صفحة 1
الكتاب: ملائكة الجبل الأخضر لعبد الله الطائي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ملائكة الجبل الأخضر
عبد الله بن محمد الطائي
الاهداء
الى الجيل العماني الحاضر الذي يحني رأسه للمأساة، مأساة الشعب العربي في عمان، فيعيش في عزة نفسيته وذل واقعيته سواء كان داخل الوطن او المهاجر التي آوتنا.
الى الشباب العماني الذي جارت عليه المتردية والنطيحة وما اكل السبع فقاوم هذا الجور بالكفاح في سبيل العيش والصمود من اجل الكرامة.
اقدم هذه القصة سجلا للحاضر المظلم ودعوة للمستقبل المشرق، مستقبل عمان كجزء لا يتجزأ من الوطن العربي الاكبر.
لحظة قصيرة لو تركتها تذهب مع الاضواء المتنافرة بين حبات النافورة في ميدان التحرير لما امكن لهذه القصة مشاهد ولا كيان، فقد تعودت ان اقضي امسياتي في القاهرة بميدان التحرير وبينما انا امشي بين حشائشه الخضراء اتطلع الى قطرات الماء المتلألئة بالاضواء الملونة اذا بي التفت الى يساري فانظر شابا اتخذ له مكانا في احد المقاعد، ويجلبني هذا الشاب الى النظر اليه، وأمعن النظر، واحدق واصوب، عجبا لكان دافعا يدفعني الى الجالس على هذا الكرسي، وهو ايضا انه ينظر مصعدا ومصوبا، انه فاضل، ولكني كيف ابداه؟ أنني لم اره منذ عام 1947 واني الان في عام 1956، لقد عهدته بزيه العربي ولحيته الصغيرة وها انا الان اراه بالزي الاوربي مهندما كأنه ذاهب الى عابدين او الاوبرج، لادعه اذن، سبحانه يخلق من الشبه اربعين، قد يكون شخصا ذا مزاج حاد فلا يغتفر لي زلتي، ولا كن لماذا لا أسأله؟ انه لو كان ذا مزاج حاد لثار في وجهي على هذه النظرات ثم انه هو ايضا يتطلع الي ... واقتحمت الموقف، اجل لم تفتني تلك اللحظة القصيرة وقلت: ((اسمح يا صاحبي، الست انت السيد فاضل)) وانتفض الرجل وقام يقول ((الست خالد))؟ وتلاقت ايدينا لتتداخل في عناق طويل لم تقطعه حتى الاسئلة المتكررة.
وجلسنا على المقعد ((ما هذا يا خالد انها اعجوبة الاعاجيب ان التقي بك في القاهرة)). (1/1)
صفحة 2
((اجل يا صديقي لم يكف القاهرة، ان تتركني مشدوها لما فيها من بنايات وشوارع وشعب باسل، لم تتركني مشدوها فقط بحفلة المنشية وخطوة جمال في تأميم القنال، فها انا التقي بك بعد تسع سنوات:
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ............... يظنان كل الطن ان لا تلاقيا
قال فضل ((هل تذكر القصيدة التي قرأتها علينا بمسقط علينا بمسقط ايام الحرب العالمية الثانية لمحمود حسن اسماعيل؟))
ناداك مجدك فاستجيبي .................... وامشي له فوق اللهيب
يا مصريا انشودة الد .................. نيا واغنية الشعوب
الا ترى يا خال ان الشعراء يتنبأ ون؟ الم تمش مصر فوق اللهيب بعد سنوات من قصيدة الشاعر، اليست هي اليوم اغنية الشعوب؟؟
وسألت فاضل عن احواله فعلمت انه استقر في الكويت يعمل موظفا بالمستشفى الاميري بعد ان قضى حياة قاسية، فقد سافر من مسقط عندما ترك وظيفة بالمدرسة السعيدية وحاول ان يستقر في دبي فلم يوفق ثم عاد الى وطنه العراق ولكنه عانى فيه شظف العيش فوفد الى الكويت وبقي بها ثلاث سنوات يتنقل من عمل الى عمل حتى استقر الان بالمستشفى الاميري يسجل المرضى ..
وتبادلنا بعد ذلك اسئلة في جوانب متعددة من حياتنا ومن حياة وطني عمان ووطنه العراق، عن اوطاننا العربية في الخليج، عن مصر الجبارة وفي الاخير اقترح فاضل ان نذهب الى نقابة الصحفيين حيث يقيم الشعراء حفلة بمناسبة تأميم القناة وقال ((انها مناسبة رائعة سوف ترى فيها كثر شعراء مصر)) ولم اتردد، بل ذهبنا سوية وهناك رأينا الشعراء واستمعنا الى اقوالهم ازاء عمل جمال، وعلق فاضل يقول: لا تستهن يا صديقي بالاقوال، لقد سمعت كيف تحقق قول محمود اسماعيل. (1/2)
صفحة 3
وفي 15 سبتمبر غادرة القاهرة ورفيقي العزيز متجهين الى بيروت، بيروت التي كانت اغاني لتأميم القتال، ثم اتجهنا الى دمشق وهنالك وجدنا الشعور القومي ينطق مسمعا كل اصم. وفي دمشق ايضا دعينا لحفلات متعددة من بينها حفلة النادي العربي واشتركنا في نقاش حول العلاقة الزعيم بالشعب ومن منهما يكون الاخر، وكان على كل شخص يتكلم ان يذكر اسمه واسم بلده، وقلت انني من عمان وازاء استغراب الجميع لهذه المصادفة وتكاثر سؤالهم عن عمان تحولت كلمتي الى تعريف لعمان ثم ابديت رأيي مستشهدا ببسمارك وكافور اللذين وحدا شعبيهما في المانيا وايطاليا.
((الرفيق قبل الطريق)) لكم لمست حقيقة هذا المثل وانا اقضي رحلتي مع فاضل ولكني اوشكت ان افقد مرافقة فاضل، لقد صمم على ان يذهب بالطائرة الى الكويت وصممت انا ان اذهب الى العراق ثم الى الكويت وعبثا حاولت ان اقنع فاضل، وكدت اعتب عليه باعتباره عراقيا فلا يرافقني وانا ازور العراق. واخيرا قال فاضل ((اخشى يا صديقي ان ينالني سوء، فان الحكومة العراقية حكومة نوري السعيد تطارد أختي منذ ازمة حلف بغداد وقد هربت من الديوانية حيث عينت مدرسة وحيث عانت الكثير من الرقاية وجاءت الى الكويت وانت تعلم انهم ربما اخذوني ((بجريمة ايوائها)). وفهمت كل شيء وقلت: ((الحمد لله يافضل، لقد شاء الله ان تعيش مع اختك بعد ان قضيت زهرة شبابك مشردا بين نزوى ومسقط ودبي والكويت))
وودعته على موعد ان ازوره بالكويت، والتقينا بعد عشرة ايام من افترقنا (1/3)
صفحة 4
وفي مساء يوم وصولي كنت في بيت فاضل اتناول العشاء ولم يشعرني بالغربة فلقد جلست معنا زوجته واخته وعلمت من حديثنا على المائدة ان اخته وداد ممرضة في المستشفى الاميري بالكويت وبعد ان تناولنا العشاء عدنا الى الحديث عن وداد فقد كان الحديث ملذا وكانت وداد تقص علينا كيف تخرجت من دار المعلمات وعينت مدرسة باحدى مدارس البنات في منطقة الاعظمية وكيف عاشت سعيدة مع امها واخوتها الصغار تكافح من اجلهم في سبيل القوت حتى دعاها عام 1954 الى الكفاح في سبيل الوطن وعند ذلك حلت الكارثة على هذه العائلة الوادعة المطمئنة فقد خرجت وداد في مظاهرة نسائية تهتف ضد حلف بغداد وما ان عادت ظهرا الى المنزل حتى كان رجال الشرطة يطرقون الباب ويطلبون ان تصحبهم وداد في سيارة الجيب الى التوقيف ولم تعارض وداد فقد استلمت صامتة وتركت الصياح والضجيج لامها واخوتها الصغار وفي الموقف استقبلها الضابط المؤول يقول:
((يا هلا ... يا هلا بالزعيمة، يا هلا بجاندارك)).
- عفوا، لا انا زعيمة ولا افرنسية ...
- انت جاندارك العرب، انت زعيمة صوت العرب، واخيرا هل ستعترفين؟
- بماذا اعترف؟؟
- بمعارضتك حلف بغداد وقيادتك الحركة النسائية في الاعظمية ....... وباعتناقك الشيوعية.
ولم تخف وداد من التهمتين الاوليتين، قالت انهما كانتا شرفا لا تعرف هي عنه شيئا .. (1/4)
صفحة 5
فمعارضة حلف بغداد كانت شعورا لدى كل عراقي وعراقية وقيادة الحركة النسائية في الاعظمية لا تدعيه فمثلها كثيرات ولكنها صعقت لتهمة الشيوعية وانكرت بكل شدة ولاكن لا فائدة من المجادلة فقد امر الضابط بوضعها في المعتقل لوحدها، وفي الصباح اليوم الثاني اتاها احد افراد الشرطة برسالة من وزارة المعارف تتضمن امرا اداريا بنقلها الى احدى مدارس الديوانية ولم تستغرب وداد ذلك، لقد كانت تترقب محاكمة وسجنا ولكنهم اكتفوا بنقلها .. لقد هانت المصيبة وعليها ان تقبل ذلك دون اعتراض وعندما عرضوا عليها ان تعود الى بيتها لتأخذ حاجيتها فضلت ان تمتنع عن ذلك خشية ان تتأثر امها، حسب الام والصغار وما هم فيه من حالة فعلام تعيد اليهم منظر الشرطة وسيارة الجيب؟
وفي الساعة السادسة دوت صفارة القطار واخرجت وداد من الحجز بالمحطة وفي الطريق فوجئت بأمها تبكي وتهتف ((وداد، عيني وين رايحة، وين تخلينا)) ولم تتمالك دمعها وتعانقت الام والابنة ولكن القطار يكاد ان يتحرك ففرقهما الشرطي ووجد القطار متنفسا عن النار المشتعلة بالدخان المتصاعد من مدخنته في حين كان قلبان متوهجان لا يجدان لحزنهما غير الدمع والاهات.
لم يكن يشغل بال وداد الا تفكيرها في امها واخوتها الثلاثة، وكيف علمت الام بترحيلها وعندما وصلت الحلة اقترب الشرطي من طيبة النفس وبدا يشعر بثقل الوظيفة التي ساقته اليها الظروف قال لها: ((ان الضابط ارسل احد الشرطة الى امها لاخبارها وان احد رفاقه عارضه في ذلك بحجة ان وداد بنفسها لم ترغب في المسير الى الاعظمية خشية ازعاج امها ثم ما ذنب الام في ان نزعجها بالمجيء على ذلك الحال السيء من الاعظمية الى الكرخ؟ ولكن الضابط اجاب: ((انها التعليمات، واصحاب التعليمات يقولون ان هذا العمل كفيل بتنبيه الاباء والامهات بعدم السماح لبناتهم بالاشتراك في المظاهرات)) .. (1/5)
صفحة 6
وصلت الى الديوانية، ولكنها سلمت الى مركز الشرطة ايضا، لم يطلق سراحها، لم تذهب الى مدرستها، لم تقابل ولا مسؤولا واحدا من المعارف، ماذا يريدون بالتردد بها من مركز المتصرف الى مركز الشرطة الى مركز اخر للشرطة وهي تمشى ومن ورائها شرطيان. حاولت وداد ان تجد لذلك تفسيرا معقولا فلم تكتشفه، وبرمت بذلك بعد ان قضت في التردد خمسة ايام من السجن الى المتصرف فالى مركز الشرطة. وفي اليوم السادس بينما كانت تمشي في الشارع وورائها الشرطيان سمعت من يقول ((يلعن بنات ها الزمن)) انظر، هاربة من اهلها في بغداد فقبضوا عليها في الديوانية يا للعار .. والتفتت وداد دون وعي لترد على القائل ولكنها فوجئت حين امعنت النظر اليه فعرفت نه احد رجال الشرطة يلبس لباسا مدنيا، عند ذلك ادركت ماذا يراد بها، ادركت لماذا لا تحضر الى المركز في سيارة، ادركت لماذا تتردد من مركز الى مركز، ادركت ان القصد هو تشويه سمعتها فما هو موقفها مع زميلاتها في المدرسة، مع تلميذاتها، مع الجيران الذين ستسكن بقربهم؟؟ وطلبت وداد مقابلة الضابط المسؤول وسردت له قصتها كاملة من يوم المظاهرة الى كلمة الشرطي – المدني – وطالبته في الاخير بوضع حد لقضيتها، ليكن السجن، ليكن اي شيء على ان يكون شيئا واضحا معينا (1/6)
صفحة 7
وفي اليوم الثاني دعاها الضابط الى غرفته واخبرها انها مطلقة السراح وان وزارة المعارف تفي بأمرها الاداري ولكنها ما تزال معرضة للخطر في اي موقف مخالف يبدر منها وان عليها ان تنزل في منزل يكفلها صاحبها ... وتردد وداد قليلا، وحاولت ان تقول انها لا تعرف احدا في الديوانية ولكنها عادت ففكرت انها ستسأل عن المدينة التي تعرف فيها احدا وقالت في نفسها: ((كفاية سمعتي سوداء في مدينة واحدة، كفاية والفرج على الله)) .. وقالت للضابط ((انني اولا لا اعرف احدا هنا يضمن عني ولا في اي بلد غير بغداد ولاكن لي طلبا واحدا هو ان اعيش في القسم الداخلي ولك مني عهد ان لا اخرج الا الى المدرسة وعليكم مراقبتي في القسم)).
واستراحت وداد بهذا من رؤية الذين شاهدوها وهي تذرع الشوارع سمعت عنها آذانهم مختلف الاخبار واستراحت ايضا من ان تحمل غيرها مسؤوليتها فيما اذا نفذت ما عزمت عليه وهو الالتحاق بأخيها في الكويت.
وانضمت وداد الى القسم الداخلي ولشد ما كان موقفها محرجا وهي تجلس مع المعلمات على طاولة الطعام ومع المعلمات بالمدرسة ومع الطالبات في الصف، لقد كانت تفكر ان كل مدرسة وتلميذة تعرف عن الرواية التي نسجها الشرطي، تصورت وجهها مغطى بالعار، تصورت نظرات المعلمات والطالبات احجارا ترجمها لتتحمل ثمن الخطيئة وعاشت في هذا الجو القنق اياما ولكنها لم تجد علامة لسوء الظن من المعلمات او الطالبات بل وجدت منتهى التقدير والرعاية وهان عليها الامر الى حد ولكنها ظلت ممتنعة عن الخروج الى الشارع.
بقيت الرسائل مستمرة بينها وبين امها وسهل عليها الانفاق على المنزل في بغداد بمعيشتها في القسم وعندما حلت العطلة الربيعية طلبت ان يسمح لها بالسفر الى بغداد او ان يسمح لامها واخوتها بالمجيء الى الديوانية وكرر عليها الضابط: ((انت مازلت تحت مراقبة الشرطة)) .. (1/7)
صفحة 8
وفي الصباح وقفت وداد الى حل مقبل، لقد عزمت ان تذهب الى البصرة ولم تعارض الشرطة هذا ولم يطالبوها الا باثبات وجودها كل جمعة في مركز وربما كان ذلك لموقفها المتروي طيلة العام، فذهبت وداد الى البصرة ومن هناك خرجت مع احد اصدقاء اخيها على انها زوجته ووصلت الى الكويت وتخلصت من السجن الكبير.
وعندما عدت الى غرفتي في الفندق كانت وداد تملأ فكري، فتاة عانت تعسف الظالمين في بغداد، فتاة شمرت عن ساعديها لكسب العيش، لم تهمل وسائل الاعتماد على النفس سواء كانت في بغداد او الكويت، فتاة حملت المسئولية العائلية بعد ان هاجر اخوها فقامت بشؤون اخوتها الصغار وامها عندما كان اخوها يتحمل شظف العيش في عمان. وبقيت جالسا على كرسي بالحجرة افكر في وداد، حسن استقبالها، هدوئها، رزنتها، ابتسامتها واخلاقها، وساءلت نفسي: ((ما الذي يمنعني من الزواج بها ((البعد؟ ان اخاها يعرفني في بلادي ... وجودي انا في قطر؟ انني مستقر بوظيفتي، وتحسست قلبي بيدي فاذا به وجيب عجيب. لقد شعرت ن وداد قد احتلت به مكانا احسست ان هذه الافكار وان هذه الجلسة الطويلة على الكرسي، ليست الا من علامات حبي لوداد وكدت ان انظر في المرآة لارقب قول الشاعر:
وللحب آيات تبين بالفتى ............ شحوب وتعرى من يديه الاشاجع
واخير قلت لنفسي: لم تمر عليك الا ليلة واحدة فكيف ياتيك الشحوب؟ وبقيت افكر، ثم تناولت كراسة مذكراتي وبدأت اراجع بعض ما كتبته خلال رحلتي، ووقعت عيني على تعليمات الامير صالح بن عيسى الحارثي لي، وقمت فجأة من الكراسي ومشيت في جوانب الغرفة وعدت الى الكرسي مرة ثانية وانا اقول: ((مالك يا خالد؟ ان عليك واجب يفرض عليك ان تترك وداد الان، عليك ان تعيش لوحدك)) وقد كان ذلك حقا (1/8)
صفحة 9
لقد تم الاتفاق مع الزعيم على ان اتحرك الى الوجهة التي يحددها في الوقت الذي يعينه هو. اذن فانا غير مستقر بوظيفتي ولا في قطر ايضا، اذن انا امام واجب هام يقف بيني وبين حب وداد. ولكن هل يمنعني هذا الواجب من حب وداد؟ هل يمنعني من الزواج بها؟ ان امرت بالذهاب الى ساحة القتال فان وداد ممرضة وبامكانها ان تشاركنا في جهادنا بعمل لا يقل عن عمل الجندي وربما كان اكثر من ذلك فقد تكون هي الممرضة الوحيدة لدينا. وان كانت مهمتي في الخارج فمن الممكن ان اعيش بسعادة كاملة.
وكدت ان اصمم على مفاتحة فاضل في الصباح ولكنني لم اقرر رأيا ثابتا وقضيت ليلتي في افكار حلوة جميلة حتى استلمت الى نوم عميق. وفي الصباح تلقيت هاتفيا من فاضل يسأل عن صحتي ويؤكد علي تناول الغداء معه فاعتذرت بموعد سابق واتفقنا على العشاء ومرة ثانية جلست على مائدة العشاء مع وداد وفاضل وزوجته، جلست وايماني يزداد ان وداد قد خلقت لي واني خلقت لها وبقيت صامتا، رغم ان كل عرق من عروقي يكاد ان ينطق بكلمة، كلمة خفيفة في لفظها زهيدة في حروفها، كلمة حب، وحسبها ان تشغل كيان انسان.
ولكن فاضل تدارك صمتي وربما نسبة للخجل فأخذ يسألني عن خروجي من مسقط واخذ يتابع السؤال حتى التقينا في ميدان التحرير، وكنت انا اندفع لاخباره بصراحة وتفصيل فقد كان هنالك دافع يدفعني، كنت أريد ان تعرف وداد عن كل دقائق حياتي فاذا ما تقدمت لخطبتها كانت لديها فكرة شاملة عني. (1/9)
صفحة 10
انك تذكر يا فاضل كيف عشنا مدرسين بالمدرسة في مسقط، وتذكر كيف كنت اكمل على راتبي لقطع قيمة بطاقة التموين، تذكر ان راتبي كان ستا وخمسين روبية وان بطاقة التموين تكلفني ثمانين روبية وذلك للسكر والحنطة والارز ليس غير، فبماذا اسد باقي مطالب الحياة، ولكنه لطف الله، فقد عين السيد عبد الباري الزواوي مدير التموين فكان يعرف حاجات ابناء وطنه من الموظفين خاصة، وكنت احد هؤلاء فكان يرسل لي بين حين واخر بطاقة تموين ابيعها في السوق لاحد التجار فاوفي بذلك ما تجمع علي من ديون، ولكن الى متى تمشي الحال على هذا المنوال؟؟
ان هناك منغصات اخرى لا تخفى عليك يا فاضل .. هل تذكر رحلتنا الى ((السيب)) عندما توسطنا الطريق ومررنا على قرية صغيرة حيث وجدنا امرأة تستر جسمها بشبكة صيد السمك، هل تذكر حديث القروي ان زوجته واخته تتبادلان الخمار اذا ارادتا ان تخرجا خارج البيت، هل تذكر البستنا المرقعة، ثم هل تذكرة بطاقات التموين التي كانت تسلم لرؤساء القبائل بعشرات الالاف من الروبيات، فيبيعونها في السوق السوداء على حساب الفقراء مقابل ولائهم لحكومة مسقط. هل تذكر احوالنا انذاك؟؟ (1/10)
صفحة 11
وما كان فاضل ليجهل ذلك فقد طبعت تلك الفترة بقلبه جروحا ما زال يعاني آلامها كلما خلا نفسه ولكنه كان يعتمد استدراج صديقه لسرد ذكرياته وعاد يقول له: ((احد علينا خبر استقالتك)) ولم يل عليه خالد اذ اجابه بانه استقال ولحسن حظه لم يعارضه احد وعلم مدير الجمارك عن استقالته فارسل اليه يريد توظيفه وعرض عليه راتبا يبلغ سبعين روبية فطلب خالد تسعين فرفض المدير المحسن وصمم على الخروج من مسقط بعد ان شغل وظيفته التي اراده مدير الجمارك احد الباكستانيين براتب بلغ مائة وخمسين روبية، واستمر خالد يحدث صديقه قائلا: ((ان علي الان ان احصل على جواز سفر وتلك مهمة عسيرة لم اوفق فيها لاني موظف مستقيل فصممت على الذهاب الى دبي، وهنالك علمت ان شركة انكليزية تضم موظفين وعندما قصدت مديرها سألني عن الراتب الذي اريده، لم اطلب كثيرا فقد كنت في حاجة الى عمل فقلت: (120 روبية)) ووافق المدير واخبرني ان محل عملي سيكون مترجما بجزيرة مصيره وفي مصيره ايضا لقيت الاذى، ليس في عملي فقد كان ذلك المصدر الوحيد لراحتي ولكني تألمت لحالة العمال من ابناء وطني، فلقد منحت الشركة مقاولة تغذية لا حد التجار الهنود فاخذ هذا يتفنن في تزويدهم برديء الطعام وعينت طبيبا يهوديا لمعالجة عمالها وموظفيها وعندما شكا العمال سوء الطعام حكم الطبيب باه صالح، صالح رغم الدود الذي يتبخر بين التمر والطحين وكان من ضحايا هذه المعاملة زميلي وصديقي محمد حبيب شنون الذي اشترك في اضراب موظفي الجمرك عام 1941 ثم هرب اثر الامر بحبسه وحصل في الاخير على عمل في مصيره حيث لاقى اجله رحمه الله.
وكنت بحكم ترددي على مسقط قد تمكنت من اقناع المسئولين بإعطائى جواز سفر واستقلت من الشركة وسافرت الى قطر وعملت هناك كاتب عند احد المقاولين (1/11)
صفحة 12
وعاد فاضل يأل صديقه عن استقراره بعد هذه السنوات من الكفاح في سبيل العيش وكانت مناسبة لخالد لم يكن ينتظرها قال: ((لقد كنت سعيدا يا صديقي اذ وجدتك تعيش في عش الزوجية ولكم اتمنى ان اوفق الى زوجة صالحة تشاطرني حياتي، ليست هنالك موانع مادية تحول بيني وبين الزواج ولكنها عمان يا اخي نحمل همها بفخر واعتزاز منذ النشأة. فانا لا اكتم عليك اترقب الامر من زعمائي لخوض المعركة وانت تعلم باعتداء سلطان مسقط على دولة الامام وتعلم بضرورة وجود هذه الدولة بعيدة عن نفوذ الاستعمار لما تتمتع به من استقلال وثروة وامكانيات وعلى فرض تأجيل ذلك الان فان الاوضاع السيئة التي تعيشها بلادنا تفرض علي ان اعيش اعزب لاتحمل ما علي من مسؤولية نحو بلادي)).
واجاب فاضل: ((هذا يتوقف على الزوجة التي تختارها يا خالد، قد تكون هذه الزوجة سندا لك في هذه المهمة المقدسة)).
كانت وداد تصغي الى محاورة الصديقين ولم تكن زوجة فاضل اقل حظا في الاصغاء بل انهاء ادخلت على المحاورة جوا من الخفة اذ شاركت زوجها في دفع خالد الى الزواج الامر الذي جعل خالد يفكر في ان هنالك خطة مرسومة لاغرائه لولا انه يعرف صديقه فاضل ودخوله الى كل موضوع مباشرة دون مراوغة. (1/12)
صفحة 13
وفجأة قال خالد لصديقه: ((انني مقتنع بوجوب الزواج ولكن تنفيذ ذلك مقيد بحصولي على امرأة مثقفة تفهم الحياة الزوجية عن وعي وادراك وتتزوجني على انها معي في عمان، واذا حصلت على مثل هذه المرأة فمن المكن ان اعالج مشكلة واجبي نحو وطني لانني سأعيش مع من تفهم هذا الواجب ... وانسحبت وداد من الحجرة متظاهرة بانها تجهز لهم قهوة في حين اجاب فاضل صديقه بصعوبة الحصول على امرأة كهذه واخذ يمزح معه ((يابا انت تذرع السماء، ان المثقفات يردن محيطا عاليا يناسب أزياءهن ومطالعاتهن، والله افضل لك المرأة الجاهلة اذا كنت تحب ان تعيش في عمان)). وادرك خالد ان الحديث هذا لم يدبر بل جاء عفوا ولكنه ادرك اشياء من انسحاب وداد.
وسافر خالد من الكويت وعاد الى عمله في قطر وكانت حياته هناك توحي له بكثير من الافكار فهو يعيش في حجرة بأم سعيد يقضي نهاره في العمل ويتنزه عصرا مع اصدقائه فاذا ما جاء الليل اوى الى حجرته وانهمك في افكاره، لقد كانت قضية وطنه تملك عليه تفكيره قبل ان يلقى صديقه فاضل اما الان فقد شاركتها قضية القلب. لقد احب خالد وداد فهو يفكر فيها ايضا ليلا ونهارا، انه لمس من وداد مشاركة له في هذه العاطفة نظراتها، صمتها مظهر الخجل، انسحابها عندما تكلم عن المرأة المثقفة. ترى هل يكتب لفاضل خاطبا وداد؟ هل يكتب لوداد مخبرا عن وصوله بسلامه؟ ليكتب رسالة الى فاضل وزوجته ... واجرى الى وداد وكتب:
اختي الكريمة وداد:
تحية العروبة،
لست ادري كيف اشكرك على حسن رعايتك خلال وجودي بالكويت ولكني لا استغرب ذلك فان اخاك قد اظهر لي من الفضل والاخوة ما يجعلني احمل له وافر الشكر مدى الدهر فانا اعتبره قد طوقني بمعروفه اذ جعلني فردا من افراد البيت وكذلك شعوركم انتم ايضا.
لقد تأثرت لقصتك وخروجك من وطنك في سبيل مبدأ كريم، وانا اشاركك في نفس السبب وارقب اليوم الموعود بالعودة الى الوطن ان شاء الله. . (1/13)
صفحة 14
وضع الرسالة في رسالة فاضل ولكن وداد اجابت في رسالة منفردة وكانت رسالتها مليئة بتقدير خالد وحماسها لقضية عمان ودعائها الى العاملين في حقلها بالنصر.
واستمر المكاتبات بين خالد وداد بريئة نبيلة، ولكنها قادت الطرفين الى تفاهم بينهما وربطت خالدا برباط وثيق فقرر ان يخطب وداد من اخيها وكتب رسالته وجاءه رد فاضل:
اخي الحبيب خالد،
تحياتي لقلبك الكبير
لقد استلمت رسالتك الكريمة واشكرك على ثقتك بنا ورغبتك في التقرب من اسرتنا. انت تعلم يا اخي اني انظر اليك نظرة الاخ الشقيق فايام الشدة التي كابدناها سوية في مسقط والاخوة التي ربطتني بكثير من ابنائها جعلتني اشعر اني مهاجر عماني في الكويت لا عراقي. وصدق اني ارى زواجك بوداد عضدا قويا لي والرجل الذي اجده كفوءا لها ولذلك بادرت بمصارحتها وزدتها بوجهة نظري نحوك وكان لحسن الحظ انها تحمل نفس الانطباع ولكنك يا خالد تقدر بعدها عن امها ومسقط رأسها ولذلك فقد كان جوابها يعتمد على انها لا ترغب في الزواج بالوقت الحاضر وانها ستنظر في ذلك عند عودتنا الى العراق)).
وتلقى خالد الرسالة فقرأها مرارا وصمم ان يعيش مع الامل وان يعتبر الزواج من وداد سبيلا من سبل كفاحه.
ومرت اشهر لم تنقطع خلالها المراسلات بين خالد وفاضل وكان يكتب لوداد في بعض المناسبات كتب لها عن العدوان على مصر وكتب لها عن قضية النفط العراقي وما ذاع عن تزويد اسرائيل به وعن التنكيل بالاحرار في العراق، وهنأها بعيد الفطر وكتب ايضا انه يتدرب الان على التمريض لدى صديق له بمستشفى قطر .. لماذا؟ وعرفت وداد السبب، ان خالد يهيئ نفسه لمعركة عمان وانه ليشعر بدور التمريض في المعركة المنتظرة ... وشكرته وداد على ذلك وكتبت له: جميل يا خالد لقد التقينا اخيرا في شيء واحد)) واطرق خالد وهو يقرأ هذه العبارة وسأل نفسه ((ترى الم نلتق في الحب ايضا؟؟)). (1/14)
صفحة 15
وفي مايو عام 1957 تلقى خالد رسالة من الزعيم صالح بن عيسى الحارثي: ((انني اشكرك على رسائلك وهي تلقى منا دراسة لما تحويه من صراحة واخبار وملاحظات، وقد كتب الله لنا النجاح بما رسمناه لك وعليك ان ترهف اذنك وتواصل)) ..
وطوى خالد الرسالة ولم يخف عليه معناها، انه يعلم مهمته حق العلم، ان مهمته هي التكتيل للثورة وتكوين مركز قوى للمجاهدين في قطر شأن غيره من شباب عمان في بلدان الخليج العربي، فاذا ما دقت ساعة الجهاد هبوا جمعيا الى نزوى مقر التجمع. وبدأ حالا في الاستعداد للاشارة، فاتصل بانصار الامامة واجتمعوا ذات ليلة وتبايع مائة وخمسون مهاجرا عمانيا على العودة الى الوطن وتحريره ووضع خالد يده في يد الجماعة وبايعهم ايضا على العودة وتركوا له تعين اليوم، وفي يونيه 1957 أستلم خالد برقية من احد اصدقائه هذا نصها: يزوركم طه بعد شهر استقبلوه.
توقيع: احمد الجابري
وفهم خالد كل شيء، وبادر بطلب ثلاثين متطوعا من المائة والخمسين حسب التعليمات التي لديه وطلب منهم السفر ولم يتردد هؤلاء فقد استقالوا من اعمالهم ولم تكن تتعدى حراسة المنشآت وكتابة اسماء العمال والعمل بالبناء وخرجوا من قطر للجهاد في ارض الوطن، خرجوا وكلهم ايمان بعدالة قضيتهم والاخلاص لامامهم ودعهم الجميع على الميناء وقل من يعرف سبب هذا السفر. وفي الباخرة الثانية سافر ثلاثون آخرون وعن طرق السفن البخارية سافر ستون واوشكت مهمة خالد ان تنتهي وبدأ يستعد للسفر مع الدمعة الاخيرة ولكن بيانا اخر ورده مشيرا بالتأخير وانتظار التعليمات.
وذاعت اخبار الثورة منذ ان عمت دعوة الامام غالب لا استرجاع نزوى وهب المجاهدون من كل مدينة من عمان الداخلية يتحينون الفرصة لاخراج ولاة سلطان مسقط ثم دخل الامام نزوى وسلمت له المدن الرئيسية وعادت الامامة كما كانت قبل العدوان. (1/15)
صفحة 16
وادرك السلطان خطورة موقفه، لقد عز عليه ان يعود الى حدوده عام 1955 وابى التسليم بالواقع الذي اظهره له تأييد الشعب لامامه والموقف الكريم من للامام بحيث اوقف تقدم الجيش. وبدلا من ان يمد يده الى قرين له من قومه مدها الى عدو له من غير قومه فدخل الانجليز المعركة، وكأنهم اسراب الجراد، وصمد المجاهدون وقاوموا على ابواب نزوى فانتصروا في معركة فرق وهزموا امير اللواء (روبرت) وارتفعت الراية البيضاء على قلعة نزوى خافقة متباهية ولكن الانجليز اعادوا تشكيل جيشهم واعتمدوا على الطائرات، فقصفوا القلعة فلم يؤثر فيها القصف، ومزقوا العلم الابيض برشاشات الطائرات ففوجئوا بعلم اخر يرتفع فمزقوه ثم فوجئوا بثالث وهكذا دواليك حتى ادركوا ان هذه القطعة البيضاء اغلى من النفوس واقوى من الرشاش واعلى من الطائرات.
واشتد الهجوم على نزوى وقست الطائرات على المدنيين فما كان من الامام الا ان استشار رفيقيه سليمان بن حمير وطالب بن علي فرأوا وجوب التحصن في الجبل الاخضر حيث تحميهم الطبيعة وحيث يمكن ان يضمنوا سلامة السكان من عدوان الطائرات.
كانت هذه الاخبار تصل الى خالد ورغم اشتراكه في الجهاد بالاسهام في تنظيم الحركة في الخارج فانه لم يكن يقتنع الا بخوض المعركة ذاتها في الجبل الاخضر وحاول ان يقنع الامير الحارثي ولكن الامير كان يرى ان مهمة خالد في الخليج دقيقة وقل من يستطيع ان يؤديها ولذلك عدل عن الحاحه الا ان رسالة من وداد عادت تزلزل تصميمه ...
عزيز الاخ خالد:
تحية اقتبسها من اشعاع ثورتكم المجيدة وسلام لك من اخي، لقد اخبرني اخي فاضل عن موقفك اما انا فأرى ان هنالك نقطة حساسة وهامة لا يقوم بمهمتها احد. لعلك سمعت ان الحكومة البريطانية قد رفضت دخول جمعية الصليب الاحمر الدولي بحجة معارضة سلطان مسقط. (1/16)
صفحة 17
ومعنى هذا يا اخي ان جروحا تنزف دون ان تجد من يضمدها وارواحا تزهق دون ان تمسح عليها يد حنون، معنى ذلك ان في بلادك جرحى يئنون على الارض دون علاج وتصور انت مواقع الجروح يا خالد، تصور الام الجريح، تصور النساء والاطفال تنصب عليهم القنابل فلا يجدون حتى صبغة اليود، مد عينيك الان اثر غارة جوية، لتكن احد غارات الانجليز على بغداد عام 1941 التي حدثتنا عنها انت بنفسك، الحال عندكم اكثر من ذلك، انكم بلدان مكشوفة وبيوت بنيت باللبن وحاجة ملحة الى الفرد. هل تتقبل اقتراحي؟ توسم الخير في احد العمانيين بقطر ووله عملك وسافر يا اخي، سافر ممرضا لا مقاتلا الى الجبل فليس هناك احد من يقوم لهذا العمل. واسمح لي ان اقول لك كلمة واحدة ارجو ان تأخذها مأخذ الجد انني سأسافر معك كممرضة ولن يقف حائل بيني وبين هذه الرغبة)).
وكما تتوافد انوار الفجر مخترقة حجبات الظلام كان لهذه الرسالة مفعولها الكبير في تثبيت خالد على جانب محدود من اقناع المسئولين عن حركة عمان. لقد انارت له الحجة البالغة في اتخاذ قرارة، سيسافر، سيذهب الى عمان، ولكن كيف تسافر معه وداد؟ انها تقول انه لن يقف حائل بينها وبين رغبتها هل معنى ذلك انها مستعدة للزواج منه فيما اذا وقف مانع بينها وبين مرافقته؟ ثم هل ان خالدا مستعد للزواج الان؟ وكيف يشغل نفسه ببيت وربما بأولاد وهو متجه الى مهمة تستنفذ كل وقته وجهد؟ وانها ايضا تضحية من وداد وانها ايضا تضحية من خالد ان يمتنع من تحقيق امر طالما حلم به وسعى اليه ويوشك ان يكون ملء يديه.
وتناول خالد القلم وكتب رسالتين الاولى للامير صالح الحارثي يلح عليه فيها بالسفر مبينا وجهة نظره ويرشح صديقه سليمان بن عمران لادارة الحركة، اما الثانية فالى فاضل يخبره فيها عن رأي وداد وعزمه على تنفيذه. (1/17)
صفحة 18
كان فاضل شديد التعلق بعمان كبير الشعور نحو قضيتها خبيرا بأحواله ولذلك لم تثر رسالة خالدا في نفسه اي استغراب وطوى الرسالة في جيبه متجها الى حجرة اخته فعرض الرسالة عليها وقالت وداد بعد ان اتمت القراءة:
- اجل يا افضل ما رأيك انت في قضية الوطن العربي؟
- الحق يا وداد اني لو امكنتني ظروفي من الذهاب الى المعركة لما ترددت ...
- وما رأيك في ذهابي أنا؟
- من الصعب يا وداد تنفيذ عزمك، اولا انت عراقية فكيف تدخلين عمان، وثانيا هل سيقبل المجاهدون تطوعك وانت امرأة وقد جئت وحيدة وهم حذرون فوق ما تتصورين .. فكيف تستطيعين اقناعهم بتضحيتك؟؟
- سأذهب مع خالد وهو ثقة لديهم وسيقوم باقناعهم.
- وكيف تذهبين مع خالد وهو اجنبي عنك؟
- او يكون خالد اجنبيا عنك انت يا اخي؟
- ان رأي ورأيك يختلف عما سيقوله الناس.
- وما لنا والناس؟ هل سأقف انا على ساحة المستشفى هاتفة اني ذاهبة الى عمان؟؟
ستواجهين الحرب والطبيعة والغربة .. وانت امرأة قد تتعرضين الى انتقام دنيء من أعداء لم يتورعوا عن ضرب الآمنين.
- ولهذا يحلو الجهاد يا فاضل كلما صعبت الطريق ...
- ولكن ي وداد ....
ولكن ماذا يا شقيقي؟ تقصد اهلي، سأطلعهم على الحقيقة .. تقصد الانفاق على اخواني وامي في بغداد، اني لاعرف مسئوليتك وسوف لن ينقطع المبلغ الذي تعودت ان ارسله اليهم مدة سنتين.
- وداد، لم افكر في هذا مطلقا، انا اعرف نفسيتك ولكني لا استسيغ ذهابك الى بلاد لا تعرفين عنها شيئا، ستواجهين الحرب والطبيعة والغربة ... وانت امرأة قد تتعرضين الى انتقام دني من اعداء لم يتورعوا عن ضرب الآمنين ...
- ولهذا يحلو الجهاد يا فاضل كلما صعب الطريق.
- اني مقتنع بوجوب التضحية بالاخص ممن في مهنتك المقدسة.
ولكني حائر في طريقة ذهابك؟
- أخي فاضل .. افرض ان عملي الرسمي تطلب مني الذهاب الى عمان .. هل ستعارض، ثم اليس واجبي الوطني اهم من عملي الرسمي؟؟ (1/18)
صفحة 19
- قد اعارض يا وداد في عملك الرسمي، ولا اعارض في واجبك الوطني، توكلي على الله ... هيئي نفسك للذهاب ...
- اذا فاكتب الى خالد اني موافقة على الزواج منه، وان يقوم باجراء الترتيبات اللازمة لنسافر سوية الى عمان.
- مبروك يا وداد الان سلكت الطريق الافضل، ان خالدا يتمنى ان تكوني زوجته وانني انا ايضا اتمنى ان يكون خالد زوجا لك.
- هذه هي اولى بركات الجهاد يا اخي ..
وكتب فاضل جوابه على رسالة صديقه خالد، ولم يكن الا وصفا لهذه المحاورة التي دارت بينه وبين اخته واعلانا عن مباركته للزواج في حين كانت وداد تلتفت الى الوراء لتطرق برأسها الى الحاضر الجديد. لقد تمثل لها فائق وكأنه يرمقها بنظراته العاتية من خلال قضبان سجن بغداد، فائق الذي عاهدته على الوفاء له وانتظار الفرصة المناسبة للزواج به. وخيل اليها انه ماثل امامها بقوامه الفارع ووجهه الاسمر يلقي على مسامعها عبارات العتاب. لقد كان فائق احد جيرانها في الاعظمية تعودت وهي طالبة ان تلاقيه في الطريق متجها الى اعدادية الاعظمية وعندما كانت في مركز الشرطة ببغداد لاح لها فائق يطل من بين قضبان الموقف بالسجن، فوقفت وقفة مفاجئة وهي ذاهلة لها اللقاء المؤلم العجيب وهتف بها فائق: نعم يا وداد، اننا شركاء حتى في مركز الشرطة)) ولم يمهلها الشرطي ان تسأل او تجيب بل امرها بمواصلة السير وعندما دخلت حجرة السجن تجاسرت وسألت الشرطي عن سبب وجدود فائق بالمركز فاجابها انه ايضا سجين سياسي. (1/19)
صفحة 20
((اننا شركاء حتى في مركز الشرطة)) لقد غدا لهذه الجملة صدى عجيب في نفس وداد. رنين كرنين ساعة التوقيت، يوقظها كلما حاول البعد ان يحجب عنها ذكرى فائق وهاهي الان تعود لتسمع رنين هذه الجملة من جديد فتعود بذكرياتها الى ايام مضت، الاحلام التي تراودها وهما في دراستهما، لقد كانت هي في دار المعلمات وكان فائق في كلية الاقتصاد والتجارة وكانت اسعد ايامهما يوم الخميس حين يسمح لها بالذهاب لزيارة اهلها فترى فائق يترصد ساعة اللقاء اما مساء الخميس او صباح الجمعة وهي ذاهبة الى سوق الاعظمية وانها لتذكر الساعة التي تلاقيا فيها بعد ان عينت مدرسة وتعاهدا على انتظار تخرج فائق اخر العام وعزمه على خطبتها حالما يستقر في عمل فليس هنالك حائل يمنعه من تحقيق امانيه وامانيها، ابوه موظف قديم بوزارة العدلية يتولى وظيفة ادارية هامة وانه يتمنى ان يستقر ولده في عش الزوجية وكثيرا ما سمع امه تثني على وداد ورعايتها لامها واخويها بعد ان اضطر فاضل الى الخروج من العراق .. ووقفت وداد طويلا تتذكر الساعة التي علمت فيها عن نجاح فائق وتخرجه من الكلية صيف عام 1952 ثم عن فرحها وفرخه بتوظيفة في معامل النسيج بالكاظمية وبذلك اصبح الامل السعيد في حكم الحقيقة، وقرر فائق ان يفاتح اباه في عام 1955 ولكنهما تلاقيا في مركز شرطة بغداد قبل عام 1955 وهدمت حلف بغداد احلام حب جميل اصيل فقد خرجت وداد كم علمنا في مظاهرة استنكار لحف بغداد وخرج ايضا فائق في مظاهرة كبيرة للشباب ادت الى به الى نفس مصير وداد ثم الى معتقل الفاو. (1/20)
صفحة 21
وانتفضت وداد وهي تذكر معتقل الفاو، انه قريب منها فكيف تنقض عهدها لفائق، كيف تهرب منه الى الجبل الاخضر؟ لو حدث انقلاب في العراق واطلق سراح فائق فهل سيتركها؟ كلا ستكون اول مخلوق يسأل عنه فائق وربما جاء الى الكويت فقد اصبح من الاحرار المنتصرين ولم يبق هنالك مانع من الزواج، واخذت وداد تفكر، ولكنها عادت لتذكر ايام المظاهرات والجرحى المتساقطين برصاص الرشاشات، ثم تصورت نفس المشهد في الجبل الاخضر مع فارق واحد هو ان جرحى الجبل صرعى القنابل لا رشاشات فحسب، وصممت ان يكون فائق احد هؤلاء الجرحى واحد من مائه، من خمسين، ان عليها ان تعالج ولو عشرة من هؤلاء الخمسين، وهكذا صممت وداد ان تترك فائق جريح حب لا بد ان يجد كفا حنونا يمتد اليه ليعالج جراحه.
واطمأنت الى هذا الحال وفي نفسها جرح عميق، حرج حب كبير فرض على صاحبته ان تضع يدها اليسرى عليه لتعالج بيمناها جرا ح آلاف الضحايا من العمانيين المنكوبين بطائرات ((القوة الجوية الملكية البريطانية)).
ثلاث رسائل اراحت اثنتان منهما بال خالد وشغلته الثالثة، الاولى رسالة الامير الحارثي معلنا فيها موافقته على سفره الى ساحة الجهاد في عمان ويعده بوصول معدات طبية تعينه على مهمته وموافقته ايضا على ان يكون صديقه سليمان بن عمران خلفا له راجيا ان يزوده بكل التعليمات.
والثانية من فاضل يهنئه فيها بعزمه على الجهاد ويظهر له موافقته على سفر وداد معه مشاركة في كفاح بلاد يحمل لها اصدق الود والاكبار ويشرح له فيها كل شيء عن تصميم وداد، وثالثة رسالة وداد التي فهم منها انها مصممة وانها موافقة على خطبتها لها من أخيها. (1/21)
صفحة 22
انهى خالد أعماله كلها من قطر وودع صحبه المخلصين واتجه الى الكويت ليقنع وداد بالعدول عن السفر ولكنها اظهرت الاصرار وعتبت عليه في الالحاح بالعدول وادرك خالد ان وداد في حالة تصميم وان رفضه اصطحابها معه سيكون له اثر سيء في نفسيتها ولا يحسن ان يعارض فتاة نذرت نفسها للجهاد في سبيلا بلاده ولكنه وعاد ففكر ان في الزواج منها الان عائقا لكفاحها وكفاحه فهما لن تتهيأ لهما الامكانيات التي تجعلهما سعيدين بزواجهما. انهما مقبلان على حياة قاسية قد يخيم عليهما الليل وهم في كهف صغير يكاد ان يهده ازير الطائرات وقد يبتسم لهما الصباح في صحراء مزروعة بالالغام بل انهما سيعيشان بين انات الجرحى واشلاء الجثث وصبغة اليود واكداس القطن وهدير المدافع فاين حياة الزواج من حياتهما التي يتجهان اليها الان ... ؟
ولم خالد يعتقد ان هذا الحظ السعيد يبتسم له بعد ان اتخذ قراره الحاسم بالاشتراك الفعلي في الجهاد وتردد بين تضحيتين، الزواج من وداد والبقاء حيث هو مع الفتاة التي احبها والذهاب الى ساحات الحرب مشاركا في اداء واجبه نحو وطنه وعروبته وقد اختار خالد طريقه ولكن هنالك طرف ثانيا لا بد له ان يختار احد الامرين ايضا بعد ان يقنعه بصعوبة الجمع بينهما وانتهز خالد فرصه مجيء احد الجارات الى منزل فاضل وانشغال زوجته بها فاخذ يوضح الموقف لوداد وترك لها حرية الاختيار بين احد الامرين ولم يكن هنالك شك في انها ستختار مرافقة خالد والجهاد في سبيل القضية العمانية العربية ... وهكذا استراحت من عذاب الضمير كلما تذكرت جملة فائق بمركز الشرطة وتحقق املها في ان تكون من ملائكة الرحمة على قمم الجبل الاخضر ولم يعارض فاضل لقد قال لاخته: ((اني يا وداد كبير الثقة بك وحسبي دليلا ان تختاري الجهاد عن طريق مهنتك المقدسة في بلاد قست عليها الطبيعة وجنت عليها يد الانسان)). (1/22)
صفحة 23
وعاد الصديقان يتشاوران في طريقة سفرهما. وخطرت لخالد فكرة فطلب من احد اصدقائه العمانيين ان يرافقه في للنزهة واتجها بسيارتهما الى مدينة فحيحيل وهنالك اسر له بالقضية ووجد الحل اذ قال له صديقه ان الموظف الذي كان يكتب الجوازات بمسقط هو موجود هنا فاذا كان جواز سفرك بخطه فمن السهل جدا ان يضيف اليه اسم وداد على انها زوجتك وتنتهي المشكلة.
وفي المساء كانت سيارة فاضل تسير بالاصدقاء الثلاثة الى مسكن المهاجر الجديد وقد عرفه خالد حالما رآه، قال له يمد يده لمصافحته:
- لقد كنت انتظر ان تخرج يا خلفان، كنت اقول انك لن تتحمل البقاء طويلا.
- هذا مصيرنا نحن الشباب المثقف يا خالد، ما كنت احسب اني سأترك بلادي او عملي لقد اخلصت لحكومة مسقط اخلاصا لا تتصوره ولكن يمكنك تصوره اذا فكرت في ثلاثة موظفين يكتبون مالا يقل عن اربعمائة وخمسين جوازا يوميا بكل ما يلزم من تدقيق وبحث.
- لقد كنت اشهد يا صديقي المسافرين يحيطون بدائرتكم ويمتدون في صف كبير ينتظرون جوازاتهم.
- اجل يا خالد كمن يطلب فضلا، اه، ما اشد سذاجة اولئك المساكين، كانوا يقولون يكفي السلطان فضلا انه يعطينا جوازات نسافر بها فتكون لنا مثل بطاقات العمل.
واضاف فاضل: سلطانكم هذا لا يعرف مصلحته. ان شعبا مثل هذا يمكن ان يعتمد عليه حاكمه كل الاعتماد. ويمكن ان يحتل به حاكمه مكانة مرموقة بين العرب .. فلا تصل حالته الى ما نشهده اليوم. شعب مشرد يتلمس العيش ويجمع نفسه للكفاح .. وحاكمه ينزوي في غرفته لا يرى الا جدرانها الاربعة.
طلب صديق خالد الذي رافقه الى منزل خلفان ان يتكلم في خلوة مع خلفان وبعد جدال طويل ناديا خالدا فتبين له ان خلفان يصر على عدم كتابة اسم وداد في الجواز معتبرا ذلك خطة غير شريفة واكد له ان لا مسؤولية عليه باعتباره يحمل جواز سفر السلطان وربما لم يلاحظ احد من المسئولين ان رحل عن طريق البر وجود اسم زوجته. (1/23)
صفحة 24
وحاول خالد ان يقنع خلفان بكل وسيلة ففشل ولكن الجدال امتد بينهما اظهر له ان خلفان يعرف خالدا تمام ويدرك دوره في القضية الوطنية كما ادرك خالد ان خلفان شاب يحمل بين جنبيه اكبر الاخلاص للقضية وبعد يأس مرير القى خالد باخر ما لديه من حجة حول كتابة الاسم قال:
يا خلفان انني اناشدك بحق القضية الوطنية ان تكتب اسم وداد.
اذن انني الان بين حالتين، حق الوظيفة الوطنية التي ودعتها مختارا وبين القضية الوطنية، انني يا خالد اثق بك واعم انكك لا ترمي هذه الكلمات جزافا وسأرتب لك كل شيء بحيث لا احرج احدا. اكتب رسالة باسم مدير الجوازات تطلب فيها ضم اسم زوجتك الى جوازك واخر تاريخها وسوف ارسلها الى مسقط فان لنا هنالك اخا سيسجل اسم زوجتك في السجل الخاص وتكون المسألة اقوى
وفكر خالد طويلا في ذلك. ان من الخير ان لا يكون لوداد سجل لدى ملفات دائرة الجوازات فاذا ما قبض عليها وهي تقوم بجهادها احتجت بجنسيتها العراقية ولن تستطيع حكومة مسقط ان تعمل لها اكثر من ان ترسلها الى بلادها ومهما كان الحال فهنالك امل كبير في النجاة، اما لو اعتقلت كعمانية فلا مخرج لها من السجن الرهيب الذي يعتبر قلعة من قلاع العصور الوسطى. ولذلك اجاب ان لا حاجة الى ذلك وأطاع خلفان رأي صديقه وامسك بالقلم وكتب ازاء مصحوب بزوجته: وداد عبد المجيد.
ها هما الان في دبي الزوجان في نظر الناس والصديقان المجاهدان في تاريخ الثورة العمانية. وها هما في المحطة يسألان عن السيارات الذاهبة الى مسقط ووجدا سيارة من نوع ((البك اب)) سيارة تتسع لراكبين في الامام وعشرة في الخلف ولكن كيف يركبان في هذه السيارة كيف يمكن ان يعرض وداد للتراب وتزاحم الرجال .. ؟ وسأل خالد السائق اذا كان بالامكان اعطاؤه المقعد الامامي فوافق على شرط اضافة عشر روبيات الى السعر الاصلي لك راكب. (1/24)
صفحة 25
واتخذ خالد ووداد مكانهما بالسيارة، انه موضع مريح بالنسبة الى من جلسوا خلفا وسارت بهما السيارة تعجن الرمال وتشق الطرق الوعرة وتصرع الكثبان او تقتحم المرتفعات وكانت في كل مرحلى معرضة لكارثة لولا مهارة السائق وتعوده على سلوك الطريق.
وادلهم بهم الظلام في تلك الصحراء الموحشة وتوقفت السيارة لتصليح احدى عجلاتها عند منتصف الليل ثم استأنفت سيرها ولكنها لم تلاق الشمس الا على وقفه ثانية لعطل طرأ على ماكنتها ولكن السائق مستعد دائما فعوض الجزء الخرب باخر ومشى يشق طريقه و قبيل الظهر استراحوا في الحويلات وتناولوا الغداء واستأنفوا سيرهم، ولكن السيارة ما تكاد ان تمشي خمسة عشر ميلا الا وتقف وقفة زهاء ساعة او اقل بقليل خشية ان تشتد الحرارة في ماكنتها وعند ذلك تتعرض لاخطار الوقوف.
وفي ضحى اليوم الثاني لاح لهم معسكر بريطاني اوقفهم واخذ يسأل الركاب ويتفقدهم، ان الضابط بريطاني ولكن الجود عرب من مختلف البلدان الجنوبية من شبه جزيرة العرب. والقى الضابط نظرة فاحصة على الركاب ولفت نظره حسن مظهر خالد فأسر الى الجنود بالسؤال عنه فأخبرهم السائق انه من مدينة مسقط وكان يعمل بقطر وانه معروف بمسقط ويحمل جواز سفرها وكان هناك من جانب اخر منظر لمسافر اخر يظهر من هيئته انه من عمان الداخلية كان خالد يعرفه فقد استضافه في منزله بقطر وهو ذاهب من مدينة قريات ديدنة كل عام ان يحج الى بيت الله الحرام في موسم الحج وان يصيد السمك بمدينته ويقتات منه.
قال له الجندي:
- انت من عمان الداخلية؟
- انا من مدينة قريات
- هل جئت من السعودية؟
- جئت من الحج، انت تعرفني، انا في كل عام احج الى بيت الله الحرا ...
- هل عندك خطوط؟
- لا يا اخي، انني اعرف انكم تفتشون عن الخطوط ولذلك ارفض ان احمل اي خط.
- اين صندوقك؟
- هذا هو هل تريد ان تفتشه؟
- على كل انتظر، سأتصل بالضابط (1/25)
صفحة 26
ذهب الجندي الى ضابطه واوقفت السيارة على مضض من ركابها وسائقها وقال السائق لعبد الله القرموشي – وهذا هو اسم الزاهد – قلت لك لا تتظاهر باللباس العماني ارم العمامة، واضاف مساعده: وقص اللحية قليل.
وانبر الزاهد يقول: قبحك الله، اذا كان هنالك بلاء من لحيتي فانا اتحمله.
ولكن السائق اجابه: ان البلاء سوف يتحمله جميع من في السيارة. واجابه صوت من بين الركاب كلنا عمانيون يا اخي ونحن مستعدون ان نحمل مصائب بعضنا فكيف بمصيبة رجل شريف فاضل.
وعاد الجندي ومعه احد العرفاء لتفتيش صندوق الزاهد، وفتشت محتويات صندوقه قطعه قطعة وحاول الجندي ان يستعمل طريقة الباكستانيين والهنود في تفتيش عرب الخليج على جمرك كراتشي وبومبي، لقد حاول نزع حديد الصندوق الملصق بالغطاء وكان الزاهد ينظر ويحوقل ولم يجدوا شيئا ذا بال ثم اجال الجنود بنظرهم الى ركاب السيارة وطلبوا من خمسة منهم ان يظهروا الرسائل التي عندهم واخذوا يقرأون العناوين عنوانا عنوانا ويلحون عليهم السؤال من اين جئت ويختلف الجواب او يتفق فتترادف على اسماعهم كلمات: كويت – قطر – خبر – الدمام – البحرين -. كلهم من عمان ولكنهم تفرقوا في هذه المهاجر العربية التي رحبت بهم عندما ضاق بهم وطنهم ثم اقترب العريف من خالد وسأله ايضا: عندك رسائل، واجاب خالد:
- اولا انت تمثل اي حكومة؟
- انا امثل الحكومة التي انت منها
- ولو كنت من حضرموت؟
- انت حضرمي؟
- اسأل السائق يا اخي
- سألناه فقال انت عماني
- اذن فهل انت تمثل حكومة مسقط؟
- نعم، عندنا حق بتفتيش كل مسافر ..
- انا لا اسألك عن الحق، فالحق يا اخي مثل الحكمة ضالة المؤمن وكلنه يدعى ولا يلتقط.
- اذن اخبرني هل عندك رسائل؟ (1/26)
صفحة 27
- اولا انت تعرف انا عندي جواز سفر من مسقط وهذا هو (واخرج خالد الجواز) وثانيا نحن مازلنا في حدود الشارقة , وانت لا حق لك بتفتيش رعايا حكومة مسقط لان لحكومتنا مركزا خاصا وثالثا يؤسفني يا اخي ان الجأ الى هذا الكلام مع اخ عربي مثلك.
- يا اخي نحن موظفون، ماذا نعما، ان هذه نقطة لجيش الليفي او قوة الكشافة، لا تخضع للشارقة ولا مسقط ولا دبي ولا ابوظبي.
- يعني انكم قوة كبيرة في حكومات صغيرة
- يمكن ان اوافقك على هذا التفسير، اقصد نحن اصحاب سلطة مطلقة في كل حدود عمان.
- يعني انتم فوق حكام هذه البلدان.
- لا اقدر ان اقول هذا الكلام، لا تحرجني يا اخي، انا لو كنت في حضرموت لناقشت مثلما تناقش انت الان.
- شكرا لك، لكن انا لا اعترف لكم برسالة او بشخصية الا بامر من سلطان مسقط او مندوب عنه وافعلوا ما تشاءون كفاية عملكم في الزاهد المسكين.
وهدد العريف باحالة الامر الى الضابط واجابه خالد انا احب ان اتكلم مع الضابط اذهب واخبره،،،،،
ورغم تأخر السيارة من جديد الا ان الركاب تحمسوا لمناقشة الضابط واقتنعوا بوجهة نظر خالد وقال الزاهد: لا يفيدهم غير واحد مثلهم يرطن كما يرطنون ويحلق كما يحلقون، احسنت يا خالد، كنت المك وانت تحلق لحيتك في قطر وتلبس لباس الافرنج ولكن صمودك امامهم جعلني افهم انك منهم اثوابا فقط ولكن روح الدين والاصل لم تتغير فيك
وجاء الضابط غاضبا يسأل عن هذا الذي استهان بالمركز بامتناعه عن تسليم الرسائل ولكن خالد اظهر الهدوء، وقال للضابط الانجليزي:
- قبل ان تتصرف يا حضرة الضابط احب ان اسألك سؤالين: هل عندك امر من الشيخ صقر بن سلطان القاسمي بتفتيشنا؟
- انا لا افكر ان عندنا امر من الشيخ صقر، انت تعرف الشيخ صقر؟
- لا، انا لا اعرفه ولكني اعرف انه لن يأمركم بهذا. وهل عندكم امر من السيد سعيد بن تيمور؟
- ايضا ليس هناك امر، ولكن نحن تعودنا ان نفتش كل مسافر.
- بأمر من؟
- بأمر قائد جيش الكشافة. (1/27)
صفحة 28
- انا ايضا لا اعتقد ان لقائد الكشافة حق الامر بتفتيشنا.
- جيش الكشافة يشترك في محاربة الامام، جيش الكشافة دخل نزوى ومع ذلك لا يحق له ان يفتشك انت.
- اسمح لي ان اقول لك كشافة ساحل عمان تحارب جيش الامام بطلب من السلطان، دخلت نزوى مع قوات السلطان، وانا اذا كان عندكم امر من السلطان بتفتيش المسافرين فليس عندي مانع.
- اذا نحن اوقفناك الان عن السفر واعدناك الى الشارقة، ماذا تعمل؟
- المسألة بسيطة سأطلب مقابلة حاكم الشارقة واخبره انكم اعتديتم على حقوقه دون امره. وربما لا يعر عن هذه الاحوال لان هؤلاء المساكين تقبلوا امر عريفكم بالطاعة ففتش اكثرهم واهان هذا الزاهد المسكين وكل ذنبه ان له مظهرا دينيا واذا حجزتموني بالمطار ولم اقابل الحاكم فسوف اعود من حيث جئت ..
- ولماذا لا نأخذك الى مسقط ونشتكى منك عند السلطان لانك خالفت الاوامر.
- انا يا حضرة الضابط اعرف السلطان حق المعرفة، انه يقبل ان تتدخلوا في الامور الكبيرة ولكنه يعارض تدخلكم في الامور الصغيرة، انه يريد ان يظهر امامنا نحن اهالي مسقط انه ضدكم ولكن اضطر اضطرارا لطلب المساعدات منكم وفوق هذا انا لم اسيء الى السلطان ولم اخالف السلطان. اذا كان عندكم امر منه فانا مطيع سأفتح لك مخابئ سترتي بنفسي، وسأفتح صندوقي ايضا.
- انت تقرأ الصحف الناصرية ولهذا تحمست علينا، انك عائد الى مسقط فمن الافضل ان تفكر قبل ان تتكلم.
- وانت عليك ان تؤدي عملك اولا، وليس لك في هذه الصحراء الا ان تقوم بعملك، لست هنا مدرسة فتلقي علينا الدروس. ان مدارس الشارقة هي من حاكمها او من الكويت ومدرسة دبي كذلك وفي بلادي انا – بلادي الواسعة لا توجد الا مدرسة واحدة صغيرة فكيف يمكن ان يكون لك انت في مخيم صغير مدرسة تلقي منها الدروس على المسافرين؟
- انا لا اريد ان اتجادل معك.
- هذا هو الاحسن يا حضرة الضابط
- انت ترفض ان نفتشك؟
- نعم، الا بأمر من احد الحاكمين.
- يمكن اعرف اسمك؟ (1/28)
صفحة 29
- اسمي خالد .....
- والمرأة التي معك من هي؟؟
- مرة ثانية عدت الى فرض سلطتك ... هل عندك امر بالسؤال عن الركاب؟ والتفت الضابط الى السائق يسأله عن المرأة فأجابه انها زوجة خالد واسمها مكتوب في جوازه ووقف الضابط يفكر ماذا يعمل ان خالدا احرجه احراجا كبيرا .. حقا انه لا يملك امرا من الحاكمين ولو رفع المسألة الى احدهما ربما يحدث نتائج سيئة فما دام الامر نافذا على اكثر المسافرين بل كلهم فليبق الحال على ما هو وليشرح وجهة الاعتراض على رؤسائه، ثم هذه الحادثة لم يسبق ان حدث مثيل لها، لا بأس ان يعترض واحد من عشرة آلاف.
وقرر الضابط ان تتبع سيارة خالد سيارة جيب تحمل اثنين من الجنود كي يطلبا من مأمور الاسود – اول حدود سلطان مسقط – تفتيش خالد.
وعندما وصلت السيرة الى الاسود وقفت للتفتيش حسب العادة ولتؤخذ الضرائب الجمركية من ركابها ونزل خالد من السيارة تاركا وداد في مكانها ليسلم على مأمور المركز، ولشد ما كانت مفاجأة جميلة ان يلاقي صديقان لم يحسبا حسابا لمثل هذا اللقاء وجلس خالد في خيمة المأمور وحوله بعض حرس المركز يسأل كل منهما الاخر عن احواله ثم اخبره خالد عن قضية المركز البريطاني واظهر استعداده للتفتيش، قال المأمور:
- لقد طلب الجنديان الموفدان ان نعطي الضابط تفاصيل عنك وان نفتشك وكن ثق يا خالد ان جوابي سيكون نفس جوابك فانا ايضا ليس عندي امر من السلطان ان انفذ اوامرهم حول تفتيش الناس وليس هنالك من تعاليم خاصة بالنسبة اليهم فلندعهم وشأنهم.
- ولكن ربما اتخذت القضية دورا اخر فانت من باب الاحتياط يجب عليك ان تفتش .. ولا تنس انهم اصحاب الامر هنا.
اعلم يا خالد، ان لدينا امرا بتفتيش من نشك فيهم، ثم ان الجمرك عندنا، انت اعرف بواجباته وسوف نحتاط للامر وان كنت اعلم انك تفهم احوال بلادك وليس عندك شيء ... (1/29)
صفحة 30
وانهمك الموظفون في تفتيش الركاب، ولقي صاحبنا الزاهد نفس ما لقيه من الضابط فتشت رسائله ثم فتش صندوقه وطلب منه ان يدفع ثماني وثلاثين روبية وصرخ يستغيث، ان كل ما اشتراه من سوق البحرين لا يساوي ثماني وثلاثين روبية وامر المأمور بتنزيل ذلك الى عشرين روبية دفع خالد منها عشر روبيات ودفع المأمور عشرا وفتش الجميع واخذت منهم الضرائب الجمركية وجاء دور خالد فاخرج كل الاوراق التي حوتها جيوب سترته ثم فتح صندوقه وصندوق وداد ودفع ما عليه من ضريبة الجمرك وودع صديقه المأمور. وبعد ان وصلت السيارة الى بركاء ودع خالد رفاقه المسافرين ثم اتجه الى مدينة سمائل في طريقهما الى الجبل الاخضر.
ان وراء صعود خالد ووداد الى الجبل الاخضر مشاكل اهمها تقوية الحراسة التي وضعت على طريق الجبل ولكنه اتجه الى وكيل المجاهدين بنزوى وعندما سرد عليه قصة وداد ومهمتها اصر على ان يرسل معها اخته لان مهمة وداد كبيرة ولأنكما الوحيدان يا خالد في هذا النوع من الجهاد وستجدان الامراض هنالك منتشرة، انهم لا يعانون فقط نتائج قصف الطائرات، وعلام انقلك الى الجبل ولا ادعك تتأمل في نزوى نفسها او في اي مدينة عمانية، هل تجد عندنا طبيبا، ابق معنا يا اخي اسبوعا لتعرف كم طفلا يموت وكم من امرأة تودع وليدها وداعا هو مزيج من الصبر والحسرة وكم من مرض بسيط اصبح مرضا عضالا بسبب التخبط في الادوية او الاعتماد على الوصفات النباتية. كن انت للرجال يا اخي والتمس لك مساعدا ولتكن وداد للنساء وبذلك نخفف عن المجاهدين الام التفكير في نسائهم واهليهم ...
واطرق خالد مفكرا ثم تذكر ان عليه ان يعرف تفاصيل اكثر عن شريفة
قال لصديقه:
- هل هي متزوجة؟؟ (1/30)
صفحة 31
- كانت متزوجة يا خالد، ولكنها الان مطلقة ولطلاقها قصة متعلقة بالجهاد. عندما احتل المستعمرون نزوى وقرر الامام ان يتحصن بالجبل لحق به نسيبي زهران بن سليمان التوبي وخشي ان يلحقه ضمان من الله في حق زوجته فأني الي خجلا حائرا وشرح لي الموقف واصر اخيرا على تطليقها ليترك لها الحرية في الزواج من غيره وذهبت واياه الى منزله وحضرت معنا شريفة فعرضنا عليها الفكرة ولكنها اجابت:
- انك يا زهران، ستخرج عن بيتك، عن مدينتك، عن اموالك، عن اسرتك وسوف تخوض المعارك، سوف تبارز بالسيف وسوغ يوجه اليك رشاش الطائرات، سوف تسمع اصوات الصواريخ التي اعتادت ان تزعجنا كل ظهيرة، سوف تواجه مختلف الصعوبات فهل تجدني انا ضعيفة الى حد اني لا استطيع ان اصبر على فراقك.
- انك يا شريفة امرأة، والمرأة ضعيفة، وانا ايضا لا اريد ان القى الله وفي عنقي امانة لم اؤد واجبها.
- من قال ان المرأة ضعيفة، لو اعلن الامام يا زهران جهاد المرأة لما ترددت في اللحاق به. ثم لماذا لا أذهب انا معك وليس معي طفل يمنعني سأعيش كما تعيش.
- لا طاقة لك بذلك يا شريفة، اننا حتى الان لا نعرف مستقرنا، قد ننام على قمة الجبل وقد نقاتل على فرع شجرة، قلت لك اني لا اريد ان القى الله وفي عنقي امانة، لقد اديت كل امانة لدى صاحبها لقد وفيت كل دين. انت طالق يا شريفة .. واسرع وكيل الامام بنزوى يغلق فم زهران لئلا يردف على الطلاق، وهدأ زهران ثم قال:
- ما بك ايها الشيخ عامر، هل تظن اني سأطلق بالثلاث، لا .... لا ... قد يمد الله في عمري وننتصر على الانجليز عاجلا .. ما يدريك .. (لعل الله يحدث بعد ذلك امرا) خذي الصداق يا شريفة وفي امان الله. (1/31)
صفحة 32
كانت شريفة فتاة في العشرين من عمرها فارعة الطول ممتلئة الجسم تندفع حيوية وجمالا فما كادت تنسحب من الحجرة مغطية وجهها الذي اغرقته الدموع حلى استدعاها اخوها قائلا لها: لا تعلني الطلاق حتى يذهب زهران الى الجبل وابقي الليلة في البيت وعند الصباح هلمي الى منزلي. وبللت الدموع لحية زهران وقال وهو يحمل على نفسه (هذه هي اول مرحلة من مراحل الجهاد في الجبل الاخضر) ...... وفي منتصف الليل كان يتسلل في الطريق الى الجبل حيث لحق بالمجاهدين.
ومالت نفس خالد الى اصطحاب شريفة معه فهي بلا شك سوف تفيدهم بل انها ستخفف عن وداد الم الوحدة ومن يدري فربما اقتنعت بأسلوبها الذي اختاراه في الجهاد .. وحينما وجد منه الشيخ عامر الموافقة طلب منه ان يكل اليه امر ايصالها الى الجبل وان يتكفل هو بنفسه ويستقبلهما بعد أربعة ايام في قرية سيق.
وما كاد الرجلان ينتهيان من حديثهما حتى طرق باب المنزل طارق اسرع الشيخ باستقباله وقدمه الى خالد كأحد المجاهدين الفدائيين واخذ يسأله عن الامام وقائد الثورة طالب بن علي الهنائي وامير الجبل سليمان بن حمير فطمأنه على حال الاولين ولكنه اخبرهم ان الشيخ سليمان مصاب بجرح في رجله لانفجار قنبلة في طريقه ....... (1/32)
صفحة 33
وما كاد الرجلان ينتهيان من حديثهما حتى طرق باب المنزل طارق اسرع الشيخ باستقباله وقدمه الى خالد كأحد لمجاهدين الفدائيين واخذ يسأله عن الامام وقائد الثورة طالب بن علي الهنائي وامير الجبل سليمان بن حمير فطمأنه على حال الاولين ولكنه اخبرهم ان الشيخ سليمان مصاب بجرح في رجله لانفجار قنبلة في طريقه ....... ثم اخذ يسرد اخبار المجاهدين وما يعانونه من مشاكل من استفحال الجروح بأجسامهم دون ان يجدوا من يعالجهم وانتظارهم وصول احد الممرضين حسب التعليمات التي وردتهم من الشيخ صالح الحارثي. وبادر الشيخ عامر بنقل البشرى الى المجاهد ان الضيف الماثل امامه هو الممرض المرسل وافترت شفتا المجاهد عن ابتسامة ربما كانت تعبيرا عن ابتهاج الجبل بكل من فيه وعانق خالد وهو يقول: انك ستذهب معي، انا الذي سأنقل البشرى، هل جلبت معك الادوية؟؟؟
- وهل لديك وثيقة من الشيخ صالح ثبت شخصيتك؟
- اجل يا أخي ...
- اذن فاستعد للذهاب معي قبيل الفجر، ولكني لست وحدي، هنالك ايضا ممرضتان لمساعدتي، ثم هنالك أكياس مملوءة بالادوية.
والتفت المجاهد الى الشيخ عامر يستوضح منه الخبر ثم قال:
- وهل تنويان صعود الجبل؟
- نعم .. لقد جاءتا لهذه الغاية ...
قال الشيخ عامر: لا تهتموا بشأن الممرضتين، سأرتب ذلك الا انكم اتركوا خبرا عند حرس مدخل الجبل انهما سيمران بحصونهم صباح يوم الخميس القادم وسوف تحملان كلمة سر هي ((اسعاف)) اما انت فاستعد يا خالد، وأخير ماذا وراءك يا سيف ... ؟ (1/33)
صفحة 34
- لقد جئت مع خمسة من المجاهدين، فقد علمنا ان " الميجر ووتر فليد وزير دفاع حكومة مسقط " يهددنا بقوله لماذا لا يحضرون الى نزوى، ما لهم يتحصنون بالجبال، وهو الان بالقلعة وسوف يذهب رجالنا الخمسة لاقتحام القلعة والوقوف امامه ليقولوا له ((ها نحن قد جئنا الى بابك يا ميجر فافتح الباب)) .. اما انا فان مهمتي ان اعود الى الجبل باخبارهم فربما اصيبوا جمعيا بسوء .. واسمحوا لي الان ان اذهب لمراقبة القلعة وتتبع اخبارها فان دخل جماعتنا الى القلعة فاعتبرا ووترفليد في ليلته الاخيرة وان لم يفتح لهم فليس عليكم الا ان تسجلوا جبنه وجبن حرسه.
وخرج سيف ولكنه لم يسمع عن وقوع معركة واقترب من القلعة، انه يسمع طرق الباب، افتح، صديق افتح، ويجيب الحرس من داخل القلعة: (ممنوع نفتح الان ولو كنت اكبر شخصية، في الليل تقفل الحصون) وزاد الطرق وليس هنالك من يجرؤ حتى على مقابلة الطارقين يسألهم عن طلبهم. وذهب رئيس الحرس الى ووترفليد فصرخ قائلا:
لا تفتح القلعة لاي واحد وما دام الباب مغلقا فنحن في امان ... الا تعرف اهالي نزوى اعداؤنا، حذرا ان تفتح، الزم حصنك.
ويئس المجاهدون الخمسة من طرق الباب ثم قال احدهم وهم ينصرفون: يا عقيد القلعة، قل لسيدك (اننا جئنا الى نزوى فلم يخرج لنا).
وعادوا اسفين، انهم من جهة فهموا وزير الدفاع الانكليزي بطلان قوله ولكنهم لم ينفذوا المطلب الرئيسي. وفي النقطة المتفق عليها التقى بهم سيف ووعدهم ان يلتقي بهم على الطريق الرئيسي في حين ذهب هو ليصطحب عه خالد الذي كان مستعدا كل الاستعداد وطمأن خالد وداد على لقائهما قريبا ثم سار مع اشعاعات النور وعرفه بالابطال الخمسة كما عرفهم به ثم سار ومعه اكياس يحملها هؤلاء المجاهدون وهويته الشخصية. (1/34)
صفحة 35
وعندما مروا باول مركز كان على كل منهم ان يستعد لتحقيق الحرس، انهم عيون ساهرة على اداء واجبهم، استوقفوا الرجال الستة، لاحظوا بطاقات الجميع، ولكنهم توقفوا في بطاقة خالد، عفوا يا أخانا اننا لا نعرفك ولذلك فلابد من التأكد من شخصيتك، هنالك ملاحظات على رسائل الشيخ صالح اولا ان هذه اول رسالة تصلنا من الشيخ مطبوعة على ورق ازرق فما الذي يقصد هو بذلك؟ ثانيا حروف الآلة الكاتبة التي تعود ان يكتب بها تختلف عن هذه وثالثا ان الرسالة تنص ان معك امرأة فأين هي؟ ورابعا اسمح لنا ان نسألك بأي جواز دخلت قطر وهل يمكن ان نراه لنتحقق من شخصيتك؟
ولم يتضايق خالد من هذه الشكوك بل اجاب:
- انني اقدر فيكم هذه الدقة فنحن في موقف يتطلب منا ذلك ولكن الا تعتقدون ان وجود الفدائيين الخمسة وثقتهم بي وارسال الشيخ عامر لي يفرق هذه الشكوك؟
- الفدائيون الابطال مسؤولون عن بذل ارواحهم في سبيل القضية المقدسة وذلك هو مكانهم في الحركة ونحن ايضا هذا مجالنا وعلينا ان نجاهد فيه بكل ما نملك من تدقيق لئلا يتسرب احد العملاء الى قلعة البل الاخضر.
- اذن فسأجيبكم على كل سؤال اولا ان رسالة الامير الحارثي فيها امضاؤه ولا اهمية للون الورق الذي كتب عليه.
- لا يا خالد، لعله يقصد بذلك امرا. الا تعلم ان الشيخ صالح له غرض في كل خطوة جديدة يتخذها؟
على كل لنعد الى قضية الآلة الكاتبة، لقد كتب هذه الرسالة بدمشق وبالآلة الكاتبة الموجودة في مكتب امامة عمان بدمشق.
- انه يحمل آلته الخاصة اينما يذهب.
- هنالك اختلاف في الحروف والورق ونخشى ان يكون في المسألة شيء، بصراحة يمكن الاحتفاظ بالامضاء ومحو الكتابة والطبع عليها من جديد.
- ولكن عندي رسالة اخرى من مكتب الامامة في دمشق بنفس حروف هذه الرسالة ... (1/35)
صفحة 36
- ان هذا يؤكد شكنا، قد تكون اتخذتها لتقوية حجتك، واسمح لنا يا خالد فنحن ايضا مسؤولون وبصدد المرأة فقد عرف عنها اخوننا الفدائيون، ام الجواز فقد تركته ضمن الودائع التي وعد الشيخ بارسالها الي.
- ان كل شيء يذهب الى الجبل من نزوى لا بد ان يمر على هذا المركز، وهنالك دلائل عديدة تجعلنا نتأكد انك محق في قولك وانك جئت من اجل مهمتك المقدسة مجاهدا ولكن الحزم ان نأخذ بأقل احتمال، ولذلك فسوف تبقى معنا حتى يردنا بيان عنك من الشيخ طالب او نشاهد صورتك على جوازك.
- وودع الفدائيون الخمسة خالدا واعضاء الحرس مؤكدين له ان الزعماء يعرفون عنه ان احد سيجيء بأمر السماح له.
وعاد احد الفدائيين بعد يوميين ومعه رجل ممن ارسلهم خالد من قطر ورسالة من الشيخ طالب قال فيها، ((يصلكم رجل ممن يعرفون خالد بقطر وعليه يعتمد في التصديق على شخصية خالد)).
وفي مساء ذلك اليوم ايضا وصلت الى المركز امرأتين يرافقهما احد الرعاة وبيده رسالة من الشيخ عامر بايصال المرأتين الى المركز الرئيسي للمجاهدين .... وهكذا قدر لخالد ان يدخل الجبل الاخضر وبصحبته وداد ....
لقد بدأت مهمتك يا خالد ........ تلك هي الجملة التي قالها الامام غالب بن علي الهنائي .........................
لقد بدأت مهمتك يا خالد .. تلك هي الجملة التي قالها الامام غالب بن علي الهنائي بعد ان رحب بخالد واطرى وطنيته، ولكن الطائرات لم تترك له ان يدخل مع الامام في حديث طويل فقد هب الجميع للجوء الى احد الكهوف، واقتربت الطائرات، سمع دويها وسمعت مدافع الرشاشات ثم هوت قنابلها الى مركز المجاهدين، كل ذلك وسكان الجبل في كهوفهم التي اتخذوها ملاجئ طبيعية ضد الغارات الجوية، وفي احد قمم الجبال اختبأ بعض المجاهدين لاصطياد الطائرات المعتدية ولكن الطائرات الخمس خزقت ((وهذا تعبير اهالي الجبل الاخضر عندما ترمي الطائرات قنابلها)). (1/36)
صفحة 37
واسفرت الغارة عن جرح احد الرابضين بقمم الجبال من انفجار قنبلة القتها الطائرات عندما لاحظ احد ملاحيها اطلاق الرصاص واصابة طفلين لم يلجاء الى الكهوف.
كان خالد قد اعد حجرة خاصة للعلاج وملأها بما يحتاج اليها من ادوية كما اعد حجرة اخرى لمعالجة النساء وطلب من وداد معالجة الطفلين في حين ذهب الى المجاهد الجريح وهنالك في مركز دفاعه ضمد جراحه وحمله الى مستشفى المجاهدين وهنالك ايضا وجد الامام وقد عاد الى المنزل بعد انخرج من الكهف حيث استقبله الممرضان اللذان كانا منحة من الله لهؤلاء الابطال، قال خالد:
- انه لشرف عظيم يا سيادة الامام ان تزورنا بمنزلنا.
- الشرف لكم يا خالد، لقد اختصكم الله بجانب هام من الجهاد انكم السلاح الحقيقي الذي يسخر من غارات الانجليز، لقد جئت لا شارك في تنظيم منزلكم بحيث يكون مستشفى يلجأ اليه الجرحى ومنكوبو الغارات، ستكون لكم حجرة خاصة للتضميد وحجرتان لنوم من ترون ابقاءهم في المستشفى من الرجال والنساء، وحجرة لامراض العيون والاسنان وما اليها وحجرة لنومكم واخرى لنوم اخت الشيخ عامر ولابد لكم من جندي يحرس المنزل وسنضع على السطح احد المدافع ليحميكم من الغارات الجوية، وبينما كان الامام يتفقد الغرف اذ اختلى به خالد ليوضح له حقيقة وداد، قال:
- لا يصح لي ان اكتم عنك حقيقة المرأة التي معي، انها ليست زوجتي، بل هي فتاة عربية من العراق سمعت عما تعانونه من قصف الطائرات وهول الصواريخ وعن رفض الانجليز السماح لهيئة الصليب الاحمر الدولي من دخول عمان بحجة ان هذا من شاء السلطان وانه لا يسمح بدخولهم وقد اردت ان اصرح بذلك ساعة وصولي ولكني وجدت ان انشغل الان بترتيب مستشفانا الصغير.
- وكيف تعرفت عليها يا خالد؟
وسرد خالد للامام كل التفاصيل المتعلقة بوداد واجاب الامام: (1/37)
صفحة 38
- ان الاسلام لا يحرم اشتراك المرأة في الجهاد، لا داعي للكتمان يا خالد فالحمية التي دفعت هذه الفتاة المجاهدة لان تخاطر بدخول الجبل الاخضر وان تتحمل مصاعب العيش فيه تزيد من معنويات مجاهدين ونعطيهم دلالة واضحة على ان هناك عيون ساهرة لما يعانونه هنا من بطش وطغيان.
وذهب الامام يشكر وداد على جهادها وتركها عملها ومنزل اخيها وقال لها:
- انك موضع الثقة والاحترام من الجميع، ستكون لك حجرة خاصة في هذا المنزل ولا بأس عليك من مساعدة خالد فقد اذن لك ولي امرك الذي زارني مرة بالرستاق ثم انك مجاهدة كخولة بنت الازور وعاتكة بنت نهشل ورجاء ابو عماشة وكجميل بوحيرد وايضا كمجاهدتنا اللواتي لم يعرف العرب عن اخبارهن.
وبصوت مشتعل بالحماس عبرت وداد للامام عن شكرها وشكر اخيها فاضل وعن اعجابها بتتبع الامام لاخبار الكفاح العربي واضافت:
- واننا سنسأل عن اخبار المرأة العمانية المجاهدة لنعلنه على العالم العربي.
- ولماذا لا تسألونني انا، انت يا واد واخوك ايضا شركاؤنا في جهادنا وما انا الا واحد منكم ايها المجاهدون، سأحدثكم يا وداد عن امرأتين: الاولى اصيلة التي عهد الشيخ سليمان بن حمير الى زوجها مهمة حفظ قصره المسمى ((بيت السليط)) وهو قصر اثري بنزوى وعندما جاء الانجليز لنسف القصر رفض الرجل ان يخرج فبدأوا اولا بنهب ما في القصر ثم جروا الرجل الى سجنهم لما ابداه من مقاومة وبقيت المرأة مصرة على عدم الخروج وهددوها بنسف المنزل عليها فوقفت عند قولها ثم انفجر المنزل على المرأة وتهاوى كومة ن الحجارة والتراب وتفرقت اشلاء المرأة عنوانا لفظائع الاستعمار ولسانا صارخا بالدعاء على كل عميل مأجور. (1/38)
صفحة 39
وترقرقت عينا وداد بالدموع وسادت المجلس رهبة وخشية وقرأ الجميع الفاتحة على روح اصيلة ... وهذه قصة اصيلة اما ((شمساء)) فلها قصة اخرى ايها المجاهدون .. قبض على زوجها بتهمة مساعدة المجاهدين المتسللين وفي الليل اقبل ضابط انجليزي ولم تشعر المرأة الا وهو بحائط البيت فتقدم منها ولكن شمساء لم تحجم عن مبادرته بضربة سكين وأردفتما بأخرى خرى لها الضابط صريعا وعرفت شمساء ان وراء قتلها لهذا الضابط مسئولية كبيرة، فاثرت ان تهرب في جنح الليل ولم يعرف احد مصيرها حتى الان. واكثر الظن انها ضلت الطريق الى الجبل فماتت جوعا او عطشا، اما الضابط فقد اصيب بجرح خطير اذ دخل عليه جنوده المرافقون وغادرا به الى معسكرهم بحجة ان المرأة قاومتهم وانها تمكنت من الهرب.
وهذه اخت الشيخ عامر قد اجتازت المرحلة الاولى من طريق البطولة ومن يدري لعلها ستصل الى القمة .. اني اودعكما الان راجيا لكما التوفيق وارجوا ان لا تحجما عن اخباري بما يواجهكما من صعوبة، وخرج الامام البطل من المستشفى الجديد، خرج يحدث مرافقيه عن المجاهدين الثلاثة الذين اختاروا طريقهم الخاص، خرج يؤكد لهم ان امة يوجد فيها امثالنا وامثالهم لن تهزم وتلا الامام الآية الكريمة ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)) ... (1/39)
صفحة 40
وفي ضحى اليوم التالي سمع خالد طرق على باب المستشفى فخرج يستقبل الجريح الجديد ولكنه فوجئ بجندي يحمل بندقية يصحبه جندي اخر وحواليهما حمار يحمل مدفعا ضخما وادرك ان امر الامام قد نفذ ولكنه وقف محتارا، لقد تأمل وجه الجندي، صعد فيه نظرة وصوب، انه يغرفه واستعاد خالد موقفه في ميدان التحرير، مرة ثانية يقف في امتحان حول معرفة الاشخاص، اما الرجل فقد لزم الصمت، انه ايضا يعيش في حيرة، فقد قدم خطوة واخر خطوات قبل ان ينفذ امر القائد الشيخ طالب بن علي الهنائي، وتذكر خالد ... تذكر ان الجندي ما هو الا زهران التوبي، مطلق شريفة.
- هذا انت يا زهران؟
- نعم ايها الدختر، انه انا، لقد عينت حارسا لمستشفاكم يساعدني اخي خلف بن راشد ....
- مرحبا بك .... الظاهر انك تدربت على المدافع ...
- نعم يا دختر، انا الان اتقن حتى اطلاق مدافع البازوكا ولذلك اختارني القائد لا كون في منزلكم، لقد ترددت ولكنه قال ((انت غلطان يا زهران)) ان مستشفى خالد هو من اهم مراكزنا فهو مأوى جرحانا من الرجال والنساء والاولاد ولا بد من ذائد ماهر يدافع عنه.
واستأذن خالد رفيقيه ودخل المنزل ليخبر شريفة ويستشيرها وداد في المشكلة. قالت شريفة: ((دعهم الان ينصبون مدافعهم وسنطرح الموضوع للبحث من بعد)) واوت شريفة الى الحجرة تفكر في هذه المصادفة وتفكر في ايام زواجها وذكرت اخاها واهلها وبينما كان الرجال مشغولين بنصب المدفع على سطح البناية دخلت وداد الى الغرف تهدئ شريفة: ((انت مجاهدة يا شريفة)) اننا في هذا المكان نمسح الدموع فلا يليق بنا ان تسيل دموعنا، انك هنا ملاك .. عليك ان تنسي جرحك لتضمدي جراح الأخريين)).
- واي جرح هذا يا اختي، كيف استطيع ان اعيش مع مطلقي؟
- انت تعرفين انه طلقك حبا في مصلحتك لئلا تبقي مرتبطة به، ثم اننا لسنا في المنزل، اننا في ميدان المعركة. (1/40)
صفحة 41
وعندما انتهوا من نصب المدفع عادوا الى المجلس وهناك عرض زهران مشكلته على خالد فأخذ يسرد قصته مع شريفة واصرار القائد طالب على ان يكون هو بهذا المركز، فاجابه خالد:
- ان القائد يريد ان يكافئك على تضحيتك بزوجتك لقد جمعك الله واياها في منطقة واحدة فعلام يفرق الشيخ طالب بينكما، ان الثورة اهم اهدافها اصلاح المجتمع العماني يا زاهران فلماذا تفرق بينك وبين زوجتك، لقد امتحنك الله وها انت على وشك ان تنال النتيجة.
- ماذا تعني يا خالد؟
- اعني انك يجب ان تستعيد زوجتك، ان هناك رجلا في نزوى يؤدي اعمالا جبارة للقضية العمانية فعلينا ان نهيئ له كل الامكانيات لمواجهة العواصف هناك، يجب ان لا تزعجه بالتفكير في احوال اخته هنا ..
- ولكني غير مقتنع، وقد يعرقل ذلك جهادي، وقطع الحديث عنهما دخول القائد طالب بن علي ورغبته في تفقد البيت وحالة المدفع وبعد فراغه من ذلك امر برفع علم الهلال الاحمر فوق البناية فلعل ذلك يحميها من قصف الطائرات، ثم عاد الشيخ طالب الى المجلس وطلب من زهران الخروج ودعا شريفة وعرض عليها فكرة رجوعها الى زوجها قال: ((كان على زهران تضحية كبرى، نحن نعرف انه ضحى باعز امانيه فليس من السهل ان يهدم الانسان بيته، وها قد جمعكما الله ولن تفرق الثورة ما جمعه الله لانها قبس من هدى الله)) وعارضة شريفة .. ((لقد نذرت نفسي لوطني ولهذا الثورة، فمالي وما للزواج؟))
واطال الشيخ طالب في نصحها حتى اقتنعت ثم طلب منها ان تعود الى داخل المنزل ودعا زهران واخذ يقنعه، قال زهران: ((انني ايها القائد لم اطلق زوجتي عن ملل او شيء يشينها، ولكني اردت ان اتجرد للجهاد)).
واقتنع اخيرا وعقد القائد بينهما نية الرجوع، وهكذا عالج مستشفى خالد جرح قلبين (1/41)
صفحة 42
دوت صفارات الانذار ... وتهافت جميع سكان الجبل الخضر ((غارة، غارة، جاءت تخزق)) وكان الوقت ظهرا، وكان اكثر الناس قد اووا الى بيوتهم سوى حرس المراكز العسكرية ولكنهم ما كادوا يسمعون الصوت حتى اسرعوا الى المخابئ، وبدأ القصف ان القنابل تتساقط بالعشرات، وبدا المجاهدون يطلقون مدافعهم واشتد القصف، الهجوم يتركز على مقر القيادة، ترى هل تمكنوا من اكتشافه، وبادر الشيخ طالب بالطلب الى الامام ورجاله ان يتركوا مقرهم فانهم الهدف وبدأت الحركة في الطرق، الامام، الشيخ سليمان بن حمير، القائد طالب، سالم بن عبد الله الحارثي، يحيى بن عبد الله النبهاني، عبد الرحيم بن سيف الخروصي، سليمان بن محمد السالمي، هؤلاء ورفاقهم الذين يديرون المعركة في هذه النقطة بادروا حالا بتغيير اماكنهم، ولكن الطائرات ادركت ذلك فنزلت احداهما تطلق الرشاش من قريب ولكن المجاهدين كان يتجهون الى المنعطفات كلما رأوها تقترب، ثم سقط جدار على اربعة منهم اختبأوا وراءه فجرح ثلاثة، (1/42)
صفحة 43
وفجأة رأت الطائرة علم مستشفى خالد واتجهت اليه، حامت فوق المنزل وحام مدفع زهران حولها والقت اول قنبلة ثم نزلت لترى اثر انفجارها ونزلت وهي تطلق الرشاش، ثم اطلقت قنبلة اخرى على زهران ولكنه اصاب الطائرة وسقطت، اجل سقطت ... ان المستشفى في عمان جريمة في عرف الانكليز وخرج خلف يخاطب رفيقه زهران .... ((لا تمهلهم، اطلق رشاشك حالما يخرجون من الطائرة، لا تنخدع بهم، على انك لا تقتل جريح، وذلك هو الذي حدث لقد احترق منهم من احترق وخرج الباقون ورشاشاتهم بين ايديهم وبادر زميل زهران باطلاق رشاشه فقتل اربعة وجرح اثنين ثم اقبل خالد من احد المخابئ حاملا على كتفه جريحا ليكشف الخطة المدبرة، انهم من فرقة ((الكوماندو)) كل منهم مزود برشاش وعدة الحرب الكاملة وادوات لتسلق الجبال وامر خلف ان يبقى في مكانه من المدفع وقال لزميله كن مستعد ((حالما ترى ما يشبه المظلة اطلق النار)) وامر وداد با تضمد الجرحى واتجه توا الى مقر القيادة ولم يجد احدا، اخذ يمشى والقنابل تنصب من حوله وصراخ الاطفال وعويل النساء يكاد ان يصعق اذنيه، رباه اين ذهب الامام، اين القادة، اخشى ان ينزلوا فلا يعرف بهم احد، رباه عونك لاطفالنا، ان صياحهم يكاد يشق عنان سمائك.
وطفق خالد في طريقه يقول لكل من يراه ((انزال، لقد حدث الذي حذرنا منه القائد، احذروا، اطلقوا النار على كل من ترونه غريبا، اعلنوا النبأ لكل احد)) ووقف القصف، وانكشف عن ضحايا: جثث تحت الانقاض، امرأة ميته على شجرة، صعدت المسكينة مفكرة ان في ذلك سبيلا للنجاة، طفل في الثالثة من عمره يطلب امه، الجرحى يزحفون الى مستشفى خالد، وبعض الاهالي يحملون من يرونهم من الجرحى. (1/43)
صفحة 44
البكاء يعم المدينة ومع ذلك فلم يكن احد يعجب لهذه الحال، لقد الفوها، كل يوم يعانون امثال ذلك، كل يوم تزورهم الطائرات السوداء النفاثة، انهم اصبحوا يميزونها، هذه تكشف وهذه تحمل الزاد لجنودهم وتلك تقصف وبينما كان المجاهدين منشغلين بنقل جرحاهم وانتشال الجثث من بين الانقاض والاستعداد لدفن موتاهم اذا بالنداء الذي بدأه خالد ثم بالتحذير الذي كرره امر القيادة مرارا يكونان حقيقة، لقد بدأ الانزال سحابة من المظلات ثم سحابة من الرجال، ثم سحابة من دخان البنادق والرشاشات ثم ..... ثم اكوام من الجثث ولكنها جثث كانت اثقل على المجاهدين من القصف الذي يعانونه كل يوم، ان عليهم ان يواروا جثث هؤلاء ... المعتدين، انهم ثمانون جثة من جنود المظلات، ترى أيمكن ان يضمهم تراب الجبل الاخضر وقد جاءوا معتدين؟
وفشل هجوم الانكليز واقبلت طائرة استكشافية وفي سد منيع من معنويات المجاهدين سدد عليها سعيد بن سليمان القصير مدفعه فأصابها ولكنها استمرت في طيرانها حتى احترقت قرب مطار فرق عند ضواحي نزوى ..... وفي نفس الليلة اذاعت محطة صوت العرب نبأ ابادة ثمانين جنديا من فرق المظلات واسقاط طائرتين ولكن سليمان السيفي – ضابط البرقيات – نسى ان يرسل اسماء الضابط لتذاع من المحطات العربية فحاول الانكليز وعملاؤهم تكذيب النبأ ولكن احتفاءهم بدفن ضابط الطائرة وجنديها في البحرين جاء مؤكد لبرقية سليمان السيفي.
وفي الليل جلس خالد مع الجنود الاسرى يناقشهم في الوضع بعمان، وكانت اهم نقطة في موضوعهم هي تبرير عدوانهم قالوا ((انهم يناصرون صديقهم، وان الجبل منقطة تابعة له وان الثوار عصاه يريدون ان يفرضوا نفوذا اجنبيا على عمان، وان نشوب الثورة قد اثر على مستقبل عمان والا لوجدتم فيها كثير من الاصلاحات، والمهم الان ان تسكن الثورة لتسير الاصلاحات على ما يرام)). (1/44)
صفحة 45
وبد خالد يرد في هدوء ((انكم جرحى ولكم حقوقكم، وانكم بشر ولكم مطلق الحرية في التعبير عن آرائكم، غير اني اشك في ان هذه أراءكم الشخصية)) وفي هذه الاثناء اقبلت وداد تحقن احدهم بابرة بنسلين واخذ الضابط ينظر اليها مشدوها تعجبه عندما سمع وداد تتكلم بالانكليزية)) ان الرأي الذي يعترف له بحق هو المنبعث من قلب صاحبه ((واضاف خالد)) انهم يعتقدون يا وداد اننا عصاه لا شعبا يدافع عن حقوقه وعن الحكم الذي يختاره لبلاده ثم انهم يعتبرون انفسهم ابناء عم لاهالي عمان فالمجاهدون يخضعون لنفوذ اجنبي وحكومة مسقط لا تخضع لنفوذ اجنبي، اننا نعرف ايها الكابتن ماذا تقصد بالنفوذ الاجنبي، غير ان الجبل هذا امامك وستقوم من سريرك وعليك ان تخبرنا اذا وقعت عينك على رجل من رجال جمال عبد الناصر او سعود بن عبد العزيز او على سلاح من اسلحة بلدانهم، انك لن تجد هنا الا عمانيين يتفقون مع اخوانهم العرب في اهدافهم وسلاحنا اخذناه منكم خلال معاركنا وانك لواجد هنا درسا بليغا هو انك لن تحكموا العرب بالاشخاص ولذلك فسوف تجد فتاة من العراق، اجل من بلاد نوري السعيد .... فتاة تركت امها واخوتها وعملها لتضمد جراح المجاهدين، ما كان ضركم لو اظهرتم لدولتنا الصداقة وتعاملتم معنا معاملة الند للند)) واضافة وداد ((اما اصلاحاتكم يا سيدي فدعنا نراها في مسقط لنحلم بها في نزوى وازكى وصور وينقل ومنح، هل رأيت العمانيين في المهاجر .. ؟
- لقد رأيتهم، انهم شعب جلود صبور، انهم يكافحون في سبيل عيشهم بأمانة واخلاص معنا في ال ((أر أي اف))، انهم اعداؤنا لكنا نثق بأمانتهم ...
- هل تعتقد ان شعبا كهذا يضرب بالقنابل في سبيل شخص واحد؟
- انها السياسة يا اختي لا تعرف اعتقادا ولا تفكيرا .. انها أراء مجموعة اشخاص او شخص واحد ونحن جنود ...
- ولكن سنريك ماذا فعلت قنابلكم ...
- لا حاجة، دعوني في هذه الحجرة لقد رأيت ذلك في لندن ..... فكيف الحال في هذه الاكواخ ... (1/45)
صفحة 46
وقطع حديثهم مجيء مندوب من القيادة ليستنطق الجرحى البريطانيين وكان من الاسئلة التي وجهت ما هو نوع المدافع التي يجيد اطلاقها؟ هل يعرف تصليح جهاز البرقيات؟ من اي مطار خرجت طائراته؟ كم وزن القنبلة التي كان يحملها؟ ما هو رأيه الشخصي في حرب عمان؟ هل يجد بالجبل نفوذا من نفوذا من خارج عمان؟ هل يعتقد ان بريطانيا اقرب لعمان من البلاد العربية
وتم علاج البريطانيين الثلاثة ثم نقلوا الى معتقلهم، وكانوا يخرجون كل صباح لينظروا اثار القصف وليعلموا الجنود استعمال الاسلحة الحديثة ...... وقد اشترط جندي اللاسلكي بالطائرة التي اسقطت ايام الانزال ان يسمح له بارسال برقية الى اهله بعد ان يصلح جهاز البرقيات لدى المجاهدين، ولم يتردد الشيخ طالب في موافقته على شرط ان يرسل البرقية موظف البرقيات العماني، وهكذا عاد جهاز البرقيات يرسل انباء الجهاد بعد ان توقف وكانت اول برقية ارسلت (((ابلغوا وكالة رويتر ان جندي اللاسلكي في طائرة سبت فاير رقم 34 ج المسمى جون ديلي هو في الاسر وبحالة طيبة ... يشاهد كل صباح ذكريات الحرب العالمية ويبلغ سلامه لاهله وخطيبته ايفوري)) ... (1/46)
صفحة 47
15 ابريل عام 1958 له لدى ملائكة الرحمة بالجبل الاخضر ذكرى جميلة حلوة، انه اليوم الذي يدخل فيه مستشفاهم ضيف اطل على الحياة، ضيف لم تصبه شظية قنبلة ولا رصاصة بندقية، انه اليوم الذي ولدت قيه شريفة طفلا جميلا ... واستعرضوا الاسماء، غالب، مجاهد .... وقالت وداد بل نسميه سلام .... اني لاحس بإحساس غريب وانا اذكر هذا الاسم .... واردف ابوه وماذا ننشد نحن غير السلام يا اختاه، بلادنا ستعود الى خضرتها زرعنا لن نرويه بماء مسموم ... حيواناتنا لن تتفرق في الجبال خوفا وهلعا، بيوتنا لن تندثر، ارواحنا لن تزهق، حياتنا لن تكون ترقبا لطائرة او تحديقا في طائرا نحسبه مظلة، فليكن اسم الطفل سلام تفاؤلا بسلام ثورتنا .... وهتف الجميع ((مرحبا بالسلام اذن لعله فأل خير بانتصار المجاهدين، سبحانك يارب خلقت هذا الطفل بين اكوام من الجثث والاطلال، وعمرت هذا المستشفى باشراقه وقد كان لا يستقبل الا جريحا ينزف دمه .... سبحانك انك قادر ان تشيع الامن في نفوسنا والبهجة في بلادنا، سموه اذن سلام.
والتفتت وداد الى صندوقها، ثم فتحته واخرج مجموعة من الصور واخذت تنظر اليها هذه امها، وهذان هما اخواها صالح وعدنان وهذه اختها خولة، واخرجت صورة ثانية، انها صورة فاضل ((ما اكرم نفسك يا اخي ... لقد نقلت امك واخوتك الى الكويت بعد ان سافرت انا الى عمان، وكم للكويت من فضل في ستر البيوت .... وبينما كانت في موكب من الافكار اذ دعاها خالد الى حجرته وقال لها ....
- وداد، انت تعلمين بالخدمات التي يؤديها نسيب زهران وخال الطفل سلام للمجاهدين، وقد استدعاني الامام هذا اليوم واخبرني ان مجهولا اطلق عليه الرصاص فأصيب في كتفه ورأسه وهو الان في حالة خطرة ولابد من معالجته ...
- وهل اخرجت الرصاصتان من رأسه وكتفه؟ (1/47)
صفحة 48
- ام رصاصة الرأس فقد خرجت، واما رصاصة الكتف فالتقرير الذي استلمه الامام يقول انها اخرجت بنفس الطريقة التي كان المجاهدون يخرجون بها الرصاص قبل وصولنا، يأخذون حبلا ويضعونه في مكان الجرح ويمررونه عليه حتى يصل الى الرصاصة ثم يخرجوها ...
- اي انهم حفروا لحمه .... مسكين .......
- ذلك ما فعلوا، والمهم اننا نخشى ان يصيبه تسمم كما اصاب بعض المجاهدين، ثم ما شأن جرح الرأس ولذلك فلابد ان يذهب احدنا ..
- ولكن كيف تذهب انت، اولا مهما كان الحال فليس من المعقول ان نضحي بالمجاهدين جميعا في سبيل مجاهد واحد، انك لا تعرف ماذا سيحدث هنا وفي هذه اللحظة، ان القصف مستمر والانزال مترقب بين ساعة واخرى ... والجرحى كل يوم، ثانيا انت معروف واذا سلمت من الطريق فلن تسلم من نزوى، انك رجل ومن الصعب ان تتخفى ... اما انا فقد اواجه خطرا في الطريق ولكن بامكانى ان اعيش بمنزله كإحدى حرمه، فلا يعرف عني احد ..
- كلا يا وداد، مكانك هنا امين وانا الذي سأذهب
- بل انا الذي سأذهب وقد اخبرتك عن الاسباب ... لقد جئت يا خالد للتضحية، فلماذا تمنعني عنها؟
- على كل حال سأذهب الى الامام واخبره واترك الامر اليه ...
ووجد الامام غالب ان وجهة نظر وداد صحيحة ورغم ان الخطر يكمن في مسير خالد او مسيرها ولكن نسبته اقل بمسير وداد .... وهكذا اتجهت الى نزوى لمعالجة الشيخ عامر (1/48)
صفحة 49
وبادرت وداد بمعالجة الشيخ، ضمدت الجرح وحقنته بابر البنسلين ... واخذ الشيخ يستعيد صحته وكان الاعداء قد سلطوا عليه عيونهم في هيئة عواد اصدقاء ثم سلطوا عيونهم على منزله ليعرفوا من الذي اتاه بالدواء ومن يلف هذا الضماد على رأسه ولم يتورع احدهم من سؤاله فأجابهم ان العلاج لم يتعد المرهم وقد طلبه من – مطرح - وان اخاه هو الذي تكفل بوضع الدواء .. وحمد الشيخ ربه الذي من عليه بالشفاء ... وشكر للسائلين حسن تعهدهم ولكنه في الوقت نفسه خشي على وداد فأمرها بالعودة في حين اصرت هي على البقاء حتى يزول الخطر تماما ...
ومن اوساط النساء نمت البذرة الاولى للاشاعة .... ((في بيتهم امرأة جميلة حمراء، لا تجلس معنا ولا يسمع لها صوت، ان كنتم سمعتم عن بياض نساء بغداد وجمالهن فانظروا اليها)) وتعددت الاشاعات حول هذه المرأة وانتشرت حتى وصلت بطبيعة الحال الى مركز القيادة الاستعمارية في نزوى وبدأ رجالها يقارنون بين شفاء الشيخ السريع وحسن علاجه وبين هذه الاشاعات ...
وفي منتصف ليلة 20 مايو 1958 صعق باب منزل الشيخ عامر واهتزت جوانب غرفه وهب اهل البيت مذعورين ..... وادرك الشيخ كل شيء وفي طريقه الى فتح الباب اشار الى اهله با تختبئ وداد في مكان امين، وكان الضرب يتواصل على الباب وهو في طريقه ففتحه، واذا به يفاجأ بضابط انكليزي يصحبه جنود سته منهم انكليز واثنان من المرتزقة بجيش مسقط ((وقال احدهما للشيخ)) بأمر الحكومة قف مكانك وعندنا امر بتفتيش المنزل ...
- اما الوقوف فانا لا استطيع عليه سأجلس واسألكم، لماذا تفتشون المنزل؟
واتجه الجندي الى الضابط ليحصل منه على الجواب ... (1/49)
صفحة 50
- نريد ان نعرف من هي المرأة الغريبة في بيتك .... وقبل ان يجيب الشيخ اتجه الجنود الانكليز وكل منهم يحمل مدفعا رشاش الى غرف المنزل يفتشون، وفوجئ بهم اخوه وهم يتفرقون في الغرف امنيين مطمئنين، رشاش كل واحد منهم ملء يديه، يمصمصون شفاههم كأنهم بحاجة الى ما يرطبها ... ودارت الدنيا في عيني ناصر اخي الشيخ عامر، ماذا يعمل؟ اخوه حاولوا قتله فلم ينجحوا وذلك هو الان بين ايديهم وهذه كرامتهم تهدر، نساؤهم يدخل عليهن مفأجاة ومن قبل الانكليز .... اما ((جيش الحاكم العربي)) فقد ترك على الباب لا مجال للستر، سيذرع هؤلاء المنزل، سيطأون كل زاوية منه، واخجلتهم امام الناس غدا ... واندفع ببندقيته وكأنه يقول لها .... انت التي سوف تصقلين كرامتنا سأموت ولكن لن يقول الناس ان منزل الشيخ عامر وطئه الانكليز بدون اراقت دم ...
واطلق اول رصاصة وبقي من الجنود خمسة ثم بقى في مكانه واطلق الثانية فصرع بها جنديا كان يحدق بعينيه في النور الذي يشع من انطلاق البندقية وقبل ان يطلق رصاصة على المصدر خر صريعا وبدأ اطلاق الرشاشات بصورة جنونية ولكن ناصر كان في مأمن واختلط رصاص الرشاش بين رصاص بندقية الصمع وجن جنون الجنود الاربعة وضابطهم الذي هتف بجنودهم ... انظروا الى مصدر الطلقة ... حاولوا ان تعرفوا من نار البارود .... وتمكن الاخير من ضبط المكان فاستشهد ناصر وصرع الجنود الخمسة ولكن الضابط طلب من جنديه ان ينسحب من المنزل خشية ان يعود اطلاق الرصاص، والتفت الضابط الى الشيخ عامر يلح عليه طلب المرأة والشيخ يبتسم ويقول ((دونكم البيت فتشوه)) ودخل الضابط ثانية الى ساحة البيت وهو كالوحش الهائج فانسل الى احدى الغرف وهناك القته الى الارض طعنة سكين من زوجة الشيخ عامر تحامل بعدها على نفسه ليلحق بالمرأة التي اوت الى سطح البيت ... وعندما لم تسعفه جراحه على ذلك، امر بالقبض على الشيخ والتفتيش عن زوجته ووداد .... (1/50)
صفحة 51
وتمكن قسم من الجنود الذين كانوا يحاصرون طريق الحي من قبض وداد بينما كانت وداد تشق طريقها نحو الخروج من نزوى وجاءوا بها الى ضابطهم الذي هتف يقول .....
- واخيرا لقد صدق الخبر ... هذه هي الطبيبة المصرية .... اه ...........
- انا لا استطيع ان افهم كلامك، اي جنود واي طبيبة مصرية ...
- ليس عندنا وقت للجدال، انبثوا ايها الجنود في البيت وفتشوه شبرا شبر واحذروا ان يصيبكم ما أصاب الملازم ببرد .....
لقد كلفتنا يا دكتورة خمسة جنود ...
- ولم يكن ناصر الان بموضعه الذي اطلق منه النار، لقد كانت روحه تحلق في السموات العلى، وأدرك الشيخ عامر ان اخاه لم يعد حيا وان نساءه سيفتشن وان زوجته لا بد من ان تقتل او تقبض فانه لا يستطيع ان يعمل شيئا فهو اسير ومريض ونزف الدم من جرح رأسه وازداد النزيف وحاولت وداد ان تتقدم الى اسعافه ولكنها التفتت الى يديها لتلمح القيد ... وعندما فاضت روح الشيخ رفعت يديها المغلولتين تترحم له وتدعوا الله ان يرحم الفقيد وينصر الشعب.
اشعل الجنود مصابيحهم واخذوا يفتشون المنزل شبرا شبر فلم تقع اعينهم على شيء لا رسالة ولا ابرة لم تكن هناك سوى قنينة مليئة بالمرهم وقطن وضمادات ... وذهب الضابط وجنوده بوداد في حين اصبح الصباح على اهل الحي وهم في المقبرة يدفنون الشيخ عامر واخاه ناصر ويتحدثون عن نقل الجنود الخمسة لحرق جثثهم في احد جوانب الصحراء، وعدم تمكنهم من معرفة ملجأ ارملة الشيخ
وأخذ الضابط يسألون وداد ........
- هل عالجت الشيخ عامر؟؟
واطرقت وداد لحظة ثم ازعمت على الانكار .... فليس هناك ما يثبت الاشاعة فان دم الجنود الخمسة سوف يدفعهم الى الانتقام منها لو اعترفت ..... واجبت ....
- انا لا اعرف الشيخ عامر
- اذن كيف قبض عليك الجنود
- كنت متجهة الى الجبل الاخضر حيث نذرت نفسي لاعالج ضحايا طائراتكم ....
- وهل سبق لك ان رأيت الجبل؟
- نعم فقد نزلت منه قبل خمسة ايام لاشتري ادوية من مسقط (1/51)
صفحة 52
- ان اخبارنا تؤكد معالجتك للشيخ عامر
- قلت لكم انا لا اعرف الشيخ عامر وها انا اصدقكم الاجابة
- أتعتقدين ان فتاة غيرك عالجت الشيخ؟
- لا اعرف .... ولكن ما هو الذنب في معالجة الشيخ عامر؟
- الذنب هو اتصال الشيخ برجال الثورة.
وماذا يفيدكم ذلك وقد مات الشيخ؟
- اي ان الفتاة مرسلة من طالب بن علي
- اما اني مرسلة من طالب فهذا صحيح واما اني انا التي عالجت الشيخ فقد قلت لكم اني لا اعرفه ...
- اذن فانت من ثور الجبل الاخضر ....
- انا اؤدي عملا انسانيا في الجبل الاخضر ... وقد عالجت جنودكم ...
- جنودنا ... أتعرفين اسمائهم؟
- اجل اعرفهم واحدا واحدا، انهم في حالة طيبة، انهم مطلقو الايدي والارجل، وانهم رجال ومع ذلك، لم تغل ايديهم كما تفعلون انتم الان بيدي ....
- يجب ان تذكري لنا تقريرا مفصلا عن حالة اسرانا ... وعن أثر القنابل على سكان الجبل وحالتهم المعاشية وكل ما ترينه مفيدا لنا ... ان خبرا واحد تذكرينه قد يعيد اليك حريتك ....
- سأختصر لكم ... ان اهل الجبل لم يبق عندهم عقار او مال يحافظون عليه او يجبرهم على ان يستسلموا ان قرنكم العشرين اعادهم الى حياة الكهوف، ليس هناك بيوت – يا ابناء التايمز، كلهم في الكهوف واما غير هذه الحال فلا اعرف عنه شيئا، لقد كانت مهمتي الدواء ... فانا بين الجروح والدماء والآلام ليلا ونهارا ....
- واين تعلمت الطب ... ؟
- انا لست طبيبة، بل ممرضة ... وقد تعلمت ذلك بالكويت.
- هل انت من مسقط؟
- لا، انا من بغداد ..
- كذابة، انت لست عراقية، قد تكونين مصرية، او سورية، انت من جواسيس جمال عبد الناصر ...
- قولوا ما شئتم، ولكن اذا اطلقتم يدي اريتكم جوازي ...
- ولماذا لا نفتش نحن هذه الربطة التي تحملينها؟ (1/52)
صفحة 53
وفتشت الربطة ... وكانت تضم مجموعة من الادوية والابر وجواز سفر وداد .. واثناء التفتيش اضاف الضابط سؤالا اخر حول وجود صلاح سالم بالجبل الاخضر .... وضحكت له وداد وانكرت الخبر قائلة:
انتم لا تريدون ان تفهموا ان في عمان شعبا يريد ان يقرر مصيره بنفسه وبجهوده ....
وقرر الضابط ارجاع وداد الى السجن في حين ذهب هو الى مندوب سلطان مسقط حيث تمسك المندوب بارسالها الى سجن مسقط، وتمسك الضابط الانجليزي بالتفكير في امرها ....
وكانت السيدة هرست قد وفدت الى نزوى اثر مقتل زوجها الميجر هرست على يد المجاهدين بينما كان يحلق في طائرة استكشافية على الجبل الاخضر فاسقطت الطائرة ودفن الميجر بالجبل وما علمت زوجها عن وفاته حتى قدمت الى نزوى وكتبت رسالة الى الامام تطلب فيها اعادة جثة زوجها اليها، وما ان علمت بقصة وداد اصرت على ضابط المنطقة ان يسمح لها بزيارتها في القلعة فلعل لديها خبر عن زوجها.
وفي السجن كانت رجلا وداد مصفدتين بالحديد، وعندما قدمت السيدة هرست استقبلتها وداد معتذرة عن عدم مقدرتها في الوقوف، قالت السيدة هرست ....
- هل كنت بالجبل الاخضر؟
- اولا ... هل لي ان اعرف من انت؟
- لا تخافي يا اختاه، انا لست محققة، انا امرأة لها قلب، انا ارملة الميجر هرست، هل تعرفينه؟
- الميجر الذي مات في الطائرة الاستكشاف؟
- نعم نه هو، كيف مات زوجي بالله عليك؟
- الم تطلبي من الامام نصره الله ان يسلم اليك الجثة؟
- نعم فقد كتبت اليه رسالة، ولكن كيف مات زوجي؟ (1/53)
صفحة 54
- لقد مات ميته اسهل مما يموت مئات العرب من قنابلكم، اخرجناه من الطائرة واعتنينا به عناية فائقة، وبقي في مستشفانا المتواضع يوميين كنت خلالهما على رأسه مؤاسية له ... فنحن الممرضات همنا تخفيف الالم ولو كان عن عدو ولم يبق بيتا من آلاف البيوت في الجبل، ولكنه مات، وهو يقول: من يبلغ تحيتي الى ماريا ويقول لها ان تدخل ولدي الى كلية الطب ... واجبته ... من يدري ربما جمعتني الظروف، سأخبرها ... واجاب ... شكرا، ان ما رأيته هنا مفزع، مخيف ... اطفال ونساء بلا مأوى وكل هذا من صنعنا، ومع ذلك فأنتم تعالجوننا، ما الذي يمنع ان نتفق مع الامام ونتعامل مع الشعب، قولوا لها تدخله كلية الطب ... ومات يا اختاه وهذه وصيته، فهل انت ناريا؟
- كفاية يا اخت ... انا ماريا، لقد مات زوجي اذن مرتين ... موته الرصاص ... وموته الندم .... سأحفظ لك هذا الحق ماذا تريدين مني ... ؟
- لا اريد شيئا، القيد هذا اعتبره شرفا يا ماريا، وانتم الاوروبيون تقدرون المرأة، ولذلك اكسبتموني هذا الشرف ....
- هذا كثير .. كيف يصفدون رجلي المرأة؟
- على كل حال انه شرف .. انهم في عمان لا احد يعرف عن خروجهم على التقاليد، لا احد يعرف اعمالهم، ولكن ما اريده منك هو ان اعاد الى بلادي العراق.
- انت عراقية، ولماذا جئت الى عمان؟
- جئت لاضمد الجروح، لا مسح الدموع، لابلغ وصايا الاموات، وقد بلغتك وصية زوجك يا ماريا ...
- اه، ما اشد المي، لقد نسيت ان اسألك عن جثته ...
- دفنت بالجبل وقد احتفل بالدفن اراكم الانكليز، لا قيود هناك يا ماريا، لا اهانة، اسرانا الانكليز يعيشون في راحة حتى من قتالكم ..
- اتعتقدين ان لا امل في استلام الجثة، انني هنا منذ شهرين التمس اي عربي يتوسط لدى الامام. (1/54)
صفحة 55
لا فائدة، ان الامام عرف بقصة زوجك ... لقد عرف انه ندم ا رأى ما جنته يداه في اولئك الفقراء الذين يدافعون عن اوطانهم، ان الامام يقول خير لزوجك ان يدفن في الجبل من تضمه أرض العدوان، ان الجثة لن تسلم اليك.
وعادت ماريا الى الضابط الكبير تسأله ان يزيل القيد عن رجلي وداد وتقنعه بارسالها الى العراق وكان من رأي الضابط ان يرسلها ايضا، لقد قال ساخرا:
- ستلقى هناك اكثر مما ينتظرها في سجن مسقط ومن الخير ارجاعها عبرة لمن اراد ان يتطوع من عرب العراق ...
تكملة من إعداد الأخ النسر
رواية "ملائكة الجبل اللأخضر"
(قصة الثورة العمانية في مراحلها الأولي)
تأليف: عبد الله بن محمد الطائي
حقوق الطبع محفوظ للمؤلف
مطابع الوفاء - بيروت
الرواية تقع في 85 صفحة بحجم (25 سم * 20 سم) تقريبا
عدد الفصول: 15 فصل
ما دونه الأخ "بن مرهي" هو حتى نهاية الفصل 11 و منتصف ص 56 أي تقريبا نصف الرواية (في حال أن التدوين بدأ من بداية الرواية).
أختم مداخلتي بآخر 3 فقرات من الرواية:
و بعد هذا ما يزال العمانيون و عدد كبير من مجاهديهم ينتظرون قيادتهم المتضامنة المخططة تدخل عمان في وثبتها الجديدة أكانت قديمة نفضت عنها الغبار أو جديدة صقلتها نيران المعركة و صانتها دروس النكسة، و عند ذلك يكونون لها سندا تبني به هذه القيادة لعمان العربية العزة و الأمن و لشعبها العربي الاستقرار و المجد.
و لندع وداد في مستشفاها و خالد في جبهاته و مندوب الشباب الرائد في مفاوضاته أو تمهيداته حتى نسمع أن سماء بلادنا صفت من طائرات العدوان و أن عليها دعة و أمنا و ملء آفاقها حرية و نصرا.
و إذا قدر لك حينذاك أن ترى عمان فسل عن خالد لتراه في كل بيت و سل عن وداد لترى شخصها يملأ بيت خالد الجلنداني و مبادءها يعمر بها كل بيت في عمان. (1/55)
صفحة 56
ما كادت الطائرة الحربية البريطانية تصل إلى مطار البحرين و تتخذ مكانها بين الطائرات الحربية في الجانب الشمالي حتى تقدم إلى وداد ضابط بريطاني ليخبرها أنه قد هييء لها مكان في فندق ال ( B O A C) بالمنامة و أن عليها ألا تغادر الفندق لأنها أدخلت إلى البحرين بصورة غير شرعية و بذلك يحق للحكومة المحلية أن تعتقلها و قالت وداد:
- على كل حال اشكركم، أنني الآن معتقلة أيضا و تأكد أنني سأبقى في حجرتي سواء أوصيتني أم لا.
و كانت سيارة إسعاف و سيارات جيب تكاد أنتلاصق الطائرة لتحمل ركابها فوضع الجريحان اللذان اقلتهما بسيارة الإسعاف و ركبت وداد احدى سيارات الجيب يرافقها ذلك الضابط، و عندما استراحت في حجرتها اخبرها بأنها ستسافر فجر اليوم التالي و تركها لتعيش بين أفكارها و تصوراتها .. و فضلت وداد أن تكون استفادتها من وجودها بهذه الحجرة مجرد كتابة رسالة إلى أخيها و أخرى إلى خالد تخبرهما عن حالتها ... و في رسالة أخيها شرحت له بسالة المجاهدين في معركتهم الوطنية و فظائع الإستعمار البريطاني و دورها في تخفيف آلام المنكوبين حتى وقوعها في أيدي الأعداء ... و أسهبت في وصف معيشة الشعب الباسل هناك و معيشتهم من إمام و قائد و فلاح و مقاتل في ألفة جعلتهم أسرة واحدة و ختمت رسالتها بقولها: "ها أنا يا أخي عدت كما بدأت، سأعود إلى معتقلات نوري السعيد المظلمة الرهيبة و لكني أعود راضية مطمئنة لأني قمت بعمل خيري ما كنت انتظر أن أوفقإ إليه، يكفي أن جمعية الصليب الأحمر الدولي قد عجزت عن أن تقوم بما قامت به أختك، فحسبي يا أخي أني خففت آلام المنكوبين و ضمدت جراح المشردين و دفعت غائلة الموت عن آلاف الأرواح بفضل الله و توفيقه ... (1/56)
صفحة 57
على أني يا فاضل، أشعر في قرارة نفسي بخيط من النور ينفذ إلى أغوار المستقبل، لكأني اشعر أني سأعود لأولئك الأبطال باعمالهم المسكين بمصائبهم، تحية إلى أمي و شكرا لك على نقلها و أخوي إلى الكويت، و من الخير يا أخي أن تكتم عنها خبر اعتقالي، ثم هذه الرسالة أرجو إرسالها إلى مكتب غمامة عمان بالدمام ليبلغوها إلى البطل المجاهد خالد."
و في تلك الليلة التي كانت وداد تكتب فيها هذه الرسائل كان محمد الحارثي يتحدث عن القضية العمانية في إسبوع ضمن الأحاديث التي يقدمها مساء كل خميس، ز كان موضوع حديثه وداد و طريقتها إلى الجهاد، و كانت وداد شاغلة الشعب العربي في كل مكان تلك الليلة، و عندما أقبل خادم الحجرة يخبرها عما سمعه من صوت العرب و من تصفيق رواد مقهى الأندلس في البحرين لهذه البطولة النادرة، عندما كانت وداد تسمع كلام الخادم الذي بدأت نوبته قبيل منتصف الليل لم تنبس بكلمة و لكن دمعتين من عينيها عبرتا عن كل شيء و لم تفعل شيئا سوى أنها علقت على رسالة أخيها: "لقد علمت من أحد الأحرار في الفندق الذي أنزل فيه أن صوت العرب أذاع عن خبري و أترك أمر اخبار أمي عن رسالتي إليك" ... و كيف عرفت أنني وداد؟ أجابها السيد العربي كثير من الناس عرفوا أنك في هذا الفندق. فقد رآى بعض من زاروا المطار هذا اليوم إمرأة تنزل من طائرة حربية يرافقها ضابط إنكليزي، و قد حطت الطائرة مع الطائرات المخصصة لقصف عمان و بها جريحان ... (1/57)
صفحة 58
و لم تشأ أن تطيل حديثها مع الرجل فربما كان لذلك آثاره و أوت إلى فراشها لتخلو إلى أفكارها و مشاعرها، و بعد نوم متقطع استيقظت عند الفجر و استعدت للسفر، و عندما كانت خيوط النور ترسل اشعاعها على جزائر البحرين كان الضابط الإنكليزي يقترب من حجرة وداد ليطرق الباب و يطلب منها أن ترافقه إلى المطار، و في مطار المحرق وجدت وداد جمعا من أهالي البحرين الكرام في توديعها منهم خمس فتيات أحطن بها ليحلن بينها و بين الضابط، و هناك سمعت وداد كلمات الشكر و التشجيع و عندما حاول الضابط أن بقترب من المجاهدة هتفت به إحدى الفتيات تخاطبه بالإنكليزية: " إبعد من فضلك إننا نعرف غنها وداد بطلة العروبة في الجبل الأخضر، أين إنسانيتكم التي تفاخرون بها؟ ابتعد فقد انتهت مهمتك" ...
و غاصت وداد في حلقة من الفتيات و الفتيان و لم يستطع الضابط و لا غيره ان يحولوا بين هؤلاء و بين اسيرتهم و اندفعت تسرد لهم ما سمح به الوقت من أخبار المجاهدين ثم أعلن مكتب المطار ساعة الوداع، فامتدت الأيدي تصافح المجاهدة و تعالت الهتافات ... بسقوط الاستعمار ... يعيش جمال عبد الناصر ... يعيش طالب بن علي، النصر للمجاهدين ...
و قالت وداد و هي تودع إخوانها: "شكرا لكم ان ما أتحمله من عذاب يحلو في نفسي ما دمت أبذل دمي و حياتي في سبيل شعبي العربي الكريم ... وداعا أيها العرب في البحرين ... يحيى العرب". (1/58)
صفحة 59
و استقلت الطائرة، إلتفتت يمنة و يسرة، ليس عليها الآن رقيب إنها حرة في الطائرة، أن الطائرة ستمر بالكويت، من يدري ربما سمع أخوها إذاعة صوت العرب أيضا فجاء إلى المطار على أمل ان تكون في الطائرة، و لكن الطيار خيب ظنها، لقد أعلن أن الطائرة لن تمر بالكويت، و أن ركاب الكويت ستنقلهم طائرة ثانية من البصرة. و قال أحد العرب كم أنت عظيمة يا وداد ن أنهم يخافون من وجودك بمطار الكويت لأنهم يعلمون ان الكويت كلها بالمطار ... و قال آخر: "و الله لو حطت الطائرة بالكويت لغادرتها وداد على مرآى و مسمع من ضباط الطائرة حرة معززة ... "
و حطت الطائرة بالبصرة .. أجل من أسر الإنكليز إلى سجون نوري السعيد، و على باب الطائرة كان يقف أحد ضباط الشرطة العراقية، ثم تبع الركاب، و لم يطل تردده فقد أشار ربان طائرة الخطوط الجوية البريطانية إلى وداد و هتف الضابط: "هل أنت الآنسة وداد عبد المجيد؟ " و أجابت المجاهدة: "نعم أنا وداد عبد المجيد .. تفضل نفذ أوامرك"، و طلب منها أن تتبعه، و في مركز الشرطة استقبلها مأمور المركز قائلا ...
- مرحبا عيني رفعت إسم العراق عاليا
- شكرا أيها الأخ لقد أديت واجب كل فتاة عربية
- على كل حال يؤسفنا يا أختاه أن نقبض عليك، أن الأوامر التي عندنا تنص على أن تقابلي مدير شرط مدير شرطة البصرة و لكن قبل ذلك يمكنك أن تستريحي في منزلي و مع أسرتي ليوم كامل و غدا تذهبين إلى المدير، خذي التلفون و اتصلي بأهلي ..
و رافقته وداد إلى منزله و قضت ليلة مع زوجته و أولاده، و في الصباح رافقها إلى مدير الشرطة و ارسلها هذا بدوره إلى معتقل الفاو و هناك قضت وداد أيامها حتى اشرقت ثورة 14 تموز ... (1/59)
صفحة 60
أي يوم سعيد، أي يوم مجيد، اصبح 15 تموز على السجناء، لا أشغال لا إهانات .. لا غتهامات، أنهم يهنئون بعضهم بعضا، أن حرسهم لم يعودوا زبانية سجون، انهم لطيفون مرحون ... كل السجناء يرددون إسم عبد السلام، أي بطل انت يا عبد السلام، اقتحمت القصر لا خائفا و لا وجلا، اقتحمت دار الإذاعة لتعلن بيانات الثورة، أنت المهاجم و أنت مهدم صرح عبد الإله، و أنت مروع قصر الرحاب و أنت عبد السلام، أنت الذي يهتز لصوتك اليوم نوري السعيد.
و وقفت وداد على أحد أركان ساحة السجن تتأمل .. أي خاطر اوحى لها أن تسمي طفل شريفة "سلام" ثم من هؤلاء الذين حرروا العراق؟ أكنا نعرفهم .. بورك فيك أيها العراق ..
و بدت اللوائح ترد لاطلاق السجناء، و كانت وداد تنتظر دورها، و لكن أخاها فاضل حالما علم بالثورة ارسل أمه و أحد إخوته مع رسالة للعقيد عبد السلام عارف وزير الداخلية ... و من مطار بغداد اتجهت ام وداد إلى منزل عبد السلام عارف، و كان لحسن حظها في البيت و لم تتمالك ان قالت لزوجته:
- قولي له أنا أم وداد.
- أي وداد يا أختاه
- أنت قولي له أنا أم المجاهدة العراقية بالجبل الأخضر و سجينة الفاو الآن ...
و داعاها عبد السلام عارف و قال لها:
- اسمعي يا خالة، في الحقيقة لم أكن اعرف شيئا عن وداد و لكن هنالك لجنة تبحث عن المعتقلين و سوف يجيء دور إبنتك ...
- لا ... لا ... يا ولدي، أنا لا أنتظر الدور ... إنها فتاة مجاهدة و هذا خط من أخيها ...
و قرأ عبد السلام رسالة فاضل و فهم كل شيء و علق على الرسالة: "أرجو أن تبحث لجنة السجناء السياسيين قضية البطلة وداد عبد المجيد، فإذا كان ما ورد بهذه الرسالة ينطبق على ما لدينا من معلومات ن فأرجو اطلاق سراحها و ارسالها غلى مكتبي لمقابلتها". (1/60)
صفحة 61
و بعد ثلاثة أيام من التعليق كانت وداد في مكتب عبد السلام عارف يشكرها على موقفها و يحيي فيها الفتاة العراقية و سلمها أمرا إلى وزارة المعارف بأن يجري راتبها السابق.
ما أسعد البيوت العراقية .. أن كلا منه يستقبل ابا و ابنا و اخا، كل هؤلاء كانوا في المعتقلات، في كل بيت عراقي بهجة، حتى تلك البيوت التي اعتقل منها انصار الحكم البائد اعادت لهم الثورة مهتقليهم الذين ايدوا حق الشعب و عارضوا مطامع الفرد، و كانت وداد و هي تشهد هذه الاستقبالات تفكر في شيئين أولهما ... متى تحتفل العائلات في عمان بعودة المشردين من ابنائها في المهاجر أو المعتقلات و ثانيهما متى يطلق سراح فائق. فائق صاحب جرس الساعة الذي طالما ون في أذنها بهذه الجملة "إننا شركاء حتى في مركز الشرطة" و لكن عهد مركز الشرطة قد و لى، أنه لم يعد مجال شراكة ... فهل يكون شريكا في عهد الحرية؟؟
و من بين مواكب المعتقلين الذين تعودت الأعظمية أن تستقبلهم ظهر كل يوم لاح موكب فائق، هذا هو، أصدقاؤه يحيطون به، بيته يرتفع فيه علم العودة، الحي كله أهازيج، أم وداد تذهب لتهنئ و فائق يسأل:
- كيف وداد يا خالة؟
- وداد تسلم عليك، لقد عادت من عمان بطلة، و اردفت أخت فائق: انها بطلة من أبطال الكفاح في عمان العربية يا فائق ...
- أبطال، كفاح، عمان، ماذا اسمع يا خالة ... شوداها إلى عمان، و ماذا حدث في عمان؟
- تطورت أحوال كثيرة أثناء اعتقالك يا أخي ن جمال عبد الناصر، العملاق الذي هتف بالعروبة من المحيط إلى الخليج، جمال الذي خاطبنا جميعا: "ارفع رأسك يا أخي فقد ولى عهد الاستعمارط لقد وصل نداؤه يا فائق إلى نزوى عروس الجبل الربع الخالي فهزمت اللواء روبرتسون و لبته قمم الجبل فسخرت بطائرات الإنكليز.
و استفاض الحديث عن عمان و تشعب إلى كل مظاهر اليقظة العربية منذ عام 1956، و كان فائق كمن اخرج من غياهب الجب فلم يكن يعرف من ذلك شيئا ... قالت أخته: (1/61)
صفحة 62
- لكأنك من اصحاب الكهف يا فائق ..
- و هل سمع أهل الكهف يا اختاه ما سمعته أنا الآن من انتفاضات الشعوب الصغيرة و انهزام الامبراطوريات العظيمة، هل استطيع يا خالة أن ازور وداد في المنزل؟
- و لماذا لا يا فائق، مرحبا بك ..
و اقتربت الهتافات من بيت فائق ن انهم مجموعة من المهنئين ... انهم بنشدون: يحيى الرفاق في العراق، لا سجون لا قيود كلنا جنود نحمي الرفاق يحيى العراق .. و استقبلهم فائق و تقبل تهانيهم و عادوا و هم يؤكدون له وجوب زيارة مركز الحزب، الحزب الشيوعي العراقي.
و ما كان من فائق ليخرج عن عقيدته، لقد تحمل في سبيلها السجن، و هي تذوق القسوة و النكال على يدي أعوان نوري السعيد .. فكيف يتركها اليوم و هي تشق طريقها نحو السيطرة في العراق، و مرة ثانية عاد رنين الساعة يرن في أذن وداد، لقد الفته كلما وقعت في موقف حرج "نحن شركاء، حتى في مركز الشرطة" و عادت إليها العبارة ثم سألت نفسها ... هل نحن حقا شركاء حتى في الشيوعية؟
و مدت وداد عينيها إلى البعيد .. إلى الصحراء. إلى سهول الجبل الأخضر .. إلى البيوت المهدمة في عمان، إلى السجناء المكبلين بالاغلال، ثم سألت نفسها أيصا: "من هم هؤلاء الشيوعيون، أين مكانهم؟ ماهي دعوتهم، ما علاقتهم بالعرب؟ ألا يتبعون دولة معينة؟ ألا يسيطر عليهم نفوذ أجنبي؟
و وضعت الانطباع الذي غرسته تلك النظرة البعيدة نع الاجابة التي قررت أن تحصل عليها من فائق، و في أول لقاء بعد تساؤلها هذا جاءها فائق يبلغها بالدعوة الشيوعية، جاء يقول لها "الشيوعيون منتصرون، سوف يقبض الحزب على كل جوانب النشاط في العراق، سوف نعقد مؤتمرا لنا نزيل فيه آثار العهد البائد من نفوس الرفاق جميعا، من كان معنا فاز و من خالفنا خاب".
- مالك يا فائق، أنت تكلمني كأنني من حزبكم ... (1/62)
صفحة 63
- و أنت ألست من حزبنا ... ؟ ألسنا شركاء؟؟ انني أهم أن اخطبك يا وداد، دعي فرحنا يتم، لقد خرجنا من السجن سوية فلنعش في أرض العراق سوية ..
- على كل حال دعني أسألك ..
- بكل سرور ...
- من هم الشيوعيون؟
- طيب، الظاهر أنك أنت لم تكوني شيوعية، الشيوعيون هم نحن أتباع كارل ماركس و لينين ...
- أين مكانكم؟
- تحقيق ممتاز تعلمته من سجون نوري السعيد، مكاننا العراق، مكاننا موسكو، لندن، باريس، القاهرة و كل بلاد يوجد بها شيوعيون.
- يعني لو وجد في بريطانيا شيوعيون لكان مكانهم مكانكم .. ؟
- طبعا لأنهم يحققون أهدافنا، يقضون على الرجعية على الاستبداد، على العملاء ..
- و كذلك لو كانوا في تل أبيب؟
- لا هؤلاء ننظر إليهم نظرة ثانية، أولا نصفي قضية فلسطين معهم ..
- تؤاخون بينهم و بين الفلسطينيين تجعلون الفلسطنيين شيوعيين و تكون فلسطين وطن الشيوعيين من عرب و يهود ..
- و مالنا نحن الآن و قضية فلسطين، دعينا أولا نقوي أنفسنا في العراق ...
- طيب، ما هي دعوتكم في العراق؟
- محاربة الاقطاع، القضاء على التقاليد الجامدة، الاستيلاء على الحكم. تثقيف الشعب العراقي، الاصلاح الزراعي.
- ألا يمكن هذا إلا عن طريق الشيوعية؟
- انها هي السبيل المضمون لذلك ..
- مصر هل فيها اقطاع، ما رأيك في تقاليدها، في حكمها، في ثقافة الشعب العربي في مصر، هل للشيوعية أثر في ذلك؟
- أحنا شكل و مصر شكل، ثم من قال لك أن مصر تسير على طريقة صحيحة؟
- قال لي سجنك .. أنت ثلاث سنوات في سبيل مصر.
- أنت ما تريدين أن تفهمي، لا بأس سأتعب عليك كثيرا، هذه ضريبة الرجل يدفعها للمرأة.
- شكرا يا فائق .. الله يريحك، بقى سؤال واحد ..
- تفضلي ..
- ما هي علاقتكم بالعرب؟
- نحن أبعد نظرا و أوسع مجالا، نحن نعلق أنفسنا بالديمقراطيين في كل أنحاء العالم و منهم العرب ...
- يعني أنتم لا تعترفون بالعرب. (1/63)
صفحة 64
- كيف ما نعترف .. نفرض عليهم مبادئنا، لنا في كل مدينة خلية حتى في عمانك لنا خلية ..
- عفوا يا فائق، عمان لن تقبل الشيوعية و العراق لن تنجح فيها الشيوعية .. سوف ترى كيف يحن الدم إلى الدم و كيف يتميز كل مكان بجنسه و دمه و شعوره و عند ذلك ستؤمن يا فائق أن شيوعيي إنكلترا و تل أبيب و موسكو لا علاقة بينهم و بين اصلاح المجتمع العربي، و أنت يا فائق تعيش الآن في غمرة و ستعود إلى عروبتك، سيعيدك إليها العراق العربي أو يجرفك مع الغثاء ..
- و أنت أيضا با وداد بكثرة الاختلاط ستفهمين مبدأنا و ستعرفين محاسنة و سوف ترينه غديرا صافيا و عند ذلك نكون شركاء.
- على رسلك يا فائق لا تصفه بأنه غدير، الغدير كلمة لم تعرفها إلا بلاد العرب في جبالها الشم أو وديانها الممتدة. و الغدير يا فائق محدود و مبدأكم كما تقول موزع في كل ناحية ...
- لقد جئت رجعية يا وداد و لو بقيت في السجن لعلمناك أكثر ...
- أحمد الله على اعترافك، أن مبدئي وليد الحرية، أما مبدؤك فهو وليد السجن ..
و خرج فائق غاضبا و لكنه مع ذلك لم يفقد الأمل في التقرب إليها، لقد كان يحبها فعلا و بقي عليها أن تجمع بين العقيدة و الحب أو أن تجعل كلا منهما في ناحية فتأخذ من حبها لفائق ما يعوض كرهها لعقيدته و أنى لها أن تختار أحد الطرفين. (1/64)
صفحة 65
و عاشت وداد في مهب الريح لا تدري ماذا تختار، هل الحياة حب؟ هل الحياة عقيدة، ثم ما هي العقيدة؟ هل تنبع من الحب أم الحب ينبع من العقيدة؟ و اجابت وداد نفسها: "لو كانت العقيدة من الحب إذن لتزوجت من فائق، إذن لسرت معه حيث سار، تماما كما التقيت معه في نواح متعددة بالعهد البائد، و لكنها ثورتنا العربية في شتى مراحلها غيرت كل اوضاعنا القومية فكيف أحب شيوعيا، لنفرض أن فائق وجد شيئا لا يوافقه، في أخلاقي، في تصرفاتي في حياتي .. ترى أيتزوجني؟ و عادت تقول لنفسها: " أجل ها أنت مخالفة له الآن، و هو يأمل أن يتزوجك " و ردت على نفسها أيضا: "أنه لم ييأس من التأثير علي، أن له رأيا آخر حول العقيدة يختلف عن رأيي أنا، أنه يرى العقيدة جزءا من ذات الشخص، و من خلال رأيه هو فليس هنالك تعارض بين قلب و قلب لأن المجتمع يفرض العقيدة على الفرد، أما قوميتي فتقول أنني أنا لبنة في هذا المجتمع أشارك في قوته و أعيش كجزء من أجزائه".
و استمر المد الشيوعي ينثر أشواكه في طريق الثورة في العراق، احتجب عدد من طليعة القيادة و ظهر قراصنة المد الأحمر و وقفت الثورة أمام شوكة أدمت قدميها فتفجرت منها الدماء و أدركت وداد أن الخير لها أن تبتعد فان فائقا قد أصبح ملاحا بارزا في المد الأحمر و لا يستبعد عليه أن يدل عليها كفتاة قومية و قدرت أنها لابد من أن تتحدى موكبا من مواكب القرصان و أن للعراق الكثير من فتيانه و فتياته لمقابلة هؤلاء المواطنين في أجسامهم الدخلاء في عقولهم و مفاهيمهم و أنها هي وداد عبد المجيد مرتبطة أيضا بقطر عربي آخر، فلتؤكد واجبها نحوه فما أحوجه إليها و لتترك العراق لأبنائه البررة و لتراثه المشع و لتترك فائقا أيضا لأخته فخرية فحسبها أملا أن بيت فائق لم يخل من فتاة قومية فما بالك بغيره من بيوت .. فلنتركه لفخرية لعلها تنقذه من هذا الطوفان و لعله أن سلم من عثرات و أمواجه يثوب إلى عروبته، إلى رشده. (1/65)
صفحة 66
و قررت أن تسافر إلى الكويت و من هنالك تدرس الوضع بعمان فلابد من أن تعود .. ومن الزبير رمت وداد هذه الرسالة في صندوق البريد:
"أخي فائق، ستصلك هذه الرسالة وأنا بالكويت، لا تغضب لقد غادرت بغداد أنا و أمي دون أن نخبرك، فضلت الانسحاب و تركك للمستقبل فأنا على يقين بأنك مقبل على تجارب كثيرة لا أدري أتذوب فيها أم تتطهر؟
ان عقيدتي راسخة رسوخ العروبة في كل مراحل التاريخ .. أن مصدر رسوخها بالنسبة إلي هو نفسي و غذاؤها في دمي، سريت من أجلها في ظلمات الليل و دوى من حولي الرصاص و تهاوت أمامي خمس جثث، لبست القيد و ذقت الاهانة ... وجدت هذه العقيدة في الجبل من حضيضه إلى قمته و في الأفراد من مسودهم إلى سيدهم و وجدتها في فنادق الأعداء عند مستخدميهم الفقراء البسطاء، وجدتها في العراق و في الكويت و في البحرين و عمان، أن أهالي البحرين تركوا أسرهم في أول الفجر ليودعوا أختا عربية في مطار المحرق، و جدتها في خواطر نفسي منذ أن ولد طفل سميناه سلام و قد كانت الخواطر حقائق فقد سمعت عن عبد السلام عارف و هو يدفع بالعراق إلى الصف العربي، فائق انني مجندة لتلك العقيدة، عقيدة القومية العربية، أفتراني أصلح لك؟
وداعا إذن، و كم يؤسفني أننا كنا شركاء في عهد السجون، فافترقنا في عهد الثورة ... و داعا إذن، عشت لبيتك، عشت للعراق، عشت لعروبتك إن شاء الله .. . (1/66)
صفحة 67
ما اسعد فاضلا اليوم، ها هو يستقبل أخته المجاهدة، أخته التي حققت آماله في خدمة عمان، و قد زاد في سعادته أن أصبح منزله محجة عربية إذ ما كاد أصدقاؤه يعرفون عن وصول وداد حتى أصبح منزله محجة الجميع، انهم يعرفونها منذ أن أصبح الحديث عنها جزءا من قضية عمان في محطة صوت العرب، و هل كان فاضل يملك ألا أن يفتخر بها، و لذلك أقبل العرب إلى ذلك المنزل السعيد بقدر ما احتضنت الكويت من الشعب العربي، و في ذلك المنزل الكريم اجتمع من كل قطر عربي أكثر من مندوب .. شيء آخر ملأ نفس وداد سرورا لقد استقبلها أخوها حاملا ولده طالب، و استقبلتها أمه بالطفل الرضيع غالب، و لشد ما كانت دهشتها عندما أخبرها فاضل أن زهران التوبي – زوج رفيقتها و أبو سلام – قد جاء مرسلا من خالد ... و التقى الصديقان و بدأت تسأل و زهران يجيب.
- لم يبق بيت، الكل في الكهوف يا وداد، حتى منابع المياه قصفت بالقنابل و امتنعنا عن الشرب منها إلا بعد تحليل.
- مستشفانا هدم و أصبحنا نعيش يا وداد بين الجبال و الكهوف ...
- حصل الانزال على الجبل و نجحوا في احتلال قسم منه بارشاد جندي كان منضما إلى جيشهم في كينيا تظاهر بانضمامه إلى المجاهدين.
- قصفوا محمد بن خلفان الهدابي الدليل لحمل التموين إلى الجبل ... قصفوه كأنه مدينه، ما أكبرك يا هدابي ...
- لقد صبر الإمام و المجاهدون صبر الكرام، و لم يبق لهم أحد إلا أمرين أما الموت و القضاء على الحركة أو أن يخرجوا بها غلى العالم الخارجي، فأخذوا بالرأي الأخير، فأصبح المجاهدون بين ناج بنفسه و بين مقاتل في الجبال و بين سجين في قلاعهم الرهيبة، أما خالد فقد سجن ...
- تجلدي يا أختاه، سجن خالد و قتلت شريفة و قتل طفلها سلام.
- لا تستسلمي لليأس، أعمال المجاهدين مستمرة، أننا نسيطر على كل الطرق، سياراتهم تتهاوى، ثكنات جيوشهم، تحرق، جنودهم لا يجرأون ان يمشوا بمفردهم، نحن مسيطرون، سنستمر ... (1/67)
صفحة 68
- سلام ... نعم يا أختاه قتل، عندما احتلوا المراكز كنا في المخابيء نتقي قصف الطائرات و خرجنا بعد ذلك نشق لنا طريقا أخذوا يفتشون عن كل السكان، كلهم لهم أعداء، كلنا جنود حتى سلام، ربط إنكليزي ظهره بحبل و توغل في الكهف و خارج الكهف رفيق له يجره حال وقوعه في خطر و عندما اصطدم بشريفة طعنها بسكين و أصابت الطفل طعنة أخرى، كان الوحش الإنكليزي يضرب بسكينه دون هدى، و عندما أنجزت مهمتي ذهبت إلى ذلك الكهف و هناك وجدت ولدي مستندا صدر أمه، مسكينة لقد اصطدم بها الجندي فقتلها و مع ذلك فقد اسندت طفلها إلى صدرها و هي تعاني سكرات الموت، من مات أولا، شريفة أو سلام لا أدري يا وداد ن على كل كلاهما ميت الآن ..
- خالد في السجن و ليس للمجاهدين من يعالجهم
- لم تفد مقاومته، لقد كانوا يقصدونه، حمل إلى نزوى مقيدا
- نعم كان يؤدي عملا إنسانيا، و لكن كيف يعرف القاتل فضل الطبيب .. (1/68)
صفحة 69
- نقل إلى مسقط في سيارة جيب و أبقي بميدان عاصمتهم، كي يسخر منه عملاؤهم، و لكن أفراد الشعب امتنعوا عن الاقتراب من السيارة، أن فيهم أهله و عشيرته و زملاءه و تلاميذه و أصدقاءه، ثم اقبل عباس بن فيصل عم السلطان و معه آلة تصوير و اخذ يصور و هتف به خالد ... "ماذا تصور يا عباس؟ " و اخذ عباس يرقص "اصوركم، نعم انتصرنا عليكم يا حضرة الدختر جئت تداوي و لكن داو نفسك الآن، إذا لم اصورك أنا فمن يصورك؟ ... و هتف به خالد "كان خيرا لك أن تلاقيني في المعركة لا أن تكل بذلك إلى جندي إنكليزي ثم تصور و تفتخر" ... ثم انزل خالد و أمر أن يمشي إلى السجن و معه خمسة من الجنود، مشى و كلما مر بجماعة من مواطنيه أهالي مسقط سلم عليهم و هتف تحيا عمان .. يحيا العرب في كل مكان، و انتهره أحد الجنود و لكن خالد قال له "أنت حارس، و أنا اتحمل مسؤولية ما اقوله بلساني" .. و مشى خالد بقيده مسافة نصف ميل إلى قلعة الجلالي فصعد درجات ذلك السجن الرهيب و هناك ألقي به بين ثلاثة و خمسين سجينا سياسيا يعيشون مع القتلة و المجرمين .... (1/69)
صفحة 70
- لا شك أن الحياة في السجن رهيبة، لو اردت أن تصفيها لما وجدت لها غير كلمة ظلام، وضعوا جميعهم في حجرة مظلمة يغلق عليهم باب و يخرجون مرتين فقط في اليوم ... هل تعرفين إبراهيم بن محمد بن سالم الرقيشي؟ اصابه صداع اخذ يعاوده يوميا فطلب أن يعرض على الطبيب و رفض طلبه ثم طلب أقراص الأسبرو فرفض أيضا ثم انفجرت عينه و هو يعيش الآن أعور في سجن كله ظلم و ظلام .. مسكين خالد لقد أصبح من بين المنسيين في القضية العمانية أ أجل أنهم منسيون، أجل و من هم؟ كل له دوره في البطولة .. سلطان نجل الزعيم الذي فقد كل شيء في سبيل الاحتفاظ بالحرية و الامامة، نجل سليمان بن جمير، ابراهيم نجل ركن الامامة و زعيم عمان عيسى بن صالح الحارثي، و محمود بن زهران الفتى البطل و علامة البلاد محمد بن سالم الرقيشي .. أنهم و رفاقهم منسيون، هل سمعت أنت من ذكر السجناء السياسيين ن هل سمعت من طالب باطلاق سراحهم، انا لا اعرف الوسائل، أنتم متعلمون و تفهمون و لكن لابد أن ابدي رأيي.
و أجابت وداد:
- أخي زهران، ليس هنالك من وسيلة إلا الكفاح، هو جزء من حقنا و الحق لا يؤخذ إلا بالقوة، من يطالب زعماؤنا؟ هل تكون قضية السجناء أكبر من قضية النساء و الاطفال؟ هل أيدت الدول اجبار المعتدين على أن تدخل هيئة الصليب الأحمر – على الاقل – أماكن القتال ... نحن يا أخي نحل كل شيء بسواعدنا القوية بعيوننا الساهرة، بعقولنا النافذة برصاصنا بقيودنا بدوائنا بصبرنا بمقاومتنا ...
- أولم يكف ما بذلناه يا أختاه؟
- كلا يا زهران، أن أذني هذا العالم قد ركبتا في أقصى جزء منه، في القطب الشمالي ...
- على كل حال أنا مستعد لكل ما تأمرين به و قد جئت كما اخبرتك لاصحبك إلى معسكراتنا الجديدة فاننا في حاجة إلى الدواء ...
- سأذهب، ساعود إلى عمان، سأؤدي مهمتي و مهمة خالد، ستشعرون أن خالدا بينكم ان شاء الله. (1/70)
صفحة 71
- و الله يا وداد ن في كل نفس حسرة على خالد، أسفاه ... كيف يسجن، كيف يرمى في تلك الحجرة المظلمة، كيف يثقل رجليه القيد و كم خفف عن المجاهدين من آلام .. و خانها التجلد فبللت وجهها بالدموع و استسلمت للبكاء ..
لم يكن هناك شيء يمنع وداد من العودة إلى عمان، أخوها يجد أنها تكتسب شرفا و تؤدي واجبا، أمها تقول أنها قد تعودت العيشة هناك فتخفف عن المصابين، الحاجة إلى ذهابها ملحة، أنها اليوم تؤدي واجبا و تنوب عن رجل شاركها حياة قاسية على قمم الجبل الأخضر، أمران فقط لا يشجعانها على الذهاب أولهما انكشاف أمرها و لا يمكن أن تسافر إلا بعد ضمان الطريق و ثانيهما أنها إذا ألقي عليها القبض فلن تعاد إلى العراق انها ما تزال تذكر ابتسامة الضابط الساخرة عندما قال لها نأخذك إلى نوري السعيد، اما الأول فقد تكفل أن يسلك بها طريقا مأمونا "المثل يقول - عمان كلها دروب – ستكون طريقنا سلاما و نحن في البحر ... فسترسو بنا السفينة في إحدى الموانئيء الصغيرة بعمان و منها نسير إلى مأوى المجاهدين " أما الأمر الثاني فقد خففت وداد اخطاره بقولها: "و ماذا يهمني أنا مادمت نذرت نفسي للجهاد سأوضع في سجن و ذلك هو اسوأ الاحتمالات، هل أنا خير مما فيه؟ "
و عندما كان الليل يحجب نجما و يظهر آخر كان زهران و وداد في طريقهما بسيارة فاضل إلى الميناء ... و ترافقهما سيارة أحد أصدقائهم الكويتيين تحمل أربع حقائب مليئة بالدواء و أربعا مليئة بالكساء ...
- في رعاية الله يا أختاه ...
- إلى النصر يا بطلتنا العربية
- وداعا يا فاضل ... وداعا أيها الأخ .. ادعوا لنا بسلامة الطريق.
- عين الله ترعى المجاهدين، سيروا على بركة الله، لقد رحمكم من في الأرض و سوف يرحمكم من في السماء ...
- لست بحاجة إلى أن أوصيك بوالدتنا، باخوتي الصغار، بولديك غالب و طالب، بأمهما الطيبة ...
- رجاء اكتموا سفرنا بقدر ما تستطيعون، في أمان الله ... (1/71)
صفحة 72
و شقت السفينة أمواج البحر، و من ذلك البلد المعتد بعروبته في كبد الصحراء و على ضفة الخليج خطت وداد خطواتها الأولى في عملها القومي و الانساني .. و سارت السفينة إلى عمان .. إلى المدن المهدمة، إلى الشعب المكافح ... إلى الأسر المشردة، إلى القطر الذي أصبح قريبا من كل عربي ...
و وصلت وداد إلى معقل المجاهدين و ارتفع علم الهلال الأحمر مرة ثانية في مقره الجديد .. ارتفع بدون خالد و لكنه في حقيقته يكاد أن يكون رمزا لخالد ... لم يعد أحد يساعد وداد ن شريفة ماتت و خالد في السجن و وجب عليها الآن أن تدرب زهران ...
مسكين خالد أنه في حاجة لمن يسعفه في تلك الحجرة المظلمة .. في تلك الحجرة المنيرة بجهاد أربعة و خمسين مجاهدا في سبيل العروبة و الوطن و العدالة ... هل سمع العرب أنينهم .. هل يحس العرب بكابوس الظلم على صدورهم، هل يستيقظ الضمير العالمي لما يعانيه أولئك السجناء السياسيون، كانت هذه الخواطر تفيض من قلب وداد و هي تضمد جرح مجاهد طرق باب المستشفى بعيد منتصف الليل، و جهرت بعبارتها الأخيرة فهتف المجاهد الجريح بصوته الخفيض "النصر قريب يا وداد، تأكدي اننا سنقتحم ذلك السجن الرهيب و نفرج عنهم بانتصار شامل، تأكدي أيتها المرأة الملاك .. آه أني أعرف خالد، فرج الله عليه و على جميع سجنائنا"، و اتجه الجريح إلى حجرة مرضى المستشفى و جلست وداد إلى مذياعها تستمع إلى نشرة الأخبار الأخيرة من القاهرة قبل أن تأوى إلى فراشها لتنام. (1/72)
صفحة 73
و ما كادت تغمض عينها حتى هبت من فراشها تبتسم كأنها ترحب بطيف خالد الذي خيل اليها أنه واقف على سريرها برجليه المصفدتين و هو يقول: "شكرا يا أختاه أنك لتمثلين الكفاح العربي في الخليج و قد شاء الله أن تمثله أخت لك في المحيط، شكرا لكن أيتها الفتيات" .. و عادت إلى مخدتها و هي تقول: "فرج الله عليك يا خالد، أن جميلة يا أخي سجينة مثلك، أني لم أصل بعد إلى جهادك و جهادها، و نامت ريثما يوقظها طارق لم يكن جريحا، لقد جاء مبشرا: "أبشري يا وداد ... بعد أيام سيشارك خالد في عملك العظيم، لا أطيل عليك لقد هرب خالد من السجن" ...
- لا أصدق يا راشد، كيف يهرب من سجن أقيم على قمة جبل و عليه عشرات الحراس .. ؟
- لقد أعلنت قيادة جيش العدو هروب خالد من سجن مسقط، و أنهم يضعون عشرة آلاف روبية لمن يأتي برأسه حيا أو ميتا أو يرشد إليه ...
- ألا تعتقد أنها مكيدة منهم لقتل خالد؟
- ليسوا في حاجة لذلك، بامكانهم أن يعذبوه حتى يموت كما فعلوا مع غيره من السجناء مثل سفيان الراشدي و محمد بن صالح الريامي.
و لم يطل الحديث بوداد و راشد فقد قرع الباب أحد الحرس معلنا أن نائب القائد العام قادم إلى المنزل ... و دخل القائد ... شاب أسمر اللون، طويل القامة، صارم النظرات ... حيا وداد قائلا: "مساء الخير أيتها المجاهدة" و التفت مخاطبا راشد: "هل عدتم من الغارة؟ " ...
- عدت أيها القائد بخبر غريب
- لعله خبر نجاة خالد
- أجل (1/73)
صفحة 74
- ذلك أمر نعرفه و لهذا جئت، وداد .. سيكون خالد هنا بعد أيام قليلة، هيئوا له مكانا، و قرب مخيمكم انجزنا بناء حجرة تحت الأرض للقيادة العامة فقد عين الامام غالب قبل خروجه من الوطن قائدا عاما للمقاومة السرية و أعلن اسم خالد لهذا المنصب، و ترتب علينا بعد هذا التعيين أن نخرج خالد من السجن، فاتصلنا بأنصارنا في مسقط و أرسلت اليهم بالخطة التي يجب أن يتبعوها و قد وصلني أمس مندوب عنهم يبشر بنجاح الخطة و أعلنا الليلة نجاة خالد و آمل أن يعرف الوطن العربي كله بالخبر صباح غد في اول نشرة لصوت العرب ...
و رفعت وداد يديها تشكر الله وتحمده، ثم صافحت القائد البطل و مضى يسرد القصة ... "تكفل اخواننا في مسقط باقناع اثنين من حرس السجن بالمساهمة في اطلاق خالد، و كانوا يسمحون للسجناء بالخروج قبيل الغروب لمدة ربع ساعة ثم يعيدونهم إلى زنزانتهم، و لكن خالد مضى و لم يعد فقد اخفاه أحد الحارسين بجهة منعزلة من السجن، و بعد منتصف الليل خرج زورق من قرية مطيرح و رسا على الجبل القائم عليه السجن، و عند ذلك فك القيد من رجلي خالد و سلمه أحد الحارسين ورقة قرأ فيها "يعين الأخ المجاهد خالد بن أحمد الجلنداني قائدا عاما للمقاومة السرية و قد عهدت إلى نائب القائد العام بمهمة اطلاق سراحه، غالب بن علي إمام عمان" و قال الحرس "هذا أمر الإمام و ليس لنا الا الطاعة و مهمتك الآن هي أن تحفظ توازنك و أنت تنزل بالجبل، أن تحت الجبل زورقا ينتظرك سنتبادل و إياه الاشارات عندما تنزل البحر، و عليك أن تراقب عودا من الشخاط يشعله الزورق حينا بعد حين فتتجه صوبه أو تلقي بنفسك إلى البحر عندما يقترب الزورق حينا بعد حين فتتجه صوبه أو تلقي بنفسك إلى البحر عندما تقترب منه و هناك سباحان ماهران ينتشلانك للزورق – و إلى اللقاء" ... (1/74)
صفحة 75
و همس خالد: "كلنا فداء للوطن يا أخي لقد كنت اشعر أن لنا في هذا السجن الرهيب أصدقاء رغم أنه معقل الأعداء، و لكن كيف اخرج و اترك رفاقي؟ "
- انه أمر الامام يا خالد و لا تكثر من الكلام هيا بادر فان الزورق يستحثنا فالحبل يهتز بيدي، بادر بالنزول محافظة على أرواح من في الزورق ...
و ربط الحارس الحبل باحد مدافع السجن و نزل خالد متوكلا على الله، كان يحدق بعينيه و يرهف بأذنيه و هو معلق بين الأرض و السماء و عندما قارب الوصول إلى البحر استقبلته ذراعان مفتولتان و سمع صوتا "الحمد لله، مرحبا يا خالد، عليك بالصمت " .. و هز الأبطال الحبل ثلاث مرات إشارة بوصول خالد ثم رمى الحارس الحبل إلى البحر و اقلع الزورق متجها إلى قرية الجصة و من هناك اتخذ خالد طريقه إلى معقل المجاهدين.
و أصبح الصباح ... فاكتشف الحرس الجدد أن خالد ليس بين السجناء، و اكتشفوا أيضا أن أحد الحرس قد هرب من مسقط و ذهبت دورية تفتش بيته ... و هناك عثروا على ورقة كتب فيها "لا تتعبوا أنفسكم، أنا الذي اخرجت خالد من السجن، سأكون ظهر اليوم في أحد مراكز المجاهدين، الله أكبر، عاشت غمان و عاش العرب".
تفرقت السيارات تفتش عن الحارس و عن خالد و لكن الأخ سيف بن سعيد أقبل ليبشرنا عن وصول الحارس إلى أحد مراكزنا و عن رؤيته خالدا مختبئا مع أعواننا و هو في طريقه إلى الشرقية. (1/75)
صفحة 76
كان لابد لخالد من أن يظل مدة إسبوع على الأقل في منزل أحد أصدقائه، فالقيد قد جرح رجليه و اثر في قدرتهما على السير، فوجد في ذلك مجالا للفهم التام عما اعقب اعتقاله من تطور قضية الوطن و متسعا للدراسة الشاملة عن الخطوات المقبلة، حلل الموقف على ضوء تلك المعلومات و رسم خطة المستقبل في تلك الدار الطيبة في مضارب البدو و جنود الأعداء تتربص به في جميع المراكز و تتجسس من مختلف المدن، فهم خالد أن الامام في الدمام و قد بدأ يتحفز امتابعة الدعوة للقضية في المجال الخارجي، و أن الشيخ طالب بن علي صديقه و رمز البطولة لديه قد طالت اقامته في القاهرة و هو في مجال التمهيد و الاستعداد و أن الأمير صالح بن عيسى الحارثي على خلاف مع الزعماء و أن الشيخ سليمان بن حمير قد ضحى بنفوذه و أملاكه و أسرته و قبيلته في سبيل القضية الكبرى، فهو اليوم و قد تقدم به العمر ساهم الوجه، لا يكاد يهتدي إلى ما يبعده عن التفكير في التضحيات التي قدمها إلا التفاؤل بوعد الله للمجاهدين. و درس الموقف دراسة واسعة على ضوء ما سمع من تهاون و تطاحن فخرج بنتيجة مؤلمة تتلخص في أن عمان مقبلة على خطر كبير إذا لم يقدم هؤلاء الزعماء على تطهير أنفسهم من التفكير في النواحي الشخصية و تنظيم عمل داخلي عاجل ذائبين كليا في خدمة المصلحة العليا، و لم يتردد في مصارحة مضيفة بأنه يتمنى بعدما سمع عن الموقف أنه لم يخرج من السجن فعاش بأمجاد تلك الثورة بين ظلام السجن و ثقل القيد القيد و انتصار العدو. (1/76)
صفحة 77
و حاول مضيفه أن يقنعه بأن خروجه من السجن انبثاق النور من بين جنبات الظلام .. فعليه أن لا ييأس و لا يفتر و لكن خالد أجاب أن فتور الهمم و اختلاف الكلمة معناه شماتة العدو و اطمئنانه، معناه يا صديقي أن يقهقه سلوين لويد في (فورين أفيس – Foreign Office) و أن يتمخطر تشونسي في طرق مسقط و أن يحكم ووترفيلد عمان بجيش المرتزقة، ألا ترى يا أخي أن الموت أهون من هذا الحال؟ .. أننا في العام الثالث للهزيمة و أخالنا سنفقد كل مجد من أمجاد الثورة. (1/77)
صفحة 78
و أقبل قادة الثورة الجدد إلى مخبا خالد و منهم نائب القائد فلمح الجميع في وجه خالد غشاوة حزن عميق عزوه إلى أيام السجن الرهيبة و بدأوا يسألون عن القادة السجناء، ففاجأهم خالد بالجواب: لقد اختار الله لهم ما هو خير، "عين ما شافت ما لامت" فهم لا عين رأت و لا أذن سمعت، يا رفاقي، و احتمال الأذى و رؤية جالبه غذاء تضوي به الأجسام ... هنيئا لمن بقى في السجن و لم يسمع عن الخلاف بين الزعماء الذين كانوا أبرارا، هنيئا لمن بقى في السجن و لم يسمع عن انتكاس ثورتكم التي كانت وساما على جبين كل فرد عماني، أجل يا قوم، ألم نمح عنا أذى الاقليميين و اهانات الشعوبيين، ألم يصل بنا الحال إلى أننا رمينا في بعض المهاجر برؤوس السمك استخفافا بلحانا و تأخرنا؟، ألم يصل ببنا الحال إلى أن دعينا إلى كل وظيفة حقيرة، ثم ألم تعد الثورة إلينا أمجادنا و اعتبارنا فاصبحنا موضع احترام في كل بلاد؟ لم يعد الزعيم اسطورة و لم يعد رمز البطولة، أصبح رفيقه يصمه بالاستغلال و ينشر عنه الحق و الباطل أمام الرأي العربي العام. فهل هذا هو منطق الثوار؟ و هل هذا المصير يرضاه أتباع الثوار؟ .. و دمعت عينا خالد و أخذ يشهق شهقات غريبة كادت تنذر بانتهاء حياته، و أقبل أحد الحاضرين باجراء تنفس صناعي له و رش الماء على وجهه و أفاق و هو يهتف: "يا طالب بن علي منك بدأ المجد فلا تجعله ينتهي على يديك"، و عاد خالد إلى الأغماء و عاد رفاقه يرشون الماء و لكنه انغمس في سبات عميق و هم جميعا يلاحقون أنفاسه و يدركون جميعا أن هذه الحال من المتوقع أن يصل إليها كل عماني غيور. (1/78)
صفحة 79
و في صباح اليوم التالي كان خالد قد عاد إليه نشاطه و أن كان الحزن ما يزال مرتسما على وجهه فاجتمع عليه رفاقه قائلين: " هذا هو الأمر الواقع يا خالد و علينا أن نصمد له، و أن اليأس لا ينقذ وطنا ز الثورة طريق شاق لابد له من مراحل و لابد من أخطاء فدعنا نخطط من جديد، دعنا نعالج الأخطاء و ندرس الوضع و نكون الرواد الجدد للثورة المقدسة، فالجندي يقاتل و دمه ينزف، و الشجرة تصارع الرياح العاتية و غصنها منحن .. دعنا نبني للثورة.
و أجاب خالد: يا قوم ما أنا باليائس و لكنها حالة مرت بي، و كان لزاما أن تمر بكل من يرى آماله تتهاوى حتى من افق القيادة، أنني كنت أسمع أنباء السنوات الأربع التي عشت فيها سجينا و ما تطور فيها من مواقف و أتصور أشقاءنا العرب الذين جعلونا رمز البطولات، كيف يسمعون عن خلافاتنا، كيف يتصورون شماته العدو بنا، كيف هوينا بآمالهم فينا و كانوا يعتبروننا حراس الخليج العربي و القلعة الصامدة على أطراف المحيط الهندي، على أنني تجلدت اليوم و لكم مني العهد أن أكون جنديا من جنود الثورة يبني للمستقبل منهزما أو منتصرا و يخطط لمجد عمان متمثلا بقول الشاعر:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه *** و لم يرض إلا قائم السيف صاحبا
و أضاف المضيف:
أنني لاذكر بهذه المناسبة أبياتا قراها الحاج أمين الحسيني بعد أن لجأ إلى ألمانيا الهتلرية من محطة برلين:
فان تكن الأيام فينا غيرت *** بنعمى و بؤسى و الحوادث تفعل
فما غيرت منا قناة صلبة *** و لا حملتنا للتي ليس تجمل
و قينا بحسن الصبر منا نفوسنا *** فصحت لنا الأعراض و الناس هزل
و أجاب أحد المجاهدين قائلا: على كل حال يجب أن نبدأ من جديد و لنا من أدب فلسطين خير موجه، لنبدأ و شعارنا قول الأخطل الصغير:
غذت الأحداث منا أنفسا *** و لم يزدها العنف إلا عنفوانا
و أضاف نائب القائد: "دعونا ندرس الوضع كل منا حسب اختصاصه، و أرجو أن يتكلم ممثل النشاط الداخلي". (1/79)
صفحة 80
و بدأ ممثل النشاط الداخلي يشرح الموقف بعد الهزيمة – بعد الخروج من الجبل اصاب مواطنينا الخور و تكالب علينا الأعداء و كثر المنافقون و أعتبرنا بعض رؤساء القبائل، و يا للأسف، غنيمة سائغة، جاءت من خيبر أو من الديلم او البرتغال، فهذا ينهب الذهب و ذلك يسرق الكتب و أولئك يجمعون أثواب النساء و كثر الكيد لبعضنا البعض، فهذا يشي و ذلك يدل على مخازن الأسلحة و هذا يتظاهر بالأسف ثم ينقل ما يسمع و ذلك يسافر إلى دبي و البحرين و الدمام يتسقط الأخبار، فيخبر الأعداء بالتفصيل عن العمانيين الوطنيين القادمين، و لكنا يا خالد بدأنا نلمح في العام الثاني للنكسة أن المسيء قد بدأ يشعر أنه قد أساء إلى نفسه أيضا، و رؤساء القبائل مثلا لم يعودوا ذوي أهمية، حطم الإنكليز كل تقدير لهم، أفراد قبائلهم يجلبون إلى مسقط مصفدين بالحديد دون أن يكون لهم، و هم الرؤساء، أي علم، الاهتمام بهم تلاشى، ذلك الذي حصلوا عليه سابقا من عطايا و تسهيلات بسرعة نقل مرضاهم و زيارات المسؤولين الحكوميين لهم، كل ذلك قد انعدم الآن .. من الغريب أيها القائد أن يكون معنا الفقراء و أن يؤذينا الرؤساء و أن يسخر منا من كنا نحسبهم فضلاء. كل أفراد القبائل أصبحوا معنا بعد عام النكسة و لذلك فهم خلايا جنودنا و مستودع أسرارنا و من الممكن اليوم ضم بعض الرؤساء إلى الحركة فهم قد شهدوا عواقب ضعفنا. (1/80)
صفحة 81
و تكلم مندوب الاستعلام فقال: "أن القضية قد عانت نكسة خارجية بقدر ما هوت في نكستها الداخلية، فقد فوجيء الرأي العام العربي بأنباء الخلاف بين الزعماء فأصبح لهذا أثره الكبير في عرقلة نجاح القضية و بذر الشكوك حوله. كل من الطرفين ينظر أنه هو صانع هذه القضية و مدبر أمرها، فانشغلت طليعة الثورة بالخلاف و أسبابه عن التفكير في الجهاد بل حار بعض أفراد الطليعة في الجهة التي يكونون بها و توقف الطليعه عن السير كما تعلمون من شأنه أن يفتر شعبا كشعبنا و على الطليعة وحدها يتوقف مصير الوطن .. "
و تكلم مندوب الحرب فقال: "الموقف يا أخوان ما زال في صالحنا لأننا نقاتل في بلادنا إلا أنه محدد بوقت معين، فاذا طال سكوتنا و تواكلنا تمركز العدو و ستكون بلادنا قاعدة عسكرية بريطانية يستغنون بها عن قبرص و مالطة و عدن. ففي عمان أيها الأعزاء توجد كل مميزات القواعد الثلاث: مواقع عسكرية و و أراض شاسعة و مناطق جبلية و جيوب بحرية، و نحن الآن بامكاننا ان نؤذي العدو فأسلحتنا سليمة لم تصب بسوء و أنصارنا يزدادون بفضل سوء المعاملة التي يلقونها من العدو، و عدونا مغرور بما أحرزه من نصر، و أني أقترح أن نستمر في اتباع حرب العصابات و أن نطلب إلى الامام التعجيل بالضربة الكبرى في شعار "عمان واحدة" قبل أن يستفحل الخطر و تمتد براثن الأخطبوط". (1/81)
صفحة 82
و تكلم مندوب الناحية الاجتماعية فوصف المستوى الذي وصل إليه الشعب، فلا مدارس و لا مستشفيات و لا خدمات عامة و لم ينس المجاهدين و ما أصابهم، فوصف كيف نسفت مدن الجبل الأخضر و كيف أحرقت بساتين المجاهدين و منازلهم و صودرت أملاكهم، و تطرق إلى الأبطال الذين خرجوا مع الامام و ما يعانونه في مهاجرهم من عوز و فاقة و طالب بالاحسان إلى هؤلاء خاصة لأنهم دعائم الحركة الجديدة .. و الاحسان إليهم تشجيع لغيرهم بسلوك طريقهم، أما اهمالهم ففيه تثبيط لمن يريدون تقليدهم. و أكد أن الاهمال قد حصل فعلا و أن علينا تداركه.
و وقف خالد فألقى ملاحظاته على آراء المندوبين فلخصها قائلا:
اننا نحن الرابضين في أرض المعركة نقرر مصير قضيتنا، فلنقر تأسيس منظمة تتولى أمر الكفاح و تقدم له المال و الرجال.
لقد عهد إلي الامام غالب بمهمة القائد و سأحافظ على هذه الأمانة متخذا العمل لمصلحة عمان هدفا أساسيا في تنفيذها و ان تأسيس هذه المنظمة لا يتعارض مع الاخلاص للدولة فهي قوة لها و سند في حمايتها. و بشأن ما أبديتم من ملاحظات أحب أن أقول أن تأسيس المنظمة سيترك للعسكريين العمل في نطاق واجباتهم و سيقود غيرهم في المهاجر و في الداخل أن يكتلوا القوى و يوحدوا الجهود و أن يظهروا بالمنظمة قوة صامدة بجانب كل من يخرج على الثورة. (1/82)
صفحة 83
و الحقيقة المرة التي يجب أن نفهمها من الهزيمة هي اننا لم نخض الثورة عن وعي و تفهم و كانت مع الأسف اقرب إلى القبلية من الشعبية، فإذا سكت رئيس القبيلة سكتت المنطقة جميعها و قد كان في امكان منطقة الشرقية بالذات أن تقوم بدورها الهام في تعزيز الثورة و كذلك الحال في وادي بني رواحة و وادي المعاول و وادي الطائيين و في الجبل الأخضر بعد خروج الشيخ سليمان بن حمير، إلا أن القبلية التي تركزت في رئيس القبيلة قد جعلت هذه المناطق تتخلف عن السير في موكب الثورة، لأن رؤساءها لم يشتركوا في الثورة أو خرجوا هاربين بعد ما أصابهم من أهوال و عدوان، فعلينا قبل كل شيء أن نبلغ كل فرد عماني بالثورة و أن نملأ قلبه بالحقد على الإنكليز لأعمالهم العدوانية و مشاركتهم في تحطيم أمجادنا منذ أن ظهروا بالهند حتى اليوم. و علينا أن نتمسك بالامامة، لأنها حكم انتخابي يمكن أن يتخذ دعامة للنظام الديمقراطي الصحيح، و قد أصبحت لها مكانة دولية تعتبر سندا للقضية الوطنية و علينا أن نملأ قلب العماني بتفهم واجباته نحو وطنه .. أن يطيع رؤساءه ما عملوا لمصلحة الوطن و آمنوا بمفاهيم الثورة، فاذا حاولوا أن يجعلوا منه مخلبا لنيل أطماعهم و اذا فتح فمه هاتفا بعمان الوطن و عمان القضية و عمان الأب و الرئيس و القائد فيجيبه بوحي من إيمانه أننا نطيعك ما عملت لمصلحة عمان و نخالفك إذا وجدنا أنك انحرفت عن الطريق. و هذه هي المرحلة الأولى في رفع مستوى القضية و محو الهزيمة فلا قبلية بل شعبية و لا منطقة بل وطنية و لا رئاسة بل عمل يعبر عنه أبو بكر الصديق فيقول: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم".
و من هنا أعلنها صريحة أننا منذ اليوم لن نعمل لشخص حتى إذا كان هذا الشخص الامام نفسه بل نعمل للمحسن سواء كان اماما أو قائدا أو جنديا، أو فردا عاديا. كما أنني أعلنها صريحة أننا نعمل لعمان وطنا واحدا غير مجزأ. (1/83)
صفحة 84
و من هنا أعلنها صريحة أننا منذ اليوم لن نعمل لشخص حتى إذا كان هذا الشخص الامام نفسه بل نعمل للمحسن سواء كان اماما أو قائدا أو جنديا، أو فردا عاديا. كما أنني أعلنها صريحة أننا نعمل لعمان وطنا واحدا غير مجزأ.
و بالنسبة لما ذكرتم من خلاف بين الزعماء نتركه في رأيي لعمل كل الزعماء فالمستقبل سيكشف كل شيء، و نحاول في نفس الوقت أن نوفق بينهم فان أبوا فمقياس كل منهم لدينا بما يقدمه من عمل حقيقي للثورة و نتركه فوق هذا لرهطه الذين لن يتهاونوا بحكم الوعي الذي سننشره في اساءة مسيء و لن يضيعوا حق محسن.
و بعد هذا فلابد لنا من أن نرسل وفدا إلى الامام و إلى سائر الزعماء يعرض عليهم ما نقترحه من تنظيم و يقدم لهم النصائح على الأخطاء و لهذا، فانا اقترح أن يسجل محضر لهذا الاجتماع و أن يذهب الوفد عاجلا برئاسة الأخ عضو لجنة التنظيم فيتصل بالزعماء و بافراد الجاليات العمانية في المهاجر و ينظم لعقد مؤتمر من ممثليهم ينبثق منه ميثاق وطني و جهاز تنظيمي للثورة لا سيطرة فيه إلا لغالبية هذا الجهاز.
و بعد هذا، فأنا أوافق على قيام بحرب العصابات حتى نستكمل تنظيمنا و لكنني ضعيف الأمل في نتائجها، لأن العدو مستكلب و هو مستعد أن يبذل كل ثمن لحفظ مصالحه الاقتصادية و السياسية في بلادنا ما دام الطريق إلى معارضته لا يتعدى انفجار لغم و انقلاب سيارة و جرح جندي. و ما دام لعابه يسيل على النفط و المواقع الاستراتيجية فلابد من مباغتته بهجوم عام عندما نهيء كل شيء لذلك.
أن الطريق الصحيح هي مقابلته وجها لوجه و ضربه في مركز قوته و الإيمان بأن عمان واحدة لا ساحلا و لا داخلا و لا باطنة، و قد أدرك أجدادكم قبلكم صواب هذه الطريقة عندما قارعوا البرتغال فكالوا لهم الضربات في كل مكان. (1/84)
صفحة 85
و علق مندوب التنظيم، شاكرا خالد على هذه الآراء السديدة و شاركه الجميع في الشكر الا أن مندوب التنظيم عاد فأظهر تشاؤمه من عدم توقع النجاح من فكرة المؤتمر و الميثاق و الاعتماد على الزعماء.
و أجاب خالد: " أننا ثوار يا أخي، نحن هنا نحمل القضية، نحن ثقلها و قادتها إذا ما ثبتنا في خوض المعركة، و سيشاركنا في ذلك كل من حمل بندقيته و قاتل، فمرحبا بمن يوافق و لا نندم على من لا يوافق. عليك أن تقنع نفسك بأن لا تخلف الصف و تكسب السير الصحيح للقضية فلقد كفى ما لاقيناه من ذل و حسب الثورة أنها ظهرت بلادنا للخارج و مدت يدها إلى إخواننا العرب، كنا قبل الثورة لا يعرف العرب حتى إسم بلادنا يلفظونه بتشديد الميم حينا و بفتح العين أحيانا، لقد كنا قبل الثورة موضع الاحتقار لدى أبناء عمومتنا و ليست الافتتاحية القبيحة باحدى صحف الخليج الصادرة عام 1954 بخافية عنكم و هي تصدر عددها الأول، و حسبكم أن ينتشر أبناء الشعوب الأخرى في المدارس في حين ينتشر أبناؤنا نحن خدما في البيوت، و لقد كان أجدادهم سادة الهند و أفريقيا الشرقية و جاءت الثورة فاصلحت الحال فاصبحنا موضع التقدير لدى كل أخ عربي و أننا سنحافظ على هذا المستوى و سنرى كل عدو حاقد أننا جزء من تلك الأمة العربية التي حطمت القيود، استعادت كمصر و قضت على القواعد العسكرية كالعراق، و ارتفعت بمستوى شعبها كالكويت. (1/85)
صفحة 86
و بعد أخذ و رد بين الجميع استقر الرأي أن يسافر ثلاثة من قادة الثورة الجدد إلى الدمام حيث يلتقون بالامام، و إلى الكويت و البحرين و قطر و السعودية حيث يتصلون بأفراد الشعب العماني للتخطيط الجديد. و اتجه خالد بعد ذلك إلى مقر القيادة في الجبل الأخضر فوصل إليه بعد أيام من السير المضني و أم مستشفاه ليحيي تلك الفتاة المجاهدة الصامدة، و ما كان أسعده من لقاء، بدأ بالترحيب و انتقل إلى الشكر فالسؤال عن فاضل أخيها ثم أخذت وداد تسرد على خالد قصة خروجها من قفص الاستعمار في عمان لتقع في آتون الشيوعية بالعراق ثم لتشاهد غشعاع القومية العربية يشرق رغم الخطوب في أرض الرافدين، و وصفت لخالد مشاعر العرب في العراق و الكويت و البحرين و قطر نحو عمان. في البصرة عمان أسطورة بطولية، و في الكويت جزائر ثانية يقابل بها عرب الخليج اخوانهم في المحيط و في البحرين معركة يتحدد بها مصير قضايا الخليج مع الاستعمار، و في قطر نصر للعمانيين دحر للطامعين، و عاد خالد يسرد عليها انطباعه و يشرح لها نقطاط المؤتمر الذي عقده منظمو المقاومة السرية، و قال لها و هو يودعها إلى صباح الغد: " لم أعد مضمدا للجراح يا وداد، ذلك شأنك و شأن زهران، فعلي اليوم أن أدير المعارك نهارا و أغير مع المجاهدين ليلا". و أجابت وداد: " لا عليك يا خالد، قم بالمهمة الكبرى و سترى مستشفانا معسكرا ناجحا من معسكرات ثورتنا المظفرة". (1/86)
صفحة 87
و عادت أيام الجهاد، ألغاما تعرقل مواصلات العدو، و فدائيين يباغتون معسكراته و رصاصا يلعلع على ضباط الاستعمار وجنوده، في حين حول الإنجليز بلادنا إلى سجون تطبق و ديناميت ينسف و طائرات تقصف و قنابل تحرق و ضباط جاؤوا من لندن ليصنفوا أبناء عمان في سجلات استخباراتهم، هذا في القائمة "أ" و ذلك في "ب" و تلك في "هـ" و مراكز يسيطر عليها المستعمر لاهانة أبناء الوطن و سلطان يتربع في أقصى جنوب الجزيرة و على مشارف الربع الخالي ليضع مقدرات البلاد أمام تشانسي قنصل بريطانيا سابقا عند بداية المعركة و مستشاره حاليا و ليفتك أيضا بأبناء ظفار الذين اتخذ بلادهم كمزرعة له ما عرف أهلها بها استقرارا.
حتى الشباب الذي تعود الهدوء و اصبح يحسن ضرب الحقنة و تضميد الجراح، حتى هذا الشاب أصبح قوة حاقدة و هو يخوض معركة التحرير أما مباغتا معسكرا أو متسلالا أو راصدا على شعاب الجبال.
و رجل واحد من أشخاص هذه القصة انتهى دوره و ابتعد عن الحياة، ذلك هو فائق فقد دخل السجن كمجرم من مجرمي كركوك في العراق و مات هناك، كما ورد في رسالة من أخته فخرية إلى وداد.
و فيما عدا ذلك، ما زال علم مستشفى المجاهدين يرفرف ... و ما زالت وداد ملاكا للرحمة في جحيم المعركة و ما زال خالد و صحبه يخوضون المعارك أفرادا و جماعات، و ينظمون للثورة الجديدة بين المجاهدين و المهاجرين و القاطنين.
ظاهرة واحدة ركدت و لم تتحرك بعد، اولئك الزعماء الذين أطلقوا نداء الجهاد و اظهروا عمان في الخارج أباء لا يتردد ن و صبرا لا ينفذ و مجدا ناطقا بامتداد العروبة و معبرا عن كفاح العرب على مشارف المحيط الهندي، أولئك الزعماء مازالوا حيث هم، يرى العدو أنهم يعيشون في المنفى، و يرى المجاهدون أنهم لم يعودوا يتحفزون للضربة القاضية، و يرى فيهم جمهرة من الشباب نوعا من الجمود فيدعونهم ملحين للحركة و للعمل.
*************** (1/87)
صفحة 88
و بعد هذا ما يزال العمانيون و عدد كبير من مجاهديهم ينتظرون قيادتهم المتضامنة المخططة تدخل عمان في وثبتها الجديدة أكانت قديمة نفضت عنها الغبار أو جديدة صقلتها نيران المعركة و صانتها دروس النكسة، و عند ذلك يكونون لها سندا تبني به هذه القيادة لعمان العربية العزة و الأمن و لشعبها العربي الاستقرار و المجد.
و لندع وداد في مستشفاها و خالد في جبهاته و مندوب الشباب الرائد في مفاوضاته أو تمهيداته حتى نسمع أن سماء بلادنا صفت من طائرات العدوان و أن عليها دعة و أمنا و ملء آفاقها حرية و نصرا.
و إذا قدر لك حينذاك أن ترى عمان فسل عن خالد لتراه في كل بيت و سل عن وداد لترى شخصها يملأ بيت خالد الجلنداني و مبادءها يعمر بها كل بيت في عمان.
**************** - بداية المرحلة الثانية للثورة الوطنية العمانية - ****************
كلمات ...
1 - كتبت جميع فصول القصة عام 1958 باستثناء الفصلين الأخيرين فقد كتبهما المؤلف بالكويت عام 1962 بعد أن وجد مستقرا في هذا البلد العربي الحر الذي بزغت شمس تقدمه على الخليج العربي عامة و أسهم مساهمة فعالة في تثقيف أبناء عمان خاصة و ايواء من شردهم طغيان المستبد و عسفالمستعمر فكان كما قالت بطلة القصة "كم للكويت من فضل في ستر البيوت".
2 - و قد كتب الفصلين الأخرين بعدما تتبع الحوادث فصور الاتجاه الأخير للثوار الصامدين و التجمد الملحوظ لدى الثوار "المتقاعدين"، نسأل الله نأن يهدينا جميعا إلى نهج الصواب و أن يلهم القادة واجبهم في التضحية بالغالي و النفيس في سبيل هذا الوطن المنكوب. (1/88)
صفحة 89
3 - يؤكد المؤلف أن أغلب أشخاص القصة هم حقيقيون، و قد غير أسماء بعضهم، و أن ما ورد في القصة من تصوير للتفتيش و القصف و الوقائع قبل الثورة و خلالها حقيقي لا مجال للخيال فيه. و الأدب كتاب يقرأ فيه كل كائن مظهرا من حياته، فلم يقصد المؤلف اساءة بأحد رغم أن هؤلاء الآحاد قد تسببوا في تحطيم بلادنا و تشريد مواطنينا و حسبهم التاريخ حكما عادلا.
4 - حاول المؤلف أن ينقل بأمانة مراحل الثورة العمانية في قصته، و قد وقف عند واقع الثورة اليوم تاركا للمستقبل تتبع الثورة التي لن تخمد حتى تظهر في دنيا العروبة عمان الواحدة لا المجزأة و عمان السائرة مع الركب العربي المتقدم لا المتخلف، و عمان الطاهرة لا المندسة بالاستبداد و الاستعمار.
5 - ختاما لهذه الكلمات أود أن أشكر الأستاذ عبد الرزاق الخالدي ممثل عمان في الجمهورية اللبنانية على قيامه بالاشراف على طبع القصة و تحمله ما ترتب على ذلك من مشقة وجهد، كما أشكر الرسام السيد حامد "محفوظ" على اعداده لوحة الغلاف.
و النصر لقضايانا العربية.
عبد الله محمد الطائي
1965 م – مطابع الوفاء - بيروت (1/89)