صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: مدن في الذاكرة العُمانية
المؤلف: السيابي، أحمد بن سعود
بيانات النشر: مسقط، سلطنة عُمان: ذاكرة عُمان، 2017م
المواضيع: المدن - سلطنة عُمان
سلطنة عُمان - وصف ورحلات
رقم الطبعة: 1
المصدر: ذاكرة عُمان: مسقط، سلطنة عُمان
بيانات متقدمة (Metadata):
المؤلف:
الاسم كما ورد بالكتاب: أحمد بن سعود السيابي
الاسم الاستنادي: السيابي، أحمد بن سعود
الجنسية: عُماني
بيانات النشر:
مكان النشر - الولاية: مسقط
مكان النشر - الدولة: سلطنة عُمان
اسم الناشر: ذاكرة عُمان
تاريخ النشر: 2017م
المصطلح الموضوعي: المدن
التقسيم الفرعي الجغرافي: سلطنة عُمان
الاسم الجغرافي: سلطنة عُمان
التقسيم الفرعي العام: وصف ورحلات
الوصف المادي:
عدد الصفحات: 80
الأبعاد: 24
الطبعة: 1
المصدر:
المؤسسة: ذاكرة عُمان
الولاية: مسقط
الدولة: سلطنة عُمان
اللغة الأصلية للمادة: العربية
البيانات نقلا عن موقع ذاكرة عُمان:
https://thakira.om/item_detail/133
------------------------------------------
مصدر النسخة المُصوَّرة للكتاب (PDF) موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/374
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 20 رجب 1446ه/ 20 - شهر 01 - 2025م. مدن
في الذاكرة العمانية
بقلم الشيخ احمد بن سعود السيابي
ذاكرة عُمان (1/1)
صفحة 2
مدن
في الذاكرة العمانية (1/2)
صفحة 3
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1438 هـ / 2017 م
الناشر: ذاكرة عُمان
سلطنة عمان - مسقط
هاتف: 0096892211011
البريد الإلكتروني thakeratoman@gmail.com
الموقع www.thaoman.com (1/3)
صفحة 4
مقدمة
المدن
مدينة، وهي الأرض التي بها حصن، ويقال لمن قدم جمع المدينة: مدن، وابن مدينتها هو العالم بأمر المدينة، ومدن المدائن أي مصرها، وتمدن تنعم.
هذا ملخص ما أوردته المعاجم اللغوية، وفي مقدمتها إمامها معجم
كتاب العين، للإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي.
وهذه التعريفات اللغوية لكلمة مدينة تدلّ على التحضر والتنعم؛
المشتقين من الحضارة والنعمة اللذين هما ضد البداوة والشظافة. ومن هذه المعاني الرقيقة الجميلة أخَذت مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم اسم (المدينة) بدلاً من الاسم الجاهلي (يثرب)، فقد سماها الإسلام ـ قرآنا وسنة - المدينة، كقول الله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} [التوبة/ 120). وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «المدينة كالكير تنفي خبثها».
وفي ذلك تهيئة إسلامية للمدينة المنوّرة لأن تصبح قاعدة الحضارة العربية وقاعدة الثقافة الإسلامية، حيث أنّ منها انطلق الإسلام حضارة وثقافة، (1/5)
صفحة 5
وفي ضوء ذلك نشأ التمدن، وتكونت المدن الحضارية في أماكن شتى، مشتملة على نضارة العيش ورقي الحياة ونعيمها، مكتسية بالازدهار الاقتصادي والتطور الثقافي.
وقد عرفت عمان مدنا عدة كان لها حضور تاريخي وإسهام علمي، ومن تلك المدن السيب ونزوى وسقطرى، هذه المدن التي نسلّط عليها الحديث في كتابنا هذا الذي هو بعنوان «مُدن في الذاكرة العمانية»، أملاً منا في أن يعرف بالمدن الثلاث، وأن يقدّم للقارئ ما كانت عليه من مدنية وحضارة وتاريخ ويكشف مخزونها العلمي والثقافي.
والله نسأله التوفيق،،،
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
أحمد بن سعود السيابي مسقط: 25 الأول 1438 هـ ربيع
25 ديسمبر 2016 م (1/6)
صفحة 6
مكانة دَمَا التاريخية)
موقعها وأهميتها التاريخية
دما، بفتح الدال وتخفيف الميم، كما ضبطها ياقوت الحموي في كتابه
معجم
البلدان (1).
وتطلق تاريخيا على مدينة السيب الحالية بما فيها منطقة الخريس.
وهي تقع على ساحل بحر عمان المتفرع من بحر العرب الذي هو امتداد للمحيط الهندي، ويتصل ببحيرة الخليج العربي وشط العرب عبر قناة مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي.
وتذكر المصادر التاريخية أن دما كانت بلدة أنيقة طيبة جميلة لما بها من الأنهار والأشجار. فقد جاء في وصفها وقيل أن دما من الباطنة كانت
قبل ذلك بلدة طيبة ذات أنهار وأشجار» (2).
(*) قدم هذا البحث إلى ندوة «دما (السيب) ومكانتها التاريخية والأدبية» التي أقامها المنتدى الأدبي بتاريخ 1992/ 7/6 م، ولا شك أن مدينة السيب شهدت تطورات وإنجازات منذ ذلك
الوقت وإلى يومنا هذا.
(1) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2 ص 460.
(2) نور الدين السالمي: تحفة الاعيان: ج 1، 156. (1/7)
صفحة 7
والمقصود من عبارة قبل ذلك أي قبل الجائحة وهي الفيضان العظيم الذي طمّ عمان أو أجزاء كبيرة منها ومن مدينة دما. وذلك في
سنة 251 هجرية في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي الله).
وفي عصرنا الحالي أصبحت السيب (دما) امتداداً للعاصمة مسقط، فهي ريفها الجميل لما بها من المزارع الغنّاء الوارفة الظلال. والبساتين ذات البهجة الرائعة. ووفرة المياه وعذوبتها.
إضافة إلى ما بها من حضارة عمرانية حديثة وأهمها قصر جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، المعروف بقصر السيب. وبها أيضا عدد من المساجد الجميلة مثل جامع السلطان قابوس ومسجد الزلفي.
وبها المدارس والمنشآت الأخرى المتعددة.
على أنه بجانب هذه الأهمية لموقعها وجمالها وحضارتها العمرانية الحديثة المعاصرة، فإن لها أهمية تاريخية بارزة.
ولا شك أن أهميتها الحالية تأتي امتداداً لأهميتها التاريخية، فالحاضر
يستمد قوته من الماضي، والخلف يستمد من السلف وجوده.
والأهمية التاريخية لهذه المدينة أنها كانت واحدة من أسواق العرب المشهورة يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان عنها أنها «مدينة تذكر مع دبا كانت من أسواق العرب المشهورة» (3).
(1) نفس المصدر، ص 164.
(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 461. (1/8)
صفحة 8
ويعني. هذا أن دما لها أهمية جغرافية وإقتصادية فكل مدينة في ذلك الزمان إذا بلغت أن تكون سوقاً عربية، معنى ذلك أنها صارت إلى مستوى الشهرة العالمية العربية. ولا يمكن لمدينة ما، أن تبلغ هذا المستوى من الشهرة إلا إذا كانت لها أهمية متعددة الجوانب، كالأهمية الإقليمية
والأهمية التاريخية والأهمية الفكرية والأهمية التجارية وغير ذلك.
وقد ذكر التاريخ أن هناك عدداً قليلاً من المدن كانت أسواقا للعرب مثل دومة والمشقر، وصحار، ودما، والشحر، وعدن، والرابية، وعكاظ وذو المجاز، وذو المجنّة)، وبعض المدن الأخرى التي يرد ذكرها في ثنايا كتب الأدب والتاريخ.
كما أن من أهميتها العلمية خروج بعض العلماء منها، منهم أبو شدّاد الذي يروي عنه عبد العزيز بن زياد الخبطي، حيث روى عنه ورود خطاب النبي صلى الله عليه وسلم الى عمان، قال أبو شدّاد جاءنا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قطعة من أديم إلى عمان (2).
على أن من الأهمية بمكان الإشارة إلى ما يقال إن موقع حصن دما القديم كان يقع بالقرب من دوار الخوض - الجامعة في مزرعة يملكها أحد الاشخاص حاليا.
كما ورد ذكر اسم جامع قديم فيها، دارت بقربه معركة طاحنه بين القائد العباسي محمد بن نور وبين العُمانيين بقيادة الاهيف بن حمحام
(1) العوتبي، الانساب، ج 1، ص 9.
(2) معجم البلدان، ج 2، ص 461. (1/9)
صفحة 9
الهنائي، وقتل في تلك المعركة القائد العُماني والشيخ العالم الجليل المنير بن النير الريامي الجعلاني في عام 280 هـ.
مكانتها في الجهاد الإسلامي:
الجهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو المشقة والطاقة، ويقال جهدت جهادا إذا بلغت المشقة، وذلك باستفراغ ما في الوسع وبذل
الطاقة وتحمل المشاق والصعاب في القتال والمدافعة).
وفي الشرع بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق على مجاهدة الشيطان بدفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وعلى مجاهدة الفساق باليد ثم اللسان ثم القلب).
أما الجرجاني فيعرف الجهاد بأنه «الدعاء إلى الدين الحق» (3). وقد فرض الجهاد في الإسلام في السنة الثانية للهجرة النبوية بعد أن أذن الله للمؤمنين بالقتال بقوله تعالى (أذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
وإن الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج /39].
ولم يؤذن لهم بالقتال عندما كانوا في مكة لقول الله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كَفُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ) (النساء /77).
على أن فلسفة الجهاد في الإسلام هي أن لا تكون عوائق تحول
بين الناس وبين الدعوة إلى الله، فإذا ما وقف الكافرون في وجه الدين
(1) سيد سابق، فقه السنة، ج 3، ص 27.
(2) السالمي، شرح المسند، ج 2، ص.281
(3) الجرجاني، التعريفات، ص 84. (1/10)
صفحة 10
وحالوا بينه وبين الآخرين من الناس اعتدهم الإسلام أعداء له، ووجب جهادهم، وقتالهم، كما أن الحكمة من الجهاد أيضا هي دفع الظلم والعدوان من الكافرين بالله ورسوله لقول الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ هَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزُ • الَّذِينَ إِن
مكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَ اتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج /40، 41].
أما السنة النبوية قولاً وفعلاً وتقريراً فهي حافلة بالحث على الجهاد والترغيب إليه وعلى فضله وعظمته منها ما أخرجه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال «والذي نفسي بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله. فأقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل») وأخرج أيضا عن أبي أيوب الانصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس» (2). وغير ذالك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب، وما ذالك إلا لأهميته وعظمته وفضله باعتباره سنام الإسلام، أي أن فيه رفعة الإسلام وعزته فهو يعتبر سياج الإسلام من عبث العابثين وحقد الحاقدين من الكفرة والبغاة والملحدين أعداء الدين.
ومن أجل ذلك كانت هنالك وعلى امتداد التاريخ الإسلامي أماكن اعتبرت ثغورا إسلامية، وهي الأماكن ذات الأهمية الاستراتيجيه لحماية
(1) مسند الربيع بن حبيب.
(2) نفس المصدر. (1/11)
صفحة 11
الاسلام وديار الإسلام ولصيانة بيضة الإسلام، وعرفت تلك الأماكن بالرباطات، واحدها رباط.
«والرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو من الحرب»)، وقال صاحب القاموس المحيط في الرباط انه ملازمة ثغر العدو» الى أن قال وسمي المقام في الثغر رباطاً (3)، ولعله مأخوذ من رباط الخيل، وذلك بجعلها مهيأة لقتال العدو، وجهاده أخذاً من قول الله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] وقد أمر الله المؤمنين بالمرابطة لقول الله تعالى {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].
وقد عرفت العديد من الأماكن أو المدن أو البلدان بأنها رباط، وعرفت بلام التعريف أو بالإضافة وأصبح هذا الوصف عَلَمًا لها. مثل الرباط عاصمة المملكة المغربية حاليا.
وعندنا في عمان كان هذا الوصف أو هذه العَلَمِيّة من استحقاق مدينة دما خلال فترة الإمامة الثانية في عمان التي كانت بدايتها عام 177 هـ ونهايتها عام 280 هـ.
خلال هذة الفترة التي ليست بالقصيرة اكتسبت دما أهمية كبيرة حيث صارت رباط المسلمين في عمان واشتهرت بأنها «معقل
رباط المسلمين» (3).
(1) شرح المسند، ج 1، ص 153.
(2) القاموس المحيط، ترتيب الطاهر الزاوي، باب الراء.
(3) تحفة الاعيان، ج 1، ص 165. (1/12)
صفحة 12
ولعل السبب في ذلك أنه لما صارت نزوى هي العاصمة بدلا من صحار كانت دما أقرب بلدة بحرية إلى نزوى. فتم إتخاذها رباطاً، وجعلت ثغراً إسلامياً لعمان.
وقد ازدادت أهميتها في عهد الإمام غسان بن عبد الله (192 ـ 207 هـ) وذلك أن عمان في عهد هذا الإمام تعرضت لأعمال قرصنة بحرية قام بها قراصنة أو إرهابيون ـ بالتعبير المعاصر - من الهند، وكان أولئك القراصنة لديهم بوارج ـ وهي السفن الكبيرة - ويغزون بها شواطئ عمان «يقعدون بأطراف عمان ويسلبون منها ويسبون ويمضون إلى ناحية فارس والعراق وكانوا فيما بلغنا ربما يسيرون بناحية دبا وجلفار».
وكان ذلك العمل الإرهابي حافزاً للإمام غان على تكوين أسطول بحري يكون قادراً على صد وضرب القراصنة الإرهابيين البحريين، وكان الأسطول مكوناً من العديد من الشذاة أو الشذاءات وهي نوع من السفن. ومن الغرف - وهي نوع من السفن أيضاً ـ وبذلك يعتبر الإمام غسان بن عبد الله أول من أنشأ أسطولاً بحرياً لعمان في تاريخها الإسلامي.
واتخذ غسان الشذاة للغزو وهو أول من اتخذها لعمان وغزا فيها البوارج من هذه الشطوط وأمن الله الناس من البوارج بهذه
الشذاءات وبالغرف» (2).
(1) نفس المصدر، ص 123.
(2) ن م. ن ص. (1/13)
صفحة 13
والظاهر أن دما كانت هي القاعدة البحرية لهذا الأسطول للأسباب التي ذكرناها كقربها من نزوى العاصمة.
وإذا كان الأمر هكذا، فإن دما ولا شك كانت أول قاعدة بحرية إسلامية لعمان.
وبمرور الوقت واستمرار الزمن وازدهار الدولة نمت تلك القوة البحرية، حتى أصبحت قوة ضاربة في المحيط الهندي يحسب لها ألف حساب وحساب حيث عظم ذلك الأسطول البحري وصار يضم المئات من السفن، فقد ذكر أنه في عهد الإمام المهنا بن جيفر (226 ـ 237 هـ) صارت لعمان قوة عسكرية كبيرة بريّة وبحرية وإجتمعت له من القوة البرية والبحرية ما شاء الله، قيل أنه له في البحر ثلاثمائة مركب مهيأة لحرب العدو»).
ولكون دما هي القاعدة البحرية لذلك الأسطول ومعقل رباط المسلمين فلا شك أنها كانت قاعدة إنطلاق ذلك الأسطول الكبير الذي أرسله الإمام الصلت بن مالك (237 ـ 272 هـ) عندما هجم الأحباش النصارى (2) على سقطرى ـ الجزيرة المعروفة في بحر العرب ـ واحتلوها وقتلوا واليها وبعض من كانوا معه من قبل الإمام، وعاث الأحباش في سقطرى فساداً وعاملوا أهلها بوحشية وقسوة، الأمر الذي حدا بإحدى النساء الغيورات على الدين أن تبعث بقصيدة شعرية إلى الإمام صورت فيها الوضع في سقطرى من جراء إحتلال النصارى الأحباش تصويراً دقيقاً تقول فيه:
(1) ن م. ص 150.
(2) تكوّن لدينا رأي آخر، أثبتناه في بحثنا عن سقطرى. فليراجع هنالك. (1/14)
صفحة 14
أمست سقطرى من الإسلام مقفرة
بعد الشرائع والإسلام والكتب
جار النصارى على واليك وانتهبوا
من الحريم ولم يألوا من السلب
قل للإمام الذي ترجى فضائله
بأن يغيث بنات الدين والحسب
ما بال صلت ينام الليل مغتبطاً
وفي سقطرى حريم باد بالنهب (1)
ولعمر الحق أنه لم ينم الليل مغتبطاً، وإنما سهر الليالي ليجهز أسطولاً يضم أكثر من مائة سفينة، وكتب لرجال ذلك الأسطول عهداً بين لهم فيه الأوامر والنواهي الشرعية في الحرب والجهاد (2).
وبذلك كانت دما جديرة أن تحظى بإجتماع كوكبة من الأئمة الأعلام الذين كانوا يرابطون فيها.
وعندما ظهرت مسألة خلق القرآن تلك المسألة العقدية المعقدة التي أثارها اليهودي أبوشاكر الديصاني وألقاها في المجتمع المسلم فأحدثت إنقساماً بين الفرق والمذاهب الإسلامية إلى يومنا هذا، لم تكن عمان بمنأى عن ذلك الجدل الكلامي، فوصلت تلك المسألة إلى عمان في عهد الإمام المهنا بن جيفر، وعرضت على الأشياخ العلماء المرابطين في دما
(1) ن م.
167
(2) ن م. ص 168. (1/15)
صفحة 15
وهم أبو زياد وسعيد بن محرز ومحمد بن هاشم ومحمد بن محبوب رحمهم الله وغيرهم ممن لم تذكر اسماؤهم لتداول الرأي فيها وإجالة النظر بشأنها، حتى توصلوا إلى القول إن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله وإن الله خالق كل شي وما سواه مخلوق» (1) وبذلك شهدت دما نقاشاً فكرياً وبحثاً علمياً من قبل أئمة علماء أجلاء.
وشاء الله أن يكون في هذه المدينة التاريخية ظهور أول موسوعة فقهية في تاريخ التشريع الإسلامي. ألا وهي كتاب الأشياخ الذي يجمع بحوثاً ومقالات وفتاوى لاولئك الأئمة الأشياخ الذين كانوا مرابطين فيها. وهذا الكتاب أو الموسوعة الفقهية إن صح التعبير على حد علمنا أصبح الآن
يذكر ولا يبصر، وقد وقف الإمام السالمي الله على مجلد واحد منه.
عصر
وقال أنه يقع في مجلدين. فقد جاء في جوابه على سؤال عن الأشياخ ونسبة كتاب الأشياخ «أما الأشياخ منهم العلماء الذين كانوا مرابطين للعدو في دما وهي السيب في أيام الأئمة وأولهم غسان بن عبد الله ثم من بعده، أقاموا في الرباط لدفع بوارج الهند، وكتب عنهم الكاتب ما وقع لهم من المسائل فجمعه في مجلدين وقفت على الثاني منهما» (2).
وكأن الشيخ السالمي يشير إلى أن ذلك الكتاب من جمع شخص واحد ولعله نحمدالله اطلع على الجزء الذي يغلب عليه طابع الإجابات أو الفتاوى.
(1) ن م. ص 156.
(2) العقد الثمين، ج 1، ص 33. (1/16)
صفحة 16
وقد وقفت شخصياً في بعض مطالعاتي على أن هذا الكتاب ـ أي كتاب الأشياخ ـ يقع في مائتين وعشرين جزءاً.
وأقول لعل الاشياخ المنسوب إليهم الكتاب هم اولئك العلماء الذين مر ذكرهم في بحث مسألة خلق القرآن، وغيرهم، ولا شك أن هذا الكتاب طالما أنه من انتاج العديد من الأشخاص على شكل بحوث وفتاوى فقهيه فهو شبيه بالموسوعات الفقهية التي ظهرت حديثا، على أنه وإن لم يكن بهذا المستوى المتقدم إلا أنه بداية مبكرة جيدة لمثل هذا النوع من التأليف الجماعي.
وبهذا يكون أهل عمان لهم فضل السبق في هذا النوع أو العمل من التأليف الموسوعي الجماعي، كما كان لهم فضل السبق في التدوين والتأليف حيث كان أول من دوّن العلم وألف فيه هو الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العُماني رضي الله عنه وأرضاه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/17)
صفحة 17
مكانة نزوى الاجتماعية
الموقع:
تحتل مدينة نزوى» موقعاً متميزاً في الخريطة الجغرافية للسلطنة، فهي تقع في وسط منطقة الجوف من عمان، ومنطقة الجوف هي المنطقة الممتدة من بلدان العوامر شرقاً وحتى جبال الكور غرباً، فهي بهذا تقع في جوف الجوف، ومعنى الجوف هو المطمئن من الأرض، فقد جاء في القاموس الجوف المطمئن من الأرض، ومنك بطنك وموضع بناحية عمان» (1).
وتقع في السفح الجنوبي للجبل الأخضر العتيد فهو حارسها وحاميها وخط الدفاع من الجهة الشمالية، يقول الشيخ سالم بن حمود السيابي وتقع نزوى في سفح الجبل الأخضر من الجنوب بين جبال هي سورها، في فضاء صالح؛ غير مكتظة بالجبال من كل جهة، ذات أنهار وبساتين ونخل باسقة في جو مناسب» (2).
(1) القاموس المحيط، ج 1، ص 599، ترتيب الطاهر الزاوي.
(2) العنوان، ص 64. (1/19)
صفحة 18
ويقول عنها ياقوت الحموي «نزوة: بالفتح ثم السكون وفتح الواو، والنزو الثوب، والمرة الواحدة نزوة جبل بعمان وليس بالساحل عنده عدة قرى كبار، يسمى مجموعها بهذا الاسم»).
وبطبيعة الحال فإن تعريف الحموي صاحب معجم البلدان لنزوى ووصفه لها كان عن بعد، فهو لم يزرها، ولم يتعرف على وضعها وطبيعتها عن كثب، وقد تعددت الأقوال حول سبب تسميتها، فمن قائل «إنها سميت باسم عين ماء تقع في شمالي القلعة كانت تسيل في وادي كلبوه». كما أن هناك قولاً بأنها سميت باسم جبل يقع في الجهة الغربية منها».
ومن قائل بأنها سميت نزوى لإنزوائها وإنكماشها (2).
ولعل أقرب الأقوال هو القول القائل بأنها سميت باسم الجبل الذي يقع في الجهة الغربية منها إذا ما صحت تسمية ذلك الجبل بهذا الاسم، فقد جاء في القاموس المحيط «النزوة» جبل في عمان (3).
وأحياناً تسمى بعض المدن بأسماء جبالها.
أما تسميتها باسم عين الماء التي تصب في وادي كلبوه، فتحتاج إلى إعادة نظر، وذلك لأن وادي كلبوه ليس مجراه الحالي ضارباً في القدم، وإنما هو من فعل بعض ملوك النباهنة الذي حول مجراه السابق من غربي «نزوى إلى مجراه الحالي عندما أحدث فلجاً غربي «نزوى».
(1)
معجم
البلدان، ج 5، ص 281.
(2) ناصر الفارسي نزوى معالم وإعلام، ص 17. (3) القاموس المحيط، ترتيب الزاوي، ج 4، ص 359. (1/20)
صفحة 19
يقول العلامة أبو مسلم البهلاني الرواحي الله «وحسبك من نزوى كيف تتخللها الأودية كوادي الأبيض ووادي العين المعروف الآن بوادي كلبوه، وقد كان هذا الوادي يمر غربي نزوى فأحاله عن مجراه بعض ملوك النباهنة، لكونه أحدث فلجاً غربي نزوى فخشي إضراره به وصار مضراً بالحوائر التي هي شمالي القلعة ولو أريد الآن ردّه إلى مجراه الأول لم يكن ممكناً).
بيد أن هناك إشكالاً حول هذا القول يثيره وصف المقدسي لنزوى عندما يصفها قائلاً «في حد الجبال كبيرة بنيانهم طين والجامع وسط السوق إذا غلب الوادي في الشتاء دخله، وشربهم من أنهار وآبار (2) والمقدسي عاش في القرن الرابع الهجري أي قبل ظهور النباهنة حكاماً على عمان، وقد ذكر في وصفه لها وجود الجامع وبأنه وسط السوق، وأن الوادي عندما يكون غزيراً يدخله وهذا الوصف ينطبق على وادي كلبوه والجامع والسوق الحاليين، اللهم إلا إذا كان المقصود بالجامع هو جامع سمد نزوى، وأنه كانت هناك سوق حوله، وهو أمر بعيد على ما يبدو.
كما أنه عند ذكر اسم «نزوي» بجانب ذكر اسمي سمد وسعال، ينحصر على منطقة العقر وما حاذاها من الجهة الغربية لوادي كلبوه، وهذا التحديد كثيراً ما يرد في الكتب الفقهية العُمانية، يقول ابو مسلم البهلاني
الاسم
(1) نثار الجوهر، ج 2، ص 379. (2) المقدسي. (1/21)
صفحة 20
«وعليه فلو خرج من نزوى مسافراً فدخل سمد لم يقصر إلا من حيث يقصر أهل سمد، وكذا سعال وسمد» (1).
ونقل عن أبي سعيد الكدمي الله الله أن نزوى وسعال وسمد في معنى الصلاة للمسافر في القصر والتمام أنها قرية واحدة (2) فهذه العبارت وأمثالها توحي بأن اسم «نزوى» يضيق ويتسع الحال والقرينة
والعرف.
ونظراً لما تتمتع به «نزوى من جمال الطبيعة وحسن المنظر والبهجة والنضارة فقد وصفها الكثيرون بذلك فهي عند الرحالة ابن بطوطة، قاعدة بلاد عمان تحيط بها البساتين وتحف بها الأنهار.
حيث قال «ثم وصلنا عمان وهي خصيبة ذات أنها وأشجار وبساتين وحدائق، ونخل وفاكهة كثيرة مختلفة الأجناس، ووصلنا إلى قاعدة هذه البلاد وهي مدينة «نزوى مدينة في سفح جبل تحف بها البساتين والأنهار (3).
جبال
كما وصفها الشيخ سالم بن حمود سيابي رحمة الله بأنها بين وتعتبر تلك الجبال كالسور المانع لها، غير أنها في فضاء صالح لم تضغط عليها الجبال حيث أنها في منبسط من الأرض لذلك فهي مدينة تحتوي على بساتين تتخلها الأنهار أي الأفلاج الكبيرة وبها النخل باسقات كما
(1) النثار، ج 2، ص 2، ص 378.
(2) نفس المصدر، ص 377.
(3) تحفة النظار، تحقيق طلال حرب، ص 284. (1/22)
صفحة 21
أن مناخها معتدل مناسب ويقول: «وتقع نزوى في سفح الجبل الأخضر من الجنوب بين جبال هي سورها، في فضاء صالح غير مكتظة بالجبال من كل جهة، ذات أنهار وبساتين ونخل باسقة في جو مناسب») ولهذا التميز الجغرافي والمكاني والطبيعة الجميلة كانت نزوى مهيأة لوجود آليات وعوامل المكانة الإجتماعية التي جعلت منها سيدة البقاع ومقر العدالة ومأرز العلماء والفضلاء والأخيار وقاعدة مملكة العروبة والإسلام وبعد أن تعرفنا على موقعها وأهميته فلنتعرف على مكانتها الإجتماعية.
المكانة الاجتماعية لنزوى
نالت «نزوى» مكانة اجتماعية سامقة ومنزلة عالية، وفي نظري أن نزوى اكتسبت تلك المكانة الراقية من عاملين اثنين هما:
الأول باعتبارها مقراً للحكم.
الثاني: وجود العديد من العلماء بها.
ولنتحدث عن هذين العاملين:
أولاً: مقر الحكم:
صارت نزوى مقراً للحكم وعاصمة للمملكة العُمانية من بداية عهد الإمامة الثانية تلكم الإمامة التي تبدأ من عام 177 هـ في عهد الإمام محمد بن أبي عفان اليحمدي وتنتهي في عام 280 هـ بمقتل الإمام عزان بن تميم
(1) العنوان، ص 64. (1/23)
صفحة 22
الخروصي وهزيمة العُمانيين على أيدي الجيش العباسي بقيادة محمد بن بور، وقبل هذه الإمامة، أي الأمامة الثانية كانت هناك الإمامة الأولى التي تسنّم عرشها الإمام الجلندى بن مسعود الله الله الذي كان أول إمام بعمان، بين عامي (132 ـ 134 هـ) والتي انتهت بمقتل الإمام الجلندى ومعظم جيشه على يد القائد العباسي خازم بن خزيمة وجيشه العباسي.
مي
على أنه كانت العاصمة للإمامة الأولى هي صحار، خزانة الشرق الدنيا، وقبل ذلك كانت العاصمة متنقلة بين صحار التي. على البحر وتوام (البريمي) التي هي مما يلي الجبل.
وعروس
وعندما تهيأت الظروف بتشكيل الدولة وإقامتها في إطارها الإمامي رأى أولئكم القادة الميامين والسادة المكرّمين نقل العاصمة العُمانية من صحار إلى نزوى، وعند ظهور دولة الإمامة الثانية تم فعلاً نقل العاصمة واتخاذ نزوى عاصمة للدولة العُمانية (1).
وإننا إزاء قرار خطير وعظيم في التاريخ السياسي، وفي المفهوم السياسي فلا بد لنا من التعرف على الأسباب التي حدت بقيادة تلك الدولة ودعائم قيامها وسدنة نظامها السياسي، أو على الأقل محاولة التعرف على تلك الأسباب التي دعتهم إلى اتخاذ ذلك القرار الخطير.
(1) في بداية دولة الإمامة الثانية على عهد الإمام محمد بن أبي عفان كان مقر الدولة مدينة (منح)، وقد انتقل مقر الدولة إلى نزوى على عهد الإمام الوارث بن كعب، وهو الإمام الثاني في تلك الدولة. (1/24)
صفحة 23
هل كان نتيجة تقويم للهزيمة التي حلت بالإمامة الأولى التي كانت سبباً في القضاء عليها، وفي مقتل الإمام الجلندى بن مسعود، ومعظم جيشه وأصحابه؟.
أم كانت نتيجة تحليل للمعركة التي كانت فيها الهزيمة المذكورة والتي دارت في جلفار رأس الخيمة باعتبار أن هذا المكان غير بعيد عن
العاصمة صحار؟.
أم ذلكم القرار، كان بناء على أن الأشخاص الذين قامت عليهم تلك
الدولة.
هم من منطقة الجوف وما جاورها من عمان؟.
أم أنه تم بناءً على مسح جغرافي دقيق؟ ووجدت نزوى بأنها المكان المناسب كعاصمة للدولة العُمانية، نظراً لوجود عوامل طبيعية تجعل من نزوى مكاناً مهياً وآمناً.
إنه لا بد من محاولة التعرف على الإجابة حول التساؤلات عن
الأسباب، على أ أنه لا يمنع من أن تكون هذه الأسباب كلها مجتمعة أدت إلى نقل العاصمة وإن كان الشيخ سالم بن حمود السيابي الله يعلل نقل العاصمة من صحار إلى نزوى بأنه كان نتيجة اشتداد الغارات الأجنبية على صحار بحيث صار عرش الزعامة في صحار مهدداً دائماً، وكون نزوى بعيدة عن ذلك فهي مأمونة من غارات الأعداء لكونها واقعة في قلب عمان، حيث يقول وذلك أنه لما اشتدت الغارات الأجنبية على مركز الزعامة العُمانية إمامة كانت أو سلطنة، وتوالت الغزوات بتوالي الغزاة، وبقي عرش الزعامة في صحار مهدداً دائماً في قلق جعلها ـ أي نزوى - (1/25)
صفحة 24
العُمانيون عرش مملكتهم ومقر سلطانهم، ومأمن إمامتهم، ومنتدح مهماتهم إلى أن قال: وكانت نزوى مأمونة من غارات الأعداء إذ هي في قلب عمان الداخلية والحال لا طيارات ولا سيارات ونحوها، فإذا نزل الغازي لعمان، وارتفع خبره إلى نزوى قامت عليه عمان بعدها وعديدها وسدت الثغور في وجهه وطاردته حتى فل حده، وضعف جنده، وقل عدده، فيقنع من الغنيمة بالإياب، ويبقى عرش الإمامة ثابتاً في منامه»). على كل حال، فقد تم نقل العاصمة إلى نزوى في عهد دولة الإمامة الثانية (177 هـ) وهكذا أصبحت نزوى عاصمة المملكة العُمانية لوقت طويل في تاريخ عمان، وقويت فيها دولة الإسلام، وارتفعت رايته عالية شامخة خفاقة تحمل معاني العدل والحق والحرية والمساواة، وصارت نزوى قاعدة هذه المعاني الإسلامية الإنسانية النبيلة وسيدة مناطق النفوذ
العُماني العادل المستقيم.
وفي. عصر تلك الدولة - أي الإمامة الثانية - وبالتحديد في عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (192) - 207 هـ) قال الشيخ السالمي له «وفي زمانه ـ أي الإمام غسان - سميت نزوى بيضة الإسلام وكانت قبل ذلك تسمى تخت ملك العرب» (2) ومعنى بيضة الإسلام كما جاء في لسان العرب «جماعتهم، وبيضة القوم أصلهم والبيضة أصل القوم ومجتمعهم»، يقال «أتاهم العدو في بيضتهم وقوله في الحديث ولا تسلط عليهم
(1) العنوان، ص 64.
(2) تحفة الأعيان، ج 1، ص 125. (1/26)
صفحة 25
(1)
عدوا من غيرهم فيستبيح بيضتهم، يريد جماعتهم وأصلهم أي مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم، أراد عدوا يستأصلهم ويهلكهم جميعهم) وهذه التسمية تدل على الأهمية الكبيرة التي أحرزتها نزوى حيث أصبحت حوزة الإسلام وساحته ومجتمعه وأصله لما شهدته من قوة شوكة المسلمين وعلو قدر الإسلام، وسمو الحق، وارتفاع ألوية الجهاد الإسلامي، وظهور العدل، نظراً لما كانت عليه الدولة من. وقوة، ففي تلك الفترة تم إنشاء أسطول بحري قوي لتأديب القراصنة ولحماية الثغور والسواحل، كما كان للدولة قوة برية كبيرة كفيلة لدحر أي عدوان خارجي أو داخلي.
عظمة
وقد بلغت قوة الدولة في عهد الإمام المهنا بن جيفر (226 ـ 237 هـ) مبلغاً جعلها يحسب لها ألف حساب وحساب مما جعلها في مصاف الدول الكبرى.
ولنستمع إلى الإمام السالمي وهو يقول واجتمعت له من القوة البرية والبحرية ما شاء الله، قيل أنه اجتمع له في البحر ثلاثمائة مركب مهيأة لحرب العدو، وكان عنده بنزوى سبعمائة ناقة وستمائة فرس تركب عند أول صارخ، فما ظنك بباقي الخيل والركاب في سائر ممالكه».
وقال العلّامة الصبحي بلغني أنه كان عند المهنا بن جيفر تسعة آلاف مطية أو ثمانية آلاف مطية قال ولعلها لبيت المال فيما يحكي عنه ثقات
(1) لسان العرب، ج 7، ص 2
132 (1/27)
صفحة 26
المسلمين، وكانت عساكره بنزوى عشرة آلاف مقاتل، وهؤلاء بنزوى خاصة، فكيف بعساكر غيرها» (1).
إن قوة ضاربة كهذه، جديرة بأن تجعل للدولة هيبة رهيبة وموقفاً حاسماً وقد أخذت تلك القوة تنمو وتزداد في عصر أولئكم الأئمة العظام
منذ بداية عهد الإمام الوارث بن كعب (192 هـ) وحتى آخر عهد الإمام الصلت بن مالك (273 هـ) مروراً بالأئمة غسان بن عبد الله وعبد الملك بن
حميد والمهنا بن جيفر ـ رضي الله عنهم أجمعين .. ونجد الإمام الصلت بن مالك رعان ما أمر بتجهيز أسطول مكون سر من أكثر من مائة سفينة لإسترداد جزيرة سقطرى من النصاري الأحباش تلبية للواجب المقدس لإستغاثة الزهراء الشعرية عام 253 هـ وهو أمر ينبئ عن استعداد قوي وسرعة تحرك تنبئ عن قوة حاضرة وجاهزة على أتم
الإستعداد.
أما تسمية نزوى «تخت ملك العرب فهي تسمية جديرة بالبحث والتحليل والتخت كما جاء في لسان العرب لابن منظور «التخت وعاء تصان فيه الثياب» (2).
ومعنى ذلك أن نزوى صارت وعاء ملك العرب، أي أنها حاوية للملك العربي وحامية له، كالوعاء الذي يحوي ويحمي ما بداخله، وهو تعبير فيه ما فيه من الدلالة على عروبة المملكة العُمانية ويشير ضمنياً إلى افتخار
(1) التحفة، ج 1، ص 150. (2) لسان العرب، ج 2، ص 18. (1/28)
صفحة 27
عربي بوجود دولة عربية إسلامية عمانية عاصمتها نزوى، ولكن ما مدى صحة هذا التعبير وما مدى انطباقه على تلك المملكة ونزوى العاصمة؟. فقبل أن نلقي نظرة على الأوضاع السياسية في تلك الفترة التاريخية، يجدر بنا أن نعرف أين هي عمان آنذاك في الخريطة الجغرافية؟ لنستمع إلى ياقوت الحموي، وهو في القرن السابع الهجري، يحدد لنا عمان جغرافياً حيث يقول «عمان اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند في الإقليم الأول طولها أربع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها تسع عشرة درجة
(1)
وخمس وأربعون دقيقة في شرقي هجر تشتمل على بلدان كثيرة ولم يعد
خافياً أن هجر المذكورة هي الإحساء حالياً في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية ومعنى ذلك أن عمان كانت يومذاك من سقطرى جنوباً وإلى الاحساء شمالاً وغرباً.
على أن إلقاء نظرة سريعة على الأوضاع السياسية في تلك الفترة التاريخية ـ أي في عهد دولة الإمامة الثانية في عمان ـ بقوتها العسكرية الآنفة الذكر، ومساحتها الجغرافية التي مر ذكرها قبل قليل يؤكد ـ فعلاً ـ أن عمان كانت تعتبر من أقوى الممالك العربية إن لم تكن أقواها على الإطلاق فهي تهيمن على مساحة واسعة من شبه الجزيرة العربية ولا توجد قوة ونفوذ فاعل ناهيكم بأن الخلافة العباسية كانت تخضع لنفوذ فارسي وآخر تركي وبعدهما إلى العديد من هيمنة وتسلط الشعوب الأعجمية، الأمر الذي أذهب عنها صفة العروبة وطغت على الحياة العامة فيها عادات
(1) معجم البلدان، ج 4 ص.
150 (1/29)
صفحة 28
تلك الشعوب وسلوكهم وأخلاقهم وأصبح الملقب بالخليفة ليس في يده
شيء من الأمر أو النهي وإنما كما يقول فيهم الشاعر:
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً
وما من ذاك شيء في يديه
إذن كان إطلاق تسمية «تخت ملك «العرب» على نزوى عاصمة المملكة العُمانية آنذاك يدل على أن التسمية كانت في محلها، والتعبير
صحيح، ويحمل الدقة والموضوعية.
وهذا
وبعد
أن تحدثنا عن العامل الأول من عوامل المكانة الإجتماعية
لنزوى ننتقل بالحديث عن العامل الثاني.
ثانياً: وجود العلماء
من العوامل التي أكسبت نزوى مكانة اجتماعية بارزة هو ما شهدته من وجود عدد كبير من العلماء بها على مر التاريخ سواء كان أولئكم العلماء الذين ولدوا ونشأوا فيها أو الذين انتقلوا إليها، بحكم كونها عاصمة المملكة العُمانية، فمنذ عهد الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي - رضي الله عنه وأرضاه ـ الذي ولد ونشأ في قرية فرق إحدى قرى نزوى وهي لا تزال تشهد وجود ذلك العدد من العلماء والفضلاء والأخيار في كل زمان وحين، ويظهر لي أن لحملة العلم إلى المشرق وهم مجموعة العلماء الذين تلقوا العلم في
البصرة على يد الإمام المحدث الفقيه الربيع بن (1/30)
صفحة 29
الفراهيدي له دوراً مهماً وبارزاً في القيام بنهضة علمية في عمان ولا سيما في منطقة الداخل - نزوى وما حولها ـ هيأت لهم ومكنتهم من القيام بإعادة الإمامة وإقامة الدولة، وكان أولئكم العلماء وهم موسى بن أبي جابر الأزكوي وبشير بن المنذر النزوي ومنير بن النير الريامي الجعلاني ومحمد بن المعلى الكندي ومعهم محبوب بن الرحيل القرشي، وقد عادوا إلى عمان بمعية إمامهم وشيخهم الربيع بن حبيب صاحب الجامع الصحيح في الحديث النبوي الشريف (مسند الإمام الربيع وصاحب الفتاوى الفقهية الكثيرة المبثوثة في كتب المذهب.
وقد باشر الجميع التدريس والفتوى، غير أن الإمامين موسى بن أبي جابر وبشير بن المنذر فيما يظهر أكثرهم تلاميذاً بدليل وجود العديد من
العلماء الذين ينقلون عنهما مما يوحى بصلة التتلمذ.
وعندما حالفهم التوفيق الإلهي بتكوين جيل من أهل العلم والصلاح، تهيئت لهم بذلك أرضية جيدة وهيأوا مناخاً مناسباً تمكنوا من إعادة
الدولة وإقامة كيان سياسي مبارك.
ويرى بعض الباحثين إن إعادة الإمامة الثانية كانت من تخطيط الإمام
(1)
الربيع بن حبيب ولكنه توفي قبل التمكن من ذلك، وواصل تلاميذه المعروفون «بحملة العلم إلى المشرق العمل على ذلك من بعده وعلى رأسهم وفي مقدمتهم شيخ المسلمين موسى بن أبي جابر، الذي كان يدير
(1) ولنكسون، بنو الجلندى في عمان، ص 26. (1/31)
صفحة 30
الأمور ويدبرها بأمر الله، وهو ملقى على سريره ومشدود على حاجبيه بعمامته نتيجة الكبر والعجز والمرض.
ونتيجة لتلك الجهود التي بذلها أولئكم العلماء فقد صار لعمان رصيد ضخم من العلماء حازت نزوى على النصيب الأكبر منهم، حتى ضرب بذلك المثل، فشبه العلم بطائر باض في المدينة وفرّخ بالبصرة، وطار إلى عمان يقول الإمام السالمي في جوهره البديع:
وبعضهم إلى عُمان انتقلا
وضربوا في الإنتقال مثلا
بطائر فرّخ في العراق
ولعُمان طار بانطلاق
ويعنون بذلك بأنه باض العلم بالمدينة بوجود الرسول الكريم العظيم وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم ـ وبأنه فرّخ
أئمة
بالبصرة لإنتقال كثير من الصحابة إليهم ووجود الكثير من التابعين وتابعي التابعين كإمام التابعين أبي الشعثاء جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبي وغيرهم
- رحمهم
الله -
وبأنه طار إلى عمان بوجود العديد من العلماء العُمانيين وغيرهم الذين درسوا بالبصرة وجاءوا إلى عمان ومنهم البعثة العلمية التي عرف أفرادها بحملة العلم إلى عمان وهم موسى بن أبي جابر، وبشير بن
(1) جوهر النظام، ج 4، باب العلم. (1/32)
صفحة 31
المنذر، ومنير بن النير، ومحمد بن المعلى، ومحبوب بن الرحيل وبعدهم إمتلأت الساحة العُمانية بالعلماء والأئمة والصالحين.
ويصف أبو الحسن البسيوي الإمام غسان بن عبد الله ويقول «وكان في أيامة جمّة من العلماء» (1) ويقول الشيخ السالمي عن عهد الإمام المذكور
وكانت تلك الأيام صدر الدولة، وقوتها وجمة العلماء» (3).
الأمر الذي يعطينا دلالة واضحة على كثرة العلماء بعمان، وبطبيعة الحال وضرورة الأمر فإن غالبيتهم كانوا في ربوع نزوى
وحوزتها الميمونة.
ويذكر كتاب «مسيرة الخير نزوى بالقول «ولا تكتسب أهميتها من كونها عاصمة سياسية في عصر من عصور عمان القديمة، وإنما كذلك بإعتبارها المحفوظ كواحدة من مراكز تخريج الفقهاء في علوم الدين
الحنيف على امتداد الرقعة الإسلامية الشاسعة» (3).
ومما يعجب له المرء ويثير انتباهه أن ظهور الموسوعات والمطولات الفقهية كان في نزوى، فهناك بيان الشرع في ثلاثة وسبعين مجلداً للشيخ محمد بن إبراهيم الكندي وكتاب الكفاية للشيخ محمد بن موسى الكندي في واحد وخمسين مجلداً وكتاب المصنف للشيخ أحمد بن عبد الله الكندي في اثنين وأربعين مجلداً وكتاب التاج لأبي عبد الله عثمان
(1) السالمي تحفة الأعيان، ج 1، ص 2
(2) التحفة، ج 1، ص 124.
(3) مسيرة الخير، ص 20.
122 (1/33)
صفحة 32
الأصم في واحد وخمسين مجلداً، وغيرها من الكتب التي هي أقل أجزاء وأصغر حجماً من هذه الكتب المذكورة ولكنها تعتبر من المطولات والموسوعات الفقهية أيضاً.
ولعل هذا الأمر مرجعه ومرده إلى توافر المراجع والكتب في حوزة نزوى نظراً لوجود العلماء الكبار الذين غالباً ما يقتنون الكتب الكثيرة ويعملون على جمعها، ويبذلون الغالي والنفيس في الحصول على أكبر عدد منها، حتى أنه وجدت مكتبات متعددة في نزوى عامرة بشتى أصناف الكتب، وبعض تلك المكتبات ارتبط بالعائلات والأسر والقبائل فيها، ولا ريب أن الواجب يحتم على هذه العائلات ذات المكتبات إظهارها ووضعها بشكل يليق بها وبقيمتها العلمية حسب التطور الحاصل في الحياة العامة وفي المجالات العلمية فحسب علمي أن كثيراً من تلك المكتبات أصابها التلف نتيجة الإهمال والطريقة التي حفظت بها، ولعل الأخرى في طريقها إلى التلف إن لم يحسن حفظها وفق الطرق الحديثة والأساليب الجديدة، والأمر في هذا العصر لا يحتاج إلى كبير عناء، وإلا سوف يكون مصيرها إلى التلاشي، وهناك تحدث الخسارة الكبيرة في التراث الفكري العُماني، كما حدثت من قبل في مفردات هذا التراث الفكري العريق الذي يحمل فكر أمة وحضارتها، وكم عاني التراث الفكري في الماضي من ضياع جزء لا يستهان به، فيكاد نصف الكتب العُمانية أو ما يقرب من النصف تذكر ولا تبصر، فقد حلت بها عوادي الدهر، وذهبت بها يد التلاشي، نتيجة الإهمال وعدم المحافظة عليها مما تسبب في فقدانها. (1/34)
صفحة 33
وكم من كتب مفقودة أن لو كانت موجودة لأمدتنا بالكثير من المعلومات في مختلف فنون العلم والأدب والتاريخ والأنساب واللغة والطب والحكمة، وغيرها، على أننا إذا ما طالعنا قائمة أسماء العلماء العُمانيين التي هي لوحة الشرف العُمانية فإننا نجد العديد أسماء تلك من القائمة أو اللوحة مرتبطة بنزوى ومما يلاحظ أيضاً ظهور أسر وعائلات
علمية في نزوى يتوارث أفرادها العلم والعلم - طبعاً ـ لا يـ يورث بالمفهوم
الوراثي المعروف.
لا يورث العلم من
الأعمام
ولا يرى بالليل في المنام
لكنه يحصل بالتكرار
والدرس في الليل وفي النهار
(1)
ولكنه يظل ينتقل بين أفرادها كابراً عن كابر، فهناك أسرة الشيخ محمد بن صالح وذراريه وهم من بني قرة من عبد القيس، وهناك أسرة آل مداد وهم من النعب من قضاعة، وهناك قبيلة الكنود وهي قبيلة معروفة، ومعظم علماء هذه القبيلة إن لم نقل جميعهم هم من نزوى.
ولا شك أن للمسجد في نزوى دوراً بارزاً في تخريج أولئكم العلماء والأئمة حيث كان العديد من مساجدها مراكز إشعاع علمي ومقرات إيحاء
نوراني بل كانت محيطات إيمانية.
(1) جوهر النظام. (1/35)
صفحة 34
ولا ينسى التاريخ دور جامع سمد الذي أنشئ في العصر النبوي كما يقال، وقد ارتبط بهذا الجامع عدد كبير من العلماء، وجامع العقر أو جامع السوق (جامع السلطان قابوس حالياً كانت له مخرجات كبيرة من أهل العلم عبر التاريخ، وقد كانت فترة إزدهاره العلمي، في عهد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي الله ولا تزال بركة ثمرته العلمية اليوم بوجود العديد من المشايخ الذين تخرجوا منه، ويقف اليوم هذا الجامع المبارك شامخاً بشكله المهيب الجميل بعد أن أمر بتجديده حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم
مشاهدة حتى
- حفظه الله -.
وهناك مساجد أخرى ارتبط ذكرها ببعض العلماء الذين أقاموا فيها حلقات العلم والتدريس والإفتاء، مثل جامع سعال، ومسجد الشواذنة، و مسجد ابن، روح ومسجد عزان بن الصقر وغيرها من
المساجد.
ومما هو معروف عند أهل عمان أن نزوى تعتبر من أكثر البلدان والمدن العُمانية وجوداً للمساجد فهي بحق مدينة المساجد، وقد أشار إلى ذلك كتاب عمان في التاريخ الذي ألفه عدد من المؤرخين العرب وأصدرته وزارة الإعلام بالسلطنة فقد جاء فيه «تقع نزوى في المنطقة الداخلية بعمان وهذه المنطقة مهمة جداً وذلك لما تزدان به من مساجد، ولما قدمته للمجتمع العُماني من أساطين العلماء») والظاهر أن المسجد كان جزءاً مهماً من الكيان الإجتماعي بالنسبة
(1) عمان في التاريخ، ص 296. (1/36)
صفحة 35
إلى أهل نزوى، فهو مدار الكثير من أمور حياتهم فابن بطوطة يذكر عنهم بأنهم يجتمعون للأكل في صحن المسجد ويأكل معهم الوارد والصادر (1).
وبما أننا ذكرنا دور المسجد في نزوى يجدر بنا أن نذكر مساجد العباد فهناك عدد من المساجد يطلق عليها مساجد العباد، وتقع خارج المساكن ويذهب إليها من كان يريد الخلوة والإنقطاع للعبادة والتلاوة والذكر، بعيداً عن مشاغل الحياة وزخارف الدنيا وبهرجتها، فيجد المتعبد فيها بغيته ومتعته الإيمانية ليعيش مع صفاء النفس وصدق اليقين.
تراهم في ضمير الليل صيرهم
مثل الخيالات تسبيح وقرآن
وقد شهد لنزوى بهذه المكانة الإجتماعية المتميزة العديد من القادة والعلماء والأدباء والشعراء والرحالة.
يقول جلالة السلطان قابوس بن سعيد - حفظه الله ـ واصفاً إياها بأنها مدينة التاريخ والعلم والتراث وقلعة الأصالة والمجد الشامخ حيث يقول «مدينة نزوى العامرة التي كان لها دور بارز في مسيرة الحضارة العُمانية لا يزال يتألق نوراً وضياءً ورفعة وجلالاً، لقد كانت معقل القادة والعظماء وموئل العلماء والفقهاء، ومرتاد الشعراء والأدباء، فأعظم بها مدينة لها في قلوب العُمانيين منزلة عالية ومكانة سامية وقدر جليل (2) إن هذا التقدير
(1) تحفة النظار،
ص
285
(2) مسيرة الخير، ص 22. (1/37)
صفحة 36
والإجلال والذكر الجميل والإشادة الحسنة من قبل القائد جلالة السلطان المعظم ليدل ذلك على ما لنزوى من مكانة خاصة ومنزلة اجتماعية سامية. ويذكرها الشيخ سالم بن حمود السيابي مبجلاً لها أيما تبجيل يقول في حقها: «فكانت حظيرة العلماء، ودائرة الأئمة، ومأوى الصالحين الأخيار والفضلاء الأحرار، ومجتمع العلماء، ومحط الأفاضل الأصفياء بغير نكران، ويا لتربتها وما حوت من علماء المسلمين جماً غفيراً، وحوت في صحائفها من الأتقياء عدداً وفيرا، والحال أكبر شاهد، وأصدق ناقد»).
ويذكر ياقوت الحموي بأن نزوى كانت تمارس فيها بعض الصناعات لا سيما المنسوجات فيقول: «يعمل فيها صنف من الثياب منمقة بالحرير جيدة فائقة لا يعمل في شيء من بلاد العرب مثلها ومآزر من ذلك الصنف يبالغ في أثمانها، رأيت منها واستحسنتها» (2).
ومن المعلوم أن وجود الصناعات وتطورها مرهون بالتطور الحضاري العام لأي بلد، وهذا دليل على ما شهدته نزوى من تقدم واستقرار وازدهار في شتى المجالات، وهكذا حظيت نزوى بالإشادة وجميل الذكر وحسن الثناء لما لها من مكانة في أوساط الأمة يقول الشيخ السالمي: «قال في بعض السير، ولها مدايح في كتاب سير العرب وفي كتاب سير العجم
ترکت خوف الإطالة» (3).
(1) العنوان، ص
(2)
معجم
65
البلدان،
، ج، ه، ص
(3) التحفة، ج 1، ص 125.
281 (1/38)
صفحة 37
ومعنى كتاب سير العرب أي الكتب التي ألفها العلماء العرب، وهكذا العجم أي الكتب التي ألفها علماء أعاجم.
کتاب سير
ولعل أفضل وصف شعري لنزوى ألقي على مسامع الدهر وصغت إليه أفئدة المؤمنين ما جاء عن أبي مسلم رك الله في ملحمته النونية الرائعة
حيث يقول:
وافرق بها البيد حتى يستبين لها
فرق على بيضة الإسلام عنوان
فإن تيامنت الحوراء شاخصة
لها مع السحب أكناف وأحضان
فحط رحلك عنها إنها بلغت
نزوي وطافت بها للمجد أركان
هنالك انزل وقبل تربة نبتت
بها الخلافة والإيمان إيمان
انزل على عرصات كلها قدس
للحق فيهن أزهار وأفنان
انزل على عذبات النور حيث حوت
أئمة الدين بطنان وظهران
أرض مقدسة قد بوركت وزكت
تنصب فيها من الأنوار مغنان (1/39)
صفحة 38
قامت بها قبة الإسلام شامخة
حتى تواضع بهرام وكيوان
تعاقبت خلفاء الله منصبها
منذ الجلندى وختم الكل عزان (1/40)
صفحة 39
مراكز الإشعاع الحضاري
«الأزهر ونزوى أنموذجا»
أولاً: الأزهر الشريف:
172
أراد الله للأزهر الشريف منذ إنشائه أن يكون لجميع المسلمين عبر المذاهب الإسلامية، وقد تم بناء الجامع الأزهر سنة 361 هـ على يد جوهر الصقلي الذي سيطر على مصر لصالح المعز لدين الله الفاطمي، وقد انتقل المعز الفاطمي من شمال إفريقيا وبالتحديد من القيروان أو من المنصورية المجاورة للقيروان إلى مصر سنة 362 هـ، وعلى عهد ابنه تميم العزيز بالله الفاطمي انتظمت الدراسة بالجامع الأزهر سنة 378 هـ بإشارة ورأي من الوزير يعقوب بن كلس، ومنذ ذلك التاريخ أصبح الجامع الأزهر جامعة إسلامية لجميع المسلمين تدرس فيه المذاهب الإسلامية، فقد استقطب له الخليفة الفاطمي العزيز بالله خمسة وثلاثين عالماً، وبنى لهم خمسا وثلاثين دارا بجوار الجامع.
وفي رأيي أنه ليس صحيحاً أن الخليفة الفاطمي العزيز بالله قصر في الأزهر الجامع والجامعة على المذهب الشيعي الإسماعيلي
الدراسة
(*) هذه المحاضرة ألقيت في ندوة العلماء العُمانيون والأزهريون، بتاريخ 2013/ 4/14 م وكانت
غير مكتوبة، فالزيادة والنقصان واردان (1/41)
صفحة 40
فقط، وذلك لأن مصر سنية المذاهب، وليس من المعقول دراية ولا من المقبول رواية أن يحول الفاطميون جميع المصريين عن سنيتهم، ثم لما
جاء بعدهم صلاح الدين الأيوبي حولهم عن تشيعهم إلى سنة. ولكن ربما حصل شيء من التأثر بمذهب الدولة أو مذهب الحاكم كما هو الشأن في ذلك في كل التحولات السياسية التي حدثت في بلاد العالم الإسلامي ليكون مذهب الدولة أو مذهب الحاكم هو الغالب أو المغلب على غيره من المذاهب الأخرى، ولكن ليس بالضرورة أن يحدث إلغاء المذاهب الأخرى الموجودة.
وفي رأيي أن هذا هو الذي كان في مصر وفي الأزهر، على عهد
الفاطميين الشيعة الإسماعيليين أو على عهد الأيوبيين السُّنَّة.
وعلى كل حال فإنه كان للمذهب الإباضي وجود عند إنشاء الأزهر كمدرسة أو كجامعة ذلك الوجود كان متمثلاً في شخص عالم كبير بل إمام من أئمة العلم ألا وهو الإمام العلامة أبو خزر بن زلتاف الوسياني.
يغلا
والإمام أبو خزر الوسياني من الحامة من الجنوب التونسي، وقد قام بثورة هو وزميله الشيخ العالم أبو نوح سعيد بن زنغيل ضد المعز الفاطمي، غير أن تلك الثورة فشلت وبعد مفاوضات ووساطات عفى
المعز الفاطمي عن الشيخين، وقربهما وأكرمهما.
وعندما
عزم
معه إلى القاهرة.
من تونس إلى القاهرة أراد أن يصطحبهما على الانتقال. (1/42)
صفحة 41
لكن أبا نوح اعتذر عن المسير والانتقال لظروف صحية، أما أبو خزر فوافق على المسير والانتقال إلى مصر وعندما استقر به المقام بالقاهرة تذكر مشتاقاً أقاربه وأصحابه ومحبيه وقال شعراً عبر فيه عن لوعة الفراق للوطن والإخوان، حيث قال:
عليكم سلام الله إني مسافر
عليکم سلام الله في كل ساعة
وإني إذا ما هجت ليلا بذكركم
أحب لقا الإخوان في كل ساعة
ولم أدر بعد السفر هل أنا راجع
سلام كثير دائم متتابع
أبيت حزينا والنجوم طوالع
فإن لقا الإخوان فيه منافع
فانك للخلق المشتت جامع
وإلا فصبرني على طول غربتي
فأنت لمن يدعوك يا رب سامع
أجب دعوتي يا ذا الجلال فإنني
دعوتك مضطرا إليك وطامع
فيارب فاجمع بيننا في سلامة
وانتقل أبو خزر بصحبة المعز الفاطمي إلى القاهرة واستقر بها معززاً
مكرماً من قبل الخليفة الفاطمي. (1/43)
صفحة 42
واستطاع بعلمه وجرأته وقوة حجته أن يتحدى حاسديه في بلاط الخليفة، وقد تحدثت المصادر الإباضية، أن المعز خرج يوما ما، ومرّ بموكبه على رزع فشقه نصفين أثناء مروره، أما أبو خزر فقد استدار في طريقه الأمر الذي جعل حاسديه يستغلون ذلك ضده عند الخليفة قائلين له أن أبا خزر خالفك في الطريق ولم يتبعك، وما ذلك لأجل مخالفتك.
هنالك عاتب الخليفة أبا خزر في تصرفه ذلك، قائلاً له لماذا أخترت طريقاً غير طريقنا، فأجابه أبو خزر بقوة حجة وسرعة بديهة قائلاً له أن هناك حديثاً نبوياً شريفاً يقول إن الزرع لا يدخله إلا ثلاثة: ساقيه أو ناقيه أو واقيه وأنا لست أحد هؤلاء الثلاثة، أما أنت أيها الخليفة فواقيه
هنالك أعجب الخليفة برده.
هم
وعلى عهد الخليفة العزيز بالله ابن المعز الفاطمي أهمل الشيخ أول الأمر، لكنه عاد إليه فعرف له مكانه ومكانته، فأكرمه وأجلّه، وتحدثنا المصادر الإباضية مرة أخرى عن ذلك الإقبال والتكريم، قائلة: أنه قدم عالم معتزلي فأخذ يناظر العلماء في مصر، وكان لا يناظر عالماً إلا أفحمه فضاق الخليفة به ذرعا، حتى أشير إليه بوجود أبي خزر صاحب أبيه، فاستدعاه لمناظرة المعتزلي، فتناظرا أبو خزر والمعتزلي وكانت الحجة والغلبة لأبي
خزر، الأمر الذي جعل العزيز بالله يقبل على أبي خزر ويكرمه كأبيه. وعندما ابتدأت الدراسة في الجامع الأزهر سنة 378 هـ، ورأى أبو خزر التعليم في تلك المدرسة أو الجامعة الجديدة الفتية تمنى (1/44)
صفحة 43
قائلا: «وددت لو أن عشرين طالباً من أهل الدعوة (الإباضية) يأتون
للدراسة هنا، وأتحمل النفقة عليهم من مالي».
ولعلها تحققت أمنيته بذلك، بمجيء بعض الطلبة الإباضية إلى القاهرة.
والظاهر أنه كان هنالك وجود إباضي سواء للدراسة في الجامع الأزهر أو الإقامة بمصر على عهد الدولة الفاطمية.
ويدل على ذلك أن صلاح الدين الأيوبي الذي أطاح بالدولة الفاطمية وأنهاها راعى الإباضية الموجودين بمصر، كما يقول الشيخ الأستاذ الدكتور حسن الشافعي مستشار شيخ الأزهر ورئيس مجمع اللغة العربية بمصر (مجمع الخالدين) في محاضرة له ألقاها في نادي الصحافة بمسقط
سنة 1994 م.
واستمر الوجود الإباضي لا سيما من إباضية شمال افريقيا أو المغرب العربي الإسلامي في مصر وفي الأزهر، وأقاموا لهم مركزاً علمياً يسمى وكالة البحار أو وكالة الجاموس بالحي الطولوني بالقاهرة بجوار مسجد ابن طولون وانشأوا به مدرسة ومكتبة وقد نقلوا إلى المكتبة عدداً كبيراً من المخطوطات الإباضية.
وقد درس بعضهم في الأزهر ودرّس فيه فيما بعد كالمحشي أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة (ت 1087 هـ) الذي قضى في القاهرة ثمانية وعشرين عاماً دارساً ومدرساً بالأزهر، وكان يطلق عليه البدر، وكان بعده عمرو بن رمضان التلاتي (ت 1187 هـ) الذي هو الآخر عاش دارسا (1/45)
صفحة 44
ومدرسا في الأزهر، وكان ينقل عنه البناني في حاشيته على السعد، وعندما ينتهي من النقل عنه يقول: انتهى، جربي.
وعندما أُمّمت الأوقاف في مصر على عهد الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1962 م، نال ذلك التأميم أوقاف الإباضية، ومن بينها وكالة الجاموس التي تحولت مكتبتها إلى دار الكتب المصرية، حيث أن معظم المخطوطات الإباضية الموجودة بالدار حاليا هي محتويات وكالة الجاموس ومن أهمها مدونة أبي غانم الخراساني التي أحضر صورة منها الشيخ الجليل يحيى بن عبد الله النبهاني، وقام بتحقيقها هو والأستاذ إبراهيم العساكر، وهي النسخة العمروسية، أي التي نسخها علّامة المغرب أبو ساكن عمروس بن فتح المساكني بمساعدة أخته الفاضلة العالمة له عند نسخها.
وذلك أن أبا غانم الخراساني عندما توجه إلى تيهرت بالجزائر عاصمة الإمامة الرستمية، مرّ على جبل نفوسة بليبيا، واستودع عمروساً نسخة من كتابه المدونة وعندما عاد من بعض الزيارات أو عاد من تيهرت وجد أن عمروساً نسخ المدونة، وقد عرف ذلك من بعض آثار الحبر على النسخة الأصلية وقال لعمروس أسرقتني؟، فأجابه عمروس: لا باس، سمني سارق العلم.
ونسخة دار الكتب المصرية التي ذكرناها هي المدونة الأصلية الخالية من الإضافات والحواشي والتعليقات، فهي التي يجب اعتمادها مرجعاً فقهياً إباضياً. (1/46)
صفحة 45
وقد رواها أبو غانم عن تسعة من تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأضاف إليهم محبوب بن الرحيل عن الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي.
لذلك: أقترح أن تتضمن توصيات الندوة، توصية بأن يقوم الأزهر قطاعاته بتوثيق الوجود الإباضي بمصر والأزهر، بالتعاون مع
الشريف عبر
جامعة السلطان قابوس ومكتب المفتي العام للسلطنة بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية على استعداد للتعاون في هذا الأمر الجميل والجليل. والفضل أولا الله تعالى ثم لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه، ولولا توجيهاته السديدة لما قامت هذه الندوة وغيرها من الندوات المباركة القيمة.
ثانياً: نزوى
نزوى مدينة عمانية عريقة تقع في عمق عمان، حيث يطلق على المنطقة أو الإقليم الذي تقع به «الجوف» أي جوف عمان، وهي على السفح الجنوبي للجبل الأخضر الأشم، وكانت عاصمة للدولة العُمانية منذ أواخر القرن الثاني الهجري أي على بداية دولة الإمامة الثانية، وبالتحديد منذ عهد الإمام الوارث بن كعب الخروصي
(179 ـ 192 هـ).
وأطلق عليها اسم بيضة الإسلام لكثرة من كانوا بها من العلماء الأجلاء الكرام، حيث انتقل إليها عدد كبير من العلماء لكونها عاصمة الدولة. (1/47)
صفحة 46
بيد أن المرجعية العلمية كانت في إزكي في القرنين الثاني والثالث للهجرة، وذلك أن النهضة العلمية في عمان ارتبطت بمجيئ حملة العلم من البصرة إلى عمان في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وكان على رأسهم وفي مقدمتهم العلّامة موسى بن أبي جابر الضبّي السامي الأزكوي، وقد أحدث حملة العلم أولئك في عمان نقلة علمية كبيرة، وتمكنوا بفضل الله تعالى من إعادة دولة الإمامة والاستقلال بعمان عن تبعيتها للدولة العباسية.
وبعد موسى بن أبي جابر صار في القيادة العلمية علي بن عزرة الضبي السامي ثم أولاده موسى ومحمد والأزهر، ثم أولادهم مثل موسى بن موسى وعمر بن محمد، ثم كذلك الفضل بن الحواري السامي وأبو جابر محمد بن جعفر وكلهم من بني ضبّة من سامة بن لؤي القرشي. وليس معنى ذلك أن العلماء انحصروا في مدينة إزكي فقط، بل أن هناك علماء في العديد من البلدان العُمانية، ولكن الذين كانوا يمثلون المرجعية العلمية والدينية كانوا في إزكي، حتى آخر القرن الثالث الهجري. والظاهر أنه في القرن الرابع الهجري انتقلت تلك المرجعية إلى مدينة نزوى حيث ظهر منها وفيها علماء كبار مثلوا المرجعية العلمية والدينية لعمان، ولا يعنى هذا أن نزوى قبل هذه الفترة ما كان يوجد بها علماء، وإنما اعني وجود العلماء الذين يمثلون المرجعية العلمية والدينية فإنهم ظهروا في نزوى بدءا من القرن الرابع الهجري، الأمر الذي جعلها تشترك زمانا مع ظهور الأزهر كمدرسة أو جامعة إسلامية، وإن كان (1/48)
صفحة 47
الأزهر متأخراً نسبيا في الزمان، غير أنهما كانا في نفس القرن أي القرن
الرابع الهجري.
حيث أن في هذه الفترة، وبالتحديد في بداية القرن الرابع الهجري ولعله منذ أواخر القرن الثالث الهجري، ظهر في نزوى أولئكم العلماء الكبار كأبي الحواري محمد بن الحواري القري، ونبهان بن عثمان جد بني المعمر، وأبي الحسن محمد بن الحسن، ومحمد بن روح بن عربي الكندي وأبي سعيد محمد بن سعيد الناعبي الكدمي وغيرهم.
كما ظهرت بنزوى الأسر العلمية، وهي الأسر التي تعاقب عدد من أفرادها على القيادة العلمية، ومن تلك الأسر وأشهرها:
أسرة قبيلة الكنود التي ظهر منها العلماء التالية أسماؤهم:
محمد بن إبراهيم الكندي (ت 508 هـ)
ه محمد بن موسى الكندي (تاريخ وفاته غير معروف) وهو ابن عم الأول. . أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي (ت 557 هـ) وهو أبن أخي الثاني. وقد ظهرت أيضاً بنزوى أسرة محمد بن صالح وذراريه وهم من قبيلة بني قرة من عبد القيس، وقد تعاقب على المناصب العلمية منها عشرة علماء عبر مسافة زمنية امتدت قرنين وربع القرن وهم:
محمد بن صالح القري (ت 536 هـ) (1/49)
صفحة 48
أحمد بن محمد بن صالح (ت 546 هـ)
سعيد بن أحمد بن محمد بن صالح (ت 578 هـ)
عبد السلام بن سعيد (ت 622 هـ)
سعيد بن احمد بن محمد بن أحمد (ت 632 هـ). أبو الحسن بن سعيد بن أحمد (ت 634 هـ)
أحمد بن أبي الحسن بن سعيد (ت 681 هـ). أبو الحسن بن أحمد بن أبي الحسن (ت 715 هـ). أبو القاسم بن أبي الحسن (ت 740 هـ)
أبو سعيد بن أحمد بن أبي الحسن (761 هـ)
وبعد ذلك ظهرت بنزوى أسرة آل مداد وجدهم
الأول هو مداد بن
فضالة بن سند الناعبي، و، والنعب قبيلة من قضاعة.
وظهر منهم عدد من العلماء البارزين امتدوا عبر مسافة زمنية، مساحتها حوالي أربعة قرون، منذ منتصف القرن التاسع الهجري وحتى منتصف القرن الثاني عشر الهجري.
كما ظهرت في نزوى الموسوعات أو المطولات الفقهية، مثل:. كتاب بيان الشرع تأليف محمد بن إبراهيم الكندي (72) جزءا. . كتاب الكفاية، تأليف محمد بن موسى الكندي (51) جزءا. (1/50)
صفحة 49
كتاب المصنف تأليف أحمد بن عبد الله الكندي (42) جزءا.
كتاب التاج، تأليف عثمان الأصم (51) جزءا.
سمل،
وقد عمرت المساجد في نزوى بحلقات العلم، مثل جامع. وجامع العقر (جامع السلطان قابوس حالياً) وجامع سعال ومسجد الشواذنة
بحلة العقر، ومسجد بشير ومسجد بن روح ومسجد مود ومسجد خراسين وغيرها من المساجد التي كانت عامرة بحلقات العلم، والتي كان العلماء في نزوى يلقون فيها دروسهم، ويشرحون فيها كتب العلم لطلابهم، ونحن نأمل ونرجو أن تعود تلك الحلقات العلمية في مساجد نزوى وغيرها، ولو في الفترة المسائية كالفترة التي تكون بين صلاتي المغرب والعشاء مثلا، لأن تلك الحلقات هي التي رسخت العلم، وكرست المعلومات في الذين التحقوا بها حتى خرجوا منها علماء أجلاء فضلاء عاملين، وسوف ترسخ
العلم والمعلومات إن شاء الله في الذين يلتحقون بها حال إقامتها. وعلى العموم فإن كلاً من الأزهر الشريف، ومدينة نزوى المباركة الميمونة، شكل كل واحد منهما مركز إشعاع علمي أنار دروب الجهل للسالكين، فأبصروا بنور العلم المسالك، وتجنبوا بنوره وسره وبركته المهالك.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/51)
صفحة 50
المقدمة:
سقطرى في الذاكرة العُمانية)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
تقع جزيرة سقطرى في بحر العرب جنوب المهرة من أرض اليمن. وتشتهر بالصبر وسقوط العنبر ودم الأخوين، وهو شيء سائل، لذلك يقال له الصبر القاطر، ولأهمية جزيرة سقطرى ومنتجها المذكور أشار الفيلسوف اليوناني أرسطاطاليس على الاسكندر المقدوني باحتلالها وهو الأمر الذي قام به الاسكندر فقد استولى عليها وأسكن بها مجموعة من اليونانيين الذين اعتنقوا الديانة النصرانية فيما بعد.
ثم زحفت إليها القبائل العربية من مهرة وغيرها فسكنتها
وغلبت عليها.
(*) بحث مقدم إلى المؤتمر الدولي الخامس علاقات عمان بدول القرن الإفريقي) في الفترة: 6 - 8 ديسمبر 2016 م؛ في جمهورية القمر المتحدة. (1/53)
صفحة 51
وبما أن عمان ما قبل الإسلام وما بعده كانت تتمدد على مساحة واسعة من الأرض تبدأ جنوباً من جزيرة سقطرى وشمالاً إلى أرض اليمامة.
فمن هنالك كانت سقطرى واقعة ضمن المساحة الجغرافية العُمانية آنذاك.
ولعل السؤال الذي يدور لدى محرك البحث في الإنسان أنه كانت بداية تبعية الجزيرة لعمان؟.
متي
في رأيي: إن ذلك كان قد تزامن مع حكم آل الجلندى، ولعله كان إبان حكم الجلندى بن المستكبر لأنه هو الذي أنشأ الأسطول البحري العُماني في عهد ما قبل الإسلام، ونتيجة لذلك فإنه ربما وسع من نفوذه البحري فاستولى عليها.
ولذلك عندما وصل الإسلام إلى عمان، ودخل أهلها فيه وفي مقدمتهم وعلى رأسهم الملك جيفر بن الجلندى وأخوه عبد، أخذ جيفر يبعث رسله إلى كل أنحاء عمان يخبرهم بالإسلام ويأمرهم بالدخول فيما دخل فيه، ولا شك أن مهرة وسقطرى شملتهما تلك الدعوة.
واستمراراً على ذلك فإن الإمام الجلندى بن مسعود الذي. بعمان، قام بأخذ الجزية من نصارى سقطرى.
هو أول إمام
إلى أن حدث ما حدث من بعض النصارى فيها من انقلاب على والي الإمام الصلت بن مالك الخروصي في القرن الثالث الهجري، (1/54)
صفحة 52
التاسع الميلادي وقتل الوالي وعدد من أصحابه العُمانيين، الأمر الذي حمل الإمام على تجهيز أسطول مكوّن من أكثر من مائة سفينة على وجه السرعة فتمكن من استعادة السيطرة عليها وإخضاعها للدولة
العُمانية من جديد.
سقطرى: المكان
تقع سقطرى وهي جزيرة في بحر العرب حيث تقابل إقليم المهرة من الجهة الجنوبية، فهي تبعد عن إقليم المهرة بمسافة (380) كيلومتراً، واقعة شمال خط الإستواء وتقع على مسافة جغرافية طولها (135) كيلومتراً، وعرضها (42) كيلومتراً، فاجمالي مساحتها (3650) كيلومتراً مربعاً (1).
وحددت المصادر القديمة مساحتها بأنها (300) فرسخ طولاً (2).
وتكتب وتنطق «سقطرى» بالألف المقصورة، كما أنها تكتب وتنطق
بالألف الممدودة «سقطراء» (3).
وينطقها أهلها «سقطرى» بإمالة الراء إلى الياء (4).
ولها العديد من أشكال الكتابة والنطق لكن أشهرها ما ذكرناه آنفاً.
(1) الأنبالي، أحمد بن سعيد، تاريخ جزيرة سقطرى، ص 22. (2) العوتبي، سلمة بن مسلم، الأنساب، ج 1، ص 268، تحقيق إحسان النص. (3) الحموي، ياقوت، معجم البلدان، حرف السين.
(4) الأنبالي، المصدر السابق، ص 17. (1/55)
صفحة 53
ولعل التسمية تعني، سوق القطر، أو سوق القاطر، والقاطر هو
«دم الأخوين» الذي تشتهر الجزيرة بانتاجه بكميات كبيرة ولا يوجد في غيرها (1).
سقطرى: السكان
لم يعرف بالتحديد والضبط مَنْ مِنَ الأمم سكنت جزيرة سقطرى في أول الأزمان، وقبل مجيء الإسكندر المقدوني باليونان.
بيد أنه بالنظر إلى قربها إلى بر العرب، ومجاورتها لجزيرة العرب، فلا يبعد أن يكون العرب من قوم عاد هم أول من استوطنها وهم العرب
البائدة.
ولعل الهنود جاؤا إليها بعد العرب فساكنوهم فيها (3).
والظاهر أنهم هم الذين سمّاهم العوتبي «البياسرة» حيث قال: وكان
ساكنها البياسرة، (3) لأن البياسرة أصلهم من الهند.
وبعد أن استولى عليها القائد اليوناني الإسكندر المقدوني، بعد استيلائه على الهند وقتل ملكها «قور» نقل إليها قوماً من اليونانيين من مدينة «اسطاغرا» بناء على أمر معلمه وأستاذه الفيلسوف أرطاطاليس، وذلك لأجل وجود شجرة الصبر بها، وقام اليونانيون بطرد الهنود، فخرج الهنود ناقلين صنمهم من
سقطرى إلى الهند.
(1) الحموي، ن، م، ن، ص.
(2) الأنبالي، المصدر السابق، ص 56.
(3) العوتبي، المصدر السابق، ص
0268 (1/56)
صفحة 54
والظاهر أن ذلك كان بعد موت الإسكندر مسموماً (1).
وبعد ظهور النبي عيسى، وانتشار الديانة النصرانية، اعتنق يونانيو سقطرى الديانة النصرانية فأصبحوا نصارى.
ولعل أولئك اليونانيين هم الذين أطلق عليهم العوتبي الروم وأن كسرى هو الذي طرحهم بها قائلاً وذلك أنهم يذكرون أن قوماً من بلد الروم طرحهم كسرى بها فعمروها حتى عبرت إليهم مهرة، فغلبت عليهم وعلى الجزيرة (2).
وقيل إنه لم يبق من أولئك الروم سوي رهبان على دين النصرانية (3).
ويشير العوتبي إلى أن عرب المهرة من قبيلة القمر اعتنقوا الديانة النصرانية لأن أولاد الروم دخلوا فيهم).
ولعل الروم الذين طرحهم كسرى كانوا بعد تغلبه ـ أي تغلب الفرس على الروم ـ وذلك بعد مجيء اليونانيين.
هي
واللغة السقطرية متفرعة عن اللغة العربية الجنوبية (القديمة) التي كانت لغة حمير، غير أنها ليس لها خط تكتب به، والظاهر أنها
(1) الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق، ج 1، ص 51، عالم الكتب، بيروت، والحموي، معجم البلدان حرف السين، والأنبالي، تاريخ جزيرة سقطرى.
(2) الأنساب، ج 1، ص 268.
(3) ن، م، ن، ص.
(4) ن، م، ن، ص. (1/57)
صفحة 55
كانت تكتب بخط المسند وحروفه، وهو الخط الذي كان تكتب به لغة حمير، وقد أصبحت اللغة السقطرية تكتب بحروف اللغة العربية الفصحى، لغة مضر، التي هي لغة قريش، وهي التي نزل بها القرآن الكريم، ونظم بها شعراء الجاهلية شعرهم ومعلقاتهم فطغت على لغة الجنوب وغطت عليها.
على أن اللغة السقطرية تلتقي مع اللغة المهرية والجبالية الظفارية). ويرى الأنبالي: أن اللغة السقطرية تلتقي مع العربية الفصحى بالإشتقاق، وقد أورد كلمات كثيرة من اللغتين العربية والسقطرية كأمثلة على ذلك، حيث قال: كثيرة هي تلك الكلمات السقطرية التي تشتق من اللغة العربية الفصيحة ولكن يبقى النطق السقطري المتوارث منذ الحضارة العربية الجنوبية القديمة حائل بينها وبين فهم تلك الكلمات، وإن كان أصلها عربياً فصيحاً إلا أن اللهجة السقطرية أثرت فيها تأثيراً كبيراً،
(2)
ونسجت عليها من لحنها العجيب (2).
سقطرى: الإنتاج
وصف الشريف الإدريسي جزيرة سقطرى بقوله: هي جزيرة واسعة القطر جليلة القدر بهيّة الأرض، نامية الشجر، وأكثر نباتها شجر الصبر ولا صبر يفوق صبرها في الطيب (3).
(1) الأنبالي، تاريخ جزيرة سقطرى، ص 226.
(2) المصدر نفسه، ص 245.
(3) نزهة المشتاق، ج 1، ص 51. (1/58)
صفحة 56
وقد أعجب الاسكندر بجمالها، وفي طيب ثراها واعتدال مناخها (1) ولذلك فإن جزيرة سقطرى بها الكثير من المنتوجات البرية والبحرية والحيوانية والمزروعات فهي بها نخل كثير، وبها العنبر، والصبر، ودم الأخوين (2)، ومن المناسب أن نبين وصفا وشرحاً لهذه المنتوجات: 1 ـ النخل: وهو نخل التمر، والظاهر أن منتوج الجزيرة من التمر جيد.
2 ـ الصبر: وهو بفتح الصاد وكسر الباء، ولعل الناس ينطقونه بسكون الباء، والصحيح بكسرها وهو فائق الجودة «ولا صبر يفوق صبرها (3)، وقد أوصى أرطاطاليس الاسكندر بحفظ شجرة الصبر وحياطتها لما في ذلك من جمل المنافع الطيبة، ولأنه في ذاته دواء جليل كثير المنافع)
(4)
وهو عصارة شجر مرّ، وأفضله السفري الصافي، يسهل الصفراء والبلغم وينقي جميع البدن، وخصوصاً علل المعدة والكبد ويذهب اليرقان ويقتل الدود والحيات (5).
وأوراق شجر الصبر تجمع في شهر يوليو، ويصدر إلى المشرق
والمغرب (1).
(1) المصدر نفسه.
(2) العوتبي، مصدر سابق، ص 268.
(3) الإدريسي، مصدر سابق.
(4) نزهة المشتاق، ص 51
(0) الأزدي، محمد بن عبد الله، كتاب الماء، ج 2، ص 380.
(6) نزهة المشتاق، ص 51. (1/59)
صفحة 57
ـ دم الأخوين وهو صمغ أحمر اللون، يقطع الدم الجاري من الجراحات الطرية، ويدملها ضماداً، ويقطع الدم من أي مكان كان، شرباً (1)، وهو شديد الاحمرار، لا يوجد شيء أشد. منه حمرة (2).
وقيل إنه هو العندم (3).
4 ـ العنبر: هو قطع شمعية في بحر الهند تقذف إليه من جبال عالية بها عسل كثير، يرعى نحله الأزهار الطيبة فيكثر ويسيل إلى البحر، ثم يطفو فوق الماء ما فيه من الأجسام الشمعية، ثم تنضج وتلطف على مرور الأيام وأجوده الأشهب الزكي الرائحة.
(4)
وهناك العنبر الأسود وهو الذي يوجد في جوف دواب البحر (4). ه ـ المنتوجات الحيوانية وأهمها السمن السقطري وتصدر منه كميات. وسمعت السيد محمد بن أحمد البوسعيدي المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، وقد توفي من سنوات قليلة أنه السابق كان يستورد إلى مسقط.
، سقطرى: التاريخ القديم
في
تقدم في محور: السكان ذكر الأمم التي سكنت سقطرى وتعاقبت
على سكناها.
(1) کتاب الماء، ج 2، ص 88.
(2)
معجم البلدان، حرف السين
(3) الأزدي، المصدر السابق، ج 3، ص 3
(4) ن، م، ص 72.
73 (1/60)
صفحة 58
ويبدو لي أن أول من سكنها الهنود حتى جاء اليونانيون في عهد الاسكندر المقدوني فأجلوهم عنها بأمر الحاكم الفيلسوف اليوناني أرسطاطاليس، فخرج منها الهنود متوجهين إلى الهند حاملين معهم صنمهم الذي كانوا يعبدونه.
ثم نزلت إليها العرب من قبيلة القمر من المهرة، فاختلطوا بالسكان اليونانين، ودخلوا في الديانة النصرانية التي كان يونانيوسقطرى قد
اعتنقوها بعد ظهور نبي الله عيسى ل وانتشار الديانة النصرانية. ولعل العرب البائدة من قوم عاد قد سكنوها ولكنهم اختفوا منها، أو سكنها قوم من بني قحطان بن هود، ولكنهم انسحبوا منها،
والله أعلم.
فلا توجد نصوص في ذلك، وإنما هو استنتاج وهو إلى
التخمين أقرب.
سقطرى: الارتباط العُماني
أولاً: قبل الإسلام
ارتبطت جزيرة سقطرى بعمان سيادة وسياسة غير أننا لا ندري.
متى كان هذا الإرتباط.
منذ
يقول أحمد بن سعيد الأنبالي «فقد حازتها عُمان منذ الجاهلية
قبل الإسلام (1).
(1) الحلل السندسية، ص 46. (1/61)
صفحة 59
وفي رأيي: إن ذلك كان قبل الإسلام، ولا يبعد أن يكون على عهد الملك الجلندى بن المستكبر والد جيفر وعبد اللذين خاطبهما النبي
محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الدخول في الإسلام، وذلك للأسباب التالية: الأول: إن الجلندى بن المستكبر هو أول حاكم عُماني ينشئ أسطولاً قوياً (1).
الثاني: إن مهرة والشحر كانتا تحت السيادة العُمانية على عهد ولديه جيفر وعبد، وقد بعث إليهم جيفر رسوله يدعوهم إلى الدخول في الإسلام، فأسلموا (2).
والظاهر إن جيفر بن الجلندى قد ورث السيادة على مهرة والشحر
من والده، حيث لم يتبين لنا أنه استولى عليهما في عهده.
الثالث: قرب جزيرة سقطرى من بلاد مهرة والشحر، وهما أقرب مكان إليها الأمر الذي يسهل السيطرة عليها، لجعلها قاعدة بحرية للأسطول. الرابع: الوجود العربي بها المنحدر من قبائل مهرة، لأن قبائل مهرة كما قدمنا نزلت إليها قبل الإسلام، حتى أنهم أو كثيراً منهم اعتنقوا الديانة النصرانية نتيجة اختلاطهم بالنصارى اليونانيين والروم.
لهذه الأسباب أرجح أن الجزيرة خضعت للسيادة العُمانية على عهد
الملك الجلندى بن المستكبر.
(1) محمد السالمي وناجي، عساف عُمان تاريخ يتكلم، ص 98.
(2) الأنساب، ج 2، ص 765. (1/62)
صفحة 60
ثانياً: في عهد الإمام الجلندى بن مسعود
الإمام الجلندى بن مسعود هو أول إمام بعمان، فقد تم نصبه سنة 132 هـ بعيد قيام دولة بني العباس والظاهر أنه حدث تمرد من نصارى سقطرى، الأمر الذي جعل الإمام الجلندى يوجه إليها جيشاً من الشراة.
والشراة هم المقاتلون الأشداء من الإباضية واحدهم شار والجمع شراة، ولا يطلق هذا اللقب على غير الإباضية والشرى واحد من مسالك الدين الأربعة الشرى والدفاع والظهور والكتمان، وتطبيق كل واحد منها يتم بحسب الظروف الزمانية والمكانية وفي رأيي هم الذين يعنيهم ياقوت الحموي عندما قال وظهرت فيهم دعوة الإسلام، ثم كثر بها الشراة فعدوا على من بها من المسلمين وقتلوهم غير عشرة أناسية»).
وكذلك هم الذين يعنيهم العوتبي بقوله ثم دخلتها الشراة من مهرة وحضرموت وعمان فقتلوا من بها» (2).
على أن عبارة الحموي غير صحيحة للأسباب التالية:
1 ـ إن قتل الناس من مسلمين وغيرهم يتنافى مع القيم الإباضية والمنظومة الفكرية الإباضية والشراة هم صميم الإباضية، فلا يكون القتل إلا في الحرب والمواجهة بعد الدعوة، لأن الدعوة ماضية إلى يوم القيامة
(1) معجم البلدان، حرف السين
(2) المصدر السابق، ص 268. (1/63)
صفحة 61
كما يقول الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي: الدعوة غير منقطعة إلى يوم القيامة إلّا من فاجأك بالقتال فلك أن تدفع عن نفسك).
2 ـ إن أهل سقطرى لم يكونوا حينذاك مسلمين، وإنما دخلها الإسلام بدخول الشراة الإباضية.
3 ـ كيف يبقى عشرة من الناس لم يقتلوا، في حين أن المسلمين تم قتلهم.
جميع
4 ـ عبارة العوتبي تقول: فقتلوا من بها، والظاهر أنه يقصد النصارى، وهي أيضاً عبارة فيها مبالغة فلا يمكن قتل جميع السكان، بدليل أن الإمام الجلندى صالحهم على مقدار الجزية (2) التي يؤدونها إليه ويظهر من سياق الأحداث، أنهم قاموا بتمرد على سلطة الإمام، فلذلك وجّه إليهم الشراة من عُمان ومهرة وحضرموت فأخضعوهم للسيادة العُمانية دافعين الجزية المعروفة في الشريعة الإسلامية عملاً بقول الله تعالى {قَئِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحْرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهم صغرُونَ} [التوبة: 29].
على إن إعطاء أهل الكتاب والمجوس ومن في حكمهم الجزية ليس للقتال. فيه إهانة لهم، وإنما هو مقابل حمايتهم، وعدم تعريضهم
(1) الجامع الصحيح، الحديث رقم (53) الجزء الثالث. (2) الكندي، محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 69، ص 80. وانظر الكندي، أحمد بن عبد الله،
المصنف، ج 11، ص 145. (1/64)
صفحة 62
وهل إذا اشتركوا في القتال
الصحيح أنها تسقط.
الجزية؟. المسلمين تسقط مع
عنهم
ومن خلال ما تقدّم أرى إن دخول الإسلام جزيرة سقطرى كان على عهد الإمام الجلندى بن مسعود في النصف الأول من القرن الثاني الهجري منتصف القرن الثامن الميلادي بدخول الشراة الإباضية إليها.
على أنه لا توجد الأدلة الكافية والقاطعة على صحة ذلك إلا ما استنتجته من سياق الأحداث، وربط بعضها ببعض والعلم عند الله وال.
ثالثاً: في: في عهد الإمام الصلت بن مالك.
ويتجلى الموضوع عبر المحاور التالية:
أ ـ سياق الحدث:
كانت البيعة بالإمامة للصلت مالك سنة 237 هـ وكانت سقطرى بن آنذاك لا تزال مستمرة في تبعيتها للدولة العُمانية، حيث كان عليها وال من قبل الإمام، اسمه القاسم ولا نعلم اسمه الكامل ولا نسبه إلا ما ورد في قصيدة الزهراء من أن اسمه القاسم حيث قالت:
إذا غادروا قاسماً في فتية لجب
عقوى مسامعهم في سبب خرب
فقام النصارى بنكث العهد ونقضه مع الإمام الصلت فهجموا على والي الإمام فقتلوه، وقتلوا جملة من أصحابه، معلنين تمردهم (1/65)
صفحة 63
على السلطة العُمانية وسيادتها على الجزيرة، وفعلوا الأفعال الشنيعة في العُمانيين مستعملين العنف قتلاً واغتصاباً ونهباً وسلباً، كما صورت ذلك الشاعرة الزهراء في قصيدتها.
ويظهر أن النصارى آنذاك كانوا هم غالب سكان سقطرى، فأنسوا من أنفسهم قوة، لذلك قاموا بتمردهم، ولعل ذلك كان بدعم أو على الأقل بتحريض من نصارى الحبشة.
(1)
على أن هناك من يذهب إلى أن المهاجمين كانوا من نصارى الحبشة، ولعل أول من ذهب إلى ذلك الأستاذ محمد علي الزرقاء في كتابه «عمان» نقل عنه ذلك الشيخ أبو إسحاق اطفيش في تعليقه على كتاب «تحفة الأعيان لنور الدين السالمي ومن المؤكد أن بها مسلمين من غير العُمانيين، ولكن لا ندري موقفهم من تلك الأحداث، ويبدو أنهم كانوا مع الدولة العُمانية، ولكنهم في موقف الضعيف.
وفي رأيي: إن المتمردين كانوا من نصارى سقطرى، وليسوا أحباشاً، وهو الذي يشير إليه عهد الإمام الصلت بن مالك للحملة
العسكرية البحرية، وسوف نذكر ذلك عند تحليلنا للعهد.
وعلى العموم فقد حصل التمرد وحصل الهجوم على الحامية العُمانية، وحدثت الأفعال الشنيعة، وهناك بعثت امرأة من سقطرى بقصيدة إلى
الإمام الصلت بن مالك.
(1) تحفة الأعيان، ج 1، ص. (1/66)
صفحة 64
ب - قصيدة الزهراء:
نتيجة الهجوم الدامي من النصارى في سقطرى على الحامية العُمانية، حيث قتل الوالي العُماني وعدد ممن كانوا معه، بعثت امرأة من سقطرى سمت نفسها الزهراء أو كان اسمها فاطمة والزهراء لقب لها تيمناً بالسيدة الجليلة فاطمة الزهراء بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الشيخ أحمد بن عبد الله الحارثي أن اسمها فاطمة بنت أحمد بن محمد الجهضمية وأنها من أقارب القاسم بن محمد الجهضمي الذي كان والياً
على سقطرى (1).
وقد استنهضت بقصيدتها الإمام الصلت الذي لم يتوان عن النصرة والنجدة لإسترداد سقطرى إلى الحاضنة العُمانية وبتحليلنا للقصيدة تتضح لنا الخطوط العريضة التالية:
1 - استثارة همة الإمام بالثناء عليه وعلى آبائه وأسلافه.
قل للإمام الذي ترجى فضائله
ابن الكرام وابن السادة النجب
وابن الحجاحجة الشم الذين هم
كانوا سناها وكانوا سادة العرب
2 - وصف الحالة التي آلت إليها سقطرى حيث اختفت المظاهر
الإسلامية وحلت محلها المظاهر النصرانية.
(1) الأنبالي الحلل السندسية، ص 11 نقلا عن اليسرى في إنقاذ سقطرى ولا ندري المصدر الذي اعتمد عليه الشيخ الحارثي. (1/67)
صفحة 65
أمست سقطرى من الإسلام مقفرة
بعد الشرائع والفرقان والكتب
واستبدلت بالهدى كفراً ومعصية
وبالأذان نواقيساً من الخشب
وبالذراري رجالاً لا خلاق لهم
من اللئام علوا بالقهر والغلب
3 ـ ذكر الهجوم على الوالي وحاشيته. جار النصارى على واليك وانتهبوا
من الحريم ولم يألوا من السلب
عقوى مسامعهم في سب
خرب
إذ غادروا قاسماً في فتية لجب
4 ـ استثارة الإمام بما تعرضت له النساء المسلمات. وأخرجوا حرم الإسلام قاطبة
يهتفن بالويل والأعوال والكرب
قل للإمام الذي ترجى فضائله
بأن يغيث بنات الدين والحسب
ه - النفس الأنثوي في القصيدة، مما يدل أن القائل لها امرأة وليس رجلاً، كما أن القصيدة تشير إلى ما حلّ بالنساء المسلمات من اغتصاب
(1)
من قبل النصارى الناكثين).
(1) وهذا يذكرنا بما حلّ بنساء العرب أثناء الإنقلاب الدامي اللعين في زنجبار سنة 1964 م من (1/68)
صفحة 66
كم من منعمة بكر وثيبة
من آل بيت كريم الجد والنسب
تدعوا أباها إذا ما العلج هم بها
وقد تلقف منها موضع اللبب
وباشر العلج ما كانت تضن به
على الحلال بوافي المهر والقهب
وحلّ كل عراء من ملمتها
عن سوأة لم تزل في حوزة العجب
وعن فخوذ وسيقان مدملجة
وأجعد كعناقيد من العنب
قهراً بغير صداق لا ولا خطبت
إلا بضرب العوالي السمر والقضب
أقول للعين والأجفان تسعدني)
يا عين جودي على الأحباب وانسكبي
ـ تكرار الإستغاثة.
ما بال صلت ينام الليل مغتبطاً
وفي سقطرى حريم باد بالنهب (2)
اغتصاب، وقد سمعت أحد المشايخ العرب في الجزيرة الخضراء (بمبا) يقول إن أكثر
ما آلمنا أننا كنا نرى نساءنا تغتصب من الأفارقة أمام أعيننا.
(1) هكذا وردت، والأفصح تسعفني.
(2) وردت في النسخ بادها النهب، والصحيح ما أثبتناه. (1/69)
صفحة 67
ـ الإستغاثة بجميع المسلمين مستثيرة فيهم الرجولة، لكي ينتصر
الإسلام ويخمد الكفر.
ياللرجال أغيثوا كل مسلمة
ولو حبوتهم على الأذقان والركب
حتى يعود عماد الدين منتصباً
ويهلك الله أهل الجور والريب
- الإفصاح عن اسمها أو لقبها. وثم يصبح دعا الزهراء صادقة
بعد الفسوق وتحيى سنة الكتب
- القصيدة بها فصاحة وشاعرية رقيقة، الأمر الذي يدل على أن
القائل لها امرأة عربية.
10 ـ القصيدة تحمل حرقة شديدة من جراء الحدث الواقع الذي تسبب في قتل الوالي وجماعة معه، ولعل هذا يدل على كونها عمانية، ولعلها قريبة النسب من الوالي أو هي زوجته.
ج - عهد الإمام الصلت:
مالك بن
ما إن وصلت قصيدة الزهراء من سقطرى إلى الإمام الصلت الخروصي، حتى جهز حملة عسكرية بحرية على أسطول كبير يتكون من
مائة أكثر من
سفينة، وعيّن لقيادة الحملة رجلين هما:
1 ـ محمد بن عشيرة. (1/70)
صفحة 68
2 ـ سعيد بن
شملال.
فإن حدث بأحدهما حادث من قتل أو أسر أو مرض فالثاني منهما
يقوم مقام صاحبه، وإن حدث بكليهما حادث، فإن القيادة تكون لكل من:
1 - حازم بن همام.
2 ـ عبد الوهاب بن يزيد.
3 ـ عمر بن تميم.
وزودهم بعهد أوضح لهم ما يأتون وما يذرون في مسيرهم وسلمهم وحربهم، وهو يشكل قانوناً إسلامياً للسلم والحرب، وهو أفضل ما كتب من المواثيق والعهود والقوانين الحربية.
قال عنه الطبيب محمد بن علي البار مدير مركز البحوث الطبية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة بالمملكة العربية السعودية في مقال له نشره في عدد من المجلات وتعتبر وصية الإمام الصلت بن مالك وثيقة من أرقى الوثائق
في الشؤون الدولية وخاصة في كيفية محاربة الأعداء والإنذار إليهم». على أن العهد هو من إملاء ووضع العلّامة المحكم محمد بن محبوب العلماء قاضي القضاة ومرجع في ذلك الأوان.
وقد كان يدعو على نصارى سقطرى في خطبة الجمعة لنكثهم بالعهد مع المسلمين وإمام المسلمين من غير أن يسميهم، وإنما كان يقول النصارى الناكثين (2).
(1) السالمي، عبد الله بن حميد تحفة الأعيان، ج 1، ص 166 - 181.
(2) الكندي أحمد بن عبد الله، المصنف، ج 5، ص 404. (1/71)
صفحة 69
وبنظرة تحليلية للعهد «الوثيقة» يتبين لنا منه المعالم التالية:
1 ـ الإبتداء بتوحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال، والثناء عليه والختام بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.
2 ـ النصيحة الوعظية: وهي تغطي جانباً كبيراً من العهد، وتتخلل مفاصل عديدة منه، كقوله «فالزموا تقوى الله في الغيوب، وداووا بها
داء العيوب».
وقوله «فتوبوا إلى الله
مضى، وأصلحوا فيما بقي بما
عنکم به يرضي».
- تنظيم السير: «وشدوا على ربابنة السفن أن لا يتفرقوا ولا يسبق
بعضاً ... ».
بعضهم 4 ـ تعيين القيادة: «واعلموا أني وليت عليكم يا معشر الشراة والمدافعة على جميع سقطرى ... محمد بن عشيرة وسعيد بن شملال» إلى أن قال «فإن حدث بأحدهما حدث فالباقي منهما يقوم مقام صاحبه، فإن حدث بهما جميعاً حدث فقد أقمت مقامهما حازم بن همام وعبد الوهاب بن يزيد وعمر بن تميم».
ه ـ الأثر بالنصيحة للقادة فانصحوا لوالييكم ووازروهما وانصروهما ولا تخذلوهما ... ».
- الأمر بالوحدة وتناصحوا فيما بينكم ولا تغاشوا ولا تباغضوا ولا
تكايدوا ولا تحاسدوا ... ». (1/72)
صفحة 70
لا تختلفوا في آرائكم ولا في سلمكم ولا في حربكم وليكن
رضاكم واحداً وغضبكم واحداً ووليكم واحداً وعدوكم واحداً». ـ الخارجون على السلطة هم نصارى سقطرى «وقد بغى هؤلاء
النصارى وطغوا ونقضوا عهدهم».
«ولتدعوهم إلى الرجعة من نكثهم والتوبة من حدثهم إلى الدخول
في العهد الأول الذي كان بينهم وبين المسلمين».
8 ـ وجود مسلمين في الجزيرة، ولعلهم من الإباضية وغير الإباضية واجعلوا ممن توجهون رجلين صالحين ممن يوثق بهم من أهل الصلاة، ... ».
«وكان في رسلكم رجلان تقيان أو رجل واحد من أهل الصلاة ... ». «وإن كانت الحجة قد صحت عندكم كما وصفت لكم برجلين
ثقتين من أهل الصلاة، أو بواحد من أهل الصلاة ... ».
9 ـ عدم الإعتداء: «ولا تعرضوا لأحد ممن جاءكم تائباً مستأمناً مستسلماً بسفك دمه ولا انتهاك حرمته ولا سبي ذريته ولا غنيمة ماله وليكونوا مثلكم آمنين».
فلا تبيتوهم ولا تغتالوهم بالقتل ولا تسبوا سبياً لهم ولا ذرية ولا تغنموا لهم
مالاً».
«وإذا التحمت الحرب بينكم وبينهم فلا تقتلوا صبياً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة إلا شيخاً أو امرأة أعانوا على القتال، ومن قتلتموه عند المحاربة فلا تمثلوا به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن
المثلة». (1/73)
صفحة 71
10 ـ حمل المسلمين وذراريهم إلى البلاد الإسلامية: «ومن أراد من أهل سقطرى من أهل الصلاة من رجال ونساء أو صبيان أن يخرجوا معكم إلى بلاد المسلمين فاحملوهم في حمولتكم وأنفقوا عليهم من مال الله». أما أولاد الشراة وأعوانهم فالنصيحة لهم باخراجهم «فإن تلك
الدار لا تصلح لهم بعد تلاحم الحرب بيننا وبينهم».
وهو عهد طويل، ويتضمن الكثير من المعالم الفقهية والفكرية والنصائح الوعظية والتكتيكات العسكرية، وتحليله يطول، وشرحه يكون أطول.
والظاهر أن سقطرى بعد هذا التاريخ انفصلت عن عمان، نظراً لما تعرّضت له عمان من غزو خارجي عباسي سنة 280 هـ أنهى دولة الإمامة الثانية، وضعفت بعد ذلك الدولة في عمان، حيث تعرّضت لغزو خارجي متعدد ومتكرر من القرامطة وبني بويه والسلاجقة والفرس، ثم البرتغاليين، فكان ضعف الدولة في عمان ملاحظاً على مدى ثمانية قرون، حتى قيض الله لعمان الإمام الأرشد ناصر بن مرشد اليعربي سنة 1034 هـ ـ 1624 م ومن بعده من الأئمة اليعاربة، فقويت بهم عمان دولة ومجتمعاً، ثم من بعدهم دولة البوسعيد.
ويظهر أن سقطرى انتقلت تبعيتها إلى حضرموت التي كانت بدورها خاضعة للنفوذ العباسي كما يقول المقدسي في كتابه البدء والتاريخ).
(1) الأنبالي، مصدر سابق، ص 91. (1/74)
صفحة 72
وقد انفرد الرحالة البريطاني وليام جيفورد بالجريف بالقول: إن سقطرى كانت تحت النفوذ العُماني في القرن الثالث عشر الهجري،
التاسع عشر الميلادي)
ولعله كان نفوذاً مؤقتاً في زمن السلطان سعيد بن
سلطان.
(1) الموسوعة العُمانية، ج 5، ص 1804، وزارة التراث والثقافة. (1/75)
صفحة 73
الخاتمة
مما مر أثناء البحث تبيّنت لنا الأهمية الكبيرة لجزيرة سقطرى، من حيث موقعها، فهي تقع في بحر العرب بين شبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وسواحل أفريقيا.
ومن حيث وجودها في الذاكرة العُمانية، حيث إنها جزء من التاريخ العُماني على مدى قرون عدة من الزمن، بل هي أحد معالمه، ومفصل مهم من مفاصله.
والذاكرة العُمانية عامرة بالإرتباط السقطري العماني منذ عهد الجاهلية العربية إلى أواخر القرن الثالث الهجري ـ التاسع الميلادي، نظراً لما شهده ذلكم الإرتباط من حراك إيجابي في مجمله، وسلبي في بعضه، حتى أن سقطرى كانت حاضرة في المصادر الفقهية العُمانية، لأن تلك المصادر طرحت وناقشت ذلكم الحراك بإيجابياته وسلبياته، وبسلمه وحربه، لأن الحراك المذكور كان ناشئاً عن احتكاك بين المسلمين والنصارى، على أساس ديني طائفي، ومبنياً على محاولة انفصال عن السيادة العربية على أساس عرقي. (1/77)
صفحة 74
كما أن لسقطرى حضوراً أدبياً متمثلاً في القصيدة الزهرائية التي كانت من مخزونات الذهنية العُمانية لفصاحتها وسلاستها وما تحمله.
جياشة وارتباط بالأمجاد العُمانية.
لهذه المعطيات جاء هذا البحث.
والله ولي التوفيق،،،
عاطفة من (1/78)
صفحة 75
الفهرس
مقدمة.
مكانة دَمَا التاريخية.
موقعها وأهميتها التاريخية.
مكانتها في الجهاد الإسلامي.
مكانة نزوى الاجتماعية.
الموقع.
المكانة الإجتماعية لنزوى.
أولاً: مقر الحاكم.
ثانياً:
وجود
العلماء.
مراكز الإشعاع الحضاري «الأزهر ونزوى أنموذجا».
أولاً: الأزهر الشريف ..
ثانياً: نزوى ..
سقطرى في الذاكرة العُمانية.
المقدمة.
سقطرى المكان.
سقطرى السكان.
سقطرى: الإنتاج.
سقطرى: التاريخ القديم ..
سقطرى الارتباط العُماني.
الخاتمة. (1/79)