صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات عن الإباضية - تاريخ
------------------------------------------
العنوان: مختصر تاريخ الإباضية
المؤلف: سليمان الباروني أبو الربيع
الناشر: مكتبة الاستقامة
مكان النشر: تونس
تاريخ النشر: 1357ه/ 1938م
الطبعة: د.ط
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/95
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 ربيع الأول 1447ه/ 04 - شهر 09 - 2025م. مختصر تاريخ الإباضية
الشيخ أبو الربيع سليمان الباروني
تم تهذيب الطباعة بواسطة فريق العمل في شبكة الدرة الإسلامية
www.aldura.net
الفهرس:
? الخطبة
? المقدمة
? مقدمة الطبعة الثانية
? محمد صلى الله عليه وسلم
? خلافة أبي بكر الصديق
? خلافة عمر الفاروق
? خلافة عثمان بن عفان
? خلافة علي بن أبي طالب
? الحسن بن علي
? معاوية بن أبي سفيان وملكه
? اليزيد بن معاوية ومعاوية بن اليزيد
? مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير
? عبد الملك بن مروان ومراسلته لإمام الأباضية
? المذهب الأباضي وإمامة عبد الله بن أباض
? جواب الإمام ابن أباض لابن مروان
? التعليق على الجواب
? الإمام جابر بن زيد فقيه البصرة في عصره
? الإمام أبو عبيدة وجمع من أئمة الأباضية وجملة استطرادية نفيسة
? أباضية اليوم وأين يوجدون
? انتشار مذهب الأباضية وظهوره بالمغرب وإمامة الحارث وعبد الجبار
? إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى اليمني الأباضي بطرابلس والقيروان
? إمامة أبي حاتم يعقوب بن حبيب
? حملة العلم والدين إلى المغرب
? خلافة ابن رستم بتيهرت ( عراق المغرب )
? خلافة الإمام عبد الرحمن بن رستم
? مبايعة الإمام عبد الرحمن بن رستم
? خلافة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن
? خروج ابن فندين عن الإمام ، وتأييد شعيب المصري له
? خروج خلف بن السمح بحيز طرابلس ( نفوسة )
? أشهر المثرين في عهد عبد الوهاب
? خلافة الإمام أفلح بن عبد الوهاب
? خلافة نفاث بن نصر في الجبل
? خلافة الإمام أبي بكر بن أفلح
? خلافة الإمام أبي اليقظان بن أفلح
? حرب نفوسة وأبي منصور لابن طولون
? خلافة أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان
? أهم ما حدث في زمنه ، بيعة عمه يعقوب
? خروج الطيب بن خلف
? واقعة مانو بحيز طرابلس
? إمارة اليقظان بن أبي اليقظان ، وانقراض ملك بني رستم
? حال الأباضية بعد انقراض الخلافة الرستمية
? بعض مشاهير أمراء نفوسة
? بعض أمراء الأسرة البارونية (1/1)
صفحة 2
? إمارة أبي يحيى زكريا بن إبراهيم الباروني
? أصل العائلة البارونية واستمرار نفعها
? انتشار المذهب الأباضي بالأقطار الشرقية
? خلاصة تاريخ عمان منذ البعثة النبوية
? إلفات نظر واعتذار
? تنازع الإمامة الشرعية والإمامة المطلقة
? دولة آل يعرب وأئمتها وفتوحاتهم العظيمة
? غارة العجم وسقوط آل يعرب
? دولة آل سعيد ومآلها
? تعاليق مفيدة بقلم الشيخ أطفيش والأمير شكيب
? أهم ما بين الأباضية والمذاهب الأربعة من المسائل الخلافية
? خاتمة
? مراجع التأليف :
? الحواشي
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير من اختاره لرسالته واجتباه. وعلى آله وصحبه وتابعيهم وكل من جاء بعده واهتدى بهداه.
أما بعد فهذا كتيب جمعت فيه ما لا بد من معرفته لكل مسلم من أقسام التاريخ الإسلامي ، ألا وهو التاريخ الأباضي. لذلك أقدمه بمقدمة لأولئك الراغبين في الوقوف على كل ما خفي منه. والله أرجو أن يضعه من نفوسهم موضع الرضا والقبول ، ويملأ أفئدتنا وإياهم بالانصاف ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم . والحمد لله رب العالمين.
مقدمة الكتاب
دعاني إلى وضع هذا المختصر من تاريخ الأباضية ، وتذييله ببيان بعض المسائل الخلافية جملة أسباب : منها أن كثيراً من الناس لا يعرف عن هذا المذهب شيئاً ، مع ما عليه أهله من العظمة التاريخية الخالدة. والبعض قد يعلم شيئاً عنه ولكن يعده جهلاً في جملة الخوارج ( الازارقة والنجدية والصفرية ) المارقين عن الإسلام بغلوهم في الدين ، وشططهم البعيد عن جادة الصواب ، كإباحتهم أموال الموحدين ودماءهم وسبي نسائهم وأطفالهم وأبطالهم الإمامة العظمى ولو توفرت شروطها. (1/2)
صفحة 3
والأباضية يتبرءون من هذا كله فيوجبون الإمامة العظمى ، ويحرمون أموال الموحدين وسبي نسائهم وأطفالهم مطلقاً، وكذلك دماؤهم حرام إلا ما استثناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ". فيجب حينئذ العلم ويجب التمييز بين هؤلاء الضالين وبين الأباضية الذين هم أعدل الطوائف الإسلامية ، إذ لا إفراط في معتقدهم ولا تفريط . وهكذا نرى البعض يعتبرهم معتزلة قدرية ، وهذا باطل أيضاً لأن بين الفريقين خلافاً كبيراً ، أهمه مسألة القضاء والقدر وخلق أفعال العبد ، فإن الأباضية كالأشعرية في هذا الباب لا يقولون بخلق العبد لأفعاله ، ولا هو مجبور عليها. (1/3)
صفحة 4
وإن من شيء في الكون إلا وهو مخلوق لله ، وليس للعبد فيه إلا الكسب والاختيار ، فهم ليسوا من هؤلاء ولا من المرجئة القائلين بأن الإنسان إذا قال لا إله إلا الله دخل الجنة ، وكفته هذه الجملة عن جميع التكاليف المفصلة في الشريعة . وعلى ذكر المعتزلة أقص عليك حكاية غريبة سطرت في كتاب مشهور من كتب الفقه المالكي وهو " حاشية العدوى على الخرشى صحيفة 176 من الجزء الخامس " وقفت عليها حال مراجعتي بعض مسائل الشهادات . بعد أن ذكر المؤلف شهادات المبتدع كالقدري والخارجي تقبل أو لا تقبل الخ قال : أخبرني من يوثق به أنه مات بالسودان رجل من المعتزلة الساكنين بجزيرة جربة ، فوجدوا رأسه تحول إلى رأس حمار ، ثم تحصن بالله من غضبه ، وتعوذ به من الشيطان الرجيم . انظر بالله إلى عالم فقيه كيف تجرأ على تشويه كتابه بتسطير مثل هذه الحكاية الواهية بين دفتيه ، وقد صدقها بمجرد قول قيل له بدون أن يمحصها تمحيصاً عقلياً يقبله المنطق الصحيح ، وبدون أن يتنبه إلى أنه فقيه من الفقهاء الذين يجب أن لا يجهلوا أن المسخ مرفوع عن أمة محمد إكراماً له صلى الله عليه وسلم وتمييزاً لها عن سائر الأمم . والظاهر أن الشيخ المؤلف ممن لا يفرق بين المعتزلة والأباضية ، فكل ما عدا الأشعرية هو معتزلي في نظره ونظر فريق من العلماء الجامدين على معرفة مذهب بعينه لا يعرفون سواه إلا بالاسم و بالسماع . والواقع أن سكان جزيرة جربة – التابعة لتونس – أغلبهم أباضية ، ونحو الربع أو الخمس مالكية ، وهم على أفضل ما يرام من جهة حسن الجوار والاتفاق على خدمة مصالحهم المشتركة ومبادلة ما في جزيرتهم من المنافع . وتراهم اشد الناس عطفاً على بعضهم البعض في الغربة ، وهم مشهورون بها في سبيل الرفه والغنى . (1/4)
صفحة 5
ومنها أني أريد من كل قلبي أن يزول الخلاف من بين المسلمين بتاتاً أو يتلطف ويخف ، أو يبقى ولكن لا يكون مجهولاً على الأقل فيجسمه الجهل ويزيده قبحاً وبشاعة . وهو كما تعلم دائماً الحاجز الحصين بين الحقيقة والإنسان في كل شيء من هذه الحياة . و إنه لمن المؤلم أن أقول : إني جالست كثيراً من العلماء المشهورين و الأدباء المعروفين ، وقد يصادف أن يكون موضوع حديثهم الفقه مثلاً ، فتراهم يتحاورون ولكن لا يدور حوارهم إلا حول أقوال أئمة المذاهب الأربعة . ولا يذكرون المعتزلة إلا في أمهات علم الكلام ، ولا يجري على ألسنتهم ذكر المذهب الأباضي مطلقاً . وكثيراً ما أقول لهم : وعند الأباضية كذا وكذا ، إلفاتاً لنظرهم بلطف وأدب إلى لزوم اعتبار أقواله من الفقه الإسلامي ولو مجاملة . وقد يجاوبك أحدهم بما لا يفسر إلا بالمجاراة السطحية . إن تكرر الحال على هذا المنوال بالرغم من التعريض بنحو ما تقدم يدلنا دلالة لا تدع مجالاً للشك على أن القوم لا يخلو حالهم ، أما أن يكونوا على جهل تام بهذا المذهب بحيث يجدون أنفسهم مجبورين على تجنب البحث في أقواله أو التقصير فيه ، والجهل عيب غير مغفور خصوصاً بالنسبة للطبقة البارزة في الأمة. و أما أن يكون ذلك ناشئاً عما تمركز في نفوسهم من أنه لا يوجد للمسلمين مذهب رسمي غير المذاهب الأربعة ، وهذا ما جعلهم يقفون من غيرهم ذلك الموقف المشين ، وإن كان فيه ما يحرج خاطر جليسهم من عدم احترامهم لمذهبه وقلة الاكتراث به . ومع ما فيه فهو اعتقاد لا يقرهم عليه أي مخالف للمذاهب الأربعة . انظر إلى أي حد بلغ حال بعض المسلمين من التعصب المذهبي ، ثم انقل النظر إلى علماء الأباضية فإنك تجدهم أحسن حالا من هذه الجهة ، فإنهم يعتبرون أقوال مخالفيهم من أهل القبلة كل الاعتبار ، ويسوقونها في تأليفهم ، قال الإمام السالمي رحمه الله : (1/5)
صفحة 6
وذلك في أرجوزته الفقهية المشتملة على نحو أربعة عشر ألف بيت ، سواء ذلك في علم الفقه أو الأصول أو الكلام . فمن يقرأ كتبهم يظهر منها عارفاً بكثير مما قاله المالكية والشافعية والحنفية .
هذا ما عليه الأباضية إزاء أقوال مخالفيهم ، فأين ما ينسب إليهم من التعصب ، ومن أحق بأن ينسب إليه هذا الوصف بعد ما رأيت وسمعت . نعم ادعاء كونهم الفرقة الناجية وأن لهم أدلة تثبت ذلك هو حق . إلا أن هذا الإدعاء ما من فرقة من الفرق الثلاث والسبعين الإسلامية إلا وتدعيه . والله سبحانه يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون . فلنقرأ كل ما بين الفرق الإسلامية المهمة من الفروق لتألف نفوسنا ذلك ، وتستأنس بالمرونة والتكرار بما هنالك، فيهون ما كان مهولا ، وربما زال و اضمحل بفضل المطالعة والإنصاف . فتظهر النتيجة ويصبحوا كلهم على مذهب واحد عملاً واعتقاداً ، ولا شيء من الصعوبة في توحيد هذه الفرق متى كان رائد الكل طلب الحقيقة ، وكان الفكر حراً مطلق العنان في البحث عنها لا يقيده التعصب ولا يزهده فيها ظرف الزمان وظرف المكان ، ولا يسيطر على النفس إلا الوجدان وسلامة النية وطهارة القلب وحرية الضمير . فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها لا يعنيه أي وعاء خرجت منه ، ولا أي مكان ظفر بها فيه . (1/6)
صفحة 7
إذا كان هذا هو معول عقلاء المسلمين فلست أرى بينهم وبين المطلوب إلا عملاً قليلاً في تساهل يسير ، ومن الواجب حينئذ أن تقرر دراسة التاريخ الإسلامي المجهول للتلاميذ كتاريخ الأباضية مثلا و غيره فيقفون على سيرة أئمتهم العادلين المغاربة والمشارقة كوقوفهم على سيرة الخلفاء الراشدين و الملوك الأمويين والعباسيين ومن بعدهم كالسلاجقة والأيوبيين والفاطميين والعثمانيين وغيرهم من ملوك الأندلس والمغرب والمشرق ، فينشأ التلميذ ملماً بجوانب التاريخ الإسلامي ، عالماً بسير الملوك العادلين والجائرين ، فيقدر بفكره المستقل أولئك ، ويسير بما اتصفوا به من العدل والإحسان ، ويجهد نفسه بأن يكون عادلاً في أعماله متصفاً بالفضيلة في جميع أطوار حياته . وينقبض من هؤلاء وظلمهم ويمقت الجور ويزهد فيه ويتجنب كل نقيصة تشينه . وميزان العقل إذا أطلق من قيوده هو أعدل ميزان ، وحكمه إذا أخذ به على ضوء الإيمان بالله هو أصدق حكم ، ودين الإسلام واحد وتاريخه العام هو مرآته المنطبعة فيه صوره الصحيحة ، فلمثل هذا فليدع الداعي وليعمل العامل .
ومنها أني كنت جمعت قريباً من ثلث هذا الكتاب كرسالة ، ثم بعد وقت من ذلك رغب إلى بعض الأصدقاء أن أضع كتيباً مفيداً مختصراً في نفس الموضوع ، فلم أر من بأس في إجابته إلى ما رغب ، فحورت ما جمعته أولاً وأضفت إليه ما مست الحاجة إلى إضافته ونسقته على الأسلوب الذي ستراه ، متوخياً الاختصار التام . إذ ما من أحد إلا ويلاحظ عليه أنه يرغب في أول ما يرغب معرفته منك حياتك التاريخية ومعتقداتك الدينية ، وهذا ما سيستفيده القارئ من هذا الكتاب فيما يختص بتاريخ الأباضية واعتقاداتهم ... (1/7)
صفحة 8
هذا وانه لمن المروءة والاعتراف بالفضل لأهله أن نختم هذه المقدمة بالتنويه بشأن كل من الأستاذ أحمد توفيق المدني والأستاذ عثمان الكعاك والشيخ عبد الرحمن الجيلامي إذ لم يغمطوا حق الرستميين ( وهم الأباضية ) ، بل نوهوا بشأن دولتهم بالجزائر وممتلكاتها الواسعة ، وما كانت عليه من العمران والرقي والعدل الشامل الشبيه كل الشبه بعهد الخلفاء الراشدين ، والأول عن ذلك فاستطرد للتعريف بالأباضية ومواطنهم أينما كانوا قديماً وحديثاً . وهو عمل يستحقون عليه الثناء الجزيل من جهتين : جهة إنصافهم لهؤلاء الناس وما لهم في التاريخ من ذكر وأثر ، وجهة التعريف بهم إلى الجم الغفير ممن يجهل تاريخهم النقي الناصع الذي هو جزء متمم لعقد التاريخ الإسلامي الزاهر.
وليس دونهم في استحقاق الحمد والشكر كل من الأستاذ السيد محب الدين الخطيب والأستاذ أمين سعيد ومن على شاكلتهما من المنصفين الذين لا يكتمون الحق ولا يكابرون الوجدان فيتعمدون هضم الحقوق وطمس الحقائق . وفق الله الجميع لخير الدنيا والدين ، إنه ولي التوفيق ، نعم المولى ونعم النصير .
مقدمة مختصر تاريخ الأباضية للطبعة الثانية (1/8)
صفحة 9
إجابة لرغبة جمع غير قليل من الفضلاء ، لم أر مانعاً من الإذن بطبع ( مختصر تاريخ الأباضية ) للمرة الثانية ، ذلك المختصر الذي يدعو إلى توحيد المذاهب الإسلامية وإلى دراسة تاريخ الإسلام دراسة وافية ، لكي يعرف الدارس ما هنالك من خلافات بين أهل القبلة فيعمل الدارسون المصلحون على إزالتها أو تهوينها . وهذا ما قصدته من وضع هذا المختصر الذي لاقى استحساناً وتأييداً صادقين من المفكرين المجردين عن الغرض والعوض داخل الوطن وخارجه . وهم العاملون على توحيد المذاهب وجمع كلمة المسلمين على ما فيه صلاحهم ونجاحهم ، ليقفوا سداً منيعاً ودرعاً قوياً أمام غارات المبشرين ، وهجمات الساسة الغربيين ، الذين يسعون السعي الحثيث في اضعاف المسلمين ، والحيلولة بينهم وبين استعادة سالف مجدهم وغابر عزهم . ولكن الذي يوجب الأسى والأسف أن بعض الأفاضل بدل أن يحبذوه ويشجعوه ، ثاروا في وجهه وقابلوه بغير ما يجب ، رغم إهداء مؤلفه نسخاً منه لكثيرين منهم مدفوعاً بحسن الظن في انهم سيقدرون مجهوده ، ويفهمون قصده . ولكنهم خيبوا ظنه ، وأغروا بعض البسطاء على إقامة مظاهرة ضد مؤلفه 1939 م بدعوى أنه كفر الصحابة وأحدث فتنة .. والحقيقة أن ليس بالكتاب أي شيء من هذا القبيل يصح أن ينسب للمؤلف ، وإنما الذي ورد فيه هو رسالة من الإمام عبدالله ابن أباض أرسلها كنصيحة وموعظة إلى الخليفة عبد الملك بن مروان جاء فيها ذكر أشياء صدرت عن سيدنا عثمان لم ترض جمهوراً كبيراً من الصحابة والتابعين . وقد ذكرت في كثير من كتب التاريخ ولم يتأثر منها ابن مروان مع أنه أقرب نسباً منا جميعاً إلى عثمان ، وهو من أعلم فقهاء التابعين بأحكام الإسلام .. ولم ينقل إلينا أنه بطش بابن أباض على كثرة من بطش بهم مباشرة وبواسطة عماله كالحجاج وأمثاله .وقد استغرب المنصفون من قيام تلك المظاهرة . (1/9)
صفحة 10
لأنها في الواقع قامت ضد المصلحة العامة التي يرمي إليها المؤلف ، وهي جمع العقيدة الإسلامية في مذهب واحد قولاً وعملاً كما هو واضح في مقدمة الطبعة الأولى . وفضلاً عن هذا فإن الموعزين بها يعلمون جيداً أن هنالك أحكاماً وفروضاً دينية مجمعاً على وجوبها تركاً أو عملاً تنتهك جهاراً ويستخف بها علناً ولم يحركوا من أجلها ساكناً ، بينما هم قد قاموا وقعدوا لرواية تاريخية جر لذكرها سياق الحديث لا أقل ولا أكثر . وهي ليست من أركان الدين المجمع على وجوبها . ثم ان القاعدة العامة المتبعة في حرية النشر والجهر بالعقائد في كل زمان ومكان قد تخلف العمل بها في خلق هذه المظاهرة تخلفاً مخجلاً ، ونسي القائمون بها أن هناك أيضاً أصلاً معمولاً به عند الفقهاء وهو أنه لا يعترض بمذهب على مذهب . وهذا نقوله لهم في صورة ما إذا ألبسنا هذه الناحية التاريخية لباس عقيدة مذهبية . أما الواقع فليس كذلك ، ولا أجد ما أقوله هنا للتسلي غير قول الشاعر :
ويا ليتهم عملوا بما يرمي إليه شاعرنا هذا ، إذاً لسلموا من نقد الناقدين في هذا الموضوع وفي غيره . وعلى كل حال فكلنا بشر والبشر يخطئ في أعماله ويصيب ، والعصمة لمن خصهم الله بالعصمة. (1/10)
صفحة 11
قد كان أملي أن يعاد طبع هذا المختصر في حجم أكبر وفي ملاحظات وأبحاث أوسع ، ولكن ظروفي الخاصة وأحوالي المرتبكة بمعاكسات الزمان وصرفه لم تسمح لي بشيء من ذلك ، كما أنها لم تسمح لي بوضع يوميات أو حوليات عن مجريات حياتي منذ أيام دراستي ، أو على الأقل من أول عام ابتليت فيه بالقضاء وهو 1919 م إلى عامنا الحالي ، ولكن الأمر الواقع هو ما يحمله المثل السائر " أنا أريد وأنت تريد والله يفعل ما يريد" . و أن الإنسان في حياته الدنيا مسير غير مخير ، وكم من انسان في نفسه أشياء هامة يود أن يجهر بها ويخلد تدوينها وهو حي ، فتمنعه الموانع وتعوقه العوائق فيموت وتقبر معه أو تنشر بعده . فيحرم من مشاهدة ما كان لها من الأثر في المجتمع .. هذا ولو كنت من الذين يحفلون بتقاريظ مؤلفاتهم لقبلت عشرات منها من مختلف طبقات الشمال الأفريقي ، وقد أعرب لي كثير من الأدباء والأحرار عن استحسانهم لهذا التأليف والرضا عما جاء فيه من غايات سامية تروق في أعين المصلحين الأبرار ، وتحل من أنفسهم محل تقدير وإعجاب ، كما أكدوا لي استهجانهم موقف الذين نظروه بعين السخط والاشمئزاز ، وفي مقدمة هؤلاء الفضلاء عظيم تقي نزيه هو الأستاذ الكبير الزعيم الحر السيد محيي الدين القليبي رحمه الله ، فقد جاءتني منه رسالة قيمة سأكتفي بدرجها في صلب هذه المقدمة ، ليعلم الإنسان المفكر ويتعجب كيف تختلف آراء الناس وتتعارض أفهامهم في شيء واحد وموضوع واحد ، ذلك لتتجلى مشاعرهم واضحة كالشمس في قول الشاعر:
وهنا يوقن العاقل ويسلم تسليماً لا مراء فيه بأن رضا الناس غاية لا تدرك ، وأن القول الصدق وهو ما قيل :
وإليك أخي نص الرسالة الآتية من هذا الرجل الذي لم يسبق بيني وبينه أي اجتماع أو تعارف قبل ورودها :
تونس في 25 رجب 1364 (1/11)
صفحة 12
سماحة الأستاذ الأكمل مصدر الكمالات والفضائل ، أبو الربيع سليمان الباروني أبقاه الله وأمتعنا بعلمه وفضله . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أما بعد فقد دلنا عليك حسن الثناء ، وعظيم الأمل والرجاء . أما الثناء عليك فمن ألسنة الخلق ، وألسنة الخلق أقلام الباري . وأما الرجاء فيك والأمل المعلق عليك فهما نتيجة ما تجلى في كتابك القيم " مختصر تاريخ الأباضية " من آراء سامية في إصلاح المجتمع الإسلامي ، والقضاء على أسباب تفككه وتحوله عن المنهج القويم . فآراء كالتي شرحتها وآمال كالتي ترمي إلى الوصول إليها تجعلنا نمد إليك من هنا يد الأخوة ، ونطالبك بالنصيحة الخالصة ، ونؤمل منك التعاون معنا على التقوى والبر بجماعة المسلمين وما فيه خير الجميع والسلام عليكم ورحمة الله.
من الفقير إلى الله الغني الأكرم : محيي الدين القليبي
هذا ما دبجه يراع ذي التصانيف العديدة في السياسة والاجتماع السيد محيي الدين القليبي ، الذي يعترف له كل من عرفه بالنزاهة والترفع عن الدنايا والإخلاص العميق لوطنه تونس وللعالم الإسلامي الذي مات غريباً في سبيل خدمته ، والذي ارتفع ذكره فيه ارتفاعاً لا يقل عن زملائه في العمل ، كالأمير العظيم عبد الكريم الخطابي ، وأصحاب السماحة والشهامة الحسيني والإبراهيمي ، والمرحومين الثعالبي والباروني والسنوسي . فو الله الذي يعلم السر والجهر أن رسالة القليبي لتعبير أصدق تعبير عما يكنه ضميري من الخير والسعي إلى ما فيه صلاح المسلمين ، والحث على كل فضيلة ترفعهم إلى أعلى عليين . ولكن :
وصدق من قال : (1/12)
صفحة 13
فإلى الله أبتهل أن يمنح الإسلام الرفعة والسؤدد على أيدي مصلحين أقوياء لا يخافون في الحق لومة لائم، ولا يخشون الفقر بانفاقهم الدائم ، ولا يهابون الموت في سبيل إعزاز الدين ، وحفظ كيان الوطن وجمع كلمة المسلمين ، ليحيوا حياة طيبة سعيدة يسودها الهناء والوفاق ، حياة سالمة من الفقر والجهل والشقاق ، إنه على جمعهم إذا يشاء قدير . وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد البشير النذير السراج المنير قائد البشر إلى ما فيه السعادة والخير.
الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم
ولد نبي الله ورسوله إلى جميع خلقه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام سنة 571 م حسبما حققه العالم الفلكي محمود باشا المصري من أبوين كريمين كل منهما قرشي النسب الأم آمنة بنت وهب من زهرة بن كلاب والأب ( عبدالله بن عبد المطلب ) من بيت هاشم بن عبد مناف أشرف بيت في العرب وفي قريش . ونشأ عليه السلام تحت كفالة جده نشأة صالحة لم يعهد في الناشئين مثلها – إلهاماً من الله وتوفيقاً وإرهاصاً لنبوته – وعاش يتيم الأبوين ، ولما بلغ من العمر خمساً وعشرين تزوج بالسيدة خديجة بنت خويلد القرشية وكان عمرها إذ ذاك أربعين سنة فبقي معاشراً لها أحسن عشرة لم يتزوج غيرها قط إلى أن ماتت رضي الله عنها بعد خمس وعشرين سنة من بنائه بها كانت فيها مثالاً أعلى للوفاء ومكارم الخلاق ، والقيام بجميع الحقوق الزوجية ومتعلقاتها . فتأمل كيف أنه عليه السلام لم تطمح نفسه إلى غيرها من النساء الشابات الجميلات وهو في تلك السن التي فيها دم الشباب يفور ويثور ومن شأنه أن يحمل أولي القوة والجمال إلى الرغبة فيهن . ومن هنا نتعلم أن زواجه بغيرها بعد ذلك لم يكن إلا لحكم هامة عامة تصدى لبيانها وعلة مشروعيتها جماعة من كبار المحققين في هذا العصر ، دفعاً لشبهات طالما يذكرها المستشرقون وبعض النقاد المضللين . (1/13)
صفحة 14
وقد أعلن رسالته على رأس الأربعين ولم يذكره من العرب قبل ذلك أحد بسوء ولا كانوا ينظرون إليه إلا بعين الإجلال والإكبار نظراً لما اتصف به من الصفات الحميدة والفضائل الجمة وفي طليعتها الصدق والأمانة اللتان يشاهد الناس آثارهما في جميع أقواله وأعماله حتى سموه الأمين وأصبح به من يدعى من بينهم . ولما صدع بأمر ربه وقام يدعو إلى الله وتوحيده ويتلو عليهم ما نزل عليه من القرآن تلك المعجزة الخالدة التي بهت أمام بلاغتها أولئك البلغاء المطبوعون وعجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيرا، عند ذلك كذبوه ونعتوه بالسحر والجنون وبالغوا في الأذى إلى حد لا يقوى على تحمله من لم يكن مؤيداً بقوة روحية تفوق تصورات البشر . ومحال أن يصبر على ما صبر عليه من لم يكن ملحوظاً بعناية الله محفوظاً برعايته محوطاً بسياج من قوة قدرته. دعاهم غير مكترث بعراقيلهم المتنوعة بيقين لا عهد لهم به وثبات لا مثيل له محتسباً لله ما يلاقي من العنت والتكذيب ودام على هذا المنوال أمداً غير قصير . وقليل منهم من وفقه الله في هذه الأثناء فأسلموا على خوف عظيم مما يلحقهم من الأذى والإرهاق ، فمنهم من أذن له في الهجرة إلى الحبشة لذلك ومنهم من بقي بمكة محتسباً صابراً على ما لا يطاق مضضه ولا يقوى على تحمله إلا من تمكن الإيمان من قلبه وأخلص النية لله وحده وهم الذين ( إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ) كالصديق ومن على شاكلته من المهاجرين الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس . ثم بعد البلاء الشديد الطويل العريض الذي لا يناسب هذا المختصر شرحه أمر صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة المنورة بعد الاتفاق مع أهلها على النصر والتأييد ، فهاجر مختفياً ومعه صاحبه أبو بكر الصديق ، فوصل المدينة بعد أن رأى منه من مر بهم في طريقه من خوارق عجيبة . (1/14)
صفحة 15
فآواه المدنيون ونصروه ووفوا بما عاهدوه عليه وجهر بالدعوة . وأمر لحمايتها باستعمال الشدة والقوة فقام بسرايا وغزوات منها : بدر . أحد . والأحزاب . والفتح وحنين . وتبوك وغيرها .مما دعت إليه حماية الدعوة ونشر الدين وإبلاغه إلى العالمين . فما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى سنة 11هـ ( سنة 632 م ) حتى لم يبقى في شبه الجزيرة معبود غير الله الواحد الأحد ، وحتى أبلغ المشرقين صدى دعوته إلى الله ودينه .
خلافة أبي بكر رضي الله عنه (1/15)
صفحة 16
ثم خلفه الصديق على الأثر بانتخاب المسلمين إياه بعد خلاف بسيط . وكان للصديق اليد الكبرى في تثبيت الناس وإقرارهم على الحالة الطبيعية . حال موت الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك حين كثر بينهم القيل والقال فمن مصدق بموته ومن مكذب ، حتى هاج الناس وماجوا من هول ما أصابهم ومن شدة الهلع الذي استولى على قلوبهم ، فما نطق أبو بكر بقول الله تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات او قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) حتى شعر الناس بروح جديدة تسربت إلى نفوسهم ، وسلوى انسابت إلى أفئدتهم ، فكأنهم قبل ذلك لا يدرون أنها آية تتلى من فرط ما أصابهم من الفزع والذهول . ولا غرابة فقوة إيمان أبي بكر ويقينه لا مطمع فيهما لغيره وقد قال فيه النبي عليه السلام : " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجحه " وفضائله كثيرة لا تحصى ، وإليه وحده يرجع الفضل في حمل الأمة على حرب المرتدين الذين حدثتهم نفوسهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بالتملص من الأوامر الشرعية والامتناع من تنفيذها ، ولولاه لخارت قوى المسلمين وعظم خطر المرتدين والمتنبئين واشتد بلاؤهم وطمع في المسلمين كل طامع ، بل ربما انهار كل ما شيده الرسول عليه السلام ، فأبو بكر على قصر مدته هو الذي ثبت دعائم الدولة الإسلامية ووطد أركانها نهائياً ، وما أجمل وأوقع في النفوس خطبته رضي الله عنه التي استهل بها خلافته فكانت دستوراً لعهده الميمون . وإليك نصها " أيها الناس ، إني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني وإن صدفت فقوموني . الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله . لا يدع أحد منكم الجهاد ،فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل . وأطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " ا هـ . (1/16)
صفحة 17
ولما حضرته الوفاة عهد بالخلافة إلى الفاروق ، والأمة الإسلامية كلمة واحدة راضية عنه عند موته .
خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
بعهد من أبي بكر تولى عمر الفاروق خلافة المسلمين سنة 13هـ ( سنة 624م ) وتسمى بأمير المؤمنين ، وهو أول حامل لهذا اللقب في الإسلام ، فاقتفى أثر سلفيه بما يجب وكما يجب من عدل لا مزيد بعده لمستزيد وزهد في الدنيا منقطع النظير وشدة مشكورة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وصال وجال في حروبه الموفقة صولات زلزلت عروشاً كانت تخر لعظمتها الجبابرة وتخضع لسلطان الجالسين عليها أمم تعد بالملايين ففتح بعزيمته الماضية كلا من العراق وفارس والشام وفلسطين ومصر وغيرها على يد قواده العظام أبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم من الأبطال الخالدين ، ونظم الدولة الإسلامية تنظيماً لم يسبق له نظير ، وبينما الناس في أرغد عيش وأهناه متمتعين بعدله وشفقته وعطفه إذ طعنه – على غير انتظار- أبو لؤلؤة المجوسي فيروز غلام المغيرة بن شعبة بمؤامرة الموالي الذين دوخ عمر ممالكهم بفتوحاته فمات شهيداً مبكياً عليه مأسوفاً على مآثره وعلى سيرته المرضية وأيامه الزاهية البهية وذلك سنة 24هـ ( سنة 644م ) وعهد بالخلافة إلى جماعة من كبار الصحابة جعلها بينهم شورى فحكموا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وبعد اختبار وامتحان وجس لنبض الفكر العام وقع اختياره على عثمان بن عفان الأموي.
خلافة عثمان بن عفان الأموي (1/17)
صفحة 18
تولى الخلافة عثمان بانتخاب الأمة عن طريق عبد الرحمن بن عوف المفوض له ذلك من طرف المرشحين إليها كما علمت . فسلك سبيل أسلافه ردحاً من الدهر ، واتسعت في عهده الفتوحات شرقاً وغرباً وشمالاً ، وأحدث أول أسطول إسلامي على يد واليه على الشام معاوية بن أبي سفيان ، وقاتل هذا الأسطول وانتصر انتصاراً عظيماً على الأعداء . وقد قتل عام 35هـ ( سنة 655 م ) وبويع بعده علي بن أبي طالب.
خلافة علي بن أبي طالب الهاشمي (1/18)
صفحة 19
بعد موت عثمان بويع بالخلافة الامام علي صهر النبي وابن عمه . بايعه فيمن بايع طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام . ثم نكثا ما بعنقهما من البيعة واستنفرا معهما السيدة عائشة بنت أبي بكر .فحاربهم علي وقهرهم في واقعة الجمل المشهورة . وفيها قتل طلحة والزبير وألوف من الطرفين . وأما السيدة عائشة فقد تابت من عملها بعد ذلك وندمت أشد الندم خصوصاً لما أخبروها بأنها مرت يومئذ على ماء الحوأب الذي أخبرها الرسول بأن احدى نسائه ستنبحها كلابه وهي متلبسة بمعصية .ثم وجه فكره إلى حرب معاوية بن أبي سفيان حاكم الشام فحاربه . وأشد الوقائع هولا وبلاء وقعة صفين التي مات فيها من المسلمين عشرات الألوف . وكادت الدوائر تدور على معاوية لولا دهاؤه ودهاء عمرو بن العاص مستشاره إذ دبرا ما أوقع التفرقة في صفوف المسلمين من رفع المصاحف ( إشارة إلى تحكيم المصحف الشريف ) فانطلت الحيلة ونفذت المكيدة وتفرق رأي قوم علي : فمن قائل إن هذه حيلة يريدون بها أن يفرقوا كلمتكم ويلقوا الفتنة بين صفوفكم فامضوا على حقكم وواصلوا القتال حتى يتم لكم النصر ، ومن هؤلاء أصحاب عبدالله بن وهب الراسبي . ومن قائل أن القوم يريدون السلم وحقن الدماء بين المسلمين إذ جعلوا كتاب الله بيننا وبينهم ، فلا بد من توقيف القتال لنقف على حقيقة الحال ونفتح باب المفاوضة معهم . فتغلب هذا الرأي وعين الطرفين حكمين أبا موسى الأشعري عن علي وعمرو بن العاص عن معاوية ، وبعد جدال عنيف ومذكرات سرية طويلة اتفق الطرفان على عزل معاوية وعلي ورد الأمر إلى من ينتخبه المسلمون بعد . فكان باطن أبي موسى في ذلك كظاهره . ولكن عمرا كان يظهر خلاف ما يبطن . فأعلن الأشعري عزل علي ومعاوية لأنه هو القائم أولا بتقديم زميله إياه .. وأما عمرو فلما قام أعلن موافقته أبا موسى الأشعري في عزله علياً وأثبت صاحبه معاوية . (1/19)
صفحة 20
فكان لهذا التحكيم أثره السيء وعواقبه الوخيمة على علي خاصة وجاء خير خادم لمصلحة معاوية . فخالف عليا قوم ووافقه آخرون فحارب من خالفه وندم . وحارب معاوية ولم يتوفق وأمضى بقية عمره في تعب وعناء وهرج ومرج إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم سنة 40 هـ ( سنة 660 م ) وكسرى العرب معاوية بن أبي سفيان لم ير منذ التحكيم إل ما يسره من الاقبال والتوفيق فقد أخذ كثيراً من البلاد التي كانت تابعة لعلي كمصر والحرمين واليمن وغيرها شيئاً بالشدة والقسوة وشيئا باللين والاحسان وأساليب السياسة . ولا تسأل عن أهل الشام أنصاره الأصليين فانهم ما برحوا طوع اشارته لا يردون له أمرا ولا يسفهون له رأياً.
الحسن بن علي بن أبي طالب
ولما قتل ابن أبي طالب كما تقدم بايع العراقيون ابنه الحسن . فما مضى غير زمن يسير حتى سلم الأمر لمعاوية.
ملك معاوية بن أبي سفيان
ولما سلم الحسن ثم مات صفا الجو لمعاوية فشمر عن الساعد مجداً في كل ما يوطد ملكه ويدعم سلطانه . واتسعت في عهده الفتوحات من كل جهة وتقوى الاسطول في عهده قوة هائلة . ولما بلغ مراده وقبض على صولجان الملك بيد من حديد فكر في أخذ البيعة بولاية العهد لابنه يزيد فتم له ذلك أيضاً بلا تعب ولا كبير عناء.
اليزيد بن معاوية ومعاوية بن اليزيد (1/20)
صفحة 21
ولما مات معاوية سنة 60 هـ ( سنة 679م) تولى اليزيد بعهد منه فعاث في الأرض فساداً وشرب الخمر وأتى من أنواع المنكر والمحرمات . وفي أيامه وعلى يد عامله على العراق عبيد الله بن زياد كانت واقعة كربلاء المشهورة التي قتل فيها الحسين شهيد الحق وشهيد الدفاع عن حريمه وشرفه . وفي أيامه أيضاً كانت وقعة الحرة التي استبيحت فيها المدينة المنورة حرم الرسول ثلاثة أيام وانتهكت حرمة مكة المكرمة ورماها قائده بالمنجنيق ، ولما مات اليزيد سنة 64 هـ ( سنة 682م) بويع ابنه معاوية وكان رجلاً تقياً من جهة وضعيف الإرادة من جهة أخرى فما لبث غير ثلاثة أشهر حتى أجمع أمره على التسليم في الملك فصعد المنبر والناس مجتمعون فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : أما بعد فإني قد ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم . ثم توارى عن الأنظار إلى أن مات . وبه انتهى ملك آل أبي سفيان بن حرب من بني أمية فانتقل الملك إلى فرع آخر منه وهم آل الحكم بن أبي العاص.
ملك مروان بن الحكم وبنيه
تولى مروان بن الحكم سنة 64هـ ( سنة 682م ) بعد تردد وبعد أن هم بالذهاب إلى عبد الله بن الزبير ليبايعه بالخلافة وقد بايعه أهل الحرمين وكثير من الأقطار قبل ذلك أي في أواخر أيام يزيد بن معاوية وكاد الأمر يتم لابن الزبير لو استعمل شيئاً من الدعاية والدهاء في السياسة فقد كان عامل دمشق الضحاك بن قيس معه أيضاً وغيره كالحصين بن نمير الذي كان محاصرا له بمكة من قبل اليزيد فقد دعاه إلى الذهاب لأخذ البيعة له من أهل الشام ومن نفس رؤساء الجيش المعاصر فأبى . فكان ما أراده الله من بيعة مروان الذي هم كما قلنا بمبايعة ابن الزبير لولا قواد بني أمية ومعارضتهم له . ومات مروان سنة 65هـ.
عبد الملك بن مروان (1/21)
صفحة 22
وبعهد من أبيه تولى الملك عبد الملك بن مروان الفقيه النابغة ، فوطد بحق ملك بني مروان ودعم
قواعده وتغلب على من ناوأه كما تغلب على عبدالله بن الزبير بواسطة الحجاج بن يوسف الذي ضرب مكة بالمجانيق وصلب ابن الزبير وعتا عتوا كبيرا في العراق لما ولاه عبد الملك عليها بعد ذلك . وإلى هنا انتهى ما أردنا سرده من الحوادث التاريخية العامة إذ ليس المقصود لنا إلا شيئا واحدا هو أن نأتي بمختصر وجيز من تاريخ مذهب الأباضية غير المعروف عند فريق كبير من أهل العلم والأدب في الشرق الإسلامي مع نبذة مما بين هذا المذهب والمذاهب الأربعة من المسائل الخلافية تتميما للفائدة وتعريفا بما لا يعرفه الكثير من المتنورين منهم . وإنما لأجل الربط فقط أوردنا سلسلة مختصرة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الملك ابن مروان المعاصر لامام الأباضية عبدالله بن أباض المري التميمي التابعي رضي الله عنه.
ظهور المذهب الأباضي وإمامه عبد الله بن أباض
ظهر المذهب الأباضي في القرن الأول من الهجرة ، فهو أقدم المذاهب الأسلامية على الاطلاق إذ أن امامه المنسوب إليه عبد الله بن أباض التميمي هو من التابعين الأولين المعاصرين لعبد الملك بن مروان (1) موطد الملك الأموي المشهور . وكانت لذاك مع هذا مراسلات نصائح غالية لعبد الملك تحتم عليه أن يعمل بأوامر الشرع فيعدل في الحكم بين الناس ليستوجب الطاعة التي يدعوهم إليها .
جوابه إلى عبد الملك
وبما أنه الامام المنسوب إليه المذهب الأباضي ومن كبار التابعين المجتهدين في صدر الإسلام وفي القرن الأول من عصوره . فلا أرى من بأس في ذكر أحد أجوبته إلى عبد الملك بن مروان للوقوف على الروح الدينية السائدة ذلك العصر الفطري المجرد من الأهواء الدنيوية في غالب أحواله . وإليك نص الجواب فليتأمله القارىء : (1/22)
صفحة 23
بسم الله الرحمن الرحيم – وصلى الله على سيدنا محمد . من عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان سلام عليك فإني أحمد الله لا إله إلا هو وأوصيك بتقوى الله فإن العاقبة للتقوى والمرد إلى الله . واعلم أنه إنما يتقبل من المتقين . أما بعد فقد جاءني كتابك مع سنان بن عاصم وانك كتبت إلي أن أكتب إليك بكتاب فكتبت به إليك فمنه ما تعرف ومنه ما تنكر . زعمت أن ما عرفت منه ما ذكرت به من كتب الله وحضضت عليه من طاعة من طاعة الله واتباع أمره وسنة نبيه . وأما الذي أنكرت منه فهو عند الله غير منكر . أما ما ذكرت من عثمان والذي عرضت به من شأن الأئمة فإن الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه بما أنزل على رسوله أنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون والكافرون والفاسقون . ثم إني لم أكن أذكر لك شيئا من شأن عثمان والأئمة إلا والله يعلمه أنه الحق وسأنزع لك من ذلك البينة من كتاب الله الذي أنزله على رسوله وسأكتب لك في الذي كتبت به وأخبرك من خبر عثمان والذي طعنا عليه فيه وأبين شأنه . لقد كان ما ذكرت كما ذكرت من قدم في الاسلام وعمل به ولكن الله لم يجر العباد من الفتنة . (1/23)
صفحة 24
لقد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الكتاب فيه تبيان لكل شيء يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه بين قضائه وبين حدوده فقال ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) وقال ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) وقسم ربنا قسما وليس لعباده فيه الخيرة ثم أمر نبيه باتباع كتابه فقال له ( اتبع ما يوحى إليك من ربك ) وقال ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) فعمل محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه ومعه عثمان ومن شاء الله من أصحابه لا يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعدى حدا ولا يبدل فريضة ولا حكما ولا يستحل شيئا حرمه الله ولا يحرم شيئا أحله الله ولا يحكم بين الناس إلا بما أنزل الله وكان يقول إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ، فعمل صلى الله عليه وسلم ما شاء الله تابعا لما أمر الله يبلغ ما جاءه من الله والمؤمنون معه يعلمهم وينظرون إلى عمله حتى توفاه الله عليه الصلاة ة والسلام وهم عنه راضون فنسأل الله اتباع سبيله وهداه ولا يهتدي من اهتدى إلى الناس بتركه . ثم قام من بعده أبو بكر على الناس فأخذه بكتاب الله وعمل بسنة نبيه ولم يفارقه أحد من المسلمين ولم يعب عليه أحد في حكم حكمه ولا في قسم قسمه حتى فارق الدنيا وأهل الإسلام عنه راضون وعليه مجتمعون . ثم قام بعده عمر فكان قويا في الأمر شديدا على أهل النفاق يهتدي بمن كان قبله من المؤمنين يحكم بكتاب الله وسنة نبيه وابتلاه الله بفتوح من الدنيا ما لم يبتلى به صاحبيه وفارق الدنيا والدين ظاهر وكلمة الإسلام جامعة وشهادتهم قائمة والمؤمنون شهداء في الأرض . قال الله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) وبعد موته اشتور المؤمنون فولوا عثمان فعمل ما شاء الله بما يعرف أهل الإسلام حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض ما شاء الله . (1/24)
صفحة 25
ثم أحدث أمورا لم يعمل بها صاحباه قبله وعهد الناس بنبيهم حديث فلما رأى المؤمنون ما أحدث أتوه فكلموه وذكروه بكتاب الله وسنة من كان قبله من المؤمنين فشق عليه أن ذكروه بآيات الله وأخذهم بالجبروت وضرب منهم من شاء وسجن ونفى . وكتبت إلي يا عبد الملك طالبا أن أكتب إليك بجواب كتابك وأجتهد لك في النصيحة وإني أبين لك إن كنت تعلم فضل ما كتبت إليك به ، وذكرتني بالله أن أبين لك فإني قد بينت لك بجهد نفسي وأخبرتك خبر الأمة وكان حقا علي أن أنصح لك لما قد علمت أن الله يقول ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) . فإن الله لم يتخذني عبدا لأكفر به ولا أن أخادع الناس بشيء ليس في نفسي وأخالف إلى ما أنهى عنه . أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولتحلوا حلاله ولتحرموا حرامه ولترضوا بحكمه وتتوبوا إلى ربكم وتراجعوا كتاب الله . وأدعوكم إلى كتاب الله ليحكم بيني وبينكم في الذي اختلفنا فيه ويحرم ما حرم الله ونقسم بما قسم الله ونحكم بما حكم الله ونبرأ ممن برأ الله ورسوله ونتولى من يتولاه الله ونطيع من أحل لنا طاعته في كتابه ونعصي من أمر الله بمعصيته . فهذا الذي أدركنا عليه نبينا عليه السلام وأن هذه الأمة لم تسفك دما إلا حين تركوا كتاب ربهم الذي أمرهم أن يعتصموا به وأنهم لا يزالون متفرقين مختلفين حتى يراجعوا كتاب الله وسنة نبيه ويحكموه فيما اختلفوا فيه فإن الله يقول ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب ) . (1/25)
صفحة 26
وأن هذا هو السبيل الواضح وهو الذي هدى الله به من كان قبلنا محمدا صلى الله عليه وسلم والخليفتين الصالحين من بعده فلا يضل من اتبعه ولا يهتدي من تركه قال الله ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) . فاحذر أن تفرق بك السبيل عن سبيله وتزين لك الضلالة باتباعك هواك فيما جمعت إليه الرجال فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا إنما هي الأهواء وإنما يتبع الناس إمامين إمام هدى وإمام ضلالة. أما إمام الهدى فهو الذي يحكم بما أنزل الله ويقسم بقسمه ويتبع كتاب الله وهم الذين قال الله فيهم ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ). وأما إمام الضلالة فهو الذي يحكم بغير ما أنزل الله ويقسم بغير ما قسم الله وتبع هواه بغير سنة من الله فذلك كفر كما سمى الله ونهى عن طاعتهم وأمر بجهادهم كما قال ( ولا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ) . فإنه حق أنزلها بالحق وليس بعد الحق إلا الضلال . ولا تضر بن الذكر عنك صفحا ولا تشكن في كتاب الله ولا حول ولا قوة إلا بالله فإن من لم ينفعه كتاب الله لم ينفعه غيره . كتبت إلي أن أكتب إليك بمرجوع كتابك فإنني قد كتبت إليك وأنا أذكرك بالله العظيم أن تقرأ كتابي بتدبر وأنت فارغ . ثم اكتب إلي إن استطعت بجواب كتابي انزع عليه بينةة من كتاب الله أصدق به قولك ولا تعرض لي بالدنيا فإنه لا رغبة لي فيها وليست من حاجتي ولكن لتكن نصيحتك لي في الدين ولما بعد الموت فإن ذلك أفضل النصيحة والله قادر أن يجمع بيني وبينك على الطاعة فإنه لا خير لمن لم يكن على طاعة الله وبالله التوفيق ومنه الرضا والسلام عليك والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
التعليق على الجواب (1/26)
صفحة 27
إن المتأمل في هذه الرسالة أو الرسائل المتبادلة بين عبد الملك بن مروان وبين الإمام عبد الله بن أباض يتبين له جليا ما لابن مروان من الباع الطويل وبعد النظر في سياسة الملك والمقدرة على توطيد أركانه وتشييد دعائمه ، فهو يريد فوق ذلك أن يلبس ملكه ثوبا من الخلافة الصحيحة المؤيدة بموافقة أئمة الدين وذوي الرأي النافذ في الأمة وفي مقدمتهم الإمام ابن أباض الذي مع سلوكه الشدة معه مباشرة وبواسطة ، فالأمر إذا لا يخلو إما لأنه سلم بصحة نصيحة الإمام وأذعن لقوة دينه ويقينه ولكن حال دون العمل بها فساد المحيط وتمكن حب الملك ولذة السلطان من نفسه مع ما للبطانة والقرابة بحكم العادة من اليد القوية في الحيلولة بينه وبين ما يهم به من قبول النصيحة في الدين والرجوع إلى ما عليه السلف الصالح ، ويحتمل أن يكون ذلك للخوف من بأس ابن أباض وعشيرته فيما إذا حدثته نفسه شرا . ويمكن غير ما ذكر من الإحتمالات . ومهما يكن من الأمر فالإيمان الراسخ والوثوق الشديد بالله عزوجل والزهد الكامل في هذه الدنيا ونعيمها والصراحة في الحق والإخلاص التام لدين الله كيفما كان الحال ، كل هذه المزايا تتجلى للناظر في شخص ابن أباض من بين سطور كتابه إلى ابن مروان . فرحم الله ابن أباض ورحم الله أولئك الصالحين من عباده الذين لا تأنف نفس الواحد منهم أن يقول ما قاله الصديق " وأطيعوني ما اطعت الله فيكم فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم " أو ما قاله الفاروق " أيه الناس من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه ".
الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد (1/27)
صفحة 28
من أعظم رجال المذهب الأباضي وأئمته الإمام المجتهد أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني المولود عام 18 هـ ( الموافق 628 م ) بقرية قريبة من مدينة نزوى عاصمة المملكة العمانية المتوفى سنة 93 هـ ( 711 م ) بالبصرة . نشأ أولا بعمان ثم ارتحل إلى البصرة لأجل طلب العلم فأقام بها إلى أن مات فنسب إليها . وكان أعلم أهل زمانه وأحفظهم للحديث النبوي وأتقاهم لله عزوجل . أخذ العلم عن كثير من الصحابة ومما قاله عن نفسه في هذا المعنى تحدثا بنعمة الله عليه : أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر الزاخر يعني سيدنا عبد الله بن عباس جد العباسيين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكما أخذ جابر عن ابن عم الرسول فكذلك أخذ عن أشهر أزواجه السيدة عائشة ابنة الصديق رضي الله عنهما . وفي التنويه بغزارة علمه قال ابن عباس اسألوا جابر بن زيد فلو سأله من بالمشرق والمغرب لوسعهم علمه . ولما مات جابر قال أنس بن مالك خادم رسول الله : مات اليوم أعلم من في الأرض . وقال قتادة : اليوم مات عالم العرب . وقال إياس بن معاوية رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد ، مع كثرة من فيها يومئذ من الفقهاء الأجلاء كالحسن البصري وسعيد بن المسيب وثابت البناني وغيرهم . ومن المأثور أنه لما قربت وفاته تمنى رؤية الحسن البصري فجاءه الحسن مسرعا هو وثابت فسأله جابر بقوله أخبرني يا أبا سعيد عن حديث ترويع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمن إذا حضرته الوفاة ، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا . (1/28)
صفحة 29
فقال جابر : الله أكبر إني أجد على كبدي بردا ثم قبض عليه رحمة الله ورضوانه وكان هذا الإمام أيضا كثير المناظرة للخوارج المارقين وله تأليف في الفقه كبير يسمى ديوان جابر انتفع الناس به في حياته وبعد مماته وكان محفوظا في مكتبة بغداد ثم أخذ منها وأحرق أو اغرق ولنقتصر على هذه النبذة من تاريخ حياته الحافلة بجلائل الأعمال إذ التبسط فيها يستدعي التطويل .
هذا ولا ندري السبب في عدم نسبة المذهب إليه مع انه أفقه وأعلم زمانه وقد قيل أن ابن أباض يصدر في كل شؤونه عن فتواه ولا يبت في أمر من الأمور إلا بمشورته ورضاه . والحديث عنه يطول جدا.
الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وغيره من الأئمة مع جملة استطرادية شيقة (1/29)
صفحة 30
من أشهر أئمة المذهب الإمام الجليل التابعي المشهور أبو عبيدة مسلم وهو ممن أخذ العلم عن جابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر ابن السماك من التابعين . أما الصحابة فقد أدرك جل من أخذ عنهم الإمام جابر واستقى من مناهلهم العذبة رضي الله عنهم وعنه . وقد أخذ عنه وعن ضمام بن السائب كثير من معاصريهما المشهورين أذكر منهم الأئمة الفحول سلمة بن سعد وأبا سفيان محبوب بن الرحيل وعبد الله بن يحيى طالب الحق وأبا حمزة المختار بن عوف وأبا يزيد الخوارزمي والجلندى بن مسعود وأبا الحر الحصين والخيار بن سالم والإمام الفحل الربيع بن حبيب صاحب المسند المعدود بأنه أقدم تأليف في علم الحديث وأيوب بن وائل الحضرمي وغير هؤلاء كثير جدا من الأعلام المتكفل بذكر أكثرهم سير العلامة ضياء الدين أحمد الشماخي وفيهم من خراسان ومصر وغيرهما من الأقطار التي انتشر فيها أتباعهم ومدت رواقها دعوتهم. ولكن اليد السياسية قضت على هذه الدعوة ومحت وجودها من أغلب الأقطار الإسلامية ، نظراً لشدة تمسك أهلها بقواعد الدين الصحيحة والمضي في سبيلها بدون محاباة ولا خضوع إلى قوات المتغلبين بالرغم عن خطب ودهم المتكرر جيلا بعد جيل ومحاولة إرضائهم المرة بعد المرة ظنا من هؤلاء الملوك أن حركة أولئك المؤمنين الصادقين ربما كانت لطلب الدنيا والجاه لا للمطالبة بتطبيق أحكام الله من عدل وشورى وإقامة لشعائر دينه القويم . وهو حق الله والأمة اغتصبه المتغلبون الظالمون وتصرفوا فيه تصرفا لم يراقبوا فيه إلا ما تهواه أنفسهم . ولا تطرف في طلبهم ولا غلوا مطلقا وما دين الإسلام وأحكامه إلا وسط بين الإفراط والتفريط ولا كانت تكاليفه إلا تخفيفا من الأثقال التي كانت تحملها أمم قبلنا حيث كان من ضمن ما يوجبه عليهم دينهم إخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة وقتل النفس في التوبة وخمسين صلاة في اليوم والليلة وغير ذلك مما لا يطاق حمله من الشدائد والأهوال . (1/30)
صفحة 31
ولكن النفوس البشرية إذا ألقي إليها الحبل على الغارب عدت كل ما خالف هواها تطرفاً في المبدأ وغلوا في الدين فلا يطرب لها إلا معان في ملاذ هذه الفانية بجميع ما فيها من الموبقات المهلكة المكتسحة لما سيبقى في النفوس من الدين والأخلاق لا سيما أولئك الجبابرة الذين استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا فعمدوا إلى حمل من يذعن إليهم من الفقهاء على تأويل كل ما يخالف أهواءهم وتهوين ما لا يقبل التأويل مما ينتهكونه من محارم الله . وقد آن لي أن أقول أن من يمعن النظر ويتعمق في البحث ويقارن بين أصول المذاهب الإسلامية وقواعدها العامة لا يلبث أن يسلم بأن هذا المذهب هو أكثر المذاهب انطباقا على الكتاب والسنة وأبعدها عن التأثر بالشخصيات في مبادئه العامة إيمانا وعملا ويجده أيضا أطهرها من المبتدعات المنكرة مما يأتيه شيوخ الطرق الموجودة في غيره من المذاهب والتي لا أصل لوجودها فيه من لدن إمامه الأول إلى يومنا هذا.
أباضية اليوم وأين يوجدون (1/31)
صفحة 32
إن أباضية اليوم بالجبل وزواره وجربة ليسوا كأسلا فهم في قليل ولا كثير من التطبيق العلمي لتعاليم الدين فهم الآن كسائر أتباع المذاهب الأخرى سواء بسواء لا يمتازون عنهم بشيء إلا في النادر القليل . أما أهل ميزاب وعمان فإنهم ما زالوا في القيام بشئون الدين على ما يرضي الله ورسوله . وقد قلنا فيما تقدم أن اليد السياسية قضت على وجودهم في أغلب الأقطار فلزم حينئذ أن نبين البقية الباقية و أين مأواها فنقول : يوجد أغلبهم في القطر العماني الواقع على بحر العرب وخليج فارس من شرق الجزيرة العربية حيث لا يقل عددهم هناك عن ثلاثة ملايين ، فهم بعمان أغلبية ساحقة ولهم بها إمام عادل يعين بالشورى ويحكم بينهم بالكتاب والسنة ، وأكثر نواحي القطر تحت حكمه العادل إلا مسقطاً وبعض الجهات الساحلية فإنها خاضعة لأمير يلقب بالسلطان وهو أباضي أيضا إلا أنه مشمول بالحماية البريطانية وبينه وبين الإمام اتفاقات وهو كالتابع له من الناحية الدينية . ويوجد نحو ربع مليون من الأباضية بجزائر إفريقيا الشرقية البريطانية التي كانت وما تزال إلى وقت غير بعيد من مستعمرات عمان ولا يزال سلطان زنجبار ( قاعدة ) هذه الجزر أباضيا يتولاها هو وآباؤه بالوراثة السياسية وهم وسلاطين مسقط من أسرة واحدة. ويوجد منهم بشرق افريقيا البريطاني ( الألماني سابقاً ) عدد عديد لا ندري بالضبط ولا بالتقريب كميته وإن كنا نجهل أن سكان هذا الإقليم يزيدون على العشرة ملايين . وكان حاكم عاصمته ( دار السلام ) في العهد الألماني أباضيا . وهذا يدل على كثرتهم وقوة نفوذهم هناك . على أن هذه المستعمرة الكبرى كانت أيضا من مستعمرات عمان كما سيأتي بيانه عند الكلام على انتشار المذهب بالشرق . ويوجد منهم في افريقيا الشمالية بجبل نفوسة وزوارة من طرابلس وجزيرة جربة من تونس ووادي ميزاب بالجزائر ما يربو عددهم عن المائتي ألف . (1/32)
صفحة 33
وأخيرا بلغنا أنه توجد جمهورية صغيرة ببلاد القوقاز أهلها أباضية ولا ندري عنهم وما كان لنا بهم من علم إلا منذ خمس سنوات أو أقل .
انتشار مذهب الأباضية وتاريخ ظهوره بالمغرب
لا يوجد في المستندات ما يدل دلالة واضحة على تاريخ انتشار هذا المذهب في الشمال الأفريقي بالضبط ، وإنما لنا أن نجزم بأنه في عهد مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية كان مذهب الأباضية بطرابلس قويا منتشرا ، ومما يدل على ذلك أن الحارث وعبد الجبار زعيمي الأباضية كان قد حدث بينهما وبين عامل طرابلس من قبل بني أمية خلاف أدى إلى نشوب الحرب بين الفريقين كانت الدائرة فيها على العامل فانتزعا منه طرابلس وملكاها حينا من الدهر وحكماها بعدل ، إلى أن وجدا قتيلين وسلاح كل منهما في الآخر ، والظاهر أن عبد الجبار هو الإمام والحارث وزيره أو قاضيه وهما أخوان لأم أو ابنا خالة وقبلتهما هوارة . وفي رواية لغير أصحابنا أن القاتل لأولهما هو عبد الرحمن بن حبيب عامل قيروان الأموي وذلك سنة 131 هـ ( 718 م ) وقيل سنة 132هـ ثم لم يلبث الأمر غير يسير من الزمن حتى عاد النفوذ إلى الأباضية بصورة أوسع وأقوى مما كان في زمنهما . وذلك باستيلاء أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح اليمني .
إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى (1/33)
صفحة 34
في سنة 140 هـ ( 757م) بليعه الأباضيون خارج مدينة طرابلس على أن يحكم بما أنزل الله وبسنة رسول الله ، ثم دخل المدينة بلا حرب ودانت له البلاد طائعة مختارة لما شاع عنه وذاع من الرفق بالرعية والعدل في الحكم بين الناس فعظم شأنه فيهم وامتد سلطانه شرقا إلى برقة وغربا إلى القيروان وجنوبا إلى فزان . وكان منصورا في جميع حروبه كالتي دارت رحاها لتطهير البلاد من أدران الفوضى والفساد مثل قمعه لورفجومة القبيلة الجسيمة التي أخذت القيروان من عامل الأمويين وأسرف رجالها في البلد بالظلم والقتل والسلب والنهب وانتهاك الحرمات والأعراض تحت سمع وبصر زعيمهم عاصم بن جميل وما تركوا منكرا إلا أتوه ولم يسلم من فسادهم حتى المسجد الجامع فأدخلوا دوابهم فيه فلم يسع هذا الإمام العظيم إلا الإجابة لنداء أهل القيروان واستغاثاتهم المهيجة إلى جهاد هؤلاء المفسدين في الأرض فأسرع إلى القضاء على فسادهم وأراح الناس منعتوهم فاطمأنوا على أموالهم وأعراضهم وسكن روعهم ثم عين واليا عليهم عبد الرحمن بن رستم وعاد إلى طرابلس مقر إمامته وهكذا كان النصر حليفه مرارا في حروبه على الحدود الشرقية لرد هجمات العباسيين المتكررة وقد هزمهم فيها أبو الخطاب ستة عشر ألفا ولم يخنه الحظ إلا في التي مات فيها رحمه الله بتاورغا سنة 144هـ (761م ) وعدد الموتى من رجاله اثنا عشر ألفا أو يزيدون ، وسبب الهزيمة مبسوط في المطولات (2) .
إمامة أبي حاتم يعقوب بن حبيب (1/34)
صفحة 35
في سنة 154 هـ (0 77 م ) بايعت الأباضية الإمام أبا حاتم يعقوب فشمر عن ساعد الجد وبادر إلى قمع المفسدين وإخضاع الفوضويين من البربر وساس الأمة بالعدل والإحسان وملك طرابلس في أقرب من لمح البصر ولبث فيها أشهراً ثم توجه إلى القيروان فملكها بعد جهاد طويل وأخرج منها ابن الأشعث واستعمل عليها عبد العزيز بن السمح ومنها سار إلى الحدود الشرقية لمواجهة الجيوش العباسية ورد حملاتهم فكانت بين الفريقين حروب حامية الوطيس شديدة الوقع وبعد مد وجزر وكر وفر دارت الدائرة على أبي حاتم فاعتصم بجبال نفوسة مفلول الجيش وقبل أن يستجمع قواه ويسترد نشاطه عاجله العباسيون فالتحم معهم بقليل من بقايا جيشه قريبا من ظاهر قلعة وككلة فهزموه وقتل فيمن قتلوه ودفن بالموضع الذي لا زال معروفا وأقيمت على قبره روضة والناس إلى اليوم يتبركون بزيارة ضريحه عليه رحمة الله . وكان ذلك سنة 155 هـ ( 771 م ) على ما قيل ، فتكون مدة إمامته سنة واحدة فقط ، والظاهر أن الواقع غير هذا بل الصحيح لا بد وأن تكون مدته أكثر من السنة والسنتين بكثير جدا لأن التاريخ يحدثنا أنه بقي محاصرا لمدينة القيروان وحدها نحوا من سنة أو سنتين فكيف يتصور هذا مع أن المؤرخين فضلا عن ذلك ذكروا له وقائع عديدة شرقا وغربا وشمالا كان له النصر فيها حليفا وذكروا أن عساكره كانت تعد بمئات الألوف من المشاة وعشرات الألوف من الفرسان . ولا يخفى أن حشد مثل هذه الجحافل وتحويلها ونقل معداتها من مكان إلى مكان بعيد عنه بمراحل وأسابيع ليس بالأمر السهل الهين في ذلك الوقت المفقودة فيه وسائط النقل السريعة فليتأمل .
حملة العلم إلى المغرب (1/35)
صفحة 36
من السابقين إلى نشر الدعوة الأباضية سلمة بن سعد وهو الذي شوق ببربر الغرب إلى شد الرحال والتوجه إلى المشرق لتلقي العلوم من الإمام أبي عبيدة المتقدم الذكر ، فرحل إليه على هذه النية عاصم السدراتي واسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي النفزاوي وعادوا حاملين لقب حملة العلم إلى المغرب يشاركهم في هذا اللقب الشريف أبو الخطاب الذي تولى الإمامة على نحو ما تقدم وعبد الرحما بن رستم الفارسي الذي صار قاضيا ثم عاملا لأبي الخطاب والذي أسس الخلافة الأباضية بتيهرت كما سيأتي شرحه هنا .
وأما تراجم هؤلاء وذكر كراماتهم هم وغيرهم من فضلاء الرجال الكثيرين من أهل المذهب فليس من وظيفة هذا المختصر ، فليراجع غيره من المطولات من يهمه الوقوف عليها كسير الشماخي وسير نفوسة القديم فإنه يرى ما يبهره .
خلافة بني رستم بتيهرت
الفترة التي بين فرار الإمام عبد الرحمن من القيروان سنة موت إمامه وبين تاريخ مبايعته بالخلافة رسميا بتيهرت هي شبيهة بغيرها من الفترات المجهولة الحوادث مثل التي بين حدوث نفس المذهب الأباضي بالمغرب وامتلاك الحارث وعبد الجبار لطرابلس ثم مبايعة أبي الخطاب بنحو تسع سنين ومن بعده مبايعة أبي حاتم بأكثر من ذلك فالظاهر أنه لا يتسنى لأي باحث كائنا من كان أن يظفر بشيء يمكنه من العلم بما وقع في هذه الفترات بوجه مفصل حتى يصل الحوادث بعضها ببعض لتأخذ شكلا مرتبا مضبوطا . هذا ونعود إلى تلخيص الخلافة الأباضية بتيهرت آسفين على ما فرط فيه الأوائل أو بالأحرى ما أتلفته الحوادث واستصفته الكوارث ولا حول ولا قوة إلا بالله (3 ).
الإمام عبد الرحمن (1/36)
صفحة 37
هو عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى انو شروان المالك الفارسي المشهور على ما قاله غير واحد . تقدم أنه لما سمع بانكسار أبي الخطاب وموته هرب من القيروان إلى المغرب ويقال أن عبد الرحمن لما خرج هاربا من القيروان لم يصحبه إلا ابنه عبد الوهاب ومملوك له وساروا في طريقهم يتناوب الابن والعبد حمل ذات الشيخ أو متاعه إلى أن وصلوا جبلا يسمى ( سو فجج ) والظاهر أنه كان عامرا بالأباضية أو كانوا قريبين منه وكان جبلا منيعا صعب المرتقى فاعتصموا به مرتقبين لحوق جيش أبي الأشعث ، فكان ما توقعوا وجاءهم بجيش كثيف طوق به الجبل من جوانبه وظل محاصرا إياهم مدة من الزمن فلم يحصل على شيء فعاد بخفي حنين بعد أن فقد مئات من رجاله بفعل الحمى وغيرها قائلا أن سوفجج لا يدخله إلا دارع و مدجج . ثم ان عبد الرحمن ومن التف حوله من الوجوه والأعيان قرروا الرحيل إلى المغرب الأوسط ( الجزائر ) حيث ألقى العصا بين جمع الأباضية من نفوسة وهوارة ومزاتة وغيرها فاختاروا لتأسيس المدينة موضعا تكتنف أطرافه القبائل المذكورة وكان غابة تقطنها السباع والوحوش فخرجت منها بإذن الله تحمل أولادها في أفواهها فبنوا به ( تيهرت ) الفيحاء دار العدل والمدنية والعلم والعمران فيما بعد ( 4 ).
مبايعة الإمام عبد الرحمن بالخلافة (1/37)
صفحة 38
في سنة 160 هـ ( الموافق لسنة 776 م ) بويع الإمام عبد الرحمن ابن رستم بالخلافة فتولاها بما عهد فيه وعرف به من الهمة والنشاط والصبر على الشدائد وازهد في الدنيا والحكم بالكتاب والسنة ، فأقام الحدود وبالغ في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر كما هو شأن الأئمة العادلين أولي الاستقامة في الدين والإخلاص للأمة فانتشر عدله وعم الرعية فضله وذاع في الآفاق صيته بما شمل المملكة من الأمن والعدل ، فتوافد الناس من كل حدب وسهل إلى الاحتماء بحماه والسكنى ببلد زانه عدله وأمنه وهما ضالة كل إنسان يطلب الحياة الهينة في هذه الدنيا . ولتأييده على إقامة العدل وتوطيد الإمامة وبث الراحة والطمأنينة أرسل إليه المشارقة إعانتين من وافر أموالهم كل منهما في وقت غير الآخر مع رسل أمناء لإبلاغهما والوقوف على الحالة التي عليها الإمام من حيث العدل والأمن والدين والاستقامة ، فأما الأولى فقبلها لأن الدولة لم تزل في دور التكوين والضعف فهي في حاجة ماسة إلى ما يأخذ بناصرها ويقوي دعائمها ، والمال قوام الأعمال . ولا حاجة إلى التنبيه بأن قبول الإعانة إنما كان بعد استشارة الإمام لذوي الرأي من رجاله لأن هذه القاعدة ( الشورى ) هي أساس الحكم وحجره الأساسي في مذهب الأباضية ، وقد عاد الرسل وألسنتهم تلهج بالثناء على سيرة الإمام من جميع نواحيها . وأما الإعانة الثانية فلم يقبلها واعتذر للرسل الذين جاؤا بها بأنه في غنى عنها نظرا لتوفر الدخل وكثرة الوارد على الخزينة من الأموال الناشئة عن الخصب العام واتساع رقعة العمران ونمو الخيرات . فشق على رسل المشرق أن يردوا المال بعدما لاقوا في سبيله من مشاق وأهوال وعبثا حاولوا إقناع الإمام بوجوب قبوله وكلما ألحوا عليه لم يجدهم ذلك لأنه في الواقع لم يأمر برده إلا بعد المشورة لأهل الحل والعقد ( 5). (1/38)
صفحة 39
واستمر رحمه الله على ما عليه من زهد في الدنيا وتواضع لله ، سالكا مسلك الخلفاء الراشدين الذين سبقوه في إمارة المؤمنين بالمشرق أم بالمغرب رحمهم الله إلى أن وافاه الأجل المحتوم والناس عنه راضون وعلى إمامته متفقون ، وكان ذلك سنة 171 هـ ( 787 م ) .
خلافة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن
تولى عبد الوهاب الخلافة على أثر وفاة والده العظيم بالإجماع أو بالأكثرية الساحقة ، و قد رشح أبوه رحمه الله سبعة رجال من مشاهير القوم و خيارهم و جعلها شورى بينهم و منهم هذا الأمام و مسعود الأندلسي و يزيد بن فندين اليفرني و كان هذان المرشحان في مقدمة المبايعين له إلا أن كلا منهما لصاحبه على طرفي نقيض في سلوكه ، و ذلك أن مسعوداً أظهر من الوفاء و الولاء للإمام عبد الوهاب ما لا مزيد عليه لمستزيد مع أن العامة كانت تؤثره حتى على عبد الوهاب نفسه لولا أنه توارى على الأنظار إلى أن تحقق أنهم ولوا وجوههم عنه و هرعوا إلى مبايعة عبد الوهاب فبادر إلى تقديم البيعة له و وفى وله الفضل. أما بن فندين فأظهر من الخلاف على الإمام بعد البيعة ما به أضحى رأس الناقمين عليه و الشهاب الموقد للفتنة العظيمة التي اضطر الإمام إلى قمعها بامتشاق الحسام وخوض غمار الحروب الشديدة لأجل اطفائها. ذلك لأن ابن فندين استعان على اضرامها بوسائل دينية استغفل بها فريقاً كبيراً من العامة و استخفهم إليها فأصبح اطفاؤها ليس بالأمر الهين ، و ما توفق الإمام إلى القضاء عليها إلا بعد سفك دماء غزيرة ، و كان عدد ضحايا هذه الفتنة لا يقل عن عشرين ألفاً من الطرفين من بينهم رأس الفتنة يزيد بن فندين.
سبب خلاف ابن فندين و موافقة شعيب (1/39)
صفحة 40
السبب الوحيد الرئيسي لفتنته وخلافه هو حب الرئاسة و التوظيف في مناصب الدولة ، إلا أنه في الظاهر جعل وسيلة أخرى لإثارة الفتنة والتلبيس على من اتبعه وهي المطالبة بإقامة هيئة استشارية لا يصدر الإمام في أمر من الأمور إلا عن رأيها ثم تدرج واستدرج من وافقه إلى إنكار إمامة الإمام عبد الوهاب من أصلها بدعوى أن في المسلمين من هو أعلم منه فاستصوب رأيه من استصوب وسفهه الأكثرون وأدى ذلك إلى استفتاء الفريقين أحد الإمامين الربيع بن حبيب أو أبي عبيدة مسلم ومن بالمشرق من أكابر الأباضية وفقهائهم ومنهم شعيب المصري فجاء الرد بموافقة ما عليه الجمهور من تصويب الإمام وتخطئة ابن فندين وشيعته ، إلا شعيبا فإنه بعد أن وافق الجمهور في صحة الإمام ووجوب طاعته عاد في رأيه ونكص على عقبيه وحدثته أفكاره باغتنام فرصة الافتراق لترشيح نفسه إلى مقام الإمامة بتيهرت فرحل إليها مسرعا بالرغم من نهي رجالات مصر الأباضيين ، وطوى تلك المسافات الشاسعة على ما قيل في عشرين مرحلة مواصلا الليل بالنهار فاجتمع بالإمام ثم بابن فندين وأيده فيما تمسك به وصار تابعا له غير متبوع ، وأخيرا قضى الإمام على الفتنة وعاد شعيب إلى وطنه يحمل من إثم الفتنة ووزر الطعن في الإمام العادل . وابن فندين هذا هو رأس الفرقة النكارية من الأباضية ويسمون مستاوة وقد سموا بالنكار لأنهم أنكروا إمامة الإمام عبد الوهاب وأكبر فقهائهم عبد الله بن يزيد ، وأما الذين أيدوا عبد الوهاب وصوبوا إمامته فسموا وهبية ( الصواب أن يسموا وهابية ) وهم جمهور أباضية المغرب .
خروج خلف بن السمح ابن الإمام أبي الخطاب وسببه (1/40)
صفحة 41
وممن خالف الإمام عبد الوهاب خلف بن السمح ، كان والده السمح وزيرا للإمام ثم واليا عاما له على جبال نفوسة وما يليها إلى ضواحي طرابلس وقابس . وكان في طاعة الإمام ورضاه إلى أن مات رحمه الله ، فتسارع كثير من العامة إلى مبايعة ابنه خلف وأيدهم في ذلك بعض الأعيان بنية الاستقلال عن الإمامة العظمى بحجة أنهم مفصولون عنها بمخالفيهم وأنهم في قوة تغنيهم عن التبعية لها . وبعد أخذ الرسائل وردها بين الإمام وبين وجهاء الجبل وصلحائه صمم الإمام على عزل خلف وتولية غيره من أهل الفضل . فشبت بين خلف الثائر وولاة الإمام حروب طويلة . وقد ثبت هو وأتباعه على عصيانهم بالرغم من تخطئة من استفتوه من أئمة المشرق فيما أتاه من مخالفة متبوعه الشرعي الإمام ، وكانت الحرب سجالا بينه وبين الولاة أيوب بن العباس وأبي عبيدة عبد الحميد الجناوني الذي جدد له الولاية الإمام أفلح حينما تولى الخلافة بعد أبيه والذي تمكن بعد ذلك من قهر خلف في موقعة هي من الغرابة بمكان لأن جيش خلف يقدر بنحو أربعين ألفا وأما جيش أبي عبيدة فلا يتجاوز عدده 313 على رواية أو سبعمائة على رواية أخرى وتاريخ الموقعة سنة 221 هـ ( 835 م ) ومن بعدها أخذ أمر خلف في الضعف والادبار . ولكن القضاء على ثورته لم يتم نهائيا إلا على يد العباس بن أيوب الذي تولى حكم الجبل بعهد من الإمام أفلح بعد وفاة أبي عبيدة فتعقب خلفا وشتت شمل من بقي من أصحابه فتفرقوا أيدي سبا ومات بعد جهاد عنيف في سبيل أمنيته وفر ابنه إلى جزيرة جربة وإليه تنسب الخلفية . ومن تأمل في أمره وأمر أتباعه يظهر له أن خلافهم كخلاف ابن فندين ليس دينيا بل هو سياسي محض لا يخرجهم عن الأباضية في الاعتقاد شيء ، وفي زمن هذا الإمام خرجت عن طاعته الواصلية وبعض قبائل من البربر في الولايات القريبة من تيهرت فأخضعها وعادت إلى الطاعة والانقياد وساد الأمن وعم الرخاء وعظمت الثروة إلى حد بعيد . (1/41)
صفحة 42
أشهر المثرين في زمن هذا الإمام
يظهر أن الثروة بلغت شأوا بعيدا جريا على سنن تقدم البلاد في المدنية والعمران بسبب الأمن والعدل والحرية . وللإستدلال على نموها العظيم في الأوساط الأهلية الرستمية على عهده نذكر أن يبيب بني زلغين المزاتي كان يملك من صنف الإبل ثلاثين ألفا ومن الغنم ثلثمائة ألف ومن الحمير 12 ألفا . ولا شك أن ما ذكروه من هذه الأصناف هم من بعض ثروته العظيمة وقد قال الإمام في هذا المعنى لولاي ومحمد بن جرني ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين ، أنا بالذهب ومحمد بالحرث ويبيب بالأنعام . وقول الإمام لخرب بيت المال ليس له مفهوم ، وإنما المراد منه امتياز هؤلاء الثلاثة بالثروة الطائلة وتفوقهم الهائل على غيرهم . ومن هذا القبيل قوله : ما أقيم هذا الدين إلا بسيوف نفوسة وأموال مزاته .
ولنقتصر من أخباره على هذا القدر . ومن أراد الوقوف على أحواله ومن اشتهر من رجال السيف والقلم والعلم والأدب في عصره بوجه مفصل فعليه أن يطلبها من المطولات : كالأزهار ، والسير وغيرهما من كتب الموافقين والمخالفين المنصفين ، وقد توفاه الله عليه الرحمة والرضوان في سنة 190 هـ ( 805 م ) وعلى أثر وفاته تولى الخلافة ابنه أفلح .
خلافة الإمام أفلح بن عبد الوهاب (1/42)
صفحة 43
بويع بالخلافة بعد موت والده المرحوم وسار في العدل والإحسان سيرته وعني ببسط الأمن في البلاد واهتم بترقيتها وسعادتها الاهتمام كله فتقدمت تقدما سريعا وفي عهده وصلت الدولة إلى أوج عظمتها وبلغت في السؤدد منتهى العز والترف . فقد ابتنى الأغنياء القصور الضخمة واتخذوا الضياع الواسعة واستكثروا من العبد والحشم واتسع نطاق التجارة اتساعا عظيما إلى حد أن بعض التجار كان يملك سوقا قائمة بنفسها وعلى عهده كثر المسافرون إلى السودا عن طريق الصحراء للاتجار واستجلاب التبر وضربه دراهم ودنانير للتعامل واتخاذه حليا . وبقي سلطان هذا الإمام ممتدا إلى حيث الحدود التي وصلته المملكة على عهد والده ولم يخالفه بتيهرت أحد في أمر ونهي بسبب ما مهد له والده وبما أقامه هو من عدل ورأفة واجتهاد في كل ما يعود على الأمة بالسعادة والرفاهية مع ما اتصف به من أخلاق عالية وعلم واسع وصدر رحب ومحافظة على الدين والحكم بالكتاب والسنة والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من الشعائر الإسلامية الواجب صيانتها . وقد استمر بالجبل خلاف ابن السمح إلى عهده ، وقد تقدم أنه قضى عليه نهائيا عامله العباس بن أيوب رحمه الله .
خلافة نفات بن نصر (1/43)
صفحة 44
إن فرجا النفوسي المعروف بنفات بن نصر قد أظهر مخالفة الإمام أفلح لعين السبب الذي خالف به ابن فندين وابن السمح وهو الطمع في الوظائف الحكومية ، وذلك أن الإمام عين سعد بن أبي يونس وسليم التمزيني عاملا على قنطرارة ( يتجى ) وأما نفات فلم يعينه في شيء مع أنه كان رفيقاً لسعد في طلب العلم بتيهرت وكان يعتقد في نفسه أنه أعلم منه وأقدر على إدارة الشؤون. فغاظه من الأمام هذا التصرف وأثار في نفسه الحقد و الغيرة تفضيله سعداً عليه فانتحل مسائل لنفسه وأتخذها مطية لخلافه الطائش. فمنها إنكاره الخطبة في الجمعة مدعياً أنها بدعه وضلال ، ومنها إنكاره استعمال الإمام العمال والسعادة لجباية الحقوق الشرعية ، ومنها قوله أبن الأخ الشقيق أحق بالميراث من الأخ للأب . ومنها قوله أن المضطر بالجوع لا يمضي بيع ماله إذا باعه لأجل ذلك وعلى من شهد مضرته تنجيته . ومنها قوله أن الفقد لا يتحقق إلا فيمن تجاوز البحر . وقد كان عالما ذكي الفؤاد إلا أن قوة الحكومة ومكانة الإمام في الأمة كانتا من أعظم الأسباب في إحباط مساعيه وعدم توفقه . فلم يستطع أن يوقد نار الحرب كسلفيه يزيد وخلف . وقد تولى نفس الإمام نصيحته برسائل طويلة الذيل بليغة التركيب تنطق بعلو كعب الإمام في علوم الدين والسياسة والأدب واللغة يحذره فيها من سوء العاقبة إن لم يتب من ضلاله وإضلاله . وأخيرا أنذره على لسان ولاته بإنزال صارم العقاب به إن لم يرتدع عن غيه ، فخاف وتوقع شرا إن هو بقي على إصراره فتوجه إلى الديار الشرقية ثم قصد " بغداد " عاصمة بني العباس فما لبث أن حظي لدى حكومتها بسبب حله معضلة استعصت على علماء بغداد وتعذر حلها عليهم وكان غزير العلم مفرط الذكاء . (1/44)
صفحة 45
وبهذا أيضا تمكن من نسخ ديوان الإمام جابر بن زيد الموجود يومئذ بمكتبة بغداد بإذن الخليفة العباسي ( و لعله المأمون ) فإن الإمام أفلح يعاصر ستة من خلفائهم من الرشيد إلى المتوكل و قد تم له نسخ الديوان في أيام معدودات مع أنه في عشرة أجزاء ؛ لكن الخطب سهل فإن نفاتا كان من أغنياء الناس فاستأجر عدداً من حذاق الخطاطين ، و يقال أن الجزء العاشر لم يكتبه لأن المدة المرخص له فيها قد انتهت و إنما استصدر أمراً آخر في المرور عليه سرداً فنقله في رأسه حفظاً و عاد إلى الجبل يحمل معه هذا الكنز الثمين ، إلا أن خبث نيته و سوء سريرته حملاه على دفن الكتاب و إخفائه قبل أن يصل الوطن إذ علم أن الإمام لم ينقص من نفوذه بل زادت دولته قوة و ملكه توطداً و رسوخاً . و لم يظهر لخلاف نفات أثر بعد رجوعه من الشرق و كأنه لما وجد الدولة قوية الجانب هاب الخلاف و جنح إلى السكون إلى أن مات ، و قيل تاب قبل موته. و إليه تنسب النفاتية يومئذ. أما الآن فلا أثر لوجودهم و لا لغيرهم من النكار و الخلفية. و ما أطول الكلام على شخص الإمام نفسه المعدود من فحول العلماء و الأدباء و الشعراء فضلاً عن كونه ملكاً هماماً سياسياً ضليعاً أدار الإمامة بكياسة و مهارة و عدالة نصف قرن و في رواية ستين عاماً عليه رحمة الله.
خلافة الإمام أبي بكر بن أفلح (1/45)
صفحة 46
ولي الخلافة هذا الإمام في سنة 240 هـ (854 م) و هي السنة التي مات فيها والده العظيم و قد حملوه أ‘باء الخلافة مع قلة كفاءته لأن أخاه أبا اليقظان الذي هو أقدر منه على إدارة شؤونها قد توجه إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج فقبض عليه ولاة بني العباس و أرسلوه إلى بغداد فأودعوه السجن رفقة أخ الخليفة ( الرفيق هو المتوكل ) لأنه كان مغضوباً عليه من أخيه الواثق الجالس وقتئذ على العرش ، و قد أجرى الواثق على الرفيقين راتباً يومياً قدره 120 درهماً لكل واحد منهما فانعقدت بينهما الصداقة التي كانت السبب في ترك سبيل أبي اليقظان ثم الإذن له في العودة إلى بلاده بعدما ارتقى العرش رفيقه بمدة. و قد صح أن الإمام أبا بكر لم يحسن الإدارة كأسلافه و لا كان ديناً عادلاً يقظاً كآبائه بل انغمس في الترف و النعيم و مال إلى السرف و الراحة و اللهو و أسلم مقاليد الخلافة لصهره محمد بن عرفة أحد الأعيان المحترمين المعدود من أجود الناس يداً و أبهاهم خلقاً و خلقاً ، استمال كثيراً من قلوب الرعية فمالوا إليه قلباً و قالباً و استبد على الإمام بالأمر إلى درجة أغاظت البيت المالك و أيقظت الإمام فحسن له بعضهم الفتك بابن عرفة فصوبه و تم له ذلك بطريقة سرية و لكنها اكتشفت فأضرم قتله فتنة عظيمة الخطر شديدة البلوى كادت تهلك الحرث و النسل لولا أن تدارك الله الأمر بعودة أبي اليقظان من الشرق فبايعوه في الحال و بعد مشاق و أهوال أعاد المياه إلى مجاريها و الأمر إلى نصابه.
خلافة الإمام أبي اليقظان بن محمد أفلح (1/46)
صفحة 47
بويع بالخلافة أبو اليقظان سنة 231 هـ ( 855 م ) تقريبا قيل بعد موت أخيه أبي بكر وقيل بتسليم منه إليه فكان إماما فحلا وشهما عظيما بكل ما تؤديه هذه الكلمة من معنى عادلا عدل الخلفاء الراشدين من قبله مصلحا إصلاح من لا ينسى نصيبه من الدنيا ولا يغل عما تتطلبه الحياة الأخرى من الزاد والعمل والتقوى والورع . بويع هذا الإمام وكانت الأحوال على أشد ما يتصور من الاضطراب والفوضى فقد استحكمت حلقات الفتنة في أغلب أطراف المملكة فمن ابن عرفة إلى ابن مسالة إلى غيرهما من دعاة الثورة وطلاب الشهرة .
لكن عزيمة هذا الرجل العظيم وقوة إرادته وثقته بالله وبنفسه تغلبت على هذه المصائب كلها فشمر عن ساعد الجد وجيش الجيوش واستنجد بجبال نفوسة فأنجدوه بجيش كثيف ثم حمل بهم على اتباع ابن عرفة قتيل أخيه حملات صادقة متتابعة إلى أن أخضعهم وأخمد فتنتهم ، ثم كر على محمد بن مسالة الأباضي الذي استولى على العاصمة ( تيهرت ) وتحصن فيها فلم يخرجه الإمام منها إلا بعد قتال كبير وجهاد عنيف وحصار دام سبع سنين ( وكان بن مسالة قبل ذلك أميرا مستقلا غير تابع لبني رستم ) ولما قهر الإمام هؤلاء البغاة وصفا له الجو ولى وجهه نحو الإصلاح والتنظيم فمهد الراحة وبسط الأمن واتخذ العدل شعارا في جميع أعماله ولم يغفل حتى عن الجزارين والحمالين فاستعمل عليهم رقباء فإن رأوا قصابا نفخ في شاة عاقبوه أو حيوانا حمل فوق طاقته أمروا صاحبه بالتخفيف عليه وهكذا الشأن في كل شيء كنظافة الشوارع والأزقة وسائر المرافق العامة ( 6).
حرب نفوسة لابن طولون (1/47)
صفحة 48
من أعاظم رجال الدولة في عهد الإمام أبي اليقظان واليه على جبل نفوسة وملحقاته البطل الشهير أبو منصور الياس النفوسي الذي هزم العباس بن طولون هزيمة منكرة . وملخص الواقعة وأسبابها : أن العباس بن أحمد بن طولون في غيبة والده عن مصر حدثته نفسه بامتلاك المغرب فجهز سنة 267 هـ ( 880 م ) جيشا يتألف من 800 فارس و 10000 راجل من سودان أبيه يحمل أمتعتهم 5000 بعير وأخذ من بيت مال مصر 800 حمل دنانير وقيل أن مبلغ ما حمل من المال هو مليون دينار ومائتا ألف دينار ثم زحف بهذه القوة وامتلك ما في طريقه من المدن والقرى وتغلب على جميع ما أرسله إليه بنو الأغلب من الجيوش فازداد قوة على قوة بقهره تلك الحملات المتكررة ، ولعل من أكبرها وأهمها واقعة لبدة فقد خصها بالذكر إذ قال متحمسا ونشوة النصر عملت في نفسه عملها :
ثم زحف بجيوشه المنتصرة إلى أن وصل طرابلس فضرب عليها نطاق الحصار مدة قدرها 43 يوما إلى أن تعدى بعض جنوده على حرم البوادي وهم أتباع بني رستم بمقتضى معاهدة عقدت قديما ، فاستغاثوا بأبي منصور وشاركهم في الاستغاثة أهل طرابلس فأغاثهم بجحفل جرار ، وقبل زحفه ورد إليه كتاب تهديد من العباس ابن طولون هذا نصه : أن أقبل بسمعك وطاعتك وإلا وطئت بلدك بخيلي ورجلي وأبحت حرمك . فأجابه أبو منصور محقرا له : قل لهذا الغلام أما أنك أقرب الكفار مني وأحقهم بمجاهدتي فقد بلغني من قبيح أفعالك ما لا يسعني التخلف معه عن جهادك وها أنا على أثر رسالتي إليك . فصحبه على الأثر بنفسه في 12 ألفا من رجال نفوسة وهزمه شر هزيمة وذهب ابن طولون لا يلوي على شيء وعاد أبو منصور إلى الجبل تحفة الكرامة والعزة بدون أن يتلبس هو ورجاله بشيء من الأموال والذخائر التي تركها ابن طولون واستباحها الأعراب ونهبوها وبنو الأغلب وعمالهم سلبوها من الأعراب ( 7 ).
خلافة أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان (1/48)
صفحة 49
بويع هذا الإمام سنة 281 هـ ( 894 م) يوم وفاة أبيه بالإجماع وكان كأسلافه العظام حسن السيرة مجدا في الإصلاح مؤثرا للعدل محبا للأمة رءوفا بها محسنا إليها لا يألوا جهدا فيما يعود بالخير عليها .
أهم ما حدث في زمنه بيعة عمه يعقوب
أشهر من نازعه في الأمر عمه يعقوب بن أفلح الذي كان مقيما بزواغة ( صبرانة ) من نواحي طرابلس وقيامه هذا كان بتشويق من بعض سكان العاصمة " تيهرت " ممن لم يرضهم الإمام ببعض المناصب فأعلنوا الثورة على الإمام وناجزوه الحرب واستقدموا يعقوب وبايعوه ( مع أن بيعة أبي حاتم في أعناقهم ) فاشتد الخطب واحتدم القتال فكانت حربا ضروسا شديدة الوقع كثيرة الضر . دامت نحوا من أربع سنين يتجاذب فيها الطرفان النصر ، وأخيرا انتهت باندحار قوات يعقوب وفوز الإمام بحقه وعاد عمه إلى زواغة قارعا سن الندم على ما فرط منه في هذه الحركة التي يقال أنه تاب منها إذ لم يعرف إلا بما يرضي الله والأمة قبلها وبعدها ، وكان عالما جليلا وأميرا خطيرا واسع الثروة كثير البر .
خروج الطيب بن خلف (1/49)
صفحة 50
وفي مدة هذا الإمام تحرك الطيب بن خلف في حيز طرابلس والجبل لإثارة الفتنة واقتفاء أثر والده في الخروج عن الطاعة . فعهد الإمام بتأديبه والقبض عليه إلى أبي منصور الياس الذي جدد له الإمام الولاية حين تسلمه مقاليد الإمامة فصدع بالأمر ووجه إلى الطيب جحفلا جرارا فالتجأ بمحاريبه إلى زواغة وهي معقل أبيه خلف وأتباعه فقصدها أبو منصور وكلم أهلها في شأن تسليمه فأبوا وخالفوا نصيحة أحد عقلائهم فحاربهم أبو منصور وهزمهم شر هزيمة وقتل منهم بشرا كثيرا ، ولما كانت زواغة على البحر فقد تمكن من لم يذعن إلى الطاعة من الفرار إلى جزيرة جربة وفي جملتهم الطيب بن خلف فاقتفى أثرهم أبو منصور وحاصر جربة ثم دخلها سلما وقبض على الطيب وأخذه مقيدا إلى الجبل وحبسه مدة ثم أخرجه حيث تاب وأخلص النية في الطاعة . فسمي لذلك الطيب بن الخبيث بن الطيب ( لأن جده السمح من أعاظم رجال الدولة الذين اشتهروا بالعدل والفضل ) . وفي مدة هذا الإمام توفى البطل المنصور الذي لم يهزم له جيش طول حياته أبو منصور الياس المتحدث عنه عليه رحمة الله ورضوانه .
واقعة مانو سنة سنة 284 هـ ( سنة 897 م ) (1/50)
صفحة 51
بعد وفاة أبي منصور أسند الإمام ولايات نفوسة إلى أفلح بن العباس الذي فل سيفها البتار على يديه وذلك في واقعة وقعت قريبا من قصر مانو بين نفوسة وبني الأغلب مات فيها من العلماء أربعمائة ومن العامة اثنا عشر ألفا وسببها وتفصيل ما وقع فيها من فظائع بني الأغلب وتوحشهم المنافي للدين والإنسانية تكفل ببيانها المطولات . ومن بعد هذه الواقعة قلت الإمدادات التي كانت ترسل من نفوسة إلى تيهرت بل انقطعت تماما وأخذت قوتهم في القهقرى رويد رويدا إلى أن وصلوا في الضعف والإنحطاط إلى ما هم عليه الآن . وكذلك أمر الإمامة بتيهرت فإنه لاأخذ في الإدبار والإنحلال والوهن لأن النفوسيين هم عدتها القوية ومادة حياتها الروحية ولله الأمر من قبل ومن بعد . وفي أواخر أيام الإمام نقم عليه بعض قرابته فقتلوه رحمه الله سنة 294 هـ ( 906 م ) ونصبوا مكانه واحدا منهم وهو أخوه اليقظان بن أبي اليقظان .
إمارة اليقظان آخر من تولى من بني رستم
بعد قتل الإمام المرحوم تولى الأمر أخوه اليقظان بن أبي اليقظان وبقي نحوا من سنتين مهدد الجوانب مضطرب الأحوال مقطع الأوصال بعيدا عما من شأنه أن يعيد الدولة إلى مجدها بعد أن تمكن الضعف من قلبها النابض وتجمعت إليها أسباب الزوال والانقراض من كل جانب ، وقد استفحل أمر الشيعة وظهر داعيتهم عبيد الله على جميع دول المغرب وإماراته فلا مفر من سقوط الدولة الرستمية في قبضتهم أيضا وقد دخل عاصمتها " تيهرت " فعلا أحد أعوانهم أبو عبد الله الحجاني ونهبها وقتل من ظفر به من أسرة بني رستم واستباح أموالهم وقصد المكتبة الكبرى " المعصومة " وأخذ ما فيها من الكتب الأباضية والصناعية والفنية وأحرق ما عدا ذلك كله ومن ثم فقد الأكثر من مؤلفات المذهب والأمر لله وحده.
حال الأباضية بعد انقراض ملك بني رستم (1/51)
صفحة 52
بعد انقراض ملك بني رستم حدثت حوادث مقطعة لا انتظام لها ولكنها على كل حال تدل على أن الأباضية خصوصا بالجبل النفوسي ما زالت قوية محترمة الجانب . ومن الشواهد على ذلك أن المعز لدين الله الفاطمي رابع الخلفاء الشيعيين لما فتح مصر قائده جوهر ، صمم على اتخاذها عامة لملكه بدل المهدية . فسار إليها سنة 361 هـ الموافقة سنة 971 م بجحافله مستصحبا كل نفيس من أمواله وذخائره . ولما وصل طرابلس فر منه جمع من عساكره إلى جبل نفوسة فطلبهم فلم يقدر عليهم ( 8 ). وقد قص الحكاية جماعة من المؤرخين غير الأباضية ، وقد حاول المعز قبل ذلك أن يعقد صلحا مع أبي خزر الحامي الأباضي على أن يعترف له بالإستقلال فأبى فحاربه . وبعد عناء وجهد قهر جيشه وتغلب على أتباعه فالتجأ أبو خزر إلى نفوسة الجبل وأميرهم إذ ذاك زكريا من أحفاد أبي منصور . فهل هذا إلا دليل من أقوى الأدلة على قوة شوكتهم وانتظام أمورهم وإلا فكيف يهاجم ملم من أعظم ملوك العالم في عصره ودولته في زهرة شبابها وعنفوان قوتها . إني لست ممن يقول إن التاريخ أهمل ذكرهم كلا كيف يكون هذا والعلم منتشر فيهم رجالا ونساء أكثر من جميع الأقوام المعاصرين لهم والمجاورين لديارهم . ألا ترى إلى تلك الواقعة التي مات فيها من علمائهم فقط 400 – و إنما أقول ما هو أقرب منه إلى العقل وهو أن التاريخ " وأعني به تاريخ الأباضية " لا بد وأنه دون حوادثهم بانتظام وضبط ولكن النار التي أضرمها في كتبهم المتغلبون هي التي أكلت كل مفيد منها في هذا الباب وغيره من الفنون والعلوم التي لا بد وأن لهم مؤلفات عديدة فيها. (1/52)
صفحة 53
فإن ما وقع بمكتبة تيهرت عينه وقع بمكتبتي جادو وشروس من مدن نفوسه . والدلائل تدل على أن الجبل قد استقل حالا بعد انقراض الإمامة من تيهرت واستمر محافظا على استقلاله عدة قرون اللهم إلا فترات قليلة تنشأ أحيانا عن غارات فجائية أو عن اختلافات داخلية يتخذها المتغلب وسيلة إلى حكمه المؤقت ولكنه حكم لا يدوم إلا ريثما يتحد الفرنسيون فيقذفون بالمتغلب خارج حدودهم . والتاريخ لم يذكر عن هذا الاستقلال إلا شيئا قليلا من أوصافه وبعضا من أمرائه بدون ضبط في الزمان ولا بيان لمدد المتولين وشكل حكوماتهم التي لا بد وأن تكون شورية حسبما هو معروف من قواعد المذهب . وهذا الإبهام المستمر يبتدي من انقضاء حكم الرستميين ويشتد غموضا في القرن العاشر الهجري إلى ما بعده وهو القرن الذي توفى فيه صاحب السير الشيخ العلامة أحمد بن سعيد الشماخي الذي ذكر في سيره مئات من العلماء الأباضيين ونسائهم الشهيرات في العلم والصلاح وعشرات من الأمراء الذين حكموا الجبل . وأتى بشيء كثير من فضائلهم الواقرة وكراماتهم الباهرة ، وأفاض في تمسكهم الشديد بدينهم وخضوعهم التام للحق والعدل وأطنب حقا ، ولكن مع الأسف بدون إضافة الحوادث إلى تواريخها والرجال إلى زمنهم الذي وجدوا فيه . ولنكتف بذكر بعض الأمراء .
بعض مشاهير أمراء نفوسة (1/53)
صفحة 54
منهم أبو عمر ميمون الذي ولي حكم نفوسة وعرف بالعدل وحسن السيرة والشدة في المر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان رحمه الله ورعا عفيفا إلى حد بعيد ورعا عن قبول الهدايا حتى من الأجانب عن حكمه الغرباء عن بلاده ، يحكى أنه قدم إليه بعضهم شيئا من الهدايا النفيسة ومنها 400 دينار فأباها ونأى بجانبه عنها ، وكانوا أغنياء مثقلين بأموال التجارة السودانية ، وقد مروا بالجبل آمنين على أموالهم فرأوا أن من المروءة أن يقدموا شيئا لأميره ( ولعلهم اعتادوا ذلك مع غيره ) فما كان منه إلا أن رد عليهم ما قدموه . فلله ما أعمر هذه القلوب بإيمان الله والقناعة باليسير من الرزق .
ومنهم أبو الفضل سهل ، فإنه تولى أمر نفسة وسار سيرة ميمون في العدل والاستقامة ، وقد وقعت له محاربات مع المعتدين على بلاده من العرب وزناته كان النصر فيها حليفه ومنها المحاربة التي استرجع بها غدامس إلى طاعته . وممن حكم نفوسة أبو يحيى زكريا الأرجاني وكان كالمذكورين علما وعملا وورعا وفضلا . وفي مدته ما يشعر بأنه حارب العباسيين المعبر عنهم بالمسودة ( لأن شعارهم السواد ) وحارب العبيديين " الشيعة " وانه كان إمام دفاع الخ. وقد ولوه بعد أن عزلوا بدون حدث : أبا عبد الله ابن أبي عمرو بن أبي منصور الياس . وبعد موت الأرجاني ولوا أبا زكريا بن أبي عبد الله المذكور فأحسن السياسة وعدل في الحكم وسد الثغور ودام في الإمارة طويلا وسادت أيامه السكينة والأمن والراحة ، وإليه التجأ أبو خزر لما انكسر في حربه مع المعز الفاطمي وبقي في الحكم مدة تتراوح بين الستين عاما إلى السبعين . وكل هؤلاء الأمراء والملوك لا انضباط في تواريخهم وإنما السياق يدل أنهم كانوا كذلك في المائة الرابعة من الهجرة وفي النصف الأول من المائة الخامسة .
بعض أمراء الأسرة البارونية (1/54)
صفحة 55
هؤلاء هم أجدادنا وسلفنا الصالح عليهم رحمة الله . وأول من أشتهر منهم أبو هارون بن موسى الباروني أسندت إليه أول المر المشيخة العامة في عهد الأمير أبي زكريا المتقدم ذكره آنفا ثم أسندت إليه بعده الإمارة وكان نفوذه شاملا سائر البلاد التابعة للجبل يومئذ إلى غدامس وفزان وزلة جنوبا وإلى سرت وغيرهما شرقا وإلى جبل دمر ( من نواحي تونس ) غربا . ولما انتخب للإمارة انتقل من تملو شايت التي كان ينسب إليها إلى بلد ابناين أم قرى ذلك الوادي المنسوب إلى كباو في هذا العصر فسميت البلدة باسم آل بيته إلى الآن ( اتبارون بالبربرية المحرفة ) فسكنها نهائيا وبنى بها مسجدا لا يزال قائما إلى اليوم ومدرسة . وبالجملة فقد كان كما قالوا من العلماء العاملين والزهاد المشهورين وكهفا لأهل نفوسة أجمعين . ومنهم ابنه العلامة الفحل التقي الورع المير العادل أبو الربيع سليمان بن هارون ، ولي مشيخة الإسلام على عهد أبيه ثم بعد وفاته ولوه الإمارة وكان اسم الشيخ في عصره إذا أطلق لا ينصرف إلى أحد غيره ولم ينفصل عنه هذا اللقب المحترم حتى في عهد إمارته . وكان مطاع الأمر نافذ القول واسع البر كثير الإحسان إلى طلبة العلم ، وكان يتولى بنفسه تعيين أمراء الجهات بعد الفحص والتثبت من كفاءتهم . ثم لا يقبل بعدئذ الطعن فيهم إذا فهم منه وصح لديه أن ذلك لغاية شخصية من حسد أو تعصب أو غيرهما كما أنه لا يتسرع إلى نقل المراكز وعزل العمال إلا بموجب شرعي : ومما امتاز به عهده السعيد أنه كان يستعمل أناسا مخصوصين لرقابة الأسواق يمنعون بيع ما لا يحل من الأموال فيها حتى لا يجد الحرام سبيلا إلى الديار النفوسية وأهلها . هكذا هكذا وإلا فلا لا . وينسبون إليه رحمه الله خوارق من الكرامات ليس هذا محل ذكرها فليراجع السير من شاء الوقوف عليها . (1/55)
صفحة 56
ومن أشهر آل الباروني في العلم والعمل أبو سليمان داود بن هارون قال الشماخي وبالجملة أنه كان في أيامه تضرب إليه أكباد الإبل في إيضاح كل مشكل وتفسير كل غريب وجواب كل سؤال ، وشهرته في التقى والورع في بلاد نفوسة بل في جميع المغرب أشهر من أن تخفى أ هـ ووالده كذلك .
ومنهم أبو عبد الله محمد بن أبي زكريا الباروني قال في السير : كان شيخا فاضلا وحاكما عادلا وكثيرا ما يكاتب أبا سليمان داود ابن هارون ويستفتيه فيما يستشكل من النوازل .
ومن أمرائهم أبو منصور بن أبي زكريا ، قال في السير : كان إماما سالكا على الصراط وحاكما قاضيا بالإقساط ، قدموه حاكما في جبل نفوسة ، وهو أيضا يستفتي في نوازله ومشكلاته أبا سليمان داود بن هارون وجوابه إليه بالتعظيم وكانت حكومته بعد أبيه .
وقد أهملنا ذكر طائفة من آل هذا البيت المبرزين في العلم والسياسة حبا في الاختصار وفرارا من التطويل ، ولكن على كل حال لا ينبغي أن نهمل ذكر إمارة الطود الأشم الذائع الصيت أبي يحيى زكريا لما فيها من بعض حوادث هامة من الجناية على التاريخ أن نغض البصر عنها فنقول :
إمارة أبي يحيى زكريا بن ابراهيم الباروني (1/56)
صفحة 57
من أمجد أمراء هذا البيت وأعظمهم شأنا وأطيبهم ذكرا الإمام الفحل أبو يحيى زكريا بن ابراهيم بن زكريا بن أبي هارون موسى ابن هارون الباروني . قال الشماخي رحمه الله : هو الغاية القصوى في العلم والعمل والأمر والنهي ، جدد المذهب بعد أن أخلق . إلى أن قال . وفي أيامه رجعت بنو يفرن وككلة وبابل وتاكبال إلى مذهب الوهبية وكانوا قبل ذلك مستاوة وحسنية وخليفة ، أتباع خلف بن السمح وأحمد بن الحسين وعبد الله بن يزيد المستاوي ، وهم أباضيون إلا أنهم أنكروا إمامة الإمام عبد الوهاب الرستمي ، وقد تقدم التنبيه على مبلغ الفرق بين هؤلاء وبين جمهور الأباضية وأن الخلاف سياسي أكثر من كونه دينيا . وقد طابت أيام هذا الإمام وأشرف في قلوب امته حبه وعمهم جميعا عدله وإحسانه وكان رحمه الله ينفق إنفاق من لا يخشى فقرا ويعطي عطاء ولا البرامكة مثله . وذلك من ماله الخاص لا من بيت مال المسلمين . ومن الأمثلة على عظيم كرمه وواسع ثروته أنه في سنة من السنين وزع على جميع أهل الجبل من ككلة إلى لالوت مع كثرتهم يومئذ كثرة تفوق أضعافا مضاعفة سكانه اليوم وزع عليهم لكل نفس أو لكل بيت خمسة دراهم وثمن زيت . وزاره بنو يفرن في هرمه تبركا فلما أرادوا الوداع أعطى لكل واحد منهم عشرة دراهم وقيل قبض لكل واحد منهم قبضة فأراد أن يعطي لحاكمهم عون بن حريز ما بقي فامتنع وقال ما أتيت من بلادي أريد دنيا وإنما أريد أن تدعو لي الله فدعا له . قال الشماخي فبقيت سيادة بني يفرن في ذريته إلى يومنا هذا ببركة الشيخ . ومما ذكره عنه أنه كان بمدرسته ثمانون طالبا يدرسون العلم على نفقته ، وفي إحدى السنوات المجدبة هموا بالرجوع إلى أوطانهم رأفة بالشيخ فعلم بما عزموا عليه فمنعهم منعا باتا وأفهمهم أن الأمر ليس كما يظنون فاطمأنوا ورضوا بالإقامة . (1/57)
صفحة 58
إلى أن قال : ولما مات حزن عليه أهل مذهبه وطلبته ورثاه كثير منهم بمراثي طويلة ، وابنه حتى أبكى الناس العلامة يوجين بن نوح الخ . وفي أيامه استفحل أمر ابن غانية الميورقي الذي سبى ونهب كثيرا من الأقوام والأقاليم واحتل واستحل كثيرا من عواصم أفريقيا الشمالية وحارب الجبل النفوسي مرارا ينهزم مرة وينتصر أخرى وفي إحداها أحرق 12 ألفا من زيتون – جناون – الكائنة بسفح جادو ولكنه على كل حال لم يتمكن من الاستيلاء على الجبل وإنما في آخر غزواته صالحوه إذ أحسوا من أنفسهم الضعف عن مقاومته فدفعوا له مليوني دينار وذلك في سنة 595 هـ تقريبا الموافقة لسنة 1198 م وهذا المبلغ وإن يكن غرامة حربية يدفعها المغلوب عادة إلا أنه يصلح أن يكون دليلا لامعا على قوة نفوسة الجبل وثرائهم الواسع إذ لم ينقل أنه أغرم إقليما بمثل هذه الغرامة أو ما يقاربها على كثرة ما كان يفعله من هذا القبيل مع الأمم التي تغلب عليها ، فسبحان من يغير ولا يتغير( 9 ) .
أصل العائلة البارونية واستمرار نفعها (1/58)
صفحة 59
لا يوجد في المتنورين من أهل الجبل وغير الجبل من يجهل مكانة البيت الباروني وأن أصله من الجبل الأخضر بعمان وأنه من أمجد بيوتات الفضل والزعامة في ذلك القطر العامر ، وأن أبناء فروعه القائمة هناك ما زالوا ممن يشار إليهم بالبنان وتسند إليهم مقاليد الأقاليم بمملكة عمان من بلاد العرب وزنجبار ودار السلام من أفريقيا الشرقية . أما الفرع الذي استوطن الجبل فقد ظهر ذكره وذاع صيته فيما بين أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل القرن الخامس ، وعندما ذكر صاحب السير أبا هارون الأول ذكر معه أحد العلماء الأعلام المعاصرين له قائلا هو صنو أبي هارون في العلم لا في النسب الخ . ومعلوم أن هذا الاحتراز لم يكن إلا لوجود بون شاسع بين المذكورين بحيث لا يسعه الغض عن بيان الفارق بينهما. هذا ولا يصح ما حادثني به مرة أحد الأفاضل البحاثين من علماء القطر الطرابلسي في أصل نسبنا آل الباروني وتعليل تسميته إذ قال ممازحا جادا :إن الذي يظهر لي أن أصلكم من أشراف الرومان أو الطليان الذين استوطنوا الجبل قديما والذين يحملون لقب ( بارون ) فغلب بعد ذلك على العائلة وصار علما عليها إلى أن ظهر الإسلام فأسلمت العائلة تحمل معها لقبها الموروث ومجدها المحفوظ بين قبائل نفوسة قبل الإسلام وبعده . فقلت له : هذا استظهار جميل وتعليل معقول . ولكنه غير صحيح . (1/59)
صفحة 60
ولنكتف من ذكر آل الباروني بأولئك الأفذاذ الأماجد مشيرين إلى أن نفع الأسرة البارونية لأهل الجبل دينا ودنيا لم يزل متواترا أبا عن جد منحدرا من الأصول إلى الفروع إلى الآن وما برح ينبوعا فياضا بالمعارف على ساكني الجبل النفوسي من أول القرن الخامس الهجري إلى يومنا هذا لا يزاحمه في ذلك أي بيت من بيوت المجد اللهم إلا آل أبي منصور في الأول وفي أوقات متقطعة بعد ذلك ، أو آل الشماخي الذين منهم الإمام الشيخ عامر صاحب التصانيف العديدة والشيخ أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد والشيخ أحمد صاحب السير فإنهم جاذبوا أجدادنا الطرف من الناحية الدينية ابتداء من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر فقط ، ثم فشا الجهل في الشماخيين وانفرد البارونيين بالتقدم الديني والمدني كأسلافهم ، ولله الأمر من قبل ومن وبعد ( 10 ).
انتشار المذهب الأباضي بعمان والأقطار الشرقية
إن انتشار مذهب الأباضية ببلاد الشرق عمان وخراسان والعراق ومصر وغيرها أقدم عهدا من انتشاره بالمغرب ، كيف وإمام المذهب جابر بن زيد نفسه من ذلك القطر ( عمان ) السابق إلى اعتناق الإسلام تدون حرب ولا عناء . وإذ قد تقلص ظل المذهب الأباضي من أغلب الأقطار الشرقية ولم ترسخ دعائمه وتتوطد أركانه إلا في عمان ومستعمرات عمان فلنأت إذا بخلاصة من تاريخ عمان من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم لخصها أحد علمائه الأجلاء الشيخ محمد بن صالح بن عامر الطيواني ونشرت بمجلة " المنهاج " الغراء ، وسأضيف بعض ما كتبه غيره ليكون كالشرح لما يلزم شرحه منها قال:
" هذه نبذة من تاريخ عمان "
بسم الله الرحمن الرحيم
" هذه نبذة من تاريخ عمان " (1/60)
صفحة 61
ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عمان عبد وجيفر ابنا الجلندا ملكين عليها فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها عمرو بن العاص وبعث معه كتابا لهما ذكر في كتب التاريخ ، فذهب عمرو بالكتاب حتى وصل صحار قصبة عمان وقتئذ وبعث إلى ابني الجلندا بالكتاب واجتمع بهما بعد ذلك فدعاهما إلى الإسلام بعد مناقشة جرت فأسلما طوعا وانقيادا ودعيا قومهما إلى الإسلام فأسلموا جميعا وسلموا له الصدقات ، فلم يزل عمرو مقيما بعمان إلى أن بلغه خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إإلى المدينة وصحبه عبد بن الجلندا ومعه أعيان عمان فقدموا على أبي بكر رضي الله عنه ففرح بمقدمهم وأثنى عليهم خيرا وعلى انقيادهم وإذعانهم إلى الإسلام بدون حرب ولا قتال فأقرهما أبو بكر على قومهما ولا يزالا ملكي عمان إلى أن ماتا في خلافة عثمان بن عفان فولى بعدهما عباد بن عبد بن الجلندا ولم يزل ملكا في قومه حتى مات في خلافة على بن أبي طالب . فلما أفضى الملك إلىى معاوية لم يكن له في عمان سلطان ولا لمن بعده إلى أيام عبد الملك فإنه لما ولي الحجاج العراق رغب في الاستيلاء على عمان فلم يزل يجهز الجيوش إليها وفي النهاية استولى عليها بقيادة مجاعة بن شعوة وهرب ملكا عمان سليمان وسعيد ابنا عبد بذراريهم إلى بلاد الزنج ولأهل عمان في حرب الفرس أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه اليد الطولى ومشاغلتهم لهم . منها وقعة جاش التي قتل فيها شهرك أحد قواد الملك يزدجرد . وبعد استيلاء الحجاج عليها لم تزل تحت النفوذ الأموي إلى أيام أبي جعفر المنصور حيث استقل أهل عمان ببلادهم فعقدوا الإمامة للجلندا بن مسعود وهو أول إمام بعمان وذلك سنة 143 هـ ( 760 م ) . ثم ان أبا جعفر المنصور جهز جيشا تحت قيادة خازم بن خزيمة فتلقاه الإمام الجلندا برأس الخيمة المعروفة بالصبر والتقى الجيشان هناك وقتل الجلندا ورجع خازم برأس الجلندا إلى المنصور ولم يحدث شيئا بعمان . (1/61)
صفحة 62
ثم عقدوا الإمامة لمحمد بن عفان فعزل وأقروا مكانه الوارث بن كعب الخروصي سنة 177 هـ ( سنة 793 م ) فجهز هارون الرشيد إلى عمان جيشا بقيادة عيسى بن جعفر بن المنصور فتلقاه أهل عمان بوادي حتى ( وادي بأعلى صحار ) فأسروا عيسى وهزموا جيشه فبقي الوارث إماما بعمان اثني عشر سنة وستة أشهر . ثم نصب أهل عمان بعده غسان بن عبد الله إماما إلى أن مات سنة 207 هـ ( سنة 822 م ) وكانت إمامته خمسة عشر عاما وسبعة أشهر وثمانية أيام . ثم عقدوا الإمامة لعبد الملك بن حميد سنة 208 هـ ( سنة 823 م ) ومكث إماما ثماننية عشر عاما وتوفى . ثم عقدوا الإمامة لمهنا بن جيفر سنة 226 هـ ( سنة 842 م ) ومات سنة 237 هـ ( سنة 851 م ) فكانت إمامته عشرة أعوام وأشهرا ، ثم عقدوها للصلت بن مالك الخروصي في ذلك اليوم سنة 237 هـ ، فكانت مدة إمامته على عمان 35 عاما و7 أشهر وأياما ، وقبل وفاته اختلف أهل عمان في خلعه ، فافترقوا فرقة رأت الخلع لأنه صار شيخا عجز عن القيام بأعباء الإمامة ، وفرقة لم تر ذلك ، فوقع بينهما القتال والشقاق ، فانتهز عامل المعتضد بالبحرين محمد بن نور هذه الفرصة واستأذن المعتضد بالله في فتح عمان والاستيلاء عليها ، وحبب له ذلك ورغبه في الانتقام من الفرقة اليمانية وهي الفرقة الخالعة للإمام ، وأنهيشد عضد الفرقة النزارية التي حرمت الخلع ، فأسعفه المعتضد إلى ما طلب ، وخرج إلى عمان في جيش كثيف فانضمت إليه الفرقة النزارية فاحتل نزوى بعد وقائع وأوقع بالفرقة اليمانية وقتل الإمام عزان بن تميم الذي نصب بعد موت الصلت ، وبعث برأسه إلى بغداد . فيقيت عمان أربعين عاما تحت النفوذ العباسي .
إلفات نظر واعتذار (1/62)
صفحة 63
بالله تأمل وانظر إلى هذا الخلاف البسيط كيف تجسم ودخله التعصب في الرأي إلى حد أدى إلى سفك الدماء الغزيرة والشقاق المؤلم الذي أوجب تدخل بني العباس واستغاثة أحد الفريقين بعاملهم على من شاققه في الأمر وخالفه في الرأي . وهذا هو الشأن في عاقبة التخاذل وسوء التفاهم فإنها دائما تكون سيئة المصير وخيمة المآل ، يشهد لذلك قول الله عزوجل " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ".
هذا وأعلم أنه ليس بأيدينا من المادة ما نتكل عليه في ذكر مآثر كل إمام من هؤلاء الأئمة الأعلام ، وما كانت عليه أيامه من أمن وعدل ورقي وعلم . وإنما يمكن أن نقول – استنادا إلى قواعد المذهب في انتخاب الأئمة – إن سيرة هؤلاء وسلوكهم في أعمالهم الإدارية وأحكامهم القضائية لا تكون إلا وفق الشرع الحنيف وطبق ما عليه الخلفاء الراشدون من السلف الصالح في كل ما يؤيد الدين وينصر الحق 10 هـ.
قال الشيخ : ثم اجتمع رأي أهل عمان وعقدوا الإمامة لسعيد ابن عبد الله القرشي سنة 300 هـ ( سنة 912 م ) وحرروا أنفسهم ، ثم قتل الإمام سعيد في سنة 328 هـ في فتنة أهلية ، فعقدوا الإمامة لراشد بن الوليد .
تنازع الإمامة الشرعية والملكية المطلقة (1/63)
صفحة 64
وفي أيام الإمام راشد المذكور ظهرت بعمان دولة بني نبهان ، وهم بطن من الأزد ، فغلب هؤلاء على أزمة الأمور ، وأسقطوا الإمامة بعمان وجعلوها ملكا إلى سنة 445 هـ ( سنة 1053 م ) حيث عقدوا الإمامة للخليل بن شاذان الخروصي ثم من بعده راشد بن سعيد ومات سنة 513 هـ ، ثم تغلب بنو نبهان مرة أخرى على عمان ، وفي أيامهم استولت دولة آل بويه على سواحل عمان ، ثم غلب بنو نبهان على السواحل وأجلوا منها العجم . وفي سنة 885 هـ ( سنة 1480 م ) عقدوا الإمامة لعمر بن الخطاب الخروصي ، ثم غلب عليه بنو نبهان وظل الحال هكذا الملك النبهاني بجهة والإمام بجهة ، وفي خلال هذه الأعوام استولت دولة البرتغال على سواحل عمان كلها وحصنت مدينة مسقط وعمرتها وجعلتها بندرا حربيا لها ، فتم بذلك استيلاؤها على الخليج العربي كله ، وبقيت مسيطرة عليه إلى أن أجلاها عنه آل يعرب.
دولة آل يعرب وأئمتها وفتوحاتهم العظيمة
وفي سنة 1034 هـ ( سنة 1624 م ) عقدوا الإمامة لناصر بن مرشد اليعربي ، وهو أول إمام من دولة آل يعرب الطائرة الصيت ، فناشب البرتغال الحرب ، وأجلاهم عن جميع السواحل العمانية إلا مسقطا فإنه عقد الهدنة مع البرتغال ومات سنة 1060 هـ ( سنة 1650 م ) فعقدوا الإمامة بعده لابن عمه سلطان بن سيف اليعربي ، فنقض الهدنة مع القائد البرتغالي واستولى على ذخائرهم وحصونهم اللاتي شادوها في قنن الجبال الشامخة ، ثم شرع في بناء أسطول ضخم وجعل مسقطا ميناء حربيا له وأعد فيه المعدات الكافية من مدافع وغيرها ، فطرد البرتغال من الخليج العربي كله بعد وقائع هائلة أهمها واقعة كنج من بلاد العجم ، واحتل مضيق هرمز. (1/64)
صفحة 65
ثم هاجم البرتغال في سواحل الهند فاستولى على الديو وخربها ووسى وبمبي وغيرها من المدن الشهيرة بساحل الهند ، وبعد أن أجلاهم عنها وجه في مطاردتهم أسطوله إلى أفريقيا الشرقية ، واحتل فازة وبتة وكلوة ، وحاصر ممباسة ، واحتل مضيق باب المندب وجزيرة قمران ، ومات رحمه الله بنزوى سنة 1090 هـ ( سنة 1679 م ) .
ثم عقدوا الإمامة لولده بلعرب ، ومكث في الإمامة أربعة عشر عاما ، ومات خليعا ودفن بقصر جبرين 1104 هـ .
ثم عقدوا الإمامة من بعده لأخيه سيف بن سلطان بن سيف ، فزاد في بناء الأسطول الذي أنشأه والده ، وأضرم نار الحرب على ممباسة – ثغر بأفريقية – فاستولى عليها وعلى أفريقيا الشرقية كلها إلى رأس الرجاء الصالح ، وذلك بعد حروب طاحنة ذكرت في التاريخ . ومات رحمه الله بالرستاق سنة 1123 هـ ( سنة 1711 م ) ومن فتوحاته الرياض عاصمة آل سعود اليوم والإحساء . روى المؤرخون أنه تولى فتح الرياض بنفسه وأتى بنحو 35 أميرا من أمراء نجد أسارى إلى " نزوى " عاصمة عمان ، ويروى عنه أنه قال : إن أعانني الله لأجعلن المسافر من نزوى إلى مكة يذهب بلا زاد ، يعني يبذل الهمة في عمران الطريق . أما تعميره عمان فحدث عن البحر ، فكم له من مدن بعمان عمرها وأنهار أجراها وحصون شادها ، ولو لم يكن إلا بلاد الباطنة وهي مسافة 130 ميلا كلها متتابعة العمران آهلة بالأباضية لكفاه فخرا مدينة العلياء أبهج بلاد عمان وأنقاها هواء .
ثم عقدوا الإمامة بعده لولده سلطان ، فوجه عنايته لحرب دولة إيران ، وانتزع من أيديهم جزيرة القسم والبحرين ولارك وجاش وبندر عباس بعد حروب طاحنة وأهمها وقعة البحرين ، وقد أطنب في وصفها شعراء عمان في ذلك الوقت وذكر من قتل فيها من قواد العرب وعلمائهم ، ومات بالحزم سنة 1131 هـ ( سنة 1718 م ) . (1/65)
صفحة 66
وبعده اختلفت كلمة أهل عمان : فرقة أرادت الإمامة لابنه الصغير سيف بن سلطان وهم الرؤساء والقواد ، وفرقة أرادت الإمامة لعمه يعرب وهم العلماء ، فوقع القتال بينهما واستمر الخلاف ، وكان من أشهر قواد عمان محمد بن ناصر الغافري وخلف بن مبارك الهنائي ، والكل منهم منضم إلى فريق ، فمن انضم إلى خلف سمي هنائي ومن انضم إلى محمد بن ناصر سمي غافري ، وهذا الخلاف باق أثره إلى اليوم بعمان .
غارة العجم وسقوط آل يعرب
وفي غضون هذه الفتنة انتهزت دولة إيران الفرصة في عصر السلطان نادر شاه ، فأرسل جيشا مؤلفا من ستين ألفا تحت قيادة تقي خان ، فنزلوا رأس الخيمة ، فاضطرمت نيران الحروب بينهم وبين ولاة آل يعرب في الشارقة ودبي ورأس الخيمة فانتزعوا هذه البلاد من أيدي الولاة ، فزحفوا بجيشهم الكثيف إلى صحار فحاصروا واليها السيد أحمد بن سعيد جد العائلة المالكة الآن . فدافعهم عن البلاد ، ولم يتمكنوا من الاستيلاء عليها فتركوا قسما من جيشهم لحصارها وزحف الباقون إلى حصون الباطنة ومسقط فاحتلوها . وفي خلال هذه الفتن الثائرة مات الولد الصغير المختلف في شأنه موته وبموته اجتمع أهل عمان على كلمة واحدة ، وناشبوا الأعاجم الحرب ، وأزالوا الحصار عن صحار ، وعقدوا البيعة لواليها السيد أحمد بن سعيد .
دولة آل سعيد ومآلها
في سنة 1161 هـ ( سنة 1748 م ) بايعوا السيد أحمد المذكور ، وهو أول إمام من هذه العائلة ، فقام بالأمر خير قيام ، وشمر عن ساق الجد ، وقاتل الأعاجم حتى أجلاهم عن مسقط وغيرها من بلاد عمان ، وتوفى الإمام أحمد بن سعيد سنة 1198 هـ ( سنة 1783 م ) .
وتولى من بعده السيد سعيد بن أحمد ومات سنة 1203 هـ. (1/66)
صفحة 67
ثم ملك من بعده السيد سلطان بن أحمد فصرف همته إلى توسيع نطاق المملكة ، فاستولى على البحرين سنة 1215 هـ ( سنة 1800 م ) وبنى بها القلعة المعروفة اليوم بقلعة عراد ، واستولى على ثغور مكران من بلاد بلوخستان ، واسترجع من إيران دبي والشارقة إلى حدود قطر ، وانتزع أيضا منهم جزيرة القسم ولارك وبندر عباس وميناو . ومات قتيلا ، قتله بعض اللصوص في البحر قريبا من رءوس الجبال سنة 1219 هـ .
ثم ملك بعده ولده السيد سعيد بن سلطان سنة 1221 هـ ( سنة 1806 م ) فاتخذ مسقط عاصمة وانتقل إليها من داخل عمان وجعلها مركزا تجاريا مهما بعد ما كانت ميناء حربيا ، وصرف همته إلى توسيع المملكة فاحتل أفريقيا الشرقية كلها وزنجبار من أيدي ولاة آل يعرب المستقلين بها إبان الفتنة المتقدم ذكرها آنفا ، وذلك بعد حروب طاحنة أهمها معركة سيوى التي قتل بها من العمانيين ثلاثة آلاف . ثم شغب أهل البحرين عليه واعتصموا بآل سعود حكام نجد وأخرجوا العمانيين منها، فواقعهم السلطان سعيد ، وأخيرا اتفقوا معه على أن يدفعوا له سنويا خمسين ألف ريال فضة اتاوة . وفي زمانه استرجع الإيرانيون بعض البلاد من العرب وهي ميناو وبندر عباس والقسم . ثم سافر السلطان إلى زنجبار ومات بالبحر قبل وصوله ودفن بزنجبار وذلك سنة 1273 هـ ( سنة 1856 م ) .
وسبب موته على ما ذكره القس مؤلف رحلة السلطان برغش إلى أوروبا ، هو أنه لما أعلنت دولة إيران الحرب عليه بقصد استرجاع بلادها منه منعته دولة بريطانيا عن إرسال جيش لأجل مساعدة الحامية هناك حتى غلب عليه الإيرانيون وقبضوا حصونهم وأسروا العرب ، فاشتمل على السلطان اليأس وغلب عليه الهم والحزن ، فسافر إلى زنجبار ومات حزينا . (1/67)
صفحة 68
وقد استخلف على مملكة زنجبار ولده السيد ماجد ، وعلى مملكة عمان وما يتبعها ولده السيد ثويني . وفي أيام ثويني منع أهل البحرين الاتاوة التي كانوا يدفعونها لأبيه ، وقد اتفق مع حكومة شاه إيران على استئجار بندر عباس من الشاه ويدفع له عوضا ماليا . وفي أيامه جهز إلى محاربة ماجد وانتزاع زنجبار منه ، فاعترضته حكومة الإنكليز في رأس الحد وصدته عن مقصده ، ووقع الصلح بواسطتها بينه وبين أخيه ماجد على أن تدفع حكومة زنجبار على رأس كل سنة أربعين ألف ريال ، وهذا الدفع باق إلى يومنا هذا سنة 1343 هـ ، ومات ثويني قتيلا بصحار ، قتله ابنه السيد سالم سنة 1282 هـ ( سنة 1865 م ) .
وملك بعده ولده سالم وبقي بعده مدة سنتين ونصفا ، وخلع .
وعقدوا الإمامة بعده لابن عمه الإمام عزان رضي الله عنه وهو ابن قيس بن عزان بن قيس ابن الإمام أحمد بن سعيد سنة 1285 هـ ( سنة 1868 م ) واستولى على جميع عمان ، واستشهد بمطرح سنة 1288 هـ ( سنة 1871 م ) .
وملك بعده السيد تركي بن سعيد ، وفي أيامه استولى على ظفار وألحقها بمملكته . وفي أيامه انفصلت المكلا ثغر حضرموت عن حكومة مسقط ، واستولى الإيرانيون على شهبار أحد ثغور مكران . ومات سنة 1305 هـ ( سنة 1881 م ) .
ثم ملك من بعده ولده السيد فيصل بن تركي ، وفي أيامه أعني في جمادى الثانية سنة 1331 هـ ( سنة 1912 م ) حدثت الثورة بعمان ، ونصب الإمام سالم بن راشد الخروصي ، واستولى على غالب داخلية عمان ، ومات السلطان بعد الثورة في تلك السنة ليلة رابع ذي القعدة .
وملك ابنه السلطان تيمور بن فيصل . وفي أيامه قتل الإمام سالم ابن راشد سنة 1338 هـ ( سنة 1919 م ) قتله أعرابي أراد إنفاذ حكم عليه . فبايع العمانيون محمد بن عبد الله الخليلي إماما بعده . (1/68)
صفحة 69
وفي أول سنة 1339 هـ انعقد " مؤتمر السيب " وعقد هناك صلح بين السلطان والإمام على بنود : أهمها عدم تدخل السلطان في داخلية بلاد الإمام ، وعدم تدخل الإمام في داخلية بلاد السلطان .
انتهى ما لخصه الشيخ العماني الفاضل ، وهو على ما فيه من الاختصار مفيد للغاية ، إذ غالب الناس لا يطلبون من تاريخ الأمم التي يجهلونها أكثر مما ذكره ، والتفاصيل المسهبة بذكر العلماء والأدباء والشعراء والوقائع الداخلية حربية كانت أم مدنية وغيرها وغيرها من كرامات الأولياء والصالحين وفضائل الأئمة والملوك العادلين إنما يعنى بها ويحرص على الوقوف عليها فريقان من الناس : أهل ذلك القطر خاصة أو علماء التاريخ المختصون . نعم لتتم الفائدة للقارئ لا نحرمه من ذكر بعض تعاليق مفيدة لكاتبين شهيرين من كتاب هذا العصر الذين كتبوا حول تاريخ أمة عمان ذات العظمة الخالدة والصيت البعيد .
تعاليق مفيدة بقلم الشيخ أطفيش والأمير شكيب
لما تم الجزء الثاني من " تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان " لمؤلفه العلامة الإمام أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي العماني . قال العلامة أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الميزابي : وبعد فقد تم طبع الجزء الثاني من " تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان " فكمل به هذا الكتاب الفريد ، الذي كشف لنا حال قطر من أعظم الأقطار الإسلامية تاريخا وأهمها شوكة ودولة . وقد كان تاريخ عمان – ولا يزال معظمه – عنا غامضا ، ولكن هذا الكتاب بين لنا عن صفحات منه جليلة وأطوار فخيمة وذكريات تحمل إلينا أنباء جميلة وأخرى عليلة أسيفة ، وكم بين طيات التاريخ من عبر وآيات بينات كان منها نذير للبشر ، وتقلبات هي إحدى الكبر . (1/69)
صفحة 70
ولقد أحسن المؤلف رحمه الله في ترتيب أطوار الحكم بعمان من إمامة وملكية حسب الزمان . منذ ظهور الحكم المستقل في عهد التابعين إلى آخر أيام المؤلف . أقول : لم يصل إلينا الجزء الأول من التحفة ، أما الجزء الثاني فمبدؤه من دولة اليعاربة إلى عهد المؤلف رحمه الله المتوفى في العقد الثالث من هذا القرن . قال الشيخ أطفيش : فكان حسن هذا الترتيب إحدى مزايا الكتاب . ولئن فات المصنف أن يضم إلى كتابه كثيرا من رسائل أئمة العلم إلى أئمة الحكم إذ لها علاقة بتاريخهم ، فإنه لم يدخر وسعا في جمع عهود الأئمة إلى ولاتهم وقوادهم وأمرائهم ، وكأنه رحمه الله يرى أن يحفل بشأن الأئمة حيث كان يذكر ما احتوى عليه كل إمام من كرائم الفعال ومحاسن الخصال ، وما ازدهر به عهده من علم وعدل ودين ومساواة بين الناس في الحق ، ومشاورة أهل الحل والعقد من العلماء في تصرفاته بحيث يخرج القارئ من مطالعته وقد تصورت له صفحة من تاريخ الحكم الشورى كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ، ومقتضى ما يرشد إليه الكتاب العزيز ( وإنه لتنزيل رب العالمين ) ، ولم يحفل كربذ أطوار الحكم الفردي وما فيه من سوء الاستبداد واقتراف المنكرات ، والظلم من شيم تلك النفوس غالبا . وكان من مقتضى التاريخ أن يلم بكل أدوار الأمة التي يكتب عنها الكاتب ، إلا أنه ربما يعتذر عن المؤلف بأن علماء الشريعة يتورعون عن ذكر حوادث الجورة وما يأتونه من الجرائم بدعوى أن ذلك من قبيل نشر الباطل . والحق أن هذا ليس بعذر ، وأخطأ من يلتمسه . (1/70)
صفحة 71
وإنما المصنف لم يحفل في تاريخه هذا بعهد الجورة تفصيلا لعدم وقوفه عليه وقوفا يجعله واثقا مما يكتب ، ويدلك على هذا أنه ذكر بعض وقائع من هذا القبيل ، وكشف أسرار بعض المستبدين وما بيتوه من حيل توصلوا بها إلى الحكم ، وسفك دماء بريئة صعدوا على جثثها إلى أريكة الملك وامتطوا غواربها إلى أطماعهم ، فكانوا وبالا على الأمة حينا من الدهر ، كما وقع في عصر بني نبهان . والحق أن عمان ليفتخر بعظمته التاريخية عظمة العلم والفتح ونشر لواء الإسلام في كثير من أقطار الشرق والأقطار الأفريقية الشرقية وجهاد أئمته وكثير من ملوكه في حفظ استقلاله ، ويحق له أن يباهي بأئمته الهداة الراشدين الذين رفعوا منار الحق والدين ، وأقاموا حدود الله بلا هوادة ، ولم يخافوا لومة لائم ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) .
وقال حفظه الله في موضع آخر : يكيف بعض الكاتبين من غير أصحابنا ولا سيما المستعمرون الانقلابات بعمان حسب ما يشاء له هواه ، وقد يشتد بعضهم في القول إلى حد الطعن السخيف ، ولم يتبينوا السر في وجودها . وذلك أن الأمة العمانية مشربة بروح النظم الشرعية التي يجري عليها الأئمة ، وهي الحكومة المبنية على الشورى وانتخاب الإمام والعمل بالشريعة ورد كل شيء إلى حكمها حسبما كان عليه الخلفاء الأربعة – قلت وخلفاء بني رستم في المغرب – وإذا ضعف هذا الأسلوب من الحكم برزت الملكية إلى الميدان فيظهر الصراع بين الملكية والإمامة ، وهو كالصراع بين الملكية والجمهورية في الأقطار الغربية ، ومن ذلك الانقلاب الذي ظهر على أثره الإمام عزان بن قيس رضي الله عنه فإنه إمام شرعي بإجماع الأمة ، ووصف الأجانب له بما هو هراء لا يطمس الحق ، ولا عبرة بمن تبعهم من المسلمين في هذيانهم ، والله أعلم . ا هـ (1/71)
صفحة 72
وقال الأمير شكيب أرسلان – بعد أن ذكر بإسهاب وإعجاب ما كانت عليه الدولة العمانية في بعض عصورها من عظمة وقوة وفتح واستعمار ومدنية وعدل الخ – قال : هذه مملكة عمان التي كانت أقوى دولة بحرية في آسيا كلها لا في بلاد العرب وحدها ، والتي قرأت في بعض المؤلفات الأوروبية أنها منذ نحو مائة سنة كانت تملك 100 باخرة حربية قد آل أمرها بتلاعب انكلترا بأمورها إلى أن سقطت عن عزها وعاد بدرها عرجونا ، وصارت إمارة صغيرة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، ولا يقدر أميرها أن يأتي بأمر مهما كان تافها إلا إذا أشار به المعتمد البريطاني . فنزف هذه الحقيقة إلى أولئك البله من أبناء جلدتنا الذين لا يزالون يحلمون بأن انكلترا لا بد أن تؤسس لهم دولة عربية .. إلى أن قال :
وأما زنجبار والمستعمرات التي كانت لعمان في شرق أفريقية فقد تقاسمتها انكلترا مع ألمانيا وإيطاليا ، ولم تبق لسلطان زنجبار على جزيرة زنجبار سوى اسم السلطنة فقط .
وهذه الجزيرة مساحتها 1620 كيلومترا مربعا معدودة من أخصب البقاع وأكثرها حاصلات ، وفيها معامل السكر ومعاصر الزيت وأهلها 200 ألف نسمة منهم عرب ومنهم من القوم الذين يقال لهم سواحلية ومن الواحاديمو أي أهل الجزيرة الأصليين ، ومن البانيان أي الهنود الشماليين . وكانت زنجبار – مع جزائر بمبا ، ومافيه ، ولامو ، والسواحل الشرقية المقابلة لها – مملكة عربية أسسها ملوك عمان سنة 1856 منفصلة عن مسقط بل بعد أن كانت مستعمرات لعمان منذ قرون . فوضعت أيديها الدول المستعمرة على هذه الجزر والسواحل ، ومن سنة 1885 إلى سنة 1893 تم التقسيم على أن يكون لانكلترا سلطنة زنجبار التي هي عبارة عن جزيرة زنزبار ، وبمبا ، وما يقابلها من الساحل من ( أوانغا إلى كيسمايو ) . (1/72)
صفحة 73
وأن يكون لألمانيا جزيرة مافيه والساحل الذي بين أومبه ورافومه ، وأن يكون لإيطاليا بعض ثغور في الساحل . وأهم هذه النقاط هي جزيرة زنجبار . وفي الجزيرة مدينة باسم زنجبار أيضا أهلها 000ر100 نسمة وهي مدينة تجارية مهمة تقدر حركة صادرها وواردها بنحو 60 مليون فرنك ، وقد سلاطين عمان أسسوا فيها عمرانا وأثلوا مدينة وشادوا مدارس . وقرأت بعض أسفار عربية مطبوعة بالمطبعة السلطانية في زنجبار .
وخاتمة سلاطين زنجبار اسما وفعلا كان السيد برغش بن سعيد ابن سلطان ، تولى المر في 7 أكتوبر سنة 1870 بعد وفاة أخيه ماجد ، وبقي في الملك إلى أن توفى في 7 مارس سنة 1888 . وكان برغش قد نازع أخاه ماجد الملك وأخذ الانكليز إلى بمباي حيث أقام سنتين . ثم تصالح مع أخيه وعاد إلى زنجبار . ولما مات ماجد خلفه على كرسي الإمارة على شرط الاعتراف بحقوق بريطانيا العظمى أي مآربها الاستعمارية . وفي 5 يونيو " حزيران " 1875 أجبرته انكلترا على إمضاء معاهدة إلغاء الرقيق في بلاده ، فأمضاها ، ثم دعاه الانكليز إلى زيارة انكلترا فزارها وزار فرنسا والبرتغال . وفي سنة 1885 ألقت ألمانيا دلوها في الدلاء وأرادت تأسيس مستعمرات لها ، فوجهت نظرها على تلك السواحل التي كانت تخص السلطان برغش بن سعيد ، ووضعت يدها على جانب عظيم منها ، واستبقى برغش لنفسه السلطنة الاسمية .
وقبل وفاته بقليل : اختلف مع البرتغال على الحدود بين أراضيه ومستعمرتهم الموزامبيق ، واستمر الخلاف إلى ما بعد وفاته ، حتى جرى التحديد بين الألمان من جهة والبرتغال من جهة أخرى ، وفي آخر حياته ذهب إلى وطنه الأصلي عمان لتبديل الهواء ثم عاد إلى زنزبار ومات وخلفه أخوه خليفة . (1/73)
صفحة 74
وكان برغش متوقد الذهن عالي الهمة صعب المقادة أبي النفس ، وكان من أشد الناس عداوة للأوروبيين الذين كانت لا تخفى عليه مقاصدهم . وكان واسع العلم بأطوارهم وأحوالهم . ومن بعده لم يبق للعرب من سلطنة في تلك الجزائر الخصيبة والسواحل الطويلة إلا السم ، لأن الأوروبيين – لاسيما الانجليز – التزموا هدم أركان القوة العربية في تلك الديار حتى لا يبقى لهم معارض ولا منازع في استعمارها ، وكما أنهم أوهنوا الأصل الذي هو عمان فقد أسقطوا الفرع الذي هو زنجبار ، لأن كل دولة عربية عزيزة على جانب الأقيانوس الهندي هي قذى في أعينهم ، وخطر على الهند في نظرهم . ويجدون أنهم لا يقدرون أن يعلوا في تلك الديار إلا بسقوط العرب على حد قول القائل :
انتهى ما أردنا ذكره مما كتبه الأمير الأكتب شكيب أرسلان . (1/74)
صفحة 75
قلت فليتأمل القارئ الحر في هذه الصحف التاريخية البيضاء التي نمق سطورها أئمة تيهرت بالمغرب وأئمة عمان بالمشرق . وهي كما ترى عظيمة القدر جليلة الخطر ، حافلة بجلائل الأعمال ومفاخر الأجيال ، وهي جزء طبيعي من التاريخ الإسلامي المجيد . انظر كيف يمر عليها مر الكرام جمع غير قليل من المؤرخين قديما وحديثا ، في الوقت الذي نراهم لا يغادرون صغيرة ولا كبيرة من الدول إلا سجلوا أعمالها وخلدوا فيما كتبوه ذكرها . وقد يكون البعض منها مما لا يقام له وزن كالدويلات التي لم تعش أكثر من ربع قرن ولم يدخل تحت حكمها إلا آلاف قليلة من بني البشر . فما بالهم يذكرونها في مطولاتهم ومختصراتهم ، ويهجرون ذكر دول قامت على دعائم العدل وقواعد الشرع ، وخدمت الدين والإنسانية والمدنية خدمات تعنو لها جباه المنصفين إجلالا وتقديرا كدولتي بني رستم ونفوسة بالمغرب ودولتي عمان وزنجبار بالمشرق . وقد رفعت من شأن الإسلام وأعلنت مناره وأيدت تعاليمه بما قصر عنه كثير غيرها من الدول الإسلامية . وعمرت قرونا وقرونا ، وخضع لسلطانها ملايين وملايين من النفوس ، وهي إذ ذاك في مجد شامخ وعز باذخ لا يدانيها فيه عشرات من تلك الدويلات مضموم بعضها إلى بعض . فيا سبحان الله ، أنقول إنهم يجهلون تاريخها ونرضى لهم بالجهل وكفى ؟ أم نقول إن هذه الدول لكونها تنسب إلى الأباضية فلا يجمل بهم ذكرها ولا يحسن أن تحشر في زمرة الدول التي دونوا أعمالها ؟ أفيصح ويجوز أن يكون عذرهم هو هذا ؟ اللهم إنه لعذر أقبح من ذنب ما ارتكبوه .
ألا فليعمل العقلاء وليجد النبهاء في إزالة هذه السخافات من بين المسلمين ، وليبادل بعضهم بعضا دراسة تاريخ أمم الإسلام وفرقه بلا تحيز ولا تمييز . وليعلموا أن الخلاف الواقع بين الأباضية والمذاهب الأربعة هو أبسط جدا مما يتصورون . (1/75)
صفحة 76
ولكي تقف – أيها القارئ – على أهم نقط الخلاف فيقوى يقينك ويستنير فكرك ويسود نفسك الاطمئنان نورد لك شيئا من المسائل المختلف فيها ، وبالله التوفيق ، ومنه نستمد العون .
أهم المسائل الخلافية بين الأباضية والمذاهب الأربعة
1) الصفات الإلهية : يقول أصحاب المذاهب الأربعة أن صفات الله غيره وهي قديمة بقدمه تعالى ، والأباضية يقولون هي عين ذاته لا حاجة إلى شيء زائد عنها نفيا لتعدد القدماء .
2) الرؤية : ينفي الأباضية رؤية الله تعالى دنيا وأخرى لأنها تستلزم ما لا يليق بذاته من التحيز وغيره ، والأشعرية ( المذاهب الربعة ) يثبتونها له في الآخرة بلا كيف ولا انحصار في جهة .
3) القرآن : الأباضيون يقولون إن القرآن مخلوق حادث ( مايأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) والأشعرية يقولون إنه قديم . وأدلة الطرفين في هذه المسائل مبسوطة في المطولات .
4) مسائل الخلود في جهنم : الأباضية يقولون داخل النار من عصاة الموحدين مخلد فيها لا يخرج منها أبدا فهو في الخلود مثل داخل الجنة ، إلا أن الموحد أخف عذابا من غيره . أما الأشعرية فلا يقولون بخلود الموحد العاصي في النار فإن دخلها عذب على قدر ذنبه ثم يخرج منها إلى الجنة .
5) مسألة الإيمان : الأباضيون يقولون الإيمان قول وتصديق وعمل . والأشعرية يقولون هو قول وتصديق ، وقيل هو التصديق والقول معبر عنه فقط . (1/76)
صفحة 77
6) ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص :يقول الأباضية بوجوبهما ( كولاية الجملة وبراء ة الجملة ) وصورة الولاية : أن يتولى المكلفون من تثبت ولايته وهو الطائع الموفى بما أمره الله فيحبونه لذلك ويستغفرون له ويساعدونه في شئونه الدنيوية من بيع وشراء وسائر المعاملات ، وأما البراءة فصورتها أن يتبرءوا من العاصي ويقطعون معاملته ويهجرونه بحيث يصير كأنه بمعزل عن العالم إلى أن يتوب إلى الله ، فإذا تاب وأقلع عن معصيته أعيدت إليه هذه الحقوق وعومل بما يعامل به سائر إخوانه وهو كما ترى حكم من أفعل الأحكام في زجر الناس عن الخروج عن طاعة الله وأنظمة هذه الحياة ، وباعث قوي للنفس على السير في المنهج القويم دينا ودنيا ، فهو – لكونه دينيا _ يغني عن أشد العقوبات المدنية التي سنتها القوانين الوضعية . وقد شهد لتأثيره الحسن في إصلاح الهيئة الاجتماعية حال النفوسيين قديما وما كانوا عليه من العز الشامخ والثراء الواسع ، كما هو شأن العمانيين حال مجدهم حينما كان العمل به جاريا . وحال الميزابيين اليوم بالجزائر وما هم عليه من انتظام الأحوال واتساع الثروة والتمسك بالدين أصدق شاهد على ذلك . فإنهم ما زالوا في تطبيق أحكام الولاية والبراءة على ما هو عليه سلفهم الصالح . والمذاهب الأربعة لا يقولون بولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص ، ويكتفون بولاية الجملة وبراءة الجملة الخاص حكمها بما لك يتدين بدين الإسلام ولا ينسحب على عصاة الموحدين عندهم .
7) مسألة الشفاعة: يقول الأشعرية أن الشفاعة تنال أصحاب الكبائر من الأمة المحمدية . وأما الأباضية فعندهم لا ينالها إلا من مات منهم على الوفاء والتوبة النصوح ، ولكل أدلته كما في سائر المسائل . (1/77)
صفحة 78
8) يطلق الأباضية على الموحد العاصي كلمة كافر ويعنون بها كافر النعمة ويجرون عليه أحكام الموحدين ، ولهم في ذلك مسوغات شرعية ولغوية ليس هذا محل ذكرها . فالكفر عندهم كفر نعمة ونفاق وهو هذا ، وكفر شرك وجحود وهو الذي يخرج الإنسان من الملة الإسلامية . والأشاعرة يكتفون بتسميته عاصيا وفاسقا ، ويمنعون إطلاق الكفر عليه ولو كان مقيدا بما قيده الأباضيون ، ويؤولون ما جاء مشعرا بذلك . وكلا المذهبين على اتفاق في إجراء أحكام الموحدين عليه . فالخلاف بينهما يقرب أن يكون لفظيا لا روح له من جهة المعنى كما ترى .
9) الميزان والصراط يوم القيامة : يقول الأشعريون أنهما حسيان ، فأعمال الإنسان توزن يوم القيامة بميزان ذي كفتين إظهارا للحق وتبكيتا للمقصر . والصراط جسر ممتد على متن جهنم ، تمر من فوقه الخلائق كل حسب عمله ، فمن مسرع ومن مبطئ ، ومن مترد في الجحيم . وأما الأباضية فيقول جمهورهم أن الميزان ليس بحسي والله غني عن الافتقار إليه ، وإنما هو تمييز معنوي للأعمال ( والوزن يومئذ الحق ) كيف والأعمال ليست بأمور محسوسة حتى توزن بميزان من نوعها والصراط أيضا ليس بحسي وإنما هو دين الله الحق وطريقه القويم فمن اتبعه فاز ونجا ، ومن حاد عنه خسر وهوى . ومن الأباضية من يجيز أن يكون الميزان والصراط حسيين على نحو ما قالت الأشعرية . (1/78)
صفحة 79
10) من المسائل الخلافية التي ليست من أصول الدين ولكن لها تأثير ذو بال في تغيير مجرى الحياة العامة في الإسلام وهي مسألة الصحابة :فالأباضية المتقدمون يرضون عنهم إلا من أحدث ما يخالف ظاهر الدين وأصر على ذلك ولم يتب . وأما إذا تاب كعائشة أم المؤمنين في توبتها من موافقة طلحة والزبير عند خروجهما من الإمام علي بن أبي طالب في وقعة الجمل فإنهم يرضون عنها وعن كل تائب من عمله الخاطئ . والمتأخرون منهم يرون التوقف وعدم الخوض أولى . والأشعرية يعذرون الصحابة جميعا ويرضون عنهم جميعا . كذا قيل والذي أراه أنهم كذلك إلا في قسم الصحابة المخالفين للإمام علي بن أبي طالب فإنهم يرضون عن معاوية ولا ينتقدون أتباعه من أنهم أشد الناس عداوة للإمام الشرعي ابن أبي طالب . فقد سن معاوية شتم الإمام على المنابر واستمر العمل بهذه السنة السيئة في بني أمية إلى أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز فإنه رحمه الله قطعها وأبدلها بآية قرآنية وهي قوله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) ولنعم ما فعل هذا الإمام العادل النادر المثال في ملوك المسلمين وأئمتهم . ولكنا نراهم يسخطون ولا يرضون عن أهل النهروان والنخيلة وينسبونهم إلى الخطأ والزلل مع أن أكثرهم أو قادتهم على الأقل من أصحاب رسول الله وخيارهم ومن أعلمهم بالحلال والحرام وأشدهم تمسكا بدين الله . وقد روى التاريخ ، أن الإمام عليا ندم على قتالهم يوم " النهروان " ندما شديدا وسمعه جم غفير يردد تأبينهم بقوله والله لأنتم أسود النهار رهبان الليل ولأنتم أصحاب الدار يوم الدار وأصحاب الجمل يوم الجمل وأصحاب صفين يوم صفين وأصحاب القرآن إذا تلي القرآن الخ .. إن أجهل تماما السبب الحامل للأشعرية في هذا التفريق بين الصحابة والخوض في شأن بعضهم دون بعض خلافا لقاعدة مذهبهم . (1/79)
صفحة 80
11) من المسائل الفرعية المختلف فيها ولكنها ذات خطر في مجرى الحياة الإسلامية العامة مسألة الإمام العظمى ( 11 ) ، فالأباضية يرون وجوب نصب الإمام كالأشعرية إلا أنهم لا يحصرونها في عنصر خاص ، بل شرطهم الأساسي هو الكفاءة الشرعية في الشخص المختار لها ، وتجب طاعته ما دام على الحق والعدل شعاره ، فإن جار في الحكم وخالف الحق ولم يتب جاز بل وجب الخروج عنه . والأشعرية يقول جمهورهم لا يجوز الخروج عن الإمام الجائر ، ويقولون عن الخلافة يجب أن تكون في قريش ومن تبوأها من غيرهم فإنما هو غاصب لحقهم .
12) مسألة الوقف : يقول الأشعرية كلهم أو جمهورهم أن الوقف بقسميه من الدين ويجب العمل به مطلقا ( ). والأباضية يحرمون وقف الذرية المسمى اليوم بالوقف الأهلي ولا سيما المتعلق بحرمان الإناث من إرثهن الشرعي ، وأباضية الشرق لهم في ذلك تفصيل ، والجميع لا يرون بأسا في الوقف الخيري المراد به وجه الله خالصا كالمساجد والمدارس والمستشفيات وغيرها ، وللواقف ثواب عمله . (1/80)
صفحة 81
وما عدا ما تقدم فالخلاف فيه سواء في العبادات والمعاملات شأنه شأن الخلافات الواقعة بين المذاهب الأربعة فما تجده سائغا عند الأباضية والمالكية قد تجده ممنوعا عند الحنفية والشافعية مثلا والعكس ، وهكذا في أغلب المسائل . كالخلاف في المنخنقة والموقوذة والمتردية فإن ذكاتهن عند الأباضية جائزة ، وعند المالكية ممنوعة ، ولكل دليله ، وفي المذاهب الأربعة من يوافق الأباضية في ذلك ويخالف المالكية والعكس وكجواز الطلاق بالإعسار والغيبة عند المالكية والأباضية وعدم جوازه بهما عند الحنفية . واستمرار حق الحضانة لأم المحضون ومن يليها إلى بلوغ الذكر وتزوج الأنثى عند المالكية ، والتفصيل والتخيير للمميزين عندنا ، وإلى سبع سنوات للذكور وتسع للإناث عند الحنفية . وكمنع التقصير في الصلاة للمسافر بنية الإقامة أربعة أيام عندهم واستمراره ما انتفت النية في الإقامة واتخاذ الوطن عندنا لحديث " صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله أو يموت " ، وعلى هذا الرأي كان الحسن البصري التابعي المشهور فقد روي عنه أنه قال : مضت السنة أن يقصر المسافرون ولو أقاموا عشر سنين ما لم يتخذوها وطنا . وهكذا الشفعة للغائب : فإنه باق على حقه فيها عندهم ، ولا شفعة له عندنا لما في ذلك من تعطيل الحقوق . ومثله اليتيم أيضا للعلة نفسها . (1/81)
صفحة 82
وكذلك الجنابة فإنها لا تبطل صوم الصائم عندهم وعندنا تبطله ، ويجب على المجنب أن يغتسل قبل طلوع الفجر فإن أصبح مجنبا فقد أصبح مفطرا إلا إن بادر إلى الاغتسال . وعندنا يحرم نكاح الزانية على الزاني بها ولا تحرم عليه بذلك عندهم ، ولكل من الفريقين أدلة طويلة ومستندات يطول شرحها ، فلا يناسب في هذا المختصر سوقها ، ومثل ذلك الدخان فإنه حرام عندنا ومباح أو مكروه عندهم ، وقيل حرام عند بعضهم . ومنها أن أصحابنا جعلوا النظر في إقامة كافل اليتيم للعشيرة وعلى القاضي التنفيذ ، وعندهم أن ذلك من اختصاص القاضي لا غير . ومنها جواز الحكم في الأموال بالشاهد واليمين عند المالكية ، ولا يكون إلا بالشاهدين عندنا وعند الحنفية كسائر الحقوق والحدود إلا في الزنا فإن الجميع اتفقوا على أربعة شهداء وإلا أقيم عليهم حد القذف . وكذا الاعذار فإنه لازم في الحكم عند المالكية وغير لازم عند الأباضية والحنفية . ومنها أن البسملة آية من كل سورة عند الأباضية والشافعية وعند الحنفية أيضا فيما أظن وليست كذلك عند المالكية ولذا كرهوها في الصلاة المفروضة . ومنها أن المرأة عندنا سواء كانت بكرا أم ثيبا لا إجبار عليها من الولي ولو كان أبا ، بل لا بد من مشورتها ومنحها الحق في اختيار من تريد أن يكون شريكا لها في الحياة الزوجية وإنما للأب أن يزوج بنته استبدادا في صورة واحدة فقط وهي أن تكون بكرا دون البلوغ لا غير . ومع ذلك فلها حق في رد ما فعله الأب وغيره عند بلوغها على الفور وما عدا هذه الصورة فالشرط الأساسي في صحة العقد هو رضاها وموافقتها . والحنفية في هذا الباب موافقون للأباضية . وأما المالكية ففي الثيب كذلك . وأما البكر فللأب أن يجبرها على التزوج بمن شاء ولو تجاوزت حد البلوغ ويسمونه لولي المجبر . ومن أبسط المسائل الخلافية جواز رفع اليدين وتحريك السبابة والقنوت في الصلاة عندهم . (1/82)
صفحة 83
ومنع هذه الأفعال عند الأباضية لمخالفتها مقتضيات الخشوع . والرفع المذكور مع كونه معتبرا عند المذاهب الأربعة من المندوب إليه ندبا غير أكيد فإن العامة منا ومنهم يعتبرونه الفارق الوحيد بين الفريقين . والسر في ذلك معلوم وهو أن الصلاة اكثر الفرائض تكرارا وظهورا وشيوعا .
وأما الطرق الصوفية الكثيرة الشيوع في المذاهب الأربعة كالقادرية والعروسية والرفاعية والعيساوية والساعدية والتيجانية والسنوسية والبكطاشية وغيرها كثير فليس لها وجود في المذهب الأباضي ، وهي في نظره من البدع المحرمة شرعا ، ولا يتوقف الوعظ والإرشاد وتهذيب النفوس على احداث مثل هذه الطرق والانتساب إلى رجالها على النمط المعهود عندهم . ومع هذا فلا ينكر الأباضيون كرامة الأولياء ووجود الصالحين من عباد الله المخلصين ولزوم احترامهم لكن لا على هذا الوجه ( واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ) .
هذا ولا أعلم بين الفريقين خلافا في الصلاة ووجوبها وأدائها في الأوقات الخمسة وعدد الركعات ، ولا في الحج وأركانه ومناسكه ، ولا في الزكاة ونصابها ومواضع صرفها ، ولا في الصوم ووجوبه وأغلب مصححاته ومفسداته . وقد علمت ما في الركن الأعظم ( التوحيد ) من الاتفاق على تنزيه الباري عن كل نقص وإن اختلفت وجهات النظر ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ) . وفي هذا القدر كفاية لمن يريد الاطلاع الإجمالي وبالله التوفيق .
خاتمة
فيما يفعله الأباضية مع من تحت حكمهم من مخالفيهم : (1/83)
صفحة 84
إن الواقف على مجمل تاريخ هذه الفرقة الإسلامية وعلى ما بينها وبين الأشعرية من الخلاف المبين أهمه هنا ، قد يدفعه حب الاطلاع فيشتاق إلى معرفة ما هي معاملة الدولة الأباضية لرعاياها الإسلاميين المخالفين لها في المعتقد . وللقيام بهذا نورد له ما يأتي ليكون على بينة مما عليه الأباضيون في حكم الشعوب وسياسة الأمم التي تحت لوائهم . وذلك نقلا عن أحد أئمتهم الفحول العلامة أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني صاحب التصانيف المعتبرة في المعقول والمنقول المتوفى سنة 570 هـ ( سنة 1174 م ) ، ومن أعظم مؤلفاته قدرا وجلالة " الدليل والبرهان " الذي ننقل منه ما نصه :
باب ما ينبغي لأمير المؤمنين أن يفعله مع مخالفي الأباضية من المسلمين : (1/84)
صفحة 85
والذي ينبغي له أن يدعوهم إلى ترك ما به ضلوا ، فإن أجابوا اهتدوا وصاروا إخواننا لهم ما لنا وعليهم ما علينا . كما قال أبو حمزة المختار بن عوف (13) وقد خطب في أهل المدينة فقال : أيها الناس ، نحن من الناس والناس منا ، إلا عابد وثن ، وملكا جبارا ، وصاحب بدعة يدعو الناس إليها . وإن امتنعوا من ذلك دعوناهم إلى أن نجري عليهم حكم الله تعالى من دفع الحقوق والخضوع لواجب الأحكام ، فإن أذعنوا لذلك تركناهم على ما هم عليه ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب لنا وعلينا ، إلا ما كان من الاستغفار فلا حق لهم فيه ما داموا متمادين على ما هم عليه ووسعنا وإياهم العدل . ولهم حقوقهم من الفيء والغنم والصدقات على وجوهها ، ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين ، والعدل في الأحكام والدفاع عنهم . وإن غزوا معنا فلهم سهامهم كما لنا ، ومن امتنع منهم مما وجب عليه من الحقوق أدبناه بما يقمعه ونرده إلى سواء السبيل ، وإن اعترفوا بطاعتنا وانفردوا ببلادهم وأجروا فيها أحكامهم تركناهم . وذلك ما لم يكن رد على آية محكمة أو سنة قائمة ، ونستقضي عليهم منهم من يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم ، ونقبل قوله في ذلك على أسلوب القضاة كلهم . ولا يمنعنا من ولاياتهم إلا ما هم عليه . ونأخذ منهم كل ما يجب من الحقوق ونردها في فقرائهم وذوي الحاجة منهم . (1/85)
صفحة 86
وإن اتهمناهم في شيء أعذرنا إليهم ولا نتركهم يظهرون منكرا بين أيدينا إذا كان عندهم منكرا ديانة . ونمنعهم أن يحدثوا في أيامنا ما لم يكن إلا أن يكون أمرا لا مكروه تحته . وإن خرجوا علينا وهزمناهم فإنا لا نتبع مدبرا ولا نجهز على جريح ، وأموالهم مردودة عليهم إلا ما كان عائدا لبيت المال فإنا نأخذه ونصرفه في وجوهه . ولا نستعمل معهم في ذلك طريقة الزهاد مثل ما فعل أبو منصور سنة 267 مع ابن طولون حين هزمه شر هزيمة بعسكر نفوسة فلم يأخذ أبو منصور ورجاله شيئا من تلك الأموال الوافرة زهدا وتورعا وتركوها لأهل مدينة طرابلس فتوزعوها وانتهبوها . وإن قدرنا عليهم قتلنا منهم كل من قتل أحدا منا بعينه قصاصا . ونسرح سبيل الأسارى ولا نتبع المنهزمين ولا نعترض أحدا منهم إلا من طعن في الدين أو قتل من المسلمين أو دل عليهم فهؤلاء يقتلون إذا قدرنا عليهم إلا من تاب قبل ذلك . ونصلي على قتلاهم وندفنهم ، ونجري المواريث بيننا وبينهم على وجوهها ، والأموال والحرمات على وجوهها ا هـ . (1/86)
صفحة 87
فليتدبر المنصف في هذا الدستور الإسلامي الذي جاء به الكتاب العزيز والسنة النبوية ، والذي ما برح يقوم بتطبيقه أئمة الأباضية وعمالهم في جميع أدوار تاريخهم السياسي تطبيقا عمليا . خلافا لما عليه الملوك الظلمة الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما جاء به من أمر ونهي ووعد ووعيد وحلال وحرام وحدود وأحكام ، ثم لا ترى لاتباع أوامر الشرع أي أثر في أعمالهم وحروبهم ، بل لا ترى إلا السلب والنهب وهتك الأعراض والفتك بالأبرياء وغير ذلك من المناكر التي تقشعر من ذكرها الأبدان وتشمئز من بشاعتها وشناعتها أقسى القلوب . ومع هذا فكثير من المؤرخين يذكرون هؤلاء على أنهم من عظماء الإسلام وملوكه الذين تفتخر بهم الأجيال . غافلين أو متغافلين عن التنويه بأهل هذا القسم المهم من التاريخ الإسلامي الذي ليس في صحائفه إلا ما يبيض وجه الإنسانية ، ويرفع من كرامة الشعوب المحمدية ، ويبرهن بأسطع الأدلة وأقواها على أن دين الإسلام هو دين العدل والحرية والمساواة المطلوبة لبني الإنسان ، متى وجد كهؤلاء الأئمة من يحسن تطبيق قواعده وتنفيذ أحكامه . ولا نذهب بالقارئ بعيدا ، فنظرة في عمل أبي منصور في حربه مع ابن طولون وهو عامل من عمالهم تكفيه حجة على ما هم عليه من التحري لدين الله . ولقد أنقذ هذا البطل حكومة الأغالبة يومئذ من خطر محقق الوقوع . إذ معنوية جيشهم قضى عليها ابن طولون قضاء مبرما . فلولا أبي منصور لتم له القضاء على دولتهم نهائيا بدون شك . لكن لؤم الأغالبة أبى عليهم إلا أن يقابلوا هذا الجميل بأقبح ما تراه العيون وتسمعه الآذان قبل أن تمضي سبع عشرة سنة من تاريخه وذلك في وقعة مانو المشهورة سنة 284 التي حاربوا فيها النفوسيين وهزموهم هزيمة مؤلمة ، فقد أفحش بنو الأغلب فيهم قتلا ونهبا وسبيا وتمثيلا ، وأسرفوا أيما إسراف ، وأتوا بكل أنواع الفظائع التي تأباها الإنسانية ويحرمها النظام الدولي والشرع المحمدي أشد تحريم . (1/87)
صفحة 88
فكأنما الوازع الديني لم يخلق في نفوسهم ولا سكن حتى بجوارها ، ولعمري إن البيتين المشهورين :
لهما أحسن ما يتمثل به أبو منصور ونفوسة عند الفخر والمقابلة بين عملهم وعمل بني الأغلب . فسبحان من لا إله غيره ولا خالق سواه ، يخلق من يشاء كيف يشاء وهو الحكيم العليم ، لايسأل عما يفعل وهم يسألون .
انتهى ما أردنا جمعه والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وكان الفراغ من جمعه في شهر الله المبارك رمضان سنة 1355 هـ ( سنة 1936 م ) .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
مراجع التأليف :
1- كتاب السير للشيخ أحمد الشماخي
2-تاريخ الأزهار الأباضية للشيخ سليمان باشا الباروني
3-المنهل العذب لأحمد بك النائب الطرابلسي
4-الشرح الكبير على العقيدة للإمام الكبر محمد أطفيش
5-تاريخ الجزائر للأستاذ توفيق المدني
6-تاريخ الجزائر للأستاذ الكعاك
7-تاريخ طرابلس للشيخ ابن غلبون المصراتي
8-تعاليق الأمير شكيب أرسلان على حاضر العالم الإسلامي
9-مجلة المنهاج للشيخ إبراهيم أطفيش الميزابي
10-سير نفوسة للشيخ أحمد الشماخي
الحواشي :
( 1 ): ولد هذا الخليفة الأموي سنة 26 هـ ( 646 م ) وتوفي 86 هـ ( 705 م ) وأما تاريخ معاصره الإمام ابن أباض ولادة ووفاة فلم نقف لهما على أثر.
( (1/88)
صفحة 89
2 ): قد ذكروا فيما ذكروه من أسباب الهزيمة أن محمد بن العباس الأشعث قائد الحملة العباسية بعد أن هزمه أبو الخطاب تظاهر بأن الهزيمة كانت ساحقة وأنه من العبث أن يعيد الكرة على أبي الخطاب وأنصاره فابتعد عن مكان الواقعة بمراحل عديدة ، وفي الوقت نفسه خلف عيونا ترعى حركات جيوش أبي الخطاب التي يقال أنها تفرقت لحصاد الزرع واستبعادا لرجوع أبي الأشعث وجنوده ، وقد حذر أبو الخطاب أصحابه من سوء عاقبة التخاذل والأمن من مكر أبي الأشعث ولكنهم أبوا من قبول رأيه حرصا على جمع حبوبهم . فصح ما تنبأ به إذ عاد حالا ابن الأشعث بجيوشه مغتنما فرصة تفرق أتباع أبي الخطاب طاويا مراحل كثيرة في يوم أو يومين ففاجأ الخطابيين على غير استعداد منهم واشتبك معهم في تاورغا . واقتتلوا قتالا شديدا دام أياما عديدة انتهى بهزيمة أبي الخطاب وحضور أجله وأجل اثني عشر ألفا من أصحابه في هذه الواقعة السيئة العواقب عليه وعلى غيره إذ انتشر الذعر في الولايات التي يحكمها واضطرب جبل الأمن فيها جميعا ، وواصل محمد بن الأشعث الزحف على البلاد طولا وعرضا حتى وصل العاصمة الكبرى ( القيروان ) فتنحى عنها عامل أبي الخطاب عبد الرحمن بن رستم عليها وعلى ما حولها إلى الحدود الطرابلسية فارا بنفسه إلى المغرب الأوسط حيث أسس به الدولة الرستمية الأباضية واتخذ تيهرت قاعدة لها ومن بعده تولاها أبناؤه بالنتخاب الشرعي واستبحرت في العمران والمدنية إلى حد كبير كما سيأتي الحديث عنها . (1/89)
صفحة 90
ومما يذكر أن واقعة تاورغا التي انتصر فيها العباسيون كان بعض أتباعهم يفاخرون بها الخطابيين : فيقولون لهم ما تفسير ( تاورغا ) فيجيبونهم بأن تفسيرها " مغمداس التي قتل فييها منكم أربعة أكداس كل كدس فيه أربعة آلاف رأس " والله يعلم انها فتنة إسلامية كبيرة كانت كالليل المظلم لو لم يمتحن المسلمون بأمثالها لما تأخر الإسلام بعد التقدم وانحط بعد الارتقاء وأصبح بعد السيادة على العالم مقطع الأوصال محكوما لغيره ممن كانوا تحت سيطرته ولله الأمر.
م- 03 تاريخ الأباضية
( (1/90)
صفحة 91
3 ) : ذكر المؤرخون أنه كان بتيهرت مركز الإمامة مكتبة كبرى تسمى ( المعصومة ) تحتوي على مئات الآلاف من الكتب في مختلف العلوم أضرم النار فيها السفان الحجاني أحد قواد الدولة الفاطمية عند دخوله العاصمة الرستمية . وقد فعل هؤلاء فعلتهم هاته في كل عاصمة احتلوها من عواصم الشمال الأفريقي . وبمدينة شروس توجد مكتبة كبرى أيضا تحمل اسم ( المكتبة النفوسية ) بها أيضا عشرات الألوف من الكتب العلمية النفيسة . وقد سمعت بأذني عند زيارتنا لآثار وأنقاض هذه المدينة من خالنا المرحوم العلامة سليمان باشا الباروني المجاهد الإسلامي الشهير بأنه يوجد فيما مضى بهذه المكتبة نحو ثلاثين ألف مجلد في فن واحد كان أحد العلماء الأعلام قد تفرغ لها مدة طويلة للبحث عن مسألة أشكلت عليه فظفر بها من بين صفحات بهذه الآلاف المجلدة التي طالعها كلها ولم يستفد منها جديدا سوى خمس مسائل . قال عنها أنه يمكنه أن يتعرف الحكم الشرعي فيها اجتهادا ولو لم يجدها مدونة . وكان القضاء عليها وعلى مكتبة مدينة جادو الشهيرة على يد بني سليم وهلال في غاراتهم الشعواء على الشمال الأفريقي بإغراء وتشجيع الفاطميين انتقاما منهم من النفوسيين الذين أبوا الخضوع لسلطانهم إلى ما بعد هذه الغارة ، وانتقاما من بني باديس أمراء تونس وموريطانيا إذ خلعوا طاعتهم واستبدلوها بطاعة العباسيين تفضيلا وإيثارا لهم على الفاطميين الشيعة .
( (1/91)
صفحة 92
4) : في رواية تاريخية أن عبد الرحمن وأصحابه لما اعتزموا بناء مدينة تيهرت بهذا المكان المغطى بغابة كثيفة كانت مأوى للوحوش ، كلف أحدهم أن ينادي بأعلى صوته ثلاث مرات في ثلاثة أيام : أيتها الوحش إنا نريد أن نعمر هذا المكان فمن يريد السلامة فليخرج منه : وعلى أثر هذا النداء شاهدوا السباع والوحش تحمل أشبالها في أفواهها . خارجة من الغابة . قلت : قد ووقع مثل هذا للصحابة والتابعين عندما أرادوا تأسيس مدينة القيروان كما هو معلوم ، ويعد هذا عند المسلمين كرامة للأمة ومعجزة للرسول عليه الصلاة والسلام .
(5) : ليتهم أشاروا على الإمام بقبول الإعانة رحمة بالرسل وتخفيفا عليهم من التعب المنهك الناشئ عن السفر الطويل الشاق الممل كما هو واضح ، وكان عليهم أن يشيروا عليه بصرف الإعانة في مشاريع الدولة ومصالحها العامة كالجيش وإصلاح الطرق والمرافق الاجتماعية والملاجئ والمستشفيات وغيرها فإبقاء الإعانة لهذه الأغراض النافعة أحق وأجدر من ردها إلى أهلها لما تقدم ولما في الرد من الأخطار المعترضة لحامليها في طريق عودتهم بها ، فكأن الإمام وبطانته لم يفكروا في هذه الناحية ، أم ترى أنهم فكروا فيها وقطعوا بأن الأمن مستتب لا خوف على الرسل وأموالهم من قطاع الطرق المحتمل وجودهم في كل مكان من الأرض مهما كان النظام فيها دقيقا ، وعلى كل حال فإن الراجح أن أمر الإمام بإعادة الإعانة إلى مرسليها مبني على جزمه باستغناء بيت المال عنها وبوثوقه بأمن الطريق وسلامته وحولها إليهم وهذا عينه يعطينا فكرة واضحة عن رقي المجتمع الإسلامي وتوطد النظام في حكومات ذلك العصر السعيد مما لم يصل إلى بعضه عصرنا هذا . م – 03 تاريخ الأباضية
( (1/92)
صفحة 93
6) : عمل الإمام أبي اليقظان بمملكته في ذلك العصر السعيد البعيد عنا بما يزيد على ألف سنة دليل قاطع على التقدم المدني الباهر ، ويقوم الأوربيون في هذا العصر بممالكهم بما يشبه هذا النظام كجمعيات الرفق بالحيوان – إلا أن عملهم لم يتناول في الغالب الرفق بالإنسان العائش في غير أوروبا وأميركا ، فتراهم هناك علنا يؤثرون كلابهم عليه بالإحسان والرفق والعطف إلى حد كبير حتى عاتبهم الشاعر العربي ذو الحس المرهف بقوله :
جمعية الرفق بالسنور والديك ماذا عن الرفق بالإنسان يلهيك
(7) : هذا منتهى الورع والنزاهة والترفع الرفيع من أبي منصور عن أموال الموحدين الأمر الذي قلما تجد له مثيلا في التاريخ . وقد انتقد بعض الأئمة أبا منصور في هذا العمل الصوفي وقالوا إنه بصفته أميرا الأجدر به أن يضم هذه الأموال الوافرة إلى بيت مال المسلمين ليتقوى به ويصرفه في المصالح العامة كالملاجئ والمصانع والمدارس وشراء الأسلحة وما إليها من مقومات الدولة . وليس من الحزم أن يتركه نهبا للذين لا يعرفون له قيمة . ولا شك أنه مال غير منسوب لأفراد معينين من الناس فبيت المال أجدر به وأحق .
( (1/93)
صفحة 94
8) : هذه العبارة هي عين ما عبر به الكاتبون في الموضوع النائب والشماخي والباروني وغيرهم . وهي تدل على أن المعز الفاطمي حارب نفوسه لأجل استرجاع عساكره فلم يقدر على استرجاعهم بالقوة ولو لم يكن هناك حرب لما عبروا بقولهم ( فلم يقدر عليهم ) ولكان جواب الطلب المجرد عن استعمال القوة – أبوا وامتنعوا من تسليم الجنود الفارين – ومن هذا نعلم أن نفوسه يومئذ لم تزل قوية منيعة مستقلة استقلالا تاما . ولم يؤثر في قوتها أقل تأثير انقراض الدولة الرستمية . بل ثبت أنها حافظت على استقلالها هذا أكثر من أربعة قرون كما سيأتي الكلام على امرائها الذين حكموها بعد انفصالها عن دولة تيهرت الرستمية . وهذه القوة هي التي حمت أبا خزر الحامي اللاجىء إليها عند عجزه عن قتال الفاطميين الذين حاربهم وانتصر عليهم مرارا إلى أن هموا بالإعتراف له بالإستقلال لولا تعنته ، وطموحه الواسع الذي جر له الهزيمة والإلتجاء إلى جبل نفوسة ولسان حاله يقول: خذ الكل ، أو اترك الكل .
(9) : أما نفوسة الجبل في هذا الزمان فقد فشا فيهم الجهل والفساد ، فتفككت وحدتهم وتمكن الحسد فيما بينهم وابتعدوا عما كان عليه أسلافهم من التمسك بالدين والتحلي بالأخلاق الفاضلة كالصدق في القول والجد في الأعمال والوفاء بالوعد والعهود ، تلك الأخلاق التي كانوا يمتازون بها من بين الأقوام الإسلامية والطوائف الدينية ، كانوا مثلا أعلى في الخوف من الله والتورع عن محارم الله ، يمتثلون الأوامر ويجتنبون النواهي ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون في الله لومة لائم . (1/94)
صفحة 95
أما أحفادهم اليوم فهم أبعد ما يكونون عن هذه المكانة من الدين والخلاق . إنهم منهمكون فيما حرم الله ، لا يزعهم وازع ما عن الزنا والفسق والدخان وشرب الخمور وترك الصلاة والزكاة وما إليها من الواجبات تركا وعملا . وهذا فضلا عن الكذب والبهتان وشهادة الزور في بعض الأحيان .هذه الحالة المؤسفة لم يسلم منها إلا من سلمه الله وقليل ما هم . وإذا قيل لأحدهم اتق الله أخذته العزة بالإثم ، بل ربما أعلنها عليك حربا عوانا لا هوادة فيها ولا هدنة.
م – 4 0 تاريخ الأباضية
(10) : قرأ أحد بني شماخ هذه النبذة فثار وعربد زاعما أنها إهانة من المؤلف لأسرته ، فعهد لبعض البسطاء بأن يقاطعوا تأليفه وأن لا يشتروا نسخة من نسخه احتجاجا على سلوكه وأنا أقول أنه كان في عمله هذا يمثل من قال فيه الشاعر :
يا ناطح الجبل العالي لتوهنه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
وبما أن هذا الفهم السقيم لم يخطر ببالي ، فقد لزم أن أقرر بأني لم أقصد مما ذكرته إلا تقرير الأمر الواقع ، عالما بأنه لا يصح للكاتب في أي موضوع كان أن يشوه الحقائق ويقلب الوضاع إرضاء لهذا أو ذاك . وقد صرح العلامة الشيخ سعيد الشماخي في إحدى قصائده بأن الجهل شائع في أسرته وفي يفرن بني جلدته مخاطبا بها صديقه العلامة الورع الشيخ عبد الله والد البطل الشهير سليمان باشا الباروني ومحرضا إياه على القيام بواجب الوعظ والإرشاد ومحاربة الجهل بوطن يفرن . وهل يصح لنا أن نعتبر الشيخ سعيد الشماخي مهينا لنفسه ولأسرته ولبني وطنه حينما عبر بشيوع الجهل فيهم كما مر .
( (1/95)
صفحة 96
11) : الإمامة العظمى واجبة متى توفرت شروطها ، وهي أن يكون أهل الحق نصف عدوهم المتخوف منه أو أكثر ، ولهم ما يكفيهم من علم ومال وسلاح وكراع . وإذا عقدت الإمامة لمن هو لها أهل لم يجز له تركها . وشرطه أن يكون ذكرا بالغا عاقلا عالما بالأصول والفروع متمكنا من إقامة الحجج وإزالة الشبه ذا رأي وخبرة في الحروب شجاعا ولو كان لا يباشرها بنفسه لا يلين ولا يفشل من أهوالها ولا يهاب إقامة الحدود وضرب الرقاب في سبيل الله ونصرة الحق . وإذا توفرت هذه الشروط في القرشي فهو أولى وإلا فغيره ممن رضيه أهل الحل والعقد من المسلمين . ولا يفهم من هذه الشروط أن نصب الإمام غير واجب إذا فقد شرط منها ، لا بل يتعين عليهم نصبه ولو كان دون هذه المنزلة . إذ العبرة بالشروط الأساسية التي لا يشاد صرح الإمامة بدونها 10 هـ ما قاله الإمام القطب الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ببعض تصرف . ومما قاله في هذا الصدد : وعندنا الإمامة من الأصول لما صح عن عمر وغيره من الأمر بقتل من تعين نصبه إماما فأبى من قبولها . إلا أنها ليست مما يقدح تخلفه في صفة الله . فمعنى كونها من الأصول أنه لا يجوز الخلاف فيها . إلى أن قال : وقالت الأشعرية إنها من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين . ونصب الإمام عندهم واجب سمعا . وكذا عندنا إلا أن العقل يناسبه إذ لا تقام الحدود إلا بها . وقالت الصفرية والأزارقة والنجدية : لا يجب نصب الإمام أصلا . وبعضهم قال يجب عند الأمن لا عند الفتنة . وذكر أقوال غيرهم وأطنب رحمه الله 10 هـ من شرحه للعقيدة .
( (1/96)
صفحة 97
12) : وقفت على محاضرتين رد فيهما كل من العلامة الشيخ محمد بخيت والعلامة محمد علي علوبه باشا على صاحبه وكلاهما من عظماء مصر ومشاهيرها . الأول يرى أن الوقف بقسميه ( الأهلي والخيري ) من الدين . والثاني يرى لزوم إلغاء الوقف الأهلي لكونه ليس من الدين مع قلة الانتفاع به حينما يكثر المستحقون بالتناسل فيصبح مهملا خرابا لا عناية لأحد به . وأطال كل منهما في البحث والرد ، وكل أدلة وأنصار . فأنت ترى أن الباشا المذكور قد وافق ما عليه الأباضية من حيث لا يدري ، فضلا عمن ذكرهم في محاضرته ، فتأمل جهل بعض المسلمين ببعضهم .
(13) : هو أحد أئمة الأباضية الكبار . استنجد به أهل اليمن بواسطة قاضي حضرموت عبد الله بن يحيى طالب الحق لإزالة ظلم القويسم عامل مروان بن محمد فأنجدهم بجيش عدده 1600 فتلقاه العامل في ثلاثين ألفا ولكن أبا حمزة هزم هذا الجيش العرمرم ولم يقتل جريحا ولم يتبع مدبرا ، فاحتل اليمن وسار نحو مكة فاحتلها بدون قتال ، ثم سار إلى المدينة فاحتلها أيضا وخطب في الناس داعيا إلى كتاب الله وسنة رسول الله ، ثم سار إلى الشام فالتقى بجيش مرواني كثيف بوادي القرى فاقتتلوا قتالا شديدا خانه الحظ فيه فمات رحمه الله وانهزم جيشه وانحل أمره وعاد الظلم إلى ما كان عليه .
م – 06 تاريخ الأباضية (1/97)