صفحة 1
الكتاب: معالم الحضارة الإسلامية بورجلان 296 - 626 هـ / 909 - 1229م
المؤلف: عمر بن لقمان حمو سليمان بوعصبانة
دار النشر: دار نزهة الألباب
البلد: الجزائر
الطبعة: الثانية
سنة الطبع: 1434هـ / 2013م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[بحث مقدم لنيل درجة الماجستير]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) معالم الحضارة الإسلامية بورجلان
296 - 626 هـ/909 - 1229 م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
معالم الحضارة الإسلامية بورجلان
296 - 626 هـ/909 - 1229 م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
للدكتور
عمر بن لقمان حمو سليمان بوعصبانة
دار نزهة الألباب (1/3)
صفحة 4
الطبعة الثانية
1434 هـ / 2013 م
جميع الحقوق محفوظة
نشر: نزهة الألباب، شارع جلمامي محمد.
قرب ساحة العقيد لطفي (سوق الحطب سابقا)
غرداية - الجمهورية الجزائرية
هاتف / فاكس 49 35 88 29 (213)
80 15 83 29 (213)
41 26 82 29 (213)
الموقع الإلكتروني:
أصل هذا الكتاب
بحث مقدم لنيل درجة الماجستير
في العلوم الإسلامية
تحت إشراف الدكتور محمد صالح ناصر
نوقش في المعهد العالي لأصول الدين، بالجزائر
السنة الجامعية 1412هـ/ 1991 ـ 1992 (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)} [سورة الأحقاف] (1/5)
صفحة 6
إهداء
إلى كلّ من أكلت جبهته أرض المساجد عبادة
إلى كلّ من مجلت يداه بمقابض السلاح جهادا
إلى كلّ من ثفنت أنامله بالقلم إعلاء لكلمة الله
إلى كلّ من سعى للإصلاح بين الأخوين ابتغاء وجه الله
إلى روح والديّ الكريمين في جوار الله
إلى كلّ هؤلاء:
أهدي باكورة عملي وثمرة جهدي
س. ب عمر لقمان (1/6)
صفحة 7
شكر وعرفان
1/ 1 (1/7)
صفحة 8
1/ 1 (1/8)
صفحة 9
مقدمة
كان تخصُّصي في العلوم الاجتماعية دافعًا لي إلى البحث عن التراث ولا سيما ما يتعلَّق منه بالتاريخ المغربيِّ ولا سيما الإباضيِّ، ومن خلال مطالعاتي أحسست أنَّ جانبا كبيرا منه لا يزال مجهولا لدى الدارسين ولا سيما بعض الفترات الغامضة فيه.
ولفت نظري بصفة خاصَّة أثناء تدريسي بمدينة وارجلان ما تزخر به هذه المنطقة من آثار إسلاميَّة دفعتني إلى التساؤل عن كثير من أصول هذه الآثار الإسلامية بحثا في الكتب ومقابلات مع الشخصيات العلميَّة وهالني أنَّ ما كتب عن معالم الحضارة الإسلامية في الموضوع هزيل لا يغني بل إنَّ بعض ما كتب يدفع إلى تساؤلات أخرى لا تجد الجواب.
من هنا عزمتُ على البحث في هذا الموضوع بالذات فإن كان هذا دافعا ذاتيًّا موضوعيًّا في الوقت نفسه إلاَّ أنَّ هناك دوافع تأكَّدت لديَّ أثناء البحث وهي:
1 - إهمال المؤرِّخين المسلمين وعدم إبرازهم أهمية المدن التي لعبت دورًا حضاريًّا ولم تَرقَ إلى دور الحكم السياسيِّ، فقد سكتوا عن وارجلان رغم أهمِّيتها الاقتصاديَّة ودورها الرياديِّ في نشر الإسلام في إفريقيا.
2 - اهتمامُ الغربيِّين بدراسة تاريخ منطقة وارجلان ومحاولتهم صبغها بالصبغة اليونانيَّة والرومانيَّة قديما، وبحثهم عن العلاقات التي تربطهم بها محاولين إيجادها في لغة البربر ورسوماتهم وإهمالهم للصبغة الإسلامية بها. (1/9)
صفحة 10
وقفت أمام هذه الأشياء كلِّها أتساءل:
ما السببُ في ترك وارجلان في طيِّ النسيان وهي التي كانت مركزا من مراكز الحضارة الإسلامية، إذ دفعت بالإسلام جنوبًا، وبالذهب شمالاً، فتُركت ثكلى بجانب مدينة ”سدراته“ الموؤودة فقَسَا عليهما الزمان ثمَّ طواهما النسيان؟
وبعد مطالعة واسعة في الموضوع استقرَّ اختياري على العنوان الآتي: معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان (1)، وحدَّدت الفترة الزمنية بـ (296 - 626هـ) (2) من سقوط الدولة الرستمية وبناء سدراته من طرف الرستميين النازحين إلى وارجلان من تاهرت إلى خرابها مع وارجلان على يد ابن غانية الميروقيِّ، وذلك لما تتميَّز به المنطقة من انتعاش فكريٍّ واقتصاديٍّ في هذه الفترة، وحيث أنَّ هذه الحركة تتميَّز بنشاطات كثيرة ومختلفة لا يمكن أن أُلِمَّ بها إلماما تامًّا لتشعُّبها، اخترتُ معالمها التي تعطي مؤشِّرات مبدئيَّة لا تزال تُخفى وراءها الكثير وفي مجموعها كمعالم تبيِّن أنَّ للمنطقة ماضيًا حضاريًّا إسلاميًّا عريقا.
قسَّمتُ البحث إلى مقدِّمة ومدخل وأربعة فصول وخاتمة وملاحق وفهارس.
تناولت في المدخل تعريف الحضارة لغة واصطلاحا ثمَّ عالجتُ إشكالية الحضارة والبداوة ونظرة الإسلام والمسلمين إليها، ثمَّ عرَّفتُ بوارجلان: تسميتها وتاريخ تأسيسها.
__________
(1) 1 - كان اختياري يشتمل سدراته مع وارجلان في جميع المناحي، ولعدم عثوري على المصادر الكافية المتحدثة عن سدراته ولا سيما بعض المصادر الهامة التي لا يكتمل البحث بدونها، عدلت عن الموضوع وتحدثت عن وارجلان فقط معتمدا الفترة نفسها للأسباب المذكورة أعلاه.
(2) - يرى الشيخ أعزام أن خراب وارجلان وسدراته على يد الميروقي كان في سنة 624هـ وتبعه في ذلك الشيخ علي يحيى معمّر نقلا عنه أمّا ما ذكرناه فا ستنادا إلى قول الدرجيني في كتابه الطبقات وهو أقرب الناس من الحادث مكانا وزمانا. (1/10)
صفحة 11
وخصَّصتُ الفصل الأوَّل للحياة الاجتماعيَّة والسياسيَّة. فخصَّصت له مدخلا جغرافيًّا. إذ إنَّ الناحية الطبيعيَّة تُسهم إسهاما مباشرا في الوجود البشريِّ هناك قديما وحديثا. ثم تكلَّمتُ عن القبائل البربرية إذ الحقبة الزمنيَّة يغلب عليها الطابع البربريّ، كما تناولتُ بعض معتقداتهم قبل الإسلام إبرازا لدور الإسلام في تصحيح العقائد. ثمَّ تحدّثت في الفصل نفسه عن دور مدينة وارجلان السياسيِّ في الفترة المدروسة خارجا وداخلا. وبيَّنتُ أنَّها لم تكن يوما ما هي المعتدية على جيرانها بقدر ما كانت تتلقَّى الضربات من أعدائها ومنطلق هذا المسلك منطلق دينيٌّ يعطي صورة واضحة عن التصوُّر الإسلاميِّ الصحيح للعلاقات الخارجيَّة مع الأقطار الإسلامية المجاورة.
وخصَّصتُ الفصل الثاني للعمارة الإسلامية فتحدَّثتُ عن التخطيط العامِّ لمدينة وارجلان أوَّلا ثمَّ عن مساجدها المشهورة، وأنواع أماكن العبادة بها من مسجد مبني وسط المدينة إلى مسجد بدار الشيخ، إلى غيران يتعبَّد فيها، إلى قمم الجبال بعيدًا عن المدينة وضوضائها.
ثمَّ تناولت إشكالية الزخرفة لدى الإباضية وأقوال العلماء فيها ثمَّ بيَّنتُ أنَّ العمارة الإسلامية تراعي مطالب شرعية من السترة والبساطة في البناء وأنَّها تكفل السعادة للأفراد والجماعات بتوفُّر هذه الضوابط.
وخصَّصتُ الفصل الثالث للحياة الدينيَّة والفكريَّة فتحدَّثت أوَّل الأمر عن المذهب الإباضيِّ ونشأته، وبيَّنتُ كيفية انتقاله إلى المغرب بواسطة أفراد قلائل يحملون العلم والدين معا، فخصَّصتُ جزءًا من الفصل للنظام التربويِّ الدينيِّ الذي أنشأه الإباضية ليكفل لهم الحفاظ على كيانهم الدينيِّ واستمرارهم الفكريِّ.
ثمَّ ذكرت أشهر مشايخ وارجلان في الفترة المدروسة ونتاجهم الفكريِّ آملا أن يعطي ذلك صورة واضحة عن المستوى الثقافيِّ الذي وصلت إليه وارجلان في ذلك العهد. (1/11)
صفحة 12
وأمَّا الفصل الرابع والأخير فقد تحدَّثتُ فيه عن الحياة الاقتصاديَّة وأغلبه يرتكز على التجارة مع السودان لوجود الذهب هناك، فتتبَّعتُ المسالك وجزَّأتها إلى أربعة مسالك كبرى، ومجموع المدن الكبرى للمسلك الواحد من الشمال إلى الجنوب عبَّرت عنه بمجموعة أسواق، وتتبَّعتُ وصفها ووصف المدن المهمَّة بها واستقصيتُ المصادر الإباضية عن علاقة الوارجلانيِّين بها، وعن أبعد نقطة وصلوا إليها وسكتوا عمَّا بعدها، ثمَّ بيَّنتُ أهم السلع المتبادلة كالذهب والملح والعبيد وغيرها، ثمَّ تحدَّثتُ عن الزراعة ورعي الأغنام رغم شُحِّ المعلومات.
أمَّا الصناعة فسكتتُ عنها مثلما سكتت المصادر، إلاَّ ما تحدَّثت عنه عرضا دون تفصيل لعدم توصُّلي إلى المعلومات المؤسِّسة لفصلٍ كامل، ثمَّ تحدّثت في خاتمة الفصل عن النتائج وركَّزتُ فيه على نشر الإسلام بواسطة التجَّار الإباضيين في السودان.
وفي خاتمة البحث لخَّصتُ نائجه وصنَّفتها حسب ترتيب الفصول. وللوصول إلى نهاية هذا البحث تطلَّب منِّي ذلك سنوات من العمل المتواصل اعترضتني أثناءها صعاب احتجتُ إلى جهود كبيرة لتخطِّيها:
1 - ندرة المصادر التي تتكلَّم عن وارجلان في جميع المناحي التي يحتاج إليها موضوع الرسالة أدّى إلى البحث عنها داخل الوطن وخارجه.
ففي داخل الوطن نذكر بعض المدن التي توجد بها مكتبات تخدم الموضوع من قريب أو بعيد.
فمثلا مدينة وارجلان زرتُ مكتبة الشيخ أعزام الحاج إبراهيم، ومكتبة الشيخ عمر ابن داود بومعقل، ومكتبة آل الفقيه، وحول وارجلان قرية نقوسة وعجاجة، ومكتبات أخرى بقرى وادي ميزاب، وبعض مكتبات على طريق التجارة إلى السودان بـ”توات“ مثل مكتبات أدرار، المطارفة، ملوكة.
وفي شمال الوطن المكتبة الوطنيَّة والجامعيَّة.
أمَّا خارج القطر فقد زرتُ مكتبات أوروبا، ففي فرنسا زرت المكتبة الوطنيَّة بباريس، ومكتبة اللغات الشرقيَّة، ومكتبة السربون، ومعهد العالم العربي بها ومصلحة (1/12)
صفحة 13
الأرشيف بـ”إكس أن بروفونس“ قرب مارسيليا، ومكتبة برلين الغربيَّة بألمانيا، ومكتبة جاجلونيا بجامعة كراكوفيا ببولونيا، ومكتبة المخطوطات واللغات الشرقيَّة ببراغ تشيكوسلوفكيا، والمكتبة العلميَّة لجامعة لفوف بالاتحاد السوفياتي أخيرًا.
وأمَّا مكتبات البلدان العربيَّة فمنها مكتبات القاهرة بمصر وأخصُّ بالذكر منها: دار الكتب المصريَّة، والهيئة العامَّة للكتاب، ومكتبات تونس؛ منها مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، والمكتبة البارونيّة بجربة، ومكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوَّرة، ومكتبة الشيخ السالميّ ببدية سلطنة عُمان.
هذا دون التعرُّض لذكر مكتبات خاصَّة أخرى لا يسع المجال لذكرها.
2 - صعوبة قراءة المخطوطات القديمة أو مصوَّراتها، فأغلبها قد أكلته الأرضة، أو بهتت كتابتها، أو غمضت خطوطها.
3 - مشقَّة تصوير ما أمكن تصويرُه ممَّا كتبه الأوروبيُّون عن وارجلان من مختلف المكتبات والمراكز الثقافيَّة بالخارج وجلبه إلى أرض الوطن.
4 - متاعب انجرَّت من اهتمام مؤلفي كتب طبقات المشايخ بذكر أسمائهم أو جزئيات عنهم دون الاهتمام بمراكزهم الاجتماعيَّة أو انتاجهم الفكريّ.
5 - صعوبة التوفيق بين الآراء الموالية للإباضيين والآراء الناقمة عليهم.
ومن الصعوبات التي لا يمكن تجاهلها كثرة الأسفار إلى مكتبات شمال الوطن والانقطاع عن العمل من أجل التفرُّغ للبحث والابتعاد عن الالتزامات العائليَّة وإنزالها من الضروريَّات إلى الحاجيَّات.
ومع هذا كلِّه لا أشعر إلاَّ بضآلة ما قدَّمت من مجهودات أمام التراث الإسلاميِّ الضخم الذي يخصُّ منطقة وارجلان وغيرها، فهو بحاجة إلى استقصاء أوسع، وجهود مكثَّفة أكثر من الأفراد والجماعات والهيئات، حتَّى يحفظ من الضياع. والله من وراء القصد.
عمر بن حمو سليمان بوعصبانة (لقمان) (1/13)
صفحة 14
المختصرات
ت: توفّي
تأ: تأليف
تحق: تحقيق
تر: ترجمة
ج: جزء
د: دكتور
د. تا: دون تاريخ
ص: صفحة
ط: طبعة
ق: قرن
م: ميلاديّ
مج: مجلّد
مخ: مخطوط
م. س: مصدر سابق
م. ن: مصدر نفسه
مط: مطبعة
هـ: هجريّ
/ .. : عن اليمين التاريخ الهجريّ وعن اليسار التاريخ الميلاديّ (1/14)
صفحة 15
مدخل (1/15)
صفحة 16
[صفحة بيضاء] (1/16)
صفحة 17
نقد المصادر والمراجع
لقد استقيتُ معلوماتي في هذا البحث من مصادر ومراجع عديدة وبما أنَّ الموضوع يمسُّ منطقة وارجلان وهي ذات صبغة إباضية فإنَّ المصادر التي اهتمَّت بها في الغالب إباضية ولقد وردت الإشارات إلى بعضها والتعريف بها خلال البحث، ولذا فإنَّنا سنعالج هنا مدى إفادتنا من بعضها محاولين عدم تكرار ما سيأتي في محلّه إلاّ ما كان من باب التوضيح والضرورة.
المصادر الإباضية
تعدُّ المخطوطات الإباضية من أهمِّ المصادر التي يمكن الرجوع إليها لمعرفة أصول المذهب، أو فقهه أو تاريخه أو تاريخ رجالاته، وما يغلب على المخطوطات الإباضية تركيزها على الناحية الشرعيَّة وعدم اهتمامها إلى حدٍّ كبير بالتاريخ أو بالفنون، فإذا تناولت التاريخ فمن باب الاعتبار، فتذكر المشايخ ليتأسَّى الخلف بمناقبهم، وتذكر العمارة للمحافظة على حقوق الجوار وهكذا ...
وإنَّ أقدم مؤلَّف إباضيٍّ في التاريخ أمكننا الاطِّلاعُ على مضمونه هو كتاب «شرائع الدين» لابن سلام اللواتي ت 273هـ / 887م وقد تناول شرائع المسلم في أسلوب حواريٍّ (بمجموعة أسئلة) يعلِّمه فيها كيف يجيب عنها فيما إذا طُرحت عليه، كما أفاد من وصف حال البربر المسلمين وتشوُّقهم لأخذ القرآن من العرب السابلة، وأورد أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فضل البربر، ولعلَّها موضوعةٌ لغرض الترغيب، وأوردنا واحدًا منها دون التوصُّل إلى تخريجه أو الحكم عليه، لكون المؤلَّف القديم المغمور رأى النور حديثًا، والحديثُ لا يُؤسِّس حكمًا ولا يعارض نصًّا قرآنيًّا. (1/17)
صفحة 18
كتاب «السيرة وأخبار الأئمَّة» لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر الوارجلاني؛ وهو من أهم المصادر، لكونه عاصر فترة مهمَّة من الحقبة المدروسة لحضارة وارجلان الإسلامية. كما اهتمَّ بجميع المناطق الإباضية المغربية قديما، وأخصُّ بالذكر أريغ وأسوف وجبل نفوسة وجربة إلى جانب وارجلان.
والمؤلِّف من أقرب المؤلِّفين الإباضيين إلى نشأة نظام حلقة العزَّابة، ولذلك يُعدُّ كلامه عنهم من أوثق الأخبار, إذ أنَّه من علماء الطبقة العاشرة (450هـ / 500هـ) كما روى جلَّ أخباره وأحاديثه عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزَّاتي المتوفَّى سنة 471هـ / 1078م. والمخطوط المحقَّق من طرف عبد الرحمن أيُّوب، أوفى وأشمل من غيره.
كتابُ سير أبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني، ألِّف في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، يهتمُّ بالمسائل الفقهيَّة، إلى جانب ذكر سير المشايخ، وأسماء الأماكن القديمة، والقرى المندثرة، ولا يزال الكتاب مخطوطا إلى حدِّ اليوم.
ويُعتبر كتاب «الطبقات» لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني المتوفَّى سنة 670هـ / 1271م أهمَّ كتاب يتناول الفترة المدروسة إلى نهايتها، فقد ألَّفه سنة 650هـ /1253م. وأهمُّ ما تناول فيه ذكر مناقب المشايخ وطرق تحصيلهم على العلم, وحِلَق الدراسة، ورغم معاصرته لنهاية سدراتة وخراب وارجلان فإنّه لم يتوسَّع في وصف تلك الأحداث، ولعلَّ التزامه بطريقة معيَّنة في التأليف فرضت عليه ذلك. إذ الكتاب أصلاً كُتب بطلب من إباضية عُمان بغية التعرُّف على مناقب أسلافهم بالمغرب بعد أن عَمِيَت عليهم أخبارُهم. وبما أنَّ كتاب أبي زكرياء لم يَفِ بالمقصود لضُعف الأسلوب والتعبير كان على الدرجيني أن يؤلِّف هذا الكتاب مُضمِّنا إيَّاه ما وجده لدى كتاب أبي زكرياء. (1/18)
صفحة 19
كما كتب بعده البرادي كتابه «الجواهر المنتقاة لما أخلَّ به كتاب الطبقات» مصحِّحا لما وجده فيه من نقص فيه، ومن بين ذلك إضافة الطبقة الأولى التي أهملها الدرجيني من باب المعروف لا يُعرَّف. بينما عدَّ البرادي ذلك هفوة، ومن أبرز ما وضَّحه البرادي في كتابه نظام حلقة العزَّابة إلى جانب ما كتبه الدرجيني.
أما كتاب السير للشمَّاخي ت 928هـ / 1522م فقد كان إلى عهد قريب مطبوعا طبعة حجريَّة، ثمَّ تكلَّفت وزارة التراث القومي بسلطنة عُمان بطبعه طبعة جديدة في مجلَّدين، بتحقيق الشيخ أحمد بن سعود السيابي، غير أنَّ الطبعة العمانيَّة فيها أخطاءٌ في الأسماء البربريَّة والأماكن المحلِّية لبعدها عن المألوف العربي، كما أنَّ المحقِّق لم يفصل بين الطبقات إذ الطبقة تعني مجموعة رجال عاشوا ضمن نصف قرن، والقرنُ الأوَّل مثلاً يحتوي على الطبقة الأولى والثانية.
وقد اهتمَّ الشمَّاخي بذكر مشاهد جبل نفوسة، ومساجدها وذكر مشايخ الإباضية، ونسبتهم إلى قبائلهم البربرية كزناته وهوارة وتناوتة وغيرها.
وقد بدأ كتابه بسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين منتهيا إلى عهده.
مخطوطة «أصول الأرضين» لأبي العبَّاس أحمد بن محمد بن بكر ت504هـ/1110م، والكتاب فريد من نوعه في المغرب الأوسط، مهتمًّا بالعمارة الإسلامية من الممكن أنَّه استقى معلوماته من السنَّة المطهَّرة, وذلك ما لمسناه من مطابقة الأعراف التي ذكرها في كتابه من الأحاديث التي وردت في كتاب الخراج ليحيى بن آدم القُرشي المتوفَّى سنة 203هـ/818م.
ويُعدُّ كتاب الدليل والبرهان للشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (500هـ/1106م- 570هـ/1174م) من أهم الكتب التي جمعت (1/19)
صفحة 20
شتَّى الفنون, كالشريعة والتاريخ والحكم والهندسة وغيرها. كما وصف أبو يعقوب فيه الأماكن التي وصل إليها في أواسط إفريقيا من بحيرة تشاد الآن، ويُعدُّ خير دليل ومصدر عن تجارة العبيد والذهب والملح.
المصادر غير الإباضية
يعدُّ كتاب أخبار الأئمَّة الرستميين لابن الصغير (ق 3هـ) أقدم مؤلَّف تحدَّث عن الدولة الرستمية، وشهادات ابن الصغير على عدل الأئمَّة الرستميين مصدر ثقة لأغلب الدارسين لكون المؤلِّف معاصرًا للإمام أبي اليقظان (261هـ / 281هـ)، ولعدم انتمائه مذهبيًّا إلى الإباضية، ولقد برز الكتابُ لأوَّل مرَّة بعد انعقاد مؤتمر المستشرقين بالجزائر سنة 1905م.
أمَّا كتاب «المُغرِب في ذكر بلاد أفريقيا والمَغرِب» وهو جزء من «المسالك والممالك» للبَكري ت 487هـ / 1094م، فقد وصف السودان الغربي: مُدنَه ومسالكه وعدد المراحل بين المدن، وقد اتفقت قصَّته لكيفية نشر الإسلام في السودان الغربي، وإسلام ملكها على يد التاجر المسلم مع ما أورده الدرجيني في كتابه «طبقات المشايخ»، وما أورده الباروني في كتابه «الأزهار الرياضية»، وأمكننا بفضل ما أورده د. أحمد حسين إلياس في محاضرته بندوة العلماء الأفارقة بالخرطوم سنة 1983م تحت عنوان: «دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي»، أن نتوصَّل إلى حقائق أدق في معرفة انتشار الإسلام في السودان الغربي.
كما أنَّ ابن بطوطة (704هـ - 779هـ / 1304م – 1377م) تحدَّث كثيرًا عمَّا رآه وشاهده في رحلته التي كانت تسمَّى «تحفة النظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» وأبرز ذلك في أسلوب قصصيٍّ شيِّق. وتعرَّفنا من خلال حديثه على مكان وجود الإباضية أي قرية ”زاغاري“ قرب ”إيوالاتن“ حيث وجد قبلية (1/20)
صفحة 21
”صغتغو“ من البيت تسكن إلى جانب تجَّار السودان. وملاحظاته تفيد الباحث ولكنَّها دائما في حاجة إلى تمحيص لأنَّها شهادات عابر.
أما ابن خلدون (ت808هـ/ 1405م)، فقد كانت مقدمته وتاريخه بأجزائه المتعددة، وبالأخص (7، 8، 11، 12، 13) مصدرًا لكثير من المعلومات؛ فقد اهتمَّ بالقبائل البربرية الموجودة بمنطقة وارجلان، ومنهم عرب المعقل. وقد بيَّنَت شهاداته بوضوح الفرق بين أعراب بني هلال وبني سليم الذين عاثوا فسادًا. كما تابع ابن خلدون أخبار الثائر أبي مخلَّد بن كيداد اليفرني، وابن غانية الميورقي، بينما لم يهتم بذكر الدولة الرستميَّة، وهذا ما آخذه عليه جلُّ الدارسين.
المراجع الحديثة:
من أهم المراجع التي جمعت أقوال المؤرِّخين عن وارجلان قديما وحديثا مخطوطة «غُصن البان في تاريخ وارجلان» للشيخ أعزام الحاج إبراهيم ت 1965م؛ فقد تحدَّث عن وارجلان مستعينًا بوثائق كانت بين يديه، إضافة للمصادر البشريَّة التي روى عنها وبما رآه بنفسه، ويتعرَّض الكتاب في بعض الأحيان لجزئيَّات لا فائدة لذكرها البتَّة، وهو لا يزال مخطوطا.
وقد تأثَّر به الشيخ علي يحيى معمَّر الليبي النفوسي وألَّف كتابه الإباضية في الجزائر وخصَّ جانبا منه عن وارجلان وقسَّم تاريخها إلى حقب زمنيَّة متميِّزة، كما استطاع أن يحلِّل ويناقش الأفكار والحوادث التي تمرُّ عليه في أغلب كلامه بذكاء وفكر متفتِّح نزيه. ويُضاف إلى ذلك جميع ما كتبه من حلقات الإباضية في موكب التاريخ وله صلة بالموضوع، مثل حلقة ليبيا وحلقة تونس ففي هذين الأخيرين ورد ذكر الشخصيَّات الإباضية التي لها علاقة وطيدة بوارجلان. (1/21)
صفحة 22
وبعد الجزء الثاني من كتاب الأزهار الرياضيَّة من المراجع المهمَّة لكثير من الباحثين وخاصَّة المهتمِّين بالدولة الرستمية، ومن جملة ما تعرَّض لذكره المدن القديمة الموجودة على طريق القوافل.
ويُعدُّ كتاب «الدولة الرستمية» للأستاذ بحَّاز إبراهيم بن بكير أحسن كتاب استقصى الحقائق عن الدولة الرستمية بمنهجيَّة جيِّدة، وهو في الأصل بحث نال به صاحبه درجة الماجستير في بغداد. وتُعدُّ الفترة التي انتهى إليها بحثه بداية لانتقال النفوذ الإباضيِّ من تاهرت إلى وارجلان، ونهاية لنظام ”الظهور“ قبل بداية نظام ”الكتمان“ الذي سيظهر بعد قرن من الزمان.
كما تحدَّث المؤرِّخ محمد علي دبُّوز عن نفس الفترة في كتابه تاريخ المغرب الكبير في الجزء الثالث وتعمَّد التعرُّض للحقائق التاريخية ضمن أسلوب أدبيٍّ بلاغيٍّ لتشويق المطالعين، ولكنَّه قد لا يروق كثيرًا الباحثين الأكادميِّين الذين يبحثون عن حقيقة بعينها.
كما يعدُّ كتاب نظام العزَّابة في جربة للأستاذ فرحات الجعبيري دراسة مفيدة للتعرُّف على نشأة هذا النظام وتطوُّره في جربة، غير أنَّه مقتصر على المكان الذي حدَّده الدارس له، وهو في الأصل بحثٌ قدِّم لنيل درجة الدراسات المعمَّقة بتونس.
وقد كتب الدكتور عوض خليفات كتابه نشأة الحركة الإباضية وهو من أهمِّ الكتب من حيث التركيز والتدقيق، ولقد اعتمد على مخطوطات مشرقية ومغربية كثيرة إلى جانب تحرِّيه الحقائق ومعالجته الأفكار بموضوعية دون تحيُّز أو ميول. كما يعدُّ كتابه الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ملخِّصا للأوَّل. وكتابه النظم الاجتماعيَّة والتربويَّة عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان فإنَّه يعدُّ مرجعا مفيدًا لنظام العزَّابة، غير أنَّ اعتماده الكبير على طبقات الدرجيني، والجواهر المنتقاة للبرادي، يدعو الباحث للرجوع إلى المصادر المتوفِّرة أحسن. (1/22)
صفحة 23
ومن المصادر المفيدة في الموضوع كتاب العلاقات الخارجية للدولة الرستمية لجودت عبد الحكيم يوسف وهو كتاب أكاديميٌّ جمع معلومات شتَّى من المصادر الإباضية وغيرها ومن المراجع الحديثة، ومن خلال دارسته للناحية الاقتصاديَّة توجد تلميحات عن أهمية وارجلان التجاريَّة.
كما أنَّ كتاب انتشار الإسلام في القارَّة الإفريقية لحسن إبراهيم حسن يعطي صورة عن انتشار الإسلام في القارَّة، تفيد الباحثين لمعرفة الجهود المبذولة في هذا الصدد، وأرفق المؤلِّف كتابه بخرائط توضيحيَّة.
بعض المراجع الأجنبيّة
كما اهتمَّ بوارجلان كثيرٌ من الكتَّاب الأجانب بشتَّى اللغات بالفرنسية والألمانيَّة والبولونيَّة.
فأبرز من خصَّص لوارجلان كتابا كاملا هو الأب «جون ليتيو» تحت عنوان: «وارجلان مدينة صحراويَّة من القديم إلى مطلع القرن العشرين»؛ وهو كتاب بالفرنسية تحدَّث بتركيز عن وارجلان من الناحية التاريخيَّة، وحاول قدر استطاعته نسبة أصول أسمائها البربرية إلى البولونيَّة والرومانيَّة، ولم يركِّز على الفترة الإسلامية من حيث الإسهام الحضاريِّ وفي كتابه كما سنرى في بعض فقرات البحث معلومات غريبة لم نجدها في أيِّ مخطوط كان، وقد أثار بذلك إشكاليات لا تزال بحاجة إلى استجلاء.
كما كتب عن وارجلان بالفرنسية والبولونية المستشرق «تاديوش ليفتسكي» وهو معاصرٌ استفاد من مجموعة «زي?مونت سمو?ورفسكي» (ت 1931م) وقد جمع هذا الأخير من ميزاب مخطوطات كثيرة بداية من سنة 1913 و1925م رجع بها إلى «لفوف». وبعد الحرب العالمية الثانية انتقل جزءٌ منها إلى «كراكوفيا»، وهي تحت (1/23)
صفحة 24
حوزة «تاديوش ليفتسكي» الآن، وجزء بقي في «لفوف» بعد ضمِّ هذه المدينة البولونيَّة إلى أراضي الإتحاد السوفياتي سباقا.
فكانت مقالات «تاديوش ليفتسكي» انعكاسًا عن ثروة المخطوطات التي هي بين يديه، فكتب جلَّّ مقالاته بتركيز واصفًا بدقَّة متناهية المسالك المنطلقة من وارجلان إلى شتَّى الجهات في مقاله ”دراسات سودانية ومغربية“ كما كتب عن تراجم المؤرِّخين الإباضيين وعن الوسياني والشمَّاخي في مجلَّة الدراسات الإسلامية.
كما كتب «لارجو» الفرنسي كتابه بالفرنسية عن بلاد أريغ ووارجلان واصفا إيَّاها في رحلة عابرة، ولكن الحقائق القديمة وخاصَّة عن نشأة وارجلان غير مركَّزة وفيها اعتماد كبير على أقوال العوام ممَّا جعل معلوماته غير موثوقة.
وللإشارة إلى ما اعتمد عليه الباحث في الموضوع تكفي الإشارة إليه في الهوامش والفهارس.
تعريف الحضارة
أ ــ الحضارة لغة:
حضر, الحضور, نقيض المغيب والغياب. والحضر: خلاف البدو. والحاضر خلاف البادي. ويستدلُّ ببيت القطامي (1) إذ يقول:
فمن تكُنِ الحضارةُ أعجبتهُ فأيُّ رجال باديةٍ ترانا
__________
(1) - القطامي: هو عمير بن شيم بن عمرو بن عباد، شاعر غزل فحل توفي سنة 130هـ / 747م. ينظر: الزركلي، الأعلام، ج 5، ص 264 (حرف القاف). (1/24)
صفحة 25
وفي الحديث: «لا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ». ويقال فلان حضريٌّ وفلان بدويٌّ (1).
وعند الغربيِّين: تُطابق كلمة الحضارة كلمة المدنيَّة التي تعني عند العرب: التنعُّم بسكنى المدُن, فكلمة civitas اللاتينية (جمع civitates) و civis تعني ساكن المدينة، ومنها اشتُقَّت كلمة civilisation بالفرنسية. وكلمة civilization بالإنجليزية. وكلمة zivilisation بالألمانية.
ويقابلها في اليونانية القديمة ما يعني الهمجية وهي كلمة Barbarus وغير المتحضِّرين Barbari. (2)
ولقد وقع ارتباكٌ كبير في استعمال الكلمات: حضارة، مدينة، ثقافة، ولقد ربط البعض كلمة culture بالزراعة وأنَّها مدعاة للاستقرار.
ويؤيِّد هذا ما وقع للإنسان القديم حيث لم يستفد كثيرًا من تجارب أخيه الإنسان إلاَّ بعد أن ارتبط بالأرض بواسطة الزراعة، بعد أن كان صيَّادًا يجري خلف الطرائد.
ب ـ الحضارة اصطلاحا:
لم يستعمل العرب كلمة الحضارة بمفهومها الحالي الذي تبلور بعد امتزاج الثقافات الغربيَّة والشرقيَّة، ولم يكن لها شيوعٌ على الألسن مثل ما هي عليه الآن.
فالقرآن الكريم مثلا لا نجد فيه إلاَّ كلمة «حاضرة» في قوله تبارك وتعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ التِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} (3).
__________
(1) - ينظر (حضر) عند: ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت 1375هـ / 1955م، ج7، مج 4، ص 197.
إبراهيم مصطفى ومن معه، المعجم الوسيط، مطبعة مصر 1960م, ص 180.
محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين دار المعرفة بيروت، لبنان، مج 3، ط3، 1971م.
(2) - عبد المنعم ماجد، تاريخ الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1963، ص:10, 47.
(3) - سورة الأعراف، الآية 163. (1/25)
صفحة 26
ويقابل الحضر والاستقرار، البداوة، والبدو والأعراب. وقد وردت الكلمة الأخيرة في القرآن الكريم في أكثر من موضع.
فإن لم تَرِد كلمة الحضارة في القرآن الكريم فهو مع ذلك مليءٌ بمدلولات الحضارة، من رعاية للناحية النفسيَّة، والمادية، والاجتماعية للبشرية كافَّة.
فالقرآن في أوامره ونواهيه، في رعايته الشمولية للحياتين الدنيوية والأخروية يراعي أرقى ما يمكن للإنسان أن يصل إليه.
وبرعايته للناحية العقدية يخلِّص الإنسان من أحطِّ الدركات التي يتخبَّط فيها.
ويرى بعض الدارسين أنَّ أوَّل من عبَّر من العرب عن معنى الحضارة باستخدامه مصطلح «العمران البشري» هو ابن خلدون في مقدمته (1).
كما أنَّ ابن خلدون يرى أنَّ أساس التطور هو التحوُّل من البداوة إلى الاستقرار وكما عرَّفها بأبسط من ذلك حيث يقول: «والحضارةُ إنَّما هي تفنُّن في الترف، وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني، والفرُش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله» (2).
ولعلَّ ما يقصده ابن خلدون في وقته من مباني ليس ما نفهمه الآن من تعريف للمدينة. فقد يعني المرحلة الأولى من الاستقرار وسط مجموعة من الدور بعد حياة البادية والخيام، وهذه المجموعة من الديار لا ترقى الآن إلى أبسط قرية حسب مفهومنا.
وهذا ما نلمسُه من كلام الدكتور محي الدين صابر في تعريفه للحضارة حيث يقول: «فالحضارة في اللغة تدلُّ على نوع خاصٍّ من الحياة، هو الاستقرارُ والإقامةُ
__________
(1) - سليمان الخطيب، أسس مفهوم الحضارة في الإسلام، الزهراء للأعلام العربي القاهرة. 1406هـ / 1986م. ص25.
(2) - ابن خلدون، المقدمة، مطبعة دار القلم، تونس 1984م، ج1, ص 223. (1/26)
صفحة 27
الدائمة، وليس ضروريا أن يكون ذلك الاستقرار في مدينة، بل الاستقرار نشأ تاريخيا في قرى صغيرة، ثمَّ تطوَّرت القرى بعد ذلك واتسعت وجاءت نشأة المدن متأخِّرة سواء منها القديم أو الحديث». (1)
ويؤيِّد هذا ما نراه بالنسبة للعواصم الحضارية القديمة على أهميتها في ذلك الحين فهي لا تعدو على مساحة القرى الحالية اليوم وهذه كلُّها معايير ماديَّة مضطربة لا تصلح إلى حدِّ ما لتكون مقياسا للحضارة.
فقد يكون المستوى المادِّي الذي يتذمَّر منه المتخلفون اليوم هو نفسه أو أقلَّ منه، كان نعيما وسعادة لحضارة بادت.
ولذا فأنَّ المفهوم الحقيقي للحضارة يجب أن يرتبط بمفاهيم ذات ضوابط قارَّة ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ بالتوازن بين الماديَّات والروحيَّات.
ج) الحضارة والإسلام:
لقد برزت حضاراتٌ قديمة تناولها العلماء بالتمجيد والدراسة مثل حضارة بلاد الرافدين، وحضارة اليونان، وحضارة مصر الفرعونيَّة، والحضارة الرومانية، والحضارة القرطاجية وغيرها.
واندهش العلماء لما تركته من آثار عمرانيَّة، وكتابة على الطين المشوي، ونحتٍ على الحجر الصلب، وعلى ورق البردي وعلى جوانب المسلاَّت البارزة, وفي المغاور والكهوف المظلمة!
وتناولوا دراسة معتقداتها وأفواج آلهتها ومقدَّساتها، وظهرت كذلك دراسات للأديان السماوية مثل اليهودية والمسيحيَّة من ذوي الاختصاص، فمجَّدت
__________
(1) - د/محي الدين صابر، التغيير الحضاري وتنمية المجتمع، دار المعارف مصر، 1962م, ص47. (1/27)
صفحة 28
أعمال التابعين لهذه الديانات أكثر من تمجيدها للدين اليهودي أو المسيحي نفسه، فصعَّدت البشر إلى مرتبة القداسة حتَّى جرَّأت هؤلاء على توزيع صكوك الغفران التي كانت سببا في ظهور المحتجِّين (أي المذهب البروتستاني).
وشاءت العناية الإلهية أن تجعل الإسلام محفوظ الرسالة، وبالتالي تكون كلُّ الأحكام التي تصدر عن نتائجها الحضارية ضوابط لا ينالها التغيير وقواعد سليمة صالحة لكلِّ زمان ومكان.
فلقد أرسل الله تبارك وتعالى محمَّدا - صلى الله عليه وسلم - برسالة تبدأ بتوحيد الخالق أوَّلا وتنتهي برعاية حياة الفرد اليومية أخيرًا. فقلبت هذه الرسالة السماوية الموازين في سرعة مذهلة فحوَّلت البَدو إلى ناس متحضِّرين، والوثنيِّين إلى ناس يحملون عقيدة رفيعة تجعلهم دائما يتفكَّرون من زاويتها في كامل مناحي حياتهم: في صلتهم بالله تعالى، في علاقاتهم بالعباد، في لباسهم، وأكلهم وشربهم، وفي كلِّ حركاتهم وسكناتهم.
فوضعوا عاداتهم وتقاليدهم البالية جانبًا، واعتمدوا على قوانين السماء مستقين كلَّ ذلك من القرآن والسنة.
فنجحت حياتُهم الفكرية والاقتصادية والعسكرية وجميع مناحي حياتهم الأخرى، فلم يكن أهم حافز لحياتهم تلك هو الدَّافع الدنيويُّ فقط، بل أهم حافز لذلك أيضا هو الحافز الأخروي بجانبيه: الترغيب والترهيب.
ولا يمكن أن نغفل بحال من الأحوال تأثُّر العرب المسلمين بغيرهم من الأعاجم وذلك بعاملين:
1 ـ عامل الفتوحات الكبرى.
2 ـ عامل دخول الأعاجم في الإسلام.
فأخذ المسلمون منهم ما يتلاءَم والإسلام وتركوا غيره. (1/28)
صفحة 29
فانصهرت جميع هذه الحضارات في بوتقة الإسلام، وذلك لما في الإسلام من مرونة.
ويرى الدكتور عبد المنعم ماجد أنَّ وصف الحضارة الإسلامية بالعربية الإسلامية، لا يعني ذلك نسبتها إلى سكان الجزيرة العربية وحدهم، بل المقصود بذلك جميع الشعوب والأمم التي تكلَّمت العربية، وعاشت في ظلِّ الإسلام وفي ظلِّ الخلافة الإسلامية. (1)
ولعلَّ من أهم النقاط المطروحة في شأن الحضارة هي مشكلة نسبة انحطاطها، إذ أنَّ أسباب نجاحها لم يقع فيها كبير خلاف في أنَّ المسلمين جميعا ساهموا في دفع عجلتها إلى الأمام.
ولكن تُهَمُ الخراب يوجِّهها بعض المؤرِّخين إلى العرب وحدهم دون غيرهم، ولعلَّه من الأحسن إلقاءُ بعض الضوء على هذه الإشكالية وإزالة بعض اللَّبس عنها.
نجد ابن خلدون حينما يقوِّم الحضارة الإسلامية يعزو خرابها إلى الجنس العربي. ويرى أنَّه لا يَحِلُّ العرب بمكان إلاَّ وأسرع الخراب إليهم. (2) وأنَّه لا يستقيم لهم أمرٌ لغلظتهم وجفائهم, ولا تجتمع لهم كلمة إلاَّ إذا كانت النبوَّةُ فيهم، وأنَّهم ينزعون حجارة المباني لأثافي القدور، وينزعون خشب المنازل ليعمدوا بها خيامهم!
وحسب ما ورد من كلام ابن خلدون وخاصَّة الأخير منه، كان يقصد الأعراب لا العرب (3)، وهذا ما لاحظه الدكتور عبد الوهاب عزام في تقديمه لكتاب «تاريخ الحضارة الإسلامية» لبارتولد.
__________
(1) - عبد المنعم ماجد، تاريخ الحضارة الإسلامية، ص 10
(2) - ابن خلدون، المقدمة، ج1، ص 197.
(3) - للاطلاع على الفرق بينهما ينظر: د / أحمد الشرباصي، حديث العروبة في الإسلام، مجلّة الهلال ـ القاهرة، جويلية1976م، ص5ـ15. (1/29)
صفحة 30
ويؤيِّدُ هذا حكمُ الله فيهم على بذاءة أخلاقهم وكفرهم ونفاقهم حيث يقول عزَّ وجلَّ: {الاَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} (1)، مع وجود الاستثناء حيث يقول عزَّ وجلَّ: {وَمِنَ الاَعْرَابِ مَنْ يُّومِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} (2).
ويصفهم أيضًا بضعف الإيمان: {قَالَتِ الاَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُومِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} (3).
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يفخَر بأنَّه عربي وليس بأنَّه أعرابي.
ولعلَّ هذا الحكم الشديد على الأعراب في القرآن ينبِّه هؤلاء لنبذ أخلاق البادية الشرسة وينبِّه للتحضُّر وعدم البقاء على صفات الحرابة وقطع الطريق، وعلى عدم الاعتماد في الرزق على الطرق السهلة من السلب والنهب واستحلال الدماء.
أمَّا العرب وخاصَّة الفاتحون منهم فقد قدَّموا للإسلام مفاخر وتركوا في العالم مآثر اعتز بها كلُّ مسلم عرَّبه القرآن وهذَّبه الإسلام.
وحسب هذا المفهوم تكون صفة «الأعرابية» صفة عارضة - وليست ذاتية - ملتصقة بكلِّ من اتصف بها. وبغير هذا المفهوم تكون اللعنة قد التصقت بهم إلى الأبد من فوق سبع سماوات.
وحينما تكون عارضة تكون قابلة للتحوُّل إلى «العروبة» وعاء الإسلام وحافظته في لغتها العربية الأصيلة، وإلى العقيدة الصحيحة للرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة والتابعين له بإحسان.
__________
(1) - سورة التوبة، الآية 97.
(2) - سورة التوبة، الآية 99.
(3) - سورة الحجرات، الآية 14. (1/30)
صفحة 31
ونجد من المفكرين المعاصرين الذين اهتمُّوا بالحضارة الإنسانية والإسلامية مالك بن نبي؛ فهو يرى أنَّ الفضل يرجع إلى ابن خلدون في فكرة الدورة، ونظرية «الأجيال الثلاثة» بالنسبة للحضارة.
فتبدأ الحضارة عادة في اتجاه صاعد إلى الأوج، ثمَّ بمرحلة الاستقرار في خطٍّ أفقي، ثمَّ تبدأ في النزول ثمَّ تأفل ـ (ورسم لها مالك بن نبي مخطَّطا هندسيًّا) (1) ـ ثمَّ يتوصَّل إلى نتيجة وهي أنَّه لقيام حضارة دينية إسلامية يجب أن تراعى ثلاثة أسُس وهي: الإنسان - التراب - الوقت.
فالإنسانُ: هو أداةُ الحضارة، وقد كرَّمه الله بالعقل حتَّى يسخِّره لاستثمار ما أنعم به عليه.
والتراب: فقيمة الأرض تزداد مع التطوُّر الحضاري، وتقلُّ مع التخلُّف والإهمال.
وقيمتها اجتماعية أكثر منها مادية، لذا يجب استغلالها وعدم تبذيرها، وإذا أردنا ذلك فعلينا بالكفّ عن الكلام والثرثرة حتَّى نسمع صوت خطى الوقت الهارب (2).
ومن هذه المقارنات يتبيَّن لنا بوضوح أنَّ الحضارة الإسلامية لا يمكن أن تطلق إلاَّ على الجوانب المادية التي اصطبغت بالدين الإسلامي، وغير ذلك يعدُّ خاليا من الروح، وما رقيُّه وازدهاره إذا خلا من هذا الاعتبار إلاَّ ازدهارًا مادِّيا يحمل بين طيَّاته بذور هدم البشرية بأسرها.
__________
(1) - ينظر: مالك بن نبي, شروط النهضة، تر/ عمر كامل مسقاوي، عبد الصبور شاهين, دار الفكر، بيروت ـ لبنان، ط 3، 1966م، ص 99، 214.
(2) - مالك بن نبي، شروط النهضة ص 214.
ـ د. محمد فتحي عثمان «كيف تتحقق لنا حضارة إسلامية» مجلّة الفيصل, الرياض المملكة العربية السعودية، ع 42، 1980م، ص 26 (1/31)
صفحة 32
فالتحضُّر إذًا لا يقاس بالثراء إلاَّ إذا كان اكتساب المال له وإنفاقه حسبما يأمر به الشارع، وبغير هذا الاعتبار سيكون الأعنياء الأنانيون أكثر تحضُّرا والبسطاء المتكافلون أكثر تخلُّفا، وسننظر إلى الدول الغنية اليوم ـ والتي تعيش شعوبها في تردٍّ عقدي، وخلُقي ـ نظرة التطوُّر والتحضُّر، بينما ننظر إلى الدول المغلوبة على أمرها مع تكافلها الاجتماعي نظرة التخلُّف والتأخُّر.
فالحضارة إذًا كما أسلفنا توازنٌ بين الروح والمادة دون تغليب أحدهما على الآخر، وذلك أمر الوسطية في الإسلام.
فدراستنا لمعالم الحضارة الإسلامية بوارجلان تتَّضح من هذا المنظور إلى هذه القيم، فقيمة وارجلان الحضارية لا تكمن في غناها فقط ولا بكثرة علمائها ولا بهندستها المعمارية، إنَّما تكمُن في الروح الإسلاميَّة التي امتزجت بحضارتها؛ فبتلاؤم الإسلام مع البساطة، بل بدعوته في كثير من الأحيان إليها ظهرت النتائج منعكسة على ضخامة النتاج الفكري والتلاحم الاجتماعي والاستقرار السياسي، والرخاء الاقتصادي وجمال العمارة البسيطة.
تعريف وارجلان
أ) أصل التسمية:
يعرِّف ياقوت الحموي وارجلان قائلا: «وارجلان: بفتح أوَّله وسكون ثانيه وفتح الجيم, وآخره نون: كَورةٌ بين إفريقية وبلاد الجريد، ضاربةٌ في البرِّ كثيرة النخل والخيرات ... واسمُ مدينة هذه الكورة ”فجوهة“» (1).
__________
(1) - ياقوت الحموي، معجم البلدان، منشورات الأسدي رقم 7، طهران، ج 4 ص 920 (1/32)
صفحة 33
ثمَّ يقول في مكان آخر: جوهة بالضمِّ ثمَّ بالسكون وفتح الهاء الأولى بليدة بالمغرب في أقصى أفريقية، وهي قصبة كورة مجاورة لبلاد الجريد تسمَّى ورجلان. (1)
ويقول الأستاذ أحمد توفيق المدني: «ورقلة، واسمها الأصلي بني ورجلان قصر من أبدع القصور البربرية في الجنوب الجزائري». (2)
ويرى الدكتور سعد زغلول عبد الحميد: «أنَّ لها أسماء كثيرة حسب المؤرِّخين ومنها ”واركلاء“، ”واركلي“، ”واركلان“، وأنَّ حرف الكاف قد ينطق كحرف الجيم المصرية» (3).
ويرى الشيخ إبراهيم أعزام أنَّ من أسمائها، وارجلان، واركلان, واركلا, وار?لا, وار?لة, ور?لة, وار?لان وقال: أنَّ المعروفة به الآن ”وارجلان“, و”ور?لة“ (4) كما استعمل الوسياني اسم ”كريمة“ وقصد به وارجلان. (5)
ب) معنى كلمة وارجلان:
يرى جون ليتيو JEAN LETHIELLEUX: أنَّ كلمة "وار" عند البربر تعني أولاد أو أبناء، وتأتي في بداية الاسم مثل: وارفجومة، وارفلا، وارسنيس. مأخوذة من كلمة ـ أروـ أرا ـ تعني النفاس، الوضع. وأكلي, إيكلان: فالأولى تعني: الأسود، والثانية تعني جمع ذلك أي السُّودُ عند اللغة الوارجلانية القديمة، أي أبناء الزنوج، أو أبناء السمر (6).
بينما ينسبها (لارجو LARGEAU) إلى امرأة يقول بأنَّها سكنت مكان المدينة حينما شنَّت الغارة على جبل كريمة وخرب ما حوله، فبنت كوخا وغرست نخلا فسُمِّيت المدينة باسمها. (7)
__________
(1) - م. ن, ج2,ص 162.
(2) - أحمد توفيق المدني، كتاب "الجزائر" المطبعة العربية، الجزائر،1350هـ, ص244
(3) - د/سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ المغرب العربي، دار المعارف ـ مصر، ص 73
(4) - إبراهيم أعزام، غصن البان في تاريخ وارجلان، مخ، ص4.
(5) - الوسياني، سير، مخ، كراكوفيا ورقة A 37.
(6) - ينظر:
JEAN LETHIELLEUX , OUARGLA, CITE SAHARIENNE, PARIS , 1984, P20.
(7) وينظر:
LARGEAU،LE PAYS DE RIRHA, P156.
ونرى في هذا القول خلطا كبيرا من ”لارجو“ إذ أنَّ الذين حاصروا جبل كريمة هم العبيديون سنة 297هـ ووارجلان قائمة. وزيارته لوارجلان كانت عابرة ولا تكفي لأخذ الحقائق. (1/33)
صفحة 34
وخلاصة القول في هذا أنَّ اسم «وارجلان» على هذا الشكل استعملته المصادر القديمة؛ فقد استعمله أبو زكرياء في كتابه السيرة وأخبارالأئمة، والدرجيني في طبقاته، والوسياني في سيره، وهم أهل المنطقة وهم أدرى بالاسم وبمدلوله، ولذا فأنَّنا نرجِّح استعمال اسم «وارجلان» في كامل صفحات الرسالة.
ج) تاريخ تأسيس وارجلان:
تضاربت الأقوالُ كثيرًا حول زمن تأسيس مدينة وارجلان غير أنَّ الأكيد كما هو معروف، تواجدُ الإنسان في هذه المنطقة منذ أمد بعيد ويرجعه العلماء إلى العصر النيوليتيكي ـ أي العصر الحجري الحديث ـ ولكن متى بنيت مدينة وارجلان التي نحن بصدد الحديث عنها؟
يؤرِّخها الحسن بن محمد الوزَّان الفاسي قائلا: وركلة مدينة أزلية بناها النورمانديون في صحراء نوميديا (1).
بينما يرى (ليتيو LETHIELLEUX): أنَّ الشيخ حادور أتى مع جماعة من الزنجباريين وبنوها وسُمِّيت نسبة إلى سمرتهم كما مرَّ، وكان تشييدُها سنة (726م/108هـ). (2)
أمَّا (دوفيريي DUVERIER) فيرى أنَّها من أقدم مدن الصحراء ومن غير الممكن أن نحدِّد لها تاريخا دقيقًا. (3)
__________
(1) - الحسن بن محمد الوزان، كتاب وصف إفريقيا، تر/ د. محمدحجي، د. محمد الأخضر، الشركة المغربية للناشرين المتحدين – المغرب، ط1, 1402هـ/ 1982م، ص 136
(2) - J.LETHIELLEUX,OP.CIT.,LOC.CIT
(3) - IBID.P.35 (1/34)
صفحة 35
أمَّا المؤرِّخ ابن خلدون فلم يحدِّد لنشأتها تاريخا، ويرى أنَّ بني وركلا بطنٌ من بطون زناتة، كانت مواطنهم قِبلة الزاب واختطُّوا وارجلان على ثماني مراحل من بسكرة في القبلة عنها ميامنة إلى المغرب بنوها قصورًا متقاربة ثم استبحر عمرانُها فصارت مصرًا واحدا. (1)
__________
(1) - ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني - لبنان 1981م مج 7,ص 107. (1/35)
صفحة 36
[صورة] (1/36)
صفحة 37
الفصل الأول
الحياة الاجتماعية والسياسة (1/37)
صفحة 38
[صفحة بيضاء] (1/38)
صفحة 39
مدخل جغرافي
كانت وارجلان وما جاورها في الأزمنة الماضية منطقة جاذبة للسكَّان أكثر من كونها طاردة لهم.
فلقد عرفها الإنسان في العهد النيوليتيكي وعاش فيها، وترك فيها آلاته الحجرية الدقيقة التي كان يستعملها في حياته اليومية. (1)
ولم تكن المنطقة تعرف الفاصل الصحراوي، بل كانت كلُّها غابات متلاصقة الأشجار، بها من الأنهار العظيمة مثل نهر أغرغار والذي يرفده وادي مية.
فهذه الأودية اليوم أمحلت ونضبت مياهُها، وذلك بسبب التصحُّر التدريجي، ولم يبق لنا مصدرٌ تاريخي لتلك العصور إلاَّ الرسوم التي خلَّفتها يد الإنسان في الكهوف الصحراوية بعيدًا في الطاسيلي، وجذوع الأشجار المتحجِّرة في الغابات القديمة، ولا تزال هذه شاهدة على وجود فترة من الخصب وحياة للإنسان والحيوان معًا.
وبمرور الزمن بقي الإنسان هناك يبحث عن الماء والكلإ وينحسر انحسار الخصب والمطر فانعدمت حركته أو كادت في المناطق الجافَّة ونشطت حيث المطر أو الآبار الجوفية أو الينابيع الفوَّارة.
والخصب الذي رأته وارجلان وما جاورها وكان سببا في عمارتها إبَّان الفتح الإسلامي وبعده كان مصدره العيونُ الجارية والتي بلغ عددها إحدى وخمسين
__________
(1) 1 - GINETTE AUMASSIP, NEOLITHIQUE SANS POTERIE DE L OUED MYA, (BAS SAHARA),ALGER, SNED, 1972, P.138. (1/39)
صفحة 40
وألف عين (1)، ومنها خاصَّة عين الصفا التي تأتي مياهُها من سدراته إلى وارجلان، وعين القبائل في ناحية يفرن، وعين الحواس بناحية ن?وصة.
فصارت وارجلان الخصبة وسط الصحراء القاحلة محطَّ رحال القوافل التجارية ومحطَّ رحال الحجَّاج المتوجِّهين إلى بيت الله الحرام.
وأمَّها الناسُ من الجريد شرقًا، وسلجماسة غربا، وتاهرت شمالا، ومن السودان جنوبًا، فصارت مدينة ذات مركز وسيادة. ومع بزوغ فجر الإسلام قامت بمجهود كبير في احتضان الإسلام ونشره في القارَّة الإفريقية.
فعمرت المنطقة وعجَّت بالعلماء وكثرت فيها حلق الدراسة وارتفعت فيها مآذن المساجد وراجت فيها التجارة وظهر أثر تِبْر غانة في جميع مظاهر الحياة فيها.
وبرزت بجانبها حضارة إسلامية رفيعة بسدراتة، وبهرت أعين الأوروبيين بعد احتلالهم للمنطقة فتناولوها بالتنقيب والكشف والدراسة، فأثروا بها المتاحف الإسلامية والأوروبية ثمَّ توقَّفت التنقيبات بعدهم إلى اليوم.
ويمكن أن نحدِّد موقع مدينة وارجلان والقرى المجاورة لها بين 31 - 32 شمال خط الاستواء، و15, 5 – 30، 5 شرق خطّ غرينتش وترتفع عن مستوى سطح البحر 136م، تحفُّ بها المرتفعات من الجهة الغربية، والعروق الرملية و (القارات) (2) من الجهة الشرقية.
وينحدر السطح من الغرب إلى الشرق حيث تتجه إليها الأودية مثل وادي ميزاب، ووادي النساء، ومن الجنوب إلى الشمال حيث يتَّجه صوبها وادي مية. (3)
__________
(1) - أوراق مخطوطة من كراكوفيا (في حوزة تاديوش ليفتسكي)
(2) - ويعني بـ (القارات) هنا المرتفعات مثل قارة كريمة.
(3) - ينزل وادي ميه من هضبة تيدكالت إلى أن يصل إلى حاسي الجمل بعد 600 كلم وقد كان يعيق القوافل عن المرور عند طغيانه (ينظر الخريطة مع الملاحق) (1/40)
صفحة 41
فوادي النساء ووادي ميزاب يلقيان بمياههما بسبخة السفيون حيث يصل مستوى سطحها إلى 101م فوق مستوى سطح البحر وهذه الأودية لا تزال إلى حدِّ الآن تسيل من حين لآخر لأنَّ أحواض التلقي لمياهها شمالية.
أمَّا نهر مية فأنَّه يعدُّ من الأودية الميتة (1) مثل وادي أغرغار ولم يبق منه إلاَّ مجراه الذي غطَّت أغلبه العروق الرملية.
وحسب المظهر العام للسطح فأنَّ المنطقة تعرَّضت لحتٍّ كبير جدًّا، وذلك بالنظر إلى (القارات) ذات المستوى الواحد في الارتفاع، وقممُها المسطَّحة تدلُّ دلالة واضحة على مستوى سطح الأرض قبل أن تنخرها وسائل الحتِّ من أودية وأمطار ورياح. (2)
أمَّا بالنسبة للمناخ فلقد كانت المنطقة في الأزمنة السابقة مطيرة كثيفة الأشجار (3)، ولكثرة المياه آنذاك سكن الإنسان القديم المغاور المرتفعة على الحافة اليسرى لمجرى نهر مية.
وبعد ظهور فترات الجفاف والتصحُّر نزل الإنسان إلى بطن الوادي.
مناخُها قارِّيٌّ حارٌّ جافٌّ صيفًا وبارد جاف شتاء ويمتاز بالمدى الحراري الواسع سواء منه اليومي أم الفصلي. وهي من أكثر المناطق الصحراوية حرارة لبعدها عن المؤثّرات المحيطية، وخالية من الأمطار خلال كلِّ السنة تقريبا وتقرب من +50° حرارية في الظل صيفًا، وتسمَّى الرياح الحارة محلّيا
__________
(1) 1 - COUDREAU, LE PAYS DE WARGLA ET LES PEUPLES DE L'AFRIQUE, PARIS 1881.P.2
(2) - خريطة (1على 200.000) الصادرة من وزارة الأشغال العمومية والنقل. المعهد الوطني للجغرافية، باريس ( VII) العنوان: ورقلة ( OUARGLA.FEUILLE. N H 31 XXIV)
(3) 3 - LARGEAU, LE PAYS DE RIRHA P. 142. (1/41)
صفحة 42
(بالشهيلي) ويقول كودرو عنها: «ولعلَّ رياح الخمَّاسين ورياح الهرمطان تعدُّ نسيمًا عليلا بالنسبة للشهيلي» (1).
وموسم الرياح الرملية يبدأ عادة في بداية الربيع وذلك للاختلال الناجم عن تباين الضغطين: الضغط المرتفع الآزوري الطارد للرياح من المحيط الأطلسي، والضغط المنخفض الجاذب لها من حوض البحر الأبيض المتوسِّط، ولهذا فمنطقة وارجلان تُعدُّ ممرًّا للزوابع الرملية المتجهة من الغرب إلى الشرق صوب خليج قابس بالقطر التونسي. أمَّا التربة فتتميَّز في منطقة وارجلان بالفقر والملوحة وذلك للجاذبية الشعرية التي تجذب الرطوبة من الأسفل فتتلقَّاها أشعَّة الشمس فتحمل بخار الماء وتترك الأملاح المتحلِّلة من الصخور (2)، ولعلَّ هذه الأعراض لم تكن من قبل، وبالتالي فيكون الخصب في القديم أكثر والينابيع أوفر ممَّا عليه الآن.
__________
(1) COUDREAU، LE PAYS DE WARGLA P. 14.
(2) - وحديثا لإزالة ذلك يجري ما يسمّى بغسل التربة فتحفر أخاديد حتّى يخرج الماء المالح وتسقى الأرض بمياه عذبة من فوق حتّى تزول الملوحة. (1/42)
صفحة 43
المبحث الأول:
الحياة الاجتماعيَّة بوارجلان
كانت يغلب على وارجلان ـ لبُعدها عن التيارات السياسية الشمالية ـ في أغلب أحوالها الطابع البربري الصحراوي المتميِّز في أغلب مدن الجنوب المغربي، ولم تشهد جحافل جيوش الغزو الأجنبي، ولم تخضع للتيارات الأجنبية، أو للامتزاج العرقي مثل مدن الشمال.
ولقد تفطَّن الدارسون الأروبيُّون لهذا فصاروا يجدُّون في البحث كي يتحقَّقوا من التواجد الروماني في المنطقة.
فالكاتب (دارمانياك D ARMAGNAC) يشير إلى خضوع وارجلان لروما ودفع الضر ائب لها (1) كما نجد الكاتب ( DUMAS) يبرهن على تواجد الرومان في غرداية وفي منطقة بابا السعد بالذات (2). كما يحاول ( RENE POTTIER) أن ينسب القصر الأحمر الموجود بالقرارة إليهم. (3)
والبعض منهم يدخل من منفذ اللغة، ويحاول أن يجد أصولا إغريقية أو لاتينية لكلمات بربريَّة حتَّى إذا كثرت الأدلَّة صارت اللغة البربرية فرعا لها، وبالتالي تكون دليلاً على أنَّ البربر أبناء روما أو أثينا.
ولعلَّ أبرز من اهتمَّ بهذا المبشِّرون من الآباء البيض ومن بينهم الأب (جون ليتيو JEAN LETIELLEUX) الذي أجرى المقارنات البعيدة كلَّ البعد عن الحقيقة، وفي
__________
(1) - ينظر: LIEUTENANT D ARMAGNAC,LE M ZAB ET LES PAYS DES CHAAMBA, ( SAHARA)ALGER, EDITION BACONIER 1934,P.192
(2) 1 - DUMAS, LE SAHARA ALGERINE, PARIS PUB.LE MARECHAL DUC DALMATIE,1845,P.62.
(3) - ينظر: E POTTIER,HISTOIRE DU SAHARA،PARIS,N.E.L.1947,P.190.S (1/43)
صفحة 44
كثيرمن الأحيان يكون الاسم البربري قد تأثَّر باللغة العربية فيتخطَّاها جهلا أو تجاهلا إلى اللغة الأجنبية، فيُلصق الاسم البربري بها (أي باللغة الأجنبية).
من أبرز الدارسين للغة البربرية الوارجلانية الأب (جون دولور JEAN DELHEUR)، ولكن حسبما رأيت فدراساته مجرَّدة من المقارنات التي نراها لدى الأوَّل. (1)
بينما نرى البعض من المستشرقين يستغلُّ هذا الموضوع ويُفصِح صراحة بالتفرقة بين المسلمين بربرًا وعربًا، فلارجو LARGEAU يرى أنَّ البربر كانوا يعيشون في دَعَة وطمأنينة، فأتى إليهم المسلمُون العرب فأفسدوا عليهم حياتهم واستقلالهم. (2)
وكان المؤرِّخ التونسي عثمان الكعَّاك من جملة المؤرِّخين المسلمين الذين بيَّنوا نوايا الفرنسيين في سياسة الإدماج ونسبتهم للبربر إلى السلت - فرع من فروع الغال، والغال أصل الفرنسيين – وكانوا بهذه الادعاءات يريدون فصلهم عن العالم الإسلامي والعربي.
غير أنَّ المسلمين - عربا كانوا أم عجما - حينما حلُّوا بالوطن المغربي كانت في يدهم الحجَّة لفتحه، وهي أنَّ الأرض لله، والإسلام دين الجميع.
فكلَّما حلَّ المسلم أرضًا فهو في داره لا يحتاج إلى أدلَّة إثبات ولا إلى نسب أو مصاهرة.
ولا تبقي الدراسات الإسلاميَّة لهذا الجانب إلاَّ من باب التعرُّف من أجل التعارف.
وحتَّى يمكننا التعرُّف على الناحية الاجتماعية بمنطقة وارجلان تجب الإشارةُ لبنية السكان وأصولهم.
__________
(1) - ينظر: JEAN LETHIELLEUX, OUARGLA ... P.13
(2) 4 - LAGEAU،LE PAYS DE RIRHA, P.154. (1/44)
صفحة 45
أولا: بنية السكان:
يغلب على سكان المغرب العربي الجنس البربري، ولم يكن للبربر انصهارٌ وامتزاجٌ بغيرهم إلاَّ بعد مجيء الإسلام، وكان امتزاجُهم بالمسلمين عربا أو عجمًا، بينما لم يكن للبزنطيين والرومان إلاَّ حظّ الانتفاع بالموارد الاقتصادية دون التلاحم العرقي.
وقد تضاربت الآراء حول تسمية البربر، فالبعض يرى أنَّ اليونان هم الذين أطلقوا كلمة بربر BARBAROI والرومان أطلقوا كلمة BARBARI جورا وظلما ويقصدون بها الهمجيَّة والتوحُّش مرَّة وعلى الشعوب غير الرومانية مرَّة أخرى. (1)
ومع مرِّ الزمان قُبلت فصارت تُستعمل دون عقدة أو استهجان، غير أنَّهم يُفضِّلون كلمة ”إمازيغن“ أي الرجال الأحرار، أو الأشراف ومفردها ”أمازيغ“. (2)
وحينما نتصفَّح المؤلَّفات العربية القديمة نجد تعليلات أخرى لتسمية البربر.
فابن سلاَّم اللواتي الإباضي وهو من أقدم مؤلِّفي المغرب (توفي حوالي سنة 275هـ / 887م) يتحدَّث عن جماعة البربر التي قصدت الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - موفدة من طرف عمرو بن العاص وقد أسلموا، فحينما سألهم عن نسبهم أجابه أحد الحاضرين معه هؤلاء من ولد بر بن قيس، وبر بن قيس هذا كثر نسلُه في البراري فقالت العرب تبربروا أي كثروا. (3)
وبهذا يكون ابن سلاَّم قد أعطى تفسيرًا جديدا لكلمة بربر مغايرًا تماما لما قيل ناسبا إطلاقها للعرب.
__________
(1) - عثمان الكعاك: محاضرات في مراكز الثقافة بالمغرب، جامعة الدول العربية، القاهرة، 1958، ص6
(2) - العربي دحو، مدخل في دراسة الأدب المغربي القديم، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1988، ص17.
(3) - ابن سلاّم الإباضي، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر الإباضية، تح: ف شفارتز وسالم بن يعقوب، دار إقرأ بيروت – لبنان،1985،ص 146. (1/45)
صفحة 46
وأمَّا اليعقوبي (ت 284هـ / 8 – 897م) فيرى أنَّ ذلك نسبة إلى جدِّهم بربر بن عيلان بن نزار. (1)
وينسب ابن خلدون (ت 808هـ / 1405م) هذه التسمية إلى كلام إفريقش بن قيس بن صيفي من ملوك التبابعة حينما دخل إفريقيا غزا المغرب وسمع رطانة أهله فقال ما أكثر بربرتكم, أي اختلاط أصواتكم، ومنها بربر الأسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة. (2)
ولعلَّ أصوب تعليلٍ هو ما ذهب إليه اليعقوبي، فالبربر نُسبوا إلى جدِّهم والبقية كلُّها من قبيل الصدف والاشتباه.
ويجد الدارس صعوبات كثيرة في تحديد أصلهم وكيفية تفرعهم وأماكن تواجدهم وتوزُّعهم، وذلك لأنَّ البربر لم يتركوا شيئا مكتوبا يرجع إلى ما قبل الإسلام.
وحتَّى العرب لم يكونوا يعرفون شيئًا ذا بال عن البربر قبل الإسلام لعدم اتصالهم بهم؛ فحينما حلُّوا بشمال إفريقيا اهتمُّوا بالفتوحات الإسلامية. إضافة إلى ذلك يوجد فاصلٌ لغويٌّ كان عائقا في بداية الأمر دون معرفة خبايا هذا الجنس البشري.
وبالإسلام حصل الاتصالُ والتعارف، بل صار البربرُ أنفسُهم يكتبون عن أنفسهم إلى جانب المؤرِّخين العرب.
يرى اليعقوبي أنَّ البربر أنفسهم مختلفون في معرفة أصولهم؛ فالبعض منهم يرى أنَّ مساكنهم الأولى فلسطين، فأخرجهم بعض الملوك ولما ذهبوا إلى مصر،
__________
(1) - اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي (بلا مكان) بيروت، 1960م، ج1،ص 165.
(2) - ابن خلدون، عبدالرحمن، تاريخ، دار الكتاب اللبناني، بيروت – لبنان1981مج 6،ج11،ص 176. (1/46)
صفحة 47
مُنعوا النزول بها فعبروا النيل غربًا وانتشروا في البلاد. والبعض الآخر يرى أنَّ البربر من اليمن نفاهم بعض الملوك فقصدوا المغرب. (1)
بينما الإدريسي يؤكِّد أنَّ ديار البربر، فلسطين، حيث ملكهم جالوت بن ضريس بن جانة، أبو زناتة المغرب، ومنها فرُّوا إلى المغرب بعد أن قتل داود جالوت البربري. (2)
أمَّا الدكتور سعد زغلول عبد الحميد فيؤيِّد ما ذهب إليه ابن خلدون بأنَّ البربر أبناء كنعان بن حام بن نوح عليه السلام، ويرى عدم صحَّة قصَّة جالوت، وبأنَّهم أقارب الفلسطينيِّين وليسوا منهم.
ويقول الدكتور سعد زغلول إنَّ الروايات العربيَّة ذات طابع أسطوري. (3) بينما يرى الدكتور عمر الساحلي: أنَّ البربر أبناء الأرض التي نشأوا فيها، وكلُّ هذه المراحل التي تقدَّمت متأخِّرة عن مرحلة النشأة, والتي قد ترجع إلى خمسة آلاف سنة أو أقلَّ بقليل. (4)
وأنَّنا فعلا إذا استنطقنا الرسوم الموجودة في الطاسيلي إلى حدِّ الآن، واستندنا إلى دراسة المتخصِّصين في دراسة أعمار البشر سنجد التواجد البشري فعلا يرجع إلى خمسة آلاف سنة أو أكثر. (5)
__________
(1) - اليعقوبي، تاريخ، ج1,ص 165
(2) - الإدريسي، وصف إفريقيا، تح هنري بيرس، دار الكتب – الجزائر، 1957, ص 35.
(3) - د. سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ المغرب العربي، ص 82.
(4) - د. عمرالساحلي (باحث معاصر في أصول البربر) كتب تعاليقه على هوامش كتبه التي أعارها لي مشكورا في صائفة 1988 بالقاهرة.
(5) JEAN DOMINEQUE,LAJOUX,DES HOMMES VIVAIENT IL Y A 5000 ANS,LE COOPERATEUR DE France,1958,N°191,PP 8 - 9. (1/47)
صفحة 48
وأمَّا الكتابة التيفناغية فمع كونها دليلا على التواجد البربري إلاَّ أنَّها حديثة عهد، فهي نتيجة أجيال وحضارات سابقة ويرجعها البعض إلى القرن الثالث قبل الميلاد فقط. (1)
ومهما يكن من أمرٍ فلا يُستبعد أن يكون أصل سُكَّان المغرب قبل الإسلام مزيجا من سكَّان قدامى – عاشوا في العهود النيوليتيكية – بالموجات البشرية التي أتت من المشرق فكوَّنت سكَّان شمال المغرب ووسطه وجنوبه. ومن بينها الموجات الكنعانية وذلك بحكم الدليلين: الرسوم القديمة، واللغة الكنعانية الممتزجة باللغة البربرية.
أ) أشهر القبائل البربرية بمنطقة وارجلان
1 - قبيلة زناتة:
نسبهم: هم أبناء ”شانا“، أو ”جانة“ (2)
أصل التسمية: يقول ابن خلدون: «إنَّ زناتة من صيغة جانا التي هي اسم أبي الجيل كلِّه وهو جانا بن يحيى المذكور، وهم إذا أرادوا التعميم زادوا مع التاء نونا فصار جاناتن، ونطقهم بهذه الجيم ليس من مخرج الجيم عند العرب بل ينطقون بها بين الجيم والشين، وأميل إلى السين فصارت زانات لفظا مفردا دالاًّ على الجنس، ثمَّ ألحقوا بها هاء النسبة، وحذفوا الألف التي يعدُّ الزاي تخفيفًا لكثرة دورانه على الألسن، والله أعلم». (3)
__________
(1) - العربي دحو, مدخل في دراسة الأدب المغربي القديم، ص 30.
(2) - "هو جانة بن يحيى بن صولات بن ورساك بن ضرى بن مقبو بن قروال بن يملا بن مادغيس بن زجيك بن همرحق بن كراد بن مازيغ بن هريك بن برا بن كنعان بن حام" ينظر، ابن خلدون تاريخ، م7، ص 6, وينظر: الملحق الخاصَ بالأنساب (آخر الرسالة).
(3) - ابن خلدون، تاريخ، مج7، ص 3. (1/48)
صفحة 49
تتواجد زناتة ما بين غدامس والسوس الأقصى وبالقرى الجريديَّة وجبال طرابلس، وتتوزَّع على كامل المغرب، خاصَّة الأوسط منه إذ ينسب إليهم، فيقال ”وطن زناتة“ (1) ويوصفون بحذقهم، وركوب الخيل ومعرفة جيِّدة بعلم الكف (2) ويشبهون العرب في سكنى الخيام واتخاذ الإبل، ولغة زناتة متميِّزة عن سائر لهجات البربر. (3) ويتفرَّع عن زناتة:
بنو وركلا:
هم بطنٌ من بطون زناتة من ولد فرني بن جانا، وإخوانهم لذلك العهد ”يزمرتن“ و”منجصة“ و”نمالته“، ويعتبر بنو وركلا من هؤلاء أصغر فئة. لقد كانت مواطنهم قبلة الزاب واختطُّوا وارجلان على ثمان مراحل من بسكرة في القبلة عنها ميامنة إلى المغرب. (4)
ولقد أعطت القبيلة اسمها لوركلا أو وارجلان مثلما أعطت قبيلة سدراتة اسمها لمدينة سدراتة, وقبيلة نفوسة اسمها لجبل نفوسة (5). ولسنا متأكِّدين من صحَّة ما أورده (رينيه باسيه RENE BASSET) من أنَّ سكَّان وارجلان الحاليِّين: من بني سيسين وبني واكين وبني إبراهيم - والذين يعدُّون سُكَّانها الأصليِّين من القديم - يلتقون عند جدٍّ واحد - وهو أحد أبناء الورقلي - (6).
__________
(1) - ابن خلدون, م. ن، ص 3 - 4
(2) - الإدريسي، المغرب العربي من نزهة المشتاق، تح: محمد حاج صادق
(3) - ابن خلدون، م. ن, ص 3.
(4) - ابن خلدون، م. ن, ص 107.
(5) - ينظر: د. سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب) دار المعارف – مصر (بلا تاريخ) ج1،ص 93.
(6) 3 - RENE BASSET,LES MANUSCRITS ARABES DES BIBLIOTHEQUES DES ZAOUIAS DE AINMADHI ET TMACINE ET DE OUARGLA ET DE ADJEDJA.ALGER,I.O.OF.1886,P.60. (1/49)
صفحة 50
ب) بنو يفرن:
ومن أشهر القبائل الزناتيَّة بنو يفرن وهم أبناء يصليتن بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت بن جانا. وكانت من أوسع بطون زناتة. وقد فشا فيهم المذهب الإباضي والصفري. (1)
ج) بنو مغراوة:
حينما نرى إلى شجرة النسب يتبيَّن لنا أنَّ بني مغراوة يتَّصل نسبهم بزاكيا, مثل قبيلة بني يفرن وبني واسين، وجدُّهم الأعلى الديرت بن جانا أي أنَّهم كلُّهم من زناتة.
ومن مغراوة بنو ريغة. ومن أمكنة انتشارهم جنوب المغرب الأوسط بجبل راشد (عمُّور) , وواركلا (وارجلان)، ولقواط (الأغواط) (2) كما كانوا يوجدون أيضا حول بسكرة مع قبائل سدراتة (3)، وكانوا بأخلاقهم الفاضلة وحمايتهم للجار محلَّ ثقة أبي عبد الله محمد بن بكر فاستقرَّ بجوارهم. (4)
د) بنو زنداك:
وكانت توجد من ضمن القبائل الزناتية قبيلة بني زنداك، وهي فرع من زناتة مغراوة، وإليها هاجر أبو يزيد مخلَّد بن كيداد سنة 325هـ / 7 - 936م ويبدو أنَّها نكَّارية وليست إباضية وهبية. (5)
__________
(1) - ابن خلدون، تاريخ، مج 7،ص 22.
(2) - محمد بن عميرة، دور زناتة في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلامي، وحدة رغاية, الجزائر،1985م, ص 19
(3) - أبو عبيد البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب أو هو جزء من المسالك والممالك، نشر دي سلان، المطبعة الحكومية 1857, الجزائر، ص 52.
(4) - محمد عوض خليفات، النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان, عمان, الأردن، 1982,ص 25.
(5) - T.LEWICKI، ETUDES MAGHREBINES ET SOUDANAISES، VARSOVIE, POLOGNE. E.S.P. 1983. T.II P.85. (1/50)
صفحة 51
هـ) بنو ورماز:
وهي قبيلة زناتية بدوية سكنت أريغ وفرع منها سكن وارجلان (1) اشتهرت في المنطقة بالسطو والنهب وقطع الطريق وشن الغارات على المسافرين الآمنين، وكانت سببا في هجرة أبي عبد الله محمد بن بكر وتلامذته من أريغ إلى إيفران بضواحي وارجلان (2). ويضاف إلى الزناتيين قبيلة بنو ياجرين، ومنهم العالم أبو صالح الياجراني.
2 ـ قبيلة سدراتة:
أصلُ السدراتيين من لواته (3) ولهم قرابة الأخوَّة من الأمِّ مع بني مغراوة. وسدراتة الذي ينسبون إليه كانت أمُّه قد تزوَّجت بمغراوة فكان الامتزاج في النسب. (4)
والسدراتيُّون ظواعن مثل اللواتيين، مثلما يوجدون في برقه فهم موجودون في الأوراس، وكذا في منطقة وارجلان.
3 ـ قبيلة تناوتة:
انتشرت بين غدامس ونفزاوة بالجريد، وإلى هذه القبيلة يُنسب أبو عمَّار عبد الكافي - التناوتي -، كما ينسب ابن درار الغدامسي إلى نفس القبيلة. (5)
__________
(1) - IBID، P.86
(2) - علي يحي معمر، الإباضية في الجزائر، مطبعة الدعوة الإسلامية، مصر، 1399هـ / 1979م
ص 183.
(3) - لواته: بطن عظيم من بطون البربر ينسبون إلى لوا الأصغر بن لوا الأكبر بن زحيك ومنهم نفزاوة (أونفزة) بالجريد، ينظر: ابن خلدون: تاريخ، مج6, ص234
(4) - ابن خلدون، تاريخ، مج6، ج 11،ص 178.
(5) 3 - T,LEWICKI, IBID, P. 58.
وتشير مجلة الدراسات الإسلامية إلى أماكن تواجد هذه القبيلة يرجى النظر في:
PAUL GEUTHNER, R. E. I., 1937,T,VIII, P.278. (1/51)
صفحة 52
وليس بعيدًا أن تكون هذه العلاقة بين غدامس (1) ووارجلان النسبية سببًا في التقاء ابنيهما عاصم السدراتي، وابن درار الغدامسي أمام معلِّم واحد وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة, وفي رحلة واحدة. وربَّما كان هذا هو السبب نفسُه في احتضان المنطقتين للمذهب الإباضي في وقت مبكِّر.
وسكنت وادي ريغ وواحة وارجلان قبيلةُ ورتيزالين، وذلك في القرن السادس الهجري (1107 - 1155م) (2).
وأمَّا القبائل التي لا تزال موجودة إلى حدِّ اليوم وقد كانت كلُّها بربرية إباضية،
فهي: بنو واجين: إباضية كلُّها. بنو سيسين: أغلبها مالكيَّة والبعض منها إباضيَّة. بنو إبراهيم: مالكيَّة كلُّها.
ويستدلُّ من أنَّها كانت إباضيَّة بتواجد المساجد والديار القديمة الإباضية بأحيائها اليوم، مثلُ مسجد الشيخ أبي عمَّار وبابه وساحته، وديار الشيخ ماكن والشيخ باسَّه (3).
ب) العرب:
من خلال تصفُّحنا للمصادر القديمة لم نجد أثرًا لتواجد العرب في منطقة وارجلان ولو في الصدر المبكِّر للفتح الإسلامي. ولذا فالاحتمال يكون قويًّا على أنَّ بربر المنطقة هم الذين جلبوا الإسلام إلى وارجلان.
__________
(1) - غدامس: مدينة في الجنوب الشرقي للقطر الجزائري داخل للحدود الليبية، افتتحها الصحابي الجليل عقبة بن نافع - رضي الله عنه - سنة 667م. وكانت كلّها إباضية لدى نهاية القرن 8م وبداية القرن 9م وتربط جبل نفوسة وبلاد التكرور بطريق تجاري. ينظر: ن م: T.LEWICKI,OP.CIT، LOC. CIT.
(2) 1 - T.LEWICKI،IBID, P. 86
(3) - من خلال لقاء أجريته مع الشيخ عمر بن داود الوارجلاني في 22/ 11/1990م. (1/52)
صفحة 53
ويرى ابن خلدون أنَّ استيطان العرب للمغرب كان في أواسط المائة الخامسة للهجرة ويوضِّح ذلك بقوله: «لأنَّ العرب لم يكن لهم المغربُ في الأيَّام السابقة بِوَطَنٍ، وأنَّما انتقل إليه في أواسط المائة الخامسة أفاريقُ بني هلال وبني سليم، اختلطوا في الدول هنالك، فكانت أخبارُهم من أخبارها فلذلك استوعبناها, وأمَّا آخرُ موطن العرب فكانت برقة». (1)
وهذا الكلام طبعا يعني التوطُّن لا التواجُدُ المؤقَّت، مثل حملات العبيديِّين على وارجلان بعد فرار الإمام يعقوب بن أفلح إليها وغيرها.
وإذا علمنا أنَّ بني هلال وبني سليم أتَوا على شكل حملات تخريبية عكس الفاتحين الأوائل من المسلمين العرب، فأنَّه يحتمل جدًّا أن تكون هناك جفوة بينهم وبين سكَّان المناطق التي يحلُّون بها.
غير أنَّ فئة من العرب نجدها قد اندمجت وسط سكَّان وارجلان كان مجيؤها متزامنا مع الحملات الهلالية ويبدو ذلك لمغايرة أسلوبها عن أسلوب بني هلال وبني سليم في العشرة وحسن الجوار، وهؤلاء هم «بنو معقل».
يُسمَّون أيضا بالجعافرة نسبة إلى جعفر بن أبي طالب، ويُسمَّون أيضا بالشرفاء.
الجعافرة نزحوا من المدينة، إلى أسوان بأراضي الصعيد، وكانوا يمتهنون التجارة (2) وكان عددهم لدى مجيئهم إلى المغرب لا يتجاوز المائتين، فقد انضمُّوا أوَّل الأمر إلى بني سليم ثمَّ آخر الأمر إلى بني هلال، بعد اعتراض بني سليم لهم، وكانوا أحلافًا لقبيلة زناتة ويقول الناصري: «فلمَّا ملكت زناتة بلاد المغرب، ودخلوا الأمصار والمدن، أقام بنو معقل في القفار، وتفرَّدوا في البيداء فنموا نموًّا لا كفاء له،
__________
(1) - ابن خلدون، تاريخ، مج 6،ج 11، ص 8.
(2) - ابن خلدون، مج 6، ج 11، ص 10. (1/53)
صفحة 54
وملكوا قصور الصحراء التي اختطَّتها زناتة بالقفر مثل قصور السوس غربا، ثمَّ توات، ثمَّ بودة، ثمَّ تمنطيت، ثمَّ واركلان, ثمَّ تسابيت، ثمَّ تكرارين شرقا». (1)
«فكانت الرياسة لزناته لكثرة سكانها وقد فرضت أتاواتها وضرائبها وجبايتها على غيرها من السكَّان ومن بينهم بنو معقل». (2)
وكانوا يشتهرون إلى جانب ذلك أنَّهم لا يعترضون السابلة في الصحراء بأذى ولا مكروه.
وإذا كان هؤلاء هم أنفسُهم بني معقل الموجودين الآن والمنضمِّين إلى عشيرة بني واجين فلا شكَّ أنَّ أخلاقهم الحسنة تلك هي التي جعلتهم يندمجون في المجتمع البربري الوارجلاني فيتعلَّمون لغتهم ويتمذهبون بمذهبهم خلافًا لأعراب بني هلال وبني سليم الذين عاثوا في الأرض فسادًا ونهبًا وسلبًا.
ونستشفُّ من هنا أنَّ بربر المغرب أكثر الأجناس تفتَّحا لمن جاءهم بالإسلام والهداية والسِّلم والمسالمة، وأشدُّ الناس تعصُّبا ضدَّ من جاءهم بالقهر والغلبة وبالسلطة والاستعلاء. ومع هذا كلِّه لا نستطيع أن نجزم بأنَّ عرب المعقل، أو بني معقل، وعشيرة بني معقل الوارجلانية جنسٌ واحد وذلك لعدم التحقُّق من الأمر بعد.
فالشيخ عمر بن داود الوارجلاني – من عشيرة بني معقل – يرى أنَّ بني معقل الحاليين أتوا من المغرب الأقصى (3)، وحسب شجرة النسب يرجع نسبهم إلى فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانضمُّو إلى بني واجين. (4)
__________
(1) - الناصري أبو العباس أحمد، كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، دار الكتاب، الدار البيضاء ـ المغرب،1954م، ج 2، ص 179.
(2) - م. ن, ج 2، ص 178.
(3) - من خلال لقاء أجريته معه في مدينة وارجلان يوم 22/ 11/1990م.
(4) - بنو واجين وو بنو سسين، وبنو إبراهيم، هي القبائل البربرية التي لا تزال إلى حدّ اليوم تكوّن سكان مدينة وارجلان القديمة – داخل الأسوار – ولكلّ منها حيّ، ويرجعها RENE BASSET إلى جدّ واحد. ينظر:
R.BASSET, LES MANUSCRITS ARABES, P. 60. (1/54)
صفحة 55
أمَّا الشيخ أبو العلا عيسى فيستبعد أن يكون أصلُ عشيرة بني معقل عربيًّا وذلك لأنَّ البربر يتعرَّبون أمَّا العرب فلا يتبربرون. (1)
وهناك عائلات وارجلانية بربريَّة يرجع نسبها إلى أبي بكر الصدِّيق أو إلى عمر ابن الخطَّاب أو فارسية يرجع أصلها إلى أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رُستُم (2) ممَّا يجعل هذه النظرة غير صحيحة.
وكلُّ هذه العائلات تصاهرت فانصهرت وتلاحمت وكوَّنت مجتمعًا واحدا مسلمًا لا تفاضل بين أفراده إلاَّ بالتقوى.
ج) اليهود:
لقد تسلَّل اليهود إلى كثير من مناطق شمال إفريقيا في وقت مبكّر لأغراض كثيرة، ومن بينها التجارة؛ خاصَّة تجارة الذهب، وبالأخصِّ في منطقة توات.
ولقد اشتهر اليهودُ بمكايدهم ودسائسهم خاصَّة على المسلمين فحاولوا أن يتأقلموا مع كلِّ مجتمع وكلِّ بيئة حلُّوا بها، فيتعلَّمون لغتهم ويلبسون لباسهم. وتنبَّه المسلمون لذلك وألزموهم بإضافة ما يميِّزهم عن المسلمين مثل القلانس الكبيرة المزرية أو الطاقيات الحمراء.
ولاهتمام اليهود بجمع الذهب وتجارة العبيد كان لديهم القدرة على التحكُّم في الاقتصاد، وأخذوا المسلمين في كثير من الفترات التاريخية من خناقهم وأشاعوا فيهم التعامل بالربا ولا تزال آثار تلك المعاملات راسخة في الاقتصاد الإسلامي والعالمي ومتحكِّمة فيه إلى اليوم.
__________
(1) - من خلال لقاء أجريته معه في مدينة القرارة يوم 10/ 11/1990م.
(2) - أعزام، غصن البان، مخ، ص 30. (1/55)
صفحة 56
ثانيا: المعتقدات البربرية:
حسبما تركته الرسوم قديماً وما أورده الكتَّاب عن البربر من أنَّهم كانوا قبل مجيء الرسالة السماوية المحمَّدية مشتَّتي الأهواء مختلفي العقائد، ففيهم المتنصِّرون، والمتهوِّدون، مثلما كان فيهم من عبد قوى الطبيعة من شمس وقمر. (1)
ولعلَّ عبادة الشمس أتت إليهم من مصر، فقد كان المصريُّون القدامى يعبدون الشمس وتسمَّى عندهم بالإله رع. علما بأنَّ البربر يتوزَّعون على شريط عرضي لشمال إفريقيا من المغرب الأقصى إلى واحة سيوة بالجنوب الغربي لمصر.
ويرجع الكعَّاك ديانات البربر القديمة إلى ثلاثة أصول:
1 ـ الروحانية: وهي اعتقادُ وجود أرواح في العناصر الطبيعيَّة كالعيون والأنهار والجبال والأحجار والأشجار.
2 ـ عبادة الحيوانات: إمَّا تقليدًا لشعوب أخرى كالمصريين أو أصالة.
3 ـ الطوطميَّة: وهي اعتقادهم أنَّ نوعًا من الحيوانات هو جدُّهم الأعلى ويجب احترامُه وتقديسُه وعدم ايذائه أو قتله، ومن طوطماتهم: الأفعى، البوم، القط، والضفدع. (2)
كما عبدت بعض القبائل البربرية الكبش (3) , وكما عبد بعضها الثور ”غزريل“، وقد عثر على منقوشات صخريَّة بالجنوب الوهراني تمثِّل ضأنا فوق رأسه قرص يمثِّل الشمس (4).
__________
(1) 1 - د. سعد زغلول، تاريخ المغرب، ص 60.
(2) - عثمان الكعاك، موجز التاريخ العام للجزائر منذ العصر الحجري إلى الاحتلال الفرنسي، نشر مكتبة العرب بتونس, ط,1, 1378هـ / 1927م، ص 38.
(3) - د. سعد زغلول، م. س, ص61
(4) - الكعاك، م. س، ص 40. (1/56)
صفحة 57
وكأنَّ هذه النقوشات تبيِّن لنا التقاء معبودين، الشمس والضأن، ويسمَّى هذا الأخير أيضًا عند المصريِّين بالإله ”آمون“.
ولقد أشار (جون ليثيو JEAN LETHIELLEUX) (1) إلى تواجد بعض العادات في وارجلان حول تقديس التيس. ولتوضيح ذلك يقول الشيخ عمر بن داود الوارجلاني: «إنَّ هذه العادة لا تزال موجودة لدى العبيد فهم يأتون بالتيس ويعلّقون عليه خرقًا ذات اللون الأبيض والأخضر، ولهم أهازيج خاصَّة، وليسوا من الإباضية» (2).
وبطبيعة الحال هذه المعتقدات القديمة الفاسدة المتمثِّلة في تأليه الحيوانات عند بعض, وفي الإنسان عند البعض الآخر، أو اليهود أو النصرانية، هذه هي التي جعلت البربر على مستوى شمال إفريقيا والمغرب يرتدُّون عن الإسلام اثنتي عشرة مرَّة ولم يثبت إسلامهم إلاَّ في أيَّام موسى بن نصير. (3)
وكما روى عن تشدُّد البربر في قبولهم للإسلام ومحاربتهم له (4)، وارتدادهم عنه. هناك روايات أخرى تدلُّ على تفهُّم البعض منهم لتعاليم الإسلام السمحة فذهبت تطلبه من أصوله، من لدن عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (5)
__________
(1) 1 - J.LETHIELLEUX, OUARGLA ... P. 11.
(2) - نفس اللقاء المشار إليه المنعقد يوم 22 نوفمبر 1990م. و يبدو أنّها أتت معهم، ويرى VAN GENP أنّ الجنس الأبيض لم يعرف الطوطمية. انظر:
GEORGE MARCY, LES BERBERES,ETUDES ET DCUMENTS BERBERES، 4، 1988، PP 143_ 156
(3) - ابن خلدون, تاريخ، مج6، ص 205.
(4) - يرى تاديوش ليفتسكي "أنّ الكاهنة (ت 4 - 703م) التي وقفت في وجه المسلمين والتي كانت تسكن الأوراس، وصل نفوذها إلى منطقة وارجلان، وأنّ هناك بئرا تسمّى بئر الكاهنة " ينظر:
T. LEWICKI ETUDES MAGHREBINES ET SOUDANAISES. T. II، P. 28.
(5) - ينظر: ابن سلاّم، الإسلام وتاريخه، ص 146. (1/57)
صفحة 58
ولقد أورد ابن سلاَّم اللواتي شهادات طيِّبة في شأن البربر ومدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لهم.
فحينما توجه الوفد البربري إلى عمر بن الخطاب جرى حوارٌ طويل بينهم فتذكَّر عمر بن الخطاب حديثا للرسول - صلى الله عليه وسلم - فبكى، قال عمر بن الخطاب: «أبكاني حديث سمعتُه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، انهزم المسلمون فنظر إليَّ رسول الله وأنا أبكي، فقال ما يبكيك يا عمر، قال قلت: أبكاني يا رسول الله قلَّة هذه العصابة من المسلمين، واجتماعُ أمم الكفر عليها، فقال لي: لا تبك يا عمر فأنَّ الله سيفتح لإسلام بابا من المغرب يعزُّ الله بهم الإسلام، ويذلُّ بهم الكفَّار، أهل خشية وبصائر، يموتون على ما أبصروا، ليست لهم مدائن يسكنونها، ولا حصون يتحصَّنون فيها، ولا أسواق يتبايعون فيها، ولذلك بكيت الساعة حينما ذكرت حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ذكر لي من فضل» (1). وهنا نتساءل: هل بربرُ وارجلان من البربر الذين حاربوا الإسلام؟ أم من الذين تلكَّؤوا عن الدخول فيه؟ أم من الذين طالبوه وجلبوه؟
فرغم بعد الشُّقَّة عن المناطق التي مرَّت عليها جيوش الفاتحين ورغم وجود الفارق اللغوي الذي يفصل البربر عن العرب ويعيقهم عن تفهُّم كلام العرب، يمكن أن نصنِّف سُكَّان وارجلان من بين الأصناف التي تفهَّمت الإسلام بسرعة وجلبته إلى منطقتها.
فإذا كان عاصم السدراتي وارجلانيا بالفعل فأنَّه يعدُّ من بين الطلبة الذين ذهبوا إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة في بداية القرن الثاني للهجرة
__________
(1) - ابن سلاّم، الإسلام وتاريخه، ص 147. ينظر في نفس الفصل أحاديث أخرى وكلام عن البربر. (1/58)
صفحة 59
لتلقِّي أصول الإسلام ومبادئه رواية عن جابر بن زيد الأزدي العماني عن عائشة أمِّ المؤمنين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومهما يكن من أمر فإنَّ وارجلان لم ينتصف القرن الثاني للهجرة إلاَّ وكان الإسلام في ديارها.
3) نظام القبائل بوارجلان:
لقد كان تعدُّد القبائل بوارجلان مبعث نظام يتميَّز بالقبلية شأنه شأن المغرب الإسلامي، العربي كلِّه.
فالقبيلةُ يشرف عليها شيخها الذي ينتخب انتخابا طبيعيًّا حينما تتوفَّر فيه المؤهِّلات الدينية والكفاءة العلمية والتضحية.
فالنظام القبلي إذا كان توجيهه إسلاميًّا يسعى للصالح العام، فتكون القبائل آنذاك عبارة عن أسباب تشدُّ وحدة المسلمين، وأمَّا إذا لم يوجَّه النظام القبلي الوجهة السليمة فإنه يتحوَّل إلى وسيلة هدم وتفرقة.
فبفضل التربية الإسلاميَّة نرى المجتمع الوارجلاني في الفترة المدروسة منقادًا للسلطة الروحية، فاتحدت كلمته وصارت قبائله مجرَّد مجموعات يصدق فيها قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ, إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (1).
وهذا النظام عادة ما يحمل الأعباء الثقيلة خاصَّة في ناحية التكافل الاجتماعي، فأغنياء القبيلة هم الذين يتكفَّلون بإعالة الفقراء المعوزين، وهم الذين يرعون الأيتام والأيامى والأرامل والمرضى، ويتكفَّلون بتسيير مؤونة الزواج بين أبنائهم المحتاجين.
__________
(1) - سورة الحجرات، الآية 13. (1/59)
صفحة 60
وأمَّا الناحية التربويَّة فعادة ما يخضع أفراد القبيلة الواحدة لشيوخهم وخاصَّة لما يفرضونه عليهم من وسائل التربية والتوجيه، وأحسن نظام لذلك هو النظام الذي التزمت به هيئة العزَّابة، أخذًا من السنَّة النبوية المطهَّرة، وهذا النظام هو نظام الولاية والبراءة.
فالمرتكب لمخالفة دينية شرعيَّة، كارتكاب الفواحش والكبائر أو خالف عرفًا تعارف عليه المسلمون، كأن يعتدي على جاره بالتعالي عليه (1) أو لأيِّ شيء يرى مجلس العزَّابة تأديبه عليه بالبراءة فتُعلن عليه البراءة ويعتزله المجتمع كلُّه وحتَّى أقرب الناس إليه إلى أن يتوب أمام الملإ من فعلته.
فهذا النظام الذي استحدثه أبو عبد الله محمد بن بكر سنة 409هـ لا يزال إلى حدِّ الآن مطبَّقا لدى الإباضية، ويخافه العصاةُ أكثر من أيِّ عقاب، لما فيه من تشهير بالعاصي على رؤوس الملأ.
وهنا يأتي دورالقبيلة والأسرة في تحذير أفرادها من الحطِّ من كرامتها أمام المجتمع, فيكون الفرد هنا ملزمًا لا بالمحافظة على عرضه وشرفه فقط، بل على عرض وشرف عشيرته وذويه، وتكون هناك قوَّة إلزامية تدفعه إلى الالتزام بالأخلاق الفاضلة، ويشعر بالحقارة إن هو جرَّ لها ما يشوِّه سمعتها أو يدنِّس كرامتها.
كما تتكفَّل القبيلة في المجتمع الإسلامي بدفع الديَّات إذا قَتَل أحدُ أفرادها غير متعمِّدٍ فردًا من قبيلة أخرى، عملاً بالشريعة الإسلاميَّة.
كما أنَّها الملاذُ في الاضطلاع بمهمَّة قِسمَة المواريث وتسوية الخلافات الناجمة عنها, وعن المشاكل العائليَّة، من زواج وطلاق وغيرها.
__________
(1) - ينظر في هذه المواضع الخاصّة بالجار وحقوقه في البناء، مخطوطة أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر في كتابه أصول الأرضين. (1/60)
صفحة 61
وهذا النظامُ لا يزال ساري المفعول مع كثير من التطوير في المجتمع الإباضيِّ بوادي ميزاب، والذي يُعدُّ امتدادًا للنظام القديم. (1)
وضمن الحياة الاجتماعية العامَّة تبرُز ظاهرة التعاوُن التي تدلُّ على تماسك وانسجام المجتمع. فمنذ القديم وظاهرة العمل الجماعي موجودةٌ، فلقد كانت هذه الظاهرة ولا تزال بين أفراد المجتمع تُقام طلبا للأجر والثواب.
فمن مظاهرها التعاوُن على بناء مسجد، أو منزل، أو جمع للمحاصيل الزراعية لدى الذكور، والتعاون في أعمال النسيج لدى الإناث، وتقوى هذه الظاهرة كلَّما كان التآزر والتعاطف قويًّا، وبهذا العمل التعاوني ينجم التعارف والمحبَّة والوئام، وهي أسمى غايات المجتمع الإسلامي.
__________
(1) - فنظام العشائر الآن في ميزاب قائم على شكل متطوّر من دور للاجتماعات والأعراس ومن أنشطة ثقافية ومكتبات وغير ذلك مما لا يسع ذكره هنا.
للاستفادة ينظر: محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة, المطبعة التعاونية (بدون مكان) الجزء الأوّل, ص 232. (1/61)
صفحة 62
المبحث الثاني: الحياة السياسية:
1: بعض الآراء السياسية:
لكي نفهم أنواع التصرُّفات السياسية بين الداخل والخارج، وتقلُّباتها حول الظروف والأزمنة علينا أوَّلا استعراض بعض الآراء السياسية.
لقد وضع الإباضية بنودًا سياسية لا يتعدَّونها يتحرَّون فيها جانب الحقِّ، إذ أنَّ هذا الجانب من أخطر الجوانب في الإسلام.
وليس من السهل أن يصدر الإنسان حكمًا في هذا الجانب ويبنيه على رأيه الخاصِّ، أو اندفاعه العاطفي، إذ أنَّه بذلك يُعلي من لا يرغب الشرع في إعلائه، وينزل من أراد الشرع إعلاءه، وقد يستحلُّ دماء بريئة بواسطة فكره القاصر، وقد يثير فتنا هوجاء نهى الشرع عن الخوض فيها ولو بالكلمة المؤيِّدة.
ومن بين هذه الآراء:
*- عدم اشتراطُ القرشيَّة في الحكم، فكلُّ من توفَّرت فيه شروط الخلافة ولو لم يكن قُرشيًّا أو عربيًّا أمكن للمسلمين أن يُبايعوه بها، وما القرشيَّة إلاَّ للترجيح فقط.
فكما بايع الإباضيةُ المغاربة أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وهو عربيٌّ من اليمن، بايعوا أيضا الأئمَّة الرستمييِّن وهم من أصل فارسي وليسوا عربًا على الإطلاق.
*- لا تجبُ الثورة على السلطان المسلم الجائر إذا كانت العواقب وخيمة على سائر المسلمين. (1/62)
صفحة 63
*- إذا أغار عليهم عدوٌّ من أهل التوحيد وقامت حربٌ بينهم، فإنهم يمنعون جنودَهم من سلب أعدائهم أو سبي نسائهم أو قتل ذراريهم أو غنيمة أموالهم، لأنَّها حق لورثتهم ما خلا الكراع والسلاح (1)، و لا يُجهز على جريح ولا يتعقَّب مُدبِر. كما أنَّ خطبة أبي حمزة الشاري (2) تبيِّن لنا بوضوح موقف الإباضية من غيرهم حيث يقول فيها: «الناس منَّا، ونحن منهم، إلاَّ مُشرك عابد وثن، أو كافر من أهل الكتاب أو إمام جائر» (3) وقال أيضا: «الناس منَّا ونحن منهم، إلاَّ ثلاثة: حاكمٌ بغير ما أنزل الله، ومُتَّبعٌ له، وراضٍ بعمله» (4).
أمَّا الرسالة التي وردت إلى الإمام طالب الحق قبل خروجه على الظلم ففيها: «إذا خرجتم فلا تغلُوا ولا تغدُرُوا، واقتدوا بسلفكم الصالحين، وسيروا سيرتهم, فقد علمتم أنَّ الذي أخرجهم على السلطان العبث لأعمالهم» (5) وللإباضية تفكيرٌ
__________
(1) - ينظر: رجب محمد عبد الحليم، الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة, مطابع النهضة, مسقط، 1410هـ / 1990م، ص 63.
(2) - الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد, طبقات المشائخ بالمغرب، تح إبراهيم طلاي، مطبعة البعث – الجزائر- (بلا تاريخ)،ج 2.
يصنفه الدرجيني ضمن الطبقة الثالثة، الطبقات، ص 285. واسمه الحقيقي المختار بن عوف بن سليمان بن مالك بن فهر الأزدي. ثار في وجه الأمويّين في عهد مروان بن محمد وافتكّ منهم المدينة ومكة.
(3) - قال هذه الخطبة: أبو حمزة المختار بن عوف حينما دخل المدينة سنة 130هـ وهي خطبة طويلة. ينظر لذلك:
- سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية، دار اليقظة العربية، سوريا ولبنان (بلا تاريخ)، ص 205.
- الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 267.
(4) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 269.
(5) - هو عبد الله بن يحيى الكندي، من حضرموت، استشار أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الخروج فقال له: «إن استطعت أن لا تُقيم يومًا واحدًا فافعل» ثار بحضرموت فبويع فيها سنة 129هـ.
ينظر: - سالم بن حمد الحارثي, العقود الفضية، ص 188.
- د. عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، 1978م، ص 119. (1/63)
صفحة 64
سياسيٌّ إسلاميٌّ شامل لجميع الحالات التي قد تعترضهم ما بين حالة قوَّة إلى حالة ضعف، ووضعوا لذلك منهجًا سياسيا سمَّوه مسالك الدين.
مسالك الدين:
مسالك الدين أربعة:
أ) إمامة ُالظهور:
وهذه الحالة هي أقوى الحالات؛ وذلك فيما إذا أنسوا من أنفسهم القوَّة لإقامة دولة إسلاميَّة بكامل أوصافها، فيقدِّمون على أنفسهم إمامًا ويبايعونه على أن يُقيم حدود الله، وأن يعمل بالكتاب والسنَّة، وهذه الحالة اقتداءً بعمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة وإقامته دولة الإسلام.
ب) إمامة الدفاع:
وقد يكون هذا النوع مباشرة بعد سقوط إمامة الظهور، وقد يكون بعدها لمدَّة طويلة وهذا في حالة وجود حكم متسلِّط أرادوا تغييره وإقامة حكم إسلاميٍّ وهذا ما فعله أبو حاتم الملزوزي بطرابلس بعد سقوط إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح.
ج) الشراء:
وهو أن يحاول أربعون رجلا - لا أقلَّ - تغيير المنكر فيشرُون أنفسهم لله - أي يبيعونها - ولا يحقُّ لهم الرُّجوع عمَّا عزموا عليه، فهؤلاء طبعًا مآلهم في أغلب الحالات الفناء لأنَّ قوَّة السلطان أقوى منهم، ولكن يكفي تعبيرهم كإذلال للسياسة الفاسدة, وتعبير عن عدم الرضى لما تقوم به. (1/64)
صفحة 65
د) الكتمان:
وهو ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكَّة قبل الهجرة إلى المدينة، ففي حالة عدم التمكُّن من إظهار أيِّ نظام أو مسلك من المسالك المتقدِّمة، لا يحقُّ للمسلمين أن يستكينوا، ويخمدوا ويتركوا ما يمكن أن يحافظوا عليه من مقوِّماتهم الإسلاميَّة أمام أهواء الحكَّام إذ أنَّه يمكنهم تطبيق ما يمكن تطبيقه من الأحكام الشرعية في كتمان دون إقامة الحدود, إذ أنَّ هذه من اختصاصات الإمام وحده في حالة الظهور.
ومن هذه الأنواع الأربعة لم يتحقَّق منها في وارجلان إلاَّ الدفاع والكتمان, أمَّا الظهور فقد كفتها مؤونة ذلك ”تاهرت“ أيَّام قيام الدولة الرستميَّة، وبعد سقوطها دخلت وارجلان والمناطق التابعة للدولة الرستمية كلُّها مرحلة الكتمان، وحاولت استحداث إمامة الظهور في هذا الظرف بالذات، وحاولت مبايعة الإمام أبي يوسف يعقوب بن أفلح حينما حلَّ بها فارًّا من تاهرت فأبى ذلك وقال كلمته المشهورة: «لا يستتر الجمل بالغنم». ويقصد بذلك عدم إمكان الوارجلانيِّين حماية الدولة مع ترصُّد العدوِّ، وفعلا كان ما توقَّع، فلم يستطع الوارجلانيُّون الثبات أمام العبيديِّين الذين خرَّبوا وارجلان إثر وصول الرستميين إليها مباشرة.
وتخلَّل كامل حقبة الكتمان بعض الثورات، حيث تصدَّى فيها الوارجلانيُّون للظالم وبايعوا فيها أئمَّة للدفاع منهم أبو خزر يغلي بن زلتاف الوسياني ضدَّ الفاطميِّين سنة 358هـ / 968م (1) وأبا العباس أحمد بن محمَّد بن بكر ضدَّ عنان بن ديلم المطرفي سنة 502هـ / 1108م (2)
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 128.
(2) - الوسياني، سير، مخ، و, ص 37أ.
الثميني: عبدالعزيز بن إبراهيم، التكميل لبعض ما أخلّ به كتاب النيل، صحّحه ونشره محمد بن صالح الثميني، مطبعة العرب، تونس،1944م، ص ن. (1/65)
صفحة 66
ثانيا: السياسة الداخليّة بوارجلان
بفضل حرص العلماء على تكوين مجتمع مثالي، ظهرت آثار ذلك الحرص على الناحيتين الاجتماعية والسياسية على السواء.
كما أنَّ للمجتمع أيضا الفضل بعد ذلك بما أولاه من طاعة لأهل الحلِّ والعقد من أئمَّته وذلك اعترافا بجميل تربيتهم الإسلامية وحسن رعايتهم.
فهذه الطاعة منهم من جهة وحسن الرعاية من جانب مشائخهم وساستهم من جهة أخرى، أزالت مظاهر الحكومات من شرطة وقصور وحجابة وسجون وجلاَّدين وعيون وقوانين وضعية هامشية، فلا تسمع بحكومة أجنبية عنهم استقرَّت هناك، إلاَّ ما كان من مرور بعض القادة العسكريِّين المتسلِّطين عليهم في فترات متقطِّعة على سبيل الغلبة والقهر، إذ أنَّ المتكالبين على الحكم في توسُّعاتهم قد تمتدُّ أياديهم لتصل إليهم بين آن وأخر، وقد تخضع المنطقة الوارجلانية لهؤلاء، فتدفع لهم الأتوات والضرائب ولكن الخضوع الأدبي والطاعة لا يكونان لهم بل لمشائخهم وعلمائهم، وذلك لأنَّ هؤلاء المشائخ كان اعتلاؤهم لمنابر السلطة الروحية برضى الجميع لما يتوفَّرون عليه من الورع والتقوى وإخلاص العمل لله.
إلى جانب العلماء نرى أنَّ أغلب الشعوب خاصَّة العربية والبربرية تخضع الخضوع المطلق لرؤساء قبائلها، إذ أنَّها تمثِّل السلطة العائلية، فلكلُّ قبيلة شيخ ترشِّحه لزعامتها إذا توسَّمت فيه مخايل النجابة والزعامة فإذا كان لديها علماء رشَّحت منهم، وإلاَّ فمن ذوى الرأي والمشورة، وإذا اتفقت هذه الزعامات وتآخت بينها رشَّحت زعيما قويًّا يجمع كلمة القبائل، ويكوِّن منها مجموعة مهابة الجانب.
ولذا فأنَّ مفهوم وجوب إيجاد حكم دولة أو هيمنة خارجية في جميع الأزمنة، مفهوم خاطئ، لا أساس له من الصحَّة مع هذه المجتمعات ذات الحكم (1/66)
صفحة 67
القبلي. فالمغرب العربي خاصَّة جنوبه حكمته شعوبه أكثر من الحكَّام الذين أتوا من هنا وهناك.
ولقد أهملت المصادر التاريخية الإباضيَّة الجانب السياسي بوارجلان إلاَّ ما نذر من إشارات تكتشف بين طيَّات الكلام العام. (1)
ونرجِّح أن يكون الحكم قبليًّا في أغلب المراحل سواء قبل الإسلام أم بعده، كما أنَّها أثناء قيام الدولة الرستمية كانت تابعة لحكمها وذلك بحكم ارتباطها برباط المذهب، فالمذهب الإباضي بوارجلان كان سابقا عن تاريخ نشأة الدولة الرستمية، ولذا كان الاندماج عفويًّا وطواعية.
ومن بين المناصب التي كانت بوارجلان إبَّان وصول الإمام أبي يوسف يعقوب بن أفلح ما سمَّته المصادر بـ" أعيان وارجلان وأكابرها" ويبدو أنَّ هذه التسمية لا تتنافى وتسمية " الولاَّة " التي ذكرت بعدها، فلقد وردت هذه التسمية في عهد أبي عبد الله محمد بن بكر (ت 440هـ / 1049م) حيث ينقل ليفتسكي (2) عن النسخة الوافية للطبقات عنده أنَّ بوارجلان ثلاثة وعشرين متولِّيا. ونفهم من هذا الكلام أنَّهم متوزِّعون على القرى المجاورة لها، وذلك استنادا لما ذكره أبو زكرياء في سيرته، حيث أنَّه اقتصر على ذكر الشيخ أبي عبد الله محمَّد السدراتي واليًا على مدينة وارجلان في نفس الفترة بالذات. (3)
__________
(1) - لعلّ العثور مستقبلا عن تاريخ أبي يعقوب، والشيخ سليمان بن داود السدراتيين، والمخطوطات التي أخذها طاري، سيوضّح الكثير عن تاريخ المنطقة.
(2) - لقد نقل ليفتسكي هذه المعلومات عن مخطوطة طبقات الدرجيني الوافية ضمن مجموعة سموجوززفسكي تحت رقم 275، ولا توجد في نسخة طلاي. ينظر:
T. LEWICKI، ETUDES، T. II، P. 87.
(3) - الوارجلاني: أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، كتاب السيرة وأخبار الأئمّة، تح: عبدالرحمن أيوب، المطبعة التونسية ـ تونس، 1985م, ص 259. (1/67)
صفحة 68
وفي هذه الفترة أي في عهد أبي عبد الله محمد بن بكر في سنة 409هـ / 1018م يستحدث نظام العزَّابة، وحسبما يفهم من الشيخ أعزام: أنَّ شيخ العزَّابة هو الذي يلي الأمور كلَّها الدينية والسياسية، وأنَّ هيئة العزَّابة هي السلطة العليا، وهي مؤلَّفة من اثني عشر نفرًا، ومنهم أربعة هم أصحاب الحلِّ والعقد، والجاني على الديانة الإسلامية والمتمرِّد على المذهب الإباضي يهجرونه بإشهاره أمام الخلائق في المسجد، ويكون بعد ذلك طريدًا، لا يؤاكلونه ولا يجالسونه، ولا يخالطونه ولا يقبلون صدقته، وإن مات على ذلك مات عاصيًا في حكمهم، لا يُغسِّله العزَّابة ولا يحضرون جنازته ... (1)
ومن هذه الكلمات يتبيَّن لنا نوعية الحكَّام، وفي آن واحد طريقة معالجة المجتمع في النواحي الاجتماعية والسياسية والدينية، وقد نجحت بدل القهر والسجون، فحكم هؤلاء مجتمعهم بهذه الطريقة، فدامت لهم السلطة، وإن تواجدت سلطات أخرى حاكمة غيرها.
3: السياسة الخارجية
تُعدُّ وارجلان العاصمة الثانية لإباضية المغرب الأوسط بعد سقوط تاهرت عاصمة الدولة الرستمية.
فقد شعر بذلك الموالون والمعادون، فمثلما كانت ملاذًا للفارِّين من الإباضية من شتَّى الجهات، كانت مثار خوف وقلق للعبيديِّين والموحِّدين والمرابطين من جهة أخرى.
فلقد وقع بالفعل كما رأينا طلب من الأهالي لتكوين دولة في وارجلان بإمامة أبي يوسف يعقوب بن أفلح، ولولا رفضه لتكوَّنت، ولكأنَّ الإمام أبا يوسف توجَّس خيفة من ضربات العبيديِّين.
__________
(1) - أعزام، غصن البان، مخ، ص 157. (1/68)
صفحة 69
وبالفعل ما إن استقرَّ الرستميُّون الفارُّون حتَّى شنَّ العبيديُّون الغارة عليهم، فعاثوا في وارجلان فسادًا، واستبعدوا بهذا كلَّ فكرة تنادي بإقامة دولة فيها. (1)
علاقة وارجلان بجيرانها
إذا عددنا وارجلان بمثابة دولة مستقلَّة تحكم فيها السلطة الروحية والدينية، وغير تابعة فعليًّا لأية دولة بعد سقوط الدولة الرستمية، نجد علاقتها علاقة دفاع لأسباب كثيرة:
أوَّلا: كونها مدينة صحراوية غنيَّة بفضل تجارة السودان والذهب المتدفِّق عليها، وغنيَّة بنخيلها، ومياهها، فصارت تحافظ على هذه الخيرات.
ثانيا: كون الحكَّام المتمثِّلين في الهيئة الدينية من العزَّابة والعلماء الذين يرون في الهجوم على الجوار بدون موجب شرعي شيئًا مخلاًّ بالدين والأخلاق.
وهذه الطيبة المتناهية مع عدم استحداث جيش نظامي دفاعي دائم، سواء أكان ذلك في عهد الدولة الخطَّابية أم الدولة الرستمية، أم في وارجلان، مع تشدُّدهم في حرمة أموال المسلمين ودمائهم، وكلُّ ذلك جرَّأ عليهم غيرهم فاستأسدوا عليهم وشنُّوا عليهم الغارات تلو الغارات.
وبهذا نجد المواقف السياسية الخارجية لوارجلان تنقسم إلى قسمين:
1 ـ مواقف حيادية في حالة عدم اقتناعها بمشروعية الحرب.
2 ـ مواقف دفاعية في حالة هجوم العدوِّ عليها أو على المتحالفين معها.
أ) السياسة الحيادية:
كان موقفها الحيادي أزاء ثورة أبي يزيد مُخلَّد بن كيداد، لكونه قد غيَّر وبدَّل واستحلَّ أعراض المسلمين وأموالَهم.
__________
(1) - تاديوش ليفتسكي، الإباضية (بحث مرقون)، عن دائرة المعارف الإسلامية، تر/ بكوش يحيى، ص31. (1/69)
صفحة 70
ولأهمية هذه الثورة التي غيَّرت مجرى الأحداث يَحسُن بنا أن نتناولها بشيء من التفصيل.
ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد وعلاقة وارجلان بها:
أبو يزيد وأعماله:
هو أبو يزيد مُخلَّد بن كيداد - أو كيراد –، أبوه من سكَّان تقيوس (1)، ارتحل أبوه إلى السودان فاشترى أَمَةً تدعى سبيكة فولدت له مُخلَّدًا، وذلك في مدينة كركوا ثمَّ رجع به إلى تقيوس (2) وصار يتردَّدُ به بينها وبين توزر حتّى حفظ القرآن الكريم، وتعلَّم الآداب، وصار يُعلِّم الأطفال.
ثمَّ مال بعد مخالطته النكَّار إلى مذهبهم (3) وترك الوهبية، وبعد رجوعه من الحجِّ سنة 310هـ / 922م أعلن الثورة على العبيديِّين، وكان على رأسهم القاسم ابن عبيد الله, فقويت شوكته وألحق بالعبيديِّين الخسائر تلو الخسائر وكاد أن يقضي عليهم (4) إلاَّ أنَّ إسماعيل بن القاسم المهدي الملقَّب بالمنصور استطاع أن يهزمه شرَّ هزيمة رغم كثرة جنده ثمَّ قبض عليه وقتله صبرًا سنة 336هـ / 947م وسلخه وحشَا جلده تِبنًا. (5)
__________
(1) - تقيوس بلدة بقسطيلية (جنوب تونس)
(2) - ينظر: القاضي، مخطوطة (بلا عنوان)، ورقة 31.
(3) - ابن خلدون، تاريخ، مج 7، ص 26 - 27.
(4) - أبو زكرياء، السيرة، ص168.
(5) - ابن خلدون، تاريخ، مج 4، ص 82 - 92
L. RIVAL، ABOUYAZID L HOMME DE 1ANE ENCYCLOPEDIE D OUTRE MER، JANVIER 1957، N° 77 PP. 13 - 14. (1/70)
صفحة 71
وبعد موته طالب ابنه الفضل من المزاتيِّين تسليم المشايخ أبي خزر يغلى بن زلتاف وأبي القاسم يزيد بن مخلَّد الوسيانيَّين على أنَّهما من بني عمومته (1) لعلَّه يريد الانتقام منهما لعدم نصرتهما لأبيه، لكنهما لم يستسلما فجنَّدا الأجناد وحارباه وانتصرا عليه وفرَّ من وجههما منهزما.
موقف وارجلان من أبي يزيد مخلد بن كيداد:
بعد أن ظهر عداء العبيديِّين فعليًّا على وارجلان وتخريبُهم لها واجتثاثهم لنخيل واحاتها، كان منطقيًّا أن تساند أعداء العبيديِّين الذين يوجدون على الساحة السياسية آنذاك.
ولعلَّ أبا يزيد كان أسبق من أعلن الثورة على العبيديِّين الفاطميِّين، وأعلن جهاده ضدَّهم، خاصَّة وأنَّه ظهر على الساحة في ظرف عاث فيه الفاطميُّون فسادًا، سواء ضدَّ السنيِّين الذين استصدروا فتواهم للانضمام إلى أبي يزيد وقتالهم الفاطميِّين (2) أو ضدَّ القبائل البربرية بالجريد وأريغ ووارجلان، ثمَّ تغيَّر موقف الإباضيَّة الوهبية من أبي يزيد، وانصرفوا عن نصرته وذلك لارتكابه أبشع الجرائم من القتل، واستباحة الأعراض، ولم يجد سندًا لذلك إلاَّ من النُكَّار.
وفي ذلك قال الشيخ أبو القاسم «لقد فتح فيهم أبو يزيد بابا إلاَّ أنَّه لم يحسن السيرة» (3).
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة، ص 176.
أبو يزيد الثائر يفرني، والمشايخ من بني واسين ينتسبون جميعا إلى بني تيجرت.
(2) - د. إحسان عباس، مصادر ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد، مجلّة الأصالة، الجزائر، عدد 41، جانفي 1971م، ص 32.
(3) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، كتاب الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل، لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق، المطبعة البارونية، (ط، حجرية)، مصر، ج2، ص 79.
- أبو زكرياء، السيرة، ص 173. (1/71)
صفحة 72
غير أنَّ التجاءه إلى وارجلان بعد فراره من السجن سنة 325هـ / 936م كان من قبيل الاحتماء بالمدينة الحصينة، فمكث بها سنة يختلف بينها وبين جبال الأوراس حيث القبائل الزناتية (1) وحيث قوم من هوارة يقال لهم بنو كملان. (2) وقد سُمِّي من بايعه بالعزَّابة (3) واستعجله هؤلاء لطلب الثأر لابن فندين.
وهنا قال له أحد شيوخ قبيلة "مزاته" لا تظنَّ أنَّ الوهبية خرجوا معك فإنَّهم في مساجدهم، وإنَّما خرجنا معك نحن نشاركك في أكل الميتة ... يريد بالميتة الأموال التي كانوا ينتهبونها.
وينكر عليه الدرجيني وهو مؤرِّخ إباضي أفعاله التي قام بها رغم أنَّه حارب العبيديِّين أعداء الإباضية، ينكر عليه أعماله التخريبية من سبي النساء واستباحة للأموال، وعدَّ ذلك من أعمال الأزارقة وغيره من الخوارج، وأنَّه خرَّب ثلاثين ألف قرية في إفريقية وفعل ما لم تفعله الفراعنة. (4)
2) السياسة الدفاعية:
أمَّا لتبيين موقف وارجلان إزاء كلِّ هجوم شُنَّ عليها أو على من استنجد بها، فإننا تذكر ثورة الوسيانييَّن على سبيل المثال.
__________
(1) - ابن خلدون، التاريخ، مجلد 7، ص 27، 106، 107.
(2) - القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد، مخطوطة (ناقصة المعلومات) ورقة 32.
(3) - هذه التسمية سابقة لنظام العزّابة المؤسّس سنة 409هـ من طرف أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي، وقد ارتكب هؤلاء من الأعمال ما يجب التنبّه له حتّى لا يلتبس الأمر بالنظام الآتي فيما بعد.
ينظر: أبو زكرياء، السيرة، ص 173.
(4) - الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 100، 101. (1/72)
صفحة 73
علاقة وارجلان بثورة الوسيانييَّن أبي خزر، وأبي القاسم (1):
لقد وقفت وارجلان في وجه الشيعة بكلِّ ما أوتيت من قوَّة. فنشاط أبي القاسم يزيد بن مخلَّد، وأبي خزر يغلي بن زلتاف لم يكن بعيدًا عن تأييد إباضيَّة وارجلان، كما أنَّه لم يكن بعيدًا عن ترصُّد الفاطميِّين له.
غير أنَّ الفاطميِّين كانوا أسرع إلى إخماد النار التي بدأت تتَّقد، فأمر الخليفة المعزُّ بقتل أبي القاسم، وسجن تلميذه أبي محمَّد ويسلان بن يعقوب المزاتي. (2)
لكن الوالي بالحامَّة تساوف عن قتله، وأوعز له بالسفر إلى الحجِّ، أو إلى وارجلان تلميحًا، ولكن عدم فهم أبي القاسم لما يحاك ضدَّه أوقعه في شراك العبيديِّين فقتلوه.
فعظم ذلك على ”أهل الدعوة“، فثار زميلُه أبو خزر، فاستنجد بالإباضية في طرابلس، وجربة، وبني أميَّة بالأندلس.
غير أنَّ أغلب هؤلاء لم يكونوا على أهبة الحرب، فالنفوسيُّون كانوا قد أنهكتهم معركة مانو (3) فنالهم منها كلَّ ضعف.
أمَّا أهل جربة فاستجابوا للنداء والثأر، إلاَّ ما كان من أبي صالح اليراسني فأنَّه كره ذلك. (4)
__________
(1) - عاشا في النصف الأوّل من القرن الرابع الهجري، ينظر: عوض خليفات، النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في مرحلة الكتمان، ص 21.
(2) - عوض خليفات، م. ن, ص 23.
(3) - معركة مانو: وقعت بين إبراهيم بن الأغلب والنفوسيّين سنة 283هـ / 896م خسر فيها النفوسيُّون اثني عشر ألف رجل من بينهم أربعمائة عالم.
(4) - ينظر: الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 126. (1/73)
صفحة 74
أمَّا أهل أريغ ووارجلان فقد خرجوا في قوَّة عظيمة غير أنَّ أبا خزر لم ينتظر وصول هذه الامدادات الأخيرة، فقد اجتمعت لديه قوَّة مزاته من خيل وسلاح، وعقدت له الولاية على الدفاع، فكان بهذا أوَّل إمام عُقدت له الولاية على الدفاع بعد سقوط إمامة تاهرت، فحاصر بجيشه باغاي وقتل واليها طيان، وفي 23 شوال 385هـ / 995م تغلَّب أبو تميم على أبي خزر، وكان حلول إمداد أريغ ووارجلان بأفودان يطلا (1) متأخِّرة حيث وجدت أنباء الهزيمة فأدبرت راجعة.
علاقتها بدول الشمال:
تذكر المصادر التاريخية من بين الهجمات التخريبية - قصد الاستيلاء على طريق الذهب - هجومُ ابن السلطان الحمَّادي الناصر سنة 468هـ / 76 - 1075م، ثمَّ هجوم ابن غانية الميورقي على شمال إفريقيا وبالأخصِّ على وارجلان وسدراته سنة 626هـ / 1229م.
وأوعزت الكاتبة الفرنسية مادلين رفيلوا بريفول R.B.MADELEINE ذلك أيضا إلى غنى وارجلان وسدراته وأنَّ ذلك ضريبة اليسار. (2)
وعادة ما يلجأ المخرِّبون حينما يستحلُّون أموال الناس أولا إلى سرقة ما خفَّ وزنه وغلا ثمنه، ثمَّ يُتلفون ما غلا ثمنه، وتعذَّر نقله، ولقد فعل ذلك الميورقي فبعد النهب والسلب، هدَم الديار، واجتث الأشجار، وغوَّر الآبار والعيون وخاصَّة عين الصفا.
قضى على مدينة سدراتة نهائيا، وخرَّب وارجلان وتركها قاعًا صفصفًا، وتوزَّع الفارُّون من سكان المدينتين إثر ذلك على ميزاب ووادي ملوية وتلمسان.
__________
(1) - يحدّده الدرجيني بمسيرة نصف نهار من باغاي.
(2) 1 - R.B, MADELEINE, LE PAYS DE OUARGLA ... PARIS 1975, P. 20. (1/74)
صفحة 75
وهذا يؤدِّي بنا إلى وقفة تأمل بين ما فعله الشيعي أوَّل الأمر، وما فعله الميورقي آخر الأمر (1).
فبفضل ما ذكره الدكتور فخَّار إبراهيم في رسالته من تحليل أعمال الشيعي، نجد أنَّ عمله ليس تخريبا فقط، بل غرضه الاستيلاء على ذهب السودان، وغلق طرق التجارة في وجه أعدائه.
نلاحظ هنا نفس الملاحظة، بعد استنطاق الوثائق التاريخية نخلص إلى احتمالات قد تقبل التصديق إلى حدٍّ بعيد.
لقد عرف الميورقيُّون طُرق التجارة ومسالكها إلى بلاد السودان، وأقدم من تفطَّن لتجارة السودان وذهبها هو الجنس اليهودي.
والهجرات اليهودية إلى توات قديمة، منها ما هو قبل ميلاد المسيح، ومنها ما هو بين القرنين الثاني والسادس الميلاديين، قصد الاتجار فيها (2).
وبرواج تجارة الذهب وطلب الأوروبيين له، تركزت تجارة اليهود في تمنطيط بناحية توات.
وبعد استرداد جزيرة ميورقة من طرف الإسبان وجدوا فيها مدرسة خاصَّة تهتمُّ برسم خرائط للطرق التجارية، وكانت المعلومات بالطبع تأتي من يهود تمنطيط وتمبكتو.
__________
(1) - لقد أخطأ الشيخ أعزام في مخطوطه «غصن البان»، حينما اعاد نس القصة، وحيلة إيهام العدو بوجود الماء في عهد الميورقي، وهي نسها التي ذكرها الدرجيني في عهد حصار الشيعي، وما ذكره الدرجيني هو الأصح. قارن المخطوطة «غصن البان» ص:53، 54، بطبقات الدرجيني، ج1، ص 95.
(2) - مقال بالفرنسية:
JAMEL MUKHANCHI, "ELEMENTS DE L'HISTOIRE DE TOUAT", REVUE PARCOURS MAGHREBINS, MARS 1987, ALGER, N° 6, P 96. (1/75)
صفحة 76
ومن بين هؤلاء انجلينو ديلكرت ( ANGELION DULCRET) سنة 1339م، من يهود ميورقة. وأجمل وثيقة تحتوي على رسوم، وهي ( Mercia Villa Destes) سنة 1413م، وهي لا تحتوي على طريق سجلماسة إلى تمبكتو عن طريق تمنطيط فقط، بل تونس - عين صالح - وانقارا. (1)
وتُعطي لنا هذه الأعمال - وتواجد اليهود قديما في توات وعلاقاتهم بيهود ميورقة - صورة واضحة عن معرفة كلِّ الخبايا، عن أسرار المسالك، وأماكن وجود الذهب.
وليس بعيدًا أن الميورقيِّين من أصحاب ابن غانية قد استفادوا من المعلومات التي تحصَّل عليها يهود ميورقة من توات، وكان من الاستراتيجية الحربية والاقتصادية ضربُ مدينة بجاية أوَّلا سنة 581هـ/1185م بالاستعانة بقبائل جشم، ورياح، والأثبج من الهلاليِّين. (2)
وضرب المسالك الشرقيَّة كلِّها إلى وارجلان، أي ما بين الميناء الشمالي وهو بجاية ووارجلان وسدراته الجنوبيتين، للتحكُّم في طرق القوافل كلِّّها.
غير أنَّ الشيخ أعزام لم يجد لذلك تعليلا، إلاَّ أن يكون غلاًّ يريد ابن غانية وراءه الاستيلاء والاستبداد، وأنَّه لم يقصد وطنا دون وطن آخر، بل قصد إفريقيا كلَّها (3).
__________
(1) - ALFRED WEYER, HENRI LHOTE, SAHARA, EDITIONS GEOGRAPHIQUES, BERNE, 1980, PP. 195 - 196.
(2) - ابن خلدون، تاريخ، مج 6، ص 45.
(3) - أعزام، غصن البان، مخ، ص 54. (1/76)
صفحة 77
الفصل الثاني
العمارة الإسلامية بوارجلان (1/77)
صفحة 78
[صفحة بيضاء] (1/78)
صفحة 79
••••••
مثلما كانت البيئة الصحراوية القاسية تفرض نفسها على الجانب العمراني, ومثلما كانت البيئة الاقتصادية تلعب دورها فقرًا وغنىً في التأثير على الأكواخ والقصور، كانت العقيدة الإسلامية المتأصِّلة قد تركت آثارها الواضحة على المباني وبساطتها, وعلى الأسوار وارتفاعها أو انخفاضها، وعلى فتح النوافذ أو طمسها, وعلى اتجاه الشوارع طولا وعرضًا.
فباهتمام العلماء بحقوق الجيران وحقوق الشارع ومكانة المسجد وضروة الدفاع عن الدين والنفس والعرض والمال ... كان لذلك الأثر كلّه سواء أكان ذلك بتأليف الكتب في هذا المجال أم بالإشراف على مراقبة ما تعارف المسلمون عليه.
ومن أهم ما صدر من أبناء منطقة وارجلان كتاب: «أصول الأرضين» في ستَّة أجزاء في العمارة لأبي العباس أحمد بن محمّد بن بكر (ت 504هـ/1110م). (1) ولا شكَّ أنَّ الإباضية عامَّة، وأهالي وارجلان خاصَّة، من علماء وعوام قد التزموا بالأعراف التي تعارفوا عليها وهي المنبثقة من الشريعة الإسلامية كما أسلفنا.
فيمكن بنظرة بسيطة إلى الوضع العام لأيِّ مدينة أن نعرف أنَّها مدينة إسلامية أو مسيحيَّة أو وثنيَّة أو غير ذلك.
__________
(1) - ينظر: فصل الحياة الفكرية (عن ترجمته). وهناك مخطوطا للشيخ اطفيش قطب الأئمّة في موضوع العمارة لا يزال مخطوطا يوجد بمكتبته ببني يزجن. كما صدر كتاب التكميل لما أخلّ به كتاب النيل في الموضوع أيضا للشيخ الثميني. (1/79)
صفحة 80
المبحث الأول: المخطَّط العام للمدينة:
حسب الملاحظ يبدو أنَّ المساجد العتيقة والتي تكون عادة هي نواة المدينة تكون هي التي قد أثّرت على اتجاه الشوارع الرئيسية، فلا تكاد تنحرف عن اتجاه الجدران الجانبية للمسجد فهي تكون متوازية للجدار القبلي من الشمال إلى الجنوب تقريبا، وللجدران الجانبية له من الشرق إلى الغرب تقريبا – بل إنَّ عامل الاتجاه إلى القبلة قد يكون له تأثير حتَّى على المنازل, فقلَّما تجد منزلا في المدن الإسلامية- منحرفا يمنة أو يسرة عن القبلة خاصَّة إذا لم يتحكَّم فيه عامل من عوامل الطبيعة القاهرة، أو عامل حضاري جديد، وبالتالي فهذا يؤثِّر على أسواره الخارجية وعلى الشارع بالتبع.
وتتفرَّع عن الشوارع الأصلية الأزقَّة الضيِّقة، ويتحكَّم في سعة الطريق وضيقه نوعية استعماله، فالطريق الذي يسلك منه الحجاج في مواكبهم، والمواشي إلى مرعاها، ومنابع المياه، يتَّسع حتَّى يصل إلى أربعين ذراعا، بينما يضيق إلى ثلاثة أذرع حينما يكون خاصًّا بالراجلين فقط. (1)
فحينما زار هنري دوفيري HENRI DUVEYRIER وارجلان سنة 1905م لاحظ ضيق شوارعها، وعلوَّ جدران منازلها وخلوَّها من النوافذ المكشوفة، ولاحظ إلى جانب ذلك كتابات تَنمُّ عن انتماء إسلاميٍّ ظاهر، ومنها على سبيل المثال كتابة ”لا إله إلاّ الله“ أو ”نصرٌ من الله“ وبوابات مؤطَّرة برسوم مزيَّنة ببيض النعام (2).
__________
(1) - أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر، أصول الأرضين. مخ. ص 312.
- الثميني. التكميل. ص 203.
(2) - ينظر: HENRI DUVEYRIER, SAHARA ALGERIEN. ET TUNISIEN. P.23 (1/80)
صفحة 81
فحتَّى ولو كانت هذه الزيارة حديثة العهد، فملاحظات صاحبها تقدِّم صورة عن الماضي، وعن الانتماء الحضاري، فريشُ النعام كان يدلُّ في العهد القديم على غنى الأسرة وسعادتها، كما تدلُّ الكتابات على أصالة الإسلام عند السكَّان.
ومن الملاحظ أنَّ ضيق الشوارع سواء أكان في وارجلان أم في قرى ميزاب يُساهم في إعطاء كمِّية كبيرة من الظلِّ في الصيف، والدفء في الشتاء.
وخلو أسوار المنازل من النوافذ كان الدافع إليه مراعاة حرمة العِرض والسُّترَة اللاَّزمة، غير أنَّ التفكير في المحافظة على هذا الجانب لم يمنع العلماء المسلمين وهم رجال الهندسة المعمارية في ذلك الحين أن يفكِّروا في تعويض التهوية والنور داخل المنازل.
وتؤدِّي السقائف بالنسبة للشوارع دورًا مهمَّا مع البيئة القاسية، فهي تشكِّل مساحة من الظلال يلجأ إليها المارُّ في الهجير هروبا من أشعَّة الشمس وحرارة الأرض. كما أنَّها تمثِّل حاجزًا للرياح فتخفِّف من سرعتها وتنقص من رمالها.
والملاحظ أنَّ دكَّات الجلوس غالبا ما تكون تحت السقائف وتكاد تنعدم في الأماكن المكشوفة للشمس والرياح، وكما تكون مكانا خاصًّا لجلوس المرهَقِين والعجزة، وتصلح أيضا لتجمُّع أعيان البلد ففي وارجلان نجد مثلا ”سقائف سيدي“ وتشتهر بجلوس السلاطين فيها.
وبالمقارنة مع قرى وادي ميزاب المتأثِّرة بهندسة وارجلان نجد أنَّ هذه القرى انتبهت إلى العنصر الحيوي وهو الماء فاستحدثت آبارا داخل الأسوار تحسُّبا لعوادي الزمان وقد يصل البئر في بعضها إلى عمق تسعين ذراعا أو أكثر, (1) ولكن هذه
__________
(1) - هذا مقياس بئر قاسه دوفيري في القرارة داخل أسوار المدينة في رحلة إليها سنة 1859م. ينظر:
HENRI DUVEYRIER; VOYAGE DANS LE PAYS DES BENI MZAB / LE TOUR DU MONDE. 2e SEMESTRE. ( 1861), P.18. (1/81)
صفحة 82
الظاهرة تكاد تنعدم في وارجلان، خاصَّة وأنَّ وارجلان أشدُّ حرًّا في الصيف. غير أنَّنا نجد إشارة لدى ليتيو LETHIELLEUX إلى اتجاه ساقية وسط نفق تحت الأرض آتية من سدراته إلى وسط مدينة وارجلان، علما بأنَّ المسافة بين مدينة وارجلان ومدينة سدراته تربو عن أربعة عشر كيلو متر.
وربَّما كانت هذه الساقية توزِّع مياهها على الدور، وليس الغرض منها أن تسقي الأجنة فقط، علما بأنَّ الرستميين طبَّقوا هذه الطريقة في تاهرت، فأرادوا تطبيقها حينما حلُّوا بسدراته، على سدراته ووارجلان، ولكن الإشكالية هي كيف تستغلُّها وارجلان وقد غاص هذا النفق إلى عمق ما يقرب من أربعة أمتار. والجواب نجده قد شدَّ انتباه الباروني أيضا في مياه تاهرت، وتاهرت تعلو عن مستوى المياه أيضا، فقال دون أن يتوصَّل إلى سرِّ ذلك إنَّ الإباضية عرفوا ذلك أيضا في زواغة بطرابلس، وأنَّ للرستميّين تضلُّعا في العلوم الرياضيَّة لا يصعب عليهم ذلك (1) وربَّما سيتَّضح ذلك مستقبلا فيما إذا أجريت بعض التنقيبات (2) من طرف ذوي الاختصاص.
1: إصلاح الطرقات:
يرى أبو العباس أنَّه على الناس أن يُقدِّموا مصلحة الشارع كنزع التراب عنه ولو لم يصلح لهم، أو لا يفعلوا ذلك إذا اقتضت مصلحة الشارع عدم فعله ولو
__________
(1) - سليمان بن الشيخ عبدالله الباروني النفوسي، كتاب الأزهار الرياضية في أئمّة وملوك الإباضية (القسم الثاني) مطبعة الأزهار البارونية، القاهرة (بلا تاريخ) ص 19.
(2) - عثر المنقّب طاري على فقارات (أو سواقي تحت الأرض وسط الأنفاق) تتبعها كيلو مترات عديدة توجد على عمق 3.80م تحت سطح الأرض وعرضها متر ومجرى الماء ما يقرب من نصف المتر، وعلى جانبي الجدران فتحات للإنارة، والشارع الذي تمرّ تحته بوارجلان يسمى ”سقائف سدراته“ (تيسكفين نيسدراتن).
ينظر: JEAN LETHIELLEUX, OUARGLA, P.52. (1/82)
صفحة 83
يصلح لهم، هذا إذا كان الطريق عامًّا، أمَّا إذا كان الطريق خاصًّا لبعض الناس فإنَّ الأمر يختلف. (1) كما يضع أو العباس ضوابط للميزاب، فمن أراد أن يحدث ميزابا على الشارع فعليه مراعاة حقوق المارة والجيران، فلا يُحدثه على بيت غيره، ولا يزيد ميازيب أخرى عمَّا كان عنده من قبل فلا يزيد لا من حيث العدد ولا من حيث الاتِّساع، ولا أن يرفعه إذا كان أسفل قبل ذلك.
وأمَّا أن يضيِّقه بعد سعته أو ينزله بعد طلوعه فلا بأس من ذلك. (2)
عادة ما يخطِّط سكَّان المدينة خاصَّة في البيئة الصحراوية والمليئة بالمفاجآت الخطيرة دورهم دون أن ينسوا السور الدفاعي لها، فمدينة وارجلان من المدن التي تعرَّضت للهجومات والغارات إلى حدِّ تهديم المنازل واجتثاث الأشجار والنخيل، وتغوير الآبار، فكان ذلك دافعا لأهاليها أن يفكِّروا جيِّدا في حماية العرض والنفس والمال. وأن يفكِّروا في كيفية بناء السور، فأوَّل ما راعوه في التخطيط هو إمكانية امتداد البناء، وحتَّى لا تبنى الدور خارج الأسوار بعد مدَّة قصيرة، صاروا يتركون فراغات كبيرة بين السور وآخر الديار المبنية، ويلاحظ أنَّ بعض قرى ميزاب راعت أن تكون المقبرة داخل الأسوار، لعلَّ ذلك راجع إلى الخبرة، فأثناء الفتن لا يمكن إخراج الموتى إلى خارج الأسوار، بينما نلاحظ أنَّ المقابر في وارجلان كلُّها تكون خارج أسوار المدينة.
ويتخلَّل السور بوارجلان ثمانية أبواب وهي: 1) باب أبي الربيع 2) باب رابعة 3) باب البستان 4) باب أحميد 5) باب الخريجة 6) باب أبي
__________
(1) - أبو العباس، أصول الأرضين، مخ، ص 63.
(2) - نفس المصدر السابق. ص 79. (1/83)
صفحة 84
إسحاق 7) باب أبي عمَّار 8) باب عزَّى. ويذكر لارجو من بينها باب السلطان وباب أوامان. (1)
ويهتمُّ ابن خلدون في وصفه لوارجلان بذكر الباب الذي يفضي إلى السودان، ويُهمل ذكر بقيَّة الأبواب، بينما العيَّاشي (2) فقد ذكر أنَّ لها سبعة أبواب.
ومن الملاحظ أنَّ الأبواب تتوزَّع على كامل جهات المدينة، وقد تكون عادة عند نهاية الشوارع الحيويَّة، كما أنَّ للسور أبراجا دفاعية تصل إلى واحد وأربعين برجا بارزة عنه بنيت كلُّها بالطوب والحجارة وهي ذات أشكال مربَّعة موزَّعة على طول السور البالغ طوله ألفين ومائة متر (2100م) تُطلُّ كلُّها على خندق عرضُه عشرون مترًا يملأ بالماء في الحالات الدفاعية.
وهذه الأسوار الدفاعية والخنادق خلفها، كانت توجد بكثرة في المدن الصحراوية دفعا لغارات البدو (3) مثلما كانت في ن?وصة، وت?رت وبسكرة وبعض قرى توات، ولا يزال بعضها يحمل هذا الطابع الدفاعي. وبهذا الشكل تتحول هذه المدن إلى قلاع حصينة.
وحسبما نعلم أنَّ فكرة حفر الخنادق حول المدن فكرة فارسيَّة اقترحها أول مرَّة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابي الجليل سلمان الفارسي في غزوة الأحزاب فسمِّيت بغزوة الخندق. ولوارجلان اتصال بالدولة الرستميَّة والتي حكمها أئمَّة رستميُّون ذوو أصل فارسي، وحلُّوا بها بعد سقوطها (4) ويمكن أن تكون من أفكارهم.
__________
(1) - ينظر: أعزام، غصن البان، مخ، ص 27.
ينظر: LARGEAU, LE PAYS DE RIRHA, P.94
(2) - أبو سالم عبدالله بن محمد بن أبي بكر العياشي، الرحلة. (ط حجرية) فاس، 1316هـ، ص 46.
(3) - د. سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ج1، ص 102.
(4) - وهذا أيضا ما حدث في بناء بغداد سنة 147هـ / 65 - 764م بني حولها سوران، وأمامهما خندق عرضه متّة أمتار وبواباتها توصل بجسور بعدها مدخل منكسر. ينظر: د. كمال الدين سامح، في العمارة الإسلامية، الاتحاد العربي للطباعة، مصر.1974م، ص 30 – 38. (1/84)
صفحة 85
وقد تتحوَّل جدران المنازل المواجهة للسور إلى أسوار دفاعية، ذلك فيما إذا تضرَّر السور، فيعمد السكَّان إلى غلق الشوارع والأزقَّة فيكون العدو - بين حجري الرحى - الأبراج وأسوار المنازل. (1)
وحتَّى لا يحدث لسور المدينة تضرُّر من الداخل يمنع العرف ضرب الأوتاد في حائط السور, أو يحدث فيه كوَّة، أو خشب أو كلّ ما يضعفه. (2)
2 ــ المساجد:
يولي الإباضية مثل سائر المسلمين كلَّ الأهميَّة للمساجد، فهي بالنسبة إليهم مركز الإشعاع الديني، فالمسجدُ هو المكان الذي تُقام فيه الشعائر الدينية، كما أنَّه مركز قيادة المجتمع، خاصَّة بعد تحول النظام السياسي عندهم من إمامة الظهور إلى إمامة الكتمان أي ما يسمَّى بالإمامة الصغرى، حيث صار المسجد مكان اجتماع العلماء ورجال الفكر وشيوخ القبائل. كما صار لها دور أكبر حينما اتخذ أبو عبد الله محمد بن بكر (ت 440هـ / 49 – 1048م) (3) من المساجد مقرًّا لهيئة العزَّابة المشرفة على كلِّ مصالح المسلمين.
فبالنسبة لقرى ميزاب نجد المسجد بصومعته العالية يُشرف من المرتفع على المساكن، أمَّا بالنسبة لوارجلان المنبسطة فأكبرها يتوسَّط المدينة، والمساجد الصغرى تتوزَّع على الأحياء، ولهذه المواقع أهميتها.
فمنها المعنويُّ وهو الشموخُ والعلوُّ والإشراف. ومنها الطبيعيُّ وهو إمكانية رؤية الفجر وغروب الشمس للمؤذِّن، وانتشار الصوت خاصَّة إلى أماكن بعيدة.
__________
(1) - ينظر الرسم التوضيحي بالملحق.
(2) - أبو العباس، أصول الأرضين، مخ، ج 4، ص 87.
(3) - ينظر في فصل الحياة الفكرية (عن ترجمته) (1/85)
صفحة 86
وتوسُّط المساجد للبلدة يساهم أيضا في تقريب المسافات وتوزيعها بالسوية تقريبًا حتَّى ييسر ارتيادها وعمارتها.
وممَّا يميِّز مساجد الإباضية على الأغلب خلوُّها من الزخارف؛ من فسيفساء أو آجر أو رخام أو خشب منحوت، بل هي بسيطة كلَّ البساطة في تصميمها وبنائها وذلك اقتداءً بعمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما بنى مسجده. فلم يكلِّف المسلمين بجمع الأموال رغم أنَّه بإمكانه الاهتمام بهذا الجانب، خاصَّة بعد أن أفاء الله عليه الغنائم والأموال، فلو كان هناك أحدٌ يمكن أن يُظهر حبَّه لله تعالى بهذا التصرُّف لكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأولى بفعله وكذا الخلفاء الراشدون من بعده.
ولم يُلزم الإباضيَّة أنفسَهُم فقط بهذه البساطة في البناء بل أنَّ أغلب الأرياف بالعالم الإسلامي ألزموا أنفسهم بذلك، فهو أدعى للخشوع من جهة وأيسر للإكثار من المساجد وإتمام بنائها من جهة أخرى، ويصفها الدكتور حسين مؤنس: «أسرفت في الواقعية حتَّى أصبحت في بعض الأحيان مجرَّد أشكال من اللبن مهمَّتها حماية المصلِّين من وهج الشمس ... وهي من هذه الناحية مساجد رائعة بمعنى أنَّها تروع النفس ببساطتها وهيئاتها» (1).
فكأنَّ هذه البساطة في العيش والبناء جعلت الوارجلانيِّين يفكِّرون في أشياء أبسط بكثير من المساجد الواقية من الريح والمطر ووهج الشمس فصاروا يقصدون الغيران للتعبُّد، وقمم الجبال لأحياء الليالي والتأمُّل في ملكوت الله حتَّى سُمِّي الجبل المشرف على سدراته ووارجلان بجبل العُبَّاد إلى اليوم.
__________
(1) - د. حسين مؤنس، المساجد، مطابع الأنباء، الكويت، 1401هـ/1981م، ص 233. (1/86)
صفحة 87
1: أمثلة لمساجد وارجلان:
من خلال كتب السير نعلم أنَّ وارجلان مدينة تكثر فيها المساجد وأماكن العبادة بأنواعها كما مرَّ. ويذكر الوسياني أنَّ أول مكان سُجِدَ فيه لله تعالى في وارجلان موضعُ المنبر أمام مدينة أنجان (1)، وبنى عليه الشيخ أبو صالح جنُّون (2) محرابه، وحسبما يبدو أنَّه كان يريد التبرُّك, وهذا لا ينفي أنَّه قد بنيت مساجد بين الفترتين فترة دخول الإسلام بوارجلان سنة 101هـ / 719م وبين نهاية القرن الثالث عهد أبي صالح.
وإذا كان الشيخ حادور هو نفسه الذي ذكره جون ليتيو، فسيكون مسجد الشيخ حادور والذي وقع له نوع من التجديد، أقدم مسجد بوارجلان، لأنَّه حسب روايته أنَّ الشيخ حادور أتى من زنجبار سنة 726م الموافق لسنة 108 للهجرة، وهي السنة التي شيَّد فيها مدينة وارجلان. (3)
ومن المساجد التي لا تزال متينة البنيان إلى حدِّ اليوم مسجد الشيخ أبي سهل الذي عاش في القرن الخامس الهجري، ولا يزال مسجدُه إلى حدِّ اليوم خلف داره وهو مسجد صغيرٌ، سقفُه دانٍّ، وعرصاتُه متقاربة، وبناؤه بسيط وغير متناسق، يدلُّ على العفوية في البناء ويبعثُ على الرهبة والخشوع ويفصله عن منزله صحن صغير يستعمله أهل الدار ومنه يفضي الإنسان إلى الخارج.
ومن المساجد المندثرة رغم بنائها بعد هذه الفترة مسجد أبي زكرياء وهو المسجد الذي بناه الحفصيُّون حينما تتبَّعوا أعقاب ابن غانية الميروقي. فقد بنى أبو
__________
(1) - كان معروفا لدى الوسياني بقوله: "معروف اليوم" واليوم يجهل هذا المكان.
(2) - هو الشيخ أبو صالح جنون بن يمريان الذي عاش بوارجلان وعاصر أحداث نهاية الدولة الرستمية 296هـ/909م. ينظر: الوسياني, سير, مخ، ورقة 11ب.
(3) 1 - JEAN LETHIELLEUX, OUARGLA, P.20 (1/87)
صفحة 88
زكرياء بن أبي حفص مسجده هناك سنة 629هـ / 29 – 1228م. بعد الحفاوة التي لقيها من أهالي وارجلان وبنى مئذنة مرتفعة ونقش اسمه وتاريخ بنائه للمسجد على الحجر (1).
ومن المساجد المندثرة أيضًا مسجد تماواط وقد كان موجودا سنة 477هـ / 1084م.
2: هندستها:
والجدير بالذكر أنَّ أغلب هذه المساجد تتميَّز بعرصات عريضة، قد يصل البعض منها إلى ما يقرب من المتر المربَّع، وتتلاحم فوقها الأقواس المتعاكسة في السقوف، وتكاد تخلو هذه السقوف من خشب جذوع النخيل، ومن القباب بهذه الطريقة.
أمَّا الجدران فسميكة أيضا وقد تبنى أصولها بالحجارة الصلبة المجلوبة من المقالع البعيدة، وأمَّا البقية فتبنى بحجر محلِّي هشٍّ، وقد تُبنى كما هو الحال في قرية الشطِّ بحجر الملح بعد تجفيفه، والجدران الملحيَّة أكثر صلابة يصعب على الإنسان إحداث ترعة فيها، كما أنَّها تمتاز بعدم ايصال الرطوبة الأرضية إلى أعلى.
ولا يهتمُّ الوارجلانيِّون بالقباب كثيرًا، بل إنَّها تكاد تنعدم، وذلك حتَّى يستفيدوا بالسطح في ليالي الصيف، ومثلما يستفيدون بالصحن أيضا بالصلاة والختمات العامَّة.
__________
(1) - يذكره الشيخ أعزام بقوله "حكى لي بعض الفضلاء بعهدنا أنّه أدرك هذا المسجد ومئذنته وأما نحن فلم نعرف له أثرا".
ينظر: غصن البان، مخطوط، ص 8.
بينما لارجو يقول بأنّه رآه ورأى بقية جدار يبلغ ارتفاعه 15 مترا هو كلّ ما بقي من المسجد وذلك أثناء رحلته سنة 1879م. ينظر:
ARGEAU, LE PAYS DERIRHA, P.97 IBID, P. 157 (1/88)
صفحة 89
كما أنَّ المساجد الإباضية تفصل بين بيوت قضاء الحاجة، ومكان الاستنجاء، لأنَّهم يرون أن الاستبراء ضروريٌّ بوسائل التطهير الجافَّة، ثمَّ يتحول بعدها الإنسان إلى أماكن الاستنجاء أو الاغتسال، ثمَّ بعدها إلى مكان يتميَّز بالطهارة المطلقة وهو مكان الوضوء. ثمَّ بعد الاطمئنان إلى الطهارة التامَّة يمكنهم الدخول إلى المحراب لأداء فريضة الصلاة ويستقذرون غسل النجاسة مباشرة باليد بعد قضاء الحاجة، بل يرون أنَّ من السنة الاستبراء فالاستنجاء، وهذا ما كان له تأثير حتَّى على أشكال البناء في المساجد والدور الخاصَّة.
ومن الملاحظ أنَّ المساجد الإباضيَّة في وارجلان وفي قرى ميزاب إلى حدٍّ قريب كانت لا توجد فيها المنابر.
وهي الوسيلة التي استطاع بها (شاخت J.SCHARCHT) – في بحثه عن الأثر الإباضي في إفريقيا – أن يحدِّد مسارهم إلى جانب الصوامع الهرميَّة والمحاريب المستطيلة التي تتميَّز بها مساجدهم.
وتوصل إلى أنَّ إفريقيا السوداء لم تتأثَّر بالناحية المعمارية فقط، بل استدلَّ بذلك على تواجد المذهب الإباضي قبل غيره من المذاهب (1) لدى شعب البال والكانوري.
ويتحدَّث العيَّاشي عن المسجد الإباضي الذي زاره في وارجلان فصلَّى فيه المغرب فوجده مسجدًا متقن الصنعة، مجصَّص الأرض والحيطان، فأعجبه ما فيه من وسائل الطهارة، وخاصَّة المكان الذي أُعدَّ لتسخين الماء .. كما صلَّى صلاة الجمعة في مسجد المالكية دون أن يعطي له وصفا. ومهما كان الأمر فأنَّ العياشي حتَّى ولو كان قد وصف المساجد في وقت متأخِّر عن الفترة المدروسة، إلاَّ أنَّه يعطي لنا بعض الملاحظات عن المساجد التي قد زارها في عهده. (2)
__________
(1) 1 - J.SHARCHT, SUR LA DIFFUSIONDES FORMES DARCHITECTURE RELIGIEUSE MUSULMANE A TRAVES LE SAHARA.T. I. R. S., T. XI, ALGER, 1954. P. 27.
(2) - العياشي، رحلة، فاس، ج 1، 1316هـ، ص 47. (1/89)
صفحة 90
أمَّا المصلَّيات التي لم يستحدث فيها الإنسان إلاَّ قليلا من التغيير عن أصلها الطبيعي – ومع بساطة التغيير فيها – آثرنا ذكرها مع أنَّها لا تعدو أن تكون غيرانا، أو سطوح الجبال.
لقد حفر المشايخ والطلبة غيرانا كثيرة منها ما هو على سفوح الجبال، ومنها ما هو على شكل سراديب ينزل إليها الإنسان.
فأبو صالح جنُّون بن يَمَرْيَان إلى جانب بنائه لمسجده في مدينة وارجلان أجرى تعديلا لغار، وذلك بأن نحت فيه، ونحت على جداره ستَّة رفوف يبدو أنَّها نحتت خصيصا لوضع الكتب. (1)
كما أنَّ الشيخ أبا عبد الله محمَّد بن بكر طلب قبل قدومه إلى آجلو أن يحفروا له غارًا (2) ولا يزال هذا الغار موجودًا إلى حدِّ الآن على شكل سراديب، وكانوا يتعبَّدون فيه إلى أن أتى الشيخ تروراس بن يوسف سنة إحدى وأربعين وأربعمائة (441هـ / 1049م) فبنى المسجد الكبير. (3)
كما كان الشيخ أبو صالح الياجراني يتعبَّد في غيران أبي أجاج. (4) أمَّا كهف السلطان (5) فيتألَّف من ثلاثة طوابق تتوزَّع عليها ثمانية غيران يغلب عليها عمل الإنسان يصل بينها درج، وعلى الجدران كتابة عربية غير مفهومة، ولم يبق منها إلاَّ
__________
(1) - ينظر: أبو اليقظان إبراهيم "تلك آثارنا تدلّ علينا" جريدة الأمّة، المقال 4، ع 156، 28 ذو الحجة 1365هـ / 1 مارس 1938م.
(2) - أبو زكرياء، السيرة ج2، ص 154.
(3) - الوسياني، سير، مخ / كراكوفيا، ورقة: B 35.
(4) - المكان غير معروف. ينظر: الدرجيني، طبقات، ص 373.
(5) - حدّد لارجو بعده, عن بامنديل بـ 12 كلم دون الاتجاه. ينظر تفصيل ذلك:
LARGEAU, LE PAYS DE RIRHA, P.184
وفي الخريطة: نجدها على الحافة اليسرى لوادي ميه جنوب غرب وارجلان بمحاذاة جبل العباد. (1/90)
صفحة 91
كلمة ”الله“ واضحة، وهذا يدلُّ دلالة واضحة أنَّه مكان استحدثته يد الإنسان المسلم، أو أنَّه كان ملجأ الإنسان القديم فأدخل عليه التعديلات، وعلى الأرجح أن يكون مصلَّى، للظاهرة الغالبة في ذلك الحين.
أمَّا ما أحدثته يد الإنسان المسلم من تغيير طفيف على الطبيعة بعامل الدين، وظاهرة الانقطاع للعبادة كما أسلفنا فهو تحويل سطح جبل إلى مجموعة هائلة من المحاريب تبلغ خمسمائة محراب مرسَّمة بالأحجار فسُمِّي هذا الجبل «جبل العبَّاد» (1).
وهكذا وبمثل هذه الأماكن نجد أثر الإيمان الصحيح حيث تنعدم مساجد التباهي, ومظاهر التفاخر بين العائلات الغنيَّة والسلاطين مثل ما وقع في بعض الأماكن من العالم الإسلامي، وأحسنُ وصفٍ لهذه المساجد المغربية ما قاله د. حسين مؤنس: «وفي المغرب طرازٌ آخر من المساجد لا نجد له مثالا في غير المغرب، طرازٌ بسيط يقترب من البداوة بل من البدائية، ولكنَّه ينطق بإيمان صحيح، ويعبِّر عن إسلام صافٍ لا تشوبه شائبة تكلُّف أو زهو، وهو طرازُ المساجد الشعبية الصغيرة الأنيقة التي نجدها في القرى والواحات والهضاب والوديان وأحياء المدن، وهي مساجد تقتصر على الحدِّ الأدنى من عناصر العمارة المسجدية». (2)
__________
(1) - ينظر: أبو اليقظان، م. س.
H. TARRY, LES VILLES BERBERES DE LA VALLEE DE L OUED MYA, REVUE D ETHNOGRAPHIE, 1885, 3, P. 28.
(2) - د. حسين مؤنس، المساجد، مطابع الأنبياء – الكويت، 1401هـ / 1981م، ص 226. (1/91)
صفحة 92
المبحث الثاني: المنازل:
لقد لجأ الإنسان منذ القديم إلى أماكن يأوي إليها اتِّقاءً للقرِّ أو الحرّ وهروبا من الوحوش الضارية، فتغيَّرت المساكن حسب تطور الأزمان وتباين الحضارات، فما بين بيوت فارهة ينحتها من الجبال، إلى بيوت يتَّخذها من جلود الأنعام ليستخفَّها يوم ظعنه ويوم إقامته، فقد نجد بيتا من قطع الجليد صنعها إنسان الإسكيمو، أو بيوتا معلَّقة بين الهضاب والجبال كدور هضبة التبت، أو محفورة في الأرض كدور مدينة مطماطة التونسية، أو على شكل مدرَّجات مصطنعة مثل معلَّقات بابل الأشورية بالعراق، أو مدرَّجات طبيعية كدور جبل نفوسة بليبيا.
وإذا أمعنَّا النظر نجد العوامل المؤثِّرة على كيفياتها مختلفة جدًّا، فمنها الطبيعي وهو الغالب، ثمَّ العوامل الأخرى.
فدور الواحات يغلب عليها الطابع الديني والطبيعي، فالدار المغربية الصحراوية بسيطة في بنائها، في تناسق تام يغلب عليها التراصُّ والتلاصق، وذلك للحياة الدفاعية التي تتميَّز بها المنطقة المنعزلة، فالمجتمع القبلي تتجمَّع دورُه على هذا الشكل وتكون حيًّا عائليا مترابطا تسهل مراقبته والدفاع عنه.
ويمكننا أن نأخذ السمات العامَّة للمنازل الوارجلانية دون الدخول في التفاصيل الهندسيَّة. فأول ما يلاحظ الداخل إلى المنازل العتيقة، المدخل المنكسر فلا تجد دارًا يفتح بابها على بهو أو غرفة، وذلك لسبب ديني أولا، ثمَّ لسبب استراتيجي ثانيا؛ فبالأول لا تنكشف المرأة على الشارع وبالثاني لا يمكن لمُعتدٍ أن يدخل بالسرعة التي أتى بها, إلاَّ ويجد الحاجز الجداري أمامه. (1)
__________
(1) - هذه الطريقة الدفاعية استعملها بناة بغداد في المداخل الأساسية للمدينة. (1/92)
صفحة 93
وللباب المفتوح عادة جدار يدعِّمه من الخلف ووسط الجدار كوة قدر ما يصلح لأدخال اليد من خلفه لدفعه قبل غلقه مراعاة للسترة.
وعادة توجد بالمنزل دعامات أساسية في وسطه قد تصل إلى أربعة، وعليها ترتكز أغلب السقوف، وما وجدوها على هذا النحو إلاَّ ليتمكَّن خشب النخل الذي يُسقَّف به مقاومة الأثقال فوقه.
وإذا علمنا أنَّ خشب النخيل لا يحتمل الطول فهمنا سرَّ تقارب الجدران من بعضها، وسبب الدعامات الأساسية وسط المنازل.
وللدار عادة في الطابق الأرضي مجلسان: مجلس خلف الباب مباشرة يستعمل لمغزل النسيج، واستقبال الدَّاخلات من الشارع من طرف صاحبة البيت دون التوغُّل إلى الداخل إلاَّ عند الضرورة.
وفي الجهة المقابلة من الداخل مجلسٌ آخر لأهل البيت خاصَّة حتَّى يبتعد كلامهم وسرُّهم عن الشارع، ويسمَّى في وارجلان ”بالسلام“ وقد يسمَّى بهذا الاسم أيضا فناء الطابق الأوَّل.
وبين المجلسين وسط الدار الذي يوزُّع النور والهواء بين كافَّة مرافق الدار من غرف ومجالس وغيرها. و قد يتَّخذ صاحب البيت جناحًا من منزله يبني فيه دويرة بكامل طوابقها خاصَّة له ولضيوفه، ولأبنائه حينما يبلغون سنَّ الرشد ويتزوج من بلغ سنَّ الزواج منهم.
ولا يمكن أن نتعرَّض لجميع تفاصيل المنازل من حيث هندستها ومقاساتها وتفاصيل زواياها فذاك من اختصاص الهندسة المعمارية.
وأمَّا ما لا يمكن إغفالُه فهو الأثر الدينيُّ مثل ما رأينا، فاكتست الأبنيةُ بهذا كلِّه البساطة من حيث الشكل والمواد وهو ما عبَّر عنه الغربيُّون دون أن يفهموا (1/93)
صفحة 94
السرَّ حينما تحدَّثوا عن الإباضية في هذا المجال: أنَّهم لا يبنون إلاَّ ما هم بحاجة إليه، فلا يبنون غرفة أوسع ممَّا صُمِّمت له، ولا يرفعون بابا أعلى من قامة الإنسان، ولا درجًا أرفع من خطواتهم، ولا يجلبون مادَّة لا توجد فوق أرضهم، ولذلك كان الجمال الواقعيُّ. وعبَّر عن ذلك كوربيزي CORBUSIER بقوله: «نسيت المدارس اعتبار الإنسان في خطواته ومدى تعامله مع حاجاته، لقد كانت العين والقدم والذراع أساس المقياس فصيَّرت المدارس المتر هو أساس ذلك، ولا تعدُو قيمته أن تكون جزء من محيط الكرة الأرضية» (1).
فحينما وصفنا شوارع مدينة وارجلان ذكرنا علوَّ جدرانها وخلوها بالتقريب من النوافذ مبالغة في السترة، والآن ونحن بصدد الكلام عن المنازل نتساءل كيف تصرَّف المهندسون المعماريُّون المسلمون أزاء هذه الإشكالية؟ من أين يأتي النور والهواء لدار حينما يراها الرَّائي من الشارع يخالها سجنًا؟ فاتِّقاء المسلم الشبهات ومبالغته في السترة كان ذلك مدعاة لإمعان التفكير في هذا الشأن.
لقد فتحت وارجلان وقرى ميزاب ديارهما على النور والهواء بطريقة متميِّزة ووضعت لذلك أعرافا لا تتعدَّاها حتَّى يقع استغلال كلِّ ذلك دون الإضرار بالجيران.
فبعد الخبرة الطويلة والتجربة عرف السكَّان إضافة إلى مشارق الشمس ومغاربها، مراكز هبوب الرياح الدائمة على المنطقة، فأداروا طهور كلِّ دورهم لمصدر الرياح الباردة الشتوية والرياح الرملية الربيعية، وفتحوها للشمس من شروق إلى غروب.
__________
(1) - ينظر:
MANUELLE ROCHE, LE MZABE, ARCHITECTURE IBADITE EN ALGERIE B. ARTHAUD, 1973, P. 25. (1/94)
صفحة 95
وهنا تصطدم المصالح في التعالي، أو حرمان الجار من شمس الشروق وغروبها، لنجد تآليف العمارة قد جعلت قواعد لذلك فأبو العباس أحمد بن محمَّد بن بكر يحدُّ المزمع من التعالي بقوله: «يمنعه جارُه ألاَّ يجعل عليه الظلَّ ببُنيانه سواء في ذلك الظلَّ الذي يمنع له به الشمس عند طلوعها أو عند غروبها» (1)، ويؤيِّده الشيخ اطفيش قطب الأئمَّة بقوله: «لا يجعل الظلَّ على جاره ظلَّ الشرق والغرب في غير الأجنَّة، وأمَّا في الأجنَّة فأنَّه يمنع من أن يجعل له ظلَّ الجدار القبلي». (2)
فلذلك يجب على الجيران أن يؤخِّروا جدرانهم المطلَّة على الطابق الأوَّل مقدار ارتفاعها حتَّى يسقط ظلُّها على سقوف بيوتهم.
أمَّا المستقبل لأشعَّة الشمس عند بزوغها، فلكي يستقبلها بوفرة في الفناء بالطابق الأول المسمَّى بالبربرية ”إكومار“ يتَّخذ في زاويته الشمالية الغربية عوارض بدل الأقواس فتدخل الشمس إلى عمق الغُرف المواجهة داخل الفناء، ويستفاد بهذا المكان عادة صبيحة الشتاء.
ثمَّ حينما تتوسَّط الشمس كبد السماء يمكنها أن تنزل إلى الطابق الأرضي من شباك يكون عادةً في الزاوية الشمالية، حيث تتراصُّ الأقواس لتقلِّل من وهجها على الطابق العلوي.
ثمَّ قبل الغروب تجد أيضا العوارض بدل الأقواس حيث تدخل إلى عمق الفناء عند ضعفها وقت الأصيل ليستفيد بها أهل المنزل أكثر.
أمَّا المساحات المفتوحة في الطابق الأوَّل أو السطوح فوق الأفنية والغرف فتستعمل في ليالي الصيف.
__________
(1) - أبو العباس، أصول الأرضين، مخ، ج 4،ص 110.
(2) - اطفيش، مختصر العمارة، مخ، ص 14. (1/95)
صفحة 96
ولهذا فهذا النوع من المنازل من أحسن الأنواع، إذ يتصرَّف فيه صاحبه حسبما يتلاءم وتباين الفصول والأوقات، ودون أن تعكِّر صفوه العائلي أعين الفضوليِّين، ولهذا فلا يجد الإنسانُ هناءه مهما كان مستوى حضارته إلاَّ إذا فكَّر من الزاوية الدينية. (1/96)
صفحة 97
المبجث الثالث: إشكالية الزخرفة لدى الإباضية:
والإشكالية الأخرى بالنسبة للعمارة الإسلامية الوارجلانية، هي خلوُّها من الزخرفة الجصِّيَّة.
يرى الإباضية أنَّ البساطة في البناء مطلبٌ شرعي، وأنَّ الزخرفة فيه من قبيل التبذير المنهي عنه، وأمَّا الصور المجسِّمة والتماثيل فهذا ما لا نقاش في حرمته، ولذلك كما رأينا أنَّ البناء البسيط المتواضع الذي يخلو من كلِّ زخرفة هو الغالب.
ولكن ما تفسير وجود اللوحات الجصيَّة ذات الأشكال الهندسية والرسوم النباتية في مدينة سدراته المندثرة رغم أنَّها إباضية؟
هنا يثور جدل بين العلماء: فمنهم من يرى أنَّه إباضي كلُّه ولا ضير في ذلك ما دام لم يصل إلى المحرَّم، بل هو من الإبداع الفكري الذي ينمُّ عن ذوق رفيع، فالزخارف الجصيَّة عبارة عن أشكال وريقات العنب، أو سعيفات الجريد، أو أشكال هندسية ذات زوايا متداخلة، أو مشكاوات ذات فصوص صدفية، ليس إلاَّ.
ومنهم من يرى أنَّ هذا الفن بهذا الشكل المتأثِّر بالتيَّارات الفنِّية النازحة هي لأناس أجانب عن المذهب عاشوا في كنفه، ويستند إلى عدم امتداد هذا الفن إلى قرى ميزاب حيث استقرَّ بعض السدراتيِّين بعد خراب سدراته.
ومن المستشرقين من يريد أن يكون هذا الفنُّ عالميا لا إسلاميا فقط، حتَّى يضفي عليه مسحة من العموم بعدها يضيع كلُّ جهد إسلامي.
فبالنسبة للقول الأول نجد الشيخ أبا اليقظان رحمه الله قد كتب سلسلة من المقالات تحت عنوان ”تلك آثارنا تدلُّ علينا“ وهو في إحداها لا يستبعد أن تكون (1/97)
صفحة 98
الزخرفة إباضيَّة، وذلك لما وصل إليه الرستميُّون النازحون من تاهرت من سلامة في الذوق، وفنٍّ معماري. (1)
وأمَّا بالنسبة للقول الثاني فنجد الشيخ علي يحيى معمَّر الذي يستبعد أن تكون إباضيَّة, ويرجِّح أن تكون لأناس جلبوا هذه الحضارة وسكنوا مع السدراتيِّين (2)
وأمَّا الفريق الثالث من المستشرقين فنجد على الطليعة الآنسة مارغاريت فان برشم MARGUERITE V.B. فتقول بعد نهاية المسح الشامل ونهاية التنقيبات والحفريات: إنَّ نتائج هذه البعثة تفوق المتوقَّع فهي لا تنتمي إلى تاريخ الفنِّ الإسلامي فقط، بل إلى تاريخ الفنِّ العام كلِّه. (3)
أمَّا عن المؤثِّرات الخارجية فيرى الدكتور عبد العزبز سالم أنَّ الرستميين تأثَّروا بالفنِّ العراقي الفارسي وذلك لما وجده من شبه ما بين المسجد الذي اكتشفه (طاري) وقصر الأخيضر بالعراق. (4)
أمَّا الدكتور سعد زغلول فيرى أنَّ الفنَّ السدراتي أصداء لفخامة المباني العبَّاسية وإن كان ضعيفا ولم يأخذ إلاَّ ما يتناسب وبساطة المجتمع الإباضي (5) بينما يرى برك BERQUE أنَّ هذا الفنَّ متأثِّر بالأقباط المصريِّين مستندًا على ما لاحظه من شبه في الرسوم النباتية (6).
__________
(1) - أبو اليقظان، جريدة الأمّة، ع 64، سنة 1938م.
(2) - حوار أجريته معه قبل وفاته بمسجد الفتح بطرابلس سنة 1979م.
ينظر: علي يحيى معمّر، الإباضية في الجزائر، ص 366.
(3) - ينظر:
MARGUERITE VAN BERCHEM, SEDRATA, UNE VILLE DU MOYEN AGE ... / DOCUMENTS ALGERIENS, P. 226.
(4) - د. عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب الكبير، دار النهضة العربية، بيروت. ص 581.
Marçais George, L Architecture, Paris, 1936, P 56.
(5) - د. سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ص 510.
(6) 2 - BERQUE, Art antique et art musulman en Algèrie, (sadrata), Cahier centenaire de L Algèrie VI, P.52 - 53. (1/98)
صفحة 99
وبهذا الصدد نقول: إذا كانت سدراته حسب أغلب الأقوال من نتائج نزوح الإباضيين من تاهرت بعد استيلاء العبيديِّين عليها سنة 296هـ / 909م لا يستبعد أن يكون مع المهاجرين الإباضيين مهندسون معماريُّون كانوا في تاهرت أصلهم من الكوفة أو البصرة أو مصر أو خراسان والذين كانوا سببًا في إسراع تاهرت نحو الحضارة (1)، ولا يستبعد أن يكونوا هم الذين بنوا هذه الدور الرائعة، والقصور الجميلة لهم وللطبقة الغنية. وهذا على الرغم من أنَّ الرستميين أوَّل الأمر كانوا بعيدين عن مظاهر الحضارة المفرطة، إذ المعلوم أنَّ الإمام عبد الرحمن بن رستم بنى داره بيده بالطين، ولم يغيِّر منها رغم المعونات المتتالية. (2)
كما أنَّهم بعد انتقالهم إلى ميزاب لم ينقلوا هذه الزخارف معهم. يعود السؤال ليطرح نفسه هل الفنُّ السدراتي تبنَّاه كلّ الرستميين؟ فإذا كان ذلك فلماذا لا نجده قبل سدراته وبعدها؟ رغم تواجدهم في هذه الحقب الزمانية.
لا شكَّ أنَّ الرستميين في أوَّل أمرهم كانوا على الورع المعهود، ومع ضعف الدولة في الأخير والثراء ووجود الطبقة النازحة من ذوي الحضارات العريقة تكونت فيهم الرغبة في هذا الفنِّ دون أن تتعدَّى التقييدات الإسلامية، من تجسيم للأجسام أو تشخيص لصور الحيوانات، فهي كما رأينا لا تتعدَّى الرسوم النباتية والأشكال الهندسية البربريَّة، والخطوط العربيَّة الكوفية.
ومع ذلك فإنَّ الوارجلانيِّين ـ من علماء ورعين ومن تجَّار أغنياء بذهب غانا ـ لم يحدوا حدو السدراتيِّين رغم غناهم، فبقي هذا الفنُّ في سدراته فقط، وذلك لتفضيلهم البساطة المعهودة.
__________
(1) - محمد الطمار، الروابط الثقافية بين الجزائر والخارج، ش. و. ن. ت، الجزائر، 1983م، ص 95.
(2) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميّين، تح: د محمد ناصر، إبراهيم بحاز، المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986م، ص 29 - 33. (1/99)
صفحة 100
ولم يؤثِّر كذلك السدراتيُّون في قرى ميزاب التي انتقلوا إليها لعوامل منها: تمسُّك الميزابيِّين بنفس الروح السائدة في وارجلان، مع ضعف السدراتيِّين النازحين مادِّيا بعد خراب مدينتهم وضياع أموالهم، فكان عليهم أن يتأقلموا بسهولة مع البيئة التي حلُّوا بها. وبهذا خبا هذا الفنُّ تحت الرمال إلى يومنا هذا. (1/100)
صفحة 101
الفصل الثالث
الحياة الدينية والفكرية (1/101)
صفحة 102
[صفحة بيضاء] (1/102)
صفحة 103
مدخل إلى الحياة الدينية والفكرية:
تبدو مميِّزات الحضارة الإسلامية جليَّة واضحة إذا كان العامل الدينيُّ والعقيديُّ راسخ الأسس، ولكي تكون الأسس الدينية راسخة يجب أن تكون قريبة من المنبع تأخذ من القرآن الكريم مباشرة، ومن السنة النبوية المطهَّرة، غير خاضعة لأهواء الساسة والأمراء. ويكون العلم بالشرع والعمل به أساسين متلازمين يدعِّم أحدهما الآخر.
وبقدر ما يكون الأخذ بالسنَّة قريبا من صاحب الرسالة السماوية (عليه أفضل الصلاة والتسليم) زمانا ومكانا، مع توفُّر شروط الرواية من الأمانة والتقوى والضبط والإتقان يكون ذلك أضمن لسلامتها ونقائها.
يمتاز المذهب الإباضي بهذه الصفات، فقد كان إمام المذهب جابر بن زيد الأزدي العُماني أقرب إلى المنبع زمانًا ومكانًا، ويحظى برضا جميع أئمَّة المسلمين من بعده.
وكان أئمَّة المذهب الإباضي غير خاضعين لأهواء الساسة والأمراء الذين أرادوا أن يكون حكم المسلمين ميراثا مقصورًا على ذويهم، فكان ذلك سببًا في ملاحقة الساسة لهم، وإخماد صوتهم وتشويه سمعتهم. ومع ذلك فقد بقي مذهبهم نظيفًا يفخر به كلُّ مسلم نزيه منصف.
أ) لمحة عن نشأة المذهب الإباضي وانتقاله إلى المغرب:
نشأ المذهبُ الإباضيُّ على يد الإمام التابعيِّ الجليل جابر بن زيد الأَزدي العُماني الجوفي من قبيلة اليحمد الأزدية من بلدة فَرْق من ولاية نزوى (1) المولود سنة
__________
(1) - صالح بن أحمد الصوافي، الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ط 1، 1403هـ / 1983م، ص 30. (1/103)
صفحة 104
18هـ /639م المتوفى سنة 93هـ / 711م (1) أخذ العلم والدين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وأخذه عن سبعين بدريًّا وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وكان المدافع عن المذهب الإباضي في الأوساط السيَّاسية هو عبد الله بن إباض، فقد برز عبد الله بن إباض بعد وفاة أبي بلال مرداس بن أدية (2)، وذلك حوالي سنة 65هـ - 5/ 684م. فنُسب المذهب إليه. وقد كانت له مراسلاتٌ مع عبد الملك بن مروان يدعوه إلى الاحتكام إلى كتاب الله وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويبرأ فيها من عمل ابن الأزرق وأتباعه من الخوارج (3)، وينعى على الجورة الذين استأثروا بالحكم بعد أن كانت الخلافة شورى بين المسلمين.
وكان القصدُ من هذه المدافعة حماية المذهب ودفع الشبه عنه ثمَّ يأتي بعده أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (4) لينشر المذهب بواسطة بعثاته العلميَّة مشرقًا
__________
(1) - لقد اختلف المؤرّخون في تاريخ وفاة الإمام جابر بن زيد:
فالبرادي يصنّفه ضمن الطبقة الثانية. ينظر: البرادي، الجواهر المنتقاة، لما أخلّ به كتاب الطبقات، مصر، ط حجرية 1302هـ / 1884م, ص 155.
و ابن سلاّم يرى أنّه توفي سنة 103هـ. ينظر: ابن سلاّم، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر أباضية، دار اقرأ، بيروت، 1985، ص 129. والشماخي يرى أنّه توفي سنة 96هـ. ينظر: الشماخي, السير عمان 1987م، ص 72.
و الربيع بن حبيب رواية عن أبي عبيدة يقول: وكان أنس عند ذلك مريضا فمات هو وجابر بن زيد في جمعة واحدة وكان ذلك سنة 93هـ / 711م. ينظر: الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح (المطلعة السلفية القاهرة، ط 2، 1349هـ، ج 2)، ص 76. وهذه هي الرواية المعتمدة.
(2) - أبو بلال مرداس بن أديّة (أو ابن حِدْيَر) وأديَّة المنسوب إليها، هي أمُّه. كانت وفاته سنة 62هـ/681م.
(3) - الباروني (أبو الربيع سليمان) مختصر تاريخ الإباضية، مطبعة الإرادة، تونس 1357هـ / 1938م، ص 18 - 27.
(4) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، هو مولى بني تميم من تلامذة جابر بن زيد عاش في البصرة وعلم فيها. يعدّه الدرجيني من الطبقة الثالثة 100هـ - 150هـ. ينظر: الدرجيني، الطبقات، ج 2, ص 238. صالح الصوافي، الإمام جابر بن زيد، ص 169. (1/104)
صفحة 105
ومغربا، بعيدًا عن أعين السلطات الجائرة، فاتَّبعه أهل المغرب مثل أهل المشرق ودافعوا عنه بحماس شديد وذلك لأسباب:
1 – مناداة المذهب الإباضي بالمساواة والعدل بين جميع فئات الناس وهذه أهمُّ مبادئ الإسلام، ولعلَّه السببَ الأوَّل الذي وجد فيه سكَّان المغرب ضالَّتهم فكانوا أوَّل الداخلين في دين الإسلام.
وظلم الولاَّة للرعايا البربر بسبي نسائهم وذبح أغنامهم قصد الحصول على الجلود العسلية وتقديمها كهدايا للخليفة الأموي (1) جعلهم يقفون إلى جانب المنادين بالعدل والمساواة.
2 – ضعف الدولة الأمويَّة وعدم استقرار الدولة العباسية.
3 – ممارسة البربر لحكم يرتكز على مبدإ التسيير الجماعي وعدم خضوعهم الخضوع كلِّيًّا للحكم البيزنطي قبيل الفتح الإسلامي جعلهم يتوقون إلى تطبيق مبدأ الشورى (2)، وهذا ما وجدوه لدى المذهب الإباضي. وهكذا كما يقول ابن خلدون: «فشت الدعوةُ الإباضيَّة، والصفريَّة منهم في هوارة ولماية، ونفزة، ومغيلة، وفي مغراوة، وبني يفرن من مزاته» (3).
__________
(1) - سالح باجية، الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع. تونس، ط1، 1396هـ/1976م، ص 26.
(2) - عبد الحميد حاجيات، مجلة التاريخ، الجزائر (1982)، ص 90.
عنوان المقال: مبدأ الشورى في نظام الحكم بالمغرب العربي خلال العصر الويسط.
(3) - ابن خلدون، تاريخ، المجلد الثالث، ص 362.
ويستغلّ المستشرق لارجو هذه الأحداث ويقول: «إنّ هذا البلد كان غنيا وسكّانه كانوا يعيشون في أمان، وحينما أتى العرب حوّلوه إلى صحراء ... » ثمّ يواصل نفث سمومه قائلا: «إنّ المسلمين خرّبوا كلّ شيء باسم الإله وهذا ما وقع في أمريكا التي خرّبت باسم المسيحية وباسم السلام» انظر كتابه.
Largeau, Le Pays de Rirha, P.154. (1/105)
صفحة 106
لقد كان اتِّباع سكَّان المغرب للمذهب الإباضي مبكِّرا إذ أنَّه كان مباشرة بعد مجيء الداعية سلمة بن سعد؛ أي بعد سنة 95هـ / 713م، وانتشر المذهب بداية من جبل نفوسة وجزيرة جربة. (1)
ومن آثار ذلك ميلاد أوَّل دولة إباضيَّة امتدَّت من ”سَرْت“ إلى ”قابس“ تحت إمامة عبد الله بن مسعود التيجي، قضى عليها عبد الرحمن بن حبيب، والي القيروان وقتل زعيمها سنة 127هـ / 745م. (2)
ثمَّ كانت المحاولة الثانية باختيار عبد الجبار بن قيس المرادي إمامًا, ولم يتمكَّن عبد الرحمن بن حبيب من التغلُّب عليه إلاَّ بالحيلة فقضى عليه وعلى وزيره الحارث بن قيس فأغمد سيف كلِّ واحد منهما في الأخر حتَّى يوهم الناس بأنَّهما تقاتلا فطعن كلُّ واحد منهما الآخر.
وبعد مجيء البعثة العلميَّة من البصرة إلى المغرب كان أبرز من فيها أبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، فالتفَّ حوله أهالي طرابلس وبايعُوه إمامًا وذلك سنة 140هـ 757م فامتدَّ حكمُه إلى جبل نفوسة والقيروان. لكن الدولة العباسيَّة التي عدَّت هذا خروجا عن طاعتها بعثت إليه حملات كان النصر أوَّل الأمر لأبي الخطاب في معركة مغمداس 142هـ / 759م، ولم تستطع الدولة العباسية القضاء عليه إلاَّ بالحيلة، وذلك ما كان من محمَّد بن الأشعث الخزاعي سنة 144هـ / 761م.
__________
(1) - د. عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، دار الشعب، عمّان الأردن 1978م، ص 133.
سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، تونس، 1986م، ص 67.
(2) - رجب محمد عبد الحليم، الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، مكتبة العلوم، مسقط - عمان، 1410هـ / 1990م, ص 86. (1/106)
صفحة 107
وبهذا تتَّجه أنظار الإباضية غربا إلى المغرب الأوسط حيث يفرُّ عبد الرحمن بن رستم والي القيروان إلى نواحي تاهرت فيكوِّن هناك دولة مستقلَّة تماما عن الحكم المركزي. وتعدُّ في التاريخ أوَّل دولة جزائرية إسلاميَّة مستقلَّة ويبدأ حكمها من سنة 160هـ / 776م إلى سنة 296هـ / 909م. حيث بني الحكم فيها على أساس الشورى، وتعاقب عليها أئمَّة يحكمون بالقرآن والسنَّة ويمتازون بالعدل والتسامح.
وإذا أردنا أن نستدلَّ على ذلك، فلا أنسب من التمثيل بشخصية عاصرها مؤرِّخٌ منصفٌ غير إباضي، تعطي شهادته إلى جانب شهادة المؤرِّخين الإباضيين صورة واضحة عمَّا قيل، فشخصية الإمام أبي اليقظان (ت 281هـ / 894م) تُعدُّ تقريبا الشخصية الوحيدة التي يكتب عنها مؤرِّخ رآها رأي العين خلال هذا المسار التاريخي الذي نتحدَّث عنه.
يقول عنه ابن الصغير: «وكان إذا جلس الناسُ وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحدٌ بين يديه إلاَّ أن تكون ظلامة ترفع إليه ... وكان زاهدًا ورعًا سكينًا». (1) ويروى عنه أيضًا أنَّه اهتمَّ بالحسبة من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ونبذ للعصبيات وأنَّ خُطبه على المنابر كانت خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه. (2)
أمَّا الدرجيني وهو أحد المؤرِّخين الإباضيين فتكمل شهادته شهادة ابن الصغير حيث يقول عنه: «بلغ الغاية في العدل والفضل والاقتداء بمن سلفه، فكانت نفوسة فيما قيل لا يعدلون أيَّامه وسيرته إلاَّ بأيَّام جدِّه عبد الرحمن وسيرته وذلك لأنَّهم اتخذوا مجلسه حينئذ كالمسجد، فطائفة يصلُّون وطائفة يقرأون الكتاب وطائفة يتذاكرون في فنون العلم. (3)
__________
(1) - ابن الصغير، أخبار الأئمّة، ص 81.
(2) - م. ن، ص 78.
(3) - أبو زكرياء، السيرة، ص 144. الدرجيني، طبقات, ج 1، ص 83. (1/107)
صفحة 108
وهذا النموذج يكفي لمعرفة طريقة الإباضيَّة في تسيير زمام الحكم وما شذَّ عن هذا يعدُّ مروقًا عن الأهداف الإسلامية السامية التي التزم الإباضية بالسير عليها. وكانت نهاية الدولة الرستمية على يد العبيديِّين سنة 296هـ / 8 - 909م بعد حكمٍ دام أكثر من 130 سنة. وبعدها يفرُّ أبو يوسف يعقوب بن أفلح إلى وارجلان هو وجماعة من أهله حيث يستقبلهم أهلها بالترحاب، ولا يعني هذا أنَّ وارجلان عبر هذه الرحلة التاريخية قد استقبلت المذهب الإباضي بمجيء أبي يوسف يعقوب إلى المنطقة، بل إنَّها قد عرفت المذهب قبل ذلك بداية من سنة 101هـ / 20 - 719م (1)؛ وما يؤيِّد هذا ذهابُ أبناء المنطقة إلى البصرة للاستزادة من العلم من أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وذلك سنة 135هـ / 752م، فإذا عبَّرت المصادر التاريخية بكلمة ”استزادة“ فهذا يعني وجود رصيد قديم ولكنَّه قليل لا يفي بالغرض المقصود، والمدَّة الزمنية ما بين سنة 101هـ وسنة 135هـ فارقها بسيط ومعقول.
كما أنَّنا نلمس سرعة استجابة وارجلان البعيدة عن الشمال، للإسلام من الفارق الزمني الذي يفصل بين مجيء سلمة بن سعد سنة 95هـ وانتشار المذهب الإباضي في وارجلان سنة 101هـ.
ب) بعض الآراء الدينية للمذهب الإباضي:
لا يسعنا إلاَّ أن نقول إنَّ المذهب الإباضي امتدادٌ للإسلام في نقائه دون أن تشوبَه شائبة فكرية أو سياسية متسلِّطة، فمنابعُه القرآن والسنَّة والإجماع، مثل غيره من المذاهب دون أن يغلق باب الاجتهاد، ومن أهمِّ ميزاته على أغلب المذاهب الأخرى أنَّ إمام المذهب جابر بن زيد كان يروي أحاديثه عن عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها مباشرة،
__________
(1) - أعزام إبراهيم، غصن البان، مخ، ص 32. (1/108)
صفحة 109
وعن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ضمنهم سبعون بدريا، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ولهذا فأغلب الأحاديث لديهم ثلاثية السند.
ولا نجد فروقا كثيرة بين المذهب الإباضي ومذاهب أهل السنَّة سواء في الأصول أم في الفروع، وبهذا الصدد يقول الدكتور رجب محمد عبد الحليم: «وما كان اعتمادُ المذهب الإباضي على الكتاب والسنَّة وعدم تباعده عن مذاهب السنَّة إلاَّ أنَّ مؤسِّسه جابر بن زيد قد أخذ عن الصحابة الذين أخذ عنهم أصحاب هذه المذاهب من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، بل إنَّه يمتاز على أصحاب هذه المذاهب في أنَّه أخذ عن الصحابة مباشرة بينما هم لم يأخذوا في معظمهم إلاَّ من التابعين» (1).
ويمكن أن نورد بعض الآراء الدينية على سبيل التعرُّف دون التعرُّض لتحليلها إذ أنَّ كلَّ واحد منها يحتاج إلى رسالة مستقلَّة تستعرض فيها أقوال المثبتين والنافين وأسباب ترجيح كلِّ فريق منها.
- يعتقد الإباضية بأنَّ الله تبارك وتعالى لا تمكن رؤيته لا في الدنيا ولا في الآخرة. (2)
وكلُّ ما ورد ممَّا يستوجب التجسيمُ من يدٍ ووجهٍ وعينٍ يجبُ تأويلُه ونتزيه الباري من ذلك (3).
- الخلود في الجنَّة أو في النار أبديٌّ.
- إنكارُ الشفاعة لأهل الكبائر الذين ماتوا قبل التوبة.
__________
(1) - د. رجب محمد عبدالحليم، الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص 38.
(2) - ينظر: الخليلي أحمد بن حمد (الشيخ)، الحق الدامغ، مطابع النهضة، عمان 1409هـ / 1989م.
- عزة محمد عبد المنعم زايد، رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين (رسالة ماجستير) مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1980م
- أبو يعقوب الوارجلاني، الدليل والبرهان، (ط، حجرية البارونية مصر، 1306هـ/1888م) ص 54 - 72.
(3) - صالح بن أحمد الصوافي، الإمام جابر بن زيد، ص 233. (1/109)
صفحة 110
- الولاية والبراءة واجبتان (1).
- لله صفات واجبة وهي التي لا يمكن القول بوجوده بدونها، فهو العليم بذاته, القادر بذاته، القدير بذاته، السميع بذاته، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يخلو منه مكان، ولا تحيط به الأكوان، ولا تغنيه الأزمان (2) وعكس هذه الصفات مستحيلة عليه.
- لا منزلة بين منزلة الإيمان والكفر، ولا يوافقون أهل السنَّة بأنَّ مرتكب الكبيرة مُسلم، بل هو كافر كفر نعمة، لا كفر شرك (3) وذلك استنادًا إلى الآية الكريمة: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (4) وفي آية: {فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (5) وفي آية: {فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} (6) فالتعبير بالفاسق أو الكافر أو الظالم حكمٌ واحدٌ والاختلافُ لفظي (7).
- الإيمان اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ، ولا يمكن الفصلُ بينها.
وعلى هذه الأسس الدينية العلميَّة والعمليَّة وقع التلاحم بين الناحيتين، فلا نستطيع أن نفصل المظاهر الدينية عن الأثر العلمي والفكري.
__________
(1) - علي يحيى معمّر، أضواء على الإباضية، المطابع العالمية رُوي، عُمان 1985م، ص 16 - 17.
(2) - د. مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الدار اللبنانية المصرية، مصر 1989م، ص 144. بل يقول الإباضية بعدم حلول الباري في الأمكنة.
(3) - يحيى هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، ج1، طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1965م، ص 57.
(4) - المائدة، الآية 44
(5) - المائدة، الآية 45.
(6) - المائدة، الآية 47.
(7) - د. محمد ناصر, الإباضية المذهب والتصوّر والواقع (مقال) جريدة السلام, الجزائر, يوم 19/ 12/1990. (1/110)
صفحة 111
إذ بسبب الدين وقع الشوقُ إلى ارتياد أماكن العلم، كما أنَّ بالرجوع إلى العلم عُمِرت المساجد، وظهرت حِلَق التعليم بها، وتبلورت الحياة الفكرية، وظهرت أنظمة تربوية جديدة، ونتاج فكري زاخر. (1/111)
صفحة 112
المبحث الأول: النظام التربوي الديني:
لقد كانت وارجلان عاصمة إسلامية، ومركز إشعاع علمي وحضاري، ومرآة صافية تعكس نور الإيمان على مجاهل إفريقيا السوداء، واشتهرت مع سدراته (1) وتينباماطوس (2) وآجلو (3)، وتينسلي (4)، وتماواط (5) وإيفران (6) , وحتَّى جبل العبَّاد بكثرة المساجد وأماكن العبادة، حيث يُحيي العبَّاد الليالي تلو الليالي في عبادة الخالق عزَّ وجلَّ، حيث ترتبط قلوبهم بأسباب السماء رغم بعد الشقَّة وصعوبة المراقي.
وبالتمسُّك الشديد بالدين الإسلامي شغف الناس بالبحث في الحلال والحرام، ورغم صعوبة اللغة العربية على البربر من زناته وغيرها من القبائل الأخرى، فإنَّهم دأبوا على تعلُّمها وتعليمها حتَّى يفهموا القرآن الكريم وأحكامه، ويفهموا السنَّة المطهَّرة وآثار الصحابة والصالحين.
ففتحت من أجل ذلك أماكن لحلق التعليم بنظام صارم دقيق يجعل طالب العلم يخضع لقوانين في هيئته وسلوكه ومعاملاته وطريقة تحصيله.
__________
(1) - سدراته: جنوب وارجلان تبعد عنها بـ 14 كلم.
(2) - تينباماطوس: شمال شرق وارجلان قرب آجلو, وذكرها مع آجلو كثيرا يجعلنا نعتقد أنّها ملاصقة بها (إن لم يكن هذا الاسم اسما ثانيا لها) وينسبها ليفتسكي إلى أبي ماطوس وهي شخصية إباضية – وكلمة تين للنسبة وقال بأنّها توجد قرب تين أمسوين، وهذه يجهل مكانها.
(3) - أجلو: هي قرب بلدة اعمر جنوب تقرت بـ 20 كلم.
(4) - تينسلي اسم مرادف لآجلو.
(5) - تماواط: قرب وارجلان – اندثرت. كانت موجودة إلى القرن 11م
(6) - إيفران: جنوب تينباماطوس ورد ذكرها في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي. وكلّ هذه القرى قد اندثرت. ينظر:
LEWICKI, Etudes Magrèpines et Soudanaises, T II, P. 84. (1/112)
صفحة 113
وضرب طلبة العلم أكباد الإبل إلى أماكن بعيدة قصد استجلاء الحقائق واستقصائها إلى كلٍّ من البصرة شرقا، وإلى قرطبة شمالا، واستطاعوا أن يتركوا لنا مصنَّفات كثيرة يعجز الإنسان عن عدِّها منها ما بقي إلى اليوم ومنها ما أتلفته الأرضة ومنها المحروق في الفتن العمياء ومنها المسروق لغفلة الخلف عن قيمة أعمال السلف.
فبعد اعتناق أهل المغرب الدين الإسلامي صاروا بحاجة إلى من يعلِّمهم أمور دينهم؛ إذ أنَّ أغلب الجند من الفاتحين كانوا يرجعون بعد أن يطمئنُّوا إلى أنَّ أهالي المغرب قد أذعنوا للحكم الإسلامي.
ومهما تركوا من حامية وفقهاء فالبربر المتفرِّقون في شتَّى الأماكن يصعب عليهم الاتصال بهم، وقد ذكر ابن سلام في كتابه ”شرائع الدين“ أنَّ أوَّل الحريصين على أخذ القرآن والعلم من السابلة المارَّة من جند العرب، عمر بن يمكتن (1) بطريق (مغمداس) وكان يكتب عنهم لوحه من القرآن، وحينما يحفظه يرجع مرَّة ثانية للاستزادة من المارة حتَّى حفظه، وعلَّمه بجبل نفوسة بمنزل إيفاطمان (2).
ويعزو حسن حسني عبد الوهاب ذلك إلى سببين:
أوَّلهما: حرص أبناء الأهالي الأصليِّين على تعلُّم الدين الجديد ومزاحمة أبناء الفاتحين في المعرفة.
ثانيهما: قلَّة وجود المصاحف المكتوبة في ذلك الوقت. (3)
__________
(1) - عمر ن يمكتن: مات مع أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح سنة 144هـ وهو أصغر ولد دموا الحمد انية بنت درجوا – امرأة يمكتن.
ينظر: ابن سلام، الإسلام من وجهة نظر إباضية، (أو شرائع الدين) تح: سالم بن يعقوب – شفارتز، دار اقرأ – بيروت، 1405هـ / 1985م ص 149.
(2) - قرية بجبل نفوسة.
(3) - حسن حسني عبد الوهاب، ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية, (تونس 1392هـ / 1972م) ص 80. (1/113)
صفحة 114
وكأنَّ انتظارالسابلة لم يرُق أهل المغرب الأدنى وربَّما قد شقَّ عليهم ذلك فكان من أوَّل المسافرين إلى حلقة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1) بالبصرة ابن مغطير النفوسي.
وتلته بعثةٌ مكثت هناك خمس سنوات تدرس على أبي عبيدة مختفية في الغار خوفًا من جور الأمويِّين وعمَّالهم (2) وحينما اطمأنَّ أبو عبيدة إلى علمهم واستأذنوه بالسفر أذن لهم. (3)
وهكذا رجعت البعثة إلى المغرب الأدنى لإنارته بالمعارف الإسلامية، وقد مهَّد لهم الطريق كلٌّ من سلمة بن سعد وابن مغطير السالف الذكر.
ولمَّا شرعوا في تثقيف أهل المغرب ودعوتهم، وجدوا لدعوتهم شيوعا واستجابة لما كان من ظلم بني العباس من جهة ومن ظلم بعض القبائل مثل قبيلة ورفجومة بالقيروان من جهة أخرى.
ولا شكَّ أنَّ لإقامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح (4) دولته في طرابلس أثره الفعَّال في نشر العلم الذي تلقَّاه من المشرق.
__________
(1) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني وعن عائشة أمّ المؤمنين، وكان يعلّم طلبته في غارة بالبصرة ويتظاهر بعمل القفاف.
(2) - ومن عمالهم على البصرة آنذاك الحجاج بن يوسف.
(3) - كانت البعثة العلمية تتكوّن من:
أبي الخطاب عبد الأعلى ابن السمح المعافري (من اليمن)
إسماعيل بن درار الغدامسي (من غدامس)
عبد الرحمن بن رستم (من فارس)
أبو داود القبلي (من جنوب تونس)
عاصم السدراتي (من الأوراس).
(4) - التقى بطلبة العلم الخمسة وأتى معهم إلى المغرب الإسلامي وبايعه أهل طرابلس على الإمامة على أن يقيم حدود الله ويحكم بشريعته وسنّة نبيّه محمد عليه الصلاة والسلام وذلك سنة 140هـ. (1/114)
صفحة 115
ومثلما اتجه التيار الثقافي وتيار الدعوة إلى جهة تاهرت حيث أسَّس عبد الرحمن بن رستم (1) الدولة الرستمية، فكان الرستميُّون كما وصفهم الدرجيني قائلا: «وكان بيت الرستميين (2) بيت العلوم وجامعًا لفنونها من علم التفسير والحديث والفرائض والأصول والفروع وعلم اللسان وعلم النجوم».
نجد تيَّارا ثقافيا آخر اتجه صوب الجنوب نحو أريغ وأسوف ووارجلان لعوامل كثيرة نذكر منها:
1 - الحزام السكَّاني الممتدُّ دون انقطاع من جبل نفوسة إلى واحات وارجلان الآهلة آنذاك.
2 - الحوادث السياسيَّة التي جعلت الإباضية يتراجعون أمامها إلى واحات وارجلان أو إلى أماكن جنوبية أخرى. نذكر منها هذه الحوادث:
أ) وقعة مانو: بين النفوسيِّين وإبراهيم بن أحمد الأغلبي في عهد المتوكِّل العباسي حيث اقتتلوا قتالا عنيفا، وكانت النتيجة اثني عشر ألف قتيل من الإباضية: أربعة آلاف نفوسي، ثمانية آلاف بربري ومنهم أربعمائة عالم فقيه. وذلك سنة 283هـ. (3)
ب) سقوط الدولة الرستمية: سنة 296هـ أمام هجمات عبيد الله الشيعي وفرار العائلات الرستمية بما فيها العلماء أمثال الإمام أبي يوسف يعقوب بن أفلح،
__________
(1) - مات أبوه في الحج وتزوّجت أمّه قيروانيا من تونس وأتى بهما إليها، ولي ولاية القيروان والإمامة في تاهرت، فكان أوّل إمام للدولة الرستمية وذلك سنة 160هـ.
(2) - وأشهر علماء بيت الرستميّين الإمام عبد الوهاب بعث ألف دينار إلى البصرة لشراء الكتب ولم يجد فيها ما يضيفه إلى علمه إلاّ مسألتين لو سئل عنها لأجاب عنهما قياسا على نظائرهما.
ينظر: الدرجيني، طبقات ج1، ص56.
(3) - أبو زكرياء، السير، ص 153. (1/115)
صفحة 116
وتعقُّب جيش عبيد الله الفاطمي الشيعي له إلى وارجلان ومحاصرته لجبل كريمة 297هـ. (1) وحرق الشيعيِّين لكتب المذهب الإباضي الفقهيَّة، وخاصَّة ديوان تاهرت ولم ينجُ منها إلاَّ ما انتقوه لأمر دنياهم.
ج) معركة باغاي: التي هزم فيها الفاطميُّون الإباضيَّةَ بقيادة شيخين من مشايخهم وهما أبو خزر يغلا بن زلتاف، وأبو نوح سعيد بن زنغيل وفراره إلى وارجلان (2) بعد الهزيمة وذلك في 23 شوال سنة 358هـ.
د) تخريب قلعة درجين سنة 440هـ من طرف الصنهاجيِّين وفرار بعض العلماء إلى آجلو (3). كلّ هذه الأسباب جعلت المنطقة تعجُّ بالعلماء من جهة، ومن جهة أخرى صار العلماء يفكِّرون في مسلك آخر غير المسالك (4) التي لا تجدي نفعا أمام قوَّة أعدائهم، من إمامة ظهورٍ ودفاعٍ وشراء، وهو نظام تربوي المنهج، شمولي المقصد ويهدف إلى حفظ كيان المذهب دون الظهور على الساحة السياسية وهو نظامُ ”حلقة العزابة“ السائد إلى حدِّ اليوم بوارجلان وقرى وادي ميزاب. (5)
1) نظام الحلقة:
أنشأ أبو عبد الله محمَّد بن بكر نظام الحلقة، وهو نظام تعليمي رائع، ويبدو أنَّه لم يسبقه إلى هذا النظام أحد قبل، جامعا بين النظام التعليمي وبين النظام الديني الساهر على شتَّى مناحي الحياة اليومية للمسلمين في نظام داخلي بديع، وهو
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ج1، ص 95.
(2) - ينظر: أبو زكرياء، السيرة، ص 201 - 222.
(3) - ينظرالدرجيني، ج 2، ص 404.
(4) - من مسالك الدين أربعة، ينظر فصل الحياة السياسية والاجتماعية.
(5) - قرى وادي ميزاب توجد في الجنوب الجزائري تبعد عن العاصمة بحوالي 600 كلم وهي: العطف، بنورة، بني يزجن، مليكة، غرداية، القرارة، بريان. (1/116)
صفحة 117
في الحقيقة كما قال الشيخ علي يحيى معمَّر: «يحتاج إلى دراسة متوسِّعة وكتب مفردة لأنَّ في ذلك المنهاج إقرارٌ لكثير من الآراء التربوية التي نعتقد أنَّها حديثة وأنَّها آتية من الغرب.
وذلك كحالة توحيد اللباس، والتربية العمليَّة، والرحلات المدرسية، واشتراك الطلبة في إدارة المدارس، وغير ذلك من الآراء التي يفخر الناس بها اليوم». (1)
مؤسّس نظام الحلقة:
هو أبو عبد الله محمَّد بن بكر الفرسطائي النفوسي، ولد سنة 345هـ وتوفي سنة 440هـ بتينسلي (بلدة عمر) ودفن بها. (2)
نشأ بفرسطا بجبل نفوسة شرق كباو، أخذ العلم عن الشيخين: أبي نوح سعيد بن زنغيل (3) وأبي زكرياء فصيل بن أبي مسور (4) , ولما مات أبو نوح انتقل إلى القيروان للاستزادة من علوم اللسان، وفي طريقه إلى تاجديت للاستزادة من علم الفروع على الشيخ أبي عمران موسى بن زكرياء، وفد إليه أبناء شيخه أبي زكرياء فصيل: زكرياء ويونس، وابن أخته أبو بكر بن يحيى (5) ومن معهم طالبين منه أن يعقد لهم الحلقة.
فامتنع وراودوه أيَّاما، ولمَّا كان في المسجد سمع رجلا يودِّع صاحبه ويقول له: «يافلان اجعلها لله لا تخب». فتفاءلوا بذلك جميعا، واشترط عليهم أربعة أشهر ليردَّ الجواب، وبعد الاستخارة اقترح عليهم الذهاب إلى ريغ قائلا: «إنَّ ههنا ناسًا
__________
(1) - علي يحيى معمّر، الإباضية في الجزائر، ج 1، المطبعة العربية – غرداية 1985 - 1986م، ص 183.
(2) - د. عمرو خليفة النامي، محاضرة (مرقونة): ملامح الحركة العلمية في وارجلان، ملتقى وارجلان 1977, ص 7.
(3) - أبو نوح سعيد بن زنغيل من الطبقة الثامنة (350هـ- 400هـ)، الدرجيني، ص 143،353.
(4) - أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور يسجا بن يوجين اليهراسني من الطبقة الثامنة، الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 361.
(5) - أبو زكرياء، كتاب السيرة، ص 252. (1/117)
صفحة 118
رقاق القلوب أرجو أن ينتجع فيهم الإسلام، ويتلقَّوا ما نحن عليه بالقبول ويكونوا لهذا الخير أهلا، وهم مغراوة ريغ، فما رأيكم في الانتقال إلى جهتهم؟» (1).
وبعد مدَّة من التفكير تقرُب من أربعة أشهر وضع أبو عبد الله نظام الحلقة ملبِّيا رغبة شيخه أبي زكرياء بن أبي مسور في تينسلي في الغار (2) الذي أعدَّه له أبو القاسم يونس بن ويزكن الوليلي لدى مغراوة ريغ.
وكان لكثرة تنقُّله مع تلامذته أن قال فيهم عبد الله ابن الأمير: «عجبا لهذا الشيخ وأصحابه، إنَّما مثلهم كمثل الحواريِّين لعيسى بن مريم» (3) أمَّا سبب مجيء أبي عبد الله إلى وارجلان فهو الظلم الذي حدث من بني ورماز إذ قطعوا الطريق، وأكثروا الأذى، فجمع أبو عبد الله جماعة أهل أريغ وحثَّهم على دفع الظلم، ولكنَّهم أجابوا بقولهم «لا طاقة لنا، وما عسانا أن نقدر عليه؟» فأجابهم «نحن نقدر على أنفسنا» (4). حينئذ قرَّر الذهاب إلى وارجلان فنزل بإيفران، فأقام بها عاما، وكان هذا القرار من أريغ لعاملين:
1 ـ لدفع جماعة أريغ لتغيير المنكر بأنفسهم عن منطقتهم.
2 ـ لتأمين الطريق للعزابة الذين يفدون إليه، ويقتلون بأريغ.
وكانت له رحلات أيضا إلى بادية بني مصعب إبَّان الربيع لمآرب كثيرة منها طلب راحته وراحة طلبته، حيث الجوُّ ألطف والهواء أنقى (5)، وله في الميدان العلمي
__________
(1) - الدرجيني، الطبقات، ص 169.
(2) - يسمى الغار بالتسعي ويسمى أيضا التسعر، نسبة إلى سنة 409هـ التي أسّس فيها نظام الحلقة، وبالمناسبة وقع الاحتفال بذكراه الألفية في غرداية عاصمة ميزاب سنة 1409هـ، وقد كتبت في الموضوع رسائل جامعية ودراسات قيّمة، اطلبها تحت عنوان: الحلقة – العزابة.
(3) - الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 186.
(4) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 386.
(5) - المصدر نفسه، ج 1، ص 183. (1/118)
صفحة 119
الآثار الكثيرة، وقد ألَّف في الحجج والبراهين، وفي الأخلاق (1) ولكن لم يصل إلينا شيء منها، بل لم تذكر كتب السير جميعها عناوين كتبه. ومات رحمه الله في غاره في تين يسلي وقبره قبالة الغار، وقال عبد الرحمن بن عمر «جعلت علامته شجرة يقال لها ”العنظوان“ وهي بالبربرية ”تاعقايت“» (2). وترك من الأبناء: أبا العباس أحمد بن محمد؛ صاحب التآليف، وأبا يعقوب يوسف بن محمد، وإبراهيم بن محمد.
ومن الذين درسوا على ابن زنغيل وكان لهم الفضل في ترتيب الحلقة أيضًا في بدايتها أبو الخطاب عبد السلام بن منصور بن أبي وزجون المزاتي (3).
وكانت رحلته الأخيرة من قلعة درجين سنة 440هـ إلى ”أسوف“ ثمَّ إلى آجلو مع قبيلة ورتيزلن أمام هجمات الصنهاجيِّين فوجد أبا عبد الله محمد بن بكر في آخر أيَّامه، ويحتمل جدًّا أنَّه واصل المسيرة التي بدأها ولو أنَّ المصادر سكتت عن ذلك. (4)
2) التنظيم الإداري للتعليم:
لم تكن الحلقة منظَّمة بنفس الطريقة التي استحدثها أبو عبد الله محمَّد بن بكر, إذ أنَّ الحلقات الموجودة في المساجد حول المشايخ أو في أماكن خاصة للتدريس أقلُّ إحكاما من حيث نظام أبي عبد الله الجديد.
فأبو عبد الله رأى أنَّ على الطالب أن يلزم أماكن الدراسة كامل أوقاته أو بالأحرى كامل فترته الدراسية، فيجمع بين الدراسة والسكن والعبادة وطلب العلم.
__________
(1) - المصدر نفسه، ج 2، ص 377.
(2) - نقلا عن مخطوط قديم من لفوف، مجهول المؤلف، تحت رقم 277. ينظر:
T. LEWICKI, Mèlanges Berberes-Ibadites, R. E. I. Paris. PAUL GEUTHNER, 1936. T, X, P. 277.
(3) - ينظر:
FEKHAR, Brahim Ben Moussa, Les Communautèes Ibadites en Afrique du Nord depuis Les Fatimides, thèse Docteurat, Sorbone, Paris III, 1971, P, 64.
(4) - الدرجيني، طبقات، ج 2, ص 407. (1/119)
صفحة 120
وأسند للطلبة وظائف، فكوَّن منهم عرفاء فصاروا يشعرون بالمسؤولية، وبالتالي يلتزمون بآداب خاصَّة حتَّى ينالوا احترام غيرهم، ويخفِّفوا عن الشيخ أعباء كثيرة لا يستطيع القيام بها وحده.
وهذا النظام - نظام الحلقة أي نظام العزابة - سيأخذ شكلاً آخر على مرور الزمن، فهو ينحصر الآن في الهيئة الساهرة على الأمور الدينيَّة مثلما يسهر على حياة المجتمع في شتَّى مناحيه، في جوٍّ من الترابط والتلاحم.
أ- مهام الشيخ:
بعد أن نلقي نظرة خاطفة على الهيكل العام لأعضاء الحلقة نلاحظ أنَّهم ينقسمون إلى صنفين: آمرين ومأمورين، وفي أعلى الهرم بالنسبة للآمرين نجد الشيخ، والشيخ وحده هو الذي تنتهي إليه المسائل العويصة للفتوى وهو المرجع الوحيد والأخير لدى كلِّ الأمور التنظيمية وهو وحده الذي يستطيع أن يصدر العفو بعد الخطة والهجران (1) ولا يصل إلى هذه المرتبة إلاَّ بعد أن يبلغ مبلغا عظيما في العلم والورع والتقوى، ولا يجلس إلى الحلقة إلاَّ بعد أن يأنس من نفسه ذلك ولا يردُّ المسألة إلى غيره من المشايخ إلاَّ على سبيل الاحترام والتقدير.
وتتلخَّص مهامُّه التربوية في الحلقة على الآتي:
1 - الجلوس لطلبة فنون العلم في وقت معلوم ليأخذوا عنه الدرس.
2 - الاستفتاح وهو قيامه في الثلث الأخير من الليل أو الربع الأخير، فيفتتح التلاوة حيثما وصلوا ليلة البارحة، بعضهم يقرأ وبعضهم يدرس وحده إلى الفجر.
__________
(1) - البرادي، أبو القاسم بن إبراهيم، الجواهر المنتقاة لما أخلّ به كتاب الطبقات، طبعة حجرية – مصر 1302هـ / 1884م، ص 209. (1/120)
صفحة 121
3 - الجلوس بأثر الختمات للجواب على الأسئلة في أي فنٍّ كان، ويذاكر تلاميذه فيما حصَّلوه (1).
4 - الحكم بين المختلفين والمختصمين من التلاميذ.
مهام الشيخ خارج أوقات الدراسة في الحلقة:
1 - يجمع التلاميذ يوم الإثنين والخميس فيعظ ويذكِّر ويحذِّر ويسألهم عن أحوالهم فمن عيب عليه شيء، فالخطَّة والهجران للكبير والزاوية والجلد للصغير.
2 - يأذن لعابر السبيل في الإقامة أيام حلوله كضيف ويأكل من غير المدَّخر، أو الدخول في الحلقة بعد الاستفسار عن سيرته لدى أهله وذويه.
3 - يأذن فيما يشترى أو يباع من الأقوات، وما يُدَّخر وما لا يُدَّخر منها.
4 - يأذن في قسمة ما يفتح الله من رزق أو أوقاف على التلاميذ.
ومع ذلك فالشيخ لا يستنكف أن يقوم بأعمال يرى فيها الأجر والثواب. (2)
ب- العرفاء:
يختار الشيخ عرفاء من خيرة الطلبة اجتهادا وذكاء وإخلاصا، فيُصنِّفهم صنفين: صنف لأعانته في التدريس وهم من حملة القرآن.
وصنفٌ لمراقبة (الداخلية) وهذا يكفي فيه واحد للختمات والنوم وآخر للطعام.
__________
(1) - ينظر: الدرجيني، طبقات، ج 1، ص172.
(2) - قد يقوم بها العزابة دونه، وهذا ما يرويه أحد تلاميذه قائلا: كنّا في حلقة أبي عبد الله نقرأ عليه فكان العزابة أرادوا كنس الغار فكنس معهم الشيخ أبو عبد الله، وجعل يرفع معنا الكناس على عاتقه، فقال له يوما بعضنا وهو ينقل معنا: أقعد يا شيخ فإنّ العزابة يكفونك. قال: أو يحملون عليّ ذنبي؟
ينظر: الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 392. (1/121)
صفحة 122
فالمجموعة الأولى: ترتبط بجماعة الألواح من طلبة القرآن فيملون عليهم ويصحِّحون ألواحهم، وكلُّ واحد يختصُّ بمجموعة لا تقلُّ عن اثنين ولا تزيد عن عشرة إلاَّ في حالة الضرورة عند كثرة الطلبة وقلَّة العرفاء. (1)
أمَّا العريف: المكلَّف بالختمات والنوم فمهامُّه تنحصر فيما يلي:
- عليه ارتصاد الحزب للمذاكرة فينبِّه الشيخ في الغد إلى مكان الحزب بالأمس.
- عليه أن ينادي بنوم الهاجرة، ويُلزم من لا عذر له على النوم.
- عند غروب الشمس ينادي للختمة.
- بعد صلاة العشاء وقراءة القرآن ينادي بالدعاء.
- بعد قراءة بعض المواعظ على الشيخ ينادي بالنوم.
ومن خالف هذه الأوامر يتعرَّض للعقوبة المتمثِّلة في الخطَّة والهجران للكبير والزاوية والجلد للصغير، أو الطرد إن اقتضى الأمر. (2)
أمَّا العريف المكلَّف بالطعام: فهو الذي ينبِّه الطلبة والعزابة على ملازمة حسن الآداب، إذا كان الطعام خارج إقامتهم عند شخص عامِّي، وذلك بشعار ”حسَّان“، أو ”حسَّان بن ثابت“، أو ”أحسنوا آدابكم“ (3). وإذا كان الطعام عند عزابي فيميلون إلى الانبساط من اقتراح ما يحسن طعامهم.
- والعريف يرتِّب جلوسهم، ويأمر بالماء ليغسلوا، وبعد الطعام ينادي بالدعاء.
-
__________
(1) - البرادي، الجواهر, ص 212.
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 177.
(3) - يبدو أنّ العريف قديما كان من كبار العزابة، لما له من سلطة الأمر والنهي. (1/122)
صفحة 123
وإذا كان الطعام يحتاج إلى إعانة ومعالجة فلا يشغل الطلبة المنشغلين بدراستهم بل يُعفيهم ويميل إلى غيرهم. (1)
ولعلَّ أجمل ملحظ نراه في أكلهم: أنَّهم يقسَّمون إلى طوائف، ويكون في كلُّ طائفة عريف عليها أكبر المجموعة سنًّا وأكثرهم تضلُّعا في الشريعة والعلوم، فيلقي ثلاث مسائل في فنون مختلفة، ويكون الجواب عليها ميامنة فإن عثر أحدهم أمسك يده عن الطعام تلقائيا إلى أن يتذكَّر الجواب.
وبهذا نرى أنَّ هذا النظام مُحكم ويستغلُّ جميع وسائل الزجر والترغيب ويصل الحدُّ به إلى أن يُحرم الطالب من الأكل وهو يشتهيه، وخاصَّة وقت الخصاصة، وقد لا تروق علماء النفس هذه الطريقة الآن، ولا يجرؤون على تطبيقها أيضًا وإن علموا جدواها.
ولعلَّ من أهم تأثيراتها حين يدعى طالب الحلقة لهذا النظام أنَّه يحضِّر نفسه قبل كلِّ طعام يوميًّا تحضيرا ينصرف ذهنه كلِّيا إلى حفظ المسائل وإلى الاختبارين الصعبين: الجواب على المسائل أو الإمساك عن الطعام إلى أن يَمُنَّ الله عليه بالجواب.
ج- الطلبة أو (العزابة):
يعرِّف الدرجيني كلَّ من طلب العلم ولازم الطريق وسير أهل الخير، وحافظ عليها وعمل بها بـ”العزابي“، وإن حصَّل العلم دون السير لم يُسمَّ به. (2)
أي أنَّ طالب العلم تُشترط فيه شروط معلومة لكي يصل إلى درجة العزَّابي، تجمع بين طلب العلم والالتزام بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف والاقتداء بعمل الصالحين من قبله.
__________
(1) - البرادي، الجواهر, ص 210.
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 3. (1/123)
صفحة 124
ومجموع العزابة مع شيخهم يكوِّنون الحلقة، وبهذا تغير اسم الحلقة من نظام في الجلوس حول الشيخ إلى مجموع العزابة مع الشيخ كيفما كان وضعهم أو مكانهم، فالعزابة اسم لجماعة تشتمل على الشيخ يعلِّمهم العلم ويلقِّنهم السير ويبصِّرهم في الدين بحسب ما يفتح الله على كلِّ واحد منهم ... فكأنَّهم محلِّقون ولو أنَّهم مفترقون. (1)
يتألَّف الطلبة حسب السنِّ من كبار وصغار، والكلُّ يجتهد في طلب العلم والالتزام بالضوابط التي رسمها المشايخ حتَّى لا يتعرَّض لعقوبات صارمة، وإن كانت الرغبة التي دفعته لطلب العلم وطاعته لمشايخه تحدوان به إلى الابتعاد عن العقاب المعنوي أو المادي.
فالسنُّ إذا لا يشترط في طالب العلم ما دام الهدفُ هو معرفة الشريعة الإسلاميَّة، والفرد المسلم يحتاج إليها في كامل أطوار حياته بل يعدُّ ذلك عبادة لا تعدُلها عبادة.
والطلبة صنفان: كبار وصغار.
والكبار منهم المجدُّ ذو المواهب الحسنة، ومنهم المجدُّ ذو المواهب المتوسِّطة. وأمَّا الطلبة الذين لا يبذلون جهدًا فعادة ما يتعرَّضون للخطة والهجران أو الطرد إذا كانوا كبارًا، والزاوية والجلد أو الطرد إذا كانوا صغارًا.
والمجدُّون من ذوي المواهب الحسنة عادة ما يكون منهم العرفاء، وأمَّا ذوو المواهب المحدودة فينبغي أن تكون خدمة الطعام من هؤلاء الذين لم يفتح الله عليهم بشيء، ولم يشرح صدورهم للعلم، لكن ينفعهم الله بخدمة أهل الخير ويوفيهم فيها أجورهم. (2)
__________
(1) - م. س، ج 1، ص 4.
(2) - البرادي، الجواهر، ص 216. (1/124)
صفحة 125
ومن أمثلة هؤلاء: ”بَلْغَنْ“ من تلامذة أبي عبد الله محمَّد بن بكر، وكان يخدم العزَّابة في تين يسلي ويخبز لهم الرغائف وكان يتعنى في خدمتهم ويحتسب ما عند الله. (1)
وقد يَعجَب البعض من تقصير هؤلاء أوَّل الأمر، إن جهل أنَّ الكبير عادة ما يتخبَّط في مشاكل اجتماعية تكون سببًا في انشغال باله، وتشتُّت ذهنه رغم انقطاعه للتعليم. (2)
وأمَّا الصنف الأخير: فهم الزمنى والعُميان فقد نطق بعذرهم القرآن.
ونرى هذا النظام من التعليم يعذر كلَّ إنسان قاصر في فهمه ملتزم بالنظام والحضور علَّه يستفيد شيئا ينفعه لدنياه وآخرته.
ومثلما يلتزم بالحضور والانضباط يشترط عليه هندامٌ خاصٌّ وهيئةٌ خاصَّة. منها:
- لبسُ البياض، وعدم السماح بالثوب المصبوغ.
- حلقُ شعر الرأس.
- إذا لبس العمامة فعليه بالتلحِّي. (3)
د- أماكن التدريس:
ليست المساجد أماكن لتأدية الشعائر الدينية فقط، مثل الأديرة والكنائس والبيع، بل هي المكان الذي يتقاضى فيه الناس، وتُعقد فيه ألوية الجهاد, وتُعقد فيه
__________
(1) - أبو زكرياء، السيرة، ص 349.
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 180.
انظر ما لاحظه الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني حينما دخل حلقة وارجلان في ربيع الأخير سنة 616هـ عند أوَّل صومه في شبابه. (أورده البرادي أيضا في جواهره، ص 215).
(3) - الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 171. والوسياني، سير (مخ)، ذكر التلحي, ص 4 - 7. (1/125)
صفحة 126
حلقات الذكر والعلم؛ فهي مراكز إشعاع لجميع مناحي الحياة البشرية ما دامت هذه الحياة مطيَّة المسلم إلى دار سعادته الأبدية.
ومن أمثلة ذلك مسجدُ الشيخ جنُّون بن يمريان، حيث كان الشيخ أبو نوح سعيد بن زنغيل يعقد فيه حلقته ويقول الدرجيني: «وكانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند مسجد الشيخ جنُّون فمنهم المستفيد علمًا, ومنهم المتبرِّك بمشاهدته والمشارك فيما يعرض من أمور دنياه ودينه، والمقتني خلقا يتحلَّى به والمستزيد من معرفة سبب السير، فكلُّهم منقلب بخير وفضل». (1)
وقد تُعقد حلقات الدراسة في دار يبنيها الشيخ خصيصا لذلك، وقد تكون مجاورة لدار سكناه، وذلك رمز للقرابة الروحية. ويروي الدرجيني (2) حديثا عن جدِّه يصف فيه دار الشيخ أبي سليمان (3) أيوب المخصَّصة للعلم فيقول: «حدَّث جدِّي يخلف بن يخلف التميجاري رحمه الله قال: كان شيخنا أبو سليمان أيوب بن إسماعيل كثير الإبرار بتلاميذه، وكانت له داران بوارجلان متقابلتان يفصل بينهما طريق، وفوق الطريق ”ساباط“ وصل بين الدارين من علو، فإحدى الدارين دارُ سكناه والأخرى مطلقة للتلامذة والأضياف».
وقد تكون الغيران أماكن لعقد الحلقات مثلما تكون مقرًّا لسكنى المشايخ والطلبة؛ فقد عقد أبو صالح الياجراني (4) حلقة للعزابة في غيران أبي أجاج خارج وارجلان.
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ج1، ص 144.
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 2،ص 459.
(3) - أبو سليمان أيوب: هو شيخ أبي يعقوب يوسف الوارجلاني وقد رثاه بعد وفاته بقصيدته البائية المشهورة. (من الطبقة الحادية عشر 500 - 550).
(4) - أبو صالح الياجراني من الطبقة الثامنة (350 - 400هـ). (1/126)
صفحة 127
وهذا شبيه أيضا بما فعله أبو عبد الله في آجلو حيث أُعدَّ له غار (1) خصِّيصا لذلك كما مرَّ.
وقد تكون المدرسة متنقِّلة، فيسافر العلماءُ بتلاميذهم بالقوافل التي تحمل المؤونة والحصر، وحينما يجدون المكان اللائق ينصبونها.
وتتألَّف المدرسة من أقسام: قسم للصلاة، قسم للشيخ، قسم للنساء، وبيوت للتلاميذ. (2)
وهكذا يجد الشيخ عبد الرحمن بكلِّي في مقدِّمة كتاب الطبقات للدرجيني تعليلاً رائعا لهذا التنقُّل الدؤوب، وهو التعوُّد على عقد رحلات للدعوة إلى الله وتفقُّد أحوال المسلمين مع التدرُّب على خشونة العيش وترك حظوظ النفس إرضاء لله.
وبالفعل فقد نتج عن ذلك تزاوُرٌ في الله، فصار أهل المشرق يزور أهل المغرب، وأهل المغرب يزور أهل المشرق. (3)
ومن أهداف هذه الرحلات تتبُّع المشايخ حيث يقيمون ولو كانوا في أمور دنياهم.
فأبو عبد الله رحمه الله ينتقل بحلقته إبَّان الشتاء إلى أبي سليمان فيقيمون حتّى يسمعوا صيَّ البعوض فينزل إلى ضيعته. (4)
__________
(1) - لقد زرت هذا الغار ولا يزال إلى حدّ الآن في آجلو – بلدة اعمر اليوم- وهو على شكل سراديب ينزل إليها الإنسان مقسمة إلى غرف من صنع الإنسان، يحيط بها كثبان من الرمال من جميع الجهات حيث قبر الشيخ ويزار الآن باسم سيدي السائح لكثرة تجواله كما مرّ في تعريفه.
(2) - بكلي عبد الرحمن، مقدمة طبقات الدرجيني، ج 1، ص: د.
(3) - مقرين بن محمد البغطوري، سير نفوسة، مخطوط، ص 6.
(4) - أبو سليمان داود بن يوسف (ت 462هـ)
وإن كان الشماخي يرى أنّ أبا محمد ماكسن هو الذي ينتقل بحلقته إلى أبي سليمان انظر الشماخي – سير، ص 418. الدرجيني، ج 2، ص 437. (1/127)
صفحة 128
وكذا كان ينتقل إلى بادية بني مصعب في الربيع حيث الهواء المنعش فرارا من تعكُّر الجوِّ.
وبهذا تتعدَّد أسباب التنقُّل بالطلبة ودائما في صالح الجوِّ الدراسي، من تعقُّب المشايخ في مزارعهم وأماكن رعيهم، لاستغلال علمهم حيث إنَّ الحياة القاسية لم ترحمهم فيجلسوا كلُّهم للتدريس.
ومن جهة أخرى أرادت هذه الطريقة أن تبرهن أنَّ الدراسة يجب أن لا ترتبط في ذهن الطالب بالجدران والمكان المعروف، بل حياتُه كلُّها من الغيران المظلمة إلى الفضاء الفسيح كلُّه مدرسة، ومن تقلُّبه في فراشه إلى جلوسه أمام الشيخ كلُّها أوقات يجب أن لا يغفل فيها عن الالتزام بالآداب والمبادئ الإسلامية.
وقد يتبادر إلى ذهننا أنَّ الطالب يملُّ من تلقِّي العلم وإن وجد متنفَّسًا للراحة أخلد إليها.
بل على العكس فإنَّنا نجدهم هم الذين يتعقَّبون مشايخهم حيثما حلُّوا وارتحلوا.
ومن الطريف ما يقع للشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (1) أنَّه حينما يدخل مسجد وارجلان ويضع مفتاحه وسفره وعمامته ثمَّ يدخل المطهرة وحينما يخرج منها يجد أنَّ التلاميذ قد حاز كلٌّ منهم شيئا تركه فيقول: «ردُّوا عليَّ علائقي» فيشترط كلٌّ منهم أن يجيبه عن مسألة تهمُّه، سواء أكانت في النحو أم في الفرائض أم في الفقه وبعد أن يجيبهم يردُّون إليه ما أخذوه منه (2).
وهكذا فلا نجد الشيخ هو المستدعي لطلبته في وقت معيَّن مضبوط فقط، بل إنَّ الطالب الذكيَّ هو الذي يستغلُّ أيضا الظرف المناسب لأخذ العلم.
__________
(1) - هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني – السدراتي – (500 – 570هـ).
(2) - الدرجيني، طبقات, ج 2، ص 492. (1/128)
صفحة 129
هـ - أماكن الاستراحة:
لم يغفل هذا النظام أماكن الاستراحة فقيَّد لها شروطا تعود بالنفع على أخلاق الطلبة إذ أنَّ الطالب يتأثَّر بالمحيط الذي يعيش فيه كامل الأوقات.
فيأذن النظام بالانصراف آخر النهار إلى مواضع المياه والأشجار لما فيها من هدوء وراحة بعد يوم مليءٍ بالعمل والجدِّ.
ويمنع النظام: الذهاب إلى الأسواق والمرور أو الجلوس في الطرقات خاصَّة المسدودة إلاَّ إذا ألجأت الضرورة لذلك أو كان الطريق نافذا. (1)
ولعلَّ أغلب النظم التربوية اليوم تغفل هذا الجانب المهمَّ وتحدِّد مسؤوليتها بزمن الدراسة وبجدران المؤسَّسة؛ فهناك سلبيات تنعكس أساسا على دراسة الطالب وسلوكه الفردي وقت الراحة.
أمَّا أوقاتها فيبدو أنَّ لها أوقاتا قصيرة، فنجدها:
- في الضحى عند استكمال كتابة الألواح. (2)
- وبعد العصر حينما تتوقف الدراسة لتوزيع التمر، ومدَّة ذلك محدَّدة بمقدار ما يقرأ فيه اللوح مرَّة أو مرَّتين. هذا أثناء الدراسة، أمَّا بعد توقُّف الدراسة فتكون عادة لنوم الهاجرة ويشدَّد في ذلك لغرض قيام الليل.
- وآخر النهار قبل غروب الشمس بعد عناء اليوم كما أسلفنا، وبعد صلاة العشاء.
__________
(1) - البرادي، الجواهر، ص 216.
(2) - نفس المصدر، ص 212, (1/129)
صفحة 130
ثالثا: النظام الدراسي:
من خلال النصوص في كتب السير يتبيَّن لنا أنَّ نظام الحلقات يخضع ـ بالنسبة لأطوار الدراسة ـ إلى ثلاثة أطوار:
1 - الطور الأوَّل: طور التلقين والحفظ وتخزين المعلومات في الذاكرة مع شيء من دروس الأخلاق، وفي مقدِّمة التلقين تحفيظ كتاب الله الكريم.
2 - الطور الثاني: دراسة اللغة العربية والتمكُّن فيها كأداة ووسيلة لفهم النصوص واستنباط الأحكام.
3 - الطور الثالث: طور التفقُّه في الدين والبحث والغوص في العلوم الشرعيَّة، وبعدها يمكن العطاء؛ إمَّا على شكل الجلوس إلى الحلقات أو الإفتاء لعامَّة الناس أو الشروع في مرحلة التأليف.
ويصف الدرجيني هذه المستويات بقوله: «وكان يتولَّى التدريس وإعداد الطلبة في هذه المرحلة ثلاثة شيوخ؛ فكان أبو يعقوب وهو شيخٌ بنفوسة أمسنان مقصدًا للمبتدئين، فإذا انتظموا في حلقته علَّمهم السير وآداب الصالحين، ثمَّ ينقلهم إلى محمَّد بن سودرين، فيجرون قراءة القرآن ويتعلَّمون اللغة والإعراب، ثمَّ ينتقلون إلى أبي عبد الله محمَّد بن بكر فيعلِّمهم أصول الدين والفقه». (1)
النظام الدراسي اليومي: (أو البرنامج)
لا نكاد نجزم أنَّ هذا البرنامج الذي سنذكره الآن هو المتَّبع حرفيًّا، فهو جمع شتات من هنا وهناك واستطعنا أن نصبّه في قالب أكاديمي حديث، وإن كان المشايخ حسب اعتقادنا لهم كامل التصرُّف آنذاك حسب الأزمنة والأمكنة التي ينتقلون إليها، وحسب حالة إقامتهم وظعنهم.
__________
(1) - د. عمرو خليفة النامي، ملامح الحركة العلمية بوارجلان، محاضرة ملتقى 1977, ص 8. (1/130)
صفحة 131
واستطعنا أن نرسم صورة ولو باهتة تتعانق فيه الحياة الفكرية مع الحياة الروحيَّة فصار البرنامج ممتزجا بها:
يبدأ اليوم باستيقاظ المشايخ والطلبة في الهزيع الأخير من الليل وبه يبدأ التوقيت.
الجزء الأخير من الليل: يستفتح الشيخ، والطلبة مُخيَّرون بين مدارسة القرآن معه أو يطالعون ما شاءوا.
بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس: قرآن وختمة.
من شروق الشمس إلى وقت الضحى: سكتت المصادر عن الحديث عنها ولعلَّها وقتُ ذهاب المشايخ والعزابة إلى حقولهم أو لمآربهم الخاصَّة.
الضحى: كتابة تحت إشراف النقيب، ويستأذن في حفظ ما كتب ميامنة، وبعد الحفظ يكون الإملاء، وتفقُّد الألواح ثمَّ الدعوة إلى الطعام.
بين الظهر والعصر: نوم الهاجرة، ثم قراءة الألواح وجوبًا، وبعد العصر استحبابًا، ثمَّ تفقُّد الألواح ثمَّ الدعوة إلى الطعام.
و بين صلاة الجمعة والعصر: قراءة المواعظ.
المساء عند الغروب: قراءة القرآن والختمة، ثم الدعاء.
العشاء: قراءة المواعظ من طرف التلاميذ ثمَّ يقوم الشيخ بعد دعاء الختمة. (1)
4) العلاقة بين أفراد أسرة التعليم:
بعد تتبُّعنا خطوات هذا النظام الفريد الذي وضعه المشايخ رحمهم الله نشعر لأوَّل مرَّة أنَّ كلمة أسرة التعليم تنطبق إسمًا على مسمَّى لما بين أفرادها من ترابط، فنلمس فيها أبوَّة الأب الحاني في الشيخ وبنوَّة الابن البار في طالب العلم والأخوَّة الصادقة فيما بين الأنداد من الصنفين.
__________
(1) - البرادي، الجواهر، ص 209 - 213.
- أبو زكرياء. السيرة، ص 255. (1/131)
صفحة 132
وكتب السير مليئة بالمبرَّات، ولا يسع المجال لذكرها كلِّها، فنجد هذه العلاقات في الله تتَّسع وتشمل الأسر التعليميَّة بالامتزاج والترابط.
يبدو أنَّ أعلى مثل رأيناه للكرم وحبِّ العلم والعلماء هو أبو صالح جنُّون بن يمريان لما قدَّمه من أيادٍ بيضاء.
فحينما قدم الشيخ أبو نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان أعطاه أبو صالح بيتًا مملوءة إلى السقف تمرًا, وأجرى عليه مائدة بُكرة وأخرى عشيَّة، وحينما قعد في وارجلان لم يبخل عليه بشيء من ماله، بل طلب منه المكوث فيها وأن لا يرحل، على أن يُقاسمه كلَّ ما يملك. (1)
أمَّا علاقة المشايخ بطلبتهم فتتعدَّى أوقات الدراسة ومكانها، فقد ينفق الشيخ على طلبته من ماله الخاصِّ؛ مثل ما فعله أبو إسماعيل أيوب (2) وهذا له شبيه بما كان يفعله علماء نفوسة من الجود على طلبتهم في ذلك الحين، بل يتجاوزون إلى كسوتهم صيفًا وشتاءً بكساءٍ جديد. (3)
وقد يضمُّ الشيخ أحد طلبته إلى زمرته العائليَّة ويقترح عليه الانتقال مع أغنامه إلى البادية إبَّان الربيع حتَّى لا يفوته لبن ذلك الفصل، ويكلِّف من يأتيه بمعيشته يوميًّا. (4)
ويتعدَّى الإبرار من الغذاء المادِّيِّ إلى الروحيِّ فنجد المشايخ حريصين كلَّ الحرص على الإرشاد والنصح.
__________
(1) - ينظر: أبو زكرياء، السيرة، ص 223.
(2) - د. عمرو خليفة النامي، محاضرة: ملامح الحركة العلمية، ص 11.
(3) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 417.
(4) - هذا ما فعله الشيخ أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عيسى العباسي (من الطبقة الثانية عشر 550 - 600هـ) مع أحد تلاميذه. ينظر: الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 508. (1/132)
صفحة 133
ومن خلالها تتبيَّن لنا أهدافهم ورغباتهم التي من أجلها سهروا الليالي الطوال جنبا إلى جنب مع تلاميذهم منقطعين عن أهليهم في كثير من الأوقات.
فمن وصايا المشايخ نختار ما أوصى به أبو الربيع سليمان بن يخلف المزَّاتي طلبته قائلا: «إذا وصلتم منازلكم فإيَّاكم أن تستقبلوا الدنيا بوجوهكم لئلاَّ تغُرَّنَّكم، وعليكم بالألفة والنصيحة والتزاور، وحفظ مجالس الذكر، وإيَّاكم وأمور الناس، وإيَّاكم والتقصير فيمن يرد من أهل دعوتكم». (1)
ذهب أبو عبد الله إلى جربة زائرًا فأوصى طالبًا بخصال منها: «قراءة القرآن والمواظبة عليه، والرغبة إلى الله والرأفة بالضعفاء».
وقال له: «احمل نفسك على مالِك يحملك». (2)
وأوصى أحدهم قائلا: «اذهب إلى منزلك فإن وجدت من تُقدِّمه في الأمور فاتَّبِعهُ، فإن لم تجد ووجدتَ من تتعاون معه فتعاونوا على البرِّ والتقوى، فإن لم تجده ووجدت من سعى في الخير فكُن إمَامَه، فإن لم تجد أحدًا من هؤلاء فاستقم على الطريقة وحدك». (3)
وهذه النصائح القليلة ما هي إلاَّ قطرة من بحر وغيضٍ من فيضٍ، ولعلَّ التأسِّي بأعمالهم بعد ذلك من أحسن النصائح العلميَّة لا القولية فقط.
__________
(1) - الشماخي، سير، ص 412.
(2) - أبوزكرياء، السير، ص 360.
(3) - م. ن، ص 363. (1/133)
صفحة 134
المبحث الثاني:
أشهر مشايخ وارجلان وآثارهم
حينما قدَّمنا لباب الحياة الفكريَّة رأينا الأسباب التي جعلت وارجلان وقراها تعجُّ بالعلماء، وإذا قرأنا كلَّ كُتب السير المتحدَّثة عن آثار المشايخ ومناقبهم وما اشتهروا به من أقوال وأفعال فإنَّنا نجد أعدادًا لا يمكن حصرها.
وآثرنا أن نورد علماء المنطقة، وخاصَّة الذين كان لهم دورٌ فعَّالٌ في تسليم أمانة العلم والدين من جيل إلى جيل، أو تركوا تآليف وآثارًا تركت صداها.
وممَّا يصعب على الباحث في هذا الصدد لضبط علماء المنطقة هو أن الحركة كانت دؤوبة وليست هناك حواجز وهميَّة تمنعهم والارتحال من مكان إلى آخر، خاصَّة وأنَّ الدولة الرستمية قد شملت بحدودها جميع أماكن التواجد الإباضيِّ سواء في الجزائر، أم الجنوب التونسيِّ، أم جبل نفوسة وشرقه، أم منطقة أريغ وأسوف ووارجلان.
فأدرجنا في القائمة كلّ من له اتصالٌ مباشر بحركته الثقافية بوارجلان سواء سكن بها مدَّة طويلة أم قصيرة، وقد رتَّبناهم حسب التسلسل الزمنيِّ.
1 - أبو يعقوب يوسف بن سيلوس الطرفيّ
عدَّه الدرجيني من علماء الطبقة السادسة (250هـ - 300هـ). ومن جملة الصفات التي وصفه بها الدرجيني أنَّه: «ذو الجهادين الأكبر والأصغر» (1)، و «الاجتهادين المصلَّى والدفتر».
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 331, 332. (1/134)
صفحة 135
وقد أدرك علماء الدولة الرستمية فأخذ عنهم العلم؛ وكان ممَّن له الفضل في نقله إلى وارجلان، ومن المبكِّرين بذلك خاصَّة أنَّ المنطقة يطغى عليها اللسان البربريُّ.
وقد تقلَّد بها منصب القضاء وكان النهاية في الفتيا ويذكر الشماخيُّ أنَّ له مصلَّى معروفا بوارجلان لاستجابة الدعاء وهو بين تينمصيون وتِنبَامَاطُوس بمقربة من بئر الآجر (1)، وقد أخذ العلم عنه الشيخ أبو صالح جنُّون بن يمريان.
2 - أبو صالح جنُّون بن يَمَريَان
ومن الشخصيات البارزة التي لا يمكن تجاهُلها وقد كان لها الدور الفعَّال في جعل وارجلان مَحجًّا للعلماء ولرجال الفضل والسياسة. الشيخ أبو صالح جنون بن يمريان (2) وصفه الدرجيني بقوله: «ذو الورع والسخاء وبركات الدعاء الصالح ... إن لم يكن مقدَّما في العلوم فمُقدَّمٌ في المعارف، وإن لم يكاشف أجسام الدواوين، فهو لأرواحها مُكاشف» (3). وقد كان ملجأ العلماء والأخيار إذ التجأ إليه الإمام أبو يوسف يعقوب بن أفلح فارًّا من تاهرت، حينما هجم عليها الداعية الشيعيِّ فلم يجد أحسن مكان يحتمي فيه إلاَّ وارجلان، ولم يجد أبرز شخص يأوي إليه مثل الشيخ أبي صالح جنُّون بن يمريان فتلقَّاه وأحسن وفادته.
وكذلك التجأ إليه أبو نوح سعيد بن زنغيل وهو أحد العلماء المبرزين في الحامة فارًّا من وجه أبي تميم وحينما بشَّر البشير أبا صالح بمقدم أبي نوح وبوصوله
__________
(1) - الشماخي، السير، ص 228.
- عثمان الكعاك، موجز التاريخ العام، ص 204.
- علي يحيى معمّر, الإباضية بالجزائر، ج 1، ص 143 - 144.
(2) - من الطبقة السابعة (300 - 350هـ)
(3) - ينظر: الدرجيني، طبقات، ص 341 وما بعدها. (1/135)
صفحة 136
البكرات – قرب وارجلان – قال للبشير: ارجع إليه وقل له لا تخف نجوت من القوم الظالمين.
كما كان له اهتمامٌ بالمسائل الشرعيَّة فكانت له مراسلات مع الشيخ أبي خزر بمصر فيما لا يسع الناس جهله. (1)
لقد تجاوزت شهرته تاهرت والحامَّة فتسامع به مشايخ جزيرة جربة فأتوا ليتبرَّكوا به، فزاره كلٌّ من المشايخ: أبو صالح بكر بن قاسم وأبو موسى عيسى بن السمح وأبو زكرياء فصيل بن أبي مسور.
3 - أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471هـ/1078م)
أفنى شبابه في القراءة وبقيَّة عمره في الإقراء (2). أخذ العلم مع ماكسن بن الخير عن شيخهما أبي عبد الله محمَّد بن بكر بتين يسلي في شبابه، ثمَّ صارت له حلقة ينتقل بها من مكان إلى آخر قصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأهم الأماكن التي انتقل إليها: سدراته ووارجلان، البكرات تابعة لوارجلان، تمولست (3)، جربة.
وكان في كلِّ مرَّة يأمر طلبته بعدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للناس إلاَّ ما كان على سبيل الوعظ والإرشاد.
وما يدلُّ على قيمته لدى الأهالي الجموع الغفيرة التي تستقبله بعُدَّتها وعتادها بالزينة والسلاح، سواء أكان بخارج وارجلان أم تماسين أم وغلانة حتَّى
__________
(1) - أبو يعقوب، الدليل والبرهان، ج 2، ص 16.
(2) - الشماخي، سير، ص 412.
(3) - تمولست: في الجنوب الشرقي لتونس. (1/136)
صفحة 137
قال قائلهم لما وصلوا ”أسحوسا“لم يجتمع في أهل الدعوة من الأخيار مثلما اجتمعت هذه المرَّة من بلد من البلدان في ذلك العصر. (1)
وكذلك لما وصلوا في السبخة وقد سبقتهم جموع وارجلان بأمرائهم وعدَّتهم وسلاحهم حتَّى قال قائلهم: لم أر هذه العدَّة في صنهاجة ولا غيرها.
فإن دلَّ هذا على شيء فهو يدلُّ على اهتمام أهل وارجلان بالعلماء الذين يفدون إليهم، وخاصَّة في مثل هذا التنقُّل الجماعي.
وكان ذلك سنة 450هـ الموافق لـ 1058 - 1059م.
آثاره:
لقد ذكر لنا البرادي في جواهره أنَّ أبا الربيع ألَّف كتابا في الكلام يتألَّف من مجلَّدين، لقد رأى الثاني ولم ير الأوَّل (2).
كما ذكر الشمَّاخي أنَّ له كتابا سمَّاه ”المتحف في الأصول“ (3).
وله كتاب السِّيَر وقد كتبه بعد سنة 450هـ أي بعد رحلته هذه.
وقد ذكر ليفتسكي أنَّ مخطوطة منه توجد في مجموعة سموجورفسكي (4) بـ لفوف L'VOV (5) ، وقد طبع في تونس سنة 1321هـ/1903م. وقد نقل عنه أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني الكثير من رواياته في كتابه السيرة وأخبار الأئمَّة.
__________
(1) - أبو زكرياء، السير، ص 273.
(2) - البرادي، الجواهر، ص220.
(3) - الشماخي، سير، ص 412.
(4) - سموجورفسكي: زار ميزاب ووارجلان بين سنة 1913 – 1926م وجمع مجموعة من المخطوطات نقلها إلى لفوف.
(5) - لفوف L'VOV: مدينة من غرب بولونيا. (1/137)
صفحة 138
ومع هذا يتعجَّب ليفتسكي كيف لم يذكر البرَّادي في كتابه الجواهر المنتقاة كتاب سير أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (1)، مع أنَّه أتى بعده ويحتمل جدًّا أنَّه استقى منه مثل كتب السير الأخرى.
وقد أخذ أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني العلم عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزَّاتي واستقى منه الأخبار مشافهة فذكرها في كتابه السيرة وأخبار الأئمَّة بقوله: قال أبو الربيع.
4 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني
(ت بعد 474هـ/1078م) (2)
أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزَّاتي، وتسكُت المصادر الإباضيَّة عن سنة ميلاد أبي زكرياء بينما تحدِّد منشأه في وارجلان وأنَّه درس على الشيخ أبي الربيع بوادي ريغ (3).
أمَّا مؤلَّفُه كتاب السيرة وأخبار الأئمَّة فهو يُعدُّ من أقدم الكتب التاريخية الإباضية، إذ يتناول تاريخهم من حملة العلم وتأسيسهم للدولة الخطَّابية في طرابلس والدولة الرستمية بالتفصيل بالجزائر إلى نهايتها, وحركة الإباضية ضدَّ الفاطميِّين. ثمَّ الحركة الدينية والعلميَّة لأبي عبد الله محمَّد بن بكر دون أن يغفل الترجمة لأهم علماء الإباضية بالمغرب العربي.
وينتهي آخر تاريخ له سنة 474هـ. (4)
__________
(1) 3 - T. LEWICKI, LES HISTORIENS ... P. 75.
(2) - يصنفه الدرجيني ضمن الطبقة العاشرة.
(3) - أبو زكرياء، السيرة، (مقدمة عبد الرحمن أيوب) , ص 15.
(4) - توجد نسخة مخطوطة في مكتبة الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة تحت رقم 9030ح تتألّف من جزئين. ولقد حقّق الأستاذ إسماعيل العربي الجزء الثاني منه بعنوان سير الوسياني، وهذا وهم منه وخطأ يجب تداركه مستقبلا. وعند تاديوش ليفتسكي نسخة مخطوطة يرجع تاريخ نسخها إلى سنة 504هـ/1110 - 1111م. وترجمها ماسكوراي سنة 1878م ترجمة ضعيفة وناقصة ثمّ نشر موتلنسكي سنة 1885م فهرسة كاملة لها. ينظر:
T. LEWICKI, LES HISTORIENS ... P3. (1/138)
صفحة 139
5 - أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر
(ت 504هـ/11 - 1110م)
هو أبو العباس أحمد بن محمَّد بن بكر، أبوه هو أبو عبد الله محمَّد بن بكر الفرسطائي النفوسي صاحب نظام العزَّابة.
وقد ربَّاه أبوه على الصلاح والتقوى، وأدخله مع تلاميذه في حلقته مع أخيه أبي يعقوب يوسف بن محمَّد.
وكانا في طلب الخير فَرَسَي رهان مشتركين في كلِّ فضيلة شركة عنان، فلعلَّ أحدهما أعلم والآخر أزهد. (1)
وقد أخذ العلم أيضًا عن شيخه وأحد البارزين في حلقة أبيه وهو أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي.
قضى شبابه في تمولست في الجنوب الشرقيِّ للقطر التونسيِّ حيث كتب جلَّ كتبه ثمَّ زار قابس. (2)
وفي سنة 471هـ/ 1078م وقعت فتنة ببلاد أريغ بين خيران وتاغمارت وهي أوَّل فتنة وقعت بين وهبية أريغ، ففرَّ أخوه أبو يعقوب إلى وارجلان فكانت
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ص 442/الشماخي، سير, ص 423.
(2) - ويرى ليفتسكي أن تعلم أبي العباس على أبي الربيع من باب الاحتمال.
T. LEWICKI، LES HISTORIENS ... P. 21. (1/139)
صفحة 140
وفاة أبي يعقوب بتماواط بوارجلان سببًا لمجيء أخيه أبي العباس لقضاء فترة زمنية لتنفيذ وصية أخيه ولرعاية أيتامه.
ويسكت الدرجيني وغيره من المؤرِّخين للسير وكذا المستشرق البولونيُّ ليفتسكي، - إذ يعدُّ هذا الأخير من أقدر المستشرقين في التحرِّي والتدقيق - عن الفترة ما بين 471هـ/1078م و504هـ/1110م فيذكرون مباشرة وفاته، ولعلَّ هذه الفترة قضاها متنقِّلا بين آجلو وتماواط بوارجلان، إلى أن يموت ويدفن وذلك في ضحوة يوم الخميس 9 ذي الحجة سنة 504هـ بآجلو الغربية.
منزلة أبي العبَّاس العلمية:
يعدُّ أبو العبَّاس من أشهر علماء منطقة المغربين الأدنى والأوسط؛ فقد ترك لنا مؤلَّفات عديدة يصعب على الباحث حصرها.
وقد قيل إنَّه رأى في منامه ما يبشِّره بأخذ العلم الغزير (1)، وقد تفرَّغ للمطالعة والدراسة أربعة أشهر في مكتبة قصر ”وَلَّم“، لم يذق فيها طعم النوم إلاَّ ما بين أذان الصبح إلى طلوع الفجر، واختار من الكتب - التي وصلت من المشرق البالغة ثلاثة وثلاثين ألف جزء - أكثرها فائدة (2)، وسبب ذهابه إلى مكتبة قصر ولَّم ما قاله هو بنفسه: «كنت أقرأ على الشيخ سعد وأحضر مجالسه، فأوَّل ما وقعت فيه المذاكرة عنده مسألة ذبيحة الأقلف هل تُؤكل أم لا؟ وقال: في المسألة قولان ولم يزد على هذا شيئا».
ولا نستطيع الجزم عن غرض تفرُّغه للمطالعة بالضبط هل هو معرفة
__________
(1) - ينظر تفصيل ذلك عند: الدرجيني، طبقات ج 2،ص 444.
(2) - الدرجيني، م، س، ص 445.
نشر كتاب أبي مسألة في زنجبار سنة 1318هـ وقد حشّاه محمد اطفيش. ينظر:
T.LEWICKI,Les Historiens.22.
والكمكتبة توجد على قمة جبل مرتفع، يشرف من ناحية المشرق على مدينة شروس بقصر ولَّم. (1/140)
صفحة 141
جواب هذه المسألة بالتحديد؟ أم عدم اقتناعه بجواب شيخه الذي ينقصه التوضيح الكافي إمَّا بسبب منهجيَّته في التدريس، أو بسبب مستواه العلمي، فأراد أن يبزَّه في العلم ولعلَّ السبب الثاني هو المعقول وذلك ما يفهم من قوله: «ولم يزد على هذا شيئًا».
آثار أبي العبَّاس أحمد بن محمّد بن بكر:
لقد ترك لنا أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر تراثا قيِّما وضخما من الكتب في شتَّى الاختصاصات، سواء أكانت فقهية، أم أخلاقية، أم في العمارة الإسلامية وشروطها وضوابطها الشرعية.
و نذكر من مؤلَّفاته:
1 - كتاب أبي مسألة: وسبب تأليفه أنَّ أبا عبد الله محمَّد النفوسيِّ كتب إليه من أبديلان يرغب إليه في مختصر مشتمل على مسائل الفروع ورأى في منامه قائلا يقول له: «اذكُر أبا مسألة» فسمَّاه العزَّابة ”أبا مسألة“ ويسمَّى أيضا بالجامع.
2 - كتاب في مسائل التوحيد: ممَّا لا يسع الناس جهلُه وغير ذلك من مسائل الكلام. (1)
3 - كتاب تبيين أفعال العباد: يتألَّف من ثلاثة أجزاء (2)، توجد نُسخ من المخطوط في ميزاب وجربة.
4 - كتاب القسمة وأصول الأرضَين: يتألَّف كتاب القسمة من جزئين، وأصول الأرضين يتألَّف من ستَّة أجزاء.
يتحدَّث الأخير عن الحريم بين البناءات
__________
(1) - توجد منه نسختان في جربة، الأولى في المكتبة البارونية والثانية في مكتبة البعطور. والغ. ينظر:
- A.K.ENNAMI, A description of new Ibadi manuscripts from north Africa. Journal of semetic studies vol.15 No 1, spring 1970. P.73.(extrct).
(2) 2 - Ibid, P.74.
كما توجد بالقرارة نسخة مخطوطة بخط المرحوم الشيخ شريفي سعيد بن بالحاج (الشيخ عدُّون) تعود إلى سنة 1340هـ. (1/141)
صفحة 142
والطرق، وعن دفع الضرر عن الجار، وعن الحريم في ما يغرس من النخيل والأشجار وغير ذلك، وقد حقَّقه فضيلة الأستاذ بكير بن محمَّد الشيخ بالحاج والدكتور محمَّد بن صالح ناصر.
5 - كتاب الألواح: هذا الكتاب تركه الشيخ أبو العبَّاس قبل وفاته على الألواح، فعرضه ابنه على المشايخ بإيفران بوارجلان وهم: إسماعيل، حمو بن المعز، أيُّوب بن إسماعيل، داود بن واسلان, وأبو سليمان الزواغي (1).
6 - كتاب مسائل الأموات (2).
7 - كتاب الجنائز (3).
8 - كتاب السيرة في الدماء: وقد حقَّقه الأستاذ عبد الرحمن بن إبراهيم طبَّاخ ضمن رسالة ماجستير سنة 1422هـ/ 2002م.
6 - أبو عمَّار عبد الكافي الوارجلانيّ (4)
وصف الطلبة النفطيُّون أبا عمَّار عبد الكافي لأبي العبَّاس الدرجيني بأنَّه عجيب الفهم، كثير النقل، سخيُّ النفس، بلُّ الكفِّ، شديدُ الورع، واسعُ الخلق (5).
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 444.
(2) - كان في عداد المفقودين وبعد البحث وجدت نسخة مخطوطة في المكتبة المغمورة لآل الفقيه بوارجلان ترجع إلى سنة أربع وسبعين وتسعمائة لهجرة النبي عليه السلام. (974هـ/1566م)
(3) - يذكرهما ليفتسكي بالتتابع وهذا يعني أنّ كتاب الأموات مضمونه غير كتاب الجنائز كما يظن البعض.
(4) - يصنّفه الدرجيني ضمن الطبقة الثانية عشر (550هـ/600هـ- 1155م/1203م)
(5) - الشماخي، سير، ص 441 - الدرجيني، طبقات، ص 486. (1/142)
صفحة 143
وهو ابن أبي يعقوب التناوتيّ (1) الوارجلانيّ من قرية تايغلا. (2)
لما عزم على طلب العلم هاجر إلى تونس وتفرَّغ للدراسة هناك أعواما يقرأ الليل مع النهار دون كلل أو ملل.
وقد سافر إلى تونس لأسباب منها:
1 - رغبته في صقل لسانه باللغة العربية وابتعاده عن البيئة البربرية.
2 - ابتعادُه عن أهله وذويه حتَّى لا ينشغل بهم.
وكانت تأتيه كلُّ سنة ألف دينار يقسِّمها قسمين: قسم يصرفه لنفسه وقسم يعطيه لشيخه يضعه حيثما شاء.
وأمَّا الرسائل التي تَرِدُ عليه فكان يضعها جانبًا ولا يفتحُها، ولمَّا عزم على الرجوع إلى وطنه وقد اطمأنَّ إلى ما أخذه من العلم، فتحها فوجد فيها ما يَسُرُّ وما يحزن، وخاصَّة وفاة والديه، فلو فتحها مع ما تحمله في طيَّاتها من أخبار مزعجة لما استطاع مواصلة دراسته.
ثمَّ سافر إلى البقاع المقدَّسة لأداء مناسك الحجِّ مع تلميذه أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلانيّ، ونستشفُّ ذلك من الحوار الذي جرى بينهما فيما يخصُّ التعامل مع قطَّاع الطرق من العرب في الحجاز مثل بني مجزية. (3)
ثمَّ بعد رجوعه يستقرُّ في وارجلان وتكون له بعدها زيارات إلى بادية بني مصعب.
وقبرُه موجود خارج وارجلان ويُزار كلَّ سنة في فصل الربيع مع الغار الذي يدرس ويتعبَّد فيه، وتكون زيارته عادة قبل زيارة آثار سدراته بأسبوع واحد.
__________
(1) - تناوت: قبيلة بربرية تقطن وارجلان. ينظر:
T. LEWICKI, Les Historiens ... P.33.
(2) - تايغلا قرية من قرى وارجلان.
ينظر: الشماخي، سير، ج 2، ص 232 (ط. عمانية).
(3) - الدرجيني، طبقات، ص 490. (1/143)
صفحة 144
آثاره:
1 - كتاب الموجز في الردِّ على كلِّ من خالف الحقَّ، وهو في علم الكلام، حقَّقه الدكتور عمَّار طالبي تحت عنوان آراء الخوارج الكلامية / الموجز لأبي عمَّار عبد الكافي الإباضيِّ. (1)
2 - كتابُ الجهالات.
3 - كتابٌ في اختصار المواريث والفرائض (مخطوطة).
4 - كتاب الاستطاعة.
5 - سير الحلقة (نسخة في مكتبة الشيخ محمَّد علي دبوز ترجع إلى سنة1257هـ بخط عدُّون بابه بن عدُّون).
6 - جواب على أبي عبد الرحمن الكرثي بعث أسئلة إلى شيوخ وارجلان فرأوا أنَّ أبا عمَّار هو أهل لأجابته.
ومن جملة الأسئلة:
- ما اليقين وما القدر وما الفرق بينهما؟
- هل يقال لله تبارك وتعالى إيراد؟
- ما الحكم فيمن قال إنَّ الله ليس بيكيش؟
- ما أعلام الساعة؟
وردت إليه رسالة من غانة من الفقيه عبد الوهاب بن محمَّد بن غالب بن نمير الأنصاري يسأله فيها عن الوعد والوعيد, والنظر إلى الباري سبحانه وتعالى، وعن خلق القرآن. ولكن صادفت موته رحمه الله فأجاب عنها الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني. (2)
__________
(1) - طبع ونشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر سنة 1398هـ/1978م. يبدأ الجزء الأول من الموجز بعد الدراسة التي قام بها المحقّق بعد صفحة 252.
(2) - الدرجيني، طبقات، ج2، ص 488.
- أبو يعقوب، كتاب الدليل والبرهان، ج 1، ص 54.
يضيف ليفتسكي كتاب ( AL IHTILA) والعنوان غير مفهوم،
T. LEWICKI, Les Historiens ... P.36. (1/144)
صفحة 145
7 - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الوارجلاني
(ولد 500هـ - 1106م/ توفي سنة570هـ- 1174م)
من أشهر علماء وارجلان الذين خلَّدوا ذكرها ورفعوا من شأنها وصارت وارجلان وسدراته مرتبطتين ومشتهرتين به.
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتيّ الوارجلانيّ تتلمذ على كلِّ من المشايخ: أبي عمَّار عبد الكافي وأبي زكرياء يحيى بن زكرياء وأبي سليمان أيُّوب بن إسماعيل (1).
درس علوم القرآن وعلوم اللسان من نحو ولغة وتصريف وعلم الكلام والمنطق، وعلم الحديث ونقل الأخبار والسنن والآثار، وعلم الفرائض والميراث، وعلم الحساب والتنجيم، وصار متبحِّرا في شتَّى العلوم النقلية والعقلية. (2)
ومن الذين تتلمذوا معه: أبو سعيد سليمان بن علي الدرجيني (3)، وأبو عمرو عثمان بن خليفة السُّوفي (4) وأبو عمَّار عبد الكافي. (5)
وقد انتقل في شبابه إلى الأندلس حيث درس في قُرطبة وفيها حصَّل بضاعة وافرة (6)، وكان لتبحُّره في علوم اللغة يلقَّب بالجاحظ.
__________
(1) - الشماخي، سير، ص 443.
(2) - عبد الله شريط، محمد الميلي، الجزائر في مرآة التاريخ، ص 71 - 72.
(3) - هو أبو سعيد سليمان بن علي بن يخلف بن يخلف الدرجيني جدّ مؤلّف الطبقات أبي العباس أحمد وابن علي صاحب الرحلات إلى إفريقيا وأبوه يخلف أيضا درس على أبي سليمان أيوب.
انظر: الشماخي، سير، ص 435.
(4) - أبوعمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني من الطبقة الحادية عشر.
(5) - أبو عمَّار يلتقي أيضا مع أبي يعقوب في حلقة الدرس.
- الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 489 - 490.
- د. عمرو خليفة النامي، محاضرة، ص 11.
(6) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 494. (1/145)
صفحة 146
وأرجِّحُ أنَّه لم يتعلَّم اللغة والأدب العربيين فقط بل لقد تعلَّم بين قليل أو كثير اللُّغة الإسبانية أو اللاتينية ذاتها، وذلك لما استعمله من ألفاظ في كتابه «مرج البحرين» من بينها تعريفه الهندسة بالغومطيا، وأرجّح أنَّها الجو متريا ( LA gèomètrie) والارتماطيقا أي الارتميتيكا ( L arithmètique) وهي علم الحساب، ومهما يكن فهي ألفاظ غير عربية (1).
وبعد رجوعه من قرطبة توجّه إلى المشرق قصد الحجِّ فاستفاد من العلوم الإسلامية أثناء مروره بالعواصم الإسلامية (2).
وقد خلّد رحلته الحجازية هذه بقصيدة عدد أبياتها عدد أيّام السنة بدأها بِغَزَل رقيق ثمَّ تحدَّث عن الرحلة من وارجلان منزلة منزلة، والبقاع المقدّسة منسكا منسكا إلى أن رجع إلى وارجلان مسقط رأسه. (3) كلّ ذلك بأسلوب رفيع لم تخل قصيدته من التذكير والموعظة، وكان من مرافقيه في رحلته إلى الحجّ أبو عمّار عبد الكافي.
ثمَّ يسافر أبو يعقوب بعد ذلك إلى أواسط إفريقيا فيسبق بذلك الأوروبيِّين الذين يتبجَّحون باكتشاف مجاهل إفريقيا في القرون الحديثة، ويتحدَّث بنفسه عن رحلته ويقول: «وقد وصلتُ أنا بنفسي إلى قريب من خطِّ الاستواء وليس بيني وبينه إلاَّ مسيرة شهر وكاد أن يستوي الليل والنهار فيه أبدا, وإنَّما وصلناه إلى قريب منه، وأطول يوم السنة إنَّما يفضل أقصر يوم منه بساعة واحدة، فالنهار الطويل ثلاث عشرة ساعة، والنهار القصير إحدى عشرة ساعة ولياليها كذلك ... (4)
__________
(1) - أبو يعقوب، الدليل والبرهان، ج 2، ص 105، 106.
(2) - علي يحيى معمّر، الإباضية في موكب التاريخ مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1 سنة 1979م، ص 238.
(3) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 494.
(4) - أبو يعقوب، م، س، ج 3، ص 216. (1/146)
صفحة 147
وهكذا نجده من الأوائل الذين اكتشفوا هذه المناطق، ولا شكَّ أن الغرض من رحلته هذه كان نبيلاً، ويكون بهذا قد مهَّد الطريق لمن سيأتي من بعده أمثال أبي الحسن عليّ بن يخلف التميجاريّ (1) وغيره.
وقد لاقى في رحلته إلى المشرق أهوالاً، ورأى الموت ونجا منه بأعجوبة، ومع ذلك لم تزده هذه الرحلة إلاَّ إصرارا على تخطِّي الصعاب.
وقد زادته هذه الرحلات ثقافة عالية فيكفي من نصِّه أن نتيقَّن أنَّه وعلماء الإسلام في القرون الوسطى - والتي تشتهر لدى الأوروبيِّين بالجهل عندهم والتخلُّف - يعلمون الإحداثيات من خطوط الطول ودوائر العرض، وتحديد موقع خطِّ الاستواء بالضبط، وكذا استعمال الساعة، وتقسيم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، من قوله: «فالنهار الطويل ثلاث عشرة، والنهار القصير إحدى عشرة ساعة» إذ أنَّ مجموع النهاية الزمنية العظمى في منطقة ما، والنهاية الزمنية الصغرى في نفس المنطقة يكون حتما أربعا وعشرين ساعة.
وبعد استغلال شبابه في الرحلات الطويلة يرتاح من عناء السفر ويلقي عصا الترحال في وارجلان، بعد أن قطع آلاف الأميال بين مشرقٍ ومغربٍ وشمالٍ وجنوب، فيخلو في داره سبع سنوات يدوِّن حصيلة ما جمع من علوم ومعارف ليورثها الأجيالَ المسلمةَ الآتية من بعده، وقد شهد بذلك الدرجيني إذ يقول: «وذكروا عنه أنَّه أقام سبعة أعوام ملازمًا دارَه لا ينصرف، فكان متى زاره أحد من الزوَّار وجده إمَّا ينسخ، وإمَّا يدرس وإمَّا يقابل، وإمَّا يبرى الأقلام، وإمَّا يطبخ الحبر، وإمَّا يسفِّر كتابا لا يعدل عن هذا الفنِّ إلى ما سواه إلاَّ إن قام لفريضة» (2).
وقد ترك الشيخ أبو يعقوب الوارجلانيّ آثارا كثيرة وهي كالآتي:
__________
(1) - أبو الحسن علي بن يخلف التميجاري سافر إلى غانة سنة 575هـ.
انظر: الدرجيني، طبقات، ص 517.
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 492. (1/147)
صفحة 148
1 - تفسير القرآن الكريم في سبعين جزءا. (1)
لقد رأى البرادي في بلاد أريغ سفرا منه يصفه قائلا: «لم أر ولا رأيت قطُّ سفرًا أضخم منه ولا أكبر منه، حزَّرت أنَّه يجاوز سبعمائة ورقة أو أكثر أو أقلّّ». أمَّا عن محتواه فيقول: «فيه تفسير فاتحة الكتاب والبقرة وآل عمران».
وحسب رأيه أنَّه فسَّر القرآن كلَّه في سبعة أسفار ويشيد ببلاغته واستطاعته إبراز الناسخ والمنسوخ والقراءة الظاهرة أو الشاذَّة أو غير ذلك من خصائص التفسير. (2)
2 - كتاب الدليل والبرهان:
يصفه الدرجيني بقوله: «أحسنها فيما ذكر لي أبو العبَّاس ابن محمَّد كتاب الدليل والبرهان، هو في علم الأصول.
وأمَّا أنا فلم أقف عليه لأنَّي إذ كنت بوارجلان لم أعلِّق همَّتي بنظر هذا الفنِّ، فلا قوَّة إلاَّ بالله، وأيضا فإنَّ الأمَّهات منه قليلة. (3)
أمَّا الميلي وشريَّط فيصفانه بأنَّه أشبه بدائرة معارف صغيرة. (4)
أمَّا الشيخ علي يحيى معمَّر فيصفه بقوله: «جمع فيه من الفنون: الحكمة، الفلسفة والإلهيات وعلم الكلام والمنطق والهندسة ومناقشة المذاهب والتفسير وهو أشبه بصورة لدائرة معارف إسلامية». (5)
وهو يتألَّف من ثلاثة أجزاء. (6)
__________
(1) - علي يحيى معمّر، الإباضية في موكب التاريخ – في الجزائر- ص 238.
(2) - البرادي، الجواهر، ص 19.
وكانت رؤيته له سنة 766هـ/5 - 1364م ينظر:
T. LEWICKI, Les Historiens ... P. 90.
(3) - الدرجيني، طبقات، ج 2 ص 495.
(4) - الشريط، الميلي، الجزائر في مرآة التاريخ، ص 72، 71.
(5) - علي يحيى معمّر، الإباضية في موكب التاريخ – في الجزائر- ص 239.
(6) - النسخة المتداولة بكثرة والموجودة الآن هي المطبوعة طبعة حجرية بالمطبعة البارونية، بطالون – مصر- سنة 1306هـ/1888م. (1/148)
صفحة 149
3 - كتاب فتوح المغرب:
ويحمل عنوانا آخر لدى المستشرقين وهو: التاريخ الكبير لوارجلان وسدراته ووادي ريغ وهو من الكتب المهمَّة الضائعة (1). ولقد رآه الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في تركة المستشرق ”مُنتِسكيُو“، ولقلَّة ذات اليد لم يستطع اقتناءه في جملة ما اقتناه مثل رسالة ابن الصغير.
وقد قصَّ الأستاذ حسن حسني عبد الوهَّاب ذلك على تلميذه - آنذاك - الشيخ أبي اليقظان إبراهيم بن عيسى حينما كان يزاول عنه دروسه في الخلدونية بتونس سنة 1914م. (2) ويشير تاديوش ليفتسكي إلى نفس الكتاب قائلا: «وقد تعرَّفنا عليه بفضل أخبار من ”شاخت“ بميزاب سنة 1952 - 1953م». (3)
4 - كتاب العدل والإنصاف:
في أصول الفقه، في ثلاثة أجزاء. (4) توجد منه نسخ مخطوطة في مكتبات قرى ميزاب، ولقد حقَّقه الدكتور عمرو خليفة الناميّ. (5)
5 - ترتيب مسند الربيع بن حبيب:
في الحديث. وزاد فيه ما رواه غيره عن ضمام عن جابر بن زيد، ويعتبره الإباضية من أصحِّ الأسانيد، وأقربها سندًا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) - وجدت إشارة عن وجوده في مكتبة برلين بألمانيا ولكن الشيء الغريب أنّ أجد خرما في الفهارس الخاصّة بمخطوطات إفريقيا وذلك ما لم أجد له جوابا لدى المشرف على المخطوطات العربية بمكتبة برلين الغربية ويحتمل أن يكون في برلين الشرقية ونرجو من الله تبارك وتعالى أن يمنّ علينا بالعثور عليه.
(2) - ينظر: علي يحيى معمّر. الإباضية في الجزائر، ص 239.
(3) 3 - T. LEWICKI, Les Historiens ... P.89.
(4) - الشماخي، سير، ص 444، يرى أنّه يتألف من أربعة أجزاء بالأجوبة.
الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 494.
(5) - أخبرني الدكتور فرحات الجعبيري من تونس أنّه محقّق من طرف الدكتور عمرو خليفة النامي. رأيت نسخة مخطوطة كاملة وجيّدة في مكتبة آل الشيخ بالحاج بالقرارة. (1/149)
صفحة 150
6 - قصيدته الحجازية:
ذكرها الدرجيني كما مرَّ بنا ولكنَّه لم يورد ولا بيتا منها، وقال معتذرا: «فكنتُ اعتقدتُ أن أودعها هذا الكتاب وأشرحها إجابةً لرغبة من رغب إلى ذلك، ولكن منعتني العجلة في تعليق هذا الكتاب، وكوني أيضا لم أجد من يرويها عن أبي يعقوب، فأرويها عنه على صحَّة وأعرف مقاصده فأحدو حدوها، ولعمر الله إنَّ فيها لفوائد كثيرة». (1)
ومطلع القصيدة عبارة عن غزل:
عَذِيرِي عَذِيرِي مِنْ ذَوَاتِ المعَاجِرِ ذَوَاتِ العُيُونِ النّجْلِ بِيضِ المحاَجِرِ
ذَوَاتِ الشِّفَاهِ اللَّعسِ بِالظّلمِ وَاللَّمَا غَرَائِر خُرقِ الصُّنعِ سُودِ الغَدَائِرِ
نَوَاعِم لَمْ يَعْرِفْنَ مَا بُؤْسُ عِيشَةٍ كَوَانِس في الأَطْلاَلِ مِثْلَ الجآدِرِ
ثمَّ يبدأ في ذكر التأهّب للحجّ قائلا:
فَدَعْ عَنكَ رَبَّاتَ الحِجَالِ وَذِكْرَهَا ... وَعُدْ إِلى ذِكْرِ الحَجِيجِ المسَافِر
خَرَجْنَا نَؤُمُّ الشَّرْقَ مِن حَيزِ وَارِجْـ ... ـلانَ بِفِتيَانِ صِدْقٍ مِنْ وُجُوهِ العَشَائِر
ثمَّ يقول عن وصوله مصر بعد ذكر المراحل كلّها:
نَزَلْنَا عَلَى مِصْرَ وَفِيهَا نُجُومُهَا ... عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ خَلِيفَا المفَاخِر
عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ نَسِيبَا رَسُولِنَا ... سَميَّاهُمَا فِي الخَيْرِ مِنْ سَعدِ طَاهِر
ثمَّ يقول:
فَلَمَّا انَتَهينَا نَحوَ كَعْبَةِ رَبِّنَا ... بَكَينَا وَجُدْنَا بِالدُّمُوعِ البَوَادِر
تَسِيحُ عَلَى الخَدَّيْنِ وَبْلاً وَدِيمةً ... وَتَنهَلُ مِثْلَ اللُّؤلُؤِ المُتَنَاثِر
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 494. توجد نسخ مخطوطة مختلفة بمكتبات وارجلان وميزاب. (1/150)
صفحة 151
ونطوي المراحل كلّها إلى وصوله بوارجلان فيقول:
جَزَى اللهُ عَنَّا وَرَجْلاَ (1) خَيْرَ مَا جزى ... بِه بَلَدًا عَنْ طَالِبِ الخَيرِ صَائِر
هُو جَنَّةُ الدُّنيَا وَأبْوَابُ مَكَّةٍ ... وَمَعْدِنُ تِبْرِ غَانَةٍ وَالدَّنَانِر
فَمَن كَانَ يَبغِي الحجَّ فَلْيَأتِ وَارَجْلاَنَ ... يَجِدْ سُبْلَهَا رَحْبًا وَخَفْرَةَ خَافِر
7 - القصيدة البائية: (2)
وهي في رثاء شيخه أبي سليمان أيّوب بن إسماعيل ومطلعها:
أَيُّوبُ مَا أَيُّوبُ لاَ أَيُّوبُ ... أَودَى بِهِ قَدَرُ الرَّدَى المَجْلُوبُ
فَتَلَوَّثَتْ أَيَّامُهُ وَتَصَرَّمَتْ ... حِينًا عَلَيهِ وَلِلرَّدَى تَعْقِيبُ
عَلَقَتْهُ أَشْرَاكُ الرَّدَى مِنْ بَعْدِ مَا ... أَوْفَى عَلَى مِائَةٍ وَجَابَ الجُوبُ
ثمَّ يقول:
رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ رَبِّي بَسْطَةً ... فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ الكَرِيم لَبِيبُ
للهِ عَبدٌ خَالِصٌ مُتَخَشِّعٌ ... مُتَهَلِّلٌ، مُتَهَيِّءٌ، مَتْعُوبُ
يَا غَائِبًا مَا تَنْقَضِي حَسَرَاتُنَا ... أَبَدًا عَلَيهِ وَلاتَ حِينَ يَؤُوبُ
يَا غَائِبًا سَكَنَ الثَّرَى فِي حُفْرَةٍ ... تَعلُو الصَّفَائِحُ قَبْرَهُ وَالطُّوبُ
إِن غِبْتَ عَنْ أَبْصَارِنَا وَسَمَاعِنَا ... لَمْ تَحْتَجِبْكَ عَنِ القُلُوبِ غُيُوبُ
ثمَّ يقول:
مَنْ لِلصَّلاَةِ بِجَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ ... وَاللَّيْلُ أَسْوَد حَالِك غَربِيبُ
أَو لِلصِّيَامِ إِذَا تَطَاوَلَ يَومُهُ ... وَامْتَدَّ طَرْفَاهُ وَهَاجَ لَهِيبُ
__________
(1) - في نسخة (وارجلان).
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 492 وما بعدها. (1/151)
صفحة 152
أَو لِليَتَامَى وَالأَرَامِلِ بَعْدَهُ ... وَتَواتَرَتْ فِي العَالَمِينَ حُرُوبُ
ثمَّ يختم قصيدته قائلا:
فَعَلَيهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ وَسَلاَمُهُ ... حَتَّى القِيَامَةِ وَالإِلَهُ وَهُوبُ
سَبَقَتْ بِهِ الأَيَّامُ بَاقِي دَهْرِنَا ... فَمَضَى وَمَا أَدْرَاكَ مَا أَيُّوبُ
خُلِقَ ابْنُ آدَمَ عُرْضَةً لِمَهَالِكٍ ... إنَّ المَنْيَّةَ يَومُهَا لَعَصِيبُ
والقصيدة تحتوي على ثمانين بيتا.
إن دلّت القصيدة على شيء فهي تدلّ على برّ أبي يعقوب لشيخه وحزنه العميق عليه وذلك لما لمسنا من إبرار الشيخ على تلاميذه وحنوّه عليهم. (1)
وقد ذكر الشيخ علي يحيى معمَّر جملة من الكتب ضاع أغلبها:
8 - كتاب مرج البحرين. (2)
9 - رسالة في رجال كتاب المسند.
10 - ترجمة رجال الإباضية.
11 - كتاب في الفقه. (3)
12 - أجوبة كثيرة (4) لو جمعت لكوّنت مجلّدا ضخما. (5)
__________
(1) - الشماخي، سير, ص 435.
(2) - وكتاب مرج البحرين في المنطق يوجد ضمن كتاب الدليل والبرهان، ص 85 الطبعة الحجرية.
(3) - وقد ذكره الشماخي في سيره، ص 444.
(4) - وقد ذكره ذلك أيضا تاديوش ليفتسكي تحت عنوان: كتاب جوابات ورسائل (مفقود)
T. LEWICKI, Les Historiens ... P.90.
وجدت رسالة مخطوطة عند الحاج سعيد محمد أيوب/غرداية.
(5) - علي يحيى معمّر، م، ن، ص 240. (1/152)
صفحة 153
ولا يفوتنا أن ننوّه بجهود الشيخ أبي يعقوب لا من جهة التأليف فقط وتضلّعه في اللغة العربية، وفي شتَّى العلوم العقليّة والنقلية وكونه موسوعة من المعارف, بل صبره على الاستنساخ ودأبه على ذلك.
فيقول الدرجيني في ذلك: «ولقد حدّثنا بعض الثقات قال: ”وقفت ببلادنا قسطيلية وسوف وأريغ ووارجلان على سبع نسخ أو ثمان من كتاب العدل والإنصاف تأليف أبي يعقوب كلّها بخطّ يده، وأمَّا أنا فرأيت منه ثلاثا“» (1)
وهكذا نجد أنَّ الشيخ أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلانيّ قد ترك تراثا إسلاميا ضخما، ولا يعدُّ علما من أعلام الجزائر فقط، بل هو علم من أعلام الإسلام قاطبة.
8 - أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الدرجيني
(ت سنة 670 هـ/ 1271م)
هو أبو العبَّاس أحمد بن سعيد بن سليمان بن عليّ بن يخلف بن يخلف التميجاري. ينسب أجداد أبي العبَّاس أحمد إلى تميجار قرية من قرى جبل نفوسة. نزح جدُّه يخلف بن يخلف من تميجار إلى بلاد الجريد (2) وقد اشتهر جدُّه عليّ بن يخلف بن يخلف بأسفاره إلى السودان الغربيِّ حيث استطاع إدخال ملك مالي سنة 575هـ/ 80 - 1179م في الإسلام. (3)
__________
(1) - الدرجيني، م، ن، ج 2، ص 492.
T. LEWICKI, Les Historiens ... P.23.
(2) - د. الحبيب الجنحاني، دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلاميّ، دارالطليعة، بيروت، ط1، 1980، ص 183.
(3) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 517.
T. LEWICKI, Les Historiens ... P. 23.
ينظر بالتفصيل دخول الإسلام في (نتائج الرحلات التجارية فصل: الحياة الاقتصادية) (1/153)
صفحة 154
ثمَّ انتقل أبوه سعيد بن سليمان إلى درجين السفلى، وإليها يُنسب ويعرف كتابه طبقات المشايخ بالمغرب بكتاب طبقات الدرجيني.
أمَّا عن بدء حياته العلمية فنستشفُّها من حديثه عن نفسه بنفسه، إذ يقول: «دخلتُ حلقة وارجلان حرسها الله وذلك في ربيع الأخير سنة ستَّ عشرة وستمائة، في أوَّل ما وجب عليَّ الصوم والبالُ خالٍ من الهمِّ». (1)
بهذا نعلم أنَّه أخذ العلم في شبابه، وعند بلوغه بالضبط وذلك سنة 616هـ الموافق لـ:20/ 1219م وقد اغترف من حلقات العلم هناك قبل ارتحاله إلى تُوزَر. ثمَّ ارتحل إلى تُوزَر سنة 633هـ الموافق لـ: 36/ 1235م، ثمَّ انتقل بعدها إلى جزيرة جربة حيث اختاره العزَّابة لكتابة الطبقات.
وأغفلت المصادر التاريخيَّة تاريخ مولده وتاريخ وفاته (2)، ويرى الدكتور الجنحاني أنَّه ولد في النصف الأوَّل من القرن السابع الهجريّ وتُوفِّي في نصفه الثاني. (3)
ولقد أخذ معظم أفراد أسرة الدرجيني العلم في وارجلان في فترات متقطِّعة. فجدُّه يخلف بن يخلف التميجاريّ درس على أبي سليمان أيُّوب بن إسماعيل. (4)
كما درس عليه جدُّه سليمان بن عليّ بن يخلف وذلك ما رواه مؤلِّف الطبقات عن والده إذ يقول: «كان أبي (أي جدُّ المؤلِّف وهو سليمان) في زمان
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 180.
(2) - وحتّى محقّق الكتاب الطبقات للدرجيني الأستاذ إبراهيم طلاي لم يذكر شيئا عن حياة المؤلف لا من قريب ولا من بعيد.
وأمّا الشيخ بكلّي عبد الرحمن فقد سكت عن وفاته في مقدمته. ثمّ نجد في صفحة الغلاف أنّه توفي 670هـ ولا نعرف مصدرها.
(3) - د. الحبيب الجنحاني، م، س، ص 187.
(4) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 459. (1/154)
صفحة 155
شبيبته مهاجرًا بوارجلان يقرأ على شيخه أبي سليمان أيُّوب بن إسماعيل حتَّى قضى حاجته من الطلب، فانفصل فجاء إلى قسطيلية ... (1)».
ونخلُص من هذا بنتيجة وهي:
أنَّ أجداد المؤلِّف: يخلف بن يخلف، وسليمان بن عليّ بن يخلف كلاهما درس على أبي سليمان أيُّوب، والأخير قد أدرك وفاته ودرس مع الشيخ أبي يعقوب. كما يحتمل جدًّا أن يكون عليُّ بن يخلف والد سليمان قد درس عليه. ولعلَّ السؤال الذي يطرح نفسه، كيف التقى الحفيد مع الجدِّ على شيخ واحد.
نجد الجواب في مرثية أبي يعقوب إذ يقول:
عَلَقَتْهُ أَشْرَاكُ الرَّدَى مِنْ بَعْدِمَا ... أَوْفَى عَلَى مِائَةٍ وَجَابَ الجُوبُ
وهذا يعني أنَّ الشيخ أبا سليمان أيُّوب عاش طويلا وأمدَّ الله في عمره حتَّى زاد عن المائة، وبهذا يكون قد درَّسهما كليهما في أزمان متفاوتة.
أمَّا أبو العبَّاس أحمد الدرجيني فينصُّ د. الجنحانيّ على أنَّه درس عن والده سعيد. (2)
كما أخذ أبو العبَّاس أحمد العلم عن شيخه أبي سهل يحيى بن إبراهيم أحد علماء وارجلان. ونستدلُّ لذلك من القصيدة (3) التي وجَّهها إليه والدُه سعيد يحثُّه فيها على طلب العلم إذ يقول:
مَضَتْ سَنَةٌ وَاسْتَقْبَلَتُ بَعْدَهَا أُخْرَى ... فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا تجِيءُ بِهِ البُشْرَى
__________
(1) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 461.
والشيخ أبو سليمان أيّوب هو شيخ أبي يعقوب يوسف الوارجلاني وقد رثاه كما مرَّ بالبائية:
أيُّوب ما أيُّوب لا أيُّوب ... أودى به قدر الردى المجلوب
(2) - د. الجنحاني، دراسات في التاريخ، ص 187.
(3) - الدرجيني، طبقات، مقدمة الشيخ بكلي، ص ل. (1/155)
صفحة 156
أَبِالعِلْمِ فُزْتُم أَمْ إِلَى اللَّهْوِ مِلْتُمْ ... وَنَحْنُ نَعُدُّ العَامَ وَالفَصْلَ وَالشَّهْرَا
أَلاَ إِنَّهَا تُحْصَى عَلَيْكَ لَيَالِيًا ... فَمَا التَّرْكُ وَالإِهمَالُ لِلحُرِّ بِالأْحْرَى (1)
ثمَّ يقول:
فَإِنْ تَكُ تِلْمِيذًا نَبِيهًا وَحَاذِقًا ... فَشَيْخُكَ بَحْرُ العِلْمِ أَعْظِمْ بِهِ بَحْرَا
فَمَا عُذِرَ مَنْ أُسْتَاذُهُ فَذُّ عَصْرِهِ ... أَبُو سَهْلِ الحَبْرُ الذِي قَدْ عَلاَ فَخْرَا
ثمَّ يقول:
بِهِ وَرَقْلاَ تَزْهُو جَمَالاً وَبَهْجَةً ... بِهِ أَشْرَقَتْ نُورًا بِه ابْتَسَمَتْ فَخْرَا
كتاب الطبقات للدرجينيّ:
لقد ألَّف أبو العبَّاس أحمد كتابه ”الطبقات“ بالتقريب بعد سنة 650هـ الموافق لـ:53/ 1252م. ويتألَّف كتابُه من جزئين: الجزء الأوَّل: عبارة عن تهذيب لكتاب السيرة وأخبار الأئمَّة لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر. والجزء الثاني: عبارة عن ترتيب وتصنيف لمشايخ الإباضية في طبقات، بداية من الطبقة الثانية وهي من (50هـ إلى 100هـ) من عبد الله بن وهب الراسبيِّ إلى الطبقة الثانية عشر (550هـ/600هـ) بذكر حياة الشيخ يوسف بن سدميمان (2).
وسبب تصدِّي أبي العبَّاس أحمد لكتابة الطبقات، وتكريره كتاب السيرة وأخبار الأئمَّة لأبي زكرياء أنَّ أهل عُمان أوفدوا الشيخ عيسى بن زكرياء بمجموعة من الكتب في المذهب الإباضيِّ مع رسالة يقولون فيها: «وجِّهوا لنا كتابا يتضمَّن سير أوائلنا ومناقب أسلافنا من أهل المغرب من لدُن من وقع فيه
__________
(1) - في النسخة المطبوعة: الإهمام بدل الإهمال يبدو أنَّه خطأ.
(2) - ينظر: الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 523. (1/156)
صفحة 157
مذهبنا إلى هَلُمَّ جرًّا، فإنَّه عمِيَت علينا أنباؤُهم وغابت عنَّا آثارُهم من بُعد الشُّقَّة وعظم المشقَّة. (1)
ولقد همَّ العزَّابة بإرسال كتاب السيرة لأبي زكرياء ولكنَّهم وجدوه لا يلتزم بالقواعد العربية، ويتَّسم بالطابع المغربيِّ، مع ما فيه من لهجة بربرية. عندئذ كلَّفوا أبا العبَّاس بكتابة كتابٍ يتضمَّن سير مشايخ المغرب إلى عهده، فكتب الجزء الأوَّل من كتابه طبقات المشايخ إلى نهاية حياة أبي الربيع سليمان بن يخلف المزَّاتي مثلما فعل أبو زكرياء في الجزء الأوَّل من كتابه السيرة. وبهذا يتَّضح أنَّ الجزئين الأوَّلين من كتاب أبي زكرياء والدرجيني متطابقان ثمَّ يرجع في كتابة الجزء الثاني إلى القرن الأوَّل الهجريّ - الطبقة الثانية- مصنِّفا العلماء والمشايخ في طبقات كما أسلفنا.
وبهذا يكون الجزء الثاني من تأليفه الخاصِّ، وقد جمعه من وثائقه الخاصَّة، ومن الجزء الثاني لسيرة أبي زكرياء وطبقات أبي عمَّار وغيرهما. (2)
وتوجد نسخ مخطوطة لكتاب طبقات المشايخ في خزانات ميزاب، ونسخة في كراكوفيا ضمن مجموعة سموجورفسكي. (3)
وعلى كلٍّ فإنَّ كتاب الطبقات بالغ الأهمية، لا من حيث دراسة التاريخ فقط، بل حتَّى المسائل الفقهية والفتاوى التي أفتى بها المشايخ، فلو جمعت وحدها في كتيِّب لأفادت الكثير.
* * *
__________
(1) - البرادي، الجواهر، ص 11.
(2) - وليس كما ينصّ د. الحبيب الجنحاني أنّ كتاب السيرة كلّه يوجد في الجزء الأوّل من كتاب الطبقات. ينظر كتابه دراسات مغربية، ص 100.
(3) - لقد جمع سموجورفسكي مجموعة من المخطوطات سنة 1926م من قرى ميزاب وهي حوزة تاديوش ليفتسكي وقد حظينا بلقائه وتصوير ما أمكن تصويره من المجموعة، ويقول تاديوش إنَّ ما بقي في (لفوف) بعد احتلال روسيا للأراضي البولونية أكثر، حيث كانت كلُّ المخطوطات، فيجهل مصيرها إلى حدّ الآن. (حوار شفوي مع تاديوش/ ماي 1989) (1/157)
صفحة 158
هناك علماء كثيرون اشتهرُوا بحرصهم على نشر العلم وتربية النشء تربية إسلامية رفيعة لم يمكن لنا أن نخصِّص لهم تعريفا خاصًّا بهم، وذلك إمَّا لعدم توفُّر المعلومات لدينا حيث إنَّ كُتب السير لم تذكر من حياتهم إلاَّ اليسير، أو لكونهم علماء مشهورين ولكن علاقتهم بوارجلان علاقة بسيطة جدًّا.
فمن هؤلاء تلامذة أبي عبد الله محمَّد بن بكر الفرسطائيِّ النفوسيِّ بوارجلان وهم: ماكسن بن الخير، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر, كان لهؤلاء الثلاثة الفضل في مراجعة ديوان العزَّابة (1) وهم جميعًا من الطبقة العاشرة (450هـ- 500هـ) ويُعدُّ الديوان موسوعة فقهية وهي تشبه الموسوعة الفقهية التي اشترك فيها سبعة علماء في غار أمجماج بجربة (2) قبلها (400هـ- 450هـ) من حيث العمل الجماعيِّ.
كما أنَّ أبا عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني من الطبقة الحادية عشر (500هـ- 550هـ) الذي أخذ العلم عن ثلاثة أقطاب في ذلك الوقت وهم أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471 هـ) وأبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر
__________
(1) - ديوان العزابة يشتمل على خمسة وعشرين جزءا: اشترك فيها عالمان من نفوسة أمسنان وهما يخلفتن بن أيوب ومحمد بن صالح، وعالم من قنطرار وهو يوسف بن موسى وعالم من تجديت وهو يوسف بن عمران بن ابي عمران المزاتي، وثلاثة علماء من أريغ وهم عبد السلام بن أبي السلام وجابر بن حمو وإبراهيم بن أبي إبراهيم.
ينظر: الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 456.
(2) - ويسمّى بديوان الأشياخ يتألّف من اثني عشر جزءا اشترك فيه أبو عمران موسى بن زكرياء المزاتي، جابر بن سدرمام، كباب بن مصلح، أبو جبير المزاتي، أبو عمرو النميلي، أبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي، أبو زكرياء بن جرنان النفوسي.
ينظر: الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 409. (1/158)
صفحة 159
(ت 504هـ) وأبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني (ت 474هـ) قد أسهم بعد ذلك في التأليف بكتاب السؤالات. ولم يبرز الدرجيني في طبقاته أهمية هذا المؤلَّف. ونشكُّ في أنَّه قد ألَّفه في عهد التلمذة، ولعلَّه قد ألَّفه في الحامَّة إبَّان تدريسه هناك، وهو مزيج من البحوث الكلامية واللغوية. (1)
كما أنَّ الشيخ أبا يعقوب يوسف بن خلفون من الطبقة الثانية عشر (550 - 600هـ) كان عالما في تينباماطوس أجاب عن مسائل سُئل عنها وجمعها الدكتور عمرو خليفة الناميّ (معاصر) ونُسبت إليه ”أجوبة ابن خلفون“.
وقد يضاف إلى علماء هذه الطبقة أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني صاحب السير، وقد عاش في قسطيلية وقضى شبابه في آجلو.
ونجد في نفس الطبقة الشيخ أبا سهل يحيى بن إبراهيم بن سليمان ابن زر?ون ابن ويجمان، من العلماء الذين لم يذكرهم الدرجيني في طبقاته رغم أنَّه عاش في وارجلان وممَّن أخذ عنهم العلم، وقد ذكره أبوه بقصيدة يقول فيها:
فَإِنْ تَكُ تِلْمِيذًا نَبِيهًا وَحَاذِقًا ... فَشَيْخُكَ بَحْرُ العِلْمِ أَعْظِمْ بِهِ بَحْرَا
فَمَا عُذِرَ مَنْ أُسْتَاذُهُ فَذُّ عَصْرِهِ ... أَبُو سَهْلِ الحَبْرُ الذِي قَدْ عَلاَ فَخْرَا (2)
وقد حدَّد الشيخ أعزام حياته بين 600 و700هـ (3) وله كتاب في التوحيد سمّاه عقيدة التوحيد، وقد خصَّص له (بيار كوبرلي PIERRE CUPERLY) دراسة مركَّزة (4).
أمَّا المشايخ الذين ذكرت أسماؤهم وأسهموا في دفع عجلة العلم والعرفان، ووقفوا كلَّ حياتهم لتعليم الناشئة وإن لم يتركوا آثارا، فأعدادهم كثيرة يكفي أن
__________
(1) - د. عمرو خليفة النامي، ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان، مجلة الأصالة، 1977، ص 27.
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 1، مقدمة بكلي، ص: ل.
(3) - أعزام، غصن البان، مخ، ص 233.
ويحدّده تاديوش بـ (القرن 6 هـ/ 12م).
T. LEWICKI, Lestoriens ... P.78.
(4) - ينظر:
PIERRE CUPERLY, Introductin à Lètude de L Ibadism et de sa thèologie, Alger, o. p. u. 1984, P. 93. (1/159)
صفحة 160
يلقي الإنسان نظرة سريعة على أسمائهم لدى فهارس كُتب السير والطبقات ليعلم ضخامة أعدادهم.
كما لا يفوتنا أن ننوِّه بالرحلات العلميَّة التي كانت تحدث بين أهل المشرق والمغرب، وقد يأتي بعضهُم من عُمان كما حدث قبل تأليف كتاب الطبقات. وننوِّه بضخامة ما أُلِّف حتَّى أنَّ بعض المكتبات تحتوي على ما يزيد عن ثلاثين ألف مصنَّف، أغلبها في الشريعة الإسلامية وذلك للاهتمام البالغ بهذه الناحية. وننوِّه بنسخ الأعداد الهائلة من الكتب وإهدائها من قبل مؤلِّفيها, كما فعل الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني. وبهذا نرى ما لدافع الدين من أثر في البحث والتأليف مع الاجتهاد في العبادة وإخلاص العمل لله وحده.
بعد هذا العرض لحياة مشايخ في وارجلان وآثارهم نقول: إنَّنا تركنا الكثير منهم خاصَّة الذين ذكروا على سبيل إظهار بركتهم وكراماتهم، أو بضعة أقوال على صيغة النصائح، أو العبر أو الفتاوى.
إنَّنا كذلك نجهل الكثير ممَّن طوت الفتن آثارهم وتاريخهم، ونذكر على سبيل المثال أيضا بعض الشخصيات التي سمعنا أسماءها وتعرَّفنا عليها من خلال ما كتبه المستشرقون ولم تذكرها المصادر الإسلامية لا من قريب ولا من بعيد.
لقد ذكر المستشرق الفرنسي جون ليتيو (1) في كتابه "ورقلة مدينة صحراوية" الشيخ سليمان بن إبراهيم بن بانوح السدراتيّ، ويقول: بأنَّه ولد سنة 293هـ الموافق لسنة 905م، وبأنَّه تُوفِّي بوارجلان سنة 412هـ الموافق لـ 1021م، وبأنَّه عاش 114سنة، وكتب عن الإباضية وتاريخهم خمس مجلَّدات تحت عنوان: البراهيمي في سلوك المذهب الإباضي. (2)
__________
(1) 1 - JEAN LETHIELLEUX, Ouargla ... P 24.
(2) - حينما راسلني الأستاذ مسعود مزهودي ونبّهني إلى هذا المخطوط الهام مشكورا وأخبرني الحاج سعيد محمد أيوب بوفاة المستشرق ليتيو قصدت عنوانه في فرنسا علّني أجد تركته، فوجدت المستشرق نفسه حيّا يرزق ولكنه توارى وتعلّل بعلل حالت دون رؤيته. فلم أظفر بشيء. كان ذلك في 31/ 03/1989م. (1/160)
صفحة 161
ويتحدَّث عن شخصية أخرى مجهولة أيضا واسمها أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن إسماعيل الوارجلاني المفسِّر للقرآن الكريم وقد توفي سنة 412هـ الموافق لـ 1021م، ويتألَّف تفسيره للقرآن الكريم من ثلاثة مجلَّدات، وبأنَّه ألَّف كتاب فتوح المغرب الأقصى، وبأنَّ هذا الكتاب يتكلَّم عن الإباضية المنحدرين من عبد السلام المتوفى بسدراته والمدفون بجبل العبَّاد سنة 170هـ/ 786م. وغير ذلك من الكلام الغريب.
فلو قارنَّا هذه الشخصية الأخيرة بأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلانيِّ المولود سنة 500هـ والمتوفى سنة 570هـ وبأنَّه فسَّر القرآن الكريم، وله كتاب في تاريخ المغرب يسمَّى التاريخ الكبير لسدراته ووارجلان ووادي أريغ كما يذكره البعض، وبفتوح المغرب كما يذكره آخرون. فإنَّنا نقول بأنَّ معلومات هذا المستشرق باهتة ومضلِّلة، وفيها الكثير من الخطإ في الاسم والتاريخ والمولد والآثار.
وأمَّا إذا كانت شخصيةً مغايرة وأنَّ ما ذكره من المؤلَّفات المخطوطة توجد تحت حوزته فأنَّنا نقول بأنَّ تاريخ المنطقة سيتغيَّر بظهورها رأسا على عقب خاصَّة نسبة عبد السلام إلى سدراته في سنة مبكِّرة عن نشأتها المعروفة إلاَّ إذا كان المقصود هو القبيلة (أي قبيلة سدراته) ومع هذا فالمقصود بالفعل هو المدينة.
وإذا وضعنا في حسابنا نشاط الآباء البيض في منطقة وارجلان وجمعهم للمخطوطات الإباضية، والمستشرق المذكور من أنشطهم، وبأنَّ هذا الأخير عاش خمسين عاما يجمع الوثائق من مسالك الطرُق التجارية دون كلل أو ملل. (1/161)
صفحة 162
وإذا وضعنا في حسابنا ما ذكر من حقائق سواء أكانت شخصيات كما أسلفنا، أم أحداثا تاريخية محدَّدة بالزمان والمكان وهي غير مذكورة في كتب السير، فنكاد نجزم أنَّ هناك تراثًا يمكله الآباء البيض ويضنُّون به عن غيرهم، ولا أدلَّ من ذلك تهرُّبهم وتمنُّعهم عن إبداء الحقائق.
وحقائقُ أخرى لا ترتبط بالحياة الثقافية فقط بل بنواحي أخرى متعدِّدة لا تزال تحت رحمة من يملك المخطوطات والوثائق، ويضنُّ بها سواء أكان من الآباء البيض أم من أبناء الإسلام والمسلمين أنفسهم.
ولعلَّ الله تبارك وتعالى سيكشف عن الحقائق عاجلا أو آجلا. (1/162)
صفحة 163
الفصل الرابع
الحياة الاقتصادية (1/163)
صفحة 164
[صفحة بيضاء] (1/164)
صفحة 165
المبحث: التجارة
كانت وارجلان بحكم موقعها الجيِّد على مشارف الصحراء الكبرى حلقة وصل بين العواصم الإسلاميَّة بشمال القارَّة الإفريقية والعواصم السودانية بالسودان الغربيِّ والأوسط.
فلعبت دورًا بارزًا وحيويًّا لا يقلُّ أهمية عن الحواضر الإسلامية في العالم الإسلاميّ إن لم نقل كان لها فضل كبير على مستوى القارَّة الإفريقية.
لقد كانت الطرق التجارية الكبرى تتحاشى العروق الرملية الكبرى مثل العرق الغربيَّ الكبير، أو العرق الشرقيَّ الكبير، وتتحاشى المتاهات الكبرى مثل سطوح هضبة تادمايت (1) في تتبُّع أماكن وجود الأودية وتجمُّع الماء (2)، وتجعل من الواحات الكبرى والصغيرة أماكن للراحة، وتبادل السلع واستئجار الأدلاَّء وجمع المعلومات واقتناء مزيد من الزاد.
فكانت وارجلان أهمُّ واحة تجمع هذه الخصائص الكبرى وكانت القوافل الآتية من الجنوب وهي تتَّبع غدران مياه النهر وادي ميه تجد نفسها حتما أمام واحات سدراته ووارجلان الغنية بمياهها وآبارها وينابيعها الفوَّارة، وتجد نفسها تُشرف من أعلى الهضاب على المنبسط الممتدِّ بخضرة غابات النخيل.
__________
(1) - هضبة تادمايت: هضبة مستوية صعبة المسالك توجد جنوب المنيعة.
(2) - يرى د. محمد عيسى الحريري أنّ وارجلان من أشهر الواحات التي ربطت الدولة الرستمية بالسودان بفضل ينابيعها.
ينظر: د. محمد عيسى الحريري. مقدمات البناء السياسي للمغرب الإسلامي – الدولة الرستمية (160هـ- 296هـ) دار القلم، - الكويت، ط 2، 1403هـ / 1983م، ص 13. (1/165)
صفحة 166
وكذلك القوافل الآتية من الغرب متحاشية العرق الغربيَّ الكبير، وكذا الآتية من الشرق متحاشية العرق الشرقيَّ الكبير.
وكانت هذه الحركة الدؤوب من هنا وهناك عاملا مثيرًا لسكَّانها كي ينشطوا في شتَّى مجالات الاقتصاد خاصَّة التجارة. فحذقوا فيها وصار منهم الأدلاَّء المهرة، فاستقطبت وارجلان تِبْر غانه، فظهر ذلك جليًّا على أهلها غنىً ويسارًا, فبنى أهل سدراته خاصَّة القصور وشقُّوا التُّرع والسواقي واستحدثوا أسواقا لتجارتهم الرائجة.
وباشتهارهم بالأمانة والصدق أثَّروا في كلِّ سوق حلُّوا به، وكانوا خير دعاة للإسلام بأعمالهم دون أن يجرِّدوا لذلك سيفًا أو يجرُّوا جيشا. وكان هذا بداية من الدولة الرستمية التي أقامت المحطَّات، وحفرت الآبار، وأمَّنت الطريق من قطَّاع الطرق.
كما فكَّرت في ربط علاقات الودِّ فكانت أسبق من بعث بالهدايا إلى ملوك السودان، فتذكُر المصادر الإباضية أنَّ الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب (1) بعث بمحمَّد بن عرفة ومعه هديَّة إلى ملك صوصو، وما كان منه إلاَّ أن أبدى إعجابه به وبهديَّته وبهيبته وبجماله وبفروسيته إذا ركب الخيل بين يديه، وقال له ما معناه: «أنت حسن الوجه، حسن الهيئة والأفعال». (2)
وكان المسافرون إلى ”صوصو“ أو ”كوكو“ في تلك الفترة المبكِّرة أهل مدينة وارجلان. (3)
ولعلَّ هذه العلاقات الودِّية وشهادات هؤلاء بحسن الهيئة والأفعال جعلت قلوب السودانيين الأفارقة تلين للإسلام، وتنبذ الوثنية. وهذه التجارات المكثَّفة
__________
(1) - أفلح بن عبد الوهاب ثالث أئمة الرستميين من سنة 211هـ إلى 240هـ.
(2) - الباروني. الأزهار الرياضية. ج 2. ص 223.
(3) - م. ن, ص 174. (1/166)
صفحة 167
جعلتهم يتعلَّمون أساليب البيع والشراء الإسلامية، ويتأثَّرون مع مرور الزمن فيدخلون في دين الله أفواجًا.
1: الأسواق الكبرى وعلاقتها بوارجلان:
ترتبط العواصم الإسلاميَّة في تجارتها بالسودان (1) لما تتمتَّع به من غنى خاصَّة في معدن الذهب فارتبطت بها بطرق تجارية متعدِّدة مستغلَّة بذلك الطرق القديمة. (2)
فكتب السير الإباضية المهتمَّة بحياة المشايخ ومناقبهم تجعلنا نستشفُّ مدى أهمية التجارة ومدى ارتباط نفوسة والقيروان وتاهرت بالسودان.
وإذا حاولنا رسم خريطة لطريق القوافل نجد صعوبة بالغة في وصف هذه المسالك، خاصَّة وأنَّ الكتب التي عنيت بذلك (3) يهتمُّ أغلبها بالمراحل الفاصلة دون عناية تذكر بالتفاصيل، ومنها ما لا يهتمُّ حتَّى بالاتجاه أضف إلى ذلك التضارب في المراحل لنفس المسافة، ولعلّ ذلك يعود إلى نشاط التجارة بين حين وآخر، أو تباين الفصول، فإذا نشطت التجارة وكان الجوّ منعشا جدّت القوافل في طيّ المراحل. وإذا كان العكس من كساد في التجارة وحرارة مرتفعة وعواصف هوجاء قلّت المسافات وصغرت المراحل.
وحينما نرسم هذه الخريطة نتحصَّل على أربعة طرق رئيسيّة يستطيع التاجر الوارجلانيّ الذهاب بواسطتها إلى الجنوب.
__________
(1) - تعرّف دائرة المعارف الإسلامية بقولها: «وقولنا بلاد السودان معناها الصحيح بلاد السود» ... «وقد جرى العرب وكذلك الأوروبيون على قصر هذه التسمية على الجزء الشمالي من تلك الأقطار أو إطلاقها بصفة أعمّ على تلك المنطقة شبه الصحراوية من إفريقيا التي تغلغل فيها الإسلام».
أحمد الشنتناوي. دائرة المعارف الإسلامية. دار المعرفة – بيروت، ص 227.
(2) - ينظر: HENRI LHOTE, Sahara، P. 193.
(3) - ينظر لذلك ما ألّف في الموضوع كلّ من: البكري والإدريسي وابن حوقل وابن خردادبه والحميري وابن بطوطه. (1/167)
صفحة 168
وأغلبها يتّجه صوب السودان الغربيّ. وأقلّها يتّجه صوب السودان الأوسط (1) فتنتهي إلى مراكز تجارية أو ما سمّيناه بالأسواق الكبرى.
وفيما يلي سنوضّح هذه الأسواق التي كانت لها أهمية في ازدهار الاقتصاد بوارجلان ونواحيها.
المجموعة الأولى:
أسواق: (تاكدة، أغادس، كانم، كوار).
حينما ننظر إلى الخريطة نرى أنَّ هذه المنطقة الجنوبية الشرقية والموجودة قريبا من بحيرة ”تشاد“ نجدها ترتبط بمسلك يتَّجه من الشمال إلى الجنوب؛ من القيروان شمالا ذاهبا إلى الشرق مبتعدًا عن وارجلان إلى جبل نفوسة، ومفصولا عن وارجلان بالعرق الشرقيِّ الكبير متَّجها صوب زويلة نازلا إلى كوار.
وحينما نجد النصوص الإباضية تتحدَّث عن وجود الوارجلانيِّين بأرض كوار نستبعد كلَّ الاستبعاد أن تكون هذه المسالك مسالكهم إلى أرض كوار وزغاوة.
إنَّما الاحتمال المعقول هو أن يكون الطريق من وارجلان نازلا إلى الجنوب متحاشيا العرق الشرقيَّ الكبير إلى تاكدة أو أغادس ومنها يرتبط جنوبا متَّجها نحو الشرق إلى كانم عن طريق بيلمة. (2)
وأهم نصٍّ يؤكِّد لنا وجود الوارجلانيِّين في أرض كوار ما ذكره أبو يعقوب يوسف الوارجلانيّ نفسه في كتابه الدليل والبرهان عمَّا رآه من غرائب لدى سفره إلى تلك المنطقة. (3)
__________
(1) - ينظر لذلك خريطة المسالك من وارجلان مع الملاحق.
(2) - تنظر خريطة: HENRI LHOTE، Sahara، P. 159.
(3) - ينظر: أبو يعقوب. الدليل والبرهان. ج 3. ص 209. (1/168)
صفحة 169
ومنطقة كانم معروفة لدى الإباضية بوارجلان مثل ما يعرفها إباضية جبل نفوسة إذ أنَّ طريقهم كما أسلفنا يؤدِّي إلى هناك بل إنَّ بعضهم يعرف اللغة التي يتخاطب بها الكانميون، فأبو عبيدة عبد الحميد الجناونيّ (1) عامل الإمام على جبل نفوسة في عهد الدولة الرستمية يعرف إلى جانب البربرية والعربية اللغة الكانمية.
وبلاد زغاوة على الخريطة لا تبعد عن كانم، وأهم ما يلفت الانتباه ما يقوله الإدريسيُّ عن بلاد زغاوة إذ يقول: «وبها قوم رحَّالة يسمون صدراته يقال إنَّهم بربر وقد تشبَّهوا بالزغاويِّين في جميع حالاتهم وصاروا جنسا من أجناسهم، وإليهم يلجؤون فيما عنَّ لهم من حوائجهم وبيعهم وشرائهم» (2).
ولا يستبعد إذا قارنَّا بين كلام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلانيّ السدراتيّ، وما قاله الإدريسيّ آنفا أن نصل إلى حقيقة تكاد تكون قطعيَّة وهي وجود السدراتيِّين هناك بكثرة بل إنَّهم اندمجوا حتَّى صاروا جنسا من أجناسهم.
وتحدَّث اليعقوبي عن قوم رحالة بزغاوة ولعلَّهم السدراتيُّون حيث يقول: «فأوَّل ممالكهم الزغاوة؛ وهم النازلون بالموضع الذي يقال له ”كانم“ ومنازلهم من أخصاص القصب، وليسوا بأصحاب مدن، ويسمَّى ملكهم كاكرة» (3)، خاصَّة وأنَّ ”كانم“ هي مقصد أبي يعقوب السدراتي في رحلة من رحلاته وهذه يتحدَّث فيها عن وجودها بين كاواو وزغاوة. (4)
__________
(1) - عاش في النصف الأوّل من القرن التاسع الميلادي.
(2) - الإدريسي. وصف إفريقيا من النزهة، ص 20.
(3) - اليعقوبي. تاريخ، ج 1، ص 168.
(4) - أبو يعقوب. الدليل والبرهان. ج 3. ص 159. (1/169)
صفحة 170
المجموعة الثانية:
أسواق: (تادمكت، جاو).
تادمكت:
كانت تادمكت من أحسن الأسواق التي أَمَّها الوارجلانيُّون والنفوسيُّون والقيروانيُّون.
ويحدِّد البكري المسافة بين تادمكت ووارجلان وغيرها بقوله: «فإذا أردت من تادمكة إلى القيروان فإنَّك تسير في الصحراء خمسين يوما إلى وارجلان وهي سبعة حصون للبرابر أكبرها يسمَّى ”أغرم أن يكامن“ أي حصن العهود (1). ويرى (جون ديفيس J. Devisse) أنَّه أهم طريق يربط السودان الغربيَّ بالشمال الإفريقيِّ في القرن التاسع الميلاديِّ. (2)
وكذا في رجوعهم إلى تادمكت من وارجلان يأتون من نفس الطريق مرورا بأدرار أفوقاس (3)، ولا شكَّ بأنَّ القوافل تتحاشى كذلك مرتفعات الهقَّار (4) الصعبة.
ويصف لنا البكري مدينة تادمكت بأنَّها مدينة كبيرة بين جبال وشعاب، وهي أحسن بناء من مدينة غانه، ومدينة كوكو، وأنَّ اسمها تادمكة يعني هيئة مكة (5)، وتسمَّى "السوق" بالنيجر. (6)
__________
(1) - البكري. المغرب. ص 182.
(2) - جودت عبد الكريم يوسف. العلاقات الخارجية للدولة الرستمية. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. الجزائر. 1984م، ص 268.
(3) - م، ن، ص 266.
(4) - توجد بالهقار أعلى قمّة في الجزائر كلّها وتصل إلى 3000م بقمّة تاهات.
(5) - البكري. المغرب. ص 180.
ويعارض العبدري هذا المعنى بقوله: «وليس معنى ”تاد“ الهيئة كما ذكر ولا للهيئة اسم في لسانهم البتة وإنّما تعني ”تاد“ ”هذه“. العبدري. رحلة. ص 159.
(6) - ROUVILLOIS-BRIGOL MODELEIEN, Le Pays de Ouargla, P.14. (1/170)
صفحة 171
ولقد تركت لنا الآثار ذكر بعض التجار في هذه المنطقة ومن بينهم أبو صالح الياجراني (1) تقول عنه: «جلب من إبله أبعِرَة إلى وارجلان للبيع فاشترى وارجلانيٌّ منها بعيرًا فلمَّا أراد أن ينقده الثمن قال له إنَّ ثمن جملك في تادمكت» (2).
والشطر الثاني من نفس النص يتناول وديعة حمل أودعها شخص عنده ليبيعها في تادمكت فسمَّى له الثمن فنقص من قدرها شيء يسير، قال الدرجيني: «فقال لا يمكن البيع بدون ما سُمِّي لي فرجع بالجمل إلى وارجلان، قالوا لم ير جمل رجع من تادمكت إلى وارجلان غيره» (3).
ومن هذه الكلمة الأخيرة يتبيَّن لنا مدى تردُّد أهل وارجلان على تادمكت ورواج تجارتهم. وأمَّا قول الوارجلانيّ ثمن جملك في تادمكت فلم يقصد إعناته ولكن يفهم من هذا أنَّ للرجل أموالاً في تادمكت بحكم أسفاره السابقة، والثاني بحاجة إلى أموال هناك لشراء ما يحتاج من سلع.
واشتهر من التجار الكبار من بني واسين تملي الوسيانيِّ, فقد أثرى ثراء كبيرًا بعد ما كان مُقلاًّ مُعدما، وذلك بسبب أخلاقه وتجارته إلى تادمكت. (4)
جاو:
وتوجد جنوب مدينة تادمكت جاو, أو جوجو أو كوكو (5)، وهي على تسع
__________
(1) - أبو صالح الياجراني: يصنّفه الدرجيني ضمن الطبقة الثامنة (350 - 400هـ)
(2) - الدرجيني. طبقات. ج 2، ص 375.
(3) - نفس المصدر.
(4) - تملي الوسياني عاش في القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي.
ينظر: الوسياني. سير. (مخطوط)، ص 22 - 23.
(5) - هذا الاختلاف له شبه بكثير من الأسماء ومثال ذلك ورجلان. ورقلان. وركلان. ويقال عن ذلك: «كل ما جمجم قمقم وكمكم». (1/171)
صفحة 172
مراحل جنوب تادمكت (1)، وهي مدينة كبيرة على نهر ينبع من الجبال. (2)
وإذا أمعنَّا النظر في خرائط قوافل التجارة نجد جوجو (أو جاو الحالية) على ضفَّة نهر النيجر.
وأنَّ الطريق الصاعد منها شمالا يتفرَّع إلى فرعين الأيمن يتَّجه نحو وارجلان والأيسر يتَّجه نحو سجلماسة.
أمَّا الطريق العرضيَّ فالمتَّجه منها شرقا يصل إلى تاكدة وكانم، والمتَّجه غربا يصل إلى زاغارى ومنها إلى مدينة غانه وإلى بلاد التكرور، أو إلى مدينة مالي جنوب مدينة غانا.
ولأهمية موقعها كانت ممالك السودان كلُّها تخضع لملكها ويقول اليعقوبي في شأنها: «ثُمَّ مملكة الكوكو وهي أعظم ممالك السودان وأجلُّها قدرًا وأعظمها أمرًا وكلُّ الممالك تعطي لملكها الطاعة». (3)
وكذا نجد نصًّا يثبت عزم توجُّه أفلح بن عبد الوهاب إلى صوصو أو جوجو ويبيِّن لنا مدى تحرُّج الإمام عبد الوهاب في المعاملات التجارية فسأل ابنه عنها فلمَّا لم يجبه عن واحدة منها نهاه عن السفر. (4)
وكذا ما ذكرناه في التمهيد عن إرسال أفلح بهديَّة مع ابن عرفة إلى نفس المكان.
ويؤيِّد الإدريسيُّ ما قلناه من وجود إباضية وارجلان هناك، حينما يتعرَّض لذكر وجود عود الحيَّة واقتنائه من طرف الوارجلانيِّين والمغاربة قائلا: «والصحيح
__________
(1) - البكري. المغرب. ص 183.
(2) - ابن خلدون. العبر، ج 1. ص 93.
(3) - اليعقوبي، تاريخ. ج 1. ص 168.
(4) - الباروني. الآزهار، ج 2. 194. (1/172)
صفحة 173
عند أهل المغرب الأقصى وأهل وار?لان أنَّ ذلك العود إذا أمسكه ماسكٌ بيده أو علَّقه في عنقه لا تقربه حيَّة البتَّة». (1)
المجموعة الثالثة:
أسواق: (سجلماسة، تاغزه، ولاتة، زاغارى، مالي).
سجلماسة:
تُعدُّ سجلماسة من أهم الأسواق المغربية التي تنطلق منها القوافل صوب الجنوب، ولها اتصالٌ وثيق بوارجلان من الجانبين الاقتصاديِّ والسياسيِّ.
لقد تأسَّست سنة أربعين ومائة، أسَّسها مدرار بن عبد الله (2) وبنى سورها اليسع بن منصور سنة 179هـ (3) الموافق لـ757م ويصفها الإدريسيُّ بقوله: «وأمَّا مدينة سجلماسة فمدينة كبيرة كثيرة العامر، وهي مقصد للوارد والصادر، كثيرة الخضر والجنات، رائعة البقاع والجهات، ولا حصن عليها، وإنَّما هي قصور وديار وعمارات متَّصلة على نهر كثير الماء يأتي من جهة المشرق من الصحراء (4) وليس بها عين ولا بئر (5)، وهي على ضفَّة وادي زيز اليسرى بتافيلالت بالجنوب الشرقيِّ للمغرب وهي الآن خرائب. (6)
__________
(1) - الإدريسي. وصف إفريقيا من النزهة. ص 12.
(2) - الحميري. الروض المعطار. ص 305.
يرى الحسن الوزان أنّ الذي بناها هو قائد روماني وسمّاها سجلّوم ميسي.
الحسن بن محمد الوزان الفاسي (المعروف بليون الإفريقي) وصف إفريقيا. تر/ عن الفرنسية د. محمد حجي. د. محمد الأخضر. ط 1. الشركة المغربية للناشرين المتحدين. 1982، ص 136.
(3) - البكري. المغرب. ص 148 - 150.
(4) - الإدريسي. وصف إفريقيا من النزهة. ص 37.
(5) - اليعقوبي. البلدان. ج 2. ص: 359.
(6) 3 - T. LEWICKI, L Etat nord Africain de Tahart et ses relations avec Le Soudan occidental à fin VIII et au IX siècle/Cahier Detudes Africains. Vol.2 (1962), P.516. (1/173)
صفحة 174
وللذهاب إلى سجلماسة من وارجلان تتَّجه القوافل أوَّلا إلى الجنوب الغربيِّ إلى مدينة القليعة حيث المحطَّة الهامَّة ثمَّ تتَّجه غربا، وتمرُّ بواحة قورارة وقصور توات، ثمَّ تتَّجه إلى الشمال الغربيِّ حيث مدينة سجلماسة وتكون بهذا قد تحاشت العرق الغربيَّ الكبير متتبِّعة مجرى وادي الساورة. (1) وبعد وصولها إلى سجلماسة يتَّجه هذا الخطُّ مرَّة أخرى نحو الجنوب إلى تاغزة، وولاتن، ثم زاغاري، إلى مدينة مالي.
وجود الإباضية بسجلماسة:
لقد كان التجار الإباضيُّون ينطلقون من وارجلان إلى سجلماسة أو منها إلى وارجلان.
فالشمَّاخي من خلال نصوصه نجده يحدِّثنا عن الشيخ أبي يحيى زكرياء بن صالح اليراسنيّ رواية عن أحد المشايخ قال: «وصل أبو يحيى زكرياء ذات مرَّة من سجلماسة إلى وارجلان وخرج يريد جربة مع أصحابه ومعهم قرب مائتي ألف وخمسين ألفا ذهبا تبرًا أعني مثقالا» (2).
ولعلَّ علاقة الإباضية ببني مدرار كانت مبكِّرة جدًّا وربَّما منشؤها كان بسبب زمالة الداعيتين سلمة بن سعد وعكرمة مولى ابن عباس، فنشر الأوَّل المذهب الإباضي بالمغرب الأوسط ونشر الثاني المذهب الصفريَّ بالمغرب الأقصى ثمَّ ظهرت هذه العلاقة جليَّة بزواج مدرار بن اليسع بأروى بنت الإمام عبد الرحمن بن رستم. (3)
فكانت هذه العلاقة المبكِّرة بين تاهرت وسجلماسة سببًا واضحا في ربط وارجلان بسجلماسة أيضًا.
__________
(1) - فرج محمود فرج. إقليم توات خلال القرنين 18 - 19. ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر. 1984.ص 78.
(2) - الشماخي. سير. (ط. حجرية). ص 449.
(3) - الباروني. الأزهار. ص 95. (1/174)
صفحة 175
فتُبيِّن لنا كتب السير توجُّه أفراد وجماعات إليها؛ فنجد أبا عبيد الله الشيعيِّ يمرُّ بوارجلان حينما قصد سجلماسة، فهزأ به سفهاؤُها خاصَّة أهل قصر بكر (1)، ثمَّ تنزل القوافل من سجلماسة إلى زاغارى مرورًا بتاغزة ثم ولاتة.
ولم تحدِّد كتب المسالك عدد المراحل بين وارجلان وسجلماسة مثل ما حدَّدت المراحل بين وارجلان وغيرها من المدن، ولذا فالمسافة تبقى مجهولة بين وارجلان وسجلماسة.
وتاغزة على هذا المسلك تشتهر بممالحها، وكذلك ولاتة الموجودة بجنوبها، وبالتالي تعدَّان محطَّتين مهمَّتين للاستراحة من جهة، ولنقل الملح منهما إلى الممالك السودانية لمقايضته بالذهب من جهة أخرى.
وتحدَّد المسافة بين ولاتة أو (ولاتن) وزاغارى بعشرة أيَّام. (2)
المجموعة الرابعة:
أسواق: (أزيل، أودغشت، غانه).
ومن أهم الطرق المؤدِّية إلى غانه هذا الطريق الغربيُّ؛ فمن وارجلان إلى سجلماسة ثمَّ إلى تمادولت ثمَّ أزيل (أو أجيل) وهذه الأخيرة معروفة بممالحها ومنها يحمل التجار كذلك الملح إلى الجنوب حيث ممالك السودان الغربيّ لمقايضته بالذهب.
ومن أزيل إلى مدينة أودغشت؛ وقد وصفها صاحب ”الروض المعطار“ بقوله: «وهي مدينة عظيمة آهلة لكنَّها صغيرة وفي صحرائها ماء قليل. وهي بين جبلين شبه مكَّة في الصفة، وليس بها كبير تجارة، ولأهلها جمال منها يتعيَّشون». ثمَّ حدَّد المسافات بقوله: «ومنها إلى غانه اثنتا عشرة مرحلة، وكذلك من أودغشت إلى
__________
(1) - أبو زكرياء. السيرة. ص 159.
قد يفهم من حديث أبي زكرياء أن قصر بكر قرية من قرى وارجلان وقد يفهم كذلك أن الفصر بعيد ولكن أهله نزحوا إلى وارجلان فسكنوها.
(2) - ينظر: ملحق المراحل. (1/175)
صفحة 176
مدن واركلان إحدى وثلاثون مرحلة». (1) وغانه يحدِّد موقعها الإدريسيُّ بقوله: «تتصل من غربها ببلاد مقزارة ومن شرقيها ببلاد ونقارة وشمالها بالصحراء المتَّصلة بالأرض البربرية، ومن جنوبها بأرض الكفار اللملمية». (2)
وحسب البكري فإنَّ غانا «مدينتان سهليتان إحداهما المدينة التي يسكنها المسلمون وهي مدينة فيها اثنا عشر مسجدا ... وحواليها آبار عذبة منها يشربون وعليها يعتملون الخضروات». (3)
ويحدِّد ”دونيس بولم“ تاريخ تأسيس مملكة غانة بالقرن الرابع الميلاديِّ، وأنَّ الذي أسَّسها جماعة من البيض على الأغلب، ثمَّ جاءت بعدهم عائلة من السود في القرن الثامن الميلاديِّ ثمَّ توالت الضربات عليها من طرف المرابطين خمسة عشر سنة من 1051م إلى 1076م، ثمَّ زال نفوذهم عنها بعد أن تركَّزوا في الشمال وأضعفتهم الحروب الداخلية. (4)
غير أنَّه لا يزيد إلاَّ غموضًا بقوله جماعة من البيض، وجماعة من السود. ويرى أنَّ كلمة غانة في الأصل عبارة عن لقب يطلق على الحاكم ثمَّ أصبح يطلق على مقرِّه ثمَّ على كلِّ البلاد.
فمدينة غانة وون?ارة بالقرب منها، هما أرض التبر الجيِّد المشهور بالطيب والكثرة؛ حتَّى أنَّ أهل وارجلان يصلون بتجارتهم إلى هناك. (5)
__________
(1) - الحميرى. الروض المعطار، ص 63.
(2) - الإدريسي. وصف إفريقيا من النزهة. ص 8.
(3) - البكري. المغرب. ص 174.
(4) - دونيس بولم. تر/ علي شاهين. الحضارات الإفريقية. دار مكتبة الحياة – بيروت. (بدون تاريخ). ص 49.
(5) - الإدريسي. وصف إفريقيا. ص 89. (والمقصود بالنيل هنا "النهر"). (1/176)
صفحة 177
ويصف الإدريسيُّ ون?ارة بأنَّها «جزيرة طولها ثلاثمائة ميل وعرضها مائة وخمسون ميلا، والنيل يحيط بها من جميع جهاتها فيغطِّيها في شهر أغشت ثم ينحسر عنها، ويأتي الناس بحثا عن الذهب. فيجد كلُّ إنسان منهم في بحثه هناك ما أعطاه الله سبحانه كثيرًا أو قليلا ... وما يخيب منهم أحد.
فإذا عاد النيل إلى حدِّه باع الناس ما حصل بأيديهم من التبر، وتاجر بعضهم بعضا، واشترى أكثره أهل وارقلان وأهل المغرب الأقصى وأخرجوه إلى دور السكك في بلادهم فيضربونه دنانير ويتصرَّفون بها في التجارات والبضائع هكذا كلَّ سنة». (1)
وهكذا بهذا الكلام يوضِّح لنا الإدريسيُّ كيفية الحصول على الذهب وكيف أنَّ أهل وارجلان يشترون أغلبه، ولهم دور خاصَّة لسكِّه نقودًا، يتعاملون بها فيما بينهم. غير أنَّنا لم نجد أثرًا لهذه النقود لا في المتاحف الإسلاميَّة التي جمعت العملات الإسلامية، ولا في الكتب والرسائل التي تناولت موضوع العملات، هذا بالنسبة للعملة التي أشار إليها الإدريسيّ أنَّها سُكَّت في وارجلان.
أمَّا ما ورد عن وجود العملة الرستمية والإباضية من كلام من لدن ولاية عبد الرحمن بن رستم على القيروان (سنة 140هـ - 144هـ) فكثير. (2)
ويواصل الإدريسيُّ وصف هذه المنطقة؛ فيصف لنا جنوب غانة وهي أرض لملم محدِّدا إيَّاها بأنَّ أرض مقرازة تكون من جهة الغرب بالنسبة إليها (مثل مدينة غانة). وأنَّ بشرقيِّها أرض ونقارة (مثل مدنية غانة أيضا)، غير أنَّ غانا نفسها هي
__________
(1) - ينظر: م. ن. ص: 8 - 9.
(2) - ينظر: بحاز إبراهيم. الدولة الرستمية (دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية). لافوميك، الجزائر. 1985. ص: 181 – 187. (1/177)
صفحة 178
حدودها الشمالية. وبهذا نفهم أنَّها متاخمة لغانة مباشرة من جهة الجنوب. والنيل بها يجري من المشرق إلى المغرب.
ورغم بعد الأرض اللملمية فإنَّ أهل وارجلان يجلبون إليها التمر من بلاد سجلماسة أو بلاد الزاب. (1)
وبذكر وصول الوارجلانيِّين إلى هذه المنطقة نكون قد تحصَّلنا من خلال هذا النص على أبعد نقطة وصلوا إليها في الجنوب الغربيِّ.
2 - أهم السلع المتبادلة:
1 - الذهب:
لعلَّ أهم السلع المجلوبة من السودان على الإطلاق هي الذهب؛ فالذهب الموجود بجاوجاوا، وفي أودغشت وغانه وونقارة أغلبه كان يجلب إلى وارجلان أو إلى غيرها من البلدان مرورًا بها.
ولقد وصف الإدريسيُّ قصر أحد ملوك السودان الغربيِّ المسمَّى صالح بن عبد الله من حفدة الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، فلقد بناه بالتحديد سنة 510هـ. وبعد وصف القصر يقول عن الذهب: «إن له في قصره لبنة من ذهب وزنها ثلاثون رطلا من ذهب تبرة واحدة خلقها الله تعالى خلقة تامَّة من غير أن تُسَكَّ في نار أو تطرق بآلة، وقد نُقِر فيها ثقبٌ، وهي مربط لفرس الملك، وهي من الأشياء المغربة التي ليست عند غيره ولا صحَّت لأحد إلاَّ له، وهو يفخر بها على سائر ملوك السودان». (2)
__________
(1) - الإدريسي. وصف إفريقيا. ص: 5.
(2) - الإدريسي. وصف إفريقيا من النزهة. ص: 7. (1/178)
صفحة 179
كما يصف البكري مجلس ملك غانة وكيفية تحلِّيه بالذهب إذ يقول: «وملكهم يتحلَّى بحليِّ النساء في العنق والذراعين ويجعل على رأسه الطراطير المذهَّبة عليها عمائم القطن الرفيعة»، ويصف حاشيته كذلك بقوله: «ووراء الملك عشرة من الغلمان يحملون الحجف والسيوف المحلاَّة بالذهب» (1).
وكذلك يبيِّن لنا كثرة هذا المعدن بمدينة سجلماسة بقوله: «ومن الغريب عندهم أنَّ الذهب جزاف عدد بلا وزن، والكُراث (2) يتبايعونه وزنا بلا عدد. (3)
وأمام كثرة الذهب ورخصه في السودان الغربيِّ وندرته وغلاء ثمنه في المغرب العربيِّ، جازف التجَّار وسط الصحراء المترامية الأطراف بما فيها من مسالك صعبة وحرارة قاسية وانعدام للمياه.
فكانت وارجلان أسرع إلى هذه التجارة المربحة، وأهم قاعدة يكون منها الانطلاق. ويقول د. محمد عيسى الحريري في هذا الشأن: «وأوَّل هذه القواعد الصحراوية في الدولة الرستميَّة كانت وارجلان التي ترتبط ببلاد السودان ارتباطا وثيقًا والسفر منها إلى هذه البلاد كان كثيرا (4) حتَّى تخصَّص أهلها كما قال فيها بعد «في قيادة هذه القوافل التجارية فكان منهم الأدلاَّء ذوو الخبرة بالطرق الصحراوية في بلاد السودان» (5).
ولم يكن جلب الذهب من السودان وغيره كالعاج والعبيد قد بدأ من ذلك العهد، بل إنَّ المصريِّين القدماء والفنيقيِّين والقرطاجيِّين كانوا سابقين إلى ذلك. (6)
__________
(1) - البكري. المغرب. ص: 175.
(2) - الكُراث: نوع من البقل، من فصيلة الزنبقيات يشبه الثوم
(3) - البكري. المغرب. ص: 151.
(4) - د. محمد عيسى الحريري. مقدمات البناء السياسي للمغرب. ص:210.
- د. عبد العزيز سالم. المغرب الإسلامي. دار النهضة العربية – بيروت. 1981، ص:573.
(5) - نفس المرجع. ص: 211.
(6) - دائرة المعارف الإسلامية. دار المعارف – لبنان. بيروت. مج 12. ص: 227. (1/179)
صفحة 180
ولا نعجب إذن إذا رأينا كثرة الذهب لدى قصور الفراعنة حيث سخَّروا كلَّ طاقاتهم لجلبه إلى قصورهم من شتَّى الجهات واستعماله لغرض الزينة والأبَّهة ولا أدلَّ على ذلك ممَّا وجد في مقابرهم ووسط توابيتهم موارى في التراب مثل مقبرة توت عنخ آمون وغيرها كثير.
ولعلَّ المصريِّين القدامى لهم اتصالٌ بمدينة وارجلان مسبكة ذهب غانا وقاعدة استقباله وتوزيعه. وهذه الإشارة الواضحة تثبت وصول التجَّار إليها وإلى وارجلان في نفس الوقت.
يتحدَّث الإدريسيُّ عن أناس من مدينة أنكلاس من بلاد كوار يتجوَّلون بين مصر ووارجلان قائلا: «وأهل هذه المدينة يتجوَّلون حتَّى ينتهوا من جهة المشرق إلى بلاد مصر، ويتصرَّفون فيصلون بلاد وار?لان، وسائر بلاد المغرب». (1) وبهذه الإشارة تتبيَّن لنا أهمية وارجلان بصفة خاصة، حيث خصَّها الإدريسيُّ بالذكر على سائر بلاد المغرب من جهة، وبيَّن علاقتها بمصر مباشرة.
فلا نستبعد إذن ما قلناه من توجُّه الذهب إلى مصر، وتأثير ذلك على تجارتها ورخائها وحضارتها بين قليل أو كثير. ولعلَّ الدراسات المستقبلية خاصَّة بعد فكِّ الهيروغليفية (2) توضِّح لنا هذه العلاقة منذ القديم.
ولا شكَّ أنَّ لِذهبِ السودان تأثيرا على الحركة الاقتصادية على كامل المغرب العربيِّ، وعلى المشرق العربيِّ، وعلى الأندلس أيضا وعلى الدولة الرستمية بصفة خاصَّة.
__________
(1) - الإدريسي. وصف إفريقيا من النزهة، ص: 25.
(2) - فك العالم الفرنسي (شمبوليون CHAMPOLLION) اللغة الهيروغليفية سنة 1824. (1/180)
صفحة 181
ولذا فإنَّنا نلاحظ أنَّ جميع العلاقات ما بين عداء ووُدٍّ كان منشؤها أساسا حبُّ السيطرة على طريق الذهب أكثر من كونها عداء مذهبيا أو سياسيا، ويرى المستشرق (جون ديفيس J.DEVISSE) أنَّ محاربة الفاطميِّين للإباضية كان من أهدافها الاستيلاء على طريق الذهب.
وتأييد الدولة الأموية بالأندلس للدولة الرستمية وللحركات الثورية مثل ثورة أبي يزيد مخلَّد بن كيداد، أو حركة أبي القاسم يزيد بن مخلَّد وأبي خزر يغلا بن زلتاف كان منشؤُها أساسا عامل تأمين وصول الذهب إلى الأندلس. (1)
وإذا كان كذلك الإباضيَّة قد كانوا على يقين من إنجادهم من طرف الأمويِّين حينما استنجدوا بهم يوم مجيء العبيديِّين حتَّى يحافظوا على طرق القوافل السودانية الرستمية.
وبالفعل فإنَّ الدكتور إبراهيم فخار قد كان دقيق الملاحظة حينما قال إنَّ العبيديِّين كان غرضهم شلُّ هذه الحركة الاقتصادية الضخمة؛ فبدأوا أوَّلا بأهم المراكز التجارية والاقتصادية التي كانت تتحكَّم في مراكز التجارة من السودان الغربيِّ عن طريق سجلماسة, ثمَّ تيهرت، ثمَّ تلمسان، ثمَّ بسكرة ووارجلان، ثمَّ القيروان فهو يرى أنَّهم بدأوا أوَّلا بغلق أوَّل وأهم منفذ للتجارة المربحة - تجارة الذهب - وهو عمل مخطّط وليس من قبيل الصدفة. (2)
2 - الملح:
وإلى جانب ما وقع عليه الطلب من أهل السودان ووقعت مقايضته بالذهب؛ معدن الملح. يقول الحسن الوزان عنه «يستخرج من المناجم بحفر سراديب كما
__________
(1) - د. عبدالحبيب الجنحاني. دراسة في التاريخ الاقتصادي. ص: 84.
(2) - د. إبراهيم فخار. العلاقات التجارية بين الدولة الرستمية والسودان الغربي – محاضرة – ملتقى تاهرت. 1 - 2 أفريل 1987م. ص: 47. (1/181)
صفحة 182
يفعل بالرخام ومنه الرمادي والأبيض والأحمر، ومنه أيضا ما يجمَّد في الصيف في بعض البحيرات الصغيرة والغدران ببلاد البربر (1).
ويرى الدكتور محمَّد عبد الغني سعودي أنَّ الملح يأتي في الدرجة الثانية بعد الذهب. ويرى أنَّ التراجع التدريجيَّ للصحراء أبعد سكَّان الجنوب عن هذه المادَّة المهمَّة، فعمدوا إلى تقطير بعض أنواع الحشائش، وبهذا وصلت قيمته إلى قيمة الذهب (2).
ولعلَّ الممالح التي ذكرناها لدى تعرُّضنا للأسواق الكبرى كافية عن التوضيح، إلاَّ أنَّ هناك أماكن أخرى لها الأهمية القصوى في تزويد السودان بالملح منها جزيرة ”أوليل“ ولسنا ندري أيعرِّج تجَّار شمال إفريقيا عليها في رحلاتهم إلى السودان أم لا، وقد ذكرها الإدريسيُّ بقوله: «فأمَّا جزيرة أوليل فهي في البحر وعلى مقربة من الساحل، وبها الملاَّحة المشهورة، ولا يعلم في بلاد السودان ملاَّحة غيرها، ومنها يحمل الملح إلى جميع بلاد السودان. وذلك أنَّ المراكب تأتي إلى هذه الجزيرة فتوسق بها الملح، وتسير منها إلى موقع النيل، وبينهما مقدار مجرى فتجري في النيل إلى سلى وتكرور وبريسي وغانة وسائر بلاد ونقارة وكوغة .. » (3)
ويحتمل كذلك أن تكون السباخ الموجودة بوارجلان نفسها أماكن تجميع الملح وبيعه، أو تصديره إلى السودان. فنلاحظ من خلال فتوى الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ذلك، والفتوى صدرت
__________
(1) - الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف إفريقيا، ص: 280.
(2) - د. محمد عبد الغني سعودي. طرق القوافل وأثرها في انتشار الإسلام. محاضرة بملتقى أدرار. جانفي 1988م. ص: 8.
د. محمد الغربي. كتاب بداية الحكم المغربي في السودان الغربي. مؤسسة الخليج العربي للطباعة والنشر. الصفاة، الكويت. 1982م، ص: 31.
(3) - الإدريسي. وصف إفريقيا من النزهة، ص: 3. (1/182)
صفحة 183
فيمن سرق الملح من وارجلان وهو في السودان أنَّ عليه بردِّ قيمته، أو إرجاعه إلى الموضع الذي أخذه منه. (1)
والسبخات موجودة في ذلك الحين وهي مورد أساسيٌّ للملح، ومن خلال كتب السير نجد الإشارات الكثيرة إلى ذلك.
3 - العبيد:
لو أمعنَّا النظر في الخريطة التي رسمت مسار العبيد من السودان نجدها لا تتوقَّف عند وارجلان، أو تنتهي عندها، بل نجد القوافل تواصل سيرها بعيدا عن جنوب المغرب العربي، فهي تواصل سيرها إلى الحواضر الأكثر تحضُّرا. فتصل إلى تلمسان شمالا، وتامدلت (2) غربا وتونس وطرابلس في الشمال الغربيِّ والقاهرة شرقا. (3)
وهكذا تتبيَّن لنا حاجة هذه الحواضر إلى العبيد المجلوبين من السودان، فوارجلان ما هي إلاَّ سوق واحدة من عشرات أسواق النخاسة، وجسر تمرُّ فوقه هذه القوافل والحشود من العبيد.
ولعلَّ الأراضي الزراعية الواسعة المحتاجة إلى الأيدي العاملة، وقصور الملوك، ودور الأغنياء كانت السبب في طلب المزيد من هؤلاء العبيد، فنعِم هؤلاء بتواجدهم في الأسواق الإسلامية بكثير من الميزات؛ أوَّلها المعاملة الحسنة، وثانيها العتقُ من الرِّقِّ والعبودية حسب تعاليم الإسلام والقرآن إبَّان تكفير المسلم عن ذنوبه، وثالثها الإنعام بالخروج من الشرك والدخول في الإسلام، بعد التربية التي يتلقَّاها العبد الوثنيُّ من سيِّده المسلم.
__________
(1) - أبو يعقوب. الدليل والبرهان. ج 2. ص: 78.
(2) - تامدلت: مدينة بمنطقة درعة بالمغرب.
(3) - HENRI LHOTE, Sahara, P. 194. (1/183)
صفحة 184
ولعلَّ أوَّل ذكر للعبيد لدى إباضية المغرب الأوسط يرجع إلى زمن فرار عبد الرحمن بن رستم من القيروان بعد تفرُّق جنود الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح. فيذكر الدرجيني ذلك بقوله: «خرج عبد الرحمن وابنه عبد الوهَّاب وعبد لهما خائفين مستخفين». (1) وفي عهد عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم نرى أنَّ له عبيدا يعدهم بالعتق إن هم بشَّرُوه بقدوم النفوسيِّين حينما استنجد بهم ضدَّ المعتزلة. (2)
ونجهل مصدر هؤلاء العبيد؛ أهم من السودان الغربيِّ؟ أم من مكان آخر لعدم اهتمام المصادر التاريخية بذكر مصدرهم. غير أنَّ علاقة العائلة الرستمية بالسودان تجعلنا نرجِّح كونهم من تلك المنطقة، خاصَّة علاقتها بأرض ”لملم“، وجلبها للعبيد من هناك فيما بعد (3). ويعدُّ جلب العبيد أصعب تجارة من أيِّ بضاعة كانت، فإنَّ فيها المسؤولية الكبرى، والربح الضئيل إذا قارنَّا ذلك بالذهب. فإنَّ المتاجر بالذهب يبيع كلَّ جماله ويترك واحدًا لحمل بضاعته, وآخر لسفره.
أمَّا صاحب العبيد فيتعب في أكلهم وسقائهم وإيوائهم وحمل المتعب منهم ومراقبة الآبق منهم ومداواة المريض إذا اشتدَّ مرضُه.
ونستشفُّ ذلك من خلال هذا النصِّ الذي يتحدَّث عن الشيخ أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد السدراتي – الوارجلانيّ (4) حينما سافر إلى السودان «جعل تجارته صامتًا وحملها على جمل ودخل خباءه وانشغل بالعبادة، وكان معه حضريٌّ جعل
__________
(1) - الدرجيني. طبقات. ج 1. ص: 35.
(2) - أبو زكرياء. السيرة. ص: 107.
- مقرين بن محمد البغطوري. سير نفوسة. (مخ). ص: 73.
(3) - ينظر: جودت عبدالكريم. العلاقات الخارجية للدولة الرستمية. ص: 269.
(4) - عاش أبو محمد عبد الله خلال القرن 5هـ / 11م. (1/184)
صفحة 185
تجارته عبيدًا فشقُّوا عليه، فإذا نظر إلى الشيخ وهو في هناء وراحة قال سبحان الله من خلَّص عبد الله من هذا البلاء وأراحه». (1)
ومن النصوص التي تشير إلى وجود العبيد في وارجلان في هذه الفترة ما قاله الدرجيني في طبقاته: «وغارت غارة لبعض العرب على وارجلان فساقوا عدَّة من الإماء فلحقهم الشيخ ماكسن (2) ”بالدرمون“ فوق بئر الكاهنة فسألهم بالله أن يردُّوا عليه ما أخذوا من أموال المسلمين (3)» فردُّوا ما أخذوه.
أمَّا عن أسعارهم فإنَّها تختلف حسب الأزمان، وحسب الأعمار؛ فالشاب القويُّ أغلى من الضعيف، والأمَّة الحاذقة بفنون الأعمال أغلى من الجاهلة.
وحينما غزا عقبة بن نافع ”فزَّان“ سنة 667م وصل إلى ”كوار“، بلغ أغلى ثمن لأَمَة بيعت في عهده ألف دينار. (4)
والخصيان يبلغون أربعين دينارًا، ويتوجَّه بهم خاصَّة إلى مصر والشام حيث يُباعون بأغلى ثمن.
أمَّا عن لونهم فأغلبهم يغلب عليهم اللون الأسود، ولكن لا يعني أنَّ كلَّ أسود عبد؛ فأهل وارجلان الأصليُّون أنفسهم سود البشرة، أو أميل إلى السواد، ويؤكّد هذا (جون ليتيو) بقوله: «أنَّ الشيخ حادور الذي جاء مع جماعة من رفاقه من المراكز الإباضية في زنجبار والذي كان يمارس تجارة العبيد. والذي يعتبره المؤرّخون مؤسِّس وارجلان تدلُّ كلُّ الوثائق على أنَّه كان شديد السمرة». وكذلك يرى أنَّ كلمة واركلان تعني بالبربرية الأبناء السمر. (5)
__________
(1) - الوسياني. سير. (مخ) - كراكوفيا - ص: 149. ج 1.
(2) - من الطبقة العاشرة 450 - 500هـ.
(3) - الدرجيني. طبقات، ج 2، ص: 434.
(4) - ينظر: HENRI LHOTE, Sahara, PP.197, 198.
(5) - JEAN LETHIELLEUX, Ouargla ... P.20. (1/185)
صفحة 186
4 - بقيّة الصادرات والواردات:
تُصدِّر وارجلان الحنطة إلى السودان الغربيِّ، خاصَّة إلى بلاد زغاوة (1)، ويقول الإدريسيِّ: «وأكثر ما يزرعه أهل زغاوة الذرة، وربَّما جلبت الحنطة إليهم من بلاد ور?لان وغيرها». (2)
ومن أهم المنتجات التي تصدرها وارجلان التمور بمختلف أنواعها وتصدرها سواء إلى الشمال إلى عاصمة الدولة الرستمية تاهرت أم جنوبا إلى بلد السودان (3).
وقد يصدَّر من وارجلان المصنوعات الوارجلانية – التاهرتية مثل الأواني النحاسية والخشب المنقوش المرصَّع بالعاج. والمصنوعات الحديدية كالأسلحة والأقفال، وكذلك الأفاويح والملح والعطور والمنتوجات الصوفية والقطنية والكتانية والفخار المطليَّ والمزخرف ثمَّ الحليَّ الذهبية والفضية. (4) ويرى البعض أنَّ من أهم المنتجات التي تحملها القوافل الرستمية إلى بلاد السودان الأكسية القطنية والكتانية. وثياب الصوف والعمائم والمآزر وأصناف الزجاج والأصداف والأحجار. (5)
__________
(1) - زغاوة: قوم ظواعن رحالة. والإبل عندهم كثيرة اللقاح.
(2) - الإدريسي: وصف إفريقيا من النزهة. ص: 21.
(3) - محمد العربي الزبيري. التجارة الخارجية للشرق الجزائري في الفترة ما بين 1792 و1830م. ط 2. المؤسسة الوطنية للنشر – الجزائر. 1984، ص: 165.
(4) - ينظر: محمد الطمار الروابط الثقافية. ص: 97.
(5) - محمد عيسى صابر. الدولة الرستمية بالمغرب – قيامها وتطوّرها – (رسالة ماجستير) 1395هـ /1975م. ص: 269.
- د. محمد عيسى الحريري. مقدمات البناء السياسي. ص: 210.
- د. السيد عبد العزيز سالم، كتاب المغرب الكبير، العصر الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، 1981، ج2، 573. (1/186)
صفحة 187
ومن بين الأشياء التي كانت توجد بكثرة بنواحي وارجلان وفي الجنوب الجزائريِّ النعام؛ ويذكر ذلك الأستاذ محمد العربي الزبيري قائلا: «يوجد النعام في جنوب الجزائر وفي نواحي ورقلة على وجه الخصوص يصطاده الأهالي للحصول على جثثه وشحومه والريش الذي يباع منه أبيض وطويل يقع في أقصى الجناحين وتستعمله القبائل في خيامها للتدليل على شرفها وسموِّ مكانتها». (1)
ولقد أكَّدت المصادر التاريخية وجود النعام في المنطقة من بينها ما وجده علماء الآثار من بيض النعام. وكذا ما وجده العبيديُّون أثناء هجومهم على وارجلان وسدراته وجبل كريمة من بيض النعام مليئا بالشعير. أو ما نراه في فصل العمارة أنَّ الناس يزيِّنون بوَّاباتهم ببيض النعام. غير أنَّ البعض يصنِّف ريش النعام من بين المستوردات من السودان. (2)
إذا وفَّقنا بين الرأيين نخلص إلى أنَّ نتاج ريش النعام بالمغرب الأوسط لا يكفي لحاجياتهم فكمَّلوا ذلك باستيراده من السودان، فكان الإنتاج والاستيراد في آن واحد.
وإلى جانب النعام نجد الجمال التي تحمل السلع نفسها تكون عرضة للبيع في السودان إذا اقتضت الضرورة ذلك.
__________
(1) - محمد العربي الزبيري. التجارة الخارجية للشرق الجزائري. ص: 167. نشر البنك المركزي الجزائري يومية سنة 1970 بها صور زيتية قديمة من بين مناظرها صيد النعام في الجزائر.
(2) - محمد الطمار. الروابط الثقافية. ص: 97.
- محمد عيسى الحريري. البناء السياسي للمغرب الإسلامي. ص: 211.
- محمد علي دبوز. تاريخ المغرب الكبير. ج 3. مطبعة عيسى البابي الحلبي – القاهرة. 1383هـ/ 1963م. ص: 347. (1/187)
صفحة 188
[صورة] (1/188)
صفحة 189
المبحث الثاني: الزراعة:
من خلال ما قدَّمناه عن موقع وارجلان بالصحراء الجزائرية ومن خلال الأهمية الاقتصادية التي اكتسبتها يتبيَّن لنا بوضوح أنَّ للمنطقة دورًا بارزًا في الزراعة.
فهذه المنطقة الزراعية توجد في منخفض تتجمَّع فيه مياه الأودية الآتية من الغرب والشمال الغربيِّ؛ كمياه وادي النساء، ومن الجنوب كمياه وادي ميه، وأنَّ الكثير من هذه المياه مع مياه وادي أغرغار إن سالت تغوص تحت الطبقة السطحية فتكون للمنطقة موردًا مائيًّا غنيًّا. كما أنَّها كانت سببا في تراكم الطَّمي والتربة الصالحة للزراعة في الأزمنة المطيرة القديمة.
غير أنَّه بالتصحُّر التدريجي، والحرارة الزائدة في هذه الأزمنة، تحوَّلت التربة إلى تربة ملحيَّة فقيرة، غير صالحة لجميع أنواع المزروعات، ففوق هذه التربة الفقيرة، ووسط هذا المناخ القارِّي الحار صيفًا والبارد شتاء، مع الجفاف المستمرِّ، لا ينبت هناك إلاَّ شجر النخيل المقاوم له، مع أشجار العنب والتين وما شابه ذلك.
ومع ذلك فإنَّ الأملاح قد كانت فعلا قليلة نوعا ما في الحقبة الزمنية المدروسة إذ أنَّ المياه والعيون العذبة كانت تسيل أودية على وجه الأرض. (1)
__________
(1) - ينظر: ابن خلدون. تاريخ. م 7. ص: 119.
2 - الحميري. الروض المعطار، ص: 600.
3 - LARGEAU, Le pays de Rirha, P. 142. (1/189)
صفحة 190
1 - المزروعات:
أ- النخيل:
حسب النصوص القديمة فإنَّ وارجلان وما جاورها كانت غنية بغاباتها ذات النخل الكثير، وقد عرفت مع المناطق المجاورة لها أنواعا من التمر الجيِّد.
لقد وصف ياقوت الحموي وارجلان بأنَّها «كورة بين إفريقية وبلاد الجريد؛ ضاربة في البرِّ كثيرة النخل والخيرات» (1).
وما يؤيِّد ذلك في كتب السير أنَّ أبا صالح جنون بن يمريان أكرم أبا نوح سعيد بن زنغيل بعد ثورته على العبيديِّين وأمَّنه حينما التجأ إليه بوارجلان قائلا: «لا تخف نجوت من القوم الظالمين» ثمَّ ملأ بيته إلى السقف تمرًا، وأجرى له مائدة بكرة وأخرى عشية. (2)
وقد اشتهر الشيخ أبو صالح بكثرة جنَّاته؛ فكان عند جني التمر يجعلها صبرات حتَّى لأنَّ الواقف خلفها لا يرى المارَّ من أمامها. (3)
والنصوص للاستدلال عن وجود النخيل قديما لا تعدُّ ولا تحصى. وكذا الآثار من جرار كبيرة وجدت في دور سدراته كانت تجمع فيها محاصيل التمر، وكذا أخشاب النخيل التي كانت تستعمل في بناء المنازل وحفر الآبار. (4)
__________
(1) - ياقوت الحموي (الشيخ الإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي) كتاب معجم البلدان. مج. 5. دار صادر للطباعة والنشر، بيروت. دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت. 1404هـ/ 1984م، ص: 371.
(2) - الدرجيني. طبقات. ج 1. ص: 144. / أبو زكرياء. السيرة. ج 1. ص: 222
(3) - سير مشائخ المغرب. (مخ). ص: 39 (المؤلف مجهول).
أبو زكرياء. السيرة. ج 1. ص: 222
(4) 4 - ينظر فصل العمارة. (1/190)
صفحة 191
والتمر يعدُّ الغذاء الأساسيَّ وهو أحسن ما يقدَّم للضيوف؛ فالدرجيني في طبقاته يروي لنا عمَّا قدَّمه الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن يحيى بن عيسى العبَّاسي (1) من التمر الجيِّد حيث يقول: «حدَّثني بعض العزَّابة عن الشيخ عبد الله عن عليٍّ قال خرجت من أريغ أريد وارجلان في جماعة من العزَّابة فسلكنا على تلا منزل الشيخ عبد الله بن يحيى، قال فخرج إلى العزَّابة فسلَّم عليهم. وأنزلهم للضيافة، فلمَّا دخلنا موضعه قدَّم لنا تمرًا كبيسًا مُعسَّلا ولبنًا عجيبا، فلمَّا أكلنا من ذلك ما اشتهينا، أحضر صفحة ثريد ... وعليها من الزَّبَد ما أخرجه من اللبن الذي شربناه أوَّلا مع التمر».
ومع ذلك يجده أحدهم يأكل الحشف والماء، وحينما سأله عن سبب ذلك أجابه قائلا إنَّ من أكل خيار ماله فقد أكل دم وجهه، وذلك مدّخر لأمثالكم وأنَّ الذي بين يديَّ مع العافية كثير» (2).
فتعلُّقُ أهل وارجلان بأرضهم من أجلها شديد جدًّا؛ فلقد كاتب أبا صالح جنون بن يمريان ابن عمٍّ له من المغرب يزهِّده في وارجلان ويقول له في رسالته: «يا ابن عمِّي إيتني فإنَّك قمت في أرض الفقر، فإنَّ عندنا أرضا كريمة، قدرُ الكساءِ يحمل البعير وسقه حَبًّا».
فأجابه أبو صالح: «يا ابن عمِّي إيتني فإنَّ عندنا أرضًا قعدةُ الرجل يحمل البعير وسقه عسلاً» (3)
وكان ذلك نتيجة حذقه في عمل النخيل، من إزالة الكرانيف والجريد اليابس، وتنقيه قلبها من الحشف الساقط ونسيج العنكبوت. (4)
__________
(1) - يصنّفه الدرجيني ضمن الطبقة الثانية عشرة (550هـ - 600هـ).
(2) - الدرجيني. طبقات. ج 2. ص: 507.
(3) - الدرجيني. طبقات. ج 2. ص: 343.
(4) - سير مشائخ المغرب. مخ. ص: 212. (1/191)
صفحة 192
ورغم الاحتياجات التي شهدتها وارجلان عبر التاريخ، وقطع نخيلها عبر القرون فإنَّ العيَّاشي الذي أتى بعد هذه الفترات في رحلته مارًّا إلى البقاع المقدَّسة أوَّل ما يؤخذ به نضارة واحتها وكثرة نخيلها وكثرة خيراتها. (1)
ب- الزيتون:
وإلى جانب أشجار النخيل كانت توجد أشجار الزيتون. والإشارات من خلال النصوص تبيِّن ذلك، غير أنَّنا لم نتمكَّن من تحديد كمِّية هذا المنتوج المهمِّ. فالدكتور السيِّد عبد العزيز سالم يقول بأنَّ منطقة وارجلان كانت تشتهر إلى جانب كثرة نخيلها بكثرة زيتونها (2)
ويمكن إذن أن نقول إنَّ الزيت الذي وضعه المحاصرون في قصع لإيهام العدو بوجود الماء لديهم حتَّى يفكَّ الحصار عنهم بجبل كريمة كان من نتاج المنطقة. (3) وبهذا تكون واحة وارجلان لا تقلُّ أهمية عن بسكرة وبلاد الجريد، ولا تقلُّ غنى في ثروات النخيل والزيتون والفواكه (4). وكانت لجودة نتاجها ووفرته لا تغذِّي المنطقة فقط، بل كلُّ السودان يعتمد عليها مثل اعتماده على توات. (5)
كما تشير مخطوطة أبي عبد الله القاضي إلى أنَّ جيوش أبي يزيد مخلَّد بن كيداد الجرارة كانت تعتمد على واحات وارجلان أيضًا إبَّان حملاتها المتعدِّدة. (6)
__________
(1) - العياشي. رحلة. ص: 46.
(2) - د. السيد عبد العزيز سالم. المغرب الكبير. ص 576.
(3) - حينما حاصر أبو عبيد الله الشيعي جبل كريمة إثر فرار أهل وارجلان إليه انتظر استسلامهم بعد العطش ونفاذ الماء. فعمد هؤلاء إلى حيلة لإيهامه بأن وضعوا أواني مملوءة زيتا فكلّما أتت الجمال لتشرب منها رفعت رأسها عنها وتتطاير قطرات الزيت وحينما رأى العدوّ ذلك فكّ الحصار ورجع خائبا. ينظر: الدرجيني. طبقات. ج 1. ص 95.
(4) - محمد عيسى الحريري. مقدمات البناء السياسي. 232.
(5) - ابن خلدون. تاريخ. دار الكتاب اللبناني 1981م، ج 1. ص 93.
(6) - القاضي أبو عبد الله (بلا عنوان). مخ. ورقة 50. (1/192)
صفحة 193
غير أنَّ هذه الغابات الغنية والخيرات الوفيرة التي هي أساس اقتصاد واحات وارجلان كانت مستهدفة في كلِّ غارة يشنُّها أعداؤها عليها، فإذا أرادوا ضرب اقتصادها قطعوا النخيل وردموا الآبار وتركوها قاعًا صفصفًا كأن لم تغن بالأمس. (1)
كما أنَّه يحتمل زراعة القمح والشعير ولكن بقلَّة، وأمَّا عن الحنطة فكانت تزرع بكثرة وذلك حسب ما ذكرت المصادر القديمة. (2)
أمَّا بقيَّة المزروعات فلم تذكرها المصادر لعدم اهتمامها بهذا الجانب ولكن يحتمل أن الفلاَّحين في بساتينهم كانوا يهتمُّون بما يقتاتون به خاصَّة وأنَّ البيئة الصحراوية تعلِّم الناس الاكتفاء الذاتيَّ، فطول المسافات بين المدن مع الحرارة تحولان دون حركة كثير من المنتوجات الفلاحية.
2 - وسائل الريّ:
إذا تأمَّلنا جميع خرائط العالم لا نجد توزُّع الإنسان إلاَّ حيث توجد المياه، سواء أكانت مصادرها أمطارًا أم أنهارًا، أم ينابيع طبيعية، أم آبارًا تستخرج منها المياه بجهد الإنسان.
وإذا قسنا هذا على وارجلان سنجدها المنطقة المحرومة من جلِّ ذلك؛ لا أمطار فيها ولا أنهار جارية دائمة، إذ أنَّ الواحات النضرة والغابات الممتدَّة كلُّها تسقى بعرق الإنسان وكدِّه، فاستطاع أن يحفر الآبار ويستخرج منها المياه ويوصلها تارة بالسواقي فوق الأرض، تارة تحتها وتارة ينزحها بالجمال والحمير، وتارة تخرج بعد الحفر فوَّارة متدفِّقة.
__________
(1) - ابن خلدون. تاريخ. م 7. ص: 98.
(2) - الإدريسي. وصف إفريقيا من النزهة. ص: 21. (1/193)
صفحة 194
فمَدُّ السواقي بعيدًا عن مصدرها إلى الأجنَّة والغابات يحتاج إلى هندسة دقيقة، وحفر الآبار في أرض رملية وإلى أعماق بعيدة يحتاج إلى خبرة فائقة.
فالآبار تحفر عميقة بعيدة المهوى، وتُربط جوانبها بجذوع النخل حتَّى إذا وصل الحفَّارون إلى طبقة صلبة فتُنحت بالمعاول والفؤوس إلى أن يرقَّ جرمها ويرمون عليها زبرة من حديد، فيصعد الماء غزيرا حتَّى يجري على وجه الأرض. (1)
ولقد قدَّر الحميريُّ عمقها بمائة قامة (2) كما أنَّ (هارولد طاري HAROLD TARRY) قدَّر عمق بئر جبل كريمة بثمانين مترًا قياسا على طول طريق جمل النزح (3)
بينما قدَّر (كوردو) عمق بعض آبار وارجلان بثلاثين مترًا. وقدَّر صبيبها بستمائة متر مكعَّب للدقيقة الواحدة. وبحرارة تُقدَّر بخمسة وعشرين درجة مئوية 25+ مع كمِّية قليلة من الملوحة. وهذه الدراسة الحديثة تعطينا بالتقريب صورة عن آبار الماضي. ولقد ذكرت المصادر أنَّ في هذه الحوزة ألفًا وإحدى وخمسين عينا جارية وأهم هذه الآبار عين الصفا بناحية سدراته وفيها ثلاثة مصارف:
1 - مصرف لأولاد إبراهيم بن إسماعيل.
2 - مصرف لأولاد عيسى بن أحمد.
3 - مصرف لأولاد ابن الشيخ.
وفي ناحية يفرن عين تسمَّى بعين القبائل وفيها ثلاثة مصارف:
1 - مصرف لأولاد محمد بن موسى.
__________
(1) - ابن خلدون. تاريخ. مج 7. ص: 119.
(2) - الحميري. الروض المعطار. ص: 600.
(3) - طريق الجمل: هو المسلك الذي يسلكه الجمل وقت نزح الماء من البئر. (1/194)
صفحة 195
2 - مصرف لأولاد جابر بن إبراهيم.
3 - مصرف لأولاد بوين بن الصحب.
وفي ناحية ن?وصة ثلاثة مصارف:
1 - مصرف لأولاد عيسى بن نوح.
2 - مصرف لأولاد عيسى بن إبراهيم.
3 - مصرف لأولاد عيسى بن سليمان.
وحسب الشيخ أعزام (1) أنَّها خرِّبت في عهد يحيى بن إسحاق الميروقي سنة 624هـ/ 1227م، أمَّا المخطوطة الموجودة لدى تاديوش ليفتسكي في بولونيا فترجع خرابها إلى قائد يدعى بمنصور المشرق سنة 672هـ/ 1273م. (2)
الاهتمام بالآبار والسواقي:
ظهر الاهتمام واضحا بوسائل الريِّ لأنَّها شرايين الحياة الزراعية؛ فالبئر هي المورد الأساسيُّ للماء، فإذا تراكمت على قاعها الرمال والأوحال انطمست منابعها وأسنت مياهها، ولذا فيعمد الغطَّاسون إلى النزول إلى أسفلها وهي مملوءة ماء بقفاف يربطونها في أحزمتهم قصد نزع الحمأ عنها. ولقد وصف لنا ”كيساك“ ( Gussac) ذلك بقوله: «يُزال الحمأ من البئر مرَّتين في السنة فإذا كان عمق البئر ستِّين مترا فإنَّ المدَّة التي يبقى فيها الغطَّاسون تحت الماء صعودًا ونزولا مع أعمال التنظيف قد تصل إلى ثلاث دقائق». (3) وهذا ما تركه مشدوها ويعدُّه من الغرائب
__________
(1) - أعزام إبراهيم. غصن البان. مخ. ص: 29.
(2) - ورقات مخطوطة. مجموعة كراكوفيا تحت رقم 00280. ص: 10 - 12.
(3) - لقد اهتم بالغطاسة كثير من الباحثين الأروبيين. ينظر:
J. CUSSAC, Sahara, Le pays de La Mission, Bèlgrade, S. A.D. G. 1941, P. 22. (1/195)
صفحة 196
التي قد لا تصدَّق. ولعلَّ هذه الحرفة قد توارثها سكَّان المنطقة أبا عن جدٍّ. كما اهتمُّوا أيضا بتنظيف الأنفاق الأرضية لسواقي المياه المتَّجهة من سدراته إلى وارجلان والرويسات والمسمَّاة أيضا ”بالفُ?َّارات“ واستحدثوا بها غرفا واسعة لأدوات العمَّال وراحتهم (1) وأرصفة جانبية للسير فوقها. (2)
ومن الاهتمامات بهذا الجانب النظر إليها من الجانب الدينيِّ فالمسلم عموما يرى أنَّ عمله ذلك من حفر للآبار ليشرب منها المارَّة وخاصَّة أيَّام الجفاف. وكنس السواقي وبناء للأحواض. كلُّ ذلك يراه تقرُّبا إلى الله عزَّ وجلَّ وقربة لا تعدلها قربة.
وكتب السير تورد لنا نموذجا لذلك، فالشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى (3) لما أراد أن يكنس عينا أو أن يحفرها استعان بالعمَّال والعبيد فصاروا يغنُّون. فقال لهم: «اطلعوا من عيني فإن كانت لا تحفر إلاَّ بمعصية الله فلا حُفرت ... فلمَّا رأوا ذلك منه تركوا ماكره» (4).
كما أنَّ أبا العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر يهتمُّ بذكر أعراف للسواقي والآبار والعيون فيحدِّد حريمها فيقول بالنسبة للسواقي: «ومنهم من يقول بأنَّ حريمها جميع ما يحتاج إليه منافعها من كنسها ولو أكثر من ثلاثة أدرع» ومنهم من يقول أنَّ حريمها جميع ما يحتاج إليه لجميع منافعها من كنسها ومجازها وما أشبه ذلك.
__________
(1) - أقدم حفرية كشفت أنفاق السواقي بوارجلان ترجع إلى سنة 1872م حينما شرع الأروبيون في بناء البرج العسكريّ وأحدثها حينما شرعوا في بناء دار البريد والبلدية سنة 60 – 1959م.
ينظر: JEAN LETHIELLEUX, Ouargla ... P.61.
(2) - ينظر الفصل الخاص بالعمارة الإسلامية بوارجلان.
(3) - هو أبو الربيع سليمان بن موسى الزلفيني يعدّه الشماخي من الطبقة العاشرة (450هـ-500هـ)
(4) - يرى الدرجيني بأنّها فوق مسجد تامولست. ينظر: الدرجيني. طبقات. ج 2. ص: 441. بينما يحدد الوسياني موقعها بمسجد تاماست. (1/196)
صفحة 197
أمَّا الساقية التي لا تحتاج إلى الكنس فلا تحتاج إلى الحريم إلاَّ جواز من يمرُّ عليها وقت حاجته إليها (1).
ومثلما اهتمَّ علماء الشريعة بوسائل الريِّ كما رأينا اهتمُّوا أيضا بالزراعة بصفة عامّة. فنجد أقوالا متفرّقة وسط كتب السير القديمة تحضُّ على الزراعة وترغِّب في امتلاك الأجنَّة وعدم بيعها قال الوسياني: «قال أبو عبد الله: بائع النخل مُمحِقٌ، ومشتريها مُعَان» وعنه: «من باع ترابًا ولم يجعل عنه مثله في التراب جعل على رأسه التراب» وعنه أيضا: «حبُّ النخيل من الإيمان وبغضُها من النفاق» (2). وهذا الاهتمامُ بغرس النخيل واعتقاد البركة والأجر فيه متوارَثٌ إلى حدِّ الآن لدى سكَّان وارجلان وأريغ وأسوف وبلاد الزيبان ووادي ميزاب (3) وغيرها كمنطقة نفزاوة ونفوسة؛ فالشيخ أبو خليل ينصح أبا ذرٍّ على الاستماتة في زرع الفسيل إلى آخر نفس من أنفاسه قائلا: «واغرس ولو يجدك الناس في حفير الفسيل».
كما أنَّ الشيخ أبا يوسف يعقوب بن سيلوس الطرفي السدراتي كان يوصي ابنه بوصايا، ومن جملة ما أوصاه به قوله: «لا يكُن ندبُك الناس إلى الخير أوكدُ من ندبِك نفسَك، ولا يكُن غيرُك أسبقُ إلى الحرثِ منك، وكُن للناس كالميزاب، وكالسيل للأدران، وكالسمار للماء» (4).
ومن هذا يتَّضح لنا أنَّ الزراعة لم تقم على حاجة الناس الدنيويَّة فقط، بل الحافز أمام الصعوبات المعترضة هو الحافز الأخرويُّ طلبا للأجر والثواب.
__________
(1) - أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر. أصول الأرضين. مخ. ص: 312.
ينظر الملحق الخاص بالحريم.
(2) - الوسياني. سير. مخ. كراكوفيا. ورقة A 64.
(3) - لقد اهتم الشيخ اطفيش قطب الآئمة بذلك. فألّف كتابا سمّاه «كتاب النحلة في غرس النخلة» (طبع ضمن مجموعة ستة كتب بغردابة دون ذكر المطبعة والسنة). وللاستفادة أيضا ينظر: كتاب الشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي تحت عنوان «النخلة» مطابع النهضة – سلطنة عمان، 1411هـ/ 1990م.
(4) - الشماخي. سير. ص: 288. (1/197)
صفحة 198
ومع ذلك فرغم ما حقَّقه أهالي المنطقة من إحياء لموات الصحراء. واستحداثهم لجنَّات واسعة، وإنتاج وفير. نجدهم دائما كما رأينا في صراع مع الطبيعة، فتارة يتَّسع الاخضرار، وتارة يعمُّ القحط، فتارة تختفي العروق الرملية تحت غابات النخيل، وتارة تقف أعجاز النخل المنقعر فوق الكثبان الرملية دالَّة على حياة سادت ثمَّ بادت.
كما أنَّ حملات الأعراب المتكرِّرة أضعفت الزراعة بل قلَّصتها لعدم استتباب الأمن في الأماكن النائية، إلى أن انحسرت خلف أسوار المدن الحصينة (1) أضف إلى ذلك الحرارة المرتفعة ممَّا تسبَّب في انحسار أوقات العمل وصعوبته، وتبخُّر المياه. وكثرة الأملاح. فإذا قدَّرنا وزن هذه الصعوبات علمنا ما قدَّمه أهالي هذه المناطق من أعمال جبَّارة حتَّى حوَّلوا الصحراء المحرقة إلى واحات وارفة الظلال.
3 - الرعي وتربية الحيوانات:
يُعدُّ الرعيُ التقليديُّ أصعب حرفة عرفها الإنسان وذلك في المناطق الصحراوية خاصَّة، حيث يقلُّ فصل الإنبات وتجفُّ أحواض الغدير وبالتالي تنحسر مناطق الرعي وأماكن الكلأ، فبهذا يتحوَّل الراعي إلى متجوِّل في الصحراء يتسقَّط أخبار أماكن الخصب، ويتمرَّن على أوقاتها حتَّى يتحوَّل إليها.
والمصادر القديمة لا تهتمُّ بذكر هذه الأشياء إلاَّ عرَضًا وبهذا يصعب على الدارس تخصيص فقرات طويلة لهذا الجانب.
ومن إشارات بعض الدراسات والمصادر نذكر انتقال بعض القبائل والأفراد إلى جهات شتَّى قصد الرعي؛ فقبائل مزاته وسدراته كانت تصعد إبَّان الربيع إلى
__________
(1) - عز الدين أحمد موسى. النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري. دار الشروق: بيروت/ القاهرة، 1403هـ/ 1983م، ص: 193. (1/198)
صفحة 199
أحواز مدينة تاهرت لانتجاع الكلأ (1)، كما أنَّ أبا عبد الله محمَّد بن بكر (صاحب الحلقة) كان يتتبَّع مواطن الكلأ والماء إلى أن يصل بادية بني مصعب. (2)
وإذا علمنا أنَّ الأودية الآتية من بادية بني مصعب كوادي ميزاب ووادي النساء تتَّجه صوب وراجلان. حدَّدنا على الأرجح أماكن الماء والكلأ، وعلمنا سبب توجُّه الوارجلانيِّين إلى بادية بني مصعب لرعيهم وتوجُّه فلول السدراتيِّين لاستقرارهم فيها، وحدَّدنا المسلك الشماليَّ من وارجلان إلى تاهرت على مجرى وادي زقرير.
أمَّا ما ورد من ذكر للمناطق الرعوية بمنطقة وارجلان فقليل. ومن بين هذه المناطق منطقة كانت تدعى ”ايفدانن طوم“ (3) بين وارجلان واندرار (4)، فندرة الأعشاب بوارجلان قلَّل من الثروة الحيوانية، وبالتالي صارت اللحوم نادرة وتُجلب من أماكن أخرى مع الشحم بعد تمليحها. (5)
وتتمثَّل الثروة الحيوانية التي وقع الاهتمام بها في الغنم والجمال بصفة خاصَّة لحاجة الناس إلى اللحوم والأصواف والأوبار والجلود والألبان.
__________
(1) - محمد بن عميرة. دور زناته في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلامي. المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر. 1984، ص: 121.
(2) - أبو زكرياء. السيرة. ج 1. ص: 255. بادية بني مصعب هي ما يسمى الآن بشبكة وادي ميزاب، وعاصمتها مدينة غرداية.
(3) - يورد الدرجيني في طبقاته قصة مفادها أنّ رجلا من دمر قصد الشيخ أبا يوسف يعقوب بن سهلون (من الطبقة السادسة 250 - 300هـ) يطلب منه ما يقتات به فأعطاه أمانة كانت عنده اشترى بها ثلاثة جمال فأمره برعيها بايفدانن طوم لخصبها فباع واحد منها فرد الأمانة كاملة واشترى بالثاني ما يقتات به. وحمله على الثالث.
ينظر: الدرجيني. طبقات. ج 2. ص: 332.
(4) - اندرار: لم نتمكّن من تحديده.
(5) - الحسن الوزان. وصف إفريقيا من النزهة. ج 2. ص: 136. (1/199)
صفحة 200
ويستدعي الاعتناء بالجمال (1) حاجة الناس إليها للأسفار البعيدة سواء أكانت إلى السودان للتجارة أم إلى البقاع المقدَّسة قصد الحجِّ، أو للأعمال الصعبة كنزح الماء من الآبار العميقة، وهي أكثر الحيوانات صبرًا وتحمُّلا للعطش.
ويهتمُّ الوارجلانيُّون إلى جانب الجمال بالخيول مثلهم مثل سكَّان البوادي العربية دفعا لغارات الأعراب، وعدَّة للحرب. (2)
كما دلَّت بعض الدلائل على صيد النعام والاهتمام به قبل الفترة المدروسة وبعدها، فقد دلَّت الحفريات على وجود بقاياه من بيض مغمور في رمال القرى المندثرة، وهياكل عظمية له، وكانت تُستعمل شحومه كأدوية، وريشه على مداخل الخيام علامة لليسر والرخاء، وعظامه لحفظ التبر وبيضه لخزن بعض أنواع الحبوب، ولتزيين واجهات المنازل، كما أسلفنا في فصل العمارة.
وبهذا يتَّضح لنا أنَّ الرعي قليل الأهميَّة من الناحية الاقتصادية ولا يصلح إلاَّ مع توفُّر الشروط المناخية، وحيث أنَّ الصحراء تنعدم فيها هذه الشروط فإنَّ هذه الحرفة لا يرجى منها كبير فائدة من هذه الناحية. ولقد احتفظ بها أهالي المنطقة الوارجلانية خاصَّة، والصحراء عامَّة لتأمين معاشهم، وإكرام ضيوفهم، وقد يتتبَّعون بها شعب الجبال فرارًا بدينهم من الحواضر إذا فسدت أخلاق الناس فيها، وأرادوا الانقطاع للعبادة والتأمُّل في ملكوت الله.
__________
(1) - يرى البعض أنّ أصل الجمال من المشرق أتت إلى مصر في القرن الخامس قبل الميلاد ثمّ ليبيا ثم إلى شمال إفريقيا فالصحراء الإفريقية. وكان وصولها إلى المغرب في بداية القرن الثالث الميلادي بعد أن جلبت من الشام.
ينظر: د. محمد الغربي. كتاب بداية الحكم المغربي في السودان الغربي. ص: 28. وينظر:
Lt. D'ARMAGNAC, Le M'zab ; P.124.
(2) - حينما استنفر أبو خزر وارجلان يطلب منها المدد لمحاربة أبي تميم خرجت مزاته وحدها في اثني عشر ألف فارس.
ينظر: أبو زكرياء. السيرة. ج 1. ص: 203. (1/200)
صفحة 201
المبحث الثالث: نتائج الحياة الاقتصادية
إنَّ أبرز ما يمكن الاعتماد عليه في الحياة الاقتصادية في ذلك الحين هو التجارة، وأنَّ أهم ما يجب أن يذكر بعد التجارة نتائج انعكست على الداخل والخارج على السواء بسببها.
1) أوَّلُ شيء اهتمَّ به الرستميُّون هو عمارة طرق المواصلات بشتَّى محطَّات الاستراحة، كما اهتمُّوا بحفر الآبار لشرب المسافرين ولتزويدهم منها لطول المرحلة، وإرسال الجنود صحبة التجَّار لتأمينهم من غارات قطَّاع الطرق. (1)
ولا أدلَّ على ذلك ممَّا فعله الإمام أبو اليقظان قبل وفاته من إرساله لابنه أبي حاتم يوسف لحراسة قافلة تجارية بجيشه وذلك سنة 281هـ. (2)
2) ومن أهم النتائج الإيجابية للتجارة على الإطلاق هي اعتناق أهالي السودان الدين الإسلاميَّ. يقول د. محمد عيسى صابر: «ولقد حمل التجَّار الرستميُّون هذه الألوان الحضارية؛ حملوا معهم الإسلام إلى هذه الجهات، وكثيرا ما كان يرافق القوافل التجارية عدد من فقهاء المسلمين، الذين خالطوا أهل البلاد وتركوا فيهم آثارا بعيدة المدى .. ». (3)
وعلى هذا الأساس نجد أنَّ الإباضية كانوا من أوَّل الدعاة إلى الإسلام في السودان بواسطة تجارتهم وذلك:
__________
(1) - د. أحمد إلياس حسين. دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن الثالث عشر الميلادي. (بحث مرقون) ص: 94.
(2) - الباروني. الأزهار. ج 2. ص: 265.
(3) - محمد عيسى صابر. الدولة الرستمية. ص: 272. (1/201)
صفحة 202
أ- لكون المذهب الإباضيَّ من أسبق المذاهب ظهورًا وانتشارًا في شمال إفريقيا.
ب- لوجود دولة - وهي الدولة الرستمية - تشجِّع هذه التجارة والدعوة إلى الله بأخلاق التاجر نفسه.
إنَّ الإمام عبد الوهاب (1) يمكنه أن يترك ابنه أفلح يستفيد من تجارة السودان في جوجوا خاصَّة لما يعرف عنه من أخلاق فاضلة تؤهِّله لذلك ولكنَّنا نجده قد فرض عليه شروطا قاسية تتعدَّى الأخلاق إلى معرفة تامَّة بدقائق المعاملات الإسلاميَّة. فأجرى له امتحانًا عسيرًا؛ وحيث أنَّه لم يجب عن مسألة واحدة فقط من مسائل الرِّبا، كان ذلك سببًا لمنعه خوفًا من أن يأتي له بمال فيه شبهة الحرمة. (2)
ولذا فإنَّنا نرى أن كتب السير أوردت لنا كثيرًا من أسماء المسافرين العلماء حتَّى تبرز لنا أنَّ من التجَّار علماء لا يجلبون النفع المادِّيَّ فقط بمثل ما يذهبون لزرع الأخلاق الفاضلة والعقيدة الإسلامية الصحيحة وسط المجتمعات الوثنية المشركة.
وتذكر المصادر التاريخية كيف أسلم بعض الملوك السودانيين على أيديهم وبالتالي حاشيتهم ورعاياهم.
وتذكر من بين هؤلاء الشيخ أبا الحسن علي بن يخلف (3) التميجاري، وأنَّ ملك مالي أسلم على يديه وذلك سنة 575هـ/ 1179م. (4)
__________
(1) - كانت ولاية عبدالوهاب سنة 171هـ.
(2) - ينظر: الوسياني. سير. مخ كراكوفيا. ص: 58.
(3) - هو جدّ الدرجيني المتوفى سنة 1271م. فالدرجيني هو أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف.
(4) - ينظر: - الدرجيني. طبقات. ج 2. ص: 517.
- الشماخي. سير، ص: 457.
- البكري. المغرب. ص: 178.
- د. أحمد إلياس حسين. دور فقهاء الإباضية. ص: 96. (1/202)
صفحة 203
ولقد أورد البَكري نفس القصَّة سنة 460هـ- 8/ 1067م، وحسبما لاحظ الباحثون أنَّ هذه القصَّة ما دامت معروفة لدى البكري وبالتفاصيل نفسها يعني ذلك أنَّ أصحاب السير مثل الدرجيني والشمَّاخي ومن أخذ عنهما قد وهم حينما أسند القصَّة لأبي الحسن علي بن يخلف التميجاري والذي سيأتي بعد مدَّة من الزمن بعد البكري.
ويرى (شاخت J. SCHACHT) أنَّ عليًّا جدُّ الدرجيني لا يمكن أن يكون قد توفِّي قبل سنة 480هـ/ 1090م، وبهذا يكون الفاصل بين البكري وعلي جيلين على الأقل. (1)
ومع ذلك (فشاخت J. SCHACHT) يرجِّح أنَّ الإباضية أوَّل من حمل الإسلام إلى مالي، كما أنَّ الدكتور أحمد إلياس حسين يعلِّل ذلك بقوله: «وقد يدلُّ وجود هذه الرواية في التراث الإباضيِّ على أنَّ الفقيه الذي قام به إباضيٌّ ولهذا فأنا أميل إلى افتراض أن المسلماني الذي ذكره البكري أسلم على يد أحد فقهاء الإباضية.
وهناك الكثير من فقهاء الإباضية يحملون اسم ابن يخلف من بينهم أبو نوح سعيد ابن يخلف من علماء القرن العاشر الميلادي، وقد اشتهر هذا أيضا بأسفاره إلى غرب إفريقيا. (2)
وإذا كان المقصود فعلا هو أبا نوح سعيد بن يخلف المزاتي (3)، فيزول الإشكال لأنَّ تاديوش ليفتسكي يحدِّد حياته بسنة 350هـ- 62/ 961م، وذكر أنَّه سافر إلى تادمكت. (4)
__________
(1) - J. SCHACHT, Sur La diffuson des formes d'architecture, p. 22.
(2) - د. أحمد إلياس حسين. دور فقهاء الإباضية. ص: 97.
(3) - أبو نوح سعيد بن يخلف أبوه من تمصكويت المدوني معاصر لتملي الوسياني التقى به في تادمكت.
انظر: الوسياني. سير. (مخ القاهرة). ج 1. ص 23.
الدرجيني. ج 2. ص: 367.
(4) 4 - T. LEWICKI, Les historiens ... p. 62. (1/203)
صفحة 204
فيمكن بهذا أن تكون رواية البكري ومن بعده منبنية على تاريخ سابق (460هـ) تاريخ تأليف المسالك والممالك.
وأمَّا الملك الثاني فقد أسلم على يدي أبي يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي، فقد روت المصادر الإباضية قصَّة ذلك. (1)
ويقول د. أحمد إلياس حسين: «إنَّ أبا يحيى الفرسطائي سافر إلى السودان في النصف الأوَّل من القرن العاشر الميلادي، وأنَّ هذا التاريخ يمكن أن يوافق رواية البكري». (2)
غير أنَّ مضمون الرواية يختلف تمام الاختلاف عن مضمون رواية ابن يخلف وبهذا يكون حسب ترجيحنا أنَّ هناك ملكين مختلفين قد أسلما على يد شخصيتين إباضيتين مختلفتين أيضا، وكلاهما كان قبل زمن البكري، وأنَّهما اتجها أيضا إلى وجهتين متباينتين.
فالأوَّل قد يكون أبا نوح سعيد بن يخلف المزاتي (350هـ 62/ 961م) قد سافر إلى تادمكت كما أسلفنا.
وأمَّا الثاني فهو أبو يحيى الفرسطائي النفوسي ويحتمل أنَّه سلك مسلك النفوسيِّين إلى زويلة جنوبا ثمَّ إلى كوار وكانم.
3 - وينجم عن دخول الأفراد والجماعات في الإسلام ولاء للحكم الإسلاميِّ، وبهذا يكون التجَّار قد كفوا السلطة الإسلامية مؤونة الجيوش الجرارة والحروب القاسية.
__________
(1) - ينظر: مقرين بن محمد البغطوري النفوسي. سير أهل نفوسة. مخ. ص: 41.
الشماخي. سير. ص: 310.
(2) - د. أحمد إلياس حسين. دور فقهاء الإباضية. ص: 98. (1/204)
صفحة 205
يقول د. عز الدين عمر موسى: «فإذا دخل الإسلام إلى البلاد السودانية مع التجارة فقد أسهم التجَّار في بسط سلطان الدولة وتوسيع رقعتها بنشر الإسلام بين المجموعات التي هي غير متجانسة عرفيًّا ولغويا فغدا الإسلام عاملا موحِّدا، واستفاد الحكَّام من ذلك فائدة كبيرة، لأنَّ ولاء الأفراد قد تجاوز نطاق القبيلة، وتحوَّل الولاء إلى الحاكم المسلم رمز السلطة الروحية الجديدة». (1)
فحرص الحكَّام المسلمون على المحافظة على هذا المكسب الجليل فسارعوا إلى بناء المساجد والمدارس لتحفيظ القرآن الكريم. وأقبل الإفريقيُّون على دراسة القرآن الكريم وعلوم الشريعة واللغة العربية على الأقلِّ ما يكفي لأداء شعائر الله. (2)
4 - وبما أنَّ الإباضية كانوا قد وصلوا إلى السودان الغربيِّ والأوسط في وقت مبكِّر وقد بنوا هناك المساجد أو بناها الأهالي تحت إشرافهم. فإنَّ العالم الألماني شاخت قد درس الملامح المعمارية وقارنها بأماكن التواجد الإباضيِّ مثل ميزاب ووارجلان وجنوب تونس فلاحظ غياب المنبر في مساجد البال وهذا له شبيه لدى إباضية ميزاب ووارجلان وذلك من المنطلق الفقهيِّ إذ أنَّ الإباضية يربطون وجوب صلاة الجمعة بوجود الإمام العادل، فأسقطوا وجوبها بعد سقوط الإمامة الرستمية؛ ولذلك انعدم وجود المنبر في مساجدهم. (3)
ولقد تأثَّرت شعوب السودان: الهاوسا، الكانوري، البال، الغدولبي ... بالعمارة الإسلامية الآتية على الشكل الموجود لدى الإباضية؛ فبنوا المئذنة على الشكل الهرميِّ، والمحراب المستطيل يشبه تماما ما يوجد في ميزاب ووارجلان. (4) ومع
__________
(1) - د. عزالدين عمرموسى. انتشار الإسلام في غرب إفريقيا حتّى القرن السادس عشر الميلادي. ندوة العلماء الأفارقة – الخرطوم. 1983.ص: 51.
(2) - د. عبد الرحمن عمر الماحي. أثر الإسلام في المجتمع الإفريقي. بحث مقدّم لملتقى أدرار. جانفي 1988م. ص: 8.
(3) - لقد أفتى العلامة الشيخ بيوض رحمه الله بإقامتها بعد نيل الجزائر استقلالها وذلك في غرّة محرّم 1390هـ.
(4) - ينظر:
J. SCHAGHT، Sur La diffusion des formes d'architecture ... pp.11 - 27. (1/205)
صفحة 206
هذا فإنَّ هذا كما يؤكِّد الإباضية أنفسهم ليست له علاقة بالمذهب نفسه مثل ما يكون له تأثير بذوق الباني نفسه. (1)
5 - ولعلَّ آخر نتيجة على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر أنَّ هذه التجارة التي درَّت الأرباح الطائلة على وارجلان وسدراته جلبت جيوشا لا لتحمي طرقها التجارية أو لتعينها على الدعوة إلى الإسلام، بل لتقضي عليها، وعلى حضارتها الجميلة، فكانت حملات شرسة أكلت الأخضر واليابس ولتستولي على طرق التجارة وعلى مصادر الذهب، ولم يشفع فيها أنَّها حملت الإسلام إلى أقصى بقاع إفريقيا، أو أنَّها أمَّنت طرق القوافل.
هكذا تناقصت الرحلات الإباضية من وارجلان وسدراته، ونفوسة، والجنوب التونسيِّ وتقلَّص بسبب ذلك المذهب الإباضيُّ منها.
ولم ترد لنا ملاحظات عن التواجد الإباضيِّ هناك إلاَّ ما لاحظه ابن بطوطة في رحلته عن قبيلة صغنغو بقرية زاغاري على بعد عشرة أيَّام من إيوالاتن. (2)
ولقد ساد هناك المذهب المالكيُّ بحركة المرابطين في منتصف القرن الحادي عشر الميلاديِّ على حساب المذهب الإباضيِّ الذي ساد هناك منذ القرن الثامن الميلاديِّ. (3)
__________
(1) - ينظر: د. محمد ناصر. دور الإباضية في نشر الإسلام. محاضرة – غرداية 1988م. ص ص:35 - 39.
(2) - وذلك في إمبراطورية مالي حتّى القرن الرابع عشر الميلادي.
- ابن بطوطة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم (ت 703هـ). رحلة ابن بطوطة. دار صادر للطباعة والنشر، بيروت. 1384هـ/ 1964م. ص: 680.
- محمد عيسى الحريري. مقدمات. ص: 212.
- د. أحمد إلياس حسين. دور فقهاء الإباضية. ص: 95.
(3) - د. أحمد إلياس حسين. م. ن. (1/206)
صفحة 207
ومهما يكن من أمر فإنَّ الملاحظ أنَّ الإسلام في غرب إفريقيا قد توغَّل إلى الدَّاخل في جبهة عريضة بفضل الجهود الفردية والجماعية. وبفضل الدعاة الذين سيأتون بعد هذا الزمان – من الفترة المدروسة – بينما يكون في شرق إفريقيا منحصرا في المدن الساحلية والجزر (1) فقط، ولا شكَّ أنَّ اتساع الجبهة منشؤه تعدُّد طرق المواصلات التجارية من الشمال إلى الجنوب من جهة، ومن جهة أخرى توزُّع الأسواق التجارية وعدم انحصارها على مسلك واحد، وهذا ما يسَّر للتجَّار العمل في جبهات متعدِّدة ممَّا يسَّر للإسلام أن يتلاحم فيما بعد.
__________
(1) - محمد عبد الغني سعودي. طرق القوافل وأثرها في نشر الإسلام. محاضرة – أدرار- 1988م. ص:16. (1/207)
صفحة 208
[صورة] (1/208)
صفحة 209
نتائج البحث:
بعد تتمَّة البحث يمكن أن نخلص إلى نتائج عامَّة نجملها في ما يلي:
1) أنَّ وارجلان اعتنقت الإسلام طواعية في نهاية القرن الأوَّل الهجريِّ وبداية القرن الثاني الهجري دون أن يجرَّ إليها جيش أو يجرِّد عليها سيف.
2) أنَّ البربر بعد إسلامهم سعوا قدر جهدهم إلى تعلُّم اللغة العربية. فكتبوا بحروفها أوَّل الأمر لغتهم البربرية ثمَّ حلَّت بعدها اللغة العربية في كتبهم ورسائلهم وأشعارهم وأنَّ من بينهم من هاجر وارجلان فترة من الزمن إلى بيئة يغلب عليها الطابع العربيِّ ليصقل لسانه ويعود.
3) أنَّ البربر في وارجلان امتزجوا ببعض القبائل العربية فآخى الإسلام بينهم فانصهروا في بوتقة واحدة.
4) أنَّ الإباضية استطاعوا أن يحافظوا على كيانهم بعد سقوط دولتهم بتاهرت فتنقَّلوا من الظهور إلى الكتمان. وأسَّسوا نظام الحلقة السائد حتَّى اليوم في ميزاب ووارجلان. وأنَّهم استطاعوا أن يقوموا بحركة علمية وبنتاج فكريٍّ ضخم يتَّسم بالطابع الإسلاميِّ في جميع مناحيه.
5) أن يطَّلعوا على العالم فسافر بعضهم لغرض التجارة واستطاعوا أن يصلوا إلى ما يقرب من خطِّ الاستواء. ويضبطوا الاحداثيات والساعات في عهد يعمُّ فيه الجهل.
6) أن يبرز من بينهم علماء موسوعيُّون، فيكتبون الأسفار الضخمة ويعدُّدون من نسخها في مختلف التخصُّصات من شريعة وعلوم وآداب وغيرها.
7) (1/209)
صفحة 210
أن يدخلوا الإسلام إلى السودان الغربيِّ لأوَّل مرَّة بفضل سلوكهم المستقيم وحسن أخلاقهم ومعاملتهم.
8) أن يحوِّلوا الصحراء الجرداء المحرقة إلى جنَّات فيحاء بفضل ما بذلوه من جهد وعناء، حفرا للآبار ومدًّا للسواقي تحت الأرض وفوقها.
وبعد هذا كلِّه نخلص إلى أنَّ وارجلان ليست بالمدينة العادية، كما يظنُّ الكثير بل تخفي في طيَّاتها أسرارًا لا تزال إلى حدِّ الآن بحاجة إلى الكشف عنها، وذلك بتظافر جهود الأفراد والجماعات.
فبفضل الموقع الجغرافيِّ الممتاز الذي يكاد أن يكون قطب الرحى لجميع المسالك الصحراوية في القديم، وبكونها مأوى للمسافرين. ومنطلقا للمواكب الإفريقية والمغاربية إلى الحجِّ. وبفضل الأسفار الطويلة التي قام بها أبناؤها وما جلبوه من ذهب وسلع مختلفة، وبفضل التزام أغلب أهلها بالزهد والورع في اتجاههم. وبفضل جهود حلق التعليم بها.
كلُّ هذه الامتيازات بيَّنت بوضوح وجلاء أنَّ وارجلان باختصار تعدُّ من أهم المدن الإسلامية في صحراء المغرب الأوسط. وأنَّها بحاجة إلى اهتمام أكبر للكشف عن أدوارها الريادية في إنعاش المدِّ الإسلاميِّ بعد أن كادت خطاه تتعثَّر في الصحراء، لولا أمثال هذه المحطَّات التي التقط فيها أنفاسه وكانت السبب في مواصلة مسيرته وانتشاره.
وأخيرا فإنَّ هذا البحث ما هو إلاَّ خطوة أولى للكشف عن معالم الحضارة الإسلامية في هذه الناحية. نرجو أن تتكثَّف جهود الباحثين حولها لإثرائها بملاحظاتهم وأبحاثهم. (1/210)
صفحة 211
الملاحق (1/211)
صفحة 212
[صفحة بيضاء] (1/212)
صفحة 213
ملحق
البيئة الجغرافية
الخريطة الطبيعة لمنطقة وارجلان (1/213)
صفحة 214
ملحق الحياة الاجتماعية والسياسية (1/214)
صفحة 215
ملحق نسب القبائل البربرية (1)
حام
كنعان
بربر
بر
هريك
مازيغ
كراد
همرحق
زجيك
مادغيس
يملا
قروال
مقبو
ضرى
ورساك
صولات
يحيى
جانا
ملحق نسب القبائل البربرية (تابع)
__________
(1) - الملحق مستخلص من المصادر المعتمدة في البحث. (1/215)
صفحة 216
ملحق
العمارة الإسلامية
الحريم (1)
لا يخفى على دارس العمارة الإسلامية، أنَّ العمارة الإسلامية الصحراوية تتميّز عن غيرها. فيها نصيب لا بأس به من تأثير البيئة ذاتها.
فالحرارة واتجاه الرياح، والزوابع الرملية كلُّ هذه جعلت سكَّان المنطقة يتحايلون معها بشتَّى الأوجه، ففُتحت الدور مستقبلة الشمس ومستدبرة الريح في الأدوار العلوية المخصّصة للشتاء البارد، وسمكت الجدران حتَّى تعزل القيظ عن الأدوار السفلية الخاصَّة بالصيف، واتَّخذ الناس سقائف يستظلُّون بها أثناء الهجير في الشوارع.
كما أنَّ لاختلاف أسباب العيش في الصحراء من رعي للغنم، أو استعمال للإبل لدى الظعن والإقامة، من أجل ذلك كلِّه تغيَّرت المسالك ما بين شوارع واسعة، وأزقَّة ضيِّقة.
وخوفا من النزاع وضع العلماء المسلمون في ذلك العهد قواعد مستندين في ذلك على أحاديث نبوية وردت في الموضوع (2)، وأسس ينبني عليها العرف المحلِّي من جلب للمصالح ودرء للمفاسد، وكان أهم كتاب صدر في هذا الموضوع بوارجلان كتاب «أصول الأراضين» للشيخ أبي العباس أحمد بن محمَّد بن بكر المتوفى سنة 504هـ يتألَّف من ستَّة أجزاء في العمارة ومن جزئين في القسمة.
__________
(1) - مستخلص من مخطوط أصول الأرضين لأبي العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر.
(2) - ينظر: يحيى بن آدم القرشي (ت203هـ). كتاب الخراج. صحّحه وشرحه ووضع فهارسه أبو الأشبال أحمد محمد شاكر. مكتبة دار التراث. مطابع المختار الإسلامي – القاهرة. الطبعة الثانية (بدون سنة). (1/216)
صفحة 217
ونستخلص منه الحريم، الذي يجب أن ينظر بعين الاعتبار بين شيء موجود وآخر أريد استحداثه، فلا يمكن أن يحجب شخص ببنائه نور الشمس عند شروقها أو غروبها، ولا يمكن لإنسان أن يبني داره ملاصقة لسور المدينة ولا يمكن أيضا لمزارع أن يزرع نخلا في مجرى الوادي وهكذا. فالحريم مساحة تتَّخذ فاصلا لإبعاد الضرر - مهما كان نوعه - عن كلِّ ما فيه مصلحة عامَّة أو خاصَّة، فنأخذ منه عيِّنات وللدارس المتخصِّص التعمُّق فيه أكثر.
وقد آثرنا في هذا الجدول اعتماد رأي أبي العبَّاس وهو الذي يذكره في البداية، وأهملنا الاختلافات التي ذكرها بعده.
جدول الحريم
نوع الحريم ... المسافة
حريم المدينة ... 400 ذراع
حريم القصر ... 40 ذراعا
حريم القرى ... لاحريم له
حريم المنازل ... تدفع المضرّة بحجب الشمس والظلّ والفجر أمَّا الريح فيرجع أمره إلى الأمناء
حريم الجار ... مقدار قصبة
حريم العين القديمة ... 100ذراع
حريم العين المحدثة ... 40 ذراعا
حريم الساقية ... 3 أذرع
حريم الوادي ... 40 ذراعا إن كان فحلا
حريم طريق الراجلين ... 3 أذرع (1/217)
صفحة 218
حريم طريق السقّائين ... 5 أذرع
حريم طريق الحطّابين ... 6 أذرع
حريم طريق الحمير على اختلاف ما يحمل عليها ... 7 أذرع
حريم طريق البغال والخيل والبقر ... 7 أذرع
حريم طريق الجمال ... 12 ذراعا
حريم طريق الجوائز والمحامل ... 24 ذراعا
حريم طريق المواشي ... 40 ذراعا
حريم طريق الحجّاج ... 40 ذراعا (1/218)
صفحة 219
ملحق
الحياة الدينية والفكرية
أولا: الحريم بين المنازل: (1/219)
صفحة 220
ثانيا: الهيكل العام لأعضاء الحلقة ومهامهم (1)
__________
(1) - حوّلت النصوص إلى شكل توضيحي بتصرّف.
الدرجيني. طبقات المشائخ. ج 1. ص: 172.
البرادي. الجواهر المنتقاة. ص: 209. (1/220)
صفحة 221
ثالثا: ملحق سلسلة أشهر العلماء (في الفترة المدروسة) (1)
__________
(1) - الملحق مستخلص مما درسناه من الكتب المختلفة التي تعنى بسير المشايخ وطبقاتهم.
والسهم يبيّن انتقال العلم من شيخ إلى آخر. (1/221)
صفحة 222
رابعا: نسب الدين، برواية الوسياني (1)
1 - «وذكر أنَّ أبا خليل رحمه الله كان يقول والله ما تركتكم إلاّ على الواضحة النيّرة تقود الضال، وما بيني وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم أرهم وقد أخذ عن الخمسة والخمسة عن أبي عبيدة وأبو عبيدة عن جابر وجابر عن ابن عبّاس وابن عبَّاس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -».
2 - «وقد كان الشيخ أبو عمرو رحمه الله في إسناده يقول أخذ الدين أبو عمرو عن أبي العبَّاس عن أبي الربيع سليمان بن يخلف عن أبي عبد الله محمّد بن بكر عن أبي نوح سعيد بن زنغيل عن أبي خزر عن سحنون بن أيّوب عن سعيد بن أبي يونس وسيم بن نصر عن الإمام أفلح عن والده عبد الوهّاب عن الإمام أبيه عبد الرحمن بن رستم عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عن ميكايل عن إسرافيل عن اللوح المحفوظ عن لا إله إلاَّ الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون».
3 - و أمَّا إسناد إخواننا وأهل مودَّتنا ودعوتنا الأطرابلسيِّين رحمة الله عليهم: أبو عمرو عن أبي العبَّاس عن أبي عبد الله عن أبي زكرياء فصيل عن والده أبي مسور عن أبي معروف عن أبي ذر ابان بن وسيم عن أبي الخليل عن الخمسة الحملة العلم إلى المغرب عن أبي عبيدة رحمة الله عليهم».
__________
(1) - من مخطوطة سير المشائخ للوسياني. (1/223)
صفحة 223
خامسا: نسب الدينـ برواية الشيخ أبي اليفظان إبراهيم بن عيسى (1/224)
صفحة 224
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيّدنا محمد وآله
هذا ما ثبت لدينا من نسب الدين (1)
أخذت ديني أنا أبا اليقظان وأنا معاصر للشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر، عن شيخنا الحاج عمر بن يحيى في أوائل القرن الرابع عشر، عن الشيخ اطفيش امحمد بن يوسف عن أخيه الحاج إبراهيم بن يوسف عن عمر بن سليمان نوح عن الشيخ بن الحاج بن كاس القراريِّ عن الشيخ يحيى بن صالح عن أبي عبد الله محمد بن الشيخ يوسف المصعبي المليكي، عن أبي الربيع سليمان بن الشيخ أحمد الحيلاني ذاكرا أنَّه في حومة جعبرة من جربة وكان في آخر القرن الحادي عشر معاصرا للعلاّمة الشيخ أحمد بن عمر بن أبي ستّة القصيبيّ، قال يعني شيخه أبا الربيع، وبيان الإسناد الصحيح أنَّ شيخنا أبا القاسم بن سعيد الصدغياني الساكن بحومة سفحار من وادي الزبيب بجربة عن شيخه أبي زيد عبد الرحمان بن أحمد الحيلانيّ عن أبي يوسف يعقوب بن صالح التندميرتيّ عن أبي النجاة يونس بن سعيد بن يحيى التعاريتيّ الخيريّ عن أبي زكرياء بن أفلح الصدغيانيّ عن أبي عمران موسى بن أيّوب عن أبي يعيش بن موسى الخيريّ بحومة أولاد أبي عليّ قرب جعبرة مسكنا، عن أبي البرّ صالح بن عمر الغمراويّ عن أبي عثمان سعيد الزارتيّ عن إيفاو الأبدلانيّ عن ميمون بن تكنيس الورغميّ الساكن بأبدلان عن أبي عمرو عثمان بن خليفة المرغنيّ السوفيّ عن أبي العبَّاس أحمد بن محمّد بن بكر عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتيّ. عن أبي عبد الله محمّد بن بكر عن أبي نوح سعيد بن زنغيل عن أبي خزريغلا بن زلتاف عن أبي القاسم الحامي عن سحنون بن أيّوب عن سعد بن أبي يونس عن الإمام أفلح عن أبيه عبد الوهّاب عن أبيه عبد الرحمان عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة البصريّ عن جابر بن زيد الأزديّ عن ابن عبّاس عن عائشة أمّ المؤمنين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عن اللوح المحفوظ عن ربّ العالمين.
القرارة 13 رجب 1381هـ
__________
(1) - نقلا عن المكتبة البارونية بجربة. (1/226)
صفحة 225
ملحق
الحياة الاقتصادية
أولا: المسالك التجارية الرابطة بين وارجلان وغيرها (1/227)
صفحة 226
ثانيا: خريطة الطرق الصحراوية القديمة
( Henri Lhote: Routes Antique Sahara Central. P: 195) (1/228)
صفحة 227
ثالثا: ملحق المسالك التجارية (المراحل)
من ... إلى ... عدد المراحل ... المصدر
وارجلان ... نفوسة ... 12 مرحلة ... الإدريسي
وارجلان ... الجريد ... 24 مرحلة ... الحميري
وارجلان ... غدامس ... 20 مرحلة ... الحميري
وارجلان ... أودغشت ... 31 مرحلة ... الإدريسي/ الحميري
وارجلان ... غانه ... 30 مرحلة ... الإدريسي
وارجلان ... المسيلة ... 12 مرحلة ... الإدريسي
وارجلان ... تادمكة ... 50 مرحلة ... البكري
وارجلان ... قسطيلية ... 14 مرحلة ... البكري
وارجلان ... قلعة أبي الطويل ... 13 مرحلة ... البكري
غانه ... جوجو ... 45 مرحلة ... الإدريسي
غانه ... أودغشت ... 12 مرحلة ... الإدريسي
غانه ... أودغشت ... 15 مرحلة ... البكري
غانه ... أودغشت ... 20 مرحلة ... الحميري
غانة ... ونقارة ... 8 أيام ... الإدريسي
غانة ... تادمكت ... 50 يوما ... الحميري
غانة ... سجلماسة ... 60 يوما ... الحميري
تادمكة ... غدامس ... 40 يوما ... البكري
تادمكة ... كوكو (جوجو) ... 9 أيام ... البكري
أودغشت ... جرمة ... 25 مرحلة ... الإدريسي
أودغشت ... جزيرة أوليل ... 30 مرحلة ... الإدريسي (1/229)
صفحة 228
أودغشت ... سجلماسة ... 60 يوما ... الإدريسي / البكري
أودغشت ... سجلماسة ... 50 يوما ... اليعقوبي/ ابن حوقل/ الحميري
نفطة ... قابس ... 3 مراحل ... الإدريسي
سفاقس ... المهدية ... 2 مراحل ... الإدريسي
المهدية ... القيروان ... 2 مراحل ... الإدريسي
قابس ... البحر ... 6 أميال ... الإدريسي
قابس ... سفاقس ... 70 ميلا ... الإدريسي
الجريد ... القيروان ... 7 أيام ... الإدريسي
زغاوة ... كوكو ... 16 يوما ... الإدريسي
كوكو ... غانة ... 45 يوما ... الإدريسي
تكرور ... بريسي ... 11 يوما ... الإدريسي
بريسي ... لملم ... 10 أيام ... الإدريسي
دو ... ملل (بلملم) ... 4 أيام ... الإدريسي
سلي وتكرور ... سجلماسة ... 40 يوما ... الإدريسي
انكلاس (كوار) ... قصر أمّ عيسى ... 40 ميلا ... الإدريسي
بريسي ... أودغشت ... 12 مرحلة ... الحميري
سلي ... أوليل (بلد الملح) ... 16 مرحلة ... الحميري
سجلماسة ... وادي درعة ... 5 أيام ... الحميري
ولاتن ... زغارى ... 10 أيام ... ابن بطوطة (1/230)
صفحة 229
باغاي ... قسنطينة ... 3 مراحل ... الإدريسي
باغاي ... طبنة (الزاب) ... 4 مراحل ... الإدريسي
باغاي ... قسطيلية ... 4 مراحل ... الإدريسي
الحمة ... قسطيلية ... 1 مرحلة ... الإدريسي
الحمة ... تقيوس ... 20 مرحلة ... الإدريسي
قفصة ... تقيوس ... 1 مرحلة ... الإدريسي
قفصة ... نفطة ... 2 مرحلة ... الإدريسي
قفصة ... نفزاوة ... 2 أيام (يومان) ... الإدريسي
قفصة ... جبل نفوسة ... 6 أيام ... الإدريسي
قفصة ... سفاقس ... 3 أيام ... الإدريسي (1/231)
صفحة 230
[صفحة بيضاء] (1/232)
صفحة 231
المصادر والمراجع (1/233)
صفحة 232
[صفحة بيضاء] (1/234)
صفحة 233
أولا: قائمة المصادر المخطوطة
1 - أعزام إبراهيم (ت 1380هـ/ 1965م): غصن البان في تاريخ وارجلان. يوجد بمكتبة الشيخ عمر بومعقل بوارجلان. عدد صفحاته 234.
2 - اطفيَّش امحمَّد بن يوسف (ت 1332هـ/ 1914م): كتاب مختصر العمارة. يوجد بمكتبة الشيخ بالحاج بالقرارة. 85 صفحة.
3 - البرادي إبراهيم أبو القاسم (ت. ق 8هـ/ 14م): رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا. ثلاثة أوراق ضمن أحكام الديوان. مخطوطة بدار الكتب المصرية. رقم: ب 21719.
4 - البغطوري مقرين بن محمّد النفوسيّ (ت. ق 6هـ/ 13م): كتاب سير أهل نفوسة. أكمل كتابته في شهر ربيع الآخر عام 599هـ في جناون. 140 صفحة. صورة مخطوطة عند أبي العلا عيسى بن عبد الله القرارة.
5 - سالم بن حمّود السيابيّ: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج. (مخطوط). مطرح سنة 1385هـ.
6 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر (ت 471هـ/ 1078م): السيرة وأخبار الأئمة. نسخة بدار الكتب المصرية. رقم: ح 9030. نسخة مجموعة تادويوش ليفيتسكي. كراكوفيا. بولونيا. 114صفحة.
7 - أبو العبَّاس أحمد بن محمّد بن بكر الفرسطائيّ النفوسيّ (ت 504هـ/ 1110م): أصول الأراضين. 8 أجزاء. جزآن في القسمة. 6 أجزاء في العمارة. نسخة مخطوطة بمكتبة الشيخ بالحاج بالقرارة 370 صفحة.
8 - أبو عبد الله محمَّد بن علي بن حمّاد (القاضي): ملوك بني عبد الله حتّى سنة 617هـ. ميكروفيش عن نسخة ذي الحجة 1265هـ. المكتبة الوطنية. الجزائر. رقم: 1588. نسخة مخرومة من الجهتين.
9 - أبو عمّارعبد الكافي (600هـ/ 1203م): سير الحلقة. نسخة من مجموعة تاديوش ليفيتسكي. كراكوفيا. بولونيا. د. تا. 7 صفحات.
10 - (1/235)
صفحة 234
مؤلّف مجهول: سدرتن (إسدراتن) وعمارة العطف، ونسب أولاد عبد الله. نسخة من مجموعة تاديوش ليفيتسكي. كراكوفيا. بولونيا. د. تا. 6 ورقات.
11 - الوارجلانيّ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (570هـ/ 1174م): القصيدة الحجازية. 373 بيت. 17 صفحة. توجد بمكتبة الشيخ فقيه محمد بن موسى. وراجلان.
فهرس المصادر والمراجع المطبوعة
1 - ابن الآبار أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي (ت 658هـ): الحلّة السيراء. تحق. حسين مؤنس. الشركة العربية للطّباعة والنشر. القاهرة. 1963.
2 - ابن الأثير عز الدين أبو الحسن عليّ بن أبي الكرم محمَّد (ت 630هـ): الكامل في التاريخ. دار بيروت للطباعة والنشر لبنان. سنة 1402هـ/ 1982م.
3 - الإدريسي: وصف إفريقيا الشمالية والصحراوية مأخوذ عن كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. صحّحه ونشره: هونري بيرس. دار الكتب. الجزائر. 1376هـ/ 1957م.
4 - أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش (ت 1964م): الفرق بين الإباضية والخوارج. مكتبة الاستقامة. روي. سلطنة عمان.1400هـ/ 1980م.
5 - الأشعريّ عليّ بن إسماعيل (ت 330هـ): مقالات الإسلاميِّين. تحق. محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة 1369هـ.
6 - أشفيتسر ألبرت: فلسفة الحضارة. تر. د. عبد الرحمن بدوي، ط/ 3. دار الأندلس بيروت لبنان سنة 1983م.
7 - الأصطخري أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفاسي (ت. ق 4هـ): تحق. محمد جابر عبد العال. مرا. محمد شفيق غربال. وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ. الإدارة العامّة للثقافة. الجمهورية العربية المتحدة،1381هـ/ 1961م.
8 - (1/236)
صفحة 235
أطفيّش أمحمّد بن يوسف (قطب الأئمة) (ت 1332هـ/ 1914م): الردُّ على العقبي. طبعة حجرية. د. تا.
9 - أعوشت بكير بن سعيد: الوارجلانيّ والمدارس الكلامية الإسلامية. المطبعة العربية. غرداية 1987م.
10 - ألفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقيّ من الفتح العربيّ حتّى اليوم. تر. عبد الرحمن بدويّ, ط 2. دار الغرب الإسلاميّ بيروت لبنان. سنة 1981م.
11 - باجية صالح: الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى. دار بوسلامة للطّباعة والنشر والتوزيع. تونس سنة 1396هـ/ 1976م.
12 - بارتولد. ف: تاريخ الحضارة الإسلامية. تر. حمزة طاهر. دار المعارف. مصر. 1966م.
13 - البارونيّ سليمان بن الربيع: مختصر تاريخ الإباضية. د. مط. د. تا.
14 - البارونيّ سليمان بن عبد الله النفوسيّ: كتاب الأزهار الرياضية في أئمّة وملوك الإباضية. القسم الثاني. مط. الأزهار البارونية. القاهرة. د. تا.
15 - البارونيّ عبد الله بن يحيى: رسالة سلّم العامّة والمبتدئين إلى معرفة أئمّة الدين، مط، النجاح مصر،1324هـ.
16 - بحّاز إبراهيم بن بكير: الدولة الرستمية؛ دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية. (160 - 296هـ/ 777 - 909م). مط. لافوميك الجزائر. 1985م.
17 - (1/237)
صفحة 236
البرادي أبو القاسم بن إبراهيم: الجواهر المنتقاة لما أخلّ به كتاب الطّبقات. طبعة حجرية. القاهرة. 1302هـ/ 1884م.
18 - البسوي أبو يوسف يعقوب بن سفيان: كتاب المعرفة والتاريخ. تحق. أكرم ضياء العمريّ. مؤسسة الرسالة. ط 2. 1401هـ/ 1981م
19 - ابن بطوطة شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم (ت 703هـ): رحلة ابن بطوطة. دار صادر للطباعة والنشر بيروت لبنان. سنة 1384هـ/ 1964م.
20 - البكري أبو عبد الله (ت 487هـ): المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب (وهو جزء من كتاب المسالك والممالك). نشر دي سلان المطبعة الحكومية الجزائر. سنة 1857م
21 - بكّوش يحيى محمّد: التواجد الإباضيّ بالأندلس. المطبوعات الجميلة. الجزائر. سنة 1984م.
22 - البهي محمّد: الدين والحضارة الإنسانية. نشر مكتبة مرازقة الجزائر. د. تا.
23 - بورويبة رشيد: الدولة الحمّادية تاريخها وحضارتها. ديوان المطبوعات الجامعية. المركز الوطنيّ للدراسات، الجزائر. سنة 1979م.
*- مدن مندثرة: تاهرت، سدراته، أشير، قلعة بني حمّاد. سلسلة فنّ وثقافة. الجزائر. د. تا.
24 - بوعزيز يحيى: علاقات الجزائر الخارجية مع دول وممالك أوروبا (1500 - 1830م). ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر سنة 1985م.
25 - (1/238)
صفحة 237
بلوم دونيس: الحضارات الإفريقية. تر/ د. علي شاهين. منشورات مكتبة الحياة لبنان. سنة 1974م.
26 - الجعبيريّ فرحات: دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية. دار الجويني. تونس. سنة 1988م.
*- نظام العزَّابة عند الإباضية الوهبية في جربة. المطبعة العصرية. تونس. سنة 1975م.
27 - الجناونيّ أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير: كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه. تعليق أبو إسحاق أطفيّش. مكتبة الفجالة الجديدة. مصر. (تا)
28 - الحبيب الجنحانيّ: دراسات مغربية في التاريخ الاقتصاديّ والاجتماعيّ للمغرب الإسلاميّ. دار الطليعة. بيروت لبنان. 1980م.
29 - جودت عبد الكريم يوسف: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. الجزائر. 1984م.
30 - الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (ت 750هـ): قواعد الإسلام. تصحيح وتعليق. بكلّي عبد الرحمان. المطبعة العربية. غرداية 1976م.
31 - الجيلالي عبد الرحمان بن محمّد: تاريخ الجزائر العامّ. ط 6، دار الثقافة بيروت لبنان. سنة 1403هـ/ 1983م.
32 - الحارثيّ سالم بن حمد بن سليمان بن حميد: العقود الفضّية في الأصول الإباضية. دار اليقظة العربية. سوريا ولبنان. د. تا.
33 - الحريريّ محمّد عيسى: مقدّمات البناء السياسيّ للمغرب الإسلاميّ، الدولة الرستمية (160 - 296هـ). ط 2. دار القلم الكويت. سنة 1403هـ/ 1983م.
34 - (1/239)
صفحة 238
ابن حزم أبو محمّد عليّ بن أحمد (ت 456هـ/ 1064م): جمهرة أنساب العرب. تحق. ليفي بروفنسال. دار المعارف. مصر القاهرة. سنة 1948م.
35 - حسن إبراهيم حسن: انتشار الإسلام في القارَّة الإفريقية, ط 3. مكتبة النهضة المصرية. مصر. سنة 1984م.
36 - حسّونة محمّد أحمد: أثر العوامل الجغرافية في الفتوح الإسلامية. مكتبة النهضة. مصر. سنة 1960م.
37 - حسين مؤنس: المساجد. ط. الأنباء. الكويت. سنة 1401هـ/ 1981م.
38 - الحميري محمّد عبد المنعم (ت 727هـ/ 1326م): الروض المعطار في خبر الأقطار. تحق. د. إحسان عبّاس، مؤسّسة ناصر للثقافة. بيروت. سنة 1980م.
39 - ابن حوقل أبو القاسم النصيبي (ت 376هـ/977م): كتاب صورة الأرض. منشورات دارمكتبة الحياة. بيروت. د. تا.
40 - ابن خلدون عبد الرحمان (808هـ/ 1406م): كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. دار الكتاب اللبنانيّ بيروت سنة 1981م.
*- المقدمة. طبع مصنع الكتاب للشركة التونسية للتوزيع تونس. سنة 1984م.
41 - خطاب محمود شيت: المغرب العربيّ (قادة الفتح الإسلاميّ، قادة فتح المغرب العربي). ط 7. دار الفكر العراق (بغداد) سنة 1404هـ/ 1984م.
42 - الخطيب سليمان: أسس مفهوم الحضارة في الإسلام. الزهراء للإعلام العربي. القاهرة. 1406هـ/ 1986م.
43 - الخطيب عز الدين التميميّ: نظرات في الثقافة الإسلامية. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. الجزائر. 1988م.
44 - (1/240)
صفحة 239
ابن الخطيب لسان الدين: تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط. تحق. د. أحمد مختار العياديّ، والأستاذ محمّد إبراهيم الكتانيّ. نشر وتوزيع دار الكتاب. الدار البيضاء. المغرب. سنة 1964م.
45 - ابن خلكان أبو العبَّاس شمس الدين أحمد بن محمّد بن أبي بكر (ت 681هـ): وفيات الأعيان وأنباء الزمان. تحق. إحسان عبّاس. دار الثقافة. بيروت. سنة 1971م.
46 - خليفات عوض محمّد: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية. دار الجوينيّ. تونس. سنة 1984م.
*- التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان نظرة خاصَّة إلى المغرب العربيّ. المطابع العالمية. روي. سلطنة عمان. د. تا.
*- نشأة الحركة الإباضية. مطابع دار الشعب. عمّان الأردن. سنة 1978م.
*- النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان. ط. شركة المطابع النموذجية. عمّان 1982م.
47 - الخليلي أحمد بن حمد: الحق الدامغ. مطبعة النهضة. سلطنة عمان. سنة 1409هـ.
48 - دبُّوز محمّد عليّ: تاريخ المغرب الكبير. مطبعة عيسى البابي الحلبي. القاهرة. سنة 1383هـ. 1964م.
49 - دحّو العربيّ: مدخل في دراسة الأدب المغربي القديم. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر سنة 1988م.
50 - الدرجيني أبو العبَّاس أحمد بن سعيد (ت 670هـ): طبقات المشايخ بالمغرب. تحق. إبراهيم طلاّي. مطبعة قسنطينة الجزائر. د. تا.
51 - (1/241)
صفحة 240
دوزي. ر: تاريخ مسلمي إسبانيا. تر. د. حسن حبشي. دار المعارف. القاهرة. سنة 1963م.
52 - الربيع بن حبيب: مسند الجامع الصحيح. المطبعة السلفية. مصر. سنة 1349هـ.
53 - رجب محمّد عبد الحليم: الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة. مكتبة العلوم. مسقط سلطنة عمان 1410هـ/ 1990م.
54 - رزقانة إبراهيم أحمد: الجغرافيا الطبيعية. دار المحامي للطباعة. القاهرة. سنة 1967م.
55 - رعد سعيد محمّد: العمران في مقدمة ابن خلدون. دار طلاس. سوريا. سنة 1985م.
56 - الزاوي الطاهر أحمد: تاريخ الفتح العربيّ في ليبيا. طبع دار الفتح. لبنان. سنة 1972م.
57 - زبادية عبد القادر: الحضارة العربية والتأثير الأوروبي في إفريقيا الغربية جنوب الصحراء. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية الجزائر. سنة 1989م.
58 - الزبيريّ محمّد العربيّ: التجارة الخارجية للشرق الجزائريّ في الفترة ما بين (1792 - 1830م). المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. سنة 1984م.
59 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الورجلانيّ: كتاب السيرة وأخبار الأئمة. تحق عبد الرحمان أيّوب. الدار التونسية للنشر. تونس. 1405هـ/ 1985م.
60 - (1/242)
صفحة 241
سامح كمال الدين: في العمارة الإسلامية. دار الاتحاد العربيّ للنشر. مصر. سنة 1974م.
61 - سعد زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربيّ من الفتح إلى بداية عصور الاستقلال. (ليبيا. تونس. الجزائر. المغرب) نشر. منشأة المعارف بالاسكندرية. سنة 1979م.
62 - السيّد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب الكبير. الدار القومية للطباعة والنشر. سنة 1966م.
63 - شريّط عبد الله، الميليّ محمّد: الجزائر في مرآة التاريخ. طبع ونشر مكتبة البعث قسنطينة. سنة 1965م.
*- مختصر تاريخ الجزائر السياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ. المؤسّسة الوطنية للفنون المطبعية. الجزائر. 1985م.
64 - الشكعة مصطفى: إسلام بلا مذاهب. ط 7. المطبعة الفنية. القاهرة. سنة 1409هـ/ 1989م.
65 - شلبي أحمد: التاريخ الإسلاميّ والحضارة الإسلامية. ط 2. طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1959م.
66 - الشمَّاخي أحمد بن سعيد (ت 928هـ/ 1521م): كتاب السير. طبعة حجرية. القاهرة 1304هـ/1884م.
*- كتاب السير. تحق. أحمد بن سعود السيابيّ. مطابع النهضة. سلطنة عمان. سنة 1407هـ/ 1987م.
67 - ابن الصغير. (ق 3 الهجري): أخبار الأئمة الرستميين. تحق وتعليق د. محمّد ناصر وإبراهيم بحّاز. المطبوعات الجميلة. الجزائر. سنة 1986م.
68 - (1/243)
صفحة 242
الصنهاجيّ أبو عبد الله محمّد: أخبار ملوك بني عبيد. تحق جلّول أحمد بدويّ. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. الجزائر. 1984م.
69 - طمّار محمد: الروابط الثقافية بين الجزائر والخارج. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر. 1983م.
70 - عاشور سعيد عبد الفتّاح ومن معه: دراسات في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. منشورات ذات السلاسل. الكويت. سنة 1405هـ/ 1985م.
71 - العدويّ إبراهيم أحمد: بلاد الجزائر: تكوينها الإسلاميّ. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة. سنة 1970م.
72 - العربيّ إسماعيل: الصحراء الكبرى وشواطؤها. المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر. سنة 1983م.
73 - عز الدين أحمد موسى: النشاط الاقتصاديّ في المغرب الإسلاميّ من خلال القرن السادس الهجريّ. دار الشروق. بيروت. القاهرة. سنة 1983م.
74 - عكاشة ثروت: القيمة الجمالية في العمارة الإسلامية. طبع دار المعارف. مصر. سنة 1981م.
75 - أبو عمّار عبد الكافي الإباضيّ. (ق 6 الهجريّ): كتاب الموجز. تحق عمّار طالبي. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر. سنة 1396هـ/1978م.
76 - ابن عميرة محمّد: دور زناتة في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلاميّ. المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. سنة 1985م.
77 - العياشيّ أبو سالم عبد الله بن محمّد (ت 1090هـ/ 1679م): الرحلة. طبعة حجرية. فاس. 1316هـ/ 1898م.
78 - (1/244)
صفحة 243
الغربيّ محمّد: كتاب بداية الحكم العربيّ في السودان الغربيّ. مؤسّسة الخليج العربيّ للطباعة والنشر. الكويت. 1982م.
79 - الغرناطيّ الوزير: القسم الثالث من كتاب أعمال الأعلام. تحق أحمد مختاري العياديّ. دار الكتاب، الدار البيضاء. المغرب. سنة 1964م.
80 - أبو الفداء عماد الدين إسماعيل المويد (ت 732هـ/ 1331م): تقويم البلدان. تصح، رينود البارون ماك كوكين دي سلان. دار الطباعة السلطنية. باريس. 1840م.
81 - فرّاج عز الدين: فضل علماء المسلمين على الحضارة الأوروبية. دار الفكر العربيّ. القاهرة. سنة 1978م.
82 - فرج محمود فرج: إقليم توات خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1984م.
83 - فلهوزن يوليوس: أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام. تر: عبد الرحمان بدويّ. مكتبة النهضة المصرية. القاهرة. سنة 1958م.
84 - أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله (ابن خرداذبة) (ت 301هـ/ 913م): المسالك والممالك. مطبعة برايل ليدن. سنة 1889م.
85 - القرشيّ يحيى بن آدم (ت 203هـ/ 818م): كتاب الخراج. تصح وشرح: أبو الأشبال أحمد محمّد شاكر. مكتبة دار التراث القاهرة. د. تا.
86 - القيروانيّ أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم (الرقيق) (ت بعد 417هـ/ 1076م): تاريخ إفريقيا والمغرب، تحق: المنحيّ الكعبيّ، نشر، رفيق السقطيّ، تونس. د، تا.
87 - الكرويّ إبراهيم سلمان. ود. عبد التواب شرف الدين: المرجع في الحضارة العربية الإسلامية. منشورات دار السلاسل. الكويت. 1404هـ/ 1984م.
88 - (1/245)
صفحة 244
الكعّاك عثمان: موجز التاريخ العامّ للجزائر منذ العصر الحجري إلى الاحتلال الفرنسي. مكتبة العرب. تونس. 1377هـ/ 1927م.
89 - لقبال موسى: الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربيّ نشأتها وتطوّرها. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر سنة 1971م.
*- دور كتامة في تاريخ الخلافة الفاطمية منذ تأسيسها إلى منتصف القرن الخامس الهجريّ (11ميلاديّ). ش. و. ن. ت. الجزائر سنة 1979م.
*- ملحمة أبي عبد الله الايكحاني. ط. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. الجزائر. 1990م.
*- المغرب الإسلاميّ منذ بناء معسكر القرن حتى انتهاء ثورات الخوارج. سياسة ونظم، ش. و. ن. ت. الجزائر. سنة 1981م.
90 - لوَّاب بن سلام اللواتيّ (ت 273هـ/ 887م): الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية. تحق: سالم بن يعقوب، فيرنر شفارتز. دار إقرأ. بيروت. سنة 1985م.
*- كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين. تحق: سالم بن يعقوب. وفيرنر شفارتز، نشر فرانز شتاينر. بـ فيس بادن. 1406هـ/ 1986م.
91 - موريس لومبار: الإسلام في مجده الأوَّل. القرن 8 – 11م (2 – 5هـ). ترجمة وتعليق: إسماعيل العربي. ش. و. ن. ت. الجزائر. سنة 1979م.
92 - مالك بن نبيّ: شروط النهضة. تر: عمر كامل مسقاوي. عبد الصابور شاهين. ط. الثالثة، دار الفكر، بيروت. 1969م.
*- (1/246)
صفحة 245
وجهة العالم الإسلاميّ. تر: عبد الصابور شاهين. مطبعة المدنيّ. القاهرة. 1959م.
93 - مبارك بن محمّد الميليّ: تاريخ الجزائر في القديم والحديث. تقديم وتصحيح: محمّد الميليّ. المؤسّسة الوطنية للكتاب. سنة 1989م. ط. دار الغرب الإسلاميّ. بيروت.
94 - محمّد محفوظ: تراجم المؤلّفين. ط. 1. دار الغرب الإسلاميّ. بيروت. 1982م.
95 - محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلاميّ ليبيا. تونس. الجزائر. المغرب. موريتانيا. دار العودة. بيروت. 1976م.
96 - محيي الدين صابر: التغير الحضاريّ وتنمية المجتمع. دار المعارف. مصر. 1962م.
97 - المدنيّ أحمد توفيق: كتاب الجزائر. المطبعة العربية. الجزائر. 1350هـ
98 - المرّاكشيّ ابن عذاري: البيان المغرب في ذكر أخبار ملوك الأندلس والمغرب. نشر، ليفي بروفنسال، دار الثقافة. بيروت 1983م.
99 - المزاتي أبو يعقوب يوسف بن خلفون: أجوبة ابن خلفون. تحق: عمرو خليفة الناميّ. دار الفتح لبنان. سنة 1394هـ/ 1974م.
100 - معمَّر عليّ يحيي: أضواء على الإباضية. المطابع العالمية. روي سلطنة عمان. سنة 1984م.
*- الإباضية في موكب التاريخ (الحلقة الأولى) نشأة المذهب الإباضي. مطبعة الاستقلال الكبرى. مصر. سنة 1384هـ/ 1964م.
*- الإباضية في موكب التاريخ (الحلقة الثالثة) الإباضية في تونس. دار الثقافة. بيروت سنة 1385هـ/ 1966م. (1/247)
صفحة 246
الإباضية في موكب التاريخ (الحلقة الثانية) الإباضية في ليبيا (القسم الثاني). مطبعة الاستقلال الكبرى. مصر، 1384هـ/ 1964م
*- الإباضية في موكب التاريخ (الحلقة الرابعة) الإباضية في الجزائر. المطبعة العربية غرداية. الجزائر. سنة 1986/ 1985م
*- الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتَّاب المقالات في القديم والحديث. مطابع سجل العرب. نشر مكتبة وهبة. القاهرة. سنة 1396هـ/ 1967م.
101 - المقدسيّ شمس الدين أبو عبد الله محمّد: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. ط 2. مطبعة بريل. ليدن. سنة 1906م
102 - المقّري أحمد بن محمّد التلمسانيّ (ت 1041هـ/ 1631م): نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. حقّقه: د. إحسان عبّاس. دار صادر بيروت. سنة 1388هـ/ 1968م.
103 - المودوديّ أبو الأعلى: الحضارة الإسلامية أسسها ومبادؤها. تر: محمّد عاصم الحدّاد. دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت.
*- نحن والحضارة الغربية. الدار السعودية للنشر والتوزيع. السعودية. 1407هـ/ 1987م.
104 - الناصريّ أبو العبَّاس أحمد بن خالد: الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى. تحق: جعفر الناصريّ. محمّد الناصريّ. دار الكتاب. الدار البيضاء. المغرب. سنة 1954م.
105 - نايف محمود معروف: الخوارج في العصر الأمويّ. دار الطليعة للطباعة والنشر. ط 2. بيروت. 1401هـ/ 1981م.
106 - النحّار عامر: الخوارج؛ عقيدة وفكرا وفلسفة. ط 3. 1990م. ط. دار المعارف. مصر.1990م.
107 - (1/248)
صفحة 247
النويري شهاب الدين أحمد بن عبد الوهّاب (677 - 733هـ): نهاية الأرب في فنون الأدب. مطابع كوستا تسوماس. القاهرة. سنة 1954م.
108 - هويديّ يحيى: تاريخ فلسفة الإسلام في القارَّة الإفريقية. (الجزء الأول في الشمال الإفريقيّ). طبع ونشر مكتبة النهضة المصرية. القاهرة. 1965م.
109 - الوارجلانيّ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (57هـ/ 1174م): كتاب الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الجليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق (المعروف بالدليل والبرهان). المطبعة البارونية، طبعة حجرية، مصر 1306هـ.
110 - الوزّان الحسن بن محمّد: كتاب وصف إفريقيا. تر: د. محمّد حجي. د. محمّد الأخضر. الشركة المغربية للناشرين المتحدين. المغرب. 1402هـ/ 1982م.
111 - الوسيانيّ أبو الربيع سليمان بن عبد السلام: سير مشايخ المغرب. تحق وتعليق: إسماعيل العربيّ. ديوان مطبوعات الجامعية. الجزائر. 1985م.
ملاحظة: (وهو في الأصل الجزء الثاني من السيرة لأبي زكرياء، ونسبته إلى الوسياني يعدُّ خطأ من إسماعيل العربي).
فهرس المعاجم
112 - إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط. مطبعة مصر. القاهرة 1960م.
113 - الحمويّ شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله (ت 626هـ): معجم البلدان. دار صادر للطباعة والنشر بيروت. 1404هـ/ 1984م
114 - الزركليّ خير الدين (1311هـ/ 1893م): الأعلام. مطبعةكوستانسوماس. مصر، 1373هـ- 1378هـ/ 1954 - 1959م.
115 - ابن منظور محمّد بن مكرم بن عليّ الأنصاريّ (ت 711هـ/ 1311م): لسان العرب. دار صادر. بيروت. 1375هـ/ 1955م.
116 - وجدي محمّد فريد: دائرة معارف القرن العشرين. دار المعرفة. بيروت. ط 3. 1971م.
117 - اليعقوبيّ أحمد بن أبي يعقوب بن واضح (ت 284هـ/ 897م): البلدان. منشورات المكتبة الحيضرية. النجف الأشرف. العراق.1384 هـ/ 1964م. (1/249)
صفحة 248
فهرس الدوريات
118 - الأصالة: (مجلة) مطبعة البعث. قسنطينة الجزائر:
أ- بلحميسي مولاي: مدينة ورقلة في رحلة العيَّاشي. عدد 41، السنة السادسة. محرم 1397هـ / جانفي 1977م.
ب- بلغراد محمّد: الحركة الإباضية في تاهرت وسدراته وغرداية. عدد 41، السنة السادسة. محرّم 1397هـ/ 1977م.
ج- طالبي عمّار: أبو عمّار عبد الكافي والنسق الكلامي. عدد 41، السنة السادسة. محرّم 1397هـ/ 1977م.
د- عبّاس إحسان: مصادر ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد. عدد 41. السنة السادسة. محرّم 1397هـ/ 1977م.
هـ- الناميّ عمرو خليفة: ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان. عدد 42 - 43. صفر 1397هـ/ 1977م.
119 - الأمة (صحيفة):
مقال بدون إمضاء: وقفة على أطلال سدراته؛ تلك آثارنا تدلّ علينا. عدد 153 - 156. 22 ذو القعدة 1306هـ/ 25 جانفي 1938م.
120 - السلام:
د. محمّد ناصر. الإباضية: المذهب والتصوّر والواقع. 19ديسمبر 1990م.
121 - الفيصل (مجلة) تصدر بالرياض. المملكة العربية السعودية:
أ- د. محمّد فتحي عثمان: كيف تتحقّق لنا حضارة إسلامية معاصرة. عدد 42. ذو الحجة 1400هـ/ أكتوبر 1980م.
122 - المبشر (جريدة) الورقة الخبرية الجزائرية، الجزائر:
مقال بدون إمضاء: قصر سدراته. عدد 2192. السبت 29 جانفي 1881م. المكتبة الوطنية الجزائرية. رقم 60023.
123 - معهد الدراسات الاسلامية في مدريد (صحيفة):
ابن تاويت محمّد: دولة الرستميين أصحاب تيهرت. مج 5.ع.1 – 2 (1957) ص:105 - 128.
124 - الهلال (مجلة) القاهرة:
د. أحمد الشرباصي: حديث العروبة في القرآن. عدد 7.رجب 1396هـ/ يوليو 1976م. ص: 5 - 14.
125 - هنا الجزائر (مجلَّة) الجزائر:
مرغريت فان برشم: سدراته. عدد 18. نوفمبر 1953م. المكتبة الوطنية الجزائرية. 150625. (1/250)
صفحة 249
فهرس المحاضرات
126 - بكّوش يحيى: التواجد الإباضي بالأندلس، محاضرة ألقيت بدار العلم بواحة غرداية. يوم 13 جويلية 1984م.
127 - حسين أحمد إلياس: دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن الثالث عشر الميلادي. ألقيت بالخرطوم في ندوة تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. 28 - 30 يوليو 1983م.
128 - مسعودي محمّد عبد الغني: طرق القوافل أثرها في انتشار الإسلام. ملتقى أدرار. جانفي 1988م.
129 - عز الدين عمر موسى: انتشار الإسلام في غرب إفريقيا في القرن السادس عشر الميلادي. ألقيت في الخرطوم في ندوة تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. 28 - 30 يوليو 1983م.
130 - فخّار إبراهيم: العلاقات التجارية بين الدولة الرستمية والسودان الغربي. ملتقى تاهرت. 1 - 2 أفريل 1987م.
131 - الماحي عبد الرحمن عمر: أثر الإسلام في المجتمع الإفريقي، ملتقى أدرار. جانفي 1988م.
132 - د. محمّد ناصر: دور الإباضية في نشر الإسلام. غرداية 1988م.
133 - الراشديّ مبارك بن عبد الله: نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر العصور. ندوة الفقه الإسلامي. مسقط. سلطنة عمان. من 22 - 26 شعبان 1408هـ الموافق لـ 9 - 13 أفريل 1988م. (1/251)
صفحة 250
المقابلات الشخصية مع العلماء داخل الوطن وخارجه
مقابلات قبل تسجيل الرسالة:
134 - مقابلات مع الشيخ علي يحيى معمَّر (مؤرّخ وفقيه) طرابلس 78/ 1979م.
135 - مقابلة مع الشيخ سالم بن يعقوب (مؤرّخ وفقيه) غيزن. جربة. تونس 1986م
مقابلات بعد تسجيل الرسالة:
أولا: داخل الوطن:
136 - مقابلة مع الدكتور عمر الساحليّ (مؤرّخ) القاهرة 1988م.
137 - الدكتور محمد ناصر (أديب ومهتمّ بالتراث الإباضيّ) الجزائر 1990م.
138 - الشيخ عمر بن داود بومعقل (المعتمد في تاريخ وارجلان) وارجلان 1990م.
139 - الشيخ عيسى بن عبد الله أبو العلا (مهتم بالتاريخ) القرارة 1990م.
140 - مقابلات مع علماء المناطق الجنوبية: قرى وارجلان. نقوسة. قرى وادي ميزاب. قرى منطقة توات.
ثانيا: خارج الوطن:
141 - الحاج يحيى زكرياء (حافظ للمسالك الصحراوية) باريس 1989م.
142 - تاديوش ليفيتسكي (مختصّ في الدراسات الإباضية) كراكوفيا. بولونيا 1989م.
143 - جون ديفيس (متخصّص في الآثار) باريس 1989م.
144 - جوزيف فان أيس (مستشرق) ألمانيا الغربية 1989م.
145 - فارنار شفارتز (مستشرق) ألمانيا الغربية 1989م. (1/252)
صفحة 251
المصادر والمراجع الأجنبية
1 - ANDRE Négre:
Revue d'histoire et de civilisation du Maghreb (la fin de l'état Rostomide). Alger. I.PN. Juillet 1969.
2 - ARMAGNAC (Lieutenant d'):
Le M'ZAB et le pays des CHAAMBA (Sahara). Alger Edition Baconier 1936
3 - AUMASSIP Ginette:
Néolithique sans poterie de la région de l'Oued Mya (Bas-Sahara).Alger SNED. 1972
4 - BAJOLLE Capitaine:
Le Sahara d'Ouargla de l'Oued Mya à l'Oued Igharghar. Alger 1887.
5 - BASSET René:
Les manuscripts arabes des bibliothèques de Zaouia de Ain Madhi et Témacine et d'Ouargla et d'Adjedja. Alger, L.A.O.F; 1886.
6 - BEGNER G:
Les Routes Commerciales du Soudan Occidental. Paris Imprimerie F.LEVE. 1886
7 - BEKRI Chikh:
Le Kharijisme Berbère. Annal de l'Institut des études orientales. Alger 1957.
8 - BLANCHET Paul:
L'Oasis et le pays d'Ouargla. Annales de Géographie. No.44. Alger. Mars 1900.
9 - COUDREAU:
Le pays d'Ouargla et le peuple de l'Afrique. Paris. Hartman 1881.
10 - CUPERLY Pierre:
Introduction à l'étude de l'Ibadisme et de sa Théologie. O.P.U. Alger Dec. 1984.
11 - ENNAMI Amar Khalifa:
A description of new IBADI manuscripts from north. Africa. Journal of Semitic studies vol. 1 N° 1 Spring 1970.
12 - GAUDIO Attilio:
Sidjilmassa antique cité de l'or et du sel (Sciences et voyages) N° 6 Octobre 1965.
13 - LAJOUX Jean Dominique:
Des Hommes vivaient au Sahara, il y a 5000 ans (le (1/253)
صفحة 252
coopérateur de France) No 191. Printemps. 1958.
14 - LARGEAU V:
Le Sahara Algérien, les déserts de l'erg. 2eme édition. Paris. 1881.
15 - LETHIELLEUX Jean:
Ouargla cité saharienne, des origines au début du XXe siècle. Paris Paul Geuthner. 1983
16 - LEWICKI Tadeusz:
- Etudes maghrébines, soudanaises. Edition Scientifique de Pologne, Varsovie 1976.
- Les historiens, biographes, et traditionnistes Ibadites wahbites de l'Afrique du l’Afrique du Nord, du 13ème au 16 ème siècle. Folia Orientalia. Vol.3 . Krakow. 1962.
-Quelques extraits inedites relatifs aux voyages des commerçants et des missionnaires ibadites Nord-Africain au pays du Soudan Occidental et Central au Moyen-age. vol.2 Krakow. 1960.
19 - LHOTE Henri:
Route antique Sahara central (encyclopédie mensuelle d'outre mer). 15 Novembre 1951.
20 - MASQUERAY Emile:
Chronique d' Abouzakaria sur les livres de Beni M'ZAB. Imprimerie V. Aillaud et Cie. 1878.
21 - MOTYLINSKI A. de C:
Bibliographie du M'ZAB, Bulletin de correspondance africaine. Vol3. 1885.
22 - MUKHENCHI Jamel:
Eléments de l'histoire de Touat. Revue Parcours maghrébin No 6. Alger. Mars 1987.
23 - RIVAL L:
Abouyazid l'homme de l'âne. (Encyclopédie d'outre mer) No 77. Janvier 1957.
24 - ROCHE Manuelle:
Le M’ZAB, Architecture Ibadite en Algérie. Barthand 1973.
25 - ROUVILLOI Brigol Madleine:
Le pays d'Ouargla (Sahara, algérien). Publication du département de géographie de l'université de Paris. Sorbonne. 1975.
26 - SCHARTE Josef:
Sur la diffusion des formes d'architecture religieuse (1/254)
صفحة 253
musulmane à travers le Sahara. Travaux de I. des R.S. Alger 1954 et 1958.
27 - TARDY Hrold:
Les villes berbères de la vallée de l'Oued Mya. Revue d'Ethnographie. Vol.3. 1885.
28 - VAN Berchem Marguerite:
Deux compagnies de fouilles à Sedrata: 1951 - 1952. Travaux des 1.R.S. Vol.2. 1955.
29 - WEYER. Alfred. HENRI Lothe:
Sahara. Edition géographique. Berne 1980. (1/255)
صفحة 254
الفهارس (1/256)
صفحة 255
[صفحة بيضاء] (1/257)
صفحة 256
فهرس الأعلام
ـ أ ـ
أعزام إبراهيم ... 12، 18، 30، 62، 71، 149، 182، 225
إبراهيم بن محمد ... 109
أبو أجاج ... 84، 117
أحمد إلياس حسين ... 190، 191
الإدريسي ... 41، 158، 162، 165، 167، 166، 167، 169، 171، 174، 219، 220، 221
أروى بنت عبدالرحمن بن رستم ... 164
ابن الأزرق ... 95
أبو إسماعيل أيوب ... 122
اطفيش ... 88، 215
الأغلبي إبراهيم بن أحمد ... 106
أفريقش بن قيس بن صيفي ... 40
أفلح بن عبدالوهاب ... 50، 155، 161، 162، 189، 212، 215
أنجلينو دلكرت ... 70
أيوب بن إسماعيل ... 116، 132، 135، 141، 145
ـ ب ـ
بارتولد ... 27
الباروني ... 17، 76
البرادي ... 15، 16، 127، 128، 138
بربر بن عيلان ... 40
برّ بن قيس ... 40
برك ... 91
ابن بطوطة ... 17، 193، 221
أبو بكر الصديق ... 50
أبو بكر بن يحيى ... 108
البكري ... 159، 165، 168، 190، 191، 219، 220
بكلي عبد الرحمن ... 117
أبو بلال مرداس ... 95
بولم دونيس ... 165
ـ ت ـ
تروراس بن يوسف ... 84
تملّي الوسياني ... 160
أبو تميم ... 68، 125
توت عنخ أمون ... 169 (1/258)
صفحة 257
ـ ج ـ
جابر بن زيد ... 53، 94، 95، 100، 140، 212، 215
جالوت ... 41
جانة ... 41، 43
الجنحاني ... 144، 145
ـ ح ـ
أبو حاتم الملزوزي ... 58
حادور ... 32، 81، 174
الحارث بن قيس ... 97
الحريري بن عيسى ... 168
حسن حسني عبد الوهاب ... 104، 139
أبو الحسن علي بن يخلف التميجاري ... 137، 143، 190
حسين مؤنس ... 80، 85
أبو حمزة الشاري ... 57
حمو بن المعز ... 132
الحموي (ياقوت) ... 30، 177
الحميري ... 181، 219، 220، 221
ـ خ ـ
أبو خزر يغلي بن زلتاف ... 59، 67
أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح ... 57، 58، 97، 105، 172
أبو الخطاب عبد السلام بن منصور ... 109
ابن خلدون ... 17، 18، 23، 24، 27، 28، 32، 40، 41، 43، 47، 78، 96
ابن خلفون ... 149
أبو خليل ... 184، 212
ـ د ـ
داود بن واسلان ... 132
دبوز محمد علي ... 18، 134
ابن درار الغدامسي ... 46
الدرجيني أحمد بن سعيد ... 15، 16، 17، 19، 31، 66، 98، 105، 113، 116، 124، 125، 130، 132، 135، 137، 138، 140، 143، 144، 145، 147، 148، 149، 160، 172، 173، 178، 190، 232
دوفيري ... 32، 74
دولور جان ... 38
الديرت بن جانا ... 44، 45
ديفيس جون ... 159، 170 (1/259)
صفحة 258
ـ ذ ـ
أبو ذر أبان بن وسيم ... 184، 212
ـ ر ـ
الراسبي عبد الله بن وهب ... 146
الربيع بن حبيب ... 140
أبو الربيع سليمان بن موسى ... 183
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ... 15، 123، 126، 128، 129، 147، 148، 212، 215
رجب محمد عبد الحليم ... 100
روفيلوا. بريفول مادلين ... 68
روني باسي ... 44
ـ ز ـ
أبو زكرياء بن أبي حفص ... 81
أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور ... 126
أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر ... 128، 146، 148، 225
أبو زكرياء يحيى بن زكرياء ... 135
ـ س ـ
الساحلي عمر ... 42
سبيكة ... 64
سعد زغلول عبد الحميد ... 30، 40، 41، 42، 91
سعودي محمد عبد الغني ... 171
أبو سعيد سليمان بن علي ... 135
سعيد بن سليمان ... 143، 144
سلمان الفارسي ... 78
سعدون ... 130
ابن سلام اللواتي ... 14، 40، 53
سلمة بن سعد ... 97، 99، 104، 163
سليمان بن إبراهيم ... 151
سليمان بن علي بن يخلف ... 143، 145
أبو سليمان الزواغي ... 132
سموجورفسكي ... 127
أبو سهل يحيى بن إبراهيم ... 145، 149
ـ ش ـ
شاخت جوزيف ... 83، 139، 190، 192 (1/260)
صفحة 259
شانا ... 43
شريط عبد الله ... 138
الشماخي ... 16، 20، 125، 127، 163، 190
ـ ص ـ
صابر محمد عيسى ... 189
صابر محيي الدين ... 24
أبو صالح بكر بن قاسم ... 126
صالح بن عبد الله ... 167
أبو صالح جنون بن يمريان ... 84، 122، 125، 177، 178
أبو صالح الياجراني ... 46، 84، 117، 160
ابن الصغير ... 17، 98، 139
ـ ض ـ
ضمام بن السائب ... 140
ـ ط ـ
طاري هارولد ... 181
طالبي عمار ... 133
الطرفي أبو يعقوب يوسف بن سيدوس ... 124، 185
طيان ... 68
ـ ع ـ
عاصم السدراتي ... 46، 53
عائشة (أم المؤمنين) ... 53، 95، 100، 215
أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر ... 16، 60، 73، 88، 109، 129، 131، 148، 184، 215
العباسي أبو محمد عبد الله بن يحيى ... 178
عبد الرحمن بن حبيب ... 97
عبد الرحمن بن رستم ... 50، 91، 98، 105، 164، 166، 172، 212
عبد الرحمن بن عمر ... 109
عبد السلام ... 151
عبد السلام الوسياني ... 15، 149
عبد السلام بن منصور بن أبي وزجون المزاتي ... 109
عبد العزيز سالم ... 179
عبد الله بن إباض ... 95
عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - ... 95، 100، 163، 212، 215
أبو عبد الله القاضي ... 180
أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي (1/261)
صفحة 260
النفوسي ... 45، 55، 60، 61، 62، 79، 84، 107، 109، 110، 115، 120، 126، 128، 129، 148، 184، 186، 212، 215
عبد الله بن مسعود التجبي ... 97
عبد الله بن يحيى ... 178
عبد الله بن يحيى (طالب الحق) ... 58
عبد الملك بن مروان ... 95
عبد المنعم ماجد ... 26
عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم ... 50، 155، 172، 189، 212، 215
عبد الوهاب عزام ... 27
عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري ... 134
عبيد الله الشيعي ... 106، 164
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ... 158
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ... 47، 53، 96، 99، 104، 158، 212، 215
عثمان الكعاك ... 39، 51
عدون بابا بن عدون ... 134
عز الدين عمر موسى ... 192
عقبة بن نافع ... 174
عكرمة (مولى ابن عباس) ... 163
أبو العلا عيسى بن عبد الله 29. ... 50
علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ... 98، 140، 167
علي يحيى معمَّر ... 18، 90، 107، 138، 142
علي بن يخلف بن يخلف ... 143، 144، 145
أبو عمار عبد الكافي التناوتي ... 47، 77، 132، 133، 134، 135، 136، 147
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ... 40، 50، 52، 53
عمر بن داود (بومعقل) ... 12، 49، 52
عمر بن يمكتن ... 103
أبو عمران موسى بن زكرياء ... 107
أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني ... 135، 148، 212، 215
عمرو بن العاص ... 40
عنان بن ديلم المطرفي ... 60
العياشي أبو سالم عبد الله بن محمد ... 78، 83، 179
عيسى بن إبراهيم ... 182
عيسى بن زكرياء ... 147
عيسى بن سليمان ... 182
عيسى بن نوح ... 182
ـ غ ـ
ابن غانية الميروقي (يحيى بن إسحاق) ... 10، 18، 68، 70، 71، 81، 69 (1/262)
صفحة 261
ـ ف ـ
فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... 49
فان برشم مرقريت ... 90
فخار إبراهيم ... 69، 170
ابن فندين ... 66
فرني بن جانه ... 44
الفرسطائي أبو يحيى بن القاسم ... 191
ـ ق ـ
القاسم بن عبيد الله ... 64
أبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني ... 65، 67، 170
أبو القاسم يونس بن ويزكن ... 108
ـ ك ـ
كاكرة (ملك) ... 158
الكاهنة ... 174
كنعان بن حام ... 41
الكرثي أبو عبد الرحمن ... 134
كوبرلي بيار ... 149
كوربيزي ... 87
كيساك ... 182
ـ ل ـ
لارجو ... 20، 31، 38، 77
ليتيو جون ... 31، 32، 38، 75، 81، 150، 174
ليفتسكي تاديوش ... 20، 61، 127، 128، 130، 139، 182، 191
ـ م ـ
ماكسن بن الخير ... 126، 148، 174
مالك بن نبي ... 28
المتوكل العباسي ... 106
محمد بن الأشعث ... 98
محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ... 14، 16، 25، 27، 49، 53، 58، 59، 78ـ 80، 95، 140، 212، 215
أبو محمد عبد الله بن محمد السدراتي الوارجلاني ... 173
محمد بن عرفة ... 155، 162
أبو محمد ويسلان بن يعقوب المزاتي ... 67 (1/263)
صفحة 262
مدرار بن عبد الله ... 162
مدرار بن اليسع ... 164
المدني أحمد توفيق ... 30
مسلماني ... 190
المسيح عيسى - عليه السلام - ... 69
المعزّ لدين الله الفاطمي ... 67
ابن مغطير النفوسي ... 104
منتسكيو ... 139
المنصور إسماعيل بن القاسم المهدي ... 65
أبو موسى عيسى بن السمح ... 126
موسى بن نصير ... 52
الميلي مبارك ... 138
ـ ن ـ
الناصري أبو القاسم أحمد ... 48
النامي عمرو خليفة ... 139، 149
أبو نوح سعيد بن زنغيل ... 106، 107، 109، 116، 122، 125، 177، 212، 215
أبو نوح سعيد بن يخلف ... 191
ـ وـ
الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم ... 16، 118، 135، 137، 143، 151، 158، 160، 171
الوزَّان الحسن بن عمر ... 32
الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام ... 15، 149
الوسياني أبو القاسم يزيد بن مخلد ... 65، 67، 170
ـ ي ـ
الياجراني أبو صالح ... 46، 84، 117، 160
ياقوت الحموي ... 30، 177
يخلف بن يخلف التميجاري ... 116، 143، 144، 145
اليراسني أبو صالح ... 68
اليراسيني أبو يحيى زكرياء بن صالح ... 163
أبو يزيد مخلد بن كيداد ... 45، 64، 65، 170، 180
اليسع بن منصور ... 162
أبو يعقوب التناوتي ... 132
اليعقوبي أحمد بن واضح ... 40، 41، 158، 161
أبو يعقوب يوسف بن خلفون ... 149
أبو يوسف بن محمد ... 109، 129 (1/264)
صفحة 263
أبو يوسف بن يعقوب بن أفلح ... 59، 61، 63، 99، 106، 125
أبو اليقظان إبراهيم ... 90، 139، 215
أبو اليقظان محمد بن أفلح ... 17، 98، 188
يوسف بن سدميمان ... 146 (1/265)
صفحة 264
فهرس الأماكن
ـ أ ـ
بئر الآجر ... 125
آجلو ... 84، 106، 109، 117، 130، 149
أثينا ... 38
غيران أبي أجاج ... 84، 117
أدرار ... 12
أدرار أفوقاس ... 159
أريغ ... 15، 20، 45، 68، 105، 108، 109، 124، 129، 138، 151، 178
أسوان ... 48
أسوف ... 15، 105، 109، 124، 184
نهر أغرغار ... 34، 36، 176
إيفدَّانن طوم ... 187
إفريقيا ... 9، 16، 17، 19، 40، 41، 50، 52، 68، 71، 83، 102، 136، 171، 189، 190، 193، 194
أفودان يطلا ... 168
أنجان ... 81
أندرار ... 187
الأندلس ... 67، 135، 169، 170
أنكلاس ... 169
أودغشت ... 164، 165، 167
الأوراس ... 46، 66
جزيرة أوليل ... 171
إيفاطمان ... 103
إيفران ... 45
إيوالاتن ... 193
ـ ب ـ
بابا السعد ... 38
بابل ... 85
باغاي ... 68، 106
بجاية ... 70
برقة ... 47
بسكرة ... 32، 44، 45، 75، 170، 180
البصرة ... 91، 97، 99، 103
بودة ... 48
بولونيا ... 182
بيلمة ... 157 (1/266)
صفحة 265
ـ ت ـ
تاجديت ... 107
هضبة تادمايت ... 154
تادمكت ... 159، 160، 161، 190
تاغزة ... 163
تافيلالت ... 163
تاكدة ... 157، 161
تامولست ... 183
تاهرت ... 10، 18، 59، 62، 68، 76، 90، 91، 98، 105، 106، 125، 126، 164، 175، 186
قرية تايغلا ... 132
هضبة التبت ... 85
تسابيت ... 48
بحيرة تشاد ... 16، 157
تقرت ... 60، 78
تقيوس ... 64
تكرارين ... 48
بلاد التكرور ... 161
تلمسان ... 170، 172
تمادولت ... 164
تماسين ... 126
مسجد تماواط ... 82، 102، 129، 130
تمبكتو ... 70
تمنطيط ... 70
تميجار ... 143
توات ... 48، 50، 69، 70، 78، 163، 180
توزر ... 64، 144
تونس ... 13، 18، 70، 127، 132، 133، 192
تينباماطوس ... 102، 149
تينسلي ... 102، 108
تينمصيون ... 125
ـ ج ـ
جاو (جوجو) (جوجوا) ... 161، 189
جربة ... 19، 68، 97، 123، 126، 144، 163، 215
الجريد ... 30، 35، 43، 90، 143، 177، 180
الجزائر ... 18، 30، 124، 143، 175، 176
جوهة ... 30
ـ ح ـ (1/267)
صفحة 266
الحامة ... 125، 149
الحجاز ... 133
ـ خ ـ
خراسان ... 91
خيران ... 129
ـ د ـ
درجين ... 106، 109، 144
ـ ر ـ
جبل رائد ... 45
بلاد الرافدين ... 25
روما ... 38
الرويسات ... 183
وادي ريغ ... 47، 108، 128، 139
ـ ز ـ
الزاب ... 32، 44، 167
وادي زقرير ... 186
زنجبار ... 81، 174
زواغة ... 76
زويلة ... 157، 191
وادي زيز ... 163
ـ س ـ
وادي الساورة ... 163
السبخة ... 157
سجلماسة ... 70، 161، 162، 163، 164، 167، 168، 170، 219، 220، 221
سدراتة ... 15، 35، 44، 45، 46، 69
سرت ... 97
سفيون ... 36
كهف السلطان ... 84
أبو سليمان ... 118
السودان ... 11، 12، 17، 35، 63، 64، 69، 78، 144، 154، 155، 156، 157، 159، 161، 164، 165، 167، 168، 169، 170، 171، 172، 173، 174، 175، 176، 180، 187، 189، 191، 192، 193، 195
سوس ... 48
سوس الأقصى ... 43
سوف ... 143 (1/268)
صفحة 267
السوق ... 159
سقائف سيدي ... 75
واحة سيوة ... 51
ـ ش ـ
قرية الشط ... 82
ـ ص ـ
عين صالح ... 70
الصعيد ... 48
عين الصفا ... 35، 69، 181
صوصو ... 155، 161
ـ ط ـ
الطاسيلي ... 34
طرابلس ... 43، 58، 67، 76، 97، 105، 128، 172
ـ ع ـ
جبل العباد ... 80، 85، 102، 151
العراق ... 85، 91
عمان ... 15، 16، 146، 150
بلدة عمر ... 107
ـ غ ـ
غانة ... 35، 134، 141، 165، 166، 167، 168، 171، 219، 220
غدامس ... 43، 46، 219
غرداية ... 38
ـ ف ـ
فجوهة ... 30
فرق ... 95
فزَّان ... 174
فلسطين ... 41
ـ ق ـ
قابس ... 37، 97، 129، 220
القاهرة ... 13، 74، 172
عين القبائل ... 35، 182
القرارة ... 38، 215
قرطبة ... 103، 135، 136
قسطيلية ... 143، 145، 149، 219، 221
القصر الأحمر ... 38 (1/269)
صفحة 268
القليعة ... 163
قورارة ... 163
القيروان ... 97، 98، 105، 107، 156، 157، 159، 166، 170، 172، 220
ـ ك ـ
كانم ... 157، 158، 161، 191
كباو ... 107
كراكوفيا ... 12، 20، 147
كركوا ... 64
جبل كريمة ... 31، 106، 176، 179، 181
كوار ... 157، 158، 169، 174، 191، 220
كوغة ... 171
الكوفة ... 91
كوكو ... 155، 159، 161، 219، 220
ـ ل ـ
لفوف ... 12، 20، 127
لقواط (الأغواط) ... 45
لملم ... 165، 167، 173، 220
ليبيا ... 18، 85
ـ م ـ
مالي ... 17، 144، 161، 162، 163، 190
مانو ... 67، 106
المدينة المنورة ... 13، 58، 59
المشرق ... 42، 96، 105، 117، 130، 136، 150، 162، 167، 169، 182
مصر ... 13، 25، 41، 51، 91، 126، 140، 169، 174
بادية بني مصعب ... 109، 118، 133، 186
مطماطة ... 85
المغرب ... 11، 15، 17، 18، 30، 32، 37، 40، 41، 42، 43، 44، 47، 48، 52، 53، 54، 83، 85، 95، 96، 97، 103، 104، 105، 117، 139، 140، 147، 150، 162، 167، 176، 178، 196، 212
المغرب الأقصى ... 49، 51، 151، 162، 163، 166
المغرب الأوسط ... 16، 45، 62، 98، 172، 196
المغرب العربي ... 39، 61، 128، 168، 169، 172
مغمداس ... 97، 103
مقرازة ... 167
مكة المكرمة ... 59، 141، 159، 165
وادي مية ... 34، 35، 36 (1/270)
صفحة 269
ميزاب (وادي ميزاب) ... 12، 20، 35، 36، 55، 69، 69، 75، 77، 79، 83، 88، 90، 92، 106، 131، 139، 147، 184، 195، 186، 192، 193، 195
ميورقة ... 70
ـ ن ـ
نزوى ... 95
وادي النساء ... 35، 176، 186
نفزاوة ... 46، 184، 221
نفوسة (جبل نفوسة) ... 15، 16، 44، 85، 97، 98، 105، 107، 122، 124، 143، 156، 157، 158، 184، 193، 219، 221
نفوسة أمسنان ... 120
نقوسة ... 12
النيجر ... 159، 161
النيل ... 41، 166، 167، 171
ـ هـ ـ
الهقار ... 159
ـ وـ
الواحات ... 85، 86، 154، 181
وارجلان ... وردت في أغلب الصفحات
وغلانة ... 126
ولاتة ... 162، 164
قصر ولّم ... 130
ونقارة ... 165، 166، 167، 171، 219
وهران ... 51
ـ ي ـ
يفرن ... 18، 35، 44، 45، 96، 182
اليمن ... 41، 57، 97 (1/271)
صفحة 270
فهرس القبائل والأجناس والأديان والجماعات
ـ أ ـ
الآباء البيض ... 38، 151، 152
الإباضية ... 11، 14، 15، 16، 17، 18، 19، 45، 47، 52، 55، 56، 57، 58، 61، 62، 63، 66، 67، 73، 76، 79، 80، 82، 83، 87، 89، 90، 96، 97، 98، 99، 100، 105، 106، 128، 140، 142، 146، 151، 152، 155، 156، 157، 158، 162، 163، 166، 170، 172، 174، 189، 190، 191، 192، 193، 195
أولاد إبراهيم بن إسماعيل ... 182
بنو إبراهيم ... 47
الأوروبيون ... 13، 35، 70، 136، 137
الأزارقة ... 66
الإسبان ... 70، 136
الإسكيمو ... 85
الإسلام ... 9، 10، 11، 12، 13، 15، 16، 17، 19، 20، 25، 26، 27، 28، 29، 34، 35، 39، 41، 42، 47، 49، 50، 52، 53، 54، 55، 56، 58، 59، 60، 62، 73، 74، 75، 80، 81، 85، 89، 90، 92، 94، 96، 99، 103، 104، 108، 114، 118، 131، 136، 137، 143، 150، 152، 154، 156، 166، 172، 189، 190، 192، 193، 194، 195، 196، 204
أعراب ... 17، 23، 27، 28، 49، 185، 187
إغريق ... 38
أقباط ... 91
أمازيغن ... 40
الأمويون ... 96، 104، 140، 170
ـ ب ـ
شعب البال ... 83
البربر ... 10، 11، 14، 16، 17، 20، 30، 31، 37، 38، 29، 40، 41، 42، 43، 49، 50، 51، 52، 53، 60، 65، 88، 92، 96، 103، 109، 125، 133، 158، (1/272)
صفحة 271
165، 170، 174، 195
البروتستانت ... 25
أولاد بوين بن الصحب ... 182
البيزنطيون ... 96
ـ ت ـ
التبابعة ... 40
تناوته ... 16، 46
ـ ج ـ
أولاد جابر بن إبراهيم ... 182
قبائل جشم ... 70
الجعافرة ... 48
ـ ح ـ
الحفصيون ... 81
الحنابلة ... 100
الحنفية ... 100
ـ خ ـ
الخوارج ... 66، 95، 133
ـ ر ـ
الرستميون ... 10، 17، 18، 19، 57، 59، 61، 62، 63، 76، 78، 90، 91، 92، 99، 105، 106، 124، 125، 128، 155، 158، 166، 168، 169، 170، 173، 175، 188، 189، 192
الروحانية ... 51
الرومان ... 25، 37، 38، 39
بنو ريغة ... 45
ـ ز ـ
الزغاويون ... 157، 158، 174، 220
زناتة ... 16، 41، 43، 44، 45، 48، 49، 103
الزنجباريون ... 32
بنو زنداك ... 45
الزنوج ... 31
ـ س ـ (1/273)
صفحة 272
سدراتة (قبيلة) ... 44، 45، 46
السلاطين ... 75
السلت ... 39
بنو سليم ... 17، 47، 48، 49
السنيون ... 65
بنو سيسين ... 44، 47
ـ ش ـ
الشافعية ... 100
أولاد ابن الشيخ ... 182
الشيعيون ... 106
ـ ص ـ
الصحابة ... 16، 28، 53، 100، 103
صغنغو (قبيلة) ... 193
الصفرية ... 96
الصنهاجيون ... 106، 109
ـ ط ـ
الطوطمية ... 51
ـ ع ـ
العباسيون ... 91، 96، 97، 98، 106، 178
العبيديون ... 48، 59، 63، 64، 65، 66، 67، 91، 99، 170
العجم ... 39
العرب ... 14، 17، 22، 23، 26، 27، 28، 38، 39، 40، 41، 43، 47، 48، 49، 50، 53، 103، 133، 173
العزابة ... 15، 16، 19، 54، 55، 62، 63، 66، 79، 106، 109، 110، 112، 113، 114، 115، 117، 121، 129، 131، 144، 147، 148، 178
أولاد عيسى بن أحمد ... 182
ـ غ ـ
الغال ... 39
الغربيون ... 9، 22، 87
ـ ف ـ (1/274)
صفحة 273
الفاطميون ... 60، 65، 67، 106، 128، 170
الفراعنة ... 66، 169
الفرنسيون ... 39
الفلسطينيون ... 41
الفنيقيون ... 168
ـ ق ـ
القرطاجيون ... 168
قصر بكر ... 164
القيروانيون ... 159
ـ ك ـ
الكانميون ... 158
الكانوري (شعب) ... 83، 193
بنو كملان ... 66
الكنعانيون ... 42
ـ ل ـ
اللاتين ... 22، 38، 136
لماية ... 96
لواته ... 46
ـ م ـ
المالكية ... 47، 83، 100
المبشرون ... 38
بنو مجزية ... 133
أولاد محمد بن موسى ... 182
بنو مدرار ... 163
المرابطون ... 63، 165، 194
مزاتة ... 66، 68، 96، 186
المستشرقون ... 17، 38، 90، 130، 139، 150
المسلمون ... 7، 9، 10، 14، 26، 38، 39، 48، 50، 53، 54، 55، 56، 57، 59، 63، 64، 73، 75، 79، 80، 87، 94، 95، 107، 117، 152، 165، 174، 189، 192، 204
المسيحية ... 25، 73
المصريون ... 51، 52، 91، 168، 169
بنو معقل ... 48، 49، 50 (1/275)
صفحة 274
المغاربة ... 57، 162
مغراوة ... 44، 45، 46، 96، 108
أهل المغرب ... 96، 103، 105، 117، 147، 162، 166
مغيلة ... 96
منجصة ... 44
الموحدون ... 63
الميزابيون ... 92
الميورقيون ... 69، 70
ـ ن ـ
نفزة ... 96
النفوسيون ... 67، 106، 159، 173، 191
النكارية ... 45
النورمانديون ... 32
نوميديا ... 32
ـ هـ ـ
الهاوسا ... 193
بنو هلال ... 17، 47، 48، 49، 70
هوارة ... 16، 66، 96
ـ وـ
بنو واجين ... 47، 49
وارسنيس ... 31
وارفجومة ... 31
وارفلا ... 31
بني واسين ... 45، 160
الوثنيون ... 25، 73، 172، 189
بنو وركلا ... 32، 44
بنو ورماز ... 45، 108
الوهبية ... 45، 64، 66، 129
ـ ي ـ
بنو ياجرين ... 46
اليحمد ... 95
يزمرتن ... 44
أبناء يصليتن ... 44
بنو يفرن ... 44، 45، 96
اليهودية ... 25، 69 (1/276)
صفحة 275
اليونان ... 9، 22، 25، 39
إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه (1/277)
صفحة 276
المراجع
شكر وعرفان: 00
تقديم: 00
مقدمة: 9
مدخل: 21
تعريف الحضارة 22
أ) الحضارة لغة 22
ب) الحضارة اصطلاحا 23
ج) الحضارة والإسلام 25
تعريف وارجلان: 30
أ) أصل التسمية 30
ب) معنى كلمة وارجلان 31
ج) تاريخ تأسيس وارجلان 31
الفصل الأول
الحياة الاجتماعية والسياسية
مدخل جغرافي 34
أولا ـ الحياة الاجتماعية بوارجلان: 37
1 - بنية السكان 39
أ- أشهر القبائل البربرية بمنطقة وارجلان 43
قبيلة زناتة 43
قبيلة سدراتة 46
قبيلة تناوتة 46
ب- العرب 47
ج- اليهود 50
2 - المعتقدات البربرية 51
3 - نظام القبائل بوارجلان 54
ثانيا ـ الحياة السياسية: 56
1 - بعض الآراء السياسية 56
أ- مسالك الدين 58
2 - السياسة الداخلية بوارجلان 60
3 - السياسة الخارجية بوارجلان 62 (1/278)
صفحة 277
علاقة وارجلان بجيرانها 63
أ- السياسة الحيادية 64
ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد وعلاقة وارجلان بها 64
أبو يزيد وأعماله 64
موقف وراجلان من ثورة أبي يزيد بن كيداد 65
ب- السياسة الدفاعية 67
علاقة وارجلان بثورة الوسيانييَّن أبي خزر، وأبي القاسم 67
علاقتها بدول الشمال 68
الفصل الثاني•العمارة الإسلامية بوارجلان
أولا: المخطط العام للمدينة 74
1 - إصلاح الطرقات 76
ثانيا: المساجد 79
1 - أمثلة لمساجد وارجلان 80
2 - هندستها 82
ثالثا: المنازل 85
إشكالية الزخرفة لدى الإباضية 89
الفصل الثالث
الحياة الدينية والفكرية
مدخل إلى الحياة الدينية والفكرية 94
أ) لمحة عن نشأة المذهب الإباضي وانتقاله إلى المغرب 95
ب) بعض الآراء الدينية للمذهب الإباضي 99
أولا: النظام التربوي الديني 102
1 - نظام الحلقة 107
مؤسس نظام الحلقة 107
2 - التنظيم الإداري للتعليم 110
أ) مهام الشيخ 110
ب) العرفاء 112
ج) الطلبة (أو العزابة) 113 (1/279)
صفحة 278
د) أماكن التدريس 116
هـ) أماكن الاستراحة 119
3 - النظام الدراسي 120
النظام الدراسي اليومي (أو البرنامج) 121
4 - العلاقة بين أفراد أسرة التعليم 122
5 - أشهر مشايخ وارجلان وآثارهم 124
1 - أبو يعقوب يوسف بن سيلوس الطرفي 124
2 - أبو صالح جنون بن يمريان 125
3 - أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي 126
4 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر 128
5 - أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر 129
6 - أبو عمار عبد الكافي 132
7 - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني 135
8 - أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني 143
الفصل الرابع
الحياة الاقتصادية
أولا: التجارة 154
1 - الأسواق الكبرى وعلاقتها بوارجلان 156
المجموعة الأولى: أسواق (تاكدة، أغادس، كانم، كوار) 157
المجموعة الثانية: أسواق (تادمكت، جاو) 159
المجموعة الثالثة: أسواق (سجلماسة، تاغزة، ولاتة، زاغاري، مالي) 162
المجموعة الرابعة: أسواق (أزيل، أودغشت، غانة) 164
2 - أهم السلع المتبادلة: 167
1 - الذهب 167
2 - الملح 170
3 - العبيد 172
4 - بقية الصادرات والواردات 174
ثانيا: الزراعة 176
1 - المزروعات 177
أ) النخيل 177
ب) الزيتون 179
2 - وسائل الري 180 (1/280)
صفحة 279
الاهتمام بالآبار والسواقي 182
3 - الرعي وتربية الحيوانات 186
نتائج الحياة الاقتصادية 188
نتائج البحث 195
الملاحق
ملحق الحياة الاجتماعية والسياسية 199
ملحق العمارة الإسلامية 203
ملحق الحياة الدينية والفكرية 208
ملحق الحياة الاقتصادية 216
المصادر والمراجع
فهرس المصادر المخطوطة 225
فهرس المصادر والمراجع المطبوعة 227
فهرس المعاجم 240
فهرس الدوريات 241
فهرس المحاضرات 243
فهرس المقابلات الشخصية مع العلماء داخل الوطن وخارجه 244
فهرس المصادر والمراجع الأجنبية 245
الفهارس التفصيلية
فهرس الأعلام 251
فهرس الأماكن 263
فهرس القبائل والأجناس والأديان والجماعات 273
محتويات الكتاب 282 (1/281)