صفحة 1
الكتاب: مكانة إزكي التاريخية لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مكانة إزكي التاريخية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين ، الذي جعل في قصص الغابرين عبرا للحاضرين وفوائد للمستفيدين، سبحانه خلق فسوى وقدر فهدى وله الآخرة والأولى، أحمده بما هو له أهل من الحمد وأشكره وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره، وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق وله الحكم وله الأمر وله القهر( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله رحمه للعالمين وسراجا للمهتدين، وإماما للمتقين ونعمة على الخلق أجمعين، فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح هذه الأمة ودعى إلى ربه على بصيرة حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فلا ريب أن لهذه المدينة تاريخا مجيدا سجله الدهر ووعاه الزمن وحصلت به الأيام، ونحن عندما نتأمل التاريخ علينا أن نستفيد من عبره، وأن نعرف مواطن الضعف والقوة ومواطن الاهتداء والضلال، فإنه ولا ريب يوجد في كل عصر من العصور من الأخطاء ما يجب تفاديه، فكل أمة من الأمم توجد فيما بينها قضايا تاريخية تحتاج إلى عمق دراسة، والناس غير معصومين إلا رسل الله المصطفين الأخيار ولذلك يجب اجتناب ما هو خطأ وأتباع ما هو صواب على أن الله تبارك وتعالى بين لنا في قصص الغابرين عبرا للحاضرين عندما قال سبحانه وتعالى:] لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون[( سورة يوسف الآية(111) ومن المعلوم أن كل أمة من الأمم تريد أن تبني لها أمجادا لا تلتفت إلى غابرها فقط من غير أن تلتفت إلى حاضرها، فهي تلتفت إلى غابرها لتصلح حاضرها، لا لأن تتكل على حاضرها وقد أجاد من قال:
إنا وإن أحسابنا كرمت
نبني كما كانت أوائلنا (1/1)
صفحة 2
وخير الناس ذو حسب قديم
لسنا على الأحساب نتكل
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
أقام نفسه حسبا جديدا
أما الذي يتكل على الماضي ولا يلتفت إلى الحاضر من أجل إصلاحه ومن أجل بنائه فإنه ولا ريب يكون بناؤه غير عامر، لأنه من أهل الاتكال، وأهل الاتكال دائما عظاميون لا يلتفتون إلى ما يجب أن يكونوا متلبسين به في الحاضر من فضل وهدى وصلاح وعلم مع أن ذلك كله ليس بموروث، فالعلم والتقى والأمجاد لا تورث من الأسلاف، وإنما تكون هذه عوامل خير عندما تكون حوافز للإنسان إلى أن يكيف حاضره ليكون وفق الماضي السعيد ليضم طارف المجد إلى تليده وهكذا يسعى دائما صناع التاريخ، ولئن كان مما عرف عند الناس أن من لم يكن له ماض فليس له حاضر فإن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن يتكل الناس على ماضيهم من غير أن يصلحوا حاضرهم والناس دائما ينظرون إلى النتائج والعواقب ولذلك يكيفون فلسفتهم وفق النتائج التي يصلون إليها مما ينظرون إليه فمن الشعراء من يمجد من كان له ماض لأجل أن النتائج التي أبصرها كانت نتائج خير ومنهم من يكون بعكس ذلك فكما نسمع أحد الشعراء يقول:
إذا ما رأيت أمرا حازما
فلست ترى من لبيب لبيبا
نسمع شاعر أخر يقول:
من الصالحين الصالحون ومن يكن
ويقول آخر:
ولا غرو من تلك العصية ذي العصا
فكل في ابنه سيء الاعتقاد
وهل يخلف النار إلا الرماد
لآباء صدق يلقهم حيث سيرا
وهل نجباء القوم بنو النجب (1/2)
صفحة 3
ومن هنا نهيب بأبناء صنعوا التاريخ، بأبناء العلماء الأفذاذ، بحفدة الرجال العظام، أن يكونوا على سيرة آبائهم وأمجادهم وليكيفوا الحاضر حتى يواصلوا نهج الماضي المجيد، لا أن يتكلوا على ذلك الماضي من غير أن يعنوا بحاضرهم، ومن المعلوم أن التاريخ مرآة تعكس جميع الماضي بحلوه ومره وصلاحه وفساده واستقامته واعوجاجه وهداه وضلاله، وما على الإنسان إلا أن يستفيد من ذلك كله فإنه كما يستفيد من تاريخ الصالحين يستفيد أيضا من تاريخ الآخرين ليتفادى أخطاءهم، والله تبارك وتعالى ضرب الأمثال الكثيرة في كتابه الكريم وشد انتباه الناس إلى الأمم الغابرة التي ضلت سبيل ربها وانحرفت عن منهج دينها ووقعت فيما وقعت فيه من العواقب الوخيمة يقول الله سبحانه وتعالى] ألم يرو كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين[(سورة الأنعام الآية6) فجدير إذن بالإنسان أن يستفيد من كل الماضي وهذه المدينة مدينة علم وإصلاح وقيادة وبطولة وحسبكم ما يقوله شاعر الإسلام الكبير العلامة أبو مسلم البهلاني رحمه الله عندما يذكر هذه المدينة فيقول:
وأين إزكي وطيس الحرب ما فعلت
فإن عمدة هذا الأمر جرنان
وحسبكم أيضا أن اثنين من حملة العلم إلى عمان- وهم خمسة- كانوا من هذه المدينة، ذلك أن هؤلاء ذهبوا إلى بلاد البصرة التي كانت حاضرة علم، فتلقوا العلم عن الإمام المحدث الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى، وجاءوا إلى عُمان لينشروا هذا العلم في ربوعها، وهذا يدل على التفوق البالغ لهذه المدينة في تاريخ العلم، وقد كان نصيبها أكثر من الثلث، ولا يعني ذلك أنه لم يكن هنالك حملة علم، ولم يأت إلى عمان من أهل عمان ومن غيرها من حمل إليهم العلم غير هؤلاء الخمسة ولكن هؤلاء الذين اشتهروا لأنهم كانوا عصبة جاءت في وقت واحد من بلاد البصرة إلى عمان لنشر العلم فيها. (1/3)
صفحة 4
من بين هؤلاء الخمسة علمان من إزكي أحدهما هو: الإمام منير بن النير الذي نسب فيها بعد إلى جعلان لأنه سكن فيها فقيل له الجعلاني، فهو من إزكي منبتا ومنشأ ومقاما، وإنما ذهب إلى جعلان لأجل القيام بمهمته بنشر العلم هناك فنسب إلى تلك المنطقة، فهو منير بن النير بن عبد الملك من بني ريام، وبنوا ريام كما هو مشهور من قضاعة، من العلماء الذين كانت لهم مكانة علمية سامقة، وكان لهم اجتهادهم في أمور العلم ونظرتهم الفاحصة في مسائله، التي ربطوا فيها الفروع بأصولها والآراء بأدلتها ولذلك كان علما من أعلام العلم، وبجانب كونه فقيها محققا مجتهدا كان أيضا داعية مصلحا، ولذلك جاءت رسالته فيها الدعوة إلى استقامة أحوال الناس على حسب ما يقتضيه أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه ، وبحسب ما يقتضيه هدى الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، ذكر ما كان عليه السلف الصالح من الزهد في هذه الدار الدنيا والرغبة في الدار الآخرة، وكانت له همة سامقة في أدوار تاريخه، فهو ممن شهد بيعه الإمام الجلندى بن مسعود، ولابد من أن نقف مع التاريخ وقفة تأمل ونظر، فإن التاريخ فيه الكثير من الأخطاء نتيجة الإهمال والحوادث فقد أتى الدهر بحوادث الجمة على الكثير من قضايا التاريخ فحصل اللبس بين الصحيح والخطأ، ذلك لأن الأسماء تتشابه، ولأن الحفدة قد يكونون مسمين بأسماء جدودهم فيلتبس الحفيد بالجد. (1/4)
صفحة 5
فنجد في التاريخ منير بن النير رحمه الله تعالى كان من الذين أكرمهم الله بالشهادة تحت لواء الإمام عزان بن تميم وهو يقاوم أولئك الغازين الذين جاءوا إلى عمان تحت راية محمد بن بور، الذي سام أهل عمان خسفا وذلا بعدما تمكن في بلادهم نتيجة اختلاف كلمتهم وتفرق شملهم، وهذا الحدث وهو حدث ابن بور بور كان في عام(280هـ) بينما بيعة الإمام الجلندى بن مسعود رحمه الله كانت في عام (130هـ) وقد قالوا إن منير بن النير رحمه الله الذي أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا الحدث التاريخي كان عمره في ذلك الوقت (110 سنوات) ولكن همته حفزته لأن يخرج للجهاد في سبيل الله، وهذا موقف يجب أن يعاد فيه النظر، فإنه من المستبعد جدا أن يكون منير هذا هو الذي شهد بيعة الإمام الجلندى بن مسعود، ذلك لأن الإمام الجلندى بن مسعود كما قلنا بويع في عام(130هـ) بينما هذا الحدث الذي استشهد فيه منير كان في عام (280هـ) فبين بيعة الإمام الجلندى وغزو ابن بور لعمان ( 150 عاما) فكيف يكون عمره في ذلك الوقت (110) سنوات، هذا يدعونا إلى اعتقاد أن منير الشهيد هو حفيد لمنير الذي حمل العلم إلى عمان وليس هو بعينه فإنه يتعذر عند كل من يعرف الحقيقة أن يدرك أحد عمره(110) سنوات ما حدث قبل( 150) عاما ثم بجانب ذلك فإنه حسب التحري يتبين أن الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله الذي حمل عنه العلم منير الأول توفي في عام( 170هـ) وهذا يعني أن ذلك هو وقت ولادة منير الذي استشهد مع الإمام عزان ابن تميم، وهذا اللبس في التاريخ كثيرا ما يحصل هنا عندنا في عمان نتيجة ما حدث من أحداث أتت على الكثير ما دون من التاريخ ونتيجة انقطاع الصلة في بعض الأحيان بسبب تمكن الجبابرة، وعدم اشتغال الناس بتدوين ما حصل. (1/5)
صفحة 6
من أمثلة ما يقال بأن الإمام الخليل بن شاذان هو الخليل بن شاذان بن الصلت ابن مالك والصلت بن مالك توفي في عام( 272هـ) وابنه شاذان كان في الأحداث التي حصلت بعد وفاة أبيه ولكن لم يذكر له أي عمل عندما غزا ابن بور عمان، وهذا يعني أنه توفي قبل غزو ابن بور عمان، وحسب ما يتبين أنه توفي عام (280) هـ, بينما الإمام الخليل بن شاذان حسب ما سجل العلامة ابن مداد في سيرته بويع بالإمامة في عام (444)هـ, ومن المستبعد أن يكون بن الخليل بن شاذان بن الصلت, وإنما يتبين أن الخليل بن شاذان هو الخليل بن شاذان بن الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك, كذلك منير الذي استشهد مع الإمام عزان بن تميم حسب ما يبدو هو منير بن النير بن منير بن النير, فهو حفيد الذي حمل العلم إلى عمان, وقد كان لمنير الأول ذرية حسب ما يبدو, ومن بين هذه الذرية ولدان استشهدا بدورهما في مبايعة الإمام الصلت بن مالك رحمه الله تعالى, وهما العلا وهلال, وهذا يعني أن لهما مكانة علمية فالعلا وهلال هما ابنا المنير وقد بويع الإمام الصلت بن مالك في العقد الرابع من القرن الثالث الهجري, ويبدو أن الأب لو كان حيا في ذلك الوقت لا بد من أن يكون له دور وتاريخ يذكر في مبايعة الإمام الصلت بن مالك. (1/6)
صفحة 7
والثاني من حملة العلم إلى عمان من هذه المدينة هو الإمام موسى بن أبي جابر,وكان بجانب كونه علامة محققا جامعا بين المعقول والمنقول يشار إليه بالبنان كان أيضا قائدا دينيا, ولذلك كان مرجع أمر أهل عمان في زمانه فقد كان شيخ الإسلام في عمان وهو الذي اجتمع على يديه شمل العمانيين, فبايعوا محمد بن أبي عفان أولا بعدما رزءوا بانتهاء دولة الإمام الجلندى بن مسعود وما حدث بعد ذلك من تسلط الجبابرة من بني الجلندى أنفسهم على عمان, وما حصل من تفرق الكلمة وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يجتمع الشمل على يد الإمام موسى بن أبي جابر فبويع في عهده ابن أبي عفان إماما للعمانيين ولكنهم لم يحمدوا سيرته, وبناء على ما يقتضيه فقههم السياسي فإنهم رأوا عزله وإبعاده فكانت البيعة الثانية للإمام الثاني وهو الإمام الوارث بن كعب في تاريخ الإمامة الثانية, فكانت بيعته أيضا على يدي الإمام موسى بن أبي جابر نفسه الذي كان قد بلغ من الكبر عتيا حتى أنه وضع على جبينه ما يشد حاجبيه لكبر سنة, وكان يأتي به على السرير ليدير أمر المسلمين, وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على مكانته العلمية ومكانته الاجتماعية, ويدل على أن المسلمين بعمان كانوا ينظرون إليه نظرة إكبار فلذلك كانوا ينقادون لأمره. (1/7)
صفحة 8
وكان سائسا حكيما, وقد تجلت سياسته في تفريق الناس الذين كانوا يخشى بأسهم عندما بويع لمحمد بن أبي عفان من أجل أن يصفوا الأمر اللذين يسعون إلى إعادة الحق وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وموسى بن أبي جابر من بني سامه بن لؤي, ومن المعلوم أن سامة بن لؤي هاجر من أرض الحجاز إلى أرض عمان بسبب خلاف حصل بينه وبين عشيرته, وهو أخو كعب بن لؤي بن غالب, الذي هو أحد أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم, فاجتماع هذه العشيرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما مع لؤي بن غالب وقد ترك موسى بن علي بن أبي جابر, وكان من بين أولاده النبغاء محمد بن موسى الذي كان من العلماء الذي يشار إليهم بالبنان. (1/8)
صفحة 9
وكان أيضا من هذه العشيرة علي بن عزرة وهو من العلماء الأفذاذ, وعندما غزا أحد قادة هارون المعروف بالرشيد أرض عمان, وهو عيسى بن جعفر أخو زبيدة زوجة هارون بعد ما وقع أسيرا في أيدي العمانيين استشاره الإمام الوارث بن كعب في أمره فقال له إن قتلته فهو جائز وإن تركته فهو جائز, فآثر الإمام ترك قتله, وهذا يدل على مكانته علي بن عزرة التاريخية والعلمية عند العلماء والأئمة في ذلك الوقت, وكان علي بن عزرة زوجا لابنة الإمام موسى بن أبي جابر, ومن هذه الابنة الإمام موسى بن علي بن عزرة الذي كان قد تولى قيادة أمر المسلمين وإدارة شؤونهم, وكان المرجع لأئمتهم في عهده, وقد كان في عهد الإمام عبد الملك بن حميد وفي عهد الإمام المهنا بن جيفر هو الذي يدير شأن هذه الأمة, وموسى بن علي رجل لا يشق له غبار في ميدان العلم فله اجتهادات كثيرة تدل على علو كعبه في شتى العلوم ولا سيما في الفقه, فإن اجتهاداته تدل رسوخ قدمه وقدرته على استنباط المسائل من أدلتها, وقد كان منفتحا على آراء الآخرين, ولذلك كان يحذو حذو ابن عباس رضي الله عنهما في التسامح, في مقابل الإمام ابن محبوب الذي كان كثيرا ما يتشدد, بينما موسى بن علي كان بخلاف ذلك فكان في آرائه الكثير من التسامح. (1/9)
صفحة 10
ومن رأيه كان فيما إذا تزوج أحد امرأة بإذنها وحدها من غير أن يأذن بذلك وليها ثم دخل بها أنه لا يفرق بينهما, وكان يقول النكاح بغير ولي لا يجوز, ولكن إن وقع الدخول لم أفرق بينهما, والعلماء وجهوا رأيه هذا بأنه كان مبنيا على نظرته إلى الاختلاف الواقع بين الأمة في جواز تزوج المرأة بدون إذن وليها, فجمهور الأمة يقولون بأن المرأة لا يجوز لها بحال من الأحوال أن تتزوج بغير إذن وليها لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:( لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة) ويقول صلى الله عليه وسلم: ( كل امرأة زوجت نفسها, بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل), ولكن بجانب هذا الرأي للجمهور هناك رأي للإمام أبي حنيفة ومن حذا حذوه يرى أن المرأة هي أملك بنفسها, فلذلك رأى الإمام موسى بن علي عدم التفريق بين الرجل والمرأة إن دخل بها وتزوجها بغير إذن وليها لئلا يكون أخذ بهذا الرأي.
ومن المسائل التي كان له رأي لا يتفق فيه مع رأي جمهور العلماء أن جمهور العلماء كانوا يرون لو أن أحدا ادعى على شركاء بأن له حقا عليهم فاعترف بذلك الحق اثنان منهم يكون اعترافهما حجة عليهم دون شركائهم, ولا يلتفت في هذا الجانب إلى العدالة وغيرها, لأن الاعتراف ليس هو بشهادة, ولكن الإمام موسى بن علي رحمه الله تعالى كان يرى أن الاعتراف إن حصل من ثقة عدل تقبل شهادته, فهو بمثابة الشهادة, إن كان هذان المعترفان ثقتين عدلين يعتد بشهادتهما, فاعترافهما يجري عليهما وعلى سائر شركائهما.
وكان من رأيه أيضا أن أحدا لو قال لزوجته طلقتك أكثر الطلاق فلا تطلق إلا تطليقتين أخذا بمدلول قول الله سبحانه وتعالى ] الطلاق مرتان[, بينما أكثر العلماء يقولون بأنها تطلق ثلاث طلقات وذلك لأن منتهى الطلاق إلى الثلاث وفي هذا يقول الإمام السالمي رحمه الله تعالى:
فتطلق الثنتين في المروي
عن قاض مصرنا أبي علي (1/10)
صفحة 11
وقد وقع في عهد الإمام عبد الملك بن حميد أن رجلين من اليهود كانا بصحار وكانا يقتتلان فيما بينهما, وعندما أحس أحدهما بالغلبة من قبل الآخر قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله, فقال من هناك من الحاضرين أعينوا أخاكم فإذا به بعد ذلك ينكر هذه الشهادة ويتراجع عنها, ووقع الخلاف بين أهل العلم في أمر هذا الإنسان, ورفع الأمر إلى الإمام عبد الملك بن حميد, فعرض الأمر على مرجع أهل الفقه في دولة الإمامة وهو الإمام موسى بن علي رحمه الله فقال: بأنه يشدد على ذلك الذي ترك مقتضى الشهادتين بعدما اعترف بهما ويغلظ عليه القول ويهدد بالقتل فإن أصر على موقفه فلا يقتل لأنه لم يعترف بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق من عند الله سبحانه وتعالى وهذا رأي رآه, وإلا فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على الشهادتين وحدهما إذ يقول: في الحديث الذي أخرجه الشيخان من طريق ابن عمر رضي الله عنهما " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" وأوضح القطب رحمه الله بأن شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن الشهادة له بأن ما جاء به هو الحق من عند الله سبحانه وتعالى من غير نطق بذلك, وهذا هو الري يقتضيه كلام الإمام نور الدين السالمي رحمه الله:
ونحن لا نطالب العبادا
فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا
إخواننا وبالحقوق قمنا (1/11)
صفحة 12
والمسائل التي اجتهد فيها كثيرة, ولموسى بن علي العديد من الأخوة كانوا أيضا علماء أجلاء منهم: محمد بن علي والأزهر بن علي, وللأزهر بن علي اجتهادات في الفقه, من ذلك أن جمهور علمائنا يرون أن الذي ينظر إلى فرج المرأة أو يمسه بيده تكون حراما عليه كما تحرم عليه في رأيهم عندما يزني بها, لكن الأزهر بن علي كان له رأي آخر فكان لا يرى للمس ولا للنظر حكم المباشرة بالفرج, وهذا الرأي ما كان أكثر العلماء يرون, ولكن الإمام أبا نبهان والإمام نور الدين السالمي رحمهما الله أخذا به وفي هذا يقول الإمام نور الدين السالمي:
وذهب الأزهر ألا يحرموا
بذيل ما الزنى به يحرم
وهو الصحيح فتكنى الأولا
وإن يكن من مضى عليه عولا
هذا ضمن اجتهادات الأزهر بن علي ولمحمد بن علي أيضا اجتهادات محققة متعددة, ولمحمد بن علي ذرية فمن بينهم موسى بن محمد بن علي وكان عالما محققا أيضا, وكان له رأي لا يختلف مع رأي ابن عمه موسى بن موسى بن علي في أمر الإمام الصلت بن مالك رحمه الله, وقصة موسى بن موسى مشهورة, ولكن موسى بن محمد بن علي ظل متمسكا بإمامة الإمام الصلت بن مالك إلى أن مات, وتسلسل العلم في ذريتهم. (1/12)
صفحة 13
ومن بين العلماء الكبار في هذه المدينة العلامة أبو جابر محمد بن جعفر صاحب الجامع المشهور, وهو من أشهر كتب الفقه القديمة, وهو المعول عليه كثيرا في الإفتاء في المذهب, حتى أن من العلماء من كان يحرص على قراءته من أوله إلى أخره المرة بعد المرة, بحيث يتلوه باستمرار بسبب سهولة ألفاظه وظهور حجته وتبسيطه للمسائل التي عرضها فيه, وقد طبع جانب من هذا الجامع ونرجو أن تكمل طباعته بإذن الله سبحانه وتعالى, وهو من حملة العلم ومن بيت علم ووالده عرف بجعفر الطيار تيمنا بالوصف الذي كان عليه الصحابي الجليل ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم جعفر الطيار رضي الله عنه, ومحمد بن جعفر تسلسل العلم في ذريته من بعده, فكانوا أهل علم وفضل وقيادة وصلاح واستقامة, وكان محمد بن جعفر رجلا أصم, وكان في مقامه اثنين من العلماء كل واحد منهما أصيب بعاهة, فأبو المؤثر كان معاصرا له, وكان ندا له, وكان زميلا له في الدراسة لأنهما جميعا أخذا العلم من الإمام محمد بن محبوب رحمه الله تعالى, ولكن وقع بينهما الخلاف الذي وقع في أمر موسى بن موسى وراشد ابن النظر وقيامهما على الإمام الصلت بن مالك, ولذلك كانت تتبادل بينهما رسائل فيها الكثير من التشديد, فقد تشدد كل واحد منهما في جانب الآخر كلان أبو المؤثر أعمى, وكان الآخر هو نبهان بن عثمان, وذكر الإمام أبو سعيد رحمه الله في كتابه (الاستقامة) بأن أمر أهل عمان في ذلك الوقت كان يرجع إلى ثلاثة إلى أصم وأعرج وأعمى:
والأصم هو : أبو جابر محمد بن جعفر (صاحب الجامع)
والأعمى هو: أبو المؤثر الصلت بن خميس
والأعرج هو : نبهان بن عثمان
ونجد أن بيوتات تسلسل فيها العلم بإزكي, بحيث يتلقى العلم الواحد عن أبيه عن جده, وهكذا يتسلسل العلم من الجدود إلى الحفدة وهذا ما حصل في بيت علي بن عزرة وفي بيت محمد بن جعفر وفي بيت منير بن النير وفي بيوتات أخرى. (1/13)
صفحة 14
ومن بين هذه البيوتات بيت أبي سعيد الإزكوي الذي يتصور بعض الكاتبين بأنه كان شيخا لمحمد بن سعيد القلهاتي صاحب كتاب ( الكشف والبيان), فإنه كثيرا ما يحكي عن أبي سعيد وهو لم يكن معاصرا لأبي سعيد الكدمي, فيبدو أن أبا سعيد الذي يعنيه هو أبو سعيد الإزكوي الذي كان عالما في زمانه, ثم كان العلم فيما بعد في ولده سليمان بن أبي سعيد ثم في ولده محمد بن سليمان بن سعيد, ثم صار العلم في ولديه سليمان بن محمد بن سليمان بن أبي سعيد وأبي القاسم ابن محمد بن سليمان بن أبي سعيد, ثم صار العلم في علي بن أبي القاسم ولعل السلسلة امتدت إلى أكثر من ذلك ولكن لم يحفظ لنا التاريخ أكثر من هذا.
كذلك بيت الشيخ جمعة بن أحمد الرقيشي, فإن العلم تسلسل في ذريته من بعده وكان من بين ذريته صاحب كتاب التقليد في النحو, وهو كتاب توسع فيه مؤلفه, وله بجانب ذلك رسالة مختصرة في النحو تعد اختصارا لما في هذا الكتاب المطول, ومن بين ذريته أيضا الشيخ العلامة أحمد بن عبدالله القريشي صاحب كتاب مصباح الظلام في شرح دعائم الإسلام, وهو من الأوائل الذين شرحوا دعائم ابن النظر إذ لم يتقدمه فيما أحسب إلا ابن وصاف في شرح هذا الديوان الفقهي, وكان من العلماء البارزين, وكان من بين العلماء الأفذاذ الكبار المتأخرين من ذريته ذلك الهزبر الضرغام الذي كان شريح زمانه في القضاء الشيخ محمد بن سالم الرقيشي رحمه الله. (1/14)
صفحة 15
وجد العلم كذلك في العديد من البيوتات كبيت الشيخ شائق بن عمر, ويقال ابن عمر الأزكوي, والشيخ شائق بن عمر كان له اجتهاد في الفقه, ولعله انفرد بمسألة لم يسبقه إليها أحد من علماء المذهب فيما أحسب, فقد كان يرى أن الكاتب العدل عندما يكتب بين المتعاملين تكون كتابته حجة ولو لم يشهد في كتابته أحد, وقد سمعت شيخنا إبراهيم بن سعيد العبري يوجه هذا الرأي بأنه يرى هذى الكاتب العدل حكمة حكم القاضي الشرعي, فكما أن القاضي الشرعي عندما يقضي بين المتخاصمين يكون فصله حجة ولم يكن فصله أحد, فكذلك الكاتب العدل, لأن الله تبارك وتعالى ناط أمر التعامل بالتكاتب بين المتعاملين كما جاء ذلك في آية الدين, وقد قال برأيه هذا فيما بعد قطب الأئمة رحمه الله في تفسيره هميان الزاد وتيسير التفسير.
وتسلسل العلم في بني ريام, وكان من بين العلماء الشيخ عامر بن سليمان, ثم ابنه الشيخ ناصر بن عامر ثم أبنه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر.
وكان من العلماء الأفذاذ الذين جمعوا بين العلم والعمل والزهد والصلاح والاجتهاد والمثابرة في الخير ذلك القائد الشهير العلامة أبو زيد عبدالله بن محمد الريامي رحمه الله, الذي جسد في ولايته في عهد الإمامين سالم بن راشد الخروصي والإمام محمد بن عبدالله الخليلي- رحمة الله عليهما- سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في زهده واجتهاده لأمر المسلمين وحرصه على مصالحهم, حتى كان مضرب المثل وقال ممن قال من أهل العلم والخبرة والذين عاصروا العلامة أبا زيد بأنه لم يكن في عمال الإمامين المذكورين أحد كمثله في مزاياه التي تميز بها, وحسبه ثناء الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله عندما قال فيه بأنه رجل من رجال عمر, ولكن الله أوجده في زماننا. (1/15)
صفحة 16
فهذه نبذة مختصرة عن علماء إزكي ونحن لسنا بصدد إحصاء علماء هذه المدينة فضلا عن الولاية, فهناك في الولاية الكثير جدا من العلماء والقادة الأفذاذ الذين كانت لهم فتوحات في عهود الأئمة لا سيما في عهد أئمة اليعاربة, عندما كانوا يقاومون البرتغاليين كالشيخ محمد بن مسعود الصارمي وغيره من العلماء القادة, وهذا نعده نموذجا لمن يريد أن يسلك هذا المسلك ويسير على هذا الدرب, وفي هذا ما يحفز همم أصحاب الهمم حتى يكونوا بمشيئة الله عصاميين يبنون أمجاد الحاضر على ذلك الأساس الذي أقامه لهم الآباء في الزمن الغابر فكما قال الشاعر:
وخير الناس ذو حسب
أقام لنفسه حسبا جديدا
فنهيب بأشبال أولئك الآساد أن يحرصوا كل الحرص على تنشئة أجيالهم على ذلك المسلك والسير في هذا الدرب وأن تكون هذه الأمجاد بمشيئة الله متواصلة لينطبق عليهم قو الشاعر:
من الصالحين الصالحون ومن يكن
لآباء صدق يلقهم حيث سيرا
والله سبحانه وتعالى نسأله التوفيق والتسديد والأخذ بأيدي الجميع إلى ما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير, وبالإجابة جديد نعم المولى ونعم النصير وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. (1/16)