صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر 1157ه/ 1744م إلى 1382ه/ 1962م
المؤلف: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
تقديم وإشراف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1432ه/ 2011م
الطبعة: 1
أصله: أطروحة دكتوراه
ردمك: 978-9947-845-56-1
الإيداع القانوني: 2011/4719
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3191&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/770
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 21 ربيع الأول 1447ه/ 14 - شهر 09 - 2025م. معالم النهضة الإصلاحية عند اباضية الجزائر
1157 هـ 1744 م إلى 1382 هـ 1962 م
تأليف الدكتور
قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
48
نشر جمعية العراق (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
مَعَالِمُ النَّهَضَةِ الإصلاحية عَند إباضية الجزائر
من سنة 1157 هـ / 1744 م - إلى سنة 1382 هـ / 1962 م
تأليف الدكتور:
قاسم به أحمد الشيخ بالحاج
جمعية التراث
القرارة – غرداية – الجزائر
طبع: المطبعة العربية 11 نهج طالبي أحمد غرداية (1/5)
صفحة 6
جمعية التراث
ص. ب. 19. القرارة - غرداية (47110) -
الجزائر
فاكس: 02 8531 029
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى
2011/ 1432
http://www.tourath.org
طبع
المطبعة العربية
11 نهج طالبي احمد - - - غرداية - الجزاء هاتف / فاكس: 029883653 المنطقة الصناعية: 34 34 02987
أصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه نوقشت بكلية العلوم الإسلامية جامعة الجزائر، يوم 05 صفر 1431 هـ / 20 جانفي 2010 م. إشراف: د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام. بتقدير: مشرف جدا
الإيداع القانوني رقم 4719/ 2011
I.S.B.N: 978 - 9947 - 845 - 56 - 1: (1/6)
صفحة 7
مر الة الرحمن الرحيم (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
الإهداء
-
-
-
الإهداء
إلى قدوة المصلحين نبي الرحمة محمد عليہ الصلاة والسلام.
إلى روح والدتي؛ رب ارحمها كما ربتني صغيرا.
إلى والد الكريم برا وإحسانا.
إلى زوجتي وأبنائي وإخوتي محبة ورحمة.
إلى مشايخي وأساتذتي تبجيلا واحتراما.
إلى فضيلة الإمام الشيخ عدون وفاء وتقديرا.
- إلى فضيلة العلامة الشيخ القرضاوت إعجابا وإكبارا.
إلى أعلام النهضة والإصلاح في العالم الإسلامي والجزائر
ووادي ميزاب
أبو رياض
ز (1/9)
صفحة 10
شكر وتقدير
ح
قائلا:
شكر وتقدير
بعد أن اكتمل صرح هذا البنيان أجدني ملزما أن أذكر أهل الفضل بفضلهم
إن الحمد والشكر أولا الله تعالى على نعمة التوفيق والتسخير، ثم الشكر بعد ذلك للدولة الجزائرية التي منت علي بمنحة السفر إلى الخارج والتفرغ لإتمام البحث والاطلاع على المكتبات وزيارة الجامعات. ثم الشكر بعد ذلك لكلية العلوم الإسلامية بالخروبة بالجزائر العاصمة إدارة وأساتذة وعمالا، التي احتضنتني في رحابها طالبا ثم أستاذا. ثم الشكر بعد ذلك للأيادي البيضاء الكثيرة التي كانت
وراء إنجاز هذا البحث وبلوغ هذا العمل، كماله وخروجه إلى دائرة الوجود. فمن هؤلاء من كانت مساعدته لي علمية بالتوجيه والنصح والتقويم والتصحيح، وعلى رأس هؤلاء أخص بالذكر أستاذي المشرف الدكتور محمد ناصر بوحجام، الذي تعلمت منه الكثير، وقد نهلت من علمه، كما نهلت من خلقه فتعلمت منه صفاء القلب والتواضع ودماثة الأخلاق ورحابة الصدر، والمثابرة على العمل، وقد فتح لي منزله كما فتح لي قلبه وجمعتني به لقاءات علمية عديدة، كان فيها مقوما ومصححا وناصحا ومرشدا.
ومن هؤلاء من كانت مساعدته لي اجتماعية بتوفير ظروف البحث، وتيسير عقباته، وفي مقدمة هؤلاء مشايخ وادي ميزاب وأعيانه.
ومن هؤلاء من كانت مساعدته لي روحية قلبية بدعاء وابتسامة وكلمة طيبة، وفي مقدمة هؤلاء والداي وزوجتي وأبنائي وإخوتي وأصدقائي.
فالله أدعو أن يجازي الجميع خير الجزاء ويثيبهم خير الثواب دنيا وأخرى.
قاسم بن واحد الشيخ بالحجاج (1/10)
صفحة 11
الرموز المستعملة
الرموز المستعملة
ت: توفي.
ع
عدد.
تح تحقيق.
م ميلادي.
تع تعليق.
مج: مجلد.
ج جزء.
ه: هجري.
و ولد.
حل حلقة.
دت دون تاريخ
س ج: السنة الجامعية.
ط طبعة.
99
»: كلمة غير فصيحة.
»: كلام منقول حرفيا.
ط (1/11)
صفحة 12
منهجية التوثيق في الهامش
ي
منهجية التوثيق في الهامش
- توثيق المرجع المطبوع: المؤلف العنوان المحقق أو المعلق إن وجد، الطبعة، الطابع الناشر، مكان النشر، تاريخ الطبع والنشر، المجلد، الجزء،
الصفحة.
- توثيق الرسالة الجامعية: المؤلف العنوان، نوع الرسالة، الجامعة، التخصص،
السنة الجامعية، الصفحة.
- توثيق المقال صاحب المقال عنوان المقال اسم المجلة أو الكتاب، الجهة المصدرة، العدد التاريخ، الصفحة.
توثيق الوثيقة المؤلف العنوان، التاريخ، الصفحة.
- توثيق المقابلة صاحب المقابلة المكان التاريخ.
- المرجع نفسه إذا تكرر استعمال المرجع في الصفحة نفسها مباشرة. - المرجع السابق: إذا تكرر استعمال المرجع في الصفحة نفسها مع وجود
مرجع فاصل.
- كله في حال الإشارة إلى المرجع بكامله.
- المعلومات الكاملة حول المرجع تذكر في أول استعمال فقط.
- اختصار اسم المؤلف وعنوان المرجع بعد أول استعمال. - الترجمة للعلم المتوفى في أول استعمال إلا من كانت ترجمته في المتن. (1/12)
صفحة 13
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرحمن الرحيم
ك
يحتاج المسلمون في زمن العولمة الفكرية والثقافية إلى معرفة المرجعية الحقيقية التي تحصنهم من الاستلاب والتفسخ والهيمنة. ويحتاجون في خضم المتغيرات التي تنال من الشخصيّة والهوية إلى وعي العواقب التي تنتج عنها. ويحتاجون في دوامة التيه والضياع وعدم تحديد الوجهة الصحيحة في السير إلى الدراية الكاملة بالطريق التي تضمن التحرك المستقيم بين المبادئ والأهداف. ويحتاجون في عصر الاجتهادات واختلاط المفهومات وكثرة التيارات وتباين النظرات إلى العلم بالمعالم التي تحدد سبل العمل والنشاط. ويحتاجون في عهد الصراع من أجل البقاء، والسباق من أجل فرض الذات إلى التمتع بالقوة والثقة في النفس للمغامرة والمجابهة والمقارعة؛ للوقوف بالند لمن يواجههم بكل أشكال التسلط والقهر والاستبداد في مختلف الميادين والمجالات. ويحتاجون في سبيل تحقيق الشهود الحضاري والحضور الفكري إلى امتلاك الوسائل المساعدة على بلوغ هذه المرامي. ويحتاجون في كلّ ذلك إلى القراءة المتأنية في تجارب السابقين في ميادين الإصلاح والتربية والتوعية، وفي مضامير الصراع والنزال والقراع والنضال ... وما أكثر هذه التجارب، وما أعظم هذه المحاولات، وما أكثر هذه النماذج التي عملت على تحقيق ما أشرنا إليه، وتوفير الحاجات التي أومأنا إليها؛ للمحافظة على الشخصية الحقيقية، والحفاظ على المقومات التي تضمن عدم تغييبها من المشهد الحضاري، والوقاية من الهيمنة على شخصيتها.
من هذه التجارب المهمة التي تركت آثارها الواضحة القوية في البناء الحضاري، وتحريك المجتمع في السبيل الصحيح تربية وتوعية وتصحيحا لمسيرته، وتطويراً له، واستشرافًا لمستقبله - تجربة النّهضة الإصلاحية لإباضية الجزائر، التي بدأت خيوطها تنسج، وخطوطها تتضح وملامحها تبرز ... في القرن الثامن عشر (1/13)
صفحة 14
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ل
الهجري عند الشيخ أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي (1126 - 1202 هـ/ 1714 - 1788 م) والشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الثميني (1130 - 1222 هـ/ 1718 - 1808 م)، ثم تطورت عند الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش (1239 - 1336 هـ/ 1821 - 1914 م)، واستمرت في الظهور والتبلور عند تلاميذه، وتشكلت هذه النّهضة حركة قوية فاعلة، ثمّ مدرسة فكرية متميزة عند الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض (1316 - 1401 هـ/ 1899 – 1981 م)، و معاصريه ومساعديه وبخاصة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد اطفيش (1305) - 1385 هـ / 1886 - 1965 م) والشيخ إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان (1306 - 1393 هـ/ 1888 - 1973 م) والشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي (1319 - 1406 هـ / 1901 - 1986 م)، والشيخ عدون بن بالحاج شريفي (1319 - 1425 هـ / 1902 - 2004 م وغيرهم ... وما تزال هذه المدرسة تؤدّي دورها إلى هذا العهد، وستستمر إن شاء الله تعالى.
هذه النهضة انطلقت من مبادئ، وتشبعت بأصول وتبنت فكرا محددًا، وسطرت أهدافًا، وسارت بمعالم، وهيأت هياكل، واعتمدت قواعد، وحددت ركائز، وأنشأت مؤسسات واحتكمت إلى هيئات وعاشت تحديات، وقاست صعوبات ... من كل ذلك كوّنت لنفسها مثالاً خاصاً، وجعلت منها نموذجا متميزا، يمكن أن يكون مطلب من يرغب العب من التجارب الناجحة، ومطمح من يبغي تطوير أدائه التربوي والاجتماعي بخاصة.
عن
إلا أنّ هذه التجربة الإصلاحية والتربوية مجهولة عند كثير من الباحثين، فضلا عامة الناس، وغير واضحة المعالم عند من يسمع عنها، ولا يعي حقيقتها، ولا يعرف أهدافها، ولا يفقه ركائزها ... بل كثير ممن تناولها بالدراسة والتحليل أخطأ طريق التعريف بها، ولم يوفق إلى تقدير قيمها وقيمتها، وبعض ممن ينتمي إليها فكرًا وتوجها وعاطفة لم يحسن تقديمها للآخرين؛ إما لعجزه عن فهم كثير من أسرارها، أو لفقده عنصر التركيز والتأمل والاستنباط والقراءة الجيدة في المواقف والأفكار، (1/14)
صفحة 15
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
أو لعدم تمكنه من الحصول على الوثائق الصحيحة والمصادر الموثوق فيها لاستجلاء الحقائق، وغير ذلك من معيقات البحث المعمّق والموضوعي والمنهجي المؤصل في هذه النهضة الغنية المتميزة.
إن هذا ما دفع بعض الدارسين إلى بحث الموضوع من جديد، وإعادة النظر في هذه النّهضة الإصلاحية، بمحاولة التغلب على المعيقات التي أشرنا إليها، وتصحيح بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض الذين درسوا، أو عرضوا هذه التجربة، وأكملوا الطريق الذي بدأه من سبقه في الموضوع، بعد أن ثمن جهودهم، وحلّل أعمالهم ونقدها.
من هذه الدراسات المهمة الجادّة: «معالم النّهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر، من سنة 1157 هـ - 1744 م إلى سنة 1382 هـ - 1962 م» للدكتور قاسم بن أحمد بن بابه الشيخ بالحاج، التي حصل بها على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية.
هذه الدراسة أعادت قراءة هذه النّهضة الإصلاحية من جديد، ذكرت جذورها، وأشارت إلى مرجعيّتها الفكرية، وبينت مرتكزاتها وعينت معالمها، وسردت هياكلها ومؤسساتها ورصدت مجالاتها وعمدت إلى تحليل جهود الرّجال العاملين الفاعلين فيها ....
في هذا العمل الشامل المتجدّد في مضمونه، قدّم الباحث صورة جيدة عن معالم هذه النّهضة الإصلاحية، وكشف عن قواعد العمل والبناء فيها. وأبرز أطوارها بدقة وبمنهجية علمية كبيرة، واستقراء ذكي لمسيرتها؛ اعتمادًا على معطيات مهمة، ومصادر أساسية من كتب ووثائق ورسائل وواقعات ووقائع ومواقف ... مع العرض الجيد والتحليل والتعليل والنقد ..
حاول بذلك أن يقف القارئ على مبادئ الحركة الإصلاحية، ومعالم هذه المدرسة، والمضي به إلى حسن فهم حقيقة مسيرتها، ثمّ الوصول به إلى حسن الإفادة هذه التجربة الإصلاحية، ليمتطيها فيواصل السير في طريق الإصلاح والعمل
من
م (1/15)
صفحة 16
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بالأحسن من الوسائل، والأصيل من الفكر مع تحريك الحس النقدي فيه؛ ليقوم
بتقويم تحركه هو (المتلقي) في حياته ونشاطه وإسهاماته.
الباحث حدّد بنفسه هذه المعالم التي وضعها لدراسته، قال: «تكتسي أهمية دراسة هذه الاجتهادات والتجارب في الوقوف على مكامن القوة والنجاح التي حققتها للعمل بها والبناء عليها، والوقوف على مكامن الزلل والإخفاق التي وقعت فيها لتجنبها، والحذر من تكرارها كما تكمن الأهمية في معرفة كيفية تنزيل الأحكام على الأحوال، ومراعاة الظروف الزمنية والمكانية، وكيفية التعامل مع القضايا المستجدّة، وإخضاعها للشريعة الإسلامية». (ص 2).
قال أيضا: «تأتي هذه الأطروحة لتقف على جزء من هذه الحركة الإصلاحية، التي عرفتها إباضية الجزائر؛ انطلاقا من وادي ميزاب وتخضها للدراسة والتحليل والنقد والمقارنة، وتحاول أن تفهم حقيقتها وجذورها وفكرها ومنهج عملها ومنجزاتها». (ص 3).
رأى الباحث في هذه التجربة فائدة كبيرة يجنيها من يريد السير في طريق الإصلاح والنهوض من الكبوة؛ لهذا فتقديمها مدروسة محلّلة تفيد كثيراً: «اعتقادي أن مجتمع إباضية الجزائر في وادي ميزاب له خصائص ومميزات وتجربة نوعية عريقة، جديرة بالعناية والدراسة؛ للتعريف بها، وتقديم ثمرتها للعالم الإسلامي». (ص 4). بعد محاولة تقديم صورة عن هذه التجربة المهمة في النهضة الإصلاحية، وفهمها ومعرفة حقيقتها، يأتي دور آخر تقوم به هذه الدراسة، وهو عرض نموذج من المجتمع الجزائري الذي قدم صورة واقعية في العمل؛ للمحافظة على الأصالة، مع التفتح على العصر، وفقًا لروح الإسلام، وتطبيقا لتوجيهاته.
في هذا التوجه يكمن سر نجاح هذه التجربة التي أرادها الباحث أن تكون القدوة التي تحتذى للخروج من الأزمات النفسية، والمشاكل الاجتماعية، والترهل الفكري، والتمزق الذاتي. هذا من جملة ما هدفت إليه هذه الدراسة. قال الباحث وهو يذكر أسباب اختياره هذه الموضوع، والأهداف التي يريد تحقيقها به، من
هذه (1/16)
صفحة 17
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الدوافع: «الأزمة التي شهدتها الجزائر على الصعيد السياسي والاجتماعي، والتي أفرزت سلبيات ومشاكل عويصة وصلت إلى حد التقاتل والتناحر وسفك الدماء بين أفراده، وأعادت التساؤل عن مشروع المجتمع الجزائري، والتساؤل عن هويته و مرجعيته وتاريخه ومكونات شخصيته، مما دفعني لدراسة هذا الموضوع بهدف تقديم نموذج من المجتمع الجزائري، الذي أعتقد أنه حاول أن يرسم صورة عملية واقعية - لا تزال مجسدة - للتزاوج والانسجام والانصهار بين مقومات الشعب الجزائري في إسلامه وأمازيغيته وعربيته وتقاليده وأصالته، مع انفتاحه على العصر وتفاعله الإيجابي مع قضاياه دون أن يطرح ذلك خللاً أو انفصاما في الشخصية، أو صراعًا مع الذات، أو صدامًا مع الآخر». (ص).
الهداف الأساس المسطّر للدراسة، واضح، وهو بيان أسس العمل البنائي، وتوضيح قواعد النهوض الإصلاحي ... من خلال عرض تجربة نموذجية، أثبت واقعيتها وشموليتها والتزامها بأصول العمل في مسيرتها؛ تمسكا بأصالتها، مع مراعاة التأقلم والوفاء للعصر الذي تتحرك فيه. نقرأ هذا الهدف من خلال الكلمات المفاتيح لهذه الدراسة، وركائز هذا الموضوع لبيان حقيقة هذه التجربة. الكلمات هي: معالم النهضة، الإصلاح.
حرصاً من الباحث على الغوص في أعماق هذه النّهضة الإصلاحية، وتقديم الصورة الحقيقية والنموذجية الواقعية للنهوض بالمجتمع، وخدمة الإسلام، والبناء الحضاري، وإعداد الرجال الذين يكونون امتدادًا لآبائهم فكرًا وقيما ودأبا وفعالية وكفاية وطاقة وعُدّة ... حرصا على ذلك ركز على شخصية الإمام والزعيم والقائد والرائد الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، الذي كتب عنه الكثير في هذه النهضة الإصلاحية، وأورد كثيرًا من مواقفه وأفكاره وآرائه وأعماله في كثير من مباحث هذه
الدراسة القيمة، وحلّلها ونقدها. نشير إلى هذا بسرد فقرات مما ورد في البحث:
1 - كما أشير أني ركزت على تحليل فكر النّهضة الإصلاحية في مرحلة قوتها ونضجها خلال النصف الأول من القرن العشرين بعد تحوّلها إلى حركة
2 (1/17)
صفحة 18
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
?
وتنظيم ومدرسة فكرية بقيادة الشيخ إبراهيم بيوض، وذلك لاعتقادي أن المراحل
السابقة كانت إعدادية، وكانت الجهود فيها فرديّة ومشتتة». (ص 603).
-
2
اعتمدت الحركة الإصلاحية على محورية القيادة، التي تمثلت في نخبة من العلماء والمشايخ والأعيان، التي كانت تحرك خيوط المجتمع، وتصنع أحداثه، مع التركيز على شخصية القائد الشيخ بيوض، حيث كان رمز الإصلاح، وإمام الحركة وقدوتها، وزعيمها الناطق باسمها، ولعلّ ذلك ما ينسجم مع طبيعة المجتمع، الذي يدين للشخص الرمز، ويضع ثقته الكبيرة فيه». (ص 4).
الشخص الذي يكون محور الحركة، ومرتكزها، والذي يأخذ صفة الرمز والقدوة، ويتبوأ مرتبة الإمامة والزعامة وينتزع من المجتمع فضيلة الثقة ... لابد أن يكون محل اهتمام من يريد أن يعرف عن المجتمع الذي يتزعمه ويقوده .. أن يعلم الكثير من أسراره، ويعي معالم شخصيّته، ويطلع على أفكاره ومواقفه وإسهاماته ومنهجه ... ليصل إلى غايته من الدراسة والبحث ثمّ إنّ هذه المكانة التي حظي بها الشيخ بيوض تدلّ أنّ الرّجل ليس شخصاً عاديًا في فكره وعمله وشخصيته؛ حتى هذا التأثير الكبير في مسار المجتمع الذي يتحرك فيه، هو محل تأمل ..
لقد كوّن الشيخ بيوض من كل هذا مدرسة فكرية إصلاحية اجتماعية تربوية متميزة .. إذن يصبح من الواجب القيام والحرص على دراسة هذه الشخصية دراسة جادة، كما هي حال هذا البحث. ويكون لزاما نشر فكر هذه المدرسة، والالتفاف حولها؛ للإفادة منها، ولضمان استمرارها وبقائها مرجعيّة في التخطيط والتدبير والتسيير، لتحقيق مزيد من النجاح كما حققتها هي، مع تطوير الأداء وتجديد وسائل العمل بما يتناسب مع كل زمان ومكان. هذا ما كان يحرص عليه الباحث. 3 - هذا النجاح الذي حققته هذه المدرسة، فتحت لها أبوابا من الكراهية والضغط والمؤامرات والحرب .. من جماعة، بل من جماعات، قال عنها الباحث: ... مما جعلها تعمل ما في وسعها لتضييق الخناق على كلّ ما هو عرفي اجتماعي في
وادي ميزاب بدعوى فرض هيبة الدولة وإرساء مؤسساتها على أرض الواقع. (1/18)
صفحة 19
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
وقد تركزت صور هذه الكراهية على شخص عالم وادي ميزاب ورمزه الأول، وقائد نهضته الإصلاحية الشيخ بيوض، حيث منع من القاء دروسه التفسيرية في المسجد، واستجوب واستنطق وأهين في العديد من المرات، وأدخل السجن بعد الاستقلال». (ص 607).
4 - مضت الحركة الإصلاحية في مشروعها الاجتماعي التعليمي إلى وفاة زعيمها الشيخ بيوض سنة 1981 م وما بعده، ولم تتأثر بغياب قائدها كثيرا، كما كان يتوقع ويتخوف منه، إذ إنّ القائد أفلح في بناء مؤسسات أهلية قوية، وفي تشكيل قيادة نوعية موحدة، وفي تكوين نخب وكفاءات عالية كثيرة، وفي تخريج أجيال متعلمة متربية عديدة، وفي ترك مدرسة فكرية إصلاحية ولودة، متجدّدة متأقلمة مع العصر. إلا أنه يسجل عليها ركونها - بعد ذلك - إلى حالة من الفتور والركود، مما يستدعي بذل جهود لبعث حيويتها وحركيتها من جديد». (ص 608).
ذكر الباحث عناصر القوة في المدرسة الإصلاحية التي تركها الزعيم الشيخ بيوض، وقد أدّت دورًا كبيرًا في العمل النهضوي الإصلاحي، ما يرفع من سمعة هذه المدرسة المتميّزة، ويشيد بفضل القائد في هذا التكوين القوي، الذي منح الفرصة، وفتح المجال لتستمر هذه المدرسة في النشاط والعطاء. إلا أن ما لاحظه الباحث هو تراجع أداء هذه المدرسة؛ بسبب الركون والركود اللدين أصابا القائمين في الميدان اليوم، والفتور ونقص الفاعلية اللذين يهددان مشروع الزعيم أن يستمر ويتواصل.
تقدير الباحث لهذه المدرسة الفكرية الإصلاحية في محله. وملاحظته عن أداء أبنائها في المدة الأخيرة جدير أن تتأمل وتدرس وتقوم؛ ليتدارك ما قد يعرض المسيرة لما يجهضها، وليُدفع ما قد يضر بهذه المدرسة.
5 - دور الشيخ إبراهيم بيوض في الحركة الإصلاحية، بل ومحوريته تظهر أيضا في جانب تأريخها؛ فهو أحد صانعيها، والمؤثر فيها والموجه والمسيّر لكثير أعمالها. ذكر الباحث من بين مصادره في دراسته: كتابات الشيخ بيوض،
من (1/19)
صفحة 20
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
من تفسير ومراسلات ومقالات ومذكرات ودروس ووثائق تما خطه بيده وتما حرره تلاميذه من بعده وطبعوه في كتب. وهي تعد مصدرًا لفهم الحركة الإصلاحية وفكرها ...
إذا أمكن تحديد بعض مميزات هذه الدراسة، نقول:
1 - وضعت المعالم الرئيسة للنّهضة الإصلاحية لإباضية الجزائر، وحددت أطوارها بدقة.
2 - نبهت إلى ضرورة مواصلة البحث في هذه النّهضة للتعريف بها، والوقوف على الأسرار التي تختزنها، وما تزال خافية عن الناس، بل ووضع مزيد
من القواعد لدراستها دراسة علمية منهجية موضوعية، مع تقويمها ونقدها.
3 - أشارت إلى قواعد العمل والبناء والإعداد مستقاة ومستفادة من مسيرة هذه النهضة الإصلاحية. قال في هذه النقطة: نستطيع القول: إن الحركة الإصلاحية قدمت نموذجًا عمليًا وتجربة واقعية معاصرة للعالم الإسلامي في قدرتها على بناء مجتمع يدين عمليا بالشريعة الإسلامية، ويلتزم بها في أغلب مجالات حياته، ويجتهد في إطار مبادئها؛ ليجد حلولاً لمشاكله الراهنة» (ص 603).
?
4 - تواضع الباحث في تقديم هذا الجهد، ووفاؤه لمن سبقه، وتسجيل الفضل لمن ساعده وشجعه على الإقدام لدراسة هذا الموضوع. قال عن فضيلة أستاذنا الشيخ عدّون شريفي رحمه الله، الذي شجعه على القيام بهذه الدراسة: « ... حظيت بمباركة الشيخ عدّون شريفي - عليه رحمة الله - لفكرة البحث، حينما التقيت به في الجزائر العاصمة في آخر سنة قبل وفاته، وعرضت عليه الموضوع فباركه، وشجعني على المضي فيه، وأوصاني بالتزام الآداب والحدود فيه، ودعا لي بالخير. حيث أعتبر هذا أوّل نجاح للبحث وتذليل الصعوباته. كما أن البحث حظي بوجود العديد من الدراسات السابقة والممهدة لجوانب منه، مما فتح أمامي الآفاق للتحليل والبناء والتعمق». (ص 14). (1/20)
صفحة 21
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ق
في سرد الصعوبات التي واجهته في دراسة الموضوع بدقة، وبمنهجية، تعتمد العرض الأمين، والتحليل المعمق، والنقد الموضوعي الهادف البناء ... ذكر أن هذا يتطلب خبرة كبيرة وعملاً دؤوبًا، وصبرًا ومصابرة .. إن الباحث يريد أن يقدم عملا علميا مفيدًا. كاني به يعترف بقصوره في هذا، ولا يدعي توفّره على هذا الزاد في البحث، لكنه تقدّم واستعان بالله، فحرره .. قال: «لعل الصعوبة العلمية تتمثل في ترامي أطراف البحث، وفي غزارة مادته التاريخية والفكرية، وتنوع مصادرها، تما يستدعي خبرة كبيرة للتحكم فيها، واستثمارها وتوجيهها، والاستفادة منها، وتما كذلك أوقاتا طويلة، وجهودًا كبيرة للإحاطة بها». (ص 14).
يستدعي
5 - الحكمة في عرض الموضوع، والتأدب في مناقشة المسائل والقضايا، ومراعاة الظروف ومقتضيات الأحوال في الإدلاء بالآراء، وتقديم وجهات النظر الخاصة؛ لأنّ الكتابة هي رسالة قبل كل شيء، تتطلب شروطا وضوابط في أدائها. والباحث نفسه أراد أن يقدم التجربة نموذجا للإصلاح، ومن بدهيات الإصلاح مراعاة مقتضى الحال قال مثلا:
والصعوبة الثالثة تتمثل في طبيعة الموضوع بكونه يتناول أحداثا معاصرة قريبة الوقوع، وأن تداعياتها على الحياة الراهنة ما زالت قوية، مما جعلني في أكثر من موضع في البحث أجد حرجًا وصراعًا مع نفسي بين قول ما اقتنعت به ورأيته صوابًا وبين مراعاة الواقع وأثر كلامي عليه، ولعلّ هذا ما نبهني إليه الإمام الشيخ عدون بقوله: عليك بالتزام الآداب والحدود فيه». (ص 15).
هذه الملاحظة أو الميزة كانت الغالبة في بحثه إلا بعض الهنات التي نشير إليها فيما بعد، وهي وجهة نظرنا الخاصة.
قدم الباحث مجموعة من الملاحظات المهمة، هي عند التأمل تنبيهات، على المتلقي أن ينظر فيها بعمق، وعلى المعني بها أن يفحص مضامينها، ويقرأ الرسائل التي تحملها: (1/21)
صفحة 22
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
1 - قال عن النّهاية المحدّدة لدراسته: واخترت التوقف في 1382 هـ / 1962 م، التي هي تاريخ استقلال الجزائر؛ لأني أرى أنّ النّهضة الإصلاحية اكتمل تبلور مشروعها خلال هذه الفترة، ودخلت في نوع من الاستقرار، ثمّ إنّها عاشت ظروفًا جديدة بعد الاستقلال، دفعتها لتغيير بعض الشيء في قواعد عملها، ومنهج
حركتها، مما يجعل منها مرحلة مستقلة تحتاج إلى دراسة خاصة». (ص 14). 2 - إن الحركة الإصلاحية في عمقها، تشكلت من الموروث الحضاري للمذهب الإباضي والمجتمع الميزابي، ثمّ تفتحت على العالم الخارجي، فاستفادت منه وتأثرت، وتطعمت ولقحت به تجربتها ونظرتها تمثل ذلك أساسا في الفكر الإسلامي القادم من المشرق، مجسدا في الحركة الإصلاحية المصرية، والحركة العلمية والسياسية التونسية». (ص 600).
3 - إنّ النّهضة الإصلاحية عند تحوّلها إلى حركة خلال القرن العشرين ضبطت خطة عملية لإحداث الإصلاح، والنزول بها إلى الميدان، وظفت فيها مجموعة من الأطر والمؤسسات والهيئات بعضها كان موجودًا من قبل، فقامت بتفعيل دوره وبعضها أحدثته من العدم، تمثل ذلك أساسا في المسجد ونظام العزابة، ومحافل المجتمع والمدارس والمعاهد والصحافة والجمعيات ومؤسسات الدولة والعلاقات الخارجية». (ص 600 - 601).
4 - أدركت الحركة الإصلاحية أن من أكبر جبهات الإصلاح، ومن أكبر تحدياته إعداد الجيل الصاعد وتربيته تربية سليمة، على أسس الإسلام وقيمه وثوابته وتحضيره للمستقبل، فركزت في فلسفتها التربوية التعليمية على البعد العقدي والأخلاقي والعلمي والاجتماعي العملي، فكرّست جهودها في مسيرة متواصلة، لم تشهد أي توقف أو تعثر لبناء هذا الجيل، وإحداث الإصلاح التربوي التعليمي، ففتحت المدارس وطورت البرامج وجلبت التجارب، وشجعت التعليم الفرنسي، وأنشأت معهد الحياة، وخصته بعناية فائقة، ورابط أعلامها ومشايخها في حلقاته، ورأت فيه مشتلة لتخريج النخب والكفاءات، وأرسلت طلبتها لاستكمال (1/22)
صفحة 23
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ش
دراستهم في المعاهد والجامعات الإسلامية، وأنشأت لهم البعثات العلمية لرعايتهم، وتوفير ظروف الدراسة، واستزادة التكوين». (ص 602).
5 - اعتقادي أن مجتمع إباضية الجزائر يمر بمرحلة حساسة من تاريخه، تواجهه فيها مخاطر وتحديات كبيرة، تهدد بقاء حضارته، لأسباب عديدة؛ على رأسها المشاكل الداخلية والعولمة بمختلف صورها وأشكالها، مما يستدعي منه العمل الجدي لتدارك هذا الوضع، والعودة إلى تاريخه القريب، لدراسته وفهمه بعمق واستلهام دروسه وعبره، لتقويم حاضره واستشراف مستقبله على ضوئه». (ص 4).
هذه بعض الملاحظات التي يأخذ بعضها طابع نتائج الدراسة، التي تسجل وتوضح أهدافها، وتقدم الثمار التي قطفها الباحث من بحثه. وتحمل - أيضا - صفة التنبيه إلى أهمية ما عرض، والنصح إلى حسن الإفادة منها، والأهم من ذلك كله تحميل المسؤولية في القيام بالواجب، كما قام بها من قبلنا، ومن خلال ذلك دعوة كل فرد إلى القيام بالنقد الذاتي لمسيرته، وكلّ مؤسسة بتقويم أعمالها؛ حتى تستمر النهضة، ويتطوّر العمل على قواعد ثابتة وأسس صحيحة ..
التزاما بالموضوعية في تقديم الأعمال العلمية الجادة، وحرصا على التحلي بالنقد البناء المفيد في حوار الأفكار وتقويم المحاولات، أقدم نماذج من بعض الاجتهادات، وبعض الاستنتاجات التي قدمها الباحث؛ آراء شخصية، ونظرات خاصة ليتأمل فيها القارئ، ويناقشها وينقدها بفكر متجرد وموضوعية، ونظر ثاقب ليكون ما يقدّمه إضافة إلى البحث وتقويما له أقدم وجهة نظري بنقدها، وعلى المتلقي أن ينقد هذا النقد:
1 - في حديث الباحث عن الحركة الإصلاحية الجزائرية، أشار إلى مصادرها التي استلهمتها واستر شدت بها وتأثرت بها قال: من ذلك بلاد الجزائر التي تأثرت بالحركة الإصلاحية المصرية وتبنت أفكارها، وعملت على إشاعتها في شعبها، وقد قاد هذه الحملة ثلة من العلماء والمشايخ والرّجال المخلصين». (ص 3). (1/23)
صفحة 24
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
لا ننكر أبدا تأثر الحركة الإصلاحية بما وفد إليها من المشرق الإسلامي، أو ما أتى به قادتها منه في أثناء وجودهم فيه للدراسة أو للاتصال برجاله، لكن هذا لا يعني تبنّيهم لكل أفكار علمائها والذوبان في حركتهم، بل كانت لهم استقلالية في ذلك، فقد خالفوا كثيرًا من آرائهم ومناهجهم في إصلاحهم. فأغلب هذه الأفكار والمشروعات والمناهج التي تبنوها كانت جزائرية محضة، انبثقت من صميم المجتمع الجزائري، واصطبغت بخصوصيات الظروف التي حركت نشاط هؤلاء الزعماء، التاني في إصدار الأحكام، وتقرير الحقائق.
ينبغي
2 - لم تستطع الحركة الإصلاحية الحفاظ على وحدة المجتمع، وبقائه صفا واحدًا أثناء تجسيد مشروع نهضتها الإصلاحي، فهي تتحمل جزءا من مسؤولية إحداث شرخ اجتماعي عميق، نتج عنه قسمة مجتمع وادي ميزاب إلى صفين متخاصمين متعارضين لا تزال الآثار السلبية لهذا الانقسام بادية فيه إلى حد اليوم، كما أنها لم تجتهد كثيرًا فيما بعد في جبر هذا الكسر، وإعادة المياه إلى مجاريها، بعد أن استب لها الأمر». (ص 604).
هذه الأحكام السلبية التي أصدرها الباحث على الحركة الإصلاحية الميزابية تهدم كل ما قاله عنها في أثناء دراسته من إيجابيات؛ لأنّ الإصلاح الذي لا يعي حقيقة عمله، وهو إصلاح الفاسد وترشيد العمل البنائي، وتوجيه الجهود إلى القواعد الذي تؤسس للحفاظ على صلاح المجتمع ... لا يسمى إصلاحا. لا معنى لأن يُقدَّم نموذجًا عمليا وتجربة واقعية ... في قدرتها على بناء مجتمع ... ، إذا كان قد أحدث شرخا اجتماعياً عميقاً في المجتمع، ولا معنى لمشروعها النهضوي، ولا قيمة لهذه النتيجة التي انتهى إليها البحث: بذلت هذه النّهضة الإصلاحية جهودًا كبيرة مضنية لإحداث إصلاح شامل للمجتمع، مست فيه الجوانب الدينية والاجتماعية والتربوية والتعليمية والسياسية والاقتصادية ... » (ص 6) إذا كانت قد
أسهمت في إحداث شرخ اجتماعي عميق ..... (1/24)
صفحة 25
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
إذن، إن الحركة نجحت في إصلاح كل شيء، وأفسدت الوحدة. ووحدة المسلمين مقدّسة، هي فرض. كان الأولى مناقشة موضوع الفرقة، وتحليل الأطراف المتسببة فيها؛ انطلاقا من مبادئ الإسلام والتشريعات التي تنظم سلوك المسلم وتحدد قانون الالتزام بشرع الله وعرض المحاولات التي قام بها هؤلاء المصلحون لتجنب هذه الفرقة وفي المقابل تسرد الأعمال المواجهة لنشاط الحركة الإصلاحية؛ حتى يكون الحكم أكثر موضوعية، وإن كنا نحن في غنى عن كل هذا، حتى لا ننبش في تاريخ مضى وذهب مع أصحابه، فنتجنّب إطلاق أمثال هذه الأحكام؛ لنحافظ على الوحدة المنشودة ..
تقرير الحقائق يتطلب منهجيّة؛ تعتمد المبادئ والمعطيات والظروف، والوثائق والأدلة والقدرة على التحليل والاستنباط وتقدير المواقف، والقراءة المتأنية في الوقائع والواقعات والأحداث.
3 - قال الباحث وهو يسرد الأخطاء والسلبيات والنقائص التي ارتكبتها الحركة الإصلاحية في نهضتها ركزت الحركة الإصلاحية كثيرا على شخصية الزعيم القائد، حيث كانت شخصية محورية مركزية؛ كلّ شيء ينطلق منه ويعود إليه، وقد أثر ذلك - نوعًا ما - على التمكين أكثر للمؤسسات وإتاحة الفرص للأفراد. ولعلّ ذلك ما كان ينسجم مع طبيعة المجتمع الذي كان يدين لزعيم القبيلة وشيخ الجماعة». (ص 605).
فيما ذكره الباحث أمران في حاجة إلى توضيح وبيان وتذكير:
أ - المبالغة في تقرير فردية العمل، وتسجيل محورية التحرك، وقوله: «كل شيء ينطلق منه ويعود إليه، إن هذا ليس صحيحًا بإطلاق. كما أن هذا الحكم يتناقض مع إشادة الباحث بعمل الزعيم في إنشاء مؤسسات، وضع فيها أفرادا يديرون شؤون المجتمع، وهو ما عرف بالمنهج المؤسساتي في العمل. دليل ذلك البحث نفسه الذي أشار إلى أن حركة الشيخ بيوض استمرت بعده، ولم تتأثر بوفاته؛ لأن الزعيم أسس عمله على تكوين رجال يقومون بالعمل معه، وما
من (1/25)
صفحة 26
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
خ
هذا
بقاؤهم في الميدان وهو غائب عنهم بوفاته، إلا لأنهم ألفوا العمل، من دون الرجوع إليه دائمًا، أي يكون غائبًا عنهم وهو وحي يرزق، والعمل لا يتوقف، فلو كان كل شيء ينطلق منه ويعود إليه لعادت الأمور إلى الصفر بعد عودة الزعيم إلى ربه. فليعد الباحث النظر في هذا الحكم، وليستقرئ الواقع، وليتأمل جيدا في المسيرة، وليقابل بين آرائه - في دراسته - وليتأكد من عدم تناقضها. هو القائل: ولم تتأثر بغياب قائدها كثيرًا، كما كان يتوقع ويتخوف منه، إذ إن القائد أفلح في بناء مؤسسات أهلية قوية، وفي تشكيل قيادة نوعية موحدة، وفي تكوين نخب وكفاءات عالية كثيرة، وفي تخريج أجيال متعلمة متربيّة عديدة، وفي ترك مدرسة فكرية إصلاحية ولودة، متجدّدة متأقلمة مع العصر». (ص 608). ماذا يعني الحكم الذي هو من استنتاجه وتقريره؟!. ب - التعليل الذي قدمه الباحث غير واضح هل هو تبرير لموقف الزعيم؟ هل هو مأخذ يؤخذ على المجتمع؟ هل هو شيء إيجابي يحمد للمجتمع، أملته الظروف، التي تتطلب هذا السلوك، في غياب الكفاءات التي توجه المجتمع؟ وفي ظل انتشار الجهل والأمية، وتربّص الأعداء لاستغلال الوضع للإيقاع بالمجتمع، فكان الالتفاف حول زعيم قادر على تجنيبه هذه المخاطر والمناكر مبرة استراتيجية، أو ضرورة منهجيّة؟؟ مهما تكن الإجابة، فهذا الانتقاد في حاجة إلى بيان مقنع، وتفسير أكثر موضوعية.
4 - أحيانًا يحمّل الباحث الحركة الإصلاحية أكثر من طاقتها وإمكاناتها، رغم إقراره بالعوامل الحائلة دون العمل الذي يلومها على التقصير فيه، ويجد لها مبررات عن تأخرها في التحرك في بعض الميادين، وفي مجالات كان أمل الباحث كبيرًا أن يرى الحركة أسهمت فيها، وأفادت بها من يحتاج إلى مشروعاتها وأفكارها، وما توفّر لديها، مما هو مفقود عند غيرها.
قد يكون من الأسباب التي جعلت الباحث يقدّر أن مسؤولية الحركة لا حدود لها، في السير في طريق النهضة والإصلاح انبهاره بالتجربة الرائدة لها في (1/26)
صفحة 27
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ذ
النهوض بالمجتمع، وما تملكه من أدوات العمل المؤسس على قواعد، منبثقة من التجربة والحنكة ...
هذا موقف وتقدير يبدوان بعيدين عن الصواب وعن الواقعية، قد يصلان إلى حد التجني على من يبذل جهودًا كبيرة ويجاهد جهادًا مستميتا، ثم يلام على التقصير فيما لا حول له فيه ولا قوة. قال مثلاً: كان بالإمكان للحركة الإصلاحية أن تقوم بدور أكبر وتأثير أقوى على إباضية الخارج، بخاصة إباضية المغرب من تونس وليبيا، فتستغل قوتها ونفوذها وقدرتها في إحياء حركتهم، وبعث نشاطهم من جديد، وتصدير نهضتها إليهم، وإخراجهم من الأوضاع المتردية التي يعيشونها. لكنها اكتفت باستقبال بعض طلبتهم في مدارسها ومعهدها فقط، وعقد بعض الزيارات إليهم ولم تهتم بلعب دور أكبر كتنظيم صفوفهم وتزويدهم بالتجربة الاجتماعية التي ينعم بها وادي ميزاب وإعادة بعث نظام العزابة لديهم. ولعلّ الأوضاع السياسية في هذه البلدان حالت دون ذلك». (ص 606).
ما يردّ هذا الزعم أو يؤخذ على هذا الحكم ما يأتي:
ا - ليست عند الباحث أدلة على أنّ الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب لم يكن لها اهتمام بمساعدة إخوانها في تونس وليبيا. فعدم التمكن من العمل لا يعني عدم الاهتمام.
ب - ذكر أن الحركة اكتفت باستقبال الطلبة، والقيام بالزيارات إليهم، وهناك وسائل قامت بها الحركة تدلّ على التواصل بين إباضية المغرب الإسلامي. هذه المجهودات ربما هي ما توفّر لديها؛ بسبب الأوضاع الخارجية، والعوامل الداخلية. ج - أي نفوذ وأي قوة وأي قدرة تملكها الحركة لتتجاوز حدود محيطها، فتقوم بمهمة الإحياء والنهوض في ظل أوضاع سياسية متردية في بلدها الجزائر، تحت غطرسة استعمارية، مدمّرة كلّ شيء، ومجهزة على كل تحرك داخلي، فضلا عن النشاط الخارجي؟! وماذا تستطيع أن تقوم به الحركة لتعين على إحياء نظام انقرض (1/27)
صفحة 28
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ض
من جربة بتونس - مثلا - قبل ثلاثة قرون كاملة؟ وما هو استعداد أهلها، وما هي
قوتهم وقدرتهم على القيام به، لو تمكنت الحركة في الجزائر أن تحييه؟. د - ما دام الباحث قال: ولعلّ الأوضاع السياسية في هذه البلدان حالت دون ذلك فما معنى اللوم هنا؟ وأين التقصير في نشاط الحركة؟؟.
5 - أحيانا يقع الباحث في تناقض في سرد الأحداث، وتقويم المسيرة، أو لا يتأكد جيدًا من المعلومات التي ينقلها. انتقد على الحركة عدم ربط علاقات مع علماء في العالم الإسلامي حضور الملتقيات وعدم المشاركة في أحداثه، أو كانت هذه المشاركة دون المستوى المطلوب ... كان تموقع الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي، وربط العلاقات العلماء، وشهود محافله، والمشاركة في أحداثه دون المستوى، رغم الجهود المبذولة، إذ كان بالإمكان أن تؤدي دورًا أكبر، وتسمع صوتها وصوت نهضتها في هذه المحافل الإسلامية، وتعقد علاقات وطيدة مع كبار علماء الإسلام، فتعرف بنهضتها وبمذهبها، وتصحح النظرة التاريخية الخاطئة عنه. وتقدم تجربتها الحضارية للعالم الإسلامي، حيث لم نر لأعلامها حضورا بارزا في
المحافل الإسلامية العالمية». (ص 606).
تعليقنا على هذا الحكم يكون كالآتي:
أ- الردّ على هذا الحكم يحتاج إلى صفحات وصفحات، حتى نبيّن بعده عن الحقيقة، سنكتفي ببعض السطور تجنبا للإطالة.
ب - يقرر الباحث هذا الحكم بعيدا عن العوامل التي كانت تحيط بالعمل الإصلاحي قبل سنة 1962 م، الفترة التي خصها بالدّراسة، فهو يفكر بتفكير العصر الذي يعيشه.
ج - هو ينظر إلى الموضوع نظر شاب طموح، له آراء وأفكار وهموم واهتمامات ... يرغب أن تتجسد في الواقع، فلم يتحقق له ذلك، وكان يتمنى لو كان آباؤه قد فعلوا ذلك، لكنّهم لم يفعلوا، فبدا له ذلك تقصيرًا. بينما لمن سبقه من (1/28)
صفحة 29
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
غ
ذلك
أعلام الحركة نظرة أخرى، وهم يعيشون أوضاعا وأحوالاً لم يعشها هو. من أنهم كانوا يسيرون في تخطيطهم ومشروعاتهم وطموحهم وفق الأولويات، وتبعا للإمكانات المتوفّرة عندهم، فمن أولوياتهم ترتيب البيت من الداخل أولا، والقيام ببناء الجبهة الداخلية، ثم الانتقال إلى العالم الخارجي بعد ذلك، متى توفّرت الظروف والعوامل.
د - وقع الباحث في الخطأ الذي انتقده على الحركة الإصلاحية، وهو التركيز على شخصية الزعيم القائد فحصر البحث في هذه القضايا في أعمال هذا القائد الشيخ إبراهيم بيوض)، فحكم على الحركة من خلال نشاط الزعيم، حتى ولو أنه قد ذكر أعمال الأعلام الآخرين، إلا أن هذه النظرة كانت مسيطرة عليه، وهو يتناول الموضوع، فأثرت عليه سلبًا. فجنى على البحث بهذا، وجنى على الزعيم نفسه، إذ كان ما خصه به من عناية، ووفر له من مساحة كبيرة في بحثه سببًا في هذا الحكم رغم أن الشيخ بيوض لم يكن مقصرًا في هذا الجانب. كان مشاركا فيما طلبه الباحث، ولو بمقدار قليل، لأنه كان مركزا على الجبهة الداخلية، وكان له دور كبير في بنائها، وكان منشغلا بالتربية، التي بها يأتي ما طلبه الباحث. بعض العلماء الآخرين شغلوا أكثر بالعالم الخارجي، وبخاصة الشيخان الإبراهيمان أبو إسحاق وأبو اليقظان، ثم بعد ذلك الشيخ الناصر المرموري ...
هـ - لعلماء الحركة الإصلاحية مشاركة فيما طلبه الباحث، بحسب ظروفهم وإمكاناتهم. ماذا يقول الباحث في مشاركات زعماء الحركة الإصلاحية في الحياة السياسة التونسيّة، وفي الحزب الحرّ التّونسي بزعامة الشيخ عبد العزيز التعالي وبخاصة المشايخ صالح بن يحيى، وأبو إسحاق، وأبو اليقظان .. وماذا يقول في أعمال الشيخ أبي إسحاق اطفيش في مصر، ودوره في التعريف بالفكر الإباضي فيها، وتزويده دار الكتب المصرية بالمؤلفات الإباضية، وإشرافه على طبع مجموعة منها هناك، ومناظراته للعلماء، ومجالستهم ومشاركته في تحقيق بعضها؟ ماذا يقول (1/29)
صفحة 30
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ظ
الباحث في مشاركة الشيخ أبي إسحاق في مؤتمر القدس في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي؟ ... لقد كان عضوًا في لجنة تأسيس جمعية الهداية الإسلامية. وعضوا في لجنة تأسيس جمعية الإخوان المسلمين، وعضوًا فعالا في جمعية تعاون جاليات شمال إفريقيا في القاهرة؟ ...
ماذا يقول الباحث في علاقة الشيخ أبي اليقظان بعلماء مصر وتونس والحجاز وغيرها، والكتابة في صحفها، واستقبال أخرى منهم، لينشرها في صحافته؟ ماذا يقول عن مراسلاته معهم؟ كيف كان ينظر إلى كتاباته العديدة عن قضايا العالم الإسلامي؟ فهناك كثير من الدراسات التي قدمت وما تزال تقدّم في الموضوع. قضايا عربية وإسلامية في صحافة أبي اليقظان ...
العلماء
ماذا يقول في الضجة التي أثيرت حول الخلاف الذي حصل بين العالمين الكبيرين الشيخين شكيب أرسلان، وسليمان الباروني باشا، وكيف اهتم واغتموا لهذا الشقاق وعدوه ضربة موجعة للوحدة الإسلامية، فاهتموا بالقضية واجتهدوا في رأب الصدع بينهما، وحرروا فصولا في مختلف الصحف الإسلامية ... من هؤلاء الشيخ إبراهيم بيوض الذي كتب مقالاً في ست حلقات عنوانه: الفرقان بين أميري السيف والبيان سليمان باشا وشكيب أرسلان نشر في جريدة الأمة اليقظانية في الأعداد: 156 - 161، سنة 1938 م بإمضاء (أفلح، وهو الشيخ بيوض)؟
ماذا يقول في اللجنة التي ترأسها أسد القرارة الشيخ الحاج بكير العنق (ت: 1934 م) لمناصرة تركيا وهي تعيش أوقاتاً عصيبة، وذلك في العقد الأول أو الثاني من القرن العشرين، وكان أستاذه الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي (ت: 1921 م) عضوا فيها؟؟ ..
هذا غيض من فيض؛ مما يثبت أن علماء الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب لم يغيبوا عن شهود محافل العالم الإسلامي، ولم ينأوا عن أحداثه، ولم ينغلقوا على أنفسهم، ولم ينعزلوا عن العلماء المسلمين ... فقد أقدموا وقدموا وقاموا بما (1/30)
صفحة 31
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
يستطيعون، وبما كانت تسمح لهم به الظروف، ويتناسب مع مشروعاتهم وتخطيطهم، وينسجم مع قدراتهم ...
نرجو من القارئ أن يقرأ هاتين الفقرتين جيّدًا، ويتأمل فيهما، ويفقه ما تحملانه من معان ودلالات وتنبيهات ورسائل
1 - مع منتصف القرن العشرين بلغت النهضة الإصلاحية مرحلة قوتها، ونضجها وتمكينها، وأصبحت قائدة مجتمع إباضية الجزائر في وادي ميزاب وموجهة له، والقوة الفعلية الأولى فيه.
إن إباضية الجزائر حظيت بامتلاك مجتمعها لنظام العزابة، والمؤسساته العرفية الاجتماعية، التي عملت على حفظ المجتمع من التفكك، وصيانته من الانحراف، وإبقائه في مستوى من الصلاح والقابلية للدعوة والانصياع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبقاء خيط الإصلاح فيه رقيقاً، دون أن ينقطع، وضوء النهضة خافتا، دون أن ينطفئ، رغم ما آلت إليه الأوضاع العامة. هذا ما دفع فجر النهضة
الإصلاحية إلى البزوغ وأعانها على العمل والنجاح والتمكين». (ص 600). 2 - من جملة ما أوصى به الباحث ما يأتي: العناية بالمذهب الإباضي علميا، بتكوين المختصين فيه تاريخا وفكرًا وعقيدة وفقها، والعمل على تحقيق تراثه، وطبع مصادره، وإعادة دراسته ونقده داخليا، والجرأة على تقويم أخطائه وضبط مساره، والعمل على حضوره وتموقعه في المحافل الوطنية والإسلامية، وتصحيح الرؤى الخاطئة حوله، وبذل المزيد من الجهد لأجل اعتباره - فعليا - ضمن دائرة المذاهب الإسلامية الوسطية المعترف بها إسلاميا». (ص 610). مجمل القول: إنّ هذه الدراسة قيمة بما قدمته من تعريف بنهضة إصلاحية، تقوم شاهدا على قدرة المسلمين على القيام بعمل جاد في سبيل إقامة مجتمع فاضل يتخذ الإسلام مصدر حياته، ومقوّم مسيرته، ومعين عطائه، وضمان بقائه، ومُعينه على الصمود في وجه الأعاصير والعواصف ومقاومة كل المتغيرات التي تريد تقويضه، بشرط العمل بقواعد صارمة، وبوسائل تتناسب مع العصر، وتستجيب (1/31)
صفحة 32
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
للمتطلبات ... هذا كلّه مثبت في تجربة النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر. كما قدم الباحث نظرات مهمة في تقويم مسيرة النهضة الإصلاحية، وقدم رؤى استشرافية لتصحيح الأخطاء، وتطوير العمل، وإعداد الأجيال التي تواصل الدرب، وتضمن سيرورة الفكر الأصيل ....
وفق الله الباحث في دراساته المستقبلية؛ ليكمل السير في الدرب، فيبرز حقيقة هذه النهضة الإصلاحية المثمرة، التي تحوّلت إلى مدرسة فكرية متميزة. وكذلك يواصل البحث ليقدّم للعالم، وللشباب بخاصة الفكر الأصيل الذي يندم الإسلام ويعين الناس كافة للإفادة منه، إنه سميع قريب مجيب.
الحميز، الجزائر يوم الأربعاء: 23 من شوال 1432 هـ
21 من سبتمبر 2011 م
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب واللغات
جامعة الحاج الأخضر باتنة (1/32)
صفحة 33
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين أجمعين
مقدمة
إن دراسة تاريخ الشعوب والأمم، والوقوف على تجاربهم في الحياة يعد من أقدم العلوم التي عرفتها الإنسانية واعتنت بها وأحست بالحاجة إليها، في تخليد ذكرها، وأمجادها، كما كانت تستمد منها هويتها وقوتها وأحقيتها في الوجود، لتعيش بسعادة وهناء وهدف وأمل. فكان التاريخ ولا يزال يؤثر على مجريات الأحداث الراهنة للبشر، ويوجه مستقبلها.
لا شك أن المسلمين - كغيرهم من البشرية - مطالبون بالعناية بتاريخهم، واستلهام الدروس والعظات منه، والاعتبار مما وقع فيه من أحداث، فقد جاء أمر الله تعالى صريحا في كتابه العزيز بالدعوة للنظر في حياة السابقين والتأمل في مصيرهم، في قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلُ، وفي قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى (2).
(1)
ثم إن المسلمين مطالبون بالدراسة المتأنية المتجددة لسيرة رسولهم الكريم محمد
، حين اختاره الله تعالى ليكون قدوة لهم حيث قال: {وَلَقَدْ كَانَ لَكُـ رَسُول الله إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الـ
(1) سورة الروم / الآية: 42. (2) سورة يوسف / الآية: 111.
3 (1/33)
صفحة 34
مقدمة
2
كثيرا (1). وجعل من مجتمع صحابته خير مجتمع أخرج للناس حين خاطبهم: قائلا: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّة أخرجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وتُومِنُونَ بالله (2).
لا شك أن في الاطلاع على سيرة هذا الجيل النموذجي للمسلمين وللبشرية حثا ودعوة لاقتفاء الآثار، واتباع النهج، وسلك الطريق، ومعرفة تفاعل هذا الجيل مع الدين في عقيدته وأحكامه وقيمه وأخلاقه.
تأتي بعد هذه الأهمية الأولى في دراسة العصر الذهبي النموذجي للإسلام دراسة بقية الاجتهادات الإصلاحية التي عرفتها الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل، وفي بلادها الشاسعة، التي قادها ثلة من العلماء والمصلحين والمجددين الذين أدركوا أن الواجب الشرعي يملي عليهم العمل على تحقيق شرع الله تعالى على: أرض الواقع، وفي حياة الناس بما يتوافق مع ظروف الزمان والمكان والحال، لأجل إصلاح أوضاع مجتمعاتهم، والعودة بها إلى جادة الطريق، وتحقيق وظيفة الاستخلاف في الأرض. فكانت حكمة الله تعالى تقتضي أن يرسل في هذه الأمة بين الحين والآخر من يجدد لها دينها وينفخ فيها الروح من جديد، ويدعوها إلى نصرة شريعة الله تعالى. وتمثل دور هؤلاء المصلحين أساسا في بذل الجهد للاقتراب بمجتمعاتهم خطوات نحو المجتمع النبوي النموذجي، واقتراب أفراده خطوات نحو الفرد النموذجي القدوة المتمثل في شخص النبي الأكرم محمد.
تكتسي أهمية دراسة هذه الاجتهادات والتجارب في الوقوف على مكامن القوة والنجاح التي حققتها للعمل بها والبناء عليها، والوقوف على مكامن الزلل والإخفاق التي وقعت فيها لتجنبها والحذر من تكرارها، كما تكمن الأهمية في معرفة كيفية تنزيل الأحكام على الأحوال، ومراعاة الظروف الزمنية والمكانية،
وكيفية التعامل مع القضايا المستجدة وإخضاعها للشريعة الإسلامية.
(1) سورة الأحزاب / الآية: 21 (2) سورة آل عمران / الآية: 110. (1/34)
صفحة 35
مقدمة
3
عرفت البلاد الإسلامية مشرقا ومغربا هذه المحاولات للإصلاح، والدعوات للنهضة، وقد تفاوت في ترك آثارها على مسار المجتمعات الإسلامية، كما تفاوت في تحقيق هدف المقاربة مع المجتمع النبوي المنشود. إذا تكلمنا عن فترة التاريخ الحديث والمعاصر، الذي عاشت فيه جل الشعوب الإسلامية مرحلة ضعفها واستعمارها، وهوانها، فإنه في مقابل ذلك تعالت دعوات النهضة وانطلقت حركات الإصلاح، منادية بتغيير هذا الواقع، ورفع هذا الغبن وتحرير هذه الشعوب من أغلالها، وتخليصها من مصائبها.
تلك
لعل أهم هذه الدعوات التي تركت بصمات واضحة وآثارا بارزة في حياة الشعوب الإسلامية وشهدت تغلغلا في أعماقها وانتشارا في أوساطها هي الدعوة التي قادها الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا، ثم تواصلت على أيدي تلاميذهم من بعدهم.
إذا كانت شعلتها الأولى قد انطلقت من مصر فإن ضياءها ونورها قد تردد في أصداء العالم الإسلامي مشرقا ومغربا، وتلقفها العلماء والزعماء، وقطعوا بها أشواطا وعملوا على تطويرها والبناء عليها في أوطانهم.
من
ذلك بلاد الجزائر التي تأثرت بالحركة الإصلاحية المصرية، وتبنت أفكارها وعملت على إشاعتها في شعبها، وقد قاد هذه الحملة ثلة من العلماء والمشايخ والرجال المخلصين. تأتي هذه الأطروحة لتقف على جزء من هذه الحركة الإصلاحية، التي عرفتها إباضية الجزائر انطلاقا من وادي ميزاب، وتخضعها للدراسة والتحليل والنقد والمقارنة، وتحاول أن تفهم حقيقتها وجذورها وفكرها ومنهج عملها ومنجزاتها.
أسباب اختيار الموضوع وأهدافه
كان وراء اختيار هذا الموضوع عدة أسباب وأهداف يمكن إيجازها فيما يلي: (1/35)
صفحة 36
مقدمة
- ميولي إلى الدراسات الفكرية الإسلامية، واهتمامي بالتاريخ الإسلامي منذ المراحل الجامعية الأولى، مما حفزني على المضي في هذا المنحى، والتخصص العلمي فيه، ودراسة النهضة الإسلامية الحديثة والمعاصرة.
اعتقادي أن مجتمع إباضية الجزائر في وادي ميزاب له خصائص ومميزات وتجربة نوعية عريقة جديرة بالعناية والدراسة، للتعريف بها وتقديم ثمرتها للعالم
الإسلامي. اعتقادي أن مجتمع إباضية الجزائر يمر بمرحلة حساسة من تاريخه، تواجهه فيها مخاطر وتحديات كبيرة تهدد بقاء حضارته، لأسباب عديدة؛ على رأسها المشاكل الداخلية، والعولمة بمختلف صورها وأشكالها، مما يستدعي منه العمل الجدي لتدارك هذا الوضع، والعودة إلى تاريخه القريب لدراسته وفهمه بعمق، واستلهام دروسه وعبره، لتقويم حاضرة واستشراف مستقبله على ضوئه.
- الأزمة التي شهدتها الجزائر على الصعيد السياسي والاجتماعي، والتي أفرزت سلبيات ومشاكل عويصة وصلت إلى حد التقاتل والتناحر وسفك الدماء بين أفراده، وأعادت التساؤل عن مشروع المجتمع الجزائري، والتساؤل عن هويته ومرجعيته وتاريخه ومكونات شخصيته، مما دفعني لدراسة هذا الموضوع بهدف تقديم نموذج من المجتمع الجزائري، الذي أعتقد أنه حاول أن يرسم صورة عملية واقعية - لا تزال مجسدة - للتزاوج والانسجام والانصهار بين مقومات الشعب الجزائري في إسلامه وأمازيغيته وعربيته وتقاليده وأصالته مع انفتاحه على العصر وتفاعله الإيجابي مع قضاياه دون أن يطرح ذلك خللا أو انفصاما في الشخصية أو صراعا مع الذات أو صداما مع الآخر.
-
الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية في محاولاتها المتكررة للنهوض الحضاري والخروج من ورطة التخلف والركود للالتحاق بمصاف الأمم المتقدمة الرائدة للبشرية، فهي مطالبة شرعا بذلك، وقد قطعت أشواطا في هذه المسيرة الطويلة، ولا يزال أمامها الكثير، وقد شهدت فيها انتصارات وإخفاقات، ولا تزال (1/36)
صفحة 37
مقدمة
5
جبهات الإصلاح والتغيير أمامها مفتوحة وإشكالات الحضارة أمامها مطروحة هذا ما يستدعي الوقوف بالدراسة والتحليل والتقويم لكل تجارب النهوض والإصلاح التي عرفها العالم الإسلامي للاستفادة منها، ومعرفة مواطن القوة والضعف فيها، ومواطن النجاح والخطا.
اعتقادي أن البشرية اليوم أضحت بحاجة ماسة إلى الإسلام دينا وعقيدة وشريعة أكثر من أي وقت مضى، وهي تنظر إلى أتباعه متلهفة للأخذ بيدها إلى حياة الطمأنينة والسعادة والإنسانية الحقة، وإنقاذها من براثن الحياة المادية الصاخبة التعيسة الزائفة. ولا شك أن ذلك لا يتأتى للمسلمين في عصر العلم والقوة والمصلحة إلا بعرض الإسلام في قالب من ذهب بأن يعاين العالم أمامه، ويرى رأي العين مجتمعات إسلامية نوعية عملية مجسدة على أرض الواقع، وليست نظرية أو تاريخية فقط، تأخذ بأسباب التمكين وتحيى بإسلامها في عصرها، ولا تهرب بإسلامها من عصرها وتهتم بالإنسان عقلا ونفسا وجسدا وروحا.، وتجسد الحريات والمطالب الكبرى للإنسانية. إذن: هذه هي الدوافع التي انطلق منها البحث ساعيا لتحقيق هذه الأهداف.
أطروحة البحث:
ينطلق البحث من أطروحة علمية يتبناها، ويدافع عنها، ويحاول أن يثبت صحتها من خلال فصوله ومباحثه مفادها ما يلي:
إن إباضية الجزائر خلال فترة التاريخ الحديث والمعاصر قاموا بنهضة إصلاحية، ودخلوا في دورة حضارية جديدة كان ميلادها مع منتصف القرن الثامن عشر، وقد مرت بمراحل إعدادية اتسمت فيها بالضعف والتشتت، ثم بدأت تنمو وتكبر وتجمع قواها وتنظم صفوفها مع مرور الوقت إلى أن شهدت أوج نضجها وقوتها وتمكنها من المجتمع مع منتصف القرن العشرين، وذلك بعد أن تحولت إلى حركة إصلاحية، ثم إلى مدرسة إصلاحية. (1/37)
صفحة 38
مقدمة
6
بذلت هذه النهضة الإصلاحية جهودا كبيرة مضنية لإحداث إصلاح شامل للمجتمع، مست فيه الجوانب الدينية والاجتماعية والتربوية والتعليمية والسياسية والاقتصادية واعتمدت في إصلاحها الدين الإسلامي – عقيدة وشريعة – مرجعية لها، واجتهدت في إنزال أحكامه على الوقائع، وتفاعلت مع شؤون الحياة المختلفة لإحداث الإصلاح والتغيير واستطاعت أن تقطع أشواطا معتبرة في مسيرتها هذه، وتحقق نسبة معتبرة من أهدافها.
تساؤلات الأطروحة:
لإثبات هذه الأطروحة نحدد جملة من التساؤلات التي سيعمل البحث جاهدا
ليجيب عنها، وهي تتمثل فيما يلي:
متي
كان ميلاد هذه النهضة الإصلاحية، وما هي دواعي ظهورها؟
ما هي المراحل التي مرت بها؟
ما هي الأهداف التي كانت تصبو لتحقيقها؟
ما مفهوم هذه النهضة الإصلاحية؟
ما مدى استفادتها من المجتمع الإباضي وتراثه؟
كيف تأثرت بالمحيط الجزائري والإسلامي، وكيف كانت علاقتها بهما؟ هل كان لها منهج واضح التزمت به وسارت عليه؟
فيم تمثلت الأطر والوسائل التي اعتمدت عليها في تجسيد مشروعها؟
ما هي المجالات التي اجتهدت فيها لإحداث التغيير والإصلاح؟ هل اكتفت بجانب التنظير فقط، أم استطاعت أن تبني تجربة عملية تجسد فيها أفكارها؟
-
فيم تتمثل أبرز منجزاتها، وأكبر معالمها، وأوضح مميزاتها؟ ما مدى قدرتها على تجسيد مشروعها، وتحقيق أهدافها؟ (1/38)
صفحة 39
مقدمة
7
مناهج البحث:
-
وظف البحث جملة مناهج حسب طبيعة النقطة المدروسة، كما يلي:
المنهج التاريخي فيما تعلق بجمع المادة العلمية المدروسة وترتيبها ووصف أحداثها وتتبع المراحل الزمنية لها.
المنهج التحليلي: فيما تعلق بفهم الأحداث التاريخية والقضايا الفكرية والقيام بتحليلها، أو تفكيكها، أو تركيبها، أو البناء عليها، لأجل
الاستنتاج منها، وإدراك أبعادها، وتحديد نتائجها.
- المنهج المقارن خلال المقارنة بين النقطة المدروسة وغيرها من مثيلاتها أو شبيهاتها في تجارب أو مجالات أخرى.
- المنهج النقدي: عندما تحتاج النقطة المدروسة إلى التقويم والنقد بعد الوصف والتحليل والبناء.
هيكلة البحث:
اقتضت مادة البحث في الأطروحة أن تعتمد هيكلتها على الفصول والمباحث والعناصر، فتضمنت مقدمة وستة فصول وخاتمة.
كان الفصل الأول بعنوان: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصـ النهضة الإصلاحية.
وهو يعد فصلا تمهيديا؛ الغرض منه رسم صورة واضحة عن الظروف والأوضاع التي ولدت فيها النهضة الإصلاحية ونشأت وتحركت.
وقد افتتحته بمدخل بعنوان: المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية.
تناولت فيه الأوضاع العامة السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية للجزائر خلال العهد العثماني والاستعمار الفرنسي. (1/39)
صفحة 40
مقدمة
8
ثم قسمت الفصل إلى ثلاثة مباحث تناولت في المبحث الأول الأوضاع السياسية لإباضية الجزائر خلال العهد العثماني، وعهد الاستعمار الفرنسي، وتناولت في المبحث الثاني أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتناولت في المبحث الثالث أوضاعهم الدينية والثقافية.
أما الفصل الثاني فكان بعنوان: جذور النهضة الإصلاحية ومراحل
العلماء.
الإعدادية. قسمته إلى أربعة مباحث تناولت في المبحث الأول ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها، وتناولت في المبحث الثاني جذور النهضة العلمية التي قامت عليها النهضة الإصلاحية، وتناولت في المبحث الثالث المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية، حيث عرفت ثلاث مراحل قادها في كل مرحلة عالم من وخصصت المبحث الرابع لدراسة المرحلة الرابعة التي كان فيها تبلور النهضة الإصلاحية، وسميتها عهد تلاميذ القطب، لأن القاسم المشترك بين صانعي أحداثها هو التقاؤهم في التلمذة على قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش. أما الفصل الثالث فكان بعنوان مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية.
قسمته إلى أربعة مباحث تناولت في المبحث الأول المفهوم اللغوي والقرآني للإصلاح وتناولت في المبحث الثاني مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية. وتناولت في المبحث الثالث مفهوم الجمود وحقيقته في عهد قيام الحركة الإصلاحية، ذلك لكونه مصطلحا معاكسا للإصلاح، ويساعد على تميزه وتبلوره، كما أن الإصلاح قام على أنقاضه وكان من مبررات وجوده. وتناولت في المبحث الرابع المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح.
أما الفصل الرابع فكان بعنوان: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه
الفكرية. (1/40)
صفحة 41
مقدمة
قسمته إلى ثلاثة مباحث تناولت في المبحث الأول عوامل قيام الإصلاح فهنالك عوامل داخلية، وأخرى خارجية. وتناولت في المبحث الثاني أهداف الإصلاح وتناولت في المبحث الثالث الركائز الفكرية للإصلاح، المتمثلة في التربية والتعليم والوعظ والتوعية.
أما الفصل الخامس فكان بعنوان: أطر الإصلاح ومؤسساته. قسمته إلى ثمانية مباحث عرضت فيها الأطر والآليات التي تحركت بواسطتها الحركة الإصلاحية لإحداث نهضتها. تناولت في المبحث الأول مؤسسة المسجد وبينت دورها وفلسفتها وتناولت في المبحث الثاني مؤسسات التربية والتعليم وتناولت في المبحث الثالث الهيئات العرفية المتمثلة في نظام العزابة وما يندرج تحته من تنظيمات، وتناولت في المبحث الرابع الأطر والمؤسسات الحديثة، المتمثلة في الجمعيات الخيرية ومؤسسات السلطة الاستعمارية، وتناولت في المبحث الخامس المحافل الاجتماعية، المتمثلة في محافل دينية وأخرى عرفية، وتناولت في المبحث السادس القاعدة الاقتصادية، فبينت كيف مولت الحركة الإصلاحية مشاريعها وبنت منجزاتها، وتناولت في المبحث السابع الصحافة فبينت دورها الإصلاحي، وتناولت في المبحث الثامن الجهود والعلاقات الخارجية للحركة الإصلاحية في الجزائر ومع العالم الإسلامي.
أما الفصل السادس فكان بعنوان: الإصلاح التربوي التعليمي. قسمته إلى خمسة مباحث. تناولت في المبحث الأول فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي، وتناولت في المبحث الثاني التعليم الابتدائي ومدارسه، وتناولت في المبحث الثالث التعليم الثانوي المتمثل في معهد الحياة، فتتبعت مسيرته وعرفت ببرامجه وتنظيماته، وتناولت في المبحث الرابع تعليم المرأة، فبينت جهود الحركة الإصلاحية في تطويره وتناولت في المبحث الخامس البعثات العلمية إلى الخارج
التي أنشأتها الحركة الإصلاحية وقامت بتنظيمها والإشراف عليها .. (1/41)
صفحة 42
مقدمة
10
أما الخاتمة فعرضت فيها أهم ما توصل إليه البحث من نتائج، وختمتها برؤية
استشرافية لمستقبل إباضية الجزائر.
مصادر البحث ومراجعه:
اقتضت طبيعة البحث أن يعتمد على مصادر متنوعة تجمع بين الدراسات التاريخية والدراسات الفكرية الإسلامية.
فالمصادر التاريخية تقدم المادة العلمية التي يحتاجها البحث في تتبع الأحداث والوقائع، ثم توظيفها في فهم النهضة الإصلاحية، وتمثل ذلك في مصادر تاريخ إباضية الجزائر في وادي ميزاب في فترة تاريخهم الحديث والمعاصر، أثناء الحكم العثماني، والاستعمار الفرنسي، كما تمثل ذلك في مصادر تاريخ الجزائر خلال
الفترة نفسها.
أما المصادر الفكرية فهي التي تقدم المادة حول الفكر الإسلامي والحركات الإسلامية ومفهوم النهضة والإصلاح، وأسس هذا الفكر وآلياته وأثره في المجتمعات، وجهود أعلامه وأفكارهم وأعمالهم.
وفي هذا الإطار تدخل المصادر والمراجع التي تناولت الحركة الإصلاحية عند إباضية الجزائر وجهودها في جانب من الجوانب مما كتبه أعلامها، ومما كتبه تلاميذها، ومما كتبه الدارسون لها وهي تتمثل في الكتب والمقالات والجرائد والوثائق والرسائل الجامعية ..
لا شك أن من بين هذه المصادر والمراجع دراسات اعتمدت عليها الأطروحة كثيرا، وهي تتمثل فيما يلي:
كتابات الأستاذ محمد علي دبوز؛ المتمثلة في كتابه أعلام الإصلاح في الجزائر في خمسة أجزاء. وكتابه: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة
في ثلاثة أجزاء. (1/42)
صفحة 43
مقدمة
11
أستطيع أن أعد الأستاذ محمد علي دبوز المؤرخ الأول للحركة الإصلاحية،
حيث احتوى كتاباه الموسوعيان على مادة تاريخية زاخرة ثرية، تتبعت مسيرة النهضة الإصلاحية في كل مراحلها، ووصفت أفكارها وأعمالها، وعرفت أعلامها. واتسمت - في الغالب الأعم - بأسلوب أدبي وصفي، وبالتفصيل والإطناب والمدح. وكان ذلك على حساب التقويم والنقد.
كما تكمن قيمة الكتابين في المادة الخام التي يحويانها، وعلى نقلهما لشهادات مباشرة لصناع الحركة الإصلاحية، لكون الكاتب معاصرا لها، وأحد أبنائها، وشاهد عيان عليها. وقد اعتبرت ما أورده على لسان أعلام الإصلاح بمثابة نصوص حرفية لهم لصدق الرجل وأمانته العلمية، وسماعه المباشر منهم.
كتابات الشيخ إبراهيم بيوض من تفسير ومراسلات ومقالات ومذكرات و دروس ووثائق؛ مما خطه بنفسه، ومما حرره تلاميذه من بعده، وطبعوه في كتب، وهي تعد مصدرا لفهم الحركة الإصلاحية وفكرها. وأهمها تتمثل فيما يلي:
تفسير في رحاب القرآن.
المجتمع المسجدي.
أعمالي في الثورة.
حديث الشيخ الإمام.
كتابات الشيخ عبد الرحمن بكلي؛ بخاصة منها كتابه الإصلاح في جيل. الذي ألفه في سنة 1948 م، وكان شاهد عيان على النهضة الإصلاحية، وأحد منظريها وصناع أحداثها. وقد بقي الكتاب مخطوطا إلى سنة 2005 م حيث رأى النور، وقد أفادني كثيرا في فهم حقيقة الإصلاح، وتتبع أعماله، وتطور حركته.
كتابات الشيخ إبراهيم أبي اليقظان من جرائد ومقالات وكتب ورسائل. فهو أحد منظري الحركة الإصلاحية وصانعي أمجادها، فكانت كتاباته مصدرا لفهم فكر الحركة الإصلاحية. (1/43)
صفحة 44
مقدمة
12
كتابات الدكتور محمد، ناصر، لكونه أحد أبناء النهضة الإصلاحية، وأحد
الدارسين لها، والمهتمين بها. حيث أن الكثير من كتاباته تصب في دراسة الفكر
الإصلاحي. نذكر منها:
الشيخ إبراهيم بيوض مصلحا وزعيما.
- حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي.
الشيخ أبو اليقظان وجهاد الكلمة.
كتابات الدكتور محمد ناصر بوحجام، وهو أحد أبناء النهضة الإصلاحية، وأحد الدارسين لها، والمهتمين بها وكتاباته تصب في هذا المنحى
كذلك. نذكر منها:
الشيخ بيوض المصلح المربي.
الشيخ بيوض والعمل السياسي.
رسالة الماجستير للأستاذ نور الدين سكحال بعنوان: الشيخ بيوض ومنهجه
في الإصلاح. فقد أفادتني كثيرا، وحددت أمامي مداخل دراسة الحركة الإصلاحية، وكفتني مؤونة البحث في بعض النقاط، كما بنيت عليها للتعمق والتوسع في نقاط أخرى. كتاب الأستاذ يوسف الحاج سعيد بعنوان: تاريخ بني مزاب، حيث وفر لي
المادة العلمية التاريخية الثرية حول وادي ميزاب في تاريخه الحديث والمعاصر. إلى جانب هذه الدراسات؛ فقد استفدت من دراسات أخرى كثيرة، أذكر منها كتابات المفكر مالك بن نبي حول إشكاليات الحضارة الإسلامية، وكتابات الدكتور رابح تركي، والدكتور عبد الكريم بوصفصاف حول الحركة الإصلاحية الجزائرية.
ضبط العنوان:
حددت عنوان الأطروحة كما يلي: (1/44)
صفحة 45
مقدمة
معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
13
-
-
-
من سنة: 1157 هـ / 1744 م - إلى سنة: 1382 هـ/1962 م
فما موقع كل كلمة في العنوان؟
معالم: تعني إبراز الأسس والركائز التي قامت عليها النهضة الإصلاحية، والمنهج الذي سلكته، والأطر التي تحركت بواسطتها، والمجالات التي أحدثت فيها الإصلاح.
- النهضة تعني بيان جهود المجتمع في مختلف المجالات في سبيل إعادة بناء بيته، وبعث حركته من جديد؛ بعد ما أصابه من ركود وهوان.
الإصلاحية تعني بيان طبيعة هذه النهضة، التي كانت لإصلاح ما أفسده الناس، وغيرته الظروف في المجتمع، ومحاولة العودة به إلى جادة الطريق وصفاء الإسلام فهي ليست ثورة ولا تغييرا لكل شيء من الجذور، أو هدم كل شيء وانطلاقا من فراغ، وبداية من الصفر
وإنما هي عملية ترقيع وتصحيح وتقويم وتصويب وبناء.
إباضية الجزائر: تعني تحديدا للإطار البشري والحيز المكاني لهذه النهضة الإصلاحية، التي مست مجموعة من الناس يشكلون مجتمعا في القطر الجزائري يستوطنون منطقة وادي ميزاب ولهم نشاط وحركة في أرجاء الجزائر، ويتبعون المذهب الإباضي.
من سنة: 1157 هـ/1744 م - إلى سنة: 1382 هـ/1962 م: تحديد الإطار الزمني للبحث، أو الفترة الزمنية المدروسة، التي تندرج ضمن فترة التاريخ الحديث والمعاصر في تقسيم أهل التاريخ. اخترت نقطة البداية من سنة 1157 هـ / 1744 م لأنها تمثل تاريخ عودة الشيخ أبي زكريا يحيى الأفضلي إلى وادي ميزاب واستقراره فيه بعد رحلته في طلب العلم، وانطلاقه في عمله الإصلاحي، وهو يعتبر باعث النهضة الإصلاحية الحديثة
في وادي ميزاب. (1/45)
صفحة 46
مقدمة
14
واخترت التوقف في سنة 1382 هـ / 1962 م، التي هي تاريخ استقلال الجزائر،
لأني أرى أن النهضة الإصلاحية اكتمل تبلور مشروعها خلال هذه الفترة، ودخلت في نوع من الاستقرار، ثم أنها عاشت ظروفا جديدة بعد الاستقلال، دفعتها لتغيير بعض الشيء في قواعد عملها ومنهج حركتها، مما يجعل منها مرحلة مستقلة تحتاج إلى دراسة خاصة.
كما أشير أني ركزت على تحليل فكر النهضة الإصلاحية في مرحلة قوتها، ونضجها خلال النصف الأول من القرن العشرين بعد تحولها إلى حركة وتنظيم ومدرسة فكرية بقيادة الشيخ إبراهيم بيوض، وذلك لاعتقادي أن المراحل السابقة كانت إعدادية وكانت الجهود فيها فردية ومشتتة.
صعوبات البحث:
لا أرى أن البحث اعترضته صعوبات كبيرة، بل إن الله تعالى سخر لي ظروف العمل والتوفيق، كما حظيت بمباركة الشيخ عدون شريفي - عليه رحمة الله - لفكرة البحث، حينما التقيت به في الجزائر العاصمة في آخر سنة قبل وفاته وعرضت عليه الموضوع فباركه، وشجعني على المضي فيه، وأوصاني بالتزام الآداب والحدود فيه ودعا لي بالخير. حيث أعتبر هذا أول نجاح للبحث وتذليل لصعوباته، كما أن البحث حظي بوجود العديد من الدراسات السابقة والممهدة لجوانب منه، مما فتح أمامي الآفاق للتحليل والبناء والتعمق.
لعل الصعوبة العلمية تتمثل في ترامي أطراف البحث، وفي غزارة مادته التاريخية والفكرية، وتنوع مصادرها، مما يستدعي خبرة كبيرة للتحكم فيها، واستثمارها، وتوجيهها، والاستفادة منها، ومما يستدعي كذلك أوقاتا طويلة وجهودا كبيرة للإحاطة بها.
والصعوبة الثانية تتمثل في اعتماد البحث على نوع من
المصادر
هي وثائق
ورسائل ومذكرات ومقالات يصعب الحصول عليها، وأحيانا يتعذر، لكونها (1/46)
صفحة 47
مقدمة
15
متناثرة هنا وهناك، ولكونها موجودة عند جهات خاصة من أسر المشايخ وأبنائهم وتلاميذهم في وادي ميزاب وخارجه. وأن الوصول إليها والاطلاع عليها لا يتأتى بسهولة، ويتطلب أسفارا وتنقلات ومواعيد ولقاءات وانتظارات لا يتسنى الالتزام
بها عادة؛ مما اضطرني إلى الاستغناء عن بعضها أحيانا، والاكتفاء بما اجتمع لدي. والصعوبة الثالثة تتمثل في طبيعة الموضوع بكونه يتناول أحداثا معاصرة، قريبة الوقوع، وأن تداعياتها على الحياة الراهنة مازالت، قوية، مما جعلني في أكثر من موضع في البحث أجد حرجا وصراعا مع نفسي بين قول ما اقتنعت به ورأيته صوابا وخلصت إليه وبين مراعاة الواقع وأثر كلامي عليه، ولعل هذا ما نبهني إليه الإمام الشيخ عدون بقوله: عليك بالتزام الآداب والحدود فيه.
شكر وتقدير:
لا
يسعدني في الأخير وأنا أضع اللمسات الأخيرة لهذا العمل وأختتم هذا البحث إلا أن أتوجه إلى الله العلي القدير خاضعا له منيبا إليه، حامدا نعماءه وشاكرا آلاءه على ما سخر لي من نعم التوفيق والعناية والرعاية أثناء مسيرتي الطويلة خلال إنجاز هذا البحث.
ثم أتقدم بعد ذلك بالشكر الجزيل لكل من لهم يدي بيضاء علي لأجل أن يبلغ هذا البنيان تمامه، وبلا شك فإن عددهم كبير، وليس بوسعي إحصاءهم ولا رد جميلهم. فالله أدعو أن يجازيهم عني خير الجزاء وأن يبلغهم أمانيهم ومقاصدهم ويهديهم سواء السبيل. آمين.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والحمد لله رب العالمين.
قاسم الشيخ بالحاج
القرارة - وادي ميزاب - الجزائر
في تاريخ: 08 صفر 1429 هـ / 15 فيفري 2008 م. (1/47)
صفحة 48
[صفحة فارغة] (1/48)
صفحة 49
الفصل الأول
الأوضاع العامة لإباضية الجزائر
خلال عصر النهضة الإصلاحية
مدخل المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية المبحث الأول: الأوضاع السياسية
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية (1/49)
صفحة 50
[صفحة فارغة] (1/50)
صفحة 51
تمهيد
مهيد:
19
لا شك أن أوضاع العالم الإسلامي بعامة والجزائر بخاصة قد ألقت بظلالها على إباضية (1) الجزائر بوادي ميزاب (2) وقد تأثروا بها أيما تأثر، وتفاعلوا معها إيجابا وسلبا، ولا شك أن القواسم المشتركة بين سائر المجتمعات الإسلامية كانت كبيرة؛ بحكم الظروف المتشابهة والعوامل المؤثرة المتقاربة، مع تسجيل فوارق في جوانب من الحياة تعود إلى الخصوصيات التي يحملها كل مجتمع، وإلى وجودها في مناطق جغرافية مختلفة، يقتضي الحال التأقلم معها والانطباع بها.
أحاول الآن تتبع هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية للمجتمع الإباضي في الجزائر؛ قصد رسم صورة متكاملة عنه، يفهم من خلالها طبيعة الإصلاحات التي سيخضع لها هذا المجتمع، والتغيرات التي سيعيشها مع ظهور حركة جديدة في أوساطه، حاولت أن تبذل جهودا على أصعدة عديدة لأجل تغيير وجوه الحياة فيه. ارتأيت أن تكون فترة الحكم العثماني (3) للجزائر مع مطلع القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي نقطة البداية لتتبع هذه الأوضاع، مع التركيز أكثر
(1) الإباضية: فرقة من الفرق الإسلامية، ومذهب من مذاهبها أسسه الإمام التابعي جابر بن زيد الأزدي العماني المتوفى سنة 93 ه، وينسب المذهب إلى عبد الله بن إباض التابعي المتوفى حوالي سنة 86 هـ، لكونه المدافع عنه لدى السلطة الأموية. نشأ المذهب في البصرة بالعراق، ثم توسع إلى اليمن وعمان، وإلى ليبيا وتونس والجزائر، وإلى جنوب شرق إفريقيا، وللمذهب علماؤه ومصادره في علوم الشريعة المختلفة. يراجع في ذلك مثلا كتاب: علي يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم
والحديث، المطبعة العربية، غرداية - الجزائر، 1987 م، كله.
(2) انظر تعريف وادي ميزاب في المبحث الثاني من هذا الفصل. (3) للاطلاع على تاريخ الدولة العثمانية ودورها في العالم العربي والإسلامي يراجع مثلا كتاب: عبد المنعم الهاشمي: موسوعة تاريخ العرب، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 2006، ج 5: عصر المماليك والعثمانيين.
ص 185 - 313. (1/51)
صفحة 52
20
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
على عهد الاستعمار الفرنسي؛ ذلك أن الكثير من قضايا الإصلاح والتغيير والنهضة تعود جذورها إلى تلك الحقبة الزمنية، وأن فهم واستيعاب تطور.
الأحداث وتسلسلها يقتضي الاطلاع على تلك الأوضاع ومعرفة تلك الأحداث.
كما تعد فترة الاستعمار الفرنسي حلقة حساسة من التاريخ الحديث والمعاصر. للجزائر؛ لما خلفته من آثار جسيمة على الوضعية العامة، وأحدثت تقلبات جذرية في النسيج الاجتماعي للشعب الجزائري برمته وبمختلف شرائحه، وعلى كافة أصعدته، ثم ما نتج عن ذلك بالتبع - كرد فعل على هذه الأعمال - من حركية اجتماعية معاكسة، ونضال سياسي مضاد، وعمل عسكري مقاوم ولده هذا الاستعمار في نفوس الجزائريين؛ فقلب نظام الحياة لديهم.
فكيف كان ذلك على الجزائر ووادي ميزاب؟ (1/52)
صفحة 53
مدخل: المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية
مدخل
21
المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية لأجل وضع النهضة الإصلاحية التي شهدها إباضية الجزائر في سياقها التاريخي، ولأجل فهم التفاعلات السياسية والاجتماعية التي حصلت في داخلها نحتاج إلى بيان الوضع العام الذي كانت تعيشه الجزائر خلال هذه الفترة، وما تزامن من أحداث عالمية وإسلامية كبرى.
ذلك
بينما كان العالم الإسلامي خلال التاريخ الحديث يدخل فترة سباته الحضاري العميق، ويخرج من مسرح التاريخ وصناعة أحداثه؛ بسبب الضعف والهوان الذي أصابه على مختلف الأصعدة، مع سقوط آخر قلاعه الحضارية في أوربا المتمثلة في مدينة غرناطة بالأندلس سنة 897 هـ / 1492 م. كان العالم الغربي يعيش أولى لحظات استفاقته الحضارية وينهي فترة غيبته التاريخية، ويحاول النهوض من كبوته، واستعادة مجده، والرجوع إلى مربع الأحداث، والتحكم في إدارة مقود السياسة والحكم في العالم، والاتجاه بها نحو الخط الذي رسمه في خدمة مصالحه وأهدافه العليا؛ آخذا في ذلك بأسباب التمكين والنهوض والعزة والقوة، واستفادته من تجربته الماضية، والوقوف على أخطائه ومطباته وأخذ الدرس والعبرة منها. ولى وجهه نحو التمكن من ناصية العلم والمعرفة، وتقديس العمل والإبداع والاختراع والإتقان، وتوفير القيم الإنسانية الكبرى من العدل والأمن والمساواة والرخاء، وتسخير الجهود لامتلاك قوى التأثير والهيمنة على العالم، من العلم والمال والإدارة والصناعة والسلاح والإعلام. ثم محاربة كل ما يقف في طريق مشروعه الكبير من مظاهر الجهل والفقر والحرمان والمرض والعصبيات والفتن والاستعباد الكنسي والاستحواذ الإقطاعي والفساد السياسي والاتجاه بقوة وسرعة نحو الدخول في عهد المدنية والدولة والمواطنة (1).
(1) للاطلاع على تاريخ النهضة الأوربية خلال العصر الحديث يراجع مثلا کتاب زينب عصم
:راشد
= (1/53)
صفحة 54
22
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
انطلقت الحضارة الغربية في البناء والترميم الداخلي بخطوات ثابتة ورؤية واضحة وأهداف محددة، وقطعت أشواطا جبارة فيه، حتى بدأت تفكر في التوسع والانقضاض على موروث الضفة الشرقية الجنوبية من عالمها، التي كانت تمثلها أساسا البلدان العربية والإسلامية، حيث أضحى وضعها في حال يرثى له من ضعف الحكومات ووهن الشعوب وتخلفها ودخولها مرحلة القابلية للاستعمار. مكنت هذه الأوضاع المتردية المتراوحة بين السيئ والأسوا القوى الغربية من التكالب على هذه الشعوب والعمل على استعمارها، وما إن جاء مطلع القرن التاسع عشر حتى كانت القوى الأوربية الاستعمارية تتجه بجيوشها نحو البلاد الإسلامية، وتوظف نتائج بحوثها ومبتكرات صناعتها المدنية والعسكرية للاستحواذ على خيرات هذه البلدان والسيطرة على أراضيها واستعباد شعوبها، وتقسيم غنائمها فيما بينها.
وصفت الدولة العثمانية - صاحبة السيادة الشرعية على هذه البلدان - بالرجل المريض، الذي لم يعد يقوى على تسيير شؤون هذه الإمبراطورية الشاسعة المترامية الأطراف، لذلك يلزم أن يخضع جسدها المنهار إلى عمليات جراحية معقدة ومتعددة، لأجل انتزاع نفوذها على هذه البلاد، وتسليمها للدول الغربية القوية.
هكذا وجدت معظم الدول العربية والإسلامية نفسها في وضع تاريخي جديد؛ هو وضع الاحتلال والاستعمار، فذاقت تحت وطأته أصنافا من الويلات والجحيم والعذاب عاد بها إلى الوراء وزادها ضعفا إلى ضعفها وهوانا إلى هوانها.
فكيف كان حظ الجزائر من ويلات هذا الاستعمار ومخازيه؟
شهدت الجزائر خلال تاريخها الحديث والمعاصر حكمين هما الحماية العثمانية
والاستعمار الفرنسي.
تاريخ أوربا الحديث، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1426 هـ/ 2005 م، ص 11 - 66. (1/54)
صفحة 55
مدخل: المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية
23
كان سبب قيام الحكم العثماني التركي في البلاد الجزائرية هو رد هجمات الإسبان وغاراتهم على السواحل الجزائرية خلال القرن السادس عشر، وقد تمكنت فعلا قوى الأسطول العثماني من قهر هذا العدو وصد هذا العدوان، فكان ذلك مدعاة لبقاء القوات العثمانية في الجزائر تحرس سواحلها، ثم بعد ذلك ضمت إلى نفوذها، وأصبحت محمية عثمانية؛ يتولى الباب العالي في الأستانة تعيين حكامها من الأتراك (1)
تفهم الجزائريون إلى حد بعيد هذا الدور العثماني في بلادهم وتقبلوا هذا الوضع وحفظوا هذا الفضل، وتعاونوا مع الأتراك المنتمين لدينهم وحضارتهم والممثلين للخلافة الإسلامية على تأسيس أركان دولتهم، وتركوا لهم المناصب العليا والمراكز الحساسة في أجهزة الحكم، ولم ينافسوهم فيها.
عاشت الجزائر في ظل الحكم العثماني حياة يمكن وصفها – عموما - بالاستقرار الداخلي وبالتعايش والتوافق بين قبائلها وأهاليها، رغم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية والمتخلفة - عموما - وقد حصل الانصهار والتزاوج بين -
العائلات التركية والجزائرية واندمج الكثير من الأتراك ضمن المجتمع الجزائري عندما شهدت الإمبراطورية العثمانية في الأستانة مرحلة ضعفها مع نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر انساب ذلك الضعف على ذيولها في أطراف دولتها في المغرب والمشرق، ولم تستطع أن تدفع الخطر عنها، ولا أن تمد مناطق نفوذها البعيدة بقوة السلاح والعتاد والجيوش، مما جعل الفرنسيين يكشرون
(1) أحمد توفيق المدني: حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، 1492 - 1792 م، ط 2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976 م، ص 155 - 177 عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ط 4، دار الثقافة، بيروت، 1400 هـ/ 1980 م، ج 3، ص 7 - 50. (2) أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1998 م، ج 1، ص 139 - 225 ناصر الدين سعيدوني مقال بعنوان: مسألة السيادة الجزائرية في العهد العثماني، محاولة لتقييم العهد العثماني للجزائر، منشور ضمن كتابه الجزائر منطلقات وآفاق، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2000 م، ص 163 - 194. (1/55)
صفحة 56
24
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
عن أنيابهم ويبدون أطماعهم في احتلال بلاد الجزائر والقضاء على الحكم العثماني التركي فيها، حتى تم لهم ذلك في تاريخ 15 محرم 1246 هـ/ 05 جويلية 1830 م. فدخلت الجزائر عهد الاستعمار (4).
إثر احتلال القوى العسكرية الفرنسية للجزائر رأت ضرورة تطبيق سياسة شديدة شاملة للسيطرة على شعبها وبسط نفوذها على أراضيها المترامية الشاسعة، يمكن تحديد أهم معالمها ومواصفاتها فيما يلي:
على المستوى السياسي عملت السلطات الاستعمارية على إحكام قبضتها على مراكز الحكم والسيادة والتأثير في الجماهير، وأزاحت كل الجزائريين منها، ووضعت فيها حكاما عسكريين متعصبين حاقدين؛ مسلطين أصناف العذاب والذل على الجزائريين، كما عملت على جلب أكبر عدد ممكن من المستوطنين وتسهيل كل السبل أمامهم لأجل استقدامهم وضمان استقرارهم في الجزائر، ومنحت لهم مختلف الامتيازات من الأراضي الزراعية الخصبة، والمناصب الإدارية الرفيعة والرواتب العالية والترقيات السريعة. حتى شکلت منهم طبقة برجوازية إقطاعية عسكرية، تتحكم بواسطتهم في مفاصل السلطة، وتضمن من خلالهم استقرارها وقضاء مصالحها في الجزائر (2).
كانت هذه هي فكرة الجنرال بيجو (Bugeaud ، وسياسته، حيث كان يعتقد أن احتلال البلدان والسيطرة عليها لا يتم عن طريق العمل العسكري والجيوش والسلاح فقط، وإنما لا بد له من دعم من خلال تكوين طبقة معمرة تستوطن هذه البلاد بصفة دائمة، وتساعد على استقرار الحكم فيه، وتتقلد مختلف الوظائف الحساسة وتشغل مختلف المراكز الإستراتيجية (3).
(1) الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 3، ص 7 - 50. (2) سعد الله: المرجع السابق، ج 1، ص 256.
(3) رابح تركي: الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر، ط 4، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984 م، ص 25. (1/56)
صفحة 57
مدخل المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية
25
فعلا نجحت هذه السياسة، وتحكمت هذه الطبقة في كل مراكز القوة، فامتلكت وسائل الإنتاج والأراضي الزراعية ومناصب الإدارة والحكم. في مقابل ذلك حرمت الجزائريين من كل الحقوق، فطردتهم من أراضيهم واستولت عليها، وحرمتهم من الوظيف ومن العمل ومن ظروف الحياة الكريمة، وعملت على إذلالهم واستعبادهم. كما حرص الاستعمار على خنق أي صوت ينادي بالحقوق الجزائرية، فأصدر سنة 1263 هـ/ 1847 م قانون الأهالي (CODE DES INDIGENES) ، الذي ينص على منع الجزائريين من مزاولة حرياتهم العامة؛ كتشكيل أحزاب أو جمعيات أو نقابات أو القيام بمظاهرات، أو تنظيم اجتماعات أو المطالبة بحقوق (1). أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي فإن طبقة المعمرين المكونة من الفرنسيين والإسبان والمالطيين والسويسريين، الذين تجمعهم اللغة الفرنسية والثقافة الأوربية شكلوا فيما بينهم مجتمعا منغلقا على نفسه حقودا متعصبا برجوازيا إقطاعيا يمتلك كل ظروف الحياة ووسائل العمل، وفي المقابل يسعى لحرمان الأهالي الجزائريين من كل شيء، فعمل على إذلاله واستعباده في الحقول والمزارع والإدارات، وجعل منه "خماسا“ خادما ضعيفا فقيرا مذلولا (2).
وعلى المستوى الديني والثقافي فإن سياسة الاستعمار المقيتة أدركت أن قوة الشعب الجزائري تكمن في دينه وقيمه وشخصيته العربية الإسلامية المتميزة، وفي العلاقات الاجتماعية المتماسكة المترابطة، فعملت منذ لحظة نزولها بأرض الجزائر على كسر قوائم هذه الشخصية وطمس معالمها وتشويه صورتها وتمزيق شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفرادها بواسطة غلق المدارس والمعاهد العربية الإسلامية، ومحاربة اللغة العربية وتحويل المساجد إلى كنائس، ومضايقة نشاطها، ومنعها من القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصح المجتمع
(1) سعيدوني: مقال بعنوان: التوجه المعادي للعروبة والإسلام في السياسة الفرنسية في الحزائر، منشور ضمن كتابه الجزائر منطلقات وآفاق، ص 69 - 97
(2) تركي: المرجع السابق، ص 19 - 33. (1/57)
صفحة 58
26
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
(1)
وتوعيته، واضطهدت العلماء وحدت من نشاطهم وضايقتهم ونفت بعضهم وصادرت أراضي الأوقاف التي كانت تمول مشاريع التعليم وبناء المساجد والإشراف على تسييرها ونشاطها، ومساعدة الفئات الضعيفة من المجتمع إلى جانب ذلك عملت هذه السياسة على تفسيخ المجتمع وتمزيق روابطه ببث المفاسد والمناكر وإشاعة الفواحش والانحرافات في وسطه، وإثارة النعرات والعصبيات بين شرائحه وتركيبته الاجتماعية. فحاربت التعليم العربي الإسلامي وفتحت مكانه التعليم الفرنسي لبث أفكارها ونشر ثقافتها وإنشاء جيل مشوه تابع لها، كما حرمت آلاف الجزائريين من التعليم وأبقتهم، أميين، فلا هي وفرت لهم المدارس الكافية، ولا هي تركتهم يتعلمون في مدارسهم التقليدية العربية (2)، كما أغلقت المحاكم الشرعية الإسلامية واستبدلتها بالمحاكم المدنية بنية القضاء على الشخصية الجزائرية المسلمة (3).
وصل الأمر بالفرنسيين إلى إنكار وجود شيء يسمى الجزائر، وشيء يسمى الشخصية الجزائرية، حيث قالوا عن الجزائر أنه مجال فارغ ليس فيه شعب ولا دولة ولا حضارة وأنهم أتوا لملء هذا الفراغ وإحياء حضارة جديدة وبناء دولة من العدم، وإلحاقها بالأمة الفرنسية).
تمكنت السلطات الاستعمارية الفرنسية من تحقيق أهدافها بإدخال الشعب الجزائري في ليل دامس، وتخريب منظومته الاجتماعية وتحطيم شخصيته الإسلامية،
(1) عبد الكريم بوصفصاف: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية، 1945 - 1931 م، ط 1، نشر دار البعث، قسنطينة، 1401 هـ / 1981 م، ص 41 - 45. تركي: الشيخ عبد الحميد ابن باديس، ص 90 98
(2) رابح تركي: التعليم القومي والشخصية الجزائرية، 1931 - 1956 م، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981 م، ص 91 - 97.
(3) بوصفصاف: المرجع السابق، ص 44.
(4) المرجع نفسه، ص 28. فرحات عباس: ليل الاستعمار، تع: أبو بكر رحال، مطبعة المحمدية، المغرب، دت،
ص 20 - 25. (1/58)
صفحة 59
مدخل: المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية
27
وإهانة كرامته وإراقة ماء وجهه وإصابته بضربة في رأسه أفقدته توازنه، وأعادته عشرات السنين إلى الوراء.
دفعت هذه الأوضاع المزرية المتردية إلى ظهور فعل المقاومة والتحدي لدى الشعب الجزائري؛ فما إن وطئت أرجل الاستعمار أرض الجزائر، وما إن دنست تربته حتى قامت في وجهه المقاومات الشعبية، التي قادتها القبائل الجزائرية دفاعا عن أراضيها وحماها بما كانت تملك من قوة السلاح والعتاد والرجال. فكان الاستعمار لا يتقدم خطوة إلى الأمام في عمق الجزائر حتى تقابله ثورة أهلها؛ حاملين السلاح في وجهه، فشهدت الجزائر مقاومات كثيرة أهمها مقاومة الأمير عبد القادر (1)، ومقاومة الحاج أحمد باي (2) ومقاومة المقراني ومقاومة أولاد سيدي الشيخ (4) ومقاومة الشيخ بوعمامة (5)
(3)
(1) عبد القادر بن محيى الدين الجزائري: (1222 - 1300 ه/ 1807 - 1883 م)، قائد المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي من سنة 1832 إلى سنة 1847 م، يعتبر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، نفي إلى فرنسا ثم إلى دمشق، له العديد من المؤلفات منها كتاب المواقف خير الدين الزركلي: الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء والعرب والمستعربين والمستشرقين دار العلم للملايين، ط 7، بيروت،،لبنان، 1986 م، ج 4، 45 مجموعة من المؤلفين: موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين، دار الحضارة، الجزائر، 2003 م، ص 38 39 (2) الحاج أحمد باي والي قسنطينة في عهد الداي حسين بن علي، قائد المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في مدينة قسنطينة من سنة 1837 إلى سنة 1848 م. الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 4،
-
1872 - 1871
ص 198 - 202 م. (3) المقراني: قائد المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في منطقة برج بعريريج في سنتي يحيى بوعزيز: ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين، ط 1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400 هـ/ 1980 م، ص 192 - 202. (4) أولاد سيدي الشيخ يعود أصلهم إلى أسرة الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وينسبون إلى جدهم عبد القادر بن محمد، الذي يعرف بسيدي، الشيخ، استوطنوا منطقة الأبيض سيدي الشيخ بالجنوب الوهراني. وقادوا المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي من سنة 1864 إلى سنة 1881 م. المرجع نفسه، ص 133 - 176
(5) بوعمامة بن العربي بن التاج: قائد المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في منطقة الغرب الجزائري في سنوات 1881 - 1883 م. المرجع نفسه، ص 245 - 256. (1/59)
صفحة 60
28
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
(1)
ومقاومة لالة فاطمة نسومر، ومقاومة الشريف محمد بن عبد الله (2). لزم السلطات الاستعمارية أزيد من نصف قرن من الزمن حتى تتمكن من إحكام سيطرتها وبسط نفوذها على كامل تراب الجزائر، وما إن تم لها ذلك مع مطلع القرن العشرين حتى انطلقت في وجهها الحركات السياسية في المطالبة
بالحقوق والنضال لأجل رفع الغبن والظلم المسلطين على الشعب الجزائري. من جهة أخرى؛ فخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تعالت أصوات النهضة والإصلاح والتحرر في البلاد الإسلامية بالمشرق على يد كبار العلماء والمصلحين والمفكرين والسياسيين أمثال جمال الدين الأفغاني (3) ومحمد عبده (4) ورشيد رضا (5) وتلاميذهم. فوصلت رياحها إلى أرض الجزائر عن طريق نخبة من شبابها ممن سافر وهاجر إلى الشرق فتكون فيه، وعايش هذا الجو وعاينه وتأثر به، فرجع إلى أرض الوطن وهو يحمل روح النهضة وأفكارها، فدعا وعمل على بثها في نفوس الجزائريين.
كما تأثرت الجزائر بنخبة أخرى من أبنائها الشباب الذين هاجروا إلى أوربا وعاشوا فيها ورأوا وتعلموا أساليب المدنية والنضال وحرية إنشاء الأحزاب
(1) لالة فاطمة نسومر: قائدة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في منطقة القبائل من سنة 1851 إلى سنة 1857 م. الجيلالي: المرجع السابق، ج 4، ص 198 - 202. (2) الشريف محمد بن عبد الله: قائد المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في منطقة الأوراس في سنة 1857 م. المرجع نفسه: ج 4، ص 198 - 202. (3) جمال الدين الأفغاني محمد بن صفدر (1838 - 1897 م، من أكبر رواد النهضة الإسلامية الحديثة، عاش متنقلا بين العديد من الدول الإسلامية يدعو إلى إيقاظ الشعوب وتحريرها من الاستعمار والتخلف. الزركلي: الأعلام، ج 6، ص 168 - 169. (4) محمد عبده بن حسن (1849 - 1905 م) من رواد المدرسة الإصلاحية في مصر، تلقي دراسته بالأزهر، وتتلمذ على السيد جمال الدين الأفغاني، من أهم مؤلفاته: تفسير المنار، رسالة التوحيد. المرجع نفسه، ج 6، ص 252. (5) محمد بن علي رشيد رضا: (1865 - 1935 م) أحد أقطاب المدرسة الإصلاحية في مصر، تلميذ الشيخ محمد عبد ورفيقه في الإصلاح، صاحب مجلة المنار من مؤلفاته الوحي المحمدي المرجع نفسه، ج 6، ص 126. (1/60)
صفحة 61
مدخل: المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية
29
وتأسيس الجمعيات والمطالبة بالحقوق والعدل والمساواة، فعادوا إلى وطنهم، وهم يحملون هم أمتهم وقضية شعبهم، فتجندوا للدفاع عنها والمطالبة بحقوقها في الحياة (1).
تزامنت كل هذه الأحداث مع قيام الحرب العالمية الأولى التي هزت أركان الشعوب والمجتمعات في أرجاء العالم، ودفعتها للانتباه من غفلتها، والنظر في حالها، والتفكير في مستقبلها، والعمل على النهوض بأوضاعها.
تحت هذه التأثيرات الخارجية شهدت الجزائر خلال القرن العشرين قيام الكثير من الحركات النضالية، أهمها حركة النواب المسلمين)، وحركة نجم شمال إفريقيا (3)، وحركة اتحاد المنتخبين المسلمين)، وحزب الشعب الجزائري)، وقد تنوعت هذه الحركات والأحزاب في مشاربها وأفكارها وتوجهاتها وبرامجها وسياساتها في المطالبة بحقوق الجزائريين (6).
كما شهدت الجزائر بعد قرن من الاحتلال ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1349 هـ/ 1931 م، التي قامت بأدوار سياسية وشاركت في الحياة النضالية، إلا أن الدور المميز لها تمثل في إحداث نهضة إصلاحية شملت الميادين
(1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، المطبعة العربية، الجزائر، 1391 هـ/ 1971 م، ج 2، ص 7 - 24. تركي: الشيخ عبد الحميد بن باديس، ص 132 - 135. (2) تأسست بعد الحرب العالمية الأولى بقيادة الأمير خالد، كانت تدعو إلى المساواة في جميع الحقوق والواجبات بين الفرنسيين والجزائريين انتهت بنفي الأمير خالد إلى الإسكندرية سنة 1925 م. المرجع نفسه: ص 77 - 109. . (3) تأسست سنة 1925 م، هدفها تحقيق الاستقلال التام لشعوب المغرب العربي، وانتهت سنة 1937 م. سعد الله: الحركة الوطنية الجزائرية، ج 3، ص 115 - 148.
(4) تأسست سنة 1930 م، كانت تؤمن بسياسة الاندماج والتجنس، وتؤمن بسياسة المراحل في اكتساب حقوق الجزائريين، من زعمائها فرحات عباس. تركي: المرجع السابق، ص 77 - 109.
(5) تأسس سنة 1937 م، وهو امتداد لحركة نجم شمال إفريقيا، زعيمها مصالي الحاج، وكان الحزب ينادي بالاستقلال التام للجزائر. سعد الله: المرجع السابق، ج 3، ص 115 - 148.
(6) المرجع نفسه: ج 3، ص 115 - 148. تركي: المرجع السابق، ص 77 - 104. (1/61)
صفحة 62
30
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
الدينية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والتربوية للشعب الجزائري، وتجندت في
الدفاع عن مقومات شخصيته، وعملت على إعداد أجياله للمستقبل (1)
إلى أن توجت كل هذه الجهود والأعمال باندلاع الثورة التحريرية المسلحة في الفاتح من نوفمبر سنة 1374 هـ/1954 م، التي وحدت الشعب الجزائري تحت رايتها، وجعلته يرفع السلاح للدفاع عن وطنه واسترداد حريته وكرامته، ومجابهة المستعمر الذي أصبح لا يفهم إلا لغة الحديد والنار فكان أن حقق الله تعالى النصر والاستقلال على أيديها في الخامس من شهر جويلية سنة 1382 هـ / 62%1 م 2).
هذه هي ملامح الحياة العامة التي عاشتها الجزائر خلال العهد العثماني، أثناء الاحتلال الفرنسي، وفي ظل هذه الأوضاع ولدت النهضة الإصلاحية عند إباضية
الجزائر وعاشت مراحلها وأحداثها.
(1) سعيدوني مقال بعنوان مكانة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحركة الوطنية الجزائرية، منشور ضمن كتابه: الجزائر منطلقات وآفاق، ص 220 226 تركي الشيخ عبد الحميد بن باديس، ص 77 - 109. أحمد عيساوي؛ الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي، مصلحا، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر، كلية العلوم الإسلامية، الخروبة، ص: ج: 2000 - 2001 م، ص 365234
(2) للاطلاع على تاريخ الثورة التحريرية يراجع مثلا كتاب يحيى بوعزيز: ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين، ص 293 - 535 (1/62)
صفحة 63
لمبحث الأول: الأوضاع السياسية
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
1 - إباضية الجزائر أثناء العهد العثماني:
31
عند دخول العثمانيين إلى الجزائر وتوليهم مقاليد الحكم في بداية القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي كان إباضية الجزائر في وادي ميزاب مستقلين عن أي حكم أو دولة في تسيير شؤونهم الداخلية التي كان يتولاها نظام العزابة (1) وهياكله الاجتماعية والدينية المنضوية تحته (2).
يبدو أن إباضية الجزائر الميزابيين في بادئ الأمر قد فكروا مليا في العلاقة التي ينبغي أن تجمعهم بهذه الدولة المسلمة الحديثة في الجزائر؛ وكان خيارهم بين البقاء منعزلين في صحرائهم يترقبون تطور الأحداث ووصول الدولة إليهم، أو المبادرة بالتقدم إلى أجهزة الدولة لتوضيح العلاقة بينهم وبينها.
يبدو أن الرأي الذي ترجحت كفته في نهاية المطاف هو الثاني؛ حيث سجل لنا التاريخ تحرك إباضية الجزائر نحو الدولة العثمانية لربط العلاقات معها، ترجمت في مواقف وأعمال سياسية وعسكرية واقتصادية يمكن إجمالها فيما يأتي:
(1) انظر تعريف نظام العزابة وهياكله في البحث الثاني من هذا الفصل. (2) للاطلاع على تاريخ إباضية الجزائر قبل العهد العثماني ينظر في المصادر والمراجع الآتية: أحمد أبو العباس الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب تح: إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1974 م. ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، تح وتع محمد ناصر وبحاز إبراهيم المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986 م. علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، الإباضية في الجزائر، ج 1، ج 2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1985 م. إبراهيم بحاز الدولة الرستمية، ط 1، مطبعة لافوميك، الجزائر ام مسعود مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1417 هـ/ 1996 م.
1985 (1/63)
صفحة 64
32
(1)
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
1 - في سنة 924 هـ/ 1516 م تحرك إباضية الجزائر الميزابيون لإبرام معاهدنة حماية ودفاع مع السلطة العثمانية بالعاصمة، وشكلوا لذلك وفدا يمثل قرى واديبا ميزاب وتضمنت المعاهدة بنودا عديدة يدور فحواها على ترك السلطة للميزابيين في تسيير شؤونهم الداخلية بوادي ميزاب وعلى الاعتراف بمذهبهم الإباضيب واحترام أعرافهم، وعلى حماية ممتلكاتهم وتجارتهم حول أرجاء الجزائر وضمانة سلامتهم في تنقلاتهم وأسفارهم. وحماية قوافلهم التجارية التي كانت تجوب بلاد: الجزائر شرقا وغربا، وتتعداها أحيانا إلى تونس والمغرب، مقابل ولاء الميزابيين للدولة العثمانية وتقديمهم خراجا أو ضريبة سنوية مقدرة باثني عشر عبدا واثنتي عشرة أمة، يتولون إيصالها بأنفسهم إلى مركز السلطة بالعاصمة (2).
يقول المؤرخ أحمد توفيق المدني): (لما كان الميزابيون يهاجرون إلى مدن التل باستمرار قصد التجارة والكسب، فقد اعترفت قصورهم منذ انتصاب الأتراك بالبلاد بالتبعية للديوان. وإنما كانت التبعية اسمية فقط ولم يحدد مداها. فكان استقلالهم مطلقا في بلادهم).
يعتبر الأستاذ إبراهيم القرادي) هذه المعاهدة المبكرة في عهد الحكم العثماني
(1) إبراهيم القرادي: جهاد الإباضية الميزابيين في المغرب الإسلامي، مقال منشور ضمن كتاب: إبراهيم حاج أيوب القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره المطبعة العربية، غرداية، 1990، ص 175 - 176.
(2) يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب المطبعة العربية غرداية، 1992، ص 56 - 57. معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، 580 - 581.
(3) أحمد توفيق المدني: (ت: 1980 م) من علماء الجزائر ومثقفيها، درس بجامع الزيتونة بتونس، شارك في الحياة الثقافية والسياسية التونسية، وزير الثقافة بعد استقلال الجزائر، له العديد من الدراسات والمؤلفات في مجال التاريخ منها: كتاب الجزائر حياة كفاح حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر والإسبان، محمد عثمان باشا. موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين: ص 47. (4) أحمد توفيق المدني: محمد عثمان باشا سيرته وحروبه، نظام الدولة والحياة العامة في عهده، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986 م، ص 138. (5) إبراهيم بن يحيى الحاج أيوب الشهير بـ: القرادي (و: 31 مارس 1923 م - ت: الثلاثاء 1 ذي الحجة 1409 هـ / 4 جويلية 1989 م) رجل علم وفكر ودعوة من بلدة العطف بوادي ميزاب، تلقى تعليمه في (1/64)
صفحة 65
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
33
أول وثيقة رسمية تربط سكان صحراء الجزائر بشمالها تحت راية العثمانيين وبمبادرة ورضا وطواعية من أهلها قبل وصول العثمانيين إلى مدن الصحراء من بسكرة وتقرت والأغواط لإخضاعها لسيطرتها (1).
لقد التزمت الدولة العثمانية عموما بعدم التدخل في شؤون الحكم بوادي ميزاب وأبقت تبعيته إليها شكلية اسمية طوال مدة حكمها للجزائر. إلا ما وقع في عهد حسن باشا (2) سنة 1792 م من والي قسنطينة السيد صالح باي الذي تولى
(3)
إخضاع مناطق الصحراء للحكم العثماني، فبعد أن وصل إلى الأغواط عزم على التحرك نحو وادي ميزاب لإخضاعها بالقوة العسكرية كبقية المناطق. بلغ أسماع أعيان الميزابيين ذلك الخبر فنهضوا في اتصالات حثيثة مع مركز السلطة بالعاصمة ومع حاشية داي الجزائر لمنع هذا العمل؛ لأنه مخالف لبنود المعاهدة المبرمة من قبل. وفعلا تكللت تحركاتهم وجهودهم بالنجاح وتفهم الداي
حسن الموقف وأصدر أوامره بمنع تحرك صالح باي بجيشه نحو وادي ميزاب
=
معهد الحياة وفي تونس. تولى التعليم والوعظ والإرشاد في مدارس ومساجد العطف، عضو بجمعية القيم الإسلامية بنادي الترقي في الجزائر العاصمة، كان له نشاط معتبر في الثورة على مستوى ولاية غرداية، كانت له صلات مع شخصيات جزائرية بارزة منها الشيخ البشير الإبراهيمي والمفكر مالك بن نبي، شارك في جل ملتقيات الفكر الإسلامي، ترك آثارا علمية عديدة منها: مقالات وأشعار مجموعة في كتاب: الشيخ القرادي، حياته وآثاره. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، أربع مجلدات من القرن الأول الهجري إلى الخامس عشر الهجري، قسم، المغرب، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، الجزائر، 1420 هـ/ 1999 م، ج 2، ص 67.
(1) القرادي: المرجع السابق، ص 176.
-
(2) بابا حسن داي الجزائر من سنة: 1205 هـ/1791 م إلى سنة: 1212 هـ/ 1798 م. الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 3، ص 566. المدني: محمد عثمان باشا، ص 52 54. (3) صالح باي والي قسنطينة في عهد الداي بابا حسن من سنة 1185 هـ/ 1771 م إلى سنة: 1207 هـ/1791 م. الجيلالي: المرجع نفسه، ج 3، ص 563 - 564.
(4) حمو عيسى النوري نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية قديما وحديثا من سنة 1505 م إلى 1962 م، دار الكروان باريس 1984 م، ج 1، ص 226 - 234.
5 (1/65)
صفحة 66
34
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
لكن من جهة أخرى فإن الدولة لم تف بالتزاماتها الأخرى التي تضمنتها المعاهدة بحفاظها على أمن الطرقات في المسافات الطويلة الوعرة التي كانت تربط الشمال بالجنوب، إذ تروي لنا المصادر التاريخية حقائق غريبة من حركات قطاع الطرق واستيلائهم على ممتلكات المسافرين الراجعين إلى أوطانهم في الصحاري بعد سنوات قضوها في مدن الشمال لأجل العمل والكسب. وكذا الفتن والصراعات بين القبائل المتجاورة في المدن الداخلية والقرى الصحراوية.
نجد الشيخ عبد الرحمن بكلي يلوم السلطة العثمانية على تقصيرها في واجب حفظ الأمن في المدن والطرق الداخلية قائلا: «لم تعر إلى هذا الناحية أدنى التفاتة، بل ألقت الحبل على الغارب وتركتهم عرضة للنهب والسلب والترويع فلا يخرجون من بلادهم أو إليها إلا في قوافل مسلحين استعدادا للطوارئ، وتحت حماية بعض أبطال ذلك الزمن منهم الذين يستأجرونهم لذلك مخافة أن يذهبوا هم وأموالهم وأولادهم ضحية، فكم من جماعة سافرت إلى وطنها بعد أن أمضت سنين في الجمع والاكتساب تخرج عليهم جماعة مجرمة من قطاع الطرق فتجردهم من كل ما ملكت أيديهم، وتتركهم عراة صفر الأكف» (1).
إلا أنه حاول أن يجد مبررا سياسيا معقولا لهذا التقصير باشتغال الدولة بمصارعة قراصنة البحر من الإسبان وتجميع قواتها العسكرية لرد العدوان الخارجي
(2)
القادم من البحر والعناية بحماية الحدود الخارجية على حساب نفوذها الداخلي 2 - في سنة 924 هـ/ 1518 م شارك إباضية الجزائر في رد حملات الإسبان على السواحل الجزائرية، حيث استشهد الكثير منهم في معركة حسين داي المشهورة بمعركة " كدية الصابون. ولا تزال مقبرتهم موجودة في ناحية المقرية بالقرب من حسين داي بالجزائر العاصمة (3). حي
(1) عبد الرحمن بكلي: رسالة منشورة ضمن كتاب علي معمر الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 355.
(2) بكلي: رسالة منشورة ضمن كتاب معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 360. (3) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 203 - 208. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 63 - 64. (1/66)
صفحة 67
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
(1)
35
3 - في سنة 948 هـ/ 1541 م قام المجاهدون الميزابيون بعملية فدائية عرفت بنسف دار البارود؛ إحدى مراكز الذخيرة الإسبانية في الجزائر العاصمة، حيث قتل فيها عدد من ضباط الحملة الإسبانية، واستشهد فيها قرابة الثلاثين فدائيا ميزابيا وهي معروفة كذلك بوقعة برج بوليلة" أو قصر مولاي حسن. تركت هذه العملية البطولية آثارا حميدة في توطيد علاقة إباضية الجزائر بالحكام العثمانيين أكثر، حيث منحت لهم الدولة على إثرها عدة امتيازات تمثلت في الإشراف على إدارة بعض المهن والحرف التابعة للدولة؛ كالإشراف على عملية الذبح الشرعي وإدارة بعض المسالخ بالعاصمة، وكذا إهدائهم بعض الحمامات في قصبة الجزائر؛ بقيت ملكا لهم إلى يومنا هذا، كما أحدثت الدولة لهم منصب أمين الميزابيين؛ الذي يتولى تمثيلهم وله حق حضور المجالس الاستشارية التي تعقدها الدولة مع القبائل والعروش الجزائرية لتدارس مصالحهم وشؤونهم ومصالح الشعب الجزائري 4 - استجابتهم لنداء الدولة العثمانية حين استنجدت بسكان الصحراء لرد الحملات الأولى لنزول الفرنسيين بشواطئ سيدي فرج سنة 1246 هـ/ 1830 م لاحتلال الجزائر، فبعثوا أربعة آلاف مقاتل () دافعوا باستماتة عن عاصمة الجزائر
(2)
(1) عبد الرحمن بكلي: فتاوي البكري المطبعة العربية غرداية، الجزائر، ج 2، 374. النوري المرجع نفسه، ج 1، ص 212 - 216.
(2) النوري: المرجع نفسه، ج 1، ص 232 - 233. الحاج سعيد: المرجع السابق، ص 57. (3) لم تتفق المصادر على ضبط عدد المقاتلين؛ إذ نجد الأستاذ أحمد توفيق المدني يذكر أن عددهم هو ألف مقاتل ويتبعه في ذلك الأستاذ محمد علي دبوز، إلا أن كلا من الأستاذ أبي القاسم سعد الله وعلي يحيى معمر وحمو النوري ويوسف الحاج سعيد يثبتون رقم أربعة آلاف. وأرى أن العدد مبالغ فيه بالنظر إلى نسبة سكان وادي ميزاب الذي كان بضع العشرات من الآلاف آنذاك، إلى جانب عدم توفر روايات تاريخية واضحة بين أيدينا عن أخبارهم ومعاركهم. انظر: أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، ط 1، المطبعة العربية، الجزائر، دت. ص 45. دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 245. أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الحديث، بداية الاحتلال، مطبعة الجبلاوي، القاهرة، مصر، 1970 م، ص 34 معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 1، ص 147. النوري: المرجع نفسه، ج 1، ص 197. الحاج سعيد: المرجع نفسه، ص 164. (1/67)
صفحة 68
36
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
واستشهد منهم العدد الكثير ودفنوا في منطقة سطوالي، كما شاركوا في المعارك الموالية ضد الفرنسيين في أراضي متيجة والبليدة وسقط الكثير منهم في ميدان الشرف ودفنوا في مقبرة موجودة إلى اليوم في الطريق إلى جبال الشريعة بالبليدة (4).
(2)
يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله في معرض ذكر القبائل الجزائرية المشاركة في رد الاحتلال الفرنسي: وجمع أهالي ميزاب حوالي أربعة آلاف محارب» (3). إن هذا العدد من المجاهدين الذي شارك بها الميزابيون في رد العدوان الفرنسي في نهاية العهد العثماني يعد عددا معتبرا مقارنة مع عددهم الإجمالي آنذاك الذي لا يتعدى بضع العشرات من الآلاف، ولعله يمثل النسبة الغالبة من القوة الحية في المجتمع، لذا يتبادر إلى الأذهان التساؤل عن القناعة التي دفعت الميزابيين إلى هذا العمل، وعدم اكتفائهم بمشاركة رمزية واحتفاظهم بهذا الجيش من أبنائهم للذود به عن حمى واديهم الصغير؛ الذي سيصل إليه المستعمر لا محالة بعد تمكنه من السيطرة على الشمال؟
أجاب الأستاذ إبراهيم القرادي عن هذا التساؤل بما ملخصه:
لارتباطهم مع الأتراك بمعاهدة ولاء ودفاع، ولم يسبق أن استنجد الأتراك بسكان الصحراء قبل ذلك، فقدروا هذه الاستغاثة وأوفوا بالمعاهدة فبعثوا بأكبر
عدد ممكن.
أنهم انطلقوا في جهادهم من منطلق إسلامي بحت، فهم يجاهدون لأجل إعلاء كلمة الله لا من أجل التراب وارتباط الإنسان بعقيدته أقوى وأولى من
ارتباطه بأرضه.
-
ربما لم يتوقعوا وصول الاحتلال إلى الصحاري، إذ ليس فيها ما يغريه آنذاك
فلم يدخروا أبناءهم لذلك.
(1) المدني: كتاب الجزائر، ص 46. القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره: ص 176 - 177.
(2) (على قيد الحياة) مؤرخ وأستاذ جامعي.
(3) سعد الله: تاريخ الجزائر الحديث، ص 34. (1/68)
صفحة 69
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
37
توقعهم انهزام الفرنسيين على مشارف الجزائر وردهم خائبين، كما كان ذلك مع الإسبان سابقا (1).
كل هذه المسوغات محتملة ومقبولة في اندفاع الميزابيين لرد حملات الاحتلال الفرنسي، ولكن يبقى دافع الجهاد والإيمان بأن القضية مرتبطة بالدين والعقيدة أساسا هو الأقوى وراء هذا العمل هذا ما تبينه مشاركات إباضية الجزائر في رد غارات الإسبان من قبل، وكذا الدفاع عن مدينة قسنطينة والمشاركة في الثورات الشعبية.
5 - مشاركتهم في الدفاع عن مدينة قسنطينة سنة 1253 هـ / 1837 م في صفوف قوات أحمد باي عند وصول الجيوش الاستعمارية إليها، حيث صمدت المدينة في وجه الفرنسيين سبع سنوات تأبى الاستسلام والخضوع، وبعد أن لجأ أحمد باي إلى منطقة الأوراس محتميا عند أهلها واصلت بعض جيوب المقاومة القتال لعدة أيام أخرى كان الميزابيون من بينها، واستشهد عدد معتبر منهم، وفي نهاية المطاف اشترطوا على الفرنسيين أن يوقفوا إطلاق النار دون تسليم أسلحتهم، لا يتمكن الجيش من الدخول إلى قسم المدينة الذي كانوا يدافعون عنه لاستباحته وتعريضه للنهب والسلب وانتهاك حرمات أهله (2).
حتى
استمرت علاقة الاحترام والتقدير والتفاهم في هذا المستوى بين حكام الدولة العثمانية وأعيان إباضية الجزائر طوال فترة حكمهم، وقد كان العالم الإباضي أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي () الذي عاش في ظل هذه الدولة شخصية لها
(1) القرادي: المرجع السابق، ص 177.
(2) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ص 361 - 365 الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 66. (3) أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي (و: 1079 هـ / 1669 م - ت: 1187 هـ / 1773 م) ولد بمدينة مليكة بوادي ميزاب ارتحل إلى جزيرة جربة مع والده وهناك تلقى علومه على يد الشيخ سعيد بن يحيى الجادوي وعن الشيخ عمر السدويكشي، تولى رئاسة مجلس الحكم في جربة، وتفرغ للتعليم والوعظ في مساجدها، وكان في نظر الدولة العثمانية ممثل إباضية المغرب الإسلامي وزعيمهم. انظر: فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث القرارة
= (1/69)
صفحة 70
38
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
وزنها عند العثمانيين ينظرون إليه نظرة احترام وتبجيل ووقار ويعتبرونه مرجعا ومستشارا لهم في المسائل المتعلقة بالإباضية، وقد حفظ لنا التاريخ مراسلات بين هذا العالم والحكام العثمانيين (1).
في هذا الصدد يقول الأستاذ علي يحي معمر (2): «على أن موقف الدولة التركية من الإباضية في الجزائر وفي غير الجزائر كان يبدو فيه الكثير من التقدير والاحترام والتفهم ومحاولة الإنصاف، يدل على ذلك تلك المجالس العلمية التي كان يعقدها ولاة الدولة التركية لمناقشة بعض المسائل والمشاكل والشكاوى فيدعون إلى حضورها بعض علماء الإباضية المعروفين فيمن يدعى من علماء المذاهب» (3).
إذن ما يمكن أن يخلص إليه من كل هذه المعلومات التاريخية والأحداث أن الدولة العثمانية تعاملت مع إباضية الجزائر بصفتهم أقلية مسلمة تمثل مذهبا من المذاهب الإسلامية المعتمدة والمعترف بخصوصيتها، ومجتمعا له أعرافه وتجربته فاحترمته وراعته دون عصبية أو عنصرية تذكر.
هذه هي علاقة إباضية الجزائر مع الحكم العثماني، فكيف كان تعاملهم مع المستعمر الفرنسي بداية من سنة 1246 هـ/ 1830 م؟
غرداية، الجزائر، 1991 م. ج 2، ص 142 - 143. معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 1031. (1) انظر نماذج من هذه المراسلات في كتاب معمر الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 362. (2) علي بن يحيى معمر: (و: 1337 هـ/ 1919 م - ت: الثلاثاء 27 صفر 1400 هـ/ 15 جانفي 1980 م) داعية ومفكر وشاعر من مدينة نالوت بليبيا، تلقى تعليمه في بلده ليبيا، ثم في جامع الزيتونة بتونس، ثم في معهد الحياة بوادي ميزاب بالجزائر، حيث مكث فيه سبع سنين، وتولى التدريس فيه، له الكثير من المقالات المنشورة في المجلات مثل مجلة الشباب والأزهر والرسالة، أسس في بلده عدة مؤسسات تربوية وتعليمية، وقام بنشاط دعوي واجتماعي كبير، اشتغل في وزارة التربية والتعليم ببلده، ترك الكثير من المؤلفات أهمها: الإباضية بين الفرق الإسلامية الإباضية في موكب التاريخ، سمر أسرة مسلمة. معجم أعلام الإباضية، ج 3، ص 743.
(3) معمر الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 361. (1/70)
صفحة 71
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
2 - إباضية الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي:
39
سبقت الإشارة إلى أن الميزابيين استجابوا لنداء الحاكم العثماني للتعاون على رد العدوان الفرنسي في نزوله بسيدي فرج في محرم 1246 هـ/ جويلية 1830 م بإرسالهم أربعة آلاف شاب مقاتل تصدوا لقوات الاستعمار واستشهد
منهم
العدد الكثير.
بعد أن وقع الداي حسين (1) على معاهدة الاستسلام فإن إباضية الجزائر لم يرضوا بذلك ونددوا بهذا الخذلان والرضوخ للعدو، واعتبروا ذلك مذلة كبرى لا تغتفر، ورأوا في احتلال الجزائر خسارة فادحة وخطبا جسيما أصاب الأمة وحزنوا لهذا الحدث حزنا عظيما، عبروا عنه بعدم إيقادهم النار في بيوتهم ثلاثة أيام وحذروا من مغبة ما سيلحق بلاد الجزائر في إسلامها وقيمها وأخلاقها وشخصيتها بدخول هذا المحتل الكافر إلى أراضيها (2).
أ- إبرام معاهدة الحماية
استمر نظام العزابة في تسيير شؤون المجتمع بوادي ميزاب إلى أن وصلت أيادي الاستعمار إلى بوابة الصحراء وحطت قواتها في مدينة الأغواط، فكان لزاما على أعيان إباضية الجزائر أن يفكروا بجدية وعمق ويتشاوروا في الموقف الذي ينبغي أن يتخذوه من الاستعمار الذي هو على مشارف واديهم وعما ستؤول إليه أمورهم بعد وصول الفرنسيين إلى أراضيهم، ومن الواجب عليهم أن يسابقوا الزمن في دراسة هذه المستجدات التي لا يحسدون عليها، وأن يتحاوروا مع شرائح مجتمعهم للخلوص إلى رأي جامع يكون في صالحهم قبل فوات الأوان. لكن يبدو أن الحظ لم يسعفهم في ذلك؛ فلم يستطيعوا أن يجتمعوا على رأي واحد يوحد صفهم ويجمع شملهم تجاه هذا الموقف الحرج والمباغت؛ إنما انقسموا إلى
(1) حسين بن علي داي الجزائر من سنة 1233 هـ/ 1818 م إلى سنة 1246 هـ/ 1830 م، الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 3، ص 566. المدني: محمد عثمان باشا، ص 59 - 61.
(2) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 87. (1/71)
صفحة 72
40
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
فريقين؛ فريق أول رأى إلى المقاصد ووازن بين المصالح والمفاسد فجنح إلى رأي المصالحة، والسلم وفريق ثان بقي ثابتا على صرامة موقف الدين والعقيدة وصراحته في التعامل مع المحتل الأجنبي الكافر المغتصب للأرض والوطن، فرأى ضرورة إعلان
الجهاد والمقاومة والثورة مهما كانت الإمكانات ومهما ستؤول إليه العواقب. يبدو أن الفريقين تجاذبا أطراف المجتمع وحاولا استمالته إليهم، إلا أن الأمر في الأخير رجح إلى فريق السلم ومراعاة المصلحة، فكان الأقوى والأكثر نفوذا؛ وقد تمثل في أعيان وادي ميزاب ورؤساء عشائرها. بينما مثل الفريق الثاني بعض عزابة وادي ميزاب وبعض علمائه وطلبته، وعلى رأسهم قطب الأئمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (1).
بعد الفصل في هذا الجدل والنقاش الديني السياسي تقدم فريق من أعيان وادي ميزاب شمل ممثلين من قصوره السبعة إلى السلطة الاستعمارية بالأغواط فقابلوا الكومندان دوباراي u Barail وأبرموا معه معاهدة الحماية باسم الوالي) العام على الجزائر الجنرال الكسوندر راندون Alexandre Randon) في تاريخ: 21 رجب 1269 هـ/ 29 أفريل 1853 1853 م.
(1) إبراهيم طلاي ميزاب بلد كفاح دار، البعث قسنطينة 1390 هـ/ 1971 م. ص 46 - 47. النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 320 - 321. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 98 - 99. بكير أعوشت: قطب الأيمة العلامة محمد بن يوسف اطفيش حياته وآثاره الفكرية وجهاده، المطبعة العربية، غرداية، 1989 م، ص 95 - 96.
إن الشيخ امحمد اطفيش أنكر على معارضيه دعاة المعاهدة والمصالحة مع فرنسا وشنع بعملهم في منابر المساجد ثم أعلن البراءة الشرعية منهم على رؤوس الملأ. وقد أقبل عليه أولئك الأعيان والوجهاء يطلبون منه الصفح ويلتمسون منه العذر ويعلنون توبتهم، بعد أن شرحوا له موقفهم والدواعي التي ألحت عليهم الإقدام على هذا العمل.
إن معارضته الشديدة للمعاهدة ونصرته لخط المقاومة تركت مقولة تروى عنه سجلتها كتب التاريخ يقول فيها: إن تشييع ثمانين جنازة في اليوم من الميزابيين أحب إلي من أن يطرق سمعي أن فرنسا وضعت قدمها على حجر واحد من تيضفت"، وهو مكان معلوم في بلدته بني يزقن. النوري: المرجع نفسه، ج 1، ص 320 - 321. (1/72)
صفحة 73
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
41
رأوا في ذلك حلا وسطا بين عدم قدرتهم - عدة وعددا على مجابهة المستعمر وتجنيبهم وادي ميزاب من الاحتلال العسكري الأكيد الذي لا مفر منه؛ والذي سينجر عنه لا محال مفاسد جمة في الأنفس والأعراض والأموال.
(1)
يقول الأستاذ حمو عيسى النوري): «لما احتلت القوات الفرنسية مدينة الأغواط شعر الميزابيون بقلق شديد وساورتهم الحيرة وتوقعوا صورة الانتقام من فرنسا، وقد كانوا يقاومونها في الشمال أينما حلت» (2).
نصت المعاهدة على أن تتعهد فرنسا لبني ميزاب بحفظ بلادهم واحترام معتقداتهم وصيانة عوائدهم، وأن لا تتدخل مطلقا في تسيير شؤونهم الداخلية، مقابل تبعيتهم لفرنسا ودفعهم ضريبة سنوية مقدرة بخمس وأربعين ألف فرنك وترك القرى السبع تعين فيما بينها القسط الذي تتحمله كل منها من هذه الضريبة. ونصت المعاهدة على وجوب غلق أسواق الميزابيين أمام الثوار والمناوئين لفرنسا والتحذير من مساعدتهم أو إيوائهم. أما السلطة الفرنسية فإنها تقتصر على حفظ النظام العام في البلاد ورعاية شؤون المعمرين الفرنسيين (3).
بعد ذلك مباشرة وفي سنة 1273 هـ / 1857 م وتنفيذا لبنود المعاهدة وإشعارا لأهالي وادي ميزاب بدخولهم تحت الحماية الفرنسية أرسلت السلطات الاستعمارية قواتها وتمركزت في ساحات غرداية، كما أرسلت الكمندون مرغريت (Marguerite) بجيش من الأغواط عندما كان مارا لإخضاع منطقة ورقلة فدخل غرداية عنوة بعد كسر بابها ومر الجند بشوارعها مشهرين بنادقهم وضاربين الطبول وعازفين الموسيقى الفرنسية.
(1) حمو عيسى النوري ولد في بلدة بنورة بوادي ميزاب سنة 1941 م، تعلم في المعهد الجابري ببني يزقن، عضو جمعية العلماء المسلمين، الجزائريين نشر مقالات وأشعارا في الكثير من الجرائد منها: الشهاب البصائر النور الأمة، شارك في الثورة التحريرية، دخل سجون الاستعمار وعذب اشتغل بالتعليم بعد الاستقلال، له كتاب بعنوان: نبذة من حياة الميزابيين توفي سنة 1993 م. النوري: نبذة من حياة الميزايين، ج 1، ص 65. (2) المرجع نفسه: ج 1، ص 271. (3) وثيقة المعاهدة كاملة منشورة ضمن كتاب النوري نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 273 - 274. (1/73)
صفحة 74
42
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
وفي الفترة نفسها خرقت فرنسا بنود المعاهدة فتدخلت في شؤون وادي ميزاب بتعيين اليهودي آغا يتح العامل في المخابرات الفرنسية في الأغواط ليتولى شؤون الحكم بوادي ميزاب اغتاظ القوم لهذا العمل المنافي للمعاهدة وامتنعوا بالإجماع عن قبوله واعتبروا ذلك إهانة لهم ومساسا بشرفهم وكرامتهم، وأدى ذلك إلى اغتيالهم له في سنة 1276 هـ/ 1860 م بعد مدة قصيرة من تعيينه. وقد تسبب هذا العمل في انزعاج السلطات الفرنسية فصبت جام غضبها على الميزابيين وأمرت بتغريمهم بمبلغ أربعين ألف فرنك وأرسلت من القبائل الموالية لها من نهب وسلب وخرب حقول وادي ميزاب (1).
استمر إباضية الجزائر في علاقتهم مع فرنسا بناء على هذه المعاهدة التي شرعت الحماية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لوادي ميزاب إلى سنة 1300 هـ / 1882 م. إذ بادرت فرنسا بنقضها ودخلت بقواتها العسكرية إلى وادي ميزاب والحقته بأراضيها الاستعمارية؛ مبررة ذلك بما كان يقوم به أهالي وادي ميزاب من مساندة للثوار الجزائريين وتمويلهم بالأسلحة والذخيرة والأمتعة والمؤن واعتبرت ذلك خرقا منهم لبنود المعاهدة (2).
ب - تقويم موقف المعاهدة وقبول الحماية
رغم ما يظهر للعيان من الحنكة السياسية التي برز بها أعيان إباضية الجزائر في تعاملهم مع المستعمر ورد عدوانه، بتمكنهم من افتكاك الحماية منه وحفظ واديهم وربوعهم من مخاطر مداهمة الاستعمار له، رغم مقاتلتهم للفرنسيين في سواحل الجزائر العاصمة وعلى أسوار قسنطينة ومساعدتهم للمقاومات الشعبية، إلا أن قراءة المعاهدة من زاوية أخرى يكشف لنا عن خفايا المجتمع الإباضي في تلك الحقبة الزمنية التي يمكن أن يفهم منها ما يلي:
(1) المرجع نفسه: ج 1، ص 277 - 279. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 99 - 101.
(2) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 308. (1/74)
صفحة 75
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
43
إن إباضية الجزائر قد قويت فيه سلطة الأعيان ورؤساء العشائر على حساب المجالس الدينية المتمثلة في هيئات العزابة ومجلس عمي سعيد، كما قويت على سلطة
العلماء.
دلتنا المصادر على أن بعض العلماء وبعض العزابة والطلبة لم يرضوا بإبرام الفرنسيين المشركين المغتصبين للبلاد، كما رأوا أن إعلان الجهاد مع
المعاهدة
والمقاومة هو الموقف الصحيح والشرعي الذي ينبغي أن يتخذ.
هكذا تظهر جماعات الأعيان أقوى من الهيئات الدينية في تسيير الشؤون السياسية لوادي ميزاب فظهرت هذه الأخيرة مغلوبة على أمرها في اتخاذ المواقف الخطيرة الحرجة.
في هذا الشأن يصف الشيخ إبراهيم طلاي (1) حال الهيئات الدينية آنذاك قائلا: تمر فترات يضعف فيها نفوذ السلطة الروحية، التي للعزابة بسبب ما، کتمرد رئيس قبيلة أعجبته كثرة أتباعه أو تعوز هيئة العزابة الشخصية والحنكة، أو تقع فتن بين المواطنين، فيتعقد المشكل ويخرج عن نطاق العزابة، عند ذلك ينفلت الزمام من يد العزابة، وينتقل إلى رؤساء القبائل ومقدميها ... وكمثال لما ذكرناه الاتفاق الذي أمضي مع الفرنسيين بالأغواط ... فقد كانت الهيئات الدينية غائبة عنه، تحرجا من إمضاء معاهدة مع المشركين، وفعلا فقد أمضى هذا الاتفاق رغما عنهم وفرض عليهم من طرف الهيئات المدنية فرضا» (2).
كما أن اعتراض العالم الإباضي الشيخ امحمد اطفيش على موقف المعاهدة لم يؤبه به رغم ثقل وزنه العلمي والديني والاجتماعي في وادي ميزاب؛ يدل على مدى سيطرة جماعة الأعيان على دواليب الحكم وانفلات الأمور من الهيئات الدينية والعلمية.
(1) (على قيد الحياة) أستاذ العلوم الشرعية بمعهد عمي سعيد بغرداية.
(2) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 49. (1/75)
صفحة 76
44
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
من جهة أخرى نستطيع أن نقرأ في عدم تلاقي وجهات نظر المجالس العرفية لوادي ميزاب وتعارضها في هذه القضية الخطيرة يدل على حالة ضعف أخرى تحسب على إباضية الجزائر في تجاذب مسائل الحكم والسياسة بين الهيئة الشرعية والهيئة السياسية. وكان من الأولى أن تكون العلاقة بينهما علاقة تشاور وإقناع وحوار ينتهي إلى موقف مشترك وعمل برأي الأغلبية وإنصات لرأي العلماء والشرع.
وإن كان من جانب آخر نقرأ في هذا الاختلاف الحاصل نوعا من الديمقراطية وحرية الرأي والتعددية داخل المجتمع الإباضي في هذه الفترة من الزمن، وهي نقطة إيجابية وعلامة صحية تحسب لهم.
كما تطرح هنا مسألة تداخل صلاحيات هذه الهيئات وعدم ضبط وظائفها وحدودها، أو عدم احترامها والوقوف عندها إن كانت مضبوطة، ومدى توافق كل ذلك مع المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية.
كرأي خاص في المسألة أرى أن إباضية الجزائر وفقوا سياسيا في إبرام معاهدة الحماية مع الفرنسيين بناء على فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد وتغليب منطق السلم على منطق الحرب، التي قد تجيزه السياسة الشرعية في مثل هذه الحال؛ فحفظوا بذلك واديهم من ويلات الاحتلال، وأظهروا دهاءهم السياسي، لكنهم من جهة أخرى تساهلوا إلى حد ما في التعامل مع بوجوب مقاومته وإخراجه من الأرض أو الاستشهاد دون ذلك؛ دفاعا عن الدين والوطن والعرض.
إن هذا الرأي هو ما كان عليه الشيخ اطفيش، وربما مشايخ آخرون.
المستعمر،
نخلص في الأخير أن إبرام معاهدة الحماية مع الاحتلال الفرنسي كانت صورة لنفوذ جماعات الأعيان وقوتها في تسيير دواليب الحكم بوادي ميزاب في هذه الفترة على الأقل، على حساب الهيئات الدينية وطبقة العلماء. (1/76)
صفحة 77
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
45
من الغريب كذلك أن مؤرخي الإباضية في عرضهم لهذه الأحداث التاريخية وتحليلهم لها أغفلوا دراستها من الزاوية الشرعية وربطها بأصول الإسلام وقواعد السياسة الشرعية، فوجدناهم يشيدون بهذه الحنكة والمراوغات السياسية التي استطاع بها إباضية الجزائر إقناع فرنسا بإبرام معاهدة الحماية رغم مشاركاتهم في المقاومات ضدها.
نجد مثلا الأستاذ محمد علي دبوز) يكتب فصلا بعنوان: حصول الميزابيين بالدهاء على معاهدة ضمنت لهم بقاء نظامهم الاجتماعي. ممما جاء فيه: «فعلم الميزابيون أن الصحراء العارية الجرداء ليست كجبال الشمال يستطيعون فيها حرب العصابات ... وأيقنوا أنه سيفتك بمدنهم مثل ما فعل بالأغواط وكل الأماكن التي قاتلته، وهتك الحرمات، وقضي على نظامهم الاجتماعي ... إن القتال لا يجدي وهو تعريض للدين والنفس للهلاك، فلا بد من أسلوب آخر لمدافعة الفرنسيين كي لا يحتلوا ديارهم ... واتفقوا على سلوك الطرق الدبلوماسية في رد الفرنسيين عنهم ...
فعقدوا معه في يوم 21 رجب 1269 هـ/ 29 أفريل 1853 م معاهدة حماية» (2). كما نجد الشيخ إبراهيم طلاي يشرح هذا الموقف بقوله: «وربما السنون التي عاشها التجار الميزابيون إبان الاحتلال في مدن الشمال ومشاركتهم في الدفاع عنها أبنائها، والأسلوب التخريبي الذي شاهدوه والقتل الجماعي الذي استعمله الفرنسيون بكل ناحية تقع تحت أيديهم كل هذه العوامل أكسبتهم مرونة سياسية،
(1) محمد بن علي دبوز (و: 1337 هـ / 1919 م - ت: 16 محرم 1402 هـ / 13 نوفمبر 1981 م) تلقي تعليمه في مسقط رأسه بلدة بريان ثم في معهد الحياة بالقرارة على يد الشيخ بيوض والشيخ عدون، واصل دراسته في جامع الزيتونة بتونس، وفي جامعة القاهرة، تخصص في التاريخ والأدب وعلم النفس، عاد سنة 1948 م إلى وادي ميزاب والتحق بمعهد الحياة أستاذا، وقام بدور كبير في تطوير برامجه. اهتم بالتأليف والكتابة، فأنجز أعمالا كبيرة هي: تاريخ المغرب الكبير في ثلاثة أجزاء نهضة الجزائر الحديثة في ثلاثة أجزاء، أعلام الإصلاح في الجزائر في خمسة أجزاء. وهو بذلك يعد مؤرخ الحركة الإصلاحية في وادي
ميزاب. معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 812.
(2) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 245. (1/77)
صفحة 78
46
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
استعملوها مع الفرنسيين بعد احتلالهم للأغواط، لينقدوا أنفسهم من المصير الذي ينتظرهم، ثم ليضمنوا لأنفسهم بقية من حرية التصرف» (1).
التحليل نفسه نجده عند الأستاذ علي يحيى معمر وكذا الأستاذ حمو عيسى النوري وكذا الأستاذ بكير أعوشت (2). فلم يلتفتوا إلى دراسة الموضوع من زاويته الشرعية العقدية، ولم يولوا عناية بتبرير هذا الموقف السياسي الخطير بالعودة إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في إطار مبادئ السياسة الشرعية الإسلامية.
ج - نقض المعاهدة والحاق ميزاب بالحكم العسكري: في تاريخ 11 صفر 1300 هـ/ 21 ديسمبر 1882 م بعث الوالي العام الفرنسي للجزائر لويس تيرمان Louis Tirman رسالة إلى أهالي وادي ميزاب يعلن فيها إلحاق بلادهم بالمستعمرات الفرنسية (3)، ويبرر ذلك بما كان يقوم به الميزابيون من فتح أسواقهم للثوار والمقاومين من كافة أنحاء الوطن ليتزودوا بالمؤن والأسلحة والذخيرة، التي كانت تصل واديهم عن طريق الأسواق الحرة المتنقلة، وعن طريق التجارة السرية التي تنتقل بين الجزائر وتونس وليبيا والمغرب.
ينقل الأستاذ إبراهيم القرادي نصا من رسالة أحد الضباط الفرنسيين الذين تولوا الزحف على ميزاب يبرر فيها عمله هذا بقوله: «إن ميزاب يسمى عند سكان الصحراء خزان البارود، لأن قوافل الميزابيين كانت تجلب ملح البارود والكبريت من الجنوب التونسي، فيصنعونه بارودا يمدون به جميع جيوب المقاومة في الصحراء، فهم قد عقدوا معنا معاهدة في 1263 هـ/ 1853 م فهم
(1) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 46 - 47 (2) معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل،4، ج 2، ص 582. النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ص 271 272. أعوشت قطب الأيمة: ص 54 - 55 (3) نص رسالة الوالي العام مترجمة إلى العربية منشورة ضمن كتاب النوري نبذة عن حياة الميزابيين ج 1، ص 309. (1/78)
صفحة 79
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
47
يمسكوننا بيد ويمدون المقاومة بيد أخرى ولذلك قررنا الزحف على غرداية لنتمكن من مراقبتهم» (1)
ويقول الكاتب الفرنسي أو قستان برنار (Oguestin Burmar): «باستيلائنا على ميزاب قضينا على عش الثورة الدائم والمستودع الذي كان يجد فيه الثوار ضدنا الأسلحة والعتاد والتموين (2).
إذن كان هذا الإلحاق عقابا للإباضية الميزابيين الذين أخلوا بشروط المعاهدة التي تنص على غلق أبواب بلادهم وأسواقهم على الثوار المقاومين للاستعمار الفرنسي، إذ انتقلت قوة عسكرية من الأغواط تجاه غرداية بقيادة الجنرال دولاتور (De La Tour ودخلت المدينة دون أي مقاومة تذكر ورفعت فيها العلم الفرنسي محيا بواحدة وعشرين طلقة مدفعية وبذلك أعلن الإلحاق الرسمي لميزاب بالأراضي المستعمرة الفرنسية (3).
ينبغي الإشارة إلى أن السلطات الاستعمارية سبقت هذا الإلحاق بإصدار تقرير شديد اللهجة لأهالي وادي ميزاب وقعه الوالي العام للجزائر لويس تيرمان (Louis Tirman) في شهر محرم 1300 هـ / نوفمبر 1882 م يهددهم بالإلحاق العسكري إن لم يكفوا عن الإخلال ببنود المعاهدة بتعاونهم مع الثوار بالأسلحة والذخيرة والمؤن.
لقد شكل هذا الإلحاق غير القانوني - في نظر إباضية الجزائر - موجة من الرفض والتذمر لدى الأهالي والأعيان؛ انعكس في مقاطعة تامة للتعامل مع الإدارة الاستعمارية بعدم الاشتغال في مصالحها، وبعدم إلحاق أبنائهم بمدارسها، وبعدم الانصياع لقوانين التجنيد الإجباري. كما أدى إلى تحركات دبلوماسية وسعي لدى السلطات الفرنسية في الجزائر للتنديد به والدعوة
(1) القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 181. (2) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 113.
(3) المرجع نفسه: ص 113 114. (1/79)
صفحة 80
48
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
للتراجع عن القرار الجائر، والعودة إلى العمل بالمعاهدة واعتبار بلاد ميزاب محمية فرنسية ذات حكم داخلي مستقل. وقد اعتمد أعيان ميزاب على التحليل القانوني لنص قرار الإلحاق الصادر من السلطات الفرنسية، فرأوا أن القانون الفرنسي ودستوره يوضحان طريقة إلحاق أراض ما بالأملاك الفرنسية، وأن هذا الصيغة القانونية غير متوفرة في إلحاق ميزاب لكن يبدو أن هذه الجهود لم تأبه بها فرنسا وباءت كلها بالفشل؛ فلم تغير من سياستها في وادي ميزاب؛ بل شرعت في تنصيب القواد الممثلين لها على مستوى كل قرية وأنشأت دائرة عسكرية تضم الجهاز الإداري والجهاز العسكري لتسيير شؤون البلد ومراقبة تحركات أهاليه (1).
د - تقويم موقف إباضية الجزائر من الإلحاق
في حقيقة الأمر إن المتتبع لمسار علاقة إباضية الجزائر بالفرنسيين منذ دخولهم الجزائر، إلى إبرام معاهدة الحماية، إلى قرار الإلحاق ودخولهم وادي ميزاب يتساءل كيف أنهم قاوموا القوات الفرنسية خارج ربوعهم، وناصروا خط الجهاد وسقطوا شهداء في ميدان الشرف بأعداد معتبرة في الدفاع عن العاصمة وعن قسنطينة وفي المشاركة في المقاومات الشعبية التي عرفتها أرجاء الجزائر، لكن تلك الروح الجهادية المقاومة اختفت عندما تعلق الأمر بواديهم وربوعهم؛ إلا ما سجل من سلمية سلبية للتعامل مع فرنسا وسلطتها الإدارية والعسكرية.
مقاطعة
كر أي خاص في القضية فإن هذا الموقف يجب فهمه في إطاره الزمني، إذ سبقت الإشارة أن إباضية الجزائر خلال هذه الفترة استحكمت عليه سلطة الأعيان ورؤساء العشائر على سلطة الهيئات الدينية، فأصبحت القرارات السياسية الخطيرة بيدهم لا بيد العلماء والمشايخ، لذا فسيؤول الأمر في الأخير إلى استعمال أساليب
(1)
معمر: الإباضية في الموكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 582 - 583. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب ص 114 - 115. (1/80)
صفحة 81
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
49
الدهاء والحنكة والتبصر والمراوغات السياسية ومراعاة المصلحة المفوتة للفتنة
والمجابهة، التي قد تؤدي إلى خراب البلاد والعباد.
إن إباضية الجزائر في موقفهم هذا من الاستعمار قد أفلحوا سياسيا في حفظ واديهم من التخريب وحفظ مذهبهم وأعرافهم من الضياع والتشتيت؛ إلا أنهم تراخوا في إبداء نوع من المقاومة المسلحة للمحتل الكافر المغتصب للأرض والوطن.
هـ حالة الحكم في وادي ميزاب بعد الإلحاق:
أشارت بعض المصادر إلى أن السلطة الاستعمارية لم تقصد بقرار الإلحاق وإنزال قواتها في وادي ميزاب نقض كل بنود معاهدة الحماية، بل حاولت المحافظة على روحها مع وضع العين واليد على تحركات الميزابيين المشبوهة ضدها بمشاركاتهم في الثورات ومساعداتهم لها بالأسلحة والعتاد. فعلى إثر التحركات السياسية والدبلوماسية التي خاضها الميزابيون للتنديد بوثيقة الإلحاق رد عليهم الوالي العام للجزائر لويس تريمان (Louis Tirman) أن فرنسا ستذكر دائما المعاهدة المنعقدة معهم عام 1269 هـ/ 1853 م).
هذا لا بد من التأكيد على أن الحكم في وادي ميزاب تغير بعد هذا القرار؛
(2)
إذ أخضعته السلطات الفرنسية إلى حكم ما يعرف بـ: "القياد» التابعين بدورهم لحاكم عسكري محلي على مستوى غرداية ثم على مستوى الأغواط، حيث عينت في كل بلدة من يتولى رعاية مصالحها وتنفيذ سياستها ومراقبة حركات الأهالي وسكناتهم، وبذلك تقلصت مهام الهيئات الدينية والعرفية في تسيير شؤون المجتمع، وانتزع منها الكثير مما كان لها في مجال الحكم والقضاء.
(1) معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 583. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 114 - 115.
(2) القياد كلمة عربية غير، فصيحة مفردها، قائد وجمعها قواد وقادة، إلا أنها عرفت في الثقافة الشعبية وشاع استعمالها بلفظ قياد. وارتأيت أن أعتمدها في البحث كما عرفت وشاعت لتكون أكثر دلالة على المعنى، وقد وضعتها بين إشالتين صغيرتين. (1/81)
صفحة 82
50
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
يبدو أن إباضية الجزائر لم يتجاوبوا في بادئ الأمر مع هذا النظام الجديد وحاولوا معارضته بمقاطعة التعامل مع السلطة الاستعمارية كما مر سالفا لكن إعادة التفكير والتمحيص للموضوع والتعمق فيه جعلهم يعدلون عن رأيهم ويذعنون للأمر الواقع ويسلمون لهذا القدر المحتوم، ورأوا في سياسة احتواء حكم القياد وربط الأواصر والتعاون معهم على خير البلاد وصلاحها خير من مقاطعتهم ونبذهم فينقلبون وباء ودمارا على المجتمع والأفراد (1).
هي
خضعوا لهذا النظام فصاروا يقدمون لفرنسا أبرز شخصيات من أعيانهم تتولى اختيار من تراه مناسبا لها، وأحيانا تنصب من تشاء من الموالين لها وخدامها دون العودة إلى هيئات البلد عندما ترى أن مصالحها تقتضي ذلك. وقد خدم هؤلاء القياد" أحيانا مصالح البلد وساروا مع الهيئات الدينية لوادي ميزاب في تفاهم وتعاون وتشاور. كما ظهر منهم بين فترة وأخرى من سار ضد تيار الهيئات الدينية وضد الصالح العام في خدمة الاستعمار وإثارة الفتن ونشر الفساد والتسلط والتجبر على الأهالي. فلاقى معارضة شديدة من هيئات العزابة، ودخل معهم في صراع وصدام وصل إلى حد إعلان العزابة البراءة الاجتماعية الدينية منه ومقاطعة تعامل الناس معه. وكان رد فعل القائد هو الوشاية بالعزابة والافتراء عليهم إلى أن يتم سجن بعضهم وحلق لحاهم.
كما شكلت وفود للشكوى من أفعال بعض القياد" لدى السلطات المركزية الفرنسية على مستوى العاصمة بسبب أعمالهم الشنيعة المنافية للدين ولأعراف البلد، أدى بهم الأمر في النهاية إلى عزلهم من مناصبهم
(1) الحاج سعيد: المرجع السابق، ص 115 - 118. (2) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 279.
(3)
(3) هذا ما وقع مثلا في بلدة القرارة سنة 1324 هـ/ 1906 م بين عزابتها والقائد كاسي بن بهون، الذي أعلنوا البراءة الدينية والاجتماعية منه، التي تعني مقاطعة التعامل معه، فانتقم لنفسه بالاستعانة بالحاكم العسكري بغرداية فسجن سبعة من كبار العزابة في سجن تعضميت بالقرب من الأغواط وعلى إثر هذا العمل ثار
= (1/82)
صفحة 83
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
51
القائد
نستطيع أن نقول إن الحكم في وادي ميزاب بعد قرار الإلحاق وإحداث نظام القياد وتعيين حاكم عسكري محلي وقع حوله تجاذب وشد للحبل بين السلطة العسكرية الممثلة في الحاكم والقائد وحاشيته من جهة وبين هيئات العزابة وأعيان البلد من جهة أخرى، حيث قلصت الكثير من صلاحياتها وأصبحت بيد كما أصبحت تحركاتها محسوبة ومراقبة من السلطات الاستعمارية القريبة منها. وفتحت المجال للعمل السياسي السري وعمل الكواليس كما فتحت باب الوشايات على مصراعيه، وأثيرت الفتن التي كانت تنتهي عادة بالتعدي على الحرمات والأموال، وبسفك الدماء أحيانا. لكن كثيرا ما كان القائد المعين ممن ترضى عليه هذه الهيئات العرفية، فيتوافق معها ويتعاون وبذلك تبقى متحكمة في زمام الأمور من وراء حجاب، يرجع إليها القول الفصل في نهاية المطاف.
و مشاركة إباضية الجزائر في الثورات الشعبية ينبغي الإشارة إلى أن ما تميز به إباضية الجزائر في مشاركاتهم في الثورات الشعبية التي شهدتها الجزائر بعد الاحتلال إنما كان بدافع الإيمان بالقضية العادلة التي ثارت من أجلها القبائل، وبدافع الإيمان بأن الحرب حرب عقدية جهادية ضد المستعمر الكافر المغتصب للأرض، بحيث أن المشاركات الفردية أو الجماعية كانت تلقائية نابعة من القناعات الذاتية. إذ لم تطلعنا المصادر على أن القيادات الروحية لإباضية الجزائر شنت حملات توعية وتحسيس للسكان بضرورة المشاركة في هذه الثورات، كما لم تطلعنا عن تجميع هذه القيادات للشباب والمتطوعين بقصد
سكان القرارة وتظاهروا وأغلقوا المسجد، احتجاجا، فأرغموا السلطات الفرنسية على إطلاق سراح المشايخ بعد ثلاثة أشهر من اعتقالهم.
مما قام به القائد نفسه من مفاسد أنه أقدم على فتح دار واسعة للبغاء في بلدة القرارة أثارت بلبلة وسخطا بين الأهالي والعزابة والأعيان فشكلوا وفدا اتجه إلى الجزائر العاصمة ليقوم بمساعي لدى الإدارة المركزية الفرنسية يشتكي من هذا القائد وأعماله. وقد أثمرت هذه المساعي بإصدار الإدارة المركزية قرارها بغلق الدار، فسارع أعيان البلد إلى شرائها وهدمها لتكون عبرة لمن يعتبر، وكان ذلك سنة 1326 هـ/ 1908 م. دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2، ص 195. (1/83)
صفحة 84
52
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
إرسالهم إلى إحدى هذه الثورات. كما حدث ذلك في عهد الأتراك في الدفاع عن العاصمة وقسنطينة، إلا ما يمكن أن يكون دعوة سرية غير علنية من أحد العلماء أو العزابة في حث الشباب على الجهاد في صفوف هذه المقاومة أو تلك ومباركتها، وهو غير مستبعد.
يستثنى من ذلك ما سجله قطب الأئمة الشيخ اطفيش صراحة عند احتلال الجزائر ووصول الفرنسيين إلى مشارف وادي ميزاب، بدعوته العلنية لمقاتلة المستعمر ورفضه أي مفاوضة معه بمنطلق إيماني - شرعي مرت الإشارة إليه سابقا - وكان يقول: «إن تشييع ثمانين جنازة يوميا أفضل من أن يصل أسماعي أن الفرنسيين وضعوا أقدامهم على شبر من وادي ميزاب» (1). في هذا الصدد يقول الشيخ إبراهيم القرادي) فمن أمانة التاريخ أن نذكر مشاركتهم في المقاومة في مختلف نواحي الجزائر، ولكننا لا نعني بكلمة الميزابيين كل الميزابيين أو أغلبهم، فنحن إلى حد الآن لا نملك مصادر تثبت اتفاقهم كلهم على دعم المقاومة، وإن كانوا في مجموعهم مندفعين من منطلقهم الديني في معركة الكفر والإيمان، ولذلك نجدهم شاركوا أفرادا وجماعات في أغلب المقاومات والانتفاضات» (2).
ولعل طابع المجتمع الجزائري آنذاك المعتمد أساسا في حكمه على نظام القبيلة والولاء لها، وأن لكل منها جهاز دفاع تتولى الذود به عن حماها وأراضيها، معتمدة على شبابها ورجالها بالدرجة الأولى، كان وراء هذا الوضع.
من جهة أخرى فإن بنود معاهدة الحماية التي وقعها أعيان إباضية الجزائر مع السلطة الفرنسية ستكون رادعة لهم من أي دعوة علنية لمناصرة هذه الثورات أو مساندتها بالخطاب المسجدي أو عن طريق الهيئات الدينية والعرفية التي لها كلمتها في صفوف الأهالي، فإن كان هنالك شيء من ذلك فسيكون سريا وفرديا لكي لا
(1) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 320 - 321
(2) القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 180. (1/84)
صفحة 85
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
53
تتحمل الهيئات مسؤوليته وتبعاته، خوفا من إغضاب السلطات الاستعمارية وبطشها وما يمكن أن ينجر عن ذلك من وبال.
على ضوء هذه المعطيات التاريخية يمكن لنا أن نفهم موقف أعيان الميزابيين من مساندة ومؤازرة الثورات الشعبية، كما نفهم موقفهم من إبرام معاهدة الحماية مع فرنسا دون اللجوء إلى المقاومة.
مع كل ذلك فقد سجلت لنا المصادر مشاركات متقطعة فردية وأخرى جماعية
لإباضية الجزائر في غالب الثورات الشعبية يمكن إجمالها فيما يلي: مشاركتهم في ثورة ابن زعمون (1) والحاج سيدى السعدي (2) في سهول متيجة
وبوفاريك ونواحي البليدة وضواحي العاصمة بالحراش.
مشاركتهم في ثورة الأمير عبد القادر بعناصر مؤهلة، جعل الأمير يقربهم إليه ويتخذهم من خاضته وبطانته منهم السيد باي أحمد السيد باي أحمد بن بابا عيد عيسى (3) الذي كان طبيب الأمير وكاتبه، وقد حضر معه معاهدة التافنة. ومجموعة من التجار الأغنياء في الغرب الجزائري ووسطه الذين أسهموا في تمويل الأمير بالمال والسلاح. مشاركتهم في ثورة المقراني وقد استشهد أفراد عديدون فيها، وصودرت
أملاكهم في ناحية برج بعرريج وسطيف بسبب هذه المشاركة).
(1) ابن زعمون أحد قادة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي في البليدة وسهول متيجة ويوفاريك والحراش في سنوات الاحتلال الأولى. سعد الله: تاريخ الجزائر الحديث، ص 81 84 يحيى بوعزيز: ثورات الجزائر،
ص 11 - 14.
84 - 81
4
(2) الحاج علي بن السعدي: أصله من جبال زواوة ببلاد القبائل، أحد قادة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي في سهول متيجة وواد الكرمة، من سنة 1830 إلى سنة 1832 م. سعد الله: المرجع نفسه، ص 81 - 84.
يحيى بوعزيز المرجع نفسه، ص 11 - 14. الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 4، ص 25 - 27. (3) باي أحمد بن بابعيسى: (حي في الخمسينيات ق /13/ الأربعينيات ق (19 م)، من رجالات مدينة مليكة بميزاب. اتخذه الأمير عبد القادر طبيبه الخاص، وكاتبه، وأمين سره. معجم أعلام الإباضية
ج 2، ص 167.
(4) بكلي: فتاوي البكري، ج 2، ص 374. (1/85)
صفحة 86
54
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
- مشاركتهم في ثورة الشيخ بوعمامة وثورة أولاد سيدي الشيخ التي اتخذت من أسواق وادي ميزاب مركزا من مراكز التمويل بالذخيرة والأسلحة والعتاد. ولقد كان للشيخ عمر بن حمو بكلي) مواقف وأعمال بطولية في نصرة هذه الثورة والدعوة لها وتمويلها بماله الخاص ومما كان يجمعه من أموال المحسنين، كما كان يعتمد على علاقاته الوطيدة مع قبائل الصحراء في دعم هذه المقاومة، وكان يجلب لها السلاح من الجنوب التونسي بواسطة علاقاته التجارية معها، وقد انتهى به الأمر إلى انتباه السلطات الفرنسية لنشاطه وتحركاته ضدها، فحكمت عليه بالسجن في منطقة تعضميت بالقرب من الأغواط (2).
من
إن هذا الدعم الذي حظيت به ثورة أولاد سيدي الشيخ في وادي ميزاب كان الأسباب المباشرة لغضب السلطات الفرنسية على الميزابيين ونقضها لمعاهدة الحماية معهم وإلحاقها وادي ميزاب بأراضيها المستعمرة، فقد وجه الوالي العام للجزائر لويس تيرمان (Louis Tirman خطابا شديد اللهجة إلى الميزابيين يحذرهم فيها من مغبة خرق بنود المعاهدة ويتوعدهم بالسيطرة العسكرية، وكان ذلك شهرا قبل تاريخ الإلحاق أي محرم 1300 هـ/ نوفمبر 1882 م. مما جاء فيه:
وأصبحت أسواقكم مفتحة لجميع المفتنين بالقبلة، بل مددتموهم بأصناف الأدوات الحربية، وكل ذلك منكم ونحن لم نقصر معكم في الإنذارات الأكيدة والنصائح السديدة والنصرة المعنوية المفيدة فصممتم عن الإنصات إلينا» (3).
(1) عمر بن حمو بكلي (و): 1253 هـ / 1837 م - ت آخر ذي الحجة 1340 هـ / 13 أوت 1922 م)، أحد أعلام وادي ميزاب وعلمائها العاملين درس في بلدته ثم على يد الشيخ اطفيش في معهده ببني يزقن، اشتغل التعليم والوعظ والإرشاد في بلدته العطف، كما حارب الفساد والبدع وتصدى للعمل الاجتماعي، كما كان على اتصال بمقاومة أولاد سيدى الشيخ يبعث إليها المؤن والأسلحة والذخيرة التي كان يستقدمها من جنوب تونس حارب الاستعمار وسجن في سجن تعضميت بالقرب من الأغواط
معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 632.
(2) معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 632 - 634.
(3) النص الكامل للخطاب منشور ضمن كتاب النوري نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 309. (1/86)
صفحة 87
55
المبحث الأول: الأوضاع السياسية يقول المؤرخ يحيى بوعزيز () في هذا الصدد: «وبعد أحداث بوعمامة هذه الحقت السلطات الفرنسية منطقة ميزاب بسلطاتها المباشرة، وألغت الحكم شبه الذاتي الذي كان يتمتع به الميزابيون بمقتضى اتفاقية راندون عام 1853 م. وذلك عقابا لهم على التأييد الذي أبدوه لبو عمامة ورفاقه والعون المادي الذي قدموه لهم ولمن قبلهم من زعماء الثورات التحريرية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات» (2). إذن فقد كانت للميزابيين مشاركات متفرقة ومتفاوتة في الثورات الشعبية الجزائرية اتسمت بالمبادرات الشخصية للأفراد أو لبعض الجماعات الموجودة في مدن الشمال الجزائري المحتكة مع عناصر هذه المقاومات وقياداتها.
(1) يحيى بوعزيز: (و: 1929 م - ت: 2007 م) من برج بعريريج، تلقى تعليمه في عنابة وفي تونس بمدارسها وبجامع الزيتونة، واصل دراسته بجامعة القاهرة بمصر حيث تخصص في التاريخ. تحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الجزائر سنة 1976 م. اشتغل بالتدريس الجامعي، له الكثير من المقالات والعديد من المؤلفات في مجال تاريخ الجزائر، وشارك في الكثير من الملتقيات الوطنية والدولية. بوعزيز:
ثورات الجزائر، غلاف الكتاب.
(2) المرجع نفسه: ص 256. (1/87)
صفحة 88
56
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
المبحث الثاني:
الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
1 جغرافية وادي ميزاب ومناخه
يعيش إباضية الجزائر في منطقة وادي ميزاب الواقعة في شمال صحراء الجزائر الواسعة، وهي هضبة صخرية كلسية تتخللها أودية عديدة؛ أهمها وادي ميزاب ووادي زقرير ووادي النساء ووادي متليلي تنبع كلها من الشمال الغربي وتنتهي في الجنوب الشرقي.
تبعد عن العاصمة بمسافة ستمائة كيلو متر ناحية الجنوب، توجد عاصمة الولاية غرداية في تقاطع خط العرض الشمالي 30.38 درجة وخط الطول الجنوبي: 45.30. تمتاز بصيفها الحار الشديد الحرارة، وشتائها البارد الشديد البرودة، وبهوائها رائها الجاف الذي لا رطوبة فيه. وهي منطقة قليلة الأمطار؛ لا يتجاوز معدل الأمطار فيها 67 ملم سنويا، هذا ما جعل من وديانها قليلة السيلان عموما، وتشهد المنطقة هبوب رياح رملية نهاية فصل الشتاء وبداية فصل الربيع تكون قادمة عادة من الجنوب الغربي.
وقد شهدت المنطقة عبر التاريخ حالات جفاف حاد في سنوات: 1867 م، 1920 م، 1954 م، كما شهدت الأودية المذكورة سالفا فيضانات جارفة سنوات: 1900 م، 1914 م، 1960 م. ويتكون وادي ميزاب من سبع قرى، توجد خمسة منها متجاورة متقاربة هي: العطف وبنورة ومليكة وبني يزقن وغرداية وتوجد اثنتان
تبعدان عن المجموعة ببعض العشرات من الكيلو مترات هما بريان والقرارة (4).
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 150. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب ص 9 - 10. بكير أعوشت وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية، دينيا تاريخيا، اجتماعيا، المطبعة العربية، غرداية، 1991 م، ص 19 - 23 (1/88)
صفحة 89
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
2 - عمارة وادي ميزاب وأصل تسميته
57
تسمى منطقة وادي ميزاب ببلاد الشبكة نسبة إلى تشابك أوديتها بين قراها، يرجع عمران هذه المنطقة إلى العصور الحجرية الأولى، نظرا لوجود هذه الأودية الداعية لتوفر شروط الحياة فيها من الماء والكلا، وهو ما كشفت عنه الأبحاث التي توصلت إلى وجود آثار العمران والحياة منذ العصر الحجري، بالإضافة إلى الرسوم المنحوتة في الصخور التي تثبت وجود حضارة إنسانية قديمة - رغم أنها فنيت بعد ذلك- وهي عبارة عن رموز وجروم أمازيغية بربرية وأعداد وأشكال للحيوانات تدل على حضارة الجنس البربري المستوطن لهذه الربوع وعلى بعض مهنه وحرفه
(1)
كالرعي وتربية المواشي تطلق كلمة بلاد ميزاب أو بلاد بني ميزاب على ما يسمى ببلاد الشبكة التي تضم
مدن وادي ميزاب السبع وكذا القرى المجاورة لها من متليلي وضاية بن ضحوة. وقد تعددت الروايات التاريخية لأصل تسمية بني ميزاب، ولعل الراجح منها أن التسمية كانت في بادئ الأمر بني مصعب نسبة إلى اسم القبيلة التي عمرت المنطقة، وهي إحدى فروع قبيلة زناتة البربرية المعروفة.
(2)
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: (سكان ميزاب الأصليون من قبيلة بني مصعب البربرية، فرع زناتة العظيمة» (3).
ومع مرور الزمن تحولت التسمية من بني مصعب إلى بني ميزاب، وذلك أن البربر لا تجيد نطق العين محققة أو يصعب عليها ذلك، فتسهل نطقها همزة أو ألفا. وبتقارب مخارج الصاد والزاي وتعدد اللهجات مع تقادم العهد تحولت الكلمة من مصعب إلى مصاب ثم مزاب ثم ميزاب يؤيد ذلك ما يوجد في
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 10 - 11. (2) انظر ترجمته في المبحث الثاني من الفصل الثالث. (3) بكلي: فتاوى البكري، ج 1، ص 363. (1/89)
صفحة 90
58
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
كلمات استبدل فيها حرف الصاد، زايا كأن يقال للصلاة
اللغة الميزابية من تزاليت"، وللصوم: "أزومي
(1) 66
ويرى ابن خلدون أن بني مصعب ينسبون إلى مصاب بن بادين من قبيلة زناتة انتقل إلى وادي ميزاب هو وإخوته فيقول: «وقصور مصاب سكانها لهذا العهد شعوب بني بادين من بني عبد الواد وبني توجين ومصاب وبني زردال فيمن انضاف إليهم من شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مختصة بمصاب (2)
(2)
3 ـ أصل سكان وادي ميزاب يقول الأستاذ محمد علي دبوز) وأصل الميزابيين من العرب والبربر ففي عروقهم دماء العرب والبربر جميعا، ولا صحة لما يدعيه الاستعمار ومقلدوهم من أنهم بربر خلص ... يدل على ذلك فصاحتهم في العربية وخلوهم من اللكنة الموجودة في بعض أنحاء البلاد (3). ويقول الشيخ محمد سعيد كعباش: «وبما أن المجتمع الإباضي لم يقم على الانتماء العرقي، فإنه من الطبيعي أن ينصهر في بوتقته عناصر بشرية أخرى من مختلف الأجناس ... فهناك عناصر عربية، أعجمية وزنجية وغيرها، نزحت إلى المنطقة واندمجت في المجتمع الميزابي من أقدم العصور. وبما أن الطابع الأغلب للمجتمع هو البربرية فقد اكتسى الكل ذلك الطابع).
تعددت الروايات في ضبط سكان وادي ميزاب وأصولهم البربرية والعربية والمناطق التي قدموا منها، والفترات الزمنية التي استغرقت ذلك، والأسباب السياسية والاقتصادية التي كانت وراء تلك الهجرات.
(1) محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ط 1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، مصر، 1382 هـ/ 1963 م، ج 1، ص 23. الحاج سعيد: المرجع السابق، ص 13 - 14.
(2) عبد الرحمن ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدإ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1402 هـ/ 1981 م، مج 7،
ص 123 - 124.
(3) دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 167.
(4) محمد سعيد كعباش: العطف، تاجنينت، نشر جمعية ألفية العطف العطف، غرداية، 1996 م، ص 23. (1/90)
صفحة 91
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
59
لكن ما يمكن أن يخلص إليه هو أن في بلاد ميزاب خليطا من القبائل البربرية والعربية قدمت وعمرت وادي ميزاب في فترات متلاحقة عبر التاريخ امتزجت فيما بينها مشكلة ما يسمى بالمجتمع الميزابي، وقد أسهم جميعها في بناء الوادي وعمارته وتشييد هذه الحضارة التي زاد عمرها عن ألف سنة. يقول الأستاذ حمو عيسى النوري: «بنو ميزاب أعراش توافدوا إلى وادي ميزاب من أقاصي البلاد فيهم البربر والعرب الأقحاح بعد انقراض الإمامة الرستمية وخراب سدراته فكونوا في الوادي وحدة قومية ووحدة مذهبية ووحدة لغوية، فأصبحوا بحكم التجاور والمصاهرة والمعتقد أمة متماسكة» (1).
هذا الرأي يفند الرواية التي تعتبر أن الميزابيين نزحوا من تيهرت إثر سقوطها إلى سدراتة ثم إلى وارجلان ثم إلى وادي ميزاب على شكل هجرات جماعية يتركون فيها وطنهم الأول للاستقرار في الوطن الجديد، كما يفند الرواية التي تعتبر أن الميزابيين الموجودين الآن هم أمازيغ خلص لم يحصل لهم أي اختلاط بأجناس أخرى خاصة العرب منهم. كما ينبغي الإشارة أن وادي ميزاب استقبل في فترات لاحقة مجموعة من القبائل العربية التي لم تمتزج بالميزابيين وبقيت مجاورة لهم إلى حد اليوم، منها قبيلة بني مرزوق وقبيلة المذابيح، وقبيلة الشرفة وقبيلة الشعانبة وقبيلة. العطاطشة وقبيلة المخادمة.
أغلب هذه القبائل أو الأعراش كانوا بدوا رحلا ينتقلون بخيامهم وأمتعتهم وماشيتهم بين الهضاب العليا بالشمال وأطراف الصحراء بالجنوب سعيا وراء الماء والكلإ طوال فصول السنة، كما كانوا يقصدون وادي ميزاب لأجل التبادل التجاري في أسواقه، ببيع منتوجاتهم الحيوانية من لحوم ودسوم وسمن ولبن وجلود وأغنام وإبل، والتزود بمنتوجات وادي ميزاب من المواد الغذائية الأخرى والأفرشة والأقمشة والآلات الحديدية والخشبية، ثم مع مرور الزمن بدأ استيطانهم
(1) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 128. (1/91)
صفحة 92
60
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
على مشارف قرى وادي ميزاب يزداد شيئا فشيئا حتى تم استقرارهم فيه نهائيا، وتحولوا من حياة البدو والترحال إلى حياة الحضر والاستقرار (3).
كما أن عائلات يهودية قدمت إلى وادي ميزاب واستوطنتها كذلك؛ لكنها بقيت محافظة على شخصيتها ومميزاتها ولم تندمج في المجتمع الميزابي ولا في القبائل العربية إلا نادرا قدم هؤلاء اليهود من مختلف مناطق شمال إفريقيا، عدد منهم قدم من تمنطيط بالقرب من أدرار بعد أن طردوا منها سنة 897 هـ/ 1492 م. كما استقدم الشيخ عمي سعيد معه من جزيرة جربة سنة 854 هـ/ 1450 م ثلاث
عائلات يهودية (3).
(2)
تفرق هؤلاء اليهود في قرى وادي ميزاب واشتغلوا بمختلف المهن من حدادة وصياغة وتجارة، وربطوا علاقات تجارة ومصاهرة مع يهود تقرت وآفلو والجلفة، وطوال وجودهم في وادي ميزاب لم يسجل عليهم نشاط عدواني أو سياسي واضح ضد السكان بل جمعتهم معهم معاملات تجارية، كما حركوا سوق الحرف والمهن بإتقانهم لها إلى العهد الأخير من الاستعمار، واقتراب اندلاع الثورة التحريرية؛ حيث انحازوا إلى صف الاستعمار بقوة، وكشفوا عن مكرهم وعدوانهم للسكان، وشاركوا الاستعمار أعماله التخريبية بالتجسس والوشاية وبث نار الفتن. هذا ما جعلهم - عندما أحسوا بفجر الاستقلال يقترب - يفرون من وادي ميزاب كلية تاركين وراءهم كل أموالهم وممتلكاتهم "
(4)
(1) النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 122 - 132. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 59 - 60 (2) سعيد بن علي الجربي الشهير بـ: عمي سعيد (ت: محرم 898 هـ / جانفي 1492 م) ولد في قرية أجيم بجزيرة جربة بتونس، وبها نشأ وأخذ العلم استقدمه أهالي وادي ميزاب إلى موطنهم لإحياء العلم فيه بعدما قل أهله، فقام بجهد عظيم في إحياء وادي ميزاب وبعثه من جديد، أسس مجلسا للفتوى، وأخذ اسمه فيما بعد، وهو المعروف الآن بمجلس عمي سعيد، الذي يتشكل من نخبة علماء وادي ميزاب معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 376.
(3) النوري: المرجع السابق، ج 1، ص 133 - 134. الحاج سعيد: المرجع السابق، ص 59 - 60. (4) النوري المرجع نفسه، ج 1، ص 133 - 134. الحاج سعيد: المرجع نفسه، ص 59 - 60. (1/92)
صفحة 93
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
4 ـ إحصاءات السكان:
61
لعل فلسفة الإحصاء لم تكن معروفة ولا معهودة لدى القبائل البربرية والعربية المستوطنة للجزائر، وإنما هي من ثقافة الغرب التي تسربت إلى البلاد العربية مع المستعمر، فهو الذي أولى العناية بهذا الجانب وأجرى عدة إحصاءات لسكان الجزائر في فترات متعاقبة. وكانت إحصاءاته عادة تبنى على أساس عرقي ومذهبي؛ حيث يقسم السكان إلى مرجعياتهم الدينية من يهود ومسلمين ثم حسب مذاهبهم إلى إباضية ومالكية، وحسب أعراقهم إلى ميزابيين بربر وعرب. طبعا فهو يستفيد من ذلك في بسط نفوذه وسيطرته على الأهالي، وفي إحداث الفتن والتفرقة بينهم يري أن مصلحته تقتضي ذلك. أول إحصاء للسكان حفظته لنا الوثائق التاريخية يعود إلى سنة واحدة بعد الإلحاق العسكري لوادي ميزاب، أي سنة 1301 هـ/ 1883 م تفاصيله ونموذج
عندما
عرضه كما يلي:
البلدة
إباضي
مالكي
يهودي
المجموع
غرداية
مليكة
بني يزقن
بنورة
العطف
بريان
القرارة
كل وادي
14013
422.
316
13275
1850
0
0
1850
5106
0
0
5106
1256
0
0
297
3070
32537
738
798
31001
ميزاب (1/93)
صفحة 94
62
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
الإحصاء الموالي ومع سنة 1314 هـ/ 1896 م بلغ فيه عدد السكان: 25254. والإحصاء الموالي وقع سنة 1324 هـ/ 1906 م بلغ فيه عدد السكان: 31837 والإحصاء الموالي وقع سنة 1329 هـ / 1911 م بلغ فيه عدد السكان: 38783 والإحصاء الموالي وقع سنة 1340 ه/ /1921 م بلغ فيه عدد السكان: 43143 والإحصاء الموالي وقع سنة 1345 هـ/ 1926 م بلغ فيه عدد السكان: 29977 والإحصاء الموالي وقع سنة 1349 هـ/ 1931 م بلغ فيه عدد السكان: 30746 تلت هذه الإحصاءات عدة إحصاءات في سنوات متفرقة لم تتوفر لنا تفاصيلها. وهذه نتائج إحصاءات أخرى:
-
إحصاء سنة 1374 هـ / 1954 م بلغ فيه عدد السكان: 39674 إحصاء سنة 1375 هـ / 1955 م بلغ فيه عدد السكان: 52641
إحصاء سنة 1380 هـ/1960 م بلغ فيه عدد السكان: 58319 (1) بقراءة تأملية ووقفة متأنية مع هذه الإحصاءات يمكن استنتاج ما يلي:
أن عدد سكان ميزاب شهد تزايدا مطردا في الغالب وشهد انخفاضا لافتا مرتين على الأقل. بلا شك أن أسبابا سياسية أو اجتماعية كانت وراءه، كالهجرات
الجماعية للسكان بسبب الفتن، أو الموت الجماعي بسب الأمراض والأوبئة. - أن عدد الميزابيين كان كبيرا جدا مقارنة مع الأصناف الأخرى من السكان. وهذا ما يثبت أسبقيتهم في القدوم إلى بلاد ميزاب وعمارتهم الأولى له. أن القبائل والأعراش العربية قدمت للاستيطان في المنطقة في فترات زمنية
متأخرة ومتلاحقة، وبأعداد قليلة ثم تزايدت مع مرور الوقت.
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 127، 152، 204. مع ملاحظة إمكانية وجود إحصاءات أخرى
وتفاصيلها في مراكز الأرشيف الجزائري بفرنسا. (1/94)
صفحة 95
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
63
أن اليهود كذلك التحقوا بميزاب واستوطنوها بأعداد قليلة تزايدت مع الوقت. كما أن إحصاء سنة 1375 هـ / 1955 م كشف عن تناقص كبير لعددهم بسبب بداية هجرتهم إلى فلسطين وفرارهم إلى فرنسا وإلى بلدان أخرى بعد اشتعال الثورة وشعورهم بدنو الاستقلال وخوفهم من عاقبة أعمالهم وانتقام السكان منهم بسبب وقوفهم في صف السلطات الاستعمارية.
5 - الحالة المعيشية للسكان
المنطقة
إن الطبيعة الصحراوية لمنطقة وادي ميزاب تجعل الحياة فيها أمرا صعبا، يعيش فيها المرء في صراع مستمر مع المناخ وقساوته في شتائه وصيفه، كما أن انعزال عن مسار القوافل التجارية وقلة خصوبة أراضيها ضيق من موارد الكسب والارتزاق وجعل منها شحيحة لا تفي أهل البلد بضروريات العيش فكيف بكمالياته. هذا ما جعل من سكانه يعيشون حياة التقشف وشظف العيش والصبر على قساوة الحياة ويعودون أنفسهم على ذلك. كما اعتمدوا على جهدهم العضلي وعلى الوسائل البدائية البسيطة في فلاحة الأرض واستصلاحها واستخراج المياه من بطونها بحفر الآبار وتقسيم مياه الأودية.
وقد أولوا عناية خاصة بغرس النخلة؛ هذه الشجرة الوفية المتحملة لقلة الماء وقساوة المناخ واعتنوا عناية خاصة بثمارها استهلاكا وحفظا وتخزينا، كما جلبوا أعدادا كثيرة من أنواعها من بلاد المشرق والمغرب وغرسوها حتى وصل مجموع أنواعها في واحات وادي ميزاب إلى أربعمائة نوع. وفي الجانب الثاني حاول سكان وادي ميزاب العناية بتربية المواشي والرعي لتغطية حاجياتهم من اللحوم والحليب والدهون فكانت أغلب الأسر تمتلك بعض الحيوانات التي توفر لها هذه الأساسيات من التغذية أو تستعمل من يتولى تربيتها من الرعاة (1).
(1) معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل،4، ج 2، 457. بكلي فتاوي البكري، 378 - 379. (1/95)
صفحة 96
64
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
تحت هذه الظروف القاسية وشح الموارد فكر أهالي وادي ميزاب في سبل جديدة لجلب القوت الحلال لعيالهم وعمارة واديهم بالخيرات، فكان الانتقال إلى مدن الشمال الجزائري وشرقها وغربها وإلى تونس والاغتراب عن الأهل والبلد لأجل العمل والارتزاق.
من
رغم أن أنه لا توجد دراسات اجتماعية أو تاريخية معمقة - فيما اطلعنا عليه
-
تكشف لنا عن بداية هذه الهجرات وتطوراتها وأوضاعها وظروفها وما صاحبته أحداث وتأثيرات على حياة الميزابيين؛ إلا أنه مما هو متعارف ومتناقل عبر الأجيال أن هذه الهجرات والبحث عن العمل والارتزاق لم تكن سهلة ولا مفروشة بالورود؛ بل لاقى الميزابيون في سبيلها العنت والتعب الجم، وخاطروا بأرواحهم في سبيلها.
أما تاريخيا فإنه يمكن إرجاع ذلك إلى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، أي قبيل دخول الأتراك إلى الجزائر، ودليلنا على ذلك أن الميزابيين عند دخول الأتراك في مطلع القرن السادس عشر الميلادي قد انتظموا في جماعات واستطاعوا أن يبرموا معاهدة انطلاقا من الجزائر العاصمة، كما شاركوا في رد هجمات الإسبان. وهذا لا يتأتى إلا بعد استيطانهم وتجميع أفرادهم وأسرهم لتشكل أقلية ذات خصوصية، لتفكر وتشرع في العمل النقابي والسياسي، وهذا يستلزم من الزمن قدرا معتبرا.
معهم
و بهجرتهم إلى مدن الشمال وتمكنهم من ممارسة التجارة وبعض المهن استطاعوا أن يفكوا الخناق الاقتصادي عن أنفسهم وعائلاتهم وأن يجلبوا الخيرات إلى واديهم، الذي أصبح يعمر ويشيد فيه البنيان مع مرور الزمن، بفضل ما كانت تدره هذه الأعمال في مدن الشمال.
من جهة أخرى فإن الميزابيين لم يهملوا الصناعة كلية، بل كانت لهم بعض الحرف التي هي صناعات تقليدية، فقد عرف الرجل الميزابي صناعة الفخار والحدادة والنجارة وصناعة الأواني والأسلحة والذخيرة. وقد اعتنت المرأة في بيتها (1/96)
صفحة 97
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
65
بالغزل؛ فكانت تحول صوف الأغنام المنتوج محليا أو المجلوب إلى مختلف الألبسة الشتوية والصيفية التي يحتاجها الرجل والمرأة، وقد انتعشت الأسواق في وادي ميزاب بهذه المنتوجات المصنوعة محليا وصدرت إلى المدن الجزائرية الأخرى (1).
مختلف
6 ـ التكافل الاجتماعي للسكان: لقد تقاسم الرجل والمرأة الأدوار في وادي ميزاب في بناء الأسرة وتشكيل خلية المجتمع. فبينما انهمك الرجل في طرق أبواب الرزق الشحيحة والصعبة المنال في هذا المحيط الصحراوي القاسي بواسطة امتهان الفلاحة أو بعض الحرف، أو الاغتراب عن الوادي في مدن الشمال للاشتغال في التجارة، تولت المرأة رعاية البيت الزوجية والقيام بمهمتها الفطرية من تربية النشء والسهر على تنشئتهم على قيم الأخلاق ومبادئ الدين، إلى جانب ما كانت تنتجه بيديها من المصنوعات والمنسوجات، فكانت بحق حافظة استقرار المجتمع بوادي ميزاب وحافظة لخصائصه ومميزاته من أعراف وتقاليد، ومن قيم حضارية. كما أن بقاءها في وادي ميزاب ومنع هيئات العزابة خروجها منه وسفرها إلا للضرورة المحددة في الحج أو العلاج حجبها عن تيارات التغيير والتأثير فبقيت مصونة محفوظة تمثل حقيقة المجتمع الميزابي أكثر من الرجل، بل في كثير من الأحيان كانت وراء عودته إلى جادة الصواب، كما كانت أحيانا أخرى سببا في إطفاء فتن بين العشائر والعائلات بسبب المصاهرات والزيجات.
كما عاش أفراد العائلة الواحدة في تعاون وتكافل مستمر في تحصيل لقمة العيش، فكانوا يتقاسمون المهام الاجتماعية والاقتصادية بينهم في تراض وتسامح ومحبة، فكان منهم من يبقى في البلد مشتغلا بخدمة الأرض وتولي رعاية العائلة بكافة أفرادها، ومنهم من ينقطع للتجارة في مدن الشمال
(1) كعباش العطف، تاجنينت، ص 33 - 40 الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 27 - 28. معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل 4، ج 2، ص 457 - 458.
7 (1/97)
صفحة 98
66
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
الجزائري يمول العائلة بما جادت به أعماله وجهوده، وقد يكون منهم من ينقطع لوظيفة اجتماعية أو تربوية كخدمة شؤون المسجد أو تولي تعليم الصغار، فإن بقية إخوته يكفونه عناء الاكتساب ليتفرغ هو لهذه المهمة النبيلة فيتقاسمون بينهم ما جمعوه في عدل ورضى وقناعة (1).
من جهة أخرى فقد قام النظام الاجتماعي الهرمي الذي سنه علماء الإباضية بالجزائر بدور محوري في حفظ كيان المجتمع ورعاية كل شرائحه، وتحديد حقوق وواجبات كل فرد من أفراده.
فأنشئ نظام العشائر الذي يتشكل من مجموعة أسر تربط بينها علاقة الرحم أو تعود إلى جذور تاريخية متقاربة، فتتولى هذه العشيرة حصر أبنائها، ومعرفة الضعيف واليتيم والأرملة وكل ذوي الحاجات فيها، فيتعاون الميسورون منها على التكفل بهم ورعايتهم من الناحية الاجتماعية التربوية ومن الناحية المادية. كما تسهم العشيرة التي يديرها مجموعة من عقلائها في فض النزاعات والخصومات بين أفرادها، وتسهم مع بقية العشائر في فض الخصومات والنزاعات الحاصلة في المجتمع ككل.
وفق هذا التنظيم عملت حلقة العزابة التابعة إلى المسجد والتي تمثل أعلى هيئة في البلد، فأشرفت على شؤونه وشرعت ما تراه صالحا من قوانين وأعراف لتخدم الصالح العام.
كما كان التنسيق بين قرى وادي ميزاب وبين حلقات العزابة والأعيان في تدارس القضايا المشتركة واستصدار قرارات واتفاقيات تضبط بها الأمور وتعالج بها الحالات الحادثة (2)
(1) كعباش: العطف تاجنينت، ص 31 - 60. علي يحيى معمر الإباضية: دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم. المطبعة العربية، غرداية، 1985 م. ص 35 - 53.
(2) يراجع في ذلك كتاب: عيسى باعمارة: المجالس العامة لميزاب، 1405 هـ/ 1988 م، دت. كله. (1/98)
صفحة 99
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
67
بهذا التكافل الاجتماعي والتعاون والتآزر وبفضل هذه الهياكل العرفية استطاع أهالي وادي ميزاب أن يبنوا وطنهم الصغير ويصبروا على قساوة العيش فيه، ويصمدوا أمام شح الموارد ويكتسبرا أعرافا اقتصادية واجتماعية حازمة ومتينة مكنتهم من البقاء والتصدي لكل التيارات الجارفة، كما مكنتهم من تعمير واديهم وتشييده لبنة لبنة (1).
7 - حالة الأمن بوادي ميزاب
بلا شك أن لاستقرار الشعوب والأمم وأمنها دورا مهما في تطورها ورخائها وازدهار حضارتها، كما أن لحالة الفتن والحروب أثرها المباشر في بقائها متخلفة وسببا في خراب عمرانها وانهيار حضارتها وفنائها.
لقد عاش وادي ميزاب الحالين؛ فشهد وتنعم بفترات من الاستقرار الاجتماعي والأمن الداخلي أعان على ذلك التكافل بين طبقاته وشرائحه، وبساطة عيشهم وقناعتهم بما تيسر من متاع الحياة وزخرفها مع راحة البال وهناء الضمير في بيئة صحراوية تجمع بين واحاتها الخضراء ورمالها الصفراء وقصورها الشامخة فوق الجبال.
كما عاش فترات عصيبة كثرت فيها الفتن الداخلية واشتدت؛ امتد بعضها العشرات السنين، تسببت في إعاقة وادي ميزاب عن التقدم الاقتصادي والاجتماعي، فبدل العناية بالعلوم والمعرفة ورفع الوعي لدى الأهالي كانت الجهود منصبة حول الصراع والتناحر والتكتل لأجل غلبة فريق على آخر. كما زعزعت هذه الأحداث العلاقات العشائرية والقبلية وشقت وحدة الصف والجماعة، وتسببت في خراب عمراني وشكلت هما اجتماعيا فكك أسرا وشرد عائلات ونفى عشائر من قرى إلى أخرى.
كانت وراء إيقاد نار الفتن بين الأهالي أسباب وعوامل عديدة، لعل أهمها
ما يأتي:
(1) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 59 - 60. (1/99)
صفحة 100
68
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
1 - الجهل العام الذي ساد وادي ميزاب في تلك الفترة وتدني مستوى الوعي والثقافة بين الأهالي مما جعلهم يندفعون وراء أي فكرة ويصدقونها بأقل كلام
أو إقناع 2 - نصرة العصبيات القبلية والعشائرية والعائلية مهما كانت أعلى صواب أم خطا، والاستجابة إلى نداء القبيلة ولو كانت على ضلال.
3 - الاندفاع الأعمى وراء الدفاع عن الشرف بعامة، وشرف القبيلة بخاصة، بأدنى مس في كرامتها أو عرضها في فرد من أفرادها.
4 - غياب سلطة حكم عسكرية قوية تردع مثل هذه النزوات والأفعال الطائشة. 5 - انقسام القرى والمدن إلى صفين علوي وسفلي أو شرقي وغربي. وانتصار عدد من العشائر والقبائل إلى أحد الصفين ضد الآخر. وتشكيل كل صف لحمة قوية معادية ومقاتلة للصف الآخر (4).
استمرت هذه الفتن منذ القرن الرابع عشر الميلادي إلى التاسع عشر منه، ومما يسجل أن الدول المتعاقبة على حكم الجزائر كانت غائبة تماما عن فض هذه النزاعات وإخماد هذه الفتن أو محاولة الإصلاح بين الأهالي، بل تركتهم لشأنهم يأكل القوي فيهم الضعيف، إلا ما كان من جهود الهيئات العرفية وبعض الشخصيات العلمية أو الاجتماعية التي لها وزنها واحترامها عند الأهالي، فينصت إلى رأيها وإصلاحها بين الجهات المتخاصمة.
بل سجل لنا التاريخ أن الفرنسيين كانوا وراء إيقاد العديد من الفتن وبث نار التفرقة والعداوة بين الأهالي، وتحريض بعضها على بعض؛ خاصة عندما تدخلت في شؤون وادي ميزاب وعينت ”القياد“ الذين تولوا تسيير البلاد وخدمة مصالحها، فتسلط بعضهم ومكروا وانحرفوا وعاكسوا أعيان البلدة
وسلطة المسجد وهيئاته الدينية.
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 71. (1/100)
صفحة 101
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
69
هذا على الصعيد الداخلي وعلى الصعيد الخارجي شهد وادي ميزاب فتنا أخرى جوارية أي بين الميزابيين والقبائل العربية المتساكنة معهم أو المستوطنة للمناطق الصحراوية القريبة منهم، كورقلة والأغواط وتقرت؛ حيث كان بينها صراع قبلي عصبي طائفي، لا تخرج أسبابه في الغالب الأعم عن العوامل المذكورة آنفا، وكانت تنتهي عادة وتسفر عن قتلى وجرحى، وعن نهب وسلب للأموال وتخريب للمحاصيل الزراعية وفتك بالمواشي، وكذا على عداوات وبغضاء مستحكمة تستمر لفترات زمنية طويلة يتوارثها الأبناء عن الآباء، لا تزال آثارها إلى اليوم باقية في جزائر الاستقلال (1).
إضافة إلى الأسباب الماضية فإن للمخلفات التاريخية والمعتقدات الدينية الخاطئة المترسبة في أذهان الأهالي في نظرة المذاهب الإسلامية إلى بعضها البعض أثرها ودورها في استحكام العداوات وتأجيج الخلافات فكل فريق ينظر إلى الآخر أنه ضال عن جادة الدين ومخالف لأصوله.
إلى جانب اختلاف العادات والأعراف والتباين الحضاري والمادي وانغلاق كل فريق على نفسه في العيش ورفضه للآخر، مع الصراع على موارد الرزق الشحيحة كلها عوامل ألقت بظلالها على هذه الوضعية المأساوية التي مر بها وادي ميزاب بين الحين والآخر.
من الواضح أن خروج وادي ميزاب من هذا النفق المظلم كان مع تباشير النهضة الفكرية والعلمية والإصلاحية التي شهدها العالم الإسلامي مع مطلع القرن العشرين فوصل صداها إلى الجزائر وإلى وادي ميزاب فكان لها أثرها الإيجابي في إخماد هذه الفتن وإضعاف حدتها، بالجهود الجبارة للمصلحين في سبيل رفع مستوى الوعي لدى الأهالي ونشر الأخلاق والفضيلة بينهم بالتربية والتعليم والإرشاد.
(1) مثال ذلك ما قام به المدعو بوشوشة أحمد في إغارته على قبائل الصحراء وتخريبه لمتاجر الميزابيين في وارجلان ثم عزمه على القدوم إلى وادي ميزاب لإخضاعها لسلطته بالقوة سنة 1871 م. النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 293 - 300 (1/101)
صفحة 102
70
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
لعل هذه الصورة المظلمة التي مر عليها وادي ميزاب هي ما كانت عليه العديد من الجهات في بلاد الجزائر والعالم الإسلامي في عصر الانحطاط والانهيار الحضاري.
8 - النظام الاجتماعي عند إباضية الجزائر
لعل أكبر مظهر اجتماعي عرفه وادي ميزاب هو نظامها العرفي الاجتماعي المعروف بنظام العزابة، هذا النظام الذي يستمد روحه من أصول الشريعة الإسلامية ومقاصدها، ويعد عند الإباضية بمثابة الإمامة الصغرى التي تقابلها الإمامة الكبرى التي تعني قيام دولة الإسلام وإقامة حدود الله تعالى.
بلور علماء الإباضية هذا النظام بعد فترة من سقوط الدولة الرستمية بتيهرت سنة 296 هـ/ 909 م، لأجل حفظ مجتمعهم من الضياع والتفكك، وكذا استجابة لروح العصر آنذاك التي فرضت عليهم التأقلم مع الأحداث والمستجدات الأمر الذي اقتضى إيجاد بديل لنظام الدولة وإقامة الإمامة، يتولى رعاية شؤون المجتمع السياسية والدينية والاجتماعية؛ لكن في صمت وهدوء، بعيدا عن أعين القوى المتصارعة على الحكم والسيادة والريادة في شمال إفريقيا.
بدأ هذا النظام بسيطا على شكل حلقة علم متجولة بين المداشر والقرى أنشأها الداعية أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (1) في بداية القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، لأجل تعليم الناس أمور دينهم ونشر الفقه والدعوة بينهم، ثم تطور مع مرور الزمن فأصبح هيئة اجتماعية وسياسية ودينية لها هياكل وأطر تتولى من خلالها تسيير المجتمع من كل جوانبه (2).
(1) أبو عبد الله محمد بن بكر: (و): 345/ 956 م - ت: 440 (1049 م من علماء الإباضية، أصله من جبل نفوسة بليبيا، تعلم بجربة، وتولى التدريس والدعوة فيها، تنقل في نشر العلم والدعوة بين جبل نفوسة ووادي ميزاب ووادي ريغ، وأسس حلقة العزابة، التي كانت في عهده حلقة علم متنقلة، توفي في بلدة اعمر بالقرب من تقرت معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 772. (2) محمد ناصر بوحجام البعد الروحي لنظام حلقة العزابة، ط 1، نشر جمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر، 1428 هـ/2007 م، ص 165 عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال
= (1/102)
صفحة 103
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
71
يقول الشيخ إبراهيم طلاي: «نظام العزابة نظام اجتماعي مبني على مراعاة الدين والمحافظة عليه، والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الجهلة والأغرار، ولهذا النظام يرجع الفضل في بقاء رونق الإسلام وطهارته في ميزاب فترة من الزمن طويلة، وفي محافظة غالب السكان على تعاليم الإسلام واتباع نهجه (1)
ويقول الشيخ محمد سعيد كعباش «استطاع هذا النظام المحكم أن يستقطب كل التنظيمات الاجتماعية ويطبعها بالطابع الديني الصحيح ويغرس في نفوس الأفراد الولاء الله ورسوله فيما شرعه الدين الحنيف من آداب الجوار والتكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى ويتعهد هذا النظام يقظة الضمير الديني والحس المدني لدى الفرد والجماعة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحكام الولاية والبراءة» (2).
هذا،
يهمنا الآن أن نعرف مؤسساته ومهامه باختصار لنتعرف على كيفية تسيير المجتمع وتنظيمه عند إباضية الجزائر في كنف هذا النظام منذ ذلك الوقت إلى يومنا تسجيل تغييرات كثيرة حصلت له من فترة إلى أخرى، وكذا انحسار مهامه وتوسعها بين حين وآخر تأثرا بالأوضاع السياسية والاجتماعية المحيطة به، كحال أي نظام يمر بمراحل القوة والضعف.
مصطلح العزابي مأخوذ من لفظ عزب، ومدلوله هو من يعزب عن الدنيا ومغرياتها، ويتجه إلى الآخرة والدعوة إلى الإصلاح والتدين،
بإرشاد الناس وتوجيههم
(3)
إفريقيا في مرحلة الكتمان، ط 1، سلطنة عمان، 1982 م. ص.73. محمد ناصر: منهج الدعوة عند
الإباضية، ص 121 - 154.
(1) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 39.
(2) كعباش العطف تا جنينت، ص 24
(3) صالح سماوي: العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية (1/103)
صفحة 104
72
223
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
أما حلقة العزابة فتتكون من مجموع أشخاص تتوفر فيهم الشروط المذكورة آنفا من الصلاح والتقوى والعلم والخبرة الاجتماعية، وتعتبر قمة الهرم الاجتماعي على مستوى البلدة في وادي ميزاب يرجع إليها أمر حراسة المجتمع من الانحرافات ورعايته من الشرور والآثام، بواسطة مهام النصح والتوعية والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تشرف عليها ويتولاها أعضاؤها على طول أيام السنة. وتضم الحلقة هيئة للرجال وأخرى للنساء تسمى "تيمسردين. تتعاونان
على الإصلاح وتعملان بالتشاور في جلسات دورية منتظمة.
تحت هذه الحلقة توجد حلقة خاصة بحفظة القرآن الكريم وطلبة العلم تسمى إروان“. تعد رديفا للعزابة ومساعدة لها في تأدية مهامها، كما أنها مشتلة لانتقاء أفرادها وتكوينهم.
وتوجد حلقة أخرى لعامة الناس الذين لهم رغبة وميل إلى العمل الاجتماعي التطوعي، تسمى "إمصوردان“. تسند لها أعمال خدمة المسجد وتهيئة مرافقه والقيام
بحملات التطوع وتوزيع الصدقات والقيام بدور تعليم الصغار في الكتاتيب.
إلى جانب ذلك توجد هيكلة خاصة بالمساعدة على حفظ النظام في البلد ومراقبة التحركات المشبوهة وتطهير المجتمع من أوكار الفساد والانحراف والجريمة تسمى «العست“ أي الحراسة.
وتوجد هيكلة أخرى تسمى "تعشيرت أي العشيرة، وهي تعد الهيكل الاجتماعي القاعدي فالبلدة في وادي ميزاب تتشكل من مجموعة عشائر، والعشيرة تتكون من مجموعة أسر وعائلات تربط بينها أواصر القربى والرحم، أو تجمع بينها علاقات وصداقات قديمة انضمت بها إلى عشيرة من العشائر مشكلة لحمة
التراث القرارة، غرداية، الجزائر، 1427 هـ / 2007 م، حل 1، ص 254 ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية، ص 154. بوحجام: البعد الروحي، ص 10 - 16 طلاي، ميزاب بلد كفاح، ص 40. (1/104)
صفحة 105
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
73
اجتماعية فيما بينها. يضطلع هذا المجلس بكل شؤون أفراد العشيرة، فيقوم بإصلاح ذات البين وفض النزاعات والخصومات وقسمة التركات. كما يتولى رعاية الأيتام والأرامل والعجزة والضعفاء ماديا ومعنويا. ومجموع رؤساء العشائر يشكلون مجلسا للأعيان يتم فيه التنسيق مع حلقة العزابة في تسيير شؤون البلدة وتدارس أمورها الداخلية والخارجية (1).
هذا على مستوى كل بلدة، أما على مستوى وادي ميزاب فهنالك مجلس عمي سعيد، الذي يضم أعضاء من حلقة العزابة ممثلين لقراهم، يتولى الإشراف على الجانب الديني والفقهي للمجتمع الإباضي، وهنالك مجلس باعبد الرحمن الكرتي)، الذي يضم بدوره أعضاء من مجالس الأعيان على مستوى كل بلدة، ويتولى الإشراف على القضايا الاجتماعية لوادي ميزاب وتدارس المسائل المشتركة والقضايا المهمة الداخلية والخارجية (3).
(1) بوحجام البعد الروحي، ص 45 50 خليفات: النظم الاجتماعية، ص 134.
(2) عبد الرحمن الكرتي الشهير بـ با عبد الرحمن، من علماء وادي ميزاب في القرن 6/ 12 م، كان ينشط في بلدة مليكة، حتى صارت مناراً للعلم يقصدها الطلبة من جميع قرى وادي ميزاب. له مصلى لا يزال قائما
في بلدته، وفيه كانت تعقد جلسات المجلس الأعلى لميزاب. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 512. (3) كتب في التعريف بنظام العزابة وبيان أدواره الاجتماعية والحضارية كتاب عديدون نذكر منهم فرحات الجعبيري: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المطبعة العصرية، 1395 هـ/ 1987 م. محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة، علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، محمد ناصر: حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي جمعية التراث القرارة، الجزائر، 1410 هـ/ 1989 م. صالح سماوي: العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب. محمد ناصر بوحجام البعد الروحي لنظام حلقة العزابة. إبراهيم طلاي ميزاب بلد كفاح محمد سعيد كعباش العطف، تاجنينت يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب. بكير أعوشت: ميزاب يتكلم عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان. (1/105)
صفحة 106
74
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
المبحث الثالث:
الأوضاع الدينية والثقافية
لا شك أن الأوضاع السياسية والاجتماعية سالفة الذكر التي عاشها إباضية الجزائر في وادي ميزاب قد ألقت بظلالها على الحياة الدينية والثقافية لديهم، وأسهمت في دفعها نحو اتجاهات محددة دون أخرى، وقد رسمت صورة لمجتمع تحكمه تقاليد وأعراف اجتماعية تستمد روحها من فهم الدين وفق قواعد الشريعة ومقاصدها.
فكيف اتسمت الحياة الدينية والثقافية لديهم آنذاك؟
1 - حال حلقة العزابة:
سبق الحديث عن النظام الاجتماعي الديني الذي حكم وادي ميزاب وسير شؤونه، ونظم مناحي الحياة المختلفة فيه، بعد أن ابتدأ تربويا تعليميا على شكل حلقة علم متنقلة، إلى أن أصبح نظاما له هياكل ومؤسسات تتحكم في دواليب المجتمع انطلاقا من المسجد إلى الشارع إلى السوق، ومن العشيرة إلى الأسرة إلى الفرد. لقد حاولت حلقة العزابة صبغ كل تحركاته وقراراته بصبغة دينية شرعية من خلال خطابها المسجدي، وفي إنشائها للأعراف والتقاليد وفي هيكلتها لشرائح المجتمع، وفي ردعها للعصاة والمنحرفين والمتمردين عن قراراتها ونظمها). فكانت تحاول دائما أن تبحث في أصول الشريعة الإسلامية لتجد المستند الشرعي لكل قرار تريد أن تصدره، ولكل عرف تريد أن تشرعه أو تنقضه، معتمدة في ذلك
(1) تعتمد حلقة العزابة في ردع العصاة والمنحرفين على ما يعرف عند الإباضية بالبراءة الاجتماعية وهي تطبيق عملي للبراءة الشرعية، إذ يقاطع فيه العاصي، فلا يكلم ولا يتعامل معه حتى يقدم إلى المسجد ويعلن براءته العلنية أمام الملا، فيتوب إلى الله مما صدر منه، ويطلب العذر من المجتمع. ناصر: حلقة العزابة، ص 29 - 30 (1/106)
صفحة 107
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
75
أساسا على مراعاة المصالح المرسلة وسد الذرائع والموازنة بين المفاسد والمصالح، والنظر البعيد العميق إلى المقاصد الشرعية.
إن خلقة العزابة باستنادها للنظام الاجتماعي القائم استطاعت أن تقوم بأدوار مهمة في إصلاح ذات البين، ومحاولة القضاء على الفتن التي سادت وادي ميزاب في فترة القرن السابع عشر إلى التاسع عشر. وفي التنظيم الداخلي للمجتمع ومحاولة حفظ كيانه يظهر ذلك من ترسانة القرارات والاتفاقات الصادرة عنها؛ سواء على مستوى البلدة الواحدة، أو على مستوى وادي ميزاب بالتنسيق بين حلقات العزابة في ما يتعلق بالقضايا المشتركة (1).
تدخلت هذه الحلقات في الكثير من المرات للإصلاح بين عشائر متخاصمة، ووضع حد لفتن متلاطمة. والتوسط لدى بعض القبائل لأجل رد عائلات أو عشائر إلى ديارها وأهلها بعد خصومات حصلت بينها. والإسهام في دفع الديات ورد الحقوق المغتصبة. كما قامت بدورها في محاربة الآفات الاجتماعية المتفشية المخالفة لأوامر الدين، والقضاء على البدع والخرافات التي انتشرت بين الأهالي (2).
اعتمدت حلقة العزابة في عملها أساسا على منبر المسجد الذي كان بين يديها خالصا لها دون غيرها، فكانت توجه خطابها من خلاله وتوظفه في كل المناسبات المتاحة للإصلاح والدعوة والإرشاد، فكانت كلمتها مسموعة لدى الأهالي ومجدية في التطبيق والامتثال.
والفرص
يقول الدكتور محمد ناصر: (ومن أهم مهام الحلقة مهمة الوعظ والإرشاد التي تناط في الأغلب الأعم لرئيس المجلس، ويليها المجلس عنايته ومتابعته وحضوره. فالمساجد في ميزاب لا ينتهي دورها عند أداء الصلوات المكتوبة، وإنما يتعدى ذلك إلى ما هو أهم من ريادة المجتمع، وقيادة الناس في حياتهم
(1) يراجع في ذلك كتاب باعمارة: المجالس العامة لميزاب، كله.
(2) ناصر حلقة العزابة، ص 31 - 32 (1/107)
صفحة 108
76
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
اليومية كلها وبذلك يكون المسجد في المجتمع هو الموجه والمربي والواعظ والمعلم. وتجسيدا لهذه الريادة، يحرص المجلس الديني على وظيفة الوعظ والإرشاد بالمواظبة المستمرة في كل وقت وفصل (3).
لقد مهد لها الطريق وعبده جهود المشايخ والعلماء السابقين الذين وضعوا
الهيكلة الاجتماعية وبنوا صرحها وجعلوا كلمتها الأخيرة في يد حلقة العزابة. لقد كان شيخ المسجد يتولى عملية الوعظ والإرشاد والإفتاء وتطبيق البراءة
الاجتماعية الرادعة عن مخالفة أوامر الله تعالى وأوامر المسجد والمجتمع.
من ناحية أخرى توجهت جهود حلقة العزابة إلى التعليم وتحفيظ القرآن الكريم وتلاوته الجماعية المستمرة في المسجد من خلال مجالس الذكر، وتشجيع الناس على تلاوته في بيوتهم وعلى ختمه والتنافس في ذلك، كما استطاعت من خلال الإشراف على الكتاتيب والمحاضر (2) أن تنشر الحد الأدنى من علوم الدين بتلقين الصبيان المبادئ العقدية والفقهية ومبادئ اللغة العربية، كما حرصت على تحفيظهم القرآن الكريم والتنافس على استظهاره ومذاكرته من خلال فتح أقسام خاصة لحفظ القرآن الكريم.
يقول الشيخ إبراهيم طلاي: (لعل أكبر جهد قامت به حلقات العزابة، وكان لها أقوى الأثر في المجتمع هو تنشئة الناشئة على التربية الدينية، وتعليمها وتلقينها القرآن الكريم، فلكل مسجد في ميزاب محضرتان أو ثلاث محاضر تتلقى أطفال القرية، تعلمهم مبادئ الكتابة واللغة، وتحفظهم القرآن الكريم» (3).
هذه نقاط وضاءة نيرة في مسيرة حلقة العزابة في تلك الحقبة من الزمن، لكن في مقابل ذلك عرفت هذه الهيئات بعد دخول المستعمر إلى الجزائر وإلى وادي
(1) المرجع نفسه، ص 19.
(2) انظر تعريفها في المبحث الثاني من الفصل الثاني.
(3) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 81. (1/108)
صفحة 109
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
77
ميزاب في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر تغييرا معتبرا في مهامها وأدائها، في سيطرتها على المجتمع، إذ تقلص نفوذها وانتزعت الكثير من صلاحياتها، فتحولت بيد الحاكم العسكري وبيد القائد المعين من طرفه والموالي له. كما أن تحركات مشايخ الحلقة أصبحت مراقبة ومحسوبة على أصحابها، بخاصة إذا كانت مخالفة لسياسة المستعمر وتوجيهاته كما أن الخطاب المسجدي أصبح مقيدا خاضعا لرقابة القائد وحاشيته وأعينه، فأجبر أعضاء العزابة على السكوت والصمت عن بعض الانحرافات الخلقية وعن بعض المفاسد التي يقترفها القائد وأتباعه، أو تقتضيها السياسة الاستعمارية.
وبعد أن أصبح الأمر بيد القياد“ انحسر دورها أكثر وبقي في تسيير شؤون المسجد وبعض المهام والأعراف التابعة له من صرف الصدقات وإقام الصلوات وتعليم الصبيان. وبعد أن أحدثت السلطات الاستعمارية المحاكم الشرعية نزع منها القضاء كذلك، فوضع بأيدي قضاة تتولى تعيينهم ودفع أجورهم ومراقبة أعمالهم بنفسها؛ بعد ما كانت الحلقة تسهم كثيرا في فض النزاعات والخصومات والحكم بين الأطراف (1)
لكن في خضم هذه الأوضاع والتغيرات المتسارعة رأينا أن مشايخ العزابة لم يبقوا مكتوفي الأيدي أمام هذه الوضعية السياسية الجديدة التي حاولت حصرهم في زاوية ضيقة، بل جابهوا الفساد وحاولوا الإصلاح وركزوا ولاء الناس لهم، وعلى صوت المسجد في تغيير المناكر التي يرونها تتنافى مع الدين الإسلامي وشريعته. فكانت لهم سياسة الكر والفر مع القياد“ السلطة الاستعمارية، فأغضبوها في كثير من المرات، وكثيرا ما تخطوا مرحلة الصراع إلى مرحلة الصدام وإلى تأليب الشارع على القائد وعلى السلطات الاستعمارية لأجل التراجع عما صدر منها أو من القائد من قرارات أو أعمال منافية للدين والعرف.
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 119 120. (1/109)
صفحة 110
78
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
من زاوية أخرى فإنه مما تؤاخذ عليه الحلقة على الصعيد الداخلي وقوف
(1)
المسجد،
بعض أعضائها في وجه العلماء والمصلحين والمجددين) من العزابة أنفسهم، فلم تفسح لهم المجال لنشر التوعية والمعرفة والعلم، ولم تسمح لهم باعتلاء منبر ولم تقبل الاستفادة من خبراتهم ومعارفهم التي تحصلوا عليها بعصاميتهم، أو بتكوينهم خارج وادي ميزاب، فدخلت في صراع مع بعض العزابة العلماء وتلاميذهم الذين سعوا إلى التجديد والتغيير، فلم تتقبل أعمالهم وإصلاحهم إلا بعد زمن طويل وجهود مضنية.
كان ذلك حرصا من بعضهم على البقاء في مناصبهم والحفاظ على كرسي الزعامة في المجتمع، مبررين ذلك بالمحافظة على التقاليد وعلى أعراف المجتمع وعلى أصول المذهب الإباضي، وقد استعملوا كل الوسائل المتاحة بين أيديهم للتشنيع بالعالم وبأعماله وتأليب عامة الناس عليه، فرأوا في ذلك الإصلاح تهديدا للمجتمع ونسفا لكيانه ومحوا لخصوصياته (2).
إن المستوى العلمي والمعرفي المتواضع لكثير من أعضاء العزابة آنذاك كان وراء هذه النظرة الضيقة القاصرة للأمور، والحكم الخاطئ عليها، إذ الوصول إلى مشيخة يتم عادة بالأقدمية وكبر السن هذا ما تسبب ـ أحيانا ـ في ضعف أداء الحلقة ودخولها في متاهات التعصب والجمود والجهل.
الحلقة
هكذا تراءى لنا مشهد حلقة العزابة المشرفة على الحياة الدينية في تلك الفترة، فكانت لها وجوه مشرقة في ميدان الإصلاح والثبات على الحق، كما كانت لها سقطات وإخفاقات ومرحلة ضعف وهوان، وهذه حال أي نظام.
(1) حصل الصراع بين أعضاء من العزابة والعلماء في عدة مرات منها: مع الشيخ الثميني خلال القرن الثامن عشر ومع الشيخ اطفيش خلال القرن التاسع عشر ومع الشيخ بيوض خلال القرن العشرين. وكل هؤلاء من زعماء النهضة والإصلاح في وادي ميزاب انظر المبحث الثالث من الفصل الثاني مثلا. (2) للاطلاع على فصول من هذا الصراع بين التجديد والجمود، يراجع كتاب: عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل كله، نشر مكتبة البكري، المطبعة العربية، غرداية، 2004 م. (1/110)
صفحة 111
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
2 - حالة التعليم:
أ التعليم العربي الإسلامي:
79
أساسا
اتخذ التعليم في وادي ميزاب شكل نظام الكتاتيب أو ما يعرف عند إباضية الجزائر بالمحاضر، وكان تابعا للمسجد ومسيرا من هيئاته الدينية يهتم بتلقين الصبيان قسطا من القرآن الكريم وتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة ومبادئ العقيدة والفقه (1).
إلى جانب ذلك فإن بعض المشايخ - الذين نالوا قسطا من العلوم والمعرفة بالتكوين العصامي أو بالسفر إلى حواضر العلم الإسلامية المتمثلة في جامع الزيتونة وجامع الأزهر، أو إلى حواضر العلم الإباضية المتمثلة في جزيرة جربة بتونس وجبل نفوسة بليبيا - يقيمون حلقات علم في المساجد لتنوير عامة الناس، كما يفتحون معاهد في دور خاصة لتعليم الطلبة والشباب فنون الشريعة والعربية (2).
وقد اشتهرت بلدة بني يزقن خلال القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين بريادة وادي ميزاب في المجال العلمي والتربوي، وذلك للمدارس والمعاهد التي تكونت فيها، والتي فتحها مشايخها وعلماؤها.
لكن ينبغي الإشارة أن هذا التعليم لم يحظ به عامة أفراد المجتمع، بل اقتصر على فئات منه فقط، وذلك للظروف المعيشية الصعبة التي جعلت الناس تنشغل بالكسب والسعي وراء لقمة العيش العسيرة المنال على حساب اشتغالها بتحصيل العلم، أضف إلى ذلك الجهل والتدني العام لمستوى الوعي لدى الناس؛ مما جعلهم لا يدركون قيمة العلم وأهميته، ولم يولوا له عناية في حياتهم اليومية، لذا فقد كانت
الأمية متفشية بينهم.
(1) القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 77 78. ناصر: حلقة العزابة، ص 31 - 32.
(2) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 254 - 380. (1/111)
صفحة 112
80
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
وعادة ما يكون هذا التعليم خاصا بالرجال دون النساء، فتحرم المرأة منه للمعتقدات الاجتماعية البالية، التي لا ترى ضرورة في تعلم الذكر فكيف بالأنثى، فيكتفى في تعليمها بتلقينها فرائض الدين من الطهارة والصلاة والصيام وتحفيظها قصار سور القرآن، وعادة ما تتولى ذلك امرأة، حظيت بقسط من العلم ومحو الأمية على أحد أقاربها من الرجال، أو من خلال ملازمتها الاستماع لدروس المساجد (3). أما على مستوى المعاهد فقد كان لقطب الأئمة الشيخ اطفيش ومعهده قصب
السبق، فنال صيتا واسعا وشهرة مستفيضة في وادي ميزاب وخارجه، فاستقبل أفواج الطلبة، وقام بدور مهم في تنوير الوادي ورفع مستوى التعليم والتوعية فيه، بخاصة بعدما تخرجت الدفعات الأولى منه وانتشرت في قرى الوادي حاملة مشعل الإصلاح والتربية والدعوة والإرشاد، وتصدرت مجالس العلم والإفتاء والقضاء، وتولت فتح المدارس وتطوير التعليم.
ب- التعليم الفرنسي في مقابل هذا التعليم العربي الإسلامي فإن السلطات الفرنسية بعد قرار إلحاق ميزاب بأراضيها المستعمرة سنة 1299 هـ / 1882 م شرعت في فتح مدارس لها في قرى وادي ميزاب، فابتدأت بفتح مدرسة في غرداية، وثانية في العطف، وثالثة في بني يزقن، ثم تلتها المدارس في بقية القرى. في الحقيقة إن الميزابيين في بادئ الأمر لم يستسيغوا هذا التعليم فعارضوه و قاطعوه وامتنعوا من إرسال أبنائهم إليه، حيث رأوا أن هدفه مسخ الشخصية الإسلامية وتخريب مقوماتها، وأن فرنسا لم تقصد بفتحها تثقيف الشعب وتعليمه بقدر ما قصدت محاربة الإسلام واللغة العربية، فاتخذ الأهالي منه موقفا سلبيا، فكانوا يحاولون تهريب أبنائهم إلى مدن الشمال أو إخفائهم كلما اقترب موعد الدخول المدرسي وإحصاء التلاميذ الجدد.
(1) القرادي: المرجع السابق، ص 77 - 78. كعباش: العطف تاجنينت، ص 69 - 70. (1/112)
صفحة 113
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
81
تفطنت السلطة الفرنسية لذلك فلجأت إلى إجبار الأهالي على تسجيل أبنائهم في مدارسها، وعدم السماح لأي تلميذ مغادرة الوادي إلا برخصة تتولى تسليمها بنفسها، وكانت تأمر كل رئيس عشيرة أن يصطحب أبناء عشيرته إلى المدرسة حتى يتم ضبطهم وتسجيلهم والتعرف على أسمائهم
(1)
لم يبق موقف الميزابيين من مقاطعة هذا التعليم ثابتا على حاله، بل تغير مع مرور الزمن؛ عندما تفطنوا إلى أهمية التكوين الفرنسي وحاجة أبنائهم إليه ليدخلوا معترك الحياة الواسعة ويجابهوا مخططات الاستعمار في مجالات الإدارة والتجارة والاقتصاد، وكان ذلك بفضل أسفارهم إلى مدن الشمال واحتكاكهم بالأوضاع العامة في ميدان التجارة والأعمال، فغيروا من سياستهم تجاهه واكتشفوا ضعف تحصيل أبنائهم بضعف أداء هذه المدارس مقارنة بالشمال، فنهضوا في المطالبة برفع مستواها وتجويد أدائها وتحسين تجهيزها واستقدام الكفاءات إليها، لتواكب مدارس الشمال في مردوديتها وتكوينها.
لكن يبدو أن السلطات الاستعمارية لم تعجبها هذه المطالبات، بل سعت إلى إبقاء مدارسها كما هي قدر الإمكان، حتى لا تمكن الأهالي والأجيال من التكوين النوعي الجيد الذي يؤهلهم ويرفع مستواهم العلمي والمعرفي فيناهضوا سياستها وأعمالها مستقبلا (2).
ومن جانب آخر فقد أنشئت مدارس تابعة للآباء البيض، لتعليم بعض الفنون والعلوم العصرية، كما افتتحت مدرسة أخرى تديرها الأخوات البيض، تتولى تدريب الفتيات على المهن والحرف من الخياطة والغزل والنسيج.
لكن يبدو أن هذه المدارس لاقت معارضة شديدة من الأهالي والمشايخ والعلماء على رأسهم الشيخ اطفيش واعتبروها دعوة صريحة علنية للتبشير والتمسيح، فأعلنوا عليها حربا إعلامية لمنع أبنائهم وبناتهم من الالتحاق بها.
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 123. (2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 173 - 175. (1/113)
صفحة 114
82
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
لقد نجحت هذه الدعاية الإعلامية ضدها، حيث وجدنا الأب قريزي (Grisey المشرف على مدرسة غرداية يشتكي من قلة التلاميذ المسجلين بمدرسته، وبمغادرة من التحق بها بعد وقت قصير (1).
هكذا تراءى لي مشهد التعليم في وادي ميزاب في المرحلة السابقة للنهضة الإصلاحية، فقد جمع بين التعليم العربي الإسلامي التقليدي، ومحاولة التجديد فيه عن طريق الجهود العلمية للشيخ اطفيش وتلاميذه، وكذا التعليم الفرنسي المستحدث؛ والذي وقع حول قبوله أخذ ورد وشد للحبل، ثم نضال لتطويره وتحسينه. كما انحصر التعليم عند فئات محددة من الناس دون أن يعم كافة الشرائح، وكان مركزا على الذكور دون الإناث.
3 - حالة أخلاق المجتمع:
لقد كان لجهود العلماء ومشايخ العزابة أثر إيجابي واضح في صيانة المجتمع وحفظه من الانحرافات الأخلاقية والأمراض الاجتماعية، ومحاربة الأعراف والعادات البالية التي كانت تظهر عليه من حين لآخر، بحكم الجهل المتفشي والتقليد والتأثر والتشبث الأعمى بالقديم، وعدم التجديد الذي مس الأوساط الإسلامية عموما؛ التي دخلت في هذه الفترة في سبات عميق وتخلف فظيع وضياع لكثير من القيم الحضارية للشعوب والأمم، وفساد كبير لأخلاق الأفراد وطبائعهم. بدت هذه المجتمعات مغلوبة على أمرها مستسلمة لواقعها منتظرة لسيطرة عدوها قابلة لاستعمارها، وفعلا تمكنت منها قوى الغرب والكفر، فأهانت كرامتها ومرغت عزتها واحتلت أرضها ونهبت خيراتها.
في حقيقة الأمر إن المجتمع الإباضي في وادي ميزاب لم يسلم هو كذلك من هذه الأوضاع المتردية المتدهورة التي كانت القاسم المشترك بين المجتمعات الإسلامية، رغم الجهود المضنية التي بذلها علماؤه ومشايخه الذين حاولوا التصدي لهذا الواقع، إلا أنه.
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 124. (1/114)
صفحة 115
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
83
ينبغي الإشارة أن هذا المجتمع حظي بوجود النظام العرفي الديني المتمثل في حلقة العزابة ومؤسساته، فقام بدور فعال في تطهير المجتمع من الآفات ومما يشوبه من حين لآخر من الأدران والأباطيل، إلا أن نجاحه بقي نسبيا دائما، فقد سعى لضبطه من كل نواحيه وإحكام الرقابة عليه وإخضاع تصرفات أفراده إلى متابعات مستمرة، يصعب عليه الانفلات من قبضته أو الانحراف عن جادة الطريق.
هذا النظام ترسانة من الأعراف والقيود والضوابط - في كل مجالات سن
الحياة - المستمدة من روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها ومصالحها المرسلة لتنظيم شؤون المجتمع في مظاهره المختلفة من الأسرة إلى العشيرة إلى المسجد، ومن المسكن إلى الشارع إلى السوق إلى الواحة، ومن مظاهر الفرح كالأعراس والاحتفالات إلى مظاهر الحزن كالمآتم والمصائب (1). يعدد الشيخ إبراهيم القرادي نماذج من هذه الضوابط والتنظيمات التابعة
للمسجد بقوله:
- ألزموا من يرتاده ويعمره لباسا خاصا وسمتا حسنا على حسب وظائفه. كونوا له صدقات توزع في أوقات معينة على طول العام، وكميات من الماء العذب البارد في الصيف والشتاء ...
- إشراف مسيري المساجد على جميع تجمعات البلدة كالجنائز وحفلات الأعراس وجميع الولائم التي يتجمع فيها الناس ...
شرعوا أعرافا وقوانين اجتماعية واقتصادية وسهروا على تطبيقها تطبيقا
محكما وسليما بدون تمييز أو محاباة فيما يتعلق بالرجال والنساء.
(1) للاطلاع على نماذج من هذه الأعراف والنظم والضوابط يراجع كتاب أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي: القسمة وأصول الأرضين، تج: بكير الشيخ بالحاج، ومحمد ناصر، ط 2، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث القرارة، الجزائر، 1418 هـ/ 1997 م. بالحاج قشار: عوائد ميزاب سنن لا
تقاليد، دت. (1/115)
صفحة 116
84
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
كونوا في كل مسجد حلقة أو جماعة من الناس تحافظ على مرافق المسجد وتقوم بشؤونه ...
كونوا حول المسجد محاضر لتعليم القرآن الكريم ومركزا لتدريس العلوم
ومحلا لحراسة البلدة من طرف المتطوعين ... » (4).
بذلك تحكم هذا النظام في دواليب المجتمع وأخضع سلوك أفراده وأخلاقهم عموما إلى ما تدعو إليه تعاليم الإسلام، كما أعطى المثل والقدوة بالالتزام الصارم لأشخاصه بهذه الأعراف والآداب، فنال بذلك طاعة المجتمع واحترامه.
يقول الشيخ إبراهيم طلاي: (وقد حكى لنا التاريخ عن أشياء تمثل مظهر السلطة في المدينة، كان الإشراف عليها للعزابة؛ فهم الذين يتولون الفصل بين الخصوم، والترافع يقع في صحن المسجد بين صلاتي الظهر والعصر، وهم الذين يتولون الحراسة في المدينة، وتساعدهم في ذلك منظمة إروان ... وهم الذين يسهرون على المحافظة على المصالح العامة وتنظيمها كالأسواق، والمسالخ وسواقي المياه، والسدود» (2).
وفي سبيل ضبط خلق الأفراد وتقويمه لجأ هذا النظام إلى إبداع ضوابط ردعية زجرية للعصاة والمنحرفين المنتهكين الحرمات الله تعالى والخارجين عن إرادة الجماعة وطاعتها والمستهترين بأعراف البلد، وهو ما يتمثل في عقاب الولاية والبراءة الشخصية، أو ما يعرف بالميزابية بمصطلح "التبريت“. حيث تعلن حلقة العزابة في منبر المسجد براءتها من فلان وتعلن عن مخالفته الشرعية أو الاجتماعية وتأمر بمقاطعة أي تعامل معه إلى أن يتوب ويراجع بإعلان توبته العلنية في المسجد أمام حلقة العزابة وعامة المصلين (3).
(1) القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 46.
(2) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 48
(3) ناصر: حلقة العزابة، ص 29 - 30.
في حقيقة الأمر أن هذا العرف مستمد من معاملة الرسول الكريم للثلاثة الذين خلفوا عن غزوة
تبوك، حين تبرأ منهم وقاطع أي معاملة معهم، حتى نزل حكم الله تعالى فيهم بتويته عليهم. (1/116)
صفحة 117
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
هكذا تربى
85
هذا المجتمع في كنف المسجد والتزم في الغالب الأعم بتعاليم الإسلام وأخلاقه، وبدا متماسكا متعاونا، ناصرا للحق محاربا للباطل، بعيدا عن نشر الرذائل والجهر بالفواحش والمناكر، وهكذا استطاعت حلقة العزابة بجهودها المضنية المتواصلة بناء مجتمع مسجدي يعود فيه الأمر أولا وأخيرا إلى سلطة المسجد ومشايخ البلد.
إن كلامنا هذا لا يعني رفع كل نقص أو شائبة عنه، أو رفعه إلى مستوى المجتمع النبوي. فهو كغيره انتابته أحوال الضعف والانهيار وأصيب بعيوب وعلل وزلات عديدة، يمكن إجمالها فيما يلي:
الولاء الأعمى للقبيلة والعشيرة والتعصب لها ولو كانت على ضلال، وعلى حساب الدين والمبدإ، والخلق وقد تجلى ذلك في الفتن الكثيرة التي عمت وادي ميزاب في تلك الفترة، وكثيرا ما انتهكت فيها كل الحرمات من نهب للأموال واغتصاب للممتلكات وهتك للأعراض وسفك للدماء، وهذا بلا شك ينم عن ضعف الوازع الديني في النفوس، وعدم الوقوف عند حدود الله تعالى، وعدم المبالاة بحساب الله تعالى وما ينتظر الإنسان من جزاء وعقاب.
فسجل لنا التاريخ صورا مرعبة لهذه الفتن الهوجاء؛ كمقاتلة الصف الشرقي للصف الغربي، وكنصرة عشيرة لعشيرة من بلدة أخرى ضد أعدائها من بلدتها، وكالاستنجاد بالقبائل العربية المجاورة أو المستقدمة من مناطق بعيدة ضد أهل البلد. فتفشى الثأر والانتقام بين الأهالي واستبيحت الدماء والأنفس بغير حق وضاعت حدود الله تعالى.
ظهور بعض البدع والخرافات والأعراف الفاسدة الملصقة بالدين وبالعبادات خصوصا، حتى أضحت في نظر العامة كأنها من الواجبات التي لا ينبغي التنازل عنها ولا التساهل في أدائها، وربما أصبح الحرص عليها أكثر من الحرص على
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 71 - 77. (1/117)
صفحة 118
86
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
الفرائض. كظاهرة زيارة القبور وما يصحب ذلك من التبرك بالأموات والاعتقاد في نفعهم وضرهم، وتقديس قبور بعض العلماء والصالحين، والعادات البالية المرتبطة بالأفراح والأتراح.
يقول الشيخ إبراهيم بيوض واصفا هذه الأوضاع: «سرت إلى المجتمع الميزابي ... بعض أمراض، كتقديس قبور بعض الأولياء؛ يعتقدون أن لهم تأثيرا في الكون، وأنهم سبب النفع والضر للأحياء، هذه العقيدة الخرافية للدين، ووجدنا في الأعراس عادات لا تليق من إسراف وغيره، تضر صاحب العرس والمجتمع، ووجدنا في المآتم مثل تلك العادات (1).
وكظاهرة الزهد في طلب العلم وتحقير قيمته وتهميش أهله، وظاهرة منع المرأة من بعض حقوقها مما أحل الله لها بدعوى المحافظة على شرفها وكرامتها، وإبقائها جاهلة أمية مغلق عليها في دارها دون أن تنال نصيبها من التعليم والتوعية والتثقيف، ثم تزويجها بين العائلات والأسر الضيقة. هذا ما تركها في بعض
الأحيان تعيش الفراغ ومجالس اللغو واللهو، وتعتقد بالخرافات وتتشبث بالبدع.
ظهور بعض الانحرافات الخلقية بسبب الجهل والجمود على القديم، مثل الوشم في الرجال والنساء، وتناول السعوط، وكشف المرأة لناصيتها، وشرب الخمور واقتراف الزنا، وإلقاء التحية بغير القول السلام عليكم، والغلظة في تربية الأبناء وإيذائهم جسديا ولفظيا (2).
انحسرت جهود العلماء والمصلحين بسبب قلتهم خلال هذه الفترة، وضعف حركتهم، مع المعارضة الشديدة التي لاقوها من أصحاب النفوذ والمال والجمود على الأعراف والتقاليد البالية، ومن المفسدين من العوام. وكثيرا ما كان من الفريق رؤوس من الأعيان وبعض العزابة. فيدخل الفريقان في صراع وصدام
هذا
(1) محمد علي دبوز اعلام الإصلاح في الجزائر، ج 5، ط 1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر،
1403 م/ 1982 م. ص 35.
(2) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 333 - 337 (1/118)
صفحة 119
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
87
عنيف، ينتهي بانعزال العالم عن الحياة الاجتماعية أو طرده أو نفيه أو قتله، فتذهب جهوده أدراج الرياح، ويعود المجتمع إلى ما كان عليه من قبل.
بعد دخول الاستعمار إلى وادي ميزاب استغل هذا الواقع أيما استغلال ووظفه في إشعال نار الفتنة بين الأهالي والتفرج من بعيد، وفي تحريك فريق ضد فريق آخر، واستخدام العامة الجهلة ضد بعضهم البعض وفي محاربة العلماء والمصلحين، بوعده الجهال بوعود كاذبة زائفة متمثلة في المناصب والجاه وزخرف الحياة الدنيا. فكانوا المعول الأول في القضاء على أي محاولة للإصلاح أو التغيير، وقتل للأفكار النيرة في مهدها وغلق للأبواب أمامها (1).
هكذا بدا لنا المجتمع في أخلاقه وسلوكه ومدى ارتباطه بدينه وقيمه قبيل مرحلة النهضة الإصلاحية، وبلا شك أنه تأرجح بين الصلاح والفساد، و تصارع الحق والباطل في جولات كثيرة، وكان الانتصار تارة للأول وتارة للثاني. وبلا شك أن بزوغ فجر النهضة على المجتمع كان إيذانا بتغيير المنكر وإضعافا لشوكة الفساد والجمود، ورصا لصفوف الإصلاح والتجديد نحو بناء المجتمع الإسلامي المعاصر.
(1) يراجع في ذلك كتاب بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل كله. دبوز أعلام الإصلاح في الجزائر، كله. (1/119)
صفحة 120
[صفحة فارغة] (1/120)
صفحة 121
الفصل الثاني
جذور النهضة الإصلاحية
ومراحلها الإعدادية
المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب (1/121)
صفحة 122
[صفحة فارغة] (1/122)
صفحة 123
المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
المبحث الأول:
ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
مهيد:
91
كان بزوغ شعاع النهضة والإصلاح من جديد عند إباضية الجزائر في وادي ميزاب مع مطلع القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي، ومن أعماق الحياة الاجتماعية المتردية التي يمر بها وادي ميزاب أثناء هذه الفترة، ومن خضم الصراع بين الحق والباطل وبين التجديد والجمود، صدحت الأصوات الأولى للإصلاح وتنادت أفكار التغيير وتحركت جهود النهضة.
ثلة
كانت الانطلاقة من خلال حلقات العلم في المساجد والدور، التي كان روادها من شباب ورجال سخرهم الله لإيقاظ هذا المجتمع، فوهبهم حرقة على الدين، وغيرة على الوطن؛ من أن يبقى باليا، مشوبا بالكثير من الأدران والبدع التي انتابته وتمكنت منه، فعقدوا العزم على محاربة المنكر في مختلف صوره وإحلال المعروف، مكانه مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات
كان أول ما قاموا به أن نفروا للتفقه في الدين والتزود من العلم النافع، الذي يمكنهم من معرفة شرع الله تعالى وإدراك حدوده وحرماته، وفقه مقاصده وأولوياته، وفهم منهجه في التغيير والإصلاح، ثم سعوا إلى تحقيق كل ذلك في مجتمعهم وفق الرؤية القرآنية واقتداء بسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
1 - بداية عهد النهضة الحديثة:
لم يتفق علماء إباضية الجزائر على تاريخ محدد، أو زمن معين لبداية النهضة الإصلاحية الحديثة عندهم في وادي ميزاب كما أن زاوية معالجتهم لهذا الموضوع اختلفت فمنهم من نظر إلى النهضة على أساس أنها الحركة العلمية (1/123)
صفحة 124
92
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
والاجتماعية، ومنهم من وسعها فأدخل فيهما مجالات الحياة الأخرى من الاقتصاد والسياسة والعمران (1).
إلا أنهم يتفقون على أن وادي ميزاب دخل في سباته العميق فترة من الزمن أثناء القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، ثم استفاق من جديد استفاقة ثقيلة بطيئة، ولم يستطع التخلص مما وجد عليه نفسه من الأدران والبراثن إلا بعد جهود جبارة وأعمال متواصلة لفترة زمنية طويلة استمرت فترة قرنين أو تزيد أعاد مراجعة نفسه وترتيب صفوفه وترميم هياكله بالتدريج. وهذه الجهود المبذولة لأجل الاستفاقة و إعادة البناء الداخلي هي التي نعتبرها جذور النهضة ومراحلها الإعدادية الأولى.
(2)
بناء على ذلك يرى هؤلاء العلماء أن بداية الاستفاقة، وأول نداء لها كان مع الشيخ أبي زكرياء يحيى الأفضلي) الذي عاش خلال القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، حيث بذل جهودا معتبرة في إيقاظ وادي ميزاب من سباته وسن الخطوات ووضع اللبنات الأولى في سبيل النهضة الإصلاحية الحديثة. ثم تلاه العلماء المصلحون من بعده؛ مواصلين سيره ومطورين أفكاره وناصرين خطه إلى أن وصلت النهضة رشدها وبلغت نضجها واشتد عودها خلال القرن العشرين.
تأكيدا وتوضيحا لهذه الفكرة ننقل كلام الشيخ عبد الرحمن بكلي: «كان القرن
الثاني عشر والثالث عشر فترة ركود بل انتكاس بالنسبة للحياة العلمية لميزاب ضؤل شعاعه ورق حبله حتى كاد ينبتر، لولا أن تداركه لطف من الله فأطلع في
(1) أقصد بهؤلاء الكتاب المعاصرين لتاريخ النهضة الإصلاحية الحديثة والدارسين لها الشيخ عبد الرحمن بكلي، الشيخ إبراهيم أبو اليقظان الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الشيخ محمد علي دبوز، الشيخ علي يحيى معمر، الشيخ إبراهيم القرادي، الشيخ حمو عيسى النوري. الدكتور محمد ناصر، الدكتور محمد ناصر بوحجام، الأستاذ بكير أعوشت، الأستاذ يوسف الحاج سعيد.
(2) انظر ترجمته في المبحث الثالث من هذا الفصل. (1/124)
صفحة 125
المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
93
سمائه بدرا منيرا وأرسل أشعته على زواياه فأنارها؛ ذلك هو الشيخ أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي (1).
كما يقول المؤرخ محمد علي دبوز عن هذه الفترة: «إن أول عالم مصلح هز وادي ميزاب ليستيقظ من نومه، وأشرق فيه بعلمه وإصلاحه، ليقشع عنه الظلام الذي يكلكل عليه، وأخذ بيده ليجتذ به من ضلاله الغارق فيه، هو العلامة الجليل المصلح الشيخ أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي ... إن ميزاب في أول القرن الثاني عشر الهجري يغط في نومه ويسوده الجهل وما يتولد عنه من عصبيات قبائلية وحزبية فرقت صفوفه وأغرقته في الفتن والدماء، وجعلت القوي فيه يأكل الضعيف، وانعدم فيه ذلك المجتمع الذي تسوده الأخوة الإسلامية، وانحرف في ناحية الإخاء وشدة التمسك بالدين عن الطريق الذي أقره فيها أسلافه و منشئوه» (2)
بينما نجد الشيخ علي يحيى معمر يذهب مذهبا آخر في تحديد عصور النهضة والإصلاح عند إباضية، الجزائر، وينظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، يخالف فيها النظرة السابقة وينتقدها.
نجده يقسم تاريخ إباضية الجزائر إلى ثلاثة عهود كبيرة، كل عهد يتضمن عدة فترات، يبتدئها بالفتح الإسلامي للمنطقة في المنتصف الثاني من القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر. فهو يقول: «فإذا أردنا أن نتحدث عن تاريخ هذا الشعب في المدى الممتد بين الفتح الإسلامي والعصر الحاضر، فإننا نستطيع أن نقسمه إلى ثلاثة عهود متميزة بعضها عن بعض، وأن كل عهد من تلك العهود يشتمل على عدد من الفترات التاريخية التي تربط بينها روابط من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والحركات العمرانية والنشاطات العلمية والثقافية
(1) عبد الرحمن بكلي: مقدمة على كتاب النيل للشيخ عبد العزيز الثميني، ط 2، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1389 هـ / 1969 م، ص 10.
(2) دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 255245 (1/125)
صفحة 126
94
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
والسمات الدينية والسلوكية وإن كانت تفصل بينها أحداث سياسية، أو مظاهر اجتماعية فصلا غير سميك» (1).
أما ما يتعلق بالنهضة الإصلاحية فنجده يرجع بدايتها وجذورها الأولى إلى القرن التاسع الهجري، الرابع عشر الميلادي. مع قدوم الشيخ عمي سعيد الجربي من تونس إلى وادي ميزاب لأجل تنويره ونشر العلم فيه من جديد، بعد أن اندثر
وانتهى منه، ودخل في مرحلة اتسمت بالجهل والنوم العميق على حد تعبيره. يقول في هذا الصدد: «العهد الثالث لبني مصعب في التاريخ الإسلامي يمتد نحو أربعة قرون ونصف، إذ يبتدئ من أول القرن التاسع وينتهي في منتصف القرن الثالث عشر تقريبا، ويمتاز هذا العهد بأنه عهد الانطلاق الكامل في جميع ميادين الحياة، ولكن في الإطار الإسلامي الجميل.
وقد اتخذ هذا الانطلاق عدة اتجاهات متوازية متساندة متعاونة:
فقد انفتح باب الاجتهاد العلمي فقدم إليهم وفد من جربة والجبل يشتملى على خيرة من أفاضل العلماء والأعلام العاملين فقادوا الحركة العلمية وتزعموا حركة الإصلاح عموما (2).
في تقسيمه هذا نجده ينظر إلى المجتمع نظرة متكاملة شاملة لكافة مجالات الحياة، فتجده يراقب حركية المجتمع ويتتبع الأحداث والتغييرات فيه، ثم يبني تصوره، وفقها مازجا بين العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية في تحديد المنحنى البياني الحركية المجتمع والحكم على أوضاعه. لعله بذلك استطاع أن يرسم لنا صورة أكثر وضوحا لإباضية الجزائر في مسرح التاريخ من سابقتها التي قصرت النظرة على الجانب الاجتماعي الديني، دون غيرها من الجوانب المؤثرة على حركية الشعوب، من الظروف
السياسية والاقتصادية.
(1) معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ج 1، ص 446.
(2) المرجع نفسه: ج 2، ص 463. (1/126)
صفحة 127
المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
95
إلا أن النظرة الأولى هي الأقرب إلى الصواب - في نظري – في تحديد البداية الفعلية للنهضة الإصلاحية الحديثة لإباضية الجزائر، لتوافر الأدلة التاريخية المستفيضة على صحتها من التراكم العلمي والمعرفي الذي شهده وادي ميزاب على مستوى المدارس والمعاهد وحلقات العلم؛ منذ تلك الفترة، ومن الشواهد التاريخية الكثيرة المبثوثة في بطون الكتب والمخطوطات والوثائق على السبات العميق الذي عاشه إباضية الجزائر خلال تلك الفترة من جهل وفتن وبدع وعصبيات مستفحلة؛ مما عرضناه في الفصل الأول، ومما سنعرضه في فصولنا اللاحقة.
ولعل الشيخ علي يحيى معمر قد افتقدها ولم تتح له الفرص ليطلع عليها ويعرفها، لإقامته بليبيا بعيدا عن الجزائر، رغم الفترة المهمة التي قضاها بين أظهر هذا المجتمع وعرفه في عمقه عن كثب.
كما نشير أن الأستاذ يوسف الحاج سعيد (4) وظف التقسيم السابق للشيخ علي يحيى معمر في كتابه تاريخ بني مزاب)،وتبناه، مع تفريع العهد الثالث منه إلى فترات (3).
في حقيقة الأمر كنت أتمنى لو أشار الأستاذ الحاج سعيد إلى ذلك للأمانة العلمية، كما كنت أنتظر منه أن يقوم بعملية نقد لهذا التقسيم، وأن يضع بين أيدينا مبررا منهجيا ودليلا علميا على صحته، خاصة وأنه بنى تقسيم أبواب كتابه عليه. وقد ظهر عليها نوع من الاختلال وعدم الموازنة بينها من حيث عدد الصفحات، وكم المعلومات المبثوثة في كل باب منها رغم القيمة العلمية للكتاب من الناحية
(1) (على قيد الحياة) مدير المدرسة الجابرية - بنات ببني يزقن بغرداية. (2) يرى الأستاذ الحاج سعيد أن التسمية الدقيقة والصحيحة لبني ميزاب هي: بني مزاب، أي بدون مد الميم وقد أثبت ذلك في كتابه، فسماه تاريخ بني مزاب، لذا سنحترم رأيه حين اعتماد كتابه، فأرجو أن ينتبه إلى ذلك، ولا يعد خطأ إملائيا أو مطبعيا.
(3) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 76، 252 - 256 (1/127)
صفحة 128
96
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
التاريخية؛ بما تضمنه من معلومات جديدة مهمة مرتبة ترتيبا زمنيا مفيدا، معتمدا
على مصادر ومخطوطات ووثائق ناذرة غير متوفرة بين أيدي الباحثين. ولعله من باب الجمع بين النظرتين أرى أن الإصلاح الذي يعني في أوضح معانيه وأبسطها؛ بذل الجهد في إقامة دين الله تعالى على مستوى حياة الأفراد والمجتمع لم ينقطع في حقيقة الأمر في وادي ميزاب منذ حل الإسلام فيه، وبقي دائما بين المد والجزر. فإن الوادي يعد من الربوع التي تواصل فيها حبل الحضارة الإسلامية واستمر منذ تربع الإسلام والمذهب الإباضي فيه مع مطلع القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، إلا أن هذا الحبل كان يتراوح بين المتانة
والرقة من فترة إلى أخرى دون أن يشهد انقطاعا وانفكاكا وانفصاما واضحا. صحيح إن هذه الربوع كغيرها شهدت عصورا علا فيها كعب الإصلاح والنهضة، والتمكين لدين الله تعالى، وعصورا أخرى خمد فيها هذا الصوت وخفت وبلي فيها الدين فكانت الظروف والعوامل الداخلية والخارجية للمجتمع تؤدي دورها في رسم هذا المنحنى البياني صعودا ونزولا وانحناء.
والشواهد على ذلك كثيرة، إذ أن تتبع المسار التاريخي لإباضية الجزائر ينبئنا أن في كل قرن، بل في كل جيل، وجد عدد من المشايخ والعلماء (1) الذين بذلوا جهدهم في تنوير المجتمع وإصلاح أوضاعه والسعي لإقامته على دين الله تعالى. إلا أن الظروف العامة الداخلية والخارجية كان لها دورها في رسم صورته الواقعية ومدى التزامه فيها بدين الله تعالى.
هكذا بقي إصلاح المجتمع بين المد والجزر وما انفك علماء الإباضية ومشايخهم وعزابتهم يكابدون في سبيل هذا الدرب حاملين المشعل رافعين اللواء
(1) تراجع في ذلك مصادر التاريخ عند الإباضية التي من أهمها أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر: سير الأيمة وأخبارهم، تح وتع: إسماعيل العربي، ط 1، مطبعة أحمد زبانة، الجزائر، 1399 هـ/ 1979 م. الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب. أحمد أبو العباس الشماخي: سير المشايخ، طبعة حجرية، 1301 هـ. إبراهيم أبو اليقظان، ملحق سير الشماخي مخطوط. معجم أعلام الإباضية. (1/128)
صفحة 129
المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
97
قائدين الركب، محاولين الحفاظ على سلامته وصفائه من الأدران، فكان منهم من واتته الظروف وتهيأت له الأوضاع، ووجد المعين والسند لجهوده وأفكاره فآتت أكلها وذاق ثمارها ورآها رأي العين أمامه ومنهم من قست الظروف في عهده، فلم تمد له بيد العون والمساندة؛ فناضل وكابد وأدى ما عليه، إلا أن نتائج تلك الجهود لم تتحقق في الميدان ولم تظهر واضحة للعيان.
فكان نصر
الله تعالى للأول وتمكينه واضحا مجسدا مبهرا استطاعت أقلام المؤرخين تسجيله وحفظه، بينما كان نصر الله تعالى للثاني ضعيفا شاحبا هزيلا كأنه لا شيء؛ فلم تستطع أقلام المؤرخين تفصيله ولا حفظه، وهذا لا يعني انقطاع جهود العلماء والمشايخ في عملية الإصلاح، ومحاولتهم المستمرة للتمكين لدين الله تعالى.
ولعل ما ساعد على ذلك – بكل وضوح- وحافظ على هذا الحد الأدنى من الدين في مجال سلوك الأفراد والمجتمع هو تلك الهيكلة الاجتماعية الدينية التي حظي بها وادي ميزاب المتمثلة في نظام حلقة العزابة، خاصة بعد أن اعتلت هرم المجتمع وأصبحت قائدة له ومتحكمة فيه من خلال الهيئات العرفية التي أبدعتها، والتي شملت معظم شرائح المجتمع وانشغالاته.
هذا ما جعله يتقيد بضوابط ونظم وأعراف صارمة ليس بوسعه التنصل منها، وكلما حاول الابتعاد عنها وتخطيها وجد نفسه أمام حواجز وموانع تحميه وتحافظ عليه. رغم مراحل الضعف والهوان التي انتابت هذا النظام، وبالتبع هذا المجتمع في
فترات زمنية عديدة.
هذا ما يمكن أن يقال عن حركة الإصلاح عموما عند إباضية الجزائر في وادي
ميزاب.
إلا أن الكلام حينما يتعلق بالنهضة الإصلاحية الحديثة والمعاصرة، فمن الأصح أن نعيد جذورها إلى عهد الشيخ أبي زكرياء الأفضلي خلال القرن الثامن عشر الميلادي. فنسميه باعث النهضة الإصلاحية الحديثة والمعاصرة ومؤسسها (1/129)
صفحة 130
98
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
الأول ومجددها (1). التي كانت انطلاقتها أساسا من حلقات التعليم، لتتوسع بعد
ذلك فتشمل مجالات الحياة المختلفة.
2 ـ دواعي قيام النهضة الإصلاحية:
لقد عرضنا في الفصل الأول من هذا البحث الأوضاع العامة التي عاشها وادي ميزاب خلال إشراقات عصر النهضة، والتي اتسمت بصفة عامة بركود حضاري وترد أخلاقي وتفكك اجتماعي على مختلف الأصعدة.
ستكون هذه الأوضاع - بلا شك - هي الدافع الرئيس والعامل الأساس في تفكير أبنائه وشبابه في ضرورة التغيير والإصلاح من هذه الأحوال المزرية. وبدافع العقيدة التي تملي على الإنسان المسلم أن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التزاما بالنصوص الشرعية كقول الله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير ويَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (2). وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوف وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وقول النبي: التأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم.
(1) ممن أطلق على الشيخ أبي زكرياء الأفضلي تسمية باعث النهضة، أو مؤسسها، أو مجددها نذكر: عبد الرحمن بكلي: محاضرات البكري في العلم والعلماء، إعداد وتقديم: مصطفى صالح باجو، نشر مكتبة البكري، العطف، غرداية، الجزائر، دت، ص 121999 المؤرخ محمد علي دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 254. معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 965.
(2) سورة آل عمران / الآية: 104.
(3) سورة التوبة / الآية: 71.
(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: رقم 2223، ج 7، ص 292. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير:
رقم 397، ج 19، ص 161. موسوعة المكتبة الشاملة: قرص مضغوط يحوي أهم مصادر الحديث. (1/130)
صفحة 131
المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
99
لقد وجد هذا الشباب خيط الإصلاح رقيقا دون أن ينقطع من خلال معايشتهم لجهد المقل الذي كان يقوم به بعض المشايخ والعزابة في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما أوتوا من علم متواضع، وبما فهموا من تجارب في الحياة، وبما خبروا من تعامل مع المجتمع. فبقي هذا الخيط كالنار الخافتة تحت الهشيم، تنتظر الظروف المواتية لتلتهب من جديد، وتشع على من حولها. ومن نعم الله تعالى على وادي ميزاب أن قيض له من حين لآخر مثل هؤلاء الرجال الصالحين، رغم قلة زادهم العلمي والمادي أحيانا، إلا أنهم عوضوه بإخلاص وتضحية وبذل منقطع النظير في سبيل الدعوة والإرشاد، فوقفوا حياتهم من أجل ذلك؛ غير مبالين بمدى نجاح أعمالهم وتحقق آمالهم أو عدمهما. فلم تكن الظروف المحيطة آنذاك مواتية ولا مساعدة على تجسيد مثل تلك الأفكار والطموحات في إصلاح المجتمع، ولم تكن تسمح البتة في إحداث حركية اجتماعية ونقلة نوعية على مستوى حياة الأفراد، حيث كانت القوى المعاكسة للخير متماسكة ومغروسة في قلب المجتمع؛ تقف في وجه أي فكرة للإصلاح أو التغيير، تبذل وسعها للقضاء عليها في مهدها قبل أن تشب وتقوى.
تعششت هذه القوى في الأوضاع المتردية، ووجدتها تربة خصبة ضربت جذورها في أغوارها واستقوت بها، حتى صعب اجتثاثها وتعذر اقتلاعها. والتي يمكن إجمالها فيما يأتي:
انعزال المجتمع في بيئة صحراوية شحيحة الموارد قاسية المناخ، خالية من
حضارات أو ثقافات نوعية أخرى يمكن أن يتأثر بها أو يتلقح منها. انغلاق المجتمع على نفسه، وعدم قابليته للانفتاح على غيره من المجتمعات للاستفادة من خبراتها وتجاربها.
الأمية المتفشية والجهل المطبق على غالبية أفراد المجتمع.
التقاليد البالية التي تحولت في أذهان عامة الناس إلى أصول وفرائض لا يجوز التنازل عنها أو استبدالها أو تعديلها. (1/131)
صفحة 132
100
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
الخلط بين الدين والعرف، الذي سنه المجتمع لظروف معينة متغيرة، مما
صعب إلغاؤه وفتح باب البدع على مصراعيه.
التعصب
الآفات الاجتماعية التي تولدت عن الجهل والأمية وقلة العلم؛ من للقبيلة وللعشيرة والتعنت والصراعات والفتن والاشتغال بسفاسف الأمور، والتناحر من أجلها، والاعتقادات الباطلة في القبور والموتى.
صعود بعض الرجال الجاهلين الجامدين إلى هرم المجتمع والتأثير في قيادته، بعامل الأقدمية وكبر السن مع نقص العلم، فتشبثوا بالقديم وجمدوا على أعراف باطلة، فأفسدوا المجتمع وعطلوا حركيته، ومنعوا صوت الإصلاح والتغيير وكبتوه وحاربوه.
تولي مهمة العزابة - في بعض الفترات أناس ضعاف الشخصية، متحالفون مع بعض العامة الفاسدين ضد صوت العلم والإصلاح، لأجل الحفاظ على كراسيهم ومناصبهم.
الصراع القبلي والطائفي والعشائري والتعصب الأعمى له، الذي أدى إلى سفك الدماء، وانتشار الحقد واستفحال البغض، وانتهاك الحرمات،
وضياع الحقوق. حلول الاستعمار بالمنطقة أضاف عبثا جديدا عليها بسبب تواطئه مع قوى الفساد وتحالفه معها، وتسلطه على الناس وخنق أي صوت للإصلاح، إلى جانب سياسته في التفرقة وبث السموم الأخلاقية والاجتماعية، وتقليده مسؤولية المجتمع لـ "قياد“ وحكام فاسدين يكرسون الوضع القائم (3).
في مقابل ذلك؛ انحسار لأهل العلم والإصلاح وضعف الحركتهم؛ التي لا تزال في مهدها، وكونهم غير ممكنين من قوة المال والحكم، رغم المحاولات العديدة التي عادة ما تنتهي بالفشل، فيؤول الأمر إلى ما كان عليه من قبل.
(1) يراجع في ذلك: الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 71 - 76. (1/132)
صفحة 133
المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
101
بدافع هذه العوامل والأسباب تحركت شرارة النهضة الإصلاحية في وادي
ميزاب معلنة ميلاد عهد جديد اتسم بجهاد مستمر على مختلف الأصعدة، وأدخل المجتمع في ورشة شاملة لإعادة البناء والترميم والتشييد.
فكيف كانت فصولها وكيف وزعت أدوارها ومن كانوا أبطالها؟
هذا ما ستكشف عنه الفصول والمباحث القادمة. (1/133)
صفحة 134
102
تمهيد:
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
المبحث الثاني:
جذور النهضة العلمية
خلال
إن الدارس للتاريخ الحديث والمعاصر لإباضية الجزائر يكتشف أن النهضة التي شهدها وادي ميزاب كانت بداياتها الأولى على أيدي العلماء والمشايخ من حلقاتهم العلمية وجهودهم التربوية في مجال تكوين الأجيال وإعدادها خلقيا وعلميا، ثم من خلال دروسهم المسجدية في نصح المجتمع وتوعيته وبيان واجباته الشرعية في مجالات الحياة المختلفة.
فقد ابتدأت النهضة تعليمية تربوية موجهة للناشئة والشباب والجيل الجديد في دور خاصة، وفي حلقات علم ضيقة، ثم توسعت إلى المسجد والسوق والشارع، فكأن المصلحين بادئ الأمر نظروا إلى المجتمع فوجدوا واقعه مزريا يصعب تغييره وإصلاحه، فالتفتوا إلى الأجيال التي ما زالت لم تسبغ بهذا الواقع، ولم تدنس بهذه الأدران، فوجهوا عنايتهم لها، لتكون أمل المستقبل الذي ستقوم على كاهله النهضة.
ابتدأت حلقات التعليم ضيقة محصورة؛ يرتادها ثلة من الطلبة والتلاميذ الذين سمحت لهم ظروفهم بالعناية بالعلم والحرص على تحصيل القليل منه، بينما كان عامة أفراد المجتمع منهمكين في مشاغل الحياة المختلفة، وساعين وراء لقمة العيش الصعبة المنال.
كان النهضة بذلك تأذن بالدخول في حلقة جديدة من حلقات الحضارات الإسلامية، مقتدية بمسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، التي ارتفع فيها صوت اقرأ، قبل أن يرتفع فيها صوت صل أو تعبد أو ادع. (1/134)
صفحة 135
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
103
يقول الشيخ إبراهيم القرادي واصفا لنا حال التعليم في بداياته: «كان التعليم في العطف وفي الوادي ... منحصرا في المحاضر وفي دور الطلبة "إروان“ وفي المساجد، ففي المحاضر يتعلم الصغار ما يتيسر من القرآن ... وبعد ختم القرآن واستظهاره يدخل الطلبة في حلقة "إروان لتلقي دروس في العقيدة والفقه وعلوم العربية، مع دروس أخرى يلقيها الشيخ في المسجد، إما للعامة أو للطلبة، كما كان بعض الشيوخ يفتحون دورهم لطلاب العلم إذا سمحت الظروف بذلك، فلم يكن يسمح للشباب أن يشتغلوا في وضح النهار بشيء غير العمل الجدي المنتج كالفلاحة والبناء، أو التجارة في رحلات طويلة إلى وارجلان أو إلى مدن الشمال، وكان العلماء يعانون الأمرين من عنت الجهلاء، وصدود الناس عن العلم مالا يعلمه إلا الله، وقد صمد
العلماء في الميدان صمود الأبطال حتى بلغهم الله ما كانوا يأملون والحمد الله» (1). نحاول الآن التعرف على طبيعة هذا التعليم الذي مثل جذور النهضة في إشراقاتها الأولى:
نستطيع أن نميز في وادي ميزاب في هذه الفترة الزمنية نمطين من التعليم، عملا معا، وكان لكل منهما دوره الحضاري:
ـ التعليم المسجدي.
التعليم المشيخي.
ماذا نقصد بهما، وما هي مميزاتهما وخصائصهما؟
كان النمط الأول من التعليم تحت سلطة حلقة العزابة تشرف عليه وتتولى رعايته، فهو بذلك تابع للمسجد.
أما النمط الثاني فكان تحت سلطة العلماء والمشايخ الذين حصلوا على قسط من
العلم، ففتحوا لأنفسهم دورا خاصة بهم للتعليم، أشرفوا عليها وسيروها. وأحيانا يتحد التعليمان فيصبحان تعليما واحدا في ظروف وأحوال خاصة.
(1) القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 77 78. (1/135)
صفحة 136
104
1 - التعليم المسجدي:
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
نقصد بالتعليم المسجدي التعليم التابع لحلقة العزابة الهيئة الدينية والاجتماعية المشرفة على تسيير دواليب المجتمع، حيث يتولى أعضاء منها تنظيمه، ويدخل ضمن مهامها. كما توضحه المصادر والمراجع التي تعرف بالحلقة وبوظائفها (1).
يقول الشيخ إبراهيم طلاي: «لعل أكبر جهد قامت به حلقات العزابة، وكان لها أقوى الأثر في المجتمع هو تنشئة الناشئة على التربية الدينية، وتعليمها، وتلقينها القرآن الكريم، فلكل مسجد في ميزاب محضرتان أو ثلاثة محاضر يتلقى أطفال القرية تعليمهم مبادئ الكتابة واللغة، وتحفظهم القرآن الكريم ... ففقهاء العزابة هم الذين يتولون التدريس فيها مجانا» (2).
يعينون منهم من يؤدي هذه المهمة أو يكلفون من ينوبهم من أفراد المجتمع من
لهم المقدرة على التعليم وتتوفر فيه شروط تحمل هذه المسؤولية.
يعد هذا النمط من التعليم عند إباضية الجزائر نظاما قديما يعود إلى المراحل الأولى من تأسيسهم لقرى وادي ميزاب ولعلهم ورثوه من حلقات العلم التي ابتكرها مؤسس الحلقة الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي، الذي كانت حلقته في بادئ الأمر حلقة تعليم وتربية فقط؛ تطوف بين القرى والتجمعات السكنية لتعليم الناس وتفقيههم في الدين)، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى هيئة دينية تشرف على تسيير المساجد والمجتمع.
كما أنه نظام غير خاص بإباضية الجزائر لوحدهم؛ حيث يقابله عند عموم المسلمين ما يعرف بنظام الكتاتيب أو تعليم الكتاب الذي انتشر في الجزائر وعند
-
(1) يراجع في ذلك مثلا: طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 81 82 ناصر: حلقة العزابة، ص 32. الجعبيري: نظام العزابة، ص 58. مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط، ص 221 - 238.
(2) طلاي ميزاب بلد كفاح ص 8281 (3) صالح بهون وبشير حاج موسى الجذور التاريخية للتعليم القرآني الحر بميزاب وتطوره، دت ص 15 -
16 (1/136)
صفحة 137
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
105
عامة الشعوب الإسلامية، وهو يعنى بتحفيظ ما تيسر من القرآن الكريم وبتلقين مبادئ اللغة العربية، وقد لعب دورا مهما في الحفاظ على مقومات الشخصية
العربية الإسلامية للشعب الجزائري خلال فترة الاحتلال الفرنسي وقبلها. يقول الدكتور رابح تركي) في معرض حديثه عن التعليم في الجزائر: «كانت الكتاتيب القرآنية منتشرة انتشارا كبيرا في مرحلة الدراسة بحيث كان لا يخلو منها حي من الأحياء في المدن ولا قرية من القرى في الأرياف وإليها يعود فضل كبير في المحافظة على القرآن الكريم في الجزائر خلال فترة الاحتلال الطويلة (1246
(1962 - 1830/ 1382
وكانت الكتاتيب القرآنية إلى جانب قيامها بتحفيظ القرآن الكريم إلى المترددين عليها تحفيظا جيدا تلعب دورا مهما في نشر القراءة والكتابة باللغة العربية، مما جعل الجزائريين يحافظون على معرفتهم باللغة العربية ولو في صورة بسيطة
متواضعة، بعد أن طارد الاحتلال اللغة العربية في الإدارة ومعاهد التعليم. وعن طريق الكتاتيب القرآنية التي كان ينهض بها حملة القرآن في الجزائر كان حفظ القرآن كله أو جله منتشرا بين الجزائريين انتشارا واسعا» (2).
وقد قدر الأستاذ أحمد توفيق المدني عدد الكتاتيب في الجزائر إبان فترة الاستعمار بنحو خمسة آلاف كتاب منتشرة بين الأرياف والمدن (3).
إلى جانب الكتاتيب التي قامت بهذا الدور؛ فإن أبناء الجزائر تلقوا تعليمهم الابتدائي كذلك في الزوايا وفي المدارس التابعة للمساجد، التي شهدت بدورها انتشارا في ربوع الجزائر. يقول الدكتور رابح تركي في هذا الصدد: «وقد كان الأطفال فيها يزاولون تعليمهم في الغالب في الكتاتيب القرآنية التي يطلق عليها في لهجة العامة الجزائرية
(1) (على قيد الحياة) باحث وأستاذ جامعي.
(2) تركي: التعليم القومي، ص 229.
(3) أحمد توفيق المدني: جغرافية القطر الجزائري، ط 2، المطبعة العربية، الجزائر، 1952 م، ص 138. (1/137)
صفحة 138
106
"
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
من
لمسيد" وقد كانت منتشرة بكثرة في الجزائر بحيث كانت لا يخلو منها حي الأحياء في المدن أو قرية من القرى في الريف، كما كانت الزوايا تساهم بدورها في نشر التعليم الابتدائي ... لذلك فإن الأطفال في المرحلة الابتدائية يتعلمون إما في
الكتاب لمسيد" أو في المدارس القرآنية الملحقة بالمساجد وإما في الزوايا» (1). إلا أن هذا التعليم عند إباضية الجزائر أخذ بعدا اجتماعيا دينيا ارتبط بنظامهم وبهياكله، وهم يقسمونه إلى مستويين:
أ المحضرة
تجمع على محاضر. تمثل المستوى الأول من التعليم؛ حيث يحفظ فيها الصبي ما تيسر من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ويلقن مبادئ العلوم العربية والشرعية، وهي بالذات ما يعرف بالكتاب.
مختلف تبنى هذه المحاضر عادة بجوار المسجد وتضم في صفوفها تلاميذ من الأعمار؛ من السن الثالثة والرابعة إلى سن البلوغ والرشد؛ وربما أكثر، فهي بذلك لا تتقيد بمستوى معين، وتجمع في صفوفها أكثر من طبقة.
كما أنها لا تعنى بتقديم دروس منتظمة، ولا يخضع التلاميذ فيها إلى أية امتحانات أو تقييمات لاختبار المستوى ومعرفة التفوق كما أن عدد المحاضر قد تزيد عن واحدة وتتعدد بحسب إقبال التلاميذ عليها (2).
وردت عند علماء الإباضية وغيرهم تعريفات عديدة لها، نذكر منها ما يأتي: يعرفها الشيخ إبراهيم بيوض بقوله: (أما التعليم الابتدائي فيزاول فيما يسمى
-
بالمحاضر جمع محضرة، وهي كتاتيب ملحقة بالمساجد مجاورة لها يتولى التعليم فيها. وهي عادة تكون ثلاثة - ثلاثة من أعضاء حلقة العزابة - الهيئة المشرفة على المساجد والمحاضر والشؤون الاجتماعية بالبلدة - يكونون حافظين لكتاب الله عالمين
(1) تركي الشيخ عبد الحميد بن باديس، ص 127. (2) بهون وحاج موسى: الجذور التاريخية، ص 15 - 16. (1/138)
صفحة 139
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
107
بفرائضهم الدينية يعلمون فيها الكتابة والرسم وحفظ القرآن ومبادئ الفرائض الدينية وخاصة العقيدة والوضوء والصلاة ... وهذه المحاضر لا تعلم إلا فيما بين صلاتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وإلا ما بين السحر وطلوع الشمس في أشهر الشتاء» (1).
ويعرفها الأستاذ محمد علي دبوز بقوله: «تبنى بجوار كل مسجد على حسب كبر المدينة، فمن المدن من تبني بجوارها ثلاث كتاتيب أو أكثر، يرأس كلا منها أحد أعضاء العزابة، فهو مديرها والقائم بالتربية والتعليم فيها، ويعينه قدماء التلاميذ في عمله ... والكتاتيب لتعليم القراءة والكتابة ورسم القرآن وتحفيظ القرآن وعقيدة التوحيد وما تيسر من الأحاديث النبوية وما يتصل بالصلاة» (2).
ويعرفها الأستاذ أحمد توفيق المدني بقوله: «المحضرة في عرفهم عبارة عن کتاب، للإملاء وتعليم الخط وحفظ القرآن ودراسته» (3).
إذن التعليم في المحضرة هو المرحلة الأولى التي يتم فيها لقاء الفتى مع التعليم قراءة وكتابة، وأن ما يتلقاه فيها يتمحور حول حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ
اللغة العربية.
أما المدرس فيها أو العريف كما ورد في أدبيات حلقة العزابة فتتولى تعيينه هي ويسمى بالميزابية: "لفقي" ويجمع على كلمة ”الفقيان، الذي أخذ من كلمة الفقيه
باللغة العربية.
يشترطون فيه حفظ القرآن الكريم ومعرفة مقبولة باللغة العربية وفي فرائض
الدين من عقيدة وفقه. إضافة إلى الأخلاق الطيبة والسمعة الحسنة.
(1) إبراهيم بيوض: تقرير حول التعليم العربي الحر بوادي ميزاب منشور ضمن كتاب تركي التعليم
القومي، ص 419 - .420.
(2) دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 212.
(3) المدني: كتاب الجزائر، ص 118. (1/139)
صفحة 140
108
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
أما المواد المدرسة فهي حفظ القرآن الكريم والحديث والعقيدة والفقه وأحكام
الصلاة والتربية الدينية والقراءة والكتابة، مع مراعاة التبسيط في كل ذلك. لكن يبدو أن هذه المحاضر - مع تطور التعليم بوادي ميزاب - تخلت عن
تدريس جل هذه العلوم، واكتفت بتحفيظ القرآن الكريم لوحده ومدارسته. كما انحسر روادها من التلاميذ مع انتشار التعليم العربي العصري، الذي تعارض كثيرا مع أوقات تدريسها. فبقيت خاصة بالصبية ما قبل سن التمدرس، ويتوسع نشاطها وقت العطل ليشمل بقية التلاميذ الذين يقصدونها في أوقات فراغهم المدارسة ما حفظوه من القرآن الكريم. أما أوقات تدريسها فهي بين صلاتي المغرب والعشاء، وبين صلاتي الظهر والعصر من كل أيام الأسبوع ما عدا الخميس والجمعة.
أما طريقتها في التدريس فهي تعتمد كثيرا على أسلوب التلقين والحفظ، مع استعمال اللوح الخشبي في الكتابة والحفظ، وقبل ذلك كانت تستعمل كومات من الرمل لكتابة الأحرف الهجائية وتعليمها. كما تعتمد على التلاوة الجماعية للقرآن الكريم، وكذا القراءة الجماعية لأحرف وكلمات اللغة العربية (1).
ب حلقة "إروان“:
تمثل هذه الحلقة المستوى الثاني من التعليم المسجدي ومفرد هذه الكلمة هي: ”إرو “ التي تعني بالميزابية: طالب العلم، أو حافظ القرآن الكريم.
ويمكن أن نضبط تعريفها فنقول هي هيئة عرفية تابعة لحلقة العزابة تأتي في الدرجة الثانية بعدها تضم الطلبة الذين يتلقون العلم على يد شيخ العزابة، ويشترط في التحاق الطالب بها أن يكون مستظهرا للقرآن الكريم
(1) لطيفة الحاج موسى: المدارس الحرة في بني يزقن خلال القرن العشرين مذكرة تخرج، المعهد الجابري، بني
يزقن، غرداية، س ج:
14 - 7.2005 - 2004 (1/140)
صفحة 141
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
109
وقد تلقى تعليمه في نظام المحضرة، فهي بذلك تعد مستوى متقدما في
(1)
التحصيل العلمي كما تعد مرحلة تربص وتكوين علمي واجتماعي لهؤلاء الطلبة لالتحاق بحلقة العزابة، لمساعدتها في تحمل المهام الدينية والاجتماعية، في حال
الأكفاء
منهم
احتياجها لتجديد بعض أعضائها بسبب العجز أو الوفاة أو توسع أعمالها.
لذا فعادة ما تسند لهؤلاء الطلبة بعض المهام الدينية والاجتماعية التي يتولاها أعضاء العزابة لتدريبهم عليها، مثل إمامة الصلاة والأذان، وإلقاء الدروس في المساجد، وإقامة صلاة الجمعة وإلقاء خطبها، والتدريس في المحاضر.
وللهيئة رئيس يسمى عريفا تتولى حلقة العزابة تعيينه.
كما يمكن أن يكون لها مقر خاص بها بجوار المسجد يتلقى فيها الطلبة دروسهم تسمى دار إروان، أو دار التلاميذ أو دار العلم.
ضبط إباضية الجزائر لهذه الهيئة شروطا أخلاقية وعلمية لالتحاق الأعضاء بها
متمثلة فيما يلي: استظهار القرآن الكريم.
تلقي الدروس في المحضرة.
الاستقامة في الدين والأخلاق الحميدة.
السمعة الطيبة والسيرة الحسنة مع الناس.
أما الذين يتولون التدريس فيها فهم عزابة البلدة وشيخها على وجه الخصوص، الذي يكون عادة ذا مستوى علمي لا بأس به، خاصة في العلوم
(1) بوحجام: البعد الروحي، ص 43 - 47 بكير الشيخ صالح وآخرون: منظمتا إيروان وإمسوردان، دت،
ص 2 - 6.
(2) دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 213. (1/141)
صفحة 142
110
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية أعضاء من
الشرعية والعربية، إلى جانب تجربته الاجتماعية. كما يساعده في مهمته العزابة لهم باع في العلم. أما العلوم التي يتلقونها فهي العلوم الشرعية والعربية أساسا بتوسع أكثر وتعمق من عقيدة وفقه وحديث وتفسير وأصول الفقه والميراث واللغة العربية بصرفها ونحوها وبلاغتها. إلى جانب الالتزام بحضور الدروس التي يلقيها شيخ العزابة على عامة الناس في المسجد.
كما يخضع هؤلاء إلى مراقبة صارمة في أخلاقهم وسلوكهم من أعضاء العزابة؛ لينظروا ما مدى التزامهم بالفرائض وبالآداب العامة، حفاظا على سمعة الحلقة، واستعدادا للمهام التي تنتظرهم فيها. التي يشترط في أعضائها أن يكونوا المثل والقدوة لعامة الناس في أخلاقهم ومعاملاتهم.
أما أوقات التدريس فهي كل أيام الأسبوع ما عدا الخميس والجمعة بمقدار ساعتين يوميا، من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس شتاء، وبين صلاتي الظهر والعصر صيفا (1).
- تقويم التعليم المسجدي
ينبغي الاعتراف بأن هذا النمط من التعليم في مستواه الأول والثاني شكل لإباضية الجزائر خلال العصور الماضية القاعدة الأساسية الصلبة للحفاظ على الحد الأدنى من التعليم في المجتمع، وكان القاسم المشترك بين أبنائه، والذي به تحركت عجلة التوعية على مستوى الأفراد للتفقه في الدين، ولمعرفة ما يجب أن يعلم من الدين بالضرورة، وما لا يسع الإنسان جهله.
فكان على شكل مدرسة شعبية مجانية مفتوحة أبوابها للجميع دون استثناء ولا تمييز، كما كان تعليما إسلاميا عربيا محضا وأصيلا أسهم في الحفاظ على مقومات شخصية الأفراد وحماها من أي تشويه أو تفكيك، كما أسهم في محو
(1) بوحجام: البعد الروحي، ص 45 - 50. الحاج موسى: المدارس الحرة، ص 10 - 19 (1/142)
صفحة 143
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
111
الأمية عن طبقة من الناس، ورفع الجهل عنهم، ودفعهم لمواصلة مشوارهم التعليمي والدراسي.
كما أسهم في تربية الناشئة وإعداد الأفراد خلقيا واجتماعيا، وتأهيلهم لتحمل المهام على مستوى حلقة العزابة والهيئات التابعة لها، الخادمة للمجتمع والحافظة لكيانه.
إلا أنه إلى جانب هذا المميزات الإيجابية نستطيع أن نسجل عليه بعض السلبيات والنقائص التي يمكن إجمالها فيما يلي:
- إنه لم يستطع أن يستوعب شرائح واسعة من الناس، بل بقي منحصرا في
طائفة معينة منهم.
-
إنه لم يكن منظما ولا منضبطا ولا خاضعا لإدارة حازمة، فلم تعرف فيه امتحانات أو تقييمات أو محاسبات، فكان يتسم بالعشوائية.
إنه ركن إلى التقليد والجمود على النمط القديم وعدم التجديد، حيث بقي على ما هو عليه طوال قرون عديدة، رغم تغير الحياة من حوله، وتطور مناهج التعليم. هذا ما جعل الناس يستغنون عنه، ويستبدلون به غيره من أنماط التعليم التي ظهرت من بعده ورأوها أجدى وأفيد.
إنه حصر التعليم في أوقات ضيقة قليلة لا تفي بالغرض ولا تلبي الطلب في تكوين علمي عال وعميق فاكتفى بالسطحية والبساطة، باعتماده على الحفظ والتلقين لوحدهما.
-
إنه لم يتمكن من تفريغ الطلبة لتحصيل العلم بالنفقة عليهم من الأوقاف، أو من موارد قارة، لذا بقي تكوينهم ضعيفا وفي أحسن الأحوال متوسطا، إلا ما نذر من الطلبة العصاميين، أو الذين أتاحت لهم الظروف السفر خارج وادي ميزاب لمواصلة التكوين والانكباب على التحصيل العلمي.
إنه ميز بين الجنسين، فأتاح الفرصة للذكر وأهمل الأنثى في الغالب الأعم. (1/143)
صفحة 144
112
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
لم يستطع أن يؤثر كثيرا في الأوضاع الاجتماعية من حوله؛ بالحد من الفتن
والعصبيات المتأججة و البدع المتفشية.
- إن له وصاية من حلقة العزابة منعته من التجديد والإبداع والخروج من الإطار الذي حددته له.
هذا عن التعليم المسجدي، فماذا عن التعليم المشيخي؟
2 - التعليم المشيخي:
إذا كان التعليم السابق تشرف عليه حلقات العزابة التابعة لكل بلدة وبين محاضره وحلقاته نوع من الانسجام والتشابه بين قرى وادي ميزاب، فإن التعليم المشيخي يصعب ضبطه على نمط واحد ووضع تعريف له يشمل كل نماذجه ويحدد كل مميزاته بوضوح.
ذلك أنه خاص بالعلماء والمشايخ وتابع لهم، وهو يعكس صورة لاجتهادهم
وقناعاتهم ورؤيتهم إلى التعليم، ويطبع عادة بشخصيتهم وتوجيهاتهم.
انتشر هذا النمط من التعليم في وادي ميزاب وازدهرت حلقات العلماء الذين اتخذوا لأنفسهم دورا لتعليم الناس وتكوين الطلبة وتربية الأجيال في فترات متلاحقة من التاريخ الحديث لإباضية الجزائر؛ خاصة مع مطلع القرن العشرين بعدما بدأت جهود أعلام النهضة والإصلاح تؤتي أكلها في الميدان بعد مسيرة طويلة، وأعمال متواصلة أبرزت مواهب ودفعتها للتكوين والتحصيل داخل وخارج وادي ميزاب حتى تمكنت من العلوم والمعارف، فأصبحت بدورها تقوم بواجبها في مسيرة التثقيف والتعليم عبر الحلقات العلمية التي فتحت هنا وهناك في أرجاء وادي ميزاب
يقول عنها الشيخ إبراهيم بيوض: (فإن العلماء في وادي ميزاب منذ القرون الأولى لعمارته يتخذون من دورهم مدارس يؤمها الراغبون في التفقه في دينهم وتلقي بعض العلوم العربية من نحو ولغة وصرف، ولا حد في السن كذلك، فمن (1/144)
صفحة 145
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
113
بلوغ الحلم إلى السبعين والثمانين، كما ليس هناك حد لسنوات الدراسة، فمن الطلبة من يمكث سنتين أو ثلاث سنوات أو أربعا فيكتفي بما أخذه ويترك المدرسة للاشتغال بالكسب، ومنهم من يطول مكثه حتى يأخذ حظا وافرا من العلوم العالية
في أصول الدين وأصول الفقه والتفسير والحديث والمنطق والبلاغة وغير ذلك. وهؤلاء هم الذين يعدون أنفسهم للتصدي للتعليم في بلدانهم وليخلفوا مشايخهم إذا عجزوا أو استأثرت بهم رحمة الله وكثيرا ما يتمسك المشايخ العلماء بالطلبة الذين توسموا فيهم خيرا ورأوا فيهم استعدادا لشغل كراسي التعليم وليخلفوهم عند عجزهم أو فقدهم
(1)
لا شك أن هذه التجارب قد استفادت من بعضها البعض، وقد أخذ اللاحق من السابق، كما أن بينها تواصلا وتقاربا وقواسم مشتركة، ومن جهة أخرى بينها فوارق وتفاوت؛ تعود إلى مؤهلات كل عالم أو شيخ وإلى قناعاته، وإلى الظروف الاجتماعية المحيطة به.
ولكثرة هذه الحلقات العلمية يصبح من الصعب حصرها كلية فما بالك التعريف بها وبجهودها وآثارها.
إلا أن عودتنا إلى منبع نشأتها مع إشراقات النهضة الإصلاحية يمكننا من معرفة الحلقات الأولى التي لها فضل الأسبقية، وفضل غرس البذور التي أثمرت أشجارا يافعة آتت أكلها كل حين بإذن ربها، وكانت لبنات أولى في مسيرة الإصلاح والنهضة.
سيتركز حديثنا عن الحلقات التي تركت آثارا علمية جليلة واستمرت لفترات زمنية معتبرة، وخرجت أجيالا نوعية كثيرة؛ أسهمت في حمل مشعل العلم، حتى غدت من دعائم حركة النهضة الإصلاحية الحديثة عند إباضية الجزائر في وادي ميزاب
(1) بيوض: تقرير حول التعليم العربي، منشور ضمن كتاب تركي التعليم القومي، ص 420.
10 (1/145)
صفحة 146
114
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
هذا ما سنتعرض له في المبحث القادم.
لكن قبل التفصيل في عرض هذه الحلقات وأدوارها العلمية والاجتماعية لابد من الوقوف على تعريف هذا التعليم، وذكر مميزاته.
يمكن أن نضبط له تعريفا فنقول: إنه ذلك التعليم التابع لأحد العلماء أو المشايخ الذين تلقوا قدرا من العلم داخل وادي ميزاب أو خارجه بالسفر إلى الحواضر العلمية المجاورة؛ من تونس وليبيا ومصر ()، ثم عادوا وفتحوا دورا خاصة بهم لتعليم الناس وتكوين الطلبة. وقاموا بتنظيم حلقاتهم ومعاهدهم وضبط مناهج الدراسة فيها وفق اجتهادهم وتجربتهم، وما عاينوه من أنماط التعليم، وما سطروه من أهداف واقتنعوا به من أفكار.
ندع الشيخ عبد الرحمن بكلي يحدثنا عنه قائلا: (جرت سيرة ميزاب أن العلماء الذين يتصدون لنشر الثقافة في عموم الأمة، تكون للبارزين منهم ديار للعلم خاصة هي مدارسهم على التحقيق زيادة على منابر المساجد التي يرسلون من عليائها أصواتهم الداوية، ويقتصرون في دروس المسجد على الوعظ والإرشاد، وتلقين العقيدة وفقه العبادات بما يلائم مستوى جماهير الأمة، أما الدروس العلمية التي تستدعي تعمقا في البحث من تفسير وحديث وأصول وعلوم العربية فيدرسونها في دور العلم للطلبة الذين يبتغون التحصيل، ولهم استعداد لحمل الأمانة» (2).
لا يشترط في هؤلاء العلماء أو المشايخ أن يكونوا أعضاء في حلقة العزابة، كما لا توجد عادة وصاية عليهم أو متابعة لهم من حلقة العزابة أو من جهة أخرى، كحال النمط السابق من التعليم.
(1) يقصد بهذه الحواضر: جامع الزيتونة والأزهر الشريف، والمدارس الإباضية بجزيرة جربة بتونس، وجبل
نفوسة بليبيا، ووكالة الجاموس بالقاهرة بمصر.
(2) بكلي: محاضرات البكري، ص 97. (1/146)
صفحة 147
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
115
وكثيرا ما يكون الشيخ صاحب حلقة العلم عضوا في حلقة العزابة؛ فيجمع بين دروسه في معهده لطلبته، وبين دروسه في حلقة إروان ودروسه في المسجد
لعامة الناس.
وأحيانا تسند إليه مشيخة المسجد (1)، خاصة عندما يكثر طلبته ويزداد مريدوه، ويتسع نشاطه فيضم إلى جنبه أعيان البلد ورؤساء عشائرها بكفاءته العلمية وتضحياته الميدانية وحاجة الناس إليه، إلى أن ينتخب شيخا لحلقة العزابة ومسجدها فيصبح المرجع الأول للبلدة (2).
كما أنه في أحيان أخرى يسوء التفاهم والتوافق بين العالم صاحب الحلقة وبين أعيان البلدة وعزابتها بسبب التنافس على الزعامة، أو الاختلاف حول طرق الإصلاح، ومنهجه في الفتوى وفي قضايا اجتماعية وسياسية، فيتحول العالم بمعهده وطلبته إلى قطب معارض وإلى تيار سياسي يزعج العزابة والأعيان أو أحدهما، فيدخل الطرفان في صدام وصراع إلى أن يتغلب أحدهما على الآخر، بحسب ما لدى كل طرف من أنصار، ومن نفوذ على مراكز القوى من مال وحكم وإعلام.
فتنقطع حبال التواصل والتآزر بين الفريقين ردحا من الزمن، ثم تتغير الظروف بوفاة بعض الأشخاص، وتبدل مراكز القوى، فيقع الصلح ويعود
(1) شيخ المسجد: منصب ديني اجتماعي، ووظيفة ضمن وظائف نظام العزابة. عادة ما يسند لأكبر أعضاء حلقة العزابة سنا، أو أكثرهم علما، أو أقدرهم قيادة وإدارة ناصر: حلقة العزابة، ص 32. (2) مثال ذلك: الشيخ عبد العزيز الثميني الذي حاول الإصلاح والتغيير فاصطدم بجدار الجمود والمعارضة، فاعتزل فترة من الزمن، ثم عاد وعين شيخا لمسجد بلدته بني يزقن؛ بعد أن أثبت كفاءته العلمية بتأليفه ومعهده. انظر المبحث الثالث من هذا الفصل. ومثاله كذلك: الشيخ إبراهيم بيوض الذي استطاع بكفاءته العلمية، وبشخصيته القوية، وينشاطه التعليمي والاجتماعي أن يفرض نفسه على العزابة والأعيان في بلدته القرارة، حتى عين شيخا لمسجدها بعد صراع وصدام استمر فترة من الزمن، أصبح بعده الرقم الأول في بلدته ومرجعها في شؤون الدين. والدنيا. انظر المبحث الثاني من الفصل الثالث. (1/147)
صفحة 148
116
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
الفريقان إلى بعضهما البعض ويلتئم الجمع، فيحصل التعاون والتكامل بين العالم
وحلقة العزابة، أو بين العالم وأعيان البلد
(1)
كما يمكن أن يبقى كل طرف يعمل على حدة إلى أن يتوفى العالم صاحب الحلقة دون أن يمكن من مشيخة المسجد، ودون أن يرى ثمار أعماله، فيحصل التغيير على يدي تلاميذه ومريديه (2).
هذا هو التعليم المشيخي الذي شهده وادي ميزاب فماذا عن تقويمه؟
- تقويم التعليم المشيخي إذا صح لنا أن نقول عن التعليم المسجدي بأنه كان القاعدة الصلبة في نشر الحد الأدنى من العلم بين أفراد المجتمع، فإنه يصح لنا أن نعد التعليم المشيخي التربة الخصبة التي تفتقت فيها المواهب، وتكونت فيها الإطارات، وأعدت فيها الكفاءات، وأنه المزرعة التي ترعرعت فيها الحركات الإصلاحية في وادي ميزاب وأنه المناخ الملائم الذي تمخضت فيه أفكار النهضة، وتولدت فيه نظريات التجديد، وأنه المتنفس الصافي للابداع والنقد، واستقبال الوافد من الأفكار والتجارب وتنقيحها وغربلتها ثم تقديمها إلى المجتمع في ثوب قشيب وقالب جديد ليتفاعل معه تدريجيا مدة من الزمن إلى أن يتقبله ويصبح جزءا منه.
من جهة أخرى فإن الفضل يعود لهذا التعليم في ظهور المدارس الثانوية والمعاهد العليا المتخصصة في الشريعة الإسلامية واللغة العربية، بتكوينه وتخريجه
(1) مثال ذلك: الشيخ امحمد اطفيش الذي دخل في صراع مع عزابة بلدته بني يزقن إلى أن تمكنوا من نفيه إلى البلدة المجاور بنورة، ثم عاد إليها بعد سبع سنوات وعين شيخا للمسجد وكبير عزابتها بعد أن تغيرت الأوضاع. انظر المبحث الثالث من هذا الفصل. (2) مثال ذلك: الشيخ أبو زكرياء الأفضلي الذي ابتدأ عملية الإصلاح والدعوة في بلدته بني يزقن، وكان حزب المعارضة في عهده قويا فلم يمكنه من مشيخة المسجد رغم تفوقه العلمي وجهوده المبذولة، فتوفي دون أن يتولى منصب شيخ العزابة، بينما تحقق ذلك لتلميذه الشيخ الثميني. انظر المبحث الثالث من هذا الفصل. (1/148)
صفحة 149
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
117
الإطارات التي تطور التعليم على يديها من حلقات علمية إلى تعليم عصري يحمل المواصفات البيداغوجية والتربوية والعلمية.
كما أن الفضل يعود لهذا التعليم في تزويد وادي ميزاب بالإطارات في مجال التربية والتعليم، فجل الأساتذة والمعلمين الذين تصدروا مجالس التدريس هم خريجو هذه الحلقات العلمية.
كما أن الفضل يعود لهذا التعليم في توسيع رقعة التعليم وحصر رقعة الأمية والجهل بفتح المزيد من المدارس القرآنية التابعة للمساجد والمدارس الحرة الابتدائية
على مستوى وادي ميزاب وخارجه في مدن الشمال والشرق والغرب الجزائري. كما أن الفضل يعود لهذا التعليم في تكوين إطارات للأمة في مختلف مجالات الحياة، فشغلوا مناصب وقاموا بأدوار في مجال القضاء والسياسة والاقتصاد و الإدارة والتعليم.
كما أن الفضل يعود لهذا التعليم في تحريك عجلة التأليف في وادي ميزاب من جديد؛ بعد أن تجمدت وخمدت لعدة، قرون كان فيها وادي ميزاب مستهلكا لما تنتجه العقول الإباضية في المشرق وفي جبل نفوسة وفي جزيرة جربة، فقاد علماء هذه الحلقات حركة التأليف وخلفوا تراثا علميا زاخرا في مجالات العلوم الإسلامية والعربية، وأصبحت المصادر المعتمدة الأولى عند الإباضية إلى يومنا هذا.
كما أن الفضل يعود لهذا التعليم في إشاعة نور العلم على إباضية المغرب الإسلامي وعمان بفتح حلقاته لأبنائهم، الذين تلقوا علومهم وتكوينهم، ثم عادوا إلى أوطانهم وأسهموا في حركة الإصلاح والنهضة.
إذن أفضال هذا التعليم على وادي ميزاب جليلة، ولعل أجلها هي ولادة فكرة النهضة الإصلاحية بين أحضانه، ثم رعايته لها، إلى أن ضربت بجذورها في أعماق المجتمع، ثم شبت وبلغت أشدها فيه. إلى جانب كل هذا فلا يخلو عمل من سلبيات ونقائص، إذ نسجل عليه
ما يلي: (1/149)
صفحة 150
118
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
عدم إدراك بعض العلماء لطرق الإصلاح والمرحلية والتدرج فيه – خاصة
في فترة شبابهم - فتسببوا في شق صف المجتمع وتهديد وحدة البلدة واستقرارها. بعد استشعار بعض العلماء لقوتهم بكثرة طلبتهم ومريديهم دخلوا مع المجتمع في معارك إصلاحية لم يحن، وقتها بغرض فرض آرائهم وأفكارهم؛ فتسببوا في فتن وخصومات مع قيادات العزابة والأعيان، فزحزحوا بعضهم عن مناصبهم بالقوة وطردوهم من مهامهم رغم ما بذلوه من جهود وتضحيات طوال فترات طويلة من حياتهم.
استغلال المستعمر الفرنسي لهذه الأوضاع وهذا الصراع بين الجناحين لبسط
نفوذه أكثر، وضرب طرف بالطرف الثاني.
اشتركت مع التعليم السابق في التفرقة بين الجنسين، وإغفالها تعليم المرأة وعدم العناية به، فلم يعرف عن العلماء والمشايخ تخصيص حلقات خاصة بالنساء، أو تحديد أوقات خاصة بدراستهن. (1/150)
صفحة 151
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية.
مهيد:
المبحث الثالث:
المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
119
تناولنا في المبحث السابق التعريف بالتعليم المشيخي وقلنا إن الفضل يرجع إليه في ميلاد النهضة الإصلاحية الحديثة، لنا الآن أن نتتبع هذه النهضة في مهدها ونستعرض مراحل نشأتها وشبابها لنصل في الفصول اللاحقة إلى مرحلة نضجها وقوتها، إذ قلنا أن ميلادها كان خلال القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي وقد نشأت وشبت خلال القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر
الميلادي، لتبلغ أشدها خلال القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي. ارتأينا أن نطلق على مرحلة المهد والنشأة والشباب بـ: المراحل الإعدادية للنهضة، ذلك أن الجهود الإصلاحية بقيت فيها محصورة محدودة الأثر في الميدان الاجتماعي، ومركزة على العمل القاعدي المتمثل في تكوين الأجيال وتربيتهم، هذه الجهود التي ستؤتي أكلها بقوة في المرحلة القادمة؛ ذلك أن وادي ميزاب استفاق استفاقة ثقيلة وتحرك حركة بطيئة، وأن عجلة الإصلاح بقيت تراوح مكانها ردحا من الزمن قبل أن تنطلق في مسارها الصحيح، فلم تجد الطريق معبدا ولا السبيل مخططا، بل بالعكس وجدته مليئا بالأشواك والحواجز والمطبات. كما أن تركة الركود والتخلف التي استمرت لقرنين من الزمن كانت ثقيلة،
صعب التخلص منها والتجرد من تبعاتها بسهولة.
اجتهدنا في تقسيم هذه المرحلة الإعدادية إلى ثلاثة عهود:
- عهد الشيخ الأفضلي.
- عهد الشيخ الثميني.
- عهد الشيخ اطفيش. (1/151)
صفحة 152
120
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
هذا ما يستفاد من علماء الإباضية المؤرخين لهذه المرحلة. يقول مثلا الأستاذ محمد علي دبوز: «لقد اجتازت النهضة الحديثة في وادي ميزاب منذ نشأتها في القرن الثاني عشر الهجري إلى يومنا هذا خمسة أدوار قادها في كل دور زعيم مخلص من العلماء والكبار أو جماعة من العلماء المخلصين. ففي دور الميلاد قادها وكفلها الشيخ أبو زكرياء يحيى بن صالح، وفي دور الطفولة قادها وحماها الشيخ عبد العزيز الثميني ومعه شيخه أبو زكرياء وفي صدر شباب النهضة وهو الدور الثالث قادها ودخل بها شبابها وقوتها الشيخ الحاج امحمد الطفيش) عملنا هنا على التعريف بشخصية المرحلة وبأهم جهودها في سبيل
سينصب
النهضة والإصلاح.
(1)
1 - الإصلاح في عهد الشيخ أبي زكرياء يحيى الأفضلي:
لم يقم أحد - فيما اطلعت عليه - بدراسة مستفيضة عن شخصية الأفضلي وعن جهوده الإصلاحية في مجال التربية والتعليم وفي مجال الدعوة والإصلاح، إلا ما تضمنته بعض الكتب من إشارات خاطفة لأعماله، ووقفات سريعة مع شخصيته، وملامح عامة عن عصره.
لذا يبقى الحديث عنه يحتاج إلى المزيد من الاطلاع على المصادر المطبوعة والمخطوطة، وعلى الوثائق والرسائل، وعلى الروايات الشفوية، التي تمكننا من معرفة الوجوه الخفية من جهاد الأفضلي في مسيرة الإصلاح والتعليم. هذا ما ينبغي أن يكون دراسة متخصصة مستقلة.
ممن كتب عنه بعض الشيء تلميذه الشيخ عبد العزيز الثميني في بعض، رسائله، والشيخ أبو اليقظان حيث خصه بترجمة مستقلة في عدة صفحات وترجم له كذلك في كتابه ملحق السير، والشيخ عبد الرحمن بكلي في معرض
(1) دبوز: نهضة الجزائر، ج 1، ص 289. (1/152)
صفحة 153
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
121
تقديمه لكتاب النيل، والشيخ محمد علي دبوز في كتابه نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة (1).
لعل آخرهم كان أكثر استيفاء وأكثر عناية بإبراز جهاده التربوي والاجتماعي. سبقت الإشارة إلى أن مؤرخي إباضية الجزائر يعتبرون الشيخ الأفضلي باعث النهضة الإصلاحية الحديثة في وادي ميزاب وموقظ المجتمع من سباته ونومه العميق. يصفه تلميذه الشيخ عبد العزيز الثميني بقوله: «شيخنا الأستاذ الناشر للعلوم في الإخوان من سائر البلاد، قاضي القضاة، ضياء الملة والدين الآتي في بلادنا بالفتح المبين، الرافع لواء العلم في المدارس الغائص على مكنون الجواهر في بحر المجالس، فارس ميدان الأقضية والأحكام فخر القضاة الحكام، مميز الحلال من الحرام، مشيد قواعد الإسلام، عمنا يحيى بن صالح» (2).
إذا استعملنا لغة المفكر مالك بن نبي () ومصطلحاته يصح لنا القول إن الشيخ الأفضلي هو من أدخل إباضية الجزائر في دورة حضارية جديدة، بعد أن خرج من دورة سابقة وأصابه الإعياء والتعب والوهن فاستراح لفترة زمنية أخلد فيها لنوم عميق جدد فيه طاقته وعزيمته، وتأهب للانطلاق من جديد
(4)
(1) ينظر في ذلك المصادر الآتية بكلي: مقدمة على كتاب النيل للشيخ الثميني، ص 10. دبوز نهضة الجزائر ج 1، ص 9 ص 289. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 532. (2) رسالة من عبد العزيز الثميني إلى عمرو بن رمضان التلاتي بمصر، مخطوطة بمكتبة الشيخ بالحاج بالقرارة. نقلا عن عمر إسماعيل آل حكيم الإمام الثميني وكتابه المعالم في الفلسفة وأصول الدين. رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، كلية العلوم الإسلامية، الخروبة تخصص أصول الدين س ج: 1996 م، ص 30
- 1997:
(3) مالك بن نبي: 1905 - 1973 م) من مواليد قسنطينة، تلقى دراسته الأولى في تبسة وقسنطينة، سافر إلى فرنسا مواصلا مشواره العلمي، اهتم بتحليل الظواهر الاجتماعية للشعوب المستعمرة، وأنتج في هذا المجال سلسلة من الكتب منها شروط النهضة، ميلاد مجتمع الظاهرة القرآنية. غازي التوبة: الفكر الإسلامي المعاصر، دراسة وتقويم دار القلم، بيروت، لبنان، 1977 م، ص 55 - 56. (4) يراجع في ذلك: مالك بن نبي: شروط النهضة سلسلة مشكلات الحضارة، ترجمة: عبد الصبور شاهين دار الفكر، بيروت، لبنان 1406 هـ / 1986 م، ص 42 - 87. (1/153)
صفحة 154
122
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
فمن هو الأفضلي وما هي جهوده في الإصلاح؟
أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي المعروف بعمي يحيى أحد رواد النهضة العلمية في وادي ميزاب من علماء القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، ولد ببني يزقن سعة 1126 هـ / 1714 م. تلقى تعليمه الأول في مسقط رأسه، ولما لم يجد مزيدا من العلم يروي غليله ويشفي ظمأه ارتحل إلى جزيرة جربة بتونس وواصل دراسته فيها (1) على يد الشيخ أبي يعقوب يوسف المصعبي، ثم
(2)
واصل رحلته إلى مصر فدرس بالمدرسة الإباضية بوكالة الجاموس وحضر دروس
الأزهر الشريف. عاد إلى وادي ميزاب في سنة 1157 هـ / 1744 م بعد غياب دام أزيد من اثنتي عشرة سنة فتفرغ للتعليم والتدريس في حلقات خاصة، وللوعظ والإرشاد في المساجد، وحاول إصلاح مجتمعه وتغيير ما هو عليه من مناكر ومفاسد.
وجه جهوده إلى ناحيتين اثنتين:
- إصلاح أوضاع المجتمع.
- تربية الأجيال وتعليمهم.
عند عودته إلى وادي ميزاب وجده يتخبط في فتن هوجاء، وتتحكم فيها عصبيات عمياء، ويعاني من الجهل والأمية والابتداع هذه هي السمات البارزة والغالبة على المجتمع آنذاك.
يقول عنه الشيخ عبد الرحمن بكلي: (فلما تم تكوينه العلمي وامتلأ وطابه قفل راجعا إلى وطنه لتحقيق الهدف الذي لأجله اغترب وكان التوفيق يحدو ركابه
(1) حمو الشيهاني: حاشية أبي يعقوب يوسف بن محمد المصعبي على رسالة أصول الدين لتبغورين، دراسة وتحقيق، دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، س ج
45 - 43.1995 - 1994
(2) المرجع نفسه: ص 43 - 45. (1/154)
صفحة 155
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
123
فعلم، وأرشد، ووجه وسدد ونهى وأمر، وظل يكافح فساد مجتمعه ويقوم اعوجاجه طورا عراكا، وأحيانا مياسرة، حتى أذعنت النفوس إلى رئاسته، وكان جديرا أن يلقب بمجدد النهضة العلمية الإصلاحية بميزاب
ما كان منه إلا أن يبدأ نشاطه الدعوي في بلدته بني يزقن، ويجتهد في ربط أواصر التقارب والمحبة مع حلقة العزابة ومع شيخ مسجدها، حتى ينال ثقتهم التي ستمكنه من ولوج مجال الدعوة والإرشاد من بابه الصحيح الذي سيسمح له من مخاطبة الناس مباشرة، ونصحهم بالتي هي أحسن والتدرج معهم ومراعاة نفوسهم. فعلا تم له ذلك بعد وقت وجيز من حلوله بين أظهر قومه، إذ تقرب من شيخ العزابة وتردد عليه يستشيره ويسمع لنصائحه ويستفيد من تجاربه، حتى اطمان إليه الشيخ وعرف أخلاقه وتواضعه وخصاله وعرف رصيده من العلوم الشرعية فأحبه وقربه إلى مجالسه إلى أن عينه عضوا في حلقة العزابة، ليتحمل معهم المهام الاجتماعية والدعوية المنوطة بهم، فقام بما كلف به، وتدرج في المسؤولية إلى أن تسلم منبر المسجد للوعظ والإرشاد (2).
بذل جهودا في دروسه ووعظه لإرشاد الناس إلى صالح الأفعال، والالتزام بشريعة الله تعالى في العبادات والمعاملات وترك المنكرات ونبذ العصبيات
والتحذير من الفتن ومن التزمت في الدين، وعدم الاشتغال بسفاسف الأمور. كما أسهم في حل مشاكل الناس الاجتماعية من الزواج والميراث وإصلاح ذات البين، والإجابة عن الفتاوى والأسئلة حول فقه العبادات والمعاملات (3).
(1) بكلي: مقدمة على كتاب النيل للشيخ الثميني، ص 10 (2) دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 258
(3) ترك الشيخ الأفضلي في تراثه ما لا يقل عن عشرين نصا بين رسالة وحاشية، تحمل أجوبة عن مسائل فقهية واجتماعية. انظر: معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص 967. وقد ذكر الشيخ أبو اليقظان أنه وقف على رسالة تحتوي على حكم أصدره في حل مشكل بين زوجين يدل ما قيل فيه على غزارة العلم ونزاهة الضمير أبو اليقظان ملحق السير، ص 55، ص 88. (1/155)
صفحة 156
124
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
بالموازاة مع هذا العمل تيقن الشيخ أن هذا الواقع لا يمكن تغييره ما لم ينتشر التعليم بين الناس، وما لم يرتفع الوعي لديهم، وما لم يقض على الجهل والأمية فرأى ضرورة الالتفات إلى الأجيال الصاعدة وتوجيه العناية بها حتى لا تنشأ على
هذه المخلفات.
ففكر بجدية في فتح دار للتعليم تتصدى لهذا الواقع بواسطة تربية الأجيال الصاعدة وتعليمها وتهذيبها على الأخلاق والقيم الصحيحة وإعدادها لتحمل الأمانة ومواكبة المسيرة.
كما تيقن أن هذا المسلك الوعر والطريق الطويل لا يمكن أن ينجزه هو بنفسه في عمره القصير، بل لا بد لأجيال متوالية أن تواصل المسير ليصل البنيان تمامه
ذات يوم.
كما تفطن إلى أن الكثير من السلبيات الاجتماعية والمخالفات الشرعية التي يغرق فيها المجتمع لم يحن الوقت بعد لتغييرها، بل لا بد من التمهيد لها والتدرج معها، حتى يصل الوقت المناسب لإصلاحها.
افتتح حلقته العلمية في مسكنه (1)، وقد حكي عنه أنه عندما عاد إلى بلدته قصد المسجد ونادى في الناس: هل يوجد منكم من يعلمني؟ فلم يستجب له أحد، ثم نادى فيهم مرة ثانية: هل يوجد منكم من يريد أن يتعلم؟
يقول الشيخ أبو اليقظان في هذه الرواية «لما وصل وطنه جلس بجانب المحراب بعد الصلاة يخاطب الناس مرارا من يعلمني الله، من يعلمني الله؟ فلم يجبه أحد، ثم قال من يتعلم العلم الله؟ فهرع إليه الناس والتف حوله الشباب المتعطش إلى العلم، فابتدأ وعظه للعامة وتعليمه للتلاميذ» (2).
قصده أبناء بلدته وشرع في تعليمهم الدروس العربية والشرعية مراعيا مستوياتهم وقدراتهم، متدرجا معهم في سلم التحصيل والتكوين.
(1) معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص 967.
(2) أبو اليقظان: ملحق السير، ص 96. (1/156)
صفحة 157
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
125
لا تمدنا المصادر المتوفرة بين أيدينا بمعلومات وافية عن هذه الحلقة التعليمية ولا عن برامجها وأوقاتها ونظامها؛ إلا أنها لا يمكن أن تخرج في عمومها عن تدريس المواد الشرعية والعربية، وعن نقل ما رآه الشيخ وتعلمه من فنون العلم ومن تجارب في تونس وفي مصر. وكذا ستكون صورة قريبة لما يتلقاه التلاميذ والطلبة من دروس في المحاضر وفي حلقة إروان، لكن بتعمق وتوسع أكثر. يبدو أن حلقته شهدت نماء وازدهارا مع مرور الأيام والسنوات وتحولت إلى مدرسة أو معهد يضم أكثر الطلبة من الابتدائي إلى العالي، حيث انتقلت إلى دار مستقلة في أحد شوارع البلدة، كما احتاج الشيخ إلى بعض طلبته القدامى لمساعدته في التدريس، من بينهم الشيخ عبد العزيز الثميني كثر رواد الحلقة وطلبتها، وبدأ صيتها يتجاوز حدود بلدته بني يزقن إلى أرجاء وادي ميزاب وإلى المناطق المجاورة كوارجلان ووادي أريغ. فبعث الآباء بأبنائهم من هذه المناطق ليتفرغوا بين يدي الشيخ أبي زكرياء ينهلون من علمه وأخلاقه وتجربته في الحياة، خاصة وأن الفترة شهدت ندرة في العلماء والمعلمين (2).
(1)
استمر الشيخ في معهده ولازم بلدته وعمر مجالسها طوال حياته ولم يعلم عنه
جهد آخر أو أسفار خلاف التدريس والوعظ والإرشاد إلى وفاته. تخرجت على يده أجيال عديدة متعاقبة، وكان من ثمارها رواد النهضة الإصلاحية الأولين في وادي ميزاب ورجالها، أمثال الشيخ الثميني، والشيخ موسى بن يحيى (3)، والشيخ إبراهيم بن بيحمان)، والشيخ أبو يعقوب
(1) آل حكيم: الإمام الثميني وكتابه المعالم، ص 40. (2) بكلي: مقدمة على كتاب النيل للشيخ الثميني، ص 12. دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 259 - 262. معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 967. (3) موسى بن يحيى بن أبي الفضل (حي في: 1205 هـ / 1790 م فقيه وأحد أعيان بني يزقن، له مراسلات مخطوطة كان يتبادلها مع الإمام سليمان بن ناصر العُماني، كما له اهتمام بالكتب جمعا ونسخا. معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 903.
(4) ابراهيم بن بيحمان الثميني (ت: 1232 هـ / 1817 م) من علماء بني يسجن البارزين، أخذ العلم عن خاله
= (1/157)
صفحة 158
126
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
يوسف بن عدون (1)، الذين تسلموا الراية من بعده
وقد بارك الله تعالى في علمه وتعليمه لما عرف عليه من إخلاص وتفان فكانت جهوده تأسيسا لحركة إصلاحية شاملة في وادي ميزاب، كان هو واضع الحجر الأساس فيها.
إن هذه الأعمال التي قام به الشيخ الأفضلي - بلا شك - لم تجد طريقا معبدا مفروشا بالورود، بل كانت كل خطوة فيها تحف بالأشواك وتعطل بالعراقيل الواهية؛ من مجتمع يعيش سباته الحضاري ويغرق في ظلام دامس من شدة الجهل والفتن والبدع والعصبيات.
مثلت
جهوده الخطوة الأولى في المجابهة العلنية لهذا الفساد، والهزة العنيفة لوادي ميزاب عله يستيقظ من سباته الطويل، والفرصة الأولى لوضعه على السكة الصحيحة، والطريق السوي نحو الإصلاح والتغيير.
ما أن شعر أباطرة الفساد والجمود بارتدادات هذه الهزة تحت أقدامها حتى. وحدوا صفوفهم وأجمعوا أمرهم واقفين أمامه معارضين تعليمه ونابذين إصلاحه وناصبين له العداء، فسفهوا تعليمه وبدعوا فتاواه، واعتبروه خارجا عن السير والتقاليد وأعراف المجتمع وأصول المذهب.
فقالوا عنه: مبتدع في الدين، مخالف لسيرة الأسلاف. وحاولوا جهدهم القضاء على حركته وغلق مدرسته وتشويه سمعته.
=
الشيخ عبد العزيز الثميني وعن الشيخ أبي زكرياء يحيى الأفضلي، من دعاة الإصلاح والنهضة في وادي ميزاب، تولى التدريس والوعظ، وكانت له صلاة مع علماء الجزائر والمغرب وعمان، كما كانت له مراسلات مع الحكام الأتراك في الجزائر، ترك العديد من الكتابات والأشعار. المرجع نفسه: ج 2، ص 21. (1) يوسف بن حمو بن عدون (و: 1158 هـ / 1745 م - ت: 1252 هـ / 1836 م) من علماء بني يسجن ودعاة الإصلاح والنهضة في وادي ميزاب أخذ العلم عن شيخه أبي زكرياء يحيى الأفضلي، وعن الشيخ عبد العزيز الثميني. اشتغل بالتدريس والوعظ والإرشاد والقضاء، كما ترك العديد من المؤلفات المرجع
نفسه: ج 4، ص 1091. (2) المرجع نفسه: ج 4، ص 956. (1/158)
صفحة 159
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
127
يقول عنهم الأستاذ محمد علي دبوز: (أما ذوو النفوس السوداء، الذين تملكتهم الأهواء، واستعبدتهم الأبالسة، وركبهم الشيطان، فقد ثاروا في وجه الشيخ و ناصبوه العداء، وعارضوا إصلاحه وتعليمه ... فشمروا لمجابهة الشيخ وأنصاره، واستعملوا الدين في حربه، وقالوا إنه مبتدع في الدين، يخالف سيرة الأسلاف الصالحين، وبسطوا فيه ألسنة الدعاية الواسعة المسمومة» (3).
هكذا بدت حركة الإصلاح والنهضة في عهد الأفضلي مركزة على تعليم الأجيال وتربيته ومتفتحة على المجتمع محاولة توعيته وتنبيهه إلى مواطن الزلل والخطا في مجالات حياته، فكانت لبنة أولى في الطريق القويم، وصرخة قوية في آذان الناس للاستفاقة والقيام.
لقد انشغل الشيخ الأفضلي كلية بالإعداد والإصلاح، فحجبه ذلك في أن يفكر في الكتابة والتأليف ويخصص لهما وقتا معتبرا من حياته، لذا لم نستطع أن نتعرف بوضوح على أفكاره وآرائه وهمومه وطموحاته، إلا ما تركه لنا من بعض الرسائل والشروح والحواشي على كتب وقصائد.
كما جمع في حياته مكتبة ثرية بالكتب المهمة والمخطوطات، كانت من أهم ما خلفه لأبنائه وورثته لا تزال إلى اليوم شاهدة على كفاح الشيخ وجهوده التعليمية والعلمية.
وكانت وفاته سنة 1202 هـ/ 1788 م بعد حياة مليئة بالجهاد في مجال التعليم
والتربية والإصلاح.
تقويم جهوده في الإصلاح
في حقيقة الأمر يصعب أن نصدر أحكاما حول جهود الشيخ أبي زكرياء الأفضلي أو ننقد أعماله لعدم توفر المادة العلمية الكافية حولها، لذا ينبغي التريث والتحرز في ذلك، وسيبقى كلامنا حوله يتسم بنوع من العموم.
(1) دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 260. (1/159)
صفحة 160
128
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
إذن يمكن لنا أن نعد عصره ضمن الإرهاصات الأولى لاستفاقة وادي ميزاب للدخول في دورة حضارية جديدة هي حلقة ضمن النهضة الإسلامية عموما التي شهدها العالم الإسلامي في التاريخ الحديث والمعاصر، بعد سبات وتخلف على مختلف الأصعدة مس جل شعوبه وجل أوطانه بسبب ظروف اجتماعية وسياسية عديدة.
إلا أن جهود الأفضلي في المجال الاجتماعي بقيت محدودة جدا ومنحصرة في بلدته بني يزقن فقط، وقد ركزت على التربية والتعليم على حساب الإصلاح الاجتماعي، الذي سيكون كما هو متوقع صعب المنال لتضافر عوامل الجمود والفساد التي يعسر تفكيكها من الوهلة الأولى، فكان لا بد من عامل الزمن ليقوم بدوره، ومن مرحلة الإعداد بتربية أجيال المستقبل لتواصل المسير.
لقد بقي تيار الجمود والفساد متماسكا قويا شديد الجانب لم يتزعزع بجهود الأفضلي، الذي يبدو كذلك أنه استعمل معه سياسة المهادنة والمراوغة، بدل المواجهة والمجابهة؛ إلا في النادر القليل.
فكان انتقال إصلاح الشيخ إلى قرى وادي ميزاب ووارجلان عن طريق تلاميذه الذين يرز منهم عدد؛ مثلوا أقطاب الإصلاح في جيله الثاني.
2 - الإصلاح في عهد الشيخ عبد العزيز الثميني:
إن الناظر إلى عهد الشيخ الثميني مقارنة مع عهد شيخه الأفضلي لا يجد فروقا واضحة المعالم، ولا اختلافا بينا على الصعيد الاجتماعي بخاصة؛ من استحكام لقوى الجمود والفساد على دواليب المجتمع والحكم، ومن نقص عام للعلم.
كما أن المرحلة تحمل في عمومها المواصفات نفسها والهموم والانشغالات ذاتها، لذا فلا يمكن لنا أن نعتبر عهد الثميني إلا مرحلة ثانية من عهد الأفضلي في مواصلة جهوده، وإعطائه نفسا جديدا، ودفعة إلى الأمام في درب الإصلاح والتغيير. (1/160)
صفحة 161
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
العديد من
129
بخلاف ما قلناه عن الشيخ الأفضلي؛ فقد عني بالكتابة عن الشيخ الثميني الأساتذة والباحثين وأفردوه بدراسات مستقلة مستفيضة في مجالات عديدة من شخصيته وفكره ولعل ذلك يعود أساسا إلى جهوده المبذولة في التأليف والتحرير، إذ خلف تراثا شرعيا نوعيا استطاع به أن يملأ فراغا كبيرا كان يشتكي منه إباضية الجزائر، وبذلك جلب الأنظار إليه.
لعل أهم من كتب عنه الشيخ امحمد اطفيش في شرحه لكتاب النيل، والشيخ إبراهيم حفار في كتابه السلاسل الذهبية، والشيخ أبو اليقظان في كتابه ملحق سير الشماخي والشيخ عبد الرحمن بكلي في مقدمته لتحقيق كتاب النيل، والشيخ أبو إسحاق اطفيش في مقدمة شرح النيل، والشيخ علي يحيى معمر في كتابه الإباضية في موكب التاريخ والمؤرخ محمد علي دبوز في كتابه نهضة الجزائر الحديثة، والدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي والأستاذ عمر آل الحكيم في رسالته للماجستير حول الشيخ الثميني وكتابه المعالم كما عني بالكتابة عنه بعض المستشرقين منهم زيس (Zeys) في كتابه Droit Mozabite Le nil ودافيد لويس (David Louis) في كتابه. Les mechaikhs du M'zab وموتيلنسكي (Motylinsky) في موسوعته Encyclopédie de L'islam.
بمؤلفاته وكتبه استطاع أن يوجه إليه اهتمام الباحثين، للنظر في هذا التراث
ودراسته وتحليله وبالتبع دراسة شخصيته وفكره.
كما أن تأليفه شهدت انتشارا عند إياضية المغرب بالجزائر وتونس وليبيا وعند إياضية المشرق بعمان، حيث اعتمدت في التدريس وفي الفتوى وفي القضاء)،
وأضحت من المصادر الأساسية للإباضية في الفقه والعقيدة إلى يوم الناس هذا (2).
(1) كانت محاكم الاستئناف الفرنسية في الجزائر تعتمد على ما ترجم من كتاب النيل للشيخ الثميني فيما يرفع إليها من قضايا خاصة بالإباضية. فقد ترجم المستشرق زيس (Zeys) قسم النكاح والطلاق والخصومات والأحكام من الكتاب. كما اعتمد العمل بكتاب الشيخ الثميني الورد البسام في محاكم سلطنة عمان. انظر:
بكلي: مقدمة على كتاب النيل للشيخ الثميني، ص 5. (2) معجم أعلام الإباضية، ج 3، ص 532 - 533.
11 (1/161)
صفحة 162
130
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
فمن هو الشيخ الثميني وما هي جهوده في الإصلاح؟
هو عبد العزيز بن إبراهيم الملقب بضياء الدين ولد في بني يزقن سنة 1130 هـ/ 1718 م، نشأ في أسرة محافظة ميسورة الحال، تلقى تعليمه الأول ببلدته وحفظ القرآن الكريم، ثم سافر إلى وارجلان وتفرغ في بداية شبابه لإدارة تجارة والده إلى أن بلغ الثلاثين من عمره، حيث عاد إلى جو العلم من جديد ملازما شيخه الأفضلي في معهده وحلقاته بيبني يزقن، فأخذ عنه العلوم الشرعية والعربية، ثم اعتمد على نفسه في الاستزادة مما بين يديه من كتب ومخطوطات في المكتبات العديدة الموجودة في بلدته وفي قرى وادي ميزاب المجاورة. حتى نبغ في علوم الدين والفلسفة والمنطق والفقه والأصول.
كما انصبت جهوده في مؤازرة شيخه في مسيرته الإصلاحية، فكان عضده الأيمن، ومؤيده بالمال والرأي والفكرة.
ساعده بماله الذي ورثه من والده، فوقف بجواره يدعم مشاريعه العلمية، ففتح له دورا يتولى التدريس فيها، واشترى له المخطوطات والكتب التي يحتاجها في
التدريس.
يقول الأستاذ عمر آل حكيم: (إن العلاقة التي كانت بين الثميني وأستاذه علاقة تكامل، إذ كان الأستاذ يقدم ما استوعبه طوال سنين من علماء المشرق بكل اجتهاد،
وكان التلميذ يعينه على ذلك بما وهبه الله من الثروة العظيمة بدون حساب. ومن الممكن أن نبرز دوره في قيام هذه النهضة العلمية على يد شيخه بمثالين: أولهما: فتحه دارا لشيخه قرب المسجد ليعطي فيها دروسا تعليمية وتوجيهية لمن رغب في ذلك. وثانيها: شراؤه للكتب المهمة أو استئجاره من يستنسخها، حتى يستفيد منها
من جهة، ويجعلها في متناول غيره من جهة أخرى» (1).
(1) آل حكيم الإمام الثميني وكتابه المعالم، ص 40. (1/162)
صفحة 163
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
131
كما يبدو أنه استطاع - بما منحه الله تعالى من مواهب - أن يطوي مراحل في التكوين والتحصيل وباجتهاده و نبوغه واعتماده على نفسه في الاستزادة من العلم بالعودة إلى المكتبات المتوفرة بين يديه وباقتنائه للكتب التي يحتاجها من ماله الخاص.
ويبدو أن شيخه الأفضلي قد لمح فيه هذا التفوق والنبوغ، مما جعله محل الثقة والمشورة عنده، فقدمه للتعليم في معهده مساعدا ومتدربا على تكوين الطلبة الوافدين إليه من قرى وادي ميزاب كما فتح له الطريق للريادة العلمية وسيادتها،
فشجعه وحثه على المضي قدما في مجال التأليف والتدريس والوعظ والإرشاد. لم يضيق عليه أو يثبطه كما يفعل بعض المشايخ مع تلاميذهم النجباء خشية تفوقهم عليهم وسرقة الأضواء منهم وجلب الأنظار عنهم، بل دفعه وحثه على فتح معهد خاص به يتولى تسيير حلقات العلم فيه، ويسعى بدوره إلى نشر رسالة العلم والإصلاح بتكوين الأجيال وتحضيرهم للمستقبل، كما حثه على الوعظ والإرشاد والفتوى (1).
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: (وقد سر أبو زكرياء بنبوغ تلميذه في العلم ويفصاحته وبراعته في التعبير فوجهه إلى التأليف ... وكان مثالا في الصفاء فخلا من الحسد الذي يجعل كثيرا من العلماء يضغطون على تلاميذهم لكي لا يتفوقوا عليهم ... فقدم تلميذه للتدريس والفتوى ثم ألفت إليه أنظار الخاصة والعامة ودعاهم إلى الاستزادة منه، وعرفهم فضله وعبقريته وسبقه» (2).
كان جهاده في التعليم مواصلة لمسيرة أستاذه في التربية والتعليم حيث ابتدأ معلما مساعدا لشيخه أنشأ حلقة خاصة به تولى إدارتها والتعليم فيها وتنظيمها بعد أن تفتقت مواهبه العلمية وبرزت كفاءاته التدريسية.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 266 - 270. (2) المرجع نفسه: ج 1، ص 268 – 269 (1/163)
صفحة 164
132
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
استطاعت حلقته مع مرور الأيام والسنوات، وخاصة بعد وفاة شيخه أن ترث الدور العلمي في وادي ميزاب وأن تواصل الرسالة الحضارية في تكوين الأجيال، حيث استقطبت التلاميذ من مختلف قرى وادي ميزاب ومن خارجها، وكان لها الفضل أن يتتلمذ فيها على يديه أجيال عديدة متعاقبة، برزت من بينها أسماء لامعة كان لها دورها في مسيرة النهضة والإصلاح ومحاربة الفساد والجمود الفكري من بعده. يمكن لنا أن نذكر منهم الشيخ إبراهيم بن بيحمان، والشيخ يوسف بن عدون، والشيخ حمو والحاج، والشيخ بالحاج بن كاسي)، والشيخ سليمان بن (2)، والشيخ محمد أزبار)، والشيخ إبراهيم اطفيش)، والشيخ محمد
عيسي
ابن ادريسو
(5)
(1) بالحاج بن كاسي المعروف بالشيخ بالحاج (و: 1130 هـ/ 1718 م - ت: 1243 هـ/ 1827 م) من علماء القرارة، أخذ العلم عن الشيخ الثميني والشيخ يوسف بن عدون والشيخ عبد الله بن عيسى في بني يزقن، تولى التدريس والوعظ في بلدته، كما حارب الفساد والجهل والعصيات التي كانت متفشية بين بني جلدته، له مراسلات مع أهل عمان، ترك مكتبة زاخرة بالمخطوطات موجودة إلى حد اليوم في بلدته القرارة عند أحفاده. معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 160. (2) سليمان بن عيسى آل الشيخ (حي بين 1230 - 1265 هـ / 1814 - 1848 م) من علماء وأبطال وادي ميزاب، تتلمذ على يد الشيخ عبد العزيز الثميني. تولى التدريس والوعظ وخرج الكثير من الطلبة الذين واصلوا المسيرة من بعده. كما كانت له خبرة بشؤون الدفاع، فأقام تدريبات وتمارين عسكرية ورياضية للشباب. وقد عينه أهالي ميزاب قائدا عليهم في رد بعض هجمات البدو المرجع نفسه: ج 3، ص 433. (3) محمد بن عيسى أزبار (حي في: 1301 هـ / 1883 م) من علماء بني يسجن بميزاب، تعلم في بلدته ثم ارتحل إلى عمان واستقر فيها فترة من الزمن استزاد فيها علما، ثم عاد إلى وطنه وتولى التدريس والوعظ والقضاء. المرجع نفسه: ج 4، ص 822. (4) إبراهيم بن يوسف اطفيش (ت 1303 هـ / 1886 م) من علماء بني يسجن بميزاب، تتلمذ على الشيخ عبد العزيز الثميني، ثم رحل إلى عُمان، فأقام فيها مدة يتعمق في علوم الشريعة واللغة العربية على علمائها. استقر بمصر أربع سنوات يواصل الدراسة. وقصد المغرب الأقصى واشتغل مدرسا بإحدى مدارسها لسنوات، ثم عاد إلى ميزاب فاشتغل بالتدريس والوعظ والإرشاد، ومحاربة الفساد والبدع والجهل، وخرج الكثير من التلاميذ المرجع نفسه: ج 2، ص 71. (5) محمد بن سليمان ابن ادريسو (و) 1246 هـ / 1831 م - ت: 12 جمادى الثانية 1313 هـ/ 1896 م) من علماء بني يزقن بوادي ميزاب أخذ العلم عن الشيخ الثميني، وحضر حلقات الشيخ اطفيش قطب الأيمة،
= (1/164)
صفحة 165
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
133
هذه
وإن كانت المصادر التي اطلعنا عليها لا تمدنا بمعلومات تفصيلية عن الحلقة العلمية وعن برامجها وعن مستوياتها وعن جوها العلمي، إلا أن ثمارها ستبقى أكبر شاهد على الدور العلمي والتربوي الذي قامت به في سبيل تنوير وادي ميزاب ودفعه قدما في مسار النهضة والإصلاح.
أما الجبهة الثانية التي تصدى لها فهي إصلاح المجتمع، فوجد أن جهود شيخه مازالت لم توت أكلها وأنها تحتاج إلى مزيد من المؤازرة والمساندة، وأن المجتمع مازال باقيا على حاله في عصبياته وصراعاته وبدعه وجموده على البالي من الأفكار والتقاليد، فما كان منه إلا أن يشمر عن ساعد الجد مواجها هذا الواقع.
يبدو أنه اختار من الوهلة الأولى نهج الصراحة والمجابهة والغلظة في التعامل التحالف المشكل لقوى الفساد والجمود. بينما عرف شيخه بالليونة معه والمهادنة والتدرج والمراوغة وتحين الفرص المناسبة.
فكان شديدا في تعنيف الظلمة والفاسدين صريحا في الصدع بالحق، مجاهرا
بفضح الباطل ومحاربته، مجابها للظلمة دون مداراة ولا مراوغة ولا مهادنة. لذا فبمجرد ظهوره على حلبة الميدان ولموع اسمه وإذاعة صيته بين الناس؛ تصدى له رؤوس الفساد، واجتمعوا ضده، ووحدوا صفوفهم عليه.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: «خاض إلى جانب شيخه غمار وسط مزقت وحدته الفتن الداخلية والمنازعات القبلية، وساد سلطان الهوى فظل الصراع فيه عنيفا بين أنصار الحق وأنصار الباطل، فتجرع من ذلك الأمرين وأوذي في الله كثيرا، سيما لما ظهرت شخصيته، فقد تفاقم عليه الأمر وقسا الامتحان، وطالت المعركة فلم تزده المحنة كالإبريز إلا صفاء ولمعانا، ووقف لخصوم الحق يعترض مدارج أنفاسهم (1)
أصيب بالعمى، حارب الفساد والبدع وساند حركة القطب في التعليم والإصلاح. فتح مدرسة للعلوم الشرعية، وتخرج على يده العديد من الطلبة، كما ترك العديد من الكتابات المرجع نفسه: ج 4، ص 792. (1) بكلي: مقدمة على كتاب النيل للشيخ الثميني، ص 13. (1/165)
صفحة 166
134
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
يبدو أن الشيخ لم يستطع الصمود كثيرا في وجههم واستشعر ضعفه أمامهم، ورأى ضرورة تغيير منهجه، وتيقن أن أسلوب المواجهة لوحده غير مجد في هذا الوقت فتيارهم لا يزال قويا متماسكا يصعب كسر شوكته، كما تيقن أن جهوده بهذا المنهج ستبقى مضيعة للوقت وهدرا للطاقة إذا استمر الأمر على هذه الحال. وبعد تفكير وتخمين يبدو أن الشيخ خلص في الأخير إلى قرار اعتزال المجتمع والدخول في مرحلة جديدة والتفرغ لها، وتحويل وجهته من الإصلاح الاجتماعي إلى العمل العلمي بالتأليف والتدوين والكتابة. بلا شك أنه لم يتخذ هذا القرار إلا بعد دراسة ممحصة متعمقة لأوضاع عصره ومجتمعه ومذهبه، فخلص في الأخير إلى قناعة مفادها أن علماء الإباضية في وادي ميزاب قد أهملوا جانبا مهما من ركائز قيام أي نهضة وأي حضارة في التاريخ، ألا وهو جانب البحث العلمي وجانب تقعيد العلوم الشرعية وإعادة صياغتها على ضوء روح العصر ومتطلباته وهمومه.
ورأى أن من سبقه من العلماء والمشايخ وجه عنايته إلى التعليم وركز جهوده على الإصلاح الاجتماعي، منهم شيخه الأفضلي الذي لا يزال على قيد الحياة مرابطا في الميدان يساعده في ذلك بعض طلبته الكبار.
فكان ذلك على حساب البحث والتأليف من جديد في علوم الشريعة، وقد تفطن أن هذه النهضة الجديدة لابد لها من مصادر علمية تستقي منها أحكامها ومعارفها، وتكون على أساسها الأجيال، فعاد إلى ما بين يديه من مكتبات بما تحويه من الكتب ومخطوطات فلم يجد ما يشفي غليله منها، ووجد ما يُعتمد عليه جله مما خطه علماء الإباضية بالمشرق، أو علماء الإباضية في تونس وليبيا ووارجلان وأن جلها يعود إلى قرون ماضية.
فاقتنع
أنه من الواجب عليه أن يسد ثغرة غفل عنها ولم يوجد من يعنى بها منذ
زمن طويل. فأغلق أبواب منزله على نفسه قرابة الخمسة عشر سنة، لا يخرج منه إلا لضرورة قصوى واعتزل حياة الناس كلية فكانت هذه الجبهة الثالثة لجهاده في
مجال النهضة. (1/166)
صفحة 167
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
135
في هذه المدة التي تفرغ فيها للبحث والتأليف استطاع أن يخلف لنا تراثا علميا غزيرا متعمقا متنوعا. كشف عن تبحره وتعمقه في الدراسات الإسلامية العقلية
منها والنقلية، وكشف عن قوته في مجال النقد والتحليل والاختصار.
تتمثل أهم مؤلفاته التي جمعت جل العلوم الشرعية من فقه وعقيدة وحديث
وأصول ومنطق وكلام فيما يلي:
- النيل وشفاء العليل.
التاج على المنهاج.
تعاظم الموجين، شرح مرج البحرين.
التكميل لما أخل به كتاب النيل.
الأسرار النورانية.
أرجوزة في الفلك ومنازل البروج.
معالم الدين.
النور.
الورد البسام في رياض الأحكام.
مختصر حواشي ترتيب مسند الربيع بن حبيب
عشرات الفتاوى.
(1)
مراسلات عديدة مع مشايخ وعلماء داخل الجزائر وخارجها (2).
(1) الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي العماني: (ت: 170 هـ) إمام، داعية، محدث. يعتبر الإمام الثالث للإباضية. اشتغل بالدعوة ونشر العلم وجمع الحديث، له كتاب: الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق. قرص مضغوط. الدرجيني: طبقات
المشايخ بالمغرب، ج 2، ص 273.
(2) أل حكيم الإمام الثميني وكتابه المعالم، ص 44 – 64 (1/167)
صفحة 168
136
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
لقد لاقى كتابه النيل الاهتمام الأكبر ضمن كتبه فحقق وشرح ونظم شعرا وترجمت بعض أبوابه إلى الفرنسية، ولا يزال المعتمد الأول - مع شرح الشيخ اطفيش له - في الفقه والفتوى عند الإباضية إلى اليوم.
من
جم
يقول في حقه محققه الشيخ عبد الرحمن بكلي: (يعتبر كتاب النيل معتمد المذهب الإباضي في الفتوى بالمغرب، مثل كتاب الشيخ خليل في المذهب المالكي، إنه لمؤلف عظيم البركة، غزير المادة، الفائدة، يجد فيه عشاق الفقه المقارن بغيتهم المنشودة، ونافذة يطلون منها على حديقة الفقه الإباضي الذي ظل مغموط الحق، مغمور الجانب ... كان ولا يزال من لدن حياة مؤلفه إلى أيامنا موضع اهتمام وعناية علماء الإباضية وغيرهم درسا وتدريسا وإفتاء وقضاء، وشرحا ونظما وترجمة، وأتاه الله إلى ذلك قبولا من مختلف طبقات الطلاب، فلا تكاد تجد دار علم في ميزاب على الأخص إلا وتجد كتاب النيل على رأس قائمة كتبها المقررة» (1). كما ترك في بلدته مكتبة زاخرة بالكتب والمخطوطات التي جمعها طوال حياته لا تزال إلى اليوم شاهدة على مكانته العلمية، وهي تحمل اسم مكتبة الاستقامة. إن نبوغ الشيخ الثميني العلمي خول له كذلك تولي مشيخة العزابة والمسجد في بلدته بني يزقن بعد أن خرج من عزلته وعاد إلى نشاطه الدعوي من جديد، فكان يلقي دروسه من منبر المسجد، ويقوم بمهمة الوعظ والإرشاد والفتوى. بهذا العمل الدؤوب على جبهات متعددة انتهت إليه الإمامة العلمية عند إباضية الجزائر في وادي ميزاب فأسندت إليه مشيخة مجلس عمي سعيد؛ الهيئة العليا للفتوى في وادي ميزاب، فقام بجهده من خلالها في تنسيق الجهود ومحاربة الفتن والحد من الخلافات والقضاء على البدع (2).
كانت وفاته سنة 1222 هـ/ 1808 م بعد أن قضى حياته مجاهدا في سبيل نهضة
مجتمعه ومحاربة الباطل فيه.
•:
(1) بكلي: مقدمة على كتاب النيل للشيخ الثميني، ص 4 (2) معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 533. (1/168)
صفحة 169
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
- تقويم جهوده في الإصلاح
137
تخلص بعد هذا العرض أن عهد الشيخ الثميني هو مرحلة ثانية من عهد الشيخ الأفضلي، وشحنة جديدة في درب جهوده في الإصلاح والتعليم بالمبادئ والأهداف والأفكار نفسها تركيزا على مجال إعداد الأجيال، مع بذل الجهد في التغيير من حال المجتمع وإصلاحه.
كما أن الظروف العامة التي عاش فيها الثميني لا تختلف عن ظروف الأفضلي فهما من بلدة واحدة وعاشا فترة من الزمن معا وحملا نفس الهموم والآمال وتعاونا على إنجازها، إلا أن فترة الثميني بدأت تظهر فيها الثمار الأولى لعصر الأفضلي، وذلك من خلال تلاميذه الذين حملوا المشعل مع الشيخ الثميني وأعانوه في الإصلاح. تقاسموا الأدوار بينهم حتى اطمأن إليهم، وقرر الاعتزال والتفرغ للتأليف والكتابة، وترك لهم مجال الدعوة والإصلاح لفترة من الزمن.
لعل أبرز ما تميز به عهد الشيخ الثميني هو إضافة حلقة جديدة لم تعهد من قبل في الإعداد للنهضة، هي مجال البحث العلمي والتأليف والتقعيد للعلوم الشرعية في ثوب جديد معاصر؛ بتلك المصنفات القيمة التي خلفها لنا، والتي بقيت إلى اليوم المصادر الأساسية لإباضية الجزائر وغيرهم في معرفة أصول المذهب في العصر الحديث، كما أضحت المصادر المعتمدة في مناهج التدريس والتعليم في مدارس وادي ميزاب ومعاهدها.
فهو بذلك حرك عجلة البحث والتأليف بعد ما ركدت لزمن طويل. إذن يمكن لنا أن نعد دوره بداية قوية لعصر وضع المصادر الشرعية للنهضة الإصلاحية الحديثة. كما ينبغي تسجيل أن عجلة العلم تحركت في عهده - ولو ببطء - وبدأت في شق طريقها الصحيح، وأعطت باكورتها الأولى، وذاق الناس حلاوة ثمارها
وتنعموا بها، عن طريق تخرج الدفعات الأولى من مدرسة الأفضلي والثميني. (1/169)
صفحة 170
138
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
كان
شذا على الصعيد العلمي، أما على الصعيد الاجتماعي فينبغي تسجيل أن المجتمع في عمومه لم يتأثر كثيرا بأعمال الأفضلي ولا بأعمال الثميني ومن معهما رغم جهودهما المضنية في سبيل الدعوة والتوعية، إذ بقي الإصلاح في مهده يراوح مكانه، بينما بقيت قوى الجمود والفساد مستحكمة، رغم الهزات العنيفة التي تلقتها على يد الشيخين وتلاميذهما، والتي ستكون البداية الفعلية للعد التنازلي لضعف هذا التيار وأفوله.
مع ذلك فإن القرن الثامن عشر الميلادي يعد قرن استحكام الفتن
،والصراعات، وقرن الجمود الفكري الذي انتاب عموم وادي ميزاب
كما ينبغي التسجيل أن حركة تلاميذ الشيخين بدأت تقوى وتنسق الجهود بينها على مستوى قرى وادي ميزاب وبدأت تنتشر في مفاصل المجتمع وتحاول التسلق إلى مراكز المسؤولية والقرار رافعة راية الدعوة والإصلاح.
هذه الحركة التي تكونت في صمت، وعلى هامش الأحداث، لم يؤبه بها في بادئ أمرها، إذ لم تكن مزعجة للمصالح ولا مهددة للمناصب، ولم تكن رؤوس الفساد والجمود مدركة لأبعادها، ولا متصورة لمخاطرها المستقبلية عليهم وعلى كراسيهم وعلى مصالحهم المادية والمعنوية. إلا أنها كانت تعد العدة وتكون الأجيال استعدادا للتغيير الشامل والنهضة
الجارفة.
هذا عن عهد الشيخ الثميني فكيف تواصلت النهضة والإصلاح في عهدها
الثالث؟
3 - الإصلاح في عهد الشيخ امحمد اطفيش:
إذا قلنا عن عهد الشيخين الأفضلي والثميني أنهما عهدا التمهيد للنهضة في مجالها الاجتماعي والعلمي، فإنه يحق لنا أن نقول عن عهد الشيخ اطفيش إنه عهد التمكين للنهضة في مجالها العلمي، وعهد مواصلة الجهود في المجال الاجتماعي. (1/170)
صفحة 171
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
139
أطلق علماء الإباضية على الشيخ اطفيش تسمية قطب الأيمة)، وتسمية أبي النهضة الإصلاحية الحديثة، وواضع أسسها العلمية، ومكون أجيالها في مناحي الحياة المختلفة (2)، دون الاستنقاص من جهود الشيخين السابقين ومن كان معهما من تلاميذهما.
في حقيقة الأمر إن الناظر إلى جهود الشيخ اطفيش يجد نفسه في حيرة من إمكانية حصر مجالاتها، واستيفاء حقها من التحليل والشرح وبيان أبعادها ونتائجها على وادي ميزاب وعلى خارجه من الجزائر والعالم الإسلامي.
ذلك أن الشيخ قد عمر طويلا وقضى حياته في عمل دؤوب مستمر على جبهات عديدة متنوعة وخلف آثارا كبيرة على مستوى الحياة العلمية والاجتماعية لإباضية الجزائر، لا يزالون يكتشفونها وينتفعون بها إلى حد اليوم.
عبر عن هذا الإحساس الشيخ عبد الرحمن بكلي أثناء كتابة بحوث عنه قائلا: «إن من يحاول الإلمام بحياة قطب الأيمة الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش، الحافلة بجلائل الأعمال، ويتتبع جوانبها الواسعة، ويستقرئ إنجازاتها العظيمة لخير الإسلام والمسلمين، إنما يرتقي مرتقى وعرا ويحاول عسيرا أو شططا، ويتحمل ما
لا طاقة له به، وإن بذل المجهود الكبير، وادعى القوة والاستطاعة على ذلك» (3). كتب عن الشيخ اطفيش كتاب كثيرون من علماء الإباضية وعلماء الجزائر، ومن العالم الإسلامي ومن المستشرقين؛ حتى صعب حصرهم وحصر أبحاثهم ومقالاتهم حوله، كما أعد الكثير من الباحثين دراسات أكاديمية مستفيضة حول
(1) أطلق عليه العالم الإباضي العماني نور الدين السالمي لقب: قطب الأيمة. انظر: معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 835. (2) يجمع على ذلك كل من كتب عن الشيخ اطفيش. ينظر مثلا بكلي: محاضرات البكري، ص 121. دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 289. ناصر: حلقة العزابة، ص 20. كعباش العطف، تاجنينت
ص 70.
(3) بكلي: محاضرات البكري، ص 118 (1/171)
صفحة 172
140
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
جوانب من شخصيته العلمية كل حاول أن يتناوله من زاوية معينة، ويكشف عن آرائه وفكره.
في حقيقة الأمر - حسب ما أرى - إنه لم يحظ أحد من علماء الإباضية المتقدمين ولا المتأخرين بالاهتمام والدراسة لشخصيته وفكره مثل ما حظي به الشيخ اطفيش.
وقد أجمع كل من كتب عنه واطلع على تراثه العلمي على تمكن الرجل وتبحره في العلوم الشرعية وعلو كعبه فيها، وعلى عمق فكره وأصالته، وعلى نظرته التجديدية لمسائل الدين.
نحاول أن نشير إلى أهم من كتب عنه:
كتب عنه الشيخ إبراهيم حفار في كتابه السلاسل الذهبية في الشمائل الطفيشية، والشيخ أبو اليقظان في ملحق سير الشماخي، والمؤرخ محمد علي دبوز في كتابه نهضة الجزائر الحديثة والأستاذ علي يحيى معمر في كتابه الإباضية في موكب التاريخ والأستاذ أحمد توفيق المدني في كتابه كتاب الجزائر، والدكتور أبو القاسم سعد الله في موسوعته تاريخ الجزائر الثقافي، والدكتور عبد الله ركيبي في كتابه الشعر الديني الجزائري، والأستاذ أحمد بن حمزة الرفاعي في وثيقة حول تدريس الشيخ أطفيش بالمسجد النبوي، والأستاذ الزركلي في معجمه للأعلام، والأستاذ بكير أعوشت في كتابه قطب الأيمة حياته وآثاره الفكرية وجهاده، والأستاذ جهلان عدون في رسالته للماجستير بعنوان الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ اطفيش، والدكتور يحيى بوتردين في رسالته للماجستير بعنوان الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير مقارنة إلى تفسير أهل السنة، والأستاذ عكي علواني في رسالته للماجستير بعنوان منهج التفسير عند الشيخ اطفيش، والدكتور مصطفى وينتن في رسالته للماجستير بعنوان الآراء العقدية للشيخ اطفيش والمستشرق بيار كبرلي Pierre Cuperly في كتابه Aperçus sur l'histoire (1/172)
صفحة 173
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
141
de l'ibadisme au M'zab، والمستشرق دافيد لويس (David Louis) في كتابه:
(1) Les mechaikhs du M'zab
نظرا لتشعب جهود القطب في النهضة والإصلاح ارتأينا التعريف بها وفق
التقسيم الآتي:
1 ـ جهوده العلمية في التعليم والتربية. 2 - جهوده العلمية في التأليف. 3 - جهوده في الإصلاح الاجتماعي. 4 - جهوده في مجابهة الاستعمار.
5 - علاقاته العلمية والسياسية.
فمن هو الشيخ امحمد اطفيش وما هي جهوده في النهضة والإصلاح؟ هو امحمد بن يوسف اطفيش ولد سنة 1237 هـ/ 1821 م في بلدة غرداية لما انتقل إليها والد للعيش بها، ولما بلغ السنة الرابعة من عمره توفي والده، فكفله أخوه الأكبر إبراهيم الذي أخذ عنه نصيبا من العلم في الفقه والنحو، كما حفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنوات، ولازم حضور حلقات العلم في بلدته بني يزقن مثل: حلقة الشيخ عمر نوح، وحلقة الشيخ سليمان بن عيسى، كما كان ينتقل إلى بلدة غرداية ليحضر دروس حلقة الشيخ بابا بن يونس بعد أن أخذ هذه المبادئ شمر عن ساعد الجد للاستزادة من التحصيل والتكوين في عزيمة وإرادة لم تعرف الكلل والملل، اعتمادا على ما وهبه الله تعالى من ذكاء حاد وذاكرة قوية وإقبال على العلم وشغف ونهم.
(2)
(3)
(1) يراجع في ذلك: معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص 848 - 849. (2) عمر بن سليمان نوح: (ت: 1292 هـ / (1875 م) من مشايخ بني يزقن بوادي ميزاب، كان قاضيا في بلدته وفتح معهدا فيها، تولى التدريس فيه وتخرج عليه عدد من الطلبة. كما تولى التدريس ببلدة مليكة معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 643. (3) بابه بن يونس الغرداوي (ت أواسط: ذي الحجة 1280 هـ / (1863 م) من مشايخ بلدة غرداية، تولى التدريس والإفتاء والوعظ بالمسجد. المرجع نفسه: ج 2، ص 145. (1/173)
صفحة 174
142
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
انكب على دراسة الكتب والمصادر التي بين يديه معتمدا على نفسه ومستشيرا من حوله من المشايخ فيما يمكن أن يشكل عليه أو يستعصي عليه فهمه واستيعابه، كما علم عنه حرصه على امتلاك الكتب بشرائها أو استنساخها؛ حتى تجمعت بين
(1)
يديه مكتبة ثرية غنية في شتى العلوم كانت ركيزته في التكوين والتحصيل أ جهوده العلمية في التدريس: أولى القطب عناية خاصة بمجالين حيويين، وأعطى لهما أهمية في حياته، ووهبهما زهرة شبابه وعصارة عمره؛ هما التعليم والتأليف وعدهما من الأولويات التي لا ينبغي التنازل عنهما أو التراخي فيهما بأي حال من الأحوال وبأي عارض من عوارض مهما كان فقضى حياته وفيا لهما مشتغلا بهما مبدعا
فيهما.
أدرك منذ الوهلة الأولى من شبابه أنه من الضروري مواصلة جهود مشايخه السابقين في مجال التعليم والتربية، كما أدرك أن الوصول إلى الإصلاح الشامل للمجتمع، وتغيير أوضاعه والقضاء على المفاسد فيه لا يتأتى دفعة واحدة، بل أن تربية الأجيال وتنشئتها على الخلق القويم، وتزويدها بالعلم النافع هو أخير سبيل للوصول إلى هذا الإصلاح.
لذا انبرى لهذا الميدان بكل حماسه وطاقته الفياضة وهو لا يزال في ريعان شبابه، وقبل أن يتم مراحل تكوينه، فما إن أحس من نفسه النبوغ والمقدرة على أداء هذه الأمانة حتى نزل إلى حلقات العلم يعلم ويدرس ويربي ويهذب، كما أنه لم ينقطع عن هذه المهمة إلى أخريات حياته رغم عجزه وكبر سنه بعد أن بلغ التسعين من عمره.
يقول عنه الشيخ إبراهيم القرادي في هذا الصدد: " ما يجب أن يعرفه الناس عن هذا الإمام العظيم، الذي عاش أكثر من تسعين عاما، فقد حدثنا التاريخ أنه بدأ
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 289 - 312 (1/174)
صفحة 175
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
143
التأليف وعمره ستة عشر عاما، ومات وعمره ست وتسعون عاما وقد أجاب برسائل عن أسئلة شرعية أياما قبل وفاته ... وقد كانت حياته حافلة بجلائل الأعمال عامرة بالجد المتواصل، لا يفارق بلدته ولا مجلس تعليمه إلا لضرورة قصوى كالحج أو بعض الرحلات للدعوة إلى الله لا تتجاوز بريان والقرارة أو وارجلان
(1)
أطال الله في عمره حتى رأى بأم عينيه ثمار جهاده في مجال التربية والتعليم؛ في أولئك العشرات من التلاميذ والطلبة الذين تكونوا وكبروا وصاروا مشايخ وعلماء، يرفعون معه الحمل ويعضدون جهوده بإسهامهم في تكوين الأجيال وتبليغ أفكاره وتجسيد آماله وطموحاته في تنوير المجتمع ودفعه إلى خطوات إلى الأمام في مسار النهضة والإصلاح.
وفقه الله تعالى ومنحه الإرادة والكفاءة العلمية ليفتح حلقة علم خاصة به طورها مع مرور الزمن وأبدع فيها حتى صارت معهدا متخصصا في الدراسات الإسلامية، طبق فيه تصوره لمنظومة التعليم، ووضع برامجه وضبط مستوياته وألف مقرراته، ونظمه في صورة أشبه ما تكون بالمدارس والجامعات النظامية المعاصرة. يجدر بنا أن نقف مع هذا المعهد و نعرف به:
التعريف بمعهده إن النبوغ المبكر للشيخ اطفيش، وعصاميته في مواصلة تكوينه اعتمادا على رصيد الخزائن والمكتبات التي وجدها في بلدته مما تركه مشايخه، ومما امتلكه من الكتب، جعله يستأنس من نفسه المقدرة على التدريس وهو لا يزال في العشرية الثانية من عمره قبل أن يبلغ العشرين، حين أعان أخاه في التعليم، ثم فتح في داره حلقة خاصة به رعاها وحاول تحسينها وتطويرها من حين لآخر، حتى أضحت
(1) القرادي: قطب الأيمة ومواقفه السياسية مقال منشور ضمن كتاب الشيخ القرادي حياته وآثاره
ص 227. (1/175)
صفحة 176
144
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
بعد زمن قصير مجلب الانتباه في بلدته، ثم بدأت أصداؤها تصل إلى قرى وادي ميزاب وتستهوي الطلبة للانضمام إليها والاستفادة منها.
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: .... فأحب القطب مهنة التعليم لمزاجه الديني أيضا، لأنه رآها أكبر عبادة ... وسبب النهضة والتقدم والارتقاء، فأقبل القطب على التربية والتعليم منذ شبابه الباكر، واستمر فيهما إلى أن انتقل إلى ربه، فكان ما من عمره ه مجاهدا في ميدان التربية والتعليم إحدى وثمانين سنة. وقد نجح كل النجاح في هذا الميدان، فثقف جماعات كبيرة من الشباب، ونبغ على يده علماء كبار، وانتشر العلم بفضله في كل المدن الميزابية» (1).
أمضاه
وبعد بضع سنين أضحى معهده القبلة الأولى للطلبة من كافة قرى وادي ميزاب ووارجلان، كما قصدها طلبة من تونس وليبيا (2).
وللحفاظ على المستوى العلمي للمعهد المتخصص في العلوم الشرعية والعربية، كان الشيخ اطفيش يشترط على طلبته قبل انضمامهم إليه مستوى علميا معينا ومواصفات أخلاقية تتمثل فيما يلي:
الاستقامة في الدين والتحلي بالخلق القويم.
استظهار القرآن الكريم.
حفظ مجموعة من المتون في الفقه والعقيدة واللغة، التي يعتمد عليها في
التدريس
(3)
كما قام القطب بتقسيم طلبته إلى ثلاثة مستويات: ابتدائي، متوسط، عالي. بحسب الأعمار والرصيد العلمي للطالب، وبحسب مؤهلاته وجديته. فكانت طريقته في التدريس تتغير من مستوى إلى آخر، كما أن المواد المدرسة تختلف بين المستويات.
(1) دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 358. (2) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 264 272 الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 135.
(3) سعد الله المرجع نفسه، ج 3، ص 264 - 272. أعوشت: قطب الأيمة، ص 79. (1/176)
صفحة 177
145
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
وكان يحرص على حضور طلبته جميعا إلى دروسه باختلاف مستوياتهم، فكان يبتدئ بالمستوى الأدنى ثم المتوسط ثم العالي؛ ليحصل التذاكر والمراجعة وترسيخ الفهم وتثبيت المعلومات بهذه الملازمة والمواظبة.
وكان عادة يتولى بنفسه تدريس جميع المستويات، ويتولى الإشراف المستمر على طلبته ومتابعة أخلاقهم وسلوكهم، ومحاسبتهم على أخطائهم، فيحرص على ترسيخ العلوم والمعارف في أذهانهم، كما يحرص على تنشئتهم على الطهر والصلاح والاستقامة.
وبعد أن تقدم به السن وكبر استعان ببعض طلبته القدامى لمساعدته في التدريس ومؤازرته في جهوده.
أما عن منهجه في التدريس فكان يحرص كثيرا على الشرح والتحليل والتأكد من استيعاب الطالب لأفكار الدرس وعناصره، ويعتمد في ذلك على جملة من الخطوات:
- شرح المتون وتحليل نصوصها وتبسيط معانيها.
إعمال الفكر والتأمل في محتوى الدرس وعناصره.
تکرار قراءة المتون بعد الشرح حتى ترسخ معانيها في الأذهان.
إثارة الإشكالات العلمية فيها، لاختبار قدرة الطالب على الجواب بعد الفهم. توجيه الأسئلة للطلبة لاختبار فهمهم للدرس وتتبعهم له.
- إلزام الطلبة بتدوين ما شرح من الدرس وما تم فهمه، مع كتابة التعليقات عليه وشرح الغريب من الألفاظ فيه.
أما
الاستعانة في الشرح باللغة الميزابية حينما يقتضي الدرس ذلك (1).
عن أوقات التدريس فهي تبدأ عادة بعد طلوع الشمس إلى غاية صلاة الظهر بمقدار ست ساعات في غضون خمسة أيام من الأسبوع؛ من يوم السبت إلى يوم
(1). الحاج موسى: المدارس الحرة، ص 28 - 34
12 (1/177)
صفحة 178
146
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
الأربعاء. بينما يوم الخميس والجمعة يعتبران عطلة للطلبة لقضاء مآربهم، والاشتغال
في بساتينهم وزيارة أهاليهم خاصة للقادمين من قرى وادي ميزاب المجاورة. كما كان القطب يخصص دروسا لبعض طلبته النجباء أو الغرباء في المنتصف الثاني من اليوم بين صلاتي الظهر والعصر، أو بعد صلاة العشاء، كما كان يخصص أمسياته للإجابة عن فتاوى الناس وأسئلتهم، بينهما يخصص ليله للتأليف والكتابة (1). عن المواد المدرسة فهي العلوم الشرعية والعربية من عقيدة وفقه وأصول
أما
وتفسير وحديث وتجويد ونحو وبلاغة وعروض وأدب وأخلاق ومنطق. وكان حريصا على انتقاء الكتب التي يعتمد عليها في التدريس من أمهات المصادر لدى الإباضية ولدى عامة المذاهب الإسلامية، وفي حالة ما لم يجد ما يطمئن إليه فإنه يتولى بنفسه تأليف الكتاب في ذلك الفن فيقره على طلبته. لطلبته قائمة طويلة من الكتب (2) تختلف بحسب مستوياتهم نذكر
درس
منها ما يلي: درس في العقيدة كتاب عقيدة التوحيد لعمرو بن جميع)، وكتاب أصول الديانات لعامر الشماخي)، وكتاب أصول الدين لتبغورين الملشوطي) وكتاب
(1) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 264 - 272. عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، نشر جمعية التراث القرارة، الجزائر، دت، ص 108. مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، المطبعة العربية غرداية، نشر جمعية الترات القرارة،
الجزائر، 1417 هـ/ 1996 م، ص 54 – 57. (2) الحاج موسى: المدارس الحرة، ص 28 - 34.
(3) عمرو بن جميع أبو حفص: (ق: 7 هـ/ (13 م) أخذ العلم عن الشيخ أبي العباس أحمد الدرجيني، عالم متكلم اشتغل بالتدريس والتأليف في جزيرة جربة بتونس. عرف بترجمة كتاب: عقيدة التوحيد من البربرية إلى العربية. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 662. (4) عامر بن علي الشماخي: (ت: 792 هـ / 1389 م) من مشايخ الإباضية في جبل نفوسة بليبيا، اشتغل التعليم في مدارس وحلقات قرى جبل نفوسة وتخرج على يده عدد كبير من الطلبة، كان فقيها، ترك
العديد من الكتب أشهرها: كتاب الإيضاح في أربعة أجزاء في الفقه المقارن. المرجع نفسه: ج 3، ص 501 (5) تبغورين بن عيسى الملشوطي النصف الأول: ق 6 هـ (12 م عالم من ملشوطة باريغ، له تأليف
= (1/178)
صفحة 179
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
147
(2)
الموجز لأبي عمار عبد الكافي الوارجلاني (1)، وكتاب معالم الدين الثميني. ودرس في الفقه كتاب النيل للثميني، وكتاب الوضع لأبي زكرياء الجناوني وكتاب أصول الأرضين لأبي العباس أحمد (3)، وكتاب الإيضاح لعامر الشماخي،
وكتابه شرح النيل. (5) ودرس في أصول الفقه ألفية السالمي)، وكتاب الورقات لإمام الحرمين ومختصر العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني ()
(6)
عديدة منها كتاب أصول الدين المشهور بـ: عقيدة تبغورين، الأدلة والبيان في أصول الفقه. المرجع نفسه: ج 2، ص 208.
(1) أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب (ت قبل 570 هـ/ (1174 م من علماء الإباضية بوارجلان، ولد بقرية تناوت بوارجلان، ارتحل إلى تونس لطلب العلم، استقر بعد رجوعه في وارجلان متفرغا للتدريس والتأليف والفتوى، له مؤلفات عديدة أهمها: الموجز في علم الكلام. الدرجيني: طبقات المشايخ، ج 2، ص 485. المرجع نفسه: ج 3، ص 539.
(2) أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني: (ق 5 هـ / (ق 11 م) من قرية "اجَناوَن “ بجبل نفوسة بليبيا، من
مؤلفاته: كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه عقيدة نفوسة. المرجع نفسه: ج 4، ص 957. (3) أحمد بن محمد أبو العباس الفرسطائي النفوسي (ت: 10 ذو الحجة 504 هـ/ 18 جوان 1111 م) عالم من علماء الإباضية في وارجلان أصله من فرسطاء بنفوسة، له تأليف كثيرة منها: القسمة وأصول الأرضين
في ثمانية أجزاء، السيرة في الدماء والجراحات، كتاب الديات، تبيين أفعال العباد في ثلاثة أجزاء المرجع نفسه: ج 2، ص 95. (4) نور الدين السالمي: (1869 - 1914 م) عالم إباضي، ولد بعمان وبها تعلم كفيف البصر، تفرغ للتدريس والتأليف، ترك ثمانية وعشرين مؤلفا في مختلف العلوم الشرعية، نذكر منها: مشارق أنوار العقول في
-
أصول الدين، طلعة الشمس في أصول الفقه. معجم أعلام الإباضية قسم المشرق. قرص مضغوط. (5) عبد الملك بن عبد الله الجويني إمام الحرمين: (و: 419 - 478 هـ / ت: 1028 - 1085 م) ملقب بإمام الحرمين، من أكبر علماء الشافعية من نواحي نيسابور، رحل إلى بغداد ثم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم عاد إلى نيسابور واشتغل بالتدريس في المدرسة النظامية، له مصنفات كثيرة، منها: العقيدة النظامية في الأركان
الإسلامية، البرهان، نهاية المطلب في دراية المذهب الشامل الورقات الزركلي: الأعلام، ج 4، ص 160. (6) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: (ت 570 هـ/ (1174 م من أعلام الإباضية بوارجلان، درس بها وارتحل إلى الأندلس فأقام بها مدة من الزمن، كما قام برحلة إلى أدغال إفريقيا، له عدة مؤلفات (1/179)
صفحة 180
148
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
ودرس في التفسير تفسير القرآن العظيم للبيضاوي)، وتفسير الكشاف
(2) للزمخشري) وتفسيره تيسير التفسير.
ودرس في الحديث كتابه وفاء الضمانة.
ودرس في النحو ألفية ابن مالك (3) والآجرومية.
و درس في البلاغة أرجوزته.
ودرس في الأخلاق كتاب قناطر الخيرات للجيطالي).
هذه خلاصة تعريفية موجزة عن معهد القطب الذي اعتكف فيه ورابط لمدة سبعين سنة أو تزيد لم يتوقف عن التدريس فيه ولم ينقطع إلا ناذرا جدا، في بعض الأسفار الضرورية التي كان القطب يعقدها إلى بعض قرى وادي ميزاب للدعوة والإرشاد، أو في أسفاره إلى أداء فريضة الحج.
أشهرها: العدل والإنصاف في أصول الفقه الدليل والبرهان في أصول الدين الدرجيني: طبقات المشايخ، ج 2، ص 491 معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 1010.
(1) عبد الله بن عمر ناصر الدين البيضاوي: (ت: 685 هـ / 1286 م) قاض ومفسر، ولد في المدينة البيضاء بفارس، من أشهر كتبه: تفسيره: أنوار التنزيل وأسرار التأويل. الزركلي: المرجع السابق
ج 4، ص 110. (2) محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري جار الله: (و: 467 - 538 هـ/ ت: 1075 - 1144 م) من أئمة العلم والدين والتفسير واللغة والأدب، ولد في زمخشر وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله. له العديد من الكتب، أشهرها تفسيره الكشاف. المرجع نفسه، ج 7، ص 178. (3) محمد بن عبد الله بن مالك الطائي: (و: 600 - 672 هـ/ ت: 1203 - 1274 م) أحد علماء اللغة العربية، ولد في الأندلس، من أشهر كتبه الألفية في النحو المرجع نفسه: ج 6، ص 222.
(4) أبو طاهر إسماعيل الجيطالي (ت 750 هـ / (1349 م) من علماء الإباضية، نشأ في مدينة جيطال بجبل نفوسة بليبيا، عرف بسعة علمه وبجرأته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سجن بطرابلس، وبعد خروجه من السجن رحل إلى جزيرة جربة فاستقر بالجامع الكبير إلى أن توفي وقير هناك، له مؤلفات عديدة منها: قواعد الإسلام، قناطر الخيرات الجعبيري: البعد الحضاري، ج 1، ص 123. معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 112. (1/180)
صفحة 181
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
149
هذا المعهد الذي تخرج منه أجيال متلاحقة عمروا وادي ميزاب بالعلم النافع وكانت النهضة على أيديهم قائمة، ولقد خرج علماء وأبطالا وزعماء في مجالات الحياة المختلفة.
وقد تميز طلبته بعلو الهمم وبالأخلاق النبيلة وبالوفاء لنهج شيخهم وجمل رسالته وإيصال أفكاره. يمكن أن نذكر أمثلة ممن برز منهم وكان له دور في النهضة الإصلاحية. وسنعود إلى الحديث عن بعضهم في فصولنا القادمة. الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد اطفيش)، والشيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان (2)، والشيخ صالح بن عمر لعلي (3)، والشيخ صالح بن محمد بو معقل)، والشيخ عمر بن يحيى المليكي (5)، والشيخ إبراهيم بن عيسى الإبريكي (6)، والشيخ عمر بن حمو والشيخ عمر بن حمو بكلي، والشيخ محمد بن صالح الثميني، الشيخ
(1) انظر ترجمته في المبحث الثاني من الفصل الثالث. (2) انظر ترجمته في المبحث الثاني من الفصل الثالث. (3) انظر ترجمته في المبحث الرابع من هذا الفصل.
(1)
(4) صالح بن محمد أبو معقل الغرداوي: (أوائل ق: 14 هـ (20 م من أعيان غرداية ورجالاتها العاملين، مثقف باللغتين العربية والفرنسية. من تلاميذ قطب الأيمة الشيخ اطفيش، سافر إلى باريس ودرس الحقوق حتى بلغ درجة المحاماة، يرجع إليه الفضل في اعتراف فرنسا بإنشاء محاكم إياضية في كل من: الجزائر، وقسنطينة، ومعسكر، بالإضافة إلى محاكم وادي ميزاب. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 483. (5) انظر ترجمته في المبحث الرابع من هذا الفصل.
(6) إبراهيم بن عيسى الإبريكي: (و: 1273 هـ / 1857 م ت: 15 ذو القعدة 1329 هـ/ 6 نوفمبر 1911 م) أحد مشايخ بلدة القرارة بوادي ميزاب تلقى تعليمه في الجلفة ثم في القرارة ثم في معهد الشيخ اطفيش ببني يزقن، فتح حلقة علم في القرارة وتخرج على يديه العديد من أعلام الحركة الإصلاحية، كما تولى الوعظ والإرشاد في المسجد، ومحاربة الفساد والجهل. معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 50. (7) محمد بن صالح الثميني: (و): 1314 هـ / 1897 م - ت: 1390 هـ / 13 أكتوبر (1970 م) أحد أعلام بلدة بني يزقن بوادي ميزاب تلقى علومه على يد مشايخ بلدته، وعلى يد القطب الشيخ اطفيش، وفي سنة 1917 م سافر إلى تونس لاستكمال دراسته بجامع الزيتونة. أشرف على إدارة البعثة العلمية الميزابية في تونس، وكان له نشاط ضمن الحزب الحر الدستوري التونسي، كما كان عضوا في النادي الأدبي التونسي (1/181)
صفحة 182
150
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
(1)
(4)
إبراهيم بن بكير حفار، والشيخ رمضان بن يحيى الليني الجربي (2)، والبطل المجاهد سليمان الباروني باشا اللبي)، والشيخ سعيد بن تعاريت التونسي ب جهوده العلمية في التأليف:
يمثل التأليف والكتابة للقطب الفضاء الثاني الذي كان يتنفس فيه ولا يستطيع أن يعيش بدونه، أو أن يفرط فيه فوجدنا القطب يشرع في التأليف يؤلف منذ بداية شبابه ولم ينقطع عنه إلى أخريات أيامه، وألف وهو مقيم ببلدته، كما ألف وهو مرتحل في أسفاره وتنقلاته، حتى وهو فوق دابته تسير به إلى الوجهة التي يقصدها، كما ألف ظهر السفينة وهي تمخر به عباب البحر، فكان يصطحب معه أقلامه وقراطيسه حيثما حل وارتحل، يغتنم الوقت ويسابق الزمن (5).
بعثته الحكومة الجزائرية المؤقتة إلى أمريكا والمغرب لخدمة القضية الوطنية. أسهم في خدمة صحافة أبي اليقظان تخطيطا وكتابة وتصحيحاً وإشرافا على طبعها في تونس كانت له مكتبة تسمى مكتبة الاستقامة بالقرب من جامع الزيتونة، قامت بدور فعال في الحركة الوطنية والعلمية. كما ترك كتابات عديدة. المرجع نفسه: ج 4، ص 802.
(1) انظر ترجمته في المبحث الرابع من هذا الفصل.
(2) رمضان بن يحيى الليني الجربي: (و: 1285 هـ/ 1868 م - ت: 1366 هـ / 1947 م) من علماء جزيرة جربة بتونس، تلقى العلم يبلدته ثم بجامع الزيتونة، ثم بمصر، ثم قصد معهد الشيخ اطفيش ببني يزقن فاستزاد فيه علما، ثم عاد إلى جربة واشتغل بالتدريس والوعظ في مساجد، ثم قصد جبل نفوسة للتدريس ومكث فيها نحو عامين، ثم عاد إلى جربة مواصلا رسالته الدعوية، كما اهتم بطبع ونشر كتب التراث. معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 307. (3) سليمان بن عبد الله الباروني: (1287 - 1359 هـ / 1870 - 1940 م) زعيم سياسي ومجاهد ليبي. ولد: في كباو بليبيا، وتعلم في تونس والجزائر ومصر. قاد الثورة ضد الاستعمار الإيطالي في غرب ليبيا، اختارته الدولة العثمانية نائبا في مجلس المبعوثين ممثلا عن بلده. تنقل بين العديد من الدول واستقر به الأمر في عمان. المرجع نفسه: ج 3، ص 426. الزركلي: الأعلام، ج 2، ص 129. (4) سعيد بن علي الجربي ابن تعاريت (و: 1289 هـ / 1872 م - ت: 1355 هـ/ 1936 م) من مشايخ جزيرة جربة بتونس، تعلم ببلدته ثم التحق بالزيتونة وواصل دراسته بها. ثم ارتحل إلى الجزائر ودرس عند
القطب، ثم استقر بجربة متفرغا للوعظ والإرشاد والتدريس. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 374. (5) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 264 - 272 دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 308. وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 61 (1/182)
صفحة 183
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
151
كان يخصص صباحه للتدريس والتعليم وليله إلى الساعات الأخيرة قبل الفجر للتأليف والكتابة، وكان ينطلق في ذلك من مبدإ وقناعة في نفسه أن هذه النهضة الناشئة لا بد لها من مصادر علمية تنهل منها المبادئ والأصول والمنهج بروح العصر ونظرته المتجددة.
ولقد نظر في تراث مشايخه السابقين فوجده شحيحا في هذا المجال، ووجد عمدتها كتب مشرقية أو كتب لعلماء من ليبيا وتونس يعود معظمها إلى قرون ماضية. إلا ما ابتدأ فيه الشيخ الثميني، قبله ممهدا له الطريق وفاتحا له الأبواب، والذي تفطن قبله لهذا الخلل وهذا الثغر فحاول أن يسده بجهد معتبر. فاقتنع القطب بوجوب مواصلة هذا الدرب وملء هذا الفراغ بجهوده وما وهبه الله من معارف وقدرات، وعليه أن يتحمل هذه المسؤولية الصعبة المنال التي لا تتأتى لأي كان.
كما التفت إلى مشايخ عصره فوجد أكثرهم عاجزا عن القيام بهذه المهمة،
-
-
ووجد الكثير منهم منهمكا في الأعمال الاجتماعية والدعوية ومنشغلا بها، التي بلا شك – تستغرق الأوقات وتستنزف القوى فما كان منه إلا أن يضع هذا العمل في قائمة أولوياته ويسخر طاقاته وقدراته العلمية له.
يعدد الدكتور مصطفى وينتن () دواعي القطب للتأليف فيما يلي: الاستجابة لرغبة الناس، فكثيرا ما كان يؤلف جوابا لطلب صديق أو سائل عن علم أو راغب فيه.
تحمل الشيخ واجب التعليم عن الناس حتى يشتغلوا بالعمل. الفراغ العلمي الذي عاشه، إذ رأى أن يتولى سده ليمهد الطريق لتلاميذه
لاكتساب العلم والمعرفة.
الجانب الإبداعي في كتاباته؛ الذي كان يشعر به الشيخ وهو يؤلف ويعيد
بسط العلوم الشرعية (2).
(1) (على قيد الحياة) أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة. (2) وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 62 (1/183)
صفحة 184
152
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
إذن: شمر عن ساعد الجد في عزيمة وإرادة جبارة لإنجاز ما آمن به، وقضى الأوقات الطوال من يومه وليله في مجال التدريس والتأليف، وكان على حساب نومه وراحته؛ اللذين كان يكتفي فيهما بالقدر الضروري فقط، فخلف لنا كنوزا علمية زاخرة متنوعة في جل مجالات العلوم الشرعية والعربية. أبانت هذه المؤلفات عن غزارة علم وسعة اطلاع وقدرة تحليل ومقارنة ونقد.
ألف في علوم الشريعة المختلفة من تفسير وحديث وعقيدة وكلام وسيرة وفقه وأصول، وميراث وأخلاق وتجويد، وفي علوم العربية من شعر ونثر وبلاغة، وفي علوم إنسانية من تاريخ وديانات وفلسفة ومنطق وحساب وفلك وطب.
يمكن أن نذكر أهمها فيما يلي:
في التفسير هميان الزاد إلى دار المعاد، تيسير التفسير.
في الفقه شرح كتاب النيل شامل الأصل والفرع الذهب الخالص .. في العقيدة وعلم الكلام: شرح عقيد التوحيد، إزهاق الباطل بالعلم الهاطل ... في الحديث: وفاء الضمانة بأداء الأمانة، جامع الشمل في حديث آخر الرسل. في التجويد: تلقين التالي لآيات المتعالي، جامع حرف ورش.
في السيرة: مسائل السيرة، شرح نونية المديح ...
في أصول الفقه: فتح الله شرح شرح مختصر العدل والإنصاف ... في التاريخ: الرسالة الشافية إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض ... في النحو واللغة والعروض: إيضاح الدليل إلى علم الخليل، الكافي في التصريف، بيان البيان، شرح لامية الأفعال.
في البلاغة ربيع البديع في علم البديع، تخليص العاني من ربقة جهل المعاني. في المنطق شرح سلم الأخضري إيضاح المنطق في بلاد المشرق.
في الفلك: مطلع الملك في فن الفلك، مسلك الفلك. (1/184)
صفحة 185
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية في الطب: تحفة الحب في أصل الطب.
في الشعر ديوان، نظم قصائد القطب، القصيدة الحجازية ...
في الخط: كتاب الرسم.
(1)
153
كما له عدد هائل من الأجوبة والفتاوى والردود لا يزال جلها مخطوطا بين تراثه، كما أن الكثير من كتبه ما تزال مخطوطة تنتظر أيدي الباحثين والدارسين لتنقيحها وتحقيقها لترى نور المطابع ويستفيد منها عامة أهل العلم بهذه الأعمال الجليلة في مجالي التدريس والتأليف تبرز شخصية القطب العلمية، على شخصيته الإصلاحية والاجتماعية رغم جهوده التي بذلها في هذا المجال والتي يمكن أن نتعرض إلى خلاصة منها فيما يلي:
ج - جهوده في الإصلاح الاجتماعي
تأتي في المرتبة الثانية من اهتمامات القطب بعد التأليف والتدريس مسألة إصلاح المجتمع وبذل الجهد والوقت في محاولة تغيير أوضاعه وتطهيره مما طرأ عليه مفاسد وبدع وجمود وركود على القديم البالي من التقاليد والأفكار، التي لم تعد صالحة ولا مفيدة للمجتمع بسبب تبدل الأزمان وتغيير الأحوال.
من
لقد عاش مجتمعه في بيئة صحراوية نائية بعيدة عن الحواضر العلمية والعواصم الإسلامية الزاهية هذا ما جعله يعيش نوعا من الانغلاق الداخلي، وعدم التجديد والنظر إلى الآفاق والتأثر بما يدور حوله من أحداث في الأوساط الإسلامية والعالمية، فطغى عليه الركود والجمود على الأعراف والعادات والتي لم تساير تسارع الزمن وتغيره.
لعل هذه الحال هي ما عليه جل الأقطار الإسلامية وشعوبها في هذه الفترة الزمنية، التي اتسمت بالركود الحضاري العام، أضف إلى ذلك حلول المستعمر
(1) معجم أعلام الإباضية: ج 4، ص 839 - 848 (1/185)
صفحة 186
154
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
بالديار؛ مستغلا هذه الأوضاع مكرسا لها محاربا كل صوت ينادي للإصلاح
ويرفع شعار التجديد ويدعو إلى الاستفاقة والاستيقاظ والنهوض.
بلا شك أن هذا الطريق الوعر والمسلك الصعب قد سار عليه مشايخه من قبله بداية من الأفضلي ثم الثميني وتلاميذهما فكان لا بد عليه أن ينهج نهجهما ويواصل ما ابتدأ فيه وإلا خمدت جهودهما وذهبت أدراج الرياح وعاد المجتمع إلى ما كان من قبل في سالف أيامه. كما أن تغيير عادات الناس وإصلاح ما فسد منها لا يتم في وقت قصير ولا في زمن يسير، بل يحتاج إلى نفس طويل وإلى جهد غزير، يستمر لعدة أجيال حتى يقضي على الموروث البالي ويستبدل به الصالح الجديد.
لما فتح القطب عينيه وجد مجتمعه يئن تحت وطأة هذه الأوضاع؛ من أمراض اجتماعية أنهكت كاهله وأبطأت استفاقته وعطلت تقدمه فما كان منه إلا أن يتصدى له، بدافع الغيرة على الدين وعلى الوطن اللذين يمليان عليه أن يتخندق في الميدان مصلحا ومرشدا وموجها ومحاربا للركود والخمول.
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: (لقد دعا القطب مجتمعه إلى ترك البدع الدينية التي يتمسك بها، ويراها من الدين، وهي مخالفة للدين، تضره وتفتك به في كل نواحيه وتسبب له النوم والخمول والضعف في كل جهاته، وتمنعه من النهوض والتقدم وهذه البدع كثيرة، منها ما يتصل بالعقائد، ومنها ما يتصل بالأعمال والتقاليد» (1).
يبدو أنه كان في شبابه متحمسا للدعوة مندفعا للإصلاح مستعجلا التغيير والقضاء على البدع وما يمس الدين في عقيدته من خرافات وأباطيل، فصدع بما راه حقا، فأنب ولام من وجد في صدارة القوم من مشايخ؛ رآهم ساكتين عن الباطل أو متساهلين معه، فدخل معهم في مناقشات ومجادلات تحولت إلى مشاجرات ومصادمات.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 333 (1/186)
صفحة 187
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
155
ومع إصراره على رفع صوته بالحق شكل لنفسه جبهة قوية من المعارضة الرافضة لأفكاره والمعادية لإصلاحاته، ممن يعشق الجمود على القديم ويرضى بالجهل، وينتكس للظلم والفساد فشهد هو وطلبته وبعض من انتصر له من مريديه وآمن بخطه الإصلاحي معارك اجتماعية طاحنة، اصطدمت بهذا الجدار الصلب المتين.
كان من هذه البدع ما يمس العقيدة، ومنها ما يمس العبادات؛ من تقديس الأموات وزيارة القبور والتعلق بها، واعتقاد ضرها ونفعها للعباد، والنظرة السلبية للحياة، بكونها دار متاع ولهو وشهوات فقط، لذا لا ينبغي للمسلم السعي فيها أو عمارتها أو التنافس على خير فيها، أو حل مشاكل أهلها، وإنما ينبغي توجيه العناية للآخرة بالزهد السلبي عن الدنيا، وتركها للغير من المفسدين والمستعمرين. واعتقاد أن الأصل في الحياة الحزن والشقاء والأسى والحرمان والفقر، وما على الإنسان إلا الصبر وانتظار الموت دون الكد والعمل والسعي وراء الرزق الحلال لتوفير الحياة الكريمة السعيدة.
هذا ما ولد لدى الناس الكسل والخمول والفهم الخاطئ للقدر وصرف أيديهم عن دنياهم وعدم الطموح إلى ما هو أحسن فيها، وعدم التفكير والتخطيط للمستقبل والإعداد له (1).
كما حفت بعض العبادات من صلوات وصيام بأعراف وتقاليد، تحولت في نظر الناس إلى فرائض وواجبات لا يمكن التساهل في أدائها.
لقد كان انتقاد القطب في شبابه للمشايخ والعزابة الذين وجدهم على هرم المجتمع وفي صدارته شديدا ونابعا من قناعته بضرورة تغيير هذا الواقع، فلامهم على سكوتهم وعدم تمكنهم من الإصلاح وتماطلهم في ذلك، فحكم عليهم بالضعف في القيادة.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 333 - 239 (1/187)
صفحة 188
156
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
هذا ما جعلهم يبادلونه العداء ويعاكسونه التوجه والأفكار، فاتخذوه عدوا واعتبروه ثائرا خارجا عن الأعراف وعن المذهب، فما كان منهم إلا أن ألبوا العامة الجهلة عليه، واصفين إياه بالابتداع والخروج عن أصول المذهب وأعراف المجتمع وتقاليده العريقة، وصوروه لديهم بالخطر المحدق على الدين والمذهب الذي يجب إزالته وإخماد صوته بأي حال من الأحوال حتى لا تتسع مفاسده وتنتشر أفكاره وتستفحل أضراره.
خاض معارك طاحنة مع هذا التيار وجنده، دارت فصولها حول سفاسف الأمور في مجال العبادات والمعاملات، وبجدال عقيم فارغ غير مؤسس، شغل الكثير من وقته وأهدر الكثير من جهده، وأعيى قواه العقلية والجسدية، وخلف آثارا شديدة في أعماق نفسه.
تسببت هذه المواجهات في محاولة اغتياله، ثم التمكن من نفيه خارج بلدته بني يزقن؛ منهزما محصورا حزينا على ما آل إليه وضعه وحالته، فما كان منه إلا أن يتجه إلى البلدة المجاورة بنورة طالبا اللجوء إليها والإقامة بها (2).
نفسه
يبدو أن هذه التجربة التي خاضها في مجال الإصلاح الاجتماعي في هذه السن المبكرة وما آل إليه وضعه؛ جعلته يعود لنفسه يخلو بها لتقييم مسيرته، و مراجعه منهجه وضبط أهدافه وترتيب أولوياته. ويبدو أنه استشعر من أنه قد استعجل الأمر وقد استبق الأحداث وقد أغلظ القول وأخشن الفعل مع عزابة بلدته وأعيانها وأنه أخفق في كسب قلوبهم ونيل مودتهم، ولم يجد لعبة شد الحبل معهم. فما كان منه إلا أن يقرر انتهاج منهج جديد في الإصلاح؛ يولي فيه كل جهوده للتربية والتكوين للأجيال الصاعدة، الذين سيستقبلهم من كافة قرى وادي ميزاب ثم يغرسهم في المجتمع في كل مفاصله ليتولوا الإصلاح بدلا عنه ويتدرجوا فيه، ويبثوا أفكاره وتوجيهاته وآماله في النهضة.
(1) جهلان الفكر السياسي، ص 105 وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 30 - 35 (1/188)
صفحة 189
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
157
كما يولي عنايته بالتأليف والتقعيد للعلوم الشرعية بروح عصرية جديدة، تعتمد عليها النهضة مستقبلا وتستقي منها أفكاره وآراءه.
وفي المقابل يقلل من جهوده الإصلاحية على مستوى المجتمع ويغير أسلوبه حتى يحين الوقت الذي تنضج فيه بعض الأفكار وتزول فيه بعض العقبات ويصفو له الجو، وينتشر الوعي عن طريق التعليم والتثقيف، وعن طريق تلاميذه الذين سينتشرون في أرجاء وادي ميزاب لإبلاغ أفكاره وقناعاته وتحقيق آماله في النهضة والإصلاح. لذا ففي حقيقة الأمر إنه بعد حادثة نفيه من بلدته لم تعرف له جهود واضحة في مجال الإصلاح الاجتماعي، فترك ذلك لغيره رغم عدم رضاه بكثير من الأمور التي كانت تدور حوله، كما لم تعرف له مشاريع اجتماعية أو أعمال في هيكلة المجتمع وتنظيمه؛ إلا ما كان في دروسه المسجدية من دعوة وإرشاد بعد أن عاد إلى بلدته وفي زياراته المتكررة لقرى وادي ميزاب فعلا كانت هذه الوقفة نقطة تحول مجدية له ولمجتمعه ولحركة النهضة في وادي ميزاب عموما، حيث وهب نفسه للتعليم والتأليف، وخرج أجيالا متلاحقة تعد بالمئات حملت لواء الإصلاح والنهضة في زمانه وبعد وفاته بلغت ما لم يتمكن هو أن يبلغه، وحققت ما طمح هو أن يحققه.
بعد أن قضى سبع سنين في منفاه بالبلدة المجاورة بنورة، تغيرت الأحوال في بلدته من موت بعض المشايخ من رؤوس معارضيه الجامدين على القديم، الذين لم يستسيغوا أفكاره التجديدية ومن رؤوس الجهل والحسد والفساد، فاستشعر بعض أعيان بلدته أنهم قد أخطؤوا خطأ جسيما في فعلتهم بطرد الشيخ اطفيش، وأن ذلك لم ينقص من عزيمته شيئا، ولا من مكانته العلمية بين الناس، بل ازدادت أكثر بعد أن فتحت له الأبواب على مصراعيها في بنورة وأحسنت استقباله وإيفاده ووفرت له الظروف المساعدة للتدريس والوعظ والدعوة.
فما كان من الطلبة إلا أن غيروا وجهتهم نحو الشيخ في إقامته الجديدة متتبعين آثارهم مقتفين طريقه مستنيرين بعلمه متزاحمين على حلقاته. (1/189)
صفحة 190
158
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
واستشعر أعيان البلدة أن قبلة النهضة قد تغيرت من بلدتهم التي كانت تشع منها أيام كان القطب بينهم، وقبلها في أيام الشيخين الأفضلي والثميني إلى بلدة بنورة، فما كان منهم إلا أن أجمعوا أمرهم وأقنعوا أنفسهم بضرورة الذهاب إلى الشيخ وتقديم الاعتذارات بين يديه وترجيه بالعودة إلى ديارهم.
وفعلا تم ذلك، واستجاب الشيخ لطلب الأعيان وعاد إلى بلدته في عزة وتمكين، فعين رئيسا لعزابتها وشيخا لمسجدها، وأصبحت مفاتيح البلدة بين يديه يأمر وينهى بما يراه صالحا ويدعو إلى ما يراه نافعا من الأفكار والآراء (1). استأنف نشاطه الدعوي من جديد وانبرى من منبر المسجد داعيا إلى
وناشرا للعلم بين الناس، ومبينا طريق الفضيلة والصلاح والاستقامة.
الله
فأعاد لبلدته بني يزقن من جديد وجهها المشرق وريادتها العلمية، فصارت كما كانت من قبل قبلة النهضة والإصلاح في وادي ميزاب يقصدها الطلبة والوفود والأعيان من كامل قرى وادي ميزاب للاستفادة من علمها ومعاهدها وتجاربها. استمر الشيخ في جهاده العلمي والاجتماعي إلى أن وافاه أجله عن عمر يناهز السادس والتسعين عاما، وذلك سنة 1332 هـ / 1914 م.
د علاقاته العلمية والسياسية إن المكانة العلمية المرموقة التي بلغها الشيخ اطفيش بتأليفه وتدريسه خولت له أن يتبوأ مقعدا متميزا بين أهله في وادي ميزاب ثم ليربط علاقات مع شخصيات علمية رفيعة، ومع حكام وسياسيين بارزين في عهده
ولعله بذلك تميز عن مشايخه وعن العلماء السابقين له، حيث بقيت جهود معظمهم لا تبرح وادي ميزاب وفي أحسن الأحوال تتعداها إلى علاقات مع المناطق المجاورة من الجزائر، وإلى اتصالات مع علماء الإباضية في مناطق وجودهم
من تونس وليبيا وعمان.
(1) وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 63. (1/190)
صفحة 191
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
159
أما الشيخ اطفيش فكان بحق شخصية عالمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، رغم صعوبة الاتصالات في زمانه، ورغم الموقع الصحراوي النائي في شمال إفريقيا الذي وجد فيه ولم يفارقه إلا قليلا. لعل ذلك كان نابعا أساسا من نظرته إلى الوجود ونظرته إلى أحوال الأمة الإسلامية، التي اقتنع فيها أن تغيير أحوالها والتمكين لها واستخلافها في الأرض لا يتأتى إلا بجمع شتات المسلمين، ورص صفوفهم وتناسي خلافاتهم وتوحيد كلمتهم والاستفادة من خبرات بعضهم البعض. هذه النظرة وهذه القناعة جعلته يحرص هو بنفسه أن يساير أخبار المسلمين ويتابع قضاياهم في أرجاء العالم ويتأثر بها ويهتز لها ويفرح لفرحها ويحزن لحزنها. في حقيقة الأمر لم يكن الوصول إلى الريادة العلمية والتربع على عرشها في مجتمعه بالأمر الميسور، نظرا للظروف الاجتماعية المحيطة به، ولقوة المعارضة التي لاقاها من خصومه الذين منهم مشايخ العزابة وأعيان البلد، لولا جهاده الدؤوب في مجال التدريس والتأليف الذي أحاطه بجماعة كبيرة من المريدين طلبة وأعيانا مختلف طبقات المجتمع، مكنته من الثبات والسير قدما نحو القيادة والسيادة، حتى عين شيخا على مسجد بلدته بني يزقن وأصبح قبلة وادي ميزاب في مجال التدريس والاستفتاء وأخذ المشورة والرأي.
ومن
تزامنا مع هذه الجهود، سعى الشيخ أن يفك حصار العزلة عن نفسه بوجوده في هذه البقعة النائية بربط علاقات علمية وسياسية مع جملة من العواصم والحواضر الإسلامية والعالمية.
فراسل العلماء ومراكز العلم، واستخدم طلبته في ذلك؛ خاصة الذين ارتحلوا المواصلة مشوارهم العلمي أو العملي في هذه الحواضر، فكانوا الواسطة بينه وبينها، كما أن كتبه التي طبعت في مصر وفي المشرق عموما أسهمت في التعريف به وبمرتبته العلمية (1).
(1) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 264 - 272. وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 51 (1/191)
صفحة 192
160
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
راسل علماء وشخصيات من مختلف مدن الجزائر ومن البحرين والحجاز
وعمان ومصر وتونس وليبيا وفاس والقسطنطينية وبعض العواصم الأوربية. فاتصل مثلا بالشيخ محمد عبده والشيخ أحمد زيني دحلان)، والشيخ نور الدين السالمي والشيخ محمد سليمان حسب) الله،، والشيخ محمد حقي)، والشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي). والمستشرق الفرنسي ماسكوراي
(5) (Masqueray)
كما ربطته علاقات مع عدد من الحكام والسياسيين مثل علاقته بسلطان الدولة العثمانية عبد الحميد الثاني، فكان يرى في دولته أمل الأمة في إحياء مجدها وإقامة وحدته وتجديد دينها رغم ما كانت تعانيه من أمراض، وكونها تمر بآخر
عهدها.
وربطته علاقات بسلطان عمان وإمامها وسلطان، زنجبار، فعمل بها على توطيد الأواصر بين إباضية المغرب وإباضية المشرق، وتمكن من خلالها من إيصال كتبه ومؤلفاته الموسوعية إليهم وطبعها في بلدانهم).
(1) أحمد بن زيني دحلان: (1232) - 1304 هـ / 1817 - 1886 م) فقيه مكي ومؤرخ. تولى الإفتاء والتدريس. من تصانيفه: الفتوحات الإسلامية خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام. الزركلي: الأعلام
ج 1، ص 129.
(2) محمد بن سليمان حسب الله: (1244 - 1335 هـ/ 1828 - 1917 م) فقيه شافعي من أهل مكة. له كتاب: الرياض البديعة في أصول الدين وبعض فروع الشريعة. المرجع نفسه: ج 6، ص 152. (3) محمد حقي بن علي النازلي: (ت: 1301 هـ/ 1884 م) متصوف من علماء آيدين، توفي بمكة، له تأليف عديدة منها: السنوحات المكية، أسباب القوة، طب القرآن. المرجع نفسه: ج 6، ص 108. (4) رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي الحنفي نزيل الحرمين باحث عالم بالدين والمناظرة، جاور بمكة وتوفي بها. له كتب منها التنبيهات في إثبات الاحتياج إلى البعثة والحشر والميقات إظهار الحق توفي سنة 1308 هـ. المرجع نفسه: ج 3، ص 18.
(3) معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص 848. وينتن: المرجع السابق، ص 52
(6) قاسم الشيخ بالحاج مذكرات من أعماق جزيرة زنجبار منشورات التبيين، الجاحظية، 1402 هـ / 2001 م، ص 67. وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 53. (1/192)
صفحة 193
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
161
وقد كانت له علاقات السلطات الاستعمارية الفرنسية بحكم وجودها في بلده وسيطرتها على دواليب الحكم فيه، فكانت مراسلاته معها - سواء على مستوى وادي ميزاب أم الجزائر - تتضمن احتجاجات ومطالبات بحقوق السكان ورفع الظلم والغبن المسلط عليهم
(1)
ه جهوده في مجابهة الاستعمار
كان من أقدار الشيخ اطفيش أنه تزامنت حياته مع دخول المستعمر الفرنسي إلى الأراضي الجزائرية سنة 1830 م، وكان آنذاك في بداية شبابه، فعاش وتتبع المراحل التي تمكن فيها المستعمر من بسط نفوذه على أرجاء الجزائر، كما تتبع الخطط الاستعمارية في محاولة طمس قيم الشعب الجزائري المسلم، وتمزيق منظومته الاجتماعية المبنية أساسا على الموروث الإسلامي العريق. وقد تألم لكل ذلك أيما ألم وتحسر أيما حسرة، وكان في كثير من الأحيان يصيبه القنوط واليأس من إمكانية خروج المستعمر من الوطن، حينما ينظر إلى حال الجزائريين ويعاين أوضاعهم وما هم عليه من تفرق وهوان، وأحيانا يتفاءل خيرا حينما تصله بعض الأنباء السارة عن المقاومات أو عن إعداد الأجيال، فيرى أن ذلك ممكن، بل هو قريب (2).
لهذا فقد كانت له صولات وجولات كثيرة مع المستعمر حاول مجابهته بطرق شتى وبوسائل متنوعة. أحيانا كانت مباشرة، وأحيانا كانت بتأليب الرأي العام عليه، أو عن طريق تحريض الناس في دروسه وفتاويه، أو عن طريق طلبته ومريديه الذين يستجيبون لأوامره وينصاعون لأفكاره.
لما وصل الاستعمار الفرنسي إلى الأغواط وهم باحتلال وادي ميزاب سارع أعيان الميزابيين إلى عقد معاهدة حماية معهم سنة 1269 هـ/ 1853 م كما مر من
(1) القرادي: قطب الأيمة ومواقفه السياسية، مقال منشور ضمن كتاب: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 227 - 237. جهلان: الفكر السياسي، ص 109 – 111.
(2) وينتن: المرجع السابق، ص 41.
13 (1/193)
صفحة 194
162
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
قبل – فاغتاظ الشيخ اطفيش لهذا الفعلة التي لم يرض بها، وأكرها على فاعليها فشنع بعملهم على منابر المساجد، ثم أعلن البراءة الاجتماعية منهم. كل ذلك لاقتناعه بضرورة مجابهة هؤلاء الأعداء وإعلان الجهاد عليهم لأنهم كفرة مشركون محتلون للوطن (1).
وعندما احتلت فرنسا وادي ميزاب سنة 1300 هـ/ 1882 م قام بقيادة حركة مقاومة سرعان ما قمعتها قوات الاستعمار واعتقلوا الشيخ ووضعوه تحت الرقابة والإقامة الجبرية (2).
وطوال الفترة التي عاشها والمستعمر محتلا لوادي ميزاب لم تنقطع المناوشات والمصادمات بين الطرفين فكان المستعمر يقف مع خصومه ومعارضيه في صفهم يبث سمومه ويثير الفتن ويحرض العامة عليه.
ويبدو أن الشيخ قد أرهق كثيرا بهذه المضايقات وهذه المناوشات من بني جلدته والتي كانت الأيادي الاستعمارية تحركها من وراء حجاب، ورأى أنها قد أخذت الكثير من وقته والكثير من جهده فاضطر إلى الانسحاب من الحلبة بتغيير منهج المجابهة العلنية إلى منهج التخطيط والإعداد وتحريك طلبته ومريده بدلا عنه، بينما تفرغ هو للعمل العلمي والتربوي).
كما أن الشيخ من جهة أخرى تعامل مع المستعمر على أنه أمر واقع لا مفر منه ولا بد من التعامل معه بطريقة شد الحبل لأخذ الحقوق ورد الظلم،
ودرء المفاسد.
فكانت له اتصالات كثيرة مع الحكام والمسؤولين الفرنسيين على مستوى وادي ميزاب وعلى مستوى الجزائر وعلى مستوى فرنسا، يحتج فيها على
(1) يراجع المبحث الأول من الفصل الأول من ص 40 إلى ص 51.
(2) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 331
(3) وينتن آراء الشيخ اطفيش العقيدة، ص 39 (1/194)
صفحة 195
البحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
163
القرارات التعسفية ويطالب بحقوق المواطنين، مثل مطالبته بفتح طريق الحج وتحريم المكس المفروض على التجار في الأسواق، وتخفيض الغرامات المفروضة
(1)
على الناس في مقابل ذلك كان للشيخ اطفيش تصور متكامل رسمه في ذهنه وخطه في كتبه عن الخطوات الصحيحة التي ينبغي اتباعها لإخراج المستعمر من أراضي المسلمين عموما. أولها: العودة إلى أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة والتشبث بها وإخلاص عبادة الله تعالى؛ لأن النصر بيده يؤتيه من يشاء من عباده.
وثانيها: سعي المسلمين إلى الاتحاد والتعاون وجمع الكلمة والشعور بالمسؤولية المشتركة في تحرير البلاد.
وثالثها: يقظة المسلمين والاهتمام بقضاياهم المهمة وإعراضهم عن السفاسف وعن الملذات والشهوات
ورابعها وهي الأخيرة الأخذ بأسباب القوة العلمية والمادية لمجابهة العدو الند للند، كما أمر الله تعالى في إعداد العدة (2). بغير هذه الخطوات فإن النصر لن يتحقق في نظر الشيخ؛ الذي حمل هم التحرر من الاستعمار طوال حياته وشغل تفكيره به وتمنى أن يرى نور الاستقلال وأن ينعم بلحظات الانتصار، فسعى وعمل لإعداد العدة وإعداد الرجال الذين تم
النصر على أيديهم.
و- تقويم جهوده في الإصلاح:
من خلال ما تم عرضه سابقا يتضح جليا أن النهضة في عهد الشيخ اطفيش قفزت قفزة نوعية إلى الأمام، وأصبحت في موضع من الثبات والتمركز ما لم يكن
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 142
(2) وينتن المرجع السابق، ص 40 (1/195)
صفحة 196
164
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
لها من قبل، وما لا يمكن العودة فيه إلى الوراء؛ بينما كانت في العهدين السابقين منحصرة ضعيفة، يمكن إزالتها من الوجود، فتصبح كأن لم تكن شيئا من قبل؛ بسبب استحكام مجموعة من العوامل والظروف المشار إليها آنفا.
كما يصح اعتبار عهد القطب عصرا لتعميم فكرة الإصلاح على وادي ميزاب والتوسيع من رقعتها بعدما كانت منحصرة في بني يزقن؛ مسقط رأسها ونشأتها الأولى. وذلك بواسطة تلاميذه الكثيرين، وبواسطة مريديه ومناصريه خاصة عندما شهد له بالتمكن العلمي، وبلوغ درجة الاجتهاد في مذهبه ثم في عموم الشريعة.
كما أنه من الواضح أن الصورة البارزة التي تجلى بها الإصلاح في عهد القطب تمثل في جانبه العلمي والتعليمي، كأولوية لم يتنازل عنها الشيخ ولم يتراخ فيها طوال حياته، وهو بذلك كان مواصلا للجهود السابقة في التأليف والتدريس، فمكن للنهضة في جانبها هذا.
ونستطيع القول إن تراثه العلمي مثل الزاد الكافي الذي وظفته النهضة طوال فتراتها القادمة، واعتمدت عليه كثيرا؛ فما تزال كتبه في صدارة الترتيب من حيث
الأهمية والعمق والتجديد في معرفة آراء الإباضية في مختلف فنون الشريعة.
كما أن عهد الشيخ اطفيش برز فيه التدريس من خلال معهده بصورة لم تكن مألوفة في وادي ميزاب من حيث الضبط والإدارة والتنظيم والبرمجة، حيث استطاع الشيخ بما وهبه الله من جدية في العمل وإيمان برسالته أن يطور معهده وأن ينظمه حتى صيره صورة لما عليها الجامعات في كبرى الحواضر الإسلامية آنذاك. كما برزت آثار القطب من خلال طلبته الذين تلقوا العلم على يديه، حيث استطاع أن يكونهم تكوينا معمقا ومتكاملا، جمع بين بناء الشخصية الإسلامية القويمة القوية والتكوين العلمي الرصين، فتأثروا به تأثرا بليغا، وانطبعوا بشخصيته
وحملوا أفكاره. (1/196)
صفحة 197
165
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
فخرج معهده دفعات متلاحقة
منهم
ملات مجالات حيوية وحساسة في
المجتمع، في التدريس والدعوة والفتوى والقضاء والجهاد والحكم والعمل
السياسي والتجارة.
أضحت
مع الوقت قيادات وإطارات ومشايخ وعلماء حملت لواء النهضة على كاهلها وبلغت بها مرحلة الشدة والتمكين وكلها وفاء لشيخها واقتفاء لنهجه.
كما أن الشيخ استطاع بجهوده العلمية أن يكسر الجدار المطوق على وادي ميزاب من العزلة عن العالم الخارجي والتقوقع الداخلي، فيربط علاقات كثيرة بعلماء بارزين وبشخصيات سياسية ثقيلة في أرجاء العالم الإسلامي، فأوصل إليهم أصداء جهوده العلمية، وعرفهم بمذهبه وصحح بعض الرؤى حوله.
عن
في مقابل ذلك فإن تفرغ الشيخ أطفيش لمهمة التأليف والتدريس كان على حساب الإصلاح الاجتماعي، الذي لم يول له الأهمية المستحقة رغم ما كان عليه مجتمعه من ركود وجمود، فلم يستطع الموازنة بين الكفتين، ولا شك أن ذلك كان قناعة لديه؛ خاصة بعد ما باءت تجربته الأولى في الإصلاح بالفشل، وكان أثرها النفسي عليه شديدا إذ نفي من بلدته وطرد منها شر طرد. فلم تعرف في عهده حركية اجتماعية واضحة المعالم غير بها وجه المجتمع، ولم تؤثر عنه مشاريع أو أعمال بارزة في إصلاح أوضاع العامة.
لذا فإن عهد الشيخ اطفيش – بكل وضوح - هو عهد التمكين العلمي للنهضة عند إباضية الجزائر، التي ستقوم على أكتافها النهضة الإصلاحية في بقية المجالات خلال المراحل القادمة. (1/197)
صفحة 198
166
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
المبحث الرابع:
عهد تلاميذ القطب
إن الجهود العظيمة التي بذلها قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش في مجال التعليم بتخريج العشرات من الدفعات والمئات من الطلبة من معهده في العلوم الشرعية والعربية، ألقت بظلالها على كامل وادي ميزاب بعد وفاته، ورسمت صورة جديدة له اتسمت بجملة خصائص ومميزات لعب أدوارها تلاميذ القطب. لذا ارتأينا أن نخص هذا العهد بمبحث مستقل، لنتعرف أكثر على خصائص هذا الجيل، الذي سيدفع النهضة الإصلاحية خطوات جديدة إلى الأمام في مسار تطورها وبلوغ قوتها. انتشر طلبة قطب الأيمة الكثيرون في كل قرى وادي ميزاب وفي أرجاء الجزائر وخارجها في بعض البلدان الإسلامية وفي التجمعات الإباضية في المغرب والمشرق، وكان لهؤلاء الطلبة الفضل في مواصلة مسيرة شيخهم بعد وفاته حيث حملوا لواء نشر العلم وإشاعة الوعي وبث الإصلاح الاجتماعي والنهوض بالنضال السياسي. حيث تفرقوا في كل مجالات الحياة وملؤوها بالأعمال والنشاط والحيوية.
إذ لا نكاد نجد حركية اجتماعية في نقطة من نقاط المجتمع، ولا في ثغرة من ثغوره خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى غاية النصف الأول من القرن العشرين إلا ونجد أحد طلبة القطب رائدا من روادها، وصانعا من صناعها. يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي في هذا الصدد: (والحق إن الجيل المثقف بميزاب على عمومه سواء في عصره أو بعد عصره، إلى أيامنا، من تلاميذه إما مباشرة وإما بواسطة. فقد هيمنت شخصيته على الحياة العلمية هيمنة لم تتح لأحد من علمائه، وصاغه صياغة جديدة، وطبعه بطابعه الخاص، ولا منازع، فذلك ما قرره التاريخ الحق، وأقره الواقع، وأثبتته الإحصائيات» (1).
قبله
(1) بكلي: محاضرات البكري، ص 124. (1/198)
صفحة 199
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
167
استطاع جيل تلاميذ القطب أن يحملوا راية الإصلاح بكل قوة واقتدار ويتفاعلوا مع مستجدات عصرهم ويتصدوا للمشاكل التي تولدت فيها. ويقدموا جهودا معتبرة في سبيل إيجاد حلول لها تضمن للأمة كرامتها وتحفظ لها شخصيتها وخصائصها وتميزها.
عملوا بتوجيهات شيخهم وعالمهم الذي نهلوا منه الفكر النير والروح المثابرة، رعملوا على نشر تعاليمه في الآفاق، وتجسيد آماله التي كان يصبو للوصول إليها، ويتمنى أن يراها مجسدة في أرض وادي ميزاب والجزائر والعالم الإسلامي. في حقيقة الأمر إن الله تعالى أطال عمر القطب إلى أن أراه رأي العين نبوغ الكثير من تلاميذه أمامه، حتى صار صار منهم علماء ومصلحون وسياسيون وقضاة ومشايخ وعزابة وفقهاء وقادة في كل المجالات (1).
(2)
لا شك أن إحصاء تلاميذ القطب ومعرفتهم كلهم ليس بالأمر الهين، فالشيخ قضى حياته في ميدان التعليم، وصرف فيه أزيد من سبعين سنة من عمره، ولا شك أن تلاميذه قد تفاوتوا من حيث التحصيل والنبوغ والأثر الاجتماعي والعلمي، وارتفع بعضهم فوق بعض درجات، سنحاول تصنيفهم كما يلي 1 - صنف تلقى العلم عنده فترة قصيرة، ولم تسمح له ظروف الحياة بالمواصلة فانقطع إلى الأعمال والتجارة. 2 - صنف نال منه حظا معتبرا من العلم بأن أتم عنده المرحلة الابتدائية والثانوية ثم انقطع إلى الحياة العملية.
3 - صنف جلس بين يديه مدة طويلة وتلقى عليه تكوينا عاليا مختصا في العلوم الشرعية والعربية، حتى أصبح من العلماء والمشايخ والفقهاء.
(1) يراجع في ذلك: بكلي: قطب الأيمة وأثره في المجتمع الميزابي، مقال منشور ضمن کتاب محاضرات البكري، ص 117 - 138. (2) في حقيقة الأمر إن واضع هذا التصنيف هو المؤرخ محمد علي دبوز، إلا أننا أدخلنا بعض التعديلات عليه. دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 337. (1/199)
صفحة 200
168
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
4 - صنف تلقى بين يديه نصيبا معتبرا من العلم، وحمل فكره وروحه، ثم انقطع إلى مجالات الحياة المختلفة، فبرز بشخصيته الاجتماعية أو السياسية وناضل وجاهد وكان له أثر ودور فعال في الجبهة التي اتجه إليها.
5 - صنف لم يجلس بين يديه مباشرة متفرغا للتعلم، إذ حالت ظروفه في الحياة دون ذلك، إلا أنه أخذ معينا من فكره وعلمه من خلال جلوسه وراء حلقاته، وإنصاته لدروسه المسجدية فاستفاد منها وتعلم وتتلمذ عليه بواسطة هذه الطريقة. في حقيقة الأمر إن هذه الأصناف الخمسة من تلاميذ القطب يعدون بالمئات؛ إن لم نقل بالآلاف، وكل منهم نال حظه من علم القطب، وتأثر بأخلاقه وشخصيته وفكره وعمل بتوجيهاته، وانصرف إلى حياته العملية الخاصة، يدعو إلى
الإصلاح ويناصر النهضة ويؤازر أعلامها ويتجند في صفوفها.
بذلك نستطيع القول إن روح القطب وأفكاره وآثاره قد سرت في كل عروق وادي ميزاب وإن بلوغ النهضة الإصلاحية أوجها خلال منتصف القرن العشرين في عهد تلاميذه وتلاميذ تلاميذه هي من أفضال القطب، ومما يسجل في صحائفه. كانت التحديات الكبرى في عهد تلاميذ القطب وإشكالاته الحضارية هي امتداد لما كان من قبل، لذا كان ميدان المجاهدة والمدافعة والمكابدة نفسه في خطوطه العريضة، مع بروز بعض المحدثات، وتلون التحديات السابقة بألوان جديدة، وتشكلها في صور وأنماط حديثة.
نستطيع ضبط هذه الجبهات التي جاهد فيها أقطاب عهد تلاميذ القطب
فيما يلي:
جبهة الإصلاح الديني الاجتماعي بالوعظ والإرشاد في المساجد، وفي
حلقات العزابة بمحاربة المناكر والبدع والتقاليد البالية.
جبهة التعليم والتربية بفتح دور العلم وحلقاته وتعليم الناس وفتح المدارس وتفعيل المحاضر، وإنشاء البعثات ومحاولة تطوير المناهج والبرامج والاستفادة من التجارية الإسلامية المجاورة. (1/200)
صفحة 201
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
169
- جبهة محاربة الجهل والأمية ومحاصرتهما اللذين لا يزالان متفشيين في أوساط المجتمع، وبحاجة إلى مزيد جهود ومزيد تضحيات في سبيلهما.
جبهة مقاومة المستعمر والنضال ضد سياساته ومخططاته التي نشطت في محاربة الدين ومقومات المجتمع الجزائري والمجتمع في وادي ميزاب خاصة بعد احتلاله سنة 1300 هـ/ 1882 م وحكمه حكما عسكريا حاقدا ظالما متجبرا، عمل على تخريب أخلاقه وإشاعة أسباب الفجور والفواحش والانحراف بين أفراده. وبث التفرقة والنزاع والعصبيات بين أهاليه وقبائله المتساكنة.
جبهة النضال ضد المستعمر في ما سنه من قوانين جائرة لتجنيد الشباب في صفوف جيوشه ودفعهم إلى جبهات القتال أثناء الحرب العالمية الأولى وما بعدها. - جبهة مساندة حركات المقاومة الشعبية التي عرفتها الجزائر في كامل أرجائها بدعمها بالأموال والعتاد والأسلحة والبارود.
- جبهة النضال في الحياة المدنية لدى السلطات الاستعمارية الإدارية بتولي وظائف القضاء وعضوية المجالس البلدية، وقيادة بعض البلدات.
- جبهة العمل الصحفي ودخول المعترك السياسي النضالي لأجل توعية الجماهير بمسؤولياتها وواجباتها وحقوقها، ومحاربة المستعمر وفضح مخططاته والتشهير بجرائمه و مفاسده (1)
نزل طلبة الشيخ اطفيش إلى كل هذه الميادين الجهادية وملؤوها بأعمالهم وتضحياتهم العظيمة، وخاضوا فيها معارك بطولية طويلة وسجلوا فيها صفحات
(1) للاطلاع على جهود تلاميذ القطب في كل هذه الجبهات تراجع الكتب الآتية: معجم أعلام الإباضية. دبوز نهضة الجزائر الحديثة، كله دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، كله بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، كله. محمد ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، سنة 1980 م، كله. محمد ناصر: الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية الجزائر، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، الجزائر، دت، كله. (1/201)
صفحة 202
170
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
مشرقة من صور الجهاد والبذل والتضحية الغالية العزيزة، التي تنم فعلا عن إيمان راسخ، وعن فكر نير، وعن نضج عميق، وعن كفاءات عالية، وعن قدرات كبيرة، وعن عزائم قوية.
تواكبت هذه الجهود من خلال هذه الجبهات مع تطور مسيرة النهضة الإصلاحية، ودفعت بها لتقطع خطوات إلى الأمام، ووسعت من رقعتها في أوساط الجماهير، التي ابتدأت تتلقى هذا الإصلاح وتتفهم أهدافه وتشارك فيه وتعمل على احتضانه.
إن هذا المبحث لا يسمح بالتفصيل في إبراز جهود هؤلاء الأقطاب والأعلام في كل هذه الجبهات، وإنما سنكتفي فيه بالتعريف بأبرز تلاميذ القطب الذين أصبحوا علماء، وأصبح لديهم شأن مميز في تسيير وادي ميزاب وقيادة الحياة العلمية والاجتماعية فيه، وإيصالها إلى مرحلة نضجها وأشدها، وسنركز على الذين
كانت لهم حلقات علم ومعاهد استطاعت أن تربي وتعلم الأجيال المتعاقبة، التي
انتقل من خلالها الإصلاح والنهضة إلى عهد القوة والتمكين.
اخترنا من هؤلاء الشخصيات العلمية الآتية:
- الشيخ عمر بن يحيى المليكي.
- الشيخ صالح بن عمر لعلي.
- الشيخ إبراهيم بن بكير حفار.
- الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى.
- الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي.
أ- نماذج من جهود تلاميذ القطب:
1 ـ الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي. ولد في بلدة القرارة سنة: 1274 هـ/ 1858 م وتوفي سنة: 1340 هـ/ 1921 م. (1/202)
صفحة 203
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
171
تلقى تعليمه في محاضر مسقط رأسه ثم ارتحل إلى حلقة الشيخ بابكر بن الحاج مسعود (1) في غرداية، ثم انتقل إلى معهد القطب حيث درس عنده نحو عامين ونصف ثم عاد إلى القرارة وفتح حلقة التعليم في حدود سنة 1314 هـ/ 1896 م، وارتكز جهاده على الجبهات الدينية والاجتماعية والتعليمية.
(2)
إثر استقراره في بلدته القرارة شرع في حمل عبء الإصلاح مع مشايخ البلدة الذين كان منهم آنذاك الشيخ القاضي محمد الشيخ بالحاج والشيخ إبراهيم الابريكي. وتركزت جهوده في تربية النشء على الأخلاق الإسلامية وإعدادهم ليكونوا شبابا صالحين مصلحين متعلمين في المستقبل.
بعد وفاة مشايخ البلدة السابقين انتقلت مشيخة المسجد إليه وأصبح شيخ الإصلاح فيها، مما جعله يتحمل مسؤولية مواصلة مسيرتهم في محاربة الفساد الخلقي المستشري بسبب أيادي الاستعمار وأذنابه القياد ومحاربة آثار العصبيات والفتن المترسبة في الأذهان من عهد الجهالة والصراعات العشائرية والجهوية التي عرفتها البلدة ومرت بها خلال القرن التاسع عشر.
كما تصدى رفقائه من رجال الإصلاح إلى مقاومة جبروت الاستعمار وظلمه الأهالي واستعباده لهم بفرض الغرامات والضرائب الكثيرة عليهم، والتعدي على ممتلكاتهم، فكانت لهم فصول مشرفة ومشرقة في سبيل رفع هذا الغبن وإزالة هذا الظلم مما جعل السلطات الاستعمارية بإيعاز من قياد البلدة الفاسدين يسوقونه إلى سجن تعظميت بالقرب من الأغواط.
(1) بابكر بن الحاج مسعود: (ت: 1325 هـ / 1907 م) قاض بالمحكمة الإباضية بغرداية، تتلمذ على القطب اطفيش ببني يسجن. معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 137. (2) محمد بن قاسم الشيخ بالحاج (ت: 1319 هـ/ جويلية (1901 م من علماء القرارة، ورجالها المصلحين، درس عند والده وعند الشيخ اطفيش ببني يزقن، تولى الإفتاء والوعظ والإرشاد في المسجد، وكان شيخ حلقة العزابة، كما فتح حلقة علم في داره، كما تولى القضاء. وحارب الفساد والجهل والعصبيات إلى أن اغتيل وسقط شهيدا. المرجع نفسه: ج 4، ص 823 (1/203)
صفحة 204
172
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
كما توجه الشيخ إلى الإصلاح الديني والاجتماعي من خلال منبر المسجد بعد أن تولى مشيخته، فقام بمهمة الوعظ الإرشاد والنصح وإصلاح ذات البين، حتى أصبح شيخ الإصلاح الأول في بلدته القرارة.
كما وجه الشيخ الحاج عمر جهوده الكبيرة إلى جبهة التربية والتعليم وإعداد الأجيال واعتبرها من الأولويات، وصرف فيها الكثير من وقته، حيث أدرك ألا قيام لأمته ولا فك لسلاسلها وأغلالها من يد الاستعمار وأذنابه إلا بتعليم الأجيال وتثقيفهم وتربيتهم ليواصلوا مسيرة الإصلاح والنضال في المستقبل.
شرع في التدريس في حلقة خاصة به مباشرة بعد استقراره في بلدته، ومع الوقت تزايد عدد تلاميذه خاصة بعد وفاة بعض شيوخ البلدة، حيث انضم إليه بقية الطلبة، وسرعان ما وصلت أصداء حلقته إلى أرجاء وادي ميزاب ووارجلان فقصده الطلبة من مختلف قراها.
عرف الشيخ بشخصيته التربوية وبطيبة قلبه وبحبه الشديد لتلاميذه وتودده إليهم وتواضعه معهم، مما جعلهم يطلقون عليه تسمية نور القلب.
عندما توافد عليه الطلبة من وادي ميزاب وكثر عددهم قسمهم إلى طبقات حسب أعمارهم ومستوياتهم العلمية، وعين مجموعة من طلبته الكبار النجباء معه في التدريس فقدمهم وشجعهم ووجههم كما كان يرسل طلبته لاستكمال دراستهم في معهد شيخه القطب قبل وفاته (1). لعل من أكبر أفضال هذه الحلقة وأشرف أعمالها أنها رعت في أحضانها شباب الحركة الإصلاحية الذين أصبحوا قادتها فيما بعد؛ إبراهيم بيوض، أبا اليقظان إبراهيم، عدون شريفي، بكير العنق) وغيرهم. فحرصت على
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 222 238. (2) بكير بن إبراهيم العنق: (و): 1285 هـ / 1868 م - ت: عصر الاثنين 23 رمضان 1353 هـ/ 13 ديسمبر 1934 م) من رجالات القرارة البارزين في ميدان الإصلاح والسياسة، اشتهر بـ أسد القرارة، أخذ العلم عن مشايخ بلدته، ثم عن القطب الشيخ اطفيش ببني يزقن، اشتغل بعد مرحلة التعلم بالتجارة في مدينة
= (1/204)
صفحة 205
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
173
تعليمهم وتنشئتهم تنشئة إسلامية صحيحة متكاملة.
كما أنه من أفضال الشيخ الحاج أن تمت على يديه الرعاية الخاصة لهذا عمر الشاب اليافع إبراهيم بيوض، واكتشاف مواهبه وقدراته وذكائه، والتنبؤ بمستقبله الواعد، ثم فتح الطريق أمامه للتسلق إلى الريادة وهو لا يزال في مقتبل العمر. وكان أفضاله أن أقنع والده بعدم قطعه عن الدراسة ليعينه في تجارته، بعد أن عزم على ذلك، فكان سببا في أن يتركه ليواصل تعلمه، ولعل من صور أخلاقه وتواضعه وحبه لتلاميذه أن قرب إليه هذا الشاب ورعاه رعاية خاصة لما توسم فيه من الخير والنفع في المستقبل، فقدمه ودفع به إلى الأمام وتدرب على التعليم بين
من
يديه، فقومه ووجهه ونصحه.
فكان الخير العميم الذي أفاض على القرارة ووادي ميزاب والجزائر من وراء هذه الحلقة (1).
2 - الشيخ صالح بن عمر لعلي. من مواليد بني يزقن سنة: 1287 هـ/ 1870 م، وتوفي سنة: 1347 هـ/ 1928 م. يعد من أبرز الشخصيات العلمية التي أنجبها وادي ميزاب بعد قطب الأيمة الشيخ اطفيش.
كان وراء نبوغه أسباب وراثية من ذكاء حاد وبيئة علمية واجتماعية متميزة؛ شب في وسطها وتلقى تكوينه فيها، حيث تنقل بين عدة مدارس ومعاهد في وادي
تبسة، عين في حلقة العزابة في بلدته ثم تولى رئاستها فيما بعد. يقول عنه الشيخ بيوض: «عندي أستاذان: أستاذ في العلم هو الحاج عمر بن يحيى، وأستاذ في السياسة هو الحاج بكير العنق». ترأس بعض التجمعات السرية بالقرارة التي كانت تناهض فرنسا، وتواسي من سجتهم من الوطنيين. كما جمعته مع رجال النهضة والإصلاح خارج وادي ميزاب أسس مع الشيخ عباس بن حمانة في تبسة أول مدرسة عربية عصرية سنة 1332 هـ / 1913 م، تحت رعاية الجمعية الصدّيقية، وأغلقها الاستعمار. كان الاستعمار يلاحقه دوما حيث سجنه سبع مرات معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 181.
علاقات
(1) المرجع نفسه: ج 3، ص 654 دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2، ص 162 - 207. (1/205)
صفحة 206
174
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
ميزاب ثم جلس بين يدي القطب ونهل منه العلوم الشرعية والعربية العليا، ثم أتم دراسته وصقل مواهبه بأسفاره العديدة إلى الحواضر العلمية في العالم الإسلامي؛ من جامع الزيتونة وجامع الأزهر وحلقات الحجاز، والجلوس إلى علمائها
ومخالطتهم وحضور حلقاتهم.
تركزت جهوده في جبهتين كبيرتين:
جبهة التربية والتعليم.
جبهة الإصلاح الديني الاجتماعي.
تفرغ الشيخ صالح للعلم والتعليم، فصرف حياته في مجالهما، فعكف على مدارسة أمهات الكتب وتوسيع ملكاته العلمية وتعميق معارفه الشرعية، كما تفرغ للتعليم فأسس مدرسة ابتدائية ومعهدا ثانويا وعاليا، وجلس للتدريس فيه طوال حياته. فتخرج على يديه أفواج كثيرة من طلبة العلم، حملوا لواءه بعده وواصلوا مسيرة التنوير والتثقيف والتوعية في وادي ميزاب
أما على مستوى الواجهة الثانية فإن الشيخ كانت له دروس يومية ودورية في مسجد بني يزقن وفي دار تلاميذها، عالج فيها مختلف الأمراض التي كان يعاني منها
المجتمع، واستطاع أن يحارب الكثير من البدع والخرافات التي كان يعاني منها. عرف الشيخ بصراحته وشدته في قول الحق، وبآرائه ومواقفه الجريئة، وكانت دروسه مؤثرة قوية فعالة، وقد تولى مشيخة المسجد في بلدته، وقام بإصلاحات عديدة على مستوى وظائفها وأوقافها.
كتنا حارب الاستعمار وتصدى لسياساته ومكره وحارب أذنابه من القياد والأغنياء الفاسدين من خلال منبر المسجد ومن خلال خطبه ورسائله. فمن أهم ما قام به في ذلك وقوفه ضد قانون التجنيد الإجباري حينما فرضته السلطات الاستعمارية على شباب الجزائر فدخل في مواجهة صريحة علنية معها. كما اعتنى بالتأليف وترك لنا العديد من البحوث والمخطوطات لعل أهمها ما يلي: (1/206)
صفحة 207
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
- القول الوجيز في كلام الله العزيز.
- مراقي العوام إلى معرفة مبادئ الإسلام. - رسالة الصوم والإفطار.
- رسالة الوصايا الثمانية للعزابة. .
- كشف القناع عن مسائل وقع فيها النزاع.
- البراهين القاصفة لتمويهات متبعي الفلاسفة. مجموع أجوبة وفتاوى.
- ثلاث قصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته. - رسالة في حرمة التجنيد في الجيش الفرنسي.
- حاشية على مسند الربيع بن حبيب
3 - الشيخ إبراهيم بن بكير حفار
(1)
175
ولد في بلدة القرارة سنة: 1308 هـ/ 1890 م وتوفي سنة: 1374 هـ/1954 م. درس في محاضر بلدته القرارة ثم التحق بحلقة الشيخ الحاج عمر بن يحيى ثم انتقل إلى معهد القطب ونال حظا من العلم بين يديه ثم سافر إلى تونس لمواصلة
دراسته في جامع الزيتونة فنبغ في العلوم الشرعية والعربية وأتقن علم التجويد. إثر عودته إلى القرارة سنة 1333 هـ/ 1915 م فتح حلقة علم خاصة به لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم العلوم العربية والشرعية، وقد عرف بفصاحة لسانه وبراعته. في التدريس وحزمه وصرامته في نظامه. مما جعل الطلبة يقبلون عليه من القرارة. و من مدن ميزاب ويأخذون من علمه وخلقه وتربيته وحزمه.
انتقل سنة 1339 هـ/ 1920 م إلى بلدة غرداية وتولى التدريس في إحدى مدارسها، ثم انتقل سنة 1344 هـ/ 1925 م إلى بلدة بني يزقن فتفرغ للتدريس في
(1) معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 475 دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2، ص 139. (1/207)
صفحة 208
176
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
مدارسها وحلقاتها وأبلى بلاء حسنا في سبيل ذلك حيث برع في تدريس علم التجويد والقراءات وعلوم اللغة العربية وتخرج على يديه العشرات من الطلبة من كل قرى وادي ميزاب وكان له الفضل أن يكون أول مدرس بالمعهد الجابري الثانوي الذي لا يزال قائما يزاول نشاطه التربوي التعليمي إلى حد اليوم. كما كان
للشيخ دروس في المساجد والمحافل الاجتماعية يربي وينصح ويعظ ويعلم. كما ربطته علاقات مع الشيخ عبد الحميد ابن باديس) والشيخ الطيب العقبي، حيث كانت له دروس في نادي الترقي بالجزائر العاصمة ودررس أخرى في جامع بكار ببسكرة.
ودام في جهاده التعليمي الإصلاحي في بلدة بني يزقن إلى وفاته.
كما ترك مؤلفات عديد لعل أهمها ما يلي:
- رسالة شروط المفسر.
السلاسل الذهبية بالشمائل الطفيشية. في ترجمة شيخه قطب الأيمة.
منظومة الحيض والنفاس.
- منظومة الصيام.
- حاشية على كتاب الديانات.
(1) عبد الحميد بن محمد المصطفى ابن باديس: 1305 - 1359 هـ / 1887 - 1940 م) رائد الإصلاح في الجزائر، وأحد أكبر علمائها، ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ولد في قسنطينة وتوفي بها، وأتم دراسته في الزيتونة بتونس. قاوم الاستعمار وأنشأ المدارس وأصدر العديد من الجرائد، وقام بتفسير القرآن الكريم. الزركلي: الأعلام، ج 2، ص 289. (2) الطيب العقبي: (و: سنة 1890 م - ت: 1960/ 5/21 م من مدينة سيدي عقبة ببسكرة، درس في المدينة المنورة، ثم عاد
إلى الجزائر وقاد حركة الإصلاح مع زعمائها، اشتغل بالدعوة والوعظ والإرشاد والتعليم، نشط في إدارة صحافة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كما أصدر جريدة الإصلاح، حارب الطرقية والاستعمار. موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين: ص 59 (1/208)
صفحة 209
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
- حاشية على كتاب الموجز.
- حاشية على كتاب الدرر اللوامع في التجويد (3).
-4 - الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى:
177
29
من مواليد بلدة غرادية سنة 1280 هـ / 1863 م، وكانت وفاته في تاريخ 9 جمادى الأولى 1376 هـ / 02 جانفي 1957 م.
تلقى تعليمه الأول في مسقط رأسه، وحفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ، ثم سافر إلى القرارة وأخذ بعض العلوم من حلقة الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي ثم عاد إلى غرداية والتحق بحلقة الشيخ بابكر بن الحاج مسعود ونهل منها بعض العلوم العربية والشرعية، ثم انتقل إلى معهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش ببني يزقن وتتلمذ على يديه حتى نجب في حلقته وكان من أبرز تلاميذه، وأخذ قسطا وافرا من العلوم الشرعية.
تفرغ للتدريس والوعظ والإرشاد طوال حياته، وعين شيخا لحلقة العزابة بغرداية، وقضى في حلقات العلم حوالي خمسين عاما. وكان يلقب بعد وفاة الشيخ اطفيش بشيخ وادي ميزاب
أنشأ معهده في غرداية وتفرغ للتدريس فيه، وتخرج على يديه العشرات من الطلبة، الذين حملوا مشعل العلم والدعوة من بعده، وساروا على نهجه في العمل
الاجتماعي. كما ترك مكتبة زاخرة بالكتب والمخطوطات النفسية، وألف العديد من الكتب والرسائل، نذكر منها ما يلي:
ترغيب الراهب وترهيب الراغب مخطوط.
رسالة في مشاهد الصالحين بوادي ميزاب. مخطوط.
(1) معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 12. دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2، ص 145 - 147.
14 (1/209)
صفحة 210
178
- سيرة العزابة. مخطوط.
الزيارة ومعالمها. مخطوط
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
أجوبة علمية ورسائل إخوانية مخطوط. مقالات صحفية في جرائد أبي اليقظان (1).
5 - الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي.
ولد في بلدة العطف في سنة 1304 هـ/ 1887 م، وتوفي سنة
•?
1984/ 1404
نشأ يتيما ضريرا فقيرا، حيث تولت أمه تربيته وتنشئته نال علومه الأولى على يد شيخه الحاج عمر بن حمو بكلي في مدرسة مسجد أبي سالم بالعطف، ثم توجه إلى معهد الحاج عمر بن يحيى بالقرارة وواصل فيه، تعلمه، ثم ارتحل إلى معهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش ببني يسجن ونال حظه من التتلمذ على يديه، ويعد من أصغر تلاميذه، ومن آخر من توفى منهم.
وفي سنة 1335 هـ/1917 م سافر إلى تونس مع أول بعثة علمية برئاسة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، ليكمل دراسته العليا في جامع الزيتونة وفي المدرسة الخلدونية، وكان من أساتذته فيهما: الشيخ محمد بن يوسف الحنفي، والشيخ محمد والشيخ الطاهر بن عاشور)، والشيخ محمد الصادق النيفر)، والشيخ
النخلي
(3)
(4)
(1) معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 251. أبو اليقظان: ملحق السير، ج 2، ص 251. دبوز نهضة الجزائر
الحديثة، ج 1، ص 380.
(2) من مشايخ جامع الزيتونية بتونس.
(3) من مشايخ جامع الزيتونية بتونس.
(4) محمد الطاهر بن عاشور: (1296 - 1393 هـ / 1879 - 1973 م) رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس له عدة مؤلفات أهمها: تفسيره التحرير والتنوير، مقاصد الشريعة الإسلامية الزركلي: الأعلام، ج 6، ص 174. (5) محمد الصادق بن محمد الطاهر النيفر: (1299 - 1356 هـ / 1882 - 1938 م) قاض تونسي واشتغل أستاذا في جامع الزيتونية. المرجع نفسه: ج 6، ص 161. (1/210)
صفحة 211
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
حسن حسني عبد الوهاب (1).
179
عاد إلى مسقط رأسه سنة 1342 هـ / 1923 م واشتغل بالتدريس والفتوى في دار حفظة القرآن إروان، كما كلف بالوعظ والإرشاد في مسجد الشيخ أبي سالم،
بعد أن التحق بحلقة العزابة سنة 1340 هـ/ 1921 م، التي تولى رئاستها فيما بعد. في سنة 1374 هـ / 1954 م تولى التدريس بالمعهد الجابري في بني يزقن خلفا للشيخ إبراهيم بن بكير حفار بعد وفاته.
في سنة 1383 هـ / 1962 م اختاره عزابة وادي ميزاب ليكون نائبا للشيخ إبراهيم بيوض في رئاسة مجلس عمي سعيد، إلى حين وفاته سنة 1401 هـ / 1981 م؛ حيث عين رئيسا شرفيا للمجلس.
قضى حياته بين حلقات العلم في المدارس والمعاهد معلما ومربيا ومكونا، وفي جنبات المساجد واعظا ومرشدا وداعيا ومفتيا وفي مجالس إصلاح ذات البين وفض النزاعات والخصومات بين الناس.
كما ترك أعمالا علمية عديدة، من أهمها:
- تفسير القرآن الكريم، وشرح كتاب قواعد الإسلام، إلقاء شفويا في المسجد.
مراسلات وفتاوى مخطوطة.
- مجموعة من الأشرطة السمعية الخطاباته ومواعظه.
توفي عن عمر يناهز المائة سنة، وترك العشرات من التلاميذ من الجزائر وتونس وليبيا، بعد أن أصبحوا ركائز في المجتمع وقواعد له خلفا لشيخهم
(2)
(1) حسن حسني بن صالح عبد الوهاب الصمادحي: (1301 - 1388 هـ / 1884 – 1968 م) بحاثة ومؤرخ وأديب. مولده ووفاته بتونس. تعلم في المهدية وبمدرسة فرنسية بتونس. ثم في مدرسة الصادقية، ثم في مدرسة العلوم السياسية بباريس. اشتغل بوظائف حكومية. المرجع نفسه: ج 2، ص 187.
(2) أحمد كروم: العلامة الجليل الشيخ يوسف بن بكير حمو، وعلي 1887 م - 1984 م، حياته وآثاره نشر جمعية الأمل للتربية والثقافة العطف غرداية، 1415 هـ/ 1995 م. معجم أعلام الإباضية ج 4، ص 1017. (1/211)
صفحة 212
180
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
هذه نماذج من الشخصيات العلمية والاجتماعية التي تركت آثارا معتبرة في تاريخ وادي ميزاب خلال القرن العشرين من خلال حلقاتها العلمية ومعاهدها وجهودها في سبيل التربية والتعليم والإصلاح.
فماذا عن تقويم هذا العهد؟
ب تقويم عهد تلاميذ القطب
بناء على ما استعرضناه نستطيع القول إن البذور التي غرسها قطب الأيمة الشيخ اطفيش في طلبته من خلال حلقاته التعليمية قد أتت أكلها في عهد تلاميذه، إذ استطاعوا أن يواصلوا مسيرته من بعده وأن يكون لهم وجود وحضور في كل مجالات الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية والتعليمية
فسدوا الثغور وتحملوا المسؤوليات وأدوا الأمانات إلى الجيل الذي يليهم. ارتسمت في عهدهم صورة في وادي ميزاب نستطيع وصفها بالحركية الاجتماعية المتفاعلة والمتسارعة والنشطة، وبالحيوية العلمية التي أثمرت انتشارا معتبرا للثقافة وارتفاعا محسوسا للوعي لدى الجماهير، وبالنضال السياسي والمطالبة بالحقوق، وبنشاط الحركة الاقتصادية وبداية ظهور تكتلات التجار، وتنظيم صفوفهم، وبالنقاش العلمي والحوار والجدل حول عدة قضايا راهنة كانت مطروحة في مجال التربية والتعليم والفتوى والسياسة، كما اتسمت بجنوح نحو التفتح على العالم الخارجي وبمحاولات التجديد والعصرنة في التفاعل مع مجالات الحياة والدين والمذهب.
هذا ما جعل عهدهم يعيش الكثير من الأحداث المهمة التي لا تزال آثارها باقية في وادي ميزاب إلى حد اليوم.
هذا ما ستكشف عليه الفصول اللاحقة.
نستطيع تحديد النتائج الإيجابية لعهد تلاميذ القطب في النقاط الآتية:
بداية توسع مساحة العلم والثقافة لدى الجماهير وتقلص مساحة الأمية. (1/212)
صفحة 213
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
181
بداية انتشار الوعي وتقلص حجم العصبيات والبدع والخرافات. بداية استفاقة الناس ومعرفة حقوقهم وواجباتهم وتعلم طرق النضال عنها. تحرك مجال التجارة نحو منافسة اليهود والمعمرين فيه، وظهور التكتلات
وتجارة الجملة.
الانخراط في التشكيلات السياسية والحركات الوطنية والمشاركة فيها والنضال
في صفوفها.
مجابهة المستعمر بالنضال السياسي والمجابهة المباشرة والخفية لأجل مناهضة
سياساته وإبطال مخططاته.
المشاركة في الحياة المدنية العامة بدخول الانتخابات وتقلد المناصب في المجالس البلدية ووظائف القضاء.
هذا
هو الشق الإيجابي لعهد تلاميذ القطب، فماذا عن الشق السلبي؟ يبدو لي أن المكانة العلمية العظيمة التي بلغها القطب في حياته مما ملأ بها نفوس تلاميذه وأقنع عقولهم بها، حتى أصبح لديهم أبا للنهضة الإصلاحية والعلمية يعودون إليه في كل قضاياهم ويرون فيه الثقة والمرجع والملاذ الآمن، ورمز وحدة الأمة في وادي ميزاب فكانت وفاته وغيابه فجأة سببا في أن يدخل وادي ميزاب في فترة فراغ قيادي ويعيش مرحلة قلق وتذبذب. يبدو أنه لم يستطع أحد من تلاميذه أن يسده رغم كثرتهم ورغم بلوغهم درجات عالية من العلم وتقلدهم مناصب سامية في القيادة والريادة والزعامة داخل المجتمع، إذ أن شيخهم قد عمر كثيرا وكبروا في حياته.
إن هذا الفراغ المفاجئ ولد بينهم نوعا من التنافس على وراثة هذه المكانة واعتلاء عرشها خلفا لشيخهم، وتمثيل المرجعية الدينية لوادي ميزاب، فعرف عهدهم صراعا وتنافسا وخلافا ونقاشا وجدالا وافتراقا حول الكثير من مسائل
الدين والحياة. (1/213)
صفحة 214
182
عهدهم؛
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
ولعل أكبر خسارة شهدها وادي ميزاب في تاريخه الحديث والمعاصر وقعت في المتمثلة في انكسار وحدته وانقسامه إلى حزبين متصارعين متناطحين، فلم يستطيعوا أن يمنعوا حدوث هذا الانقسام أو أن يقفوا ضده؛ بأن يقع بعض التنازل من كل طرف منهم محافظة على وحدة الصف لأجل المصلحة العليا لوادي ميزاب ولإباضية الجزائر، وأن تبقى اختلافاتهم في مستوى معين دون أن تتجاوزه لتتعدى الخطوط الحمراء.
في حقيقة الأمر لقد تضرر وادي ميزاب كثيرا بهذا الانكسار والافتراق الذي تسبب فيه طلبة القطب وحصل في عهدهم، ولا تزال آثاره السلبية باقية إلى حد
اليوم.
من السلبيات الأخرى التي تحسب على تلاميذ القطب الذين تمكنوا فعلا من وراثة عرش شيخهم وحيازتهم على المرجعية الدينية لوادي ميزاب أنهم لم يستطيعوا أن يهضموا ظهور شخصية جديدة شابة على مسرح الأحداث أوتيت مواهب عالية في عبقريتها وذكائها، وبرزت بقوة شخصيتها وفصاحة خطابها وقدرة تأثيرها في الجماهير، المتمثلة في إبراهيم بيوض.
هذا الشاب الذي لم يحظ بالتلمذة على يد القطب مباشرة، وإنما كان تلميذ تلميذه فأنى له أن ينافسهم في هذه المكانة، وأنى له أن يفكر في قيادة وادي ميزاب مما جعلهم يدخلون معه في صراع مرير شديد طويل يعارضونه أشد المعارضة ويقفون في طريقه بكل ما أوتوا من قوة وبمختلف الوسائل المشروعة والممنوعة ويردون أفكاره جملة وتفصيلا ويرفضون مشاريعه ومنجزاته، ويعتبرونه أكبر عدو لوادي ميزاب ويرون فيه أكبر خطر يهدده ويهددهم، وينصبون له أصنافا من العداء والحسد والمكر ويسلقونه بألسنة حداد.
استعانوا في محاربته بالمستعمر، وبقوى الفساد وبالعامة الدهماء، وتواطؤوا معها لأجل سد طريقه نحو قلوب الجماهير، وسعوا للتحريض عليه والقضاء على حركته الناشئة. (1/214)
صفحة 215
183
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
يعد هذا - بلا شك - انحرافا كبيرا وخطيرا عن جادة الحق وطريق الصواب وقع فيه بعض أقطاب تلاميذ القطب.
تسببوا بذلك في عرقلة مشروع النهضة الإصلاحية وإبطاء مسيرتها، التي هم جزء منها وحلقة فيها ضمن حلقات مشايخهم السابقين، فكانوا فعلا حجر عثرة في سبيل النهضة والإصلاح.
كما يظهر في صراعهم هذا عدم استساغتهم انفلات القيادة الروحية والمرجعية الدينية والعلمية لوادي ميزاب من بين أيديهم وتحولها إلى هذا الشاب الساطع اللامع الطالع، وعدم استساغتهم انتقال ثقل العلم والإصلاح ومركزه من موطنه الأول ومنشئه وعاصمته بلدة بني يزقن إلى بلدة القرارة الناشئة والنائية والبعيدة عن قلب وادي ميزاب هذه البلدة التي كانت مسرحا للعديد من الصراعات والفتن حيث كان مشايخ وادي ميزاب يتدخلون لإطفاء نيرانها وعقد الصلح بين عشائرها وأهاليها (1).
الاستفادة
كما أن من سلبيات عهد تلاميذ القطب عدم استطاعة بعضهم - الذين – تولوا قيادة وادي ميزاب- مواكبة حركية المجتمع في تفتحه وتطوره، فرفضوا من العالم الخارجي ومن التجارب الإنسانية والإسلامية ورضوا بالانغلاق على أنفسهم والركون إلى القديم والجمود عليه، والانزواء عن الأحداث الوطنية والعالمية، إذ لم يستطيعوا إدراك حقيقة عصرهم وأولوياته، والأخذ بأسباب التمكين فيه.
كما أن من سلبياتهم خنوع بعضهم للمستعمر وأذنابه من بعض القياد“ وبعض الأثرياء الفاسدين بسبب نقص الوعي لديهم ونقص الحنكة السياسية وعدم إدراكهم ما يحيط بهم ويحاك ضدهم، مما انجر عنه توظيف المستعمر لبعضهم في خدمة سياساته ومصالحه المحلية في وادي ميزاب حيث تحالف معهم وتحالفوا معه في معركتهم ضد الشيخ بيوض وحركة الإصلاح.
(1) للاطلاع على صفحات من تاريخ بلدة القرارة يراجع: الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 75 134.
Motylinski: Guerrara Depuis Sa Fondation, Alger, 1885, p 23 - 58. (1/215)
صفحة 216
184
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
إلا أنه ينبغي أن نسجل - بكل وضوح - أن هذه السلبيات التي ظهرت عند بعض تلاميذ القطب، لم تكن عند الأكثرية منهم، حيث إن القسم الأكبر تفهم شخصية الشيخ بيوض واعترف بقوتها وقدراتها فسلموا له القيادة والزعامة ولم ينافسوه فيها، بل عرفوا له مكانته، فتعاونوا معه تعاونا إيجابيا مخلصا صادقا، كما عرف هو مكانتهم كذلك، فشكلوا معه طاقم قيادة الحركة الإصلاحية في ثوبها الجديد، وبنوا هيكل مدرستها مع بعض وكانوا أعضاء فاعلين فيها.
كما أن من تلاميذ القطب من لازم الحياد، ولم يبد معارضة واضحة للشيخ بيوض ولحركة الإصلاح، كما لم يبد تفاعلا إيجابيا معها كذلك، ربما لعدم توافقه مع الخط الذي سارت عليه، فلازم الصمت، وبقي ملتزما بدوره التعليمي التربوي ودوره الاجتماعي دون أن يعمل على عرقلة مسيرتها (1).
فالمدرسة الإصلاحية إذن هي نتاج تزاوج وامتزاج شخصية الشيخ بيوض القوية القيادية العبقرية بجيل تلاميذ القطب الذين ساروا مع تيار الإصلاح وتفهموا أولوياته ومتطلباته وأبعاده الجديدة العصرية.
أما المدرسة الثانية المعارضة التي وصفت وعرفت بالمحافظة أو الجمود) هي نتاج تزاوج وامتزاج جيل تلاميذ القطب بطائفة من الأعيان وأصحاب المصالح والنفوذ ممثلين في بعض القياد وبعض الأغنياء وبعض العوام؛ هؤلاء الذين كانت تجمعهم نظرة معادية ومعاكسة لتوجهات الشيخ بيوض ورفقائه وحركته مهما كانت، ولو كان فيها خيرهم وخير وادي ميزاب والجزائر والإسلام.
(1)
يراجع في ذلك بكلي مسيرة الإصلاح كله محمد علي دبوز اعلام الإصلاح في الجزائر، ط 1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400 هـ / 1980 م، ج 4، كله. (2) تسمية الجمود هو ما شاع استعماله بين الناس في نعت التيار المعارض للشيخ بيوض وحركة الإصلاح آنذاك، ويرى الشيخ بكير الشيخ بالحاج أن المصطلح يعد نوعا من التنابز بالألقاب، وكان من الأحسن على الحركة الإصلاحية استعمال تسمية المحافظين. مقابلة مع الشيخ بكير الشيخ بالحاج، القرارة، الجزائر،
مارس 2008 م. (1/216)
صفحة 217
المبحث الرابع: عهد تلاميذ القطب
185
هكذا بدا لي عهد تلاميذ القطب، وهكذا بدا لي تقويم إيجابياته وسلبياته. نريد أن نختم هذا المبحث في الأخير بالقول: إن ما قام به الفريقان وما صدر أعمال واجتهادات بشرية أصابت أحيانا وأخطأت أحيانا أخرى، كما أنها صادرة من رؤى مختلفة للأحداث والمواقف بناء على اجتهادات في فهم النصوص الشرعية، وكيفية إنزالها على القضايا العصرية.
منهم هي
فهؤلاء ليسوا ملائكة ولا معصومين من الخطا، وإن جهودهم العظيمة المضنية المتواصلة في سبيل التربية والتعليم والعمل الاجتماعي والوعظ والإرشاد لا يمكن أن تهضم أو تنسى أو يغفل عنها بأي حال من الأحوال، ولا شك أن كلا من تلاميذ القطب سواء المعارضين أم المؤيدين لحركة الشيخ بيوض قد أبلى بلاء حسنا عظيما في هذا السبيل؛ رغم كل ما يكون قد صدر منهم من أعمال أو مواقف، يمكن أن يحكم عليها بأنها سلبية أو إيجابية.
هذا ما سنرى فصولا ومشاهد منه في المباحث والفصول اللاحقة. (1/217)
صفحة 218
[صفحة فارغة] (1/218)
صفحة 219
الفصل الثالث
مفهوم الإصلاح ومرجعيته
الفكرية والحضارية
المبحث الأول: مفهوم الإصلاح بين اللغة والاصطلاح القرآني المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح (1/219)
صفحة 220
[صفحة فارغة] (1/220)
صفحة 221
تمهيد
مهيد:
189
إن العودة إلى التاريخ الإسلامي في مسيرته الحضارية الطويلة يمكننا الاطلاع على نماذج متعددة وجهود معتبرة في عملية الإصلاح والتغيير، التي شهدتها الشعوب الإسلامية في البلدان والأوطان المختلفة، وتحت ظل الدول والسلط المتعاقبة.
كما يمكن أن نلاحظ أن عددا من هذه العمليات استطاعت أن تنجز أهدافها المتمثلة في إحداث حركة تغييرية داخل المجتمع والوصول إلى سدة الحكم لقيادته، وبعضها الآخر أخفق في مسيرته، وانقطع في وسط الطريق، بسبب العوائق السياسية أو الاجتماعية التي حالت دون نجاحه.
كما يمكن أن نلاحظ أن بعض النماذج الإصلاحية تمركزت حول شخصية محورية بارزة قادت القافلة وكانت المحور المحرك لها والصانع لأحداثها، والبعض الآخر تحول من القيادة الفردية إلى القيادة الجماعية المؤسساتية، حيث أصبح مدرسة لها هيئاتها وأطرها وأتباعها الذين واصلوا حمل الفكرة بعد ذهاب مؤسسها والجيل الأول منها. كما يمكن لنا أن نحكم على بعض هذه التجارب بالنجاح والتوفيق لما أفادت به الأمة وتركته من آثار حميدة إيجابية على أصعدة عديدة منها، ونحكم على البعض الآخر بالفشل والإخفاق وأن ضررها كان أكثر من نفعها، بسبب ما الحقته من آثار وخيمة سلبية على الأمة، وكل ذلك يعود إلى عوامل كثيرة متداخلة متعلقة بهذه الحركة وتلك الظروف التي كانت محيطة بها. إذن ما يمكن أن نخلص إليه أن تفكير الإنسان - سواء كان مسلما أم غير ذلك في إصلاح أوضاعه نحو ما يراه الأحسن والأصوب والأصلح أمر فطري مغروس فيه ثم هو واجب شرعي بالنسبة للمسلم، وهو بعد ذلك ظاهرة اجتماعية تميز المجتمعات البشرية عن غيرها. (1/221)
صفحة 222
190
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
بلا شك إن أمة الإسلام - كسائر الأمم البشرية - تحتاج بين الفينة والأخرى إلى إصلاح داخلي وتغيير اجتماعي لتجديد ما أصابها من الشوائب والانحرافات ونفخ الروح في مفاصلها من جديد لأجل انطلاقة قوية تحرك العزائم وتبعث الطاقات وتوجه الإرادات.
هذا ما بينه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حينما تكلم عن حاجة الأمة إلى مراجعة النفس وتقويم الطريق عندما ينتاب المجتمع حالة ركون وركود. حيث قال:
«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (1). وقد أوكل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المهمة إلى العلماء فحملهم المسؤولية، وعدهم المؤهلين شرعا للقيام بها نظرا لثقلها وخطورتها وصعوبتها فقال: «إن العلماء ورثة الأنبياء» (2).
لا شك أن أول المصلحين وأقدرهم على القيام بعملية الإصلاح على أكمل وجه هم الأنبياء أنفسهم في علاقتهم بأقوامهم وسعيهم لتطبيق منهج الله فيهم. وذلك لكونهم مؤيدين بالوحي وبتقويم الله تعالى لمسيرتهم الإصلاحية وإحاطتهم بعنايته، والتدخل في الوقت المناسب لتوجيههم وتذليل سبل النجاح لها، حتى يكونوا المثال المقتفى والنموذج المقتدى للبشرية من بعدهم. مصداقا لقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. وقوله تعالى أيضا: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ (4)
(1) أخرجه أبو داود في سننه رقم 3740، ج 11، ص 362 موسوعة المكتبة الشاملة، قرص مضغوط، يحوي أهم مصادر الحديث.
(2) أخرجه الترمذي في سننه، رقم 2606، ج 9، ص 296. موسوعة المكتبة الشاملة، قرص مضغوط، يحوي
أهم مصادر الحديث. (3) سورة الأحزاب / الآية: 21.
(4) سورة الممتحنة / الآية: 4. (1/222)
صفحة 223
191
لقد
عبر النبي الكريم شعيب الله بلسان الأنبياء حينما قال مخاطبا قومه مبينا لهم رسالته إليهم ومهمته فيهم: إن اريد إلا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إلا بالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (1)
تلك
إن عمل كل عالم مصلح يعد - في حقيقة الأمر - محاولة للاقتراب من: النماذج النبوية المؤيدة بالوحي ومحاولة الامتثال بها، في إطار القناعات الفكرية للمصلح وحركته، والأهداف المرسومة للعملية الإصلاحية، والظروف المتزامنة معها، والمتطلبات التي تحتاجها، والأولويات التي تنتظرها.
نحاول في هذا الفصل أن نقف مع مصطلح الإصلاح ونتتبع معانيه لغة واصطلاحا، ثم ننظر في مفهومه عند علماء النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر.
(1) سورة هود / الآية: 88. (1/223)
صفحة 224
192
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
المبحث الأول:
مفهوم الإصلاح بين اللغة والاصطلاح القرآني نتوقف في هذا المبحث مع المعاني اللغوية للإصلاح بالاعتماد على ما ورد في القواميس والمعاجم العربية، ثم نعرج على البحث في المفهوم القرآني للإصلاح وكيف وظفه من خلال عرض اللفظة ومشتقاتها في سياق الآيات القرآنية:
1 - الإصلاح لغة:
ورد في لسان العرب في مادة: ص ل ح): صلح: الصلاح ضد الفساد.
صلح، يصلح، يصلح، صلاحا، وصلوحا، وهو صالح، وصليح.
الإصلاح: نقيض الإفساد.
الاستصلاح: نقيض الاستفساد. أصلح الشيء بعد فساده: أقامه.
أصلح الدابة: أحسن إليها فصلحت.
الصلح: تصالح القوم بينهم. الصلح السلم.
قوم صلوح متصالحون.
الصلح من أسماء مكة.
ورد في القاموس المحيط في المادة نفسها
(1) محمد بن مکرم ابن منظور: لسان العرب المحيط، إعداد وتصنيف: يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1998 م، مج 2، ص 516 - 517.
(2) محمد بن يعقوب الفيروزبادي: القاموس المحيط، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان،
1952 م.، ص 208. (1/224)
صفحة 225
المبحث الأول: مفهوم الإصلاح بين اللغة والاصطلاح القرآني
الصلاح ضد الفساد.
صلح: كمنع وكرم.
أصلحه ضد أفسده، أحسن إليه.
الصلح السلم.
استصلح: نقيض استفسد.
ورد في تاج العروس من جواهر القاموس في المادة نفسها (1):
الصلاح ضد الفساد.
صلح كمنع وكرم.
صلح كنصر.
يصلح ويصلح صلاحا وصلوحا، الجمع صلحاء وصلوح. أصلحه ضد أفسده، وقد أصلح الشيء بعد فساده: أقامه.
أصلح إليه: أحسن.
أصلح إلى الدابة: أحسن إليها وتعهدها.
الإصلاح: اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص.
193
من خلال ما زودتنا به هذه المصادر اللغوية نستطيع أن نلاحظ استفادة المصادر من بعضها البعض واتفاقها على أهم المعاني التي يمكن أن نجملها فيما يلي:
الإصلاح بمعنى نقيض الإفساد.
الإصلاح بمعنى المنع.
الإصلاح بمعنى الكرم.
الإصلاح بمعنى السلم.
الإصلاح بمعنى الإحسان إلى جهة.
الإصلاح بمعنى التعهد والرعاية. الإصلاح بمعنى الاتفاق.
(1) محمد مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، تح: عبد الستار أحمد فراح، دار الهداية،
بيروت، 1980 م، ج 6، ص 547 - 551. (1/225)
صفحة 226
194
الإصلاح بمعنى النصر.
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
هذا عن المعاني اللغوية؛ فماذا عن المعاني الاصطلاحية للإصلاح؟
2 - الإصلاح اصطلاحا:
إتماما لضبط المصطلح يجدر بنا أن ننتقل من معناه اللغوي إلى معناه الاصطلا. في القرآن الكريم؛ وذلك بالنظر في مدلولاته، وتتبع اللفظ ومشتقاته في المواضع المختلفة، ثم محاولة تحديد مراده في سياق الآية الكريمة، بالاستعانة بكتب التفسير لأجل الخلوص إلى تحديد المفاهيم القرآنية، التي تمثل التصور الإسلامي للإصلاح. الإصلاح في القرآن الكريم:
66
استعمل القرآن الكريم مادة ص ل ح بمختلف مشتقاتها 170 مرة. ذكر منها مائة وتسع مرات في السور المكية وأربعا وستين مرة في السور المدنية. وكانت أكثر المشتقات استعمالا هي:
صالح، صالحون، الصالحات أصلحوا إصلاح المصلح، المصلحون. أما لفظة الإصلاح فقد وردت في ستة مواضع، ولفظة المصلح في ثلاثة مواضع (1)
نحاول الآن فهم معاني المصطلح كما وظفها القرآن الكريم في المواضع المختلفة منه، بالعودة إلى تفسير القرآن الكريم). ونكتفي في ذلك بجملة من الآيات التي رأيناها تبرز مفاهيم جديدة للمصطلح:
(1) محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم بحاشية المصحف الشريف، ط 2، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1411 هـ/ 1991 م، ص 410 - 412.
(2) اعتمدت في ذلك على تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1984 م. الجمعه بين تفسير الرواية والدراية، وتعمقه في استخلاص المعاني والفوائد والأحكام. كما اعتمدت على دراسة الدكتور أحمد عيساوي بعنوان: الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي مصلحا، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر، كلية العلوم الإسلامية، الخروبة، س ج
225 - 2222001 - 2000 (1/226)
صفحة 227
المبحث الأول: مفهوم الإصلاح بين اللغة والاصطلاح القرآني
195
1 - الإصلاح بمعنى الحفظ والرعاية والولاية في قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
(1)
الْيَتَامَى قُل اصلاح لَّهُمْ خَيْري).
2 - الإصلاح بمعنى فعل الخير إلى الناس وفض خصوماتهم في قوله تعالى: الولا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمُ إِلا مَنَ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوف أو إصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ (2).
3 - الإصلاح بمعنى الدعوة إلى مكارم الأخلاق في قوله تعالى: يومنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (3). وفي قوله تعالى: {وَقَالَ الذينَ أوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنَ ءامَنَ وَعَمِلَ صالحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ).
4 ـ الإصلاح بمعنى نقيض الإفساد في قوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصلاحها. وفي قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح.
5 ـ الإصلاح بمعنى التغيير الاجتماعي والبناء الحضاري للأمم بأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر الذي هو دعوة الرسل في قوله تعالى: {إن ارِيدُ إِلا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِ أُنيب (7).
(1) سورة البقرة / الآية: 220 (2) سورة النساء / الآية: 114. (3) سورة آل عمران / الآية: 114.
(4) سورة القصص / الآية: 80. (5) سورة الأعراف / الآية: 56.
(6) سورة البقرة / الآية: 220.
(7) سورة هود / الآية: 88. (1/227)
صفحة 228
196
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
6 - الإصلاح بمعنى استخلاف الله الإنسان في الأرض في قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلك. وفي قوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (2)
7 - الإصلاح بمعنى النصح والقضاء على الفتنة بين المسلمين في قوله تعالى: {وَإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتِ احْدَاهُمَا عَلَى
الأخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسطين. (ق)
(4)
8 - الإصلاح بمعنى الاستجابة لدعوة الأنبياء بالتقوى والخوف من الله في قوله تعالى: {يَا بَنِي عَادَمَ إِمَّا يَاتِينَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ الْقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). 9 - الإصلاح بمعنى الاستقامة والطاعة والإنابة في قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ (5). وفي قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الذِينَ يُومِنُونَ بِنَايَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمَلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). 10 - الإصلاح بمعنى الطمأنينة القلبية والراحة النفسية الحاصلة بتقوى الله تعالى في قوله تعالى: {وَمَا نُرسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَلُونَ".
(1) سورة الأعراف / الآية: 168.
(2) سورة هود / الآية: 117. (3) سورة الحجرات / الآية: 9. (4) سورة الأعراف / الآية: 35. (5) سورة الأنبياء / الآية: 90. (6) سورة الأنعام / الآية: 54. (7) سورة الأنعام / الآية: 48. (1/228)
صفحة 229
المبحث الأول: مفهوم الإصلاح بين اللغة والاصطلاح القرآني
197
11 ـ الإصلاح بمعنى الصفح والعفو والمسامحة في قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ
مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
12 - الإصلاح بمعنى حل الخلافات الزوجية وتوثيق العلاقات الأسرية والاجتماعية في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنَ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنَ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خبيرا. وفي قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنَّ أَرَادُوا إصلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَالرَّجَالَ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةً وَاللهُ عزيز حکيم داراي دقت (قي)
13 - الإصلاح بمعنى كونه طريق الفلاح في الآخرة برضوان الله تعالى وثوابه في قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وفي قوله تعالى: وَأَدْخَلْنَاهُ في رَحْمَتِنَا إِنَّهُ منَ الصَّالحين). وفي قوله تعالى: {إن الذين ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَعَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
بناء على هذا العرض لما تفيده لفظة "صلح " ومشتقاتها من معان، نلاحظ أن “ القرآن الكريم وظف جل المعاني اللغوية للإصلاح، ثم توسع إلى توظيف معان جديدة لم تشر إليها المصادر اللغوية، وهي معان مركبة مبنية على ما ورد في اللغة؛
(1) سورة الشورى / الآية: 40. (2) سورة النساء / الآية: 14. (3) سورة البقرة / الآية: 228.
(4) سورة النحل / الآية: 97.
(5) سورة الأنبياء / الآية: 75.
(6) سورة البقرة / الآية: 277. (1/229)
صفحة 230
198
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
هذا ما يفيد أن لفظة "صلح" أخذت أبعادا اصطلاحية جديدة، وأنها كلمة معقدة
المحتوى، وعميقة المدلول عمق العملية الإصلاحية.
(1)
نحاول الآن أن نخضع مفهوم هذه الآيات إلى منهج التفسير الموضوعي لاستنتاج جملة من الخصائص التي تقوم عليها العملية الإصلاحية في مفهومها
القرآني الإسلامي: إنها التطبيق الفعلي والعملي للمبادئ والأفكار والقيم التي جاءت بها الديانات، وتوافقت حولها من التوحيد ومكارم الأخلاق.
-
إنها دعوة لعمارة الأرض بالخير في مجال السياسة والاجتماع والعمران والاقتصاد.
إنها عملية معاكسة للفساد ومحاربة له في كل صوره وأشكاله.
- إنها عملية شاملة لنشر الخير والدعوة إليه وإشاعته بين الناس. إنها دعوة شاملة للالتزام بالقيم والمبادئ الأخلاقية التي دعت إليها سائر الديانات.
إنها مسايرة للفطرة الإنسانية وكل ما جبل الله عليه الإنسان على مستوى المعتقدات والسلوك.
إنها دعوة لتوحيد الله تعالى وتنزيهه وإفراده بالعبودية دون سواه. إنها عملية مستمرة ودائمة ومتجددة لنقل الإنسان من حالة الانحراف عن
منهج الله تعالى إلى حالة الالتزام بمنهج الله تعالى عقيدة وسلوكا.
(1) يعتمد التفسير الموضوعي للقرآن الكريم على عدد من الخطوات العامة للتفسير، كالدراسة اللغوية والدراسة التحليلية، ثم يضيف إلى ذلك تجميع الأفكار المستخلصة من كل آية على حدة حول الموضوع المدروس؛ لاستنتاج تصور قرآني أو نظرية إسلامية تضبط معالجة القرآن لذلك الموضوع أو المصطلح. يراجع في ذلك: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون، ط 2، دار الكتب الحديثة، القاهرة، مصر، 1396 هـ/ 1976 م. صلاح عبد الفتاح الخالدي: التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق، دار القلم، بيروت لبنان، 1997 م أحمد رحماني: التفسير الموضوعي، نظرية وتطبيقا، الجزائر، باتنة، منشورات جامعة
باتنة، ط أ، دت. (1/230)
صفحة 231
المبحث الأول: مفهوم الإصلاح بين اللغة والاصطلاح القرآني
199
إنها دعوة لتوطيد العلاقات داخل المجتمع انطلاقا من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع بين أحزابه وطوائفه ومذاهبه، وسعي دائم لإعادتها إلى حالتها الصحيحة
بعد اختلالها
إنها عملية ربط مستمر للفرد المسلم بمصيره الأخروي وتذكيره به، بوضع قلبه بين حالتي الخوف والرجاء، ودفعه لنيل رضا الله وثوابه وتحذيره من غضب
(1)
الله وعقابه. إنها عملية معقدة شاقة متعددة الجوانب تقتضي الإعداد المتمثل في المصلح والمصلح والمنهج والوسائل وزمن الإصلاح على ضوء هذه المقومات والخصائص المستمدة من عمق المفهوم القرآني لمعنى الإصلاح نحاول أن نضبط له التعريف الاصطلاحي الآتي:
الإصلاح هو عملية اجتماعية معقدة، مرجعيتها الدين الإسلامي عقيدة وشريعة، هدفها إحداث تغيير إيجابي ونقل نوعي للمجتمع على مستوى حياة الأفراد الروحية والعقلية والسلوكية، وعلى مستوى المنظومة الاجتماعية لهم في كل أبعادها، حتى تستقيم هذه الحياة على طاعة الله تعالى، وإخلاص العبودية له، وتحقيق الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله تعالى. وهذا يقتضي تحديد هدف واضح المعالم، ومنهج واضح الخطوات، بما يتناسب مع الظروف الزمنية والمكانية التي تحدث فيها عملية التغيير.
من
اتخاذه
إن هذا التحديد للمفهوم القرآني لمصطلح الإصلاح يمكننا لنا معلما ومرجعا، يسمح عرض آراء أعلام الحركة الإصلاحية عليه في كل مجالاتها، ومعرفة ما مدى قربها أو بعدها في جانبها النظري والعملي من
التصور القرآني.
(1) قام الدكتور أحمد عيساوي بدراسة هذا الموضوع في أطروحته للدكتوراه واستخلص خصائص مهمة للعملية الإصلاحية في مفهومها القرآني. انظر: عيساوي: الشيخ العربي التبسي مصلحا، ص 222 - 225. (1/231)
صفحة 232
200
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
-3 - مرادفات الإصلاح: تجدر الإشارة إلى أن الفكر الإسلامي عرف العديد من المصطلحات وتداولها
للدلالة على المعنى الاصطلاحي للإصلاح أو ما اقترب منه مثل:
النهضة، التغيير، التجديد، النهوض، الدعوة، التحضر، البعث، الإحياء. إن الناظر في هذه الألفاظ وفيما كتب حولها يجد أنها جميعا تشترك في دراسة إشكالية واحدة وتدور حولها، التي تمثلت أساسا في كيفية تغيير أوضاع المجتمع الإسلامي والإصلاح من أحواله لأجل أن تحقق العبودية والاستخلاف والتمكين في الأرض وفق منهج الرسول الكريم محمد. لذا فهي تشترك في المعنى العام، وتوجد بينها نقاط تلاق وتقاطع جوهرية، مع تسجيل فوارق واختلافات في جوانب فرعية جزئية. ولقد وقع اختياري على مصطلح الإصلاح دون غيره، وانصب التحليل والبحث عليه لسببين رئيسين اثنين هما:
1 - إنه المصطلح الأكثر تداولا في القرآن الكريم للدلالة على حركة التغيير
الاجتماعي.
2 - إن زعماء النهضة الإصلاحية الحديثة والمعاصرة اختاروه ووظفوه في خطاباتهم وكتاباتهم أكثر من غيره من المصلحات الماضية)، واعتبروا أنفسهم
مصلحين، وسموا نشاطهم وجهودهم حركة إصلاحية أو نهضة إصلاحية. فما مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية، وما هي خصائصه ومميزاته؟
(1) على سبيل المثال: سمى أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنفسهم مصلحين، وسمى الشيخ بيوض حركته بالإصلاح، وسمى الشيخ عبد الرحمن بكلي كتابه مسيرة الإصلاح في جيل، وسمى الدكتور رابح تركي أطروحته للدكتوراه الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر. وسمى الأستاذ محمد علي دبوز موسوعته أعلام الإصلاح في الجزائر. وسمى الأستاذ أحمد الخطيب كتابه: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر. (1/232)
صفحة 233
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
أ-
المبحث الثاني:
مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
ا - مدخل منهجي:
1 - تحول الإصلاح من الفكرة إلى الحركة:
201
سبقت الإشارة في الفصل السابق إلى أن الفكرة الإصلاحية شهدت مراحل إعدادية، ولدت فيها ونشأت نشأتها الأولى، وكانت السمة البارزة لتلك الفترة هي كون الإصلاح أفكارا يعتقد بها أشخاص سواء كانوا علماء أم أعيانا أم عامة؛ دون أن تتحول إلى حركة اجتماعية واضحة المعالم. إذ أن المجتمع ما زال لم يستطع أن يحتضن الفكرة الإصلاحية حق الاحتضان لتصبح جزءا منه يتنفس بها ولا يستطيع العيش من دونها، لذا لم تستطع الفكرة أن تتحول إلى مشاريع ميدانية ومؤسسات قاعدية في مفاصل المجتمع، ولم تستطع أن تخترق الهيئات العرفية الدينية المسيرة للمجتمع اختراقا حقيقيا، حتى تعطي له النفس والدفع اللازمين اللذين يمكنانها من الثبات والتمركز ثم الانطلاق القوي. لقد كان لتراكم الجهود السابقة في مسيرة الإصلاح، ولتسارع الأحداث التي شهدها المجتمع الجزائري بصفة عامة ووادي ميزاب بصفة خاصة مع مطلع القرن العشرين؛ وبالذات بعد الحرب العالمية الأولى (1) أثره الفعال في إعادة بلورة الفكرة
(1) يرى الشيخ أبو اليقظان أن أحداث الحرب العالمية الأولى هزت المجتمع الجزائري والمجتمع الميزابي وأيقظته من سباته العميق وحركت فيه إرادة الإصلاح وعزيمته انظر: إبراهيم أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي اليقظان، جريدة وادي ميزاب 1926 - 1929 م، إعداد وتقديم: محمد صالح ناصر، نشر مكتبة الريام، 1424 هـ / 2003 م، مقال بعنوان شعور الأمة نائم فماذا ينبهه؟، ص 57 - 60. وكذلك يرى الشيخ عبد الرحمن بكلي أن ما هز وادي ميزاب وأيقظه إضافة إلى الحرب العالمية الأولى مسألة التجنيد الإجباري التي زلزلت أركانه ودفعته إلى توحيد جهوده ولملمة صفوفه حيث يقول: «تنبه
= (1/233)
صفحة 234
202
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
الإصلاحية من جديد، ونقلها من طور احتضان الأفراد لها إلى طور احتضان الجماعات والمؤسسات، ومن طور العمل الفردي إلى طور العمل الجماعي؛ الذي
يتطلب تنسيق الجهود، وتوحيد الرؤى وترتيب الصفوف، وتوزيع الأدوار. مع هذا التطور السياسي والاجتماعي المتسارع أضحى على الفكرة الإصلاحية وجوبا أن تجد لها كفاءات علمية واجتماعية تتولى قيادتها وتتدبر ؤونها وتفكر في أوضاعها وتخطط لمستقبلها، وتسير بها في اتجاه الأهداف التي رسمتها وسلكت في سبيل إنجازها أشواطا.
وفقا لهذه الحيثيات اكتمل نضج الفكرة الإصلاحية في الأذهان وتوفرت لها الدواعي والأسباب لنقلها من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الحركة الاجتماعية ذات الخط الفكري والمنهج العملي والمؤسسات الميدانية.
يبدو لي أنه كان لزاما عليها أن يحصل لها هذا التحول والانتقال النوعي، ولم تكن مختارة في ذلك؛ فقد كان بين يديها خياران لا ثالث لهما؛ إما الثبات والتجدر والانطلاق القوي بواسطة حركة اجتماعية متكاملة يحتضنها المجتمع، أو الموت والفناء والخروج من حلبة التاريخ نهائيا.
وذلك نظرا للظروف السياسية والاجتماعية التي تحيط بها وتوجد بداخلها، من وطأة للقوى الاستعمارية ذات النفوذ والشدة، ومحاربتها لأي صوت مناد
=
شعور ميزاب كغيره من الأقطار على زعقات الحرب العالمية الأولى، فأخذت تستيقظ شيئا فشيئا على توالي الأيام وتتابع السنين تبعا لتطور الحياة، وإن كانت يقظة في فتور، وشعورا في تشنج، حتى قرعتها قارعة التجنيد الإجباري من جديد سنة 1919 م، فزلزلت منها كل ركن فبثت في أعصابها حيوية جديدة، وحفزتها إلى تكتيل قواها، وتوحيد اتجاهاتها بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 90. وكذلك يعتقد الدكتور محمد ناصر أن التشكل الحقيقي للحركة الإصلاحية كان بعد الحرب العالمية الأولى في حدود سنة 1925 م. مقابلة مع الدكتور محمد ناصر، الجزائر، جويلية 2005. والرأي نفسه يعبر عنه في كتابه: حلقة العزابة، ص 20. حين يقول: ولكن التطور الحقيقي إنما ظهر على يد الشيخ يوض مع بداية النهضة الإصلاحية بعد الحرب العالمية الأولى». (1/234)
صفحة 235
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
203
بالتغيير والإصلاح، ومن ترد اجتماعي على مختلف الأصعدة من فاقة وجهل وتفرق وهوان. فاختارت مدفوعة بالأحداث التحول إلى حركة اجتماعية، ولم
ترض بالبقاء في مكانها إلى أن يقضي عليها الزمان ويعود بها إلى نقطة الصفر. كما يبدو لي أن قيادات الحركة الإصلاحية وجدت نفسها بادئ الأمر أمام أمر الواقع اختارهم القدر ووضعهم في صدارة المجتمع ولم يمهلهم من الوقت ما يتدبرون فيه أمرهم ويفكرون في حالهم وما يستقبلهم من عظم المهام وجلل الأمور، إذ لم يكن في حسبانهم أن الفكرة الإصلاحية ستتحول بين أيديهم إلى حركة يحتضنها المجتمع ثم تكبر وتتطور لتصبح مدرسة ومشروعا حضاريا متكاملا، ثم تقوم بعملية تغيير اجتماعي شامل وتقود حروبا فكرية وسياسية على أصعدة عديدة (1).
شخصية
لقد تزامنت هذه المرحلة الخطيرة والحرجة في عمر الفكرة الإصلاحية مع وجود عدد من الشخصيات الاجتماعية والعلمية في وادي ميزاب؛ معظمهم من تلاميذ قطب الأيمة محمد بن يوسف اطفيش، إلا أنه لم تظهر من بينهم جامعة تلتف حولها الجماهير، إذ كانت الحركة في أمس الحاجة إلى هذه الشخصية القيادية القوية علميا واجتماعيا، حتى تجمع الكلمة من حولها وتوحد الصف وتقود القافلة، فكأن الحركة كانت تبحث لنفسها عن هذه الشخصية ولما تجدها.
(1) هذا ما يستشف من خطاب الشيخ بيوض وموقفه - وهو لا يزال شابا في منتصف العشرينيات - لحظات توليه قيادة المجتمع خلفا لشيخه المتوفى الحاج عمر بن يحيى، فلم يحمل خطابه ما يوحي أنه قادم على قيادة حركة تغييرية تعم وادي ميزاب في كل مناحي الحياة. والرأي نفسه يفهم من الأحداث التي تزامنت مع وفاة شيخه الحاج عمر بن يحيى، والتي تلتها بقليل، المتمثلة في انقسام طلبته إلى صفين، صف بقيادة الشيخ عمر بن الحاج مسعود، وصف بقيادة الشيخ بيوض واختلافهم حول الإصلاحات اللازمة في الجانب التعليمي التربوي لمعهد شيخهم المتوفى، وكذا اختلافهم في موقفهم من بعثة الطلبة إلى تونس دون أن يتعدى ذلك إلى وجود حركة اجتماعية شاملة. يراجع في ذلك: سعيد شريفي، معهد الحياة نشأته وتطوره، ط 1، المطبعة العربية، غرداية 1989 م، ص 25 - 56. محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 2، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1396 هـ/ 1976 م، ج 2، ص 190 - 191. (1/235)
صفحة 236
204
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
حتى ظهر على واجهة الأحداث شاب طموح يدعى إبراهيم بيوض، برز بشخصيته القوية إثر وفاة شيخه الحاج عمر بن يحيى - أحد تلاميذ القطب - في بلدته القرارة، فما كان منه إلا أن يتلقف الراية منه ويواصل الطريق من بعده، مؤسسا لعهد جديد في مسيرة الإصلاح، وناقلا لها من طور الإعداد إلى طور النضج، ومن طور العمل الفردي إلى طور العمل الجماعي، مؤسسا حركة إصلاحية معاصرة عند إباضية الجزائر، تحولت مع مرور الزمن إلى مدرسة ذات فكر ومنهج ومؤسسات وأتباع.
2 - الإصلاح مدرسة فكرية:
إن تحول الإصلاح من الفكرة إلى الحركة يقتضي النظر إليها والكشف عن فكرها وآرائها على أساس أنها تشكل مدرسة واحدة تمثل كتلة فكرية تشترك في التوجهات العريضة والأهداف المحددة وخطة العمل المتبعة في القضايا والمسائل المطروحة والمدروسة.
إذ يفترض أن يكون بين أقطابها وأعلامها تفاهم وتوافق وتكامل وتقاسم للأدوار في العملية الإصلاحية، وأن فكرة أحدهم أو موقفه هي فكرة المدرسة وموقفها وقناعتها وأنها تعبير عن رأيها ووجهة نظرها مع إمكانية الاختلاف في بعض المسائل الفرعية وتعدد وجهات النظر حولها، والتي تكشف عن هامش الحرية والاجتهاد والحوار الموجود داخل أي مدرسة بل هو ثمرة من ثمارها.
بناء على هذا المفهوم فإن صحافة الشيخ إبراهيم أبي اليقظان تعد لسان حال المدرسة الإصلاحية، وأحد منابرها الفكرية المعبرة عن قناعاتها وتطلعاتها وتوجهاتها.
يقول الدكتور محمد ناصر: (وهكذا أصبحت جريدة "وادي ميزاب“ اللسان الناطق باسم الحركة الإصلاحية بعامة وفي وادي ميزاب بخاصة، وأصبحت بالتالي كل الصحف التي أنشأها أبو اليقظان المنبر الحر الذي ارتضاه (1/236)
صفحة 237
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
205
رجال الإصلاح لهم، وتصبح مرآة ينعكس عليها تاريخ هذه الحركة فكرا وأعمالا زعامة وتوجيها» (1).
كما كانت هذه الصحافة ميدانا فسيحا للمصارعة والمناطحة الفكرية بين الإصلاح والتيارات الأخرى المعارضة له والمناوئة داخل وادي ميزاب أو خارجه في الجزائر والعالم الإسلامي.
يقول الدكتور محمد ناصر أيضا: (من هنا تكون المقالات التي كتبت في هذا الاتجاه ذات دلالة عريقة لأنها تمثل نوعا من الصراع الفكري الذي كان محتدا بين اتجاهين متعارضين كلاهما يريد السيطرة على أفكار العامة، ويقاوم في سبيل بقائه وانتشاره» (2).
كما أن خطابات الشيخ إبراهيم بيوض ودروسه في التفسير والدعوة والوعظ تعد الصورة نفسها السالفة الذكر في التعبير عن فكر المدرسة الإصلاحية وعن توجهاتها ومنهجها وآرائها في قالب خطابي شفوي.
هذا ما يقرره مؤرخ الحركة الإصلاحية (3) الأستاذ محمد علي دبوز في كتابيه: أعلام الإصلاح في الجزائر، ونهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، حيث أفاض في الكلام عن الحركة الإصلاحية وجهود أعلامها الميدانية في الجبهات الإصلاحية
المختلفة، وعلى رأسهم زعيمها الشيخ بيوض. فهو يرى أن الفضل الأكبر يعود إلى الشيخ بيوض في بناء هذا المجتمع المسجدي ووضع قواعده وأسسه، وذلك بجهاده الدعوي الذي استمر أزيد من نصف قرن من الزمن، وبدروسه العظيمة القيمة التي كانت تدوي أرجاء المساجد
(1) ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 84. (2) المرجع نفسه: ص 84. (3) أطلقت على الأستاذ محمد علي دبوز تسمية مؤرخ الحركة الإصلاحية، لأني أراه أكبر من اهتم بالتاريخ للحركة الإصلاحية وتتبع مراحلها وأعمالها، وذلك في كتابيه الموسوعيين أعلام الإصلاح في الجزائر، في خمسة أجزاء. ونهضة الجزائر الحديثة، في ثلاثة أجزاء. (1/237)
صفحة 238
206
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
والمحافل، وبنزوله إلى الميدان بخطة عملية متكاملة، فاستطاع أن يزرع في قلوب الناس ووعيهم أخلاقا واستقامة على نهج القرآن الكريم، وحبا وتأييدا لحركة الإصلاح واستعدادا قويا للاستجابة السريعة إلى كل ما يمليه المسجد أو يدعو إليه فعلا أو تركا (1).
يقول الأستاذ نور الدين سكحال) في حديثه عن الدور الإصلاحي للشيخ بيوض: (إن الشيخ جمع في عمله الإصلاحي بين الفكر والعمل، فقد كان عالما بالدين عقيدة وشريعة، ملتزما بمقتضيات هذا العلم في فكره وسلوكه، لكنه لم يكتف بذلك، بل سعى ليجعل من هذا العلم واقعا في حياة مجتمعه» (3).
ويقول عنه الدكتور عيسى قرقب): (إن إبراهيم بيوض الزعيم الروحي والسياسي لمنطقة ميزاب قد سجل أعمالا وطنية وفكرية جليلة في تاريخ الجزائر المعاصر، فقد أنشأ الكتاتيب القرآنية والمدارس الحرة والمساجد والمعاهد على غرار ما قام به أقرانه العلماء بزعامة ابن باديس ... ووجه المجتمع الإباضي توجيها سليما يجمع بين الأصالة والمعاصرة للحفاظ على حصانة الشعب وتفتحه على ثمار الحضارة الحديثة فجعل منه شعبا متماسكا متضامنا» (5).
والكلام نفسه يقال عن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش الذي عاش في المنفى ونشط ضمن الفكر الإسلامي الواسع مع أقطاب الدعوة والنهضة في أرض
(1) دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 197 - 208
(2) (على قيد الحياة) أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة.
(3) نور الدين سكحال: الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه في الإصلاح، 1899 م 1980 م، رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، معهد أصول الدين قسم الدعوة والإعلام، س ج
1994 1995، ص 190.
(4) (على قيد الحياة أستاذ بجامعة أدرار للعلوم الإسلامية. (5) عيسى قرقب الإمام إبراهيم بيوض، رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري 1339 1920/ 1401 - 1981، أطروحة دكتوراه دولة في التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة قسنطينة، قسم التاريخ، سج: 1995 - 1996، ص 201. (1/238)
صفحة 239
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
الكنانة
207
مصر - قلب الإصلاح في العالم -الإسلامي فرأى في ذلك قياما له بدور ضروري للحركة الإصلاحية على الساحة الإسلامية؛ ربما لا يتسنى لغيره في مجال التعريف بفكرها ومشروعها الحضاري. وذلك من خلال جهوده في ميدان الصحافة والدعوة ونشر التراث ومن خلال متابعته الدقيقة لأعمال الحركة الإصلاحية في الجزائر بمراسلاته (1) المستمرة مع قادتها وزعمائها؛ خاصة منهم الشيخ أبو اليقظان الذي كان رفيق دربه وحامل همومه (2).
يقول الشيخ محب الدين الخطيب (3): «هبط صديقنا الأستاذ العلامة الشيخ إبراهيم اطفيش وادي النيل مهاجرا إليه من وطنه الجزائر من قبل أن يولد الفتح“ واكتسبنا صداقته من السنة الأولى التي اتخذ فيها الوطن المصري وطنا ثانيا له، فكنا نحن وجميع أفاضل المصريين نعجب بصدقه وصلابة دينه واستعداده للمشاركة في كل خير، فما قامت لخير الإسلام جماعة من ذلك الحين، ولا أرسل المنادون إلى الفلاح صوتهم في أمر إلا كان أبو إسحاق اطفيش في مقدمة المعينين على ذلك، ومقالاته المتعددة في هذه صحيفة الفتح وفي أختها الزهراء شاهد على فضله، ودليل على حسن بلائه في سبيل وحدة المسلمين جزاه الله خيرا).
والكلام نفسه يقال عن الشيخ عبد الرحمن بكلي بكونه أحد قادة الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب من خلال نشاطه الدعوي الاجتماعي
والتعليمي والتربوي.
(1)
يراجع في ذلك: إبراهيم أبو إسحاق اطفيش: مجموعة رسائل الشيخ أبي إسحاق إلى الشيخ أبي اليقظان،
جمع الدكتور محمد ناصر. دت.
(2) ناصر: الشيخ إبراهيم اطفيش، ص 59 - 197.
(3) محب الدين الخطيب: (1303 - 1389 هـ/1886 - 1969 م) من كبار كتاب ودعاة الفكر الإسلامي المعاصر، ولد في دمشق وتعلم بها وفي الأستانة، استقر في القاهرة وعمل محررا في جريدة الأهرام، وأصدر
مجلتين هما: الزهراء والفتح. كما كان من أوائل مؤسسي جمعية الشبان المسلمين. كما تولى تحرير مجلة الأزهر ست سنوات. أنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها، فأشرف على نشر الكثير من كتب التراث من مؤلفاته: اتجاه
الموجات البشرية في جزيرة العرب تاريخ مدينة الزهراء بالأندلس. الزركلي: الأعلام، ج 5، ص 282.
(4) النص منشور ضمن كتاب: ناصر: الشيخ إبراهيم اطفيش، ص 51. (1/239)
صفحة 240
208
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
يقول الدكتور محمد ناصر بوحجام في معرض الحديث عن دوره الإصلاحي: وهو مصلح ديني واجتماعي أسهم مع زملائه في إصلاح المجتمع ومحاربة البدع والخرافات وبث الوعي الديني والوعظ والإرشاد في المساجد والمناسبات والتعليم في المدارس والكتابة في الصحف والتأليف والتحقيق» (1).
ويقول الدكتور مصطفى باجو: (الشيخ عبد الرحمن الذي كان واحدا من صناع حركة الإصلاح، وأحد حداتها، ومرابطا على ثغر من ثغورها، يزجي المسير، ويرقب القافلة، يدفع عنها العوادي وينافح عنها في كل ناد، وينزل بركانا على كل من رام كيدا لها، أو وقفا في مسيرتها»
(2)
والكلام نفسه يقال عن الشيخ عدون شريفي الذي كان العضد الأيمن للشيخ بيوض؛ مرابطا في ميدان التعليم في وادي ميزاب وخارجه فكان شاهدا على العصر في تطور الحركة الإصلاحية وتقييد أعمالها عن طريق التقارير التربوية ومحاضر الاجتماعات والمراسلات الكثيرة مع أقطاب الحركة الإصلاحية وهيئاتها (3). يقول الدكتور محمد ناصر: (يعتبر الشيخ عدون أحد الركائز الأساسية للإصلاح بوادي ميزاب شارك في إعلاء بنيانه بجهده وفكره وكتاباته، ومرابطته الطويلة المستمرة في واجهة التعليم والثقافة، وإنا لا نعد مبالغين إن زعمنا أن التعليم - ولا سيما في القرارة، وكثير من مدن التل ـ ما كان ليبلغ ما بلغ لولا جهود الشيخ عدون الشخصية.
عمره
وأحسب الشيخ عدون شاهد عصره والدليل عليه لأنه ممن أطال الله في الجهاد وبارك فيه وقد تبين لنا من خلال رسائله في الثلاثينيات تحمسه
(1) محمد ناصر بوحجام مقال بعنوان: الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، ع 9، ص 209.
(2) مصطفى باجو: مقدمة في كتاب: مسيرة الإصلاح في جيل للشيخ عبد الرحمن بكلي، ص 14.
(3) شريفي معهد الحياة، كله. (1/240)
صفحة 241
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
209
الشديد للإصلاح، وموقفه الحازم من قضاياه ونصرته الدائمة لزعيمه وشيخه الشيخ بيوض).
إذن فالروح الموجودة التي تسري في عروق كل هؤلاء الأعلام وفي دمائهم وأذهانهم هي نفسها في خصائصها وأهدافها ومنهجها، رغم اختلاف الأدوار التي كان يقوم بها كل واحد منهم الناتج عن تقاسم المهام فيما بينهم. كما أن هذه الروح موجودة في طبقة عريضة من الأعيان والمشايخ وعموم
الناس؛ ممن ساند الحركة الإصلاحية، وآزرها وقامت منجزاتها على أكتافه. هذا ما سيحملنا للحديث عن فكر الحركة الإصلاحية في أوجهها المختلفة
ومن خلال أعلامها العديدين على أساس أنها نتاج مدرسة لا نتاج أفراد. بعد ذلك ينبغي التساؤل عن الممثلين الشرعيين لهذه الحركة، الذين يحق لهم الحديث باسمها والتعبير عن مواقفها وآرائها؟
3 - لسان الحركة الإصلاحية: إن دراسة الحركة الإصلاحية يقتضي ضبط منابعها الفكرية بدقة، وتحديد أصحاب الشرعية فيها، ومعرفة لسانها الناطق باسمها. هذه المنابع المتمثلة في أقطابها الذين سيعول عليهم في فهم الفكر الإصلاحي والتعبير عنه. ذلك أن الحركة شهدت معارضة داخلية شديدة، شقت المجتمع الميزابي إلى تيارين متصارعين؛ تيار الإصلاح والتجديد من جهة وتيار المحافظة والجمود من جهة أخرى. وكان لكل فريق عدد من العلماء والمشايخ والأعيان وجماهير من العوام. ومن الضروري التمييز بين التيارين لكونهما عاشا في الزمان والمكان نفسه؛ للتمكن من فهم كل فكر على حدة، ثم فهم أسباب الاختلاف والصراع الفكري الدائر بينهما حول الكثير من القضايا والمواضيع، وإمكانية تقويمه ونقده.
(1) محمد ناصر مقال بعنوان: من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، ع 9، ص 117 - 141.
16 (1/241)
صفحة 242
210
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
فلسفة
يؤسس الشيخ عبد الرحمن بكلي لفهم حقيقة هذا الصراع في حديثه عن الإصلاح وعلاقتها بفهم الإسلام فيقول: (إنما اختلاف المدارك في فهم تلك التعاليم على حقيقتها، جعل الناس أزاءها قسمين مصلح مجاهد، ومقلد جامد، فمن رآها مبعث سعادة وسيادة، وأساس مدنية وعمران ... فذلك المصلح المجاهد. ومن رآها باعث انزواء وانكماش، وداعية عزوف عن الدنيا وزهراتها، وانقطاع عن الحياة المادية إلى الحياة الروحية المحضة، وابتعاد عن اقتحام لجي الاجتماع ... فذلك المقلد الجامد» (1).
يصف الأستاذ محمد علي دبوز طبيعة هذا الصراع الذي كان طرفا شاهدا فيه فيقول: «لقد اشتدت تلك المعارك في وسط الثلاثينيات بين الشيخ بيوض زعيم الإصلاح في ميزاب وأعداء الإصلاح الألداء ... ولما جاء العلماء المصلحون ... دعوا إلى النهضة في كل النواحي، واتباع الطرق الحسنة القريبة في كل الميادين ... وأنكر المصلحون الانكماش والجمود والخمول والجهل والفقر والرضا بالدون ... فسول لهم الحسد والأنانية وحقد الضعيف على القوي الثورة على الإصلاح، فوقفوا تحت راية رؤوس المعارضة للإصلاح يؤيدونهم في حربهم للمصلحين» (2). إذن فأصحاب الحركة الإصلاحية عند إباضية الجزائر هم علماء الجيل الأول منها؛ الذين تلقفوا الفكرة الإصلاحية من مشايخهم الذين سبقوهم في الإعداد لها وقطعوا الأشواط الأولى فيه - كما بينا ذلك في الفصل السابق - وهم الذين قادوا صفوفها ونظروا أفكارها وبلوروا مدرستها وصنعوا أحداثها وبنوا مؤسساتها بتقاسم للأدوار وتكامل فيما بينهم بانسجام وتفاهم وتعاون وتشاور.
ستكون العمدة على إنتاجهم الفكري كتابة وخطابة، كما ستكون أعمالهم ومواقفهم مسرحا للتحليل والنقد والتمحيص لأجل استخلاص معالم الفكر
الإصلاحي من مختلف جوانبه.
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 22. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 28 - 29 (1/242)
صفحة 243
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
211
سنحتاج أحيانا في إبراز إحدى أفكارهم العودة إلى أحدهم مكتفين به؛ إيمانا منا من أنه موقف أو رأي للحركة، كما سنحتاج أحيانا أخرى لعرض أكثر من رأي لهم حول المسألة الواحدة عندما تتباين مواقفهم حولها، أو تتعدد طريقة معالجتهم لها.
هؤلاء هم:
الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض.
الشيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان.
الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي.
الشيخ أبو اسحاق إبراهيم بن محمد اطفيش.
الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدون).
يحسن بنا أن نقف على ترجمة هذه الشخصيات، قبل أن نرى فصولا من
جهادهم وأعمالهم في ثنايا البحث:
- الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض.
ربيع
(و: 11 ذي الحجة 1313 هـ / 21 أفريل 1899 م - ت: الاربعاء 8 الأول 1401 هـ / 14 جانفي (1981 م أحد علماء الجزائر العاملين، ورائد النهضة الإصلاحية المعاصرة في وادي ميزاب دخل المدرسة القرآنية في مسقط رأسه القرارة، واستظهر القرآن الكريم قبل سن البلوغ، وأخذ مبادئ الفقه والعربية عن مشايخه الحاج إبراهيم الإبريكي، وأبي العلا عبد الله، والحاج عمر بن يحيى. نبغ منذ صباه فعرف بذكائه وحافظته القوية وفصاحة لسانه في سنة 1340 هـ/ 1921 م خلف شيخه المتوفى الحاج عمر بن يحيى في قيادة الحركة العلمية في بلدته، والوعظ والإرشاد في المسجد، ودخل معترك العمل الاجتماعي والدعوي والتربوي، وعين سنة 1359 هـ/ 1940 م شيخا لحلقة العزابة في بلدته. أسس في تاريخ 18 شوال 1343/ 21 ماي 1925 م معهد الحياة للتعليم الثانوي، وفي سنة 1350 هـ/ 1931 م افتتح درس الحديث الشريف من كتاب فتح (1/243)
صفحة 244
212
بھيج
(1)
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
(2)
الباري شرح صحيح البخاري) لابن حجر العسقلاني واختتمه بحفل علمي سنة 1362 هـ/ 1945 م. كما شرح العديد من الكتب في المسجد لعموم الناس. وفي محرم سنة 1353 هـ/ ماي 1953 م - بعد أن أتم تفسير جزء عم - افتتح درس تفسير القرآن الكريم من فاتحته، واختتمه يوم 25 ربيع الثاني 1400 هـ / 12 فيفري 1980 م، وأقيم له مهرجان كبير بهذه المناسبة، حضره حشد كبير من الأيمة والعلماء والمسؤولين من كافة أنحاء القطر الجزائري.
في سنة 1350 هـ/ 1931 م شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأسهم في صياغة قانونها الأساسي، وانتخب عضوا في إدارتها الأولى، فأسندت إليه نيابة أمين مالها. وفي سنة 1356 هـ / 1937 م أسس جمعية الحياة بالقرارة، المشرفة على نشاطها العلمي والاجتماعي. كما كانت له مشاركة فعالة بمقالات في صحافة الشيخ أبي اليقظان. وفي سنة 1359 هـ/ 1940 م حكم عليه الاستعمار الفرنسي بالإقامة الجبرية داخل القرارة، لا يغادرها لمدة أربع سنوات، تفرغ خلالها لتكوين أفواج من الطلبة. وفي سنة 1368 هـ/ 1948 م كان من بين الأربعة الذين أمضوا على برقيات ورسائل التأييد باسم اللجنة الجزائرية الفلسطينية لقضية فلسطين في الجامعة العربية، وكان عضوا في لجنة إغاثة فلسطين.
دخل معترك الحياة السياسية بعد خروجه من الإقامة الجبرية، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فطالب بإلحاق الصحراء بالجزائر مناهضا مشروع الدستور
(1) محمد بن إسماعيل البخاري: (194) - 256 هـ / 810 - (870 م) حبر الإسلام، والحافظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحب الجامع الصحيح، وأهم كتبه التاريخ، الضعفاء في رجال الحديث، خلق أفعال العباد الأدب المفرد. ولد في بخارى، ونشأ يتيما، وقام برحلة طويلة في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق ومصر والشام. الزركلي: الأعلام، ج 6، ص 34. (2) أحمد بن علي العسقلاني ابن حجر (773) - 852 هـ/ 1372 - 1449 م) من أئمة العلم والتاريخ. أصله من عسقلان بفلسطين، ومولده ووفاته بالقاهرة. رحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما من البلدان لسماع شيوخ الحديث، وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه وأصبح حافظ الإسلام في عصره، كان فصيح اللسان، راوية للشعر، حافظا للتاريخ، ولي القضاء في مصر، له مؤلفات كثيرة منها: شرح صحيح البخاري. المرجع نفسه: ج 1، ص 178. (1/244)
صفحة 245
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
213
الذي وضعته السلطات الفرنسية للجزائر سنة 1367 هـ/ 1947 م. كما انتخب بالأغلبية يوم 11 جمادى الثانية 1367 هـ/ 20 أفريل 1948 م لنيابة وادي ميزاب في المجلس الجزائري، وأعيد انتخابه في سنة 1371 هـ/ 1951 م. كما كان منذ اندلاع الثورة في سنة 1374 هـ / 1954 م إلى سنة 1381 هـ/1962 م محور النشاط الثوري لميزاب بعامة والقرارة بخاصة. وكان خلال الثورة على اتصال وثيق بالمراسلات السرية مع قيادة جبهة التحرير الوطني، والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في المهجر. وكان يؤمن بأنَّ الكفاح لا يقتصر على رفع السلاح وحده، وإنما يتكامل ببناء النفوس وإعدادها لتحمل المسؤولية والرسالة في المستقبل. ولعل أكبر موقف عرف به هو معارضته لمؤامرة فصل الصحراء عن الشمال. وفي تاريخ 13 شوال 1381 هـ/ 19 مارس 1962 م بعد إيقاف القتال نتيجة مفاوضات إيفيان، عين عضوا في اللجنة التنفيذية المؤقتة، تقديرا لكفاءته ووظيفته، وأسندت إليه مهمة الشؤون الثقافية إلى يوم تسليم السلطة لأوّل حكومة جزائرية في شهر ربيع الثاني
1382 هـ/ سبتمبر 1962 م.
في سنة 1383 هـ/ 1963 م أحيى نشاط مجلس عمي سعيد وانتخب رئيسا له إلى يوم وفاته. وفي السبعينيات اعتمدته وزارة الشؤون الدينية في إصدار الفتوى بالجمع بين الرؤية والحساب الفلكي في إثبات المواسم الدينية، وفتواه في اعتبار جدة ميقاتا للحجاج القادمين من المغرب بالطائرة.
من تراثه الفكري والأدبي:
-
- تفسير مسجل في حوالي 1500 ساعة، محررة في 12497 صفحة، بعنوان: في رحاب القرآن، تحرير الأستاذ عيسى الشيخ بالحاج، وقد طبعت عدة أجزاء منه. مئات الأشرطة لدروس ثرية ومتنوعة في المناسبات الدينية والاجتماعية والسياسية. وقد طبعت منها بعض الدروس، بعد تحريرها وتحقيقها. - مقالات في مختلف الجرائد والمجلات، خاصة منها مجلة الشباب الصادرة عن معهد الحياة، وجرائد الشيخ أبي اليقظان. (1/245)
صفحة 246
214
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
- مذكراته الخاصة؛ فقد كان الشيخ حريصا على تدوينها. ومن ثمار جهاده الإصلاحي أجيال من الرجال، فقد كان يقول دوما شغلت عن تأليف الكتب بتأليف الرجال».
وفي عمر يناهز 83 سنة، ختمت أنفاسه الطيبة، وحياته الحافلة بالجهاد. وشيع جثمانه في موكب حاشد خاشع حضره نخبة من مسؤولي الدولة، كما أبن بحفل عظيم يوم الجمعة 21 جمادى الأولى 1401 هـ / 27 مارس 1981 م.
- الشيخ إبراهيم بن عيسى حمدي أبو اليقظان.
(و: 29 صفر 1306 هـ / أوائل نوفمبر 1888 م ت: 26 صفر 1393 هـ/ 30 مارس (1973 م)، من علماء الجزائر ووادي ميزاب العاملين، ومن رواد النهضة الإصلاحية المعاصرة. تتلمذ في مسقط رأسه القرارة، ثم انتقل إلى معهد القطب الشيخ اطفيش ببني يزقن فواصل دراسته فيه، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة ودرس على يد علمائها منهم الشيخ الطاهر بن عاشور.
ترأس أول بعثة علمية جزائرية ميزابية بتونس عام 1332 هـ / 1914 م؛ ثم عاد إلى الجزائر في بداية الحرب العالمية الأولى؛ وبعدها ترأس البعثة مرة أخرى من سنة 1335 هـ/ 1917 م إلى غاية سنة 1345 هـ/ 1925 م.
يعتبر شيخ الصحافة الجزائرية المجاهدة، حيث أصدر ثماني جرائد وطنية إسلامية باللغة العربية فيما بين 1345 - 1357 هـ / 1926 - 1938 م، أوقفها الاستعمار الفرنسي واحدة تلو الأخرى، وهي على التوالي: وادي ميزاب، ميزاب المغرب النور البستان النبراس الأمة الفرقان. وهو عضو في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مكلف بنيابة أمين مالها.
ترك أعمالا علمية كثير وثزية تقترب من ستين عنوانا، منها:
(1) معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 36. (1/246)
صفحة 247
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
- سلم الاستقامة.
- سليمان باشا الباروني.
- ديوان أبي اليقظان.
- تاريخ صحف الجزائر العربية.
- ملحق سير الشماخي.
- فتح نوافذ القرآن.
215
أصيب بالشلل النصفي سنة 1335 هـ / 1957 م ولكن أعماله ونشاطه الثقافي والاجتماعي ظل متواصلا إلى وفاته (1).
- الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي، الشهيرب، البكري (و: 1319 هـ/ الخميس 3 أكتوبر 1901 م - ت: مساء الإثنين 3 جمادى الأولى 1406 هـ / 13 جانفي (1986 م أحد علماء الجزائر ووادي ميزاب العاملين، ومن رواد النهضة الإصلاحية المعاصرة. ولد ببلدة العطف، وعرف بالبكري نسبة إلى أبي بكر الصديق الذي ينهي نسبه إليه. أخذ دروسه الأولى في بلدته بالمدرسة القرآنية والمدرسة الفرنسية. حفظ القرآن الكريم واستظهره في مقتبل العمر. درس علوم اللغة والشريعة على عمه الشيخ الحاج عمر بن حمو بكلي بمعهده؛ وعلى يد الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي في دار إروان بالعطف؛ ثم انتقل إلى عاصمة الجزائر للاستزادة من اللغة الفرنسية ودرس عند الشيخ المولود الزربي الأزهري.
انتقل إلى تونس سنة 1341 هـ/ 1922 م، والتحق بالبعثة العلمية الميزابية التي كان يشرف عليها الشيخ أبو اليقظان، ودرس في جامع الزيتونة على يد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وغيره، ودرس في المدرسة الخلدونية العلوم العصرية. وخلال وجوده في تونس ساعد الشيخ أبا اليقظان في إدارة البعثة
(1) معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 52. (1/247)
صفحة 248
216
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
وكان محتكا بالنشاط العام الدائر في تونس وهنالك تكونت آراؤه السياسية والوطنية والإصلاحية.
عند تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1350 هـ/ 1931 م حضر الشيخ الجلسة التأسيسية، وعين عضواً في لجنة صياغة قانونها الأساسي. وفي سنة 1353 هـ/ 1934 م عين عضوا في حلقة العزابة ببلدته، وكان وثيق الصلة بالنشاط الصحفي للشيخ أبي اليقظان ويسهم في نشر مقالات في جرائده، ويساعد في أعماله. وفي سنة 1358 هـ/ 1939 م انتقل إلى بلدة بريان ليتفرغ للتعليم، فأشرف. على مدرستها، وعين واعظا ومرشدا في مسجدها ثم عضوا في حلقة العزابة ثم
رئيسا لها.
في سنة 1362 هـ/ 1945 م شارك حركة الإصلاح بالعطف في تأسيس جمعية النهضة، وعين رئيسا شرفيا لها. ثم أسس مع إخوانه في بريان جمعية الفتح للإشراف على الحركة العلمية بها. كما كان له نشاط في الثورة تمثل في العمل السياسي والتنظيمي. وفي سنة 1386 هـ / 1966 م عين عضوا بالمجلس الإسلامي الأعلى، وعضوا في لجنة الإفتاء التابعة لهذا المجلس. كما تولى رئاسة مجلس عمي سعيد بعد مرض الشيخ بيوض ثم بعد وفاته. في السبعينيات نظم ندوة أسبوعية كل يوم أربعاء في منزله يحضرها نخبة من الأساتذة والمرشدين، استمرت إلى آخر يوم في حياته، ولا تزال تعقد هذه الندوات إلى يومنا هذا، وذلك بمسجد بريان، وتعرف بـ: ندوة الإربعاء، أو ندوة الشيخ عبد الرحمن. كما ترك الكثير من الأعمال العلمية منها:
- تحقيق كتاب النيل للشيخ الثميني.
- تحقيق كتاب قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل الجيطالي.
- فتاوى البكري
- جمهرة رسائل البكري
- جمهرة خطب البكري.
- مسيرة الإصلاح في جيل. (1/248)
صفحة 249
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
217
تخرج على يده عدد كبير من الطلبة هم الآن خلفاؤه في العمل الدعوي والإصلاحي والتربوي. كما ترك مكتبة ثرية بالكتب والمخطوطات موجودة في بلدته العطف (1)
- الشيخ إبراهيم بن محمد اطفيش أبو إسحاق:
(و: 1305 هـ / 1886 م ت 20 شعبان 1385 هـ / 26 ديسمبر 1965 م) أحد علماء الجزائر ووادي ميزاب العاملين، ومن رواد النهضة الإصلاحية المعاصرة. أخذ مبادئ العلم بمسقط رأسه بني يزقن عن عمه قطب الأيمة، ثم توجه إلى الجزائر العاصمة، وتتلمذ على يد الشيخ عبد القادر المجاوي، ثم سافر إلى تونس ليستزيد من العلوم العقلية، فأخذ عن الشيخ محمد بن يوسف الحنفي، والعلامة الشيخ الطاهر بن عاشور نشط في الحزب الحر الدستوري التونسي بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي في سنتي: 1338 - 1339 هـ/ 1919 - 1920 م. وأصدرت فرنسا ضده حكم الإبعاد عن تونس في فيفري 1342 هـ / 1923 م، فاختار التوجه إلى القاهرة واستقر بها واشتغل بالتأليف والتحقيق والطبع والفتوى. ترك رصيدا مهما من الأعمال العلمية أهمها: إصداره في مصر مجلة المنهاج بين سنة 1344 هـ/ 1925 م، وسنة
1930/ 1349
قيامه بتحقيق العديد من أمهات الكتب وطبعها، نذكر منها:
- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للسالمي، في جزأين.
- ثلاثة أجزاء من كتاب شرح النيل. - شامل الأصل والفرع للقطب اطفيش. - مسند الربيع بن حبيب في الحديث.
(1) معجم أعلام الإباضية، ج 3، ص 521. (1/249)
صفحة 250
218
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
في عام 1359 هـ/ 1940 م أسندت إليه وزارة الداخلية المصرية مهمة الإشراف على قسم التصحيح بدار الكتب المصرية، وكان من أعماله تصحيح وتحقيق أجزاء من تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وكذا تصحيح كتاب محمد فؤاد عبد الباقي المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
تأليفه العديد من الكتب منها:
- الدعاية إلى سبيل المؤمنين.
- موجز تاريخ الإباضية.
- المحكم والمتشابه.
- رسالة عصمة الأنبياء.
كانت له صلات بالحركات الإسلامية، كما عمل في صفوف بعضها مؤسسا أو مؤازراً أو مشاركاً، نذكر منها مشاركته في:
- تأسيس جمعية الهداية الإسلامية.
نشاطه في جمعية الشبان المسلمين، إذ كان بينه وبين الشهيد حسن البنا
علاقات وطيدة.
- كما كان عضواً فعالاً بجمعية تعاون جاليات شمال إفريقية. كما أسندت إليه وزارة الأوقاف المصرية مهمة الإشراف على الأوقاف الإباضية بمصر.
كما كانت تربطه علاقات وطيدة مع الداعية محب الدين الخطيب، وكذا الشهيد سيد قطب والعلامة محمد رشيد رضا، والشهيد حسن البنا، وغيرهم من أقطاب الفكر الإسلامي المعاصر.
كما كان له إسهام فعّال في الثورة العمانية، فقد كان عضوا نشطا في مكتب إمامة عمان بالقاهرة، وعمل ممثلا لقضية عُمان في هيئة الأمم المتحدة، وسافر لأجل ذلك إلى أمريكا لحضور اجتماعات مجلس الأمن والدفاع عن القضية العمانية. (1/250)
صفحة 251
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
219
وكانت له رحلات كثيرة ومفيدة منها رحلته إلى زنجبار، وأخرى إلى جبل نفوسة
بليبيا؛ وأخرى إلى القدس؛ وأخرى إلى مسقط رأسه ميزاب (1).
- الشيخ عدون بن بالحاج شريفي:
(و: سنة 1319 هـ / 1902 م. ت: في تاريخ الثلاثاء 19 رمضان 1425 هـ / 2 نوفمبر 2004 م)
أحد علماء الجزائر العاملين، ومن رواد النهضة الإصلاحية المعاصرة في وادي ميزاب ولد في بلدة القرارة، وتلقى تعليمه الأول في مدارسها القرآنية على يد مشايخه الذين منهم الشيخ محمد الطرابلسي). سافر إلى مدينة سريانة بالقرب من باتنة للعمل في التجارة تحت طائلة العوز والحاجة. عاد إلى حلقات العلم سنة 1339 هـ/ 1920 م وانضم إلى معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى حيث تلقى نصيبا من العلم على يديه. تعرف هنالك على الشيخ إبراهيم بيوض ولازمه في حركته العلمية والإصلاحية منذ بدايتها وكان عضده الأيمن في كل نشاطاته. وبعد وفاة الشيخ بيوض أصبح قائد الحركة الإصلاحية في بلدته القرارة والمشرف على كل مشاريعها. وتولى مهمة إدارة معهد الحياة منذ سنة 1368 هـ/ 1948 م.
شارك بنشر مقالات في جرائد الشيخ أبي اليقظان، كما خلفه في إدارة جرائده لمدة سنة أشهر في الجزائر العاصمة بين سنتي 1355 هـ/ 1936 م -
(1) معجم أعلام الإباضية: ج 2، ص 44.
(2) محمد بن إبراهيم الطرابلسي قرقر: (و: 1303 هـ/ 1885 م - ت: صفر 1368 هـ / 25 ديسمبر 1948 م) أصله من بلدة بريان بميزاب ولد بطرابلس الغرب من أمّ نفوسية. اشتهر بحفظه الجيد لكتاب الله قراءة وتجويدا، وهو شاعر وفقيه. درس في جبل نفوسة وفي جامع الزيتونة، بعدها حضر دروسا في معهد القطب الشيخ اطفيش، وعند الشيخ عمر بن حمو بكلي، وعند الشيخ عبد القادر المجاوي بالجزائر العاصمة. استقر في بلدة القرارة وفتح مدرسة لتعليم تجويد القرآن والخط العربي واللغة العربية، وخرج عددا معتبرا من التلاميذ الذين قادوا حركة الإصلاح. انتقل إلى بسكرة وقسنطينة للتعليم فيهما. نشر قصائد ومقالات في جرائد الشيخ ابن باديس والشيخ أبي اليقظان، وهو من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. المرجع نفسه: ج 4، ص 755. (1/251)
صفحة 252
220
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
1356 هـ/1937 م. تولى مهمة تفتيش المدارس القرآنية التي أنشأتها الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب وأرجاء القطر الجزائري منذ سنة 1368 هـ/ 1948 م إلى بداية التسعينيات حيث أقعده المرض. تولى رئاسة مجلس عمي سعيد بعد وفاة الشيخ عبد الرحمن بكلي سنة 1406 هـ/1986 م. في تاريخ الخميس 22 الثاني 1425 هـ / 10 جوان 2004 م كرمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأسندت إليه رئاستها الشرفية.
ربيع
تخرج على يده آلاف من الطلبة والشباب الذي نهلوا منه العلم والتربية والإخلاص والعمل في سبيل الإسلام والوطن. ترك تراثا مهما من الرسائل التي تعد وثائق تاريخية عن الحياة العلمية والاجتماعية والإصلاحية لوادي ميزاب والجزائر خلال القرن العشرين. كما ترك مؤلفا بعنوان: معهد الحياة نشأته وتطوره. توفي عن عمر يناهز 106 سنة وشيعت جنازته في موكب مهيب، بحضور مسؤولين وإطارات من مختلف أنحاء القطر الجزائري (1). بعد هؤلاء الأعلام سيكون الاعتماد على أقطاب الجيل الثاني للحركة الإصلاحية في شرح أفكار مشايخهم وآرائهم وبيانها، نظرا لملازمتهم لهم
ومشاركتهم في صناعة أحداث الإصلاح وقربهم منها وفهمهم العميق لها. هؤلاء هم التلاميذ الملازمون لعلماء الجيل الأول والمواصلون لمسيرة الإصلاح
من بعدهم، الذين من أبرزهم:
- الشيخ محمد علي دبوز.
- الشيخ حمو بن عمر فخار (2).
(1) شريفي معهد الحياة، ص 70 72 عيسى الشيخ بالحاج: نبذة عن حياة الشيخ عدون. مصطفى باجو من هو الشيخ عدون. قاسم الشيخ بالحاج مقال بعنوان: معهد الحياة منارة إشعاع حضاري، مجلة العصر، الصادرة عن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، عد 17، تاريخ الجمعة 04 محرم 1418 هـ/ 01 ماي 1998 م، ص 20 - 21.
(2) حمو بن عمر فخار أحد أعلام الجيل الثاني من الحركة الإصلاحية، تكون على يد الشيخ بيوض في معهد:
= (1/252)
صفحة 253
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
- الشيخ إبراهيم بن يحيى القرادي.
- الشيخ علي يحيى معمر
-
(3)
(2)
(1)
- الشيخ محمد سعيد كعباش
- الشيخ الناصر بن محمد مرموري.
- الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج.
221
الحياة، وقاد حركة الإصلاح في بلدته غرداية، وأشرف على تأسيس العديد من المدارس والجمعيات، أديب وداعية وصاحب نشاط اجتماعي ترك مقالات وخطبا كثيرة. توفي سنة 2005 م. مطبوعة حول ترجمة الشيخ حمو فخار (1) علي يحيى معمر ليبي البلد، إلا أن تكوينه على يد الشيخ بيوض وملازمته له سبع سنين، جعله يرتوي الفكر الإصلاحي ويشارك في أعمال الحركة الإصلاحية، ويسهم بقلمه في التعريف بها والتعبير عن أفكارها وتوجهاتها، وهذا ما جعلنا نعتبره أحد رموز الجيل الثاني منها.
(2) (على قيد الحياة فقيه وداعية ببلدة العطف بغرداية.
(3) الشيخ الناصر بن محمد المرموري ولد بالقرارة يوم 03 رجب 1345 هـ / 07 يناير 1927 م. التحق بمعهد الحياة سنة 1359 هـ/ 1940 م. أخذ عن الشيخ بيوض والشيخ عدون ... وغيرهم. استظهر القرآن سنة 1361 هـ / 1942 م، وأكمل فيه دراسته سنة 1366 هـ / 1947 م ليعين في نفس السنة مدرسا لمواد الشريعة واللغة العربية والتاريخ، ويقي مواظبا على مهمته إلى آخر أيامه. عينه الشيخ بيوض مشرفا على البعثة والمدرسة الخاصة العمانية بالقاهرة سنة 1382 هـ / 1962 م، واستمر لمدة ثلاث سنوات، ليعود بعدها إلى معهد الحياة. وفي جمادى الأولى 1390 هـ / جويلية 1971 م عين عضوا في حلقة العزابة، وكان خليفة للشيخ بيوض في منبر الوعظ والإرشاد، وبعد موته عيّن مفتيا. وكان عضوا بارزا في مجلس عمي سعيد (الهيئة العليا لعزابة قصور وادي ميزاب ووارجلان)، و بعد وفاة الشيخ البكري سنة 1406 هـ / 1986 م صار هو المرجع في ندوته للفتوى، ببريان. وبعد وفاة الشيخ عدون سنة 1425 هـ / 2004 م عُين شيخا الحلقة عزابة القرارة. له: اختصار وترتيب تفسير في رحاب القرآن للشيخ بيوض (عدة أجزاء، مطبوع). وفي رحاب السنة النبوية: شرح الجامع الصحيح للربيع بن حبيب (طبع منه الجزء الأول). مئات الدروس والمحاضرات والكلمات التوجيهية ... تتلمذ على يديه آلاف من الطلبة. ترك مكتبة ثرية بالكتب في مختلف فنون الشريعة والأدب والتاريخ ... توفي بغرداية إثر سكتة قلبية عصر الأحد 12 جمادى الثانية 1432 هـ / 15 ماي 2011 م. ينظر: جمعية التراث: وفاة أبي الدعاة فضيلة الشيخ الناصر بن محمد المرموري». (موقع www.tourath.org بتاريخ 2011/ 05/16). ومقدمة كتاب: في رحاب السنة، ص 7. (4) (على قيد الحياة) فقيه وداعية وعضو المجلس الإسلامي الأعلى وأستاذ بمعهد الحياة بالقرارة. (1/253)
صفحة 254
222
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
(1)
- الشيخ بالحاج بن سعيد شريفي
(2)
- الدكتور محمد بن صالح ناصر
- الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام.
يقول الشيخ عدون مبرزا هذا التواصل بين الأجيال داخل الحركة الإصلاحية: نجتمع اليوم في هذا المجلس الحافل أمام أستاذنا ... كجنود مدربين مزودين بالقوة الكافية للنزول إلى ميادين الكفاح أمام قائدهم الأعلى، يشرف على أعمالهم عن كتب، ويستعرض برامجهم في الكفاح وخططهم في الجهاد ... وبث تعاليم الأستاذ في نفوسهم، وفي الأوساط التي يتصلون بها، وخدمة المشاريع العلمية بجميع الوسائل والمشاركة في الإصلاح العام بقدر الاستطاعة والنزول إلى ميدان الكفاح بصورة منتظمة وخطط مرسومة، تحقق الغاية المطلوبة» (4).
بعد هذا كله ... فما مفهوم الفكرة الإصلاحية عندهم، وما هو تصورهم
للإصلاح؟
ب - مفهوم الإصلاح:
إن مدخل الحديث عن مفهوم الإصلاح عند علماء الحركة الإصلاحية سيكون من خلال محاولة فهمهم لواقع المجتمع الجزائري وتشريح أوضاعه، والذي يعد صورة مصغرة للواقع العام للعالم الإسلامي، وصورة مكبرة لواقع المجتمع الإباضي في وادي ميزاب، مع وجود فوارق وخصائص في جوانب عديدة من الحياة العامة.
فكيف كانت نظرتهم إلى هذا الواقع وتقويمهم له؟
(1) (على قيد الحياة أستاذ جامعي بكلية العلوم الإسلامية بالخروبة. (2) (على قيد الحياة) أديب وشاعر وباحث وأستاذ جامعي سابقا في قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة
المركزية بالجزائر.
(3) (على قيد الحياة) أديب وباحث وأستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها يجامعة باتنة. (4) هذا النض فقرة من خطاب القاء الشيخ عدون في اللقاء التأسيسي لجمعية قدماء تلاميذ معهد الحياة، المنعقد بالقرارة سنة 1948 شريفي معهد الحياة، ص 76 - 77. (1/254)
صفحة 255
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
1 - واقع المجتمع الجزائري
223
يرى علماء الحركة الإصلاحية أن المرحلة الزمنية التي يمر بها المجتمع الجزائري في تاريخه المعاصر تعد من أصعب المراحل ومن أحلك الفترات ومن أكثرها حرجا ومعاناة على مختلف الأصعدة، وذلك لتنوع وتعقد الأمراض الاجتماعية التي تفتك به هذه الأمراض التي يمكن تصنيفها إلى نوعين:
أمراض داخلية مستحكمة، قيدت المجتمع وكبلت طاقاته ومنعته من أي تحرك أو تغيير نحو الأحسن، ورفضت أي صوت للتجديد أو الإصلاح، وعطلت أي جهد أو بذل في الطريق السوي والمسار الصحيح، فجعلته يعيش في براثن الضلال وفي ذيل الأمم والشعوب ومؤخرتها لا يسمع له صوت في الوجود إلا صوت الشخير أو صوت الأنات.
وأمراض خارجية دخيلة استقوت عليه وفرضت بالقوة فزادت الوضع ترديا وتدهورا ونكوصا وتخلفا؛ وذلك متمثل في الاستعمار وما أضاف للمجتمع من رذائل ومخاذل، وما كرسه من أمر واقع، حتى كاد الأمل يتلاشى في إمكانية تحرر الأمة من هذه الأغلال والقيود الملتوية على عنقها، والمكبلة لأيديها وأرجلها على السواء، وفي إمكانية إصلاح حالها وتغيير أوضاعها (1).
يرى الشيخ بيوض في تقويمه لهذه الحال أن الفساد قد مس كل مناحي الحياة عقيدة وأخلاقا واجتماعا واقتصادا، حيث يقول: (وجدنا الدين مهملا، والأخلاق فاسدة، والعقائد متزلزلة والأعمال فاسدة، ليس على طريقة وسنة الرسول وصحابته، والجهل عم الدنيا في تجارة وصناعة وفلاحة
(2)
(1) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإصلاح منشور ضمن كتاب أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي
اليقظان، ص 11.
(2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 145. (1/255)
صفحة 256
224
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
ويعبر في موضع آخر عن المجتمع بأنه يكاد يدعو إلى اليأس من إصلاحه بسبب ما تفشى فيه من أمراض اجتماعية وغزو للمدنية الغربية وتخلف مريع على كافة الأصعدة (1).
يصف الشيخ أبو اليقظان هذه الحالة بكونها مأساوية على مختلف الأصعدة، من وطأة الاستعمار الغربي عليها، ومن الجهل والفقر والتخلف والأمية والنعرات العرقية والطائفية، وانتشار الإسلام البالي الجامد على ما هو قديم غير صالح للأمة في هذا العصر، وأن عموم حياة الأفراد هي على هامش الأحداث وانقضايا الهامة لأمتهم؛ مع عدم إدراكهم ووعيهم بمسؤولياتهم ورسالتهم في الوجود (2). يقول محللا واقع المسلمين في جريدته وادي ميزاب في مقال بعنوان: الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون: «ولكن إذا نظرنا من جهة أخرى إلى حالتهم العمومية وجدناهم في غفلة وجهالة، في جمود وخمول، في خنوع وتواكل، في هلع وجبن في ذل وصغار وامتهان، في فقر وبؤس، في تعاسة وشقاء» (3).
ولعل أهم مظاهر هذا الواقع المتردي المزري في نظر علماء الإصلاح
متمثل في:
صوره
- تفشي الآفات الاجتماعية والانحراف الخلقي في مختلف انتشار المعتقدات الفاسدة والخرافات والأوهام في أذهان الناس. كثرة الأحقاد والضغائن والتعصب العرقي والطائفي بين القبائل، والأنانية بين الأفراد والجماعات.
(1) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 42.
(2) محمد زغينة: أبو اليقظان ونثره، أطروحة دكتورا دولة في الأدب الحديث، جامعة باتنة، معهد اللغة العربية وآدابها، س ج: 1997 - 1998. في هذه الأطروحة أجاد صاحبها في تجميع أفكار الشيخ أبي اليقظان حول الواقع الاجتماعي للجزائر وسبل النهوض به، وتحليلها في فصل خاص بعنوان: المقال في الاتجاه الاجتماعي الإصلاحي تراجع الأطروحة، ص 102 - 153. (3) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون منشور ضمن كتاب: أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي اليقظان، ص 17. (1/256)
صفحة 257
17
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
225
تفشي الفقر والاحتياج والبطالة وقلة ذات اليد بعدم وجود فرص الشغل وبضعف الموارد الاقتصادية واحتكار المستعمر لها.
تفشي الجهل والأمية بين أفراد المجتمع، وعدم وجود مؤسسات تعليمية كافية لاستقبال الناشئة، مع التردي العام لطرق التعليم وأنماطه البدائية الجامدة
على القديم.
الصراع الدائم بين الأحزاب والجمعيات والقبائل، والافتراق والتشتت في الصفوف والجبهات على مختلف المستويات والجهات. انتشار التدين البالي الجامد على القديم، الذي له نظرة قاصرة لدور
الدين في الحياة.
قلة الدعاة والقيادات الراشدة، والواعية بالأخطار المحدقة بالأمة والمرابطة في سبيل تنوير المجتمع وتوعيته بواجباته الدينية والدنيوية.
وطأة استعمار صليبي حقود يعمل كل ما بوسعه لإبقاء الشعب الجزائري على هذه الحال المزرية، بل يعمل على توظيف نقاط الضعف والخلل فيه لتكريس وتبعيته، ليبقي على استعباده وركوب ظهره إلى الأبد (3).
تخلفه
عبر الشيخ أبو اليقظان عن هذا الواقع المتردي بالثالوث الذي يمد أياديه كالأخطبوط إلى جسد الأمة ليمتص منها الحياة ويتركها جثة خامدة لا حركة فيها ولا حياة؛ إنه الجهل والفقر والافتراق. «فالجهل أفقدها الشعور بوجودها، وكيف تذب عليه، والفقر أقعدها عن العمل، وأشل أعضاءها عن الحركة، والافتراق أذاب قوتها وذهب بريحها فبقيت والحالة هذه عرضة للتلف والهلاك والاضمحلال» (2).
(1) هذه الأوضاع في عمومها لا تختلف كثيرا عما هو عليه وادي ميزاب خلال هذه الفترة الزمنية، وهذا ما عرضناه في الفصل الأول من هذا البحث مع وجود فوارق تتمثل أساسا في وجود هيئة العزابة التي تبذل جهودا معتبرة للحفاظ على كيان المجتمع والإصلاح من أوضاعه.
(2) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإصلاح، منشور ضمن كتاب أبو اليقظان مختارات من صحف أبي
اليقظان، ص 17. (1/257)
صفحة 258
226
(1)
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
يرى الشيخ بيوض أن هذه الحال المزرية التي وصل إليها المجتمع الجزائري سببها ثلاث جهات رئيسة، تعاونت مع بعضها البعض لإبقاء الجزائر على هذه الصورة وحاولت إخماد أي صوت للتجديد أو الإصلاح فيه: الاستعمار الفرنسي والعلماء الجامدون وأذناب الاستعمار من القياد والمسؤولين الموالين والخاضعين لأوامر المستعمر) إن معايشة رجال الحركة الإصلاحية لهذا الواقع الذي يتخبط فيه مجتمعهم وذووهم وأهلهم المغلوبون على أمرهم، والمغلولون بأغلال الاستعمار؛ حرك فيهم إرادة التغيير والإصلاح، ودفعهم إلى قيادته، وإلى التفكير مليا في السبل والمناهج والوسائل التي ينبغي الأخذ بها لإخراج أقوامهم مما هم فيه. كما رأوا أنه من أوكد الواجبات الشرعية عليهم في زمانهم أن يحتلوا صدارة مجتمعهم وأن ينتزعوها انتزاعا ممن يقودها وهو ليس أهلا لها، وأن يكونوا بمثابة الرائد الذي لا يكذب أهله في الأخذ بيده بقوة وأمانة إلى طريق الخلاص وإلى ساحل النجاة، وتخليصه من الأمواج المتلاطمة التي كادت تغرق سفينته وتقضي عليه إلى الأبد (2). وذلك بالقيادة الرشيدة وتوجيه العزائم وتحريك الهمم وإخلاص العمل وصدق النيات مع الصبر على المصائب والمطبات الكثيرة والثبات على المبدإ والنهج السوي. فما هي نظرتهم إلى سبل الخروج من هذا الواقع وتغييره نحو حضارة إسلامية معاصرة تبنى على إصلاح شامل لمناحي الحياة.
2 سبل التغيير والإصلاح إن التشريح الدقيق لأقطاب الحركة الإصلاحية لواقع مجتمعهم وفهمهم العميق لمكامن الداء فيه جعل إرادتهم تتوقد وعزيمتهم تلتهب في إيجاد الطرق والسبل المثلى للنهوض بأقوامهم.
(1) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 44.
(2) ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 43. (1/258)
صفحة 259
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
227
هذا ما جعلهم يهتدون ويقتنعون بل يعتقدون أن عملية الإصلاح والتغيير يجب أن تبدأ أولا من النفوس على مستوى الأفراد، ثم لتتحرك بعد ذلك تجاه دواليب المجتمع بحركة قاعدية بنائية مرحلية مدروسة شاملة لكل مناحي الحياة، آخذة بعين الاعتبار المتطلبات الداخلية والتحديات الخارجية المحيطة بها، ومتفاعلة معها تفاعلا إيجابيا، بما يسمح لها بإحداث حركة التغيير في توازن واعتدال، ومستفيدة من كل ما أبدعه الفكر الإنساني من علوم ومناهج وطرائق ووسائل في كافة مجالات الحياة؛ مما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
وذلك انطلاقا من فهمهم للنظرة القرآنية للعملية التغييرية الإصلاحية، وإيمانهم بها ومحاولة تجسيدهم لها، التي عرضناها سابقا، والتي لخصتها الآيتان الكريمتان: وإن اريدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِ أُنيب (1).
- إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (2). نرى من الأوكد أن ندلل على هذا المفهوم للإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية بعرض جملة من أقوالهم وأقوال من كتب عنهم:
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: «ليس مبدأ الإصلاح غير تعاليم الإسلام الصحيحة، وتطبيقها تطبيقا يلائم سماحته ويساير سنة النشوء والارتقاء في هذه الحياة، ويتفق والغاية التي من أجلها كان الإسلام دستور البشرية الخالد ... فمن رآها مبعث سعادة وسيادة وأساس مدنية، وعمران ومادة علم وعرفان، ومظهر رحمة شاملة، وسياسة فاضلة، وطبق نصوصها على هذه الروح السامية، وعمل بها ودعا إليها، وجاهد في سبيلها، فذلك المصلح المجاهد» (3).
(1) سورة هود / الآية 88.
(2) سورة الرعد / الآية: 11.
(3) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 22. (1/259)
صفحة 260
228
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
يقول الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: (إن الأمة لن تنهض من كبوتها ولن تتغلب على عناصر التخلف فيها إلا إذا فهمت دينها بهذا الفهم الصحيح الذي يدعوها إلى الوسطية بين الأخذ من الدين والدنيا معا، وقرآنها الكريم يدعوها إلى أن من واجبها رفع الإصر عنها والأغلال التي عليها والأخذ بالأسباب المسعدة، لذا فإن من واجباتها أن تستفيد مما تراه حولها من تفوق الغربيين في الفنون والصنائع وانفرادهم بالقوتين السياسية والاقتصادية، وبروزهم في العلوم» (4).
يقول الشيخ أبو اليقظان: «إن إصلاح تلك الحالة يستدعي علما، يستدعي مالا، يستدعي نفوسا عظيمة، ورؤوسا كبيرة، وأدمغة مفكرة، وصدورا واسعة وأين نجد هذه؟ ومتى نجدها؟ نعم نجدها في المدارس عندما نعتقد جميعا أن العلم ضروري للحياة» (2).
يقول الدكتور محمد ناصر: (من المعلوم لدى متتبعي تاريخ الحركة الإصلاحية في الجزائر بأن هذه الحركة كانت تهدف إلى الإصلاح الداخلي أولا وقبل كل شيء ... فقد أدرك رجالات الإصلاح تمام الإدراك بأن التحرر من الاستعمار، ولا سيما الاستعمار الفرنسي، إنما يجب أن يبدأ من تحرر النفوس من ذل التبعية والتقليد، وأن الشعور بالمميزات الشخصية هي التي تحفظ للشعب ذاتيته» يقول الدكتور محمد ناصر بوحجام كان الشيخ بيوض كغيره من المصلحين يؤمن بأن الإصلاح يجب أن يكون شاملا، والعمل ينبغي أن يكون عاما، والتحرك يجب أن يكون ماسا لكل الميادين، لأن السياسة هي الدين والدنيا معا»
(4)
(3)
(1) إبراهيم اطفيش: مجلة المنهاج، نقلا عن ناصر الشيخ إبراهيم اطفيش، ص 100. (2) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإصلاح منشور ضمن كتاب أبو اليقظان مختارات من صحف أبي
اليقظان، ص 11.
(3) ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 39.
(4) محمد ناصر بوحجام الشيخ إبراهيم بيوض والعمل السياء، ط 1، المطبعة العربية، غرداية،
1412 هـ/ 1991 م، ص 15. (1/260)
صفحة 261
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
229
يقول الأستاذ نور الدين سكحال: «لم يكن عمل الشيخ بيوض منحصرا في ميدان التعليم، بل شمل مجالات عدة، وذلك لاقتناعه أن الأزمة التي يعانيها المجتمع الجزائري وإن كانت في أصلها أزمة فكرية، فإن لها أعراضا سياسية واقتصادية واجتماعية ... ويعتبر الشيخ بيوض الشعار الذي رفعته الحركة الإصلاحية والمتمثل في الآية القرآنية: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، هو القاعدة التي وضعها كتابنا العزيز للفرج مما تشكو منه الأمة من ويلات» (2). كما رأوا أن تجسيد هذه العملية الإصلاحية لأجل إخراج المجتمع الجزائري مما هو عليه لا يتأتى إلا بعمل دؤوب متواصل على جبهات عديدة كبرى
متمثلة فيما يلي: مقاومة أخطبوط الجهل والقضاء عليه بالدعوة الجادة والعمل الدؤوب لنشر
التعليم وبث الوعي في كافة شرائح المجتمع رجالا ونساء كبارا وصغارا. مقاومة أخطبوط الفقر والبطالة والاحتياج بالدعوة الجادة والتحريض الدائم على العمل المنتج في جميع مجالات الاقتصاد الحيوية والمحاربة المستمرة لمظاهر الكسل والتواكل واللامبالاة والفراغ.
مقاومة أخطبوط التفرق والتمزق والعصبيات بالدعوة الجادة والإلحاح المستمر على التضامن والاتحاد بين أفراد الشعب الجزائري والتمرد على الخلافات العنصرية والصراعات الطائفية والإحن المذهبية.
- مقاومة أخطبوط الجمود الفكري والتحجر المذهبي والتمسك بالقديم البالي من الأعراف والتقاليد دون تمحيصها والنظرة القاصرة للدين والحياة، بتكوين الأيمة والدعاة الأكفاء، وبتفعيل دور المساجد، وتأسيس المنابر العلمية والثقافية لتوعية الناس وتوجيههم نحو واجباتهم ومسؤولياتهم الدينية والدنيوية.
(1) سورة الرعد / الآية 11.
(2) سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 128. (1/261)
صفحة 262
230
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
- مقاومة أخطبوط الاستعمار بالعمل الإعدادي القاعدي بتكوين الأجيال، وتربية المجتمع وتنمية الوعي فيه لتكون له الحصانة اللازمة ضد المستعمر ورفض الاستكانة له، والعمل على تحرير نفسه من بوثقة العبودية والاحتلال (1).
عدد الشيخ أبو اليقظان مهمات كل شريحة في المجتمع في العملية الإصلاحية في مقال (2) له بعنوان: الإصلاح، نشره في جريدته وادي ميزاب ورد فيه: إن لإصلاح تلك الحالة فروعا ولكل فرع منها طبقة من الرجال تقوم به بما
لها من الاستعداد الفطري (3). ورأى أن هذه الفروع متمثلة في:
العلماء، رجال الشرع الرسميون، الدعاة المرشدون والمصلحون المفكرون الكتاب والأدباء رجال القضاء، الموظفون الإداريون، نواب المجالس البلدية، رؤساء القبائل والعائلات الأغنياء التجار والصناع والفلاحون).
كما ضبط الشيخ عبد الرحمن بكلي جملة من المبادئ للإصلاح والمصلح، يمكن عدها لائحة أو قانونا داخليا للحركة الإصلاحية. يمكن اختصار أفكارها فيما يلي:
(1) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون منشور ضمن کتاب: أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي اليقظان، ص 15 بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 22 - 24 دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 106. ناصر الشيخ إبراهيم اطفيش، ص 10485 ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 39. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 128. (2) لقد كان مدار عدد هائل من مقالات الشيخ أبي اليقظان حول بيان سبيل النهوض بالأمة وما هي الواجبات والمسؤوليات التي تنتظرها للخروج من ورطتها وحالتها وكبوتها مثل: الإصلاح، شعور الأمة نائم فماذا ينبهه، العلم والعمل الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون الاعتماد على النفس، الثبات، الثقة بالنفس، وباء الفجور، الصراحة خير علاج للأمة، الأمية في الأمم شلل، وظيفة العقل في الإنسان، أمات الرجال أم رفع القرآن علي أن أعمل وليس علي أن أنجح الإسلام بين شقي المقراض. ينظر في ذلك: فهارس مقالات الشيخ أبي اليقظان في كتاب: ناصر أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 301 - 464. وينظر في كتاب: أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي اليقظان، كله.
(3) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإصلاح منشور ضمن كتاب أبو اليقظان مختارات من صحف أبي اليقظان،
ص 11 - 14.
(4) المرجع نفسه. (1/262)
صفحة 263
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية
231
إن الدنيا دار ابتلاء واختبار وكفاح وجهاد مستمر، وأن الآخرة هي دار
القرار والجزاء.
إن المسلمين كلهم إخوة، وأن أخوة الدين أقوى رابطة تجمعهم، قبل رابطة الجنس واللغة والمذهب.
التعاون مع جميع الناس ومعاشرتهم والتعايش معهم ضرورة لا بد منها. للمساجد دور محوري عن طريق الوعظ والإرشاد في إيقاظ الضمائر وإصلاح النفوس، ورفع الهمم وقيادة الأمة.
- حقيقة الزهد عن الحياة في اجتناب المنهيات والوقوف في المحرمات، أما خوض غمار الدنيا عملا ونشاطا وكسبا بالطرق الحلال، بنية النفع والإصلاح وعمارة الأرض فهو من الواجبات الشرعية.
استصلاح الدين باستصلاح الدنيا، الذي لا يقوم إلا بقوة العلم والمال معا. ضرورة الأخذ بأسباب التمكين والقوة في كامل مجالات الحياة، ومواكبة العصر لأجل السيادة والاستقلال، وعدم الجمود على القديم، أو الانغلاق على النفس والاكتفاء برصيد الماضي، لأن ذلك مناف لسنة الحياة المتجددة، لكن بشرط عدم تجاوز حدود الدين الحنيف. - عدم الرضا بالظلم والهوان والاستعباد ولا بد من محاربته ومكافحة الطغيان ورفع المذلة وإحلال العدل والعزة.
العناية بتعليم الناشئة وتربيتها وتوجيه الجهود اللازمة لذلك، لكونهم الجيل المواصل الحمل الرسالة والمبلغ لها، بفتح المدارس ومراكز التكوين ومحاربة الجهل والبطالة، ونشر العلم والثقافة.
إعداد الأجيال على تحمل المسؤوليات وتولى الوظائف الحكومية والإدارية والمشاركة في تسيير شؤون الوطن، ولو كان ذلك تحت حكم استعماري مستبد،
ارتكابا لأخف الضررين واستصلاحا لأحوالنا بأيدينا ما أمكن إلى ذلك سبيلا. (1/263)
صفحة 264
232
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
العناية بنشر تاريخ الأمة والتعريف به للأجيال، حتى لا تجهل شخصيتها
وتقطع الصلة بماضيها المجيد، فإن ذلك باعث على نفخ الاعتزاز، ودافع للاقتداء. والمصلح - في نظره - يجب أن يكون عزيز النفس محبا للخير والإصلاح مستقيما على نهج الله تعالى مخلصا لمبدئه، ثابتا عليه ومضحيا من أجله، ومقدما للمصلحة العامة على مصلحته الخاصة، وصاحب عمل وحرفة لا يحقر من العمل شيئا، ولا يرضى بالبطالة والفراغ، مرحبا بكل مشروع خيري إصلاحي فيه نفع
الأمة والمجتمع
•
(1)
إذن: لقد دارت دعوات الحركة الإصلاحية وتركزت جهودها وأنجزت مشاريعها حول هذه الجبهات الكبرى التي كانت محور جهادهم المتواصل، كما انطوت كل جبهة على عدد من القضايا والمسائل المنبثقة منها والتي أملاها الواقع والعصر، وكانت هم المصلحين وانشغالهم، والتي مثلت عملية الإصلاح والتغيير والتجديد بمعناه الواسع لديهم.
إن هذه الفكرة المحورية لمفهوم الإصلاح، التي حملها أقطاب النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر في أذهانهم واقتنعوا بها وآمنوا بها إيمانا عميقا، قد ترجموها عمليا في منجزات ومشاريع ميدانية كثيرة على مختلف مناحي الحياة الدينية والاجتماعية والتربوية والتعليمية والاقتصادية، والسياسية فكانت هذه الفلسفة
الإصلاحية تسرى في عروقها جميعا.
فاستطاعت هذه الفكرة المحورية أن تولد آراء ومفاهيم خاصة لكل ميدان على حدة؛ مما عالجه وتطرق إليه أعلام الإصلاح.
هذا ما سيأتي توضيحه في الفصول والمباحث القادمة.
هذه هي نظرة العلماء إلى سبيل النهوض بالأمة التي عبروا عنها بالإصلاح. فما مفهوم مصطلح الجمود، الذي اعترض مسيرة النهضة الإصلاحية، وكان من مبررات وجودها؟
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 22 - 24. (1/264)
صفحة 265
المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
المبحث الثالث:
مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
1 - مبرر الحديث عن الجمود:
233
تكلمنا في المبحث السابق عن مصطلح الإصلاح وضبطنا تعريفه وتصوره لدى الحركة الإصلاحية، ونرى أنه لمزيد بيان مفهومه نحتاج إلى ضبط مصطلح الجمود، الذي يمكن أن نعده مقابلا له في المفهوم، ومضادا له في المعنى، وأحد مبررات قيام حركة الإصلاح.
ذلك أن وادي ميزاب شهد فكر الجمود لفترة طويلة، فكان من أسباب ظهور الإصلاح الذي أتى لمحاربته على مستوى الأذهان والتصورات ومحاربة أشكاله وأنماطه الواقعية التي تجسد فيها.
سبق أن استعملنا هذا المصطلح في البحث في أكثر من موضع، كما سنحتاج إلى توظيفه في الفصول والمباحث القادمة؛ مما يستلزم منا ضبط مفهومه ومعرفة حقيقته في وادي ميزاب، ومعرفة أصناف الناس الذين مثلوه وتبنوه في المجتمع، وكيف شكل جبهة المعارضة للإصلاح، وكان حجر عثرة في طريقه، مما برر محاربته والعمل على إزاحته من على مستوى النفوس والعقول.
نريد أن نشير أن الإيراد المتكرر لمصطلح الجمود في البحث ليس من باب الترف الفكري وإنما تقتضيه الموضوعية العلمية والحتمية المنهجية والحاجة التاريخية، بحيث أن وادي ميزاب شهد هذا الفكر، فعلا، وعاش فيه فترة طويلة، ودخل في صراع مرير مع فكر الإصلاح، وكانت له معه صولات وجولات كثيرة في ربوعه على أصعدة عديدة، كما أن الفترة نفسها شهدت تداولا كبيرا لهذه الكلمة مقابل كلمة الإصلاح، وقد تجلى ذلك في الخطاب الدعوي وفي الوثائق والرسائل والمقالات الصحفية. (1/265)
صفحة 266
234
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
مما يفرض علينا ونحن نحاول تحليل تاريخ هذه الفترة، والإمساك بخيوطها الرقيقة وفهم تداعياتها وتأثيراتها المختلفة أن نقف على مفهوم هذا المصطلح ونعنى به، دون أن يكون لنا قصد النيل من أصحاب هذا التيار أو التعرض إلى أشخاصهم. سنتساءل في هذا المبحث عن حقيقة مصطلح الجمود، وعن أصناف الفريق الذي حمل فكره ولواءه ومثل تياره كما نوضح المنهج الذي سنسلكه في تناول أحداثه.
2 - تعريف الجمود:
من خلال تتبعنا لمسيرة النهضة الإصلاحية التي شهدها وادي ميزاب، ومن خلال وقوفنا على خطابها الدعوي، وعلى وثائقها ومصادرها التي تضمنت وصف الجمود وذكرت صوره وأنماطه ومظاهره، نستطيع وضع هذا التعريف له: الجمود هو فلسفة وتصور تحكم مسائل الدين وتشمل مجالات الحياة المختلفة، تتميز بالتصلب والتشدد في إحكام السيطرة على المجتمع بواسطة الدين، ورفض التجديد في فهم نصوصه والتقيد بالنظرة السطحية الحرفية لها، وإغفال المقاصد الشرعية في فهمها، وعدم مراعاة الأولويات والضرورات والمستجدات وحاجات الأمة وتحدياتها، وبالخلط بين الثوابت والمتغيرات، وبالانغلاق الداخلي على المجتمع، وبالتعصب المذهبي؛ دون مراعاة المصلحة العليا لأمة الإسلام، وبضعف الوعي السياسي، وبالتشبث بالعوائد والأعراف والتقاليد؛ دون إخضاعها للنظرة العقلية المنطقية الواقعية ورد أي تغيير أو تبديل فيها، وبمعاداة من يدعو إلى ذلك أو يعمل في سبيله ومحاربته باستعمال الوسائل المتاحة من منابر المساجد وسلطة الهيئات العرفية والمحافل الاجتماعية، وبقوى الاستعمار وأذنابه.
ولد هذا الفكر سلبيات اجتماعية كثيرة واتخذ مظاهر واقعية مخزية، نذكر
منها ما يلي: (1/266)
صفحة 267
المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
235
رفض التجديد في فهم الدين والاجتهاد في مسائله في إطار نصوصه
وضوابطه.
- رفض تطور المجتمع لمواكب العصر في المجال التربوي التعليمي والمجال الاجتماعي.
رفض ربط العلاقات والتعاون مع علماء الجزائر وعلماء العالم الإسلامي. الخنوع للاستعمار والركون له والاستقواء به لأجل ضرب المشروع
الإصلاحي. التواطؤ مع قوى الفساد والمصالح من بعض "القياد“ وبعض الأغنياء في المعركة ضد الإصلاح.
السقوط في أمراض القلوب من الحسد والكبر والعناد ورد الحق. الوقوع في القذف وإلقاء التهم الباطلة وبث الإشاعات الكاذبة ضد تيار الإصلاح ورموزه. هذا ما سنرى صورا منه في الفصول والمباحث اللاحقة.
3 - أصناف فريق الجمود: نريد أن نؤكد أن الخلاف الفكري في المجتمعات البشرية ليس عيبا في حد ذاته، بل يمكن أن يعد سمة إيجابية وقيمة حضارية، ومظهرا من مظاهر حيوية المجتمع ونشاطه وحركيته، مما يجعل التمايز والتنافس بين أجنحته والله تعالى هو الذي فطر هذا الإنسان على سنة الاختلاف والتنوع، حيث قال: يَا أَيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). وقال تعالى أيضا: {وَلَوْ شَاءَ رَبِّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُختلفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبِّكَ وَلذَالِكَ خَلَقَهُمْ (2).
(1) سورة الحجرات / الآية: 13. (2) سورة هود / الآية: 118 - 119. (1/267)
صفحة 268
236
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
ذلك إذا سار هذا الاختلاف في الطريق الصحيح السوي ولم يتعده إلى مس الخطوط الحمراء، وبلوغ مستويات عالية من الصراع والخلاف مما يؤدي إلى الفتن أو إلى الفرقة والتناطح والتقاتل، أو يعيق فعلا حركية المجتمع فيجعلها تراوح مكانها، أو تتأخر أشواطا إلى الوراء، خاصة عندما يكون أحد الأطراف يحمل فكرا هداما فاسدا يبث السموم والمناكر في جسد الأمة.
أما إذا بقي في الإطار المعقول والمقبول، وكان الاختلاف على تنوع برامج ومخططات إصلاح، فلا شك أن ذلك سيعمل على التنافس والتسابق والنقد والتقويم والمراقبة، فيكون كل طرف مرآة للطرف الآخر، ولعل هذا ما نجحت به الحضارة الغربية وتفوقت في العديد من مجالات الحياة بتبنيها للديمقراطية نظاما وفلسفة في الوجود.
نستطيع أن نقول - بكل أسف - إن ما شهده وادي ميزاب هو نوع من الجمود الفكري الذي شكل معارضة سلبية معرقلة لمسار النهضة والإصلاح، ومعطلة فعلا سبيل تطوير المجتمع، ولم تكن طيفا من الإصلاح أو شكلا أو نمطا فيه. عرف وادي ميزاب فكر الجمود خلال كل المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية، وعانى منه المشايخ والعلماء كما سبق أن بينا في مباحث ماضية، وكان ذلك نتاج الوضعية المتردية التي مر بها المجتمع على مختلف الأصعدة، وقد تواصل إلى عهد القوة والنضج الذي بلغته النهضة الإصلاحية خلال القرن العشرين ليعيش مرحلة ضعفه وتفكك قواه وتشتت أواصره.
حين التأمل في تركيبة فريق الجمود نستطيع أن نميز فيه أربعة أصناف من
الناس (1) كما يلي: صنف العوام.
- صنف شيوخ العزابة.
(1) هذا التصنيف هو من وضع المؤرخ محمد علي دبوز مع إدخال بعض التعديل عليه. انظر: دبوز اعلام
الإصلاح، ج 4، كله. ج 5، ص 69 70. (1/268)
صفحة 269
المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
- صنف العلماء.
صنف أصحاب النفوذ والمصالح.
ا - صنف العوام:
237
يشكل هذا الصنف عوام الناس الذين حرمتهم الظروف من التعلم، ومن إدراك نعمة الإصلاح، فلم يعرفوا حقيقته، ولم يحصل لهم الاستماع إلى أفكاره ومخالطة مشايخه في المرحلة الأولى من ظهوره فكان مصدر حكمهم عليه هو منبر المسجد وبعض المشايخ والعزابة، فهم منقادون مطيعون لصوت المسجد، يضعون ثقتهم في مشايخه ويرون فيهم مصدر العلم والقدوة.
وقد عمل بعض هؤلاء المشايخ والعزابة المعادين للإصلاح على تسويد صورة فريقه في عيونهم ومثلوه لهم بالغول الذي يهدد كيان مجتمعهم وكيان الإسلام ووادي ميزاب، وقد تبرؤوا من زعيم الإصلاح الشيخ بيوض من على منابر مساجدهم، وصوروه لهم في أبشع صورة، مما جعلهم يعادون الإصلاح ويعادون زعيمه وأتباعه عن جهل وتسليم لسلطة المسجد.
مثل هذا الصنف أوسع شريحة معارضة ومعادية للإصلاح بسبب الجهل، هذا الخطاب المسجدي.
وبسبب
إلا أنه في حدود منتصف القرن العشرين مع نزول تلاميذ الشيخ بيوض إلى الميدان الاجتماعي في قرى وادي ميزاب وعمارتها بالنشاط والأعمال استطاعوا تصحيح هذه النظرة المسيطرة على أذهان هؤلاء العوام، فاكتشفوا حقيقة الإصلاح وعرفوا أن ما كان يقدم لهم لم يكن هو الواقع، فتخلى الكثير منهم عن معاداته،
والتحقوا بصفوفه.
ب صنف شيوخ العزابة
هذا الصنف يمثله بعض شيوخ العزابة الذين تلقوا حظا متواضعا من العلم الشرعي وحفظوا القرآن الكريم وبعض المتون دون التعمق في فهم الشريعة (1/269)
صفحة 270
238
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
وعلومها ومقاصدها، ولم تكن مؤهلاتهم تسمح لهم بذلك، إلا أنهم أصبحوا مع
الوقت من أعضاء حلقات العزابة وأصبحت لهم مكانة اجتماعية معتبرة. فعارضوا الإصلاح وسدوا طريقه ووقفوا في وجه النهضة، بقصورهم على فهم حقيقة الإصلاح وإدراك أبعاده ومقاصده، وبوساوس نفوسهم التي خافت التي خافت أن تضيع منها منازلها الاجتماعية واحترام الناس لها وتقديمها في مجالسها، كما حاربوه بمنطق العناد بمنع اتصال العامة به، وبغلق منافذه إليهم، وبتشويه صورته في مساجدهم ومجالسهم.
ج- صنف العلماء:
هم بعض العلماء الذين تلقوا العلوم الشرعية والعربية ونالوا حظا وافرا منه على أيدي مشايخهم خاصة منهم قطب الأيمة الشيخ أطفيش وبلغوا فيه درجات عالية، وأصبحوا مراجع دينية لوادي ميزاب ونالوا ثقته، وشعروا أنهم يمثلون الورثة الشرعيين للشيخ اطفيش.
إلا أن ظهور الشيخ بيوض على مسرح الأحداث دفعة واحدة بعبقريته وفصاحته وقوة شخصيته وقدرته على التأثير في الجماهير، جعلهم يعادونه ويعارضونه ويقفون في طريق مشروعه؛ حسدا من عند أنفسهم وعنادا وهم يعلمون أنه على الحق خوفا من أن يسلب منهم هذه المكانة الدينية وهذه المرجعية العلمية، وهذا الاحترام والتقدير من الناس الذي يحظون به.
كما عارضوه أحيانا لاختلاف وجهات نظرهم في تقدير المصالح والمفاسد في الأمور الحادثة في عصرهم، كما عارضوه لأنهم لم يستطيعوا إدراك أبعاد مواقفه، وفهم أفكاره وتوجهاته الكبرى، كما لم يستطيعوا أحيانا أخرى أن يأتوا بما أتى به في المجال الديني والاجتماعي والتربوي، وأن يبلغوا مستواه وأعماله، فناصبوه العداء، وسفهوا مشاريعه وضللوا أعماله، وسلقوه بالسنة حداد. (1/270)
صفحة 271
المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
د - صنف أصحاب النفوذ والمصالح
239
يشكل هذا الصنف بعض الأغنياء المنحرفين والقياد الفاسدين من أذناب الاستعمار وعيونه، وأياديه الذين رأوا أن وجود مشروع الإصلاح وبروزه يهدد مصالحهم ويقضي على نفوذهم ويشكل خطرا عليهم، وسيصل اليوم الذي يطيح بهم من عليائهم وينسف بؤر الفساد التي يعششون فيها ويتنفسون بهوائها. تحالف هؤلاء بما لديهم من قوة المال والحكم والنفوذ مع الأصناف الأخرى ووقفوا صفا واحدا ضد الحركة الإصلاحية، وعلى رأسها زعيمها الشيخ بيوض، وسخروا في سبيل ذلك ما يملكون من ثروات وعلاقات مع المستعمر، ووظفوها في محاصرة الشيخ بيوض ومحاولة القضاء عليه وعلى حركته، وأجازوا في حربهم هذه استعمال كل الطرق والوسائل الممكنة بما في ذلك تدبير خطط اغتياله وتنفيذها
عدة مرات.
نسجل - بكل أسف - أن هذه القوى من الفساد والاستعمار تحالفت فعلا مع بعض علماء وادي ميزاب ومع بعض عزابتها - عن علم أو عن غير علم ـ وعامتها الدهماء لأجل القضاء على حركة الإصلاح وزعيمها.
لقد أطلق تيار الإصلاح تسمية الجمود على هذه المعارضة، كما أطلق عليها فيما بعد تسمية تيار المحافظين (1).
4 - منهج تناول فكر الجمود في البحث:
نريد أن نوضح هنا أن منهجنا في الحديث عن فكر الجمود وتياره في بحثنا هذا سيحاول أن ينضبط بجملة من أخلاقيات الإسلام ويتقيد بجملة من الضوابط العلمية، ولا يترك العنان لأي كلام يرسل على عواهنه.
(1) انظر أبو اليقظان: إرشاد الحائرين كله اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين كله بكلي: مسيرة الإصلاح، كله. دبوز أعلام الإصلاح، ج 4، كله، ج 5، ص 69 70 الحاج سعيد: تاريخ بني، مزاب، ص 202151 (1/271)
صفحة 272
240
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
كما سيحاول أن يلتزم بالموضوعية، ويبتعد عن العاطفة وعن الذاتية قدر الإمكان، بغرض الوصول إلى الحقيقة العلمية وتشخيصها كما حدثت في مسرح التاريخ، وتقويمها بميزان العقل والمنطق.
من هذه الآداب أننا سنتجنب - قدر الإمكان - ذكر الأسماء والألقاب، أو تشخيص الجهات إلا ما اضطررنا إليه، أو فهم من ثنايا البحث وسياقه، وسنتوجه إلى نقد فكر الجمود بغض النظر عن الشخص الذي يقف وراءه. التزاما بحديث نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: «اذكروا محاسن موتاكم)، وعملا بقول الله تعالى في الآية الكريمة: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)، وتطبيقا لمقولة الخليفة عمر بن عبد العزيز حينما سئل عن فتنة الصحابة فأجاب: «تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلنطهر منها السنتنا»، وكذا عملا بمنهج القرآن الكريم عموما في حديثه عن كفار ومشركي قريش فهو لم يشهر بأسمائهم ولم يذكرها إلا ناذرا إكراما لهم، لأن الكثير منه سيلتحق بالإسلام فيما بعد، وإكراما لأعقابهم وذرياتهم الذين سينشؤون على الإسلام، فلا يكون سبة لهم عبر التاريخ.
ذلك لأجل أن يعمل تاريخنا في اتجاه دعم قوتنا ورص صفوفنا وتماسك
مجتمعنا، ولا يعمل على تفرقتنا، أو بث الشقاقات والنزاعات بيننا.
من الآداب كذلك أننا نحاول إيجاد الأعذار لبعض الأعمال أو المواقف التي صدرت من جبهة الجمود، مما يمكن أن نحسبه أمرا سلبيا، مخالفا لأحكام الدين والاستقامة. كما نضع في حسباننا أن بعض هؤلاء قد تراجعوا فيما بعد عما صدر منهم وعادوا إلى جادة الصواب واستغفروا وتابوا وأنابوا، هذا ما يشفع لهم دارسين لتاريخهم فهم بشر ليسوا ملائكة معصومين، فهم يصيبون
لنتأدب
معهم
(1) أخرجه الترمذي في سننه رقم 940، ج 1، ص 150. وأبو داوود في سننه رقم 4254، ج 13، ص 51. موسوعة المكتبة الشاملة، قرص مضغوط، يحوي أهم مصادر الحديث. (2) سورة البقرة / الآية: 134. (1/272)
صفحة 273
المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
241
ويخطئون. وإن من اجتهاداتهم ما كان خالص النية، صادق المقصد، ولو أنه جانب الصواب والحق.
إن معتقدنا أن كل هؤلاء المشايخ والعلماء والعزابة الذين قادوا مرحلة النهضة في وادي ميزاب بشقيه المعارض والمصلح قد قاموا بأعمال جليلة وتضحيات عظيمة في المجال الديني والاجتماعي والتربوي، رغم ما صدر منهم من أخطاء فنحن إذا أعدنا ذكرها أو تمحيصها فمن باب حفظ التاريخ، وأخذ العبر منه، وبناء المستقبل عليه.
نجد ونحن نطلع على تراجم زعماء المعارضة والجمود وهم في عنفوان محاربتهم للحركة الإصلاحية ولزعيمها الشيخ بيوض، يتشبثون بالدين وبالمذهب وبالأعراف حسب ما فهموها وأدركوها، ويجاهدون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويفرغون حياتهم في التربية والتعليم والوعظ والإرشاد والنصح لهذا المجتمع، فلكل واحد منهم سجل حافل بعظيم الأعمال وجليل الفعال مما يمنع التطاول على قاماتهم والاستنقاص من أشخاصهم وتسفيه أعمالهم واحتقار تضحياتهم، وهم قد أفضوا إلى ربهم ونحسب أن الله تعالى قد غفر لهم أخطاءهم وزلاتهم وتقبلهم عنده في الصالحين.
إلا أنه في مقابل كل هذه الاعتبارات فإن مسؤولية كتابة التاريخ وحفظه للأجيال كما حدث دون تزييفه وبرسم أقرب صورة له، ثم تحليله وفهمه ونقده لأجل استخراج الحقيقة العلمية التاريخية منه، وتحديد الصواب من الخطإ والحق من الباطل، والنفع من الضر فيه يقتضي التحري والدقة، ووضع النقاط على الحروف.
إذن: سنحاول أن نسير في بحثنا على هذا الخيط الرقيق، بين هذين الاعتبارين، ونحرص أن لا نحيد عنهما - قدر الإمكان والمستطاع - خاصة وأن جزءا من هذا التاريخ لا تزال تداعياته وتأثيراته على وادي ميزاب باقية
واضحة جلية إلى حد اليوم.
18 (1/273)
صفحة 274
242
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
لا أعرف هل سيعذرني المؤرخون وأهل التاريخ على انتهاج هذا الخط أم لا (1)، وأستسمحهم إن كانت مناهجهم وعلومهم لا تقبل بذلك.
في حقيقة الأمر ينبغي الاعتراف بصعوبة الجمع بين هذه الأخلاقيات وتحري الموضوعية العلمية والدقة التأريخية. ولا أعرف هل يسمح لنا بصفتنا مسلمين أن يكون لنا منهجنا الخاص في كتابة التاريخ، فنقول بأسلمة علم التاريخ، أو بوجود منهج إسلامي لكتابة التاريخ، أو تسميته أخلاقيات كتابة التاريخ.
فلست مع فكرة التقديس المطلق للموضوعية والمنهجية والحقيقة العلمية بدون ضوابط، ولو على حساب مصالح الناس، وجلب الضرر والشرور لهم بدعوى العلمية والموضوعية والمنهجية (2).
سنحاول الالتزام بهذا المنهج في استعراضنا الأحداث سواء ما تعلق منها بتيار
الجمود أم بتيار الإصلاح.
5 - مسار فكر الجمود وتطوره
إذا حاولنا تتبع مسيرة فكر الجمود في وادي ميزاب وأهم المحطات التي مر بها بين القوة والضعف، فإننا نقول إنه شهد فترة قوته ومناعته خلال المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية وقد تعشش في مفاصل المجتمع حينما افتقد العلم والوعي وسيطرت عليه أسباب التخلف والتردي، وكان أنصاره يتشكلون أساسا من طائفة
(1) يرى المؤرخ العراقي الدكتور عمر فاروق فوزي أن مهمة كاتب التاريخ لا تتوقف ولا تنحصر في رواية الأحداث والوقائع، وإنما تتعداها إلى التحليل والنقد واستخلاص العبر والدروس منها، وتقديمها للمجتمع وللأجيال في قالب يخدم وحدتها وتماسكها ويراعي حاضرها ومستقبلها. مقابلة مع الدكتور عمر فاروق فوزي: عمان، الأردن، 24 مارس 2008 م.
(2) يرى الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان والمرجع الأول للإباضية أن تاريخ وادي ميزاب في عهد النهضة الإصلاحية وما تزامن معه من أحداث وقلاقل داخلية لا بد أن يكتب ويقدم للأجيال بما يراعي وحدة المجتمع ومصالحه، وتناسي الخلافات وتجاوز الأخطاء من كلا الطرفين. مقابلة مع الشيخ أحمد
الخليلي: المفرق، الأردن، 25 مارس 2008 م. (1/274)
صفحة 275
المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
243
الفاسدين والجهلة بالتواطؤ مع قوى الاستعمار، التي رأت فيه آلة لإحكام سيطرتها على المجتمع وإذلاله واستعباده أكثر.
مع بداية انقشاع سحاب الجهل عن المجتمع أثناء عهد القطب وعهد تلاميذه. حمي الوطيس واشتد الصراع بين تيار الجمود وتيار الإصلاح، وكانت لهما صولات وجولات، أحيانا يكون النصر للفريق الأول وأحيانا للثاني.
إلا أنه يسجل ـ للأسف - في هذه الفترة انضمام فريق من العلماء إلى هذا التيار ومناصرته والتخندق في صفه ضد تيار الإصلاح، في حين كان ينتظر منهم عكس ذلك وفاء لمشايخهم الذين تعلموا على أيديهم، وتلقوا منهم أمانة الإصلاح، فاستقوى بهم وأصبحت له قلاع حصينة وأسوار منيعة داخل وادي ميزاب. مثلث هذه الفترة من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين عز تيار الجمود وقوته وتمكنه، وشهد وادي ميزاب معارك طاحنة بين التيارين على مستوى جبهات كثيرة في المجال الديني والاجتماعي والتعليمي والسياسي. استعملت فيه مختلف الأساليب المتاحة؛ المشروعة منها وغير المشروعة. وقد عطل تيار الجمود والمعارضة مسيرة الإصلاح فعلا، ووقف حاجزا منيعا أمام تطور المجتمع وأخذه بأسباب التمكين، وكان حجر عثرة في سبيل النهضة الإصلاحية لإباضية الجزائر في وادي ميزاب.
يقول الدكتور عيسى قرقب: «لقد رفضت فئة الجمود في منطقة الوادي الإصلاحات التي أدخلها الإمام بيوض على المجتمع الإباضي واعتبرتها خروجا عن المذهب ومروقا من الدين» (1).
خلال الخمسينيات من القرن العشرين وما بعدها بدأت قوى الجمود تضعف وتتفكك، وقلاعه تنهار، وحصونه تسقط واحدة تلوى الأخرى بسبب انتشار الفكر الإصلاحي بازدياد أنصاره وبنزولهم إلى ميادين الإصلاح المختلفة، وبسبب وفاة
(1) عيسى قرقب الإمام إبراهيم بيوض، رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري، ص 247. (1/275)
صفحة 276
244
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
بعض رؤوس الجمود ورموزه، والتحاق بعضهم بتيار الإصلاح، بعد أن تفهموه وعاينوا فوائده وشاهدوا منافعه، وبسبب كف بعضهم عن المجاهرة بمعاداة الإصلاح، والتزام الحياد والصمت، وبسبب تخرج الأجيال من المدارس والمعاهد الإصلاحية وانتشار الوعي والثقافة بينها وتمييزها بين النافع والضار في حركة المجتمع. مع بزوغ فجر استقلال الجزائر لم يبق لتيار الجمود مفعول واضح مؤثر في المجتمع، حيث فقد أنصاره ومراكز قواه وضعفت أضراره في طريق الإصلاح، وخفت معارضته العلنية له؛ في مقابل تزايد قوة الإصلاح وانتشار أفكاره في أرجاء وادي ميزاب.
حيث تولدت بعد الاستقلال حالة جديدة من التوافق والتقارب بين التيارين بعد أن تتبع بقايا تيار الجمود، ومن كان يحسب عليهم خطوات الإصلاح في مشاريعه التعليمية والاجتماعية وتراجع عن الكثير مما كان يعارض فيه الإصلاح ويعانده ويعاكسه.
حتى أصبح التياران يتنافسان على جوانب الخير والفلاح والصلاح ويتعاونان ويستفيدان من تجارب بعضهما البعض، فكان تارة يسبق هذا وتارة يسبق ذاك، وزالت مع الوقت الكثير من الضغائن والأحقاد التي حملها كل طرف تجاه الآخر، خاصة بعد رحيل الجيل الأول، وطلوع جيل جديد لم يعش تلك المعارك ولم يشهد تلك الخصومات.
هكذا أضحى وادي ميزاب مع فجر الاستقلال يتشكل من فريقين، بل من مدرستين إصلاحيتين؛ الإصلاح والمحافظة. يمكن اعتبارهما وجهين لعملة واحدة هي إباضية الجزائر.
6 - تقويم مسيرة الجمود
إذا أتينا في آخر هذا المبحث لتقويم ما حدث في وادي ميزاب من صراع بين الحق والباطل، وتقويم للصواب والخطإ فإننا نتأسف أن يصدر من بعض العلماء (1/276)
صفحة 277
المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
245
والعزابة والأعيان مثل هذه الأمور الدنيئة المخزية، التي وظفوا فيها المساجد وحلقات العزابة والهيئات العرفية، وانحرفوا بها عن دورها الديني الحضاري في تلك اللحظات من الزمن لأجل خدمة مصالح باطلة ولأجل ضرب حركة الإصلاح ومحاربة زعيمه الشيخ بيوض. إذ تحدثنا الوثائق أن اجتماعات عقدت لبعض هؤلاء باسم حلقات العزابة لأجل إدانة الشيخ بيوض ورفقائه، ولأجل تدبير المكايد لاعتراض طريقه، ثم تهربوا منه حينما طلب ملاقاتهم، وطلب مناظرتهم لأجل استبيان الحق في فتاويه واجتهاداته ومواقفه وأعماله التي أدين من أجلها.
كما تحدثنا الوثائق عن تورط بعض هؤلاء في ربط علاقات مع المستعمر وتقديم تقارير كاذبة ورسائل مغرضة حول الشيخ بيوض وحركته لأجل إدانته وكانت تحمل إمضاءاتهم، كما سلطوا منابر المساجد على شخصه فقذفوه بأثقل الأوصاف، ورموه بأعظم التهم، فقالوا عنه، فاسق كافر، ملحد، وأعلنوا براءتهم وبراءة المجتمع منه (1).
من جهة أخرى لنا أن ننظر إلى كل هذا الذي حدث بالمنظار البشري، وبمنظار التدافع الحضاري والصراع الفكري، الذي تعيشه كل المجتمعات، فنقول إن هؤلاء أناس عملوا واجتهدوا فأصابوا وأخطؤوا واختلفت وجهات نظرهم في تقويم قضايا عصرهم، وفي سبل تحقيق المصالح لمجتمعهم ورد المفاسد عنه؛ فأدى بهم الحال إلى ما أدى من خلاف ونزاع وشقاق.
فكان لهذا الصراع وهذا التدافع الأثر الإيجابي الكبير على وادي ميزاب بجانب هذه السلبيات الجسيمة من تفعيل جوانب الحياة العامة وكسر ركودها، ومن بروز قادة الإصلاح، وتنظيم صفوفهم وتعاونهم وتكاتفهم وتجندهم وراء
(1) تراجع في ذلك الكتب الآتية بكلي مسيرة الإصلاح كله دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، كله. ج 5، ص 69 70. أبو اليقظان: إرشاد الحائرين كله. اطفيش: الدعاية إلى سبيل المؤمنين كله. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 202151 (1/277)
صفحة 278
246
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
زعيمهم، واكتسابهم الحكمة والحنكة في التعامل مع هذا الوضع، والتحرك في وسطه، وتعلمهم أساليب السياسة والمراوغة في مجابهة مكايد المستعمر ورد عدوانه. على كل؛ هذه هي صورة وادي ميزاب وحال إباضية الجزائر خلال قيام نهضتهم الإصلاحية، وهذه صورة من التدافع الحضاري الذي عايشوه بداخلهم بين الحق والباطل.
هذا ما سنشهد فصولا منه في مباحثنا القادمة. (1/278)
صفحة 279
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
المبحث الرابع:
المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
247
نتناول في هذا المبحث المرتكزات الفكرية والمرجعيات الحضارية التي بنت عليها النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب حركتها في التغيير والإصلاح، فنكشف عن الأوساط التي استفادت من من أفكارها وتأثرت بتجاربها وخبراتها.
من خلال تتبعنا للمسار التكويني لأعلام الحركة الإصلاحية، ومن خلال تحليلنا لخطها الدعوي وخطابها المسجدي نستطيع أن نحدد جهات عديدة كان لها
الفضل في صناعة النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر.
يمكن لنا أن نقسمها إلى قسمين ونصطلح على تسميتها بما يلي:
- مرجعية قاعدية.
مرجعيات تطعيمية.
1 - المرجعية القاعدية: مسيرة النهضة الإصلاحية بوادي ميزاب بينا في الفصل السابق أن الإصلاح في وادي ميزاب مر بمراحل إعدادية مهدت له السبل، ويسرت له الطرق، وهيأت له النفوس، وخصبت له العقول، فقامت بأدوار مهمة في محاولة تغيير الأوضاع العامة على مختلف الأصعدة.
وقد احتلت حلقة العزابة وعلماؤها في هذه العملية الإصلاحية دور الريادة الدينية والاجتماعية فسجلت حضورها القوي وتأثيرها الإيجابي على المجتمع محافظة على كيانه ودفعا للمفاسد عنه.
لذا يحق لنا أن نعتبر - بناء على ما خلصنا إليه في الفصل السابق – أن المرجعية الأساسية للإصلاح والركيزة الصلبة للنهضة الحديثة تتمثل في العوامل الداخلية التي بني عليها المجتمع الإباضي في وادي ميزاب والتي يمكن أن نجملها في
العنصرين الآتيين: (1/279)
صفحة 280
248
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
الإيمان الراسخ بالفكرة الإصلاحية السابقة والاقتناع العميق بها، والسعي لاحتضان المجتمع لها، والشعور بمسؤولية تحملها ومواصلة طريقها، وإعلاء صرح بنيانها وتنفيذ مشاريعها وتحقيق أهدافها على أرض الواقع.
امتلاك المجتمع لنظام حلقة العزابة الذي شكل الشرايين الناقلة للدم لجسد الإنسان، وشكل كذلك نظام المناعة فيه الحافظ لكيانه من الأمراض والمدافع عن الأجسام الغريبة التي تتطفل عليه.
بناء على ذلك فإن ما ينبغي تسجيله بكل دقة ووضوح – حسب رأيي – أن النهضة الإصلاحية ضمنت شطر نجاحها وتفوقها وتمكنها من المجتمع بفضل هذين السندين المتينين اللذين أسهما معا في تهيئة تربة خصبة لنضج بذور أفكار الإصلاح وضرب جذورها في الأعماق، إذ أضحى المجتمع يحمل قابلية احتضان حركة الإصلاح وقابلية تبني مشاريعها والدفاع عن أفكارها التجديدية قبل أن تظهر هذه الحركة إلى الوجود إطلاقا.
والفضل في ذلك يعود إلى أولئك العلماء والعزابة والأعيان السابقين بما بذلوه من جهود مضنية جبارة في مختلف مناحي الحياة للحفاظ على كيان المجتمع، فسهل العمل للمصلحين ومكنهم من تمرير أفكارهم وبث مشاريعهم عن طريق تلك القنوات المهيكلة للمجتمع والموصلة للخطاب فيه.
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: (إن الفضل الأكبر لشباب نهضتنا يرجع إلى أولئك العلماء المصلحين فهم الذين ثقفوا الأمة، وأصلحوا نفوسها، وثقافة العقول فتحسن الإدراك، وإصلاح النفوس فتحسن العمل» (1).
إن هذا الكلام لا ينفي ما لاقاه المصلحون من معارضة شديدة على مستوى الجبهة الداخلية سواء من رجال العزابة أم الأعيان أم العامة، فإن ذلك يعد شيئا
(1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، المطبعة العربية، الجزائر، 1391 هـ/ 1971 م،
ج 2، ص 2. (1/280)
صفحة 281
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
249
طبيعيا في كل مجتمع آيل إلى حركة تجديد وتغيير، مع حرصه على الإبقاء على كيانه، وخوفه من الدخيل والغريب.
إذن فالحركة الإصلاحية في وادي ميزاب مدينة بقوة لجهود العلماء والعزابة السابقين الممهدين للإصلاح، ويكفيهم فخرا أن كل قادتها هم خريجو مدارس
هؤلاء العلماء والمشايخ ومعاهدهم، وأنهم من صنع أيديهم وبنات أفكارهم. حسب رأيي؛ إنه لولا هذان العاملان لما استطاعت الحركة الإصلاحية التمكن من النفوس والتحكم في المجتمع والبروز إلى واجهة الأحداث، ولما استطاعت أن تصل إلى ما وصلت إليه ميدانيا في تلك الفترة الزمنية القصيرة في حياة الأمم والشعوب، إذ لو ابتدأت من نقطة الصفر، وانطلقت من فراغ للزمها أضعاف الجهود المبذولة وأضعاف الأوقات المصروفة لأجل أن تبني مجتمعا وتسير به نحو نهضة إصلاحية وتجني ثمارها الحضارية.
في المقابل فإن ما ينبغي ذكره والإشارة إليه بوضوح كذلك أن أعلام الحركة الإصلاحية كانوا أوفياء حق الوفاء لأسلافهم ولمجتمعهم ولهيئاتهم العرفية، فلم يعرف عنهم يوما التنكر لتلك الأفضال، بل كانوا يؤكدون عليها في كل مناسبة، ويبينون للناس أن نجاحهم كان على أكتاف المرجال السابقين وما قدموه من تضحيات وجهود، وما فتئوا يؤكدون أن حركتهم الإصلاحية هي تتمة لما شرع في بنائه منذ أزيد من قرنين من الزمن، وأنها امتداد لذلك القبس من النور الذي أضيء ذات يوم من قبل.
إذن: نخلص بعد هذا أن النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب ذات جذور أصيلة وعميقة تحمل ثلاثة أبعاد متكاملة ومتداخلة فهي إسلامية في دينها وعقيدتها، وإباضية في فقهها وفكرها وميزابية في أعرافها، وعمرانها، كما امتزجت فيها المرجعية العلمية المتمثلة في جهود العلماء بالمرجعية الاجتماعية المتمثلة في جهود العزابة والأعيان؛ مكونة هذا المنتوج الجديد الذي عرف بالحركة الإصلاحية، أو
المدرسة الإصلاحية. (1/281)
صفحة 282
250
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
كما تحكمت هاتان المرجعيتان في رسم الخطوط العريضة للعملية الإصلاحية واختيار منهجها وتحديد وسائل تحركها وميدان نشاطها وضبط أهدافها وغاياتها المرجوة.
هذا ما ستكشف عليه الفصول والمباحث القادمة.
بعد هذا ينبغي الإشارة إلى أن هذه المرجعية القاعدية الصلبة يلاحظ عليها نوع من الانغلاق الداخلي ويسجل عليها نوع من التقوقع المحلي؛ لظروف وأسباب عديدة - مضى الحديث عنها سابقا - لذا أضحت في حاجة أكيدة وماسة ليبحث عن مرجعيات جديدة تتولى تلقيحها وإنعاشها وتفعيل الحركة والتغيير فيها، فوجد لها ذلك في الأوساط الإسلامية المجاورة القريبة منها والبعيدة. لأجل إحداث نوعية فيما استجد في العصر في كامل مجالاته الحيوية.
نقلة
هذا ما يبرر تطلعها للاستفادة من مرجعيات جديدة قامت بدور التطعيم لم تعهد من قبل في وادي ميزاب وهذا ما يمكن أن يصطلح عليه بالمرجعيات التطعيمية. فقيم تتمثل وكيف تم ذلك؟
2 - المرجعيات التطعيمية
أ- النهضة العلمية والحركة السياسية التونسية:
إن المتتبع للحركة الإصلاحية في مرحلة نشأتها ثم في مراحل قوتها وتمكنها يلاحظ بوضوح ذلك الخط الموصول والحبل المتين الذي كان يربطها بالنهضة العلمية والسياسية التي كانت تشهدها تونس خلال العقود الأولى من القرن العشرين. مما يقتضي التوقف مليا مع هذه العلاقة ومحاولة تأملها وتفكيك رموزها وفهم دوافعها واستخلاص أبعادها وتحديد معالمها (1).
(1) يرى الدكتور محمد ناصر أن الإصلاح في ثوبه المعاصر قدم أساسا من تونس عن طريق الشيخ أبي اليقظان - الذي نال حظا من التكوين في تونس - فتلقفه الشيخ بيوض وتبناه، وطعم به حركته الإصلاحية.
= (1/282)
صفحة 283
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
يمكن لنا أن نميز نوعين واضحين من التأثر والتزود
التأثر بالنهضة العلمية.
التأثر بالحركة السياسية والصحافية.
1 - التاثر بالنهضة العلمية
251
إن أوضاع وادي ميزاب التعليمية - التي سبق الحديث عنها في الفصل الماضي - جعلت الكثير من أبنائه لا يكتفون ولا يقتنعون بما يتزودون به من علوم بل يتوقون إلى الاستزادة في التحصيل بالتفكير في السفر إلى البلدان المجاورة ذات الحواضر العلمية الزاهية لأجل الاستفادة من علومها والاغتراف من معينها والجلوس إلى حلق علمائها. وتمثل ذلك خاصة في جامع الزيتونة بتونس والمدارس
المحيطة بها. طبعا لقد كان تفكير شباب وادي ميزاب في ذلك بعد حصولهم على القسط الضروري الأول من قواعد العلوم ومفاتيحه على أيدي مشايخهم، وبعد تشربهم بخصائص الحياة الدينية والاجتماعية لوادي ميزاب وتشبعهم بالقيم الاجتماعية والعرفية له، مما يمكنهم من الحفاظ على شخصيتهم المسلمة الإباضية الميزابية، ومما يحميهم من الذوبان في المجتمعات الأخرى أو الانغماس في شوائبها.
في حقيقة الأمر إن الحواضر العلمية الزاخرة في البلاد العربية – خاصة منها تونس ومصر - قد ألقت بظلالها على الجزائر عامة وعلى شعبه وعلى طموحات الأجيال الناشئة فيه؛ نظرا للأوضاع الاجتماعية والتعليمية المتردية التي كانت عليها هذه الجزائر خلال هذه الفترة، فأصبح حلم الشباب المنشود هو الانفلات من
مقابلة مع الدكتور محمد ناصر، الجزائر، جويلية 2005. نستطيع أن نقول إن الشيخ بيوض مثل القاعدة والأساس في الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب، بينما مثل الشيخ أبو اليقظان وغيره من قادة الإصلاح الذين تلقوا تكوينا في تونس عامل التطعيم والتلقيح للإصلاح، فامتزج اللقاح بالقاعدة منتجا صورة المدرسة الإصلاحية وفكرها ومنهجها وخصائصها. (1/283)
صفحة 284
252
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
الأوضاع والالتحاق بإحدى هذه الحواضر لمزاولة الدراسة بها وإكمال المشوار العلمي الذي ابتدؤوه في أوطانهم. إذ كانت تصلهم تباعا أصداء نشاطها العلمي وتمكن علمائها وتطور مناهج التربية والتعليم فيها عن طريق حركة التجارة ونقل البضائع بين الجزائر وتونس التي امتهنها عدد لا بأس به من الجزائريين، وعن طريق رحلات الحج والعمرة التي كانت تمر بالبلاد التونسية وتشهد كل ذلك الجو المفعم بالحركة العلمية والاقتصادية.
لذا فقد كانت الكثير من الأسر الجزائرية الميسورة الحال تبادر إلى إرسال أبنائها إلى هذه المدارس والمعاهد للتكوين فيها والنبوغ في علومها، والتخرج بشهاداتها وإجازاتها العلمية المعتبرة.
يقول الدكتور محمد صالح الجابري: «ولعل قرب مدينة تونس من الحواضر الجزائرية الشرقية ... هو الذي اختصر كلفة الرحلة إليها، فتعدد المقبلون على جامع الزيتونة وعلى المدارس الأخرى التي تكاثر عددها خلال هذه الفترة.
وقد نبغ في رحاب هذا الجامع الأعظم مئات العلماء الجزائريين، وأسهموا في حركته العلمية إسهاما مرموقا، فكانوا من تلاميذه النبغاء ثم أصبحوا من علمائه ومدرسيه وفقهائه وخطباء منابره
(1)
ويقول الدكتور أبو القاسم سعد الله كانت تونس مقصد المهاجرين الجزائريين مستوطنين وعابرين، وهي بوابة الشرق لهم ... ووجد الجزائريون في جامع الزيتونة موردا عذبا في الوقت الذي ضاقت فيه بلادهم من معلم حضاري مثله» (2)
لم يشذ شباب وادي ميزاب عن هذه القاعدة، بل كانوا يفكرون جديا في شد الرحال إلى هذه الأوساط رغم صعوبة التنقل آنذاك وظروف المعيشة القاسية التي
(1) الجابري: النشاط العلمي، ص 25.
(2) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 5، ص 490 491. (1/284)
صفحة 285
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
253
كانت تحول بينهم وبين مواصلة مشوارهم العلمي، مما يجعل الكثير منهم ينقطع في بداية الطريق أو في وسطه في أحسن الأحوال لينتقل إلى الحياة العملية تجارة أو فلاحة أو مهنا تحت ضغط الفاقة والمسؤوليات الأسرية والعائلية.
انطلقت هذه الحركة - بادئ الأمر - بصفة فردية؛ أتيحت لبعض الطلبة الذين توفرت لهم ظروف مساعدة، أو كان لهم طموح قوي، تحدوا به كل الصعاب للوصول إلى الهدف المنشود، ثم تحولت هذه الحركة مع مرور الزمن إلى حركة مؤطرة ومنظمة ثم إلى انشغال حملته المدرسة الإصلاحية واعتبرته أحد الجبهات التي ينبغي التصدي لها والعناية بها معنويا وماديا.
حيث تحملت على عاتقها مسؤولية هذه البعثات العلمية؛ بالنفقة عليها وتعيين مديريها والإشراف على إدارتها وضبط النظام فيها، وبإرسال الدفعات المتتالية من
الطلبة في كل سنة لمواصلة التكوين والدراسة في مدارس تونس ومعاهدها (1).
وذلك إيمانا منها بأهمية هذا الرافد الحضاري وحاجتها إليه في تطعيم وادي ميزاب بكوادر وإطارات تحمل روحا ونفسا جديدا تدفع حركة الإصلاح إلى الأمام في مسيرة نهضتها وتجديدها لدواليب المجتمع في كافة مناحي الحياة.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي في معرض حديثه عن دوافع فكرة البعثات الطلابية: « ... فشعرت إذ ذاك بشدة حاجتها إلى عدة الكفاح، وهو التزود بالعلم الصحيح في صبغته الحديثة والتمرس بالعناصر الحية خارج حدود الوطن، لتأليف جيش مثقف يحمل راية الكفاح عن جدارة واستحقاق، ويجابه الحياة عن دراية وخبرة، ويستغلب على مشاكلها بسلاح العلم وقوة العقيدة. فأرسلت البعثات إلى تونس» (2).
(1) يراجع في ذلك الجابري: المرجع السابق، ص 98. دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، قاسم الشيخ بالحاج مقال بعنوان: أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية مجلة الحياة، الصادرة من معهد الحياة بالقرارة -
الجزائر، ع 9، 2005 م، ص 236 - 253.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 90. (1/285)
صفحة 286
254
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
ويضيف الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: «ونحن إنما أسسنا البعثة تحت
تأثير ودوافع الحاجة الملحة إلى ذلك لما توجسنا من تطورات الحياة وشيكا بما تدفع إلى ميادينها الزاخرة أبناء المدارس والكليات والجامعات وخشينا نحن من الذوبان وتلاشي كياننا بصفتنا أمة لها كيانها وطابعها الخاص في الميدان الاقتصادي والاجتماعي بالقطر الجزائري شمالا وجنوبا، نحن نعد أنفسنا قد تأخرنا بيقظتنا عن الوقت اللازم (1)
لسنا هنا بصدد التأريخ لهذه البعثات العلمية – التي سيأتي الحديث عنها لاحقا - بقدر ما نحاول أن نفهم دوافع هذا الإنكباب على هذا الينبوع المتدفق، والنهل منه بنهم وبلا حدود.
لقد كان أول المستفيدين من هذا الينبوع العذب المستلذ لدى الحركة الإصلاحية قادتها وأقطابها، ويبدو أن إعجابهم بهذه الأوساط العلمية والسياسية وتأثرهم بها كان كبيرا جدا مما انعكس بقوة على شخصيتهم وعلى أفكارهم وعلى توجيههم للحركة الإصلاحية عموما.
فلقد هاجر كل من الشيخ أبي اليقظان والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ عبد الرحمن بكلي وغيرهم إلى هذه الربوع ومكثوا فيها مدة طويلة دامت عدة سنوات خالطوا فيها هذه الحياة بكل أبعادها، والتحقوا بمعاهدها - خاصة جامع الزيتونة (2) - وانكبوا على التحصيل فيها، وواصلوا مشوارهم العلمي، فجلسوا إلى علمائها ومشايخها وحضروا مجالسهم وحلق، علمهم واستفادوا من المناهج العلمية والتربوية، وما توصلت إليه تونس من إبداعات جديدة في هذا المجال.
لقد ابتدأت هذه البعثات في وقت مبكر جدا عند الميزابيين، ولعل أول بعثة جزائرية إلى تونس كانت بعثة ميزابية في سنة 1322 هـ / 1914 م، على إثر غلق
(1) أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان دار هومة تق وتع د. محمد ناصر، 2003 م. ص 14. (2) للاطلاع على نماذج من العطاء العلمي لجامع الزيتونة تراجع المجلة الزيتونية، من سنة 1936 م إلى سنة 1955 م، تسعة أجزاء، دار الغرب الإسلامي، دت. (1/286)
صفحة 287
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
255
السلطات الاستعمارية للمدرسة الصديقية القرآنية العربية بمدينة تبسة (1) التي كان يديرها الشيخ عباس بن حمانة (2)، فكان من الأولياء الميزابيين الذين لهم أبناء يدرسون فيها أن يفكروا في نقلهم إلى تونس لأجل متابعة دراستهم العربية الإسلامية في مدارسها كرد فعل على قرار السلطات الاستعمارية التي حرمتهم من
•
(3)
هذا الحق في وطنهم ثم توسعت هذه البعثات بعد الحرب العالمية الأولى لتضم أعدادا كبيرة من التلاميذ الوافدين من وادي ميزاب وتلحقهم بالمدارس والمعاهد التونسية، وتطور نظام تسييرها وإدارتها، وشهدت نشاطا علميا وثقافيا متميزا استطاعت أن تشرف على تكوين أجيال من الرواد في الحركة الإصلاحية، عادوا إلى وادي ميزاب بعد أن أنهوا تكوينهم، فكانوا رافدا قويا لها في مجال التربية والتعليم والدعوة وإصلاح المجتمع). ولعل جل إطارات حركة الإصلاح في جيلها الثاني هم من خريجي معاهد تونس ومدارسها، وبذلك قاموا بعملية التطعيم على أكمل وجه.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي موضحا هذا الدور الحضاري للبعثات واصلت البعثات سيرها فتخرج منها أساتذة نبهاء سدوا ثغور المساجد والمدارس، وكتاب تحارير أنشؤوا صحافة هنا وفي مصر؛ تردد صدى ما يعتلج في صدور دعاة الإصلاح، ويرمون إليه ويرومونه من تطور تساير به أمتنا في حدود دينها وذاتيتها قافلة الحياة، وتحافظ به على كيانها رغم الأنواء والأعاصير (5).
(1) انظر تفاصيل عن الجمعية الصديقية ومدرستها في كتاب دبوز أعلام الإصلاح، ج 3، ص 143 - 150. (2) عباس بن حمانة: (ت: 1332 هـ / 1914 م) من رواد الحركة الوطنية في الجزائر، رافق الوفد الجزائري إلى باريس سنة 1912 م ليطالب بإلغاء التجنيد الإجباري على الجزائريين، أنشأ في مدينة تبسة الجمعية الصديقية الخيرية للتربية الإسلامية والتعليم العربي والإصلاح الاجتماعي، أنشأ مدرسة قرآنية وأغلقتها سلطات الاستعمار، توفي مقتولا نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص 123.
(3) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 273 275 دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 151 - 183. (4) صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1991 م، ص 43 - 60. (5) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 100. (1/287)
صفحة 288
256
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
ويقول الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: «أخذ يظهر بعد ذلك في التلاميذ نبوغ وذكاء وتربية وتهذيب وآداب ونضوج فكرة وتثقف عقل واتساع مدارك وتفنن في العلوم فبدأت تتكون في ذلك طبقة مستنيرة أخذت تظهر بها لشعبنا
النبيل حياة جديدة وحركة فكرية وروح ملية لم يكن ليحلم بها من قبل» (4). بلا شك أن معايشة أقطاب الإصلاح للنهضة العلمية في تونس ومعاينتهم لها كان له الأثر العميق في نفوسهم وفي شحذ هممهم وتحريك عزائمهم لنقل كل ذلك إلى وادي ميزاب وإفادة النهضة الإصلاحية به فظهر ذلك التأثر والتطعيم على أشكال كثيرة وفي ميادين عديدة، لعل أوضح وجوهه تمثلت فيما يلي: فتح مدارس التعليم العربي العصري على نمط المدارس التونسية.
إنشاء النوادي الأدبية على شاكلة ما عايشوه في تونس.
متابعة الصحافة التونسية مطالعة ومدارسة لنقل تلك الأجواء والاهتمامات
إلى وادي ميزاب نقل أنماط الدراسة والإدارة في الزيتونة وجوها العلمي إلى معهد الحياة.
نقل خبرة إدارة البعثات ونظامها إلى بعثة معهد الحياة. إلا أن التأثير الأكبر والاستفادة العظيمة من النهضة العلمية التونسية يبقى متمثلا في تلك الأجيال المتعاقبة من الطلبة التي أصبحت تعود إلى وادي ميزاب في كل سنة وتلتحق بمناصبها في التعليم والتربية والدعوة والإرشاد. فملأت الحياة الاجتماعية نشاطا وحيوية وتجديدا وأصبحت جزءا من قيادة الحركة الإصلاحية وطرفا في صناعة قراراتها وإنجاز مشاريعها.
بذلك نصل إلى القول إن حركة النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب قد نالت تطعيما نوعيا مهما جدا بواسطة النهضة العلمية التونسية فصبغتها بصبغة جديدة ميزتها عما كان سائدا في وادي ميزاب آنذاك، وأعطتها طابعها الخاص.
(1) أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص 7. (1/288)
صفحة 289
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
257
بعد ذلك لا بد من الإشارة إلى أن هذا الرافد الخارجي للإصلاح وهذه النافذة التي أطل منها ليتنفس هواء يحمل أفكارا جديدة ونظرة مغايرة للحياة لم يستسغ بسهولة ولم يتقبل من الوهلة الأولى عند الكثير ممن كان يمثل الزعامة الروحية والعلمية والاجتماعية في وادي ميزاب من عزابة وفقهاء وأعيان، ومن تبعهم من العامة وانقاد لهم.
لقد تسبب هذا التفتح على العالم الخارجي في نشوب أولى حروب حركة الإصلاح ومعاركها على مستوى الجبهة الداخلية مع بعض قادة المجتمع، والدخول معهم في صراع فكري ومناطحات كلامية وكتابية.
إن الحركة الإصلاحية التي كانت تمر بمرحلتها التأسيسية في هذه الفترة الزمنية مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين نالها الكثير من التشويه والتعنيف ووصف أقطابها بمختلف أوصاف الضلال والزيغ والجحود بسبب مسألة توجيه الطلبة إلى تونس المواصلة تكوينهم وبسبب تأطيرهم للبعثات؛ التي كانت وراء تحفيز الأولياء لإرسال أبنائهم إليها والاندفاع وراء الفكرة والحماس لها.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي في هذا الصدد: «فإذا بهؤلاء الجامدين حماة المذهب الشريف، وحراس الطابع القديم ... يشنونها غارة شعواء على الإصلاح؛ فمن تحرير الرسائل ضدهم ... إلى تقبيح خطتهم، وانتقاد أسلوب تعليمهم بالباطل في مجالسهم الخاصة والعامة، إلى التشهير بهم في دروسهم، والبراءة منهم من أعلى منابر المساجد، إلى تصويرهم في صورة طاعون جارف ... إلى استفزاز العامة الساذجة باسم الدين وإقناعهم أن من أفضل الجهاد معاداة هؤلاء العصريين الملاحدة، وقطع الطريق عنهم» (3).
لقد كانت حجة المعارضين للفكرة أن بيئة تونس والعلوم التي يتلقونها. والأفكار التي تروج فيها تفسد أخلاق التلاميذ وطباعهم وتشوش على أذهانهم،
19
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 91 - 92 (1/289)
صفحة 290
258
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
فهم غير ناضجين ولا مكتملين لتربيتهم فلا يزالون في عمر المراهقة، وأن في ذلك خطرا على شخصيتهم وعلى مذهبهم من الانحراف أو الذوبان في الوسط العام. مع اتهام القائمين على هذه البعثات بالانشغال بالسياسة والتجارة على حساب مراقبة التلاميذ ورعاية شؤونهم
(1)
وكانت حجة المؤيدين أن التلاميذ محصنين مراقبين مؤطرين في أخلاقهم وتعليمهم وأن تزودهم بالعلوم العصرية وإكمال تكوينهم أمر ضروري وواجب لإفادة وادي ميزاب وتنويره بما استجد في العصر.
يحدد الشيخ أبو اليقظان - في رده على خصومه - وظيفة رؤساء هذه البعثات
والأدوار التي كانوا يقومون بها فيما يلي:
- إلقاء الدروس عليهم في العقائد وفي الفقه الإباضي يوميا ...
تفقد كراريسهم ودروسهم المدرسية.
مراقبة أحوالهم الدينية العملية.
ضبط سيرتهم وتقويم أخلاقهم ...
المحافظة على حالتهم الصحية والاقتصادية.
- إدارة شؤونهم المنزلية (2).
استمر هذا الصراع على أشده سنتين كاملتين؛ من سنة 1920 م إلى سنة 1922 م، استعملت في هذه المعارك الفكرية منابر المساجد وأعمدة الصحف وصفحات الكتب. وانقسم المجتمع تجاهه إلى فريقين مؤيد ومعارض لفكرة البعثات الطلابية، وأسهم هذا الخلاف في تشكل الحركة الإصلاحية وتبلور أفكارها الأولى، ويروز أقطابها، وتنسيق الجهود بينهم وبداية تميز قناعاتها عما هو سائد في المجتمع من
(1) صالح لعلي: إماطة اللثام عن بعض الليام، ص 35 - 74.
(2) أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص 6 - 7 (1/290)
صفحة 291
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
259
آراء ومن خطاب ديني يمكن أن يوسم بعض منظريه بالجمود على القديم والانغلاق عليه، وبالتزمت في النظر إلى الآخرين، وبالتعصب المذهبي.
ويبدو أن حركة الإصلاح قد استفادت من هذا الصراع وربحت نقاطا إضافية إلى صفوفها ووطدت من أركانها بسبب تحريك العقول والأقلام والأفواه للكتابة
والخطابة والرد والتوضيح والكشف عن خطها الفكري، ونهجها الإصلاحي. يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي في هذا المعنى: «على أن هؤلاء أحسنوا إلى الإصلاح من حيث أساؤوا إحسانا لا يقدر مداه. فقد حركوا ـ بإثارتهم نار الفتنة بين الأمة - أقلام كتاب الإصلاح فأرعفوها ... شرحوا فيها المبادئ الدينية الصحيحة التي ارتكزت عليها حركة الإصلاح، وفندوا مزاعم أولئك المشاغبين التي الصقوها بالإصلاح زورا ... فكان لهذه الحركة دوي فعال في الأوساط العلمية، ولهذا الصراع العنيف أثره البليغ في إثارة الفكر العام وتركيز الإصلاح وانتشاره في مختلف طبقات الأمة» (1).
لقد كشفت هذه الأحداث عن مدى محافظة هذا المجتمع وانغلاقه الداخلي على نفسه ورفضه لكل ما هو غريب خارجي مخالف للمذهب والأعراف والتقاليد والتهيب منه ولو كانت فيه مصلحة وخير، كما كشف هذا الصراع عن ذلك الحراك الاجتماعي الذي كان يعيشه وادي ميزاب بين التجديد والثبات على القديم، وكذا عن هذه المرحلة الانتقالية التي يمر بها من عهد الجمود إلى عهد التنوير، ومن عهد سيطرة أفكار الأشخاص إلى عهد سيطرة أفكار المدارس والمؤسسات.
إذن: يحق لنا أن نقول إن أفضال تونس على الجزائر عموما وعلى وادي ميزاب خصوصا أفضال عظيمة، لقد كانت مثال الينبوع المتدفق الذي تشرب من خلاله أقطاب الحركة الإصلاحية وكوادرها الفكر الإصلاحي في جانبه العلمي
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 92 - 93 (1/291)
صفحة 292
260
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
والثقافي والسياسي، ثم عادوا إلى أوطانهم فجسدوا كل ما فقهوه في مجتمعاتهم بعد
أن مزجوه وطوعوه مع أصوله وخصائصه وقواعده الاجتماعية.
هذا عن التأثر بالجانب العلمي فماذا عن التأثر بالجانب السياسي؟ 2 - التاثر بالحركة السياسية
الشق الثاني المهم الذي تأثر به أقطاب الحركة الإصلاحية واعتبر مرجعا فكريا لهم؛ استفادوا منه وطعموا به إصلاحهم لوادي ميزاب والذي لم يعهد من قبل كذلك، ويمكن أن يعد سابقة جديدة في فكر إباضية الجزائر وطرق نضالهم و جهادهم هو التكوين السياسي والنضال الحزبي والعمل الصحفي لمناهضة الاستعمار الفرنسي ونيل الحقوق المدنية منه.
إن وجود أقطاب الحركة الإصلاحية في تونس في مرحلة شبابهم مكنهم من هذا التكوين الخاص الذي لم يوجد بعد في وادي ميزاب ووفر لهم فرصة سانحة لم تتح للكثير من أقرانهم فاحتكوا بالطبقة السياسية الوطنية التونسية وتأثروا بها؛ وبالذات الحزب الحر الدستوري) بقيادة الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي أسس حزبه مع مطلع العشرينيات، وانضم إليه الكثير من الجزائريين المقيمين في تونس طلبة ومثقفين وتجارا (3).
(1)
(1) الحزب الحر الدستوري: أسسه جماعة من التونسيين المناضلين بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1920 - 1338 هـ وانتخب الزعيم عبد العزيز الثعالبي رئيسا للحزب، كان الحزب يطالب بحكم ذاتي واستقلال داخلي لتونس. ص 875 - 876. محمد بوذينة تونسيون في تاريخ الحضارات، ط 1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، تونس، اکتوبر 1998 م، ص 865 - 882. عبد المنعم الهاشمي: موسوعة تاريخ العرب، العصر الحديث، دار ومكتبة، الهلال، بيروت، 2006، ج 6، ص 305 310 (2) الشيخ عبد العزيز الثعالبي: ولد سنة 1874 م بتونس وتوفي بها سنة 1944 م، زعيم تونسي، من خريجي الزيتونة، مؤسس الحزب الحر الدستوري، ناضل من أجل استقلال تونس دخل السجون الاستعمارية الفرنسية، قام برحلات إلى المشرق وفرنسا، ترك عدة مؤلفات من بينها: تونس الشهيدة، تاريخ شمال إفريقيا، روح القرآن معجزة محمد. محمد بوذينة تونسيون في تاريخ الحضارات، ص 865 - 882. الهاشمي: موسوعة تاريخ العرب، ص 305 - 310. (3) أحمد توفيق المدني: حياة كفاح الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976 م، ج 1، ص 157.
= (1/292)
صفحة 293
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
261
عاشروا هذا الزعيم الوطني - صاحب التوجه العربي الإسلامي - ورفاقه، ولازموا مجالسهم وتتلمذوا على أيديهم معنى النضال الحزبي، وفقهوا قواعد اللعبة السياسية في التعامل مع المستعمر، وشاركوهم في نشاطاتهم وناصروهم بالرأي والمعونة المادية والمعنوية (4)، فنالوا منهم تجربة وتكوينا وخبرة، وتخرجوا من مدرستهم السياسية الوطنية (2).
معه،
تعلموا طرق التعامل مع المستعمر، وطرق محاورته ومراوغته، ولعبة شد الحبل لأجل المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية عن طريق الأحزاب والجمعيات والصحف، ولأجل الدفاع عن مقومات الأمة وثوابتها، ومن أجل دفع الحركة الوطنية إلى الأمام.
يقول الشيخ أبو اليقظان عن هذا التكوين الذي حظي به وعن أثر الشيخ الثعالبي وحزبه في شخصيته: «لقد وسع الشيخ الثعالبي فكري، وغير نظرتي في الحياة، وصيرني نارا على الاستعمار والجمود (3). ويقول أيضا: «لما انغمست في الوسط التونسي في سنة 1914 م ... وقد انطلقت الصحافة التونسية إذ ذاك عقالها فكانت تبرز بألوانها الزاهية وفصولها الممتعة. وزاد اللهب شعوري حركة الدستور بها وبلوغها عنفوانها وأعلى ذروتها منذ 1917 م إلى 1920 م
(4)
من
الجابري: النشاط العلمي والفكري، ص 187. محمد بوذينة تونسيون في تاريخ الحضارات، ص 865 882. أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان. صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، ص 43 - 60. (1) دعم الميزابيون الحزب الحر الدستوري وزعيمه الشيخ عبد العزيز الثعالبي معنويا بالدعاية له ولأفكاره في تونس وفي الجزائر، وماديا بجمع التبرعات من تجارهم في تونس وفي الجزائر وصبها في صندوق الحزب. ينظر في ذلك: أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، ج 1، ص 157 158. دبوز أعلام الإصلاح، ج 3، ص 225 283 صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، ص 43 60. قاسم الشيخ بالحاج مقال بعنوان: أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية مجلة الحياة، الصادرة من معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، ع،
253 - 236 2005
(2) صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، ص 43 - 60.
(3) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 238. (4) أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، ص 12.
- (1/293)
صفحة 294
262
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
ويقول الدكتور محمد ناصر عن تأثر الشيخ أبي اليقظان بالجو السياسي التونسي: (فقد حركت تونس في نفسه أحاسيسه الوطنية، وألهبت نزعته تلك ما كان يراه على أعمدة صحافتها من نضال قومي وشعور وطني ... وينغمس فيما بين سنة 1917 ـ 1920 في حركة الثعالبي السياسية (4).
إن هذا التكوين على يد الزعيم الوطني لتونس ورفقائه في هذه الفترة سمح لأقطاب الحركة الإصلاحية الذين كانوا رؤساء للبعثات الطلابية من نقل هذا الحس الوطني السياسي إلى طلبتهم، فربوهم على حب الوطن والاستعداد للتضحية في سبيله، والدفاع عن أرضه وحماه والنضال من أجل دينهم وقيمهم، كما أنشؤوهم على كره الاستعمار، وعلى مناهضته بشتى الوسائل المتاحة، وعلى الاستعداد لمجابهته العلنية بالقوة والسلاح مستقبلا (2).
وبعد انتقال هؤلاء الأقطاب وطلبتهم إلى أوطانهم، أذكوا وادي ميزاب بهذا الحس والشعور الوطني الذي بدأ ينتشر بين الناس بجهود المصلحين السابقين، وبوصول أصداء الحركة الوطنية الجزائرية إلى الجنوب. فدفعوا بهذا التوجه إلى الأمام وأولوا له العناية والاهتمام، ونقلوه إلى شرائح المجتمع بعد ما كان منحصرا عند طائفة من الناس فقط.
بذلك أصبح يشكل ميزة نوعية أخرى في حركة التغيير والإصلاح، وجبهة من الجبهات التي تصدت لها الحركة الإصلاحية المتمثلة في إنماء روح الوطنية في الشعب، والعمل على مناهضة الاستعمار باستعمال لعبة السياسة بمعناها الواسع والعام.
ومن جهة أخرى أسهم هذا التكوين في رفع سقف الاهتمامات والانشغالات في وادي ميزاب عند نخبتها وقادتها من القضايا المحلية إلى القضايا الجزائرية
(1) ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 15. (2) دبوز المرجع السابق، ج 3، ص 233 283. اطفيش: الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص 17 - 18. أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص 6 - 7 صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، ص 43 - 60. (1/294)
صفحة 295
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
263
الوطنية، ومن المسائل المذهبية إلى المسائل الإسلامية. فتوسع التفكير والعمل من المستوى المحلي الميزابي إلى المستوى الوطني والمغاربي والإسلامي. أصبح قادة الإصلاح يطرحون القضايا الجزائرية والقضايا الإسلامية في نقاشاتهم أكثر، ويتحدثون عنها في منابر مساجدهم، ويشتغلون بها في مجالسهم ومنتدياتهم، ويعتبرونها جزءا من جهادهم ودعوتهم؛ مثل قضية فلسطين، وقضية وحدة المسلمين وقضية تحرير البلاد العربية والإسلامية، والدفاع عن مقومات الشعب الجزائري، والمشاركة في نهضته وتحريره من المستعمر، وربط العلاقات مع المحافل الوطنية والمغاربية والإسلامية (1).
كما أسهم هذا الجانب من التكوين - بعد أن تحول إلى عمل ميداني وإلى جبهة من جبهات النضال والجهاد - في تمييز الحركة الإصلاحية داخل المجتمع عن غيرها ووضوح معالمها نهائيا، لأن التيار المحافظ لم يكن يولي الأهمية لهذا الجانب كثيرا، إذ القضايا المحلية والمسائل المذهبية فقط؛ رغم وجود بوادر الاهتمام بهذا الجانب من قبل؛ إلا أنها بقيت في الغالب الأعم قناعات فردية، أو خطابات دينية أو شعارات مناسباتية، لم تشهد التحول إلى أعمال ميدانية أو جبهات نضالية واضحة المعالم إلا ناذرا.
كان عمدة اهتمامه
هي
بل لعب تيار المحافظة والجمود في بعض الأحيان أدوارا معاكسة لهذا التوجه ومحارية له، فتخندق المستعمر ضد بعض القضايا الوطنية - سواء عن إدراك أم عن جهل - كما استعمله المستعمر ضد حركة الإصلاح في نضالها ومجابهتها له ولأعوانه من بعض القياد والأعيان، وفي مشاركتها وتأييدها لأعمال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (2).
(1) ينظر في ذلك: صحافة الشيخ أبي اليقظان والمواضيع التي كانت تطرقها وتعالجها. إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة، الزيتونة للإعلام والنشر، نشر جمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر، 1990 م. بكلي: مسيرة الإصلاح. دبوز نهضة الجزائز. ناصر: الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي. ناصر: الشيخ أبو
اليقظان وجهاد الكلمة. (2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 92 - 95 (1/295)
صفحة 296
264
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: «فإذا قلنا الجمود فقد قلنا طليعة الاستعمار الغاشم؛ لأن الاستعمار درس نفسية هذا العنصر الأبله، الهادم لكيانه جهلا وغباوة، فاتخذه أداة لتنفيذ أغراضه، ونسف ما شيده أبناء هذا الوطن من معالم مجده، فهو غل الاستعمار الذي يشل به الأيادي العاملة، وقيده الذي يكبل الأرجل السائرة، وجيشه الذي يفرق به الجموع المحتشدة المتحدة» (1).
إذن: لقد أصبح خط الحركة الإصلاحية واضحا عندما اختارت هذه الجبهة للعمل والجهاد، وخاصة عندما نزلت إلى الميدان بمواقف وأعمال ومشاريع وحركت الشارع ولعبت اللعبة السياسية مع المستعمر وأجادتها، فانتصرت عليه أحيانا وفوتت عليه الأمور والفرص أحيانا أخرى.
بذلك فتحت لنفسها بابا جديدا آخر للصراع على مستوى الجبهة الخارجية المتمثلة في المستعمر وعلى مستوى الجبهة الداخلية المتمثلة في أذنابه من بعض القياد“ والأعيان، بالتواطؤ مع بعض الشيوخ والعامة الدهماء، كما وضعت نفسها تحت المحك الحقيقي، وتحت أعين السلطات الاستعمارية، فوجهت أنظارها إليها، وسلطت أضواءها عليها، فأصبحت محل مراقبات مستمرة، ومحل شبهات وتساؤلات عن كل ما يصدر عنها من أعمال وتحركات، كما أصبحت تتعرض لمختلف المضايقات والمساءلات والمتابعات والعقوبات (2)
تسبب ذلك في التمايز البين بين التيارين الموجودين في وادي ميزاب - تيار المحافظة وتيار الإصلاح وفي اتساع الفجوة بينهما، وتصدع جدار الوحدة في المجتمع، وإعلان الدخول في عهد جديد لوادي ميزاب هو عهد الصراع الداخلي والتناطح الفكري والتدافع الحضاري لمحاولة إثبات كل فريق أحقيته بوادي ميزاب وقوته في تأطير الجماهير وضمهم إلى صفوفه وتبني خطه الفكري.
(1) المرجع نفسه: ص 91.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 90 - 103. (1/296)
صفحة 297
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
265
أصبح كل منهما يحمل أفكارا مناقضة للآخر ومعاكسة له في الكثير من مجالات الحياة، وأصبح كل فريق يسعى ليفرض هيمنته على المجتمع وهياكله، ويسعى ليكسب المؤيدين إلى صفه، ويستعمل ضد الفريق الثاني مختلف الآليات والوسائل المتاحة له لينتصر في مسعاه.
إذن يمكن لنا أن نحصر أهم وجوه التأثر والتطعيم الذي شهده وادي ميزاب من الحركة السياسية التونسية فيما يلي:
نقل الحس الوطني والشعور القومي وتنميته في شرائح واسعة من المجتمع. غرس قيم الوطنية والجهاد والإعداد للثورة في الناشئة والأجيال الصاعدة. تفعيل النضال السياسي، ومجابهة المستعمر وعدم الركون له، بالمطالبة
بالحقوق المدنية والسياسية ومعارضة أفكاره وقوانينه الجائرة. دخول معترك الصحافة لأول مرة، واستعمالها سلاحا لمجابهة المستعمر، ونشر
الفكر الإصلاحي. التحرر من الانشغال بالقضايا المحلية والمسائل المذهبية فقط، والانفتاح على القضايا العامة الجزائرية والمغاربية والإسلامية والإنسانية. - تفتح علماء الإباضية وأقطابها على العالم العربي والإسلامي، وربط أواصر التعاون والتشاور علماء الجزائر والعالم الإسلامي.
هذه هي الآثار الحضارية العميقة التي تركتها الحركة العلمية والسياسية التونسية في إباضية الجزائر بوادي ميزاب والتي قامت بدور التطعيم الإيجابي لمسيرة الإصلاح والتغيير. فما هي المرجعيات التطعيمية الأخرى التي استفاد منها إباضية الجزائر؟
ب- التأثر بالنهضة الإصلاحية والأدبية المصرية: إن الرافد الثاني - من حيث الأهمية - الذي طعم الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب بعد رافد تونس تمثل فيما كان يصل الجزائر ووادي ميزاب من أنباء (1/297)
صفحة 298
266
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
ومؤلفات وجرائد حول النهضة الإصلاحية المشرقية والمصرية بوجه أخص المتمثلة في دعاتها ومفكريها وأدبائها وصحفييها.
إلا أن ما ينبغي تسجيله أن التأثر بهذا الرافد كان أقل درجة من سابقه وأضيق مجالا منه، نظرا لبعد المسافة بين البلدين، وصعوبة التنقلات بينهما في تلك الظروف، وعدم توفر فرص الاحتكاك المباشر بهذه النهضة والعيش في وسطها العلمي والسياسي - كما كان الحال مع النهضة التونسية - فالنحصر ذلك بين العدد القليل من أقطاب الحركة الإصلاحية، ومن طلبتها الذين سخرت لهم الأقدار زيارة مصر أو الدراسة أو المكوث فيها فترة من الزمن (1).
هذا ما ضيق من تأثيرها في النفوس والعقول - فليس من رأى كمن سمع وأصبح الطريق الوحيد لنقل هذا التطعيم والاستفادة من هذه التجربة الثرية والمهمة تلك المنشورات والمؤلفات والأنباء التي تصل تباعا إلى الجزائر ووادي ميزاب
هو
ويصل صداها إلى الأسماع من خلال وسائل النقل والإعلام المتاحة آنذاك. لقد كان المستفيدون من هذا الرافد متمثلين أساسا في النخبة من المثقفين والطلبة، والمتتبعين لأوضاع السياسة والصحافة والنهضة في العالم الإسلامي. ثم من خلالهم انتقل هذا الفكر الإصلاحي المصري والمشرقي عموما إلى المجتمع بوادي ميزاب، بعد أن تشربت نخبته معالمه ووعت أبعاده ومقاصده من خلال مطالعاتها ومتابعاتها ورحلاتها.
إذن: على ضوء هذه الظروف نستطيع فهم وتحديد علاقة التأثير والتطعيم التي حصلت للحركة الإصلاحية في وادي ميزاب من النهضة التي شهدتها مصر في هذه الفترة من الزمن. ونستطيع أن نميز في هذا الرافد نوعين من التأثر:
(1) من أقطاب الحركة الإصلاحية الذين مكنتهم الظروف من الاستقرار في مصر والاستفادة من جوها العلمي والإصلاحي الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش. ومن طلبة معهد الحياة الذين التحقوا بمصر للدراسة الأستاذ محمد علي دبوز والدكتور صالح الخرفي والدكتور إبراهيم فخار والدكتور محمد شريفي والدكتور محمد ناصر والأستاذ صالح خباشة. (1/298)
صفحة 299
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
التأثر بالنهضة الإصلاحية.
التأثر بالحركة الأدبية.
267
إنا الناظر والمتأمل في الحياة المصرية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وخلال النصف الأول من القرن العشرين يجدها تعيش موجة من الغليان الفكري والسياسي والاجتماعي على مختلف الأصعدة، فقد تعالت أصوات الإصلاح والنهضة منادية بتغيير الأوضاع، نتيجة لحالة التردي والنكوص العامة التي يعيشها العالم الإسلامي؛ بخاصة بعد ضعف الخلافة الإسلامية العثمانية ثم سقوطها، وما تولد عن ذلك من هيمنة القوى الاستعمارية الغربية على البلاد والعباد.
لعل أبرز حركة إصلاحية عاشها العالم الإسلامي في هذه الفترة – هزت أركانه وأيقظته من نومه العميق - هي حركة الشيخ جمال الدين الأفغاني، ثم حركة تلميذه الشيخ محمد عبده مع تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا المعروفة بمدرسة المنار، التي كان رحها البلاد المصرية، حيث تركت آثارا عميقة على المجتمع وأوصلت صداها إلى الكثير من البلاد الإسلامية مشرقا ومغربا، فأضحت مع الزمن المثل والقدوة في إحداث التغيير، كما حاول رجال النهضة والإصلاح الاستفادة منها ونهج طريقها (1).
لا شك أن عوامل كثيرة ساعدت مصر على احتلال هذه المكانة في العالم العربي والإسلامي، من الموقع الاستراتيجي، ومن القوة البشرية والطاقات العلمية، والإرث الحضاري التاريخي، فكانت قلب العالم الإسلامي وقبلته، وقائدته في الكثير من الأعمال والمنجزات والمرآة العاكسة لأوضاعه.
(1) تراجع في ذلك الكتب الآتية: أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ص 51 - 87. غازي التوبة: الفكر الإسلامي المعاصر، دراسة وتقويم، ص 61 - 123. منير شفيق: الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات، ص 44:27 شافية صديق: إشكالية النهوض في الفكر الإسلامي المعاصر
276 - 232 (1/299)
صفحة 300
268
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
لقد كانت بلاد الجزائر من الدول التي تأثرت بالنهضة الإصلاحية المصرية، وحاولت نقل تجاربها إلى الشعب الجزائري، وذلك عن طريق قادة الإصلاح المتمثلين في رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وغيرهم، الذين استناروا بهذا الفكر، ورأوا أن إصلاحهم هو امتداد لنهج الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد
رضا، ومواصلة مسيرتهم، واقتناعا بأفكارهم وتطبيقا لها في أرض الواقع). لم يشذ وادي ميزاب عن هذا المنهج، فقد رأى زعماء الحركة الإصلاحية أن عملهم يندرج تحت هذا الإطار العام من إصلاح أحوال العالم الإسلامي، الذي يعد وادي ميزاب جزءا منه، كما رأوا أن هنالك قواسم مشتركة كثيرة بين الشعوب الإسلامية فيما تعاني منه من أمراض وأزمات اجتماعية، وفيما يلزم لها من علاج لذا يجب تضافر الجهود في إصلاح هذه الأوضاع، والاستفادة من التجارب الميدانية الناجحة في أي بلد ونقلها إلى البلدان الأخرى، وكذا استفادة اللاحق من السابق في
عملية الإصلاح، ومواصلة طريقه، والانطلاق من حيث توقف وانتهى به المطاف. كما أن مصطلح الحركة الإصلاحية الذي أطلقه أقطاب الإصلاح في الجزائر ووادي ميزاب على أنفسهم وعلى أعمالهم وتجذر في أدبياتهم وخطاباتهم كان تأسيا بالحركة الإصلاحية المصرية، وشعورا منهم بمواصلة دربها وتبني فكرها، وتحمل أمانتها.
أما مظاهر تأثر الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب بالنهضة الإصلاحية في مصر فهي تتمثل أساسا في تشرب قادتها للفكر الإصلاحي ومنهجه، ثم نقل ذلك إلى شرائح المجتمع ومفاصله (2).
لقد
صرح زعيم الحركة الإصلاحية الشيخ بيوض في مواضع كثيرة من دروسه وخطاباته من أنه تأثر كثيرا بالشخصيات الإصلاحية في المشرق، خاصة في مصر؛ فنهل من أفكارهم، واستفاد من تجاربهم الميدانية في مجال الإصلاح التربوي
(1) عبد الكريم بوصفصاف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ص 51 - 84.
(2) قرقب: الشيخ إبراهيم بيوض رائد الإصلاح، ص 54 - 62. (1/300)
صفحة 301
269
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
التعليمي وفي مجال الإصلاح الاجتماعي). وحاول تقمص شخصيتهم العلمية، واقتفاء آثارهم، والسير على دربهم، واتباع منهجهم في العملية الإصلاحية. يقول الدكتور محمد ناصر: (وكان الشيخ بيوض العالم اليقظ، المتفتح على العالم الإسلامي من حوله يتابع بحرص دعوات الإصلاح التي أخذت ترتفع من هنا وهناك من أطراف العالم العربي ولاسيما حركة العلماء المصلحين في الشرق من أمثال الشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، والكواكبي وشكيب أرسلان (3)، وغيرهم ممن أعجب الشيخ بيوض بمنهجهم، وتشرب أفكارهم من خلال آثارهم وكتبهم).
(2)
لقد كانت نافذة الشيخ بيوض على الفكر الإصلاحي العبدوي وعلى النهضة المصرية هي تلك الكتب والجرائد التي احتوت هذا الفكر وعبرت عن قناعاته وتوجهاته، وكانت تصل وادي ميزاب عن طريق تونس. فقد كان يقول عن كتاب تاريخ الإمام الشيخ محمد عبده الذي ألفه الشيخ رشيد رضا من خلال معاشرته الأستاذه ومعرفته له: «من الكتب الأولى التي قرأناها في هذه المجالس وأعدت أنا
(1) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 13. (2) عبد الرحمن بن أحمد الكواكبي (1265 - 1320 هـ/ 1849 - 1902 م) رحالة وأديب وأحد رجال النهضة الإصلاحية الإسلامية المعاصرة. ولد وتعلم في حلب، وأنشأ فيها جريدة الشهباء وجريدة الاعتدال، وأسندت إليه مناصب عديدة. له من الكتب أم القرى، طبائع الاستبداد. الزركلي: الأعلام،
ج 3، ص 398. (3) شكيب بن حمود ارسلان (1286) - 1366 هـ/ 1869 - 1946 م) عالم بالأدب والسياسة، ومؤرخ، من أكابر الكتاب، ينعت بأمير البيان. من أعضاء المجمع العلمي العربي. ولد بلبنان وتعلم فيها، وأقام مدة بمصر، وانتخب نائبا عن حوران في مجلس (المبعوثان) العثماني، وسكن دمشق في خلال الحرب العامة الأولى، ثم انتقل إلى ألمانيا، ثم سويسرا، وأقام بها نحو 25 عاما، وعاد إلى لبنان وتوفي ودفن بها. المرجع نفسه: ج 2، ص 173. التقى الشيخ بيوض شكيب أرسلان في موسم الحج سنة 1929 م وجمعته به محادثة ومناقشة مقابلة مع الشيخ بالحاج شريفي، القرارة، 25 ديسمبر (4) محمد ناصر: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحا وزعيما، مكتبة الريام، الجزائر، دت، ص 17.
2007 (1/301)
صفحة 302
270
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
قراءتها ودرستها دراسة عميقة، ووعيت ما فيها، وتركت في نفسي أثرا عميقا راسخا: تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده للشيخ رشيد رضا ... وقد تأثرت بهذا الكتاب تأثرا كبيرا، وعرفت من شخصية الشيخ محمد عبده وإصلاحه الديني وجهاده، فكان من مثلي العليا» (1). كما قال عن كتاب العروة الوثقى الذي هو مجموعة مقالات الشيخين الأفغاني وعبده التي نشراها في جريدتهما العروة الوثقى التي كانت تصدر في باريس: «درسته حرفا حرفا، وترك في نفسي أثرا عميقا بمواضيعه الإصلاحية والسياسية المهمة، وببلاغته وفصاحته» (2).
كما تأثر الشيخ بيوض بكتب عديدة أخرى لرواد الفكر في المشرق عموما (3)
(4)
مثل الشيخ عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ مصطفى كامل وشكيب أرسلان فهو يقول مثلا عن كتابات الكواكبي: ومن الكتب التي قرأناها في هذا العهد في ندوة المطالعة وأثرت في وكونتني في السياسة، وزادتني غيرة وحماسا للدين وأمتي الإسلامية كتب الشيخ عبد الرحمن الكواكي؛ كتاب طبائع الاستبداد وكتاب أم القرى قرأتهما، مرات ودرستهما أتفهمهما حرفا حرفا، وكنت أحفظ الكثير مما كتبه الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد، من كثرة قراءتي له وإمعان النظر فيه» (5). كما كان الشيخ بيوض كثير الاستشهاد في خطبه ودروسه بأقوال المدرسة الإصلاحية المصرية وآرائها؛ مشيدا بجهودها وأعمالها، خاصة عندما يتعلق الأمر
(1) دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1396 هـ/ 1976 م، ج 2،
ص 159.
(2) المرجع نفسه: ص 2، ص 159.
(3) ناصر: الشيخ بيوض مصلحا وزعيما، ص 17.
(4) مصطفى كامل بن علي محمد: (1291 - 1326 هـ / 1874 - 1908 م) نابغة مصر في عصره، وأحد مؤسسي نهضتها الوطنية مولده ووفاته في القاهرة درس الحقوق في فرنسا، كان فصيحا، ساحر البيان، انصرف إلى مقاومة الاحتلال الانجليزي بخطبه ومقالاته وكتبه أنشأ جريدة اللواء التي هاجم من خلالها الأنجليز ودعا إلى استقلال مصر. أنشأ الحزب الوطني وانتخب رئيسا له. الزركلي الأعلام، ج 7، ص 238.
(5) دبوز المرجع السابق، ص 2، ص 159 160. (1/302)
صفحة 303
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
271
بقضية إصلاحية في مجال المجتمع أو التربية والتعليم، وقد ترجم هذا الإعجاب في اعتماده تدريس بعض كتب هذه المدرسة لطلبته في معهد الحياة، كما كان ينصحهم بدراسة كتب هذا الفكر الإصلاحي وجرائده فقد اعتمد كتاب رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده في التدريس، كما درس سيرة الشيخ محمد عبده من كتاب تاريخ الإمام الشيخ محمد عبده للشيخ رشيد رضا (4).
وبذلك لقح فكر طلبته بالنهضة الإصلاحية المصرية، ونقل إليهم هذه الروح التجديدية، وهذه الروح الوطنية والدعوية والأدبية الوقادة التي كانت تميز مصر عن سائر البلدان العربية آنذاك.
يقول الأستاذ محمد علي دبوز في هذا الصدد: «وكان الشيخ بيوض يقصد بهذه المقالات مع التربية الاجتماعية والسياسية أن يعرفنا بكتابها لنقرأ لهم وبكتبهم المهمة لنقبل عليها. وقد نجح في ذلك نجاحا عظيما، فأقبلنا على مصر وكتابها العباقرة. وكانت صلتنا وصلة المعهد بمصر وثيقة، وانتفاع المعهد وتقدمه بها عظيما» (2).
من ناحية أخرى فقد كان من أهم مصادر الشيخ بيوض في الإعداد والتحضير لدروسه في التفسير التي كان يلقيها على العامة من منبر المسجد تفسير المنار للشيخين عبده ورشيد رضا. يعود إليه لينظر في ما ذهبا إليه، وكيف عالجا موضوع الآيات، وكيف أسقطاها على الأوضاع المعاصرة للمجتمع الإسلامي، فيستقي منهما الفكرة والرأي، ثم يعلق أو يحلل أو يزيد أو ينقد بحسب ما يمليه الموضوع وبحسب ما يميز المجتمع الجزائري والمجتمع في وادي ميزاب لذا نجد الشيخ بيوض يحدد أهدافه من دروسه في التفسير بكونها أهداف الشيخ محمد عبده نفسها من تفسيره من قصد تكوين أجبال تتذوق لغة القرآن،
(3)
(1) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 13. (2) دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، المطبعة العربية، 1389 هـ/ 1969 م، ج 3، ص 81. (3) المرجع نفسه: ج 3، ص 76 - 77 (1/303)
صفحة 304
272
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
وتعيش طهر القرآن، لتصبح جند القرآن تتولى إصلاح الواقع، فيقول: «إن مقصدي من هذه الدروس وغيرها هو مقصد الشيخ محمد عبده؛ أن أخلق عقولا تتذوق بلاغة القرآن، ونفوسا فيها طهر القرآن، وتلاميذ مصلحين يكونون جند القرآن» (1). ويقول محرر تفسير الشيخ بيوض الأستاذ عيسى الشيخ بالحاج: (وإنما الذي أستخلصه من تفسير الشيخ ... أنه كان يريد من تفسيره إنشاء مجتمع قرآني في جميع شؤون حياته المختلفة» (2)
من ناحية أخرى فقد كانت عناية أقطاب الحركة الإصلاحية وعلى رأسهم الشيخ بيوض بالجرائد والمجلات السياسية والأدبية المصرية - التي كانت تصل وادي ميزاب ومعهد الحياة - عناية خاصة، بحيث تعقد لها الجلسات لمطالعتها والاستفادة من فكرها وروحها، ومعرفة مستجدات الأخبار على مستوى العالم الإسلامي، وكذا متابعة القضايا المعاصرة التي كان يطرحها الزعماء السياسيون والعلماء والدعاة والأدباء في المشرق.
لقد اعتنى أقطاب النهضة الإصلاحية بجلب هذا المنتوج الفكري إلى وادي
(3)
ميزاب، فوقع التنسيق بينهم وبين رفقائهم المقيمين في تونس للتجارة أو الدراسة لموافاتهم بكل جديد في هذا المجال، فكان لمعهد الحياة بريد خاص) يصله أسبوعيا من تونس يحوي هذه الجرائد والمجلات، وكان قادة الإصلاح وطلبة المعهد ينتظرونه بشغف وحب واشتياق لينهلوا منه الجديد، ويتزودوا بتلك الروح الوطنية، وبذلك
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 2، ص 243. (2) عيسى الشيخ بالحاج رسالة منشورة ضمن بحث الأستاذة نادية وزناجي بعنوان: منهج التفسير عن الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بيوض، رسالة ماجستير في العلوم الإسلامية، تخصص: تفسير،
المعهد الوطني للتعليم العالي للعلوم الإسلامية، باتنة، سج: 1998= 1999 ب، ص 717. (3) لعل أبرز من كان يتولى مهمة جلب هذه المجلات والكتب إلى معهد الحياة بالقرارة هو الشيخ محمد الثميني، والشيخ أبو اليقظان، والسيد قاسم بن الحاج عيسى بن الشيخ بحكم وجودهم في تونس. دبوز نهضة
الجزائر، ج 3، ص 82.
(4) شريفي معهد الحياة، ص 60. دبوز نهضة الجزائر، ج 3، ص 82. (1/304)
صفحة 305
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
273
المستوى العلمي والأدبي الراقي، وليطلعوا على أوضاع العالم العربي والإسلامي وأوضاع العالم عامة.
وقد قامت هذه الجرائد والمجلات والكتب بأدوار مهمة في تحريك الحياة الأدبية والعلمية في معهد الحياة ودفعها قدما إلى الأمام، وفي تفتيق مواهب الطلبة، وشحذ هممهم، وحثهم على التكوين والمثابرة في تحصيل العلم، لما كانت تبثه في نفوسهم من حيوية وحماس ووطنية، وبما كانت تذكي به أرواحهم من حب المنافسة والمسابقة في التدريب على فنون الخطابة وفنون الأدب من قصة ورواية ومقال وشعر؛ علهم يصلون ذات يوم إلى تلك المراتب العلا للدعاة والمفكرين والأدباء المصرين الذين عرفوهم من خلال مقالاتهم في جرائدهم.
يقول الشيخ عدون شريفي في حديثه عن البرامج الدراسية لمعهد الحياة: «فقد أحدث فيه الشيخ بيوض دروسا اجتماعية ووطنية وسياسية ودروسا في بعض المجلات والجرائد الشرقية، وأكثرها مصرية، كالفتح والرسالة والصرخة وغيرها، ألهبت في الطلبة الحماس الوطني، وكان لها الأثر البليغ في ثقافتهم العامة، وتطورهم نفسيا، وتربيتهم اجتماعيا وسياسيا، صير منهم رجالا أكفاء برزوا في ميادين الإصلاح العام، فأبلوا فيها البلاء الحسن» (1).
تصلنا
ويعدد الأستاذ محمد علي دبوز أهم هذه المجلات بقوله: «أما المجلات التي من مصر فكثيرة أهمها مجلة المنار لرشيد رضا. إن هذه المجلة كانت خيرا لنهضة الجزائر، وغذاء قويا لمعهد الحياة، وأياديها على الجزائر والمعهد لا تحصى؛ ومجلة الرسالة للزيات (2)، ومجلة الرواية له أيضا، ومجلة الثقافة لأحمد أمين (3)
(1) شريفي: المرجع نفسه، ص 60.
•
(2) أحمد بن حسن الزيات: (1302 - 1388 هـ/1885 - 1968 م أديب وكاتب مصري. أصدر مجلة الرسالة ومجلة الرواية، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضو المجلس الأعلى للآداب والفنون من تأليفه: تاريخ الأدب العربي، وحي الرسالة، في أصول الأدب الزركلي: الأعلام، ج 1، ص 113. (3) أحمد أمين بن الشيخ إبراهيم الطباخ (1295 - 1373 هـ / 1878 - 1954 م) أديب، غزير الاطلاع على
20 (1/305)
صفحة 306
274
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
ومجلة الهلال ومجلة المقتطف ومجلة الإسلام، ونور الإسلام، والهداية الإسلامية، والرابطة العربية والزهراء، والفتح، ومجلة الصرخة لجمعية مصر الفتاة، وجريدة الشورى وغيرها (1).
إذا كان هذا الحديث قد تركز في هذه النقطة على زعيم الحركة الشيخ بيوض وطلبته في معهد الحياة، فالكلام نفسه يقال عن بقية رفقائه الذين قادوا معه العملية الإصلاحية، وتشربوا من ينبوع واحد، واحتكوا ببعضهم البعض وتكاملوا فيما بينهم، وتبادلوا الرأي والفكرة والخبرة والمشورة وتصدى كل منهم لجبهة من الجبهات، وحمل لواء الإصلاح فيها بالتنسيق والتكامل مع إخوانه ورفقائه الذين يحملون الفكر نفسه والمشروع، ويسعون متعاونين على تحقيقه جميعا.
إذن تخلص بعد هذا أن انتقال الفكر الإصلاحي المشرقي إلى الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب كان من خلال قادتها وعلى رأسهم زعيم الحركة الشيخ بيوض، فقد تشربوا هذا الفكر من خلال مطالعاتهم ودراساتهم واحتكاكهم العلمي ببعضهم البعض، ورأوا فيه المثل والنموذج المعاصر الذي ينبغي أن يقتفى في العملية الإصلاحية، ثم نقلوه إلى طلبتهم في معهد الحياة، ومن خلالهم تسرب روحه إلى شرائح المجتمع.
بلا شك إن هذا التأثر الظاهر للعيان سيسمح لنا أن نفهم الكثير من المواقف والآراء التي حملها هؤلاء الأقطاب، والمشاريع التي سعوا لتجسيدها على أرض الواقع.
التاريخ من كبار الكتاب مولده ووفاته بالقاهرة. تولى القضاء ببعض المحاكم الشرعية. وتولى التدريس بكلية الآداب بالجامعة المصرية. وانتخب عميدا لها، وعين مديرا للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية. كان من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق ومجمع اللغة بالقاهرة والمجمع العلمي العراقي ببغداد. له الكثير من التأليف منها: فجر الإسلام، ضحى الإسلام، زعماء الإصلاح في العصر الحديث. المرجع
نفسه: ج 1، ص 101. (1) دبوز المرجع السابق، ج 3، ص 83. (1/306)
صفحة 307
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
275
هكذا نفهم في الأخير أن فكر الحركة الإصلاحية عند إباضية الجزائر قد استفاد ونهل من مناهل عديدة متنوعة وثرية، فهو ضارب جذوره في أعماق الحضارة الإسلامية الإباضية في الجزائر ووادي ميزاب يستمد من أعلام إصلاحها السابقين الروح والشرعية والثبات ومواصلة الطريق، ويستمد مما جاوره من نهضات وإصلاحات وبيئات علمية التطعيم والإذكاء والتجديد والمعاصرة، ليمزجها مع تلك الأصول فينطلق في حركته الإصلاحية المعاصرة بفكر نير وقلب حي وحماس متوقد ومنهج واضح نحو تحقيق المجتمع الإسلامي المنشود. (1/307)
صفحة 308
[صفحة فارغة] (1/308)
صفحة 309
الفصل الرابع
عوامل قيام الإصلاح وأهدافه
وركائزه الفكرية
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح (1/309)
صفحة 310
[صفحة فارغة] (1/310)
صفحة 311
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح
المبحث الأول:
عوامل قيام الإصلاح
279
لكل حركة اجتماعية تشهدها البشرية مجموعة من العوامل التي تتسبب في ظهورها وتدفع بها إلى معترك الحياة وتعمل على نشأتها وتبلور أفكارها وظهور أعمالها وتسجيل حركيتها في التاريخ.
فما هي العوامل التي كانت وراء ظهور حركة الإصلاح في بعدها الاجتماعي عند إباضية الجزائر بوادي ميزاب؟
من خلال تتبعنا مسيرة الحركة الإصلاحية نستطيع أن نحدد نوعين من
العوامل.
- عوامل داخلية.
- عوامل خارجية.
أ العوامل الداخلية
1 - شرارة الإصلاح السابقة:
عرضنا في الفصل الثاني جذور النهضة التي انطلقت في وادي ميزاب منذ أزيد من قرنين من الزمن ومست الكثير من جوانب الحياة فيه، حيث عرفت ميلادها مع الشيخ الأفضلي ثم تواصلت مع الشيخ الثميني ثم شهدت نقلة نوعية في المجال العلمي مع الشيخ اطفيش، ثم توسعت مع طبقة تلاميذه وتلاميذ تلاميذه الذين انتشروا في كامل قرى وادي ميزاب، وشكلوا النهضة الإصلاحية في عصر قوتها ونضجها بقيادة الإمام الشيخ إبراهيم بيوض.
كانت لهذه المسيرة المباركة آثار حميدة على المجتمع على الصعيد العلمي والاجتماعي، إلا أن هذه الجهود لا تزال في بدايتها وتحتاج إلى نفس طويل وإلى
1 (1/311)
صفحة 312
280
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
مواصلة للطريق وتراكم للأعمال والمجهودات حتى تظهر آثارها واضحة، خاصة ما تعلق منها بالجانب الاجتماعي.
طوال هذه المسيرة كان كل شيخ فيها قد اقتنع برسالة الإصلاح وحمل رايتها، وآمن بحاجة المجتمع إليها يحمل تلاميذه في أخريات أيامه مسؤولية مواصلة المسيرة من بعده ويوصيهم بالصبر والثبات على الطريق، ويحذرهم من مغبة الفشل أو الاستسلام أو الركون إلى الجمود أو العودة إلى الوراء مهما كانت المثبطات والعراقيل، ومهما كلف الأمر من هزات اجتماعية أو سياسية محتملة.
لذا كان أنصار الإصلاح في تزايد وكانت أصواتهم ترتفع بضرورة تغيير الأوضاع الاجتماعية والقضاء على المفاسد وتغيير المفاهيم، وإخراج المجتمع مما هو عليه من براثن الضلال والتخلف والسفاسف والآفات الاجتماعية.
لما وصل دور جيل الحركة الإصلاحية مع مطلع القرن العشرين وبدأ قادته يظهرون وأقطابه يتميزون وأنصاره يتجمعون ويتحملون المسؤوليات الاجتماعية ويصلون إلى مراكز قيادة المجتمع كانت الضرورة تلح وتملي عليهم أن يواصلوا طريق مشايخهم وفاء لهم وعملا بتوجيهاتهم وتوصياتهم، واقتناعا منهم أن مسيرة الإصلاح تحتاج إلى قيادة كفأة جديدة تدفع بالركب إلى الأمام وتقوده بخطوات ثابتة متجددة معاصرة. فحرصت على ترتيب بيتها وتنظيم صفوفها وانتقاء نخبها، وكان الشيخ إبراهيم بيوض هو الشخصية الفذة المؤهلة التي دفعت بها الأحداث لوراثة قيادة هذه الحركة وجمع شملها بعد وفاة عدد من رموزها السابقين).
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: «لشباب نهضتنا الحديثة أسباب كثيرة ... أهمها نضوج آثار العلماء العاملين الأولين فيها، أولئك الذين أنهضوها، وأرهفوا حسها،
وفتحوا عينها» (2).
(1) شريفي معهد الحياة، ص 26 - 52. (2) دبوز نهضة الجزائر، ج 2، ص 1 - 2 (1/312)
صفحة 313
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح
281
هكذا كانت الجهود السابقة في الإصلاح ومسيرة العلماء والمشايخ وتوصياتهم من أهم الدواعي التي جعلت أعلام النهضة الإصلاحية يندفعون وراء عملية الإصلاح ويقطعون بها أشواطا جديدة ويرفعون التحدي في تحقيق ما عجز عنه مشايخهم السابقون، نظرا للظروف الصعبة المحيطة بهم آنذاك.
نستطيع أن نقول: إن أقطاب الحركة الإصلاحية أوصلوا عملية الإصلاح مرحلة النضج في عهدهم وجنى المجتمع على أيديهم الخير الكثير بما حققوه من أعمال ومنجزات، وبما استثمروا من جهود مشايخهم السابقين.
2 الواقع الاجتماعي المتردي: إن إدراك أعلام الحركة الإصلاحية حقيقة الوضع الداخلي من خلال تشريحهم الدقيق ومعايشتهم له وخبرتهم بأحواله، التي سيطرت عليها عناصر التخلف والتردي والجمود على حساب عناصر التمكين والنهوض والقوة رغم كل الجهود المبذولة ومحاولات التغيير السابقة. كان ذلك من الدواعي الأساسية لإحداث هزة إصلاحية اجتماعية قوية شاملة.
إن أعلام الإصلاح لم يستطيعوا أن يسكتوا عن هذا الوضع أو يتوانوا في تغييره، فأعلنوها حربا شاملة على الأوضاع، ودخلوا معترك المجتمع بكل أبعاده واجتهدوا في استعمال مختلف الأساليب والطرق والوسائل للنهوض والإصلاح. كان لا بد من جهود جبارة ودفعة قوية للمجتمع ونفخة مدوية في آذانه حتى يستفيق من سباته وينصت للخطاب الإصلاحي الموجه له، ويقتنع به ويعقد العزم على نفض ما به من أدران والأخذ بيده إلى ساحل النجاة، فالمفاسد الأخلاقية محيطة به، والفتن والتفرقة متفشية فيه والمعتقدات البالية متمكنة منه، والجمود على القديم مكرس فيه، أضف إلى ذلك ما عليه من تواكل وتكاسل في الأخذ بالأسباب، وتدن في الوعي، واهتمام بسفاسف الأمور وخوض معارك وهمية، ومحاربة للعلم في ثوبه الجديد).
(1) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإصلاح منشور ضمن كتاب أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي اليقظان،
= (1/313)
صفحة 314
282
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
هكذا دفعت هذه الأوضاع المتردية أعلام الإصلاح لانتزاع صدارة الأمة والنزول إلى الميدان ومنازلة مظاهر التردي المختلفة على مستوى المسجد والأسرة والشارع والمدرسة لأجل إحداث التغيير الاجتماعي المنشود.
3 الحكم الاستعماري:
إن فظاعة أعمال الحكم الفرنسي الاستعماري العسكري الذي حكم به وادي ميزاب من ظلم ومكر وقسوة وتخريب للشخصية وإفساد للقيم، بما كان يبثه من سموم ومفاسد اجتماعية، وتفرقة بين صفوف الأهالي، وضرب بعضهم ببعض وتولية رقاب الناس بعض حكام وقياد فاسدين مفسدين متجبرين ظالمين، وفي مقابل ذلك محاربة أي صوت للإصلاح وأي جهد للتغيير، وأي عمل في سبيل رفع هذا الغبن والظلم، وكذا محاربة قيم الأمة في دينها ولغتها، والتشديد على التعليم العربي الإسلامي وعرقلته، وتخريب أخلاق المجتمع من خلال فتح المواخير ودور الفساد والقمار. فكانت هذه الأعمال وراء قيام حركة إصلاحية مضادة ومتصدية
لهذه المفاسد.
الاستعمار
يقول الأستاذ محمد علي دبوز مبينا عمل الاستعمار في تكريس المفاسد في المجتمع ومما زاد لبعض العقائد الفاسدة والتقاليد المضرة التي عالجها الشيخ بيوض وعلماء الإصلاح، ليزيلوها، ومما زادها تأصلا ورسوخا، حرص الصليبي على بقائها، وعلى بقاء كل الأمراض الاجتماعية في الأمة الجزائرية لتكون دائما عليلة واهنة لا تكسر قيوده ولا تغادر أقفاصه، وكان يذكي أذنابه الكثيرين الجامدين والمفسدين، فيزدادون تمسكا بالتقاليد والعقائد الفاسدة ة التي يهاجمها العلماء المصلحون، ويدعون العامة الجاهلة إلى التمسك بها، ويصورونها على أنها من الدين المقدس الذي يهدمه المصلحون).
=
ص 17. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 44.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 57 - 58 (1/314)
صفحة 315
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح
283
لقد كانت هذه السياسة الاستعمارية الماكرة المفسدة من أهم العوامل الداعية لقيام إصلاح اجتماعي من خلال التصدي لها ومقاومتها بجهد واع معاصر رصين، قادر على فهم أسرار اللعبة السياسية، وخيوطها، وقادر على التحدي والمراوغة والمجابهة واتخاذ الموقف والكر والفر مع المستعمر.
عملت هذه السياسية الاستعمارية من حيث لا تشعر على إيقاظ الضمائر وتنبيه العقول وتحريك الهمم وشحذ النفوس وتوجيهها نحو التغيير والإصلاح والحذر من مكايدها ومناكرها.
تصدى المصلحون للحكام العسكريين ولأذنابهم من ”القياد“ الفاسدين ودخلوا معهم في معارك حامية الوطيس، وخاضوا معهم جولات وصولات وتعرضوا للسجن والتغريم والقتل والنفي والإبعاد بسبب مواقفهم وجهادهم. هكذا أضحى الحكم الفرنسي الاستعماري عاملا قويا في قيام النهضة الإصلاحية الاجتماعية في وادي ميزاب
يقول الأستاذ محمد علي دبوز حول دور الاستعمار في تحريك همم المصلحين للنهضة: من حسن حظ الجزائر والمغرب أن ابتلي بالاستعمار اللاتيني الصليبي الغاشم الأبله، سيما الاستعمار الفرنسي، ولم يتسلط عليه الدهاه، إنه عداوة سافرة، وصليبية عارية، يعمدون إلى مكامن اليقظة وهي الدين فينهالون عليها بالمطارق التي تنبه الأمة، ويجردون مداهم على اللحم الجي في جسد الأمة الجزائرية فيعملونها فيه وهو الإسلام الذي هو حبة، قلبها، فتثور وتشعر بخطر الأعداء فتجالدهم» (2). لعل الرأي نفسه يذهب إليه المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي حين تحليله الظاهرة الاستعمارية التي مست معظم الشعوب الإسلامية، حيث يرى أن ما
(1) انظر نماذج من الصراع بين العزابة المصلحين و القياد" حول محاربة الفساد في كتاب: الحاج سعيد: تاريخ
بني مزاب، ص 165 - 168
(2) دبوز: نهضة الجزائر، ج 2، ص 3 - 4. (1/315)
صفحة 316
284
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
مني به العالم الإسلامي من الاستعمار بسبب تخلفه وقابليته للاستعمار، وما حرص عليه المستعمر من حرمان الشعوب من مختلف حقوقها وإذلالها وإذكاء الفتن في أوساطها وإبقائها على جهلها، فكانت هذه السياسة الحاقدة الماكرة عاملا قويا على أن تولد المقاومة في النفوس وتولد الإرادة على التحدي والمجابهة، وتولد العزيمة على التغيير والإصلاح والنهضة، وتولد الثورة على انتزاع الحقوق بالقوة، ثم الثورة على استرداد الوطن وطرد المستعمر نهائيا (1).
يقول الأستاذ مالك بن نبي مشيرا إلى هذا الدور الإيجابي للاستعمار من حيث لا يدري ولا يشاء .... ولكن ذلك يدفعنا إلى أن نحسبه شرا كله، بل إن خيرا قد حققه الله على يديه من حيث لا يدري، فإن كان بطشه انتقاما ففي طياته رحمة ... ولنتأمل: ما الذي بعث العالم الإسلامي من نومه؟ ... إنه الاستعمار، إنه قد خلع عنا بابنا وزعزع دارنا وأخذ منا أشياء ثمينة» (2).
4 - الفقهاء والمشايخ الجامدون لقد ابتليت الأمة في وادي ميزاب وفي سائر العالم الإسلامي في مرحلة ركودها بمرض الجمود على القديم والتشبث به ورد كل ما هو جديد بدعوى معارضته للدين والأعراف والتقاليد.
حيث جثم على صدرها في كل قرى وادي ميزاب بعض من الشيوخ والفقهاء والأعيان الذين وصلوا إلى سدة المجتمع ومراكز القرار وفق ظروف وأوضاع خاصة، امتزج فيها رأي العشيرة والقبيلة برأي الدين والسلطة.
نال بعض هؤلاء الشيوخ أقساطا متواضعة من علوم الدين واللغة، فتحولوا إلى فقهاء ثم إلى مشايخ بيدهم الحل والعقد ونظرا لحاجة المجتمع إليهم ولنقص العلم ولجملة من الظروف الاجتماعية ومراعاة التوازنات الداخلية بين العشائر
(1) بن نبي: شروط النهضة، ص 149 - 159.
(2) بن نبي: شروط النهضة، ص 153. (1/316)
صفحة 317
285
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح والقبائل وجدوا أنفسهم في صدارة المجتمع يمسكون بناصيته ويشرعون له ويتكلمون باسمه في أمور الدين والدنيا، ويحددون سياسته ونظرته وفلسفته في شؤون الحياة.
تعلم بعض هؤلاء الشيوخ الفقه دون ربطه بالوعي، وتعلموا الشريعة دون ربطها بالمقاصد، وتعلموا الدين دون إدراك أبعاده الواقعية، كما ورثوا الوصاية على المذهب الإباضي وسير الأجداد بصورة اعتقدوا أن الحفاظ عليها يقتضي الانغلاق الداخلي وإيصاد الأبواب أمام أي جديد من علوم العصر ومبتكراته.
قاد بعض هؤلاء الشيوخ المجتمع بسياسة النعامة في إدخال رأسها في التراب بدل مواجهة المخاطر والنوازل والتفاعل الإيجابي المسؤول معها، فعطلوا بذلك عجلة التنمية والتطور والتجدد في المجتمع، وأخضعوه لأمر الواقع واستسلموا للمستعمر، وجمدوا على الفهم البالي للدين وعلى النظرة الساذجة السطحية للأمور، ومنعوا الاجتهاد ومواكبة العصر.
شكلوا بهذا التوجه جداراً مانعا أمام تقدم المجتمع وتطوره، وكانوا فعلا حجر عثرة أمام الحركة الإصلاحية منذ ميلادها وطوال مسيرتها.
أفهموا العامة من خلال الخطاب المسجدي أن هذه العلوم المعاصرة والمخترعات كفر أو من صنع الكفرة والمشركين، وأن التجديد في الدين هو تفتح على المذاهب الأخرى، وتخل عن المذهب الإباضي الموروث، وترك لسير الأجداد والمشايخ). هذا ما جعل جمهور المجتمع ينقاد لهم وينصت لكلامهم ويتبع طريقهم ويعارض طريق المصلحين الناهضين بالأمة. كانت هذه النوعية من الفقهاء المتحكمة في رقاب الناس عن طريق منابر المساجد والهيئات العرفية عاملا ودافعا قويا لأن يثور عليها ثلة من الشباب المصلح
(1) حول الصراع بين القديم والجديد في وادي ميزاب ينظر كتاب اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمين، كله. أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، كله. (1/317)
صفحة 318
286
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
الواعي والمتعلم والمشاهد لأحوال الأمم ونهضتها لفك المجتمع من قيوده وتحريره
من هذا النوع من الاستعمار الداخلي للأفكار واستلاب للجهود والطاقات. كما كان ذلك إيذانا بدخول أعلام الإصلاح في معارك اجتماعية حامية الوطيس مع بعض هؤلاء الشيوخ ومن لف لفيفهم من الأعيان والعوام، لأجل زحزحتهم من منابر المساجد وصدارة المجتمع والتأثير فيه ولأجل الإمساك بزمام الأمور بغرض إصلاح الأوضاع والقيادة الرشيدة للمجتمع.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي عن دور الشيخ بيوض في محاربة الجمود الفكري الذي هيمن على المجتمع وكان العدو اللدود للإصلاح: «مافتئ جيش خصومه المؤلف من أنصار التقليد وخادمي ركاب الاستعمار، وذوي الغايات الشخصية يتألب عليه بغيا وحسدا، مستعينا بالعامة الساذجة الذين أفسدوا قلوبهم عليه وعلى أنصاره بدعاياتهم الفاجرة، وانساقوا وراءهم، فكانوا ضغثا على إبالة. فانبرى يقاوم الكل، وكانت له معهم معارك حامية، عدته في كفاحه الحجة البالغة والأسلوب المقنع).
ويقول عن دور تيار الجمود في تحريك همم الإصلاح: «فكان لهذه الحركة دوي فعال في الأوساط العلمية، ولهذا الصراع العنيف أثره البليغ في إنارة الفكر العام، وتركيز الإصلاح وانتشاره في مختلف طبقات الأمة» (2).
هكذا حرك الجمود الفكري في وادي ميزاب نزعة الإصلاح وكان دافعا له لإحداث النهضة الإصلاحية والتغيير الاجتماعي وحرك فيه العمل والسعي لافتكاك قيادة المجتمع من بين مخالبه، وحرك فيه العمل والدعوة لأجل كسب الأتباع وتأييد الجماهير لأفكاره ومشاريعه.
(1) بكلي: محاضرات البكري، ص 160.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 93. (1/318)
صفحة 319
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح
287
5 - اجتماع كوكبة من النخبة:
مع بداية القرن العشرين بدأت تتجمع في وادي ميزاب طبقة من الشباب المثقف الواعي لما يحتاج إليه مجتمعه في هذا العصر وما ينتظر منه في القيام بواجبه وحمل مسؤوليته.
تتشكل هذه الكوكبة ممن تلقى تعليمه وتكوينه في وادي ميزاب على أيدي المشايخ السابقين؛ خاصة الشيخ اطفيش - وهم يمثلون الأكثرية – وممن أتاحت لهم الظروف والأوضاع أو تحدوها وعقدوا العزم على مغادرة وادي ميزاب والهجرة
للبحث عن مناهل أخرى إضافية للعلم والمعرفة في أرجاء الجزائر وخارجه. كانت الوجهة أساسا إلى البلاد التونسية مع زيارات للبلاد الإسلامية المشرقية والوقوف على نهضتها وأوضاعها وجهود الإصلاح والمصلحين فيها. مصر والحجاز.
خاصة
شاهد هؤلاء الشباب وعاينوا الدعوات إلى النهوض بالعالم الإسلامي ومناهضة الاستعمار ومحاربة التخلف والجهل.
بعد سنوات من الطواف في أرجاء العالم الإسلامي والارتواء بالتجربة والخبرة والعلم عادوا إلى وادي ميزاب واجتمعوا مع أقرانهم من الشباب المتخرج من حلقات المشايخ ومعاهدهم واختلطوا بهم وجمعهم الهدف الواحد المتمثل في الغيرة على المجتمع والحماسة للإصلاح والتغيير، ومواصلة الدرب الوعر الذي سلكه مشايخهم من قبلهم جيلا بعد جيل وحملوهم مسؤوليته. يقول الأستاذ محمد علي دبوز: تكونت في أول القرن العشرين في الجزائر طائفة كبيرة من العلماء العاملين هم باكورة النهضة وثمرة الإصلاح المباركة. وقد أعدت إعدادا صالحا لمتكون أوتاد النهضة وشبابها، وروح الأمة ودرعها، فكانت
(1)
كما يريد مشايخهم وأهلهم).
(1) دبوز: نهضة الجزائر، ج 2، ص 5. (1/319)
صفحة 320
288
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
التقت هذه النخبة التي تتشكل من كفاءات علمية وشخصيات دعوية وقيادات اجتماعية على صعيد واحد وجمعها الهدف والعزيمة، فوضعت اليد في اليد وكانت قوة دافعة لإحداث النهضة الإصلاحية الاجتماعية الدينية الشاملة في وادي ميزاب).
ب العوامل الخارجية
بالإضافة إلى هذه العوامل التي اعتبرناها داخلية فقد وجدت جملة عوامل أخرى يمكن اعتبارها خارجية حركت مسيرة الإصلاح في بعده الديني الاجتماعي ودفعت عجلة النهضة إلى الأمام عند إباضية الجزائر في وادي ميزاب، وهي تتمثل
فيما يلي:
1 ـ الحرب العالمية الأولى:
لقد كان للحرب العالمية الأولى التي شهدت قيامتها سنة 1332 هـ/ 1914 م أثر عظيم على الإنسانية جمعاء، وقد أثرت في معظم شعوب العالم وهزت أركانها على مختلف الأصعدة وغيرت من وقع الحياة لديها.
كانت الشعوب الإسلامية ومن بينها الجزائر ووادي ميزاب ممن اهتز لهذا الحدث وتأثر به أيما تأثر. وعلى الرغم من الآثار السلبية العميقة التي جرتها هذه الحرب على معظم البلدان العربية إلا أنها كانت من عوامل تحريك عجلة النهضة والإصلاح فيها.
ذلك أن الحرب العالمية الأولى مكنت هذه الشعوب المستعمرة ونخبها من استيعاب الدروس والاستفادة من تلك المعارك ومن ذلك النضال، والتدافع
(1) يطول ذكر الشخصيات الاجتماعية والعلمية والسياسية التي شكلت طبقة النخبة في وادي ميزاب مع مطلع القرن العشرين، وقادت حركة الإصلاح والنهضة فيه، فنجد الشيخ عبد الرحمن بكلي يعدد لنا قائمة طويلة من تلاميذ قطب الأيمة الشيخ اطفيش الذين قام على أكتافهم عبء النهضة والإصلاح. كما نجد الأستاذ محمد علي دبوز يسرد لنا قائمة من هؤلاء. بكلي: محاضرات البكري، ص 124 - 135. دبوز نهضة الجزائر، ج 2، ص 6. (1/320)
صفحة 321
289
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح الحضاري والصراع العسكري بين القوى الكبرى في العالم، حيث كانت تدافع عن أوطانها وتنافح عن كرامتها وتبذل من أجل حريتها كل غال وعزيز. كما كانت تدفع بشبابها إلى ميادين الحروب والقتال، وتحبس اقتصادها لأجل تمويل جيوشها ومعسكراتها، وتنفق من خزائنها الأموال الطائلة لأجل التسلح والإعداد والتدريب دفاعا عن الوطن والحرية والشرف والكرامة.
عاينت الشعوب المستعمرة كل هذه الأحداث وتعلمت كل هذه الدروس وعلمت أن استرداد الوطن أمر عظيم جلل يهون أمامه كل شيء، وعلمت أن ذلك لا يتأتى إلا بعزائم عظيمة وإرادة صلبة وجهود جبارة على مختلف الأصعدة، وبتعبئة عامة لشرائح المجتمع حتى يقوم بهذا الواجب العظيم.
هذا ما يستلزم قيام حركة إصلاحية نهضوية شاملة لكل مناحي الحياة ليستفيق هذا المجتمع من سباته ويجمع شتاته ويدخل في دورة الحضارة من جديد، حتى له أن يعرف قيمة الوطن ومعنى الحرية، وليكون في مستوى تلك التضحيات التي تبذلها هذه الشعوب الغربية من أجل أوطانها.
يتسنى
كانت هذه الحرب العالمية سببا في أن يقدم الاستعمار الفرنسي على تجنيد آلاف الجزائريين للقتال في صفوفه ويدفع بهم إلى ساحات المعارك، وهم يعتقدون أنهم يشاركون في حرب لا تعنيهم ويدافعون عن وطن ليس بوطنهم، هذا ما نمي فيهم الوعي ومكنهم من تجربة قاسية مريرة عايشوها ونقلوا ذكرياتهما معهم إلى الجزائر، ونقلوا ما شاهدوا من حضارة أوربا وتقديسها للحرية والعلم والعمل وعلموا أن سر تطورها يكمن في تلك العوامل.
تيقنوا أن نهضة شعوبهم وتطورها لا بد أن تمر عبر هذا الطريق لا غير، فلا بد من الأخذ بأسباب التمكين من العلم والعمل والوحدة ونبذ الجهل والكسل والتفرق، حتى تتقوى الشعوب وترفع راية النضال والجهاد في وجه هذا المستعمر للتحرر من بوتقة الاستعباد والمهانة، كما رفع راية الحرب في وجه الألمان الخطر
المحدق والمهدد له وللحلفاء.
21. (1/321)
صفحة 322
290
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
يقول الأستاذ محمد دبوز: شاهد الجند الجزائري في أوربا كيف يغرم الأوربيون بالموت في سبيل الحرية والعزة والكرامة ورأوا تسابقهم في العلم والخلق وأسباب القوة، وتمسك الفرد في أوربا بالديمقراطية والحرية، فازداد أبناء الجزائر إدراكا لسبب تخلفهم، وتسلط الاستعمار عليهم، فأغرموا بالعلم والاتحاد والإصلاح».
استفاقت الشعوب ومنها الجزائر ووادي ميزاب على وقع أحداث الحرب العالمية الأولى، ونظرت في أوضاعها فوجدت نفسها تئن في أحوال مزرية، فكانت الحرب فرصة لتنهل منها دروسا عظيمة، وكانت بذلك من العوامل الخارجية لإعلان نهضة اجتماعية شاملة تعم كل مجالات الحياة وتبدأ بتغيير ما بأنفس الأفراد
ليتغير وجه المجتمع عامة.
2 التجنيد الإجباري
تبعا للعامل الخارجي السابق يندرج موضوع التجنيد الإجباري باعتباره عاملا خارجيا لوادي ميزاب في تحريك همم أبنائه وعزائمهم للنضال والنهضة والمطالبة بحقوقهم.
لقد خاض الميزابيون حربا إدارية ونضالية شرسة وطويلة النفس وشاقة الطريق ضد السلطات الاستعمارية الفرنسية، وسجلوا في صفحات تاريخهم مواقف بطولية وفصولا ذهبية في سبيل منعها من تجنيد أبنائهم في صفوف جيشها وإرسالهم إلى ساحات المعارك في أوربا وفي المشرق الإسلامي (2).
(1) دبوز: نهضة الجزائر، ج 2، ص 7.
(2) ينظر في فصول من هذا النضال في كتاب عمر الحاج امحمد مذكرات ووثائق رسمية عن وادي ميزاب من الناحية الديينة والسياسية والاجتماعية، من سنة 1853 - إلى سنة 1951، مطبعة النهضة تونس 1951 م بالحاج ناصر موقف سكان وادي ميزاب من قانون التجنيد الإجباري: 1912 - 1925، مذكرة ليسانس جامعة الجزائر، كلية العلوم الانسانية، قسم التاريخ، س: ج 2001 2002. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب ص 161 - 165. (1/322)
صفحة 323
291
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح يصف السيد عمر الحاج امحمد - المكلف من الهيئات العرفية للدفاع عن هذه القضية - حال وادي ميزاب بعد ابتلائها بهذه المصيبة في رسالة موجهة إلى الوالي العام الفرنسي على الجزائر: سيدي الوالي العام على القطر الجزائري إن الوفد الميزابي الذي يمثل بين أيديكم الآن ... يستلفت بغاية الاحترام أنظاركم السامية للحالة الفكرية البالغة الاضطراب التي عليها بلاد ميزاب يومنا هذا، وإلى القلق العظيم الذي ساور الأنفس هنالك قصير تلك السماء مكفهرة بعد أن كانت زاهية اللون صافية الأديم»).
لقد مكنهم هذا الأمر الجلل الذي حل عليهم مع مطلع الحرب العالمية الأولى من محاولة تجميع كلمتهم وتوحيد صفوفهم ونسيان ضغائنهم وتجاوز خلافاتهم والتغاضي عن أخطاء بعضهم البعض حينما يتعلق الأمر بهذا الموضوع. وقد كان منطلقهم في النظرة إليه منطلقا عقديا دينيا في الأساس؛ يتمثل في حرمة مقاتلة المسلم في صفوف المشركين الكافرين، وأكثر من ذلك في حرمة مقاتلة المسلم لإخوانهم المسلمين في البلاد الإسلامية التي كانت فرنسا تخوض فيها معاركها كتركيا وبلاد الشام والجزيرة العربية.
كما قام نضالهم في رفض التجنيد الإجباري على خلفية قانونية متعلقة بمعاهدة الحماية لسنة 1269 هـ / 1853 م التي تربط الميزابيين بالسلطات الاستعمارية، وكذا قام نضالهم على جانب اقتصادي معيشي متعلق بالوضعية الصحراوية الصعبة لوادي ميزاب وعمل أبنائه في الشمال لأجل جلب القوت لهذا الوطن القاحل.
ابتدأ نضالهم السياسي منذ صدور قوانين التجنيد الإجباري سنة 1330 هـ/ 1912 م واستمر إلى سنة 1369 هـ/ 1949 م عندما صدرت قوانين رفع هذا التجنيد عن الجزائريين، وقد بذل الميزابيون في هذا الصدد جهودا جبارة على
(1) الحاج امحمد مذكرات ووثائق، ص 57. (2) المرجع نفسه: ص 53 - 78. النوري: نبذة من حياة الميزابين، ج 1، ص 310 - 316. بالحاج: موقف وادي ميزاب من التجنيد الإجباري، ص 28 54. (1/323)
صفحة 324
292
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
مختلف الأصعدة، بداية بالسلطات الاستعمارية في وادي ميزاب صعودا إلى السلطات
المركزية بالجزائر العاصمة، وصولا إلى السلطات الفرنسية في باريس).
مكن هذا الحدث من إحداث هزة عنيفة على أركان المجتمع بوادي ميزاب وأصبح حديث العام والخاص، والشغل الشاغل لأعيان البلد ومشايخها وعزابتها، وقد دفع بهم ليخوضوا غمار السياسة، ويتعلموا أساليب النضال، ويتحركوا للمطالبة بحقوقهم ويعملوا على ربط علاقات سياسية واجتماعية مع شخصيات إدارية وقانونية وسياسية رفيعة.
كما جعلهم يدركون أكثر قيمة الوحدة ورص الصفوف، وفي المقابل يدركون خطر الفرقة والنزاع المشتت للجهود المذهب للقوة.
تعلموا دروسا كثيرة من هذه الأزمة الاجتماعية والسياسية التي حلت بهم في عقر دارهم فأحدثت فيهم هزة اجتماعية حركت طاقات المجتمع ومراكز القوة فيه فتحركت معها عجلة النهضة والإصلاح خاصة في شقها السياسي والاجتماعي.
3 الإصلاح في العالم الإسلامي:
مر الحديث في الفصل السابق عن أثر حركات الإصلاح والنهضة في العالم الإسلامي على وادي ميزاب وكيف استفاد منها في تطعيم فكره ومنهجه ومفهومه للإصلاح، وكيف تكامل لخدمة أهداف وغاياته الكبرى. لذا فإنه من العوامل الخارجية المهمة التي حركت الإصلاح والنهضة في الجزائر ووادي ميزاب وآزرته ونفخت فيه الروح وأعطته التجربة الواقعية العملية واستمد منها الثقة بالنفس والقوة على العمل والمضي إلى الأمام هي تلك الدعوات الإصلاحية المتعالية في أرجاء العالم الإسلامي، وبوجه الخصوص ما كان يحدث في مصر من دعوة للنهضة بقيادة الشيخ محمد عبده وتلاميذه، وما كان يحدث في تونس من حركة نضالية سياسية صحفية وحركة علمية تربوية تعليمية.
(1) بالحاج المرجع نفسه: ص 56 - 80 (1/324)
صفحة 325
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح
293
لقد كان هنالك حبل متين مباشر موصول بين مصر وتونس والجزائر ووادي ميزاب وتتبع للأخبار والمستجدات حدثا بحدث وتفاعل إيجابي معها ونصرة وتعزيز
وتمكين لها.
ذلك
من خلال الكتب والجرائد والمجلات التي كانت تصل وادي ميزاب تباعا ويعقد لها أعلام الإصلاح المنتديات والجلسات والمواعيد للاطلاع عليها ومعرفة الجديد فيها وفهم أفكارها ورصد أهدافها، فحركت فيهم شحنة التغيير واقتفاء الأثر والمنهج، كما نقلت إليهم حرارة الغيرة على الدين والوطن والأمة، وملأتهم حماسا
وحيوية لمحاربة الباطل والوقوف في وجه الفساد والتصدي للجمود والجهل). كما زودتهم بالوعي والفهم للصراع العالمي الدائر بين الغرب والشرق وبين الإسلام والصليبية والصهيونية، وعرفتهم بمكايد الاستعمار ومخاطره، ودربتهم على طرق رفع التحدي في وجهه وطرق مقاومته ومراوغته ومداراته لأجل رد مظالمه
و مفاسده.
يقول المؤرخ محمد علي دبوز كان للشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا من الأثر العميق في نفوس أهل الجزائر ما لم يكن لغيرهما من علماء الدين المصلحين في المشرق ... وقد سلك علماء الجزائر الذين قادوا نهضتها طريق الشيخ محمد عبده في الإصلاح الديني (2). بذلك شكل الإصلاح في العالم الإسلامي عاملا خارجيا في قيام النهضة الإصلاحية الاجتماعية الشاملة في وادي ميزاب.
4 - الثورات في المغرب الإسلامي من العوامل الخارجية التي حركت النهضة والإصلاح في الجزائر ووادي ميزاب ما قام في بلاد المغرب الإسلامي من ثورات وطنية إسلامية أصيلة مع مطلع
(1) ناصر: الشيخ بيوض مصلحا وزعيما، ص 17.
(2) دبوز: نهضة الجزائر، ج 2، ص 31 (1/325)
صفحة 326
294
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
القرن العشرين، والتي استطاعت أن تحرز انتصارات باهرة على أعدائها المستعمرين في جبهات القتال، رغم عدم تكافؤ القوى والعتاد، فكانت للعزيمة وللإرادة وللعقيدة مكانة قوية وشديدة في حلبة هذه الملحمات البطولية.
عملت هذه الانتصارات والبطولات على استرجاع الثقة لدى نفوس الجزائريين بعد الركود والانهزامية والخمول الطويل الذي عايشوه، وعرفوا أنه باستطاعتهم مجابهة المستعمر والنضال في وجهه بالطرق السلمية والعسكرية إن عقدوا العزم على العمل والتضحية والبذل والعطاء).
كانت أصداء الثورة الليبية (2) ضد الإيطاليين بقيادة البطل المجاهد عمر المختار (3) والبطل المجاهد سليمان الباروني يصل أنباؤها تباعا إلى الجزائر ووادي ميزاب ويتأثر بها الناس ويتفاعلون ويشتعلون حماسا للنصرة والمعونة، ويهتزون للانتصارات التي تحقق في الميدان.
مال،
يقول المؤرخ محمد علي دبوز: كان وادي ميزاب يهتم كل الاهتمام بحروب طرابلس، إنه أقرب ناحية من النواحي الجزائرية الناهضة إلى طرابلس، وكان يبعث إلى المجاهدين في طرابلس ما يجده من سلاح، وما يستطيعه من وكان يعد حرب ليبيا واقعة في عقر داره وكان يتنصت أخبارها ويؤيد الإخوان في محنتهم وجهادهم.
كما كانت أصداء الثورة المغربية (5) ضد الفرنسيين بقيادة البطل المجاهد عبد
(1) ناصر الدين سعيدوني: مقال بعنوان: صدى كفاح عمر المختار في الجزائر، منشور ضمن كتابه: الجزائر منطلقات وآفاق، ص 393 - 409.
(2) للاطلاع على تفاصيل المقاومة الليبية بقيادة عمر المختار يراجع كتاب يوسف سالم البرغثي حركة المقاومة الوطنية بالجبل الأخضر، 1927 م إلى 1932 م، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2000 م. (3) عمر المختار: قائد المقاومة الليبية في الجبل الأخضر ضد الاستعمار الايطالي، من سنة 1927 م إلى 1932 م. المرجع نفسه: ص 45 - 164. (4) دبوز: المرجع السابق، ج 2، ص 28. (5) للاطلاع على مقاومة عبد الكريم الخطابي يراجع مثلا كتاب عبد المنعم الهاشمي: موسوعة تاريخ العرب، العصر الحديث، ج 6، ص 335 336. (1/326)
صفحة 327
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح
295
الكريم الخطابي) تصل تباعا إلى الجزائر ووادي ميزاب ويتأثر بها زعماء الإصلاح ويساندونها ويضربون الأمثلة بها، وتمدهم بالعزيمة والثقة والإرادة على العمل والمزيد من التضحيات في سبيل نهضة الأمة وإصلاحها.
يقول محمد دبوز: «لقد طربت الجزائر لثورة الأمير عبد الكريم، وانتشت بانتصاراته، ورأوا فرنسا المتنمرة يركبها الأسد الإسلامي، ورأوا قوة المغرب إذا صال، وبطولة المسلمين إذا ثاروا، فازدادوا ثقة بالنفس، وجرأة على الاستعمار، فقاموا يعاركون فرنسا ويجاهدونها في الميادين الوطنية، ويصلحون نفوس الجزائر ويعدونها للثورة الكبرى» (2).
استوعبت النخب الجزائرية الدرس وعلمت أن الانطلاقة لابد أن تبدأ من إصلاح الأوضاع الداخلية وترميم البيت وترتيبه، والإعداد للثورة والجهاد الذي سيتبناه المجتمع ويحتضنه بعد استيقاظه وتربيته وتعليمه وتوعيته وإخراجه مما يئن فيه من براثين الضلال.
هذه هي جملة العوامل الداخلية والخارجية التي كانت من دواعي قيام نهضة إصلاحية دينية اجتماعية شاملة في وادي ميزاب جعلته يخوض معترك الحياة بكل
أبعاده وتحدياته وتطلعاته.
نما
الأهداف
هي
التي
خططت الحركة الإصلاحية لتحقيقها وبلوغها بهذه
العملية الإصلاحية؟
(1) محمد بن عبد الكريم الريفي الخطابي: 1299) - 1382 هـ / 1882 - 1963 م) زعيم الثورة الريفية المعروفة باسمه في شمالي المغرب ضد الإسبان والفرنسيين. الزركلي: الأعلام، ج 6، ص 216.
(2) دبوز: نهضة الجزائر، ج 2، ص 36. (1/327)
صفحة 328
296
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
المبحث الثاني:
أهداف الإصلاح
كما أن للعمل الإنساني دوافع فإن له أهدافا يصبو لتحقيقها وبلوغها من خلال حركيته في هذا الوجود. نحاول في هذا المبحث أن نمعن النظر في مسيرة النهضة الإصلاحية بوادي ميزاب لنقف على أهدافها التي سطرتها في بداية طريقها أو أثناءه، واجتهدت في إيجاد الأطر والآليات المناسبة للوصول إليها.
من خلال تمحيصنا لأفكار أعلام النهضة الإصلاحية وتحليل خطابهم واستنطاق مواقفهم نستطيع أن نخلص إلى أن هذه الحركة سعت للوصول إلى الأهداف الآتية.
إقامة المجتمع الإسلامي الأصيل والمعاصر.
محاربة الجمود الفكري.
- مناهضة الاستعمار والتصدي لمفاسده.
تغيير المفاهيم وإصلاح التصورات. محاربة أسباب التخلف.
تجنيد المجتمع للإسهام في العملية الإصلاحية.
العناية بتكوين شخصية الفرد.
تكوين القيادات والكفاءات.
الإسهام في النهضة الإصلاحية الجزائرية والإسلامية.
وبما أن مسألة الإصلاح هي بناء وهدم وترقيع، فإن هذه الأهداف تجمع بين
جانب التخلي وجانب التحلي المطلوب في أي عملية نهضوية.
فكيف تجلت هذه الأهداف في مسيرة النهضة الإصلاحية؟ (1/328)
صفحة 329
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح
1 - إقامة المجتمع الإسلامي الأصيل والمعاصر:
297
لعل أهم هدف تصبو إليه أي حركة إصلاحية إسلامية تريد إحياء نهج النبي محمد صلى الله عليه وسلم واتباع هديه هو إقامة المجتمع الإسلامي في أخلاقه ونظمه وحياته، كما كان عليه في العهد النبوي وتربى بين يدي المصطفى وتخرج من مدرسته، حتى استحق المدح الإلهي الذي تضمنه القرآن الكريم وبقي خالدا إلى الأبد وشاهدا على هذا المجتمع النموذجي القدوة، في قول الله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله ..
(3)
(2)
لقد رفعت الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة التي ظهرت في العالم الإسلامي شعار العودة إلى عهد سلف الأمة، والتشبث بنهجهم وطريقهم، وبفهمهم للقرآن الكريم وللسنة النبوية الشريفة واقتفاء آثارهم، عملا بحديث النبي: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ولقد عبر الإمام مالك في زمانه عن هذا المعنى بقوله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها». نستطيع أن نقول إن هذا الهدف الكبير هو القاسم المشترك بين جميع الحركات الإصلاحية والدعوات النهضوية في العالم الإسلامي، وقد عبرت عنه من خلال خطبها ووعظها وكتاباتها، كما سعت لتجسيده من خلال مختلف أعمالها في إحياء سنن النبي صلى الله عليه وسلم ومحاربة البدع والتخلي عن الآفات والانحراف الخلقي، والدعوة إلى التحلي بالقيم والأخلاق والالتزام بالواجبات الشرعية.
(1) سورة آل عمران / الآية: 110. (2) أخرجه مسلم في صحيحه رقم 4602، ج 12، ص 259. موسوعة المكتبة الشاملة: قرص مضغوط يحوي أهم مصادر الحديث. (3) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله: (93) - 179 هـ/ 712 - 795 م) إمام دار الهجرة، وأحد الأيمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه ينسب المذهب المالكي، مولده ووفاته في المدينة المنورة. أشهر كتبه الموطأ. الزركلي: الأعلام، ج 5، ص 257. (1/329)
صفحة 330
298
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
لقد رفع أقطاب النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب على كواهلهم هم إصلاح المجتمع والسير به نحو منهج النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة شرع الله تعالى في مختلف مجالات الحياة التي كان بإمكانهم التحرك فيها والتأثير عليها، لأجل إقامة المجتمع الإسلامي الأصيل والمعاصر.
بذلوا في سبيل تحقيق هذا الهدف العالي المنال الجهود العظيمة والأوقات الطويلة وأفنوا أعمارهم في سبيل تطهير المجتمع من أدرانه وتصفيته من مفاسده وإخراجه مما يعاني منه من آثام وانحرافات وحاولوا العودة به إلى الطهر والصلاح وتنقيته من الشوائب.
يوضح الدكتور محمد ناصر بوحجام هذا الدور الإصلاحي بقوله: «حرص الشيخ بيوض إبراهيم في جهاده الإصلاحي على التربية والتكوين، تربية النشء تربية إسلامية حقيقية، وتكوين الرجال تكوينا سليما، فكان مهتما ببناء النفوس التي تقوى على المجاهدة والمجابهة والتضحية والفداء، وتحمل الرسالة وتكوين الرجال الذين يقدرون على المرابطة في الثغور (1).
قام الشيخ بيوض ورفقاؤه في الإصلاح من خلال الرسالة الدعوية المسجدية بعرض المجتمع على القرآن الكريم والسنة النبوية، ويجعل الدين مرآة للمجتمع؛ ينظر فيها باستمرار ليقوم أحواله ويصحح أخطاءه ويعرف واجباته.
اختار الشيخ بيوض لتجسيد هذا العمل منبر المسجد لشرح صحيح البخاري ومسند الربيع بن حبيب، ثم انتقل إلى تفسير القرآن الكريم متتبعا المنهج الاجتماعي التربوي الذي يركز فيه على معالجة الفرد والمجتمع في مصحة القرآن الكريم؛
بعرض أمراضه ومشكلاته المعاصرة والبحث عن علاجها في كتاب الله تعالى. يقول الدكتور محمد ناصر: (إن هذا الانقلاب العظيم الذي تزعمه الشيخ بيوض يعود إلى نهجه التربوي الرشيد الذي يتبعه في دروس تفسير القرآن
(1) محمد ناصر بوحجام: الشيخ إبراهيم بيوض المصلح المربي، ط 1، مكتبة الجيل الواعد، 1425 هـ / 2004 م، ص 19. (1/330)
صفحة 331
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح
299
الكريم ... ويتبع أسلوب عرض المجتمع على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عارضا مشاكله الاجتماعية اليومية، منطلقا من واقعه المعاش» (1).
ظل صوت المسجد مدويا في أرجاء وادي ميزاب لأجل تحقيق هذا الهدف، كما كان الخطاب موحدا بين المسجد والشارع والسوق والعشيرة والعرس والمأتم على ضرورة إصلاح المجتمع، فحيثما كان يحل الفرد أو يرتحل لا يجد ولا يسمع إلى خطابا واحدا موحدا مجتمعا عليه يبقى يرن في أسماعه دون انقطاع هو خطاب الإصلاح والالتزام والاستقامة، والتحذير من المفاسد والمناكر والانحراف، ومحاربة
الفساد من الجميع حيثما كان وممن صدر.
إن مفهوم المجتمع الأصيل عند الحركة الإصلاحية هو ذاك المجتمع الذي يتخذ من المنهج النبوي طريقا ومسلكا في كامل مجالات الحياة الفردية والأسرية والعائلية والاجتماعية والاقتصادية وأن يتجسد المنهج في المسجد كما يتجسد في الشارع وفي العمل وفي السوق.
لقد كان منبر المسجد يصدع بهذا الخطاب، ويعرض أمام الناس دون ملل ولا كلل هذه الصور الاجتماعية الإصلاحية المطلوب الالتزام بها، كما كان ينعت الفساد والانحراف في مختلف صوره، ويعلن الحرب والهجوم عليه، وتعويضه بالصور الإصلاحية الجديدة على مستوى الأخلاق والسلوك والمعتقدات، والمظاهر الاجتماعية من العادات والتقاليد، وفي الأعراس والمآتم.
استعمل في هذا الخطاب الدعوي أسلوب الترغيب والترهيب والوعظ والتربية والتوعية، والتمثيل بحياة مجتمع الصحابة الكرام والمجتمع النبوي وإعطائه صورة للمجتمع النموذجي الذي ينبغي أن يقتدى به ويقتفى
(2)
(1) ناصر حلقة العزابة، ص 20 - 21 (2) إبراهيم بيوض حديث الشيخ الإمام ردا على بعض الشبهات والأوهام إعداد وتنسيق: محمد إبراهيم سعيد كعباش، حل 1، جمعية النهضة، غرداية، الجزائر، 1992 م، ص 43 - 52. ديوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 19 - 29. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 135 - 138. ناصر: حلقة العزابة، ص 17 - 30. (1/331)
صفحة 332
300
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
يقول الشيخ بيوض: «لا تزال دروسنا متواصلة في الكلام عن المجتمع الإسلامي، المجتمع الذي أمرنا الله تبارك وتعالى بتكوينه، كل جماعة كتب الله لها العيش في مدينة أو قرية صغيرة أو كبيرة أو الوطن كله إلا وجب عليهم أن يكونوا مجتمعا إسلاميا، ويعيشوا معيشة مسلمين في معاملاتهم وحركاتهم وسكناتهم). صب هذا المفهوم والتصور للأصالة في قالب من فهم الإسلام وفق المذهب الإباضي، وامتزج بالخبرة الميزابية البربرية الجزائرية في أعرافها وعاداتها، في طبيعتها الصحراوية القبلية، فتشكل من كل ذلك هذا المجتمع في صورته الإصلاحية.
لقد
أما مفهوم المعاصر في الفكر الإصلاحي فهو ذاك المجتمع الذي لم تمنعه أصالته - التي يجب أن يتحلى بها ويعيش في كنفها، ويتشبث بضوابطها - من التفاعل الإيجابي مع قضايا العصر ومستجداته، ومن الاستفادة مما توصل إليه الإنسان بعلمه من اكتشافات وتطورات في مجالات الحياة المختلفة الاجتماعية والإدارية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والسياسية والثقافية
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: (ليس مبدأ الإصلاح غير تعاليم الإسلام الصحيحة، وتطبيقها تطبيقا يلائم سماحته ويساير سنة النشوء والارتقاء في هذه
الحياة، ويتفق والغاية التي من أجلها كان الإسلام دستور البشرية الخالد» (2).
حمل فكر الحركة الإصلاحية مفهوم المعاصرة والتطور من خلال أخذه بشروط التمكين، ومن خلال قابليته للتجدد والتفاعل الإيجابي مع العصر باستفادته لما أفرزه على مختلف مجالات الحياة، بشرط عدم تصادم ذلك مع الشريعة الإسلامية في أصولها، أو تعارضها مع مبدا من المبادئ الأخلاقية، أو
أصل من الأصول العرفية.
(1) دبوز المرجع نفسه، ج 4، ص 2019.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 22. (1/332)
صفحة 333
30 i
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح كما أن قناعتهم بضرورة المعاصرة كانت نابعة من فهمهم لروح الدين ومقاصد الشريعة الإسلامية؛ التي تدعو إلى عمارة الحياة بالخير، والسعي لتحصيل المجد والعمل والعلم بمراعاة حدود الله تعالى والسير في نهج نبيه المصطفى عليه
الصلاة والسلام. يقول الشيخ أبو إسحاق: (إن الأمة لن تنهض من كبوتها ولن تتغلب على عناصر التخلف فيها إلا إذا فهمت دينها بهذا الفهم الصحيح الذي يدعوها إلى الوسطية بين الأخذ من الدين والدنيا معا ... لذا فإن من واجباتها أن تستفيد مما تراه حولها من تفوق الغربيين في الفنون والصنائع وانفرادهم بالقوتين السياسية والاقتصادية، وبروزهم في العلوم).
كما أنه بهذا الفهم ردوا الفكر الجامد المتقوقع الذي كان سائدا في وادي ميزاب، والذي حاول أن يبقي المجتمع على حالته الراكدة، ويمسك أبناءه بأغلال في أيديهم وأرجلهم حتى لا ينهضوا ويحسنوا من حال مجتمعهم.
2 - محاربة الجمود الفكري لعل من أبرز الأهداف التي سطرها أقطاب النهضة الإصلاحية بعد الهدف الأكبر المتمثل في إقامة المجتمع الإسلامي، وسعوا لتحقيقه في أرض الواقع بجهود مضنية متواصلة هو مقاومة ما كان معشعشا في الأذهان والعقول على مستوى وادي ميزاب من جمود فكري متجذر ونظرة سطحية إلى الكثير من أمور الدين وشؤون الحياة، والتحجر على الاستمساك بذلك والتشدد في التشبث به، والوقوف حجر عثرة أمام أي جهد مخالف أو محاولة للتغيير والإصلاح، أو تقديم شيء جديد لم يعهد من قبل.
إن هذه الحال هو ما كانت عليه عموم البلاد الإسلامية، وكان ذلك من أسباب وبالها واستعمارها وإذلالها.
(1) اطفيش المنهاج، نقلا عن كتاب: ناصريا الشيخ اطفيش إبراهيم في جهاده الإسلامي، ص 100. (1/333)
صفحة 334
302
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي محددا معنى التجديد في الفكر الإصلاحي ونافيا الجمود والتقليد: التطور حسبما تسمح به الظروف مسايرة لقافلة الحياة، وعدم الجمود على أسلوب واحد فيها ضروري، والبقاء على حالة واحدة ينافي سنة الحياة، لكن بشرط أن لا يخرج ذلك من دائرة الدين الحنيف» (1). تيقنت قيادات النهضة الإصلاحية من الوهلة الأولى بضرورة تغيير هذا الأمر ومن ضرورة زحزحة هذا النوع من الفكر الفاسد من على طريق نهضتها وإصلاحها مهما كانت التكاليف؛ ولو أدى ذلك إلى نوع من القلاقل الاجتماعية التي قد لا تحمد عقباها، وتيقنت أن جهودها نحو الإصلاح الشامل لن تؤتي ثمارها ما لم تزل هذه العقبة من الطريق، وما لم يزحزح هذا الفكر من على منابر المساجد وصدارة العشائر ورأس الهيئات الدينية في وادي ميزاب
يعبر الشيخ عبد الرحمن بكلي عن عرقلة هذا التيار لجهود الإصلاح بقوله: «مما يدل أيضا على أن الجمود كان ولا يزال حجرة عشرة في سبيل نهضة البلاد وتقدمها، وأنه الخادم لركاب الاستعمار والمنفذ لأغراضه، سواء شعر بذلك أم لم يشعر، موقف رؤسائه إزاء كل حركة إنشائية في الأمة، وإن استيقنت نفوسهم صلاحها، ومناهضتهم لدعاة الحياة فيها، وإن باركوا أعمالهم ومدحوا سيرتهم، لا
فرق في ذلك بين الرؤساء المتقدمين والمتأخرين» (2).
في حقيقة الأمر لم يكن هذا التغيير بالأمر السهل على رجال النهضة الإصلاحية، بل عانوا في ذلك الكثير، كما أنهم انتظروا وصبروا وصابروا لأجل أن يتولى الزمان زحزحة بعض الوجوه البارزة المؤثرة في هذا التيار، كما نالهم الكثير من الابتلاء في أعراضهم وأجسادهم بسبب مجابهتهم لهذا التيار ودخولهم معه في معارك ومنازلات طاحنة استغرقت مدة زمنية طويلة، خاصة عندما كانت النهضة في بداية مسارها خلال العشرينيات واستمرت معها طوال عهدها (3).
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 25 - 26. (2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 97.
(3) للاطلاع على نماذج من الصراع بين الإصلاح وخصومه من تيار الجمود ينظر: دبوز: أعلام الإصلاح، (1/334)
صفحة 335
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح
303
لقد مثل هذا الجمود جدارا حديديا، وخندقا عميقا أمام قيام النهضة الإصلاحية الشاملة في وادي ميزاب كما كان سبب تأخرها في تحقيق العديد من مشاريعها، وبطء حركيتها وتشتيت جهودها بل كاد أن يتسبب في إعدام مسيرتها نهائيا وإخراجها من حلبة التاريخ لولا تشبث زعماء الإصلاح السابقين بالفكرة الإصلاحية وثباتهم على نهجها وإخلاصهم في أعمالها وإصرارهم على نجاحها.
لقد كان وراء تصلب تيار الجمود وتغلغله في مفاصل المجتمع أسباب عديدة، وعوامل كثيرة تتمثل أساسا في قلة العلم وتفشي الأمية والجهل، وفي الصراعات والفتن الداخلية وفي الحياة الصحراوية المنعزلة، وفي البعد عن مناطق التأثير والتأثر هذا ما جعل من المجتمع يدخل في مرحلة من الاجترار الداخلي، والانشغال بالقضايا الميتة وبالنظرة العدائية إلى كل ما هو خارجي دخيل ولو كان فيه الخير والصلاح له. يضاف إلى ذلك ما حل على وادي ميزاب من استعمار بغيض أدرك قواعد اللعبة جيدا وعمل على تكريسها وتوطيدها، وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه بل لعب بهذه الأوراق ليتحكم في المجتمع ويزيده وبالا إلى وباله. لقد كان لبعض الفقهاء والأعيان الذين لهم نفوذ في المجتمع نظرة قاصرة خاطئة للدين وللمذهب الإباضي وللأعراف وسير الأجداد الأولين، فتقوقعوا وانغلقوا وانزووا، وحملوا نظرة عدائية متزمتة لكل ما هو جديد، ولكل ما ليس من المذهب الإباضي، ولكل ما يمس الأعراف وسير الأجداد.
حمل هذا الفكر الكثير من المتناقضات والمتضادات في تعامله مع مسائل الدين والحياة، فتراه يبيع هنا ما يحرمه هناك، ويتساهل هنا ويشدد هناك، ويحكم هنا
ج 4، ص 225 - 248. شريفي معهد الحياة، ص 27 - 38. بكلي: المرجع نفسه، ص 90 - 99. الحاج
سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 166 - 168 (1/335)
صفحة 336
304
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
السادة والحكام
بخلاف ما يحكم هناك، ويجيز لقوم ما يمنع على آخرين، ويتعامل مع والمستعمرين بخلاف ما يتعامل به مع عموم الناس ويكيل الأمور بمكيالين، ويرد الأشياء بجهل وحماقة لعدم إدراك كنهها وحقيقتها).
لكل هذا رأت الحركة الإصلاحية أنه يتحتم عليها أن تجعل من أهدافها الأولى الأساسية القضاء على هذا الفكر والتصدي لرموزه واستئصال جذوره واقتلاعها وتطهير المجتمع منه، حتى تستطيع أن تخطو خطوات ثابتة مركزة في سبيل النهضة دون معوقات ومثبطات.
وظفت الحركة الإصلاحية لتحقيق هدفها مختلف الوسائل السلمية المتاحة لها آنذاك من الكتابة والخطابة والعمل السياسي، ومن استعمال منابر المساجد، وأقلام الصحافة، وتشكيل الكتل والأقطاب داخل الجماعات والعشائر وحلقات العزابة كما دفعت وانجرت أحيانا لاستعمال وسائل العنف والقوة والتشنج؛ من الانقلاب على الأعضاء الجامدين وإزاحتهم من حلقات العزابة بالقوة وطردهم من قيادة المجتمع والتأثير على أفراده (2).
أدى تصلب تيار الجمود وشدة مقاومته إلى رص صفوف الحركة الإصلاحية أكثر وبروز قادتها الدعويين وتشكل أعيانها الاجتماعيين وتوحدهم ضد العدو المشترك المتمثل في الجمود الفكري.
هكذا خاضت الحركة الإصلاحية صراعا مريرا طويلا لأجل زعزعة عرش الجمود وتقليص نفوذه في دوائر السلطة والحكم في وادي ميزاب واجتثاثه من هيئات العزابة ومجالس الأعيان، ثم محاربته على مستوى الأذهان والعقول لدى عامة الناس، بنشر التعليم والتوعية والتربية عن طريق الخطاب المسجدي الواعي المستنير.
(1) انظر نماذج من هذه الأفعال في كتاب بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 97 - 99. (2) من ذلك التغيير الذي قاده الشيخ بيوض على رموز فكر الجمود من العزلية في بلدته القرارة وعزلهم من المجلس نهائيا. انظر: دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 225 - 248. شريفي: معهد الحياة، ص 27 - 38. (1/336)
صفحة 337
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح
3 - مناهضة الاستعمار والتصدي لمفاسده:
305
علمت الحركة الإصلاحية أن مسيرتها النهضوية لا يمكن أن تتحقق ولا ترى النور ما دام الاستعمار بين أظهر الأمة جاثما على جسدها محاربا لكل مظاهر الإصلاح وجهود المصلحين ومخدرا لعامة الناس لتبقى على ما هي عليه من الجهل والسذاجة والفاقة والتبعية ومستغلا لبعض الفقهاء الجامدين و"القياد» الفاسدين ومعينا لهم ومسهلا سبل تمكينهم من دواليب المجتمع. فما فتئ يبث سمومه و مفاسده كلما استطاع إلى ذلك سبيلا.
يقول المؤرخ محمد علي دبوز عن دور الاستعمار في إفساد المجتمع: «ومما زاد لبعض العقائد الفاسدة والتقاليد المضرة التي عالجها الشيخ بيوض وعلماء الإصلاح، ليزيلوها، ومما زادها تأصلا ورسوخا، حرص الاستعمار الصليبي على بقائها، وعلى بقاء كل الأمراض الاجتماعية في الأمة الجزائرية، لتكون دائما عليلة واهنة، لا تكسر قيوده ولا تغادر، أقفاصه، وكان يذكي أذنابه الكثيرين الجامدين والمفسدين، فيزدادون تمسكا بالتقاليد والعقائد الفاسدة التي يهاجمها العلماء المصلحون، ويدعون العامة الجاهلة إلى التمسك بها ويصورونها على أنها من الدين المقدس الذي يهدمه المصلحون» (1). لذا رأت الحركة الإصلاحية واقتنعت من بداية مسيرها أن أحد أهدافها الذي يجب أن تركز جهودها حوله وتأخذ كل الحذر منه وتحتاط المستعمر الغاشم، فجعلت نصب عينيها مناهضته والتصدي لمفاسده ومكايده
هو
هذا
بمختلف الوسائل. لا شك أن هذا العمل ليس بالأمر الهين لاختلال موازين القوى، وعدم توافق الإمكانات والنفوذ وأدوات العمل، لذا كانت خطة الحركة الإصلاحية في محاربته تعتمد أساسا على الحنكة السياسية والخبرة الاجتماعية والعلاقات الجوارية
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 57 - 58.
22
22 (1/337)
صفحة 338
306
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
فكانت أحيانا تجابه المستعمر علنا وأحيانا تفضل مراوغته وأحيانا تختار طريق مهادنته، وأحيانا تظهر له خلاف ما تبطن فتعلمت من كل ذلك مع مرور الزمن الكثير من الأساليب السياسية وتزودت بالكثير من الحنكة والفطنة والكياسة، التي جعلتها تتميز عن قيادة التيار الجمودي الذي عرف بعض عناصر لدى المستعمر بالغباوة والسذاجة والطاعة لأوامره والانقياد لها، وبعدم التفطن لمكايده، وبمقدرته اللعب والضحك على عقول بعض قادته وسادته.
يقول الدكتور محمد ناصر بوحجام عن هذه السياسة التي انتهجها قادة الحركة الإصلاحية في التعامل مع المستعمر: من بين القواعد التي طبقها الشيخ بيوض في نضاله الوطني المرونة في التحرك السياسي وأسلوب المراوغة مع المستعمر، لقضاء بعض المآرب وبلوغ بعض الأهداف الوطنية، ولأن الظروف لم تكن أبدا لصالح الوطنيين من جميع الجوانب، وكانت العواصف السياسية تعصف بالمجتمع الجزائري من كل النواحي، والحواجز كانت كثيرة في طريق العلماء المصلحين» (1).
إن اختيار زعماء الحركة الإصلاحية لسلوك هذا الطريق ونصرة هذا الهدف رسم صورة للصراع المرير بين المصلحين وبين الاستعمار وأذنابه، فشهدت الحركة الإصلاحية معارك حامية الوطيس لأجل محاربة المفاسد المجاهر بها كالخمور والدعارة وسلب الأموال وإشاعة الفتن وبث العصبيات بين الناس، كما شهدت فصولا مريرة من الصراع لأجل محاربة أذناب الاستعمار من القياد“ المفسدين والأعيان المتجبرين المتواطئين مع بعضهم البعض.
كانت نتيجة ذلك ابتلاءات متلاحقة لأعلام الإصلاح وقادته من الشيوخ والعزابة والأعيان المناصرين له؛ أدت بهم إلى الحبس والتعذيب والتغريم والطرد والتقتيل (2)
(1) محمد ناصر بوحجام الشيخ إبراهيم بيوض والعمل السياسي، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، 1412 هـ/ 1991 م، ص 26. (2) للاطلاع على أمثلة من الابتلاءات والامتحانات التي أصابت قادة الإصلاح ينظر: دبوز: أعلام (1/338)
صفحة 339
307
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح كما اقتضت محاربة بعض هذه المفاسد تحرك قادة الحركة الإصلاحية على مستوى فضاءات أوسع وسلطات أعلى خارج وادي ميزاب على المستوى المركزي بالجزائر العاصمة، عندما تستنفد طرق الإصلاح ووسائله المحلية أو الجوارية، كما اقتضت الضرورة أيضا التعامل الإيجابي وربط العلاقات مع بعض رموز الفساد من أذناب الاستعمار المتمثلين في القياد" لأجل درء مفاسدهم، وجلب المصالح منهم للبلد ولعموم الناس ولو لفترة مؤقتة. إلا أن موقف الحركة الإصلاحية بقي ثابتا في معاداته المستعمر وأذنابه ومناهضة سياستهم، بسياسة مماثلة تتسم بالحنكة والدهاء والقدرة على تسيير شؤون البلد نحو الصلاح داخل تلك الظروف، ودون إلحاق كبير الأذى بالناس ومع الحفاظ على الموروث الحضاري للمجتمع.
4 - تغيير المفاهيم وتصحيح التصورات
أدركت الحركة الإصلاحية أن الإصلاح هو فكر وقناعة ونظرة عامة للوجود، قبل أن يكون أعمالا ومشاريع منجزة مشاهدة على أرض الواقع. ولأجل أن تصل إلى ذلك لابد أن تولد أولا على مستوى الأفكار، وتنشا وتتضح كمفاهيم وقناعات يدركها العقل ويستوعبها الذهن
لذا رأت من أهدافها تغيير هذه العقول والذهنيات وإدخال فكرة الإصلاح والنهضة فيها وإقناعها بجدوى العملية الإصلاحية، فعملت على تنوير العقول وتصحيح المفاهيم ومحاربة الجهل والجمود وعملت على توضيح الأمور على حقيقتها للناس في كل مجالات الحياة، بعد ما كان الغموض يشوش عليها، والفهم الخاطئ والسذاجة والخرافة يسودها ويسيطر عليها.
=
الإصلاح، ج 4، ص 225 - 248. بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 28 - 89. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب،
ص 166 - 168. (1/339)
صفحة 340
308
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
وظفت الحركة الإصلاحية منبر المسجد وخطابه الدعوي لتحقيق هذا الهدف فكان للمسجد كلمته في الصدح بالحق وبدروس الوعظ والإرشاد والتربية والتوعية والتنوير طوال أيام السنة وطوال أوقات اليوم بكرة وأمسية وليلا لا يعرف فتورا ولا يشهد توقفا.
كما انتقل هذا الخطاب الإصلاحي التنويري من المسجد إلى الشارع ليعم كل التجمعات وكل المظاهر الاجتماعية وكل المناسبات، فتراه يدوي بالأفكار نفسها ويحارب أفكارا أخرى ويصحح المفاهيم ويبث التصورات، من توعية الناس بواجباتهم ودفعهم إلى عمارة الحياة بالإيمان والاستقامة والقوة والعمل والعزيمة ومن محاربة الانحراف والتسيب الأخلاقي، والأفكار الخاطئة حول الحياة من الكسل والتواكل والتعصب والعداء والانتقام والجهل والهوان.
يقول الدكتور محمد ناصر بوحجام عن الدور الإصلاحي للشيخ بيوض: كان الشيخ بيوض كغيره من المصلحين يؤمن أن الإصلاح يجب أن يكون شاملا، والعمل ينبغي أن يكون عاما، والتحرك يجب أن يكون ماسا لكل الميادين» (1).
استطاع عموم الناس مع مرور الزمن أن يدركوا مقاصد هذه النهضة ويستوعبوا فوائد هذه الحركة ثم يقتنعوا بأفكارها، ثم ينتقلوا إلى احتضان مشاريعها وأعمالها، ويسخروا كل قواهم وجهودهم وأموالهم وأوقاتهم لنصرتها والتمكين لها وتحقيقها على أرض الواقع، ويعتبروا أنفسهم جزءا منها ويضعوا أنفسهم وأموالهم رهن إشارة قادتها وزعمائها.
إن هذا التغيير الذي حصل في الأمة لم يتأت بجهد يسير ولم يتحقق في وقت قصير، وإنما كانت وراءه تضحيات جسام وعمل متواصل دؤوب استمر وتواصل لعدة عقود زمنية استغرق من الوقت واستنزف الكثير من الجهد والمال.
(1) بوحجام: الشيخ إبراهيم بيوض المصلح المربي، ص 58 (1/340)
صفحة 341
309
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح أدرك الناس من خلال هذا التغيير على مستوى المفاهيم حقيقة الدين والعقيدة والمذهب والاستقامة والعلم والعمل والعصر والسيادة والعزة والتمكين، وغيرها من القيم الحضارية التي سعى أقطاب الحركة الإصلاحية إلى ترسيخها في العقول ومحاربة مضاداتها من القيم الفاسدة، عندما أدركوا أن طريق نهضتهم والتمكين للإسلام ولمجتمعهم لا بد أن يمر من خلالها.
5 - محاربة أسباب التخلف:
تيقنت الحركة الإصلاحية أن لا قيام لنهضة اجتماعية شاملة قوية دون العمل الدؤوب على تحقيق هدف صعب المنال وهو محاربة جذور التخلف في المجتمع، وعندما بحثوا في تشخيصها وجدوها متمثلة أساسا في الفاقة والتفرق والجهل والتحجر.
عرفوا أن القضاء على هذه الأسباب لا يمكن أن يتأتى جملة واحدة بين عشية وضحاها، وإنما هو عمل متواصل وجهود متراكمة ومسيرة شاملة، حتى يحصل التغير التدريجي نحو الأحسن شيئا فشيئا.
سخرت الحركة الإصلاحية كل جهودها من خطاب مسجدي وتوعية وتعليم وتربية لدفع مسيرة المجتمع إلى الأمام لتجاوز واقعه الذي اتصف بهذه المعوقات، وتحكمت فيه هذه الأخطبوط، وتعثر بسبب هذه المثبطات التي يصفها الشيخ أبو اليقظان بقوله: (إذا نظرنا من جهة أخرى إلى حالتهم العمومية وجدناهم في غفلة وجهالة، في جمود وخمول في خنوع وتواكل في هلع وجبن في ذل وصغار وامتهان، وفي فقر وبؤس، في تعاسة وشقاء» (1).
حاربوا التواكل والفاقة بتوجيه الناس إلى الأعمال؛ من حرف وتجارة وفلاحة، وحاربوا البطالة والفراغ، ودفعوا الناس إلى التعاون والتكافل في أعمالهم ووظائفهم، وربوهم على الاقتصاد في العيش والادخار للمستقبل.
(1) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون منشور ضمن كتاب: أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي اليقظان، ص 17. (1/341)
صفحة 342
310
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
بقول المؤرخ محمد علي دبوز: «كان الشيخ بيوض يقوم بجولات في مدن ميزاب ومدن الشمال يدعو فيها إلى النهضة في التجارة والفلاحة، ومقارعة اليهود والمعمرين الأوربيين فيها بأساليبهم العصرية النافعة (1).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بكلي واصفا الفرد المصلح: «أن لا يبقى بطالا لا يعمل أدبيا ولا ماديا، عاملا بقول الشاعر:
أليس من الخسران أن ليالينا تمر بلا نفع وتحسب من عمري
لكن الواجب عليه أن يكون عاملا وداعية إلى العلم بمقاله وفعاله» (2). كما حاربوا الفتن التي كانت متفشية في وادي ميزاب بسبب العصبيات والعشائريات والجهويات و المذهبيات بالسعي في الإصلاح بين الناس وبين العشائر وبين الطوائف المتخاصمة المتناحرة، والعمل على توحيد الأمة والقضاء على الأسباب المؤدية إلى الفتن عن طريق التزاوج والتزاور والتشارك والتجاور في التجارات والأعمال والعيش.
كما حاربوا الجهل والجمود بتعليم الناس وتوعيتهم عن طريق منابر المساجد وعن طريق لقاءات العشائر والعائلات عن طريق تربية وتعليم الأجيال الصاعدة من خلال فتح المدارس العربية والمحاضر القرآنية لتنشئة جيل طاهر من كل هذه الأدران وبراثن الضلال والتخلف التي سادت من قبل.
6 - تجنيد المجتمع للمشاركة في النهضة الإصلاحية:
تفطنت قيادات الحركة الإصلاحية إلى نقطة جوهرية في إنجاح نهضتها الشاملة التي تصبو إليها تتمثل في إلقاء هذه النهضة إلى الشعب ليحتضنها، ويصبح طرفا فيها وجزءا منها، فأدركت أن العملية الإصلاحية لا بد لها من جهود كافة أبنائها المؤمنين بها حقا لتجسيدها، واقعا وأنها ليست عملا نخبويا أو انشغالا طبقيا خاصا
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 173.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 26. (1/342)
صفحة 343
311
تلك
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح بفئة قليلة دون بقية المجتمع، كما أنه ليس عملا مناسباتيا يبتدئ وينتهي مع المناسبة، كما أنه ليس شعارات جوفاء ترفع وينادى بها، دون أن يكون لها بعدها العملي الميداني الإصلاحي، كما أنها ليست أفكارا نظرية فلسفية محضرة خالية من الروح، تولدت بترف فكري أو مناقشة عقيمة، دون أن تربط بالواقع الحياتي المعيشي اليومي.
يقول الأستاذ نور الدين سكحال يرى الشيخ بيوض أنه لا يمكن للحركة الإصلاحية أن تنجح في عملها التربوي إلا إذا استطاعت أن تعبئ المجتمع بجميع مؤسساته ودوائره ليعينها على النجاح في هذا العمل، وإلا حدث التناقض بين توجيهات المؤسسة التعليمية وبين ممارسات المجتمع، وعند ذلك تبوء جهود الحركة بالفشل» (1). يعبر الشيخ بيوض عن علاقة المجتمع بالإصلاح بقوله: «صلاح أطفالنا وشبابنا من صلاح الأبوين، وصلاح المجتمع كله، إن صلاح المجتمع هو القاعدة الأولى لصرح التربية والتعليم الذي نبنيه في مدارسنا ومعاهدنا، إنه فساد المجتمع الذي تعيش فيه ناشئتنا لا توجد المدرسة الناجحة في التربية بالخصوص، فما نبنيه في الصباح يهدمه البيت الفاسد في المساء» (2).
كما تأكدوا أن تحقيق هذا الهدف يتأتى بإعطاء القدوة في كل شيء، وأن يكونوا أيمة الدين والحياة في الاستقامة والعلم والعمل والجد، وأن يكونوا أكثر المؤمنين بهذه النهضة، وأول وأكثر المضحين في سبيلها، وأول وأكثر الباذلين من أجلها بأموالهم وأوقاتهم وجهودهم.
إن هذه النظرة التي اتضحت لدى قادة الإصلاح وأصبحت قناعة راسخة لديهم مكنتهم من نقل شعلة التغيير والإصلاح وخماسته إلى عموم الناس في مختلف شرائحه وطبقاته.
(1) سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 131.
(2) دبوز أعلام الإصلاح، ج 4، ص 146 - 147. (1/343)
صفحة 344
312
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
فأصبح المجتمع في حد ذاته هو الإصلاح وهو المحتضن له وهو منجز العملية الإصلاحية وهو الراعي لها والمدافع عنها، والرافض للتنازل عن أفكارها، أو العودة إلى الوراء في تجسيد مشاريعها، فتحول الأقطاب إلى قادة موجهين مسيرين
وكافة المجتمع إلى جنود عاملين منفذين حارسين لصرح النهضة الإصلاحية). في نصرة هذا الهدف يكمن سر نجاح الحركة الإصلاحية وتمكينها في وادي ميزاب، ودفع مسيرتها بخطى ثابتة إلى الأمام بعد ما بقيت تراوح مكانها لفترة طويلة من الزمن، ولعل هذا الهدف هو الذي لم تستطع بلوغه المراحل الإصلاحية السابقة وعجزت عن تحقيقه بحكم الظروف المحيطة بها، رغم جهودها المضنية في ذلك.
7 - العناية بتكوين شخصية الفرد
فهمت الحركة الإصلاحية أن عملية الإصلاح تقوم في أساسها على صلاح الفرد في عقيدته وفكره، وفي سلوكه وأخلاقه، وفي علاقاته وأعماله، فأولت له عناية خاصة في تكوين شخصيته من كل جوانبها حتى يكون صالحا وقادرا على تحمل الفكرة الإصلاحية والدفاع عنها وتجسيدها، ثم تبليغها للأجيال.
كما لا ينبغي أن يبقى العمل على المستوى النظري الشمولي الجماهيري فقط، بل لا بد أن تمس شخصية كل فرد في عمقها وتراقب وتربى وتقوم من ناحية
السلوك والأخلاق وتنور وتثبت وتقوى من ناحية العقيدة والفكر والتاريخ. فكان لا بد من العمل الجاد على تحقيق هذا الهدف بتوجيه الخطاب المسجدي والسياسة التربوية التعليمية نحو العناية بتربية الفرد وتقويم سلوكه ومراقبة أخلاقه وإيقاظ ضميره ودفعه إلى ميدان العلم والعمل، وتصحيح أفكاره، وتصويب تصوراته حول الدين والحياة. وإخراجه من دائرة الانحراف والجهل والجمود والسفاهة، إلى دائرة العلم والتنوير والاستقامة والجد والعمل والكياسة؛ حتى تجعل
(1) المرجع نفسه: ج 4، ص 145 - 153. (1/344)
صفحة 345
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح
313
منه فردا قادرا على الدخول في دورة حضارية جديدة، تتسم بالأصالة والمعاصرة وبالتفاعل الإيجابي مع قضايا الحياة في كافة أبعادها.
يحدد الشيخ عبد الرحمن بكلي خصائص الفرد المصلح بقوله: «عزيز النفس بعيد الهمة يعمل الخير والصلاح بدافع الغيرة على الفضيلة والشفقة على خلق الله متدينا مستقيم السمت، لأن المتهتك يسيء إلى نفسه، ويكفر نعمة ربه، ومن كذلك لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره، إلا أن يتوب» (1).
8 تكوين القيادات والكفاءات:
كان
أدركت الحركة الإصلاحية دور النخبة والكوادر في إحداث النهضة والحركية الاجتماعية والتحكم في تسييرها وتوسيع رقعتها وتسريع حركيتها، كما علمت أن من أسباب تأخر قيام النهضة في وادي ميزاب وتعطلها ضعف طبقة النخبة وقلة
الكفاءات والقيادات الجادة فيه.
فجعلت من استراتيجيتها تكوين الكفاءات العلمية والخلقية، التي تساعدها على
قيادة هذه النهضة ورفع أعبائها، وتضمن لها الاستمرارية والتجدد في المستقبل. وكان مفهوم الكفاءة والنخبة لدى الحركة الإصلاحية يتمثل في ذلك الفرد الملتزم بواجباته الدينية المتخلق بالسلوك الإسلامي، المتشبث بأصالته الجزائرية الميزابية الإباضية والمتمكن من العلوم والمعارف الشرعية والعربية والعصرية، المقتدر على تحمل المهام والمسؤوليات التربوية والاجتماعية (2).
يقول الشيخ بيوض مخاطبا ثلة من أبنائه الشباب المثقف الذي يعدهم لتحمل المسؤوليات المختلفة فهل أدركت الآن ما بنا من حاجة شديدة إلى قادة أكفاء، ذوي عقول راجحة وأفكار واقعية لا خيالية لهم بصر بالعواقب، ونفاذ إلى أسرار
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 26. (2) بوحجام: الشيخ بيوض المصلح المربي، ص 27. سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 67 - 68. دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 147 - 149. (1/345)
صفحة 346
314
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
الحوادث، ينقدون الأمة في محنتها، ويهدونها السبيل، ويوجهونها الوجهة الصالحة، فإنها اليوم في مفترق الطرق» (1).
تحمل هذه المهمة الصعبة والاستراتيجية أقطاب الحركة أنفسهم من خلال ملازمتهم للمعاهد والمدارس التي أنشأوها، فرعوا الشباب وتعهدوا بتكوينهم الشرعي والعلمي والخلقي والفكري وعملوا على إنضاج عقولهم وتفتيق قدراتهم وتدريبهم ميدانيا على تحمل المسؤوليات الصغيرة اجتماعيا وتربويا، وأنموا فيهم روح الإبداع والمبادرة والحيوية والقيادة. وعملوا على إرسالهم في بعثات علمية إلى الخارج للحصول على المزيد من العلم والتجربة والتفتح والتنور، كما عملوا على دفعهم لتقلد المسؤوليات الاجتماعية والدينية المختلفة في مجال التعليم والوعظ والإرشاد والدعوة، وفي مجال تسيير الجماعات والهيئات والعشائر، وفي مجال الأعمال من تجارة وصناعة وحرف. مع مراقبتهم وإسداء النصح والتوجيه لهم وتثمين جهودهم ومباركة نجاحاتهم ووضع الثقة فيهم.
استطاعوا بهذه النظرة الثاقبة وهذا التكوين الرصين أن ينجحوا في تخريج كوادر وإطارات كفأة قوية، أمينة تشربت الفكر الإصلاحي وفلسفته، وتلقته من مشايخهم وحملته بأمانة، وعملت على توطينه في النفوس وإيصاله إلى الآفاق، فذهبت به بعيدا في سبيل تحقيق المشروع الإصلاحي الشامل.
يقول الشيخ حمو فخار أحد الكوادر الأولى المتخرجة من مدرسة الإصلاح عن علاقته بأستاذه الشيخ بيوض ودوره في تكوين شخصيته: «لعل أصدق وصف يمتاز به المحتفل به الشيخ بيوض أنه صانع الرجال ومربي ومربي الأجيال ... فما تخطيت عتبة التلمذة منذ عرفته ولم أذكر أني استغنيت يوما عن الاغتراف من معارفه وسجاياه رغم طول عشرتي، له وكثرة اتصالي به في الحضر والسفر، وفي
(1) دبوز: المرجع نفسه، ج 3، ص 204 - 205. (1/346)
صفحة 347
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح
315
حال الرضا والغضب والحزن والطرب، فأنا دوما أتعلم وهو أبدا يعلم، وهو الصائغ وأنا المصوغ» (1).
ويقول الدكتور محمد ناصر بوحجام عن الدور التربوي لأستاذه الشيخ بيوض في إعداد الكفاءات: «كان رحمه الله يوصينا بالثبات على المبادئ مهما تكن الظروف، والاعتزاز بالشخصية مهما تكن الأحوال والاعتداد باللغة العربية وتمثل الإسلام في كل سلوكنا وأعمالنا. كما كان يوصينا بالصبر في عبادة الله والصبر في الشدائد والمصائب، والصبر على الأعداء والجهلة» (2).
9 - الإسهام في النهضة الجزائرية والإسلامية الشاملة: كانت الحركة الإصلاحية تعتقد وهي تسعى للقيام بإصلاح شامل لوادي ميزاب نحو الأخير والأفلح بأنها تقوم بوضع لبنة في الإصلاح الجزائري وبوضع لبنة في الإصلاح الإسلامي، وأنه تقوم بدفع مسيرة النهضة الإسلامية المعاصرة إلى الأمام.
هذا ما نستخلصه من تلك العلاقات الوطيدة وذلك التنسيق المتواصل الذي جمع بين أعلام الحركة الإصلاحية الجزائرية شمالا وجنوبا شرقا وغربا، حيث كانت الفكرة الإصلاحية هما مشتركا، وانشغالا، جامعا، وكانت الأهداف المنشودة موحدة، كما كانت الجزائر تواكب قلب النهضة الإصلاحية في مصر، وترى أنها جزء منها وطرف فيها؛ تنشغل بانشغالاتها وتهتم باهتماماتها، وكانت تستمد الروح والفكرة والمنهج من خطواتها.
يقول الدكتور محمد ناصر عن علاقات الشيخ بيوض برجال الإصلاح: «وكان قد أحكم الصلات بينه وبين العلماء المصلحين الآخرين في محيط القطر الجزائري
(1) حمو فخار كان حديثا حسنا، مناقب القائد المربي الشيخ بيوض إبراهيم تق: د. محمد ناصر، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1420 هـ / 2000 م، ص 64.
(2) بوحجام: الشيخ بيوض المصلح المربي، ص 27. (1/347)
صفحة 348
316
من
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ البشير الإبراهيمي والطيب العقبي وغيرهم ... وكانت خطته في هذا السبيل واضحة وهي التعاون الجاد لإحياء اللغة العربية لغة القرآن وتربية الناشئة الجزائرية تربية إسلامية صحيحة والوقوف صفا واحدا أمام مخططات الاستعمار الفرنسي الرامية إلى تفريق الشعب الجزائري على أساس المذهبية أو الطائفية أو الجهوية» (1).
اقتنعت الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب أن جهودها تصب في النهضة الإسلامية الشاملة. كما اقتنعت أن نجاحها في إقامة المجتمع الإسلامي الأصيل والمعاصر في هذه البقعة النائية من الجزائر هو بناء لبنة في صرح العالم الإسلامي ورسم صورة للاقتفاء والاقتداء، ووضع ثقة في نفوس المسلمين بكونهم قادرين على تحدي الأوضاع المحيطة بهم، وإقامة المجتمع الإسلامي المنشود على أسس العلم والخلق والوعي.
هذه هي الأهداف التي خططت لها قيادة الحركة الإصلاحية لبلوغها وتحقيقها في الميدان عن طريق الأطر والآليات والمشاريع التي اختارتها لتجسيد العملية الإصلاحية.
ففيم تتمثل الركائز الفكرية التي اعتمدت عليها لتحقيق هذه الأهداف؟
(1) ناصر الشيخ بيوض مصلحا وزعيما، ص 19. (1/348)
صفحة 349
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
عبر
المبحث الثالث:
الركائز الفكرية للإصلاح
317
إن مشيئة الله تعالى اقتضت أن تفطر هذا الإنسان على العيش مع بني مع بني جلدته، كما أنه ليس بوسعه أن يترك آثارا تذكر، أو أعمالا تشكر بعيدا عنهم أو بمنأى منهم؛ هذا ما عالم الاجتماع ابن خلدون) بقوله: «الإنسان اجتماعي بطبعه كما خبر عنه المفكر الجزائري مالك بن نبي بأن الإنسان في حاجة إلى أن يؤسس شبكة من العلاقات الاجتماعية ينسجها مع بني جلدته، ويتفاعل معهم إيجابا وسلبا، بذلك يستطيع أن ينشئ مجتمعا وحضارة ويكون أعرافا وقيما، ويرسم أهدافا يعيش لتحقيقها ويعمل على تجسيدها (2).
لا شك أن وراء قيام الحضارات الإنسانية وحياة الأمم أفكارا ومعتقدات
وأسسا فكرية، تتحول إلى مشاريع وأعمال بتفاعلها مع الحياة. نحاول في هذا المبحث أن نكشف عن الركائز الفكرية التي قامت عليها النهضة الإصلاحية المعاصرة عند إباضية الجزائر في وادي ميزاب
من خلال تأملنا في مسيرة الحركة الإصلاحية، والوقوف على فكرها وتحليل خطابها الدعوي، نستطيع أن نخلص أنها اعتمدت لإحداث نهضتها أربع ركائز
فكرية متمثلة فيما يلي:
- ركيزة التربية.
(1) عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون 32 - 808 = 1332 - 1406 م) فيلسوف ومؤرخ وعالم اجتماع ورحالة، أصله من إشبيلية، ومولده ومنشؤه بتونس. رحل إلى فاس وغرناطة وتلمسان والأندلس والقاهرة. اشتهر بكتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبرير، في سبع مجلدات أولها المقدمة، وهي تعد من أصول علم الاجتماع الزركلي: الأعلام، ج 3، ص 330.
(2) مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ط 3، دار الفكر الجزائر، 1986 م، ص 20 - 29. (1/349)
صفحة 350
318
- ركيزة التعليم.
- ركيزة الوعظ.
- ركيزة التوعية.
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
فما مفهوم كل منها، وما دورها في إحداث النهضة، وكيف تم تجسيدها في
؟ المجتمع؟
1 - ركيزة التربية
تعني ركيزة التربية في فلسفة المدرسة الإصلاحية ذلك الجهد الذي يبذله العلماء والدعاة والمصلحون في سبيل ضبط سلوك الأفراد وفق الشريعة الإسلامية في عقيدتها وأخلاقها ونظمها وأحكامها، ثم توجيه هذا السلوك لخدمة الصالح العام، والتفاعل الإيجابي مع قضايا المجتمع بحمل همومه وانشغالاته والإسهام في خدمته وإصلاحه).
يقول الدكتور محمد ناصر عن فكر الشيخ أبي اليقظان التربوي الذي جسده في نظام البعثة التونسية للطلبة التي كان يشرف عليها كان الشيخ أبو اليقظان يؤمن أن التربية الإسلامية العظيمة هي التربية الكاملة الرشيدة التي تعنى بكل نواحي الإنسان، مراعية فيه جوانب النمو عنده عقله وجسمه وروحه حياته المادية والمعنوية، وكان المنهج الذي سار على هديه في هذا المجال يعتمد النظرية والتطبيق معا، فإلى جانب ما كان يغرس في نفوس التلاميذ من ترسيخ العقيدة الإسلامية، والتمسك بتعاليم الإسلام سلوكا وعبادات كان برنامجهم يحتوي على وسائل عملية لذلك، مثل: الصلاة جماعة مذاكرة القرآن أفرادا وجماعات، والاعتماد على النفس في القيام بشؤون البيت طبخا وتنظيفا وغير ذلك» (2).
(1) زغينة: الشيخ أبو اليقظان ونثره، ص 157 - 160. دبوز نهضة الجزائر، ج 3، ص 119 - 177. (2) محمد ناصر مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، ع 1، 1998، ص 74 - 75. (1/350)
صفحة 351
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
319
ويقول الشيخ محمد سعيد كعباش عن فكر الشيخ بيوض التربوي: «فهو لا يرى لنجاح المنظومة التربوية إلا أن تعتمد على التربية الدينية المنبنية على أخلاق القرآن هديا وسلوكا، والمرتكزة على القدوة الصالحة في شخصية المربي والمعلم". ينبغي أن تشمل هذه التربية كل شرائح المجتمع رجالا ونساء، صغارا وكبارا،
نخبة وعامة.
فقه أعلام الإصلاح أن الإنسان ما دام حيا يرزق فهو بحاجة إلى تربية وتوجيه. وتقويم للسلوك والأفعال، فهي تبتدئ مع الإنسان منذ الميلاد وتبقى ملازمة له إلى الوفاة، وهي تسعى للعناية بالفرد وإقامة سلوكه على نهج الله تعالى، بالاقتفاء بنهج المصطفى عليه الصلاة والسلام، وعملا بقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول الله إسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر. وقوله تعالى أيضا: قل ان كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبَبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). كما تعمل هذه التربية على تقويم سلوك الفرد في مجالات حياته المختلفة، بداية بحياته الخاصة إلى حياته الأسرية، إلى حياته الاجتماعية والمهنية.
(3)
يقول الدكتور محمد ناصر عن منهج التربية بالقدوة الذي تعول عليه المدارس الحرة في وادي ميزاب: «القائمون على التعليم ... يختارون بعناية فائقة أساسها السلوك الحسن، والتمسك القوي بالدين الإسلامي عقيدة وقولا وعملا، وبذلك تضع المؤسسة أمام التلاميذ النموذج الذي ينبغي الاحتذاء حذوه، والمثل الذي يقتدى به، ومن المعلوم أن من قواعد التربية الإسلامية ما يطلق عليه التربية بالقدوة، كما علمنا القرآن الكريم (4).
(1) بيوض: حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 83. (2) سورة الأحزاب / الآية: 21.
(3) سورة آل عمران / الآية: 31.
(4) ناصر مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، ع 1، 1998، ص 85. (1/351)
صفحة 352
320
أما
عن
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
تجسيد هذه الفلسفة التربوية فيجب أن تتعاون عليها عدة مؤسسات
اجتماعية، لابد أن تحمل الهم نفسه، ولا بد أن يكمل بعضها دور بعض، ولا بد أن يتوحد الهدف ويتضح عندها.
تتمثل هذه المؤسسات في الأسرة والمسجد والمدرسة.
تنطلق التربية من الأسرة بواسطة الوالدين اللذين يعملان ما بوسعهما لينشئا أبناءهما على السلوك القويم والاستقامة، ويتعاون معهما أفراد العائلة الواسعة من الجدود والأعمام والأخوال والإخوة والأخوات خاصة في حال غياب أحد الوالدين بموت أو سفر.
تنال
فكثيرا ما شهدت الأسرة في وادي ميزاب غياب الوالد بسبب الاغتراب للعمل لمدة طويلة تقدر بعدة شهور متتالية، فنجد المجتمع يحرص على تعويض دوره بدور أحد أفراد العائلة من الأعمام أو الأخوال فينشأ الأبناء وقد نالوا قسطهم من التربية والمراقبة والتوجيه من هذا الولي. تأتي بعد ذلك المؤسسة الاجتماعية الثانية المكملة للدور التربوي للأسرة المتمثلة في المدرسة القرآنية العربية، التي سعى أعلام الحركة الإصلاحية لفتح فروع لها في كل أرجاء وادي ميزاب وعملوا على التحاق كل أبنائهم بها، حتى الأجيال نصيبها من التكوين والتربية والتعليم العربي الإسلامي. عمدة هذه المدارس معلمون حازمون صارمون في مجال التربية وتقويم الأخلاق واستقامة السلوك، لا يتساهلون مع ذلك وتضع الأسرة والمجتمع كل ثقتهم في المعلم، وتعتبر ابنها بين يديه أمانة ليقوم بدور المربي الناصح الأمين. فتجد هذا المعلم يتعامل مع تلاميذه معاملة الأب مع أبنائه في المراقبة المستمرة لأخلاقهم وتصرفاتهم، كما تجده في اتصال وثيق مستمر مع أسر تلاميذه وأوليائهم. يقول الدكتور محمد ناصر بوحجام عن دور المعلم في التربية: «إن شخصية المعلم تقوم بدور أساسي في عملية التوصيل والتعليم فهي تؤثر تأثيرا قويا في
(1) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 62 (1/352)
صفحة 353
321
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح نفسية المتعلم إيجابا وسلبا، ونعني بالشخصية هذه المميزات التي يتمتع بها المدرس في الناحية الخلقية والتكوين العلمي والكفاية التربوية، فنجاح المعلم يتحقق له بقدر ما يتوفر له من هذه الجوانب الثلاثة). تأتي بعد ذلك المؤسسة الاجتماعية الثالثة المتمثلة في المسجد، التي يتمثل دورها التربوي في ذلك الخطاب الدعوي المتواصل على مدار أيام السنة حول مواضيع التربية والتوجيه والاستقامة، وعرض سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وسيرة صحابته الكرام، وسيرة الصالحين، وإسقاطها على الواقع، ودعوة الناس للاقتداء والاقتفاء، وتحمل مسؤولياتهم التربوية.
ما فتئ المسجد في وادي ميزاب يصدح بدروس الأخلاق، ويدعو إلى الالتزام بقيم الإسلام، ويحارب مظاهر الانحراف، ويشنع على الفساد، ويلاحق المفسدين، ويحبب للناس الفضائل والمكارم (2).
دفع هذا الخطاب الدعوي المتواصل إلى أن يخرج من جنبات المساجد وينتقل إلى الشارع، ويخرج من قناعات المشايخ ليصل إلى قناعات الناس، فيتولد في المجتمع عموما ما يعرف بالرقيب الاجتماعي.
فترى كل فرد يشعر بمسؤولية الحفاظ على طهر المجتمع واستقامة أفراده وسلامته من المفاسد والانحرافات الخلقية، ويشعر في مقابل ذلك بمراقبة المجتمع لتصرفاته وسلوكاته. وباستطاعة المجتمع مساءلته ومحاسبته في أي لحظة ومن أي كان، وبالإمكان معاقبته اجتماعيا إذا استلزم الأمر ذلك.
هكذا أصبح الأفراد منصاعين ملتزمين بالأخلاق العامة، مرتدعين من المجاهرة بالمعاصي وبالأفعال المخالفة للأعراف والآداب والأصول التربوية. كما
(1) محمد ناصر بوحجام مقال بعنوان: المعلم الكفء يحل كثيرا من مشاكل التعليم، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، ع 1، 1998، ص 88. (2) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي، جمع وإعداد: محمد ناصر بوحجام، دت، ص 27 - 82. محمد ناصر حلقة العزابة، ص 17 - 23
23 (1/353)
صفحة 354
322
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
أن هذا الخطاب الدعوي الصارم ولد لدى الأفراد الرقيب الداخلي، والضمير الحي الذي ينأى على الإنسان أن يقترف ما يغضب الله تعالى أو يخالف أصول المجتمع وأعرافه.
إذن وفق هذا المنهج تجسدت الفلسفة التربوية لدى الحركة الإصلاحية، حيث تضافرت مؤسسة الأسرة والمدرسة والمسجد والشارع، مشكلة فيما بينها شبكة وطيدة مترابطة من العلاقات الاجتماعية للقيام بالدور التربوي وتحقيق هدفه المتمثل في استقامة الفرد على الأخلاق والقيم الإسلامية، وإخضاعه للنهضة الإصلاحية وتعاونه معها لبناء المجتمع ونهضته.
2 - ركيزة التعليم:
تعني ركيزة التعليم في فلسفة المدرسة الإصلاحية تثقيف المجتمع وإشاعة العلم والمعرفة في شرائحه بما يمكن أفراده من إدراك واجباتهم الشرعية، ومسؤولياتهم
الدنيوية، حتى يسهموا في بناء المجتمع القوي الصالح بدينه وعلمه وعمله). يقول الشيخ عدون شريفي عن الغاية من التعليم: « ... تكوين الملكات العلمية في مختلف الفنون وتثقيف العقل، وتنوير الذهن وتربية النفس تربية صحيحة وإعدادها لتحمل قسط من عبء الإصلاح الديني والملي والوطني، فإن الدين والملة والوطن تطلب منا رجالا أكفاء للعزابة والقضاء والعدالة والوكالة والنيابة والإفتاء والتدريس والكتابة والخطابة والشعر ونحو ذلك من الأعمال الجليلة والمشاريع العظيمة والإصلاحات العامة» (2).
لقد كانت رسالة النهضة الإصلاحية منذ الوهلة الأولى في مهدها وخلال مسيرتها مع كل مشايخها السابقين رسالة تربوية تعليمية بالدرجة الأولى، رغم كل
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 52 - 87 بوحجام: الشيخ بيوض المصلح المربي، ص 3631. دبوز نهضة الجزائر، ج 3، ص 119 - 177. ناصر: حلقة العزابة، ص 31 - 36.
(2) شريفي: المرجع نفسه، ص 57 - 58. (1/354)
صفحة 355
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
323
الظروف التي أحاطت بالفكرة الإصلاحية، وكل تقلبات العصور التي مرت بها في وادي ميزاب من فتن وفاقة وجدب واستعمار وانعزال.
رغم كل ذلك فإن التعليم في أبسط صوره لم يشهد انقطاعا أو توقفا مطلقا، ولم يدخر المشايخ والعلماء جهدا ولا وقتا في الحفاظ على قبس العلم ونوره، والعمل على إشاعته بين الناس، ولقد بقي العلم في وادي ميزاب شيئا مقدسا محترما عزيزا، ينظر إليه بكثير من التقدير والوقار، رغم ما أصاب أهله بين الحين والآخر من تهميش أو تضييق أو إبعاد.
تلقى رجال الإصلاح أمانة التعليم في وادي ميزاب من مشايخهم ووجدوها تركة ثقيلة صعبة، فرغم كل الجهود المبذولة فلا يزال شطر كبير من المجتمع أميا، ولا تزال المرأة أمية في الغالب ومحرومة من حقها في التعليم. ولا يزال حال التعليم تقليديا متعلقا أساسا بعلوم الدين من عقيدة وفقه وتفسير وعلوم اللغة من نحو و صرف وبلاغة في أحسن الأحوال، خاليا من أي تطوير أو تجديد أو مواكبة للعصر في مناهجه وفي علومه الحياتية.
حمل رجال الإصلاح لواء التعليم من جديد وأفرغوا جهودهم وأموالهم وأوقاتهم في سبيل تطويره وتوسيع رقعته ورفع شأنه لدى الناس، وكان هدفهم يتمثل في الوصول إلى محو الأمية نهائيا من المجتمع، وفي تلقي كل أفراد المجتمع نصيبهم من العلوم الشرعية بما يسمح لهم بمعرفة ما لا يسج جهله من الدين؛ من الفرائض والواجبات والحقوق وحدود الله تعالى والأوامر والنواهي. ومحاربة الجهل في الدين نهائيا.
أما النصيب الثاني فيتمثل في إشاعة الثقافة ونشر المعرفة المتعلقة بعلوم الحياة المختلفة، التي تمكن الأفراد من الأعمال والمسؤوليات والوظائف والحرف على ضوء ما توصلت إليه العلوم العصرية).
(1) زكية منزل غرابة: الفكر الإصلاحي عند الشيخ أبي اليقظان، رسالة ماجستير، قسم التاريخ، جامعة
= (1/355)
صفحة 356
324
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
لقد كان هذا الجانب الثاني منقطعا في وادي ميزاب بصورة شبه كلية لأسباب اجتماعية وفكرية عديدة، فنشطت الحركة الإصلاحية في توفيره للناس وللأجيال الصاعدة خصوصا لأنها أدركت أن مسايرة العصر وعيش قضاياه وتحمل مسؤولياته لا يتأتى إلا بتزويد الأجيال بهذه المعارف الضرورية، كما أدركت أن التمكين لنهضة الأمة لا بد له من الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية.
يقول الشيخ أبو إسحاق مبينا ضرورة عناية الأمة بعلوم العصر والحياة ومغبة التقاعس في ذلك: «لا أخال مسلما على وجه البسيطة يستخف بفن من الفنون سواء أكان من الفنون الدينية أم الحيوية ... هلكت الأمة الإسلامية بترك سنة الله في
الكون وإهمال البحث عن واجب الحياة وموجب الفلاح).
كما شكلت هذه الفلسفة التعليمية وهذه النظرة إلى دور علوم العصر في النهضة والعمل على تزويد الأمة بها منعطفا جديدا في وادي ميزاب، وخاصية مميزة للحركة الإصلاحية عن الفكر السائد من قبل الذي كان يرى خلاف ذلك، بنظرته إلى هذه العلوم بعين الازدراء وتحاملهم على من يتعلمها، وإنكارهم على من يدعو إلى إدخالها في المدارس أو المعاهد، بكونها من علوم الكفار والمشركين التي تهدد الدين والمذهب والسير، وشخصية المسلم.
هذا ما جعل من قادة الإصلاح يدخلون في صراع فكري وسجال كلامي وتراشق صحفي مع قادة هذا التيار حول جدوى هذه العلوم وأهميتها للمجتمع، وحكمها الشرعي، وأثرها الإيجابي أو السلبي على الأفراد في عقيدتهم وسلوكهم.
=
قسنطينة، ص 63 - 124
(1) اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص 36 - 37.
(2) للاطلاع على فصول من هذا الكلام وألوان من هذه الأحكام يراجع كتاب: عمر لعلي: البراهين
:
القاصفة المتبعي الفلاسفة المؤلف نفسه إماطة اللثام عن بعض اللثام. (1/356)
صفحة 357
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
325
يقول الشيخ أبو اليقظان مخاطبا أحد رموز هذا التيار مبينا أهمية هذه العلوم وخطر افتقادها على الأمة: «بتلك العلوم الدنيوية استولت أوربا عليك وعلى بلادك، استيلاء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وصيرتك عبدا مأسورا مسلوب الحرية، هذه الحرية التي هي أنفس شيء خلقه الله لك، وقيدت أرجلك عن السير، ويديك عن العمل ولسانك عن النطق، بل دخلت في دماغك فحجرت عليك التفكير، وفي قلبك فنزعت منه الصدق والإخلاص والغيرة، وفي نفسك فأزاحت منها العزة والنخوة حتى صيرتك ... كأنك تتكلم عن لسانها وتعرب عن رغائبها ضد نفسك وأمتك ودينك ووطنك وأنت مع هذا تحسب أنك تحسن صنعا).
كان عمدة الحركة الإصلاحية لتجسيد هذه الفلسفة التعليمية هو تأسيس وفتح المدارس والمحاضر والمعاهد والنوادي وحلقات العلم، لتكوين أجيال المجتمع والتدرج معها في مراتب التحصيل العلمي، وتوسيع معارفها بإرسال بعثات علمية إلى البلدان الإسلامية المجاورة، وبرعاية الكفاءات العلمية بعد إكمال تكوينها بفتح فرص التعليم والدعوة والخطابة أمامها (2).
كما تجسدت هذه الفلسفة بتحويل منبر المسجد إلى أداة لنشر العلم وتثقيف شرائح المجتمع ممن فاتته فرصة التعليم أو لم تسمح ظروفه للجلوس في مقاعد الدراسة، بتناول منبر المسجد مختلف المواضيع والقضايا وهموم الناس، وشرح أمهات الكتب في مختلف فنون العلم الشرعي من حديث وفقه وتفسير. وكذا بفتح حلقات العلم في المسجد لكل من يريد أن يتزود أو يستفيد من عموم الناس، في أطراف اليوم، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
بذلك أصبحت المساجد في وادي ميزاب في عهد الحركة الإصلاحية جامعات شعبية مفتوحة أبوابها للتكوين والتحصيل وإشاعة الثقافة والمعرفة بين الناس (3).
(1) أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص 14 - 15.
(2) دبوز: نهضة الجزائر، ج 3، ص 119 - 177.
(3) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 135 - 138. (1/357)
صفحة 358
326
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
وفي جانب تعليم المرأة شهدت الحركة الإصلاحية التفاتة لهذا الموضوع، ولو كانت محتشمة وبطيئة وتدريجية، حيث فتحت أقساما خاصة لها، لمحو الأمية عنها، ثم. تدرجت في تزويدها بجملة من العلوم الشرعية والعربية التي تمكنها من إدراك مسؤولياتها وإعدادها لتحمل مهامها الفطرية زوجة وأما وربة بيت.
إلا أننا نسجل على المدرسة الإصلاحية تأخرها في دفع مسيرة التعليم الأنثوي، مقارنة بجهودها وحركيتها وحماسها في دفع وتطوير التعليم الذكوري، كما نعتبر أن ذلك مما أخفقت فيه المدرسة الإصلاحية، لاعتبارات فكرية واجتماعية عديدة، رغم أن الجيل الثاني والثالث منها حاول استدراك ذلك فيما بعد، وسنأتي لعرض هذا الموضوع وتفصيله في مباحث قادمة.
هكذا يتضح ويتجلى كيف أن فلسفة المدرسة الإصلاحية رأت في التعليم ركيزة متينة ومحركا قويا لدفع مسيرة الإصلاح خطوات إلى الأمام، وإحداث النهضة الشاملة.
3 - ركيزة الوعظ:
ركيزة الوعظ في فلسفة المدرسة الإصلاحية لا تختلف عن المعنى الاصطلاحي العام للكلمة، وإنما تتميز بكيفية تجسيدها في المجتمع، فهي تعني عندها التذكير المستمر غير المنقطع للناس بواجباتهم الدينية، وترغيبهم في فعل الخيرات والاستقامة لنيل الثواب والرضوان والجنات، وتحذيرهم من فعل المنكرات والانحراف عن الصراط، مخافة الهلاك الأخروي والعذاب والنيران وغضب الرحمن. عملا بالآية الكريمة في قول الله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِن الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (). وتجسيدا لتهج النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي ربى صحابته وأقامهم على الحق بأسلوب الترغيب والترهيب، والخوف والرجاء.
(1) سورة الذاريات / الآية: 55. (1/358)
صفحة 359
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
327
كما يعني الوعظ كذلك التذكير المستمر للأفراد بالعلاقة الوطيدة والربط المحكم بين جانب العقيدة القلبية الإيمانية والقرآن الكريم والسنة النبوية كنصوص تحفظ وتتلى، وجانب العمل والالتزام بالأخلاق والفرائض والتشريعات والنظم والآداب المستمدة من الشريعة الإسلامية.
يقول الدكتور محمد ناصر عن أثر دروس الوعظ التي كان يلقيها الشيخ بيوض في النفوس والعقول: كانت تفعل فيهم فعل السحر، إليها يرجع الفضل في توحيد صفوف الأمة وتحسيسها بقيمة دينها الإسلامي ولغتها العربية لغة القرآن الكريم، وإليها يرجع الفضل في القضاء على البدع والخرافات التي ترسبت في أذهان الناس من عهود الانحطاط الفكري والمقاومة لكل مظاهر الانحراف والانحلال الخلقي التي تفشت مع طغيان المدنية الغربية» (2).
ويقول الأستاذ محمد علي دبوز ... دروس المسجد يجب أن تتعرض لأمراض المجتمع، مساوئ الأخلاق، فتشدد عليها النكير، وتشرحها، فتبين أضرارها للفرد والجماعة. إن الدروس من هذا النوع تصغي إليه العامة خاشعة متأثرة، منتشية بتحليل الشيخ الفلسفي للأخلاق، وتشريحه لأمراض المجتمع، وبيان الدواء (3).
يوضع الإنسان وفق هذا الخطاب في موضع الفعالية الحضارية الإيجابية، بحيث تتحرك هممه وجوارحه نحو فعل الخيرات والمبرات وترك المنكرات والمفسدات. إن هذا المفهوم هو الذي يذهب إليه المفكر مالك بن نبي في عرضه إشكالية النهضة في الفكر الإسلامي فيرى أن القرآن الكريم والخطاب الدعوي المفهوم منه
(1) محمد الشيخ بالحاج مميزات الإباضية نشأة وتأصيلا، تفريعا وسلوكا، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر 1991 م. ص 80 - 97 دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 197 - 202. سكحال: الشيخ بيوض
ومنهجه في الإصلاح، ص 135 - 138
(2) ناصر حلقة العزابة، ص 22. (3) دبوز المرجع السابق، ج 1، ص 198. (1/359)
صفحة 360
328
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
قد وضع قلب المسلم وعقله بين حدين من أحوال النفس هما الوعد والوعيد، وبينهما يتم تحرك الفعل الإنساني الإيجابي نحو صناعة الحضارة).
كما يعني الوعظ في تطبيقه العملي بيان العلاقة المباشرة بين أعمال الفرد الخيرية في شتى مجالات الإصلاح والتعمير من فلاحة وحرف وتجارة وصناعة وأشغال؛ وبين المال الذي ينتظر الإنسان من عرض الصحائف والمجازاة بالثواب والنعيم. وفي مقابل ذلك بيان العلاقة الوطيدة في حال التقصير والتضييع وعدم القيام بالواجبات في المجال الأسري والعائلي والاجتماعي وتضييع الحقوق الإلهية والبشرية بنيل العقاب والعذاب والجحيم.
هذا ما نمى لدى الفرد - مع مرور الوقت ومع الإنصات المتواصل لهذا الخطاب الوعظي -الدعوي ذلك الدافع العقدي وذلك الرقيب الإيماني الداخلي الذي يحاسبه على كل ما يصدر منه من أقوال وأفعال، ويدفع به للقيام بواجباته أحسن قيام، ويجد في نفسه الاستعداد والقدرة على البذل والتضحية لأجل نصرة خط الإصلاح وإنجاز مشاريعه وحمل أعبائه مع مشايخه وعلمائه.
لقد أصبح المسجد في عهد النهضة الإصلاحية يدوي بفلسفة الإصلاح وأفكارها ويدعو إلى الاستقامة والعلم والعمل في سائر أيام السنة وفي ساعات عديدة من اليوم وفي أوقات متعددة منه. من بعد صلاة الفجر وحين الظهيرة وبين المغرب والعشاء، ومن بعد صلاة العشاء. كما أن هذه الدروس التي تحمل في طياتها أسلوب الترغيب والترهيب تستمر أحيانا لعدة ساعات، والناس كلهم منصتون مصغون متأثرون بمضامينها، ثم ينطلقون بعدها إلى التطبيق والتنفيذ (3).
(1) مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ص.27 قاسم الشيخ بالحاج نظرية الحضارة عند المفكر مالك بن نبي منشروات التبيين، الجاحظية، 1998 م، ص 24 - 31.
(2) محمد الشيخ بالحاج مميزات الإباضية نشأة وتأصيلا، تفريعا وسلوكا، ص 80 - 97. (3) بيوض المجتمع المسجدي ص 27 - 82. سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 135 - 138. (1/360)
صفحة 361
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
329
أصبحت هذه الدروس الوعظية بفعل فلسفة الإصلاح تعدى قبة المسجد لتنزل إلى المجتمع في مؤسساته، فيتردد صداها في الأسرة عن طريق الأب الذي يعيد على مسامع زوجته وأبنائه ما فقهه من مواعظ وإرشادات، ويقوم أخلاقهم وأفعالهم على ما سمع وأدرك. وليتردد صداها في الشارع في تجمعات الناس ومحادثاتهم في نواديهم، فتتحول إلى عقد اجتماعي عام يحكم تصرفات الناس في الطرقات والمنتديات والساحات، ويحارب المجاهرة بالمفاسد والمنكرات، ويعمل على: إشاعة الخيرات والمبرات.
بواسطة هذا المنهج الوعظي والخطاب الدعوي استطاعت فلسفة الحركة الإصلاحية أن تجعل الفرد بوادي ميزاب في وضعية اجتماعية وحالة نفسانية يكون فيها مدفوعا إلى الاستقامة والالتزام بالنظام الإسلامي العملي المعاصر، ومستجيبا لمشروع الإصلاح ومتفاعلا معه في أفكاره وأعماله، ومبتعدا عن السلبية والأنانية، ومتخليا عن الانحراف والضلال في الغالب العام.
هي
هكذا نرى كيف أن الفلسفة الإصلاحية قامت على ركيزة ثالثة الوعظ لتحقيق أهدافها في النهضة والإصلاح والتغيير نحو المجتمع الإسلامي
الأصيل المعاصر.
4 - ركيزة التوعية:
تعني ركيزة التوعية في فلسفة المدرسة الإصلاحية إنارة الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الفرد في حياته بتوضيح رسالته في الوجود كما أرادها الله تعالى، وواجبه في عمارة الأرض باستقامته بصالح أفعاله، وبيان دوره الاجتماعي تجاه أسرته ومجتمعه ووطنه والإسلام عموما. كما تعني التوعية بالنسبة للمجتمع القيادة الرشيدة له بتوجيه جهوده نحو البناء والعمارة وتكوين الفرد وإنشاء المجتمع الصالح المعاصر).
(1)
(1) بيوض حديث الشيخ الإمام حلقة 1، ص 47. بكلي، مسيرة الإصلاح، ص 22 - 27 سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 135 - 138. دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 197 - 202. (1/361)
صفحة 362
330
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
يوضح الأستاذ نور الدين سكحال رؤية الشيخ بيوض لدور المسجد ومنبره في نشر التوعية بقوله: «لقد حاول الشيخ بيوض من خلال دروسه المسجدية أن يستغل هذا الإطار أحسن استغلال ... نجد أغلب هذه الدروس عبارة عن توجيهات الهدف منها الانتقال بالإنسان من حالة الفرد الذي لا يعيش إلا لذاته وحالة الشخص الذي يدرك أن له وسطا اجتماعيا ينبغي أن راعيه في كل سلوكاته.
لقد اهتم الشيخ بيوض في دروسه بالأسرة لأنها الركيزة الأولى في البناء الاجتماعي، بصلاحها وتماسكها يصلح المجتمع وتقوى شبكة علاقاته الاجتماعية ... وفي دائرة أوسع من الأسرة تحدث عن دور الأفراد في المحافظة على المجتمع، موضحا التأثير المتبادل بين الفرد والمجتمع» (1). لقد كان نصيب هذه الركيزة من أعمال وجهود أعلام الحركة الإصلاحية وافرا وواسعا للظروف العامة التي مر بها المجتمع في وادي ميزاب ولا يزال وبوجوده في هذه البقعة الصحراوية الجدباء المنعزلة. فكان بحاجة إلى أن يستفيق جيدا ويدرك رسالته في الوجود، ويدخل في معترك الحياة، ويؤدي واجباته الدينية. والدنيوية، ويندفع نحو العمل والعلم والنشاط، ويتخلى عما به من قصور في الفكر والإدراك، وعما به من نقص في العلم والمعرفة وما به من غفلة وسذاجة، وعما به من ركون، وركود وعما به من انعزال وانزواء. لقد اقتنع رجال الحركة الإصلاحية أن المجتمع بحاجة إلى توعية وتوجيه كما هو بحاجة إلى وعظ وإرشاد وتعليم وتربية، كما اقتنعوا أن عملية الإصلاح لا يمكن أن تسير بخطى ثابتة ما لم يوع المجتمع ويوجه ويفهم ما له وما عليه في هذه الحياة، وما لم يتشرب الفكر الإصلاحي ويقتنع بفلسفته في مجالات الحياة المختلفة، كما رأت كذلك أن تجنيد المجتمع ليشارك في العملية الإصلاحية ويتبناها ويدافع عنها يستلزم انتهاج خطاب توعوي تنويري معاصر.
(1) سكحال المرجع نفسه، ص 135 (1/362)
صفحة 363
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
331
كان لابد للحركة الإصلاحية أن تحارب فكر الجمود والتقليد والنظرة الضيقة الساذجة إلى شؤون الحياة وأن تجابهه بفكر متفتح في قالب خطابي معاصر ينظر إلى الأمور بنظرة فاحصة عميقة نابعة من المقاصد الشرعية والمصالح المرسلة للأفراد والمجتمع. وأن تصب ذلك وتبلغه للمجتمع في دروس التوعية المتكررة والمستمرة حتى يفهم ويقتنع ويتحول من الفكر القديم إلى الفكر الجديد.
لتجسيد هذه الركيزة الفكرية الرابعة عمل رجال الإصلاح على توظيف مختلف قنوات المجتمع لرفع الجمود والانزواء والأفكار الخاطئة وتوجيهه وتوعيته وتصحيح مفاهيمه حول الدين والحياة.
كانت منابر المساجد تصدح بالدروس التي توجه الناس وتعلمهم وتفهمهم واجباتهم ومسؤولياتهم وترفع عنهم غشاوة الجهل والانغلاق، وتصحح مفاهيمهم وتحارب الأباطيل والخرافات والتفاهات وتفتح عقولهم على حقيقة الدنيا ورسالة
المسلم فيها، وتدفع بهم إلى صالح الأعمال ونافع الفعال.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي عن دور المسجد في القيام بواجب التوعية والتوجيه: ترقية الوعظ والإرشاد في المساجد، وإيقاظ الوازع الديني في النفوس ضرورة لإصلاح المجتمع، لأن المساجد قلب الأمة الذي يوزع عليها دماء الحياة، ويشيع في جسمها حرارة الغيرة والوطنية، وتربط صلة العبد بربه، حسن سمت المرء أساس سعادته» (1).
كما نزل رجال الإصلاح إلى ساحة المجتمع في السوق والشارع والحقل والعرس والمأتم ليكلموا الناس عن دورهم وواجباتهم في الحياة، ويوجهوهم ويوعوهم وينيروا عقولهم بالأفكار الحية الفاعلة، ويحاربوا فيهم الأفكار الميتة البالية.
يرسم الشيخ عبد الرحمن بكلي فلسفة الإصلاح للعيش في الحياة بقوله: الزهد في الدنيا إنما هو في اجتناب المنهيات وتجافي المحرمات، أما خوض غمار
(1) بكلي، مسيرة الإصلاح، ص 23 (1/363)
صفحة 364
332
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
الحياة في دائرة الشرع، والاكتساب من الطرق الشرعية، وتأثل المال إلى ما لا حد له،
فلا حرج فيه ما لم تمنع حقوقه، سيما إذا كان حسن النية في طلبه).
كما ولى رجال الإصلاح جهودهم نحو الناشئة والأجيال فنشروا التوعية فيهم من خلال تطوير البرامج والمقررات الدراسية والمناهج التربوية والأنشطة الثقافية. التي تتعاون جميعا على بناء شخصية الفرد المسلم وتكوين عقله بما يمكنهم في فهم رسالته في الوجود والقيام بها كما ينبغي ويلزم.
يشرح الشيخ عبد الرحمن بكلي فلسفة الإصلاح في قيامها بهذا الدور بقوله: «تثقيف النشء وتنشئته على العلم والفضيلة واجب، لأنهم خلفاؤنا بعدنا، يتممون ما شرعنا، ويعلون ما أسسنا، بل هم ودائع بأيدينا وأمانات، ولا إيمان لمن لا أمانة
بإتباع هذا المنهج استطاع قادة الإصلاح أن يقنعوا العقول والنفوس بأفكارهم، وأن يخرجوها مما كانت فيه من جهالة واستكانة وانعزال وأن يصححوا مفاهيمها ويرتبوا أولوياتهم ويوضحوا رؤيتها ويرفعوا الغشاوة عن أذهانها، فغدت العقول تسمع وتفهم وتقتنع لتتجند للعمل تحت قيادة الإصلاح ترفع رايتها وتدافع وتنافح عن أفكار قادتها، وتنصر خطهم، وتحارب من يقف في طريقهم، وتبذل بسخاء لتحقيق أهدافهم وإنجاز مشاريعهم.
إن هذه الركائز الأربع المتمثلة في التعليم والتربية والوعظ والتوعية يمكن لنا أن نعتبرها الأرجل التي قامت عليها النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر في وادي ميزاب، وأن عمق الفلسفة الإصلاحية تكمن في خدمة ونصرة هذه الركائز والعمل بكل إخلاص وتفان دون ملل أو كلل لأجل تكريسها في المجتمع وإقناع العقول
والقلوب بها.
(1) المرجع نفسه: ص 23 (2) المرجع نفسه: ص 25 (1/364)
صفحة 365
للبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
333
لذا فقد استمرت خدمة هذه الركائز بغرسها وتمكينها من الأذهان والنفوس حديثا
طوال مسيرة النهضة الإصلاحية، فلم تخل فترة دون أن يشهد المجتمع ويسمع عن التربية والتعليم والوعظ والتوعية.
غدا
نستطيع أن نقول في الأخير إن الحركة الإصلاحية في مسيرتها الطويلة استطاعت أن تنجح وتصل إلى تحقيق أهدافها وإنجاز مشاريعها وتجنيد الجماهير تحت لوائها، واستطاعت أن تحارب أعداءها من المفسدين والجامدين والمستعمرين من خلال وفائها لمبادئها وإخلاصها لنصرة هذه الركائز الفكرية الفلسفية، حتى. المجتمع ورشة إصلاحية شاملة لا يسمع فيها إلا لصوت الدعوة إلى التعليم والتربية والوعظ والتوعية. هذا عن الجانب الفكري الفلسفي للإصلاح، فما هي الأطر والآليات التي وظفت لتجسيد هذه الفلسفة الإصلاحية وتحويلها إلى منجزات على أرض الواقع؟ (1/365)
صفحة 366
[صفحة فارغة] (1/366)
صفحة 367
الفصل الخامين أطر الإصلاح ومؤسساته
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
المبحث الثاني: مؤسسات التربية والتعليم
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
المبحث الخامس: المحافل الاجتماعية
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
المبحث السابع: الصحافة
المبحث الثامن: الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح (1/367)
صفحة 368
[صفحة فارغة] (1/368)
صفحة 369
24
تمهيد
مهيد:
337
إن الفلسفة الإصلاحية في المجال الديني الاجتماعي التي تشربها أعلام الإصلاح من خلال ما تعلموه من علمائهم ومشايخهم، ومن خلال ما عاينوه في الأوساط الإسلامية مشرقا ومغربا، ثم إن الدواعي التي الحت عليهم الإسراع في إحداث حركية اجتماعية شاملة، والأهداف التي رسموها في أذهانهم، وبدت أمامهم بكل جلاء ووضوح وعقدوا الأمل والعزم على تحقيقها، كانت هذه الأمور من شأنها أن تدفعهم بقوة للانتقال من المرحلة الأولى النظرية الفكرية الفلسفية إلى المرحلة الثانية التطبيقية العملية الميدانية، لتجسيد تلك الأفكار واختبار تلك الآراء وبلوغ تلك الأهداف بمشاريع وأعمال ومنجزات يتحول من خلالها الفكر
الإصلاحي إلى واقع محسوس ملموس، يصنع النهضة ويغير وجه الحياة العامة. فما هي هذه الأطر العملية التي اعتمدت عليها الحركة الإصلاحية لتحقيق مشاريعها وآمالها النظرية؟
من خلال تمعننا في هذه النهضة الإصلاحية نستطيع أن نحدد لها أطرا على شكل مؤسسات أو هيئات ونحدد لها وسائل على شكل آليات أو أساليب
للإصلاح والتغيير. كما نستطيع أن نميز بين نوعين من هذه الأطر والوسائل: أطر ووسائل كانت موجودة من قبل فعملت الحركة الإصلاحية على تفعيلها وتوظيفها وتطويرها لتمرير الفكر الإصلاحي وصناعة النهضة من خلالها. أطر ووسائل أحدثتها الحركة الإصلاحية من العدم حيث لم تكن موجودة من قبل، فهي من محدثات الزمن ومن مستجدات العصر وظفتها لخدمة النهضة الإصلاحية.
كما نستطيع أن نسجل التفاوت من حيث الأهمية ومن حيث التوظيف بين
كل هذه الأطر والوسائل. (1/369)
صفحة 370
ففيم يتمثل كل ذلك؟
- مؤسسة المسجد.
- مؤسسات التربية والتعليم.
- الهيئات العرفية.
-
الأطر والمؤسسات الحديثة.
- المحافل الاجتماعية.
- القاعدة الاقتصادية.
- الصحافة.
الجهود والعلاقات الخارجية.
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
338 (1/370)
صفحة 371
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
339
المبحث الأول:
مؤسسة المسجد
يحتل المسجد في الإسلام مكانة مرموقة ومقدسة، فهو محل إقامة أحد أعظم أركان الإسلام الخمس ألا وهو الصلاة، وهو لأجل ذلك بيت الله تعالى في الأرض، يقصده المسلمون للتقرب إلى ربهم والاستغفار لذنوبهم والتزود بالإيمان والتقوى والأجر. يقول الله تعالى: فِي بُيُوت اذنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةَ وَإِيتَاءِ الزَّكَاة يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلْبَ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. كما أن للمسجد في الإسلام أدوارا مهمة أخرى جسدها النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته العطرة، فقد ربي وعلم ونصح وحكم وأفتى وأصلح وعقد الاجتماعات وأبرم المعاهدات وأرسل الجيوش وأعلن الجهاد من المسجد.
أدرك علماء الإسلام من خلال هذه الأفعال النبوية قيمة المسجد كمؤسسة اجتماعية ومكانتها ودورها الريادي في قيادة المجتمع في كل مجالات الحياة. وأن وظيفتها تتعدى مجال العبادة إلى مهام حيوية كثيرة أخرى.
تبنى علماء النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب هذه الفلسفة الإسلامية المسجدية، وحاولوا الامتثال لها وتجسيدها في الميدان فسعوا إلى استرداد مكانة المسجد وهيبته في النفوس والعقول، وعملوا على أن يكون المسجد محور العملية الإصلاحية، بأن تنطلق شرارة العملية الإصلاحية من المسجد صوب كل الاتجاهات في المجتمع، ثم تعود إليه مرة أخرى في نهاية المطاف، كما عملوا على أن يكون المسجد رائدا في تسيير المجتمع وتوجيهه والتحكم فيه، وسعوا إلى
(1) سورة النور / الآية: 36 - 37. (1/371)
صفحة 372
340
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
أن تكون كل الهيئات والمؤسسات الاجتماعية مرتبطة ارتباطا وثيقا ومباشرا بالمسجد، مستمدة منه الفكرة والروح والمنهج ووسيلة العمل، وعملوا على أن يكون المسجد هو المؤسسة الاجتماعية الأولى من حيث الأهمية والتأثير والتحكم في كل شاردة وواردة.
بذلك أضحى المسجد يمثل القلب النابض للمجتمع، يدفع في شرايينه دم الحياة الذي يتحول إلى أعمال وبناء وإصلاح ونهضة. في حقيقة الأمر إن هذه الفلسفة المسجدية، التي جعلت المسجد يتربع على سدة المجتمع لم تكن وليدة الحركة الإصلاحية، بل كانت موجودة لدى إباضية الجزائر منذ فترة زمنية طويلة، ولعلها تعود إلى تاريخ سقوط الدولة الرستمية (1) بتيهرت سنة 296 هـ وما بعدها، وإنشاء نظام العزابة خلال القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي. حيث أصبح المجتمع يحتكم إلى الهيئات العرفية، وعلى رأسها حلقة العزابة، التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمسجد في كل مهامها وصلاحياتها؛ حتى هذا المجتمع بالمجتمع المسجدي. إلا أن ما فعلته الحركة الإصلاحية هو دعم هذا التوجه، وإعادة بعثه من جديد؛ بتفعيل دور المسجد، واسترداد قوة تأثيره وإسماع صوت منبره. الذي نستطيع أن نقول عنه إنه قد ضعف وانكمش والمحسر بسبب تقلبات الأوضاع العامة الداخلية والخارجية التي مر بها إباضية الجزائر في وادي ميزاب خلال هذه الفترة الزمنية والتي قبلها، كما بينا ذلك سابقا.
سمي.
يوضح الشيخ عبد الرحمن بكلي دور المسجد في فلسفة الحركة الإصلاحية بقوله: «المساجد قلب الأمة الذي يوزع عليها دماء الحياة، ويشيع في جسمها حرارة الغيرة والوطنية، وتربط صلة العبد بربه» (2).
(1) يراجع في تاريخ الدولة الرستمية: ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، كله. إبراهيم بجاز: الدولة
الرستمية، كله.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 23. (1/372)
صفحة 373
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
341
ويرى الشيخ بيوض أن المسجد كمؤسسة اجتماعية لا تضاهيها في الأهمية مؤسسة أخرى لما اجتمعت فيها من خصائص ومميزات، فالمسجد مكان تغشاه كل الشرائح الاجتماعية، رجالا ونساء شيبا وشبانا وكهولا. كما أن للمسجد جوا خاصا لا يوجد في غيره، حيث يشيع فيه طهر وروحانية، يضفيان على الكلام روعة وجلالا، فيكون له من الأثر في النفوس، بحيث لا يحصل ذلك الأثر إذا كان الشخص نفسه يلقي الحديث في موضع آخر، وهذا الجو اكتسبه المسجد من جلال الله تعالى وعظمته، فقد أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه (1).
لكل هذه المميزات أضحى المسجد في فكر الشيخ بيوض هو أنسب وأفضل مكان لتبليغ الخطاب الدعوي، والقيام بواجب النصح والتربية والتوجيه للمجتمع. الفلسفة المسجدية لدى الحركة الإصلاحية أن الأداء الأفضل لرسالة المسجد يقوم بالعمل على ربط بقية مؤسسات المجتمع به، وبناء جسور التواصل معها، بل وتقريب مواقع وجودها من المسجد (2).
ومن
أول هذه المؤسسات هي مؤسسات التربية والتعليم؛ من كتاب ومحضرة ومدرسة ومعهد لأجل أن تشهد الأجيال الناشئة هذا الجو المسجدي الطاهر، والدعوة إلى الاستقامة على الأخلاق والفضائل والابتعاد عن المناكر والمحرمات وأن تعاين تلك الحشود من المصلين في ذهابهم وإيابهم إلى المسجد فتتأثر بهم، وتتربى على الاقتداء بهم.
يقول الشيخ بيوض في بيان هذا المعنى: (سبقت لنا بحمد الله دعوات في هذا المجال منذ سنين. وهو ما طبقناه عمليا بعد مجهودات جبارة. فقامت هذه المؤسسة العتيدة لمعهد الحياة إلى جانب المسجد صرخا شامخا للتربية المحمدية ومنارا للإسلام. وتلك هي قناعتنا منذ أن خطونا الخطوات الأولى في الإصلاح الديني
(1) بيوض المجتمع المسجدي، ص 55 - 82. بيوض حديث الشيخ الإمام، ج 1، ص 45.
(2) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح: ص 81 - 86. (1/373)
صفحة 374
342
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
الاجتماعي ... وذلك لما يكون بين المؤسستين من تلازم وتكامل في تحقيق الهدف المنشود من العملية التربوية، وهو تكوين الفرد الصالح الذي يحمل بين جنبيه ضميرا حيا وقلبا سليما» (1).
ثم يوضح الشيخ الفائدة التربوية من وصل المدارس بالمساجد وأثر ذلك في الأجيال بقوله: ولولا ضيق المجال الحيوي حول المساجد واتساع دائرة العمران لأثرنا أن تكون المدارس الابتدائية هي الأخرى قريبة من المسجد. وهل أخطأ أسلافنا عندما أنشؤوا الكتاتيب القرآنية بجوار المساجد قديما؟. كلا إنهم يدركون بحسهم الفطري مدى تأثير القدوة في الولد الصغير، وهو يشاهد جموع المصلين يتطهرون، وكيف يؤدون صلاتهم جماعة، وكيف يستجيبون للنداء وهم يهرعون إلى بيوت الله زرافات ووحدانا» (2).
كما ينبغي كذلك أن ترتبط العشيرة والعائلة والأسرة بالمسجد لتستلهم منه المنهج في التربية والروح في الدعوة والأسلوب في الإصلاح بين أفرادها وفي القيام بواجب التوجيه والنصح لهم.
يصف الدكتور محمد ناصر بوحجام عمل الشيخ بيوض في تجسيد هذه الفكرة بقوله: كان يهتم كثيرا بربط كل المؤسسات التربوية والاجتماعية والثقافية، التي تسهم في تكوين النشء وترقية المجتمع، كان يهتم بربط كل ذلك بالمسجد، ويركز على تمتين الصلة بينها والمسجد في التخطيط والعمل» (3).
ثم تتوسع بعد ذلك العلاقة بين المسجد والمجتمع لتشمل المجال الحيوي للناس في حياتهم المهنية والاقتصادية من خلال الإشراف على تنظيم الأسواق وبيان الأحكام الشرعية للمعاملات المالية والتجارية، ومن خلال توعية جماهير الناس بالعلاقة بين الدين والدنيا وكيف أن صلاح الدنيا بصلاح الدين، وكيف أن الدنيا
(1) بيوض: حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 25. (2) المرجع نفسه: حل 1، ص 26.
(3) بوحجام: الشيخ بيوض المصلح المربي، ص 79. (1/374)
صفحة 375
343
المبحث الأول: مؤسسة المسجد مطية الآخرة، فلا بد من عمارتها بأفعال الخير، ولا بد من السعي لطرق أبواب الرزق، وعدم التواكل أو التكاسل أو التثاقل في القيام بالأعمال كل فيما يسر له؛ بدعوى أن الله متكفل برزق العباد، ثم من خلال توعية الناس بمفهوم هذا المال الذي رزقوا به فهو مال الله تعالى قبل أن يكون مالهم، لذا فعليهم أن يشكروه على ما رزقهم، ويصرفوه في مسالكه الحلال، بعدما جمعوه من طرقه الحلال، فيحثهم الخطاب المسجدي على الإسهام في التبرعات والصدقات وتمويل المشاريع الخيرية من مدارس ومساجد ومعاهد ومن يتولى تسييرها وعمارتها من إداريين وعمال وأساتذة وتلاميذ وطلبة (1).
لقد جسد إباضية الجزائر هذه الفلسفة المسجدية في عمرانهم كذلك وعبروا عنها من خلال تصميم مدنهم وهندسة قراهم، حيث بنوا المسجد في قمة الجبل وفي أعلى نقطة فيه ليتوسط البلدة، ويعلو جميع مبانيها، ثم بنوا بجواره المحاضر والمدارس والمعاهد، وينوا بالقريب منها سوق البلدة، ثم بنوا مساكنهم وشقوا الشوارع والطرق التي تؤدي كلها إلى المسجد الذي يشكل محور البلدة وقلبها النابض
يقول الشيخ إبراهيم القرادي عن مكانة المسجد في عمران وادي ميزاب اختاروا مكانه في أعلى نقطة وأرفع مكان من القرية وهو تعبير صادق ومحسوس عن المكانة المعنوية التي يضعون فيه المسجد من البنية الاجتماعية التي تنظم الحياة في البلدة» (3).
(1) القرادي: دور المسجد في توجيه المجتمع، مقال منشور ضمن كتاب القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 38 - 52.
(2) للاطلاع على الهندسة المعمارية في وادي ميزاب تراجع الكتب الآتية: أحمد أبو العباس الفرسطاني النفوسي: القسمة وأصول الأرضين العمارة والعمران في وادي ميزاب كله كتاب ملتقى الأيام الدينية الخامسة المنعقدة في مصلى العالية الجزائر، في تاريخ 5، 6 ذي الحجة 1410 هـ/ 28، 29 جوان 1990 م. مطبعة تقنية الألوان، الجزائر، دت، كله.
Brahim Benyoucef: Le M`zab Espace Et Société, Imprimerie Aboudaoud, El Harrah,
Alger. p 45 - 165.
(3) القرادي: المرجع السابق، ص 45 (1/375)
صفحة 376
344
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
لا شك أن المغزى من محورية المسجد للبلد هو مساعدة الناس ودفعهم لاتباع المنهج الرباني والاقتداء بالطريق المحمدي في كافة مجالات حياتهم وتوفير الجو الملائم لصلاحهم وحفظهم من الانزلاقات.
يوضح الشيخ بيوض هذه الفكرة بقوله: ليس من واجبنا أن نقود الناس بالسلاسل إلى بيوت الله، ولكن يجب أن نوفر لهم أسباب التعلق بها، فهذا معهد يحتضن طلبة العلم، وتلك كتاتيب يتردد عليها الصغار والعوام صباح مساء، وهناك إلى جانب المصلى صحن فسيح يساعد المصلين على ربط علاقاتهم الاجتماعية، وتنسيق مصالحهم الدنيوية، وفوق ذلك رحاب المسجد العامرة بالذكر والعبادة، مما يكون له الأثر الفعال في طهارة وسلامة القلب» (1).
ومن الفلسفة المسجدية للحركة الإصلاحية الحرص على إبقاء المساجد بعيدة عن التأثيرات الخارجية من الجهات الحاكمة أو صاحبة النفوذ السياسي أو المادي المحافظة على استقلالية خطابها الدعوي، واستقلالية مواقفها وقراراتها مما
وضرورة
يقع من أحداث، ومسؤوليتها في مراقبة المجتمع وتوجيه النصح والموعظة له وتعزير من يخالف أوامر الله تعالى وإجماع المسلمين ومصالحهم العامة التي ارتضوها واتفقوا عليها؛ حتى تصبح المساجد فعلا المرآة العاكسة للمجتمع، المقومة لمساره والمصححة لأخطائه، وحتى يكون باستطاعتها الصدح بكلمة الحق في الوقت المناسب، وعدم السكوت عن الباطل أو الركون إلى الحياد (2).
لقد أجهد علماء الإصلاح أنفسهم كثيرا في سبيل الحفاظ على استقلالية مساجدهم ودفع الضغوطات والولاءات المختلفة عنها، ولم يكن ذلك بالأمر الهين ولا السهل عليهم، حيث كانت الكثير من العوائق في الطريق تنأى عن بقاء هذه المساجد مستقلة، ولعل أهمها طبيعة المجتمع المشكل من العشائر والقبائل، وكذا أجهزة الحكم الاستعماري ورجال نظامها من القياد" والحكام العسكريين الذين
(1) بيوض: حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 27.
(2) بيوض المجتمع المسجدي، ص 8255. (1/376)
صفحة 377
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
345
سعوا كثيرا لخنق صوت المسجد ومحاصرة دوره ورفع يده عن المجتمع، بمتابعة المشايخ والعزابة وملاحقتهم، وإذكاء نار الفتنة بين الأهالي.
مع ذلك ورغم الخروقات العديدة المتكررة لهذه الاستقلالية، إلا أن المسجد في الغالب الأعم حافظ على توازنه وعلى دوره المحوري في المجتمع.
في الحقيقة يعد هذا الأمر مكسبا ثمينا لإباضية الجزائر طوال فترة الاستعمار الفرنسي، حيث كان ذلك ضمن شروط معاهدة الحماية التي أبرمت السلطات الاستعمارية سنة 1269 هـ / 1853 م، فمما نصت عليه عدم التدخل في الشؤون الداخلية للمجتمع الميزابي. التي من بينها تسيير المساجد بإشراف حلقات العزابة التي كانت تتولى تعيين القائمين عليها من مشايخ ووكلاء وأيمة ومؤذنين وغيرها من الوظائف (1).
(2)
لعل هذا الأمر يعد استثناء خاصا للميزابيين على مستوى الجزائر، إذ من المعلوم أن السلطات الاستعمارية أصدرت العديد من القوانين التي صادرت من خلالها الأراضي الوقفية والأملاك التابعة للمساجد والزوايا، كما أصدرت قوانين سمحت لنفسها بموجبها تعيين القائمين على المساجد استمرت هذه الحال طوال الفترة الاستعمارية، إلا أنه بعد استقلال الجزائر طرأت ظروف جديدة تمثلت في تنظيم الدولة لقطاع الشؤون الدينية كغيره من القطاعات، في إطار إرساء قواعد الدولة وفكرة المواطنة، فكان التفكير في إلحاق هذه المساجد بالوزارة الوصية، وجعل موظفيها تابعين لقطاع الوظيف العمومي معينين من السلطات الرسمية. انشغلت قيادات الحركة الإصلاحية بهذا الأمر وتحركت على كل الاتجاهات وبذلت جهودا مضنية لأجل رد هذه المحاولات وإيقاف هذا المنحى السياسي لبعض الأشخاص والجهات في الدولة وفي حزب جبهة التحرير الوطني.
(1) يراجع المبحث الأول من الفصل الأول حول الأوضاع السياسية لإباضية الجزائر، ص 31 - 55. (2) أحمد الخطيب: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر، ص 51. (1/377)
صفحة 378
346
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
يقول الشيخ بيوض مبينا موقفه ورأيه من هذه القضية بما يلي: «والعجب كل العجب من هؤلاء القوم ... حين يريدون من هذه المهام الدينية التي يتقرب بها إلى الله أن تصبح وظائف إدارية يتقاضى عليها أصحابها أجرا قل أو كثر؟ ... ولذلك اتفقنا في مجلس عمي سعيد أن نرفض الرفض البات القطعي كل محاولة لإدماج مهام المسجد في الوظيف العمومي، واستغنينا عن كل مساعدة تقدم إلينا من مصلحة ما حفظا لقداسة بيوت الله أن يعبث بها العابثون، أو تكون غرضا لخدمة مصالح أو أشخاص أو جهات معينة» (1).
عمي
(2)
كلل الله تعالى جهود علماء الإصلاح وأعيانهم بالنجاح في إقناع السلطات الجزائرية العليا باستثناء مساجد إباضية الجزائر من القوانين التي تحكم تسيير المساجد والقائمين عليها، وإبقائها على استقلاليتها وتبعيتها لحلقات العزابة ومجلس سعيد، وعدم إدراج موظفيها في سلك الوظيف العمومي؛ مراعية في ذلك خصوصيات المجتمع الإباضي في وادي ميزاب ومقدرة الأعراف التي تحكمه ومعبرة عن ثقتها في الهيئات التي تسيره كما يذهب الشيخ بيوض في قناعته - بضرورة استقلالية المساجد وإبقائها بين أيدي العلماء العاملين والدعاة المخلصين وعدم خضوعها لأي جهة كانت – إلى نصح غيره من علماء الإسلام ليقتدوا بما هو عليه إباضية الجزائر في وادي ميزاب وتعميم هذه الحالة، ويعلل ذلك بقوله: ندرك بتجربتنا الميدانية أن هذه المناصب المالية تندرج في الميزانية العامة للدولة، فهي وحدها تملك حق التعيين للشخص الذي يتمتع بالمنصب، فتثبته أو تنقله إلى حيث شاءت، وحينئذ لا نملك حق الاختيار لأيمتنا ممن تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة، ويتمتعون بحب الجماهير المؤمنة وبثقتها ... فحبذا لو أن السادة العلماء أدركوا هذا البعد لما نحن عليه في القيام بمثل هذه المهام الدينية مجانا، فيجتهدون في تعميم هذه السنة في كل بيوت الله» (3).
(1) بيوض حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 48.
(2) المرجع نفسه: حل 1، ص 48 - 49.
(3) المرجع نفسه: حل 1، ص 49. (1/378)
صفحة 379
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
من
347
الفلسفة المسجدية كذلك لدى الحركة الإصلاحية توحيد الخطاب المسجدي في البلدة الواحدة والتحكم التام في المنبر بإدراك أهميته في توحيد الأمة
ورص صفوفها وإدراك خطورته عليها في حال التسيب فيه أو الاستهزاء به. عرف في وادي ميزاب ما يسمى بالمسجد الجامع أو المسجد العتيق أو المسجد الكبير، ويعد - عادة - أقدم مسجد في البلدة؛ المتربع على وسطها وعلى أعلى قمة فيها؛ حيث يتميز هذا المسجد عن غيره من مساجد البلد ومصلياته بكونه المسجد الوحيد الذي يشهد دروس الوعظ والإرشاد، والمسجد الوحيد الذي تصدر من خلاله القرارات والتوصيات والإعلانات التي تقررها حلقة العزابة وتبلغها لجماهير الناس.
مع توسع العمران أنشئت عدة مساجد ومصليات في أطراف قرى وادي ميزاب إلا أن دورها بقي منحسرا أساسا في إقام الصلوات الخمس وبعض الوظائف الاجتماعية، والتزمت بالحفاظ على وحدة الخطاب المسجدي الذي بقي يصدر من المسجد العتيق فقط.
هذا كله لأجل تكريس معاني الوحدة في نفوس الجماهير، وتوثيق صلتهم بالمسجد ومنبره، الذي يعد رمز وحدة الأمة، ويعبر عن تماسكها وجمع كلمتها وسيرها خلف مشايخها وعلمائها في قيادة واحدة.
يقول المؤرخ محمد علي دبوز: المسجد الذي تقام فيه الجماعة ودروس الوعظ في كل مدينة للإباضية، واحد يقصده الجمهور من أنحاء المدينة كلها (1). كلها» (1).
ويقول الشيخ إبراهيم القرادي: قرروا أن لا يكون في كل قرية إلا مسجد واحد توحيدا للقيادة والتوجيه» (2).
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 123.
(2) القرادي: دور المسجد في توجيه المجتمع، مقال منشور ضمن كتاب القرادي: الشيخ القرادي حياته
وآثاره، ص 45. (1/379)
صفحة 380
348
من
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
الفلسفة المسجدية كذلك تفعيل دور المسجد من خلال تفعيل نشاط منبره فالمسجد في مهامه يتعدى كثيرا المهمة الأولى له المتمثلة في أداء الصلوات وجمع الأمة خمس مرات في اليوم، يتعدى ذلك ليقوم بالدور الإصلاحي الشامل في المجالات الدعوية والتربوية والتعليمية والتوعوية والاجتماعية.
لقد قام المسجد في عهد الحركة الإصلاحية بنشاط واسع مستمر من خلال الدروس المسجدية طوال أيام السنة تمكن من خلاله من نشر الفكر الإصلاحي التنويري بين جماهير الناس، وقام بمحاربة الكثير من البدع والمعتقدات الفاسدة، ومحاصرة الكثير من الانحرافات والتقاليد البالية، والقضاء على الكثير من أوكار
الفساد. ومظاهر الانحراف والرذيلة.
كما قام بتنوير عقول المجتمع وتحبيب العلم إليهم، وزرع الأمل في نفوسهم، ودفع الناس إلى العمل والنشاط والأخذ بالأسباب في عمارة الدنيا، ودفعهم إلى التنافس على أفعال المبرات والخيرات والإسهام في التبرعات والصدقات وتمويل المشاريع الخيرية.
استطاع أن يقوم المجتمع على نهج الحق والاستقامة والصلاح والفلاح ويحارب فيه التكاسل والتثاقل والفتن والتفرق والتباغض والتحاسد والمفاهيم الخاطئة حول الدين والحياة.
يقول الدكتور محمد ناصر عن أثر الدروس المسجدية في المجتمع: «تترك هذه الدروس التي يلقيها المشايخ في المساجد أثرا بعيدا في سلوك الناس وتعاملهم مع بعضهم البعض، وتوجه دقة حياتهم اليومية للصالح العام، وتعمق نظرتهم إلى الحياة في جميع مناحيها ... إن منبر الوعظ والإرشاد الذي هو من أهم مهام المجلس الديني قد أدى دورا عظيما في تطوير المجتمع الميزابي
وإخراجه من الظلمات إلى النور (1).
(1) ناصر حلقة العزابة، ص 2019. (1/380)
صفحة 381
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
349
بذلك حول أعلام الحركة الإصلاحية المسجد في عهدهم إلى مركز إشعاع علمي وثقافي وحضاري وجامعة شعبية مفتوحة الجميع أفراد المجتمع ومختلف طبقاته وشرائحه يؤمه كل الناس ويتعلمون منه دروس الحياة والدين
هكذا أضحى المسجد فعلا في عهد الحركة الإصلاحية محرك النهضة، وقائد المجتمع نحو التغيير، ومؤسسته الأولى في زرع أي فكرة صالحة ومحاربة أي فكرة فاسدة والقضاء عليها واجتثاثها نهائيا من جسده، فبواسطته بني المشروع
الإصلاحي وعلا صرحه وأقيم المجتمع الإسلامي الأصيل المتفتح على عصره. بواسطة هذا المنهج وهذه الفلسفة المسجدية تمكن أعلام الإصلاح من تحويل المجتمع برمته إلى قبلة المسجد، وتحويل المدينة برمتها لتكتسي جوا مسجديا باهرا ورائعا يكاد يكون في بعض المناسبات اعتكافا جماعيا، حتى تكاد تفرغ أزقة المدينة من المارة، إلا من أصحاب الحاجات والمصالح الضرورية.
يصف المؤرخ محمد علي دبوز حال بلدة القرارة معقل الإصلاح الأول في عنفوان عهد الشيخ بيوض وعنفوان نشاطه الدعوي الإصلاحي؛ خاصة في شهر رمضان بقوله: إن المدينة كلها في رمضان - سيما في القرارة - رجالها ونساؤها يسارعون بعد الفطور إلى المسجد ليظفروا بالأماكن قبل اكتظاظه على سعة المسجد وكبره. إن رئيس كل أسرة والرئيسة في كل دار حريصون على حضور كل أبنائهم وبناتهم لدروس الشيخ بيوض ... وترى الدرس يستمر في بعض المواسم والأعياد ثلاث ساعات وأكثر والناس خاشعون أمامه يصغون إلى الدرس بقلوبهم وعقولهم (1).
لقد تعاون علماء الحركة الإصلاحية ومشايخها وأعيانها جميعا على تجسيد هذه الفلسفة المسجدية عمليا بتحملهم المهام الدينية والاجتماعية في بلداتهم على مستوى حلقات العزابة ومجالس العشائر والأعيان وإمامة الناس في الدين كل
(1) دبوز نهضة الجزائر، ج 1، 199 - 202. (1/381)
صفحة 382
350
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
حسب قدراته وكفاءاته وخبراته، وتقاسموا المسؤوليات ووزعوا الأدوار، وأبلوا بلاء منقطع النظير، في سبيل خدمة دينهم ونصح مجتمعهم. فلم يقتصر العمل على أفراد معينين، أو على نخبة منهم دون البقية، بل إن الحركة الإصلاحية استطاعت أن تحقق مشروعها وتصل إلى أهدافها وتجسد أفكارها في أرض الواقع بتضافر جهود الجميع، وبقدرتها على إلقاء فكرتها إلى الجماهير، وقدرتها على إقناعه باحتضانها والعمل على إنجازها في الميدان.
بل إن الرجال الأفذاذ من الأعيان وأصحاب الرأي والمشورة ورجال المال والأعمال والرجال البسطاء والنساء عموما قد قامت على سواعدهم وكواشلهم جميعا هذه الحركة الإصلاحية، وبفضلهم تحولت إلى إنجازات وأفعال ولم تبق
محصورة في النطاق الفكري النظري.
إلا أنه مع ذلك ينبغي الاعتراف بتفاوت الأدوار وتباين الجهود في تحمل المسؤوليات العظيمة والخطيرة في هذا المشروع الإصلاحي الشامل الذي شهده وادي ميزاب، إذ ينبغي الاعتراف بالدور القيادي العظيم الذي قام به زعيم هذه الحركة الشيخ بيوض إبراهيم، الذي كان بالفعل محور كل هذه النهضة ومحركها وسندها ومرجعها الفكري والشرعي والاجتماعي، ومحرك كل أفعالها وأنشطتها، والناطق الرئيس باسمها والمعبر عن آرائها والمتخذ لمواقفها والممثل الشرعي لها، والصدر الأمامي الأول المتلقي لكل السهام الموجهة إلى حركته من الجهات المعادية لها من الاستعمار الفرنسي وأذنابه ومن حزب الجمود وأنصاره.
إن هذه الشخصية العظيمة التي ظهرت عند الشيخ بيوض، وهذه المواصفات القيادية النوعية العالية التي اجتمعت في شخصه جعلت الجماهير الإصلاحية في وادي ميزاب ترتبط به أيما ارتباط و تتمسك به أيما تمسك وترى فيه القائد القدوة
الفذ للأمة الموحد لصفها والموجه لمسارها والحامي لنهضتها والإمام لدينها. يمكن تحديد أهم هذه المواصفات في قوة الشخصية، والفصاحة والبيان وحدة الذكاء، وسعة المعرفة والوعي بالمتغيرات والمستجدات، ومواكبة (1/382)
صفحة 383
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
351
التطورات المحلية والوطنية والدولية، والتمسك الأصيل بالمقومات الإسلامية، والتفتح على العصر (1).
لأجل هذا نقرر هنا أن الفضل الأكبر يعود إليه في غرس قيم الفكر الإصلاحي في نفوس الجماهير بوادي ميزاب والفضل الأكبر يعود إليه في بعث النهضة الإصلاحية الحديثة في وادي ميزاب من خلال جهوده المضنية المتواصلة في مسيرة تزيد عن نصف قرن في رحاب المسجد وفي حلقة العزابة وفي أروقة المعهد وفي جلسات العشيرة وفي منتديات المجتمع المدني. حتى استطاع أن يشيد هذا الصرح الحضاري المتمثل في هذا المجتمع المسجدي.
إنصافا لدور الإمام الشيخ بيوض وأعماله الجليلة في سبيل النهضة الإصلاحية بوادي ميزاب نعرض أهم جهوده المسجدية لنتعرف كيف غرس الفكر الإصلاحي في النفوس وربى المجتمع عليه.
يعبر الدكتور محمد ناصر عن هذا الدور بقوله: إلى الشيخ بيوض يعود الفضل الأكبر في بناء هذا المجتمع المسجدي لا بدروسه العظيمة القيمة فحسب، بل بنزوله إلى الميدان بخطة عملية متكاملة، فقد استطاع أن يزرع في قلوب الناس ووعيهم هيئة جليلة للمسجد، وحبا وتأييدا لنظمه، واستعدادا قويا للاستجابة السريعة إلى كل ما يمليه المسجد أو يدعو إليه فعلا وتركا، وإيرادا وإصدارا» (2).
- جهود الشيخ بيوض المسجدية
التحق الشيخ بيوض بحلقة العزابة في بلدته القرارة في سن مبكرة جدا حيث كان عمره 22 سنة، وذلك بعد وفاة شيخه وأستاذه الحاج عمر بن يحيى المليك الذي كان عمدة البلدة في العلم والوعظ والإرشاد، إثر وباء خبيث أصاب البلدة فذهب بالكثير من أعيانها ووجهاء القوم فيها.
(1) ناصر: الشيخ بيوض مصلحا وزعيما ص 33 - 50. ناصر: حلقة العزابة، ص 22 - 23. بوحجام: مقدمة
على كتاب المجتمع المسجدي للشيخ بيوض، ص 21 - 26
(2) ناصر: المرجع نفسه، ص 23 (1/383)
صفحة 384
352
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
وجد الشاب إبراهيم نفسه دفعة واحدة في صدارة المجتمع، مع ثلة من رفقائه الطلبة وبعض المشايخ السابقين، فأسندت إليه مهمة التعليم في معهد شيخه المتوفى خلفا له، ومهمة الوعظ والإرشاد في المسجد. ووجد نفسه ملزما بأن يتحمل أمانة الدين، ويتحمل أمانة مواصلة درب شيخه في الإصلاح الديني الاجتماعي. خلال هذه الفترة كان الشيخ الذي يتولى الوعظ والإرشاد في المسجد صاحب شخصية متواضعة علميا ودعويا، فلم تكن تفي بالغرض وتستجيب لتطلعات المجتمع، فتدرج الشاب إبراهيم في مهمة الوعظ مع هذا الشيخ وخلفا له إلى أن خلص له المنبر، وبدأ يكسب قلوب الناس ويشد انتباههم بخطابه الدعوي المتميز.
مع مرور الزمن تفجرت طاقاته الخطابية وبرزت قدراته الدعوية، واكتسب الخبرة والتجربة في هذا الميدان إلى أن عين سنة 1359 هـ/ 1940 م شيخا لحلقة العزابة ببلدته القرارة وتربع على عرش المسجد ومنبره إلى حين وفاته.
خلال الفترة الماضية وما بعدها نشط الشيخ كثيرا في مجال الدعوة والتوعية والوعظ وسطع نجمه في سماء القرارة، ووصلت أصداؤه إلى قرى وادي ميزاب
وخارجها.
بسبب
كانت له دروس أسبوعية منتظمة على مدار أيام السنة، لا تنقطع إلا ناذرا انشغال أو سفر، وعادة ما يكون له درسان في اليوم الواحد، درس بعد
الفجر، أو بين الظهر والعصر، ودرس بعد صلاة العشاء (1).
حين النظر في طبيعة هذه الدروس نستطيع أن نصنفها إلى ثلاثة أنواع:
1 ـ دروس تعليمية هدفها تزويد جماهير الناس بثقافة إسلامية متنوعة، تمكنهم من رفع مستواهم المعرفي، ومن إدراك أمور دينهم، ومن حصولهم على زاد ثقافي ومن توعية أفكارهم وتنويرها، وغرس قيم الشخصية الإسلامية العربية فيهم وتحارب فيهم الجهل وبعض النظرات الخاطئة حول الدين والحياة.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 123 (1/384)
صفحة 385
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
353
اعتمد في هذا النوع الأول على تدريس مجموعة من الكتب والمؤلفات في علوم الشريعة والأدب والتاريخ والمنطق والأخلاق.
2
دروس عامة في الوعظ والإرشاد تمليها الأحداث والمناسبات والوقائع
التي تمر بها البلدة أو وادي ميزاب أو الجزائر أو العالم الإسلامي أو العالم. 3 - دروس تفسير القرآن الكريم، التي افتتحها من سورة الفاتحة واختتمها بسورة الناس، وكان من خلالها يعرض المجتمع على مأدبة القرآن الكريم ويعالج أمراضه وأسقامه من خلال فهم آياته ومعانيه وإسقاطها على الواقع المعيش.
أما عن النوع الأول من الدروس والتي افتتح بها مشواره الطويل في حقل الدعوة والإرشاد، فإن أول كتاب اختاره للتدريس كان في علم الأخلاق وتزكية الأنفس، وهو كتاب قناطر الخيرات في ثلاثة أجزاء للشيخ إسماعيل الجيطالي والكتاب يشبه كثيرا في فصوله كتاب إحياء علوم الدين للشيخ أبي حامد الغزالي، بل فيه الكثير من التأثر به والنقل عنه أحيانا. شرع الشيخ بيوض في تدريس هذا الكتاب في صيف سنة 1343 هـ/ 1923 واختتمه في ربيع تحدث الشيخ بنفسه عن أثر دروسه هذه في نفوس الجماهير وما غرست فيهم من آداب وأخلاق وصححت فيهم من تصورات ورسخت فيهم من الفكر الإصلاحي البيوضي بقوله: «أعتقد أن أكبر سبب لتركيز فكرة الإصلاح في القرارة، أو كما يعبر عنه اليوم الضمير الديني هذا الضمير الذي تكون في جماهير القرارة، وكان له بعد ذلك أثر كبير في مناصرة الإصلاح، وفي البذل
سنة 1357 هـ/ 1938، واستمر معه مدة أربع عشرة سنة.
(1) محمد بن محمد الطوسي أبو حامد الغزالي: (450) - 505 هـ / 1058 - 1111 م) يلقب بحجة الإسلام، فيلسوف متصوف، له نحو مئتي مصنف. رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر من كتبه إحياء علوم الدين تهافت الفلاسفة، الاقتصاد في الاعتقاد، المستصفى. الزركلي: الأعلام، ج 7، ص 22.
25. (1/385)
صفحة 386
354
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
والتضحية في سبيل الإصلاح، والفضل يرجع في هذا إلى درس المسجد في كتاب قناطر الخيرات» (1).
بالتوازي مع هذا العمل قام الشيخ بيوض بتدريس منظومتين شعريتين في الأخلاق وشرحهما للشيخ أبي نصر فتح بن نوح المالوشائي (2)؛ الأولى معروفة بمخمسة أبي نصر، والثانية معروفة بالبائية.
قال الشيخ عن المنهج الذي اتبعه في هذه الدروس: «أقرأ البيت فألم بشرحه، ثم أشرح البيت بأسلوبي التحليلي الخاص»، كما وصفهما بكونهما من أحسن ما يعتمد عليه الواعظ في شرح الأخلاق الإسلامية (3).
بعد الفراغ من تدريسهما انتقل إلى تدريس كتاب جوهر النظام للشيخ نور الدين السالمي واختار الجزء الرابع منه الذي كان في موضوع الحقوق المتبادلة بين
المسلمين، وفي الأخلاق التي ينبغي أن يتحلوا بها في معاملاتهم الاجتماعية. انتقل بعد ذلك إلى تدريس كتاب: سير مشايخ المغرب للشيخ أحمد الشماخي) وهو كتاب في التاريخ، تعرض فيه مؤلفه لسرد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة صحابته والتابعين، ثم فصل الحديث عن سيرة ومناقب علماء ومشايخ الإباضية بالمغرب في القرون الهجرية الثمانية الأولى.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 114. (2) فتح بن نوح الملوشائي: النصف الأول: ق 7 هـ / (13 م) عالم وشاعر ومتكلم من أعلام قرية تملوشايت، بجبل نفوسة بليبيا، له عدة مؤلفات وقصائد منها: النونية في أصول الدين لها عدة شروح، الرائية في الصلاة، الدالية في الوعظ والإرشاد، البائية في الأخلاق، ديوان شعر في الأخلاق والعقيدة، معجم أعلام الإباضية، ج 3، ص 784. (3) دبوز المرجع السابق، ج 3، ص 115.
(4) أحمد بن سعيد أبو العباس الشماخي (و) في الأربعينيات من ق 9 هـ / الثلاثينيات من ق 15 م - ت: 928 هـ / 1522 م) عالم من بلدة يفرن بجبل نفوسة بليبيا، تلقى العلم في بلده وفي تونس. له عدة مؤلفات منها: سير المشايخ من أهم مصادر الإباضية في معرفة تاريخهم وتراجم أعلامهم، إعراب القرآن الكريم، شرح عقيلة
التوحيد، شرح على متن الديانات، مختصر العدل والإنصاف. معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 98. (1/386)
صفحة 387
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
355
التي كان.
يربيهم
وكأن الشيخ بعمله هذا يريد أن يقرن في عقول الناس بين الأخلاق الإسلامية عليها وبين أمثلة واقعية ونماذج ميدانية التزمت بتلك التعاليم وجسدتها في حياتها بأروع صور وضربت بذلك أحسن أمثلة. حتى يربطهم بالسيرة العطرة لنبيهم القدوة، وصحابته الأجلاء، وبأمجاد تاريخ الإسلام، وتاريخ علمائهم الإباضية الذين عاشوا من قبلهم في بلاد المغرب، وجسدوا هذا الدين عمليا والتزموا بأخلاقه وفرائضه، وعاشوا حياة إسلامية صحيحة مستقيمة على
نهج الله تعالى.: استغرقت دروس الشيخ في هذا الكتاب مدة أربع سنوات. يصف المؤرخ محمد علي دبوز هذه الدروس بقوله: هذا ما أراده الشيخ بيوض أن تعرف العامة ما يجب عليها من تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، وما هو لازم من تاريخ صلحاء المغرب، فإنهم الأسوة الحسنة فلا بد من معرفتهم ... فكان الشيخ بيوض يشرح تلك الأحداث التاريخية ويستخلص العبرة منها، ويحلل شخصيات المشايخ ويلفت النظر إلى صلاحهم وأسبابه ... إن غرض الشيخ بيوض هو تربية العامة وتهذيبها وتثقيفها بتاريخ الصالحين» (1).
بالموازاة مع عنايته بتدريس الأخلاق الجماهير الناس وتربيتهم على السلوك الإسلامي الحميد، واستقاء الأمثلة على ذلك من التاريخ الإسلامي الحافل بالنماذج الطيبة والقدوة الحسنة بالموازاة مع كل ذلك أولى الشيخ عناية خاصة بتفقيه الناس في أمور دينهم وبيان حدود ربهم وحرماته التي يجب أن تراعى ولا تنتهك، ورفع الجهل عنهم في الأحكام الشرعية التعبدية والمعاملاتية، حيث قام بتدريس عدة كتب من الفقه الإباضي هي:
کتاب جامع الوضع والحاشية وكتاب الذهب الخالص للشيخ امحمد اطفيش وكتاب جوهر النظام في أجزائه الثلاثة للشيخ نور الدين السالمي، وكتاب النيل
للشيخ عبد العزيز الثميني.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 116. (1/387)
صفحة 388
356
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
استفادت جماهير الناس استفادة كبيرة بهذه الدروس الفقهية المتواصلة والمبسطة
التي رفعت عنهم غطاء الجهل في الدين، وأنارت حياتهم في معرفة شرع الله تعالى. يصف المؤرخ محمد علي دبوز ثمرة هذه الدروس المسجدية بقوله: «تثقفت القرارة ثقافة دينية قوية، وعرف رجالها ونساؤها كلهم دينهم لا تجد في عامتها من يجهل دينه، فالكل يعرفون من الدين ما فرض الله معرفته على كل مسلم، بفضل دروس المسجد الدائمة في الوعظ والإرشاد، وفي الفقه الإسلامي
ولأهمية الجانب الإيماني العقدي في نفوس الناس، وفي التزامهم بما فهموه وفقهوه من فرائضهم تجاه ربهم وتجاه العباد، فإن الشيخ بيوض كان يعتني بهذا الجانب في كل دروسه وخاصة في مستهلها فيتعرض إلى بيان معنى التوحيد، وإفراد الله بالعبودية والإخلاص إليه، ويركز على معاني التوكل على الله والتفويض والاحتساب والرضا بقضائه وقدره، ويذكر بالموت والاستعداد للرحيل إلى الآخرة والتزود بالتقوى والعمل الصالح، والتفكر في المآل، وفيما ينتظر المرء من حشر و حساب، ومن ثواب وعقاب ومن جنة ونار حتى يدفع بهم إلى فعل الخيرات والتنافس عليها، والكف عن المنكرات والمنهيات والابتعاد عنها.
كما أفرد هذا الموضوع في المسجد بتدريس كتاب مستقل فيه هو منظومة أنوار العقول للشيخ نور الدين السالمي، وهي منظومة جميلة الأسلوب، حاوية لأصول العقيدة الإسلامية الصحيحة المتفق عليها بين المسلمين.
تمكن الشيخ بيوض من إزالة بعض الخرافات والأباطيل الاعتقادية التي كانت
عالقة في أذهان بعض الناس والمترسبة فيها من عهود التخلف والتردي). بعد ذلك وبعد أن ختم الشيخ تدريس هذه الكتب، رأى ضرورة الارتقاء العامة وجماهير الناس بتجديد طريقته في التدريس والوعظ المسجدي من
بمستوى
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 118. (2) المرجع نفسه: ج 3، ص 119. (1/388)
صفحة 389
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
(1)
357
خلال الاعتماد على مصادر التشريع الأساسية القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مباشرة، واختيار نصوص منها لتكون نواة درسه ووعظه، إضافة إلى مقطوعات شعرية ونصوص أدبية كان ينتقيها ويستشهد بها مما يوافق الموضوع القرآني أو النبوي الذي هو بصدد الحديث عنه حتى تعطي نكهة وحيوية للدرس، ثم يربط كل ذلك ويسقطه على واقع مجتمعه ويعالج به ما يشغل بال الناس ويجلب اهتمامهم وانشغالهم يعرض الشيخ بيوض هذا الانتقال النوعي في دروسه المسجدية بقوله: «لما ختمت هذه الكتب المذكورة للعامة في المسجد سلكت طريقة أخرى في الوعظ، وهي أنني أختار آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وأختار مقطوعات أدبية أخلاقية، فأجعلها نواة الدرس، فأشرحها ... وأتطرق من تلك النواة إلى الموضوع الاجتماعي الذي يشغل بال الناس» (2).
عالج الشيخ بيوض في دروسه هذه مختلف المواضيع الاجتماعية التي كانت الحاجة لطرحها ومناقشتها وتوضيح المفاهيم حولها وتصحيح أخطائها والقضاء على انحرافاتها، فاستبدل بها الصلاح والرشاد والوعي والتنوير.
يقول المؤرخ محمد علي دبوز عن مواضيع هذه الدروس: «تحدث الشيخ بيوض في دروس وعظه عن آفات المجتمع كلها ... وهاجم العصبية القبلية والجهوية والمذهبية ... وهاجم في دروس وعظه البدع التي أقحمت في الدين فأضرت بالمسلمين، فبين بطلانها وأضرارها ... وتحدث عن النظام الاجتماعي العظيم في وادي ميزاب؛ سيما نظام العزابة؛ بهدف تمسك المجتمع به» (3).
كما كان الشيخ يولي اهتماما خاصا للمناسبات الدينية والمواسم الإسلامية ويستعد لها ويحضر لها موضوعات مهمة، ويركز في خطابه الدعوي حتى يصل إلى
(1) المرجع نفسه: ج 3، ص 119. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 119.
(3) المرجع نفسه: ج 3، ص 91 - 95. - (1/389)
صفحة 390
358
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
أهدافه في غرس أفكاره وقناعاته في نفوس الجماهير التي كانت تهتم بهذه المناسبات؛ حيث تعود إلى البلدة من أسفارها في أنحاء الجزائر، وتعمر المسجد أكثر وتصغي وتذعن لما يقال لها.
هذه المناسبات والمواسم هي عيد الفطر وعيد الأضحى المباركين، وليلة المولد النبوي الشريف وليلة عاشورا، وليلة النصف من شعبان، وليالي شهر رمضان المبارك كلها.
يصف الشيخ بيوض هذه الأجواء المسجدية وكيف يستغلها في غرس أفكاره وإيصال خطابه بقوله: «في هذه المواسم التي يمتلئ فيها المسجد أكثر، وشعور السامعين في أعيادهم وفي شهر صومهم يكون أقوى أغتنم الفرصة فأجعل فيها دروسا خاصة؛ تقوم على آية قرآنية، أو حديث نبوي اختارها، وقد تكون نواة الدرس مقامة من المقامات التي ألفت في الوعظ ... ثم أخرج منها إلى مواضيع الساعة المهمة» (1).
ويضيف الشيخ عن دروسه المسجدية بمناسبة ليالي شهر رمضان فيقول: أطرق في كل ليلة من ليالي رمضان الباقية موضوعا أخلاقيا مهما يتصل بالمجتمع العام ... وفي دروس رمضان أعتني بالأسرة ومشاكلها، وأسباب صلاحها وهنائها، فاتحدث عن حقوق الوالدين، وحقوق الأبناء، وحقوق الأزواج، وعلاقة الأصهار بأصهارهم، ومحاولتهم إفساد الزوجة على زوجها والعكس ... وأعتني في دروس رمضان كل الاعتناء بالفواحش الخمر والزنا والسرقة والقمار وأكل الربا وغير ذلك، أشرحها شرحا فلسفيا أبين مضارها الكثيرة لمرتكبيها وللمجتمع» (2).
إلى جانب كل هذا النشاط الدعوي الطويل النفس في شتى المواضيع، وطرق لمختلف انشغالات المجتمع وهمومه فقد أولى الشيخ بيوض عناية خاصة لمصدري
(1) المرجع نفسه: ج 3، ص 120.
(2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 120 - 122. (1/390)
صفحة 391
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
359
التشريع الإسلامي القرآن والسنة. فاشتغل بهما وأعطاهما قسطا هاما من أوقاته وقضى معهما فترة طويلة من عمره شارحا لهما، ومفسرا لمعانيهما ومستنبطا لأحكامهما ومربيا المجتمع على أخلاقهما وتوجيهاتهما.
سنة
بالتوازي مع هذه الدروس المسجدية العامة قام الشيخ بيوض من. 1346 هـ/ 1926 م إلى سنة 1350 هـ/ 1931 م بتدريس شرح مسند الربيع بن حبيب للشيخ نور الدين السالمي؛ معتمد الإباضية الأول في الحديث، وبعد الفراغ افتتح تدريس كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني وأمضى معه مدة أربع عشرة سنة كانت بدايتها سنة 1350 هـ/ 1931 م واختتامها سنة 1362 هـ/ 1945 م.
يقول الشيخ عدون شريفي أحد شهود عيان هذه الدروس عن أثرها في طلبة معهد الحياة التي كانت موجهة لهم بصفة أخص وكانوا ملزمين بحضورها يوميا بمقدار ساعة من الوقت: بهذه الروح العالية في هذه الدروس الغالية، علمهم كيف يقدسون كلام من لا ينطق عن الهوى، وكيف يقدمونه على كل كلام سواه، وعلمهم كيف يبحثون مع الباحثين، ويخوضون مع الخائضين، ويستخرجون الجواهر من بحر السنة ... علمهم كيف يسايرون علوم الدين العليا ويشاركون فطاحل علماء الإسلام في آرائهم ومباحثهم (1).
لا شك أن تدريس الشيخ بيوض للحديث النبوي وللسنة المطهرة
له
بالاعتماد على مصادرها وعلى شروح رجال الحديث وعمالقتها كابن حجر أكثر من بعد في نفوس طلبته في معهد الحياة وفي حلقاته المسجدية لعموم الناس من معرفة مكانة السنة من القرآن ومن التشريع الإسلامي، وبيان كيفية استنباط الأحكام والقدرة على مناقشة أقوال العلماء، والاستفادة منها والتعليق عليها، ولا شك أن الشيخ قد خاض مع طلبته في النقاشات العلمية المحتملة في
(1) شريفي: نص من خطبة ألقاها في حفل تكريمي للشيخ بيوض بمناسبة ختمه للشرح منشورة ضمن كتاب: بوحجام: الشيخ بيوض المصلح المربي، ص 104. (1/391)
صفحة 392
360
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
هذه الأحاديث وهو يدربهم على فهم كلام النبي عليه الصلاة والسلام
واستخلاص الأحكام والفوائد منها.
بعد
هذه المسيرة الحافلة، وفي عنفوان هذا العطاء العلمي وهذه الجهود الدعوية من على منبر المسجد وكرسي معهد الحياة، وبعد هذه الخبرة التي بلغت خمس عشرة سنة في التحصيل العلمي العصامي، وفي العطاء الدعوي الإرشادي، وفي الإصلاح بين الناس باختيار المحك الاجتماعي الميداني، وفي تحمل أعباء المجتمع والإمامة في الدين استأنس الشيخ بيوض من نفسه القوة والمقدرة والتمكن من العلوم الشرعية والقرآنية والعربية التي تؤهله لولوج غمار تفسير كتاب الله تعالى، فتوج مسيرته الدعوية بافتتاح درس التفسير في سنة 1354 هـ/ 1935 م واستمر معه إلى سنة 1400 هـ/ 1980 م لمدة خمس وأربعين سنة.
جزء عم
وكان قد مهد لهذا العمل في بداية الثلاثينيات بتجربة قصيرة شرح فيها سور اعتمادا على تفسير الشيخ محمد عبده لهذا الجزء، لأن هذه السور مما يحفظه جمهور الناس، وهي عمدة صلواتهم، فلا بد أن يعرفوا معانيها لتعينهم على الخشوع في الصلاة وتدبر القرآن الكريم
(1)
(2)
عند فراغه منها تهاطلت عليها الدعوات من طلبته ومن المشايخ في وادي ميزاب لأجل الشروع في تفسير القرآن الكريم كاملا بداية من أوله، فشرح الله صدره لهذا العمل الكبير وهذا الجهد العظيم بين الشيخ بيوض هدفه من تفسير القرآن بقوله: إن غرضي من تفسير القرآن هو تربية الناس بالقرآن، وتثقيفهم ووعظهم ومعالجة أمراض النفوس كلها بالقرآن، فإنه شفاؤها كلها» (3).
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 130 - 131.
(2) المرجع نفسه: ج 3، ص 130 - 131.
(3) المرجع نفسه: ج 4، ص 11. (1/392)
صفحة 393
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
361
إن الهدف التربوي الاجتماعي هو المقصود من إقدام الشيخ بيوض على التفسير، فهو يعتقد أن القرآن الكريم نزل ليكون شفاء للمسلمين من أسقامهم مما يعانون به من أمراض اجتماعية مختلفة، وأن جهد العالم المجتهد الناصح لأمته هو الذي يتولى تشخيص الداء والبحث عن الدواء في صيدلية القرآن الكريم بعبد عرض المجتمع عليها (1).
يؤكد الشيخ بيوض على أن القرآن الكريم احتوى فعلا على علاج لكل أمراض الأمة، التي قد تصيبها في أخلاقها أو عقيدتها أو سلوكها؛ يقول في هذا: «ما من مرض من أمراض العقائد والأخلاق أو الأعمال إلا وفي القرآن دواؤه وشفاؤه، دواء رخيص لا ينفد ولا ينضب، ولا يكلفنا مالا ولا نقلا إلا أن نقرأه ونتمعن فيه، ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم» (2).
إن الهدف التربوي الذي اختاره الشيخ بيوض ووضعه نصب عينيه من دروسه التفسيرية المسجدية جعلت منهجه يتضح ويتحدد من الوهلة الأولى، فهو لم يرد من تفسيره أن يكون طرحا علميا عميقا ودقيقا موغلا في قضايا اللغة والبلاغة أو مسائل الفلسفة والكلام أو مباحث الأصول والحديث، وإنما كان يركز على العبر وعلى الدروس الإيمانية التربوية الأخلاقية في القرآن الكريم، وعلى ربط هذه الآيات بأبعادها الاجتماعية المعاصرة، وإسقاطها على واقع الأمة وأوضاعها الراهنة.
يقول في هذا الشأن موضحا منهجه: «أركز الحديث على معاني القرآن والقصص الواردة فيه لا أتعرض للنحو والإعراب كما يفعل القدماء إلا
(1) قرقب الإمام إبراهيم بيوض، رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري، 118 - 136. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 88 - 90. (2) إبراهيم بيوض: في رحاب القرآن، تفسير سورة الإسراء، تحرير الأستاذ عيسى الشيخ بالحاج، مراجعة: الدكتور محمد ناصر، ط 1، دار النهضة للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، 1992 م، ص 135. (1/393)
صفحة 394
362
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
قليلا، إذا أردت أن أبين الوجه البلاغي في حرف من الحروف، أو تركيب من
التراكيب هذا مما يفيد الطلبة ويجديهم في صناعة الإنشاء بالخصوص» (1). ويقول الشيخ عن ربط التفسير بحياة الناس وتربيتهم به ومعالجة أمراضهم: في درس التفسير أخرج بأسلوب حكيم إلى هذه المواضيع الاجتماعية فأوفيها حقها، هذا ما يقع دائما ... كنت أطرق الحوادث الاجتماعية التي تشغل بال الجمهور (2)
أما عن الخطوات التي كان يتبعها في عملية التفسير والتي تخدم منهجه التربوي
الاجتماعي فيحددها الأستاذ عيسى الشيخ بالحاج المحرر لتفسيره بقوله: - يذكر سبب نزول الآية في عصر النبوة، ومطابقتها لمختلف العصور. يربط الآية بالتي قبلها، وكذا السورة بالتي قبلها، مبينا لطائف وأسرار هذا الربط، وأوجه المناسبة.
يشرح المفردات اللغوية ويتوقف عند النكت البلاغية.
- يستحضر ما ورد في نفس الموضوع من آيات في القرآن. يقارن بين الآيات المختلفة لتكتمل الصورة.
يذكر ما ورد في تفسير الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعرض آراء بعض المفسرين الواردة في الموضوع، موافقا أو مفندا أو مجددا. يعرض على الآية القضايا المعاصرة للمجتمع السياسية والاجتماعية
والاقتصادية، حسب موضوع الآية.
يتوجه إلى النفس البشرية بالعبرة والذكرى والموعظة الحسنة» (3).
(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 3، ص 129. (2) المرجع نفسه: ج 3، ص 121.
(3) عيسى الشيخ بالحاج مقدمة تفسير سورة الإسراء، من تفسير في رحاب القرآن للشيخ بيوض، ط 1، دار
النهضة للنشر والتوزيع سلطنة عمان، 1992 م، ص 31 32.
32 - 31 pl (1/394)
صفحة 395
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
363
هذه هي خطته العملية في إلقاء دروسه التفسيرية الشفوية في المسجد أمام مسمع ومرأى طلبته في معهد الحياة وجماهير الناس الذين يقدمون من كل أطراف المدينة لينصتوا لما يقوله الشيخ وينهلوا منه الإيمان والعلم والخلق والتربية والموعظة والتوعية.
لقد استفاد الشيخ بيوض في تحضير دروسه هذه من تفاسير لعلماء سابقين تأثر بفكرهم ومنهجهم في الإصلاح والدعوة وهم علماء مدرسة المنار، على رأسهم الشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا، حيث يؤكد الشيخ أنه من سورة الفاتحة إلى سورة يوسف كان يعود إلى تفسير المنار ليعرف شرح الآيات والأفكار والمعاني والأحكام الموجودة فيه.
وبعد سورة يوسف حيث توقف تفسير المنار؛ فإنه كان يراجع عددا من
(1)
(2)
التفاسير؛ هي روح المعاني للآلوسي () والتفسير الكبير للرازي وتيسير التفسير للشيخ اطفيش وتفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3) وتفسير في ظلال القرآن لسيد (4) قطب (5).
(1) محمود بن عبد الله الحسيني شهاب الدين الآلوسي: (1217 - 1270 هـ / 1802 – 1854 م) مفسر، محدث، أديب مولده ووفاته في بغداد، من أشهر كتبه تفسيره روح المعاني. الزركلي: الأعلام، ج 7، ص 176.
(2) محمد بن عمر فخر الدين الرازي: 544 - 606 هـ/ 1150 - 1210 م) الإمام المفسر، متضلع في. علم الكلام والفلسفة، من أشهر كتبه تفسيره: مفاتيح الغيب. المرجع نفسه: ج 6، ص 313. (3) محمد بن أحمد الأندلسي القرطبي: توفي سنة: 671 هـ / 1273 م، من كبار المفسرين، من أشهر كتبه تفسيره: الجامع لأحكام القرآن المرجع نفسه: ج 5، ص 322. (4) سيد بن إبراهيم قطب: 1324 - 1387 هـ / 1906 - 1966 م) مفكر إسلامي مصري تخرج من كلية دار العلوم بالقاهرة وعمل في جريدة الأهرام، ثم في ديوان وزارة المعارف، انضم إلى حركة الإخوان المسلمين، ودخل السجن وألف الكثير من الكتب، أشهرها تفسيره في ظلال القرآن التصوير الفني في القرآن مشاهد القيامة في القرآن معالم في الطريق أعدمه النظام المصري. المرجع نفسه: ج 3، ص 147 148. (5) قرقب: الإمام إبراهيم بيوض، رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري، ص 118 - 136. (1/395)
صفحة 396
364
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
من خلال هذه المصادر التفسيرية المتنوعة من حيث مدارسها ومناهجها ومن حيث الفترات الزمنية التي ألفت فيها، ومن حيث التوجهات الفكرية والمذهبية لأصحابها تظهر رحابة صدر الشيخ وتفتحه على مختلف المدارس الإسلامية والتيارات الفكرية واستفادته منها جميعا دون إقصاء. إلا أن ما ينبغي تسجيله بكل وضوح أن شخصية الشيخ التفسيرية كانت قوية جدا وكانت متميزة خاصة في انتهاجها البعد الإصلاحي التربوي الاجتماعي، إذ لم يكن الشيخ مكتفيا بترديد ما طالعه عند المفسرين، أو منحصرا في نقل ما وجده عندهم من معان وأحكام، بل إن جلوسه أمام طلبته وجماهير الناس مخاطبا إياهم مراعيا فيهم تفاوت مستوياتهم واختلاف شرائحهم، ومستحضرا أوضاعهم وما يشغل بالهم يجعله وهو يفسر القرآن يعرض معاني آياته بطبعة جديدة تحمل بصمات شخصيته العلمية الإصلاحية.
يقول الشيخ بيوض في توضيح حاله أثناء درس التفسير: «مع مطالعاتي لهذه التفاسير فإن الله سبحانه يفتح علي من التفسير بأشياء كثيرة يلهمني إياها، وأغلبها وقت الدرس، وأحس أنني في وقت الدرس على أحوال لم أكن عليها من قبل، وأحس بقوة فكرية وانفعال لا أكون عليهما في الأحوال العادية» (1).
إن ثمار هذه الدروس التفسيرية على جماهير الناس وعلى المجتمع كانت عظيمة جدا لا يقدر حقيقتها إلا من كان يحضر هذا الجو العلمي الإيماني القرآني العظيم، فقد استطاع الشيخ أن يحول مسجد القرارة إلى قبلة علمية تقصد من كل أنحاء وادي ميزاب وأنحاء القطر الجزائري، وحول المسجد فعلا إلى إشعاع علمي يستنير منه كل قاصد له، كما استطاع أن يوطد أركان حركته الإصلاحية ونهضة العلمية من خلال هذه الدروس.
يتحدث الشيخ بيوض قائلا عن آثار دروسه التفسيرية: «إنني أحمد الله تبارك وتعالى على النتيجة التي شاهدتها من أثر القرآن في نفوس العامة ... إن البلدة كلها
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 125. (1/396)
صفحة 397
المبحث الأول: مؤسسة المسجد
365
مجندة للعمل في كل ميدان ما دعي أحد إلى عمل إلا وأجاب، إذا دعي إلى مال أعطى، وإذا دعي إلى وقت أعطى من وقته وجهده» (1).
ويوضح الدكتور محمد ناصر آثار هذه الدروس بقوله: «إن هذا الانقلاب العظيم الذي تزعمه الشيخ بيوض يعود إلى نهجه التربوي الرشيد الذي يتبعه في دروس تفسير القرآن الكريم. فقد كان ينتهج نهج العبدوية، ويتبع عرض المجتمع على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عارضا مشاكله الاجتماعية اليومية، من واقعه المعاش بحصافة وبعد نظر بعيدين عميقين، وقد انطلق هذا
منطلقا
الإشعاع من مسجد القرارة ليعم سائر مدن ميزاب (2).
ويبين الدكتور عيسى قرقب أهمية هذا التفسير بقوله: «إن القارئ لتفسير الشيخ بيوض، أو المستمع لأشرطته يستمتع حقا بالعلم الغزير والأسلوب الرائع الجميل، وبطرافة الحديث وطلاوة الكلمة، إنه لعالم مؤثر حقا على القارئ والمستمع على حد سواء» (3).
هذه وقفة وخلاصة نرجو أن تكون وافية غير مخلة المسيرة هذا الرجل الإمام العالم العامل في مجال الدعوة والإصلاح ونشر العلم والفضيلة في المجتمع لأزيد من نصف قرن من الزمن. . كما أريد أن أختم هذه النقطة بالتوضيح والتأكيد على أن الرفقاء الشيخ وتلاميذه من العلماء والمشايخ في الحركة الإصلاحية جهودا معتبرة ومسيرة نيرة وأعمالا جليلة في سبيل قيام هذه النهضة الإصلاحية التي تعاون الجميع على صناعتها وضمان تواصلها.
(1) نص حديث الشيخ إبراهيم بيوض في ندوة للإذاعة والتلفزيون الجزائري سنة 1980 م، منشور ضمن كتاب: في رحاب القرآن، محاضرات مهرجان ختم تفسير الشيخ بيوض للقرآن الكريم، نشر جمعية التراث
القرارة، غرداية، الجزائر، 1980 م، ص 80.
(2) ناصر: حلقة العزابة، ص 20 - 21
(3) قرقب: الإمام إبراهيم بيوض، رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري، ص 202. (1/397)
صفحة 398
366
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
المبحث الثاني:
مؤسسات التربية والتعليم
سبق الحديث في الفصل السابق على أن أعلام النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب اقتنعوا في فلسفتهم الإصلاحية أن التربية والتعليم من الركائز التي يعول عليها لقيام نهضتهم وإحداث التغيير الاجتماعي الشامل، ولأجل تحويل هاتين القيمتين الحضاريتين إلى واقع معيش وأثر ملموس تحملهما الأجيال وتتشبع بهما،
فقد سعت الحركة الإصلاحية إلى إنجاز الكثير من المؤسسات التربوية التعليمية. كما أدرك أعلام الإصلاح أن عمق الأزمة في المجتمع هي أزمة على مستوى الأفكار والتصورات، وأنه لا بد من جهود جبارة متواصلة عبر الأجيال من تربيتهم وتعليمهم لأجل تصحيح المفاهيم وتقويم الرؤى حول الدين والحياة وفق مقتضيات العصر ومستجداته.
خلال
في المقابل علموا أن محاربة أسباب التخلف وطرد الاستعمار من البلاد يستلزم منهم أولا إعداد العدة العلمية التربوية، بنفي الجهل والركون عن الجيل الصاعد ليستطيع المقاومة ورفع التحدي، فوضعوا في قائمة أولويات مشروعهم النهضوي إنشاء المؤسسات التربوية التعليمية والعمل على إعادة النظر في برامجها ومناهجها وسبل تسييرها.
كان لا بد لتجسيد هذه الأفكار الدخول إلى صرح المجتمع بخطة محكمة مدروسة، وبحملة إعلامية دعائية قوية تهدف إلى تصحيح جملة مفاهيم خاطئة كانت معشعشة في أذهان الجماهير حول تربية الأجيال وتعليمهم، من بينها زهد الناس في إلحاق أبنائهم بدور التعليم، واكتفائهم بالنزر اليسير منه، ومنع أبنائهم عن مواصلة دراستهم، وإيقافهم في أول الطريق أو في منتصفه، بدعوى الفاقة والفقر والاحتياج، وإرسال أبنائهم إلى أماكن العمل في الحقول، أو في المحلات التجارية في (1/398)
صفحة 399
المبحث الثاني: مؤسسات التربية والتعليم
367
مدن الشمال الجزائري وهم لا يزالون في نعومة أظافرهم لم يستوفوا نصيبهم من التربية والتعليم (1).
منهم
يقول المؤرخ محمد علي دبوز واصفا هذا الوضع: «كان الكثير من آباء التلاميذ الميزابيين في ذلك العهد من العشرينيات إلى الخمسينيات، يقطعون أبناءهم عن المدرسة قبل انتهاء دراستهم الابتدائية أو الثانوية، فيجعلونهم في التجارة أو في الفلاحة يعتقدون أن قليلا من العلم يكفي، والابن إذا قارب البلوغ أو بلغ يجب أن يدخل الميدان العملي فيعاضد أباه في حرفته، ويرفع معه أثقال الأ. اسرة ... كانت جرائم قطع الآباء أبناءهم عن العلم زهدا فيه، واعتقادا أن القليل منه يكفي» (2). ويرد الشيخ أبو اليقظان أسباب زهد الناس في العلم وبقائهم على الجهل إلى طغيان النظرة المادية عليهم، وتأثرهم بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانيها الشعب الجزائري عموما، مما جعلهم يرون أن السعادة والحياة الحقة لا تتوقف على العلم والتعليم، وإنما تتوقف على كسب المال والسعي وراء الرزق، بل لا دخل للعلم في مسألة العزة والكرامة، بل ربما رآه البعض عائقا في سبيل تحصيل المال الذي به تتأتى السعادة والمكانة الاجتماعية في منظورهم (3).
لمحاربة هذا الوضع وظف رجال الإصلاح منابر المساجد واللقاءات في مختلف المناسبات والاجتماعات توظيفا قويا لأجل نشر دعايتهم حول التعليم وإقناع الناس بأهميته ويجدواه في مستقبل أبنائهم، وتوعيتهم بضرورة إلحاقهم بهذه المؤسسات، وتركهم ينالون قسطهم الكافي منه، وعدم فصلهم منه قبل إكمال
أطواره وبلوغ أعلى مراتبه.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 26 - 33 (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 28 - 29.
(3) أبو اليقظان: مقال بعنوان: الأمية في الأمم شلل، منشور ضمن كتاب أبو اليقظان: مختارات من صحف
أبي اليقظان، ص 169. (1/399)
صفحة 400
368
(1)
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
قام رجال الإصلاح خلال العشرينيات والثلاثينيات بجولات عديدة وزيارات كثيرة طافوا فيها قرى وادي ميزاب ومدن الشمال حيث توجد تجمعات الميزابيين التجار، وألقى الشيخ بيوض فيها خطبا قوية حول التعليم وأهميته ودعا الناس إلى العناية بتعليم أبنائهم وإلحاقهم بالمدارس العربية الموجودة، وحذرهم من قطعهم عن الدراسة قبل استكمال مشوارهم يقول الأستاذ محمد علي دبوز عن هذه الجهود كانت معظم دروسه ـ أي الشيخ بيوض - في العشرينيات والثلاثينيات سيما خارج القرارة في الدعوة إلى التربية والتعليم، وفي الدفاع عن المدارس العربية الأصيلة التي ثار عليها الجامدون والفاسدون وأذناب الاستعمار» (2).
من جهة أخرى سعى علماء الإصلاح في حملتهم الدعائية إلى توعية الجماهير بضرورة الإسهام الفعال في تمويل مشاريع التربية والتعليم، والنفقة بسخاء على بنائها وتجهيزها وإدارتها وتسييرها رها (3).
التربية
لقد كانت إحدى الواجهات المهمة لجهود الحركة الإصلاحية هي والتعليم المخصصة للناشئة والموجهة للأجيال الصاعدة التي كانوا يعلقون عليهم آمال مواصلة مسيرة النهضة وتوسعها، وآمال مساعدة الجيل الأول في تحمل أعبائها وتلقيها منهم باقتدار وكفاءة.
كما بذلوا جهودا مضنية في سبيل تطوير التعليم العربي الإسلامي وعصرنة مناهجه وبرامجه وطرق إدارته، وكونوا له الإطار الكفء الذي يتحمل هذه المسؤولية في شقها التربوي وشقها العلمي بعد ما ورثوا تركة ثقيلة من الجيل السابق، الذي بقي لديه التعليم تقليديا يراوح مكانه في عمومه، رغم الجهود التي كانت مبذولة والمحاولات التي شهدت نوعا من التطوير، إلا أنها بقيت محصورة
(1) بوحجام: الشيخ بيوض المصلح المربي، ص 31 - 36.
(2) دبوز: المرجع السابق، ج 5، ص 24. (3) المرجع نفسه: ج 4، ص 106 - 107. (1/400)
صفحة 401
المبحث الثاني: مؤسسات التربية والتعليم
369
محدودة لم تشهد الانتشار بين الجماهير، ورغم التجربة الرائدة التي شهدها معهد القطب الشيخ امحمد اطفيش، إلا أن شعلتها خفتت بعد وفاته، ولم تشهد الاستمرارية والمواصلة على المستوى نفسه من بعده.
اعتنوا بالتعليم العربي القرآني بتوسيع نطاقه ليشمل كافة أبناء المجتمع، ففتحوا مدارسه في كل أرجاء وادي ميزاب وفي مدن الجزائر التي يوجد فيها أعداد معتبرة من العائلات الميزابية المستقرة فيها (1).
كما أنشؤوا في بلدة القرارة - معقل الإصلاح الأول - معهد الحياة الثانوي، الذي هو مؤسسة تربوية تعليمية متخصصة في العلوم العربية والشرعية، وهي في ذات الوقت تعنى بتخريج الإطارات والكفاءات والقيادات للحركة الإصلاحية، فهي تجمع في تكوين شخصية طلبتها بين الجانب التربوي والعلمي والاجتماعي، فكانت بحق مؤسسة لإعداد الرجال حسب الخطة التي ارتضتها قيادة الحركة
الإصلاحية، وحسب الفلسفة التي رسمتها لمفهوم النخبة ومفهوم الفرد الصالح. يصف الدكتور محمد ناصر البعد التربوي العلمي لهذه المؤسسة بقوله: «إنها تتميز بهذا التكامل الذي يبني الفرد المسلم ويربيه تربية تراعي فيه قواه العقلية والنفسية والجسدية، وتهدف قبل كل شيء إلى إعداده إعدادا إسلاميا وطنيا صحيحا، يعتز معه بلغته ودينه، ويتطلع دوما لأن يكون عمله يرضي الله سبحانه قبل أي اعتبار آخر» (2).
لقد كان الطلبة المتخرجون الذين أنهوا دراستهم في مؤسسة معهد الحياة يوجهون مباشرة لتولي مهمة التعليم ومهمة الإدارة في المدارس العربية الابتدائية الحرة التي دأبت الحركة الإصلاحية على بثها ونشرها في جسد المجتمع، فكان هؤلاء الطلبة يجمعون في مهمتهم بين تربية الأجيال وتعليمهم في المدارس، والقيام بإمامة الدين في المساجد وواجب التوعية والنصح والوعظ للمجتمع.
(1) تركي التعليم القومي، ص 395 - 396 (2) ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، ع 1، 1998 م، ص 84.
26 (1/401)
صفحة 402
370
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
ينبغي التأكيد على أن أعلام الإصلاح أولوا مؤسسة معهد الحياة عناية خاصة، وحفوها باهتمام متميز، وعلقوا عليها آمالا كبيرة؛ مثلت عصارة تفكيرهم التربوي التعليمي، لتخريج الأجيال والنخب التي حملت الفكر الإصلاحي معهم ومن بعدهم.
رعوا هذا المعهد ووفروا له الإمكانات المادية والعلمية والمعنوية الممكنة لهم والمتاحة لديهم، ووضعوا البرامج وضبطوا المواد الشرعية والعربية والعصرية، وانتقوا المقررات والكتب المعتمدة، واختاروا المشايخ والأساتذة والمربين الذين يشرفون على التدريس والتسيير، كما أوجدوا في رحابه جوا علميا واجتماعيا خصبا وملائما لتكوين شخصية الطالب في أبعادها التربوية والعلمية والاجتماعية (1).
كما تعهد أعلام الإصلاح بأنفسهم هذا المعهد ورابطوا في حلقاته، وعاينوا أنشطته، وراقبوا تطوراته وعالجوا أحداثه، وحرصوا أن يكون فعلا في مستوى تطلعات الحركة الإصلاحية، وأن يكون فعلا مشتلة للأمة فكان يمثل مبعث فخرها ومصدر عزتها ومكمن قوتها وضامن استمرارها في المستقبل. اختاروا لهذا المعهد أن يكون بجوار المسجد وأن يكون لصيقا به لترتبط رسالة المسجد برسالة المعهد، ولتتكامل رسالة الوعظ رسالة التعليم، وليستلهم الطلبة روح العلم مع روح الدين.
يقول الشيخ بيوض عن هذا الارتباط الوثيق: « ... فقامت هذه المؤسسة العتيدة لمعهد الحياة إلى جانب المسجد صرحا شامخا للتربية المحمدية ومنارا للإسلام وتلك هي قناعتنا منذ أن خطونا الخطوات الأولى في الإصلاح الديني الاجتماعي ... وذلك لما يكون بين المؤسستين من تلازم وتكامل في تحقيق الهدف المنشود من العملية التربوية، وهو تكوين الفرد الصالح الذي يحمل بين جنبيه
ضميرا حيا وقلبا سليما (2)
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 56 - 87. (2) بيوض حديث الشيخ الإمام، ص 25. (1/402)
صفحة 403
المبحث الثاني: مؤسسات التربية والتعليم
371
ويرى الدكتور محمد ناصر أن الغرض من هذا الربط هو تنشئة الطالب على السلوك الديني المستقيم في حياته بالصلاة مع الجماعة في كل أوقاتها، وبمحاسبة الإدارة له في ذلك، واعتباره في معدل الدراسة (1).
مع بداية الثلاثينيات سطع نجم الشيخ بيوض في وادي ميزاب من خلال جهوده الإصلاحية على مستوى المسجد والمعهد والمجتمع، فأصبحت بلدته القرارة قبلة الطلبة، وأصبحوا يتوافدون عليها للالتحاق بمعهده من كل قرى وادي ميزاب ومن أنحاء القطر الجزائري، ومن خارجه حيث يوجد الإباضية في جزيرة جربة بتونس وجبل نفوسة بليبيا. هذا ما جعل من أعيان الحركة الإصلاحية يفكرون في إنشاء داخلية تضم كل هؤلاء الطلبة الوافدين وتسهر على رعايتهم ومراقبة أخلاقهم ومتابعة دراستهم.
تم إنجاز هذا المشروع وأصبح معلما تربويا وحضاريا جديدا لدى الحركة الإصلاحية، تكلف خيرة أبنائها وإطاراتها لإدارته، ووضعت له نظاما صارما حازما يحرص على مساعدة الطلبة للتحصيل العلمي، وتكوين شخصيتهم الاجتماعية، وإعدادهم لتحمل المهام والمسؤوليات في مجتمعهم.
يقول عنها الشيخ عدون شريفي: «لها نظام كأرقى ما يكون نظام الداخليات معنويا وماديا من حيث التربية الصحيحة والعشرة الطيبة والسلوك الحسن والمراقبة الصارمة ومن حيث المأكل والمشرب والمرقد، ولها لقاءات وجمعيات أدبية وفرق فنية» (2).
ولأجل تطعيم الطلبة المتخرجين من معهد الحياة بفكر جديد، ولأجل الإعداد الأمثل لهم، ولأجل فتح الآفاق الواسعة أمامهم وتفتيق مواهبهم أكثر، وتزويدهم بمزيد من العلوم والتجارب، فإن أعلام الحركة الإصلاحية حرصوا على بعث
(1) ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب مجلة الحياة، ع 1، 1998 م، ص 82. (2) شريفي: معهد الحياة، ص 75. (1/403)
صفحة 404
372
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
طلبتهم إلى حواضر العلم الإسلامية الزاهية، فوجهوا طلبتها لاستكمال دراستهم في المعاهد والمدارس التونسية، وبالذات جامع الزيتونة ومدارس الخلدونية والصادقية. بدأت أفواج الطلبة تلتحق بهذه المدارس وتنسب إليها وتواصل مسيرتها العلمية، وتحتك بهذا الوسيط العلمي، الزاهر، وتطعم أفكارها وتزيد من رصيدها المعرفي، ومع تزايد أعدادهم فكرت قيادة الإصلاح وعزمت على تأطيرهم في دار واحدة.
(1)
أنجزت فكرتها وتم شراء منزل فسيح في قلب العاصمة تونس بالقرب من جامع الزيتونة، فتأسست بذلك البعثة البيوضية لطلبة معهد الحياة، فقامت بتنظيمها وضبط إدارتها، واستطاعت أن تجعل منها مشروعا حضاريا جديدا لتكوين الأجيال وصناعة النخب وعلى صعيد آخر أدركت الحركة الإصلاحية أهمية الحرف والصنائع الجديدة وفهمت أن المجتمع بحاجة إليها لمواكبة العصر فأرسلت أبناءها للتكوين في المراكز التي فتحتها السلطات الفرنسية لهذا الغرض، ثم قامت بمساعدة الطلبة المتخرجين منها لفتح ورشاتهم والشروع في أعمالهم) ولأجل رعاية العملية التربوية التعليمية بكل متطلباتها عملت الحركة الإصلاحية على تأسيس جمعيات خيرية على مستوى كل قرى وادي ميزاب؛ تتولى الإشراف المادي والمعنوي على المدارس والمعاهد وتعمل على حل مشاكلها الإدارية ومتابعة شؤون التعليم فيها (3).
(2)
هكذا كانت مؤسسات التربية والتعليم هي الواجهة الثانية للحركة الإصلاحية لتجسيد مشروعها وإقامة نهضتها وغرس أفكارها في شرائح المجتمع عموما؛ وفي
(1) الجابري النشاط العلمي، ص 100. دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 145. (2) سكحال الشيخ بيوض ومنهج في الإصلاح، ص 123.
(3) شريفي: المرجع السابق، ص 75 - 82. سكحال المرجع السابق، ص 158 - 166. (1/404)
صفحة 405
المبحث الثاني: مؤسسات التربية والتعليم
373
الناشئة الصاعدة خصوصا، حيث اقتنعت أن مصير هذه الأجيال مرهون بمدى تعلمها وتربيتها على القيم والأخلاق الإسلامية النبيلة، وتشربها ينابيع الثقافة الإسلامية الأصيلة التي تستمد منهما الخط والمنهج لمواصلة مسيرة النهضة
الإصلاحية المباركة.
لا شك أن هذه الجهود وهذه المنجزات تحتاج إلى مزيد بسط وتحليل؛ هذا ما سيجعلنا نفرد فصلا مستقلا للإصلاح التربوي التعليمي. (1/405)
صفحة 406
374
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
المبحث الثالث:
الهيئات العرفية
مكانة
نعتبر الهيئات العرفية التي ينطوي عليها المجتمع الإباضي في وادي ميزاب أطرا لتجسيد الفكر الإصلاحي، ومؤسسات لتوطيد أركان النهضة الإصلاحية في جوانب الحياة الاجتماعية المختلفة، ذلك لما تحظى به هذه الهيئات من موقرة لدى جماهير الناس، ومن وقع على نفوسهم، ومن أثر في سلوكهم، ومن انقياد في عقولهم. ورثت هذه المكانة المعتبرة داخل المجتمع الإباضي بتراكم جهودها وإخلاص نصحها في مسيرة ألف عام من الزمن.
سبق لنا في مباحث سابقة التعريف بهذه الهيئات ودراسة أوضاعها، وعرض جهودها في سبيل خدمة المجتمع والمحافظة عليه، كما سبق أن بينا أن الفضل الأكبر يعود إليها في بقاء هذا المجتمع يحمل في عمومه طابع الصلاح، وبصمات الحضارة الإسلامية الأصيلة التي لم تشهد انقطاعا أو انفصاما بينا رغم كل ما سجلنا عليها من ضعف وهوان بين الفينة والأخرى، ومن سلبيات اعترتها في مسيرتها التاريخية الطويلة، لذا يصح لنا أن نعتبر هذا النظام العرفي هو العمود الفقري الذي قام عليه المجتمع الإباضي في وادي ميزاب.
نستطيع أن نضيف فنقول إن فهم حقيقة إباضية الجزائر، ورسم صورتهم الاجتماعية، وإدراك حركيتهم التاريخية، وتحديد مسارهم الحضاري؛ لا يمكن أن يتم خارج هذه الهيئات أو بعيدا عن هذه النظم، ذلك لتغلغلها فعلا في أعماق المجتمع، وضرب جذورها في أطنابه خلال كل هذه الفترة الزمنية الطويلة، التي كانت فيها هذه المؤسسات تسير شؤون المجتمع وتتولى الحكم فيه؛ مما أضحى من غير الموضوعي، ومن غير العلمي فصل هذا عن ذاك في عملية الدراسة والتقويم. (1/406)
صفحة 407
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
375
لقد أثبتت هذه الهيئات جدارتها في الميدان وتمكنت من كسب الثقة العمياء لجماهير الناس فيها، لما قدمته لهم من خدمات ومنافع، ولما مثلت لهم من قيادة اجتماعية ودينية راشدة على أساس القدوة والنموذج العملي لاستقامة السلوك، وللالتزام بالأوامر والنواهي، والعمل بالأعراف المشرعة، وبالتقدم والإمامة في
الدين والحياة.
يقول الشيخ صالح سماوي مبينا هذه القيمة ومشيرا إلى هذه المكانة في نفوس الناس: قيمة المشايخ والعزابة لدى العامة مرموقة، تظهر فيها البراءة والصدق، ونظرة إكبار وإعجاب فكان التعامل معهم باحترام ووفاء وإخلاص مما أدى إلى الاستسلام لرأيهم أو نظريتهم أو الحكم والفصل فيما يشكل عليهم أو يستفسرونه» (1).
إن الجهود المتواصلة لهذه الهيئات العرفية طوال هذه المدة على مختلف الأصعدة الاجتماعية أصبحت بموجبها تمثل موروثا حضاريا ثقيلا، وعاملا اجتماعيا معقدا، ورابطا نفسانيا مركبا له أثره وفعاليته في أي حدث اجتماعي، وله حسابه في أي معادلة تحصل في وادي ميزاب
تتمثل هذه الهيئات أساسا في نظام العزابة الهرمي، بما ينطوي تحته من مؤسسات عرفية مساعدة على تسيير المجتمع وتوجيهه من مجالس العشائر والأعيان والشباب والنساء.
بواسطة هذه الهيئات العرفية كانت لعبة السياسة والحكم تدار في وادي ميزاب وتحرك خيوطها، وبواسطتها كانت الأحداث تصنع والقرارات تتخذ والأعراف تشرع والخطط تنفذ.
رغم تعاقب السلط السياسية على الجزائر وعلى وادي ميزاب طوال هذه الحقبة الزمنية من سلطة الأتراك إلى سلطة الاستعمار الفرنسي إلى عهد الاستقلال
(1) سماوي العزابة، حل 3، ص 1027. (1/407)
صفحة 408
376
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
ومؤسسات الدولة الجزائرية، إلا أن ما ينبغي تقريره بكل وضوح أن هذه الهيئات العرفية استطاعت أن تبقي في يدها التأثير في صناعة القرار وإحداث الحركية الاجتماعية وأخذ زمام المبادرة في المنطقة، رغم كل ما يمكن أن يقال عن مراحل الضعف والاسترخاء التي عرفتها هذه الهيئات بين حين وآخر.
كثيرا ما تجاذبت هذه السلط مع نظام العزابة أطراف اللعبة السياسية وعملية التأثير على المجتمع؛ خاصة في عهد الاستعمار بمحاولة الحد من من الصلاحيات والتقليص من النفوذ وبسياسة التفريق والتشتيت، وكثيرا ما نجح الاستعمار في بلوغ مآربه، إلا أن هذا النظام لم يكن يتوانى في استعادة أنفاسه من جديد، ولم يكن يلبث في الملمة صفوفه، واسترداد ما ضاع منه بطريقة أو بأخرى بعد تغير الأوضاع وزوال الزوابع، فيعود إلى التموقع والتجدد والتمكن من ناصية المجتمع (). شهد بذلك أحد الباحثين المستشرقين المختصين في دراسة المذهب الإباضي هو البولوني لفتسكي (Lyvitski) إذ يقول: «بعد احتلال الفرنسيين لميزاب سنة 1300 هـ / 1882 م استمر شيوخ العزابة في التمتع الدائم بالسلطة الروحية الكبيرة على المدن الميزابية، ولكن لم تبق لهم أية سلطة سياسية، واقتصرت سلطتهم على السهر لتطبيق تعاليم المذهب الإباضي ... وفي هذا المجال فإن سلطة العزابة وشيخ الحلقة لا تزال دائما جد كبيرة يملكون الوصاية على كل المواطنين الإباضيين بميزاب، وتبقى الحلقة دائما هي الهيئة الدينية والروحية العليا للميزابيين» (2). كما وقع ذلك بعد استقلال الجزائر بمحاولة جهات نافذة في حزب جبهة التحرير الوطني على مستوى ولاية غرداية لأغراض منحرفة زعزعة الاستقرار الداخلي لهذا المجتمع بالمساس بهذه الهيئات والنيل من مشايخها وعزابتها، ومحاولة تشكيك الأجيال في جدواها وقدرتها على مسايرة التطورات الحاصلة في الجزائر والعالم، وكذا بإلصاق التهم الباطلة بهذا النظام لأجل تأليب السلطات العليا في
(1) ناصر: حلقة العزابة، ص 37 - 45. (2) دائرة المعارف الإسلامية، مج 3، ص 97 - 101. نقلا عن كتاب: محمد ناصر: حلقة العزابة، ص 37 - 38. (1/408)
صفحة 409
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
377
الدولة عليه للقضاء عليه وإلحاق الضرر بالقائمين عليه من شيوخ العزابة ورجال العشائر وأعيان البلد (7).
(2)
إلا أن هذه الجهود الباطلة والنوايا الفاسدة كانت كل مرة تبوء بالفشل ولا تكلل بالنجاح، لتشبت المجتمع بهيئاته وبعلمائه وبعزابته، ولتفهم السلطات العليا في الدولة الجزائرية لحقيقة هذا المجتمع والدور الحضاري الإيجابي لنظمه ولأعرافه التي تصب في خدمة المصالح الكبرى للجزائر وتوطيد أركان الاستقرار الاجتماعي فيه يقول الشيخ بيوض معترفا بتقدير السلطات العليا الجزائرية لدور هذه الهيئات رغم كل ما يصلها عنها من وشايات باطلة: وهل يمكن الحكومة رشيدة أن تتنكر لذلك التراث الخالد، وذلك الرصيد الحضاري الذي حافظ عليه، بل زكاه و نماه التعليم الحر في شمال البلاد وجنوبها مما قامت به الحركات الإصلاحية هنا وهناك في المجال الديني والاجتماعي والثقافي» (3).
إن المتتبع لهذا التاريخ الطويل، والمستنطق لأحداثه وتقلباته ليصل إلى النتيجة الواضحة المتمثلة في تعلق هذا المجتمع بهيئاته ونظمه، وتغلغلها في نفوس أفراده، وعظم دورها في صناعة حضارة هذه المنطقة.
أدرك أقطاب الحركة الإصلاحية هذه العلاقة الوطيدة التي تحكم المجتمع بهيئاته إدراكا قويا، وفهموها فهما عميقا، واستوعبوها استيعابا سديدا، وأيقنوا أن أقوى طريق للإصلاح في وادي ميزاب هو طريق هذه المؤسسات العرفية، التي يجب أن تؤتى من الداخل وأن يتدرج في صعود سلمها بغية الوصول إلى القمة، وأنه لا نجاح لأي عمل إصلاحي أو جهد تغييري إذا حاول تجاوزها، أو عمل على تجنبها أو سعى إلى كسرها واستبدال غيرها بها.
(1) بيوض: حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 27 - 30 سماوي: العزابة، حل 3، ص 1161. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 144 - 146.
(2) سماوي: المرجع نفسه، ص 1161. (3) بيوض المرجع السابق، حل 1، ص 28. (1/409)
صفحة 410
378
فكان عملهم فيها متمثلا في الجبهات الآتية:
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
1 - الالتحاق بهذه الهيئات العرفية ليصبحوا أعضاء نشطين فاعلين فيها، يرتدون لباس الشرعية الدينية والاجتماعية للإصلاح في هذا المجتمع. 2 - العمل على تفعيل دورها وتقويم مسارها لتسهم بقوة في خدمة النهضة الإصلاحية.
3 ـ العمل على تطوير أركانها وتوسيع صلاحياتها واستعادة هيبتها وفرض سيطرتها على المجتمع على أوسع نطاق ممكن.
4 - الدفاع عنها وتصحيح المفاهيم الخاطئة حولها، ورد الشبه المثارة عنها، وضبط علاقتها مع السلط الحاكمة للجزائر ووادي ميزاب من الاستعمار والقياد ثم الدولة الجزائرية.
5 - العمل على تحويلها إلى الشرايين الناقلة والضاخة للفكر الإصلاحي والآلة المجسدة للنهضة الإصلاحية والأداة المحصنة والحامية للمجتمع الإصلاحي. لم تحدثنا الوثائق والأحداث طوال عهد النهضة الإصلاحية أن أعلام الإصلاح شككوا يوما في صلاحية هذه الهيئات ومقدرتها على تسيير شؤون المجتمع، أو حاولوا تجاوزها والعمل خارجها؛ رغم كل ما لاقوه من عنت وتعب، ومن معارضة وعقبات في طريقهم الإصلاحي من بعض القائمين على هذه المؤسسات من شيوخ العزابة ورجال الأعيان وزعماء العشائر من حين إلى آخر. بل سجل لنا التاريخ صفحات مشرقة وأوراقا مضيئة من ثباتهم على الطريق وتحملهم للابتلاء وصبرهم على الأذى؛ الذي أيقنوا أنه لا بد منه في أي مسيرة إصلاحية ودعوة تجديدية، وأن طريق اختراق هذه الهيئات لابد أن يمر عبر هذا السبيل ويمكن أن تعترضه بعض الأشواك (1).
(1) القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 122 - 124. بكلي: محاضرات البكري، ص 156 - 164. سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 143 - 146. (1/410)
صفحة 411
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
379
يقول الشيخ بيوض موجها طلبته وناصحا إياهم بعد تخرجهم من معهد الحياة والتحاقهم للمرابطة في الميادين الاجتماعية والتربوية والاقتصادية: أريد أن تكونوا ذوي كرم وأريحية وشمم وإباء وهمة عالية أحسنوا لمن أساء إليكم، وأرفقوا بالجهلة والأغبياء وضعفاء النفوس، وألينوا القول لهم ....... إنكم إذا فعلتم امتلكتم القلوب، وتحكمتم في النفوس، فسلس لكم قيادها» (4).
كما تروي لنا الأحداث أن أعلام الإصلاح ناضلوا ودافعوا عن هذه الهيئات، ودعوا إلى المحافظة عليها وإلى تطويرها لتواكب العصر ومستجداته، وبينوا للناس أهميتها وجدواها وأقنعوهم بارتباط صلاحهم وتماسكهم بها، وردوا الكثير من محاولات تشويهها والمساس بها أثناء حكم الاستعمار وبعد الاستقلال (2).
يقول الشيخ بيوض معترفا بأفضال هذه الهيئات بقوله: «وما هذا المظهر الاجتماعي الذي نتمتع به، وما هذه التربية الفضلى لأجيالنا ... إلا ثمرة هذا النظام، وفيض من بركاته» (3).
كما سجل لنا التاريخ اعتراف رجال الإصلاح بأفضال معارضيهم من العزابة والأعيان المحافظين، وبنواياهم الحسنة، وبتفانيهم في خدمة هذه المؤسسات والحفاظ عليها، رغم الاختلافات البينة التي كانت بين التيارين، كما اعترفوا في الكثير من المناسبات أن هذه التنظيمات هي التي مهدت لهم طريق النهضة والإصلاح، وهي التي حفظت لهم سلامة المجتمع في عمومه، وبقائه متماسكا. كما اعترفوا كذلك أن أفكارهم التقدمية التجديدية، التي لم يعهدها المجتمع من قبل ما كانت لتنساب بسهولة وأريحية إلى أفراده لولا فضل جهود العلماء والمشايخ السابقين العاملين ولولا وجود هذه الهيكلة الاجتماعية الهرمية
المساعدة على العمل والنجاح.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 207 (2) بيوض المجتمع المسجدي، ص 55 - 82. (3) بيوض، حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 5. (1/411)
صفحة 412
380
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: إن الفضل الأكبر لشباب نهضتنا يرجع إلى أولئك العلماء المصلحين، فهم الذين ثقفوا الأمة، وأصلحوا نفوسها، وثقافة العقول فتحسن الإدراك وإصلاح النفوس فتحسن العمل» (1).
أيقنوا أن نجاح الحركة الإصلاحية مرهون أساسا بمدى قدرتهم على تفعيل دور هذه المؤسسات، وبمدى قدرتهم على توظيف هذه الهيكلة الاجتماعية الهرمية واستغلالها في بث الفكر الإصلاحي، وبمدى قدرتهم على استعادة هيبة العزابة والعشيرة في نفوس الجماهير، وبمدى تكوين جماعة قوية كفأة في هرم هذه المرجعيات تجمع بين العلم والخلق والعمل والخبرة. تكون محل قيادة وقدوة فعلية للجماهير؛ تلتف حولها وتضع فيها ثقتها وترضى بقيادتها وتنصاع لأوامرها وتعمل بنصحها وتستجيب لدعوتها في سبيل تحقيق المشروع الإصلاحي النهضوي الشامل. ارتبط علماء الحركة الإصلاحية وشبابها بهذه الهيئات فكانوا جنودا مرابطين في حلقات العزابة وجنودا في مجالس العشائر وجنودا في مجالس الأعيان ومجالس الشباب، وأثبتوا جدارتهم بالعمل والاستقامة والكفاءة، فاستطاعوا مع الوقت أن يتحكموا في تسيير شؤون البلد وفي توجيه أفكاره وإرشاد خطابه وتحويل منهجه نحو فكر الحركة الإصلاحية.
كما استطاعوا من خلال هذه المؤسسات أن يعايشوا جماهير الناس في عمق قضاياهم اليومية، وانشغالاتهم، وأن يخدموا حوائجهم ويقضوا مآربهم ويصلحوا ذات بينهم، فاقتربوا منهم وأثروا، فيهم وكسبوا ثقتهم، وأصلحوا من أحوالهم فكانوا ميدانيين فعلا.
يخاطب الشيخ بيوض طلبته داعيا إياهم للصبر وللمرابطة في الميادين الإصلاحية: (أريد من كل واحد منكم أن يكون له أثر في المركز الذي يوجد فيه ... المشاكل في ميدان الحياة كثيرة، والخلافات بين الأفراد والجماعات تحدث كل
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2، ص 2. (1/412)
صفحة 413
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
381
يوم في كل قرية وفي كل مدينة فاقتحموا ميادين الإصلاح، فضوا المشاكل بالحلول المرضية، وسووا الخلافات بالعدل والحكمة فإنكم بذلك تفرضون وجودكم، وتعرفون بأنفسكم، وتحملون الناس على احترامكم» (4).
من جهة أخرى؛ فإن هذه الأهمية الدينية والاجتماعية التي تحظى بها حلقات العزابة عند إباضية الجزائر في وادي ميزاب بكونها أعلى هيئة في المجتمع؛ يعود إليها القول الفصل في شؤون البلد في الدين والحياة من خلال إشرافها على مؤسسة المسجد وتسيير وظائفها، وتوجيه الخطاب الدعوي من خلال منبره الذي يؤثر مباشرة في عموم الناس - كما سلف أن بينا - جعل منها محل تنافس وتدافع بين التيارين المتخاصمين في وادي ميزاب والحريصين على الاستحواذ على الأفراد والمؤسسات.
يحدثنا التاريخ أن وادي ميزاب أثناء قيام النهضة الإصلاحية شهد صراعات داخلية عديدة وسط هذه الحلقات بين التيارين المتناطحين: تيار الإصلاح والتجديد الناشئ، وتيار المحافظة والجمود السائد؛ لأجل الإمساك بزمام هذه الحلقات التي من خلالها يتم التحكم في بقية مؤسسات المجتمع.
شهدت قرى وادي ميزاب عموما هذه المناطحات بين العزابة الموالين للحركة الإصلاحية الحاملين لفكر الشيخ بيوض من تلاميذه ورفقائه ومناصرين، وبين المتشبثين بفكر المحافظين والمعادين للشيخ بيوض وأتباعه وتوجهاته.
أسفرت هذه المعارك - الخفية أحيانا والمعلنة أحيانا أخرى، الباردة أحيانا والساخنة أحيانا أخرى - على وقوع انقلابات داخل حلقات العزابة على مستوى بعض القرى؛ تمكن من خلالها المصلحون من السيطرة على هذه الحلقات كلية وعزل العزابة المحافظين، أو دفعهم للاستقالة من مناصبهم، أو إرغامهم للركون إلى الصمت والحياد، أو الانعزال عن المجتمع نهائيا، أو الهجرة إلى مواطن المحافظين (2).
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 206. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 211 - 291. (1/413)
صفحة 414
382
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
هذا ما وقع فعلا في معاقل الإصلاح أين قويت شوكته وانتشرت أفكاره وكثر أنصاره، وضعف خصومه، وهو ما حدث في بلدة القرارة وبلدة بريان. أما القرى التي بقي فيها تيار المحافظة متماسكا فإن الصراعات بين التيارين أسفرت على تفجير حلقات العزابة، وشقها إلى صفين؛ صف محافظ وصف مصلح، حيث اضطر عزابة الإصلاح وأنصاره أن يتخذوا لأنفسهم حلقة خاصة بهم، تحمل الفكر البيوضي والمشروع الإصلاحي، مع بقاء حلقات العزابة المحافظين.
ترتب عن هذا الصراع وعن هذا التصدع في قمة الهرم انقسام المجتمع بأكمله إلى صفين كذلك، صف موال للمصلحين حامل لأفكاره وتوجهاته، وصف موال للمحافظين باق على ما هم عليه هذا ما شهدته كل من بلدة غرداية وبنورة والعطف (1).
مع مرور الوقت اتخذت حلقات العزابة الموالية للحركة الإصلاحية مؤسساتها الدينية والتعليمية وجمعياتها الخيرية، فاستقلت بمساجدها ومدارسها وصبغت كل أنشطتها بالفكرة الإصلاحية البيوضية، خاصة بعدما تعسر الجمع بين الفريقين وفشلت المساعي المبذولة لرأب الصدع، لما كان يكنه أقطاب حزب المحافظين من عداء ومقت للشيخ بيوض وأفكاره وتلاميذه، وللاختلاف البين في وجهات النظر حول العديد من القضايا الاجتماعية والفقهية بين التيارين
كما نقل هذا الصراع إلى مستوى مؤسسات العشائر بغية السيطرة عليها والتأثير من خلالها على الجماهير لما لها من أهمية في هيكلة المجتمع وتوجيهه، كما انتقل الصراع إلى مظاهر الحياة الاجتماعية العامة، فكان التجاذب في استمالة قلوب الناس وكسبهم أنصارا لأحد الصفين، بما كان يقدم كل تيار من خطاب مسجدي ومن أعمال ومن اجتهادات ومن مشاريع تربوية واجتماعية. كما نسجل أن بلدة بني يزقن بقيت الوحيدة التي لم يتمكن التيار الإصلاحي من اختراق هيئاتها وكسر وحدتها، رغم المحاولات المتكررة، ورغم وجود أنصار
(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 4، ص 27 - 51. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 166 - 168. (1/414)
صفحة 415
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
383
للشيخ بيوض بين أعيانها وأبنائها، إلا أنها استطاعت الثبات والمقاومة والحفاظ على وحدتها الداخلية وتماسك مجتمعها (1).
لعل ذلك يعود أساسا إلى وجود عدد من الفقهاء والمشايخ والعزابة من تلاميذ قطب الأيمة الشيخ اطفيش من خالفوا الشيخ بيوض في الفكر والمنهج فكانوا بالمرصاد لتيار الإصلاح الجارف.
في حقيقة الأمر إن هذه التقلبات الخطيرة والأحداث المتسارعة التي وقعت في وادي ميزاب وهذه التصدعات العمودية الشديدة التي أصابت المجتمع في عمق هيكلته ونظامه ومؤسساته العرفية العريقة من قمة الهرم إلى أسفله، لتحتاج إلى تأمل ونظر، وإلى تحديد المسؤوليات التاريخية فيها للفريقين المتصارعين المتناطحين حول القيادة والحكم، كما تحتاج إلى التساؤل الجدي والتحليل العميق والجواب الجريء عن إمكانية قبول ما آلت إليه الأمور، واستساغة مثل هذه الخروق الخطيرة مقابل إحداث الإصلاح والتغيير المنشود.
حسب رأيي؛ إن الإصلاحيين في وادي ميزاب وعلى رأسهم الشيخ بيوض؛ يتحملون شطرا من المسؤولية التاريخية في عدم تمكنهم من تمرير نهضتهم الإصلاحية دون إحداث هذا الشرخ الاجتماعي، وشق وادي ميزاب إلى صفين، وفي التسبب في أزمات اجتماعية، وفي تشتيت للقوى وإهدار للطاقات والأوقات والأموال، وضعف وهوان لا يزال وادي ميزاب يعيش آثاره وتداعياته السلبية إلى حد اليوم على أصعدة عديدة.
نقول هذا الكلام رغم كل الإيجابيات التي حصلت عليها الحركة الإصلاحية في معاركها ومنازلاتها، ورغم كل الانتصارات التي حصدتها في الميادين التي خاضتها، والتي جنى من ورائها وادي ميزاب إلى اليوم الخير العميم، وحصل له من الإصلاح والتطور والتقدم الفضل العظيم، ورد عن نفسه وأهله الشر الكثير.
(1) دبوز المرجع نفسه، ج 4، ص 27 - 51. الحاج سعيد: المرجع نفسه، ص 166 - 168. (1/415)
صفحة 416
384
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
من جهة أخرى فإن طرف المسؤولية وشطره الآخر والأكبر في حدوث هذا الشرخ الذي زلزل أركان وادي ميزاب يتحمله هؤلاء الفقهاء والشيوخ والأعيان المحافظون الجامدون على الفهم التقليدي للدين، والمتشبثون بالنظرة السطحية للشريعة وللمذهب، المانعون للتجديد والتطوير فيهما، الواقفون أمام عجلة التغيير والعصرنة التي هي من سنن الكون الخالدة، المتصلبون في آرائهم ومواقفهم، العاجزون أمام التفاعل الإيجابي مع المستجدات المتذرعون بحماية المذهب والأعراف وسير الأجداد، المتمسكون بمراكزهم الدينية والاجتماعية. ثم ما تزامن مع كل ذلك من ظروف اجتماعية وسياسية داخلية حرجة متردية، تتحكم فيها آلة الاستعمار، وتستعمل بعض هؤلاء الشيوخ والأعيان كيفما شاءت وتضحك على أذقانهم، وتعمل على تخدير المجتمع من خلالهم وإبقائه على أوضاعه المختلة،
أضف إلى ذلك ما كان يعاني منه المجتمع بسبب الجهل والفاقة والصراعات. هكذا كانت الأقدار تدفع نحو صدام الفكرين النقيضين المتصلبين، وكسر أحدهما للآخر، بدل التقارب أو التنازل من الطريفين لأجل حصول الحل الوسط،
والالتقاء في دائرة التوافق والتفاهم والتسامح في دوائر الاختلاف والتباين. كما أسجل أنه من الصعب جدا تقدير أحقية كل طرف في ما ذهب إليه أو تشبث به، لأن ذلك مرهون أساسا بمعطيات تاريخية ظرفية كان يعيشها الفريقان ويقوم بها نظرته إلى أحكام الدين ومسائل الحياة من حوله.
إلا أنه من الضروري التأكيد أن الحركة الإصلاحية وجدت نفسها مدفوعة إلى سلك هذا الطريق، ولم يكن أمامها البديل من الخيارات لتحقيق مشروعها الإصلاحي دون دك معاقل الجمود وإزاحتها من الطريق نهائيا وإسقاطها من على سدة الحكم في وادي ميزاب، لأنها طالما وقفت سدا مانعا في طريق نهضتها، فوازنت بين المصالح والمفاسد وقضت أمرها فيهم.
ونحن كدارسين لتاريخ هذه المرحلة نستطيع التقويم فنقول إن مصالح ومنافع الحركة الإصلاحية غلبت بالكثير على مفاسدها؛ التي نعتبر بعضها جسيمة وآثارها السلبية على وادي ميزاب باقية إلى حد د اليوم. (1/416)
صفحة 417
385
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
في نقطة أخرى حاولت فهم أسباب المعارضة الشديدة الشرسة التي لاقاها الشيخ بيوض ولاقتها حركته من شيوخ وفقهاء تيار المحافظة والجمود؛ والذي لم يحصل بالضراوة نفسها مع المصلحين السابقين، فرددتها إلى ما يلي:
إن هؤلاء الفقهاء لم يستسيغوا انفلات القيادة العلمية والإصلاحية لوادي ميزاب من بين أيديهم وانتقالها إلى الشيخ بيوض، وهم الذين ورثوها من مشايخهم في بلدة بني يزقن طوال قرنين من الزمن؛ بداية من عهد الشيخ أبي زكرياء الأفضلي وصولا إلى عهد الشيخ اطفيش، كما لم يستسيغوا أن تولي وجهها شطر بلدة القرارة التي كانت تعد لديهم ولدى وادي ميزاب عموما - إلى العهد القريب - تابعة في كل شيء لبقية القرى؛ خاصة منها بلدة بني يزقن وارثة معهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش.
كما كان ينظر إلى أهلها بكونهم قريبين إلى البدائية وإلى البدوية في حياتهم وفي، معاملاتهم، كما أن الجهل والأمية طاغ عليهم متفش فيهم، وهم لا يزالون بعيدين الاتصاف بالإصلاح والعلم والتحضر، الذي بدأت تظهر ملامحه ومعالمه في قرى وادي ميزاب وهم في مؤخرة القافلة بعيدين عن الالتحاق بالركب؛ فكيف بقيادته وبتوجيه قبلة العلم والإصلاح إليهم.
عن
لعل هذا ما يحدثنا به تاريخ بلدة القرارة، التي شهدت في بعض فتراتها فتنا وإحنا بين عشائرها وقبائلها كقطع الليل المظلم، واستحوذت عليهم العصبيات وتفشى فيهم الجهل، حتى ضيقوا على أصوات الإصلاح والعلم
لديهم
(1)
يضاف إلى ذلك أن المتزعم لهذا التيار التجديدي والمنادي بأفكاره لا يزال شابا يافعا، فأنى له التجربة والعلم اللذان يؤهلانه لهذه المهمة العظيمة، ويرفعانه إلى هذه المكانة الرائدة، ويجلسانه على هذا المقام الزكي؟
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 187.
Motylinski: Guerrara Depuis Sa Fondation, Alger, 1885, p 23 - 58. 27 (1/417)
صفحة 418
386
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
كما يرى هؤلاء الفقهاء أن ظهور هذا الشاب كان دفعة واحدة، لم يتسلق فيها مدارج السالكين للوصول إلى سدة الحكم في حلقة العزابة ببلدته، بل كان ذلك بزحزحة المعارضين له في طريقه، ثم الانقلاب عليهم دفعة واحدة واغتصاب السلطة والقيادة من بين أيديهم عنوة.
كما يرون كذلك في شخصيته العناد والتحرر وعدم التقيد بالمذهب وبالأعراف وبسير الأجداد، فقد بدل وغير وأفتى بما لم يعهده مجتمع وادي ميزاب وبما يخالف الشائع من فقه المذهب الإباضي، كما أن أفكاره حول القضايا الراهنة في الحياة مخالفة للتوجه العام للمجتمع ولهيئاته العرفية.
لكل هذا فإنه من باب الحكمة والصواب - لدى هؤلاء الفقهاء والشيوخ والعزابة - قطع الطريق أمام هذا الشاب المتهور وصد الناس عن أفكاره وإيقاف زحفه بشتى الطرق ومختلف الوسائل؛ وإلا أودى بوادي ميزاب إلى الهلاك والفناء.
على كل؛ هذه هي حال الدنيا فإن الأيام فيها دول.
لقد.
سعى عزابة الإصلاح بعد تمكنهم من حلقات العزابة إلى توجيه نشاطهم و جهودهم إلى جبهات عديدة، حيث قاموا بإبعاد بعض العناصر الجامدة المتحجرة على الأفكار القديمة الميتة من مراكز القيادة هذه العناصر التي كانت حجر عثرة أمام تقدم حركة الإصلاح، كما وضعوا حدا لاستغلال السلطات الاستعمارية بعض الأعيان والشيوخ - بسبب ضعف شخصيتهم وقلة زادهم في معرفة مجريات الأمور من حولهم - لأجل تمرير سياساتها الفاسدة والمهدمة لقيم المجتمع والمزعزعة لاستقراره وتماسكه.
يصف الشيخ عبد الرحمن بكلي كيف وظف الاستعمار بعض هؤلاء لخدمة أغراضه الدنيئة بقوله: فهو يمتطيهم كالحمر المؤلفة إلى غاياته وأغراضه، وما غاياته إلا إذلال السراة الأصلاء، وإعزاز المحابيس والدخلاء. وما أغراضه إلا إزاحة الأشواك عن طريق الاستعمار، ليسير هادئا مطمئنا. وليست تلك (1/418)
صفحة 419
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
387
الأشواك سوى العنصر الحي في الأمة الذي يسوؤه أن يرى قوما يسام خسفا، ويرهق ذلة، عبيدا في ديارهم» (1).
كما سعى عزابة الإصلاح لتفعيل دور المساجد وتجديد الخطاب الدعوي فيه، وتوجيهه إلى إصلاح النفوس وتقويم الأخلاق وتثقيف العقول، ومحاربة الآفات، وملاحقة المفاسد، ونشر والوعي والفكر النير على مختلف محافل المجتمع ومظاهره ومن خلال مختلف مؤسساته؛ من مجالس العشائر وتنظيمات الشباب والنساء ومؤسسات التربية والتعليم.
فمن أمثلة ذلك مقاومة العزابة والأعيان للفساد وأهله، ومداهمة أوكاره وأعشاشه، ومحاربة الاستعمار وأذنابه من القياد الفاسدين الظالمين، والدخول معهم في معارك حامية الوطيس، سجلوا فيها انتصارات باهرة، وقفوا فيها وجها لوجه أمام القائد وحاشيته وأمام الحاكم العسكري وسلطاته، وتمكنوا من إحراز النصر
ومن
(2)
وإحقاق الحق أمثلة ذلك ما حاربوه من التقاليد البالية والمعتقدات الفاسدة التي كانت تعشعش في أذهان شرائح من المجتمع حول زيارة القبور والاعتقاد في الأولياء من نفع وضر وأثر في الأحياء، مما كان متفشيا في المجتمع الجزائري عموما.
ومن أمثلة ذلك ما قام به المصلحون على مستوى مؤسسات العشائر من مراجعة الكثير من الأعراف والتقاليد التي كانت تحكم سير محافل المجتمع، خاصة منها مظاهر إقامة الأعراس والمآتم، فعدلوا ما يحتاج إلى تعديل، وألغوا ما يستلزم الإلغاء، وسنوا وشرعوا ما يحتاج إلى تشريع من جديد.
كما اعتنوا على مستوى مؤسسات العشائر برعاية الفئات الضعيفة من الأرامل والأيتام والعجزة والفقراء ورعوا أوضاعهم وساعدوهم على القيام
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 50.
(2) المرجع نفسه: ص 34 - 89 (1/419)
صفحة 420
388
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
بشؤونهم وتوفير ضروريات الحياة لديهم ورعوا أبناءهم، وحرصوا على تربيتهم
وتعليمهم، وساعدوهم على الحصول على الأعمال في الحقول أو في المتاجر. كما كانت جهود العشائر في التكفل بأبنائها جميعا لإلحاقهم بدور التربية والتعليم، ومحاربة ظاهرة انقطاع الأولاد عن مقاعد الدراسة قبل الأوان وقبل نيل القسط الكافي من التربية والتعليم، فكانت العشيرة تتولى توعية الأولياء بأهمية تعليم أبنائهم، وتتكفل بالأولاد الفقراء وتنفق عليهم وتحرص على متابعة سلوكهم ودراستهم.
ومن الجبهات الأخرى التي أولوا لها عناية خاصة ووظفوا فيها الهيئات العرفية لإصلاحها هو المجتمع النسوي، فحاولوا رعايته أكثر وحرصوا على توعيته من خلال دروس المساجد، وحرصوا أيضا على تكوينه وتعليمه ولو بصفة تدريجية وحاربوا بعض الأفكار الفاسدة والخاطئة حول تعليم الأنثى التي كانت شائعة في وادي ميزاب مما ترك من ركب تثقيف المرأة وتعليمها يبقى متواضعا يراوح مكانه ويعيش تأخرا وتذبذبا كبيرين.
فكانت جهود الإصلاح في وضع اللبنات الأولى لتعليم الفتاة وتثقيفها وفتح المدارس الحرة الخاصة بها، وإعداد البرامج الملائمة مع طبيعتها وفطرتها وتكوينها في فقهها وفي مسؤولياتها المستقبلية زوجة وربة بيت وأما. فكانت الجهود في إخراجها من بوثقة الأمية التي كانت تعاني منها إلى نور العلم والمعرفة (3). كما نشطت هذه الهيئات العرفية في مجال التنسيق بين قرى وادي ميزاب حيث يتمركز الإصلاح، فكانت تعقد الاجتماعات فيما بينها للتشاور والتآزر، وتتبادل التجارب الناجحة، وتعمم الأفكار النيرة للحركة الإصلاحية التي كان الشيخ بيوض ينادي إليها في خطبه وفي دروسه المسجدية (2).
(1) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 181 - 186. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، 319 - 325. (1/420)
صفحة 421
المبحث الثالث: الهيئات العرفية
389
بذلك تشكل للحركة الإصلاحية هيئة عرفية للشورى والتفكير في حاضرها ومستقبلها، ودراسة القضايا المستجدة واتخاذ المواقف المناسبة حولها، والمداومة على متابعة أحداث الجبهة الداخلية على مستوى كل قرية وعلى مستوى وادي ميزاب وعلى مستوى الجزائر والعالم الإسلامي. هكذا نفذ أعلام النهضة الإصلاحية الممثلين في العزابة والأعيان وشيوخ العشائر مشروعهم الإصلاحي في كل جوانبه من خلال تفعيل الهيئات العرفية الهرمية التي ينطوي عليها هذا المجتمع، حيث أضحت كل وحدة فيها تقوم بدورها الإيجابي المنوط بها، وتتعاون فيما بينها، وتتقاسم الأدوار، وتتبادل الآراء، فشهد المجتمع بفضل ذلك حركية متسارعة أنتجت نهضة نوعية، حولت الأفكار إلى واقع،
والأهداف إلى مشاريع عملية أعلت صرح الإصلاح في وادي ميزاب.
C&C (1/421)
صفحة 422
390
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
المبحث الرابع:
الأطر والمؤسسات الحديثة
نقصد بالأطر الحديثة تلك المؤسسات والتنظيمات والوظائف الإدارية التي أحدثت في الجزائر ووادي ميزاب من خلال أجهزة السلطة والحكم، خلال العهد الاستعماري. اعتبرنا هذه الأطر والمؤسسات آليات ووسائل لتجسيد مشروع النهضة الإصلاحية، وزرع أفكارها لدى الجماهير وإحداث حركية اجتماعية فيهم لم لم قامت به من دور فعال وتركت من أثر عميق في نفوس أفراد المجتمع وفي عقولهم خلال هذه الحقبة الزمنية من تاريخ الجزائر ووادي ميزاب.
كما
ذلك يتضح من خلال ما أولته الحركة الإصلاحية من أهمية في توظيف هذه الأطر لأجل التمكين للنهضة الشاملة، فبالعودة إلى أدبياتها وأرشيفها ووثائقها يلاحظ جليا هذه المكانة المعتبرة وهذا الدور الإيجابي المؤثر في النهضة، بكونها إحدى ركائز الحصانة والحماية والدعامة للمشروع الإصلاحي وتجسيد أفكاره وتحقيق أهدافه (1).
يصف الشيخ بيوض هذه الجمعيات بقوله: (إن تلك الجمعيات الخيرية الإصلاحية، ومدارسها ونواديها هي مفاخرنا التي نعتز بها، فهاهي تشرق بأنوارها، وتحيي الأمة (2)
لا شك أن التفاعل الإيجابي للحركة الإصلاحية مع مستجدات العصر ومعطيات الزمن وتفتحها على ما جاد به العقل الإنساني من تطور وإبداع واختراع
(1) يراجع في ذلك: إبراهيم بيوض رسالة مطولة حول دواعي دخوله المجلس الجزائري بعث بها إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش في القاهرة. دبوز نهضة الجزائر، ج 2، ص 229 - 258. شريفي: معهد الحياة،
82 - 75
(2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 104. (1/422)
صفحة 423
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
391
في مجالات الحياة المختلفة من تسيير وتجهيز وتشريع وتنفيذ كان وراء هذه الأهمية التي نظرت بها الحركة الإصلاحية لهذه الأطر الجديدة، رغم كل المخزون الحضاري العريق والثري الذي يحظى به هذا المجتمع في جانب التأطير والتسيير والتنظيم. ورغم كل التشبث والتقدير لهذه النظم كما سبق أن بينا ذلك.
لاشك أن هذا المنحى والتوجه ليكشف لنا عن مستوى النضج والتجربة والخبرة التي ولدت هذا التفتح وسعة الأفق والاستفادة من الآخر والتفاعل الإيجابي مع متطلبات الحياة؛ التي أضحت سمة بارزة ومعلما واضحا لدى الحركة الإصلاحية تتمتع به وتتحلى به كخصلة مميزة في جوانب كثيرة من مشروعها الحضاري.
في حقيقة الأمر إن تأكيدنا على هذا التوجه لدى الحركة الإصلاحية لكونه جديدا على وادي ميزاب بهذه الصورة، ولكون التيار السائد فيه لا يزال إلى الآونة الأخيرة يخالف هذا المنحى ويعارضه ويرى التعامل مع مؤسسات الدولة الاستعمارية وسلطاتها ينافي مبادئ الدين وقيم الإسلام ويعني إعانتها على الظلم والطغيان ونشر الباطل والكفر
(1)
إن مبدأ الحركة الإصلاحية في تبني فكرة العمل داخل هذه الأطر نابع من قناعتها بكونها آليات ووسائل يتم من خلالها خدمة مصالح المسلمين وصيانتها والحفاظ عليها، ويكونها آليات ووسائل لتسيير شؤون البلاد والعباد، وجلب الصلاح لهم ودرء الفساد عنهم، ومن خلالها تضفي على نشاطها الاجتماعي والتربوي والتعليمي الصبغة القانونية وتستمد الشرعية والاعتماد لدى السلطات الاستعمارية مما يسمح لها بمزاولة نشاطها بحرية وبصفة علنية قانونية، تحجب عنها المساءلات والمضايقات والملاحقات والمتابعات.
بذلك فإن الحركة الإصلاحية اعتبرتها من الواجبات التي لا يتم الواجب إلا بها. ومن الضروريات التي يمكن أن تبيح بعض المحظورات. لكون السلطات
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 91 - 99 دبوز: اعلام الإصلاح، ج 5، ص 47 - 54. (1/423)
صفحة 424
392
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
الاستعمارية بالمرصاد لأي عمل ونشاط خيري غير معلن به أو مصرح، ولا يحمل موافقة المصالح الإدارية المعنية به.
من جهة أخرى فإن هذه المناصب والوظائف الإدارية اكتست أهمية كبيرة مع الوقت، وأصبحت ذات حساسية وخطورة على الأمة في حفظ استقرارها وأمنها وصلاحها إن لم تسند إلى رجال أكفاء يعون جيدا كيف يسيرون شؤون مجتمعاتهم ويتحملون مسؤولياتهم بكل أمانة وثقة واقتدار. وفي المقابل فقد أضحت معول هدم وتخريب وإفساد عندما تركت بين أيدي العابثين والمستهترين والفاسدين من الرجال الضعفاء ومن أذناب الاستعمار.
يبين الشيخ بيوض أهمية تولي أكفاء الأمة لهذه المناصب وهدفه بقوله: «إن تولي الصالحين للوظائف؛ سيما القضاء والعضوية في المجالس البلدية يضمن حقوق الأمة. يدافعون عنها، فتنالها كلها أو الكثير منها، ويدفعون عنها الظلم فيزول كله أو أكثر، فإذا فرضت الحكومة من الغرائم على الأمة مالا تطيقه دافعوا عنها، وطالبوا الحكومة بإنقاص غرائمها، وكذلك في جلب المنافع، ودفع المضار الأخرى» (1).
من جهة أخرى فإن وعي الحركة الإصلاحية ونضجها جعلها تنظر إلى ما بين أيديها من أطر وآليات متمثلة في هيئات عرفية عريقة أصيلة على رأسها المسجد والمدرسة ونظام العزابة والعشيرة، فرأت فيها القاعدة الصلبة لبناء هذا المجتمع والحفاظ على حصانته وتماسكه وسبيل إحداث نهضته وإصلاحه. إلا أن هذه الهيئات تحتاج إلى تعزيز وإلى مزيد دعم وتوطيد لأجل تثمين جهودها ودعم نشاطها ودفعه قدما إلى الأمام؛ فرأت أن تزاوج بينها وبين هذه الأطر والآليات الحديثة وما أنت به من مستجدات ونظم في إطار العمل الجمعوي والإداري
والتشريعي والتنفيذي.
(1) دبوز المرجع نفسه: ج 5، ص 53 - 54. (1/424)
صفحة 425
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
393
فلم تر مانعا من أن تجمع بين القديم والحديث وبين الأصيل والمعاصر، لأجل أن يكمل أحدهما الآخر، وينتفع الأول بالثاني ويتعاونا معا في سبيل تشييد مسيرة النهضة الإصلاحية الشاملة، مادامت المبادئ والأسس والمنطلقات ثابتة والأفكار والأهداف نفسها لن تتبدل ولن تتغير؛ إذن فلا حرج في تعدد الوسائل والأطر في سبيل خدمة المبادئ وتجسيد الأفكار وتحقيق الأهداف.
تمكنت
تعبيرا عن هذه القناعة يرى الشيخ بيوض أن الحركة الإصلاحية كلما من تعدد آلياتها في الإصلاح وتنويع أطرها في التغيير، وتكثير مواقعها في المجتمع كان نفوذها على الجماهير أقوى وأكثر، وكان مردودها في الواقع أنفع وأسرع (1) وينظرة العالم المتفتح والمتفهم لقضايا عصره والمتفاعل إيجابيا مع مستجداته يقول الشيخ بيوض: «لا ندعي الكمال في ما نحن عليه، ولم نحاول أن تجعل هذه النظم حكرا علينا، أو نجد غضاضة في استفادة غيرنا بها إذا اقتنع بذلك، ولا نستنكف من الاستفادة والاقتباس من تجارب الآخرين في التنظيم الاجتماعي (2). بهذه الفلسفة المقاصدية الاستراتيجية المستقبلية تعاملت الحركة الإصلاحية مع الأطر الحديثة واستخدمتها لدرء المفاسد والمضار عن الأمة، وتحقيق والمنافع والمصالح العامة.
إذن توجهت الحركة الإصلاحية نحو تجسيد هذه الأفكار، ونحو الأخذ بأسباب التمكين والقوة والعزة وولجت معترك المغالبة والمدافعة السلطات الاستعمارية
بتبنيها العمل ضمن إطارين حديثين هما:
الجمعيات الخيرية.
مؤسسات السلطة الاستعمارية.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 104. (2) بيوض حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 63. (1/425)
صفحة 426
394
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
1 - الجمعيات الخيرية:
في حقيقة الأمر إن فكرة العمل الخيري الجمعوي والتأطير الاجتماعي للفئات والشرائح لم يكن وليد القوانين التي سنتها السلطات الاستعمارية لتنظيم المجتمع المدني في الجزائر (1)، بل يعد ذلك موروثا حضاريا عريقا لدى الأهالي في الجزائر ووادي ميزاب كما سبق أن بينا ذلك؛ حيث إن المجتمع يعيش على التكافل والتعاون والتآزر وخدمة الصالح العام من خلال هيئاته العرفية من مجالس العزابة والعشائر والأعيان والنساء والشباب.
لذا فإن فكرة إنشاء الجمعيات في وادي ميزاب تعد تحصيل حاصل، المقصد
منه إضفاء الشرعية القانونية والرسمية لعمل راسخ قديم عريق في المجتمع.
هذا ما يشير إليه الشيخ بيوض ويقرر أن الجمعيات التي أسست في وادي ميزاب في حقيقة أمرها كانت موجودة من قبل، وكانت تعمل في السر وكانت لها هيكلتها وتنظيمها العرفي، ثم ظهرت للعلن عندما اقتضت الضرورة والحت الحاجة إلى ذلك، تحت ضغوط السلطات الاستعمارية ومضايقاتها للأعمال الخيرية والنشاط الجماهيري والمؤسسات الأهلية غير المعترف بها وغير المعتمدة لديها (2).
سطرت الحركة الإصلاحية سياستها وقامت بدعوتها لإنشاء جمعيات تابعة لها على مستوى كل قرية من قرى وادي ميزاب على أن تكون ذات طابع اجتماعي ثقافي خيري.
إلا أن عملها في حقيقة الأمر قد مس كل جوانب المجتمع، وكانت تشرف على تسيير شؤون الحركة الإصلاحية على مستوى البلدة وتعطي الصبغة القانونية
(1) أصدرت السلطات الفرنسية في جويلية 1901 م قانون إنشاء الجمعيات وتنظيمها، بحيث يكون لها قانون أساسي ومجلس إدارة ومكتب منتخب وأهداف واضحة، وتقدم ملفها للسلطات لطلب اعتمادها رسميا. تركي: التعليم القومي، ص 423. (2) بيوض: تقرير عن التعليم العربي، منشور ضمن كتاب تركي التعليم القومي، ص 423 424. (1/426)
صفحة 427
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
(1)
395
الرسمية لنشاطاتها ومشاريعها المتعددة، حيث اعتنت بتأطير التعليم وتشييد المدارس ورعاية الطلبة، وبتنظيم التجارة والفلاحة والحرف، وتوجيه الشباب إلى العمل، وبالمشاركة في الحياة السياسية المحلية، والعمل على توعية المجتمع ورفع الحس الوطني لديه يوضح الأستاذ محمد علي دبوز أدوار هذه الجمعيات وأهدافها بقوله: «اعتنت هذه الجمعيات بكل ما قام به سلفهم المصلحون؛ فأنشأت المدارس العربية العصرية الواسعة الجميلة ... والنوادي الأدبية الاجتماعية، والمكاتب العامة الحافلة، والمعاهد الثانوية للعلوم العربية والدين، وأرسلت البعثات العلمية الكثيرة إلى تونس ... وقامت هذه الجمعيات المباركة بالإصلاح الاجتماعي فحاربت التعصب وكل أنواع الفساد الخلقي ... وكانت هذه الجمعيات أقوى عضد للعزابة في كل أعمالهم (2).
تمثلت الجمعيات الإصلاحية التي ظهرت بوادي ميزاب في ما يلي:
- جمعية الإصلاح تأسست في بلدة غرداية في تاريخ: 12 رجب 1347 هـ/24
ديسمبر 1928 م.
جمعية الحياة: تأسست في بلدة القرارة في تاريخ: 16 جمادى الأولى
1356 هـ/ 24 جويلية 1937 م.
جمعية النور: تأسست في بلدة بنورة في سنة 1365 هـ/ 1945 م. - جمعية النهضة تأسست في بلدة العطف في سنة: 1365 هـ/ 1945 م.
جمعية الفتح: تأسست في بلدة بريان في سنة: 1366 هـ/ 1946 م. جمعية الاستقامة: تأسست في بلدة بني يزقن في سنة: 1368 هـ/ 1948 م. - جمعية النصر: تأسست في بلدة مليكة في سنة: 1380 هـ/1960 م.
(1) دبوز نهضة الجزائر، ج 2، ص 229 - 232 (2) المرجع نفسه: ج 2، ص 230 231.
(3) مجهول: الجمعيات الخيرية في وادي ميزاب دبوز نهضة الجزائر، ج 2، ص 229 - 260. (1/427)
صفحة 428
396
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
إن الأدوار المهمة التي أنيطت بهذه الجمعيات الخيرية وما حققته على أرض الواقع من أعمال عظيمة في خدمة الحركة الإصلاحية ونصرة أفكارها وتجسيد مشاريعها جعل من السلطات الاستعمارية على مستوى وادي ميزاب تتخذ منها موقفا معاديا، وتعلن غضبها وسخطها عليها، وتقف في طريقها معترضة على أنشطتها وأعمالها مضيقة عليها؛ رغم حصولها على الاعتماد بعد جهود جبارة من قبل المصلحين على مستوى السلطات المحلية، وبعد محاولات ووساطات كثيرة على مستوى الإدارة المركزية بالجزائر العاصمة، وعلى مستوى الإدارة المركزية بباريس بعد هذا ينبغي الوقوف مع جمعية أخرى تركت آثارها في الساحة الإصلاحية بوادي ميزاب
(1)
- جمعية قدماء تلاميذ معهد الحياة
بعد إتمام تأسيس جل الجمعيات الإصلاحية في قرى وادي ميزاب ورسوخ قدمها، وإثبات جدارتها وبروز أدوارها واتضاح منافعها في رعاية مصالح الحركة الإصلاحية ومؤازرة نهضتها وتشييد مشاريعها وحصانة مؤسساتها، وتحولها إلى العقل المفكر والمدبر الحاضر الحركة ومستقبلها على مستوى كل قرية تولدت الحاجة إلى التفكير في إيجاد إطار جديد يعمل على تنسيق جهود الإصلاحيين وتجميعها على مستوى وادي ميزاب ويعمل على تقريب وجهات النظر في مشاريع التربية والتعليم والإصلاح الاجتماعي، ويعمل على تبادل الخبرات وتناقحها والاستفادة من التجارب، فكانت فكرة الشيخ عدون (2) وقدماء تلاميذ معهد الحياة ودعوتهم إلى إنشاء إطار يضم كل هذه الجمعيات ويلبي هذه المقاصد ويخدم هذه الأهداف.
(1) بيوض: تقرير عن التعليم العربي، منشور ضمن كتاب تركي التعليم القومي، ص 423 424. دبوز: المرجع نفسه، ج 2، ص 229 - 258 مجهول: الجمعيات الخيرية في وادي ميزاب.
(2) عمر إسماعيل آل حكيم: مقابلة مع شاهد القرن، ط 1، 1427 هـ / 2006 م، ص 19. (1/428)
صفحة 429
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
إشاعتها
397
اقتنع الشيخ بيوض بفكرة رفيق دربه الشيخ عدون وتبناها وعمل على من خلال دروسه المسجدية في بلدته القرارة وتنقلاته بين قرى وادي ميزاب في مناسبات عديدة وزياراته المتكررة إليها واجتماعه بأعيانها لشرحها وبسط مقاصدها وبيان أهدافها حتى استطاع أن يقنع رفقاءه وتلاميذه وأتباعه بذلك (4). فتأسست في بلدة القرارة في 30 رمضان 1367 هـ/ 5 أوت 1948 م جمعية قدماء تلاميذ معهد الحياة (2).
كان الهدف الأسمى لتأسيس هذه الجمعية هو جمع شتات طلبة خريجي معهد الحياة الموجودين في أرجاء قرى وادي ميزاب ومدن الجزائر في الوظائف والمهن والتجارة لأجل مساندة حركة التعليم العربي الإسلامي الحر ومؤازرة مشايخهم أعلام الحركة الإصلاحية في حمل هذا العبء، خاصة في جانبه المادي، بعد أن توسعت مؤسساته وتشعبت فروعه في كامل قرى وادي ميزاب وفي مدن الجزائر بالشمال، وكثرت نفقاته وتكاليفه، مما احتاج إلى تضافر الجهود للقيام بهذه المسؤولية العظيمة الثقيلة. ثم توسعت مهام الجمعية إلى العمل على توحيد البرامج والمقررات المعتمدة في التعليم وضبط الخطط التربوية لكل المدارس التابعة للحركة الإصلاحية، ثم توسع نشاط الجمعية ليشمل جانب الإصلاح الاجتماعي. ثم توسع ليقوم بتنظيم وتمويل خلايا الثورة في وادي ميزاب وخارجه.
يبين الشيخ عدون الهدف من إنشائها في خطبة ألقاها في المؤتمر التأسيسي لها بقوله: «نجتمع اليوم في هذا المجلس الحافل أمام أستاذنا الشيخ بيوض لا كتلاميذ يتلقون عنه دروس التهذيب والتثقيف كما كنا معه في سالف العهود، وإنما نجتمع کجنود مدربين مزودين بالقوة الكلية للنزول إلى ميادين الكفاح أمام قائدهم الأعلى ... تجتمع اليوم كمؤتمر عام لهذه الجمعية لتنفيذ أغراضها الأساسية من جمع
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 177 - 191. (2) آل حكيم: المرجع السابق، ص 19. دبوز المرجع نفسه، ج 3، ص 186 - 216. شريفي: معهد الحياة،
ص 76 - 77. (1/429)
صفحة 430
398
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
شتات الأعضاء والمحافظة على الروابط المتينة التي عقدها المعهد زمن الدراسة، وبث تعاليم الأستاذ في نفوسهم، وفي الأوساط التي يتصلون بها، وخدمة المشاريع العلمية بجميع الوسائل والمشاركة في الإصلاح العام بقدر الاستطاعة، والنزول إلى ميادين الكفاح بصورة منتظمة وخطط مرسومة تحقق الغاية المطلوبة» (1). اتخذت الجمعية لنفسها فروعا في كل قرى وادي ميزاب، وفروعا أخرى في مدن الجزائر في الشمال، وكانت تعقد مؤتمرات سنوية يحضرها ممثلو كل الفروع وأعداد هائلة من الطلبة القدماء لمعهد الحياة، تناقش فيها قضايا التعليم والتربية وتعرض فيها التقارير عن سير الأعمال وعن تطور حركة التعليم، وعن العقبات والمشاكل التي تعترض سبيله، فيشترك الجميع في إيجاد الحلول لها والتعاون على تخطي هذه العقبات (2). كما كان الشيخ بيوض يستغل هذه الفرصة السنوية التاريخية التي تحولت إلى مؤتمر للحركة الإصلاحية يجتمع فيها مع رفقاء دربه وتلاميذ من قادة الحركة الإصلاحية، فيلقي بالمناسبة خطابا مطولا وعميقا يتضمن تقييم المرحلة الخطط المستقبلية وطرح الإشكالات وتقديم التوجيهات والنصائح
الراهنة ورسم وتحديد الخطوات القادمة (3).
واصلت هذه الجمعية المحورية الموحدة عملها حتى عهد الاستقلال، وفي مؤتمرها سنة 1383 هـ / 1963 م ببلدة القرارة داهمتها السلطات الأمنية وفرقت المجتمعين بالقوة وحظرت أي اجتماع لها في المستقبل وكان وراء هذا العمل بعض أعداء الحركة الإصلاحية الذين أصبح لهم نفوذ باحتلالهم مناصب في حزب جبهة التحرير الوطني على المستوى المحلي). فتوقفت الجمعية عن عقد مؤتمراتها
(1) شريفي: المرجع نفسه، ص 76 - 77.
(2) محضر جلسات مؤتمر جمعية قدماء التلاميذ بلدة بريان، جويلية 1963. مجهول: الجمعيات الخيرية في
وادي ميزاب
(3) دبوز نهضة الجزائر، ج 3، ص 208.
(4) شريفي: معهد الحياة، ص 80 - 81. (1/430)
صفحة 431
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
399
وملتقياتها الجامعة، وتحولت إلى جمعية محلية دائرة نشاطها بلدة القرارة، إلا أنها من
(1)
الناحية العملية بقيت على حالها تمثل وحدة الحركة الإصلاحية وعقلها المدبر) نريد أن نشير في الأخير إلى الدور المحوري لزعيم الحركة الإصلاحية الشيخ بيوض في إنشاء هذه الجمعيات والعمل على تفعيلها بالنشاط الميداني، وذلك من خلال تلاميذه الذين قادوا هذه الجمعيات الذين تربوا على يديه بعد أن بث فيهم روح العمل الجمعوي والحركية الاجتماعية والتضحية في سبيل الدين والوطن، وغرس فيهم الإقدام والمبادرة ونصرة الفكرة والمبدإ والثبات عليهما، وتحمل الصعاب والمشاق والصبر على الشدائد.
2 - مؤسسات السلطة الاستعمارية:
سبق أن بينا أن إباضية الجزائر في وادي ميزاب عاشوا حالة من الظلم والهوان وضياع المصالح والحقوق وإذكاء نار الفتن والفرقة ونشر الرذيلة والفساد بينهم بأسباب أيادي الحكم العسكري المتسلط وأذنابه من بعض الحكام المحلين المتمثلين في شيوخ القرى المعروفين بـ: "القياد“.
حرص هؤلاء على تنفيذ السياسة الاستعمارية الداعية إلى إبقاء وادي ميزاب على تخلفه ونومه وما هو عليه من أوضاع مزرية، وعدم السماح باستفاقته وتصحيح أحواله بخنق أي صوت للإصلاح والتغيير فيه.
مما أسهم في تكريس هذه الحالة المتردية تهرب رجال البلد الأخيار والأكفاء من تحمل مسؤوليات تمثيل السلطات الاستعمارية في مناصب القضاء والمجالس البلدية؛ التي شرعتها لتسيير شؤون المدن والقرى وامتناعهم تولى هذه الوظائف، وتركها بين أيدي العابثين والفاسدين وأصحاب الأطماع الشخصية من النفوس الضعيفة المريضة الموالية للسلطات الاستعمارية والخادمة لأغراضها، فكانت
(1) المرجع نفسه: ص 80 - 81. (1/431)
صفحة 432
400
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته،
تكافئهم بهذه المناصب مقابل ما يقدمونه لها من ولاء ومن خدمات وتنازلات واستجابات لسياستها المقيتة وأفكارها المنحرفة.
كان وراء هذا التهرب والعزوف عن هذه الوظائف المهمة والخطيرة تلك النظرة الدينية الاجتماعية المسيطرة السائدة آنذاك المتمثلة في تحريم شيوخ المساجد. والفقهاء لأي تعامل مع سلطات الحكم العسكري بتولي أحد مناصبها والعمل تحت أجهزتها وتنفيذ أوامرها وسياستها. حيث أطلقوا فتوى حرمة تولي المسلم للوظائف في أجهزة الدولة مهما كان نوعها لكونها سلطة كافرة مشرك ركة (4): محتجين في ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «لعن الله الظلمة وأعوانهم وأعوان.
أعوانهم (2). دامت هذه الحال من العزوف نحو ستين سنة؛ من تاريخ دخول المستعمر إلى وادي ميزاب سنة 1269 هـ/ 1853 م، إلى نهاية الربع الأول من القرن العشرين؛ هذا ما جعل أعلام الحركة الإصلاحية يتعرضون لهذه القضية ويحاولون علاج هذا الوضع وتغيير هذه النظرة التي رأوها خاطئة لا تتماشى مع روح الدين ومقاصده الكبرى وقواعده الكلية.
فكان موقفها صريحا في معارضة هذا التوجه ومحاربته في أذهان الناس وكانت جهودها في إقناع خيار البلد من الأعيان والرجال الأقوياء الأمناء للترشح والتقدم لتولى هذه المناصب، كما كانت جهودها في إبطال هذه الفتوى وبيان فسادها ومعارضتها لروح الدين ومقاصد الشريعة الإسلامية، وتفنيد الحجج التي كان يقدمها التيار المحافظ على وجهة نظره.
يقول الشيخ بيوض: وقعت ضجة كبيرة من أولئك العلماء المعارضين للإصلاح في ميزاب في مسألة تولي بعض الوظائف المدنية تحت السلطة الفرنسية في
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 47 - 54. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 166
167
(2) لم أجده في الكتب التسعة. (1/432)
صفحة 433
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
401
المدن الجزائرية، وكذلك في مسألة القضاء. ووقع فيها صراع كبير بيننا وبين حزب المعارضة، فهم يحرمون تولي القضاء الشرعي الإسلامي الذي يطبق أحكام الدين في القضايا تحت السلطة الفرنسية ونحن نوجبه، وقد تغلبنا على المعارضين في مسألة القضاء بالحجج الدينية، وأسكتناهم بقوة البرهان (1)
دخلت الحركة الإصلاحية بقيادة الشيخ بيوض في دعاية واسعة وفي دعوة قوية وظفت فيها منابر المساجد التي بين أيديها، ومحافل المجتمع المتاحة لديها لتبين فيها للناس أهمية هذه المناصب وخطورتها على البلاد والعباد، فهي مكمن التأثير على الجماهير إيجابا أو سلبا، ومن خلالها يتم جلب كل خير للأمة ورفع كل شر عنها،
أو على الأقل مغالبة السلطات الاستعمارية في إحقاق الحق وإبطال الباطل. يقول الشيخ بيوض: " إذا كان القائد صالحا فإنه يدفع نصف البلاء عن بلده، وإذا كان فاسدا يضاعف بلاء الاستعمار على بلده بل يكون نارا في يد الاستعمار يشوينا بها، وترى القياد الفاسدين في ميزاب يؤلبون الاستعمار علينا، وهم أنكى وأشد أضرارا بنا من الحكام العسكريين» (2).
أثار هذا الموقف الإصلاحي الصريح والقناعة الفكرية الواضحة والتوجه الجديد المخالف لما هو سائد حافظة تيار الجمود والمحافظين، ودخلوا في نقاش وجدل فقهي وشرعي مع تيار الإصلاح، وحاول كل فريق أن يحشد أدلته وآراءه على صحة ما ذهب إليه، يعرض بضاعته على المجتمع وعلى أتباعه من خلال منابر المساجد والمحافل الاجتماعية.
وصل الأمر بتيار المحافظين إلى أن أصدر فتوى تكفير الشيخ بيوض ومروقه من الدين هو وأتباعه بسبب رأيهم وتوجههم هذا الذي اعتبروه تواطؤا وتعاملا مع
الكفرة والمشركين (3).
(1) دبوز: المرجع السابق، ج 5، ص 50. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 53. (3) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 91 - 99.
28 (1/433)
صفحة 434
402
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
كما تصدى الشيخ بيوض وأصحابه إلى الرد عن هذه التهم والافتراءات وأوضحوا للأمة سفاهة موقف التيار المحافظ، وبينوا لهم المصالح الضائعة والمضار اللاحقة بالمجتمع من جرائه.
تمكنوا في الأخير من إقناع رجال الأمة وأعيانهم بضرورة السعي للتمكن من هذه المناصب والدخول في معترك الانتخابات البلدية لانتزاعها بشرعية القانون من أيادي العابثين والفاسدين والموالين للاستعمار وحزبه. خاصة بعد ما أصبحت هذه المناصب ينتخب عليها انتخابا بعدما كانت السلطات الاستعمارية تفرض من تشاء من الناس فيها (1).
لا شك أن الحركة الإصلاحية في معركتها الفكرية الحضارية هذه، كشفت عن مستوى نضجها وعن استقلالية تفكيرها وعن تميزها بالنظرة المقاصدية الثاقبة للأمور وعن استيعابها لمجريات الحياة ومستجداتها، كما كشفت عن استعدادها لخوض معرفة المغالبة والمجابهة السلمية في سبيل خدمة الوطن وعمارته بالخير ورد الشرور عنه، وهذا معلم واضح في الفكر الإصلاحي بزعامة قائده الأول الشيخ بيوض.
ترجمت هذه القناعة في دخول الحركة الإصلاحية المعترك السياسي من بابه الواسع في قضية الانتخابات المحلية البلدية والوطنية التشريعية، حيث قامت بانتقاء من رجالها وأعيانها وطلبتها المتخرجين من مدارسها ومعاهدها وبعثاتها
الكفاءات
خارج الوطن لتحميلهم هذه المسؤولية. كما قامت الحركة بتنشيط حملات انتخابية كثيرة على مستوى قرى وادي ميزاب تؤيد مرشحيها وتتولى الدعاية لهم وأقامت الكثير من المهرجانات الشعبية التي شرحت فيها أفكارها وبرامجها وسياساتها، فساهم هذا العمل في نشر الوعي الوطني والسياسي بين الجماهير، كما كان سببا في قياس شعبية الحركة الإصلاحية
(1) المرجع نفسه: ص 201 - 206 دبوز المرجع السابق، ج 5، ص 47 - 54. سكحال: الشيخ بوض ومنهجه في الإصلاح، ص 166 - 167. (1/434)
صفحة 435
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
403
في وادي ميزاب وسببا في تفعيل حركيتها الاجتماعية وضم الجماهير إلى صفوفها. فشهد المجتمع فعلا غليانا اجتماعيا واستفاقة عامة مست كل الشرائح وجعلتهم يشاركون في العملية الإصلاحية النهضوية الشاملة (1).
كانت نتائج هذه الانتخابات كافية لتعلن غلبة تيار الإصلاح على تار المحافظين وتمكنه من السيطرة والتحكم في زمام أمور السياسة والحكم في وادي ميزاب وكذا قدرته على زعزعة أركان التيار الخصم، وزحزحته عن كثير من مواقعه وقلاعه التي كانت تحسب له وحصره في دوائر ضيقة، وإضعاف صوته وإخماد ناره التي كانت ملتهبة في وادي ميزاب على الإصلاح وأتباعه.
كما مكنت هذه الانتخابات من قياس شعبية التيار الإصلاحي ومعرفة أنصاره ومدى التفاف الجماهير حوله، وهل تمكن من انتزاع الشرعية التمثيلية لوادي
ميزاب والنطق باسمه والتعبير عن آلامه وأماله لدى السلطات الاستعمارية. لا شك أن هذه الفرصة كانت كذلك منعطفا تاريخيا مهما جدا حيث تعلمت منها الحركة الإصلاحية الكثير فيما يتعلق بالعمل السياسي والنضال الوطني السلمي، ومقارعة الاستعمار باستعمال الأساليب المعاصرة من تنظيم الانتخابات وحشد الجماهير وشرح السياسات وتسطير البرامج وبسط الأفكار.
في مقابل ذلك فإن تيار المحافظين المنافس والمنازع لها خسر الكثير من أتباعه وفقد الكثير من قلاعه جراء بعض مواقفه الساذجة وبعض آرائه المتخلفة وغير المستجيبة لمتطلبات العصر ولتحديات المجتمع، بانعزاله عن المجابهة والمواجهة والمغالبة، واكتفائه بالتنديد والاستنكار، وانكماشه على نفسه وانغلاقه على أوضاعه، واختياره المسالمة والمهادنة مع السلطات الاستعمارية المتعسفة والمتعفنة.
بهذا النوع من النشاط السياسي الجمعوي عملت الحركة الإصلاحية على تعرية التيار المحافظ وكشفه للجماهير على حقيقته في علاقته المضطربة والمتناقضة السلطات الاستعمارية؛ فهو من جهة يفتي بحرمة تولي مناصبه الإدارية، ومن
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 201 - 349. (1/435)
صفحة 436
404
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
جهة أخرى يستكين لسياسته ويخضع لها ويجامل مسؤوليها ويتودد إليهم ويتزلف فاستطاع الناس أن يميزوا بين الموقفين والتوجهين ويعلموا أيهما يخدم مصالح ا الأمة ويحفظ كيانها، وأيهما يضرها، وعرفوا كذلك أيهما يقارع الباطل وينصر الحق وأيهما يهادنه ويتغاضى عنه.
كما اتضح للناس كذلك أن السلطات الاستعمارية كانت تستخدم بعض رموز هذا التيار من الفقهاء والشيوخ والأعيان والقياد- من حيث يعلمون أو لا يعلمون - في خدمة مصالحها وتكريس سياستها العدوانية تجاه وادي ميزاب. هذا ما يبرر وقوفها - غالبا - في صف المحافظين والقياد وتأييدها لأفكارهم ولمواقفهم ضد تيار المصلحين ورموزه خاصة الشيخ بيوض فكانت تشد أزرهم وتجيب طلباتهم وتعمل، بوشاياتهم، وفي المقابل كانت دائمة الاتهام والمضايقة والمساءلة والملاحقة لتيار المصلحين وإلحاق الأذى برموزه وأقطابه وأعيانه ومشددة الخناق عليهم، وكانت – في كثير من الأحيان مواقف تيار المحافظين ووشايات القياد“ وراء كل ذلك (1)
استمرت الحركة الإصلاحية في توجهها هذا ونصرته إلى النهاية فاستطاعت أن تظفر بكثير من المقاعد في المجالس البلدية، كما استطاعت كذلك أن تتولى الكثير من مناصب القضاء، واستطاعت أكثر من ذلك أن تظفر ببعض مناصب شيخ البلدية، الذي هو منصب القائد سابقا، وبذلك استطاعت أن تخدم الأمة من خلال هذه الأطر، واستطاعت أن تصحح الكثير من الأوضاع وتحارب الكثير من المناكر وترد المضار وتجلب المنافع، فمكنت بذلك لمشروع النهضة الإصلاحية الشاملة.
هذا على المستوى المحلي أما على المستوى الوطني العام فإن مؤسسة الدولة الثانية المهمة التي عملت الحركة الإصلاحية على بلوغها وخططت للظفر بمقعد فيها،
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 34 - 51. (1/436)
صفحة 437
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
405
واستخدامها وسيلة لخدمة مشروعها الإصلاحي وخدمة مصالح الأمة من خلالها،
ومقارعة السلطات الاستعمارية من الداخل هي مؤسسة المجلس الجزائري. تأسس هذا المجلس إثر صدور القانون الأساسي للجزائر في تاريخ 06 ذي القعدة 1366 هـ/ 20 سبتمبر 1947 م، الذي نص في مادته الخمسين على إزالة الحكم العسكري على أراضي الجنوب وإلحاقها بالحكم المدني لأراضي الشمال.
كان صدور هذا القانون - الذي أصبح وادي ميزاب بموجبه معنيا بالمشاركة في الانتخابات لهذا المجلس - إيذانا بنشوب حرب سياسية جديدة شديدة على مستوى وادي ميزاب هب إليها المجتمع جميعا بكامل شرائحه، وانقسم تجاهه إلى فريقين: فريق الإصلاح المؤيد للمشاركة والداعي إليها، وفريق المحافظين الرافض للمشاركة والداعي للمقاطعة.
المجلس من
كان لكل فريق وجهة نظر ورؤية خاصة في مسألة تمثيل الميزابيين في هذا عدمه؛ أما فريق الإصلاح فذهب إلى ضرورة وجود ممثل له في هذا المجلس، الذي رأى فيه وسيلة لجلب المنافع للأمة والتعريف بقضاياها وانشغالاتها وإسماع صوتها للسلطات الاستعمارية العليا على مستوى القيادة المركزية بالجزائر، وعلى مستوى السلطات العليا في باريس. كما رأى فيه فرصة لتكوين شبكة من العلاقات والمعارف مع إطارات عليا وشخصيات رفيعة تسمح لها بخدمة مشروعها الإصلاحي والتمكين له وحمايته من المخاطر المحدقة به (1).
أما فريق المحافظين فهو يرى أن ضم وادي ميزاب إلى أراضي الشمال وتمثيله في المجلس الجزائري يعني القضاء على الشخصية الميزابية المتميزة وذوبانها في بقية الشعب الجزائري، ويعني كذلك إلغاء العمل بمعاهدة سنة 1269 هـ / 1853 م، التي تعتبر وادي ميزاب محمية فرنسية وليست مستعمرة.
(1) إبراهيم بيوض: رسالة مطولة حول دواعي دخوله المجلس الجزائري بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 201 349. دبوز نهضة الجزائر، ج 2، 203 204 بوحجام الشيخ بيوض والعمل السياسي، ص 57 - 61. (1/437)
صفحة 438
406
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
وبذلك تضيع الكثير من حقوق الميزابيين التي نصت عليها هذه المعاهدة التي من أهمها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للمجتمع الميزابي، واحترام هيئاته العرفية وتقاليده ومذهبه الإباضي
(1)
يعبر عن هذا الاتجاه أحد أقطابه السيد عمر الحاج امحمد المعروف بوكيل الميزابيين في رسالة احتجاجية للسلطات الاستعمارية: فإننا لا نقبل هذا الإدماج أبدا لأن ذلك يضر بعوائدنا وديانتنا التي تعهدت لنا الدولة الفرنساوية باحترامها، وعدم التدخل فيها، لأننا أمة هادئة، تحب العافية، ولا تريد التدخل في أي انتخاب مهما كانت صفته، ولا المشاركة في أي مجلس كان ولا الدخول في أي حزب من الأحزاب مهما كانت صيغته» (2).
ويعبر الشيخ بيوض عن مذهب تيار الإصلاح بقوله: «إننا وطنيون جزائريون، لا أجانب كما يدعي بعض المتهوسين، فلا يمكننا أن ننفصل عن إخواننا في النظم العامة المشتركة، ولا أن نتحلل ونذوب ونتنازل عن الخصائص والمميزات، على أن للوطن حقوقا مشتركة يتساوى فيها أبناؤه، وإن اختلفت مذاهبهم» (3). في حقيقة الأمر لا أريد أن أذهب بعيدا في تناول تفاصيل هذا الموضوع وطرح الشق السياسي فيه، ومناقشة وجهات النظر المختلفة وتتبع المواقف المتخذة، لأن مجال الحديث فيه يطول، كما سيكون خارجا عن صلب الموضوع الذي يتناول الجانب الإصلاحي.
لكن ينبغي التسجيل بكل وضوح أن هذا الأمر أحدث هزة داخلية عنيفة لصفوف المجتمع وقياداته وتبعتها هزات ارتدادية كثيرة لكلا الطرفين استمرت لسنوات طويلة، وأن وقعه على وادي ميزاب كان عظيما، وأن أثره الاجتماعي وبعده الإصلاحي كان كبيرا، نظرا للتعبئة السياسية والاجتماعية الشاملة التي دخل
(1) الحاج امحمد مذكرات ووثائق رسمية، ص 56 84. بكلي: المرجع نفسه، 201 349
(2) الحاج امحمد المرجع نفسه، ص 57. (3) دبوز المرجع السابق، ج 3، ص 204. (1/438)
صفحة 439
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
407
فيها وادي ميزاب إثر إعلان تاريخ الانتخابات التي كانت في: 24 جمادى الأولى 1367 هـ / 4 أفريل 1948 م.
يصف الشيخ بيوض أجواء وادي ميزاب عشية هذه الانتخابات بقوله: «والله ما أبهت الأمة الميزابية لحدث في هذا العهد الأخير وما احتفلت مثل ما أبهت واحتفلت لهذا الحدث الجلل، وكان من لطف الله بها أن هيأها لتلقيه بما يناسب خطره من يقظة وانتباه ... نبه الوعي القومي وحرك الخواطر وأيقظ المشاعر وأثار الحمية والحماس وهيج نيران الوطنية المتطرفة وشغل أسلاك البرق ومكاتب البريد
والإدارة زمنا وعمر النوادي وأسال أسيلات الألسنة والأقلام وقتا طويلا» (3). كما أرى أن هذا الحدث يعد اللحظة التاريخية النهائية الفاصلة بين التيارين المتنازعين المتصارعين في بلوغهما الذروة في الخلاف، ونقطة اللاعودة إلى الوراء في إمكانية الصلح واللقاء على طاولة الحوار والتفاهم والتقارب آنذاك، بحيث وسعت الهوة الموجودة بينهما بما عسر التفكير في إمكانية الجمع بينهما من جديد. كما تركت آثارا سلبية عميقة في المجتمع بحيث رسمت خطا أحمر فاصلا بين التيارين وحفرت بينهما خندقا عميقا لا تزال آثاره إلى حد اليوم رغم كل الجهود المبذولة للملمة الوضع.
كما أن مجريات هذه الانتخابات وما لفها من أحداث سابقة ولاحقة نقشت في أذهان الجيل الذي عايشها وبقي يروي تفاصيلها ويتأثر بها. لذا فأتصور أن هذا الحدث هو الذي أتم الكسر النهائي لصخرة وادي ميزاب وتقسيمها إلى شقين، وأتم
التشكل الكامل للشرخ البين فيه آنذاك، وبناء الجدار البرليني بين طرفيه.
على كل؛ هكذا تفعل سنن التدافع والتغالب والتشاكس في حياة البشرية. مضى كل فريق في نصرة توجهه إلى النهاية؛ فعارض التيار المحافظ وقاطع الانتخابات، وقدم العديد من العرائض والاحتجاجات للسلطات الفرنسية لإلغاء
(1) إبراهيم بيوض: رسالة مطولة حول دواعي دخوله المجلس الجزائري. (1/439)
صفحة 440
408
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
تمثيل الميزابيين في المجلس الجزائري (1)؛ بينما دخل تيار الإصلاح في اجتماعات و مشاورات طويلة لأجل دراسة القضية من كل أبعادها ولأجل اختيار الرجل الكفء الذي يرشح لخوض غمار هذه التجربة الجديدة على وادي ميزاب. ولأجل تعبئة الجماهير للمشاركة في التصويت على مرشحها.
شهر ربيع
كان من أهم هذه الاجتماعات انعقاد مؤتمر بالجزائر العاصمة في الفاتح من الأول 1367 هـ/ مارس 1948 م ضم أعيان الحركة الإصلاحية وقادتها من كل أرجاء وادي ميزاب ومدن الشمال لأجل الفصل في مرشح الحركة وتعيينه، وبعد المداولات ودراسة الموضوع والخوض فيه اهتدى الحاضرون إلى طريقة. الاقتراع السري فكانت النتيجة أن صوتت الأغلبية الساحقة على اختيار الشيخ بيوض زعيما وممثلا للحركة الإصلاحية (2).
فعلا جرت الانتخابات في موعدها وحسمت النتائج لصالح الحركة الإصلاحية وأصبح الشيخ بيوض بموجبها نائبا عن منطقة وادي ميزاب في المجلس الجزائري.
يبدو من الوثائق التي بين أيدينا أن الشيخ بيوض لم ينو الترشح لهذا المنصب، ولم يرد أن ينغمس أكثر مما هو فيه من العمل السياسي بإدارته الصراع مع السلطات. الاستعمارية على المستوى المحلي، لأن ذلك سيكون على حساب قيادته ورعايته لمشروعه الإصلاحي الشامل الذي يحتاج منه المزيد من التضحية والمزيد من التفرغ في والمزيد من الجهود؛ خاصة بعدما كبرت وتشعبت مؤسساته وأعماله. إلا أن أعيانن الحركة الإصلاحية رأوا فيه الشخصية القوية الكفأة التي تستطيع أن تتحمل أعباءه هذه المسؤولية وتقوم بها كما ينبغي فالحوا عليه وفرضوا عليه الأمر دون أن يعطوه فرصة للتفكير أو يسمحوا له بالتداول حول الموضوع
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 211. (2) إبراهيم بيوض: رسالة مطولة حول دواعي دخوله المجلس الجزائري. (1/440)
صفحة 441
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
409
يستعرض الشيخ بيوض تفاصيل أحداث ترشحه في رده على الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش المقيم في القاهرة حيث وصفه بالأنانية وخدمة المصالح الشخصية واللهث وراء المناصب وحب الزعامة فيقول: «والله ما خطر ببالي قط وأنا أدرس قضية المشاركة وأنا أحمل راية الدعوة إليها بعد اقتناعي بوجوبها أن يجري اسمي على لسان أحد عند عرض المرشحين» (1).
ويقول على لسان أحد الأعيان في مسألة اختياره: إن هذه فكرة الأغلبية من
علية القوم وإننا والله غير عادلين عنها» (2).
فيجيبه الشيخ بيوض: حرام عليكم أن تشغلونني عما أنا فيه مما خلقت من أجله، وأن تلقوا علي أثقالا مع أثقالي التي أنوء بحملها وأن تزجوا بي في هذا الأتون وإني غير قابل أبدا» (3).
ثم يقول عن نتيجة المؤتمر: عقد المؤتمر وقرر أن يكون الترشيح سريا فلما تليت البطاقات ظهر ترشيح بيوض بأغلبية ساحقة، ثم أجمع المؤتمر على الأمر ولم يقبل مني صرفا ولا عدلا. فقبلت الأمر وحملت الأمانة. وما كان يسوغ لي في مثل ذلك الموقف المتحرج من كل جهة أن أخذل أمتي).
يتضح مما سبق أن ثقل وزن شخصية الشيخ بيوض وقوتها كانا مهيمنين على الحركة الإصلاحية (5)، بشكل لم تستطع فيه أن تجد بديلا له في تحمل هذه المسؤولية، رغم نوعية الأعيان والشخصيات والكفاءات التي تتمتع بها، كما أن حساسية
(1) المرجع نفسه.
(2) المرجع نفسه.
(3) المرجع نفسه.
(4) إبراهيم بيوض رسالة مطولة حول دواعي دخوله المجلس الجزائري.
(5) يرى نجل الشيخ بيوض الأستاذ علي بيوض أن قوة شخصية والده والثقة العمياء التي وضعها رجال الحركة الإصلاحية في زعيمها كانت وراء تقديمه للنيابة في المجلس الجزائري، وإسناد المهام الكبرى إليه، وأن ذلك ليس احتكارا للقيادة أو هيمنة عليها من الشيخ بيوض مقابلة مع الأستاذ علي بن إبراهيم بيوض القرارة، الجزائر، مارس 2008 م. (1/441)
صفحة 442
410
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
الظرف الذي يمر به وادي ميزاب والجزائر كانت وراء اتفاق واستقرار أعيان الإصلاح على تقديم زعيمهم لهذا المنصب دون سواه.
يقول الأستاذ بسام العسلي عن هذا الاختيار: رأى رجال النهضة وحزب الإصلاح أن المعارك بينهم وبين الاستعمار في المستقبل ستكون معارك دبلوماسية خطيرة ... فلا بد من نائب لهم في المجلس الجزائري، تتوافر له الكفاءة والقدرة من أجل إحباط المخططات الاستعمارية، ووقع الاختيار على الشيخ بيوض، غير أن الشيخ رفض العرض، وأظهر تمسكه بميدان العلم ... غير أن أهل ميزاب ورجال نهضتها ما زالوا به حتى أقنعوه بقبول المنصب، حتى لا تترك ثغرة ينفذ منها الاستعمار وأذنابه» (1).
في نظري إن الحركة الإصلاحية قد بالغت في تقديرها أهمية هذا المنصب السياسي، وقد ضخمت من الدور المنوط والمنتظر من هذا المجلس؛ مما جعلها تقدم له
أثقل شخصية لديها، ولو كان ذلك على حساب مشروعها الإصلاحي نفسه. حيث من المعلوم عن المسار التاريخي للشيخ بيوض أنه قد وقع فيه تحول كبير بعد التحاقه بهذا المجلس من سنة 1367 هـ/ 1948 م إلى بعيد الاستقلال سنة 1383 هـ / 1963 م، حيث انغمس الشيخ في العمل السياسي الوطني عن حساب العمل الاجتماعي التربوي الإصلاحي، كما أن تقلده هذا المنصب فرض عليه مغادرة وادي ميزاب والإقامة في الجزائر العاصمة لفترات زمنية طويلة لأجل متابعة أشغال دورات المجلس ومتابعة ملفاته، فأصبح يغيب كثيرا عن معاينة قضايا الحركة الإصلاحية في مجال التعليم والدعوة، وأسندها إلى غيره من قادة الإصلاح ومن تلاميذه، كما تخلى عن دروسه المسجدية في مجال الوعظ والإرشاد والتفسير وتوقف عن التدريس بمعهد الحياة نهائيا، في حين أن قاعدة بناء النهضة الإصلاحية وإرساء دعائمها تقتضي منه المرابطة في هذه الميادين على مستوى وادي ميزاب.
(1) بسام العسلي عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية، ط 2، دار النفائس، بيروت لبنان، 1406 هـ/1986 م، ص 218. (1/442)
صفحة 443
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
411
فكان من الأولى على الحركة الإصلاحية أن تقدم أحد كفاءاتها المتدربين على العمل السياسي والدور النيابي وهم كثر في صفوفها، ويبقى التنسيق بينه وبين الشيخ بيوض وغيره من القيادات ويغنيها ذلك عن تكليف زعيمها بذلك، وشغله عن رسالته الأساسية، وعن تمحوره في القلب النابض للنهضة الإصلاحية ربوع وادي ميزاب
عبر العالم الجزائري الشيخ البشير الإبراهيمي (4) على هذا الرأي مخاطبا أحد
أعلام الحركة الإصلاحية بقوله: «لقد سددتم ثغرة بجبل (2).
بعد هذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو:
ما الذي استفادت الحركة الإصلاحية من المجلس الجزائري؟ وما هي الأعمال التي قدمها الشيخ بيوض لوادي ميزاب وللجزائر بشغله عهدتين متتاليتين (3). في المجلس الجزائري؟
لا شك أن مقام البحث لا يسمح بتتبع نشاط الشيخ بيوض السياسي في هذا المجلس وخارجه في الأدوار السياسية الوطنية التي قام بها، وفي جهوده في الثورة التحريرية، وأعتقد أن هذا الموضوع يصلح أن يكون أطروحة مستقلة تعنى بالفكر السياسي للشيخ بيوض وتتناول جهاده وآراءه ومواقفه في هذا المجال، فهي بلا شك
(1) محمد بن بشير الإبراهيمي: (1306 - 1385 هـ / 1889 - 1965 م) من أكبر علماء الجزائر، انتخب رئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بعد وفاة الشيخ ابن باديس. ولد في مدينة سطيف، ورحل إلى المشرق لطلب العلم، قاد حركة الإصلاح الجزائرية برفقة الشيخ ابن باديس في مجال التعليم والإرشاد، وكان أديبا، نشر الكثير من المقالات قاوم الاستعمار الفرنسي، استقر بالقاهرة وقت الثورة الجزائرية وقام بنشاط سياسي وثقافي لصالحها، عاد إلى الجزائر بعد الاستقلال. الزركلي: الأعلام، ج 6، ص 54. (2) مقابلة مع الدكتور محمد ناصر، الجزائر، فيفري 2006 م. (3) أعيدت الانتخابات الجزئية للمجلس الجزائري في يومي 4 و 11 فيفري 1951 وترشح عن منطقة وادي ميزاب الشيخ بيوض ممثلا لتيار الإصلاح، والقائد بالولو ممثلا للتيار المحافظ الذي غير من
قناعاته في مسألة المشاركة في هذه الانتخابات. وكان الفوز حليف الشيخ بيوض الحاء. تاريخ بني مزاب ص 211. (1/443)
صفحة 444
412
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساتهه
غنية وتحتاج إلى الكثير من الوقفات المتأنية لتتبعها وتحليلها وفهم أبعادها ومقاصدهالا وخلفياتها، فهي محل جدل كبير إلى حد الساعة.
إلا أننا نقول: إن الشيخ بيوض في عضويته بالمجلس الجزائري استطاع أن
يحقق ما يلي:
أن ينقل شخصيته بقوة من المحلية إلى الوطنية والدولية.
أن يربط نفسه بشبكة علاقات وطنية ودولية رفيعة المستوى.
أن يبرز شخصيته القيادية العالية الطراز.
أن
يسمع صوت وادي ميزاب في المحافل الوطنية.
- أن ينقل انشغالات وادي ميزاب ومطالبها إلى السلطات الاستعمارية. المركزية، ويحقق بعضا منها.
أن يحارب السلطات الاستعمارية المحلية بنشاطه وعلاقاته على المستوى.
المركزي.
-
أن يدافع عن مشروعه الإصلاحي ويدعم مؤسساته الدينية والتربوية
والاجتماعية.
أن يحمل راية الدفاع عن وحدة التراب الجزائري، ويحارب قضية فصل الصحراء عن الشمال (1).
(1) استخلصنا ذلك بالعودة إلى المصادر الآتية: إبراهيم بيوض رسالة مطولة حول دواعي دخوله المجلس الجزائري. بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 201 349 بيوض: أعمالي في الثورة، ص 97 - 98. دبوز نهضة الجزائر، ج 2، 203 204 الحاج امحمد مذكرات ووثائق رسمية، ص 57. تقرير نخبة من مجاهدي القرارة حول العمل الثوري للشيخ بيوض، منشور ضمن كتاب أعمالي في الثورة للشيخ بيوض، ص 89 - 113. بوحجام: الشيخ بيوض والعمل السياسي، كله بوحجام الشيخ بيوض وقضية فصل الصحراء، كله. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 227 228 محمد ناصر: الشيخ بيوض مصلحا وزعيما، ص 140 - 344. (1/444)
صفحة 445
المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة
هذا
413
عن المجلس الجزائري. وأما بعد استقلال الجزائر فكان الاستمرار على التوجه نفسه؛ وعلى القناعة نفسها حيث دفعت الحركة الإصلاحية أبناءها من خريجي المدارس والمعاهد والجامعات داخل الوطن وخارجه إلى الالتحاق بالوظائف والمناصب المختلفة في الإدارة والتربية والتعليم للمشاركة في مسيرة بناء الدولة الجزائرية وتعميرها.
هكذا رأينا كيف حددت الحركة الإصلاحية معلمها بوضوح في مسألة توظيف الأطر والآليات والمؤسسات الحديثة لأجل بناء نهضة إصلاحية شاملة ونشر الوعي بين الجماهير، وتأطير وحماية مشاريعها ومؤسساتها العرفية والتربوية والاجتماعية ورأت فيها وسيلة لجلب المنافع والمصالح للناس ودرء المظالم والمفاسد والشرور عنهم، وقد استطاعت أن تزاوج بين موروثها الحضاري العريق وبين محدثات العصر، وأن تتفتح وتستفيد وتطعم ما لديها من خبرات بما أبدعه العصر وأتي به
من مستجدات.
نستطيع أن نقول إن الحركة الإصلاحية نجحت في تبنيها هذا المعلم واختيارها هذا التوجه حيث تمكنت من أن توطد أركان النهضة الإصلاحية وأن تقوي صفوفها وأن تعزز إمكاناتها المادية والبشرية. (1/445)
صفحة 446
414
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
المبحث الخامس:
المحافل الاجتماعية
نقصد بالمحافل الاجتماعية تلك المناسبات الدينية واللقاءات العرفية التي ينطوي عليها هذا المجتمع كسائر المجتمعات، بحيث تجمع الناس وتجعلهم يعيشون جوا واحدا ومشاعر مشتركة، وتكون فرصة لتوجيه الخطاب إليهم، وفرصة لتقبلهم له.
اعتبرنا هذه المحافل فضاء للإصلاح، وقناة لصناعة النهضة، ووسيلة لتبليغ الأفكار؛ ذلك لما قامت به هذه المحافل من دور فعال في نشر الوعي بين الجماهير، ومن توعيتهم بواجباتهم، ومن تقويم لسلوكهم، ومن تصحيح لمعتقداتهم حول أمور الدين وشؤون الحياة.
كانت هذه المحافل حقلا حيويا زاهيا لإقناع الناس بالمشروع الإصلاحي في أفكاره وأهدافه وبرامجه وعملت على تعبئة الجماهير للمشاركة في صناعة هذه النهضة، وحمل طرف المسؤولية فيها؛ بدعمها ماديا ومعنويا والعمل على إصلاح النفوس، وبذل الجهد في إصلاح الغير ممن تحت مسؤوليات الفرد من زوجة وأبناء وأقارب وجيران وأصدقاء.
قامت هذه القناة على إشاعة الفكرة الإصلاحية وبثها في النفوس، على المستوى الأفقي للمجتمع بإيصالها إلى أقصى مداها، وكذا على المستوى العمودي بإيصالها إلى كل الشرائح مهما علت أو سفلت؛ من خلال اللقاء بها في هذه المناسبات، التي تعني الاتصال بمختلف الجماهير في لقاءات وجولات متنوعة ومتعددة.
تقدم الحديث فيما مضى عن طبيعة المجتمع الإباضي في وادي ميزاب، بكونه
نتاج خبرة اجتماعية عريقة بلغت ألف عام، ويكونه مزيج قبائل وأعراف وتقاليد. فهذا المجتمع الذي يحمل في عروقه دماء قبائل أمازيغية وأخرى عربية، قدمت إلى وادي ميزاب من جهات عديدة داخل الجزائر وخارجه فاستوطنته وانصهرت (1/446)
صفحة 447
المبحث الخامس: المحافل الاجتماعية
415
في بعضها البعض. كما امتزجت بفلسفة المدرسة الإباضية في بعدها الفقهي والاجتماعي، التي تمتاز بنوع من الصلابة والتشدد والعمل بالأحوط، وبالصرامة في التربية، وبالخشونة في العيش التي أملتها البيئة الصحراوية قاسية المناخ، شحيحة الموارد. ومن جهة أخرى امتازت بالتوسع في الأخذ بالمصالح المرسلة، وفي العمل بالبدع الحسنة، وفي البناء على المقاصد الشرعية (3).
ولدت هذه المعطيات والخصائص الاجتماعية والدينية والطبيعية مجتمعا يعيش حياة دينية محافظة منغلقة داخليا على نفسها، تحتكم إلى نظام عرفي هرمي، تحول مع الوقت إلى سلطة حاكمة حازمة، ضبطت حركة الأفراد بترسانة من الأعراف والتقاليد، وحاولت أن تستمد روحها من أصول الإسلام، وتبحث عن تأصيلها في المصادر الشرعية الإسلامية (2).
كان ذلك لأجل الحفاظ على صفاء هذا المجتمع والحفاظ على خصائصه في مذهبه وفي عوائده وفي تقاليده كما يراها القائمون عليه من علماء ومشايخ وعزابة وأعيان.
(3)
يقول الشيخ بالحاج قشار) في بيان هذا المعنى: «ما يختص به أهل ميزاب من عادات حسنة كلها مبنية أو مستقاة من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم صراحة أو ضمنا، وقد اعتادوها وأخذها الخلف عن السلف لما فيها من تربية النفس على ما يقوي فيها الوازع الديني والأخلاقي ويوثق عرى المحبة وصلة الرحم، والتضامن
(1) مصطفى إتبيرن: المصلحة المرسلة عند الإباضية، رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، س ج: 2004 2005 م، ص 87 - 243 قشار: عوائد ميزاب سنن لا تقاليد، ص 13 - 80 طلاي ميزاب بلد كفاح ص 8027 معمر الإباضية دراسة مركزة، ص 25 - 40.
(2) كعباش العطف، تاجنينت، ص 33 - 35 سماوي: العزابة، حل 3، ص 1047 - 1097. (3) بالحاج بن عدون قشار: (و): 1345 هـ/ 1924 م - ت: الاثنين 24 جمادى الأولى 1417 هـ / 7 أكتوبر 1996 م) تلقى تعليمه في معاهد وادي ميزاب تولى الدعوة والوعظ والإرشاد والتدريس في مساجد بلدته بنورة. له العديد من المؤلفات منها: الفقه والدليل العقيدة الصحيحة للمسلم عوائد ميزاب سنن لا تقاليد، بحوث ومحاضرات في الدين والحياة، كما تولى تفسير القرآن الكريم في المسجد من سنة 1956 م إلى 1996 م. معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 157. (1/447)
صفحة 448
416
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
الاجتماعي، والوقاية من الانحرافات الضارة بالمجتمع، لضمان استمرار مجتمع صالح مترابط نظيف (1)
شحنوه بمحافل اجتماعية كثيرة؛ كان المقصد منها إتاحة الفرصة لأولي الأمر فيه لتوجيه أفراده ومراقبة سلوكاتهم وصيانتهم من الانحرافات والانفلاتات الدينية والاجتماعية. فتعود الناس على الحضور المتكرر إلى هذه المحافل والمناسبات، وعلى الإنصات إلى ما يقال لهم فيها، وعلى تحمل المداومة عليها، والصبر على المكوث فيها لساعات طوال والتعود على الاستماع للخطاب الدعوي الذي يلقى فيها، ثم الإذعان إلى الأوامر والتوجيهات والالتزامات التي تطلب منهم.
في حقيقة الأمر يحار عقل الإنسان - أحيانا - كيف استطاع الفرد في هذا المجتمع أن يتعود على تحمل كل هذا الخطاب الدعوي الاجتماعي، وتحمل كل هذا الصبر لحضور هذه المجالس واللقاءات الطويلة المتكررة، دون أن يصاب بالملل و السام و الإعياء؛ بحكم أنها ليست من الواجبات الدينية، وإنما تدخل في باب المستحبات والمندوبات والأعراف.
لعلنا في تحديدنا لهذه المحافل نستطيع أن نميز بين نوعين فيها؛ مع تسجيل
التداخل بينهما:
محافل اجتماعية دينية.
محافل اجتماعية عرفية.
1 - المحافل الاجتماعية الدينية
تتمثل فيما يلي:
مجالس تلاوة القرآن الكريم.
إحياء ليالي الجمعة بالدروس والمواعظ.
(1) قشارة المرجع السابق، ص 82. (1/448)
صفحة 449
المبحث الخامس: المحافل الاجتماعية
- إحياء ليالي رمضان بالدروس والمواعظ.
ختمات للقرآن الكريم أسبوعيا وشهريا، وخلال شهر رمضان يوميا.
توزيع القرآن الكريم على الأفراد لتلاوته أسبوعيا.
دروس ومواعظ يومية بعد صلاة المغرب أو العشاء في غالب أيام السنة.
أحيانا درسان في اليوم الواحد.
درس قبل صلاة الجمعة.
417
- إحياء ليالي فضلى ليلة 15 شعبان ليلة الفاتح من محرم، ليلة المولد
النبوي الشريف.
2 - المحافل الاجتماعية العرفية:
تتمثل فيما يلي:
تفريق صدقات وقف "تينوباوين"
(1)
إحياء عيد الزهور أو زيارة المعالم التاريخية للبلدة.
- زيارات المقابر في مناسبات معينة وتوزيع الصدقات فيها. لقاءات العشائر مع أبنائها في مناسبات عديدة.
- لقاءات أسرية وعائلية في مناسبات عديدة. إقامة الأعراس الفردية والجماعية لأيام عديدة.
إقامة عشاءات المآتم لليال عديدة.
إحياء أربعينية الميت وسنته.
(1) وقف تينوباوين: يقصد به مقدار من الطعام واللحم والخبز، يوقفه الشخص على إحدى ممتلكاته، سواء كان منزلا أم بستانا أم غيرهما، يخرجه كل سنة في يوم معلوم، صدقة في سبيل الله تعالى. ينظر: سماوي: حلقة العزابة، حل 2، ص 749 - 767.
es (1/449)
صفحة 450
418
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
إقامة أفراح للولادة والختان.
إقامة أفراح توديع الحجيج واستقبالهم.
إقامة أفراح استقبال سيلان الوديان.
إقامة أفراح جني الثمار.
إقامة أفراح استقبال العائدين من السفر.
تبادل الرحلات والزيارات بين المشايخ والعزابة والأعيان (3).
نريد أن نسجل أن جل هذه المحافل كانت موجودة قبل مجيء الحركة. الإصلاحية، وقد عملت كثيرا على تماسك المجتمع، وعلى توطيد شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفراده، مما أسهم في تذويب الفوارق بين طبقات الناس، وجعلهم يتعارفون ويتألفون ويتآزرون ويتناصحون.
يبين الشيخ بالحاج قشار ثمرة هذه المحافل بقوله: «أما من تمسك بدينه وعوائده وسير مجتمعه فالنتيجة واضحة عفاف عن الحرام، استقامة في السلوك، دماثة في الأخلاق نجاح في الاقتصاد، انسجام في الأسرة اطمئنان في المعاملات، ترابط في المجتمع، ثبات في المبادئ» (2)
إن جهد الحركة الإصلاحية تمثل أساسا في التوظيف الحسن لهذه المحافل والاستغلال الأمثل لهذه المناسبات واعتبارها فعلا قناة لتمرير الفكر الإصلاحيب إلى الجماهير بطريقة عمودية وأفقية، بحيث أوصلت الخطاب إلى كل الشرائح، وبسطت الأفكار وغيرت المفاهيم، ولم تبق الفكرة الإصلاحية حبيس نخبة، أرو شريحة دون أخرى؛ ممن اعتاد على ارتياد المساجد مثلا دون غيرهم.
(1) المزيد اطلاع على هذه العوائد والمحافل والتعرف عليها يراجع سماوي: حلقة العزابة، حل 2، ص 749 - - 767. قشار عوائد ميزاب سنن لا تقاليد، ص 8013 كعباش العطف تا جنينت، ص 33 335
طلاي: ميزاب بلد كفاح، ص 27 - 80. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 5848. (2) قشار: المرجع نفسه، ص 82 - 83. (1/450)
صفحة 451
المبحث الخامس: المحافل الاجتماعية
419
كان نزول رجال الإصلاح من عزابة وأعيان وطلبة إلى هذه الميادين من خلال مداومتهم على حضورها وحرصهم على تصدر مجالسها؛ لأجل إبلاغ خطابهم وتوجيه نصحهم، وتنظيم برامج وكلمات تحمل روح الفكر الإصلاحي. ومخالطتهم الناس في أفراحهم وأتراحهم وفي الاستماع إلى انشغالاتهم وإلى في إيجاد الحلول لها، حتى اكتسبوا ثقتهم وسلموا لهم أمر قيادتهم
التخندق
معهم
والأخذ بيدهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم
(1)
كانت النتيجة أن الكثير من الأفكار النيرة غرست في العقول، والكثير من الأفكار البالية صرفت من الأذهان، والكثير من الانحرافات الأخلاقية حوربت في السلوك، والكثير من القيم الطيبة غرست في النفوس.
كما أن طلبة الشيخ بيوض في معهد الحياة وخارجه ممن التحق منهم بميادين العمل والإصلاح قد نشطوا كثيرا في استغلال هذه المحافل، فكانت فرصة لهم للتكوين والتدريب على الخطابة والتمثيل وتصدر الجماهير، وكانت فرصة لبلورة أفكار مشايخهم في الحركة الإصلاحية، ونقل تعاليمهم إلى عموم الناس في قوالب من الأناشيد والخطب والقصائد والمسرحيات التاريخية والفكاهية في المناسبات الاجتماعية المختلفة. فكان ذلك النشاط، سببا في توعية الناس ورفع هممهم
وتوجيهم إلى القيام بمسؤولياتهم ومناصرتهم للحركة الإصلاحية.
يبين الدكتور محمد ناصر هذا الدور الطلابي بقوله: «ربط الطالب بالحياة الاجتماعية والدينية، فهو العمدة في إحياء حفلات الأعراس بالأناشيد والمدائح
أن
الدينية والوطنية، وإلقاء الخطب والمواعظ في المناسبات والأعياد الدينية، حتى طلبة المعهد يقومون بإقامة حفل بمناسبة المولد النبوي، يتخذونه مجالا للتباري
(1) القرادي مقال بعنوان: العشيرة ودورها في تكوين البنية الاجتماعية في ميزاب، منشور ضمن کتاب الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 53 - 61 دبوز نهضة الجزائر، ج 1، ص 194. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 138 - 158. (1/451)
صفحة 452
420
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
والتنافس بما يبدعونه من قصائد وأناشيد، وقد تعود الناس انتظار هذه المناسبة في كل سنة بشوق شديد» (1).
من جهة أخرى فقد أبدع أعلام الحركة الإصلاحية وعلى رأسهم الشيخ بيوض في تفعيل محفل اجتماعي وتوظيفه توظيفا جيدا، مما كان له وقع كبير على النفوس والعقول وأثر عميق في انتشار أفكار الإصلاح ومحاربة خصومه، وتفنيد التهم والأكاذيب التي كانت تروج عليه وعلى مشروعه.
تمثل ذلك في عشرات الرحلات التي كان الشيخ بيوض يعقدها مع أعيان الإصلاح والشخصيات البارزة إلى قرى وادي ميزاب وإلى مدن الشمال حيث يوجد التجار الميزابيون فكانت هذه الزيارات تستغل أيما استغلال في الالتقاء المباشر بالجماهير، وتنظيم تجمعات ومهرجانات معهم، واحتفاء أنصار الإصلاح بقدوم قائدهم ووفده المرافق له، وتنظيم سهرات حافلة تضم كلمات وأناشيد ومسرحيات، وتتوج بخطبة للشيخ بيوض يعرض فيها الفكر الإصلاحي ويشرح فيها خططه وأهدافه ومشاريعه، ويرد فيها على التهم الملصقة به، ويصحح فيها المفاهيم، ثم يشحذ الهمم للنهوض بالأمة وإصلاح أوضاعها ومحاربة المفاسد فيها (2).
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي عن ثمار إحدى رحلات الشيخ بيوض إلى بلدة بريان في شهر أكتوبر سنة 1944 م، والتي دامت أسبوعا كاملا: «إن خمسين درسا أو تزيد من دروس الأستاذ الجليل في ربوعنا في هذا الأسبوع البهيج، لكفيلة بإيقاظ المشاعر وتنبيه العقول، وإفاقة النائم، وإشعار النفوس بذاتيتها، وتوجيههاا إلى حيث المجد والعزة والفخار (3).
(1) ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياةة
بالقرارة - الجزائر، ع 1، سنة 1998 م، ص 82.
(2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 174 - 195.
(3) المرجع نفسه: ج 4، ص 189. (1/452)
صفحة 453
المبحث الخامس: المحافل الاجتماعية
421
ثم يوجه خطابه للشيخ بيوض واصفا جهوده في الرحلة شاكرا له قائلا: عزيزي الشيخ بيوض إن بريان الحبيب ليكرر شكره لكم لا على زيارتكم له وحده، بل على رحلتكم الميمونة في أرجاء ميزاب وإرشادكم وعنايتكم يبني الإسلام عموما في ربوع ميزاب وتزويدكم سائر طبقات الأمة بالوعي الصحيح، والحماس المتأجج في الميادين العملية البناءة، فلسوف تبدو ثمرات سعيكم المشكور قريبا، ولسوف تفتخر الأجيال بعدنا بهذه الحركة الإصلاحية المباركة التي تقودونها، ولسوف يخلد التاريخ اسمكم في جملة عظمائه» (1):
يوضح المؤرخ محمد علي دبوز آثار هذه الرحلات بقوله: «كانت زيارة الشيخ بيوض خيرا وبركة للإصلاح والمصلحين زادت للإصلاح تأكيدا في النفوس، وزادت للعامة الدهماء تبصرا، ومعرفة الحقيقة الإصلاح بدروس الشيخ بيوض وأعماله وما رأت من سيرته وبشاشته وعذوبة روحه، وخلقه العظيم، فازدادوا معرفة به وتعلقا به وبالإصلاح الذي يتزعمه، وزادت المصلحين حماسة وإقداما فداموا على سيرهم الحثيث في بناء النهضة الإسلامية العربية الحديثة؛ فآتت أكلها العظيم (2).
هكذا رأينا كيف وظفت الحركة الإصلاحية المحافل الاجتماعية الزاخرة في وادي ميزاب لبناء صرح نهضتها ورأت فيها قناة لتمرير الفكر وتوضيح المنهج و شرح الهدف، ورسم الخطة، كما رأت فيها فرصة متاحة سانحة لبناء العقول وتزكية الأنفس وشحذ الهمم لمشاركة الجميع في العملية الإصلاحية الشاملة. وقد
نجحت في ذلك إلى حد بعيد.
(1) المرجع نفسه: ج 4، ص 189.
(2) المرجع نفسه: ج 4، ص 177. (1/453)
صفحة 454
422
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
المبحث السادس:
القاعدة الاقتصادية
لا شك أن استعراض مسيرة حركة اتخذت من المجتمع ميدانا للعمل والإصلاح والتفاعل يستلزم طرح السؤال الذي يتبادر إلى أي ذهن عن الموارد المالية والمصادر التمويلية التي استندت عليها هذه الحركة لأجل تحويل مشروعها من عالم الأفكار إلى عالم الأشخاص والأشياء (1).
إن عملية تحويل الأفكار إلى الواقع لتحتاج بالضرورة إلى جهة تتبناها وتؤمن بها وتخطط لتجسيدها، كما تحتاج إلى جهة تنفق عليها وتمولها، وإلا بقيت آمالا
وأحلاما وطموحات عالقة في الأذهان دون أن ترى طريقها إلى نور الوجود. أحست الحركة الإصلاحية منذ الوهلة الأولى من ظهورها بحاجتها إلى بناء قاعدة اقتصادية قوية تكون لها السند والدعم في تشييد مشروعها الإصلاحي الطموح، وإعلاء صرحه وتعميم نفعه وتوسيع أفقه، وبسط ظلاله. كما أدرك أعلام الإصلاح منذ الوهلة الأولى أن نهضتهم لن تستطيع أن تذهب بعيدا دون توفر هذا الجانب الاستراتيجي والتمكن منه والتحكم في مصادره، وإلا ظلت رهينة الفاقة والحاجة، ولتعطلت مشاريعها في كل مرة وتعثر سيرها وتأخر إنجازها، بسبب افتقارها إلى مصدر التمويل، ولبقي الكثير منها خبرا على ورق و شطحات في الرؤوس، وأحلاما في العقول، دون أن تعرف طريقها إلى الواقع. أور وجدت نفسها رهينة ثلة من أهل المال والنفوذ - ممن لم يرتو الفكرة والهدف – مدفوعة للوقوع في شباكهم لحاجتها إليهم وعدم مقدرتها الاستغناء عليهم، فيملون
(1) هذه جزء من نظرية المفكر مالك بن نبي في تفسيره سيرورة الحركة التاريخية الإنسانية؛ بكونها تبدأ بالتولقد في عالم الأفكار ثم تجسد بوسائل في عالم الأشياء، نحو غاية يحددها عالم الأشخاص. ينظر في ذلك: بن ني: ميلاد مجتمع، ص 27. قاسم: نظرية الحضارة عند المفكر مالك بن نبي، ص 28. (1/454)
صفحة 455
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
423
عليها طلباتهم ويفرضون عليها رؤاهم ويؤثرون في قراراتها، ويعملون على توجيه مسارها حيث ما مالت إليه أهواؤهم ومصالحهم، بحكم امتلاكهم مصادر التمويل والإنفاق، كما هو حال بعض الجماعات والحركات. في حقيقة الأمر حين الوقوف على الحالة المعيشية لوادي ميزاب والنظر إلى وضعيتها الاقتصادية فإننا نسجل عليها ضعفا كبيرا في الموارد، وشحا واضحا في المصادر المعيشية، وفاقة في الناس واحتياجا معتبرا؛ نظرا للبيئة الصحراوية القاحلة الجافة التي يتربع عليها وطنهم. ونظرا لوجوده في منطقة معزولة عن معابر القوافل التجارية الكبيرة. مما لا يشجع أبدا على قيام نهضة اجتماعية شاملة تستلزم أموالا ونفقات كبيرة.
إضافة إلى هذا الضعف العام، فقد سيطر على المجتمع طبقة من الحكام العسكريين الاستعماريين، وتواطؤوا مع شرذمة من القياد“ المتجبرين؛ الذين أثقلوا كاهل أفراد هذا الشعب المسكين بوابل من الضرائب والغرامات فزادوهم فقرا إلى فقرهم وضعفا إلى ضعفهم، كما سيطروا على الموارد الحيوية القليلة من مياه جوفية وبعض المشاريع الفلاحية التي تدر بعض الأموال، واحتكروا استغلالها وجعلوها دولة بينهم وبين بعض المعمرين الفرنسيين والإسبان واليهود، واستخدموا الأهالي بأبخس الأثمان عمالا وأجراء و "خماسين». وأذلوهم وأهانوا كرامتهم. كما هو الحال في باقي أرجاء الجزائر.
حسب رأيي إن هذه الوضعية الاقتصادية المتردية والحالة المعيشية الصعبة قد أثرت سلبا على سيرورة المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية في وادي، ميزاب فبدت بطيئة متسمة بالثقل في التحرك، والتذبذب في السير، والانقطاع والعودة إلى الوراء أكثر من مرة كما أنها لم تستطع أن تنتقل بوضوح من مرحلة الأفراد إلى مرحلة المؤسسات، بضعفها وعجزها عن تشييد وإدارة مؤسسات تربوية وتعليمية ودينية كبيرة، هذه الأخيرة التي تحتاج إلى رؤوس أموال معتبرة ونفقات باهظة لم تكن متوفرة بين يدي العلماء والمشايخ والعزابة (1/455)
صفحة 456
424
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
آنذاك. هذا ما جعلها تبقى حبيسة مساجد قليلة متواضعة، ودور علم بسيطة على النمط التقليدي القديم من محاضر وكتاتيب
(1)
لقد دفعت هذه الأوضاع الاقتصادية المزرية سكان وادي ميزاب للتفكير جديا في إيجاد بدائل اقتصادية لهم خارج وطنهم الصغير، لأجل كسر هذا الخناق المالي والحصار الاقتصادي المضروب على أعناقهم، فقرروا السفر والهجرة بحثا عن مصادر جديدة للرزق في أرجاء الجزائر شمالا وشرقا غربا وجنوبا. ثم العودة بعد فترة زمنية بالأموال المجموعة للنفقة على عائلاتهم وأهاليهم وعمارة وادي ميزاب باستثمار تلك الأموال في بناء مساكن عائلية، وشراء أراض فلاحية في أطراف البلد وتنشئة النخيل والأشجار فيها (2).
هكذا كانت عقلية الفرد الميزابي في بعدها الاقتصادي خلال القرون الماضية إلى القرن العشرين.
إن إدراك الحركة الإصلاحية لهذه الوضعية الاقتصادية الصعبة الضعيفة ووعيها بأهمية هذا الجانب واستراتيجيته جعلها تفكر بقوة في الخروج من هذه الورطة التاريخية التي وجدت فيها نفسها ومجتمعها، بإيجاد البدائل الاقتصادية لتقوية الأمة ومحاربة الفقر فيها وحثها على العمل والكسب وتحدي الطبيعة والصبر على
مشاقها.
نجد الشيخ بيوض في دروسه الأولى عندما اعتلى منبر المسجد وهو في ريعان شبابه سنة 1924 م وما بعدها يوجه الأمة إلى أخذ المبادرة والتفكير في البدائل الاقتصادية، ومضاعفة الجهد والعمل لتحسين الأوضاع المعيشية، ومحاربة الكسل والبطالة ودعوة الناس إلى السعي وراء الرزق بالطرق الحلال من خلال الأعمال والحرف المختلفة، كما دعا إلى التكتل لإنشاء شركات إسلامية لتعمير الوطن، ودعاا
(1)
يراجع في ذلك: المبحث الثالث من الفصل الثاني، ص 119 - 165. (2) يراجع في ذلك: المبحث الثاني من الفصل الأول. ص 56 - 73. (1/456)
صفحة 457
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
425
إلى إنشاء شركات النقل لفك الخناق الاقتصادي عن وادي ميزاب وتسهيل حركة تنقل الأشخاص والبضائع لتفعيل التجارة والحرف والمهن (3).
كما قام الشيخ بيوض في رحلاته الكثيرة إلى مدن الشمال خلال الثلاثينيات والأربعينيات حيث يوجد التجار الميزابيون بدعوتهم في دروسه واجتماعاته معهم إلى تطوير تجارة التجزئة التي يمتهنها أغلبهم، وإلى تحسين أساليب التعامل مع الزبائن، وإلى التكتل والتعاون في شركات التجارة بالجملة لمنافسة اليهود والمعمرين وكسر احتكارهم للأسواق، واحتكارهم منابع شراء السلع وتسويقها وتوزيعها.
يقول المؤرخ محمد علي دبوز عن هذه الدروس للشيخ بيوض: «كان الشيخ بيوض رحمه الله في كل مناسبة في دروس وعظه في المسجد يدعو إلى النهوض بالتجارة، وتحسين أساليبها، ومزاحمة اليهود في تجارة الجملة التي استأثروا بها في الجزائر ... كما يدعو في دروس وعظه إلى اقتباس الأساليب العصرية الحديثة الراقية في التجارة، لتكون متاجر المسلمين كمتاجر الأوربيين أو أحسن في النظام والنظافة والسعة والعمارة وحسن المعاملة وفي الأمانة والنشاط وشدة الحب للعمل وإتقانه» (2).
ويقول عن دروسه في رحلاته: (وإذا سافر الشيخ بيوض إلى بلاد الشمال حيث التجار الميزابيون الكثيرون، فإن أغلب دروس وعظه في المساجد وفي مجالسه في الولائم الحاشدة بالتجار في هذا الموضوع: إنشاء الشركات الإسلامية لتجارة الجملة، وتحسين تجارة التفصيل والنهوض بها (3).
مع تبلور الفكرة الإصلاحية خلال العشرينيات والثلاثينيات واتضاح معالمها كحركة اجتماعية ذات مؤسسات ومشاريع ازدادت حاجتها إلى إيجاد المصادر التمويلية القارة، وبناء القاعة الاقتصادية القوية التي تحفظ السير المنتظم
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 58 - 70.
(2) المرجع نفسه: ج 5، ص 58. (3) المرجع نفسه: ج 5، ص 58. (1/457)
صفحة 458
426
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
والحسن لمؤسساتها الدينية والتربوية التعليمية، وعدم التعثر أو التوقف بسبب المشكل المادي.
في حقيقة الأمر كانت المؤسسات الدينية التقليدية في المجتمع من مساجد ومحاضر تمول من قبل الأوقاف التابعة لها منذ القديم المتمثلة في محاصيل بعض البساتين والنخيل والصدقات الجارية، وتبرعات بعض المحسنين (3). أما الوظائف المنوطة بها فكانت تفرق بين أعضاء العزابة والطلبة وعامة الناس بصفة تطوعية تلقائية دون مقابل. أما دور العلم التابعة للمشايخ والعلماء فعادة ما تكون من تبرعات أحد المحسنين، أو تكون دارا للشيخ نفسه يوقفها للعلم ولطلبته.
مع توسع الحركة العلمية الإصلاحية وطموحاتها الكبيرة فإنه لم تعد تسعها تلك البنايات التقليدية المتواضعة، وجعلها تحتاج إلى توفير مزيد من الهياكل والمؤسسات والمساجد والمدارس والداخليات وتحتاج إلى توظيف إطارات متفرغة لشغل مناصب التعليم والإدارة والتسيير.
فمثلا على مستوى بلدة القرارة معقل الإصلاح الأول حيث يرابط زعيمه الشيخ بيوض في التربية والتعليم وبناء الأنفس والعقول، فإن معهده الذي كان في بادئ الأمر في منزله الخاص، احتاج لنقله إلى جوار المسجد سنة 1361 هـ/ 1941 م بعد تزايد عدد الطلبة عليه، بتوافدهم من كل قرى وادي ميزاب ومن خارجه، كما احتاج إلى توفير داخلية تؤويهم بعد ما كانوا مفرقين في منازل بعض محسني رجال الإصلاح، كما احتاج إلى توفير مصاريف مأكلهم ومشربهم وإقامتهم، ثم توفير طاقم من الأساتذة ممن يتولى معه مهمة التعليم والتكوين والإدارة بمعهد الحياة (2).
ثم احتاجت الحركة الإصلاحية إلى التكفل بالطلبة الذين انتقلوا إلى تونس لمواصلة دراستهم في جامعة الزيتونة والمدارس التابعة لها والمحيطة بها، فأنفقوا عليهم
(1) سماوي: العزابة، ص 675658. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 124 - 127.
(2) شريفي معهد الحياة، ص 61 - 82. (1/458)
صفحة 459
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
427
فرادي بتبرعات المحسنين من رجال الإصلاح، ثم ضموهم إلى بعضهم البعض وجمعوهم في إقامات متعددة، ثم اشتروا لهم دارا فسيحة جعلوا منها داخلية للبعثات البيوضية. ووفروا لهم كل الحاجيات اللازمة (1).
بالتوازي مع هذه التكاليف الجديدة المتزايدة كان المشروع الإصلاحي يخط طريقه نحو تشييد المدارس العربية الإسلامية وفتحها في كل قرى وادي ميزاب، وفي مدن الشمال والشرق والغرب الجزائري حيث يتجمع التجار الميزابيون وأسرهم، واستلزم ذلك توظيف مئات الأساتذة والمعلمين من خريجي معهد الحياة للقيام
بمهمة التدريس.
وبالتوازي مع
ذلك كانت الحركة الإصلاحية في هذه الفترة تخط طريقها نحو توسعة المساجد الموجودة، وبناء أخرى جديدة، وتجهيزها وعصرنتها، كما كانت تخط طريقها نحو تفعيل دور العشائر والقيام بواجباتها المنوطة بها؛ التي تستدعي نفقات كثيرة جديدة تتمثل في التكفل بالطبقات الضعيفة من اليتامى والأرامل والمعوزين برعاية شؤونهم وتدبير أمورهم وإعالة أبنائهم والتكفل بتعليمهم وتزويجهم وتشغيلهم.
إذن: كانت هذه الانطلاقة القوية للمشروع الإصلاحي خلال الثلاثينيات والأربعينيات بدخوله غمار العملية الإصلاحية الشاملة والبناء والتكوين والرعاية الاجتماعية، إيذانا بمضاعفة نفقاتها وضخامة رؤوس الأموال التي تحتاج إلى توفيرها لمواكبة منجزاتها الحضارية فكان ذلك إيذانا باتخاذها خطوات عملية متعددة لمحاولة تغطية مصاريفها، وتوفير السيولة المالية اللازمة لتمويل مشاريعها.
نريد أن نشير هنا أن هذه الحركة المتسارعة في المجال الاجتماعي وفي مجال التربية والتعليم قد تزامنت مع تخرج دفعات متتالية من طلبة معهد الحياة الموالين
(1) أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص 106 دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 264 268 قاسم الشيخ بالحاج أقلام الميزابيين في الصحافة التونسية، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، الجزائر، 2006 م،
ص 12 - 27. (1/459)
صفحة 460
428
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
للإصلاح والمتشبعين بأفكاره والمتحمسين لأعماله، والتحاقهم بميادين العمل والتجارة في أرجاء وادي ميزاب وشمال الجزائر، كما تزامن ذلك مع ازدياد أنصار الحركة الإصلاحية وتوسع قاعدتها الشعبية، التي منها طبقة من رجال الأعمال والتجار الأغنياء الذين اقتنعوا بمشروعها فتعاون كل هؤلاء وكانوا اليد السخية للمشروع الإصلاحي والمدد والعون المتدفق على مشاريعه الحضارية. فشكل هؤلاء مع بعضهم جميعا القاعدة الاقتصادية القوية للحركة الإصلاحية و مورد تمويلها ومصدر إنفاقها.
في ذات الوقت اتجه الخطاب الدعوي للإصلاح خلال هذه الفترة بقوة إلى الربط بين العناية بالتربية والتعليم والعمل على تمويله والإنفاق عليه بسخاء، واعتباره من أوكد الواجبات ومن أولى الأولويات. حيث كانت دروس الشيخ بيوض في مساجد وادي ميزاب وفي رحلاته واجتماعاته مع الجماهير، وفي جولاته إلى مدن الشمال تركز على توعية الناس بضرورة الإنفاق على مشاريع الخير من بناء المدارس والمساجد ودور الطلبة، ودفع أجور المعلمين والقائمين عليها، وتبين
لهم أفضال ذلك عند الله تعالى، وتحتهم وترغبهم في المنافسة والمسارعة إلى ذلك. يقول الشيخ بيوض في خطبة له بإحدى جولاته إلى بلدة غرداية سنة 1364 هـ/1944 م أمام جماهير غفيرة حاثا إياهم على البذل والإنفاق والتبرع في سبيل هذه المشاريع: «إخواني الأعزاء لقد رأيتم نتائج العلم الحميدة، فهل أنتم مستعدون لخدمته بصدق وإخلاص، هل أنتم مؤيدون مشاريعه بالإنفاق في سبيلها؟ ما للبعض يبخلون وتنقبض أيديهم على الإنفاق؟ لو أنفقنا عشر ما ننفقه على الشاي والقهوة ... لوفرنا للعلم ومشاريعه ملايين كل سنة، ولبلغنا غايتنا منذ زمن بعيد على المعلمين أن يعلموا وعلى الآباء أن ينفقوا بسخاء. لم تقم هذه المدارس وأبنيتها الشامخة بلا شيء، ولا أدواتها اللازمة لها، وجهازها الضروري الغالي أنفقوا على هذه المدارس والمعاهد قبل أن تنفقوا على ضروريات المعاش، اهتموا بأرواح أبنائكم قبل أن تهتموا بأجسامهم ... إن (1/460)
صفحة 461
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
429
الإنفاق في التعليم رأس الصدقة، وعبادة كبرى، وهو سبب الزيادة والبركة في المال وفي كل نعم الله للمنفق» (1).
أثمرت هذه المساعي الحثيثة والدعوات الحارة لمشايخ الحركة الإصلاحية في مجال الوعظ والإرشاد والتوعية وإصلاح ذات البين اكتساب ثقة الجماهير وحبها لهم، خاصة بعد تخرج أولى باكوراتهم من طلبة معهد الحياة ونزولهم أشبالا إلى ميادين التعليم وخدمة الصالح العام؛ فرأت الناس بأم أعينها ثمار التربية الحسنة والتعليم العصري، فأبهر الناس بنشاط هؤلاء الفتية ونوع تكوينهم وحسن سلوكهم، مما جعلهم يتسارعون إلى احتضان هذه المشاريع الحضارية أكثر وينفقون عليها بسخاء دون تردد.
كما استطاع مشايخ الحركة الإصلاحية بأعمالهم وإخلاصهم أن يقنعوا الناس بأولوية النفقة على مشاريع التربية والتعليم وبناء المساجد، وأن يعودوهم على البذل ولو كان بهم خصاصة، فاستطاعوا أن يغيروا نظرتهم للحياة وترتيب أولوياتهم فيها.
وصل الأمر بالحركة الإصلاحية بناء على هذه الثقة أن أصبحت تبرمج لنفسها جولات منتظمة خلال السنة لجمع الاشتراكات والتبرعات من كل التجار الموالين للإصلاح على مستوى وادي ميزاب ومدن شمال الجزائر. كما أصبحت تعول على بعض الرجال الأثرياء بعينهم تقصدهم لتمويلها بدفعات كبيرة من المال، أو قرضها منهم حينما تقتضي الضرورة ذلك.
إن هذه الخطة المتبعة وهذا المستوى من النضج الذي أوصلت فيه الحركة الإصلاحية أتباعها جعلها تحقق النجاح في تجاوز العقبة المالية الكأداء، وكسر الخناق المادي المضروب عليها، وبذلك نجحت في تحقيق ما عجزت عنه التجارب الإصلاحية السابقة.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 106 - 107. (1/461)
صفحة 462
430
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
على صعيد آخر قام أعيان الإصلاح على مستوى وادي ميزاب ومدن الشمال بخطوة عملية استجابة لدعوة مشايخهم تمثلت في تجميع أموالهم والتكتل وإنشاء شركات تجارية قوية للبيع بالجملة في المواد الغذائية والأقمشة والعقاقير وأدوات البناء والأدوات المنزلية، وإنشاء شركات لاستيراد السلع، وإنشاء مصانع المنتوجات عديدة (1).
كما عملوا على دعم تجارة التجزئة التي تعد الأكثر امتهانا للميزابيين، بتوعية أصحاب هذه المحلات التجارية وعمالها بقواعد التجارة وأعرافها العريقة، المبنية على الثقة والأمانة والصرامة والحزم والتقشف والتحلي بالأخلاق الإسلامية وتحري الرزق الحلال، والمعاملة الحسنة للزبائن (2).
وفي خطوة أخرى أنشأ رجال الإصلاح الجمعيات الخيرية على مستوى كل بلدة في وادي ميزاب لأجل تقسيم المهام وتخفيف العبء على مشايخهم ليتفرغوا للعمل الاجتماعي والتربوي، ويتولوا هم جانب جمع التبرعات والاشتراكات وتنظيم الجولات إلى التجار لتوفير السيولة المادية لتمويل المشاريع وبناء الهياكل من مساجد ومدارس وعشائر وتجهيزها وتسيير ميزانيتها المالية (3).
وفي خطوة أخرى دعا الشيخ بيوض المجتمع إلى التفكير في الاستثمار في النقل، لأجل كسر الخناق الاقتصادي والتجاري الذي يعاني منه وادي ميزاب؛ بوجوده في منطقة نائية مقطوعة في الصحراء؛ مما يعطل مصالح الناس ويصعب تنقلاتهم ويعسر معيشتهم. وكان يشيد كثيرا بشركة السيد بليدي بوكامل للنقل البري للبضائع
(1) المرجع نفسه: ج 5، ص 59. .
(4)
(2) زكرياء الشيخ بالحاج وآخرون: ضوابط علاقات العمل المطبعة العربية غرداية، 1424 هـ / 2003 م،
ص 49 - 55.
(3) يراجع المبحث الماضي حول الأطر والمؤسسات الحديثة، ص 390 - 413. (4) عبد الله بن صالح البليدي بوكامل: (و: 1277 هـ / 1860 م - ت: 1376 هـ / 25 نوفمبر 1956 م) ولد (1/462)
صفحة 463
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
431
والأشخاص، التي أنشأها بتوجيه من رجال الإصلاح، والتي كانت تربط وادي ميزاب بالأغواط والجلفة، فكان يتحدث عن منافعها في دروسه المسجدية، ويقدم صاحبها مثالا للاقتداء والاقتفاء للشباب والرجال الذين يريدون خدمة وطنهم ونفع عياله ومساعدة أهله (1).
وخلال الأربعينيات ترجم الشيخ بيوض وصفوة من رجال الإصلاح هذه الفكرة وهذه القناعة إلى الواقع بإنشائهم شركة جماعية للنقل البري للأشخاص والبضائع تربط وادي ميزاب بمدينة تقرت وبسكرة وأسهموا بذلك في فك الخناق
الاقتصادي وتسهيل تنقل الأشخاص من الناحية الشرقية لوادي ميزاب (2).
لقد عارض رموز التيار المحافظ هذا التوجه لدى الشيخ بيوض وأتباعه في دعوتهم لإنشاء خطوط نقل من وادي ميزاب وإليها، واعتبروا ذلك دعوة لتمييع وادي ميزاب بالأجانب، وجلب المفاسد إليه، حيث كانوا يفتون بحرمة إنشاء هذا النوع من الشركات بحجة جلبها للمحرمات والموبقات وللفاسدين والمنحرفين؛ من خمور وفسق ومن يهود ونصارى وعاهرات. وقد قامت قيامتهم وثارت ثورتهم عندما ألقى الشيخ بيوض دروسا في مسجد القرارة يشيد بهذا العمل ويعتبره خدمة للدين والوطن؛ فأشاعوا بين الناس من خلال منابر مساجدهم أن بيوض متبراً منه، مارق من الدين
(3)
ببني يسجن، واستقر للتجارة في الجزائر العاصمة، وهو من الأثرياء الكبار، كانت له معارف لدى السلطات الفرنسية يقضي بها شؤون الأمة. قام بأعمال كثيرة منها: مساعيه لدى السلطات الفرنسية لأجل إغلاق دار البغاء في القرارة، إنشاء جمعية خيرية في الأغواط، إنشاء معهد علمي في بلدته بني يزقن، إنشاء مؤسسة كبيرة للنقل البري بين الجلفة والأغواط وغرداية. المشاركة في تمويل الثورة بالمؤونة والعتاد
والأسلحة. معجم أعلام الإباضية، ج 3، ص 562.
(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 5، ص 61 - 62. (2) المرجع نفسه: ج 5، ص 60.
(3) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 69 - 70. (1/463)
صفحة 464
432
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
كما التفتت الحركة الإصلاحية وعلى رأسها الشيخ بيوض إلى المجال الفلاحي بحكم رسوخ قدم الميزابيين في هذا النوع من العمل واكتسابهم خبرة عريقة فيه، وبحكم احتواء موطنهم على واحات مهمة محيطة به، فدعا إلى مزيد العناية بخدمة الواحات وتنشئة الغابات، وغرس المزيد من النخيل، وتطوير خدمة الأرض واستصلاحها رغم صعوبة الفلاحة الصحراوية وقسوة مناخها.
كما ترجم ذلك عمليا من خلال البرامج الدراسية لمعهد الحياة وداخلية الحياة، حيث حدد للطلبة أوقاتا وحصصا معلومة ينزلون فيها إلى واحات البلدة، يسهمون في خدمتها ونظافتها، ويتدربون على تسلق النخيل وتأبيرها وجني ثمارها، لأجل تحبيب العمل الفلاحي إليهم وغرسه في نفوسهم، ولأجل تنمية الذوق الجمالي لديهم الذي يجدونه في هذه الحقول والأجنة والواحات (1).
خدمة لهذا المجال دائما كون رجال الإصلاح خلال الأربعينيات نقابات مهنة وأنشؤوا شركة لحفر الآبار الارتوازية واستخراج المياه الجوفية، لأجل منافسة الشركة الفرنسية لاستغلال المياه الجوفية، التي أرادت أن تحتكر هذا الميدان وتفرض أسعارها على المواطنين وتشدد الخناق عليهم في توزيع المياه واستغلالها. وخلال وجود الشيخ بيوض في المجلس الجزائري نائبا عن وادي ميزاب طالب السلطات الفرنسية بإعطاء حق توزيع المياه لنقابات أبناء وادي ميزاب التي أنشأها المصلحون، ونزعها من الشركة الفرنسية التي تحتكرها وتتعسف في فرض أسعارها، وطرق توزيعها على المواطنين (3)، وقد نظمت الحركة الإصلاحية تظاهرات شعبية وقادت مسيرات جماهيرية لأجل بلوغ مرادها وتحقيق بغيتها؛ وفعلا تمكنت من ذلك في آخر المطاف ونزعت حق استغلال المياه من هذه الشركة الاستعمارية (4).
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 82 - 84. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 61. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 176 - 177. (3) الحاج امحمد مذكرات ووثائق رسمية، ط 37. سكحال المرجع السابق، ص 176 - 177. (4) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 78 - 89. (1/464)
صفحة 465
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
433
وفي نطاق آخر دعت الحركة الإصلاحية إلى العناية بجانب التكوين في المجال الاقتصادي والحرفي والإداري، حيث كان الشيخ بيوض يوجه الناس ويعمل على توعيتهم في دروسه بضرورة تسجيل أبنائهم في المدارس التي تفتحها السلطات الفرنسية للتكوين المهني وتعلم الحرف والصنائع وتعلم إدارة الشركات وتسيير المؤسسات الاقتصادية. وقام الشيخ بيوض بخطوة عملية تمثلت في إرسال دفعة من الطلبة والتكفل بهم لأجل التكوين في الحرف الضرورة للبلد في المدرسة الفرنسية بغرداية، ثم تولى مساعدتها بعد تخرجها ومكنها من انطلاق ورشاتهم وبداية أشغالها (1).
يقول الشيخ بيوض في أحد خطاباته بهذا الصدد: «أما في الميدان الثقافي فقد فتحت مدرسة غرداية للصناعات، وستفتح في شهر أكتوبر الآتي سنة 1367 هـ/ 1948 م مدرسة تجارية ستتلوها بعد قليل مدرسة فلاحية، فهل من سداد الرأي أن يتركها أبناء الوطن ليحتلها غيرهم؟ وهل يتولى إدارات الأعمال بعد اليوم غير المثقفين؟ وهل يكون الإنتاج بغير علم؟ ثم إن طبيعة العمران تقتضي أخصائيين في شتى فنون العلم فمن يكون هؤلاء في ميزاب في الغد القريب؟» (2).
كما نشطت الحركة الإصلاحية في تشجيع عمل المرأة في بيتها في كل ما. يتعلق بحرف النسيج والخياطة والغزل وخدمة الصوف، لأجل صناعة الزرابي والأفرشة والألبسة الصيفية والشتوية. فعملت الحركة الإصلاحية على إنشاء تعاونيات لترويج منتوج المرأة بتوفير مواده الأساسية ثم المصنوعات والمنسوجات في أسواقها المحلية، ونقل الفائض منه لتسويقه في الأسواق الخارجية في أرجاء الجزائر وخارجها (3).
(1) سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 177. (2) دبوز نهضة الجزائر، ج 3، ص 201.
(3) بيوض حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 7775 (1/465)
صفحة 466
434
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
يقول الباحث نور الدين سكحال: «خطا المصلحون خطوة أخرى لجعل هذا النشاط الاقتصادي للمرأة الميزابية يتعدى نفعه الأسرة إلى المجتمع، فأطروه وأنشؤوا له تعاونيات خاصة تختص بمتابعته، وتنسيق العمل فيه، بتوفير المواد الأولية اللازمة خطط وبرامج للتسويق والإشهار من خلال إقامة المعارض والأسواق
له، ووضع
لهذه المنتوجات» (1).
ومن الخطوات العملية الجريئة التي اتخذها الشيخ بيوض باسم حركة الإصلاح وتحسب له ولهم لما جلبته من منافع للأمة، ولما رفعت عنهم من غبن ومذلة، فتواه فيما يعرف بمكس الأسواق، إذ كانت السلطات الاستعمارية تفرض على كل أسواق وادي ميزاب ضرائب محددة تعرف بالمكس؛ تعرضها للبيع في المزاد العلني خلال كل فترة، فكان اليهود هم الذين يسارعون إلى شرائها في كل مرة، ليتحكموا بموجبها في حركة البيع والشراء في الأسواق ويقبضوا الأموال عن كل بائع بضاعته وعن كل دلال بأضعاف ما يسوغه لهم القانون، فجمعوا بذلك أموالا كبيرة. وكانت الأمة تهان بتصرفات اليهود وغطرستهم وإذلالهم للناس وامتصاصهم لدماء الضعفاء من التجار والباعة، وكانوا سببا في ارتفاع أسعار بعض المنتوجات فلم تستطع الأمة لوقت طويل فعل شيء أمام هذه الوضعية المهينة بدعوى حرمة شراء ضريبة أو مكس السوق لكونه تقوية للاستعمار من جهة، وأكل لأموال الناس بالباطل من جهة أخرى بعد ذلك (2).
تجرأ الشيخ بيوض وأفتى بجواز شراء هذا المكس وعرض المسألة على رفقائه هذا
الأمة
من أعيان الإصلاح وطلب منهم التكفل بشرائها وحمسهم لذلك، بقصد رفع الغين عن وكشف مذلة اليهود عنها، وبين لهم الوجهة الشرعية لفتواه المبنية على مراعاة المقاصد ورعاية المصلحة وجلب المنفعة. فوافقوه على ذلك واستجابوا لأمره وخلال سنة 1349 هـ/ 1929 م حينما أعادت السلطات الاستعمارية بيع
(1) سكحال المرجع السابق، ص 183.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 21 23 دبوز: أعلام الجزائر، ج 5، ص 72 - 73. (1/466)
صفحة 467
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
435
مكس بلدة القرارة في مصالحها الإدارية بغرداية تقدم وفد من رجال الإصلاح ودخلوا في هذه المزايدة مع اليهود وغلبوهم واشتروا المكس وانتزعوا من اليهود حق التصرف والتحكم في أسواقهم. واستمروا في شرائه كل ثلاث سنوات لمدة تسع سنين حتى طأطأ اليهود رؤوسهم، وتخلوا عن غطرستهم، وعلموا أن للأمة حماة ورجالا أشداء يستطيعون صون عزتها وحفظ كرامة وجهها (1).
ثم حذت بعض قرى ميزاب التي انتشر فيها الإصلاح مثل بريان والعطف حذو بلدة القرارة في اتباعها فتوى الشيخ بيوض واشترت مكس أسواقها وتبرعت
(2)
به للمجتمع يبين الشيخ بيوض وجهة نظره في فتواه بقوله: كان إفتائي بجواز شراء المكس لفائدة المسلمين ورفع الظلم والذل عنهم، وشراؤنا مكس القرارة، وتطهير سوقها من اليهود الأعداء وأعوانهم الأخساء عملا خيريا ومبرة كبرى، وشيئا يجيزه الدين، ويملأ بالسرور والرضا كل غيور من المسلمين» (3).
ويضيف في موضع آخر: «لما وصل ظلم اليهود وغطرستهم هذا الحد قلت للمصلحين في القرارة: إلى متى ونحن صابرون على الظلم؟ إن المكس ضريبة واجبة
في الأسواق، فيجب أن نتولاها لنرفع الظلم وغطرسة اليهود على المسلمين» (4).
ثم يبين ثمار شراء هذا المكس ونتائجه الحسنة بقوله: «أعفينا من ضريبة المكس المنتوجات الفلاحية من القرارة، إعانة للفلاح المسكين الذي يعاني من الجدب وصعوبة الفلاحة وأعفينا من ضريبة المكس المنتوجات الصوفية التي تصنع في القرارة، حثا للمرأة على العمل والإنتاج (5).
(1) بكلي: المرجع نفسه، ص 21 - 23. دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 72 - 73.
(2) بكلي: المرجع نفسه، ص 122.
(3) دبوز المرجع السابق، ج 5، ص 74. (4) المرجع نفسه: ج 5، ص 73. (5) المرجع نفسه: ج 5، ص 73 74. (1/467)
صفحة 468
436
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته.
مرة أخرى تثور ثائرة رموز تيار المحافظة والجمود وتهيج عاصفتهم على هذه. الفعلة البيوضية النكراء، فلا يدركون أبعادها، ومقاصدها، فيثورون ضد هذا الاجتهاد الخارق للمعهود في المذهب، ويعارضونه بشدة، ويرون فيه إهانة لهم ووثبة عليهم، وتحديا للهيئات العرفية من حلقات العزابة وأعرافها وسيرها وتطاولا على علماء ومشايخ وادي ميزاب الحاضرين والسابقين. فرموه بمختلف النعوت واعتبروه خارجا عن الدين وعن المذهب، وعاصيا للمجتمع ومتنكرا لسير الأجداد والآباء (1).
يصف الشيخ بيوض الآثار السلبية لفتواه بقوله: كان لنا في العشرينيات بعض اتصالات بالعلماء المعارضين البارزين، ولما جاءت مسألة المكس هذه طفح بها كيل عداوتهم لي وللإصلاح فانغلقت الأبواب بيننا، واستمروا في محاربتنا ومعارضتنا في أعمالنا» (2).
يقرأ في هذه الفتوى للشيخ بيوض قوة شخصيته واستقلاليتها، واتصافها بالمبادرة والتحدي، كما يقرأ فيها نضج فكره المبكر، وتحرره من القيود المذهبية والعرفية، ولو أدى ذلك إلى إغضاب معاقل العلم والفتوى في وادي ميزاب ودون أي مبالاة أو خشية من ردود فعلها مهما كانت.
حسب رأيي فإن هذه الفتوى تعد نوعا من التحدي الصارخ واستعراض العضلات وحماسة الشباب واندفاعه - فالشيخ لا يزال في العشرينيات من عمره رغم معقولية وجهة نظره إلى حد بعيد، إلا أن الطريقة الاستعراضية التي قدم بها فتواه للمجتمع وعدم التمهيد لها بمناقشة الموضوع مع المراجع الفقهية في وادي ميزاب أو استشارتهم فيها هي التي تعد خاطئة، ويلام عليها الشيخ بيوض، وهي التي تسببت في قلب الطاولة عليه، وكان بإمكانه أن يسلك طريقا آخر وأن يسير بالتدرج والرفق فيه
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 123. دبوز: أعلام الجزائر، ج 5، ص 74 - 75.
(2) دبوز: المرجع نفسه، ج 5، ص 75. (1/468)
صفحة 469
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
437
كما يتضح فيها اعتزاز الرجل بشخصيته الاجتماعية والعلمية واقتناعه بها إلى أبعد الحدود، واستغنائه عن غيره من الفقهاء المتقدمين عليه والسابقين له في حقل العلم والفتوى والموعظة. وأحيانا احتقاره لبعضهم واستهانته بآرائهم وتسفيهه لعقولهم؛ كما يفهم من بعض خطاباته ودروسه وأقواله عنهم المبثوثة في الكتب والوثائق (1)
على كل؛ هذه بعض مخلفات ومطبات القيادة والريادة والزعامة والشهامة. في آخر المطاف نقول: إن الحركة الإصلاحية بفضل إخلاص مشايخها وجهودهم الدعوية والتربوية المتواصلة نجحت إلى حد بعيد في توفير القاعدة الاقتصادية لتمويل منجزاتها الحضارية، كما نجحت في المزاوجة الصحيحة بين المال والعلم، وفي جعل أحدهما يخدم الآخر، كما نجحت في أخلقة المال، ووضعه في موضعه الصحيح من العملية الإصلاحية وفي مسار بناء الحضارة، فلم يهيمن عليها، ولم يؤثر على اختيار نهجها، ولم يتدخل في اتخاذ قراراتها، كما لم يعمل على فرض نفسه بالقوة في مراكز القيادة أو التسيير.
حيث قيض الله تعالى لمشايخ الإصلاح ثلة من رجال الأعمال والتجار الأثرياء، ممن نهلوا فعلا الفكر الإصلاحي وتربوا فعلا بأخلاقه والتزموا فعلا بنهجه، وأحبوا فعلا مشايخه، فخدموهم وخدموا النهضة الإصلاحية بكل إخلاص وتضحية، وبذل وكانوا رهن إشارات مشايخهم، وطوع أوامرهم وتوجيهاتهم. وفي حقيقة الأمر كان ذلك ثمرة تلك الجهود الدعوية المضنية للشيخ بيوض ورفقائه وغيره من المشايخ على منابر المساجد لنصف قرن من الزمن ويزيد، وكذا ثمرة معاهدهم ومدارسهم التي خرجت صنعة أيديهم؛ في دفعات متتالية لأجيال من الشباب الذي عمر ميادين العمل والتجارة؛ متشبعا بالفكر البيوضي ومقتنعا بالنهج والمسيرة المتبعة وواضعا الثقة التامة في قيادته ومنفقا بسخاء على منجزاته الحضارية.
(1) يراجع في ذلك مثلا بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 120 - 123. دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 70 - 75. (1/469)
صفحة 470
438
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
كما نعلق فنقول: إن اعتماد الحركة الإصلاحية في تمويل مشاريعها الحيوية على تبرعات التجار ونفقات المحسنين فقط، دون إيجاد بدائل اقتصادية قوية استثمارية وتنافسية - رغم محاولاتها المتكررة في ذلك يعد منقصة في مشروعها الإصلاحي، كان عليها أن تتداركه مع الوقت، إلا أنها لم تتمكن من ذلك، ولا يزال عبء تمويل مشاريع النهضة الإصلاحية هاجسا قائما في نفوس أصحابه إلى حد اليوم في وادي ميزاب.
XXXXXX (1/470)
صفحة 471
المبحث السابع: الصحافة
439
المبحث السابع:
الصحافة
نتناول دراسة الصحافة التي عرفتها النهضة الإصلاحية في هذا المبحث مر زاوية تحديد موقعها في المشروع الإصلاحي، ودورها في إحداث النهضة، وأثرها في توجيه المجتمع وتوعيته، لتحقيق الأهداف التي سطرها تيار الإصلاح.
ينبغي أن نشير إلى أن الصحافة عند إباضية الجزائر قد حظيت بدراسات علمية عديدة مستفيضة في كثير من جوانبها، كما حظيت بدراسات أكاديمية معمقة من عدة باحثين جادين، وكان تركيزهم في ذلك على التراث الصحفي لعميد الصحافيين الجزائريين الشيخ أبي اليقظان إبراهيم بن عيسى، الذي تعد صحفه بحق لسان حال الحركة الإصلاحية، وعقلها المنظر.
لذا فإننا لا نريد هنا تكرار ما قاله الدارسون أو اجترار ما توصلوا إليه من نتائج وخلصوا من توصيات إنما نريد أن نحصر الحديث والبحث في زاوية إبراز الدور الإصلاحي لهذه النهضة وموقعها ضمن العملية الإصلاحية، وندافع عن أطروحة كون الصحافة وسيلة أو آلة لتجسيد المشروع الإصلاحي والدفاع عنه. نستطيع أن نحدد أهم الدراسات العلمية التي تناولت الصحافة اليقظانية
فيما يلي:
- محمد ناصر
الشيخ أبو اليقظان وجهاد الكلمة.
المقالة الصحفية الجزائرية.
- محمد زغينة
الصحف العربية الجزائرية.
الشيخ أبو اليقظان ونثره.
الزبير سيف الإسلام | تاريخ الصحف في الجزائر.
- مفدي زكرياء
تاريخ الصحف العربية في الجزائر.
- زكية منزل غرابة الفكر الإصلاحي عند الشيخ أبي اليقظان. (1/471)
صفحة 472
440
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
- عبد الرزاق قسوم أبو اليقظان أحد رواد الإصلاح في الجزائر، مجلة
الأصالة، الجزائر.
- محمد ناصر بوحجام السخرية في الأدب الجزائري.
- بالحاج فخار
أبو اليقظان في الدوريات العربية.
جريدة وادي ميزاب وموقفها من القضايا الوطنية
وقضية فلسطين.
- أبو القاسم سعد الله الحركة الوطنية الجزائرية.
تاريخ الجزائر الثقافي، ج 5.
- أحمد توفيق المدني كتاب الجزائر. - محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة.
- صالح الخرفي
- أنور الجندي
أعلام الإصلاح في الجزائر.
صفحات من الجزائر.
الفكر والثقافة المعاصر في شمال إفريقيا.
- عبد الرحمن بكلي مسيرة الإصلاح في جيل.
- المعهد الوطني العالي | مجلة الموافقات ملف العدد حول الشيخ أبي اليقظان،
لأصول الدين بالجزائر عدد 5 جوان 1996
1996 م.
لا شك أن لعبة الصحافة والإعلام تعد من الإبداعات الإنسانية الحديثة التي دخلت معترك الحياة من بابه الواسع، واحتلت موقعها فيه بقوة؛ لتعمل على قضاء المآرب وتحقيق الغايات وبلوغ الأهداف، ولعب الكثير من الأدوار السياسية والاجتماعية، بحيث لم يكن شيء من ذلك معهودا لدى البشرية بهذا الشكل وعلى هذا النمط من قبل. أصبحت الصحافة في عالم البشرية منذ أزيد من قرن قوة لصناعة الرأي العام وتوجيهه، وسلاحا دعائيا، ومصدرا اقتصاديا وجهة مؤثرة في مجريات السياسة والحكم، حتى أطلق عليها السلطة الرابعة، أو الطابور الخامس. (1/472)
صفحة 473
المبحث السابع: الصحافة
441
كما تلقفت الإنسانية بمختلف دولها وشعوبها ودياناتها وتوجهاتها هذا الابتكار
الجديد، وتسارعت إلى توظيفه في خدمة مصالحها ونصرة طروحاتها السياسية والاجتماعية، فنما وانتشر بسرعة مذهلة وتطور وتحسن في أوقات قياسية محدودة فتحول الإعلام والصحافة إلى سلاح دخل معترك الحروب والصراعات التي شهدتها البشرية خلال القرن العشرين، كما تحول إلى وسيلة للتوجيه والتثقيف سخرته حكومات الشعوب لتكوين أفرادها وغرس قيم المواطنة فيها، وبناء مجتمع الدولة والمؤسسات.
-
كانت الجزائر - وهي الدولة المستعمرة والشعب المقهور خلال القرن العشرين ممن استعمل ضده هذا السلاح، كما عرفت الجزائر الصحافة الاستعمارية منذ وقت مبكر؛ خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. هذه الأخيرة التي سعت لطمس الشخصية الجزائرية، ومحاربة القيم والانتماء الإسلامي العربي فيها، كما أذكت نار الفتنة والتفرقة بين أفرادها من خلالها (1).
ظهرت في مقابل ذلك الصحف الوطنية الرافعة لقضايا الأمة والمتشبثة بمقوماتها، والمناضلة لأجل اكتساب الحقوق ورفع الغبن واسترداد الوطن، فأنشأت جل الحركات النضالية والتيارات الفكرية التي عرفتها الجزائر جرائد تعبر من منابرها عن توجهاتها وأفكارها وقناعاتها (2).
كانت الحركة الإصلاحية الجزائرية بقيادة العلماء والشيوخ ممن دخل معترك العمل الإعلامي الصحفي، واقتنع بضرورة توظيفه سلاحا ووسيلة في سبيل تحقيق مشروعه في الإصلاح والتغيير، بعد أن تأكد أن المدرسة والمسجد والنادي والجمعية
(1) الزبيف سيف الإسلام تاريخ الصحافة في الجزائر، ص 125. (2) يراجع في ذلك المرجع نفسه ص 151 160 مفدي زكرياء تاريخ الصحافة العربية في الجزائر
-
جمع وتحقيق أحمد حمدي، نشر مؤسسة مفدي زكرياء، دار، هومة، الجزائر 2003. ص 48 - 157. محمد ناصر: الصحف العربية الجزائرية 1847 - 1939، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1980،
ص 32 - 176. (1/473)
صفحة 474
442
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
معاضدة
لم تعد كافية لوحدها لإحداث النهضة الشاملة المنشودة؛ بل لابد من ومؤازرة هذه الأطر بآلة الصحافة وغيرها من الوسائل المحدثة المعاصرة، قصد
إشاعة الفكرة الإصلاحية في الجماهير على أوسع نطاق، والتصدي لحل مشاكلها ومخالفة المخاطر المحدقة بها داخليا وخارجيا (1).
اقتحمت هذا الميدان واعتلت منبره وبلغت أفكارها من خلاله، وسربت مشروعها النهضوي بواسطة قنواته وعبرت عن قناعاتها على صفحاته، ونقلت آمال شعبها وآلامه إلى السلطات الاستعمارية بواسطته، كما اتصلت بأرجاء العالم الإسلامي وعرفت قضيتها للمحافل العالمية.
أصدرت الحركة الإصلاحية الجزائرية - التي تمثلت في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين - خلال مسيرتها النضالية العديد من الجرائد والمجلات القيمة والمتنوعة، وهي جريدة المنتقد والشهاب والسنة النبوية والشريعة المحمدية والصراط السوي والبصائر.
فكانت صحافتها فعلا صحافة رأي ومبدإ وموقف وكلمة.
(2)
كما كانت ميدانا فسيحا للنضال السياسي والفكري والتربوي، وميدانا فسيحا لمحاربة الانحرافات والبدع ومجابهة التوجهات الخاطئة في المجتمع أما عن الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب فإن معرفتها للصحافة كان في وقت مبكر من ظهورها مع مطلع القرن العشرين، وقد تزامن ذلك مع ميلادها، وفترة نشأتها وحقبة تشكلها وساعة تبلور، أفكارها، حيث اقتنع بعض أعلامها بجدواها وبضرورة توظيفها في العملية الإصلاحية منذ الوهلة الأولى؛ رغم عدم إجماعهم على ذلك.
(1) بوصفصاف جمعية العلماء، ص 139 - 145.
لحظات
(2) سيف الإسلام المرجع السابق، ص 58. مفدي المرجع السابق، ص 77 - 132. ناصر: المرجع السابق ص 37 بوصفصاف المرجع نفسه، ص 139 - 145. (1/474)
صفحة 475
443
المبحث السابع: الصحافة
كان على رأس الدعاة لتبني العمل الصحفي الشيخ أبو اليقظان، الذي جاء في وصفه لدور الصحافة ما يلي:
فهي الأم المثقفة لأولادها، والمدرسة السيارة المهذبة لأبنائها، والمعلم النصوح لتلاميذه، والمرشد الحكيم لمريده، والطبيب الحاذق لمرضاه، والمصلح الكبير لشعبه» (1). كما وصفها في موضع آخر بـ: (المستشفى المتنقل المحتوي على أطبائه وأدواته وأدويته» (2). ووصفها كذلك بـ: (المدرسة السيارة في البر والبحر والهواء» (3).
كما قال في دورها وأهميتها قصيدة شعرية؛ مما جاء فيها ما يلي: إن الصحافة للشعوب حياة والشعب من غير اللسان موات فهي اللسان المفصح الذلق الذي بييانه نتدارك الغايات فهي الوسيلة للسعادة والهنا وإلى الفضائل والعلا مرقاة فيها إلى الأمم الضعيفة ترفع الرغبات منه وتبلغ الغايات الشعب طفل وهي والده يرى لحياته ما لا تراه رعاة). مما هو واضح كما سبق أن بينا في مبحث سابق - أن الفضل يعود إلى المحافل السياسية والعلمية التونسية التي تأثر بها أعلام الإصلاح في شبابهم، واحتكوا بأقطابها وشاركوا في حركاتهم الوطنية، ونهلوا منهم تكوينهم السياسي، وألهبوا منهم روحهم النضالية، ثم عادوا إلى أرض الوطن بقوة مندفعة، وبحماس متأجج لإحداث التغيير والإصلاح، والنضال على مختلف الجبهات (5).
(1) أبو اليقظان: مقال بعنوان: أي هكذا جريدة البستان، ع 7. جوان 1933 م. (2) أبو اليقظان: افتتاحية جريدة النبراس، ع 1، الصادر بتاريخ: 21 جويلية 1933 م. (3) أبو اليقظان: مقال بعنوان: بين الجريدة والجواق جريدة البستان، ع 1، الصادر بتاريخ: 27 أفريل 1933 م.
(4) إبراهيم أبو اليقظان: ديوان أبي اليقظان، دراسة الدكتور محمد ناصر، نشر جمعية التراث، ج 1، ص 90. (5) يراجع في ذلك المبحث الرابع من الفصل الثالث حول المرجعية الفكرية للإصلاح، ص 247 - 275. سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 5، ص 290 294:قاسم أقلام الميزابيين في الصحافة التونسية
27 - 5 (1/475)
صفحة 476
444
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
يقول الشيخ أبو اليقظان عن تأثره بالأجواء الصحفية التونسية: «لما انغمست
من
في الوسط التونسي في سنة 1914 م .... وقد انطلقت الصحافة التونسية إذ ذاك عقالها، فكانت تبرز بألوانها الزاهية وفصولها الممتعة وزاد اللهب شعوري حركة
خططه
الدستور بها وبلوغها عنفوانها وأعلى ذروتها منذ 1917 م إلى 1920 م). إن مما يذكره بعض الإصلاحيين أن اجتماعا حاسما مهما ضم قادة الإصلاح ونخبهم من شباب وكهول في معقل الإصلاح بلدة القرارة سنة 1345 هـ/ 1925 م في لحظات التحضير لميلاد المشروع الإصلاحي، وتحديد منهجه، ورسم. وضبط أولوياته، وتوزيع أدواره، وتقسيم مسؤولياته. فكان من القضايا المهمة المطروحة في هذا الاجتماع - الذي حضره كل من الشيخ بيوض والشيخ أبي اليقظان والشيخ عدون والسيد الحاج بكير العنق أحد وجوه الأعيان - اقتراح السبل العملية لتجسيد المشروع الإصلاحي، فخلص المجتمعون إلى عدة اقتراحات أهمها:
-
تبني خط الإصلاح الديني الاجتماعي.
تبني خط الإصلاح التربوي التعليمي.
تبني خط الإصلاح الإعلامي الصحفي.
فكانت النتيجة هي الاتفاق على توزيع هذه المهام والأدوار بين قادة الحركة الإصلاحية ومشايخها وأعيانها؛ كل ميسر لما خلق له مع ضرورة التعاون والتوافق
والتنسيق والتشاور والتكامل
(2)
عند كلامنا في المباحث الماضية عن الإصلاح في شقه الديني الاجتماعي أكدنا على محورية شخصية الشيخ بيوض وزعامتها وريادتها، وأثرها الفعال في كل
(1) أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، ص 12. (2) مصطفى باجو: مقال بعنوان: الشيخ إبراهيم بيوض مربيا، منشور ضمن أعمال الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بيوض، كتاب الملتقى، ص 237. (1/476)
صفحة 477
445
المبحث السابع: الصحافة المنجزات والمواقف التي شهدتها الحركة الإصلاحية، أما هنا ونحن بصدد عرض منجزات الحركة الإصلاحية في بعدها الإعلامي الصحفي فإن الشخصية المحورية القيادية التي صنعت أحداث هذا الميدان من الجهاد والنضال هي الشيخ أبو اليقظان إبراهيم. الذي نستطيع وصفه بفيلسوف الحركة الإصلاحية ومفكرها ومنظرها الثاني، والرجل التقدمي في صفوفها المتفتح على عصره، الآخذ بأسباب التمكين والعزة فيه والرجل المجسد لشخصية الميزابي الإباضي المتشبث بميزابيته وإباضيته وفي ذات الوقت المؤمن بتلاقي المذاهب الإسلامية وتعاونها، والداعي إلى وحدة الأمة الإسلامية، والمكافح في سبيل نصرة وطنه الجزائر، وخدمة قضايا شعبه؛ كل ذلك في وسطية واعتدال وفي قوة شخصية وصلابة مبدإ ودمائة أخلاق ورسوخ عقيدة، وصبر واحتساب وشاعرية بلا تعصب ولا تقوقع ولا تفسخ، وفي انسجام وتوافق غريب عجيب؛ يعز اجتماعه في شخص رجل واحد من بني عشيرته ومن بني وطنه.
يقول عنه الشيخ عبد الحميد ابن باديس: (وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيته التي يفاخر بها وله الحق عربي يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطني يناضل ويقارع في سبيل الوطنية، ومسلم مخلص لله دينه، يجعل الإسلام في الصف الأول من أعماله. أما إذا قال أبو اليقظان متألما لحوادث القطر الجزائري فإنه يسيل العبارات دما ويجرح القلب تأثرا، ويبعث في النفس شعورا حيا وإحساسا ساميا» (1). ويقول عنه الشاعر مفدي زكرياء (إذا كان لقب شيخ الصحافة جديرا بأحد من أرباب الصحافة بالجزائر، فالشيخ أبو اليقظان يمتاز بهذا اللقب بجدارة واستحقاق، فلقد قطع عشر سنوات كاملة من الكفاح الصحفي المجيد يتحدى إدارة الاستعمار في الجزائر، بصبر وأناة وعزم لا يعرف التراجع، وذلك في فترة تعد من أصعب الفترات وأقبياها في مراحل الكفاح القلمي بالجزائر (2).
(1) عبد الحميد بن باديس جريدة الشهاب، ج 10، ص 606 - 608.
(2) مفدي: تاريخ الصحافة العربية، ص 65. (1/477)
صفحة 478
446
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
ويقول عنه المؤرخ أبو القاسم سعد الله: «أما دوره الصحفي وعدد صحفه وصراعه مع الإدارة فقد تناوله أكثر من واحد وهو الظاهرة الفريدة التي تميز بها أبو اليقظان، سيما الفترة الممتدة من 1346 هـ/ 1926 م إلى 1358 هـ/ 1938 م، فقد كان يصدر صحيفته تحت عنوان جديد كلما منعته الإدارة من إصدار الجريدة. فكانت الأحداث تكيفه ولكنها لا تكسره» (1).
احتل الشيخ بهذه المواصفات الرفيعة مركز القيادة والريادة في الحركة الإصلاحية، وكان لصاحبه زعيم الحركة الشيخ بيوض بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام، فكان العضد الأيمن والرفيق المخلص، والناصح الأمين، ومصدر المشورة والرأي والحنكة.
فما علاقة هذا العملاق بالصحافة، وكيف وظف منبرها لخدمة المشروع الإصلاحي الشامل؟
حين عاد أبو اليقظان من تونس إلى الجزائر ليستقر بها سنة 1345 هـ/ 1925 م، بعد رحلة علمية طويلة زادت على عشر سنين قضاها في تكوين متكامل، بنى فيه شخصيته العلمية والاجتماعية والسياسية، ونال بها خبرة نوعية، عقد العزم على خوض تجربة صحفية في وطنه الجزائر، وولوج هذا البحر المتلاطم الأمواج؛ رغم إدراكه منذ الوهلة الأولى الصعوبات التي ستواجهه، والمخاطر التي سيعرض لها نفسه، إلا أن شخصيته المتحدية للمصاعب، وقوة إيمانه بقضية وطنه، ومقته للمستعمر، وإيمانه برسالة الصحافة واقتناعه بضرورة امتلاك أمته الميزابية وأمته الجزائرية لمنبر تعبر منه عن أفكارها وتدافع عن حقوقها، فقرر مع نفسه أن لا بد من تأسيس هذا الصرح الذي بقي غائبا عنها، وثغرة في بنيانها، ثم مضى لتجسيده في أرض الواقع.
(1) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 5، ص 293.
(2) محمد ناصر بوحجام حياة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، دت، ص 5 - 14. (1/478)
صفحة 479
المبحث السابع: الصحافة
447
يحدد الشيخ أبو اليقظان الدوافع التي كانت وراء دخوله المعترك الإعلامي الصحفي في النقاط الآتية:
• الميل الفطري للصحافة منذ صغره والذي نما فيه أثناء وجوده في تونس.
تأثره بالأحداث العامة التي يعيشها وطنه الجزائر والعالم الإسلامي. • المعارضة الشديدة التي لاقتها بعثته العلمية في تونس من رموز تيار الجمود، وإلصاق مختلف التهم الباطلة به، وبطلبته مما غير نظر المجتمع إليه، وهون من العلم لدى الطلبة.
إصدار السلطات الاستعمارية قانون التجنيد الإجباري على أهالي الجنوب الذي يرى فيه الشيخ أبو اليقظان حكما بالإعدام على الأمة جمعاء (1).
إن هذه الدوافع لتكشف بوضوح مدى ارتباط الرجل بقضية أمته وشعبه، وإيمانه بضرورة التضحية في سبيل نصرة الحق فيها، ومحاربة الأفكار الرجعية الجامدة، ومجابهة المشاريع الاستعمارية الحاقدة.
كما أن هذه الدوافع التي ولدت الصحافة اليقظانية لتكشف عن مدى ارتباطها وتخندقها ضمن المشروع الإصلاحي، وتبني أفكاره والدفاع عن طروحاته، والعمل على التمكين للنهضة الإصلاحية.
يقول الدكتور محمد ناصر في هذا الصدد: «وهكذا أصبحت جريدة وادي ميزاب اللسان الناطق باسم الحركة الإصلاحية بعامة، وباسم وادي ميزاب بخاصة، وأصبحت بالتالي كل الصحف التي أنشأها أبو اليقظان المنبر الحر الذي ارتضاه رجال الإصلاح لهم، وتصبح مرآة ينعكس عليها تاريخ هذه الحركة فكرا وأعمالا زعامة وتوجيها.
(1) أبو اليقظان: تاريخ صحف، ص 10 - 12. زكية منزل: الفكر الإصلاحي عند الشيخ أبي اليقظان، ص 89 - 90. بوحجام: المرجع نفسه، ص 14. (1/479)
صفحة 480
448
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
من هنا تكون المقالات التي كتبت في هذا الاتجاه ذات دلالة عريقة لأنها تمثل نوعا من الصراع الفكري الذي كان محتدما بين اتجاهين متعارضين كلاهما يريد السيطرة على أفكار العامة، ويقاوم في سبيل بقائه وانتشاره» (1).
كيف لا وعمدة هذه الصحافة الشيخ أبو اليقظان أحد الرواد الوارثين لأمانة الإصلاح من أبي الحركة الإصلاحية في مهدها قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش باعتباره تلميذا له، ثم إن أسفاره ورحلاته وتكوينه الخارجي جعلت منه أحد المصلحين التقدميين المتفتحين على الفضاءات الخارجية، والصانعين لأمجاده ومنجزاته، كما جعلت منه أحد السابقين لعصرهم في مستوى التنظير والتفكير وفي المستوى الإدراكي العام لمجتمعهم في الكثير من المجالات والقضايا، مما جعل أثره في الفكر الإصلاحي بوادي ميزاب قويا من خلال آرائه ونظرياته ومنجزاته التقدمية المتميزة التي يمكن أن نعطي أمثلة عنها فيما يلي:
كونه من أوائل من عقد رحلات للسفر في أرجاء العالم الإسلامي قصد زيارة حواضر العلم والجلوس إلى العلماء في بلاد الحجاز والشام ومصر، متحديا كل الظروف السياسية والمعيشية الصعبة، حيث كان ذلك سنة 1327 هـ/ 1909 م.
- كونه أول مؤسس لبعثة علمية جزائرية إلى خارج الوطن ومدير لها سنة
1913/ 1331
كونه من أوائل من شارك في الصحف التونسية بمقالات متنوعة عن الجزائر ووادي ميزاب، قبل سنة 1339 هـ/ 1920 م وبعدها (3).
(1) محمد ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 84.
(2) أحمد فرصوص الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، دار البعث قسنطينة الجزائر، 1991، ص 27 - 30.
بوحجام: حياة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، ص 6.
(3) شريفي: معهد الحياة، ص 44. (1/480)
صفحة 481
المبحث السابع: الصحافة
449
- كونه من أوائل من ناضل في أحزاب سياسية تونسية، حيث كان عضوا في. الحزب الدستوري التونسي بداية من سنة 1335 هـ/ 1917 م. - كونه أول مؤسس لمدرسة عربية عصرية في وادي ميزاب سنة
1915/ 1333
- كونه أول من أسس ناديا أدبيا وفكريا في بلدته القرارة سنة. 1337 هـ/ 1915 م، والذي كان مهد ميلاد الحركة الإصلاحية في وادي
ميزاب (1).
- كونه أول مؤسس لصحافة عربية من بني عشيرته في الجزائر بداية من سنة
1926/ 1345
كونه أول مؤسس المطبعة عربية في الجزائر سنة 1350 هـ/ 1931 م. كونه أول من أسس جريدة تحرر في الجزائر وتطبع في تونس وتوزع في شمال.
إفريقيا (2).
- كونه من أوائل من تحدى رموز تيار المحافظة ورؤوسه الكبيرة، وفض غشاء القدسية عنها، ومزق غشاوة الرهبة المفرطة في النظر إليها والتعامل معها، التي طبعوها في نفوس العامة؛ بنشر مقالات مضادة عنها في الجرائد سنة 1339 هـ/ 1920 م وما بعدها.
حسب رأيي؛ بناء على تمحيص إرهاصات ميلاد الحركة الإصلاحية واستنطاق أحداثها خلال العشرية الثانية من القرن العشرين فإن الشيخ أبا اليقظان يكون قد ذهب بعيدا في التأثير على رجال الإصلاح وعلى رأسهم الشيخ بيوض؛ الذي لا يزال فتى يافعا في عقده الثاني، وأن يكون الشيخ أبو اليقظان وراء غرس الفكرة
(1) فرصوص: المرجع السابق، ص 27 - 30. بوحجام: المرجع السابق، ص 6.
(2) مفدي: تاريخ الصحافة العربية، ص 166. ناصر: الصحف العربية الجزائرية، ص 66.
31. (1/481)
صفحة 482
450
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
الإصلاحية في نفوسهم، وتوضيح مفهومها ورسم معالمها لديهم، خاصة في أبعادها الوطنية والإسلامية والعالمية.
رغم عدم وقوفنا على تصريحات واضحة أو شواهد بينة لرجال الإصلاح وللشيخ بيوض بالذات على ذلك، إلا أن مذهبنا هذا مستند على تلك الصداقة والزمالة الوطيدة التي جمعت هذه الكوكبة من الرجال والشباب، وعلى تلك المعاشرة اللصيقة التي جمعت الرجلين أبا اليقظان وبيوض منذ سن مبكرة من حياتهما، وجعلت روحيهما تتلاقيان وتتألفان وتتعانقان.
والشاهد الآخر أن الشيخ بيوض لم يحظ بما حظي به الشيخ أبو اليقظان من السفر خارج وادي ميزاب والاطلاع على الأوساط الإسلامية الأخرى، حيث قضى مرحلة تكوينه في معهد شيخه الحاج عمر بن يحيى في بلدته القرارة، فحرم بذلك من معايشة البعد الوطني الإسلامي، فكان الشيخ أبو اليقظان من له فضل سد هذا النقص في شخصيته القيادية، فبنى فيه هذا الجانب وسد فيه هذه الثغرة. وقد أحس الشيخ بيوض فعلا بهذا الخلل في تكوينه، فحاول استدراكه من خلال قيامه بأسفار ورحلات في أرجاء الجزائر مع أحد كبار أعيان الإصلاح وزعمائه السياسيين في وادي ميزاب آنذاك، وهو السيد الحاج بكير العنق، الذي يعتبره الشيخ بيوض أستاذه في السياسة والفكر، كما حاول استدراك ذلك بعقد رحلة إلى تونس سنة 1344 هـ/ 1925 م لأجل معاينة الحركة العلمية والسياسية فيها، رغم أن ظروفه لم تمكنه من المكوث فيها طويلا للاستفادة والتقصي. من الغريب أننا نجد الشيخ بيوض يقر صراحة في أكثر من موضع من رسائله وخطاباته بأفضال السيد الحاج بكير العنق على تكوينه السياسي)، ولا نجد ما يماثل ذلك من ذكر أفضال الشيخ أبي اليقظان على تكوينه – في حدود اطلاعي طبعا - رغم كل علاقات المحبة والمودة والوفاء التي جمعت الرجلين القائدين طوال مسيرتهما الجهادية الإصلاحية الطويلة.
(1) انظر مثلا ناصر: الشيخ بيوض مصلحا وزعيما، ص 296 - 301. (1/482)
صفحة 483
المبحث السابع: الصحافة
451
أكاد أجزم أن الحركة الإصلاحية وعلى رأسها الشيخ بيوض قد تأثرت إلى حد بعيد بالشيخ أبي اليقظان في أفكارها التقدمية، التجديدية وفي تقيدها بالأبعاد الوطنية والإسلامية والعالمية في نهضتها الإصلاحية، وفي تطوير الكثير من رؤاها حول الدين والمذهب والحياة إلى أن أصبحت هذه الخصال والمميزات في الشيخ بيوض وفي حركته سجايا ومعالم بارزة تطبع كل أعمالها ومواقفها وتفكيرها. بيد أن التيار الفكري والعلمي السائد آنذاك في كل أرجاء وادي ميزاب؛ بما في ذلك بلدة القرارة لم يبرز بهذا الفكر النير المتحرر المتفتح على الأبعاد الوطنية والإسلامية.
إذن: كانت شخصية الشيخ أبي اليقظان وراء تشكل المعالم الفكرية للنهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر بوادي ميزاب فامتزجت فيها الأصالة مع المعاصرة، والخصوصية المذهبية الإباضية والاجتماعية الميزابية بالبعد الوطني الجزائري والانتماء العربي الإسلامي.
أما تقويمنا للصحافة اليقظانية بالعودة إلى جرائدها نفسها والاطلاع على المواضيع التي طرحتها والأفكار التي تبنتها والخط الذي سارت عليه، فإننا نعدها بحق صحافة رأي وموقف وفكرة وقضية ولم تكن صحافة إخبارية أو إشهارية فقط، فاستحقت بذلك فعلا أن تكون الممثل الشرعي للحركة الإصلاحية، بل لسانها الناطق باسمها، والمعبر عن أفكارها، والمدافع عن طروحاتها، ذلك لما احتوت عليه من قضايا الإصلاح وانشغالاته الكبرى التي حملتها في الجانب التربوي التعليمي؛ من الدعوة إلى عصرنة التعليم العربي الإسلامي، والدعوة إلى فتح مدارسه في كل الأرجاء، ودعوة الآباء إلى إلحاق أبنائهم بها، ودعوتهم للوقوف بجنبها في تمويلها والإنفاق عليها، وكذا الدعوة إلى تطوير البرامج والمناهج، وإدخال العلوم العصرية والتقنية فيها. والتي حملتها في الجانب الاجتماعي الديني؛ من الدعوة إلى محاربة الجمود الفكري، ومحاربة الانحرافات الخلقية، ومحاربة التواكل والتكاسل وترك أسباب الرزق والتمكين والدعوة إلى الجد والكد في ميادين العمل والعلم، ومنافسة المعمرين واليهود، والدعوة إلى تطوير التجارة والصناعة والفلاحة والدعوة إلى ترقية الوعظ (1/483)
صفحة 484
452
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
والإرشاد في المساجد والدعوة إلى محاربة الفقر وأسبابه والجهل وبراثنه، والدعوة إلى الوحدة ونبذ التفرق والتعصب والصراعات الطائفية (3).
فكانت متخندقة بحق مع التيار الإصلاحي في كل معاركه الإصلاحية ومشاريعه الحضارية.
يقول عن خط صحافته الأستاذ الزبير سيف الإسلام: «بالنسبة لمنهجها فإنها تنهج طريق الصراحة والنزاهة والصدق والصدع بالحق وخدمة الصالح العام، ولا تعرف للدجل والمواراة والتملق والكذب والنفاق سبيلا. كان منهج هذه الجريدة الوطنية العمل بكل جهد لإحقاق الحق وإبطال الباطل بكل شجاعة وشهامة وإقدام» (2).
ويصف الشيخ عبد الرحمن بكلي أثر هذه الصحافة في الأمة وثمارها عليها بقوله: «هزهزت هذه الصحف أقطار الأمة ورجتها رجا عنيفا، ورفعت من قيمة الإصلاح، الذي يعتبر صاحبها أحد أعلامه وذللت العقبات ومهدت الصعوبات أمام العاملين ... وربطت صلات الأمة الميزابية بالمجتمع الإسلامي، فعرفها الكثير من قراء العربية بعد أن كانت مجهولة لديهم تماما، ورفعت للجزائر رأسا في عالم الشرق والغرب، وشقت طريق الصحافة الوطنية أمام الأمة الجزائرية، وحلت مشاكل اجتماعية وعلمية كانت أعقد من ذنب الضب، يستمسك بها خصوم الإصلاح» (3). أما عن الأدوار الإصلاحية التي قامت بها الصحافة اليقظانية فقد حددها الشيخ عبد الرحمن بكلي في هذه المجالات، التي اختصرناها كما يلي:
(1) يراجع في ذلك: ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، كله. سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 5، ص 290 294. زكية منزل: الفكر الإصلاحي عند الشيخ أبي اليقظان كله. قاسم الشيخ بالحاج مقال بعنوان: الشيخ أبو اليقظان ومعالم في جهاده الإسلامي، مجلة الموافقات الصادرة عن المعهد الوطني العالي لأصول الدين، الخروبة، الجزائر، ع 5، س 1996 م، ص 498 - 509.
(2) سيف الإسلام تاريخ الصحافة في الجزائر، ص 6. (3) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 105 (1/484)
صفحة 485
المبحث السابع: الصحافة
453
صرخت في الأمة صرختها الداوية إلى العلم فاستفاقت من سباتها، وسارت هذه الدعوة في أوساطها فأقبلت على مناهله.
نازلت بعض طواغيت الحكام، فكشفت القناع عن مخالفاتهم للقوانين، وأسمعتهم كلمة الحق، الأمر الذي جعلهم يفكرون قبل الإقدام مخافة التشهير والفضح. تناولت بالنقد بعض أغنياء الأمة الفاسدين المسرفين، بإذلالهم لأمتهم وتسخيرها لمصالحهم، فأوقفتهم عند حدودهم، وكشفت حقيقتهم.
خاضت معارك اقتصادية، حيث عقدت فصولا ضافية لمسائلها، وعلى رأسها التجارة، التي انغمس فيها أبناء عشيرته فلفت أنظارهم إلى الأساليب الصحيحة فيه، وإلى الغاية والمقصد منها، وحذرهم من احتكارات اليهود ومكرهم في الأسواق، وحفزتهم لمنافستهم في هذا الميدان. - عالجت الكثير من المسائل العلمية المهمة التي كانت محل جدل في الأوساط الميزابية والجزائرية، وفسحت المجال للكتاب وأقلام الباحثين للإدلاء بآرائهم والاجتهاد والبحث عن الحق فيها.
-
ألحت على تربية الأمة، وغرس مكارم الأخلاق فيها، وتنفيرها من الانحرافات والمفاسد.
انتقدت سلوك بعض الإدارات الفرنسية، التي قصرت في أداء واجباتها تجاه المواطنين، مما نبهها إلى بعض أخطائها.
كشفت عن ماضي تاريخ الأمة وأشعرتها بعزتها ومجدها؛ لتدفع الأبناء للاقتفاء بالآباء.
رفعت مطالب الأمة إلى الحكومة الفرنسية في شتى المناسبات، وذكرتها بمسؤولياتها وواجباتها، ودعتها للالتزام بها أمام أفراد الشعب (1).
(1) المرجع نفسه: ص 105 - 107. (1/485)
صفحة 486
454
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
فيما يلي نأتي إلى تعريف مختصر بالجرائد اليقظانية (1).
اسم الجريدة تاريخ الصدور تاريخ التعطيل مجموع الأعداد
01 أكتوبر
وادي ميزاب
1926 م
25 جانفي
18 جانفي 1929 م 29 جانفي
119 عدد
عدد واحد
ميزاب
1930 م
1930 م
29 ماي
09 مارس
38 عددا
المغرب
1930 م
1931 م
15 سبتمبر
02 ماي
78 عددا
النور
1931 م
1933
27 أفريل
13 جويلية
10 أعداد
البستان
1933 م
1933 م
21 جويلية
22 أوت
06 أعداد
النبراس
1933
1933
08 سبتمبر
06 جوان
170 عددا
الأمة
1933
1938
08 جويلية
الفرقان
1938
03 أوت 1938 م
06 أعداد
أما عن
الخط العام الجرائده والأهداف التي تعمل على تحقيقها في الأمة
فنستطيع أن نقرأها في افتتاحية أول عدد من جريدة وادي ميزاب التي بينها الشيخ أبو اليقظان بنفسه، حيث جاء فيها ما يلي:
(1) بوحجام: حياة الشيخ أبي اليقظان، ص 15. فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، ص 119. (1/486)
صفحة 487
المبحث السابع: الصحافة
455
من المحزن والحالة هذه أن تعيش الجزائر في عصرنا هذا، وفيها من السكان
ستة ملايين في مساحة ثلاثمائة ألف ميل مربع دون صحافة أهلية، إلا نحو صحيفتين أو ثلاث في أوقات مختلفة.
وأبشع من ذلك وأنكى أن تبقى أمة كأمتنا الميزابية، ولها مركزها في الوجود، ومقامها في الحياة ومكانتها في التاريخ، ومنزلتها في الاجتماع، ودرجتها في تحريك دواليب التجارة في القطر الجزائري، وهي بكماء خرساء لا لسان لها يعبر عن مقاصدها ... ولتلافي هذه الحالة الأسيفة عقدنا العزم بعون الله على إنشاء جريدة وطنية إسلامية باسم وادي ميزاب تصدر مرة كل جمعة بعاصمة الجزائر، وهي وإن كانت كلسان حال الأمة الميزابية، إلا أنها قبل كل شيء لسان حال الفكر الإسلامي عموما، والجزائر خصوصا، فهي مجال لأقلام كافة الأحرار الباحثين» (1).
ثم يحدد خطها الفكري وبرنامجها الصحفي بقوله:
- أولا: تأييد الحق والحرية والعدالة والمساواة ....
- ثانيا: السعي في بث روح الاتحاد والتضامن بين سائر المسلمين على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم ... وبذل الجهد في إزالة الشحناء والبغضاء وسوء التفاهم بينهم ... - ثالثا: أن تحسن الوساطة بين الأمة والحكومة بإزالة سوء التفاهم بينهما، بتشخيص دواء الأمة وآلامها، وإبلاغ رغباتها لها بكل صراحة.
- رابعا: بذل الجهد في مقاومة الرذائل، ونشر الفضيلة قدر المستطاع. - خامسا: حث الأمة على اكتساب العلوم والمعارف، وإحياء اللغة العربية، وتربية أبنائها تربية إسلامية صحيحة.
- سادسا: عدم التعرض للأغراض الشخصية، ما لم يكن فيه درء مفسدة، أو جلب مصلحة» (2)
(1) أبو اليقظان: جريدة وادي ميزاب، ع 1، الصادرة بتاريخ: 01 أكتوبر 1926 م. (2) أبو اليقظان: جريدة وادي ميزاب ع 1 الصادرة بتاريخ: 01 أكتوبر 1926 م. (1/487)
صفحة 488
456
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
أسهم في تحرير مقالات جرائد الشيخ أبي اليقظان ثلة من الكتاب من داخل الجزائر وخارجها، وهم يمثلون نخبة الأمة من الوطنيين والإصلاحيين (1)، وأبرز
هؤلاء هم:
(3)
،
شكيب أرسلان، سليمان الباروني، محمد سعيد الزاهري، مبارك إبراهيم بيوض، عبد الرحمن بكلي، عثمان الكعاك)، بن قدور)، رمضان حمود)، مفدي زكرياء)، عدون شريفي،
الميلي
73
(1) ناصر: أبو اليقظان وجهاد والكلمة، ص 467. بوحجام: حياة الشيخ أبو اليقظان، ص 20 - 21. (2) محمد سعيد الزاهري: (و) 1899 م - ت: (1956 م) في مدينة بسكرة، درس عند الشيخ عبد الحميد ابن باديس، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة وتحصل على شهادة التطويع نشط في مجال الصحافة حيث نشر عدة جرائد منها: جريدة الجزائر وجريدة البرق وجريدة الوفاق، عضو نشط في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين اشتغل بالتدريس من مؤلفاته: الإسلام بحاجة إلى دعاية وتبشير، حاضر تلمسان نويهض معجم أعلام الجزائر، ص 157. موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين: ص 45. (3) مبارك الميلي: (و: 1898/ 5/25 م - ت: 1945/ 2/9 م من مدينة ميلة، تلقى تعليمه في الجامع الأخضر وفي جامع الزيتونة تحصل على شهادة التطويع، قاد الحركة الإصلاحية في مدينة الأغواط، يلقب بفيلسوف الحركة الإصلاحية، تولى رئاسة تحرير جريدة البصائر بعد انتقالها إلى قسنطينة، ترك العديد من المؤلفات، منها: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، رسالة الشرك ومظاهره. المرجع نفسه: ص (4) عثمان الكعاك: عالم ومؤرخ تونسي، توفي سنة 1976 م. (5) عمر بن قدور الجزائري: (و): 1300 هـ/ 1883 م - ت: 1379 هـ/ 1959 م) صفحي، كاتب، شاعر من رواد الصحافة العربية الوطنية في الجزائر، أصله من العاصمة بها نشأ وتعلم أصدر جريدة الفاروق، في سنة 1913 م، نشر مقالات في صحف مصرية وفي الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية، نفاه الاستعمار إلى الأغواط، من مؤلفاته: الإبداء والإعادة في مسلك سائق السعادة. نويهض: المرجع السابق، ص 243 244. (6) حمود بن سليمان رمضان: (و): 1324 هـ / 1906 م - ت: 1348 هـ / 1929 م) شاعر وأديب من غرداية، تلقى دروسه الابتدائية بالمدرستين الفرنسية الرسمية والعربية الحرة بمدينة غليزان، ثم واصل دراسته في مدارس تونس وجامع الزيتونة ضمن البعثة العلمية الميزابية، ترك آثاراً أدبية راقية، منها: حوالي خمس وعشرين قصيدة الفتى محاولة قصصية تروي سيرته الداتية. بذور الحياة خواطر فلسفية وحكمية عن الحياة. مقالات ودراسات أدبية واجتماعية في عدة جرائد. وافته المنية وهو في الثالثة والعشرين من عمره. معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 261. (7) زكرياء بن سليمان آل الشيخ الشهير بـ: مفدي زكرياء: (و: جمادى الأولى 1326 هـ / جويلية 1908 م - ت 2 رمضان 1397 هـ / 17 أوت (1977 م شاعر الثورة الجزائرية، ومن ألمع أقطاب الأدب الجزائري (1/488)
صفحة 489
المبحث السابع: الصحافة
457
(2)، مبارك جلواح)، علي أبو علي أبو الحسن (4)،
علال الفاسي ()، علي مرحوم (1)، حمزة بكوشة (5)، سليمان بن يوسف (6)،
والعربي في العصر الحديث. ولد في بني يسجن بميزاب، تلقى تعليمه في بلدته ثم انتقل إلى تونس ضمن البعثة العلمية الميزابية، وتعلم في مدرسة السلام القرآنية، والمدرسة الخلدونية، وجامع الزيتونة؛ حيث تفتقت مواهبه الأدبية والسياسية. شارك بدور فعال في الحركة الوطنية الجزائرية ضمن حزب نجم شمال إفريقيا، ثم حزب الشعب فكان من أبرز رجاله، وتولى رئاسة تحرير جريدة الشعب لسان حال الحزب. ذاق سجون الاستعمار أكثر من مرة، ترك تراثا أدبيا ضخما أهمه النشيد الوطني الجزائري. إلياذة الجزائر، اللهب المقدس، تحت ظلال الزيتون. من وحي الأطلس تاريخ الصحافة العربية الجزائرية. معجم أعلام الإباضية، ج 2، ص 328. (1) عبد الله بن عبد السلام بن علال الفاسي: (ت: 1348 هـ/ 1929 م) عالم ووزير مغربي ولد وتوفي في فاس، عين سفيرا للمغرب بفرنسا، وتقلد القضاء بفاس. له أدب وشعر وتأليف، منها: سلوك الذهب الخالص، الإبريز في بيعة السلطان عبد العزيز الزركلي: الأعلام، ج 4، ص 98. (2) علي مرحوم من مواليد 1913/ 3/14 م بنواحي ميلية، درس في الجامع الأخضر بقسنطينة، اشتغل مفتشا في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، عين أمينا عاما للمجلس الإسلامي الأعلى بعد الاستقلال. موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين: ص 255. (3) محمد مبارك جلواح: (و: 1908 م - ت: 1943 م) من نواحي أقبو من رواد الشعر الوجداني الجزائري، كانت له علاقات مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ترك ديوان شعر بعنوان: دخان اليأس. المرجع
نفسه: ص 145.
(4) علي بن صالح أبو الحسن: (و: 1324 هـ / 1906 م - ت: الثلاثاء 25 محرم 1409 هـ / 6 سبتمبر
1988 م) شاعر ومعلم، ومجاهد درس في وادي ميزاب ثم في مدارس تونس وجامع الزيتونة، تولى
مع
التدريس في العديد من المدارس في القطر الجزائري، اعتقله الاستعمار لعدة سنوات كانت له علاقات رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وله نشاطات في نادي الترقي بالعاصمة، ترك ديوان شعر وبعض الكتابات. معجم أعلام الإباضية، ج 3، ص 613. (5) محمد حمزة بكوشة: ولد: 1904/ 1/20 م بتلمسان، شاعر، اشتغل بالتدريس في المغرب، من مؤلفاته: الرومانسية العربية، ديوان سيدي لخضر بن خلوف، ديوان سعيد المنداسي. موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين: ص 89.
(6) سليمان بن داود ابن يوسف: (و: 1323 هـ / 1905 م- ت: 26 ذو القعدة 1412 هـ/ 28 ماي 1992) من علماء العطف بميزاب له اهتمام بالبحوث التاريخية. تلقى تعليمه في بلدة القرارة، ثم معهد القطب الشيخ اطفيش ببني يزقن، شارك في نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وربطته علاقة وطيدة مع الشيخ عبد الحميد ابن باديس، شارك في تأسيس جمعية الهدى لنشر الثقافة الإسلامية في مدينة قسنطينة،
= (1/489)
صفحة 490
458
سليمان بوجناح الفرقد ()، حمو لقمان (2).
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
لا شك أن مثل هذه الأعمال الجهادية البطولية في ميدان الصحافة الوطنية العربية الإسلامية التي تبنت مشروع النهضة الإصلاحية للأمة، وتجندت في سبيل الاستفاقة من سباتها، والنهوض من كبوتها والتدرج في بناء مجدها واستعادة عزتها؛ لم تكن لتظهر وتعيش بسلام دون أن تحرك أحقاد الاستعمار وأذنابه، ليوجه إليها سهامه ومدافعه لمحاربتها والقضاء عليها، وعرقلتها بمختلف الوسائل المتاحة؛ القانونية منها والإدارية، والقمعية وليوجه لصاحبها ولمن يقف وراءها مختلف ألوان النكال والعذاب، وتجرعه مختلف ألوان الويلات والمتابعات والمضايقات؛ مما لا يستطيع تحمله إلا القليل ممن أوتوا جبال الصبر والثبات وتحمل الشدائد ونزول المصائب وتكبد الويلات.
عرف الشيخ أبو اليقظان فصولا من الصراع مع المستعمر وسلطاته بسبب صحافته، وخطها الذي اختاره لها، فصادرتها واحدة تلو الأخرى، وتحمل الشيخ
يعد عضوا بارزا في الحركة الإصلاحية بقيادة الشيخ بيوض، من الأعضاء المؤسسين لجمعية النهضة الإصلاحية بالعطف سنة 1945 م، نشط ضمن جمعية القيم بعد استقلال الجزائر، مجاهد نشط في الثورة التحريرية، أدخل سجون الاستعمار أكثر من مرة. اهتم بالنشاط الثقافي بعد الاستقلال، حيث جمع المخطوطات، وشارك في الملتقيات الوطنية والدولية، ترك العديد من الأبحاث والدراسات منها: الخوارج أنصار الإمام علي رضي الله عنه، مساهمة علماء الإباضية في العلم والفقه والحديث، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 413.
هم
(1) سليمان بن يحيى بوجناح الفرقد: (و: 1323 هـ / 1905 م - ت: 1408 هـ / 1988 م) أديب وصحفي، من المثقفين بمدينة غرداية بميزاب متقنا للعربية والفرنسية، شارك في صحافة الشيخ ابن باديس، وهو من الكتاب البارزين في صحافة الشيخ أبي اليقظان له مقالات باللغتين العربية والفرنسية، من مؤسسي جمعية الوفاق بالجزائر العاصمة. له كتاب بعنوان: الفرقد، وهو مجموعة مقالات بالعربية تتقد وطنية وأصالة. نظرا لنشاطه الوطني سجنه الاستعمار الفرنسي بسجن بربروس سنة 1929 م، ونفي إلى الصحراء. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 443. (2) حمو بن عمر سليمان بوعصبانة الشهير بـ لقمان: (ت: 15 محرم 1385 هـ / ماي 1965 م) أديب ومجاهد ولد بالقرارة؛ من أوائل خريجي معهد الحياة البارزين. شارك بمقالات في جرائد الشيخ ابن باديس وجرائد
الشيخ أبي اليقظان. تولى رئاسة بلدة القرارة بعد الاستقلال. المرجع نفسه: ج 2، ص 256. (1/490)
صفحة 491
المبحث السابع: الصحافة
459
من الصبر والأذى ما لا يطيقه إلا أولوا العزم من الرجال، ولقد تناولت المصادر التي درست صحافته فصولا من ذلك (1).
هذا عن
الصحافة اليقظانية التي بدت بالفعل حاملة لواء الحركة الإصلاحية، ورافعة راية النهضة، ومجابهة آلة الاستعمار في أحلك الفترات من تاريخ النضال السياسي الجهاد الصحفي في الجزائر ما بين سنة
1938/ 1357 - 1926/ 1345
يبقى أن نشير إلى أن الحركة الإصلاحية عرفت صحافة أخرى خارج الوطن تمثلت في صحافة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، حيث أصدر في القاهرة بمصر صحيفته الشهرية المنهاج سنة 1345 هـ/ 1925 م وكانت توزع في بلدان شمال إفريقيا وبعض الدول الإسلامية وتصل الجزائر هذه الصحيفة التي يمكن أن نعتبرها بعدا آخر للفكرة الإصلاحية في جهادها الإسلامي، حيث تموقعت في قلب الأمة الإسلامية، وشاركت في نصرة قضاياها وحمل انشغالاتها، ومناقشة المسائل العلمية والسياسية التي كانت مطروحة، كما لعبت دورا معتبرا في التعريف بالقضية الجزائرية في المحافل الإسلامية والعربية المشرقية وفي مناهضة الاستعمار وفضح من خلال نشاط صاحبها الشيخ أبي إسحاق وجهوده العلمية، وعلاقاته التي ربطها مع نخبة من علماء مصر والأزهر ودار الكتب المصرية التي توظف
أفعاله،
واشتغل فيها (2). إلا أن دور صحافته في الحركة الإصلاحية يبقى محدودا بمقارنته مع الصحافة اليقظانية، لبعد صاحبها عن الساحة الوطنية الجزائرية التي كانت مدار الأحداث وقلبها، كما أن صحيفته شهدت تعثرات وانقطاعات عديدة بسبب الظروف السياسية العامة، والأوضاع المادية التي مر بها صاحبها (3).
(1) مفدي: تاريخ الصحافة العربية، ص 165 173. ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 13 - 37. (2) مفدي: تاريخ الصحافة العربية، ص 135 - 146 بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 111 - 116. (3) لمزيد اطلاع على مجلة المنهاج يراجع محمد ناصر الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي، ص 121 - 142. مقدي: المرجع السابق، ص 135 - 146. (1/491)
صفحة 492
460
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
كما نشير أن تيار الجمود والمحافظة كما ممن واجه العمل الصحفي لدى الحركة الإصلاحية وعرقله ونشر في العامة أن الاشتغال بالصحافة كفر ولهو ولغو، ومما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وأن الإنفاق عليها أو مساعدتها يعد قمارا وربا، ونفروا
الناس من شرائها أو قراءتها، ووصفوا أصحابها بأنكى الأوصاف والنعوت (1)
وعندما رأوا اشتداد مقالات صحائف أبي اليقظان في مناصرة تيار الإصلاح وتبني طروحاته، والدفاع عن مشاريعه، وفي مهاجمة خصومه من الجمود والفساد، بتسفيه أفكارهم، وفضح ضلالاتهم، اضطروا إلى إنشاء صحيفة مضادة لصحافة أبي اليقظان سموها الروح. وكانت تحرر في مدينة البليدة، وتطبع في الجزائر العاصمة، وقد ظهرت سنة 1356 هـ / 1937 م وتوقفت عن الصدور سنة 1958 هـ/ 1939 م، وصدر منها حوالي ثلاثين عددا.
وكان خطها وجهدها يدور حول مهاجمة تيار الإصلاح في أفكاره وفتاويه ومشاريعه ومنجزاته، وفي سب وشتم رموزه الشيخ بيوض والشيخ أبي اليقظان والشيخ أبي إسحاق اطفيش.
،
ونظرا لأسلوبها المتدني السافل ولمقصدها المنحرف الفاسد فإن الأمة لم تأبه بها ولم تلتفت إليها، فلم تشهد أي انتشار ولم تحتضنها الجماهير، مما جعل صاحبها يقع في أزمات مالية بسببها، فاضطر إلى توقيفها بعد حوالي سنتين من صدورها (2). هكذا بدا لي دور الصحافة في صناعة مشروع النهضة الإصلاحية، وحمل لوائه، والنضال في سبيل تجسيد أفكاره وتحقيق أهدافه.
(1) المرجع نفسه: ص 166 - 168 ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 83 - 88. (2) ناصر: الصحف العربية الجزائرية، ص 214 - 215 (1/492)
صفحة 493
المبحث الثامن الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
461
المبحث الثامن
الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
نحاول أن نتناول في هذا المبحث الجهود الخارجية للمدرسة الإصلاحية وعلاقاتها مع العالم الخارجي، ونحاول أن نعرف مدى تفتحها على الحياة العامة من حولها وتفاعلها معها، سواء تعلق ذلك بأحداث الجزائر أم بأحداث العالم الإسلامي. هذا ما يجعلنا نهتم بعرض نماذج من هذه الجهود وصور من العلاقات والإسهامات خارج مجتمع وادي ميزاب كما ينبغي أن نؤكد أن محتوى هذا المبحث هو استثمار للفصول السابقة وتوظيف لنتائجها وبناء عليها.
فإلى جانب الأطر والمؤسسات سالفة الذكر التي راهنت عليها الحركة الإصلاحية في إحداث نهضتها وتغيير وجه مجتمعها والسير به نحو حياة أفضل وأصلح، فقد أقام أعلامها شبكة علاقات خارجية وأسهموا فيها بآرائهم ومواقفهم وأعمالهم ودعموا توجهات ونصروا أفكارا، وعارضوا أخرى وتحالفوا مع تيارات وحاربوا أخرى. واعتبروا كل ذلك جزءا من عملهم الإصلاحي.
لهذا نرى أن هذه الجهود والعلاقات تعد دعامة من دعائم العملية الإصلاحية، وإطارا من أطرها.
سبق أن بينا أن التوجه نحو العالم الخارجي والتفاعل الإيجابي معه، وربط أواصر الصلة به، والحضور النوعي فيه، وكسر جدار الانزواء والتقوقع والانكماش يعد ميزة لدى المدرسة الإصلاحية، حيث خالفت فيه تيار الجمود والمعارضة، الذي كان يرى ويعمل على عكس ذلك، مع التسجيل أن بدايات هذا الانفتاح والعلاقات والتعاون شوهد في فترات سابقة من التاريخ، وكان على شكل مبادرات شخصية وقناعات فردية، ولم يكن توجها عاما في المجتمع. (1/493)
صفحة 494
462
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
نهدف من وراء هذه الدراسة إلى بيان موقع الحركة الإصلاحية ضمن واجهة الأحداث الجزائرية والإسلامية، ومدى تأثرها بها وتأثيرها فيها، وتقويم أفكارها وأعمالها فيها. كما نهدف كذلك إلى نفي وتفنيد ما يمكن أن يشتبه على الأذهان من كون الحركة الإصلاحية عند إباضية الجزائر داخلية منغلقة على نفسها، لم يهمها إلا مجتمعها وأفرادها، ولم تراع ما يدور حولها من أحداث.
هذه
لا شك أن فصول هذه الأطروحة هي المسؤولة عن الإجابة عن الإشكالية وتفنيد هذه الرؤية وإثبات عكسها، ورسم الصورة الحقيقية للمدرسة الإباضية في علاقاتها وجهودها الخارجية. هذا ما يجعل هذا المبحث يقتصر فقط على تأكيد هذه النتيجة وضبط نماذج من هذه الجهود، وترتيبها تاريخيا وتصنيفها حسب مجالاتها، ثم محاولة تقويمها ومقارنتها مع ما هو موجود في الساحة الجزائرية
والإسلامية.
أريد أن أشير إلى أن استيفاء حق هذا الموضوع يقتضي استقصاء واستفاضة ودراسة متأنية لتاريخ إباضية الجزائر حتى يتسنى الكشف عن كل ملامح هذه الجهود؛ وهذا ما لا يمكن أن يتأتى في هذه الصفحات. أضف إلى ذلك أن المادة الأولية لهذا الموضوع لا تزال شحيحة تحتاج إلى مزيد بحث في مصادر التاريخ وكشف للأرشيف وتحليل للوثائق والنصوص والرسائل حتى يتسنى جمع شتاته، ورسم صورة مشرقة حول تعاون علماء الجزائر في سبيل إحداث نهضة إصلاحية، والدفاع عن مقومات شعبهم.
كما ينبغي الإشارة إلى أن إباضية الجزائر يعدون أقلية صغيرة ضمن الشعب الجزائري؟ لذا فإن جهودهم الخارجية - مهما كانت - ستبقى محدودة وقليلة، ولا يمكن أن تراهن على الكثرة بقدر ما تراهن على نوعية الجهد، وعلى المشاركة الرمزية أحيانا، وعلى الرأي المتبنى والموقف المتخذ من الأحداث والقضايا الراهنة. أثبتنا من خلال فصول البحث أن الحركة الإصلاحية كانت حركة إسلامية قبل كل شيء، معتمدة في مرجعيتها على مصادر التشريع الإسلامي قرآنا وسنة، (1/494)
صفحة 495
المبحث الثامن: الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
(2)
463
وأن دوافعها ومنطلقاتها كانت عقدية وحضارية قبل أن تكون مذهبية أو عرقية أو قطرية، وإن تقيدها بالمذهب الإباضي والتزامها بأعراف المجتمع الميزابي أملته ظروف تاريخية واجتماعية معينة، وأن ذلك يعد أمرا ضروريا بحكم وجودها بداخل هذا المجتمع، وولادتها من رحمه واحتضانه لها، ولا شك أن الإسلام يقر بهذا التنوع وبهذه الخصوصيات ما لم تتعد حرمات الله تعالى وتخالف شريعته، فلم تتحول هذه المذهبية (1) وهذه العرقية إلى معول هدم للإسلام، أو عامل تفريق لأفراده، أو مصدر تعصب ضد الآخرين، بل أثبت البحث أنها كانت عوامل قوة وتوحد وتمكين لأركان الإسلام في صفوف المجتمع في حقيقة الأمر إن الموضوعية تقتضي القول إن الطابع العام للنهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر كانت تتسم بالعمل الداخلي وتفريغ الجهود وتركيزها على المجتمع الإباضي في وادي ميزاب، إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه أن هذا الأمر لم يكن وليد عصبية أو انزوائية أو أنانية، إذ أن الطابع العام للمجتمع الجزائري خلال هذه الفترة اقتضى أن يعمل كل في إطار قبيلته ومذهبه ومناطق نفوذه، حيث إن فكرة الجماعة والقبيلة هي المسيطرة، وفكرة المواطنة مازالت لم تنضج في الأذهان لدى الشعب الجزائري، أضف إلى ذلك ما بقي مترسبا في العقول من عهد انحطاط العالم الإسلامي من الأحكام الخاطئة المسبقة التي تحكم نظرات المذاهب الإسلامية لبعضها البعض، والتي ولدت التعصب المذهبي وجعلت كلا منها يحمل أفكارا خاطئة حول الآخر، فتشكل بينها مع مرور الزمن جدار فاصل متين.
(1) يرى الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان والمرجع الأول للإباضية أن التقارب بين المذاهب الإسلامية والعمل في إطاره أمر ضروري وواجب على المسلمين، ولكن لا بد أن ينبني على ضوابط شرعية، وأسس فكرية لا يجوز تجاوزها أو تعديها، متمثلة أساسا في الالتزام بثوابت الإسلام عقيدة وشريعة مقابلة مع
الشيخ أحمد الخليلي دمشق، سوريا، ماي 2008 م.
(2) يراجع الفصل الثالث من البحث، ص 187 فما بعد. (1/495)
صفحة 496
464
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
لذا انطلقت جهود أعلام الإصلاح في الجزائر نحو بعضهم البعض لأجل كسر هذا الجدار، وتصحيح هذه الرؤى وتجاوز هذا الوضع الخاطئ المنافي لتعاليم الإسلام ونهجه القويم.
لنا أن نتساءل الآن فيم تمثلت الجهود والعلاقات الخارجية لإباضية الجزائر بعامة، والحركة الإصلاحية بخاصة؟
عرضنا في الفصول والمباحث السابقة صورا من حضور إباضية الجزائر في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وعددنا بعض مواقفهم
وأعمالهم الوطنية والإسلامية). فإذا حاولنا اختصار ذلك في نقاط نقول: - مشاركتهم في الحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية أثناء الحكم العثماني، حيث عقدوا معاهدة حماية مع الديوان العثماني في العاصمة، واستقلوا بالحكم الداخلي لوادي ميزاب عن طريق نظام العزابة، وشاركوا في الحياة الاقتصادية بمزاولتهم التجارة وبعض المهن والحرف الحرة. - مشاركتهم في رد الغارات الإسبانية على السواحل الجزائرية، وقيامهم ببعض العمليات الفدائية ضد قوات الإسبان.
- مشاركتهم في رد العدوان الفرنسي على السواحل الجزائرية أيام الاحتلال الأولى.
- مشاركتهم في الدفاع عن مدينة قسنطينة عند احتلال القوات الفرنسية لها. - مشاركتهم في مختلف المقاومات الشعبية بالأفراد وبالمؤن والعتاد والأسلحة. والبارود. حتى كان من أسباب نقض معاهدة الحماية التي أبرموها مع فرنسا سنة
1269 هـ / 1853 م فتح أسواقهم لتمويل المقاومات الشعبية واحتضانهم لها. - مشاركتهم في الحركة الوطنية الجزائرية بالنضال السياسي في أهم الأحزاب التي عرفتها الساحة الجزائرية.
(1) يراجع الفصل الأول، ص 17، والفصل الثالث، ص 187. (1/496)
صفحة 497
المبحث الثامن: الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
465
- مشاركتهم في الحركة الوطنية السياسية في تونس، حيث كانوا في طليعة المؤسسين والمناضلين في الحزب الحر الدستوري بقيادة الزعيم عبد العزيز الثعالبي. - مشاركتهم في الصحافة التونسية بمقالات وأشعار حول القضايا الجزائرية. والإسلامية.
- مشاركتهم في نشاط الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في تونس، وإسهامهم في التعريف بالقضية الجزائرية.
- مشاركتهم في حركة الصحافة الوطنية العربية، حيث كانت صحافة الشيخ أبي اليقظان نموذجا ورمزا للصحافة المقاومة المجاهدة الحاملة للواء الأمة، والرافعة لتحدياتها والمدافعة عن قضاياها والمجابهة للمستعمر والصامدة في وجه جبروته وطغيانه، كما كانت حاملة الفكر الإصلاحي وقائدة حروبه ضد الجمود الفكري
والتخلف والانحراف والدفاع عن قضية فلسطين والقضايا الإسلامية الأخرى. - مشاركتهم في محافل العالم الإسلامي من خلال جهود الشيخ أبي إسحاق في مصر بربط العلاقات علماء الأزهر، ومع زعماء الحركات الوطنية والإسلامية وتعريفهم بالقضية الجزائرية، وإبلاغ صوتها في المحافل العربية والإسلامية، وكانت مجلته المنهاج صورة صادقة عن هذا النضال والجهاد.
- مشاركتهم في الثورة التحريرية، حيث قادت الحركة الإصلاحية عملية الدعاية الواسعة لها، وأشرفت على إنشاء خلاياها على مستوى قرى وادي ميزاب وفي أرجاء الجزائر حيث يوجد الميزابيون، وقد قدموا جهودا معتبرة في تمويل الثورة بالمال والعتاد والمؤن وتوفير المخابئ ونقل الرسائل وتقديم الفدائيين والمجاهدين (1). وقد قام الشيخ بيوض بأدوار جبارة في التمكين للثورة في وادي ميزاب، حتى أصبح زعيما لها، وأحد قادتها في الجنوب الجزائري، وكانت له لقاءات واتصالات
(1) للاطلاع على مشاركة الميزابيين في الثورة يراجع كتاب النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 3، كله. الحاج سعيد تاريخ بني مزاب 234203
32 (1/497)
صفحة 498
466
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
تنسيقية وتشاورية مع مختلف قادة الثورة في الشمال، قام بأدوار كبيرة وخطيرة فيها، لعل أهمها وقوفه ضد مؤامرة فصل الصحراء عن الشمال، كما قام بجهود معتبرة ضمن المجلس الجزائري الذي أصبح عضوا فيه ممثلا لوادي ميزاب كما عين بعد إيقاف الحرب في رمضان 1381 هـ / مارس 1962 م عضوا في اللجنة التنفيذية مكلفا بالشؤون الثقافية (1).
هذه أهم الخطوط العريضة لإسهامات إباضية الجزائر على مستوى الجبهة
الخارجية.
كما ينبغي أن نتساءل في هذا المبحث عن جهود الحركة الإصلاحية وعلاقاتها مع المتساكنين معها في وادي ميزاب من القبائل العربية المالكية، ولا يمكن أن نغض الطرف عن التعرض لذلك، ونغفل الحديث عنه؛ رغم ما يحمل هذا الموضوع من حساسية، ويصعب توخي الموضوعية فيه وتحديد حقيقته.
إذ نقول إن ظروفا اجتماعية وسياسية حكمت العلاقة بين الإباضية الميزابيين والمالكية من القبائل العربية المتساكنة في وادي ميزاب فكانت هذه العلاقة بين مد وجزر؛ تشهد توترا وشنآنا أحيانا، وهدوءا وتوافقا أحيانا أخرى (2).
نرى أن الجهل والتعصب والاستعمار والترسبات التاريخية الخاطئة لعبت دورها في تحديد طبيعة هذه العلاقة، كما كانت الحواجز النفسية والنظرات المذهبية والدوافع العرقية لدى الطرفين تصنع طبيعتها.
استمرت هذه الحالة المتذبذبة لفترة زمنية طويلة في تاريخ وادي ميزاب، إلا أننا نستطيع القول: إن عصر النهضة الإصلاحية أحدث تحولا فيها وتغيرا نحو الأحسن
(1) للاطلاع على جهود الشيخ بيوض في الثورة يراجع كتاب بيوض أعمالي في الثورة، كله. بوحجام الشيخ بيوض والعمل السياسي كله بوحجام الشيخ بيوض وقضية فصل الصحراء، كله. ناصر: الشيخ
بيوض مصلحا وزعيما، ص 141 - 363 (2) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 65 - 124.
Yacine Dadiaddoun: Relations Entre Ibadites Et Malekites Au M`zab, Memoire De DEA, Institut National Des Langues Et Civilesations Orientales, 1989 . 1990. p 87 - 158. (1/498)
صفحة 499
المبحث الثامن الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
467
والأصوب، وذلك بفضل جهود أعلامها، حيث قاموا بأعمال مهمة وأدوار مشرفة في السعي إلى ردم هذه الهوة بين الطرفين وفي التقريب بين وجهات النظر، وفي بناء أسس التعايش بين المتساكنين، وربط أواصر الأخوة الإسلامية بينهم، وفي الدعوة لتجاوز الخلافات والشقاقات الماضية، والدعوة للتعاون والتوافق على أساس
الدين الواحد ومقومات الشعب الجزائري والوطن الواحد والعدو المشترك (1). تجسد ذلك في الميدان من خلال خطابهم الدعوي في المساجد، وفي فتحهم مدارسهم ومعاهدهم لتعليم أبناء القبائل العربية المتساكنة معهم وتخرج الكثير منهم منها، وفي تبادل الزيارات واللقاءات في المناسبات المختلفة، وفي تبادل الخدمات والمنافع، وفي التجارة في الأسواق، وفي الاستخدام في الأعمال والحرف المختلفة (2). فتحسنت العلاقات وتقدمت أشواطا إلى الأمام، مع الاعتراف ببقاء قدر من الحساسيات والعصبيات بين الطرفين إلى حد اليوم.
هذه
في جانب آخر فقد جمعت الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب بأختها الحركة الإصلاحية الجزائرية الممثلة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين علاقات مميزة رفيعة وجهودا معتبرة كبيرة، لذا نرى ضرورة الوقوف المتأني معها، وعقد المقارنة بين نهج الحركتين الإصلاحيتين:
عند الحديث عن الحركة الإصلاحية التي شهدتها الجزائر فإننا نقول إن أعلامها في الشمال والجنوب والشرق والغرب قد ربطت بينهم علاقات وطيدة منذ انطلاق مسيرتهم مع مطلع القرن العشرين، فكانت اللقاءات بينهم والمراسلات، وكان تبادل وجهات النظر والاستفادة من تجارب بعضهم البعض، والمؤازرة في الشدائد والمحن التي أصابتهم كلهم.
(1) يراجع في ذلك كتاب: الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر يوض. وكتاب: فعاليات الأيام الدراسية العلمية الوطنية حول فكر الإمام الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي - البكري - تنظيم: مكتبة الصفاء وجمعية الفتح وبلدة بريان أيام 2013 - 21 - 23 مارس 2002 المطبعة العربية، غرداية، 2006، كله.
(2) قرقب الشيخ إبراهيم بيوض رائد الإصلاح في الجنوب الجزائري، ص 6254
Dadiaddoun: Relations Entre Ibadites Et Malekites Au M`zab, p 87 - 158. (1/499)
صفحة 500
468
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
لا شك أن قواسم مشتركة عديدة جمعت بينهم وجعلت هذه العلاقات تتوطد وتتشابك، ولا شك أن هنالك وحدة في الرؤية والهدف وتوافقا في الخط والمنهج، وتلاقيا في ميادين العمل والجهاد.
عندما تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1349 هـ/ 1931 م كانت الحركة الإصلاحية عند إباضية الجزائر حاضرة بعلمائها في الجلسات التأسيسية، ثم ممثلة بقائدها الشيخ بيوض في مكتب إدارتها، نائبا لأمين مالها، ثم استخلف الشيخ أبا اليقظان مكانه، بحكم وجوده بالعاصمة، ووجود الأول بوادي ميزاب واستمرت العلاقات قوية مترابطة بينهم لم تشهد أي انقطاع أو تعثر
إذا حاولنا عقد مقارنة بين منهج الحركتين فإننا نقول:
-
(1)
إن لكلتا الحركتين جذورا إصلاحية جزائرية تعود إلى القرن التاسع عشر وما قبله، استلهمت منها الروح والفكرة ثم انطلقت على ضوئها (2).
-
إن كلتا الحركتين استفادت وتأثرت برياح التغيير والإصلاح والفكر الإسلامي القادم من المشرق خاصة مصر، وبالذات المدرسة الإصلاحية الممثلة في جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا (3).
إن كلتا الحركتين استفادت من النهضة العلمية والصحوة السياسية التي شهدتها تونس مع مطلع القرن العشرين، حيث سافر العديد من مؤسسيها إلى تونس
ودرس في معاهدها، وتعلم النضال والسياسة والصحافة في المحافل التونسية).
(1) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 5، ص 292، ص 489 - 500. ناصر: الشيخ بيوض مصلحا وزعيما،
ص 19 - 21
(2) انظر الفصل الثاني من البحث بوصفصاف جمعية العلماء، ص 51 - 84. (3) انظر المبحث الرابع من الفصل الثالث. سعد الله المرجع السابق، ج 10، ص 21 - 26. قرقب: الشيخ إبراهيم بيوض رائد الإصلاح في الجنوب الجزائري، ص 54 - 62. (4) انظر المبحث الرابع من الفصل الثالث. سعد الله المرجع نفسه، ج 5، ص 489 - 500. بوصفصاف: المرجع السابق، ص 51 - 84. (1/500)
صفحة 501
المبحث الثامن: الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
469
إن كلتا الحركتين شهدت الانطلاقة الفعلية القوية لها بعد الحرب العالمية الأولى، حيث تمكنتا من تجميع صفوفهما، وتحولهما إلى مدرسة (1).
(2)
(3)
- إن دوافع وأسباب ظهور كلتا الحركتين هي نفسها عموما، متمثلة أساسا في التخلف والجهل والفقر والابتداع والفتن والاستعمار - إن العقبات والمشاكل التي اعترضت كلتا الحركتين هي نفسها في عمومها متمثلة في الاستعمار والجمود الفكري والانحراف والعصبيات، والجهل إن أهداف كلتا الحركتين هي نفسها عموما، متمثلة أساسا في العمل على الخروج من وضعية التخلف والجمود والاستعمار وبناء المجتمع المسلم المعاصر، وتكوين النخبة وتعليم الجيل وتربيته).
- إن المنهج والخط المتبع في كلتا الحركتين هو نفسه عموما، تمثل في الارتكاز على إصلاح المجتمع من خلال التعليم والوعظ والتوعية والتربية، باستعمال الأطر والآليات والوسائل المتمثلة أساسا في المسجد والمدرسة والنادي والصحيفة والجمعيات والمحافل الاجتماعية (5).
إن منجزات كلتا الحركتين وأعمالها هي نفسها في العموم، المتمثلة في تأسيس المدارس والمعاهد وبناء المساجد، وتفعيل دور المنابر، وإنشاء الجمعيات، وإرسال البعثات، وإصدار المجلات والجرائد ودخول معترك النضال السياسي
(6)
(1) انظر المبحث الثاني من الفصل الثالث سعيدوني مقال بعنوان: مكانة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحركة الوطنية الجزائرية، منشور ضمن كتابه الجزائر منطلقات وآفاق، ص 220 - 226. (2) انظر المبحث الأول من الفصل الرابع. تركي الشيخ عبد الحميد ابن باديس، ص 17 - 118. سعيدوني: مقال بعنوان مكانة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحركة الوطنية الجزائرية، منشور ضمن كتابه الجزائر منطلقات وآفاق، ص 220 - 226 (3) انظر المبحث الأول من الفصل الرابع. بسام العسلي عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية، ص 19 - 72. تركي: التعليم القومي، ص 10262.
(4) انظر المبحث الثاني والثالث من الفصل الرابع بوصفصاف جمعية العلماء، ص 105 - 124.
•
(5) انظر مباحث الفصل الخامس. تركي: المرجع السابق، ص 283 - 373.
(6) انظر الفصل السادس. بوصفصاف المرجع السابق، ص 125 - 220 (1/501)
صفحة 502
470
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
- إن النتائج الكبرى التي حققتها كلتا الحركتين هي نفسها عموما، حيث استطاعتا إلى حد ما تغيير الذهنيات، وتربية الجيل وتعليمه، وإعداد النخب، والقضاء على الجمود، ورفع الوعي، وإخراج الاستعمار، والحفاظ على اللغة
العربية، وإحياء روح الإسلام، والحفاظ على مقومات الشخصية الجزائرية (1). هذه هي الجوانب الكبرى التي التقت فيها الحركة الإصلاحية الجزائرية في الشمال والجنوب، وعملت صفا واحدا نحو بلوغ أهدافها.
لا شك أن هذا الاتفاق والتلاقي في الخطوط العريضة لا يلغي بعض الاختلافات والخصوصيات لدى كل من الحركتين ويجعل كلا منها تتميز عن غيرها، وهذا أمر طبيعي، وقد تعرضنا إلى بيان ذلك في فصول البحث، كما نستطيع أن نشير إلى بعضها فيما يلي:
امتلاك المجتمع الميزابي للهيئات العرفية التي على رأسها نظام العزابة؛ أعان الحركة الإصلاحية كثيرا على المضي قدما في تجسيد مشروعها الإصلاحي، وسهل وصول خطابها عن طريق قنوات هذا النظام، وهذا ما لم يتأت الجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
قلة عدد أفراد المجتمع الميزابي وانحساره في رقعة صغيرة سهل العمل على الحركة الإصلاحية، مقارنة مع جمعية العلماء التي كان ميدانها القطر الجزائري الشاسع وشعبه العريض.
كان انطلاق النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب سابقا ومبكرا، حيث كان ذلك في منتصف القرن الثامن عشر، مما مهد الطريق وهيأ الأنفس وحضر العقول لتقبل الفكرة الإصلاحية واحتضانها في المراحل اللاحقة، وهذا ما لم يتسن لحركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
(1) انظر خاتمة البحث. بسام العسلي: المرجع السابق، ص 91 - 221 تركي: المرجع السابق
338 - 318 (1/502)
صفحة 503
المبحث الثامن الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
471
- انزواء المجتمع الميزابي في الصحراء وابتعاده عن قلب الأحداث في الجزائر العاصمة والسواحل والمدن الكبرى جعله - يحافظ إلى حد ما - على دينه ومقوماته ومنظومته الاجتماعية، ولا يتأثر كثيرا بالسياسات الاستعمارية التي عملت ما بوسعها لتخريب كل ذلك بالمقارنة مع بقية الشعب الجزائري في الشمال.
اعترض الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب تيار فكري شديد جامد مستحكم، مما صعب عليها العمل والتحرك وأبطأ من سيرها، وتسبب في إحداث شرخ عميق في المجتمع وتقسيمه إلى جبهتين متصارعتين. وهذا ما لم يحدث لجمعية العلماء بالشدة والصورة نفسها.
حفاظ الحركة الإصلاحية على مؤسساتها الدينية والتربوية بعد استقلال الجزائر، وتواصل نشاطها الإصلاحي التربوي التعليمي إلى حد اليوم، وهذا ما لم يتسن لحركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي تنازلت عن مؤسساتها لصالح الدولة الجزائرية، وأوقفت معظم أنشطتها التربوية التعليمية.
من هذه الجهود المبذولة يتضح كيف أن أعلام الإصلاح في الجزائر كانوا يحملون فعلا مشروعا حضاريا ساميا؛ تعاونوا على تحقيقه وتقاسموا الأدوار فيه، وكانوا يكملون بعضهم بعضا، ويضعون اليد في اليد لأجل التغلب على المشاكل والمعوقات التي كانت تعترض طريقهم. كما كانوا يحترمون أنفسهم، ويقدرون جهود بعضهم بعضا، ويعترفون بأفضال بعضهم على بعض، ويتفهمون خصوصياتهم، ويعذرون بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه ولم يتفقوا عليه. من ذلك ما قاله الإمام ابن باديس في حق أخيه الشيخ أبي اليقظان: «وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيته التي يفاخر بها وله الحق عربي يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطني يناضل ويقارع في سبيل الوطنية، ومسلم مخلص الله دينه، يجعل الإسلام في الصف الأول من أعماله. (1/503)
صفحة 504
472
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
أما إذا قال أبو اليقظان متألما لحوادث القطر الجزائري فإنه يسيل العبارات دما
ويجرح القلب تأثرا، ويبعث في النفس شعورا حيا وإحساسا ساميا» (1).
كما أن هذه الجهود تبين كيف أن أعلام الحركة الإصلاحية كانوا في مستوى الوعي بالتحديات الكبرى التي تواجه المجتمع الجزائري، وتحاك ضد الأمة الإسلامية، وأنهم أدركوا الدور المنوط بهم في المرحلة التاريخية التي وجدوا فيها، فقاموا بها كما ينبغي في حدود استطاعتهم وقدراتهم وإمكاناتهم.
كما أنهم أدركوا بعمق معاني الإسلام والوطنية، وحدود المذهبية والعرقية، فعرفوا كيف يتعايشون رغم هذه الاختلافات والخصوصيات، بل كيف يوظفونها في خدمة وطنهم ونصرة الإسلام، فلم يكن ذلك سببا في افتراقهم ونزاعهم، أو تعثر مسيرة نهضتهم. بل كان دعامة فيها.
حفظهم هذا الوعي من الدخول في صراعات مذهبية أو عرقية أو جهوية؛ تتسبب في تشتيت جهودهم وإهدار أوقاتهم وتبديد أموالهم وذهاب ريحهم ووأد نهضتهم. فلم تستطع السلطات الاستعمارية رغم مكايدها ودسائسها أن تجعل
منهم
أعداء متفرقين متقاتلين. بذلك نستطيع القول إن علماء الإصلاح في الجزائر ضربوا أروع صورة
معاصرة للإسلام في التوافق والتعاون والتناصح ووحدة الصف.
إلى جانب هذه العلاقات والجهود فقد كانت لأعلام الإصلاح عند إباضية الجزائر علاقات أخرى مميزة جمعتهم بالإباضية في العالم الإسلامي؛ في جزيرة جربة بتونس، وجبل نفوسة بليبيا، وسلطنة عمان. اتسمت هذه العلاقات بالتقدير
(2)
(1) ابن باديس جريدة الشهاب، ج 10، ص 606 - 608. (2) يرى الشيخ فرحات الجعبيري أن الحركة الإصلاحية وعلى رأسها الشيخ بيوض قدمت خدمات ثقافية وعلمية لإباضية تونس من خلال الزيارات واستقبال طلبتها في مدارسها ومعهدها، وكانت ترغب في المزيد لو كانت الظروف السياسية مساعدة ومواتية. مقابلة مع الشيخ فرحات الجعبيري: تونس، فيفري 2008 م. (1/504)
صفحة 505
المبحث الثامن: الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
473
والاحترام المتبادل وبالاستشارات الفقهية والعلمية وتبادل المراسلات والزيارات وعقد الرحلات، وقد استقبلت الحركة الإصلاحية في مدارسها وفي معهد الحياة وفودا متتالية من الطلبة من إباضية تونس وليبيا وعمان وزنجبار (3).
هكذا كان التواصل الثقافي والعلمي والحضاري بين إباضية الجزائر وإخوانهم في أرجاء العالم الإسلامي، وهكذا بدت لنا هذه الجهود وهذه العلاقات الخارجية للإصلاح، ونعيد التأكيد على أن هذا المبحث يحتاج إلى مزيد بحث وتقص وتحليل بعد جمع شتات مادته، حتى يكتمل رسم معالمه بوضوح.
فماذا عن الإصلاح في بعده التربوي التعليمي؟
(1) الاطلاع على صور من العلاقات الثقافية بين إباضية الجزائر وعمان وزنجبار يراجع كتاب: محمد ناصر بوحجام التواصل الثقافي بين الجزائر وعمان. مكتبة، الضامري، مسقط، سلطنة عمان، 2003 م، كله. قاسم الشيخ بالحاج مذكرات من أعماق جزيرة زنجبار، كله. (1/505)
صفحة 506
[صفحة فارغة] (1/506)
صفحة 507
الفصل السادس
الإصلاح التربوي التعليمي
المبحث الأول: فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
المبحث الرابع: تعليم المرأة
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج (1/507)
صفحة 508
[صفحة فارغة] (1/508)
صفحة 509
تمهيد
مهيد:
477
نظرا للجهود الكبيرة والمنجزات العظيمة والمسيرة المتواصلة التي حققتها النهضة الإصلاحية في المجال التربوي التعليمي رأينا من الضروري أن نخص كل ذلك بفصل مستقل نعاين فيه هذا البناء الحضاري، ونتتبع خطواته.
سبق لنا أن بينا في فصل سابق أن حال التعليم في وادي ميزاب وفي الجزائر عموما خلال القرن التاسع عشر، وإلى مطلع القرن العشرين بقي تعليما تقليديا في عمومه يعتمد على نظام الكتاتيب أو ما يعرف في وادي ميزاب بالمحاضر التي تشرف عليها حلقات العزابة، إلى جانب جهود بعض المشايخ الذين سمحت لهم الظروف السفر وتحصيل العلوم والمعارف في الحواضر العلمية الإسلامية المجاورة، ففتحوا لأنفسهم دورا للعلم خاصة بالطلبة، وحلقات في المساجد لعموم الناس.
مكانه بقي هذا التعليم يراوح من حيث النوعية، فلم يشهد تطورا واضحا أو تحسنا معتبرا، فلم يعرف إدارة مسيرة، ولا مداومة منتظمة للطلاب، كما لم يعرف استقرارا في البرامج والمناهج والمواد المدرسة، ولا تدرجا في مستويات الطلبة وطبقاتهم، إلا ما ندر من دور المشايخ الذين اعتنوا بحلقاتهم وجعلوا منها معاهد علمية بحق وقد مثلنا بذلك في فصل سابق بمعهد قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش (1)
إلا أن ما ينبغي تسجيله بكل وضوح والتأكيد عليه أن هذا التعليم بالرغم من بساطته وعفويته قد عمل على غرس القيم الدينية في المجتمع، وحافظ على أصالته وهويته العربية الإسلامية، كما عمل على نشر الحد الأدنى من العلوم الدينية المتعلقة بالفقه وأصول الدين وعلم أبجديات اللغة العربية.
(1) يراجع في ذلك المبحث الثاني من الفصل الثاني، ص 102 - 118. (1/509)
صفحة 510
478
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كما يسجل على هذا التعليم انحصاره على طائفة من الناس دون الشريحة العريضة منهم، مما جعل المجتمع في عمومه بقي يتخبط في الأمية والجهل. أضف إلى ذلك الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي جعلت من عموم أفراد المجتمع لا يبالون بأهمية العلم، بل يصرفون أبناءهم عنه في سن مبكرة إلى مختلف الأشغال والأعمال من فلاحة وتجارة وحرف (1). كما أن المرأة في هذا النمط من التعليم كانت الضحية الكبرى، فلم يلتفت إليها مطلقا، ولم يكن المجتمع يرى ضرورة لتعلمها، فلم تنل إلا النزر القليل الذي يمكنها من حفظ بعض سور القرآن الكريم، ومعرفة ما يجب أن يعلم من دينها وطهارتها بالضرورة.
هذا
عن التعليم العربي في مقابل ذلك فإن السلطات الاستعمارية الفرنسية بعد إلحاقها لمنطقة ميزاب بحكمها العسكري سنة 1300 هـ/ 1882 م، أوجدت بعد مدة ما يسمى بالتعليم الفرنسي، حيث شرعت في فتح مدارس ابتدائية لها في كل قرى وادي ميزاب بغرض نشر ثقافتها بين الأهالي، ومن خلال ذلك تسريب أفكارها إلى الناشئة، وتمرير سياساتها الاستعمارية في المجتمع، التي من أساسياتها طمس معالم الشخصية العربية الإسلامية في الأجيال الصاعدة (2).
أدرك أهالي وادي ميزاب خطورة هذه السياسة الاستعمارية، وتنبهوا للأهداف الخفية للمستعمر وراء حرصه على فتح هذه المدارس وإجبار أبنائهم للالتحاق بها، هذا ما جعلهم يمتنعون عن تسجيل أبنائهم فيها، ويهربونهم إلى مدن الشمال عند اقتراب كل موعد دراسي.
(1) أبو اليقظان مقال بعنوان: الأمية في الأمم شلل، منشور ضمن كتاب أبو اليقظان: مختارات من صحف ص 169. دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 28 29.
(2) بيوض: تقرير حول التعليم العربي، منشور ضمن كتاب تركي التعليم القومي، ص 42. بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 174 - 180. (1/510)
صفحة 511
تمهيد
479
كما رخصت السلطات الاستعمارية بفتح مدارس للآباء البيض لتعليم الحرف والمهارات والصناعات والفنون العصرية للفتيان والفتيات. ولاقت هذه المدارس بدورها معارضة شديدة من الأهالي ومن المشايخ الذين كانوا يحذرون الناس من إلحاق أبنائهم وبناتهم بها، ويرون فيها وكرا لنشر المسيحية والتبشير ومحاربة الإسلام (1)
هكذا وجدت الحركة الإصلاحية حال التعليم مع مطلع القرن العشرين حينما وصل دورها لتحمل أمانة الإصلاح والنهضة وبناء الأنفس والعقول، ففيم تتمثل الجهود التي بذلتها للنهوض بمجال التربية والتعليم وإصلاح أوضاعه والسير به نحو الأحسن والأصلح ليواكب العصر ويستجيب لمتطلباته.
للإجابة عن ذلك لا بد من التساؤل عن فلسفة النهضة الإصلاحية في مجال التربية والتعليم، وعن الأهداف التي رمت لبلوغها، وعن الأبعاد التي راعتها في
العملية التربوية التعليمية.
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 183. (1/511)
صفحة 512
480
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
المبحث الأول:
فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
1 - الفلسفة التربوية التعليمية:
من الأفكار التي اقتنع بها مشايخ الحركة الإصلاحية منذ الوهلة الأولى لنشاطهم أن نهضتهم لا يمكن لها أن تتمكن من النفوس وأن إصلاحهم لا يمكن له أن ينغرس في القلوب، إلا إذا قام على قاعدتين متينتين وسار برجلين قويتين، وعمل بالتوازي على جبهتين عريضتين هما:
الإصلاح الديني الاجتماعي لرعاية الجيل الراهن.
الإصلاح التربوي التعليمي لإعداد الجيل الصاعد (1).
إن وضوح هذه الرؤية لدى أقطاب الحركة الإصلاحية، ورسوخ هذه القناعة لديهم جعلاهم يتوجهون بقوة لخدمة هذه الجبهة إضافة إلى الجبهة الاجتماعية ويفرغون طاقاتهم في سبيل رعاية الجيل الصاعد، وإعداده لتحمل المسؤولية من بعدهم، وتكوينه تكوينا متزنا يجمع بين التربية والتعليم، وبين العلم والعمل، وبين حياة الفرد وحياة الجماعة.
فسعوا إلى فتح المدارس وبناء الهياكل وتطوير البرامج وضبط المناهج وإعداد
الكوادر. يقول الشيخ بيوض: «عرفنا منذ زمن بعيد أن لا إصلاح للوطن إلا بالعلم الصحيح، فدرجنا في سبيله وضحينا فيه بكل عزيز» (2).
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 22 - 27 سكحال: منهج الشيخ بيوض، ص 63 - 66. ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب مجلة الحياة الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة -
الجزائر، عدد 1، 1998، ص 70 - 71.
(2) دبوز أعلام الإصلاح، ج 4، ص 72. (1/512)
صفحة 513
481
المبحث الأول: فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
نظروا إلى هذا الجيل نظرة إشفاق وحب وأمل لكونه هو من سيتولى الخلافة
من بعدهم، ويعينهم على حمل مشاق الإصلاح والدعوة وأتعابهما، وهو الذي سيكمل المشوار الذي انطلقوا فيه، ويسير به خطوات إلى الأمام.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: «تثقيف النشء وتنشئته على العلم والفضيلة واجب، لأنهم خلفاؤنا، بعدنا يتمون ما شرعنا، ويعانون ما أسسنا، بل هم ودائع بأيدينا وأمانات (1)
من جهة أخرى فهم أعلام الإصلاح أن أصل مشكلة التخلف والهوان التي يعاني منها المجتمع والركون الذي يحياه، والقابلية للاستعمار التي يتخبط فيها، إنما مردها إلى إشكاليات فكرية على مستوى المفاهيم والتصورات التي تحملها العقول عن الدين وعن الحياة، وأن العمل والاجتهاد على تغيير تلك التصورات وتصحيح تلك المفاهيم في الأجيال الصاعدة على مستوى المدى المتوسط والبعيد سيسمح
بتغيير الكثير من الأوضاع وتحسين الكثير من الأمور نحو الصلاح والفلاح. يقول الشيخ إبراهيم القرادي واصفا جهود الحركة الإصلاحية وزعيمها بقوله:
فحركته كانت تهدف أساسا إلى تغيير المفاهيم وتصحيح التصورات» (2).
اجتهدوا في وضع سياسة واضحة المعالم للنهوض بالعملية التربوية التعليمية، ورسموا لها خطة محكمة الجوانب مضبوطة الخطوات والمراحل، وسطروا لها البرامج والمناهج والمقررات للقيام بمتطلبات هذه الأجيال الصاعدة التي لا تزال لبنة طرية بين أيديهم يستطيعون تطويعها وتشكيلها وفق ما يشاءون على المنهج القويم الذي فهموه وارتضوا التضحية من أجله.
كما رأى أعلام الإصلاح في عملهم هذا أنه حلقة في سلسلة ضمن الجهود الجبارة التي بذلها من سبقهم من علمائهم ومشايخهم طوال قرنين من الزمن، وهي
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 25.
(2) إبراهيم القرادي: كلمة تأبينية للشيخ بيوض، منشورة ضمن كتاب في رحاب القرآن، مهرجان ختم تفسير
القرآن الكريم، ص 65.
33 (1/513)
صفحة 514
482
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
تعد الحلقة المهمة والمرحلة النوعية في هذه المسيرة؛ نظرا لما يحيط بهم من ظروف صعبة، ولما يحفهم من تحديات داخلية وخارجية خطيرة، لا تسمح لهم بالتردد أو التأخر أو التولي عن الزحف، حتى يتمكنوا فعلا من تنشئة الجيل المنشود الذي يستطيع أن يحمل مشعل الحضارة، ويقضي على التخلف، ويطرد المستعمر، ويبني أركان المجتمع الإسلامي الأصيل والمعاصر.
يقول الشيخ بيوض عن هذا التواصل والاستمرارية بين الأجيال: «فنهضتنا اليوم استمرار للنهضة الدينية والعلمية التي بدأها الشيخ الأفضلي والشيخ الثميني ورفع لواءها بعدهما شيخنا اطفيش رحمهم الله جميعا (1).
من خلال تتبعنا للمسيرة التربوية التعليمية للحركة الإصلاحية نستطيع أن نحدد جهودها في المجالات الآتية:
توعية الناس بأهمية التعليم لإلحاق أبنائهم به وعدم قطعهم على الدراسة
وسط الطريق، وعدم الزهد في طلب العلم.
الدعوة إلى الإنفاق على التعليم لأجل بناء المدارس وإيواء الطلبة وصرف
أجور المعلمين.
بناء المدارس العصرية العربية النظامية الحرة.
تطوير التعليم العربي بشقيه الابتدائي والثانوي.
إنشاء معهد الحياة للتعليم الثانوي.
إرسال البعثات العلمية إلى الخارج والعناية بها وتأطيرها.
- إنشاء الجمعيات الخيرية المساندة مسيرة التعليم.
رد شبه ودعاية تيار الجمود الذي وقف ضد هذا التعليم. مجابهة الاستعمار الذي عمل على خنق هذا التعليم وعرقلة أصحابه.
(1) دبوز اعلام الإصلاح، ج 4، ص 141. (1/514)
صفحة 515
المبحث الأول: فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
483
دعوة الجماهير إلى إلحاق أبنائهم بالتعليم الفرنسي وإنهاء مقاطعته.
رافقه (1)
المطالبة بتطوير التعليم الفرنسي وتوسيع نطاقه والمساهمة في بناء مرا كما أن الوقوف على خطاب الحركة الإصلاحية وتحليل أدبياتها وفهم فلسفتها
يجعلنا نقول إنها قد رمت إلى تحقيق غايات سامية وبلوغ أهداف نبيلة نستطيع أن نجملها فيما يلي:
2 - الأهداف التربوية التعليمية:
لا شك أن الأهداف التي سطرتها الحركة الإصلاحية لمنهجها التربوي التعليمي ستكون مندرجة ضمن الأهداف العامة للعملية الإصلاحية التي تم تحديدها سابقا، وهي مستمدة من روحها وتخدمها وتصب في مجراها في الأخير، لأن العمل التربوي التعليمي هو جزء من الإصلاح الشامل
لذا فإننا نستطيع أن نحدد هذه الأهداف فيما يلي:
(2)
إخراج المجتمع من ورطته الحضارية على المدى المتوسط والبعيد عن طريق إعداد الجيل الصاعد وتكوينه تكوينا متكاملا متزنا يجمع بين متطلبات الروح والعقل والنفس والجسد.
إعداد القيادات والنخب التي ستتولى تحمل أمانة الإصلاح ومواصلة مسيرته. إعداد الفرد الصالح المتحضر الذي يجمع بين العلم والخلق، وبين الأصالة والمعاصرة، ويتخذ من الدنيا غرسا للآخرة.
غرس القيم الحضارية الإسلامية في نفوس الناشئة والأجيال الصاعدة.
نشر العلم والثقافة والمعرفة في شرائح المجتمع.
-
(1) ينظر في ذلك كتاب دبوز اعلام الإصلاح، ج 5، 34 65. بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 164 - 182. . (2) يراجع: المبحث الثاني من الفصل الرابع، ص 296 - 316. (1/515)
صفحة 516
484
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
محاصرة الأمية والجهل والإقلال من نسبتهما.
محاربة الجمود والتعصب والتزمت، التي كان الجهل وراءها.
تكوين جيل صالح يسهم في نهضة الجزائر والعالم الإسلامي. نورد الآن كلام الشيخ عدون شريفي موضحا هذه الأهداف إجمالا بقوله: «
إن الغاية التي يجب أن يجعلها المتعلم نصب عينيه نوعان:
عامة
هي طلب رضى الله وشرف العلم نفسه، ونفي الجهل عنه.
:
خاصة هي تكوين الملكات العلمية في مختلف الفنون وتثقيف العقل، وتنوير الذهن، وتربية النفس تربية صحيحة وإعدادها لتحمل قسط من عبء الإصلاح الديني والملي والوطني» (1).
ويضبطها الدكتور محمد ناصر في ما يلي:
أولا: إن العلم في حد ذاته عبادة ينبغي أن يتوجه إليها المسلم بنية صافية طالبا فيه رضى الله وحده ...
ثانيا: إن العلم وسيلة لغايات نبيلة يخدم بها المتعلم نفسه، ويخدم غيره، فهو. يخدم نفسه بتثقيف عقله وتنوير ذهنه وتربية نفسه، ومن خلال كل ذلك يعد نفسه لخدمة غيره في مجالات الإصلاح الخيرية.
ثالثا: إن العلم وسيلة كفاح ومقاومة، وسلاح لإثبات الذات في حربها ضد
الوجود الفرنسي في الميدان الديني والملي والوطني) (2).
بينما يحددها الأستاذ نور الدين سكحال في هدفين هما:
- تكوين نخبة مثقفة راشدة ...
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 57.
(2) ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، عددا، 1998 م، ص 72. (1/516)
صفحة 517
المبحث الأول: فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
(1)
485
- تحصين عامة المجتمع من الأفكار الدخيلة والمحافظة على مقومات الشخصية العربية الإسلامية فيهم) هذا عن الأهداف إلى جانب ذلك فإن الحركة الإصلاحية راعت في عمليتها التربوية التعليمية أبعادا ركزت جهودها عليها، ورأت أنها - في مفهومها - لا تتم إلا باستيفاء هذه الجوانب، وإلا كانت ناقصة غير متزنة ومخلة، وإن إهمال بعضها قد يؤدي إلى انحراف في تربية الجيل وتقصير في القيام بحقوقه.
فقيم تتمثل هذه الأبعاد؟
الأبعاد التربوية التعليمية:
من خلال تتبعنا لمسار الحركة الإصلاحية في تكوينها للأجيال وتربيتها للمجتمع، ومن خلال توقفنا مع البرامج والمقررات والمناهج المسطرة نستطيع أن تخلص أنها راهنت على الأبعاد الآتية:
البعد العقدي.
البعد الأخلاقي.
البعد العلمي.
البعد الاجتماعي.
أ- البعد العقدي:
رأت الحركة الإصلاحية أن عملية التربية والتعليم لا بد أن تقوم وتؤسس على الجانب العقدي الإيماني للفرد، بحيث تنال الناشئة تكوينا مفعما بدروس العقيدة، التي تزودهم بنظرة واضحة مقنعة عن الخالق وعن الكون وعن وظيفة الإنسان فيه، وعن معنى الحياة، وعن الرسل والرسائل وعن اليوم الآخر وعن الثواب والعقاب وعن الجنة والنار.
(1) سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح: ص 67. (1/517)
صفحة 518
486
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
فتعمل على غرس هذه المبادئ والمعاني في قلوبهم والتأكيد عليها لأنها هي التي ستبني فيهم الشخصية الإسلامية القوية التي تمكنهم من ربط أي تفكير وأي عمل لهم في مستقبل حياتهم بطريق الله تعالى وبنهج نبيه المصطفى عليه
الصلاة والسلام. ولتجسيد ذلك تقتضي العملية التربوية التعليمية أن يسري البعد العقدي في كل المواد المدرسة وأثناء كل الحصص، فيحرص الأستاذ والمعلم أن يكشف لتلاميذه علاقة موضوع الدرس بالجانب الإيماني، ويجعلهم يتأثرون بذلك
ويربط قلوبهم به
(1)
يقول الشيخ بيوض موجها كلامه للمعلمين وللمربين وموضحا لهم منهج التربية الدينية العقدية: فلا تربية تنفع في إصلاح سلوك الإنسان وتحقيق سلامة قلبه إلا إذا كانت مبنية على كتاب الله وسنة رسوله، فاملأ أيها المربي المسلم قلوب ناشئتك ما استطعت بجلال الله ومحبته والرغبة في نعيمه ورضوانه والخوف من عذابه ونقمته» (2).
ويقول الشيخ عدون شريفي موضحا ذلك بقوله: «الغرض من التعليم في معهد الحياة ... هو التربية الدينية بأوسع معانيها، وذلك بالتركيز على معرفة الله حق المعرفة، والإيمان به إيمانا يبعث على العمل الصالح والسلوك الحسن والخلق الفاضل» (3).
في هذا الصدد نجد الشيخ بيوض ينتقد منهج المنظومة التربوية بعد الاستقلال عندما أهملت هذا الجانب من مقرراتها وبرامجها، ففصلت مواد الدين والعقيدة عن سائر المواد، وجعلت التلاميذ يتعاملون مع نصوص الوحي
(1) بيوض حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 22 - 24 دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 148. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 68 - 70.
(2) بيوض المرجع نفسه، حل 1، ص 22.
(3) شريفي: معهد الحياة، ص 68. (1/518)
صفحة 519
المبحث الأول: فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
487
قرانا وسنة كما يتعاملون مع أي نص أدبي آخر دون التأكيد والتركيز على بعده الإيماني وأثره العملي.
يقول الشيخ بيوض: أفنرضى لأبنائنا المسلمين أن يتعامل أحدهم مع نص القرآن أو الحديث كما يتعامل المسيحي أو الملحد؟ قصارى أمره أن يضبط من خلاله بعض قواعد الصرف أو النحو والبلاغة ثم هو لا يحرك فيه وجدانا ولا يقوده إلى معرفة الله ومحبة رسوله. اللهم لا ().
كما يؤكد الشيخ بيوض على ضرورة إبراز الآثار العملية للعقيدة في الدروس وجعل التلاميذ يتأثرون بها ويندفعون إلى الأعمال ويتنافسون على فعل الخير وانتقد الطريقة العقيمة التي تطرح بها العقيدة عند بعض المسلمين دعاة ومربين بتركيزهم على عالم الغيب فقط، على حساب عالم الشهادة الذي يغفلونه أو يستنقصون من العناية به، بينما يقتضي الأمر عكس ذلك (2).
ب البعد الأخلاقي البعد الثاني الذي أولته الحركة الإصلاحية الأهمية في عملها التربوي التعليمي هو الأخلاق، فهي ترى أن عملية التعليم هي تربية وتقويم للسلوك قبل أن تكون معارف وثقافات وعلوما هذا ما جعلها ترفع في معهدها ومدارسها شعار التربية قبل الثقافة، وتغرس معاني هذا الشعار في نفوس أبنائها، وقد سعت لترجمة ذلك عمليا من خلال برامجها وإدارتها وأساتذتها ومعلميها.
فكانت تراقب الناشئة في أخلاقهم كما تراقبهم في تحصيل العلوم، وكانت تضبط سلوك التلاميذ في القسم وفي الشارع، وكثيرا ما يعاقب المعلم تلميذا أو طالبا باقترافه خطأ خلقيا خارج قاعة الدراسة، فتصل أنباؤه إلى الإدارة وإلى المشايخ فتعقد له مجلس تأديب، وتحكم عليه بعقاب أدبي أو جسدي.
(1) بيوض: حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 31. (2) إبراهيم بيوض: فتاوى الإمام الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر، ترتيب وتقديم وتخريج: بكير الشيخ بالحاج المطبعة العربية، غرداية، 1988 م، ج 2، ص 629628. (1/519)
صفحة 520
488
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كما كان عمدة مدارسها معلمين حازمين صارمين في مسألة التربية والتهذيب لا يتساهلون ولا يتراخون فيها، يتولون مراقبة التلاميذ ويقومون اعوجاجهم، ويوجهون أخلاقهم ويهذبون سلوكهم.
كما كان المعلم القدوة لأبنائه التلاميذ في التزامه بالسمت الإسلامي وبالخلق الرفيع وبالحزم والجد في العمل والقيام بمهمته على أكمل وجه، حتى تنطبع شخصيته في نفوس تلاميذه ويؤثر فيهم ويعمل على بناء شخصيتهم.
يقول الدكتور محمد ناصر عن منهج التربية بالقدوة المعول عليه في العملية التربوية التعليمية: القائمون على التعليم ... يختارون بعناية فائقة أساسها السلوك الحسن، والتمسك القوي بالدين الإسلامي عقيدة وقولا وعملا، وبذلك تضع المؤسسة أمام التلاميذ النموذج الذي ينبغي الاحتذاء حذوه، والمثل الذي يقتدي به. ومن المعلوم أن من قواعد التربية الإسلامية ما يطلق عليه التربية بالقدوة، كما علمنا القرآن الكريم (1).
لهذا كانت الأسرة في وادي ميزاب تضع كل ثقتها في هؤلاء المعلمين وتعتبرهم الأب الثاني القائم بدور المربي والناصح الأمين، فيتعاون الطرفان على تربية النشء، وتنشأ بينهما علاقات وطيدة للقيام بالمهمة كما ينبغي.
بذلك تنال شخصية التلميذ والطالب حظها من التربية والتقويم والتهذيب، فتغرس في نفسه القدوة الحسنة التي يعاينها أمامه يوميا وعمليا في شيخه ومعلمه، فتنشأ على تلك الطباع الحسنة والأخلاق القويمة.
ج البعد العلمي:
إلى جانب تلك العناية الفائقة التي أولتها العملية التربية بغرس الإيمان بالله تعالى وحب رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام في نفوس الناشئة والحث على
(1) ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، ع 1، 1998 م، ص 85. (1/520)
صفحة 521
المبحث الأول: فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
489
الآثار العملية لذلك، وإلى جانب الصرامة في مراقبة أخلاق التلاميذ وتقويم سلوكهم وتنشئتهم على الخصال الإسلامية الحميدة فإن ذلك لم يكن على حساب التكوين العلمي والمعرفي لهم، فقد سعت الحركة الإصلاحية على تزويد أبنائها في مدارسها ومعاهدها بزاد علمي متنوع وثري، وتدرجت معهم من المستويات الدنيا إلى العليا، فمكنت التلاميذ والطلبة من تكوين رصين في علوم اللغة العربية وآدابها. من نحو وصرف وبلاغة وأدب وشعر، وزودتهم بقسط وافر من العلوم الشرعية تدرجت فيه معهم من السهل البسيط إلى المعمق الصعب من علوم العقيدة والفقه والتفسير والحديث والأصول والسيرة، كما تفتحت على العلوم العصرية الحديثة
من حساب ورياضيات وجغرافيا وتاريخ وعلوم إنسانية ونالت حظها منها. هذا ما مكنها في نهاية المطاف من تخريج طلبة يحملون ثقافة ثرية وعلوما متنوعة، ويتحكمون في فنون اللغة العربية والعلوم الشرعية، مما مكنهم من الالتحاق بالمعاهد العليا خارج الوطن في التخصصات الشرعية والأدبية والعلمية التي اختارها كل واحد منهم وكانت ميوله تتجه إليها. فتخرج من طلبة معهد الحياة في الجامعات الشرقية والغربية دكاترة وأساتذة وأدباء وشعراء ومحامون ومهندسون وأطباء يحملون أعلى الشهادات.
كما دأبت الحركة الإصلاحية بين الفترة والأخرى إلى مراجعة برامجها وتطوير
مناهجها وتحديث أساليب تدريسها كلما رأت الضرورة تتطلب ذلك (1).
كما كانت تضم إلى طاقمها الإداري والتعليمي نخبة من الأساتذة الأكفاء الذين أتموا تكوينهم في المعاهد والجامعات وعادوا إلى وادي ميزاب، فكانوا أولى ثمرات جهودها في المجال التربوي التعليمي فزادوها قوة ونشاطا وثراء بتجاربهم وتكوينهم وحملوا لواء العلم والإصلاح معها (2)
(1) مجموعة من الأساتذة: القانون الأساسي لوحدة التعليم العربي بميزاب (الجزائر) واللائحة الداخلية. يراجع في ذلك شريفي: معهد الحياة كله. دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، كله.
(2) (1/521)
صفحة 522
490
د ـ البعد الاجتماعي العملي:
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
الجانب الرابع الذي أولته الحركة الإصلاحية أهمية في تكوين ناشئتها في مدارسها ومعاهدها وترسيخه في عقولها هو البعد الاجتماعي العملي، الذي تعني به ربط الطالب بالدور الاجتماعي الذي ينتظره بعد الفراغ من مزاولة دراسته وإتمام تكوينه بأن يعلم أن وظائف اجتماعية تنتظره في الميدان، وأنه لا بد أن يعد عقله لها الآن، فهو سيصبح في القريب العاجل معلما أو أستاذا
نفسه
ويبرمج
من
أو موظفا أو عاملا في أي مجال من مجالات الحياة، فإن المجتمع ينتظر منه القيادة والتوجيه والنصح والعمل على إصلاح أوضاعه والنشاط التطوعي داخل صفوفه وشرائحه، وأنه لا طائل من علمه إذا بقي بصاحبه في برجه العاجي، أو اكتفى بوظيفته التي يرتزق منها، ولم يسهم بأي دور أو جهد في الحياة الاجتماعية العامة، التي كان لها الفضل في تكوينه وتربيته وتعليمه.
لأجل تجسيد هذه المعاني رفع أعلام الإصلاح في معهدهم ومدارسهم شعارا ثانيا: هو مصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد، وأفهموا أبناءهم أن تكوينهم هذا لا بد في الأخير أو يعود بالنفع على المجتمع، وأن يجعلوا نصب أعينهم خدمة أفراد مجتمعهم، والتضحية في سبيل إصلاح أوضاعهم، وتقديم النصح لهم، وأن يكون ذلك مقدما على مصالحهم الذاتية الشخصية.
دأب رجال الإصلاح وعلى رأسهم الشيخ بيوض والشيخ عدون على تنشئة أبنائهم وطلبتهم على حب الوظيفة الاجتماعية التي تنتظرهم وأنها تعد من جوهر تعلمهم وتكوينهم.
يقول الشيخ بيوض في خطاب موجه لطلبته: اقتحموا ميادين الإصلاح، فضوا المشاكل بالحلول المرضية، وسووا الخلافات بالعدل والحكمة، فإنكم بذلك تفرضون وجودكم، وتعرفون بأنفسكم، وتحملون الناس على احترامكم، وتعلمون
الأمة كيف تنقاد للمثقفين» (1).
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 206. (1/522)
صفحة 523
المبحث الأول: فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
491
لأجل إعداد الطلبة في هذا الجانب فإن مؤسسات التعليم – خاصة معهد الحياة - أوجدت بداخلها جوا اجتماعيا وثقافيا مفعما بالنشاط والحيوية وفرص التكوين وتفتيق المواهب واكتشاف المهارات مما يسمح للطالب أن يدرب نفسه للمهمة الاجتماعية التي ستناط به مستقبلا. كلف أعلام الإصلاح طلبتهم بأنشطة اجتماعية كثيرة ومتنوعة فكانوا العمدة في إحياء حفلات الأعراس والمناسبات الدينية والوطنية بالأناشيد والمدائح الدينية والخطب والمسرحيات والفن الأصيل، كما كانت لهم داخل معهد الحياة نواد أسبوعية للتباري بالشعر والخطب والقصائد، فشكلوا فرقا فنية ومسرحية وأدبية متنافسة فيما بينهما. في جانب آخر من الإعداد الاجتماعي كان الطلبة يكلفون بالقيام بكل الخدمات المنزلية الخاصة في إقامتهم من النظافة والغسل والطبخ وجلب حتى يتعودوا الاتكال على أنفسهم وتحمل مسؤولياتهم والحزم والخشونة في العيش، كما أنشئت لهم منظمة كشفية تدربهم على الأعمال التطوعية والرياضة الجسدية (1).
الماء
بهم
هذه هي الأبعاد التي راهنت عليها الحركة الإصلاحية في تنشئة أبنائها وأجيالها الصاعدة التي كانت تعدها لحمل أمانة الاستخلاف، وتسلم المقود من بعدها وهذه هي فلسفتها في التربية والتعليم، ولعل تميزها يكمن في مراهنتها على الجمع بين هذه الأبعاد الأربعة، بتكوين شخصية الطالب في بعدها الديني والعلمي والأخلاقي والاجتماعي.
ونستطيع أن نقول إن الحركة الإصلاحية قد نجحت إلى حد بعيد في سياستها التربوية هذه واستطاعت أن تخرج دفعات وأجيالا متعاقبة لأزيد من نصف قرن من الزمن ولا تزال إلى حد اليوم، واستطاعت أن تنجح إلى حد
(1) يراجع في ذلك شريفي: معهد الحياة كله. دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، كله. (1/523)
صفحة 524
492
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
بعيد في تكوين نخبها وإعداد أجيالها بمراعاتها لهذه الجوانب مجتمعة، وحققت بذلك الكثير من الأهداف التي سطرتها، فوسعت من مشروعها الإصلاحي من خلالهم، حيث نجح هؤلاء الطلبة في دراساتهم العليا بمختلف الجامعات بالخارج ومثلوا معهد الحياة وحركة الإصلاح وشرفوها كما قاموا بأدوار مهمة في الحياة الوطنية أثناء الثورة وبعد الاستقلال، كما استطاعت هذه الأجيال أن تعطي المثل الحسن في الجمع بين العلم والخلق والعمل، كما نجحت في تحقيق أهدافها بنزول هذه الدفعات المتخرجة والعائدة إلى أرض الوطن إلى الميادين الاجتماعية المختلفة للإصلاح، فكانت خير سند وعون للجيل الأول من المشايخ والأعلام فزادت قوة وتمكينا للنهضة الإصلاحية.
هذه هي فلسفة الحركة الإصلاحية في المجال التربوي التعليمي، فما هي منجزاتها من مدارس ومعاهد وبعثات؟ (1/524)
صفحة 525
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
المبحث الثاني:
التعليم الابتدائي
493
نتناول في هذا المبحث الجهود التي بذلتها الحركة الإصلاحية في سبيل رعاية التعليم الابتدائي، وما قامت به من أعمال وما حققته من منجزات حضارية فيه. لأجل بيان ذلك نحتاج إلى تتبع دقيق لمسار التعليم الابتدائي في وادي ميزاب
1 - مسيرة التعليم الابتدائي:
عرفنا فيما سبق من البحث أن التعليم الابتدائي في وادي ميزاب إلى غاية نهاية القرن التاسع عشر كان يزاول في المحاضر والكتاتيب التابعة للمساجد، والتي تشرف عليها حلقات العزابة وعادة ما يتكفل به ثلاثة من أعضائها ممن أوتوا حظا من العلم؛ يشترط فيهم حفظ القرآن الكريم، والعلم بالفرائض الدينية الضرورية، فيحفظون الناس ما تيسر من سور القرآن الكريم، ويعلمونهم الكتابة والقراءة والمبادئ الدينية من عقيدة وصلاة وطهارة.
لم يكن يشترط للالتحاق بهذه المحاضر سن معينة، فيجلس فيها ابن الأربع سنوات مع صاحب السبعين سنة، كما لم يكن يلتزم فيها بفترة زمنية محددة للدراسة. أما أوقاتها فكانت منحصرة بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء صيفا وبين وقت السحور وطلوع الشمس شتاء.
استمر حال التعليم الابتدائي هكذا خلال القرون الماضية إلى حوالي منتصف القرن التاسع عشر؛ وقبل احتلال فرنسا لميزاب بفترة زمنية وجيزة بدأ بعض الناس يتنبهون إلى ضرورة تعليم أبنائهم وحاجتهم إلى تحصيل أكثر للعلم، وكان ذلك ثمرة دعوات المصلحين الأولين وجهودهم من أمثال الشيخ الأفضلي والشيخ الثميني والشيخ اطفيش وتلاميذهم؛ إذ تيقنوا أن تعليم أبنائهم في المحاضر لوحدها، وفي تلك الأوقات المحصورة بين بدايات اليوم ونهاياته غير كاف لتكوينهم، (1/525)
صفحة 526
494
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
فاجتهدوا لفتح مدارس للتعليم القرآني، على غرار ما هي عليه المحاضر في نمط تدريسها وموادها، إلا أنها تمدد في وقتها لتستغرق أوقاتا أطول من يوم التلاميذ، فكانت من طلوع الشمس إلى الزوال، مع بقاء تعليم المحاضر التابع للمساجد على حاله فواصل التعليمان طريقهما معا رغم انحصار الأول في عدد محدود من التلاميذ ولم يعم كل أبناء المجتمع (4):
(1)
دامت الحال على هذه الصورة إلى ما بعد احتلال فرنسا لوادي ميزاب سنة 1300 هـ/1882 م، وفرض تعليمها عليه كسائر مدن الجزائر، حيث أصدرت في تاريخ: 27 ربيع الأول 1310 هـ / 18 أكتوبر 1892 م القانون المنظم للتعليم في الجزائر، وكان مما جاء فيه:
منع التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين ست سنوات وثلاث عشرة سنة من الالتحاق بالتعليم العربي، وإجبارية تسجيلهم في التعليم الفرنسي والالتحاق بالمدارس الفرنسية (2).
كان هذا القانون سببا في مضايقة التعليم العربي القرآني ومحاصرة الحكام العسكريين له، ومتابعة القائمين عليه من عزابة وأعيان ومعلمين، بالتغريم والسجن والتعذيب، وغلق مدارسه القليلة البسيطة المبثوثة في المجتمع.
(3)
?
إلا أنه رغم ذلك تواصل هذا التعليم، وشق طريقه في صمت وصبر، ولم يشهد توقفا، وإنما دخل في مناورات ومراوغات ومداورات مع الحكام الفرنسيين وأذنابهم من القياد والجواسيس أثناء قيام الحرب العالمية الأولى بدأت بوادر ظهور المحاولات الأولى لإصلاح التعليم الابتدائي، والدعوة لتطويره والاستفادة من التجارب الموجودة في البلاد
(1) بيوض: تقرير حول التعليم العربي، منشور ضمن كتاب تركي: التعليم القومي، ص 419 - 421.
(2) المرجع نفسه، ص 420.
(3) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 194. (1/526)
صفحة 527
495
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي المجاورة خاصة التونسية منها، وذلك بالدعوة لإنشاء المدارس العربية العصرية وإدخال الوسائل العصرية فيها من طاولات وكراس وسبورات، وبنائها على شكل أقسام وقاعات لائقة للدراسة ومناسبة للتلاميذ، وإضافة مواد عصرية فيها، والتجديد في أساليب التدريس
(1)
في حقيقة الأمر كانت هذه الدعوات لتطوير التعليم وإنشاء المدارس العصرية ثمرة احتكاك الميزابيين بالأوساط الخارجية، سواء في أرجاء الجزائر أو خارجها في البلاد التونسية، وذلك من خلال أسفارهم بقصد العمل والتجارة، ومعاينتهم الأجواء العلمية الإيجابية وتأثرهم بها، وربطهم علاقات وطيدة مع أصحابها؛ حيث عايشوا وشاهدوا هذه المدارس العصرية، ورأوا أساليب تربيتها وتعليمها، ومعاملتها للناشئة، ورأوا الثمار الحسنة على سلوك تلاميذها، وعلى مستواهم العلمي، فرغبوا رغبة شديدة في نقل هذه التجربة إلى وادي ميزاب ليعم خيرها وتنعم الأجيال بها.
أخذت هذه الفكرة في الاختمار لدى بعض التجار والتبلور في أذهانهم، وبعد عودة الطلبة الأولين الذين قصدوا تونس للدراسة أصبحت هذه الفكرة مع الوقت حديث مجالسهم، وشغلهم الشاغل الذي يقيمهم ويقعدهم، حتى ظهرت أولى بوادرها العملية مع العشرية الثانية من القرن العشرين وأثناء الحرب العالمية الأولى، ثم أخذت في الانتشار والتوسع مع مرور الوقت.
كانت أول تجربة في هذا المجال يخوضها الميزابيون - وبالذات مجموعة من. التجار الذين اقتنعوا بالفكر الإصلاحي وصاروا من أعيانه ومناصريه؛ على رأسهم الرجل البطل الحاج بكير العنق - هي مشاركتهم وتبنيهم فكرة إنشاء المدرسة الصديقية في مدينة تبسة سنة 1331 ه/ / 1913 برعاية وإشراف الشيخ عباس بن حمانة؛ الرجل المصلح والعالم الفحل. حيث ناصروه ودعموه وأيدوا فكرته وساروا
(1) بكلي: مسيرة إصلاح، ص 166 - 167. بيوض: المرجع السابق، ص 422. (1/527)
صفحة 528
496
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
معه إلى أن تحققت في الميدان، كما مولوا مشروعه، إذ أن مبنى المدرسة هو ملك لأحد التجار الميزابيين، كما كانوا المسارعين لتسجيل أبنائهم فيها.
افتتحت هذه المدرسة وكانت مواكبة للعصر من حيث الهياكل والبرامج والانضباط وأساليب التدريس وسير التعليم، حيث استقدمت أستاذين من تونس، ولما رأت السلطات الفرنسية هذه القفزة النوعية فيها، وشعرت بخطرها عليها، قررت بسرعة فائقة غلقها وتوقيفها عن النشاط نهائيا بعد انقضاء سنة دراسية واحدة من عمرها، ودبرت من قضى على رأسها المفكر العالم الشهيد عباس بن حمانة باغتياله بعد أن هدد السلطات الاستعمارية بمتابعة قضية غلق المدرسة في المحاكم الفرنسية بباريس كانت هذه أول تجربة يعايشها الميزابيون عن كثب، ويستفيد أبناؤهم منها، مما جعلهم يدركون أهمية هذه المدارس، ويتزودون بإرادة وعزم على المضي في فتح مثيلاتها في وادي ميزاب (2).
(1)
إلا أن أول تجربة للمدرسة العربية العصرية تعيشها وادي ميزاب كانت مع مدرسة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم سنة 1915 م، حيث كان له قصب السبق في جلب هذا النمط من التعليم إلى وادي ميزاب بعد أن عاينه في تونس عند قيادته لأول بعثة طلابية فيها، ومتابعة تعليم تلاميذ بعثته في مدارسها العربية العصرية.
يقول المؤرخ محمد علي دبوز عن أهمية هذا السبق ما يلي: «إنها أول مدرسة عربية عصرية تنشأ في جنوب الجزائر، ستذيق الناس حلاوة التعليم العربي العصري، وتريهم النتائج الباهرة لهذه المدارس التي تعتني بالتربية والتعليم فينهضون لإنشائها في كل أنحاء الجزائر، لأنها متعطشة إلى التربية الإسلامية والتعليم الصحيح، فيجب أن توضح لها القدوة، وتوجه إلى الطريق المستقيم» (3).
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2، ص 262 270 ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، عددا، 1998، ص 73.
(2) بكلي: مسيرة إصلاح، ص 167. (3) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 188. (1/528)
صفحة 529
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
497
لذا فإننا نرى أن مدرسة الشيخ أبي اليقظان تعد منعطفا تاريخيا مهما، ونقطة تحول كبرى في مسيرة التعليم الابتدائي في وادي ميزاب مما يجعلنا نقف وقفة متأنية مع هذه المدرسة للتعريف بها، ومعرفة أوجه التجديد والتطوير والإبداع فيها:
2 - مدرسة الشيخ أبي اليقظان العربية العصرية: بعد عودة الشاب أبي اليقظان من تونس سنة 1333 هـ/ 1915 م على رأس أول بعثة علمية طلابية، وتوقفها بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى استقر به الحال في بلدته القرارة، وكان في مجالسه مع أعيان الإصلاح وشيوخه يحدثهم عن ذلك التطور الذي يشهده التعليم العربي في تونس ويروي لهم أخباره، ويبين لهم الجوانب الإيجابية التي تجنيها الأجيال من جرائه، وثماره المفيدة عليهم. إضافة إلى تلك الأنباء السارة التي وصلتهم عن المدرسة الصديقية في مدينة تبسة، حيث كانوا هم وأبناؤهم أعضاء فاعلين فيها، فكان ذلك سببا في أن يطلبوا من أبي اليقظان تبني مشروع تأسيس مدرسة عربية عصرية، على أن يدعموه في ذلك بالرأي والمال. كان رجل الإصلاح الأول في القرارة وشيخها الحاج عمر بن يحيى على قيد الحياة، فطلب استشارته في الموضوع، فوافق على ذلك وبارك الفكرة، فكانت الخطوات العملية للشاب أبي اليقظان لفتح مدرسته في شهر رجب 1333 هـ/ جوان 1915 م.
افتتحت المدرسة أبوابها والتحق بها حوالي 35 تلميذا، وكانت تدرس
بالمقابل، وتميزت عن الكتاتيب الموجودة في وادي ميزاب بما يلي: التدريس في سائر أوقات اليوم لمواد العلوم العربية والشرعية والحياتية
العصرية، التي تمثلت فيما يلي:
- تحفيظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
تدريس العقيدة والسيرة والفقه.
تدريس القراءة والكتابة والنحو والأدب.
34 (1/529)
صفحة 530
498
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
تحفيظ الأناشيد الوطنية.
تدريس تاريخ الجزائر والتاريخ الإباضي.
تدريس الجغرافيا والحساب.
كما كان لها حصة أسبوعية للرياضة البدنية يخرج فيها التلاميذ مع معلمهم إلى ضواحي المدينة للقيام بالحركات الرياضية ولعب الكرة وتعلم الرماية بالبندقية (1).
أما التطوير في أساليب التدريس، فكان الشيخ يركز فيها على طرائق الفهم، ولا يكتفي بالحفظ، فكان يردف حفظ الحديث بشرح معانيه وبإسقاطه على واقع التلاميذ في حياتهم اليومية ويبين أثرها في سلوكهم ومعاملاتهم.
كما أن من أساليبه في التدريس التركيز على الجانب الأخلاقي في الشرح فينتقل من شرح الدرس في تخصصه إلى بيان الأوجه العملية والآثار الأخلاقية فيركز على توجيه التلاميذ وتهذيب أخلاقهم. كما أن من أساليبه التأكيد على فهم الدرس بطريقة الحوار والنقاش وطرح الأسئلة واختبار قدرات التلاميذ وذكائهم ومدى استيعابهم للشرح كما كان يؤكد كثيرا على مسألة الإتقان في العمل التربوي، فإذا حفظ التلميذ آية أو حديثا لابد أن يتقن حفظه، وإذا فهم قاعدة أو مسألة لا بد له من أن يتقن فهمه.
كما كان المعلم مع تلاميذه كالأب مع أبنائه في حبه لهم وعطفه عليهم وتقربه إليهم، وصحبته لهم داخل المدرسة وخارجها في الشارع وفي السوق وفي المسجد، حتى أحبوه وتعلقوا بشخصيته فأثر فيهم أيما تأثير.
فكان بذلك يعتني بالتربية في أبعادها الخلقية والعقدية الدينية والاجتماعية. فمن ذلك محاسبته لتلاميذه على أداء الصلوات جماعة في المسجد
(2)
(1) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 274. دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 190. (2) دبوز المرجع نفسه، ج 3، ص 189 - 205. (1/530)
صفحة 531
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
499
هذه أهم مميزات هذه المدرسة العصرية النموذجية التي بلا شك تظهر عليها الكثير من بصمات التجديد والتطوير والتميز عن التعليم التقليدي الذي كان سائدا في وادي ميزاب. كما تظهر عليها بوضوح بصمات التجربة التونسية في التعليم التي عايشها الشيخ وعرفها عن كثب.
لقد ظهرت هذه المدرسة إلى الوجود في وقت كان فيه الحكم العسكري الفرنسي يراقب التعليم ويمنع أي تعليم يظهر خلاف تعليمه، وبالذات يمنع فتح المدارس العربية غير المرخص لها، لمعرفته بخطورتها، ويستثني من ذلك الكتاتيب التقليدية التابعة للمساجد، التي تعمل خارج أوقات التعليم الفرنسي.
لذا فإن مدرسة أبي اليقظان كانت تعد مدرسة خارج القانون ومخالفة للتوجهات الاستعمارية فكان الشيخ ينتظر بين الحين والآخر أن يلحق به الأذى وبمدرسته، وكان يتخذ احتياطاته لذلك، وكان أعيان البلد يعينونه في ذلك، ويراقبون زيارات الحكام العسكريين إلى البلدة وأعوانهم وينبهون.
فمن الاحتياطات التي اتخذها حتى لا يلفت انتباه الاستعمار إليه أنه لم يجهزها بالطاولات واكتفى بالسبورة الجماعية، فكان تلاميذه يجلسون على الحصير في الأرض ويكتبون في كراريسهم حتى إذا داهمتها أعين الاستعمار وجدتها على شكل كتاب كسائر كتاتيب البلدة. وأخذا بالحيطة والحذر أشار عليه بعض إخوانه الأعيان من إلغاء حصة التربية البدنية، وإخراج التلاميذ إلى أطراف البلدة لتعلم الرمي بالبندقية، فاستجاب لطلبهم) استمرت المدرسة في نشاطها لمدة سنة دراسية وبضعة أشهر، إذ قرر الشيخ أبو اليقظان صاحب الفكرة والمشرف عليها توقيفها بعد مداولة الموضوع مع أعيان الإصلاح ومع أولياء التلاميذ، وتمثل عذره في عزمه على العودة إلى تونس لمواصلة مشواره الدراسي العالي في جامع الزيتونة، وكذا لأجل التحضير لبعث فكرة البعثات
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 194.
(1) (1/531)
صفحة 532
500
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
الطلابية من جديد لاستقبال أفواج كبيرة من الطلبة لمزاولة دراستهم في هذه المدارس العصرية المتطورة، ثم إكمال دراستهم في المعاهد التونسية، فتعم الفائدة أكبر عدد من الطلبة من كل أرجاء وادي ميزاب فينالوا العلم من منبعه المعين).
تقبلوا الفكرة وتقبلوا عذره على مضض، مقدمين المصلحة العامة المنتظرة على مصلحة أبنائهم وبلدتهم، آملين للشيخ أبي اليقظان التوفيق والنجاح في مشواره وفي أفكاره وطموحه ومشاريعه، التي ستعود بالخير العميم على الجميع. هكذا اختتمت هذه التجربة الرائدة القصيرة في عمرها، الغزيرة في مبناها وفي ثمارها وفي تداعياتها.
كانت هذه المدرسة بذلك سببا عمليا لأن يتذوق أعيان الإصلاح وعموم المجتمع فوائد التعليم الابتدائي العصري ويرون ثماره بأم أعينهم في أبنائهم بعد ما كانوا مترددين في الإقدام عليه يقدمون قدما ويؤخرون أخرى. فاقتنعوا بالفكرة، ورأوا ضرورة توسيعها لتشمل جميع تلاميذ المدينة، بل جميع تلاميذ وادي ميزاب
يقول المؤرخ محمد علي دبوز عن ثمرة المدرسة ونتيجتها: «نال الشيخ أبو اليقظان مبتغاه بمدرسته القرآنية العصرية، لقد أذاقت القرارة وميزاب حلاوة وجدوى التعليم العربي العصري مقرونا بالتربية الإسلامية القوية، وأشعرهم بضرورة المدارس القرآنية العصرية لهم هذه المدارس التي تحفظ القرآن ومعه ما يجب من العلوم الدينية والعربية وعلوم الحياة، وتنشئ نفوسا مهذبة قوية وعقولا مثقفة مدركة. وكون أبو اليقظان للقرارة وميزاب وجنوب الجزائر النظرة الصحيحة إلى هذا النوع من التعليم الذي كان ينفر منه الكثيرون» (2).
هكذا كان الشيخ أبو اليقظان وراء تبني الحركة الإصلاحية مشروع إنشاء المدارس العربية العصرية، في كل أرجاء وادي ميزاب وأرجاء الجزائر.
(1) المرجع نفسه: ج 3، ص 205.
(2) المرجع نفسه: ج 3، ص 205. (1/532)
صفحة 533
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
501
بعد التعريف بهذه المدرسة المتميزة والنوعية وذات الدلالة التاريخية الحضارية
نأتي لضبط مفهوم المدرسة العربية العصرية.
-3 - مفهوم المدرسة العربية العصرية:
بعودتنا إلى ما بين أيدينا من مصادر ومراجع حول حركة التعليم والتربية التي شهدها وادي ميزاب نجد تعاريف عديدة مبثوثة حول مفهوم هذه المدرسة، كما نجد
تسميات عديدة لها، لذا نحن بحاجة إلى ضبط هذه التسمية وضبط مفهومها. مع تعدد تعريفات هذه المصادر، فإننا نستطيع أن نجمع بينها للحصول على
التعريف المتكامل للمدرسة العربية التي عرفتها الحركة الإصلاحية.
يعرفها الشيخ بالحاج قشار بقوله: هي مدرسة لا علاقة لها بالتعليم الرسمي يعتمد في بنائها وتكوينها ومعلميها وأساتذتها وتمويلها على إدارة مكونة من البلد
الذي تنشأ فيه، وإدارتها هي التي تهيئ البرامج» (1).
ويعرفها الأستاذ محمد دبوز بقوله: هي مدارس تحفظ القرآن الكريم ومعه ما يجب من العلوم الدينية والعربية وعلوم الحياة وتنشئ نفوسا مهذبة قوية وعقولا مثقفة مدركة» (2).
ويعرفها الأستاذ خضير بابا واعمر بقوله: «هي مؤسسة تعليمية عصرية مستقلة استقلالا تاما عن التعليم الرسمي، تسعى إلى تحقيق أهداف دينية وتربوية واجتماعية وعلمية» (3).
وتعرفها الأستاذة مهدية طلاي بقولها: هي مدارس تعمل تحت إشراف هيئة العزابة، ويعتبر نشاط هذه المدارس تكميليا تقوم به في غير أوقات الدراسة
(1) نقلا عن: بشير مرموري تعليم البنات في ميزاب بين الأصالة والحداثة، دراسة لميكانيزمات التغيير في الواقع الاجتماعي، رسالة ماجستير علم الاجتماع جامعة الجزائر، كلية العلوم الاجتماعية، س ج
2001 - 2000، ص 13 - 14
(2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 203.
(3) نقلا عن الحاج موسى: المدارس الحرة، ص 37. (1/533)
صفحة 534
502
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
بالمدرسة الرسمية الوطنية، وتقوم المدرسة الحرة الإباضية بتعليم الصغار وتحفيظهم القرآن الكريم، وإعدادهم لتلقي العلم عن شيخ العزابة في مختلف المستويات التعليمية، مبتغية في ذلك تنشئة هؤلاء الصغار تنشئة إسلامية إباضية» (1).
إذن من خلال الجمع بين هذه التعاريف نستطيع أن نخلص إلى أن المدرسة العربية العصرية هي:
مؤسسة تربوية تعليمية اجتماعية للمستوى الابتدائي، تعنى بتحفيظ القرآن الكريم، وتدريس العلوم العربية والشرعية والحياتية تسعى لتحقيق أهداف دينية وتربوية واجتماعية وعلمية وهي تابعة في إدارتها وتمويلها إلى الهيئات العرفية لوادي ميزاب تشرف عليها جمعية خيرية، وهي مستقلة عن التعليم الرسمي من حيث برامجها ومقرراتها وموادها الدراسية وسياستها التعليمية.
كما ينبغي أن نسجل أن هذه المدرسة شهدت عدة مراحل لتطورها بين العهد الاستعماري وعهد الاستقلال، وأثر ذلك على تحديد مفهومها وتعريفها، و نسجل هنا أن تعريفنا هذا يتعلق بوجه أخص بمفهوم هذه المدرسة في عهدها الأول وقت الاستعمار.
نأتي الآن لضبط مميزات هذه المدرسة التي سعت الحركة الإصلاحية لإنشاء نماذج كثيرة منها على نطاق واسع خلال الفترة الاستعمارية.
إذن عند ضبط أطول تسمية لها نقول بأنها:
المدرسة القرآنية العربية العصرية النظامية الحرة.
فماذا تعني كل كلمة في هذه التسمية وما هي أوجه التميز والتجدد فيها: - المدرسة إشارة إلى أن التعليم ابتدائي أولي متعلق بالناشئة في مرحلتها التعليمية الأولى، وعادة ما يكون فيها سبع سنوات اتباعا للتعليم الفرنسي الذي
-
(1) مهدية طلاي: المدرسة الإباضية الحرة، دراسة حالة المدرسة الجابرية، مذكرة ليسانس، جامعة الجزائر، معهد علم الاجتماع، س ج: 1992 - 1993، ص 76 (1/534)
صفحة 535
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
503
كان فيه سنوات كذلك، وهو يبتدئ من السن السادسة للتلميذ إلى السن سبع
الثالثة عشر من عمره.
- القرآنية: إشارة إلى تبنيها تحفيظ القرآن الكريم وعنايتها به، وتعليمها العلوم الشرعية الضرورية التي يحتاج إليها التلميذ.
- العربية: إشارة إلى أن التعليم في أساسه عربي، يدرس مواد اللسان العربي، ويعتمد اللغة العربية في تدريس المواد الأخرى، كما أن هذه الكلمة وجدت لتقابل
التعليم الفرنسي.
- العصرية: إشارة إلى التطوير الحاصل فيها أو الذي أدخلته الحركة الإصلاحية عليها، الذي استفادت الكثير منه من المدارس التونسية فسارت على نهجه، واقتفت طريقه، ولتمييزها عن الكتاتيب السائدة.
هذا التجديد والتطوير الذي يمكن أن نحصره في الجوانب الآتية:
1
من حيث المواد المدرسة: إضافة علوم الحياة من حساب وجبر ورياضيات وجغرافيا وعلوم الطبيعة وعلوم الأشياء، والرياضة البدنية.
2 - من حيث الوسائل تجهيز المدرسة بالطاولات والكراسي والسبورة والطباشير، وتزويد التلاميذ بالألواح والكراريس والأدوات والكتب، وبقية
الأدوات المساعدة للمعلم والتلاميذ للقيام بالعملية التربوية على أحسن وجه. 3 - من حيث المصادر والمراجع اعتماد مقررات وبرامج دراسية مشرقية
تونسية ومصرية ولبنانية، والتركيز على التجربة التونسية لقربها ولمعاينتها. 4 - من حيث أساليب التدريس: اعتماد أسلوب الحوار والنقاش وطرح الأسئلة واختبار قدرات التلاميذ وتنمية مواهبهم، واعتماد أسلوب تحبيب العلم للتلميذ، والمعاملة اللائقة له ومصاحبته ومعاشرته داخل المدرسة وخارجها. واعتماد أسلوب التأثير في سلوكه وأخلاقه بواسطة التربية بالقدوة وغرس الأخلاق في نفسه وطبع شخصية المعلم فيه. (1/535)
صفحة 536
504
لفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
5 - من حيث الإدارة والتسيير: اعتماد نظام مراقبة التلاميذ ومحاسبتهم على الحضور والغياب والتأخر والانضباط في الوقت وتنظيم أوقات الدراسة لتصبح بعد الفجر بمقدار ساعتين، وفي الأمسية بمقدار ثلاث ساعات والدراسة في سائر أيام الأسبوع والتعطل يومي الخميس والجمعة والتزام المعلم بتدريس قسم واحد لسنة دراسية كاملة دون انقطاع وسط السنة، أو تغيير عشوائي غير منظم للمعلمين. واعتماد نظام الطبقات أو المستويات، وتقسيم المدرسة إلى سبعة مستويات، يسمى المستوى الأول الأدنى بالمستوى السابع وهكذا صعودا إلى المستوى الأعلى الذي يسمى المستوى الأول. واعتماد نظام الامتحانات والعطل الأسبوعية والسنوية. واعتماد الانتقال والنجاح والرسوب.
- النظامية: إشارة وتأكيدا على كونها ذات إدارة مسيرة وذات برامج ومستويات ونظام متبع محكم ومراقبة مستمرة للعملية التربوية.
الحرة: لعل كلمة حرة ظهرت إشارة وتمييزا وتفريقا بينها وبين التعليم الفرنسي الذي كان إجباريا رسميا تابعا للسلطات الاستعمارية الحاكمة، فكان هذا التعليم مقابلا له بكونه حرا، غير تابع لسلطة الدولة، ومستقلا عنها في إدارته وبرامجه وسياسته التربوية كما هو مستقل عنها في مصدر تمويله، فهو يعتمد على تبرعات المحسنين، واشتراكات الأولياء.
نورد هنا مقتطفات من كلام الأستاذ محمد علي دبوز موضحا بعض جوانب هذا التميز والتطوير الذي عرفته المدارس الإصلاحية إذ يقول:
من أنواع الإصلاح المهمة التي قام بها أعلام الإصلاح في الجزائر إصلاح التربية والتعليم العربي في الجزائر، لقد كانت التربية قاصرة لا تعتني بكل النواحي في التلميذ، سيما عقله فتستعمله ليرقى وتمرنه ليتفتح، ولا تعلمه الشجاعة الأدبية والاعتماد على النفس والارتقاء بها ... وكانت تلك التربية القديمة القاصرة لا تعتني بفصاحة اللسان وبلاغة القلم وتكوين الذوق الأدبي في الطالب، وأكثر عنايتها بالذاكرة تحشوها بمحفوظات في العلوم لا يفهمها (1/536)
صفحة 537
505
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي التلاميذ ... فجاء أعلام الإصلاح ... فاعتنوا بالتربية العقلية والخلقية في معاهدهم فكانوا يستعملون عقول الطلبة في وقت الدرس بأساليبهم الحكيمة التي تستدعي عمل عقل الطالب ونشاطه ... وعودوهم قراءة الكتب الدسمة في الأدب والاجتماع والشريعة والتاريخ وغيرها، وأذاقوهم حلاوة هذه الفنون في دروسهم ... واعتنوا بالتربية الراسخة بإيحائهم القوي وبالجو الديني الذي يملأ معاهدهم وبدروسهم في الشريعة» (1).
هذا عن مفهوم المدرسة العربية العصرية وعن جوانب تجددها وتميزها على التعليم الذي كان سائدا من ذي قبل، الذي سعت الحركة الإصلاحية وبذلت جهودا جبارة مضنية متواصلة لبثه في كل أرجاء المجتمع وضم كل أبنائها إليه، والاعتماد عليه في غرس قيم الشخصية العربية الإسلامية في الأجيال وتنشئتهم عليها. نأتي بعد ذلك لنطلع على الجهود التي بذلت في سبيل إيجاد هذا النوع من التعليم على أرض الواقع
-4 - جهود الحركة الإصلاحية في سبيل التعليم الابتدائي: ابتدأت الجهود الفعلية للحركة الإصلاحية في ميدان التربية والتعليم مع مطلع العشرية الثالثة من القرن العشرين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث كان الشعور العام مهيأ للدخول في دعاية واسعة لتصحيح جملة من المفاهيم الخاطئة المترسبة في أذهان جماهير الناس حول التعليم بفضل الأحداث العامة التي مر بها العالم ومرت بها المنطقة وبفضل الاحتكاك المباشر بالأوساط الخارجية، وبفضل الجهود السابقة للإصلاح.
شن مشايخ الحركة الإصلاحية دعاية واسعة استعملوا فيها منابر المساجد، واللقاءات والمناسبات والمحافل الاجتماعية المختلفة، وعقدوا الرحلات إلى مدن الشمال حيث توجد تجمعات التجار الميزابيين، لتصحيح النظرة الخاطئة عن التعليم
(1) دبوز: إعلام الإصلاح، ج 3، ص 80 - 81. (1/537)
صفحة 538
506
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
وعن الجدوى منه ومحاربة اللامبالاة. به حيث كان الناس في عمومهم لا يولون أي أهمية لتعليم أبنائهم، فلا يتابعونهم في دراستهم، ويزهدون في مواصلة تعليمهم ويقطعونهم وسط الطريق، وأحيانا في أوله، فيبقون محرومين منه، و يسارعون بهم إلى الأشغال والأعمال في حقول الفلاحة وفي المتاجر والحرف، فبقي عموم المجتمع ضعيف التكوين.
يقول الشيخ أبو اليقظان عن هذه الحال: إن أغلبية أبناء الأمة يرون أن السعادة والحياة لا تتوقف على العلم والتعليم، وإنما تتوقف على المال ووفرة الجاه، ولا دخل للعلم في العز والحياة، بل ربما رأى البعض العلم عائقا في سبيل تحصيل المال، وهذا هو السر في الزهد العام تقريبا من الأمة في العلم والرضا بالجهل» (1). أضف إلى ذلك أن الحالة العامة للتعليم كانت متردية ضعيفة لا تلبي الطلب
بقيت جامدة على حالها لم تشهد أي تطور لمدة زمنية طويلة.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي مصورا هذه الوضعية: «أما التعليم في وقتنا فقد كاد ضوؤه ينطفئ إن لم نقل إنه انطفأ تماما كيف يزدهر وغالب من يزعم أنه المتعاطي له يسلك طريقة عقيمة لا تنتج نتيجة ولو استمرت عمر نوح؟ أم كيف يزدهر والأفراد الذين وفقوا إلى طريقة من طرقه المنتجة تشن عليهم الغارات ليل نهار، ويرشقون بنبال التخطئة؟ أم كيف تزدهر ومجموع أفراد تينك الطريقتين لا تبلغ واحدا في المائة، على أن عشر ذلك المجموع لم ينقطع إليه كمال الانقطاع» (2).
استمرت هذه الحملة الدعائية الواسعة للحركة الإصلاحية خلال كل سنوات العشرينيات والثلاثينيات لإقناع الناس بجدوى التعليم، وعدم انغماسهم في الحياة المادية على حساب حياة العلم والأخذ بأسباب التمكين العصرية، كما كانوا في كثير من الأحيان يتصلون مباشرة بأرباب العائلات ورؤساء العشائر ليقنعوا
(1) أبو اليقظان: جريدة وادي ميزاب عدد 105، تاريخ: 17/ 10/ 1926.
(2) بكلي: جريدة وادي ميزاب، ع 2، تاريخ: 1926/ 10/08. (1/538)
صفحة 539
507
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي الأولياء بترك أحد الأبناء النجباء لمواصلة دراسته إذا لاحظوا عليه سمات التفوق والنبوغ والرغبة في الاستزادة من العلم وقدرته وحماسه لذلك، فينتزعونه من والده انتزاعا. وربما تتدخل عشيرته لإقناعه، وربما تتولى تحمل نفقات دراسته، وربما تتحمل نفقات أسرته إن كانت فقيرة غير قادرة على أن تعول نفسها (1).
كان معظم مواضيع الدروس والاجتماعات خلال العشرينيات والثلاثينيات
حول أهمية التعليم وجدواه، والتحذير من تضييعه والتقصير فيه.
من جهة أخرى وجه أعلام الإصلاح حملتهم الدعائية إلى توعية الجماهير بضرورة تمويل هذه المدارس والمشاركة بتبرعاتهم واشتراكاتهم لتغطية مصاريفها، فكانت دروس الشيخ بيوض تدعو للإنفاق بسخاء على بناء هياكلها وتجهيز أقسامها واستكمال مرافقها وتغطية مصاريف إدارتها وصرف مرتبات معلميها وأساتذتها.
يقول الشيخ بيوض مخاطبا الجماهير في أحد اجتماعاته في بلدة غرداية سنة 1364 هـ / 1944 م: «إخواني الأعزاء لقد رأيتم نتائج العلم الحميدة، فهل أنتم مستعدون لخدمته بصدق وإخلاص، هل أنتم مؤيدون مشاريعه بالإنفاق في سبيلها؟ ما للبعض يبخلون وتنقبض أيديهم عن الإنفاق؟ لو أنفقنا عشر ما ننفقه على الشاي والقهوة ... لوفرنا للعلم ومشاريعه ملايين كل سنة، ولبلغنا غايتنا منذ زمن بعيد. على المعلمين أن يعلموا وعلى الآباء أن ينفقوا بسخاء. لم تقم هذه المدارس وأبنيتها الشامخة بلا شيء، ولا أدواتها اللازمة لها، وجهازها الضروري الغالي أنفقوا على هذه المدارس والمعاهد قبل أن تنفقوا على ضروريات المعاش اهتموا بأرواح أبنائكم قبل أن تهتموا بأجسامهم ... إن الإنفاق في التعلم رأس الصدقة، وعبادة كبرى، وهو سبب الزيادة والبركة في المال وفي كل نعم الله للمنفق» (2).
(1) دبوز: إعلام الإصلاح، ج 3، ص 80 - 81. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 106 107. (1/539)
صفحة 540
508
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
مثل هذا الجهد وهذه الدعاية خلال هذه الفترة إحدى أبرز واجهات الحراك
الاجتماعي، والنشاط الميداني واللقاءات الجماهيرية للحركة الإصلاحية. في خضم هذه الحملة الدعائية الواسعة والجهود المبذولة لتوعية الناس وتصحيح مفاهيمهم حول التعليم وحول المدارس العصرية كان رموز تيار الجمود والمحافظة يقفون بالمرصاد ضد هذه الجهود، ويعملون على عرقلتها وعلى تسفيهها وعلى تشويهها لدى الجماهير فهم لم يقتنعوا بهذا التجديد في التعليم، ولم يرضوا بفتح المدارس العصرية، ويدعون إلى الإبقاء على الكتاتيب والمحاضر فقط والاكتفاء بها دون سواها، فكانوا يصورون للناس أن هذه المدارس بدع وانحراف عن النهج القويم والطريق المستقيم الذي تركه المشايخ والأجداد، وأنها تقليد للكفار وتأثر بهم، واستعمال لوسائلهم من الطاولات والكراسي والأدوات، وأساليب التدريس، وتقليدهم في تدريس العلوم العصرية الحياتية التي هي من علوم الدنيا وزخرفها، فهي بالتالي ستؤثر سلبا في الأجيال، وستفسد دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم.
كانت منابر مساجد تيار الجمود تقود حملة دعائية معاكسة لدعوة المصلحين فتسمي هذه المدارس بـ: "المهارس، وتصورها لعامة الناس أوكارا لإفساد الطبائع والأخلاق، والضلال عن الدين والمذهب والأعراف والتقاليد (1).
!
من جهة أخرى كان العدو الثاني المتربص بهذه المدارس هم الحكام العسكريون الذي أصدروا تعليماتهم لمنع أي نشاط للمدارس العربية وغلق أبوابها، إلا برخص تسلمها مصالحها، يتعسر بل يكاد يستحيل الحصول عليها. فكانوا يراقبون ويلاحقون ويغلقون ويغرمون ويسجنون ويعذبون.
لذا كانت هذه المدارس بادئ أمرها تنشط في جو مفعم بالتحديات، يحفها الكثير من الحذر والمخاطر والمضايقات من الحكام العسكريين ومن أذنابهم من
(1) بكلي: مسيرة إصلاح، ص 164 173 دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 26. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 100. (1/540)
صفحة 541
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
509
القياد ومعاونيهم، فاضطر القائمون عليها لاستعمال أساليب المراوغات والحيل للتمويه على نشاطهم وللحفاظ على مدارسهم.
تارة كانت توهم الحكام العسكريين بأن مدارسها مجرد كتاتيب قرآنية تقليدية كانت موجودة من ذي قبل، وتارة تفتحها بجوار المسجد لصيقة به؛ حتى تكون محسوبة على مرافقه و على نشاطه فتحفظ من المتابعة وتنجو من المراقبة. وتارة كانت تلجأ إلى مراقبة تحركات الحكام العسكريين وأعينهم، وبمجرد سماعها بزيارتهم للبلدة أو اقترابهم لناحية مدرستها فإنها تعلن في التلاميذ تعطل الدراسة، وتأمرهم بالبقاء في البيوت وعدم التجمع أمام المدرسة حتى تنتهي هذه الزيارة ويغادر الحاكم وأعينه البلدة أو المكان (1).
إن هذه الأوضاع التي تحركت فيها عجلة النهضة الإصلاحية بين جبهتين معارضتين داخلية وخارجية ليكشف عن مدى التضحيات وعن مدى الصبر والأناة الذي لاقاه هؤلاء الرجال وتحملوه في سبيل القيام بهذه المهمة النبيلة وأداء
هذه الأمانة الثقيلة.
كانت هذه المتابعات والمضايقات من الحكام العسكريين سببا ودافعا قويا لتسعى الحركة الإصلاحية لتأسيس جمعياتها الخيرية الراعية لهذا التعليم والقائمة على هذه المدارس، من خلال مطالبة السلطات الاستعمارية باعتمادها بصفة قانونية، حتى تسمح لها بالنشاط الخيري الاجتماعي الثقافي بطرق شفافة علنية في إطار القانون وضوابطه وحمايته.
لأجل الحصول على ترخيص اعتماد هذه الجمعيات عاش رجال الإصلاح ألوانا أخرى من العراقيل والمماطلات، وشهدوا فصولا من التضحيات والأتعاب على المستوى المحلي والوطني وحتى على مستوى الإدارة المركزية بباريس. حتى
تمكنوا من بغيتهم وحموا مدارسهم وأداروها في أجواء أكثر أمانا واستقرارا (2).
(1) بيوض: تقرير حول التعليم العربي، منشور ضمن كتاب تركي التعليم القومي، ص 421 422. (2) المرجع نفسه: ص 421 422 بكلي: مسيرة إصلاح، ص 170 - 177. (1/541)
صفحة 542
510
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
نأتي الآن إلى استعراض المدارس التي تمكنت الحركة الإصلاحية من تأسيسها،
وإلى عرض بعض إحصائياتها.
5 - مدارس الحركة الإصلاحية:
أثمرت الجهود المبذولة منجزات حضارية ضخمة في الميدان مكنت أجيالا متعاقبة من نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات إلى حد اليوم من نيل تكوين عميق وتربية متزنة في هذه المدارس العظيمة التي لا تزال تؤدي رسالتها، حيث فتحت في كل بلدة في وادي ميزاب مدرسة، وكذا في الكثير من مدن الجزائر حيث توجد أسر معتبرة مقيمة مع أبنائها مستقرة بها للعيش والعمل.
يحسن أن نعرض هنا تقرير الشيخ بيوض عن هذه المدارس، الذي أرسله في تاريخ ربيع الأول 1393 هـ / ماي 1973 م إلى الدكتور رابح تركي بطلب منه عندما كان بصدد إعداد أطروحته حول التعليم القومي والشخصية الجزائرية في القاهرة، وهو يعود إلى أوائل الخمسينيات كما أشار الدكتور رابح
تركي إلى ذلك (1)
اسم المدرسة
عدد المعلمين
عدد التلاميذ
مدرسة غرداية
مدرسة بريان
مدرسة القرارة
مدرسة العطف
مدرسة بنورة
مدرسة مليكة
355
07
253
03
614
16
100
06
34
03
40
03
(1) تركي: التعليم القومي، ص 395 - 396 (1/542)
صفحة 543
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
مدرسة بني يزقن
مدرسة قسنطينة
مدرسة بسكرة
مدرسة سطيف
مدرسة العلمة
مدرسة عنابة
مدرسة تبسة
مدرسة بوسعادة
مدرسة مستغانم
مدرسة تيارت
مدرسة سوق أهراس
مدرسة الجزائر
مدرسة بلكور
مدرسة البليدة
مدرسة غليزان
511
120
04
80
02
54
02
32
02
35
01
40
02
19
01
19
01
29
01
41
01
30
01
31
02
28
01
43
02
23
01
كما توجد مدرسة في كل من مدينة تقرت وجامعة والمغير وباتنة وسكيكدة وبجاية والحراش ووهران وعين البيضاء والمنيعة وورقلة، إلا أن الشيخ بيوض لم يتمكن من ضبط إحصائياتها آنذاك (1).
بعد هذا نستعرض بعض جهود الحركة الإصلاحية في تطوير هذا التعليم
الابتدائي:
(1) تركي التعليم القومي، ص 395 - 396. (1/543)
صفحة 544
512
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
6 - جهود الحركة الإصلاحية في تطوير التعليم الابتدائي: بعد أن أثمرت الجهود مدارس مبثوثة في كل أرجاء الجزائر ووادي ميزاب واستطاعت أن تضم إلى صفوفها آلاف التلاميذ وعشرات المعلمين والأساتذة، فإن المشروع التربوي الابتدائي قد كبر وتوسع وأصبح بحاجة مستمرة إلى المتابعة والتطوير للتحكم فيها والسير به نحو الأحسن دائما. إذ أن جل المدرسين والمعلمين من تلاميذ الحركة الإصلاحية وخريجي معاهدها وبعثاتها في الخارج، لذا فإن الفكر والروح الذي يحمله هؤلاء هو فکـر متقارب منسجم ينهل من منبع واحد هو الفكر الإصلاحي وتوجيهات علمائه ومشايخه، إلا أن هؤلاء المعلمين كانوا ينشطون في مدارسهم بنوع من الحرية في تقرير البرامج واختيار المقررات، مع استفادة بعضهم من بعض، والتواصل الوثيق الذي كان يجمع بينهم مع بقاء الإطار العام مشتركا متفقا عليه متمثلا في تدريس العلوم الشرعية والعربية والعصرية بطرق حديثة وفق الجوانب التي استعرضناها سابقا.
إلا أن الحركة الإصلاحية رأت ضرورة مواكبة هذا التطور ورعايته ومتابعة مساره وضبطه أكثر، وعدم الجمود على المستوى نفسه الذي وصلته، وعدم البقاء على الوتيرة نفسها التي انطلقت منه، فأي مشروع أو عمل إذا لم يكن في زيادة مستمرة فهو في نقصان والجمود على مستوى من النجاح يتحول مع الوقت إلى تأخر وفشل وإخفاق.
هذا ما جعلها ترى ضرورة إنشاء رابطة تربوية تجمع بين كل معلمي هذه المدارس ومديريها وتنظم لهم اجتماعات دورية، وملتقيات سنوية يتدارسون فيها أوضاع التعليم ومستجداته، ويتبادلون فيها وجهات النظر حول إشكالياته، ويتعاونون على إيجاد حلول مشتركة لها، ويستفيدون من خبرات وتجارب بعضهم البعض. فتتحسن العملية التربوية وتتجدد أساليبها وتحل إشكالياتها (1).
(1) مجموعة من الأساتذة القانون الأساسي لوحدة التعليم العربي بميزاب (الجزائر) واللائحة الداخلية. (1/544)
صفحة 545
513
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي كانت اجتماعات عامة تعقد في صائفة كل سنة في إحدى قرى وادي ميزاب يحضرها المعلمون من كل مدارس الإصلاح في أرجاء الجزائر، فيدوم ملتقاهم يومين كاملين يرعاه علماء الإصلاح ومشايخه وكبار أعيانه، فيكون حدثا عظيما، تولى له أهمية كبرى، يخرج المجتمعون في الأخير باقتراحات وتوصيات عملية يلتزم الجميع بتطبيقها بداية من السنة الدراسية المقبلة (1).
كما شهد هذا الجهد خطوة إضافية أخرى خلال الأربعينيات إذ استحدث الحركة الإصلاحية قانون وحدة التعليم الذي عمل على توحيد البرامج
(2)
والمقررات نهائيا بين كل مدارس الإصلاح)، كما عينت مفتشا عاما لها هو الشيخ عدون شريفي يزور كل هذه المدارس ويطوف عليها مرة في كل سنة يعاين سير العملية التربوية ويتابع مدى التزام المعلمين والمديرين بتطبيق توصيات الملتقيات ونتائج أعمال وحدة التعليم، وينصح ويوجه ويرشد ويقوم نشاط المعلمين خاصة الجدد منهم الذين يلتحقون بهذه المسيرة في كل سنة مع توسع حركة التعليم، وبعد ذلك يقدم تقريرا مفصلا عن كل هذه الزيارة، وعن ملاحظاته وتقويمه لكل مدرسة على حدة إلى الهيئات العرفية لوادي ميزاب وإلى مشايخ الحركة الإصلاحية (3).
هذه هي خلاصة جهود الحركة الإصلاحية في سبيل تطوير التعليم العربي الابتدائي ورعايته.
لنا أن نتساءل الآن عن مواقف الحركة الإصلاحية وجهودها في سبيل التعليم الفرنسي فيم تتمثل؟
(1) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 102.
(2) مجموعة من الأساتذة: المرجع السابق.
(3) شريفي: معهد الحياة، ص 80 81 دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 105. بيوض: تقرير حول التعليم العربي، منشور ضمن كتاب تركي التعليم القومي، ص 421 422. آل حكيم: مقابلة مع شاهد القرن، ص 19. سكحال: المرجع السابق، ص 103.
35 (1/545)
صفحة 546
514
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
7 - جهود الحركة الإصلاحية في التعليم الفرنسي
لا بد من الإشارة أن الحركة الإصلاحية إضافة إلى عنايتها بالتعلم العربي القرآني فإنها لم تهمل التعليم الفرنسي بل كان لها منه موقف ورؤية متميزة عما كان سائدا آنذاك في وادي ميزاب هذا ما يكشف عن استقلالية فكرها ونضجه، وعدم اكتفائه بالتقليد، وركونه للقديم
نورد هنا خلاصة هذه المواقف والجهود:
تكلمنا فيما سبق عن التعليم الفرنسي فقلنا إنه دخل ميزاب مع احتلاله وإلحاقه بالحكم العسكري سنة 1300 هـ / 1882 م، فسارع إلى فتح مكاتب تعليمية له في كل قرى وادي ميزاب كما رخص للآباء والأخوات البيض بفتح مدارس خاصة بهم، كما فتح أيضا مدارس للتكوين في الحرف والمهن والصنائع. إلا أن الميزابيين عرف عنهم موقف معاد سلبي تجاه كل هذا النوع من التعليم، فعملوا على مقاطعته بكل أشكاله، وشن العزابة والمشايخ عليه حملة دعائية شديدة عنيفة؛ حتى لا يفكر أحد في إلحاق أبنائه به حيث رأوا فيه أنه مصدر للشر كله، وأن لا خير فيه إذ إن الاستعمار أوجده أساسا بغرض مسخ شخصية أبنائهم الإسلامية العربية، وإبعادهم عن دينهم وتقاليدهم وعوائدهم. ونظرا إلى أن السلطات الاستعمارية سنت قوانين إجبارية هذا التعليم على كل أبناء الجزائر، فكانت ترغم الأولياء على إلحاق أبنائهم به، وتمنع أي تعليم آخر في أوقاته، وتغرم الأولياء المتهربين منه.
مع كل ذلك استمرت مقاطعة الميزابيين له إذ كانوا يتخذون عدة طرق وحيل لإبقاء أبنائهم بعيدين عنه منها تهريبهم إلى بساتينهم في ضواحي المدينة وإخفائهم فيها أيام التسجيل، ومنها تهريبهم إلى مدن الشمال حينما يحين وقت الدخول المدرسي، ومنها دفع الأموال والرشاوي لممثلي الحكم العسكري من القياد" وأعوانهم لغض الطرف عن أبنائهم، ومنها دفع (1/546)
صفحة 547
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
515
أموال لأبناء بعض الفقراء من القبائل العربية المتساكنة معهم لتسجيل
(1)
أبنائهم فيها بدلا عنهم استمرت هذه الحال إلى نهاية العشرينيات من القرن العشرين، حيث جلس قادة الإصلاح وعلى رأسهم الشيخ بيوض للمداولة في الموضوع ودراسته بعمق وبموضوعية وجدية ومصلحية، فقلبوا أوجهه، وتبادلوا الآراء حوله، فخلصوا في الأخير إلى أن المجتمع هو الخاسر الأكبر من هذه الممانعة والمقاطعة، ومن هذا الموقف السلبي العام من التعليم الفرنسي، وأن هذا الأمر ليس في صالحهم ولا في صالح الأجيال الصاعدة، وأنه لا بد من اتخاذ خطوات عملية جريئة لتغيير هذا الوضع، وتصحيح المفاهيم لدى جماهير الناس في نظرتهم إلى هذا التعليم بكونه شرا كله لا فائدة ترجى من ورائه، كما يصوره لهم شيوخ وعزابة مساجد تيار الجمود والمعارضة.
إذ أدركوا بنظرتهم الموضوعية الفاحصة أن هذه المدارس أصبحت أمرا واقعا لا يمكن تجاوزه ولا القفز عليه بأي حال من الأحوال، كما أدركوا أن الأمة بحاجة ماسة إلى أن تكون أبناءها وتدرسهم اللغة الفرنسية والعلوم العصرية الحياتية التي تعتني بها هذه المدارس وأنه من الخطإ الجسيم إبقاء الوضع على حالته الراهنة، كما أن إدارات الاستعمار كلها تتعامل باللغة الفرنسية وليس من المعقول أن تبقى الأجيال جاهلة للغته عاجزة على قضاء مصالحها ومآربها منها.
من جهة أخرى أصبحت السلطات الاستعمارية تشترط في تولي أي وظيفة في مصالحها الإدارية المحلية حصول صاحبها على شهادة التعليم الابتدائي من مدارسها الفرنسية، فلا يمكن أن يبقى أبناء الأمة خارج هذه الوظائف بعيدين عن تولى هذه المناصب بسبب هذه المقاطعة، وغيرهم يتدافعون عليها ويسارعون إليها.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 34 سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 116. بكلي: مسيرة إصلاح، ص 173 - 175. (1/547)
صفحة 548
516
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كما أنه بواسطة هذه الشهادات الابتدائية الفرنسية يكون باستطاعة الأجيال مواصلة مشوارهم الدراسي في الثانويات والجامعات الفرنسية والتخصص في العلوم الحياتية العصرية الضرورية من الطب والصيدلة والقانون والتجارة، لأجل إعداد الكفاءات والإطارات والتخلص من التبعية الدائمة للمستعمر ولليهود المستحوذين على كل هذه المجالات الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال (1)
إن هذه الدراسة التحليلية التشريحية للوضع السائد في المجتمع تجاه التعليم الفرنسي ترك أعلام الإصلاح يخلصون إلى قناعة إنهاء هذه المقاطعة بأي طريقة كانت وفي أسرع وقت ممكن، حتى لا تضيع المزيد من الأوقات و حتى لا تذهب المزيد من الأجيال ضحية هذه النظرة القاصرة الخاطئة، وضحية الجمود والتعنت والتزمت، فلا بد من تغيير الوضع القائم بمختلف السبل والوسائل. عزموا على قلب نظرة المجتمع تجاه هذه القضية رأسا على عقب وتحويل زاويتها بمقدار مائة وثمانين درجة.
أعلنها الشيخ بيوض حملة دعائية واسعة شديدة قوية استعمل فيها منابر المساجد والمحافل الاجتماعية المتاحة بين يديه داعيا فيها إلى ضرورة إلحاق كل التلاميذ بالمدارس الفرنسية، وضرورة إيقاف مقاطعتها، وضرورة تغيير النظرة إليها، وضرورة حرص الأولياء على متابعة أبنائهم في دراستهم حتى حصولهم على شهادة التعليم الابتدائي الفرنسي أشاع الشيخ بيوض دعايته حول التعليم الفرنسي في كل قرى وادي ميزاب وفي أرجاء الجزائر حيثما حل وارتحل، وكان يحضر بنفسه في بلدته القرارة يوم فتح مكاتب التعليم الفرنسي لتسجيل التلاميذ الجدد، فيطمئن على قبولهم كلهم وعدم
(2)
(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 5، ص 34 35 سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 117. (2) دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 34. (1/548)
صفحة 549
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
517
رد أي واحد منهم بسبب من الأسباب، ويبقى مرافقا للجنة التسجيل الفرنسية حتى تنهي عملها ويتأكد من إلحاق كل أبنائه التلاميذ (1).
في حقيقة الأمر كان هذا الموقف الجريء وهذا التغير الجذري على ما هو سائد والثورة عليه، يشكل حرجا كبيرا للحركة الإصلاحية وعلى رأسها الشيخ بيوض، وكان اختبارا عسيرا لقياس شعبيته ومدى استعداد الناس للمضي مع أفكاره الثورية ومواقفه التجديدية التي تحدث هزات اجتماعية عنيفة وارتدادات فكرية شديدة، إذ يبدو أن تيار المحافظة والجمود استغرب هذا التحدي، وهذه الرغبة القوية الجامحة في المغايرة والاختلاف التي وصل إليها تيار الإصلاح وعلى رأسه زعيمه الشيخ بيوض، هذا ما جعله يفقد أعصابه ويثور هو الآخر ثورة عارمة على الموقف، ويعلنها حربا هائجة على هذا التوجه المفاجئ، وعلى هذه الأفكار المنحرفة الخطيرة التي اعتبرها مروفا من الدين ورقة فيه، ودفعا بأجيال الأمة إلى حافة الهلاك، بإلقائهم في أيدي الكفرة والمشركين ليصوغوهم وفق أهوائهم وحسب ملتهم وعقيدتهم الباطلة وأخلاقهم الفاسدة (2).
هذا
إلا أن الشيخ بيوض بشخصيته القوية المتحدية المعهودة، ويثقته بنفسه وبإيمانه بموقفه الذي أقدم عليه فإنه لم يأبه بهم البتة، ولم يحرك لهم ساكنا ولم يتأخر خطوة، ولم يتردد قيد أنملة، إذ يبدو أنه كان ينتظر منهم هذه الرجة العنيفة ويتوقع هذه الهجمة المضادة فواصل طريقه في حشد الدعم للتعليم الفرنسي، وإقناع الناس بجدواه وفوائده، ولم ينتظر من تيار الجمود أن يوافقه أو يأخذ منه الضوء الأخضر. إذ إن الشيخ بيوض هنا وازن بين المفاسد والمصالح، ورأى أن مصالح هذا التعليم أكثر بكثير من مفاسده، وأن المفاسد المحتملة منه يمكن تلافيها ومعالجتها عن طريق دعم التعليم العربي القرآني في المدارس الحرة التي سار فيها خطوات جبارة وأصبحت معلما حضاريا بارزا قائما بذاته تعهد إليه مهمة غرس قيم الإسلام
(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 5، ص 36 (2) دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 43. سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 118. (1/549)
صفحة 550
518
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي والأخلاق وبناء الشخصية العربية الإسلامية في نفوس الناشئة، مما لا يبقي أي
خوف عليهم.
هكذا أصبحت الناشئة في وادي ميزاب تتلقى تعليمين متوازيين ومتكاملين: تعليما عربيا، وتعليما فرنسيا.
تعليم عربي يبتدئون به يومهم بعد صلاة الفجر مباشرة بمقدار ساعتين لحفظ القرآن الكريم واستظهاره، ثم يذهبون في صبيحة اليوم إلى التعليم الفرنسي لتلقي مختلف العلوم في المواد العصرية وتعلم اللغة الفرنسية، وفي المساء يعودون إلى التعليم العربي للدراسة مقدار ثلاث ساعات يتلقون فيها مختلف العلوم العربية والشرعية، التي تحصن شخصيتهم وتعمل على تربية نفوسهم وتقويم سلوكهم.
لقد غيرت دعوات الإصلاح نظرة وادي ميزاب إلى التعليم الفرنسي، وآتت أكلها بإلحاق العدد الأكبر من التلاميذ به، إذ إن الإحصائيات الموجودة تكشف عن
الزيادة المطردة لأعداد التلاميذ في مكاتب التعليم الفرنسي
(1)
خلال الأربعينيات اكتظت الأقسام ومدارس التعليم الفرنسي بالتلاميذ حتى أصبحت عاجزة على ضم أعداد من المقبلين عليها، هذا ما جعل من أعلام الإصلاح يتقدمون بطلباتهم إلى الإدارات المحلية للسلطات الفرنسية بطلب توسيع مدارسها وبناء أقسام وفروع جديدة لها. ثم أصبحوا يطالبون السلطات الفرنسية بالعناية بهذا التعليم، وتوفير، لوازمه وانتقاء المعلمين والمديرين له، والعمل على تطويره حتى يواكب التعليم الفرنسي الموجود في الشمال بأن يعتمد تدريس كل المواد ويتبع نفس البرامج والمقرارت (2).
(1) يراجع: الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 158. (2) بكلي: مسيرة إصلاح، ص 176 187. دبوز: أعلام الإصلاح، ج 5، ص 43. سكحال: الشيخ بوض ومنهجه في الإصلاح، ص 118. (1/550)
صفحة 551
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي
519
وعندما استدعي الشيخ بيوض من قبل لجنة الإصلاحات الفرنسية لعرض مطالب الأمة الميزابية سنة 1364 هـ / 1944 م كان في مقدمة مطالبه: توسيع نطاق التعليم الفرنسي وترقيته (1).
كما تحملت حركة الإصلاح بنفسها في أكثر من مرة وأكثر من مكان نفقات بناء بعض المدارس وترميم بعض الأقسام التابعة للتعليم الفرنسي بغرض دفع عجلته والإسراع في إحداث الإصلاحات عليه (2).
عندما بدأت بوادر ثمار هذا التعليم ونتائجه تظهر على الأجيال خفت صوت تيار الجمود لوحده وأوقف معارضته لهذا التعليم وتشنيعه على رجال الإصلاح، ثم ألحق أبناءه به.
أما بالنسبة للمدارس الخاصة التي يشرف عليها الأباء البيض فإن موقف الإصلاح منها وموقف الشيخ بيوض كان واضحا في معارضتها ورفض إلحاق أبنائهم بها، لإدراكهم الأهداف التبشيرية المسيحية الخفية من ورائها، حيث شهدت مقاطعة عامة مستمرة في وادي ميزاب حتى اشتكى القائمون عليه من عدم إقبال التلاميذ، ومن انقطاعهم المفاجئ والسريع في حال التحاق بعضهم
(3)
(4)
هاهنا التقى موقف تيار الإصلاح مع تيار المحافظة في معارضة هذا التعليم أما عن المدارس الفرنسية التي فتحتها للتكوين المهني وتعلم الحرف والصنائع فإن الحركة الإصلاحية والشيخ بيوض قد دعيا إلى الالتحاق بها وحث الأولياء على تسجيل أبنائهم في كل تخصصاتها، مما سيعود بالفائدة والنفع على المجتمع بتعلمه هذه الحرف الضرورية وتحكمه فيها، وكسر احتكار اليهود لبعضها، وتحضير
الأجيال لمستقبل الجزائر.
(1) دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 43. (2) بكلي: المرجع السابق، ص 176 - 187. (3) الحاج سعيد: المرجع السابق، ص 158، 207. (4) سكحال: المرجع السابق، ص 122. (1/551)
صفحة 552
520
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
يقول الشيخ بيوض عنها وعن أهميتها: «فقد فتحت مدرسة غرداية للصناعات، وستفتح في شهر أكتوبر الآتي مدرسة تجارية، ستتلوها بعد قليل مدرسة فلاحية، فهل من سداد الرأي أن يتركها أبناء الوطن ليحتلها غيرهم؟ وهل يتولى إدارات الأعمال بعد اليوم غير المثقفين؟ وهل يكون الإنتاج بغير علم؟ ثم إن طبيعة العمران تقتضي اختصاصيين كثيرين في شتى فنون العلم، فمن يكون هؤلاء في ميزاب في الغد القريب؟» (1).
كما تولى الشيخ بيوض بنفسه إرسال بعثة طلابية من بلدته القرارة سنة 1358 هـ/ 1939 م لتتلقى تكوينها في مدرسة التكوين المهني بغرداية وقام برعاية هؤلاء الطلبة حتى تخرجهم، ثم قام بمساعدتهم لفتح ورشاتهم
(2)
وانطلاق أشغالهم هذه خلاصة أفكار الحركة الإصلاحية ومواقفها وجهودها من التعليم الابتدائي بشقيه العربي والفرنسي.
نستطيع أن نقول في الأخير: إن جهودا جبارة بذلتها الحركة الإصلاحية في هذا المجال استمرت لعقود متتالية ولا تزال كما استطاعت فعلا أن تسير في سياستها التي رسمتها، وأن تلتزم بتطبيق مفهومها للعملية التربوية في مراعاتها الأبعاد الدينية والخلقية والعلمية والاجتماعية، كما استطاعت إلى حد بعيد أن تحقق الأهداف التي رسمتها لنفسها في بداية مسارها المتمثلة أساسا في إعداد الأجيال الصالحة القادرة
على تحمل الأمانة وأداء الرسالة.
(1) دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 201. (2) سكحال منهج الشيخ بيوض في الإصلاح، ص 123. (1/552)
صفحة 553
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
521
المبحث الثالث:
التعليم الثانوي
نتناول في هذا المبحث جهود الحركة الإصلاحية في مجال التعليم الثانوي ولاشك أن جهودها هنا متمركزة أساسا على مؤسسة معهد الحياة، لذا فنحن بحاجة إلى تتبع ظروف نشأته، وتاريخه وأهم التطورات الحاصلة فيه، والتعريف بالمؤسسات والجمعيات المنبثقة عنه، والمتصلة به كما يلي:
1 - مسيرة التعليم الثانوي:
سبق الحديث فيما مضى أن التعليم الثانوي في وادي ميزاب كان منذ القدم؛ والذي سميناه بالتعليم المشيخي، حيث كان وراء قيام النهضة الإصلاحية في كل جوانبها. فما توصلنا إليه كنتيجة أن شرارة الإصلاح الأولى انطلقت من حلقات التعليم على يد المشايخ والعلماء (4).
كان هذا التعليم الثانوي عبارة عن دور يفتحها العلماء ممن أوتوا حظا من العلم في وادي ميزاب أو خارجه، فيتفرغون لتعليم الطلبة العلوم الشرعية والعربية.
لم يكن الطلبة يلتزمون في هذه الحلقات بسن محدودة، ولا بالمكوث لفترة زمنية معينة، حيث أن منهم من يتلقى العلم لمدة قصيرة ثم ينقطع إلى السعي وراء الكسب والمعيشة، ومنهم من يمكث فيها فترة طويلة لعدة سنوات فينال نصيبا وافرا من العلم على يد مشايخه، ثم يواصل مسيرته معتمدا على نفسه في التكوين، وعادة ما يكون هؤلاء عمدة مشايخهم ومعاونيهم في التعليم، ثم
خلفاءهم من بعدهم.
(1) يراجع المبحث الثاني من الفصل الثاني، ص 102 - 118. (1/553)
صفحة 554
522
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
بقيت بعض حلقات العلم التي عرفها وادي ميزاب بسيطة متواضعة، لم يكن لها أثر واضح يذكر، كما تطور بعضها الآخر فأصبح معهدا علميا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، واستطاع أن يخرج العشرات من الأجيال، ومن العلماء والإطارات، ويترك آثارا واضحة في الحياة العلمية بوادي ميزاب
كما يكون عادة لهؤلاء المشايخ حلقات تعليمية ودروس وعظية إرشادية في المسجد لعموم الناس.
مع مرور الزمن يتولى هؤلاء المشايخ ريادة المجتمع؛ فيقودونه وينصحونه ويوجهونه، إذ يصبحون أعضاء في حلقات العزابة وشيوخ مساجدها. فيصبح لهم
دور فعال مؤثر في الحياة الاجتماعية العامة للناس.
هكذا كان التعليم الثانوي في وادي ميزاب عموما.
فما هي الظروف التي ظهر فيها معهد الحياة؟
2 - ظروف نشأة معهد الحياة
مع مطلع القرن العشريين كانت حلقة العلم الموجودة في بلدة القرارة هي حلقة الشيخ الحاج عمر بن يحيى، التي كانت تدرس العلوم الشرعية والعربية وكانت حلقة محترمة نهل منها العلم عدد لا بأس به من طلبة القرارة ومن طلبة وادي ميزاب وارجلان وتركت بصمتها في تاريخ بلدة القرارة (1).
كان من أبرز طلبتها الشاب إبراهيم بن عمر بيوض، حيث مكث في حلقة شيخه عدة سنوات، وقد نجب في تحصيل العلم وتفوق وهو لا يزال شابا يافعا في عشريته الثانية، مما جعل شيخه يحبه ويقربه إليه، ويتوسم فيه الخير والنبوغ والمستقبل الواعد، فكلفه بتدريس بعض المواد لزملائه الطلبة ونيابته أثناء غيابه.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 2، ص 173 - 186. شريفي: معهد الحياة، ص 25 - 27. (1/554)
صفحة 555
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
523
كما كان الحاج عمر بن يحيى هو شيخ المسجد وشيخ الإصلاح في عهده، فكان يلقي الدروس العامة في المسجد ويعظ الناس ويرشدهم. وكان يقود مسيرة النهضة في بلدته القرارة.
شاءت الإرادة الإلهية أن يتوفى الشيخ فجأة سنة 1340 هـ/ 1921 م، إثر وباء خبيث أصاب البلدة، وذهب ضحيته الكثير من الناس، وترك هذا الحدث فراغا كبيرا
في البلدة، وفي نفوس أهلها، وفي نفوس طلبتها بفقدانهم شيخهم الأول (1).
ما كان من الشاب إبراهيم بيوض إلا أن يبادر بأخذ زمام الأمور وتحمل الراية وهو لا يزال في مقتبل العمر، حيث دعا جميع الطلبة إلى اجتماع حاسم في المسجد بعد الفراغ من جنازة شيخهم مباشرة، حملهم فيه المسؤولية الجماعية لمواصلة الدراسة في حلقة شيخهم بعد ثلاثة أيام من العزاء والحزن. وأسند المهمة إلى أكبر تلاميذ المعهد الشيخ عمر بن الحاج مسعود)، على أن يتولى هو مساعدته في و (2)،
تدريس بعض المواد.
فعلا كان الأمر كذلك حيث تواصلت المسيرة في حلقة الشيخ الحاج عمر بواسطة تلاميذه على هذه الوتيرة لمدة أربع سنوات، إلا أنه مما يبدو أن الشاب إبراهيم بيوض الطموح، وصاحب المواهب والقدرات الكبيرة، والرغبة الجامحة في دفع عجلة التعليم إلى الأمام بالتجديد والإصلاح من أوضاع الحلقة حتى يجعلها أكثر مواكبة لمستجدات العصر، وجد معارضة وممانعة من إخوانه وأقرانه الطلبة الكبار في حلقة شيخهم، ولم يرتضوا آراءه وأفكاره واقتراحاته، ويبدو أنهم قد وجدوا مساندة في ذلك من خارج البلدة، وبالذات من بعض علماء
(1) دبوز المرجع نفسه، ج 2، ص 173 - 186. شريفي: المرجع نفسه، ص 25 - 27. (2) عمر بن الحاج مسعود بن عمر: (ت: 1356 هـ/ 1938 م من بلدة القرارة بميزاب، أخذ العلم عن الشيخ الحاج عمر بن يحيى، ثم عن الشيخ صالح لعلي في بني يزقن، درس في معهد شيخه الحاج عمر، ثم ترأسه بعد وفاته، ثم فتح مدرسة قرآنية سنة 1924 م وهي لا تزال باقية تنشط إلى حد اليوم، كما ترك مكتبة من المخطوطات. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 652. (1/555)
صفحة 556
524
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
بني يزقن وشيوخها المحافظين، حيث تزامنت هذه الأحداث في مطلع العشرينيات مع بزوغ الصراع الذي شهده وادي ميزاب بين القديم والجديد في كل المجالات، وعلى رأسها مجال التربية والتعليم، وإرسال البعثات وتعلم العلوم العصرية في المدارس التونسية والدعوة إلى التجديد في المناهج وأساليب التعليم. إذ انقسم وادي ميزاب تجاهه إلى فريقين متصارعين مؤيد ومعارض كما بينا ذلك في الصفحات السابقة.
(1)
يقول الشيخ بيوض عن هذا الشنآن الذي حصل بينه وبين بعض زملائه ما يلي: أنكر بعض زملائي طلبة الشيخ الحاج عمر بن يحيى الكبار أساليبي المشوقة الحديثة في التدريس وطرقي في التربية ... فكانت بيني وبين بعض طلبة شيخي الكبار المنكرين لطرقي في التربية والتعليم أعنف المعارك» (2).
يبدو أن إبراهيم بيوض في هذه المرحلة الأولى من دخوله المعترك الاجتماعي وهو لا يزال شابا يافعا في مقتبل عمره أصبح ينظر إليه أنه يمثل أحد رؤوس تيار التجديد والتغيير ويحسب عليهم، فكان لابد أن يحذر منه ومن أفكاره وآرائه، ولابد أن يوضع في قفص الاتهام في أي قول يقوله وفي أي خطوة يقدم عليها. كما يبدو أن أقرانه المعارضين له قد استقووا فعلا بالخارج وبعلماء بني يزقن، مما جعلهم يشكلون قوة ويثبتون على نهجهم ومبدئهم في المحافظة على سير شيخهم دون إحداث أي تغيير عليها كما يريد الشاب بيوض، وقد تعزز موقفهم بزيارة وفد من علماء ومشايخ بني يزقن لتثبيت هذا التوجه في القرارة وإرساء أركانه ودعم قواعده (3).
حلقة
تسبب هذا التحجر في المواقف من الطرفين إلى توقف التعليم في حلقة الشيخ المتوفى لفترة من الزمن، وتدخل أعيان البلدة وعزابتها لمحاولة الفصل في الموضوع
104 - 103,
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 27 - 40. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 103 - 104 (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 100 101.
(3) شريفي: المرجع السابق، ص 27 - 28. (1/556)
صفحة 557
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
525
والتقريب بين الطرفين، بغية توحيد الصف في المدينة ومواصلة مسيرة التعليم وعدم تعثرها، فعقدت اجتماعات كثيرة، إلا أنها باءت كلها بالفشل (1).
مما اضطر بعده الشاب إبراهيم بيوض ومن وافقه من الطلبة والأعيان سنة 1344 هـ/ 1925 م أن يقرر فتح حلقة خاصة به، يتولى إدارتها بنفسه والتدريس فيها حسب ما يراه صحيحا من مناهج وأساليب ويعمل على تطويرها وتحسينها وفق
ما اقتنع به
(2)
كان الشاب بيوض محظوظا إذ أن موقفه هذا كان مدعوما من الوهلة الأولى بمجموعة من أعيان البلدة ورجال الإصلاح فيها، إذ يبدو أنهم توسموا فيه قوة الشخصية والجدية في العمل والمستقبل الواعد في ميدان التربية والتعليم والإصلاح الاجتماعي.
كان مقر هذه الحلقة في دار أوقفها والده في سبيل الله للتعليم قبل وفاته فاختار لحلقته تسمية معهد الشباب لتحمل كل الدلالة على إرادة الطموح والعمل والتجديد التي تملأ حنايا هذا الشاب.
هذه هي ظروف نشأة معهد الشباب الذي ستصبح تسميته معهد الحياة.
نأتي الآن إلى وقفة تعريفية به وبالتطورات التي شهدها مع الوقت:
3 - التعريف بمعهد الحياة
افتتح الشيخ بيوض حلقته العلمية التي سماها معهد الشباب في تاريخ 28 شوال 1343 هـ/ 21 ماي 1925 م وكان المعهد في دار والده الجميلة الواسعة النظيفة، وقد التحق به في بادئ الأمر نحو 15 طالبا من بقايا طلبة معهد شيخه الحاج عمر بن يحيى، ومن التحق بهم من الطلبة الصغار المتخرجين من مدرسة الشيخ الطرابلسي القرآنية فشكلوا اللبنة الأولى لمعهده (3).
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 6 - 12. شريفي: المرجع السابق، ص 5630. (2) دبوز: المرجع نفسه، ج 3، ص 16 - 19. شريفي: المرجع السابق، ص 59.
(3) الخرفي: من أعماق الصحراء، ص 26 - 30. آل حكيم: مقابلة مع شاهد القرن، ص 17 - 18. دبوز: (1/557)
صفحة 558
526
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
رأى الشيخ بيوض أن يعتمد في بادئ الأمر البرنامج والمواد نفسها التي كانت تدرس في معهد شيخه دون أن يحدث عليها تغييرا يذكر، ريثما تستتب الأوضاع في البلدة، وتمضي الأزمة التي وقعت وتنسى من الأذهان، على أن يكون التجديد في الأسلوب والطريقة التي سيقدم بها الشيخ بيوض الدروس لتلاميذه، وفي فصاحة لسانه وبراعته في التعليم. بعد مضي ثلاثة أشهر من انطلاق مسيرة التعليم في هذا المعهد الناشئ اجتمع عدد من رجال الإصلاح ممن آزروا الشيخ بيوض في فكرته واقتنعوا بخطه، وممن أوتي من رفقائه حظا من العلم فراجعوا برامج التعليم ومقرراته وأعادوا النظر فيما كان عليه من اتباع حلقة الشيخ الحاج عمر بن يحيى. هؤلاء هم:
الشيخ إبراهيم بيوض، والشيخ أبو اليقظان إبراهيم، والشيخ عدون شريفي
(3)
والسيد قاسم بن الشيخ)، والسيد عمر بوحجام (2)، والسيد صالح بن يوسف والسيد عبد الله بن إبراهيم الدلال. فشكلت هذه المجموعة المباركة الإدارة الأولى لمعهد الحياة). واتفقوا على أن يسير التعديل والتطوير في المعهد بمراحل، وبالتدرج بحيث تراعى الأوضاع العامة للمجتمع وقدرات الطلبة ومدى استيعابهم.
نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 19 - 20.
(1) قاسم بن عيسى بن الشيخ (ت: 1361 هـ / 11 فيفري (1942 م من أعلام بلدة القرارة بوادي ميزاب تلقى تعليمه في بلدته ثم في تونس، كان له نشاط ثقافي واجتماعي في تونس ضمن البعثة العلمية التي أسسها الشيخ أبو اليقظان، حيث تولى رئاستها خلفا له، كما ساعد الشيخ أبا اليقظان في طبع جرائده ومؤازرة حركته الصحفية. معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص 723.
(2) أجد أعيان بلدة القرارة والمهتمين بشؤون التعليم والمجتمع.
(3) أحد أعيان بلدة القرارة والمهتمين بشؤون التعليم والمجتمع.
(4) عبد الله بن إبراهيم أبو العلا الدلال: (و: 1 محرم 1300 هـ / 18 نوفمبر 1882 م ت: 1379 هـ / 25 ديسمبر 1960 م) درس في بلدته القرارة وعند القطب الشيخ اطفيش في بني يزقن، كان شاعرا وأديبا، وتولى الوعظ والإرشاد في المسجد، وحارب الاستعمار وأدخل السجن أكثر من مرة. معجم أعلام
الإباضية، ج 3، ص 553. (5) شريفي: معهد الحياة، ص 57. (1/558)
صفحة 559
527
المبحث الثالث: التعليم الثانوي يبين الشيخ أبو اليقظان - مقرر هذا الاجتماع – السياسة المنتهجة لتسيير المعهد بقوله: «أما بعد، فلما كان التعليم في كافة الشعوب ولدى سائر الأمم آخذا في التدرج والارتقاء، إلا شعب ميزاب ولاسيما بلدة القرارة منه فقد بقي على أسلوبه القديم القليل النتيجة، فكر بعض شبيبتنا المخلصين في وضع نظام للتعليم جديد يكون ـ وهو مزيج بين الأسلوبين - كحلقة تصل بينهما ريثما تتهيأ النفوس، وتسنح الفرص، وتأتي الظروف للأخذ بأكمل الأسلوب الجديد عملا بقاعدة
النشوء والارتقاء. وقد اعتبر في وضعه أهمية العلوم في نظر الشعب ونفسية البلدة وذوق أهلها، وحالتهم الأدبية والمادية، والوقت الملائم لها، ومبلغ علم الواضعين له» (1).
أسفرت هذه الجلسات لضبط سير التعليم في المعهد على ما يلي:
- تقسيم البرنامج إلى قسمين: قسم يتناول العلوم وقسم يتناول القرآن. - تقسيم الطلبة إلى ثلاث طبقات: طبقة كبرى، وطبقة متوسطة، وطبقة
صغرى.
يراعى في تقسيمهم سنهم ومستواهم الدراسي السابق.
تحديد العلوم المقررة والكتب المعتمدة لكل طبقة كما يلي:
الطبقة الكبرى: تدرس العلوم الآتية:
مادة الفقه: من كتاب النيل.
مادة أصول الفقه من كتاب طلعة الشمس.
مادة البلاغة من كتاب الجوهر المكنون.
مادة النحو: من كتاب ابن عقيل. مادة الصرف من كتاب شذا العرف.
مادة المنطق من كتاب السلم.
(1) المرجع نفسه: ص 56 - 57. (1/559)
صفحة 560
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
528
الطبقة المتوسطة: تدرس العلوم الآتية:
مادة التوحيد والفقه من كتاب مختصر الخصال.
مادة النحو: من كتاب القطر.
مادة الصرف: من كتاب لامية الأفعال.
الطبقة الصغرى: تدرس العلوم الآتية:
مادة التوحيد والفقه: من كتاب تلقين الصبيان. مادة النحو: من كتاب الآجرومية.
دروس عمومية: من كتاب قناطر الخيرات.
كما حددوا لشهر رمضان برنامجا خاصا تدرس فيه مواد إضافية هي والمواريث والتاريخ).
كما حددوا في هذه الجلسات غايتهم من هذا التعليم فيما يلي: عامة: هي طلب رضى طلب رضى الله، وشرقى العلم نفسه، ونفي الجهل عنه. تكوين الملكات العلمية وفي مختلف الفنون وتثقيف العقل، وتنوير
خاصة
هي
الذهن، وتربية النفس تربية صحيحة وإعدادها لتحمل قسط من عبء الإصلاح
(2) «
الديني والملي والوطني إلا أن تركيز الشيخ بيوض في هذه المرحلة الأولى التأسيسية لمعهده كان على بناء شخصية طلبته، والتأكيد على الجانب التربوي والخلقي فيها، مع التجديد في أساليب التدريس بالاعتماد على الشرح والفهم والتعمق في المعاني، وعلى استعمال اللغة الفصحى والتدريب عليها، بدل التركيز على
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 56 - 57.
(2) المرجع نفسه: ص 57 59 دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، 22 - 24
Salah Ben drissou, Institut Al hayat - 1925 - 1962, Memoire De DEA, Paris 1993 -
1994. p 49 - 52 (1/560)
صفحة 561
529
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
الحفظ، وعلى استعمال اللغة الدارجة واللهجة المحلية أثناء شرح الدرس كما
كان عليه الحال من قبل
(1)
العمدة
سار المعهد وفق هذا البرنامج عددا من السنين وكان الشيخ بيوض هو في تدريس المواد الشرعية والعربية، مع مساعدة الشيخ عدون له في تدريس بعض المواد اللغوية، وفي القيام بمراقبة سلوك التلاميذ ومتابعة دراستهم. وكان توقيت
التدريس في المعهد طوال النهار، وبين المغرب والعشاء وساعة بعد العشاء (2). يبدو أن الإدارة الأولى للمعهد قد تفرقت ولم تبق مجتمعة بسبب ظروف الحياة ومشاغلها، فمنهم من انقطع للتجارة خارج البلدة، ومنهم من تفرغ للإصلاح الاجتماعي، فبقي الشيخ بيوض والشيخ عدون هما العمدتان في متابعة سير التعليم، فعكفا على إعداد الأجيال وتربيتهم وتعليمهم. شهد المعهد مع مرور الزمن عدة تطورات وإضافات وتعديلات في المواد والبرامج والمقررات كلما كانت الضرورة تتطلب ذلك. كما تغير اسمه إلى معهد الحياة بعد تأسيس جمعية الحياة الخيرية الإصلاحية المشرفة عليه سنة
1937/ 1356
كما يبدو أن عدد الطلبة كان في ازدياد مطرد؛ حيث أصبحت الوفود تقصده وتتجه نحوه من كل أرجاء وادي ميزاب ومن بعض مدن الجزائر، من جبل نفوسة بليبيا، ومن جزيرة جربة بتونس. بغرض الجلوس بين يدي الشيخ بيوض. والاغتراف من علمه والتعلم من تجربته في الحياة، والاقتداء بشخصيته القوية؛ حتى بلغ عددهم إبان الحرب العالمية الثانية مائة طالب، ثم تضاعف خلال السنوات الموالية، كما قصده بعد استقلال الجزائر عدة طلبة من سلطنة عمان (3).
نأتي الآن لنقف على أهم التطورات التي شهدها المعهد.
(1) دبوز: المرجع نفسه، ج 3، ص 25 - 26.
(2) شريفي: المرجع السابق، ص 333559 Salah Ben drissou, Institute Alhayat (3) شريفي معهد الحياة، ص 59 45 - Salah Ben drissou, Institut Al hayat, p 43
36 (1/561)
صفحة 562
530
4 - التطورات التي شهدها المعهد:
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كانت شخصية الشيخ بيوض الاجتماعية والعلمية والإصلاحية تنمو وتكبر باطراد مع معهده بقيادته الحركة الإصلاحية، وبمبادراته الكثيرة ومواقفه الجريئة على مختلف الأصعدة، هذا ما جعل من طلبته يكبرون معه بتفاعلهم الإيجابي مع هذه الأحداث التي كانوا يعيشون فصولها يوميا ويتأثرون بأحداثها ويسايرون تفاصيلها، هذا ما أثر إيجابا في الارتقاء بالمعهد درجة درجة، والسير به خطوة خطوة نحو الأحسن والأجود، حيث عمل الشيخ بيوض على إبقاء باب تطوير معهده مفتوحا على مصراعيه، والتجديد فيه أكثر من مرة، بإضافة مواد عديدة فيه وتعديل أخرى، وتغيير في المقررات، وتعديل في الأوقات، وإبداع في الأساليب التربوية وارتباط بالحياة الاجتماعية العامة، وتفاعل مع الأحداث السياسية الجزائرية
والإسلامية والعالمية.
خلال الأربعينيات أحدث الشيخ بيوض في معهده دروسا اجتماعية، ودروسا سياسية في الوطنية والقومية، وهي عبارة عن حلقات علمية ثقافية أدبية مفتوحة للمناقشة وتبادل الرأي حول مجريات الأمور العامة في العالم الإسلامي، فكان الشيخ بيوض يستقي مادتها العلمية من المجلات والجرائد المصرية والتونسية التي كانت تصله تباعا ودوريا إلى القرارة، حيث كان يتابع أخبار الأمة الإسلامية من من أهمها مجلة الفتح والرسالة والصرخة المصرية (4).
خلالها،
كان ينتقي المقالات والمواضيع والنصوص فيقرأها على طلبته ويحللها ويناقش أفكارها وآراءها، فكان من خلالها يلهب الحس الوطني والقومي والإسلامي في طلبته، وينشئهم على الوطنية وعلى الاستعداد لتحمل الصعاب والتضحية لأجل الأوطان ولأجل قضايا الإسلام والمسلمين، وكان يعرض أمامهم تضحيات أبطال
الإسلام وفرسانه، وفصولا من مجابهاتهم للاستعمار الإنجليزي والفرنسي.
(1) شريفي: المرجع نفسه، ص 60. (1/562)
صفحة 563
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
531
حتى صير منهم شبابا أقوياء أشداء أكفاء حملوا رسالة العلم مع رسالة الدين والوعي بما يدور حولهم من تحديات، وما ينتظرهم من مسؤوليات. يقول الشيخ عدون شريفي مبينا أثر هذه الدروس: «لم يقتصر المعهد على النظام الموضوع له عند افتتاحه بل سار على سنة التطور فكان في تقدم مستمر على توالي الأيام، فقد أحدث فيه الشيخ بيوض دروسا اجتماعية ووطنية وسياسية ... ألهبت في الطلبة الحماس الوطني، وكان لها أثر بليغ في ثقافتهم العامة وتطورهم نفسيا وتربيتهم اجتماعيا وسياسيا» (3).
كما أحدث الشيخ بيوض في معهده كذلك دروسا أدبية رفيعة اعتمد فيها على كتب غزيرة الفائدة مثل كتاب الأمالي لأبي علي القالي، وكتاب عصر المأمون للدكتور أحمد فريد الرفاعي (3)، فكانت هذه الدروس تعمل على إنماء الجانب الأدبي والبلاغي في عقول طلبته، وتعمل على صقل أذواقهم وتهذيب نفوسهم وتوسعة مداركهم، حتى صير منهم كتابا وشعراء ودعاة وأدباء (4).
كما أحدث الشيخ بيوض فيه درسا يوميا لشرح الحديث النبوي الشريف في صبيحة كل يوم، يفتتح به الطالب يومه الدراسي، ابتدأه بشرح مسند الربيع بن حبيب، ثم انتقل إلى شرح صحيح البخاري اعتمادا على كتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر. فكان الشيخ يحلل ويدقق ويحقق في المسائل الفقهية التي تحويها الأحاديث، ويعرج على بيان الدروس الخلقية والآثار السلوكية على الإنسان.
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 60. (2) إسماعيل بن القاسم أبو علي القالي: 288 - 356 هـ / 901 - (967 م) أحفظ أهل زمانه للغة والشعر والأدب. تعلم في بغداد وأقام فيها خمسا وعشرين سنة، ثم رحل إلى المغرب فدخل قرطبة واستوطنها، وتوفي بها. له تصانيف كثيرة أهمها: كتاب النوادر، ويسمى أمالي القالي في الأخبار والأشعار. الزركلي: الأعلام، ج 1، ص 321. (3) أحمد فريد الرفاعي: (ت: 1376 هـ / 1956 م) كاتب مصري من المشتغلين بالأدب والتاريخ، تخرج من كلية الآداب بالقاهرة، كتب مقالات في جريدة المؤيد عين مديرا للصحافة والنشر، له تصانيف عديدة
منها: عصر المأمون في ثلاثة أجزاء، الشخصيات البارزة التاريخية. المرجع نفسه: ج 1، ص 195. (4) شريفي: المرجع السابق، ص 61. . (1/563)
صفحة 564
532
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
بقيت هذه الدروس متواصلة قرابة العشرين سنة، حيث افتتحها الشيخ سنة 1345 هـ/ 1926 م واختتمها سنة 1363 هـ/ 1945 م.
يقول المؤرخ محمد علي دبوز أحد شهود هذه الدروس عن طريقة الشيخ بيوض في تدريس كتاب صحيح البخاري ما يلي: كان الشيخ بيوض بعد أن يقرأ التلميذ النص يشرحه ويستنبط ما فيه من أحكام، ويقارن بين أقوال المذاهب فيه، يذكرها كلها، فيرجح ما يرجح بالحجة والبرهان لا يتعصب لمذهبه، ولا يقلد أحدا فيما اختاره» (1).
كما أحدث الشيخ بيوض لطلبته ولعامة الناس درسا في تفسير كلام الله تعالى، حيث كان يلزم كل طلبته بشهوده بعد صلاة العشاء، فكانوا يجلسون أمامه يتقدمون عموم الناس، وكان يحرص أن لا تفوتهم أي حلقة منه؛ مما جعله يتوقف عن إلقائها أثناء العطل الصيفية حتى يعود الطلبة إلى حلقات دراستهم.
كانت آثار هذه الدروس على طلبته وعلى عموم المجتمع عظيمة، غيرت الكثير من الأوضاع وصححت الكثير من المفاهيم، ونشرت الكثير من المعارف بين الجماهير.
يبين الشيخ بيوض أثر دروس تفسيره في النفوس بقوله: «إنني أحمد الله تعالى على النتيجة التي شاهدتها من أثر القرآن في نفوس العامة ... إن البلدة كلها مجندة للعمل في كل ميدان ما دعي أحد إلى عمل إلا وأجاب، وإذا دعي إلى مال أعطى، وإذا دعي إلى وقت أعطى من وقته وجهده» (2).
عملت هذه الدروس عملها في تكوين الطلبة وتوسيع مداركهم وفتح الآفاق العلمية أمامهم والاستزادة من العلوم الشرعية والعربية، وعملت عملها في تقويم سلوكهم وفي تقريبهم إلى فهم القرآن الكريم وإدراك أسرار كلام الله تعالى.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 67. (2) نص حديث الشيخ إبراهيم بيوض في ندوة للإذاعة والتلفزيون الجزائري سنة 1980 م، منشور ضمن كتاب: في رحاب القرآن، محاضرات مهرجان ختم تفسير الشيخ بيوض للقرآن الكريم، ص 80. (1/564)
صفحة 565
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
تطور آخر:
533
هذه النهضة العلمية التي شهدها المعهد خلال الثلاثينيات والأربعينيات بنشاط الشيخ بيوض في المحافل الاجتماعية - خاصة من خلال منبر المسجد – فإن أصداءها بلغت كل وادي ميزاب ووصلت إلى أرجاء الجزائر، ومواطن الإباضية في
المغرب والمشرق، مما جعل أعداد الطلبة تتزايد والوفود تقصده من كل مكان.
هذا ما جعل إدارة المعهد تنعقد من جديد لإعادة النظر في هيكلته وفي برامجه مرة أخرى ليستوعب هذه الأعداد، ويواكب هذه التطورات، فوضعت له نظاما جديدا عرضته على الشيخ بيوض فأقره وأصبح ساري المفعول.
أهم ما استحدث هو إعادة تقسيم الطلبة إلى أربع طبقات بدل ثلاث كما كان من قبل، لتتقارب الأعمار والمستويات العلمية، وتتقارب قدرات الإدراك والاستيعاب، ثم بعد سنة أضيفت طبقة خامسة كذلك.
أسندت الدروس العليا في الطبقات الكبرى للشيخ بيوض والشيخ عدون وتعزز المعهد بأربعة أساتذة جدد من كبار طلبة الشيخ بيوض الذين تكونوا بين يديه وتفوقوا ونبغوا هم الشيخ عمر بن صالح أداود)، والشيخ علي يحيى معمر، والشيخ بكير بن عمر بيوض (2)، والشيخ سعيد بن عبد الله الشيخ دحمان (3).
كما كان من التجديد استبدال بعض الكتب القديمة المعتمدة في التدريس بكتب أخرى حديثة أوفى بالغرض وأنسب لمستويات التلاميذ وأعمارهم ومداركهم.
حدث هذا الأمر في بداية الأربعينيات، وكان هذا التعديل في نظام الطبقات إيذانا بانتقال المعهد من دار الشيخ بيوض، بعد أن مكث فيه خمس عشرة سنة إلى
(1) عمر بن صالح أداود: اشتغل بالتدريس في معهد الحياة. (2) بكير بن عمر بيوض اشتغل بالتدريس في معهد الحياة. (3) أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة سابقا. (1/565)
صفحة 566
534
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
رحاب المسجد وجنباته، إذ لم تعد الدار تسع أعداد الطلبة، وكان ذلك في تاريخ 12 ذي القعدة 1360 هـ/ الفاتح من شهر ديسمبر 1941 م (4).
يبدو أن ضيق المعهد بطلبته الوافدين باطراد هو الذي أملى عليه هذا الانتقال؛ إلا أن هذا الأمر كان من أمنيات الشيخ بيوض؛ حيث كان يأمل في ربط مؤسسته التعليمية بمؤسسة المسجد حتى تكتمل رسالتهما وتتعاون مهمتهما في التربية والتعليم والوعظ والإرشاد وإعداد الأجيال، وحتى يكون الطلبة لهم صلة وثيقة بالمسجد فينشؤوا في رحابه شبابا مسجديين ينهلون من قدسيته وطهارته ووقاره وصفائه، وحتى يحافظوا أشد المحافظة على ركن الدين الأول الصلاة فيؤدوها بخشوعها وفي أوقاتها وبجماعتها، إذ من المعروف أن من ضوابط إدارة المعهد محاسبة الطلبة على أداء الصلاة جماعة.
يقول الشيخ بيوض عن هذا الارتباط بين المعهد والمسجد وثماره ما يلي: «لقد آثرنا أن يكون معهدنا بجانب المسجد متصلا به لينشأ أبناؤنا في جو ديني يصبغهم. باستطاعتنا أن ننشئ معهدا فخما واسعا في الضاحية الجميلة، ولكن هذا المعهد لا يكون له بعض الفوائد التربوية الكبرى التي هي لهذا المعهد الذي يملؤه المسجد بروحه» (2).
هكذا أصبحت زوايا المسجد وجنباته تعج بحلقات العلم وبدروس المشايخ ومواعظهم، وبمناقشات الطلبة واستفساراتهم طوال أوقات اليوم من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء.
يصف المؤرخ محمد علي دبوز حالة المعهد بعد انتقاله إلى المسجد بقوله: «صار مسجد القرارة يعج بالتلاميذ في أوقات الدرس وتتجاذب فيه أصوات المدرسين في وقت الدروس، وصار تلاميذ معهد الحياة يقضون في المسجد وفي دار التلاميذ
(1) شريفي معهد الحياة، ص 6361 (2) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 97. (1/566)
صفحة 567
535
المبحث الثالث: التعليم الثانوي المتصل به جل نهارهم وكثيرا من ليلهم، فصبغهم المسجد بصبغته، وفاز المعهد بخير كبير لوجوده في المسجد، ولا زال معهدنا متصلا بالمسجد يتدفق عليه بأنواره لا يرضى أبدا أن يبتعد عنه (1)
كما أن المعهد تعزز تباعا بعدد آخر من الأساتذة الأكفاء الذين التحقوا به بعد استكمال أكثرهم تكوينهم في الجامعات والمعاهد العليا داخل الجزائر وخارجها (2)،
(3)
هؤلاء هم الشيخ يحيى حواش)، والشيخ إبراهيم أداود، والشيخ إبراهيم الحاج أيوب القرادي، والشيخ الناصر مرموري، والشيخ محمد علي دبوز، والشيخ محمد العايب ()، والشيخ بكير الشيخ بالحاج، والشيخ محمد الشيخ بالحاج، والشيخ
صالح باجو (7). هكذا واصل المعهد تطوره وارتقاءه في مسيرة متواصلة ثابتة الخطوات، امتازت بعدم الجمود على القديم، وبإبقاء باب الاجتهاد والإبداع مفتوحا على مصراعيه، والتفاعل الإيجابي مع المحيط العام محليا ووطنيا وإسلاميا ودوليا. فشكلت له سنة 1375 هـ/ 1955 م لجنة أو مجلس علمي موسع ضم كبار الشخصيات العلمية والإصلاحية في وادي ميزاب للنظر في برامجه ومتابعة سيره العلمي ()
(8)
ثم أضيفت فيه مواد علم النفس والتاريخ والرياضيات والجبر والهندسة، والفيزياء. وبعد استقلال الجزائر أصبح المعهد يدرس كل مواد التعليم
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 98 - 99.
(2) شريفي: معهد الحياة، ص 6765 40 - Salah Ben drissou, Institut Al hayat, p 39 (3) يحيى بن سليمان حواش: (و: 1339 هـ / 1920 م - ت: 1395 هـ / 4 جويلية 1975 م) من بلدة غرداية، تلقى تعليمه في معهد الحياة بالقرارة. تولى التدريس والوعظ والإرشاد، ترك بعض الكتابات منها: الإسلام والتطورات العالمية، تاريخ وادي ميزاب. معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص 963.
(4) (على قيد الحياة فقيه وأستاذ بمعهد الحياة بالقرارة سابقا.
(5) (على قيد الحياة) أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة، ثم تولى إدارته. (6) (على قيد الحياة) أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة.
(7) (على قيد الحياة) أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة.
(8) شريفي: المرجع السابق، ص 69 - 70 39 , Salah Ben drissou, Institut Al hayat (1/567)
صفحة 568
536
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
الرسمي إضافة إلى المواد الشرعية والعربية وتحفيظ القرآن الكريم التي يعنى بها عناية خاصة (1)
كما سعت إدارة المعهد ومشايخ حركة الإصلاح وأعيانها لحث الطلبة على مواصلة تكوينهم في الجامعات والمعاهد الإسلامية خارج الوطن فأرسلتهم في بعثات متتالية إلى تونس ومصر والعراق متكفلة بنفقاتهم وموفرة لهم الإقامات وظروف تحصيل العلم.
كما كان الكثير من طلبة معهد الحياة ممن أنهى دراسته يتوجه إلى مختلف الميادين الاجتماعية والتربوية والاقتصادية، فيملؤونها بالنشاط والجد والعمل ويكونون محور العمل الاجتماعي فيقودون ويوجهون وينصحون ويعلمون، فيملؤون فراغات كبيرة ويسدون ثغرات مهمة في مجال الإمامة والوعظ والإرشاد والتعليم والإصلاح.
كما شهد المعهد. بعد الاستقلال تطورات أخرى عديدة حتى يواكب ويساير التعليم الرسمي للدولة الجزائرية، فأصبح يحتوي على سبع سنوات، أربع سنوات للتعليم المتوسط، وثلاث للتعليم الثانوي.
بعد هذه الوقفة مع معهد الحياة وتتبع أهم التطورات الحاصلة فيه، نأتي الآن للحديث باختصار عن الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية المنبثقة عنه والمتصلة به في النشاط والعمل:
5 - جمعيات معهد الحياة ومؤسساته:
لأجل تفعيل النشاط الثقافي في المعهد ولأجل تشجيع الطلبة على الجد والكد في تحصيل العلم والمنافسة في سبيله، ولأجل تفتيق مواهبهم وإيجاد الفرص لاكتشاف قدراتهم ومهاراتهم الأدبية والعلمية سعى مشايخ معهد الحياة وأساتذتها لإنشاء جو علمي وأدبي وثقافي رفيع مفعم بالنشاط والحيوية والإبداع، بغرض نيل
(1) شريفي: المرجع السابق، ص 65 - 67. (1/568)
صفحة 569
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
537
الطالب تكوينا متكاملا في أبعاده الدينية والعلمية والاجتماعية والأخلاقية.
وبغرض بناء شخصية الطالب في بعدها الروحي والعقلي والجسدي.
أنشئت في مسيرة المعهد عدة جمعيات ومؤسسات انبثقت من روحه، وخرجت من بنات أفكار مشايخه فبقيت تابعة له متصلة به تعمل تحت لوائه، وكلها تسعى وتتعاون على تحقيق الأهداف نفسها من رعاية الجيل الصالح وإعداده للمستقبل.
تتمثل هذه المؤسسات التربوية فيما يلي:
جمعية الشباب.
مكتبة الحياة.
جمعية قدماء تلاميذ معهد الحياة.
داخلية الحياة.
- الكشافة.
ا- جمعية الشباب
بعد سنة من تأسيس معهد الحياة؛ أي في سنة 1345 هـ/ 1926 م قام الشيخ عدون شريفي بتأسيس جمعية طلابية سماها جمعية الشباب، وهي عبارة عن ناد أدبي يجمع الطلبة خارج أوقات دراستهم لتدريبهم على إلقاء الخطب والمحاضرات وعلى طلاقة اللسان، وفصاحة الكلام، والتمرين على كتابة الأشعار والقصص والروايات، والتمرس على طرح الأفكار ومناقشتها، وتبادل الآراء وتعلم النقد والتحليل (3).
وضع لهذه الجمعية قانون ونظام يسيرها، فكانت جلساتها تعقد بانتظام كل أسبوع، ومع الوقت تطورت ونمت فأصبح لها فروع؛ يشكل كل طبقة من الطلبة جمعية ثقافية أدبية مستقلة (2)
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 70 71 آل حكيم: مقابلة مع شاهد القرن، ص 27. (2) شريفي: المرجع نفسه، ص 70 71. ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، عددا، 1998 م، ص 82 - 83. (1/569)
صفحة 570
538
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
يبدو أن هذه الجمعيات مع مرور السنوات اكتسبت الخبرة والتجربة وقدمت أعمالا وأنشطة مما جعلها تحوز على ثقة إدارة المعهد، حتى أصبحت جزءا منها، تشارك في التسيير والتنظيم واقتراح البرامج واتخاذ القرارات. حيث أصبح رؤساء هذه الفروع من الطلبة القدامى الكبار يشكلون مع مشايخ المعهد مجلس الإدارة). يصف الشيخ عدون دورها عندما بلغت أوجها ونضجها بقوله: «كان لهذه الجمعية أثر عظيم في سير المعهد وتقدمه، بل هي الروح المسيرة والدماغ المفكر وكان لها نشاط أدبي واجتماعي في جميع المجالات» (2).
ويبين الدكتور محمد ناصر دورها الفعال في تكوين الطلبة بقوله: «والحق لقد كانت تلك الجمعيات ميدان تدريب حقيقي للأقلام الشابة، وهي تعد من أكبر أسباب تقدم المعهد وتطوره، ومن أقوى الوسائل التربوية العملية التي يمتاز بها، إذ رقت عقول الطلبة بما يتبارون في كتابته من مقالات وقصائد وقصص، وأذكت فيهم حب الأدب العربي، وخلقت في نفوسهم تذوق الجمال، وتعشق الفصاحة والبلاغة، ودفعتهم إلى الاطلاع ومتابعة ما يجد في عالم الفكر العربي الإسلامي» (3).
توسع نشاط هذه الجمعيات مع الوقت لتنتقل من قاعات المعهد وجنبات المسجد إلى مسرح المجتمع ومحافله، حيث أصبح لها نشاط اجتماعي تمثل في إحياء حفلات المولد النبوي الشريف في البلدة، وفي تنظيم مهرجانات سنوية لعرض حصيلة الأعمال والنشاطات الأدبية والثقافية على جماهير الناس، كما توسع نشاطها لتكوين مجموعات صوتية فنية، وفرق مسرحية هاوية، تشارك في مختلف محافل البلدة وفي المناسبات الدينية والوطنية (4).
(1) شريفي: المرجع نفسه، ص 70 - 71.
(2) شريفي: المرجع نفسه، ص 71. (3) ناصر: المرجع السابق، ص 83.
(4) دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 128 - 134. شريفي معهد الحياة، ص 71. سكحال: الشيخ ص 71.
بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 109. (1/570)
صفحة 571
539
المبحث الثالث: التعليم الثانوي كما تمخض عن هذا النشاط ميلاد جريدة أسبوعية حملت اسم جريدة الشباب، أنشئت سنة 1345 هـ/ 1926 م على إثر تكوين جمعية الشباب، كانت تصدر في كل أسبوع، ويشارك في تحريرها جميع الطلبة، ويتنافسون في كتابة مواضيعها، ويحررها أحسنهم خطا، ويتولى الشيخ عدون شريفي كتابة افتتاحيتها، ويجتمعون على قراءتها في مجالس خاصة يحضرها أساتذتهم ومشايخهم. مع الوقت تطورت هذه الجريدة فتفرعت منها مجلات حائطية خاصة بكل طبقة طلابية، فكان التنافس بين الطبقات وكان الإبداع وكان الابتكار لإعداد أجمل المجلات وأحسنها وأرقاها (1).
أسهمت جريدة الشباب في تدوين وتأريخ وتخليد الكثير من الأحداث التي شهدتها الحركة الإصلاحية، حيث كان الطلبة يتفاعلون إيجابيا مع جهود مشايخهم وأعيان البلدة وزعيمها الشيخ بيوض ومع معاركه التي كان يخوضها ضد الاستعمار وضد تيار الجمود، فكانوا يشكلون له العون والسند والمدد والأمل، فكانت هذه الأحداث والأجواء العامة حافزا لهم على الإبداع والنشاط.
تواصلت هذه الجريدة إلى ما بعد الاستقلال وهي الآن تتشكل من عدة أسفار كبيرة شاهدة على حياة ثقافية زاخرة ونهضة إصلاحية كبيرة عاشها معهد الحياة وعاشتها القرارة ووادي ميزاب، وعاشها جنوب الجزائر. كما كانت هذه الجريدة مفتاح انطلاق الكثير من الأسماء الكبيرة اللامعة وبروزها في عالم الأدب والشعر والدعوة والخطابة والدين.
ب- مكتبة المعهد:
كان من الضروري أن يكون لمعهد الحياة مكتبة تضم أمهات الكتب في الشريعة واللسان العربي وفنونهما، وتضم المصادر والمراجع التي تعين الطلبة على
(1) دبوز: المرجع نفسه، ج 3، ص 135 - 140. شريفي: المرجع نفسه، ص 72. ناصر مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة – الجزائر، عددا،
1998، ص 83. (1/571)
صفحة 572
540
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
التكوين والاستزادة من تحصيل العلوم، إلا أن الظروف العامة آنذاك لم تكن تسمح بإيجاد مثل هذه المكتبة، إذ كان من الصعب جدا أن يجتمع لدى إنسان مثل ذلك، نظرا للأوضاع المعيشية وندرة حركة الكتب والمتاجرة فيها، أضف إلى ذلك الأوضاع السياسية الاستعمارية التي كانت تضيق على تنقلات الكتاب العربي الإسلامي بصفة عامة. هذا ما دفع مشايخ معهد الحياة للسعي وبذل الجهود لتكوين مكتبة تعم فائدتها جميع الطلبة.
هنا من
تشكلت نواتها من الكتب الخاصة للشيخ بيوض، حيث جعلها تحت تصرف طلبته، ثم أصبحت تكبر مع الوقت من خلال الهدايا التي تصله وهناك من رجال الإصلاح ومحبيه ومحبي طلبة العلم الذين كانوا يقتنونها أثناء أسفارهم إلى مدن الشمال فيهدونها إلى الشيخ بيوض ليضمها إلى مكتبة معهد الحياة، وبعضها كان مما جلبه طلبته من البعثات الأولى إلى تونس وإلى بلاد المشرق، كما ضم إليها تركات بعض المشايخ من الكتب التي أوقفوها في سبيل العلم أو أوقفها أبناؤهم من بعدهم حتى أصبحت مكتبة متكاملة للعلوم الشرعية والعربية قدمت خدمات جليلة، وقامت بأدوار فعالة في توفير الكتاب لطلبة المعهد، وتنمية روح المطالعة لديهم وتمكينهم من الاطلاع على أمهات الكتب والتبحر في غزير علمها. وقد اعتنت إدارة المعهد بها فخصصت لها قاعة مستقلة، وقامت بفهرستها.
(1)
ج- جمعية قدماء تلاميذ معهد الحياة سبق أن تحدثنا عن هذه الجمعية في معرض حديثنا عن الجمعيات التي أنشأتها الحركة الإصلاحية، إذ أن فكرة إنشائها تتمثل في لم شتات طلبة معهد الحياة القدامى المتخرجين منه والمنتشرين في مختلف أرجاء الوطن وفي وادي ميزاب للقيام بمختلف الوظائف والأعمال، إذ أن أواصر المحبة وعلاقات الصفاء والمودة والأخوة التي تكونت بينهم أيام دراستهم بالمعهد، وحبهم لمشايخهم الذين لهم فضل تكوينهم
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 73 - 74. (1/572)
صفحة 573
541
المبحث الثالث: التعليم الثانوي وتربيتهم، جعلهم حريصين على الوفاء لهم ولمعهدهم، وعلى المحافظة على هذه العلاقات الحميمية الأخوية، كما جعلهم حريصين على متابعة أخبار معهدهم ورد الجميل للمؤسسة التي ربتهم وكونتهم وصيرتهم رجالا أكفاء ناجحين في حياتهم، صالحين في أخلاقهم، عازمين على مؤازرة مشايخهم ومساعدتهم بكل ما يملكون وما يقدرون عليه. كانت هذه الدواعي وراء إنشاء جمعية قدماء تلاميذ معهد الحياة، حيث نمت هذا الفكرة ونضجت في عقولهم، وكانت موضوع حديث لقاءاتهم ومجالسهم الحميمية، فعرضوها على مشايخهم فاقتنعوا بها وبأهمية جدواها، حتى سعى الشيخ
عدون شريفي القائم بأعمال المعهد لتجسيدها في الميدان على أرض الواقع. كانت دعوة الشيخ عدون لكل الطلبة المتخرجين من معهد الحياة لتنظيم صفوفهم وتوجيه جهودهم ليكونوا السند القوي للحركة الإصلاحية في جهادها التربوي الاجتماعي ماديا ومعنويا، فكان تأسيسها يوم 30 رمضان 1367 هـ/ 05 أوت 1948 م في بلدة القرارة في مؤتمر جامع قدم إليه المشاركون من كل أرجاء الجزائر ووادي ميزاب ألقى فيها الشيخ عدون خطابا تاريخيا مهما بين فيه دواعي تأسيسها وما ينتظر منها في المستقبل القريب، نورد منه ما يلي:
نجتمع اليوم في هذا المجلس الحافل أمام أستاذنا الشيخ بيوض لا كتلاميذ يتلقون عنه دروس التهذيب والتثقيف كما كنا معه في سالف العهود، وإنما نجتمع کجنود مدربين مزودين بالقوة الكلية للنزول إلى ميادين الكفاح أمام قائدهم الأعلى ... نجتمع اليوم كمؤتمر عام لهذه الجمعية لتنفيذ أغراضها الأساسية من جمع شتات الأعضاء والمحافظة على الروابط المتينة التي عقدها المعهد زمن الدراسة، وبث تعاليم الأستاذ في نفوسهم، وفي الأوساط التي يتصلون بها، وخدمة المشاريع العلمية بجميع الوسائل والمشاركة في الإصلاح العام بقدر الاستطاعة، والنزول إلى ميادين الكفاح بصورة منتظمة وخطط مرسومة تحقق الغاية المطلوبة» (1).
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 76 - 77 (1/573)
صفحة 574
542
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
أسفر المؤتمر عن تأسيس الجمعية وانتخاب مجلس إداري لها برئاسة الشيخ عدون، ووضع قانون أساسي لها يضبط مجال نشاطها وأهدافها، ومما جاء فيه ما يلي: - توجيه التلاميذ المتخرجين من المدارس إلى صالح الأعمال وتحقيق غايتهم من طلب العلم.
- إرشاد من ظهر منه الخراف عن الصراط السوي اللائق بمقام المتعلمين. معاضدة المشاريع العلمية ببث الدعاية إليها وإعانتها بكل شيء ممكن. العمل للإصلاح العلمي والاجتماعي بكل الوسائل الممكنة على حسب الاستطاعة.
إعانة التلاميذ الفقراء العاجزين عن إتمام دراستهم» (1).
من خلال هذه الأهداف يتضح لنا كيف ربط مشايخ الإصلاح طلبتهم في حياتهم العملية بخدمة المجتمع ونصرة الحركة الإصلاحية، وإمداد السند والعون المادي والأدبي لها، فشكلوا منهم درعا واقيا حاميا، ورافدا قويا، وجندوهم لتحقيق أهدافهم أهداف النهضة الإصلاحية الشاملة.
إثر ذلك قدمت إدارة الجمعية أوراق اعتمادها إلى المصالح الإدارية
الاستعمارية فحصلت على الرخصة التي تسمح لها بمزاولة نشاطها.
قامت هذه الجمعية بأدوار مهمة فعالة في مؤازرة الحركة الإصلاحية ومساندة مسيرتها ومعاضدة مشايخها؛ فكانت بحق يدا من أيديها ووسيلة من وسائلها في إحداث النهضة الإصلاحية.
كان أهمها دعم حركة التعليم في جانبها المادي والأدبي، إذ قامت باحتضان هيئة وحدة التعليم - التي سبق أن تحدثنا عنها - التي عملت في مجال التنسيق بين مدارس الحركة الإصلاحية في توحيد برامجها وسياستها التعليمية، كما قامت
(1) المرجع نفسه: ص 79 - 80. (1/574)
صفحة 575
543
المبحث الثالث: التعليم الثانوي الجمعية بأدوار مهمة في تمويل مشاريع الإصلاح التربوية، ثم أصبحت مع مرور الوقت تجمع أعيان الإصلاح ومفكريه، فتحولت إلى العقل المدبر للحركة الإصلاحية، ثم اتخذت لنفسها فروعا في مدن ميزاب وفي أرجاء الجزائر حيث يتجمع التجار الميزابيون، فقامت بأدوار وطنية فعالة في مساندة الثورة التحريرية وتشكيل خلايا تابعة لها، والإسهام في تمويل الثورة بالعتاد والمؤونة والأموال، واستمر عملها ونشاطها إلى ما بعد الاستقلال (1).
د - داخلية الحياة
كان انطلاق المسيرة العلمية للحركة الإصلاحية في القرارة بقيادة الشيخ بيوض بعد تأسيس معهد الحياة إيذانا لتوافد طلبة العلم عليه من كل قرى الوادي وخارجه، إلا أن أعدادهم في السنوات الأولى كان محدودا، فلم تكن الحاجة تدعو إلى تخصيص إقامة تؤويهم إذ كان هؤلاء الطلبة يفرقون على بعض المحسنين ممن اقتنع بنهج الإصلاح وساند مسيرة زعيمه الشيخ بيوض، فكانوا يتكفلون بإيوائهم وإطعامهم ويعتبرونهم مثل أبنائهم في الحنو والعطف والمعاملة، وكانوا يسمون عند آل القرارة بأبناء بيوض إلا أنه مع تزايد عددهم خلال الثلاثينيات خصصت لهم بعض الدور وسط البلدة تجمعهم وتؤويهم، وعندما ازداد عددهم أكثر لم تسعدهم هذه الدور الصغيرة ففكر أعيان الإصلاح وعلى رأسهم الشيخ بيوض تفكيرا جديا في إنشاء داخلية كبيرة تحمل كل المواصفات اللائقة لطلبة العلم وتؤويهم كلهم وتسع أعدادا هائلة منهم فكان الشروع خلال الخمسينيات في إنجاز بناية كبيرة في ضاحية المدينة أصبحت صرحا حضاريا عظيما، ومدرسة تكوينية كبرى (2).
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، 187 - 217. شريفي: معهد الحياة، ص 75 - 82. ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة -
الجزائر، عددا، 1998، ص 82. (2) شريفي: المرجع نفسه، ص 74 - 75. (1/575)
صفحة 576
544
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
واكب إنشاء هذه الداخلية إرساء نظام محكم لها وانتقاء إدارة حازمة وتخصيص برنامج منظمة في تسييرها، مما يضمن التحكم التام في أوضاع الطلبة والعشرة الطيبة بينهم، وتنشئتهم على السلوك الحسن والأخلاق الحميدة، فهم قد قدموا من بيئات مختلفة، كل بطباعه وعوائده ونمط عيشه، مما يستلزم هذا الحزم والحرص، وكذا توفير الجو اللائق لتفريغهم لتحصيل العلم، مع تدريبهم على القيام بأعمال اجتماعية كثيرة وأنشطة ثقافية ورياضية متنوعة.
كان مشايخ المعهد يشرفون بأنفسهم على تعيين رؤساء الداخلية ويختارونهم بعناية من بين طلبتهم الحازمين الناجحين المتخلقين كما يحرصون على متابعة أخبارها ومسايرة أحداثها، وزيارتها بانتظام وتفقد أحوالها والتدخل المباشر عندما يستدعي الأمر ذلك (1)
استطاعت هذه الداخلية التي أصبحت تعرف في القرارة بالبعثة البيوضية؛ تكوين الطلبة تكوينا صارما في أخلاقهم وفي سلوكهم، وتعويدهم على روح الجماعة والتضحية والبذل، وحاربت فيهم الأنانية وحب الذات والانزواء والتقوقع على النفس، وعودتهم على الخشونة في العيش، وعلى الاعتماد على النفس في القيام بكل المهام والأعمال التي يحتاج إليه الإنسان في حياته، ودربتهم على الأعمال الاجتماعية والأنشطة الثقافية وعلى الرياضة البدنية، فكان نظامها إلى حد ما يشبه نظام الثكنات العسكرية (2).
استطاعت برؤسائها وإدارتها ونظامها أن تطبع بصمتها بقوة في شخصية أي طالب يلتحق بها، حيث صيرت منهم رجالا فرسانا أشداء، قادرين على تحمل مصاعب الحياة باقتدار واصطبار ومسؤولية، حتى أصبح الطالب الذي قضى فترة زمنية في القرارة وعاش في داخليتها ودرس في معهدها يعرف من تصرفاته ومن نمط حياته دون أن يصرح بذلك.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، 148 - 178. (2) القرادي مقال بعنوان دور داخلية الحياة بالقرارة. منشور ضمن كتاب القرادي: الشيخ القرادي حيات
و آثاره، ص 11592 (1/576)
صفحة 577
545
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
هـ منظمة الكشافة:
المؤسسة الاجتماعية التربوية الخامسة التي تأسست في معهد الحياة، وانبثقت منه، ودعمت مسيرته هي منظمة الكشافة بغرض دعم مسيرة التربية النموذجية للأجيال برعاية كل الجوانب في شخصيتها كان التفكير في إنشاء منظمة الكشافة، التي تعمل على تنشئة شباب يحملون كامل مواصفات الرجولة من الاستقامة والشجاعة والإقدام وحب عمل الخير والعناية برياضة الأجساد وتهذيب النفوس وتثقيف العقول.
أحدث مشايخ الإصلاح وأعيانها هذه المنظمة سنة 1362 هـ/ 1943 م وقت الحرب العالمية الثانية، فكانت فرقة كشفية بصورة غير رسمية تقوم برحلات إلى أطراف البلدة وخارجها وتدرب أعضاءها على أعمال الكشف، وتعودهم حياة الخشونة والصبر والتحمل، وتدربهم على النشاط والحزم والشجاعة.
في سنة 1369 هـ/ 1948 م تأسست المنظمة بصفة رسمية قانونية وحملت اسم كشافة الجنوب، إذ طلبت الاعتماد من السلطات الاستعمارية فحصلت عليه، واعتنى بها مشايخ الإصلاح أكثر؛ حيث أنشؤوا لها هيئة مسيرة مكونة من كبار طلبة معهد الحياة ومن بعض المتخرجين، وبعض الأعيان، وبقيت
(1)
تعمل تحت إشرافهم نشطت منظمة الكشافة أثناء هذه الفترة في تكوين أعضائها الطلبة وإعدادهم لتحمل المهام والمسؤوليات الاجتماعية والتربوية الكبيرة التي تنتظرهم بعد استكمال تكويهم، فكثرت رحلاتها وجولاتها الاستكشافية مشيا على الأقدام في الصحاري المجاورة، وتدريب الطلبة على مختلف الأعمال الفلاحية؛ خاصة منها تسلق النخيل وتأبيرها وقطع ثمارها، التي تزخر بها منطقة وادي ميزاب وتعد من الأعمال الرجولية في المجتمع. كما أسهمت
(1) شريفي: معهد الحياة، ص 72 - 84.
37 (1/577)
صفحة 578
546
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
الكشافة بأدوار فعالة في المشاريع الخيرية التطوعية التي عرفتها البلدة؛ من بناء المساجد والمدارس ودور العشائر والسدود، فكانت تنظم لأعضائها حملات تطوعية للمشاركة في إنجاز هذه المشاريع في أيام عطلهم).
بذلك عملت على استكمال إعداد الفرد الصالح، والنخبة الكفأة في أبعادها الروحية والجسدية والعقلية.
هذه هي الهيئات المنبثقة عن معهد الحياة، وهذه هي أعرق مؤسسة عرفتها الحركة الإصلاحية واعتنت بها أيما عناية، وسخرت لها عقولها وصرفت أموالها في سبيل إعلاء صرحها وبلوغ، مرامها، وخرجت منها نخبها وقياداتها وكفاءاتها، وكانت مصنع الإنسان النموذج الذي ارتضته الحركة الإصلاحية لتحمل أمانة الدين والوطن.
نستطيع في الأخير أن نقول إن الحركة الإصلاحية نجحت نجاحا كبيرا بقيادة مشايخها، الذين على رأسهم الشيخ بيوض والشيخ عدون في تصيير هذه المؤسسة مشتلة حقيقية لتربية الأجيال وتخريج القيادات والنخب التي أفادت وادي ميزاب والجزائر والعالم العربي والإسلامي، واستمر عملها إلى ما بعد الاستقلال، بل إلى حد اليوم، وقد اقتربت هذه المسيرة من القرن، وهي شاهدة عليه.
كما نستطيع أن نحكم فنقول إن معهد الحياة يعد أهم مؤسسة حضارية نوعية استطاعت أن تنشئها الحركة الإصلاحية وتخرجها إلى الوجود وتعمل على تطويرها وتحافظ على استمرارها. يحسن أن نختم هذا المبحث ببعض الشهادات على هذه المؤسسة العلمية العريقة: يقول الدكتور شوقي ضيف؛ الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، سنة 1410 هـ/ 1990 م:
1
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، ص 225 - 232 ناصر: مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، عددا، 1998، ص 84. (1/578)
صفحة 579
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
547
أحيي الجزائر البلد العربي العظيم أحيي القرارة ومعهدها معهد الحياة، الذي ظل - طوال ما يقرب من سبعين عاما مضت – قلعة شامخة من قلاع العروبة والإسلام في الجزائر الشقيقة، وظل أساتذته العاملون البررة، يرعون فيه أبناءهم من الطلاب رعاية مخلصة، مع ما أخذوهم به من خصال إسلامية حميدة، قوامها الخير العميم. يذكر المعهد بالثناء المستطاب أنه خرج - على مر السنين – نخبة وطنية عملت بكل ما أوتيت من قوة - ولا تزال تعمل - في بناء الجزائر العربية المسلمة، بناء شاهقا وطيدا، كما خرج المعهد بجانبهم صفوة من العلماء والأدباء الأفذاذ الذين ملك عليهم الأدب والعلم ذوات نفوسهم، والذين يبذلون لشعبهم في الجزائر، كل ما يستطيعون من جهود خصبة في نهضتها العلمية والأدبية» (1).
ويقول الدكتور شاكر الفحام رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، سنة 1410 هـ/ 1990 م:
هذا المعهد الذي قام في القرارة قلعة حصينة من قلاع العربية والإسلام، وخرج الأجيال تلو الأجيال، وقد تهيأت لمواجهة غدها بالعلم النافع، والخلق الفاضل، وتزودت بما يحفظ لها شخصيتها ودينها لتشيد مستقبلا زاهرا، يليق بماضيها المجيد» (2).
ويقول الدكتور عبد الكريم خليفة؛ رئيس مجمع اللغة العربية بالأردن، سنة
1990/ 1410
معهد الحياة؛ أحد حصون العربية في مغرب الوطن العربي، حمل لواء. العربية، لغة القرآن الكريم. ونازل الغزاة المستعمرين الذين حاولوا القضاء على هوية الشعب الجزائري البطل، وذلك من خلال محاربة العربية، والقضاء
(1) نقلا عن كتاب الخرفي: من أعماق الصحراء، ص 9.
(2) نقلا عن المرجع نفسه: ص 9. (1/579)
صفحة 580
548
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
عليها في صدور أبنائها وعلى ألسنتهم، فخرج هذا الحصن العلمي – بحمد الله وتوفيقه - وبجهود مؤسسيه والعاملين فيه من الجلة العلماء - ظافرا، ترفرف على أسواره رايات، النصر، كما رفرفت على حصون العربية لغة العروبة
والإسلام في أرجاء الوطن العربي» (1). (1/580)
صفحة 581
المبحث الرابع: تعليم المرأة
549
المبحث الرابع: تعليم المرأة
ارتأينا تخصيص مبحث مستقل لتعليم المرأة في وادي ميزاب لمحاولة معرفة نظرة الحركة الإصلاحية إليه، وضبط مواقفها منه والكشف عن جهودها فيه، نظرا لخصوصيته وتميزه عن التعليم العام.
بلا شك سينبني هذا التعليم أساسا على فلسفة إباضية الجزائر حول المرأة ودورها في الحياة ووظيفتها فيها. لذا سنحتاج في تناول هذا الموضوع ضبط الإطار العام لهذه الفلسفة.
1 - فلسفة المجتمع حول المرأة:
إذا حاولنا ضبط أهم معالم فلسفة إباضية الجزائر حول المرأة فإننا نقول إن المجتمع كان يحف حياة المرأة من كل جوانبها بسياج متين شديد، هو مزيج من الأحكام الشرعية والأخلاق الإسلامية والأعراف المكتسبة والعادات الموروثة؛ مما يحفظ لهذه المرأة كرامتها وطهرها وشرفها ويحول دون أي خدش ممكن له. كما كانت هذه الفلسفة تضرب بجدار من حديد بين الحياة الذكورية والحياة الأنثوية، بمنع أي لقاء عابر أو اتصال مشبوه بين الجنسين خارج الحدود الشرعية والأحكام العرفية في أي محفل من المحافل الاجتماعية، فحياة المرأة بعد بلوغها ثم بعد زواجها في استقلالية تامة عن حياة الرجل.
تنحصر حياتها وتحركاتها في البيت وسط أفراد أسرتها وعائلتها وأبنائها، ومحارمها، كما يضبط تحرك الرجل في عمله أو في الشارع، وفي بيته مع زوجته وأفراد أسرته وعائلته ومحارمه دون أن يكون له أي علاقة أو صلة بالمجتمع النسوي خارج هذا الإطار).
(1) يوسف الواهج المرأة في المجتمع الميزابي، ط 1، المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1403 هـ/1982 م (1/581)
صفحة 582
550
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كما أن من فلسفة المجتمع حول المرأة أن دورها في الحياة ووظيفتها فيها تتمثل أساسا في قيامها بشؤون البيت الزوجية ورعايته، وبناء حياة كريمة سعيدة بداخله، بإسعاد الزوج وخدمته وإحصانه، ثم القيام بوظيفة الأمومة أحسن قيام بالإنجاب والإرضاع وتربية الأولاد ورعايتهم وتوفير الحياة السعيدة الهانئة لهم؛ مما يمكن الأجيال أن تنشأ في كنف أسر سعيدة منسجمة، وتعيش حياة مستقرة هانئة، ملؤها العطف والرعاية والحنان مما يمكنها أن تبني شخصيتها وتغرس فيها القيم والأخلاق الإسلامية (1).
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي في بيان دور المرأة ووظيفتها: «والأم معمل إلهي لإنتاج الجنس البشري والمحافظة على نوعه، وفي أحضانها ينشأ الجيل، فوظيفتها أخطر وأغنى إنتاجا يقوم به مخلوق في الأمة» (2). ويقول كذلك في الموضوع نفسه حتى إذا ناداهن منادي الأمومة والاضطلاع بواجبها الإنساني لبت نداء الفطرة والواجب فأصبحت زوجة مسعدة فأما بارة وحبست نفسها في خدرها منقطعة لإدارة مملكتها الواسعة العظيمة المسؤولية الكثيرة التكاليف ... تديرها بطهارة ومهارة ونزاهة وشرف فتنتج رجالا ونساء يظل بهم حبل البشرية ممدوحا غير ممنون» (3).
ومن فلسفة المجتمع أنه يرى المرأة هي الحافظة الحقيقية لكيانه بدرجة أولى قبل الرجل وأكثر منه، وأنها الحافظة الخصوصياته وعاداته وتقاليده، وهي المسؤولة
الأولى على تجسيد مشروع المجتمع الذي ارتضاه وحدد معالمه في بناء الفرد.
ص 51 - 54. معمر: الإباضية في موكب التاريخ، حل،4، ج 2، ص 540 - 542 دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 229. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 160 161.
Aicha daddi addoun: Sociologie et histoire des algériens ibadites, p 35 - 36.
(1) بيوض حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 71 - 75 بكلي: فتاوى البكري، ج 1، ص 258 262.
الواهج المرأة في المجتمع الميزابي، ص 51 - 54.
(2) بكلي: المرجع نفسه، ج 1، ص 258 - 262.
(3) المرجع نفسه: ج 1، ص 258 - 262. (1/582)
صفحة 583
المبحث الرابع: تعليم المرأة
551
فهي التي تسند إليها هذه المهمة ويعول عليها في القيام بها؛ ذلك أن الرجل كثيرا ما ينشغل بمشاغل الحياة المختلفة، فينقطع لجلب القوت، ويضطر للاغتراب عن البلدة وعن أسرته لفترات زمنية طويلة تصل غالبا إلى عدة شهور وأحيانا إلى عدة سنوات وكثيرا ما يقضي جل عمره في هذا الاغتراب ويكون زائرا لأسرته في الأعياد والمناسبات القليلة فقط. كما يمكن أن يكون متخليا عن مسؤوليته الأسرية لا يبالي بها، كما يمكن أن يتوفى. فتبقى المرأة في كل هذه الحالات هي القائمة بأعمال الأسرة، وهي الحارسة لحماها والحاضنة لأبنائها. فينشؤوا وقد نالوا نصيبهم من التربية والحنان والرعاية، وتشبعوا بالقيم التي ارتضاها المجتمع لأفراده.
يقول الشيخ بيوض في ضبط فلسفة المجتمع حول المرأة ودورها: «فالمرأة المؤمنة عندنا ما تزال هي الركيزة الأولى في البناء العائلي لا تتصرف في مسؤوليتها الفطرية بنتا أو زوجة أو أما إلا وفق ما يمليه عليها ضميرها الديني ووعيها الاجتماعي ... إيمانا منها بأنها حاضنة الأجيال، ووعاء للطهر والفضيلة، وحارسة للعرض والشرف فهي المنبت الطيب للعقب والذرية، لا تشوبها لوثة العار بكرا، حصانا، ولا تدنسها دنيئة الخيانة زوجا مصانا ... معتمدة على نفسها في تدبير شؤون بيتها وتربية أطفالها، حافظة غيب زوجها ما بقي يضرب في أرض الله طلبا للرزق»).
في جانب آخر من فلسفة المجتمع حول دور المرأة كونها تمثل الساعد الأيمن لزوجها الرجل في تدبير شؤون الحياة وتوفير المعيشة؛ وذلك بحسن إدارتها لشؤون البيت الزوجية والاقتصاد في المعيشة، والصبر على قلة ذات اليد، والادخار للمستقبل، وبعملها داخل بيتها في الأشغال اليدوية والحرف والصنائع التي تقوم بها من غزل ونسج وخدمة الصوف (2).
(1) بيوض: حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 72. (2) المرجع نفسه: حل 1، ص 71 - 75. بكلي: فتاوى البكري، ج 1، ص 258 - 262 الواهج المرأة في المجتمع الميزابي، ص 51. (1/583)
صفحة 584
552
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: إن المرأة الميزابية لتمسكها بالدين تطيع زوجها وتحافظ على ماله وتقتصد فيه وتعتقد أن إثراء الرجل يكون بحسن تدبير المرأة عمالة نشيطة تحب النظافة لأنها من الدين تقوم بالبيت أحسن قيام معتمدة على نفسها لا تكلف زوجها بلاء الخادمات تبدأ أعمالها المنزلية بعد صلاة الفجر وتستمر فيها إلى أن تصلي العشاء» (1).
وهي
ويقول الشيخ بيوض في وصف البيوت الميزابية: إن بيوتنا لا تكاد تخلو من المناسج وآلات الطرز والخياطة، لتشغيل النساء اللائي اكتسبن المهارة وتكوين البنات المتمرنات على مستوى كل أسرة، لأنه من أوكد الواجبات عندنا أن يتولين بأنفسهن إنتاج ما تحتاجه الأسرة من أنواع الزرابي والطنافس والسجاجيد والأكسية ... ولكم أن تتصوروا ما توفره المرأة في الجانب الاقتصادي من حياة الأسرة» (2).
لا شك أن هذه الفلسفة مستمدة من أصول الشريعة الإسلامية بصبغة المذهب الإباضي وعوائد الميزابيين مما يمكن المجتمع من العيش - في عمومه - على الطهر والصفاء وانحسار الفواحش والفضائح الأخلاقية وحفظ أعراض الناس وشرفهم؛ الذي هو من شرف المجتمع وكرامته.
يبين الشيخ عبد الرحمن بكلي ذلك بقوله: إن نظرتنا هذه مبنية على اعتبار الإسلام دستورا لحياتنا وإننا مطالبون بإقامته ذكورا وإناثا، نتقرب إلى الله بالقيد بقيوده وإن شق ذلك على أنفسنا أول الأمر، فكلامنا مع من يعتقده ويجعله إماما
في حياته» (3).
هذه
هي
أهم معالم فلسفة المجتمع الإباضي في وادي ميزاب حول المرأة ودورها ووظيفتها في الوجود، والتي في إطارها يمكن فهم الموقف من تعليمها، ثم الجهود
المبذولة في سبيله.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 229. (2) بيوض المرجع السابق، حل 1، ص 75. (3) بكلي: المرجع السابق، ج 1، ص 258 - 262. (1/584)
صفحة 585
المبحث الرابع: تعليم المرأة
553
2 - حال تعليم المرأة:
في حقيقة الأمر يصعب علينا أن نتعرف بدقة على حال تعليم المرأة في وادي ميزاب خلال القرون الماضية، وهل وجدت دعوات وجهود للعناية به، وهل كان لبعض العلماء السابقين آراء ومواقف حوله؟
إذ لا نكاد نجد - في حدود اطلاعنا المتواضع - في تاريخ وادي ميزاب إشارات واضحة إلى هذا الموضوع، إلا ما كان من قبيل الكلام العام المجمل عن
حال التعليم. يبدو أنه لم يكن شيء من ذلك ذا بال حتى تهتم به أقلام الباحثين، فتدونه وتحفظه وتتحدث عنه. ولا شك أن الإطار العام لفلسفة المجتمع حول المرأة كانت وراء تحديد هذا الوضع.
إن هذه الفلسفة الصارمة المتشددة التي ضبط بها المجتمع تحركات المرأة جعل من الصعوبة بمكان أن تظهر مسيرة علمية لها، أضف إلى ذلك أن الوضع العام للتعليم في وادي ميزاب كان متخلفا بدائيا تقليديا، مع عدم مبالاة المجتمع به للأسباب التي استعرضناها سابقا، وعندما تعالت دعوات علماء النهضة الأولين إلى التعليم ابتدأت بالذكر وركزت جهودها عليه وتواصلت المسيرة إلى أن أتى دور المرأة، ولم يكن تغيير هذا الوضع بالأمر الهين أو السهل.
أما ما عرفناه من حال تعليم البنت في القرون الماضية إلى أواسط القرن العشرين فقد كان بطريقة تقليدية بسيطة، يتمثل في تعليم أنثوي محض، يحرم فيه. ويمنع أن يقترب منه الذكر. إذ تتولاه إحدى النساء ممن أوتين نصيبا من العلم وحظا من التعليم على يد والدها أو زوجها أو أحد محارمها، وممن عرفت بالتقوى. والصلاح والاستقامة، فتلقن الفتيات شيئا من القرآن الكريم، وتحفظهن ما تيسر من السور القصار والأحاديث النبوية والأدعية المأثورة، وتعلمهن ما لا يسع جهله من المسائل الدينية الضرورية من أحكام صلاتهن وطهارتهن من أمور الحيض (1/585)
صفحة 586
554
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
والنفاس، وعادة ما يكون ذلك في بيت المعلمة أو بيت خاص تحت رقابة وإشراف هيئة "تمسردين" النسوية.
تقسم الفتيات في هذا التعليم إلى مستويين؛ مستوى صغير: تجمع فيها البنات دون سن البلوغ لتلقين سور القرآن القصار ومستوى كبير تجمع فيه البنات القريبات من سن البلوغ والبالغات، لتلقين بعض سور القرآن، وتعليم أحكام الصلاة والطهارة من الحيض والنفاس. وعادة ما تتولى هذه المعلمة أو غيرها من النساء النابهات الإشراف على عملية تعليم الصلاة لهن، حين ملاحظة علامات البلوغ على إحداهن ويعد ذلك حدثا مهما في حياتها. وأما عن توقيت هذا التعليم فهو ينحصر بين وقتي العصر والمغرب ولم يعرف شيئا من الانضباط أو
(1)
المحاسبة أو التقويم أما ما يتعلق بتعلم القراءة والكتابة فإن المجتمع حرم على المرأة ذلك واكتفى بتعليمها تلقينا شفويا فقط، ورأى أن تبقى المرأة أمية باقتناع وقصد وإصرار، إذ بدا له أن صلاح المجتمع في بقائها على هذه الصورة.
بنيت هذه النظرة الغريبة - للأسف ـ على فهم قاصر وتطبيق خاطئ لقاعدة سد الذرائع ولقاعدة العمل بالأحوط؛ اللتين عرف بهما المجتمع، إذ رأت أن تعليم المرأة القراءة والكتابة مدعاة لفتح الباب أمامها لخدش كرامتها أو شرفها الذي مس هو من كرامة المجتمع وشرفه، وذلك بإمكانية اتصالها بالعالم الخارجي وبالجنس الذكوري، أو اتصال الجنس الذكوري بها عن طريق مراسلات أو كلمات غرامية أو عاطفية قد تكون سببا في الانحدار بها إلى المكروه والمحذور.
(1) مرموري تعليم البنات في ميزاب ص 123 - 125. الواهج المرأة في المجتمع الميزابي، ص 51. مريم سيوسيو: الأهداف التربوية من تعليم البنت الميزابية في المدرسة الحرة، مذكرة تخرج معهد الإصلاح
للبنات، غرداية، قسم التخصص في التربية والعلوم الإسلامية، س ج: 1427 هـ / 2006 م، ص 4 - 5 سمية فخار: دراسة الفتاة الميزابية بين التعليم الحر والرسمي، مذكرة تخرج معهد الإصلاح للبنات غرداية، قسم التخصص في التربية والعلوم الإسلامية، س ج: 1427 هـ / 2006 م، ص 34. (2) مرموري تعليم البنات في ميزاب ص 123 - 125. الواهج المرأة في المجتمع الميزابي، ص 51.
5. (1/586)
صفحة 587
المبحث الرابع: تعليم المرأة
555
أما صبيحة اليوم فكانت الفتاة تقضيه مع قريناتها في اللعب، ومع أمها في البيت لتساعدها على قضاء شؤونه، ولتتعلم منها مختلف الأعمال المنزلية؛ من غسل وطبخ ونسيج وغزل وحرف أخرى، كما تتعلم منها تربية الأولاد، فتعدها بذلك لمستقبلها في بيتها الزوجي.
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: إن أمها تعدها منذ ولادتها لتكون أساسا لحياة زوجها وركنا للمجتمع بالإيحاء والقدوة الحسنة من سلوكها في الدار وبالتدريب على العمل وعلى كل الأخلاق الإسلامية الراقية في كل أدوار طفولتها وفي شبابها» (1). كما أن الزواج في وادي ميزاب كان إلى العهد القريب في سن مبكرة جدا؛ إذ كان مع السنوات الأولى للبلوغ، أو بعد ذلك بقليل مما كان يقلل من حظوظ البنت في الاشتغال بالتعليم، فكانت تنتقل مباشرة من بيت والديها إلى بيت زوجها الشاب، الذي عادة ما يعيش حياته الأولى بعد زواجه في بيت أبويه مع أفراد عائلته، فتدخل الفتاة في ترسانة جديدة من الأعراف والتقاليد التي تضبط كل تصرفاتها وحركاتها وسكناتها، لتشتغل بخدمة أهل زوجها وتتفرغ لمسؤولياتها الجديدة زوجة ثم أما (2).
هكذا كان تعليم المرأة في وادي ميزاب وهذه صورة من حياتها الاجتماعية. نريد أن نشير أن هذه الوضعية العامة لتعليم المرأة في ميزاب فيما مضى لم تمنع من ظهور شخصيات نسائية بارزة قوية في تاريخ وادي ميزاب، تلقين حظا وافرا من العلم على أيدي بعض المشايخ وتعلمن القراءة والكتابة، وقمن بأدوار اجتماعية مهمة وفعالة ومؤثرة في الحياة الاجتماعية النسوية والذكورية، فكن معلمات ومرشدات وواعظات وداعيات وسياسيات ومصلحات (3).
(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 1، 109.
(2) المرجع نفسه: ج 1، ص 109. الواهج: المرجع السابق، ص 23.
Aicha daddi addoun: Sociologie et histoir des algeriens ibadites, p 35 - 36
(3) يراجع في ذلك: معجم أعلام الإباضية. معمر الإباضية في موكب التاريخ، ح 4. دبوز نهضة الجزائر الحديثة ج ا. بكير أعوشت وأحمد كروم مسلمات صالحات في روضة الإيمان المطبعة العربية، غرداية، دت. (1/587)
صفحة 588
556
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كما أن هذه الأمية الإجبارية التي وضع المجتمع فيها المرأة لم تكن على حساب قيامها بوظيفتها الأسرية والتربوية كما ينبغي، حيث استطاعت هذه المرأة الأمية فعلا إسعاد زوجها وتنشئة أبنائها وعيش حياة كريمة سعيدة هانئة.
لاشك أن شبكة العلاقات الاجتماعية المتينة المتراصة التي يتمتع بها وادي ميزاب قد ساعدت هذه المرأة على القيام بدورها كما ينبغي، أضف إلى ذلك دور المسجد والهيئات العرفية التي كانت تعمل عملها في النصح والتوجيه والإرشاد والتعليم.
إذن: نستطيع أن نقول إن تعليم المرأة في القديم بقي على حاله جامدا لم يشهد
تغيرا أو تطورا يذكر رغم طول الفترة الزمنية، ويمكن أن يقسم إلى قسمين: منه ما يلقن ويعلم في الأقسام على يد بعض المعلمات، ومنه ما يلقن ويعلم في البيوت - وهو الأكبر - وسط الأسر والعائلات بواسطة الأمهات والجدات، مما يعد المرأة لوظيفتها المستقبلية زوجة وربة بيت حسب فلسفة الميزابيين وفهمهم
لروح الشريعة الإسلامية، وأن هذا التعليم كان يهدف أساسا إلى:
-1 - تعليم البنت ما يجب عليها من أمور دينها وطهارتها بالضرورة. 2 - إعداد البنت للقيام بوظيفتها الفطرية المتمثلة في رعاية البيت الزوجي والأمومة وتربية الأجيال. -3 - تعليم البنت بعض الصنائع والحرف المنزلية للقيام بمساعدة زوجها في تحمل أعباء المعيشة وتقاسم مشاقها معه.
نأتي الآن للنظر في جهود الحركة الإصلاحية للرفع من مستوى هذا التعليم والتجديد فيه ومعرفة مواقفها منه.
3 - جهود الحركة الإصلاحية في تطوير تعليم المرأة: بقي هذا التعليم على حاله يراوح مكانه إلى منتصف القرن العشرين، ومما يبدو أن مشايخ الإصلاح السابقين قد تهيبوه ولم يستطيعوا الاقتراب منه والتفكير في (1/588)
صفحة 589
المبحث الرابع: تعليم المرأة
557
تجديده والتحسين من مستواه، رغم كل الدعوات والمجهودات التي رأيناها لهم في
جانب التعليم. يبدو أن سبب تحرجهم للخوض في هذا الموضوع هو توقعهم حصول ارتدادات اجتماعية محتملة تسبب لهم مشاكل وصدامات العامة، نظرا لذلك السياج الحديدي من العادات والتقاليد الموروثة والمترسبة في الأذهان حول المرأة. مما يجعل من التفكير في تغييرها مجازفة لا تحمد عقباها.
وكان بمشايخ النهضة الأولين من الشيخ الأفضلي والشيخ الثميني والشيخ اطفيش والكثير من تلاميذهم اتفقوا على ترك هذا الطابور على حاله، فلم نجد لهم آراء أو جهودا أو مواقف واضحة فيه.
كما نتوقع أن بعض مشايخ النهضة الذين سايروا التيار والتوجه العام كانت لهم آراء مخالفة، لكنهم احتفظوا بها لنفسهم، ورأوا أو وقتها ما زال لم يحن للبوح بها والدعوة إليها والعمل على تجسيدها في الميدان وركزوا معركتهم على إصلاح الأوضاع الاجتماعية وإصلاح التعليم الذكوري. كما نتوقع أن تكون آراء بعضهم الآخر مسايرة لهذه الفلسفة وموافقة لها، فعملوا على تكريسها أكثر في المجتمع.
نريد أن نقول إن التفكير في كسر هذا الطابور وبداية الحديث عن تغييره كان وراءه عدة عوامل ودوافع، ولم تكن البداية فيه نابعة عن قناعة في المجتمع، بما في ذلك الحركة الإصلاحية التي بدت رجعية متحفظة فيما يخص هذا الملف.
لعل أهم هذه العوامل تمثل في فتح الاستعمار الفرنسي لمدارسه، وترخيصه للآباء البيض لفتح مدارسهم، حيث أصبحت منفذا ومتنفسا لبعض الأسر التقدمية التي اقتنعت بتعليم بناتها ورأت الحاجة إلى ذلك، ولم تبال بسخط المجتمع عليها وإنكاره لصنيعها، أمام انسداد كل الأبواب في وجود بديل مقنع لتعليم بناتهم وإخراجهن من بوثقة الأمية والجهل، فكان ملاذهم الوحيد هو تسجيل بناتهم في المدارس الفرنسية. (1/589)
صفحة 590
558
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
ومن العوامل الأخرى تلك الوضعية التي آل إليها المجتمع النسوي بسبب الأمية، وتدني المستوى الثقافي العام؛ مما جعله ينشغل بسفاسف الأمور؛ التي عادة ما تطبع المجتمعات العربية الإسلامية كالإيمان بالشعوذة والسحر والانشغال بعالم الجن والشياطين، وما يتبع ذلك من زيارات القبور وتفشي المعتقدات الفاسدة حولها، أضف إلى ذلك شيوع تبادل الأخبار ونشر الإشاعات والوقوع في الغيبة والنميمة وما يسببه كل ذلك من أمراض نفسية واجتماعية كثيرة لا حدود لها ولعواقبها.
ومن العوامل الأخرى - في مقابل ذلك – تنامي الوعي العام في المجتمع الرجالي إثر تخرج الدفعات الأولى من طلبة المدارس والمعاهد والجامعات، وإثر النشاط الاجتماعي والمسجدي للحركة الإصلاحية، وإثر الأسفار والرحلات التي عقدها الكثير من الناس إلى أرجاء الجزائر وخارجها وتأثرهم بأجوائها. مما جعل هذا الجيل يحبس بالبون الواسع ويلاحظ الهوة الشاسعة بين الذكر والأنثى في تعليمهما، هذا ما أصبح يهدد بظهور وطرح مشكلة جديدة خطيرة. متمثلة في الزواج والانسجام بين الجنسين إذا بقيت الأوضاع على حالها. ويهدد
بإمكانية انفلات الشباب للبحث عن زوجات وقرينات خارج المجتمع الميزابي. كانت هذه العوامل مشتركة وراء تحريك عجلة إصلاح تعليم المرأة والتفكير الجدي في كسر طابوره قبل فوات الأوان (1).
كما يلاحظ أن الدعوات والجهود الأولى لإصلاح تعليم المرأة في وادي ميزاب كانت بصفة فردية، لم تتبنها المؤسسات العرفية ولا الحركات النهضوية، وإنما كان وراءها أشخاص آمنوا بالفكرة واقتنعوا بها فقاموا بمبادرات تمثلت في تعليم بناتهم دون انتظار الإذن من أحد، أو مناقشة الموضوع مع المشايخ والعزابة والأعيان ودعوتهم لفتح مدارس للبنات والعناية بهن عنايتهم بالذكور.
(1) مرموري تعليم البنات، ص 131 - 133. (1/590)
صفحة 591
لبحث الرابع: تعليم المرأة
559
لعل أول مبادرة جادة ظهرت لدى الحركة الإصلاحية في مسيرة تعليم البنت كانت مع جمعية الإصلاح ببلدة غرداية سنة 1369 هـ/ 1948 م، إذ قامت بخطوة عملية جريئة كان وراءها أحد أعيانها الذي طالب الجمعية مرارا وخاطب مسؤوليها صراحة بضرورة فتح مدرسة حرة للبنات، وبضرورة الالتفات إلى تعليم، البنت، بعدما لاحظه من الفرق الواسع بين تكوين الجنسين، مما يدعو إلى الحيرة والقلق على وضعية المرأة في مستقبلها إن بقيت على حالها (1).
يبدو أن إيمانه بالفكرة واستماتته عليها ومطالباته المتكررة بالحجة والبرهان لإدارة جمعية الإصلاح ومشايخها آتت أكلها وأثمرت مما جعلهم ينصتون إليه ويولون الأهمية لأفكاره ثم يحملونها محمل الجد.
بعد مرحلة المخاض من المناقشة والحوار والإقناع الداخلي في صفوف الجمعية وتقليب الفكرة من كل وجوهها والنظر في أبعادها وتداعياتها المحتملة التي استغرقت سنتين كاملتين من الوقت قررت إدارة الجمعية فتح قسم لتعليم البنات في صفر 1370 هـ/ ديسمبر من سنة 1950 م.
ابتدأت التجربة بصفة محتشمة، وبنوع من السرية، وضمت نحو 50 تلميذة من بنات الأسر الإصلاحية، يترواح أعمارهن بين السن السابعة والسن الثامنة عشرة، يتولى تدريسهن لأول مرة في تاريخ وادي ميزاب معلم رجل من أساتذة الإصلاح وأعيانها الموثوق في استقامتهم وأخلاقهم وصلاحهم. ما لبث المشروع أن توسع وتضاعف عدد تلميذاته، وازداد عدد معلميه من الرجال.
قامت المدرسة الناشئة بتدريس مواد اللغة العربية وتعليم القراءة والكتابة
(2)
والإملاء والرسم، إضافة إلى العناية بتحفيظ القرآن الكريم ()
(1) المرجع نفسه: ص 126.
(2) المرجع نفسه: ص 126 - 127. (1/591)
صفحة 592
560
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كانت هذه المبادرة المباركة موفقة إلى حد بعيد، ويبدو أن أصداءها قد وصلت بسرعة فائقة إلى كل أرجاء وادي ميزاب وإلى الجمعيات الإصلاحية وإدارات التعليم فيها، فما لبثت أن فتحت الباب على مصراعيه لاتباع آثارها واقتفاء خطواتها، وكسر هذا الطابور نهائيا وتجاوزه والقفز عليه، إذ تسارعت جمعية النهضة الإصلاحية بالعطف إلى تبني الفكرة وفتح أقسام لتعليم البنات ثم تلتها جمعية الفتح ببريان وجمعية الحياة بالقرارة ثم بقية الجمعيات الإصلاحية.
لم تأت نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات حتى أصبح تعليم البنت الذي ابتدأ بقسم واحد لبعض التلميذات يشرف عليهن معلم واحد يضم مئات البنات وعشرات المعلمين، ويستقل بمدارس كاملة تضم العشرات من الأقسام. حيث تبنت كل الجمعيات الإصلاحية تعليم البنت وسارت فيه خطوات متسارعة متلاحقة لتطويره ليلتحق بركب تعليم الذكور، فوفرت له كل ظروف النجاح وانطلقت مسيرته بقوة وثبات.
أصبحت مدارسه تسير على نمط المدارس العربية النظامية الحرة التي أنشأتها الحركة الإصلاحية للذكور، تدرس فيها المواد العربية والشرعية في سائر صبيحة اليوم، وتعنى بتحفيظ القرآن الكريم، إضافة إلى تعليم الحرف والصنائع التي تحتاجها البنت في مستقبل أيامها وتعليمها ما يتعلق بها كأنثى وزوجة وربة بيت. كما قسم إلى مستويات من السنة الأولى إلى السنوات المتوسطة والثانوية. استطاع هذا التعليم في وقت قصير أن يحاصر الأمية المتفشية في المجتمع النسوي ويقلل من نسبتها، ويعمل على توجيه المجتمع نحو الأصلح والأحسن ويحارب فيه الظواهر السلبية التي كانت منتشرة فيه.
كما انتقت الحركة الإصلاحية لإدارته وتسييره والتعليم فيه أكفأ إطاراتها ومعلميها من خريجي معاهدها ومدارسها وتحت الإشراف المباشر لجمعياتها وأعيانها ومشايخها؛ حتى أصبح هذا التعليم في وقت وجيز يحمل كل مواصفات مدارس التعليم العربي النظامي الحر الذي أنشأته الحركة الإصلاحية (1).
(1) بكلي: فتاوى البكري، ج 1، ص 258 262 الواهج المرأة في المجتمع الميزابي، ص 63 - 69. مرموري:
= (1/592)
صفحة 593
المبحث الرابع: تعليم المرأة
4 - ردود الفعل من تطوير تعليم المرأة:
561
إن هذه الخطوة الاستباقية الجريئة التي اتخذتها الحركة الإصلاحية في تعليم البنت وكسرها لبعض المحظورات الاجتماعية ومخالفتها لبعض العادات والتقاليد السائدة الراسخة في الأذهان - حتى أصبحت نوعا من المعتقدات – لم يكن المجتمع ليتسامح معها بسهولة أو يتقبل الأمر الواقع ويسكت عنه، وقد التقى في ذلك أنصار التيار الإصلاحي والتيار المحافظ.
اتخذ المجتمع ردود أفعال كثيرة واستغرب هذه التصرفات الهجينة وهذه الأفعال المتحدية لمشاعر الناس وأعرافهم وعوائدهم. فهنالك من عارض هذا المنحى مطلقا ورأى فيه خروجا عن الدين والمذهب، وفتحا لطريق خطير نحو الانحراف وانفلات المرأة من قبضة الرجل ومن ضوابط المجتمع، واعتبرها خطوة نحو تحرير المرأة، ورأى فيها ضربا لأسس المجتمع وتقويضا لبنيانه، واتخذت المعارضة أشكالا التهديد والاعتداء والتشنيع على أصحابها وإطلاق الإشاعات المغرضة حول المعلمين المتصدرين له وعلى من كان خلفهم من المشايخ والأعيان، كما كان التشنيع وإطلاق الإشاعات على البنات اللواتي يزاولن هذا التعليم.
من
من الناس من عارض وأمسك بناته عن الالتحاق بهذه المدارس، ومنهم من سكت والتزم الحياد وأعطى لنفسه الوقت ليراقب التجربة عن بعد ويعرف تداعياتها وينتظر نتائجها، ثم يحكم عليها بالسلب أو الإيجاب. ومنهم من رضي بالفكرة في مجملها، وتحفظ على بعض المواد المدرسة والبرامج المقررة (3).
هذه المواقف وردود الفعل المتباينة يبدو أن مشايخ الحركة الإصلاحية وأعيانها ممن اقتنع بالفكرة وتحمس لها لم ينتظروا الضوء الأخضر من أحد، ولم
تعليم البنات، ص 126 - 131. سيوسيو: الأهداف التربوية، ص 22 26. فخار: دراسة الفتاة الميزابية،
ص 18 - 32.
(1) مرموري تعليم البنات، ص 134 - 140. (1/593)
صفحة 594
562
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
يأبهوا بهذه المعارضة، بل ساروا بخطوات متسارعة، وبادروا إلى إلحاق بناتهم به حتى يكونوا للناس القدوة والمثل فيتبعوهم ويرفعوا عنه الحرج والتردد، وفعلا نجحوا في ذلك.
شقت القافلة طريقها، مع بقاء أصحاب هذه الأفكار والمواقف موجودين في المجتمع، وهكذا مسيرة الحياة فهي لا تنتظر أحدا، وإرضاء الناس فيها غاية لا تدرك. إلا أن العجيب في كل هذا يتمثل في موقف زعيم الحركة الإصلاحية الشيخ بيوض من هذه القضية، حيث بدا فيها تقليديا إلى أبعد الحدود، مما لم يكن متصورا ولا منتظرا منه. حيث كان رأيه يوافق ويطابق فلسفة المجتمع حول تعليم المرأة الذي عرضناها آنفا.
فبالرغم من كل الدعوات والحملات والجهود التي قادها الشيخ الزعيم في سبيل تطوير التعليم والدفع بمسيرته إلى الأمام بخطي كبيرة، ورغم كل المنجزات الجبارة التي استطاع أن يحققها في الميدان مع رفقائه، إلا أن كل ذلك في نظره كان يخص الذكور فقط دون الإناث.
لقد كان الشيخ بيوض يعتقد أن المرأة ينبغي أن تبقى أمية لا تعرف القراءة والكتابة، بل يجب أن لا تعلم ذلك، وأن يكتفى في تعليمها بالتعليم الشفوي التلقيني فقط، وأن تتعلم بعض المهارات التقليدية في منزلها من أمها وجدتها وأن يبقى تعليم البنت على حاله كما كان من ذي قبل، دون إحداث أي تغيير عليه (4).
هكذا ظهر الشيخ بيوض في هذه القضية على غير عادته، تقليديا متشددا إلى أبعد الحدود؛ مما يستغرب منه هذا الموقف وهو الرجل الثائر على القديم المندفع نجو التجديد، المتحمس لإحداث التغيير.
(1) بيوض حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 71 - 75. سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في
الإصلاح، ص 102. (1/594)
صفحة 595
المبحث الرابع: تعليم المرأة
563
إلا أن الشيخ القائد الزعيم أدرك بعبقريته وحنكته في قيادة المجتمع، وينظرته الثاقبة البعيدة المستقبلية أن المجتمع من حوله قد تغير وأنه لا يوافقه في نظرته هذه ولا يمكن أن يسايره فيها، وأن حركته الإصلاحية الاجتماعية التعليمية قد غيرت الكثير من الرؤى وبدلت الكثير من التوجهات في الأجيال الصاعدة من تلاميذه المثقفين المتخرجين من المدارس والمعاهد والجامعات. مما غير معه بالتبع موقف المجتمع من المرأة ومن موضوع تعلمها، فلم يرد الشيخ أن يقف ضد التيار ويعاكسه كما لم يرد أن يعارض رفقاء دربه وطلبته وتلاميذه ويدخل معهم في مزايدات كلامية أو خلافات لا طائل من ورائها، إذ أصبح الكثير منهم متحمسا لذلك في كل قرى وادي ميزاب
لم يرد الشيخ أن يفرض رأيا دكتاتوريا على تلاميذه، وهاهنا تظهر حكمة القائد وحنكته، ويظهر وجه آخر خفي من شخصية الشيخ بيوض المتمثل في عدم الانفراد بالرأي، وفي النزول عند رأي الأغلبية المخالفة له، وهو الزعيم المفدى والقائد المطاع داخل صفوف حركته.
ترك الشيخ القائد الأمور تأخذ مجراها الطبيعي دون أن يؤثر فيها إيجابا أو سلبا، ويبدو أنه كان يراقبها عن كثب. وربما يعمل على توجيهها دون أن يتدخل تدخلا مباشرا فيها.
لهذا يلاحظ أن بلدة القرارة معقل الإصلاح الأول ومحور نشاطه ومصنع أفكاره ومولد طاقته كانت في هذه القضية متأخرة نوعا ما عن وادي ميزاب ولم تكن السباقة إليها كالعادة، إذ أن أول من تبنى فيها فكرة تعليم البنت خلال الأربعينيات بصفة فردية هو الشيخ عدون شريفي العضد الأيمن للشيخ بيوض، ثم تحول إلى مشروع تبناه المجتمع خلال الخمسينيات.
دعا الشيخ عدون إلى إلحاق البنات بالتعليم العربي القرآني، وفتح أقسام لها، رغم معرفته بمعارضة الشيخ بيوض له، وعدم موافقته على ذلك. إلا أن الأريحية التي تجمع الشيخين القائدين وعلاقات الصفاء والمودة والإخلاص والثقة المتبادلة (1/595)
صفحة 596
564
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
الموجودة بينهما لم تمنع الشيخ عدون من العمل والتحرك، ولم تسمح للشيخ بيوض للوقوف حجر عثرة أمامه.
ابتدأ الشيخ عدون في مسعاه بنفسه وبأسرته حينما رافق ابنته إلى مدير المدرسة العربية الحرة وطلب منه أن يوافق على تدريسها مع الذكور ويجلسها في مؤخرة القسم بعد أن ألبسها لباسهم المتمثل في الطاقية والعباءة البيضاء. ثم توسعت الفكرة مع الوقت لتتحول إلى أقسام ثم إلى مدرسة مستقلة بطاقمها الإداري
(1)
والتربوي التعليمي وكانت مقولة الشيخ بيوض وهو يتابع جهود رفيق دربه وعضده الأيمن في الدعوة إلى تعليم البنت وتطويره هي قوله: «لم آمر بها ولم تسؤني» (2).
هكذا تواصلت مسيرة تعليم العربي الحر للمرأة وكانت في توسع وتزايد مطرد خلال الخمسينيات والستينيات. حتى أصبحت تضم العشرات من المدارس وفروعها بعد الاستقلال.
والجميل في الأمر أن رفيق دربهم الثالث الشيخ عبد الرحمن بكلي كان له موقف واضح وسط في تعليم البنت، نستطيع أن نعده خلاصة لموقف الحركة الإصلاحية، حيث حدد ضوابطه وبين مجالاته وضبط المستوى الذي يمكن للبنت أن تبلغه. نقتطف من كلامه ما يلي:
نحن لا نعاكس تعليم البنت مادام في حدود الدين وما دامت في حصانة مما يفسد عقيدتها وأخلاقها وسلوكها، وما دام ذلك لا يصدها عن القيام بوظيفتها الإنسانية الكبرى التي هياها الله لها؛ وظيفة الأمومة» (3).
ويقول: «أما المسلك الوسط فهو أن ندخلها المدرسة ونعلمها مبادئ القراءة والكتابة والحساب ونلقن لها بعض الحرف اليدوية وتدبير شؤون المنزل ونزودها
(1) مرموري: تعليم البنات، ص 29.
(2) سكحال الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 102.
(3) بكلي: فتاوى البكري، ج 1، ص 258 - 262. (1/596)
صفحة 597
565
المبحث الرابع: تعليم المرأة بباقة من الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية في مرحلتها الأولى من سن السادسة إلى أن تستكمل الثانية عشرة هنالك إذ تدخل الثالثة عشر ويتحقق بلوغها، غالبا، ننتقل بها من المدرسة إلى معهد النساء حيث يتلقين دروسا ثقافية في أحكام الطهارات والعبادات وشيئا من حقوق الأزواج وآداب المعاشرة وما يهيئهن ليكن زوجات طاهرات فأمهات صالحات مربيات
(1)
ويقول: الرأي السديد عندي أن البنت المسلمة تعلم وتثقف ثقافة علمية دينية، ويبلغ بها أقصى ما يخولها استعدادها إلى أن تصير عالمة كما كانت سالفاتها الصالحات أمثال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي كانت مرجعا من المراجع الدينية للصحابة حتى العالمين منهم) مع كل هذا فإذا أردنا تقويم جهود الحركة الإصلاحية في مجال تعليم المرأة فإنه بوسعنا أن نسجل عليه ما يلي:
- إن هذه الجهود المبذولة - رغم كل أهميتها - قد أتت متأخرة بربع قرن من تاريخ انطلاق مسيرة تعليم الذكور، ولا شك أن تلك الفلسفة الاجتماعية حول المرأة كانت وراء هذا التأخر وهذا التهيب من اختراق هذا الميدان، وفي حقيقة الأمر فإن هذا يحسب على الحركة الإصلاحية، إذ كان بإمكانها أن تدعو إلى تعليم
-
الجنسين معا، ولا تسكت وترضخ لهذه النظرة الدونية القاصرة لتعليم المرأة. إن جهودها المشكورة في فتح الأقسام والمدارس وتطوير البرامج التي تمت في وقت قياسي لم تشهد الاستمرارية والمواصلة في طريق التطوير خاصة بعد الاستقلال، حيث توقفت مرة واحدة عند سقف معين حددته الحركة الإصلاحية لتعليم البنت. حسب رأيي إن هذا السقف كان دون المستوى المطلوب، إذ لم يستطع مواكبة تطورات المجتمع ونضج الأجيال المتخرجة من الجامعات والمعاهد بعد الاستقلال.
(1) المرجع نفسه: ج 1، ص 258 - 262. (2) المرجع نفسه: ج 1، ص 258 - 262. (1/597)
صفحة 598
566
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
مع كل هذه الجهود العظيمة فإن نظرة الحركة الإصلاحية لتعليم المرأة بقي فيها شيء من القصور، ذلك أن أهميته لديها لم يرق إلى أهمية تعليم الذكر، ولم تستطع الحركة الإصلاحية التحرر نهائيا من آثار النظرة الاجتماعية السائدة حول المرأة، لذا لم يكن مواصلة تطوير تعليم البنت من أولوياتها، ولم تستمر فيه بنفس الحماس الذي انطلقت به في اليوم الأول، هذا ما أثر في المردود العام لهذا التعليم، فبالرغم من كل إيجابياته بالمقارنة مع الحال التي كان عليها، إلا أنه كان في عمومه متوسطا، وفي أحسن الأحوال مقبولا. استطاع القضاء على الأمية ونشر ثقافة متواضعة لدى النساء، ولكنه لم يعمل على تكوينهم تكوينا علميا نوعيا رفيعا.
حسب رأينا؛ إن تعليم المرأة في وادي ميزاب إلى حد الساعة بحاجة إلى المزيد من التطوير والتجويد والتحسين على مستوى المناهج والبرامج والإدارة وأساليب التدريس وكان بالإمكان للحركة الإصلاحية أن تقوم بكل هذا وأن تواكب فيه تطور المجتمع وتصل به إلى أعلى المستويات في إطار ضوابط الشرع وأعراف المجتمع لو حصل لها الاقتناع وتوفرت لديها الإرادة.
هذه
هي مسيرة التعليم العربي الحر للمرأة في وادي ميزاب، وهذه بعض الجهود التي بذلتها الحركة الإصلاحية في سبيل تطويره، وهو ينتظر المزيد للوصول به إلى المستوى المطلوب. (1/598)
صفحة 599
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
المبحث الخامس:
البعثات العلمية إلى الخارج
567
نتناول في هذا المبحث فصولا من جهود الحركة الإصلاحية التي بذلتها في سبيل تكوين أجيالها وتزويدهم بمستويات أعلى من التعليم، وتمكينهم من تلقيح معارفهم وفتح الآفاق أمامهم للطموح وصعود سلم الدرجات العلا في المجال العلمي، ولأجل استكمال بناء شخصياتهم وإعدادهم كفاءات وإطارات لتحمل المسؤوليات الدينية والاجتماعية مستقبلا.
ذلك ما يتعلق بجهودها في تأسيس البعثات العلمية في البلاد التونسية. كانت هذه المسيرة طويلة فعلا ومليئة بجليل الأعمال وعظيم التضحيات، وكانت فوائدها على وادي ميزاب وعلى الجزائر زاخرة وغنية، لذا فليس لنا أن نستوفي حقها في هذه الدراسة المقتضبة، وإنما سنكتفي بالتعرض إلى أهم معالمها وضبط أهم مراحلها التاريخية، ونترك التفصيل فيها والإلمام بها لدراسات أخرى يمكن أن تختص بالموضوع.
ففيم تتمثل هذه الجهود، وما هي دواعي وجودها؟
1 - دواعي قيام البعثات العلمية وميلاد فكرتها
سبق أن بينا في مباحث سابقة (1) أن الأوضاع التعليمة السائدة في وادي ميزاب والجزائر عموما خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كانت متردية مما دفع شباب الجزائر للتفكير في بدائل للحصول على التكوين العلمي المقبول الذي يروي ظمأهم المعرفي ويتوافق مع طموحهم في الحصول على الدرجات العلمية العالية والتخرج من المعاهد والجامعات بشهادات كبيرة وبمستويات علمية مقبولة.
(1) يراجع في ذلك مثلا: المبحث الثالث من الفصل الثاني، ص 119 - 185. (1/599)
صفحة 600
568
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
ينفعون بها أنفسهم، ويعودون إلى بلدانهم ليرفعوا عن أهلهم الجهل والأمية ويأخذوا
(1)
بيدهم في سبيل النهضة والإصلاح التي لا تتحقق إلا بشرط العلم والمعرفة. كانت البلاد التونسية خلال هذه الفترة هي الحاضرة العلمية الأقرب للجزائريين والمغاربة عموما، وكانت تحيى انتعاشا علميا ونهضة ثقافية وحركية اجتماعية وسياسية معتبرة مكنتها أن تصبح كعبة العلم والثقافة في المغرب الإسلامي يقصدها الطلبة من كل النواحي من جهة أخرى فإن الأوضاع الاستعمارية في الجزائر عملت على خنق أي حركة تجديدية تطويرية للتعليم، وأبقته في صورته التقليدية البسيطة المحصورة في الكتاتيب وفي دور العلم لبعض المشايخ، وحرمت الشرائح الواسعة من الجزائريين من الالتحاق بالمستويات العليا في ثانوياتها ومعاهدها وجامعاتها (2). كانت هذه الأوضاع التعليمية هي الدوافع الرئيسة وراء التفكير الجدي في إنشاء البعثات الطلابية خارج الجزائر.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي موضحا الدوافع وراء قيام البعثات ما يلي: .... فشعرت إذ ذاك بشدة حاجتها إلى عدة الكفاح، وهو التزود بالعلم الصحيح في صبغته الحديثة، والتمرس بالعناصر الحية خارج حدود الوطن، لتأليف جيش مثقف يحمل راية الكفاح عن جدارة واستحقاق ويجابه الحياة عن دراية وخبرة ويستغلب على مشاكلها بسلاح العلم وقوة العقيدة. فأرسلت البعثات إلى تونس (3). ويقول الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: «ونحن إنما أسسنا البعثة تحت تأثير و دوافع الحاجة الملحة إلى ذلك لما توجسنا من تطورات الحياة وشيكا بما تدفع إلى ميادينها الزاخرة أبناء المدارس والكليات والجامعات وخشينا نحن من الذوبان وتلاشي كياننا بصفتنا أمة لها كيانها وطابعها الخاص في الميدان الاقتصادي
(1) يراجع في ذلك مثلا كتاب: محمد الفاضل بن عاشور الحركة الأدبية والفكرية في تونس، كله. (2) تركي: التعليم القومي، ص 122 - 196.
(3) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 90 (1/600)
صفحة 601
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
569
والاجتماعي بالقطر الجزائري شمالا وجنوبا، نحن نعد أنفسنا قد تأخرنا بيقظتنا عن الوقت اللازم).
إلا أننا نستطيع القول إن العامل المباشر في ظهور أول بعثة لإباضية الجزائر في تونس هو ما وقع للمدرسة الصديقية العصرية في مدينة تبسة سنة 1331 هـ/ 1913 م بإقدام السلطات الاستعمارية الفرنسية على إجهاض مشروعها ووأده في مهده؛ بعد ستة أشهر من افتتاحه بطريقة استعمارية تعسفية مقيتة، تنم عن حقد دفين وكره شديد للإسلام والعربية والمقومات الحضارية للشعب الجزائري.
فكان رد فعل أولياء التلاميذ هو التفكير الجدي والعزم الأكيد على تحدي هذه الخطوة الاستعمارية بإرسال أبنائهم إلى تونس لاستكمال دراستهم في مدارسها العربية العصرية المماثلة للمدرسة الصديقية، التي أرادت السلطات الاستعمارية أن تحرم أبناءهم في التعلم فيها.
من جهة أخرى فإن بعض المؤشرات تبدي أن فكرة البعثات الطلابية كانت بذرتها موجودة في أذهان بعض الشباب المثقف في وادي ميزاب من قبل هذا التاريخ، وقبل وقوع هذه الأحداث، إذ كانت أحلامهم تراودهم وطموحهم يدفعهم للخروج من وادي ميزاب والالتحاق بتونس لاستكمال دراستهم فيها، وكسر هذا الطوق المضروب عليهم مهما كان الثمن. إلا أن الأجواء العامة لم تكن مواتية لتقبل مثل هذه الأفكار الشبابية.
هذا ما وجدناه فعلا عند الشاب الناشئ أبي اليقظان إبراهيم الذي اعتبرناه في
ما مضى من البحث الرجل التقدمي المتفتح داخل المدرسة الإصلاحية. إذ تذكر الروايات أن أول من هم بالخروج من وادي ميزاب تجاه تونس بغرض استكمال الدراسة والسعي لتكوين بعثة طلابية فيها هو أبو اليقظان وكان ذلك سنة 1330 هـ/ 1912 م. وقد قام فعلا بعرض فكرته على بعض رفقائه الطلبة
(1) أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، ص 14 (1/601)
صفحة 602
570
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
في حلقة شيخهم الحاج عمر بن يحيى في بلدته القرارة، وعرضها على بعض
الرجال المتحمسين للإصلاح
(1)
كان تصوره لفكرة المشروع يتمثل في تكفل المجتمع بمجموعة من الطلبة الكبار الذين نالوا قسطا لا بأس به من العلوم في حلقة شيخهم الحاج عمر وإرسالهم إلى تونس لاستكمال دراستهم في معاهدها.
كان من الشاب الطموح أن تشجع وتجرأ مع رفقائه على عرض فكرته على شيخهم الوقور الذي يكنون له كل الاحترام والتقدير ويعملون بتوصياته وتوجيهاته فأجابهم بقوله: «لقد أردتم بناء السطح قبل بناء الأساس» (2).
كان جواب الشيخ المبجل المطاع بالنسبة للشاب أبي اليقظان إيذانا بتوقيف مساعيه في إنجاز مشروعه لاحترام رأي شيخه ومنزلته عنده، إلا أن أصل الفكرة والمشروع بقي يختلج في قرارة نفسه ويختمر في أعماق ذهنه، وينتظر الوقت المناسب ليخرجه للعيان.
ظلت الفكرة تراود الشاب التقدمي الطموح ويراودها، وإن لم يستطع أن يخالف رأي شيخه ويحمل رفقاءه للسفر معه إلى تونس إلا أن إيمانه وعزمه في أمره جعله يبحث عن أول فرصة متاحة لمغادرة وادي ميزاب والتوجه إلى تونس لتحقيق
بغيته ومراده.
كان أن قدر الله تعالى عليه أن أصيب بمرض في عينيه فوجد السبب للسفر إلى تونس سنة 1330 هـ / 1913 م بحثا عن العلاج، وما إن نزل بها حتى التحق بجامع الزيتونة وواظب على حضور حلقات مشايخها الكبار (3).
فكيف كان ميلاد مشروع البعثة الذي ظل يسكن أعماقه ويملأ وجدانه؟
(1) محمد العساكر: محاضرة مرقونة بعنوان: دور الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية ومساهمته في الحركة الوطنية بتونس، القيت في مهرجان الشيخ أبي اليقظان الذي نظمته جمعية البلابل الرستمية بغرداية،
سنة 1979 م، ص 2.
(2) المصدر نفسه: ص 2.
(3) فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، ص 87. (1/602)
صفحة 603
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
2 - البعثة العلمية اليقظانية الأولى:
571
كان الشاب أبو اليقظان في تونس يزاول دراسته في جامع الزيتونة بطريقة غير نظامية، أي كان يختار لنفسه المواد والحلقات والأوقات التي يحضرها، كما كان شأن الكثير من الجزائريين.
في هذه الفترة سنة 1331 هـ / 1913 م أغلقت المدرسة الصديقية في مدينة تبسة، فكان عزم الأولياء على نقل أبنائهم إلى تونس وكان مشكلهم فيمن سيتولى الإشراف عليهم ومتابعة دراستهم؛ فهم لا يزالون فتيانا صغارا في مرحلة دراستهم الابتدائية بحاجة إلى رعاية ومراقبة.
سرعان ما اهتدى هؤلاء الأولياء إلى الشاب إبراهيم أبي اليقظان الذي كان زميل بعضهم في حلقة شيخهم الحاج عمر بن يحيى بالقرارة، فتم الاتصال به وعرض الفكرة عليه، فأبدى موافقته مباشرة وتشجيعه لهم، ورأى أن حلمه الماضي قد حان وقت تحققه وقد آن أوانه ليتحول إلى واقع (4)
بدأت الاستعدادات لاستقبال فوج التلاميذ بالبحث عن منزل مناسب لاستئجاره يكون مقرا لبعثهم؛ يؤويهم ويعينهم على مزاولة دراستهم. وفعلا تم ذلك، فما أتى شهر جمادى الثانية من سنة 1332 هـ / ماي 1914 م حتى وصل التلاميذ من تبسة إلى تونس، وكان عددهم ستة ثم انضم إليهم مجموعة من أبناء العائلات الميزابية المقيمة في تونس فوصل العدد إلى خمسة عشر تلميذا (2). مشكلين بذلك أول بعثة علمية من أبناء وادي ميزاب وأول بعثة علمية من
أبناء الجزائر.
(1) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 273 275 دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 150 - 153. لعساكر: محاضرة مرقونة بعنوان: دور الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية، ص 1 - 2. قاسم: أقلام الميزابيين في الصحافة التونسية، ص 12 - 18.
(2) سعد الله: المرجع نفسه، ج 3، ص 273 275 دبوز المرجع نفسه، ج 3، ص 150 - 153. (1/603)
صفحة 604
572
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
تسلم الشاب أبو اليقظان هذه المسؤولية وتوجهت جهوده في رعاية هؤلاء الفتية إلى واجهتين هامتين هما:
توجيه التلاميذ إلى مدرسة عصرية عربية تتوفر فيها شروط التربية والتعليم الجدي النوعي المتناسب مع آمال أوليائهم المعنوية وجهودهم المادية، على نسق المدرسة الصديقية التي اغتيلت في مهدها.
تسطير نظام داخلي محكم ثري في إقامة البعثة يضمن للتلاميذ الفتية رعاية شؤونهم ومراقبة أخلاقهم وحصانة دينهم واستكمال تربيتهم ومساعدتهم على التعلم والتكوين (1).
أما ما يتعلق بالواجهة الأولى فقد وقع اختيار الشيخ أبي اليقظان على المدرسة العربية العصرية التي كان يديرها الشيخ محمد صفر - أحد خريجي جامع الزيتونة هذه المدرسة التي تعنى بتعليم اللغة العربية وعلومها وتحفيظ القرآن الكريم. والحديث الشريف وتدريس العلوم العصرية واللغة الفرنسية.
درس
فتية أبي اليقظان في هذه المدرسة ثلاثة أشهر، ثم انتقلوا إلى مدرسة السلام التي تأسست حديثا، والتي يديرها ويعلم فيها المربي القدير الشاذلي الموالي، الذي كان معلما في المدرسة الأولى.
يبدو أن أبا اليقظان المتحرر كعادته كان معجبا إلى حد بعيد بشخصية المربي الشاذلي المرالي، ووضع فيه كل ثقته لتعليم فتيته؛ مما جعله يقرر نقل تلاميذه إلى مدرسته الجديدة ويشجعه للمضي في مشروعه ويدعمه معنويا وماديا، حيث تكفل بدفع إيجار مبنى المدرسة.
زاول التلاميذ دراستهم بمدرسة السلام مدة سنة دراسية تحصلوا فيها على نصيب وافر من التربية والتكوين بجمعهم بين تعليم المواد العربية والعصرية وحفظ قسط من القرآن الكريم والحديث الشريف والأناشيد الوطنية (2).
(1) لعساكر: محاضرة مرقونة بعنوان: دور الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية، ص 2.
(2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 173 - 183. (1/604)
صفحة 605
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
هذا
573
عن الواجهة الأولى. أما على مستوى الواجهة الثانية فقد سطر أبو اليقظان لفتيته بدار البعثة برنامجا مكتفا بالأنشطة ومحكما في الأوقات وحازما في التربية وكان هدفه هو الجمع بين التربية والتعليم وبناء شخصية الفتيان والقيام بالأشغال المنزلية والترفيه والرياضة.
حدد الشيخ أبو اليقظان المهمات والأدوار التي كان يقوم بها في البعثة
فيما يلي:
ـ إلقاء الدروس عليهم في العقائد وفي الفقه الإباضي يوميا.
تفقد كراريسهم ودروسهم المدرسية.
مراقبة أحوالهم الدينية العملية.
ضبط سيرتهم وتقويم أخلاقهم ...
المحافظة على حالتهم الصحية والاقتصادية.
- إدارة شؤونهم المنزلية» (1).
هكذا عاش فتية أبي اليقظان في هذا الجو المفعم بالنشاط والاستفادة بين المدرسة والبعثة مدة عشرة أشهر كاملة، إلا أن الأجواء السياسية الطارئة عكرت هذا الجو، وغيمت على هذا الصفاء، باندلاع الحرب العالمية الأولى ووصول لهيبها إلى تونس فتلبدت سماؤها بغيوم سوداء تنبئ بشرور آتية. فكان ذلك سببا أن يضطر أبو اليقظان - وربما بطلب من أولياء تلاميذه إلى توقيف مشروعه والعودة بالفتية إلى الجزائر، ورد الأمانات إلى أهلها وكان ذلك في شهر ربيع الثاني سنة 1333 هـ/ آخر شهر فيفري سنة 1915 م.
(1) أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص 6 - 7. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 184 - 185. (1/605)
صفحة 606
574
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
استقبلت الجماعات الميزابية في مدن الشرق الجزائري هذه الكوكبة من التلاميذ قائدها بحفاوة كبيرة وبانبهار شديد بالنتائج التي ظهرت عليهم في هذه المدة الزمنية القصيرة، حيث نزلت هذه القافلة في طريقها إلى وادي ميزاب بمدينة تبسة ومدينة عين البيضاء وأحيت حفلات ثقافية حضرها أعيان الجماعات وقدم فيها التلاميذ نماذج مما تعلموه وتربوا عليه في المدارس التونسية وفي البعثة اليقظانية (1).
كانت هذه البعثة فاتحة خير على وادي ميزاب في سبيل اقتناع مسؤوليها بأهمية التعليم العصري وأهمية مشروع البعثات وتمنوا لو أنه عاش مدة أطول حتى تظهر نتائجه أكثر، ويتمكنوا من إلحاق أبنائهم به ليستفيدوا مما استفاد منه هؤلاء ويتعلموا ما تعلموه. هكذا انتهت التجربة الأولى للشاب أبي اليقظان في تحقيق حلمه وتأسيس
مشروعه
عاد إلى وادي ميزاب وإلى بلدته القرارة بعد غياب متواصل في تونس استمر عامين وأربعة أشهر قضاها بين استكمال تحصيله العلمي في جامع الزيتونة ورئاسة البعثة الطلابية.
لا شك أن أبا اليقظان سيروي كثيرا من وقائع هذه التجربة وفوائدها لرفقائه من الطلبة في حلقة شيخهم الحاج عمر، وسيحكي لأعيان الإصلاح ولرجال المجتمع عن مزايا التعليم العصري، وسيحدثهم عن ضرورة تطوير التعليم بوادي ميزاب، والرقي به إلى ما هو عليه بتونس، وسيحثهم على جلب النقلة التونسية.
بلا شك أن هذا الذي تم فعلا وحصل في تلك الحقبة؛ فكان من نتائجه أن أسس الشاب أبو اليقظان أول مدرسة عصرية على نمط المدارس التونسية سنة 1333 هـ/ 1915 م بدعم من رجال الإصلاح ومشايخها كما عرضنا ذلك سابقا.
ثم ماذا حصل بعد ذلك في شؤون البعثات؟
(1) لعساكر: محاضرة مرقونة بعنوان: دور الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية، ص 4. (1/606)
صفحة 607
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
2 - البعثة العلمية اليقظانية الثانية:
575
إذا كان سبب ظهور البعثة الأولى هو غلق المدرسة الصديقية فإن سبب ظهور البعثة الثانية هو اجتماع عدد من الطلبة المتخرجين من حلقة الشيخ عمر بن يحيى ورغبتهم في مواصلة دراستهم في تونس والاستفادة من جوها العلمي.
غير مستبعد أن تكون جلسات أبي اليقظان ومسامراته مع رفقائه حول هذا الموضوع وراء تولد هذه الرغبة فيهم وعزمهم على السفر. فهو موجود في هذه الأثناء بين أظهرهم يبث دعايته وينفخ فيهم الحماس والعزيمة، كما أنه متفرغ للتدريس في مدرسته النموذجية العصرية التي اعتبرناها أول مدرسة عربية عصرية في وادي ميزاب ولا ندري أسبقتها مدرسة في الجزائر أم لا.
عمر.
التقت إرادة أبي اليقظان مع هؤلاء الطلبة ومن ورائهم بعض الرجال المتحمسين للإصلاح في إعادة تجربة البعثة العلمية من جديد على أن يتولى قيادتها وبشرط أن تكون خاصة بالطلبة الكبار دون الصغار منهم، وتحصر فيمن نال حظا مقبولا من العلم في حلقات شيخهم الحاج ما كان من الشيخ أبي اليقظان إلا أن يستجيب لهذا المطلب ويوقف مدرسته النموذجية ويعيد الكرة إلى تونس على رأس مجموعة جديدة من الطلبة، ويؤسس البعثة اليقظانية الثانية (1).
إن مما يلاحظ على شخصية الشيخ أبي اليقظان بتتبع أعماله ومراحل حياته حب المغامرة وخفة التحرك وقوة التموقع وقدرة المبادرة وتكرار التجربة، وعدم الاستسلام للأمر الواقع، وعدم الرضا بالفشل، مع استقلالية التفكير، وقوة اتخاذ القرار، والإقدام على التنفيذ، والإسراع في تحويل الأفكار
إلى أعمال ومنجزات.
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 213 - 216. (1/607)
صفحة 608
576
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
بعد إتمام المشاورات والترتيبات انطلقت كوكبة الطلبة بقيادة أبي اليقظان مولية وجهها نحو تونس فوصلتها خلال شهر ربيع الأول من سنة 1335 هـ/ جانفي 1917 م).
كانت مكونة من ستة طلبة وأبو اليقظان سابعهم، حلت بتونس واستأجرت دارا وما لبث أن التحق بها أعداد من الطلبة من قرى وادي ميزاب ومن الميزابيين المقيمين في تونس فكان عدد أفرادها في تزايد متسارع مستمر حتى قارب المائة طالب وتلميذ بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وخلال العشرينيات (2).
مما اضطر الشيخ أبو اليقظان ومن معه من أعيان الميزابيين في تونس إلى تقسيمهم إلى ثلاثة أفواج كل فوج يسكن دارا خاصة به مشكلين بذلك ثلاثة فروع يجمع بينها التنسيق والتعاون وتبادل التجارب حتى يتم التحكم أكثر في الشباب الناشئ ومراقبة أخلاقهم وتقويم سلوكهم ومتابعة تعليمهم.
أما عن دراسة هؤلاء الطلبة فقد تم توجيههم للالتحاق بحلقات جامع الزيتونة وبمقاعد المعهد الخلدوني للعلوم العصرية. إذ رأى الشيخ أبو اليقظان أن تكوين الطلبة وإعدادهم للمستقبل يقتضي تكوينا متكاملا متزنا يجمع بين العلوم الشرعية والعربية والعصرية وتعلم اللغة الفرنسية. مما يسمح لهؤلاء بمسايرة عصرهم والتعامل باقتدار مع وظائفه ومهماته ومشاغله. بينما التحق التلاميذ الصغار الذي انضموا إلى البعثة فيما بعد بالمدارس الابتدائية العصرية (3).
(1)
يرجح الأستاذ محمد علي دبوز أن سفر البعثة كان خلال شهر أكتوبر من سنة 1916 م لأنه يتناسب مع تاريخ افتتاح السنة الدراسية؛ إلا أن الشيخ أبا اليقظان ذكر بنفسه في كتابه إرشاد الحائرين أن سفره كان في جانفي 1917 م. ص 5.
(2) دبوز المرجع الساسق، ج 3، ص 216. لعساكر: محاضرة مرقونة بعنوان دور الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية، ص 6. (3) أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص 6. لعساكر: محاضرة مرقونة بعنوان: دور الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية، ص 6. قاسم: أقلام الميزابيين في الصحافة التونسية، ص 12 – 18. (1/608)
صفحة 609
577
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
ساعد الشيخ أبا اليقظان في إدارة البعثة مجموعة من الطلبة الكبار التي التحقوا
بها في السنوات الأولى، وهؤلاء هم الشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ بنوح مصباح والشيخ صالح بابكر) والشيخ يوسف حمو وعلي.
(1)
أما عن نظام البعثة ونشاطها فكان على روح النظام السابق الذي أقامه الشيخ أبو اليقظان للبعثة الأولى وعلى شاكلة برامجه، إذ قسم المراقبون والموجهون الأدوار التربوية والتعليمية والإدارية بينهم وتعاونوا عليها لاحتواء هذا العدد الهائل المتزايد من الطلبة والتلاميذ.
كانت العناية والتركيز على مراقبة أخلاق الشباب من الانحراف أو الفساد وضبط سلوكهم واستكمال تربيهم وملء أوقات فراغهم، وتوفير الجو الملائم لدراستهم، مع تقديم دروس إضافية يومية لهم.
كما طور القائمون على البعثة برنامج نشاطها مستفيدين من تراكم تجاربهم وخبراتهم السابقة في مجال الإدارة والتسيير وأصبح أهم فقراتها ما يلي: الحرص على استقامة أخلاق الطلبة بالمراقبة الصارمة لسلوكهم وأخلاقهم
وحثهم على صلاة الجماعة ومحاسبتهم عليها.
تقديم دروس يومية لهم في مواد الفقه والعقيدة والأخلاق.
- مساعدة التلاميذ في فهم دروسهم بإعادة شرحها وبسطها وإجراء التمارين عليها. تكوين مجموعات صوتية ومسرحية لتنمية هوايات الطلبة وتهذيب أذواقهم.
(1) صالح بن قاسم بابكر: (و: 1322 هـ / 1904 م - ت: 1395 هـ / 21 مارس 1976 م) من زعماء الحركة الإصلاحية الحديثة بوادي ميزاب ورجالها المخلصين. درس في بلدته غرداية، وفي مدارس تونس. اشتغل بالتجارة وبالعمل الاجتماعي، وأسس جمعية الإصلاح الخيرية المشرفة على مشاريع الحركة الإصلاحية في بلدة غرداية، كان وراء تأسيس العديد من المساجد والمدارس والجمعيات منها تأسيس أول مدرسة للبنات في غرداية. أسهم بنشاط فعال في الإعداد للثورة والتمكين لها والإسهام في تمويلها على مستوى ولاية غرداية. القى الاستعمار عليه القبض وسجنه في الأغواط معجم أعلام الإباضية، ج 3، ص 480.
39 (1/609)
صفحة 610
578
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
- تنظيم جمعيات أدبية لتثقيفهم. ولتفتيق مواهبهم وتشجيعهم على المطالعة والبحث. وتدريبهم على الفصاحة والخطابة وقرض الشعر. تنظيم أمسيات وسهرات فنية أدبية تجمع بين الجد والمرح للترويح عن النفس والتدريب على الشجاعة الأدبية واكتشاف المواهب والقدرات.
تنظيم برنامج رياضي وترفيهي يوم العطلة نهاية الأسبوع يتضمن الخروج إلى الغابات والأجنة والشواطئ للعب كرة القدم وتعلم السباحة والاستمتاع بجمال الطبيعة (1).
لقد تكلم العديد من الكتاب والمؤرخين عن هذا النظام والنشاط الذي شهدته بعثة أبي اليقظان وأشادوا به وبالأدوار التربوية والعلمية والوطنية التي قام بها مع رفقائه في سبيل إعداد الأجيال.
يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله: إن ما يلفت النظر في البعثات الميزابية هو الإشراف والتوجيه والانضباط ... وكذلك وسائل الاستقبال وتسهيلات الإقامة والدراسة (2)
ويقول الدكتور محمد صالح الجابري: عانى الطلبة الجزائريون في الطور الأول من البعثة ... ولا يستثنى من هذه الوضعية غير أبناء وادي ميزاب الذين بدأ توافدهم على الزيتونة من الجنوب الجزائري في شكل مجموعات أكثر إحكاما من حيث التنظيم والإدارة، وأوفر حظا من النواحي المادية والمعنوية إذ كان يعهد في كل مرة إلى أحد من علمائهم مهمة الإشراف على البعثة الطلابية، وتولي كل أمورها، وتجنيبها ما يتوقع من مصائب (3).
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 219 - 225. لعساكر: محاضرة مرقونة بعنوان: دور الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية، ص 6 - 7 قاسم: أقلام الميزابيين في الصحافة التونسية، ص 12 - 18.
(2) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، 1998 م، ص 275.
(3) الجابري: النشاط العلمي، ص 100. (1/610)
صفحة 611
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
579
ويقول الدكتور محمد ناصر: إن الأسس التي قامت عليها هذه البعثات العلمية إسلامية وطنية تعتز بالأصالة، وتتفتح على الثقافة الأجنبية، وإن الناظر في البرنامج اليومي الذي وضعه أبو اليقظان لبعثته سنة 1332 هـ/1914 م يستحق من المربين العناية والدراسة ... كان برنامجهم اليومي يحتوي على وسائل عديدة مثل: صلاة الجماعة، ومذاكرة القرآن أفرادا وجماعات والاعتماد على النفس في القيام بشؤون البيت طبخا وتنظيفا وغير ذلك، ويصبح هذا النظام في البعثة جزءا من التربية الإسلامية التي يحاسب عليها التلميذ حين يحاسب على دروسه (2).
كما أن من أنشطة البعثة المحدثة التي أولى لها المسؤولون العناية عقد لقاءات وجلسات مع الشخصيات العلمية والسياسية الموجودة في تونس والشخصيات الجزائرية التي كانت تقصد تونس بين الحين والآخر؛ حيث كان القائمون يسارعون إلى ضيافتها في مقر البعثة لإطلاعها على أنشطتهم، وتقديمها كلمات توجيهية لأبنائهم الشباب.
زارت البعثة خلال هذه الفترة أسماء لامعة في سماء العلم والسياسة والثقافة،
لعل أهمها:
من تونس الزعيم الوطني الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والمناضل محمد الرياحي، ومن الجزائر الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس وشيخ وادي ميزاب حمو بن باحمد بابا وموسى، والمناضل القيادي في صفوف الحزب الدستوري صالح بن يحيى آل الشيخ)، والسياسي المصلح الحاج بكير العنق.
(2)
(1) ناصر مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة، ع 1، 1998، ص 74 - 75.
(2) صالح بن يحيى آل الشيخ: (ت: 1367/ 5 جانفي 1948 م من بلدة بني يزقن بوادي ميزاب، من الزعماء السياسيين والنشطين الجزائريين في صفوف الحزب الدستوري التونسي، وعضو لجنته التنفيذية نشط في تمويل الحزب بالمال، سجنته السلطات الاستعمارية في تونس سنة 1920 م. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 487 - 489. (1/611)
صفحة 612
580
الفتيل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كما ربطت البعثة علاقات مع الزعيم المجاهد سليمان الباروني حيث تبادل الرسائل مع الشيخ أبي اليقظان ومع طلبته، وكتب في مدح البعثة وفتيتها
قصيدتين رائعتين
(1).
كان الطلبة خلال هذه اللقاءات يلقون خطبهم ومحاولاتهم الشعرية ويستعرضون فصولا من أنشطتهم الثقافية ويؤدون الأناشيد الوطنية والوصلات الفنية والمشاهد المسرحية.
سجل الإمام عبد الحميد بن باديس انطباعه عن زيارته للبعثة اليقظانية سنة 1341 هـ/ 1921 م في مقال نشره بجريدة الصديق بعنوان: نهضة جزائرية بالحاضرة التونسية. نقتطف منه ما يلي:
إن الشعور الوطني إذا أفعم القلوب لا بد أن تظهر ثمراته في الأعمال حتى تبلغ الأمة غاية الكمال، فهو كالماء تحت الجبال لا بد أن ينبعث فتشقق له الحجارة وتتفجر منه الأنهار، وهاهم أولاد إخواننا الميزابيين سرى فيهم شعور صحيح، فولعوا بالتقدم، وأخذوا يتمسكون بأسبابه بجد واجتهاد، أخذوا في طريق التجارة حتى ملكوا أزمتها، وصاروا العضو القوي الإسلامي بالجزائر فيها، وهاهم اليوم يسعون في طريق العلم، ويرحلون في طلبه وأخلق بهم أن ينالوا منه ما يريدون ... حللت بتونس فاستدعتني جماعتهم إلى عندهم في دارهم ليلا، فلما فرغنا من العشاء، خرجت إلى صحن الدار شبيبتهم المتعلمة بالمدارس التونسية على الأسلوب الحديث، الذي يجمع بين العلوم الدينية والدنيوية، واللغة العربية والفرنسوية، مع حفظ القرآن الكريم، فاصطفوا بنظام وشنفوا أسماع الحاضرين بالأناشيد الوطنية والمدرسية، وتحاوروا بالمناظرات السيفية القلمية، كل ذلك باللهجة الفصيحة والألسن الذلقة والجأش الثابت فرأينا منهم أهلة توشك أن تكون أقمارا وغروسا طيبة توشك أن تجنى ثمارها (2).
(1) القصيدتان منشورتان ضمن كتاب: دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 280 - 282.
(2) عبد الحميد بن باديس: مقال بعنوان: نهضة جزائرية بالحاضرة التونسية. جريدة الصديق عدد 44، تاريخ
= (1/612)
صفحة 613
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
581
هذه هي الخطوط العريضة التي سارت وفقها البعثة اليقظانية في برنامجها ونشاطها.
كما اعتنى رؤساء البعثة بجلب المجلات والجرائد المصرية والتونسية الوطنية المناهضة للاستعمار والمنافحة عن الأوطان وكانوا يضعونها بين أيدي الطلبة للاطلاع عليها، كما يعقدون لها جلسات لقراءة بعض فصولها وتحليل بعض مقالاتها، لأجل وضع الطلبة في الصورة من الأوضاع التي يعيشها العالم الإسلامي وكذا إذكاء روح الوطنية والوعي السياسي لديهم، وتقوية انتمائهم للأمة الإسلامية الواحدة، وإشعارهم بالمخاطر التي تحاك ضدها (1).
استمرت البعثة اليقظانية تسع عشرة سنة على هذا النمط من النشاط وعلى هذا السعي والجد في سبيل تكوين الأجيال علميا واجتماعيا وأخلاقيا وإعدادهم لتحمل المسؤوليات والمهام الحضارية في الجزائر ووادي ميزاب. بقي الشيخ أبو اليقظان قائدا لها مدة تسع سنوات، ثم دخل الجزائر سنة 1344 هـ/ 1925 م ليؤسس حركته الصحفية ويتفرغ لمشروعه الجديد ويلج هذا المضمار من الجهاد بداية من سنة 1345 هـ/ 1926 م.
p 1926/1345
استقدم الشيخ أبو اليقظان من ميزاب قبل مغادرته أحد رفقائه السابقين خليفة له في رئاسة البعثة هو السيد قاسم بن الحاج عيسى بن الشيخ، مع الاستعانة بكبار الطلبة الذين كانوا معه في إدارة البعثة. واستمر السيد قاسم في رئاسة البعثة إلى سنة 1355 هـ/ 1936 م حيث توقفت نهائيا بدخول مسؤولها إلى الجزائر وتخرج الطلبة
وانقطاع بعضهم
(2)
1921/ 09/19
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 222 - 227.
(2) المرجع نفسه: ج 3، ص 249 250 (1/613)
صفحة 614
582
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
3 - أخبار البعثات الأخرى:
أشرنا فيما مضى إلى أن بعثة الميزابيين في تونس أصبح لها ثلاثة فروع. فكيف
تم ذلك؟
خلال سنة 1335 هـ/ 1917 م سافر الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش إلى تونس لاستكمال دراسته في جامع الزيتونة ثم التحق به الشيخ محمد الثميني سنة 1337 هـ/ 1919 م، فجمعتهما صداقة متينة وزمالة وطيدة مع الشيخ أبي اليقظان. كون الاثنان مع السيد صالح باعلي) بعثة ثانية خاصة بتلاميذ بلدة بني يزقن، وقد سار الثلاثة بتعاون وتوافق في إنشائها وتسييرها، وقد استفادوا من تجربة أبي اليقظان وساروا على نظامه وبرامجه وأنشطته.
مما يبدو أن السيد صالح بن يحيى آل الشيخ المقيم في تونس كان وراء تأسيس هذه البعثة الخاصة بآل بني يزقن؛ ذلك لما رأى من ثمار بعثة أبي اليقظان، فعرض الفكرة على أعيانها أثناء رحلاته إلى ميزاب وعرضها على السيد صالح باعلي الذي يبدو أنه قدم تونس للتجارة، فتعاون مع الشيخين أبي إسحاق والثميني فأسسوا البعثة اليسجنية.
تكفل السيد صالح باعلي بالجانب المادي والرقابي للتلاميذ، بينما تعاون الثاني والثالث على مسؤولية التربية والتعليم والتوجيه.
استمرت هذه البعثة في نشاطها مدة من الزمن ومما يبدو أن الثلاثة القائمين عليها لم يتواصل بينهم الانسجام والتوافق وساءت العلاقات بينهم، مما اضطروا إلى تقسيم البعثة إلى فرعين فرع بقيادة السيد صالح باعلي وفرع بقيادة الشيخين أبي إسحاق والثميني وكان ذلك سنة 1341 هـ/ 1922 م. وبعد أن نفي الشيخ أبو
(1) صالح بن علي باعلي: (و: 1297 هـ / 1879 م - ت: 1386 هـ / 11 أوت 1967 م) من رجالات بلدة بني يسجن بميزاب، وأعيانها الأثرياء، درس عند القطب الشيخ اطفيش ترأس البعثة العلمية الميزابية في
تونس تولى الوعظ والإرشاد في مسجد بلدته. معجم أعلام الإباضية: ج 3، ص 473. (1/614)
صفحة 615
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
583
إسحاق اطفيش إلى مصر سنة 1342 هـ/ 1923 م وغادر تونس بقي الشيخ الثميني رئيسا للبعثة واستمر نشاطها إلى سنة 1378 هـ/ 1958 م).
في حقيقة الأمر إن هذه الفروع الثلاثة كلها أبلت بلاء حسنا في تربية الأجيال والحرص على تكوينها وتعليمها ورعاية شؤونها وسلامة أخلاقها واستقامة سلوكها، وقد تخرج منها العشرات من الشباب والرجال الذين عادوا إلى الجزائر وإلى وادي ميزاب وملؤوها نشاطا وأعمالا في مجالات الحياة المختلفة.
كما ظهرت خلال سنة 1355 هـ/ 1936 م إثر توقف البعثة اليقظانية بعثة تابعة لجمعية الإصلاح ببلدة غرداية، حيث كلفت أحد أبنائها المخلصين الجادين وهو الشيخ بنوح مصباح المتخرج من معاهد تونس ومن بعثة الشيخ أبي اليقظان لرئاسة هذه التجربة الجديدة التي سارت على روح البعثات السابقة. فاستقبلت الطلبة من أبناء غرداية وأبناء جمعية الإصلاح.
سارت ونشطت مدة أربع سنوات فكونت وربت ونصحت وأطرت الشباب واستمرت إلى قيام الحرب العالمية الثانية حيث ساءت الأوضاع في تونس مما اضطر الشيخ بنوح للعودة بطلبته إلى أرض الوطن (2).
هكذا انتهى العهد الأول من البعثات الطلابية الميزابية إلى تونس حيث كان عهدا حافلا بالأحداث والتضحيات والانتصارات ومثلث هذه البعثات فعلا مدارس للتكوين ولم تكن مجرد داخليات للإقامة والنوم والأكل، بل كانت مشاتل لصناعة الرجال وإعداد النخب.
يقول الدكتور محمد ناصر عن أفضال هذه البعثات على وادي ميزاب وعلى الجزائر: والحق إن تاريخ النهضة الثقافية في الجزائر سيظل مدينا لهذه البعثات بالكثير. فإلى أمثال أبي إسحاق اطفيش، وأبي اليقظان، والثميني وغيرهم من
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، ص 249 250. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 157. (2) دبوز: المرجع نفسه، ج 3، ص 251 - 254. (1/615)
صفحة 616
584
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
الرعيل الأول يعود الفضل في نفخ روح الحياة في تلك الشعلة التي أراد الاستعمار الفرنسي إخمادها، لقد صمد هؤلاء صمود الأبطال في وجه حملات القمع الاستعمارية ودسائسه وجابهوا مخططات التيارات المعارضة باسم الدين ودعوى المحافظة على المميزات إنه لا يمكن للمرء أن يمر أمام تلك الفصول من الجهاد العظيم الذي قام به هؤلاء في سبيل ترسيخ أقدام البعثة العلمية دون أن ينحني تقديرا وإجلالا (1)
كما أصبح قادة هذه البعثات مناضلين فاعلين في الأحزاب الوطنية التونسية خاصة منها الحزب الحر الدستوري بقيادة الشيخ عبد العزيز الثعالبي. كما أصبح الكثير من طلبتها أعضاء فاعلين في المحافل السياسية والثقافية التونسية والجزائرية نذكر منهم مفدي زكرياء ورمضان حمود.
هذا عن العهد الأول، فماذا عن العهد الثاني من البعثات الإصلاحية؟
4 - البعثة العلمية البيوضية:
إذا كان الشيخ أبو اليقظان هو بطل العهد الأول من البعثات، فإن العهد الثاني تشكل أبطاله من أشبال زعيم الإصلاح الشيخ بيوض الذين أصبحوا شبابا ناضجين نالوا حظا وافرا من التكوين العلمي والتنشئة الاجتماعية وبناء شخصيتهم على يدي شيخهم بيوض، وهاهم ينتشرون في الأرض معتمدين على أنفسهم ويشقون طريقهم نحو العلا والسؤدد لاستكمال مشوارهم الدراسي في الجامعات والمعاهد التونسية بعد أن تشبعوا بالفكر الإصلاحي البيوضي.
يتحدون في ذلك الأوضاع السياسية العامة؛ حيث ظروف الحرب العالمية الثانية قائمة على أشدها والسلطات الاستعمارية خلال هذه الفترة تطوق الخناق على الجزائريين في حركة أسفارهم وتمنع أي تنقل لهم من الجزائر إلى البلدان
(1) ناصر مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة، ع 1، 1998 م، ص 74. (1/616)
صفحة 617
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
585
المجاورة إلا برخص تسلمها إداراتها؛ لا تمنحها إلا بشق الأنفس وبوسائط ووثائق
يتعذر الحصول عليها.
وبالذات كانت تمنع السفر إلى تونس لأجل التعلم لما رأته في المتخرجين من مدارسها ومعاهدها من وطنية ووعي ونضال ضدها، مما ولد لديها مشكلة جديدة تنغص استقرارها إضافة إلى ويلات الحرب العالمية القائمة.
هذا ما جعل الجزائريين يتحدون هذه الإجراءات ويسافرون دون جواز سفر ودون ترخيص من السلطات الاستعمارية باجتياز المسالك الوعرة المنقطعة في الجبال والشعب التي لا تصل إليها أعين الاستعمار وجنودها. وفي ذلك مجازفة
(1)
(2).
خطيرة على حياتهم وصل مجموعة من طلبة معهد الحياة إلى تونس بواسطة هذه الطرق الملتوية خلال بداية الأربعينيات والتحقوا بالدراسة في جامع الزيتونة ومعهد ابن خلدون والمكتبات العامرة بتونس مشكلين بذلك النواة الأولى للبعثة العلمية البيوضية. وكان من أوائل هؤلاء المؤرخ محمد علي دبوز بدأ عدد الطلبة في تزايد خلال سنوات الأربعينيات حتى هبت جمعيات الحركة الإصلاحية المشرفة على التعليم إلى تأطيرهم وتنظيم هذه الحركة العملية الناشئة، فاشترت لهم سنة 1952 م دارا فسيحة في قلب العاصمة تونس بالقرب من جامع الزيتونية تأويهم وتضمهم جميعا، بعد ما كانوا يسكنون متفرقين في دور يستأجرونها، أو ينزلون عند بعض العائلات الميزابية المقيمة في تونس.
أصبحت المعاهد التونسية قبلة طلبة معهد الحياة بعد استكمال دراستهم
وتخرجهم، وأصبحت هذه البعثة مقصدهم ومنزلهم.
(1) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 265. الجابري: النشاط العلمي، ص 143 .. دبوز اعلام
الإصلاح، ج 3، ص 264.
(2) دبوز المرجع نفسه، ج 3، ص 265. الخرفي: من أعماق الصحراء، ص 62. (1/617)
صفحة 618
586
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
كما سعى أعلام الحركة الإصلاحية وأعيان جمعياتها إلى توفير الجو الملائم المواصلة أبنائهم الأشبال تكوينهم وعملوا على التكفل بكل مصاريفهم وحاجياتهم المادية الضرورية. كما عملوا على التأطير الجيد لهم بضبط النظام والمراقبة والتوجيه والرعاية داخل هذه البعثة مع التزايد المطرد لأعداد الطلبة، حتى ضاقت هذه الدار
(3)
بما رحبت بطلبتها، فاشترت جمعية الفتح ببريان دارا ثانية ليتسع إليها الطلبة (4). كان أعلام الإصلاح يعينون على رأس هذه البعثة كبار الطلبة الجادين الناضجين النبهاء المعروفين بأخلاقهم واستقامتهم، والناجحين في دراستهم حتى يقوموا بالمهمة كما ينبغي، ويكونوا القدوة لغيرهم من الطلبة. فقد ترأس هذه البعثة وشارك في إدارتها كل من الدكتور محمد العساكر)، والشيخ محمد الشيخ بالحاج والشيخ صالح باجو والشيخ أيوب سماوي والدكتور صالح الخرفي (5). سارت البعثة في نشاطها على روح البعثة اليقظانية واستلهمت من تجربتها نظامها مع تطوير وتحسين وتفاعل مع المحيط الخارجي، والتزام بالأخلاق والآداب والتفرغ لتحصيل العلوم.
التحق طلبتها بجامع الزيتونية وبالمعهد الخلدوني بصفة نظامية وتمكنوا من النجاح في دراستهم والتخرج بشهاداتها، كما واصل عدد منهم دراستهم في الجامعات المصرية والسورية والعراقية وبعض الجامعات الأوربية في إسبانيا وسويسرا.
(1) دبوز: المرجع نفسه، ج 3، ص 264 268 الخرفي: المرجع نفسه، ص 68.
(2) دبوز أعلام الإصلاح، ج 3، ص 266.
(3) (على قيد الحياة) أستاذ جامعي بكلية الحقوق بين عكنون بالجزائر.
(4) اشتغل بالتدريس في المدارس الحرة ببلدته العطف.
(5) صالح بن صالح الخرفي: (و: 1932 م - ت: 1998 م) شاعر وأديب درس بمعهد الحياة، واصل دراسته
في جامع الزيتونة وفي جامعة القاهرة، التي تحصل منها على شهادة الدكتوراه في الأدب، أستاذ بجامعة الجزائر، اشتغل بالجامعة العربية بالقاهرة وتونس في إطار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. له العديد من المؤلفات والمقالات قاسم الشيخ بالحاج الشاعر صالح الخرفي، صفحات في مساره الفكري والأدبي، المطبعة العربية، غرداية، نشر الجمعية الثقافية أنغام الحياة، القرارة، الجزائر، 2003 م. ص 12 - 45. (1/618)
صفحة 619
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
587
كما نشطت البعثة نشاطا معتبرا في المجال الثقافي وفي المحافل التونسية، حيث ضيفت في مقر بعثتها الكثير من الوجوه العلمية والسياسية والثقافية التونسية والجزائرية وقامت بتكريمهم وتنظيم حفلات على شرفهم، وقد استفاد الطلبة من هذه اللقاءات كثيرا في تكوين شخصياتهم، والتعرف على مجريات الحياة العلمية والسياسية من صانعيها وأقطابها، كما استفادوا من نصائح ومواعظ وتجارب هؤلاء العلماء والأعلام والزعماء.
لعل أهم هؤلاء هم: الشيخ الفاضل بن عاشور، والشيخ عباس
(3)
التركي)، والعقيد عميروش، والدكتور فرحات عباس)، والشيخ عبد. الرحمن شيبان (5). إضافة إلى زعماء الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب وأعيانها الذين كانوا يزورون البعثة لتفقد أحوالها باستمرار على رأسهم الشيخ بيوض
(1) محمد الفاضل بن محمد الطاهر ابن عاشور: (1327) - 1390 هـ/ 1909 - 1970 م) أديب خطيب، مشارك في علوم الدين من طلائع النهضة الحديثة النابهين، في تونس تخرج بالمعهد الزيتوني وأصبح أستاذا فيه فعميدا له عدة مؤلفات أهمها أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، الحركة الأدبية والفكرية في تونس. الزركلي: الأعلام، ج 6، ص 225.
(2) أحد مشايخ جامع الزيتونة، ووجهاء تونس. (3) آيت حمودة عميروش: من مواليد تيزي وزو سنة 1927 م، أحد قادة الثورة الجزائرية، تولى قيادة الولاية الثالثة، استشهد في معركة ببوسعادة سنة 1959 م. نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص 287.
في لقاء مع الشيخ محمد الصالح صديق حدثني عن مجريات الحفل الذي نظمته البعثة البيوضية للعقيد عميروش، حيث كان أحد المرافقين له في هذه الزيارة مع الشيخ عبد الرحمن شيبان، وحدثني عن إعجاب العقيد عمروش بالنظام والانضباط الذي عاينه بالبعثة، وإعجابه بالأنشطة والأناشيد وبرنامج الحفل الذي خص به. لقاء بمنزل الشيخ محمد الصالح صديق، القبة - الجزائر، جويلية 2007. كنت فيه مرافقا للشيخ صالح سماوي في زيارة لصديقه محمد الصالح. (4) فرحات عباس: (و: 24 أكتوبر 1899 م - ت: 23 ديسمبر (1985 م بجيجل، متحصل على شهادة في الصيدلة، أحد زعماء حركة أحباب البيان والحرية، من أنصار سياسة الإدماج والمساواة مع الفرنسيين رئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية من سبتمبر سنة 1958 م إلى أوت سنة 1961 م. مجموعة من المؤلفين:
موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين، دار الحضارة، الجزائر، 2003 م، ص 217 218.
(5) (على قيد الحياة) وزير سابق ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. (1/619)
صفحة 620
588
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
والشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ أبو اليقظان والشيخ عدون والشيخ حمو فخار وغيرهم كثير (1).
كما كانت لهم مشاركات في المهرجانات الجزائرية التي كان ينظمها الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في تونس تضامنا مع الثورة التحريرية بعد اندلاعها، وكذا إحياء للمناسبات المختلفة، فكانت مشاركاتهم بالكلمات والخطب والقصائد
الشعرية والوصلات الفنية.
لعل من أهم هذه الحفلات:
إحياء الذكرى السنوية للشيخ الإمام ابن باديس.
إحياء الذكرى السنوية لاندلاع الثورة التحريرية.
الاحتفال بميلاد الحكومة الجزائرية المؤقتة في تونس سنة 1378 هـ/ 1958 م.
الاحتفال بيوم التضامن مع فلسطين في تاريخ: 03
جوان 1961 م
(2)
محرم
16/ 1381
(3)
كما كانوا أعضاء في هذا الاتحاد وأسهموا في أنشطته وأعماله في تونس وبعد اندلاع الثورة التحريرية تأثر هؤلاء الطلبة بفكر النضال والثورة وانخرط الكثير منهم في صفوف خلايا الثورة وشعبها وأنشطتها التي أنشأتها جبهة التحرير
(4)
في تونس هذه صورة موجزة عن البعثة العلمية البيوضية، وأرى أن المادة العلمية حولها لا تزال شحيحة جدا، ويلزم على طلبة البعثة الذين زاولوا تكوينهم في تونس وعايشوا جو هذه البعثات ونشاطها أن يجلسوا لكتابة فصول هذه الصفحات
المشرقة الناصعة من تاريخ الجزائر الثقافي والحضاري المعاصر.
(1) دبوز أعلام الإصلاح، ج 3، ص 267.
(2) المرجع نفسه: ج 3، ص 267.
(3) المرجع نفسه: ج 3، ص 273. (4) المرجع نفسه: ج 3، ص 273. (1/620)
صفحة 621
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
5 - ردود الفعل على تأسيس البعثات:
589
لا يمكن أن نتناول موضوع البعثات العلمية بمنأى عن تتبع ردود الفعل التي تزامنت معها وتولدت عنها، ولا يمكن أن نغض الطرف عما تلقاه الرعيل الأول من الحركة الإصلاحية في سبيل نصرة فكرتهم والثبات عليها والمضي في سبيل تحقيقها، لأن ذلك يعد في حقيقة الأمر جزءا من جهادهم وصبرهم وتاريخهم، كما أمامنا صورة اجتماعية وثقافية للمجتمع تكشف حقيقته والحال
أن أحداثه ترسم التي كان عليها.
إذن: لقد أسفرت هذه المبادرة الجديدة التي لم يعهدها وادي ميزاب من ذي قبل في مجال تكوين ناشئته وإعداد أجياله وتحضيرهم للمستقبل على ردود فعل اجتماعية متباينة، وعلى معارضة هذا المنحى الذي اختاره بعض الشباب وسار فيه دون أن يأخذ الإذن وينتظر الموافقة من المرجعيات الدينية والعلمية بوادي ميزاب المتحكمة في مجريات الأمور به.
إذ لم تكن هذه المبادرة من بنات أفكار هؤلاء الشيوخ، بل قام هؤلاء الشباب بفرض الأمر الواقع.
قاد هذه المعارضة جماعة من الفقهاء والعزابة من تيار المحافظة والجمود الذين ساروا ضد تيار الإصلاح في وادي ميزاب وضد هذا التوجه الجديد نحو الاستفادة من الحواضر العلمية المجاورة، بفتح الباب على مصراعيه لأبناء وادي ميزاب للسفر بعيدا عنه والاغتراب بغرض الدراسة والتكوين.
كانت دعواهم في رد هذا المنحى ومعاكسة هذه الفكرة، والتشنيع على. الواقفين وراءها مستندة على الذرائع الآتية التي حاولنا أن نجمعها من خطابهم
ورسائلهم:
- صغر سن التلاميذ المتجهين إلى تونس للتعلم، وابتعادهم عن أسرهم وعائلاتهم قبل استيفاء حظهم من التربية وقبل بلوغهم سن التكليف. (1/621)
صفحة 622
590
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
مخالطتهم لبيئات مخالفة لبيئة وادي ميزاب في عوائدها وتقاليدها وأعرافها مما
يؤثر عليهم سلبا، فيفسد طباعهم ويخرب أخلاقهم. - دراستهم على يد المخالفين في المذهب مما ينشئ جيلا فاقدا لحصانة المذهب. تعلمهم علوما عصرية دنيوية غير شرعية، لا فائدة ترجى من ورائها. بل
تحولهم ماديين وتزهدهم في دينهم.
تعليمهم الفلسفة واللغة الفرنسية سيؤثر سلبا على دينهم وعقيدتهم ويجعل
منهم ملحدين كافرين غربيي التوجه والتفكير.
اتهام القائمين على البعثات بالانشغال عن مراقبة التلاميذ ورعايتهم بتكوين أنفسهم، وبشؤون السياسة والتجارة، وتلونهم بأفكار الأحزاب التي يناضلون فيها. اتهامهم أيضا بتحويل هذه المهمة إلى مورد لجمع الأموال (3).
هذا أهم ما أنكره التيار المعارض لفكرة البعثات ولمن يقف وراءها. حين تقويمنا لفحوى هذه الدعوى نجد أنها وجهة نظر تحمل جانبا من الصحة والصواب بحرصها على أخلاق الناشئة، وخوفها من فسادها بالاختلاط وتضييع المراقبة في بيئة تونس، بسبب صغر سنها وعدم رشدها ولا استكمال نصيب تربيتها على أيدي أوليائها، وكذا في تخوفها من الذوبان في الوسط العام.
إلا أنها في جهة أخرى بنيت على مغالطات عديدة وعلى جهل بحقيقة الأمر داخل هذه البعثات ونظامها، وكذا على اتهامات مطلقة وملفقة على القائمين عليها، جلها باطلة لا أساس لها من الصحة والصواب، ومست أعراضهم وأخلاقهم دون تبين مما يكشف أن أصحاب هذه الدعوى كان وراء رفضهم هذا أمر آخر يتمثل أساسا في عدم اقتناعهم بهذا التعلم في المدارس التونسية ومعاهدها،
(1) تراجع في ذلك الكتب الآتية: صالح لعلي: إماطة اللثام عن بعض اللثام كله صالح لعلي البراهين القاصفة لمتتبعي الفلاسفة كله. أبو اليقظان: إرشاد الحائرين كله. اطفيش: الدعاية إلى سبيل المؤمنين، كله. (1/622)
صفحة 623
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
591
وعدم اقتناعهم بهذه العلوم العصرية المحدثة وعدم اقتناعهم بالاستفادة من التجربة التونسية، حيث يريدون إبقاء أوضاع التعليم في وادي ميزاب على حالها دون إحداث أي تغيير فيها. وهذا هو عين الجمود.
شن أقطاب هذا التيار حملة شعواء ضد فكرة البعثات وضد أصحابها وظفوا فيها منابر المساجد والمحافل الاجتماعية واللقاءات المختلفة التي تجمعهم بالعامة للتشنيع بهؤلاء ولتحذير الناس من مغبة تسليم أبنائهم لهم.
نعتوا أصحابها بمختلف النعوت المهينة ووصفوهم بمختلف الأوصاف الشنيعة من رقة الدين والمروق منه والخروج من المذهب والكفر والضلال والزيغ والانحلال والانحراف (4).
يبدو أن البعثات قد تأثرت فعلا بهذه الحملة الشرسة إذ أن صوت المسجد ومنبره مسموع في المجتمع وله قبضته وسطوته عليه وعلى جماهير الناس العوام الذين يرون مرجعيتهم في مشايخهم ويضعون ثقتهم التامة فيما يقول عزابتهم، ويرون فيهم القدوة والمثل الأعلى الذي ينبغي أن يطاع ويتبع.
تزامنت هذه الحملة مع مطلع العشرينيات، وبالذات ما بين سنتي 1339 هـ/ 1920 م و 1341 هـ/ 1922 م، أي بعد إنشاء البعثة اليقظانية الثانية والبعثة اليسجنية ومع تزايد إرسال العائلات لأبنائها إليها. مما جعل من بعض الأولياء يستردون أبناءهم ويقطعونهم عن دراستهم استجابة لهذا النداء المنبعث من المسجد (2).
أصبح المجتمع في حيرة من أمره بين قبول هذا الأمر أو رده، وبين تصديق أصحاب هذا الفريق أو ذاك، خاصة بعدما أصبح لفريق البعثات مناصروه من
الأعيان والمشايخ والعزابة في وادي ميزاب.
(1) تراجع المراجع السابقة نفسها.
(2) ناصر: الشيخ أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 15. (1/623)
صفحة 624
592
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
انقسم المجتمع تجاه هذا الأمر إلى فريقين؛ فريق معارض ساخط على هذه التصرفات غير المسؤولية، وفريق موافق متحمس مشجع أصحاب الفكرة للمضي قدما في سبيلها وعدم الإنصات لهذه الإشاعات لما لمسه من صدق أصحابها واستقامتهم، ولما رآه من الثمار التي أصبحت تجنى من ورائها (1). مما يبدو أن القائمين على البعثات أنفسهم قد ذهلوا لما يروج عنهم، ولما تصلهم من أنباء وأخبار عن تصرفات هؤلاء الفقهاء والعزابة، ويبدو أنهم حاولوا مسك أعصابهم وعدم الاندفاع خلف ردود الفعل والإشاعات المروجة عنهم، واعتبروها عاصفة ستمر وينتهي شأنها بعد أن يتعود المجتمع على هذا الأمر الجديد، إذ من عادة المجتمعات المحافظة المتشددة أن ترفض أي أمر جديد عليها، ثم ما تلبث أن تتوافق معه وتتقبله عندما تلمس فوائده وتتأكد من عدم ضرره عليها. من جهة أخرى أدركوا أن رد فعل هؤلاء المشايخ العزابة نابع من حرصهم على سلامة المجتمع وتخوفهم عليه من الانحراف أو الفساد، كما أن هؤلاء في الأخير هم مشايخهم وعزابتهم الذين يجب عليهم توقيرهم واحترامهم وتقدير جهودهم المضنية في الوعظ والإرشاد والعمل الاجتماعي.
مما يبدو أن تمادي أصحاب هذه الدعوة في التشنيع ومبالغتهم في ذلك وتكذيبهم للحقائق المحصلة في هذه البعثات حتى سودوها في أعين العامة، ووسخوا صفحات القائمين عليها؛ جعلهم يغيرون موقفهم ويرون ضرورة الدفاع عن أنفسهم وعن أعراضهم، وعن مشروعهم الذي أصبح يهتز بهذه الحملة، وأصبح مهددا بالزوال إن التزموا الحياد والصمت ولم يبينوا للناس ما يرونه يمثل الحق.
كان أول رد فعل يصدر من هذا الشاب المبادر الطموح أبي اليقظان بنشر مقال في جريدة الإقدام للأمير خالد الجزائري بعنوان: هل يستوي الذين يعلمون والذين
(1) قاسم: أقلام الميزابيين في الصحافة التونسية، ص 12 - 18. (1/624)
صفحة 625
593
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
لا يعلمون. فند فيه الأباطيل المروجة والتهم الملصقة ورد فيه على زعيم المعارضة وسفه أقواله وأفعاله وتصرفاته.
ثم أعقبه بجملة مقالات في عدد من الجرائد التونسية المتمثلة في المنير، والاتحاد، ولسان الشعب، ومرشد الأمة (1).
تطورت المسألة بعد صدور مقال جريد الإقدام واطلاع أحد زعماء المعارضة عليه، ويبدو أنه انزعج به واغتاظ أسفا، وقد تزامن ذلك مع وجوده في بلدة القرارة سنة 1341 هـ/ 1922 م في زيارة لها لمحاصرة أفكار الإصلاح التي بدأت تسري في الشباب، وتستشري في المجتمع بعد وفاة الشيخ الحاج عمر بن يحيى. فعزم على محاربة أبي اليقظان بنفس سلاحه، حيث ألف كتابين في مهاجمة أصحاب فكرة
البعثات.
سمي
الأول: إماطة اللثام على بعض اللثام وسمى الثاني: البراهين القاصفة
لمتتبعي الفلاسفة.
يظهر من العنوانين فظاعة رد الشيخ وشدة إنكاره لهذا التوجه ومحاربته العنيفة له. حيث كان أسلوبه قاسيا جارحا ناعتا الشباب بمختلف الأوصاف
السافلة المنكرة. كان صدور هذين الكتابين سببا في أن يلجأ الشيخ أبو اليقظان والشيخ أبو إسحاق لفتح جبهة المواجهة مع الشيخ والتصدي لأقواله. فألف كل واحد منهما
كتابا مفصلا حول الموضوع.
الكتاب الأول للشيخ أبي اليقظان بعنوان: إرشاد الحائرين، تم طبعه في تونس
سنة 1342 هـ/ 1923 م.
(1) ناصر: المرجع السابق، ص 15. شريفي: معهد الحياة، ص 27 - 28 لعساكر: محاضرة مرقونة بعنوان: دور
الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية، ص 6.
(2) شريفي: معهد الحياة، ص 27 - 28.
40 (1/625)
صفحة 626
594
الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي
والكتاب الثاني للشيخ أبي إسحاق بعنوان: الدعاية إلى سبيل المؤمنين، تم طبعه في القاهرة سنة 1342 هـ/ 1923 م.
تضمن الكتاب الأول التعريف بفكرة البعثات وجهودها في سبيل تربية النشء ومتابعة التلاميذ ومراقبتهم وتكوينهم، ثم الرد على الأغلاط والافتراءات والإشاعات المروجة عليهم، ثم بين ثمار هذه البعثات (1).
وتضمن الكتاب الثاني الذي كان بنبرة أكثر حدة مع الشيخ، وبنبرة أكثر شدة على الركون الذي مس وادي ميزاب بسبب الجمود الفكري الجاثم على جسد الأمة، وعدم السماح بتقدمها وتطورها بدعوى المحافظة على الدين والمذهب، فشنع بأصحاب هذا الفكر السفيه الذي هو قاصر على إدراك حقائق الأمور، وعاجز عن فهم ما يدور حوله، ويحاك له من المستعمر. ثم يدعي الإمامة في الدين والقدوة في الدنيا.
ثم انتقل الكتاب إلى تتبع فوائد العلوم العصرية التي يتعلمها التلاميذ في المدارس التونسية وبين حاجة الأمة الحاضرة والمستقبلية لها حتى يحصل لها التمكين (2).
هذه خلاصة هذين الكتابين اللذين بقيا شاهدين على هذا الصراع الفكري
الذي عاشه وادي ميزاب مع مطلع العشرينيات من القرن العشرين.
يظهر أن الشيخين الشابين استطاعا أن يدافعا بقوة عن مشروعهما مما جعل من هذه الحملة المغرضة تخفت مع الأيام بعد أن أخذت نصيبا من الوقت ليس بالقليل، وشغلت أذهان الناس وجلبت اهتمامهم كما أن مشروعهم استطاع أن يجتاز هذا الامتحان بسلام وينجح وينتصر في الأخير، إذ أصبح الأولياء يسارعون إلى إرسال أبنائهم إلى هذه البعثات فزاد عدد الطلبة فيها.
(1) انظر كتاب أبو اليقظان: إرشاد الحائرين كله. (2) انظر کتاب اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين كله. (1/626)
صفحة 627
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
595
هكذا انتهت فصول هذا الصراع الفكري وشقت البعثات مسيرتها إلى الأمام في ثبات وتطور، وفي حقيقة الأمر إن المجتمع في وادي ميزاب استفاد كثيرا من هذا النقاش ومن هذه الأحداث بتوعية الجماهير وتنبيههم إلى ضرورة الاهتمام بالعلم والعناية بأبنائهم ليحصلوا على المعارف والعلوم، بعدما كانوا غافلين عن مقصرين، كما تنبه المجتمع إلى ضرورة بعث أبنائهم إلى المدارس التونسية ريثما تتوفر الظروف الحسنة لتطوير التعليم في الجزائر.
ذلك
كما كان هذا الصراع بداية في سبيل تشكل فريق الإصلاح وتميزه عن فريق الجمود، وخطوة في سبيل تبلور أفكاره، وتجميع صفوفه، وبروز قياداته، وتحوله إلى مدرسة لها خصائصها وفلسفتها وأهدافها.
هذه خلاصة مسيرة البعثات العلمية الإصلاحية في تونس، وفعلا كانت مسيرة حضارية حافلة وزاخرة وقد جنى وادي ميزاب من ورائها خيرا عميما لا تزال آثارها الناصعة بادية إلى حد اليوم.
هكذا نكون قد أتينا على عرض أهم فصول المشروع الإصلاحي في جانبه التربوي التعليمي.
لاشك أن الحركة الإصلاحية عند إباضية الجزائر قد قامت بأدوار مهمة في سبيله وبأعمال جليلة في طريقه، واستطاعت أن تحقق منجزات حضارية عظيمة في مسيرة متواصلة متراكمة؛ كان أهم نتائجها وثمارها تربية أجيال كاملة، وتعليمهم تعليما متكاملا، وبناء شخصياتهم بناء متزنا، وتخريج النخب والإطارات التي سدت معاقل العلم والثقافة والوعظ والإصلاح في المجتمع.
بهذا نكون قد أنهينا آخر فصول البحث. (1/627)
صفحة 628
[صفحة فارغة] (1/628)
صفحة 629
خاتمة (1/629)
صفحة 630
[صفحة فارغة] (1/630)
صفحة 631
599
خاتمة
خاتمة
بعد هذا العرض والتحليل والنقد لمسيرة النهضة الإصلاحية التي شهدتها إباضية الجزائر في تاريخها الحديث والمعاصر، من خلال الفصول والمباحث السابقة نستطيع أن نحدد أهم النتائج التي خلصت إليها الأطروحة في النقاط الآتية:
1
- إن ما شهده إباضية الجزائر خلال التاريخ الحديث والمعاصر يعد بالفعل نهضة إصلاحية، بالمعنى الاصطلاحي للكلمة.
2 - لهذه النهضة الإصلاحية جذور تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر؛ حيث شهدت لحظات ميلادها في وادي ميزاب بين أحضان حلقات العلماء والمشايخ، وفي جنبات المساجد.
3 - مرت هذه النهضة بعد ميلادها بمراحل إعدادية عاشت فيها طور النشأة والصبا، وقد اتسمت فيها بالضعف والتذبذب، ثم بدأت تنمو وتكبر وتقوى مع مرور الزمن.
4 ـ بعد الحرب العالمية الأولى، مع مطلع العشرينيات من القرن العشرين شهدت النهضة الإصلاحية مرحلة انطلاقها القوي والمتسارع، وذلك لعدة عوامل داخلية وأخرى خارجية مكنتها من هذه النقلة النوعية في العمل والتحرك، كما أنها خلال هذه الفترة شهدت تحولها إلى حركة إصلاحية، بعد أن كانت عبارة عن جهود متفرقة، وأعمال مشتتة. ثم استطاعت مع الوقت أن تصبح مدرسة إصلاحية متميزة، لها فكر ومنهج ومؤسسات وأتباع.
5 - إن النهضة الإصلاحية صادفت خلال مسيرتها ظروفا اجتماعية قاسية. شديدة؛ مما جعلها تراوح مكانها لفترة طويلة قبل أن تنطلق انطلاقتها الفعلية، تمثلت هذه الظروف والمعوقات أساسا في الجمود الفكري والجهل والاستعمار
والفاقة والفتن. (1/631)
صفحة 632
خاتمة
600
6 - مع منتصف القرن العشرين بلغت النهضة الإصلاحية مرحلة قوتها ونضجها وتمكينها، وأصبحت قائدة مجتمع إباضية الجزائر في وادي ميزاب وموجهة له، والقوة الفعلية الأولى فيه.
7 - إن إباضية الجزائر حظيت بامتلاك مجتمعها لنظام العزابة والمؤسساته العرفية الاجتماعية، التي عملت على حفظ المجتمع من التفكك، وصيانته من الانحراف، وإبقائه في مستوى من الصلاح والقابلية للدعوة والانصياع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبقاء خيط الإصلاح فيه رقيقا دون أن ينقطع، وضوء النهضة خافتا دون أن ينطفئ، رغم كل ما آلت إليه الأوضاع العامة. هذا ما دفع فجر النهضة الإصلاحية إلى البزوغ، وأعانها على العمل والنجاح والتمكين.
8 - إن الفكرة الإصلاحية تعني في عمقها إعادة بعث المجتمع على أسس الإسلام ومصادره وعقيدته وشريعته وأخلاقه وقيمه وتطهيره مما شابه من فساد وانحراف وابتداع في إطار المذهب الإباضي، والتجربة العرفية الميزابية الأمازيغية، والتفاعل الإيجابي مع العصر بمحاولة استيعاب قضاياه ومستجداته، لأجل بناء مجتمع مسلم أصيل ومعاصر.
9 - إن الفكرة الإصلاحية في عمقها تشكلت من الموروث الحضاري للمذهب الإباضي والمجتمع الميزابي، ثم تفتحت على العالم الخارجي فاستفادت منه وتأثرت وتطعمت ولقحت به تجربتها ونظرتها تمثل ذلك أساسا في الفكر الإسلامي القادم من المشرق، مجسدا في الحركة الإصلاحية المصرية، والحركة العلمية والسياسية التونسية.
10 - إن النهضة الإصلاحية عند تحولها إلى حركة خلال القرن العشرين ضبطت خطة عملية لإحداث الإصلاح، والنزول بها إلى الميدان، وظفت فيها مجموعة من الأطر والمؤسسات والهيئات بعضها كان موجودا من قبل فقامت بتفعيل دوره، وبعضها أحدثته من العدم، تمثل ذلك أساسا في المسجد ونظام العزابة (1/632)
صفحة 633
601
خاتمة
ومحافل المجتمع والمدارس والمعاهد والصحافة والجمعيات ومؤسسات السلطة الاستعمارية والعلاقات الخارجية.
11 - إن تيار المعارضة والجمود الذي اعترض طريق النهضة الإصلاحية. وكان حجر عثرة في سبيل قيامها كانت له إيجابيات عديدة؛ فقد عمل على تحريك عجلة الإصلاح ودفعها لبذل جهد أكبر، وعمل على تجميع قواها وترتيب صفوفها وانضوائها تحت قيادتها.
كما ينبغي التأكيد على أن هذا التيار لم يتخل عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على وظائف الهيئات العرفية، ونصرة التعليم المسجدي. كما أنه خلال الخمسينيات شهد مرحلة ضعفه وسقوط قلاعه وتشتت قواه والتحاق الكثير من أتباعه بصف الإصلاح، ثم تخلى عن معارضته تدريجيا، وسلك طريق الإصلاح في الكثير من مشاريعه وأعماله.
12 - أدركت الحركة الإصلاحية أنها لن تستطيع أن تذهب بعيدا في تشييد صرحها الإصلاحي إن هي لم توفر لنفسها سندا ماديا قويا وقاعدة اقتصادية ثابتة لتمويل مشاريعها وبناء مجدها فاتجهت إلى توجيه الناس إلى العمل والكسب، وغرست فيهم روح البذل والعطاء في سبيل الله تعالى، وأقنعتهم بضرورة احتضان مشاريعها، كما عملت على إنشاء بعض المؤسسات الاقتصادية القوية بتكتيل جهود وأموال بعض التجار، كما أقامت جولات منتظمة لجمع التبرعات لمشاريعها والدعاية لها.
13 - أدركت الحركة الإصلاحية أن الصحافة سلاح معاصر جديد قوي ومهم، فولجت غماره وخاضت تجربة ناجحة فيه من خلال تبنيها صحافة الشيخ أبي اليقظان ودعمها لها، واعتبارها لسان حالها ومنبرها الناطق باسمها والمعبر عن أفكارها وقناعتها وتوجهاتها ومواقفها. فقامت من خلالها بدور فعال في نصرة القضايا الجزائرية والإسلامية والدفاع عنها، وإيقاظ الوعي لدى الجماهير، ومحاربة الاستعمار وكشف مخططاته الفاسدة وسياساته المقيتة. (1/633)
صفحة 634
خاتمة
602
14 - أدركت الحركة الإصلاحية أهمية دورها الجزائري وواجبها الإسلامي، فربطت العلاقات الوطيدة مع علماء الجزائر ورجالها الوطنيين، وشاركت بالرأي والموقف والعمل في الأحداث والقضايا الوطنية. وناصرت وأيدت صوت الحق والوطنية، وأدركت أن ذلك يعد جزءا من رسالتها الإصلاحية.
15 - أدركت الحركة الإصلاحية أن من أكبر جبهات الإصلاح، ومن أكبر تحدياته إعداد الجيل الصاعد وتربيته تربية سليمة على أسس الإسلام وقيمه وثوابته وتحضيره للمستقبل، فركزت في فلسفتها التربوية التعليمية على البعد العقدي والأخلاقي والعلمي والاجتماعي العملي، فكرست جهودها في مسيرة متواصلة لم تشهد أي توقف أو تعثر لبناء هذا الجيل، وإحداث الإصلاح التربوي التعليمي؛ ففتحت المدارس، وطورت البرامج وجلبت التجارب، وشجعت التعليم الفرنسي، وأنشأت معهد الحياة وخصته بعناية فائقة ورابط أعلامها ومشايخها في حلقاته، ورأت فيه مشتلة لتخريج النخب والكفاءات، وأرسلت طلبتها لاستكمال دراستهم في المعاهد والجامعات الإسلامية، وأنشأت لهم البعثات العلمية لرعايتهم وتوفير ظروف الدراسة واستزادة التكوين.
16 - التفتت الحركة الإصلاحية إلى تعليم المرأة، فوجدته في حالة بدائية يرثى له، فقامت فيه بجهود معتبرة، ففتحت المدارس، وطورت البرامج، ونشرت التعليم وقلصت الأمية.
17 - تواصلت جهود الحركة الإصلاحية في المجال الاجتماعي والتربوي التعليمي بعد استقلال الجزائر ولم تشهد توقفا أو تعثرا، إدراكا منها بأهمية هذا العمل وحاجة المجتمع الأكيدة والمتجددة له. فلم تتنازل عن مؤسساتها ولم تقبل إيقاف مسيرتها بأي حال من الأحوال.
كما شهدت مع فجر الاستقلال مرحلة اكتمال نضجها وبناء صرحها واستقرار بنيانها، رغم الهزات العنيفة التي لاقتها من بعض دوائر حزب جبهة
التحرير الوطني وأجهزة السلطة على المستوى المحلي في وادي ميزاب. (1/634)
صفحة 635
603
خاتمة
18 - اعتمدت الحركة الإصلاحية على محورية القيادة، التي تمثلت في نخبة من العلماء والمشايخ والأعيان، التي كانت تحرك خيوط المجتمع وتصنع أحداثه، مع التركيز على شخصية القائد الشيخ بيوض، حيث كان رمز الإصلاح وإمام الحركة وقدوتها وزعيمها والناطق باسمها، ولعل ذلك ما ينسجم مع طبيعة المجتمع، الذي يدين للشخص الرمز ويضع ثقته الكبيرة فيه.
19 - نستطيع القول إن الحركة الإصلاحية قدمت نموذجا عمليا وتجربة واقعية معاصرة للعالم الإسلامي في قدرتها على بناء مجتمع يدين عمليا بالشريعة الإسلامية ويلتزم بها في أغلب مجالات حياته، ويجتهد في إطار مبادئها ليجد حلولا لمشاكله الراهنة.
لنا أن نتساءل الآن عن مدى تمكن النهضة الإصلاحية من تحقيق أهدافها التي سطرتها لعمليتها الإصلاحية؟
نجيب بالقول إن تحقق هذه الأهداف هو تحقق نسبي بلا شك، إلا أننا نقر وتعتقد بناء على ما استعرضناه في البحث، وكنتيجة من نتائجه أن الحركة الإصلاحية نجحت في قطع أشواط معتبرة في سبيل تحقيق أهدافها.
ذلك أنها استطاعت أن تحدث الإصلاح، وأن تصحح الكثير من الأخطاء، و تحارب الكثير من البدع وأن ترد للدين نقاءه وصفاءه، وأن تعيد بعث الإيمان في القلوب، وأن تحيي أثره في النفوس، وبعده في الأعمال.
كما استطاعت أن تحارب الجمود الفكري في العقول، وتمحو آثاره السلبية في الحياة، وتقضي عليه إلى حد بعيد، حتى نزعت منه مفعوله السلبي على المجتمع، بعدما كان يشكل جدارا صلبا أمام عملية الإصلاح.
كما استطاعت أن تقاوم الاستعمار، وتتصدى لمفاسده، وتخوض معه معارك كثيرة؛ نجحت وانتصرت فيها رغم ضعف إمكانياتها أمام إمكانياته وجبروته وطغيانه. (1/635)
صفحة 636
خاتمة
604
كما استطاعت أن تعتني بالفرد والأسرة والمجتمع من خلال دروس المساجد
ودور الهيئات العرفية فربت وعلمت ووعت ووجهت نحو الوجهة الصحيحة في الحياة.
كما استطاعت أن تربي الجيل وتعلمه وتحاصر الأمية، وتعده لخوض المعركة الفاصلة مع مع الاستعمار باندلاع الثورة التحريرية وتعده لحمل أمانة بناء
العباد والبلاد بعد الاستقلال.
كما استطاعت أن ترفع الوعي في الجماهير وتغير الذهنيات وتصحح المفاهيم حول الدين والحياة، وتدفع الناس إلى عمارة الحياة بالخير والعمل الصالح، والأخذ بأسباب التمكين.
بهذه الجهود العظيمة والأعمال الجليلة نستطيع القول إن النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر شاركت في إحداث النهضة الجزائرية، ومن ورائها النهضة الإسلامية.
لا
إن كلامنا السابق عن المنجزات الحضارية التي حققتها النهضة الإصلاحية يعني ارتفاعها عن الأخطاء والسلبيات والنقائص، لا شك أن لها حظها من ذلك شأن أي عمل بشري، وقد أشرنا إلى بعضها في ثنايا البحث، ونأتي لنعدد بعضها الآن:
1 - لم تستطع الحركة الإصلاحية الحفاظ على وحدة المجتمع، وبقائه صفا واحدا أثناء تجسيد مشروع نهضتها الإصلاحي، فهي تتحمل جزءا من مسؤولية إحداث شرخ اجتماعي عميق نتج عنه قسمة مجتمع وادي ميزاب إلى صفين متخاصمين متعارضين؛ لا تزال الآثار السلبية لهذا الانقسام بادية فيه إلى حد اليوم كما أنها لم تجتهد كثيرا فيما بعد على جبر هذا الكسر، وإعادة المياه إلى مجاريها بعد أن استتب لها الأمر.
2 - ركزت الحركة الإصلاحية كثيرا على شخصية الزعيم القائد، حيث كانت شخصية محورية مركزية؛ كل شيء ينطلق منه ويعود إليه، وقد أثر ذلك ـ نوعا ما ـ (1/636)
صفحة 637
605
خاتمة
على التمكين أكثر للمؤسسات وإتاحة الفرص للأفراد؛ ولعل ذلك ما كان ينسجم طبيعة المجتمع الذي كان يدين لزعيم القبيلة وشيخ الجماعة.
3 - كرست الحركة الإصلاحية فكرها وجهودها وقدراتها لمجتمعها، وكان بإمكانها أن تتفتح أكثر على المجتمع الجزائري من حولها فتفيده بتجربتها وتسهم أكثر في النشاط الوطني. 4 - كانت جهود الحركة الإصلاحية تجاه المتساكنين معها في وادي ميزاب من غير الإباضية محتشمة دون المستوى، فرغم ما قدمته لهم من خدمات وفتحت مدارسها ومعهدها لهم، إلا أن العلاقات معهم بقيت محدودة وفي أطر ضيقة، وفي مناسبات قليلة، وكان بإمكانها أن تغمرهم بنهضتها الإصلاحية.
الاستقلال.
5 - ركزت الحركة الإصلاحية في تكوين طلبتها على جانب العلوم الشرعية والعربية، ولم تعن كثيرا بالتكوين في بقية العلوم الإنسانية والتطبيقية، خاصة وهي تعدهم لتحمل المسؤوليات في ميادين الحياة المختلفة بعد 6 - كانت نظرة الحركة الإصلاحية لتعليم المرأة دون المستوى المطلوب، لذا جاءت جهودها في تطويره متأخرة، وحددت له سقفا معينا لم ترد تجاوزه، وكان بإمكانها أن تصل به إلى مستويات أعلى في إطار ضوابط الشريعة والأعراف الاجتماعية.
7 - اعتمدت الحركة الإصلاحية في تمويل مشاريعها أساسا على جمع التبرعات من المحسنين ولم تنجح في إيجاد بدائل اقتصادية قوية وقارة لتضمن استمرار مشاريعها، وتخفف الحمل عن أفراد مجتمعها؛ حيث بقيت تجربتها الاقتصادية بسيطة.
8 - كان بالإمكان للحركة الإصلاحية أن تقوم بدور أكبر وتأثير أقوى على إباضية الخارج، بخاصة إباضية المغرب من تونس وليبيا، فتستغل قوتها ونفوذها وقدراتها في إحياء حركتهم وبعث نشاطهم من جديد، وتصدير نهضتها إليهم، وإخراجهم من الأوضاع المتردية التي يعيشونها، لكنها اكتفت باستقبال بعض طلبتهم في مدارسها ومعهدها فقط، وعقد بعض الزيارات إليهم، ولم تهتم بلعب (1/637)
صفحة 638
خاتمة
606
دور أكبر كتنظيم صفوفهم وتزويدهم بالتجربة الاجتماعية التي ينعم بها وادي ميزاب وإعادة بعث نظام العزابة لديهم، ولعل الأوضاع السياسية في هذه البلدان
حالت دون ذلك.
9 - كان تموقع الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي وربط العلاقات مع العلماء وشهود محافله والمشاركة في أحداثه دون المستوى المطلوب والمنتظر، رغم الجهود المبذولة والخطوات النوعية العديدة والأعمال الجديدة المنجزة؛ إلا أنه كان بالإمكان أن تؤدي دورا أكبر؛ فتسمع صوتها وصوت نهضتها في هذه المحافل الإسلامية وتعقد علاقات وطيدة مع كبار علماء الإسلام، فتعرف بنهضتها وبمذهبها، وتصحح النظرة التاريخية الخاطئة عنه، وتقدم تجربتها الحضارية للعالم الإسلامي، ويكون لها قدم راسخ في محافله العالمية.
هذه
هي
أهم النتائج التي توصل إليها البحث، وبذلك نكون قد أثبتنا الأطروحة التي تبنيناها في المقدمة؛ القائلة بإن إباضية الجزائر أحدثوا - فعلا - نهضة إصلاحية في تاريخهم الحديث والمعاصر.
بعد هذا نأتي لتحديد بعض مقترحات بحوث حول النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر نرى أنها مازالت لم تعن بالدراسة، وتحتاج لبحوث متخصصة معمقة. هذا ما يتمثل فيما يلي:
1 - مسار النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر من الاستقلال إلى نهاية
القرن العشرين.
2 ـ الفكر السياسي للنهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر. 3 - الفكر التربوي عند الحركة الإصلاحية من خلال دروس بيوض السمعية.
الشيخ
في الأخير أود أن أنهي هذه الأطروحة بناء على ما توصلت إليه من نتائج بنظرة استشرافية لمستقبل إباضية الجزائر على ضوء أوضاعهم الداخلية، وما يحيط بهم من تحديات خارجية وطنية وعالمية. (1/638)
صفحة 639
607
خاتمة
رؤية استشرافية المستقبل إباضية الجزائر
شهد مجتمع إباضية الجزائر في وادي ميزاب بعد الاستقلال ظروفا جديدة تمثلت أساسا في زوال حكم الاستعمار وقيام الدولة الجزائرية، مما دفع الحركة الإصلاحية إلى إحداث تغييرات على منهج عملها وآليات تحركها.
لقد كان لبسط الدولة الجزائرية نفوذها على القطر الجزائري وقيام مؤسساتها وإداراتها على مستوى المدن والقرى أثره الضروري على الهيئات العرفية المشرفة على تسيير شؤون المجتمع في وادي ميزاب مما استدعى منها تقليص صلاحياتها، وحصر أعمالها في دائرة الجهود الدينية الاجتماعية والتربوية التعليمية. للأسف نقول: إن وادي ميزاب مني بعد استقلال الجزائر بجماعة كانت تنشط ضمن حزب جبهة التحرير الوطني بولاية غرداية اتسمت بمواصفات الكراهية للحركة الإصلاحية ورجالها، والازدراء من نظام العزابة ومشايخه، مما جعلها تعمل ما في وسعها لتضييق الخناق على كل ما هو عرفي اجتماعي في وادي ميزاب بدعوى فرض هيبة الدولة، وإرساء مؤسساتها على أرض الواقع.
وقد تركزت صور هذه الكراهية على شخص عالم وادي ميزاب ورمزه الأول وقائد نهضته الإصلاحية الشيخ بيوض؛ حيث منع من إلقاء دروسه التفسيرية في المسجد، واستجوب واستنطق وأهين في العديد من المرات وأدخل السجن بعد الاستقلال.
مع هذه الظروف والأوضاع الجديدة استمرت الحركة الإصلاحية في مسيرتها، وركزت جهودها على المجتمع والتعليم، حتى بلغت فيهما نوعا من الاستقرار والثبات، واكتمال صرح بنيانها فراهنت على الحفاظ على مكتسباتها ومنجزاتها الحضارية.
خلال هذه الفترة من بعد الاستقلال شهد المجتمع الجزائري بصفة عامة تغيرات سياسية واجتماعية جديدة من تبني السلطة نهج الاشتراكية ومحاولتها تجسيد أفكارها ونظمها في المجتمع، وقد لاقى ذلك معارضة شديدة (1/639)
صفحة 640
خاتمة
608
من المشايخ على مستوى وادي ميزاب ورأوا فيه انحرافا عن نهج الشهداء والثورة ومبادئ الإسلام.
كما هددت مؤسسات الحركة الإصلاحية التعليمية بالتأميم والمصادرة من الدولة في إطار قوانين وحدة التعليم؛ إلا أنها ثبتت واستطاعت أن تقنع السلطات العليا في البلاد بجدوى بقاء مؤسساتها وتفهم خصوصياتها، فنجحت في ذلك وتمكنت من الحفاظ عليها.
مضت الحركة الإصلاحية في مشروعها الإصلاحي الاجتماعي التعليمي إلى وفاة زعيمها الشيخ بيوض سنة 1981 م وما بعده، ولم تتأثر بغياب قائدها كثيرا كما كان يتوقع ويتخوف منه، إذ إن القائد أفلح في بناء مؤسسات أهلية قوية، وفي تشكيل قيادة نوعية موحدة، وفي تكوين نخب وكفاءات عالية كثيرة، وفي تخريج أجيال متعلمة متربية عديدة، وفي ترك مدرسة فكرية إصلاحية ولودة متجددة
متأقلمة مع العصر. إلا أنه يسجل عليها ركونها - بعد ذلك - إلى حالة من الفتور والركود، مما يستدعي بذل جهود لبعث حيويتها وحركيتها من جديد. أما
عن آفاق إباضية الجزائر خلال القرن الواحد والعشرين في ظل التغيرات العالمية الكبرى؛ فإننا نرى أن تحديات كبيرة وخطيرة تهدد بقاءها أصلا أقلية نوعية في الجزائر، وأن عليها إن أرادت فعلا أن يبقى الحضارتها قدم على مسرح التاريخ، وأن لا تغادره لتصبح صفحة من صفحات الماضي، فعليها ما يلي:
أ - أن تعي جيدا أنها مهددة في بقاء كيانها، بحكم التأثيرات الخارجية العالمية القوية مما يسمى بالعولمة بمختلف صورها وأشكالها، التي تعمل على سحق الأقليات وإذابة الخصوصيات نحو نموذج المجتمع العالمي الموحد.
ب ـ أن تعتقد فعلا أن مصدر قوتها في إسلامها عقيدة وقولا وعملا، وأنها لا تساوي شيئا إن هي تساهلت في ذلك أو تخلت عن تشبثها بدينها وانتمائها لأمة الإسلام، وأن عليها أن تسخر جهودها لتعض على ذلك بالنواجذ. (1/640)
صفحة 641
609
خاتمة
ج ـ أن تعي فعلا أنها جزء لا يتجزأ من الجزائر، وأن تسهم بجدية في بناء الدولة الجزائرية وتدعم كل ما فيه خير وصلاح التوجه الحضاري الإسلامي في الجزائر.
د - أن تدرك جيدا بأن جبهات عديدة داخلية وخارجية تنتظرها لإحداث الإصلاح والتغيير فيها، حتى تضمن لها مقعدا في المستقبل، يمكن حصر أهمها
فيما يلي:
1 - العمل على إعادة اللحمة والتوافق بين التيارات والمدارس والقوى الخيرة العملية الفاعلة الموجودة داخل مجتمع إباضية الجزائر. 2 ـ الاتفاق على الخطوط العريضة الراهنة والمستقبلية للعمل والإصلاح
والاجتهاد، وتحديد الخطوط الحمراء التي يحرم تجاوزها في حال الاختلاف. 3 - تكاثف الجهود والتعاون على إصلاح أوضاع المجتمع ومحاربة الانحرافات والمفاسد فيه، والحرص على الالتزام بالدين عقيدة وقولا وعملا في كل مجالات
الحياة.
4 - العمل على التمكين للهيئات العرفية، وتفعيل دورها والتجديد في هياكلها وأنظمتها وطرق تسييرها بما يتوافق مع العصر.
5 - العمل على تنظيم المجتمع المدني، وتأطيره، والاستفادة من تجاربه وخبراته للتعاون على توعية المجتمع وتثقيفه ومحاربة المفاسد فيه. 6 ـ العمل على تصحيح العلاقة مع الإخوة المتساكنين، وإرساء قواعد التعايش وقيم التسامح ببذل جهود عملية وربط علاقات وطيدة معهم، والتعاون على كل ما فيه خير وصلاح لوادي ميزاب والجزائر والتعاون على محاربة كل ما فيه فساد وهلاك لوادي ميزاب والجزائر.
7 ـ العناية بالمرأة أكثر تربية وتعليما وتوعية وتثقيفا، والدراسة المعمقة لدورها المنوط بها في الأسرة والمجتمع والتوافق والتقارب بين وجهات النظر حولها، وتوفير الإطار الشرعي والأخلاقي لتقوم بدورها الحضاري.
41 (1/641)
صفحة 642
خاتمة
610
8 - العمل على تطوير التعليم القرآني الحر، مما يمكن من بناء شخصية الطفل، ويعرفه بدينه ومذهبه ووطنه، وينشئه على الأخلاق والقيم الإسلامية.
9 - العناية بالنخبة العلمية في كل المجالات والتخصصات، والعمل على تأطيرها وتبوؤ مكانتها في المجتمع، وإسهامها الفعلي في تسييره وتطويره وتوجيهه نحو الوجهة الصحيحة.
10 - العناية بالمذهب الإباضي علميا بتكوين المختصين فيه تاريخا وفكرا وعقيدة وفقها والعمل على تحقيق تراثه وطبع، مصادره، وإعادة دراسته ونقده داخليا والجرأة على تقويم أخطائه وضبط مساره، والعمل على حضوره وتموقعه في المحافل الوطنية والإسلامية، وتصحيح الرؤى الخاطئة حوله، وبذل المزيد من الجهد لأجل اعتباره - فعليا - ضمن دائرة المذاهب الإسلامية الوسطية المعترف بها إسلاميا.
هذه أهم الجبهات المفتوحة على إباضية الجزائر في العمل والإصلاح في حاضر أيامها ومستقبلها لأجل إثبات شهودها الحضاري خلال القرن الواحد والعشرين
وما بعده.
هذا ما فتح الله تعالى به علي في هذا البحث، وهذا هو جهدي في هذه الأطروحة، التي أعتقد أنها أضحت جزءا مني وأنا جزء منها، والتي أرجو من خلالها أني قد قدمت شيئا للإسلام وللعلم وللتاريخ وللجزائر، يمكن أن يكون لي. ذخرا وشفيعا بين يدي ربي؛ أرجو ثوابه وغفران الذنوب به، وأن يبقى علما ينتفع به، وذكرا طيبا حسنا لي من بعدي.
فما كان فيه من خير وصواب فمن الله تعالى ومن توفيقه وإحسانه ومنه وأفضاله علي وما كان فيه من باطل وزلل وخطإ فمن نفسي ومن الشيطان وليضرب به عرض الحائط، وأستغفر الله تعالى منه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين * (1/642)
صفحة 643
فهرس المصادر والمراجع
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث
فهرس الأسماء والأعلام
فهرس البلدان والأماكن
الفهارس
فهرس الأديان والشعوب والفرق والمذاهب
ملخص البحث بالإنجليزية
فهرس محتويات البحث (1/643)
صفحة 644
[صفحة فارغة] (1/644)
صفحة 645
613
فهرس المصادر والمراجع
فهرس المصادر والمراجع
1 - إبراهيم أبو إسحاق اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين. دت.
-2 - إبراهيم أبو إسحاق اطفيش: مجموعة رسائل الشيخ أبي إسحاق إلى الشيخ أبي اليقظان جمع الدكتور محمد ناصر. دت.
3 - إبراهيم أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، تونس، 1341 هـ.
-4 - إبراهيم أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، دار هومة، تق وتع: د. محمد ناصر، 2003 م.
5 - إبراهيم أبو اليقظان: ديوان أبي اليقظان، دراسة: الدكتور محمد ناصر، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1989 م.
6 - إبراهيم أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي اليقظان (1) جريدة وادي ميزاب، 1926 - 1929 م، إعداد وتقديم: محمد صالح ناصر، نشر مكتبة الريام، 1424 هـ/2003 م. 7 - إبراهيم أبو اليقظان، ملحق سير الشماخي، مخطوط.
8 - إبراهيم نجاز الدولة الرستمية، ط 1، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985 م. 9 - إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة، الزيتونة للإعلام والنشر، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1990 م.
10 - إبراهيم بيوض المجتمع المسجدي، جمع وإعداد: محمد ناصر بوحجام، دت. 11 - إبراهيم بيوض: تقرير حول التعليم العربي الحر بوادي ميزاب، منشور ضمن كتاب: رابح تركي العليم القومي والشخصية الجزائرية. ط 4، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984 م.
12 - إبراهيم بيوض: حديث الشيخ الإمام ردا على بعض الشبهات والأوهام، إعداد وتنسيق: محمد إبراهيم سعيد كعباش، الحلقة الأولى، جمعية النهضة، غرداية، الجزائر، 1992 م. 13 - إبراهيم بيوض: رسالة مطولة حول دواعي دخوله المجلس الجزائري بعث بها إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش في القاهرة. مخطوطة. (1/645)
صفحة 646
:
فهرس المصادر والمراجع
614
14 - إبراهيم بيوض: فتاوى الإمام الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر، ترتيب وتقديم وتخريج: بكير الشيخ بالحاج، المطبعة العربية، غرداية، 1988 م.
عيسي
15 - إبراهيم بيوض في رحاب القرآن، تفسير سورة الإسراء، تحرير الأستاذ الشيخ بالحاج مراجعة الدكتور محمد ناصر، ط 1، دار النهضة للنشر والتوزيع،
سلطنة عمان، 1992 م. 16 - إبراهيم بيوض في رحاب القرآن مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم، غرداية، نشر جمعية التراث، دت.
17 - إبراهيم بيوض وثيقة مطالب الأمة الميزابية إلى لجنة الإصلاحات الفرنسية، الجزائر، 03 جانفي 1944 م.
-18
1 - إبراهيم بيوض وثيقة نداء إلى الشعب الميزابي، الجزائر، 24 أفريل 1946 م. 19 - إبراهيم حاج أيوب القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، المطبعة العربية، غرداية، 1990 م.
20 - إبراهيم طلاي ميزاب بلد كفاح دار البعث قسنطينة، 1390 هـ/ 1971 م. 21 - ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، تح وتع محمد ناصر وبحاز إبراهيم، المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986 م.
22 - أحمد أبو العباس الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاي، مطبعة البعث قسنطينة، الجزائر، 1974 م.
23 - أحمد أبو العباس الشماخي سير المشايخ، طبعة حجرية، 1301 هـ. 24 - أحمد الخطيب: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985 م.
25 - أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية الرغاية، الجزائر، 1990 م. 26 - أحمد بن محمد أبو العباس الفرسطائي: القسمة وأصول الأرضين، تح: بكير الشيخ بالحاج، محمد ناصر، ط 2 المطبعة العربية غرداية، نشر جمعية التراث القرارة، الجزائر،
1418 هـ/ 1997 م. (1/646)
صفحة 647
615
فهرس المصادر والمراجع
27 - أحمد توفيق المدني: جغرافية القطر الجزائري، ط 2، المطبعة العربية، الجزائر، 1952 م. 28 - أحمد توفيق المدني: حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، 1492 - 1792 م، ط 2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976 م.
29 - أحمد توفيق المدني: حياة كفاح الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976 م.
30 - أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، ط 1، المطبعة العربية، الجزائر، دت. 31 - أحمد توفيق المدني: محمد عثمان باشا، سيرته وحروبه، نظام الدولة والحياة العامة في عهده، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986 م.
32 - احمد رحماني: التفسير الموضوعي، نظرية وتطبيق الجزائر، باتنة، منشورات جامعة باتنة،
ط 1، دت.
-33 - أحمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1991 م. 34 - أحمد كروم العلامة الجليل الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي، 1887 م – 1984 م، حياته وآثاره، نشر جمعية الأمل للتربية والثقافة، العطف، غرداية، 1415 هـ/ 1995 م.
35 - بسام العسلي: عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية، ط 2، دار النفائس بيروت لبنان، 1406 هـ/1986 م. 36 - بكير أعوشت وأحمد كروم مسلمات صالحات في روضة الإيمان، المطبعة العربية، غرداية، دت.
37 - بكير أعوشت: الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، المطبعة العربية، غرداية، 1987 م.
38 - بكير أعوشت قطب الأيمة العلامة محمد بن يوسف اطفيش حياته وآثاره الفكرية وجهاده، المطبعة العربية، غرداية، 1989 م.
39 - بكير أعوشت وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية دينيا تاريخيا، اجتماعيا، المطبعة العربية، غرداية، 1991 م.
40 - بكير الشيخ صالح وآخرون منظمتا إيروان وإمسوردان، دت.
41 - بكير واعلي الإمامة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق، مقارنة مع أهل السنة والجماعة، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، الجزائر، 1421 هـ/2001 م. (1/647)
صفحة 648
فهرس المصادر والمراجع
616
42 - بالحاج قشار: عوائد ميزاب سنن لا تقاليد، دت. 43 - جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، أربع مجلدات من القرن الأول الهجري إلى الخامس عشر الهجري قسم المغرب، نشر جمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر،
1420 هـ/ 1999 م. 44 - حمو عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية قديما وحديثا من سنة 1505 إلى 1962 م، دار الكروان، باريس، 1984 م.
45 - حمو فخار كان حديثا حسنا، مناقب القائد المربي الشيخ بيوض إبراهيم، تق: د. محمد ناصر، نشر جمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر، 1420 هـ/ 2000 م.
46 - خير الدين الزركلي الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء والعرب
والمستعربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، ط 7، بيروت، لبنان، 1986 م.
47 - رابح تركي الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر، ط 4، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984 م.
48 رابح تركي العليم القومي والشخصية الجزائرية 1931 1956 م، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981 م.
49 - الربيع
-49 الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، ترتيب الشيخ أبي يعقوب الوارجلاني، مصور عن المطبعة العربية بدمشق، 1388 هـ في المطبعة العربية بغرداية، 1985 م. 50 - الزبيف سيف الإسلام تاريخ الصحافة في الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر، 1971 م. 51 - زكرياء الشيخ بالحاج وآخرون ضوابط علاقات العمل المطبعة العربية، غرداية، 1424 هـ/2003 م.
-52 - زينب عصمت: راشد تاريخ أوربا الحديث، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر،
2005/ 1426
53 - سعد الله أبو القاسم الحركة الوطنية الجزائرية، 1830 – 1900 م، ج 1، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1992 م.
54 - سعد الله أبو القاسم الحركة الوطنية الجزائرية، 1900 1930، ج 2، ط 4، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1992 م. (1/648)
صفحة 649
617
فهرس المصادر والمراجع
55 - سعد الله أبو القاسم الحركة الوطنية الجزائرية، 1900 - 1930 م، ج 2، ط 3، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983 م.
56 - سعد الله أبو القاسم الحركة الوطنية الجزائرية، 1930 - 1945، ج 3، ط 4، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1992 م.
57 - سعد الله أبو القاسم الحركة الوطنية الجزائرية، 1930 - 1945، ط 3، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986 م.
58 - سعد الله أبو القاسم: تاريخ الجزائر الثقافي، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1998 م.
59 - سعد الله أبو القاسم: تاريخ الجزائر الحديث، بداية الاحتلال، مطبعة الجبلاوي، القاهرة، مصر، 1970 م،
60 - سعيد شريفي معهد الحياة نشأته وتطوره، ط 1، المطبعة العربية، غرداية 1989 م. 61 - صالح الخرفي: صفحات من الجزائر، مجموعة دراسات ومقالات، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1973 م.
62 - صالح الخرفي من أعماق الصحراء، دار الغرب الإسلامي، بيروت ـ لبنان، 1991 م. 63 - صالح الخرفي: من أعماق الصحراء، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1991 م. 64 - صالح، بهون بشير حاج موسى: الجذور التاريخية للتعليم القرآني الحر بميزاب وتطوره، دت.
65 - صالح سماوي: العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، الجزائر، 1427 هـ/2007 م.
66 - صالح لعلي: البراهين القاصفة لمتتبعي الفلاسفة، دت.
67 - صالح لعلي: إماطة اللثام عن بعض اللثام. دت.
68 - صلاح عبد الفتاح الخالدي: التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق، دار القلم، بيروت،
لبنان، 1997 م.
69 - عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، ط 2 مؤسسة نويهض الثقافية، بيروت، لبنان، 1400 هـ/ 1980 م. (1/649)
صفحة 650
618
فهرس المصادر والمراجع 70 عبد الرحمن ابن خلدون كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1402 هـ/ 1981 م.
71 - عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ط 4، دار الثقافة، بيروت، 1400 هـ/ 1980 م. 72 - عبد الرحمن بكلي: فتاوى البكري، ج 1، المطبعة العربية، غرداية، 1402 هـ/1982 م. -73 - عبد الرحمن بكلي: محاضرات البكري في العلم والعلماء، إعداد وتقديم: مصطفى صالح باجو، نشر مكتبة البكري العطف، غرداية، الجزائر، دت.
74 - عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، نشر مكتبة البكري، المطبعة العربية، غرداية، 2004 م.
75 - عبد الرحمن بكلي: مقدمة على كتاب النيل للشيخ عبد العزيز الثميني، ط 2، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1389 هـ/ 1969 م.
76 - عبد الكريم بوصفصاف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية، 1931 - 1945 م، ط 1، نشر دار البعث، قسنطينة، 1401 هـ/ 1981 م.
77 - عبد المنعم الهاشمي: موسوعة تاريخ العرب، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 2006 م. 78 - عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش نشر جمعية التراث القرارة، الجزائر، دت. 79 - علي يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، المطبعة العربية، غرداية - الجزائر، 1987 م.
80 - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4 الإباضية في الجزائر، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1985 م.
81 - علي يحيى معمر الإباضية، دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، المطبعة العربية، غرداية، 1985 م.
82 - عمر إسماعيل آل حكيم مقابلة مع شاهد القرن، ط 1، 1427 هـ/2006 م. 83 - عمر الحاج امحمد مذكرات ووثائق رسمية عن وادي ميزاب من الناحية الدينية والسياسية والاجتماعية، من سنة 1853 - إلى سنة 1951، مطبعة النهضة، تونس، 1951 م. (1/650)
صفحة 651
619
فهرس المصادر والمراجع
84 - عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان، ط 1، سلطنة عمان، 1982 م.
85 - عيسى باعمارة: المجالس العامة لميزاب، 1988/ 1405 م، دت.
86 - غازي التوبة: الفكر الإسلامي المعاصر، دراسة وتقويم، دار القلم، بيروت، لبنان، 1977 م. 87 - فرحات الجعبيري: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المطبعة العصرية،
1987/ 1395
88 - فرحات عباس: ليل الاستعمار، تع أبو بكر، رحال، مطبعة المحمدية، المغرب، دت 89 - قاسم الشيخ بالحاج: الشاعر صالح الخرفي، صفحات في مساره الفكري والأدبي، المطبعة العربية غرداية، نشر الجمعية الثقافية أنغام الحياة، القرارة، الجزائر، 2003 م. 90 - قاسم الشيخ بالحاج الشيخ علي معمر، أضواء على شخصيته وفكره، ط 1، المطبعة العربية غرداية، نشر جمعية التراث، القرارة، 1424 هـ/2003 م.
91 - قاسم الشيخ بالحاج مذكرات من أعماق جزيرة زنجبار، منشورات التبيين، الجاحظية،
2001/ 1402
92 - قاسم الشيخ بالحاج نظرية الحضارة عند المفكر مالك بن نبي، منشورات التبيين، الجاحظية، 1998 م.
93 - مالك بن نبي: شروط النهضة، سلسلة مشكلات الحضارة، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1406 هـ - 1986 م.
94 - المجلة الزيتونية: من سنة 1936 م إلى سنة 1955 م، تسعة أجزاء، دار الغرب الإسلامي، دت.
95 - مجموعة من الأساتذة: القانون الأساسي لوحدة التعليم العربي بميزاب (الجزائر) واللائحة الداخلية، 1364 هـ/ 1945 م.
96 - مجموعة من المؤلفين: موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين، دار الحضارة، الجزائر
-2003
97 - مجهول الجمعيات الخيرية في وادي ميزاب دت. (1/651)
صفحة 652
فهرس المصادر والمراجع
620
98 - محمد ابن منظور لسان العرب، دار صادر، بيروت، دت.
99 - محمد الشيخ بالحاج مميزات الإباضية نشأة وتأصيلا، تفريعا وسلوكا، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1991 م. 100 - محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ثلاثون جزء، الدار التونسية للنشر، 1984 م.
101 - محمد الفاضل بن عاشور الحركة الأدبية والفكرية في تونس، الدار التونسية للنشر، أفريل 1983 م.
102 - محمد الفيروز آبادي القاموس المحيط؛ تح: العرقسوسي محمد نعيم، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1994 م.
103 - محمد بن مكرم ابن منظور لسان العرب المحيط، إعداد وتصنيف: يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت، لبنان، 1408 هـ/ 1998 م. 104 - محمد بن يعقوب الفيروزبادي: القاموس المحيط، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1952 م.
105 - محمد بوذينة تونسيون في تاريخ الحضارات، ط 1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع تونس، أكتوبر 1998 م.
106 - محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون، ط 2، دار الكتب الحديثة، القاهرة، مصر،
1976/ 1396
107 - محمد سعيد كعباش العطف تاجنينت، نشر جمعية ألفية العطف، العطف، غرداية،
p 1996
108 - محمد صالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، الدار العربية للكتاب، 1983 م.
109 - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 1، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1394 هـ/ 1974 م.
110 - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 2، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1396 هـ/ 1976 م. (1/652)
صفحة 653
621
فهرس المصادر والمراجع
111 - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1398 هـ/ 1978 م.
112 - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 4، ط 1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400 هـ/ 1980 م. 113 - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 5، ط 1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1403 م/ 1982 م. 114 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير، ط 1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، مصر، 1382 هـ/ 1963 م.
115 - محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 1، ط 1، مطبعة التعاونية،
1385 هـ/1965 م.
116 - محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 2، ط 1، المطبعة العربية، الجزائر، 1391 هـ/ 1971 م.
117 - محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 3، ط 1، المطبعة العربية،
1969/ 1389
118 - محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم بحاشية المصحف الشريف، ط 2، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1411 هـ/ 1991 م.
119 - محمد العساكر: محاضرة مطبوعة بعنوان: دور الشيخ أبي اليقظان في تأسيس البعثة العلمية ومساهمته في الحركة الوطنية بتونس ألقيت في مهرجان الشيخ أبي اليقظان الذي نظمته جمعية البلابل الرستمية بغرداية، سنة 1979 م.
120 - محمد مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، تح: عبد الستار أحمد فراح، دار الهداية، بيروت، 1980 م.
121 - محمد ناصر بوحجام (جمع وتعليق): أبو اليقظان في الدوريات العربية، المطبعة العربية، غرداية، 1985 م.
122 - محمد ناصر بوحجام البعد الروحي لنظام حلقة العزابة، ط 1، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1428 هـ/2007 م. (1/653)
صفحة 654
فهرس المصادر والمراجع
622
123 - محمد ناصر بوحجام التواصل الثقافي بين الجزائر وعمان. مكتبة الضامري، مسقط،
سلطنة عمان، 2003 م. 124 - محمد ناصر بوحجام التواصل الثقافي بين عمان والجزائر، ط 1، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، 1423 هـ/2003 م. 125 - محمد ناصر بوحجام السخرية في الأدب الجزائري الحديث، من سنة 1925 إلى 1962 م. ط 1، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر،
2004/ 1425
126 - محمد ناصر بوحجام الشيخ إبراهيم بيوض المصلح المربي، ط 1، مكتبة الجيل الواعد،
2004/ 1425
127 - محمد ناصر بوحجام الشيخ إبراهيم بيوض والعمل السياسي، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، 1412 هـ/ 1991 م.
128 - محمد ناصر بوحجام حياة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، دت.
129 - محمد ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، سنة
1980 م. 130 - محمد ناصر الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية الجزائر، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، الجزائر، دت.
131 - محمد ناصر: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحا وزعيما، مكتبة الريام، الجزائر، در 132 - محمد ناصر: الصحف العربية الجزائرية، 1847 - 1939، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1980 م.
133 - محمد ناصر المقالة الصحفية، الجزائرية، نشأتها، تطورها، أعلامها، من 1903 إلى 1931 م، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر، 1398 هـ/ 1978 م. 134 - محمد ناصر حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي جمعية التراث القرارة الجزائر، 1410 هـ/ 1989 م.
135 - محمد ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية، ط 2، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1418 هـ/ 1997 م. (1/654)
صفحة 655
623
فهرس المصادر والمراجع
136 - مسعود مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1417 هـ/ 1996 م.
137 - مصطفى ونتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث القرارة غرداية، الجزائر، 1417 هـ/ 1996 م.
138 - مفدي زكرياء: تاريخ الصحافة العربية في الجزائر، جمع وتحقيق أحمد حمدي، نشر مؤسسة مفدي زكرياء، دار هومة، الجزائر، 2003 م.
139 - منير شفيق: الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات، ط 1، دار قرطبة للنشر والتوزيع المحمدية، الجزائر، 2005 م.
140 - موسوعة المكتبة الشاملة: قرص مضغوط يحوي أهم مصادر الحديث. 141 - ناصر الدين سعيدوني: الجزائر منطلقات وآفاق دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2000 م. 142 - يحيى أبو زكرياء بن أبي بكر: سير الأيمة وأخبارهم، تح وتع: إسماعيل العربي، ط 1، مطبعة أحمد زبانة الجزائر، 1399 هـ/ 1979 م.
143 - يحيى بوعزيز: ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين، ط 1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400 هـ/ 1980 م.
144 - يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب المطبعة العربية، غرداية، 1992 م. 145 - يوسف الواهج المرأة في المجتمع الميزابي، ط 1، المطبوعات الجميلة، الجزائر
1982/ 1403
146 - يوسف سالم البرغثي حركة المقاومة الوطنية بالجبل الأخضر، 1927 م إلى 1932 م، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 2000 م.
الرسائل الجامعية 147 - أحمد عيساوي؛ الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي، مصلحا، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر، كلية العلوم الإسلامية الخروبة، سج: 2000 - 2001 م.
148 - بشير مرموري تعليم البنات في ميزاب بين الأصالة والحداثة، دراسة لميكانيزمات التغيير في الواقع الاجتماعي، رسالة ماجستير في علم الاجتماع، جامعة الجزائر، كلية
العلوم الاجتماعية، س ج: 0
2001 - 2000 (1/655)
صفحة 656
624
فهرس المصادر والمراجع 149 - بالحاج ناصر موقف سكان وادي ميزاب من قانون التجنيد الإجباري: 1912 - 1925، مذكرة ليسانس جامعة الجزائر، كلية العلوم الإنسانية، قسم التاريخ، س ج
2002 - 2001
150 - حمو الشيهاني: حاشية أبي يعقوب يوسف بن محمد المصعبي على رسالة أصول الدين لتبغورين، دراسة وتحقيق دبلوم الدراسات العليا جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، س ج: 1994 1995 م.
151 - زكية منزل غرابة: الفكر الإصلاحي عند الشيخ أبي اليقظان، رسالة ماجستير، جامعة قسنطينة، قسم التاريخ، س ج: 2003 2004 م.
152 - سمية فخار دراسة الفتاة الميزابية بين التعليم الحر والرسمي، مذكرة تخرج معهد الإصلاح للبنات، غرداية، قسم التخصص في التربية والعلوم الإسلامية، س ج
2006/ 1427
153 - شافية صديق إشكالية النهوض في الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية، أطروحة دكتورا، جامعة الجزائر، كلية العلوم الإسلامية، الخروبة، س ج:
2003 - 2002
154 - عمر إسماعيل آل الحكيم: الإمام الثميني وكتابه المعالم في الفلسفة وأصول الدين. رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، كلية العلوم الإسلامية الخروبة، تخصص: أصول الدين،
س ج:
p 1996 – 1997
155 - عيسى قرقب الإمام إبراهيم بيوض، رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري 1339 - 1401 هـ/ 1920 - 1981 م، أطروحة دكتورا دولة في التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة قسنطينة، قسم التاريخ، س ج: 1995 - 1996 م.
156 - لطيفة الحاج موسى المدارس الحرة في بني يزقن خلال القرن العشرين، مذكرة تخرج المعهد الجابري، بني يزقن، غرداية، سج: 2004 2005. 157 - محمد زغينة: أبو اليقظان ونثره، أطروحة دكتورا دولة في الأدب الحديث، جامعة باتنة، معهد اللغة العربية وآدابها، س ج: 1997 - 1998.
158 مريم سيوسيو: الأهداف التربوية من تعليم البنت الميزابية في المدرسة الحرة، مذكرة تخرج، معهد الإصلاح للبنات، غرداية، قسم التخصص في التربية والعلوم الإسلامية، س ج: 1427 هـ/ 2006 م. (1/656)
صفحة 657
فهرس المصادر والمراجع
625
159 - مصطفى إتبيرن: المصلحة المرسلة عند الإباضية، رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، سج:
2005 - 2004:
160 - مهدية طلاي المدرسة الإباضية الحرة، دراسة حالة المدرسة الجابرية، مذكرة ليسانس، جامعة الجزائر، معهد علم الاجتماع س ج: 2
1993 - 1992:
161 - نادية وزناجي: منهج التفسير عن الشيخين عبد الحميد ابن باديس وإبراهيم بيوض، رسالة ماجستير في العلوم الإسلامية، تخصص تفسير المعهد الوطني للتعليم العالي للعلوم الإسلامية، باتنة، سج: 1998 1999 م.
–
162 نور الدين سكحال الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه في الإصلاح، 1899 هـ/ 1980 م، رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، معهد أصول الدين، قسم الدعوة والإعلام، سج: 1994 - 1995 م.
المقالات
163 - إبراهيم أبو اليقظان جريدة الإقدام عد،85، تاريخ: 30 جوان 1922 م. 164 - إبراهيم أبو اليقظان وادي ميزاب، ع 17، تاريخ: 21/ 7/ 1927 م. 165 - إبراهيم أبو اليقظان: افتتاحية جريدة النبراس، ع 1.
166 - إبراهيم أبو اليقظان: جريدة وادي ميزاب، ع 105، تاريخ: 1926/ 10/17. 167 - إبراهيم أبو اليقظان: جريدة وادي ميزاب ع 1، تاريخ: 01 أكتوبر 1926 م. 168 - إبراهيم أبو اليقظان: جريدة وادي ميزاب ع 1، تاريخ: 01 أكتوبر 1926 م. 169 - إبراهيم أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون، منشور ضمن كتاب: أبو اليقظان: مختارات من صحف أبي اليقظان، ص 17
170 - إبراهيم أبو اليقظان: مقال بعنوان: الإصلاح، منشورة ضمن كتاب: أبو اليقظان:
مختارات من صحف أبي اليقظان، ص 11. وادي ميزاب، ع 15، 7/ 1/ 1927 م.
171 - إبراهيم أبو اليقظان: مقال بعنوان: أي هكذا جريدة البستان، ع 7. جوان 1933 م. 172 - إبراهيم أبو اليقظان: مقال بعنوان: بين الجريدة والجواق جريدة البستان، ع 1. الصادر بتاريخ: 27 أفريل 1933 م.
42 (1/657)
صفحة 658
فهرس المصادر والمراجع
626
173 - إبراهيم القرادي: دور المسجد في توجيه المجتمع، مقال منشورة ضمن كتاب: القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 38 - 52.
174 - إبراهيم القرادي مقال بعنوان: العشيرة ودورها في تكوين البنية الاجتماعية في ميزاب منشور ضمن كتاب الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 53 - 61.
175 - إبراهيم القرادي مقال بعنوان دور داخلية الحياة بالقرارة. منشور ضمن كتاب القرادي حياته وآثاره.
176 - تقرير نخبة من مجاهدي القرارة حول العمل الثوري للشيخ بيوض، منشور ضمن كتاب: إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة.
177 - عبد الحميد ابن باديس جريدة الشهاب، ج 10، ص 606 - 608.
178 - عبد الحميد ابن باديس جريدة الشهاب، ج 10، ص 606 608.
179 - عبد الحميد بن باديس: مقال بعنوان: نهضة جزائرية بالحاضرة التونسية. جريدة الصديق، ع 44، تاريخ: 19 - 09 - 1921 م.
180 - عبد الرحمن بكلي: جريدة وادي ميزاب، ع 2 تاريخ: 1926/ 10/08 م. 181 - قاسم الشيخ بالحاج مقال بعنوان آثار النهضة التونسية في الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب، مجلة الحياة الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة،
182 - قاسم الشيخ بالحاج: مقال بعنوان: الشيخ أبو اليقظان ومعالم في جهاده الإسلامي، مجلة الموافقات الصادرة عن المعهد الوطني العالي لأصول الدين، الخروبة، الجزائر، ع 5، س 1996 م. 183 - قاسم الشيخ بالحاج مقال بعنوان: معهد الحياة منارة إشعاع حضاري، مجلة العصر، الصادرة عن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائر، ع 17، تاريخ: الجمعة 04 محرم 1418 هـ/ 01 ماي 1998 م، ص 20 - 21.
184 - محمد ناصر بوحجام مقال بعنوان: الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح، ص 209 185 - محمد ناصر بوحجام مقال بعنوان: الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة، ع 9، ص 209
186 - محمد ناصر بوحجام مقال بعنوان: المعلم الكفء يحل كثيرا من مشاكل التعليم، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، عدد 1، 1998، ص 88. (1/658)
صفحة 659
627
فهرس المصادر والمراجع
187 - محمد ناصر مقال بعنوان: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، ع 1، 1998، ص 74 - 75.
188 - محمد ناصر مقال بعنوان: من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، ع 9، ص 117 - 141
189 - مصطفى باجو مقال بعنوان: الشيخ إبراهيم بيوض مربيا، منشور ضمن أعمال الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بيوض، كتاب الملتقى، ص 237.
190 - مصطفى باجو: مقدمة في كتاب مسيرة الإصلاح في جيل للشيخ عبد الرحمن بكلي، ص 14.
191 - ناصر الدين سعيدوني: مقال بعنوان: التوجه المعادي للعروبة والإسلام في السياسة الفرنسية في الجزائر، منشور ضمن كتابه الجزائر منطلقات وآفاق، ص 69 - 97
192 - ناصر الدين سعيدوني: مقال بعنوان: صدى كفاح عمر المختار في الجزائر، منشور ضمن كتابه: الجزائر منطلقات وآفاق، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2000 م. 193 - ناصر الدين سعيدوني مقال بعنوان: مسألة السيادة الجزائرية في العهد العثماني، محاولة لتقييم العهد العثماني للجزائر، منشور ضمن كتابه: الجزائر منطلقات وآفاق، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2000 م. 194 - ناصر الدين سعيدوني مقال بعنوان: مكانة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحركة الوطنية الجزائرية، منشور ضمن كتابه: الجزائر منطلقات وآفاق،،
أعمال الملتقيات العلمية:
ص
226 - 220
195 - العمارة والعمران في وادي ميزاب كتاب ملتقى الأيام الدينية الخامسة المنعقدة في مصلى العالية الجزائر في تاريخ 5، 6 ذي الحجة 1410 هـ / 28، 29 جوان 1990 م. مطبعة تقنية الألوان الجزائر. دت.
،
196 - فعاليات الأيام الدراسية العلمية الوطنية حول فكر الإمام الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي - البكري - تنظيم مكتبة الصفاء وجمعية الفتح وبلدة بريان، أيام: 21 - 21 - 23 مارس 2002 المطبعة العربية، غرداية، 2006.
197 - في رحاب القرآن محاضرات مهرجان ختم الشيخ بيوض للقرآن الكريم، القرارة، 1980 م، نشر جمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر، 1981. (1/659)
صفحة 660
فهرس المصادر والمراجع
628
198 محضر جلسات مؤتمر جمعية قدماء التلاميذ بلدة بريان، جويلية، 1963. 199 - الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، القرارة، 13 - 14 أفريل 2002، المطبعة العربية، غرداية، نشر: جمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر.
المقابلات
200 - مقابلة مع الشيخ أحمد الخليلي المفرق، الأردن، 25 مارس 2008 م.
201 - مقابلة مع الشيخ أحمد الخليلي دمشق، سوريا، ماي 2008 م. 202 - مقابلة مع الشيخ بكير الشيخ بالحاج القرارة، الجزائر، مارس 2008 م.
203 - مقابلة مع الشيخ بالحاج شريفي، القرارة، الجزائر، 28 أوت 2005 م. 204 - مقابلة مع الشيخ بالحاج شريفي، القرارة، الجزائر، 25 ديسمبر 2007 م. 205 - مقابلة مع الشيخ عدون شريفي، الجزائر، ماي، 2003 م.
206 - مقابلة مع الأستاذ علي بن إبراهيم بيوض القرارة، الجزائر، مارس 2008 م. 207 - مقابلة مع الدكتور عمر فاروق فوزي عمان، الأردن، 24 مارس 2008 م.
208 - مقابلة مع الشيخ فرحات الجعبيري تونس، فيفري 2008 م.
209 - مقابلة مع الشيخ محمد الصالح صديق الجزائر، جويلية 2007 م. 210 - مقابلة مع الدكتور محمد ناصر الجزائر، 24 جوان 2005 م.
211 - مقابلة مع الدكتور محمد ناصر، الجزائر، فيفري 2006 م. المراجع الأجنبية:
212 - Aicha Dadiaddoun: Sociologie Et Histoire Des Algerians Ibadites. Imprimerie:
Elarabia, Ghardaia, 1977.
213 - Brahim Benyoucef: Le M`zab Espace Et Société, Imprimerie Aboudaoud, El Harrah, Alger.
214 - Motylinski: Guerrara Depuis Sa Fondation, Alger, 1885.
215 - Salah Ben drissou, Institut Al hayat - 1925 - 1962, Mémoire De DEA, Paris 1993 - 1994. 216 - Yacine Dadiaddoun: Relations Entre Ibadites Et Malekites Au M'zab, Mémoire De DEA, Institut National Des Langues Et Civilisations Orientales, 1989 - 1990. (1/660)
صفحة 661
فهرس الآيات القرآنية
السورة والآية
فهرس الآيات القرآنية
الصفحة
سورة البقرة
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا 240
195
195
يَعْمَلُونَ
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلَاحَ لَّهُمْ خَيْرٌ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح
وبُعُولَتَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَالِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ 197 بالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَال عَلَيْهِنَّ دَرَجَةً وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
إنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَالوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ 197
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
سورة آل عمران
وقُل إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْيِيكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
319
وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةً يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ 98 وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ 2، 279
بالله
يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ 195 فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
سورة النساء
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنَ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا 197 إصَلاحًا يُوَفِّق اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا
لا خير في كثيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلا مَنَ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفِ أَوِ إِصْلَاح بَيْنَ 195
الناس
629
رقم الآية
134
220
220
228
277
31
104
110
114
14
114 (1/661)
صفحة 662
630
فهرس الآيات القرآنية
سورة الأنعام
وَمَا تُرسِيلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ 196
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
وَإِذَا جَاءَكَ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ 196 أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
سورة الأعراف
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا 196
195
196
خوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أَمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَالِكَ
سورة التوبة
وَالْمُومِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ 98 الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُم
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
سورة هود
48
54
35
56
168
71
88
117
و إن أريد إلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ 195
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
196
118 - {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُختلِفِينَ إِلا مَن رَّحِمَ رَبِّكَ 235
01
227
وَلِدَالِك خَلَقَهُمْ
سورة يوسف
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى
سورة الرعد
إنَّ اللهَ لا يُغيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغْيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ
119
111
11 (1/662)
صفحة 663
فهرس الآيات القرآنية
سورة النحل
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ 197
197
196
أجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
سورة الأنبياء
وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ
سورة النور
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَال 339 رجال لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةً وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلْبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ
سورة القصص
وَقَالَ الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لَمَنَ ءامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا 195
01
يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ
سورة الروم
قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِن قَبْلُ سورة الأحزاب
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ 01
الله كثيرا
سورة الشورى
{وَجَزَاهُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةً مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) 197
سورة الحجرات
وإن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَعْتِ إِحْدَاهُمَا عَلَى 196 الأخرَى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
631
97
75
90
-36
37
80
42
21
40
9 (1/663)
صفحة 664
632
فهرس الآيات القرآنية
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ 235
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
سورة الممتحنة
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ
سورة الذاريات
190
326
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الدَّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
13
4
55 (1/664)
صفحة 665
633
فهرس الأحاديث
فهرس الأحاديث
اذكروا محاسن موتاكم
نص الحديث
إن العلماء ورثة الأنبياء»
إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»
خير أمتي القرن الذي بعث فيهم ثم الذين يلونهم
لعن الله الظلمة وأعوانهم وأعوان أعوانهم
الصفحة
240
190
190
297
400 (1/665)
صفحة 666
634
فهرس الأسماء والأعلام
فهرس الأسماء والأعلام
إبراهيم أبو إسحاق اطفيش: 129، 149،
223.219.216.211.210 209.239.238.237.229.228.226.270.269.268.245.243.241.280.279.274.273.272.271.306.305.300.298.286.282 315.314.313.311.310.308 344 342 341 330 327.319 354 353 351.350.349.346 360.359.358.357.356.355.370.368.365.364.363.361.388.385.383.381.380.379.399.397 394 393.392 390
407.406.404.402.401 400
419 412 411.410.409.408
428.426.425.424.421.420 435 434 433 432 431 430 450.449.446.444.437.436.480.468 465.460.456.451 510.507 490 478 486 482.520.519.517.516.515.511.528.526.525.524.523.522.534.533 532 531 530.529.551.546.543.541.540.539.587 584.564.563.562.552
301.254.218.217.207.206.582.465.460.459.409.324.594.593.583
إبراهيم أبو اليقظان: 11، 12، 120، 124،
204.178.172.149.140.129
215 214 213 212 211.207 230 228 225 224.219.216 318.309 261.258.256.254.444.443.440.439.367.325.450.449.448.447.446.445 468 460.458.456 454 451
500.499.497 496 472 471.570.569.568.527.526.506 576.575 574 573.572.571.583.582.581.580.578.577.601 593.592.588.584
إبراهيم أداود: 535
إبراهيم اطفيش: 132.
إبراهيم الإبريكي: 149، 171، 211. إبراهيم القرادي: 32، 36، 46، 52، 83،
481 347.343.221.142.103.535
608.607.606.603
إبراهيم بن بيحمان: 125، 132.
إبراهيم: حفار 129، 140، 150، 170، إبراهيم بيوض 11، 12، 14، 86، 106،
179.175
إبراهيم طلاي 43، 45، 71، 76، 84، 104.
183.182.179.173 172.112
208.206 205 204.185.184 (1/666)
صفحة 667
635
ابن زعمون 53.
أحمد أمين: 273.
أحمد الرفاعي:
140,
أحمد باي: 27، 37.
أحمد توفيق المدني: 32، 107، 440.
أحمد الزيات: 273
أحمد زيني دحلان: 160.
آغا يتح: 42.
بسام العسلي: 410. بكير أعوشت: 46، 140.
بكير الشيخ بالحاج: 535.
فهرس الأسماء والأعلام
بكير العنق: 172، 444، 450، 495، 579.
بكير بيوض: 533.
بلحاج بن كاسي: 132.
بلحاج شريفي: 222
بلحاج فخار: 440.
بلحاج قشار: 415، 418، 501 امحمد اطفيش القطب،8، 40، 43، 44، 52،
بليدي بوكامل: 430
بنوح مصباح: 577.
بوعمامة: 27 54 55
بيار كبرلي: 140.
بيجو: 24.
جمال الدين الأفغاني: 3، 28، 267 268،
468.270.269
136.129.120.119.82.81.80
143 142 141 140 139 138
153.151.150.148.146.144.162.161.159.158.157.155.168.167 166 165 164 163 174 173 172 171 170.169 182.181 180 178.177 175 214.204 203.185.184 183 355.287.279.243.238.217.477.448.385.383.369.363.557.493.482
أنور الجندي: 440.
أوغستان برنار: 47.
أولاد سيدي الشيخ 27، 54.
أيوب سماوي: 585.
بابا بن يونس: 141.
بابكر بن الحاج مسعود: 171، 177.
باي أحمد بن بابا عيسى: 53.
حسن البنا: 218.
حسن باشا: 33. حمزة بكوشة: 457.
حمو النوري: 41، 46، 59.
(
حمو بابا وموسى: 170، 177، 595
حمو فخار: 220، 314، 588
حمو لقمان: 458
حمو والحاج: 132.
خالد الجزائري (الأمير): 592. (1/667)
صفحة 668
فهرس الأسماء والأعلام
خضير بابا واعمر 501.
خير الدين الزركلي: 140.
دفيد لويس: 129، 141.
دوباراي: 40.
دولاتور: 47.
رابح تركي: 12، 105، 510.
راندون 40، 55
الربيع بن حبيب 135، 217، 298، 359
531
الشاذلي المرالي: 572. شاكر الفحام 547.
الشريف محمد بن عبد الله: 28.
شکيب ارسلان 269 270، 456
شوقي ضيف: 546.
صالح آل الشيخ: 579، 582.
صالح الخرفي: 440، 585.
صالح بابكر: 577.
صالح باجو: 535.
636
رحمة الله الهندي: 160.
رمضان الليني: 150.
رمضان حمود: 456، 584.
الزبير سيف الإسلام 435، 452.
زكية منزل غرابة: 439. زيس: 129.
سعد الله أبو القاسم: 129، 253، 440، 446،
578
سعيد الشيخ دحمان: 533.
سعيد بن تعاريت 150
سليمان الباروني: 150، 215، 294، 580،
سليمان بن عيسى: 141.
سليمان بن يوسف: 457.
456
سليمان بوجناح الفرقد: 458
سيد قطب: 218، 363.
سيدي السعدي: 53
صالح باعلي: 149، 170، 173، 174، 582.
صالح باي: 33.
صالح بن يوسف: 526.
صالح بومعقل: 149.
صالح سماوي: 375.
الطاهر بن عاشور +178، 214، 215، 217.
الطيب العقبي: 176، 316.
عامر الشماخي:.
عباس التركي: 587.
عباس بن حمانة 255، 495 496
عبد الحميد الثاني: 160.
عبد الحميد بن باديس: 176، 206، 316،
588.580 579.471.445
عبد الرحمن ابن خلدون: 58، 317، 585.
عبد الرحمن الكواكبي: 269، 270.
عبد الرحمن بكلي: 11، 34، 57، 92، 114،
139.136.133.129.123.120 (1/668)
صفحة 669
637
215.211.210.208.207.166 255 254 253.239.227.220 302.300.286.264.259.257 386.340.332.331 313 310
506.481 456.452.440.420
588.577.568.564.552.550
عبد الرحمن شيبان: 416
فهرس الأسماء والأعلام
عكي علواني: 140. علال الفاسي: 457. علي أبو الحسن: 457.
علي مرحوم: 457.
علي يحيى معمر: 38، 46، 93، 95، 129
533.221.140
عبد الرزاق قسوم: 440.
عمر أداود: 533
عمر آل الحكيم: 129، 130. عبد العزيز الثعالبي: 217، 260، 261، 465،
584.579
عمر الحاج امحمد: 291، 406.
عمر المختار: 294. عبد العزيز الثميني: 119، 120، 121، 125،
138.137.136.130.129.128
279.216.158.154 151 147
"
557.493.482.355
عبد القادر الجزائري (الأمير): 27، 53. عبد القادر المجاوي: 217. عبد الكريم الخطابي: 295. عبد الكريم بوصفصاف: 12. عبد الله الدلال: 211، 525
عبد الله ركيبي: 140. عثمان الكعاك: 456.
عدون جهلان: 140.
عدون شريفي ز،14، 15، 172، 208، 211
371.359.322.273.222.219.486.484.456.444.397.396 533.531 529.526.513.490.546.542.541.539.538.537.588.564.563
عمر بن يحيى المليكي: 149، 170، 172،
211204.178.177.175.173.523.522.497.450.315.219 574.571.570.526.525.524.593.575
عمر بكلي: 54، 194، 215، 178. عمر بن الحاج مسعود: 523 عمر بن عبد العزير: 240 عمر بن قدور: 456.
عمر بوحجام: 526.
عمر نوح: 141.
عمي سعيد: 60، 64، 94، 136، 213، 216،
346.179.220
عميروش: 587.
عيسى الشيخ بالحاج: 213، 272، 362.
عيسي قرقب 206 243، 365 (1/669)
صفحة 670
فهرس الأسماء والأعلام
الفاضل بن عاشور: 587 فرحات عباس: 587
قاسم بن الشيخ: 526، 581. قريزي: 82.
لالة فاطمة نسومر: 28. لفيتسكي: 376.
لويس ترمان: 46، 47، 49، 54. ماسكراي: 160.
مالك بن أنس: 279.
مالك بن نبي: 12، 121، 284، 317، 327. مبارك جلواح: 457.
مبارك الميلي: 456.
محب الدين الخطيب: 207، 218. محمد أزبار: 132.
محمد البشير الإبراهيمي: 316، 411. محمد الثميني: 149، 582، 583. محمد الحنفي: 217.
محمد الشيخ بالحاج 171، 221، 535، 585
محمد الرياحي 579.
محمد الطرابلسي: 219، 525.
محمد العايب 535.
محمد النيفر: 178.
محمد بن بكر أبو عبد الله: 70، 104.
محمد حسب
الله: 160
363.293.273.271.270.269
468
محمد سعيد الزاهري: 456
محمد سعيد كعباش +58، 71، 221، 319
محمد صالح الجابري: 252، 578.
638
محمد عبده،3، 28، 160، 267 268 269،
360.293 292.272 271 270.468.363
محمد علي دبوز 10، 11، 45، 58، 93،
،
131.129.127.121.120.107 220.210.205 154 144.140 287.282.280.273.271.248.327.310.305.295.294.293.367.357.356 355.349 347 440 425 421 395.380.368 534.532.504.501.500.496.585.555.552.535
محمد العساكر: 585
محمد ناصر بوحجام: ج ك 12، 208، 222،
320.315.308.306 298,228.342
محمد ناصر: 12، 75، 204، 205، 208
316.298.269.262.228.222 365.351 348.327.319 318.484.447.439.419.371 369
583.579.538.488
مرقريت: 41.
مصطفى باجو: 208. محمد رشيد: رضا،3،28، 218، 267، 268، (1/670)
صفحة 671
639
مصطفي کامل: 270
مصطفى وينتن 140، 151
مفدي زكرياء 439، 445، 456، 584. المقراني: 27، 53.
مهدية طلاي: 501.
موتلنسكي: 129.
موسى بن يحيى: 125
المولود الزربي: 215.
فهرس الأسماء والأعلام
يحيى أبو زكرياء الأفضلي: 13، 92، 93، 97،
126.125.122.121 120 119
134.131 130 129 128 127
385.279.158.154 138 137
557.493.482
الناصر مرموري: 221 535
يحيى بوتردين: 140.
يحيى بوعزيز: 55
يحيى حواش: 535.
يوسف أبو يعقوب المصعبي: 37، 122.
يوسف الحاج سعيد: 12، 95.
نور الدين السالمي: 160، 354 355 356، يوسف القرضاوي: ز.
359
نور الدين سكحال،12، 206، 229، 311
يوسف بن عدون أبو يعقوب: 126، 132. يوسف حمو وعلى: 170، 178، 215، 577.
484 434.330 (1/671)
صفحة 672
فهرس البلدان والأماكن
فهرس البلدان والأماكن
بوفاريك: 53.
أدرار: 60.
الأردن: 547.
إسبانيا: 585
الأستانة: 23
574
640
571 569 511 479.495.255
تركيا 291
تقرت 33، 60، 69، 431، 511. الأغواط 33، 39، 40، 41، 42، 43، 45،
431 171 161.69.54.49.47.46
آفلو: 60.
أمريكا: 218.
الأندلس: 21.
الأوراس: 37.
أوربا 21، 28، 289 290
باتنة: 219، 511
باريس: 270،292، 396، 405، 496،
509
بريان،56،61، 143، 216، 382، 395،
585 560 510 435 421 420
تمنطيط: 60.
تونس،32، 46،64،79، 94، 114، 125،
160.158.151 144.134 129
216.215.214.179 178.175
255 254 253 252.250.217
265.262.260.259.257 256.372.371 293 292.272.269 465 449.447.446.426.395.497.496 495.473.472.468 569.568.540.536 529 499.582 576.575 574.571 570.593.590.589.588.585.583.605.595
بسكرة 33 176، 432، 511.
البليدة: 36، 53، 460، 511.
بنورة: 56،61، 156 157 158، 382
510.395
بني: يزقن،56،61،79، 122، 123، 128،
تيهرت تيارت: 59، 70، 511. جبل نفوسة: 79، 94 117، 219، 371
529.472
جربة: 60، 79، 94، 117، 122، 371،
529.372
الجزائر العاصمة: 34،35، 42، 48، 50، 52،
219.217.215.176.64.56.53.455.410.408.396.307.292.468.464.460
159.158.156.141.136.130
178.177.176.174.173.164 395.385.382.214.183.179.582 524.511 (1/672)
صفحة 673
641
الجزائر: أغلب صفحات البحث.
الجلفة: 60، 431.
الحجاز 160، 174، 448. الحراش: 53.
حسين داي: 34.
دمشق: 547
زنجبار 219، 473
سدراتة: 59.
سطاوالي: 36.
سطيف: 53.
سويسرا: 585
سيدي فرج: 35، 39.
الشام: 291، 448.
الشريعة: 36.
ضاية بن ضحوة: 56.
طرابلس: 294
العالم الإسلامي: ز، 4، 5، 9، 19، 21، 69،
فهرس البلدان والأماكن
عمان 129، 158، 160، 217، 218، 472،
529.473
غرداية،41،47،49، 56، 61، 82،80،
382.376.177.175 171.141 510.507.435.433.428.395
607.583.559.520
غرناطة: 21.
فاس: 160.
فرنسا،41،42،45،49، 50، 53، 63، 80،
493.464 295 291.217.162
494
ــطين،63، 212، 263، 440، 465، فلس
588
القاهرة: 218، 409، 459، 510، 546،
594
القدس: 219.
القرارة،56،61 143، 170 171 172 ء
211208.183.177.175.173
351 349.219 214 213 212 368.365.364.356.353.352.397.395.385.382.371.369 444 435 431.426.399.398 510.500.497.451 450.449 530.527 524.522.520.516
547.544.543.541.539.534.593.574.571.570.563.560
265.235.222.207.205.167.70
273.272.269.268.267.266 316.297 293.292.287.284.452.448.447.442.389.353 484 473 472 465 463.461.606.603.581.546.530
العراق: 536.
القسطنطينية: 160. العطف 56، 61، 80، 103، 178، 215،
نطينة 33،3،42، 48، 52، 464،
511
510 435.395.382.217.216
560
43 (1/673)
صفحة 674
642
583.535.465.459.448
فهرس البلدان والأماكن
قصبة الجزائر: 35.
---
144 134 129 114.95.79.46: L
294 219 179.160.158.151
606 .529.473.472 .371
متليلي: 56، 57.
متيجة 36، 53
:مصر: 3، 114، 122، 125، 159، 160،
المغرب: 32، 46، 214، 284، 355، 606.
مليكة: 56، 61، 395، 510. وادي أريغ: 125.
وادي ميزاب أغلب صفحات البحث.
وارجلان ورقلة 41،69، 59، 103، 125،
171.144 143.134.130.128
،
522.511.172
267.266.255.251.218.207
315.293.274.273.271.268 (1/674)
صفحة 675
643
فهرس الأديان والشعوب والفرق والمذاهب
فهرس الأديان والشعوب والفرق والمذاهب
الحركة الإصلاحية، الإصلاح: أغلب صفحات الإباضية،19،38،45، 47، 61، 66، 70،
129.122.120.117.106.96.79 158.146.140.139.136.134
347.265 218.166.164.160 451 414 374.372.359.354.605.533.502 473 472 466.606
البحث.
الدولة العثمانية، السلطة العثمانية، الحكـ العثماني: 22، 23، 24، 31 32 33 34
38.37
السويسريون: 25 الشعانبة: 59
إباضية الجزائر،3،4،5، 6، 7، 8، 10، 13،
الشعب الجزائري 20، 23، 26، 27، 28،
201.169.161.105.52.35.30.305.294.263.226.225.222.463.462.405.387.316.306.569.547.471.467
39.37.35.34.32.31.30.21.19 51 50 49.48.47.45.44.43.42.56.53.52
الأتراك: 23، 32، 36، 52، 64، 375
الإسبان،23،25،34،،37، 68، 423، 464
الاستعمار الفرنسي المستعمر السلطات
الاستعمارية: أغلب صفحات البحث. الإسلام المسلمون أغلب صفحات البحث. الأمة الإسلامية، المجتمع الإسلامي، الشعوب الإسلامية 3، 4، 128، 139، 173، 205،
العثمانيون 31 33، 35، 38 العرب: 58، 59، 61.
العزابة، نظام العزابة حلقة العزابة: 9، 12،
70.65 53.51.50.43.40.39.31 83.82.78.77 76 75 74 73.71 104.103.101.100.97.86.84
،
111 110 109.108.107.106
155.123.118.116.115.112 216.211.179.177.167.159.245.241 239.238.237 236 304 292.257.249.248.247.349.346.345.340.322.306.377.376.375.357.352.351.383.382.381.380.379.378
316.301.300.298.297.271.472.469.349.329
البرير: 58، 59، 61.
بنو مرزوق: 59.
الجزائريون 20، 23، 24، 25، 26، 28، 29،
584.571 568.291.252.105
588.585 (1/675)
صفحة 676
644
96.78.32.19.13,
المذهب الإباضي:
367.303.300.285.222.136.610.600.552.463.406.386
المذهب المالكي: 136، 466. الميزابيون بنو ميزاب 12، 31، 32، 33، 35،
52.49.46.45.42.41.39.37.36 64 62 61 60 59 58 57 55 54.254.209.160.95.86.81.80.368.367.348.345.291.260 427.420.408.406 405,376 470.466 465 463.432 430 519.514 505 496 495.471 580.576.574.556.552 543.600.582
اليهود،60 61 62 63 181، 310، 423،
519.453.435 434 431 425
فهرس الأديان والشعوب والفرق والمذاهب
395 394 392.389.387.386
436.426.423 419 418 415
502 495 493.477.470.464 591 589.55.524 522 515 514.607.600.592
العطاطشة: 59
الفرنسيون،23،25، 26، 35 36 37، 41،
68.52.48.46.45.44.43.42.494.423.376.294
المالطيون: 25.
المالكية 61.
المجتمع الجزائري: 229، 268، 271، 282،
607.472.463
المخادمة: 59 المذابيح: 59.
*** (1/676)
صفحة 677
ملخص البحث بالإنجليزية
ملخص البحث بالإنجليزية
University of Algiers
Faculty of Islamic Sciences Department of Dogmas and Religions
Landmarks of the Reformation Renaissance in the Ibadits of Algeria
From 1157 H/1744 BC to 1382 H/1962 BC
****
A thesis prepared in requirement to get a Ph. D in the Islamic Sciences Specialty of Dogma
***
Prepared by:
Kacem chekhe belhadje
****
Academic year
1429/1430 H-2008/2009 BC
645 (1/677)
صفحة 678
646
The research Abstract
The research Abstract
This thesis treats and analyses the reformation renaissance that the Ibadits of Algeria have witnessed departing from the region of M'zab Valley and during the period of the Modern and Contemporary History; more precisely from 1157 H /1744 BC to 1382 H/1962 BC. It tries to investigate its truth, its roots, its thought, its methodology of action and its achievements. This thesis is entitled:
Landmarks of the Reformation Renaissance in the Ibadits of Algeria
The rationale of the research and its aims:
The causes for choosing the subject and its expected aims stemmed from my tendencies towards the Islamic Studies, and from my belief that the society of the Ibadits of Algeria in the Valley of M`zab region has a number of features and characteristics, and also a typical experience that is worth to be studied in order to be introduced and to present its fruits to Algeria as well as to the Islamic World. Besides, this Ibadit Society is passing through a subtle and serious period which requires it to go back to its near history, in order to study it and to understand it profoundly and also to inspire its courses and wisdoms, so as to evaluate its present and to prospect its future on its light. Furthermore, this study will present a real practical example of the Algerian society at the dawn of the intellectual and social changes, seeking a clear image of marriage, harmony and melting of its historical constituents and its future aspirations, represented in Islam, Arabic as well as Berber language and identity, and original traditions, with openness towards cotemporary era and with positive reaction with its issues and challenges.
At the same time, this study is expected to participate in analyzing a part of the Islamic nation which tries to regain its civilization renaissance, and go out of the retardation and stagnancy, so as to catch the developed and pioneer nations, and so by taking profit from its experiences, and by knowing the points of strengths and weaknesses and the points of successes and failures. Also, the research will take part in giving a true and modern image of Islam to the whole humanity, which is stumbling (1/678)
صفحة 679
The research Abstract
647
within its problems and waiting for someone who can save her from the noisy material life and guides her towards a life of tranquility, serenity, happiness and true humanity. Without doubt this will not be possible for Moslems in this era of science, strength and pragmatism without presenting Islam in a golden mold. In other words, it is necessary that the world can witness and observe typical Islamic societies which hold the conditions of powerfulness, and lives in the modern era with Islam and do not flee by its Islam from the modern era, and also Islamic societies which takes care of the human being at the mental, psychological, physical and spiritual sides and materialize the freedoms and great requirements of humanity.
The research thesis:
The research thesis is summarized on the following:
During the period of the modern and contemporary history, the Ibadits of Algeria made a reformation renaissance, and entered into a new civilization cycle, which was born at the middle of the eighteenth century, and which passed through preparatory stages marked by weakness and dispersion. It starts then to grow and gather its strengths and organize itself by time until it reached the summit of its growth and ability to lead the society by the middle of the twentieth century, and this after having transformed into a reformatory movement, then to a reformation school.
This reformation renaissance made exhausting efforts to create a global reformation of the society which touched the religious, social, educational, pedagogical, economical and political sides. This renaissance relies essentially on the Islamic religion -both in terms of dogma and legislation- as a reference, and it endeavored to led down its laws and teachings on the events, and reacted with different issues and affairs of life so as to bring about the change and reformation, and could cross considerable changes in its path and realized considerable part of its objectives.
This research adopts this scientific thesis and defends it, and tries to prove its truth through its chapters and sections. It also sets forth a number of questions and tries to give answers through this research.
The research methodology:
The research needed to use a number of research methods (approach) (1/679)
صفحة 680
648
according to the issue studied, as follows:
The research Abstract
The historical approach:. Use while gathering the scientific data, organizing and describing its events and tracing back its chronological periods.
The analytic approach: Used while trying to understand the historical events and intellectual issues, undergoing its analysis and synthesis, in order to deduct the results and realize its dimensions.
The comparative approach: While comparing between the points studied and its homologues or similar points in the other experiences or other domains.
The critical approach: Used when the point studied needs to be evaluated or criticized after having described, analyzed and founded.
The structure of the research:
The research consisted of an introduction, six chapters and a conclusion.
Chapter One is entitled: The general situation of Ibadits of Algeria in M'zab Valley. It was an introductory chapter aiming at drawing a clear picture about the situation where the reformation renaissance was born, rose up and moved. It was opened by an introduction entitled: The general scene of Algeria during the rise of the reformation renaissance. It dealt with the general political, social, religious and cultural situations of the Ibadits of Algeria during the Ottoman era and the French colonization. Then we divided the chapter into two sections; we dealt in the Section One with the political situations of the Ibadits of Algeria during both the Ottoman era and the French colonization era, in Section Two with their social and economic situations and in Section Three with their religious and cultural situations.
Chapter Two is entitled: The roots of the reformation renaissance and its preparatory stages, and is divided into four sections. In Section One we dealt with the birth of the idea of the reformation renaissance and its . reasons, and in Section Two with the roots of the scientific renaissance upon which the reformation renaissance was built, and in Section Three with the preparatory stages of the reformation renaissance and we-devoted Section Four to the study of the fourth phase where the reformation renaissance was crystallized, and we called it the era of the students of the (1/680)
صفحة 681
The research Abstract
649
Qotb (in reference to M'hamed ben Youcef Atfaiesh famous by the title the Qotb), because the common denominator between the makers of its events was their studentship on the Qotb (the pole) of Imams Sheikh M'hamed Atfaish.
As to Chapter Three, it was entitled: The notion of reformation (Islah) and its intellectual and civilization reference and was divided into four sections. In Section One we dealt with literal and terminological notion of reformation (Islah). We dealt in Section Two with the concept of reformation (Islah) in the prominent figures of the reformation movement and in Section Three with the concept of stagnation (Djoumoud) and its truth during the era of the rise of the reformation movement, in that it was an opposite term of the reformation, and it assisted to its characterization and crystallization; and also the reformation was risen on its wrecks and was a prejudice of its existence. In Section Four we dealt with the intellectual and civilization reference of the reformation.
Chapter four was entitled: The factors of the rise of the reformation and its intellectual aims and pillars. We divide the chapter into three sections: in Section One we dealt with the factors of the rise of reformation movement in that there was internal and external factors, and in Section Two we dealt with the objective of the reformation and in Section Three we dealt with the intellectual pillars of the reformation represented in education, religious discourse and awareness rising.
As to Chapter Five, it was entitled: The reformation framework and its institutions. We divided it into eight sections; we dealt in Section One with the mosque (masdjid) institution and I clarify its role and philosophy, in Section Two with education institutions, in Section Three with traditional institutions represented in the Azzaba system and the subsystems which derived from it, in Section Four with the modern and frameworks and institutions represented in the charity associations and in the colonial authority institutions in Section Five with social ceremonies represented in some religious and traditional occasions, in Section Six with the economic foundation where we showed how it financed the reformation movement and its projects as well as its achievements, in Section Seven with the journalism showing its reformatory role, and finally Section Eight where we dealt with the efforts of the reformation movement in Algeria and its (1/681)
صفحة 682
650
external relations and with the Moslem world.
The research Abstract
As to Chapter Six, it was entitled: The educational and pedagogical reformation. We divide it into five sections. In Section One we dealt with the philosophy of the educational and pedagogical reformation, in Section Two with the primary education and its schools, in Section Three with secondary education represented in El-Hayet Institute, in which we traced back its path and defined its programs and systems, in Section Four with women education in which we showed the efforts of the reformation movement in its promotion, and we dealt in Section Five with the scientific delegation to abroad which was founded by the reformation movement and organized as well as supervised by it.
As to the conclusion, we exposed in it the most important results of the research and we conclude it by a prospective vision of the future of the Ibadits of Algeria.
The sources and references of the research:
The nature of the research makes that the sources are many and different ranging from historical studies, to intellectual and Islamic ones.
Historical sources present scientific materials which are needed in tracing back the events and happenings that are employed in understanding the reformation renaissance. These are represented in the sources of the history of the Ibadits of Algeria, during their modern and contemporary history, during the Ottoman reign and during French occupation. They are represented also in the sources of the history of Algeria during the same era.
As to the intellectual sources, they are those which present the materials around the Islamic thought, Islamic movements and around the concepts of 'renaissance' and 'reformation', the bases and mechanisms of this thought and its effect on societies as well as the effects of the figures of this thought and their ideas and works. In this respect, we find the sources and references which treat the reformation movement in the Ibadits of Algeria and its efforts in one side among others, that has been written by the figures or students of that movement, or what has been written by the researches interested in it, and these are represented in the books, articles, newspapers, documents or university dissertations. (1/682)
صفحة 683
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تاريخ
------------------------------------------
العنوان: معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر 1157ه/ 1744م إلى 1382ه/ 1962م
المؤلف: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
تقديم وإشراف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1432ه/ 2011م
الطبعة: 1
أصله: أطروحة دكتوراه
ردمك: 978-9947-845-56-1
الإيداع القانوني: 2011/4719
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3191&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/770
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 21 ربيع الأول 1447ه/ 14 - شهر 09 - 2025م. The research Abstract
The title:
The thesis' title is formulated as follows:
The Landmarks of the Reformation Movement in the Ibaits of Algeria From 1157 H/1744 B.C to 1382 H/1962 B.C
What is the importance of each word?
Landmarks:
651
This means the showing the foundations and pillars upon which the reformation renaissance is standing on, the approach adopted, the frameworks within which it has been acting and the domains affected by the reformation.
Renaissance:
It means the efforts of the society in different domains for the sake of reconstructing the house and renewing its dynamism again after a period of stagnation and weakness.
Reformation:
It means showing the nature of this renaissance, which was undertaken in order to reform what has been damaged by time, and changed by the circumstances in society, and the trial to make him back on the right path and to the purity of Islam. The reformation renaissance then was not a revolution, i.e. a radical change of everything and destructing everything or, by starting from a vacuum, i.e. starting from a point zero; rather, it is a process of evaluation, adjustment, correction and construction.
The Ibadits of Algeria:
This means defining the human framework and the territory of that reformation renaissance, which touched a group of people that form an independent society in the Algerian country and dwells the M'zab Valley region and who have had dynamism and movement all over Algeria and who adopts the Ibadit -Islamic- sect.
From 1157 H/1744 BC to 1382 H/1962 BC: It represents the time sequence of the research, i.e. the temporal period being studied, and which is included within the modern and
contemporary history according to the classification of the historians. I have chosen as a starting point from 1157 H/ 1744 B.C because it (1/683)
صفحة 684
652
The research Abstract
represents the date of the coming back of Sheikh Abi Zakaria Yahia Al- Afdali to the M'zab Valley and his sitting there after his trip of seeking knowledge, and his starting of reformatory work. He is considered as the
pioneer of the modern reformation renaissance in the M'zab Valley. I deemed it worth to stop at the year 1382 H/ 1962 B.C which coincide with the independence of Algeria; because I consider that the reformation renaissance's project has been accomplished during this period, and witnessed in a sort of serenity and stability. Furthermore, this renaissance witnesses new circumstance after the independence whish push it towards changing some of the rules of work and the movement's approach which make it an separated period that needs an independent study.
I notice that I stressed on the analysis of the reformation renaissance's thought during its period of strength and emancipation, i.e. during the first half of the twentieth century after its transformation into a movement, a system and a school of thought under the leadership of Sheikh Brahim Beyoud; I stressed on that because I believe that the previous period are preparatory and the efforts made were individual and dispersed.
The main research results:
What has been witnessed by the Ibadits of Algeria during the modern and contemporary history is actually considered a genuine 'reformation renaissance', by the very sense of the term; and this renaissance has roots which go back to the mid eighteenth century, when it was born among the groups (halkat) of scholars and sheikhs and inside mosques. This renaissance has passed through preparatory stages during which it witnesses a stage of emergence and childhood where it was characterized by weakness and instability; then it starts growing, developing, strengthening and solidifying by time.
After World War 1 and by in the early 1920 s, the reformation renaissance witnesses the stage of its strong and accelerated departure, and that was due to a number of internal and other external factors which predispose it to see this paradigm shift in the work and action. During this period also, it witnesses its transformation into a reformation growth after being a sort of dispersed efforts and actions; then it becomes a particular reformation school which has its own thought, approach, institutions and adherents. (1/684)
صفحة 685
The research Abstract
653
The reformation renaissance has faced during its path hard and tedious social conditions which constitute constraining hurdles. These are represented essentially in the thinking stagnation, ignorance, colonialism, poverty and infatuations.
By the mid nineteenth century the reformation renaissance reached the stage of its strength, maturity and reign, and becomes a leader of the Ibadits of Algeria in the M'zab valley, its orienting force and its primary acting force.
The Ibadits of Algeria was favored by the Azzaba System' with its traditional and social institutions which acted on protecting the Ibadit society from fragmentation and delinquency and on holding it at a certain level of piousness and acceptability to be guided towards the right path and assuming the Islamic basic principle of 'enjoining what is right and forbidding what is wrong'. This system has also succeed to keep the slightest line of reformation without interruption and the weakest light of renaissance without being extinct despite the serious general state of society.
The renaissance idea means in its depth the rebirth of the society on the bases of Islam in its sources, dogma, jurisdiction, its ethics and its values, and purifying/refining it from corruption, delinquency and wrong novelties within the framework of the Ibadit sect, and within the Mozabite Amazigh (Berber) traditional esperience, by active interaction with the contemporary time in an endeavor to embrace its new issues and preoccupations and aiming at founding an original and modern Moslem society.
The renaissance idea has been shaped in its depth from the Islamic civilization heritage according to the conception of the Ibadit sect and the M'zab society; then it has been opened towards the external world from which it has benefited much. Besides, this renaissance has inspired its experience from the Islamic thought coming from the East represented essentially in Egyptian Reformation Movement and the Tunisian Scientific and Political Movement.
The reformation renaissance in its transformation into a well-shaped movement during the 1920 s has restrained a operational plan in order to make the reformation sought, and to put it into practice on the field making use of a number of frameworks, institutions and establishments; (1/685)
صفحة 686
654
The research Abstract
some were existent and some newly founded. These are represented essentially in the Mosque institution, the Azzaba system, the social ceremonies, the schools, the institutes, journalism, associations, the state institutions and external relations.
The reformation movement has recognized the importance of its Algerian national role and its Islamic duty which pushed it to make strong relations with the scholars of Algeria and its nationalist men, and which made it participate with opinion, position and action in the national events and issues; and also it supports the voice of righteousness and nationalism being ware that this is part of its reformation message.
The reformation renaissance has soon recognized that among the most important field of reformation and among its biggest challenges is preparing the ascending generation for the future by educating it according to the Islamic foundations and its values, constants. Thus, it stressed in its educational and instructional philosophy on the dogma, ethical, scientific and socio-practical dimensions. It then concentrate its efforts on a continuous path to found that generation, and to create this educational and instructional reformation; therefore, it opened schools, innovate programs, imports experiences, encourages French instruction, found El- Hayat Institute which has been given great and subtle care. Within this Institute, whish has been considered as a nursery of the elites and competencies, the figures and scholars of the movement gave lectures. The students of that Institute have been sent to the Islamic institutes and universities abroad where the movement has founded scientific delegations in order to take care of them and to facilitate learning conditions and getting knowledge.
The efforts of the reformation movement continued on the social and educational/instructional fields after the independence of Algeria in 1962, and it did not stop or slow down, out of an awareness of the importance of this reformation action and the society's necessary and renewing need for this action. That is why it never withdrew from its institutions or refused to stop its path for whatever reason.
The reformation movement has adopted the centrality of leadership, which has been represented through an elite of scholars, sheikhs, social figures who were managing the society and make its events, focusing on the personality of Sheikh Beyoud who was the first reformation symbol (1/686)
صفحة 687
The research Abstract
655
and the Imam of the movement, its model, its leader and its official speaker.
Based on what has been mentioned previously, we can state that the reformation movement has presented to the Islamic world a practical prototype and a contemporary realistic experience. This is due to its ability to build a society which practice the Islamic jurisdiction, and mainly adopts it in all the fields of his life and makes its best to find solutions to its issues and problems within the framework of the Islamic principles.
We would also question to what extent this reformation movement succeeded in the fulfillment of its goals set forth to its reformation process?
We can answer this questioning by stating that: the achievement of these goals is partial without debt. We would, however, assert and believe, based on what has been exposed in the research, and as one among its results, that: the reformation movement succeeded in crossing considerable stages for the sake of fulfilling its goals.
This is so because it has succeeded to make a reform, to correct many mistakes, to struggle against many wrong novelties, to give back to the religion its purity and cleanness, to set faith in the hearts again, and revive its impact on the selves and its dimension on the action.
It also could fight against the thinking stagnation of minds, which constitute a serious hurdle against the reformation process, and to clean its negative effects on different aspects of life and on society.
Besides, this movement has succeeded in struggling against the colonialism, and in resisting to its harms despite the weakness of its means compared to the means of the colonizer and its abuse and cruelty.
It also succeeded to take care about the individual, the family and the society through the mosque courses and the role of the local institutions; it has thus educated, instructed, risen awareness and oriented/guided towards the right direction in life.
It also succeeded to educate and teach the generation, and to surround illiteracy; and thus, it prepare it to the liberation revolution and to prepare it to the battle of reconstruction of the country after independence.
It finally succeeded in raising awareness among people, to change (1/687)
صفحة 688
656
The research Abstract
mentalities, to correct misconceptions about religion and life and to push people to fill life with fairness and good deeds and to hold the requirements of strength, power and reign.
Thanks to all these tremendous efforts and paramount works we can say the reformation renaissance in the Ibadits of Algeria has contributed in bringing about the modern Algerian renaissance and ultimately the Islamic renaissance in general. (1/688)
صفحة 689
44
657
الإهداء
فهرس محتويات البحث
فهرس محتويات البحث
شكر وتقدير
الرموز المستعملة
منهجية التوثيق في الهامش
الموضوع
تقديم الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
مقدمة
الفصل الأول:
الصفحة
ز
?.
ح
ط
ي
ك
1
الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
تمهيد
مدخل: المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية
المبحث الأول: الأوضاع السياسية
1 - إباضية الجزائر أثناء العهد العثماني
2 - إباضية الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي - إيرام معاهدة الحماية
ب - تقويم موقف المعاهدة وقبول الحماية ج - نقض المعاهدة وإلحاق ميزاب بالحكم العسكري
د - تقويم موقف إباضية الجزائر من الإلحاق هـ - حالة الحكم في وادي ميزاب بعد الإلحاق و - مشاركة إباضية الجزائر في الثورات الشعبية
المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
1 - جغرافية ومناخ وادي ميزاب
2 - عمارة وادي ميزاب وأصل تسميته
3 - أصل سكان وادي ميزاب
19
21
31
31
39
39
42
46
48
49
51
56
56
57
58 (1/689)
صفحة 690
658
61
63
65
67
70
74
74
79
79
80
82
91
91
91
98
102
102
104
106
108
110
فهرس محتويات البحث
4 - إحصاءات السكان
5 - الحالة المعيشية للسكان
6 - التكافل الاجتماعي للسكان
7 - حالة الأمن بوادي ميزاب
8 - النظام الاجتماعي عند إباضية الجزائر.
المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
1 - حال حلقة العزابة
2 - حالة التعليم
1 - التعليم العربي الإسلامي
ب - التعليم الفرنسي
3 - حالة أخلاق المجتمع
الفصل الثاني:
جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
تمهيد
1 - بداية عهد النهضة الحديثة
2 - دواعي قيام النهضة الإصلاحية
المبحث الثاني: جذور النهضة العلمية
تمهيد
1 - التعليم المسجدي
أ- المحضرة
ب - حلقة إروان
- تقويم التعليم المسجدي (1/690)
صفحة 691
فهرس محتويات البحث
112
116
119
119
120
127
128
137
138
142
143
150
153
158
161
163
166
170
170
173
175
177
178
180
659
2 - التعليم المشيخي
- تقويم التعليم المشيخي
المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
تمهيد
1 - الإصلاح في عهد الشيخ أبي زكرياء يحيى الأفضلي
- تقويم جهوده في الإصلاح
2 - الإصلاح في عهد الشيخ عبد العزيز الثميني - تقويم جهوده في الإصلاح
3 - الإصلاح في عهد الشيخ امحمد اطفيش أ - جهوده العلمية في التدريس
- التعريف بمعهده
ب – جهوده العلمية في التأليف ج - جهوده في الإصلاح الاجتماعي
د - علاقاته العلمية والسياسية جهوده في مجابهة الاستعمار
- تقويم جهوده في الإصلاح
المبحث الرابع عهد تلاميذ القطب أ - نماذج من جهود تلاميذ القطب 1 - الشيخ عمر بن يحيى المليكي 2 - الشيخ صالح بن عمر لعلي
3 - الشيخ إبراهيم بن بكير حفار 4 - الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى 5 - الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي
ب - تقويم عهد تلاميذ القطب (1/691)
صفحة 692
فهرس محتويات البحث
تمهيد
الفصل الثالث:
مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
المبحث الأول: مفهوم الإصلاح بين اللغة والاصطلاح القرآني
1 - الإصلاح لغة
2 - الإصلاح اصطلاحا
- الإصلاح في القرآن الكريم
3 - مرادفات الإصلاح
189
192
192
194
194
200
المبحث الثاني: مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية | 201
1 - مدخل منهجي
1 - تحول الإصلاح من الفكرة إلى الحركة
2 - الإصلاح مدرسة فكرية
3 - لسان الحركة الإصلاحية
-
الشيخ إبراهيم بيوض
- الشيخ إبراهيم أبو اليقظان
- الشيخ عبد الرحمن بكلي - الشيخ إبراهيم أبو إسحاق اطفيش
- الشيخ عدون شريفي
ب - مفهوم الإصلاح
1 - واقع المجتمع الجزائري
2 - سبل التغيير والإصلاح
المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
1 - مبرر الحديث عن الجمود
2 - تعريف الجمود
3 - أصناف فريق الجمود
ا - صنف العوام
ب - صنف شيوخ العزابة
ج - صنف العلماء
د - صنف أصحاب النفوذ والمصالح
201
201
237
238
239
660 (1/692)
صفحة 693
فهرس محتويات البحث
239
242
245
247
247
250
250
251
260
265
279
279
279
281
282
284
287
288
288
290
292
293
296
297
301
661
4
-
منهج تناول فكر الجمود في البحث
5 - مسار فكر الجمود وتطوره
6 - تقويم فكر الجمود
المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
1 - المرجعية القاعدية: مسيرة النهضة الإصلاحية بوادي ميزاب
2 - المرجعيات التطعيمية
أ - النهضة العلمية والحركة السياسية التونسية
1 - التأثر بالنهضة العلمية
2 - التأثر بالحركة السياسية
ب - التأثر بالنهضة الإصلاحية والأدبية المصرية
الفصل الرابع:
عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح أ- العوامل الداخلية
1 - شرارة الإصلاح السابقة
2 - الواقع الاجتماعي المتردي
3 - الحكم الاستعماري 4 - الفقهاء والمشايخ الجامدون 5 - اجتماع كوكبة من النخبة
ب - العوامل الخارجية
1 - الحرب العالمية الأولى
2 - التجنيد الإجباري
3 - الإصلاح في العالم الإسلامي
4 - الثورات في المغرب الإسلامي
المبحث الثاني: أهداف الإصلاح 1 - إقامة المجتمع الإسلامي الأصيل والمعاصر
2 - محاربة الجمود الفكري (1/693)
صفحة 694
فهرس محتويات البحث
3 - مناهضة الاستعمار والتصدي لمفاسده 4 - تغيير المفاهيم وإصلاح التصورات 5 - محاربة أسباب التخلف 6 - تجنيد المجتمع للمشاركة في العملية الإصلاحية 7 - العناية بتكوين شخصية الفرد 8 - تكوين القيادات والكفاءات
9 - الإسهام في النهضة الإصلاحية الجزائرية والإسلامية
المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح
1 - ركيزة التربية
2 - ركيزة التعليم
3 - ركيزة الوعظ
4 - ركيزة التوعية
تمهيد
الفصل الخامس:
أطر الإصلاح ومؤسساته
المبحث الأول: مؤسسة المسجد - جهود الشيخ بيوض المسجدية
المبحث الثاني: مؤسسات التربية والتعليم المبحث الثالث: الهيئات العرفية المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة 1 - الجمعيات الخيرية
- جمعية قدماء تلاميذ معهد الحياة
2 - مؤسسات السلطة الاستعمارية
المبحث الخامس: المحافل الاجتماعية
1 - المحافل الاجتماعية الدينية
2 - المحافل الاجتماعية العرقية
المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
المبحث السابع: الصحافة
المبحث الثامن: الجهود والعلاقات الخارجية للإصلاح
الفصل السادس:
الإصلاح التربوي التعليمي
تمهيد
305
307
309
310
312
313
315
317
318
322
326
329
337
339
351
366
374
390
394
396
399
414
416
417
422
439
461
477
662 (1/694)
صفحة 695
663
المبحث الأول: فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي
1 - الفلسفة التربوية التعليمية
2 - الأهداف التربوية التعليمية 3 - الأبعاد التربوية التعليمية
ا - البعد العقدي
ب - البعد الأخلاقي
ج - البعد العلمي
د – البعد الاجتماعي العملي
المبحث الثاني: التعليم الابتدائي 1 - مسيرة التعليم الابتدائي
2 - مدرسة الشيخ أبي اليقظان العربية العصرية
3 - مفهوم المدرسة العربية العصرية 4 - جهود الحركة الإصلاحية في سبيل التعليم الابتدائي
5 - مدارس الحركة الإصلاحية
-
6
جهود الحركة الإصلاحية في تطوير التعليم الابتدائي
7 - جهود الحركة الإصلاحية في التعليم الفرنسي
المبحث الثالث: التعليم الثانوي
1 - مسيرة التعليم الثانوي
2 ظروف نشأة معهد الحياة
-
3 - التعريف بمعهد الحياة 4 - التطورات التي شهدها المعهد
- تطور آخر
5 - جمعيات معهد الحياة ومؤسساته
ا - جمعية الشباب
ب - مكتبة المعهد
فهرس محتويات البحث
480
480
483
485
485
487
488
490
493
493
497
501
505
510
512
514
521
521
522
525
530
533
536
537
539 (1/695)
صفحة 696
فهرس محتويات البحث
ج - جمعية قدماء تلاميد معهد الحياة
د - داخلية الحياة
A
منظمة الكشافة
المبحث الرابع: تعليم المرأة 1 - فلسفة المجتمع حول المرأة
2 - حال تعليم المرأة
3
-
جهود الحركة الإصلاحية في تطوير تعليم المرأة
4 - ردود الفعل من تطوير تعليم المرأة
المبحث الخامس: البعثات العلمية إلى الخارج
خاتمة
1 - دواعي قيام البعثات العلمية وميلاد فكرتها 2 - البعثة العلمية اليقظانية الأولى
3 - البعثة العلمية اليقظانية الثانية 4 - أخبار البعثات الأخرى
5 - البعثة العلمية البيوضية
6 - ردود الفعل على تأسيس البعثات
- رؤية استشرافية لمستقبل إباضية الجزائر الفهارس
فهرس المصادر والمراجع
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث
فهرس الأسماء والأعلام
فهرس البلدان والأماكن
فهرس الأديان والشعوب والفرق والمذاهب
ملخص البحث بالإنجليزية
فهرس محتويات البحث
البحث بحمد الله تعالى وتوفيقه
664
540
543
545
549
549
553
556
561
567
567
571
575
582
584
589
597
607
613
629
633
634
640
643
645
657 (1/696)
صفحة 697
[صفحة فارغة] (1/697)