية اليقظة والفاصل التّاريخي بين فترة التّردّد وفترة القتال، ولقد حرّكت المأساة قرائح الشّعراء، فجاهروا في شعرهم بنقمتهم وبدعوتهم إلى الكفاح من أجل الحريّة والاستقلال، فتَحوَّل الشّعر مع الحركة الوطنيّة من موقف الرّفض والدّفاع إلى الدّعوة للهجوم والحرب." (1)
لا يُفهَم من هذا التّعليق أنّ ما قدّم قبل هذه المحطّة التّاريخيّة من كفاح الجزائريّين يفتقد إلى تلك المواصفات التي سجّلتها نور سلمان في الفقرة السّابقة، إنّما تطوّر الأحداث، وتوفّر الوسائل وتغيّر الظّروف .. والتّجارب المكتسبة في الميدان والممارسات المتكرّرة .. تضيف وتعلّم وتصحّح ... وهو ما سمح لفترة ما بعد حوادث الثّامن أن تطبع النّضال بالطّابع الذي أشارت إليه نور سلمان ..
ذلك لأنّ هذه الحوادث كانت مأساة حقيقيّة، خلّفت في قلب كلّ جزائري جراحات لا تندمل، وذكرى لا تنسى؛ إذ كانت نكسة كبيرة في الآمال التي كان يعلّقها الجزائريّون في الأقوال التي كانت فرنسا قد تلفّظت بها، حين دعت الوطنيّين لمساعدتها ونصرتها على غريمتها ألمانيا، وقد كان الوعد جائزة ثمينة غالية، هي الحريّة والانعتاق. إلآّ أنّ هذا الحلم قد طال تحقيقه، وهذه الغاية قد تأخّر الحصول عليها.
كانت الحوادث نكبة كبيرة على الجزائريّين؛ نتيجة ما تركته من ويلات ومصائب، حيث ثكلت الحركة الوطنيّة، وقتلت العشرات من قادتها ومسيّريها، وفتكت بالآلاف من المواطنين، الذين تحرّكوا مطالبين بحقوقهم المسلوبة، ومنادين بحقّهم في العيش، والاستفادة من خيرات بلادهم.
كان وقع هذه المجازر شديدًا على نفوس الشّعراء – كغيرهم من بقيّة المواطنين – ولهذا عُنوا بتصوير وحشيّة المستعمر أحسن تصوير، والتّعبير عن تذمّرهم أبلغ تعبير. فمحمد العيد آل خليفة مثلاً يخترق جدار
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 319، 320. (1/9)
صفحة 10
الصّمت الذي ضربه على نفسه، ويضع حدًّا لقطيعته مع الشّعر (عن نظمه)، التي دامت عشر سنوات كاملة، يخرج من هذه العزلة بقصيدة مؤثّرة، حين هزّته الذّكرى الثّالثة لهذه المأساة، فيعطي لها عنوانًا، له دلالته: " لا أنسى ". لا أنسى هذه المجازر، مهما تكن الظّروف والأحوال، لا أنسى ما اقترفته يا فرنسا المجرمة الغادرة!
بذلك ينقل لنا مشاعر كلّ وطني جزائري حرّ، هاله ما قام به المحتلّون، وأحزنه وأقلقه مصير وطنه، بعد هذه المجازر الدّامية: ...
أَأَكْتُمُ وُجْدِي، أَمْ أُهَدِّئُ إحساسي ... وَ (ثَامِنُ مَايِ)، جُرْحُهُ ما لَهُ آسِي
وَأَرْقُبُ ... مِمَّنْ أَحْدَثُوهُ ... ضِمَادَهُ ... وَهُمْ في جِماحٍ لَمْ يَمِيلُوا لإِسْلاس
تَمُرُّ اللَّيالِي وهوَ يدْمَى، فَلَمْ نَجِدْ ... لَهُ مَرْهَمًا مِنْهمْ سِوَى العُنْفِ والبَاس
إِذَا مَا رَجَوْنَا بُرْأَهُ ثَرَّ دَافِقًا ... بِأَحْدَاثِ سُوءٍ، وَقْعُهَا مُؤْلِمٌ قَاسِي (1)
ثمّ يعرض علينا الشّاعر بعض ما قام به الاستعمار؛ كاشفًا عن أعماله التّعسفيّة والوحشيّة، فاضحًا نيّته الحقيقية الرّامية إلى القضاء على الوجود الجزائري، وإصرارِه على البقاء الدّائم في أرض الجزائر:
فَظَائِعُ (ماي) كذّبَتْ كُلَّ مَزْعَمٍ ... لَهُمْ، وَرَمَتْ مَا رَوَّجُوهُ بِإِفْلاس
دِيَارٌ مِنَ السُّكّانِ تُخْلَى نِكَايَةً ... وَعَسْفًا، وَأَحْيَاءٌ تُساقُ لأَرْماس
وَشِيبٌ وَشُبَّانٌ يُسامُونَ ذِلَّةً ... بِأَنْواعِ مَكْرٍ، لا تُحدُّ بِمِقْياس
وَأَحْباسُ شَرٍّ، أَجْمَعَتْ سُجَنَاؤُها ... وَمُعْتَقَلُوها أنَّها شَرُّ أَحْباس
وَغيدٌ مِنَ البيضِ الحِسان
__________
(1) - آل خلبفة محمد العيد، ديوان محمد العيد، محمد العيد عليّ خليفة، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1979م، ص: 325. (1/10)
صفحة 11
أوَانِسٌ ... تُهانُ علَى أَيْدِي أَرَاذِلَ أَنْكَاس
وَيُنْكَبْنَ فِي عِرْضٍ لَهُنَّ مُطَهَّرٍ ... مَصُونٍ الحَواشِي طَيِّبِ العُرْفِ كالآسي
فَيَالَكَ مِنْ خَطْبِ تَعَذَّرَ وَصْفُهُ ... فَلَمْ تَجْرِ أَقْلامٌ بِهِ فَوْقَ أَطْراسِ (1)
لهذه الأهوال والمصائب التي أفرزتها حوادث الثّامن ماي يبقى يوم ذكراه ساعة الجزع، وطلعة الشّؤم. بما يثيره في النّفوس من كوامن الأسى والحزن، وإعادة استحضار مشاهد الدّمار والفتك والهتك، وإرجاف القلوب. يقول الرّبيع بوشامة سنة 1948م، مندّدًا بهذا اليوم، متشائمًا من حلوله، متبرّمًا منه: ...
لِي فِيكَ يَا (ماي) النّوائب والرّدَى ... ذِكْرَى سَتَبْقَى طيلَة ... الأعْوام
فقدانُ خَيْرِ أَبٍ، وأَكْرَمِ صُحْبَةٍ ... وَجَحِيمُ سِجْنٍ، حُفَّ بالإِعْدَام
عَجَبًا لِوَجْهِكَ كَيْفَ عادَ لِحالِهِ ... مِنْ بَعْدِ أَحْدَاثٍ عَرَتْكَ، جسام
هَلاَّ غَرَبْتَ عَنِ الزّمانِ وَأَهْلِهِ ... فَتريحَ هذَا الشّعْبَ مِنْ إيلام
أَصْبَحْتَ رَمْزَ الفَاجِعَاتِ بِذَا الحِمَى ... تَبْدُو بَهِيمًا، مُفْزَعَ الإِظْلام
وَتَروحُ ذِكْرَى السّوءِ، تَحْمِلُ قُرْحَةً ... مَهْمَا تَعُدْ تُشْرِقْ بِجُرْحٍ دامِ (2)
أمّا محمد بلقاسم خمّار فيقول في الذّكرى التّاسعة لهذه الحوادث، أي يوم 15 ماي 1954م:
يا يَوْمُ، ... لَنْ يَنْسَاكَ قَلْبي، إنَّ في ... ذِكْراكَ تَنْمُو دَائِمًا بُرَحَائِي
يَا يومُ، كُنْتُ مَعَ البَراءَةِ شَاهِدًا ... وَعَلَى الضَّرَاوَةِ شاهِدَ ... اللُّؤَمَاء
أَيْنَ الذِي وَعدَ البِلادَ حُقُوقَهَا ... مُتَمَسِّكًا بالغَدْرِ ... والإِطْرَاء
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 326.
(2) - الدّكتور صالح خرفي، الشّعر الجزائري، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (ب. ت)، ص: 215. (1/11)
صفحة 12
فَتَسَابَقَتْ أَيْدِي الشّبابِ ... لِنَصْرِهِ ... وَتَعَانَقُوا والمَوْتُ في ... الهَيْجاء
وَتَطَاحَنُوا وَجُيُوشُ هِتلرَ في الوَغَى ... لا بُغْضَ، بل شَوْقٌ إِلَى العَلْياء
حَتَّى إذَا مَلَكُوا الزّمانَ رَأَيْتَهُمْ ... يرْمونَ ... للنّيرانِ والأدْواء
يَا يومُ، لَنْ أَنْساكَ، ما ظَلّت على ... قَيْدِ الحَياةِ غَمائِمُ الدّكْناء
سَأَعِيشُ في صَوْتِ الضَّحايَا نَغْمَة ... رنّانةً، تَشْدُو مَعَ الأَحْيَاء
يَاَمايُ، لَنْ نَنْسَاكَ مَا دَامَتْ لَنَا ... مُهَجٌ معَ الحُرِيَّةِ الحَمْراءِ (1)
هذه الأعمال أوجدت اليأس من استرحام المستعمر، والقنوط من تحوّله عن سياسته القمعيّة والإباديّة، كما نبّهت إلى ضرورة الخروج من دائرة التّشكّي وعدّ المظالم، إلى مجال التّفكير في وسيلة أخرى، تمكّن من تغيير الأحوال واسترجاع الحقوق:
وَلاَخَيْرَ فِي عَدِّ ... المظَالِمِ وَحْدَهَا ... إِذَا لَمْ نُبِنْ عَنْ مُرْهِفَاتٍ ... وَأَتْرَاس
سَئِمْنَا مِنَ الشَّكْوَى إِلَى غَيْرِ رَاحِمٍ ... وَغَيْرِ مُحِقٍّ، لاَ ... يَدينُ بِقِسْطَاس
وَقَفْتُ أَجُولُ الطّرْفَ في الأَرْض بَاحثًا ... وَأَضْرِبُ أَخْمَاسِي الجَمِيعَ ... فِي أَسْدَاسي
إذَا بِي أَرَى ... فِيهَا ... الضّعيفَ ... يَجْهَلُهُ ... شِرَاءً وَبَيْعًا فِي الوَرَى كُلُّ ... نَخَّاسِ (2)
يجبُ الاقتناعُ أنّ وعود فرنسا سرابٌ خدّاعٌ، تريد بها امتصاص غضب الجماهير، وتفويتِ الفرصة للأخذ بالثّأْرِ والثّورة عليها:
وَمَا وَعْدُهُمْ ... إِلاَّ ... سَرابٌ ... بِقيعَةٍ ... وَمَا عَهْدُهُمْ ِلاَّ مِدَادٌ ِقِرْطَاسِ (3)
__________
(1) - محمد بلقاسم خمّار، إرهاصات سرابيّة من زمن الاحتراق، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1986م، ص: 42.
(2) - محمد العيد آل خليفة، ديوانه، ص: 326.
(3) - المصدر السّابق، ص: 327. (1/12)
صفحة 13
لكي يزيد الشّاعر الموقف وضوحًا؛ فيزداد المخاطَبونَ اقتناعًا بعدم جدوى وعود فرنسا، استعان بآيةٍ قرآنيّة معبّرة، وردت في قوله تعالى: {والذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ} (سورة النّور/ 39).
العبارة (سراب بقيعة) وصف الله بها أعمال الكفرة، الذين ينخدعون بها في الدّنيا، حتَّى إذا قدموا يوم القيامة لَم يجدوا شيئًا، بل وجدوا عذابًا أليمًا، تَمامًا مثلما يطمئنًّ العطشانُ في مفازةٍ إلى قاعِ مستَوًى، تنعكس فيه أشعّة الشّمس، فيخيّل إليه أنّه ماءٌ، حتّى إذا فزع إليه وهرول لم يحده شيئَا، إنّما يجد بعد ذلك حرقَةً أخرى ولهفةً شديدة. وهو ما حدث للجزائريّين، حين وعدتهم فرنسا بتلبية مطالبهم، ومنحهم حريّتهم إن هم أعانوها في حربها ضدّ ألمانيا، فانخدعوا بهذا السّراب، فحملوا السّلاحَ، وكلّهم أملٌ وشَوقٌ إلى ذلك اليوم وتعلّق بذلك الوعد، فلمَّا جاؤوا بعد انتهاء الحرب لم يجدوه شيئًا، بل وفّاهم المستعمر حسابهم بالتّنكيل والتّقتيل.
لذلك يرى الشّعراء أنَّ الوسيلة الوحيدة التي تبقى بين أيدي الجزائريّين، تقنع المستعمرين بالعدول عن سياستهم، وتكشف عن حقيقة أحاسيس الشّعب وتطلّعاته هي القوّةُ، السّبيلُ الوحيدُ للانتقام. يرسل الرّبيع بوشامة صوته، ويوجّه نداءَهُ إلى الأحرار ليقوموا بما يَثْأَرُ لما حدث، فيقول لمايو، وهو يعني الأحرار:
يا (مايُ)، مَالَكَ وَاجمًا، لَمْ تَنْتَقمْ ... أَوَمَا سَقَاكَ الظُّلْمُ أَسْوَأَ جَام
يَا (مايُ)، إنَّا في انتظارِ حُكُومَةٍ ... فَمَتَى يُساقُ الظُّلْمُ للإِعْدامِ (1)
إنّ هذه الممارسات أوقفت الجزائريّين على حقيقة نوايا الاستعمار، كما أوجدت في النّفوس اليأسِ، وتركت على الوجوه علامات الوجوم والذّهول؛ بسبب ما يشاهدونه، ولما يتوقّعونه من ازدياد الاضطهاد والقهر.
في انتظار التّوصّل إلى وسيلة ناجعة للانتقام والأخذ بالثّأر، والحصول على الحريّة المغصوبة، وجدنا الشّعراء يلجؤون إلى المناجاة، ويعمدون
__________
(1) - الدّكتور صالح خرفي، الشّعر الجزائري، ص: 216. (1/13)
صفحة 14
إلى استعمال الرّمز والإشارة والتّلميح، والإكثار من التّظلّم من ممارسات الاستعمار التّعسّفية، والتّشكّي من أحوال النّاس المتردّية، وتصرّفاتهم المنافية لروح الإسلام وروح المسؤوليّة، وبقائهم في هذا الهمود والخمول والرّضا بالذّلّ والهوان؛ لأنّ: "التّربية الثّورية تُعْنَى أوّل ما تُعْنَى بتكوين الانفصال عن الفساد القائم، والإحساس بالأدواء الموجودة، وخلق الشّجاعة والبطولة، وأصعب ما في هذه التّربية الثّوريّة تربية النّفوس على المجاهدة لذاتها على الانتصار للحقّ. " (1)
امتلأت قلوب الشّعراء غمًّا وهمًّا لتردّي الأحوال، وكم حاولوا كتم مشاعرهم واحتمالها؛ آملين أن تنفرج الأزمة، لكنّ هذا اللّيل طال، وهمومه وهواجسه تكاثرت، وتأخّر الفجر الذي يبدّد هذا الظّلامَ، ويزيل هذه الوحشة. يقول أحمد سحنون مخاطبًا النّشءَ:
فَمَتَى تَحْمِي حِمًى، سِيمَ الأذى ... فَعلَى نَشْءِ الحِمَى كُلُّ اعْتِماد
وَمَتَى تَفْدِي بِلادًا، طَالَمَا ... ساسها أَعْدَاؤُها، فَالحُرُّ فَاد
كُنْ لَهَا فِي سِلْمِهَا رَمْزَ عُلاً ... كُنْ لَهَا فِي حَرْبِها جُنْدَ جِهادِ (2)
تنتقل هذه المناجاة من حديث النّفس الهادئ، والهمس الخافت، إلى انفجار من الأعماق، يعلن بواسطته الشّاعر عن تذمّره، ورغبته في الحصول على وسيلة التّحرير، غير أنّ هذا الانفجار يبقى متستّرًا بالرّمز، حيث يلتجئ إلى مناجاة اللّيل، الوسيلة الوحيدة للتّنفيس عن القلوب المكلومة، والتّحسيس بخطورة الوضع، يقول محمد العيد:
يَا لَيْلُ، طُلْتَ جَنَاحًا ... مَتَى تُريني الصّباحَا
أَرَى الكَرَى صَدَّ عَنِّي ... بِوَجْهِهِ وَأَشَاحَا
قَدْ ضِقْتُ بِالهَمِّ ... ذَرْعَا ... وَمَا وَجَدْتُ انْشِرَاحَا (3)
بعد أن يكشف الشّاعر عن الهموم التي لحقته، ويقدّم شكاته إلى اللّيل، كبقائه رهين السّجن وتململه في الشّوك، فيبيتُ لذلك وسنان مُضنًى، وظمآن ينشد الماء ... إلى غير ذلك من المنغّصات الشّخصيّة، يعود فيحمّل اللّيل المسؤوليّة قائلاً:
يَا ليلُ، أَسْرَفْتَ بَرْدًا ... وَظُلمَةً وَرِياحَا
أَطْفِئْ حُرُوبَكَ ... عَنَّا ... وَلاَ تَزِدْهَا لقَاحَا
يَا لَيْلُ، مَا فِيكَ نَجْمٌ ... جَلاَ الدُّجَى وَأَزَاحَا (4)
إنَّ ليلَ الشّاعر لا يتوفّر إلاَّ على كواكب ضعِيفة، لا تَقوى على بعْثِ النّور الذي يضيء الدّروب، فينعش النّفوس، كحال قومه الذين يعيشون حياةً شقيّة؛ بسبب الآثام التي يرتكبونها. فالنّزاع فاشٍ بينهم، والشّباب سادرٌ في غيّه، والسّبّ والشّتم منتشران بين النّاس، والزّنا والسّفاح سائدان بين الأنام ...
يعرّض الشّاعر بهذه التّصرّفات، وينعى هذا السّلوك، الذي لا يقوى أبدًا على مواجهة المستعمر الغشوم، ويقول:
وَمِنْ قَوَانِينَ جُورٍ ... سُلَّتْ عَلَيْهَا صِفَاحَا
ومِنْ شَقَاءٍ مُلِحٍّ ... غَدَا ... عَلَيْهِ وَرَاحَا
مِنْ أَيْنَ يُفْلِحُ شَعْبٌ ... أَبَى الهُدَى والصَّلاحَا (5)
ثمّ يلمّح الشّاعر ويهمس في آذان الشّعب بضرورة تجاوز القول إلى العمل، والنّزول إلى الميدان، واستعمال القوّة؛ لأنّ أسلوب الاسترحام واستدرار العطف لم يعد نافعًا، والتّعلّق بالوعود أصبح ميؤوسًا منه. إنّ الاستعمار قد فاق (سجاحًا) في الكذب والادّعاء:
خَاضَ المَيْدانَ دعَْوى ... فَأَعْقَبَتْهُ افْتِضَاحَا
لأَنَّهُ لَمْ ... يُهَيَّئْ ... غَيْرَ الكَلامِ سِلاَحَا
إِنْ كُنْتَ أَعْزلَ فارْقُبْ ... من المُغيرِ اكْتِساحَا
لا تَنْتَظِرْ منْهُ خَيْرًا ... وَلاَ تَرْجُ فَلاحَا
__________
(1) - الدّكتورة أنيسة بركات درار، أدب النّضال في الجزائر من سنة 1945م. حتّى الاستقلال، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1964م، ص: 68.
(2) - أحمد سحنون، ديوانه، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1977م، ص: 14.
(3) - ديوان محمد العيد، ص: 45. القصيدة بعنوان: " يا ليل "، نشرت في العدد 145 من جريدة البصائر الثّانية، (جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين) سنة 1951م.
(4) - المصدر السّابق، ص: 46، 47.
(5) - المصدر السّابق، ص: 47. (1/14)
صفحة 15
وَإِنْ يَعِدْكَ بِخَيْرٍ ... يَكْذِبْ عَلَيْكَ صُرَاحا
إِنْ قِسْتَهُ بِـ (سَجَاحٍ) ... فِي الكذْبِ فَاقَ سَجَاحَا
فَايْأَسْ وَلاَ تتَرَقَّبْ ... مِنَ المُغيرِ سَمَاحَا (1)
هكذا يضربُ الشّاعر على الوتر الحسّاس، ويصيب النّفس في العمق، ويخوضها مع الشّعب حربًا نفسيّة؛ حين يكشف له عن حقيقة نوايا المستعمر، ويصل به رأسًا إلى النّتائج التي يجنيها من البقاء على النّهج الذي هو سالكه.
ثمّ يعود إلى اللّيل ثانية، ويوجّه إليه الكلام واللّوم والتّوبيخ، حتّى يموّه على الطّغاة والعتاة، ويفوّت عليهم الفرصة للوقوف على مضمون هذه المناجاة، ويضمن لها إصابة هدفها. والشّاعر قد يشعر أحيانًا بعدم جدوى التّعبير المباشر " لأنّ الوضع السّياسي لا يقبل مثل هذه الآراء، التي تزعزع من مكانته، وتنال من هيبته، فيميل إلى التّلميح والتّعريض والإيحاء، حتّى لا يعرّض مواقفه للمقاومة والصّدام، وآراءه للإجهاض والوأد " (2) هذا ما عناه الشّاعر محمد العيد وطبّقه حين قال:
يَا لَيْلُ، كَمْ فيكَ عادٍ ... دَاسَ الحِمَى واسْتَبَاحَا
إِلَى مَتَى أَنْتَ دَاجٍ ... تَغْشَى الرُّبَى والبِطَاحَا
نَفْسِي إِلَى الفَجْرِ تَاقَتْ ... مَتَى أَرَى الفَجْرَ لاَحَا
مَتَى جَنَاحُكَ يُطْوَى ... يَا لَيْلُ، طُلْتَ جَناحَا (3)
المرارة طافحة على هذه القصيدة، والغصّة بارزةٌ فيها، والعذاب الذي عاناه الشّاعر، واليأس الذي ملأَ قلبه، والتّذمّر الذي أحاط بحياته، والنّكد الذي وسم عيشه، كشفت عنه هذه الكلمات المعبّرة المصوّرة لكلّ هذا.
كما كانت هذه المشاعر لومًا موجّهًا إلى الشّعب؛ لبقائه في دائرة الخنوع والهمود، ثمَّ تعريضًا به لقبوله الذّلّ. بالجملة ما عرضه الشّاعر هو دعوة صريحة إلى الثّورة والعمل على تغيير الأوضاع.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 47، 48.
(2) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، (مخطوط)، رسالة ماجستير قدّمت ... في معهد اللّغة والأدب العربي، جامعة الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1986 – 1987م، ص: 253. طبعت سنة 1992 المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر.
(3) - ديوان محمد العيد، ص: 48. (1/15)
صفحة 16
تستمرّ الشّكوى من الأوضاع المتردّية، التي تنتظر من يأتي ليغيّرها. فيكتب عبد الرّحمن، ابن العقّون سنة 1953م، متذمّرًا من هذا التّردّي وهذا الفساد في الأوضاع، وما صاحبه من استسلام لإرادة المستعمر.
إنَّ الذي حرّك في الشّاعر هذه الأشجان هو تصاعد الثّورة في تونس شرقًا، وقيام أختها في المغرب غربًا، بينما الجزائر لم تجمع بعد أمرها، ولم تختطّ لنفسها خطّةً موحّدة؛ رغم كلّ ذلك .. فيقول تحت عنوان: " اللّيل البهيم أو أنشودة الألم ": ...
طَالَ لَيْلِي الجَهْمُ واعْتَزَّ القَمَرْ ... وَتَوَلاَّنِي ... عَنَاءٌ ... وَضَجَرْ
وَسُقِيتُ الظُّلْمَ مُرًّا وَعَلْقَمًا ... وَاحْتَسَى قَوْمِي البَلاَءَ المُسْتَعِرْ
فَأُنَادِي مُنْذِرًا مُسْتَصْرِخًا ... يَا لَقَوْمِي، نَحْنُ فِي عَيْشٍ قَذِرْ
اسْمَعُونِي مَا أنَا إِلاَّ صَدًى ... رَدّدَتْهُ مِنْ خَبَايَاكُمْ عِبَرْ
اسْمَعُونِي أنَا وَاحِدٌ مِنْكُم ... لَسْتُ إِلاَّ مُنْذِرًا شَرَّ الغِيَرْ
أَدْرِكُونِي إِنْ دَهَانِي خَطَر ... إِنَّ هَذَا لَكُمْ أَقْسَى النُّذُرْ
لا تَظُنُّوا أَنَّكُمْ أَكْبَرُ شَاْنًا ... لَدَى المُحْتَلِّ، فَالكُلُّ نَكرْ
إِنْ قَسَا يَوْمًا علَى أَفْضَلِكُمْ ... فَعَلَى المَفْضُولِ أَدْهَى وَأَمَرْ (1)
يبدو الشّاعرُ مَصدورًا ومصابًا في الصّميم، فهذه النّداءات والأوامر المتتالية (يا لقومي، اسمعوني، أَدركوني ... )، وهذه الكلمات والعبارات (استصراخًا، منذرًا، تولاّني عناء وضَجر، سقيتُ الظّلم مرًّا علقما، دهاني خطر ... ) تكشف عن توتّر نفس الشّاعر وتفاقم حاله وتأزّم مشاعره. والعبارات (احتسى قومي البلاء المستعر، نحن في عيش قذر، إنّ هذا كان لكم أقسى النّذر، فعلى المفضول أدهى وأمر ... ) تبرز خطورة الوضع المتردّي المتأزّم، الذي إن لم يجد من يتحرّك ليغيّره كانت الطّامة الكبرى، ففي قوله: ...
لا تَظُنُّوا أَنَّكُمْ أَكبرُ شَاْنًا ... لَدَى المُحْتَلّ والكُلُّ نكر
__________
(1) - ابن العقّون عبد الرّحمن، ديوان أطوار، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1980م، ص: 59. القصيدة مؤرّخة بيوم: 17 ديسمبر 1953م. (1/17)
صفحة 17
إِنْ قَسَا يَوْمًا على أَفضَلِكُمْ ... فَعَلَى المَفْضُولِ أَدْهَى وَأَمَرْ
إيعازٌ وتلميح إلى سحب الثّقة من المستعمر واليأسِ من تراجعه عن موقفه، وفضحٌ لسياسته، وكشفٌ عن مراوغاته، حيث إذا نكل بالنّاس الأفاضل (وهم هنا النّاس الذين وقفوا له بالمرصاد يحاربونه)، فهو على النّاس الذين هادنوه، ولم يثوروا في وجهه أشدُّ قسوةً، وسيأتي اليوم الذي يقضي فيه عليهم، بعد أن يطيح بالرّؤوس.
إذن يريد الشّاعر أن يقول للشّعب: إذا أردتم أن تفشلوا خطّة المستعمر، وتفسدوا عليه ما ينوي القيام به، فعليكم بالتّحرّك والعمل على الإطاحة به، بالثّورة عليه.
ينتقل الشّاعر ليذكِّر بممارسات الاستعمار التّعسّفية واضطهاده الكبير، قارنًا بها تصرّفات الشّعب المشينة: ...
وَقَبيحٌ بِالجَبَانِ المُخْتَبِي ... أنْ يَشُلَّ الشَّعْبَ مِنْ خَلْفِ السّترْ
ثُمَّ يبدُو وَقِحًا مُسْتَهْتِرًا ... ساخِرًا مِنْ كُلّ مِقْدَامٍ أَبَرْ
وَدَعِيٍّ هَمُّهُ التّدجيلُ إِذْ ... يَتَرَاءَى الجوّ مَأْمُونَ الخَطَرْ
فإذَا الأحْدَاثُ أَبْدَتْ خَطَرًا ... يَتَبَدَّى وَهوَ كَذّابٌ أَشِرْ
يَمْلأُ الجَوَّ ضَجيجًا مُنْكَرًا ... ضَاحِكًا مِنْ فَوْقِ أَشْلاءِ البَشَرْ
وَعظِيمٌ لسِنٌ مُسْتَنْكرٌ ... يَنْهَبُ العَيْشَ، وَيَسْتَأْنِي القَدَرْ
هَانَ نَفْسًا، فَأَهَانُوا كِبْرِيَا ... هُ، فَأَضْحَى مثْلَ الذّيل الحَقِرْ
هَذِه الأمْرَاضُ في جَوهَرها ... تُورِثُ الأمّةَ ... قِتالَ ... الأثَرْ
وَتُريهَا الذّلَّ عزًّا قَيِّمًا ... وَتُذِيقُ الشّعْبَ مَوْسُوعَ الضَّرَرْ
جَعَلَتْنَا في حِمانَا ... غُرَبَا ... وَأَرَتْنَا كَيْفَ تَنْهارُ الأُسَرْ
يَا لَهَؤُلاءِ قَدْ دَهانَا غاصبٌ ... لَمْ تَجُدْ عَيْناهُ إلاَّ بالشَّرَرْ
وَشَقيقٌ لِعَدُوٍّ طَيِّعٌ ... وَعلَى الإخوانِ أَنْفٌ مُشْمَخِرْ
وَأُسَاةٌ وَسَرَاةٌ عُلَما ... كُلُّهُمْ في القَولِ فَوّاهٌ خَطِرْ (1)
نبقى مع الشّعراء، ومع وصف حالة الجزائر المتردّية، والأوضاع السّيئة فيها، التي كانت السّبب في التّخلّف. وهي التي مكّنت الاستعمار من التّمادي في ظلمه واستبداده.
إنّ الشّعراء - بهذا الوصف - يقومون بِدور التّعبئة العامّة للقيام بما يعمل على تغيير الأوضاع. فثمّة دجّالون على الشّعب، ومحتالون أصابتهم حمّى الكراسي، فتكالبوا عليها، وثمّة انقسامات في صفوف الحركة الوطنيّة؛ بسبب خلافات هامشيّة، على حساب القضيّة الأساسيّة (2). وهناك هياكل هامدة جامدة، تحرّكها السّياسة الاستعماريّة حسب هواها، وهنالك الوشايات والسّعايات التي يذهب ضحيّتها أحرار الوطن وأصفياؤه ... بوحي من هذا الجوّ الحالك، وتنديدًا بهذ الممارسات المشينة .. يقول مفدي زكريّاء، بمناسبة تدشين دار ابن باديس الخاصّة بالطّلبة الجزائريّين سنة 1953م: ...
وَفِتْيَة أَخْلَصُوا ... للّه دِينَهُمُ ... والشّعبِ، لَمْ يُثْنِهِمْ عَسْفٌ وتَهْديدُ
قَامُوا وفي الشّعبِ كذّابون، لَيْسَ لَهُمْ ... غَيْرُ المَنَاصِبِ والألقاب مقصودُ (3)
وفي ... الجَزائِرِ ... نَصَّابونَ ... هَمُّهُمُ ... على الدّراهِمِ مَقْصُودٌ وَمَحْدُودُ
وللزّعامَةِ دَجّالُونَ، لَيْسَ لَهُمْ ... مِنَ الزَّعَامَةِ إلاّ الخَمْرُ والغِيدُ
وللشَّعائرِ هَدَّاجونَ، قد جَثَمُوا ... حَوْلَ المَقَاصِرِ أَحْلاسٌ قَنافيدُ
وفِي المَجالسِ أَصْنامٌ، تُحَرِّكُها ... يَدُ المُعَمِّرِ، تَحْمِيها ... التَّقاليد
رَمُوا بهَا الشَّعْبَ كالبُهْتانِ، تَحْسِبُها ... شَهادَةَ الزُّورِ، تَرْويهَا المنَاكِيدُ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 60، 61.
(2) - ينظر محمد العربي الزّبيري، الثّورة الجزائريّة في عامها الأوّل، ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، ... 1984م، ص: 81 وما بعدها.
(3) - وصف الأوضاع المنحرفة بالجزائر، إثر انشقاقِ الحركة المصاليّة، وانطلاق العملاء، وتخاذل النّوّاب وسماسرة الدّين، (الّلهب المقدّس). (1/18)
صفحة 18
وَفِي ... القِيادَةِ ... أَبْقَارٌ ... مُعَمَّمَةٌ ... للعارِ تَدْفَعُهَا ... غِرْبَانُهَا السُّودُ
وَفِي الوَظَائِفِ أَخْشَابٌ ... مُسنَّدَةٌ ... لا يَسْتَجيبُون لِلحُسْنَى إذَا نُودُوا (1)
إنَّ الشَّاعِرَ يُخَاطِبُ الطّلبةَ، وهو يرَى ويتفرّسُ فيهم أمل الأمّة في التّحرّر والانعتاق، ورجاءَها في الرّفع من مستواها المتردّي، بعد إنقاذها وإخراجها من دائرة التّخلّف والهوان، ويحاول أن يكشف لهم عن حالة الأمّة، ويُبِين لهم عن حقيقة كثير من النّاس الذين لم يعودوا قادرين على تحقيق الأهداف التي يتشوّق إليها الشّعبُ، ويرنُو إليها يشغفٍ كبير؛ بسبب تصرّفاتهم المنافية لروح المسؤوليّة، رغم خطورة الوضع .. ليفتح أعينهم على الحقيقة، فلا يُمَوَّهَ عليهم، ولا تختلط عليهم الحقائق. فيدركوا ما يجبُ عليهم عمله، فيسهموا بذلك في تغيير الأوضاع.
عمل الشّاعر هذا يدخل في إطار التّعبئة العامّة والتّوعية والقيام بالواجب (2). وكان الشّعراء يعلّقون آمالاً عريضة على التّلاميذ والنّشء الطّالع في التّحرير وفكّ القيود؛ لأنَّ الاستعمار حارب الشّعب الجزائري بمختلف الأسلحة، وخاض معه حرب إبادة حقيقيّة، وحاربه في عقيدته وثقافته، وسلّط عليه أنواعًا من العذاب المادي الذي لا يطاق. هذه القوّة التي أظهرها المستعمر، يكون بالمرصاد لها لمجابهتها الشّاب المتعلّم، الذي يتوفّر على قوّة العلم والوعي، في الدّرجة الأولى، أو يكون في الرّيادة ..
يرى أحمد سحنون الرّأي نفسه، ويتّخذ الموقف ذاته، فيقول تحت عنوان: " إلى التّلميذ ": ...
شَعْبُكَ المُوثَقُ، لَمْ يَبْقَ لَهُ ... مِنْ عَتادٍ، فَلْتَكُنْ خَيْرَ عَتَاد
لَجَّ الاسْتِعْمَارُ فِي طُغْيانِهِ ... كُلَّ يَوْمٍ منهُ أَلْوانُ اضْطِهاد
__________
(1) - آل الشّيخ، مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط2، منشورات وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينيّة، الجزائر، ... 1972م، ص: 266، 267.
(2) - المعاني نفسها ضمّنها الشّاعر محمد العيد قصيدته: " بشرى الجزائر "، ينظر ديوانه، ص: 210. وأحمد سحنون قصيدته: " واصل كفاحك "، ينظر ديوانه، ص: 126. وقد نظمتا بالمناسبة نفسها. وقد ركّز الشّعراء على هذه المعاني كثيرًا ممّا يدلّ على أنَّ التّعبئة كانت عامّة. (1/19)
صفحة 19
فَلْيَكُنْ حَاديكَ تَحْرير الحِمَى ... إنَّ تَحريرَ الحِمَى للحُرِّ حاد
هذه غايتُكَ المُثْلَى التي ... إِنْ تُحَصِّلْهَا تَنَلْ كُلَّ مُرادِ (1)
العتاد الحقيقي موجود في الشّباب والطّلبة الواعين، والغاية المثلى والهدف النّبيل والمرمى البعيد والأساس من التّعلّم والتّثقّف هو تحرير الحمى.
يوجّه محمد العيد النّداء ذاته إلى التّلاميذ، وهم في غاية السّرور والبهجة، مستقبلين إيّاهُ، بمناسبة زيارته لهم، يغتنم الفرصة فيذكّرهم بواجبهم الأساسي، وهو العمل على تحرير البلاد من الأسر والقيد:
يَا قَوْمُ، ... هُبُّوا لِاغْتِنامِ حَيَاتِكُمْ ... فالعُمْرُ سَاعاتٌ تَمُرُّ عِجَالاَ
الأَسْرُ طَالَ بِكُمْ، ... فَطَالَ عَنَاؤُكُمْ ... فَكُّوا القُيُودَ، وحَطِّمُوا الأَغلالاَ
والشَّعْبُ ضَجَّ مِنَ المَظَالمِ، فَانْشُدُوا ... حُريَّةً ... تَحْميهِ واسْتِقْلالاَ
لاَ أَمْنَ إِلاَّ في ظِلاَلٍ مُرَفْرَفٍ ... حُرٍّ ... لَنَا ... عَالٍ، ... يُنِيرُ ... هِلالاَ
مِنْ فَوْقِ جُنْدٍ بالعَتيدِ مِنَ القُوَى ... يَلْقَى العَدُوَّ، وَيَصْمُدُ اسْتِبْسالاَ (2)
في أسلوب من التّهكّم والسّخريّة، ممزوج بالحسرة والأسى العميقين، يظهر مفدي زكريّاء شفقة على الشّعب الذي تضافرت عليه الرّزايا والقارعات، وكثرت عليه الخطوب، ونزلت عليه مصائب السّماء، كما يبدي اندهاشه من تصرّفات الأمّة المشينة، وما يعوج في وسطها من أسباب الضّعف والوهن، كالانقسامات والخيانة والجهل، وإلقاء المسؤوليّة في أيدٍ غير أمينة، وغير قادرة على تسيير الأمور.
القصد من كلّ ذلك هو تحسيس الجماهير بالوضعية، ثمّ استنهاض الهمم للقيام بالتّغيير نحو الأحسن، ونزع الغشاوة التي تحجب رؤية النّور الحقيقي الذي يقود إلى الهدف المنشود، والظّفر بالحياة الحقيقيّة. فكان دور
__________
(1) - ديوان أحمد سحنون، ص: 14، 15. تراجع أيضًا قصيدته: " إلى المعلّم "، ص: 12، 13.
(2) - ديوان محمد العيد، ص: 339، 340. (1/21)
صفحة 20
الشّاعر هنا هو دور القائد والدّليل والرّائد الذي لا يكذب أهله، ودور الطّبيب الذي يكشف عن الدّاء، ويقدّم الدّواء النّاجع. قال الشّاعر بعد زلزال مدينة الأصنام، وما خلّفه من دمار ومحن ونكبات. وكان الزّلزال قد وقع سنة 1954م:
جَرَى مَا كَفَى، هَلْ كَفَى ما جرى؟ ... كفَى ... بالجَزائِرِ ... مَا نالهَا
وَيَا خَطْبُ، رِفْقًا بِهَذِي البِلا ... دِ، أَلَمْ تَرَ يا خَطْبُ أَحْمَالَهَا؟
أَلَمْ ... تَرَهَا بَيْنَ ... جهْلٍ ... وَفَقْرٍ ... تُجَرِّرُ ... للمَوْتِ ... أَذْيَالَهَا؟
وَمَا فَعَلَ ... الغَشْمُ ... فِي أَمْرِهَا ... وَقَدْ فَوَّضَتْ فيهِ جُهَّالَهَا (1)
فَلَنْ ... تَسْتَحِقَّ ... العُلاَ ... أُمَّةٌ ... تُوَلِّي ... القِيادَةَ ... أَرْذَالَهَا
وَكَيْفَ ... تُريدُ ... البَقَاءَ ... بلاَ ... دٌ، تَعُدُّ الضّفادِعَ أَبْطَالَها؟
وَلَيْسَ ... بِبَالغَةٍ ... أَمْرَهَا ... وَجَلاَّدُهَا صَارَ دلاّلَهَا (2)
الألم يعصر قلب الشّاعر، والحزن بملأ فؤاده، وهو يشاهد هذه المظاهر، وهذا التّردّي، وهذا التّدهور، حتّى السّماء ضاقت ذرعًا بها فصبّت جامَّ غضبها، معلنة بذلك عن سخطها، ومنذرة بالإفناء والتّدمير إن استمرّ الوضع على ما هو عليه، ولم يقم الشّعب على تغييره نحو الأفضل والأحسن.
هذه النّفثاتُ من الشّاعر إيماءٌ إلى ضرورة الإفاقة من الغفلة والتّحرّك، وعدم الرّضا بحياة الخنا والخنوع، والاستمرار في العيش القذر. فجاءت هذه المشاعر، وهذه التّموّجات النّفسيّة الكئيبة الصّاخبة
__________
(1) - يتبرّم الشّاعرُ من الانقسام الواقع في صفّ الحزب الوطني قببل اندلاع الثّورة الكبرى، ويعرّض بعملاء الاستعمار.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 275، 276. (1/22)
صفحة 21
على شكل استفهامات، تحمل كلّ آيات السّخط والتّذمّر والنّقمة على الأوضاع، وكانت هذه الأحاسيس تتضخّم وتتأزّم وتضطرم في نفس الشّاعر؛ لتعكس حقيقة ما يعتمل في نفوس الأحرار، وتعبّر عمّا يدور في الزّوايا والحنايا، وما يهيّأُ في الخفاء للقيام بثورة، تزيل هذه الأوضاع المتردّية.
لهذا وجدنا الشّعراء يدعون الشّعب إلى الثّورة، ويلحّون في الطّلب؛ لأنَّ المستعمر لم يعد يفهم سوى هذا الأسلوب، ولا يمكن أن يقنع إلاّ بالقوّة. إنّه لا يضمن العيش الكريم إلاّ استئصال شأفة المستعمر، وعدم قبول أنصاف الحلول.
غير أنّ َالدّعوة إلى الثّورة قد ظهرت بأشكال مختلفة حسب الظّروف المواتية، فكانت أحيانًا تلميحًا بالتّحرّك، وإيماء بالثّورة واطّراح خلق اليأس والقنوط.
يقول أحمد سحنون – مثلا – مستلهمًا ذكرى وفاة ابن باديس الحادية عشرة، مذكّرًا الشّعب الجزائري بروح النّضال والكفاح، التي كان يحملها بين جنبيه، والتي تتجسّد أمامه اليوم، داعيةً إيّاه إلى السّير في نهجه، وسلوك منهجه الذي بدأه، صارخة في وجهه: كفى من حياة الخمول والجبن كفى: ...
آنَ أَنْ يَهْجُرَ الكَرى ... الأًحْرارُ ... وَيَثُورُوا لِحَقِّهِمْ ... وَيَغَارُوا
آنَ أَنْ تَكْسِرَ ... القُيودَ ... بِلادٌ ... ذَلَّ ... ابْنُها، ... وعَزَّ ... الجارُ
كُلُّ خَطْبٍ، وَإِنْ تَنَاهَى اشْتِدَادًا ... فَوْقَهُ فِي البَلاَءِ ... الاسِتِعْمارُ
أَيُّ صَوْتٍ دَعَا البِلاَدَ ... فَلَبَّتْ ... وَتَدَاعَى كِبَارُها ... والصِّغارُ؟
تِلْكَ – واللهِ – روحُ بادِيسَ دَبَّتْ ... في بَنِيهَا، كَمَا ... تشّبُّ ... النَّارُ
رُوحُ ... بادِيسَ ثَوْرَةٌ في دِمانَا ... تَتَنَزَّى، ... فَيَحْدُثُ ... الانْفِجَارُ (1/23)
صفحة 22
رُوحُ بَادِيسَ يَقْظَةُ الرُّوحِ إِنْ ... شَعَّتْ، تَوَلَّى الدُّجَى وشَعَّ النَّهارُ
رُوحُهُ ... نَفْحَةُ ... الحَياةِ ... لِشَعْبٍ ... عِيلَ مِنْهُ عَلَى الهَوانِ اصْطِبارُ (1)
الأبيات تُفصحُ عن قلق الشّاعر من الأوضاع التي عليها شعبه، وتضايقِه من حالة الخمول والهمود، التي كان عليها هذا الشّعب المقهور، الذي توالت عليه المحن، حتّى كاد ييأس من الحياة. فرغب الشّاعر وحرص على نفخ الرّوح فيه؛ باستلهام روح ابن باديس الباسلة، ملمّحًا ومومئًا له يالإفاقة والنهّوض للعمل الجادّ، مذكّرًا إيّاه بأنّ الفرصة مواتية للتّحرّك، فلا ينبغي ولا يحوز تضييعها، ثمّ يقول له: ...
رُوحُ ابنِ باديسَ في دِمائِكَ قَدْ ... صَحَتْ، فَفِيمَ الوَنَى؟ وَفِيمَ الفِرَارُ؟
ثُرْ عَلَى القَيْدِ في الحَياةِ، فَقَدْ ... ثَارَ ... عليْهِ ... آبَاؤُكَ ... الأَحْرَارُ
لاَ تَخَفْ وَاشِيًا وَلاَ كَيْدَ ... بَاغٍ ... إِنَّمَا الخَوْفُ في الشّعوب بَوارُ
قُمْ فَمَا في الوجودِ غَيْرُ فَتى الضَّا ... دِ، وَمَنْ ... كَادَهُ طَواهُ الدّمارُ (2)
أمَّا محمد العيد فيهنّئ شعب مصر حين أعلن الجهاد، إِثر قيام الإنجليز بأحداث مؤلمة على منطقة القنال سنة 1952م. في هذه التّهنئة تلميح وإشارة إلى الجزائريّين للاقتداء بأشقّائهم في مصر:
فَشُنّيهَا ... عَلَيْهِمْ حَرْبَ ... ثَأْرٍ ... وَشُبِّيهَا ... لَظًى ذَاتَ اتِّقَاد
وَخُطِّيهَا ... كَتَائِبَ، ... غَيْرَ كُتْبٍ ... وَصُحْفًا مِنْ دَمٍ، لا مِنْ مِدَادِ (3)
ثمّ يعرّض بمن يتّبع أساليب ضعيفة في محاربة العدوّ، أساليب لا تتعدّى رفع احتجاجات، بينما الاستعمار مستمرّ في استعمال أساليب قمعيّة جهنّميّة:
وَوَاأَسَفاهُ بالآهَاتِ جُدْنَا ... وَمَا بِالنّفسِ فِينَا مِنْ جَوَاد
__________
(1) - ديوان أحمد سحنون، ص: 245. في القصيدة كسور عروضيّة كثيرة ..
(2) - المصدر السّابق، ص: 247.
(3) - ديوان محمد العيد، ص: 344. (1/24)
صفحة 23
أَكُلُّ سِلاحِنَا (رَفْعُ احْتِجَاجٍ) ... عَلَى العُدْوَانِ و (فَتْحِ اعْتِمادِ)
وَلاَ يَحْمِي المَوَاطِنَ غَيْرُ جُنْدٍ ... سَخِيٍّ بالفِدَى، ... وَارِي الزّناد
يطمئنُ الشّعب بعد هذا أنّ عاقبة الظّلم هي الهلاك والفناء:
وَكُلُّ حُكُومَةٍ عَسَفَتْ وَحَادَتْ ... عَنِ الحَقِّ المُقَدّسِ وَهْوَ بَاد
فَبَشِّرْهَا بِنَسْفٍ، بَعْدَ عَصْفٍ ... كَمَا فَعَلَتْ بِعَادٍ ريحُ عَادِ (1)
يحاول الشّاعر بهذا اللّفتة رفع معنويات الشّعب وشحذ عزائمه، وطمأنته أنّ النّصرَ حليفه، والهزيمة والاندحار من نصيب العدوّ المحتلّ. يقول للشّعب: خضها حربًا إلى تحقيق الهدف، والإيّاب بنصر مؤزّر.
أمّا أحمد الطّيّب معاش فيتأثّر لمصرع " فرحات حشّاد " (2)، فيكتب مذكّرًا الجميع بتعسّفات المستعمر، وما جناه على الشّعوب. فيكون هذا المصرع إيذانًا لهم لنا وإنذارًا بأنّ العدوّ مصمّم ومصرّ على مواصلة تنفيذ خططه الرّامية، إلى القضاء على الكيان الجزائري والإسلامي، وسادرٌ في غيّه، ومستمرّ في نكاله وجبروته، وهو بذلك يلوّح إلى الشّعب كي يثور ليكسر هذه القيود التي كبّله بها المحتلّ:
قَدْ عَهِدْنَا القُيودَ خَيْرَ قِيادٍ ... وَعَهِدْنَا ... الأَنْيَارَ ... نَارَ ... زِناد
وَخَبرْنَا الزّمَانَ في ... حَالتَيْهِ ... وَسَبَرْنَا ... بِهِ ... نُفُوسَ ... العِباد
فَرَأَيْنَا الحَياةَ رَهْنَ إِشَارا ... تِ قُوَى الظّالمين مِنْ عَهْدِعاد
وَرَأَيْنَا ... مَنِ ... اسْتَكان ... لِظُلْمٍ ... عَاشَ في ذِلَّةٍ، وفي استِعْبادِ (3)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 346.
(2) - هو فرحات حشّاد، رئيس اتّحاد نقابات العمّال التّونسي، اغتالته منظّمة اليد الحمراء الفرنسيّة ... الاستعماريّة سنة 1953م.
(3) - أحمد الطّيّب معاش، التّراويح وأغاني الخيام (ديوان شعر)، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، ... 1986م، ص: 444. (1/25)
صفحة 24
في الأبيات تأكيد على حقيقةٍ، وهي أنّ الحياةَ الحرّة الكريمة لا تكون أبدًا بجانب الظّلمة والجبابرة، إنّما تتحقّق إذا أبعد هؤلاء عن الحمى. في هذا تلميح من الشّاعر إلى الثّورة على المغير المحتلّ. كما أنّ الضّغوطَ والمضايقات هي التي تشحذ العزائم، وتدفع إلى العمل، فالقيود خير قياد، يقود إلى التّحرّك، والأنيار هي نار الزِّناد التي تقدح شرارة الثّورة .. إنّ الشّاعر - بذلك – يلمّح ويلغز عسى القوم يفهمون.
قد تتّخذ الدّعوة إلى الجهاد أسلوب اللّوم والعتاب، والتّعيير والتّعريض، مع التّذكير بمآثر الآباء ومواقفهم التي ما كانت تهاب المخاطر، ولا تنال منها تهديدات المستعمر ولا ممارساته، ولذا نالوا الشّرف والمجد:
يَا فِتْيَةَ الضّادِ حانَ الوَقْتُ فاطّرِحُوا ... الوَنَى فَانْهَضُوا فالنّاسُ قَدْ طَارُوا
سِيرُوا عَلَى نَهْجِ آبَاءٍ لَكُمْ سَلَفُوا ... فَإِنَّهُمْ في طَريقِ المَجْدِ قَدْ سَارُوا
شَقُّوا الزّحَامَ إلى العَلْياءِ، واْقْتَحِمُوا ... أَخطَارَهَا، إ ِنَّما العَلْياءُ أَخْطارُ
اسْعَوْا لِتَحْيَوْا حَياةَ العِزِّ، أَو فَرِدُوا ... حَوْضَ الرَّدَى، يُحْمَى بِهِ العارُ
أَرْوَاحُ آبَائِكُمْ في الخُلْدِ قَدْ هَتَفَتْ ... تَحَرَّرُوا فَجَميعُ النَّاسِ أَحْرَارُ (1)
يقول الشّاعر نفسه، بمناسبة تدشين دار الطّلبة بمدينة قسنطينة سنة 1953م:
كُلّ الشّعوب
__________
(1) - ديوان أحمد سحنون، ص: 29. نشرت القصيدة في جريدة البصائر (جمعيّة العلماء المسلمين ... الجزائريّين)، ع 54، (22 من ذي الحجّة 1367هـ). (1/26)
صفحة 25
تَحَرَّرَتْ ... وَسَمَتْ ... سُمُوَّ ... الكَوْكِب
وَأَرَاكَ في ... ركبِ الحياةِ ... تَسيرُ ... خَلْفَ ... المَوْكِب
وَأَرَاكَ ... تُخْدَعُ بالسَّرابِ ... وَكُلِّ ... بَرْقٍ ... خُلَّبِ (1)
تأخذ التّعبئة شكلاً آخر، وهو بيان حقيقة الجهاد والنّضال والكفاح الذي تتطلّبه المرحلة الحرجة التي يمرّ بها الشّعب الجزائري. كأنّي بالشّاعر الذي يتولّى القيام بهذه المهمّة، يرى أنّ السّبب في كلّ هذه المشاكل التي وسمت الوضع بالتّخلّف والهمود هو عدم وعي النّاس حقيقة العمل والنّضال، فعمد إلى توضيح الرّؤية، وفي الوقت نفسه كان يندّد بأعمال بعض النّاس المنافية لروح المسؤوليّة. يقول مفدي زكرياء سنة 1953م:
وَمَا السّياسة ضرْبٌ فَوْقَ مَائِدَةٍ ... إنّ السّياسة إِنْشاءٌ ... وَتَجْديدُ
ومَا الزّعامَةُ أَقْوالٌ ... وَشَقْشَقَةٌ ... إنّ ... الزّعَامَةَ ... إِصْلاَحٌ ... وتَشْيِيدُ
وَمَا النِّضَالُ احْتَجَاجاتٌ عَلَى وَرَقٍ ... إنّ ... النِّضَالَ كَفَاءَاتٌ ومَجْهُودُ
وَمَا الجِهادُ (جِدَارٌ، أ َنْتَ تَكْتُبُهُ) ... إنَّ الجِدَارَ كَبَعْضِ النَّاس جُلْمُودُ (2)
إنّ الأبيات تحمل تحسّرًا وتبرّمًا كبيرين من حال الشّعب الجزائري، من التّخلّف السّياسي والنّقص في الوعي، وضعف في تحمّل المسؤوليّة، وسوء تقديرها، وإفراط في الخمول وقبول الذّلّ والهوان (إنّ الجدار كبعض النّاس جلمود)، وعدم الاهتداء إلى الأسلوب النّاجع في الكفاح، بحيث لم يعد أسلوب الاحتجاج نافعًا. كما أنّ في الأبيات دعوةً ضمنيّةً إلى الثّورة، فالألفاظ الآتية: (إنشاء، تجديد، إصلاح، تشييد .. ) تحمل هذا المعنى، وتدعو إلى تجاوز القول إلى العمل المثمر.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 126.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 267. (1/27)
صفحة 26
بعد بيان حقيقة الجهاد، وترسيخ مفهومه في العقول، يتوجّه الشّاعر إلى شباب المستقبل وآمال الأمّة، وهم طلبة العلم الذين يحتفل بإنشاء دار لهم، يحثّهم ليعملوا على تحرير الشّعب من القيود التي كبّل بها:
يَا نَشْأةَ العِلْمِ، يا فَخْرَ ... البلادِ، يَا ... رُوحَ الجَزَائِرِ، تَقْديسٌ وَتَمْجِيدُ
يَا نَشْأَةَ العِلْمِ، لاَ ... تَقْعُدْ بِكُم ْ هِمَمٌ ... عَنِ الجِهادِ، فَإِنَّ الوَقْتَ مَحْدُودُ
كُونُوا الخَلاَصَ لِشَعْبٍ، لاَ نَصِيبَ لهُ ... مِمَّنْ ... يُعَذِّبُهُ ... إِلاَّ ... المَواعيدُ
وَحطِّمُوا القَيْدَ والأغْلالَ، إِنَّ لَهُ ... فَمًا وَجِسْمًا، فَمَوْصُودٌ وَمَصْفُودُ
وَطَهِّرُوا النّفْسَ بالأَخْلاقِ واتَّحدُوا ... فَفِي اتِّحَادِكُمْ لِلخَصْمِ تَبْديدُ (1)
بدا الشّاعر حريصًا على غَرْسِ روح الثّورة في نفوس الشّباب؛ حتّى ينشأ عليها، ويتأصّل فيه حبّ العمل والنّضال في سبيل التّحرير والانعتاق، لأنَّ الشّباب هم ذخر الأمّة وعدّتها، وهم دمها الفائر، وقوّتها الضّاربة.
كان راغبًا في توجيههم والأخذ بأيديهم؛ بربطهم بميادين العمل، وتوجيههم إلى تسخير معارفهم فيما يعود على الأمّة بالخير العميم، وليس هناك – في هذه المرحلة – عمل أوكد وأولى من التّحرّك لفكّ القيود. ففي هذه النّداءات المتكرّرة (يا نشأة العلم، يا روح الجزائر، يا فخر البلاد)، وفي هذه الأوامر المتتالية (كونوا، حطّموا، طهّروا، اتّحدوا). دليل على ما قلناه، وفي قوله:
يا نَشْأَةَ العِلمِ، لاَ تَقْعُدْ ... بِكُمْ هِمَمٌ ... عَنِ الجِهادِ، فَإِنَّ الوَقْتَ مَحْدودُ
كُونُوا الخَلاصَ لِشَعْبٍ، لاَ نَصيبَ لَهُ ... مِمَّنْ ... يُعذّبُهُ إِلاّ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 270. (1/28)
صفحة 27
الموَاعيدُ
ما يكشفُ عن تذمّر الشّاعر من الهمود والخمول، اللّذين طبعا الحياة التي يشاهدها، ولهذا حذّر من القعود عن الجهاد، بل من التّسويف والتّثاقل والتّباطؤ؛ لأنَّ الوقتَ لا يسمح بذلك، والسّرعة التي يتحرّك بها المستعمر لا تسمح بالتّواني، خاصّة وأنّ الخلاص والانعتاق موضوعان على عواتق الشّباب، ولأنّ الأمل في تنفيذ المواعيد التي كان يضربها المحتلّ لإعطاء الحقوق باتت كالأماني في تنفيذ مواعيد عرقوب، بل إنّ هذه المواعيد كشفت عن نيّة المستعمر في الاستمرار في التّنكيل والتَّعذيب؛ لذا يجب العمل على تبديد قوّته وتشتيتها، بالاتّحاد ونبذ الخلافات الهامشية (ففي اتّحادكم للخصم تبديد).
ثمّ يُشهد الشّاعر بعد ذلك الله والتّاريخ على أنّه بلّغ كما بلّغ زملاؤه الشّعراء الآخرون:
هَذا نَشيدِي بَني أُمِّي سَكَبْتُ به ... رُوحِي، قَوافيهِ أَنّاتٌ وَتَنْهيدُ
وَهَذِهِ كَلِمَاتِي، صُغْتُهَا حِكَمًا ... يَحْلُو بِهَا اليَوْمَ إِنْشادٌ وتَغْريدُ
مِيزَانُهَا خَفَقَاتُ القَلْبِ نَابِضَةً ... وَلَحْنُهَا في فَمِ الدُّنْيَا زَغَاريدُ
قَطَراتُها مِنْ شَرَايِينِي، وَمِنْ كَبِدِي ... في ذِمَّةِ الله والتَّاريخِ يَا عيدُ (1)
بعد هذه النّداءات، وهذه الدّعوات المتتالية التي أرسلها الشّاعر في هذه القصيدة سنة 1953م؛ مستنهضًا الهمم، داعيًا إلى ثورة عارمة شاملة، تستأصل شأفة المستعمر. يقول – وقبل شهر من اندلاع الثّورة الكبرى – سنة 1954م بأنّ الشّعب إذا لم يتحرّك بعد ذلك، فلا خير فيه. وهو تحريض صريح للقيام بالثّورة: ...
وَلاَ خَيْرَ فيها إذا لم تَثُرْ ... لِتَنْسِفَ بالنّارِ أَغْلاَلَهَا (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 272.
(2) - المصدر السّابق، ص: 276. (1/29)
صفحة 28
يتحرّك الشّعب، ويعاهد على الكفاح والنّضال، فيجيبه الشّاعر نفسه:
وَيَا صَلَواتُ اعْضُدِي مَعْشَرًا ... غَدَوْا ... لِلجَزائِرِ آمَالَهَا
وَقَالُوا: سَنَبْقَى عَلَى عَهْدِهَا ... وَقَالٌوا: نَموتُ وَنَحْيَا لَهَا (1)
هكذا يستحيب الشّعبُ للنّداء، فيكون الجواب في ساعة الصّفر من ليلة أوّل نوفمبر 1954م، فكانت لذلك ليلة مقدّسةً وعظيمة القدر، في قلب كلّ جزائري، لِمَ لا؟ وهي فاتحة عهد جديد، وصاحبة الفضل؛ للفتح المبين الذي جاءت به. فكانت عظيمةً عَظَمَةَ ليلة القدر التي نزل فيها القرآن، الذي كان سببًا في إبدال حياة النّاس سعادة وأَمنًا ... وليلة أوّل نوفمبر كانت منارة إشعاع وهداية، بدّلت ظلام الأيّام المتّسمة بالظّلم والتّعسّف وغمط الحقوق نورًا وأمنًا؛ بفضل تحقيق النّصر على العدوّ. قال مفدي زكريّاء:
دَعَا التاريخُ لَيْلَكَ فاسْتَجَابَا ... نُفَمْبَرُ، هَلْ وَفَّيْتَ لَنَا النّصابَا
وَهَلْ سَمِعَ المُجيبُ نِدَاءَ شَعْبٍ ... فَكَانَتْ لَيْلَةُ ... القَدْرِ الجَوابَا
تَبَاركَ لَيْلُكَ المَيْمُونُ نَجْمًا ... وَجَلَّ جَلالُه هَتَك الحِجابا
زَكَتْ ... وَثَباتُهُ ... عَنْ أَلْفِ ... شَهْرٍ ... قَضَاهَا الشَّعْبُ، يَلْتَحِقُ السَّرابَا
تَنَزَّلُ ... رُوحُها ... مِنْ ... كُلِّ أَمْرٍ ... بِأَحْرارِ الجَزائِرِ قَدْ أَهَابَا (2)
يُعاهِد الشّعبُ أنّه سيخوضها حربًا ضارية مع المستعمر، وسيضحّي بكلّ ما يملك، وأنّه سيذيق فرنسا ألوانًا من العذاب؛ استجابة للنّداءات التي وجّهها إليه أحرار الجزائر، يقول صالح خبّاشة، بعد شهر من اندلاع الثّورة، مخاطبًا فرنسا:
فَلَقَدْ ذُقْتِ جَحيمِي وَلَظَاهَا ... وَسَأُصْليكِ ... صَبَاحًا وَعشِيًّا
نَضِجَتْ مِنْكِ جُلُودٌ، بدِّليها ... فَسَعيري، إنْ تغافلتِ مهيَّاا (3)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 277.
(2) - المصدر السّابق، ص: 30، 31.
(3) - خباشة صالح، الرّوابي الحمر (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1971م، ص: 9. (1/30)
صفحة 29
بنى الشّاعر صورته هذه من الآيتين الكريمتين: {النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَومَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ} (سورة غافر/ 46)، وقوله تعالى: {إِنَّ الذين كَفَرُوا بِآياتِنَا سَوْفَ نُصْليهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العذَابَ إِنَّ الله كَانَ عَزيزًا حَكيمًا} (سورة النّساء/ 56).
إِذَنْ يَهُبُّ الشّعبُ الجزائري لاسترجاع سيادته، فيحيّيه محمد العيد، بعد خروجه من الحرب الضّروس التي دامت سبع سنوات ونيّفًا؛ منتصرًا ظافرًا باستقلاله. وقد كانت الحرب في ضراوتها السّبعَ الشّداد، التي مرّت بها مصر، ثمّ أعقبها عام، فيه أخصبت الأرض، فأنتجت نتاجًا حسنًا، أنقذتها من هذا العسر. وكان عامُ الاستقلال هو ذلك العام، بالنّسبة للشّعب الجزائري، قال محمد العيد:
فَكَانَ عَلَى الأَعْدَاءِ عِمْلاَقَ ثوْرَةٍ ... وَمُسْعِرَ حَرْبٍ، في مَعَارِكِه الحُمْر
سِنُو يُوسُفَ السَّبْعُ الشِّداد تَصَرّمَتْ ... وَأَعْقَبَهَا عَامُ الإِغَاثَةِ والعَصْرِ (1)
الله تبارك وتعالى يقول: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنينَ دَأْبًا، فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سٌنْبُلِهِ إِلاَّ قليلاً مِمَّا تَاكُلُونَ ثُمَّ يَاتِي مٍنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلاَّ قليلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ باتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفيهِ يَعْصِرونَ.} (سورة يوسف/ 47 - 49).
الخاتمة
هكذا نسجّل أنّ الكلمة الشّاعرة أسهمت في تفجير الثّورة، بعد التّعبئة التي قامت بها، وهي تعبئة نهضت على أساليب متعدّدة، ومسّت نواحي عديدة. فالشّعراء في عملهم هذا قاموا بفضح دسائس الاستعمار، واتّجهوا
__________
(1) - ديوان محمد العيد، ص: 432، 433. (1/31)
صفحة 30
إلى الرّمز والمناجاة، حين لا يجدي التّصريح، ولا تنفع المواجهة، وأعلنوا عن التّذمّر والسّخط من الأوضاع المتردّية والمتدهورة: أخلاقيًّا وسياسيًّا ونفسيًّا، كما كانوا من حين إلى حين يشيدون بالأعمال المسرّة، ويغتالون معنويّات العدوّ أمام المخاطبين، ويركّزون على قوّة أبناء الإسلام الكامنة، لزرع الأمل في النّفوس، وشحذ العزائم، كما كانوا يهوّلون الأمر، ويستعملون أسلوب التّعيير والتّعريض؛ مستلهمين في ذلك أرواح الآباء والأجداد، مذكّرين بمواقفهم المشرّفة، وببطولاتهم أمام الأعداء، التي بها نالوا الشّرف، وحقّقوا النّصرَ، ولم ينس الشّعراء الاهتمام بالنّاشئة والطّلبة بخاصّة.
كانوا يحسّسونهم بخطورة الوضع، ويشعرونهم بواجباتهم الأساسيّة، على رأسها تحرير الحمى. كانوا - في مرّات عديدة – يدعونهم إلى الثّورة صراحة، حين تكون الفرصة مواتية، أو الظّرف يطلب ذلك، أو احتدام المشاعر، وارتفاع موجة الغضب يدفعان إليها.
بفضل هذه الأعمال استرجعت الجزائر حريّتنا، ونالت استقلالها. فلتُقدَر هذه المجهودات وهذه التّضحيّات حقَّ قدرها. ولْيّتَحَلَّ الشّعبُ بالوفاء والعمل والصّرامة؛ للمحافظة على هذا الإنجاز، ثمّ يضيف إليه ما يبني وطنه. وليبقَ على عهد الآباء، متشبّثًا بمبادئهم، وبشعار الثّورة: " الإسلام واللّغة والوطنيّة". وليحفظ وَلْيَعِ جيّدًا وصايا شاعر الجزائر الكبير محمد العيد آل حليفة: ...
وَلاَ تَنْسَ فَضْلَ السّابقين إلى الفدى ... مِنَ الشُّهَداءِ ... الطّيِّبينَ بِها ذِكْرَا
تَرحّم ... عَلَيْهِمْ واحْتَفظْ ... بِقُبُورِهِمْ ... وَرَبِّ بَنِيهِمْ، واتّخذ عَهْدَهُمْ ذُخْرَا
وَهَلْ عَهْدُهُمْ إلاَّ وَصَايَا على الحِمَى ... لِجَيْشٍ وَفِيٍّ، لاَ يُكِنُّ لَهُمْ غَدْرَا
تَعاهَدَ أنْ يَحْيَا ... وَفِيًّا (1/32)
صفحة 31
لِعَهْدِهِمْ ... وَأَقْسَمَ أَنْ يَرْعَى مَكَاسِبَهُمْ دَهْرَا
عَلَيهِمْ ... سلامُ اللهِ مَا ... خَلَّفُوا ... لَنَا ... سَلاَمًا، بِهِ نَحْيَا، وَنَغْتَنِمُ العُمْرَا (1)
واللّه وليّ التّوفيق
باتنة يوم الثّلاثاء: 18 من ربيع الأوّل 1406هـ
10 من نوفمبر ... 1987م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
مبادئ الثّورة الجزائريّة (2)
__________
(1) - ديوان محمد العيد، ص: 441.
(2) - ألقيت المحاضرة في الملتقى الثّاني لإطارات السّلك الدّيني لولاية باتنة (الجزائر) المنعقد في مدينة باتنة يومَي: 30/ 05 – 01/ 06/ 1415هـ / 05 – 06/ 11/ 1994م. (1/33)
صفحة 32
مورست على الشّعب الجزائري حرب الإبادة الشّاملة، وجرّبت فيه كلّ أنواع القهر والضّغط والتّنكيل، وكلّ أساليب التّليين والإغراء والتّغرير والخداع والمكر ... التي يسعى الاستعمار بواسطتها إلى سلخ الأمّة من شخصيّتها، ووضعها في طريق التّبعيّة للآخر.
لقد حورب هذا الشّعب في دينه ولغته وعاداته وتقاليده، وفي كلّ مقوّماته، كما جرّد من حقوقه المدنيّة والشّرعيّة والسّياسيّة ... وسلبت منه أراضيه وممتلكاته، وسلّطت عليه الضّغوط ليهجر بلاده، ويتخلّى عن أهله وذويه، وحُووِلَ انتزاع اعترافات منه بحقّ الاستعمار في أرضه، وفي خيرات بلاده ومؤسّساتها، وَحُمِلَ على التّنكّر لأصله وتاريخه، وربطه بأصول المحتلّ الدّخيل، وحورب في حياته؛ بتجويعه وتشتيت أفراده، وتمزيق وَحدته.
كان طول مدّة الاحتلال يقاوم هذه الأخطار، ويقف أمام كلّ أنواع الهجوم عليه ببسالة وشجاعة، ويستعمل في سبيل ذلك أساليب متنوّعة ومختلفة؛ من مقاومة مسلّحة، وانتفاضة شعبيّة، وتعبئة عامّة، بواسطة المسجد والمدرسة والنّادي والصّحافة، وتكوين هيئات، وتأسيس أحزاب ... ثمّ عن طريق الكلمة الشّاعرة المسؤولة ...
كلّ هذه المحاولات لم تمكّن الشّعب الجزائري من الظّفر بمراده، وهو نيل حريّته، واستقلاله. وإن عمّقت فيه الشّعور بضرورة الاستمرار في المقاومة، وتغيير أساليب المواجهة؛ حتّى كانت حوادث الثّامن من ماي 1945م، التي أقنعت الشّعب أنّ الحريّة لا يمكن الحصول عليها بغير طريق حمل السّلاح، واستعمال القوّة ضدّ المحتلّ. وقد عُدّت تلك الحوادث – بحقٍّ – النّواة الأولى لثورة نوفمبر؛ بما قامت به من تعبئة الجماهير لمواجهة المستعمر، والاستعداد كامل الاستعداد لذلك. فبعدها مباشرة ينشئ " حزب الشّعب الجزائري " المسمّى آنذاك " حركة انتصار الحرّيات الدّيمقراطية " " اللّجنة السّريّة) ( os"، التي تتحرّك بكلّ قوّة، وتطوّر العمل الثّوري في صفوف المناضلين.
تختفي هذه اللّجنة، لكنّ العمل الجهادي يستمرّ، فتتكوّن اللّجنة الثّوريّة للوحدة والعمل "، ومنها انبثق اجتماع الاثنين والعشرين (22)، الذين يكلِّفون ستّة من الأعضاء ليقوموا بالإعداد للثّورة التّحريريّة. يقول الأستاذ (1/34)
صفحة 33
أحسن بومالي: " ... في هذا الجوّ المشحون باليأس والدّسائس والمؤامرات والمناورات المحاكة ضدّ مسيرة الحركة الوطنيّة الجزائريّة أخذت الفئة الواعية العهدَ على نفسها أن تعمل على توحيد كلّ الطّاقات الوطنيّة، فوق اعتبار الشّخصيات والأحزاب ... وتمَخّض قرارها الحاسم عن مولودها الجديد، الذي أطلقت عليه اسم (اللّجنة الثّوربّة للوحدة والعمل)، والتي تحوّلت بعد أشهر قليلة إلى (جبهة التّحرير الوطني) قائدة ثورة التّحرير" (1)
الأعضاء السّتّة المكلّفون بالإعداد للثّورة هم: مصطفى بن بولعيد، ديدوش مراد، ابن مهيدي العربي، بوضياف محمد، بيطاط رابح. انضمّ إليهم كريم بلقاسم.
أهمّ القرارت التي انبثقت عن اجتماع الاثنين والعشرين ما يأتي:
- تسمية المنظّمة السّياسيّة للثّورة بجبهة التّحرير الوطني.
- القيادة الجماعيّة على كلّ مستويات هياكل الحزب.
- تسمية الجناح العسكري بجيش التّحرير الوطني.
- المقياس الوحيد هو الإيمان بالكفاح المسلّح أسلوبًا لتحرير الوطن. (2)
يقول محمد الطّيّب العلوي: إنّ هؤلاء السّتّة مناضلون بحقّ، فقد ترعرعوا في حزب الشّعب الجزائري، تكوّنوا في المنظّمة السّرية، ساهموا في صنع الكثير من الأحداث، منذ عام 1945م، وذاقوا قيمة التّنظيم وأهميّة الوحدة، مارسوا التّعامل مع الاستعمار ومناوراته، نبعوا من الشّعب، وتعرّفوا به في مدنه وقراه وأريافه، سبق لهم أن درسوا في عدّة مناسبات أسباب فشل الانتفاضات والمقاومة في الماضي، آمنوا بأنّ المسؤول في الحركة ليس هو الحركة، إنّما هو منشّطها، ومنسّق العمل بين عناصرها، آمنوا أنَّ الاعتماد على النّفس شرط أساسي في أيّ
__________
(1) - أحسن بومالي، استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى 1954 - 1956، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، (د. ت)، ص: 46.
(2) - الطّريق إلى نوفمبر كما يرويها المجاهدون، المجلّد الأوّل، الجزء الأوّل، ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، (د. ت)، ص: 362. (1/35)
صفحة 34
تنظيم، ولا سيّما في تنظيم ثوري، حيث تكثر المفاجآت، لم يتطرّق اليأس يومًا إلى قلوبهم. (1)
لقد تسلّح هؤلاء بصدق الإيمان، وحبّ الوطن، وقوّة الإرادة، وإخلاص العمل، والاستهانة بالموت، والاستخفاف بالعدوّ واحتقار بأسه وبطشه، اللّذين يدّعيهما.
هذه الصّفات، وهذه المميّزات التي يتمتّع بها هؤلاء الأشخاص، تكشف لنا عن العمل الكبير الدّقيق، الذي قام به المناضلون في سبيل دفع حركة الكفاح إلى الأمام، مع اتّخاذ كلّ الاحتياطات اللاّزمة المساعدة على إنجاح العمل الثّوري والجهادي في المستقبل، وهو ما يفسّر لنا أيضًا الانطلاقَة القويّة، التي ستشهدها الثّورة فيما بعد، وتبرز صلابةَ المبادئ التي تبنّتها، وسارت بمقتضاها؛ لتقف أمام الأعاصير بقوّة، وتتخطّى الحواجز بثبات، وتقضي على كلّ المناورات والمؤامرات، وتفسد الخطط المضادّة لأعمالها بفعاليّة كبيرة، وتتجنّب الأخطاء قدر المستطاع ...
بهذه الصّفات والخلال العالية، وبهذه العزيمة الصّادقة، ووسط الظّروف الحاسمة، والأحداث المتتالية، بشكلٍ غير اعتيادي، وغير مشعور به في الأوساط العامّة ... تُولَدُ جبهة التّحرير الوطني، التي انصهرت فيها كلّ الأحزاب الوطنيّة، إلاّ القليل الذي تأخّر لينضمّ فيما بعد. هذه الجبهة تتبنّى تفجير الثّورة في ليلة فاتح نوفمبر 1954م، الموافق لِلخامس من ربيع الأوّل 1373هـ.
إنّ هذا التّفجير يستجيب لمطامح الجماهير الشّعبيّة في التّحرير من براثن الاستعمار، والتّخلّص من النّفوذ الشّخصي، والانتقال إلى الإدارة الجماعيّة، والقضاء على اليأس الذي أصاب النّفوس، كما يستجيب للرّغبة في تغيير الأوضاع المتردّية في الجزائر، في المجالات المختلفة: السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة ... ولهذا نقول: إنّ الثّورة الجزائرية التي اندلعت سنة 1954م، لم تكن وليدة ظروف طارئة عابرة، إنَّما كانت نتيجة لأزمات خانقة وعوامل متجذّرة في الأوساط
__________
(1) - محمد الطّيّب العلوي، " جبهة التّحرير الوطني وبيان أوّل نوفمبر"، المرجع السّابق، ص: 172. (1/36)
صفحة 35
الشّعبيّة، تجذّر الأعمال التّعسّفيّة وتفاقمها، التي ضاق بها الشّعب الجزائري ذرعًا، كما كانت تتويجًا للعمل المتواصل الذي أبداه الشّعب مدّة الاحتلال؛ من أجل الحصول على استقلاله، أي إنّ ثورة أوّل نوفمبر امتداد متطوّر ومنظّم ومؤسّس على مبادئ وقواعد صلبة، توّجت أشكال المقاومة لمظاهر امتهان الكرامة وجرح العزّة، وهضم الحقوق، ومسخ الشّخصية ... وقد جاءت هذه الثّورة بعد تطوّر طَبَعِي، ونموّ مطّرد في مسيرة الكفاح الوطني؛ لأنَّ أصحابها قرّروا القيام بِها بعد عرض تصوّرات كثيرة، ومناقشة مقترحات عدّة، تقدّم بها الوطنيّون الأحرار، وبعد استعراض نصوص متعدّدة ... وكان الاعتماد في ذلك على التّجارب السّابقة في الكفاح الوطني والمقاومة الشّعبية، كما كانت المناقشات والتّحضيرات تَتمّ بروح مسؤولة، ونيّة خالصة لله ثمّ للوطن، مع رسم المبادئ، وتحديد هدف أساسي واحد وهو الاستقلال التّام، واعتماد وثيقة مرجعيّة، وهي بيان أوّل نوفمبر، الذي تمخّض عن هذه المناقشات والمشاورات، التي حصلت على مستوى ذوي الكفايات وذوي التّجارب ...
كانت بداية هذه الثّورة في ليلة فاتح نوفمبر، التي كانت منارة إشعاع وهداية إلى الطّريق الأسلم في الكفاح والنّضال، التي بدّلت الظّلام نورًا، والتّعسّف اعترافًا بالحقوق؛ بما حقّقته في النّهاية من نصر على العدوّ، ولهذا كانت هذه اللّيلة عظيمة ومقدّسة في قلب كلّ جزائري، بما أتت به من فضل كبير ونصر مُبين، فكانت ليلةَ القدر، التي نزل فيها القرآن، الذي غيّر مجرى حياة النّاس إلى الأحسن والأسعد. قال عنها الشّاعر مفدي زكريّاء:
دَعَا التّاريخُ لَيْلَكَ فَاسْتَجَابَا ... ُفَمْبَرُ، هَلْ وَفَّيْتَ لَنَا النّصابَا؟
وَهَلْ سَمِعَ المُجيبُ نٍدَاءَ شَعْبٍ؟ ... فَكَانَتْ ليْلَةُ ... القَدْرِ ... الجَوَابَا
تَبَارَكَ لَيْلُكَ المَيْمُونُ نَجْمًا ... وَجَلَّ جلالُه هتَكَ الحِجَابَا
زَكَتْ وَثَباتٌه عَنْ أَلْفِ شَهْرٍ ... قَضَاهَا الشّعبُ يَلْتَحِقُ السَّرَابَا
تَنزَّلُ روحُهَا منْ كُلّ (1/37)
صفحة 36
أَمْرٍ ... بِأَحْرارِ الجَزائِرِ قَدْ أَهَابَا (1)
هذه الثّورة بقوّتها وشدّتها أرْعَبَت العدوّ وأربكته، وكبّدته أفدح الخسائر، ولقّنته أقسى الدّروس في عدم الاستهانة بالمبادئ والطّاقات، وبِمصير الشّعوب وحقّها في الحياة. حتّى اندهش المسؤولون الفرنسيّون من قوّة جيش التّحرير، وبدا لهم الجيش الفرنسي بعتاده وعدّته وعدده ضعيفًا أمام إرادة الثّوّار والمناضلين المسلّحين بالإيمان والعقيدة، والإصرار على انتزاع النّصر واسترجاع الحريّة المسلوبة. وقد قال قائلهم: " لا يمكن أن يكون هؤلاء الشّياطين هم الآدميّين الذين عرفناهم هنا منذ قرون وثلث قرنٍ، ربّيناهم على الاستكانة، ودرّبناهم على الطّاعة، وقتلنا في نفوسهم الإسلام، وأمتنا على ألسنتهم العربيّة، وبشّرناهم بالمسيحيّة، وفصلنا بينهم وبين العرب في الأقطار الأخرى، فمنعنا دخول الكتب والصّحف والمجلاّت، وقطعنا أسباب المواصلات والمعاملات، وأردنا أن نجعلهم قلّة مستضعفة في البلاد، فسهّلنا الهجرة للفرنسيّين، وأسكنّاهم أطيب البلاد، وأقطعناهم أخصب الأرض، وملّكناهم مقاليد الأمور، حتّى أصبح الجزائريّون في رأينا مسوخًا من غير جنس ولا لغة ولا دين ولا تاريخ ولا تقاليد. لابدّ أن يكون هؤلاء المردة من جنس غير الجنس، ومن بلد غير البلد. " (2)
العمل الكبير في كلّ هذه الانتصارات وتحقيق هذا النّجاح الباهر، كان نتيجة الاعتماد على مبادئ راسخة أصيلة، والإصدار عن قواعد متينة مدروسة دراسة دقيقة. فما هي هذه المبادئ؟
إنّ جبهة التّحرير الوطني مفجّرة الثّورة وحاضنتها قد اعتمدت ايديولوجيّة خاصّة، وتبنّت مفهومات متميّزة، استمدّتها من الجذور التّاريخية للشّعب الجزائري، ومقوّماته الأصيلة. كما استوحت هذه الأيديولوجيّة وخطّتها من معاناة الشّعب، التي أوجدتها كثرة الهجوم وشِدَّتِه على شخصيّته وأصالته، والمساس بحريّته، والنّيل من كرامته.
كلّ هذه الممارسات المغرضة فرضت على هذا الشّعب الاستمرار في خوض نضال مستميت ضارٍّ. أي إنّ هذه الأيديولوجيّة كانت نابعة
__________
(1) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط3، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1982م، ص: 30، 31.
(2) - الطّريق إلى نوفمبر ... ،ص: 378. ينظر أيضًا جريدة المجاهد (جبهة التّحرير الوطني)، الجزائر، ع: 23، (25/ 07/1960م). (1/38)
صفحة 37
من وسطه، ومن أعماق ضميره وأحاسيسه، فلم تكن شرقيّة ولا غربيّة، بل كانت عربيّة إسلاميّة، تستمدّ مكوّناتها ومحتواها وروحها من القرآن والسّنّة وقواعد العمل الإسلامي بعامّة. فقد كان للعقيدة الإسلاميّة الدّور الكبير في تصعيد المقاومة، وترشيد العمل الثّوري، وتحديد الأيديولوجيّة والاستراتيجيّة.
بهذه المواصفات، وبهذه المرتكزات تتحوّل هذه الأيديولوجيّة إلى: " قوّة اجتماعيّة قادرة على فرض قِيَمها وأساليبها الثّورية، التي تهدف إلى تغيير الأوضاع الاجتماعيّة، واستبدالها بأوضاع جديدة، تحلّ محلّ الأنظمة البالية. " (1)
هذا ما حصل في الثّورة الجزائريّة، التي ارتكزت على الأيديولوجيّة السّياسيّة الإسلاميّة، فوحّدت كلمة الشّعب الجزائري، وهيّأته لخدمة الصّالح العام، ومضاعفة الجهود لإنجاح الثّورة، والتّمسّك بالعمل الجماعي، والالتفاف حول القادة والسّاسة، وتنفيذ الأوامر والبقاء في الخطّ الذي رسمته مواثيق جبهة التّحرير الوطني وبياناتها.
يقول أحسن بومالي: " والواقع إنّ ربط أيديولوجيّة جبهة التّحرير الوطني بالتّيّار العام للتّاريخ الوطني الجزائري لهو تسجيل لصيغة الاستمراريّة والدّيمومة، وإظهار لمجهود جماعي، أخذ أشكالاً عديدة متداخلة، منذ بداية القرن التّاسع عشر، وتكيّف أغلبه مع متطلّبات الكفاح الوطني؛ نتيجة استغلال بعض القيم الأصيلة، التي بقيت لها فاعليّة مستمرّة، بفضل امتحانها وسط التّجارب، وانتقاء أحسنها، لجعل منها مجموعة من القيم الضّرورية لبقاء الأمّة، وللدّفاع عن تراثها، وتنظيمها في فترة الحرب، وهذه القيم نفسها استثمرتها وعزّزتها جبهة التّحرير الوطني، بقيم ثوريّة أصيلة، يرجع إليها الفضل في استمرارية الثّورة المسلّحة، رغم الصّعوبات والأزمات التي اعترضت مسيرتها ... " (2)
نحاول في يأتي سرد بعض المبادئ التي تبنّتها الثّورة التّحريريّة، بالاعتماد على ما جاء في بيان أوّل نوفمبر 1954م، الميثاق الأوّل لجبهة التّحرير
__________
(1) - الدّكتور عمّار بوحوش، " خصائص الثّورة الجزائريّة مقارنة بالثّورات الكبرى في القرن العشرين "، مجلّة الدّراسات التّاريخية (معهد التّاريخ، جامعة الجزائر)، ع: 8، سنة 1993 - 1994م، ص: 105.
(2) - استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى، ص: 58. (1/39)
صفحة 38
الوطني، الذي رسم قواعد العمل الثّوري، وتناول حاضر الجزائر آنذاك ومستقبلها، الذي حُدِّد بالاستقلال، وبمقتضاه استرجعت الجزائر سيادتها وحريّتها.
البيان احتوى النّقط الآتية:
- توجيه النّداء إلى الشّعب الجزائري.
- الغرض من نشر البيان.
- الاحتياط من المناورات والدّعايات الاستعماريّة.
- الاعتماد على النّفس.
- استعمال الثّورة في داخل البلاد، والدّبلوماسية في خارجها.
- إشارة إلى أنّ الجزائر كانت الدّاعية الأولى لوحدة العمل الثّوري على مستوى المغرب الكبير.
- الإعلان عن تأسيس جبهة التّحرير الوطني.
- توضيح الأهداف:
1 – الاستقلال الوطني.
2 – التّطهير السّياسي.
3 – توحيد كلّ الطّاقات الشّعبيّة.
4 – تدويل القضيّة الجزائريّة.
5 – تحقيق وحدة الشّمال الإفريقي.
6 – التّعاطف مع الدّول التي تحترم القضيّة الجزائريّة.
7 – تجنيد كلّ الوسائل والطّاقات والاستعداد للحرب الطّويلة النّفس.
8 – أسس المفاوضات.
9 – التّصميم والاستعداد للموت في سبيل القضيّة.
من هذه النّقط التي تضمّنها البيان نقف عند بعض المبادئ لنوضّحها.
- أوّلا: العمل وفق المبادئ الإسلاميّة.
نصّ بيان أوّل نوفمبر على: " إقامة الدّولة الجزائريّة الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة ذات السّيادة، ضمن المبادئ الإسلاميّة" وعلى:" تحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطّبيعي العربي والإسلامي ". هذا المبدأ الذي (1/40)
صفحة 39
تبنّاه البيان، وعمل المجاهدون على تجسيده في واقع عملهم الثّوري، أكسب الثّورة مصداقيّة حسنة واضحة لدى الشّعوب الشّقيقة، وأعطى دفعًا قويًّا للنّشاط الجهادي؛ لأنّه كان مبنيًا على أسس صحيحة راسخة ثابتة، تحمي الثّورة من الانحراف عن الأصول، التي ينتمي إليها الشّعب الجزائري، وتضمن لها عدم الخروج عن طبيعة هذا الشّعب.
كانت مبادئ الدّين الإسلامي حاضرة في أغلب مراحل الكفاح الوطني. فقد حملت جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين شعار " الإسلام ديننا والعربيّة لغتنا والجزائر وطننا ". كما أكّدت صحيفة " الجزائر الحرّة " التي صدرت في يوم 18 من أوت 1949م، وهي تمثّل " حركة انتصار الحريّات الدّيمقراطيّة " أكّدت في افتتاحيّة عددها الأوّل الطّابع العربي الإسلامي للوطنيّة الجزائريّة، جاء فيها: "الوطنيّة الجزائريّة مسلمة بدون تعصّب ... إنّ روابط الشّعب الجزائري بالعالم العربي والإسلامي أمتن من الرّوابط التي أقيمت في هذا العصر مع فرنسا؛ لاعتبارات استراتيجيّة واقتصاديّة ... بل هذه الرّوابط ما تزال قويّة، مثلما كانت في العهد الأموي. " (1)
جاء في الوثيقة الصّادرة في المؤتمر الثّاني لحزب الشّعب (حركات انتصار الحريّات الدّيمقراطيّة) الذي انعقد في الجزائر، في مطلع أفريل 1953م: احترام المعتقدات الدّينية؛ طبقًا لروح الإسلام وتقاليده، ثقافة وطنيّة مرتبطة بالثّقافة العربيّة الإسلاميّة. (2)
ثُمّ انطلقت ثورة أوّل نوفمبر 1954م؛ لتثبّت هذا المبدأ الأساس في بناء الدّولة الجزائريّة المستقلّة، وذلك أنّها أعطت لنضالها ومسيرتها بعدًا دينيًّا، إلى جانب المضمون السّياسي: " فقد كان هناك تكامل عقائدي في ثورة أوّل نوفمبر 1954م، بين مفهوم الجهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل تحرير الوطن. فالجهاد في كلا الحالين كان في نظرها
__________
(1) - محمد عبّاس، الاندماجيّون الجدد، الكتاب الثّالث، مطبعة دحلب، الجزائر، 1993م، ص: 29.
(2) - المرجع السّابق، ص: 33. مع العلم أنّ الوثيقة تضمّنت خمسة مبادئ، لبناء الدّولة الجزائريّة المستقلّة. (1/41)
صفحة 40
لا يتجزّأ؛ ما دام يقوم على تكامل عقائدي، حيث أنّ الثّورة قامت لتحرير الوطن من جحافل الكفر والهيمنة الاستعماريّة في آن واحد." (1)
لكي تُضفَى على الثّورة الرّوح الإسلاميّة، وتُطبعَ بالطّابع الإسلامي، ويُنبَّه إلى ضرورة التّقيّد بالمبادئ الإسلاميّة في العمل الثّوري، لكي يُضمَن تحقيق كلّ ذلك أطلقت الثّورة اسم " المجاهد " على جندي جيش التّحرير الوطني، ورسّمت هذه التّسمية في مؤتمر الصّومام (2) فالكلمة إسلاميّة، أطلقها الله تعالى على كلّ من يناضل في سبيل الله، بأيّ نوع من أنواع النّضال والكفاح. قال تعالى: { ... فَضَّلَ اللهُ المُجاهِدينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلى القَاعِدينَ دَرَجةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحٌسْنَى وفَضَّلَ اللهٌ المجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْرًا عظيمًا} (سورة النّساء/ 95) وقال أيضًا: {والذّينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِينَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} (سورة العنكبوت/ 69).
إنّ الالتزام بِمبدأ التّقيّد بالتّعاليم الإسلاميّة في العمل والتّحرّك– إلى حدّ بعيد – عبر مسيرة الكفاح الوطني بعامّة، أعْطى صفة الدّيمومة للنّضال، من دون النّظر إلى ما يكلّفه هذا الكفاح من التّضحيّات، وما يقف في طريقه من عقبات وأخطار، وأضفى على الاستشهاد بعدًا خاصًّا: " صار الاستشهاد من أجل العقيدة يعطي الكفاح المسلّح بعده الثّوري، عن طريق تأكيد التّواصل الكامل بين الجيل الماضي والجيل الحاضر وأجيال المستقبل. " (3)
بسبب استمساك المجاهدين بهذه الرّوح، والإصدار عن هذا المبدأ، والانطلاق من العقيدة، والاحتماء بها، تمكّن المجاهدون من المحافظة على طاقاتهم النّضاليّة والانتصار على العدوّ في المعارك الضّارية، التي خاضوها معه، رغم امتلاك الاستعمار الوسائل الضّخمة، واستعماله أساليب جهنّميّة متطوّرة في القمع والتّنكيل والرّقابة والتّرصّد. قال الأستاذ محمد الصّالح الصّدّيق: " وكان السّؤال الذي يبادر به كلّ من يتحدّث عن المجاهدين الأبطال في الجزائر هو هذا: ما سرّ هذه القوّة التي جعلت من قلّتهم كثرة، ومن ضعفهم قوّة، ومن تشتّتهم وَحدة، ومن
__________
(1) - استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى، ص: 59.
(2) - المرجع السّابق، ص: 56.
(3) - استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى، ص: 56. (1/42)
صفحة 41
جهلهم معرفة، ومن أنانيّتهم إيثارًا وفدائيّة؟ إنّ سرّ هذه القوّة يعلمها من يقول: { ... إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد/ 7)، {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا َغالبَ لَكُمْ ... } (سورة آل عمران/ 160)، { ... إِنْ يَّكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... } (سورة الأنفال/ 65). (1)
هذا المبدأ (العمل وَفق المبادئ الإسلاميّة) هو الذي حدّد الإطار الذي يتحرّك فيه الثّوّار المناضلون: تفكيرًا وتخطيطًا وتنفيذًا وتحديدًا للاستراتيجيّة، وتطلّعًا إلى المستقبل، وهو ما جنّب الثّورة الانحراف عن مسارها الحقيقي إلى الاستقلال، في كثير من أعمالها وتحرّكاتها.
- ثانيًا: المحافظة على الوَحدة الوطنيّة
حرص بيان أوّل نوفمبر على توضيح معنى الوَحدة التي ينشدها في الشّعب الجزائري. إنّها تلك التي تشمل كلّ أفراده، وليست الوَحدة التي ينادَى بها في إطار الحزب الواحد، كما كان الشّأن قبل تأسيس جبهة التّحرير الوطني. وقد عمد البيان إلى تجسيد إرادة الأمّة في القضاء على النّعرات القبليّة، والتّكتّلات الجهويّة، والتّحيّزات الحزبيّة، لغرس روح التّضامن والمقاومة المشتركة للدّخلاء، وتجاوز كلّ الخلافات، ونبذ كلّ أسباب التّفرقة والشّقاق، وتجنّب كلّ أنواع التّناحر. وقد حرص البيان على توجيه الطّاقات والمجهودات إلى العمل على الاستقلال، واسترجاع السّيادة، كما أشار إلى أنّ الثّورة المسلّحة تعني كلّ أفراد الشّعب الجزائري، من دون استثناء. " فإنّنا نعتبر أنّ الشّعب الجزائري في أوضاعه الدّاخليّة متّحد حول قضيّة الاستقلال والعمل."، " إنّ الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنيّة من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص والتّأثيرات لدفعها إلى المعركة الحقيقيّة الثّوريّة، إلى جانب إخواننا المغاربة والتّونسيّين"
رحّب البيان بكلّ الأفراد المخلصين للقضيّة الوطنيّة، الحريصين على استقلال الجزائر، ورغّب في الاستفادة من كلّ طاقة، ومن كلّ فرد، ومن كلّ جهة، مهما تكن الانتماءات والانتسابات، لا يشترط في هذا المجال سوى الإخلاص والإرادة على التّحرّر، والانسجام في العمل، والمحافظة على الوَحدة الوطنيَة.
__________
(1) - ينظر الطّريق إلى نوفمبر، ص: 379. (1/43)
صفحة 42
أبان البيان أنّ من بين أهدافه الدّاخليّة: " تجميع وتنظيم جميع الطّاقات السّليمة لدى الشّعب الجزائري، لتصفية النّظام الاستعماري.". كما جاء في البيان: "وهكذا نتخلّص من جميع التّنازلات المحتملة، ونتيح الفرصة لجميع المواطنين الجزائريّين من جميع الطّبقات الاجتماعيّة، وجميع الأحزاب والحركات الجزائريّة الفرصة أن تنضمّ إلى الكفاح التّحريري، دون أدنى اعتبار آخر". وقد رفضت الجبهة التّفاوض مع أيّة جهة من الجهات؛ حزبًا كان أو هيئة، كما رفضت انضمام الجماعات إليها بصفتها الحزبيّة، وفتحت الأبواب للأفراد المخلصين للقضيّة الوطنيّة للانخراط في صفوفها؛ استبعادًا لكلّ الحساسيّات، وتجنّبًا لكلّ التّجاوزات، ونشدانًا للوَحدة والتّضامن والتّآزر في العمل، والانسجام في النّشاط والحركة.
للمحافظة على الوَحدة الوطنية حرصت وثيقة بيان أوّل نوفمبر على تذكير فرنسا، أنّه لا يمكن التّفريط في الاعتراف بالجنسيّة الجزائريّة، بشكل يزيل كلّ أسباب الخلاف والشّقاق وسوء التّأويل بين الجزائريّين في المقوّمات التي تكوّن هذه الجنسيّة. وكذا يجب الإقرار بسيادة الجزائر على نفسها، من دون أن ينالها ما يعرّضها للتّجزئة، وذلك بعد أن تعترف بحقّ الجزائر في تقرير مصيرها.
ورد في البيان ما يأتي: " الاعتراف بالجنسيّة الجزائريّة بطريقة علنيّة ورسميّة، ملغية بذلك كلّ الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضًا فرنسيّة؛ رغم التّاريخ والجغرافية واللّغة والدّين والعادات للشّعب الجزائري ". " فتح مفاوضات مع الممثّلين المفوّضين من طرف الشّعب الجزائري، على أساس الاعتراف بالسّيادة الجزائريّة وحدة لا تتجزّأ ".
إنّ البيان ذهب بعيدًا في الوَحدة والتّنسيق في العمل، حين أظهر أسفه من عدم تحقّق الوَحدة في الكفاح بين الأقطار الثّلاثة: تونس والجزائر والمغرب. ولكنّ أمله يبقى قائمًا في تحقّق ذلك: " إنّ أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصّدد، فهي تمثّل بعمق مراحل الكفاح التّحريري في شمال إفريقيا. وممّا يلاحظ في هذا الميدان أنّنا كنّا أوّل الدّاعين إلى الوَحدة في العمل، هذه الوَحدة التي لم يُتح لها مع الأسف التّحقّق أبدًا بين الأقطار الثّلاثة ". (1/44)
صفحة 43
كما حدّد البيان الهدف من تحريره وإعلانه، وهو: " الاستقلال الوطني في إطار الشّمال الإفريقي" مع " تحقيق وَحدة شمال إفريقيا في إطارها الطّبيعي العربي والإسلامي".
البيان لا ينشد الاستقلال أبدًا منفصلا عن هذه المنطقة من العالم العربي والإسلامي؛ لاعتبارات تاريخيّة ومقوّمات مشتركة، فضلاً عن عدم التّفريط في أيّ جزء من خصوصيّات الوطن الجزائري، أو أيّ مقوّم، أو قطعة من البلاد، مهما تكن الأسباب والدّوافع والمبرّرات.
- ثالثا: تحديد الهدف الأساس
إنّه الاستقلال الوطني، واسترجاع السّيادة الوطنيّة الكاملة في جميع المجالات، بداية من الاستقلال السّياسي، وانتهاء بالاستقلال الثّقافي والاقتصادي، وما يتّصل بها، وقد تردّدت في البيان عبارات تشير إلى هذا الهدف، ممّا يدل على الإصرار والإرادة الكبيرة في تحقيق هذه الغاية.
نجد في البيان هذه العبارات: " التي تهدف إلى الاستقلال الوطني"، " للقيام بعمليّة تحريريّة "، " حول قضيّة الاستقلال والعمل"، " فهي موجّهة فقط ضدّ الاستعمار الذي هو العدوّ الوحيد الأعمى "، " فإنّنا سنواصل الكفاح بجميع الوسائل حتّى تحقيق هدفنا ".
إنّ الإصرار على بلوغ هذا المقصد، سواء على الصّعيد الدّاخلي أم الخارجي، يبيّن سموّ الغاية ونبلها، وفي الوقت نفسه يكشف عن صعوبة الحصول عليها، وهو ما يدعو إلى المحافظة عليها حين الظّفر بها واستثمارها فيما يعين على بناء الوطن وتشييده وتطويره ... وليس العكس.
- رابعًا: الإرادة الذّاتية أو الاعتماد على النّفس
كان من مبادئ الثّورة التّحريريّة مبدأ الاعتماد على النّفس، وعلى الطّاقات الدّاخليّة، والإمكانات الخاصّة.
وسط الجوّ الذي كانت تفكّر فيه القوّة المناضلة الثّائرة لإشعال فتيل الثّورة، الذي اتّسم بضعف الإمكانات الماديّة، مقابل امتلاك العدوّ وسائل ضخمة: عدّة وعتادًا وعددًا، مع عدم وضوح الرّؤية عند الجماهير في كيفيّة الثّورة على العدوّ، ومعرفة ما يجب عمله، وليكون الكفاح شاملاً وعامًّا، ولكي تُضمَنَ الاستمراريّة لهذا النّضال والعمل الثّوري ... وسط هذا الجوّ وهذه الحيرة، قرّر قادة هذه الثّورة ومفجّروها أنّ الاعتماد يجب أن (1/45)
صفحة 44
يكون على القوّة الذّاتيّة والجماهير العريضة، التي تمتلك الحماسة التي تدفعها دائمًا إلى بذل مزيد من الجهد، وتتوفّر على العقيدة التي تمنعها من التّوقّف عن الجهاد، فضلاً عن التّقاعس عن أداء الواجب، وتزخر بآيات الإخلاص، الذي يمنحها حسن التّفكير فيما يخدم القضيّة الوطنيّة، وحسن التّدبير فيما يعود على الثّورة بالخير والنّفع ...
يقول الأستاذ أحسن بومالي: " وإذا كانت جبهة التّحرير الوطني قد قرّرت عند إعلانها الثّورة المسلّحة أنّ اعتمادها الكلّي في استمراريّة الثّورة، سيكون على القوّة الذّاتية للشّعب الجزائري، فلأنّها كانت تدرك أنّ المصادر الخارجيّة سوف تكون معرّضة للتّقلّب، تتراوح بين القوّة والضّعف، وبين الاستمرار المؤقّت والانقطاع التّام، كما كانت تدرك أنّ هذه المصادر تكون في أغلب الأحيان مثقلة بقيود أو شروط، من شأنها أن تؤثّر على قراراتها الثّوريّة." (1)
هذا الملحظ مهمّ جدًّا؛ لأنّه يوقف المجاهدين على حقيقة الإمكانات، التي يعوّل عليها في الكفاح لاسترجاع السّيادة الوطنيّة، وفي الوقت نفسه يُضمَن الاستقلال التّام الحقيقي، الذي ينشده الثّوّار؛ وذلك حين يُحصَل عليه بعيدًا عن كلّ قيد أو شرط يغلّه، أو يعرّضه لمساومات وضغوط، بما يشينه ويعود على أهله بالويل والثّبور، كما تعيشه اليوم كثير من الدّول العربيّة والإسلاميّة.
- خامسًا: الإدارة الجماعيّة للثّورة التّحريريّة
حرصت جبهة التّحرير الوطني على القضاء على السّلطة الشّخصيّة، وإحلال الإدارة الجماعيّة محلّها. وكانت الجبهة قد حملت شعار " الثّورة من الشّعب وإلى الشّعب " (2) وكانت تعتمد على الاستشارات الواسعة، وعقد الاجتماعات المتكرّرة؛ للنّظر في الأحداث المستجدّة والطّوارئ، وفي المسائل الحاسمة المصيريّة، وقد حاربت بصرامة وشدّة القيادة الفرديّة ومعضلة تقديس الشّخصيّات.
__________
(1) - استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى، ص: 46.
(2) - كانت الجبهة قد حملت هذا الشّعار ابتداء من منتصف سنة َ 1956م، الذي ظهر ملازمًا لعنوان صحيفة " المجاهد " لسان حال جبهة التّحرير الوطني وجيشها، اقتداء بصحيفة " الجزائر الحرّة " 1949، و" صوت الشّعب " 1933م. ينظر كتاب الاندماجيّون الجدد، ص: 53. (1/46)
صفحة 45
في مسيرة الثّورة ما يثبت الالتزام بهذا المبدأ إلى حدّ كبير، لكن من دون الوقوع في الخطأ، وهو الجمود على هذه القاعدة، بما يؤدّي به الغلوّ والشّطط في الإدارة الجماعيّة لكلّ شؤون الثّورة إلى غاية تمييع العمل أو تعطيله.
- سادسًا: احترام الحريّات الأساسيّة للأفراد والجماعات
أقرّ بيان أوّل نوفمبر مبدأ احترام جميع الحريّات الأساسيّة، من دون تمييز عرقي أو ديني. ما يعني أنّ لكلّ شخص حقَّ ممارسة حريّاته؛ بشرط أن لا ينال من حريّة الشّعب، ولا من مقوّماته، ولا يمسّ من مصالحه بسوء.
حتّى فيما يتعلّق بفرنسا العدوّ الغاصب المحتلّ، فإنّ البيان أشار إلى احترام مصالحها وحريّاتها، إن هي أعادت إلى الجزائريّين حقوقهم، واعترفت بسيادتهم. جاء في البيان: " فإنّ المصالح الفرنسيّة، ثقافيّة كانت أو اقتصاديّة، والمتحصّل عليها بنزاهة ستحترم، وكذلك الأمر بالنّسبة للأشخاص والعائلات". " جميع الفرنسيّين الذين يرغبون في البقاء بالجزائر، يكون لهم الاختيار بين جنسيّتهم الأصليّة، ويعتبرون بذلك أجانب تجاه القوانين السّارية، أو يختارون الجنسيّة الجزائريّة، وفي هذه الحالة يعتبرون كجزائريّين، بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات ". " تحدّد الرّوابط بين فرنسا والجزائر، وتكون موضوع اتّفاق بين القوّتين الاثنتين، على أساس المساواة والاحترام المتبادل ".
هكذا يجسّد البيان روح الإسلام في احترام الحريّات؛ بتحديد العلاقة مع غير المسلمين في المعاملة، التي تقوم على أساس التّقدير والرّعاية، ما دامت لم تمسّ حريّة المسلمين، ولم تنل من الإسلام، ولم تهدّد الوطن.
الخلاصة
هذه مجموعة من المبادئ التي تبنّاها مفجّرو الثّورة التّحريريّة، واعتمدوها في عملهم الثّوري، التي مكّنتهم من تحقيق هدفهم الأساس، وهو الاستقلال الوطني، والتّخلّص من السّيطرة الفرنسيّة على الجزائر، والسّطو على مقدّساتها ومقدّراتها وخيراتها.
هذه المبادئ حدّدت إيديولوجيّة جبهة التّحرير الوطني، مفجّرة الثّورة وقائدة مسيرتها، وقد استمدّت جذورها وسماتها من الأصول الإسلاميّة، (1/47)
صفحة 46
وربطت حركتها بالتّاريخ الجزائري العام، والكفاح الوطني الشّامل، وبذلك ضمنت استمراريّة النّهج الذي رسمه الأسلاف، ورعاه الأخلاف، وسار على هديه الثّوّار، وهو ما سجّل ديمومة الأمّة بمقوّماتها وشخصيّتها وتحدّياتها ...
كشفت هذه المبادئ عن روح الوفاء للماضي، والإرادة الصّادقة للعمل المستقبلي؛ لتطوير البلاد، وللنّضال الجماعي المنظّم المخطّط المؤسّس على قواعد العمل المسؤول، مع اتّخاذ الاحتياطات اللاّزمة للطوارئ، وتبنّي الواقعيّة في تنفيذ المقرّرات، وتجنّب أساليب التّهوّر والاندفاع المُجْهِضة للمبادرات، والمنسفة للمخطّطات، مع تمتين العلاقات مع العاملين في الحقل الوطني، وتنسيق المجهودات، والمرونة في التّحرّك والتّوجيه. والتّرفّع عن النّزعات الجهويّة والنّعرات الطّائفيّة، والابتعاد عن النّظر القصير والأفكار الضّيّقة ... إلى غير ذلك من المبادئ وقواعد العمل الجهادي الوطني، الذي بفضله نالت الجزائر استقلالها، واسترجعت سيادتها وكرامتها.
نحن معنيّون بهذه الأسس والمبادئ، نستوعبها ونستلهمها، ونصدر عنها في حياتنا، ونقتفي أثرها؛ لنربط حلقات التّاريخ بعضها ببعض، ونضمّ عملنا إلى عمل من سبقنا في خدمة وطننا، وإخراجه من محنه ومشاكله، والتّخطيط لتطويره.
ما أحوجنا إلى مرجعيّة، نرجع إليها، ونصدر عنها في سلوكنا ونشاطنا، هذه المرجعيّة لن تكون سوى المبادئ الإسلاميّة، التي تتطلّب منّا الصّرامة في الالتزام بها، والمرونة في التّحرّك لتنفيذ ما تمليه هذه المبادئ.
ما أحوجنا إلى أن تكون لنا مصداقية الشّعب الجادّ، الذي يبني عمله ونشاطه على أساس التّخطيط والتّدبير والتّفكير المعتدل الرّزين.
ما أحوجنا إلى أن تسود بيننا روح الرّحمة والتّسامح والتّضامن؛ لنجنّب أنفسنا مزالق التّطرّف والشّطط في تقدير المواقف، وعواقب محاسبة بعضنا بعضًا، محاسبة لا تتناسب وقواعد الشّرع والقانون.
ما أحوجنا إلى أن نُرَشِّد حركاتنا، ونهذّب عواطفنا، ونوجّه حماستنا، ونتحكّم في تصرّفاتنا في هذه الأجواء المكفهرّة، والظّروف العصيبة. (1/48)
صفحة 47
ما أحوجا إلى معرفة قواعد الشّرع في معاملة من يخالفنا في الرّأي، ومن يختلف معنا في المعتقد، ومن لا يدين بديننا، وأن نفرّق بين من يضمر لنا الشّرّ، ومن بعيش معنا في أمن وسلام وعافية.
ما أحوجنا إلى معرفة قواعد التّوجيه والتّربية والدّعوة.
ما أحوجنا إلى التّقريب بين وجهات نظرنا، لنقوم بالعمل التّآزري المتكاثف في سبيل خدمة الجزائر وطن الجميع، والتّرفّع عن المصالح الشّخصيّة، وعدم البقاء في دائرة الأفكار الحزبيّة، والنّظرة الجهويّة، والنّزعة القبليّة.
ما أحوجنا إلى الاعتماد على أنفسنا في العمل والتّخطيط، وعدم اللّجوء إلى أفكار غيرنا، نستمدّ منها حلولاً لمشاكلنا، وتصوّرات لمستقبلنا؛ حتّى نضمن لأنفسنا الاستقلال التّام، والحريّة الكاملة التي منحها إيّانا آباؤنا ومجاهدونا.
ما أحوجنا إلى استثمار إمكاناتنا وتوظيفها في حياتنا من أجل سعادتنا ورقيّنا.
ما أحوجنا إلى معرفة جيّدة وواعية لمبادئنا وأهدافنا في الحياة؛ حتّى نتحرّك بمقتضاها، ونسير في خطّ مستقيم، نقطتا الارتكاز فيه المبادئ والأهداف. حتّى نتجنّب الانحراف وتلاعب النّاس بنا وبمصائرنا، كما قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سبيلِه ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة الأنعام/ 153).
بإمكاننا أن نتلافى هذه النّقائص، ونوفّر لأنفسنا ما ينقصها، وما نحتاج إليه من أجل أن نسعد، ونعيش عيشة طبعيّة هنيئة، إن نحن بقينا أوفياء لمبادئ الثّورة التّحريريّة، التي هي مبادئ نابعة من أصول الشّعب الجزائري، الذي حدّد الإسلام هويّته. {وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُومِنُونَ وَسَتُرَدٌّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون َ} (سورة التّوبة/ 105). والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
باتنة يوم السّبت: 01 من جمادى الثّانية 1415هـ
05 من نوفمبر ... 1994م (1/49)
صفحة 48
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ذكرى وعبرة (1)
احتفلت الجزائر مؤخّرًا بالذّكرى الثّلاثين لاندلاع الثّورة المسلّحة (نوفمبر 1954م). هذه الثّورة العظيمة التي كانت لها انعكاسات خطيرة على السّياسة العالميّة؛ فقد نبّهت الرّأي العام العالمي إلى ضرورة الاعتراف بحقوق الشّعوب في تقرير مصيرها، وحكم نفسِها بنفسها، وأَسرَّت إلى الفئات المضطهدة أنّه ما ضاع حقٌّ وراءه طالب، وعلّمت الجميع أن تردّد:
وًلِلحُرِيّة الحَمْرَاءِ ... بابٌ ... بِكُلّ ِ يَدٍ مُدرَّجَةٍ ... يُدقُّ (2)
وأفهمت الجماهير المستعبدة أنّ العنف والرّصاص والرّشاش والنّضال والفداء هي اللّغة التي يفهمها المستعمر، كما قال شاعر الثّورة الجزائريَة مفدي زكريّاء:
نَطَقَ الرَّصاصُ، فَمَا يُباحُ كَلامُ ... وَجَرى القِصاصُ، فَما يُتاحُ مَلامُ
السَّيْفُ أَصْدَقُ لهْجَةً مِنْ أَحْرُفٍ ... كُتِبَتْ، ... فَكَانَ ... بَيَانَها ... الإبهامُ
__________
(1) - نشر المقال افتتاحيّة لمجلّة الحياة، التي يصدرها طلبة معهد الحياة بالقرارة، ولاية غرداية، الجزائر، العدد العاشر، ربيع الأوّل 1404هـ/ ديسمبر 1984م، ص: 1 – 4.
(2) - أحمد شوقي، الشّوقيّات، ج2، ص: 77. (1/50)
صفحة 49
وَالنّارُ أَصْدَقُ حُجّة، فاكْتُبْ بها ... مَا شئتَ، تُصْعَقْ عِنْدَها الأَحْلامُ
إنّ الصَّحائِفَ، لِلصّفَائِحِ أَمْرُها ... وَالحِبرُ حَرْبٌ، وَالكَلامُ ... كِلامُ
لُغَةُ القَنابلِ في البَيانِ فَصيحَةٌ ... وُضِعَتْ، لمن في مَسْمَعَيْهِ صُمامُ
وَلَوَافِحُ ... النّيرانِ خَيْرُ لَوَافِحٍٍ ... رُفِعَتْ، لَِمنْ في نَاظِرَيْهِ رُكامُ
وَرَوَائحُ البَارودِ مِسْكُ نَوَافِجٍ ... سُجِرَتْ، لَِمنْ في مِنْخَرَيْهِ زُكَامُ
والحقُّ وَالرّشاشُ، إنْ نَطقَا مَعًا ... عَنتِ الوُجوهُ، وَخَرَّتِ الأَصْنامُ (1)
لقد كانت ثورة نوفمبر الخالدة رمزًا للتّحدّي والصّمود وتخطّي العراقيل، والوقوف أمام الظّلم والطّغيان.
إنّ الجزائر قد وقفت أمام أعتى استعمار غاشم، تسانده قوّات الحلف الأطلسي، المدجّج بالأسلحة المتطوّرة الفتّاكة المدمّرة، والمطبّق لأحدث أساليب التّذويب والتّشويه والمسخ، والقهر والقتك والتّنكيل ..
لكن بقدر ما كانت الأساليب متطوّرة ومتنوّعة ومهلكة، كانت ردود الفعل في المقاومة عنيفة وقويّة. وبقدر ما كانت أهداف المستعمر كثيرة ومختلفة؛ إذ شملت العمليّاتُ المسخّرة لتحقيق ذلك: التّشكيك في العقيدة، والإبعاد عن اللّغة العربيّة، وقتل روح الانتماء، وتشويه الحقائق التّاريخيّة، وضرب الصّفوف بعضها ببعض؛ باتّباع سياسة (فرّق تسد).
بالرّغم من ذلك كان الإصرار على إفشال الخطط عامًّا. حيث شملت الثّورة كلّ التّراب الوطني، وعمّت كلّ الأوساط، وطرقت كلّ باب، وسكنت كلّ قلب، وامتزجت بكلّ بدم كلّ فرد ... :
عَامٌ ... يَجيءُ، ... وتنقضي أعْوامُ ... وَالثّوْرَةُ ... الكُبْرَى ... لَها ... إِضْرَامُ
__________
(1) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط3، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1983م. ص: 42 - 44. (1/51)
صفحة 50
هِيَ ثَوْرَةُ الشّعْبِ العَظيمِ، تَفَجّرَتْ ... عَنْهَا ... السُّهولُ ... الرَّحْبُ وَالآكامُ
دَوَّى بِهَا (أَوْراسُ) في مَسْمَع الزّمَا ... نِ، فَرَدَّدَتْ أَصْداءَها الأيَّامُ (1)
كانت روح الثّورة والتّحرّر منطلقة من كلّ رصاصة، يطلقها الجنديّ في الجبال والغابات، والوهاد والنّجود والصّحارى، ومع كلّ كلمة يرسلها الواعظ في المسجد، ومع كلّ قاعدة يقرّرها المعلّم في المدرسة، ومع كلّ تفعيلة يقطّعها الشّاعر في قصيدته. وفي كلّ لحن يردّده الفنّان، وفي كلّ لوحة يرسمها الرّسّام المبدع، ومع كلّ قذفة يقوم بها اللاّعب في الملاعب، التي يلتقي فيها بأشقّائه وأصدقائه، يبغي من خلالها إيصال صوت الجزائر الثّائرة له، ومع لعبة كلّ طفل، يعكس فيها ببراءتِه وفطرتِه، وبدون شعور أحاسيس آبائه ومشاعر أجداده ...
هكذا كانت الثّورة عارمة، والغضب شديدًا، والاستنكار للأوضاع جماعيًا، والرّفض للعبوديّة والذّلّ تامًّا ...
إنّ ثورة نوفمبر هي حصيلة العمل المضني والشّاق، الذي دام قرنًا ونيّفًا من المقاومة الشّعبيّة، والذي كان كلّه تضحيّة وفداء من أجل إعلاء كلمة الله، وعزّة الوطن، وتحقيق الرّفاهية والازدهار والتّقدّم والأمن والاستقرار والرّجوع إلى الأصالة ... ؛ لهذا كانت فرحة الشّعب الجزائري غداة الاستقلال بطرد شبح الاستغلال كبيرة. فهو لا يفتأ يكشف عن هذه الفرحة في كلّ مرّة تحلّ فيها الذّكرى، بل في كلّ مناسبة. وقد عبّر عن ذلك أصدق تعبير في أثناء الاحتفال بالذّكرى الثّلاثين. فقد هبّ بكلّ فئاته لتجسيدها؛ بتجنيد كلّ الوسائل الممكنة؛ للارتفاع إلى مستوى الثّورة وعظمتها. وكانت هناك مجهودات مبذولة في أجهزة الإعلام المرئيّة والمسموعة والمقروءة لتسجيل أحداث الثّورة، وذلك عن طريق التّحقيقات، وعقد النّدوات، وإجراء المسابقات، والقيام بالدّراسات التّحليلية للوقائع والأحداث، وجمع الوثائق والمخطوطات، وتنظيم الملتقيات، التي
__________
(1) - صالح خبّاشة، الرّوابي الحمر (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر،1971م، ص: 136. (1/52)
صفحة 51
تُعنَى بتتبّع كلّ أثر للثّورة، في أيّ مجال، وعلى كلّ صعيد (داخل الوطن وخارجه) ...
بل حتّى الصّحافة الأجنبيّة أسهمت بمجهودات معتبرة في التّعريف بالثّورة الجزائريّة. ولا تزال وسائل الإعلام والأجهزة المسؤولة توالي تقديم برامج لتسليط مزيد من الأضواء عليها ..
إنّ هذا الاهتمام الكبير يكشف عن عظمة الثّورة، وضراوة المعركة التي خاضها الشّعب الجزائري، والنّتائج المهمّة، التي حقّقتها الجزائر، والمتمثّل على الخصوص في استرجاع الكرامة والسّيادة. نتساءل بعد ذلك: ما هو دور الأجيال التي تنعم بهذا الاستقلال؟ وبنعمة الاستقرار؟
إنّ دورها عظيم جدًّا. عليها أن تشمّر عن ساعد الجدّ؛ إذ عليها مسؤوليّات كبيرة، نذكر منها ما يأتي:
1 – الاضطلاع بمهمّة جمع التّاريخ من أفواه من سجّل هذا التّاريخ، ومن الوثائق التي تحمله. ورسم خطّة محكمة للقيام بهذا الواجب الشّريف. فكما كانت الثّورة شاملة لكامل التّراب الجزائري، ولكلّ فئاته، فكذلك يجب أن يقوم بالعمل كلّ أبناء الجزائر، وينصف كلّ مجاهد ومناضل مهما كانت صفته. فمعرفة التّاريخ تمكّن من تحديد مجال العمل في المستقبل، ولأنّه – أي التّاريخ – يشحذ العزائم لبذل الجهد للقيام بالواجب. والتّاريخ هو الذي يحدّد الهويّة، ويقوّي روح الانتماء والالتفاف حول الأهداف، ويعين على توحيد التّصوّر.
عدم الكشف عن الحقائق، وإنصاف المجاهدين، يؤدّي بكثير من الأجيال إلى حرمانهم من هذا المجد، بل يؤدّي إلى ظلمهم وظلم آبائهم؛ لأنهّم سيبقون على الهامش، حين تذكر الأمجاد، ما داموا لم يعرفوا عن آبائهم شيئًا عن المشاركة والإسهام في صنع التّاريخ. هنا تكمن جناية الآباء؛ إن لم يعرّفوا بتاريخهم ونضالهم، ويدوّنوه أحسن ما يكون التّدوين. ويسجّل تقاعس الأبناء عن أداء الواجب، إن لم يبحثوا عن هذا التّاريخ، ويلحّوا على نقله، وذلك عن طريق عقد لقاءات مع آبائهم وأمّهاتهم، وكلّ من له إلمام به.
2 – المحافظة على هذا المكسب العظيم، وهذا الانتصار الكبير؛ بخوض معركة التّعبئة العامّة للدّفاع عن المكاسب الثّورية، والوقوف (1/53)
صفحة 52
أمام الدّعايات المغرضة، التي تريد النّيل من مقوّمات الشّخصيّذة الوطنيّة، وحمل مشعل التّطّوّر والتقدّم، من أجل حياة أفضل، وتبنّي شعار " العمل والصّرامة لضمان المستقبل "، وبالالتفاف حول الثّورة روحًا وجسدًا، لخوض معركة التّشييد والبناء، بعد معركة التّحرير والفداء، ولبناء دولة لا تزول بزوال الرّجال؛ حتّى يبقى الوفاء الشّيمةَ التي عُرف بها الشّعب الجزائري، فتكون ضريبة العرق امتدادًا لضريبة الدّم، قال الشّاعر صالح خبّاشة:
إنَّ الضّحَايَا الكُثرَ لا تَفْنَى هَبَا ... ءً، لَنْ يَكونَ جَزاءَها اسْتسْلامُ
فَالعَهْدُ بَاقٍ، لَنْ نَخونَ عُهودَنَا ... مَا دَامَ فينَا ثَائِرٌ ... مِقْدَامُ (1)
هذا ما نرجو أن يكون، وما ذلك على المجدّين ببعيد، وما ذلك على الله بعزبز. وفّقنا الله لما فيه خير البلاد وصلاحه، ولما يحبّه ويرضاه.
الأستاذ: محمد ناصر بوحجام
معهد الحياة، القرارة
أسباب عزوف الشّباب عن تاريخ الثّورة الجزائريّة (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص:139.
(2) - محاضرة ألقيت في الملتقى الثّالث للشّباب الحزائري والتّاريخ، الذي نظّمته الرّايطة الجزائريّة للفكر والثّقافة بمدينة باتنة (الجزائر) أيّام: 17، 18، 19 أفريل 1995م. (1/54)
صفحة 53
بيان أوّل نوفمبر 1954م أعْلن عن نيّة الجزائريّين الصّادقة، وعزمهم الأكيد على التّحرّر الكامل من الهيمنة، الاستعماريّة والتّبعيّة الأجنبيّة والوصاية الفرنسيّة عليهم.
نهض البيان ليتوّج مجهودات المجاهدين الذين قاموا ضدّ المستعمر، وقاوموا الاحتلال منذ وطَأَت أقدامه أرض الجزائر. وتضمّن فحواه ومضمونه الإصرار على افتكاك الحريّة وعدم وضع السّلاح، حتّى تسترجع الجزائر وجهها الحقيقي، وشخصيّتها المسلوبة.
تضمّنت صيغته صورة المستقبل في توجّهاته الكبرى وأهدافه الرّئيسة، التي حدّدتها في أثناء الثّورة إيديولوجيّةٌ، استمدّت مكوّناتها وروحها من مبادئ الشّريعة الإسلاميّة، وقواعد العمل الإسلامي.
كانت الثّورة التّحريريّة – دائما – متنامية في سيرورتها، ومتقدّمة في انتصارها على المصاعب والمتاعب، وعاملة على تجاوز الخلافات، حريصة على التّقريب بين الأطروحات والرّؤى قدر المستطاع.
لم تصل الثّورة إلى هذه الدّرجة إلاّ لأنّ مجاهديها قد تسلّحوا بصدق الإيمان وحبّ الوطن، وقوّة الإرادة، والإخلاص في العمل، والاستهانة بالموت والاستخفاف بالعدوّ، والسّخرية مِمَّا يدّعيه من بأس وبطش.
هذا الجهد الصّادق الكبير الذي قدّمه المجاهدون في كفاحهم في أثناء الثّورة، ورؤيتهم العميقة المخلصة للأمور والأحداث، وتفاعلهم النّزيه معها ... كلّ ذلك كان المفروض أن يكون الرّافد، أو المَعينَ المُعين على خوض معركة بناء الجزائر بصدق وإخلاص، والتّقدّم في العمل الوطني برؤية واعية لمعطيات الواقع، وبتصرّف واعٍ واضح مع تطوّرات الأحداث ... وذلك بالتّفريق بين ما هو وسيلة وما هو غاية، وما ينفع الجزائر وما يضرّ بها، مع العمل بدأب على التّواصل الحيّ المنتج بين الأجيال، والحرص على الانسجام بين مطلب الاستمراريّة ومطلب التّجديد والتّحديث، من دون الانحراف عن الأصول.
ثمّ إنّ الرّصيد الجهادي والكفاح المضني الذي قدّمه هؤلاء الوطنيّون الأحرار؛ يوجب على الأحياء منهم أن يثبتوا عليه، ويبشّروا به، وبالمثل العليا لثورة نوفمبر 1954م؛ دفاعًا عن ثوابت هذه الثّورة، التي هي ثوابت الشّعب الجزائري، وعملا على انتصار هذه الرّكائز وهذه (1/55)
صفحة 54
المبادئ في الواقع المعيش، واستمرار الصّدور عنها في الحياة العامّة، وحرصًا على القدوة الحسنة في مواقع العمل. وفي حالات التّحرّك والنّشاط. لأنّ َالشّعب الجزائري حين يحتفل كلّ عام بذكرى أوّل نوفمبر " فإنّما يعبّر عن التّرابط القويّ بين مراحل تاريخه؛ بتمجيده لماضيه، واعتزازه بمقوّماته، وبتقديره لحاضره، وثقته بالمهام التي يتواصل العمل لإنجازها، وبوعيه الكامل بضرورة التّطلّع إلى المستقبل، وبما يضمن رفاهية المواطن وسيادة الوطن " (1) وحين يشيد الشّعب بذكرى أوّل نوفمبر فهو يطمح إلى تحقيق أمل الثّوّار الذي عبّر عنه الشّهيد ديدوش مراد: " إذا متنا فحافظوا على مبادئنا وقيمنا ".
هذه المعاني كان يقرؤُها أبناء الاستقلال في مسيرة هذا الجهاد، وفي مبادئ أوّل نوفمبر 1954م، وفي بطولات الثّوّار، وفي تصريحات السّاسة والزّعماء والرّموز، وفي مواثيق الثّورة، وفي بياناتها المختلفة. وكانوا قد فهموا مِمّا يصدر في الملتقيات المختلفة، والاجتماعات المتكرّرة، واللّقاءات المتعدّدة، وما تمليه المحاضرات الكثيرة، والخطب العديدة ...
كانوا قد فهموا أنّ الثّورة التي فجّرت في نوفمبر 1954م قامت لتسترجع الكرامة المهدورة والهويّة المشوّهة، وتستعيد الحياة الهنيئة والسّعادة والرّخاء ... وأنّها نهضت لتجعل حدًّا للفوضى العارمة، التي طبعت الحياة العامّة في الجزائر: تفشّي المنكرات، وانتشار النّعرات الطّائفيّة، وتباين التّيارات والتّوجّهات، واختلاف التّصوّر والتّقدير للهويّة الجزائريّة. وقامت الثّورة لتضع حدًّا للتردّي في الحياة النّفسيّة والاجتماعيّة للشّعب الجزائري، من فقر وبؤس وأميّة وتخلّ عن الدّين ...
إلاّ أنّ الأيّام تمرّ، ولا يرى جيل الاستقلال كبير تغيير في الأوضاع، وإن كانت الأسباب المؤدّية إلى تدهورها مختلفة، لكن ّ النّتيجة تكاد تكون واحدة أو النّتائج متقاربة. وممّا يحزّ في النّفس أنّ بعض الممارسات غير المقبولة صدرت وتصدر من حاملي شعارات الثّورة. وفي هذا المعنى وعن الأوضاع المتردّية في الجزائر غداة الاستقلال، قال مفدي زكريّاء:
أنَا حَطَّمتُ مِزْهَرِي، لا تَسَلْني ... وَسَلَوتُ ... ابْتِسَامَتِي، ... لا تَلُمْنِي
غَاضَ نَبْعُ النّشيدِ، وانْقَطَعَ الوَحْـ ... ـيُ، وَضَاعَ الغِنَا وَأَغْفَى المُغَنِّي
وَنَبَتْ ... بِي مِنَ ... الفُنونِ ... ظُنُونِي ... يَوْمَ أَنْ خَاب فِي بَنِي العَمِّ ظنِّي
كُنْتُ (للوَحْدَة) النِّداءَ المُدَوِّيِ ... كَيْفَ للخُلْفِ أُرْهِفُ اليَومَ أُذْنِي
مُذْ تَرَاءَى الشِّقَاقُ حَطّمْتُ كَاسَا ... تِي عَلَى مَبْسَمِي، وَأَحْرَقْتُ دَنِّي
مُذْ رَأَيْتُ السَّفينَ يَجْرِفُهَا اليَمْـ ... ـمُ لِسُوءِ الَمصِيرِ، أَغْرَقْتُ سُفْني
مُذْ رَأَيْتُ الغُصُونَ يَنْعَى بِهَا البُو ... مُ، تَجَافَيْتُهَا وَوَدَّعْتُ ... غُصْنِي
وتَقَزّزْتُ ... مِنْ ... زُهُورِ ... رُبَاهَا ... قَرَفًا، ... بَعْدَ ... أَنْ ... أُصِيبَتْ ... بِنَتْن
أَدِمَاءٌ ... بِالأَمْسِ ... غَسَلْنَ ... عَارًا ... تُسْفَكُ اليَوْمَ طَوْعَ خِزْيٍ وَلَعْنِ؟
وَطَنِي، ... أَنْتَ ... جَنَّةٌ، ... أَفَتَرْضَى ... أَنْ يَسُودَ النِّفَاقُ جَنَّاتِ عَدْنِ؟
فَاعْصِفِ اليَومَ بالأُلَى، في المَبادِي ... قَلَبُوا كَالزّمَانِ ظَهْرَ المِجَنِّ (2)
إذن إنّ العظمة التي سجّلت للثّورة، والمكانة الخاصّة التي احتّلتها في النّفوس الكبيرة، وما قرأه الشّباب عن ذلك كلّه، وما سمعوه
__________
(1) - نذير بولقرون، " حيويّة ثورة وتجدّد مسيرة "، المجاهد الأسبوعي (اللّسان المركزي لحزب جبهة التّحرير الوطني)، الجزائر، عدد: 1474، يوم: 04/ 11/ 1988م، ص: 9.
(2) -مفدي زكرياء، " عيد وحدتي "، نشرت القصيدة في مجلّة (المعرفة) السّورية، عدد: 23 من تشرين الثّاني (نوفمبر)، سنة 1964م، ص: 9. ينظر الدّكتور صالح خرفي، الشّعر الجزائري، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، الملحق الشّعري، ص: 119، 120. (1/56)
صفحة 55
من أفواه المجاهدين وصانعي أحداثها ... إنّ كلّ ذلك لم يسعف جيل الاستقلال أن يجد له في بعض الأحيان، وفي بعض المواقف انسجامًا وعلاقة كبيرة بينه وبين ما يشاهده في واقع اليوم، في السّلوك والشّعارات والبيانات ... وهو ما حمل الشّباب على تقديم أسئلة متتالية: تقويميّة عن الثّورة التّحريريّة، وعن مصداقيّة عمل الثّوّار.
أحيانًا يعرضون أسئلة مشكّكة في حقيقة الثّورة، وأخرى يعزفون بها عن التّعرّف على تاريخ هذه الثّورة. قد يصل الأمر ببعضهم إلى التّنكّر لهذا التّاريخ، والقيام بالدّعاية ضدّه. فما هي أسباب ذلك؟
في نظري هناك أسباب كثيرة، أذكر منها ما يأتي:
1 – التّناقض الكبير الذي قرأه الشّباب في رواية الأحداث، والتّذبذب الواضح في حكاية بعض الواقعات، والتّراجع السّافر عن بعض التّصريحات ... سواء في وسائل الإعلام المختلفة، أم في الملتقيات والمنتديات، أم في المؤلّفات والنّشرات ... بل وصل الأمر إلى تكذيب بعض المجاهدين بعضهم بعضًا في سرد الأحداث أمام الملأ. كما حدث في حصّة " الملفّات الكبرى "، في أثناء سرد وقائع " اتّفاقيّات إبفيان " التي أعدّها " جلّول حايا "، قبل عامين. وقد بدا فيها التّناقص صريحًا، والصّراع حادًّا، وصل إلى حدّ السّبّ والشّتم. وهو ما حرم الجمهور الذي كان يتطلّع إلى معرفة الحقيقة من شهود المائدة المستديرة، التي كان قد وعد بها صاحب الحصّة، وقد كان يعتزم جمع الأطراف الفاعلة والصّانعة لهذا الحدث المهمّ، بكلّ تناقضاته وإفضاءاته المتباينة. لكنّ الوعد لم يُوَفَّ به، والحصّة لم تُبثَّ، وبقيت أسئلة كثيرة محيّرة في نفوس الشّباب، لم تَجد الإجابات الشّافية الكافية.
أمثال هذه المواقف فتحت المجال واسعًا أمام الشّباب كي يبدي استغرابه من هذا التّصرّف، وليعلن عن عدم اعترافه بكثير من أحداث الثّورة، وليصف صانعيها بأوصاف، أقلّها وأدناها عدم الاستئناس لعمل بعض الأشخاص.
كان المفروض أن لا يُدعى إلى المَواطِن التي تنقل التّاريخ، ويعرّف به الأجيالَ الصّاعدة، ولا ينتقل إلى هذه الأماكن، ولا يتّصل بهذه الوسائل إلاّ من كان أمينًا في النّقل، نزيهًا في الرّواية، قادرًا (1/57)
صفحة 56
عقليًّا ونفسيًّا على استعادة الذّكريّات، من دون تشويه أو تزييف أو نقص أو زيادة؛ لأنّ التّاريخ أمانة في أعناق صانعيه، يجب إطلاع النّشء عليه نقيًّا صافيًا من شوائب النّزعات، وبعيدًا عن نزق الأغراض الخاصّة.
2 – الذّاتيّة المفرطة السّافرة – أحيانا - في تسجيل أحداث الثّورة، والمغالاة في نسبة الواقعات إلى ذات المتناوِلِ التّالي لها؛ ممّا يُتخيّل معه وكأنّ الثّورة لم تقم إلاّ على أكتاف بعض النّاس، وربّما على عاتق الذي يقصّ هذه الأحداث فقط. وهو ما يجعل الشّباب القارئ لهذا التّاريخ، أو المستمع له يحتقر هذا الشّخص وهذه الثّورة، ومن ثمّ يعزف عن الاستماع لهذا السّارد لأحداث الثّورة، ويعدل عن الاعتراف بهذا التّاريخ.
3 – سبب قريب من السّبب السّابق، هو تقديس هذه الثّورة وتعظيمها إلى درجة رفعها فوق كلّ انتفاضة، قام بها المجاهدون في الجزائر، منذ بداية الاحتلال، بل السّموّ بها على أيّة محاولة جهاديَّة قام بها إنسان في العالم، ليسترجع حقًّا ضاع منه، وحريّة سلبت منه، حتّى غدت أحداثها ووقائعها وواقعاتها أساطير خارقة للعادة.
هذا السّلوك وهذا التّصرّف أدّى – عند بعض النّاس– إلى إنكار تاريخ ما قبل الثّورة التّحريريّة، أو التّقليل من أهمّيته. هذا ما نسمعه حين الحديث عن تاريخ الجزائر، وعمّا يجب أن بكون عليه الشّباب في حياتهم الآنية الحاضرة. يقال لهم: يجب أن تستمدّوا مسيرتكم من قيم أوّل نوفمبر ومبادئه، ونَفَثُوا في روعهم - قصدوا هذا أو لم يقصدوا – إنّ تاريخ الجزائر يبدأ من أوّل نوفمبر 1954م، وهو ما نتج عنه تفكيك حلقات التّاريخ، وإضعاف قوّته، كما نتج عنه ضرب الرّموز الوطنيّة، وقادة التّحرير الوطني، وزعماء الحركة الجهاديّة. هذه المواقف حملت بعض الشّباب على عدم الاطمئنان والاستئناس إلى ما يرويه بعض المجاهدين عن وقائع الثّورة.
4 – ظهور بعض التّناقض – عند بعض رموز الثّورة – بين الشّعارات والبيانات والنّداءات التي اطّلع عليها الشّباب، ممّا يروى عن الثّورة وبين ما مارسه وقام به هؤلاء الزّعماء بعد الاستقلال. فقد كانت لبعضهم مواقف (1/59)
صفحة 57
سلبيّة وجائرة – أحيانًا – جنت على ما كان يقرؤه ويسمعه الشّباب عن الثّورة. فقد سحّلوا وادّعوا الوطنيّة وحبّ الوطن في أثناء الثّورة، وأظهروا تصرّفات مسيّئة لهذه الشّعارات بعد الاستقلال؛ ممّا يشكّك في مصداقيّة تلك الأقوال والبيانات. وقد ذهب بعضهم بعيدًا بسلوكه، حين مسّ الجزائر في مقوّماتها ووحدتها وانسجامها، من خلال بعض التّصريحات داخل الجزائر وخارجها، وتبنّي مواقف معادية للتّوجّه العام للشّعب الجزائري.
كانت نتائج ذلك وخيمة وخطيرة على البلاد، بخاصّة ما يتعلّق بالثّوابت الوطنيّة، وما يمسّ بِبِنْية المجتمع. هذا ما أصابه في العمق: دينيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا. وكان من آثاره ما تشهده الجزائر اليوم من أوضاع سيّئة، يُرثَي لها، ويَبْكي عليها كلّ غيور على مصير أيّة أمّة مهما تكن.
يتساءل الشّباب أمام هذا السّقوط: أين تلك الشّعارات ومضامينها، التي قيل له عنها: إنّها كانت تحكم الثّورة؟ وأين إيمان أولئك – الذين قيل عنهم: إنّهم رموز الثّورة؟ أين مجال تطبيق تلكم الشّعارات اليوم في حياتنا الرّاهنة؟ أم ذلك لم يكن حقيقة؟ بل كان كذبًا عليهم وتزييفًا وتمويهًا؟ يكاد هؤلاء الشّباب أن يردّدوا ما يأتي: " وقد تعلّمت الجماهير الشّعبيّة من انتمائها التّاريخي وتلاحمها الثّوري بجبهة التّحرير الوطني بأنّ الذي خان الوطن والثّورة أيّام المحنة، لن يكون وفيًّا له، حريصًا على مصلحته في أيّام الأعراس." (1) إنّ هذه الخواطر التي تخامر الشّباب تصرفه عن الاهتمام بتاريخ الثّورة، وربّما العزوف عنه كليّة.
5 – التّذبذب في تقدير عمل بعض الأشخاص، وإلصاق صفة من الصّفات به، هذه الصّفات التي تتأرجح بين النّضال والوطنيّة، والخيانة والتّقاعس ... تُثبَتُ صفة النّضال لبعض الأشخاص، ويشاد بهم وبأعمالهم، وتقام لهم المهرجانات، وتسمّى بهم المؤسّسات والأنهج والسّاحات ... وبمرور الزّمن تنزع منهم هذه الصّفة، وترفع أسماؤهم من تلك المؤسّسات والأماكن. والعكس بحدث أيضًا، يوصف شخصٌ بالخيانة ومعاكسة الثّورة، ويرسخ هذا
__________
(1) - جمال بن حمّودة، " نوفمبر الرّمز والوفاء "، مجلّة المجاهد الأسبوعي، عدد: 1474، ص: 18. (1/60)
صفحة 58
في ذاكرة الشّباب، وينقلونه هم بدورهم إلى غيرهم، كما يقرّر المعلّم ذلك في المدرسة، وتسلب من الشّخص صفة الوطنيّة، ويمنع - بناء على ذلك - من كثير من الحقوق، وتصبّ عليه اللّعنات ... ثمّ تتغيّر الظّروف، وقد ينسحب من الميدان، أو يغيب عن السّاحة من كان السّبب في هذه الجناية على ذلك الشّخص، فينقض الغزل، وتكشف المؤامرة ... فيغدو الخائن مناضلا، والمجرم مواطنًا صالحًا ووطنيًّا مخلصًا، فيرتفع اسمه عاليًا في كلّ مكان، وفي كلّ مناسبة. وتعدّل المناهج الدّراسيّة، وتطعّم البرامج الإذاعيّة، وتغيّر المواد الإعلامية ... لتعيد الاعتبار لهذا المجنيّ عليه. ليقف الشّاب بعد ذلك حائرًا أمام هذه المواقف المتذبذبة، فلا يهتدي إلى الحقيقة، فلا يدري ماذا يصدّق، وماذا يكذّب؟ ويلازمه سؤال مقلق: أَيستقرّ الأمر على هذا أم سيتغيّر الموقف ثانية؟ ويخضع للظّروف والتّقلّبات؟ وهو يعرف ويعتقد جازمًا أنّ الواقعة التّاريخيّة لا تتغيّر. فإذا كان ما يروى له عن الثّورة حدث فعلاً، فلماذا هذه التّقلّبات والتّذبذبات؟ يكاد يقول: إنّ هذه الثّورة لا أساس لها، وهو ما يحمله على العزوف عن معرفة هذه الحلقة من التّاريخ الوطني.
6 – من أسباب ذلك التّجنّي على بعض الأشخاص، بالاستنقاص من عملهم وجهادهم، أو التّنكّر لنضالهم أصلاً، أو وصفهم بالخيانة ... وهم بُرَآء من كلّ ما ينسب إليهم. تشهد على هذا أعمالهم التي رواها المنصفون، وتناقلتها الكتب والدّوريات، وتحدّثت عنها الوثائق، وأقرّ بها العدوّ ... لكنّ المالكين لزمام الأمور في البلاد على المستوى القيادي في تسجيل التّاريخ: وطنيًّا أو جهويًّا أو إقليميًّا أو بلديًّا ... لا يرغبون في الاعتراف بذلك. هؤلاء الذين يعتقدون أنّه يجب أن ينتقل تاريخ الثّورة إلى الأجيال عبر قنواتهم، بل بأماليهم.
لهذا تدرس الملفّات التي تشهد للشّخص بالنّضال أو عليه، اعتمادًا على بعض الحسابات، وبناء على ذلك قد يتمّ تهميش ذلك الشّخص عن الحياة، وإبعاده عن الأضواء، وعن كلّ مجال يُمكنه فيه من الدّفاع عن أعماله ونضاله، وعن كلّ ميدان يعينه على إثبات وطنيّته ...
حين يقف الشّباب على ذلك، ويقارن بين هذه الحقائق وتصرّفات هؤلاء الأوصياء على التّاريخ، وحين يُعمل عقلَه في كلّ ذلك، يصل إلى بعض (1/61)
صفحة 59
القناعات بأنّ الشّخص مجنيٌّ عليه، فيزهد في هذا التّاريخ، ويعزف عنه، أو على الأقلّ ينصرف عن الاستماع إلى هؤلاء، ويبحث عن مصادر أخرى، ويبقى فيه هذا التّردّد في قبول كلّ ما يروى عن تاريخ ثورةٍ، قيل له عنها هي من أكبر الثّورات في العالم، في العصر الحديث .. هي كذلك فعلاً، لكنّ ناقليها بالطّرق الملتوية هم السّبب في اتّخاذ الشّباب موقفًا سلبيًّا، لا يتاسب مع حقيقة الثّورة التّحريريّة الجزائريّة العظيمة ..
7 – الخوف من تسجيل بعض الأحداث الحاسمة، ورواية بعض الوقائع المصيريّة الواقعيّة، التي قد يبدو فيها الخروج عن خطّ الثّورة، أو التّخلّي عن مبادئها، أو التّجاوز في الممارسات، إلى غير ذلك، مِمّا قد يمسّ من مصداقية الثّورة والثّوّار إن كشف عنه.
سترُ ذلك خوفًا من التّاريخ، ومن انعكاسات الصّراحة والفضح، يجني على هذا التّاريخ؛ لأنّ الشّباب قد يتفطّن بعد حين إلى أنّ هناك حقائق أخفيت عنه، ووقائع أُلبس عليه الأمرُ فيها، فينتابه شكّ في هذا التّاريخ، فيختار عدم التّقرّب منه، وعدم تضييع وقته في التّعرّف عليه؛ بسبب ذلك.
كان الواجب والأجدر أن نكشف عن بعض المصاعب والمتاعب التي صادفتها الثّورة من داخل البيت، ونبيّن كيف تمكّنت من تجاوزها والتّغلّب عليها، كما نُبِين عن بعض الأخطاء التي وقعت فيها؛ مسايرة للطّبيعة البشريّة في عدم سلامتها من الخطأ، وانسجامًا مع حقيقة العظمة التي لا تنجو من بعض الكبوات؛ لأنّ: " تقديمنا لهذه الثّورة بكلّ تفاصيلها وإشكالاتها، بل ومتاهاتها، من شأنه أن يساعد هذه الأجيال على تفهّم أعمق وتقبّل أشدّ لها، وصياغتها أخيرًا في قوالب، إن اختلفت في الأشكال، ستلتقي حتمًا في حظّ هذه الثّورة المتفرّد من العلوّ والشّموخ ... " (1)
8 – غموض وإبهام والتباس في بعض أحداث الثّورة كالاغتيالات والوفيات وظروف الإبعاد والإقصاء ... التي حصلت في أثناء الثّورة. كلّ هذه الأحداث والوقائع لم يكشف عنها الغطاء، ولم ينجلِ عنها إصباح
__________
(1) - محمد زروال، " رأي في جمع مادة تاريخ الثّورة "، مجلّة الدّراسات التّاريخية (معهد التّاريخ، جامعة الجزائر)، عدد: 8، سنة 1993 – 1994م. (1/62)
صفحة 60
الاستقلال، بتفسير مقنع. كلّ ذلك فتح المجال أمام الإشاعات والاتّهامات والتّأويلات والمزايدات، وهو ما ترك ابن الاستقلال يتردّد في تقبّل مزيد من الأخبار، وسماع مزيد من الرّوايات عن الثّورة.
مثل ذلك يقال في الاختلافات العميقة التي حدثت في بعض المؤتمرات والملتقيات واللّقاءات، التي عقدت لتحديد مصير الجزائر ومستقبلها، وطبيعة مسيرتها وحقيقة توجّهها. مِمّا أبرز تباينًا كبيرًا في التّصوّر والمعتقد، وفي تبنّي مبادئ الثّورة نفسها، وانعكس ذلك حتّى على السّاحة العامّة اليوم، والرّأي العام بعد الاستقلال، في مختلف المراحل، منذ وقف القتال (في مارس 1962) إلى اليوم، ممّا يجعل الشّباب يتساءل: هل هذا السّلوك و هذه الأفكار وتلك المواقف ... تنسجم مع شخصيّة من قام وحمل راية الجهاد والثّورة ضدّ المستعمر؟ أم عقليّة الثّورة ومنطقها غيرهما بعد الاستقلال؟ لماذا لم تنجح الثّورة في تربية هؤلاء الثّوّار وصهرهم في بوتقة واحدة؟ أم إنّ هذه الثّورة ليست في المستوى الذي رويت للشّباب، ونقلت إليهم؟؟
9 – عدم وضوح حقيقة النّضال في أذهان الشّباب، أي متى يعدّ الشّخص ثائرًا أو مشاركًا في الثّورة؟ هل مجرّد تقديم عمل بسيط يضع صاحبه في سجلّ الخالدين من الثّوّار؟ كإيصال رسالة واحدة من مكان إلى آخر، مدّة سنوات الثّورة، ثمّ لا يعرف عن هذا الشّخص أيّ عمل أو إسهام آخر ... وحين يُلْحَقُ بزمرة الثّوّار يشاد به في المحافل العامّة، وتسند إليه مهمّات كبيرة، ومسؤوليّات خطيرة؛ بناء على هذه المشاركة الضّئيلة البسيطة، وبتبرير من هذه الصّفة، صفة النّضال غير المقنع الذي نُعِتَ به هذا الشّخص، الذي لم يبلغ النّصّاب حتّى يزكّى به، بعد تزكيّته بهذا العمل الضّئيل.
إنّ معنى النّضال غير واضح في أذهان الشّباب، ومعنى الخيانة أيضًا، حتّى أصبح معتقِدًا ومقتنِعًا أنّ رفع رجال وخفض آخرين كان خاضعًا، وما يزال للهوى وللمصالح الذّاتيّة والأهداف الخاصّة. فأين حقيقة العمل الثّوري عند بعض الأشخاص؟
10 – في خضمّ هذا الصّراع السّياسي القائم اليوم في الوطن، والتّناحر الدّموي الحاصل في السّاحة الوطنيّة حاليًا، النّاجِمَيْن عن ذاتيّة ضيّقة، ومصالح معيّنة، ونتيجة خيبة أمل تحقيق بعض المآرب (1/63)
صفحة 61
الخاصّة ... في خضمّ ذلك برزت ممارسات، وظهرت مصالح، تتعارض – أحيانا – مع مصلحة الوطن، ومع روح الثّورة التّحريريّة وأهدافها. من هذه الممارسات ما صدر مِمّن كان يعدّ من رموز الثّورة، ويقال عنه: هو من صانعيها، إنّ هذا السّلوك يبعث الشّكّ في الشّاب عن حقيقة الثّورة، أو عن مشاركة هؤلاء أو أولئك فيها.
في عمق هذا الصّراع غير المؤسّس على قواعد منطقيّة، أو غير المبرّر، برزت في السّاحة، وفي التّعامل اليومي مصطلحات جديدة ورؤى غريبة، وتقويم جديد لمسيرة الثّورة، وتقدير أعمال رجالها: إيجابًا وسلبًا.
كشف كلّ ذلك عن حقيقة بعض النّاس في أفكارهم، وفي بعض ما يحملونه من القيم والمقوّمات. نتساءل في هذا الخضمّ: هل معنى ذلك أنّ اللاّشعور انفلت من الرّقيب " الأنا "؛ ليبرز حقيقة ما جرى، حسبما يتصوّر أو يتخيّل الشّباب؟ هذا ما يدعوه أو يدفعه إلى عدم الاطمئنان إلى ما يروى عن الثّورة، أو التّحفّظ في كثير ممّا يقال وينقل عنها.
11 – إبعاد كثير من الرّجال عن الذّاكرة الجماعيّة للأمّة الجزائريّة، وإقصاء بعض الرّموز؛ لسبب أو لآخر. هذا الإقصاء والتّهميش والإبعاد الذي حدث في أثناء الثّورة، وتكثّف بعد الاستقلال، وازداد على مرّ الأيّام وتطوّر الظّروف - هو في حقيقته بداية للتّطرّف والغلوّ الّلذين تشهدهما الجزائر اليوم – جعل الشّباب يعرض أسئلة كثيرة عن حقيقة هذه الثّورة وطبيعتها. منها لماذا حدث هذا وما يزال؟ وحين لا يجد أجوبة مقنعة، وتبريرات منطقيّة – حسب رأيه – يعزف عن معرفة تاريخ هذه الثّورة.
12 – انعزال بعض المسؤولين والرّموز عن السّاحة السّياسيّة بعد الاستقلال، والامتناع عن المشاركة في أعمال البناء الوطني والتّشييد. ونفيُ بعضِهم أنفسَهم، أو نفيُ غيرِهم لهم ... حمل الشّباب ليتساءل عن أسباب ذلك، وعن علاقته بأحداث الثّورة ومخلّفاتها؟ هل هو من إفرازات الثّورة، بما كانت تتضمّنه من تناقضات وتجاوزات؟ سؤال يعرضه من يريد أن يعرف تاريخ ثورته، ويقف على حقيقة تطوّرات أحداثها، وفي (1/64)
صفحة 62
بعض الإجابات التي يقدّمها لنفسه، أو تقدّم له يشعر وكأنّ ذلك يوعز إليه أن يعزف عن معرفة هذا التّاريخ.
13 – الأحداث العنيفة التي هزّت الجزائر وما تزال، أحداث عمّت الوطن، وأحداث جهويّة، وأخرى إقليميّة، وغيرها محليّة ... كشفت وتكشف عن الغموض الذي يكتنف العلاقات التي تربط الجزائريّين فيما بينهم.
يتساءل الشّباب حين يشاهد هذا: لماذا لم تتمكّن الثّورة أن تقضي على أسباب الشّقاق التي حدثت في الأمّة الجزائريّة، وبخاصّة بعد الاستقلال؟ الذي كانت الثّورة تعمل على بناء وَحدتها؛ بمحاولة تمتين العلاقات بين أبناء الجزائر بالتّدريج، وكانت ترمي إلى بناء جزائر قويّةً متماسكة؛ حسبما كان يقال للشّباب، حين يُحَدَّثُ عن تاريخ الثّورة التّحريريّة. يسأل الشّباب: لماذا هذه المفارقة بين هذا وذاك؟
14 – أصوات الدّيمقراطيّين والجمهوريّين ونداءات التّجمّعات والتّكتّلات النّسوية، وبعض " الحَرْكَة " الذين رجعوا إلى السّاحة الوطنيّة، ووجدوا فيها مكانهم، الذي أزيحوا عنه، يوم قيل لهم: خذلتم وطنكم، وخنتم عهدكم، وخدعتم أنفسكم، وخسرتم كرامتكم ... فاغربوا عنّا، وغرّبوا لتفوزوا بمرغوبكم عند غيرنا، فلستم منّا، ولسنا منكم ... عاد هؤلاء إلى السّاحة الوطنيّة، وكأنّ شيئًا لم يقع أو يحدث ..
أصوات كلّ هؤلاء ونداءاتهم وشعاراتهم، تشتمّ منها رائحة التّشكيك في مقوّمات الشّعب الجزائري، وتطعن في بعض إنجازات الثّورة التّحريريّة، وفي إحدى مراحل كفاح الشّعب الجزائري. حين يربط الشّباب بين هذا التّصرّف وما حظي به " الحَرْكَه "، يتساءل: ماذا يُعَدُّ عملهم؟ إنّ الذي قاموا به في أثناء الثّورة ضدّها، لم يعد الآن معدودًا في السّيّئات والجنايات ... مثل هذا التّصرّف بزرع الرّيب في نفوس الشّباب عن حقيقة هذه الثّورة ومصداقيتها، وهو ما يبعثه – أحيانًا – على العدول عن التّغنّي بها، بله العزوف عن معرفة تاريخها.
مع كلّ هذه الأسباب الموضوعيّة – في نظرنا – التي تعيق الشّباب عن معرفة حقيقة تاريخ الثّورة، والذّهاب به بعيدًا في العزوف عن التّعلّق به. فنحن لا نوافق الشّباب على هذا السّلوك، وعلى هذا التّعامل مع حدث مهمّ، (1/65)
صفحة 63
غيّر مجرى التّاريخ، ودَعَم كيان أمّة، وثبّت أركان صرح شعبٍ، كاد أن يتهاوى.
نحن لا نقبل منه هذا التّشكيك في حقيقة تاريخيّة ثابتة، وهي قيام ثورة تحريريّة كبيرة وعظيمة، بالرّغم ممّا حدث في أثنائها من أخطاء وتجاوزات. هذه طبيعة الحدث العظيم، لا يمكنه أن يسلم من الغلطات، والعظيم – أصلا – يصعب على كلّ النّاس فهم مسيرته وطبيعة تحرّكه، ووعي كلّ الخفايا والخوافي والقوادم في عمله.
نحن لا نسمح للشّباب، ولا لأيّ أحد أن يضرب الرّموز الوطنيّة، ولا أن يتحدّث عن هذه الثّورة حديثًا عاديًا، ولا أن يحلّل أحداثها تحليلاً بسيطًا ساذَجًا، ولا أن يروي وقائعها وواقعاتها رواية بعيدة عن الحسّ الوطني، والشّعور بالانتماء إلى هويّة معيّنة ومحدّدة، ولا أن يقصّ ملابساتها وظروفها معزولة عن معرفة نوايا من لا يريد لهذا التّاريخ أن يظهر، بل يسعى إلى تشويهه وتزييفه.
لا نريد لشبابنا أن يتعامل مع هذا التّاريخ بهذه العقليّة وبهذه الكيفيّة، وبهذا المنوال الذي لا يفترق كثيرًا عن طريقة تعامل المغرضين مع تاريخ الجزائر العام؛ لأنّ عاقبة ذلك وخيمة على مستقبل أمّتنا، يرتفع خطرها على الأخطار التي كانت محدقة بنا، في أثناء الاحتلال الفرنسي لبلادنا.
إنّ قصدنا من هذه المحاولة في سرد هذه الأسباب في عزوف شبابنا عن تاريخ الثّورة التّحريريّة، هو توجيه نقد ذاتي وتقويم موضوعي لطريقة نقل هذا التّاريخ إلى الأجيال، التي لم تشترك في صنعه، ثمَّ معرفة حصيلة ما أُبْنا به في محاولاتنا المتكرّرة المتعدّدة، والمتسربلة بألوان مختلفة - منذ الاستقلال إلى اليوم – لتسجيل هذا التّاريخ، وإدخاله في ذاكرة الشّباب، والوقوف على علّة شكوانا من عدم تمكّننا من النّجاحِ النّجاحَ الذي كنّا نأمل في هذا السّبيل، بخاصّة وأنّنا نُوَاجَهُ - من حين إلى حين – بأسئلة محرجة ومقلقة من شبابنا. نقرأ فيها هذا الشّكّ والتّردّد في قبول بعض الرّوايات والأخبار، ونحسّ من خلالها بخيبة أملنا في مسعانا – أحيانا – لتقديم الحقائق، ونشعر وكأنّ الهوّة تزداد اتّساعًا بين (1/66)
صفحة 64
جيل نوفمبر وجيل الاستقلال، ونكاد نقرّ – وإن لم نصرّح بذلك – أنّ كثيرًا مِمَّا يحدث الآن في الجزائر، من بين أسبابه هذه الممارسات وهذا التّصرّف الذي يبدو فيه التّناقض بين حقيقة ثورة عظيمة، نشيد بها وبتاريخها الحافل، وسلوكٍ لا يعترف بهذه الثّورة وبمبادئها، ممّا يقرؤه الشّباب في أخلاقيّات النّاس اليوميّة.
ذكر هذه العوامل أو سردُها، يهدف إلى إعادة النّظر في طريقة تسجيلنا لتاريخ الثّورة ونقلها للأجيال، ودراسة بعض الأسباب التي جعلت الشّباب يعزف عن هذا التّاريخ، ويشكّك فيه، ثمّ العمل على معالجة هذا النّفور الذي يحصل أحيانًا بين الجيل الذي صنع هذا التّاريخ والجيل الذي يتلقّاه، وعلى الكشف عن دواعي الهمّ والغمّ التي تنتابنا ونحن نرى عقوق الشّباب تاريخَه والتّنكّر لصانعيه في حقبة من حقبه المهمّة.
إنّ تدارك هذه النّقائص وإزالة هذه الحواجز، هما الكفيلان بإنصاف تاريخنا، وإنصاف شبابنا، مع دعوة النَّشءِ إلى أن يعمل هو بدوره على البحث في ذاكرة الشّعب، ليعرف تاريخه، ويقرأه ويعيه بحسّ وطني خالص، ليستفيد منه ما يعينه على الارتباط بأصوله وبناء شخصيّته بكلّ اعتداد واعتزاز وقوّة ..
نهمس في آذان الشّباب في الختام بما قاله الشّاعر محمد العيد آل خليفة، وهو يخلّد هذه الثّورة العظيمة:
وَكُنْ سَامِعَا صَوْتَ الجَزَائِرِ إنَّها ... تُناديكَ بَعْدَ النّصرِ أَنْ تَبْنِيَ الوَكْرَا
وَلاَ تَنْسَ فَضلَ السّابِقِينَ إِلَى الفِدَى ... مِنَ الشُّهَداءِ الطَّيِّبِينَ بِهَا ذِكْرَا
تَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ وَاحِتَفِظْ بِقُبُورِهِمْ ... وَرَبِّ بَنِيهِمْ، واتّخِذْ عَهْدَهُم ذُخْرَا
وَهَلْ عَهْدُهُمْ إلاَّ وَصايَا عَلى الحِمَى ... لِجَيْشٍ وَفِيٍّ، لاَ يُكِنُّ لَهُمْ غَدْرَا
تَعَاهَدَ أنْ يَحْيَا وَفِيًّا لِعَهْدِهِمْ ... وَأَقْسَمَ أَنْ يَرْعَى مَكَاسِبَهُمْ دَهْرَا (1/67)
صفحة 65
عَلَيْهِمْ سَلاَمُ اللهِ ... مَا خَلَّفُوا لَنَا ... سَلاَمًا، بِهِ نَحْيَا ونغْتَنِمُ العُمْرَا (1)
باتنة يوم الأحد: 16 من ذي القعدة 1415هـ
16 من أفريل ... 1995م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
شعر الثّورة الجزائري سجلّ ورسالة (2)
* مقدّمات الثّورة
تعرّض الشّعب الجزائري لحرب إبادة كبيرة، امتدّت سنين عديدة، فقد حورب في كلّ مقوّماته، وَجرَّبَ معه المستعمر كلّ أنواع القهر والضّغط والتّنكيل ... وجرّده من حقوقه السّياسيّة والمدنيّة والشّرعيّة، وسلب منه أراضيه وممتلكاته.
كان طول مدّة الاحتلال يقاوم هذه الأخطار، بكلّ ما أوتي من قوّة، وبكلّ ما توصّلت إليه عبقريّته من أساليب ووسائل، فجرّب انتفاضة محتشمة، وخاض مقاومة مسلّحة، وقام بالتّعبئة العامّة في أوساط المواطنين والوطنيّين، بواسطة الصّحافة والمسجد والمدرسة والنّادي، وإنشاء جمعيّات، وتكوين هيئات، وتأسيس أحزاب، مثلما قدّم مقاومة بالكلمة الشّاعرة ...
إنّ كلَّ الأعمال الجليلة التي قام بها الشّعب بكلّ فئاته، لم تمكّنه من الظّفر بحريّته واستقلاله، لكنّها عمّقت فيه الإصرار على مواصلة الكفاح والنّضال والنّزال. فجاءت حوادث الثّامن ماي سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف ... (من ماي 1945م) فأقنعته أنّ نيل الحريّة لا
__________
(1) - محمد العيد محمد علي خليفة، الدّيوان، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1979م، ص: 441.
(2) - محاضرة ألقيت في مسقط (سلطنة عمان)، بمناسبة إقامة الأسبوع الثّقافي الجزائري فيها (من 04 إلى ... 09 نوفمبر 2006م). وقد كانت مسقط عاصمة الثّقافة العربية سنة 2006م. وهو الأسبوع الثّقافي الأوّل الذي تقيمه الجزائر في سلطنة عمان. (1/68)
صفحة 66
يحصل إلاّ عن طريق حمل السّلاح، واستعمال القوّة ضدّ من أخذ منه حقّه بالقوّة، وأذاقه ألوان النّكال والقهر.
وجدنا الشّعراء يدعون الشّعب إلى الثّورة، ويلحّون في الطّلب؛ لأنّ المستعمر لم يعد يفهم سوى هذا الأسلوب، ولا يمكن أن يقنع إلاّ بالقوّة، فلا ضمان للعيش الكريم إلاّ باستئصال شأفة المستعمر، وعدم قبول أنصاف الحلول. غير أنّ الدّعوة إلى الثّورة قد ظهرت بأشكال مختلفة، حسب الظّروف المواتية، فكانت أحيانًا تلميحًا بالتّحرّك، وإيماءً بالثّورة، واطّراح خلق اليأس والقنوط ..
قام الشّعر بدور كبير في التّحضير للثّورة؛ بتهيئة النّفوس وتعبئتها للثّأر لكرامتها التي أهدرت كثيرًا مدّة جثوم الاستعمار على أرض الجزائر، وبخاصّة بعد حوادث ماي الأليمة، ومجازره الشّنيعة. إنّ هذه الأشعار حرّكت الهمم، واستفزّت المشاعر؛ فدفعت الجماهير كي تتقدّم لتحمل بقوّة على الغاصب المتغطرس المستبدّ، وتثور عليه ثورة عارمة. وقد تأكّد لديها أنّ أسلوب الاسترحام واستدرار العطف، لم يعد مجديًا، وأنّ التّعلّق بالوعود أصبح ضربًا من العبث؛ لأنّه تعلّق بسراب، إذن لا يبقى إلاّ منطق القوّة وسيلة للتّحرّر. هذا ما أقنع به الشّعرُ الشّعبَ. تقول د. نور سلمان: " حمل الشّعر قبيل الثّورة إرهاصاتها، معبّرًا عن النّقمة والتّململ الرّافض، فصوّر الأوضاع الفاسدة والقلق والتّوتّر، وساهم في الوثبة، مجاهرًا بتسميتها وثبة كفاح وحرب، بعد أن قصر الكلام والحوار السّياسي عن تحقيق الهدف." (1)
لقد " أسهمت الكلمة الشّاعرة في تفجير الثّورة بعد التّعبئة التي قامت بها، وهي تعبئة نهضت على أساليب متعدّدة، ومسّت نواحي عديدة. فالشّعراء في عملهم هذا قاموا بفضح دسائس الاستعمار، واتّجهوا إلى الرّمز والمناجاة حين لا يجدي التّصريح، ولا تنفع المواجهة، وأعلنوا عن التّذمّر والسّخط من الأوضاع المتردّية والمتدهورة أخلاقيًّا وسياسيًّا ونفسيًّا، كما كانوا من حين إلى حين يشيدون بالأعمال المسرّة، ويغتالون معنويّات العدوّ أمام الشّعب، ويركّزون على قوّة أبناء الإسلام الكامنة؛
__________
(1) - الدّكتورة نور سلمان، الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، كانون الثّاني (يناير) 1981م، ص: 324. (1/69)
صفحة 67
لزرع الأمل في النّفوس، وشحذ العزائم. وكانوا أيضًا يهوّلون الأمر، ويستعملون أسلوب التّعيير والتّعريض، مستلهمين في ذلك أرواح الآباء والأجداد، مذكّرين بمواقفهم المشرّفة وببطولاتهم أمام الأعداء، التي بها نالوا الشّرف وحقّقوا النّصر. ولم ينسَ الشّعراء الاهتمام بالنّاشئة والطّلبة بخاصّة، وكانوا يحسّسونهم بخطورة الوضع، ويشعرونهم بواجباتهم الأساسيّة، وعلى رأسها تحرير الحمى، وكانوا مرّات يدعون إلى الثّورة صراحة، حين تكون الفرصة مواتية، أو الظّرف يقتضي ذلك، أو احتدام المشاعر وارتفاع موجة الغضب يدفعان إليها." (1)
إنّ حوادث الثّامن ماي هي بحقّ النّواة الأولى لثورة نوفمبر 1954م، بما قامت به من تعبئة الجماهير لمواجهة المستعمر والاستعداد الكامل لذلك. فبعدها مباشرة أنشأَ " حزبُ الشّعب الجزائري " المسمّى آنذاك " حركةَ انتصار الحريّات الدّيمقراطية " اللّجنةَ السّريّةَ ( o s )، التي تحرّكت بقوّة لتطوّر العمل الثّوري في صفوف المناضلين. (2)
تختفي هذه اللّجنة، لكنّ العمل الجهادي والتّعبوي يستمرّ، فتتكوّن " اللّجنة الثّورية للوحدة والعمل "، ومنها انبثق اجتماع الاثنين والعشرين (22) الذين يكلّفون ستّة من الأعضاء ليقوموا بالإعداد للثّورة التّحريريّة. يقول الأستاذ أحسن بومالي: " ... في هذا الجوّ المشحون باليأس والدّسائس والمؤامرات والمناورات المحاكة ضدّ مسيرة الحركة الوطنيّة الجزائريّة، أخذت الفئة الواعية العهد على نفسها بأن تعمل على توحيد الطّاقات الوطنيّة فوق اعتبارات الشّخصيّات والأحزاب ... وتمخّض قرارها الحاسم عن مولودها الجديد، الذي أطلقت عليه اسم " اللّجنة الثّورية للوحدة والعمل "، والتي تحوّلت بعد أشهر قليلة إلى " جبهة التّحرير الوطني " قائدة ثورة التّحرير " (3)
__________
(1) - محمّد ناصر بوحجام، " إرهاصات الثّورة في الشّعر الجزائري،، المجلّة الثّقافية، الجامعة الأردنيّة، عمّان، المجلّد الثّلاثون، 1414هـ/ 1993م، ص: 145.
(2) - الدّكتور محمّد ناصر بوحجام، " مبادئ الثّورة الجزائريّة "، محاضرة ألقيت في الملتقى الثّاني لإطارات السّلك الدّيني لولاية باتنة، المنعقد في باتنة يوم:30/ 05 ـ 01/ 06/ 1415هـ - 05 ـ 06/ 11/ 1994م تنظيم نظارة الشّؤون الدّينيّة لولاية باتنة، ص: 2.
(3) - أحسن بومالي، استراتيجية الثّورة الجزائرية في مرحلتها الأولى 1954 – 1956م، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، (د. ت)، ص: 46. (1/70)
صفحة 68
نسجّل هنا ـ للأمانة التّاريخية والإنصاف ـ أنّه كانت كلّ مرحلة من مراحل النّضال: " تستفيد من سابقتها: اقتراحًا لأساليب في الكفاح، وتداركا للأخطاء، التي ارتكبت، وتصحيحًا لبعض المفاهيم، حتّى جاءت ثورة التّحرير الكبرى، التي استفادت من الأعمال السّابقة، والتّعبئات المتقدّمة؛ فبنت قاعدة ثوريّة متينة، انطلق منها الشّعب بكلّ حماسة ليسترجع سيادته الوطنيّة، بعد حرب ضروس وتضحيّات جسام." (1)
إذن ولدت جبهة التّحرير الوطني في ظروف حاسمة، وبعد أحداث متتالية، انصهرت فيها أغلب الأحزاب الوطنيّة، وما بقي انضمّ فيما بعد. هذه الجبهة تتبنّى تفجير الثّورة ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م، الموافق للخامس من ربيع الأوّل 1373هـ.
إذا كان السّياسيون قد قاموا بالدّور الكبير في الإعداد للثّورة على الظّلم، والتّحرّك لاسترجاع الحريّة المغصوبة، فإنّ الكلمة المسؤولة، والشّعر بخاصّة قام - بدوره - بمهمّته في التّحضير لهذه الثّورة الكبرى، قام بالتّعبئة العامّة، وإذكاء الحماسة في النّفوس، وإثارة النّخوة في القلوب، وشحذ الهمم أكثر للانتفاضة العارمة.
يقول الدّكتور صالح الخرفي، وهو يسجّل حضور الشّعر بقوّة ووعي كبير في معركة الإعداد للثّورة، والتّعبئة العامّة: " ... في هذه النّصوص الشّعرية نُذُرُ الثّورة الكامنة ... ولكنّ الشّاعر المنصهر في مأساة شعبه، يحسّ بها تنبُّؤًا، قبل أن يلمسها وقائعَ، وإنّ صوت الشّاعر الصّادق المرهص بالأحداث التّاريخيّة أشبه بصوت القطا الدّال على المورد، ولو تلمّست المخابرات الفرنسيّة دلائل على ثورة نوفمبر في قصيدة (يا هزاري) لمحمّد العيد سنة 1951م، و (استقلال ليبيا) سنة 1952م، وفي قصيدة (من يشتري الخلد إنّ الله بائعه) لمفدي زكريّاء سنة 1953م لَوَجَدَتْها جلبة واضحة، وكفتها هول المفاجأة في السّاعة الصّفر من ليلة أوّل نوفمبر 1954م." (2)
يستجيب الشّعب للنّداء، ويفهم ويعي ما هو مطلوب منه، ويقتنع بالوسيلة الوحيدة الباقية لإرغام فرنسا على فهم مطالبه، فيتحرّك ليعلنها حربًا شاملة مفتوحة إلى أن يظفر بإحدى الحسنيين: الشّهادة أو النّصر فالاستقلال. فكانت ليلة أوّل نوفمبر هي الرّدّ الحاسم، والعهد الذي ضربه مع الله والتّاريخ للقيام بالواجب المقدّس: " ... لهذا كانت ليلة مقدّسة وعظيمة القدر في قلب كلّ جزائري، لِمَ لا؟ وهي فاتحة لعهد جديد، وصاحبة الفضل للفتح المبين الذي جاءت به، فكانت عَظَمةََ ليلة القدر، التي نزل فيها القرآن الذي كان سببًا في إبدال حياة النّاس سعادة وأمنًا ... وليلةُ أوّل نوفمبر كانت منارة إشعاع وهداية، بدّلت ظلام الأيّام المتّسمة بالظّلم والتّعسّف وغمط الحقوق نورًا وأمنًا، بفضل تحقيق النّصر على العدوّ." (3) هذا ما صوّره مفدي زكريّاء في الأبيات الآتية:
دَعَا ... التّاريخُ ... لَيْلَكَ فَاسْتَجَابَا ... نُفَمْبَرُ، هَلْ وَفَّيْتَ لَنَا النّصابَا؟
وَهَلْ سَمِعَ المُجيبُ نٍدَاءَ شَعْبٍ؟ ... فَكَانَتْ ليْلَةُ ... القَدْرِ ... الجَوَابَا
تَبَارَكَ لَيْلُكَ المَيْمُونُ نَجْمًا ... وَجَلَّ جلالُه هتَكَ الحِجَابَا
زَكَتْ وَثَباتٌه عَنْ أَلْفِ شَهْرٍ ... قَضَاهَا الشّعبُ يَلْتَحِقُ السَّرَابَا
تَنزَّلُ روحُهَا منْ كُلِّ أَمْرٍ ... بِأَحْرارِ الجَزائِرِ قَدْ أَهَابَا (4)
قامت الثّورة التي أدهشت المسؤولين الفرنسيّين؛ بما أظهرته من قوّة في الضّربات، ودقّة في التّنظيم، وإحكام في التّسيير، كبّلت المستعمر خسائر فادحة، حتّى بدا الجيش الفرنسي بعتاده وعدّته ضعيفًا أمام إرادة الثّوّار والمناضلين المسلّحين بالإيمان، والمتسربلين بلباس الإصرار على انتزاع النّصر واسترجاع الحقّ المغصوب، حتّى قال قائلهم: " لا يمكن أن
__________
(1) - " إرهاصات الثّورة في الشّعر الجزائري "، المجلّة الثّقافيّة، المجلّد الثّلاثون، ص: 134.
(2) - الدّكتور صالح الخرفي، الشّعر الجزائري، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، ص: 308، 309.
(3) - محمّد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 229.
(4) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط3، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1982م، ص: 30، 31. (1/71)
صفحة 69
يكون هؤلاء الشّياطين هم الآدميّين الذين عرفناهم هنا منذ قرن وثلث قرن، فربّيناهم على الاستكانة، ودرّبناهم على الطّاعة، وقتلنا في نفوسهم الإسلام، وأمتنا على ألسنتهم العربيّة، وبشّرناهم بالمسيحيّة، وفصلنا بينهم وبين العرب في الأقطار الأخرى، فمنعنا دخول الكتب والصّحف والمجلاّت، وقطعنا أسباب المواصلات والمعاملات، وأردنا أن نجعلهم قلّة مستضعفة في البلاد، فسهّلنا الهجرة للفرنسيّين، وأسكنّاهم أطيب البلاد، وأقطعناهم أخصب الأرض، وملّكناهم مقاليد الأمور، حتّى أصبح الجزائريّون في رأينا مسوخًا من غير جنسٍ ولا لغة ولا دين ولا تاريخ ولا تقاليد، لابدّ أن يكون هؤلاء المردة من جنس غير الجنس، ومن بلد غير البلد." (1)
ما ساعد الشّعب الجزائري على تحقيق هذا النّصر الكبير، وبلوغ هدفه النّبيل المسطّر، هو الانطلاق في العمل المقدّس والواجب الأكيد من مبادئ أصيلة. ذلك: " أنّ جبهة التّحرير الوطني مفجّرة الثّورة وحاضنتها، قد اعتمدت أيديولوجيّة خاصّة، وتبنّت مفهومات متميّزة، استمدّتها من الجذور التّاريخيّة للشّعب الجزائري، ومقوّماته الأصيلة. كما استوحت هذه الأيديولوجيّةُ وخطّتها من معاناة الشّعب، التي أوجدها الهجوم المتكرّر الشّامل على شخصيّته وأصالته، والمساس من حريّته، والنّيل من كرامته. وهو ما فرض عليه الاستمرار في خوض نضال مستميت ضار. أي إنّ هذه الأيديولوجيّة كانت نابعة من وسطه، ومن أعماق ضميره وأحاسيسه، فلم تكن شرقيّة ولا غربيّة، بل كانت عربيّة إسلاميّة، تستمدّ مكوّناتها ومحتواها وروحها من القرآن والسُّنّة وقواعد العمل الإسلامي بعامّة" (2)
إنّ الأيديولوحيّة بهذه المواصفات، وبهذه المرتكزات تتحوّل إلى: " قوّة اجتماعيّة قادرة على فرض قِيَمِهَا وأساليبها الثّوريّة التي تهدف إلى تغيير الأوضاع الاجتماعيّة، واستبدالها بأوضاع جديدة، تحلّ محلّ الأنظمة البالية." (3)
__________
(1) - الطّريق إلى نوفمبر كما يرويها المجاهدون، المجلّد الأوّل، الجزء الأوّل، ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، (د. ت)، ص: 378. ينظر أيضًا جريدة المجاهد، ع: 23، الصّادر يوم (25/ 07/ 1960م).
(2) - الدَّكتور محمّد ناصر بوحجام، " مبادئ الثّورة الجزائرية"، (محاضرة))، ص: 6، 7.
(3) - الدّكتور عمّار بوحوش، " خصائص الثّورة الجزائريّة مقارنة بالثّورات الكبرى في القرن العشرين "، مجلّة الدّراسات التّاريخيّة (معهد التّاريخ، جامعة الجزائر)، ع: 8، سنة: 1993م، ص: 105. (1/72)
صفحة 70
هذه المبادئ التي تبنّتها الثّورة التّحريريّة، وردت في بيان أوّل نوفمبر 1954م، الميثاق الأوّل لجبهة التّحرير الوطني. من أهمّ هذه المبادئ التي اشتمل عليها البيان:
1 – العمل وَفق الَمبادئ الإسلاميّة.
2 – المحافظة على الوَحدة الوطنية.
3 – تحديد الهدف الأساسي.
4 – الإرادة الذّاتية والاعتماد على النّفس.
5 – الإرادة الجماعيّة للثّورة التّحريريّة.
6 – احترام الحريّات الأساسيّة للأفراد والجماعات. (1)
" بيان أوّل نوفمبر 1954م أعلن عن نيّة الجزائريّين الصّادقة، وعزمهم الأكيد على التّحرّر الكامل من الهيمنة الاستعماريّة، والتّبعيّة الأجنبيّة، والوصاية الفرنسيّة عليهم. نهض البيان ليتوّج مجهودات المجاهدين الذين قاموا ضدّ المستعمر، وقاوموا الاحتلال، منذ وطَأَت أقدامه أرض الجزائر. وتضمّن فحواه ومضمونه الإصرار على افتكاك الحريّة، وعدم وضع السّلاح حتّى تسترجع الجزائر وجهها الحقيقي وشخصيّتها المسلوبة، كما تضمّنت صيغته صورة المستقبل في توجّهاته الكبرى، وأهدافه الرّئيسة، التي حدّدتها في أثناء الثّورة إيديولوجيةٌ، استمدّت مكوّناتها وروحها من مبادئ الشّريعة الإسلاميّة، وقواعد العمل الإسلامي." (2)
صدر الشّعر الجزائري عن هذه المبادئ، وعمل على تجسيد ما جاء في بيان أوّل نوفمبر في الواقع، وناضل من أجل تحقيق الأهداف المسطّرة، والتفّ حول المبادئ المعلنة؛ لأنّ الثّورة المشتعلة في كلّ مكان، والتي انطلقت من كلّ قلب ونفس، بإمكانات بسيطة جدًّا، بالمقارنة إلى حجم العدّة عند العدوّ، وبالنّظر إلى ضراوتها وشراستها وديمومتها إلى أمد
__________
(1) - ينظر بحثنا " مبادئ الثّورة الجزائريّة " لمزيد من التّفاصيل.
(2) - الدّكتور محمّد ناصر بوحجام، " أسباب عزوف الشّباب عن تاريخ الثّورة "، (محاضرة) ألقيت في ... الملتقى الثّالث للشّباب الجزائري والتّاريخ، الذي نظّمته الرّابطة الجزائريّة للفكر والثّقافة (باتنة) أيّام:
17 - 19 أفريل 1995م، بالمسرح الجهوي بباتنة، ص: 2. (1/74)
صفحة 71
غير معروف، وأجل غير محدّد، وبالنّظر إلى جهل ما تتطلّبه من طاقات وجهود وتضحيات وصمود وتحدٍّ ... بالنّظر إلى كلّ ذلك، كانت في حاجة إلى دفع معنوي، وتشجيع ملموس، وتحميس كبير، فالشّعر يمكنه أن يقوم بهذا الدّور المعنوي النّفسي، باستطاعته أن يكون صوتًا يدفع شعارات الثّورة إلى التّجسيد في الميدان، ويعمل على تهيئة الجوّ المناسب لاستمرار الثّورة. قال مفدي زكرياء:
حَبسْتُ شِعْرِي وَإلهامِي عَلَى وَطَنِي ... فَانْسابَ ... يَنْشُرُ في الدّنْيَا ... مَعالينَا
وَهِمْتُ بالثّوْرَةِ الكُبْرَى، أُساوِقُها ... أَهُزُّ - في الثّورة الكُبْرَى – رَواسينَا
حَلّقْتُ كَالنّسْر ِ في آفاقِ ... حاضرِنا ... وَغُصْتُ كالسّحْر في أَعْماقِ ماضينا
كَمْ صَفّقَتْ لِأناشيدي ... مَدافُعنا ... وَأطْرقَتْ ... لِتَسابيحِي ... نَوَادينا
فكانَ شِعْرِي وَالرّشّاش في مَرَحٍ ... هذا يُغَنِّي، وَذَا يُزْجِي التّلاحينَا
وَكانَ ... لِلجيش ... تنْزيلاٌ، ... يُرَتّلُهُ ... وَقَدْ تَنَزّل ... يَفْتَكُّ ... الميادِينَا
وَلِلجزائرِ ... تِبْيانًا، ... تلقّنُه ... مَنْ لَيْسَ يَفْهَمُ في الدُّنيَا مَعانينَا
وَكاَن ... لِلمَغرِب ... الجبّار مَلْحَمَةً ... تَهُزُّ ... أفْراحُنا ... فيها ... مَآسينَا
ولِلعُروبَةِ في ... الأَجْيالِ ... مَكْتبةً ... إِعْجازُها يَتَحدَّى مَن يبارينَا (1)
فعلا كان للشّاعر هذا العمل الكبير، فالشّعر - طول المدّة التي استغرقتها الثّورة لقهر العدوّ الغاصب - كان ملتفًّا بِها ملتصقًا، حاديًا لها، مسايرًا لأطوارها، منافحًا عنها. بل إنّ الشّعر الجزائري الذي قيل في أثناء الثّورة، يكاد يكون مخصّصًا للثّورة، يقول الدّكتور صالح الخرفي: " إنّ
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 227، 228. (1/75)
صفحة 72
الشّعر الثّوري الملتصق بالثّورة في سهولها وجبالها، في مغاورها وكهوفها، المنصهر فيها وثبة فدائيّة في المدن، أو ملحمة عسكريّة في الجبال، الملتزم بها كرًّا وفرًّا، هزيمة ونصرًا، هذا الشّعر يكاد يُكَوِّنُ العمودَ الفقري لإنتاج الثّورة، فهي فيه نابضة خافقة، وحشود زاحفة متموّجة، وبطولة راعفة بدم سخين ... " (1)
* شهر نوفمبر في الشّعر
أخذ شهر نوفمبر حصّة الأسد في أشعار الشّعراء، كلّما كان الحديث عن المقاومة والصّمود، وكلّما كانت الإشادة بالذّكريات المسرّة الغالية، وكلّما كانت هناك فرصة لتوجيه رسالة، وتقديم نصيحة في مجال النّضال والكفاح والدّفاع والجهاد من أجل الأصالة والكرامة، فغدا نوفمبر رمزًا وعَلَمًا ومعلمًا ومرجعًا ... قال عنه صالح الخرفي: " ويغدو هذا الشّهر علمًا بين الشّهور، ويبرز بين القصائد عملاقًا يتصدّرها، أو يتخلّل الأبيات فيها. وفي الاحتفال يشهر (نوفمبر) استعراض لصور رائعة من البطولة، واستشراف لصور أكثر روعة منها، يخبّئها المستقبل، والذّكرى تحمل عادة عظمة الماضي، وأمل الغد، وهي موقف الهيبة والإجلال إذا لاحت وهي لا تزال تخوض مسيرتها وغمار انطلاقتها، فيكتسي الاحتفاء صبغة تصاعدية في المسيرة، وتجديدَ عهد للوفاء بها، ... " (2)
في هذا الشّهر، قال عبد السّلام الحبيب الجزائري، في فجر أوّل نوفمبر 1954م:
حَيِّ نُوفمبرًا، ... وَآساد ... الشّرى ... ونفمبرًا ... هزّ هاتيكَ القرى
كأذانِ الفَجْرِ لَبَّى صَوْتَُه الشْـ ... شَعب، لَهفانَ المنى مُسْتَنْفرَا
يَا ذُرَى أَوْرَاس، ثَارُوا، فَاصْدَحِي ... بِأَهازيجِ ... التّهَاني، ... يَا ذُرَى
__________
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 239.
(2) - المرجع السّابق، ص: 245. (1/76)
صفحة 73
بَاركيهِمْ، ... بارِكِي ... مَنْ ... فَجَّرُوا ... مِنْ دُجَى لَيْلِك صُبْحًا نَيِّرَا (1)
أمّا صالح الخرفي فقال:
بَايَعْتُ مِنْ بَيْنِ الشُّهورِ (نُفمبَرَا) ... وَرَفَعْتُ مِنْهُ لِصَوْتِ شَعْبيَ مِنْبَرَا
شَهْرَُ المَوَاقِفِ والبُطولةِ! قِفْ بنَا ... في مَسْمَعِ الدُّنيا وسَجِّلْ لِلوَرَى
فَلَأَنْتَ مَطْلَعُ فَجْرِنَا، وَزنادُ بُرْ ... كانٍ، ... أَثَرْتَ ... كَمينَه ... فَتَفَجَّرَا
دَوّتْ بِمَطْلعِكَ الخضيبِ رَصَاصةٌ ... فاهْتزّتِ البَيْضاءُ ... وانْتَشَتِ الذُّرَى
وانْدَاحَ فَجْرُكَ عَنْ مَصَبٍّ مِنْ دَمِ ال ... أَحْرارِ، فانْتَعَشَ الجَديبُ وَأَزْهََرا
خَبَّأْتَ مُعجِزِةً، تَمَخّض ليلُك الدْ ... َاجِي بِها، والأَرْضُ في سِنةِ الكَرَى
يَا وَثْبَةَ ... الأَحْرَارِ مِنَّا ... يَا (نُفَمْـ ... ـبَرُ) لَمْ تَزَلْ عَلمًا لِقافِلَةِ السُّرَى
قدّسْتُ فيكَ النّارَ، تَلْتَهِمُ الدُّجَى ... فَتُحيلُ ظُلْمَتَهُ لَهيبًا أحمرَا (2)
فنوفمبر عند عبد السّلام صبح نيّرٌ، أتى بعد دجى ليلٍ، وهو عند صالح الخرفي فجر جاء بعد ليل حالك مكفهرّ، شديد الأهوال، طويل الكواكب. هو كذلك عند مفدي زكريّاء فشعبه يصنع الفجر بعد ليالٍ حبليات:
مَدَدْنَا خُيوطَ الفَحْرِ، قُمْ نَصْنعِ الفَجْرَا ... وصُغْنَا كِتَابَ البَعْثِ .. قُمْ نَنْشُرِ السِّفْرَا
__________
(1) - عبد السّلام الحبيب الجزائري، اذكريني يا جزائر (ديوان)، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، ... 1966م، ص: 43.
(2) - صالح الخرفي، أطلس المعجزات (ديوان)، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1968م، ص: 169، 170. في الأبيات اقتباس للآية 32 من سورة التّوبة، والآية 245 من سورة البقرة. (1/77)
صفحة 74
وَغُصْنَا بِصَدْرِ الغَيْبِ، نَجْلُو ضَميرَهُ ... وَنَقْرَأُ مِنْ عَدْلِ السَّماءِ ... بهِ ... سَطَْرا
وَدُسْنَا ... غُرورَ ... الدَّهْرِ في كِبْرِيَائِهِ ... فَصَعّرَ خَدًّا، ... وَانْحَنَى يَطْلُبُ العُذْرَا
وُخْضَنا تَصاريفَ الزَّمانِ، نَرُوضُهَا ... وَنَصْدَعُ بِالإعْجازِ أَحْداثَهَا الكُبَْرى
وَسُقْنَا سَفينَ (الوَعْدِ) حُمْرًا شِراعُهَا ... يُوَجّهُهَا ... للنّصْرِ َمنْ ... وَعَدَ ... النّصَْرا
وَرُعْنَا اللّيالي الحُبْليَاتِ، فَأَجْهَضَتْ ... وَلَمْ نَكُ نَخْشَى مِنْ عَجائبِها شَرّا (1)
إنّ هذا الشّهر هو الفجر الذي كان يبحث عنه محمّد العيد آل خليفة، وهو يعاني العسر والضّيق، وطغيان الظّلم والقهر، حين قام وقال يشكو اللّيل، ويرجوه أن يفسح المجال لصباح يسفر عن فجر، يرسل ضياء، يبدّد الظّلام، ويطرد الظّلم:
يَا لَيْلُ طُلْتَ جَناحا ... مَتَى تُرينِي الصّباحَا
يَا لَيْلُ كَمْ فيكَ عَادٍ ... دَاسَ الحمَى وَاسْتَبَاحَا
إِلَى مَتَى ... أَنْتَ دَاجٍ ... تَغْشَى الرّبَى وَالبِطاحَا
نَفْسِي إلى الفَجْرِ تَاقَتْ ... مَتَى أَرَى الفَجْرَ لاحَا
مَتَى جَناحُك يُطْوَى ... يا ليلُ طُلتَ جَنَاحَا (2)
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 305، 306.
(2) - ديوان محمّد العيد محمّد عليّ خليفة، ط3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1992م، ص: 45 - ... 48. القصيدة بعنوان " يا ليل " نشرت في العدد: 145 من جريدة البصائر الثّانية (الجزائر) سنة 1951م. (1/78)
صفحة 75
لذا نجد أبا القاسم خمّار يواسي شهر جويلية (تمّوز) الذي حدث فيه احتلال الجزائر سنة 1830م، بشهر نوفمبر الذي جاء ليثأر للكرامة من العار، وللوفاء من الغدر:
اليَوْمَ يَصْرُخُ في ضُلوعِ الغَدْرِ سَهْمٌ أَحْمَرُ
يا شَهْرَ (تمّوز) الجريحَ، رَعَاكَ شَهْرُ (نُوفمبرُ)
مَلْحَمةُ الكَرامةِ في الجزَائرِ تَزْأَرُ (1)
إنّ شهر نوفمبر يبقى الرّمز والمَعْلَمَ، والقوّة التي لا يمكن أن تخمد، والنّور الذي لا يمكن أن يخبو، إنّه مسعر النّار ضدّ الغاصب، وملهم الشّاعر ما يقول، فهذا صالح خبّاشة يقول: " لا أبالغ في الحديث عندما أقول لك ... بأنّ نوفمبر ... سيبقى رويّ قصائدي." (2) لهذا قال عن الثّورة التّحريرية الجزائرية التي فجّرها أوّل نوفمبر:
هِيَ مِشْعَلٌ كَمْ حاوَلُوا ِإطْفاءَهُ ... وَاللهُ ... يَأْبَى ذاكَ، ... فَهوَ تَمامُ
هِيَ مُعْجِزات، حَيَّرتْ ألْبَابَهم ... وَتقَاصَرَتْ عَنْ سِرِّهَا الأَفْهامُ
قَالُوا: هُمُ الصَّحْبُ الذينَ قَليلُهم ... يُفنِي الكثيرَ، فَمَا لهم أجسامُ (3)
استلهم الشّعراء هذا الشّهر، وما صاحبه، أو أفرزه من وقائع وما أثاره من مكامن وحرّكه من شجون، فأبدعوا وأسمعوا العالم ما نحتته مشاعرهم، وما فجّرته أنّاتهم، وما غنّته آمالهم، فأرسل مفدي زكريّاء من ظلمات سجن بربروس هذه الأبيات:
هَذِي تحيّة شاعرٍ يَسْمُو
__________
(1) - محمّد بلقاسم خمّار، أوراق (ديوان)،الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1967م، ص: 13.
(2) - جريدة المساء (الجزائر)، ع: 338، (28/ 10/ 1986م).
(3) - صالح خبّاشة، الرّوابي الحمر (ديوان)، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1971م، ص: 137، 138. القصيدة بعنوان: (شعب لا يلين) نظمت في الذّكرى الخامسة لثورة أوّل نوفمبر، سنة 1959م. (1/79)
صفحة 76
به ... في دَوْلَةِ الأدَبِ الرَّفيعِ نِظامُ
ورِسالةٌ صاغَ (الشّهيد) بَيَانَها ... وَزَكَا بها في الخالدِينَ (عِصامُ)
أَسْرَى بها مِنْ (بربروسَ) خَيالُهُ ... وَهَفَتْ به لِحماكمُ الأحْلامُ
غَنّى بِها في اللّيْلِ، يَعْزِفُ لَحْنهَا ... وقْعُ السّلاسِلِ، والرِّفاقُ نِيامُ
والقَلْبُ بِالأنّاتِ يَقْطَعُ بَحَْرَها ... دَقّاتُهُ ... الأوْزانُ والأنْغامُ (1)
إذا كان مفدي زكريّاء استسقى مشاعره من ظلام السّجن، فإنّ أبا القاسم خمّار استوحى عواطفه من ضياء الرّياض، فاستلهم النّشيد، ونحت القوافي، واستنزل الوحي، ليعبّر عن مشاعره نحو الثّورة المقدّسة العارمة: " فإذا الوحي يتدفّق تدفّق الدّم عليها، والقوافي تترى، تُزاحِمُ الشّاعرَ مزاحمة الظّباء (لِخراش)، ولكنّها قوافٍ وبحورٌ من عروض، لم يكتشفه (الخليل)، ولكنّه شعر، لا كشعر الشّعراء. إنّ الوحي المنزّل من قمم البطولات، والمحوّم على مصارع الشّهداء يحمل بين جناحيه نفسًا خالدًا، ولحنًا عبقريًّا، يجمع بين هيبة الصّمت وروعة الزّلزال:
يا رِياضِي، أَمَا نَشيدٌ؟ وجاءَتْنِي القوافي تَلوحُ مِنْ كُلِّ ثَائرْ
نَحْنُ في الشّعْرِ نَنْظِمُ البيتَ زِلزالاً، تُقفّيهِ بالدّماءِ الحناجِرْ
نحن شعر الرّشاش، لا شعر شاعر (2)
ويقول صالح الخرفي: ...
مِنْ مِنْبَرِ الأوْرَاسِ حَيِّ المجمعا ... فالضّادُ وَالرّشاشُ قَدْ نَطَقَا معَا
فانْظُرْ هُنَا تَجدِ البُطولةَ مِنْبرَا ... وَتر َ البُطولةَ في الجزائرِ مدفعا
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 51، 52.
(2) - الشّعر الجزائري، ص: 231. ينطر أوراق (ديوان)، ص: 8. (1/80)
صفحة 77
لَمْ تَرْوِ ... غُلّتَنَا المنابرُ، فارْتقيْـ ... ـنَا للخَطابةِ (أطلسًا) ... مُتَمَنّعَا
تِلكَ الذّرَى، كَمْ زَمْجَرَتْ بِرصاصِهَا ... فَأَرَتْ لَنَا مِنْهُ الخَطيبَ المِصْقعَا
قِممٌ ... مُوطّأةٌ ... المُتونِ لثائر ... رَوَّى ... صَنَوْبَرهَا ... دَمًا ... فَتَفَرّعَا
فَإذَا امْتطاهَا غَاصبٌ مادَتْ بِهِ ... وعلى جلامدها تلقى المصرعا (1)
يعكس النّص روح المبادرة والاندفاع التي أبداها المجاهدون لقهر العدوّ الغاصب، ودحض المحتلّ المستبدّ، المبادرة التي لا تتوقّف ولا تضعف إلى آخر الشّوط. لقد أشرك الشّاعر في التّعبير أوراس والأطلس، الجبلين اللّذين يرمزان إلى المقاومة والصّمود، وإلى جانبهما الجلاميد الصّلبة، التي تصرع كلّ من يقترب منها لينطحها، فتحوّله بركة دمٍ. وهناك الرّصاص الذي يزمجر فيحوّل المنابر مدافع، عليها خطباء مصاقع، لكنّهم من نوع خاصّ. إنّها الانتفاضة التي انطلقت قويّة، وسارت سيلاً عارمًا لا يتوقّف ...
إذا كان خرفي قد سيّر الضّاد والرّشاش معًا للمقاومة، فإنّ مفدي زكريّاء منع عن النّطقَ بالكلام حين انطلق الرّصاص، الذي أخرس كلّ لسان، تفوّه بكلمة استهان بها من ثورة الأحرار في الجزائر، واستخفّ بقوّة المجاهدين في الانطلاقة، فعنده: (إنّ الحقّ والرّشاش نطقا معًا). قال سنة 1957م، بعد خذلان المنظّمة الدّولية القضيّة الجزائريّة، في دورتها الثّالثة عشرة، في الوقت الذي كبّد فيه الثّوار العدوّ خسائر فادحة، وحقّقوا انتصارات باهرة؛ حتّى عرف هذا العام بعام الانتصارات الكبرى في الثّورة الجزائرية (2):
نَطَقَ الرَّصاصُ، فَمَا يُباحُ كَلامُ وَقضَى الزّمانُ، فلا مرَدَّ لحُكمهِ ... وَجَرى القِصاصُ، فَما يُتاحُ مَلامُ ... وَجرَى القضاءُ، وتمّت
__________
(1) - صالح الخرفي، أطلس المعجزات (ديوان)، ص: 121.
(2) - ينظر جودي الأخضر بوالطمّين وكتابه: لمحات عن ثورة الجزائر، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1981م، ص:61، 62. (1/81)
صفحة 78
الأحكامُ
وَسَعَتْ فِرنسَا للقيامَةِ، وانْطَوَى ... يومُ ... النّشورِ، وَجَفّتِ الأقْلامُ
لُغَةُ القَنابلِ في البَيانِ فَصيحَةٌ ... وُضِعَتْ، لِمَنْ في مَسْمَعَيْهِ صُمامُ
وَلَوَافِحُ ... النّيرانِ خَيْرُ لَوَافِحٍٍ ... رُفِعَتْ، لَِمنْ في نَاظِرَيْهِ رُكامُ
وَرَوَائحُ البَارودِ مِسْكُ نَوَافِجٍ ... سُجِرَتْ، لَِمنْ في مِنْخَرَيْهِ زُكَامُ
والحقُّ وَالرّشاشُ، إنْ نَطقَا مَعًا ... عَنتِ الوُجوهُ، وَخَرَّتِ الأَصْنامُ (1)
حين يكون الشّاعر في حالة كبيرة أو عالية من التّوتّر النّفسي والتّدفّق الشّعوري، يكثّف من لغته الشّعريّة، ويلجأ إلى اللّغة القويّة، وإلى الرّموز، التي تختصر الطّريق بينه وبين المتلقّي، وهو ما يعينه على إيجاد صور موحية مؤثّرة، معبّرة عن المشاعر بقوّة، مصوّرة للمواقف أو للواقع بصدق.
في اللّوحة المقدّمة نجد:
1 - ألفاظًا قرآنيّة: (القصاص، القضاء، القيامة، النّشور، عنت الوجوه ... ) هي رموز مكثّفة، لها مدلولات خاصّة، يحذقها المثقّف بالثّقافة القرآنيّة.
2 – عباراتٍ تحمل مفهومات إسلاميّة، مثل: (تَمّت الأحكام، جفّت الأقلام، لا مردّ لحكمه) تعني أنّ ما حدث شيء لا يمكن ردّه. والغاية من استعمال الشّاعر لها واستلهامها، هو التّأكيد على طبيعة العمل الكبير الذي قام به المجاهدون في الميدان، بما لا تستطيع قوّة العدوّ قهره أو صدّه، ولا الصّمود أمامه.
3 – ألفاظًا تحمل سِمة القوّة والشّدّة: (الرّصاص، القنابل، النّيران، البارود، لوافج، سُجرت، الرّشاش)
__________
(1) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط3، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1983م. ص: 42 - 44. (1/82)
صفحة 79
4 - لفظةَ (نطق) التي لها في القاموس الشّعري لمفدي زكريّاء مدلول خاصّ، فهي تعبّر عن قوّة ردّ فعل الشّعب الجزائري على الظّلم والتعسّف وغمط الحقوق، وتشير إلى حسم الأمر في اتّخاذ القرار بالزّحف واستعمال القوّة من دون رجعة. (1)
5 – اعتمادَ المجاز للتّصوير، مثل: (نطق الرّصاص، والحقّ والرّشاش إن نطقا معًا، قضى الزّمان، لغة القنابل في البيان فصيحة ... )
6 – توازنًا بين بعض الجمل: (ولوافح النّيران خير لوائح، وروائح البارود مسك نوافج، وُضعت لمن في مسمعيه صُمام، رُفعت لمن في ناظريه رُكام، سُجرت لمن في منخريه زكام) بالإضافة إلى وجود الجناس في بعض الكلمات.
كلّ ذلك أضفى على النّصّ قيمة معنويّة وفنّية عالية؛ تصويرًا، للمشاعر والمواقف، وتقديمَ رسالة محدّدة، وهي القيام بحرب نفسيّة ضدّ العدوّ، في معركة المقاومة والنّضال من أجل استرجاع الحقّ المغصوب، ولإقناع الغاصب والوطنيّ: أنّ القوّة هي اللّغة الوحيدة التي تخضع العدوّ ليعدل عن صلفه، ويتخلّى عن كبريائه، فيفهم مطالب الشّعب ويلبّيها (2)
هذا (نوفمبر) الذي قال عنه مفدي زكريّاء في إلياذته، وهو يسجّل تاريخ الجزائر:
نُفَمبرُ، غَيّرتَ مَجرى الحياة ... وَكنتَ ... نُفمبرُ، مَطلعَ فَجْر
وَذكَّرْتَنَا في الجزائر ... بَْدرًا ... فَقُمْنَا ... نُضَاهِي صَحابةَ ... بَدْر
هذا الشّهر الذي كان انطلاقة لملاحم كبيرة، وبطولات خارقة، ألهم الشّعراء معاني سامية عالية، وفتح لهم المجال لتناول موضوعات
__________
(1) - ينظر أمثلة لهذا التّوظيف، اللّهب المقدّس، ص: 31، 42، 44، 46، 134. ومجلّة الأصالة، وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينيّة، الجزائر، ع: 13، مارس ـ أفريل، 1973م، ص: 59 ...
(2) - ينظر تعليقنا على هذه اللّوحة الفنّية كتابنا: أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص: 328، 329. (1/83)
صفحة 80
كثيرة، تخدم الثّورة، بما يفرضه تطوّر الأحداث، ويعين على أداء الرّسالة. يمكن القول: إنّ موضوعات شعر الثّورة كانت تدور حول التّعبئة الثّوريّة، والحريّة والبطولات والوطن، التّعلّق بالأرض، الإصرار على الانتماء، الاستقلال، التّعبير عن الغربة، التّأكيد على الدّين والقوميّة، الولاء للتّاريخ، الدّفاع عن اللّغة العربيّة، الإشادة بدور المرأة في النّضال، النّقمة على الاستعمار، وصف مآسي التّعذيب والسّجون، الارتباط بالعالم العربي والإسلامي، معالجة القضايا العربيّة والإسلاميّة.
نتناول فيما يأتي ثلاثة موضوعات: عرضًا وتحليلا، نقدّمها نماذج لطبيعة هذا الشّعر، نكشف من خلالها الرّسالة أو الدّور الذي كان يقوم به شعر الثّورة الجزائري. الموضوعات هي: البطولة، الوطن، نضال المرأة.
* البطولة
بِمنطق الفطرة التي تدفع إلى توخّي الأسلوب المناسب لأخذ الحقّ، ونيل المطالب، فإنّ الشّعب الجزائري خاض الخطوب بقوّة، وأخذ للحياة سلاحها، فأظهر بطولة فائقة. لَم يغفل الشّعر عن تسجيلها؛ إزجاء لها، ودفعًا للمجاهدين ليضاعفوا منها، فيضعفوا العدوّ.
يقول الدّكتور صالح الخرفي:
" إنّ الاحتقان الثّوري في الجزائر فجّر بطولة ساخرة، لا مبالية، فاقدة الإحساس بالآلام الجسديّة، رهيفته في المتعة الرّوحية. فلا غرابة أن تنقلب المعارك أعراسًا، ويُشَيَّعَ الشّهداء بالزّغاريد، ويتقدّم الأبطال إلى المقاصل ببسمة الرّضى والهتاف الدّاوي، ويرتعد الجلاّدون من البسمة السّاخرة المرتسمة على شفاه ضحاياهم، والنّظرة المتجمّدة الرّاضية في عيون قتلاهم." (1)
أحسن مثال على تصوير بطولة المجاهدين بهذه الوصفة، هو ما سجّله الشّاعر مفدي زكرياء عن حدث مهمّ في الثّورة الجزائرية، وهو تدشين أسلوب جديد في التّخلّص من الوطنيّين الذين دوّخوا فرنسا بنضالهم،
__________
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 232. (1/84)
صفحة 81
وبطولتهم التي أصبحت خطرًا على وجودها في أرض الجزائر, إلاّ أنّ وصف الحدث المأسوي تحوّل إلى تصوير للبطولة النّادرة السّاخرة من جبروت العدوّ وكبريائه، وانتقل من التّعبير عن الأسى والحزن، إلى وصف الفرح والابتهاج بهذا المصير والنّهاية السّعيدة، والوصول إلى المقام الرّفيع؛ بفضل البطولة التي أظهرها المجاهدون، مثالهم في ذلك " أحمد زبانة " الذي يعدّ أوّل من دشّن المقصلة سنة 1956م، فكان الشّاعر يصف عرسًا، بدل أن يصوّر مأتمًا. قال مفدي زكرياء:
قام يَختالُ كالمسيحِ ... وئيدَا ... يتهادَى نشوانَ، ... يتلو النّشيدَا
باسمَ الثّغرِ كالملائكِ، أو كالطّـ ... ـفل، يستقبلُ الصّباحَ الجديدَا
شامِخًا ... أنفه ... جلالًا ... وتيهًا ... رافعًا رأسَه، ... يُناجِي الخلودَا
رافلًا في خلاخلَ زغردت، تَمـ ... ـلأُ منْ لَحنها الفضاءَ البعيدَا
حالمًا كالكليم، كلّمه المِجْـ ... ـدُ، فشدّ الرّحالَ يبغِي الصّعودَا
وتسامَى كالرّوحِ في ليلة القدْ ... رِ سلامًا، يَشعُّ في الكون عيدَا
وامتَطى مذبحَ البطولةِ معرا ... جًا، وَوافَى السّماءَ يرجو المزيدا
وتَعالَى مثلَ المؤذّنِ، يتلو ... كلماتِ الهدى، ويدعو الرُّقودَا
صرخةٌ ترجفُ العوالِمُ منها ... ونداءٌ ... مضَى، ... يَهُزّ ... الوجودَا:
أَشْنِقونِي، فلستُ أخشَى حبالا ... واصلبونِي، فلستُ أخشَى حديدَا
وامْتَثِلْ ... سافرًا ... مُحيّاك ... جلاّ ... دِي، ولا تَلْتَثِمْ، فلستُ حَقودَا
وَاقْضِ يا موتُ فِيَّ مَا أنتَ (1/85)
صفحة 82
قاضٍ ... أنا راضٍ، إنْ عاشَ شعبِي سعيدَا
أنا إنْ مِتُّ، فالجزائُ تَحيا ... حُرّةً ... مُستقلّةً، ... لنْ ... تَبيدَا
قوْلةٌ، ... ردّدَ الزّمان، ... صداها ... قُدُسِيًا، ... فأَحْسَنَ ... التّرديدَا
احْفظوهَا ... زَكيّةً ... كالمثاني ... وانْقُلُوهَا ... للجِيلِ ذِكْرًا مَجيدَا
وأقيمُوا منْ شَرعِها صلواتٍ ... طيّباتٍ، ... ولَقّنُوها الوليدَا (1)
إذا بحثنا في النّصّ عن الألفاظ والعبارات التي تكشف عن البطولة، نجدها بارزة في كلّ بيت فيه، بل في كلّ بيت في القصيدة. فالشّهيد يقوم بإرادته ليعتلي منصّة المقصلة، وهو في حال من الانتشاء والخيلاء، غير هيّاب ولا خائف من الموت. يتقدّم إليها وهو متّئد كالمسيح، حالم كالكليم، متسام كالرّوح، باسم الثّغر، شامخ الأنف ... إنّه يَمتطي مذبح البطولة، وهو يعدّها معراجًا وسلّمًا إلى السّماء العُلا، وعنوانًا على الفخار والعزّ والشّهامة والشّهادة.
هو يتحدّى قاتليه، ويطلب منهم عدم الخوف أو الخجل من صنيعهم، فهو لن ينالهم بسوء. يقول لهم: إنّ ما تقدمون عليه لا يؤثّر عليّ أبدًا، فاكشفوا عن وجوهكم، وخلّوا الموت يقضي عليّ، أنا لا أبالي منه وبمصيري، أنا سعيد وراض بما تقومون به؛ ما دام شعبي يعيش هنيئًا، ويحيا كريمًا، فلا يهمّ مصيري، بل اختاروا الوسيلة التي ترونها مناسبة للتّخفيف من حقدكم وجبنكم وخسّتكم، الشّنق أو الصّلب ... أنا إن متّ لن يكون مآلي إلاّ مآل سحرة فرعون، الذين كانوا شهداءَ الحقّ والإيمان والشّجاعة والبطولة، أمّا هو فكان ضحيّة كبريائه وطغيانه وحمقه، وكذلك تكونون (2)
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 9، 10. القصيدة بعنوان: " الذّبيح الصّاعد "، تعدّ ثمانية وستّين بيتًا، نظمها الشّاعر في السّجن، وهو يشاهد تنفيذ حكم الإعدام على أحمد زبانة، ليلة 18 من جويلية (تموز) سنة 1956م.
(2) - ينظر قوله تعالى: " ... فاقضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدّنْيَا "، الآية: 72، سورة طه. (1/86)
صفحة 83
هو لم يعتلِ المنصّة ليموت، إنّما ارتقى المنبر (وهو يشبه صومعة المؤذّن) ليؤذّن في النّاس: أن يثبتوا في الميدان، ولا يتأخّروا عن الجهاد والكفاح والمقاومة. هو يريد أن يقول لهم: لا يخوّفكم ما يفعل بي المستعمر الجبان.
يضاف إلى ما جَمَّل هذا التّصوير الاستعانة بالرّموز القرآنيّة، استلهمها الشّاعر لتضفي على صوره الشّعريّة ومضات؛ بما نقلته من خفقات شعوريّة زاخرة، رسمت ظلالا إيحائيّة ممتدّة ... كلّ ذلك يثبت التّحدّي والسّخرية من المعتدي المتغطرس المستبدّ.
إنّ الجانب النّفسي في هذه الصّياغة بارز وواضح في النّصّ. - وفي القصيدة كلّها - فيه التّشفّي من المُعدِم، وتحدّي العدوّ ومقابلة فعله ببرودة أعصاب، وبعث روح الأمل والغبطة في نفوس المجاهدين الثّوار، واغتيال معنويّات العدوّ أمامهم ... هذه رسالة أدّاها الشّاعر بأمانة وصدق وقوّة وبراعة، تبيّن شجاعته وبطولته.
حقيقة الأمر هي تأثّر الشّاعر بإعدام رفيقه في الدّرب والنّضال، وصاحبه في السّجن (أحمد زبانة)، وغاية النّظم رسالة موجّهة إلى النّاشطين في الميدان كي يواصلوا الكفاح، ولا يتأثّروا بأعمال التّنكيل والقهر والاضطهاد، ومحور القصيدة هو النّظرة إلى الاستشهاد على أنّه شيء إيجابي للثّورة، وعامل من عوامل إنجاحها، وتوفير الحياة لمن يرسلها له الله إلى أجل مسمّى. قال الشّاعر:
أنا إنْ متُّ، فَالجزائرُ تحْيا ... حرّةً ... مُستقلّة، ... لنْ ... تبيدا
كلُّ من في البلاد أضحى (زبانا) ... وتمنّى ... بأن ... يموت ... شهيدَا
يا زبانا، ... أبلغْ ... رفاقَك ... عنَّا ... في السّماواتِ، قد حفظنا العهودَا
واروِ عن ثورةِ الجزائر، (1/87)
صفحة 84
للأفـ ... ـلاكِ والكائنات ذكرًا مجدَا (1)
ما يدفع الشّاعر دائمًا إلى التّشجّع والإقدام وإظهار البطولة، هو تفاؤله الدّائم بالغد المشرق، والانتصار المحقّق على قوى الشّر والطّغيان، المستمدّ من إيمانه القويّ الرّاسخ بنصر الله. يقول الدّكتور محمّد ناصر: "ومن مظاهر القوّة عند مفدي زكريّاء تفاؤله الدّائم بالغد الأفضل، وإيمانه الثّابت بالانتصار السّاحق، لذلك نلحظ في جميع قصائده التي كتبها بالسّجن مقابلة رائعة بين ثبات الثّورة الجزائريّة وانتصارها وخذلان القوّات الفرنسيّة واندحارها." (2)
يؤكّد الدّكتور صالح الخرفي هذه الحقيقة في البطولة التي أظهرها الثّوار أمام أعمال العسف والجبروت التي قام بها العدوّ الغاصب المتغطرس: " والبطولة في الثّورة الجزائريّة ليست بطولة ساخرة متسامحة فحسب، ولا متحدّية جارفة، ولكنّها إلى جانب ذلك بطولة متفائلة، مشرقة الطّالع، مفترّة الآمال، وإنّ هذا التّفاؤلَ ليبلغ ذروته في ذروة المآسي، وتُفَجّرُ الآمالُ انطلاقتَها من انطلاقة الآلام، ويكاد الصّبح يسفر لذي عينين في ظلمة اللّيل الدّامس، ويتوارى الجانب القاتم للثّورة – وما أفظعه – في هذه الموجة العارمة من التّفاؤل، فلا تكاد تلتقي به في الشّعر إلاّ عبورًا، وتوطئة للتّحدّي، وإنّك لتبحث عن الجروح في الثّورة، فتجدها نازفة، والدّموعِ فتجدها سخينة ... ولكنّ الغد المشرق يجذبك إليه بيد سحريّة، ويغمرك بالنّشوة، التي تبخّر الألم في نفسك، ويضمد في عينيك تلك الجروح بشريط من الفجر الضّحوك، وإنّك لتجد نفسك – كما وجدت الثّورة نفسها – مقبلاً على الألم الشّريف، ازورارك عن اللّذة الرّخيصة، معتزًّا
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 10، 19. حظيت قصيدة " الذّبيح الصّاعد " بدراسات كثيرة، وتحليلات مستفيضة من الدّارسين، وما تزال في حاجة إلى تحليل ودراسات للكشف عن الأسرار التي تخبّئها. ينظر مثلا: أ – الدّكتور صالح الخرفي وكتابه: الشّعر الجزائري، ص: 233 - 236، 239. ب ـ الدّكتور محمّد ناصر وكتابه: مفدي زكريّاء شاعر النّضال والثّورة، ص: 62، 65.جـ الدّكتور يحي الشّيخ صالح وكتابه: شعر الثّورة عند مفدي زكريّاء، ص: 320 – 328. د - الدّكتور محمد ناصر بوحجام، 1 - كتابه أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص: 222، 255. 2 – مفدي زكريّاء شاعر رسالة (محاضرة) " هـ الدّكتور حوّاس برّي وكتابه: شعر مفدي زكرياء ... دراسة وتقويم: 67 – 70، 89، 90 ...
(2) - الدّكتور محمد ناصر، مفدي زكريّاء شاعر النّضال والثّورة، ط2، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، ... الجزائر، 1989م، ص:63. (1/88)
صفحة 85
بالحياة المصوّحة، نفورك من خضراء الدّمن. وتلك معجزة الثّورة التي فجّرت النّور من النّار ... " (1)
كما تبرز البطولة والشّجاعة اللّتان حرص الشّعراء على إبرازهما - إذكاء للحماسة في نفوس الوطنيّين لمواصلة الكفاح، وتوفيرًا لمزيد من وقود الثّورة على الغاصب الجائر المستبدّ - في هذا التّحدّي الذي أبداه مفدي زكريّاء في الاستهانة بأنواع التّعذيب والتّنكيل، التي يمارسها العدوّ ضدّه، وفي السّخريّة بالسّجن بِخاصّة. الذي ألفه وعرفه وخبره خبرة جيّدة لطول مكوثه فيه، وكثرة تردّده عليه، قال في السّجن سنة 1956م:
سيّان عنديَ، مفتوح ومنغلق ... يا سجن بابُك أمْ شُدّت به الحلق
أم السّياط بها الجلاّد ... يُلهبني ... أم خازن النّار، يكويني فأصطفق
والحوض حوضٌ وإن شتّى منابعه ... ألقى إلى القعر، أم أُسقى فأنشرق
سرّى عظيم فلا التّعذيب يسمَحُ لي ... نطقًا، وربّ ضعاف دون ذا نطقوا
يا سجن ما أنت؟ لا أخشاك تعرفني ... من يَحذق البحر لا يُحدق به الغرق (2)
غدا التّغنّي بالبطولة وتسجيلها بهذا الوعي الكبير، والإشادة بالتّحدّي، رسالة يقوم بها الشّاعر وشعبُه يواجه أقسى الامتحان في ميدان المقاومة، ويقابل أعتى الأسلحة في ذلك، وأشدّ المواقف حرجًا وقساوة ... يصارع كلّ ذلك بإمكانات ضعيفة جدًّا، بفضل قوّة الإيمان والإرادة، يغذّيهما وينمّيهما تشجيع الشّعراء، وتنمّيهما حماسة المجاهدين. فكان للأرض التي تحتضن هذه البطولات نصيبٌ من هذه الإشادة، ومجال لذكرها، قال صالح باوية:
في الذّرى، في الحقل، في كوخ الصّديقه
__________
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 243، 244.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 20، 21. (1/89)
صفحة 86
في ... رفاتي، ... حفر الفجر طريقه ... في ... دروبي، ... في المغارات العتيقه ... أنشديني، ... أنشديني ... يا صديقه
قصّة ... مشحونة بالموت، بالنّصر المغفّى في الينابيع العميقه
قصّة بكرا ... عنودا، لم يعد يوما ... بها سحر ... الأساطير ... العتيقه
قصّة (الأوراس) جرحى، جرحنا الخلاّق يا صحبي وجود وحقيقه
قصّة ... السّاعد والزّند المدمي، والهدايا ... والمناديل الأنيقه
قصّة ... العملاق، ... يُمناه ... دماء، ... ويُسراه ... زغاليل ... رقيقه
أنشديني، أنشديني يا صديقه. (1)
كلّ ما في الوجود أظهر البطولة، وشارك في المقاومة والتّحدّي، فالثّورة كانت عامّة عارمة، تشهد على الملاحم الكبيرة، والمعارك الطّاحنة الرّهيبة. يقول الدّكتور صالح الخرفي معلّقًا على هذه الأبيات، وكاشفًا عن جانب من البطولة التي صوّرها الشّاعر: " ولعلّ هذه الأبيات تقع بنا على أرض المعارك، وتشدّنا إلى أيّامها المشهودة، وملاحمها الخالدة، حتّى لا ننساح في جوّ صوفي، وفي شطحات روحيّة، فتأخذ البطولة في أعيننا صورة الاستسلام السّاخر، أو الخضوع المتسامح، أو الهروب التّصعيدي، أو تتجلّي لنا قابعة مشلولة في زنزانة، أو مقيّدة مغلولة في خطواتها المحتومة إلى المقصلة. (2)
إنّ أرض الجزائر وزواياها كلّها ميدان للنّضال، ومضمار لتقديم صور البطولة. والشّعر لا يتوقّف أبدًا عن مواكبة هذا التّحرّك، ومسايرة هذه الفدائيّة
__________
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 237. نشرت القصيدة في مجلّة الفكر التّونسية، ع: 5 فيفري 1958م.
(2) - امرجع السّابق، ص: 238، 239. (1/90)
صفحة 87
التي أصبحت من الأساطير التي لا تصدّق لشدّتها وقوّتها وطبيعتها الخارقة للعادة، هكذا رغب الشّعر أن يصوّرها، وهو يرصدها في كلّ مكان، ويريد من خلال تقديمها وتصويرها أداء رسالته في هذه الحرب الضّارية، قال صالح الخرفي:
وعلى الشّاهقات زَمجرَ ليْثٌ ... فيه في القلوب رعب ووجس
مسّه الضّيمُ فانبرى مستردًّا ... عزّه، والحياة ... بالضّيم تعس
ثائر ... أنْجبته ... تربة ... عزٍّ ... وجدود يوم الكريهة شَمس
ناشد ... الحقّ بالرّضا فتأبَّى ... ومن ... الحقّ ... ما يلين ويقسو
فامتطى صهوة الحروب يناجي ... مجده، والحروب للمَجد أُسّ
إنّما الحُرّ ... من يثور ... إدا ما ... لَحق ... العزّ ... بالكرامة دوس
أَلِفَ الحربَ فاستطاب لظاها ... فلهُ ... الهزء ... بالمكاره تُرس
وتغنّى ... عن هولها أغنيّات ... ما تغنّى بها لـ (ليلاه) (قيس)
ثائر، لَم يعد ... رهين ... جبال ... بل حداه ... إلى العواصم بأس
إنّه الظّل، ليس يَخلص منه ... أينما ... كان ... أجنبيّ ... أخسّ
شبح لَم تقع عليه عيون النْـ ... ـنَاس، والأذن بالخطى لا تحسّ
هو ... في ... مسرح البطولة ... جنّ ... وهو في عالم الحقيقة إنس (1)
__________
(1) - أطلس المعجزات، ص: 53 – 58. (1/91)
صفحة 88
أمّا أبو القاسم سعد الله، فيوجّه أسئلة إلى سجن بربروس، الذي خطف المجاهدين وضمّهم إلى نزلائه، ونكّل بهم أشدّ تنكيل، قائلاً له: من تُعذّب، ذبابًا أم بشرا؟ أقلوبًا تحطّم أم حجرًا؟ أأنت جحيم لا يطاق؟ هل أنت (الباستيل) المملوء جثثا؟ أوجدت لتقمع الأحرار، وتنكّل بالثّوار؟؟؟ (1)
لكنّ الشّاعر، بعد هذه الأسئلة السّاخرة، يقول لـ (بربروس): لن تنجح في كلّ ما تقوم به، فإنّ مصيرك سيكون مصير (الباستيل) سينقض المجاهدون أسوارك السّميكة، ويحطّمون زنزاناتك الحصينة، سينقضّون عليك، ويتخلّصون منك ويتحرّرون، ويقضون عليك، ولن تبقى سوى ذكريات في نفوسهم:
وهيهات، يا ألف قفل حديد
ويا ... ألف ... سوط ... شديد
ويا ألف ... زنزانة ... مظلمه
ستنهار جدرانك الشّامخه
وأقفالك ... المحكمه
كأمس البعيد
بأسلحة الظّافرين
بأيد غلاظ شداد
بأيدي الجموع الغضاب
تمامًا كأمس البعيد
فأصبحتَ شيئًا من الذّكريّّات
ستغدو من الذّكريات (2)
هذا ما فجّره شهر نوفمبر في الشّعب والشّعر، فأنتج هذه البطولة، وأثْمر هذه الخوارق وأعطى هذه الرّوائع. قال عنه مفدي زكريّاء:
تباركت شهرًا بالخوارق طافِحًا ... وسبحان من بالشّعب في ليله أسرى
__________
(1) - سجن في باريس، تحرير سجنائه كان منطلق الثّورة الفرنسيّة، التي حرّرت الشّعب الفرنسي من العبوديّة والاستغلال والبطش.
(2) - أبو القاسم سعد الله، النّصر للجزائر (ديوان)، ط3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، سنة 1986م، ص: 53. (1/92)
صفحة 89
فكَم كنت يا رَحْمنُ في الشّكّ غارقًا ... فآمنت ... بالرّحْمن في الثّورة ... الكبرى
وكَمْ كنت بين (الكاف والنّون) حائرًا ... ومذْ قُلتَها – ياربّ – جنّبتني الكفرا
ولبّاك ... شعبٌ، ... كاد ... يفقد ظنّه ... (بوعدك)، لولا أنّه يَحفظ الذّكرا
ويقرأ ... في ... التّنزيل، عند ... صلاته ... بأنّك ... بعد ... العسر ... تغمره يُسرا
وأشربته حبّ الشّهادة، فارَمى ... على غمرات الموت، تُلهبه الذّكرى
وطالبته ... بالمَهر، إن ... رامَ عزّة ... فأسرعَ، ... من أرواحه يدفع المَهرا
ولقّنْتَه ... أنّ ... الجِهادَ ... عقيدةٌ ... طَوَى الأزلُ العُلويُّ في صدرها سرّا
ودون منال المجد جسرٌ ومَعْبرٌ ... فراح على أكباده يقطع الجَسرا (1)
" أشار الشّاعر إلى الإسراء ليقول: إنّ الرّصاصة الأولى التي أعلنت انطلاقة ثورة أوّل نوفمبر كانت ليلاً، مثلما كان الإسراء ليلاً. فكان هذا السّرى خيرًا وبركة ونعمة على الجزائر؛ إذ جعلت الشّعب يهبّ للنّضال والجهاد لتحقيق النّصر، كما كان إسراء الرّسول - صلى الله عليه وسلم - خيرًا وبركة على البشريّة كلّها ... " (2) وفي اللّوحة تصوير كبير للتّحدّي والبطولات التي أظهرها الشّعب، وواكبها الشّعر.
في الحقيقة إنّ الشّعر الذي قيل عن الثّورة التّحريريّة ركّز على البطولة، لأنّ ما أظهره الثّوار في الميدان من قوّة وصمود وتحدٍّ، كان في مستوى ما كان يرجوه الوطنيّون من إشعالهم فتيل الثّورة، بالرّغم من ضآلة الإمكانات المادية، فرسالة الشّعراء هي احتضان هذا النّجاح، والتّشجيع على مواصلة الكفاح. إذن إنّ طبيعة شعر الثّورة، ليست سوى بطولة مسجّلة بكلمات، بعد أن تحرّكت في أرض المعارك والملاحم: جولات وصولات ووثبات فدائيّة ... هذه البطولة دفعت بالشّعراء إلى النّضال من أجل استرجاع المقوّمات التي سلبها الاستعمار من شعبهم، فكان أوّل ما ركّزوا عليه مسألة الوطن، فتغنّوا به إشادة وتمسّكًا به، ودفاعًا عنه، ودعوة إلى القراع لافتكاكه من أيدي الغاصبين.
* الوطن
إنّ الشّعر نهض كي يثأر للكرامة، ويدفع إلى التّحرّر من القيود، ويغرس حبّ الوطن في النّفوس، ويربط الشّباب بأرضه ومقوّماته، لذا كان ممّا حرص على تناوله قضيّة الوطن؛ حتّى يثبّت الانتماء في القلوب، ويركّز الهويّة في النّفوس، تناول الشّعراء موضوع الوطن، في إطار إذكاء الحماسة في أبناء الوطن؛ للتّمسّك بأرضهم الجزائر، ثمّ مواصلة خوض المعركة من أجل افتكاكه من براثن المستعمر الغاصب له. قال أبو القاسم سعد الله سنة 1955م وهو يكشف " عن مأساة ابن الجزائر، الذي ليس له من أمّه (الأرض) إلاّ ما ينغّص حياته، وينكّد عليه عيشه؛ بسبب ما يُمارسه عليه المستعمر من ألوان الحرمان والقهر والإبعاد والتّشريد. في الوقت نفسه يبيّن أنّ هذا الابن - رغم ذلك - يصرّ على الالتصاق بالأرض، ويعاهد على البقاء وفيًا لانتمائه وأصالته" (3):
يا مالكين
هذا ترابي من قديم
أسقيه من عرقي، وأفراحي الحبيبه
أسقيه ذكراي الكئيبه
أَسقيه ألحان البطوله
هذا ترابي من قديم
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 309، 310.
(2) - أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص: 334.
(3) - الدّكتور محمّد بن قاسم ناصر بوحجام، الشّعر والهويّة القوميّة، نشر الجاحطيّة، الجزائر، 1999م، ص: 19. (1/93)
صفحة 90
يا مالكين
تفديه كلّ جوانحي ودمي الحميم
يا مترفين
أنا هنا، أبدًا هنا
ذعر وإعصار ونار
لا شيء ... يَمنع سيلنا
إن قعقعت في أفقكم عزماتنا وسلاحنا
إنّا هنا، أبدًا هنا
نَمشي على الشّوك المذرَّب والحديد
ونشيد دنيا أمانينا الحبيبه
دنيا طليقه
في أرضنا الملأى بطاقات الحصيد
سنعيش أحرارًا وصيد
في أرضنا البكر الولود (1)
بقدر ما تحمل الأبيات من عبارات الأسى والتّذمّر والشّكوى، فإنّها تنبض سخريّة وتهكّمًا بالغاصب الذي يظنّ أنّه مالك الأرض، ومترف بخيراتها، وهو ما يوحي له أنّه خالد فيها. يبيّن له الشّاعر ويؤكّد: إنّ هذا ترابِي منذ القديم، فلن تستطيع أن تأخذه منّي، أتشبّثُ به، أرعاه وأسقيه بكلّ ما أملك، وأدافع عنه وأحميه بدمي ومهجتي، فأنا هنا.
بل نحن جميعًا هنا، إلى أبد الآبدين، مهما تفعل، ولو أرسلت: إعصارًا، نارًا، أو ألقيت ذعرًا ... فلن يقابل ذلك منّا سوى سيول من الدّماء؛ ووابلٍ من السّلاح؛ زحفًا عليك، وفداء للوطن ... لا يثنينا ما نَلقى في الطّريق من أشواك، فنحن ندفع الأذى، ونشيد المنى، ونريد أن نعيش أحرارًا في أرضنا، أشاوس صيدًا أعزّة فيه.
هذه المشاعر التي أفصح عنها الشّاعر، وهذا الإصرار على التّحدّي والمقاومة - برغم قلّة الإمكانات المادية، مقابل ما يملكه المحتلّ الغاصب، وبرغم كون هذه الأبيات قد نظمت وقيلت في بداية أيّام الثّورة (سنة 1955م) - تحمل دلالات كثيرة مهمّة في معركة التّحدّي والصّمود
__________
(1) - النّصر للجزائر (ديوان)، ص: 69، 70. القصيدة بعنوان: " ثورة الأرض ". (1/94)
صفحة 91
وتحديد المصير، منها: التّشبّث بالأرض، والتّعلّق بالوطن، وبعث الثّقة في النّفس، والاستهانة بقوّة العدوّ، ورسالة إلى الشّباب، بل إلى الجميع، أن يتحمّلوا المسؤوليّة في إنقاذ الوطن من براثن العدوّ ... إنّ الحديث عن الثّورة مقترنًا بالأرض دليل على الارتباط بالوطن، والتّمسّك بالثّوابت والمقوّمات.
أمّا مفدي زكريّاء فيقول سنة 1958م، وهو في السّجن، متحدّيًا كلّ الظّروف، متخطّيًا كلّ الحواجز، يكتب والثّورة تشتدّ ويقوى أوارها، وتزداد تفاعلاتها، وتتصاعد عمليّاتها؛ محقّقة انتصارات متتالية، مشجّعة على المواصلة. يسطّر أبياتًا ردًّا على استفزازات الفرنسيّين المتتالية، ومحاولاتهم المتكرّرة المركّزة على محو آثار كيان اسمه (الجزائر)، مبرزًا للعالم حقيقة هذا الكيان، وموجّها نظر المستعمر المستكبر إلى إعادة النّظر في دعاويه، وتغيير سياسته في التّعامل مع موضوع الانتماء، ولافتًا أنظار الجزائريّين إلى تقدير وطنهم حقّ قدره، والعمل على حمايته والرّدّ عنه كلّ اعتداء .. :
وقل: الجزائر واصغ إن ذكر اسمها ... تجد الجبابر ساجدين وركّعا
إنّ الجزائر ... في الوجود رسالة ... الشّعب حرّرها، وربّك وقّعا
إنّ ... الجزائر ... قطعة ... قدسيّة ... في الكون لَحَّنها الرّصاص ووقّعا
وقصيدة ... أزليّة، ... أبياتها ... حمراء، كانَ لها نُفَمبر مطلعا
نظمت قوافيها الجماجم في الوغى ... وسقى النّجيع رويَّها فتدفّعا
غنَّى بها ... حرّ ... الضَّمير ... فأيقظت ... شعبًا ... إلى التّحرير شمَّر مُسرعَا
سمعَ ... الأصمّ ... رنينها فحنا ... لها ... ورأى بها الأعمى الطّريق الأنصعا
ودرى الألى جهلوا ... الجزائر ... أنّها ... قالت: أُريدُ فصمّمت أن تلمعا (1/96)
صفحة 92
ودرى الألى جَحدوا الجزائر أنّها ... ثارت، وحكّمت الدّما والمدفعا
شقّت ... طريق مصيرها بسلاحها ... وأبت بغير المنتهى أن تقنعا (1)
استعمال أسلوب التّأكيد، واللّجوء إلى التّكرار: تكرار الألفاظ، وبخاصّة كلمة (الجزائر)، وتكرير المعاني بصيغ مختلفة، وانتقاء كلمات قويّة مثل: ... (الجبابر، الرّصاص، حمراء، الجماجم، الوغى، النّجيع، المدفع ... ) واختيار كلمات مقدّسة مثل: (ساجدين، ركّع، رسالة، قدسيّة، أوليّة، المنتهى ... ) واعتماد صيغة الأمر: وقل الجزائر واصغ إن ذكر اسمها، لتوجيه الأنظار، ولفت الانتباه. زيادة على المبالغة في التّصوير والتّقدير والتّعبير.
تَعَمُّدُ هذه الصّياغة يدلّ على احتدام المشاعر، وتوتّر الأعصاب؛ نتيجة استفزاز المستعمر لعواطف الشّاعر بإنكاره للهوية الجزائريّة، وتجاهله لأصالة وطن الجزائر، فأراد الشّاعر بقوّة هذه التّعبيرات التّأكيد على أصالة هذا الوطن وعزّته وقوّته. هذا الوطن الذي لا يمكن أن يُتَجَاهَلَ، فضلا عن أن يداس. وفي هذا تحذير للمحتل من التّمادي في سياسة التّهميش والتّحقير والادّعاء. وفيه - في الوقت نفسه - توجيه رسالة – كما هو شأن شعر الثّورة، إذ هو شعر رِسالي – إلى الشّعب الجزائري أن يَثْبُتَ في
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 58، 59. القصيدة بعنوان: " اقرأ كتابك "، نظمها الشّاعر في السّجن، في الذّكرى الرّابعة لاندلاع الثّورة، وألقيت بالنيابة عنه في إذاعة صوت العرب بالقاهرة. هي تعدّ سبعين بيتًا، بدايتها:
هذا نُمفمبر، قُمْ وحيّ المدفعا ... واذكر جهادك والسّنين الأربعا
واقرأْ كتابك للأنام مفصّلا ... تقرأْ به الدّنيا الحديثَ الأروعا
واصدع بثورتك الزّمان وأهله ... واقرعْ بدولتك الورى والمجمعا
واعقد لِحقّك في الملاحم ندوة ... يقف السّلاح بها خطيبا مِصقعا (1/97)
صفحة 93
الميدان، يقاوم كلّ عسف وكلّ حيف، ويُثْبِتَ للغاصب أنّه متمسّك بأرضه ومتعلّق بوطنه ...
" نقرأ في هذه الأبيات الإصرارَ على التّمسّك بالأرض والوفاء للَوطن، ونقرأ فيها التّقديس والتّعظيم للمنبت، ونسجّل في هذه المبالغةِ والتّصويرِ والتّقديرِ الصّدقَ والوفاءَ والمعاهدةَ على مقاومة كلّ ما يقف في طريق حبّ الوطن والهيام به، والعمل على نصرته. إنّ ذلك جزء من التّعبير عن الهويّة القوميّة. " (1)
يقول الشّاعر نفسه، وهو موتور الأعصاب، مهوس بحبّ الجزائر، مستعملا ألفاظًا فخمة فيها نوع من القدسيّة، قال يخاطب (سلوى) وهي رمز للجزائر، من باب الغزل السّياسي:
يا لائمي في هواها، إنّها قبس ... من الجزائر، والأمثال تنطبق
بنت الجزائر، أهوى فيك طلعتها ... كلّ ما فيك من أوصافها خُلُق
أحبّها مثل حبّ الله، أعبدها ... آمنت بالله لا ... كفر ولا نزق
أَرْضُ الجزائرِ في إفريقيا قُدُسٌ ... رحابها من رحاب الخلد إن صدقوا (2)
على منوال سعد الله ومفدي زكريّاء نسج بقيّة الشّعراء، وعن الشّعور نفسه صدروا، والدّافع هو تثبيت الانتماء في هذه المعركة المصيرية، والغاية تصحيح المسار؛ بنقض دعوى انفصال ابن الجزائر عن وطنه، والتحاقه بفرنسا، وردِّ مقولة (الجزائر فرنسيّة L' Algerie Française ) التي ما فتئ الغزاة يردّدونها على مسمع الشّعب، ويطلقونها في الآفاق. فكانت الصّيحات والنّداءات تتوالى للالتفاف حول الوطن، وتحميس الشّعب لمقاومة كلّ ما يصدّ عن هذا السّبيل، وقد
__________
(1) - الشّعر والهوية القوميّة، ص: 19.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 26.القصيدة بعنوان: " بنت الجزائر أهوى فيك طلعتها " تعدّ تسعة وخمسين بيتًا، نظمها الشّاعر في السّجن سنة 1956م، مطلعها:
سيّان عندي مفتوح ومنغلق ... يا سجن، بابك، أم شدّت به الحِلقُ (1/98)
صفحة 94
اتّخذت هذه الإشارات أشكالا مختلفة، عدّدها الدّكتور صالح الخرفي بقوله: " ومع الإصرار الانتمائي تتصاعد المقوّمات الأساسيّة للوطن، وتبرز الملامح المميّزة له، التّاريخ بذكرياته الماثلة، الدّين بعقيدته وإيمانه، القوميّة بأصالتها وعراقتها. اللّغة بتراثها وحضارتها. ويتغنّى الشّعر بعروبة الثّورة وعروبة الجزائر، كما لم يتغنَّ بها من قبل، وتنطلق القوميّة انطلاقة شعريّة، فيها عنف الاحتباس الخانق لها، طيلة الاحتلال الفرنسي، وتطفو لفظة (العروبة) على كلّ بيت، في كلّ قصيدة، وكأنّ الإصرار من الطّرف الآخر على أغنيّة (الجزائر قطعة من فرنسا) يزبد من جموح هذه اللّفظة وإلحاحها على الأبيات والقوافي. " (1)
حتّى يبرهن الشّعراء على أصالة الشّعب الجزائري، وارتباطه بالمقوّمات الأساسيّة، وابتعاده عمّا تريد فرنسا أن تزجّه فيه؛ بِحشرها له في زمرتها، ركّزوا على عروبة الجزائر، ردًّا على من يزعم أنّ الجزائر فقدت عنصرها العربي، ووقوفًا صامدًا أمام صلف فرنسا، ومحاولاتها اليائسة تجريد الجزائر من هذه العروبة، وهذا الانتماء. إذ أنّ هذه الدّعوى قد أثّرت على الأشقّاء، فظنّوا أنّ الجزائر قد تحوّلت نحو الغرب في انتمائها، واستدرجت فابتعدت عن الشّرق. فقال مفدي زكريّاء وهو في عمق معركة التّحرير، منافحًا عن عروبة الشّعب الجزائري، مبعدا عن الشّرق هذا الوهم، آخذا له تعهّدًا بالبقاء على العهد والنّهج:
رسولَ الشّرق قل للشّرق، إنّا ... على عهد العروبة سوف نبقى
وأمّا ... بالجزائر ... أنكرونا ... سنخرق وصمة الإجماع (2) خرقا
لقد زعموا الجزائر من فرنسا ... وراموا مزجها سفهًا وحمقا
سيعترف ... الزّمان ... غدًا ... بأنّا ... سبقنا ... وثبة ... الأقدار سبقا
__________
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 258.
(2) - قرّر البرلمان الفرنسي بالإجماع عند اندلاع الثّورة أنّ الجزائر فرنسيّة جنسًا وترابًا. (1/99)
صفحة 95
وأنّا في ... الجزائر خير شعب ... عروبته مدى الأجيال وثقى
وأنّ ... الوَحدة الكبرى إذا ما ... تحرّرت الجزائر سوف تبقى (1)
التزاما بهذا الوعد الذي أخذه الشّاعر على نفسه، نيابة عن شعبه، ووفاء بهذا العهد، أعلن أنّ عرى العروبة في الجزائر وثقى، بل هي فيها سوف تبقى. وقام مقارعًا من يريد سلب هذا المقوّم عن شعبه، أو إنكاره في وطنه، فقال عن هؤلاء:
واسْتدَرْجوهُ، فَدَبَّروا إِدْماجَهُ ... فَأَبَتْ عُروبتُهُ له أَنْ يُبلعَا
وَتَعَمَّدُوا قطعَ الطّريقِ، فَلَمْ تُرِدْ ... أسبابُه ... بِالعُرْبِ أن تَتَقَطَّعَا
نَسَبٌ بدُنيَا العُرْبِ زَكَّى غَرْسَُه ... أَلَمٌ، ... فَأَوْرَقَ ... دَوْحُهُ ... وَتَفَرَّعَا
سَبَبٌ بِأَوْتارِ القُلوبِ عُروقُهُ ... إنْ رَنَّ هذَا ... رَنَّ ذَاكَ ... وَرَجّعَا
تلكَ العروبةُ إِنْ تَثُرْ أَعْصابُها ... وَهَنَ الزّمانُ حيالها وتَضَعْضَعَا
الضّادُ في الأجيال خلَّدَ مجْدها ... والجرْحُ وَحَّدَ في هواها المنْزَعَا (2)
تَجاوُبُ الشّعب العربي مع الثّورة الجزائريّة، دليلٌ على ارتباط الجزائر العضوي بالعروبة؛ لذا أَبَتْ لها هذه العروبة أن تُبلَع، ولم ترد أسباب التّرابط بالشّرق والعرب أن تتقطّع، بل إنّ غرس العروبة نَما، وتفرّع وأثْمر هذا الارتباط والانتماء وهذا التّلاحم، وهو الذي أسهم في صدِّ ة كلّ محاولة لفصل الجزائر عن أرومتها، وقطع الطّريق أمام كلّ مُغِير على هذه الأصالة. (3)
تابع الشّعر رصده لحركة الثّورة في مختلف مجالاتها، وتتبّع مواطن البطولة، ومكامن الشّجاعة فيها، فقدّم صورة مهمّة عن نضال المرأة ومشاركتها الفعّالة في الثّورة، وسجّل بطولتها الكبيرة.
* نضال المرأة
أظهر الشّعر إعجابه بجهاد المرأة الجزائريّة، ووقف إجلالا وتقديرًا لعملها الكبير في معركة التّحرّر والانعتاق، وعدّها: " إنسانة الثّورة التي تُجسّد قيم التّضحية والصّبر والبطولة المشحونة بالمَحبّة والتّفاني. " (4)
تغنّى الشّعراء بأعمال المرأة المناضلة، ومجّدوا انتصاراتها، وحيّوا فيها البطولة والشّجاعة والعمل الدّؤوب المتّصل. فكانوا دومًا يشجّعونها على مواصلة النّضال، والخروج إلى مواطن النّزال، للمشاركة في العمل الكبير الذي يتطلّب تضافر الجهود.
خاطب الشّاعر محمّد بلقاسم خمّار أُمَّهُ وهو بعيد عنها من "حَلَب" قائلاً:
يا أمُّ، ... يا رمزَ التّقدُّم والعُلا ... يا مَنبعَ ... الأبطالِ ... والأحرار
ماضيك حاضرُنا، ونَحْنُ فروعُه ... هلْ في فُروعكِ يانعُ الأثْمارِ؟
هُبّي لحاضرِنا المُطوّقِ، إنَّهُ ... مُستقبلُ ... الأسْماع ... وَالأنظار
وابنِي مِنَ النّشْ ءِ الفتِيِّ منارة ً ... مشدودةً، ... مرفوعةَ الأسوار
واذْكِي بِآمالِ ... الطُّفولة
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 122، 123.
(2) - المصدر السّابق، ص: 59، 60. ينظر مزيدًا عن موضوع، الشّعر الجزائري وعروبة الجزائر الدّكتور صالح الخرفي، الشّعر الجزائري، ص: 259 ـ 263، وبحثنا " العروبة في شعر مفدي زكريَاء " مجلة الثّقافة، الجزائر، ع: 107/ 108، س: 20، مارس – أفريل 1995، ص: 39 – 77.
(3) - ينظر مقالنا: " العروبة في شعر مفدي زكريّاء "، مجلّة الثّقافة، الجزائر، ع: 107/ 108.
(4) - الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ص: 365. (1/100)
صفحة 96
شُعلةً ... وقّادَةً، ... وهّاجَةَ ... الأُوار
ثُورِي معَ الأجيالِ نَاقمةً علَى ... أَوْضاعِنَا بالحرْبِ، بالإِعصار
طُوفي علَى الوَطنِ المعذّب وازرعي ... في ... كلّ ... واجهةٍ ... دَمُ ... الثّوار
وطنٌ يُريدُ مِنَ الأمومةِ ثورةً ... ومن الشّبابِ تَحفّزًا للثّارِ (1)
إذا كان خمّار قد استنفر الأمومة، واستنجد بها لإذكاء روح الحماسة والثّورة في الشّباب، لتواصل رسالتها التّربوية، ومهمّتها الكبيرة، وهي بناء نشء قويّ فتيّ، يكون منارة وشعلة، وحربًا وإعصارًا، بعد أن تزرع فيه دم الثّوار؛ لينهض ليحطّم الأغلال، ويكسر الأصفاد، ويثأر للكرامة والعزّة ... فإنّ محمّد الصّالح باوية يطلب من كلّ امرأة أن تقوم بدورها كاملاً، فتحمل السّلاح، الذي يرهب العدوّ، ويزلزل كيانه:
حطّمِي الأغلالَ وامضِي للسِّلاح
حَطّميهَا، واهْتِفِي ملءَ الأثير
يا طغاةُ أشهدُوا اليومَ الأخير
حطّميها، لَم تَعودِي قطعَةً من أدواتي أو رُؤَى حُلْمٍ ثَقِيل
حَطّمِيها، لَم تَعودِي عنْد خلخال وسَوْطٍ ودُموعٍ وعوِيل (2)
كيف لا تستجيب المرأة الجزائريّة للنّداء وهي التي آمنت بضرورة الجهاد من أجل استرجاع كرامتها، وحماية عرضها، وافتداء أرضها، فتتقدّم إلى الميدان، وتقوم بواجبها أحسن قيام، فتكون بجنب الرّجل، تتكفّل بما ينسجم مع طبيعتها، وما يتلاءم مع إمكاناتها، وقد تتجاوز ذلك؛ بتأثير الحماسة التي تتّقد في نفسها، أو نتيجة وطأة الظّلم الذي تشاهده يمارس على شعبها.
سجّل مفدي زكريّاء هذا التّلاحم وهذا التّعاون بين الجنسين، فقال وهو يجسّد بطولة " أحمد زبانا "، قارنا إليها شجاعة المرأة. هو يَهدف
__________
(1) - محمّد بلقاسم خمّار، إرهاصات سرابيّة من زمن الاحتراق (ديوان)، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1986م، ص: 69.
(2) - محمد الصّالح باوية، أغنيّات نضاليّة (ديوان)، ص: 31. القصيدة بعنوان: " إنسانة الطّريق ". ينظر كتاب الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ص: 366. (1/101)
صفحة 97
بذلك أن يثبت أنّ الثّورة كانت عارمة عامّة، أشركت الجميع فيها، وصهرتهم في أتونِها. فبعد أن أشار إلى الشّباب والكهول والشّيوخ، قال:
وصَبايا ... مُخدَّرات ... تبارَى ... كاللّبوءات، ... تَسْتَفِزّ الجُنودا
شارَكتْ في الجهادِ آدمَ حوّا ... ءُ، وَمدَّتْ ... معاصمًا ... وزُنودَا
أَعْمَلَتْ في الجراح أُنْملَها اللّدْ ... ـنَ وفي الحربِ غصنها الأُملودا
فَمَضَى الشّعبُ بالجماجمِ يَبْنِي ... أُمّةً ... حُرّة ... وعزًّا وطيدَا (1)
المشاركة الكبيرة والفعّالة دفعت بالشّاعر صالح خبّاشة أن يسجّل بكلّ إعجاب دورها، ويغبطها على ذلك، وهو المحروم من العيش على أرض وطنه؛ إذ كان مغترباً قصيًّا عنه، بسبب الاحتلال، فلَم يملك سوى أن يرسل هذه المشاعر من بعيد مشاركة وجدانيّة منه في العمل الثّوري:
وفي (أوراس) أَغْبِطُ كُلَّ رَامٍ ... يُسدّدُ ... للعدُوّ رصاصَ حَتْف
وفي (أوراس) رَاعَتْنِي اللّواتِي ... زَحَفْنَ معَ البواسِلِ أيّ زَحْف
تَخِرُّ لَها الأعادِي وِهيَ غَضْبَى ... وقدْ تَشفِي الجريحَ بَلمسِ كفّ (2)
مشاركة المرأة في الثّورة اتّخذت أشكالا مختلفة، وفي كلّ شكل تظهر بطولة عالية، أدهشت الشّعراء فقالوا عجبًا في وصفها وتصوير هذه البطولة. قال صالح الخرفي مقدّمًا لأبيات للشّاعر أبي القاسم سعد الله: " وإذا تلمّست ملامح المرأة الثّائرة في الشّعر، وجدتها (أُمًّا) تتلقّى برقيّة استشهاد ابنها في الجبل باعتزاز وفخر، وتحتضن أطفاله الصّغار هاتفة هتافه قبل أن يلفظ أنفاسه: (المجد للوطن). وليست بالأمّ المترفة
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 15.
(2) - الرّوابي الحمر، ص: 132، 133. (1/103)
صفحة 98
النّاعمة، ولكنّها الفخورة بفقرها الشّريف، وحاجتها الملحّة، وحياتها القاسية العاصفة، التي أثارها التحاق ابنها بالجبل" (1)
يقول سعد الله:
وَفَضَّت الغلافَ في اضطراب
أناملُ معروقةٌ سمراء
تَفوحُ بالدِّهانِ والعَرق
وكان وجهُها خُطوط
وقلبُها بُخور
وشعرُها خَميلة جرْداء
وَأَدْنَتِ البِطاقةَ الزّرقاء
مِنَ المنظارِ الأشْعثِ الحزين
وحَدَّقتْ بِعُمقٍ واشتِهاء
إلى الظّلالِ في الحُروف
إلى العُنوان التّائهِ المسْحور:
" برقيَّة من الجَبَل "
وأََفْرَغَتْ أضواءَها علَى السُّطور
أضواءَها العريقةَ القِدم
وتَمْتَمَتْ:
" اسْتُشِهْدَ الصّديق "
محمّد، بِطَلْقةٍ صَمَّاء
إذْ كانَ في اشْتبَاك
يطارِدُ الأعْدَاء
وقالَ في احتِضارِهِ: المجدُ للوَطَن
أَموتُ في ثَراه
ذرّةٌ من تُربِه، قَطرةٌ من مائِه، أُمَّاه!
وَالْثِمِي أَطْفالِي
وِردّدِي نَشيدِي:
المَجْدُ للوَطَن
__________
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 247. (1/104)
صفحة 99
رفاقه علَى الجَبَل
وَمدَّت اليَديْنِ في الفَضاء
وفي العَيْنَيْنِ دَمْعتَانِ من لَهِب
وَثَرْثَرَتْ بِصوتِها المخنوق:
" المَجْدُ للوَطَن " (1)
كلّ ما أراد الشّاعر أن يثبّته في أذهان المتلقّي هو قوّة تجلّد المرأة أمام هول الموت، الذي يعصف بفلذة كبدها، وثباتها أمام هذا الإعصار الذي يقضي على قلب الوالدة، حين يصلها خبر ذهاب وليدها ورحيله عنها إلى الأبد. لكنّ المرأة المؤمنة بقضيّتها، الواعية لدورها وواجبها في المشاركة في التّحرّر من الأغلال والقيود، تتجاوز هذه القاعدة، ولا تنظر إلى الموقف سوى أنّه وسام وشرف يمنحان لها في خضمّ معركة الكرامة والعزّة.
الوصف الدّقيق والمركّز لمراحل وصول البرقية، وطريقة فتحها، ولحظات الانتظار لمعرفة ما تحمله، والمقاربة بين حال المرأة، التي تكشف عن وضعية بائسة، وقراءة الخبر، وما أعقب ذلك من مظاهر الرّضا والفرح بما حدث، ثمّ التّلفّظ بعبارة " المجد للوطن " التي تردّدت أكثر من مرّة في النّصّ ... إنّ كلّ ذلك يبرز الهدف الذي أراد الشّاعر أن يصل إليه، وهو تسجيل بطولة المرأة ومشاركتها الفعّالة في الثّورة إلى جانب الرّجل؛ إذ المرأة خارج هذا الإطار هي مخلوقة عاديّة، تؤثّر فيها عواطفها الطّاغية فتضعفها، بينما أمام الواجب المقدّس لا يمكن إلاّ أن تكون قويّة، تبعث في الرّجل التّفاؤل والأمل، وتزرع فيه قوّة العزيمة؛ ليواصل العمل. كما أنّ هذا الوصف والتّصوير رسالة موجّهة لمن يعنيه الأمر، يعلنان لهم أنّ الثّورة استقطبت كلّ فرد، من دون استثناء، فلا يمكن لأيّ وطنيّ أن يفكّر إلاّ في العمل والجهاد لقهر العدوّ ودحض الشّرّ، وطرد الاستعمار.
النّصّ السّابق عرض موضوع تجلّد المرأة (الأمّ) أمام خبر استشهاد ابنها. أمّا النّصّ الآتي فيعالج قضيّة الحكم على المرأة الثّائرة نفسها بالإعدام، بعد أن ضاقت فرنسا بنضالها وشجاعتها ذرعًا، واستشاطت
__________
(1) - النّصر للجزائر، ص: 57 ــ 60. (1/105)
صفحة 100
غضبًا، وفزعت لتحدّيها وسائلَ القهر والاضطهاد ... (1) فلم تجد في النّهاية غير وسيلة الإعدام سبيلا لتتخلّص من القلق النّفسي والعجز الكلّي عن إيقاف هذا الإعصار وهذا السّيل الجارف.
لكنّ هذا العمل الجبان أثار ضدّ فرنسا موجة من السّخط والسّخريّة من الأحرار والشّرفاء في العالم بأسره، وبخاصّة في حقّ " جميلة بوحريد " التي أصبحت فيما بعد رمز الصّمود والبطولة والشّجاعة والوطنيّة، التي صدر في حقّها حكم الإعدام سنة 1958م.
تحرّك العالم يندّد بهذا الحكم، ويطالب فرنسا أن تمسح العار عن نفسها؛ بالعدول عن حكم الإعدام، فتصدر في القاهرة، عن دار الفكر في السّنة نفسها مجموعة شعريّة بعنوان: " جميلة "، ويؤلّف عبد الرّحمن الشّرقاوي مسرحيّة شعريّة بعنوان: " مأساة جميلة "، وتكثر الأشعار كثرة لافتة للنّظر، مستهجنة هذه العمل المشين المسيئ لمن حمل شعار (العدل والحريّة والمساواة). فما كان من المتغطرس الضّعيف الذّليل إلاّ أن يعدل عن الحكم. فيكتب الشّعر عن هذا الحدث روائع كبيرة خالدة، عِظَمَ الثّورة وخلودها، تعانقت وتناغمت مع سموّ المرأة البطلة والشّجاعة.
يقول صالح الخرفي: " ولكنّ الشّعر الثّوري في الجزائر يعالج مأساة (جميلة) بنفس الرّوح المتسامية، والتّصعيد البطولي، ويهلّل للموتة الشّريفة، تقترب من إحدى بطلات الجزائر، ويحدو (جميلة) بما حدا به الشّهيد (زبانة)، ويعتزّ بها قربانًا جديدًا على مذبح الحريّة، ولأيّة غاية تتعلّق البطلة بالحياة، أليست تعيش ذروة الفخر والاعتزاز، أليست بالغة في الشّهرة مداها، وفارضة على التّاريخ اسمها الدّاوي، فلتقدم على الموت لتهب الحياة لشعبها، ولتنْزل المقصلة، أو ليتدلَّ الحبل، أو لتدوّ الرّصاصة، ولتسترح (جميلة) إلى الأبد. " (2)
نظم الكاتب نفسه قصيدة بعنوان: " استريحي يا جميلة " يوم 4 من أفريل 1958م، وذلك قبل أن يرفع الحكم عنها، كتب يحيّي البطلة،
__________
(1) - برزت في الميدان – بخاصّة – الجميلات الثّلاث: جميلة بوحريد، جميلة بوباشا، جميلة بوعزّة.
(2) - الشّعر الجزائري، ص: 250، 251. (1/106)
صفحة 101
ويريدها أن تقبل بهذا المصير، كما تقبّله " أحمد زبانا " قبلها. وهنا يرمز بجميلة إلى كلّ فتاة جزائريّة. وهو بهذا يوجّه نداء إليها أن تقدّم نفسها قربانًا للوطن، وتتقدّم إلى ميدان الشّرف بقوّة، ولا تهاب الموت، لأنّ في طلبِها الموتَ هبةَ الحياة لغيرها، وراحةً لهم من النّكد والتّعاسة:
لن تَموتي يا جَميله
قالها النّاس، ولكن لَم أقلها يا جميله
أنا أهوى أن تَموتي يا جميله
أملي أن تستريحي يا جَميله
فالرّدى في وهج القسوة أنسام عليله
إنّ في موتك للشّعب انتصارات جليله
إنّ في شنقك ويلات على أيدٍ دخيله
صرخة منك وآهات وأنّات عليله
فجّرت بالعطف دنيا، هي بالعطف بخيله
قرّبت للشّعب مرماه، وللباغي أفوله
وجد الحيران في آهاتك الحيرى دليله
حيّة أنت فديت الشّعب، فافديه قتيله
أنا أدرى النّاس، كم تهوين موتًا يا جميله
كَم طلبت الموت، كَمْ منيته عَذْرَا نَحيله
غير أنّ الموت أحيانًا، له كفّ بَخيله (1)
ظلّت الجميلات الثّلاث رمزًا للنّضال والتّضحية والفداء، ومثالاً للبطولة والشّجاعة، وبقين أملاً تَحذو حذوهنّ جميلات الجزائر، وأصبحن ملهمًا للشّعراء في التّعلّق بالحريّة، والتّمسّك بأهداب الكفاح. فمفدي زكريّاء حين نظم معلّقته "فلا عزّ حتّى تستقلّ الجزائر " سنة 1961م، عاهد نفسه أن يواصل النّضال حتّى يتحرّر وطنه، كان من بين ما استلهمه نفحات الجميلات الثّلاث:
بلادِي، يَمينًا ... بالذي ... شرَعَ ... الفَِدا
في السّاحاتِ، ... يَسْتَرْخصُ
__________
(1) - أطلس المعجزات، ص: 89 - 91. (1/107)
صفحة 102
العُمرَا
وبالخمسةِ الأحرارِ تُخطفُ في السّما
ويَحجزُهُم في السّجنِ جلاّدُهم ... أَسِْرَى
وحقِّ (الجميلات الثّلاثِ)، ... وبالتي
أجابَتْ، فَراحتْ للفِدا، تَهجُرُ الخِدرَا
سنثأر ... حتّى ... يعلمَ ... الكونُ ... أنّا
أَرَدْنَا، فَأَرْغَمْنَا بِإِ صْرارِنا الدّهرَا (1)
تقول الدّكتورة أنيسة بركات درّار: " ... إنّ الشّعراء قد اهتمّوا بأختهم المجاهدة، وتغنّوا بأعمالها الجليلة، ومجّدوا انتصاراتها في ميدان الكفاح، وتضحياتها في سبيل الكرامة والشّرف.
إنّ هذه المرأة المجاهدة التي شاركت في ثورة التّحرير مشاركة فعّالة وضحّت بكلّ نفيس من أجل وطنها الغالي، سوف تبقى رمز الجهاد والتّضحيّة في تاريخ الجزائر؛ لأنّها سطّرت صفحة مشرقة ببطولتها في كفاح بلادها." (2)
* الخاتمة
الشّعر الذي قاله الشّعراء عن الثّورة الجزائريّة كان عظيمًا؛ فقد تمكّن من أن يواكب الثّورة عن كثب، ويندمج فيها اندماجًا كليًّا، بل غدا جزءًا منها في عملها ونضالها. وكان لها الوقود الذي ألهب نارها، وكان لها الحادي الذي حمّس أبناءها للتّحرّك، وكان السّجّل الذي حفظ إنجازاتها، وكان السّفير الذي نقل عنها إلى الأشقّاء والأصدقاء، وعرّفهم بها، وكان
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 318.
(2) - أدب النّضال في الجزائر، ص: 113. (1/108)
صفحة 103
الحامي لها من التّشويه والتّزييف والتّعتيم والتّضليل ... إذا أمكن إيجاز بعض النّتائج التي خلصنا إليها، حول هذا الشّعر، فإنّنا نقول:
1 - تميّز شعر الثّورة بمواكبة الأحداث والتّفاعل معها، من دون اهتمام الشّعراء بالجانب الفنّي كثيرًا في نظمه؛ لسرعة الأحداث، والرّغبة في تسجيلها؛ لذا كانت له قيمة تاريخيّة، أكثر منها فنّيّة، فهو يشهد على مرحلة حاسمة في تاريخ الجزائر، وعلى مرحلة مهمّة في مسيرة الشّعر الجزائري.
2 - كان صوتًا قويًّا، يحمّس الثّورة، ويذكي أوارها في النّفوس، ويشحذ العزائم للثّبات والمواصلة والتّحدّي.
3 – كان رسالة يؤدّيها للمرابطين في الثّغور، والمناضلين في الميدان. وكان أمانة للأجيال، سجّل لها تاريخها، وعزّها ومجدها.
4 - غلب على الشّعر التّفاؤل والأمل العريض في تحقيق النّصر والوصول إلى الأهداف؛ لذلك عني بتسجيل البطولة أروع تسجيل؛ فصوّرها أبدع تصوير: تنويعًا ودقّة وحركيّة وقوّة. هنا تكمن الرّسالة، التي تتزيّا وتتلبّس بالتّفاؤل والأمل.
5 – في طريقة تعامل الشّعراء مع أحداث الثّورة إيماءات عميقة المغازي، فيها توجيه الأجيال إلى الوفاء لهذه المكاسب والأمجاد، والإضافة إليها بما يضمن البقاء على النّهج، والاستمراريّة والتّطوّر.
المصادر والمراجع
1 ـ أبو القاسم سعد الله (دكتور)
النّصر للجزائر (ديوان شعر)، ط3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر،1986م.
2 ـ أحسن بومالي
استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى (1954 – 1956م)، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، (د. ت). (1/109)
صفحة 104
3 ـ أنيسة بركات درّار (دكتورة)
أدب النّضال في الجزائر من سنة 1945م حتّى الاستقلال، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1964م.
4 ـ صالح خبّاشة
الرّوابي الحمر (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر،1971م.
5 ـ صالح الخرفي (دكتور)
أ ... ـ الشّعر الجزائري، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت).
ب ـ أطلس المعجزات (ديوان شعر)،ط2، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر،1962م.
6 ـ عبد السّلام الحبيب الجزائري
اذكريني يا جزائر (ديوان شعر)، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ... 1986م.
7 ـ محمّد الصّالح باوية
أغنيّات نضالية (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1971م.
8 ـ محمّد بلقاسم خمّار
أ ــ أوراق (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، ... 1967م.
ب ـ إرهاصات سرابيّة (ديوان شعر)، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، ... الجزائر، 1986م.
9 ـ محمّد العيد محمّد عليّ خليفة
ديوان محمّد العيد محمّد عليّ خليفة، ط3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1992م.
10 ـ محمّد ناصر (دكتور)
مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ط2، نشر جمعية التّراث،
العطف، غرداية، الجزائر، 1989م
11 - محمّد ناصر بوحجام (1/110)
صفحة 105
أ ـ أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1،ج2، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م.
ب ــ الشّعر والهوية القوميّة، نشر الجاحظيّة، الجزائر، 1999م.
جـ ـ " مبادئ الثّورة الجزائريّة "، الملتقى الثّاني لإطارات السّلك الدّيني لولاية باتنة، باتنة، الجزائر، 30/ 05 ـ 01/ 06/ 1415هـ / 05 ـ 06/ 1994م.
د ــ " أسباب عزوف الشّباب عن تاريخ الثّورة "، الملتقى الثّالث ... (الشّباب الجزائري والتّاريخ)، الرّابطة الجزائريّة للفكر والثّقافة، باتنة، الجزائر، 17 ــ 19 أفريل 1995م.
12 ــ مفدي زكريّاء
اللّهب المقدّس (ديوان شعر)، ط2، منشورات وزارة التّعليم ... الأصلي والشّؤون الدّينية، 1973م.
13 ــ نور سلمان (دكتورة)
الأدب الجزائري في رحاب الرّفض والتّحرير، ط1، دار العلم ... للملايين، ببروت، 1981م.
14 ـ؟؟
الطّريق إلى نوفمبر كما يرويها المجاهدون، المجلّد الأوّل، الجزء الأوّل، ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، (د. ت).
15 ــ مجلّة الثّقافة، وزارة الثّقافة، الجزائر، س: 20، ع: 107، 108، مارس/ أفريل 1995م.
16 ــ المجلّة الثّقافيّة، الجامعة الأردنيّة، عمّان، المجلّد الثّلاثون، 1414هـ/ 1993م.
17 ـ مجلّة الدّراسات التّاريخيّة، معهد التّاريخ، جامعة الجزائر، ع: 08، سنة 1993 ـ 1994م.
الجزائر يوم السّبت: 28 من رمضان 1427هـ
21 من أكتوبر ... 2006م (1/111)
صفحة 106
الدّكتور محمّد بن قاسم ناصر بوحجام
إسلاميّة شعر الثّورة
سجّل الشّعراء مسيرة الثّورة الجزائريّة بروح إسلاميّة، فَأضفوا عليها الطّابع الإسلامي؛ إذ إنّ الذين ثاروا على الاستعمار الفرنسي قاموا ليحرّروا أرضهم ويصونوا عرضهم من دنس الكفّار والملحدين النّاقمين على الإسلام.
عدّ الشّعر ليلة أوّل نوفمبر 1954م، التي انطلقت فيها أوّل رصاصة للتّحرير، ليلة القدر في التّاريخ الإسلامي والدّعوة الإسلاميّة. قال مفدي زكرياء:
دَعَا التاريخُ لَيْلَكَ فاسْتَجَابَا ... نُفَمْبَرُ، هَلْ وَفَّيْتَ لَنَا النّصابَا
وَهَلْ سَمِعَ المُجيبُ نِدَاءَ شَعْبٍ ... فَكَانَتْ لَيْلَةُ ... القَدْرِ الجَوابَا
تَبَاركَ لَيْلُكَ المَيْمُونُ نَجْمًا ... وَجَلَّ جَلالُه هَتَك الحِجابا
زَكَتْ ... وَثَباتُهُ ... عَنْ أَلْفِ ... شَهْرٍ ... قَضَاهَا الشَّعْبُ، يَلْتَحِقُ السَّرابَا
وهزّت ثورة " التّحرير" شعبًا ... فهبّ الشّعب ينصبّ ... انصبابَا
تَنَزَّلُ ... رُوحُها ... مِنْ ... كُلِّ أَمْرٍ ... بِأَحْرارِ الجَزائِرِ قَدْ أَهَابَا (1)
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 30، 31. (1/112)
صفحة 107
لقد كانت هذه اللّيلة بالنّسبة للجزائريّين ليلة القدر، فهي بذلك ليلة عظيمة مقدّسة؛ لأنّها كانت فاتحة عهد جديد، وصاحبة الفضل لفتح مبين، جاءت به للجزائريّين، وقد فتحت لهم طريق الانعتاق من نير الاستعمار، فكانت عظمةَ ليلة القدر، التي نزل فيها القرآن، الذي غيّر حياة النّاس وحوّلها إلى سعادة وأمن وهناء ... كذلك كانت ليلة أوّل نوفمبر نقطة تحوّل في حياة الجزائريّين، وبداية تبديد ظلام الظّلم والقهر وسلب الحقوق، ومنطلق تغيير الوضع إلى حال الأمن والأمان.
صوّر الشّاعر صالح خبّاشة قوّة الثّورة وعظمتها، وسجّل استمراريتها وبقاءها صامدة، بل زاحفة على كلّ قوّة، تحاول القضاء عليها، ووسمها بأنّها مشعل من نور الله، ومعجزة مستمدّة من إرادة الله. قال الشّاعر:
هي مشعل كم حاولوا إطفاءَه ... والله ... يأبَى ذاك، ... فهو تَمامُ
هيَ معجزاتُ، حيّرت ألبابَهم ... وتقاصرَتْ ... عن سرّها الأفهامُ
قالوا: همُ الصّحبُ، الذين قليلُهم ... يُفنِي الكثير، فمالهم ... أجسام (1)
الصّورة مقتبسة من قوله تعالى: {يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرونَ} (سورة التّوبة: 32). ومن قوله تعالى: { ... كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَليِلةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرينَ} (سورة البقرة: 249)
الممارسات التي قام بها الاستعمار الفرنسي لِثَنْيِ الشّعب الجزائري عن عزمه، والنّيل من إرادته في التّحرّر من الظّلم والضّيم والغشم، وصدِّ ثوّاره عن مواصلة الكفاح والنّضال ضدّ غطرسة العدوّ المحتلّ، ومنعه من مقاومة فظائع الظّالم المستبدّ، المدجّج بالأسلحة الفتّاكة، والمدعوم بالأحلاف العسكريّة ... لم تمنع الجزائريّين من المضيّ في درب الكفاح والجهاد. صوّر الشّاعر صالح الخرفي هذا الصّمود، وقرنه إلى ثبات سدّ ذي القرنين، الذي صمد أمام طوفان "ياجوج وماجوج":
__________
(1) - صالح خبّاشة، الرّوابي الحمر (ديوان شعر)، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1971م، ص: ... 137، 138. (1/113)
صفحة 108
رَمانَا الغَرْبُ بالنوّب الدّواهِي ... فَكُنَّا في اتّساع الصّدرِ بَحرَا
وجاؤُونا (بياجوجَ) جنودًا ... فكُنّا سدَّ (ذِي القَرْنين) أسْرَا
فَرامُوا بالحديدِ له انْصداعًا ... فكانَ حديدُهم للسّدّ قِطرَا
فما اسْتطاعُوا لهُ نَقْبًا، فولّوا ... على الأعقَابِ، يَلتَمِسُون أزرَا (1)
" إذا توقّفنا عند تفسير الآيات (2) التي استلهمها الشّاعر لبناء صورته هذه، أدركنا مدى توفيقه في اختيار الصّورة المعبّرة عن حقيقة ما أراد تصويره. ذكر المفسّرون أنّ (ياجوج وماجوج) كانوا من أكلة لحوم البشر، يخرجون في الرّبيع، فلا يتركون أخضر إلاّ أكلوه، ولا يابسًا إلاّ احتملوه (3) ألم تكن فرنسا آكلة لحوم الجزائريّين بالإعدام والإفناء؟ ألم تتّبع سياسة الأرض المحروقة، والإتيان على الأخضر واليابس؟
كما أنَّ الشّاعر حافظ على كثير من عبارات الآيات (ياجوج وماجوج، سدّ ذي القرنين، قِطر، فما استطاعوا له نقبا). كلّ ذلك يشير إلى تعلّق الشّاعر بالصّورة التي فصّلت القول في تصوير قوّة ذي القرنين، أمام ممارسات ياجوج وماجوج، وقوّة الثّوّار الجزائريّين، أمام تعسّفات المستعمر الفرنسي." (4)
كانت ضربات الفدائيّين قويّة، وقتالهم شرسًا، دوّخ فرنسا، ومن يساندها، فأثارت رعبًا وهلعًا في صفوف الأعداء، ووصلت إلى معاقلهم فدكّتها، وأوجدت اضطرابًا في هيئاتها. هذه القوّة تهيّأت للجيش الجزائري لأنّه استنصر الله فنصره، وهو القويّ العزيز:
وقال الله: كنْ يا شعبُ حربًا ... علَى مَنْ ظلَّ لَا َيَرْعَى جنابَا
__________
(1) - صالح الخرفي، أنت ليلاي (ديوان شعر)، ص: 16.
(2) - تراجع الآيات: 90 – 93 من سورة الكهف.
(3) - ينظر محمد علي الصّابوني، صفوة التّفاسير، القسم الثّامن، طَ1، دار القرآن الكريم، بيروت، َ1981م، ص:30.
(4) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 232، 233. (1/114)
صفحة 109
وقال الشّعبُ: كُنْ يا ربُّ عونًا ... على مَنْ باتَ لا يَخْشَى عقابََا
فكَانَ، وكانِ من شَعْبٍ وربٍّ ... قرارٌ أحدث العَجَبَ العُجابَا
جهادٌ ... دَوَّحَ ... الدّنيا ... وأَلْقَى ... (هنالِك) في سياستِها اضْطرَابَا
وَزَلْزََلَ ... مِنْ صياصيهَا فَرَنسا ... وَأَوْقَعَ في حُكومتِها ... انقلابََا
وَحَرْبٌ، للكرامَةِ ... في بِلادٍ ... مَضَتْ تَفْتَكُّ عِزّتَهَا غلابَا (1)
الحرب التي خاضها الشّعب الجزائري مباركة من الله، بل الله هو الذي دعا إلى محاربة من لا يراعي إلاّ ولا ذمّة، ولا يرعى حقوقًا. والشّعب بدوره يستنصر الله على من يطغى ويتجبّر ... فالتقت إرادة الله في الانتقام من الظّالم المستبدّ برغبة الشّعب في نصرة الله، فكان هذا الجهاد الباسل الذي حيّر الأعداء، وأحدث في نفوسهم الفرَقَ، وألقى في قلوبهم الرّعب. فتزلزلت حصونهم التي يحتمون بها، وتزعزعت قلاعهم التي يخطّطون فيها. (2)
إنّ الشّاعر أراد أن يكون دقيقًا في تصويره، عميقًا في تعبيره، أصيلا في صياغته، فاختار الاستعانة بالنّسق القرآني يمتاحه، حتّى يسعفه ليصوّر ما يريد تصويره، فيبقى في فلك التّصوّر الإسلامي يدور ويجول، فيعطي للثّورة الجزائريّة طابعها الإسلامي.
إنّ الصّورة مقتبسة من قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الذِينَ ظَاهَروهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِم الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرونَ فَريقًا} (سورة الأحزاب، الآية: 26)
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 32. لفظة (هنالك) الواردة في النّصّ. تعني الأمم المتّحدة.
(2) - قريب من هذا التّعبير والتّصوير ما سجّله الشّاعر نفسه في إلياذة الجزائر سنة 1972م:
تأذّن ربّك ... ليلة قدر ... وألقى السّتار على ألف شهر
وقال له الشّعب: أمرك ربّي ... وقال له الرّبّ: أمرك أمري ... (ينظر إلياذة الجزائر، ص: 69) (1/115)
صفحة 110
" إذا استحضرنا المناسبة التي نزلت فيها الآية القرآنيّة، وهي غزوة الأحزاب التي تحالفت فيها قريش مع بني قريظة لضرب المسلمين، فهمنا الإيحاءات التي أوجدتها هذه اللّفظة:
1 - فرنسا جنّدت كلّ قوّاتها لضرب الثّورة الجزائريّة، وقريش جمعت كلّ إمكاناتها للقضاء على المسلمين.
2 - فرنسا احتمت بحصون الحلف الأطلسي، ومنظّمة الأمم المتّحدة، التي خذلت القضيّة الجزائريّة، وغيرها من المنظّمات الدّوليّة. وقريش استعانت ببني قريظة؛ لتساعدها في حربها ضدّ المسلمين. فتكون فرنسا – بذلك – قد ملكت صياصي، تحتمي بها من ضربات الثّوّار الجزائريّين. مع ذلك فقد زلزلت تلك الحصون، كما انهزم الأحزاب؛ بما أرسله الله عليهم من رياح، فرّقت جمعهم، وشتّتَتْ قوّاتهم.
هذا التّصوير لقوّة الثّائرين وإمكاناتهم، واندحار الغاصب الدّخيل، وهذه الظّلال، رسمتها لفظة " الصّياصي ". فكانت بين الصّورتين مقابلة دقيقة ورائعة. ربط فيها الشّاعر بين الدّلالة اللّغويّة والتّاريخيّة والتّصويريّة للّفظة." (1)
البطولات التي صنعها الشّعب الجزائري في ثورته المظفّرة على الظّلم والطّغيان والجبروت، والمواقف التي وقفها الأبطال الأشاوس ... هي من صنع مدرسة الإيمان، ومن إعداد حظيرة الإسلام. لذا ربطها الشّعراء بالرّوح الإسلامية، وصبغوها بالصّبغة الدّينيّة، وهم يدوّنونها ويحفظونها في سجلاّتهم، لتقرأها الأجيال المتعاقبة، وتنتفح بها وتنتفع. نأخذ نَموذجًا واحدًا يصوّر هذا التّناول. وهو مقتطفات من قصيدة " الذّبيح الصّاعد" لشاعر الثّورة الجزائريّة مفدي زكريّاء. التي خلّد بها حدثًا بطوليًّا تاريخيًّا مهمًّا، وهو تدشين الشّهيد "أحمد زبانا " المقصلة، إذْ أعدم بوحشيّة؛ لذنب واحد ارتكبه، هو رفع السّلاح لاسترجاع حقّه المسلوب ممّن غصبه منه، وتحرير وطنه من الاستبداد والطّغيان. (2)
__________
(1) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 241.
(2) - أحمد زبانا أوّل شهيد دشّن المقصلة، أعدم في سجن " بربروس " بالجزائر العاصمة، يوم 19 جويلية 1956م. كما ذكر لي ذلك أستاذي الدّكتور محمد ناصر، وليس سنة 1955م، كما ورد في اللّهب المقدّس، ص: 9. (1/116)
صفحة 111
قدّم الشّاعر صورًا عن البطولة التي أبداها الشّهيد، وهو يستعدّ للصّعود إلى المنصّة التي تطيح به جسدًا، وترفعه روحًا. قدّم وصوّر مشهد الإعدام، الذي عاشه وشاهده عن قرب، وهو سجين في السّجن نفسه الذي شهد هذه الفضيحة الكبرى، وهذا الفعل الجبان. قدّم - بذلك - صورة عن نذالة المستعمر، ومن خلالها أرسل رسالة إلى الأبطال في الميدان، أن يستمرّوا في النّضال، ويواصلوا الجهاد، فلا تثني هذه الممارسات من عزائمهم. قال في السّجن:
قام يَختالُ كالمسيحِ ... وئيدَا ... يتهادَى نشوانَ، ... يتلو النّشيدَا
باسمَ الثّغرِ كالملائكِ، أو كالطّـ ... ـفل، يستقبلُ الصّباحَ الجديدَا
شامِخًا ... أنفه ... جلالًا ... وتيهًا ... رافعًا رأسَه، ... يُناجِي الخلودَا
رافلًا في خلاخلَ زغردت، تَمـ ... ـلأُ منْ لَحنها الفضاءَ البعيدَا
حالمًا كالكليم، كلّمه المِجْـ ... ـدُ، فشدّ الرّحالَ يبغِي الصّعودَا
وتسامَى كالرّوحِ في ليلة القدْ ... رِ سلامًا، يَشعُّ في الكون عيدَا
وامتَطى مذبحَ البطولةِ معرا ... جًا، وَوافَى السّماءَ يرجو المزيدا
قام يَختالُ كالمسيحِ ... وئيدَا ... يتهادَى نشوانَ، ... يتلو النّشيدَا
باسمَ الثّغرِ كالملائكِ، أو كالطّـ ... ـفل، يستقبلُ الصّباحَ الجديدَا
شامِخًا ... أنفه ... جلالًا ... وتيهًا ... رافعًا رأسَه، ... يُناجِي الخلودَا
رافلًا في خلاخلَ زغردت، تَمـ ... ـلأُ منْ لَحنها الفضاءَ البعيدَا
حالمًا كالكليم، كلّمه المِجْـ ... ـدُ، فشدّ الرّحالَ يبغِي (1/117)
صفحة 112
الصّعودَا
وتسامَى كالرّوحِ في ليلة القدْ ... رِ سلامًا، يَشعُّ في الكون عيدَا
وامتَطى مذبحَ البطولةِ معرا ... جًا، وَوافَى السّماءَ يرجو المزيدا (1)
تقدّم الذّبيح إلى المقصلة بخطى وئيدة، وبنفس مطمئنّة، وقلب فرح منشرح، ورأس مرفوعة، وأنف شامخ، وفي ظمأ وشغف إلى حياة غير التي عاشها في الأرض، أرادها أن تكون في السّماء ... تقدّم لكي يعدم في مذبح البطولة. إنّها نفس المؤمن المطمئنّ والرّاضي عَمَّا قدّم في سبيل الله. فهو كالمسيح عيسى الذي رفع إلى السّماء، وهو كالكليم موسى، يريد أن يكلّمه المجد، كما كلّم الله موسى، وكالرّوح تسامى في ليلة القدر ...
الشّاعر يصف عرسًا، ولا يحكي عن مأتم، إنّها الرّوح الإسلاميّة، التي تملأ جوانحه، وهو يقدّر المواقف ويزنها بِميزان الإسلام. إنّها رسالة الفنّان، التي تدعوه أن يرفع من معنويّات المجاهدين في الميدان، فيضاعفوا جهودهم، ويقوّوا جهادهم. في الوقت نفسه يغتال معنويّات العدوّ؛ حتّى لا يتمادي في طغيانه، فيكفّ عن ظلمه.
ما صوّر به الشّاعر الشّهيد وهو يتقدّم ليعدم، هي – قي الحقيقة - بطاقة هويّة المناضل، الذي لا يجزع مِمّا يلقى، والمجاهد الذي يَحتسب أجره عند ربّه.
يواصل الشّاعر وصف الموقف، وردود فعل الشّهيد قبل إعدامه:
وتَعالَى مثلَ المؤذّنِ، يتلو ... كلماتِ الهدى، ويدعو الرُّقودَا
صرخةٌ ترجفُ العوالِمُ منها ... ونداءٌ ... مضَى، ... يَهُزّ ... الوجودَا:
أَشْنِقونِي، فلستُ أخشَى حبالا ... واصلبونِي، فلستُ أخشَى حديدَا
وامْتَثِلْ ... سافرًا ... مُحيّاك
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 9، 10. (1/118)
صفحة 113
جلاّ ... دِي، ولا تَلْتَثِمْ، فلستُ حَقودَا
وَاقْضِ يا موتُ فِيَّ مَا أنتَ قاضٍ ... أنا راضٍ، إنْ عاشَ شعبِي سعيدَا
أنا إنْ مِتُّ، فالجزائُ تَحيا ... حُرّةً ... مُستقلّةً، ... لنْ ... تَبيدَا
قوْلةٌ، ... ردّدَ الزّمان، ... صداها ... قُدُسِيًا، ... فأَحْسَنَ ... التّرديدَا
احْفظوهَا ... زَكيّةً ... كالمثاني ... وانْقُلُوهَا ... للجِيلِ ذِكْرًا مَجيدَا
وأقيمُوا منْ شَرعِها صلواتٍ ... طيّباتٍ، ... ولَقّنُوها الوليدَا (1)
إنّ الشّهيد قبل أن يعدم قدّم للأحياء مثلا لِما ينبغي أن يكونوا عليه، وأذاع فيهم كلمات، كلّها هدى ونور، هي نداءات للقيام، وعدم النّوم والتّأخّر عن العمل. اختار أن تكون من مكان عالٍ علوًّا حسّيًّا ومعنويًّا. من فوق المصطبة التي أُعلِيَ عليها ليُقضَى عليه منها. فكانت بالنّسبة له المئذنة التي ينادي منها إلى خير العمل وخير الفلاح، وهي الصّلاة، التي تأتي بعد هجوع، يدوم ليلاً كاملاً.
هزّ بكلماته وصرخته، التي أدهشت، حتّى الذين أمروا بقتله، والذين كلّفوا بتنفيذ الحكم. قدّمها صرخة، أعلن من خلالها عقيدة من هم على شاكلته، ممّن بقي حيًّا، يواصل مسيرته هو. وهي الصّرخة التي تحدّى بِها سحرةُ فرعون سيّدَهم، حين انقلبوا عليه، وتركوا باطله إلى الحقّ الذي جاء به موسى عليه السّلام.
في هذا الاستيحاء، وفي هذا الرّمز من الإشارات والإيماءات، ما يستطيع فهمها ووعيها من رزق الثّقافة القرآنيّة، وأعطي فتوحًا إيمانيّة. (2)
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 9، 10. القصيدة بعنوان: " الذّبيح الصّاعد "، تعدّ ثمانية وستّين بيتًا، نظمها الشّاعر في السّجن، وهو يشاهد تنفيذ حكم الإعدام على أحمد زبانة، ليلة 18 من جويلية (تموز) سنة 1956م.
(2) - الآية التي استلهمها الشّاعر في هذه اللّوحة الفنّية الرّائعة هي قوله تعالى: {قَالُوا لَنْ نوْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيّناتِ وَالذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحياةَ الدُّنْيَا} سورة طه، الآية: 72. (1/119)
صفحة 114
لمْ يُثْنِ زبانا الصّلب، ولا الشّنقُ، ولا التّنكيل عن الثّبات على ما آمن به، وهو واجب مواصلة الكفاح والجهاد. وهو القائل في رسالة بعث بها إلى والديه: " إذا حدث لي شيءٌ، لا يليق بكم أن تحزنوا، فالموت في سبيل الجزائر سينقلني إلى حياة دائمة عند ربّي، والموت في سبيل الوطن هو واجب على كلّ مناضل، وقد وجب عليكم يا أهلي الأعزّاء أن تضحّوا بإنسان، هو أعزّ ما عندكم، وهو ولدكم." (1)
فَـ "زبانا " لا يضيره، ولا يحزنه ولا يقلقه ما آل إليه أمره وما قضي عليه. ما يهمّه هو أن يبقى شعبه حيًّا، يعيش سعيدًا. هذا ما يجب أن يحمله كلّ جزائري، وكلّ ثائر في قلبه، ويعمل على تجسيده في الميدان، فكانت رسالة الشّاعر أن يوصل هذه الفكرة، وهذا الشّعور إلى الأجيال المتعاقبة؛ لذا طلب من الجميع وعي صرخة "زبانا"، وتَحويلها إلى ممارسة يوميّة، وتلقينها للنّاشئة، كما تلقّن القرآن، وتعلّم الصّلاة. حرصًا منه على الإبقاء على جذوة الجهاد والنّضال متّقدة في النّفوس، تنتقل بين الأوصال عبر الأجيال.
إذن إنّ " زَبَانَا " لم يقتل، ولم يقضَ عليه، بل غاب عن الوجود، ورفع إلى السّماء، كما رفع عيسى عليه السّلام. وانتهى إلى المنتهى، كما رفع الرّسول - صلى الله عليه وسلم -. فزبانا يستمدّ روحه وحقيقته من أرواح الأنبيَاء. ومصيره مصير الشّهداء، الذين لم يموتوا، بل هم أحياء عند ربّهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله. ومن جهة أخرى إنّ "زبانا" لم يفقد. فقد صعد إلى السّماء؛ ليبلّغ من هم هناك أنّ الثّورة مستمرّة، وأنّ القوم على العهد باقون، وفي الدّرب سائرون. وأنّ القهر لم يقضِ على النّضال والكفاح والجهاد. في هذا التّعبير والتّصوير جانب نفسي كبير، يخدم الثّورة، ويجهض مؤامرات العدوّ.
زَعَمٌوا ... قَتْلَهُ، ... وما قَتَلُوهُ ... لَيْسَ في الخالِدينَ عيسَى الوَحيدَا
لفَّهُ ... جبريل ... تَحتَ
__________
(1) - مجلّة المعرفة (وزارة الأوقاف)، الجزائر، ع: 16، س2، نوفمبر 1964م، ص: 89. (1/120)
صفحة 115
جنَاحيـ ... ـهِ، إلى المُنْتَهَى، رَضِيًّا شَهيدَا
وَسَرَى في فمِ الزَّمانِ "زبانا" ... مَثَلاً ... في ... فَمِ ... الزّمانِ ... شرُودَا
يا ... " زَبانَا "، أَبْلِغْ ... رِفاقَكَ عَنَّا ... في السّماواتِ، قَدْ حَفِظْنا العُهودَا
وَارْوِ عَنْ ثَوْرَةِ الجزائر للأفـ ... ـلاكِ والكائِناتِ، ذكْرًا مَجيدَا (1)
الشّهيد مكرّم في السّماء، وفي عليّين، وهو خالد بذكره وجهاده في قلوب الرّجال المخلصين الأوفيّاء. فالثّورة بعده ماضية في سيرها بخطى ثابتة، ويقين بالنّصر في النّهاية؛ لأنّ هذا وعد من الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد.
هذه الشّجاعة الخارقة، وهذه البطولة النّادرة، اللتّان أظهرهما الشّعب الجزائري، نابعتان من الإيمان الرّاسخ الذي سكن قلوب رافعي السّلاح، فكانوا حاملين لعدّة الإيمان قبل أن يحملوا عدّة السّلاح. من هنا جاء إصرارهم على التّحدّي والصّمود ومواصلة مسيرة الجهاد. هذا ما سجّله مفدي زكريّاء في هذه اللّوحة البديعة.
لجأ في هذا التّسجيل إلى الشّذرات التّاريخية، والخوارق والمعجزات التي عرف بها رسل الله، يصوّر هذه البطولة؛ فقد رآها أحسن ما يكشف عن هذا التّحدّي والصّمود، ويظهر هذه القوّة الكبيرة. قال سنة 1961م، أي سنة قبل حصول الجزائر على استقلالها، وتحرير أرضها من المحتلّ الغاصب، قال تحت عنوان: " فلا عزّ .. حتّى تستقلّ جزائر":
وَرِثْنَا عَصا موسَى، فَجَدَّدَ صُنعَها ... حِجانا، فَرَاحَتْ تَلْقفُ النّارَا، لا السّحرَا
وَكلَّمَ ... موسى اللهُ في (الطّور) خِفْيَةً ... وفي (الأطلسِ الجبّار) كَلّمَنا جَهْرَا
وَأَنْطَقَ عيسَى الإنْسِ، بعدَ وفاتِهِمْ ... فَأَلْهَمنا - في الحربِ – أنْ نُنْطقَ الصَّخرَا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 11. (1/121)
صفحة 116
وَكانَتْ ... لِإبراهيمَ ... بَرْدًا ... جَهنّمُ ... فَعَلّمَنَا – في الخَطْبِ– أَنْ نَمْضغَ الجَمْرَا
وَآدمُ ... بِالتّفاح، ... ضَيَّعَ ... خُلْدَهُ ... وَ (مريان) بالتّفاحِ، نُلْقِي بها البَحرَا
وَحدَّثنَا ... عن – يومِ بدرٍ – مُحمّدٌ ... فَقَمْنَا ... نُضاهِي في جَزائِرنَا بدرَا (1)
صوّر الشّاعر في هذه اللّوحة البديعة قوّة الشّعب الجزائري، وبسالة ثوّاره في الميدان. فكانت الخوارق التي أظهرها مستمدّة من الرّوح التي يصدر عنها أنبيّاء الله، الذين أيّدهم ربّهم بعون منه، ونصرهم بقوّته.
تبدو في النّصّ المقارنة، وربّما المفاضلة أحيانًا. أقول: إنّ الشّاعر" لَجأ إلى المقارنة، وتعمّد المبالغة؛ ليفصح عن مشاعره، من دون أن يهدف إلى المفاضلة، أو يقصد عقد مقارنة حقيقيّة. فالمقارنة لا تصحّ، فضلاً عن المفاضلة. لكنّها المشاعر الفيّاضة، والرّغبة في الكشف عن خلجات النّفس، ونقل العدوى الشّعورية إلى المخاطبين، وتوضيح الرّؤية للآخر، والقصد إلى زرع الأمل في النّفوس، والرّفع من معنويّات المجاهدين.
هذا الأسلوب تُحتّمه طبيعة المرحلة التي تَمُرّ بها الثّورة، التي هي في حاجة إلى دعم معنوي كبير، لتمضي قُدُمًا؛ لِما تلاقيه من حرب نفسيّة، مسعورة، وفقر مادي، لا يتناسب مع ما يملكه العدوّ، فكان لابدّ – إذن – من انتهاج أسلوب دعائي، يستجيب لمتطلّبات المقاومة والصّمود، ويسكت الأصوات المتعالية هنا وهناك، بأنّ الثّروة ستفشل، مثلما فشلت مثيلاتها من قبل." (2)
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 308، 309. (ماريان) رمز بها الشّاعر إلى فرنسا. للشّاعر الصّورة نفسها في إلياذة الجزائر، التي كتبها سنة 1972م، أي بعد استقلال الجزائر:
نُفَمْبَرُ غيّرت مجرى الحياة ... وكنت نُفَمْبَرُ مطلع فَجر
وذكّرتنا في الجزائر بدرًا ... فقمنا نضاهي صَحابة بدرِ. ... (ينظر إلياذة الجزائر، ص: 69)
(2) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص 311. (1/122)
صفحة 117
هذه هي رسالة الشّعر الحقيقيّة. وهذا هو العمل الإسلامي، الذي يبحث عن الوسيلة المجدية في خدمة الدّعوة. فحرب التّحرير الجزائريّة، هي في صميم العمل الإسلامي. والحرب النّفسيّة إحدى وسائل العمل، والحرب خدعة، وإلقاء الرّعب في قلوب الكفّار والمشركين هو من عمل الله (1)، كما فعل مع المشركين في غزوة بدر. والشّاعر عدّ حرب التّحرير قبسًا من بدر الخالدة، التي كان وقودها الإيمان الصّادق الثّابت، واليقين في الله العليّ القدير. لهذا جاء النّصرُ المؤزّر، وكان الفتح المبين. هذا ما حدث في الثّورة التّحريريّة. قال مفدي زكريّاء مخاطبًا شهر نوفمبر في القصيدة نفسها:
وَلبّاك ... شعبٌ، كادَ ... يَفْقِدُ ظَنّه ... (بِوَعْدِكَ)، لَوْلَا أنّهُ يَحفظُ الذّكْرَا
وَيَقْرُأ في التَّنْزيلِ، عِنْدَ صلاتِهِ ... بِأنّكَ بَعْدَ العُسْرِ، تَغْمُرُهُ يُسْرَا
وَأُشْرِبْتَهُ حُبَّ الشّهادة فارْتَمَى ... على غمَراتِ الموْتِ، تُلهبُهُ الذّكرَى
وطَالَبْتَه ... بالمَهْرِ، إنْ رامَ عزّة ... فَأَسْرعَ، من أرواحِهِ يدفَعُ المهرَا
وَلَقّنْتَهُ ... أَنّ الجِهادَ ... عَقيدَةٌ ... طوَى الأزلُ العُلويُّ في صدرِها سِرَّا
ودُونَ منال المجدِ جسرٌ ومعبرٌ ... فراحَ على أكبادِهِ يقْطعُ الجسرَا (2)
__________
(1) - ينظر الآية 12 من سورة الأنفال.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 309، 310. (1/123)
صفحة 118
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الشّيخ إبراهيم بيّوض منقذ الصّحراء من براثن الاستعمار الفرنسي!!!
يوم 12 من جوان 1959 قام جاك سوستال بزيارة ميزاب لدراسة أوضاع الصّحراء، بعد التّقارير التي قُدِّمتْ للسّلطات الفرنسيّة عن وضعيّة الصّحراء المزرية، وسوء معاملة الاستعمار الفرنسي لسكّانها. فبعد أن قدّم تقريره عمّا عزمت الحكومة الفرنسيّة فعله لتحسين الأوضاع، وتنفيذ بعض المطالب المقدّمة، أجابه الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله – (باسمه ونيابة عن الميزابيّين): " .. إنّي أشكرك على هذه الزّيارة لتطَّلع في عين المكان على حالة هذه المنطقة ... عندما اقترحْتُ إلحاقَ ميزاب بالجزائر رأسًا، أخذتُ بعين الاعتبار كون الغالبية العظمى من سكّان ميزاب كانت وجهتُهم نحو الشّمال في جميع عمليّاتهم التّجاريّة، ومعاملاتهم الأخرى وحركاتهم الدِّينيّة والماديّة والأدبيّة كالمساجد والمقابر والمحاكم الشّرعيّة، وليس لها شيءٌ من ذلك في الجنوب". أجابه سوستال: “ nous vérrons” ( أعمالي في الثّورة، ص: 61، 62).
أخذ الجنرال ديغول قضيّة فصل الصّحراء بحزم وجدّ، وجعلها مسألة كرامة فرنسا وعزّتها وقوّتها وهيمنتها على المنطقة، لا يمكن التّفريط في هذا ولا التّنازل عن حقّها في حيازة الصّحراء وضمّها إلى ترابها وممتلكاتها .. فطلب من مستشاره أوليفي قيشار Olivier Guichard دراسة ملفّ الصّحراء بعمق وعناية خاصّة ..
كبرت المؤامرة، وأحكمت الخطط، واشتدّت الأزمة، وبان الخطر على مستقبل الجزائر كلّها؛ بالسّير بخطًى حثيثة لاقتطاع جزء مهمّ من ترابها .. "وبدأت نوايا الاستعمار تتّضح في فصل النّواحي في الصّحراء عن الأوطان التّابعة لها، وتأكّد هذا الاتّجاه عند الفرنسيّين لمّا استفحلت حرب التّحرير الجزائريّة، واشتدّت على المستعمرين، وبعد أن استقلّت تونس (1/124)
صفحة 119
والمغرب، فكان أن وافق البرلمان الفرنسي في 10 من جانفي 1957 على تكوين المنظّمة المشتركة للنّواحي الصّحراوية ( ocrs)، والغرض منها كما نصّ القانون استثمار الصّحراء والتّوسّع الاقتصادي ورفع المستوى الاجتماعي للمناطق الصّحراوية التّابعة للجمهوريّة الفرنسيّة." (لقطات من تاريخ الولاية السّادسة ومسألة الصّحراء، المركز الثّقافي الإسلامي، بسكرة).
يتطلّب التّحرّك لمقاومة هذه المؤامرات والمناورات، تخطيطًا محكمًا، وتدبيرًا قويمًا، ووقوفًا حازمًا، ونضالاً مستميتًا، يقود كلَّ ذلك رجالٌ أكفاء، يتمتّعون بِحِسٍّ وطني كبير، وفكر وحدوي أصيل، ونظر شمولي للقضيّة الصّحراويّة؛ في حاضرها ومآلها، وفي عمقها الاستراتيجي بالنّسبة لمستقبل الجزائر كلّها: وَحدةً ترابيّة وفكريّة وحضاريّة شاملة ..
فكان لها الوطنيّون الكبار، الذين لبسوا الوطنيّة دروعًا تقيهم ضربات المجهزين عليها من الأعداء بمختلف أشكالهم وألوانهم وأطيافهم، واتّخذوا من حبّ الوطن حصنًا منيعًا يصرفهم ويحميهم من كلّ استلاب واغتصاب لأرضهم وما يملكون عليه ...
من هؤلاء المناضلين الشّيخ إبراهيم بيّوض الذي وقف موقفًا حاسمًا حازمًا صارمًا في قضيّة فصل الصّحراء عن شمال الجزائر، رافضًا ومقاومًا كلّ محاولةِ سلبِ الوطن الجزائري قطعةً منه. هذا الوطنيّ المجاهد الذي قال عنه عبد الله بن طوبال، وزير الدّاخليّة في الحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة، مثمّنًا دوره في القضيّة: " ... أصبح طرفًا مهمًّا في الكفاح ضدّ الاستعمار، إذ أصبح عرصة في قضيّة المحاولة الفرنسيّة لفصل الصّحراء عن بقيّة التّراب الوطني ... استطاع الشّيخ بيّوض الإمام والزّعيم الرّوحي أن يجرّ الصّحراء الجزائريّة في القضيّة التّحريريّة (أي القضيّة المشار إليها)، وبعد ستّة أشهر من ذلك دعانا ديغول إلى طاولة المفاوضات، فكانت في البداية (إيفيان) ثمّ (مولان) ثمّ (إيفيان) مرّة ثانبة، التي توصّلنا بها إلى استقلال الجزائر والصّحراء" (الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 150، 151).
رشّحت الحكومة المؤقّتة المناضل الوطني الشّيخ بيّوض ليقوم بدور المحافظة على وحدة التّراب الوطني، بمقاومة كلّ محاولة لفصل الصّحراء عن الجزائر وإلحاقها بفرنسا؛ لكفايته السّياسيّة، ووطنيّته المتميّزة، ومكانته في (1/125)
صفحة 120
قومه وبني وطنه .. فكان الشّيخ بيّوض ومنطقته وادي ميزاب من خير من يقوم بدور المحافظة على الصّحراء جزائريّة. يقول عبد بن طوبال: " ... إنّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع. وغرداية تعني الشّيخ بيّوض." (المرجع السّابق، ص: 152).
حاولت فرنسا ضرب الوحدة الوطنيّة بإشاعة أخبار كاذبة، والقيام بحرب إعلاميّة، إذ نشرت خبرًا في جريدة (ليبراسيون Libération) الفرنسيّة أنّ وفدًا ميزابيًّا سافر إلى باريس، وطلب الانفصال عن الجزائر، وإقامة جمهوريّة صحراويّة؛ -كذبًا وزورًا وبهتانًا - (فكذّابو الأمس هم كذابو اليوم، والزّور والبهتان طبيعة النّفوس الشّريرة السّفيهة الأفّاكة. فكما دحضت مؤامرات أعداء الأمس سقط في أيدي أوغاد اليوم) وعلم القاصي والدّاني زيف هذه الدّعوى.
تصدّى الشّيخ بيّوض لهذه المؤامرة وخاطب الحاكم الفرنسي. قائلاً:"وقلت بالحرف: إنّني ممثّل الأغلبيّة السّاحقة من بني ميزاب، والصّحراء جزء لا يتجزّأ من الجزائر، قديمة لم تتغيّر، ولن تتغيّر، وقد دافعت بحرارة عن توحيد السّياسة الإداريّة بين الجنوب والشّمال؛ لأنّها قطر واحد بِخُطب ونشريات ودعايات قبل صدور الدّستور الجزائري، وقبل انتخابات المجلس الجزائري، ودافعت عن الفكرة ضدّ الانفصاليّين من فوق منبر المجلس الجزائري، حتّى اضطرّت الحكومة الفرنسيّة إلى إرسال لجنة بحث إلى ميزاب، فكانت مظاهرات، وكان لنا معها جولات، وبعد نحو عام أرسلت لجنة أخرى برلمانيّة لنفس الغرض، جيث لم ترضِها النّتيجة الأولى، فكانت النّتيجة كذلك، إنّ ميزاب لا يريد بأيّ ثمن فصله عن الجزائر، ثمّ أكّدتُ له أنّه لا يوجد - مطلقًا - أيُّ وفدٍ في باريس يتكلّم باسم ميزاب، وأنَّه لن يستطيع أحدٌ أن يجرُؤَ على التّكلّم باسمه إلاّ من اختارته الأمّة بنفسها." (أعمالي في الثّورة، ص: 32، 33).
هذا هو موقف الشّيخ بيّوض ووادي ميزاب في مسألة فصل الصّحراء عن الوطن الجزائري: الرّفض القاطع لكلّ تجزئة للتّراب الجزائري، والتّصّدي لكلّ تفرقة بين أبناء الشّعب الواحد. هذا ما أكّدته جريدة المجاهد، اللّسان المركزي لجبهة التّحرير الوطني الجزائريّة:" فالصّحراء الجزائريّة جزء من الجزائر، والميزابيّون الجزائريّون مثلا كغيرهم من سكّان أقطار الجنوب (1/126)
صفحة 121
الآخرين، جزء من الأمّة الجزائريّة، وخير دليل على ذلك مشاركتهم الفعّالة في كفاح التّحرير." (جريدة المجاهد، ع:2، ص: 38، 39).
أصدر الجنرال ديغول أمره بفصل الصّحراء عن التّراب الجزائري يوم: 02 من ديسمبر 1960. ثمّ أوفد مسؤولاً كبيرًا إلى وادي ميزاب، فجمع الأعيان الميزابيّين، وقال لهم: " إنّ فرنسا ترغب منكم أن توافقوا على تأسيس جمهوريّة صحراويّة مستقلّة، على غرار جمهوريّة موريطانية، وإنّها تعدكم بالتّأييد والحماية. وأخبرهم أنّه أمر أيضًا بإبلاغ هذه الرّغبة إلى بعض الشّخصيّات الصّحراويّة، أجابه الأعيان بأنّهم سيدرسون الأمر، ويجيبونه بعد حين." (الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 72، 73).
مارست فرنسا مع الشّيخ بيّوض سياسة الإغراء، ونهجت معه أسلوب التّطويع والتّليين؛ محاولة منها إقناعه قبولَ الطّلب، بصفته الشّخصيّةَ المحوريةَ والأكثر نفوذًا في المنطقة، والأصعب محاورة ومفاوضة في الموضوع، فأغرته بالمال والنّفوذ وبسط السّيطرة على الصّحراء .. فلم تَجِدْ منه استجابة، ولَمْ تُجْدِ مُحاولاتُها، ولم تنل منه ما تريد. إذ أجاب الشّيخ موفد ديغول بدهاء سياسي وتملّص ذكيّ ... قائلاً: " بما أنّ الصّحراء تضمّ خليطًا من السّكان: بني ميزاب والمخاليف والشّعانبة وغيرهم، فالجواب على طلبكم لا يكون إلاّ عن طريق استفتاء حرّ، فالقضيّة قضيّة الجميع، لا تخصّنا نحن الميزابيّين ... " (نبذة من حياة الميزابيّين ... ج1، ص: 19)
تحرّك الشّيخ بيّوض لإجهاض المحاولات، التي قامت بها السّلطات الاستعماريّة لتمرير مشروعها، وبخاصّة لقاء المسؤولين الفرنسيّين ببعض الشّخصيّات الصّحراويّة .. قام الشّيخ بالاتّصال بهذه الشّخصيّات لتنسيق الجهود معها، ولتنبيه بعضها، لخطر المشروع، حتّى لا تقع في فخّ المؤامرة المحبكة في القضيّة.
هذه الخطوات الجريئة كانت محلّ تقدير وتثمين من الرّجال المخلصين للوطن، والعارفين أقدار العاملين الجادّين، ولا يدرك عظمة الرّجال إلاّ العظماء في تفكيرهم وسلوكهم، وتصرّفاتهم وحبّهم الشّديد للخير وللوطن. قال الدّكتور محمد العربي الزّبيري: " ولقد تمكّن أبو بكر حمزة من جعل عدد من الشّخصيّات الصّحراويّة يحضرون أوّل لقاء في مدينة الأغواط من أجل إدخال مشروعه حيّز التّنفيذ (مشروع إقامة الجمهوريّة الصّحراويّة المستقلّة ذاتيًّا)، لكنّ الشّيخ بيّوض أجهض (1/127)
صفحة 122
العمليّة، واتّصل بالحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة، يحيطها علمًا بتفاصيل الموضوع، ويستصدر الأوامر اللاّزمة لإفشال مساعي التّقسيم" (ديغول ... والصّحراء، ص: 17)
نهض الشّيخ بيّوض فقام بواجبه الدّيني والوطني، لبسقط مشروع التّآمر على وحدة التّراب الوطني، وكان من وسائله التّوعية والتّذكير بالواجب الدّيني والوطني نحو الوطن بكلّ مقوّماته، قال لإخوانه في النّضال والوطنيّة: " إنّ ديننا وكرامتنا ووطنيّتنا لا تسمح لنا مطلقًا بأن ننفصل عن إخواننا الجزائريّين في الشّمال، وأنّه من الخير لنا ولأبنائنا أن نربط مصيرنا بمصير الجزائر كلّها ... وأن نجيب كلّنا بكلمة واحدة: إنّنا نريد أن نكون دائمًا جزائريّين، ومصير الصّحراء هو مصير الشّمال الجزائري، ولا نقبل الانفصال عنها في أيّ حال من الأحوال." (أعمالي في الثّورة، ص: 80).
أثيرت قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال في المجلس الاقتصادي بورقلة في خريف 1961، تدخّل الشّيخ بيّوض، وقدّم عرضًا عن القضيّة، وأفاض في حيثيّاتها، وكان ممّا قاله مخاطبًا رئيس المجلس: "سيّدي الرّئيس، إنّ مجلسنا مجلس اقتصادي بحت، ينظر في ميزانية العمالة، فاختصاصنا لا يخرج عن دائرة المكاتب والمصحّات والطّرقات والمواصلات، وما أشبهها من الماديّات، ولا يحقّ لنا مطلقًا في التّكلّم باسم الأمّة في أمر سياسي هامّ خطير، الحقّ فيه للأمّة بأسرها. ثمّ من جهة أخرى سيّدي الرّئيس، إنّ فرنسا لم تكن تستشيرنا يوم قطعت الصّحراء، وجعلت لها نظامَ التّراب الجنوبي الخاصّ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشّمال، سمّتها أحوازًا ممتزجة. فهي تصل وتفصل، وتتحكّم كما تريد، بل أكثر من ذلك كنَّا نطلب أشياء من حقّنا، ونرفع أصواتنا بها، فلا تسمعها، حتّى في تطبيق قوانين سنّتها هي، ولا يخفاكم موقفنا في المجلس الجزائري في المطالبة بتطبيق دستورها. فإذا أرادت فرنسا اليوم أن تستشير فلتستشر صاحب الحقّ، وهو الشّعب الجزائري كلّه." (أعمالي في الثّورة، ص: 35، 36)
جرأةٌ لا تصدر إلاّ من قلب شجاعٍ، يؤمن بواجبه الدّيني في الجهاد لصدّ كل عدوان على الوطن مهما يكنْ نوعه، وحسٌّ وطني لا يسكن إلاّ نفسًا أبيّة عصيّة على كلّ مكر ومؤامرة، وتدبيرٌ لا يأتي إلاّ من رؤية تتّصف (1/128)
صفحة 123
وتصدر عن وَحدة وشموليّة في المعالجة ... هذه هي وجهة الشّيخ بيّوض ومن معه من أصدقائه وأبنائه الذين صنعهم على عينه، وِجْهَتُهُمْ قبلة الوَحدة والاتّحاد وعدم الابتعاد عن الحماعيّة في التّفكير والتّدبير والتّحرّك والنّظر إلى قضايا الوطن ..
أكّد الشّيخ بيّوض لكلّ من حاوره وناوره وحاربه وجاوره ... في موضوع قبول الميزابيّين بفصل الصّحراء بعامّة، ومنطقتهم بخاصّة عن التّراب الوطني الجزائري .. وبيّن لهم بالتّاريخ والمنطق والواقع والمصير والمآل أنّ هذا العرض مرفوض جملة وتفصيلاً: " ... لكنّهم كانوا يجدون منّي عودًا صلبًا لا يلين. وإنّما أحاورهم بالمعقول والمنطق. ومن أقوى ما اعتمدت عليه هو أنّ جذور حياة ميزاب متغلغلة في أعماق أرض الجزائر، وأنّ عروق اقتصاده ضاربة في كلّ بقعة من بقاع أرض الجزائر منذ قرون، قبل أن تقدموا أنتم إلى هذه البلاد، وأنّه مدين للجزائر في بقائه، وفي الحصول على الوسائل التي قاوم بها الطّبيعة القاسية في بلاده ولا يزال، فلن يستطيع الميزابي أن يرى نفسه يومًا ما أجنبيًّا في الجزائر، ولئن جاء ذلك اليوم – لا قدّر الله – فإنّه يوم القضاء المبرم على بني ميزاب. بهذا المنطق كنت أَدْفَعُ محاولاتهم، فرجعوا بخفّي حنين والحمد لله." (أعمالي في الثّورة، ص: 38، 39).
انفصال ميزاب عن الجزائر هو قضاء مبرم على حقيقة الميزابي الجزائري المتجذّر بعروقه في وطنه الجزائر. ما يريد تأكيده الشّيخ بيّوض – نقلاً لتفكير الميزابيّين وشعورهم، وتعبيرًا عن معتقدهم في الموضوع – أنّ انتماءهم إلى الجزائر أصيل، وعلاقتهم بالوطن متأصّلة، وارتباطهم بأرضها وثيق، وتمسّكهم بترابها - وحدةً لا تنفصل عراها - أمر لا مساومة فيه ولا منازعة.
هذا الدّور الذي قام به الشّيخ بيّوض في مسألة فصل الصّحراء عن الشّمال الجزائري، حظي يتقدير الوفد الذي أوفدته قيادة الولاية السّادسة إلى منطقة وادي ميزاب سنة 1961. (الوفد متكوّن من السّادة: أحمد طالبي، وسعيد عبادو، وعثمان حامدي، ورشيد الصّائم). فقد اعترفوا بنضال الشّيخ بيّوض، وبمواقفه المشرّفة في القضيّة، بعد أن اقتنعوا (1/129)
صفحة 124
بوجهة نظره، الذي كان الرّفضَ طَلبَ فرنسا موافقتَه على فصل الجنوب عن الشّمال.
النّتيجة التي أسفرت عنها كلّ المحاولات التي قامت بها السّلطات الفرنسيّة لتليين موقف الشّيخ بيّوض والميزابيّين لقبول المشروع، يوضّحه السّيّد رضا مالك، النّاطق الرّسمي للوفد الجزائري في مفاوضات إيفيان، وصاحب كتاب "الجزائر في إيفيان L' Algerie a Evian ": " سمعت من أوليفي قيشار مستشار برئاسة الجمهوريّة الفرنسيّة أنّ الجنرال ديغول أرسله إلى الصّحراء سنة 1960 ليتّصل بالميزابيّين، بعرض عليهم تكوين مملكة ميزابية، كما كلّفه بالاتّصال بسكّان تمنغاست لنفس الغرض. ويقول أوليفي قيشار: اتّصلت بالشّيخ بيّوض إبراهيم بغرداية لهذا الغرض، فرفض هذه الفكرة وهذا العرض رفضًا قاطعًا، وقال له الشّيخ بيّوض: إنّ منطقة مزاب جزء لا يتجزّأ من التّراب الجزائري." (المرحلة الانتقالية للثّورة الجزائريّة ... ، ص: 381).
كان للشّيخ إبراهيم بيّوض – رحمه الله – دور كبير وأساس في المحافظة على صحراء الجزائر ملكًا لها، والإبقاء على وحدة التّراب الوطني، لم يدّخر جهدًا، ولم يستسلم لأيّ ضغط، ولم ينجذب لأيّ إغراء وتغرير للتّفريط في حقّ الحفاظ على سلامة الوطن الجزائري من الاستلاب، بالدّفاع عن ارتباط جنوب الجزائر بشماله. يقول عبد الله بن طوبال: " فإنّ الفضل يعود إلى الشّيخ بيّوض في إنقاذ وحدة التّراب الوطني وبقاء الصّحراء بكلّ خيراتها جزائريّة. وبدونه كان يمكن أن تستمرّ الثّورة عقدًا آخر، ومرّة أخرى أقول: إنَّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع، وغرداية تعني الشّيخ بيّوض." (الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ص: 152)
يقول بسّام العسلي: " ... ونزل الشّيخ بيّوض إلى ميدان الجهاد الجديد، وقاد معارك كبرى ضدّ فصل الصّحراء عن الشّمال، استمرّت ستَّ عشرة سنة كاملة (من سنة 1947 إلى سنة 1962)، وكان رجال النّهضة في ميزاب كلّهم حنده وأنصاره في معاركه السّياسيّة الكبرى، فالتفّوا حوله، وهم يستنكرون فصل الصّحراء عن الوطن الجزائري." (عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائرية، ص: 218، 219). (1/130)
صفحة 125
إذن للشّيخ دور كبير ورئيس في إنقاذ الصّحراء الجزائريّة من براثن الاستعمار الفرنسي .. رحمه الله ورحم كلّ مناضل أسهم في بقاء الجزائر الوطن الغالي وَحدة ترابيّة وفكريّة، مسيرها واحد ومصيرها واحد، وشعبها واحد ..
الجزائر يوم الأحد ... 24 من ربيع الأوّل ... 1435هـ
26 من جانفي ... 2014م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
محتويات الكتاب
مقدّمة الطّبعة الثّانيّة ... 5
مقدّمة الطّبعة الأولى ... 8
إرهاصات الثّورة في الشّعر الجزائري ... 11
مبادئ الثّورة الجزائرية ... 46
كلمة العدد: ذكري وعبرة ... 71
أسباب عزوف الشّباب عن تاريخ الثّورة الجزائرية ... 77
شعر الثّورة الجزائري سجلّ ورسالة ... 96 (1/131)
صفحة 126
إسلامية شعر الثّورة ... 155
الشّيخ إبراهيم بيّوض منقذ الصّحراء من براثن الاستعمار الفرنسي!!! ... 170
محتويات الكتاب ... 181 (1/132)