صفحة 1
الكتاب: من معارك الإسلام الفاصلة غزوة بدر لـ...؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] من معارك الإسلام الفاصلة
غزوة بدر الكبرى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الذي له الملك وله الحمد وإليه الوجه والقصد وله الأمر من قبل ومن بعد يعز من يشاء بتوفيقه ويذل من يشاء بإذلالة وقهره سبحانه صدق وعده، ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد واثني عليه واستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه وأومن به وأتوكل عليه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله. أرسله الله رحمة للعالمين وسراجا للمهتدين وإماما للمتقين. فبلغ الرسالة ونصح الأمة، وكشف الغمة وجاهد في سبيل الله، وصبر وصابر حتى أتاه اليقين. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: (1/1)
صفحة 2
فالسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته. أحييكم هذه التحية الطيبة المباركة وأهنئكم بهذه المناسبة الغالية العزيزة مناسبة الإحتفاء بذكرى غزوة بدر الكبرى التي كانت كما سمعتم معلما تاريخيا في طريق الدعوة الإسلامية في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ولقد كانت هذه الغزوة في هذا الشهر المبارك في ليلة السابع عشر منه في العام الثاني لهجرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وهو العام الذي فرض فيه الصيام على الناس فكانت غزوة بدر بداية الإنطلاق في طريق الجهاد بالسيف من أجل هذه الدعوة الإسلامية خالطت هذه البداية بداية تحمل المسلمين هذه العبادة بأدائها كما شرع الله سبحانه وتعالى إذ قال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ،شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } . (1/2)
صفحة 3
وفي إقتران هذي بالصيام معا إيذان بأن عبادة الصوم فيها تربية لهذه النفوس على تحمل أعباء التكاليف الإسلامية المختلفة وعلى أن الله سبحانه وتعالى يمد عباده الصائمين بنفحاته الغيبية فيثبت أقدامهم في سبيله ويعينهم على مواجهة عدوه ويكلل مساعيهم بالنجاح فالصوم وسيلة من وسائل النجاح لأنه طريق يؤدي إلى تقوى الله سبحانه والله قد كتب العاقبة للمتقين كما أخبر عز وجل في كتابه المبين. وقد كانت غزوة بدر الكبرى بداية الإنطلاق في طريق الجهاد لأن هذه الأمة أمة حملها الله سبحانه وتعالى أمانة الجهاد وما تركت هذه الأمة الجهاد إلا ذلت. وقد فرض الله عز وجل عليها تبليغ هذه الدعوة إلى العالمين فرسالة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - رسالة عالمية لا تنحصر في محيط العرب وحدهم أو في محيط إقليم من أقاليم هذه الأرض وإنما هي رسالة لابد من أن تصل إلى الخلق أجمعين، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - مسؤولة عن إبلاغ هذه الرسالة إلى الناس ولابد من أن تقف في طريق إبلاغ هذه الرسالة عقبات هذه العقبات لابد من أن تذلل ولو كان تذليلها يفضي إلى التضحية بالأرواح وما التضحية بالأرواح إلا دليل على تسليم هذه النفوس المؤمنة بما جاء من عند ربها سبحانه وتعالى فإن هذه الأرواح ودائع من عند الله عز وجل تركها في هذه الأجسام وهو يستردها متى أراد. فليكن هذا الاستسلام بهذه الطريقة المرضية لله عز وجل وعندما نشأت هذه الدعوة في المحيط المكي بين قريش لقيت ما لقيته من التحدي حتى أفضى الأمر إلى هجرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة المنورة ما كانت قريش لتسكت عنه بل كانت تحاول أن تستفز الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن تستفز المؤمنين فكانت سنابك خيلها تطأ حرم مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمحاولة نكاية بالمسلمين. (1/3)
صفحة 4
وقد هيأ القضاء وساق القدر هذه الغزوة من غير أن يكون المسلمون على استعداد لها ولكن الله تبارك وتعالى دبر لها التدابير الغيبية حتى يرى المسلمون أنفسهم أمام الأمر الواقع فيخوضوا أول معركة بينهم وبين الكفار بالسيف من غير أن يحسبوا لها حسابا وفي تهيئة الأسباب من عنده سبحانه وتعالى من غير أن يكون المسلمون باشروا هذه الأسباب بأيديهم توطين لهذه النفوس على الصبر في سبيل الله عندما توقن أن النصر من عند الله وأن الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يهيء الأسباب للنصر وهو الذي يسوق للمسلمين وسائله من غير أن يباشروا تهيئتها من عند أنفسهم. (1/4)
صفحة 5
وقد كان الأمر كما أخبر الله سبحانه وتعالى { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ } كان ذلك عندما أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين للخروج إليها لعل الله عز وجل ينفلها إياهم وما كان جميع الناس متهيئين لهذا الأمر وما كانوا على استعداد لمواجهة هذه المعركة وما كانوا مؤهلين أنفسهم لها فلذلك قام إليها ملبيا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان حاضر الظهر ومن كان بإمكانه أن يترك المدينة في ذلك الوقت السريع إلى هذه العير لمحاولة الإستيلاء عليها وبما أن القضية قضية عير فالناس لم يعطوها اهتماما كبيرا فلذلك خرج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - قلة من الناس وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ما كانوا يحسبون حسابا لمعركة ولا كانوا يظنون أنهم سيلقون صناديد قريش وإنما كان حسابهم كله يدور حول العير وحدها وقد كان جماعة من المؤمنين كرهوا الخروج وهم الذين يشير الله سبحانه وتعالى إليهم بقوله { وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت ليحملهم على الخروج لأن القضية حسب الظاهر هي قضية عير إلا أن القضاء والقدر كانا يهيئان هذا الأمر أكبر وهو أن يصرع الباطل وأن يقوم قائم الحق وأن تبدأ أول معركة تكون حاسمة بين الإيمان والكفر وبين الهدى والضلال وبين الباطل والحق. (1/5)
صفحة 6
خرج المسلمون يتبعون هذه العير وكانت العير بقيادة أبي سفيان صخر بن حرب الذي كان أيضا يرسل العيون لينقلوا له أخبار المسلمين لأنه يعلم أن قريشا كانت تستفز المسلمين بوصولها بخيلها إلى حرم مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فما كان المسلمون إن بلغهم خبر العير ليسكتوا عنها وهي تمر على مقربة منهم. فجاءته الأخبار بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استفز المسلمين لأجل الاستيلاء على هذه العير فأرسل أبو سفيان ضمضم بن عمرو إلى مكة المكرمة ليستفز قريشا من أجل حماية عيرهم ومن أجل صيانة أموالهم ومن أجل صون كرامتهم فوصل ضمضم إلى مكة المكرمة وشق ثوبه ونادى اللطيمة اللطيمة قد تعرض لها محمد ما أراكم تدركونها فكبر الأمر على قريش واستعدت للقاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولقاء المؤمنين ورأت استيلاء المؤمنين على هذه العير يعني أنهم سيتجرعون غصص الهزيمة بعدها من حيث إن العرب ستتحدث عن هذا الأمر ويفشي ما بن الناس ويرى الناس أن قريشا عجزت عن صون مالها والحفاظ على كرامتها.
فلذلك أسرعوا إلى تلبية هذا النداء وكان على رأسهم طواغيت الكفر وأئمة الضلالة وقادة الشقاق أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط وأضرابهم ممن كانوا يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويصبون على المسلمين الوبال صبا عندما كانوا بمكة المكرمة.
وقد احتال أبو سفيان بإبعاد هذه العير عن أن تنالها أيدي المسلمين فساحل بها حتى إذا رأى أنها قد نجت أرسل إلى قريش يدعوهم إلى البقاء مكانهم وأن لا يأتوا لمواجهة المسلمين ولكن قريشا كانت صدورهم تغلي بالحقد والكراهية لهذه الأمة الإسلامية الناشئة وكانت في أوج غرورها وفي منتهى طغيانها والقدر يهيء لها لطمة لتمرغها في أوحال الذل ولتجندل صناديدها حتى تكون عبرة لمعتبرين. (1/6)
صفحة 7
وحال قريش عندما يصوره القرآن الكريم عندما قال الله عز وجل { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } .
وإذا كانت قريش خرجوا من ديارهم بطرا يريدون أن يصلوا إسلى بدر حيث كانت تقام سوق للعرب ليسمع بهم العرب وليشربوا هناك الخمر ولينحروا الجزر وليقيموا ثلاثا تغنى عليهم القيان كما كان يتطلع إلى ذلك أبو جهل ومن عنده إذا كان ذلك حال قريش فحال المنافقين أيضا كان قريبا من حالهم فالله تبارك وتعالى يقول عنهم { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ . }
كانوا ينتظرون هزيمة المسلمين وفي هذا ما يدل على أن النفاق ولد قبل غزوة بدر خلافا لمن قال بأنه لم يولد النفاق في المدينة المنورة إلا بعد غزوة بدر فالآية صريحة في أن المنافقين كانوا ينتظرون في هذه الغزوة بالمؤمنين الدواهي ويقولون غر هؤلاء دينهم. (1/7)
صفحة 8
والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما علم أن العير نجت وحالت قريش بينه وبينها استشار أصحابه وأخبرهم أن الله سبحانه وتعالى وعده إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير وبما أن الناس كانوا لم يخرجوا لأجل مقابلة النفير وإنما خرجوا من أجل الإستيلاء على العير إذ لم يكونوا على استعداد تام لمواجهة جحافل الكفر شق على كثير منهم الأمر وهو ما يشير إليه القرآن الكريم { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } أي العير { وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ،لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } فعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر على المسلمين وسمع إجاباتهم تدل على أنهم يرغبون في العير دون النفير فتأثر النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الجواب ثم قال:( أشيروا علي أيها الناس) فتكلم المهاجرون رضي الله عنهم وأحسنوا القول والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أشيروا علي أيها الناس) وهو يريد بذلك الأنصار رضي الله عنهم لأنهم أكثر عددا ولأنه عليه أفض الصلاة والسلام كان يخشى أن يكون الأنصار غير متهيئين لحمايته عليه أفضل الصلاة والسلام خارج المدينة فإنهم قالوا له عندما كانت البيعة الثانية: يا رسول الله لست في ذمامنا حتى تأتي إلى بلادنا فإن أتيت حميناك مما نحمي منه نساءنا وأبناءنا فخشي عليه أفضل الصلاة والسلام أن يكون هذا يعني أن الأنصار غير متهيئين لمقابلة جحافل الكفر خارج المدينة المنورة وبما أنه - صلى الله عليه وسلم - كرر قوله( أشيروا علي أيها الناس) فطن الأنصار للمراد فتكلم سعد بن معاذ وأحسن القول وطمأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنهم على استعداد لمواجهة العدو مهما كلفهم الأمر وانهم إن خاض بهم البحر سوف يخوضونه معه لن (1/8)
صفحة 9
يتخلف منهم رجل واحد وأنهم صبر في الحرب صدق عند اللقاء فسر لهم - صلى الله عليه وسلم - لهذا الجواب.
وكان القدر يهيء بطريقة عجيبة غريبة هذا النصر المبين فإن الإنسان إذا نظر باديء الأمر إلى مجريات الأحداث وإلى ما كان عليه المؤمنون وما كان عليه المشركون يرى أن النصر حسب المقاييس البشرية سيكون بجانب قريش فهم من ناحية أكثر عددا من المسلمين نحو تسعمائة وخمسين محاربا وعدتهم كانت أكثر من عدة المؤمنين والمؤمنون كما علمتم ثلاثمائة وثلاثة عشر وما خرجوا مستعدين للقتال إذ خرجوا لأجل الإستيلاء على العير فحسب ولكن الله تبارك وتعالى بمشيته هيأ من الأسباب ما يقلب الأمور رأسا على عقب حتى تكون المصلحة في كفة المسلمين وأن تكون الهزيمة بجانب المشركين، أرى الله عز وجل نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام عدد هؤلاء المشركين قليلا وكانت هذه رؤيا منامية ورؤى النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره من النبيين عليهم السلام حق فإن الشيطان لا يتعرض لهم في منامهم كما يعجز عن أن يتعرض لهم ويؤثر عليهم في يقظتهم وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين بما رأى فسر المسلمون بذلك إذ تصوروا أن القلة هي قلة حقيقية وليست قلة مجازية تصوروا أن هذه القلة قلة عددية كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قليل. والرؤيا قد تكون أحيانا صريحة وقد تكون الرؤيا رموزا تدل على الحقائق ورؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - عدد قريش قليلا ترمز إلى أن إمكان نصرهم مستحيلا لأن النصر سيكون بجانب المسلمين فهم مع كثرتهم قلة من حيث أن الله تبارك وتعالى لم يكتب لهم النصر ومن شأن الناس أن ينظروا إلى أن الكثرة الكاثرة هي التي تكسب النصر في المعارك. (1/9)
صفحة 10
ولعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يدرك الحقيقة ويدرك أن هذه القلة ليست قلة عددية إلا انه عليه أفضل الصلاة والسلام لم يخبر المسلمين بالأمر حتى يستعدوا لهذا اللقاء والله تبارك وتعالى يقول: { إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .
أرى الله سبحانه وتعالى النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشا قليلا فاطمأن المؤمنون إلى أنهم بمشيئة الله ستكون العاقبة لهم.
وهم وإن كانوا واثقين بنصر الله عز وجل إلا أنهم كانوا ينظروا أيضا إلى الأسباب.
وبجانب هذا عندما اجتمع الفريقان أرى الله سبحانه وتعالى المسلمين أعداءهم الكافرين قلة كما أن المشركين أيضا عندما نظروا إلى المؤمنين تصوروهم قلة { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } .
أراد الله عز وجل أن تكون رؤية المؤمنين لأعدائهم الكافرين أنهم عدد قليل داعية لهم إلى أن يتشجعوا على اللقاء كما أراد الله سبحانه وتعالى أيضا من رؤية الكافرين لعباده المؤمنين قلة أن يستهينوا بأمرهم، وألا يأخذوا العدة الكاملة للمقاومة.
هذه الأسباب هيأها الله سبحانه وتعالى { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ } .
وبجانب ذلك فغن قريشا وصلوا إلى العدوة القصوى وهي ضفة الوادي القاصية عن المؤمنين فكانوا فيها والمؤمنون كانوا في العدوة الدنيا التي هي أقرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
والعدوة التي كانت عليها قريش كانت صلبة متينة بينما التي كان فيها المؤمنون كانت عدوة رخوة تسيخ فيها الأقدام ولا يثبت ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون الأمر أقسى ما يتصور. (1/10)
صفحة 11
عندما كان المؤمنون في تلكم العدوة عطشوا واشتد الأمر عليهم وأجنب بعضهم وصلوا هكذا من غير غسل لأمر يريده الله سبحانه وتعالى حتى يدرك المؤمنون أن الله هو الذي يهيء النصر وإذ بالله عز وجل ينزل عليهم الماء من السماء { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ } .
نزل الماء وسالت الشعاب وشرب المسلمون ورووا واغتسلوا وأذهب الله عنهم رجز الشيطان. وإذا بالأرض التي كانت رخوة تصلب والأرض التي كانت صلبة تصير وحلا فتمكن المسلمون من الإسراع وتثبط المشركون مكانهم بسبب ما طرأ ومع هذا كله فإن المؤمنين كانوا يستغيثون الله سبحانه وتعالى يستنزلونه نصره لهم فاستجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم وأنزل الملائكة ليثبت قلوبهم وقد امتن الله تبارك وتعالى على عباده المؤمنين بهذه النعمة العظيمة لتحويلهم من الذلة إلى العزة.
هذه المعركة كانت فاصلة ما بين العهدين العهد الذي كان فيه المؤمنون أذلة وكان أعداؤهم يتربصون بهم الدوائر والعهد الذي أصبحوا فيه أعزة وأصبح أعداؤهم فيه يحسبون لهم كل حساب. (1/11)
صفحة 12
يقول الله تعالى امتنانا على عباده المؤمنين { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ } .
هكذا شاء الله سبحانه وتعالى أن ينزل هؤلاء الملائكة لتثبيت قلوب المؤمنين { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } . (1/12)
صفحة 13
كان نزول هؤلاء الملائكة لطمأنينة قلوب المؤمنين بأن الله سبحانه وتعالى سيجعل النصر حليفهم. ونزول الملائكة مما يستبشر به المؤمنون في المعارك وإلا فإن النصر بيد الله فالله سبحانه وتعالى ينصر من يشاء من غير أن تكون هناك أسباب للنصر لا ظاهرة ولا باطنة لأنه يفعل ما يشاء يقول للشيء كن فيكون والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضرع إلى الله عز وجل ويجأر إليه يدعوه سبحانه وتعالى أن ينصر عباده المؤمنين رافعا يديه إلى السماء( اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض، اللهم وعدك الذي وعدتني، اللهم إن هذه قريشا أقبلت في غلوائها وكبريائها) ظل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو الله سبحانه وتعالى راجيا منه النصر والتمكين مستنجزا وعده الذي وعده إياه بأن يحقق له نصر هذا الدين الحنيف ونصر هذه الأمة حتى يظهر هذا الدين وحتى تسود هذه الأمة في مشارق الأرض ومغاربها.
وقد ظل النبي - صلى الله عليه وسلم - يردد هذا الدعاء حتى أن أبا بكر رضي الله عنه أشفق عليه فأتاه من خلفه والتزمه وقال له حسبك يا رسول الله فإن الله سينجز لك ما وعده ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل عليه السلام مقبل بحجة من الملائكة فطمأن أبا بكر رضي الله عنه وطمأن المسلمين بأن النصر مقبل وأن جبريل قد نزل فلابد من أن يتحقق نصر الله تعالى. والتحم هناك الفريقان فريق الإيمان الذي كان موصلا بالله سبحانه وتعالى وفريق الشيطان الذي كان مقطوعا من الله وموصولا بالشيطان. (1/13)
صفحة 14
الشيطان الذي غرر بهم وقال لهم لا غالب لكم اليوم وإني جار لكم ولكن عندما التحم الفريقان ودارت رحى الحرب إذا بالفريق الموصول بالشيطان المقطوع عن الله سبحانه وتعالى تنقطع عنه أسباب النصر ويقع في فخ الهزيمة وإذا بالفريق الآخر فريق الإيمان ينتصر بعون الله تعالى وتأييده فقد سقط من المشركين سبعون صنديدا من صناديدهم قتلى ووقع سبعون آخرون في جموع المسلمين أسرى فكان النصر الذي وعده الله تبارك وتعالى . هناك أدبر الشيطان بعدما غرر أصحابه وحزبه بالأماني ووعدهم النصر وقال لهم: إني جار لكم انهزم هزيمة نكراء وولى هاربا بعدما جاءهم كما يقول بعض المفسرين في صورة سراقة بن مالك من بني بكر بن كنانة وبعضهم يقول إن سراقة هو الذي أملى عليه الشيطان ما أملى وجاء إلى الكافرين ووعدهم أن لا يصيبهم بنكاية لما بين جماعته وبين قريش من الثأر وعدهم ألا يحاول الإثار منهم وأن يؤيدهم وأن ينصرهم وأن يقف بجانبهم وأن يكون جارا لهم وإذا به عكس ذلك فقد رأوه هاربا وقال له الحافظ بن هشام أخو أبي جهل بن هشام: إلى أين يا سراقة فقال له: أني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب.
هكذا تفكك حزب الشيطان وهكذا نزل نصر الله سبحانه وتعالى على أوليائه المؤمنين فكانت هذه المعركة هي الحلقة الأولى في سلسلة غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجل تثبيت دعائم هذا الدين ولأجل تقويته.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه جبريل وأمره أن يأخذ حفنة من التراب ويرمي بها في وجوه الكفرة. ناصرين لربهم عز وجل ويستحقوا نصره فإن الله عز وجل يقول { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ،الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } . (1/14)
صفحة 15
وهذه هي الغاية التي كان يسعى الرسول والمسلمون إليها فما كانوا يسعون إلى دنيا ولا كانوا يسعون إلى أي شيء مما يروق للناظرين من زخرف هذه الحياة بل كان كل همهم في هذه الدنيا هو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما كان همهم في الدار الآخرة رضوان الله عز وجل والفوز برحمته.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المؤمنين الذين يستحقون العز والتمكين في هذه الأرض وأن يعيد لهذه الأمة عزتها ومكانتها لتتبوأ مكانتها بين الأمم تدعو الناس إلى الخير وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتقيمهم على صراط الحق.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع شتات هذه الأمة على الحق والدين إنه تعالى بكل شيء قدير.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وشكر لكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1/15)