صفحة 1
الكتاب: نشأة الإباضية لمحسن الشرياني
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
نشأة الإباضية
متى نشأ الإباضية و كيف؟
هل يعتبرون فرقة من فرق الخوارج؟
أتعد الأسباب التي ساعدت سياسية أم دينية؟
الواقع إن الدارس الموضوعي يجد عنتا كبيراً في الوصول الى حقيفة تاريخية يطمئن إليها كل الإطمئنان, لنقول في النهاية هذا هو الخبر الصحيح أو هذا هو التأويل الصائب, لسبب بسيط وهو اننا في معالجتنا لهذا الموضوع تواجهنا مشكلة المرجعية, فثمة مصادر إباضية وثمة مصادر غير إباضية, و بين هذه وتللك من الاختلاف في التعليل و التقييم و الحكم ما يصل أحيانا إلى حد التضاد, وقد يعود هذا أساساً إلى أن المورخين عادة ما يعتمدون في مرجعية اخبارهم إلى مصادر غير إباضية, و أغلب تلك المصادر كانت تتخذ موقفاً مسبقاً من الإباضية, زعما من تلك المصادر أنها فرقة من فرق الخوارج, ففي غياب المصادر الإباضية-لأسباب سياسية معروفة- اعتمد المؤرخون و الكتاب إلى عهد قريب على ما في هذه المصادر على انها من مسلمات ووثائق صحيحة, على الرغم من انهم يعرفون جيداً أن بعض هذه المصادر كانت تستجيب لهوى الحاكم, وتنظر إلى الاحداث من زاوية تعصبية منحازة.
ولم يعد خافياً عن أهل الاختصاص أن أغلب تللك المصادر القديمة تفتقد إلموضوعية, ليس في موضوع الإباضية وحدهم, بل في كثير من الموضوعات التاريخية ذات الحساسية القبلية أو المذهبية, فالمصادر الصادرة في العهد الاموي كانت تسعى إلى تلبية هوى الحكام الامويين فتظلم بذللك خصومهم, و المصادر العباسية كانت تنحاز إلى العباسيين فلا تبيين من العهد الأموي إلا الجانب المظلم فيه, وهكذا دواليك, هذا إضافة إلى أن أغلب المؤرخين كانوا يكتبون تحت تأثير نزعاتهم وانتماءاتهم المذهبية. (1/1)
صفحة 2
ومن هنا وقف المؤرخون من هذه القضية موقفاً متعنتاً, بعضهم اغفل الحديث عن تاريخهم إغفالاً تاماً فكتموا بذلك صفحات تاريخية هامة, وبعضهم كتب عنهم ولكن منحازة ضدهم منذ البداية, وإلى هذا أشار بعض الكتاب المحدثين بقوله: " و الحقيقة أن ما تركه لنا قدامى الكتاب و المؤرخين في هذا المجال مجرد إشارات عابرة خلال الحديث عن علماء هذا المذهب في هذه البلدان"(1)
و الحق أن المتأمل فيما كتب حول الخوارج بعامة, و الإباضية بخاصة, يخرج بانطباع عام هو أن اغلب الكتاب عندما يكتبون عم الحركة الخارجية اليوم إنما يكتبون عن (حكم مسبق) و (موقف تقليدي), وهو إدانة هذه الحركة, ومن ثم فهم يقفون منها موقف الشانئ الرافض, اعتقاداً منهم أن الخارجية وصمة عار, ودليل إدانة, ومروق من الدين, دون أدنى محاولة منهم التحليل أو التفهم للظروف السياسية و الاجتماعية أو عرض ما في هذه الحركة من جوانب إيجابية. وهذا الموقف المتطرف هو الذي يبعدهم عادة عن الرجوع إلى مصادر أصحاب هذا الفكر, ومن ثم فهم –أي الكتاب المحدثون- لا يختلفون الكتاب عن القدامى ولا يأتون بشيء جديد, لان المصادر القديمة التي ينقلون عنها ويعتبرونها موثقة دون نقاش أو نقد أو تمحيص قلما تقدم على الكتابة عودة إلى المصادر الأساسية لأصحاب هذه الحركة, ولقد تفطن بعض الكتاب الأكاديميين المحدثين إلى هذه الظاهرة فتفادوها, و من اجل ذلك جاءت أحكامهم مغايرة لأحكام بعض الكتاب السابقين, فيها كثير من الإنصاف و الموضوعية.
يقول الدكتور فاروق عمر :"ولكن نكتب عن الإباضية يجب العودة الى كتب الفقه الإسلامية, وكتب الشعر, و الآداب, و أما الكتب العامة مثل الطبري, وابن الأثير و المسعودي فلا وجود لمادة خبرية هامة فيها, لذلك ينبغي العودة إلى نوع أخر من المصادر وهي: كتب التاريخ الحولي المحلي, كتب التاريخ الإباضي الذي الإباضية أنفسهم". (1/2)
صفحة 3
و الإخلاص للعقيدة و الثبات مع المبدأ من أهم سمات الدعوة عند الشراة وقد ظهرت هذه السمات بارزة في مراحل جهادهم ضد الباطل, وتجلت بعمق في أدبياتهم, فإن كل الذين كتبوا عن تلك الادبيات منبهرون بهذه السمة التي غدت ميزة لادبهم لا ينافسهم فيها أحد من الفرق الأقوى سنية كانت أم غير سنية.
وقد دفع الإعجاب بهذه الميزة لأدبهم ومواقفهم بعض الكتاب فاتهموا بالانحياز إليهم. فمن المعروف أن المبرد صاحب الكامل في اللغة و الأدب يعد المصدر الأول لأخبار الشراة, اهتم بهم ونقل بأمانة ما يعرفه عنهم, دون تحيز أو ممالاة, ولكنه لم يسلم رغم ذلك فاتهم بالانحياز إليهم. كما نجد ذلك عند ابن أبى الحديد في شرحه لنهج البلاغة, فقد ذهب ابن أبى الحديد إلى أن المبرد يرى رأي الخوارج لإطنابه في سيرتهم, واعتداله في الحكم عليهم.
وقد رد الدكتور طاهر احمد مكي هذا الادعاء بقوله: "و الحق أن ميل المبرد إليهم كان إنسانيا و أدبيا, أكثر منه سياسياً, فللخوارج من ألوان البطولة الخارقة, و المقاومة المؤمنة و العقيدة ما يهز الناس جميعاً في عصرهم وبعد عصرهم, وفي أدبهم من الصدق و القوة و الجمال ما يثير اعجاب المبرد وغير المبرد, وكان (أبو العباس) في حديثه عنهم مستجيباً لكلا العاملين, فأورد من تاريخهم ما يجعل من (الكامل) اصح مرجع لكتابته وسجل من نصوصهم الشيء الكثير ... ". (1/3)
صفحة 4
وعلى الرغم من أن أغلب الذين كتبوا عنهم (أي الخوارج) كما يسمونهم متفقون على تدينهم و استقامة أخلاقهم, إلا أن ذلك لم يكن كافيا ليقفوا موقفاً موضعياً من حركاتهم, حتى أن كاتباً عقلانياً مثل الجاحظ حينما تحدث عن الخوارج و حركتهم في البصرة لم يفرق بينهم وبين اللصوص و السفاحين, ويكاد الجاحظ يعنيهم وقد قرنهم إلى اللصوص في قوله: "لأنك لا تعرف فقيها من اهل الجماعة لا يستحل قتال الخوارج, كما أنا لا نعرف أحدهم لا يستحل قتال اللصوص ... ." و العجيب في الأمر أن المؤرخين لم يكلفوا أنفسهم عناء التمميز بين فرقهم المعتدلة و الغالية, بين من استحل استعراض الناس بالسيف, و من احتفظ برأيه و عقيدته لنفسه, لا يقاتل أحداً ولا يدعوا إلى مفارقة أو خروج مثل الشراة الإباضية.
و لعل عدم التفريق هو الذي جعل الكثير يظلمون الشراة, حيث راحوا يعاملون القعدة وعلى رأسهم أبو بلال مرداس معاملتهم للأزارقة و النجدات و الصفرية, بل إن الوجود الإباضي تعرض الى النكران و الجحود في بعض الامصار الإسلامية, فأهمل ذكرهم عمداً, فقد أغفل التاريخ الحديث عن الإباضية في مصر و عن علاقتهم بإباضية عمان و البصرة, رغم أنه كان للإباضية في مصر نشاط كبير, وكان لهم فيها العلماء البارزون الذين وصلوا إلى درجة الفتيا, وكان لهم وجود قوي, حتى انهم تدخلوا في مجرى الأحداث السياسية منها ... ."
وبعد هذا التمهيد الضروري نعود إلى السؤال الأول: متى نشأ الإباضية وكيف؟
نشأة الإباضية - 2
إن القاعدة الأساسية بين الإنسانية هي الاختلاف والتوافق أمر استثنائي والسر في ذلك ربما لطبيعة الإنسان الذي يتميز بالنقص حيث ان لكل فرد بيئة ، وثقافة ، وحضارة ، وتجارب ، وخبرات تختلف من شخص لآخر. وفي محاولة للشيخ الجعبيري للبحث عن أسباب نشوب الخلاف أوضح على أنه يعود إما لسبب غريزي في الإنسان ، وإما لتفاوت الناس في مداركهم العقلية ، وإما لحب الذات واتباع الهوى واحتقار الاخرين . (1/4)
صفحة 5
وعلى كل حال فالخلاف ليس مشكلة في حد ذاته، لأن العقل الإنساني ناقص ، وله مدى معين ، وفقا لبيئته ، وثقافته ، ومصدر معلوماته، ولذلك يحتاج إلى إكمال ، ذلك النقص عن طريق الخبرات والتجارب التي حصل عليها الإنسان الآخر ، والمهم في هذا الموضوع هو الاحترام المتبادل وعدم تنقيص فكر الإنسان الآخر ومتى ما حصل هذا الوعي فإن الاتصال بين البشر سينحو إلى التعاون والتكامل بدلا من الصراع والتنافس، وما دامت القاعدة هي الاختلاف بين الناس فإن فانه من المناسب التنويه يا يلتزم جميع الأطراف جانب التريث أثناء الحوار حتى يتمكنوا من البحث عن جوانب القصور التي تواجه آرائهم الفكرية. (1/5)
صفحة 6
نشأة الإباضية جاء الرسول الكريم برسالة سامية حوت مجموعة من القيم والمبادئ والأوامر التي شكلت الشخصية الإنسانية الراقية المحبة للتنافس من اجل تحقيق حياة افضل وقد كان لهذا النداء صداه الواضح فأقبل الناس يتهافتون لاعتناق مبادئ هذه الدعوة، وعندما توفي الرسول الكريم اكتمل بناء الدولة الإسلامية (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) الحجرات13. وقد أوصى الأمة الإسلامية (( واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا)) آل عمران 6. سار خليفتيه أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب على منهج الرسول الكريم وتوسعت في فترة خلافتهما الدولة الإسلامية كما ضمنت هذه التجربة النضوج بسبب استمراريتها على الرغم من بعض العقبات التي تمت مصادفتها مثلها مثل أي ثورة جديدة يمكن أن يذكر في هذا السياق ثورة الردة في عهد أبي بكر التي انقسمت الى طائفتين الأولى حبذت العودة الى حياة الجاهلية ، والثانية امتنعت عن تأدية أحد أركان الإسلام وهو الزكاة ،وقد أعلن عليهم فريضة الجهاد المقدس وقضى على فتنتهم. لقد آمن هذا الخليفة بمبدأ (( وما محمد إلا رسول قد خلت من فبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين )) . (1/6)
صفحة 7
إضافة إلى ذلك آمن بمبدأ محاسبة الرعية للخليفة حيث اعلن ( أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن صدفت فقوموني . الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله ... ... وأطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ) . ويعتبر الإباضية أن خلافة علي بن أبي طالب خلافة شرعية ، ومعاوية بن أبي سفيان قائد ينشق على هذه الخلافة ويجب عليه الانقياد طوعا أو كرها تحت راية علي بن أبي طالب ومن ثم يجب على علي أن لا يساوم المنشقين وله الحق الشرعي في إيقاف الفرقة الباغية . وعندما رضخ علي بن أبي طالب للتحكيم مع أن الحق معه والإمامة بين يديه فإن هذا يعتبر إخلالا في عقد بيعته ، مما حذى بالمحكة عدم الرضى بالتحكم . يمكن القول على أن الأمة الإسلامية انقسمت نتيجة للتحكيم إلى ثلاث طوائف وهم السنة الذين كانوا بجانب معاوية ، الشيعة الذين كانوا بجانب علي ، والمحكمة الذين رفضوا فكرة التحكيم للأسباب المشار إليها أعلاه وبذلك تأكدت المخاوف التي أبداها الرسول-صلى الله عليه وسلم- :(ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن الي النار ما خلا واحدة ناجية كلهم يدعي تلك الواحدة ). وإنه لمن المناسب القول في هذا المقام بأن الإباضية بفضل الله على ثقة تامة -نتيجة للتناول العلمي والتحري الدقيق للأحداث الإسلامية ، وللنزاهة التي اتسم بها علماء هذا المذهب – بأنهم الفرقة الناجية. (1/7)
صفحة 8
تقييم الإباضية للأحداث : إن لكل مجتمع هوية ولكل جماعة تقاليد وأسس عريقة نبتت وترعرعت في ضل ظروف وأحداث مختلفة ، والإباضية قدمت تقييما دقيقا للأحداث التي هزت العالم الإسلامي في الصدر الأول للإسلام نبعت من صميم إيمانهم وإخلاصهم بضرورة أن تكون العقيدة الإسلامية خالصة لوجه الله، وأن العبادة لا يمكن أن تقبع لرضا أشخاص ولكن لإرضاء رب الأشخاص ، وابرز تقييم قدم بهذا الصدد هو تلك الرسالة التي وجهها إمام المذهب عبدالله بن إباض في رسالته الجريئة لأعظم ملوك الأرض في ذلك الزمان من تردد أو تلجلج أو محاباة يقول ابن إباض :
( (1/8)
صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدالله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان، أما بعد سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الذي لا اله إلا هو وأوصيك بتقوى الله فإن العاقبة للتقوى ، والمرد إلى الله ، واعلم إنه إنما يتقبل الله من المتقين وقد جاءني كتابك مع رسولك سنان بن عاصم ، وإنك كتبت إلى أن أكتب لك أي تطلب مني أن أكتب لك بكتاب ، فكتبته إليك فمنه ما تعرف ومنه ماتنكر، ولكن الذي ليس عند الله بمنكر وإن ما ذكرت من عثمان وما عرضت به من شأن الأمة ، فإن الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه الذي أنزله على محمد-صلى الله عليه وسلم - ،إن من لم يحكم بما أنزل الله (( فأولئك هم الظالمون )) والفاسقون والكافرون . ثم لأني لم أكن أذكر لك من شأن عثمان شيئا إلا والله تعلم أنه حق منه ، وسأنزع لك من على ذلك البينة من كتاب الله ، وسأخبرك خبر عثمان طعنا عليه فيه ، وأبين شأنه وأمره ، لقد كان عثمان كما ذكرت من قدمه الإسلام ولكن الله لم يجر العباد من الفتنة وذلك أن الله بعث محمدا-صلى الله عليه وسلم – وأنزل عليه الكتاب وبين له ما فيه كل أمر ، وفصل فيه كل حكم ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وجعله هدى (( ورحمة لقوم يؤمنون )) ، فأحل فيه حلالا وحرم فيه حراما ، وحكم أحكاما وفرض فرائض وحدودا ،وقال : (( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون )) ، ثم أمر نبيه باتباع كتابه وقال : (( واتبع ما يوحي إليك من ربك )) ، قال: (( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه )) ، فعمل محمد –صلى الله عليه وسلم – بأمر ربه ومعه عثمان ومن شاء الله من أصحابه ، لا يرونه يتعد حدا ، ولا يبدل حكما ، ولا يستحل حراما ، ولا يحرم حلالا ، ولا يبدل فريضة . (1/9)
صفحة 10
وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول: (( إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم )) فعمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ما شاء الله أن يعمر تابعا لما جاء به من عند الله ، وبلغ لما ائتمنه الله عليه معلما للمؤمنين ، مبصرا لهم حتى توفاه الله –صلى الله عليه وسلم -. ثم أورث الله عز وجل المؤمنين الذي جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم-وهو كتابه الذي يهتدي به من اهتدى باتباعه ولا يضل من ضل إلا بتركه ، ثم قام من بعده أبو بكر – رضي الله عنه- على الناس فأخذ كتاب الله وعمل بسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم -، ولم يفارقه أحد من المسلمين ولم يعيبوا في حكمه ولا قسمه حتى فارق الدنيا ، وأهل الإسلام عنه راضون وله مجامعون ، ثم قام من بعده عمر فكان قويا على الأمر شديدا على أهل النفاق يهدي بمن كان قبله من المؤمنين ويعمل بكتاب الله زابتلاه الله بفتوح من الدنيا بما لم يبتلي به صاحبه، وفارق الدنيا والدين ظاهر ، وكلمة الإسلام جامعة وشهادة المؤمنين له قائمة بالوفاء. (1/10)
صفحة 11
والمؤمنون شهداء الله في الأرض قال الله عز وجل : (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )) ، ثم استشار المسلمين فتركها فيهم فولوا عثمان وفعل بما شاء الله بما يعرف الإسلام ،حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض وأحدث أمورا لم يعمل بها صاحباه قبله وعهد الناس يومئذ قريب منه فلما رأى المؤمنون ما أحدث أتوه وكلموه وذكروه بكتاب الله وسنة رسول الله وسنة من كان قبله ، وشق عليه أن ذكروه بآيات الله وأخذ بالجبرية ، وضرب من شاء منهم وسجن ونفاهم في أطراف الأرض من أجل أن ذكروه بكتاب الله وسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وآثار من كان قبله من المؤمنين. ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه(( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون )) وأنا أبين لك يا عبد الملك ابن مروان ما أنكر المسلمون على عثمان وفارقوه عليه عسى أن تكون غافلا فأذكرك أوجاهلا فأعرفك فلا يحملنك هواء عثمان يا عبد الملك أن تكذب بآيات الله فإنه لا يغني عنك من الله شيئا فالله الله يا عبد الملك قبل التناوش من مكان بعيد وقبل أن تكون لزاما. (1/11)
صفحة 12
وإنه كان مما طعن عليه المسلمون وفارقوه وفارقناه عليه قال – عز وجل: (( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم )) وكان عثمان أول من منع مساجد الله أن يقص فيها كتاب الله . ومما نقمنا عليه وفارقناه أن الله –عز وجل – قال : (( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين )) ، فكان خيار هذه الأمة قد طردهم ونفاهم فكان من نفي من أهل المدينة أبا ذر الغفاري، قلت: وكان أبو ذر من زهاد الصحابة وعبادهم وفيه يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم-(( وما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء أصدق ذي لهجة من أبي ذر وهل يرضى أحد فيه ذرة من الإيمان بأذية أبي ذر في عرض أو حال أو مال ما أصاب المذكور من سوء الذي لا يفعله غير متوحش ؟ ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، وإذا لم يؤثر على قلوب الملين ذلك فماذا يؤثر عليه ؟ )). قال ومسلم الجهني – أي من نفاه عثمان – ونافع ابن حطام ونفى من أهل الكوفة كعب بن جندب ، وجندب بن زهير قاتل الساحر ، ونفى عمر بن زرارة ويزيد بن صوحان ، وأسود بن دويك ، وزيد بن قيس الهمداني، وكردوس بن الحضرمي ، وناس كثيرون من أهل الكوفة ، ونفى من أهل البصرة عامر بن عبدالله ، ومزعور العنبري ، ومن لايستطاع عدهم . ومما نقمنا عليه أنه أمر أخاه الوليد بن عقبة- أخاه لأمه- أمه على الناس فكان يلعب السحر ويصلي بالناس سكران فاسق في دين الله .وإنما أمره لقرابته ، ومما نقمنا علية جعل المال دولة بين الأغنياء وقد قال الله تعالى:(( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم )) فبدل فيه كلام الله واتبع هواه. (1/12)
صفحة 13
ومما نقمنا عليه أنه منع مواضع القطر وحماها لنفسه ، ولآهله ، ومنع الرزق الذي أنزله الله لعباده متاعا لهم ولأنعامهم وقد قال الله عز وجل :(( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون )) . ومما نقمنا عليه أنه أول من تعدى في الصدقات وقد قال الله عز وجل (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ...)) وقال : (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)). والذي أحدث عثمان منعه فرائض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأنقص أهل بدر أعطياتهم ألف ألف ، وكنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله . وقال الله عز وجل : (( ...ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ماكنزتم لأنفسكم )) . ومما نقمنا عليه كان يضم كل ضالة إلى إبله ولا يردها ولا يعرفها ، وكان يأخذها من الإبل الغنم إذا وجدها عند أحد وإن كانوا قد أسلموا عليها ، وكان لهم في حكم ما أسلموا عليه ، وقد قال الله عز وجل : (( ولا تبخسوا الناس أشياءهم )) ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين . وقال : (( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم )) . ومما نقمنا عليه أنه أخذ خمس الله لنفسه ، وفرض الله الخمس لله (( وللرسول ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ))والله على كل شئ قدير ... .الخ .
الخلاصة: (1/13)
صفحة 14
1- إن الموقف الإباضي بشأن الخلاف الواقع في عهد عثمان وعلي يتمثل في عدم رضاهم عن سيرة عثمان في الصدر الأخير من خلافته ، وكذلك رفضهم لفكرة التحكيم وإنه لمن الحري القول في هذا المقام أن لا يتعرض الجيل الجديد لتلك القضية بالتنقيص لأي طرف خوفا من زيادة الصراع بين الأمة الإسلامية ويمكن لأصحاب هذا المذهب كما أوضح علماؤه السابقون تلك أمة قد خلت لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت .
2- لقد حذر الشيخ الباروني في كتابه مختصر الإباضية من تساهل بعض الجماعات الإباضية في مذهبهم في كل من الجبل وزرارة وجربة وهي مدن تقع في منطقة دول المغرب العربي ووصفهم بقوله: ( ليسوا كأسلافهم في قليل ولا كثير من التطبيق العلمي لتعاليم الدين فهم الآن كسائر أتباع المذاهب الأخرى سواء بسواء لا يمتازون عنهم بشئ إلا في النادر القليل ) ، فإنه من الواجب التأكيد على أن من ليس له ماض ليس له حاضر ، والمذهب الإباضي يمثل هوية وثقافة أبنائه والمحافظة عليه وعلى مبادئه هو جانب مهم من أجل الاستمرار في الطريق الواضح خاصة إذا آمنا بأن لهذا المذهب علماء ثقات رهبان في الليل أسود في النهار لم يهدفوا إلى تضليل أبناء ملتهم وتحريف معتقداتهم بل إلى حماية رسالة الله في الأرض وإن ثقة أبناء الجيل الجديد بمذهبهم يعني ثقتهم بهويتهم وسلامة معتقدهم.
3- ينتشر المذهب الإباضي في الوقت الراهن في كل من عمان ، تونس، الجزائر ، ليبيا ، وشرق أفريقيا ، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة. ويرى المجتهد الإباضي الجعبيري على أن الإباضية فرقة لا تنتمي إلى الخوارج مبينا خلاصة هذه الفكرة على شواهد تاريخية ، وخلافات فقهية ، وقد انتهجت هذه الدراسة نفس المنهج مع إعطاء المزيد من التوضيح
أولا : الشواهد التاريخية :
1- محاربة أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري للصفرية ( 140 - 144 ) ، في القيروان ( الجعبيري ) ، ومحاربة الجلندى بن مسعود للخوارج في عمان. (1/14)
صفحة 15
2- وضح عبدالله بن إباض في رسالته الموجهة إلى عبد الملك بن مروان أن الإباضية بريئون من نافع بن الأزرق ، وأتباعه ، لأنهم أحدثوا ، وارتدوا ، وكفروا ، وكذلك الخطبة التي ألقاها أبو حمزة الشاري في مكة ، والمدينة ، حيث أوضحت عدم رضا الإباضية عن الخوارج.
3- مناظرات جابر بن زيد ، و عبدالله بن إباض ضد الخوارج .
ثانيا : الشواهد الفقهية ، والعقائدية :
1- إن الإباضية على عكس الخوارج ، يعتبرون المخالفين موحدين ، وأن دارهم دار توحيد ، عدا دار السلطان فإنه دار حرب ، بينما يعتبر الخوارج من خالفهم مشركين .
2- إن الإباضية لا يرون استحلال دماء الأطفال والنساء ، العزل ، بخلاف الخوارج الذين يجيزون ذلك .
3- إن الخوارج يؤمنون بمبدأ القوة ، والاستعراض ، ويتعرضون للآخرين بالسيف ، بينما الإباضية لا يرتضون ذلك ولا يقرونه ، إلا في حالة الدفاع عن أنفسهم ، وحسبنا على ذلك دليلا قول أبي بلال مرداس بن حدير التميمي:( فإني لا أجرد سيفا ، ولا أخيف أحدا ، ولا أقاتل إلا من قاتلني ).
4- يرى الخوارج ضرورة محاربة المخالفين ، بينما يركن الإباضية للقعود، ولهذا السبب أحل الخوارج قتال القعدة، واعتبارهم مشركين، مستدلين على ذلك بقوله تعالى : (( إن أطعتموهم إنكم لمشركون ))
5- أن الخوارج يؤمنون بالهجرة بعد فتح مكة ، بينما يرى الإباضية خلاف ذلك ، مستدلين بقوله – صلى الله عليه وسلم - : ( لا هجرة بعد فتح مكة ) .
6- يرى الخوارج أن مرتكب الكبيرة مشرك ، بينما يرى الإباضية بأنه كافر كفر نعمة ، - أي كفر دون كفر على رأي ابن عباس -
الكاتب: محسن الشرياني ـ من موقع عمان ويب (1/15)