صفحة 1
الكتاب: مكانة نزوى التاريخية لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مكانة نزوى التاريخية
ألقى سماحة الشيخ/ أحمد بن حمد الخليل المفتي العام للسلطنة محاضرة تاريخية قيمة بعنوان( مكانة نزوى التاريخية) وذلك بجامع السلطان قابوس بنزوى، تحدث فيها عن مكانة نزوى التاريخية وإسهاماتها وعلمائها الذين عاشوا على ترابها، وساهموا في نشر العلم والأدب، وذلك في إطار سلسلة الندوات والمحاضرات التي نظمت ضمن فعاليات عام التراث 1994 وفيما يلي نص المحاضرة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين أحمده تعالى بما هو أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وارث الأرض ومن عليها وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله إلى خلقه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: (1/1)
صفحة 2
فإنها لفرصة سعيدة من أسعد الفرص أن نلتقي بكم في هذه المدينة العريقة التاريخية ، وفي هذا الجامع الإسلامي العظيم، الذي ترددت بين جنباته أصوات أئمة قادوا البشر إلى طريق الحق، قالوا فأنصت الدهر ووعى الزمن، وصالوا فخسيء العدو، وسجل التاريخ أن كل أمة متحضرة تعتز بانتمائها إلى ماضيها العريق وتبني على أسسه حاضرها المشرق، ومن أجل ذلك فقد توجهت الإرادة السامية لعاهل البلاد المفدى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله- إلى أن يكون هذا العام( عام التراث) إيمانا من جلالته بأن الحضارة الحاضرة لا تبنى إلا على دعائم ثابتة من تاريخ الأمم والشعوب ، وهذا أمر متفق عليه، وحسبنا أن الله سبحانه وتعالى عندما يذكر بعض عباده بماضيهم يذكرهم بذلك في معرض أمرهم بالخير ونهيهم عن السوء فالذي جاء في كتابه العزيز من خطابه لبني إسرائيل مذكرا إياهم أمجادهم الماضية، إذ كانت فيهم النبوات، وكان فيهم الخير، وكان فيهم الصلاح، وكانت فيهم الاستقامة، فكان انحرافهم عن ذلك أمرا منافيا للفطرة، ناشزا عن الطبيعة، والله سبحانه وتعالى عندما ذكر الماضين قال:] لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون[(سورة يوسف الآية11).
ومن أجل ذلك أدرك العقلاء حتى من الشعوب غير المسلمة أن الأمم إذا انفصلت عن ماضيها وبنت حاضرها على حاضرها فقط كانت أمما ذليلة مستهجنة إذ لا أصالة لها تعتمد عليها فمن بين هؤلاء الذين ذكروا ذلك أحد علماء الاجتماع الغربيين إذ قال:( وأن الشعب الذي يحب الرقي يجب عليه ألا يقطع الصلة التي تربطه بماضيه). (1/2)
صفحة 3
ولئن كان لأي شبر في بلاد عمان العزيزة ماض عريق وتاريخ حافل بالأمجاد فإن هذه المدينة التاريخية" نزوى"- بيضة الإسلام- هي جامعة جميع ذلك، فهي مدينة تتميز بالكثير من المزايا سواء كان من ناحية موقعها الجغرافي أو من ناحية مكانتها التاريخية فمن حيث الموقع الجغرافي فإن مدينة نزوى هي قلب عمان، إذ هي وسط جوف عمان، وما سميت هذه المنطقة بالجوف إلا لكونها تتوسط البلاد، وقد جاءت نزوى في قلب هذا الجوف وبقية بلدان الجوف تحوط بها، وكان اختيارها عاصمة لعمان في أيام الإمام الوارث بن كعب. رحمه الله- منعطفا تاريخيا مرت به هذه المدينة إذ نقلت العاصمة من صحار إلى نزوى في ذلك الوقت، وقد أدى هذا الأمر إلى أن تجمع عدد كبير من أهل العلم والفضل في ساحتها، ومن أجل ذلك سميت في عهد الإمام غسان بن عبدالله، رحمه الله تعالى- " بيضة الإسلام" والبيضة هي الساحة، وهي ساحة الإسلام من حيث إنها جمعت جماعة كبيرة من علماء الإسلام وبكلا الاعتبار صح أن نسمي هذه المدينة في ذلك الوقت ببيضة الإسلام واستمرت هذه التسمية إلى وقتنا هذا فشاعر العرب والمسلمين العلامة( أبو مسلم) ذكرها من موضع باسم بيضة الإسلام كقوله:
على بيضة الإسلام قر أساسه
وقوله:
وافرق لها البيد حتى يستبين لها
وطائره فوق السمائين حائم
فرق على بيضة الإسلام عنوان (1/3)
صفحة 4
وقد أسهمت هذه المدينة بأعداد وافرة كثيرة من العلماء الذين هم من أبنائها وحسبنا أن يكون من أبناء هذه المدينة الإمام العظيم أبو الشعثاء" جابر بن زيد" رحمه الله تعالى، ذلكم الإمام الذي عرفه التاريخ وسجل مآثره وحفظ آثاره الذي كان معلما من معالم الإسلام يشهد بذلك القاصي والداني، وحسبه ما صدر من حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنهما من الثناء عليه، فهو أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، وكان يثني ثناء عظيما على تلميذه حتى أنه قال:" عجبا لأهل العراق يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه".
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول في تلميذه جابر بن زيد: أعلم الناس بالطلاق. وجاء أيضا أن ابن عباس رضي الله عنهما كان في حرم الله تعالى الآمن حيال الكعبة المشرفة في رحاب بيت الله الحرام، وإذا به يسمع صوتا ينادي رجلا يصلي على ظهر الكعبة : أيها المصلي لا قبلة لك، فلما سمع ابن عباس ذلك قال: إن كان جابر بن زيد في شيء من هذا البلد فهذا الكلام صادر عنه. فقد أدرك ابن عباس قوة إدراك تلميذه الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد فقال فيه هذا القول العظيم، ومما هو جدير بالذكر أن الثناء على الإمام أبي الشعثاء لم يكن من شيخه البحر ابن عباس فحسب: بل كان من غيره من أئمة الصحابة والتابعين، فقد روي أنه لما بلغ نعيه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه- وهو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورين- قال أنس في حق جابر رضي الله عنهما: مات أعلم أهل الأرض. (1/4)
صفحة 5
وروي أيضا أنه لما مات ابن عباس وقف جابر بن زيد على قبره فقال: اليوم دفن رباني هذه الأمة، ولما مات جابر وقف الحسن البصري على قبره فقال: اليوم دفن رباني هذه الأمة. ويذكر أيضا أنه لما مات جابر بن زيد قال قتادة: أدنوني من قبره فأدنوه منه وقال : اليوم مات عالم العرب أو دفن عالم العرب هذه الشهادات كلها تدل على ما لهذا الإمام من مكانة تاريخية وقد كان منبت هذا الإمام قرية" فرق" التي تعد امتدادا لهذه المدينة التاريخية ، إذ لا يكاد يفصل بينهما إلا فراغ يسير من الأرض، وقد كان للإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى عمل إيجابي بناء في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إن لم يكن أسبق الناس إلى التأليف فمن أسبقهم فقد ألف ديوانه العظيم الذي أتى عليه الدهر ولم يبق منه باقية، والمؤرخون منهم من يقول إن هذا الديوان كان حمل خمسة جمال، ومنهم من يقول كان حمل جمل، ولا منافاة بين قوليهم، فأما كونه حمل خمسة جمال لاعتبار كتابته في الجلود التي كانوا يكتبون فيها قديما، وكونه حمل جمل باعتبار كتابته في الأوراق عندما تطورت الكتابة وصار الناس يكتبون في هذه الأوراق المعهودة. (1/5)
صفحة 6
وعندما ذهب ممن ذهب من أهل عمان إلى بلاد البصرة للارتواء من مناهل العلم من هناك ثم رجعوا أدراجهم إلى عمان لنشر ما تلقوه هناك في أوساط شعبهم، كان من بين هؤلاء الذين تكبدوا المشاق وتحملوا الصعاب وصبروا على الشدائد في سبيل العلم تعلما وتعليما أحد أبناء نزوى، وهو الإمام بشير بن المنذر النزواني، الذي عرف بلقب الشيخ في الأثر المشرقي ولا ريب أنه بانتقال العاصمة العمانية إلى نزوى ازدحمت أقدام العلماء فيها، الذين أتوها من كل فج عميق، منهم من هاجر إليها واستوطنها ومنهم من كان يأتي إليها لنشر العلم أو ليتلقى المزيد من العلم، فكان كبار العلماء يترددون باستمرار إلى نزوى جيئة وذهابا فالإمام موسى ابن أبي جابر والإمام علي بن أبي عزرة والإمام موسى بن علي والأزهر بن علي ومحمد بن علي وغيرهم من العلماء الكبار، وكذلك ابن محبوب والأسرة المحبوبية الرحيلية التي كانت تتردد بين صحار ونزوى لأنها وطنت صحار، ولكن بحكم علاقتها بالأئمة الذين كانوا يقيمون بنزوى لم يزالوا يترددون عليهم باستمرار، لأن الإمام ابن محبوب كان مرجع العلماء في زمانه وكذلك بنوه كان لهم دور لا يستهان به في نشر العلم، فقد تلقوا منه العلم ونشروه تدريسا وإفتاء في أوساط الناس، وكانوا يرجع إليهم في هذا الأمر. (1/6)
صفحة 7
وكان من جملة العلماء الذين كانوا بنزوى أيضا العلامة الكبير سليمان بن عثمان، الذي كان مرجع العلماء في عهد الإمام غسان بن عبدالله رحمهم الله تعالى جميعا، وقد وجدت عائلات في نزوى توارثت العلم كابرا عن كابر، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على العناية البالغة والجهود المضنية التي كانت تبذل هنا من أجل نشر العلم في أوساط الناس، فقد وجدت عائلة الشيخ محمد بن صالح وذراريه، تسلسل عشرة منهم أو أكثر ، كل منهم كان علامة فقيها، وكذلك عائلة آل مداد التي تسلسلت وهي تحمل الأدبي في العلم ولواء الأدب، في عهد كان معروفا عند الأدباء بالانحطاط الأدبي في العلم على مستوى العلم، ومع ذلك إذا جئنا إلى أدب آل مداد وجدناه أدبا راقيا جدا، ومما يؤسف له كثيرا أن هذا الأدب لا يزال قابعا في المخطوطات إلى وقتنا هذا لم تتح له فرصة الانتشار بين الناس.
هذه المكانة العلمية الروحية بجانب المكانة السياسية التي كانت تحتلها هذه المدينة جعل لها صدرا كبيرا في أوساط الشعب، ومن هنا نجد الكثير من الشعراء مجدوا هذه المدينة تمجيدا بالغا وأثنوا عليها ثناء عظيما كالذي نجده في ديوان ابن اللواح الخروصي وغيره من الشعراء، وحسبنا أن نذكر هنا بعض ما قاله الشاعر الكبير العلامة أبو مسلم- رحمه الله تعالى- في الثناء على هذه المدينة إذ قال:
وافرق بها البيد حتى يستبين لها
فإن تيامنت الحوراء شاخصة
فحط رحلك عنها إنها بلغت
فطالما وخدت تبغي لبانتها
انزل فديتك عنها إن حاجتها
انزل فديتك عنها إن وجهتها
هنالك انزل وقبل تربة نبتت
انزل على عرصات النور حيث حوت
انزل على عرصات كلها قدس
حيث الملائكة احتلت مشاهدهم
أرض مقدسة قد بوركت وزكت
ما طار طائرها لله محتسبا
إلا وقام يمين الله ساعده
ميمونة بركات الله تنفحها
رست بها هضبة الإسلام من حقب (1/7)
صفحة 8
قديمة الذكر عاذ الدين عائذها
قامت بها قبة الإسلام شامخة
ولم تزل عرصة للعدل عاصمة
كم أشهر الله فيها من حسام هدى
كنانة لسهام الله ما فرغت
بحجة الله قامت في الشقاق لها
لسرها واختصاص الله قائمها
إلى أن قال:
تعاقبت خلفاء الله منصبها
أئمة حفظ الدين الحنيف بهم
صيد سراة أباة الضيم أسد شرى
سفن النجاة هداة الناس قادتهم
تقبلوا مدح القرآن أجمعها
فرق على بيضة الإسلام عنوان
لها مع السحب أكناف وأحضان
نزوى وطافت بها للمجد أركان
كأنهن مع الإمضاء عقبان
عدل وفضل وإنصاف وإحسان
تخت الأئمة مذ كانت ومذ كانوا
بها الخلافة والإيمان إيمان
أئمة الدين قيعان وظهران
للحق فيهن أزهار وأفنان
لها على الحل والتعريج إدمان
تنصب فيها من الأنوار معنان
له جناحان إيقان وعرفان
والفتح والنصر والتأييد أعوان
واليمن يثمره علم وإيمان
وإن قضت باستتار العدل أحيان
من يوم أصبح توحيد وقرآن
حتى تواضع بهرام وكيوان
للإستقامة فيها الدهر سلطان
كأنها لسيوف الله أجفان
مذ كان للجور سلطان وشيطان
بدين ذي الثفنات الحبر إيقان
بالنصر والفتح برهان وبرهان
منذ الجلندى وختم الكل عزان
من يوم قيل لدين الله أديان
شمس العزائم أواهون رهبان
طهر السرائر للإسلام حيطان
إذا استحق مديح الله إيمان (1/8)
صفحة 9
فهذا الشعر إنما يعرب عن ما بنزوى من مكانة في نفس الشاعر الكبير والعالم البصير، الذي عرف التاريخ، وعرف ما قدمته هذه البلاد العريقة من ثناء على التاريخ المجيد لهذا الشعب المسلم الأبي الأصيل في إسلامه، ولم تكن مكانة نزوى محصورة في القطر العماني فحسب وبين أبناء الشعب العماني بل كانت بركات الخير تمتد إلى أصقاع بعيدة ونواحي متعددة، فنجد الناس يلجؤن إلى هذه المدينة في أوقات الشدائد لطلب نصرة أهل الحق لهم عندما يواجهون الظروف العاتية المستعصية.
فمن ذلك تلكم الصرخة التي جاءت من بلاد سقطرة منبعثة من قلب امرأة مؤمنة هالها ما لقيت هناك من جور التعدي من الأحباش الذين أغاروا على سقطره، وكانت في ذلك الوقت تابعة سياسيا لهذه المدينة، فارتكب أولئك المحتلون الغادرون ما ارتكبوه من المنكرات وانتهكوا من الأعراض وأبادوا ما أبادوا من الحرم، فلم يقر لها قرار حتى أرسلت في ذلك الوقت تلكم الصرخة إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله، الذي كان مقيما في هذه المدينة، تتمثل هذه الصرخة في قصيدة شعرية جاء فيها:
قل للإمام الذي ترجى فضائله
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا
بأن يغيث بنات الدين والحسب
وفي سقطرى حريم باد بالنهب (1/9)
صفحة 10
فلبى الإمام نداءها وأمدها به من جيش جرار احتمله أسطول يتكون من "100" سفينة، وقد أمر الإمام على جنده اثنين من أصحابه، زودهما بنصيحة بالغة فيها ما يأتون وما يذرون، مستمدة من أحكام شريعة الله تبارك وتعالى كل ما فيها نابع من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على ما وصل إليه أولئك الأئمة من فقه في الدين وحس إسلامي مرهف وإدراك لأبعاد الأمور وتدبير لجميع القضايا بنظرة إيمانية فائقة، وهذا الإمام نفسه أيضا أمد بعض المسلمين ببلاد الهند عندما استصرخوه طالبين نصرته على القراصنة الذين آذوهم في ذلك الوقت، فما كان منه إلا أن أرسل إليهم كتيبة لمكافحة القراصنة، ثم لتدريب جيش الحاكم الهندي المسلم على مكافحة القراصنة، وهذا أمر أشار إليه ابن اللواح في إحدى قصائده عندما قال:
سرايانا لأرض الهند سارت
ولليمن الفسيح وما ولاها
وكان لليمن ذلك أيضا في عهد حفيده الإمام الخليلي بن شاذان، عندما وفد إليه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي من بلاد حضرموت مستنفرا به على الصليحي الدجال الباطني، الذي كان يحمل نوايا مضادة للإسلام وعقائد زائفة على الإمام الخليل بن شاذان في كثير من قصائده. (1/10)
صفحة 11
وهنا نجد بعض الذين عميت عليهم الحقيقة أو تعاموا عنها لسبب أو لآخر، يحاولون المكابرة في هذا الأمر زاعمين أن الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي ما كان إلا أسطورة ابتكرها السالمي والباروني وقد ظلت عقول هؤلاء عن كون السالمي والباروني يعتبران الكذب كبيرة من الكبائر التي تؤدي بصاحبها إلى الخلود في النار حسب المعتقد الصحيح الذي يدينان به، فما لهما وللافتراء، ومن بين هؤلاء الذين حاولوا تمويه هذه الحقيقة الدكتور صلاح الدين المنجد، إذ زعم أن الحضرمي أسطورة ابتكرها السالمي والباروني، وقد كان الطنبور الذي رقص على أنغامه هو أن الحظ لم يحالفهما عندما أرادا أن يبتكرا هذه الشخصية الأسطورية، فقد ذكر أنه وفد الإمام أبو إسحاق الهمداني الحضرمي على الخليلي بن شاذان الذي نصب في عام "407هـ" ومات " 425هـ، مع أن حروب الصليحي كانت في العام الخمسين من القرن الخامس أي في عام "450هـ" كل ما استطاع أن يستغله الدكتور صلاح الدين المنجد لما ذهب إليه غلطة تاريخية وقع فيها بعض المؤرخين العمانيين، وهي أنهم قالوا بأن الإمام الخليل عقدت عليه الإمامة في عام" 407"، والحقيقة غير ذلك ففي سيرة الإمام العلامة عبدالله بن مداد رحمه الله أن الإمام الخليل مسجل قدحا في جبل في بعض بلدان وادي بني خروص ولا يزال موجودا إلى الآن.
ونحن إن عدنا إلى تراث الإمام الحضرمي نجد تراثا متداولا قبل أن يكون هنالك ذكر للسالمي أو للباروني، فكتابه" مختصر الخصال" كتاب متداول قبل هذين الشيخين رحمهما الله وبفترة طويلة، وقد علق عليه تعليقات أحد علماء نزوى وهو الشيخ حبيب بن سالم أمبو سعيدي قبل الإمام السالمي بأكثر من قرن، وديوانه كان متداولا من قبل. (1/11)
صفحة 12
على أننا نجد في تضاعيف كلامه ما يقطع بأن كلا من الإمام السالمي والزعيم الباروني لم يكونا يعرفان معناه لعدم احتكاكهما بالشعب الحضرمي، وهناك عبارات في ديوان الحضرمي وفي مختصر الخصال لا يعرفها إلا من مارس اللهجة الحضرمية ككلمة " عاد" هذه كلمة غير متداولة في عمان رأسا، وإنما هي كلمة معهودة عند الحضارمة ولا يزالون يستعملونها إلى الآن وقد جاءت في كلام الإمام الحضرمي في مواضع من ديوانه ومواضع من كتابه " مختصر الخصال" كقوله في ديوانه " إنا تركنا عاد وعظ الكلم" والذين أدركوا الحقائق أثبتوا وجود الإمام الحضرمي وأنه شخصية حقيقية وليست شخصية وهمية كما ذهب الدكتور صلاح الدين المنجد، ومن بين هؤلاء الذين سجلوا ذلك من مؤرخي الحضارمة الأستاذ باوزير في كتابه معالم تاريخ الجزيرة العربية، ذكر فيه وفود الإمام أبي إسحاق الحضرمي على الإمام الخليل بن شاذان هنا بنزوى، وقد جاء الاستصراخ أيضا إلى هذا البلد التاريخي من المسلمين الذين بلغهم ما قام به أئمة اليعاربة من تطهير لهذه البلاد من رجس الاحتلال البرتغالي الكاثوليكي المتعصب لبقاع من موانيء الخليج، جاء الاستصراخ من بلاد أفريقيا، من ممباسا، زنجبار، وماليندي، وبلاد أخرى، وصل وفد يمثل أهل هذه البلدان طالبين نصرة الإمام سلطان بن سيف خليفة الإمام ناصر بن مرشد، الذي بدأ الحرب مع البرتغاليين فكانت تلكم الوثبة التاريخية التي أوصلت مد الحكم العماني إلى بلاد قاصية من شرق أفريقيا وأدى الأمر بالتالي إلى تطهير هذه البحار من الوجود البرتغالي. (1/12)
صفحة 13
وبجانب هذه الأدوار التاريخية العظيمة السياسية والعلمية هناك نوع من الابتكار في التأليف ممن سبقت إليه هذه المدينة وإن لم تكن سابقة لغيرها فقد شاركت غيرها في مرحلة متقدمة في إنشاء الموسوعات العلمية، فالموسوعات العلمية التي توجد بين أيدينا إلى وقتنا هذا معظمها نزوية، لا ريب أن هناك موسوعات أخرى ولكن أتى عليها الزمن ، فالتاريخ يذكر أن هناك موسوعة للإمام ابن محبوب رحمه الله في سبعين سفرا، وهناك موسوعة أخرى للإمام بشير بن محمد بن محبوب كانت في سبعين سفرا، ولكن هذين الكتابين أتى عليهما الدهر، لم نجدهما في عمان ولا في بلاد أخرى خارج عمان، وإنما ذكر البدر الشماخي- وقد كان في القرن السابع الهجري- بأنه اطلع في حياته على جزء واحد من موسوعة ابن محبوب، وهذا الجزء كله في أحكام الحيض، وكان يتلى ما فيه على أحد الفقهاء الكبار فكان يقف عند كل مسألة ويقول: هذا هو العالم الفقيه.
أما الموسوعات التي بقيت أو بقي جانب منها في وقتنا هذا معظمها موسوعات نزوية، فهناك كتاب" بيان الشرع الجامع من علوم الإسلام الأصل والفرع" وكتاب بيان الشرع ألفه الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم الكندي رحمه الله تعالى في ثلاثة وسبعين جزءا، وقد اشتمل على جميع أبواب الفقه بل وعلى أبواب العقيدة أيضا بجانب الفقه ، وقد أتى على كل ما يحتاج إليه الفقيه من أحكام تتعلق بالعبادات والمعاملات والأخلاق.
وهناك موسوعة ثانية لابن عمه الشيخ أبي بكر أحمد بن عبدالله الكندي، تقع الموسوعة في واحد وأربعين جزءا وتسمى بكتاب " المصنف" ونستطيع أن نقول بأن كتاب المصنف إنما هو في الحقيقة تهذيب لبيان الشرع، لأن فيه شيء الاختصار مع الإلمام بمعظم المسائل التي في بيان الشرع. (1/13)
صفحة 14
هناك موسوعة أخرى ربما توجد الآن بعض أجزائها، ولكن لم نظفر بها بعينها، وإنما وجدنا نقولا عنها في كتاب قاموس الشريعة، وكتاب التاج للعلامة عثمان بن عبدالله الأصم- وهو أيضا من علماء نزوى- أما صاحبا بيان الشرع والمصنف فلهما ابن عم قام أيضا بتأليف موسوعة ولكن هذه الموسوعة لا تكاد توجد في وقتنا هذا، وإن كانت موجودة فهي نسخ قديمة لا يكاد يفهم ما فيها، هذه الموسوعة هي كتاب" الكفاية" ولعل صاحب هذا الكتاب نهج في تأليفه نهجا متوسطا بين إطناب صاحب بيان الشرع وإيجاز صاحب المصنف، لأن موسوعته في عدد أجزائها جاءت متوسطة بين هذه وتلك، ولكن لم نطلع حتى على جزء من هذه الأجزاء ومن العلماء المتأريخين من قام بتأليف موسوعة هنا بنزوى العلامة صاحب كتاب" جواهر الآثار". (1/14)
صفحة 15
هذه الكنوز تدعو شباب اليوم إلى الاعتناء بها دراسة وتحقيقا وإبرازا وكما قلت في بداية حديثي إن اختيار هذا العام لأن يكون عام التراث لوصل الحاضر بالماضي، ولضم طارف المجد إلى تليده، فإنه لا يكفينا أن نتغنى بتراث الماضين فحسب، ولكن علينا أن نبني على المجد التليد مجدا جديدا مخلدا ذكره كما خلد ذكر ما سبق فهذه المؤلفات الواسعة وهذه المآثر التاريخية هي جميعا بحاجة إلى إبراز وتحقيق وطبع وإظهار وهذا أمر لا يمكن أن يتم إلا إذا تضافرت عليه جهود المخلصين من أبناء هذه الأمة، والآمال معقودة على الشباب الذين يقاس بمقياسهم رقي الشعوب والأمم أو انحطاطها، ويقدر لقدرهم تقدمها أو تأخرها، فمن هنا كان الواجب على هؤلاء الشباب وهم يدركون أن الآمال معقودة عليهم وأن الأبصار متجهة إليهم أن يحفزوا هممهم لدراسة ماضيهم التليد لأجل ضم مجدهم الحاضر إليه ولأجل أن يكون هذا الحاضر صورة تبرز ما قدمه الماضون من عمل وما أثروه من علم وما أفادوه من معرفة وما دونوه من حكمة. واختيار قائد البلاد المفدى باني النهضة الحديثة لأن يكون هذا العام عاما يعنى بالتراث لا يعنى أن يكون مجرد عناية بذكر من مضى وبافتخار لمن سلف وإنما يعني وصل هذا الحاضر بذلك الماضي لتنعكس إيجابيات الماضي على هذا الحاضر، وليكون هذا الحاضر امتدادا لذلك الماضي، بهذا تكون هذه الأمة أمة قوية موصولة بماضيها، كل جيل منها يعد في سلسلة أجيالها حلقة متصلة لسائر الحلقات لا تنفصل عن بقيتها ولا تخرج عن سلسلتها. (1/15)
صفحة 16
فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه المساعي ، وأن يحفظ لهذه البلاد بأني نهضتها وقائد مسيرتها عاهلها المفدى، وأن يمد بالخير جميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، وأن يلهمنا رشدنا وأن يأخذ بأيدينا إلى جادة الصواب، ولا يفتوني هنا أن أشكر من أعماق قلبي وزارة التراث والثقافة على هذه العناية وعلى إتاحة هذه الفرصة للالتقاء بكم في هذا المكان التاريخي العظيم لاستلهام تاريخنا الماضي والاسترشاد به في بناء الحاضر.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع دائما لمساعي الخير وأن يأخذ بأيدينا إلى جادة الصواب، إنه سبحانه وتعالى ولي التوفيق. (1/16)