صفحة 1
الكتاب: نشأة الإسلام في عُمان
تأليف: ج. ويلكنسون
ترجمة: حسن أوزّات
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] نشأة الإسلام في عُمان
(تطور الأيديولوجية الإباضية)
تأليف: ج. ويلكنسون
ترجمة: حسن أوزّات
T
هذا الكتاب هو ترجمة من مؤَلَف لـ:
J. WILKINSON
تحت عنوان:
Islam in Oman
الباب الأول
عمان ما قبل الإسلام
إن نوع الإسلام الذي ظهر في عمان خلال القرن الهجري الثاني لايمكن فهمه دون الإلمام بتشكيلة القبائل العربية قبل الإسلام، ومواطنها، وبوضع هذه القبائل كرعايا للدولة الساسانية في ماكان يعرف ببلاد المازون. ففي بداية تاريخ قبيلة الأزد والقبائل العربية الأخرى التي هاجرت إلى المنطقة، نتجت تحالفات وخلافات قبلية محتملة تمخضت عن أشكال جديدة من الزعامة السياسية، سواء على الصعيد المحلي أو في مجمل مناطق الخلافة المشرقية بعد ظهور الإسلام، في تشكيل أتباع عثمان بن العاص عند فتوحاته ببلاد فارس أو في الصراعات على السلطة في البصرة وخراسان أو في العلاقات مع الأمويين وحكامهم في العراق، وكذا نكسات الأزد العمانيين خلال حكم اليزيد بن المهلب سنة 720م. إن الإيديولوجية الإباضية والحركات الخارجية الأخرى كانت تعكس بقدر كبير المستوى الاجتماعي البسيط للشعوب التي كانت تحت إمرة الساسانيين، سواء كانوا من المزارعين، أو من البحارة في الدولة البحرية لما كان يسمى بأرض الهند، أو كانوا حرفيين، أو تجارا من العرب الذين هجروا قبائلهم، فلم يشاركوا في الغزوات وبقوا مستغلين مستضعفين في ظل الحكم الإسلامي النخبوي الجديد. وبقي الأمر على تلك الحالة حتى تمرد العلوج وبعض أعضاء قبيلة اليمان (وسنخص بهذه العبارة أهل القبيلة بينما نترك عبارة اليمن للبلد)(1)، فتضافرت جهودهم تحت إمرة "إمام" بصران، عبيدة مسلم بن أبي كريمة. آنذاك أصبحت لمفاهيم الجماعة الإسلامية وعضويتها وزعامتها صيغة منسجمة أدت إلى تشكيل أنواع الإمامة في العهد الأموي المتأخر وبداية العهد العباسي، فرغم أن رسالة
__________
(1) - (ونخص بهذه العبارة أهل القبيلة بينما نترك عبارة اليمن للبلاد). (1/1)
صفحة 2
الإباضية كانت مطلقة، إلا أن مفاهيمها للدولة الإسلامية لم تكن في الواقع إلا ترجمة للسلطة القبلية الموجهة الأساس ضد السلطة المركزية للدولة الإمبراطورية.
وهذا مما يفسر إن الإمامات الإباضية تشكلت في منطقتين أساسا: جنوب شبه الجزيرة العربية (أي عمان وحضرموت، ولفترة قصيرة في اليمن والحرمين) وبلدان المغرب. وتشترك كلتا المنطقتين في نفس الميزة، إذ أن السكان بعد قبولهم لرسالة الإسلام أعرضوا عن السلطة المطلقة للخلافة. فبالنسبة لشمال إفريقيا كان إعراض الأمازيغ(1) على هيمنة العرب عليهم. أما في جنوب الجزيرة العربية فكان الأمر يتعلق بعدم قبول الاعتراف باستحواذ أل بيت النبي على السلطة المطلقة. كما كان رد فعل ضد تسلط أهل الحجاز الذي نجد موقفهم ملخصا في "رسالة معاوية إلى أهل الخليج"، ومفادها أنه لولا أهل الحجاز الذين أتوا بالإسلام لبقيت قبائل الخليج تحت نير الفرس تابعين للشعب الذي صاروا يحكمونه، يعيشون على نمط حياة الفرس الحقيرة (حسب سكان الجبال)، ويقتاتون في الشواطئ أو من البحر أو في الفيافي، ممنوعين من أخصب الأراضي المملوكة لأسيادهم أهل فارس. ويمكن قياس حساسية العمانيين على وضعهم في الفترة ما قبل الإسلامية بالرجوع إلى ما أثاره المهلب من تعليق فريد على رسالة من أهل المدينة ملؤها المدح يهنئونه بإخلاء البصرة من الخوارج، وتبتدئ بعبارة "يا أخ الأزد"، فعلق عليها بقوله: "ما أجهل سكان الحجاز فهم لا يلتفتون إلى تفاهات مثل اسمي". إنه كان يعرف جيدا أن عبارة "أزد" يمكن أن تستخدم كتعبير قدحي من قبل أمثال الحجاج: "عيبك انك عماني وفوق هذا أزدي".
__________
(1) - (أو البربر كما هم معروفون لدى غيرهم - المترجم) (1/2)
صفحة 3
إذن لم تتوقف العلاقات الجهوية على التنافر المتبادل مابين قبائل غرب الجزيرة المستقل، وقبائل شرق الجزيرة العربية الرازحين تحت حكم الساسانيين، بل إن الأزد وقبائل يمانية أخرى كانت تكره النخبة الحاكمة بدعم قبائل معادية تعتبر عموما من أصل "شمالي" ويفترض أنها من ذرية نزار، لذلك تحالفت بالخصوص قبيلتا أزد وكندة تحالفا وثيقا، فلم يكن من محض الصدفة أن أول التمردات الكبرى للقبائل التابعة للدولة ضد السلطة الأموية في العراق والشرق كانت تحت زعامة ابن الأشعث الكندي، تلاها بعده ابن المهلب الأزدي، ولا كان صدفة أن قوة مشتركة عمانية حضرمية هي التي فرضت في الحرمين بصفة مؤقتة سنتي 129 -130 هجرية أول إمام إباضي هو طالب الحق، الذي كان من كندة، ولم تكن من الصدف كذلك أن أول زعيم من البصرة أسس حكم الإمامة في عمان وجند القبائل ضد حكم جولندة كان أيضا من كندة، وكاد أن يعين إماما. (1/3)
صفحة 4
إن هذه الترجمة للتنافس من الناحية النسبية ما بين قبيلتي نزار واليمان كان جزئيا نتاجا لابن الكلبي الأب والابن(1). وكان عملهما رغم أثره الكبير في التاريخ العربي مهملا في الدراسات التاريخية الغربية إلى أن قام مؤخرا المؤلف بدراسة الموضوع في إطار بحثه وكان عليه أن يعتمد على مخطوطات هشام ابن محمد ابن صائب الكلبي "جمهرة الأنساب" وبيده من حسن الحظ أول أدق دراسات العلماء الغربيين التي نشرت لتوها آنذاك في سنة 1966م للباحثين "كاسكل وسترنزيوك" المنشورة مع مقدمة وتعليق كان يشار إليهما في عدد من المقالات المهمة في "موسوعة الإسلام". في رأي "كاسكل وسترنزيوك" كانت هذه التلاعبات الدقيقة في الأنساب يجب أن تفهم على أنها رموز للوحدة العربية في وجه التنافس مابين الأحزاب وضغوط غير العرب لاكتساب النسب العربي في نهاية العهد الأموي. وكانت كذلك بدعة مصطنعة لأغراض سياسية لزرع الشقاق بين العرب شمالهم وجنوبهم، مستخدمين رموز قحطان وعدنان ونزار ويمان. ولم يجد المؤلفان، مثل "ولهاوزن" قبل ذلك بستين سنة أي تبرير لهذا الشقاق في فترات ما قبل الإسلام. فبعد مجيء الإسلام توحدت مجموعات قبلية في تحالفات أكبر وكانت نظريات الأنساب الداعمة لتلك التحالفات مبنية على الوضعية السياسية في منطقتين أساسا: في سوريا حيث اشتعلت التحالفات القبلية في معركة "مرج الرهيط" في 64هـ 684م، وفي العراق حيث كانت إحدى أهم التحالفات هي قبيلة أزد. ففي سوريا تطورت نظرية الشمال والجنوب انطلاقا من كون حمير في حمص تزعمت السياسية القبلية وكانت تحاول إدماج قضاعة ومنهم كلب في تحالفهم.
__________
(1) - الأب توفي 146هج/763 م وعمره ثمانون حولا أو أكثر وابن الكلبي الابن عاش حوالي 120هج/737 م إلى 204 او206 هج الموافق ل819 او821 م، (1/4)
صفحة 5
على أن كثيرا مما توصلوا إليه من نتائج مقبول في رأي المؤلف إلا أنها تحتاج إلى إعادة تقييم، فالقول بأنه لم يكن هنالك تنافر بين عرب الشمال وعرب الجنوب في الفترة ما قبل الإسلامية موضع شك حتى وان لم تكن ظاهرة كذلك. فان كانت أخبار عدنان ونزار غير مفيدة، فان المجموعة المسماة بمعد كانت معروفة باعتبارها أما قبائل الشمال وتاريخهم يبين نزاعا مستمرا مع قبائل الجنوب في معظم فترات القرن: في الفترة التوسعية الأولى لكندة المتحالفة مع حمير ضد معد، ووفاة الحارث بن عمرو على ما يبدو بأيدي كلب مع عودة بني لخم إلى الحكم، وغزو أبرهة بدعم من كندة والهزيمة النكراء لمعد في معركة هلبان في منتصف القرن السادس، وكذلك سيطرة المتسلط جماز زياد بن مالك بن الفهم الأزدي من قبيلة معد على تخوم الشام. وهذا بدوره يعني ضرورة إعادة النظر مرة أخرى في الطبيعة المريبة للمجموعات المعارضة المسماة باليمان ونزار وهي المجموعات التي ظهرت ظهورا بارزا في العهد المرواني. (1/5)
صفحة 6
إلا أنه يتضح حتى من دراسة سطحية "للأحزاب" المتنافسة في تلك الفترة: أيا كانت العلاقة المفترضة مابين قيس أو مضر وغيرها من المجموعات "الشمالية" بما فيها قريش بصفتهم ذرية نزار ابن معد بن عدنان، فقبائل اليمن كان يسودها من تماسك أقوى، وهذا يعود في رأيي إلى تاريخ القبائل العربية في جنوب الجزيرة العربية وعمان، ومن حسن الحظ أن تفاصيل علاقات وتاريخ القبائل العمانية في الفترة ما قبل الإسلامية في المصادر المحلية يمكن استرجاعها بتفاصيل كثيرة، مما يمكننا على الأقل من إعادة تأويل جزئي لهياكل ما كان يسمى بالقبائل اليمانية. وهذا لا يؤكد فقط الفكرة الواضحة بان شجرات الأنساب كما وردت عند ابن الكلبي الأب والابن تم التلاعب بها لأغراض سياسية على ضوء الوضع الراهن آنذاك في الشام والكوفة والجزيرة، بل يمكننا وهذا -الأهم– من بناء نموذج جزئي أكثر دقة يبين على الأقل أن إحساس قبائل اليمان كانت تعود جذورها إلى ما قبل الإسلام.
الأنساب القبلية (1/6)
صفحة 7
إن الأنساب القبلية العربية تشكل كلا متكاملا، إما أن تقبل كما هي مع النتائج الوخيمة المترتبة على ذلك بالنسبة للمؤرخ، أو يعتبرها تلاعبا مرتبا للعلاقات القبلية في الفترة الإسلامية الأولى، هدفها تبرير وتعزيز بعض التحالفات السياسية كما أسلفنا، وبذلك ينبغي التغاضي عنها. فهذا "ويلهاوزن" مند 1902 أشار إلى انه لم يكن هنالك ما يشير إلى تقاطب بين أهل الشمال والجنوب قبل الإسلام، بل بدأ يظهر ويتشكل ابتداء مما كان يسمى "الحرب الأهلية الثانية" المنطلقة بمعركة "مرج الرهيط" (64/ 684). وهذا المنظور استحوذ على الباحثين الأوربيين في القرن العشرين، على أن ويلهاوزن افترض أن الأساس كان قبليا وأنها تصاعدت حتى تقاطبت قبيلتي اليمان وقيس/مضر. أما مؤخرا فقد قام الباحث شابان تنحية مجمل الأنساب وقدم نظريته بأن التقسيم لم يكن إلا تسميات قبلية لأحزاب سياسية في العهد المرواني (684-750) وكانت قيس تقف مع السياسات الامبريالية والعنصرية، بينما اليمان كانت ضد التوسع مع المساواة بين العرب وغيرهم في الإسلام. فكما بين "كرون"4 بطريقة حذقه في إعادة نظر مناسبة لكل هذا الهراء: أنه من السهل أن نرى كيف أن الطلبة المبتدئين في الجامعة وخصوصا "أوكسفورد" وكامبريدج يستجيبون بحماسة لهذه النظرية، فالقيسيون كانوا مع السياسات العنصرية والامبريالية التي كان يطبقها آباؤنا الاستعماريون، بينما اليمانيون اقرب إلى قناعاتنا الليبرالية اليوم وما يسعدنا أنها انتهت بالانتصار حتى لدى المسلمين، مع الأسف، هذه النظرية ليست صالحة. " (1/7)
صفحة 8
الواقع أن القبيلة كانت منذ البداية أساسا تنظيميا للجند والأمصار، فصار تنظيم الكوفة إلى أسباع والبصرة إلى أخماس. إلا أن الفصائل القبلية صارت تدريجيا تندمج في جيوش محترفة مع تعيينات في المراتب العليا كولاة في الأقاليم لقواد قادرين على تدبير تلك الوحدات العسكرية. وأحسن مثال على ذلك تعيين العماني المهلب بن أبي صفرة وابنه يزيد في العراق وخراسان، إذ لم يكن الأب أو الابن من أشراف القبيلة، ولكنهما كانا من زعماء العسكر التي كان يشكل غالبيته الأزد العمانيين، فمن هؤلاء ومن القبائل اليمانية الأخرى كان يعين أكبر عدد من المناصب التي يتحكمون فيها. فكما يبين "برون" إنه على كل من كان يسعى لنيل تلك المناصب أن يقدم نفسه كعضو من المجموعة النسبية، وبعد اعتماد ذلك النسب يصبح من الصعب التخلي عنه بعد ذلك. وبما أن السلطة والحماية والمال صارت مرتبطة بأصحاب المناصب العسكرية العليا في الأقاليم، تزايد التنافس الذي تطور إلى أن أصبح نوعا من العصبية القبلية. فالمرء يولد في حضن مجموعة أو أخرى ويدافع على قومه بدون إيديولوجية، وحظوظه في الحياة كانت مرتبطة بزعمائه في السلطة، الذين كانوا يتأرجحون في ولاءاتهم للمتناوبين على الملك من الأمويين بعنف متزايد، إذ إن الذين يفقدون مناصبهم يفقدون كذلك ثرواتهم. فيزيد بن المهلب طرده الحجاج من الحكم وقام بتعذيبه حتى هرب واختبأ لدى ابن قبيلته أزد في فلسطين حيث كان سليمان بن عبد الملك حاكما، فاقنع الخليفة الوليد بان يمنحه الأمان، فكان اليزيد في مأمن من الشر طالما كان تحت حماية سليمان، إذ أن كليهما كانا يكنان العداء للحجاج وقتيبة بن مسلم البهيلي (وهو من قيس). وكان هذا الأخير يدعم ابن الوليد للخلافة، إلا أن سليمان هو الذي خلف الوليد اثر وفاته المبكرة، فجاء دور الحجاج وقتيبة أن يؤدوا الجزاء، فلما عاد المروانيون إلى سدة الحكم كان ذلك وبالا على اليزيد ومن معه من الأزديين. واستمر (1/8)
صفحة 9
الحال على هذا المنوال، فلم يكن الأمر يتعلق بأحزاب سياسية بل بعصبية قبلية، يتغنون بانتصاراتها. فكان يقال "أن نار مازون وقومهم قد أخمدت". أما الأنساب القبلية سواء كانت صحيحة أو مصطنعة فكانت من الأمور الأساسية في الكيان السياسي في المرحلة ما قبل الإسلامية ولذلك تستحق من البحث والتمحيص أكثر مما منحت فيما مضى.
لاشك أن الانتقال المفاجئ في نسب قبيلة قضاعة من النسب الشمالي إلى النسب الجنوبي قد يبدو وكأنه يشير الى أن القبائل هي التي كانت تصنع شجراتها السلالية وليس العكس. فمثل هذا التصرف العقلاني في السلوك القبلي من حيث الأصول القبلية يحضى بدعم علماء الأنتربلوجيا اليوم. كذلك فالاستقطاب المتوازن ما بين الفصائل إبان الأزمات يمكن تفسيره جزئيا على أساس المصالح السياسية والمجالية -كما بين ذلك كاتب هذا البحث- فيما يتعلق بقبائل عمان وخصوصا قبيلتي يمان ونزار في الحرب الأهلية التي أنهت الإمامة الأولى، وكذا بين الهيناويين والغافريين في نهاية الإمامة اليعربية. فمن السذاجة تفسير تشكيل القبائل على أساس النسب فقط، سواء كان الأمر يتعلق بالحاضر أو بالماضي، لكن الواقع أنه عامل مهم ليس فحسب في تفسير ما ومتى يعتبره المنتمون للقبيلة في صالحهم، بل لان العلاقات داخل القبيلة ما بين العائلات السائدة في منطقة معينة هي السلطة الحقيقية التي تحدد الأنساب القبلية وما يرتبط بها من نظم سلوكية كمفهومي العيب والشرف في القبيلة. ففي هذا الصدد من المفيد تسجيل أن كثيرا من الأبحاث الأنتربلوجية الحديثة قد تمت مع مجموعات الرحل التي تتميز تشكيلاتها القبلية أساسا بالحركية والانتهازية، بينما في بلد مثل عمان له تاريخ مسجل طويل وسكان عرب ذوي جذور في الأرض (على الأقل في وسط عمان)، يعرف السكان أنسابهم ويحتاجون إليها لفهم موقعهم، وهي كما يقول "دريش"(1) عن وضع لا يختلف كثيرا عن عمان وهو اليمن: "هوياتهم مرتبطة بالمجال خارج (1/9)
صفحة 10
الزمان". نعم إن الأسماء الشاملة للمجموعات الكبرى مثل بني هينة وبني ريام وبني رواحة تعكس تكييفات في الأنساب القبلية والمصالح الجغرافية إلا أنها أساسا لا تعدو كونها إشارة، ولا يستخدم في غالب الأحيان اسم القبيلة كنسب، وعندما يحصل ذلك يسجل أن الأسرة المعنية معترف بها من قبل العمانيين الآخرين على أنها انتماء للشجر المنسوبة اليها، أي: "إذا ظهر في وثيقة اسم كذا وكذا الريامي فانه يكون من أولاد الرشيد (أي ابن سليم بن مصعب بن ريام) معترف بنسبه المتواصل إلى ذلك الجد. والأعضاء الآخرون من بني ريام دون استثناء يستمدون نسبهم حسب الفخذ الذي يكونون مرتبطين به، إلا أنهم لا يتخذون نسبة الريامي إلا إذا كانوا فعلا منتسبين للمجموعة المشار إليها ببني ريام" (النهضة، ص420). (1/10)
صفحة 11
ومن جهة أخرى، لا يعني ذلك أن أولاد رشيد هم تميمة بني ريام، كما لا يعني ذلك أن الأفخاذ الأخرى أقل شرفا منهم، فالعذور مثلا كانوا هم الفخذ الأعظم (وهم من بني سما) لقبيلة نزار التي تفرعت عنها العائلة التي خرج منها أشياخ الانتخاب في الإمامة الأولى -كما سنرى لاحقا- وهم المجموعة الوحيدة التي لها حق استخدام نسبة السامي (أنظر مرجع السيابي 1956 ص175) رغم أنهم اليوم مجموعة لا تحظى سياسيا بنفس شرف المجموعات الأخرى من نزار ازكي، حيث الربعين المهمين مازالا يحتفيان بمنافستهما مستخدمين الأسماء القديمة لنزار ويمان، مع أن نزار تعتبر اليوم جزءا من ريام ويمان من رويحة. وسنعود لاحقا بالتفصيل إلى أصول ريام، أما رويحة تماما مثلهم، فهي خليط من مجموعات جهوية متنوعة، كما هو واضح من تقاليد القبيلة ووثائق أقدم الأنساب العمانية (أنظر أسفله). ففي وادي بني رواحة، يشيع إن المجموعات الأصلية الأربعة من الرويحيين هم الحضريم وهشام وبلحسن وحمام وحوالة الأربع (رغم أن إلحاق الحضريم هو محل تساؤل وأغلب الظن أنها من قمر ريام). من جهة أخرى إن عراقة الهواشم (بني هشام) بصفتهم الفخذة القبلية الرويحية الأصلية يؤكدها العوتبي الذي يميز أبو الهاشم في مجموعة ابن رويحة ابن قطائب بن عبس الموجودة في عمان (أنظر كذلك مرجع ابن دريد، الاشتقاق ص277). إن تشكيل مثل هذه الاتحادات القبلية وتحالفات "الشف" (كما تسمى) هو أساسا مسؤولية التمائم (ج تميمة) المتأصلة من الأسر السلطوية العريقة. ففي حال ريام (راجع الغافري) ترجع التميمة على الأقل منذ القرن 19م من النباهنة (راجع ولكنسون 1977 ص183-185) الذين كانوا معروفين بملوك عمان لعدة قرون قبل عودة الإمامة على يد المآربة في القرن 17م، وهم من ذرية عتيق (من عمران أزد)؛ إلا أنهم قبل ذلك كانوا تميمة رواحة (هيناوة) الذين دخلوا في القرن 19م تدريجيا تحت خليل وهم أسباط أئمة الإمامة الأولى والثانية الذين (1/11)
صفحة 12
أزيحوا عن بهلة من قبل النباهنة، ومنهم كان آخر إمام حقيقي بعمان وهو محمد ابن عبد الله الخليلي (1920 - 1954). وعائلة الخليلي من الخروص وهي فخذة بني يحمد (من أزد شنوءة)، ونسبهم الأصلي يرجع على إلى الأقل إلى القرن 6م.
هكذا إن السلطة في المناطق المستوطنة بوسط عمان مرتبطة تقليديا بأسر أصولها من قبائل عريقة، بيد أن ظروفها قد تتغير كما أن مناطق استقرارها وفروعها قد تتجدد، فتبرز أنساب جديدة إلا أن شجرات النسب تكون معروفة وقليلا ما تكون محط شك. فالمجموعات القبلية الأساسية -وليس الحديث هنا عن الاتحادات القبلية فقط- المتواجدة في وسط وجنوب شرق عمان، إضافة إلى البطون الشيخلية، كلها ضاربة في القدم، ومعظمها يرجع أنسابه إلى أصول يمنية. فعلم الأنساب اليوم في عمان بالذات ليس محض نسيج خيال، رغم أنه تقريبي في الشمال، خصوصا في المناطق المتاخمة للبدو حيث يبدو أن الحركة القبلية والهجرات قد أعادت تركيب العلاقات القبلية بصفة عميقة في هذه المنطقة. بهذا يمكن موضعة أي فرد في السياق الجغرافي والتاريخي للبلد المعني وعلاقته بمجمل رقعة العالم العربي، مما يشكل استمرارا حقيقيا للفترة الزمنية التي تخصنا في هذا الكتاب. فأيا كانت الإشكالات المطروحة والمفاهيم التي تأسس عليها الانتساب للقبيلة اليمانية فإن طريقة الاستيطان والعلاقات التي تطورت ما بين الجهات المختلفة للبلد فهي حيوية لفهم التاريخ القديم للعمانيين سواء في الداخل أو الخارج، وكيف تم تأسيس الإمامة، وأسباب الحرب الأهلية، والطلاق الذي وقع بين شمال عمان ووسطه، وكذلك ما نتج عن ذلك من تسرب المذاهب (مثل الشافعية والمالكية) والإيديولوجيات الأخرى ("الخارجية" غير الإباضية والقرمطية وفيما بعد الوهابية) إلى المنطقة. كما أنها تذهب بعيدا في تفسير تاريخ القبائل العمانية وعلاقاتهم بالمجموعات الأخرى القاطنة بالأراضي التي فتحها الإسلام، موضوع تركيزنا في الفصل التالي. (1/12)
صفحة 13
إلا أن التشكيلة الأساسية تم وضعها في الفترة ما قبل الإسلامية في تاريخ هجرة القبائل العربية في جنوب الجزيرة العربية.
الأصول اليمنية لفروع الأزد
كما بيناه سابقا بخصوص القبائل الأصلية العمانية فان معظمها حتى اليوم يدعي الأصل اليماني. وهذا نجده في شجرة الأنساب الرسمية مبررا بجعل بطون أزد وقضاعة وطي وكندة تعود إلى أصل قحطاني. ففي فترة مجيء الإسلام كانت هذه المجموعات مهيمنة على هذه المنطقة بما في ذلك شمال عمان (هدان وكندة بالخصوص) رغم أن الأحداث التالية والهجرات غيرت جذريا وضعية المنطقة. وهذه الغالبية اليمانية نجدها منعكسة في تشكيل الفيالق العمانية الخمسة الأساسية في الجيش الإسلامي الفاتح، حيث كانت ثلاثة منها أزدية (شنوعة ومالك بن الفهم وعمران)، والرابعة من بني الراسب (من قضاعة أو من نسب أزدي غير مؤكد)، ولم يكن هناك إلا فيلق واحد من أصول نزارية، وهم بنو الناجية (من بني السما). إن في دراسة هذه العلاقات اليمانية ينبغي التركيز على العلاقة بين أزد وقضاعة على الخصوص، لأن ما حصل من قلب ولاء قضاعة الشام إلى اليمان كان بالضبط من ابرز التلاعبات التي وردت في أنساب ابن الكلبي (فبنو كلب كانوا جزءا من قضاعة الشمالية)، وهو تلاعب غريب في تاريخ قبيلة مالك بن فهم، الذين كانوا أول من هاجر إلى عمان. والأهم من تلك الانقسامات الداخلية لأزد أنفسهم، إذ لا يمكن فهم سبب وصحة الممايزة في المراجع الكلاسيكية بين أزد عمان وأزد سرات، وبين أزد عمان وأزد البحرين، وبين أزد عمان وشنوعة. ("أنا مثل من ساقه اليمنى سليمة بينما الأخرى مهشمة بفعل الدهر، الساق السليمة أزد شنوعة والأخرى أزد عمان"). كما يساعد في تفسير موجات الهجرة المختلفة للقبائل العمانية الذين جاءوا إلى العراق وخراسان، وكذا تركيبة الزعامة عند أزد الخمس في البصرة واستلام السلطة من قبل المهلبيين. كما قد يفيد في فهم الخلط الظاهر في العراق ما بين المجموعات (1/13)
صفحة 14
الأزدية البصرة والكوفة، ومساءلة المقولة المشهورة (أنظر الطبري ص2495 المجلد الثامن) بأنه رغم كون معظم الأزد في البصرة من العمانيين، إلا أن الأزد الأصليين فيها جاءوا من جهات أخرى، بل إن أزد قدماء سكنوا الكوفة قديما بما في ذلك أل قرة، "الذين صاروا فيما بعد من الخوارج". وقد يسلط كذلك بعض الضوء على سبب كون القوى الأساسية التي حاربت الخوارج الأولى كانوا أساسا من الأزد تحت إمرة المهلب بن أبي صفرة، رغم أن أول إمام خارجي تولى بعد حرورة في عهد تحكيم معركة صفين هو ابن وهب (مما أعطى تسمية الوهبية لفرع من فروع الإباضية الحقة، حسب بعض المصادر) من بني الراسب.
شتات الأزد
إن منطلق التطرق لهذه المسألة هي محاولة الوقوف على هوية الأزد، خصوصا أن المصادر الكلاسيكية تجمع، عند وصف عمان قبيل مجيء الإسلام، على أن الأزد كانت القبيلة المهيمنة هناك، تطابقا مع تأريخ العمانيين لماضيهم بداية من القصة شبه الأسطورية لشتات الأزد بعد انهيار سد مأرب على اثر فيضان سيل العرم، وانتشار فروعهم خارج موطنهم الأصلي نحو غرب الجزيرة العربية من الحجاز إلى سراط ثم انتشارهم فيما بعد نحو الشام (سوريا الكبرى) والعراق والبحرين الكبرى وعمان. وكما نرى في الجدول المبني على بحث الأوتابي، فان الأزد ينتسبون إلى جدهم 'ذرع' الذي لم يكن ذا شأن يذكر الا أن نسبه مهم في عقلنة العلاقات الدقيقة ما بين المجموعات الأزدية وارتباطاتهم اليمانية. (1/14)
صفحة 15
وكان جده الأول قبل أربعة أجيال هو 'زيد' الذي تنتسب لأخيه ثلاثة مجموعات هم: طي، الذين يعيدون كذلك سبب شتاتهم إلى قصة مأرب، وكندة ومذهج. وكان والد زيد هو كحلان أحد أبناء سبأ (أنظر السبئيين)، ومن ذريته حمير (أنظر كذلك المملكة الحميرية) ومنهم قضاعة ومن هؤلاء المهرة. ففي الترتيب السداسي الذي وضعه ابن الكلبي للأنساب القبلية على أسس الحجم، نجد كحلان ومضر وربيعة وحمير تمثل الفروع الكبرى، أي الشعب، رغم أن البعض يدعي أن هذه المجموعات تنتمي إلى الفرع الخامس، أي القبائل، والفرع السادس متروك لأكبر المجموعات، مثل اليمان.
إذن، فمجيء الأزد الأول إلى عمان تحت إمرة مالك ابن فهم هو جزء من تاريخ شتات الأزد في جنوب الجزيرة العربية بعدما تركوا موطنهم الأصلي حسب ما يدعون في مأرب، وذلك عبر ثلاثة فرق انتشروا مع قبائل أخرى نحو الشمال في اتجاه الشام والعراق وفي اتجاه الغرب نحو الجزيرة العربية الوسطى، أي العروض واليمامة، ثم في اتجاه البحرين، حيث انتقلوا في ما بعد نحو العراق والتنوخ أو في الاتجاه المعاكس نحو عمان وعبر الخليج نحو الساحل الفارسي، أما الثالثة فصارت بموازاة ساحل الجزيرة نحو عمان وبعدها إلى البحرين. ومن المفيد تسجيل أن هذه الهجرات المبكرة كانت تحصل مابين الفينة والأخرى حيث حصلت على طول عدة قرون، ورغم اختلاف طرقها الثلاثة في النهاية مثل ما يحصل في مجاري المياه، حيث تنقسم مرة حول جزر ثم تتلاقى أجزاء منها في المناطق المستوطنة في الخليج والعراق والشام الذي يفسر جزئيا التاريخ المعقد للهجرة التنوخية وللتطورات والتحالفات مع بني لخم وبني غسان وهي دويلات تابعة للإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية. كما تمكن كذلك من قدرة كبيرة على التلاعب بالأنساب. (1/15)
صفحة 16
فإذا نظرنا إليها على هذا الضوء فان قصة سيل العرم، هي أسطورة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة فهي تستحق أن يقراها المرء. وهي تستهدف أمرين: أولا، توحيد الأزد كمجموعة واحدة عبر نسب موحد وتاريخ موحد. ثانيا: أن تجعل مأرب موطنهم الأصلي، كما ستؤكد ذلك المراجع العمانية فيما بعد، وتشير إلى هذه الوحدة السياسية والنسبية، خصوصا عندما يقولون إن الأزد أعطوا اسمهم للمناطق التي أطلق عليها الفرس اسم "مازون" أي عمان، وذلك على أساس موطنهم الأصلي في إحدى أودية مأرب. أما التاريخ الحقيقي لمأرب، هو بطبيعة الحال مرتبط بجنوب الجزيرة العربية القديمة وحضارتها، وكانت تسمى سبأ، التي كان أكبر حكامها الأواخر من المملكة الحميرية. أما القرون الثلاثة الأولى من العهد المصري المسيحي، فكانت فترات مضطربة في مأرب إذ توالت على حكمها عائلات ملكية مختلفة، وكان العرب البدو في ذلك الوقت يقومون بمهام القوات المساعدة في جيش مأرب. وكانت في نهاية القرن الثالث الميلادي جنوب الجزيرة تحت إمرة حمير، أما حضرموت فكانت تابعة لملوك سبأ وذو ريضان. وتبين النقوش الارتباط ما بين القبائل العربية ودولتهم، إضافة إلى ذلك نعلم أن مداشير الساساني ما بين 226 و241م، أعادت السلطة الفارسية في شرق وجنوب الجزيرة العربية. وكان ملك عمان هو "عمرو بن الوقيد الحميري". وهذا الاستخدام للقبائل اليمنية باعتبارها قوات مساعدة أو تابعة للسلطة الحميرية هو أساسي في تحديد موضعها أمام تنامي سلطة عرب الشمال. ومن المهم أن الجزء المأربي من القصة هو تقليد جنوبي كما يظهر ذلك في تواجد وهب بن المنبه سنة 114هـ، في انتقال سلالة العوتبي في تأريخه لذلك (المرجع اب 180، ر)، وكان في مقدمة حماية التقاليد القبلية جنوب الجزيرة اليمنية النبيلة الحمدني (الصفة والإكليل). إلا أن تاريخ القبائل القحطانية تشكل أصلا في وحدة تحكمها الملوك العرب الحميريون، الذين كانت سلطتهم متوسعة إلى حدود (1/16)
صفحة 17
الجزيرة العربية. وهذا ما تنشده قصيدة الحميرية بتعليق نشوان بن سعيد الحميري توفي سنة 573هـ 1178م، أما حمزة الأصفهاني فقد كان على حق عندما قال إنه ليس هنالك تاريخ أكذب من تاريخ ملوك حمير، إلا أن الواقع أن كثيرا من قبائل العرب التي يخصها الأمر تبين على أنها مرتبطة بسلطة حمير وبالخصوص فترات توسع كندة.
التلاعب بالأنساب: مأرب وتنوخ
يعتبر الكاتب أن الباحثين "كاسكل" و"سترن زيوك" ذهبا في تحليلهما للأزد أبعد من اللازم في تفصيلهم، وذلك منطلقين من أثر بعض التلاعبات عليهم مثل الجزء المأربي من القصة أو الأسطورة التي لا تحتمل الفحص إزاء الوقائع، فإنفجار سد مأرب من جراء أثر سيل العرم يدمج أحداثا حصلت في فترات مختلفة ومجملها ستة في النصف الأول في الألفية الأولى الميلادية ودمجها حتى تصبح حدثا واحدا، وآخر هذه الأحداث التي لدينا تفاصيل عنها انطلاقا من النقوش التي ترجع إلى سنة 657 للفترة الحميرية، وقد تناسب سنة 542 أو ما بين 537 و547م، في فترة كانت القبائل العربية المختلفة متمردة، وكان على الجيوش الحميرية والحبشية أن تخضعها. أما الوثائق عن الإصلاحات المختلفة مرتبطة بهذه الفترة بالذات، حيث استقبل الملك السفراء من نجاشي الحبشة ومن إمبراطور بيزنطة، وكذلك مجموعة من السفراء من فارس، بالإضافة إلى مبعوثين من الحيرة وغسان، كل ذلك متناسب مع القصة الأسطورية التي مفادها أن مالك بن فهم وصل إلى عمان مع مجموعة القبائل الأزدية ووجدوا الأرض تحت سلطة دارة ابن دحمان، ولاشك في الفترة الشيمانية أو الخيمانية، أو كذلك أن النزوح سببه أن ما وقع في سد مأرب الذي يبدوا أنه قد حصل في بداية السابع وإن كان ذلك فلم يكونوا ليصلوا إلى عمان قبل ولادة الرسول ولهذا فإن حصول انفجار سد مأرب هو الذي دفع بالأزد إلى الشتات إن ذلك حصل قبلا أو في الفترات السابقة، وقد يكون ناتجا عن الظروف المضطربة قبل تأسيس الحكم الحميري، وإذا قبلنا (1/17)
صفحة 18
المقولة فهي لا تؤيد الرباط الأزدي بالقبائل اليمنية المهمة بسلطة جنوب جزيرة العربية المبنية حول عاصمتهم مأرب.
إلا أن التلاعب الأهم والأوضح في الأسطورة هو نزوح تنوخ من الأزد وقبائل قضاعة ونزار التي ابتدأت في البحرين، آتية من الأنبار بعد توسع "ارباشير" (أنظر الساسانيين) في العراق، توجه جزء منهم إلى تأسيس الحيرة التي أصبحت فيما بعد عاصمة للدولة اللخمية كما جاء على لسان الطبري، الذي أسس كلامه على ابن الكلبي. وهذا الحديث ينقسم إلى جزأين أوله يبتدئ بالبحرين (أنظر الطبري)، ويشتمل على التحالف الأزدي القضاعي، حيث يعطى مالك بن فهم وأخوه عمر نسبا قضاعيا، حيث قيل فهم بن تيم، تيم الله بن كذا بن كذا إلى نهاية النسب إلى قضاعة بينما زعيم قضاعة "مالك بن زهير بن مالك بن فهم بن تيم الله بن كذا بن كذا إلى قضاعة، يعتبر الزعيم الأزدي جذيم الأبرش ابن مالك ابن فهم الأزدي يدعوه للالتحاق بهم في التحالف عبر التزاوج. وواضح التلاعب في نسب مالك بن فهم، كما أن القول بان تنوخ التحق بهم بنو عمران أزد واضح، فكل هذا حصل في البحرين ولا شيء يقال عن عمان، وبوصولهم إلى الأنبار يصبح الملوك على التوالي مالك، يتلوه عمر، ثم قضاعة، وبعد ذلك جذيمة، أي أزد، بوضوح وبعبارة أخرى، إن الزعامة قد مرت من قضاعة إلى أزد، إلا أن مالك وعمر كانوا يحسبون على قضاعة. فإلى قضاعة الذين جاءوا مع مالك وعمر ساروا ملتحقين بقضاعة في الشام، وبذلك يربطون قضاعة الشمال بقضاعة الجنوب، ويرتبون الطريق لتغيير في النسب. وبوصولهم إلى الحيرة أصبح النسب الذي قدمه المسعودي، يركز على مجموعة الشماليين لهجرة أزد مبتدئة بالاختلاط، فحسب هذا النسب بعد مأرب والغسانيين، هذا الاسم هو الذي أعطي لمازد ابن الأزد وقد انتقل شمالا ووسع حكمه على دولة التنوخ التي كان يحكمها مجموعتان من قضاعة، أي مالك بن فهم، ومالك بن زهي، بينما مجموعة أخرى تحولت إلى تأسيس الدولة اللخمية (1/18)
صفحة 19
الأولى. وبهذا النسب هناك توزيع واضح للأفخاذ الثلاثة الأهم المنتسبة إلى عمر موزيقية، أي ابن عامر ماء السماء ابن مازد ابن الأزد، وجفنا وهي مجموعة شيوخ الشام ومالك بن الفهم في العراق وعمران في عمان والبحرين وخزاعة وأنصارهم الأوس والخزرج الحلفاء في الحجاز، وفي البريق في صراط أي في الجبال ما بين تهامة واليمن (أنضر صفة الحمداني، ص108)، أساسا هذه التقارير التي أعطاها المسعودي تركز على إعطاء التواجد الأزدي في شمال قضاعة بالخصوص واستخدام الحيرة لتوسيع أهميتهم في الدولة اللخمية، بينما نجد في نسخة ابن الكلبي قضاعة وسلطتها محدودة في المناطق الأزدية ويستخدم الحيرة لتوسيع سلطتهم نحو شرق قضاعة إلى الشمال، فبوصول التنوخ إلى الحيرة قد يصبح النسبين متناقضين. (1/19)
صفحة 20
ونقطة بداية ابن الكلبي هي البحرين ويعطي الانطباع بان المجموعة الأزدية وصلت هناك عبر الطريق الوسطى للجزيرة العربية، كل هذا كان يحتاج إلى كثير من التلاعب التاريخي، إذ أن مالك بن الفهم هو الوسيلة النسبية الأساسية لتأثيره على هجرة التنوخ وتقليل أثرهم في عمان. من جهة ثانية، فالواقع بان المجموعات الأزدية الثلاثة مهمة وهي من عمان: آل مالك بن الفهم وال عمران، والشنوعة، وهم آل عثمان بمصر، كانوا في مقدمة الواردين في البصرة في الحملات الإسلامية نحو إيران وكذلك في محاربة الخوارج. لذلك فمالك بن فهم العماني لم يكن لينحى جانبا، فالتلاعب كان هدفه ربط الهجرة الأخيرة لبني أزد إلى عمان والشنوعة (أنظر أسفله) التي بقيت عناصر كثيرة منها في الجزيرة العربية الغربية لأحد أجداد مالك بن الفهم وجعل مسؤولية الهجرة عليه، وبذلك تفادي الحديث عن مالك بن الفهم بحد ذاته، لذلك يفترض أن المجموعتان كانتا مرتبطتين عبر ظهران ابن كعب وسلفه نصر ابن الأزد اللذين تسببا في تشتيت المجموعة الأزدية في غرب الجزيرة العربية وعمان. وهكذا فإن أعمال القبائل السياسية القحطانية الخالصة (أنظر تعليق على القصيدة الحميرية والحمدانية في الصفة ص212)، لم يكن هناك أي إشارات إلى مجموعة مالك بن الفهم أو إلى آل شنوعة مهاجرين إلى شرق الجزيرة العربية، إذ تم تصنيفهم تحت اسم نصر بن الأزد وهذا ما حصل في مجموعة عمومية من الأنساب القبلية حيث نجد إن مالك بن الفهم وصل إلى عمان عبر طريق البحرين الخليجية، بينما التواريخ العمانية تقول بوضوح إنهم وصلوا عبر جنوب الجزيرة العربية وهو ما يؤكد فيبحث للتوزيع الترابي للمجموعات القبلية كما سنرى لاحقا. (1/20)
صفحة 21
هنا نجد مؤشرا أخر يدعم رأي كاسكل في إن الأزد أنفسهم لم يكونوا مسئولين عن الهيكلة العامة للأنساب الأسرية بل كانوا هم يمانيو-الشام، وبالتأكيد كل هذا يدفع إلى الاستنتاج بأنه كان لديهم قليل من المعلومات الحقيقية لتوثيقها عن عرب التنوخ وهجرتهم، وبذلك يطرح السؤال: إذا كانت الصورة العامة للعلاقات القبلية ليست إلا من بنات خيال النسابين، وقد يكون ذلك صحيحا حتى نرجع النظر إلى الآثار الكتابية. فكتابات النص الآرامي اليوناني"نص أم الجمل"، المذكور في ربرتوار ديبيجراا في سيمتيك رقم79، 10. هذا النص يتحدث عن ضريح راعي جدمت، أي جذيمة، وهو ملك تنوخ، كما تفسر ذلك التوضيحات اللغوية، والنص الثاني هو كتابات نمارة رقم "ربيرتوار ريتيكرافي سيميتيك" رقم483، الذي يفسر كيف أن امرؤ القيس الذي توفي سنة 128 ما بعد الميلاد كان ملك العرب وهو الذي بسط سيطرته على الإسديم وعلى معد وعلى نزار، ونظم القبائل العربية لصالح بيزنطة. ويرى الباحثون الأوربيون أن الأسماء المذكورة هم الأزد خصوصا، إن النسابة العرب اجمعوا على أن 'الأسد' هي طريقة أخرى لكتابة الأزد إلا أن هذا القول يحتاج إلى تمحيص إذ ليس من الواضح إذا كانت هذه العبارة مفردا أو جمعا. أما النص الثالث، والذي ورد مطولا على لسان "فان ويسمان" (المرجع14)، يخص شمار يهاريش الثالث وفرسانه، وهذا النص يتحدث عن غزوات أولئك الفرسان إلى ماسا وواضح من أنه مشرق الجزيرة العربية ضد مالك ابن كاف (غير أن الكلمة غير واضحة) وهو مالك الأسدي والى مملكتين فارسيتين أخريين، كان من الواضح من أن إحداها هي قطيف، وكانت أصلا اسم منطقة من الجزيرة (أنظر كذلك مرجع ياقوت البلدان)، وإلى أرض تنوخ كما جاء في النص. وتضيف المصادر اليونانية على أن الاسدنوي كانت أراضيهم قريبة من "اللينين" ما بين جرذة في البحرين ومخرجي دجلة، وهي منطقة 'التنويتاي' -حسب النطق الإغريقي- الذين كانوا يخلطون مع التنوخ، مما (1/21)
صفحة 22
يطرح الشك حول المرجع اليوناني للأسماء المذكورة في المرجع "ريبرتوار ريتيكرافي سيميتيك" رقم79، 10 وهي منطقة يبين البلعمي أنها كانت لمدة طويلة تابعة لملوك عمان. كل هذا يبين على أن "جذيمة" كان ملكا في القرن الثالث وتنوخ مملكة فعلية في بلاد الشام أو ما يسميه البيزنطيون "اورينس" أي المشرق الذي أصبحت في ما بعد تابعة لها (أنظر المرجع "ا" 12 تنوخ).
يبدو أن هنالك أساسا تاريخيا حقيقيا لقصة هجرات تنوخ وارتباطها بأزد، إضافة إلى ذلك، إذا فحصنا مختلف قصص سد مأرب نجد أن انفجار السد لم يكن هو السبب الأساسي لتشتت الأزد، بل كان ذلك للمرة الثانية ببطون عمر المزيقيع، أي أساسا من أزد الشمال، كما ورد ذلك على لسان المسعودي. الواقع أنه يشير إلى أن بني غسان صاروا يؤرخون لأنفسهم لما بعد الهجرة من مأرب، قبل أن تنخر الفئران سده وتسبب في انهياره. إذا كانت نظرية "كاسكل" و"واسترنزيوك" أن النسابة العرب كانوا يستهدفون أولا إظهار الوحدة اليمانية لأغراض سياسية في الإمبراطورية العربية، في بدايتها يظهر أن هذا صحيح، إلا أننا نضيف إليها هدفين آخرين الأول هو ربط القبائل العربية مع ما يمكن أن نسميه القبائل الأولية الشيء الذي سيتضح فيما بعد. أما الهدف الثاني، فكان تحديث حضارة الجزيرة العربية في الجنوب والدول الهامشية أو الدول المحيطة بالهلال الخصيب. الهدف إذن: هو نسب حضارة جنوب الجزيرة العربية ودمجها في الحضارة العربية إضافة إلى مناطق الهلال الخصيب وإحدى المشاكل المطروحة فيما يتعلق بنظرية ابن الكلبي ونظريته الشاملة وعمله الشامل هي أنها كانت تلهت وراء ذلك الهدف فطبيعتها غير الدقيقة تدعونا إلى طرح الأسئلة بشأنها وهكذا فان الباحثين الغربيين المذكورين سالفا توصلون إلى الاستنتاج التالي. وعندما نتطرق إلى وضعية الأزد نستغرب بأن القبائل وبطون أزد صراط وأزد عمان، تم الخلط بينهما وهدف هذا الخلط واضح عن طريق النسب يتم تقديم (1/22)
صفحة 23
وحدة وهمية لأغراض سياسية أو تحزبية، إلا أن الطريقة تمت بعنف وهذا يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت مرتبطة بتطورات سابقة عليها، فعندما نجد أن الأزد الذين كانوا يعيشون في البصرة قبل مجيء أزد عمان في سنة 59هـ 679م، كانوا أصلا من الدوس تصبح التفسيرات واضحة فمجيء مالك بن الفهم حاول الاحتماء بأراضي الدوس، ونتساءل لماذا كان ذلك؟ الجواب هو أنه كان في وضعية الكوفة، وهذا من الخطأ الفادح، وسنرى في الفصل اللاحق أن التفسير هو عكس ذلك تماما.
روايات الأنساب الحمانية (1/23)
صفحة 24
لاشك أنه كانت هنالك إضافات إلى الأنساب القبلية الأزدية، فأصول بني غسان والأنصار والإضافات الشرفية المفيدة لم تكن هي المفيدة، بل إدماج أزد عمان مع المجموعات الأزدية الأخرى من الجزيرة العربية الغربية وربطها مع بعض القبائل اليمانية الأخرى وخصوصا كندة الموجودة بقلب الوضعية الأزدية في حزب اليمن. إن الوضعية لا يمكن فرزها مستخدمين مراجع ابن الكلبي وحدها، ولكن باستخدام الروايات البصرية والعمانية التي رغم أنها كانت تعترف مرورا بأهمية ابن الكلبي وشجرته النسبية بصفة عامة، إلا أنها كانت أكثر تفصيلا عندما تتطرق للجزيرة العربية الشرقية، وفي هذه التفاصيل نجد مفتاح فهم الأوضاع. وهكذا إذ نجد هذه الروايات الخاصة بأزد وقضاعة معروفة للمصادر العمانية، لم يكن هؤلاء على دراية بكيفية معالجة تفاصيلها، فابن دريد في معالجته لنسب قضاعة (كتاب الاستحقاق سنة 542–543) حاول تقديم حل وسط -الذي كان بارعا- إلا انه لا يحتمل التمحيص، فابن الكلبي كذلك كان واعيا بالروايات العمانية لأنه كتب على أساس ما جاء في كتاب أبيه، وفي كتابات الشرق والقدامى، حيث كتب فيه بان مالك بن فهم ترك أثارات للهجرة إلى عمان في الوقت الذي نجد فيه المائة والخمسين أو حواليها من الأعمال التي كتبها ابن خلكان (608-611) تعتبر كتاب "تفريق الأزد" مرجعا لها، إلا انه اختار وبوضوح أن يتجنب المراجع السابقة في أعماله الجامعة. وفي روايته عن هجرة التنوخ، والتي تخص بالدرجة الأولى، كما أوضح ذلك "كاسكل" و"واسترنزيوك". فقد اهتموا بالخصوص بالوضعية السياسية المتطورة في الشام بين اليمن وقيس أو مضر، فالعمانيون كانت لهم روايتهم الخاصة، وهذه الروايات هي التي يجب تمحيصها. (1/24)
صفحة 25
إن المرجع الأساس للقبائل اليمنية في ما يتعلق بتاريخ الأنساب في عمان، كما سيوضح لاحقا، هو "سلمى ابن مسلم ابن إبراهيم العوتدي" وكتابه "الأنساب"، وهو الذي سجل أساسيات التاريخ الذي يهمنا اليوم. أما الكتب اللاحقة، مثل "الصحيفة القحطانية" لابن رزيق فإنها معروفة بأنها نقل أو سرقة مباشرة، رغم أن فيها ملحقات مفيدة إلا أنها غير دقيقة كما يبين ذلك السالمي (بدون ذكر المؤلف). مع الأسف جميع مخطوطات كتاب الأنساب تبدو أنها مأخوذة من احد الكتب الذي تبقى في الفترات اليعربية واستخدم الكاتب عبد ربه نسختين من ذلك الكتاب الأول نسخ سنة 1089هـ 1678م، وكان في مكتبة جعيد ابن خميس الخروسي عاش مابين 1735م و1822م، ونسخة تحمل حرف ألف في المكتبة الوطنية بباريس، وهي مؤرخة بسنة 1115هـ 1703م، وكان قد استنسخت لرجل كان واليا لمسقط سنة 1730م. إلا أن النسختين الناقصتين وكذلك النسخة المستخدمة من قبل السالمي ونسخة القاهرة المستخدمة من طرف ناشر السالمي أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، تنتهي بسرد غير كامل لقصة الأزد خصوصا في منتصف الشنوعة ومرجع "فلورويت" للكاتب كان في أواخر القرن 5 إلى القرن 12(1)، إلا أنه يقول في مرجع (ا50-ب35) أن هدفه كان هو معالجة الأحداث إلى غاية 345هـ 957م، كذلك أن أهمية اشتقاق ابن دريد -والكاتب بذاته من أصل عماني أمضى بعض الوقت في البلد في عهد الإمام الصلت ابن مالك الخروسي وذلك سنوات 237هـ 351 و386م، هذين المؤلفين يمكنانا من تحديد بعض ما كان يبدو الكلبي يستخدمه كأساس لشجرته النسبية لتوحيد العلاقات القبلية العربية في كتابه "جمهرة الأنساب" لذلك فإذا رجعنا إلى موضوع هجرة التنوخ، يوضح العوتبي أن مالك بن فهم وقبائله جاءت إلى عمان من الجنوب، وأن مالك بن زهير ليس قضاعيا بل زعيما أزديا آخر من بني عبد الله بن الأزد الذي كان متحديا لمالك بن الفهم قبل الزواج منهم مما جعل ذريتهم يلتحمون، وهذا
__________
(1) - انظر المرجع16 (1/25)
صفحة 26
ما يبين أن أصول الملك سليمة وهو الذي قتل أباه بغير عمد وسار معروفا بالشعر الجاهلي، وأدق من الناحية التاريخية هي أهمية بني سليمة وعائلاتهم سواءا في عمان أو في الشواطئ الفارسية كما سنظهر ذلك، وأهمية عبد الله بن الأزد من الناحية النسبية تبدو أنها تدمج العق الذين كان لهم جزء في تاريخ التقليد للأزد بغرب الجزيرة العربية والعلاقة تدعوا للشك، وتبدوا من الإضافات لنوع آخر كان على"كاسكل" أن يفندها لولا أن عناصر العق كانوا مرتبطين بالأزد في حروب المهلب ضد الأزارقة (أنظر المرجع ب135 ار)، أما بالنسبة لجديمة الأطرش فأهميته في المصادر العمانية أنه كان من أجداد الجهاديم، فالهدف هو إعطاؤه أصلا معروفا ومحترما كالزعماء مثل مالك بن فهم في البصرة بصفته من ذرية ملك الأزد. فهل كان الهدف هو توضيح أن جذيمة كان أزديا من ذرية مالك بن الفهم؟. من الواضح أن المصادر العمانية دقيقة بخصوص زعامة الأزد على طول المنطقة الممتدة من عمان إلى حدود العراق التي كانت تحت إمرة مالك بن فهم الأزدي وذريته حتى مضت بعد زمن طويل إلى سيطرة شنوعة، فالروايات العمانية تؤكد كذلك أن الأزد كانوا ذووا أهمية في البدايات في منطقة البحرين، أما بخصوص هجرة الجنوب فإن المصادر العمانية توضح أن مجموعة واحدة من بني مالك بن الفهم كانت معنية. أما بني ثعلبة الذين هجروا عمان نظرا للشقاق المتزايد بين بني سليمة والذين نزلوا في الديار الفارسية ودعمهم بنو قضاعة وكذلك المعن أنظر المرجع (ا 260-194 ل)، ففي نظرنا أن نسخة ابن الكلبي بخصوص الانتشار الأول لابن العربي ثم الخلط ما بين هجرة التنوخ وكان ذلك صحيحا نسبيا في ما يخص سكان شرق الجزيرة العربية إلى حدود العراق طالما أن الأزد كانوا يعوضون قضاعة. (1/26)
صفحة 27
والمثال الثاني من المصادر العمانية قد يكون كافيا كدليل، فإذا أخذنا عمر ابن الأزد والعوتبي فإن هذا الأخير يوضح أنهم كانوا أزيد من احد عشر وولت اثنان منهم اندمجوا مع عبد القيس واثنان في بني غسان وواحد اندمج في المنهج، وبقي اثنان على هويتهم في الشام، واثنان في حجاز صراط، واثنان في عمان، وهذا بعيد أشد البعد عن الإدماج البسيط لصراط في العمانيين، بعكس ذلك تتضح سهولة الانتقال في ما بين المجموعات القبلية خصوصا في هجرتها. بنفس الطريقة إن معالجته لبني البريق وأولاد عمومتهم المذكورين في (المرجع ا215، ب156) تميز تطورات المجموعات القبلية الكبيرة والتبادلات المتتالية لبطونها في الوقت الذي تستقل بطون أخرى لتشكيل مجموعات قبلية مستقلة أو الهجرة من أجل الاندماج في تحالفات أكبر في مناطق أخرى، وعندما يقول إن الندب في عمان هم نفس الندب في الصراط بصفتهم بطن من بطون"بني عنوه" بينما آخرون يؤكدون أنهم من ندب زياد بن شمس بن شنوعة، فلا يفعل شيئا من ذلك بل يسجل أن قبيلة الندب في عمان وكذلك في صراط وقد تكون القبيلتان مرتبطان في أصولهما أو عكس ذلك. (1/27)
صفحة 28
إذا جردنا الأزد من الإضافات المشكوك فيها نجد أن هناك ثلاثة مجموعات من البطون في أصولهم، وهم الدوس وشنوعة وعمران ونجد بينهم ارتباطا قريبا بين أزد صراط وأزد عمان، أما التقسيم الجغرافي فهو أوضح، حيث نجد المجموعة الكبرى وهي مجموعة مالك بن فهم في شرق الجزيرة وفي باقي صراط وليس هذا بغريب إذا علمنا أن قبيلة مالك الفهم كانوا أول الأزديين الذين هاجروا إلى عمان. فالتمييز ليس واضحا بين آل عمران الذين كان عددهم يزداد لأنهم من فصيل بني عتيق وبني المهلب كما سنرى، وهناك عنصر مهم في صراط إلا أنه في منطقة عمان يتبين من استيطانهم أن المجموعات الأزدية الأولى التي جاءت عبر البحرين كانوا شديدو التوسع ونشك في كونهم أخلاط كمجموعات ذات أصول متميزة جاءت من صراط، ولم يكن النسابون يعرفون ما يفعلون بهم فارتباطهم بغسان مشكوك فيه ومن الأفضل اعتبار بني عمران مجموعة مستقلة تماما، إلا أن التمايز الجغرافي واضح بالنسبة لدوس، بينما الأمر ليس نفسه بخصوص آل عمران وأزد شنوعة الذين أتوا إلى عمان مندمجين في المنطقتين، فنعت "شنوع" يخص ذرية "عثمان ابن الناصر" الذين كانوا يسمون كذلك بأنهم يكرهون بعضهم، وسيظهر ذلك في خلافاتهم مع الهدان الذين كانوا زعماء على الاتحاد الأزدي في البصرة في السنوات الأولى. وأل يحمد الذين كانوا على رأس الإمامة الأولى الشيء الذي تسبب في حرب أهلية عظيمة في نهاية القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، ومن الممكن أن نفس التسمية "شنوعة" دفعت إلى أعلى قمة الشجرة بنفس الطريقة التي حصلت لغسان عندما دفعت إلى قمة الشجرة ذرية مازن بن الأزد، مما جعل تسمية 'الأزد' أو 'وحدة القبلية أزد'، يسمى بها بعض المشاركين في 'معركة الجمل'، والشاهد على ذلك مقولة "يا غسان" التي ذكرت في (مرجع الطبري 3195)، على أن نسبة "شنوع" لم تكن تستخدم كثيرا أبعد من عثمان بن ناصر وجميع المصادر النسبية أو غيرها سواء العمانية أو (1/28)
صفحة 29
الكلاسيكية تبين أنهم موجودون في الحجاز وعمان رغم كثرتهم في عمان أكثر من الحجاز، ورغم الخلاف في توحيد "أزد صراط" و"أزد عمان" عبر الدوس فبصفته نسبا مفردا أو مصطنعا. أما الأسئلة التي قد تطرح بخصوص ذرية عمران من أصل "عمر موزيقية" على العلاقة الحميمة مع مجموعات في شنوعة بين الجانبين من الجزيرة العربية، مما لا يدع مجالا للشك، وبالتأكيد يفسر إلى حد كبير التمايز بين أزد عمان وأزد شنوعة الواضح في المصادر الكلاسيكية .
وأؤكد كذلك أن هنالك إحساسا بالهوية الأزدية الحقيقية، وليس التحالف في الجزيرة العربية ما قبل الإسلام بالخصوص فيما بين شنوعة وعلاقتهم السابقة مع كندة وما ستلعبه من دور مهم في تنمية حزب اليمن في الفترات الإسلامية ولم تكن من الأمور المصطنعة في الأنساب أو محض أسطورة سياسية في الشام والعراق والبصرة والكوفة فحتى كاسكل وسكرنيوك كانا مترددين بالاعتراف بهوية الأزد بطريقة مقنعة.
رغم الصعوبات يمكننا الرجوع إلى عمان ما قبل الإسلام والنظر في التوزيع القبلي والعلاقات ما بين القبائل مع فارس، بهدف فهم درجة الاستمرار في السلطة السياسية، والتنافسية. وتطور نوع خاص من الإسلام نشا وتطور في البصرة وتجذر في جنوب الجزيرة العربية وكذلك في بعض بلدان المغرب.
هجرة قبيلة مالك بن الفهم إلى عمان (1/29)
صفحة 30
حسب الروايات العمانية وتبعا للنزعات القبلية هاجر مالك وأبناؤه وأتباعه مع بعض القضاعيين وربما مجموعات معد وطي، وقد هاجروا من صراط وتهامة أولا للاستقرار في بغوطة في واد حضر موت، وهناك علم مالك عن الفارسيين في عمان وبعث ابنه "حناة" أو"حنا"، الذي سيذكر فيما بعد باسم حنا رغم أن بعضهم يذكره باسم "فراهيد"، للتباحث والتفاوض بمعية قوة مهمة تمثلت في بعض المجموعات ومنهم معد على ما يبدوا بقيت ولم تذهب معه، بينما مالك وأتباعه اتجهوا إلى تخوم الجزيرة العربية في الجنوب متسللين بذلك إلى أراضي عمان الجنوبية الشرقية في "جعلان" وعلى طول الشواطئ المحيطة لمنطقة قلعة القناة، أي في هوامش المناطق المستوطنة آنذاك، وفي الرواية أنهم في طريق "مهرة" انقسموا عن مجموعة مالك واستقروا في منطقة 'الشهر' (أنظر ص17) وهذا يبين أن العلاقة ما بين العمانيين والأزد في الشواطئ الجنوبية، وهي المنطقة المذكورة في النصوص العمانية الأولى ببلاد "المهرة"، والمهرة لم يكونوا قبيلة بل شعبا منفصلا بلغته، وينتمي إلى قبيلة أوس، فلم يعتبرهم جيرانهم عربا، ومن جهة أخرى هم ذوي نسب شريف، وعلى خلاف "الشهري" فالمتحدثين بلغة اوسا أسسوا حضارة بالشواطئ الجنوبية كانوا أساسا من القبائل الضعيفة التي تشتغل في حرف بسيطة، وكما لم يكن مسموحا لهم بحمل الأسلحة رغم أن هذا التقليد لم يكن موجودا في عمان. هكذا في "ضفار" المهرة على طول القارة والكسير جاءوا لتشكيل إحدى القبائل القوية (أنظر تعليق 18) فالمهرة يعتبرون أنفسهم منقسمين إلى فرعين أساسيين منذ القدم، وهما: المهرة الأصليون المنضويون تحت بطن "بني سرويح" والعرب المهريون أو الذين اتخذوا الأصل المهري من بني "صار" وإلى فترة توسع بني كثير في أواسط القرن 16 كانت بلادهم واسعة وتمتد إلى "طريم" في "حضر موت" وإلى "الشهر" بينما كانوا يسيطرون على جزيرة 'سقطرة' حسب المصادر القديمة. وكما كانت لبلاد المهرة ذكر (1/30)
صفحة 31
في المصادر الجغرافية القديمة للمنطقة كانت كذلك بلاد 'الشهر'، فالاسم لم يظهر فقط مرتبطا بالمرسى التي طورها 'الكثيريون' ولكن بصفة عامة كان مرتبطا بالشاطئ الجنوبي الذي سيصلح فيما بعد لحماية شرق عدن وهي موطن الوشهرين من شرق إفريقيا. أما الترابط الوثيق ما بين الأزد والمهرة الذي ادمج في شجرة الأنساب عبر قضاعة وهو حمير، فهو ظاهر في التاريخ الإسلامي الأول حيث نرى أبو عبيدة يوجه اللوم للأزد بقوله "اربشير اباباك"، أي من الساسانيين الأول، جعلهم بحارة في شهر عمان في ستة مئة سنة قبل ظهور الإسلام. (1/31)
صفحة 32
وهذا الربط لا يرقى إلى التحالف كما سنرى لبعض مجموعات مهرة المعروفين 'القمروريان' مع آل مالك بن الفهم هجرتهم، وهذا ما يظهر كذلك في تاريخ تمركزهم الأولي 'ضفار' وفي 'جعلان'، وهي منطقة كانت في الفترة ما قبل الإسلامية من أراضي بني عمر ابن مالك بن الفهم، وقد كان هذا النسب المهري يعترف به في المصادر العمانية والكلاسيكية وهو ما يبين أن بعض القبائل كانت تعتبر عربية ذات أصول مهرية رغم ذلك وكما يبين أيضا وبلا شك أن مرتبة الشرفاء كانت مهرية خالصة أما السكان الذين اعتمدوا الأصل المهري هم "ضفار" ونجدهم عربا، كانوا يوصفون من قبل الحمداني على إنهم بياصرة أي شعوب مهمشة الشجرة مثل الشجار المتاهرة، كما أنهم يعتبرون في عمان اليوم رعايا أو مجموعة تابعة يعتبرها العرب من دون أصل. ويمكن القول بأنهم ينتسبون إلى السكان الأصليين في المنطقة، ففي الخلط الأول ما بين بني قضاعة وبني مالك بن الفهم على تخوم عمان نرى كيف إن ابن الكلبي تمكن من خلط الأصول العائدة إلى مالك بن الفهم مع أزد تنوخ وقضاعة الزعماء القضاعيون في هجرتهم التنوخية إلا أن هذا كان أساسا لصالح قضاعة الشمال الذين استوطنوا منذ أمد بعيد في الصحراء السورية وكما إنهم كانوا معارضين للقبائل العربية الجنوبية الأصيلة وخصوصا عدن حمير وهدان التي أصبحت فيما بعد مسيطرة على سوريا وجند فلسطين والأردن ودمشق وحمص في الفترات الإسلامية الأولى كما بين 'كول' إنه عندما يعمد النسابون لتقسيم الكوفة إلى أسباع في القرن السابع عشر الهجري جعلوا لقضاعة نفس السبع الذي حددوه لحضرموت والقبائل العربية الجنوبية الأخرى، لكنه ليس بنفس السبع المحسوب لحمير التي ستندمج معها فيما بين الدهر قضاعة سوريا. وبعبارة أخرى، رغم إن السبب كان كافيا للنسابين لتناقض مصلحة قضاعة في تناسي أصولها في شمال معد واصطناع أصل يماني عبر حمير فكانت مجموعات قضاعية عربية من الشرق والجنوب لها علاقات (1/32)
صفحة 33
ارتباط وثيقة مع الأزد وكانت في تحالف مع قبائل اليمن. وعندما نعود إلى مالك بن الفهم وتقدمه نحو عمان فمن قاعدتهم حوالي "قلحط" بدا العرب في التسرب للمناطق الصحراوية المحيطة 'بجوف' وسط عمان من الجانب الغربي للمناطق الجبلية، حيث تقول الروايات بأن الناس اعترفوا بدارة من دارة بن دحيان كزعيم لهم فكانت هنالك مفاوضات مع مرزدان التي ابتدأت خلال التدعيمات التالية –دعم الفارسين لسهر– وكانت طلبات ابن مالك لمنطقة رعوية ونقطة ماء رفضها السكان وتلتها معارك في 'سروت' وبعد ذلك دفع الفارسين نحو السلم فأبرمت اتفاقيات السلم على أن يخلو لابن مالك عمان خلال ظرف سنة وخلال هذه الفترة سيدعم الفارسيون منطقة سهر بينما يبقى العرب في الصحراء وعلى سفوح المناطق الجبلية فيما يعود مالك إلى 'قلحط' (أنظر23) خلال هذه الفترة السلمية قام الفارسين بإفساد الأرض وجرفوا الأنهار والأبراج والتي بناها سليمان بن داوود -وكان قد بنا منها عشرة- في نفس الوقت قام الملك دارة الذي كان غاضبا إزاء ما حصل فبعث تدعيمات عسكرية والتقى بجيش مالك حيث استخدم الفرس الفيلة، وذلك لأن العرب انتصروا وفي جنح الليل فر الباقون على قيد الحياة عن طريق قوارب للعودة إلى فارس وبذلك أصبح مالك ملكا على عمان وتلت هجرة قبائل أخرى من الأزد مثل طلائع النسيم. (1/33)
صفحة 34
يمكن تقديم النقط التالية على الرواية. أولا: أن التأويل الذي سجله العوتدي حول سليمان بن داود وانه بمعجزة انشأ الأنهار، أي القنوات ونظام الري الذي كان أساس الاستيطان في عمان. لقد كتب مطولا في هذا الموضوع ولا أود العودة في نقاشاتي إليه الآن خصوصا وأن أصول القناة في عمان هو محط نقاش ساخن مع الدلائل الأركيولوجية التي تبين ربما الأصول الذاهبة إلى ما قبل العصر الأرخبيلي وليس هنالك دليل على أن هناك عائلة ملكية حكمت عمان (أنظر24) والواضح رغم ذلك أن مستوطنة القناة في الفترة السابقة كانت على الجانب الغربي للجبال للمجموعات المحيطة بازكي ونزوة ووادي بهلة في جوف، وأن فلوط كانت هي المركز الكبير في هذه المنطقة خلال معظم القرن الأول قبل ميلاد المسيح، والى الشمال كانت هنالك قناة كبيرة وربما تكون سابقة بنيت على منحدرات الجبل مرتكزة في السر في منطقة العبري وفي توام، بل مما يثير الجدل أكثر هو من يكون المذكور دارة بن دارة بن دحمان؟ فهل دارة بن دارة يشير إلى الاخميدي الجزء الأول إلى الجزء الثالث؟. بينما دحمان قد يكون من الآباء أو من الأجداد الساسانيين وقد تكون هنالك مواجهات مع الفارسيين في منطقة فلوط، ربما حتى في الفترة المحيطة بالقرن الأول الميلادي إلا أن هنالك شيئا مؤكدا لم يكن هنالك في التاريخ العربي شخص اسمه مالك بن الفهم جاء إلى عمان في الفترة التخمينية، وهذا يطرح مشكلة تعريب شرق الجزيرة العربية، وفي هذه الحالة ماذا نعني بالعرب؟ ف "فون فيسمان" في مؤلفه 1964 وفي مؤلفه الآخر "البدو" يحدد الانتقال للظروف المضطربة التي طالت جنوب الجزيرة العربية في نهاية القرن الأول الميلادي، فدخول عمان يتناسب مع انهيار الحكم الارزاسي في بداية القرن الثاني أو الثالث الميلادي، لاشك أنه في صغر "شابور" الثاني، كان تغلغل العرب إلى المستوطنات في العراق وكردستان وعبر البحر إلى فارس كان الدافع العلمي هو القي أو الجفاف (1/34)
صفحة 35
مما دفعه إلى الحزم والقيام باجتياح البحرين وجعل شرق الجزيرة العربية ولاية تابعة له بها جيش وإدارة فارسية وظهور محاربين بدو لاعتماد ظهور سلاح القوس وبدونة الجزيرة العربية من قبل قبائل أعراب حسب رأي "كاسكل" 1954 و"دوستال" 1959 وكان ذلك مرتبطا بانهيار الدول المجاورة، ويمكن القول كذلك أن بداية هجرة "تنوخ" من البحرين وعمان في بداية القرن الثالث إلا أنه يجب التأكيد على إن العملية لم تكن هجرة بمعنى الكلمة بل أغلب الظن أنها كانت حركات بطيئة لمجموعات قبلية تنتقل في موجات نحو المناطق المأهولة، وقد شهدت في أواخر القرنين الرابع والخامس ما دفع لتلك الهجرات وهي الفترة التي حصل فيها مجيء مجموعات عديدة إلى عمان وخصوصا "شنوءة" و"كندة" وبانتقال العرب تدريجيا نحو الشمال ونحو تخوم الإمبراطورية وجدت القبائل نفسها في مواجهة ممالك كانت على تخوم الصحراء بل اندمجت فيها بعد ذلك وبهذا الاندماج بدأت الأساطير المرتبطة بدون شك وكذلك كتابات النمارة المتعلقة بامرئ القيس والارتباطات النسبية مابين القبائل العربية والعائلات الحاكمة مثل اللخميين تغير أهمية الاثنين إلا أنه يجب تبيين أن هذه العائلات الملكية كانت ما يسميه العرب من العرب الأولين ومع المزيد من تزايد تنظيمها كدويلات على التخوم تابعة للساسانيين أو البيزنطيين أصبحت مجموعات عربية مثل التنوخ موجودة عبر الحدود وبهذا الارتباط صار الملوك العرب مثل "جذيمة" لهم واقع فعلي في التاريخ، فبصفته حاكما قبليا عربيا وليس من إحدى العائلات الحاكمة لدويلات الهلال الخصيب وليس ممكنا لذلك أن تكون النظريات النسبية لقحطان قد نشأت لعقلنة الارتباطات الفعلية القديمة ما بين بطون اليمن والعائلات الحاكمة ذات الأصول العربية الجنوبية، فأيا كانت التلاعبات لقضاعة لأغراض سياسية في العصر الأموي لا يجب أن ينسينا هذا أن هناك تماسكا معينا لما نجده لدى قبيلتي "نزار" و"عدنان" رغم أن ذلك لا (1/35)
صفحة 36
يمتد بالضرورة إلى المجموعات الصغيرة المعدية ويجب كذلك أن نسجل أنه لم تكن هنالك محاولات في إدماج مجموعات أخرى في الهيكلة اليمنية خصوصا أن "عبد القيس" الذين كانوا شديدو الارتباط بأزد وبذلك سهل إعطاؤهم نسبا قحطانيا، هناك ميزة أخرى ظاهرة من هذا البحث الواسع للهيكلة القبلية اليمنية أنه عبر شبه الجزيرة العربية كانت المجموعات اليمنية هي المتزعمة والطاغية للفترات ما قبل الإسلام وبعد مجيء الإسلام تغير الأمر حيث أن نزاعات الأمويين أحيت الارتباطات القبلية اليمنية التي كانت ذات شأن في الفترات ما قبل الإسلام كما أن العداوة بين بعض القبائل بالنسبة للعمانيين وجد التعبير عنها في اجتياح "محمد ابن نور" لعمان خلال الحرب المدنية في نهاية القرن الثالث الهجري الموافق للقرن التاسع الميلادي ولم يكن ذلك في مجمله من تاريخ الأزد بالبصرة بل على الأقل جزئيا متأتيا من النزاعات القديمة خصوصا بين "بني سعد" والمجموعات التميمية وكذلك "ببني حنيفة" و"عامر ابن صعصع" وبالعودة إلى فترة زمنية أخرى أود الإشارة إلى أن رواية "مالك بن الفهم" قد تبين ارتباطات قبائل "اوس" مع عمان، وأرى أن أكثر من ألف سنة من التاريخ ثم ضغطه في عمر الذي قيل أنه بلغ مائة وعشرين سنة وفي رواية أخرى نجد اندماجا للعرب العاربة مع السابقين العرب الأول وهم الشعوب الذين عوضوا السكان المستقرين في الجزيرة العربية خلال الألفية الثالثة وهم البادية الذين وجدهم "سليمان بن داود" مستوطنين عندما حل وبنا القناة. فالدلائل الأركيولوجية تبين على أن الألفية الثانية قبل الميلاد منها مناطق استقرار حضارية كانت يعاد تشكيلها من قبل الممالك السامية الرعوية التي كانت ترعى الجمال والبعير والشياه والماعز على تخوم الصحراء للمناطق المأهولة، وتستخدم كذلك البعير للتواصل بين المناطق الحضرية المتباعدة فيما بينها. أما بعض الدلائل المشكوك فيها من الفترة التروسية، التي تبين أن (1/36)
صفحة 37
الجمل أو البعير استخدمه الإنسان في المنطقة قبل ذلك ما يقال حول هذه الشعوب موجود في المراجع أو المصادر العربية الكلاسيكية تتحدث في سياقات متعددة عن وجود سكان أصليين في عمان والمناطق المجاورة وهي قبائل قد اندثرت ومن أسمائها "الدسم" أو "الجاسم"، "معاد" و"عمليق" وهي قد تكون من أجداد الساميين من أنساب ابن نوح وسبطه "صهر بن عرام" بصفتهم الجيل الأول من ذرية قحطان أما الكتاب الكلاسيكيون وأعني بالخصوص "كلايني" و"استراكو" و"بطوليمي بوطلموس" يبينون كذلك أن المجموعات الثلاثة للشعوب الساكنة في الشاطئ التروسي، وهم "سبا" بينما الروايات تربط منطقة "جرفار" مع ملكة "سبأ" وهي "بلقيس"(1) إضافة إلى هذا أو أكثرها أهمية نجد ارتباطات ما بين المنطقتين واردة في المنقوشات الحجرية أبرزها "جرافة" قرب "طاوي" المليحة نحو سنة 1970، إلا أنها افتقدت الآن والتي سجلتها وناقشتها مع البروفسور "فيسل" الذي قال أن نص "شرقة" هو الدليل الأصيل الأول على أن احتلال جنوب الجزيرة العربية حصل من الشاطئ الشرقي، فمن الناحية الباليوغرافية يبدو أن القرن الخامس قبل الميلاد ربما أكثر بشيء قليل، والنص يقول: "قبر داريات خالبي الملول نفس قبر داريات فتى الملوك"(2) وبحثي الخاص في هذا الصدد مما يرتبط بهذا القبر ومكانه يبين أن على الأقل قد يرجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وقد يكون قبل هذا. بعبارة أخرى كان هنالك بدون شك حضورا في جنوب الجزيرة العربية لمدة طويلة على الأقل في أجزاء في عمان وبدون شك إذا كانت نظرية أن الجنان التي توجه مشروع الحجر تقبل ذلك، وقد يعود إلى الألفية الثالثة، فهل كان الاخمانيون قد استقروا في عمان وسيطروا عليه؟ أو إن كانت الفترة الارزاسية صحيح، وقد ندعو نوعا إلى النزاعات التي سجلتها الروايات الفارسية وخصوصا في رواية "مالك بن الفهم" وكما أن التاريخ ادمج في رواية حياة "مالك بن الفهم"
__________
(1) - المرجع28
(2) - المرجع29 (1/37)
صفحة 38
فكذلك إخراج الفارسيين من تاريخ عمان مع دخول الإسلام حصل كذلك في النهاية. ومن وجهة نظر تاريخية رغم ذلك نجد أن المصادر العمانية صريحة وواضحة بالنسبة لشيء واحد وهو أسبق الفترات المصنفة للهجرات العربية إلى عمان والتي يطغى عليها قبائل "مالك بن الفهم" وأن الهجرة الأساسية جاءت من الشاطئ الجنوبي للجزيرة من الواضح كذلك من التفاصيل التي سنأتي على مناقشتها أن ديار القبائل كانت حوالي المناطق المستقرة في عمان وأن القبائل النازحة كانت من البدو ذلك التوزيع الجغرافي له دلالته في التاريخ العماني في الفترة الإسلامية.
كيفية الاستيطان نموذج "بني الحارث بن مالك بن الفهم" (1/38)
صفحة 39
أثناء الكشف عن تاريخ الهجرة والتوزيع الجغرافي للقبائل العربية في الفترة الماقبل الإسلامية وعندما نحاول وضع خريطة (أنظر الخريطة) يجب التمييز بين مناطق التركيز الأساسية والثانوية والهامشية. الأولى كانت موطنا للقبيلة الكبرى بعناصرها المندرجة والثانية مرتبطة ببعض البطون والأسر التي سارعت بعد مجيء الإسلام. لنأخذ نموذج "بني حارث بن مالك بن فهم" لأهميتهم ويفيدنا العودة إلى وصفهم بخصوص حرب الردة فقد كانوا يتشكلون من أربعة أو خمسة مجموعات نسبية لا نعرف الكثير عن ترابطها وكانت هناك مجموعتين مركزيتين الأولى على طريق مستقر مالك بن الفهم في الجنوب الشرقي للبلاد والثاني في شمال عمان في منطقة ديبة، ولا نعرف الكثير عن الأولى سوى أنه انطلاقا من أحداث 145هـ، أصبحوا ذوي أهمية يتزعمون المعارضة للزعيم القومي لبني هينة إلا أننا نعرف الشيء القليل عنهم وخصوصا أنهم كانوا المجموعة المستأثرة في ابرا، فهل كانوا مجموعة تحت إمرة شيخ مثل جيرانهم الجهاديم في صمد أو كانوا مجموعة منبثقة عن غصن بني "مالك بن فهم متمركزين في جنوب شرق عمان أو أنهم شكلوا دارا في أي منطقة؟، الواقع أن قبيلة حرث المعاصرة في الشرقية تحمل اسم بني الحارث ولا تشير إلى تمركز كبير إلا أننا لا يجب أن نخلط بين الماضي والحاضر، ما يمكن القول اليوم: هو أن أهمية حرث ظاهرة معاصرة نسبيا نظرا للأهمية التي اكتسبتها أسرة تميمة التي استخدمت نسبة الحارث رغم أنها من بني سامة مما أسفر تحالفا شرقيا كبيرا حول القبيلة ولعب دورا مركزيا في تاريخ إمامة في القرن 19 و20 أما قبيلة بني الحارث الشمالية فنعرف عنها المزيد في الفترات السابقة فيبدوا أنهم حكموا منطقة هيبة كما سنرى كانت خارج منطقة مازون الساسانية الأصلية والذين كانوا ذوي أهمية في السر وهي من المجموعات الشمالية التي حصلت بعد الشتات الثاني على شاطئ الباطنية سيلعب البعض منهم دورا كبيرا في تشكيل الإمامة (1/39)
صفحة 40
مما يفسر أنهم بعد انطلاق الحرب الأهلية تراجعوا للاندماج في المجموعة القبلية المسيطرة في الشمال كل البيانات تؤكد على أنه كان هنالك تواصل محدود بين المجموعات الشرقية والشمالية إضافة إلى ذلك حتى في منطقة عمان الشمالية لم تكن هناك إشارات كثيرة عن الوحدة بين البطون وكان شيوخ همام وهم "شبابة بن مالك بن فهم" هم الأكثر نفوذا ما بين مالك بن فهم في تؤام وأبعد إلى الشمال بينما البطون الشيخية لسليم أي عمر بن مالك بن فهم وكذلك مجموعة من شبابة كانت لهم أهمية كبيرة إضافة إلى ذلك كانت للبدو كذلك من سوق العرب كما سنرى بعد النفوذ المباشر لموالي "جولندة".
ملاحظات إضافية نحتاج إلى سوقها: فكل الدلائل تبين أنه كان هناك فرق كبير في الهيكلة القبلية ما بين قبائل... والقبائل العربية المستقلة.
الفصل الثاني
أنماط الاستيطان القبلي
1- طريق الهجرة الجنوبية: قبيلة مالك ابن الفهم والقبيلتين المتحالفتين قضاعة وطيء. (1/40)
صفحة 41
من المحتمل أن قبائل مالك ابن الفهم كانت من أكبر القبائل العمانية عددا بفروعها الإحدى عشر الكبرى، فجميع الدلائل تبين أنها كانت في معظمها من البدو ولم تدخل في منطقة 'المأزوم' وكانت ديارها ظهر متسعة في شكل هلال كبير من شرق حضرموت عبر ضفار إلى الجعلان ثم بمحاذاة الطرف الغربي للجبال نحو الظهيرة منتهية بالبحرين، وكما هو منتظر، في طريقها نحو الهجرة، بقي كثير من منتسبيها في الجنوب الغربي بعد عمان على الخصوص، ويبدو أن معظم 'معن' مجموعة 'عمر' الضخمة، التي تحالفت معها والتي تنتمي إليها جديت وهدير، كانت كذلك ذات أهمية (أنظر الاشتقاق ص501) وقد كانت جديت أول العرب في منطقة 'ريصوط' بضفار التي كانت نقطة انطلاق مهمة ما بين عدن وعمان وبعد السيطرة على السكان المحليون 'البياصرة' اندمجت معهم مجموعات عربية غير مهرية وقد هجم عليهم في الفترة السابقة من الفترة الإسلامية بنو 'خنزريت'؛ وهم فرع من مجموعة مهرية معروفة ب 'القمر'، ينتمي إليها كذلك بنو ريام، أما الذين بقوا على قيد الحياة فقد هربوا إلى حاسب ومربط في مناطق الغيث بن مهرة، وبمساعدة الطغرة بن مهرة استعادوا قلعة الريصوط. ومن جهة أخرى قام الخنزريت بالهجرة مع الريام (الرئام) إلى الوسط عبر الشواطئ في منطقة تسمى الرباع، ونتساءل هنا أين عن موقع هذه المنطقة؛ هل هي صور أم رأس الحد؟ إن هذا ليس واضحا، إلا أن الدلائل تبين أن التركيز الأولي لريام كان في المناطق المتاخمة بين ضفار وعمان، وهناك استمر المبشر الإباضي منير النير الريامي الجعلاني في أنشطته (المرجع1)، على أن الريام ومنذ البداية استولوا كذلك على أهم قلعة جبلية محاذية للجبل الأخضر إذ أن الحمداني، يضيف هذا على حديثه عن 'ريصوط'، قال: في بداية عهدنا المذكورة (أنظر الصفة ص51-52) كان لديهم حصن منيع في عمان لم يروموا عنه قط. ولاشك أن هذا هو نفس الجدل المنيع الذي تحدث عنه العوتبي عندما قال: ومن قبائل (1/41)
صفحة 42
القمر نجد بني ريام وبلدهم هو قرية على الشاطئ في بحر عمان تسمى الرباع، ولهم جبل حصين يسمى جبل ريام أي 'جبل ريام والجبل الأخضر' المعروف، كذلك بجبل الرضوى حسب معلومات عن نبي دفن هناك قبل الإسلام، وكل هذه التسميات متطابقة كما ذكرها الشاعر الأندلسي الشارشي (أنظر المرجع2) الذي سجل وصفا قدمه له أحد السكان قائلا: تهبط من ذلك الجبل تسعة أودية كل واحد منها به طريق يقود نحو الأعلى، وفي مداخله قرى من بني ريام تحيط بها وتحميها مثل قشرة فاكهة أو هلال القمر. (1/42)
صفحة 43
إن الانطباع الذي يعطيه ما سبق، هو أن ريام كانوا مجموعة قوية إلا أنهم اتحاد قبلي قوي في الفترات الحديثة، ولم يكن لهم ظهور بارز في التاريخ السابق من الإمامة بعد عهد منير ابن النير. الواقع أن جبلهم يوصف كذلك بجبل أل يحمد (المرجع3)، وهم فرع من شنوعة كانوا يسيطرون على معظم عمان. وهناك ظاهرة أخرى مرتبطة بكونهم من أصل مهري، رغم أن العوتبي يعلق على أن هناك جدل كبير بين النسابين حول المجموعات المهرية وارتباطاتها؛ إلا أنه يظهر أن ذرية أخ مهرة، وهو عمر بن زيدان، زيدانيون وليسوا مهريون وقضاعة، وكذلك من غير المهريين فنجد بني الراسب؛ فإذا بعثوا تشكيلتهم العسكرية مع مجموعات الأزد الثلاثة في حروب فارس الأولى، فإن هذا يشير إلى أنهم كانوا يرأسون فرع قضاعة غير المهرين في فترة اعتناق الإسلام، ونجدهم مذكورين أحيانا بعد هذه الحملات، أما اليوم فما هم إلا قبيلة صغيرة في جنوب شرق عمان حيث يمكن توقعهم إذ ليسوا جزءا من الهجرة التي قامت بها قبائل مالك ابن الفهم وقضاعة عندما دخلوا عمان عبر الشاطئ الجنوبي. أما في ما يخص كون قضاعة من المهرين وغير المهرين في عمان فلا نجد لهم ذكرا في السجلات مع بداية تأسيس الإمامة، لأنهم قد أدمجوا في الاتحاد القبلي الأزدي. إضافة إلى ذلك هناك شك حول النسب، مما يجعل راسب أزد وراسب بن ميدان بن مالك بصفته آخر جد لذرية أخ ميدان، الذي منها تأصلت قبيلة مالك ابن الفهم وشنوعة (أنظر كذلك غامد وثمالة، المرجع4) وكان في ما يسمى بالعصور الكالحة بعد سقوط الإمامة الثانية قد انحصرت بعض مجموعات قضاعة أي بنو إسماعيل وبنو النائب وعائلة ابن المداد، الذين يقطنون بالقرب من الجبل الأخضر في الجوف وبالقرب من رأس سماعيل، الذين كانوا في معظمهم من ذرية ريام المهرين، وقد ظهروا كمجموعة ذات أهمية سياسية، وقد خرج منهم إمام قضاعي صغير (أنظر المرجع5) في محاولات لاسترجاع الإمامة خلال عهد النباهلة (أنظر (1/43)
صفحة 44
المرجع6). وهذا ما يشير إلى أن في عمان كانت قضاعة وأزد، في الفترة الإسلامية الأولى، قد شكلت مجموعة يمانية كانت في معظمها من أصول مهرية، فأيا كان ما حصل في شمال قضاعة في الشام، فهو ما يفسر بالتأكيد ربط النسابين لهم مع مجموعات قبلية أخرى في الكوفة.
وهكذا فإن مراكز التوطين الأساسية لبني مالك ابن الفهم والمجموعات المرتبطة بها من قضاعة في الفترات الأولى، كانت في جنوب في شرق البلاد أي الجعلان والشرقية والحجر الشرقي. وقد عرفت هذه المنطقة جدلا، حول ما إذا كانت قبائل مالك بن الفهم مسيطرة بإتحاد قبلي 'الفراهدي' الذي كان يسمى كذلك الموازع، وهي تحتل المناطق من جعلان إلى القرى. ومن المحتمل أن هذه المناطق كانت حول بلاد بني أبو علي وبني أبو الحسن في وادي البطحاء والقاع، مابين أوديرب والبنكرب، وهي مجموعة من القرى، بينما قبيلتي الحارث وجهاديم -كما سبق القول- تحتل المنطقة الشرقية، وفي الجبل ورائها قبيلة بني سليمة، أما بنو هينة فيبدو أنهم انتقلوا إلى الجوف الشمالي ومعهم قبيلة السر كنتيجة لانتصارهم في إلحاق الهزيمة بالفرس في صروط، بينما الشبابة والخمام كانوا في منطقة التوام نحو الشمال. إن الهدف من هذه الدراسة لم يكن مناقشة تفاصيل العلاقات ما بين مجموعة قبائل مالك بن الفهم، خصوصا، وأن تسميتها قد اختفت رغم أهميتها في الزمن الذي كتب فيه العوتبي عنهم، لذا سنكتفي ببعض التعليقات العامة، فتعتبر أهم ذرية مالك بن الفهم: غناعة، يسميهم 'هينا' في ما بعد حيث كانوا زعماء لمجموع القبائل العربية في المنطقة حتى مجيء شنوعة، وقد كان لهم دور كبير سواء في عمان أو البصرة أو خرسان حتى العهد العباسي، كما أن الفراهيد كانوا كذلك فرعا مهما في الفترة التاريخية الأولية من عهد القبيلة. ولقد لعبت هذه القبيلة أدوارا مهمة في الحركة الإباضية، ورغم ذلك يجب أن نسجل الفروع الأساسية لقبيلة مالك ابن الفهم حيث كانت منتشرة على رقعة (1/44)
صفحة 45
واسعة، والزعامة كانت مفتوحة للتحدي في معظم الأحيان، وقد وقع نزاع ما بين شيوخ المحاربة لابن هينا ومعاد التي لا شك في أنها تعود إلى الفترة ما قبل الإسلامية، والتي عادت للظهور في البصرة مع مسعود ابن عمر المعادي ومحاولته الانقلاب في السنة 64 للهجرة، وهذا ما نجده في قصة بني سليمة وقد كانوا مجموعة منعزلة، وفي قصة السبق الذي كان يعطى لذرية مالك وزواجهم ببنت المنافس زعيم الأزد وكيف أن سليمة قتل أباه غير متعمد مما تسبب في نزاع ما بين الأخوة بعدما دعم هينة سليمة، أما معاد فكانت في المعارضة، في حين تبرأ ثعلبة من النزاع والتحقوا بالتنوخ، فكان أن اعتزل جزء من معاد؛ وهم بني شرطان؛ تحت زعامة حبيب ابن عامر المعادي وشكلوا مجموعة مستقلة في مناطق الحجاز ما بين عمان والشهر. ولابد من الإشارة إلى خروج مسعود ابن عمر المعروف ب 'قمر' حسب القصص الأسطورية (المرجع7)، وخرج سليمة من عمان أولا نحو جزيرة الجشك على الشاطئ الفارسي حيث تزوج امرأة من قوم يسمون الأصفهية (أنظر الأصفهاني) وأنجبت لهم ولدا سموه الاستمول الذي يعتبر جد بني الأصفهية. وبعبارة أخرى أصبحوا الأسرة الطاغية في المنطقة، وبعد الانتقال إلى كرمان تزوج ثانية من عائلة ملكية أخرى واعتمد اسمهم وهو على ما يبدو: "كركر"؛ وبعد محاولات عديدة انتهى بحكمهم، وكان يساعده في ذلك أخوه هنا، الذي جاء بثلاثة آلاف من فرسان الأزد، وقد توفي سليمة في كرمان، وتنازع بعده أبنائه العشرة على الحكم فعادت الأسرة الفارسية إلى السلطة وتشتت شمل أبنائه في كرمان، حيث كانت لديهم سلطة واسعة، إلا أن الغالبية كانت في فارس؛ حيث كان لزعماء جبل القفص السلطة كلها، عدا غالبية فارس الذين كانوا أسيادا على جبل القفص. وتعتبر جولندا بني كركر أهم مجموعة، وهم ملوك الهزو أو الحزو إلى اليوم، أي في القرن الخامس الهجري أو الحادي عشر الهجري (حسب المرجع) وقد خرج منهم بني الصفار وملوك مروة، أي (1/45)
صفحة 46
الصفاريون. إن هذه الوقائع تبين أن بني سليمة وقعت تحت سيطرة القبائل العربية الفارسية على الشواطئ الجنوبية الفارسية من الخليج، ولذلك السبب اختيرت أسرة الشيخاني من قبل كسرى 'أنوشروان' -ربما– لتعينها على جولندا (المرجع8 أسفله)، وكانت معرفتهم بالمنطقة الإستراتجية مبنية على الهزو وعلى قلاع العمارة المتاخمة لجزر القيس وكذلك قلعة معروفة بالمنيعة في الدكداف في الشرق الأقصى حيث كانت مستقرة وذات أسطول بحري يمكنهم من جمع رسوم الحماية من قوارب الخليج، ولاشك أن هذا ما دفع بهم إلى التضامن مع الملوك القراصنة التي ذكرت في القرآن السورة رقم18 ص60 إلى 82، ورغم ذلك فقد عادت مجموعة منهم إلى عمان حيث كما جاء على لسان العوتبي: استقرت في جبل منقال في الحجر الشرقي، وهو اسم لم يعد يذكر الآن. أما فرع الشيخاني فهم السميط، وكانوا ذووا شأن إذ استمروا في الحفاظ على العلاقة الوطيدة مع بني سليمة على الشاطئ الفارسي ومع عمان الجنوبي الشرقي، ويبين ذلك أن زعيما عمانيا بتلك القبيلة قد التجأ إليهم مع أتباعه بعد الانقلاب الذي صار على الإمامة الأولى وتم تعيينه وابنه بعته كولاة على هرمز باسم أحد زعماء السكريين وهو صاحب الهزو، ويبين كل من ابن الصخري والعوتبي (المرجع9) إن أسرة يولاندا بني كركر استمروا في السلطة في حياتهم ويوضح هذا السكة المضروبة التي سكها في عهد روضان ابن جعفر في سنة 340هـ، 951-952م (المرجع10)، وحسب ياقوت فسلطتهم تم تكسيرها من قبل البويهي عضد الدولة وبذلك ينتهي ملكهم، إلا أننا في مراجع أخرى نجد الكتاب عن 'الدكدام' حيث يتحدث عن كونهم لازالوا ذوي سلطة هناك في عهده وذلك في نهاية القرن 12 وبداية القرن 13، في هذه الحالة لاشك أنهم أصبحوا من مبايعي السلطة القيسية الجديدة وهم كذلك خليط من المجموعة العربية الفارسية من بني عمارة الذين احتلوا الأراضي المتاخمة للجزيرة. أما العلاقة المستمرة على الجانب الفارسي من (1/46)
صفحة 47
منخفضات الخليج مع جنوب شرق عمان، فنجد تبيانها في كون الأسرة المالكة الهرمزية أصلها كذلك من قلحط، وقد جاؤوا إلى المرسى للتحكم في التجارة بالبحر الهندي إلى عهد الحكم البرتغالي. وبالنسبة للفترة التي تهمنا بالخصوص، من المفيد الإشارة إلى أن العوتبي يؤكد أن بني سليمة كانوا من المؤيدين للمهلب في حروبه ضد الأزارقة، ويجب تذكر هذا عند الحديث عن الحروب الأولى في فارس وفي مناطق أخرى على الشاطئ الفارسي، حيث الجيوش العمانية كانت تصطحبها المجموعات العربية الفارسية التي كانت مستقرة هناك في جبل منقال. ويعتبر بني طيء جيران بني سليمة، كانوا الذين كانوا كذلك مرتبطين بالأزد في مواطنهم الأصلية، وكانت مجموعة منهم وجميعهم من قبيلة نبهان بن الغوث بن طيء، هاجرت كذلك من الشهر واستقرت في البداية بواد طيء ومنطقة 'سيحطات' (المرجع12)، إلا أن اسم وادي طيء وانتشار فروع طيء مازالت تبين طريق التوطين فالصليب اليوم مازالوا يذكرون فقط كفرع في أل موطئ.
2- الهجرات عبر البحرين
_ عبد القيس: (1/47)
صفحة 48
استمر ترحال قبائل مالك ابن الفهم والمرتبطون منهم بالمهاجرين، إلى عمان عبر الأراضي الداخلية للشواطئ الجنوبية للجزيرة العربية، إلى بدايات عهد ال. .. وقد انتهت الهجرات الأساسية بعد ذلك بقليل، فجميعها سواء من أزد أو من غير الأزد حصلت عبر اليمامة والبحرين داخلة عمان عبر الدئام أو التوام (أو عبر مدخل البريمي) وهذه هي أهم فترة توطين في الشمال خارج المنطقة الشاطئية، مما كان آنذاك يسمى جلفار أو جرفار (كل هذه التسميات صحيحة)، وانتشروا إلى الجنوب نحو سر (المرجع13)، وكانت النتيجة أنه رغم وجود ارتباطات بسيطة بين القبائل العمانية ومناطق الهجرة في جنوب غرب الجزيرة العربية فإن العكس هو الصحيح بالنسبة إلى الشمال حيث طريق الهجرة من البحرين استمرت إلى العصور الحديثة نسبيا، ونتجت عنه علاقات شديدة التركيز ما بين المنطقتين. وحسب الروايات العمانية فإن المجموعات الأولى التي تحركت نحو البحرين وتوسعت إلى الشرق، فيما أصبح يسمى عمان الهدنة، ونحو الشمال إلى العراق كان هؤلاء البدو من مجموعة عبد القيس، وهي تقع في البحرين في عهد الملك شهبور الثاني في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، وهناك التقوا بمجموعة مالك ابن الفهم وقضاعة المنتشرين على ربوع الصحراء وتخوم الجبال في حركة عكسية نحو البحرين وإلى الشمال نحو العراق فيما كان يسمى بهجرة التنوخ. وقد جمعت هاتين المجموعتين الكبيرتين من القبائل البدو علاقات جيدة، تمثلها القصيدة الشعرية لزعيم عبد عن مالك ابن الفهم التي تم خلالها تعيينه وزيرا وإعطاء قومه حق الاستيطان في المكان. وهكذا فإن مجموعة عبد القيس ومعظمها من لكيز، كانت تشكل مجموعة البدو الأساسية في المناطق الصحراوية من عمان الهدنة إلى السر؛ وهناك معلومات كثيرة عن توزيع القبائل وهو ما نجده في المصادر الكلاسيكية، وخصوصا ابن قتيبة التي استخدمها، وأضاف عليها العوتبي لكن بها كثير من التفاصيل التي قد لا (1/48)
صفحة 49
تهمنا. الانطباع الذي تعطيه هذه التفاصيل هي أن مجموعة عبد رغم أنها استقرت في القرى قد حافظوا أساسا على نمطهم البدوي في الفترات الإسلامية، فكانوا يعيشون في السهول العليا حيث نجد المجموعات الطاغية في مناطق البريقي، وهم من بني الديب، بينما في الجنوب وإلى يومنا هذا نجد قبيلة ظهيرة من أهم مجموعاتها فروع بني الحارث وهي مجموعات أنمار تستحوذ عليها بقوة وهم منافسون لجذيمة بن عوف بن أنمار وهم يحتلون المناطق الشرقية لشاطئ الهدنة المعروفة آنذاك ب'الخط' وهو اسم لازال يستخدم اليوم لتعيين قرية هناك. أما مجموعة أنمار الأخرى فكانت تعيش في رمال حجر وقطر وبينونة في أبو ظبي الغربي، أي على تخوم عمان الكبرى حيث تداخلونا مع أعداء بني سعد، إلا أن غالب عبد القيس وهم بالخصوص بني لبوء وبني شان كانوا مستوطنين في البحرين ولهم يد هناك؛ يختصرها ابن الفقيه في ص28، حيث يعمم أن اليمامة كانت لبني حنيفة والبحرين لعبد القيس والجزيرة لغيرهم من بني تغلب. وكانت المجموعتين الأساسيتين 'الهجج' في البحرين في الحملات الإسلامية، الأولى من عبد القيس وأزد البحرين واستمرت العلاقات الجيدة بينهما إلى العهد العباسي. أما عداوة بني سعد وبني تميم، وهي أهم القبائل البدو القاطنة في شرق الجزيرة والذين انتقلوا على جانبي الدهنة، فكان يؤثر كذلك في البصرة. إن عبد القيس نسبة إلى عبد شكلت مع نزار مجموعة معروفة تسمى ب'ربيعة' واندمجت معها، كذلك بنو بكر بن وائل لتصبح قبيلة ذات شأن قليل في عمان، ومن الممكن انه حصل عبرها وتأثرت بها التحالفات ما قبل الإسلامية، التي صار الحديث عنها سنة 64 للهجرة في البصرة، والتي كان بطلها مالك بن مسمع من بكر بن وائل بين ربيعة ويماني أزد وكندة والتي توسعت كذلك لتشمل طيء (المرجع 14).
عمران أزد وبني السما (1/49)
صفحة 50
إن وصول طلائع أزد آتية عبر البحرين وهم عمران، الذين كما يتوقع من طريق هجرتهم تمركزوا في البداية في شمال عمان قبل الانتشار على طول الصحراء الداخلية نحو الشرقية مختلطين مع المهاجرين السابقين ومع الأسف هناك نقص كبير في رواية العوتبي تحت عمران التي انقسمت إلى مجموعتين: هجر (المرجع 15) وأسد. فالاستئثار الذي فرضه بنو عمران في شمال عمان وجد أمامه تحديا من قبل المجموعة الثانية من الواردين، وهم بنو النجو، المعروفة بفوضويتها، أو بني الناجية ابن بني السما، وهم من بني السما، ومجموعة أساسية من نزار عمان، وكان ادعائهم بأنهم من ذرية السما ابن لؤي التي لا يعترف لهم بها آخرون من نفس الأصل ومنهم قريش وتعد من ضمن الأسباب الكلاسيكية التي جعلت النسابين يشيرون إليهم كالناجية، وهو اسم متأصل في تاريخ انتشار القبيلة وكنتيجة لوفاة أو جرح أحد إخوانه اضطر سماء إلى الهروب من مكة مع التابعين له، وعند وصوله إلى البحرين تزوج هو أو ابنه الحارث، هند بن جرن من قضاعة والتي استمرت معه في ترحالهما نحو عمان وقد كادت تموت في تلك المنطقة الصحراوية الجرداء لولا عثور السما على الماء ومنذ ذلك الوقت وهي وذريتها أصبحت تكنى بالناجية. وعند وصولهم إلى التوام تصارعوا مع قبيلة الخمام، وهي فرع شيخاني من قبيلة الشوابة بن مالك بن الفهم، واحتدم الصراع إلى أن تمكن عمران من التحالف وذلك بعد زواج ابنه أزد إلى هند بنت سما، ومن ذلك الزواج جاءت تسمية عتيق، ومنهم زعماء للأزد في البصرة وأجداد النباهلة وفي محاولة إسداء النبل على أجدادهم صار المهلبون يعتبرون كذلك من عتيق إلا أنهم عسكر وليسوا أشرافا، وقد وقع صراع ما بين الزعامات العتيقية التي أدت إلى الفصل بينهما في عهد اليزيد بن المهلب. ومن المؤسف أن العوتبي لا يعطينا التفاصيل عن بني السما خارج نطاق هذه القصة الشخصية لبني عمران، ومن المصادر السابقة يمكن إعادة بناء الصورة العامة (1/50)
صفحة 51
للاستيطان، فمعظم بني السما أو الناجية يبدو أنهم استوطنوا في التوام والسر، الذي يوجد في شمال عمان انطلاقا من واحة البريمي عبر الظهيرة إلى منطقة عبري والوادي الكبير حيث اتجهوا لاحتلال وادي ابن غفير، وهو اسم صار معروفا في القرنين الثالث الهجري والتاسع الميلادي، إلا أن هذا الوادي أخذ من السر للغدف وكان تحت سلطة بني أل يحمد فوقع الصراع الذي تطور بين الولاء لمجموعة سر أو مجموعة الغدف وصار ظاهرا في الأحداث التي تلت في الحرب الأهلية الأولى واستمرت إلى العصور الحديثة، وتفسر هذه الإشكالية التي نجد كثيرا من التعاليق عليها، أن فرع بني غافر بمنطقة السر كانوا هيناوين وليسوا غافريين وقد توجه بعض عناصر القبيلة نحو شرق عمان على الأقل قبل القرن الثاني الهجري، إلا أن الأهم بالنسبة لتاريخ الإباضيين هو أنه في الفترة الإسلامية الأولى على الأقل كانت أسر الشيخاني سامي قد استقرت في مناطق الأزد بوسط عمان وهي عقر أو نزوة السفلى حيث بنو زياد من بنو النافع كانوا يشتركون السلطة مع بني حميم، وهم من مالك بن الفهم (المرجع16) وهم أسر بني الدبة، وهم ليسوا من القبيلة المعروفة بذلك الاسم، استقروا في إزكي أو عزور أو المنح، أهميتهم في تغيير نسبهم القبلي وتشكيل إمامة كان ظاهرا من أن المبشرين الإباضيين الأربعة الأول وهم منذر أبو منذر البشير بن المنذر توفي 794 من عقر، وموسى بن جابر السامي عاش حوالي 715 الى797 الذين أصبحت ناصرت ذريتهم الإمام في الإمامة الأولى وكانوا من السما ورغم ذلك فإن السما بقوا مجموعة مستقلة تشكل مجموعاتها العسكرية في الحملات الإسلامية الأولى ولم تكن مرتبطة سياسيا مع المجموعة الأولى في عهد معركة الجمل (الطبري ص179-180 المجلد الثالث) وانتهوا بالاندماج في عالية الخمس عوض الأزد وكان زعيم هذه المجموعة في معركة الجمل هو 'خريط بن رشيد الناجي' الذي ألب أول ثورة خارجية انتهت في عمان في السنة الهجرية. (1/51)
صفحة 52
..
أصبح بنو عمران عنصرا مهما في الهيكل السياسي في المنطقة بصفتهم حلفاء للناجية، شيوخ بني هينا، إلا أنه يبدوا أن بنو عمران كانوا خلطا من المجموعات وارتباطاتهم بالشرف ومن المفترض أنهم من أبناء عمر المزيقيع خارج عمان، إلا أن هذا قد لا يكون صحيحا، غير أنه من المفيد أن اثنين أو ثلاثة من الفروع الستة لعمر بن العوف، أي المزيقية، وهم الملاديس، والرابعة بالتأكيد تركوا بني عمومتهم من قبائل البريق في الصراط ويسجل أن الملاديس التحقوا بمجموعة حداد بن عمران، وهناك دلائل على أن ارتباط صراط عمان ليست فبركة من الناحية النسبية. فرغم ذلك، فمن الناحية السياسية الأهم هو أن عمران كان من المجموعة المهيمنة وعتيق ومعهم في سر كانت لهم خطتهم الخاصة في البصرة (المرجع17).
شنوعة وأزد وكندة (1/52)
صفحة 53
إن مركز التحالفات في المنطقة خلال الفترة ما قبل الإسلامية كانت آتية من موجة جديدة من المهاجرين الأزد وفروع عثمان بن النصر بن الزهران بن كعب، وهي مجموعة تركت مرتفعات صراط والحجاز وهاجرت عبر الجزيرة الوسطى لبلوغ عمان. وقد انقسمت قبائل الشنوعة إلى مجموعتين اثنتين وأبنائهما الأربعة الذين شكلوا أولاد شمس، ومنهم الزعماء السياسيون المعاوي وهذان القطر وكذلك أل يحمد من بني عبد الله المعروفين بالهمة، وكذلك من المجموعات الشنوعة الأخرى بعض العناصر من أنمار كانوا في عمان، إلا أن أغلبيتهم بمعية جميع بني غالب بن عثمان بقوا في الحجاز، وكان الأزد -بالتأكيد- آخر الهجرات الأزدية إلى عمان وقد تجمعوا في مجموعة لها روابط فعلية في غرب الجزيرة العربية، مستقرين في غرب المناطق الجبلية بنمط عيش مختلف عن الذي ألفوه في المناطق الصحراوية، وكانوا متحكمين في قبائل أزد الأخرى العمانية، مما يفسر الاختلاف الذي كان بين شنوعة وبين أزد عمان. ومن المفيد أن الشخص الذي علق على مقارنة الشنوعة بالرجل السليمة وأزد عمان بالرجل السقيمة بعد حصول حادث البارقي شرقاء بن مرداس، وهو من أصول أزدية من الجزيرة العربية. (1/53)
صفحة 54
هذه الهجرة كانت بالتأكيد مرتبطة بالتحولات في الصورة العامة لسلطة العرب في الجزيرة العربية خلال القرن الخامس الهجري وتنامي سلطة كندة، فمرورهم من العروض إلى اليمامة في وسط الجزيرة كان سبقا بالنسبة لقبائل شنوعة أو سلطة بالنسبة لبني حنيفة المستقرين؛ إلا أن مجموعات عامر بن صعصع قاومتهم هناك قبل انتقالهم إلى البحرين حيث غزوا سكان الشواطئ؛ وفي النهاية استقروا في عمان. ومما لاشك فيه، انه خلال فترة القلاقل التالية لوفاة يزداكر (يزداجر) الثاني، والفترة الفوضوية نهاية القرن الخامس التي تلتها سبع سنوات من الجوع، وشيئا من الإصلاح الفلاحي والزراعي، وسقوط الساسانيين على يد الإسلاميين، وكذلك محاولة قطاب كباد الأول (أنظر كباد 482 إلى 496 و499 إلى 531) الذي استخلف الحارث بن عمر الكندي عوض المنذر الثالث في مملكة الحيرة وفرض المذهب والديانة المزدكية على العرب. ومن الجدل القول أن كوار كان حاكما ضعيفا كما تقول المصادر العربية، إلا أن وراثة الملك واعتماده للمنطق المزدكي الثوري، ثم الإطاحة به، وإعادته إلى السلطة، والسنوات الأربعة التي تلت نهاية حكمه مع البيزنطيين، تؤكد ذلك فلم يكن مهتما بالجزيرة العربية. فالواقع أنه خلال اعتماده على الحارث بن عمر وسع سلطته على أجزاء من التخوم العراقية وتمكن بعد حوالي عشرين سنة من ذلك من طرد اللخميين من الحيرة لسنوات 525 إلى 528 (أنظر المرجع رقم20)، وهذه التواريخ تفسر أن أول أجداد المذكورين في التاريخ للمعاولة لمى سيصبح أسرة المهلب أربعة أجيال وقد كانوا قبل ذلك خمسة، وتوفي سنة 10 هجرية، فعبد العز هو الذي غزا المناطق البحرية وعندما وصل إلى عمان عين باقض بن شاري بن يحمد أخ خروس بن شاري بصفته صاحب العروض (أنظر المرجع 21) بتجميع الضرائب. .. من البحرين واليمامة بمساعدة عمر بن عمر الحنفي (المرجع22) مما يشير إلى فترة ضعف السلطة الفارسية على شرق الجزيرة. وأيا كان الحال، (1/54)
صفحة 55
فالوضع بعد الأحداث، أن معظم القبائل الأخرى تمكنت شنوعة من نوع التغلغل حتى إلى المناطق الجبلية (المرجع رقم23) وقد تمكنوا من بسط السيطرة على بعض القرى عند تطبيق إصلاح نظام الأراضي المزدكية في عمان، ورغم ذلك فإن استيطان شنوعة لا يتطابق مع شجراتهم النسبية، ونظرا لانتشارهم الترابي لعبوا دورا في غاية الأهمية، حيث وضعوا نهاية للإمامة الأولى ونهاية الإباضية في شمال عمان. ومن هذا المنطلق سنقف على تفاصيلها، فشنوعة فرضت السيطرة على الجزء الأوسط للجبال العمانية من سر الحزب، واحتلت الهدان وجبل الدان، أي المنطقة الجبلية ما بين شمال الجوف وجنوب أفغاني إيران والباطنة وبعاصمتهم ينقل، وبتلك الصفة كانوا أقلية يعيشون خارج إقليم الساساني المأزوم حتى في هذه اللحظة وقد أنشئوا تحالفا قويا مع المجموعات القبلية الأزدية الأخرى في المنطقة خصوصا بني عمران وبني الحارث بن مالك بن الفهم وبنو السما، وكانوا أساسا من المجموعة الكاوية سوف يمزق عمان. (1/55)
صفحة 56
أما مجموعة شنوعة الأخرى فقد كانوا من القبائل العربية المسماة غدف، حيث أن الجزء الداخلي الأوسط من عمان الساسانية حيث أن دخول. .. .. العاصمة المحصنة 'رستق'. وبذلك تحكموا في الجبل الأخضر وحوالي شاطئ البحر. إن بطون أل يحمد كثيرة ومستوطناتهم المتداخلة لمجالي المجموعة الشنوعة الأخرى الثالثة، حيث نجد أسماء أخرى منها وادي بني معاول هاروش وسعفان وأل يحمد كلها تشير إلى التحكم القبلي المستقبلي والتداخل ما بين المعاول والندب وأل يحمد، غير أن المهم أنه منذ الفترة الإسلامية وما بعد هذه القبائل الشنوعة، بهرها وجود مجموعات قبلية أخرى رغم التنافس أصبحت أساس حادث جهوي قوي. .. وبعد. .. حكم المعاول أصبح بنو يحمد هم أصحاب الإمامة وجميع أل. . الإمامة الأولى باستثناء واحدا، وكان هذا الأخير من أل يحمد سواء من بني الفج أو خروس واستمر بنو يحمد وخروس في التحكم الثابت في الإمامة فيما بعد حتى القرن العشرين. (1/56)
صفحة 57
قبل مناقشة التغيير في الزعامة للكوكبة المترددة على إمامة شنوعة، يجب الإشارة إلى أن حلفائهم كندة استقروا في المناطق الجبلية وراء الأكوام إلى شمال جبل الكردان هناك كانت حركة أساسية لشوكة وحطة التي كانت بالأساس عاصمتهم ووادي حطة (المرجع24)، وكان هذا المجال أساسيا في التحكم في وادي حطة. .. وهو ما يساعدهم على التحكم في الممرات الجبلية في غرب جبل جلفار أو إلى داخل الجلفار وشمال بعضها إلى المناطق الشاطئية المهدودة والمراسي على شرق شبه جزيرة كوسندام. .. ، ذلك أكثر. .. والمرسى العربية بنو النديم وسوق العرب تحت التحكم المباشر للجولندة في الفترة الساسانية، والعلاقة الوثيقة بين شنوعة وكندة متأتية من تاريخ توسع وسقوط سلطة كندة في الجزيرة العربية الوسطى، وليس تاريخيا في شمال الجزيرة العربية، فمقر القبيلة كان في حضرموت إلا أن المراجع القديمة تتحدث عنهم كمساعدين مما يشير إلى أنهم كانوا رحالا وكانت ثقافتهم مختلفة تماما عن السكان المستقرين في تلك المنطقة (المرجع 25) وكان في الجزء الثاني من القرن الخامس الأسر الكندية وبنو عقيل في الكوار بدعم من حمير قد طوروا التحكم في اليمامة، متجهين نحو التخوم البزنطية والدول التابعة لها والساسانية أو الإمارات التابعة للدولتين البزنطية والساسانية، حيث استقروا في النصف الأول من القرن السادس، وكان هذا القرن مهما قبل اهتزاز السلطة في النصف الثاني من القرن، فوقعت نزاعات بين الأخوة وبين القبائل في نجد واليمامة، مما عرض مجموعات عربية من الجزيرة الوسطى كذلك وأدت إلى تراجع القبيلة إلى موطنها الأصلي وقد اعتنقوا اليهودية، وبعد ذلك تحت الأشعث بن قيس معدي قريب. .. اعتنقوا الإسلام وقد لعبوا دورا مهما في التاريخ الإسلامي الأول والتاريخ العربي في العراق. وكما رأينا، إن شنوعة كانت ناشطة كذلك في اليمامة وكان تحالفها مع مجموعات كندة جعلها تتحرك معها في ترحلها نحو البحرين (1/57)
صفحة 58
وعمان.
وقد كان هناك ثلاث مجموعات قبلية استقرت في عمان (المرجع26) بدون شك وصلت في البداية عناصر من سكون، وهي المجموعات كندة الأولية التي كان لهم أهمية سياسية، فأم عباد الجولندة هو أهم عناصر القرن الأول في الإسلام كان سبونيا كذلك أو من بني سبوني، وقيل أن المبشر الكندي الذي كان أصله من قرية فاش، وهي اليوم تسمى الفشح في وادي العمق، وأن أول الأربعة الذين أسسوا الحكم الإباضي في عمان كان المجموعة السبونية الأساسية التي صارت تلعب دورا مهما في تاريخ عمان وهي الترابكة وبقية كندة عمان كانوا من الفرع التالي وهم معاوية الأصغر، معاوية الحارث الأكبر اللذان كانا من العائلة الملكية الكندية. وكما هو منتظر، فإن الأنساب كما أعطاها العوتبي لا تطابق معلوماتها مع معلومات ابن الكلبي كما جاء بها كاسكل وسترنزيوك 33 (ف، ف) فما من شك بأن هذه الأخيرة تعطي فقط بعض المعلومات العامة لنسب الشخوص الهامة، فيما العوتبي ينظر إلى الفترة اللاحقة من المتحقق الطاغي أن أبطال الأولى في فترة العوتبي كانوا الثابت بن الرفض من الحارث الأكبر الذي تمخضت عنه خمس فروع لعاصمة الحطة عندها أي الشرقي، قد تكون لأجداد العائلة الحاكمة الفجيرة، ورغم ذلك فإن مجموعة العائلة الأكبر التي يتحدث عنها العوتبي بتفاصيل كثيرة كانوا من فروع مجموعتي الحارث الأصغر، الأولى من ذرية سعد بن الأرقم نعمان بن ربيعة بن الحارث (الجدول227) وكانت المجموعة. .. مركزية في عاصمتهم الحطة إلى غاية بني ثابت بن الرهد. أما ذرية مالك بن إمرؤ القيس معاوية بن ربيعة بن الحارث (المرجع27). .. .. . حيث كانوا من جيران مجموعة معد. .. . العلاقة ما بين الأزد وكندة في عمان يمكن اختصارها في القول: أن فاروس وهو من بني يحمد كانوا في الأصل من بدأ الإمامة، إمامة الكنوت بينما الكنوت، وهم من بدأ بالفقه (السيابي ص137). (1/58)
صفحة 59
من المهم الإشارة مرة ثانية إلى العلاقة القريبة في الفترات ما قبل الإسلامية، والتي لعبت دورا حيويا في تشكيل تحالف اليمان والثورات ضد الأمويين سواء في العراق أو في إيران، وهي أن الروابط العمانية ثم دعمها في البصرة حيث كندة كانوا من خبث الأزد، بينما معظم قبائل الأشراف كانوا من جنوب الجزيرة العربية في الكوفة تحت سيطرة الأشعث، حيث كانوا يحمون قبائل حضرموت وفي نفس الوقت السبع مثل الأزد (أنظر28) ولا يفاجئ إذا أن قوة عمانية حضرمية هي التي أسست الإمامة الكندية أو وضعت كنديا في الإمامة الإباضية باليمن والحجاز كما أن كنديا هو الذي كان مسئولا عن التأسيس الأولي للدولة الإباضية في عمان مع أزدي في الإمامة.
المجموعات القبلية الأخرى: (1/59)
صفحة 60
ليس هناك حاجة كبيرة لقول المزيد عن مجموعات أخرى في عمان، ففي الفترات المتقدمة كانت هنالك مجموعات أزدية أقل شأنا جاءت خلال الهجرات الأولى، مثل بني عدوان العداونة الذين التجئوا إلى أقربائهم المعاويل من سيطرة الجماز، وهو زياد بن مالك بن الفهم الذي كان معروفا أنه حكم القبائل العربية بين الحجاز والشام في الفترات الما-قبل الإسلامية (المرجع29) والنص يقول: من البلاد العالية إلى جانب أيلى من الشام وهي منطقة استوطنتها قبائل معد، هناك مجموعة مهمة من البطون استقرت في الظهيرة السفلى في دمك وعبري والسليك وتنعم، والتي كان من بينها بنو ثابت وبنو قطن من الأنصار وكذلك بعض الحارث بن كعب، وكان يعنى بها بالخصوص بنو الحارث من قبيلة المجهج، وهؤلاء من دون شك وصلوا بعد الفتوحات الإسلامية وكما وصل مجموعة قوامها 100 أو ما شابه ذلك من بني قين، وهم من قضاعة الشمالية وأعداء بني كلت، ومن المجموعات المهاجرة التي وصلت كذلك كان بنو رواحة وبعض مجموعات بني تميم، وهؤلاء رغم ذلك يجب تميزهم عن المجموعة التميمية الأساسية، وهم بني سعد المجموعة التميمية الأساسية وهم أعداء الأزد وعبد القيس، ورغم بدواتهم حلوا بالغرب الأقصى بمنطقة قطر أي يبرين وبينونة، وهي ما يوصف اليوم باللواء وتخوم أبو ظبي الحالية والى حد الحرب في نهاية الإمامة الأولى بدؤوا بالتسرب إلى المناطق الداخلية، فدخلوا في نزاع مع عبد القيس في البحرين (المرجع30) كذلك بنو عامر ربيعة ومجموعات أخرى من ذرية عامر بن صعصع دفعوا لتغيير عميق للجغرافية القبلية السياسية لشمال عمان، إلا أنهم لم يظهروا إلى غاية القرن السادس عشر.
الهياكل السياسية القبلية: (1/60)
صفحة 61
مع مجيء شنوعة وكندة انخفض تأثير وسلطة قبيلة مالك بن الفهم وقد اعترفت قبيلة بني هينا بسلطة موالي الشيخ بمحض إرادتهم، إذ أن تبعيتهم لمى صار يسمى أسرة جولندة. وكان واضحا أنه حتى بعد مجيء الإسلام دفع بعضهم إلى اعتبار أن أسرة جولندة هم في الواقع من بني هيناء أو هيناويون، فبنو هينا هؤلاء كانوا مفتاح العلاقة ما بين القبيلة شبه المستقلة لبني سليمة الموجودين في الجنوب الشرقي لعمان والشاطئ الفارسي وقد كانوا على علاقة طيبة كذلك مع بني عتيق وهي المجموعة المستأثرة من ضمن بني عمران وكان ذلك أساس التحالف الأزدي الذي أدمج مجموعات قضاعة وكذلك طي فقبيلة مالك بن الفهم كانوا متحالفين مع بني عبد القيس وعمران مع بني الناجية وهم من بني السما وشنوعة مع كندة فإلى حد كبير كانت هذه التحالفات ممكنة دون كثير من النزاعات وذلك لأن كل موجة من الهجرات تقتطع مناطق قبلية في المجالات الهامشية غير المستوطنة مما يسبب في شن بعض المناوشات. جميع المصادر كما سنرى تتفق على الرأي بأن العرب قبل مجيء الإسلام كانوا أساسا من الرحل، ويمكن أن نتفق مع ذلك الرأي مبدئيا، فعلى الجهة الغربية للجبال في المناطق الرملية المحيطة بالربع الخالي كان بعض سكان قبيلة مالك بن الفهم وعبد القيس رحالا ورعاة جمال، وكان هؤلاء أكثر استقلالا، ولاشك أنهم كانوا يشكلون المجموعة الأخيرة التي وصلت إلى البصرة، والتي زعزعت توازن السلطة هناك ودفعت بشيوخ المعن للمطالبة بالسلطة في ما بين العهدين اللذين تليا وفاة يزيد بن معاوية في الهضاب المنخفضة، وعلى الجبال تتوسع مجموعات من الرحل تعيش على تربية الجمال والغنم، وإلى الشمال نجد مجموعات مالك بن الفهم وهم الهينا والشبابة والفراهيد، وربما قد نجد بني عمران وبني الناجية. أما في الجهة الأخرى للجبال، فإن التربة صالحة لتربية الغنم والماعز في الأودية، كما كان الحمار هو دابة الركوب الأساسية في الاقتصاد خلال موجات (1/61)
صفحة 62
الهجرة الكبرى لبني الهدان وبني يحمد وبني كندة وكذلك بالنسبة للموجات السابقة لبني قمر وربما بني سليمة وطي في جنوب شرقي عمان.
العلاقات مع الفرس:
1 - أرض الهند: إذا كان ما سبق يعطينا فكرة عن الهيكلة الداخلية لبعض القبائل العربية فإن الصورة تختلف تماما في المنطقة التي يسيطر عليها الساسانيون، أو ما كان يسميه العرب الجغرافيون أرض الهند (المرجع31) والتغييرات الأساسية من الناحية الترابية والتنظيم الإداري الذي تم تنظيمه من قبل كسرى أنوشروان (أنظر شزرو - المجلد 1 ص531-579) وذلك في منطقة المأزون بحد ذاته. (1/62)
صفحة 63
فمفهوم أرض الهند يمثل الاندماج خلال الأولى بعد المسيح لتجارة الرياح الموسمية إلى شمال المحيط الهندي توسعا نحو الخليج 'أوبلا' مثلا، وعلى شاطئ مقران نحو السلب ونحو الشاطئ الهندي الغربي أو ما كان يسمى الهند على الجانب الأخر، إلى جنوب الجزيرة العربية ما كان يسمى عمان والشهر، ثم والى بلاد الزنج أي شرق إفريقيا على الجانب الأخر. وتتشكل تحت سلطة الساسانية في شبكة تجارية متسعة نحو الصين والجناح الغربي نحو البحر الأحمر، الذي ينفتح نحو شبكة تجارية مرتبطة بوادي النيل والبحر المتوسط وعلى طول الجزيرة العربية نحو الشام. إن التجارة في هذه المنطقة التي كانت تسمى أرض الهند كان أساسا تجارة ما بين الشعوب والأوطان، وتكسر الحدود ما بين السكان المحليين فالعرب والفرس والهنود الذين كانوا يشتركون في شبكة تجارية واحدة لم تكن تعترف بالتمييز العنصري أو القبلي أو الديني، أما السكان فكانوا مرتبطين بالبحر، ومن ذلك قول بني عبيدة: أما الأزد فرض عليهم خدمة البحر من طرف الساسانيين، وكان ذلك موضوع تهكم على البحارة منهم، وهذا التنوع الحضاري الموجود في المراسي العمانية استمر حتى بعد الإسلام وبعد تنظيمه للتجارة في ذلك العهد من قبل ابن آخر أئمة بصران: أبو عبد الله محمد ابن محبوب، ابن الراحل الذي كان قاضيا لسهر (من سنة 249 - 260 أو 873م)، ففي هذه الشبكة البحرية المكونة من ثلاث مراسي في المنطقة الخليجية حصل تطور مهم، ففي رأس منطقة الخليج في المنطقة المسماة بالمشن شاه (المرجع32) نجد مرسى أبو عبد الله التي كانت تخدم بلاد العراق وخزستان والتلال الفارسية الشمالية، فملاحظات البلعمي (أنظر المرجع401) عن كون المنطقة كانت تابعة لملوك عمان تم التعليق عليها آنذاك إلا أنها لا تبين فترة إنشاء بصرة مصر كان هنالك سكان كثر ممن فقدوا هويتهم القبلية، وهم من أصول عمانية يعيشون هناك في مساكن من القصب وذلك في محيط شواطئ النهر، أما (1/63)
صفحة 64
المرسى الساسانية الأساسية من فارس فكانت ريشة، وفي المرحلة الإسلامية تم تغييرها بصراط، أما المرسى الثلاثة فهي سهر.
فسهر كانت على الجانب الثاني لمضيق هرمز وعلى جانب منطقة الرياح الموسمية فهي موجودة في الجانب الشمالي لشاطئ الباطنة الغني بالسمك وهي ذات إمكانيات زراعية جعلت منها منطقة مزدهرة في الفترة الساسانية، فخصوبة سهر لقربها من مصب نهر الجزي وصولان أعطاها مناطق محيطة زراعية بنفس شاكلة وادي سماعيل الذي شجع تنمية داما القريبة من السيب الحديثة على الجانب الآخر من الباطنة، كما أن سهر عملت كذلك كمرسى محلية لمنطقة توام التي كانت مرتبطة معها عن طريق وادي الجزي، إذ أهميتها أنها مصدر أهم مناجم النحاس العمانية. وفي ما بعد، في العهد الفاطمي عندما انتقلت التجارة الموسمية في البحر الهندي من الخليج إلى البحر الأحمر انتقلت المخازن التجارية إلى الشاطئ الجنوب الشرقي أولا إلى قلحط وبعد ذلك إلى مسقط، على أن الفترة الساسانية والإسلامية شهدت بروز منطقة أقرب من الخليج كقاعدة إستراتجية ليس فقط للتحكم في مداخل الخليج المقابلة لمقران كذلك لأنها كانت قريبة من الشواطئ الفارسية حول مضيق هرمز التي تؤدي إلى كرمان وبعدها إلى خرسان وسجستان وأفغانستان. وهكذا أصبحت سهر مرسى مهمة، وبلغ ذروته في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي، كما كان عاصمة ساسانية في عمان ومركزا عسكريا على قلعته المحصنة في دستجرد (المرجع33) ولمزيد من السيطرة على مدخل الخليج تحكم العمانيين في جلفار وفي الشاطئ الفارسي عبر عائلة جولندة ابن كركر من بني سليمة. هذه التجارة كانت كذلك محمية بأسطول، إذ أن الأزمات من قبل القراصنة –قراصنة بوارج في شاطئ مكران والرجح بالسند– بعد انحلال التنظيم الفارسي القديم في القرن الإسلامي الأول، وقد يكون لسقطرة كذلك دورا إستراتيجيا في التحكم في القرن الإفريقي. ففي البحر الأحمر كان التأثير الساساني ينافسه (1/64)
صفحة 65
البيزنطيون، حيث كانت السلطتين المحليتين متحالفتين على مدخل البحر الأحمر وهم بيسيدسا أو إثيوبيا والمملكة الحميرية. لاشك أنه كانت هنالك علاقة بين الهجوم على اليمن في سنة 570م، التي قام بها كسرى أنوشروان أو عندما أنشأ كسرى أنوشروان نظاما جديدا مع العرب، أو تحالف من جديد مع العرب، فالتحكم العسكري المباشر كما ظهر في المعالجة العنيفة التي قام بها شهبور الثاني سنة 309 إلى سنة 79 الذي كان يجمع السجناء بثقب أكتافهم ومن ثم الحديث عن ذو الأكتاف عند العرب القدماء ولم يعد هذا كافيا وخصوصا مع تزايد الهجرة العربية التي تغلغلت بعيدا في أعماق عمان، ويصبح ضروريا المزيد من التفهم، وبالتأكيد التعاون ما بين الساكنتين، خصوصا بعد إنهيار النظام القديم للحكم غير المباشر عبر الأسرة الحاكمة اللخمية ودولة اللخميين.
المعاهدة الفارسية العربية (1/65)
صفحة 66
إن تاريخ الطبري (897-898) يبين حكم أنوشروان وسياسته الدينامية الجديدة، فبعد أن انتهى من معالجة المشكلة المزدكية، وإعادة تأسيس حقوق الملكية القديمة أعاد إنشاء إدارته وجهز جنده، وشق الطرق وبنى القلاع والقناطر وكما قام بإنشاء القنوات والأعمال الفلاحية الزراعية الأخرى مما دفع بالتقدم المالي في إدارة عماله لتنظيم أقاليمهم في ظروف أحسن. وهذا بالضبط ما حصل في عمان، ففي الوقت الذي بقيت سهر عاصمة ومركزا تجاريا فإن رستق تطورت إلى قلعة عظيمة تساهم في التنمية داخل البلاد وفي الفترة الساسانية كانت عبارة رستق هي نفس العبارة المستخدمة للتيه أو مطابقة للتيه وهي القرية الفعلية في مقابلة أرفريس وهي الأراضي المحيطة بالقرية لأنه في عهد أنوشيروان ونظرا لإعادة التنظيم تطورت الكلمة لتعني المركز لمنطقة داخمة وهي تجزئة أوسطان فبقيت التسمية بصيغتها العربية باستخدام ال التعريف أو بدونها وهي رسطاق إلا أن قلعة الكسرى التي يصب بجانبها الفلج الساعغي مازالت تتطلع من فوق إلى المنطقة الخصبة لهذا المكان المتميز وبدون شك كان خلال هذه الفترة أن تم ادخال نظام الفلج الذي كان يسمى كذلك الغدف لتمييزه عن الجوف على الجهة الأخرى من الجبل الأخضر كما حصل كذلك منخفض وادي السميل على ظهر القلعة المركزي المحصن على منخفض شاطئ باطنه أي دام إضافة إلى ذلك فان المراسي المحلية على مصبات الأودية صارت من الشواطئ الخصبة الفلاحية ونجد مزيدا من المعلومات المتصلة بالعلاقات ما بين العرب والفارسيين في مرجع العوتبي الذي يتحدث عن اتفاق استمر إلى غاية الفترة الإسلامية حيث يحتم أن يكون للفارسيين أربعة آلاف مرازبة وأساورة وعامل مع ملوك الأزد وبحلول فترة وعهد نوشروان صار دور المرزبان أقل شأنا من حارس أقاليم التخوم أنظر السلطة الفيودالية للماكغراف كما صار عندما وصل بنو مالك بن فهم إلى عمان حيث أصبحوا نوع من الشيوخ المحليين في المناطق المتاخمة (1/66)
صفحة 67
للدولة الفارسية (مرجع 35) من جهة ثانية كان الأساورة هم أصلا يلعبون دورا أساسيا بصفتهم فرسانا متميزين أصبحوا بعد ذلك ذوو شأن أكبر وهذا واضح من كون العرب كانوا على استعداد لإعطائهم أكبر نسبة من الدخل وامتيازات أخرى لقاء دعمهم في فتح العراق وذلك خلافا لما كانت عليه الرتب العسكرية الفارسية إذ كانوا كذلك من ملاك الأراضي (أنظر 36) إذن كان يبدو أن المرازبة والمساورة هم يعتبرون في مرتبتين مهمتين في التنظيم الشبه الفيودالي داخل عمان وعددهم الكثير يبين أن المنطقة كانت خصبة ومزدهرة كما تبين تحكمها في المناطق المحيطة إذن يظهر أنه كان هنالك نظام مزدوج للتحكم في البلاد يعكسه التنظيم الجغرافي واحد من قبل الحكم الفارسي والأخر عبر الحاكم الأزد ومناطق النفوذ يمكن تبيانها عبر ما يقوله العوتبي حين يفسر أن الفارسيين كانوا في المناطق الشاطئية كما يقول في السواحل وشطوط البحر بينما الأزد كانوا ملوك الجبال والصحاري والمناطق الأخرى في تخوم أو أطراف عمان وجميع الشؤون كانت موضوعة بين أيديهم ويضيف كذلك أن كسرى استخدم عمان لسجن بعض المحكوم عليهم من المتمردين وبينما هذه المعاهدة لم تجد أي ذكر في المصادر الكلاسكية فهناك ثلاثة حالات منها تساعد على إبراز طبيعة هذا التنظيم الإشارة الأولى تظهر في فتوح البلذوري صفحة 76 حيث يقول أنه في فترة اعتناق الإسلام في عمان معظم العرب كانوا من الأزد وكان هنالك عرب آخرون في المناطق الصحراوية المحيطة أما التبري فيؤكد تقريبا على أن الماجوس أي الفارسيين كانوا في القرى ويسميها البلدان وأن العرب كانوا في المناطق المحيطة بها في مرجع البلعمي يقول أن عرب عمان والمهر كانوا من البدو في الفترة التي اعتنقوا فيها الإسلام هذه المقولات تؤكد على ما سبق وصفه فغالبية القبائل العربية لم تستقر بعد ولم تكن هنالك مجموعات جغرافية متميزة فالشنوعة وكندة كانوا يعيشون مثل ما يعيش الشواوي اليوم في (1/67)
صفحة 68
المناطق الجبلية مع جزء من بني يحمد والمعاويل في وسط المناطق تحت السيطرة الفارسية ومعظم بقية القبائل رحل في الصحراء إلى غرب الجبال وعلى السهول بشواطئ الباطنة من جهة أخرى القول بأنهم جميعا من البدو كان فيهم نوع من التضخيم فرسالة الرسول أنظر طبقة ابن سعد المجلد الأول صفحة 35 التي بعث بها إلى بني الثمالة أنظر 37 وأزد ودان للبادية والشواطئ أي سكان السهول أي نازلة الأجوف للمناطق التابعة للصهر تبين بوضوح أن هذا الجزء من سكان العرب على الأقل كانوا مستقرين فكذكر للنظام الضريبي الفارسي للمحاصيل والأشجار وإصلاحها تحت الحكم الإسلامي يبين أن الذين كانوا يعملون في الفلاحة كانوا يعملون بصفتهم مزارعين بسطاء وليس ملاكين أو حناجرة (كانوا يشكلون جزءا من أهل البلاد أي الساكنة الزراعية أو البيادير وكانوا مستقرين في جزء محدود من المستوطنات المحيطة بالوديان العليا أكيد أن الاعتماد المتبادل من الناحية الاقتصادية على العرب وسكان القرى كان في هذه الحالة يدفع إلى نوع من التعاضد مع المجموعات القبلية في مناطق قروية معينة إلا أن بعض حقوق مجموعة الشواوي في عمان اليوم لها أصول قبل إسلامية راجع 38 على أن مثل هذه العلاقات الاقتصادية ما بين سكان القبائل والمستقرين لا تدفع إلى اعتبار أن الاندماج ممكن بين هاذين المجتمعين فالمجتمع العربي القبلي كان يشجع على التزاوج داخل القبيلة وبذلك يكون الزواج مع غير الشرفاء خارج الفخذ غير ممكن إضافة إلى هذا يتبين من التفاصيل الأثرية بما في ذلك الأسماء الأصلية للفترات الموسمية على نظام ازك الفلج مثلا تبين بوضوح التمايز ما بين المجموعات الماجوسية والبطون العربية الأولية المستقرة هناك 39 وكان تكسير هذه الحواجز ممكنا فقط بتشكيل الإمامة عندما أصبح سكان القرى قبليين أو رحلا كما سنرى فيما بعد إلا أن ذلك كان بحاجة إلى ما يكفي من الوقت بعبارة أخرى إن الفارسيين والفرس حكموا المناطق (1/68)
صفحة 69
الزراعية والعرب كانوا في الصحاري (أنظر البدو والحضر) إذن المعاهدة كانت أساسا ليس للتقسيم الجغرافي بل للتمييز الاجتماعي الاقتصادي فعوض الحكم غير المباشر عبر ممالك على التخوم أعطى النوشريوان العرب المحليين الاستقلال الذاتي واعتبر زعماء المعاويل زعيما لهم حيث عاش قريبا منهم في مراكز محصنة داخل الأراضي مثل جولندة وكان يعين واحدا منهم عميلا أو عاملا وهذا التعيين يزيد من السلطة التقليدية للزعيم العربي كشيخ الشيوخ أو ذو العمامة في صلته مع ذو التاج بالسلطة الامبريالية وهذا من جهته ساعد في توحيد الأزد وقبائل أخرى في عمان في وحدة سياسية وجهوية وهناك ترتيبات مماثلة حصلت في مناطق أخرى حيث زعيم العرب في البحرين كان معترفا به كاسباذ وهي تحريف للرتبة الفارسية اسباباذ (أنظر 40) بينما العائلة الحاكمة في جنوب غرب الجزيرة العربية كانوا يعرفون بالأناعة ف ___ وادي جولندة وسلطتهم كانت بلا شك محدودة في الجنوب الشرقي لعمان التي كانت تحت إمرة قبيلة سليم جولندة حيث سلطتها مبنية أساسا على الجانب الفارسي للخليج كما رأينا. إلا أنه كان هناك نوع من الانعزال الترابي الذي قد يفسر الطرق المختلفة التي استخدمت بها عبارة عمان لدى الجغرافيين العرب (أنظر 41) مما لاشك كان هنالك نوع من استقلال العرب في دمام وظهيرة من القبائل العربية كانت مرتكزة على هجرتهم عبر البحرين أما صهار في المرسى الطبيعية لهذه المنطقة فهي كانت بالتأكيد فارسية أما العرب فكان لهم مرساهم الخاص وهي الخليج الصغير لدابا أو الديبة حيث قبيلة جولندة كان لهم حق الإرساء وإضافة إلى صهار ودابا فان المركز الفارسي المحصن على الجهة الأخرى لباطنة شكلت أسواق العرب الثلاثية ما قبل الإسلام لمجموع هذه المنطقة 42 لاشك أن ترتيبات أخرى كانت موجودة في جنوب شرق عمان مع شبه الاستقلال العربي تحت سليم جولندة فمعظم المستوطنين في عمان كانوا تحت الحكم المباشر للفارسيين (1/69)
صفحة 70
ينفذونه من المراكز المحصنة التي كان من بينها الجوف والسر والمناطق الجبلية الداخلية كما يظهر ذلك في رسالة النبي إلى ___ وثمالة وهذا الإقليم الذي كان تحت الحكم الفارسي كان يشار إليه بمأزون كما جاء في مصدر مجهول ذكر في صحيفة القحطانية مرجع 177 ف وتبين أن جابر بن زيد ولد في الفرق في عمان المازونية فسواء كانت الضرائب التي يجمعها جولندة من المناطق العربية تؤدى في مجموعها أو جزء منها فقط إلى فارس لم يكن ذلك واضحا إلا أن ذلك صحيح في مازون على الأقل حسب ما تبينه رسالة الرسول المذكورة أعلاه.
رتبة العرب
كل ما سبق يبين أن العرب كانوا سكانا خاضعين رغم أن القبائل في داخل الأراضي متروكين لأنفسهم يتحكم فيهم شيوخ الموالي يعينهم الجولندة ونسبة إلى جولنداني ومن الممكن أن الأول الذي اعترف به من عائلة أميرية عربية هو العضو من الجيل الرابع من العائلة الشيخانية وهو المستكبر ابن مسعود ابن جرار ابن عز كما يبين اسمه ومن تلك الفترة أصبحت تلك العائلة تحمل الاسم المشهور ففي فترة الدعوة إلى الإسلام كان ابنه معروفا بجولندة ابن المستكبر كما أن حفيده هو جولندة ابن مسعود أصبح يعرف بإمام عمان. (1/70)
صفحة 71
فالقبائل العربية كانت تعتبر نفسها شريفة إلا أن هناك في أوروبا على الأقل اتجاها لاعتبار العرب رعاة الجمال هم أرفع مراتب النبل لدى العرب وهذا غير صحيح سواء في الوقت الراهن أو في الفترة التي تهمنا فالقرآن ليس يصب في صالحهم رغم أن النبي بعده أبو بكر وعمر دعاهم للجهاد وللإفادة فان الإباضي سليم ابن دكوان عندما كتب في فترة الحركة الإباضية في البصرة بدأ بالعمل بالنشاط السياسي متهما عثمان (أنظر 47) بتهميشهم لأنهم لم يقبلوا حقهم من العطية ويقول كذاك (أنظر71) أن الأزارقة همشوا تماما حتى البدو الذين كانوا في صالحهم وهذه التهمة ضد عثمان كانت فريدة في الكتابات الإباضية فالبرادي يعيد تأكيد الاتهام كما بين كرون وتسيمرمان الباحثين أن تعليل سليم مرفوعة من سياقها في سورة من القرآن (وهي سورة 140 ص11 إلى 16) التي تقول أن هناك مؤمنين حقيقيين من البدو لأنها تكون منتقدة فتم استثناؤهم من حملة الحديبية وحملة خيبر لأنهم لم يكونوا صلبيي الإيمان وكانوا يذهبون إلى الحملات فقط للحصول على الفوائد من الحرب القول بأن اتهام سليم للأزارقة كان فريدا لهم وأن رأيهم متأت من أنهم لم يشاركوا في الهجرة تم تكذيبه من قبل الخوارج المصريين وآرائهم أو على الأقل أبو عبيدة معمور بن مثنى حوالي 25هـ / 824-728م والذي كان ينتقد البدو وهو من خوارج المصريين كما أنه من المصادر الأولية في الشؤون المصرية حيث استخدم الطبري وغيره وأعلن أنه يكره عرب الصحراء (أنظر 44) كما أن موضوعا آخر للهجرة والتي تعود إلى الظهور في الإسلام بين الفينة والأخرى عبر السياسة الوهابية في القرن العشرين في استقرار البدو في الحجاز هي مسألة إذا كانوا فعلا مسلمين حقيقيين دون الهجرة إلى مصر فسليم والإباضيون يؤكدون معالجة هذه الإشكالية عبر فرض الهجرة الذي توقف بعد فتح مكة وهناك مزيد من الانتقادات الموجهة للبدو متأتية من أنهم متشبثون بتقاليدهم الجاهلية أو ما قبل (1/71)
صفحة 72
إسلامية مثل استخدام دعوات الحرب مثل ما قيل عن يا الملك أي ابن الفهم ودعوته في حرب الردة التي سنأتي على ذكرها في ما بعد فذلك مما شجع استمرار النظام القبلي (أنظر 46) وهو اختيار البيعة العربية عوض بيعة الهجرة مما أعطى البدو إمكانية الهجرة الأصلية إلى المدينة وأخيرا يجذر الانتباه إلى أن الجيوش العمانية في الحروب الإسلامية الأولى كانت أساسا من القبائل من غير البدو كانت الهجرة الكبرى لأعداد كبيرة من السكان في السنة الهجرية 59 إلى البصرة هي التي جلبت ثروة جديدة من هذه الحملات وقلبت الزعامة السياسية هناك ودفعت محاولة الشيخ المعني إلى قلب النظام في السنة الهجرية 64 كان هؤلاء من أزد عمان حقيقيين صار المؤلفون ينهالون عليهم انتقادا مع شنوعة وحلفائهم والنقطة الأساسية هي تسجيل في كل هذا رغم ذلك أن البداوة في الفترة الإسلامية لم تكن النقطة التي نسجلها في كل هذا (صفحة 21). النقطة الأساسية في نظرنا هو أن البداوة في الفترة الإسلامية الأولى لم تكن امتيازا وأن تأكيد المصادر الكلاسيكية على أن الأزد وسبع وأربعين قبيلة القبائل أخرى في عمان على أنهم كانوا من البدو لم يكن في مصلحة العمانيين ولهذا فان سليم والعبادي عندما كانوا يدافعون عن حقوق البدو وضد تهميشهم إذن كان هذا هو السبب الذي دفع سليم وبصفته إباضيا دفعه أن يدافع عن حقوق البدو ويحارب تهميشهم أكثر من ذلك فان الموضوع بصفة عامة كان مرتبطا بموضوع موجة هجرة الأزد المتأخرة إلى البصرة وكان هؤلاء الأزد بالذات بعد فشل انقلاب الزعيم المعني هم الذين شكلوا أساس قوات المهلب عند محاربة الأزارقة وحسب رأي المؤلف ما يبين بعدا آخر يخص توضيح سليم حول الأزارقة والبدو. (1/72)
صفحة 73
بل إن الدافع إلى كراهية أعدائهم هو أن كثير من العمانيين أصبحوا منسلخين عن قبليتهم عبر أعمالهم البحرية مثل أبو عبيدة وقوله عن الأزد أنهم كانوا مدفوعون للعمل كبحارة يبين ذلك قول المسعودي في المروج (أنظر 134) في تهكمه على شهرة القبائل يقول أنه عندما تضع أم أزدية طفلا فان ذلك هو بالذات خبر بأنه سيصبح بحارا إذا أزدية ولدت غلاما فبشر الملاحة محيد إضافة إلى هذا نظرا إلى أنهم عاشوا على الشاطئ الفارسي لمدة طويلة مع الفارسيين والعرب فإنهم كانوا يعيشون في ظروف فقر وجهد في المناطق المحيطة بالمراسي مثل أبولة وهذا يبين أن عروبتهم في تقلص وأصبحوا مثلهم مثل العلوج أي عامة الشعب من غير العرب كل هذه الصفات كانت ترمى في وجوههم من قبل أعدائهم في الفترات الإسلامية الأولى كما سبق القول عن معاوية والحجاج فهم كانوا نوع من الحيوان (حيوان لا يحاول تحسين ظروفه وبلده) في صراف وأبولة التي كانت بمثابة حشوش على غرار الجنان في العالم، والقول بأن العماني مازوني كان كذلك نوعا من التشهير بهم إذ يشير وضعهم ما قبل الإسلامي تحت حكم الفرس فحتى الحجاج كان يتردد قبل أن يقول عن المهلب أنه مازوني إلا أنه عندما كان يتحدث عن ابنه أشار إليه بذلك المازوني وكان الغضب واضحا ضد الأزد في الإشارات المتكررة إليهم بصفتهم مازونيين أما بالنسبة الأزد أزد بني سعيد حسب المهلب كانوا يكرهون أن يسمون المزون فالكميت عندما جاهر جرير بهزيمة يزيد بن المهلب في شعره المشهور الذي يبتدئ بنيران مازون وقومها قد خفت أو ما يشابه ذلك من الشعر رد عليه أبو عبيدة الذي لم يكن ليترك فرصة للرد على المهلبيين فقال أن المازون كانوا من البحارة، أما أبو صفرة من جهته فقال عنه أعداؤه التميميون أنه كان من النساجين المعروفين بشخاري أي أن النساجين لم يكونوا من الأذكياء وكانوا من جزيرة خرج وذكروا في جيش ابن العاص على أنهم من السيس (أنظر 50) أو من عمال الاسطبلات. (1/73)
صفحة 74
الخاتمة
إن إعادة التركيب حول الوضع في عمان قبل ظهور الإسلام يبين شرطين مسبقين قد تبين أن الإمامة الإباضية كانت لتنشأ هناك الأولى هي الإحساس بالغبن من قبل قبائل الأزد واليمن اتجاه عدم قبول الزعامات الحجازية والموية لهم ثم الإحساس بأن ما يقال عنهم يعنى به مجموع عرب الخليج وجنوب الجزيرة العربية. الملاحظة الثانية أن معظم الذين يسكنون في الأراضي الساسانية كانوا يعملون في حرف متواضعة وكانوا من الفقراء لذلك فانه لا يستغرب أن يكون ما قد يسمى ما قبل بالإباضية والإباضية الأولى تطورت في منطقة معزولة ومهمشة مثل التي عاش فيها شخص مثل جعفر بن السماك وهو ابن صائد سمك اسم أبيه سمان وهو بائع سمن أما أبو نوح صالح بن نوح الدهان فكان هو الصباغ بالدهن فعاش في حي الطاي في البصرة وعبيدة مسلم بن أبي كريمة كان قفافا أي كان يصنع القفاف ومولى للتميم وطال الزمن قبل أن يبدأوا في توحيد توجههم ولكنهم في النهاية توحدوا في البصرة وقبل أن ننطلق إلى عمان من الضروري أن نتفحص الأصول الإسلامية للحركة الإباضية ونقف على الكيفية التي أصبح بها عمان جزءا من الدولة الإسلامية وسيكون ذلك موضوع الفصل المقبل الثالث.
الفصل الثالث
اعتناق الإسلام (1/74)
صفحة 75
ليس النية من هذا الفصل هو التعليق على الجوانب الدينية لاعتناق القبائل العربية للإسلام القصة الشبيهة بالمعجزة حسب حديث العوتبي التي تحكي كيف أن مازن ابن غدوبة من طي نبهان كان الأول في اعتناق الإسلام في عمان على يد باجر وهي من ضمن الأوثان التي كان يعبدها في سومائيل من اسم الله لم يكن كذلك الحديث عن القصة الشبيهة رغم أنها غير مفصلة بعمرو بن مالك بالفهم الأزدي(1) فالمعجزات ليست من مميزات الإسلام وقد تؤخذ على أنها قصص شعبية رغم ذلك فانه من المفيد القول أن ابن دريد تحدث عن باجر أو بجر كمعبود من أوثان الأزدي وجيرانهم قضاعة وطي(2) ومن معبوداتهم كذلك حسب القصصي الشعبي العماني جورنان ومن ذلك التسمية ما قبل الإسلامية لقبيلة ازكي المعروفة بأقدم ساكنة عمان. (1/75)
صفحة 76
إلا أنة قد يكون من الإفراط في التبسيط الذهاب إلى أن جميع العرب كانوا من عبدة الأوثان وأن السكان الذين كانوا يخضعون للفرس المجوس أو الزروستريين فلا شك أنه كان هنالك مجوس من ضمن القبائل العربية ما كانت على الدين المجوسي ورسالة النبي إلى زعيم العرب في البحرين المنذر ابن السماء العبدي يبين أنه كان من عبدة المجوس زيادة على ذلك فالأهم للميول نحو قبول الإسلام أن الديانتين السابقتين عليها كانت من الديانات التوحيدية فنعرف أن بعض القبائل العربية كانت قد اعتنقت اليهودية رغم أنه ليس هنالك ما يبين أن كان الحال كذلك في عمان رغم أن هناك إشارات إلى وجود اليهود هناك ومن جهة أخرى أما المسيحية فكانت واسعة الانتشار وهناك إشارات أن شخصيات مأثرة كانت تشير بقبول الإسلام وكان من ضمنهم المسيحيون العرب وفي هذا الشأن يفيد أن نوضح كذلك أن أحد الزعماء الكبار من عبد القيس وهو مسيحي سابق دافع عن الإسلام وعن القضية الإسلامية ضد المرتدين بعد وفاة الرسول في البحرين وتنظيم الكنيسة في الأراضي الساسانية كان على أساس السينوت أو القداس الأول الذي نظمهما إسحاق في ستة 410 ميلادية فالمركز الأساسي لجانب الجزيرة العربية من الخليج كان يبدو أنه كان بيت أطرية وليس فقط قطر بل كان ذلك يمتد إلى جزر البحرين وكان يحكمه مطران جهوي إلا أنه غير واضح إذا كان المأزون كان بها كذلك سكانا مسيحيين كثر تحت إمرة أسقف مازني يوحنان 424 ميلادية وداوود 544 والسموئل 576 وستيفانوس 676 أكيد أن السكان المسيحيون قد توسعوا في عهد الملك هورمزاد الرابع الذي جاء بعد كسرى أنوشروان في 579 / 90 والذي كان يدعم المسيحيين حتى أنه في سينودمارجورجس الأول في 57 سنة من الإمبراطورية العربية (تبين على أنه كان هنالك شاهين أي أسقف في حطة معروف رسميا بالتيدردشير يفهم بلا شك منه الخط أي الجزء الشمالي لعمان المقابل للخليج وهي منطقة خارج الحكم الفارسي المباشر كما (1/76)
صفحة 77
رأينا 3 وهذا يعد مفيدا إذ أن تاريخ خريط الناجي ة ثورته في 38 هجرية تبين على أن عددا كبيرا من بني السماء من أتباعه كانوا من المسيحيين كذلك نعرف أن اثنين من أبرز العرب العمانيين وكانوا من المسيحيين ونعني كعب بن صر من قبيلة لقيط وحارث مالك بن الفهم الذي عين أول قاضي في البصرة وكذلك كعب بن برشة الطاحي الذي سنلتقي باسمه بعد قليل في علاقة مع اعتناقه الإسلام وقد يكون أكثر مدعاة للجدل آثار الإيديولوجية المزدكية في هذه المنطقة وفي رأيي أن المذهب الخارجي قد يكون تأثر من قبل الأحاسيس المتساواتية التي استمرت لدى السكان المزارعين في الأراضي التي كانت سابقا تحت إمرة الساسانيين والذين شكلوا جزءا من أتباعهم وبقدر كبير كذلك هذا معكوس في أحكام علماء الإباضيين الأول الذين كانوا ضد جميع أنواع المضاربة والأرباح العقارية وأقصى نمودج كان هو أبو سعيد الكدامي الذي لم يكن يطرح محل الشك مبدأ الملكية الفردية والملكالا أنه كان يحد ذلك في إيجار الأراضي سواء تعلق الأمر بالنقد أو اتفاقية المزارعة وكلاها غير أخلاقية حسب رأيه إذ أنها يجب أن تمنح مجانا.
إسلام عرب عمان (1/77)
صفحة 78
مع أخد عين الاعتبار بهذه المقدمات نتوجه الآن إلى اعتناق الإسلام لعرب عمان فالقصة كما جاء في العوتبي تقول ما يلي فقد بدأت بدعوة الرسول لكسرى الفرس الثاني أربويز 591 /628 للاستجابة لدعوة الإسلام ورفض ذلك وبعد أن تم قتله في مارس 628 قام ابنه شيرويا كواز الثاني شيروي إذن أعطى الأمر لمرزبان عمان وباستجان لبعث أحدهم يتكلم العربية والفارسية يثق به لقراءة الرسائل إلى الحجاز حتى يحصل على المزيد من المعلومات عن الرسول تم اختيار كعب بن برشة الطائي من الأزد 5 الذي كان من المعتنقين للمسيحية وبعد المناقشة مع النبي صار كعب مقتنعا برسالة النبي واعتنق الإسلام بنفسه وعاد إلى عمان ثم إن المرزبان عاد إلى سيده لمناقشة الأمر وترك الحكم لواحد من مسكان ثم أن الرسول كتب إلى سكان عمان وكانوا تحت حكم الجولندة ابن المستكبر يدعوهم إلى اعتناق الدين الحنيف واستجابوا لدعوته. ذلك كتب إلى الفارسيين في عمان وكانوا من المجوس ورفضوا وآنذاك أخرجهم جولندة صغيرهم وكبيرهم من البلد يمكن أن نعتبر هذه القصة المختصرة لحد الآن ونسجل أنها قد تكون متطابقة مع الفترة التي كان فيها النبي بدأ بتوسيع ونشر رسالته ودعوة حكام العالم لاعتناق الإسلام وذلك في السنة الهجرية 6 أكيد أن ذكر شيرويا متطابق مع حكمه القصير الذي دام ثمانية أشهر في سنة 828 ميلادية تقارير المقولة أكثر قبولا تبدأ في السنة الهجرية 8 بموقف جولندة الذي أسره عبد وجيفر ابن الجولندة بن المستكبر حيث كان نوع من الحكم الثنائي للعائلتين في الفترة التي تستمر أقرب إلى قرنين أنظر 6 وقد يكونوا نجحوا فقط لفترة قصيرة لأن هناك بعض الشك ما بين المؤلفين العمانيين إذا كان أبوهم كذلك مسلما مرجع 7 وهذا الشك يتبين من التقارير المتنازعة حول القصص الكلاسيكية والعمانية حيث سنحاول فيما بعد حل اللغز فبينما السالمي في هذه الفرصة يقبل التفاصيل التي جاءت في القصة الكلاسيكية المبنية على (1/78)
صفحة 79
الواقدي فانه يتبعه في الرأي المصادر الأخرى أنظر 8 والشك أنه يفعل ذلك لأن القصة مقبولة وغير مشكوك فيها دون اعتبارات تاريخية أخرى بهذه القصة الرسول يبعث بعمرو بن العاص برسالة إلى إخوان جولندة يدعوهم إلى الإسلام ويفصل عليهم الشروط المعروفة رغم أن هناك عدة نماذج من تلك الرسالة فعمرو يأتي إلى صهار والعمانيون يقولون إلى دستجرد أي إلى القلعة المحصنة الفارسية حيث كتب إلى إخوان جولندة الذين كانوا في المنطقة الصحراوية أنظر 9 وبعد الاتصال بعبد الذي كان يود الحديث معه لأنه كان أسهل في المعاملة التقاه فرفض العمل دون مشاورة أخيه الأكبر الذي كان هو السيد في العائلة الحاكمة وبعد تفسير طبيعة الواجب الديني والصدقة لعبد حاول عمرو أن يرى جيفر الذي كان أصعب مراسا وفي النهاية يقوم بترتيبات مع أخيه فعمرو بقي في عمان إلى أن مات الرسول. وقد بقي عمرو في عمان إلى تاريخ وفاة الرسول ومن الغرائب أن يهوديا قد تنبأ بهذا الأمر فعاد إلى المدينة مع مجموعة من العمانيين فالعوتبي وهو يعرف هذه الرواية المشهورة يحاول أن يوجد حلا وسطا بالقول أن النبي كتب إلى عبد وجيفر بينما أبوهما كان لازال حيا. (1/79)
صفحة 80
و المصادر المشهورة لا تقول شيئا عن ما حدث للفرس بل تضيف فقط أن الماجوس كانوا يخضعون للجزية بينما المسلمون يؤدون الصدقة وهذا تناس غريب إذ أنه في مناطق أخرى كان الحديث مطولا عن الذي حدث للسكان غير العرب أنظر مثلا رواية البندوري حول البحرين وقد يكون ذلك اراديا في المصادر الكلاسيكية التي كان معظمها تقريبا موجهة بطبيعة الحال ضد العمانيين سواء لأسباب قبلية أو لأنهم كانوا من الشورات أي من الإباضيين فالرواية العمانية في المقابل تحاول تغطية هذا النقص فتقول الرواية العمانية أن الأزد التحقوا بجيفر الذي جاء بالدعوة الأولى للدخول للإسلام إلى المرازبة والأصاورة وطلب منهم أما اعتناق الإسلام أو هجر البلاد وكان ذلك قبل مقارعتهم في معركة رهيبة (ربما رسطاق) حيث قتل مسكان وقد أحاطوا بالعسكر الفرس.
و الحكام الفرس من الأساورة والمرازبة الذين لجئوا إلى قلعة دستجيرة في صهار وطالبوا بالسلم بعد ذلك وقد حصلت الهدنة على شرط أن يهجروا البلاد وعائلاتهم ويتركوا جميع ممتلكاتهم وهذا النصر هو الذي قال فيه شعرا مشهورا الشاعر الأزدي ثابت بن قنة العتاقي. (1/80)
صفحة 81
من المفيد ملاحظة نقطتين في هذا الشأن الأولى أن جيفر كان هو الزعيم العسكري للحملة وأنه هو الأزدي الوحيد الذي ذكر اسمه كما سنرى بعد وفاة الرسول كان كذلك هو الأزدي الوحيد الذي ذكر مع المسلمين كما أن الأزد هي القبيلة الوحيدة من ضمن جيوش المسلمين وقد يكون ذلك اختصارا إذ أنها كانت أهم قبيلة كما قيل أن بعد دخول عبد وجيفر الإسلام بعثوا إلى زعماء القبائل الذين قدموا الطاعة لمحمد إلا أن إضافة الجملة التالية (و فرض عليهم أداء الصدقة) قد يشير إلى أن الأمر لم يكن بتلك السهولة وقد يكون العنف استخدم ضد المشركين وهو ما لم يذكر في التقارير وهذه فقط إشارة إلى إحدى القصص في عمان تفسر عبارة البياصرة مرجع 11 فحسب هذه الرواية كان هنالك من وقعوا في الأسر وكانت عائلات برمتها قد أخذت كعبيد بعد رفضهم للإسلام وتشبثهم بكونهم مشركين أو غير موحدين وحصل لهم ما حصل لكثير في رقعة العالم العربي حتى من ضمن قريش حسب ما يقوله أحد المخبرين الذين اعتمدت عليهم وأن العرب كانوا يستعبدون بعضهم في الهداية وذلك واضح عندما قام عمر بطلبهم الكف عن ذلك وفي هذا الصدد يفيد تسجيل أن ابن جعفر يؤكد على انه إذا كان من الصعب الحصول على اتفاقية الآمان مع المشركين فهذا لا ينطبق على العرب فأما أن يعتنقوا الإسلام أو ينتهوا بحد السيف. (1/81)
صفحة 82
على أن هذا مثير للجدل وما لا يثير الجدل انه من الواضح أن دعوة العمانيين العرب إلى القبول للإسلام كان دريعة لقلب النظام الفارسي المكروه وأن تعبير الصلح كان يفترض أن تهاجر النخبة السلطوية وتترك وراءها ممتلكاتها وتجعل من ذلك من العرب أسياد الأرض على أن مثل هذا التفكير الوضيع للقبول للإسلام بطبيعة الحال لا يظهر في الروايات وأقرب ما نأتي لذلك هي رسالة الرسول المذكورة سالفا الموجهة لوفود ثمالة والهدان حيث تشير الرسالة إلى أن ضريبة الخيرة أو المكيال على نخيلهم ستكون فقط عشرة بالمائة من الثمور بعد تقييمها في عين المكان حيث اشتريت للتجفيف إذن من قانون من كل عشر تلك هي الضريبة وبعبارة أخرى لم تكن هنالك ضريبة محددة أو تقييما للثمور وهي على النخيل بل إن العشر يطبق فقط على منتوج السنة.
التأريخ أو تحديد التواريخ (1/82)
صفحة 83
و بعد تحديد الخطوط العريضة أو الصورة العامة للأحداث نتطرق الآن لمسألة التأريخ ففي أي تاريخ جاء عمرو بن العاص إلى عمان التاريخ المشهور يقول أنه جاء في نهاية السنة الثامنة الهجرية وإذا كان الأمر كذلك نستنتج أن النبي ضيع بعض الوقت قبل بعث رسوله إذ أن تلك السنة هي التي اعتنق فيها عمرو بن العاص الإسلام أنظر مرجع 12 إلا أن ذهابه قد حصل بعد ذلك حسب رأي التبري أي بعد حجة الوداع أي في السنة العاشرة الهجرية أيا كان التاريخ فان المؤكد أن ذلك لم يكن الاتصال الأول بين النبي والعمانيين فإذا اعتبرنا أن الهدف من بعث رجل من شأن عمرو لتقوية المفاوضات الأولية وتحريض المزيد من سكان الأراضي الخليجية نحو تمرد في وقت كان الحكم الساساني يبدو مزعزعا آنذاك فان الاختلافات في التواريخ تختفي فالرسائل إلى الفارسيين والعرب تأتي في فترة من التواصل الأولي حيث كان أب الأخوين جولندة مازال حيا والروايات المشهورة تدعم هذا ___ ففي تاريخ اعتناق البحرين للإسلام يقال على أن العلى الحضرمي كان هو المرسل المديني إليهم ونفس الرجل ابن سعد الذي توفي 229هـ/488م يقول في المرجع 13 أنه كان قد أرسل إلى العمانيين فيما قبل وهذا القول يحصل في ظروف كان يؤرخ للبعثة الأزدية العمانية إلى النبي وعلى رأسها أسد بن يمرح الطاهي فهل كان هو نفس الرجل أو على الأقل أحد أبناء قبيلته سبقت الإشارة إليه على أنه هو الذي بعث من قبل المرزبان للاستخبار عن النبي في رأيي ذلك هو الأصح إذ أننا نجد كعب بن برشة مرة ثانية عندما يستشيره الأخوين جولندة بعد مجيء عمرو بن العاص برسالة النبي أيا كان الحال وبطلب من البعثة العمانية يتم بعث رجل اسمه مدرك الخوط لمراقبة أحوالهم ونفهم من ذلك أنه يستمر في مفاوضتهم ومن الواضح كذلك أن ابن سعد انه كانت هنالك متابعة للبعثة إلى المدينة تحت رجل يسمى سلمى ابن عياض الأزدي وكما رأينا حسب التبري في الجزء الأول صفحة 1561 كتب (1/83)
صفحة 84
يقول أن إحدى البعثات الأولى في القرن السادس الهجري تذكر عمرو بن العاص على أنه جاء إلى الأخوين جيفر وعباد ابن الجولندة إلا أن هذه الرواية مستحيلة في هذا التاريخ حتى أن غيرناه إلى القرن السابع الهجري حسب رواية بن الأثير في المجلد الثاني صفحة 208 وربما من الأهم الأخذ برأي البنذوري الذي يقول أن أبا زيد الأنصاري من الخزرج بطرق مختلفة(رغم الاختلاف في تسمية الخزرج) هو الذي جاء إلى عمان برسالة من النبي وأضاف أنه من أولئك الذين جمعوا القرآن في حياة الرسول ودرسوا القرآن والسنن وهي إشارة بها تناقض زمني حسب كيف ننظر إليها ففي رواية جاء في السنة الثامنة الهجرية وفي أخرى في السنة السادسة الهجرية وبعده جاء عمرو بن العاص في السنة الثامنة الهجرية مباشرة بعد اعتناقه الإسلام أما كون زيد من الخزرج فذلك صحيح إذن أن الخزرج من الأزد كما كذلك بنو البريق الذي ينتمي إليهم رجل آخر سنتحدث عنه بعد قليل وهو كذلك من المبعوثين إلى عمان وهو حذيفة بن محسان.
كل هذا يشير إلى أن هنالك كثافة من الذهاب والإياب بين العمانيين والمدينة منذ السنة السادسة الهجرية ويبين ذلك محاولة من قبل المجموعات القبلية في شرق الجزيرة العربية التواصل مع حركة إسلامية متنامية في غرب الجزيرة العربية من جهة ثانية وعمل المبعوثين إلى عمان كان لتنمية هذه الاتصالات فرأي الباحث الكيتاني خطأ حينما يقول أن عمان لم تكن خاضعة للبروبغاندة الإسلامية في المراحل الأولى فعندما جاء الوقت أرسل عمرو بن العاص إلى عمان للدعوة إلى إشهار الإسلام والتمرد على الحكم الفارسي هناك كما حصل تماما في البحرين وهذا ما قام به جيفر والأزدي بلا شك في السنة العاشرة بعد للهجرة. (1/84)
صفحة 85
نلاحظ مرة ثانية أن الأزد وحدهم هم الذين ذكروا في كل هذه الروايات وكذلك الشأن بالنسبة للوفد العماني الذي ذهب مع عمرو عندما عاد إلى المدينة عبر البحرين بعد انتشار خبر وفاة الرسول فهناك ثلاثة أسماء ذكرت أنظر 14 عبد ابن الجولندة وجعفر ابن قشط العتاقي وأبو صفرة سريف ابن زليم الأزدي أنظر مرجع 15 وجميع هذه الأسماء مشكوك فيها بل إن القصة برمتها وضعت لاستحسان أبي بكر وعمرو ونبلاء المدينة في العهد الإسلامي للعمانيين وهكذا فان عبد يلتحق بالحملة ضد قبيلة جفنة وهم من الغسانيين حيث ينشد حسان ابن ثابت الأنصاري مادحا العمانيين ويحصل على رسالة شكر من الخليفة بينما أبي صفرة أبي المهلب يظهر كأنه المتحدث باسم القوم عندما يأتون إلى المدينة فهذا مستحيل ولا شك أن اسمه أضيف إلى القائمة لمحاولة رفع شأن المهلبيين إلا أنه من المفيد ملاحظة أنه أعطي فقط نسبة أزدية عامة ولم يعط نسبة عتقية بينما العضو الثالث يبدو أنه أعطي نسبا عتاقيا أي من فرع الشيخلين من بني عمران إلا أن الملاحظة المهمة هي أزد وحدها هي القبيلة الوحيدة التي سميت في هذه المهمة.
ردة أو ارتداد ؟
مرة ثانية نجد الأزد هي الوحيدة المذكورة في رواية حروب الردة وفي بعض الروايات نجد ديبة وقوى الخير يبدو أنهم كانوا من القبائل الأخرى كذلك وبينهم زعماء مثل خريط ابن الرشيد وبني ناجية وفيحان ابن سهان وعبد القيس إلا أن المصادر والروايات لأحداث الردة شابها خلط كثير لا يشجع على الثقة بها بل أن ضم أسماء أضافها سيف بن عمر واعتمد عليها التبري المتوفى سنة 310هـ/523م والتي اعتمد عليها تم بعد حصول الأحداث بزمن طويل كما حصل في كثير من الأحيان في كتابة التاريخ وبذلك تم ضم أسماء غير ذات أهمية. (1/85)
صفحة 86
قبل بداية توضيح ما حصل فعلا يبدو من المهم الإشارة إلى بعض العموميات الخاصة بالسياق فمن السهل الانزلاق إلى الروايات حسب المنظور البعد والزاوية الذاتية عندما نتحدث بصفة عمومية عن الإسلام خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأمة الإسلامية لم تكن إلا في زمن الرسول ويجب أن نتذكر أنه في السنة الهجرية 11 إلى 12 عندما حصلت حروب الردة لم يكن هنالك قرآن بهذه الصفة ولم يكن هنالك شرح ولم يكن هنالك سجل للسنة ولم يكن هنالك إجماع وجميع الأمور كانت تنظم من قبل الرسول والوحي ولم يكن هنالك أي تعليم ديني في المناطق المحيطة بشبه الجزيرة بعبارة أخرى كانت الأمة هي نوع من الحلف المبني على الارتباطات الشخصية مثل ما دعت إليه رسالة النبي إلى العمانيين بأن تشهد بأن لا إله إلا الله وأنه رسول الله وأن تؤدي الزكاة وأن تبني المساجد وتقوم بالجهاد بعبارة أخرى أن تكون تابعة لمحمد وأن تعترف بأن الإسلام دين موحى به ولا شك أن الفرائض الأساسية للدين كانت تفسر لؤلئك الذين يأتون لزيارة النبي في المدينة أو من قبل المبعوثين إلى الغير إذا صدقنا تفسير عمرو لما فسر لعبد جولندة كذلك أنه لم يكن هنالك شخص متخصص في جمع القرآن مثل أبي زيد الأنصاري مثلما صارت الخبرة لأبي زيد الأنصاري إلا أن الشيء الملموس الأهم في اعتناق الإسلام هو أداء الضريبة وقد كان لذلك أثر قوي على البدو الذين يرزحون تحت الحكم الفارسي عندما أصبحوا متنصلين من جميع الواجبات إذن كان الفارق الأساسي الذي كان أمام هذه المناطق الهامشية مختصرة في السؤال هل كانوا من المحمديين أو من المسلمين وبعبارة أخرى هل كان العرب يبنون عصبيتهم على قبلية موحدة. إذن كان الخيار الأساسي المطروح على هؤلاء الذين كانوا يقطنون في المناطق المهمشة يمكن اختصارها في سؤالين هل كانوا محمديين أو مسلمين بعبارة أخرى هل العرب كانوا يجتمعون تحت عصبية قبلية موحدة في ظروف استثنائية جلبت لهم مزايا (1/86)
صفحة 87
وواجبات في نفس الوقت أو أنهم التفوا نحو خطاب إلهي رايته الإسلام ففي البحرين دعي مسيلمة إلى الاختيار الأول إذ أن محمدا في رأيه لم يكن نبيا وإلا لما أصابته الوفاة وهو رأي أجاب عليه أبو بكر في رسالته إلى القبائل المرتدة على الأقل حسب سيف أنظر المرجع 16 أما في عمان وحضر موت فان الردة حصلت حول قضايا متعلقة بأداء بالضريبة وفي الحالتين كانت مرتبطة بسوء التدبير وسوء الفهم من قبل الزعماء الذين نصبهم حكام المدينة ومن جهة ثانية كان هنالك إحساس بالظلم من قبل بدو قابلين للإثارة والذين لم يخضعوا تماما للقواعد الإسلامية والذين آنذاك توجهوا لإخوانهم في القبائل الأخرى الإيمانية ففي حضر موت مثل القضية برمتها بدأت بترتيبات جمع الضرائب التي انفجرت ودفعت بمجموع المنطقة بداية من جبل اسمهمكد وكان الأشعث محظوظا في النهاية عندما حصل على العفو. (1/87)
صفحة 88
هنا لن ندرس إلا حالة عمان هناك ثلاثة روايات أساسية باختلافات معينة لما حصل رواية التبري مرجع 17 المبنية على سيف الذي توفي 180هـ/791م ’و مصادرة الثانية هي رواية الواقدي توفي في 207هـ ثم الرواية ثالثة وهي الرواية المحلية العمانية فرواية التبري هي الأشمل وتعطي الانطباع على أنها الأدق من حيث التفاصيل التي تحتوي عليها والتتبع المنطقي لأحداثها فبدمجها مع رواية البلعمي الجزء الثالث صفحة 307 إلى 310 الذي يعطي بعض التفاصيل والتأويل للتبري على ضوء معرفته عن المناطق الفارسية للجزيرة العربية تقدم لنارواية ظاهرها مقنع وهذا يميز بكثير هذه الرواية عن الروايات الأخرى التي تفتقر ليس فقط للتماسك التاريخي والجغرافي بل وكذلك بأحداث تغدو وروح عبر امتداد الجزيرة العربية في القرن الحادي عشر حسب هذه الرواية بعد عودة عمرو بن العاص إلى المدينة قام لقيط بن مالك الأزدي وهو منافس لجولندة سمي بذو التاج أي صاحب التاج الملكي وتمرد معتبرا نفسه نبيا وحصل على الحكم في عمان ونجح في التحكم في عمان الذين أعلنوا ردتهم عن الإسلام أما الأخوين الأزديين جيفر وعبد بن الجولندة وكانا الحاكمين للبلاد فقط لدى الجبال والبحر حيث كتبا لأبي بكر يطلبان منه بعث جيش لإعادة الوضع إلى ما كان عليه ويضيف البلعمي أن عائلة القيط كانت تحمل في زمن معين اسم جولندة في الفترات الجاهلية ولكن بعد فقدهم التزكية الفارسية الرسمية كانوا يعيشون في المناطق المحيطة بجيفر ومع ارتداد القبائل عن الإسلام أخذ القيط ذلك ذريعة لاسترجاع السلطة إلا أن جيفر تمكن بالقوة من إبقاء جزء من القبائل تحت سلطته وبقيت لديه قوة من المسلمين تحت سلطته إلا أن اللقيط الذي التف حوله المرتدون غار على جيفر وهزمه مما دفعه وأتباعه إلى اللجوء إلى الجبال والجزر البحرية بعيدا عن الطرق الآهلة هناك اختلاف بسيط بين رواية التبري ورواية البلعمي فسيف يشير إلى أن اللقيط أعلن نبوته على (1/88)
صفحة 89
طريق مسيلمة كما فعل مسيلمة ودفع بالقبائل إلى الارتداد بينما البلعمي يقول أن اللقيط لم يفعل إلا أن استغل ردة القبائل لاسترجاع السلطة.
و بعد وصول أخبار جيفر بعث أبو بكربجيشين للقضاء على الردة في عمان ومهرة وحذيفة بن احصان أو الواقع الغلباني البريقي الأزدي (وعرفجة ابن حردمة البارقي) الأولى في عمان والأخرى في مهرة بحدود تعطي الدعم المتبادل ابتداء من عمان وكان عكرمة الذي كان يحاول الحصول على الدعم من قبل قائد جيش آخر قد وصل وهزم على يد مسيلمة ومن تم أمر باسترجاع شرفه بدعم حذيفة و___ وبعد الالتحاق بهم كتب عن القواد الثلاثة من مكان يسمى الرجام (أنظر 19) إلى الأخوين جولندة وهؤلاء من جهتهم جمعوا قواتهم في صهار حيث سيلتحق بهم القواد الثلاثة في ذات الوقت وبعد أن عرف اللقيط بمجيئهم رجع إلى دابا وأعد لهم العدة فخيم المتحالفون في صهار وأقنعوا بعضا من أتباع اللقيط للعودة إلى صفهم ثم هجموا على اللقيط في دابا وهو سوق ومصرف قديم في عمان وخصوصا بني جديد وهم بالتفصيل عمرو بن مالك بن الفهم وفرع من حديد (من أصل الفراهيد) وحصلت حرب ضارية حيث أتباع اللقيط اجتمعوا مع عائلاتهم الاحتماء ولتشجيع المحاربين مثل ما يحصل في الحروب البدوية عامة وكان المسلمون على حافة الهزيمة عندما جاء دعم من بني الناجية تحت زعامة الخريط بن الرشيد وعبد القيس تحت زعامة صيحان ابن سوهان وساعد في نجاته ويضيف البلعمي أن جيفر كان قد كتب إلى بني عبد القيس الذين يعيشون في عمان والذين كانوا على استعداد لقبول مساعدتهم وتلت حرب ضارية لقي حتفه منهم عشرة آلاف من المرتدين وتم أسر عائلاتهم وصودرت ممتلكاتهم ثم بعث بالخمس مع عرجفة إلى أبي بكر وقد تم الاتفاق على أن القواد المتبقين سيبقون في عمان حتى تهدأ الأمور بينما استمر عكرمة بحملته في مهرة أما جيفر فأرسل مع المتبقين من الجنود من قبائل الناجية والأزد وعبد القيس والراسب وبني سعد الذين من (1/89)
صفحة 90
المفترض أنهم جاؤوا مع عكرمة ونتوقف عن الرواية لأن بعد ذلك تصبح الأمكنة غير واضحة إلا أننا نشير إلى أن المهرة انقسموا فذهب شطر منهم إلى السهول الساحلية وشطر منهم إلى السهول العليا وبعد ذلك ثار الجزء الثاني وكانوا من المرتدين هكذا كانت تلك رواية التبري والبلعمي أما ابن الأثير (في الجزء الثاني 284/85) فانه يقدم رواية شبيهة ومختصرة بينما البنذوري لا يعطي إلا ملخصا عن الرواية ويقول فقط أن الأزد ارتدوا بزعامة اللقيط ابن مالك ----- وذهبوا بعد ذلك إلى الدبة وقام أبو بكر ببعث حذيفة بن المحسان البريقي من الأزد وعكرمة ابن أبي الجهل بن هشام المخزومي ضدهم فقتل اللقيط في المعركة وأرسل أسرى الدابة إلى أبي بكر إلا أنه يستمر في القول أن الأزد عادوا إلى الإسلام بينما بعض القبائل استمرت على ارتدادها وذهبت إلى الشهر حيث هاجمهم عكرمة وشتتهم رغم أن المهرة بالذات قد تحالفوا على السلم معه ففي رواية البنذوري هناك إشارة إلى أن التبري أو سيف (مضخمة) بينما رواية المهرة مختلفة فرواية الواقدي تبتدئ كالتالي أنظر مرجع 20 بعد تحرك عكرمة نحو مأرب في حملته اليمنية علم آل دابا أنه كان يحارب بني عمه الكندة وقبائل من اليمن فتبعوا حذيفة الذي كان قد عين عاملا من قبل أبي بكر دفعه خارج البلد وهرب ثم التجأ إلى عكرمة هذه من التفاصيل المفيدة الغير موجودة في المصادر الأخرى وتبين أما وحدة مابين الكندة والأزد كانت قد بدأت تتطور كما سبق أن وصفنا ذلك أو أن الأمر أضفي عليه طابع منطقي باستخدام العبارات اليمانية وتفسير لماذا تمرد أهل ديبة ويتبع ذلك أن بعض حصول الهجوم فان أول متحالف يقوم برد فعل هم كندة عمان الذين كانوا يعيشون خارج ديبة الواقع في رأيي أن هذا محضما البنذوري يقول أن الأزد عادوا إلى الصف بينما قبائل من الشهر ولا شك أنها من كندة هبوا لدعم بني عمومتهم. (1/90)
صفحة 91
أيا كان الحال فان حذيفة كتب إلى أبي بكر يقول له عما حصل وأن الخليفة أمر عكرمة غاضبا أن يعالج الردة ويبعث له بالأسرى وبعد ذلك طلب منه أن يذهب إلى زياد بن لبيد ويساعده على إخضاع حضرموت إذن عكرمة ورجاله ذهبوا إلى دابا من الناحية الجغرافية هذا من الأشياء الغريبة فالذهاب من مأرب إلى عمان عن طريق البر يفترض المرور بحضرموت ومناطق الجزيرة العربية الجنوبية وهي تحت حكم الأشعث في جميع الأحوال كما يفترض المرور عبر قفار ظفار والجعلان وبعد ذلك الذهاب نحو الشمال إلى ديبة كذلك في المقابل الاستدارة عبر وسط الجزيرة العربية أي اليمامة والبحرين وهي كانت كذلك في حالة ردة وشاطئ التروسي ربما ذهبوا عن طريق البحر على كل حال حسب سيف عكرمة كان يقوم بحملة في اليمامة وقد يشك المرء أن أهل المدينة لم يكونوا يتقنون الجغرافية على كل حال عندما وصل عكرمة قتله حوالي مائة في حرب أولية نادى بعدها البقية بحصن في المدينة وبعد ذلك بعثوا إلى حذيفة يطالبون بالصلح على أساس على شرط أن يؤدوا الزكاة ويعودوا إلى المصالحة ورفض عكرمة واشترط الخضوع بلا شروط وفي النهاية قبلوا بذلك دخل بعدها المسلمون إلى المدينة وقتلوا السكان ونهبوا أموالهم وأسروا نسائهم وأسرهم وبعثوا بثلاثة مائة من جيشهم إلى أبي بكر وأربع مائة من نسائهم وأطفالهم وقام عمر بن الخطاب بالدفاع عنهم فأودعوا في السجن بدار الرملة بنت الحارث التي بقوا بها حتى توفي أبو بكر حيث تم تسريحهم وقيل لهم أنهم أحرار يذهبون حيث شاءوا فعاد بعضهم إلى بلادهم وذهب بعضهم إلى البصرة بعد إنشائها وكان أبو صفرة بن المهلب من أولئك فمازال هنالك حارة مهلبية تسمى الخطط حتى اليوم يضيف الواقدي ثم ذهب بعد ذلك عكرمة للالتحاق بزياد ابن اللبيد وبدأت رواية الأشعث وحضرموت بعد ذلك أساس هذه الرواية موجود كذلك في كتاب ياقوت الذي يشير إلى رواية البلدان في فصل دابا كما نجدها كذلك في ابن سعد بأنسام أبي (1/91)
صفحة 92
صفرة. ياقوت يبدو أنه خلط بين رواية سيف ورواية الواقدي ويوضح أن اسم جامع الضرائب كان اسمه حذيفة ابن محسان البريقي الأزدي وليس حذيفة ابن عمرو كما جاء في الواقدي وهو رجل من ديبة كان قد عين بعد دخول السكان الإسلام وعين لجمع وتوزيع الخراج وبعد وفاة الرسول ارتدوا بزعامة اللقيط ابن مالك الأزدي وأشار حذيفة على أبي بكرفي ما يتعلق بذلك وقام أبو بكر بدوره بالكتابة إلى عكرمة ابن أبي الجهل الذي كان قد عينه الرسول أمينا على الصدقات فدوره على ذلك ترك غامضا إذ أن ياقوت اتبع رواية الواقدي لمل حصل وحذيفة وحده هو الذي قام بقيادة الحملة حيث قتل 100 ثم قتال المدينة إلى أن أخضعت وبعث بالأسرى إلى أبي بكر ودافع عنهم عمرو من بين هؤلاء كان أبو صفرة وهو أبو المهلب وكان شابا يافعا أنظر مرجع 21 ويقول أن عكرمة مكث في دابا بصفته عاملا لأبي بكر وهو خطأ يمكن تبيانه بكل وضوح كما أن قصة أبي صفرة ويبين ذلك ابن قطيبة بكل وضوح وذلك ما حصل فيما بعد وخصوصا إذا كان يتكلم باسم البعثة العمانية التي صاحبت عمرو بن أبي العاص إلى المدينة فيما بعد. (1/92)
صفحة 93
ونعود إلى الروايات المحلية فليس هنالك أي حديث عن الردة في السير التاريخية العمانية المقبولة بل إن العوتبي يعطي مرتين رواية عن الأحداث (المرجع23) وقد أخذها عن السليمي الذي أعطى كذلك رواية عن سيرة خلف بن زياد المهراني إضافة إلى ابن الأثير وهو مرجعه الأساسي عوض رواية الطبري والتي تقول أن ذلك غير صحيح البتة ولا أساس له، وقد كانت الرواية العمانية معروفة لدى ابن دريد الذي كان يعتقد أن ذلك مشار إليه في كتاب الاشتقاق (أنظر ص501) وهذه الرواية تقول: أن حذيفة ابن حسان وبعضهم يقول ابن عثمان الغلفاني البارقي تم بعثه إلى عمان من قبل أبي بكر بصفته عاملا له، فلم تكن لديه مشاكل بالنسبة لجمع الضرائب إلى أن أتى دابة التي كانت بأيدي أولاد الحارث بن مالك ابن الفهم. فبعد تحديد أصحاب الخراج مقدار ضريبة سيدة من العقات في حدود شاة للسنة، رفضت هذه الأخيرة وقدمت لهم عوض ذلك صحنا، أو كما جاء في النص، عتود أو عنق، إلا أنهم اخذوا الشاة رغم ذلك، فصاحت: "يا مالك"، وجاء أبناء قبيلتها إلى نصرتها، فقام حذيفة بعد أن ظن أن ذلك من أفعال الجاهلية؛ومخافة من أن ترتد القبيلة، هاجم سكان دابة وبعث ببعض السجناء إلى المدينة، ثم ذهب مجموعة من الزعماء المفوضين بما فيهم ثلاث من مشايخ قبائل بني مالك بن الفهم وقبيلتهم، وكذلك من مجموعة سليمي عمر الخمامي، وهي من أهم المجموعات الشيخرية، إضافة إلى مفوض عن مجموعة الحديدي من الفراهيد. فذهبوا إلى أبي بكر، ويروي بعضهم انه توفى قبل ذلك، وعوض أبي بكر التقوا بعمر ورووا بأنهم لم يرفضوا أداء الزكاة، بل قبلوا كل ما كان مفروضا ولم يرتدوا عن الإسلام. إلا إنهم اشتكوا من ممثلي الخليفة عليهم، وتختلف الروايات في هذه النقطة، بعضها يقول:أن عمر أطلق سراح السجناء، وبعضهم يقول بأن عمر فرض عليهم 450 درهما للواحد (أنظر المرجع24). وقد تكون الرواية الأخيرة أكثر احتمالا، إذ حسب رواية سيف-وإذا (1/93)
صفحة 94
اعتمدناها- فان عمر رفض سيطرة العرب بعضهم على بعض وبذلك وضع مستويات محددة للغرامات بما في ذلك قوم دابة. ومن جهة أخرى، وحسب رأي القلحطي أطلق عمر سراح سجناء دابة ليس كرما، ولكن لأنه كان يعتبر سبب سجنهم من قبل حذيفة غير مقبول (أنظر25).
السؤال المطروح الآن، هو:إذا ما كانت هذه الروايات مقبولة دون الرجوع إلى مبدأ التوافق، فالإشكال المطروح على مستوى الدرجة؟فجميع الروايات تتفق على أن هنالك مجموعة مرتدة، وقد كانت القبائل في زمن في مناطق أخرى ترتد بالذات بسبب موضوع الصدقة الذي تمخضت عنها هذه التمردات (مرجع26)، فهل كان في رواية الطبري توسعا في الأحداث لكي تتناسب مع الصورة العامة حول حروب الردة؟ أم أنها كانت من تأويلات المؤرخ لما كان يحصل في سلسلة من أحداث غير مترابطة في قراءة شخصية له للأحداث؟، انه كان كذلك، وهو ما جعل الطبري يفضل رواية سيف. أما في نظر لاندوتاسرو (المرجع27) فقد وضح أن اسم سيف تم تضخيمه عنوة، فالسؤال ليس لماذا اخذ الطبري عن سيف الذي كان يعتبر من أصحاب الروايات الضعيف؟بل لماذا قام "ويلهاوزن تيتاني" وأتباعه الغربيون العديدين برفض رواية سيف بصفته من أصحاب الروايات المقبولة؟ فسيف والواقدي يعتبران محدثين ضعاف، إلا أن أخبارهم كانت صحيحة حسب المصادر الموثقة. إذن حاول سيف أن يشكل صورة عامة متناسقة حتى إن لم تكن غير قابلة للتمحيص الدقيق، فزعماء الجيش كانوا خلال حملاتهم شديدو الغيرة من بعضهم والأوامر التي حصلوا عليها من أبي بكر للذهاب إلى عمان كانت مفرطة المنطقية لكي تكون صحيحة وتظهر بما يلزم من الشك مثل محاولة لتصفيف ما قد يظهر أنه روايات متنازعة لما كان بالفعل يحصل. ففي رواية الواقدي ليس هنالك أي حديث عن عرفجة بينما كان عكرمة غير واضح المعالم، وذلك بخصوص أبود ياقوت. أما حذيفة فكانت روايته أساسا لجميع الروايات. ففي رواية الطبري كان هو الرجل الذي أرسل لتسيير العمليات في عمان، (1/94)
صفحة 95
فالواقدي يقول انه كان قبل ذلك في عمان بتعيين من الرسول، بل إن ياقوت قال بأنه كان من المحليين بينما الرواية العمانية تقول انه تم تعيينه من قبل أبي بكر في السنة الهجرية 11. جميع هذه الروايات الكلاسيكية باستثناء ما قاله ياقوت من أن عكرمة بقي في عمان بصفته عاملا لأبي بكر تبين عدم صحتها، وجاء فيها انه بقي في عمان، كما أن تعيينه من قبل الرسول يناقض ما جاء في بعض المصادر التي تقول بان عمر بن العاص هو الذي بعثه الرسول إلى عمان، ويمكن للمرء أن يفترض فقط أن ياقوت يحاول أن يفهمنا أن حذيفة كان من دابة على أساس انه كان أزديا، إلا انه في الواقع كان من أزد بريق من غرب الجزيرة العربية، وبالتأكيد هذا الحديث هو الذي جاء لأول الأمر على لسان العوتبي في قضية دابة. أما تعيينه في السنة الهجرية 11 كما يقول العمانيون، فان ذلك ما يؤكده الطبري في سياق آخر (أنظر المجلد الأول ص1881). ففي تاريخه نجد معطى آخر يخص رواية سيف، إلا انه تم التصرف فيها فتيتاني (المرجع28) حلل وبتفاصيل تتابع الأحداث الخاصة بحروب الردة وبين أنها حدثت في السنة 12 من الهجرة، وهذا منطقي لكون الرسل العمانيين الذين ذهبوا إلى المدينة للشكوى في قضية دابة وصلوا إما مباشرة قبل موت أبي بكر أو مباشرة بعد موته، أي في جمادى الثانية من السنة 13 للهجرة/أغسطس، غشت 634م. وبعبارة أخرى اقترح الاستنتاج الذي يؤكده مارتن هنز بخصوص رواية سيف لغزو فارس (أنظر الفصل اللاحق)، وقد تكون رواية جيدة غير أنها قد تكون غير صحيحة، وذلك ينطبق كذلك على قضية دابة. بعبارة قصيرة: إن رواية سيف تظهر الخصائص السلبية المعروفة. أي أن تتابع الأحداث غير متناسب، كما أننا نجد فيها تضخيما، مثال ذلك حديث عن تناقض البصريين وتميم، وتفاصيل غريبة وعجيبة عليها"انتهت قول مارتن هنز. وبعد الشك على مستوى العمليات الأرضية وتسلسلها كما جاء عند الطبري، ويمكن أن نبدأ بالتساؤل عما إذا كانت (1/95)
صفحة 96
هنالك بالذات ردة في عمان؟ فثلاثة زعماء حرب إضافة إلى الزعماء المحليين اتجهوا إلى المرتدين مما نتج عنه معارضة واسعة، وتقتيل لعشرة آلاف من هؤلاء المرتدين. لنقارن ذلك مع مقولة الواقدي التي تقول بأنه لم يكن هنالك إلا مائة مقتول، وكذلك أبود ياقوت الذي تحدث عن مائة من المقتولين، ونلاحظ كذلك أن هذه الرواية تحد الأحداث في منطقة دابة لوحدها.
فمن كان إذن لقيط بن مالك الأزدي ذو التاج؟ إننا لا نصادفه إلا في رواية سيف وكذلك (البلدوري) التي يزخرفها البلعمي انطلاقا من معرفته للمنطقة، واسمه لاشك منحدر من تدخل انساب عديدة. فمنطقة دابة كما يقول العوتدي تنتمي أساسا إلى قبيلة الحارث بن مالك بن الفهم كما سبق لنا الحديث عن ذلك، وإحدى أفخاذ هذه المنطقة الكبيرة هم بني اللقيط (أنظر كذلك الاشتقاق ص500). وقد يكون هؤلاء غير راضين على أن آل جولندة في مركزهم ديبة هم الذين كانوا يجمعون الضرائب، كما كانوا في الفترة الفارسية واستمروا كذلك في الفترة الإسلامية، أما السيدة التي قالت بكون الضريبة غير عادلة كانت من فخذة أخرى من بني الحارث وهم بني عقات (أنظر29) وبذلك صاحت في قبيلتها يا آل مالك وذلك لكي يهب جميع قبائل مالك بن الفهم إلى مساعدتها، وهذا يؤكد عليه ما حصل من أن فخذتها فقط هم الذين جاءوا من ضمن الموفدين إلى المدينة. أما بالنسبة لبروز خريط بن الرشيد الناجي وصيحان ل. .. العبدي والقبائل الأخرى التي ذهبت إلى مهرة فهذا لم يكن إلا تجميعا للأسماء حصل بعد 25 سنة، وقد خلط الحدثين كما يبين ذلك تيتاني، وهو شبيه بما كان يحصل في التاريخ الإسلامي الأول. أما كون القبائل الإسلامية قد اندمجت معها عناصر من قبائل أخرى، فان ذلك محتمل، لأن سيف بنفسه يضيف أن مجموعات أخرى متنوعة اندمجت معهم من بني الناجية وبني قيس الذين كانوا في عما. أما بخصوص ظهور أبي صفرة في رواية الواقدي، فان الأكثر قبولا أن هذا المحدث التقليدي المدني (1/96)
صفحة 97
كان من الطبيعي أن يذكر العائلة الوحيدة التي كانوا يعرفون عنها مركز الرواية للتاريخ الأول وخصوصا لمنطقة نائية مثل عمان.
وبتحليل رواية سيف والطبري وإظهار نواحي بعض رواية الواقدي ليس بالضرورة اتهام أصحابها بالتزوير رغم انه يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن الكتاب الأول كانوا يسيئون دائما ذكر الأزد في الأزمنة العمانية، وان سيف كان من دعاة تميم بالخصوص. كما لا يعني ذلك أن الرواية العمانية كانت هي الأصح بالضرورة، إذ أنها ستحاول تقليل الأحداث المضرة لصالحها، على أنها صحيحة في جوهرها إذ عندما يتعلق الأمر بالأساسيات ليس هنالك في الروايات المشهورة شيء يناقض الرواية العمانية، فالأساسيات تبدو في وجود تمردا بخصوص تجميع الضرائب في زمن الحارث حيث كانت دابة من ضمن دور حكمه، ويقال لدابة محليا ديبة. أما في الأزمنة الفارسية، فان المرسى الأساسي وسوق العرب في المناطق المستقلة لعمان، وبما أن غزو العرب عوضوها بصهر، فحذيفة وهو واع بخطر الردة قرر معالجة الوضع معالجة قاسية، وبدون أي قوة لديه طالب الإخوان جولندة بدعمه في مهاجمة المتمردين فصارعوا بعضهم في واقعة ثم أحاطوا بالمدينة، وبعد آسرها قاموا بقطع رؤوس بعضهم وبعثوا ببعض السجناء إلى أبي بكر وقاموا بالاستيلاء على بعض الممتلكات وأسر بعض الأسر، كما أنه فرض قيودا على قبائل مالك بن الفهم المشبوهة في المنطقة. في نفس الوقت، كان الخليفة قد أمر قوى أخرى كانت في حملات بأواسط الجزيرة العربية والبحرين وجنوب الجزيرة العربية بأن تستعد للذهاب إلى عمان إذا كانت الحاجة لذلك، وبعد تحرك حذيفة ذهب زعماء قبائل مالك بن الفهم إلى مكة للتعبير عن رفضهم وتقديم ولائهم، والمطالبة بتسريح إخوانهم من الأسر بعد قضية دابة، فكان استقبالهم من قبل الخليفة الذي سامحهم على ما حصل، إلا أن عمر لم يتفهم كثيرا الادعاء بعدم الردة.
الحكم في عمان في الأزمنة الإسلامية الأولى (1/97)
صفحة 98
تبين لنا الروايات اليوم أنها كانت مختلطة ومعتمدة على السماع الذي تم تجميعه على الأقل من 150 إلى 200 سنة في ما بعد، وأحيانا يتم تشويهه عمدا من قبل أطراف ذات مصلحة. وقد كانت ضرورية لتحليل بعض الانطباعات عن السنوات الخمس الأولى للمرحلة الإسلامية في عمان، والفصل في هذه التناقضات في المصادر. بصفة عامة، فان الانطباع الذي جاء عن عمان في ما بعد هي أنها عادت إلى تنظيماتها القبلية تحت حكم جولندة، وان الأفعال الحقيقية التي كانت تحصل في غير تلك المنطقة في الحملات الفارسية في البداية ثم بعد ذلك في البصرة وما بعد البصرة. ص11 (1/98)
صفحة 99
في هذه السنوات الأولى، وبعد دخول الإسلام، التي ناقشناها قبل قليل يبدو بصورة واضحة الانقسام في مسؤولية الحكام ما بين السلطات المحلية والسلطات المدنية، فعمر نفسه يقول (المرجع30): انه كان مسئولا عن الصدقة، وهي طريقة للقول بأنه مسئول عن تجميع الضرائب من المسلمين وغير المسلمين، وان الحكم الذي كان يفهم به التسيير العام بالتدبير في السياق الإسلامي، وقد ساعده الإخوة جولندة في ذلك. نعرف من خلال قضية دابة أن جمع الصدقة كان يحتاج إلى مجموعة من المدققين، وليس هنالك شيء يشير إلى أن عمر وحذيفة كانت لديهم أي تنظيم إداري أو عسكري، على عكس ذلك، كان دعمهم يأتي من الحكام ومن سكان عمان أنفسهم. فحذيفة على ما يبدو كان هو الذي اخذ مكان عمر الذي لا نعرف عنه شيئا قبل ذلك، ولاشك انه كان في مكانه خلال فترة عمر بصفته صاحب الخراج، وان حذيفة سلم له الأمور عندما ذهب إلى مأموريته الجديدة. السؤال المطروح هو: كم من الوقت مكث بعد ذلك؟ فمعظم المصادر تتفق على القول انه كان في مكانه عندما توفي أبو بكر، بينما الطبري وابن الأثير يبينان انه مكث في عمان على الأقل إلى غاية السنة 17 للهجرة، ويفهم كذلك أن عمر جعله مسئولا عن عمان واليمامة في سنة 13 هجرية، ثم كلف في ما بعد بعمان، كما انه من الممكن الفهم من مصادر غير دقيقة عن الحكام، وبصفة عامة انه بقي هنالك إلى غاية السنة 20 او21 بعد الهجرة (المرجع31). (1/99)
صفحة 100
وحتى إن اعتبرنا أن السنة 17 هجرية حسب الطبري وابن الأثير كانت هي السنة الأخيرة لحكمه، فان لدينا شكوك جدية عن كونه كان عاملا خلال خلافة عمر، باستثناء قد يخص بداية الخلافة. فحسب رواة العراق، شارك حذيفة في الحملات العسكرية ضد الفرس بصفته احد أمراء جيش المثنى وذلك في السنة الهجرية 14 وليس 13، كما انه شارك في الحملات المنتهية في القادسية أي السنة الهجرية 16 و17، وشارك كذلك في تأسيس الكوفة سنة بعد ذلك (المرجع32). وهنا تلح علينا مشكلة مشابهة بخصوص عمال البحرين، إلا أن تلك المشكلة يتم الحسم فيها بسهولة، مما يسهل حل وضعية عمان كذلك. ففي السنة 15 بعد الهجرة عين عثمان بن عفان ابن عاصي الثقفي عاملا، ففي البداية كانت هنالك حركية مهمة في العمال والأقاليم، إلا أن النتيجة هي تشكيل إقليم جديد في شرق الجزيرة العربية والبحرين وعمان وكذلك ربما اليمامة تحت حكم عثمان، فعثمان كما سنرى أصبح شديد الاهتمام بالحملات الفارسية وأمضى بعض وقته مرتكزا في تواج حتى سنة 29 هجرية عندما انطلقت حملة شاملة ضد الفرس، ولهذا الغرض تم دمج جيشه -الذي كان مشكلا بالأساس من البحرينيين والعمانيين- إلى البصريين في الوقت الذي تراجع هو عن الاهتمام، فقام نواب عثمان في مركز الحكم ومحليا، وهم إخوانه المغيرة وحفص والحكم والحارث، بعمله. فالمصادر العمانية تقول على أن عثمان عاش بالفعل في عمان منذ السنة الهجرية 15 إلى تاريخ معركة جلولة التي جاءته أوامر لتزعم حملة ضد الشواطئ الفارسية مع قواه المحلية، وبذلك قطع البحر من جلفار وقام أخوه المغيرة الذي كان في البحرين بأخذ مكانه في عمان. (1/100)
صفحة 101
إن أهمية هذه الدلائل الخاصة بحركية العمال الأوليين، تبين الطريقة التي تم بها تشكيل الدولة الإسلامية. ففي البداية، نراها عمان كرقعة منعزلة اعتنقت الإسلام، ويحكمها عامل عينه الرسول وخليفته، وفي خلافة عمر بدأت بالانجذاب نحو مركز التوسع للدولة الإسلامية وتزويدها بالجيوش مع جارتها البحرين ضد الفارسيين على الشواطئ الخليجية، وكان دور العامل في إطار تغيير كذلك. فإذ كان في زمن الرسول وأبي بكر دوره هو مراقبة الإقليم وفرض الضرائب عليها تحت سيطرته، فان العامل في عهد عمر أصبح كذلك قائدا عسكريا على رأس جيش مجند من جيوش محلية. وبعد ذلك أصبحت سلطات العامل قد توسعت جدا، فانطلاقا من السنة الهجرية 26 وبعدها لم يعد الحكام المحليون أو قوات الجيش يتحكمون في المناطق المنعزلة على الخليج، وعوض ذلك أصبحت الجهة الشرقية للخلافة مركزا للقيادة في البصرة أو الكوفة، وكانت تحت الإدارة المباشرة للخليفة. فعندما عين معاوية زياد بن أبي عاملا على البصرة في سنة 45هـ، كانت منطقة حكمه تمتد إلى خراسان وسجستان بل كان كذلك مسئولا في فترة لاحقة عن الهند والبحرين وعمان (أنظر المرجع33). وبعد ذلك نجد توسع سلطات العمال في مناطق العراق وخراسان وازربدجان وأرمينيا. فداخل حدود العراق كان ما يسمى بقضاء البصرة وقضاء الكوفة تحت حكم عامل محلي (أنظر المرجع34)، إلا انه ليس هنالك قيادة مستقلة في الخليج، بل إنها كانت تعتبر جزءا لا يتجزأ من العراق.
الجولندة (1/101)
صفحة 102
إذن، من كان بالفعل يتحكم في منطقة عمان؟ من الناحية السياسية المحضة كان الجولنديون هم الذين يسيطرون بطريقة أو بأخرى على هذه المنطقة-فرغم إنهم كانوا مساعدين لعمر بن العاص، وكذلك من المفروض حذيفة-كان دورهم قد يكون اكبر من ذلك، بل إن اليعقوبي يقول إنهم تم تعيينهم من قبل عمال الرسول في عمان، والسالمي يقول كذلك أن مراجعا عمانية تقول بان أبي بكر دعمهم في حكمهم وفي مسؤوليتهم عن الصدقة (أنظر المرجع35)، فليكن ذلك خصوصا مع تطور الدور العسكري للعمال الذين تركوا الحكم المدني لإخوان جولندة، عبد وجيفر، فآخر مرة نسمع عن حكمهم الثنائي هو بعد معركة جلولة، حيث طلب منهم أن يجيشوا الناس لحملة عثمان بن العاص على الشواطئ الفارسية (المرجع36). وفي غياب عكس ذلك، نفترض أنهم توفوا في نفس السنة، فتوالى على مكانتهم ابن عبد وهو عباد وتخلط المصادر المشهورة أسمائهم، وبذلك يكون قد حكموا خلال خلافة عثمان وعلي حسب المصادر العمانية. بل في الواقع، وبعد ذلك كما سنرى، نسجل انه حسب اليعقوبي كان علي قد عين أحدا من بني حلو بن عوف الأزدي عاملا له في عمان، إلا انه قتل عندما جاء خريط بن الرشيد الناجي هاربا إلى هناك بعد تمرده ضد علي في السنة الهجرية 38. إذا كان هذا صحيحا، فتبين انه وسابقيه كانوا يعينون بعض الحكام المحليين وخصوصا في صهر، وهي العاصمة الفارسية السابقة والمركز التجاري الوحيد ذو أهمية آنذاك، وكما تبين نسبة حلو المذكورة، قد يكون من العمانيين الذين تم استدراجهم محليا أو قد يكونوا من البصرة. وحسب روايات الفتنة وبداية حكم معاوية لم يكن هنالك تعيين من الحكم المركزي إلا بعد يزيد بن المهلب، وعندما سجنه الحجاج بعد محاولات متعددة حوالي السنة الهجرية 86 لإيقاف عمان كمقر لمتمردين كثر، بما فيها الصفرية. ففي ذلك الوقت، كان هنالك كذلك حكما ثنائيا لبني جولندة من قبل سليمان وسعيد أبناء عباد. (1/102)
صفحة 103
بعض المعلومات الملائمة الخاصة بهذه الشخصيات تظهر في رواية البلضوري عن الدولة الحنفية الخارجية التي سنأتي على ذكرها في فصل لاحق (المرجع37)، في السنة الهجرية 69/688، 689م كان قائد نجدة ابن عامر الحنفي وابنه عطية ابن الأسود الحنفي يحتل عمان، حيث كان هنالك شيخ مهم يسمى:عباد ابن عبد الله، وقد سيطر على عمان، وكان ابناه سعيد وسليمان على ظهر البواخر يجمعون الضرائب في المناطق الشاطئية، وآنذاك تمرد العمانيون ضد عباد وقتلوه، وبذلك لم يلق عطية معارضة كبيرة. وعندما ذهب بعد شهور، عوضه رجل اسمه أبو قاسم على رأس الحكم، وبعد ذلك بقليل حصل نزاع شديد ما بين عطية ونجدة وذلك لأنه لم يقبل أن يتنازل له إلا عن حكم اليابسة، فتمرد الجيش عليه وعادوا إلى عمان حيث وجدوا أن سعيد وسليمان قتلوا أبي القاسم واستعادوا السلطة. بقية الرواية تبين على أن عطية لم يتمكن من فرض سيطرته هناك، وان الدولة الخارجية البحرينية تمكنت من البقاء فقط لمدة شهور. (1/103)
صفحة 104
إن وصف البلضوري يبين مقاومة شديدة الحكم الجولندي، إضافة إلى ذلك، فان استخدام عبارة جابة دون ما يتلوها من عبارة الصدقة، يبين على انه كانت هناك مبالغة في ضرائب غير شرعية، أي لم تكن من نوع المكس بل إنهم. .. . الواقع أنهم كانوا يجمعون الضرائب من السكان القاطنين في المناطق الشاطئية الذين لا ينتمون إلى قبائل كما تبين الرواية كذلك أنهم يقهرون الفقراء. إذن، استمر حكمهم حتى هجوم الحجاج، وبعد ذلك هربوا إلى الزنج حيث توفوا. فعين الحجاج "الخيار بن صبرة ابن دريد المجاشي" عاملا، وكان حكمه القاسي كافيا لكي تصبح عمان منطقة للهجرة بما في ذلك لزعماء الحركة الإباضية الناشئة (أنظر المرجع38). وبعد مجيء سليمان بن عبد المالك إلى الخلافة أعيد يزيد بن المهلب إلى الحكم، وكانت من ضمن أولى قراراته بعد تعيينه في العراق أن أوكل مسؤوليته في عمان إلى أخيه زياد مع أمر بقطع رأس خيار. وخلال خلافة عمر الثاني أعيدت عمان تحت سيطرة الخليفة، وعامله عمر بن عبد الله الأنصاري الذي قام بإصلاح جدي لنظام الضرائب، وذلك تمشيا مع أوامر الخليفة وبعد وفاته، أعاد عمر زمام السلطة إلى زياد؛مع القول أن الأمر يهم بلاده وقومه، وذلك كان آخر التعيينات الأموية. وكما سنرى لاحقا، فان دور عائلة سعيد بن عباد ومنافسه جيفر بن جولندة، هو ما سنأتي على دراسته في تاريخ بداية حكم الإمامة في عمان. (1/104)
صفحة 105
باختصار إذن، فان الصورة العامة تبين:أن عمان في الفترة الإسلامية الأولى قد تطورت إلى ملحق سياسي لمركز السلطة. ففي السنوات العشرين الأولى، كان هنالك عامل يعينه الخليفة مباشرة مسئولا عن الإقليم، ومع توسع الغزوات العربية بعيدا عن المنطقة المحاذية للخليج أصبح العراق هو المركز بالنسبة لقبائل المنطقة فعاد أعداد كبيرة من العمانيين، كما سنرى في الفصل التالي، إلى تواج، وبعد ذلك إلى البصرة وخرسان، إلا أن حكمهم المحلي تحول إلى حكم قبلي تحت سيطرة جولندة مما يهدد ليس فقط دول الخوارج في البحرين واليمامة. وبعد أن صارت عمان ملجئا للمتمردين من العراق، عاد الحجاج لغزوها وفرض حكم عسكري عليها لسنوات. وبعد عهد عمر الثاني، عادت مرة ثانية تحت حكم جولندة. فالإصلاحات التي أدخلت من قبل إمام جولندة بن آبي مسعود تبين أن الحكام المحليين المتسلطين يفرضون ضرائب غير شرعية بينما تفاصيل أحكام العلماء الإباضيين الأول، يبين كذلك أن الموروث المهم من الأراضي الخصبة وأنظمة الري قد تم هجرها، وتركت فلم تستغل من قبل الأسياد العرب الجدد في عمان. (1/105)
صفحة 106
كان الوضع السياسي للعمانيين يتشكل في مكان آخر، وسنبدأ أولا في فارس ثم في البصرة، وذلك في الفصل التالي. وقبل ذلك، من المهم التأكيد على أن ذلك لم يكن مرتبطا بآل جولندة، فلم يكن هنالك أي جولنديين من ضمن زعماء عمان. وهذا مهم جدا، لأنه يتناقض بشدة مع الوضعية في الكوفة حيث أشراف كندة و. .. كانوا متحكمين في السلطة. صحيح أن زعماء العمانيين جاءوا من فروع مهمة، مثل:عتيق وجهاديم وهدان وهينة، بل وحتى بني يحمد، إلا انه لم تكن هنالك زعامات أزدية. فالدور الذي قامت به أسرة المهلب-وهي كما سنرى -حصلت على جاهها ومالها عن طريق السلطة العسكرية كزعيم لفرع يماني وحاكم تحت السلطة المركزية. وأيا كانت نقط القوة والضعف لعائلة بني مهلب، فان سلطتهم كانت قوية ولكنها مضت بسرعة، أما العائلات القبلية الأخرى، فقد بقيت واستمرت أسمائهم في الرجوع في قصتنا وبعدها إلى القرن 20.
الفصل الرابع
الجزء الأول: النشأة في البصرة.
حملة فارس
إن التدخل الأول للعمانيين في الحملات الإسلامية كان على الشاطئ الفارسي للخليج، وتاريخ الحملة التي شاركوا فيها تم دراسته بطريقة جيدة من قبل هنز (المرجع1)، والذي سنعود إليه بالتفصيل. (1/106)
صفحة 107
فالمبادرات الأولى للهجوم على الشاطئ الآخر كانت بالفعل من قبل العلاء الحضرمي، الذي تم تعيينه على البحرين في السنة الهجرية8. ونتساءل حول ما إذا أزيح عن الحكم قبل موت الرسول؟، ولكن على أي حال أعيد إلى الحكم من قبل أبو بكر، ففي السنة 14/635هـ بعث بعرفجة ابن حرصمة البارقي في حملة بحرية خلالها قام بغزو جزيرة على شاطئ الفرس. عرفجة هذا هو ذلك القائد العسكري الغريب الذي تحدثنا عنه عندما بعث لمعالجة ما يسمى بحروب الردة في عمان ومهرة حسب رواية سيف، والذي لم يذكر من قبل مصادر أخرى. وهذه المبادرة غير تلك المبادرة، مبادرة الغزو غير المرخصة، فيبدو أنها لم ترضي عمرا الذي طلب من عرفجة أن يذهب لدعم عتبة ابن غزوان ابن ابوالله، فقام عمر بعد ذلك بتعيين العلاء لأخذ مكان عتبة، إلا انه مات وهو في الطريق في السنة الهجرية 14، وعتبة هو الذي ذهب لغزو ابوالله والفرس والفرات وبزقوباب، إلا أنه مات بعد ذلك في السنة الهجرية 15 حسب رواية سيف. أما الذين تلوا العلاء في البحرين، فكانوا فقط مهتمين بالشؤون المحلية، إلا أن سلوكهم كان اقل إرضاءا، ففي السنة 15 للهجرة قام عمر بتعيين عثمان ابن العاص الثقفي مسئولا كما سبق لنا الحديث عن ذلك. (1/107)
صفحة 108
وفي واقعة جلولة التي حصلت في السنة 17هـ/637م، 738م غزت العراق في مجموعه، وتلاها إنشاء مدينتي الكوفة والبصرة، وقد كانت هذه الأخيرة أهم من الكوفة في السنوات الأولى، وبذلك أصبحت قاعدة دائمة للقبائل التي جاءت من البلاد البعيدة، بما في ذلك قبائل الاشعاس وكندة والذين كانوا يرابطون في مقابل التخوم الساسانية ويدعمون بعضهم خصوصا الجزيرة. فكان دعمهم المالي يأتي من ثروة السواد التي صارت إلى أيدي العرب بعد غزو المدائن، أما البصرة من جهة أخرى، فكانت شأنا محليا تنسي ابوالله والمحاربون فيها، وقد جاءوا أساسا من قبائل تميم وبكر في هذه المناطق المحيطة، ولم يكن إلا عدد قليل -300رجل- قد جاءوا من بعيد في الأيام الأولى، وخلال وفاة عمر لم يبدو هنالك أي تنظيم حكم محلي. بالنسبة للبصريين الهدف كان هو:منطقة الحواز في خوزستان حيث استمرت الحملات من السنة الهجرية 17 الى 20/638م، 641م (أنظر المرجع2). إلا أننا نجد هناك تواجدا عمانيا ازديا في البصرة، حتى خلال خلافة عمر وقد عين عضوا من الموفدين العمانيين وهو:كعب ابن صور اللقيطي من بني الحارث، وقد كان من المسيحيين قبل ذلك قاضيا في البصرة، واستقر هناك مع مجموعة من 18 عمانيا. ومن المفيد التذكير بان كعب كان من نفس الفخذة التي ارتدت في ديبة وربما جاء مع مجموعة فواج، إلا انه من الممكن كذلك انه كان عضوا في المجموعة التي جاءت للشكوى على عمر بعد مشكل ديبة، إذ أن المصادر-كما سبقت الإشارة في الفصل السابق إلى ذلك-تحدثت عن الأسرى الذين أعيد تحريرهم، وقد قتل كعب في حر الجبل في السنة الهجرية 36، محاولا الوساطة ما بين الجانبين. أما بخصوص وصول الحملات التي قادت إلى غزو تواج في السنة الهجرية 19/640م، فان المصادر الكلاسيكية لا تقول إلا القليل، ويجب العودة إلى الرواية العمانية للتفاصيل. فحسب العوتبي وصلت الأخبار إلى عمر بعد جلالة أن القوات الساسانية كانت تجتمع على شواطئ سراط (1/108)
صفحة 109
وفارس، وأمر على اثر ذلك عثمان ابن العاص أن يتجه إلى فارس، واتصل بالإخوان جولندة عبد وجيفر ليدعماه، وعلى اثر ذلك جمع عثمان قوة قوامها 2600 الى 3000 من الجند معظمها من الأزد، ولكن ينتمون كذلك إلى الراسب والناجية وعبد القيس. ثم ذهب إلى جلفر فغزا جزيرة بني توان، وهي التي تسمى بجزيرة قشب، وقد كان الزعماء الكبار لهذه الحملة هم: سفرة وشيماء الهداني زعيما على شنوعة، ويزيد بن جعفر الجهدبي قائدا لمالك بن الفهم، وأبو صفرة المهلب زعيما على عمران. (1/109)
صفحة 110
لنركز الاهتمام على هذه الأسماء وغيرها المرتبطة بالأحداث اللاحقة، ونتحول من الفترة التي كانت تنظر المصادر الأزدية إلى الوراء بخصوص الزعماء الأزديين في الأحداث السابقة، ونركز على الفترة التي كانوا يلعبون فيها دورا بارزا، وتعتبر صبرا من تلك الفترات. فهناك عدة روايات لمختلف الزعماء في واقعة الجمل التي حصلت في السنة الهجرية 36، بما في ذلك رواية سيف، ومعظم تلك الروايات تتفق على أن ابرز زعيم في تلك الواقعة كان هو صبرا، رغم أن رواية واحدة تقول أن حماميد كان من أولئك (المرجع)، وان قيادة الراية كانت في أيدي عمر بن اشرف العتاقي الذي قتل مع ثلاثة عشر من بني فخذته (المرجع4). وقد كان صبرا هو الذي لجأ مع زياد ابن أبيه في السنتين اللاحقتين؛مما يشير إلى انه كان الأبرز بالنسبة للازد في البصرة، وقد أثير اسمه كذلك من ضمن وفد القبائل العربية إلى معاوية ابن أبي سفيان (المرجع5). من المنطقي جدا، أن يكون واحد من الجهاديم أي جهدمي القبيلة زعيما لحلف مالك بن الفهم، إذ أننا نجد كذلك جهدميا آخر هو الحارث بن قيس عاد إليه ابن زياد عبيدالله في السنة الهجرية 46 لكي يمنحه اللجوء بعد أن أشار إليه أبوه بذلك، إذ أن من مصلحته أن يطلب اللجوء لديه فقد كان واعيا بالفرد القبلي الذي يعود الى 25 سنة خلت، فأبو صفرة -رغم ذلك- لم يكن مقتنعا، فلا شك أن عتقيا هو الذي تزعم بني عمران في الحملات الأولى في فارس، وكما أن عتقيا هو الذي تزعم قومه في واقعة الجمل وقد قتل في تلك المعركة. كما أن زياد بن عمر العتقي هو الذي حصل في النهاية على الزعامة الفعلية لأزد عمان، بعدما قتل زعيم معني في السنة الهجرية 46، وبقيت تلك الزعامة في عائلته، فزياد أو أخوه الهواري هو الذي هرب من البصرة بعدما هدده يزيد بن المهلب في السنة الهجرية 106 (أنظر المرجع6). ومن جهة أخرى، من الممكن أن ما حصل في الحملة الفارسية الأولى: أن أبو صفرة بدأ يعرف كمحارب من (1/110)
صفحة 111
الطراز الجيد، فأصبح مشهورا بقدراته القتالية. وفي هذا الصدد يمكن القول بأن القائد الحكم في المعركة، التي قتل فيها شهرك، كان الجناح اليساري للجنود تحت زعامة الجرود العبدي. أما الجناح الأيمن، فكان تحت زعامة أبي صفرة (أنظر المرجع7، إلا أن ذلك قد يكون غير صحيح في أصله. إضافة إلى ذلك، فان العوتبي يقول لنا أن أبي صفرة لم يذهب أبدا إلى البصرة في الأيام الأولى و. .. . في التواج التي بدأ فيها حملته عبدالرحمان بن صبرا القرشي. وقد ظهر في البصرة بعد أيام من واقعة الجمل، فلم يكن راضيا على دور ازد البصرة فيها، ولذلك أجزاه علي سواء على اختياراته السياسية أو العسكرية، وهذا غير واضح، إذن، أجزاه علي بتعيينه عاملا على نهر تيرا وعلى قيادة الأزد، فإذا كان هذا يعني شيئا، فانه يعني لنا انه عين قائدا عسكريا له. فالمهلبون يميزون أنفسهم بالزعامة السياسية والزعامة القبلية، كما أن المهلب أرسل في أوائل عمره في حملات بخراسان وذلك من قبل زياد ابن أبيه. (1/111)
صفحة 112
بالنسبة للذين يودون متابعة النقاش مند البداية لحملة بني كوات، يمكن الرجوع إلى دراسة الهندي، وهنا نلاحظ فقط أن القضية كانت صغيرة، وان الواقعة الأهم التي جاءت تحت قيادة المرزدان فارس شهرك لم تحصل فيها كما جاء في رواية معينة، بل حصلت بعد ذلك على اليابسة، كما ليس من المهم أن أو يكون عثمان أو أخوه الحكم هو الذي كان في القيادة. فالحكم هو الذي قاد الجيوش في الحملات المهمة عندما سقطت تواج في السنة الهجرية 19/640م، فالسؤال عمن قتل فعلا؟شهرك لم يكن ذا أهمية، باستثناء أن نسجل أن احد للذين قد يكونوا فعلوا ذلك من اليحامدة أو اليحمدية. المهم بالنسبة إلينا، أن تواج بعد ذلك أصبحت مصرا رسميا، وبلا شك في السنة الهجرية 621-642 ميلادية عندما جعلها عثمان بن العاص مركزا لقيادته الرسمية إلى غاية ذلك، كان العرب قد انتصروا انتصارا واضحا في نهاوند في السنة الهجرية 21 الموافق 642م، ومنذ ذلك الحين بدأت حملات صيف مع دعم من حين لأخر من قبل عامل البصرة أبو موسى الأشعري. (1/112)
صفحة 113
وسواء كان فيلق عبد القيس في حملات الغزو بتواج، أو تركوا في أبركوان، وهذا ليس من تلك التفاصيل التي يمكن التغاضي عنها. فالذي يبدوا واضحا، أن بعد تبصير تواج، مكث الأزد هنالك لوحدهم على ما يبدو، وربما لأن العرب الذين أرسلوا إلى البصرة في الأيام الأولى قد عبروا عن غيرتهم من الأزد لحصولهم على حارات أحسن بمعية القبائل الخليجية الأخرى، وربما للدفع بالحملات الأخرى بعد نجاح نهاوند، وربما كذلك لإعادة التوازن بين مضر وربيعة هنالك، أو كذلك ربما لكل هذه الأسباب فإن العبد. .. وبعض المجموعات غير الأزدية الأخرى إنتقلت إلى البصرة من قبل عمر الذي توفي سنة 23هـ/644م. وهكذا استمر عثمان بقواته الأزدية في حملاته بفارس منطلقا من قاعدة تواج، بين الفينة والأخرى، مدعما من قبل بني موسى أولاد موسى والبصريين، فنجاحاتهم كانت محدودة في المناطق الشاطئية، أما في المناطق الجبلية الداخلية ففشلوا في أخد قلاع الصخر وجور، حيث كانت قواتهم العسكرية ضعيفة.
في السنة الهجرية 29 الموافق 650م نلاحظ نوعا من الضعف من قبل عثمان بن العاص، فتم تعيين عبدالله بن عامر بن كريز في البصرة، حيث بقي هناك حتى وفاة عثمان في السنة الهجرية 35-655م، أما في الكوفة فقد عين الخليفة سعيد بن العاص.
البصرة: (1/113)
صفحة 114
بعد هذا التنظيم وإعادته للأمصار في البصرة والكوفة يظهر الضغط على النظام آنذاك في العراق، الذي أسسه عمر في الكوفة، فالبصرة في السنوات الأولى-كما رأينا كانت محدودة الشأن-كانت مجموعات تميم وبكر بن وائل من القوى المحتلة الأساسية، قد غزوا في السنوات الأولى العراق الساساني، وانتقلوا بعد ذلك للهجوم على المناطق المتاخمة إلى الشرق. أما في الكوفة، فمن جهة أخرى جميع الوافدين باعوا عشرة ألآف أو أكثر قد جاؤوا من بعيد وهم مختلفين في أصولهم القبلية. وقبل ذلك كانت الحملات الإسلامية مرتكزة على سوريا، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الجزيرة والعراق في جبهة ثانوية، وخلافا لجند الشام وضعت الكوفة من قبل عمر لقطع النظام القبلي عبر تنظيم دار الهجرة. فالمرجع الإسلامي جاء لأخذ محل الأصول القبلية، والمهاجرون الذين استوطنوا هناك تم جزاؤهم حسب وضعهم كأنصار أو صحابة، وبعد ذلك تأتي مرتبة أهل الأيام، وخصوصا اليرموك والقادسية، وبعد ذلك الرواديف، وهم الذين جاءوا بعد تلك الحروب ووضعوا في مرتبة يستحقونها حسب تطور الظروف، ووحدة التنظيم الأساسية كانت هي العراقة ويؤدى عنها مائة ألف درهم، أي عشرون رجلا بثلاثة آلاف درهم، إضافة إلى المقادير المؤداة عن الأتباع والعوائل. وبالنسبة للذين ينتمون لأهل الأيام وثلاثة وأربعين رجلا بألفي درهم، إضافة إلى العوائل بالنسبة لأهل القادسية وستون وعائلهم بالنسبة للموجة الأولى من الرواديف، وهكذا دواليك. وبهذه الطريقة صار يدافع الذين يهمهم الأمر عن هذه السابقة ضد أشراف القبائل، وبدعم السيطرة المدينية التي وضع نظامها النبي واستمر عليها أبو بكر في مواجهة تهديد الردة. هذا التنظيم لديوان الخليفة بدأ يظهر في السنة الهجرية 20، إلا انه بعد وفاته لم ينتهي الأمر منها. وعندما قام عمر بالبدء بهذا التنظيم الإداري للعراق بالنسبة للوافدين الجدد، كان الوافدون الجدد قد استغلوا خمس سنوات أو أكثر من حرية (1/114)
صفحة 115
المقام في المناطق الممنوحة لنصرهم وكان السواد يعم مجموع المناطق المعروفة في العراق (المرجع8). الفصل 4، ص19
وكان عثمان قد حصل على الخلافة على أساس أن يستمر على النظام السائد، أي النظام السابق على نظام الشرف القبلي، إلا أن ضغط الوافدين استمر فأنهك ذلك النظام، ولم يكن هنالك إلا حل واحد المزيد من الفتوحات تحت شروط السياسة المحددة في خطابه لسنة 29هـ/649-650م، والتي مفادها: "وإما الفتوح فلأول من وليها"، أي أن الجزاء للفاتح وذلك ما جاء تلقائيا بالتنظيم القبلي للجيوش الإسلامية ودفع بها إلى مقدمة التنظيم الإسلامي.
إذن، وبعد ذلك اتجهت دفعتين فاتحتين نحو خراسان تحت قيادة عامليهما، فالكوفيون كانوا مسئولين عن الجبهة الشمالية، وهي أصعب الجبهتين، أما الدعم المبعوث إلى الأشعث في ارض المواقع منذ السنة الهجرية 28/648-649م، وقد أصبحت بعد ذلك مسئولة عن ادربدجان في قاعدة دائمة للعمليات في اردبيل. أما قزوين فقد تم دعمها، بينما سعيد بن قيس الحمداني الذي كان مهما في تجميع بني حمدان، قد اعترف له بذلك من قبل عمر فمنح زعامة الري. بعبارة أخرى، فزعيمي الشرفاء اليمانيين من جنوب الجزيرة العربية تزعما العمليات الأساسية، إلا إن العمليات توقفت بعد هزيمة العرب في بلنجار في السنة الهجرية 31/651-652م، ويعلق سيف بن عمر منتقدا الأشعث: "وما كان ينتظر من زعماء الردة"، أي أن ذلك كان متوقعا من زعماء الردة مثل الأشعث، وهو من كان من زعماء الردة، فتلك التعيينات زادت من الفساد في الشؤون في بدايتها. (1/115)
صفحة 116
لم يكن الأمر كذلك، بالنسبة للتوسع في البصرة فقد فتحت قيادة عبدالله بن أمير، وتوسعت حملات فارس مباشرة، فكانت عملياته الأولى:هي بعث حكيم بن جبلة العبدي إلى ثغر الهند أي نحو مكران والسند رغم انه عاد قائلا: انه لم يكن هنالك شيء يستحق غزو فارس. وبعد الانتهاء من غزو فارس، أصبحت مصر تواج محاصرة، فقد استقد الأزد في البصرة وانتقلت الحملات إلى أرمان وسستان وخراسان. وحسب العوتبي، بقي بعض الأزد في الخطوط الخلفية، وقد يكون التحق بهم ازد عمان في الخمسينات وبداية الستينات الهجرية، والتي سنأتي على نقاشها بخصوص احداث 64 في البصرة.
إن انعزال جيوش الجزيرة العربية الشرقية من عمان والبحرين هي التي تركت طابعها في الفترة الأولى للحملات الفارسية من التواج، والتي توقفت وأصبح بذلك العمانيين أكثر اهتماما بسياسة الإمبراطورية العربية الإسلامية وفي التنظيمات العسكرية المعقدة. إلا أن ذلك التنظيم بقي قبليا في أساسه ومدعيا لهويتهم القبلية الجهوية، وخصوصا المرجعية الأزدية، إلا انه قبل إعادة تنظيم البصرة إلى أخماس، فان ازد البصرة كانوا قوة كبيرة يحسب لها حساب فكونهم ازد عمان وليس ازد سارة - الذين كانوا في الكوفة مع المجموعات الأزدية الأخرى-هناك سوء فهم بخصوص هذه النقطة، وسنعالجها في وقتها، ونسجل هنا فقط انه بحلول واقعة الجمل، تشكلت زعامة الأزد العمانيين تحت قيادة الهداني والعتقي وذلك حسب المعطيات عن أولئك الذين قتلوا، وكان اكبر عدد منهم أولئك الذين شاركوا من البصرة.
مقتل عثمان وموقعة الجمل (1/116)
صفحة 117
ليس البصريون أو العمانيون هم الذين كانوا مشاركين في الأحداث التي دفعت إلى اغتيال الخليفة عثمان، فالسؤال الأساسي بقي هو:السؤال عن السابقة، فالتحكم الضريبي المتنامي للحكومة المركزية وانخفاض دور الزعامات الإسلامية مع تزايد السلطة الارستقراطية القبلية هي المشكل الأساس (أنظر المرجع9)، فقد يكون ثمة بعض المشاكل، مثل عدم إجازة الخليفة للبدو بالمشاركة في العطاء كإحدى التدابير الاقتصادية، وكذلك بيع بعض السلع عن طريق احتكار الدولة، إلا إن أساس الأمر إن العمانيين مثل بقية البصريين، باستثناء مجموعة قليلة، استفادت من مبدأ السابقة، فكلهم استفادوا من النظام الجديد، والذي ادخله عثمان واحتاج الأمر انتظار بداية الحركة الاباضية للبدء بموضوع البراءة التي تبعدهم عن دم عثمان فلم يكن مطروحا.
فرغم المجابهة الحاصلة، واغتيال الخليفة في المدينة، والمعارضة في الأقاليم انطلقت أساسا من مصر، فان البصريين تم اجتذابهم بسرعة في السياسات المكية التي حصلت فيما بعد. فالتفاصيل لا نحتاج إلى الدخول إليها، إلا أن معارضة علي جاءت لكي تركز على ثلاثة شخوص بعد خروج المصريين، وهم طلحة بن عبيدالله وعائشة الزبير بن العوام مع زعماء الأنصار والسابقة من العراق يلتفون حول علي، ولعبوا أساسا دورا معتدلا في زمن عثمان. فالمتمردون إذن، قطعوا مع علي ورجعوا إلى مكة مدعومين من قبل بعض الأمويين، بمن فيهم مروان بن الحكم، رغم أن معاوية كان يتحكم في سوريا وبقي خارج منافسة الطرفين لكي يرى تطور الأمور عن بعد. وبعد الأزمة التي حصلت في الحجاز، والتي لم يتمكن أي طرف من المتعارضين من جمع جيش قوامه ألف من الداعمين أو أكثر، فان المجموعة المكية انتقلت إلى البصرة لاستخدام قدرات الأمير في تجميع الدعم هناك، وخصوصا ما قبل الردة ودبة من فارس بينما رد عليهم علي بالاتجاه نحو الكوفة. (1/117)
صفحة 118
المجموعة المكية انتقلت إلى البوتكندوة، للتشهير بقضيتهم مع طلحة والزبير اللذين كانا يدعيان انهم فرضوا على تقديم الطاعة، بينما عائشة جمعت مواليها ضد موقف علي المرن ازاء قتلة عثمان. وسيلعب هذا للمناسبة، دورا مهما عندما يقبل العمانيون الاباضية، ويتم التصالح مع زوجة الرسول على أساس أنها قامت بالتوبة لاحقا. والنتيجة، أن الطرفين انقسما إلى مجموعتين متناقضتين تماما، وحصلت مناوشات بين البصريين حتى تم توقيع اتفاقية سلام بينهما، وبعث القاضي العماني -الذي صادفناه سابقا- وهو كعب بن صور بمن يقوم بتحري في التهامات بالمدينة، ويبدو أن عائشة تريد أن تظهر على أنها الطرف المهيمن، فاستقرت في حارة هدان. فكعب بعد عودته وجد طلحة والزبير، إلا انه قام بأقصى جهده لمنع صبرا ابن شيمان لإدماج الأزد خوفا من إراقة الدم التي قد تتلوا ذلك. وبعد ذلك جاء إلى اشد المتمردين متهما كعبا بأنه مازال تحت تأثير ديانته المسيحية التي تحث على السلم، وعندما انطلقت الحرب بعد ذلك وأغار المتمردون على بيت المال رفض عبد القيس ذلك، وذهبوا إلى الكوفة ملتحقين بعلي. أما الأحنف بن قيس فاظهر الحكمة التي سنراها معه، خلال مجابهة البصرة بعد ثلاثين سنة، فتمكن من الإبقاء على تميم خارج المجابهة، وكان الأزد ودبة بدعم من الناجية بزعامة الخريط بن الرشيد من المتحاملين. بعبارة أخرى، فان العمانيين كانوا ملتزمين بجانب المكيين كما سيحصل ذلك بالنسبة لعبدالله بن الزبير وأخيه مصعب. (1/118)
صفحة 119
أما بالنسبة لعلي، فلم يكن مروره بالكوفة سهلا، بل إن عامل الكوفة حاول إبقاء البصري في الحياد وتم إزالته من الحكم وبعدها جمع ما يكفي من الدعم للانتقال إلى البصرة، إذ كان الأمر يشهد تجيشا في ما أصبح يشبه حربا مدنية قبلية ما بين مضر، تخاصم فيها مضر مضرا، وربيعة ربيعة، ويمن يمنا، ومابين مضر وإخوانهم وربيعة وإخوانهم ويمنا وإخوانهم، الذي حصل هو انهم اقتربوا من حل عندما بدأت الحرب تشتعل في ما بين المتعارضين ولم يكن واضحا من بدأ الحرب. إلا أن النتيجة، هي أن كما كان يخاف ذلك كعب، حيث حصل حمام دم ولقي حتفه، وذلك عندما رفع القرآن بين المتخاصمين بطلب من عائشة، عندما ارتكز الصراع حولها في واقعة الجمل وهي جالسة في هودجها، وذلك بعد أن قتل طلحة والزبير فانتصر في النهاية آل علي وقدم الأمان للمتمردين وعفا عن ممتلكاتهم وأوقف المنتصرين من قتلهم، وهي من الأشياء التي سينتقده عليها الخوارج خصوصا بالنسبة لملطخي الأيدي (المرجع10).
وسنمضي بسرعة عبر خلافة علي بما في ذلك واقعة صفين، وما تلاها، نظرا لأنها تدخل في الرواية عن الخوارج والاباضيين، ونمضي بذلك إلى موضوع الفصل التالي لنركز على واقع العمانيين تحت قيادة الأمويين الأوليين أو السفيانيين.
السفيانيون (1/119)
صفحة 120
إن اعتلاء معاوية بن أبي سفيان السلطة من سنة 41 الى 60 هجرية / 661 الى 680م، شهدت ابتعادا عن النظام السابق والعودة إلى نظام أشراف القبيلة التي استمرت إلى غاية زمن الحجاج في العراق، وكانت لصالح الأزد الذين كانت حظوظهم قد زادت تحت العامل القوي زياد بن أبيه، الذي اعترف به معاوية كأخيه غير الشرعي وكذلك ابنه عبيدالله الذي حكم مستمرا تقريبا ما بين سنة 45هـ الى 64. المشكلة بقيت نفسها، إذ الناس كثر والموارد قليلة فحل زياد المشكل، وذلك بإفراغ قوائم الديوان في الكوفة والبصرة ووضع اليد على الصواف التي كانت إلى ذلك الحين تعتبر حقا للفاتحين الأول، وخلص كذلك المجموعات القبلية في الكوفة من أسباع إلى أرباع ودمج أولئك في البصرة في أخماس، وذلك للتحكم في الخدمة العسكرية للقبائل وتسهيل التوزيع عليها من الديوان. وفي هذا الصدد، تم تخصيص خمس للازد وبذلك يعطون الزعامة على مجموعات قبلية أخرى، كما حصل نفس الشيء بالنسبة لأوائل الفاتحين مثل تميم وبكر بن وائل وبكر بن قيس، وكما أن الخمس منح لأهل العالية أي الغرب أو بالتحديد العرب الشماليون من مضر، أي قريش وكنانة وبجيلة وقيس وعيلان الخ. .. إلا أن اللائحة كانت كذلك تشمل بني الناجية الذين كانوا يدعون إن أصولهم تعود إلى سماء بن لؤي، أي انهم عناصر من ازد أصولهم من الحجاز، وتم تمكين خمسا وعشرون ألف رجل وعائلاتهم من كل من مصر إلى خراسان، وبذلك تم تدعيم التحكم العربي للمنطقة. كما تم نقل الهياكل القبلية، وكذلك النزاعات إلى المناطق الفارسية، هذه الأعداد تبين أن الانتقال كان متساويا بين الكوفة والبصرة رغم انه كان هنالك افتراض أن البصريين كانوا أكثر لاشك لان السلطة كانت بيد عامل البصرة، ولان تميم كانت تلعب دورا جوهريا في الفتوحات الأولى. (1/120)
صفحة 121
إلا أن هناك اختلافا جذريا بين العراق وفارس، فلم تكن هنالك أنصار (المرجع11)، فالعرب تم تفريقهم على المدن والقرى، بينما استمروا في الارتباط بالمركز البصرة. في الواقع كان حكام الأقاليم النائية في شبه استقلال تام، لهذا السبب كان، في السنوات أو الأيام الأولى، زيد بن أبيه وعائلته هي التي حكمت أولا عبر تعيين زياد نفسه، وبعد ذلك عن طريق إعطاء عائلته. فعبيدالله عندما عين، حوالي سنة 25، على خراسان لمدة سنة أو سنتين قبل أن يسيطر على البصرة سنة 55م 675-676م، جلب معه ألفين من المحاربين لحنكتهم العسكرية والذين أصبحوا من ضمن الجيوش المقربين وأعطى أخاه عباد سجستان، كما أن أخاه الأخر عبدالرحمان عين على خراسان، إضافة إلى ثلاثة آخرين من إخوانه حصلوا على تعيينات إقليمية:وهم عثمان ويزيد وسلم هذا في النهاية وسع سيطرته على سيسان وخراسان، وكان في ذلك ناجحا مع المهلب في أنشطتهما التجارية (أنظر المرجع12). الفصل 4 P. 7/ 8 (1/121)
صفحة 122
الى غاية عهد زياد استمرت البصرة في التوسع بطريقة عشوائية وكانت النزاعات القبلية مستمرة والامن منعدم فكانت اول مهمة قام بها زياد هو ان تطرق لاشكالية الامن وضرب بيد من حديد على الممارسات السلبية القبلية والخروقات المترتبة عن النظام القبلي وعالج بقساوة مشكلة قطاع الطرق الذين كانوا يعملون تحت يافطة الخوارج وكان ذلك بدعم من المعتدلين أمثال أولاد بلال الذين لم يكونوا راضين على ما كان يقترف من خروقات بإسم شهداء نهروان، ولاشك أن أزد كانت قد إستفادت من إعادة تنظيم للمدينة إلى أخماس وإلى حدود معينة حصلوا على تأييد زياد ودعمه لما أصبح عاملا على البصرة في الأيام الصعبة في نهاية خلافة علي إذ لجأ معهم خلال إحدى الهجمات على المدينة من قبل عبدالله بن عمر الحضرمي (المرجع 13) على أن الأمر إنطلاقا من التعليقات اللاحقة عندما قام إبنه بنفس الأفعال في السنة الهجرية 64 لم يحصل الأزد على أي إمتيازات خاصة هذا إذا إستتنينا تعيينه لنافع بن خالد الطائي كجامع ضرائب في إحدى الحارات حيت قسم زياد خرسان وأصبحت من بين التعيينات الأزدية والطائية ينتمون الى فرع أزد عمران وبالتأكيد أنهم كانوا في عمان كما أسلفنا ويبدو أنهم شكلوا مجموعة مستقلة في البصرة في عهد زياد ومن المفيد الإشارة إلى أنه عندما أدخل نافع السجن باتهامه بالنميمة كان أحد بعض زعماء الأزد بما فيهم سيف إبن وهب المأولي الذي تدخل لصالحه وفكره بما عليه للأزد لما منحه صبرا إبن شيمان الهداني اللجوء (المرجع 14) وسيف هذا يوصف على أنه أحد أكرم وأنبل أزد بينما صبرا كان ينعث بشجاعته وزعامته.
تاثير ازد عمان (1/122)
صفحة 123
لقد اتينا الى الجزء الذي يبدو انه وقع فيه خلط لدى كثير من العلماء حول مجيء ازد الى البصرة ودفع الى اختلالات مهمة لاحقا او تشويهات مهمة لاحقا في التاريخ بصفة عامة فمثلا شارون (المرجع15) يعتبرانه الى غاية مجيء ازد تحت زعامة المهلب كان السكان العرب في خراسان يشكلون اربعة مجموعات قبلية مهمة وهي تميم وقيس اللتان تجتمعان لتشكيل مجموعة القبائل الشمالية من مضر وقبيلة بكر بن وائل وعبد القيس اللذين يشكلان ربيعة وعندما وصل ازد خراسان مع المهلب احضروا معهم من البصرة المعاهدة التي توصلوا اليها وتجددت هناك مابين ازد وربيعة وبذلك حصل اختلال في موازين القبائل واذا حصل ذلك بما ذا سبق ان كان لازد الخمس في البصرة ولماذا من المفترض ان اعضاء هذا الخمس لم ينقلوا الى خراسان اكيد ان المهلب قد يكون قد احضر مزيدا من الأزد معه جندوا من الموجة التي وصلت حوالي السنة الهجرية59الا ان المميزة الخاصة التي اثرت في انعدام التوازن في خراسان هو ان المهلب نفسه كان عاملا على اقليم. (1/123)
صفحة 124
من المؤكد ان الأزد هي المجموعة الاخيرة التي وصلت الى البصرة اساسا مابين السنة الهجرية 29 حيث اصبحت البصرة مركز الحملة الفارسية وما جاء لاحقا من القضاء على تواج لذلك فالمدائني الذي توفي في السنة 228هـ/843م، وابو عبيدة (معمر ابن المثنى) يقولان انهم وصلوا الى البصرى متاخرين ولذلك فان الاساورة اضطروا الى الانضمام الى تميم وليس الى ازد الذذين كانوا هم المجموعة المختارة لديهم والسبب واضح في نظرنا فبغض الاعتبار عن رواية ان العسكر فارسي او ان خيرة العسكر الفارسيين اختاروا التحالف مع القبيلة الاقرب الى النبي فقد كان اختيارهم كذلك لقبيلة كانت لديهم علاقة بها في عمان والبحرين وعلى الشواطئ الفارسية عوض قبيلة لم يكن لها الا العلاقة القليلة مع الامبراطورية الفارسية فعندما نحلل اسماء زعماء ازد في البصرة السالف الذكر او حوالي زمن خمس الأزد التي نظم فيها في السنة 45 لانرى شيئا غير النسب العمانية من هدان وعتيق ومعاول ويحمد وجهاديم وربما الطاهي اضافة الى ذلك نعرف ان الأزد الذين جاءوا من تواج كانوا عمانيين اضافة الى بعضهم الذين كانوا بحرينين اذن لماذا قام علماء افداد امثال كاسكل بالاستنتاج ان العمانيون هم اخر من وصل في السنة الهجرية 59 هناك سببان، الأول لان التمييز الحاصل في المصادر ما بين ازد عمان وازد شنوعة، فهي تفترض ان شنوعة كانوا من صراة او غرب الجزيرة العربية مثل ذلك مثل عمران الذين كانت اكبر فروعهم من غرب الجزيرة، اذن بالنسبة اليهم كل هؤلاء الأزد الأول الذين شكلوا الخمس كانوا من غرب الجزيرة (وحتى لم كانت كذلك لما كان التفسير منطقيا الى خراسان) فبحثنا للمصادر العمانية يبين ان جميع الشيوخ السالفين كانوا من عمان كما كان كذلك ابو صفرة الذي نجد اسمه مترددا عدة مرات والذي نضيفه رغم ذلك هو ان هنالك مجموعة فقط من شيوخ مالك بن الفهم تمت الاشارة اليها وهم جهاديم ولم يكونوا اهم مجموعة من مجموعة (1/124)
صفحة 125
الأزد ولم تتم الاشارة الى هينا الا بعد حين (أنظر المرجع16) وقد كانوا من الزعماء الاتحاد القبلي المعروفين ولم يشر الى سليمة ولافراهيد وبالتاكيد ليس هنالك من الاسماء التي ينتظر وجودها بل ليس هنالك حتى اسم جولندة مذكورا.
السبب الثاني هو القبول غير النقدي لفترة بالتاكيد صعبة في فهم ما حصل لابي عبيدة وجاءت على لسان الطبري وليس البلدوري والخاصة باحداث السنة الهجرية 64-65 وهي اشارة تصف سياق انقلاب الأزد تحت قيادة الشيخ المعني والتحالف الذي اقيم مع جزء من بكر بن وائل ويبدو ان مضر اي تميم كانت اكثرعددا من ربيعة وان جمعة الأزد كانوا آخر من استوطن وبذلك ولحد الان ليس هنالك اشكال خاص الا ان هناك صعوبة في فهم ما يعنى بجمعة الأزد فكما اسلفنا الأزد ازد تواج جاءوا في السنة الهجرية 29 او مباشرة بعدها خلال خلافة عثمان وآنذاك كانت ربيعة تتشكل من الفروع الاصلية من بني بكر بن وائل وعبدالقيس من البحرين والجنوبي الخليجي والجملة التالية تبعث على الشك الا ان المترجمين اختاروا القراءة المنطقية التي تقول ما تقريبه ان عمر انتقل الى البصري الجديد أولئك المسلمين الذين استقروا او استوطنوا أي الذين اصبحوا من المستقرين غير البدو وتركوا طريقتهم البدوية للحياة بينما جمعة ازد بقوا حيث كانوا ووصلوا فقط في نهاية خلافة معاوية وبداية حكم اليزيد أي تاريخ 59هـ (المرجع17) بما اننا نعرف ان هنالك مجموعة كبيرة من الأزد العمانيين وصلوا في السنة 45هـ وبما ان المفهوم ان أولئك الذين مكثوا لم يكونوا من المستقرين فان الظاهر هو ان التحرك كان بموجة من ازد وكان معظمهم من قبيلة مالك بن الفهم وليس هنالك مشكلا طالما أننا نقرا جمعة ازد بمعناها جزء اومجموعة من ازد وايا كانت القراءة فالواقع انه كان هنالك ازد وخصوصا ازد من ازد عمان في تلك الفترة في البصرة قبل مجيء الموجة اللاحقة بما يشكل خمس في حد ذاته والأزد الغربيون الذين كانوا (1/125)
صفحة 126
هنالك ينتمون الى خمس العاليات والسبب لمجيء الوافدين الجدد واضحا جدا فالأزد والبصرة كانوا في مرحلة ازدهار وتوسع اذن عبيدالله كان يدعي انه عندما استولى على الديوان تضاعف من اربعين الف مقاتل الى ثمانين الف وعيالهم ومن سبعين الى مائة وعشرين حسب الطبري الذي يقول ثمانين الف الى تسعين الف وتسعين الف الى مائة واربعين الف بالتوالي (أنظر المرجع18) في هذا الصدد فان حركة لازد عمان يجب ان نتذكر بخصوصها ان ذكرها في المصادر الاباضية تمت مناقشته في الفصل الأول حيث لم يقبل عثمان بادماج البدو في الديوان إذا كان ذلك صحيحا فقد حصلنا على تفسير لماذا بقوا في منطقة التواج ولماذا حصل الانتقال للمجموعات البدوية الحقيقية من تخوم الصحراء العمانية في ما بعد.
اذن لم وصلوا اقترح تميم ان يتصل بهم الأحلاف قبل وصول ربيعة الى تلك الديار الا انه استجاب إذا كانوا من ازد الذين تحركوا منذ البداية فالامر مقبول وجيد واذا فعل تميم ذلك سيصبحون بمثابة ظهر التحالف وليس راسه اذن قام مالك بن مسمع الذي كان زعيما لبني بكر بن وائل والذي وجد في ذلك فرصة لاسترجاع مكانته اذن قام بالاتصال بزعماء مع زعماء الأزد الذين كانوا آنذاك مسعود بن عمر المعني لتجديد الحلف القديم منذ ما قبل الاسلام واتفقوا على شرط ان يكون مسعود هو زعيم التحالف. (1/126)
صفحة 127
اذن فمن كان ذلك الزعيم الذي ظهر من بين ازد؟ جميع المصادر الا مصدر واحد غير مهم تتفق على انه معني (المرجع19) وان معن أي مالك بن الفهم وان المعن كما راينا كانوا منافسين لنظام مالك بن الفهم وتحالفوا مع بدو الهوامش في عمان وضفار وباستثناء ذكر مشكوك فيه لواحد اسمه مسعود بن سيف بن عمر وروايته عن جمل ولكن دون نسبة توضح انتسابه لسيف او اسم آخر يقود المجموعة الثالثة من ثلاثية الأزد العمانيين والذي لم يذكر على كل حال في الاحداث فاسم مسعود يظهر لاول مرة في الطبري في السنة الهجرية 60 وذلك بعيد الهجرة المذكورة في ابو عبيدة حيث حسب ابن الكلبي كتب حسين بن علي للاخماس قائلا إذا كانت قائمة الاسماء صالحة سيتبين ان مسعود هو الذي سيعتبر زعيما للازد (المرجع20) وغير ذلك نعرف القليل عنه الا باستثناء ظروف وفاته في السنة الهجرية 64 وعمره ثمانين حولا وهو فكرة من الصعب قبولها اذا كان لا يعتبر قمرا اشارة الى وسامته وانه كان قريبا من اقرباء المهلب من جهة امه (مثل كثير منهم) (المرجع21) على ان هناك افتراضا قويا انه كان زعيما للوافدين فزعيم الأزد الاهم بعد وفاة الشيخ الهداني صبرا يبدو انه انتقل الى اسرة عتيق التي لعبت دورا بارزا في واقعة الجمل وكان ابن هذا الزعيم في واقعة الجمل الذي عاد اليه ازد بعد قتل تميم لمسعود والذي توصل في النهاية الى تفاهم مع الاحنف بن قيس ومن المفيد انه عندما اتصل عبيد الله ابن زياد الزعيم الأزدي الجديد في الظروف التي سنصفها كان ذلك عبر وساطة شيخ الجهاديم أي من الأزد المستوطنين الأول وكان يعرف اباه والفروض القبلية التي ترجع الى ربع قرن خلت الفصل الرابع ص9 السنة الهجرية 64 (المرجع22) (1/127)
صفحة 128
ان الاحداث الفعلية للسنة الهجرية 64-65 كانت بمثابة منعرج في العلاقات ما بين الأزديين والبصريين وكانت نتيجة لوفاة يزيد بن معاوية وعدم اليقين بالنسبة للخلافة في دمشق فالى غاية وضوح الأمر حاول عبيدالله ان يقنع البصريين بالاعتراف به مؤقتا مشيرا الى الأزدهار عايشوه معه وقد اتفقوا في البداية إلا انهم بدؤوا يتراجعون خصوصا عندما رأوا سكان الكوفة يرفضون فعل مثلهم وكما ان ما خلخل قناعتهم هي ان رسولا جاء من ابن الزبير يدعوهم الى الاعتراف به خليفة بل نتذكر ان البصريين في واقعة الجمل كانوا بصفة عامة الى جانب طلحة والزبير وعائشة والنتيجة هي انهم عينوا وسيطين واحدا من مضر والاخر من الراسب بتعيين عامل مؤقت على الإقليم وقع اختيارهم على هاشمي وهو عبدالله بن الحارث المعروف بدبة وهو بدوره عين سدوسيا كرئيس للشرطة وفي نفس الوقت وبعد محاولة الحصول على الدعم مستخدما اموال الخراج او اموال بيت المال وربما بنجاح محدود مع قبيلة بكر بن وائل وضع عبيدالله يده على الاموال لاستخدامه الخاص وذهب الى زعيم الجهاديم الذي كان قد اعطى اللجوء لابيه فقام هو ومجموعته التي كانت تشمل ممثلا عن هدان كان قد اقالهم بنوا الناجية واخرجوا من قبل الطاهين عندما كانوا يمرون بحارتهم ليلا ووصلوا في النهاية الى مسعود ولم يكن متحمسا كثيرا لضيفه إلا أن عبيد اله استخدم الأموال التي معه للحصول على النتيجة المنوية وبعد أن تم تذكيره أن أباه لم يبد أي امتنان للقبيلة التي كانت قد أعطته اللجوء ومكث هنالك ثلاثة أشهر مع الزعيم الأزدي. (1/128)
صفحة 129
في نفس الوقت جاءت أخبار من الحرات أن الربيعة هاجمهم تميم على حساب العامل المؤيد للزبير ونشبت منازعات بين عضو من أسرة الحاكم البصري السابق القرشي ابن عامر وخلال ذلك تم هزم بني بكر بن وائل الحضرمي وبعد ذلك بقليل ثم تبادل الشتائم على أساس ما حصل أدت إلى قتل اليشكري من قبل واحد من الدبيين مما فجر المنافسة القديمة ما بين مضر وربيعة وأشعلت بينهما نار دمة ودفعت بالتحالفات السياسية القديمة التي تعود إلى ما قبل الإسلام في بكر بن وائل والى نتيجة في تحالف البصرة فمالك بن مسمع زعيم الخمس السابق الذي أزيح رسميا من قبل يزيد بن معاوية لصالح أشوك بن شقيق السدوسي راى بذلك فرصة لاستعادة زعامته وبتشجيع من عبيدالله اتصل بالأزد لتجديد تحالفهم القديم الذي يعود إلى ما قبل الإسلام والذي كان من ضمن اعضائه كندة وطيء فاعترفوا بمسعود كزعيم اشمل للتحالف الجديد وكان على اثر كل ذلك عبيدالله يراقب من بعيد مختبئا أما مسعود فقام بمحاولة انقلاب حسب ادعائه باسم عبيدالله ولكن الواقع ان ذلك كان لفائدته شخصيا كام ظهر في النهاية هناك بعض الخلط بالنسبة لهذا الأمر فالرواية تقول:ان عبيداللهكان قد ترك الشام وعين مسعود مسئولا عنه وآخرون يقولون انه دفع لازد بالحركة باسمه الا انه لم يقبل ان يرافق مسعود الى المسجد واعتبر كثير من الناس انه هو الذي قتل وليس الزعيم الأزدي وعلى كل حال كان مسعود هو الذي يقوم بالتحريك فابن الكلبي يقول انه كان قد تحكم في القصر عندما وقف على منبر الجامع الكبير وبدا يدفع بالموالين له لاداء القسم ابو عبيدة يقول ان الأزد لم يكونوا يرضون حتى يحصلوا على الرءاسة واحتلوا المنبر بعساكرهم واذ لم يقم الببا باي فعل في دار الامارة أي دار الحكم قام مالك بن مسمع الجهدمي لاخد الثار من مجموعة من تميم التي كانت قد تسببت في موت اليشكري وخلال الاحداث جاءت الاخبار بان مسعود قتل وللحظة تمكن الاحنف بن قيس الزعيم (1/129)
صفحة 130
الاكبر لتحالف تميم للتحكم في شباب قبيلته ولكنه تركهم لحالهم وصرح لهم بالهجوم على القوى المتحالفة المحيطة بالمسجد حيث كان مسعود يحث حلفاءه من المنبر واجتمع 400 من الاساورة واستخدموا اسلحة الخنجقان مما اشعل النار فدخلوا المسجد وقتلوا مسعود وشتتوا اتباعه ثم بعد ذلك هرب عبيدالله الى سوريا مع حشد من 100 من الأزد. ما تلى من الاحداث غير واضح والرواية السابقة قد يكون بها نوع من التضخيم بخصوص الاحداث إذ ان رواية تقول ان التمرد كان من عمل مجموعة خارجية وان مسعود قتله علج فارسي مع نحو 10 من زملائه وبعد وفاة خليفة زيد عبيدالله لاسباب مجهولة اخرج الخوارج من السجن او هربوا منه وتمركزوا في مناطق حيث الاساورة والمجموعات الفارسية الاخرى من التابعين لتميم كانوا يعيشون وكان بعد ذلك فقط ان ثاروا من مجموعة الخوارج واكتشفوا ان تميم هم من دفعوا بهم (المرجع23) والمشترك في الروايات هو ان الحلفاء الفارسيون لتميم كانوا من الفاعلين الأساسين ضد مسعود فعناصر اخرى في الرواية غير منطقية ومن المؤسف انه لم يكن هنالك سيف بن عمر للقيام بذلك على ان اولاد ابو عبيدة قام باقصى جهده كما ان الاعداد تضخمت في روايته وتضخمت كذلك الاحداث في تلك الرواية ونسجل انه لحد ذلك الحين لا عبد القيس ولا ربيعة ولا العلاية هم اساسا من مضر لم يتدخلوا في الاحداث وكانت الاحداث تخص تميم ورغم ذلك حتى في هذه الحالة اتباعهم الفارسيون وبعض بكر بن وائل وبدون شك جزء ضئيل من الأزد فحسب ابي عبيدة (ابود بلضوري) المدينة بكاملها صارت في حرب وتشكلت جبهات حربية مع زيد تحت قيادة زعيمهم الشيخ زياد بن عمر العتقي في المركز وحلفائهم عبدالقيس واحلافهم من هجر (البحرين) يشكلون الجناح الايسر وبكر بن وائل واحلافهم من عنزة والنمر (هل هي من مجموعة ازد صراة) تحت قيادة مالك بن مسمع واليمين في مواجهتهم كانت ما يسمى بمجموعات مضر تحت زعامة الرياحي الذي قام بمعية (1/130)
صفحة 131
الاساورة بقتل مسعود مع قائد الدب يقود مجموعة من بني سعد واحلافهم الاساورة والانبغاء العدوية وعبد مناة ودبة ومجموعة اخرى واحلافهم تحت زعامة عضو من مجموعة الشيخني تشكل الصارم المجموعة الثانية والمجموعة الثالثة تتشكل من بني عمر تميم وبني حنظلة بن مالك واتباعهم العرب بني العم واتباعهم الفارسيين الزب والسيابجة مرة ثانية هذه طريقة عقلانية لتصفيف الرواية فالطبري يكتفي بالقول أنها فتنة البصرة الا ان اثنين من الوسطاء هم العامل الجديد المعين من قبل الزبير والببا قاموا باقناع الأزد بقبول عشرة مرات ثمن الدم دمن ابن مسعود.
ان هذه رواية مبسطة ترجع بلاشك الى راي ابي عبيدة بان المجموعات القبلية لايمكن ان تنظم نتيجة سلبية لمجابهة حصلت بينهم المؤكد ان قريش بإمكانهم التوسط إلا انه واضح أن الدم البارد الأحنف هو الذي مكن من تفادي حمام دم وهو الذي عرض دية واستخدم عبارات مهدئة قائلا بان الأزد في البصرة أكثر قيمة بتميم من إخوانهم في الكوفة وقارن ذلك بالاتصال بالزعيم الأزدي السابق زياد بن عمر بن الاشرف العتقي بقبول الدية وهو ما اتى بالسلم. ومن الملحوظ كذلك ان المهلب عندما جاء الى البصرة كان غاضبا من انعدام المسئولية التي ابرزها قومه ولم يتردد في قول اشياء لم يكن لتزيد من شعبيته ازاء قومه (المرجع24) وهكذا فان نوعا من السلم قد تم استتبابه وتقدمت البصرة في اطار المصلحة المتبادلة بين القبائل المختلفة الا أنها كانت سطحية وبقيت التشنجات لدى الأزد في هذه الاحداث وغيرها التي لن تنسى كما ان اعداءهم تمكنوا من اخد الثار ودفع الأزد والعمانيين خارج السلطة في البصرة وخراسان ولكن دفعهم خارج الدولة الاسلامية في النهاية.
نصرة المهلب (1/131)
صفحة 132
ان نهاية الاشهر الثلاثة في البصرة المليئة بالقلاقل لم تكن نهاية في مخاطر المصر وحتى عندما نرى مخاطر مجموعات الخوارج بداخل او خارج المدينة فايجاد عامل جديد يعوض البابا غير الفعال لانه لم يتمكن من معالجة. .. .. حتى اصبحت بمثابة السيل الجارف وكان ابن زهير هو الذي استدار نحوه البصريون ففي فترة هذا الرجل الجديد تم بعث مجموعة بصرية لمحاربة الازارقة لم تكن ناجحة تلك الحملة كما ان الخوارج صاروا يهددون البصرة وخلال هذه الازمنة حصلت معجزة في شك مجيء مهلب بن ابي صفرة وهو راجع من المدينة. لحد الان لم نتحدث عن حركة الخوارج بما اننا سنتحدث عنها في الفصل اللاحق حيث سنحلل بداية الاباضية ونكتفي هنا بالقول بان زياد وعبيدالله تطرقا بقساوة المجموعات المتعددة تحت راية الخوارج التي كانت ترهب القوم وتهدد البلاد وبانهيار الحكومة المركزية بموت اليزيد عاد الخوارج للحركية من جديد وكانوا فعلا هم البصريون الوحيدون الذين كانوا يذهبون لرؤية ابن الزبير الا انهم قرروا صدهم عندما لم يقبل بعدم قبول عثمان رغم ان رايه لم يكن يجتمع عليه الراي (أنظر المرجع25) اذن كما راينا اصبحت تلك المجموعات الخارجية تعمل حتى داخل المدينة واستقرت في حارة الفارسيين في المدينة وزعماؤهم كانوا رغم ذلك من المعتدلين كما يظهر من انهم قبلوا بل رحبوا بالوافدين ونعني بهم الفرس فالتهديد الحقيقي كان ياتي من الخارج أي من نافع بن الازرق وهو زعيم العناصر الاكثر تشددا الذين. .. مجموعته التي كانت تبلغ حوالي 150 فردا (أنظر المرجع26) وضعت اسس دولة مستقلة في أل. .. وحصلت على دعم السكان الفارسيين والمجموعات المستضعفة الاخرى التي عرضت عليهم ايديولوجية لتحسين اوضاعهم وظروفهم وايقاف نظام الضرائب المفروض عليهم من الاباضي القائد. (1/132)
صفحة 133
ان القواعد المتطرفة التي جمعها نافع هي التي دفعت الى الشقاقات الاولى في احكام الخوارج فنظريته كانت بسيطة جميع أولئك الذين لم ينتفضوا معه لانشاء امارة خارجية هم مشركون وليسوا كفار وبما انهم يقبلون بنظام آخر فهم بذلك يتساوون في ذلك مع المشركين في الدين ومبذا الاستعراض أي القتل في الاغراض السياسية وامتحان المهاجرين ومعالجة القعدة الذين لم يكونوا يقبلون باتباعهم وبذلك اصبحوا من ضمن المحلل دمهم واستحقاقهم كل هذه كانت نتيجة لنظريته الاساسية وكانت متشددة بالنسبة لبعض اتباعه كما سنرى ذلك في الفصل اللاحق وهجروا مجموعتهم تحت زعامة النجدة بن عامر الحنفي الذي اسس امارة خارجة في اليمامة حيث سيطر على البحرين لمدة قصيرة في عمان الفصل4 ص12 (1/133)
صفحة 134
ورغم اختلافاتهم كان معظم البصرة تحت رحمة مجموعة الازارقة وبدون امل في الحصول على دعم من الخارج وبذلك توحدوا لمقاومة التهديد فحصلت حروب ضارية في دولاب قتل فيها نافع وفي هذه الواقعة كانت مجموعة الأزد تحت قيادة اخ المهلب قريسة او قارسة بن ابي صفرة (أنظر27) أما الازارقة فكانوا تحت قيادة زعيمهم الجديد عبيدالله بن بشير ابن ماهود او ماهوت فهذه المجموعة القوة الازارقة اضطرت البصريين الى التراجع الى داخل المدينة وسيطروا على خارج المدينة وعلى جسورها مما جعل الوضعية صعبة ودفعت بكثير من البصريين من الهروب الى الصحراء (المرجع28) وكانوا بحاجة الى زعيم قوي الشكيمة الا ان الاراء انقسمت على اختياره فالاحنف لم تكن له شكوك حول المهلب بن ابي صفرة ففرض اختياره ووضع واحدا من آل تميم الذي ينتمي اليها تحت زعامته فالطبري كانت له رواية مختلفة على اساس ما قله ابن الكلبي الذي يفسر غيبة المهلب عن البصرة في الاحداث السابقة فآخر مرة صادفنا اسمه حسب ما نذكر كان يستفيد من علاقات اخي عبيدالله السلم في خراسان الا انه بعد موت يزيد لم يضيع كثيرا من الوقت قبل الرجوع الى ابن الزبير الذي عينه عاملا على ذلك الإقليم وبمجرد وصوله الى المدينة قام الاحنف مع العمل الجديد وزعماء البصريين بمطالبته بقيادة حملة ضد الازارقة الا انه رفض إذ انه كان يهتم اكثر بحملة في فارس في الحصول على غنائم تعيينه. اذن حسب الرواية كتب البصريون رسالة يدعون فيها أنها من الزبير يامره بان يقود حملة ضد الازارقة ويعده باكثر من الجوائز عما قد يحصل عليه في خراسان واذ كان يود استغلال هذه الفرصة السانحة قبل على شرط ان يكون حرا في قيادة الحملة بمن شاء وكما شاء وان كل واحد من الاخماس يقدم له تجريدة تعمل تحت قوته فقبلوا جميعا الا مالك بن مسمع نظرا لنقده لمجاولة الانقلاب اذن قام المهلب بجيشه من الاخماس الخمسة بدفع الازارقة بعيدا عن المدينة حتى التقوا في (1/134)
صفحة 135
واقعة مهمة او في مجموعة من المعرك في منطقة يقال لها سلة وسلراي وكان تلك المعارك جملة من كر وفر لمدة ثلاثة ايام حتى قتل ابن ماهون.
ورغم ام هذه الرواية تبدو منطقية فان فيها بعض الاختصار في الرواية ففي البداية كان واضحا ان الأزد هم الذين يشكلون العمود الفقري لقوة المهلب لانه في احدى مواجهاته مع الازارقة روي انه كان لديه اثنا عشر الفا من ابناء القبائل معه وسبعين فقط مع غيره مما يدل على ان هناك تضخيما او اخطاءا في الاداة لان نفس الرواية تتحدث عن عدد ثلاثة آلاف ازدي عماني (المرجع29) حوله في لحظة هامة ومقارنة بالعدد الذي روي عن قتلى الخوارج التي بلغت سبعة آلاف واولئك الذين خرجوا من الاحواز في ما بعد وحوالي البصرة حوالي ثلاثة آلاف وهذه الرواية تتحدث عن اتباعه بصفتهم من ازد عمان مفيدة لانها تشير الى ان الوافدين هم الذين كانوا من اتباع مسعود البعيدي اضافة الى الشباب المتهور من الأزد بصفة عامة مثل البطل ابو علقمة اليحمدي الذي حصل على جائزة مائة الف درهم على شجاعته في الوغى وجعل منه اقرب اتباعه الا انه بعد هذا النجاح والتوافق على تنسية حقل الاراضي المسترجعة والاموال الموزعة على اتباعه رغم ان الخراج كان يعتبر. .. للدولة الاسلامية (المرجع30) فان القبائل صارت تابعة له ولجيشه وتوسعت اعدادها الى ثلاثين الف فرغم ان البصرة والاهواز كانت الان دون تهديد خارجي فان الحرب لم تنتهي واستمر التقاتل وخلال ذلك تم تصفية اخ المهلب المؤرق من قبل مجموعة من الازارقة تحت زعامة مولى سابق لابيه واستمر الأمر على ذلك عشر سنوات قبل القضاء على الازارقة تحت زعامة القائد القطري قطر بن فجاءة ومرة ثانية من الواضح حسب المصادر ان معظم قواته وقواد جيوشه كانوا من العمانيين كما هو الأمر كذلك بالنسبة لابنه يزيد كانوا كذلك من عائلته ومن اعضاء آخرين من الأزد (المرجع31). وكان هذا النجاح ضد الخوارج والقضاء على التهديد الخارجي (1/135)
صفحة 136
للاراضي البعيدة التي كانت بمثابة منعرج في حضوض الأزد واسرة المهلب فبعد ذلك اصبحت البصرة تسمى بصرة المهلب والكوفيون كانوا يسمون البصريين موالي المهلب بل ان حتى الحجاج كان يقبل بالشك قائلا يا اهل العراق الستم عبيد المهلب (المرجع32).
اذن فمن هو هذا الزعيم الأزدي الجديد؟لقد كان ابوه هو أبو صفرة ظالم ابن صراق او صراف أو كذلك صريف ابن زليم الذي أسس سمعة الأسرة بصفته من زعماء وبغض النظر عن الإضافات الى اسمه من اجل تشريفها ومرتبطا بالأحداث السابقة للتاريخ العماني فقد يكون قد ظهر وأصبح بارزا في الحملات الفارسية ففي بداية حملته تقول الرواية قدم لأبن العاص لاستشارته ولكن عندما طلب منه الزعيم إسمه رد قائلا أنا الظالم بن شراق ورفض ابن العاص استشارة رجل لازال على إسمه الجاهلي وقد يكون ذلك منطقيا أما أعدائه فيقول أنه فارسي من جزيرة خرق حيت كان ترازا وإسمه الحقيقي كان بشخاري الذي عرب عندما إنتقل الى عمان وعمل خادما لدى عثمان إبن العاص الثقفي وذهب معه الى البصرة وعندما نقل الأزد الى البصرة ذهب معهم وتميز في القتال وإندمج في المجموعات القبلية مع اخرين إذن عوض أن يكون زعيما لجيش عمران أزد الذي ساهم في الحملة الأولى في فارسي الجنوب الغربي فاسم ابي صفرة قدم لعثمان بصفته واحدا يعرف الشواطئ الفارسية وبذلك يكون من المنطقي ان يؤخذ بصفته خادما وقد كان قبل ذلك حصل على الإعتراف او التقدير في ساحة الوغى تحت جيش عمران بقيادة عتيق خلال الحملة الفارسية وبذلك اندمج في تلك المجموعة بالذات وبكل تأكيد لم يكن هو عتيق الشيخ ففي واقعة الجمل كان زياد ابن عمر خلال فترة اخراج الفرس من عمان يقول ابن دريد انه هو النعمان ابن الحارث وبكل وضوح فان الكاتب العماني لا يقول أي شيء عن سوابق ابن صفرة فالروايات الأخرى في المصادر العمانية تقول على ان امه كانت من هديلوهي فرع من عبدالقيس بينما ام المهلب كانت من هدان او عبدالقيس (1/136)
صفحة 137
او عمر بن بكرة (المرجع33) فالمهلب نفسه كما راينا سالفا برز وجوده في حملات فارس ولا يظهر مباشرة في التاريخ البصري الى غاية السنة الهجرية 64 وبذلك الزمن ذاع صيته مما تاكد في حملته ضد الازارقة فكان على راس جيش كبير ووضعه تاكد عندما عينه ابن الزبير اخاه مصعب في العراق حيث اصبح حاكما مستقلا هناك ومنذ ذلك الحين ارتبطت اوضاع الأزد باوضاع اسرة المهلب وكما يبين الباحث كرون فانه اصبح من كبار قواد الجيش المرتبطة بالسيطرة على اراضي شاسعة والذين كان رهن اشارتهم ثروات طائلة وفوائد السلطة وبذلك يمكنه ان يؤثر على الأزد وحظوظهم ورغم انه كان من اتباع ابن الزبير واخيه مصعب في السنة الهجرية 68/697، 698 مالا ان المهلب تم تعيينه عاملا على خراسان واستمر في تبعيته للحجاج خلال ثورة ابن الاشعث وتلاه في ذلك المركز ابنه الذي توقفت حياته في سنة 102هـ/721م، ويجب الاعتراف على انه طالما كان المهلبون مع الرابحين واتباعهم يستغلون فوائد ذلك من ضمن العرب ولم يكن يابه بتوزيع تلك الغنائم لشريحة اوسع من الموالي او الاهتمام بالضرائب القاسية على الفلاحين فالمهلب اقام حربا على الخوارج وساهم في الحملات ضد المختار وكان ابنه هو الذي قبض على مولى البصرة المشهور:فيروز حسين الذي استمر في المقاومة في خراسان بعد هزيمة ابن الاشعث وقدمه للحجاج الذي عذبه حتى الموت. (1/137)
صفحة 138
منذ ذلك الحين اصبح التاريخ العماني ليس بيد القبائل بانفسهم بل بين ايدي اسرة المهلب سواءا في حياته او بعد موته في سنة 82هـ/702م، وتولي ابنه اليزيد وبارتفاعهم في سلالم السلطة تزيد مخاطر سقوطهم وبذلك ندخل في ميدان تاريخ الاحداث ونختصر الرواية بطريقة معروفة وتحليل اعمق يدهب ابعد من اهتمامنا بل ويتطلب خبرة في الفترة المذكورة التي ليست لدينا ورغم ذلك حتى نفهم لماذا يمكن للاقدار ان ترفع الى العلى وتنزل الى الحضيض بهذه السرعة علينا ان نسال السؤال المهم التي تعطينا السياق العام لهذه الخصوصيات.
هل الأمر يتعلق بدولة فوق القبيلة؟ ان نوع التارجحات في الحظ التي رايناها كعوامل مهمة في الدولة الاموية يمكن فهمها لو كانت من تاثير ملك متسلط يتحكم في دولة مركزية بيروقراطية وجيش منظم ومن الواضح انه لم يكن الأمر كذلك في الجزء الشرقي من الامبراطورية التي تهمنا فالسلطة المركزية كانت منذ البداية امام التحديات تاريخ فترة هو تاريخ مستمر للفتنة فابو بكر كان عليه مواجهة حروب الردة وعمر تم قتله وعثمان وعلي قاوما الحرب الاهلية والامويون كانوا امام تحدي الزبير كما ان الخوارج شكلت تهديدات جدية للنظام الحاكم كما كان تمرد المختار الذي تبع تمرد الاشعث وقتيبة بن مسلم ويزيد بن المهلب اذن فالادارة كانت بدائية واساسا في ايدي المزالي والسجلات باللغة الفارسية والجيش كان نوعا من الجيش الشعبي تشكل من المقاتلة الذين كانوا مجموعة تستغل حشود الفلاحين في الاراضي المستولى عليها. (1/138)
صفحة 139
فما الذي كان يوحد هذه الامبراطورية؟ المؤكد ان تلك التمردات لم تضعف الامبراطورية فالاقاليم فقدت بل تحصل الاحداث ويختفي الشخوص وتبدا القصة من جديد بدون تغيير باستثناء اسماء الفاعلين. هل كان الاسلام هو القوة الموحدة؟ ان الخلافة بكل تاكيد لم تكن نظاما دينيا والمظاهر الوحيدة لنظام الدولة الاسلامية باستثناء الدعاء للخليفة في خطبة الجمعة كان في ما يشابه النشيد الوطني هو الحج فبعد ايام الردة لم تصبح الزكاة مشكلة بل ان الحج هو الظاهرة الجماعية العمومية الوحيدة من ضمن واجبات الجماعات الاسلامية بصفة عامة ومن المفيد ان الطبري يختتم دراسته عن احداث السنة بشيئين بقائمة عمال الاقاليم وزعيم الحج فتلك الهجرة السنوية الكبرى كانت تجمع عناصر الامة من مجموع العالم الاسلامي كما سنرى كانت كذلك فرصة للمؤامرات كما ان الحج كان من الفرائض التي لم يمكن لاي خليفة ان يوقفها وباستثناء الفوض الاساسية للدين الاسلامي وقائمة من الأمر والنهي كانت القاعدة المؤسساتية للاسلام بدائية صحيح ان هنالك كتاب الله رغم ان حتى هذا الأمر سيراجعه الحجاج الا ان سنة نبيه كانت تعني تقريبا ما يعني بها مستخدمها أي أنها عبارة تستخدم في غالب الاحيان لرفض السلطة المركزية ولم تكن مرادفة للقواعد حسب ما جاء في الحديث عن سيرة النبي هذا العلم ما زال في مهده حتى في العصر الاموي (المرجع34) اذن لم تكن هنالك شريعة والقوانين الشرعية ومؤسساتها كانت مازالت في اطار البناء الفصل 4ص15 (1/139)
صفحة 140
اذن هل كان وضع الخليفة وعماله في الاقاليم هم الذين كانوا يوحدون شمل الإمبراطورية؟إن زعامة الدولة قد استولى عليها قريش باستثناء شخص الرسول نفسه لم هنالك شيء يجعل من قريش اكثر شانا من العرب الاخرين رغم انهم اشاعوا صيغة الافاضل على لسان امثال الجاحظ وكان هنالك اجماع على ان قريش حصلت على نوع من الشرف المميز وكان من الطبيعي انه بعد وفاة الرسول كان خليفته يجب ان يكون من الدائرة القريبة منه أي من آل البيت بالنسبة للشيعة كان ذلك يعني ذرية علي ولكن بالنسبة لباقي المسلمين كانت ادعاءات الاعضاء المنتمين للعائلة الدائرة الاسرية البعيدة او من الاتباع مثل بني امية او المتمرد على الخليفة ابن الزبير كانت كلها مرتبطة بالامور السياسية وليس بالامارة فبخصوص السلطة الاموية فرضت بالقوة وقبلت كذلك باستثناء الخوارج الذين لم يعترفوا باي سبق للامامة بعد صفين ورفضوا عنهم القبول قائلين بان اقرباء النبي وقريش فرضوا انفسهم بصفتهم عائلة اسياد بالمعنى القبلي للصيغة ولم يكن ذلك مبنيا على خصائصهم الفردية بالتأكيد أن الخلافة الأموية كانت لها قوة فعلية امير في الشام الذي كان على كل حال مركزا لسلطة الأمويين ولكن في العراق وبقية الدولة الساسانية كانت السلطة المركزية تبدو أنها انطلقت من سلطة عمال الأقاليم المعينين هذا ما يبرر اهتمام الطبري بتعيينهم كل سنة ولكن ما هي تفاصيل سلطتهم إذا استثنينا القسوة؟ فالأفراد قد تكون لهم نوع من الحماية المقربة ويفرضون نوعا من الأمن عبر نظام الشرطة أما الحكام أنفسهم فكانوا اقرب ما يكونون لهيكل القبلي في البداية الدولة الإسلامية وكانوا يتحكمون عبر تعييناتهم وعبر توزيع الغنائم من الديوان وهذا النظام بتوزيع المناصب والغنائم كان مبنيا على الولاء. حينما تكون سلطتهم محل الشك لم يبقى إلا الهروب والعودة مرة ثانية إلى دمشق أو الاتجاه الى قبائل معينة كما راينا بالنسبة لزياد وابنه عبيدالله (1/140)
صفحة 141
فسلطتهم تاتي من التحكم في النظام القبلي في حد ذاته والابقاء على دعم الاشراف المتمسكين بامتيازاتهم التي حصلوا عليها عبر الغزو.
اليمان ونزار.
الا ان اللعبة تغيرت بعد الملك بن مروان سنة 65 الى 86هـ/705م، تغيرت بعد ان فرض الملك بن مروان نفسه وعالج مشكلة الزبير وعين الحجاج الذي كان يبلغ 33 سنة في العراق سنة 75هـ/694م، هذا لا غير فالسلطة المركزية في الأقاليم كانت أساسا تحقق عبر موازنات بين الأضداد فكروك الباحث في تحليله للمناصب الموزعة من قبل الخلفاء خلال نقده لنظرية شابان بين على أن الأمويين في الفترة المروانية كانوا اعدل في توزيع المناصب بين قيس ومضر واليمن أكثر مما كان يفهم عامة رغم أن التوازن كان غير واضح عندما يتمحص المرء الجناح الغربي للإمبراطورية ومقارنتها مع الجناح الشرقي فهذه المنطقة الشرقية هي التي تهمنا وهنا لم تكن أي قبيلة متواجدة موالية للأمويين فتميم قد تكون من مضر ولكن نظرا لولائها لعلي فلم تكن لتحصل على دعم حكام دمشق إذن فالسر هو الإبقاء على التوتر بين مجموعات القبائل فتميم كانت تعرف مواجهة ربيعة كيف تتعامل مع الامور كذلك في العراق وخراسان كانت هنالك توترات مستمرة وتوازن معين فاذا أخذنا الفترة المشهورة في السنة 96هـ في خراسان وهي السنة التي مات فيها الوليد وكان تسعة آلاف اهل العادية وعشرة آلاف تميم وسبعة آلاف بكر بن وائل واربعة آلاف عبدالقيس وعشرة آلاف ازد المقاتلة من البصرة في خراسان اضافة الى ذلك كانت هنالك سبعة آلاف من الكوفة وسبعة آلاف من الموالي (أنظر المرجع35) فباستثناء المجموعتين الاخيرتين كانت هنالك توزيعا متوازيا بين مضر واليمن كما في البصرة كذلك مع تحالف الاولين وتحالف معظم ربيعة مع ازد فالتوتر بدا من ان المهلب العامل وهو حاكم يميل نحو تحالف الأزد اذن فالحجاج لم يكن يحتاج الى قوة كبيرة للتحكم في الوضع الى ان قام الاشعث بالتمرد. (1/141)
صفحة 142
في البداية الحجاج الذي كان آنذاك عاملا على العراق كان بحاجة الى المهلب الذي كان بصدد انهاء ثورة الخوارج وبعد القيام بذلك في سنة 77هـ، كان هو الذي تم تعيينه على خراسان بعد ولكن بعد فترة قليلة اصبح الحجاج الحاكم الاعلى لشرق الامبراطورية فترك المهلب في خراسان وبعث ابن الاشعث مع جيشه المشهور لمعالجة سجستان. ليس هذا هو المكان لتحليل ثورة الزعيم الكندي الا ان التهديد المباشر للعراق تم توقيفه فقط عندما جاء الحجاج بجيش سوري ورفض الاشعث الشروط المقترحة وحصل هذا في نفس السنة التي توفي فيها المهلب سنة 83هـ/701م، آنذاك تمكن الحجاج من بداية مركز سلطته في وسيط ما بين البصرة والكوفة بثكنة جيوش السورية وبدا يدخل في خراسان مع جيوش الموالي أما التشكيل الدقيق في الجيوش السورية فلم يكن واضحا حسب ما حصل في مرج الرهيب كانوا اساسيا من القبائل غير الصديقة لليمن خصوصا من العراق وكما بين الباحث كرون بعد تكسير شوكة اليزيد جميع العمال المحليون كانوا من قيس ومضر (المرجع36) الا ان دور السوريين لا يجب ان يضخم فكانوا اساسا قوة موازنة فالسياسة الجوهرية بقيت هي هي أي تسد آنذاك طلبات اليزيد بمساهمة عراقية اكبر في السلطة المركزي واخلاء الجيوش السورية ولا تطبق سياسة الحجاج على العراقيين فكرون في المرجع37 يفسر هذا على انه مصلحة انتهازية للقضية العراقية وفي رايي كان ذلك إعادة فرض الأسبقية اليمانية ولم يكن ذلك مقبولا لدى اليزيد لان أباه كان داعما لابن الأشعث فلو توحد زعيمي الحرب اليمانيان لقضي على سلطة الحكم السوري في الشرق وكما حصل تم دربهما واحدا تلو الآخر. (1/142)
صفحة 143
فالإبقاء على التوازن بين اليمن ومضر بصفة عامة كان يفترض إنشاء تحالف أوسع لشروط من الناحية القبلية فهوية اليمن جنوب الجزيرة العربية كما تبين لها جذور عميقة رغم أنها لم تكن تعمل دائما كوحدة موحدة كما تبين العلاقات ما بين ابن الأشعث وابن المهلب والى حدود معينة هذا الفقدان الدعم لبعضهما يبين كذلك الاختلاف في حظوظ قبائل اليمن في ظروف الكوفة والبصرة إلا أن اليمن كانت وحدة سابقة الوجود ولا شك أنها تم تضخيمها من قبل النسابين السوريين من قضاعة بعد مرج الرهيب وكانت تراجعا واضحا لهذه المجموعة أنها لم تخدع أحدا إلا غير العارفين للأنساب القبلية العربية الذين لايعرفون أساس هيكل اليمن ويستخدمون هوية جنوب الجزيرة العربية بالتساهل فنزار على عكس ذلك تطورت بتزايد فالهوية العربية الشمالية استمرت من اساس في معد للتوسع في انسابها المفروضة سالفا ولاحقا والتي تشمل عدنان ونزار وبذلك شكلت هوية اسدية اوسع لاهداف اليمن وتلك العداوات هي التي ستلعب دورا جوهريا في تاريخ الأزد والمهلبين وعمان بصفة عامة.
المهالبة (1/143)
صفحة 144
ان سمعة المهلب كانت شاسعة سواءا لدى اعدائه او حلفائه وهذا كان واضحا من كون الاحنف كان سباقا الى ادخال تميم في الزعامة. وكما نؤكد على ذلك ثانية كان زعيما عسكريا وليس زعيما من اشراف القبيلة من الصحيح كذلك انه كان يجند جيشه خصوصا من ازد عمان وبذلك يزيد من دعم الأزد الذين ارسلوا الى خراسان من قبل زياد بن ابيه اذن فكان بفضل المهلب ورعايته بالأزد ان العمانيين وصلوا الى ما وصلوا اليه من شرف فيزيد تولى بعد ابيه وكان شخصا اسهل للتعاطي مع الحجاج خصوصا لان وذلك لشخصيته وكذلك للظروف التي تغيرت ايا كانت الحقيقة في الرواية المسرودة في المصادر الكلاسيكية والتي تقول على ان الحجاج قال له العرافون ان رجلا اسمه يزيد سياخذ مكانه ولم يكن في نظرنا ذلك الشيء الجوهري في علاقتهما، ففي سيرة العوتبي الطويلة عن يزيد ليس هنالك مرجع واحد يذكر هذه القصة وسبب العداوة من الواضح انه كان الغيرة من سلطة المهلبين فبعد المراحل الاخيرة من ثورة الاشعث ومعالجتها جزئيا بمساعدة يزيد لم يعبا هذا الاخير بدعوات المجيء الى وسيط وفي النهاية تمكن الحجاج من اقناع عبد الملك من انهاء تعيينه مع اخرين من عائلته كانوا يحتلون مراكز الحكم وقد سجن وعذب ونزعت املاكه وفي خراسان تم تعيين قتيبة بن مسلم مكانه وهو من قبيلة مضر بهيلة وتحت الوليد الذي تولى بعد عبد الملك سنة 86 الى 96هـ/705 الى 715م، كان الحجاج حر اليدين وخصوصا لان الخليفة الجديد كان ممتنا له على مكانته ودعمه وبعد سجن يزيد وتكسير سلطة عائلته بدا بحملة تشنيع للازد مستخدما قواد الجيش العاملين تحت المهلب سابقا وهم الخيار بن صبرة ابن دويب المجاشعي واصر على الحد من توسع سلطته في عمان التي اصبحت ملجئا للمتمردين وبعد عدة هجمات غير ناجحة وظف قوة ضاربة من القبائل المعادية قوامها اربعون الف رجل تحت قيادة رجل اسمه المازني ثم حد من حركة زعمائهم في البصرة من المساعدة للعمانيين وعن (1/144)
صفحة 145
طريق هجمات متتالية من شواطئ الباطنة ومن الجانب الاخر من جبل الجلفار نزح في احتلال المنطقة وتعيين عامل عليها وهو الخائن الخيار ونظرا الى ان عمان كان من الضروري القضاء عليها وعدا هذه المعطيات لا نجد لها اثرا في المصادر المحلية(أنظر المرجع38) الحجاج تمكن من استخدامها كمنطقة لابعاد المعارضين للنظام الذين كان من بينهم الزعيم الاباضي ابو شعثة جابر بن زيد الذي كان من قبيلة أل يحمد واحد من اتباعه هبيرة حسب المصادر الاباضية (المرجع39).
وحصل تغير مفاجئ في هذه الوضعية مع وفاة الوليد بشهور بعد وفاة الحجاج وكما راينا فان يزيد هرب من السجن مع اخيه غير الشقيق المفضل في سنة 90هـ 709م، والتجا الى الأزد في فلسطين لدى راع او حام له وهو عامل الإقليم وهو سليمان الاخ الاصغر للوليد الذي اقنع الخليفة ان يمنحه الامان من الحجاج وكان سليمان الذي كان كذلك يكره الحجاج هو الذي تولى الملك فمرة اخرى نرى الاوضاع تذهب في عكس مجراها السابق فتم تعيين يزيد على العراق واضيف اليها خراسان في موجة كراهية ضد النظام السابق ادى ثمنها اسرة الحجاج. فالثار اخذ كذلك في عمان فبعد وفاة الحجاج في السنة الهجرية 95، تم تاكيد تعيين خيار في عمان نع بعض الترتيبات التي اتخدها الحجاج بتولي الحكم في العراق ومن ضمن هذه كان كاتبه السابق اليزيد بن ابي مسلم كان ليبقى موظفا او مسئولا وقد ارسل اليه رجل اسمه سيف بن هاني الحمداني كجامع ضرائب في عمان (1/145)
صفحة 146
و كان رد فعل الأول لسليمان بعد أن أصبح خليفة هوخلع الولاة الذين عينهم سابقوه فقام بتعيين صالح ابن عبد الرحمان ابن قيس الليثي أي قائد الجيش الذي بعثه مصعب ابن الزبير للقضاء على إمارة الخوارج ومؤسسها نجدة الحنفي في الجزيرة العربية والذي هزمه وقام بتعيين ذلك القائد العسكري عاملا على إقليم عمان ولكن قبل البدي في عمله غير الخليفة رأيه وتم تعيين صالح في جمع الضرائب في العراق فلما أصبح يزيد عاملا طلب من صالح البقاء في تلك المهمة غير الشعبية وكتب لسيف الحمداني في عمان يأمره بإقالة خيار وانتظار أخيه زيد بن المؤلف فلما وصل زيد أو زياد قام بكل ما يمكنه لتلطيخ سمعة العامل المقال وفيما بعد وبعد حصوله على أوامر من يزيد قام بقتله المرجع أربعين فرغم انه كان كثير الشعبية لذى الجنود فان قيام اليزيد بالانتقام القاسي قلب ضده الكثير ونتيجة ذلك إن بعضا من حلفائه في البصرة لم يهبوا لمساعدته فبعد الموت المفاجئ لسليمان وذلك بعد سنتين تقريبا تلاه في الحكم بطريقة مفاجئة عمر ابن عبد العزيز أي عمر الثاني وذلك في سنة 99هـ إلى 101 الموافق ل 719 / 720م الذي هو أخ ابن عبد الملك فتم القبض على يزيد لأنه استولى على غنائم خلال فتوحاته لمشرق فارس رغم انه لم يعذب ومنح منصبه لارضعات الخزاري وقرر عدي أن يتخذ سياسة صارمة فعين عدة عمال في منطقة حيدوب لجأ زياد مع قبائل يمانية فإلى أي حد ذهب عدي في الاستجابة لعمر ليس واضحا لدينا إلا ان العمايين اشتكوا منه انه اعتمد سياسة مهادنة مما جعله يقال لعدم استخدامه الحكيم لاموال الزكاة التي كان الغرض منها هي البلدان الاخرى وليس العراق المرجع 41 فقال عماله ووضع عمر بن عبد الله بن ابي سبحة الانصاري في منصب الحكم واعطوه اوامر بان يتفق مع زعماء البلاد حول تجميع الزكاة وبعد ضمانات اعطيت للطرفين ان الضرائب ستجمع وتوزع بطريقة عادلة عادت الحامية العسكرية واستمر الانصاري في الحكم كما (1/146)
صفحة 147
كان ذلك معمولا به في زمن خلفاء الراشدين فاصلاحات الأنصاري كانت مقبولة جدا وعندما توفي عمر عاد زمام الحكم لزياد قائلا ان البلاد هو حكمه فبقي زياد في شدة الحكم الى عهد العباسيين في نفس الوقت هرب يزيد من السجن وتفاوض مع حاكم البصرة عندما توفي عمر وتلاه يزيد الا ان عبد المالك كان ضد اليمن واشهر يزيد تمرده ضد عبد الملك واحتل البصرة وجز بالسجن حاكمها وفي خريف نفس السنة قام جيشه المكون اساسا من قبائل الأزد في حرب الاخير ومات يزيد في ساحة وفي خريف نفس السنة قام جيش يزيد بتمرد ضد الخليفة الذي هزمه ومات يزيد في ساحة الوغا بدران. .. .. .. .. .. .. .. .. ومن ذلك العهد الكثير من العمانيين عادوا الى بلادهم حيث كان زياد حاكما وهرب اعضاء آخرون من اسرة المهلب من العراق اولا الى الشواطئ الجنوبية من الخليج الذي كان مايزال بها حكام متعاطفون معهم ونظموا المقاومة من تربان الا ان قبائل التائرة مطالبة بالتأر هزمتهم ورجعوا الى المناطق النائية في البلاد وانتهت شعلة التمرد في القندبيل وصارت القبائل المعادية التي انتصرت عليهم تنشد ان نيران المأزون قد خمدت حاولوا اشعال ثورة ولكنها خمدت ولم يبقى من المهلب جندي تقريبا هي هذه القصيدة الشعرية. الواقع انها لم تكن تلك هي نهاية اسرة المهلب وبل كانت نهاية ارتباطهم بعمان ومنذ ذلك الحين اصبح الاسد والعمانيين في خصام مع الخلافة الاموية وبدأ بذلك تغيير نحو المعارضة الايديلوجية أو ما يسمى بالحركة الاباضية ص19.
الفصل الخامس :
أصول الاباضية : (1/147)
صفحة 148
ان الاباضية هي مدرسة اسلامية تطورت اساسا في محيط البصرة وقد كانت كذلك حركة برزت من ازمة بين الخوارج بعد وفات يزيد ابن معاوية فحسب الرواية التاريخية العامة مرجع 1 كان اسم ابن اباض الذي اعطى التسمية للحركة كان من ضمن الخوارج الذين ذهبوا تحت زعامة نافع ابن الازرق لمساعدة ابن الزبير الذي كان محاصرا في مكة وبعد رفع الحصار عن مكة رفض ابن الزبير قبول حكمهم على عثمان وعادوا الى البصرة حيث كما رأينا كانت تعيش قلاقل سنة 64هـ تمكن الازارق من تاسيس امارة في اهواز مهددين بذلك المدينة وتم القضاء عليهم على يد المهلب ابن ابي سفرة وهناك مدرستين خارجيتين اخرتين تطورت في رد فعل الموافق الازرقية المتطرفة واكثرها اعتدالا كانت معروفا باسم الايباضية فاولائك الذين كانوا على موقف وسط كانوا يسمون بالسفرية. (1/148)
صفحة 149
لنقبل هذا التاريخ كنقطة انطلاق لظهور ما سوف يسمى بعد ذلك بالايباضية فاذا قبلنا ان اول ظهور للإمامة الايباضبية أي امامة طالب الحق حصلت حوالي 128/129هـ آنذاك يمكن ان نقول ان الايباضية برزت قبل نصف من بداية الجماعة الاسلامية والظهور الاول للدولة السياسية الايباضية فعدد 120سنة تقريبا هو المعروف بانه يطال أربع اجيال فمثلا في تاريخ اسرة المهلب تغطي فترة الاب المؤسس أبي سفرة المهلب وابنه الذي قام بثورة المشهورة والذي شهد سلطة الأزد تهشم ثم ابنائه ومن هؤلاء نسجل في العهد الاموي المتؤخر فيما يسمى بحرب الاهلية الثالثة خصوصا عبد الرحمان الذي التحق بتمرد عبد الله ابن معاوية فرغم ان هذا يتطابق مع الفترة التي اسس فيها طالب الحق امارة الحرمين بين الطبقة المهلبية الرابعة ومن تلاها كان لها قليل او لا شيء من العلاقة مع عمان او البغضية بل كانوا مستقلون في امورهم بالنسبة للايباضيين الرواية المختصرة للأجيال الاربعة التي تمثل الاستمرارية في الحركة من الاصول الاسلامية هي كالتالي ابن عباس جابر ابن زيد ابو عبيد مسلم ابن ابي كريمة ربيع ابن حبيب الفراهبدي. (1/149)
صفحة 150
ومن هذا المنظور شكلت اربع طبقات تشكلت في معظمها دورة خلدونية بطبقة نهائية تنتهي ببداية عائلة مالكة تالية ابو حمزة ابن مختار بن عون بجماعة شبابه الايباضيين احتل الحرمين في سنة 125هـ مقررا ان يعود بهما الى الخلافة عهد الاسلام الاولية الا ان ذلك كان حلما مستحيلا بالنسبة للنظام السياسي الاسلامي الذي ابتدى بالفعل كنظام قبلي محدود وكما قال ابن خلدون نظام بدو او بدايات بدوية في مكة والمدينة ولكنها اصبحت بحلول سنة الهجرية 129 امبراطورية شاسعة من اسيا الى شمال افريقيا واسبانيا مدمجة في العملية ثلاثة مراكز حضارية تقليدية وهي الامبراطورية الفارسية ومصر وجزء من بلاد الروم وهي العالم البزنطي وكانت المنتوجات الفلاحية والزراعية لهذه المناطق شكلت الفيئة او الصوافي للإمبراطورية الجديدة وحكامها العرب وبتضائل امكانية التوسع اصبح دو اهمية في هذه البلاد ان تستمر وتتوسع من تمكينها من التجارة وبالأنظمة المحلية او الاقليمية وهذا يؤكد طبيعة العلاقات بين العرب والهيكلة الثلاثية للنظام الاجتماعي الذي ميز المجتمعات لهذه الامبراطوريات المحتلة ففي حالة الامبراطورية الساسانية قامت الطبقة من الفلاحين المنتجين وهما الاعلوج اهل البلاد (وغيرها من الطبقات) وكذلك طبقة من العسكر والاداريين وهما الاساورة والدهاقين والمرازبة ونخبة من الطبقة الدينية والسياسية في الاسرة الساسانية واسرة رجال الدين كانوت من وجهة نظر الانتاج الزراعي المشكل الاساسي هو الاعتناق الديني الجديد بالنسبة للفلاحين على الارض المتشبتين بالارض وحريتهم الشخصية فالحل الحجاجي كان هو النظام الضريبي او الخراج الذي اتبع نظام الارض وليس الشخص قانون الارض وليس قانون الفرد بذلك بقي مرتبطا بقريته رغم انه قد اعتنق الدين الاسلامي وعلى المستوى العسكري والاداري اطرح مشكل وضع الموالي فلم يكن الامر يتعلق بتدبير ليس الامر كان يتعلق بان التدبير بقي في ايادي تلك (1/150)
صفحة 151
الطبقة الا ان ادماجها اصبح يهدد هوية العرب بانفسهم فتغيير البعد الجهوي من فارس الى الروم من الامبراطورية الفارسية الى الرومية حصل للعرب ان اصبحوا مهددين بالحضارة واعتمدوا قيام المدينة واصبحوا بذلك متحضرين من النخب الحضارية تعيش بطريقة طفيلية على ظهر المناطق الفلاحية بعبارة اخرى لقد تم امتصاصهم من قبل نظام اجتماعي سياسي غريب.
و بذلك فانهم دخلوا في فترة ازمة هوية فكانت هنالك ثلاثة اشياء جعلت العرب يستمرون في سيادتهم هم الذين قاموا بالغزو واستخدمت كميات كثيرة من المذاد لتفسير لماذا كانوا منت الناجحين بالنسبة للعرب كان الجواب بسيطا لانهم كانوا مسلمين فانهم كانوا الاول الذين استجابوا لدعوة الاسلام وهم الذين حاربوا لتأسيس الدين الحنيف والاسلام نزل وحيا على النبي بلغة العرب والقرآن هو اساسا دليلهم العلامي او دليلهم الشامل هو بالنسبة للايباضيين بقي كذلك الا ان كثيرا من الاسياء لم تكن بهذا الوضوح لحد الآن الامور واضحة الشيء الذي ليس واضحا هي ان زعامة الدولة يجب ان تبقى تحت السيطرة العربية الخالصة الغير مشوبة وهذا ضمان ان معظم الحروب كانت مركزة على سلالة النبي فبالنسبة للايباضيين ان موضوع الزعامة في الدولة الاسلامية ووضع الموالي بقي مشكلا لزمن طويل لتوضيح ذلك باختصار ان احدى ارتسامات في الحركة الايباضية كانت من قبل الطريفية فعبد الله بن طريف كان صديقا لعبد الله بن يحيى طالب الحق فلما اقترح عليه الزواج من ابنته وقعت بينهما الاختلاف العرقي نظرا لكون الاول مولا بينما طالب الحق كان من العرب ومن ذلك انطلق الانقسام فالفقهاء الذين كتبوا عن هذا لامام الصوت لابن مالك الخروسي اليحمدي الأزدي في نهاية القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي كان بامكانهم ان يطوفوا كذلك ان طالب الحق من كندة من اشراف العرب فشرف القبلي كان كذلك جزءا من مواضيع الهوية العربية بالنسبة للعمانيين الموضوع كان قد تم حله فلم (1/151)
صفحة 152
تمر الامامة من ايدي نخبة الفروع القبلية بزعامة ازد الا ان ما حصل في الاراضي الامازيغية ان الامامة الوحيدة التي حصلت كانت على ايدي عائلة ملكية ساسانية.
اذن متى بدأت الحركة الايباضية في التطور؟ وهل كان ذلك في مجتمع يمر من فترة انتقالية مازال اساسا مجتمعا قبليا في عقليته ولكنه في تطور نحو السلطة الملكية المرتبطة بنظام عسكري وادارة بيروقراطية فالعرب واتباعهم المباشرون كانوا مازالوا مجتمعا عنيفا يعيشون باستمرار في حالة فتنة وكانوا غير اخلاقيين وغير متواضعين في ملاحقتهم للثراء والسلطة بانانية مبنية على معاني الشرف وايديولوجية في مصلحة الطبقة المقاتلة وكانت الغنيمة وسبي العدو بمثابة مكافئة المقاتل بل حتى الصلح كان غالبا مبني على مساهمة في شكل آلاء الرقيق. جميع المجتمعات قد سبق لها ان تمتعت بفيء الحرث وهذا ليس في حد ذاته مشكلا رغم ان هنالك تحسينات على المبادئ الاسلامية الاساسية التي هي في حاجة الى تفصير طالما انه واضح ان هذه القواعيد والقوانين لم تكن تطبق عندما يحارب المسلم المسلم المشكل في الجوهر هو من يحصل على ماذا والاتهامات المتعلقة بوضعية على غير حق والسؤال المطروح هنا كما رأينا هل كان السبق للاعتبارات الاسلامية او القبلية (هل للسابقة او للاسرار) وهل للاعتبارات السياسية والقبلية أثر على تعيينات وتوزيع الثروات من جهة اخرى هذا التدرب في المصالح كان جوهريا هو اساس الاختلاف الهوري بيد ان النزاعات القبلية اصبحت تدريجيا تترجم بتعبيرات تاريخية شديدة بالملامح الاسطورية بفارق مابين عربي شمالي وعربي جنوبي أي ما بين وزارة واليمن على انه كما رأينا هذا التقاطن كان يعكس الى حد كبير التجارب المختلفة جدا ما بين العرب والممالك المرتبطة معهم في الجزيرة العربية في حدها وعلى كوابس الامبراطوريات السياسية ما قبل الاسلامية وبمزيد من التعقيد على الامر كانت الجماعة الاسلامية لم تطور بعد أي نظرية (1/152)
صفحة 153
سياسية متماسكة عن الزعامة في الدولة فالنظر المبني على الوقائع واستنتاج الخلاصات من التجربة المحدودة لخلافة اربعة من الخلافاء الراشدين منهم كانوا فعلا راشدين خلال زمن حكمهم وهي تجربة اصبحت سابقة من قبل الاطراف دوي المصلحة سواء منهم الامويون او الزبيريون او الشيعة وليست باختلاف كبير عن هذه الاشكالات الخلافية كانت هنالك سبع انصار جغرافية سياسية قررها عمر في الدولة الاسلامية بين انها كانت سببا في بحثنا وهي البصرة والبحرين عمان أي الخليج يمكن اضافة الكوفة اليها بالنسبة للهواري بصفة عامة فالقوة الموحدة الوحيدة التي تجمع هذه الامبراطورية ال. .. .. .. . كان هو خطاب الاسلام نفسه وهذا بالتحديد اصبح هو المشكل الاساسي فماذا يكون هذا الخطاب. (1/153)
صفحة 154
في الجماعة الايباضية الناشئة اذا اعتبرنا انها كانت متواجدة كان عليها ان تقرر ما كلن مقربا بالسنوات الاربع وستين التي سبقت على تشكيلها فمن جهة كان هنالك المشكل الاساسي المرتبط بالتاويل الاسس الاربعة للقرآن والامور المتعلقة بسنة النبي. من جهة اخرى الى أي حد كانت الزعامات السياسية متشبتة بهذه الاصول فماذا عن عثمان والزبير وعائشة وطلحة وماذا عن علي فالخوارج كان اساسا موضوعا مطروحا في الكوفيين في البداية ولكن الاستقلال الذاتي ابتعادا عن الحبيبة الجائر كانت مشكلة اوسع فالبصرة كان لها صيغتها المنفردة في المجال الخارجي انطلاقا من تمرد العماني للريت الرشيد ناجي استقل بجماعته ورفد اختيار علي ولكن هل فعل ذلك للسبب المقول اذ كان هنالك الكثيرون رفضوا علي كذلك ولكن لاسباب غير مقبولة على كل حال هل كان التمرد حلا مقبولا في حد ذاته هذا بطبيعة هل يطرح موضوع الهجرة وهي من تقاليد القديمة في المجتمعات العربية نجد القبائلة الغير الراضية تنتقل بفوضى لطاعة نفسها في منطقة يكون فيها الحكم متطابقا مع تاويلهم للاقتصاد الاخلاقي مع ما ينتج عن ذلك من فقدان الوجه والعين بالنسبة للحاكم للمنطقة التي هجروها في حالة الاسلام هل كانت هنالك هجرة واحدة اذا كان الامر كذلك فماهي الانصار فالهجرة الى الكوفة والتواج والبصرة الخ كانت مقبولة بالفعل انها كانت مراكز حضرية من مكة والمدينة ومراكز مهمة في المناطق المحتلة عل ان عمر حدد كذلك البحرين وعمان كمصر وتلك كانت منطقة شاسعة بدون ما يمكن ان يسمى عاصمة مركزية بالنسبة للخوارج الموضوع الاساس بعد السنة الهجرية 64 هي ما اذا كان الخروج تبث الشيء فالايباضيون كانوا متأكدين من ان الامر ليس كذلك فاي كانت ادلة العلماء لاستخلاص من الوثائق الموجودة آنذاك بخصوص مبدأ الهجرة وعلاقته بالحديث يبدو من الواضح جدا ان هذا الموضوع كان اساسيا منذ البداية وتمت مناقشته في ظروف شديدة التعدد غير (1/154)
صفحة 155
تلك التي تم تسجيلها في الروايات وهي ظروف كانت تخص البدو واعادة البدونة أي كانوا اعرابا او اذا كان على الاعراب ان يقوموا بالهجرة الى مصر وبعد ذلك تحت حكم عثمان على ما يبدو كانت المحاولة هي لاخراجهم من هذا المبدأ هو انهم لا يجب ان يشتركوا في الامكانات المتقدسة في النفقات بيت المال أنظر المرجع الثاني. وكان ظاهرا ومن الظاهر انه موضوع ارق النضاليين كثيرا كما تبين كتاباتهم اعتمد عليها سليم ابن ضهكان بين تاريخ أزد مالك ابن الفهد قبائل بدو أزد ابن مالك ابن الفهد ووصولهم الى البصرة والدور الذي قاموا به في حملات المهلب وأن جيوش طالب الحق وابو حمزة. .. .. . كانوا من أجلاب الشباب (حفاة البدو) وبالتاكيد ان اول شخص كان ربما من البابيين الاول الحقيقيون كان هو همان القائد وكان من البدو العمانيين في الاصل. هنا كذلك نتشبت اتجاسر على اشكالية جدلية اخرى وهي تلك المتعلقة بالحديث فالحديث الذي يسرد سيرة النبي وجماعته كان جزءا لا يتجزأ عن الاسلام وهو مجموعة كبيرة من الاخبارات حول الرسول والجماعة الاسلامية الاولى كما ان تمت نبي الغير المحددة جيدا والمذكورة بالنصوص الخوارج وغير الخوارج على السواء استخدمت ضد الحكومات المركزية فلم يحصل الا فيما بعد ان القوم بدأوا يقولون وكيف تعلم هذا ومن قال هذا ثم كمنهجية التحديد وهذا التساؤل بالذات هو الذي آتى بضرورة ايجاد سلسلة من المهندسين الذي يبين تزايدا في المسائلة وبداية الشك في الحديث وهذا من جانبه يعني ان الاجيال السابقة كانت تقبل بما كان مطروحا للسؤال واصبح بذلك سؤالا حيويا بالنسبة للايباضيين الاول كما سنرى اذ اذا كان كل جيل قد ترك بصمته واثره على االرأس التوافق فيما يتعلق بالحلال والحرام فان المرك يرد على الشك والاسناد بعبارة انها كانت. .. .. .. .. .. .. وتجديدا فسواء اكانت تسمى الحديث او الاخبار او الرواية او السنة فتقارير عن ماذا قال الرسول وماذا فعله (1/155)
صفحة 156
وهي اشياء تعلمها المسلمون من بعضهم كما ان التقاليد المحلية عادت لاستخدام الحجز الذي كان موجودا ويمكن ان نكون متأكدين ان النبي تحدث عن اشياء قليلة كانت ذات الأهمية العشرية الاولى في الاسلام لم تكن بايعت السيف في جماعة قومهم بطريقة اخرى فمثال ذلك نجده في سيرة سالم ابن زكوان بالضبط في موضوع الهجرة حيث يقول ما سمعه من احد الصحابة او من حديث رسل الباهقات عنه بخصوصها وذلك من بعد برهان، 3 وعوض النظر في هذا الاستنتاج المحتمل دون ان ندخل في جدل علمي عميق حول ما تم تسجيله فيما بعد وخصوصا المتعلق بالظروف التي اعطت تنوعات واختلافات في الحديث يمكن المجادلة بان هذا التقرير بشكل او آخر ايا كان التأريخ سليم كان من الاشياء الموجودة في الجماعة الاسلامية منذ الازمنة الاولى ومعروف لذى الخوارزم فما هو الشك الذي كان موجودا عليه بالضبط هذا سؤال مختلف. (1/156)
صفحة 157
مرة ثانية اذا كان ابن عباد او أي من الذي كتب الرسالة التالية أنظر الوثيقة أب2 مهاجم الشيعة لاخذ دينهم عن الحديث بين الكاذب يذهب على الخصوص انهم كانوا يعتزلون بصلتهم المباشرة والخاصة بشخص النبي ويستخدمون ذلك بتقديم تقارير خاطئة الا انه قد يكون من المفاجئ جدا الى ان يتحدث علي عن معرفة وعاشه وسمعه كعضو من اسرة النبي وتلك التقارير في حد ذاتها لم تكون اساسا لعدم قبولها فالبابليون كان عليهم غربلة جميع المواد التي كانت تتردد في المجتمع وتحديد ما كان دكرى صحيح باعتبارها سنة النبي وكان بذلك مقبولة وغيرها وعلى اساس هذا التقدير يتم تحديد قوة الجماعة ف. .. .. .. .. .. . التي قد تكون مفاجئة في بعض الاحيان اذا كانت حركتها تاتي الى الوجود في السنة الهجرية 64 الا ان الارشاد الذي يقدمه بعض المراجع في كل جيل وقد تكون مفيدة وهناك عندما يكون التقرير يعود الامر لجيل اللاحق بعبارة اخرى فان سلسلة عن عندهم هي التي تسدد الاسناد باستثناء انها لم تكون تسمى اسنادا بل بشرا وهذا ما كان يعتبر مذهبهم أي ولائهم المعبر عنه بعبارة نسب اساسا من القرآن والكتاب مرجع أربعة وبعد ذلك في زمن. .. . كما صدر حصلت سلسلة على. .. .. .. .. .. . القبول متطابقة مع معايير ما اصبح يعتبر المذهب السني. .. .. .. .. .. . وحتى تصبح تلك القرارات مبنية على بديل باعتبار أنها جاءت في سلسلة تواسي الى المبيت أي ان المسند المفترض بربيع من حديد.
المرجئة : (1/157)
صفحة 158
اذن نعود بعد ذلك بالخصوص الى الوضع السائد حول التاريخ الذي يهمنا هو السنة الهجرية 64 عثمان وعلي عاشا قبل ربع قرن او اقصر الاهم في راي الكثيرين كانت الوضعية الرائدة آنذاك وبالتاكيد لم يكون هنالك مذهب متنامي فصار يقول الذين توقف عن مناقشة عثمان وعلي ونركز على الادعاء القوي للخلافة والعمال الذين يعينوه ولنترك الماضي بنفسه ولنتفق على ان نتفق ونرجأ القرار. فمذهب المرجئة تطور اساسا في الكوفة حيث نشأت الحركتين الثورتين الاخريين وهما المذهب الخارجي والمذهب الشيعي فمن الناحية السياسية كانوا كلهم متنافسة لكنها في نفس الوقت قد تكون متحالفة فهناك شيء واضح من رسالة سبيل ابن زكوان وهو من المرجئة الاول هو الذين لم يقبلوا بالسكوت ولم يكون في صالح تقارب مع السلطة المسيطرة بلكان ابعد ما يكون من ذلك على ان ما حاولوا فعله هو محاولة الابقاء على وحدة الجماعة المسلمين وهذا المجهود كان مركزا على تقاربه. .. .. .. .. . عبر ارجاء الراي حول الفتنة الاولى على بدأ انهم لم يعاينوا الاحداث لم يكون هنالك أي نزاع بخصوص الخليفتين الاولين على كونهما كانا راشدين ولكن كان الجدل بخصوص عثمان وعلي ورفضوا ان يكون لهم موقف في نزاع سابق ولم يرغبوا على اعطاء رايهم في ماذا سيكون مصيرهم في الاخرة. جميع المسلمين بالنسبة اليهم يجب ان يقبلوا على انهم مؤمنين حتى ان كانوا قد اقترفوا الذنوب بما ان التوبة والخلاص بيد الله وبذلك طرحوا امكانية التواب وهو راي كان يناقض المعتقد السائد بان هنالك توازيا تاما بين المذنبين في هذا العالم والحكم عليهم بجهنم من جهة ومن جهة ثانية اصحاب الصراط المستقيم الذين سيدهبون الى الجنة وهذا تم التطرق اليه في المذهب الايباضي تحت مبدأي الولاية والبراءة الا ان المشكل الاساسي هو ان مذهبهم الخاص بارجاء الحكم كان فعالا في بداية تشكيله لانه كان آنذاك من الاحياء لم يكون قادرا على ان يشهد على انحراف معاوية (1/158)
صفحة 159
الحكام الامويين الاول ومن الواح انه بتتالي الاجيال صار معيارهم بخصوص ارجاء الحكم على ماض مشكوك فيه كان ذلك بالضرورة اذا متروكا لموافق اولئك الامويين الاول وبذلك فانه مع استمرار الزمن اصبحوا ينظر اليهم على انهم يشكلون مدرسة السكوت عن المنكر التي قبلت بالامر الواقع ولم يكون هذا صحيحا خصوصا عندما كان سليم حيا يكتب على انه لم يجد صعوبة في اتهامهم بالتناقض بحكمهم على معاوية ومن تلاه رغم انهم ارجأوا حكمهم على سابقيه وهذا يعني ان سليما والمرجأة في زمانه كانوا من جيل لاحق على فترة الخلافة الاموية.
و رغم ذلك فان سليم منح حيزا كبيرا لجدله مع المرجأة مما يبين ان الامر لم يكون موضوع الفتنة الاولى التي حصلت بين المسلمين ففي البصرة حيث تجدرت الايباضية كانوا يدعمون عثمان وبقي بكل تاكيد الأزد داعمين للزبير وكان رفضهم لعلي متجدرا بينهم حتى من ضمن خوارج الكوفة المعتدلين فهل لم يكون هنالك شيء اساسي في مبدأ رجعية ارجاء الحكم التي شككت في الاساسي الذي بنت عليه المدرسة الايباضية وسنعود الى هذه النقطة بعد ان نكتشف كيف ومتى بدأت الايباضية حقا.
الانفصال : (1/159)
صفحة 160
اذا كان الخوارج كذلك يطرحون نفس السؤال حول الاوضاع السائدة فاذا كان النظام الراهن غير عادل ماذا يجب الفعل ازاءه هل يجب الانفصال او القبول به مضطرين او محاولة اصلاح شؤون الحكم هذا هو السؤال الذي كان مطروحا عليه فمذهب منهم كان يدعو الى مبدأ الشراء على منوال ما كانوا يفعلونه منذ نهروان الى ابي بلال مرداس ابن علية اما الآخرون يؤكدون على ان الاهم هو الابقاء على وحدة جماعة المسلمين اما بالنسبة للايباضيين الذين كانوا يؤمنون بفكرة الانفصال على الاقل نظريا فكانوا يترددون في تنفيدها لان ذلك الراي يحتمل ردين الانفصال وليس الهجرة عن حاكم الجائر قد تكون صحيحة ولكن اذا تمت فمالذي يبقى علاقة مع جماعة المسلمين الذين لم يتبعوهم وهذا مشكل طرح من اول مرة وبالحاح من قبل الازارقة الذين لم يظهروا الا في سنة 64هـ من تلك الزاوية فان انفصالهم كان منعرجا مهما في حركة الخوارج ورغم رفضهم بصفة عامة المرجعية الازرقية فان ذلك لا يستتبع بالضرورة القبول بعض الممارسات وخصوصا الاستعراض الذي سنتطرق اليه لاحقا التي صار الايباضيون ليعتبروها غير مقبولة رغم انهم مارسوها في بداية امرهم واعتبرت كممارسة مستقيمة وقد تكون استمرت حتى عندما اصبحوا بانفسهم اصحاب الدعوة.
العلاقات مع المسلمين الآخرين. (1/160)
صفحة 161
الذي لم يكون مقبولا من اساسه لدى الايباضية هو ان الازارقة كانوا يعتبرون جميع الذين لم يلتحقو بركبهم من المشركين فرسالة الفقهاء توضح بكل جلاء ان النافعي كان اصلا مع اناس عقلاء انه اخطأ الى درجة ان الكتب المرجعية الايباضية كانوا يعتبرون اللازارقة من ضمن المجموعات من الكفار مع جماعة الوهابيين في الازمنة اللاحقة وهذا نجده في رسالة الاولى لابن ايباض الذي يقول فيها ان الازارقة عندما تمردوا لاول مرة كانوا على الاسلام ولكنهم خرجوا عنه واصبحوا كفارا بعد ايمانهم بالنسبة للايباضيين الاول جميع اهل القبلة يشكلون قوما والذين يخالفونهم الراي هم من المنافقين ولذلك لم تطبق عليهم الغنيمة او السدل في الحرث وهذا يعني كذلك كما جاء في رسالة الحواري الى الحضرمي بخصوص صلاح اهل البغي والمبادئ الاساسية التي اسسها منذ البداية هي ان اهل القبلة وهذا مصطلح جاء مكان عبارة القوم في زمانه لا يجوز استرقاقهم او غزو لا يمكن الا اخذ التم من الفجار الذين لا يستجيبون للدعوة هكذا فان ديارهم لا يجوز سديها او احراقها سواء بعد الحرب او قبلها الخ ما جاء في الكلام اما الذين لا يستجيبون للدعوة ولم يحاربوها فان جزائهم يبقى على ذمة الآخرة ولذلك اصبحوا ما يسمى بالمشكل الايباضي او المسألة الايباضية وهي كالتالي (جميع الذين يموتون على الدين الايباضي يذهبون الى الجنة وجميع اولئك الذين يموتون في نزاع معهم يذهبون الى النار) فالمسألة قد طرحت في كتاب الجواهر لصاحبها احمد ابن عبد الله الكندي وهو صاحب كتاب المصنف المتوفي بدون شك في سنة 557هـ 1762 والتي ختمها بان الجواب الاساسي لذلك السؤال هو نعم الا ان الذي لا يعرف معتقاتلنا المصادر المشهورة حتى تلك التي جاءت مبكرا تتحدث عن كفر النعمة او (عدم الشكر لله) كمفهوم ابتعد عنه مؤسس الايباضية بنفسه ابعده عن بعض الخوارج الآخرين فالباحثان كرون وتبرمان مرجع ستة في ايطار تطويرهم لملاحظة كروك (1/161)
صفحة 162
قام بدراسة مفيدة لهذه النقطة واستنتج ان الايباضيين الاول كانوا يعملون في ايطار مبدأ النفاق فاول مرة تحدثوا فيها عن مبدأ الكفر بالنعمة جاء في رسالة خالد بن قحطان حوالي سنة 900 م وذلك ارتباطا بابليس الا ان الكاتب بعد ذلك يعود الى المبدأ المشهور وهو مبدأ النفاق فالباحثان يسجلان على ان استخدام كفر النعمة يبدو انه تطور في عمان في القرن اللاحق وفي المغرب بعد ذلك بكثير بينما ايباضي القرن العشرين اعتبروه من المسلمات.
الواقع حسب كتاب ابي سفيان (محبوب الراحل) وهو آخر كتاب مرجعي في البصرة للرجل الذي هاجر الى عمان وتوفي هناك بدون شك حوالي 230 ه اذن حسب هذا المرجع الرجل المسؤول عن مبدأ الكفر مقابل الشرك هو الرجل منعزل اسمه ابو محمد النهضي الذي ظهر في فترة 110 الى 120 ه أي 728/738م وكان يدعو ان اهل الاحداث من القبلة كفار ليسوا بمشركين ولا مؤمنين والباحث بدلوم يرد هذا التمييز ما بين الكفر والشرك الى جابر بن زياد وذلك لانه يقبل بما اقترحه كوك كحل لمن هو صاحب الرسالة الاولى لابن ايباض وفي راي كوك ان صاحب هذه الرسالة المنسوبة لابن ايباض هو جابر ابن زياد ولكن كما ساحاول تبيينه كان كوك على راي صحيح بان كانت له تحفظات في هذا الالحاق وكما سنبين كذلك فان محمد النهضي كان نشيطا في الوقت الذي كان فيه سليم ابن ضهكان المعروف برسالته المطولة المشهورة كان يكتب ويستخدم عبارة النفاق فالبحث الذي قمت به بنفسي يبين على ان التعبيرين لا يتناقضان وقد استخدم في نفس الوقت وان عبارة الكفر تدريجيا في مختصرها عن التعبير الكامل وهو كفر النعمة فاصبح يستخدم عوض عبارة النفاق.. (1/162)
صفحة 163
فابو المثير الصوت بن خميس من بهلة وهو من اقرباء الملك المخلوع الصوت بن مالك الخروسي وكان يعيش في ايام بن جعفر وابي قحطان الاقل شهرة له فكرة حول ما يطرح تحليلا لما يسميه اهل الكبائر وهي العبارة التي اصبحت مرادفة للعبارة المستخدمة سابقا وهي اهل الاحداث ويشيران الى مجموعتين خاصتين من المذنبين وهم المشركون والمنافقون حسب رايي فالمنافقون حسب رايي هم اهل الكبائر من اهل القبلة ومنهم الفساق والكفار والظلال والفجار والظالمون والمجرمون العائمون ويمكن تسميتهم أي من تلك التسميات السلبية ولكن لا يجوز ان نطلق عليهم عبارة الشرك فمثل هذه النعوت يمكن ان تستخدم لوصف اهل الشرك وليس اهل النفاق فبعض الظلال مثلا قالوا بان اهل الكبائر ليسوا مؤمنين ولا كافرين وليسوا منافقين ولا مشركين وهم على حق بالنسبة للاولين والثانين وعلى خطأ بالنسبة المجموعتين اللاحقتين ويذهب بعد ذلك لتوضيح ........المتوسطتين المرتبطتين فاذا لم يكونوا من الشاكرين فهم من الكافرين فهناك اذن ثلاثة تصنيفات المؤمن والمشرك والمنافق فالاول هو المطيع والثاني هو المنكر والثالث هو راكب الكبائر واهل الكبائر من القبلة كفار منافقون الا ان الاختلاف الجوهري عن المشرك هي ان هذا يمكن اهدار دمه بينما السابق يطبق عليه فقط الحد وبطبيعة الحال الاثنين جميعا يذهبون الى النار بعبارة اخرى القرآن يوضح ان الكفر والنفاق مترابطين وكما يقول سليم المرجع 31 فان الله لم يوسع المعالجة المطبقة على المنافقين الى أي مجموعات الكفار المشكل اذن هو ان عبارة النفاق تغطي مجموعة من الذنوب سواء منها بالحد او بالجمع والمنافق هو الذي يدخل الشيء ويخرجه لانه يظن انه يعرف احسن وهو الذي دخل الاسلام من بابه ونظرا لكبريائه تمرد على الدين الحنيف ويتركه من الباب الخلفي وهي صورة اعطاها منذ البداية مدير البيار عندما كتب في نهاية القرن الثاني الهجري اذن في الكتابات اللاحقة لامثال (1/163)
صفحة 164
ابن بركة والعصيان والعوتب الذي يذكر كذلك مراجع بعضية نجد هناك فكرة على ان النفاق هي مسألة داخلية ومسألة اخلاقية ومسألة تتعلق بالقلب وهذا يبين ربما الانتقال من النفاق الى المبدأ المرتبط به وهو الكفر كما اشار الى ذلك محمد النهضي وحتى هذا المبدأ كان واسعا فقام الايباضيون الاول الاشابنة كما يقول العوتبي في كتابه الضياء واعتبروا نوعين من الكفر وهو الجحود والكفر بالنعمة رغم ان غيرهم لم يعترفوا بهذا التمييز الاول كفر بالتمدين وايا كانت تفاصيله اما الكفر بالنعمة فهو خطأ في التاويل للنص القرآني الذي نصبه الناس دينا ودعوة الى الحق . (1/164)
صفحة 165
هذا التمييز في مراتب الكفر يبدو على الرغم من ذلك لم يكون من مميزات الايباضيين فقط كما يبين ذلك كرون وتبرمان فكفر النعمة بدون شك مأخود عن الآية القرآنية "ألم ترى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" الا ان الدلائل المقدمة من قبل هاذين الباحثين يبين ان نفس العبارة استخدمت من قبل آخرين بمن فيهم الأكثر اعتدالا (أي غير الازارقة من الخوارج) ومن المفيد التذكير بانه حسب البغدادي نجدات تشير الى كبار المدنيين في مراتبهم اذن علينا ان نفترض انه كانت هنالك تصنيفات منذ بداية الامر ومرة ثانية قد يكون الامر ان هنالك فروقا داخل المذهب الايباضي بحد ذاته تظهر على السطح لدى الاداعات بين العلماء الايباضيين الاكثر تشددا في عمان وغيرهم بين البصرة مثلا ومثال ذلك عائلة الراحل أي ابو سفيان وابنه محمد وهكذا فان ابن المثير يستخدم عبارة النفاق بالاشارة الى صاحب زمانه ابو المنذر بشير ابن ابي عبد الله محبوب ابن الرحيل الذي كان زعيما للعمانيين فيما بعد غزو الخلافة واستخدم كفر النعمة كمفهوم اساسي في كتابه المحاربة الذي صار بعد ذلك كتابهم المرجعي حول الموضوع كمثال على ذلك فان شك في الجمله فانه مشرك فان احد في الشك في الجملة لم يكون مشركا وكان كفر النعمة هذه هي الصيغة الاصلية في النص وكان ذلك يبين مبدأ آخر يخص الكفر وهي انها مجمل الذنب الا انها تشير الى انه ليس مشركا بل كافرا بالنعمة . (1/165)
صفحة 166
عبارات اخرى تبدأ بالظهور آنذاك فهؤلائك الذين يقترفون دنب الدعوة بمذهب خاطئ كما يبين ذلك ابو المثير المذكور سالفا تمت الاشارة اليهم كفساق الذين يشدون عن الطريق مثل ابليس هكذا فان رسالة الفقهاء لنجدة ابن عامر يشار اليه كفاسق في سيرته بينما في كتاب القلحاطي المقامة الذي يمجد فيها كيف ان العمانيين اتوا من جديد بالكلوان الذين قد تمدهبوا بالشيعة المتطرفة عادوا علوان الى الطريق المستقيم فكان البيت الشعري بالقول الفاسق متبوعا بجواب القول الفاسق لصاحبه محمد ابن عمر فكما سبق تبيانه حاول البعض ان يفهم من عبارة الفاسق على انه لم يكون مؤمنا ولا كافرا بل ان البسيان يرفض البثة هذا القول على اساس الآية القرآنية التي تقول بان المرء اما يكون شاكرا او في كسور ولم تكون هنالك درجة ثالثة كما صار المعتزلة يقولون. (1/166)
صفحة 167
كل هذا ابعد ما يكون عن سليم ابن زكوان الذي يتعامل في ايطار النفاق لوحده الذي يقول في رسالته ان الفاسقون مرجعها الأوحد في النص القرآني فسليم كما يبين كرون وتبرمان يبني رايه على النص القرآني وبذلك يكون لا مرد له الا انها تطرح سعة للتاويل فكل هذا الجدل حول الدرجات والمراتب واصناف الكفر يبين على ان المدرسة الايباضية (الاشابنة) وضعت مفاهيم اساسية بدون الرد على ما سلف فلم يكون هنالك اي تناقض في المفاهيم التي يتم مناقشتها وفي النهاية يأتون على أمرين الاول هو كيفية معالجة ذلك الذي اصبح يسمى بالباغية والجبابرة أي الحكام المتسلطون وبعبارة اخرى المناهضون للجماعات الايباضية فكان ذلك امرا ذا اهمية شديدة ودفع الى عدد كبير من القواعد لن نفصلها في هذه المرحلة وكانت نتيجة لاصحاب الراي وللتجربة التاريخية الايباضية الاهم رغم ذلك كان مطروحا منذ البداية لا غنيمة ولا سبأ في الحرب مع المسلمين الآخرين كان شدودهم عن الدين الحنيف والمبدأ الثاني هو مسافة البعد عن الآخرين الذين لا يقبلون او لا يعايشون مبادئ الدين الايباضي كما جاء في قولهم اساسا كان جزائهم يؤدى في الحياة الآخرة اما في الظروف الراهنة فتفرض عليها الثراء.
كل هذا يبين على ان رسالة سليم كانت من العهود الاولى بل كانت بدائية فالدلائل تبين على انها لن تبرز في الزمن الاول كما يشير الى ذلك كوك ولم تاتي متاخرا كما يقول كرون وزبرمان بل يمكن ان نطرح هذا الجدل لحد الآن اذ ان الاهم ان لدينا نمودجا للكيفية التي تطورت بها الايباضية. (1/167)
صفحة 168
و الاهم لفهم نشأة الايباضية والخوارج بصفة بعد السنة الهجرية 64 هي متى على المرء الخروج ففي هذه النقطة صار الايباضيون يتهمون باللينة ولهذا قام ابو بلال مرداس وهو واحد من المتبقين على قيد الحياة بعد نهروان والمتمردين في السنة الهجرية 61 على الحكومة المتسلطة لعبيد الله بن زياد والذي لم يستجيب القعدة أي الرافضون للحراك لدعوته فشهادته هي نمودج للشاري النمودجي فالمسلم البطل وهو المسلم البطل الذي يبيع حياته لرسالته فهو يقول انا الشاري الذي تعاهد مع نفسه فهو يستيقظ في الصباح متمنيا الموت في سبيل نصرة مرداس وهو خطاب قاله في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي امام حضرمي هو ابو اسحاق ابن ابراهيم ابن قيس في كتابه الديوان.
الثورات المتمردة للخوارج
ثورة خريط ابن الرشيد : (1/168)
صفحة 169
من نماذج الثورات المتمردة للخوارج: الثائر البصري العماني "الخريط ابن الرشيد الناجي" الذي تمرد على علي في السنة الهجرية 38 بعد واقعة صفين، وذلك لأن وجهة نظر الخوارج كانت منحرفة أو حصلت لأسباب مغلوطة (المرجع18). فكما رأينا، كان الرشيد الخريط يحارب مع علي في واقعة الجمل، بل وذهب معه إلى الكوفة بصحبة ثلاثمائة من أتباعه، ولما قبل علي بالتحكيم تمرد عليه الخريط وذلك لأن أمير المؤمنين لا يتنازل عن الأحكام التي أمر بها كتاب الله، أو على الأقل كان ذلك إدعائه الأول، كما يقول الطبري، والذي كان بمثابة ذريعته على التمرد، على انه في ما بعد صار يدعي إقناع أتباعه على انه لم يقبل بقرار التحكيم. وفي كلتا الحالتين، كان على خلاف من موقف القراء الذين أصبحوا من الخوارج فيما بعد، والذين كانوا في البداية قد دفعوا عليا لقبول التحكيم. إلا أن الاختلاف يتوقف هنا، وذلك لأن الخريط عندما تمرد، فتراجع إلى قاعدته بالبصرة والمناطق المرتبطة بها بأغواز، وبينما كان الخوارج الكوفيون يوجهون عملياتهم من منطقتهم في السواد رغم ذلك، وفيما بعد التحق بهم بعض الخوارج الآخرين. وبمرور الأيام صارت القوى الداعمة لعلي مدعومة بفيلق بصري تحت قيادة طي، الذي بعث به ابن عباس. وهكذا فقد دفعوا بالمتمردين إلى داخل فارس، وفي النهاية إلى موطنهم في شمال عمان، حيث وقعت هزيمتهم. هناك إذن أربعة نقط، يجب الإشارة إليها بخصوص الخريط وأتباعه المباشرين:أولا، كانوا قليلين، فالخريط عندما تمرد تبعه حوالي المائة، وبعد هزيمته في المدائن صار إلى أغواز حيث التحق به بقية مجموعته فوصل عددهم إلى ثلاثمائة. النقطة الثانية، هي: أن الخريط كان زعيما قبليا ولم يحاول أبدا تقديم نفسه على انه إمام أو مختار أو مصطفى، كما كان يطالب بالشورى. فعندما تم اختياره إماما تقبله الجماعة برمتها، التحق بالجماعة -بعبارة أخرى كان في إطار مؤقت- النقطة الثالثة، وهي: أن بني (1/169)
صفحة 170
الناجية الذين كانوا معه هم من العرب البدو وهذا مهم، لأنه -كما رأينا- كان هنالك حيف ضد البدو، فقد كان عثمان يستثنيهم من الأعطيات. من جهة أخرى، بنو الناجية هم القبيلة التي كانت من الجيوش العمانية، التحقت بالحملات الأولى بفارس واستقرت بتواج، وإذا اعتبرنا أن الخريط كان زعيما لهم فيما بعد، فإنهم اجتمعوا كفرع قبلي له شأن في البصرة، وهو ما عززه إدعائهم انهم من أصل بني السما ابن لؤي. أما النقطة الرابعة، فليست بنفس الوضوح، فيبدو انه عندما اتجه الخريط من شواطئ فارس إلى شمال عمان قتل هناك، أما علي (المرجع19) فقد التحق به عدد كبير من المسيحيين العرب الذين اعتنقوا الإسلام، ثم ارتدوا بما فيهم عدد كبير من أعضاء قبيلته وقبيلة عبد القيس. وفي هذا الصدد، يجب أن نتذكر أن اعتناق الإسلام لم يحصل إلا في أقل من جيل فيما قبل، وقد كان إسلامهم غير مستقر، فندم بعضهم على اعتناق الإسلام، واعتبر ذلك خطأ.
إلا أن الأهم، هو أن الخريط أقام-ما يمكن اعتباره-صنفا من الثورات الخارجية التي انبعثت من البصرة، وكذلك العديد من الثورات الكوفية، فكانت لنجاحهم نسبيا، لان جميعها كانت قليلة العدد. فالخريط كان معه 100 الى 150 مقاتلا، وبلال كان معه حوالي 40، أما نافع بن الأزرق فكانت جماعته صغيرة كذلك. وكما سنرى عند الحديث عن النجاح الباهر لحمزة المختار ابن عوف، والذين كانوا كذلك قليل العدد، فحتى نهروان ونخيلة كانوا اقل عددا مما كان يبدوا، أو من العدد الذي تعطيه المصادر الإباضية. بينما من جهة أخرى، كانت الثورات الخارجية أو ثورات الخوارج الكوفيين تتشكل من خلية صغيرة جدا. (1/170)
صفحة 171
السر الجوهري لنجاح الخريط، انه كان قادرا على إقناع أتباعه من الطبقات المستضعفة وتشكيل جماعته على مجال ترابي مدعوم من طرف السكان المحلين. فأولا في الاغواز، وبعد ذلك في شمال عمان، فمعظم الأراضي في شبه الجزيرة العربية كانت بعيدة عن سلطة الحكم المحلي، أما إحدى الثورات الخارجية الأكثر نجاحا فكانت في نجدة، أو كانت يتزعمها نجدة، وكان اللاحقون له هم الذين انفصلوا عن الأزارقة في جنوب غرب فارس، وأسسوا له مجالا في تراب قبيلة حنيفة في اليمامة لعدة عشريات كما سنرى. إذن، ففي عمان تمكن الحجاج من إيقاف حركتهم التمردية، فالأهواز وفارس كانت بعيدة بما يكفي لتشكيل قاعدة على الأقل لبعض الزمن، بينما الكوفيون كانوا اقرب من السلطة الحكومة المركزية في السواد، إلا أن دعم هذه المجموعات جاء بالخصوص من أداءهم الخراج، حيث تؤدي طبقة الفلاحين الخراج لهم ولأهل البلاد وللعلوج، الذين كانوا يشتكون من الفروض الضريبية للحكام العرب المسلمين الجدد. فالخريط مثل أبو بلال ونافع (المرجع20) الذين رحب بهم السكان المحليون، ففي المناطق الساسانية السابقة، كان الفلاحون بالخصوص هم الذين يتحملون العبء الضريبي للفتوحات الإسلامية، بينما كثير من الدهاقين والأساورة توصلوا إلى اتفاقيات مع الزعامات الجديدة فازدهروا، وادمجوا في الطبقات المقاتلة، بينما كان الفلاحون سكان القرى المستضعفة يؤدون ثمن هذا التحالف الجديد بين الطبقتين الحاكمتين، فالفلاحون كانوا يشكلون طبقة مستغلة ومستضعفة، إلا أن غضبهم زاد منه سوء النظام الذي ساد في البوادي حيث إنقلب النظام السابق ولم يتمكن النظام الجديد من دعم واستثمار الإنتاج الفلاحي الجديد، وهذا صحيح كذلك بالنسبة لمصر، فكثير من الفلاحين استمروا في ممارساتهم الدينية القديمة بالطريقة الفلاحية (أنظر فاكوش)، فكان بالنسبة إليهم اعتناق الإسلام مسألة سطحية، وبدا ذلك صحيحا لمسيحي بني الناجية الذين لم يعتنقوا (1/171)
صفحة 172
الإسلام بمحض إرادتهم (راجع الفصل الثالث). وللإشارة، فان أتباع الخريط تمكنوا من التملص بسهولة من العقاب عندما وقعت هزيمة جيش الخريط على يد الجيش النظامي الذي بعث من فارس، فعوقب لإعطاء المثل للفلاحين المستضعفين الذين حاولوا التهرب من الضرائب.
وكان من أتباع الخريط كذلك، بعض قطاع الطرق المشهورين بين سكان ما بين النهرين، والذين كان من ضمنهم بعض البدو من المناطق الصحراوية، وكذلك أكراد من المناطق الجبلية. إن سوء النظام وارتفاع البطالة في المدن، هو الذي زود مثل تلك المجموعات الخارجة عن القانون، والتي عملت تحت راية الخوارج، مما جعل أولاد بلال مستعدين لدعم الأساليب العنيفة التي استخدمها زياد وعبيد الله للقضاء على الخوارج.
النجدات (المرجع21) (1/172)
صفحة 173
ورغم أنه ليس هنالك حديث عن النجدات في ثورة الخوارج، فإن طبقة الأسرى خصوصا أولائك الذين كانوا يعملون خارج المدن، والذين مدوا الحركة الثورية بالسواعد الإضافية، كما حصل بعد ذلك على إثر ثورة الزنج. فلا شك انهم كانوا موجودين في الجماعات الأخرى، وأحسن مثال نضربه على ذلك هو:نجدة ابن عامر الحنفي، وهو حروري الهروري، الذي أقام إمارة في الأهواز. فبعد فشل المفاوضات مع ابن الزبير، أنشئت تلك الإمارة في الأحواز مع نافع ابن الأزرق، بعد أن استقل عن الأزارقة بذريعة تطرفهم، فعاد إلى موطنه القبلي، حيث يعيش أولاد طالوت وبنو زمام ابن بكر ابن وائل، وعدد من الزعماء الخوارج على إثر دعمهم للزبير، فاحتلوا أراضي زراعية أقام فيها معاوية 4000 آلافا من أتباعه، فقسمها عليهم بعد نزعها من أصحابها. ومباشرة بعد وصوله هاجم النجدة قافلة أرسلت من البصرة إلى ابن الزبير في مكة، واقترح تقسيم الفيء مع أولاد طالوت، على أساس أن هؤلاء العبيد سيحصلون على حقهم من فيء تلك القافلة، وبعد أن سمع هؤلاء كلام النجدة هاجروا إليه بكثرة، وبايعوه كأحرار سواسية، واشتكوا من سيدهم الأول، الذي كان يعاملهم مثلما يعامل الخليفة طبقة الفلاحين.
فصل5ص 15 (1/173)
صفحة 174
صار نجدة نحو توسيع إمارته أولا على المناطق الشاطئية للبحرين والخط، حيث حصل على دعم سكان الأزد المحلين وبعض عبد القيس، ورغم أن بعض هؤلاء عارضوه، فهزمهم في القطيف، وقام كذلك بهزم قوة عسكرية مهمة بعث بها مصعب إبن الزبير من البصرة. وكما وسع سلطته إلى الشمال، إلى تخوم البصرة في الكاظمة بالكويت، ودفع بتميم إلى الخضوع فرأى عبدالملك بن مروان فرصته للسيطرة على الجزيرة العربية، فحاول غير ناجح في التفاوض مع نجدة بتعيينه واليا، ولكن عداوتهم المشتركة للزبيريين أقامت رغم ذلك بينهما علاقات جيدة، فنجدة بعد ذلك اتجه نحو الغرب، فبسط سيطرته على صنعاء وحضرموت وعزل الطائف، بينما أحاط بالحرمين وعزلها عن بقية البلاد، إلى أن أقنعه ابن عباس بالتوقف عن ذلك. ففي السنة الهجرية 69 قام قائده العسكري التابع له عطية ابن الأسود الحنفي ببسط السيطرة على عمان، حيث-كما نرى-رحب به السكان وتألبوا على الأخوين جولندة، اللذين كانوا يشتركون معهم في الحكم. ومنذ ذلك الحين، بدأت الخلافات بين أتباعه، فعطية انفصل عنه، وبعد أن فشل في تأسيس قاعدة في عمان اتجه إلى كرمانة وأسس هناك قاعدة في سزجتان، وبعد ذلك قام نائب نجدة أبوفديك بقتله قبل أن يقتل هو بنفسه على يد عسكر الخلافة. أما سليم ابن شكوان (المرجع84) فتفرعت عنه ثلاث فروع، وهم: العطية وأبو فديك، وآخر غريب وهو داوود (أنظر الداووديات) في عمان، إلا أن هذه الإختلافات غير مهمة من الناحية المذهبية، غير أننا وكما سنرى، لم يكن ذلك نهاية تأثير النجدات في المنطقة.
الصفرية (1/174)
صفحة 175
أما النموذج الآخر من ثورات الخوارج المتمردة، فتمثلت في المجموعة التي ظهرت في هذه الفترة فيما بين السنة الهجرية 64 وحركة الإباضية، التي سميت "بالصفرية" من قبل مؤرخي الملل. وهي عبارة سنشكك فيها بشدة -عندما نأتي للحديث عنها- وذلك لأنهم يقدمون بكونهم في الوسط ما بين الأزارقة وفروعهم النجدات على جانب والجانب الآخر الإباضين. فالتمرد الكبير ضد حجاج، الذي تم تعيينه مؤخرا، قاده صالح ابن مسرح التميمي، واستمر بعد موته على زعامة ذلك التمرد شبيب ابن يزيد الشيباني في السنة الهجرية 76 \695م. وكانت محصورة أساسا في الجزيرة، وهي منطقة استمرت تحت سيطرة ربيعة بعد عدة ثورات -فتفاصيلها لا تهمنا هنا- ما نود الإشارة إليه هنا هو:أن نموذج هذه الثورات الصفرية كان هو قبيلة أولاد بلال، وأن القبائل الأخرى المشتركة كانوا من تميم وربيعة، التي بدأت تشارك مجالات عملها مع الصفريين مع بدء المنافسة بين الإباضين في السلطة منذ بداية القرن 8.
المساواة (1/175)
صفحة 176
غير أن تلك الثورات أيا كانت دوافعها، فهي الوحيدة التي قام بها الخوارج لمدة نصف قرن تقريبا، وكان لهم الأثر في المنطقة. وأما على الصعيد العقدي-الذي لا يمكن تجاهله-فقد أعدت الأرضية، وفرضت إلى حد ما السلوك السياسي الذي سوف يعتمده الإباضيون عندما يتجهون إلى الجزيرة العربية. فمبدأ المساواة الإجتماعية يبدو انه تطور في كثير من هذه الثورات، وكما رأينا كان مسئولا عن نجاح نسبي على يد أعداد قليلة للعرب القبليين، وعند قراءة تاريخ فردي لنجدة، ففي البداية نجده زعيما لخوارج اليمامة، وهنا نتذكر كيف أن سليمة ابن دكوان (المرجع18) يذكر القارئ أن الله هو الذي بعث رسوله إلى البيض والسود وإلى العرب وغير العرب من العجم والأحرار والعبيد والذكور والإناث على حد سواء، وقد يكون نجدة مرفوضا لدى سليمة، لكن كما نرى، فإن مفاهيم المساواة الاجتماعية أصبحت مندمجة في التنظيم السياسي لجماعات الخوارج. وفي مبدأ المساواة لدى الناخبين وإمامهم المنتخب، نجد مميزات الصنعة الوحيدة التي تحد الاختيار في الزعامة في تمردات الخوارج، وهي تخص المميزات الشخصية، وبعض الخصائص الجسمية، أما اللون أو العنصر أو المولد، فكانت-نظريا-لا تعتبر حاجزا في طريق الإختيار. ومن الأكيد أن بعض زعماء الخوارج كانوا من الموالي (المرجع22)، ولكن هناك مثال أقصى إمرأة تم تعينها امامة (المرجع23)، فمثل هذه الطبيعة التعادلية كانت لها حدودها، وسنرى ذلك بارزا عندما يفر أتباع نجدة منه ويختارون عربيا ليأخذ مكانه (المرجع 24)، فجميع القبائل تكون متساوية، ومولى القبائل يكون واحد منهم، وهذا مبدأ جيد عند رد إدعاءات قريش على الخلافة، إلا أن بعض القبائل في الجزيرة العربية تجد نفسها أوفر حظا من غيرها. وكما رأينا في حالة طالب الحق، الذي لم يكن يقبل أن يلطخ نسبه بدم مولى، أيا كان ولائه له، وكذلك في عمان نجد أن هيكل الإمامة مبني على أساسا على توازن ما بين السلطات (1/176)
صفحة 177
التقليدية كما سنرى.
إلا أن الواقع، أن العقيدة في المنطقة العمانية كانت قد تغلغلت فيها، وهي عقيدة أولائك الخوارج الأول، أو مجموعات الخوارج والإباضية، وشاءت أم أبت كان عليها أن تواجه تلك المشكلة -المشكلة الأنانية- فعمران ابن حنطان الذي يعتبر زعيم الصوفيين، فبعد انهيار ثورة الشيباني، وجد عندما وصل هناك أن أولاد بلال محل تبجيل في عمان، بينما الخريط ونجدات كانوا قد تركوا كذلك هفواتهم، فكان ذلك عاملا ساهم في الاندماج الجيد الذي حصل ما بين الطبقات الفلاحية السابقة في القرى العمانية، والقبائل التي سكنت في تلك المنطقة، وهو موضوع سنأتي على معالجته بالتفصيل في فصل لاحق.
ابن اباض:
لم يكن هناك أي إباضي في ربع القرن الذي تلا واقعة صفين إلا أولاد بلال، فتوالت تسعة تمردات ضعيفة من السنة الهجرية 61، ومضت 66 سنة دون أن تكون هناك ثورة جيدة واحدة. إن مثل هذا القول، يطرح مباشرة سؤالا عمن كان ابن اباض الذي وصفه القلحطي متأخرا في السنة الهجرية 6؟، ونجد أنه إمام المسلمين، الذي قال عنه الشماخي: "انه كان إمام التحقيق، وعمدة الأصحاب أولى التفريق"، وعلى كل حال لم يكن جابرابن زيد الذي كان يعيش في نفس الفترة إباضيا. (1/177)
صفحة 178
قبل وقت غير هين، كان عبدالله بن إباض مصريا من بني سعد، وهم فرع من فروع تميم الذي كان مركز الاهتمام بصفته من الشخوص الغامضة بالنسبة للباحثين الغربيين، كذلك كانت الرسالتين الطويلتين أي: إباض1 وإباض2، المنسوبتين إليه بصفته إمام المدرسة التي أصبحت تسمى بالاباضية، والتي تقول عنها المصادر المشهورة، منذ أبي مخناف، والذي توفي سنة 157هـ 774م، فيقول عنه انه ذهب إلى مكة مع بعض الخوارج لمسألة ابن الزبير، فاختلف مع نافع ابن الأزرق، وكذلك عبد الله ابن الصفار الزعيم المؤسس والمفترض للصفرية في السنة الهجرية 64. ومن الأشياء المدهشة، إننا لا نجد له ذكرا في المصادر الاباضية الأولى، فابن سلام وهو أحد مصادر المغاربة الأولين لتطور الحركة الإباضية يذهب مباشرة إلى الجيل التالي للرسول ذاكرا جابرا ابن زيد وليس ابن اباض، رغم انه كان عارفا بان مدرستهم تسمى بالاباضية من قبل الآخرين. أما أبو سفيان، فهو أيضا لا يذكر شيئا عنه، رغم أن الإشارة الأولى التي نجدها في مرجع"كوك"تقول أن الاباضين سموا أنفسهم بهذه التسمية وهو ما نجد ذكرا له في أصول الدينونة للمغربي عمروس الفاتح الذي توفي سنة 280هـ، بل حتى من المتأخرين ابن حزم الذي توفي سنة 456هـ، وكما أن النكريون الإباضيون الذين كانوا يعيشون في اسبانيا لم يسمعوا عنه. ومن جهة أخرى، نجد رسالة الفقهاء العمانيون، وكذلك قائمة المؤثر للأئمة عن نفس الفترة والتي تبين أن الرواية المشهورة عن الخلاف بين الخوارج تم قبولها في الكتابات الاباضية المشهورة إلى ذلك الحين. وهذا دفع بالباحث كوك إلى الاعتقاد بأن قبول المدرسة الاباضية كان في إطار المدرسة الوهبية للإباضية، باستثناء الفروع النكرية. وهذا يعني من جهته، أنه لايمكن أن تكون قبل الاتصال النكري الذي حصل في النصف القرن الهجري الثاني فصل 5 ص 18 (1/178)
صفحة 179
أما المصادرالمشهورة فلا تضئ الموضوع أكثر حول ابن اباض الا أنه اختلف عن الخوارج الآخرين في مفهوم الكفربالنعمة حسب أبي مكناس ومصدر غير معروف قد يكون المدائني في كتاب البلذوري والمبرد (وقد يكون عمانيا في الأصل وعارفا بكثير من الأشياء حول الخوارج) على أن حسب ما رأينا أن هذه التسمية قد تكون غريبة وتعود الى الإباضيين الأول الذين عملوا بمبدا النفاق.
و من جهة أخرى وحسب ما يبدو من كتاب المدائني تجدر الاشارة بخصوص هذا الاتصال الأولي أن حيسان أبو بيحس حيسان أبو جابر الدبائي الذي أعدم سنة 94هـ/713م وهو مؤسس البيحسة عوض ابن الصفار غير المعروف وهو كان كذلك تميميا من فرع فارم ابن المقاعس وقد اتخذ موقفا وسطا من ابن الأزرق وابن اباظ كل هذا يجعل من ابن اباظ على مثال ابن الصفار ظلالا وليس شخصيلت مسيطرة خصوصا ان تذكرنا أن الإباضيين بحد ذاتهم يعتبرون جابر ابن زيد كأحد مؤسسيهم الكبار اضافة الى ذلك يبين الباحث كوك بالأدلة كما سنرى ذلك مرة ثانية أن الرسالتين المنسوبتين لابن اباظ قد لا تكونان له على الأقل اذا قبلنا بنتائج بحثه من ناحية التأريخ. (1/179)
صفحة 180
و من جهة ثانية من الصعب الاعتقاد أن هاتين الرسالتين محض بدعة. فبادلونغ المرجع 25 يبدو أنه حل المشكلة باكتشاف مرجع اليه في أحد مراجع الأدب وهو أبو عبد الله المرجوباني في سيرة كتبها الشاعر الشيعي القيساني من قيسان وهو السيد الحميري الذي ولد إباضيا ثم اعتنق المذهب الشيعي فيما بعد فعبد الله ابن اباظ بعد ذلك قام بالتبليغ عنه الى الخليفة المنصور دون شك في السنة 142هـ/759م وانتهى بنفسه في السجن الى أن توفي وهذا يضع صورة أخرى على التقاريرالتي تم رفضها على أنها متناقضة الأزمان أو أنها جاءت متأخرة ورغم معرفة المصادر الكلاسيكية أو على الأقل في مرجعين متأخرين معروفين وهما الشهرستاني والقزويني الذين يقولان أن عبد الله ابن اباظ تمرد ضد الخليفة مروان ابن محمد وهو تمرد يقول عنه الشهرستاني انه حصل بمعية طالب الحق أما مادلونغ وهو يطور نظرية فان اس فيذهب الى تبيين أن ابن اباظ اعتمد العقيدة المعتزلة على قدر هكذا وهو مما يذهب ضد العقيدة المقبولة لابن عبيدةو غيرهم وكان شخصية ذات أهمية من الصعب تكسيرها هذا حسب مادلونغ هو الذي يفسر كيف أن أبا سفيان لا يشير الى الشيوخ الإباضيين فبعد موته حسب البغدادي صار أتباعه تحت واحد اسمه الحارس ابن زيد ومدرسته قصيرة العمر ولم يعترفوا بأي من اللاحقين لذلك فقد يبدو من المفيد أن نعيد التأريخ الى ما قبل زعيمهم لتأريخ الانقسام الخارجي. على أن كرون وزمرمان يوضحان على أنه من الصعب قبول أن بقية الإباضيين رحبوا بهذا الرجوع التاريخي لتغيير تسميتهم الى الإباضيين بعدما أن علموا بوجوده عبر أهل السنة وذلك لا يغمر أيضا كيف أن اباظ قد اختير لوحده لزعامة مدرسة لا تسمي نفسها قدرية أو تابعة لمبدا كفر النعمة. اذن فابن اباظ يبقى نوعا من الشخصية الغامضة وأيا كان لم يذهب الى مكة في السنة الهجرية 64 والانقسامات في الحركة الخارجية التي تبعت ابن الأزرق وتمرده المتطرف كانت تطورات وردود (1/180)
صفحة 181
أفعال لعقيدته مع الإباضيين الذين يجتمعون في المدرسة الأخيرة ويعيدون تنشيطها على أنها دعوة بعد ستين سنة تقريبا بعد نشأتهم. شخصيا اتمسك برأيي الذي يقول على أن التسمية الإباضية جاءت مما جاء في البداية كأسلوب تهكمي وضعه علماء الملل فنسبه الى شخصيتين قليل الشأن هو لتوضيح أن مدرستين أخرتين قامتا في رد فعل للازارقة وهي منسوبة الى اللون الازرق حسب رسالة الفقهاء كان هنالك تطور زمني مغلوط بخصوص ثورة الخوارج التي كان بها نجدة ابن عامر ونجدة ابن عطية وزياد الأعصب ثم صالح ابن المسرح وتبعه شبيب ابن يزيد وأبو بيحس وعبد الله ابن الصفار في هذا التسلسل وبعد الصفرية جاء الجهمية وتلاهم الثعلبية بهذه الطريقة نضع الصفرية في مرحلة لاحقة في تطورات الملل والنحل وفي رأيي كان تنشيطا قبليا سياسيا كما سنرى تحته وهذا يختلف عما حصل في الثورات الشيبانية لسنة 76-77هـ 695-697م في شمال العراق. فما يسمى بنشاط الصفريين حصل بعد اعدام أبي بيحس تقريبا في نهاية القرن الأول وهذا قد يؤشر انه لن يطول الزمن قبل انتقال الإباضية بأنفسهم من القعود الى الحركة.
لذلك بصفة عامة فرايي أقرب من رأي سليمان الباروني الإباضي اللبيب الذي عاش سنوات متعددة في ممان في العشرينات من القرن الماضي وفي رايه أن عبد الله ابن اباظ لم يكن الا أحد زعماء الصراة المرجع 26. والأمويمن استخدموا اسمه كأحد النعوت الا أنها في النهاية أخذت محل الصراة وفي نفس الوقت يجب ان نتذكر انه في عمان على الأقل في نهاية الامامة الأولى دخل ابن اباظ في التاريخ المعروف سنة 64هـ في الروايات الرسمية لأصول الإباضية رغم أن النقطة التاريخية التي بدأ فيها الدعوة الى امامة المسلمين من قبل المؤسر وهو من أقرباء امام الصوت. (1/181)
صفحة 182
اذن اذا كان ابن اباظ ليس هو المؤسس للاباظية فيجب التركيز في البحث على جابر ابن زيد وهو الشخص الذي تعود اليه معظم الكتابات الإباضية منذ البدايات بصفته الزعيم الروحي للحركة على الأقل. وكان سابقا لأبي عبيدة الذي أصبحت الحركة تحت زعامته دعوة وبطبيعة الحال ابن اباظ لم يكن مزامنا لجابر لذلك يصبح من المعقول ان يقول أنه لم يكن إباضيا فاصرار ابن سعد على هذا الرفض يبين ان الإباضيين كانوا قبل التسمية وفي النهاية أصبحت الرواية تقول على أنه كان الزعيم الأول والأصلي للحركة الإباضية.
اذن يجب اعادة النظر في كل شئ منذ البداية حتى نسب الرسالتين الى ابن اباظ ربما باستثناء الرسالة الثانية فكما يبين كوك هي رسالة خارج الزمن ومن الواضح أنها كتبت الى شيعي وهذا يؤكد ان ابن اباظ كان يتحدى المذهب الشيعي أما الرسالة الثانية فقد يكون كتبها ابن اباظ حسب مادلونغ وهذا قد يكون منطقيا كذلك بخصوص قوله عن الشيعة الذين ياخذون أحاديثه أساسا لدينهم ويتهم علي باختلاقه أحاديث عن النبي وفي ذلك الزمان كانت الأحاديث النبوية والاسناد في ايطار التشكيل. في رأيي ان نظرية كوك التي يمكن قبولها بصفة عامة تقول على أن الرسالة الأولى كتبها جابر وبلا شك كتبها الى ابن المهلب وذلك يحتاج الى مزيد من التمحيص وخصوصا أنها أصبحت تحظى بالقبول بدون الأخذ بعين الاعتبار التحفظات الدقيقة بعضها سأضيف اليها في وقتها عندما ناتي الى تحديد وضعية جابر ابن زيد في جذور الإباضية. (1/182)
صفحة 183
اذن لنبتدئ من جديد ونعود الى الأزارقة فهم الذين دفعوا بالانقسام في الحركة الخوارجية بتطرفهم فكما يأتي في كتاب الفقهاء في رسالتهم الى امام الصوت قبل أن يشد عن المسلمين أي أن يصبح من الخوارج كان من مجموعة الدعوة والقاعدون كانوا مع الخارجيين والخارجيون كانوا مع القاعدين فهذا الانقسام أصبح بين الأزارقة المتطرفين الذين اندفعوا في عقيدتهم المعتدلة والتي شكلت مع النجدات ومجموعة فرعية أخرى أولئك الذين استمروا في المقاومة الفعلية لنموذج الشراع لأولاد بلال والقعدة والأول لأي أولاد بلال بمنطق غير سليم وقبول رجعي لتاريخ الانقسام الثلاثي الذي حصل بعد السنة الهجرية 64 أصبحوا يسمون بالصفرية فهؤلاء كانوا ينقسمون الى مزيد من الفروع فهم أناس متشددون في ديانتهم أما القعدة فهم ___عدم قبولهم بالدخول في مناقشات أو تخوفهم من ذلك لذلك أصبحوا يفسرون موقفهم بحرصهم على وحدة جماعة المسلمين كما يوضح ذلك حديث نبوي يتحدث عن الفتنة والقاعد حيث لا تكون هناك فتنة يكون فيها القاعدون. فصل 5 صفحة 20 هؤلاء القعدة صاروا يبررون موقفهم بحرصهم على وحدة جماعة المسلمين كما يبين ذلك حديث النبي المشهور والذي يتحدث عن أنه سيكون هنالك فتنة يكون فيها القاعد أحسن من الواقف وهو أحسن حالا من الماشي وأحسن حالا من الراكب وأحسن من المقتول وهذا حديث مرجع 27. فهذه فتاوى سليمة ابن زكوان الذي حصل على العصى منه مع النجدات والمرجئة ولم ير الكثيرون الحاجة في التحرك ومع مضي الوقت كانوا يودون فعل ما أمكنهم لمساعدة الشراع سواء ماليا او بغير ذلك على شرط ألا يكونوا هم في خطر هؤلاء سميتهم بالتبسيط الخوارج المنفعيون أي أنهم يؤمنون بالوضعية الامتيازية للمسلمين من ضمن مجموع أهل القبلة الذين كانوا يشكلون "القوم" الا أنه في الواقع لم يكن هنالك تماسك في هذه المجموعة ولا عقيدة أساسية عدا تصريحات الخوارج الأصلية عن الحكم وعن عدم قبول عثمان وعلي (1/183)
صفحة 184
والأمويين وبشكل أوضح كانت تشكيلتهم تغطي مجموعة واسعة من المصالح الاجتماعية والقبلية والسياسية الممثلة المصلحية لذلك فان المؤرخين للحركة الخارجية في البصرة يصورون على أنهم منقسمون على مجموعة من المدارس ومن ضمنهم الإباضية التي هي الأكثر اعتدالا الا أن الخطر هنا مرة ثانية هو الافراط في التبسيط مثلما صار فيما بعد ان يصور غير الأزارقة والنجدات من الصراة في تلك الفترة تحت تسمية الصفرية ففيما بعد هذه المجموعات صار يطلق عليها المدرسة الإباضية المعتدلة ومن الأهم بما كان لفهم تطور الحركات الخارجية وانقساماتها أن نتوقف ليس عند العقيدة بل على الأبعاد الجهوية والقبلية.
البعدين القبلي والجهوي (1/184)
صفحة 185
كما رأينا في تمردات الخوارجية الكبرى الأولى تلك التي حصلت لأسباب مقبولة كانوا من الكوفة والقبائل التي شاركت فيها كانت تعيش على تخوم العراق وخصوصا من فروع بكر وتميم. ففي البصرة كانت ثورة العماني الخريط من الثورات غير المقبولة وبقيادة قبيلة غير يمنية فلأولاد بلال كانوا من تميم ونافع ابن الأزرق ونجدة ابن حنيفة وابن اباظ كانوا يدخلون في نفس التحالف الذي كان فبه عبد الله ابن الصفار فهذا لم يكن بمحض الصدفة عندما ندرك أن الزعيم التميمي الكبير نفسه كان هو الذي يصر على الاعتدال والذي أثر على الخوارج هو أحنف ابن___ فكان جوابه أنني أحس بنفس الاحساس ازاءكم ولكنني من الصابرين كان هذا جوابه على أولئك الذين ينتقدونه على اعتداله فلم يحاول اخفاء أحاسيسه ازاء معاوية بل انه كان يشاركه___تميمي في غضبه لذلك كانت لديه مسؤوليات أعظم بالنسبة للدولة الاسلامية تمنعه من التسرع في التصرف كما كان يريده بعض قبائل الخوارج. اذن لم يكن من المفاجئ أن يقول البعض عنه أنه كان إباضيا المرجع 28 ومحاولة ادماج مثل هذا الشخص العظيم مع التوجه الخارجي بالاعتدال يجب أن نتذكره عندما نأتي لاعتبارحالة جابر ابن زيد الا أن النقطة المهمة هنا هي أن التوجهات القبلية لم تكن تستهدف استدعاء الدعم من قبيلة الأزد. فنفس الشئ ينطبق على الصفريين المفترضين الذين كان دعمهم القبلي من قبائلهم يأتي من تميم ومن بني شيبان وخصوصا بكر ابن وائل. (1/185)
صفحة 186
الاستثناء الممكن لهذا كان يخص التوجه نزار ومضار في التمرد الذي قاده قريب الأزدي. وللسؤال يتبع هذا الاسم زحاف الطائي وهما قريبان بالزواج أنظر المرجع 29 فهما كذلك في نظري كانا يشكلان مجموعة مستقلة غاضبة على فقدان موقعهما نظرا لتغيير المجموعات القبلية الى أخماس فرأي الطبري أنه ما حصل كان غير واضح ويبدو أن الاثنين كانا بيحثان عن الدعم لدى بني ___ ودبي أي المجموعات ___ وأن الزعيم الطائي كما رأينا سابقا كان مهما من ضمن أزد البصرة عندما قتل قريب بعبارة أخرى لم يكن الأمر يتعلق بتمرد يمني فالمؤثر في لائحته للتمردات التي حصلت في الكوفة وليس في البصرة رغم ذلك كانت تبدو بأهمية تكفي بحيث يشير اليها المبرد والمصادر الإباضية الأخرى اذ أن زياد كان عليه الاستعجال من الكوفة لمعالجة الوضعية وقبول هذا التمرد على أنه في سلسلة التمردات التي حصلت في ما جاء في سيرة منير ابن النيارو اذا جاء التبري بتأريخهم الى سنة 50هـ وكان ذلك صحيحافيبدو أن في التسلسل الزمني كانت أهم تمرد بعد مهروان وكانت السبب في زيادة ضغط زياد على الحرورية وما هو واضح أنه كان شديد التطرف لدرجة انه في رسالة يقول أن أولاد بلال حكموا عليهم وفي هذا الصدد يشير الى انه كان تحت ضغط أبيه أن قام عمران ابن حطان الشيباني الشاعر الذي تحدث عن القاتل الخارجي لعلي والذي أصبح فيما بعد زعيما صفريا بعد ثورة خزيران والقضاء عليها ولم يلتحق بثورة الزحاف أو حتى ما حصل فيما بعد في ثورة أولاد بلال المرجع 30. اذن فمن الغريب أن هذه الثورة كانت تعتبر في السلسلة المقبولة الا اذا قبلنا على أنها مثل الخوارج الآخرين كانوا أكثر تطرفا مما يقواه الإباضيون ومن الواضح انهم كانوا من دعاة الاستعراض كما بين ذلك كرون وزمرمان أيا كان ادعاء الإباضيين فيما بعد عنهم. (1/186)
صفحة 187
اذن لا يمكن أن نعتبره تمردا من قبل قبائل اليمن فطالما أن الأزد دعموا تمرد الخارجي كان ذلك تمرد النجدة وهذا مفيد فكما يبين ذلك كرون وزمرمان صفحة 206 بينا كذلك أن النجدية أصبحوا معتدلين الى درجة أن المصادر المشهورة يجعلونهم يختلفون قليلا جدا عن الإباضيين وخصوصا بالنسبة لموقفهم من القعدة ومن استخدام التقية ويبينون كذلك أن النجدية المتأخرين وخصوصا احدى مجموعاتهم حسب البغدادي استمرت للعمل في البحرين واليمامة تحت واحد من العبديين أي من عبد قيس الذين تمردوا في سنة 105هـ 724م وقد يكونوا قد قاوموا هناك لمدة تسعة عشر سنة اضافة الى ذلك فان تواجدهم المستمركماة لأزيدمن قرن ونصف بينه فيما بعد المبرد وبعبارة أخرى فان النجدية استمرت في قوتها السياسية لمدة طويلة على الأقل في هواشي المنلطق العمانية وخصوصا في وقت أصبحت الدعوة الإباضية في تزايد وأن الحلفاء الأزديون لعبد القيس كانوا ناطحين للقيام بتلك الدعوة وقد يوضح هذا النقص في انتقاد سليم ابن بكوان لهم مقارنة بموقعة الأولي الذي كان يرى قليلا من الفرق ما بينهم وبين الأزارقة بعبارة أخرى ففي كل من سليم والمصادر المشهورة ليس هنالك أي تطابق نحو الاعتدال الذي قد يطرح سؤال الاختلاف بين النجدية والإباضية فيما بعد الا أنهما نجحا في انشاء جماعتين مستقلتين على الأقل مؤقتا. وبما أن سليم كان يكتب بالظبط في الوقت الذي كان يحاول فيه الإباضيون تشكيل امامة مستقلة كما سنرى هذا الاعتدال في الحديث عنهم يكون متأنيا على أنه من الأفيد سياسيا ايجاد حل وسط في منطقة البحرين وعمان حيث المفاهيم الخارجية كانت متجدرة في البداية بعمل الخريط وبعد ذلك يعمل النجدية على أنه يحب رغم ذلك ان يبين انهم كانوا على غير صواب وأن يبين بان حركتهم كانت ناشئة من انقسام مبني على افتراضات مخطئة وخصوصا فيما يتعلق بالهجرة. (1/187)
صفحة 188
ان تطور أفكار النجدية قد يبين تطورا عاما في نمو المذهب الخارجي بصفة عامة في فشل الأزارقة والنجديين والشيبانيون الذين يفترض أنهم من الصفريين وفي تمرداتهم لدرجة أن الصفريين والإباضيين يصورون بطريقة كاريكاتورية بعد وصولهم الى شمال أفريقيا وهم راكبين على نفس الجمل الا أن الغريب هو ان سليم لا يقول شيئا عن هؤلاء الصفريين فالمجموعة الخارجية الوحيدة التي يتحدث عنها هم الأزارقة والنجدية وانقساماتهم في حد ذاتهم تحت زعامة داوود وعطية وأبي ___ أو بطريقة أخرى المجموعة الخارجية الوحيدة في زمانه التي يتحدث عنها هي المتفرعة عن نافع ابن الأزرق فهذا هو الذي دفع بكوك الى الاعتقاد بأن سليم جاء قبل ثورة الشيباني الا أنه لم يكن كذلك وهذا هو الصحيح. لماذا لا يتحدث عن الصفريين بما أنهم كانوا من المفترض أنهم يمثلون أفكارا متطرفة كذلك كرون وزمرمان يستديران عن هذه الاشكالية بأن سليم كانت رسالته جدلية ولم تكن تاريخية وأنه كان فقط يتطرق للمتطرفين الذين جاؤوا من البصرة. لم يكن هنالك سبب لمعالجة تمردات صالح وتشبيب اذ أنهما كانا من الجزيرة وهذا يدعم رأيي بأن سليم والذين وأي من الذين كتبوا هذه الرسالة كانت تخصه الظواهر البصرية بينما الدعوة الإباضية كانت تتجه نحو القبائل اليمنية هذا من جهته يبدو أنه يوضح أن الصفريين لم يكونوا في معاداة معهم هناك على ان تمرد الجزيرة قد لايهم المصريين فكان عليهم ان يهتموا بعمان فكون عمران ابن حطان الشيباني الذي توفي سنة 84هـ 703م الذي اعتبره الصوفيون الزعيم الذي جاء بعد أبي بلال وجد أنه شديد التقدير في عمان عندما التحق بها لاجئا ويبين ذلك أن التربة خصبة لاشاعة الصوفية التي صارت نحو الاعتدال اذا كان أبو بلال هو نموذج المدرستين وبالتأكيد في الوقت الذي تركزت الدعوة الإباضية وامامتها القصيرة.
فصل 6 صفحة 3 (1/188)
صفحة 189
ما يبدو أننا نعالجه هو مراجع فقهية وليس زعامات وخصوصا ليس زعامات سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة على أننا بوصول زمن ابن سلام وهو المؤرخ المغربي الذي يكتب في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي فقد توفي سنة 283هـ / ___م كان أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي قد أصبح هو ثاني أهم فقيه بعد جابر ابن زيد الذي تتلمذ عليه. المرجع 6 فرغم ذلك يشار اليه كفقيه وكذلك عدد من الأسماء الأخرى فلتفادي اشكالية التسلسل الزمني والشكوك حول ذلك من ان الشاب أبو عبيدة الذي توفي بكل تأكيد بعد سنة 140هـ 757م في عهد المنصور. اذن قد جاء بعد جابر فان ابن سلام يعتمد تاريخ 103هـ سنة لموته عوض تاريخ 93هـ الذي يعطيها أبو عبيدة نفسه. المرجع 8. فالجوانب الدنيوية تكون أقل وضوحا عندما نقرأ أن عبيدة وأبا نوح صالح الدحان ودمان ___ كلاهما كانا فقيهين مفتيين أي أنهما كانا يقدمان افتاءات شرعية وأنهما عاشا في نفس الفترة الا أنه بالنسبة امؤرخنا المغربي يسكت عن هذا الشئ اذ ليس هنالك أي حديث أنه تم سجنه مع دمان من قبل الحجاج كما جاء ذلك في كتاب الشماخي المرجع 9. اذن الكلمة التي اعتبرها هذا التفسير المغربي لوضعية أبي عبيدة تم اعتقاده فيما بعد من قبل العمانيين ويقدمه أبو سفيان بنفسه في رسالته الى الحضرمي حيث نجد الأسماء دمان ابن الصائب هو الذي علم أبا عبيدة بينما في رسالة أبي عبيدة الى العمانيين يتحدث عن صهر هو الذي علمه بالنسبة للمغاربة يعطي اسم صهر واسم شخص آخر هو جعفر ابن السمان كمعلمه أما صهر ابن العبد وفي نسبته المغاربية في المراجع المغربية هو العبدي وهو بمثابة خطا كان من فقهاء المسلمين في خرسان في فترة جابر ابن زيد المرجع 10 والمصادر العمانية المرجع 11. نقول أنه كان من الطاهية وهي المجموعة الأزدية في البصرة التي تحدثنا عنها في الفصل السابق وجعفر كان عضوا من ضمن المفوضين الذين ذهبوا في استقصاء الخليفة (1/189)
صفحة 190
عمر ابن عبد العزيز أنظر تحته وأبي سفيان يزيد لغرض المغاربة أن ما تعلمه عبيدة من جعفر كان أكثر مما تعلمه من جابر وهي طريقة متحدقة للقول بأن أبا عبيدة رغم ذلك كان بالفعل طالب علم لجابر.
اذن لدينا ثلاثة أشخاص تم الحديث عنهم كأساتذة ومعلمين لأبي عبيدة والاثنين المذكورين في المصادر المغربية بدون شك من الأفراد المتأخرين من الجيل الأول الذين التحقوا بالدمان فأبو سفيان يربط بالعمانيين والحضرميين كيف أن دمان وصالح والدهان وأبا نوح وهؤلاء على ما يبدو في روايته أشخاص مختلفون في المرجع 12. وغيره من وزرائهم كما جاء في النص من بين فقهاء المسلمين ومشايخ تعودوا على الالتقاء في حرارة رمضان ومستخدمين قاربا للذهاب الى الجمعة في المسجد ويضيف قصة قصيرة عن قرة ابن عمر وهو عضو من الجيل اللاحقكيف انهم ذهبوا جماعة الى الحج وأن حاجبهم مسلم وهو حاجب الطائي التحق بهم بعد مراحل خالاج البصرة وهؤلاء الأربعة يبدون على أنهم شكلوا المجموعة الأصلية للاباظيين الأول وأثرهم تطور ضمن جيل الشباب اللاحق وأبو عبد الله يضيف مزيدا من الضوء على العلاقة بين هؤلاء الأعضاء للحركة المرجع 13. فأبو عبيدة يقول كأن أكثر خبرة في الفقه من الدمان الا أن أبا نوح كان أكثر تقدما في الفقه منهما معا وكذلك كان جعفر ابن السمان الا أن جعفر بالنسبة لأبي عبيدة كان أقدرهم في مسائل الدين أوضع للأذنى من أبي عبيدة وكان هو الحجة في الدين كما يقول النص. الا أنهم جميعا كانوا رجال شرف وفضل كما جاء في النص. يقول أبو عبد الله مرتبطون من دمان يضيف اذن أبو عبيدة حسب أقوال أبي عبد الله أصله من دمان وجابر ابن زيد ولكن معظم ما __ حسب النص جاء من صهر ابن العبد وبعبارة أخرى يؤكد أصله من جهة أبيه للمشارقة عوض المغاربة فأبو عبيدة لم يأخذ مباشرة عن جابر والقول بأنه أدرك جابر لا يعني أقل من أنه كان حيا في زمانه ولا يعني أنني أعرف فلانا بأنني كنت أعيش في (1/190)
صفحة 191
زمانه فمن الممكن أن الرجل رأى شيخا وقد يكون قد تعرف عليه كتلميذ في احدى مجالسه على يد واحد مثل دمان وهذا أبعد ما يكون عن القول أنه حصل على العلم من يده فالقول بان أبا عبيدة أدرك الذين عرفوا جابرابن زيد هي الصيغة الأصح المرجع 14 اذن من هم كل هؤلاء السابقون والمعاصرون لأبي عبيدة فالقول بأن أبا عبيدة وبكل شك وبكل تأكيد أين هو موضع أبي عبيدة بنفسه من كل هذا الشئ الأكيد أنه لم يأت بعده في الزعامة الإباضية من جابر حتى افترضنا أن هذا الأخير كان مؤسس المدرسة الإباضية فقد كان مازال صغيرا على مثل هذا الأمر فلذلك انه من غير المقبول عقليا هذا التسلسل مع فقدان حلقة سلسلة الجيل السابق وفي حالة ما اذا كانت المبادرة في تمشيط الحركة لم تأت منه بنفسه وهناك حلقة مفقودة في العقلنة لتطور الحركة اباظية في البصرة التي تنتهي بسلسلة الممات حتى ان قبلنا بغطاء اعتبار ان الأحياء كانوا في كتمان. فجابر ابن زيد وأبو عبيدة وربيع ابن حبيب وأيوب وائل الحضرمي وأبو سفيان المحبوب ابن الراحل أين هؤء كلهم اذا تتبعنا هذا المنطق لا يمكن عقلنة التسلسل التاريخي ولا الدور الذي لعبه كل فرد من هؤلاء.
فدامن لاشك أنه كان الشخص الأهم من جهة أخرى يبدو أنه كان فعل تلميذا لجابر ومن جهة أخرى هو الذي أفتى بالمفهوم الأساسي الذي وجد الحركة وهي عقيدة الولاية والبراءة سنأتي على توسيع هذه الفكرة لاحقا ولكن يمكن توضيح ذلك بقصة بسيطة قيلت عنه في بيان الشرع وفي جامع المفيد لأبي سعيد القدامي في علاقة مع التوبة ومفادها أن دمان سئل عن رأيه في شخص معين وقال أحدهم في المجلس أن ذلك الرجل من الأشرار فرد عليه دمان غير قابل ورد الشخص الآخر بأنه برئ من ذلك الشخص وبعدها رد دمان قائلا وأنا برئ منك فقال الرجل هل تبرأ مني يا أبا عبد الله فرد عليه دمان توبته وعاد عن براءته. (1/191)
صفحة 192
بعبارة أخرى لم يكن هنالك شقاق بالمجموعة فبعد تحديد الرأي عن الآخرين الذين تم البراء منهم سواء المعاصرون أو اللاحقون من المفيد التسجيل أن فقيها كبيرا من دمام قدم هذه القواعد بما فيها الموضوع المهم للغنيمة ومن هذا واضح أن دمان الذي كان بلا شك أكبر سنا من عبيدة كان شخصية قوية في الحركة وناقلا عن جابر ابن زيد فروايته تبدو أنها كانت وضعها أحدهم في ما يسمى كتاب الدمان وكان يشاركه صالح الدحان أبو نوح اذا كان شخصا مختلفا وحاجبا وفي تحديد قائمة الزعماء الإباضيين السابقين بالنسبة للحضرميين يضع أبا سفيان دمان مباشرة بعد مرداس أبو بلال وجابر هي سلسلة متشابهة لقاموس الشريعة حيث يظهر مباشرة بعد هذين الاثنين وأخ بلال عروة وأبو عبد الله ابن أبي سفيان يحدثنا على أن الدمان كان من البدو من بني ندب وهو فرع من فروع أزد شنوع المرجع 15 ومن أصل عماني نشأ في البصرة ذلك يقول ان الحاجب كان عمانيا نشأ في البصرة والفضل لجندب وهو أزدي كان موسرا أي تاجرا وقيل كذلك بان الحاجب كان هو الرجل الذي نظم شؤون المسلمين الإباضيين ورتب بحصولهم على السلاح بالنسبة لأبي حمزة طالب الحق خلال ثورته وتوفي وفي ذمته مائة وخمسون ألف درهم من الديون التي ضمنها الفضل بممتلكاته وهو المعروف بمسلو ابن خالد ابن صهر والتي اضطر لبيعها لأداء الديون ويمضي القاموس مقدما رواية الثورة الكبرى قبل الحديث عن الوفد الإباضي الذي ذهب الخليفو عمر ابن عبد العزيز وهو عمر الثاني اعتلى العرش من 99 الى 101 هـ 717 الى 720م.
الوفد الى عمر الثاني (1/192)
صفحة 193
على كل حال سنتطرق الى هذين الحديثين بالتسلسل الزمني فاعتلاء عمر ابن عبد العزيز عمر الثاني العرش بالمفاجأة كان مفاجأة سارة بالنسبة للخوارج المعتدلين الذين كانوا معجبين كذلك بابنه عبد الملك الذي مات مع الأسف ومازالت الجماعة المفوضة في دمشق. الظروف قد تطورت بشكل كبير في عمان وعمر كذلك تمكن من تهدئة الأمور في الأراضي الأمازيغية في شمال أفريقيا وظهر الخليفة الجديد وهو يطرح حكما اصلاحيا حقيقيا الا أن هذا لم يكن من مبتغيات يزيد ابن مغلب الذي كان قد راهن على أحد أبناء سليمان وتم ازاحته من السلطة من جديد الا أن حملته القاسية ضد أولائك أودعوه السجن وعذبوه ذهبت أبعد من اللازم وبعض أعيان الأزد مثل عتيق زعيم البصرة كانوا من المنتقدين فلا شك أن زعزعة عمر ليزيد لا يمكن تفسيرها على أنها فعل مضاد لقبيلة دمام فمجموعة قد تبدو ما قد نسميهم الإباضيين الأول كانوا من ضمن الذين اتجهوا الى دمشق لمساءلة الخليفة الجديد فكان عليهم معالجة المشكل الشائك لعثمان وقد ذهلهم موقف أبي حمزة في خطابه الذي قال أنه ذو نية حسنة ولكنه لم يتمكن من أهدافه وقد يكون ذلك غير مألوف نظرا لقصر حكمه فالمصنف المجلد العاشر فصل 11 في سياق كيف أن امام غير منتخب وبالتأكيد ضيف بامكانه أن يحصل على التأييد الذي حصل عليه وهذا مهم في الطريقة التي تصف فيها عمر ورغم أن المسلمين لم يجتمعوا في انتخابه تحسنت سيرته وحصل على القبول والرضى والتسليم وبعد ذلك طلبوا منه ان يوضح دين الله واختلفت الأمور عليه فتركوه ولم يؤكدوا امامته رغم قبول سلوكه. (1/193)
صفحة 194
مرة ثانية قائمة العمانيين في هذا الوفد تختلف عن قائمة المغاربة باستثناء شخص جعفر السماك الذي يعطى نسبة العبدي أي من عبد القيس من قبل الترجيمي والشماخي فعلى أساس كتاب أبي سفيان يتم وصفه على أنه زعيم الوفد وفي سيرته القصيرة يقول أبو سفيان أن جعفر كان شيخ أولاد عبيدة وان مت تعلمه منه كان أكثر مما تعلم من جابر ومن ضمن أولائك الذين رافقوه كان الخباب ابن كليب وسالم الهلالي وكما سنرى البعض رآى في اسم هذا الأخير سالم ابن زكوان ففي الرواية العمانية جعفر كان عضوا الا أن أباه يسمى السمان وليس السماك والوفد يشمل كذلك المودود حبيب ابن حفص ابن حاجب وأعطي وصف المولى لبني هلال وهناك خلط لسليم الهلالي قي الرواية المغربية مع حفيد أبو مودود حاجب الطائي كما سنرى كان هو أهم الفاعلين في لبصرة أنظر المرجع 17 ونجد كذلك اسم أبي سفيان قندر وأحد الفقهاء البارزين لدى المسلمين وهو أبو عبد الله الحطاطي ابن الخطيب المرجع 18 والمعروف بعبد الله ابن الخطيب وهو عضو في بني حميم وهم فرع من بني هيثم وأصلهم من توام في البريمي وقد عاش في الصمد الكندي لنزوة وزعيم الوفد اسمه أبو الحر علي ابن الحصين الأنباري وهو كان من موسري التجارة ما بين البصرة وبلده مع نقطة تساؤل مكة وكان يعطي نصف دخله لفقراء المسلمين والربع اآخر لمن يختارهم ويبقي على الربع فقط من دخله لحاجياته وقد لعب دورا كبيرا في انتفاضة مختار طالب الحق وتوفي في يوم مكة أنظرأذناه المرجع 19
الفصل 6 صفحة 7
أبو عبيدة وحاجب الطائي (1/194)
صفحة 195
لا ذكر لأبي عبيدة في كل هذا فالحديث الظاهر في الروايات المغربية بأنهم ندموا على أن الموفدين لم ينمكنوا من التوافق والسماح لعمر الثاني بالولاية كان الهدف منه ذلك ولا شئ غير ذلك أي أنه محاولة لاظهار أن كل شئ كان من تنظيمه وهو كلام قبل به الباحث لويكي الذي اعتمد أكثر من اللازم على المصادر المغربية بالنسبة للبصرة أكيد أنه في القاموس لا حديث لأبي عبيدة الا بعد هذا القول بل هناك كذلك بعض الكلمات عن أسرة الراحل التي منها أبو سفيات وكذلك صهر ابن العبد أما فيما يتعلق "بأبي عبيدة الكبيرهو مسلم ابن أبي كريمة وكان من البصرة" وهذا هو مفاد القول وبعده يأتي أن أبا نوح صالح ابن نوح الدحان كان من البصرة وعاش بحي الطي وذهب محدثنا مباشرة للقول مرة ثانية بأقوال تضرب في الآخرين وهذا مفاد قوله بالنسبة للرجل الذي يصفه ابن سلام بمثابة ثاني أكبر شخصية بعد جابر والذي يتصدر الأسماء التي تنتمي الى الطبقة الثالثة حسب رأيه على أنه يظهر الزيد عنه في سيرة خلف ابن زياد البحراني الذي هجر بلاده للبحث عن الحق كما قال وقيل له من قبل اباظي أن يذهب الى البصرة حيث يلتقي بأبي عبيدة وعند سؤاله عن مذهبه كما جاء في النص نصب نسبه له للقول أنه هو الحق. (1/195)
صفحة 196
هنا باختصار هو جوهر القول فأبو عبيدة كان مسؤولا عن ما يسميه كل من الباحثين كرون وزيمرمان وهما يبنيان كلامهما على أبحاث فان اس بالشرطة العقدية الا أنني لا أرى دليلا على أنه هو الذي بدأ ارسال المبعثين لادخال المسلمين خارج العراق في مذهبه فالمراجع التي يعطينها بالنسبة لهذا القول من الكتاب المعاصرين الذين فهموا أن الإباضية لم تتمكن وخصوصا في شمال أفريقيا خلال الفترة التي يفترض أن أبا عبيدة كان فيها يقود في بلاده ما كان يسميه بالدعوة وأنه درس بعض زعمائهم الذين جاؤوا الى البصرة الا أن هذا يفترض أنه كان مسؤولا عن تنسيق أنشطة الحركة من الناحية السياسية ولعب دورا فيما يدعيه كتابنا مسؤولا عن الثورة الكبرى في الجزيرة العربية على عكس ذلك جميع المؤشرات تبين أنه لم تكن له يد فيها وكرون وزيمرمان على حق يبينان أن أبا عبيدة كان من القعدة المتقين وأنه كان ضد الخروج وأن المدائني يقول أن الشخص المسؤول عن الثورة كان هو عبد الله ابن__ طالب الحق. (1/196)
صفحة 197
هناك أستبق الأمور بالتأكيد بتقديم أطروحتي التي سبق ان أشرت اليها في المراحل الأولى من هذا الكتاب وهو أنه كان هنالك خطان إباضيان متوازيان ولم يلتقيا الا بعد الثورة العربية الكبرى أول هذه الحركة الإباضية كان ___ والتسمية المستعملة آنذاك هو شراع واول هذين الشراعين سواء سمي إباضيا أو صفريا هو الشراع الأول وبوادره الأولى كانت تظهر في حركات الخوارج الأولى الا أن أبي بلال مرداس لم يكن يدعو الى الهجرة وأن غير المسلمين كانوا مشركين أو حتى أن القعدة كانوا من المذنبين لأنهم لم يقوموا بالهجرة فالمعارضون المسلمون كانوا من المنافقين وكما قلناه سابقا كانت تلك العبارة تستخدم عوض الكفار فهذه العبارة اعتمدت من قبل ذلك الناشط الفاعل الكبير الذي تم وصفه من قبل أبي سفيان على أنه من أفاضل المسلمين هذه عبارة النص وهو محمد النهضي الذي كان يبلغ على أن الأهل الأحداث من القبلة كفار ليسوا بمشركين ولا مومنين هكذا النص ففي رأيه كان يدعو جهارا في مسجده حيث كان يخطب ضد الخليفة هشام وواليه خالد ابن عبد الله القصري وقاضي البصرة من سنة 110 الى 120هـ الموافق ل 728 الى 738م وهو بلال ابن أبي __ابن أبي موسى قال له على الأقل أن يكون مرنا وأن لا يتهمه مباشرة عند المرور أمام مسجده وأخذ عبرة كما أن صاحبنا قد كان ضد المشهورالحسن البصري حول قوله بالقدر فاذا قارنا هذه المقاربة الشجاعة بأبي عبيدة الذي كان خائفا من السلطة لدرجة أنه كان يدرس في قبو يقف في بابه حارس يحمل سطلا كان يضرب عليه لما يقترب أي من ذلك الباب فهو وتلميذه كانا يختبآن حتى يمر المارة هذا في المرجع 20 وليس هذا من الذين يوحون بالثورة وكانت الحاجة فقط لايجاد ما هو مشترك وما هم مفرق مثل مفهوم القدر وانشاء القرآن والشك والارجاء واستخدام العقل البشري وهي التوافقات المعتزلية مع ما كانوا بحاجة اليه الى تشكيل أدوات فقهية مشتركة كقاعدة لما صار يسمى بالمذهب وهو (1/197)
صفحة 198
الذي دفع أبا عبيدة الى المقدمة ان الدعوة البسيطة التي قام بها الشراة وهم الشباب الخوارج الإباضيون الذين دخلوا مكة والمدينة باسم طالب الحق __ كتاب الله والسنة لنبيه أنظر المرجع 21. قد يكون كافيا بالنسبة للسابقين عليه في مهروان قبل تسعين سنة أو قبل الا أن العالم قد تغير منذ ذلك الحين وأصبحت تلك العقيدة على بساطتها بحاجة الى المزيد من التصفية والتحسين اضافة الى ذلك قد يكون أن الإباضيين في هذا التمرد الأول لم يتصرفوا بالتمام في ايطار مفاهيم الحرب مع غيرهم من المسلمين وحملاتهم قد تكون قد ركزت الحاجة الى التقدم بأنواع المواضيع خصوصا المتعلقة بالغنيمة. (1/198)
صفحة 199
اذن هل هذه المحاولة الأولى لانشاء دولة من قبل الشراة حسب مفاهيم أبي بلال أتت بفرعين أساسيين للعقيدة والشيرة لتشكيل مجرى عقدي واحد وفيما بعد بعد أن أصبحت الامامات متأسسة صار النقاش حول الشراع سؤالا يخص السابقة التاريخية بخصوص المبدا الأوسع للجهات وصار التأكيد الى العقيدة والشريعة انطلاقا من وجهة نظر الفقه كانت الحاجة الماسة الى انشاء سلسلة ينتقل بها كما في السنوات الأولى تنتقل بها العقيدة وللتقرير حول صلابة أسس السابقين ___ الحسن البصري فهذه هي العملية التي رفعت جابر ابن زيد وابن عباس الى مقام الآباء المؤسسين للحركة ودفعت بعبيدة الى أن يصبح هو اللاحق لهم وهذا من جهته جعل من الضروري تبيان أن فرع الشيرة والعقيدة كانا متحدين في الفترات الأولى وهذا ما كان السبب الذي جعل ابن اباظ في السنة 64 شخصا ضروريا بالنسبة للاباظيين كما لمؤرخ الملل وتفسر كذلك لماذا حاول أبو سفيان أن يوضح للمغاربة أن لا أحد قام بالخروج قبل مشاورة أبي عبيدة على أنه اضطر الى أن يقبل بأنهم استشاروا غيره كذلك والذي كان من ضمنهم حاجب الطائي الذي يجمع اسمه دائما مع اسم أبي عبيدة بالتأكيد كان عليه قبول ذلك لأنه كان له شأن أكبر وهيبة أكبر من ما لأبي عبيدة الذي كان يحيل الناس عليه فهو الذي نظم حسب اعتراف أبي عبيدة الشق البصري لتمرد طالب الحق وقد بقي بالتأكيد أهم شخص طوال تاريخ الامامة ومحاولتها لتشكيل الدولة في عمان وبعدها رغم أن أبا سفيان يحاول تقديم الفكرة على أنها حكم مزدوج وهي فكرة تفندها الحقائق اذن نقرأ في رسالته للعمانيين أن جولندة ابن مسعود طرح السؤال على أبي عبيدة وعلى الحاجب وعلى الفقهاء بينما لا أبا عبيدة ولا الحاجب كانا على استعداد للتدخل فيما بعد في النزاعات العائلية التي تمخضت عنها امامة الجولندة عندما قتل عضو من العائلة من قبل آخر خلال زيارة الى البصرة وصارت الشكاوي تهدد برفع الأمر الى سلطات الخلافة (1/199)
صفحة 200
المرجع 22 اضافة الى ذلك نعرف أن الحاجب نفسه قد كتب عدة رسالات وخطابات مجموعة في أكبرمراجع الفقه العماني وهو جامع ابن جعفر وخصوصا حول الشهادة هكذا في جميع النقاشات الأولى المهمة المتعلقة بالارادة الحرة والقدر نجد أن الحاجب لا يقبل النظرية القدرية وفي نفس الوقت نجد أن محمد النهضي ضد الحسن البصري لأنه كان متساهلا في هذا الموضوع.
من المؤكد في رأيي أن أبا عبيدة انتظر وفاة الحاجب قبل أن يفرض موقفه وكان فقط بعد امامة طالب الحق أن تشابكت العقيدة والسياسة بحيث بدأ أبو عبيدة يظهر أنه هو الفقيه المتزعم للحركة بل حتى آنذاك لم يكن أكثر من ذلك وأن المحرك الحقيقي للحركة الدعوية كان هو الربيع ابن الحبيب الفراهدي الذي كان يمثل بحد ذاته جناحي الدعوة والشيرة كما نجد أبا بلال نموذجا لها والفقه من جهة أخرى كما نجد جابر ابن زيد نموذجا لها وليس بالبساطة التي نظن أن أبا سفيان يربط اسم أبي عبيدة والحاجب كنوع من الثنائية في زعامة برأسين ولكنه في الواقع يميز بطريقة واضحة بينما يسميه الامام والشخوص الإباضيون الأول ذوو الشأن في رسائله الى الحضرميين والعمانيين الى الحضرميين كان يقول أن حكمنا هو حكم الأئمة أبي بلال مرداس وعبد الله ابن يحيى أي طالب الحق وحمزة مختار ابن عوف والجولندة ابن مسعود أولائك هم الأئمة وكانوا من السابقين الذين من السلف الذين يعتمدون عليهم وبصريح العبارة في النص سلفنا وأواليتنا وأئمتنا كما في النص الأصلي (1/200)
صفحة 201
و نفس الأسماء والعبارات استخدمت عند مخاطبة العمانيين الا أنه استخدم عبارة قوم عوض حكم التي فهمت من قبل الذين ذهبوا أبعد من اللازم فنسجل أن هذه القائمة تحتوي كذلك على أبي حمزة الذي كان من أتباع طالب الحق والذي نراه مرفوعا الى أعلى درجة في الواقع هو الشراع ويجب أن ننتظر الفقرة التالية في خطابه الى العمانيين الذي يتحدث عن أبي عبيدة الذي يقول عنه لقراءه فقط أنه كان من بين العلماء والنص الأصلي يقول وكان من علماء قومنا أليس هذا تصغيرا في شأن الرقم اثنين في السلسلة السلطوية الإباضية.
و اذا كان لدينا أي شك نعود الى رسالته الى الحضرميين حيث يعطي قائمة لأحد عشر اسما من السلف ويبدؤها بمرداس جابر دمان أبو عبيدة عبد الله ابن القاسم أي عبيدة الصغير وهو التاجر مع الصين الذي ساهم في تمويل الحركة أنظر تحته وليس عبيدة الكبير الذي لا نجده في القائمة__ اضافة الى ذلك عندما يأتي دور اسمه فان ذلك فقط للاشارة الى أنه كان الأستاذ الأساسي للربيع ابن حبيب وهذا مما يؤكده الربيع نفسه حسب كتاب أبي سفيان المرجع 24 الذي يرد عندما سئل من أين لك هذا ومن أين سمعت ذلك بجوابه حفظت الفقه عن ثلاث أبو عبيدة وأبو نوح ودمان ولا حديث هنا عن جابر وهذا يضع أبا عبيدة في موقعه الحقيقي أي الشخص الذي كان وسيطا للربيع بصفته الناقل الكبير أنظر مسند الربيع ابن حبيب واذا ___الى أعمق من ذلك قد نتعرف مباشرة عن دمام وأبي نوح ولا نعرف زمن وفاتهما وما نتعرف عليه كان أساسا من أبي عبيدة الذي من جانبه يصور على أنه اللاحق لجابر الا أن الربيع لم يكن من الشراع بل الرجل الذي بدأ فعلا تنظيم الأنشطة الدعوية في عمان بعد قتل الامام الجولندة وقد يكون بنفسه عاد الى هناك بهذه الصفة كذلك من الممكن أنه شارك في المحاولة الإباضية الأولى لتطوير المذهب في شمال أفريقيا ومحاربة تغلغل الصفرية. (1/201)
صفحة 202
بعبارة أخرى أبو عبيدة هو شخص كان في الظل ليس مختلفا عن ذلك الشخص التميمي الآخر الذي يظهر في لحظة حرجة في الحركة الخوارجية التي يفترض أنها بدأت لحظة وصول الإباضية وهو غبد الله ابن اباظ بنفسه فأبو عبيدة بحد ذاته يظهر كشخص تلتف حوله الحركة عندما صار ____ الإباضيون ينتظمون بصفتهم حركة دعوة التي كانت تحتاج الى قيادة بخصوص أمور العقيدة وأمور الدين والفقه وكذلك بخصوص الدعوة والشراع والخروج.
فصل6 نهاية ص9
" الثورة العربية الكبرى"
قبل فحص مسألة الربيع وجيله علينا ان ننهي تحليل سلفه وذلك بملاحقة موضوع الثورة الكبرى في جنوب غرب الجزيرة العربيةو التي كانت بمثابة روح الشراع كما نجد نموذجها في أبي بلال بعد سبعين سن تقريبا وبعد ذلك لعودة إلى جابر الذي يبدو انه شكل القاعدة العقدية للمدرسة أو المذهب الإباضي.
في الواقع إن هذه التسمية التي اعتمدها كرون وجبرمان بالنسبة لسلف الاباضيين الذي كان مؤسسه هو طالب الحق وحمزة هي غير دقيقة إلى حد ما فدخول الحرمين قد يكون حدثا مثيرا إلا انه بقيادة عدد قليل من الأفراد غير مجهزين وذوي عقيدة صلبة قاما بحدث باسم شخص سيسمى بالإمام في ما بعد بل كانت تسميته في آنذاك البداية بأمير المؤمنين وأعطى نفسه صفة طالب الحق ولاشك أنها حركة انتهازية مهمة تستفيد من الظروف المضطربة التي عقبت قتل الخليفة الوليد الثاني وخلافة مروان الثاني في دمشق سنة 127هـ 744م، أو التي استغلها الصفريين في ما كان بالفعل حربا أهلية في العراق وقضية طالب الحق بالدرجة الأولى قضية يمانية والدافع للذين شاركوا فيها هو العمل ضد قريش والسلطة الحجازية كما تبين عدة عناصر للرواية على الاقل في رواية الطبري. (1/202)
صفحة 203
من مناقشة ذلك في الفصل السابق المادة الخام لحركية يمكن ان توجه نحو قضية مذهبية كانت موجودة إبان النزاعين اللذين تمخضا عن تمردي زعماء القبائل اليمنية ابن الأشعث الكندي ويزيد ابن المهلب الأزدي وكلا هذين التجمعين القبليين الكبيرين كانا يمثلان جنوب الجزيرة العربية أصلا فكندة كانت من حضرموت والشهر بينما جزء كبير فيها يعيش في عمان بينما قبائل الأزد كانت تمثل جنوب غرب الجزيرة والشهر وحضرموت وكذا عمان بالإضافة إلى كان حليفهما قبيلة الطائي ولا يجب تنقيص أهميتها فلم تكن فقط شخصية أبو مودود الحاجب الذي كان طائيا بل كذلك هناك أبو نوح صالح الدحان الذي كان يعيش في الحارة الطائية بينما الخيار بن سليم كان كذلك من الشخوص الطائية الأولى من أصل عماني وفقيه من عهد أبو عبيدة(أنظر المرجع25) وكان من غير المحتمل أن هؤلاء اليمانيون الباحثون عن الثأر ان يستوحوا حركتهم من مولى تميمي قفاف بسيط مختبئ في قبوه حتى ولو كان كما تقول بعض المصادر عبيدة او سيد عبيدة هو اخو أبو بلال عروة فأزد وتميم لم تكن لتختلط وتاريخهما القريب جعل منهما من ألذ الأعداء ومن ذلك جاء التنافس في الحركة الخارجية ما بين ما أصبح يسمى الصفريين والاباضيين فالحركة الخارجية كانت تحت وطأة مجموعات قبلية لتميم وبكر بن وائل وكانوا هم الذين استمروا بطريقة انتظامية في التمرد بإسم الحركة الخارجية بعدما تم القضاء على الأزارقة من قبل المهلب فجاء دور اليمانيين لإيجاد أبطالهم وصاروا يعملون ضمن الحضرميين العمانيين لإستيحاء تمرد مبني على المبادئ الأساسية التي كانت ظاهرة في الحركة الخارجية الأولى إلى عهد أبي بلال وكما سنرى لاحقا إحدى الفرص الأساسية التي ركز عليها الاباضيين لإشاعة أفكارهم كان هو الحج حيت كان اللقاء والتلاقي سهلا مع المجموعات الثورية المحتملة إضافة إلى أن الحرمين كانت قريبا من اليمن "الكبير" وقريبا كذلك من البصرة خرسان وعمان التي كانت (1/203)
صفحة 204
كلها مرتبطة بمحور القبائل اليمنية بينما الروابط البحرية للخليج كانت سببا للغضب على الشروط المفروضة على التجارة من قبل الحكومة المركزية ونسجل كذلك عابرين أن الاباضيين الأوائل يبدو انهم اتخذوا وسيلة العمل مع النساء المهلبيات فقد ذكرت ثلاثة أو أربع منهن كنساء اعتنقن الاباضية (أنظر المرجع27) إلا أن شيئا أقوى من الدعاية كان ضروريا وهو الحاجة إلى استدراج مقاتلين شباب مستعدون للتضحية بحياتهم وأخذ للثأر لما حصل لقومهم من هزيمة شنعاء وكل ذلك مبني على أيديولوجية الشراع بإسم كتاب الله سنة نبيه لن اذهب إلى حد القول بان الاباضية كانت هي المبدأ اليماني الموازي للصفرية على أن هنالك عنصرا شديد الأهمية من الولاء القبلي والجهوي في الحركتين فتمرد طالب الحق كان قضية يمانية صرفة كما كانت كذلك امامة الجولندة ابن مسعود في عمان والتي عمرت قليلا بينما اول الاباضيين الذين حاولوا مضادة العقيدة الصفرية في شمال إفريقيا كانوا من الحضرميين فكما يتبين مما سبق فان الصفريين كانوا يصورون فيما بين المتطرفين الأزارقة والمعتدلين الاباضيين لأنهم كانوا من الوسطاء وبعد تحرك الاباضيين صار هذا الإختلاف منتهيا ان كان موجودا على كل حال بل أنني قد ادعي قد اقترح ان إحدى الدوافع التي جعلت من تميم ابو عبيدة التي دفعت بتميم أبي عبيدة حسب رواية أبي سفيان للمغاربة هي نزع الصفة اليمانية عن التمردات الاباضية الاولى بعد توسيع رقعة الدعوة خارج الخليج والجزيرة العربية وهذا يبرر لماذا يعود في رسالته إلى العمانيين الصيغة الخارجية وهي المتحكمة للحديث عن المؤمنين الحق قائلا انهم على حق سواءا في المغرب او في المشرق وبهذه الوسائل طورت الدعوة غطاءا من العالمية أو بصفة خارج الإقليمية. (1/204)
صفحة 205
والواقع أننا إذا بدأنا بالمؤسسين الحقيقيين للاباضيين ذمام وجابر بن زيد إذا سجلناه في قائمة الاباضيين بعد وفاته فإن الاباضيين الأوائل كانوا عمانيين وحضرميين في معظمهم وأزديين وكندة وطي وحمدان وعبد القيس والشخص الأهم من ناحية انطلاق الحركة كان هو أبو مودود حاجب الطائي فإحدى مصادر أبي سفيان أعطت اسم المليح الذي كان شابا يافعا وتتحدث كيف انه وعمانيا ذهبا إلى مجلس الحاجب في ليلة من الليالي ووجد هناك مختار بن عوف واثنين او ثلاثة من المشايخ فأرسل الحاجب الشابين للنداء على بن بلج عقبة وبدا ان اللقاء كان ذا أهمية رغم ان المليح لا يقول ان ماذا كان موضوع حديثهم ان الموضوع وربما لأن الموضوع كان خافيا عليه او القي في السر بعيدا عنه لأنهم استمروا في الحديث طوال الليل وقبل أخد الكلمة كان كل متحدث يقف للحديث امام الأخرين. (1/205)
صفحة 206
فأبو حمزة المختار بن عوف كان ازديا من بني سليمة (أنظر المرجع28) اصله من المزاج وهو المركز القبلي لباطنة الشاطئ في منطقة سهر التي كانت عاصمة مركزا تجاريا أساسيا لعمان والبلج بن عقبة كذلك من المجاز رغم انه كان فراهديا من نفس فرع الربيع بن حبيب الثلاثة كلهم كانوا من قبيلة مالك بن الفهم ومن الفروع التي هاجرت متأخرة إلى البصرة وكانوا العمود الفقري لقوات المهلب وقوات ابنه اليزيد التي تهشمت فيما بعد وكما سنرى كان الحاجب الطائي الذي كان عمانيا كذلك هو الذي اقنع التجار باستثمار أموالهم لشراء العتاد للتمرد وبنفس الطريقة اقام لنفسه تغطية لدين سيؤديه عنه احد التجار العمانيين فجماعة التجار كانت شديدة الأهمية في البصرة ولا نحتاج الى اعادة لذلك إذ كان كثيرا منهم يقومون بالتجارة مع ما كان يسمى حتى ذلك الحين ارض الهند ومن المراجع السالفة الذكر نستقي ان قيودا قد فرضت على تجارة الخليج من قبل السلطات ولاشك انهم كانوا من المتعاطفين مع الاباضيين الا انهم كانوا قعدة ورغم ذلك مستعدين ان يستثمروا بعض مالهم في الحركة احد الشخوص المهمة في هذا المجال كان ابو عبيدة عبدالله ابن القاسم وهو ابو عبيدة الصغير الذي كان اصله من دسية داخل عمان وذهب تاجرا الى الصين حسب ابي سفيان وهناك تاجر صيني اخر ساعد الاباضيين في عهد الربيع وائل ابن ايوب الحضرمي وهو النزر ابن ميمون (المرجع29). (1/206)
صفحة 207
كما سبقت الاشارة الى ذلك فان الدعاية الاباضية الخارجية كانت موجهة نحو مكة في ذلك الزمن وكما سنرى جميع الزعماء الاباضيين اقاموا مجهودات كبيرة في الذهاب الى الحج كل سنة وحسب رواية الطبري كان أبو حمزة ناقدا صريحا ضد المروانيين بل انه جلد في احدى المناسبات على اقواله وعلى ما يبدو استمع اليه في احدى المناسبات عبدالله ابن يحيى أي طالب الحق الذي اقترح عليه ان يعود معه اما ان الروايات الاباضية فتقول فقط ان طالب الحق اتصل به البصريون (المرجع30).
فطالب الحق كان حضرميا ومن نفس مجموعة كندة التي منها ابن الأشعث حسب ابن الكلبي وهو رجل تقي عالم كان قاضيا في بلده الأصلي عينه العامل المحلي إبراهيم ابن جبل الكندي وتحت قيادة الوالي الأموي لمنطقة أو إقليم اليمن الكبير وهو القاسم أو القسيم ابن عمر كما أن طالب الحق كان في اتصال مع أبرهة ابن سراجيل ابن الصباح الحميري (المرجع32) وبدعم من أبي حمزة والشابي ابن العشرين ثلج الذي استقدم معه قوة قوامها ألف رجل تمكن طالب الحق من التمرد ضد الحاكم الحضرمي أو العامل الحضرمي فالشاب بلج يفترض انه استجمع جنوده من المنطقة العمانية بدون شك من ضمن جيوش المهلبة السابقون ومن عشيرته كذلك الذين كانوا يعيشون على الشواطئ الفارسية وفي جنوب شرق عمان ولاشك انه قاطع الخليج إلى حضرموت فالقوة العسكرية العمانية الحضرمية كان قوامها إلف وستمائة هاجمت القويسم الذي صف حسب الروايات ثلاثين ألف وهو بلا شك تضخيم مفرط وجاء النصر حليفا للمتمردين الذين جعلوا عبدالله ابن يحيى حاكما في صنعاء. (1/207)
صفحة 208
بعد ذلك تم التفكير في خطوة جريئة هو دخول الحرمين خلال فصل الحج والذي قام بتنفيذه ابوحمزة فبقوة قليلة غير مجهزة تجهيزا من العمانيين والحضرميين دخل مكة قبل الحج وذهب إلى عرفة بينما تخوف العامل المحلي وتسرع إلى هدنة يضمن له الأمان حتى يعود الحجاج من منى فتجمع الخوارج على جبل عرفة وبعد عودة الحجاج هرب العامل معهم وترك المدينة للمتمردين فالمصادر الاباضية والكلاسيكية على السواء تتفق على القوة المهاجمة الصغيرة للخوارج التي كان قوامها أربعمائة حسب الطبري وستمائة حسب الترجيني على انه كان ظاهرا أن أبا حمزة كان معتمدا على بعض الدعم من اتصالاته التي قام بها سابقا وربما ن مجموعات الحجاج وان العامل الأموي كان واعيا بذلك الخطر وسيظهر لنا هذا في الصفحة اللاحقة وهي التحرك نحو المدينة.
هنا مرة أخرى المصادر الكلاسيكية والاباضية تتفق إلى درجة كبيرة فحسب أبي سفيان أبو حمزة التحق به قوة أربعمائة من خزاعة فسواءا كان الزعيم الخارجي قد لعب على المنافسة المحلية أو بعض الاتصالات الأزدية (حيث كان فرع من خزاعة يعيش في عمان، المرجع33) الا ان الواقع ان القوات القرشية مسيطرة على المدينة بعد ان رفضت دعوة الى الاحتكام الى كتاب الله وسنة نبيه عوض حكم المروانيين خرجوا ضدهم والتقى الجيشان في مكان يسمى قضيب الذي كان في مجال خزاعة مابين مكة والمدينة وانهزموا بعد فقدان سبعمائة من القتلى حسب تقرير لابن الطبري تقارير اخرى يشير اليها المؤرخ توضح ان خزاعة قد غدروا بهم وان رواية أخرى توضح ان النزاع اليمني القريشي كان من ضمن خصائص المعركة وما بعدها لاشك ان تشدد صراة الشباب لعب كذلك دورا في المعركة وهذا ما يبرزه ابو حمزة في خطبته اللاحقة كما جاءت على لسان الطبري (المرجع34) تلي او بعضا من الخطبة. الخطبة التي تبتدئ: اعرفوا يا اهل المدينة. (1/208)
صفحة 209
الا ان النتيجة كانت متوقعة فصار اربع من بعض الاف من السوريين واضافة الى الف في ما بعد من العراقيين غير الراضين وبعثهم تحت ابن عبدالمالك ابن محمد ابن عطية وهو من قبيلة بني سعد ابن باكر بعث بهم الأمويين إلى الحرمين فتحرك بلج والحميري لملاقاتهم وكذا القضاء عليهم في معركة وادي القرى بعد اقل من ثلاثة أشهر مضت على معركة "قضيت" فصار ابن عطية إلى مكة التي كانت تحت سيطرة بني حمزة وتلت بعد ذلك معركة "يوم مكة" فصلب جسده وترك كذلك. نموذجا للآخرين ذهب طالب الحق مع مواليه وقطع رأسه وأرسل إلى دمشق تم بعد ذلك أخذ ابن عطية الحرب إلى الأراضي اليمنية والتقى هناك بمقاومة شديدة خصوصا في حير وحمدان التي لم تكن مهتمة بالثورة الاباضية ولكنهم كانوا من الأعداء اللدودين للخليفة وبعد ذلك استدعي ابن عطية بنفسه بزعامة وفد الحج وتم القضاء عليه وأصحابه عدا واحدا تمكنا من التعرف من انه كان من الحمدانيين واستقبل بحفاوة في الواقع استمر الحاكم الأموي الجديد لليمن بدون نتائج واضحة واستمر إلى غاية سقوط الأمويين مما أوقف الهجوم على الاباضيين الحضرميين.
الفصل 6ص 13
كخاتمة للرواية يجدر الإشارة إلى ما حصل هناك فأتباع الاباضية سجنوا عبدالله بن سعيد الذي كان قد عينه طالب الحق كنائب عنه عندما انتقل الى صنعاء ووضعوا مكانه زعيما شارعيا او شاريا اسمه خنباش (أنظر المرجع35) ودخل على نزاعات زعيم الحضرمين في البصرة وهو الذي سيخلف الربيع وابن أيوب الذي رتب لمودود حاجب الطائي للمجيء خلال الحج والتحكيم إذ كان مريضا في مرض في بصره وكان غضوبا حكم لوجهة المعتدلين وقال طلب من الحركيين التحرك خارج حضرموت بدون حالا فبعد ذلك لم يطل عمر الامام الدفاعي (المرجع36) وعادت حضرموت تحت سيطرة الحكم المركزي العباسي. (1/209)
صفحة 210
جابر ابن زيد: اذن تحدثنا عن الشخص الذي جعله الاباضي بمثابة مؤسس الحركة وعلينا ان نتحرى للتاكد وان لم يكن كذلك في التغليط مثل ما حصل بالنسبة لابن اباض وحتى ابن عبيدة فمن جهة لدينا ابو هلال زعيم الثورات المتاخرة للخوارج والتي بدات في نهروان والذي انفصل عن البصرة في السنة الهجرية 61 عندما لم يستتبع القعدة من جهة اخرى نجد طالب الحق بالنسبة لأولئك الذين لا يقبلون بالعقائد المتطرفة للأزارقة والهرطقات المتصلة بها صار ابو هلال نموذج الشراع بالنسبة للأجيال اللاحقة بما فيهم ثورات تميم وشيبان التي صارت تنعت بالصفرية فطالب الحق يمثل نموذج الثورة الاباضية الحقيقية وأول تشكيل لما صار يسمى امامة وقبل ذلك ليس بالقليل كان من كان يعترف كإباضيين ضد الشراع بل انهم حتى بداية القرن الثاني الهجري لم تكن لديهم أي قاعدة أو قوة عسكرية يستغلونها فالإباضيون الأول كانوا من القعدة بالضرورة ليس لأنهم اعتمدوا مبدأ الهجرة عن الإمام الجائر وان هذا المبدأ غير مقبول كما يدعي سليم ابن زكوان عند حديثه عن الفتانة فإيديولوجية الشراع كانت دائما موجودة ولكنها بدأت تبرز كدعوة للفعل من قبل اعضاء الحركة الجاسرون أمثال أبي محمد النهضي وحاجب الطائي وربما سليم ابن زكوان نفسه بعد وفاة عمر الثاني ولاشك ان التطور جاء بالتدريج فالدويكي (المرجع1971) يقول ان الحركية التي صار إليها الإباضيون دفع إليها نزع الخليل ابن عبدالله القصري من الحكم في العراق في سنة 120هـ 738م، وبالخصوص تسامح قاضي البصرة الذي اختلف معه ليخلفه ابو محمد النهضي مما يشير الى تسامح نسبي ازاء الاباضيين الأول إلا أن أبا محمد كان يبدو شخصا فريدا من نوعه ولا يعني ذلك ان النشاط السياسي السري لم يكن منتشرا. (1/210)
صفحة 211
ان مفترق الطرق الحقيقي كان هو الهزيمة الشنعاء ليزيد ابن المهلب فكندة وأزد والطائي بل وحتى عبدالقيس أصبحت بعد ذلك صراة محتمليا على انهم كانوا بحاجة إلى الإقناع وبالتحديد يحتاج إلى ربع قرن بينما كان الإباضيون الأول الذين كانوا في معظمه من البصريين كانوا من أصول مختلفة وكان عليهم العمل بتقطع ليحصلوا على القبول لأفكارهم وكذلك في تعليم الفكر الخارجي المنضبط لأبناء القبائل الذين كانوا متسرعين للثار ولم يساعد ان الثورات الخارجية سواءا من النوع الذي حصل لاسباب معقولة او لا كانت بزعامة تميم او بكر ابن وائل او يقودها زعماء من تميم وبكر ابن وائل. (1/211)
صفحة 212
فحصل في نفس الوقت التي ظهر فيها هذا التنشيط مجموعة من الأشخاص اسميهم بالاباضيين الأول والذين قدموا مجهودا كبيرا لوضع مقاربة اسلامية متجانسة لقيم الجماعة الاسلامية الحقيقية وخصوصا قواعد السلوك التي تعلن في الشراع عند معايشة المسلمين الاخرين والقعدة والتي تم ضبطها في ما بعد في مصطلحي الظهور والكتمان فكان علمه بفي التاويل والفقه الذين شكلا الاساس للمذهب المتشكل والاعتراف بالولاء في قيمهم عن طريق الولاية وهي صيغة ستتطور في مابعد ويمكن ان تترجم بصيغة الالتزام المتبادل وفي رايي ان الشخص الاهم في رص اطراف هذه الحركة هو دمام ابن الصائب على ان ذلك ليس همه بمكان لانه آنذاك لم تكن هيكلة شكلية بل كانت مجموعة من الاشخاص تجري وراء نفس الهدف حول قضايا تهمهم وانتشرت افكارهم لدى آخرين في البداية على سلسلة مدرسين بداوا يظهرون وهذا في ما بعد اصبح اماما مضبوطا كام حاول اشباه ابي سفيان بعد قرن تقريبا ان ينظمه في ما كان في البداية اصولا مشتتة ففي عملية تمحيصنا لهذه البدايات نتوقف على شخص كبير كذلك في بداية هذه الحركة وهو ابو عبيدة الذي بدا يتحرك في السياق فرغم انه لم يختفي تماما مثل شخص ابن اباض تبين في ما بعد انه اكثر من الفقهاء العالمين واللاحقين في الرواية الاباضية وهو الذي تمكن من تشكيل وحدة هيكلية من الفترة غير المتجانسة السابقة وخصوصا لايجاد حلقة الوصل ما بين الشخصين المهمين في الزعامة الاباضية وهما جابر ابن زيد الذي اقتفى ابن اباض رايه كما يقول الشماخ وربيع ابن حبيب كما سنرى هو المنظم الحقيقي للحركات الدعوية وعلى سلسلته تمكن ابو عبيدة وجابر ابن زيد من بناء سلطتهما التي تسجل التسلسل من جيل لاخر حتى الى أولئك الذين عايشوا الرسول. (1/212)
صفحة 213
انني لااقول ان هذه الاهمية التي منحها جابر كانت فقط لتهميش بني تميم وادماج الأزد عوضهم ولكن ذلك قد يكون مفيدا جدا إذا كان المؤسس الحقيقي للحركة هو بالفعل عضو من الجماعات الأزدية ذات الشان هم بنو يحمد والذين وضعوا يدهم على الامامة في عمان مستندين على شرف ذلك التاسيس.
ايا كانت الحال علينا الان ان نراجع ما نعرفه بالفعل عن جابر (المرجع37) فهو من ازد عمر ابن يحمد والمسعودي وحده هو الذي يقول انه مولى ازدي وهذا من غير المحتمل تماما نظرا للوضع الذي توصل اليه في البصرة التي كانت شديدة الوعي باصولها القبلية وقد ولد سنة 21 وقيل 18 في شرق ليس بعيدا عن نزوة في الجوف ومن ذلك نسبته الجوفية وليس نسبة الى جوف البصرة هي نيته تعود على ما يبدوا الى ابنته التي ما زال قبرها معروفا فباقوش وجد احدى روايات جابر عن ابيه التي قد تشير الى ان زيد اتوا مع الجيوش الاولى لازد من تواج ووصل جابر الى شان كبير في البصرة واصبح صديقا حميما ليزيد ابن ابي مسلم الذي كان كاتبا للحجاج بل ان الحاكم العراقي يبدوا انه عرض عليه منصبا كقاضي الا انه رفض وقبل عوض ذلك وظيفة في ديوان المقاتلة باجر كبير كان يبلغ ستة او سبعمائة درهم فكان اثره الحقيقي في ميدان العلوم الاسلامية وكان يحج بانتظام وكان يعرف كثيرا من الشخوص البارزة وهو ما اعطاه مركز المفتي وهو دور شاركه فيه الحسن البصري كما هو معروف فابو محمد محمد ابن محبوب يعلق على تلك العلاقة باختصار بقوله ان جابر كان افقه من الحسن البصري وافضل منه أي انه كان فقيها الا ان الحسن كان في العامة وجابر للقوم وكان لديه قدرا كبيرا على قوم عهده بعبارة اخرى كان الحسن شخصا شعبيا بينما تاثير جابر كان على العلماء. (1/213)
صفحة 214
السؤال المطروح هو هل كان اباضيا وبتلك الصفة يصبح السؤال غير ذي معنى لانه في عهده لم يكن هنالك اباضية بل ولزمن بعيد كما قيل سابقا كان رفضه البات في ابن سعد يشير الى ان الكاتب كان واعيا بالادعاء الاباضي والذي كان يقال انه كان ابا له مؤسسا له لذلك يقدم الدلائل على انكار ذلك ايا كانت الحال فان جابر انكر ذلك منذ ذلك الحين كما يظهر في الكشف كان مستخفيا في ايام الكتمان فالتقية والكتمان كانت طريقة في جميع الاحوال تفيد في التستر وربما الاصح هو السؤال هل كان خارجيا؟ هناك شيء اكيد هو انه لم يشارك في أي ثورة خارجية وكان مسافرا خارج المكان أي في سرق عندما تمرد ابو بلال فما ورد في الكشف ان ابا بلال كتب اليه في عمان طالبا منه رايه بصفته ائمة المسلمين ولم يكن للمؤمنين ان يتحركوا دون رايه هي فقط محاولة لربط العلاقة بين الشخصين الشارع والقائد في نفس الطريقة التي استخدمت فيها الاسمين في قول عائشة حول واقعة الجبل فلا حديث عن سليم ابن زكوان (المرجع59 و92) الذي يستدير حول دعمها بعد وفاتها لعثمان وذلك بحذف اسمها بكل بساطة ووضع اللوم على طلحة والزبير فلا توبة في هذه الرواية في مقابل ذلك نسجل انه لم يكن منشغلا بعبيدالله ابن زياد الذي كاد ان يسجنه لولا انه اختفى الى بلده الاصلي لمدة. (1/214)
صفحة 215
من الواضح من كل هذا ان كل القرائن تدفع الى الظن ان جابر كان متقيا ان يقول شيئا عن الشراع او الخروج وابو سفيان للاستدارة عند هذا يستخدم عمان كمحور او كذريعة لتهريب جابر في ايم الحجاج قائلا في روايته للمغاربة انه ابعد الى هناك مع ابنه هبيرة وهذا يعطينا اشارات عن ابي سفيان واسرته اكثر مما يعطينا دلائل عن ابن جابر لانها معطيات تظهر فقط في المصادر المغربية فبنو الراحل لم يكونوا كثيروا الشعبية لدى جوهر العلماء في عمان كما سنرى وقد يكون ابو سفيان حاول للرفع من شان اسرته كما انه من الممكن ان الحجاج ابعد بالفعل أولئك الذين شكك في عواطفهم الخارجية بعد احتلال عمان بل ان جابر نفسه قد يكون فهم انه من الافضل لديه بالنسبة له ان يبتعد عن الابصار من البصرة مؤقتا فكان في البصرة عند وفاته واذا كان تاريخ 93 هجرية دقيقا فان الحجاج مازال حاكما على البصرة بالاضافة الى ذلك بامكاننا ان نقارن هذا الابعاد اللطيف إذا كان بالفعل ابعادا مع المعالجة الدموية التي عان منها دمام وابوه عبيدة عندما ادخل السجن.
في المقابل جابر كان حريصا على الا يظهر أي تعاطف مع المتمردين فحسب احدى الروايات ساقها باقوش اختفى من الفتن خلال فتنة ابن الأشعث واليزيد ابن المهلب وذكر هذا بعد وفاته في 73هـ او 96، الا انه دفع الى الاعتراف ان حتى امير المؤمنين يمكن ان يتهم بالفتنة سواءا كان هذا التصريح صحيحا او ادعاءا فانه يبين ان جابر كان من التقية فاذا لم يكن يدافع عن الشراع واختفى من الفتن، ماذا يعني ذلك؟ الا انه كان خارجيا متقيا او على الاقل متعاطفا فلا شيء غير ولا حكم الا لله وهذا لم يكن شيئا استثنائيا فحتى الحجاج لم ضد المفهوم الاساسي لمبدا الحكومة الاسلامية على اساس كتاب الله وسنة نبيه وبطبيعة الحال ان الضوء الذي يرميه على معنى هذه الجملة التي قالها جابر تختلف لدى الاباضيين وغير الاباضيين فالقيام بالحج كل سنة مكنه من ال (1/215)
صفحة 216
الفصل 6 آخر ص16 :
واستغل سفره إلى الحج كل عام فأصبح من المقربين إلى عائشة التي توفيت 57هـ ومن أمثال أبي هريرة وانس بن مالك وأبي سعيد الخدري الذي توفي سنة 63هـ وسبعين من الآخرين الذين كانوا قد حاربوا مع الرسول وعلى الخصوص ابن عباس فكيف كان أن يتسنى له أن يلتقي بأهم مرجع كان يعتبر بمثابة بحر العلوم بالنسبة للاباضيين، وهو ابن عباس فابن عباس كان شيعيا وكان علي يتمنى أن يعينه حكما ورغم ذلك فان ابن عباس كان متعاطفا مع الخوارج وحاول جهده للتقريب بينهم وعلى كل حال من الواضح انه اختلف مع علي فيما بعد.
إذن جابر كان شخصية ذات تأثير كبير في البصرة يحترمه الجميع وعندما نقول الجميع نعني ذلك كان يعتمد على المصادر الاباضية وغير الاباضية سجل منها باكوش 101 من الأسماء لذوي السمعة الطيبة الذين اعتمدوا عليه مباشرة ومن هؤلاء لم نتمكن من تحديد هوية 28 إلا أن أيا من هؤلاء لم يصدر اسمه في المصادر الاباضية بل لم نجد منهم إلا ثلاثة من الاباضيين أو بمن اسميهم أنا الاباضيين الأوائل وهم ذمام وأبو نوح صالح الدحان وأبو عبيدة إضافة إلى شخص أخر المريب وهو الربيع ابن حبيب الذي كان شابا صغير السن إضافة إلى امرأتين مهلبيتين اللتان صارتا تابعتين للاباضيين وهما عتيقة بنت صفرة وهند بنت المهلب وهذه الأخيرة تزوجت وطلقت من الحجاج وتنتهي الأمور هنا فمن المفيد كذلك إن هنالك حوالي ستة من الأزد الرسميين عتيق وهدان يحمد الذين اخذوا عنه وذلك غير مفاجئ على أساس أصولهم القبلية العمانية ولكن يبين انه تأثير لدى غير الاباضيين الأوائل من الفروع القبلية التي كان لها شان كبير في استقطاب التاييد للامامة. (1/216)
صفحة 217
لا بل الدليل الوحيد على كل هذا هي رواية قصيرة عن أبي سفيان تخص أبا عبيدة الذي لم يفهم جيدا موضوع الشفعة وعندما تمت مسألته يقول لشيوخ البصرة أن يذهبوا لملاقاة جابر لأخذ رأيه حول الموضوع بعبارة أخرى كان جابر المركز المرجعي المهم بالنسبة للفقه والتأويل لدا الاباضيين الأوائل فعلمه كان جيدا ولذلك أصبح مرجعهم بهذا المعنى يمكن انه يقال انه مؤسس مذهبهم والفائدة من كل هذا هو إرجاع الاباضية إلى الجيل الأول من التابعين أي أولائك الذين عرفوا الرسول عن كتب وبالخصوص إلى ابن عباس فقد يكون متعاطفا مع الخوارج مثلنا كان الأحنف بن قيس إلا انه بقي الأمر لديه في التقية ولا يهم ذلك على كل حال الأهم هو أن الاباضيين ركزوا مرجع مذهبهم إليه إذن بالنسبة لأبي الحر زعيم الوفد إلى عمر الثاني الذي توفي يوم مكة: جابر كان كل شيء، فجوابه على المسألة كان دائما على منوال : سألت جابر فأجاب بالقول، وسمعت جابرا يقول وقال جابر ورواية عن جابر إذن أصبح جابر المرجع الإباضي الأساسي ولكي يجعله الرواة أو ليناسب أصحاب الروايات حياته مع شخوص آخرين سيظهرون أو سيبرزون في تاريخ الحركة الاباضية وخصوصا أبي عبيدة والربيع كذلك لإظهار انه كان فاعلا بعد موت الحجاج كان من الضروري إثارة عمره الذي قال عنه 'ابن سلام: انه عاش إلى سنته المائة وثلاثة'. (1/217)
صفحة 218
وللوقوف على الربط مابين أبي عبيدة وجابر في الترتيب الذي حصل في القرن السادس لمسند ابن الربيع فأنه ينتهي بنقل مباشر لسبعمائة واثنان وأربعين حديث مباشرة من عبيدة إلى جابر ابن زيد ثمانية وستين منهم عن عائشة وأربعين من انس بن مالك وستين عن سعيد الخدري واثنين وسبعين عن ابي هريرة ومئة وخمسين عن ابن عباس إضافة 184 مراسيل من جابر وثمانية او ثمانين من أبي عبيدة ولا غرابة أن السالمي (في لمعة ص76) يقول ': ان مسند الربيع حيت تم تسجيل كل هذه التفاصيل في الوثيقة المشهورة بالترتيب هو أول كتاب بعد القرآن وأن إسناده أحسن من إسناد البخاري' وهو سند عن مولى تميمي توفي في العهد العباسي بدون شك بعد سنة 150هـ لا حاجة إلى التعليق على ذلك.
رسالة ابن اباض الأولى:
كل هذا يؤكد التحفظات التي يقدمها كوك في رأيه ان الوثيقة الاباضية رقم1 أي الرسالة المنسوبة لإبن إباض والموجهة إلى الخليفة عبد الملك بن مروان كان في الواقع كتبها جابر إبن زيد إلى ابن المهلب عبد الملك أما رسالة ابن اباض الثانية كما رأينا فقد يكون كتبها ابن اباض الحقيقي إلى رجل شيعي غير معروف غير أن رسالة ابن اباض الأولى لم يكتبها لا ابن اباض ولا وجهت إلى الخليفة عبد الملك. (1/218)
صفحة 219
إن نسب الرسالة إلى ابن اباض راجع بلا شك إلى أن الكاتب كان من السابقين إذ انه كان بالغا في عهد معاوية الذي توفي سنة 60هـ ومثل سيرة سليم الرسالتين الأولى والثانية عادتا للظهور بدون شك في عهد متأخر وبدون شك بعد أسطورة ابن إباض التي قبل بها الإباضيون وبذلك أصبح إرجاع مثل هاته الرسائل مقبولا لدينا والشخص الموجهة إليه تلك الرسالتين قد يكون فقط اسم عبد الملك إلا أن كاتب الرسالة الاباضية الأولى حاول قدر جهده أن يفهم من زمانها وافترض أنها كانت مكتوبة للخليفة عبد الملك بن مروان وأضاف إليها بعض التعديلات بحسن النية ولكن في نفس الوقت مضيفا تأكيدا على الرسالة أنها كتبت من قبل ابن اباض هناك شيء بينه كوك بالدليل حتى لو كان ابن اباض كاتب الرسالة الأولى وذلك أن ابن اباض لم يكن يكتب للخليفة عبد الملك وهذا ما يزيد من إضعاف الرابطة مع ابن اباض فالتحفظ الاساسي لكوك ضد فكرته أن الرسالة شديدة القول بخصوص الأمور السياسية وتعلن بمولاة واضحة للخوارج في الماضي وتدلل بكلام الله في إقامة فرض الجهاد ضد الإمام الجائر في أي زمان وأي مكان في نفس الوقت وفي تناقض صارخ سيرة سليم يبين الكاتب موقفه ضد تقية الأفكار والمعتقدات الدينية وهذا يحتوي على تناقض مع مراسلات جابر وعودة الإشارة إلى خوفه من السلطات وتأكيده على التقية. (1/219)
صفحة 220
رأيي الشخصي هو أن الرسالة في الواقع كانت مكتوبة من قبل أحد الحركيين السابقين في المذهب المالكي وكتبت لعبد الملك بن عمر الثاني ونعرف أن الاباضيين كان أملهم كبيرا في ابن الخليفة إلا انه مات ووفدهم في طريقه إلى دمشق فحضروا جنازته وهذا يتناسب مع الصيغة اللطيفة بصفة عامة والدعوة إلى الإصلاح وكذلك إلى اعتلاء الحكم المفاجئ لعمر ابن عبد العزيز وما أتت به من خلافات داخل الأسرة الأموية وبذلك رأى الكاتب انه من الممكن التهجم على أسرتهم لان فرع عبد العزيز كان قد تم تخطيه فالمنافسة قد تفسر كذلك بالمناسبة كيف أن ابنا أخر لعمر وهو عبد الله عندما كان عاملا على الكوفة وصل إلى توافق منسجم مع الضحاك ابن قيس الشيباني (المرجع38) في حربه ضد مروان الثاني وفي النهاية عبر عن ولائه له في سنة 127هـ 745م. إذا فمن الواضح أن صاحب أو الذي كانت الرسالة الأولى موجهة له كان قد اتصل مع الخوارج الاباضية لمعرفة مواقفهم السياسية وعبر لهم عن ما كان مشهورا آنذاك من انهم كانوا متطرفة وجوابا على ذلك يتحدث كاتب الرسالة عن الخوارج الأوائل الذي يجد نفسه في نفس خندقهم وعن شذوذ الأزارقة وكذلك يعرج على عثمان وعلي وغيرهم، فهذه المبادلات الأولية حصلت قبل خلافة عمر الثاني، ولا شك أن الطلب بإسم أبيه على كل حال فإن الاتصال الحاصل قد يفسر كيف أن وفد الاباضيين ذهب إلى الخليفة الجديد وتجادلوا معه حول أمورهم على أن هوية الكاتب تبقى مسألة خيال وعلى انه بالتأكيد من الجيل الأول الذين عاشوا في عهد معاوية على الأقل كفتى فلو كان بإمكاني أن أقدم رأيا سأقول أنه كان الحاجب الطائي الذي كان من الناشطين ولم يترك وثائق مكتوبة المشكل هي أن هذا الاقتراح يطيل عمره إذا كان قد مات بعد الجولندة بابن مسعود أي سنة 134هـ، حتى إن توسعنا بعض الشيء في قول الكاتب بأنه عايش معاوية وابنه يزيد وقد يكون كذلك من المرشحين لكتابة تلك الرسالة من ضمن الوفد الذي (1/220)
صفحة 221
ذهب بالفعل لزيارة عمر الثاني.
سليم ابن دكوان:
في النهاية وبمناقشة المصادر لتلك الفترة التي تهمنا في هذا الفصل علينا إعتبار ما قديكون بدايات مبادئ العقيدة الاباضية.
وإذ إنني أصلا كتبت عن الاباضيين الأوائل فان سليم ابن دكوان برز مفاجئا وترك ورائه أثرا زاخرا من البحث العلمي والجدل بالنسبة للعلماء فتجربة شخص مثل هذا عديم الفائدة وبالنسبة إلينا اهتمامنا بسليم يأتي من ذلك أولا لنوضح مستوى معلوماتنا الراهنة قد تبين ان سليم لم يكن نجما ساطعا ولا حتى نجما صغيرا بل كان شخصية بسيطة جدا برز إلى وجودي مرة بعد أخرى مع العودة إلى السيرة وخصوصا ما بين القرن الرابع العاشر الهجري في عمان وحسب الباحتين كرون وجرمان فان الأول الذي أشار إلى اسمه هو الحسن البيصياني بينما أول واحد روى عنه محمد ابن إبراهيم الكندي في'بيان الشرع' وذلك لأرائه حول عثمان وفعل نفسه الشيء أبو بكر الكندي في كتابه "الاهتداء" فاسمه ورد في كتاب الشماخي إلا أن سيرته لم تصل المغرب إلا في القرن العشرين والروايات العمانية المتأخرة تقول انه كان عمانيا (المرجع39). (1/221)
صفحة 222
إذن أهميته تكمن أساسا في محتوى سيرته وأهميتها في أنها قديمة جدا ولن ادخل في تفاصيل تحديد تواريخها ألان أساسا لان سليم يتحدث عن أحدات تذهب إلى سنة 70 او 72هـ ولكنه لا يتحدث عن ما جاء بعد سنة 76هـ ومناقشته للتجديد والأزارقة آنذاك أي دون الحديث عن ما كان يسمى الثورات الصفرية للشيباني ولذلك فان كوك يفترض انه كان يكتب في بداية السبعينات وانه كان كوفيا أما الباحث 'مدلون ' فانه يقترح حوالي السنة 700م أي بداية الثمانينات هجرية أما كرون وجرمان فإنهم يرفضون ذلك قائلين بان الاباضيين لم يكونوا موجودين تقريبا في ذلك العهد ولم يلعبوا أي دور في المقاومة في عمان إلى أن بدأ أبو عبيدة في بعث دعاته إلى هناك إذن هم لا يقبلون هذه التواريخ القديمة وبتبرير معقد بدرجة أنها تختلط الأمور عليهم فيختم ويختمون القول بان الكاتب هو من فرع خارجي كتب مجموع سيرته وأساسا على الأسلوب الذي يستخدم بها تعبير خوارج وهجرة كانت أسلوبا مغلقا وافتراضه هو أن الاباضيين كانوا يشاركون في تمردات محدودة ولذلك فإنهم يحددون كتاريخ لهم ما بعد سنة 133هـ 750م ولكن قبل حوالي 185هـ 800م على أساس الأسلوب وبما انه كان يكتب في زمان لم تكن هناك أي امامة بل فقط "ملوكا" فقد كان يكتب إما قبل سنة129هـ 746م أي طالب الحق أو ما بعد سنة134هـ 752م الجولندة ابن مسعود ودليلهم الجوهري للربط الأول هي أن طالب الحق كان معه مهاجرين بينما سليم اعتبر أن الهجرة انتهت، وبذلك يميلون إلى موضعته في إيران كما يقترح 'فان ايش' حيت وبالصدفة كان السيستانيون يعرفون شخصا كان في البدايات كان معروفا بابن السليم شكوان أو دكوان إلا انهم يعتبرون أن الباحثان سواءا كانوا عمانيين أو إيرانيين فان الوثيقة كتبت مابين السنوات 750هـ 800م، وجزء المرجئة من هذا العمل أو هذه الوثيقة من جهة ثانية حصل قبل حوالي 100هـ 720م ويختمون بالقول أن السيرة الكتاب الذي يسجله ابن النديم كرد (1/222)
صفحة 223
على النجدات والمرجئة إلا انه ينسبه خطأ لضرار ابن عمر حوالي سنة 110 الى 200هـ 728 الى 815م.
العديد من الملاحظات يمكن تسجيلها حول المواضع المختلفة المطروحة حول الجدل القائم حول التواريخ: -أولا: كما رأينا عندما لجأ عمران بن حطان إلى عمان وجد أن بلال كان رجلا محترما، كما انه هو الشيخ المشترك لكل من الصفرية والاباضية الشراع. –ثانيا: إن نسب عبارة الصفرية إلى الشيباني والثورات الأخرى في تلك الفترة هي انعكاس لا اقل ولا أكثر من قبل فقهاء الملل لخوارج الوسط كما سبق أن فسرنا ذلك وعندها يظهر الوصف الصفري تاريخيا وفي نفس الوقت مع الاباضية والفارق بينهما لم يكن لأغراض مذهبية بل لعداوة قبلية إذن كون سليم لا يتحدث عنهم لا يفاجئني بل ما كان يهمني أكثر هو النجدات لأنهم كانوا نشيطين في منطقته وإذا كان هذا الرأي صحيحا فإنها تبطل رأي كوك الذي اقترح ما قبل 76هـ على ان هذا لا يعني رغم ذلك ان التاريخ قد لا يكون مثلما اقترح. –ثالثا: إن تجربة الخوارج والاباضيين كانت بالتأكيد بثورات صغيرة بما فيها ما يسميه الباحثان كوك وجرمان الثورات العربية الكبرى والتي حصلت كما رأينا بموجب مجموعات صغيرة من المقاتلين مثلما ثورتي بلال والخوارج الأوائل كانت. -رابعا: انه من غير المقبول إذا كان سليم هو الذي كان يكتب بعد الطالب والجولندة أن لا يشير تماما إلى الإمامات التي غيرت الوضع الإباضي تماما. -خامسا: إن الاهتمام المفرط الذي يظهره البعض بأقوال سليم حول المرجئة دفعنا إلى نسيان السؤال لماذا كان سليم معاديا لهم بهذه الدرجة الجواب الجوهري ينطوي عليه ليس فقط موقفهم من الفتنة الأولى ولكن طريقتهم التي كانت تجادل ما يوحد الجماعة الاباضية في الأساس وهي الولاية كما سنرى في فصل لاحق. (1/223)
صفحة 224
إن رأي كوك صحيح عندما يقول أن كل الآراء تنحو نحو الدوران على نفسها لأنه ليست لدينا أية وثائق مؤرخة أركيولوجيا يمكن أن نؤسس عليها فاستخدامات المصطلحات الأسلوبية وحتى المتخصصة لا يكفي للتأريخ الدقيق للنصوص السابقة على الأقل كدليل مبدئي فمن الممكن جدا انه قد حصلت تطورات متوازية وليست متتابعة نتل استخدام كفر النعمة بموازاة مع العبارة الشاملة 'النفاق' وليست لدينا أية مصادر تدفعنا نحو اليقين بهذا الصدد فالعلماء العمانيين الأول كانوا كما سنرى محافظين وعبارة النفاق قد تكون استخدمت عوضها تعابير أسلوبية معقدة في البصرة ونعرف هذا بالتأكيد لان محمد النهضي كان يحاول الاستدارة نحو مبدأ الكفر كان يستخدم عبارة الكفر عوض النفاق كما يحدثنا أبو سفيان وفي هذه الحالة قد تكون تلك إشارة إضافية أن سليم كان من الأوائل. (1/224)
صفحة 225
ولأنه كان فان القرآن هوالمرجع الوحيد لأفكار إذ أن كتاب الله لدى الخوارج الأوائل أي أولائك منهم الذين كانوا ضمن حركة الشراع والذين أصبحوا نماذج الثورة الاباضية الحقيقية الأولى لذلك فأن مقدمة سليم الموسعة التي تقول بالفعل أنظر بالخصوص (ص5 و6) "أولائك الذين يتبعون القرآن يرفع جميع الواجبات الأخرى فيعتمد على ركن القرآن "وبطريقة غير متطابقة مع ما سبق عند الحديث عن عمر انه كان يواجه المشاكل لم تكن مذكورة في كتاب الله ولا سنة الرسول بل إن حتى أبو بكر كان عليه أن يقيم أحكاما على ذلك الأساس وبما انه كان من الخلفاء الراشدين فكانت أحكامه مقبولة إلا انه لا يقدم المزيد من الوصايا لكيفية عمله وعلى أية أحكام يجب للأجيال اللاحقة أن تستند وخصوصا أن بعض معايره كانت غير كافية ولأنه بعد ذلك يقدم أحكامه سابقة لعثمان وبدعته وهناك إشارة واحدة إلى الطريقة السليمة في 138 حيث يعترف كذلك بسنة النبي فهي كذلك سنة الصالحين من عباد الله فالجدير بالذكر انه لا يشير البتة بمن هم هؤلاء الصالحون فلا ابن وهب ولا أبو بلال ولا جابر بن زيد ولا أي من الاباضيين الأول فما يقوله سليم على انه موقعهم هوتوضيح لأمور واختصار لمعتقدات سياسية مبنية على الجدل أو على أراء سبق أن قدمها بدون إشارة لمنهج الذي مكنه من الوصول إليها. الأهم رغم ذلك كما سجل المعلقون انه يدفع نحو الحركة على انه ضد الذين يقولون من الفتنة أن تتمرد ضد الحاكم الجائر (أنظر ما ورد عن فتنة) كما انه يقول أن القعود بمثابة التأخير وبعد ذلك يصف ما يجب أن يكون عليه المجاهدون ومن المفيد انه يتحدث عن الجهاد مقابل الشراع وهو العبارة التي استخدمها الإباضيون الأول ربما هذه من الخصوصيات الأسلوبية لسليم ربما تشير إلى اختلاف في المصطلح يكون اقرب إلى القرآن وربما لأن المصطلحات الأصلية في المرحلة الاباضية الأولى (أنظر كذلك الرسالة الاباضية الأولى) هي التفسير كذلك نفر من (1/225)
صفحة 226
المسلمين عليهم أن يطيعوا الإمام للجهاد في سبيل الله وهي من الطاعة في المعروف إلى أن يستتب - يسيطر أو يقتل وهكذا يجب أن يكون من الأفاضل أو افقه قومه (128ص) بل يسمي أصحاب الشراع بالمديونة وهؤلاء يعتبرون القاعدين إلا أن هؤلاء لا يعترفون بالاولين (فقرة 65-29 ورغم أن التقية مسموحة من قبل الله بالنسبة الأحياء بين القوم خطأ فان الدعوة عندما تطلق للإصلاح على أساس فرض الجهاد (أنظر ص 122) آنذاك لا مجال للتقية حول الدعوة (أنظر الفقرة 141).
كل هذا يؤكد ان سليم يكتب في وقت قبل خروج الاباضية فلو كانت بعد طالب الحق والجولندة فمن الواجب إعطائهما كنموذج وقيام سليم بإغلاق الهجرة بينما كان طالب الحق معه مهاجرون هو بلا شك عامل مقرر في التأريخ وتدفع إلى التشكيك في القاعدة أو المعنى فالشماخي استخدم مهاجرون في ارتباط مع المجموعة التي التحقت بطالب الحق وموضوع الهجرة كان أمرا محسوما في ذلك الوقت وما كان يعنيه هو فقط المتمردين الذين التحقوا بمجموعة تركوا تيارهم أي الذين خرجوا من البصرة وعمان. (1/226)
صفحة 227
هناك عدة أسباب لتأريخ سليم على انه ابلغ طالب الحق- أولا: هناك أشياء لا يتحدث عنها إحداها كما رأينا هي مصادر لموقفنا التي تبين مرحلة سابقة في تطور الاباضية، ثانيا: لا يذكر موضوع القدر الذي كان قد طور جدلا واسعا في الجماعة الاباضية الأولى وقد يكون ذلك لان الموضوع لم يبرز بما فيه الكفاية بعد أو لأنه لم يتم معالجته في زمن سليم وفي الحالتين تبينان على انه كان سابقا ولم يتحدث عن الوقوف وهو موضوع جدلي أخر رغم انه كان بعنف ضد المفهوم المرافق وهو مفهوم 'الإرجاء'و لم يتحدث عن موضوع خلق القرآن وقد يكون معقولا القول كما أسلف كرون وجبرمان انه ليس من العقائد أو انه لم يكن يعالج المواضع الكيولوجية والعقائدية بل بعض هذه النقاشات كانت سياسية وتختلف عن تلك المواضع إلا أننا مضطرين لمعرفة المنطق الذي يختاره المجموعات الأربع للرد على ما قاله المرجئة والأزارقة والنجدات والفتنة. (1/227)
صفحة 228
كذلك العناصر الموجودة والخاصة بهوية سليم والتي تشير كلها إلى تاريخ سابق عن طالب الحق فكرون وجبرمان واعيان بها، فهناك رسالة من جابر بن زيد إلى سليم والشماخي يقدمه على انه من جيل أبو عبيدة والأهم من ذلك أن واحدا اسمه سليم الهلالي في قائمة المغربي من ضمن الوفد إلى عمر الثاني، إلا أن كرون وجبرمان يوضحان أن الشماخي يدعي أن الذي كتب الكتاب هو سليم بن حطي الهلالي المذكور في البرادي ويميلان إلى الرأي انه هو الذي كان عضوا في الوفد رغم ذلك يؤكدان أن هذا العمل شبيه بسيرة سليم ورغم ذلك كما بينا فإن الروايتين المغربية والعمانية لهذا الوفد تختلف بعض الشيء وهناك أخطاء في نقد الأسماء فالرواية العمانية تحتوي على لائحة مضخمة من أسرة حاجب الطائي أو هو بذاته مع مولى من بني هلال وهذا ليس مؤكدا رغم انه إشارة إضافية إلى أن سليم بن دكوان قد يكون من هذه الفترة عندما كان أتى الاباضية في بداياتها، المؤكد رغم ذلك أن قائمة كنورولوجية مفصلة للذين منحوا الولاية في الكتاب الثالث للعوتبي كتاب 'الدية' نجد مخطوطات منه رأيتها في مكتبة مسقط ففيها سليم بن دكوان موجود اسمه بين أبي الحر بن الحصين وطالب الحق ومجموعته فأبو الحر علي ابن الحصين الانباري كان هو ذلك التاجر الغني بين البصرة ومدينته الأصلية مكة والذي كان رئيسا للوفد إلى عمر ابن عبد العزيز والذي قتل يوم مكة عندما تم قلب امامة طالب الحق ونسجل أن هذه القائمة للعوتبي اكبر وأوثق من ناحية التسلسل الزمني من قائمة البيصياني التي يشير إليها كرون وجبرمان (ص11رقم57) ورغم ذلك فإن وجوده في ذلك التسلسل يكون عبيدة وذمام وسليم بن دحمان وأبي الحر يؤكدون تواجدهم في ذلك العهد كذلك. (1/228)
صفحة 229
وهو المكان الذي انتظر أن أجده فيه لأسباب سبقت الإشارة إليها لذلك اقترح أن سليم كان بالفعل كاتبا في البداية وبدون شك واحدا من الوفد إلى عمر الثاني وعند ذاك كان ربما اكبر شأنا مما تقترحه الكتابات المعروفة أي كان من أولائك الذين تسربوا أو اخرجوا من اللائحة أو تم نسيانهم في مجهود العقلنة الذي قام به الإباضيون الأوائل على كل حال إذا كان تأريخ هذا النشاط قد حصل بين عهدي عمر الثاني وطالب الحق وكانت السيرة صحيحة فإنها تضيء التشكيلة الأصيلة للعقيدة السياسية الاباضية في زمن كانت فيه الحركة في بداياتها منذ الإباضيون الأوائل ومن الواضح ما كان يعتقده الإباضيون وكيف كان عليهم أن يتصرفوا عندما يخرجون إلى الجهاد فإزالته لجميع المصادر عدا القرآن تؤكد أن المدرسة كانت في طور البناء وأرائها كانت توافقية بدون أي شخص بارز فإختياره للمجموعات الأربع للرد عليها يبين أنها كانت المجموعات الأخطر عليهم أيديولوجيا وسياسيا وكانت خطيرة بالنسبة للتماسك التدريجي لحركتهم وللتوسع السياسي لهم في الجزيرة العربية، وتبين كذلك أن الدعوة للشراع أو الجهاد بقيت أساسا على حالها مثل الخوارج الأول وأبي بلال بقي نفسه بخطاب بسيط يعود إلى كتاب الله وبتلميح غير واضح إلى سنة نبيه التي كان يدعوا إليها أبو حمزة المختار ابن عوف عندما كانت مجموعته الصغيرة التي كان من بينها أبو الحر يستجيب للدعوة للقتال والسيطرة على الحرمين.
إن ذلك النجاح الباهر ولكن القصير الأمد غير وجه المذهب الإباضي. انتهى
الفصل السادس (1/229)
صفحة 230
وتقول بأن الوهابية جذورها تعود إلى النزاع الكبير والانقسام الذي حصل في نكاري والذي طال جميع الاباضيين بعد انتقال الحكم إلى عبد الوهاب ابن عبد الرحمان في الإمامة الرستمية وربما لدعم هذا النسب يدمج ابن وهاب الذي كان من دون شك من موالي المجيلة يدمج إذن مع بني الراسب كما رأينا سابقا عند الحديث عن الجيوش العمانية المشاركة في الفتوحات والراسب في إحدى شجراتها النسبية تعود إلى أزد.
رغم ذلك فان نهروان ونخيلة لم تكن محطتين من الشهادة فهي تمثل نهاية للدولة الإسلامية و. انتهت.
الفصل السابع
إنتشار الإباضية من البصرة:
الإمام العماني الأول
إن امامة الأنزول عند ابن مسعود يجب أن ينظر إليها على أنها، بطريقة أو أخرى، استمرار للمجهود الأول لإنشاء دولة إباضية تحت ما سمي:"طالب الحق"خلال الفتنة في العهد الأموي، فقد شهدت حضرموت استمرارا لإحدى الإمامات لفترة قصيرة، وقد كانت منعرجا بالنسبة للعمانيين لتشكيل حكم إباضي في بلادهم، وكما قاموا كذلك بانتخاب الجولندة إبن مسعود 131هـ وهو الذي كان إماما في بيعة طالب الحق وفي هذا الإطار انطلق في نزاع سيؤثر سلبا على قضيتهم لأزيد من أربعين سنة ويلطخ صورة دولة الإمامة للستين سنة اللاحقة. (1/230)
صفحة 231
كما رأينا لم يكن للجولندة أي دور في الغزوات الإسلامية أو في البصرة فقد كانوا هم الأسرة الحاكمة قبل الإسلام واستمروا حكاما محليين بالطريقة القبلية المعهودة مستغلين السكان المحليين مما جعلهم يرحبون بالنجدات، فالدعاية الخارجية سواءا لأسباب مقبولة أو غير مقبولة، كان عليها أن تتوسع منذ زمن الخريط الناجي فيما بعد وما كان يسمى بشفرية عمران إبن حطان التي أسسها إبن بلال والمحترمة في عمان عندما إلتجئوا إلى هناك بعد فشل الثورة الشيبانية ويوضح ذلك أبو سعيد الكدامي الذي يقول: لاشك لدينا أن العمانيين لم يكونوا مندمجين في دين الإستقامة وإلا فكانوا ليتبعوا الصفرية إلا انهم في إطار العلماء الذين ذهبوا إلى البصرة للحصول على العلم من العراق وعادوا إلى بلادهم لتدريس ما علموه عن الدين (المرجع1) إذا كان هناك نوع من الاعداد للقضية في المنطقة وخصوصا صهر التي كانت ميناءا متعدد الأجناس ومحطة تجارية مركزية قريبة من البصرة كما كانت قريبة من المستوطنات في الباطنة التي ذهبت إليها معظم القوى لدعم طالب الحق وإذا كان الجولندة ابن مسعود موجودا عند أداء طالب الحق اليمين فمن المحتمل انه كان ضمن القود البلج التي أتى بها معه من عمان ويقدم لنا هذا استمرارية مفيدة للسلطة ايا كان الحال فان الاباضيين حصلوا على مساعدة تغيير الخلافة، فالسفاح سنة 132-136هـ 750-754م، كان لايقبل الاباضيين والبصريين بصفة عامة واخوه ابو جعفر الذي اصبح عاملا للعراق وصار خليفة بعده باسم المنصور سنة 136 الى 158هـ 754 الى 775م، كان اقل منه بدون شك لان عضوين من عائلته كانوا متزوجين باباضيين او متعاطفين مع الاباضية (المرجع2) وعينهم بالتوالي عاملا محليا في عمان وهو جناح ابن عبادة الهنائي وابنه محمد اللذان كانا من المتعاطفين الاباضيين سرا (المرجع3) وبنو هينة كما نذكر كانوا من اهم قبائل مالك ابن الفهم الذين تخلوا عن السلطة للجولندة عندما وصل (1/231)
صفحة 232
شنوعة ازداو ازد شنوعة الى عمان ومثل جميع قبائل مالك ابن الفهم الأزدية تقريبا كانوا من اللاحقين المتأخرين الى البصرة فوجدوا حظهم مع المهلبين وكان ذلك منذ نهاية القرن الهجري الأول فصار اسمهم يظهر في خراسان والبصرة وانتهيا بزعامة الخمس الأزد في خلافتهم لعتيق اذن تعيينهم لصهر كعاصمة رسمية لعمان حيث التجارة مع المحيط الهندي جعل منها اهم مكان بالنسبة لسلطة خارجية وكان من حسن الحظ تحت حكومتهم ان الحركة الاباضية ازدهرت جاذبة من ضمن اعضائها القوم من مناطق اخرى بما فيها خراسان فصهر يجب ان نتذكر ان صهر كانت كذلك المرسى المحلية لتوام في البريمي على الواجهة الاخرى للجبال التي كانت جزءا من داخل جلفار أي على الشاطئ منطقة الشاطئ في راس الخيبة على واجهة الخليج في مضيق هرمز بينما الشاطئ الاخر الفارسي كان الجولندة ابن كركر وهو من اصول جذور بني سليمة حاكما فيها وهذه المنطقة كانت تؤدي الى كرمان وسجستان وخراسان في الاراضي البعيدة أما شمال عمان فانه شكل نوعا من المنطقة المتميزة وكانت قاعدة اساسية للدعم القبلي الجولندي ونشير الى أنها كان لها حصنها الخاص في صهر سيشتريه في ما بعد مستخدما اموالا من الصوافي عندما يتم تاسيس الامامة الشاملة (المرجع4). (1/232)
صفحة 233
فاختيار جولندة ابن مسعود اماما كان على اسس سياسية كما يظهر من ان الفضل ابن هواري كان يشكل مثل عمر الثاني نموذج ضعيف الامام المرجع5) الا ان هذه عقلنة بحد ذاتها من المرحلة حيث كان التمييز بين ائمة الشارع والمدافع وكان مطرح سؤال موضوع الائمة المؤقتين فالائمة الأول كانوا شارعة بالتعريف نظرا الى وظيفتهم التي كانت هي تشكيل الدولة الاباضية من الناحية السياسية والعسكرية وهذا تبرزه تسميتهم إذ ان العلماء أي الخاصة قد يعينونهم ائمة بالنسبة للعامة بذلك كانوا يحملون تسمية امير المؤمنين فاستخدام هذا اللقب غير موجود في الروايات التقليدية مثل الشهرستاني والمسعودي الا أنها مؤكدة عند ابن دريد الذي يبين انه الى غاية عهد الصلطي ابن مالك عندما كان في عمان فان السراط كانوا يعرفون هذا اللقب (المرجع6) كذلك في المغرب كان النفوسية يسمون عبيدة عبيد بهذا اللقب حسب ابي زكرياء. (1/233)
صفحة 234
وهذا من الناحية النظرية يطرح الإشكال العلاقات لهؤلاء الزعماء فالرأي الذي طوره محبوب هو ان الأمير لقب يجب ان يستخدم فقط عندما يتم توحيد مجموع ارض الإسلام وبذلك فان الزعيم يجب ان ينتخب بالاستشارة والى ذلك الحين حسب ابو الهواري فان الحضرمين والمغاربة والعمانيين كان لهم علماء ينتخبون الإمام يتولاهم والانتخاب يكون جائزا بدون طرح الشك من قبل الاخرين رغم ان الطاعة جائزة عليهم ومن جهة أخرى فان شعب خراسان والبصرة اقامت الى الأئمة إماما لم يكن معترفا به حتى يتم التعرف عليه لان هذين المكانين كانا منفردين عند دعوة المسلمين الاباضيين (المرجع7) اذن لم يكن هنالك سؤال حول مااذا كان الجولندة هناك يامر بالحرب ام لا المطروح انذاك هو ان كان صاحب علم ولبلوغ مرامهم كان الاباضيون يستغلون المنافسة ضمن العائلة الحاكمة مختارين بذلك حفيد صاحب الشان جيفر ابن الجولندة الذي طرح خلافة ابنه جانبا اخوه الاصغر او ذرية اخيه الاصغر عبد الذي نعرف عنه بحيث كان في سدة الحكم في عهد نجدات الامامة في يمامة وكان يحكم فقط مع استشارة المجلس وبالتاكيد نفوذ هذا المجلس الاستشاري كان اعضاء ثلاثة منه (المرجع8) يعينون في المصنف بنسبة جهوية وهم هلال ابن عطية الخراساني وشبيب ابن عطية العماني وخلف ابن زياد البحراني وهذا كان عنوة إذ ان شبيب رغم انه يوصف بالعماني من قبل ابن بركة (المرجع9) فانه أصلا خراساني وبلا شك اخو هلال الذي قتل بجانب الامام الجولندة وصحيح ان شبيب مكث في ازكي كما سنرى ومن المحتمل انه رغم وصفه بالخراساني فان اصوله العائلية كانت عمانية وبالنسبة للكتاب اللاحقون الذين كانوا مهتمين بابراز دلالة الامام العماني الأول كان من الضروري إظهار دعمه الواسع لإبراز الانتماءات الجهوية الواسعة رغم انه ليس هناك أي دليل على ان الخلف نفسه كان يمثل أي شان بحراني ذا اهمية. (1/234)
صفحة 235
وبعد عدة سنوات قام الداعية الاباضي منير ابن النيار الريامي يكتب رواية عما نعرفه عن هذه الفترة لكي تكون نموذجا للامام الغساني ابن عبد الله 192 الى 207هـ الى 208 وحسب ذلك فان الصراط أي الجنود كانوا منظمين في كثيبتين من حوالي ماتين او أربعمائة تحت زعيم موثوق وعلى راس كل عشرة مجموعات عليم تخرج من البصرة وكل شاري يحصل على نفقة سبعة دراهم في الشهر في الفيء وكثير منهم كان يعيد المال الذي لم ينفقه وكان يشجع على الامساك عن النكاح فالقائد الذي يبدي اهتمامه باي امراة يسرح في آنها بينما الزواج كان مسموحا فقط بترخيص من العلماء العراقيين وهذه الصورة قد تبدو نموذجية إلا أن الواقع ان الصراط كانوا قوة شديدة البأس ومتطرفة القناعة وكانت هذه التسمية هي التي تطبقها الجماعات الاباضية في المصادر الكلاسيكية على جنودهم ولكن الواقع كذلك هو انهم كانوا منظمين تحت تنظيمات او خطوط قبلية والتطرف آنذاك يسهل انجرافه مع خلطه بالقبلية إلى التشدد والإفراط فكان ذلك صحيحا عندما حصل نزاع في امامة الجولندة بين إباضي من قبيلة معينة وواحد غير اباضي بل كان المشكل مطروحا حتى بعد تأكيد السلطة إذ ان النزاعات القبلية والطموحات الدنيوية تدفع في اتجاهات معينة فكان الصراط هم الذين يتحكمون في الحملات لذلك كانوا متشبثين بإعدام جعفر ابن سعيد ابن عباد الجولنداني مع ابنيه النظر وزيد بعد إقدامهما على الهجوم على المسلمين رغم ان ذلك اثار الدمع في عيون الامام بل حاول تقديم استقالته على اثر ذلك ولو فعل ذلك حسب بيان الشرع لكانت الضرورة الى اعادة البيعة فلم يحصل ذلك وتم تنفيد الاعدام على البيعة كما قيل بطريقة اخرى كانت على اساس العقيدة الاباضية فالهواري في رسالة الهواري الى الحضريين يتحدث عن عصبية الجولندة التي تمخضت عن ذلك فنشير الى انه رغم الدلائل الخاصة بهذه الفترة قليلة جدا فان الحملات كانت مركزة على الاراضي الداخلية لصهر وفي (1/235)
صفحة 236
شمال عمان وقد يكون ذلك قد لعب دورا في المنافسات الجهوية التي ستلعب دورا هاما في تاريخ الامامة الاولى. من الصعب معرفة ماهية العلاقات مع العالم الخارجي والسلطات الخليفية خلال امامة الجولندة فالحملات الاباضية كانت بكل تاكيد غير محدودة في الاراضي الداخلية وان هجوم الصراطي على السقطرة انتهت بصلح مع السكان المسيحيين باداء جزية مؤسسة على الاعداد أي الرؤوس فالحكام الهنائيون بقوا في صهر بينما ولكنهم حكموا بسلاسة ثم ان اعادة التنظيم للخلافة قد يقلل من اهتمام جوانب صغيرة او نائية من الجزيرة العربية ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة للصفرية الذين كانوا يعملون في الخلافة المركزية فبعد اخراجهم من تلك المنطقة هاجروا الى جنوب غرب فارس حيث تابعهم السفاح بحملة تحت قيادة كاظم ابن خزيمة الخراساني وقوامها معظمهم من الخراسانيين وتميم من البصرة لمعالجة البقايا منهم الذين هربوا الى جزيرة بركزان في اللفت وعند سماعهم باقتراب الجيوش هربوا مع امامهم الى عمان القريبة وقد يكون من اسباب سوء التفاهم او العداء ما بين الاباضيين والصفريين ان الاباضيين هاجموهم مباشرة وهزموهم وقتلوا زعيمهم فخازم الذي كان ما زال يتابعهم قطع الخليج الى جلفار ليجد ان الاعداء تم هزمهم قبل مجيئه وقبل رحيله قرر ان يتاكد من ان العمانيين اصحاب ولاء للخليفة وطلب منهم قسم الولاء والطاعة وطلب منهم كذلك خاتم وسيف الزعيم الصفري فاتفق مجلس الامامة على الخاتم والسيف الا ان المتطرفين بينهم رفضوا الخطبة والطاعة فكانت الحرب بينهما حيث تم قتل الامام واكبر دعامته الهلال ابن عطية الخراساني. الفصل7ص4
والمصادر اللاحقة وخصوصا محمد المحبوب ابن المؤثر عقلن هذه الواقعة بالقول بان السمعة والطاعة قولا يمكن التنازل عليها إذ أنها في حدود التقية اما بيت المال فلايمكن التنازل عنه لانه غنيمة اليتامى والضعفاء وغيرهم ويجب الدفاع عنها.
اشاعة الاباضية: البصرة (1/236)
صفحة 237
ان انهيار الامامة في عمان وحضرموت حوالي سنة 134هـ كانت بمثابة نهاية ما يسمى بالثورة العربية الكبرى التي بدات بطالب الحق وكانت محاولات إنشاء دول اباضية قد خفقت واستتب الأمر في الخلافة الجديدة وبجعل الأمور أكثر سوءا في عمان حصل خلاف بين الجولندة حيت كما رأينا رفض ابو عبيدة وهو حاجب التدخل بينما في شمال إفريقيا اصبح الصفرية ينشطون بصفتهم المذهب الخارجي الأول الذي يمارس الشراع ويوسعون دائرة نفوذهم فالإباضيون قد يحبون تقديم سلامة او سلمى ابن سعد وهو يصل الوقت نفسه الذي يصل فيه الزعيم الصفري حسب قولهم راكبين نفس الجمل الا ان ذلك خطأ فعكرمة الذي يحتمل انه كان مملوكا بربريا لابن عباس اعتنق المبادئ الخارجية ويفترض انه وصل إلى قيروان حوالي السنة الأولى والثانية في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني الا أن شخت (المرجع10) يشك في ذلك ويقول انه توفي في المدينة وعمره ثمانين في سنة 105هـ 723-724م، وسلامة هذا لم يصل في ذلك الزمان والاصح ان الصوفية قد تجذرت قبل ذلك في الاراضي البربرية التي تم غزوها بالقوة او عنوة كما يرد في النص واستغلت بطريقة شعواء من قبل العرب الذين كانوا مرتكزين اساسا في مصر ففي بعض الحالات كانت الجزية تستخرج من قبائل بشكل رقيق في اعداد كبيرة ويبعثون الى المشرق ونتيجة لذلك زادت المقاومة ووجدت ضالتها في الايديولوجية الخارجية فعمر الثاني حاول تصحيح الوضع بارسال تبعيين في مهمات دعوية لنصر الاسلام ومركزهم بالقيروان ولكن اصلاحاته حسنت الامور قليلا وجاء عمال لاحقون فافسدوا الامور ففي سنة 122هـ 740م، قام عمر ابن عبدالله المرادي وكان عاملا على منطقة طنجة وحاول اخذ خمس جميع ممتلكات البربر وهو ما كان يشار اليه بتخميس البربر ايا كان شانهم قائلا ان ذلك داخل في فيء المسلمين وادى ذلك الى تمرد صفري كبير وانتصارين في سنة122-123هـ 740-741م، قبل هزيمة خارجية كبيرة في125هـ 743م (1/237)
صفحة 238
(المرجع11) وقام باشاعة المذهب الاباضي فسلامة او سلمى ابن سعيد على ان اول تمرد اباضي نعرف عنه كان لابن مسعود التوجيبي الذي كان يقطن بطرابلس وتم اعدامه من قبل عبدالرحمان ابن حبيب في السنة 126هـ 744م، فبقيت ليبيا تريبوليتانيا مقرا للاباضية لعدة سنوات بدعم اوارة فخلال الفترة التي كان فيها التوجيبي زعيما حصلت وضعية معقدة خلال خلافته وهو نوع من الصراع ما بين عبدالجبار ابن قيس المرادي والحارس ابن تليب الحضرمي والاخير كان قاضيا فنجحوا في الحصول على الاتباع من ضمن قبائل زناتة ونفوسة فمن الواضح انهم تقاتلوا سنة 132هـ، ومما دفع ابا عبيدة والحاجب الى ارسال خطاب يطلب من الاباضيين تفادي النزاعات وينصحهم بالوقوف بوضع المقتولين (المرجع12) فتبعهم ابو الجازر اسماعيل ابن زياد النفوسي وقد يكون اول امام في ليبا تريبوريتانيا الذي وسع سلطته الى قابس الا انه هزم من قبل العامل العربي للقيروان ونشير الى كثرة اليمانيين من ضمن البعثات الى افريقية فسلمى ابن سعد كان حضرميا (المرجع13) كما كان الحارس ابن تليب حضرميا بينما زعيم الموجة الثانية سنتحدث عنه وهو الخطاب وكان يمانيا حميريا. (1/238)
صفحة 239
ايا كانت الامور فان الاحداث الاخيرة في عمان وافريقية تبين الحاجة الى اعادة التفكير في الزعامات البصرية فالرسالة كانت عالمية وغير اقليمية وحان الوقت لاسترداد امور الحركة فايام التقية قد ولت على الاقل خارج البصرة حيث استمرت التقية اساسية واصبح التاكيد على شراع الجهاد لاظهار الدولة الاباضية الحق أما بالنسبة للسالمي فالسالمي يوضح في السير الفترة اللاحقة التي تحتاج الى القول والى العمل الاثنين وفي رايي ان الاباضية البصرية اخذت زمام الأمور وصارت تتحكم في الدعوة لتقديم العلم الحق وتنفيذه عوض تركه للمبادرة المحلية وأصبح أبو عبيدة بمعية حاجب يدعو الاباضيين للجهاد (المرجع14) وبعد وفاة صاحبه بدأ يلعب دور عقلنة التاريخ الإباضي المنسوب إليه بصفته خليفة جابر أي في وضع الزعيم أو القائد الدنيوي والروحي على الأقل بالنسبة للمغاربة إذن نجد مجموعة تأتي إلى البصرة للدراسة على أبي عبيدة وخمسة منهم يعودون لإنشاء الدول الحقة في نهاية حوالي سنة 130هـ.
الانتصار: (1/239)
صفحة 240
قبل فحص تطور الحركة من الضروري قول بعض العبارات العمومية حول الطريقة التي انتصر بها الاباضية فبانتصار أي إيديولوجية هناك إعتبارات دنيوية وجارية التي تحتاج إلى الفحص لفهم كيف وحيث تجدرت أو فشلت في ذلك وكيف تغيرت في عملية نقلها ففي حالة الاباضية هناك نموذج بسيط على الأقل في البداية يرتكز على الانتشار من نقطة واحدة هي البصرة والطرق المحتملة لإنتشارها كانت خمسة عبر شبكات قبلية وشبكات تجارية والحج والدعاة والكلمة المكتوبة وقد أتغاضى عن الشبكات المدنية أوالحضرية فقد يكون هناك اباضيون في الكوفة والموصل وبغداد والقاهرة الا انهم سياسيا لم يكونوا ذوي شأن كما لم تكن هناك حضوض لجدير الاباضية في المراكز الحضرية للخلافة بنفس الطريقة التي لم يكن ممكنا انتشار مذهب الخوارج من أي صنف في مدن سوريا فكان في هوامش الإمبراطورية في المناطق التي تكون على معاداة للحكم العربي القرشي واتباعهم حيث تكون الظروف أكثر ملائمة وكانت هنالك ثلاث مناطق على هذه الشروط اولها هي الجزيرة العربية البحرين الكبرى بما فيها اليمامة عمان الكبرى واليمن الكبير وكما راينا كانت في هذه المناطق تشكلت دول خارجية من انواع مختلفة وتشكلت كذلك الامامات الاباضية قبل فشلها في النهاية والمنطقة الاخرى هي المناطق البربرية او الامازيغية في افريقية والمغرب وهي مناطق متحضرة كانت مستعدة لاعتناق الاسلام ولكن ليس السيطرة العربية والمنطقة الثالثة هي فارس وخصوصا خراسان وسجستان. (1/240)
صفحة 241
احدى المميزات الخصوصية للحركات الاباضية الاولى في الفترة التي تهمنا هي أنها رغم تنسيقها من البصرة لم تكن موجهة من قبل سلطة واحدة فكروسمان على صواب عندما يرى ان الحلقة للفترة ما بعد الامامية في المغرب هي استمرار للحلقة البصرية وهي مدرسة تجتمع حول مدرسين يعلمون العقيدة الصحيحة مجموعة مثل اهل الطريق تتم تشكيلها من معلمين ومن التابعين لهم الأمرين والمأمور ومن المفيد أن العبارة يستخدمها أبو عبدالله محمد بن بكر الذي وضع رسميا نظام الحلقة في المغرب في القرن الخامس الهجري يستخدمها لتعيين المعلمين أي حملة القرآن وأولائك الذين يعرفون عن ظاهر القلب كتاب الله. في هذه الحالة من الحمولة الروحية تكون هناك قابلية لإعطاء الآخرين ما يكون في القلب من جميع التعاليم الاباضية ولذلك كان يستخدم امارة حمل العلم فبطبيعته مثل هذه العلاقة بين المعلم والمتعلم كانت مبنية على التقاليد الشفوية بالنقل للآراء المتوافق عليها والمشكلة من قبل الأجيال التي تنقلها الى الجيل التالي والجامع بينها في هذه العلاقة هي ما يسمى بالولاية. (1/241)
صفحة 242
الولاية والبراءة:ولاية الله للمومنين المذكور في جامع الحسن البيسياوي كانت علاقة جوهرية تجمع الله بجماعته ومن ذلك كذلك ان العلاقة التي تربط اعضاء الجماعة ببعضهم او كما يقول الناري هي العلاقة الطيبة عبر الله او الصداقة عبر الله فهي اساسا ولاية تعطى لكل من يدعو الى الاسلام الحق فالكافر كما يقول النص:وان الكافرين لامولى لهم"، اذن فالكافر غير مقبول لان الكافرين لامولى لهم وبهذه الطريقة علاقة جماعية. .. . الى حد ما مع مفهوم سنكتيباس وسنكتي في بدايات الكنيسة المسيحية المتواجدة فقط على مستوى الجماعة وليس على مستوى القداسة فالله هو الولي واتباعه هم الاولياء فالمفهوم الاساسي هوان حبيب المؤمنين هو حبيب المؤمنين مقابلا لعدو الكافرين وهذه الصداقو او الحب تحتوي على التزامات تجاه الله فولي المؤمنين يقدم لجماعته من الحفظ والنصر والعون والصلح والكفي كشهداء فصاحب الولاية بطبيعة الحال هو من الناجين في الحياة الآخرة ومعنى الولاء كذلك يحتوي على علاقة متبادلة بين المولى والولي فهو السيد وصاحب النعمة والصديق والحامي وابن العم الخ. .. ومن هنا وهي كذلك من التقاليد السنية معنى مولى القوم منهم أي ان هناك مساواة لله في ما بينهم. (1/242)
صفحة 243
وعكس كل هذا هو البرء فالله يقول برأ من الفاسقين والكافرين من ذلك المفهوم الذي تطور وهو غير الفرض فالولاية والبراءة تقدم من جيل الى جيل وكل جيل يبني على ما حصل عليه من الجيل السابق لان ابواب الاجتهاد تبقى مفتوحة ولكن لايمكن تغيير الذي تقرر هكذا فان المصادر العمانية تؤكد في وقت الحرب الاهلية التي وضعت حدا للامامة انه لا الخلافة على الولاية والبراءة حتى بعد زمان الفضل ابن الحواري وعزام ابن الصقر اللذين كانا مثل العينين في نفس الراس (المرجع15) ولكن طبيعة الحلقة تبين بوضوح ان تاويل الشرع والجدل الشرعي كان يتم بين العلماء فالعلم كان حظوة للخاصة والخضوع للقوانين الإلاهية كان فرضا على الجميع كما كان هنالك خاصة وعامة من ضمن الاباضيين والقرارات حول الولاية والبراءة لايمكن ان تتخذ إلا من قبل أولئك الذين لهم علم ومن قبل علماء كل جيل هكذا ومن تم الضرورة تنمية او تطوير حمل العلم لأولئك الذين تتلمذوا على السلف فقد انسيت بعض السلف مؤكدة في سيرة القوم في خراسان التي تمت كتابتها في القرن الرابع الهجري والعاشر الميلادي والتي يقول السالمي أنها عمل للامام البصري وائل ابن ايوب الحضرمي فالكاتب يقول على ان عمر ابن الخطاب وعبدالله ابن مسعود وجابر ابن زيد والجولندة ابن مسعود والربيع ابن الحبيب ومحبوب ابن الراحل وموسى ابن علي ومحمد ابن محبوب وغيرهم من طبقته إذا شهد ضدهم عليه ان يقدم التوبة والا يطرد من الجماعة وبعد ذلك عليه ان يعيد الولاية بالنسبة للائمة السابقون للائمة الدين وهذا معروف لدى المسلمين كذلك ان ابو ياقوت الورجلاني الذي توفي 570هـ يقول على ان المراجع الكبرى قبل القرآن والرسول هم عبدالله محمد ابن محبوب الذي توفي سنة 260هـ 873م، والمذكور عزان ابن الصقر الذي توفي سنة 268هـ 881-882م، بعبارة اخرى فان الاباضيين كان لهم سلسلتهم من المرجعيات التي كانت تعود الى كل جيل والتي كانت تشكل اثار الصحابة (1/243)
صفحة 244
وبعض من هؤلاء كانوا مقدسين فلا يمكن العودة والتشكيك في قدسيتهم بصفتهم قد شكلوا سلف المذهب الاباضي.
النزاعات: البراءة كانت خاصة بهذين الموضوعين في الاصل فالاشخاص الذين حكما عليهم الاباضيون وهم عثمان وعلي وغيرهم وكذلك المذاهب غير المقبولة فهذه المذاهب دفعت الى انقسام الجماعات الاباضية وقد كان اول انقسام ذا اهمية حول موضوع القدر فليست النية هو مناقشة مثل هذا الموضوع بالتفاصيل بان النقاش لم يكن محدودا عند الاباضيين حول هذا الموضوع وعلى كل حال تمت مناقشته من قبل علماء اكثر تخصصا مني فقان ايس يؤكد ان الاباضيين في الاصل لم يكونوا يعارضون افكار القدرية وكما سبق القول يوضح ان ابن اباض نفسه يذهب في منحى تاييدهم وهذا ما جعل بعضهم يمنع المذهب مما جعل موقعه في الحركة تهمش أما كرون و. .. فقد بينا ان هذه الفكرة لاتستقيم بنفسها ولم اجد شيئا يبين ان الاباضيين في الجيل الأول كانوا لصالح هذه الفكرة وعلى عكس ذلك فان محمد النهضي عارض الحسن البصري لكونه لطيفا حول هذا الموضوع وصهر العبد كان من رجال زمانه فكان اقوى رد فعل رغم ذلك جاء من حاجب الطائي الذي يبدو انه جر معه ابا عبيدة فمن المذكور ان من قبل ابو سفيان ان حمزة الكوفي كان يناقش هذه الافكار مع ابي عبيدة وان الاثنين معا ذهبا لزيارة حاجب حسب قول ابي سفيان الذي قال:حمزة الذي خاف اكثر"، ونحتاج الى المزيد من الدلائل على الزعامة الحقيقية في ذلك الوقت وكان الحاجب يخشى أن يكون حمزة تحت تأثير غيلان الدمشقي الا ان حمزة أنكر أي اتصال خارج الأوساط الاباضية بإختصار صارت بينهما المناقشة التالية :-إذن من أين أتتك تلك الأفكار فليس هناك أحج تعرفه ولا أعرفه إلا جابر بن زيد. -تلك الأفكار جاءتني منك أنت. -إذن أنا بريء منك وأنت بريء مني. إلا أن حمزة إستمر في الدفاع عن رأيه كالأتي :- إن الحسنة تأتي من الله عز وجل والشر يأتي من البشر والله لا يفرض على الناس الا (1/244)
صفحة 245
في حدود ذلك من الناحية السياسية أن الحاكم مسئول عن أفعاله (المرجع 17) وأنه من الناحية الشرعية لا يجب أن ينسبوا الشر لله ويبدو أن الموضوع الأخير هو الذي كان يؤرق البصريين (المرجع18) فحاجب لم يكن مستعدا لقبول موقف الإباضين ولا عبيدة إذن صار عبيدة لتنظيم إجتماع حيت أعلن حاجب ان حمزة وعطية كانا يخلقان المشاكل وطلب برأتهما من الجماعة وبعد ذلك أنتقل حمزة إلى الموصل أما عبيدة وحاجب فأنهما قدما أرائهما في سيرة إلى رجل يسمى الفضل بن الكثير (المرجع19) الا انه يبدو ان الأمر كان مختلطا بعض الشيء ويبدو من أقوال الترجني والشماخي ان عبيدة كان مصمما فاعتبر حمزة كان متطرفا في أرائه المرجع20) أذن هناك بعض الدعم لنظرية 'فان ايش' بالتأكيد أبو عبيدة لم يكن متعمقا او دقيقا في أرائه ضد القادرية وأسس رأيه على الاعتقادات بأن المعرفة الإلهية تفرض القدر فطرح الخيار إختياره او اختيار الجواب بنعم او لا مثل طلب السؤال المشهور: هل توقفت عن ضرب زوجتك فجواب القدرية الثانية ابو عبيدة: هذه أقوال الضعفاء وكان ابو عبيدة يلح على الجواب كما صاغ المرجع21) هناك بدون شك تبسيط لرأي ابي عبيدة وهو يرد على المذهب الجبري ان علم الله لم يكن قاهرا فلا شك رأيه كان أكثر دقة على كل حال بقي الجدل مفتوحا وتطور حسب قول عبدالرحمان السلمي (المرجع22) ولذلك نرى القادرية والمعتزلة يقتربان من بعضهما خصوصا في مدارسهما التي كانت تدرس أفكاهما في سهر. (1/245)
صفحة 246
ان أفكار المعتزلة الأولى تؤكد على نزعات أخرى خصوصا فيما يتعلق بخلق القرآن التي سنعود اليها فيما بعد ومن ضمن المسائل الأخرى ما صار واضحا في القطيعة مع الشعيبية فهذه قضية معقدة لم أستوضحها شخصيا فكثير من المواضيع تبدو متشابكة فيها ليس فقط بخصوص القدرية ولكن كذلك فيما يتعلق بالتجسيد والتأويل الحرفي لمصطلحات القرآن مثل القول بكلام الله وبصره وأوصافه وكذلك إستخدام القياس الذي يجب ان يميز عن الرأي وهو ما يبنى على الفكر من الأصول أي القرآن والأثر ويبدو ان شعيبة المعرج عمر ابن محمد ابن عبدالله ابن عبد العزيز اعتبر ان أي فكرة عن التجسيم بخصوص الله بمثابة شرك لذلك قام أبو عبيدة فطرده من مجلسه الا انهما او على الاقل المعرج عمر ابن محمد وعبدالله ابن عبد العزيز تابا عبر تدخل الربيع ابن حبيب وحبيب الطائي تم إعادتهما الى الصفوف من جديد (المرجع23) ويزيد من التأكيد على ان الشعيبان تم إدماجهما او خلطهما او حتى ان الأول قد أعطى اسمه كاملا فبعد ذلك ادمج الاسمان في واحد من ضمن طلبة أبي عبيدة وهو الدليل على ان اسم شعيبة لا يعطي تفاصيل اخرى في المراجع العمانية والمغربية اضافة الى ذلك فابن سلام في (ص114): يتحدث فقط عن اثنين ينازعان رأي سيدهما' وعلى كل حال فان موضوع التجسيد لم يكن ليقسم الاباضين لأنهم كانوا يعتبرون الخصائص الالهية والبصر الرباني يوم القيامة مجرد تشبيه فطبيعة الجدل الخاص بالصفات الالهية في هذا العهد لم يكن واضحا ولم يكن هناك ما يشير الى ان هذه التميزات الدقيقة قد اقامها علماء الدين الاباضين فيما بعد (المرجع24) بين هذه الصفات الجوهرية السرمدية والصفات الطارئة مثل البغض والعداوة العمانية وغيرها ولم تكن ذات جدوى آنذاك خصوصا وان اراء بعض العلماء حول خلق القرآن لم تكن في المستوى كذلك إذا كان الأمر كذلك فيبدو ان تطرف المنشقين في الادعاء بأي شكل من التجسيد بصفته شركا دفع الى النزاع ويفسر (1/246)
صفحة 247
كذلك ان ذلك النزاع تم فضه بسهولة وإذا كان الأمر كذلك فان ما يشير اليه كذلك ان الشعيبية الأولى كانوا فرعا عن مذهب أصبحت ظاهرة اخرى في زمن الربيع حيت كان من اهم الشخوص البارزين في البصرة وعندما صار المعرج وعبدالله ابن عبد العزيز ينازعان الرأي أستاذهما على أسس القياس (المرجع26) على ان التسمية لمى أصبح يسمى انقساما او فرعا الشعيبية هو صاحبه هو شعيب ابن المعرف المصري إباضي مصري درس في البصرة وكان مسئولا عن تصدير بعض المواضع الانقسامية الى بلاد المغرب وكان من أتباعه عبدالله ابن يزيد او زياد الفزاري وكذلك ابن عمير لبن عيسى ومذهبهم كان قد طوره النكاريون الذين كانوا يقبلون بالقياس في مذهبهم ورغم ذلك فان مذهب النكارين كانوا يروا ان اختيار الموضوع الأساسي هو اختيار وسلطة الإمام الرسمي الثاني عبد الوهاب بينما المذاهب المتسرعة والقريبة منهم كانت بمثابة خلاصة قدمها شعيب عن مختلف الآراء (المرجع27) بما في ذلك اراء المعرج وعبدالله لبن ع العزيز الذي فرضهم بعد موت الربيع ففي المشرق كان الداعية الأكبر للانقسام في المذهب الإباضي كان هو هارون ابن اليمان الذي سمي في رسالته 'الفقهاء إلى السلت' هارون المخالف للمسلمين الخارج عن عدل الحق ونوره فالنزاع وصل ذروته في عهد الإمام المهنى إذا كنا واثقين من مراسلات هارون الى العمانيين وجواب ابي سفيان محبوب ابن الرحيل الى العمانيين والحضرميين وتبين كذلك الرأي إذا كان يختمر لبعض الوقت لان ابي سفيان عند إعلانهم رأي الضيف يقول ابن الربيع ووائل وأصحابهم لم يخرجوا من هذه الدنيا هكذا إلا إذا برأنهم فالربيع كان معارضا شديدا ولم يكن له اتصال بهم فرأيه اتبعه وائل تم بعد ذلك أبو سفيان الذي اختلف مع عبدالله ابن يزيد الشعبي وعبدالله ابن عبد العزيز وشعيب ابن معروف وسالم فان بيان الشرع الكتاب الثالث يعلق بالقول: نحن براء منك أي يتبرأ منه الربيع ورغم ذلك فان المعرج عبدالله (1/247)
صفحة 248
ابن عبدالعزيز كان من أهم تلامذة أبي عبيدة والمدونة الصغرى تسجل سلسلة عنعناتهم للسبعة من تلامذة عبيدة وتقتبس عنهم فالسالمي يعلق انه رغم كون هذين الاثنين لم يكونا في موقف ولاية فانهما مقبولين للرواية والاسناد اضافة الى ذلك فان لمعرج جاء الى عمان حيث بدا يقترب من المذهب السني الا انه توفي قبل ان يتضح الأمر ووضع في مرتبة الوقوف.
رغم ذلك فنظرة خاطفة الى مراسلاته الخاصة بهارون توضح ان ما كان موضوعيا جوهريا في هذه المرحلة هي الشكل الراهن للمرجئة رغم ان مواضيع مثل بصر الله كانت يتطرق اليها فهارون اساسا كان له موقف مختلف بعض الشيء عن الولاية والبراءة واذا قبلنا راي ابي سفيان فان وضعية الكفر تفرض فقط على الذين يتمردون وبذلك يستاهلون الحد في الدنيا والجهنم في الاخرة بعبارة اخرى كان اساسا من اصحاب الراي الوسط وهو اعتراف بمراتب الخطيئة في رد ابي سفيان يربط الشك الذي يقول عبيدة بكل وضوح انه ذنب رغم ان الشخص الذي يطرح السؤال مسموح وذلك بخصوص الشخص الذي أوقف الحكم وهو نفس الشيء إذا قورن مع الارجاء بعبارة اخرى نحن بمواجهة كفر حقيقي له معاني سياسية خصوصا إذا جاء الأمر الى احد رؤوس امامة المهنى الذي تبرا منه محمد ابن محبوب سر اذن فان هذه النزاعات الدينية كانت تحتاج الى المعالجة باستعجال.
على اننا في هذه اللحظة يجب ان نترك هذه النقاشات ونسجل أنها كانت مرتعا للخصوبة الفكرية التي ميزت البصرة فكثير من الأفكار كانت تتبادل وتعتبر تحديا للفكر الإيديولوجي الإباضي والعقيدة الاباضية مع ثلاث مجموعات أساسية من الأيديولوجيات وهي:المرجئة بمفهوم الشرك لديها والمعتزلة بمنزلة بين المنزلتين والقادرية التي تؤكد على النقاش حول الإرادة الحرة والقدر بصفة عامة فان الاباضين كانوا اقرب إلى الموقف المحافظ الذي أصبح في ما بعد تعتبر الإسلام الارتودكسي.
المهم الان هو العودة الى موضوع اطلاق واشاعة الحركة الاباضية (1/248)
صفحة 249
الحج: من الاشياء التي لم يتم الاشارة اليها بما فيه الكفاية في تاريخ اشاعة الاباضية والاستمرار في التواصل بين الجماعات المختلفة خصوصا بين المشارقة والمغاربة الذين كانوا يعيشون على اطراف الامبراطورية الاسلامية وغير مرتبطين ببعضهم عن طريق الروابط القبلية والتجارية ودور الحج هو فكان عنصرا مهما في انتشار الحركات السياسية الإسلامية بصفة عامة الا انه لم يعطاه ما يستحق من الاهتمام وذلك لان الذهاب الى الحج هو كان من الحق المسلمين وفرضا عليهم وكان يصعب على أي زعيم ممانعتهم من ذلك.
فابو سعيد القدامي يسجل ان المسلمين الأول فرضوا على انفسهم الذهاب الى الحج للاستمرار في التواصل ولملاقاة ابي بكر وعمر وملاقاة أعضاء الدعوة من الأمصار المختلفة فأبو سفيان في روايته عن الاباضية الأول يؤكد كيف أن جابر ابن زياد ذهب كل سنة رغم انه أصبح واضحا من روايته أن الحركة بعد تنظيمها في دعوة صار الزعماء البصريون يستغلون حقهم إلى أقصاه كوسيلة لدعم أهدافهم وكما رأينا كان عبر الحج أن طالب الحق صار اتجاه تنظيم التمرد وتمكن بصفته حاجا أن يذهب الحرمين ويناقش مع الحضرميين إمامتهم وكان كذلك نتيجة الذهاب إلى الحج من العراق هو الذي مكن العائلة الرستمية التي كانت من شجرة ملكية ساسانية أن تصل إلى بلدان المغرب وقريبا من مكة مات أبو عبدالرحمان ابن الرستم ابن دحرم وتزوجت أرملته حاجا من قيروان وأخذها مع طفلها إلى ذلك البلد وهناك يبدو انه اعتنق المذهب الإباضي وعاد بعد ذلك في سنة 135هـ 752م، إلى البصرة للدراسة على يد أبي عبيدة وكما سنرى بعد ذلك بخمس سنوات عاد بصفته واحدا من حملات العلم للدعوة وتأسيس الإمامة الأولى في تاهرت (المرجع28). (1/249)
صفحة 250
هناك كذلك أمثلة عن كيف ان اعضاءا من الجماعة البصرية ذهبوا للحج فابوعبيدة الصغير والفضل ابن الجندب وعلي الحضرمي ووائل الحضرمي اجتمعوا في مسجد مكي عندما توفي جعفر المنصور في ذو الحجة 158هـ 775م (المرجع29) ومحبوب الراحل الصفري كان في مكة عندما جاءت أخبار هزيمة العباسيين وإلقاء القبض على عيسى ابن جعفر (المرجع30) كما أن عبيدة أرسل ربيعة في وفد للقيام محله خلال الموسم عندما كان مريضا وغير قادر على الحج بينما نزار ابن ميمون حاول إعطاء أربعين دينارا للربيع لتمكينه من الذهاب للحج (المرجع31) والأطراف المتنازعة عبدالوهاب وابن فنتين بعث بمبعوثين لهما الى مكة لملاقاة الربيع ابن حبيب وحاشيته لمناقشة مشكل عبدالوهاب وخلافته (المرجع32) كما ان أبي اليقظان الرستمي ذهب إلى الحج لمحاولة توحيد الخوارج الشرقيين للاستيلاء على بغداد (المرجع33) وبعد ذلك لبعض الوقت نقرا أن زعيم جبل نفوسة "عمروس ابن الفتح" الذي توفي 283هـ 896م، التقى بمحمد ابن محبوب في مجلسه بمكة (المرجع34) وكيف أنهما تبادلا الكتب (المرجع35) كما إن الآراء السيولوجية تمت مناقشتها ويعقوب ابن يوسف الورجلاني الذي توفي 750هـ، طلب من احمد الحضرمي ما كان يظن قومه حول إنشاء القرآن وخلال وجوده بالحج (المرجع36) مما يشير كذلك ان النقاش لم يكن قد تم حله وان الجماعة الحضرمية الاباضية كانت موجودة في ذلك العهد. (1/250)
صفحة 251
الا ان هناك اشارات ان التنظيمات الاباضية كانت متواجدة فالاعتراف كان تحت الميزاب وعند الطواف حول الكعبة لان هناك كان أبو بلال تقدم له الإشارة من الله وقبوله بذلك فالدكتور أمات الذي يكتب بعد احتلال الفرنسيين للمزاب يقول أن المزابين الذين لا يذهبون للحج عندما لا يذهبون ألى الحج يؤدون مالا لمن يفعل ذلك مكانهم ويقول على ان خصوصيات الحج كانت هي الركوع خمس مرات تحت الميزاب ذكرا لأبو بلال (المرجع37) أما الشماخي (المرجع102) فيوضح أن المسلمين الإباضيون يسافرون معا إلى الحج وأهم الروايات تأتي من ابن سلام الذي جمع كثير من الوثائق من تقاريره عن الذين يذهبون إلى الحج (المرجع 38) ففي كتاباته في رواية عن مختلف المناطق يعطي تفاصيل عن بعض الاباضيين المكيين البارزين كما انه يسجل عمانيين على الخصوص وهما أبو مروان ابن العباس ابن الوضاح وسفيان ابن محبوب الكندي اللذين كانا يعيشان في مكة مع 150 من أصحابهم 25 منهم كانوا عمانيين وبحديثه عن سفيان يقول ان جده كان تلميذا لأبي عبيدة وخلال الحج الخيام لثلاث أيام في منن المعروفة بمضارب محبوب حيت كان الحجاج العمانيون يجتمعون خلال التشريق بعد يوم الأضحى وقيل لي من قبل صديق أن أبو محمد النفوسي وهو عالم كان يلتقي الحجاج العمانيين وعلمائهم خلال زيارتهم إلى منن كانوا ينزلون في هذه الخيام. (1/251)
صفحة 252
فالشخصيات المذكورة في هذا التقرير يتم الخلط فيها بعض الشيء إلا أن هناك بعض الشك ان الشخص الأساسي المذكور هو عضو من عائلة الراحل يبدو انه محبوب الأكبر ابن سفيان الذي لا نعرف عنه الكثير خلافا لأخيه محمد لا يفاجئنا انه يوصف على انه كندي بحيث ان كندة لم يكونوا بارزين في تشكيل الإمامة الاباضية الأولى أبدا كذلك من المهم انهم كانوا يمثلون في مكة الراحل حيت انهم من أصول غير عمانية ويدعون بأصل قرشي فالأسرة الوحيدة في عمان الذين يقولون بذلك ومعظم المكيين الاباضيين الاخرين كانوا من خزاعة الذين كانوا من اتباع حمزة المختار ابن عوف وانقلابه أما مروان المهنى فكان والي صهر وتم قتله في توام؟أما زيد الوضاح فكان معاديان لمروان ابن صهر؟بل من المحتمل ان يكون مروان ابن محمد ابن حبيب كذلك (أنظر امام غسان في التحفة المجلد الأول ص133)؟ أبي زياد وضاح ابن العقبة؟كل هذا يبين ان الحج كان جوهريا ليس فقط في إقامة الرواتب الواسعة ما بين المجموعات الاباضية ولكن كذلك لإشاعة الحركة حل النزاعات.
الحركة الدعائية بالمغرب:إن النجاح جاء بسرعة اكبر في المغرب منه في المشرق حيث انه في عمان كان على الاباضيين أن يفرضوا أنفسهم في إطار حروب مدنية قبلية كنتيجة للنزاعات الجولندية أما في شمال إفريقيا فان الوضع كان اوضح بكثير لان الأمر كان يتعلق بالغزاة ضد المغزيين والمطهدين ضد المطهدين. (1/252)
صفحة 253
هذا الشان حيث نرى دورا لعبيدة في البصرة بوضوح اكثر فتبعا لتراجع المجموعة الليبية من المغاربة الذين جاءواالى البصرة وكانت هنالك حركات دعوية خمسة اخرى درسها ابوعبيدة جميعا في اطار السرية وحسب ابو زكرياء الذي توفي سنة471 هـ 1048م (المرجع39) ذهب الى المغرب لانشاء الدولة الاباضية الحقة في تريبوريتانيا ليبيا واربعة من هؤلاء كانوا قد جاءوا الى المغرب للدراسة معه ثلاثة هم عصيم السدراتي من سدرات واسماعيل ابن درار من غدامس وأبو داود القبلي نفزاوة (المرجع40) كلهم كانوا من ليبيا تريبوريتانيا وتخومها الغربية كما ان نفوسيا آخر وهو ابن مرطر الذي تبعهم كان حيا في السنة 196هـ، ورغم إن أبا عبيدة كان يتهكم بلطف من ابن درار الذي طلب منه الرد على نحو ثلاثمائة نقطة شرعية بخصوص ما كان يحول من ان يصبح قاضيا فان ذلك يبين على الرغم من ذلك سلطة ابي عبيدة التي انشاها بصفته رجل شرع فالرابع كان هو عبد الرحمان ابن رستم المؤسس في ما بعد للامامة الرستمية الذي كما راينا اعتنق الاباضية في القيروان وعاد الى البصرة للدراسة على يد ابي عبيدة والخامس هو ابو الخطاب على ابن السمح المعافري الحميري وهو يمني كان قد بعث بالتحديد لانه لم تكن لديه في ما بعد محلية وكانت لديه تجربة مع امامة طالب الحق رغم ان هذا من صميم المحتمل عندما تركت هذه المجموعة المغربية من الحملة البصرة طلبوا من ابو عبيدة من يكون على راسهم لو نجحوا في تاسيس دولتهم فاجاب ان واحدا منهم يجب ان يتم اختياره إذا وجدوا ان أي مجموعة من الذين اعتنقوا مذهبهم لهم في ما بعد طموحات سياسية واذا رفض عليهم قتله وكان ذلك يبين ان الخطاب هو الشخصية المستهدفة رغم انه كان هو غير المغربي الوحيد في الواقع يبدوا انهم اقترحا الزعامة على عبد الرحمان ولكن قبل معتذرا وكان ابو الخطاب هو الذي اقيم في الامامة سنة 140هـ 757-758م، بعد ان نجحت الاولية ويبدو الان ان النزاع مع الصفرية (1/253)
صفحة 254
صار في تطور فالقيروان سقطت في ايدي ورحجومة الذين ثاروا من العرب في السنة السابقة وهو الذي دفع بالاباضيين الى السيطرة على القيروان في السنة 141هـ 758م، حيث ان الخطاب عين عبدالرحمان كعامل له ورغم ذلك فان انشتاين يسجل ان حمام الدم لم تكن له أي علاقة مع المذهب الصفري وقد كانت هي تعبير عن غضب المجموعات القبلية البربرية ايا كان الحال فتحت شعار لاحكم الا لله ولا طاعة الا طاعة ابي الخطاب صار الهوارة والنفوسة جعل هؤلاء امامهم سيدا لافريقيا واسسوا له الامارة في طرابلس الا ان نجاح هذه جاءت في نفس الوقت مع تدعيم السلطة العباسية تحت قيادة محمد ابن الاشعث الخزاعي الذي قضى على قوى ابن الخطاب سنة 144هـ 761م، فبعد ذلك صار عبدالرحمان ابن رستم وتحرك غربا بمجموعات نفوسية وافريقية وانشا تهرت جديدة وهي ما يسمى اليوم"تكدمت"نحو اربعين كيلومترا من تهرت القديمة بينما قرة اليفراني الصفري ذهب مع الافرانيين وقبائل اخرى لفرض السيطرة على المغرب الاوسط معلنا نفسه خليفة على تلمسان قبل ان يعيدها الكرة على افريقيا. (1/254)
صفحة 255
وقد التحق به الاباضيون تحت زعامة عبدالرحمان وابو حاتم الملزوزي الذين اعادوا السيطرة على القيروان واحاطوا بتبنى سنة 154هـ 771م، في منطقة الزاب فصارت الاتحاد الصفري الاباضي نحو الانقسام سواءا كان ذلك لاسباب الانشقاق او الخيانة لايهم الا ان العباسيون اعادوا السيطرة على المنطقة فعبدالرحمان عاد مرة اخرى الى تاهرت والصفريون ذهبوا الى سجلماسة في تافيلالت التي اصبحت مركزا من الان فصاعدا للامامة الصفرية تحت زعامة المدرار بينما ابوحاتم استمر بجيشه نحو ترابلسية بليبيا الى ان لقي جيشا قادما من مصر تحت قيادة يزيد ابن حاتم ابن قس قادسة ابن المهلب وهزمه وترك الامامة وثلاثين الف رجل من اتباعه على الارض الواقعة سنة 155هـ 772م، ومن المفيد ان هذا المهلب كان رجلا ذو ميزات عظيمة هو الذي وضع حدا للامامة الطرابلسية وهدأ افريقية خلال زمانه بصفته حاكما سنة 155 الى 171هـ 772 الى 788م، وتلاه اخوه الروح 171-174هـ 788-791م، الذي كان قد بعث من بغداد لاحالة دون اعتلاء العرش للبن يزيد داود الذي كان قد عينه ابوه وتبعه كذلك نصر ابن حبيب المهلبي سنة174-177هـ 791-793م، والذي كان قائدا في شرطته في افريقية ومصروالذي اخذ المنصب في الفترة التي نصب فيها قابسة ابن الروح على العرش وكنتيجة لتحالفات مختلف اعضاء العائلة انتهت سلطتهم في الفوضى مع تعيين الفضل ابن الروح سنة 177-178هـ، التي استمرت الى غاية 184هـ، حيث بدا ابراهيم ابن الاغلب التميمي في السيطرة على افريقية وبدا في تاسيس دولة الاغالبة مرة ثانية بدا الصراع مع الاباضيين الذي استمروا متحكمين في منطقة جبل نفوسة. (1/255)
صفحة 256
في نفس الوقت صار عبدالرحمان اماما حوالي سنة161هـ 778م، نظرا لسيرته وكذلك لانه لم يكن ضمنه أي من الاحناف فزار وفد مصري بعد ذلك تاهرت ووجد اماما جديدا يعمل في منزله وهي مما كان يعتبر في منزلة اقل ورغم ذلك عمل على تاسيس سلطته بدعم من النفوسيين على جناحه الشرقي رغم انه استمر في سياسة سلمية مع جيران العباسيين في القيروان والعلويين والادارسة في فاس والصفريين المدراريون في سجلماسة فالزروقي (المرجع41) هو يرى على كل حال ان النزاعات القديمة بين الصفريين والوسيلية والاباضية قد انتهت وبدات من جديد فقط عندما اصبحت الامامة متوارثة فبعدالرحمان توفي حوالي 171هـ 788م، والان نترك الامامة الاباضية في تاهرت في ذلك العهد ونعود الى المشرق.
عمان
هذه الامور في عمان كانت اقل نجاحا فبعد سقوط امامة الجولندة لم يحضر شبيب ابن عطية الذي كان مريضا في ساحة الوغى وتراجع الى ازكي التي اصبحت قلعة للاباضية وكان فيها عدد لايستهان به من الاتباع فموسى ابن ابي جابر سنة 96 الى 181هـ 714 الى 797م، الذي كان هو بنفسه من ازكي فناقش هذه الحالة مع الربيع ابن حبيب الذي كان براي ان الموضوع يخص أولئك الذين اختاروا الولاء لسلطته وهو جواب لم يرضي تماما موسى فالمشكل كان انه رغم تعيينه رسميا كامام كان يطالب بسلطة جمع الضرائب كمحتسب يجبي القرى احتسابا هذه النص الاصلي ويبدو انه لم يفعل شيئا لحماية الذي كان يختفي كلما ظهر السلطان حسب التقارير اللاحقة التي قدمها الفضل ابن الحواري فاذا كان النقاش للموضوع هو اساسا بين موسى والربيع يبين على ان هذه حصل بجولندة ببعض الوقت الا انه بعد الامامة كان ذلك بعد انشاء الامامة سنة 177هـ لدينا كذلك منسوبة اليه سيرة طولة ومعقدة تعالج اساسا اشكالية الشك وتطيل في التاريخ القديم لعثمان الذي يبين مرة ثانية اهمية المهاجرين في ذلك الزمان (المرجع42). (1/256)
صفحة 257
الأنشطة الدعوية:على أن النشاط الفعلي في عمان كان موجها من قبل الربيع ابن حبيب ابن عمر وهو الذي كان يبدو قد جمع سلطة العسكر والعلم والتي كانت ادوار التي قام بها ابوعبيدة والحاجب ابن الطيء فالربيع يجب أن نتذكر انه أزدي حقيقي وفراهيدي وهو من أهم الشخوص السياسية من المجموعات القبلية لمالك ابن الفهم ويقال انه في نهاية حياته أصبح داعية في عمان أيا كان الحال هناك أربعة دعاة يجب الإشارة أرسلوا من البصرة تحت إرشاده وكانوا ابوالمنذر بشير ابن المنذر من بني النافع وبالتحديد من بني السما بن لؤي وكان من عقر نزوة ويوصف أحيانا على انه الشيخ الأكبر ربما إشارة إلى عمره أو كبر سنه فيما بينهم وتوفي سنة 178هـ، خلال امامة الوارث بن كعب الخروفي وذريته أصبحوا معرفين ببني زياد منير ابن النيار الجعلاني من بني ريام وقيل انه توفي في معركة الدمع الأولى ربيع الثاني سنة 280هـ، وهذا مشكوك فيه خلال الحرب الأهلية التي وضعت حدا للإمامة الأولى أو إذا كان ذلك حصل ذلك فيدل ذلك انه جاء متأخرا وهو أمر قد يشير إلى أن جنوب شرق عمان أي الجعلان كانت آخر منطقة تندمج في الإمامة والثالث هو موسى ابن جابر سنة 96-181هـ 714-797م، وهو من فرع بني الدية من بني السما وكان يعيش في ازكي وسنسمع كثيرا عنه فيما بعد والرابع هو محمد ابن المعلى الفصحي فالعوتبي يقول انه كان الأول الذي ذهب وعاش في الدولة الاباضية في عمان وكما سنرى هو الذي كان يريده موسى إماما المنظور انه من سكون كندة وهناك شك حول ما إذا كان كنديا عمانيا في الأصل وهناك كذلك بعض الشك حول ولايته والسبب سيظهر في ما بعد النقطة التي نسجلها الآن هي أن لا احد من هؤلاء الدعاة الأربعة كان ازديا احدهم كان من المجموعة اليمانية غير الأزدية الكبرى الأخرى التي كانت مرتبطة بالأزد بمجموعات الأزدية من مالك ابن الفهم في تأسيس الإمامة للكندي طالب الحق وكانوا من مجموعة قضاعة الأهم في ريام (1/257)
صفحة 258
وكانت سلطتهم آنذاك منبسطة في جنوب شرق عمان أي الجعلان والآخر كان من المجموعات النزارية المهمة في عمان أي بنو السما فمن وجهة نظر الجغرافية كان ازكاويا كذلك من نزوة بينما الكندي عمل بالخصوص مع كندة الذين كانوا مستقرين في شمال عمان حيث بنو السما بالخصوص بينما الريامي يبدو انه عمل في الجعلان رغم أن هنا يجب أن نتذكر أن اعضاء من المجموعة غير الثابتة من قضاعة كانوا كذلك ممثلين في وسط عمان نسجل كذلك أنه ليس هناك أي داعية من الغضف من منطقة روستان التي كانت هي المفتاح المركزي لعمان ويسيطر عليها شنوعة ازد ولا احد من الباطنة صهر ودامة وغيرها إضافة إلى ذلك من الواضح أن الكندي فعلا أول واحد جاء إلى العيش في عمان عندما كانت الدولة الاباضية قد تأسست إذا كان هذا صحيحا فان ذلك يشير إلى أن الآخرين جاءوا ما بعد 177هـ (أنظر أسفله) وأنهم كانوا يعملون من البصرة ويعودون إلى ذلك وهذا بحد ذاته يعني أن الأزد كانوا الأول فعلا الذين عملوا في تشكيل الإمامة وبعث الدعاة لإدخال بقية القبائل في الحركة وهذا يؤكد الانطباع بان تشكيل الإمامة كان أساسا مسالة نزاع حول السلطة بين دعاة أو دعماء جولندة والمجموعات الأزدية الأخرى وخصوصا يحمد وكذلك لم يكن الأمر يتعلق بالاباضية الحقة بل الصراع على السلطة السياسية أو كما يقول الفضل مجيبا على الحضرميين بخصوص النزاع مع الجولندة النص الأصلي: وكان ذلك في أيام صبر الدولة وقوتها بأهلها". (1/258)
صفحة 259
بالنسبة إليهم الاباضية كانت الوسيلة وليس الهدف واستخدمت من قبل بعض الناس بدون أخلاقيات رأوا أن الهدف يبرر الوسيلة واولهم موسى ابن ابي جابر الذي كان القاضي الاكبر تحت الزعيم الجولندي وفي ما بعد كما سنرى التحق بالتمرد تحت زعيم غير الموثوق ضد الجولندة والاثنين والموقفين يمكن تفهمهما بعقلانية نظرا لقبول وضعية تحت السباطرة أي الحكام غير الشرعيين وقيام ذلك سيحسن من ظروف القوم واذا كان وان قبول العمل تحت شرير يقي من الاكثرهم شرا بان الشراع الامامة الترجمة ص154.
نزاع الجولندة: "وكان ذلك في ايام صبر الدولة وقوتها باهلها"
اذن بعد ذلك اخد الحق يتوسع ويتجذر لدى ناس عمان واجتمعوا في قلعة نزوة وبدات الطموحات تظهر فموسى ابن أبي جابر كان خائفا من ان يضع العمانيين في السلطة بان الدعاة على القرى النص الأصلي يقول حتى عضدالدين يخافهم وعين ابن ابي عفان على نزوة وقريات الجوف واطن انه قال حتى تضع الحرب او ما شابه ذلك فبشير يقول اننا كنا نتمى ان نرى ما نتمناه وراينا ما كرهناه ويزيد بالقول انهم عندما دفعوا برجال ابن عفان خارج الحصن وشتتوهم بعد ذلك وبعد ذلك عينهم على امكنة مختلفة وبعد خروجهم من الحصن بعث وراءهم من يزيحهم قبل اخذ مناصبهم (اخذت هذا من مراجع مسلمة موثوقة) فابن عفان بقي في الحصن واخرجوه بدون سلطة وبعد خروجهم اجتمعوا واختاروا الوارث وابن ابي عفان كان له اصل الامامة ولم يختاروا الوارث حتى بينوا للشعب لما ازاحوه ووضعوا اماما غير الامام (أنظر سيرة القحطان). (1/259)
صفحة 260
فموسى ابن ابي جابر ازاح ابا عفان بعد ان اقسم على ولائه للوارث في هذا العهد المسلمون كانوا ضعفاء وابن ابي عفان اعطي الولاء لفترة الحرب واصبح سيئا ثم ازيح بعد المناقشة كما قيل مرويا عن عبدالرحمان ابن العوف قال لابن عثمان: أنا اول واحد اعطيك ولائي واول واحد يبايعك ومن يخلعك ان عششت لك "النص الاصلي كتاب الاحداث والصفات لابي المسير (أنظر مراجع اخرى حول هذا الموضوع) نسجل ان موسى تحكم في القلعة عندما صار عبد الملك ابن حبيد احمق (أنظر سيرة ابي قحطان).
لماذا توقفت البصرة. تاسيس الامامة وتوقف دورها الزنج الخ تلي مراجع مختلفة وينتهي نص الفصل السابع (1/260)