صفحة 1
الكتاب: مخطوطات عُمان بميزاب لمحمد باباعمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
الحمد لله الذي أقسم بالنون والقلم وما يسطرون، والصلاة والسلام على النبي الأمي الذي أخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم.
وبعد، فإنَّ الحديث عن المخطوطات حديث شيق ممتع، ذلك أنَّه ينقل الباحث من عالمه الحاضر، إلى أغوار الزمن وأحقابه السالفة، في رحلة للجمال والفن والشعر أحيانا، وللجلال والعبرة والفكر أحايين أخرى...
ومن هذه النافذة نلج إلى عالم المخطوطات العمانية، التي سافرت من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، فاطَّلع عليها العشرات من الطلبة والعلماء والأشياخ، واستفاد منها الآلاف من الناس في أمور دينهم ودنياهم، واليوم، وفي هذا الملتقى المبارك حول التراث العماني نحاول أن نقدم صورة وإن كانت بسيطة، غير أننا سنسعى لجعلها - بعون الله - صادقة، حتى تكتمل الفائدة ويتحقق المبتغى.
مكتبات وادي ميزاب (تعريف، وإحصاء)
لم يحدِّد الباحثون العدد الحقيقي للمكتبات التي تحوي المخطوطات، وخزائن الكتب العامَّة والخاصَّة بوادي ميزاب؛ غير أنَّ الباحث المستشرق الألماني "جوزيف فون هاس" يذكر في دراسته "أبحاث في بعض المخطوطات الإباضية" (1) أنَّ عددها يصل إلى سبع وثمانين مكتبة (87).
وأمَّا الأستاذ الباحث محمد بن أيوب الحاج سعيد فقد أحصاها بـ 114 ما بين مكتبة وخزانة كتب.
فإذا علمنا أنَّ إحصاء "فون هاس" أنجز سنة 1974م، وأنَّ إحصاء الحاج سعيد أنجز سنة 1992م؛ وأنَّ جمعيتي التراث وأبي إسحاق اكتشفتا خزائن كتب خاصَّةً وعامَّة بعد ذلك، لمَّا تدخل بعد في الإحصاءيْن، وأحصت خزائن أخرى لا تزال في طيِّ الخفاء؛ فإنَّ عدد المكتبات يكون بالتالي أكثر بكثير ممّا ذُكر، والعدد المقدَّر يقارب المائتين (200) ما بين مكتبة وخزانة كتب. وبتواصل المجهودات وتلاحمها ستكتشف الخبايا إن شاء الله تعالى.
وأمَّا نوعيتها، فيمكن تقسيمها إلى مكتبات وخزائن كتب:
__________
(1) - بحث مرقون، مكتبة جمعية التراث، ص2. (1/1)
صفحة 2
أ – عامَّة، مثل مكتبة القطب اطفيش ببني يسجن.
ب- تابعة للعشائر، مثل مكتبة آل خالد ومكتبة آل يدَّر ببني يسجن.
جـ- تابعة للمعاهد والمدارس الحرَّة، مثل مكتبة الإصلاح بغرداية، والحياة بالقرارة.
د - تابعة للمساجد، مثل مكتبة إيرْوَانْ (دار التلاميذ) بالعطف، ومثلها تقريبا في كلِّ مدن الوادي.
هـ - تابعة للجمعيات الثقافية، مثل مكتبة جمعية التراث بالقرارة، ومكتبة جمعية أبي إسحاق بغرداية.
و- خاصَّةٍ، مثل مكتبة الأستاذ الحاج سعيد بغرداية، والشيخ المطهري محمد بمليكة، والحاج إبراهيم أوزكري ببني يسجن.
فإذا ما استجوبنا الباحثين والدارسين، عن انطباعاتهم حول مستوى الخدمات بهذه المكتبات، فإنَّنا سنحصل على أجوبة ونظرات متباينة، نكتفي بإيراد بعضها مرتَّبة وفق سلَّمها التاريخي، وهي كالآتي:
أوَّلاً- يذكر المستشرق شاخت في دراسته "المكتبات والمخطوطات الإباضية": «أنَّ الباحثين من قَبْله عانوا الكثير في سبيل اقتحام مكتبات وادي ميزاب، وأنَّه اندهش لانعدام هذه العراقيل أثناء زيارته في شهر ديسمبر 1952م، فقد فُتحت أمامه المكتبات؛ غير أنَّ القلَّة القليلة من العائلات الوارثة لمكتباتٍ عن طريق الوقف حافظت عليها بشدَّة وتخوُّف مسرف» (1) .
ثانيا- يقول الباحث التونسي الأستاذ فرحات الجعبيري في مقدِّمة دراسته الجادَّة: "البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية": «إن كنتُ أنسى فلا أنسى رحلتي الأولى إلى وادي ميزاب، جمادى الأولى 1387هـ/أوت 1967م؛ حيث فتح الله بين أيدينا مكتبات عشَّش فيها العنكبوت وباض وفرَّخ؛ لأنَّ المفاتيح لم تَمُسَّ أقفالَها منذ ما لا يقلُّ عن ربع قرن، إلى جانب مكتبات عامرة زاخرة، تنبض فيها الحياة... وهكذا فتحت العين وامتدَّت اليد» (2) .
__________
(1) - المجلة الإفريقية، عدد 100، سنة 1956م، ص375.
(2) - البعد الحضاري، نشر جمعية التراث، ج1/ص19. (1/2)
صفحة 3
ثالثا- أمَّا المستشرق الألماني "فون هاس" فيلاحظ بعد زيارته لميزاب سنة 1974م أنَّ ظروف العمل كانت متعبة في بعض الأحيان، وأنَّ ساعات فتح المكتبات كانت جدَّ محدودة، إلى جانب مشاكل أخرى في التأقلم... (1)
رابعا- يقول المحقِّقان لكتاب "أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير (ق3هـ/9م): الدكتور محمد ناصر، والدكتور إبراهيم بحَّاز، في مقدِّمة الكتاب، وأثناء عرض العراقيل التي وقفت أمامهما وأمام الباحثين حجر عثرة: «إنَّ الذين يتحمَّلون المسؤولية الكبرى في هذا الإهمال، هم المعنيون بهذا التراث قبل غيرهم؛ لأنَّهم لم يبذلوا أيَّ جهد في إزالة التراب عن هذا التراث، الذي ما يزال أغلبه في رفوف الخزائن الخاصة؛ وقد عبثت السنون والأرضة بالكثير منه. وسوف يأتي اليوم الذي يدرك فيه أصحاب هذه الخزائن أنَّهم أساؤوا في حقِّ المعرفة الإنسانية، كما أساؤوا في حقِّ تاريخهم وحضارتهم» (2) .
ومن جهة أخرى، عندما نستجوب أصحاب المكتبات نجدهم يُجمعون على أنَّ استعمال الطلبة والقرَّاء لمكتباتهم قليل، ويكاد التشاؤم يغلب عليهم، لعزوف الشباب عن المطالعة، وبُعدهم عن التراث؛ ويؤكِّدون أنَّهم يفتحون مكتباتهم لكلِّ من يرغب إلاَّ من أبى.
فمن خلال هذه الانطباعات نلاحظ تضاربا في الآراء، ولا نجد له تفسيرا إلاَّ أنَّ وظيفة المكتبة ووظيفة المخطوط لمًّا تتحدَّد بعد في الأذهان؛ فالمخطوط موجَّه أساسا للباحثين لا للطلبة والمطالعين، والباحثون والمحقِّقون في كلِّ أمَّة قلائل، وبالتالي فإنَّ طريقة تعاملهم مع المكتبة تختلف عن طريقة تعامل المطالع العادي معها.
__________
(1) - ترجمة مرقونة من الأصل باللغة الألمانية، إنجاز مصطفى بامون، مرقون، ص1، 40.
(2) - نشر جمعية التراث، ص6. (1/3)
صفحة 4
فالباحث لا يغشى المكتبة طوال السنة إلاَّ في ساعات محدودة؛ وإنَّما يذهب إليها لمناسبة إعداد بحث أو عمل أكاديمي، فهو يطلبها لأيام معدودة، ولكنه يلحُّ على حجم من الساعات كبير، يصل إلى حدِّ الاعتكاف ليل نهار أحيانا؛ ومن هنا نفهم احتجاج "فون هاس"، كما نفهم احتجاج أصحاب المكتبات على قلَّة المرتادين لمكتباتهم المحتوية على المخطوط غالبا.
إلاَّ أنَّ جهلَ بعض ملاَّك المكتبات دفعهم إلى حبس مكتباتهم عن كلِّ مستفيد؛ وتنطُّعَ بعض الوافدين باسم البحث العلمي، جعل الاستفادة من المكتبات تتضاءل وتكاد تنعدم. ومع ذلك فإنَّنا متفائلون للتحسُّن الملحوظ في الخدمات، ولصيانة وتجهيز بعض المكتبات القديمة وبعثها من جديد.
المداخل إلى المخطوطات الميزابية (الفهارس، القوائم...):
تمتاز المكتبات البارزة في العالم المعاصر بسهولة متناهية في الوصول إلى الوثيقة أو الكتاب أو المخطوط، وذلك بفضل الفهارس العلمية المتطوِّرة، وبفضل أدلِّة المخطوطات، وبالاستعانة بالتقنيات الحديثة من الميكروفلم، والكمبيوتر، وبنوك المعلومات، وخدمات الأنترنات...
ولا بدَّ للباحث في المخطوط بوادي ميزاب أن يبدأ في بحثه من أوَّل خطوة، وهي مطالعة هذه المداخل العلمية. ويتساءل بالتالي: ما هي أهمُّ المصادر والقوائم التي يمكن الرجوع إليها، لأجل الحصول على معلومة حول مخطوط، دون مشقَّة السفر إلى وادي ميزاب والاتصال بالمكتبات مباشرة؟
والجواب أنَّ المداخل إلى مكتبات وادي ميزاب تتمثل في:
أولا- المصادر الإباضية القديمة: مثل سير أبي زكرياء (بعد 474هـ)، وسير الوسياني (بعد 557هـ)، وطبقات الدرجيني (670هـ)، والسير للشماخي
( (1/4)
صفحة 5
928هـ). ولعلَّ أشهر قائمة لعناوين المخطوطات ومؤلِّفيها هي قائمة أبي الفضل أبي القاسم بن إبراهيم البرَّادي (ق9هـ)، الملحقة بكتاب "الجواهر المنتقاة لما أخلَّ به كتاب الطبقات"، وقائمته المعنونة بـ"رسالة في تقييد كتب أصحابنا" (1) ، وقد اعتمدها أغلب الباحثين في التراث الإباضي، وترجمها المستشرق البولوني "موتيلانسكي" تحت عنوان: "بيبليوغرافية ميزاب"، فنشرت في مجلَّة "كشَّاف المراسلة الإفريقية" (2) .
ثانيا- المراجع الإباضية الحديثة: مثل القائمة التي وضعها الشيخ نور الدين السالمي (ت 1332هـ) في كتابه "اللمعة المرضية في أشعَّة الإباضية"؛ وكذا "ملحق السير للشيخ أبي اليقظان إبراهيم" (ت 1393هـ)، والذي لا يزال مخطوطا (3) ، ومثل أعمال الشيخ علي يحيى معمَّر (ت 1401هـ) خاصة كتابه: "الإباضية في موكب التاريخ"...
ثالثا- فهارس الدراسات الأكاديمية الحديثة: مثل أطروحة الدكتوراه بالإنجليزية للدكتور عمرو خليفة النامي، حول تطوُّر الفكر الإباضي 1391هـ (4) ، و"البرادي حياته وآثاره" لسالم العدالي 1413هـ؛ و"الدولة الرستمية" لبحَّاز إبراهيم 1404 هـ؛ و"البعد الحضاري" للجعبيري 1406 هـ، و"الفكر السياسي" لعدُّون جهلان 1407 هـ، و"آراء الشيخ اطفيش العقدية" لمصطفى وينتن 1416 هـ، و"الفكر الأصولي عند الإباضية" للدكتور مصطفى باجو 1419 هـ.
__________
(1) - انظر- دليل المخطوطات، فهرس آل يدَّر، ص82.
(2) - انظر- مجلد 3، سنة 1885م، وانظر- بيبليوغرافية الإباضية، إعداد جمعية التراث، الوثيقة رقم 6
(3) - توجد منه نسخة في مكتبة الدكتور محمد ناصر، وقد أعدَّ محمد موسى باباعمي فهرسا شاملا لهذا الملحق يسهِّل التعامل معه، ويقرِّب الاستفادة منه.
(4) - بعنوان "درسات عن الإباضية"، ترجم مرتين، منه ترجمة أعدتها جمعية التراث، وهو الآن تحت الطبع في دار الغرب الإسلامي ببيروت، تقديم الدكتور محمد ناصر. (1/5)
صفحة 6
رابعا- أعمال المستشرقين: ولعلَّ من أبرزها "بيبليوغرافية ميزاب" للمستشرق البولوني "موتيلانسكي" 1885م؛ "محاولة بيوبيبليوغرافية للإباضية الوهبية" لـ"سموجورزوفسكي" 1928م؛ "المكتبات والمخطوطات الإباضية" لـ "شاخت" 1956م؛ وأبحاث الألماني "فون هاس" حول المخطوطات الإباضية 1974م؛ وأطروحة المستشرق الفرنسي "بيار كوبرلي" للدكتوراه حول العقيدة الإباضية 1982م.
خامسا- بعض الموسوعات والمعاجم الحديثة: مثل: "دائرة المعارف الإسلامية"، و"معجم المؤلفين" لمحمد رضا كحَّالة، و"معجم المفسِّرين" لعادل نويهض، و"معجم أعلام الإباضية" لجمعية التراث...
سادسا- المحاولات البيبليوغرافية الحديثة: مثل قائمة الدكتور عمرو النامي للمخطوطات الإباضية المكتشفة حديثا 1970م؛ حوالي "مائة بطاقة وصفية لمؤلَّفات القطب المخطوطة" للشيخ عبد الله كنطابلي (ت 1987م)؛ "فهرس جزئي لمكتبة القطب" ليحيى عاشور (مذكرة ليسانس في علم المكتبات)، و"مخطوطات العلوم بمكتبات وادي ميزاب" لمحمد باباعمي 1995م؛ فهارس العديد من المكتبات من إنجاز الأساتذة: محمد الحاج سعيد، وعمر لقمان، والحاج أحمد كروم، وعمر بازين وغيرهم...
هذه المداخل تقدِّم مادة علمية مقبولة، وتنحصر في الغالب على الجانب الديني والتاريخي، غير أنَّ عوائق كثيرة تقف أمام استفادة الباحثين من هذه المداخل، فبعضها انضمَّ إلى قائمة المخطوطات، وبعضها يحتاج إلى إعادة الطبع، والبعض الآخر يفتقر إلى التحقيق المنهجي الذي يسهِّل الوصول إلى المخطوط. وتجتمع كلُّ هذه المحاولات في كونها محاولات فردية يعترف لها بشرف السبق، لكنها تحتاج إلى تنسيق وتكامل بينها.
ومن هنا، وبناء على كلِّ هذه المعطيات جاءت فكرة إعداد دليل لمخطوطات وادي ميزاب متوِّجة لهذه المحاولات الفردية المشكورة، ومضيفة لما لم تتمكَّن من إنجازه.
دليل مخطوطات وادي ميزاب (أوَّل دليل مخطوطات في التراث الإباضي). (1/6)
صفحة 7
يعتبر دليل مخطوطات ادي ميزاب الذي أنجرته جمعية التراث أكبر دليل للمخطوطات في التراث الإباضي، وهو كذلك الأول والأكبر في التراث الجزائري، لقد سار العمل فيه على خطوات علمية، فق البطاقة التي أعددتها هيئة المخطوطات في المنظمة العربية للتربية الثقافة والعلوم، في اجتماعها المنعقد بالمغرب الأقصى حول المخطوطات، سنة 1991 .
والذي أنجز أكثر من عشرين ما بين مكتبة وخزانة كتب، وعدد البطاقات تجاوز 5000 بطاقة، وقد صوِّرت فهارس عشرين مكتبة، وتداولتها المكتبات العامَّة والخاصَّة في الجزائر وخارجها، واتَّخذها الباحثون والدارسون ملاذا لهم ومرجعا رئيسا في كلِّ خطوة من خطوات بحوثهم التراثية.
كما أنَّ الجمعية أنجزت برنامجا للكمبيوتر يعنى بتسيير هذه المخطوطات، وبالبحث السريع فيها، من مداخل كثيرة، منها: المدخل بالعنوان، وبالموضوع، وبالناسخ، وبالمالك... الخ.
المخطوطات العمانية بمكتبات وادي ميزاب:
بداية نقصد بالمخطوط العمانيِّ كلَّ مخطوط نُسخ في عمان، ثم نُقل إلى ميزاب، ولا يدخل فيها المخطوطات التي ألَّفها علماء من عمان، ونُسخت في المغرب، لأنَّ هذا النوع كثير جدًّا، يصعب حصره واقتفاء أثره.
وإذا ما بحثنا عن المخطوطات العمانية - بهذه الصفة – في مكتبات ميزاب، فإنَّ أوَّل ما يلاحظ هو قلَّتها، وذلك في اعتقادنا يرجع إلى أسباب منها:
أولا- الدور التاريخيُّ الذي لعبته وكالة الجاموس بمصر، في استنساخ المؤلَّفات المشرقية، ونقلِها إلى وادي ميزاب، عبر تاريخها الطويل، والحافل بالأعمال الجليلة، مما دفع بالنساخ المغاربة إلى الاستغناء عن اقتناء الأصول التي تكون صعبة المنال، وباهضة الأثمان.
ثانيا- العناء والعنت الذيْن أرهقا الحركة الإباضية في مرحلة انتقالها من المشرق إلى المغرب، في القرون الأولى من البعثة المحمَّدية.
ثالثا- إحراق مكتبة المعصومة من قبل العبيديين الفاطميين، بعد سقوط الدولة الرستمية. (1/7)
صفحة 8
وتبرز مكتبتان بهما عدد غير يسير من المخطوطات العمانيَّة، وهما:
- مكتبة قطب الأيمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (1) ، ومن أبرز محتوياتها قاموس الشريعة للشيخ جميل بن خميس السعدي العماني.
- ومكتبة الشيخ محمَّد بن عيسى ازبار، من أبرز محتوياتها بيان الشرع، ومنهج الطالبين...
ولقد اخترنا في هذه العجالة المكتبة الثانية لأنَّها أكبر مكتبة تحوي مخطوطات عمانية بميزاب، ولأنَّنا قد أتممنا – بحمد الله – فهرستها، فاكتملت لدينا النظرة ووضحت الصورة.
مكتبة الشيخ ازبار:
نبذة عن تاريخ المكتبة
المكتبة ملك من أملاك عشيرة آل خالد ببني يسجن، قد كانت عند أحفاد الشيخ محمد بن عيسى ازبار، ثم ضعت تحت تصرف مكتب العشيرة. وحتى تكتمل الصورة عن هذه العشيرة، بالتالي عن المكتبة مصدرها، ينبغي أن نعرف بمشايخ ثلاثة هم:
الشيخ بايزيد القاضي، وهو أصل نسب العشيرة.
9
10
11
12
المخطوطات العمانية بمكتبة الشيخ ازبار (نموذجا)
الشكل
تاريخية المخطوط:
يتبادر إلى ذهن الباحث جملة من الأسئلة التي تدخل في تحديد تاريخية المخطوط العماني بمكتبة الشيخ ازبار، ومن جملة هذه الأسئلة:
كيف سافرت كلُّ هذه الكتب من عمان في أقصى الشرق إلى ميزاب في أقصى الغرب؟ ومتى تمَّ ذلك؟ وكم هو عمر المخطوطات؟ وما هو أقدم مخطوط؟ وما هو أحدث مخطوط؟
وللإجابة على هذه التساؤلات نورد ما يلي:
أ- انتقال المخطوطات إلى ميزاب:
__________
(1) - وأغلب مقتنياتها كانت من قبل الشقيق الأكبر للقطب الشيخ إبراهيم اطفيش، الذي أخذ العلم بعمان، ومكث فيها مدَّة غير يسيرة. وانظر- ترجمته أدناه. (1/8)
صفحة 9
نسجِّل أساسا أنَّ الشيخ ازبار الذي توفي سنة 1296هـ/1872م كان قد سافر إلى عمان، واستقرَّ بها – كما ذكرنا – فيكون بالتالي هو الذي اعتنى باقتناء هذه المخطوطات بيده، ويظهر من خلال التمليكات أنَّ الشيخ قد اقتناها في مراحل متباعدة، وليس مرَّة واحدة كما كان يعتقد، يقول الشيخ محمد علي دبوز: «وقد أهدي إليه من عُمان وقرُ بعيرٍ من نفائس الكتب» (1) ، ونقل هذه المعلومة عنه الدكتور محمد ناصر بوحجام (2) في مقاله: "التواصل الثقافي بين عمان والجزائر" (3) .
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة، ج1. ص: 284.
(2) - سبل
(3) - دورية الحياة، جمعية التراث، عدد 3، 1420/1999. ص113. (1/9)
صفحة 10
ولقد تحصَّل الشيخ - إمَّا بالشراء أو بالتوقيف من علماء ومحسنين على يده "لإخواننا المغاربة" - على أجزاء من كتب قديمة النسخ، وأخذها معه إلى ميزاب، وذلك حوالي 1270هـ، وبعد استقراره لمدَّة تربو عن العشرين سنة في بلده، وتولِّيه لمهمَّة التدريس في مسجد بني يسجن، رفقة زميله الشيخ إبراهيم اطفيش (1) ،
__________
(1) - هو الشيخ إبراهيم بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى، اطفيش (ت: 1303 هـ / 1886م): من علماء بني يسجن بميزاب، وهو جدُّ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، وأخو القطب امحمد بن يوسف اطفيش. تتلمذ على الشيخ عبد العزيز الثميني ببني يسجن بميزاب، ثم رحل إلى المشرق وحطَّ بعُمان، فأقام فيها مدَّة يتعمَّق في علوم الشريعة واللغة العربية على علمائها. استقرَّ بمصر أربع سنوات يأخذ العلم في جامع المؤيِّد، يدرس علم الفلسفة والكيمياء. زار الحجاز وتونس - كذلك - للتعلُّم. وأوَّل محطَّة له بعد المشرق المغربُ الأقصى. اشتغل مدرِّساً بإحدى مدارسها لسنوات، وعند وفاة والده قصد ميزاب. بعودته من رحلته العلمية هذه ومعه كتبه في مختلف المعارف كالشريعة والفلسفة والمنطق والرياضيات والعلوم، درَّس ووعظ في مسجد بني يسجن. كان عالما بالكيمياء، مهتمًّا بجمع ونسخ الكتب النفيسة، يُعتبر من علماء النهضة وممَّن حارب الجهل والفساد في ميزاب. وانظر- *القطب اطفيش: الرسالة الشافية، 53-54 *القطب اطفيش: الذهب الخالص، 2 هامش *حفار: السلاسل الذهبية (مخ)، 17، 18، 28 *باباعمي محمد: مقابلة مع الحاج صالح بزملال والحاج سليمان بكاي في: 3 ربيع الأول 1415هـ/10 أوت 1994م *دليل المخطوطات: فهرس مكتبة القطب، رقم و2/4، و5، ز1 في المكتبة.. (1/10)
صفحة 11
احتاج إلى مزيد من الكتب والمصادر فاستنسخها من إخوانه العمانيين، ومن بينهم علماء بارزون، ونسَّاخ محترفون؛ والذي نستنتجه من التقميشات التي على جلد المخطوطات أنَّ الشيخين سعيد بن علي بن عيسى بن علي الصوى، وسليم بن سالم الغاربي هما الذان سعيا لإعداد الكتب وإرسالها إلى ميزاب، وكان ذلك بين سنة 1289هـ و1292هـ.
ونمثِّل لما ذكرنا بما يلي:
- النسْخُ القديم: نلاحظ أنَّ الجزء الرابع من بيان الشرع نسخ سنة 1136هـ، وكتب في أوله «اشتريت هذا الكتاب من يد يوسف بن محمد العدواني، كتبته وأنا الفقير لله سعيد بن حسن بن هامل الحمداني» (1) في التاريخ أعلاه. وفي آخر الكتاب شطب لهذه التمليكة وتعليق بخط مغاير. وأقدم منه الجزءُ الثاني الذي نسخ سنة 1066هـ، والسادس عشر الذي نسخ في 1089هـ.
- النسخ الحديث: نمثل له بالجزء الخامس والستين من بيان الشرع وهو "في الضمانات والتبعات والحل والتعارف والدلالة والمباح" الذي نسخ سنة 1267هـ على يد سعيد بن علي بن عيسى، ولمَّا كان رمضان 1289هـ وقفه «وقفا مؤبَّدا إلى يوم القيامة على يد الشيخ الثقة محمد بن عيسى المصعبي اليسجني، كتبه سعيد بن علي بن عيسى الصوى بيده، تاريخ ما تقدَّم» (2) .
وأمَّا الجزء الستون من بيان الشرع فقد نسخه ناسخ بأجرة، وكتب آخر الكتاب: «كان تمامه في يوم الجمعة الزهراء الثلاثة عشر يوما مضت من شهر محرم سنة 1292 على يد العبد الفقير لمولاه القدير، المعترف على نفسه بالذنب والتقصير، الراجي عفو ربه الكبير، سعيد بن سالم بن سليمان بن اعبيد بن علي بن سالم السعدي، بيده. وقد أجَّرني على نسخ هذا الجزء الشيخ العالم الورع النزيه الزاهد، وحيد عصره وفريد دهره محمد بن سليم بن سالم الغاربي، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله. بعد الزوال في مسجد من مساجد قرية المنده من الباطنة» (3) .
__________
(1) - م004/ص1.
(2) - م065/ق125ظ.
(3) - م061/ق128. (1/11)
صفحة 12
وفي الجزء الخامس والستين تصريح من ناسخٍ آخر هو علي بن سالم بن خلوفة السعدي بأنَّ هذه «نسخة للشيخ العالم محمد بن سليم بن سالم الغاربي» (1)
والواضح أنَّ النسَّاخ كانوا يتقاضون أجرة على عنائهم، وذلك بحساب عدد الكراريس، وتحديد مقابل لكل كرَّاس، ثم تحديد تكلفة الجلدة، ففي ظهر كلِّ مخطوط استُنسخ بأجرة بياناتٌ مفصَّلة عن المقابل، مما قد يسمح بتقدير القيمة التي استنسخت بها هذه المكتبة بتفصيل، ففي الجزء الأول من بيان الشرع – مثلا -
«32 كراسا وست ورقات»، وفي الجزء الثاني منه نقرأ: «قرشان أجرة الكراريس ونصف قرش جلد».
ب- رحلة مخطوط:
بتتبع التمليكات التي على ظهر جلدتَيْ الكتاب للجزء السادس عشر من بيان الشرع، علمنا أنَّه عرف أيدٍ كثيرة، وانتقل من مدينة إلى أخرى عبر مراحل تاريخية طويلة، بدأت في سنة 1089 إذ «كتبه العبد الفقير لله راشد بن عبد الله بن سعيد القلتي، للشيخ العالم الولي الوالي خلف بن سنان الغافري رحمه الله» وبعد ستين سنة ملكه سليمان بن صالح البرواني بتاريخ «29 محرَّم 1149هـ»، وفي سنة 1167 يوم الجمعة 23 من ذي الحجة أعاره الشيخ سليمان بن صالح بن سليمان بن بشير ان عبد الله بن سنان البرواني الحارثي العماني للشيخ سعيد بن محمد بن راشد بن بشير بن عامر بن راشد الخروصي الأزدي الحمدي العماني.
__________
(1) - م064/ص152 (1/12)
صفحة 13
ثم «اشتراه محمد بن عبد الله البوسعيدي في شعبان 1171هـ»، ثم «اشترى الكتابَ من سوق مكَّة سالم بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سالم الروشدي العدواني النحلي بتاريخ 1186» ويبدو أنَّه كان يرغب في تمليك هذا الكتاب لابنه عامر، غير أنَّ المنية عاجلت عامرا قبل أبيه فكتب ضمن التمليكات «توفي الولد عامر بن سالم بن عبد الله يوم الخميس 23 من شهر صفر سنة 1217» ثم عاد الكتاب ليباع بسوق مكَّة فاشتراه «سالم بن سلطان بتاريخ 18 رمضان 1226». وتختفي التمليكات إلى غاية انتقال النسخة إلى ميزاب في أواخر القرن الثالث عشر، بيد الشيخ محمد بن عيسى ازبار.
ج- أقدم مخطوط بالمكتبة:
في الدليل الذي أعددناه سنة 1417هـ/1997م توصَّلنا إلى أنَّ أقدم مخطوط في المكتبة هو: "سبوغ النعم" الذي نسخ سنة 900هـ/1494م، وكان عمره يومئذ 517 سنة؛ غير أنَّه ظهر بعد ذلك كتاب آخر أقدم منه نسخا، وهو: "شرح تلخيص المفتاح المطوَّل" لسعد الدين مسعود التفتازاني (ت. 792هـ). يقول عنه محقق الكتاب الأستاذ مصطفى حمودة: «هذه المخطوطة منسوخة على الأرجح ببلاد فارس، بدليل الكتابات التي فيها باللغة الفارسية» أما عن معلومات النسخ فنقرأ: «تم الكتاب بعون الله الوهاب على يد العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة ربه اللطيف: خليل بن صحاح إسرائيل علي (...) في اليوم الخميس، في وقت الضحى، ثامن عشر من شهر رمضان المعظَّم، سنة اثنتي وتسعين وسبعمائة» (792هـ)، و«تكتسب هذه النسخة أهمية من حيث كونها كُتبت بُعيد وفاة التفتازاني بأشهر» (1) .
فيكون بالتالي أقدم مخطوط بالمكتبة عمره اليوم 630 سنة، وهو وإن لم ينسخ في عمان – على ما يبدو – قد مرَّ عبرها، وامتلك فيها، ثم تحول إلى ميزاب مع مقتنيات الشيخ ازبار رحمه الله.
د- أحدث مخطوط بالمكتبة:
__________
(1) - وانظر- تحقيق شرح تلخيص المفتاح، ماجستير، سنة 1419هـ/1999م، المقدمة. أما المخطوط فغير مرقم في المكتبة. (1/13)
صفحة 14
أحدث المخطوطات بالمكتبة يرجع تاريخها إلى سنة 1296هـ، أي إلى غاية عام وفاة الشيخ ازبار رحمه الله، وهذا يعني أنَّه كان يقتني الكتب ويعتني بها إلى آخر أيام حياته، ونذكر من بين هذه المخطوطات: قاموس الشريعة، للشيخ جميل بن خميس السعدي العماني، نسخه سباع بن محمد الذيابي العماني، بتاريخ 23 جمادى الأولى 1296هـ، وهو وقف على مكتبة القطب اطفيش. مما يدلُّ على أنَّ الشيخ ازبار رحمه الله استعاره منها، ثم وافاه أجله قبل أن يردَّه، فبقي ضمن كتب المكتبة إلى اليوم.
د- معدَّل عمر المكتبة:
إذا كان معدَّل عمر المكتبة يقاس بجمع تواريخ النسخ في المكتبة، ثم تقسيمها على عدد الكتب، فإنَّ هذه العملية تفتقد الدقَّة، لأنَّ بعض تاريخ نسخ بعض المخطوطات مجهول، ومع ذلك يمكن باعتماد هذه الطريقة أن نصل إلى نتيجة تقريبية وهي أنَّ معدَّل عمر المكتبة يقدَّر بقرن ونصف القرن من الزمان.
صناعة المخطوط:
أ- الجلدة والغلاف: من خلال تكلفة الجلدة التي تمثل ¼ ربع التكلفة العامَّة للكتاب غالبا، نستطيع أن نستنتج ما للجلدة من أهمية في صناعة المخطوط، بل إنَّ المظهر الخارجي للكتاب كثيرا ما أعطى قيمة إضافية له، وإنه ليبدو لنا من أوَّل نظرة جملة ملاحظات في هذا الصدد، منها:
أنَّ الفرق واضح جدا بين الجلدة التي ألف المغاربة استعمالها، والجلدة التي نشاهدها في المخطوطات العمانية بمكتبات وادي ميزاب، فالأولى يغلب عليها طابع البساطة، وفي الغالب من جلد الماعز، وقليلا ما تحسَّن بالزركشة، أو النقوش المضغوطة، وحجمها متقارب.. أمَّا المخطوطات العمانية التي بمكتبة الشيخ ازبار، فتتميز بصناعة راقية ومتقنة للجلد، قد تستعصي حتى على أمهر المطبعيين اليوم، ومن ذلك:
*تفاوت الحجم بين كتاب وآخر، فأصغر جلدة في المكتبة حجمها 167×134مم، أما الأطول فتصل إلى 338×215مم.
*استعمال الجلد الجيد، بألوان مختلفة، وبخاصة الأحمر والرمادي والبني. (1/14)
صفحة 15
*بروز زركشة إسلامية باستعمال الضغط على الخلفية، مع زخارف نباتيٍّة جميلة.
*استعمال ماء الذهب في الزخرفة، وأحيانا بشكل مكثف.
*العناية بلسان الجلدة عناية خاصة، وذلك بوضع زخارف عليها.
ب- الحبر والورق: جل المخطوطات المغربية بنية اللون، تصنع من صمغ محليٍّ، وفي أحسن الحالات يستعمل اللون الأحمر لعناوين الأبواب والفصول والمسائل. أما في المخطوطات العمانية فتبرز إضافة إلى اللونين المذكورين ألوان مختلفة، تدل على العناية والتمكُّن في صناعة الحبر واستعماله.
وأما الورق فالمستعمل في المخطوط العماني أثقل وأجود، بل إنَّ الملاحظ هو كبر حجم البياض الهامشي، إمعانا في الحفظ من فعل الأرضة بالخصوص، إذ أنَّ الحجم الكبير للبياض يقوّي من عمر المخطوط، ويجعل فعل الأرضة لا يتجاوز ذلك البياض.
ج- الأطر والفنيات: ليس ثمة أطر في المخطوطات المغربية، أما في المخطوطات العمانية فالغالب فيها استعمال الأطر بعدَّة ألوان: الحمراء، والصفراء، والسوداء. وأحيانا توضع لها زخارف في الزوايا العلوية أو السفلية.
ومعلومات النسخ في آخر الكتاب أحيانا توضع بإمعان، فكتاب جواهر الآثار مثلا، نسخه محمد بن راشد العماني، وكان تمامه يوم الجمعة 8 ربيع الأول 1196 للهجرة، وكانت بيانات النسخ على شكل دائريٍّ، استعملت فيه الآلة، واللونان الذهبي والأحمر، إضافة إلى اللون الأسود القاتم.
أنواع الخطوط
في المخطوط المغربي نوع واحد من الخط هو: الخط المغربي، أما المخطوط العماني في مكتبة الشيخ ازبار فقد كتب بخطوط عديدة منها:
- خط النسخ البسيط الواضح، في أغلب الأحيان.
- خط الثلث.
- خط الريحان.
- خط الرقعة.
- الخط الغباري الفائق الدقة.
وبعض المخطوطات عني بنسخها من قبل خطَّاطين بارزين، متمكِّين في فن الخط، فـ«شرح التلخيص» مثلا كتب «بخطٍّ النسخ، مع العناية بشكل الحرف، بتكرار رسم بعض الحروف لإظهارها في أحسن هيئة».
الفهارس (1/15)
صفحة 16
أغلب المخطوطات التي بمكتبة الشيخ ازبار لها فهارس تفصيلية في أول الكتاب، وهذا ما لم نعتده في المخطوطات المغربية إلا نادرا، وهذه الفهارس غالبا ما تكتب بلونين، ويحال إلى المكان بالصفحة أول السطر أو آخره.
المحتوى
القيمة العلمية:
لا يختلف اثنان بأنَّ الاعتماد على المصادر العمانية لدى الإباضية المغاربة لم ينقطع يوما عبر تاريخ المذهب، يقول الدكتور محمد ناصر بوحجام: «إنَّ التعاون الثقافي بين إباضية المشرق والمغرب كان قائمًا منذ القديم في كثير من المجالات: في الفتوى والتعليم والتأليف والتراسل والتزاور... وما تزال هذه الصِلة الثقافية قائمة إلى اليوم، في المجالات المذكورة وغيرها. قد يعتريها ضعفٌ ووهن في بعض الفترات، نتيجة ظروفٍ وعوامل خاصَّة، إلاَّ أنَّها لم تنقطع» (1) .
وأبرز مظهر من مظاهر الاعتماد على المصادر العمانية الحرصُ على امتلاك الموسوعات الكبرى، التي لم يعتد المغاربة على تأليف مثلها، من ذلك: بيان الشرع، وقاموس الشريعة، ومنهج الطالبين...
ولقد عمد المغاربة إلى الاستفادة من هذه الموسوعات بطرق عدة منها:
- تدريسها كمقرر، وهذا ما فعله الشيخان إبراهيم بن يوسف اطفيش، ومحمد بن عيسى ازبار.
- اختصارها، والتعليق عليها، وهذا ما قام به الشيخ عبد العزيز الثميني، في كتابه: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم. وهو مختصر لمنهج الطالبين (2) .
- اعتمادها كمراجع في التأليف، والإحالة إليها في جملة من المسائل والفنون، وهذا ما يلاحظ بكثرة في مؤلفات القطب اطفيش، وبخاصة شرح النيل (3) .
العلوم والفنون:
__________
(1) - دورية الحياة، جمعية التراث، عدد 3، رمضان 1420/1999. ص112.
(2) - انظر- التاج المنظوم، ضبط محمد موسى باباعمي ومصطفى محمد شريفي، طبعة عمان، 1421هـ.
(3) - وانظر- فهارس شرح النيل، إعداد جمعية التراث. محمد باباعمي، ومصطفى باجو، ومصطفى وينتن، ومصطفى شريفي. طبع سلطنة عمان. (1/16)
صفحة 17
بتتبع كشاف المواضيع في فهرس مخطوطات مكتبة الشيخ ازبار، يمكننا أن نقرِّر أنَّ مواضيع هذه المخطوطات يقتصر على علوم الآلة وعلوم الشريعة، بفروعها المختلفة، ولكن الغالب هو المسائل الفقهية المجمَّعة، والمنسوبة إلى جملة من العلماء والفقهاء المجتهدين، عبر مراحل التاريخ.
مجال الفوائد (الملاحق):
من أمتع وأفيد المساحات التي تثير انتباه القارئ للمخطوط العماني، ما اصطلح عليه باسم "الفوائد"، وهذه المساحة تكون غالبا إما قبل بداية الكتاب، في ظهر الجلدة، أو على وجه الورقة الأولى، ولكن الغالب عليها أنها تشغل صفحات آخر المخطوط، وهذا يفسِّره انتهاء نص الكتاب قبل تمام أوراق الكراسة الأخيرة.
وطبيعة هذه الفوائد أنَّ واضعها يعتني بإعدادها، ويحرص أن تكون فريدة غير متداولة، ولذا فإنها في الغالب الأعمِّ مما لم يطبع بعد، ونذكر كنماذج لهذه الفوائد ما يلي:
أ- في كتاب البيوع، من منهج الطالبين، من ق199و. إلى ق207ظ.، ورقات في تفسير آيات الربا من سورة البقرة، وفي أنواع البيوع المحرَّمة، وبخاصة ما اعتيد استعماله في عمان، ومن ذلك حديثٌ عن المحمديات، التي هي «عندنا في لغة أهل عمان ... هي المعروفة بالفضة، وقد سموا عشرين الغازي محمدية». واللغة المستعملة في هذه الورقات قوية، مع سجع جميل وأحيانا متكلَّف فيه.
ب- في آخر الجزء العشرين من منهج الطالبين، جملة من المنظومات الفقهية، منها:
- منظومة فيمن يرث ومن لا يرث، للشيخ أبو سالم بن نبهان، في ستين بيتا، مطلعها: الحمد لله الذي من فضله فرض ذوي الميراث فيما أنزل
- منظمومة في وصية الأقربين، للشيخ الأديب عمرو بن سعيد البهلوي، في 78 بيتا، مطلعها: يا سامعين ما أقول فافهموا وصية للأقربين تقسَّم.
ثم يلي المنظمومة شرح لها، حكما حكما، ووصية وصية، غير أنَّ الشارح لم يفصح باسمه، ويترك المجال للبحث والدراسة. (1/17)
صفحة 18
- وآخر منظومة، هي بائية للشيخ خميس بن سعيد في تحفة الرسول صلى الله عليه وسلم، عدد أبياتها 47، مطلعها:
سلام من النائي المتيم بالحب إلى المصطفى المبعوث للعجم والعرب
- ثم يليها باب في الزهد وترتيبه، وما يستعان به عليه، أوله: «وبعد فإنَّ الزهد سبع درجات، فالدرجة الأولى قيام الليل وصيام النهار...».
ج- في آخر الجزء العاشر في الشهادات والأيمان، كتاب «كتبه بعض أهل عمان إلى إخوانهم من أهل المغرب رحمهم الله (...) وهذا حين بلغهم عن إخوانهم من بني مصعب أنهم جرت بينهم فتن وشحناء، يحضهم على الألفة وصلاح ذات بينهم».
- ثم نطالع للناسخ سباع بن محمد بن عيسى بن علي الذيابي، نظما عشر أبيات في إتمام عمله.
- وبعدها منظومة للإمام راشد بن سعيد بن عبد الله بن محبوب، في الحكم والوصايا.
- ثم يليها جواب الشيخ الفقيه جمعة بن أحمد الأزكوي إلى صالح بن محمد ابن عبد السلام النزوي، في الحقوق والضمانات.
ومن الفوائد الهامة كذلك «فصل في الأموال المنسوبة إلى أولاد نبهان» وهو عبارة عن ورقات بها أحكام وأقضية، وفتاوى ومراسلات، في إثبات أموال بني نبهان.
وإتماما للفائدة جمعت هذه الفوائد في مجموع واحد، يرجع إليه الباحث، وقصدي أولا أن أتحقق من كون محتوياتها غير مطبوعة في مكان آخر، وإثبات قيمتها العلمية والتاريخية.
شعر النساخ:
ولا نغادر هذه المداخلة دون أن نلفت الانتباه إلى ما يمكن تسميته بشعر "النسخ والنساخ"، وهي أبيات معبِّرة عن نية الناسخ وأمنيته، وحاله يوم كتب الكتاب، ويوم يقرأه مَن بعده، ومن هذا الشعر نورد ما قاله أحد النساخ:
هذا كتاب تكاملت ... أقواله ... واستعذبت ... بين الورى أفعاله
طوبى لمن قد ... بات في تأليفه ... لله حتى ... يرى أعماله
أعني خميس ... الحبر حقا ذا ثقة ... متطاولا ... بين الأنام مقاله
الله ... متعنا به وبحبره ... من موقوف ... عكفت به أهواله (1)
وقال آخر:
__________
(1) - م082/ص363 (1/18)
صفحة 19
وصنعة الكف ... لا تنسى فضائلها ... ... ولا يفرك مال إن زكا ونما (1)
وكتب ناسخ معتبرا وناصحا:
تفنى الأنامل ... في الثرى ... وسطورها ... في الدفتر
فاكتب لنفسك ... ما يسرَّك ... أن ترى ... في المحشر (2)
وبروح إيمانية عالية نقرأ:
ستبقى ... خطوطي برهة بعد موتي ... ألا إنها تبقى ... وتفنى أناملي
فيا ... قاريا فيها سل الله رحمة ... لكاتبها المدفون ... تحت الجنادل
كتبتك يا كتابي ... ولست أدري ... إذا ما مت من يقراك ... بعدي
صديقي ... أم عدوي أم حسودي ... أم الخل الذي ... أشجاه فقدي
تم الكتاب ... وربنا المعبود ... وله الفضائل ... والعلى والجود
ثم ... الصلاة على النبي محمد ... ما ... لاح برق في السما ورعود
لصاحبه السعادة ... والسلامة ... وطول العمر ... ما ناحت حمامه
وعز دايم ... لا ذل فيه ... وإقبال ... إلى يوم القيامة (3)
- وقد تحمل هذه الأبيات معان أخرى، منها مثلا وصف فساد الدهر، ونمثل لذلك بقول الناسخ حمد بن محمد بن مسلم الخميسي(سنة 1292)، في خمسة أبيات كتبها في آخر الجزء الثالث من بيان الشرع في الزكاة:
تغيرت ... الأيام وانقلب الدهر ... وصار خيار الناس له ... غدر
وصار أشر ... الناس يعلو مقامه ... فما ... أقبح الدنيا، وما أعجب الدهر
فكم ... من خبيث الأصل زينه الغنا ... وكم ... من كريم الأصل عَّيره الفقر
في ... هذه الدنيا رأيت عجائبا ... يسودها ... نذل ويشقى بها حر
وما كنت في ... زماني أرضى بهذه ... ولكنني ... أرضى بما حكم الدهر (4)
محمد بن موسى باباعمي
أمين عام جمعية التراث
الجزائر 6 محرم 1422/31 مارس 2001
__________
(1) - م082/ص363.
(2) - م067/ص156.
(3) - م043/ص200. م046/ص274.
(4) - م018/ص292 (1/19)