صفحة 1
الكتاب: مكانة بهلاء التاريخية لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ( مكانة بهلاء التاريخية )
محاضرة ألقاها الشيخ سماحة الشيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي – حفظه الله – بنادي بهلاء، وذلك ضمن أنشطة الملتقى الثقافي الذي أقامته مكتبة الندوة العامة بولاية بهلاء في الفترة من – 21 أكتوبر 1998م .
وقد ألقى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله – هذه المحاضرة يوم الأربعاء بعد صلاة المغرب بتاريخ 1 من رجب سنة 1419هـ الموافق 21/10/1998م.
" نص المحاضرة "
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين الذي جعل في مآثر السلف الصالحين معالم للخلف التابعين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، واستغفره من جميع الذنوب وأتوب أليه،من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلال مبينا، ونبينا محمد عبده ورسوله r وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد، فالسلام عليكم أيها المشايخ والأخوة والأبناء ورحمة الله وبركاته .
أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة، وأشكر الله الذي أتاح لنا جميعا فرصة اللقاء في هذا المكان الطيب وفي هذه الليلة المباركة لنستلهم شيئا من عبرا التاريخ بقد ما نستضيء به في حياتنا، فإنه ولا ريب في تاريخ السلف عبر للخلف، والله تبارك وتعالى عندما قص أنباء الأمم والرسل على سيدنا رسول الله r أتبع ذلك قوله: ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) ( 1 )كذلك قال سبحانه بعد ذكر أحوال الرسل والأمم: ( لقد كان في قصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) (2) فعلى الإنسان وهو يرى ضرع التاريخ أن يستفيد من ذلك بما ينقصه من العبر الكثيرة التي تبين له سنن الله تعالى في خلقه ونواميسه في هذا الكون . (1/1)
صفحة 2
هذا؛ وموضوعنا سيكون حول مكانة مدين بهلا التاريخية، ولا ريب أن مدينة بهلاء مدينة تراث، مدينة تاريخ مجيد، فهي واجهت ظروف الحياة، وتلقت ما تلقت من حوادث الأيام ما جعل من درس تاريخها يستفيد الكثير من العبر ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهكذا شأن الحياة الدنيا أن تتقلب أحوالها من حال إلى حال، والله سبحانه وتعالى هو الذي لا يزول ولا يحول، وكما قيل دوام الحال من المحال، وبما أن الكل يتطلع إلى التاريخ الأبيض الناصع من تاريخ العلم والعلماء فإننا نتحدث بمشيئة الله سبحانه وتعالى بقدر المستطاع عن حملة العلماء الذين أناروا للناس السبيل، و بصروهم بالمسلك، وعرفوهم فيما يأتون ويذرون الحجة والدليل، حتى يكونوا على بينة من أمرهم ولا يقدمون ولا يحجمون في أمورهم إلا ببصيرة من ربهم سبحانه وتعالى، وبما أن مدينة بهلاء هي في جزء من أرض الجوف [1]، جوف عمان وهذا الجزء شهير بالعلم والعلماء من أول التاريخ الإسلامي، وممن نشأ فيه الإمام الكبير أبو الشعثاء جابر بن زيد لا ريب أن تكون بهلاء لها مكانتها من ناحية العلم وإن كان الكثير من تاريخ العلماء في عمان في هذه المدينة وفي غيرها درس بحيث لا نتمكن من أن نتمكن من أن نستبينه كما هو بسبب كونه تحت طبقات حوادث الدهر التي أخفته عن الأبصار، والتنقيب عنه يحتاج إلى جهد جهيد . (1/2)
صفحة 3
وإنما نذكر في هذه العجالة من الحديث من يمكننا الآن أن نستحضر بعض مآثره وتاريخه من العلماء المشهورين، فمن العلماء الذين كانوا متصدرين في سدة الأمر هنا في عمان في القرن الثالث للهجري من أهل بهلاء الإمام أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي [2]- رحمه الله تعالى- وهو رجل يعد بحق من أقطاب العلماء، وقد تلقى العلم من أكابر أهل العلم، فممن تلقى عنهم العلم الإمام الكبير أبو عبدالله محمد بن محبوب بن الرحيل [3]- رحمه الله تعالى – ورحم آبائه الصالحين، ومما يدل على مكانة أبي المؤثر في نفوس علماء عمان في ذلك الوقت أنه حضر فيما يبدوا في مرحلة مبكرة من تاريخ حياته، وذلك في عنفوان شبابه على ما يبدو بيعة الإمام الصلت بن مالك [4]، فكان أحد المرموقين من العلماء الحاضرين لبيعة الإمام المذكور، وليل ذلك أنه لما أصاب ثوبه شيء من الدم خرج لغسله وكانت بيعة الإمام إبان خروجه، سأله أبن محبوب 0 رحمه الله – عن سبب خروجه فأخبره فاستتابه، ولم يكن يرى في نفسه حرجا من هذا الخروج إلا بسبب كزن أبي المؤثر يعد في ذروة سنام هذا الأمر، ومما يشهد أن أبا المؤثر كان في ذلك الوقت في باكورة عمره ومستهل شبابه ما هو معروف أن الإمام الصلت بن مالك – رحمه الله تعالى – طالت به الأيام في إمامته حتى بلغ من الكبر عتيا، ووصل إليه الأمر من الانشقاق والخلاف بين الناس في أواخر حياته، وكانت تلك الفتنة العمياء التي خلفت شررا مستمرا يلتهب بين حين وآخر حتى بين كبار العلماء المتبحرين، وكان أبو المؤثر قد عايش هذه الأحداث كلها، فعايش ما كان من قيام تلك الفئة على الإمام الصلت بن مالك – رحمه الله – وما أدى إليه الأمر من أنشقاق وخلاف بين أهل العلم في نظريتهم إلى أصحاب تلك الفئة، وكان له موقف معين من هذا الأمر، وأبرز آراءه فيه، وأستمر على ما بعد الإمام راشد بن النضر [5] بل إلى عهد الإمام عزان بن تميم [6] كان لا يزل حيا ، وهو دليل تعميره ودليل (1/3)
صفحة 4
أنه كان في حال بيعة الإمام الصلت بن مالك في مستهل شبابه كما ذكرنا، وأبو المؤثر لم يكن من العلماء المقلدين الذين يتلقون كل ما يلقى إليهم من غير نظر وتمحيص، بل كان الرجل مجتهدا وله آراؤه الاجتهادية في المجال الفقهي وفي المجال التفسيري، أما رأيه في مجال التفسير فهو أنه كان أن الجنة التي أكرم الله سبحانه آدم عليه السلام بتبوئها ثم أخرج منها بعد ذلك بعد أن أوقع فيما وقع من تسويل الشيطان له أن يأكل من الشجرة ليست هي جنة الخلد لا يخرج عنها من تبوأها، ولعل هذا الرأي لم يسبق إليه من قبل أحد علماء المذهب، وكان يرى أن جنة الخلد لم تخلق ذلك أن الله تبارك وتعالى وعد أن تكون تلك الجنة جنة الخلد، وفي نفس الوقت الله سبحانه وتعالى حكم على كل شيء ما سواه بالفناء، فكل هذا الكون الذي خلقه الله سيتلاشى، فلو أن جنة الخلد كانت مخلوقة لصدق عليها ذلك وهو يتنافى مع ما طبعها الله تعالى عليه من الخلد ، فإن هذه الجنة ستخلق فيما يأتي وليست هي مخلوقة الآن ، وهذا الرأي الذي ذهب إليه أبو المؤثر هو الذي ذهبت إليه من أحابنا من بعد أبو سهل الفارسي [7] من أهل المغرب وأبن أبي نبهان من أهل المشرق – رحمهم الله تعالى – وهذا دليل اجتهاد الرجل، كما أن له أيضا رأيا في الفقه أخذ به من بعده، ومن العجيب أن تلتقي على الأحذية به فيما بعده بالمدرستان المختلفتان في عمان في كثير من القضايا، مدرسة أبي سعيد الكدمي [8]ومدرسته أبي محمد بن بركة [9] فقد اتفقت هاتان المدرستان ممثلتين في عميديهما واستاذيهما الإمامين المذكورين، اتفقتا على الأخذ برأي أبي المؤثر مع أن هذا الرأي لم يكن مسبوقا إليه من قبل من قبل أحد العلماء المذهب فيما عملت واطلعت عليه، وفيما سجله أبو المؤثر نفسه، وإنما كان مسبوقا إليه من قبل طائفة من علماء المذاهب الأخرى، وكان يرى اتباع الدليل ولو أنه لم يقل بهذا الرأي أن من عجز عن الصوم سقط عنه الصوم، وسقط عنه أي شيء، (1/4)
صفحة 5
ولا ينتقل فرض الصيام عنه إلى غيره فلا يتعبد به أحد من قرابته كولده أو والده عندما يكون العجز مستمرا لا يرجى له برء أو لشيخوخه متقدمة بحيث لا يطمع معها الإنسان في شيء من القوة التي يتمكن بها من الصيام .
وخلاصة هذا الرأي أن العاجز الذي لا يرجو قوة على الصيام لا يتعبد يشيء ويسقط عنه التكليف لقول الله تبارك وتعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) [10] ولقوله ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) [11]وهذه النفس لم يكن في وسعها الصيام، فإذا هي غير متعبدة به لأنها لا تطيقه، وقال الله تبارك وتعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) [12] بأن هذه الآية منسوخة بقول الله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) [13] فلم يبق مكانا للإطعام وإنما كان ذلك بادئ الأمر من أجل ترويض الناس على هذه الغبادة المقدسة ، و بعد ما تروضوا عليها لم يكن هناك مجال للاكتفاء بالإطعام عن الصيام بل الصيام وحده هو المشروع، وعندما يتعذر يسقط ولا يتحول هذا القرص إلى الغير نظرا إلى أن الصيام عباد بدنية، والعبادة البدنية الخالصة لا تكون فيها نيابة كالصلاة مثلا، فكما أنه لا يصلي أحدا عن أحد، كذلك لا يصوم أحدا عن أحد، هذه خلاصة تحرير أبي المؤثر لهذه المسألة . (1/5)
صفحة 6
وقد تبعه على ذلك جم غفير من العلماء منهم إمام المذهب أبو سعيد محمد بن سعيد – رحمه الله تعالى – كذلك عميد الفرقة الرستاقية العلامة المحقق الإمام ابن بركة وغيرهما من أهل العلم، فإنهم عولوا على هذا الرأي ةإنما جاء الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله تعالى – في آخر الأمر يخالفه، ونحن عندما ننظر إلى هذا الرأي نجده قد أخذ بحظ وافر من التحقيق فإنه عول على دلالة لآيتين الكريمتين ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) و ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) ولكن مع ذلك يرجع بأنه ينتقل عن الصيام إلى الإطعام بالنسبة إلى العاجز وأن الآية تحمل على أن المراد بقول الله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه ) وعلى الذين يتكلفونه بأنه يقال أطاق بمعنى تكلف، وأن هذه الآية فيمن كان بنحو هذه الحالة، وأما صيام المرء عن المرء فهي قاعدة شاذة ولذلك لا تعمم وإنما يقتصر فيها على موارد النص، وقد ورد النص فيمن مات وعليه الصيام أنه يصوم عنه وليه كما ثبت ذلك في حديث عائشة – رضي الله عنها – عن الشيخين، فنجمع ما بين هذا الرأي والرأي الآخر، وذلك بأن من كان قادرا على الإطعام فعليه أن يطعم، ومن كان عاجزا عن الصيام والإطعام قلا ينتقل عنه هذا الفرض إلى غيره . (1/6)
صفحة 7
هذا ولآبي المؤثر مناقشات واسعة في مسائل متعددة من مسائل العلم في كتابه " الأحداث والصفات" [14]وفي السير التي كتبها في الخلاف الذي حصل بينه وبين العلماء الذين كانت لهم نظرة مخالفة لنظرته فيما يتعلق بالأحداث الواقعة في أواخر أيام الإمام الصلت – رحمه الله – وعلى رأس أولئك أبو جابر [15] الذي كان بينه وبين أبي المؤثر مناقشات حادة في هذه القضية بعينها، وقد ترك أبوا المؤثر سلسلة عملية من بعده، فكان من بعده أبنه أبو عبدالله محمد بن أبي المؤثر[16] ثم من بعده أبنه أبو محمد بن عبدالله بن محمد بن أبو المؤثر[17] الذي كان أحد رجال الإمام سعيد بن عبدالله[18]- رحمه الله – وقد قتل بمناقي .
ومن العلماء الذين كانوا ببهلا العلامة محمد بن خالد الخروصي[19] ويقال بأنه قريب للإمام الصلت بن مالك، وكان في عهد الإمام سعيد بن عبدالله وقد ألزمه أن يتولى أمر المسلمين في هذه المنطقة، وعندما تعذر وأصر على التعذر فرض عليه ذلك وقال لا مفر له من هذه الوظيفة إلا إلى السجن، وهذا دليل منزلته الرفيعة في العلم وتعيين الأمر عليه فرض الإمام عليه ما فرض . (1/7)
صفحة 8
ومن بين العلماء المتبحرين في العلم الذين كانوا بمدينة بهلاء الإمام العلامة المجتهد المحقق أبو عبدالله بن محمد بن بركة السليمي[20] نسبة إلى سليمة بن مالك بن فهم الأزدي، وهو من العلماء الذين لا يشق لهم غبار في مجال التحقيق، بل ورائد علم الأصول فيما بين العلماء العمانيين، وهو رائد في تقعيد القواعد الفقهية التي تنشأ عنها المسائل الفقهية، ففي دراسة أعدها ابننا ال الشيخ زهران بن خميس المسعودي[21] بعنوان أبن بركة وفقهه وتأصيله وتقعيده ) ذكر 68 قاعدة من قواعد الفقه منبثة في كتاب ابن بركة ( الجامع ) و76 ضابطا، وقد أورد هذه القواعد والضوابط كلها في دراسته تلك، وهذا يدل على أن أبن بركة لم يكن رائد في تقعيد المسائل الفقهية في عمان ومبين علماء المذهب فحسب بل رائد علميا في هذا الأمر، ذلك أنه جاء في دراسة المذكور نقل عن الإمامين السيوطي في كتابه ( الأشباه والنظائر ) وابن نجيم الحنفي في دراسة المذكور في كتابه ( الأشباه والنظائر ) أن الرائد في التقعيد في القرن الرايع الهجري أي كان معاصرا لأبن بركة هو أبو طاهر الدباس[22] وقد استخرج 17 قاعدة، بينمكا أبن بركة استخرج هذه القواعد بأسرها في كتاب ( الجامع ) فكيف لو ما حاول الدارس أن يتأمل بقية كتبه وهناك كتب ضاعت من مؤلفات أبن بركة وهذ مما يدلل على أنه رائد في التقعيد، ولابن بركة الكثير من مسائل التي كان له فيها رأي لا يتفق مع رأي غيره من علماء المذهب، ومناقشة الدقيقة في هذه المسائل دليل على تمكنه قي العلم، وعلى أنه من أئمة الاجتهاد، ومن بين المسائل أنه كان يرى أن الزواج لا يتوقف على أذن الولي بل يصح بدونه وليس الولي شرط صحة وإنما هو شرط كمال، ولكنه تردد في هذه المسألة بين رأي الحنفية الذين لا يشترطون ولاية الولي شرط صحة مطلقا وبين رأي الظاهرية الذين لا يشترطونها في زواج الثيب دون زواج البكر. [23] (1/8)
صفحة 9
ومهما يكن من أمر فإننا نقدر اجتهاد أبن بركة ولو كنا لا نرى رأيه في هذه المسألة بل نرى الأخذ بما دلت عليه السنة الصحيحة الثابتة عن الرسول e إذ قال عليه أفضل الصلاة والسلام: ( لا نكاح إلا بولي وصداق وبينه )[24] وقال: ( أيما أمرأة زوجت نفسها بغير أذن وليها فتكاحها باطل باطل باطل ) [25]وكذلك كان من رأي أبن بركة أن السكران كما لا يعتد بنكاحه كذلك لا يعتد بطلاقة عندما يكون فاقد لوعيه [26]، ولعله أول من ذهب هذا المذهب من علماءالمذهب وهذا دليل على اجتهاده وهو رأي له وجاهته، فإن السكران كما لا يعتد بعقده لا يعتد بحله، وكما في رد بقية معاملاته لا بد أيضا أن ينظر في هذه المسألة وهذا أمر يتوقف على التيقن بأنه كان في غيبوبة من عقله، وكان من رأي أبن بركة أيضا أن الإنسان مسئول عن نفسه فلذلك عندما يتيقن أن إقدامه إلى المعركة لا يؤدي به إلى الهلاك من غير أن ينكي العدو فعليه أن يحافظ على سلامته[27] في هذه الحالة واستدل على ذلك بقوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) [28]وهذه المسألة ناقش رأيه فيها المحقق الخليلي[29] - رحمه الله – وذهب إلى خلاف ما ذهب إليه أبن بركة، كما أن من رأي أبن بركة و هو رأي ذهب إليه من ذهب من علماء المذهب في بلاد المغرب، وتبعه عليه جماعة ببلاد المشرق هو أن الغصوب لا تنتقل إلى الغاصبين ملكيتها ولو كان الغاصب مشركا[30] وهذا هو الرأي الصحيح لهذه المسألة ، وهي مسألة نوقشت نقاشا واسعا لا يتسع المجال لطرحها في هذه العجالة . (1/9)
صفحة 10
هذا وقد كان أبن بركة يتميز برد الفروع إلى الأصول عندما يناقش المسائل الفقهية ولا سيما في كتابه ( الجامع )، كما أنه يتميز بمناقشة الأدلة، وكتابه ( الجامع ) يدل على إطلاعه الواسع على أقوال علماء الأمة من مختلف المذاهب الإسلامية، وهو يناقش هذه الأقوال سواء كانت هذه الأقوال التابعين فمن بعدهم أو كانت أقوال علماء المذاهب الأربعة أو كانت أقوال أئمة الظاهرية، وهو دليل على أنه كان في تلك المرحلة المبكرة على اطلاع واسع على آراء أهل العلم من سائر علما الأمة، كما أنه كان على اطلاع على أحاديث رسول الله e فهو كثيرا ما يستدل بأحاديث رسول الله e عندا يطرح القضايا الفكرية التي يناقشها، هذا ولعلنا نتسامح ويتسامح معنا إخواننا أهل ولاية الحمراء[31] عندما نعد أبا سعد – رضي الله تعالى عنه – أحد العلماء الذين يعدون من علماء بهلاء، إذ لم تكن في ذلك الوقت حمراء، وكانت هذه المنطقة كلها ترجع إلى بهلاء، وفي فترة قريبة بل فيما قبل ثلاثة عقود من السنين تقريبا كتب إلى شيخها العلامة العبري[32] رسالة جاء فيها ذكر هذه المنطقة الكدمية [33] وذكر أن أم قراها بهلاء، وأبو سعيد إمام معروف القدر عند علماء عمان، وقد عد إمام المذهب، أثنى عليه جهابذة العلماء المتبحرين، وناهيكم بثناء الإمام الكبير أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي [34] - رحمه الله – ومن بين ثنائه عليه قوله فيه : " وكفى بأبي سعيد – رحمه الله – حجة ودليلا لمن أراد أن يتخذ الحق لنفسه سبيلا، لأنه أعلم من نعلم من الأحبار وآثاره أصح الآثار " وأثنى عليه في مواضع متعددة من مؤلفاته، وكذلك ثناء الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله تعالى – عليه عندما قال:
عمن إليه الشرح والتحرير
أبوا سعيد الكدمي المفرد
ونسب الجواب في القضية
وقد انتهى وهو به خبير
من مطلقات العلم عنه قيدوا [35] (1/10)
صفحة 11
ولأبي سعيد مؤلفات من بينها كتاب ( الإستقامة )[36] في الأمر الذي وقع فيه الخلاف فيه بينه وبين العلامة أبن بركة وهو كتاب وظف مسائل أصول الدين والمسائل المتعلقة بما يسع جهله وما لا يسمع جهله للإتصال بالرأي الذي وصل إليه، وبما أنه كان رأيا وسطا فإن جمهرة من العلماء المتبحرين أخذوا بهذا الرأي وعولوا عليه وانتصروا له وعدوه الرأي الأمثل الذي يجب الأخذ به، إذ لكل من أبي سعد أبي محمد بن بركة مكانة عملية مرموقة وتحقيقات عملية مأجورة، و لكن نظرا لضيق الوقت نرى أن ننتقل عن الحديث عنهما إلى غيرهما من العلماء بقدر ما يتسع له الوقت، فالعلماء الذين كانوا بهذه المدينة التاريخية عددهم كبير ومن نجهل منهم أكثر بكثير ممن نعرف . من بين هولاء العلماء يزيد من محمد البهلوي[37] وهو يحمدي النسب على حسب ما أطلق عليه، وله مؤلفات في علم العربية، وكذلك أبنه عادي بن يزيد [38]، وشرح هذا الأبن لقصيدة العلامة القلهاتي[39] ( الحلوانية ) دليل على سعته في علم العربية وقد كان يورد في هذه الشرح الكثير من الشواهد العربية، إن كنا لا نرتاح إلى شرحه لهذه القصيدة، فقد كنا نتمنى أن لو لم يشرحها كما كنا نتمنى من ناظمها أنه لم ينظمها، لأن فيها شيئا من النعرات الجاهلية، إذ كانت القصيدة مدحا للقبائل القحطانية وذما للقبائل العدنانية، وهذا أمر لا يقره الإسلام، والنبي e أخبر عن هذه العصبية بأنها من الجاهلية: وقال ( دعوها فإنها منتنة ) [40] ولكل جواد كبوة . (1/11)
صفحة 12
كذلك من بين العلماء الذين كانوا بهذه المدينة مدينة بهلاء الشيخ هاشم[41] وذريته، ولأجل رفع اللبس ليس هو الشيخ هاشم بن غيلان السيجاني المشهور الذي كان في عهد متقدم في بداية القرن الثاني الهجري، فإن الشيخ هاشم بن غيلان السيجاني متقدم، وهذا كان تقريبا في القرن العاشر الهجري، وإنما شابهه في أسمه وشابه أباه أيضا في أسمه، والشيخ هاشم بن غيلان هو وذريته كانوا أهل علم، فكان هو نفسه من العلماء، وكان أبنه سعود بن هاشم بن غيلان أيضا عالما[42]، ولم يستبعد أهل العلم أن يكون العلامة علي بن مسعود بن هاشم أيضا حفيده، وقد كان أيضا من أهل العلم، وكما فيما يبدوا معاصرا لغسان بم مسعود فلا يبعد أن أ\يكون أخا له، هؤلاء كانوا من أهل العلم، وإنما اشتهر من بينهم مسعود بن هاشم بن غيلان، ومن أجل البيان فهاشم بن غيلان هذا هو هاشم بن غيلان بن غسان بن غيلان، وهو كما ذكرنا غير العلامة الكبير المشهور هاشم بن غيلان السيجاني، حيث كان هذا من العلماء الكبار لا سيما أبنه مسعود، فإن له مسائل مذكورة في آثار أهل العلم . (1/12)
صفحة 13
ومن بين العلماء الذين ينسبون إلى ولاية بهلاء العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسياني[43] وهو من كبار أهل العلم وكتابه ( الجامع ) [44]دليل على ذلك ،قد كان تلميذا لابن بركة ويتميز كتاب (الجامع) بقرن المسائل بأدلتها فأنه يقرن ما بين الفقه والحديث ، وله آراء لم تكن هذه الآراء مشهورة عند أهل العلم في ذلك الوقت، بل بعضهم لم يكن مشهورا حتى بعد ذلك الوقت، فمن بين الآراء التي أنفرد بها أنه يرى أن سجود التلاوة يجب على من سمع الآية القرآنية ولو كان في الصلاة[45] أي لو كان التالي غير الإمام هذا رأي ربما لم يقله أحد آخر من أهل العلم، بل نجد الإمام السالمي- رحمه الله – حكى الاتفاق على أنه لم يقل بهذا الرأي أحد ولعله لم يطلع على ما قاله العلامة البسياني في جامعه فلذلك حكى الاتفاق على خلافه، كما أنه أوضح أيضا في جامع مشروعية الخطبتين لجمعة والقعدة
بينها [46] ، وذكر حديث أبن عباس - رضي الله تعالى عنهما- الذي يدل على فعل الرسول e لذلك، ثم حكى الإجماع عليه، وقد ترتاب نقله للإجماع م إن مسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، وممن يخالف هذا الرأي شيخ العلامة أبن بركة والجواب عن ذلك هو أن هذه الاسترابة تندفع عندما يعلم الإنسان بأن ذلك الأمر طبق في عهد الرسول e وفي عهد الخلفاء الراشدين وقد سكت الكل فيما بعد الرسول e عن ذلك، فكان ذلك السكوت إجماعا سكوتيا، والإجماع السكوتي هو حجة ظنيئة، كما هو معلوم عند أهل العلم ومن بين العلماء الذين كانوا بهذه المدينة العلامة أبو حفص عمر بن سعيد بن راشد[47]
--------------------------------------------------------------------------------
( 1 ) سورة هود الآية ( 120)
(2) سورة يوسف الآية (111)
[1] - أي داخلية عمان (1/13)
صفحة 14
[2] - هو العلامة الصلت بن خميس الخروصي البهلوي، كان في زمان الإمام الصلت بن مالك الخروصي ، وعاش إلى زمان الخارجين عليه وكان ممن يشفع عليهم في ذلك فألف كتاب ( الأحداث والصفات ) في علم الرد عليهم بحجج مقنعة، وقد بدأ يظهر أسمه في أواخر حياة الإمام المهنا بن جيفر ( 226 – 237هـ/ 840- 851م) وكان ممن حضر بيعة الإمام الصلت، وحدث ما حدث من عذر عاصر عدة من الأئمة بعد الإمام الصلت منهم الصلت بن قاسم الخروصي الذي بويع له بالإمامة قبل عام ( 258هـ )، وترج وفاته كانت بعد عام 305هـ - أي بعد الهجوم القرمطي الثاني على عمان – وخلال فترة خلو عمان من الإمامة وهي ما بين ( 305هـ/ 917م ) وفي بهلاء له محلة سميت باسمه وهي ( محطة الصلت)
[3] - هو العلامة محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي، من أشهر العلماء في زمانه، وشيخ المسلمين ومرجعهم في الرأي والفتوى ( أنضر إتحاف الأعيان. جـ1 ، سيف بن حمود البطاشي، صـ 191) .
[4] - هو الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي، نصب إماما بعد الإمام المهنا بن جيفر في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول سنة 230هـ واعتزل عن الإمامة وعين راشد ابن النصر يم الخميس الثالث من ذي الحجة سنة 273هـ وتوفي الإمام الصلت ليلة الجمعة الخامس عشر من ذي الحجة سنة 275هـ ويعتبر الإمام الصلت خامس إمام على عمان .
[5] - هو راشد بن النضر اليحمدي ممن تولى الإمامة بعد أن خرج على الإمام الصلت وتم اعتزاله ، وأقام في عمان بالسيف والقهر قام عليه العلماء وظهرت الفتنة التي اكتوى بنارها الكثيرين من أهل عمان، وحدثت الحروب الدامية ووقعت الوقائع العظيمة، كل ذلك والإمام الصلت حي معتزل في بيته ، وإنما مات بعد تولي راشد بسنتين تقريبا . وعزل راشد ثم أثبت ثم عزل وكان ذلك سنة 277هـ
[6] - هو الإمام عزان بن تميم الخروصي ، بويع بالإمامة بعد عزل راشد بن النصر سنة 277هـ (1/14)
صفحة 15
[7] - هو الشيخ أبو سهل النفوسي ، ولكن غلبت عليه العزوة الفارسية ، أمه رستمية من بيت الإمامة، قيل أن أباه ولد لميمون بن عبدالوهاب، له مؤلفات عظيمة من الطبقة السابعة 300- 350هـ
[8] - هو الشيخ العلامة والحبر الفهامة أو سعيد بن محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي الكدمي – رحمه الله – من كدم التابعة لولاية الحمراء حاليا ، من علما القرن الرابع الهجري، وهو صاحب المدرسة النزوانية التي تقف موقف المحايد من موسى بن موسى وراشد ين النضر، وهو صاحب كتاب الاستقامة المشهور وغيره من المؤلفات. انضر ترجمته في كتاب ( إتحاف الأعيان ، الشيخ سيف البطاشي ، جـ1 ، صـ215).
[9] - هو الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي، من علماء القرن الرابع الهجري، وقد عاش هو والشيخ أبو سعيد الكدمي في نفس الوقت ، وهو صاحب المدرسة الرستاقية في البرء من راشد بن النضر وموسى بن موسى .
[10] - سورة البقرة الآية ( 286 ) .
[11] - سورة الطلاق الآية ( 7 ) .
[12] - سورة البقرة الآية ( 184 ) .
[13] - سورة البقرة الآية ( 185 ).
[14] - قامت وزارة التراث القومي والثقافة بطبعه عام 1417هـ - 1996م.
[15] - هو الشيخ العلامة أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي ، وهو من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، ومن مؤلفاته كتابه المشهور ( بجامع أبن حعفر ) انضر ترجمته في ( إتحاف الأعيان ، الشيخ البطاشي ، جـ1 – جـ2 – صـ206 ) .
[16] - هو أبن الشيخ أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي .
[17] - هو حفيد الشيخ أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي ، وهو من علماء القرن الربع الهجري، وقد عاصر الإمام سعيد بن عبدالله الرحيلي ( 320هـ ) وقد كان هذا الشيخ من المقدمين لبيعة الإمام سعيد بن عبدالله . انضر ( إتحاف الأعيان ، الشيخ سيف البطاشي ، جـ1، صـ229) (1/15)
صفحة 16
[18] - هو الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب بن الرحيل بن سعيد بن هبيرة القرشي ، فارس رسول الله e .
[19] - من علماء القرن الرابع الهجري .
[20] - سبق التعريف به
[21] - درس في معهد القضاء الشرعي بالسلطنة، له رسالة ماجستير عن حياة الإمام أبو محمد عبدالله بن بركة ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه " الجامع "
[22] - محمد بن محمد الدباس، عاش في القرنين الثالث والرايع لهجرة، كان إمام أهل الرأي
[23] - انظر كتاب ( الجامع، جـ2،ص119، وزارة التراث القومي والثقافة )
[24] - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، كتاب النجاح، صـ138. والحديث هو أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبن عباس أن رسول الله e قال : " لا طلاق إلا بعد نكاح ولا طهارة إلا بعد نكاح ولا عتاق إلا بعد ملك ولا نكاح إلا بولي وداق وبينه )
[25] - رواه الترمذي في كتاب النكاح برقم ( 15 )، وأبن ماجة كتاب النكاح برقم ( 15 ) ورواه أحمد في جـ6 ، برقم 47-46-166 .
[26] - انظركتاب ( الجامع ) صـ179 .
[27] - انظر كتاب الجامع جـ2، صـ490-489 .
[28] - سورة البقرة الآية ( 195) وأولها ( وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) .
[29] - هو الشيخ العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي أحد أئمة العلم في زمانه عاش في القرن الثالث عشر الهجري ترك مؤلفات جليلة وسائل كثيرة تنم عن علم غزير ودقة في التحقيق وجلاله في العلم .
[30] - انضر كتاب ( الجامع ) جـ1، صـ203، وزارة التراث القومي والثقافة .
[31] - ولاية الحمراء تقع على سفح الجبل الأخضر تقع شمالي ولاية بهلاء .
[32] - هو الشيخ العلامة المفتي السابق إبراهيم بن سعيد العبري توفي أثر حادث سنة 1386هـ تقريبا .
[33] - كدم تقع في قرية العارض التابعة لولاية الحمراء الآن . (1/16)
صفحة 17
[34] - هو العلامة جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي توفي يوم 5 من ذي الحجة سنة 1237هـ
[35] - جوهر النظام . باب إنقاذ الوصايا .
[36] - كتبا( الإستقامة ) كتاب يقع في ثلاثة مجلدات تم طبعها تحت إشراف وزارة التراث القومي والثقافة سنة 1405/ 1985م.
[37] - من علماء القرن السادس الهجري، له كتاب في النحو ( أتحاف الأعيان ، الشيخ البطاشي ، جـ1،ص309) .
[38] - هو أبن الشيخ يزيد بن محمد البهلوي، وهو من علماء الصنف الأول من القرن السابع الهجري، ومن معاصريه الشيخ عثمان أبن عبدالله الأصم وغيره، له شرح للقصيدة الحلوانية للشيخ بن محمد القلهاتي. أنظر ( إتحاف الأعيان ، الشيخ البطاشي، جـ1، ص366) .
[39] - هو الشيخ الفقيه أبو عبدالله محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي نسبة إلى قلهات، وهو من علماء النصف الثاني من القرن السادس الهجري، له كتاب الكشف والبيان، أنظر ( إتحاف الأعيان، الشيخ البطاشي، مرجع سابق، صـ313) .
[40] - رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وأحمد والبيهقي في الدلائل وغيرهم .
[41] - هو الشيخ هاشم بن غيلان بن غسان بن غيلان البهلوي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، وهو ليس الشيخ هاشم بن غيلان السيجاني. أنظر ( إتحاف الأعيان ، مرجع سابق ، صـ178) .
[42] - هو الشيخ مسعود بن هاشم بن غيلان، وقد عاش في عهد الإمام ناصر بن مرشد .
[43] - هو العلامة المحقق الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسياني أو البسيوي، نسبة إلى بسياء من أعمال بهلاء، نشأ نشأة علمية، من شيوخه أبو محمد بن بركة البهلوي رضي الله عنه .
[44] - كتاب الجامع أو المسمى ( جامع أبي الحسن البسيوي )
[45] - انظر جامع أبي الحسن البسيوي، جـ2، صـ135.
[46] - المرجع السابق صـ149. (1/17)