صفحة 1
الكتاب: نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] نشأة الحركة الإباضية
د. عوض محمد خليفات
تم تهذيب الطباعة بواسطة فريق العمل في شبكة الدرة الإسلامية
www.aldura.net
[*]تصدير
[*]الفصل الأول المصادر- عرض وتحليل
[*]1-- المصادر السنية:
[*]2- المصادر الشيعية:
[*]3- المصادر الإباضية:
[*]الفصل الثاني الدراسات الحديثة – عرض وتحليل
[*]تابع الموضوع السابق الدراسات والبحوث حول تاريخ الإباضية
[*]تابع الموضوع :وفي الآونة الأخيرة
[*]تابع الموضوع الدراسات العربية
[*]الباب الثاني :الفصل الأول تطور الخلافة وأثرها في ظهور الخوارج
[*]الباب الثاني :الفصل الثاني »تفسير الإباضية لنشأة الخوارج«
[*]الباب الثالث :ظهور الخوارج المعتدلين – القعدة
[*]الباب الرابع :الفصل السادس عبدالله بن إباض وتطور الحركة الإباضية
[*]الباب الخامس جابر بن زيد الأزدي
[*]الباب السادس :أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي
[*]الباب السابع :الفصل الأول انتصار الدعوة
[*]الباب السابع :الفصل الثاني تأسيس الإمامة في عُمان
[*]الباب السابع الفصل الثالث تأسيس الإمامة الإباضية في شمال أفريقية
[*]الصراع العسكري بين الاباضية والخلافة في بلاد المغرب
[*]التطورات السياسية في المغرب الأدنى في العقد الرابع من القرن الثاني الهجري وأثرها في ت
[*]الصراع بين حبيب بن عبدالرحمن وقبيلة ورفجومة البربرية:
[*]الإباضية يعلنون إمامة الظهور:
[*]الإباضية يحتلون القيروان – قصبة أفريقية:
[*]الصراع بين الإباضية والخلافة العباسية:
[*]الصراع بين الإباضية والولاة المهالبة:
[*]حصار طبنة:
[*]استيلاء أبي حاتم الإباضي على القيروان ومقتل عمر بن حفص:
[*]هزيمة الإباضية في المغرب الأدنى وانتصارهم في المغرب الأوسط:
[*]الخلاصة
[*]كتاب عبدالله بن إباض إلى عبدالملك بن مروان
تصدير
د. عوض محمد خليفات (1/1)
صفحة 2
لقد استرعى انتباهي_ مذ كنت طالبا في السنة الجامعية الأولى _موضوع الفرق الإسلامية, تاريخا وعقيدة. ومع توالي الأيام والسنين أدركت خطورة الدور الذي لعبته هذه الأحزاب والفرق في لتاريخ الإسلامي, ابتداء من الفتنة في عهد الخليفة عثمان وحتى يومنا هذا.
وقد حاولت في هذا الكتاب أن ألقي الضوء على بعض الجوانب الخاصة بإحدى هذه الفرق, وهي الفرقة الإباضية التي نجحت في تكوين دول خاصة بها كان لها دور هام في التاريخ الإسلامي, واخترت فترة التكوين والتأسيس في البصرة, وهي الفترة المعروفة عند الإباضية باسم طور الكتمان, وذلك لان هذه الحقبة من تاريخ الإباضية لم تحض بدراسات عميقة, ولم يصدر فيما أعرف أي بحث متخصص في هذا الموضوع, وقد انبريت لهذا العمل يحدوني الأمل بأن أودي واجبا نحو جانب هام من تراث أمتنا المجيد, واضعا نصب عيني أن تاريخنا كله ملك لنا, ويجب أن لا نغض الطرف عن أي جزء أو فترة منه, فما هو جيد يجب أن لنا مثلا طيبا وقدوة حسنة, وما هو سيئ يجب أن يكون درسا مفيد وعبرة واعظة.
وسيرى القارئ أنني انطلقت في دراسة الموضوع بروح علمية مجردة خالية من الهوى والتعصب, وأثبت ما توصلت إليه نتيجة الدرس ولاستقصاء والمقارنة والتحليل, وأفدت من الكتب والمؤلفات الإباضية على اختلافها وتنوعها, وعلى الرغم من ذلك فلا أجزم أن الزلل والخطأ قد فارقاني في كل رأي قلته أو نتيجة توصلت إليها رغم اجتهادي في تجنبهما ما استطعت, ولكنني على يقين من أن هذه الدراسة ستثير اهتمام الباحثين في التاريخ الإسلامي, أملا منهم أن ينبهوني إلى مواطن الزلل والخطأ, ويدلوني على الطريق الصحيح إن كنت قد أخطأت السبيل.
عمان
كانون 1978
المؤلف عوض خليفات
الفصل الأول المصادر- عرض وتحليل (1/2)
صفحة 3
لم تحظ الحركة الإباضية في طورها الأول باهتمام المؤرخين والمفكرين المحدثين وذلك لندرة المعلومات الواردة في المصادر المنشورة أو المخطوطات المعروفة- باستثناء الإباضية- ويبدو أن عدم وجود معلومات في المصادر غير الإباضية عن نشأة الحركة وتنظيمها في طورها السري خلال القرنين الأول والثاني الهجريين إنما يعود لجهل مؤلفي هذا المصادر بهذا الموضوع, وليس عجيبا أن نرى مثل هذا النقص لدى غير الإباضية من المؤلفين القدامى, نظرا للسرية التامة والتقية الدينية آلتي تبناها رواد الحركة وزعماؤها الأوائل مثل جابر بن زيد الأزدي وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ومن عاصرهما من أئمة الإباضية ومشايخها, والعل القاري يتساءل: لماذا وصلتنا معلومات كثيرة عن فرق ودعوات سرية أخرى استعملت التقية وغالت في ذلك إلى حد كبير مثل غلاة الشيعة والإسماعيلية والدعوة العباسية أيضا, ولم تصلنا هذه المعومات عن الفرقة الإباضية؟ من المرجع أن السبب يعود إلى أن هذه الفرق قد كتبت عن نشأتها ونظمها وتطورها ووصلت إلينا هذه الآثار فعرفنا الكثير من المعلومات عنها. (1/3)
صفحة 4
أما الفرقة الإباضية فلم يعط مؤرخوها اهتماماَ كبيراًَ لتاريخ الحركة السياسي في فترة الكتمان وكل ما يمكن لباحث أن يفعله هو جمع روايات مبعثرة في ثنايا الكتب الإباضية التي تتكلم عن الفقه والعقيدة الإباضية أو في كتب الطبقات والسير الإباضية التي تتحدث عن أبرز أئمة الحركة ورجالها, ولكننا لا نعثر قط على مؤلف إباضي ألف تاريخاً للحركة في طورها الأول, ليس هذا فحسب بل إن المصادر الإباضية تعطي معلومات أقل تفصيلاً وأكثر نقصاً وأخطاء من المصادر السنية عن الثورات الإباضية قبل تأسيس الإمامة والدول الإباضية, ولعل مرد ذلك يعود إلى اهتمام المصادر الإباضية في المقام الأول بالعقائد الإباضية ومحاولة حفظها وتورثها لاتباع الحركة جيلاً بعد جيل, أما الحركات السياسية والنزاع العسكري بين الإباضية ومخالفيهم فلم تنل من المؤرخين الإباضيين اهتماماً آلا بعد تأسيس دولهم الخاصة بهم في شمال أفريقية وفي عمان.
ولا عطاء صورة واضحة عن أهمية المعلومات الواردة في المصادر المختلفة فقد ارتأينا أن نصنف مصادر تاريخ الحركة الإباضية- منذ نشأتها حتى تأسيس الإمامة- إلى مصادر سنية وشيعية وإباضية.
1-- المصادر السنية:
من أهم المصادر السنية التي تزودنا بمعلومات عن التاريخ السياسي للحركة الإباضية في القرن الثاني الهجري كتاب أنساب الأشراف للبلاذري, الذي يعد بلا شك أوفى المصادر وأدقها فيما يتعلق بالثورات الإباضية التي تزعمها عبدلله بن يحي طالب الحق, وقائده أبو حمزة الشاري في حضرموت واليمن والحجاز ضد مروان الثاني, آخر خلفاء بني أمية, والحقيقة أن البلاذري يزودنا بمعلومات مفصلة وافية ودقيقة حول هذا الموضوع حتى ليحس القارئ أنه يتتبع الحوادث ساعة بساعة. (1/4)
صفحة 5
ومقارنة معلوماته عن ثورة«طالب الحق» بالمعلومات الواردة في المصادر الإباضية حول الموضوع نفسه تظهر بوضوح تفوقه وامتيازه, ويروي البلاذري معلوماته في هذا الصدد عن المدائني وأحياناً بإسناد جمعي,ويزودنا خلال حديثه عن هذه الثورة بخطب أبي حمزة الشاري في مكة والمدينة والتي تلقي ضوءا ساطعاً على أفكار الإباضية ومبادئهم في تلك الفترة( 1).
وفي كتاب فتوح البلدان, يزودنا البلاذري بمعلومات متناثرة حول تاريخ الإباضية في المشرق والمغرب وقد أشرنا إليها في ثنايا البحث, أما عن تنظيم الحركة السري في البصرة فأن البلاذري لا يمتاز على غيره من المصادر السنية ولا يزودنا بأية معلومات حول هذا الموضوع, ولعل عدم توفر المعلومات لديه كان السبب الرئيسي في إحجامه عن الحديث في هذه المسألة.
ومن المصادر التي تعطي معلومات عن ثورة الإباضية في حضرموت واليمن تاريخ«خليفة بن خياط» الذي يورد معلوماته نقلاً عن«إسماعيل بن اسحق» الذي نقل بدوره عن«الزنجي بن خالد» الذي كان معاصراً للحوادث( 2) وفي بعض الأحيان يأخذ خليفة عن«المدائني», وعلى الرغم من ذلك فإن الروايات التي أوردها«خليفة» عن ثورة«طالب الحق» مضطربة ولا تكفي وحدها لإعطاء صورة واضحة عن الثورة وطبيعتها, بالإضافة إلى ذلك فإن«خليفة» يخطئ في إيراد أسماء بعض القادة والمشايخ الإباضية الذين اشتركوا في الثورة, ويعطي أرقاماً عالية جداً لعدد الجيش الإباضي, ومن جهة أخرى فإنه يزودنا بمقتطفات من خطب«أبي حمزة الشاري» في الحجاز ويورد قائمة بأسماء الشخصيات الحجازية والقرشية البارزة التي قتلت أثناء المعارك بين الجيش الأموي والإباضية مما يلقي ضوءا على طبيعة العناصر التي اشتركت في الثورة وعلى معارضة قريش لها ولما نادت به من مبادئ وأهداف.
ويورد«خليفة بن خياط» بعض المعلومات عن ثورات الإباضية في شمال أفريقية ولكنها مقتضبة جداً ومضطربة. (1/5)
صفحة 6
ومن المصادر التي تحدثت عن ثورات الإباضية في الحجاز واليمن تاريخ الرسل والملوك«للطبري» الذي اعتمد على روايات منقولة عن«موسى بن كثير» مولى الساعديين, ولكن هذه المعلومات ناقصة ومختصرة بالمقارنة مع ا لمادة الغزيرة التي يوردها«البلاذري» في أنساب الأشراف.
أما» الأزدي» صاحب كتاب تاريخ المؤصل فيعطي معلومات مختصرة عن ثورة«طالب الحق»,وتكمن قيمة معلوماته في أنه يشير إلي اشتراك بعض الإباضية من الموصل في الثورة مما يدل على انتشار الأفكار الإباضية هناك في فترة مبكرة. (1/6)
صفحة 7
أما عن ثورات الإباضية ونشاطهم في بلاد المغرب خلال القرنين الأول والثاني الهجريين فالمعلومات عنها متوافرة في المصادر السنية, ومن أشهر هذه المصادر وأهمها كتاب تاريخ أفريقية والمغرب المنسوب«للرقيق القيرواني»(ت 417ه/1026م), كان«الرقيق» رئيساً لديوان الرسائل في الدولة الصنهاجية وبقي في منصبه نحو عشرين عاما, وكتب مؤلفات عديدة حول مواضيع مختلفة( 3), وقد تناول في أحد هذه الكتب تاريخ أفريقية والمغرب منذ الفتح الإسلامي حتى بداية القرن الخامس الهجري(4 ), أما القطعة التي وصلت إلينا والتي حققها«المنجي الكعبي» وعنوانها تاريخ أفريقية والمغرب, فهي تتحدث عن تاريخ المغرب الإسلامي منذ ولاية«عقبة بن نافع الفهري» حتى حكم الأمير الأغلبي«أبو العباس عبدلله بن إبراهيم بن الأغلب»(ت 201ه/ 817م), ويزودنا«الرقيق» بمعلومات دقيقة ومفصلة حول ثورات الإباضية ضد ولاة الأمويين والعباسيين ويأخذ الرقيق معلوماته في بعض الأحيان عن أشخاص عاصروا الأحداث واشتركوا فيها مثل«عمر بن غانم» الذي كان يسكن مدينة القيروان, وتقلد بعض المناصب الرسمية إبان ولاية«حنظلة بن صفوان الكلبي», كما تولى منصب الحجابة«لعبد الرحمن بن حبيب الفهري» الذي تقلد ولاية أفريقية بعد طرده«لحنظلة ابن صفوان»( 5), وفي أحيان أخرى يأخذ معلوماته عن«عبدلله بن أبي حسان اليحصبي» الذي يروي عن والده(6 ), وكان معاصرا للحوادث التي جرت في أفريقية خلال النصف الأول من القرن الثاني الهجري, وهي الفترة التي شهدت ثورات الإباضية ضد الحكم الأموي والعباسي هناك, ويقتبس«الرقيق» عم مؤلفين مشهورين آخرين مثل«المدائني»«والزبير بن بكار»«وعمر بن سلام»«وأبي عثمان المعافري» غيرهم( 7). (1/7)
صفحة 8
وفي الحقيقة, فإن روايات«الرقيق» تعد أوفى ما وصل إلينا عن تاريخ أفريقية والمغرب السياسي بشكل عام وثورات الخوارج الصفرية والإباضية هناك بشكل خاص, إلا أن القطعة التي وصلتنا يعتورها بعض النقص أحيانا(8 ), كما أن الرقيق كغيره من مؤرخي السنة(باستثناء ابن الصغير), يجهل التنظيم السري للحركة الإباضية ولا يزودنا في كتابه هذا بأية معلومات في هذا الشأن ولا يشير إلى كيفية ورود المذهب إلى شمال أفريقية وانتشاره بين سكانه وخاصة البربر منهم.
ومن المصادر الهامة عن تاريخ الإباضية في شمال أفريقية كتاب تاريخ الأئمة الرستميين«لابن صغير المالكي», ونحن لا نعرف عن مولد ابن الصغير ونشأته شيئا ذا قيمة, سوى انه كان يسكن مدينة«تاهرت» عاصمة الدولة الرستمية الإباضية التي أسسها«عبد الرحمن بن رستم» عام 162هبعد كفاح مرير(9 ). (1/8)
صفحة 9
وقد عاصر هذا المؤلف فترة من تاريخ تلك الدولة, ويبدو أنه توفى قبل سقوطها عام 297هعلى أيدي الفاطميين, والدليل على ذلك أن كتابه ينتهي بإمامة«أبي حاتم يوسف بن محمد» المتوفى عام 294ه, عاش«ابن الصغير» فيحي الرهادنة في تاهرت حيث كان يملك دكانا فيه( 10), واتخذ من ذلك الحي مكانا لدروسه ومناظراته مع الإباضية واتباع الفرق والمدارس الإسلامية الأخرى كالمعتزلة, ويعتبر كتاب«ابن الصغير» أقدم مؤلف كامل وصل إلينا عن تاريخ الإباضية في شمال أفريقية وخاصة تاريخ الدولة الرستمية, وقد اعتمد في معلوماته على رواة من الإباضية نقلوا إليه معلوماتهم التي ورثوها عن أسلافهم ممن عاصروا الحوادث أو اشتركوا فيها, وقد تحدث ابن الصغير بإسهاب عن تأسيس مدينة تاهرت وتاريخ الأئمة الرستميين, كما تكلم عن انقسام الحركة الإباضية في شمال أفريقية إلى فرق مختلفة, وتعد معلوماته حول هذه المواضيع أقدم وأفضل ما وصل إلينا, ولا يذكر أسماء رواته إلا نادرا, وممن ذكرهم شخص يدعى«أحمد بن يشير» وهو إباضي عاش في تاهرت(11 ), وقد نقل بعض معلوماته عن كتاب وقع في يده من تأليف الإمام الرستمي«عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم»(ت 208ه/824م) أجاب فيه على مسائل أشكلت على إباضية جبل نفوسه, وقد سمي الكتاب فيما بعد مسائل نفوسة الجبل, وكان الإباضية يتوارثونه ويدرسونه بعمق وروية, وقد حصل عليه «ابن الصغير» من أحد أفراد العائلة الرستمية واستفاد منه, وبذلك يقول ابن الصغير:«...وكان هذا الكتاب في أيدي الإباضية مشهورا عندهم معلوما يتداولونه...فأخذته عن بعض الرستميين فدرسته ووقفت عليه(12 ). (1/9)
صفحة 10
كان«ابن الصغير» سنيا مالكيا على الرغم من أن عواطفه مع علي بن أبي طالب لا تخفى على من يقرا كتابه(13 ), ألا أن هذه العاطفة لم تجعل منه شيعيا كما يرى المستشرق البولندي ليفتسكي Lewicki( 14), وأيا كان اتجاهه ومهما كان شعوره نحو أية شخصية إسلامية مرموقة فالثبات من كتابه أنه كان مؤرخا نزيها يتحرى الحق ويقوله ويبدي تقديره ويفصح عن إعجابه بالأئمة العادلين من الرستميين رغم عدم قناعته بالمذهب الذي ينتمون إليه, وقد شرح ابن الصغير أسلوبه ومنهجه في العبارة التالية:«...وكانت لهم (الإباضية) قصص حكوها لا يمكن ذكرها إلا على وجه, وان تم الصدق فيها ولا أحرفها على معانيها ولا أزيد فيها ولا أنقص منها إذا النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروءات, ولا من أخلاق ذوي الديانات, وان كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين, فنحن وان ذكرنا سيرهم على ما تصل بنا وعدلهم فيم ولوه فلسنا ممن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم لما نعلمه من براءتهم وقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»(15 ), وقد تقيد ابن لصغير(ممن والاه رسول الله بهذا المنهج الذي اختطه لنفسه, واعترف بفضله وعلمه مؤرخو الإباضية أنفسهم واعتبروه مصدراً أساسياً لمعلوماتهم عن الدولة الرستمية, وممن فعل ذلك المؤرخ الإباضي المعروف «أحمد بن سعيد الشماخي»(16 ).
أما ما يخص موضوع بحثنا فإن ابن الصغير يعطي معلومات جيدة حول العلاقة بين التنظيم الإباضي في البصرة وبين أتباعه في شمال أفريقية, ويتحدث عن المراسلات السرية والمعونات المادية التي كان يرسلها إباضية البصرة لإخوانهم في شمال أفريقية(17 ). (1/10)
صفحة 11
وثمة مصدر سني آخر هام يزودنا بمعلومات جيدة عن حركات الإباضية وثوراتهم ودولهم في بلاد المغرب وهو كتاب البيان المغرب لابن عذارى, ويعتبر هذا الكتاب أهم مصدر وصل إلينا عن تاريخ بلاد المغرب بشكل عام, وقد نقل ابن عذارى عن كثير ممن سبقه من المؤلفين المشارقة والمغاربة وان كان اعتماده على المصادر المغربية اكثر, وقد أشار إلى بعض مصادره في الجزء الأول من كتابه(18 ), كما اقتبس من مؤلفين آخرين يشير إليهم في ثنايا كتابه, أما عن ثورات الإباضية في القرن الثاني الهجري فيبدو اعتماده على الرقيق القيرواني واضحاً, وأحيانا نجده يكرر روايات الرقيق حرفياً, ويمتاز ابن عذارى انه زودنا بالمعلومات الناقصة الموجودة في الأوراق المفقودة من كتاب الرقيق الذي أشرنا إليه سابقا, ويعطي ابن عذارى تواريخ دقيقة للحوادث التي يتكلم عنها. ولذا فإن ابن عذارى يعد من أفضل مصادرنا عن حركات الخوارج بشكل عام والإباضية علو وجه الخصوص خلال الفترة الأولى من تاريخ حركتهم في شمال أفريقية.
أما النويري صاحب كتاب نهاية الإرب فقد أفرد الجزء الثاني والعشرين من مؤلفه الضخم للحديث عن تاريخ المغرب والأندلس, وقد طبع هذا الجزء في غرناطة عام 1917م. ويورد المؤلف في هذا السفر معلومات قيمة عن ثورات الإباضية ومحاولاتهم المستمرة لتأسيس الإمامة الإباضية في بلاد المغرب خلال القرن الثاني الهجري.
ويزودنا ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ بمعلومات مماثلة, ويبدو أن كلا المؤلفين(النويري وابن الأثير) قد استفاد من كتاب الرقيق القيرواني, ومقارنة المعلومات الواردة فيهما بما ورد في كتاب الرقيق تظهر تشابهاً في كثير من الروايات وربما اعتمد المؤلفان أيضاً على مصادر أخرى أقدم مثل محمد بن يوسف الوراق(ت 363ه) الذي يعتبر أفضل من كتب عن تاريخ أفريقية والمغرب إلا إن كتبه ضاعت ولم يصلنا منها إلا شذرات مبعثرة في صفحات الكتب المتأخرة. (1/11)
صفحة 12
ومن المؤلفات الهامة آلتي تعطي معلومات قيمة عن إباضية شمال أفريقية كتاب المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب, للجغرافي المعروف البكري(ت 487ه) وهو من افضل الكتب آلتي تزود القارئ بمعلومات جيدة عن علاقة إباضية المغرب ببلاد السودان وأفريقية السوداء, ويحوي كتابه فقرات تاريخية هامة تكشف عن بعض الحقائق حول تسرب الحركتين الإباضية والصفرية إلى شمال أفريقية, وهو المصدر الوحيد من بين لمصادر المتوفرة- سنية وشيعية وإباضية- الذي يذكر أن سلمه بن سعد الحضرمي, أول داعية إباضي إلى شمال أفريقية, قد وصل القيرواني قبل عام 104ه, وهذا يلقي ضوءا على تاريخ تسرب الحركة إلى تلك المنطقة(19 ).
ولا يستطيع باحث في تاريخ أفريقية والمغرب الاستغناء عن تاريخ ابن خلدون(20 ), الذي يزودنا بمعلومات قيمة عن تاريخ الإباضية في شمال أفريقية, إلا انه يخطي كثيرا في التواريخ ويمتاز بعدم الدقة في ضبط الأسماء البارزة التي اشتركت في الحوادث, كما انه غالبا ما يخلط بين الإباضية والصفرية, ويجب أن تؤخذ معلوماته بحذر شديد, وعلى الرغم من ذلك فانه يمدنا بمعلومات فريدة لا جدها في المصادر الأخرى حول مواطن القبائل البربرية وانتماءتها ومعتقداتها معتمدا فيذلك على رواة من البربر, وتفيد هذه المعلومات في معرفة مناطق انتشار المذهب الإباضي وأسباب انتشاره فيها ومدى علاقة الهوية القبلية في تحديد المذهب الديني, وتفيد هذه المعلومات أيضا في معرفة أثر العصبية القبلية بين البربر في انتشار هذا المذهب أو ذلك بين أفراد قبيلة معينة. (1/12)
صفحة 13
ومن المصادر السنية الأخرى التي تمدنا بمعلومات مفيدة عن تسرب الحركة الإباضية إلى شمال أفريقية كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم الذي يزودنا ببعض الروايات الفريدة في هذا الصدد وقد أشرنا إليها في الصفحات المعينة من هذا البحث, وكذلك كتاب رياض النفوس للمالكي وكتاب أخبار مجموعة لمؤلف مجهول وغيرها من المؤلفات الأخرى التي أخذنا منها بعد تمحيص وتدقيق والتي سيلحظها القارئ في ثنايا البحث.
وقد رجعنا أيضا إلى كتب التراجم والترحال, المشرقية منها والمغربية, وأخذنا منها في حديثنا عن نشأة الحركة الإباضية وخاصة عن جابر بن زيد الأزدي الذي يعتبره الإباضية مؤسسا لمذهبهم بينما يعتبره السنة من الفقهاء والمحدثين البارزين الثقاة.
أما كتب المقالات والملل والنحل فتتحدث- كما هو معروف- عن الفرق الإسلامية المختلفة وتتعرض للحديث عن الديانات الأخرى غير الإسلامية, ويجب أن نستخدم هذه المؤلفات بحذر شديد لان أصحابها تنقصهم الموضوعية ويعوزهم الحياد عندما يتكلمون عن فرق مخالفة لمعتقداتهم, ولا تزودنا هذه الكتب بمعلومات قيمة عن نشأة الحركة الإباضية وتنظيماتها السرية, وما أوردته هذه المصادر من معلومات لا تمت في معظمها للإباضية ولا علاقة لهم بها, وإذا استثنينا عبدلله بن أباض فإن كتب المقالات لا تورد أية معلومات عن أئمة الإباضية ومشايخها مثل جابر بن زيد الأزدي , وأبي عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة التميمي, والربيع بن حبيب وغيرهم, ولعل السبب في ذلك يعود إلى جهل مؤلفي هذه الكتب بدور هؤلاء الأعلام البارزين في الفرقة الإباضية, وحيى عبدلله بن أباض فإن المعلومات عنه مشوشة ومضطربة ولا يمكن الركون إليها( 21). (1/13)
صفحة 14
وإذا قارن المرء بين ما ورد من معلومات في هذه الكتب وبين ما ورد في المصادر الإباضية سواء كانت تاريخية أم كتب فقه وعقائد يلاحظ أن هؤلاء المؤلفين قد نسبوا إلى الإباضية آراء ومعتقدات غريبة لا يقر بها اتباع هذه الفرقة, كما انهم تكلموا عن فرق إباضية لا نجد لها ذكرا على الإطلاق في المصادر الإباضية, على اختلافها وتنوعها, مثل الفرقة اليزيدية التي ينسبها أبو الحسن الاشعري إلى يزيد بن أنيسة, والحقيقة أن آراء اليزيدية كما أوردها الأشعري بعيدة جدا عن مبادئ الإباضية بل هي خارجة عن المبادئ الإسلامية( 22). (1/14)
صفحة 15
ويبدو من المعلومات التي هذه المصادر أن مؤلفيها كانوا يجهلون تماما نشأة الحركة وتطورها, وما أشاروا إليه من أراء منسوبة لهذه الفرقة لا يعتبر ذا أهمية وخاصة إذا تذكرنا أن هذه المعلومات مشوهة ومتحيزة وتفتقر إلي الدقة والمعرفة العميقة, ويمكن القول: إن هذه الكتب قد أصابت الإباضية بكثير من الأذى والتشنيع قد لا يكون مقصودا في بعض الأحيان ولكنه موجود, وقد أدت هذه الكتابات إلى ازدياد الفجوة بين الإباضية واتباع المذاهب الإسلامية الأخرى , ولا يصح الاعتماد عليها لتكوين فكرة صحيحة عن نشأة الحركة وتطورها وعن فهم آرائها ومبادئها, وقد أدرك أحد مؤلفي هذه الكتب وهو أبو الحسن الأشعري عدم دقة المعلومات الواردة في هذه المصادر وصد ق حينما قال:«..ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات, ويصنفون في النحل والديانات, من بين مقصر فيما يحكيه, وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه, ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه, ومن بين تارك للتقصي لروايته فيما يرويه, من اختلاف المختلفين, من بين يضيف إلى قول مخالفيه ما يضن أن الحجة تلزمهم به»( 23), رغم هذا القول فأن الأشعري نفسه قد وقع في نفس الأخطاء التي ذكرها كما فعل غيره ممن تصدى للكتابة عن لفرق الإسلامية, ومن هنا فأن الاعتماد على هذه المؤلفات حول نشأة الإباضية لا يضيف إلى الصورة إلا تشويهاً ولا يزيد الأمر إلا تعقيداً.
---------------------------------------
[SIZE=2]
( 1) البلاذري، أنساب، مخطوط، ج، ص، وما بعدها.
( 2) خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص.
( 3) أنظر: المنجي الكعبي، مقدمة كتاب تاريخ أفريقية والمغرب، ص-23.
( 4) المصدر نفسه، ص.
( 5) الرقيق، ص-125.
( 6) المصدر نفسه، ص.
( 7) المصدر نفسه، ص، 156، 165.
( 8) أنظر مثلا ص.
( 9) أنظر: الباب السابع، الفصل الثالث.
( 10) ابن الصغير، ص.
( 11) المصدر نفسه، ص-45.
( (1/15)
صفحة 16
12) المصدر نفسه، ص.
( 13) أنظر مثلاً ص، من كتابه حيث يعيب على الإباضية براءتهم من علي بن أبي طالب ولكنه لم يتطرق إطلاقاً لبراءتهم من عثمان وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة.
( 14) T. Lewicki, “les historiens, biographes et traditionnists ibadites wahbites de L’Afrique de Nord Vllle au xvi” siecle” ,Folia Orientalia, vol. 3 ( 195 –2 ) pp. 105 –6.
( 15) ابن الصغير، ص.
( 16) شماخي، سير، أنظر مثلاً ص، 223، 262، 263.
( 17) ابن الصغير، ص-12.
( 18) ابن عذاري، ج، ص-3.
( 19) البكري، ص.
( 20) يصنفه محمد إسماعيل عبدالرزاق ضمن مؤلفي الشيعة، أنظر محمد إسماعيل عبدالرزاق، الخوارج في بلاد المغرب، ص.
( 21) أنظر الباب الرابع.
( 22) الأشعري، ص-171.
( 23) المصدر نفسه، ص.
.
2- المصادر الشيعية:
إن المصادر الشيعية التي تورد معلومات عن موضوع بحثنا قليلة وليس فيها ما يتعرض للحديث عن البدايات الأولى لقيام الحركة ونشأتها في البصرة في القرنين الأول والثاني الهجريين,ويعتبر كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني من أهم هذه المؤلفات, إذ أنه يمدنا بمعلومات وافية ومفصلة عن ثورة طالب الحق في الجنوب الغربي من الجزيرة العربية والحجاز, وينقل معلوماته عن رواة متقدمين وعلى رأسهم المدائني, ويبدو من مقارنة المعلومات التي يوردها مع تلك التي حفظها لنا البلاذرى في أنسابه أن هناك تشابها كبيراً بين المصدرين, ولا عجب في ذلك إذ أن البلاذرى ينقل معلوماته- كما ذكرنا سابقاً- عن المدائني(1 ). (1/16)
صفحة 17
ويعطي اليعقوبي في تاريخه رواية مختصرة- بدون سند- عن ثورة طالب الحق في اليمن وحضرموت وامتدادها إلى الحجاز(2 ), ويزودنا في كتابه البلدان بمعلومات جيدة عن دول الإباضية المختلفة في المشرق والمغرب وعلاقات كل دولة مع جيرانها, وتكمن قيمة معلوماته في أنه زار المناطق التي تكلم عنها وأخذ مادته من الرجال الثقاة الذين التقى بهم في تلك المناطق, وقد عبر اليعقوبي عن مهجه هذا بقوله:«...وقد اتصلت أسفاري ودام تغربي, فكت متى لقيت رجلاً من تلك البلدان سألته عن وطنه ومصره وبلده وساكنيه ودياناتهم ومقالاتهم ثم أثبت ما يخبرني به من أثق بصدقه»( 3).
وقد أورد ابن حوقل معلومات جيدة عن مدينة تاهرت, عاصمة الرستميين, وعلاقتها ببلاد السودان, وتلقي معلوماته في هذا الشأن بعض الضوء على الحركة التجارية بين بلاد المغرب وأفريقية السوداء أو ما تسميه المصادر بلاد السودان.
ومن المصادر الشيعية الهامة التي تعطي معلومات مستفيضة عن بعض الفرق الإباضية في شمال أفريقية كتاب أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم لمؤلفه أبي عبد الله محمد بن علي بن حماد( ت 628ه) الذي يعتبر بحق مصدراً جيداً عن فرقة النكار الإباضية وزعيمها أبي زيد مخلد بن كيداد( 4), ويبدو من مقارنة معلوماته بالمصادر السنية والإباضية نزاهته وعدم تحيزه فيما يتعلق بهذا الموضوع.
وعلى الرغم من أنه لا يذكر مصادره فمن لمحتمل أنه أخذ رواياته في هذا الشأن عن مؤلفين قدامى ليسوا شيعة, ويرى فاندر هيدن أن ابن حماد قد اعتمد في معلوماته, عن ثورة أبي يزيد, على الرقيق القيرواني.
======================
( 1) أنظر البلاذري، أنساب، ج، صوما بعدها، أبو الفرج، الأغاني، ج، ص، وما بعدها.
( 2) اليعقوبي، تاريخ، ج، ص.
( 3) اليعقوبي، بلدان، ص.
( 4) نشر الكتاب المستشرق فاندرهيدن M. Voderheyden عام 1927م.
3- المصادر الإباضية: (1/17)
صفحة 18
على النقيض من الفرق الخارجية المتطرفة فقد خلف الإباضية تراثاً ضخما في التاريخ والسير والعقائد, ولكن القسم الأعظم لا يزال مخطوطا في دور كتب خاصة يملكها أتباع الفرقة في عمان وزنجبار وشمال أفريقية ومن الصعب لوصول إليها, وهناك مجموعات لا بأس بها محفوظة في المتاحف ودور الكتب المعروفة مثل مكتبة المتحف البريطاني( المكتبة البريطانية حالياً) وار الكتب المصرية, وقد استفدنا من هذه المخطوطات كما استطعنا الاطلاع على مخطوطات أخرى يملكها بعض الأفراد في شمال أفريقية وعمان, ومن أهم هذه المصادر التي اعتمدنا عليها في بحثنا:
كتاب السيرة وأخبار الأئمة, لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر الوارجلاني المتوفى في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري, ولا يزال الكتاب مخطوطاً وتوج منه نسخة في دار الكتب المصرية ونسخة أخرى في المتحف الوطني البولوني ولكن مخطوطة دار الكتب أقدم تاريخاً وأكمل, ولعل هناك نسخاً أخرى في المكتبات الخاصة الإباضية في شمال أفريقية وعمان, وقد ترجمت المخطوطة إلى الفرنسية مرتين( 1).
عاش أبو زكريا في وارجلان بعد سقوط الإمامة الرستمية على يد الفاطميين297 ه, ومن المحتمل أنه عاصر آخر أيامها, وقد أسهب في كتابه عن تاريخ الدولة الرستمية, ويبدو أن المؤلف قد وضع كتابه أصلا لهذا الغرض ويعتبر هذا المصدر من أقدم كتب السير الإباضية التي وصلتنا من شمال أفريقية, وقد اعتمد عليها كثيراً من المؤلفين الإباضيين المتأخرين مثل الوسياني والدرجيني الشماخي وغيرهم, ويبدو أبو زكريا متعصباً لبض القوميات وخاصة الفارسية التي تنسب إليها الأسرة الرستمية. (1/18)
صفحة 19
وقد أورد كثيراً من الأحاديث المنسوبة إلي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم; تمجد الفرس وتشيد بدورهم في نصرة الإسلام والمسلمين(2 ), أما معومات المؤلف حول الفترة الأولى من تاريخ الحركة الإباضية في البصرة فهي نادرة, ولكنه يمدنا بمادة يسيرة عن علاقة التنظيم الإباضي في البصرة بالدعاة في شمال أفريقية(3 ), ويبدوا أن رواياته مأخوذة عن مصادر قديمة قد يكون أصحابه معاصرين للحوادث, إلا أنه يكثر من أراد الأساطير والكرامات المنسوبة إلى الأئمة والمشايخ الإباضية في المشرق والمغرب, وعلى الرغم من هذه الهنات فان سيرة أبي زكريا تعتبر, بدون شك, مصدراً أساسيا هاماً عن تاريخ الحركة الإباضية في بلاد المغرب منذ بداية تسربها إلى تلك المنطقة حتى سقوط الدولة الرستمية, كما أنه يعطي معلومات جيدة عن علاقة الإباضية بالفاطميين بعد عام 297هوهو العام الذي استولى فيه الفاطميون على مدينة تاهرت عصمة بني رستم, ويجد الباحث أيضا مادة قليلة, ولكن قيمة, في ثنايا الكتاب عن حركة الخوارج الصفرية في شمال أفريقية وخاصة عن علاقاتها بالحركة الإباضية.
وقد خلف لنا المؤلف الإباضي العماني مسلمة بن مسلم العوتبي كتاب أنساب العرب الذي يعتبر من المصادر الهامة عن تاريخ الإباضية وتاريخ عمان المحلي.
ينتمي العوتبي إلى قبيلة الأزد العمانية، وقد ولد وعاش في مدينة صحار، ذلك الميناء العماني الهام، وكان يسكن أحد أحياء المدينة المعروفة باسم عوتب فنسب إليها، ولا نملك معلومات كافية عن حياة المؤلف ولكنه كان حياً في القرن الخامس الهجري –الحادي عشر الميلادي-، ويدل على ذلك ترجمته لبعض الأشخاص الإباضية البارزين الذين عاشوا في تلك الفترة ومن بينهم أبو الحسن البسيوي، العالم الإباضي المشهور الذي توفي في الربع الأول من القرن الخامس الهجري( 4). (1/19)
صفحة 20
ويعتبر كتاب أنساب العرب من أهم المصادر عن أنساب القبائل العربية وبخاصة تلك التي اتخذت من الجزء الجنوبي الشرقي من الجزيرة العربية موطنا لها, وقد أعطى المؤلف أهمية خاصة للقبائل القحطانية والعربية الجنوبية( 5), وأسهب في الحديث عن قبيلة الأزد التي ينتمي أليها, وأشار آلي دورها في نشأة الحركة الإباضية وتطورها في عمان, وأعطى معلومات حسنة عن تسرب الأفكار والمبادئ الإباضية إلى تلك المنطقة وزودنا بأسماء حملة العلم الذين كان لهم دور كبير في نشر المذهب الإباضي هناك(6 ), وقد نقل عنه هذه المعومات من جاء بعده من الكتاب العمانيين مثل الأزكوي وسليل ابن رزيق والسالمي وسالم بن حمد الحارثي والبياسي وغيرهم, بالإضافة إلى ذلك فان العوتبى يمدنا بمعلومات متفرقة عن تطور الحركة الإباضية في اليمن وحضرموت وعلاقة إباضية عمان بإخوانهم في هاتين المنطقتين, آلا أنه يعي-أحيانا-معلومات خاطئة وخاصة عن الأشخاص الذين اشتركوا في الحوادث( 7).
وكتاب العوتبي هذا مصدر هام للتاريخ العماني منذ العصر الجاهلي حتى منتصف القرن الرابع الهجري, وتكمن قيمته الأساسية فيما يورده من معلومات عن استقرار القبائل وتجمعاتها ودورها في تاريخ عمان وتطور الإمامة الإباضية في ذلك القطر, ويورد أحيانا مادة فريدة حول بعض الموضوعات وبخاصة حول الإمامة الإباضية الثانية آلتي أسست عام 177ه( 8). (1/20)
صفحة 21
أما كتاب الطبقات الإباضية لمؤلفة أبي العباس أحمد بن سعيد سليمان ابن على بن يخلف الدرجيني فهو أهم مصدر لموضوع بحثنا, وقد عاش المؤلف في القرن السابع الهجري – الثالث عشر الميلادي, وكان شاعرا وفقيها ومؤرخا, وينتمي إلى أسرة تجارية غنية كانت في الأصل تعيش في منطقة جبل نفوسة في ليبيا, وقد اتسعت علاقات أسرته التجارية حتى شملت – إلى جانب نفوسة- بلاد الجريد في جنوب تونس ومناطق أفريقية جنوب الصحراء وخاصة ما يعرف اليوم بجمهورية مالي, وكان والد المؤلف يعيش في منطقة درجين السفلى الجديدة بالقرب من نقطة في بلاد الجريد وقد نسب منطقة درجين السفلى الجديدة بالقرب من منطقة في بلاد الجريد وقد نسب أليها وعرف بالدرجيني, وكان من فقهاء الإباضية وعلماء الحديث في تلك المنطقة, ولذل فان أبا العباس قد عاش وتربى ي كنف أسرى عملية غنية مما أتاح له الفرصة ليأخذ من العلم ما وسعه, ويرتحل في إلى أماكن كنهدة من مناطق الإباضية في الشمال الأفريقي, وفي عام 616ه/1219-1220م ارتحل إلى وارجلان حيث بقي هناك مدة سنتين تلقى خلالها العلوم والمعارف عن مشايخ الإباضية فيها( 9), هم رجع إلى بلاد الجريد واستقر في توزر حيث مال إلى دراسة التاريخ, وبعد عام 633ه/1235م ارتحل إلى جزيرة جربة حيث أخذ عن مشايخها وأظهر نبوغا وذكاء في العلوم الإباضية المختلقة مما أحسبه تقدير علماء الإباضية هناك وعلى رأسهم مجلس العزابة(10 ), وهناك كتب مؤلفه الذي بين أيدينا والذي سماه طبقات الإباضية بناء على إشارة من مجلس العزابة ي جزيرة ذ جربة ويروي لنا البرادي الظروف والأسباب التي حدت به للقيام بهذا العمل فيقول: (ذكر لي بعض العزابة أن سبب تأليف أبي العباس هذا الكتاب لما وصل الحاج عيسى ابن زكريا من بلاد بما معه من الكتب التي ورد بها أرض المغرب: كحل ابن وصاف وجامع الشيخ أبي الحسن وجامع ابن جعفر وغيره. (1/21)
صفحة 22
فكان مما رغب إليه فيه إخوانه (من أهل عمان) أن قالوا له: وجهوا إلينا كتابا يتضمن سير أوائلنا ومناقب أسلافنا من أهل المغرب من لدن وقع فيه مذهبنا إلى هلم جرا.
فإنه قد عميت علينا أنباؤهم وغابت عنا آثارهم من بعد الشقة. فشاء من بجربة يومئذ من العزابة والفقهاء ومن يشار بالبنان إليه من الحذاق والنبهاء في تلبية طلبة إخوانهم إليهم ووصف لهم الكتاب المشروط عليهم, فنظروا في كتاب الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر فوجدوه مخلاًَ ببض التفصيل قاصرا دون أمد التحصيل, مع أن لسان البربرية أورد ألفاظه موارد التكليف وقلة تحفظه على قوانين العربية أدخل ببعض معانية مجاهل التعسف, فاهتموا بتصنيف كتاب يشتمل على سير الدولة الرستمية ومناقب الأسلاف كما طلب ذلك إليهم, فلم يروا أهلا لهذا التصنيف غير أبي العباس...« ( 11).
وعلى أية حال فإن الدرجيني في كتابه هذا قد أسدى خدمة جلى في تعريفنا ببعض مراحل تطور تاريخ الحركة الإباضية وأبرز مشايخها في المغرب والمشرق, وقد ترجم لمشايخ الإباضية حسب طبقاتهم جيلا بعد جيل, وأعطى معلومات قيمة حول نشأة الحركة الإباضية في البصرة من خلال حديثه عن أئمة الفرقة ورجالها البارزين في المشرق والمغرب. (1/22)
صفحة 23
أعتمد الدرجيني في معلوماته حول المحكمة الأوائل الذين يعتبرهم الإباضية رواد لحركتم على كتاب الكامل للمبرد وخاصة عند حديثه عن أبي بلال مرداس بن أدية التميمي وأخيه عروة وعن عمران بن حطان,ولكنه يضيف بعض التفاصيل من مصادر أخرى لا يذكرها وقد تكون إباضية( 12), أما فيما يتعلق بأئمة الإباضية البارزين والذين كان لهم الدور الأساسي في تنظيم الحركة في البصرة مثل جابر بن زيد الأزدي وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي فإن الدرجيني ينقل معلوماته عن الإمام المؤرخ الإباضي أبي سفيان محبوب ابن الرحيل(13 ), آخر الأئمة الإباضية في البصرة, وقد عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري, ولأبي سفيان هذا كتاب في تاريخ الإباضية يشتمل على الأخبار والفقه والكلام والعقائد, ويعد من أهم كتب الإباضية الأوائل حتى أن أئمة الدولة الرستمية كانوا يوصون اتباعهم بقراءة هذا الكتاب والتعمق في معانيه( 14), ولم يذكر أحد من العلماء المحدثين أو مصنفي دور الكتب والمخطوطات انه عثر عليه, ولما كان أبو سفيان أمضى آخر حياته في عمان فيراودنا الأمل في إمكانية العثور عليه في تلك البلاد وخاصة أن المسؤولون فيها يولون المخطوطات والتراث الإباضي والعماني أهمية خاصة ويبذلون- كما سمعت- جهدا مشكوراً في هذا الشأن, وعلى أي حال فأن اعتماد الدرجيني على هذا المصدر يعتبر ذا أهمية كبيرة لأن الرواية- كما قلنا- معاصر للحوادث, وقد تبوأ مركز المسؤولية في الحركة الإباضية إبان مرحلة الكتمان في البصرة كما كان من مشايخ الإباضية الفرقة البارزين قبل أن يتزعم الحركة في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري(15 ), ولذا فإن المعلومات التي وصلتنا برواية أبي سفيان تعتبر ذات أهمية خاصة لأنها جاءت من شخص عاش الأحداث واطلع عن كثف على التنظيم السري في البصرة واشترك فيه بشكل مباشر وفعال. (1/23)
صفحة 24
بالإضافة إلى هذه المعلومات فإن الدرجيني يزودنا بمادة خصبة عن تاريخ الحركة الإباضية في شمال أفريقية منذ بداية تسربها إلى تلك المنطقة في نهاية القرن الأول الهجري وحتى نهاية الدولة الرستمية, كما يترجم لمشايخ الإباضية البارزين من أصل مغربي حتى العهد الذي عاش فيه, ومن خلال ذلك فإنه يعطي معلومات متفرقة عن تطور الحركة حتى القرن السابع الهجري ويلقي بعض الضوء على العلاقة بين إباضية المغرب وبلاد السودان وخاصة ما يتعلق منها بالعلاقات التجارية ودور التجار الإباضية في نشر الإسلام في تلك البقاع, وهو ينقل معلوماته حول هذه المواضيع من مصادر إباضية أقدم مثل أبي زكريا الوارجلاني الذي يكاد يكون مصدره الوحيد في المعلومات المتعلقة يتسرب الأفكار الإباضية إلى بلاد المغرب والحركات والثورات الإباضية هناك والتي توجت بتأسيس الدولة الرستمية الإباضية, كما أن معلوماته عن تاريخ الرستميين تكاد تكون منقولة حرفياً عن سيرة أبي زكريا, أما فيما يتعلق بالمواضيع الأخرى التي ضمنها كتابه فنقلها عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل وأبي الربيع سليمان بن عبد لسلام الوسياني(عاش في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي) وأبي عبدلله محمد بن بكر النفوسي(عاش في القرن الخامس الهجري/ الحادي العشر الميلادي).
والواقع أن طبقات الدرجيني تعتبر من أهم المصادر الإباضية عن موضوع بحثنا بالرغم مما يؤخذ عليه من مثالب يشترك فيها مع بقية المؤلفين الإباضية المغاربة وخاصة تحيزهم للعناصر غير العربية كالفارسية والبربرية وتضمين كتابة كثيراً من الأحاديث المنسوبة إلى لإثبات فضل الفرس والبربر على الإسلام(16 ), كما أن الكتاب لا يخلو من(الرسول الأساطير والكرامات التي تصل إلى حد المعجزات المنسوبة إلى بعض رجال المذهب البارزين, ولكن الباحث لا يجد عناء كبيرا في كشفها وبيان بطلانها. (1/24)
صفحة 25
وقد أكمل عمل الدرجيني مؤلف إباضي آخر هو أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي, وقد ألف كتاب سماه, الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات لأبي العباس الدرجيني( 17).
نشأ البرادي في مدين دمر في جنوب تونس حيث تلقى علومه الأولية على يدي الشيخ الإباضي أبي البقاء يعيش الجربي, الذي يبدو من نسبه أنه جاء إلى هناك من جزيرة جربة التونسية, وارتحل لبرادي بعد ذلك إلى جبل نفوسه وأخذ العلم عن الشيخ أبي ساكن عامر الشماخي(ت 792ه/1390م) في مدينة يفرن, ثم طاب له المقام في جزيرة جربة حيث أصبح من العلماء البارزين فيها, وكان يقي دروسه ومحاضراته في جامع وأدي الزبيب في جربة, وألف كتابه الجواهر هناك, ويضم الكتاب معلومات غزيرة عن تاريخ صدر الإسلام ابتداء من البعثة النبوية وحتى الأيام الأولى من الدولة الأموية وفسر حوادث هذه الفترة طبقاً لآراء الإباضية ومعتقداتهم, وقد أسهب في الحديث عن الخليفة عثمان بن عفان وأسباب الفتنة وظهور المحكمة الأوائل وبذلك يستطيع الباحث أن يحصل على معلومات مفيدة حول رأي الإباضية في الفتنة والحرب الأهلية الأولى التي هزت الخلافة الإسلامية خلال العقود الأولى من تاريخها, وكذلك عن الرواية الإباضية في ظهور الحركة الخارجية وتطورها خلال اقرن الأول الهجري, ويحفظ لنا البرادي الرسائل التي بعضها عبدلله بن أباض إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان والتي تعطينا فكرة واضحة عن بعض مبادئ الفرقة الإباضية في تلك الفترة المبكرة من تاريخها, وقد تكلم في بقية كتابه عن بعض مشايخ والأئمة الإباضية الذين أغفلهم الدرجيني في طبقاته, ويختم كتابه ببعض المسائل العقائدية كما أنه يعطي معلومات جيدة عن تنظيم الحلقة عند الإباضية, وفي نهاية الكتاب يثبت المؤلف أسماء بعض تأليف أهل المشرق والمغرب من الإباضية التي قرأها أو رآها أو سمع عنها. (1/25)
صفحة 26
وجدير بالذكر أن للمؤلف مخطوطة محفوظة ضمن مجموع في دار الكتب المصرية ذكر فيها عناوين بعض المؤلفات الإباضية سماها: رسالة في تقييد كتب أصحابنا(18 ).
وهناك مخطوطة أخرى محفوظة في دار الكتب المصرية لمؤلفها أبي الربيع الوسياني ومصنفة تحت عنوان سير أبي الربيع السلام الوسياني( 19), وقد عاش الوسياني في القرن الرابع الهجري وتوفي في العقد الثاني من القرن الخامس الهجري, ويعتبر هذا الكتاب من المصادر المهمة عن تاريخ الإباضية- بعد سقوط الدولة الرستمية- وعلاقاتهم مع الفاطميين, ويتضمن الكتاب معلومات جيدة عن العقيدة الإباضية يستفيد منها الباحث خلال حديثه عن الأدوار التي مرت بها الحركة الإباضية. (1/26)
صفحة 27
ويعتبر كتاب السير لمؤلفه أحمد بن سعيد الشماخي( ت 928ه) أشمل المصادر التاريخية الإباضية عن تاريخ الحركة حتى بداية القرن العاشر الهجري, ويتناول الشماخي في هذا الكتاب التاريخ الإسلامي منذ البعثة النبوية الشريفة, ولذلك فهو يساهم في إعطاء صورة واضحة عن رأي الإباضية في الحوادث التي جرت في صدر الإسلام كالحرب الأهلية ونشأة المحكمة الأوائل ويسهب المؤلف في الحديث عن الصراع بين الخلافتين الأموية والعباسية وبين الإباضية في المشرق والمغرب, ويمدنا بمعلومات جيدة عن أئمة الفرقة ومشايخها البارزين, ويعتبر مؤلف الشماخي هذا مصدرا خصبا لكل من يتصدى للكتابة عن تاريخ الحركة في بلاد المغرب الإسلامي, ولما كان الشماخي قد عاش في فترة متأخرة فقد أتيح له الاطلاع على كثير من مؤلفات من سبقه من علماء الإباضية واستفاد منها, ويشير في كثير من المواضيع إلى مصادره ورواته مثل أبي سفيان محبوب بن الرحيل وأبي نوح صالح بن إبراهيم وابن عمار وأبي زكريا وابن سلام والربيع بن حبيب والسوفي, كما ينقل عن مؤرخين سنة مثل الرقيق القيرواني وابن الصغير والمبرد, وعلى الرغم من تحيزه الواضح لمذهبه فإن الشماخي يحاول أحياناً مناقشة الروايات وتحليلها وإعطاء رأي فيها, وفي بعض الأحيان يرجح روايات مؤرخي السنة على الروايات الإباضية, وهذه ميزة تعطي كتابه قيمة كبيرة. (1/27)
صفحة 28
ومن المصادر الإباضية المتأخرة التي تمدنا بمعلومات جيدة حول آراء الإباضية وتفسيرهم لبعض نواحي التاريخ الإسلامي وخاصة الفتنة في عهد عثمان والحرب بين علي ومعاوية بن أبي سفيان ونشأة الخوارج: كتاب الكشف والبيان لأبي سعيد محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي الذي عاش في القرن الحادي عشر الهجري- السابع عشر الميلادي, ويقع الكتاب في خمسين بابا وينقسم إلى قسمين: قسم تاريخي والأخر عقائدي, ويبدأ القسم الأول في الكلام عن خلق السموات والأرض والملائكة والجن والإنس, ويشمل تاريخ الأنبياء والرسل منذ بدء الخليقة ويفصل فيه الحديث عن البعثة النبوية الشريفة وما تلاها من أحداث حتى بداية العصر الأموي مع ( 20), وفي القسم الثاني(تركيز خاص على فترة خلافة كل من عثمان بن عفان وعلي يتناول المؤلف عقائد بعض الأديان والمذاهب مثل عبدة الشمس والمزدكية ومذاهب أهل الهند, ثم يتكلم عن الفرق الإسلامية وبيان عقائدها وأوجه الشبه والخلاف بينها, ويعطي أهمية خاصة للفرقة الإباضية التي ينتمي إليها ويسميها الفرقة الوهبية نسبة إلى عبدلله بن وهب الراسبي.
ويأخذ القلهاتي معلوماته عن رواة ومؤلفين قدامى, منهم السني ومنهم الإباضي, وأشهر هؤلاء الرواة مجاهد وابن شهاب الزهري ومحمد بن السائب الكلبي وشبيب بن عطية الخرساني الإباضي وأبو غانم وغيرهم( 21), ويجدر بالذكر أن النسخة الوحيدة المعروفة حتى الآن من هذا الكتاب هي مخطوطة المتحف البريطاني(22 ). (1/28)
صفحة 29
وهناك مصدر أخر يشبه في كثير من معلوماته- وبخاصة ما يتعلق منها بتاريخ صدر الإسلام- المعلومات الواردة في كتاب القلهاتي, وهذا الكتاب هو كشف الغمة الجامع لأخبار الآمة لمؤلفه سرحان بن سعيد الأزكوي الذي عاش في القرن الثاني عشر الهجري- الثامن عشر الميلادي, وتوجد عدة نسخ مخطوطة من هذا الكتاب واحدة منها في المتحف البريطاني وتقع في 819صفحة بينما توجد نسخة أخرى ناقصة في المكتبة الوطنية في تونس برقم 3182 وتقع في 497 صفحة فقط(23 ).
وهناك نسخة أخرى محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم ( ت337) ونسخة أخرى في باريس ولعل هناك نسخاً غيرها في عمان.
وقد ترجم الضابط الإنجليزي روس Rossالفصول الخاصة بتاريخ عمان من مخطوطة المتحف البريطاني إلى اللغة الإنجليزية ونشرها في مجلة الجمعية الأسيوية البنغالية عام 1873م( 24), بينما قامت الباحثة الألمانية هيدويج كلينKleinبتحقيق بعض فصول الكتاب الخاصة بعمان وجعلتها رسالة نالت عليها درجة الدكتوراه, ولم أستطع الحصول عليها.
وفي عام 1976م قام الأستاذ عبد المجيد حسيب القيسي بتحقيق ونشر الأجزاء الخاصة بتاريخ عمان معتمدا في ذلك على مخطوطتي المكتبة الظاهرية بدمشق ومكتبة المتحف البريطاني, ويقوم الآن بتحقيق الأجزاء المتبقية من الكتاب. (1/29)
صفحة 30
والكتاب في مجمله يعد من أشمل المصادر التي تتناول تاريخ عمان, ويحتوي أيضاً على معلومات عن تاريخ العرب منذ العصر الجاهلي وحتى العصر العباسي, ويزودنا المؤلف بالرسالة التي بعث بها عبدلله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان كما أنه يعطي معلومات قيمة عن آراء الفرقة الإباضية, ويمدنا في الباب الثاني والثلاثين من المخطوطة بمعلومات جيدة عن انتقال المذهب الإباضي إلى شمال أفريقية, وفي الحقيقة فإن هذا الكتاب لا يستغني عنه الكل من يتصدى لكتابة تاريخ عمان وتطور الحركة الإباضية فيه, وقد اعتمدنا في بحثنا هذا على مخطوطة المتحف البريطاني وعلى الجزء الذي حققه ونشره الأستاذ عبد المجيد القيسي والذي سماه: المقتبس من ككتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأئمة.
كتب الفقه والعقائد: عن كتب الفقه والعقائد الإباضية تحوي معلومات تاريخية جيدة, فهي خلال الحديث عن موضوع فقهي أو فتوى شرعية تورد أدلة تاريخية سابقة تسند رأي الفقيه أو فتوى الشرع, وهذا يفيد في إعطاء معلومات عن بعض الحوادث السياسية وعن آراء الفرق العقائدية, وتزودنا هذه الكتب بمعلومات جيدة عن سلوك الإباضية السياسي وتنظيماتهم المختلفة إبان المرحلة السرية أو ما تسميه المصادر بطور الكتمان, ومن نافلة القول أن نذكر أن المكتبة الإباضية تضم أعداد ضخمة من كتب الفقه, بل أن معظم ما خلفه الإباضية من مؤلفات إنما ينضوي تحت هذا الصنف. (1/30)
صفحة 31
ومن أهم المؤلفات التي تمكنت من الاطلاع عليها والتي تفيد في البحث عن نشأة الفرقة الإباضية وتطورها كتاب جوابات جابر بن زيد, ويعتبر الإباضية جابر بن زيد المؤسس الأول لمذهبهم وصاحب دعوتهم وقد عاش في القرن الأول الهجري وتوفى في عام 93ه, وسوف نفرد فصلاً خاصاً في الحديث عنه, أما الكتاب المذكور المنسوب إليه فلا يحمل تاريخاً, ويبدو أن هناك نسخاً متعددة منه موزعة في المناطق التي يعيش فيها الإباضية, وهناك بالتأكيد نسخة منه محفوظة في الخزانة البارونية في جزيرة جربة التونسية والتي ينتمي معظم سكانها للمذهب الإباضي(25 ).
أما النسخة التي أفدت منها في بحثي فهي عبارة عن نسخة مصورة تفضل أحد الأصدقاء المغاربة وأعارني إياها لمدة ساعات قلائل خلال وجودي في بريطانيا في صيف 1977, وأعلمني أنه حصل على تلك النسخة من جربة, ولا تحمل النسخة رقم تصنيف المخطوطة ولا الدار المحفوظة فيها, وقد قرأتها على عجل ولكني استفدت منها أيما إفادة وخاصة عن علاقة وخاصة عن علاقة جابر ابن زيد الأزدي-أبان زعامته للحركة السرية في البصرة- مع أتباعه في الأمصار الأخرى, وتدل المعلومات الواردة في هذه الرسائل التي كان يتبادلها مع أصحابه وأتباعه على السرية التامة والدقة في التنظيم لدى أتباع الفرقة في طور الكتمان, كما أنها تبين, بلا أدنى شك, إن بعض رجال الفرقة تقلدوا مناصب في الدولة الأموية دون أن يعرف الخلفاء والولاة هويتهم المذهبية, وكانوا أثناء ذلك يستخدمون نفوذهم المعنوي والمادي لتعزيز مكانة إخوانهم في العقيدة ولخدمة الدعوة الإباضية كلما سنحت الفرصة للقيام بمثل هذه المهمة.
وتحتوي أجوبة جابر على 18 رسالة من جابر إلى بعض أتباعه وتتضمن آراءه في كثير من أمور الدعوة في النواحي التنظيمية والفقهية, وقد أشرنا إلى بعض المعلومات القيمة التي وردت في جوابات جابر خلال الحديث عن دور جابر بن زيد في نشأة الحركة الإباضية. (1/31)
صفحة 32
ومن المصادر الهامة في هذا الموضوع, رسالة في أحكام الزكاة لمؤلفها أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي خلف جابر بن زيد في زعامة الحركة الإباضية, وكانت له جهود جبارة في نشر المذهب الإباضي في الأمصار الإسلامية بواسطة الدعاة أو حملة العلم الذين كان يرسلهم إلى المناطق البعيدة عن الولايات المركزية للدعوة للمذهب الإباضي, وسوف نفصل الحديث عن دور أبي عبيدة في تنظيم الدعوة الإباضية وانتصارها في باب خاص من هذا البحث.
أما رسالته في أحكام الزكاة التي وصلتنا فإنها تمدنا بمعلومات قيمة عن دور مشايخ الإباضية في تطور الحركة, وتكشف لنا عن السرية التامة التي تبناها الأئمة في البصرة لنجاح دعوتهم, وتوضح الرسالة العلاقة الوثيقة بين مشايخ البصرة وإباضية المغرب حتى بعد نجاح الأخيرين في تأسيس إمامة الظهور في شمال أفريقية, ولا تزال نسخة من هذه الرسالة مخطوطة ومحفوظة في دار الكتب المصرية في القاهرة.
ومن كتب العقائد والفقه المفيدة متن عقيدة التوحيد للشيخ عمرو بن جميع وقد نشره المستشرق موتيلنسكي Motylinski وفيه معلومات قيمة عن آراء الإباضية, ونجد معلومات مماثلة في كتاب شرح مقدمة التوحيد للشماخي الذي يلقي ضوءا على مراحل تطور الدعوة الإباضية ويسهب في الحديث عن الإمامة وشروط أقامتها ومؤهلات القائم بها, وهناك أيضا كتاب مختصر الخصال للإمام الإباضي إبراهيم بن قيس الحضرمي وفيه بعض المعلومات عن حملة العلم بالإضافة إلى أمور العقيدة. (1/32)
صفحة 33
وتعتبر مخطوطة كنز الأديب وسلافة اللبيب للصائغي من المصادر الإباضية الهامة التي اعتمدنا عليها, ولا تزال المخطوطة محفوظة في جامعة كمبردج, وتتعلق معظم فصوله بالفقه والقضايا الشرعية كما يراها أتباع الفرقة الإباضية, ويبدو من الإشارات المتعددة أن مؤلف المخطوطة قد أخذ معلوماته من مصادر أقدم, ومن أجوبة مشايخ الإباضية في الشرق والمغرب وآرائهم مثل جاعد بن خميس وناصر بن خمس وحبيب بن سالم وغيرهم, وقد أسهب الصائغي في الباب الرابع من كاتبه في الحديث عن الإمامة الإباضية وشروط عقدها والكفاءات التي يجب أن تتوافر في من يشغل هذا المنصب.
وبالإضافة إلى ما سبق فان مدونه أبي غانم الخراساني وشرح السؤالات للسوفي تحتوي على معلومات مستفيضة عن القضايا الفقهية وآراء الإباضية فيها, كما أنها تضم معلومات متناثرة حول تعض مظاهر تطور الحركة الإباضية من الناحيتين السياسية والتنظيمية, وقد استفدنا أيضا من مؤلفات ومخطوطات إباضية أخرى سوف يلحظها القارئ في هوامش البحث وفي قائمة المصادر.
===========================
( 1) Al – slira wa Akhbar al-A’imma, French translation by E. Masqueray, Algers, 1878, This work is translated anew by R. Le Tourneau, Revue Africaine, 105 ( 105) (1961), pp. 117-176
( 2) منها حديث منسوب إلى الرسول نصه: »لو تعلق الدين بالثريا لنالته رجال من العجم وأسعدهم به فارس«. أنظر أبو زكريا، ورقة4، وهناك أحاديث أخرى على شاكلة هذا الحديث ينثرها المؤلف في صفحات الكتاب.
( 3) أبو زكريا، ورقة 3-4 وما بعدها.
( 4) العوتبي، ورقة 162، يجدر بالذكر أن البسيوي من المؤلفين الإباضية الكبار، ومن مؤلفاته: الحجة على من أبطل السؤال في الحديث الواقع في عمان، وتوجد منه نسخة أخرى في زنجبار، وهناك أيضاً مختصر البسيوي المطبوع طبعة حجرية في زنجبار عام 1304ه.
( (1/33)
صفحة 34
5) اعتمد المؤلف العماني المتأخر، سليل بن رزيق، على العوتبي في هذا الموضوع، وأشار إلى ذلك في كتابه الصحيفة القحطانية الذي لا يزال مخطوطاَ وتوجد منه نسخة في رودس هاوس في أكسفورد.
أنظر أيضاَ: ( Rhodes House Oxford Mss. Afr. S.3)
J. c. Wilkinson, The Origin of the Omni state”, the Arabian Studies, ed D. Hopwood, London, 1972, P. 87.
( 6) العوتبي، ورقة 101، 107.
( 7) العوتبي، 81، 93، 162.
( 8) المصدر نفسه، ورقة 164-165، 169.
( 9) يبدو أن الدرجيني كان آنذاك حدثاَ صغير السن، ويورد البرادي نصاً منقولاً عنه حول رحلته إلى وارجلان يقول فيه: »..وذلك أني دخلت حلقة وارجلان حرسها الله تعالى سنة ستة عشر وستمائة في ربيع الآخر منها في أول ما وجب علي الصوم، والبال خالي من الهم..« البرادي، الجواهر، ص.
( 10) عن مجالس العزابة أنظر: علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص-110، T.Lewicki, “Halaka” E. 1 (2).
( 11) البرادي، الجواهر، ص.
( 12) الدرجيني، ورقة 92، 97، 98.
( 13) الدرجيني، ورقة 88 وما بعدها، ورقة 100 وما بعدها.
( 14) البرادي، رسالة، ورقة 205-206.
( 15) عن الإمام أبي سفيان أنظر: الدرجيني، ورقة 117 وما بعدها، شماخي، سير، ص-119.
( 16) الدرجيني، روقة 4-5.
( 17) طبع الكتاب طبعة حجرية غير علمية في القاهرة عام 1302ه، كما طبع أيضاً طبعة حجرية في الجزائر، وتوجد نسخ مخطوطة من هذا الكتاب في دار الكتب المصرية وفي وادي ميزاب في الجزائر.
( 18) دار الكتب المصرية، رقم 21791ب.
( 19) دار الكتب المصرية، رقم 9113ح.
( 20) القلهاتي، ورقة 83 وما بعدها.
( 21) القلهاتي، أنظر مثلاَ ورقة 132، ورقة 180 وما بعدها.
( 22) حول مزيد من المعلومات عن القلهاتي أنظر: (1/34)
صفحة 35
C. Brockelmann, Geschichte der arabischen literature, sup. Vol. 2p. 568. M. Kafafi, “ the rise of Kharijism according to Abu sa’id Muhammad b. Sa’id Al-Azdi al-qalhati”, Bulletin of the Faculty of Arts, Cairo Unievrsity Vol. 14, part 1 ( 1952) pp. 29ff.
أنظر أيضاً محمد بن عبدالجليل، خلافة عثمان وعلي من كتاب الكشف والبيان، حولية الجامعة التونسية، العدد11، (1974م)، ص-187.
( 23) محمد بن عبدالجليل، المقالة السابقة، ص.
( 24) E. C. Ross, « Annals of Oman» J.A.S. Soc. Bengal. Calcutta ( 1874), Idem, « An account of the tenets of the Ibadhi sect of Oman» Proceedings of the Asiatie Society of Bengal ( 1874) , pp. 2ff
( 25) من مخطوطة جربة أنظر:
A . k. Ennami, “ description of new Ibadi manuscripts from northe- Africa, J .S. S. Vol. 15, I ( 1970), pp. 65 – 8, J. V. Van Ess, “ untersuchugen zu einigen ibaditischen Handschrifen” , Z.D.N. G Band 126 Heft I ( 1976) pp. 26ff.
الفصل الثاني الدراسات الحديثة – عرض وتحليل
لم يكن العرب والمسلمون في العصور الحديثة سباقين إلى دراسة الحركة الإباضية دراسة علمية موضوعية, بل أن المستشرقين هم أول من انبرى لهذه المهمة وطرق هذا الباب مدفوعين بعوامل كثيرة لا سبيل لذكرها وان الاستعمار – الفرنسي بشكل خاص – قد لعب دورا كبيرا في تسهيل هذه المهمة, ولا عجب فان أول معاهد الاستشراق في فرنسا كان تابعا لوزارة المستعمرات, ورغم ذلك فان عملهم في هذا المضمار لا يخلو من فائدة لكل طالب وباحث في تاريخ وعقائد هذه الفرقة الإسلامية التي لا تزال موجودة إلى يومنا هذا في عمان وزنجبار وبلاد المغرب العربي, وخاصة جبل نفوسة في ليبيا وجزيرة جربة في تونس ومنطقة وادي ميزاب في جنوب الجرائر. (1/35)
صفحة 36
وبدأت جهود المستشرقين في هذا الشأن بمحاولة الكشف عن المخطوطات الإباضية في دور الكتب والمتاحف العالمية , وحتى في المكتبات الخاصة آلتي استطاعوا الوصول إليها, ووضعوا قوائم ببليوغرافية لهذه المخطوطات, ثم تبع ذلك القيام ببعض الدراسات حول تاريخ الإباضية وعقائدها, وتعدى ذلك إلى دراسة المجتمعات الإباضية المعاصرة من شتى الوجوه.
وأول من صنف قائمة بالكتب والمخطوطات الإباضية هو المستشرق موتيلنسكيMotylinsk([1]), وقد أشار في قائمته إلى المؤلفات الإباضية التي ذكرها البرادي في كتابه المعنون: الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات([2]), ويبدو انه لم يطلع على رسالة أخرى خصصها المؤلف للكتب الإباضية آلتي قرأها أو سمع عنا , ولا تزال مخطوطة, وتوجد منها نسخة في دار الكتب المصرية بالقاهرة([3]), وعلى أية حال فان هذا المستشرق قد أضاف إلى قائمة البرادي أسماء مخطوطات أخرى عثر علها بنفسه, وكنه – مع الآسف - لم يذكر أماكن وجودها, ولذا فان قائمته قليلة الفائدة رغم أنها كانت حافزا لغيرة من العلماء للقيام بعمل جاد في هذا الموضوع, وتكمن قيمة عمله – في اعتقادي – في أنه أعطى معلومات حسنة عن محتويات الكتب التي تتكلم عن مشايخ الإباضية وأئمتها مثل سيرة أبي زكريا الوارجلاني وطبقات الدرجيني وجواهر البرادي وسير الشماخي, مما حدا بالعلماء للبحث عن هذه الكتب ومحاولة الاستفادة منها, وعلى أية حال فان وقالته قد أثارت اهتمام الباحثين وخاصة المستشرقين بالحركة الإباضية وحاولوا التعرف عليها وعلى مصادرها.
وفي عام 1949 قام المستشرق الإيطالي Rubinacci بنشر مقالة احتوت على قائمة بالمخطوطات الإباضية الموجودة في معهد الدراسات الشرقية في جامعة نابولي([4]), وكان المعهد قد حصل عليها من ليبيا أبان الاحتلال الإيطالي, وقد وصف هذه المخطوطات وصفا مستفيضا مبينا محتوياتها وأهميتها بالنسبة للدراسات الإباضية. (1/36)
صفحة 37
وف تشرين الثاني عام 1952 وكانون الأول من عام 1953 قام المستشرق الإنجليزي J.Schachat بزيارة لمنطقة ميزاب في جنوب الجزائر واطلع على المخطوطات الإباضية المحفوظة في المكتبات الخاصة, وخاصة مكتبة الشيخ الإباضي المعروف أطفيش المشهور بقطب الأئمة, وقد نشر في عام 1956 نتائج رحلته في مقالة ضمنها قائمة بالمخطوطات التي رآها أو أطلع عليها في فهارس مكتبة الشيخ أطفيش وبعض المكتبات الخاصة الأخرى, وقد رتب قائمته طبقا للمواضيع, ولفت النظر في مقالته هذه إلى حوالي مئتي مخطوطة منها مائة وخمسين مخطوطة تعتبر من المؤلفات النفيسة التي تعطي معلومات جيدة عن تاريخ الإباضية وعقائدها, أما المخطوطات الأخرى فتعتبر أقل أهمية لأنها تتعلق بأجوبة وفتاوى لشيوخ الإباضية المتأخرين وخاصة أولئك الذين استقروا في وادي مزاب([5]), وفي عام 1959 نشرف, كوبياك Wladyslaw kubiak بحثا بعنوان ( المخطوطات العربية في بولونيا ) ([6]), وضع فيه قائمة بأسماء المخطوطات العربية المحفوظة في كل من أكاديمية العلوم البولونية ومعهد اللغات الشرقية والمتحف الوطني وكلها موجودة في مدينة كراكوفية Krakow في بولونيا, ويبدو من قائمته أن كل المخطوطات المتعلقة بالإباضية موجودة في المتحف الوطني البولوني ومن أهمها مخطوطة أنساب العرب للعوتبي, وكتاب السير وأخبار الأئمة لأبي زكريا الوارجلاني وكذلك نسخة من كتاب السير للشماخي, والطبقات للدرجيني, كما ضمت مخطوطات المتحف الذكور مخطوطة عبارة عن كتاب مجموع فيه تواريخ وقصائد الإباضية من شمال أفريقية, وتظم القائمة أيضاً خمسة مخطوطات عن تواريخ الإباضية في ميزاب في جنوب الجزائر, وكتابا إباضياً في الفقه مجهول المؤلف والعنوان,. (1/37)
صفحة 38
وجدير بالذكر أن الكاتب فد رتب قائمته طبقا لعناوين الكتب ثم أسم المؤلف مع ذكر أسم الناسخ إن وجد وتاريخ النسخ ولكنه لم يورد أرقام تصنيف هذه المخطوطات, وفي الآونة الأخيرة قام أحد العلماء الإباضية وهو عمرو خليل النامي بنشر مقالة وصف فيها بعض المخطوطات الموجودة في المكتبات الإباضية في الفترة الواقعة بين حزيران وأيلول من عام 1968, ويعتبر النامي أول باحث أشار إلى أهمية المخطوطات الموجودة في جزيرة جربة, ومن بينها بعض المخطوطات التي ألفها بعض أئمة المذهب القدامى خلال القرنين الأول والثاني الهجريين, وعلى رأسهم مؤسس المذهب الإمام جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي, وقد أشار المؤلف إلى عناوين مخطوطات اعتبرت حتى ذلك الوقت مفقودة, ويبدو أن المؤلف لم يتبع منهجاً معيناً في ترتيب قائمته, وربما وصفها ورتبها طبقاً لأهمية المؤلف والكتاب حسب تقديره, وهو يذكر المؤلف ثم الكتب المنسوبة إليه ثم يصنف كل كتاب مشيرا إلى الأوراق المفقودة منه, أو التي عطبت بفعل الزمن, ثم يذكر محتويات كل كتاب ويورد العبارات التي تبتدئ المخطوطة وتنتهي بها, وقد أشار في أحد هوامش بحثه إلى إن كثيرا من المخطوطات غير مرقم, فوضع لها أرقاما طبقاً للصفحات كما هو الحال في الكتب المطبوعة, ولا شك إن الاطلاع على بعض هذه المخطوطات التي أثبتها النامي في مقالته يفيد كثيرا في الكشف عن معلومات جيدة حول الدعوة الإباضية في مرحلة الكتمان([7]), وقد سعدت شخصياً بالاطلاع على بعضها كما سيرى القارئ في ثنايا البحث, وقد أشرت إلى بعض هذه المخطوطات في الصفحات السابقة خلال الحديث عن المصادر. (1/38)
صفحة 39
وفي عام 1974نشر الدكتور فاروق عمر فوزي مقالة بعنوان:«ببليوغرافية في تاريخ عمان» أشار فيها إلى بعض المؤلفات الإباضية التي ألفها علماء عمانيون وتهتم بالتاريخ المحلي لعمان([8]), كما قدم بحثاً آخر في الندوة العالمية الأولى لدراسات تاريخ الجزيرة العربية حول الموضوع نفسه ولم يضف شيئا جديداً ذا أهمية على ما قاله في بحثه السابق.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) Motylinski, “ le Manuscrit arabo de zouagha”, 14 cong. Int. or. 1905, 11, 4 section, pp. 79 – 92, Idem, “ Expedition de Pedro de Navarre et de Garicia do Tolede contre Djerba ( 1510) d,aprss les sources abadhites”, 14 cong. Int. or 1905, 111, 3 section, II pp. 133- 159.
([2]) طبع هذا الكتاب طبعة حجرية في القاهرة عام 1302ه.
([3]) عنوان الرسالة: رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا، وقد جاءت ضمن كتاب أحكام الديوان، الذي ألفه مجموعة من رجال الإباضية ولا يزال مخطوطاً في دار الكتب المصرية تحت رقم 21791ب.
([4]) R. Rubinacci, “ Nozia di alcuni manoscritti ibaditi presso L’Iniversitario Orientale di Napoli” A. I. O.N., N. S. , 3 ( 1949) pp. 431 – 439:
([5]) J. Schacht “Biblioth’ eques et Manuscrits abadites”, Rev. Africaine 100, ( 1956) , pp. 375 – 398
([6]) أنظر: مجلة معهد المخطوطات العربية، المجلد الخامس، الجزء الأول (1959م)، ص-22.
([7]) A. K. Ennami, “ description of New Ibadi Manuscripts from North Africa”, J. S.S, Vol. 15, part I ( 1970), pp. 63-87
([8]) فاروق عمر فوزي، بليوغرافيا في تاريخ عمان، مجلة المورد، 1975م. (1/39)
صفحة 40
وحول تاريخ عمان نشر المستشرق البريطاني ولكنسونWilkinson مقالة عرض فيها لبعض المصادر الإباضية التي تعنى بتاريخ عمان في الفترة الواقعة بين نهاية القرن التاسع ونهاية القرن الرابع عشر الميلادي([1]), وقد قدم بحثاً آخر حول مصادر تاريخ عمان في العصور الإسلامية وذلك في الندوة العالمية الأولى لدراسات تاريخ الجزيرة العربية التي عقدت في الرياض 1977م, والحقيقة أنه لم يأت بإضافات ذات شأن كبير, ومعظم المصادر التي ذكرها في بحثه هذا مصادر متأخرة من الناحية الزمنية, ولم تكن مجهولة لكثير من العلماء المهتمين بالدراسات الإباضية والعمانية بشكل خاص, وعلى أية حال فإن هذه المصادر التي أشار إليها الباحث مهمة لدراسة تاريخ عمان وبالطبع تاريخ الحركة الإباضية في ذلك القطر, لأن الموضوعين لا يمكن فصلها عند الحديث عن تاريخ تلك المنطقة, وقد أشار في بحثه هذا إلى أن مكتبة وزارة التراث القومي في عمان تضم الآن ما ينيف على ألفي مخطوط([2]).
وفي آذار عام 1974م قام المستشرق الألماني فان أس Va Ess الأستاذ في جامعة توبنجن, بزيارة بعض المكتبات الإباضية الخاصة في جزيرة جربة في تونس ومنطقة وادي ميزاب في جنوب الجزائر, واستطاع الاطلاع على بعض المخطوطات هناك مستعينا بالشيخ الإباضي صالح بو عمارة من بلدة مليكة في ميزاب, وقد نشر نتيجة زيارته مقالة وصف فيها أهم المخطوطات التي رآها, وتعتبر من أهم المقالات الببليوغراقية عن المصادر الإباضية- بالإضافة إلى مقالة النامي السالفة الذكر- لأنه وصف مخطوطات منسوبة إلى أئمة الإباضية الأوائل مما يلقي ضوءا قد يكون جديدا حول تاريخ هذه الحركة ونشأتها الأولى([3]). (1/40)
صفحة 41
وكان أحد الدارسين الإباضيين واسمه إبراهيم فخار قد نال عام 1971, الدكتوراه حول الجماعات الإباضية, بعد الفتح الفاطمي لشمال أفريقية في نهاية القرن الثالث الهجري, وقد أشار فيها إلى كثير من المخطوطات الإباضية في ليبيا وتونس والجزائر مستفيدا من نحو 100مكتبة عامة وخاصة, منها 87 الجزائر و5 في جزيرة جربة و7 في ليبيا وواحدة في تونس وهي مكتبة آل الطاميني([4]).
وفي تشرين أول من عام 1976 قام الدكتور ركس سميت G.R.Smith من المتحف البريطاني(المكتبة البريطانية) بزيارة سلطنة عمان بدعوة من وزير التراث القومي فيها, وصنف قائمة ببعض المخطوطات المحفوظة في الوزارة المذكورة, وقد رتب قائمته طبقاً للمواضيع ثم وفقاً لأسماء المؤلفين مرتبة حسب الحروف الألفبائية, وبعد ذلك وضع فهرساً لعناوين المخطوطات الواردة في القائمة, وقد التقيت به في صيف عام 1977 في لندن وتفضل مشكورا وأعطاني نسخة مصورة من مقالته التي ذكر لي في ذلك الحين أنها ستظهر في العدد الرابع من مجلة Arabian Studies([5]), وقد أفادني بأن المستشرق ولكنسون سوف ينشر مقالة أخرى مكملة في المجلة نفسها والعدد نفسه وقد فشلت في الحصول على نسخة من بحثه, لأنني زرت أكسفورد وكان آنذاك غائباً.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) J.C. Wilkinson, “ Bio-bibliographical Background to the Crisis Period in the Ibadi Imamate of Oman (End of 9th to end of 14th Centrury)’.Arabian Studies vol. 3, pp. 137-164
([2]) J.C. Wilkinson, “ Sources for the Early History of Oman”, Unpublished article, First International symposium on studies in the History of Riyad, 1977
([3]) Josef van Ess, “ Untersuchungen zu einioen ibaditischen Handschriften” Z. D. M. G., Band 126, Heft I ( 1976) , 25-63
([ (1/41)
صفحة 42
4]) Ibr ahim Fakhkhar, les Communautes ibadites en Afrique du Nord Libye Tunisie, Algerie, depuis les Fa timides. 1971, Sorbonne W 1971, the se 30 Unter C. Cahen see also Van Ess, Op. clt p. 27
([5]) G. R. Smith, “ The Omai Manuscript callection at Muscat part I, A General Description of the MSS”, Unpublished (1/42)
صفحة 43
أما الدراسات والبحوث حول تاريخ الإباضية وعقائدها فقد بدأت بشكل جدي على يد المستشرق ماسكراى Masqueray([1]) الذي ترجم كتاب السيرة لأبي زكريا الوارجلاني إلى اللغة الفرنسية, وكان عمله هذا رائد في هذا المضمار شجع غيره من العلماء على الاهتمام بهذه الجماعة الإسلامية, ومحاولة دراسة تاريخها وعقيدتها, وأسباب بقائها واستمرارها في مناطق متعددة إلى يومنا هذا, ولكن معظم الباحثين- بما فيهم ما سكرى نفسه- قد ركزوا اهتمامهم على تاريخ الحركة في شمال أفريقية, وقاموا بهذه الدراسات خلال نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين حيث كان الاستعمار الأوربي(الفرنسي بشكل خاص) سائدا في تلك البقعة من العالم الإسلامي مما سهل مهمة الباحثين الأوروبيين للقيام برحلات إلى شمال أفريقية, زاروا خلالها المكتبات والمجتمعات الإباضية هناك, واستطاعوا الحصول على كثير من المعلومات والمؤلفات الإباضية التي أفادتهم في أبحاثهم, وليس عجباً والحالة هذه أن نرى معظم الأبحاث التي تمت لهذا الشأن كانت بالفرنسية رغم أن بعض الباحثين كانوا ينتمون إلى جنسيات أخرى غير الفرنسية مثل المستشرق البولندي المعروفLewicki([2]) الذي درس في فرنسا وزار شمال أفريقية وخاصة الجزائر- ربما بمساعدة السلطات الفرنسية- حيث قضى فترة من الوقت أطلع فيها على بعض المصادر الإباضية كما عاش حول بين الجماعات الإباضية هناك في محاولة منه للتعرف على عاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم, وقد كتب أبحاثه بالفرنسية( كتب بعض المقالات بالبولندية ولكنها كلها ترجمت إلى الفرنسية) ويعد Lewicki بلا منازع أشهر من كتب في موضوع الإباضية, وسنشير إلى أبحاثه ودراساته في هذا الفصل. (1/43)
صفحة 44
وقام المستشرق موتلنسكي Motylineki بتحقيق وترجمة لكتاب ابن الصغير المالكي المذهب, الذي كان معاصرا للدولة الرستمية الإباضية في شمال أفريقية, وقد كتب سفرا ثميناً عن تاريخ الدولة عرف باسم تاريخ الأئمة الرستميين([3]), ولم يلبث أن أخذ المستشرقون يتسابقون في الكشف عن أسرار الحركة الإباضية وقاموا بجهود مشكورة في مراجعة المعلومات الواردة في بعض المصادر الإباضية ونقدها, إذ قام المستشرق ليفتسكي Lewicki , بكتابة بحثين بين فيهما قيمة المعلومات الواردة في كل من طبقات الدرجيني, وسير الشماخي([4]), بينما قام المستشرق الإيطالي روبيناتشي Rubinacci بدراسة مماثلة لكتاب الجواهر المنتقاة للبرادي([5]).
ومن أوائل الذين كتبوا في تاريخ الإباضية في شمال أفريقية المستشرق ستروثمانStrothma الذي قام بدراسة عن علاقة البربر بالحركة الإباضية([6]). وجل اعتماده في هذا البحث على تاريخ ابن خلدون الذي لا يعطي معلومات موثوقة عن هذا الموضوع, وكثيرا ما يخلط بين الصفرية والإباضية, والحق أن ابن خلدون لا يقدم معلومات هامة عن الموضوع سوى تعريفه ببعض قبائل البربر ومناطق سكانها, وقد اعتمد ستروثمان أيضا على المؤلفات الإباضية المطبوعة على الحجر مثل سير الشماخي, أو المترجمة للفرنسية مثل سير أبي زكريا الذي أسلفنا الحديث عنه, كما أنه استفاد من كتاب ابن الصغير المالكي عن الأئمة الرستميين, وعلى أي حال فإن المعلومات التي أوردها الباحث في مقالته لم تلق أي ضوء على نشأة الحركة الإباضية وتطورها في البصرة- وهذا مجال بحثنا- كما أنه لم يعط معلومات ذات شأن عن كيفية تسرب الأفكار والآراء الإباضية إلى بلاد المغرب, ولم يحلل بعمق الظروف والأسباب التي أدت إلى اعتناق البربر لهذا المذهب. (1/44)
صفحة 45
وعلى أي حال فإن بحثه المختصر هذا كان مفيدا للطلبة( في النصف الأول من هذا القرن) الذين اهتموا بدراسة تاريخ المغرب الكبير رغم أن المعلومات جاءت فيه قد أصبحت الآن قديمة وخاصة أن كثيرا من المخطوطات قد اكتشفت, وان معلومات جديدة قد ظهرت للعيان, وعلى أية حال فإن هذه الدراسة ليس فيها ما يفيدنا في بحثنا عن نشأة الحركة الإباضية في البصرة.
وقد درس شيخ بكريCh.Bekri حركة الخوارج في شمال أفريقية بتفصيل أكثر وتحليل أدق من ستر وثمان إلا أنه لم يفرد بحثاً خاصاً بالإباضية, وكانت استفادته من المصادر الإباضية جيدة آلا أنه لم يفرد بحثاً خاصاً بالإباضية, وكانت استفادته من المصادر الإباضية جيدة إلا أنه ركز اهتمامه في حديثه عن فرقة الإباضية على تاريخ الدولة الرستمية في شمال أفريقية, ولم يتطرق للدور السري( مرحلة الكتمان) للحركة الإباضية, ولذا فإنه لم يذكر أية معلومات هامة لها علاقات بنشأة الحركة في البصرة سوى إشارته المقتضبة إلى حملة العلم الذين نشروا المذهب الإباضي في شمال أفريقية([7]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1] ) F. Masqueray, Chraique d’Abu Zakari, Alger 1878
وقد ترجم هذا الكتاب مرة أخرى إلى الفرنسية في عام 1961م، أنظر:
R. Le Tourneau, Rev. Africaine, 105 ( 1961), pp. 117-176
([2]) كان أستاذاً في جامعة كراكوف في بولندا، وقد أحيل على المعاش مؤخراً.
([3]) Mothlinski, Chronique d’Ibn Saghir sur les imams Rostomides de Tahert, Actes du xIv. Congr’es International des Orientalistes ( Alger, 1905), Troisl’eme Pertie ((suite)) : “ Langues Musulmanes ( arabe, persan et turc” ( paris, 1908) ,pp. 3-132.
([4]) T. Lewichi, “ Notice sur la chronque ibadite d’ad – Dargini” , Roznik Orientalistyczny, vol, 11 ( Iwow, 1936)
([ (1/45)
صفحة 46
5]) R. Rubinacci, “ IlKit’ab al]Gaw’ahir di al-Barrdi, A.I.O.N,N. S vol 6 ( 2954-6) pp. 1-41
([6]) R. Strothmann, “ Berber and Ibaditen”, Der Islam, vol. 21 ( 1928), pp. 28-279.
([7]) C. Bekri, “ le Kharijisme berber’re”, Annales de I’Institut d’Eudes Orientales, vol. 15 ( 1957), pp. 55-108.
وفي الآونة الأخيرة أهتم بعض المستشرقين بتاريخ الإباضية في عمان من خلال اهتمامهم بتاريخ الخليج العربي ومناطق شرق الجزيرة العربية الغنية بالبترول, وأشهر من ألف في هذا الموضوع هو المستشرق الإنجليزي ولكنسون Wilkinson الذي عمل دراسة عن تاريخ عمان موضحاً فيها استقرار القبائل العربية في ذلك القطر وعلاقة القبائل وتحالفاتها بالإمامة الإباضية هناك, وقد نال على هذا البحث درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد عام 1969م([1]), ثم نشر عدة مقالات في المجلات العلمية المعروفة حول الإباضية والتاريخ المحلي العماني, ويبدو أن هذه البحوث عبارة عن مقتطفات أو فصول من رسالة الدكتوراه, ومن هذه الدراسات:المقالة التي نشرها عن الأصول التاريخية لدولة عمان, وقد أشار فيها إلى الحركة الإباضية وأثرها في التاريخ العماني في العصور الإسلامية. (1/46)
صفحة 47
وبالرغم من إشارته المقتضبة لحركة الإباضية في مرحلة الكتمان في البصرة ودور التجار الإباضية في تمويل الدعوة إلا أنه لا يعطي أية تفاصيل, بل انه لا يوضح كيف أنتشر المذهب الإباضي في عمان, ولم يذكر أحد من الدعاة(حملة العلم) الذين أرسلهم أئمة الإباضية ومشايخها في البصرة إلى ذلك القطر في الجنوب الشرقي في الجزيرة العربية, وبناء على ذلك فإن هذه المقالة عديمة الفائدة لبحثنا عن أصول الدعوة الإباضية في دورها السري في البصرة, ومن ناحية أخرى فإن هذه الدراسة مهمة لكل من يريد البحث في التاريخ العماني وخاصة أنها تتضمن معلومات جيدة عن هجرة القبائل العربية واستقرارها في عمان ودور هذه القبائل في صنع تاريخ ذلك القطر, وقد اعتمد المؤلف في بحثه هذا على مخطوطة أنساب العرب للعوتبي بالإضافة إلى المصادر أخرى أقل أهمية([2]).
وفي بحثه الذي نشره في عام 1976 عن آل الجلندى في عمان, ركز ولكنسون في حديثه على الفرع المعولي من هذه الأسرة([3]), وهو الفرع الذي حكم عمان حتى الربع الأخير من القرن الثاني الهجري, أي حتى تأسيس الإمامة الإباضية الثانية في عمان نحو عام 177ه, ورغم حديثه عن الإمام الأول الجلندى بن مسعود فإنه يعط معلومات ذات شأن عن تأسيس الفرقة الإباضية في البصرة ودور إباضية البصرة في انتقال المذهب إلى عمان, ولكنه أشار باختصار إلى العلاقة الوثيقة بين الأزد والحركة الإباضية. (1/47)
صفحة 48
أما مقالته الأخيرة عن الإمامة الإباضية التي نشرها في مجلة معهد الدراسات الشرقية والأفريقية([4]) فتكاد تكون ترجمة لما ورد من معلومات عن الإمامة في مخطوطة كنز الأديب وسلافة اللبيب للصائغي المحفوظة في جامعة كمبردج([5]), والحقيقة أن ولكنسون قد تكلم في هذه المقالة عن الإمامة في وقت الظهور أي ما يسمى في المصادر الإباضية بإمامة البيعة أو إمامة الظهور, ولم يشر فيها إلى إمامة الكتمان وهي التي تهمنا في البحث عن نشأة الحركة الإباضية, ولما كانت اهتمامات ولكنسون محصورة- حتى الآن- في تاريخ عمان فإن الأمثلة التي أوردها في هذا المثال مأخوذة من تاريخ تطور الإمامة في ذلك القطر, ورغم عدم استقصاء المؤلف للمصادر الإباضية المختلفة التي عالجت هذا الموضوع فإن بحثه عن الإمامة مفيد لطالب التاريخ المحلي العماني ولأولئك الذين يبحثون في تاريخ الحركة الإباضية بعد انتصار دعوتها وتأسيس الدولة الخاصة بها.
ولم يقتصر اهتمام الأوربيين بدراسة تاريخ الحركة الإباضية على الناحية السياسية, بل التفتوا أيضا إلى دراسة العقيدة الإباضية من جوانبها المختلفة ومقارنتها بالمذاهب الإسلامية الأخرى,وأول من فتح الباب في هذا المجال هو المستشرق موتيلنسكي Motylinski الذي نشر في عام 1905م ترجمة بالفرنسية لكتاب عمرو بن جميع المتعلق بالعقيدة الإباضية([6]).
وفي عام 1916 نشر المستشرق الإيطالي المعروف نللينو بحثاً عن تأثير المعتزلة في العقائد الإباضية مركزا بحثه على إباضية شمال أفريقية, والبحث عبارة مقالة قصيرة بين فيها الكاتب العلاقات بين المعتزلة والإباضية من الناحية الفكرية, ولا يوجد في هذا البحث المختصر ما يفيدنا في حديثنا عن نشأة الحركة الإباضية في المشرق([7]). (1/48)
صفحة 49
وفي عام 1928 كتب المستشرق Smogorzewski بحثاً عن العلاقة بين المذهبين المالكي والإباضي في شمال أفريقية, وقد اعتمد المؤلف في هذه الدراسة على ما جاء في قصيد إباضية مجهولة المؤلف([8]).
وفي عام 1964 نشر المستشرق الإيطالي Rubinacci بحثاً جيداً عن العقيدة الإباضية اعتمادا على كتاب عقيدة التوحيد للمؤلف الإباضي, أبي زكريا الجناواني([9]), وقد وضح هذا المستشرق العلاقة بين المذهب الإباضي(كما شرحه الجناواني) وبين المذاهب الإسلامية الأخرى, وأرفق الدراسة بترجمة إيطالية لكتاب الجناواني الآنف الذكر([10]).
ولكن المؤلف لم يعط معلومات هامة عن نشأة الحركة في البصرة, وقد أورد ملخصاً لهذه المعلومات في مقالته التي نشرها بالإنجليزية في كتاب الدين في الشرق الأوسط([11]), وقد نشر هذا العالم بحثاً آخر في الفقه الإباضي قارن فيه بين موضوع الطهارة عند الإباضية والموضوع نفسه عند أتباع المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى([12]), وللمؤلف بحث آخر حول العلاقة بين الإباضية والخليفة الأموي, عبد الملك بن مروان([13]), وقد أعتمد المؤلف في بحثه هذا على الرسائل التي بعث بها عبدلله بن أباض إلى الخليفة المذكور, وقد وردت هذه الرسائل(أو النصائح كما يسميها الإباضية) في كتاب الجواهر المنتقاة للبرادي, وفي كتاب كشف الغمة للأزكوي, ولعلها موجودة في مصادر أخرى لم أتمكن من الاطلاع عليها, على أن أهم من كتب عن الإباضية والذي يجب أن نعير بحوثه اهتماما خاصاً هو المستشرق البولندي ليفتسكي Lewicki فقد نشر هذا العالم مقالات وبحوثاً عديدة حول مختلف أطوار الحركة الإباضية ونشاطاتها منذ بداية ظهورها حتى يومنا هذا([14]), ومعظم دراساته تتناول تاريخ الحركة في شمال أفريقية. (1/49)
صفحة 50
ويؤخذ عليه التكرار في كثيرا من بحوثه فهو ينشر بحثاً مثلا عن الإباضية في شمال أفريقية ثن يعود فيكرر المعلومات نفسها في مكان آخر وبعنوان أخر يختص بجزء من شمال أفريقية مثل تونس أو غير ذلك, ورغم ذلك فإن بحوثه عن تاريخ الحركة الإباضية في شمال أفريقية تعد أفضل البحوث المنشورة إلى الآن([15]), ولعل مرد ذلك يعود إلى انه زار المنطقة وعاش فيها مدة من الوقت- كما ذكرنا سابقاً- مما أتاح له الاطلاع على المصادر الإباضية,كما تعرف عن كثب على المجتمعات الإباضية وتنظيماتهم الخاصة بهم, هذا بالإضافة إلى أن ليفتسكي قد استفاد بشكل جيد من المخطوطات المحفوظة في بولونيا, كما انه يملك عددا من المخطوطات الإباضية مثل سير الوسياني والوارجلاني وغيرها, وعلى أية حال فإن أهم بحوثه التي تفيدنا في موضوع دراستنا هو مقالته عن الإباضية في الطبعة الثانية من الموسوعة الإسلامية, ولعلها الدراسة الوحيدة الهامة باللغات الأوروبية التي تلقي ضوءا علة نشأة الحركة الإباضية في البصرة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين, وقد كرر المعلومات الواردة في هذا البحث في مقالة أخرى نشرها في مجلة تاريخ العالم التي تساعد منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة على إصدارها([16]). (1/50)
صفحة 51
ورغم أهمية دراسته عن نشأة الحركة الإباضية في البصرة في الفترة الأولى من تكوين فرقتهم فقد جاء بحثه ناقصاً في كثير من الجوانب نتيجة لعدم اطلاعه على بعض المصادر الإباضية, والتي تحوي معلومات جديدة ومفيدة حول هذا الموضوع, أضف إلى ذلك فإن ليفتسكي Lewicki لا يعير اهتماماً للمصادر السنية في بحوثه مما يؤدي به إلى أن يعطي آراء ينقضها بصراحة, المصادر السنية المتوافرة, من أمثلة ذلك قولة إن سلمة بن سعد, الداعية الإباضي في شمال أفريقية, كان من بين العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز, لتعليم البربر مبادئ الدين الإسلامي, ولو رجع لقائمة العشرة الذين أرسلهم الخليفة المذكور والمثبتة أسماؤهم في المصادر السنية لما ظهرت هذه العبارة في دراسته([17]), في بعض الأحيان نراه يسئ فهم بعض النصوص الواردة في المصادر أو يتكلف كثيرا في استنتاجاته, كما فعل عندما أشار إلى إن يزيد ابن أبي مسيلم كاتب الحجاج بأنه من الخوارج([18]), ألانه كان على علاقات ودية مع جابر بن زيد, أمام الإباضية, وهذا يناقض مع الحقيقة المعروفة والمثبتة في كل المصادر, السنية منها والإباضية, بأن يزيد كان التلميذ والخادم المخلص لسيده, الحجاج, الذي قمع الخوارج بدون هوادة, ليس هذا فحسب بل أن بزيد نفسه قد لاقى حتفه على أيدي الخوارج عام 102ه, عندما عين واليا على أفريقية زمن الخليقة يزيد بن عبد الملك([19]), بالإضافة إلى ما ذكرنا فإن هناك بحوثاً أخرى عن بعض جوانب تاريخ الحركة الإباضية أو تاريخ الأقطار التي انتشرت فيها تلك الدعوة, وتعتبر أقل أهمية من الدراسات التي أشرنا إليها في الصفحات السابقة, وسيرى القارئ ثبتا بعناوين تلك الدراسات والبحوث في قائمة المراجع الأجنبية المرفقة في هذا البحث. (1/51)
صفحة 52
يبدو من استعراض الدراسات الحديثة التي قام بها المستشرقون أنهم (باستثناء ليفتسكي) أهملوا الفترة الأولى من تاريخ الحركة، وهي فترة التكوين والتنظيم السري في البصرة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين، ولعل مرد إلى ندرة المصادر التي تتكلم عن هذا الموضوع وإلى صعوبة استقصاء المعلومات المتوافرة في المصادر الموجودة، وذلك لأن الباحث سيجد نفسه مضطراً لأن يكتب تاريخا لحركة سرية معتمدا في ذلك على مصادر إباضية لم تفرد عناوين أو فصولا خاصة بالموضوع، بل أن المؤلفين الإباضيين لم يخطر لهم أن من واجبهم الخوض في هذا الموضوع، وإجلاء غوامضه إلا من خلال الحديث عن مشايخ وأشخاص لهم مكانة خاصة في نفوس أتباع هذه الفرقة ومن هنا فإن على الدارس لهذه الفترة أن يجمع معلوماته ويرتبها من الروايات المتفرقة والمبعثرة في كتب الطبقات الإباضية، وأحياناً فإن عليه أن يحلل ويستنتج بناء على استقراء وتفحص عميق للأساطير والكرامات المنسوبة إلى بعض أئمة ومشايخ الإباضية حتى يكون صورة أقرب ما تكون إلى الوضوح عن هذا الموضوع الغامض, بالإضافة إلى ذلك فإن معظم المصادر الإباضية أما مخطوط أو مطبوع على الحجر, وبذلك يصعب على الباحث الاستفادة منها لعدم وجود الفهارس أو لعدم وضوح الخط, وعليه بالتالي أن يقرا مجلدات بكاملها حتى يحصل على رواية مفيدة أو إشارة قد تنير له السبيل في هذا الشان, والحقيقة, وبناء على تجربتي الخاصة, أن الباحث قد يقرأ مؤلفاً مخطوطاً مكوناً من عدة مجلدات ثم لا يخرج منه بشي مفيد في دراسته نشأة الحركة الإباضية في مرحلتها السرية, أما عن العقيدة والفقه الإباضي فإن المعلومات كثيرة ومتوافرة ويمكن الحصول عليها, لأن الكتاب الإباضية المتأخرين قد اعتنوا بهذه المواضيع عناية كبيرة وكتبوا فيها أسفارا ضخمة, اعتقادا منهم بوجوب بحفظ عقيدتهم من الزوال, وكانت معظم هذه المؤلفات تحفظ في أماكن سرية حتى لا تتعرض للتدمير من جانب (1/52)
صفحة 53
أعدائهم في المذهب كما حصل للمكتبة المعصومة في مدينة تاهرت الإباضية التي احرقها الفاطميون عندما استولوا على المدينة في عام 297ه.
بالإضافة إلى العقائد والفقه فإننا نلاحظ أيضا توافر المعلومات فيما يتعلق بالإباضية في مرحلة الظهور,وبعد أن كونوا دولا خاصة في عمان وشمال أفريقية, والواقع أن هذه المعلومات يمكن الحصول عليها من المصادر السنية والشيعية أيضاً بالإضافة إلى المصادر الإباضية, ويمكن للباحث بعد التحليل والنقد أن يتوصل إلى نتائج مقبولة في هذا المضمار, وليس من الغريب بالتالي أن نرى معظم أبحاث الأوروبيين قد انصبت على تاريخ الحركة الإباضية في شمال أفريقية ثم في عمان بعد تأسيس إمامة الظهور والدول الإباضية في تلك الأقطار, أما نصيب التنظيم السري (أو ما يعرف بمرحلة الكتمان) للفرقة الإباضية في البحوث والدراسات الأوروبية الحديثة فلا يعدو- كما رأينا- الإشارات العابرة المقتضبة للدعاة أو حملة لعلم الذين أرسلوا إلى الأمصار الإسلامية لنشر الدعوة فيها بعدا عن أنظار ومتناول السلطة المركزية في العراق.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) L C. Wilkinson, Arab settlement in Oman: The Origins and Development of the Tribal Pattern and its Relationship to the Imamate Unpupblished D. Phil thesis, Oxford. 969
([2]) L C. Wilkinson, “ The origins of the Omani state”, In Arabian Penisula, ed. P HO pwood, London. 1972
([3]) L. C. Wilkinson, “ The Julanda of Oman”, Journal of Omani studies, London- Muscat ( 1976). Pp, 97-108
([4]) J. C. Wilkinson, “ The Ibadi Imama” , B.S.O.A.S. vol. 39, pp. 535-551.
([5])Salim b. Sa’id al-saighi, kanz al- Adid wa sulatat al – Labib Cambridge University Library, Ms, no. ( Add. 2896)
([ (1/53)
صفحة 54
6]) A. de C. Motylinski, “ L’ Aqide des Abadhites”, Recueil de Me’moires et de Textes Publies en L’bonneur du XIV congris des Orientalistes, Algier ( 1905)
([7]) C. A. Nallino, “ Rapporti fra la Dogmetico Mu’tazilita e quella deghli, Ib’aditi dell’ Africa Settentrionale” R.S. O., Vol 7,pp. 455-460
([8]) Z. Smogorzewski, “ Un po’eme ab’adite sur certaines divergences enter les M’alikites et les Ab’adites” Reoknik Orientalistyezay, vol.2 pp 260 - 268
([9]) طبع هذا الكتاب طبعة حجرية في الجزائر عام 1325ه.
([10]) R. Rubinacci, “ La professione di fede di al-Gann’awuni’ A.I.O.N, Vol 14, ( 1964) pp. 552-592
([11]) R. Rubinacci, “ The ib adis”, Religion in the Midddle East, vol. 2,pp. 302 317
([12]) R. Rubinacci, “ La purita rituale secondo gli Ib’aditi”, A.I.O. N, N. S. vol. 6 ( 1954 –6) pp. 1-41.
([13]) R. Rubinacci, “II califfo ‘Abd al- Malik b. Marwan e gli Ib’aditi” A.I.O. N.
([14]) عن الدراسات التي قام بها هذا المستشرق أنظر قائمة المراجع الأجنبية المثبتة في نهاية بحثنا.
([15]) هناك رسالة دكتوراه باللغة الفرنسية غير منشورة كتبها الدكتور إبراهيم فخار المدرس يف جامعة وهران بالجزائر، وهو نفسه إباضي وتتناول الرسالة دراسة المجتمعات الإباضية في شمال أفريقية منذ العهد الفاطمي وفضلهم على الدولة الرستمية عام 297ه، وقد أشرنا للرسالة في الصفحات السابقة.
([16]) قارن: T. Lewicki, “ ibadiyya” E.I, and T. Lewicki:
The Ibadites in Arabia and Africa”, Translated by Marianna Abahamowicz cahiers D’Histoire Mondiale, vol. 13, partI( 1971) pp. 51-80
([ (1/54)
صفحة 55
17]) عن هؤلاء العلماء العشرة الذين بعثهم الخليفة عمر بن عبدالعزيز إلى شمال أفريقية أنظر: المالكي، رياض النفوس، ج1، ص-76، أبو العرب، طبقات علماء أفريقية وتونس، ص-87.
([18]) T. Lewicki, “Ibadiyya, E. 1 (2).
([19]) ابن خلدون، عبر، ج6، ص-221.
أما الدراسات العربية عن الفرقة الإباضية في قليلة جدا, ومعظم ما كتب حول هذا الموضوع يتعلق بتاريخ الثورات والدول الإباضية في بلاد المغرب وعمان, وحتى السنوات الأخيرة فإن البحوث التي ظهرت في هذا الشأن عبارة عن أصول من كتب تعالج تاريخ منطقة معينة تضم عددا من الإباضية بين سكانها مثل بلاد المغرب, أو مقالات تعالج ثورات الإباضية ضد الولاة والحكام في العصور الإسلامية, ومن المؤلفات التي تناولت مثل هذه المواضيع كتاب تاريخ المغرب العربي للدكتور سعد زغلول عبد الحميد, أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة الإسكندرية, وقد تكلم فيها بإسهاب عن ثورات الإباضية ضد الولاة الأمويين والعباسيين, كما حصص الفصل الثاني من الباب الخامس للحديث عن تاريخ الدولة الرستمية الإباضية, وقد اعتمد المؤلف على المصادر السنية المطبوعة المخطوطة كما استفاد بشكل جيد مما ورد في كتاب السير للشماخي الإباضي المذهب, وتعد دراسته مرجعاً هاماً لطلاب المغرب العربي([1]). (1/55)
صفحة 56
وفي عام1973 نشر رفعت فوزي عبد المطلب كتابا بعنوان: الخلافة والخوارج في المغرب العربي: الصراع بينهما حتى قيام دولة الاغالبة, وقد تحدث فيها عن ثورات لخوارج الصفرية والإباضية في شمال أفريقية في الفترة المذكورة, وقد اعتمد في بحثه على بعض المصادر الإباضية مثل سير الشماخي بالإضافة إلى المصادر السنية المعروفة, وقد جاءت آراؤه موضوعية ومتوازنة, ورغم أنه عرض في الفصل الأول من دراسته لنشأة الخوارج في المشرق إلا انه ردد أقوال كتب الملل والنحل والآراء التقليدية حول هذا الموضوع, ولم يأت بجديد حول تكون الفرقة الإباضية في البصرة رغم إشارته المقتضبة إلى حملة العلم الذين أرسلهم أئمة البصرة إلى بلاد المغرب لنشر المذهب الإباضي هناك([2]).
وفي نفس العام(1973م) نشر الدكتور محمد إسماعيل عبد الرازق كتابه: الحركات السرية في الإسلام, رؤية عصرية, وقد أشار المؤلف إلى أن الحركة الإباضية كانت إحدى هذه الحركات السرية, كما لمح لدور علماء البصرة ومشايخها في تدريب الدعاة(حملة العلم) الذين افدوا إلى الولايات الإسلامية المختلفة للتبشير بالدعوة الإباضية, ولكن ما قاله في هذا الموضوع لا يعطي صورة واضحة عن نشأة الحركة الإباضية وتنظيماتها السرية, وقد أعترف الكاتب بأن الصورة التي رسمها حول هذا الموضوع هي«صورة باهتة» لعدم توافر المصادر الكافية([3]), وفي عام 1976 نشر المؤلف نفسه كتاباً آخر سماه: الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري, وقد تحدث فيه بإسهاب عن حركات الخوارج ودولهم في شمال أفريقية منذ بداية تسرب الآراء الخارجية لتلك المنطقة في أواخر القرن الأول الجري حتى قضي على قوتهم السياسية كليا على أيدي الفاطميين, وقد اعتمد الدكتور محمود إسماعيل في بحثه هذا على مصادر سنيو وشيعية وفيرة كما استفاد من بعض المخطوطات الإباضية المحفوظة في دار الكتب المصرية بالقاهرة. (1/56)
صفحة 57
أما عن نشأة الحركة الإباضية في المشرق فلم يقدم أية معلومات ذات شأن, إلا أن المؤلف بذل جهدا مشكورا في دراسة تاريخ الحركة في شمال أفريقية ودرس بعمق تاريخ الدولة الرستمية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية([4]).
أما كتاب الإباضية بالجريد الذي وضعه صالح باجيه, فلا يزودنا بأية معلومات ذات قيمة عن نشأة الحركة في المشرق, وركز الباحث كلامه على تاريخ الإباضية في منطقة الجريد, جنوب تونس, أما حديثه عن تسرب الدعوة إلى بلاد المغرب فيبدو ولم يأت بجديد, كما أن خطة البحث مضطربة وأبواب الكتاب غير منسقة, رغم ذلك فإن اطلاع المهتمين, بدراسة تاريخ الحركة في شمال أفريقية, على هذا الكتاب لا يخلو من الفائدة وخاصة أنه أسهب في الحديث عن تاريخ الحركة في تلك المنطقة من النواحي السياسية والاقتصادية والفكرية وأثر ذلك في تاريخ المغرب, ويعطي بعض المعلومات المفيدة عن علاقة الإباضية ببلاد السودان الغربي.
بإضافة إلى هذه الدراسات فإن الباحث في تاريخ الخوارج والإباضية في شمال أفريقية يمكنه الاستفادة من مؤلفات الدكتور إحسان عباس([5]) والأستاذ الطاهر الزاوي([6]) وحسن حسني عبد الوهاب([7]) والدكتور حسين مؤنس([8]). (1/57)
صفحة 58
أما المؤلفات الحديثة التي كتبها أشخاص ينتمون إلى الفرقة الإباضية فجهلها تتصل بالعقيدة أو التاريخ المحلي للبلاد التي يعيشون فيها, وهب في محتوياتها لا تختلف عن الأمصار الإباضية القديمة إلا في الأسلوب, ومن أهم هؤلاء المؤلفين الإباضيين المحدثين: أبو اسحق أطفيش وبيوض إبراهيم ابن عمر والراروني وعلى يحيى معمر ومحمد علي دبوز من شمال أفريقية, ونور الدين السالمي والبياسي وسالم بن حمد الحارثي من عمان, وسأشير هنا إلى دراسات بعض هؤلاء المؤلفين التي تلقي بعض الضوء على موضوع بحثنا عن نشأة الحركة الإباضية في البصرة, ومن أهمها كتاب الإباضية في موكب التاريخ الذي وضعه الشيخ علي يحيى معمر([9]), والكتاب في معظمه, عبارة عن معجم عن حياة وأعمال الأئمة والمشايخ والرجال البارزين من الإباضية في مختلف العصور وخاصة شمال أفريقية, بالإضافة إلى لمحات سريعة عن بعض المواقع الجغرافية المأهولة بالسكان الإباضيين في تلك المنطقة. ورغم أن المؤلف قد عرض في كتابه للحديث عن أئمة الإباضية في البصرة في المرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها إلا أن معلوماته لا تعدو إن تكون اقتباسات مختارة من كتب الطبقات والسير الإباضية. وبالتالي فإن المؤلف لم يوضح الأسلوب ولا العمل الذي قام به مشايخ الإباضية في البصرة في سبيل نشر دعوتهم, ولا يخلو كتابه من تعصب واضح لفرقته رغم أنه لم يحاول الإساءة إلى الفرقة الإسلامية الأخرى. (1/58)
صفحة 59
أما في كتابه الثاني: الإباضية بين الفرق الإسلامية فقد عالج فيه روايات أصحاب المقالات من قدامى ومحدثين, وكذلك أقوال بعض المستشرقين وحاول تفنيدها, ولكنه لم يتحدث في مؤلفه هذا عن نشأة الفرقة التي ينتمي إليها, وحبذا لو قام هذا العالم الإباضي بدراسة نشأة الحركة الإباضية في مرحلتها السرية في القرنين الأول والثاني الهجريين دراسة علمية موضوعية وخاصة أن بإمكانه الاطلاع على كثير من المخطوطات التي لا يتسنى لأحد غير إباضي الإطلاع عليها.
ولما كان يحيى معمر يدعو في كتابه للتآلف والمودة بين جميع المذاهب الإسلامية, ويطلب من المفكرين السنيين الاطلاع على المؤلفات الإباضية وسبر أغوارها حتى يدركوا الحقيقية حول عقيدة الإباضية ودورها المجيد في التاريخ الإسلامي, فإن من واجبه العمل على تسهيل هذه المهمة, إذ أن الباحث المسلم- غير الإباضي- يلاقي عنتاً كبيرا وصعوبات لا حصر لها في سبيل الحصول على نسخة من كتاب إباضي مطبوع أو الاطلاع على مخطوطة إباضية محفوظة في المكتبات الإباضية الخاصة, وفي كثير من الأحيان فإن الاطلاع على مخطوطة محفوظة في دار كتب أجنبية معروفة يعتبر أكثر سهولة من الحصول على كتاب إباضي مطبوع في بلد عربي إسلامي خلال العقدين السادس والسابع من القرن العشرين, فهل يسهم عالمنا الإباضي بحل هذه المعضلة؟ أرجو ذلك!
وأما الباروني فقد ألف كتاب الأزهار الرياضية الذي يعتبر مرجعا هاما لمن يريد الكتابة عن تاريخ الدولة الرستمية وخاصة أن المؤلف قد اقتبس معلوماته من مصادر إباضية قديمة, والحقيقة أنه في معلوماته وأسلوبه لا يختلف عن كتاب إباضي مؤلف في العصور الإسلامية, ويشير في بعض الأحيان إلى مصادره وفي أحيان أخرى يسبق حديثه عن موضوع معين بكلمة«ممزوج» أي أن الرواية التي أوردها قد استخلصا من مجموعة روايات قديمة ووضعها بالشكل الذي ورد في كتابه, أما موضوع بحثنا فلا يورد معلومات ذات قيمة([10]). (1/59)
صفحة 60
وهناك مؤلف إباضي أخر من شمال أفريقية هو الأستاذ محمد على دبوز, أستاذ الأدب والتاريخ في معهد الحياة الإباضي, في ميزاب, وقد ألف كتابا أسماه: تاريخ المغرب الكبير, واتبع في تأليفه أسلوباً جديدا يختلف عن غيره من مؤرخي الإباضية ومفكريها واستعمل ألفاظا عصرية مصنفا الدول الإسلامية في بلاد المغرب في العصور الإسلامية إلى جمهورية وملكية, وفعل مثل ذلك في بعض إشارته إلى المؤرخين المسلمين القدامى, فهو يصف المؤرخين غير الإباضيين بالمؤرخين الملوكيين الذين يدسون أكاذيب مستوحاة من رغبات ساداتهم الحكام, ولا حاجة للإشارة إلى الصفحات التي استخدم فيها مثل هذه الألفاظ فهي موزعة في أبواب الكتاب ولا يخلو أي فصل من مثل هذه العبارات, وقد افاض في كتابه في الحديث عن الإباضية في شمال أفريقية وخاصة تاريخ الدولة الرستمية الإباضية, كما أشار إلى أئمة الإباضية ومشايخها في مرحلة لكتمان ولكن أسلوبه عبارة عن خطب إنشائية بعيدة عن الموضوعية والبحث العلمي الدقيق, ومع ذلك فإن الكتاب لا يخلو من فائدة لطلاب تاريخ المغرب العربي([11]). (1/60)
صفحة 61
ويعتبر نور الدين السالمي أشهر مؤرخي عمان في العصر الحديث, وقد أصيب بالعمى وهو في الثانية عشر من عمره, وتوفى في أوائل العقد الرابع من عمره عام 1914, ورغم ذلك فقد أنتج ما ينيف على اثنين وعشرين كتابا في التاريخ المحلي العماني والعقائد الإباضية, ويعد كتابه المعنون: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان([12]), أشهر هذه الكتب وانفعها للباحثين, ويعتمد السالمي في كتابه هذا على كثير من المصادر القديمة التي يذكرها في ثنايا كتابه مثل كتاب أنساب العرب للعوتبي وسيرة أبي المؤثر وأبي سفيان محبوب بن الرحيل, بالإضافة إلى مصادر أخرى غير إباضية مثل المسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغيرهما, ويذكر المستشرق ولكنسون([13])- بعد مقابلته لما جاء في تحفة الأعيان بما ورد في المصادر التي نقل عنها- أن السالمي كان أمينا ودقيقا جدا في اقتباساته, ولما كان الكتاب في معظمه عبارة عن اقتباسات (أحيانا بتصرف لا يخل بالمعنى الأصلي) فغن مؤلفه هذا يعتبر من المراجع الهامة لكل من يريد البحث في تاريخ عمان المحلي وعلاقاتها بجيرانها, بالإضافة إلى تطور الإمامة الإباضية التي تشكل أحد المظاهر الأساسية في تاريخ ذلك القطر منذ بداية القرن الثاني الهجري وحتى يومنا هذا, ويفيد الكتاب في إعطاء معلومات مختصرة عن انتشار المذهب الإباضي في عمان وأسماء حملة العلم الذين ساهموا في نقل الأفكار والمبادئ الإباضية من البصرة إلى عمان, بالإضافة إلى كتاب تحفة الأعيان فإن الباحث يحصل على معلومات متفرقة من كتب السالمي الأخرى وخاصة كتاب اللمعة المرضية وكتاب تلقين الصبيان وشرح الجامع الصحيح. (1/61)
صفحة 62
أما كتاب العقود الفضية في أصول الإباضية([14]) الذي ألفه المؤرخ الإباضي المعاصر سالم بن حمد الحارثي العماني فهو من المراجع الهامة أيضا في تاريخ الحركة الإباضية في المشرق والمغرب ويأخذ المؤلف معلوماته من مصادر قديمة مثل أبي سفيان محبوب بن الرحيل والدرجيني والشماخي والمبرد وابن الأثير وغيرها, أما ما يتعلق بالإباضية في طورها الأول فهو يقتدي بكتب طبقات الإباضية ويخصص فصلا لكل إمام, وإذا قارنا ما أورده من معلومات مع المصادر القديمة فإننا نجد أن حديثه عن مشايخ الإباضية القدامى: مثل جابر بن زيد وأبي عبيدة يكاد يكون منقولا عن طبقات الدرجيني, وهو ينقل بأمانة ولكن بتصرف ولذا فإن كتابه هذا يعطي بعض المعلومات عن الحركة الإباضية في طورها السري من خلال الحديث عن أئمة المذهب الأوائل, وقد أشرنا إلى هذه المعلومات في ثنايا هذا البحث.
يتبين من خلال هذا العرض التحليلي السريع لدراسات الحديثة حول الإباضية, أنها قد اهتمت بالمراحل المتأخرة من تاريخ الحركة الإباضية ولا تعطي معلومات هامة عن نشأة الحركة وتنظيماتها السرية في البصرة خلال القرنيين الأول والثاني الهجريين, والبحث الوحيد الذي أعار هذه القضية اهتماما خاصا هو بحث المستشرق البولندي Lewicki الذي أشرنا إليه في الصفحات السابقة.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) د. سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي، ص-398.
([2]) رفعت فوزي عبدالمطلب، الخلافة والخوارج في المغرب العربي، الصراع بينهما حتى قيام دولة الأغالبة، القاهرة، 1973م.
([3]) محمود إسماعيل عبدالرزاق، الحركات السرية في الإسلام، رؤية عصرية، القاهرة، 1973م، ص، 30-32.
([4]) محمود إسماعيل عبدالرزاق، الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، الدار البيضاء، 1967م.
([5]) إحسان عباس، تاريخ ليبيا، بيروت، 1967م.
([ (1/62)
صفحة 63
6]) الطاهر الزاوي، تاريخ الفتح العربي في ليبيا، القاهرة، (بلا تاريخ).
([7]) حسن حسني عبدالوهاب، ورقات في الحضارة العربية بأفريقية، تونس، 1966م.
([8]) حسين مؤنس، ثورات البربر في أفريقية والأندلس، مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة (1948م) ج10، ص-216.
([9]) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الطبعة الأولى، القاهرة، 1964م.
([10]) سليمان بن الشيخ عبدالله الباروني النفوسي، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، القسم الثاني مطبعة الأزهار البارونية (بلا تاريخ).
([11]) محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، الطبعة الأولى القاهرة، 1963م، عن الإباضية أنظر بشكل خاص الجزء الثالث.
([12]) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الطبعة الخامسة، 1974م.
([13]) Wilkinson, “ Bio-Bibiographical Background to the Crisis Period in the Ibadi Imamate of Oman”, art. Cit., P. 147
([14]) سالم بن حمد الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية، دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان (بلا تاريخ)، عن أئمة الإباضية في البصرة، أنظر الصفحات 93 وما بعدها.
الباب الثاني :الفصل الأول تطور الخلافة وأثرها في ظهور الخوارج
كانت مشكلة الخلافة أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين بعد وفاة الرسول r, وخاصة أنه لم يرد في القران الكريم نص صريح يتم بموجبه اختيار رئيس الدولة, كما أن الرسول r لم يعين الشخص الذي سيتولى زعامة المسلمين بعده([1]), ونظرا لذلك تشعبت آراؤهم حول منصب الخلافة وتمخض الخلاف في هذا الموضوع عن أهم الفرق الإسلامية في صدر الإسلام, كالخوارج والشيعة, ولفهم الظروف التي نشأة فيها تلك الفرق, لا بد من إعطاء لمحة سريعة عن تطور منصب الخلافة, وأثر ذلك في هذه الفرق وخاصة الخوارج أو المحكمة, الذين انبثقت عنهم الفرقة الإباضية. (1/63)
صفحة 64
وضعت وفاة الرسول r الآمة الإسلامية أمام مشكلة خطيرة آلا وهي مشكلة خلافة الرسول عليه السلام وقيادة الآمة, والإشراف على شؤونها من الناحيتين الدينية والدنيوية, أما الناحية الدينية فقد اكتملت قواعدها ورسخت جذورها, وقد أكد ذلك قول الله تعالى] اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً[, إلا أن هذا الدين لا بد له من يحميه ويعمل على انتشاره في مناطق جديدة لم تصل إليها الدعوة من قبل, وخاصة أن الدين الإسلامي دين عالمي ليس مقصورا على العرب وحدهم ولا محدودا بالجزيرة العربية, ومن الناحية الدنيوية لا بد للائمة من قائد وزعيم يحافظ على المكتسبات التي أحرزتها في ظل الإسلام, وتتمثل هذه المكتسبات في الوحدة في الوحدة والعدالة ونبذ العصبية الجاهلية, وقد حض الإسلام على التمسك بها في قوله تعالى] واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم[, والحفاظ على هذه المكتسبات وصيانتها تقتضي وجود زعيم يشرف على تطبيقها في الداخل, ويرد عنها غائلة الأعداء من الخارج. (1/64)
صفحة 65
وأدركت الآمة أن مصلحتها تحتم عليها أن تختار لنفسها زعيماً يقوم بحمل المسؤولية وتدبير شؤون الدولة الإسلامية الفتية, وقد رأى الأنصار انهم أحق من غيرهم في هذه الزعامة, فأسرع بعض قادتهم ووجهائهم إلى سقيفة بني ساعدة ليختاروا من بينهم رجلاً كفؤا خلفا لرسول عليه السلام, معتقدين بأنهم أولى من غيرهم لتولي هذا المنصب, وحجتهم في ذلك أنهم هم الذين آووا الرسول ونصروه في زمن عسرته, وأعزو دينه ومنعوه وأصحابه ممن أراد بهم سواء, ورشحوا سعد بن عباده الخزرجي لمنصب الخلافة وقيادة الأمة الإسلامية, وعندما سمع المهاجرون بذلك سارع عدد منهم إلى السقيفة, من بينهم: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب, وأبو عبيدة عامر ابن الجراح, وعثمان بن عفان, وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم, وعندما وصلوا السقيفة تكلم أبو بكر وقال بأحقية المهاجرين في الخلافة, لأنهم اسبق الناس إسلاما وأنهم أهل الرسول r وعشيرته, وقد تحملوا المشاق وتركوا أموالهم وبيوتهم وهاجروا بدينهم إلى المدينة, وذكر الأنصار بأهمية قريش بين القبائل العربية وقال:« إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش وهم أوسط العرب دارا ونسباً»([2]), وأكد عمر بن الخطاب هذا المبدأ عندما قال مخاطباً الأنصار:« والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم, لكن العرب لا تمنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولى أمورهم منهم, ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين, من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته, ونحن أولياؤه وعشيرته»([3]), ثم حدث نقاش وجدل بين الطرفين وانحازت الأوس إلى المهاجرين خشية أن تبقى الخلافة في الخزرج إن وليها أحدهم, وقد عبر زعيم الأوس, أسيد ابن حضير, عن ذلك عندما خاطب أصحابه قائلا:« والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة, ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبدا.... (1/65)
صفحة 66
» ([4]), ثم دب النزاع بين الخزرج أنفسهم عندما قام بشير ابن سعد, أبو النعمان بن بشير الخزرجي, وهو من زعماء الخزرج, فأكد حق المهاجرين وأفضليتهم, ودعا إلى عدم منازعتهم هذا الأمر([5]), وهكذا تطور النقاش في السقيفة لصالح المهاجرين وفازوا بما اعتبروه حقاً لهم, وأشار أبو بكر على المجتمعين أن ينتخبوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة إلا إن الاثنين رفضا الأمر وناديا بمبايعة أبي بكر لأنه أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار, وخليفة رسول الله على الصلاة, والصلاة أفضل دين المسلمين»([6]), وتمت بيعة أبي بكر واستطاع المسلمون أن يتغلبوا على أول مشكلة هامة واجهتهم بعد فقد رسولهم وزعيمهم محمد r .
ويلاحظ في علمية انتخاب أبي بكر امتزاج العادات والتقاليد العربية بالتعاليم الإسلامية. ففكرة الانتخاب وعدم قبول مبدأ الوراثة فكرتان مأخوذتان من التقاليد العربية التي كان العرب يستندون إليها في انتخاب شيخ القبيلة, وكذلك كبر السن والتجربة والخبرة فيهي عادات عربية تؤخذ بعين الاعتبار عند انتخاب الشيخ أو الزعيم ولم يلغها الإسلام لأنها لم تتعارض مع مبادئه, أما اشتراط موافقة المسلمين على عملية الانتخاب وعدم الاقتصار في ذلك على موافقة أسرة الرجل أو قبيلته فهي فكرة إسلامية وبذلك أصبح الخليفة زعم أمة ورئيس دوله وليس شيخ قبيلة.
وتمثل الاتجاه الإسلامي أيضا بتفضيل السابقين في الإسلام ألا وهم المهاجرين ثم بتقديم أبي بكر رضي الله عنه9 لصحبته لرسول الله عليه السلام وأسبقيته وتفويض الرسول له بإمامة المسلمين في الصلاة أثناء مرضه([7]). (1/66)
صفحة 67
وعندما شعر أبو بكر بدنو أجله أحس بضرورة العهد من بعده حتى يجنب المسلمين الفتنة والاختلاف, وقد عبر ذلك بقوله : »اللهم إني لم أرد بذلك إلا إصلاحهم (المسلمين) وخفت عليهم الفتنة« ([8]). ووجد أبو بكر – بعد تفكير عميق أن عمر بن الخطاب هو أكفأ الصحابة الموجودين لتولي قيادة الآمة الإسلامية في تلك الظروف التي كانت الجيوش الإسلامية فيها مشتبكة مع دولتي الفرس والروم فقد كان عمر أفضل الموجودين خبرة وأكثرهم نفوذا في خلافة أبي بكر, هذا بالإضافة إلى أن خدماته الجليلة للإسلام لا ينكرها أحد أضف إلى ذلك أنه لم يكن من فرع بارز من قريش وبذلك لن يخاف أحد من استبداد عشيرته وأقاربه في الحكم. ولم يشأ أبو بكر أن يستبد بالأمر ويفرض رأيه على المسلمين بل شاور كبار الصحابة الموجودين في المدينة ولقي تجاوبا من معظمهم([9]). وبعد ذلك أملى أبو بكر على عثمان بن عفان وثيقة عهده لعمر بن الخطاب وجاء فيها »بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما عهد أبو بكر بن أبي فحافة في أخر عهده في الدنيا خارجا منها, وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها , حيث يؤمن الكافر ويوقن المرتاب الفاجر ويصدق الشاك المكذب, إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا, فإني لم آلا الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا , أردت ولا يعلم الغيب آلا الله..... «([10]) كان هذا العمل من جانب أبي بكر سنة جديدة فيتطور منصب الخلافة ذلك انه اختار وليا للعهد من غير أقاربه([11]). ولم يترك الأمر للمسلمين للتشاور فيه. وقام هو بنفسه بهذه الاستشارة في حدود طاقته وبالقدر الذي تسمح به الظروف التي كانت تمر بها الدولة. ولكنه حمل عمر المسؤولية في تنفيذ الأمانة, وحمل الآمة مراقبة منهجه في الحكم كما يتضح من العبارات المقتضبة التي أملاها أبو بكر على عثمان في وثيقة العهد. (1/67)
صفحة 68
ويبدو أن عمر بن الخطاب قد فكر قبل أن يتلقى طعنات خنجر أبي لؤلؤه الفارسي المسمومة فيمن يحمل المسؤولية بعده, وكانت تراوده فكرتان: الأولى أن يستخلف واحد من الصحابة ولكنه لم يكن مطمئنا لرجل بعينه([12]). والثانية أن يترك الأمر للمسلمين لاختيار من يريدونه()[13], وقعد إن طعن عمر في بالمسجد وحمل إلى بيته استقر رأيه - بعد إلحاح من الصحابة بضرورة لاستخلاف على أن يجعل الأمر شورى. وقد حددها في ستة من الصحابة هم : علي بن أبي طالب , عثمان بن عفان, طلحة بن عبيد الله, وعبدالرحمن بن عوف, وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام. وقد بين عمر أسباب اختباره لهؤلاء النفر من الصحابة بقوله: (إني نظرت فوجدتكم ر ساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر آلا فيكم, وقد قبض رسول الله وهو عنك راض« ([14]). ثم أردف قائلا: ( إني لا أخاف اختلاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيختلف الناس...«([15]). وحدد عمر مدة الشورى بثلاثة أيام وعين صهيبا الرومي ليؤم الناس في الصلاة ,, ووكل للأنصار مهمة مراقبة الشورى, وحث المؤتمرين على الألفة وعدم الاختلاف. واجتمع مجلس الشورى وطالت المناقشات ثم عهدوا إلى عبدالرحمن بن عوق ليقوم باستطلاع رأي المسلمين ممثلين بوجهائهم وقياداتهم في المدينة, وتشير بعض الروايات إلى أن عبد الرحمن بن عوف قد وسع نطاق مشاوراته حتى انه استشار ضعفاء الناس ورعاعهم([16]). واستقر ريه على إن قوى المرشحين المفضلين للناس هم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان رغم أن أكثريتهم كانت تفضل عثمان. وربما كان ذلك ناتجا عن دعاية قام بها الأمويون في المدينة - وهم كثر لصالح شيخهم عثمان, ومن المحتمل أن قريشا لا تريد أن يتولى الخلافة أحد من بني هاشم حتى لا تبقى الخلافة فيهم . (1/68)
صفحة 69
وقد عبر علي بن أبي طالب عن هذا الاتجاه لدى قريش بعد بيعه عثمان فقال : »إن بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا, وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم« ([17]).
جعل عبد الرحمن بن عوف العمل بكتاب اله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين من بعد أساس الترشيح([18]). وفي اليوم الرابع من انعقاد مجلس الشورى اجتمع المسلمون في المسجد الجامع , وتقدم عبد الرحمن بن عوف من علي وطلب منه أن يقسم بأنه سيعمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين الراشدين من بعده, ولكن عليا رفض ذلك وأعلن أنه سيعمل بكتاب الله وسنة نبيه وبمبلغ علمه وجهده وطاقته([19]). ول يشأ أن يقيد نفسه بسياسة اتبعها أسلافه في ظروف مختلفة, حبذا العمل بكتاب الله وسنة رسوله والاجتهاد فيما يشكل عليه من أمور تكون وليده الظروف والتطورات التي تمر بها الدولة الإسلامية ووافق عثمان بن عفان على الشروط والأسس التي وضعها عبد الرحمن بن عوف وأعلن موافقته على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وأن يسير على سنة الخليفتين من قبله([20]). وتمت بيعه عثمان في ذي الحجة من عام 24هـ. (1/69)
صفحة 70
وفي خلافته واجهت الآمة الإسلامية أخطر محنة مرت بها بعد حروب الردة, وهو ما عرف في التاريخ باس الفتنة. وقد أسهبت المصادر الإسلامية في الحديث عن الفتنة وأسبابها واختلف المؤرخون في تفسيرها, ولا يتسع المجال للحديث عنها في هذه الصفحات لان ذلك يخرج بنا عن نطاق البحث , ويكن للقاري أن يعود آلي المصادر والمراجع المختلفة التي تتناول هذا الموضوع بالتفصيل والتحليل ثم ينكون لنفسه رأيا أو يتفق مع آخر, طبق لقناعاته واجتهاداته وفقا لمقاييس العلمية والموضوعية التي يضعها لنفسه والأسس المنهجية التي يتبناها في محاولته الوصول إلى الحقيقة([21]). ويبدو أن الثورة على عثمان لم تكن ثورة دينية بحتة , كما أنها لمت تكن موجهة ضد شخص عثمان بالذات وإنما ضد الخليفة كائنا من كان. لقد كانت ثورة القبائل العربية ضد قريش لاستئثارها بالسلطة والمال وهي أيضا ثورة المقاتلة ضد السياسة المالية التي انتهجها عمر بن الخطاب وسار عليها عثمان . وهي بالتالي ثورة الأمصار ضد سلطة الحجاز والمدينة وانتهت هذه الثورة بمقتل الخليفة الذي يمثل تلك السلطة. (1/70)
صفحة 71
لقد كان مقتل الخليفة عثمان سابقة خطيرة في تاريخ الإسلام إذ أن فريقا من الآمة اعترض على سياسة الخليفة, مستندا إلى الفكرة الإسلامية التي توجب مراقبة الآمة على منهج الحاكم ومفسرا تلك الفكرة وذلك المبدأ بما يخدم أغراضه وأهدافه, وتطرف الثوار في أسلوب معارضتهم حتى أنهم اغتالوا الخليفة الذي توفي الرسول r وهو راض عنه, ونتج عن هذا الحادث الأليم المفجع حرب أهلية ذهب ضحيتها آلاف المسلمين . وكانت هذه الحادثة البذرة الأولى التي تفتقت منها الأحزاب والفرق الإسلامية التي نشأت في بادئ الأمر واختلفت حول منصب الخلافة ومنذ ذلك الحين أصبح للسيف وزن في تقرير أمر الخلافة وقيادة الآمة الإسلامية. أضف إلى ذلك أن حادث اغتيال عثمان كان عاملا رئيسيا في انقسام قريش على نفسها ( رغم أن هذا الانقسام كان موجودا ولكنه لم يتضح ولم يطف على السطح آلا بعد مقتل الخليفة الثالث) ذلك الانقسام الذي استمر زمن علي بن أبي طالب وطيلة العصريين الأموي والعباسي وتمثل في معارضة العلويين للأمويين, ثم بمعارضة العلويين للعباسيين وأبرز هذا الحادث أيضا التيار القبلي والإقليمي داخل الدولة الإسلامية, وكانت الفتنة بالتالي هي الحادثة الكبرى الأولى التي عبرت فيها القبائل عن وجهة نظرها في سياسة الخليفة وأحقيته في البقاء في الحكم. ومنذ ذلك التاريخ أصبح للقبائل دور كبير في اختيار الخليفة وتثبيته في منصبه بعد أن كان هذا الدور مقصورا على أهل المدينة ممثلين بكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار. (1/71)
صفحة 72
بعد مقتل الخليفة عثمان اختير علي بن أبي طالب لتولي منصب الخلافة وقيادة الآمة الإسلامية, وأنيطت به مهمة إعادة الاستقرار والهدوء للولايات المضطربة. وكان اختياره قد تم بضغط من القبائل العراقية والمصرية التي اقتحمت المدينة وبتأييد من أهل العاصمة وخاصة الأنصار والهاشميين([22]). وقد أدرك علي بن أبي طالب أن اختياره كان وليد فتنة قادها رجال القبائل من الأمصار خارج الحجاز. وتبعا لذلك فقد تردد في بادئ الأمر في قبول منصب الخلافة([23]). وقد واجه في بداية حكمه مشكلتين أساسيتين: إحداهما إعادة الاستقرار والأمن للدولة وقام بإجراءات تنظيمية في الدولة منها عزل الولاة الذي تذمر منهم الناس في الأمصار واعتبروا وجودهم وساستهم عاملا من عوامل النقمة على الخليفة والسلطة المركزية في الحجاز . وقد تم لعلي ما أراد آلا في بلاد الشام حيث كان معاوية بن أبي سفيان ( ومن قبله أخوه يزيد) واليا منذ أيام عمر بن الخطاب. واستطاع بسياسته ولباقته أن يجمع أهل الشام من حوله ولم يمتثل لأوامر الخليفة علي بن أبي طالب وعصى أمره, وأعلن أنه ولي عثمان والمطالب بدمه. (1/72)
صفحة 73
وبينما كان علي بن أبي طالب يجهز الجيش للسير إلى بلاد الشام وإخضاع معاوية , الوالي الثائر, حدث ما لم يكن في الحسبان, إذ ثار عليه طلحة والزبير وانضمت لهما عائشة أم المؤمنين. وانسحب الجميع إلى البصرة بحجة ملاحقة قتله الخليفة عثمان. وتختلف المصادر في أساب حركة طلحة والزبير والأرجح أنهما خرجا اعتقادا منهما بأن عليا قد اختير في ظروف غير عادية وبضغط من رجال القبائل الثوار الذين جاءوا من الأمصار وسيطروا على العاصمة بعد استشهاد عثمان , واعتبروا أن مبدأ الشورى لم يطبق بالشكل الصحيح في اختيار علي ولذا اعتقدا انه لا بد من إعادة الأمر إلى أهل الحل والعقد من المسلين في المدينة لاختيار خليفة للمسلمين دون إكراه أو ضغط من أحد. وقد عبر طلحة والزبير عن هدفهما بعد أن وصلا البصرة وأعلنا »أنهم جاءوا للطلب بدم الخليفة المظلوم وإقامة الحدود وإعادة الأمر شورى« ([24]). (1/73)
صفحة 74
كان لخروجهم اثر كبير في موقف علي بن أبي طالب الذي اضطر لإعادة تقييم الموقف في ضوء الظروف الجديدة فهناك بالشام وال رفض الخضوع للسلطة المركزية التي يمثلها الخلية وأعلن حقه في ملاحقة قتله عثمان والثأر له معتمدا على تقاليد وأعراف قبلية بينما يتجه صوب العراق فريق ثائر يتولى قيادته أشخاص ممن تستمع الآمة إلى رأيهم وتستجيب لدعواهم وعلى رأسهم طلحة الخير بن عبيد الله والزبير حواري رسول الله r وعائشة أم المؤمنين. وقد رأى الخليفة إن اشتباك جيشه مع هذه الفئة سابقة خطيرة يلتقي فيها سلاح المسلمين بسلاح إخوانهم في الدين بعد أن كانوا جميعا يدا واحدة ضد أي عدو يريد يهم سوءا وبعد تفكير عميق وجد علي بن أبي طالب بصفته رئيس الدولة وخليفة المسلمين المسؤول عن شؤونهم والحامي لدينهم – أن من واجبه مواجهة المشكلة بحزم محاولا حل المشكلة بالطرق السلمية وطبقا للمبادئ الإسلامية وبما يتفق ومصلحة الآمة الإسلامية في ذلك الظرف العصيب أملا أن يحول بين الثائرين وبينها وكنه لم يستطع تحقيق ذلك حيث دخل الثوار البصرة وقتلوا عددا ممن اعتبروهم شركاء أو محرضين على قتل الخليفة الثالث عثمان واستولوا من ثم على المدينة و أرسلوا إلى أهل الكوفة يدعونهم للانحياز إلى قضيتهم.
أتحه علي ومن معه – بعد أن فشل في اللحاق بالثوار- إلى الكوفة حيث انضم إليه بعض الكوفيين ثم سار إلى البصرة وحاول أن يقنع الثوار بالعدول عن موقفهم وتبادل الفريقان الوفود ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل وتطور الأمر إلى الاصطدام المسلح وتقابل الفريقان في معركة »الخريبة« أو »الجمل« وكان النصر فيها حليف علي بن أبي طالب وقتل طلحة والزبير أثناء المعركة وبعدها وأعيدت عائشة إلى الحجاز والتحق الأمويون الذين رافقوا الثوار بمعاوية في الشام([25]). (1/74)
صفحة 75
وعندما فرغ علي من أمر البصرة اتجه صوب الشام لإجبار معاوية على الخضوع وحاول علي - كما فعل مع ثوار البصرة – أن يحل المشكلة سلما ودون إراقة دماء وأسل وفودا إلى معاوية محاولا إقناعه بالعدول عن رأيه والرجوع إلى الجماعة. ولكن معاوية أصر على موقفة معتمدا على تأييد أهل الشام له([26]). وتقابل الطرفان في صفين في ذي الحجة عام 36هـ.
واستمر القتال على شكل مناوشات بين الطرفين حتى محرم من عام 37هـ حيث تقف القتال, وأعاد علي محاولته لإقناع معاوية عله يثوب إلى الحق ولكن دون جدوى وفي صف رمن نفس العام تجدد القتال عنيفا بين الطرفين وقتل عدد هائل من الفريقين ثم رفع أهل الشام المصاحف منادين بحفن الدماء وتحكيم كتاب الله([27]). وقد أدت هذه المكيدة من جانب الشاميين إلى نشوب الجدل والنزاع بنين أتباع علي بن أبي طالب, إذ أن فريقا منهم إن يرى وجوب الاستجابة لطلب أهل الشام واللجوء إلى تحكيم كتاب الله, وفريق آخر على رأسه علي بن أبي طالب رأى في رفع المصاحف خدعه من قبل الشاميين واحتدم الجدل والنقاش في الجانب العراقي واضطر علي في النهاية - تحت ضغط الأكثرية من جيشه – إلى قبول فكرة التحكيم([28]). ولكن الاختلاف بين العراقيين لم يقتصر على فكرة التحكيم فحسب بل تعداه إلى تعيين الشخصية التي تمثلهم في أمر التحكيم. وبعد نقاش حاد - ظهر فيه التنافس القبلي بين اليمنيين والقيسيين – اختير أبو موسى الأشعري ليمثلهم في التحكيم رغم إرادة علي بن أبي طالب الذي كان يحبذ اختيار عبدلله بن عباس. أما الشاميون فقد اختاروا عمر بن العاص. وكتب بين الطرفين كتاب التحكيم الذي ذكر فيه اسم علي بن أبي طالب مجردا من لقبه أمير المؤمنين([29]). (1/75)
صفحة 76
بعد قراءة كتاب التحكيم ظهر النزاع من جديد بين العراقيين حول فكرة التحكيم وعارضه بعضهم بشدة مبررين ذلك بأنه لا حكم آلا حكم الله وأنه لا يجوز تحكيم الرجال في أمر من أمور الله([30]). واستمر النقاش والجدال بين صفوف العراقيين وهم في طريق العودة من صفين إلى الكوفة وقد عبر المؤرخون عن هذا الخلاف بقولهم : ( وخرج الناس إلى صفين وهم أحباء متوادون ورجعوا وهم أعداء متباغضون يضطربون بالسياط) ([31]). وقبل وصولهم إلى الكوفة انشق جماعة من جيش علي الرافضين للتحكيم ونزلوا قرية حروراء قرب الكوفة. ومن هنا أطلق المؤرخون عليهم اسم الحرورية أو المحكمة([32]). على أن هذه الانشقاق عن جيش علي لم يكن نهائيا ويبدو أن المناقشات قد استمرت بينهم وبين علي وتبادل الفريقان الوفود وجرت مفاوضات بين الطرفين أملا في الوصول إلى حل يجمع شملهم على كلمة واحدة. ودخل قسم من المحكمة الكوفة وكانوا يصلون خلف علي في المسجد وكثيرا ما كانوا يقاطعونه في خطبه مرددين شعارهم »لا حكم ألا لله« واستمروا يدعون عليا لرفض التحكيم وعدم إنفاذ أبي موسى الاشعري. ولما رفض علي ذلك وأصر على عدم النكث بوعده, يئس المحكمة من إقناعه وتشاوروا في أمرهم , وانتخبوا عبدلله بن وهب الراسبي إماما لهم, وكاتبوا مؤيديهم في البصرة لملاقاتهم في النهروان بالقرب من المكان الذي بنيت فيه بغداد فيما بعد, وقد وافى البصريون إخوانهم في النهروان وكان عددهم 500 رجل بقيادة مسعر بن فدكي التميمي([33]). ولم يكد الخوارج ينزلون النهروان حتى أتت الأنباء بفشل التحكيم. (1/76)
صفحة 77
وكان ذلك بالفعل صدمة عنيفة لعلي بن أبي طالب وأعوانه الذين رفضوا نتيجة التحكيم وقرروا السير إلى الشام لحسم الأمر بالسيف مع معاوية وأهل الشام. وحاول علي استماله المحكمة الذين نزلوا النهروان ولكنهم رفضوا([34]). وعندما يئس علي من انضمامهم إليه قرر السير إلى الشام ولكن جماعته أصروا على ملاقاة المحكمة في النهروان قبل مواجهة معاوية وأهل الشام. واضطر علي للإذعان فسار إليهم وحاول أن يقنعهم بالعدول عن رأيهم والرجوع إلى الجماعة وتجنب القتال والفتنة. ويظهر أن قسم منهم قد عاد وانضم إلى علي, وقرر قسم آخر الحياد, وتقي الآخرون بقيادة عبدلله بن وهب الراسبي على رأيهم , فقاتلهم علي وانتصر عليهم في صف رفي عام 38هـ([35]).
رغم هذه الهزيمة التي أنزلها علي بن أبي طالب بأهل النهروان فانه لم يقض على المحكمة. واتخذ الباقون من المعركة النهروان ذكرى أليمة تحفزهم للثأر لمن قتل من أصحابهم. وتتابعت ثوراتهم ضد علي بن أبي طالب آلا أن هذه الثورات كانت صغيرة وعدد أتباعها محدود واستطاع علي الانتصار عليهم في كل المعارك التي خاضوها ضده. ألا انه في النهاية سقط شهيدا علي يد عبد الرحمن بن ملجم الخارجي. وكان الأخير قد فقد كثيرا من أقربائه في معركة النهروان([36]). (1/77)
صفحة 78
يبدو من أسماء القادة والأشخاص الذين تزعموا الحركة ضد التحكيم ثم قادوا أتباعهم في ثورات متلاحقة ضد علي بن أبي طالب ( ومعاوية من بعده) أن معظمهم ينتمي إلى القبائل العربية الشمالية التي أسلمت متأخرة ولم يكن لها تراث حضاري في الماضي وظل أفردها يمثلون النزعة البدوية التي لا تقبل الخضوع لسلطة مركزية وخاصة أن تلك السلطة كانت تتركز في قريش . ولا عجب أن تتمثل هذه النظرة القبلية عهد اتباع الخوارج الأوائل وخاصة أولئك الذين ينتمون إلى قبيلة تميم التي كانت من أكبر القبائل المصرية شأنا وعددا ألا أنها أسلمت متأخرة واتت الرسول r في آخر الوفود وارتدد بعد وفاته وادعى أشخاص منها النبوة مثل سجاح([37]). وقد خذل بنو تميم علي بن أبي طالب في معركة الجمل وحاربوا معه في صفين ولكنهم ما لبثوا أن كونوا العدد الأكبر من فرقة الخوارج وقد شكى الإمام علي من موقفهم فقال: (أليس من العجب أن ينصرني الأزد وتخذلني مضر, وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة وخلاف تميم البصرة([38]).
=======================
[1]) باستثناء الرواية الشيعية التي تدعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوصى لعلي بن أبي طالب بالخلافة.
([2]) الطبري، ج، ص-206.
([3]) الطبري، ج، ص-221.
([4]) الطبري، ج، ص-222.
([5]) الطبري، ج، ص.
([6]) الطبري، ج، ص.
([7]) الدوري، مقدمة، بيروت، 1960م، ص.
([8]) بلاذري، أنساب، ج2، ص.
([9]) تردد قليل من الصحابة في قبول ترشيح عمر إما لأنهم يفضلون علياً أو لأن بعضهم رأى أن عمر شديد، وعلى أية حال فإن هذه المعارضة لم تتسم بالتطرف والعنف. أنظر: بلاذري، ج، ص-244، الطبري ج، ص، الإمامة والسياسة، ج، ص، ابن الجوزي، سيرة عمر بن الخطاب ص-45.
([10]) بلاذري، ج، ص. أنظر أيضاً: الطبري، ج، ص، ابن الجوزي، سيرة عمر بن الخطاب ص، ابن أعثم، ج، ص.
([ (1/78)
صفحة 79
11]) يورى عن أبي بكر أنه خاطب أصحابه وقال: »إني والله ما ألوت من جهة الرأي ولا وليت ذا قرابة«، أنظر: الطبري، ج، ص.
([12]) يظهر عدم اطمئنانه لاختيار واحد معين من بينهم من ملاحظاته على كل منهم: فقد كان يخشى من علي كونه رجلاً فيه دعابة وبطالة وفكاهة، ومن عثمان عصبيته وحبه لأهله وقومه، وحملهم على رقاب الناس، أما عبدالرحمن بن عوف فإن فيه ضعف، وأما طلحة فيخشى كبرياءه وزهوه، ويأخذ على سعد أنه صاحب حرب لا يصلح للسياسة، وأما الزبير فيخشى حدته وبعض الشح لديه، أنظر الماوردي، ص-12، بلاذري، ج، ص-17، الإمامة والسياسة، ج، ص-25، اليعقوبي ج، ص-159، ابن أبي الحديد، ج، ص-186.
([13]) بلاذري، ج، ص-543، ج، ص-18.
([14]) الطبري، ج، ص.
([15]) الطبري، ج، ص.
([16]) الطبري، ج، ص-233، الإمامة والسياسة، ج، ص.
([17]) الطبري، ج، ص.
([18]) كان عبدالرحمن بن عوف قد أعطى أصحابه الشورى عهداً بأن لا يخص ذا رحم ولا بال المسلمين، وأخذ عليهم بدوره العهد بأن يرضوه ويبايعوه لمن يختار، أنظر بلاذري، ج، ص-21، طبري، ج، ص، ص-237، الماوردي، ص.
([19]) الطبري، ج، ص-233، 238، بلاذري، أنساب، ج، ص، الإمامة والسياسة، ج، ص-27، ابن أبي الحديد، ج، ص.
([20]) بلاذري، ج، ص، طبري، ج، ص، ابن أبي الحديد، ج، ص، الإمامة والسياسة، ج، ص-27.
([21]) من أهم الدراسات الحديثة عن موضوع الفتنة ما يلي:
الدوري، مقدمة، ص-57، طه حسين، الفتنة الكبرى. (1/79)
صفحة 80
M. Hinds, “ the Murder of the caliph Uthman”, IJMES, vol. 3, ( 1973), pp, 9. idem, “ kufan Political alignment and their background in the mid-seventh century A.D. “ IJMES, vol. 2. ( 1972),pp. 346 Wellhousen. The Arab Kinodom, pp. 12ff. Gibb, “An interpretation of Islamic Hkstory” Journal of World History, Vol I( 1953) ,p. 39-62 idem, studies on the Civilization of Islam, London, 1969, pp. 3-33 C. Brockelamann History of the Islamic Peoples, London, 1964. pp. 63-7. E.I, ( 1 ) Art. Othman b. Affan
([22]) الدوري، مقدمة، ص-58.
([23]) بلاذري، ج، ص، 173، ابن أعثم، ج، ص-247، طبري، ج، ص-428، 429، 433، 435.
([24]) بلاذري، ج، ص، 176.
([25]) أنظر عن هذه الحوادث: الطبري، ج، ص
([26]) بلاذري، ج، ص-183، منقري، ص-30، 88-92، 108-110.
([27]) طبري، ج، ص، منقري، ص-487.
([28]) بلاذري، أنساب، ج، ص، 190، 191، 192، طبري، ج، ص، 49-50، منقري، ص-486، 489-491.
([29]) طبري، ج، ص، منقري، ص-509.
([30]) طبري، ج، ص، بلاذري، ج، ص-192، منقري، ص-514.
([31]) بلاذري، ج، ص، طبري، ج، ص، 63.
([32]) بلاذري، ج، ص، 194، 195-169، طبري، ج، ص، 64-66.
([33]) بلاذري، ج، ص، 196، 197-198، طبري، ج، ص، 73، 74-78.
([34]) بلاذري، ج، ص-198، الطبري، ج، ص.
([35]) بلاذري، ج، ص-199، الطبري، ج، ص-86، 88، وانظر أيضاً ص.
([36]) أنظر المسعودي، ج، ص-436.
([37]) يقال أن شيث بن ربعي التميمي أحد زعماء الخوارج كان مؤذناً لسجاح حين ادعت النبوة، أنظر ابن قتيبة، المعارف، ص.
([38]) ابن أبي الحديد، ج، ص. (1/80)
صفحة 81
اتخذ الخوارج الأوائل من قبول علي للتحكيم مبررا للقضاء على التقليد المتعارف عليه في انتخاب الخليفة. فقد جرت العادة - كما رأينا – أن يقوم أهل الحل والعقد من المسلمين في المدينة بانتخاب الخليفة ثم تبايعه الأمصار. ولكن زعماء الخوارج رأوا أن يحققوا حلمهم في التخلص من زعامة قريش, وأعلنوا أن الخلافة يجب أن لا تكون وقفا على جماعة معينة وظهر ذلك في قولهم بعد انفصالهم في حروارء : ( الأمر شورى بعد الفتح والبيعة لله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1).
وعندما ثار الخريت بن راشد عام 38هـ خاطب أحد أصحاب علي وقال : ( لم أرض صاحبكم إماما ولم أرض سيرته فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس. فإذا اجتمع الناس على رجل لجميع الآمة رضا كنت من الناس([2]). لاشك أن مبدأ الشورى قد أكده الإسلام وحض على اتباعه في كتابه الكريم. ورغم ذلك فمن المعتقد أن مناداة الخوارج بهذا المبدأ في تلك المرحلة لم يكن آلا مبررا دينيا تبنوه للثورة على الخليفة الشرعي. وبالتالي كان مبررا للثورة على سلطة قريش وزعامة المسلمين الأوائل المتمثلة بالمهاجرين والأنصار. والدليل علي ذلك انهم لم يتقيدوا بهذا المبدأ عندما نجحوا في تأسيس دول خاصة بهم. ( دولة الرستميين الإباضية ودولة بني مدرار الصفرية مثلا) . ولعل المناداة بهذا المبدأ كان سببا رئيسيا في انضمام عدد من الموالي إلى الحركة الخارجية منذ بدايتها وقد قاموا بدور بارز في بعض ثورات الخوارج الأول مثل ثورة أبي مريم التي كان جل اتباعها من الموالي([3]). (1/81)
صفحة 82
والمتتبع لهذه الثورات الخارجية والشعارات التي رفعها قادتها بجد أن بعضا من الخوارج قد اتسم بالعنف والتطرف منذ بداية حركتهم. من ذلك البراءة من مخالفيهم واعتبارهم كافرين آلا إذا تابوا([4]). وتبعا لذلك فقد اعتبر الخوارج كل من عارضهم في ضلال وأنهم وحدهم الذين يمثلون الحق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . وانطلاق من ذلك اعتبروا خروجهم بمثابة هجرة من دار الباطل والظلم إلى دار الحق والجهاد مشبهين ذلك بهجرة الرسول صلى الله علية وسلم من مكة إلى المدينة متأولين قول الله عز وجل :( وخرج منها خائف يترقب. قال رب نجني من القوم الظالمين .
ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل« وكثرت الدعوة بين الخوارج للابتعاد عن بقية المسلمين والهجرة إلى مكان آخر حيث يقيمون »دولة الحق« ويستأنفون الجهاد ضد الكفار ( بقية المسلمين ) أنظر مثلا على ذلك قول عبدلله بن وهب الراسبي مخاطبا أتباعه بعد إصرار علي على المضي في وعده في تنفيذ التحكيم : »إن هؤلاء القوم قد خرجوا لإمضاء حكم الضلالة, فاخرجوا بنا رحمكم الله إلى بلدة نبعد بها عن مكاننا هذا فأنكم أصبحتم بنعمة ربكم أهل الحق« ([5]). وقال أيضا : »أخرجوا بنا معشر إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض السواد وبعض كور الجبل منكرين لهذه البدعة المكروهة([6]). وانطلاقا من هذه النظرة لبقية المسلمين فقد أحل قسم منهم قتل مخالفيهم من المسمين باعتبارهم كفرة مرتدين وأمنوا أهل الذمة وحموهم([7]). وبدأوا استعراض المسلمين وقتلهم. وتطورت هذه العادة القبيحة عند الأزارقة فيما بعد حتى انهم جوزوا قتل النساء والأطفال الصغار([8]).
=======================
[1]) بلاذري، ج، ص، طبري، ج، ص.
([2]) طبري، ج، ص.
([ (1/82)
صفحة 83
3]) بلاذري، ج، ص، يذكر روايتين، أحدهما عن المدائني والثانية بإسناد جمعي، ويشير المدائني إلى أن أبا مريم كان في أربعمائة من الموالي والعجم ليس فيهم من العرب إلا خمسى من بني سعد وأبو مريم سادسهم.
([4]) منقري، ص، بلاذري، ج، ص-198، الطبري، ج، ص، المبرد، ج، ص، ج، ص، أخبار الدولة العباسية، ص-40.
([5]) بلاذري، ج، ص، البرادي، الجواهر، ص-132.
([6]) بلاذري، ج، ص.
([7]) بلاذري، ج، ص، 197، 198، طبري، ج، ص-83، 117-118.
([8]) عن آراء الأزارقة: أنظر الدجيلي، فرقة الأزارقة، ص-90.
الباب الثاني :الفصل الثاني »تفسير الإباضية لنشأة الخوارج«
(مستمدا من المصادر الإباضية)
يرى الإباضية أن كلا من أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد سار في سياسته طبقا لكتاب الله الكريم وسنة رسوله محمد r , وحكم المسلمين بالعدل والإحسان. ويعتبر أتباع هذه الفرقة أن فترة حكمهما كانت أفضل العهود التي عاشتها الآمة الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ويرون أن عثمان بن عفان كان دون الشيخين في مكانته وسياسته رغم أنه بريع من قبل المسلين وعمل بالحق خلال السنين الست الأولى من خلافته. وقد بقي المسلمون له مطيعين ومؤازرين ثم أحدث بدعا أنكرها المسلمون عليه, وخالف فيها ما كان معروفا من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وسيرة الشيخين, أبي بكر وعمر , من بعده وتشير المصادر الإباضية باسهاب إلى ما يعتبره الإباضية مآخذ على عثمان وسياسته. والمتتبع للاتهامات التي توردها هذه المصادر ضد عثمان لا يرى خلافا كبيرا بينها وبين ما يرد من روايات في بعض المصادر السنية والشيعية حول هذا الموضوع, آلا أن المصادر الإباضية تطنب كثيرا فيما تسميه مساوئ عثمان وتفرد فصولا للحديث عن هذا الموضوع([1]). (1/83)
صفحة 84
ويرى الإباضية أن الثورة على الخليفة الراشدي الثالث كانت مشروعة وقتله كان واجبا, ويعتبرون هذا العمل من خير ما فعله المسلمون . ليس هذا فحسب بل انهم يعتقدون أن مقتل عثمان كان مساويا من حيث الأهمية لانتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى([2]). وتشير المصادر الإباضية إلى اشتراك علي بن أبي طالب ومن كان موجودا في المدينة من المهاجرين والأنصار في الثورة على الخليفة عثمان([3]). ويعتبر الإباضية أنفسهم أتباعا وأحفاد لأولئك الثوار الرواد الذين تصفهم المصادر الإباضية بجماعة المسلمين , وهو الاسم الذي تطلقه الإباضية قيما بعد على نفسها وتعتبره وقفا على أتباعها دون غيرهم, أما بقية المسلمين فيصفونهم بالموحدين([4]).
ولما قتل عثمان اجتمع المسلمون في مسجد رسول الله r فبايعوا علي بن أبي طالب »على طاعة الله ورسوله, وأن يتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسير بسيرة الخليفتين المرضيين, أبي بكر وعمر رشي الله عنهما , بعد أن ترددوا عليه أياما وهو يأبى عليهم« ([5]). وتذكر المصادر الإباضية أن عليا بدأ عهده بخطبة من على منبر مسجد رسول الله وجه فيها نقدا صريحا للخليفة المقتول عثمان وقال: »ألا أن كل قطيعة قطعها عثمان ومال أعطاه من مال الله فهو مردود على المسلمين في بيت مالهم, فان الحق قديم ولا يبطله شيء . والله لو وجدته قد تزوج عليه النساء, وتفرق البلدان لرددته, قان لكم في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فان الجور عليه أضيق« ([6]). (1/84)
صفحة 85
ولم يلبث علي بن أبي طالب طويلا بعد أن بايعه الناس بالخلافة حتى خرج عليه طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام بعد أن بايعاه. وترى المصادر الإباضية أنهما أتيا عائشة , أم المؤمنين بمكة وأقنعاها بأن عليا استأثر بالأمر دون مشورة من الناس, »وان عثمان قتل مظلوما بعد أن تاب, وخدعاها عن رأيها وبصيرتها في عثمان بعدما كانت تخرج المصحف من حجرها وتقول : أشهد بالله لقد كفر عثمان بما في هذا المصحف . فلم يزالا بها حتى أخرجها عن بيتها« وقبلت بمرافقتهم إلى بلاد العراق وسار الجميع إلى البصرة ودخلوها وقتلوا عددا من أهلها([7]).
لما بلغ عليا أمر طلحة والزبير خرج لحاق بهم. فنزل الكوفة وخرج معه فريق من أهلها واتجهوا صوب البصرة واشتبكوا مع طلحة والزبير في معركة الجمل المشهورة وانتصر علي وقتل طلحة والزبير. »واستتيب الناس يومئذ من ولاية عثمان و طلحة والزبير, ورجعت عائشة تائبة نادمة«. ودخل أهل البصرة في طاعة علي([8]). (1/85)
صفحة 86
ولما استقر الأمر لعلي خرج معاوية بن أبي سفيان في أهل الشام يدعو لمحاربة علي زاعما أنه يطلب بدم عثمان. والتقى الطرفان في صفين واقتتل الفريقان قتالا شديدا وكثر القتل في الفريقين حتى قيل إن عدد القتلى بلغ سبعين ألفا. ولما كثر القتل في أهل الشام وخاف معاوية من أن يستولي القتل في أصحابه استشار عمرو بن العاص الذي أشار عليه برفع المصاحف على أسنة الرماح, وان يكاتب علي بن أبي طالب سرا, جاعلا كتاب الله حكما في الخلاف بينهما, فقبل علي بذلك رغم معارضة بعض أصحابه ومن بينهم الصحابي الجليل عمار بن ياسر الذي استمر يقاتل معاوية وأهل الشام حتى لاقى حتفه, وتسهب المصادر الإباضية بهذه المناسبة في الحديث عن عمار بن ياسر وتورد أحاديث كثيرة منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتشير إلى أن عمار – الذي أصر على القتال كان على حق وأن قاتليه وهم أهل الشام كانوا على باطل . ولذا لا تجوز موادعتهم ألا أن يتوبوا ويخضعوا لسلطان علي الخليفة الشرعي([9]). وتمضي المصادر الإباضية بعد ذلك فتقول أن عليا رجع إلى الكوفة وجرت مراسلات سرية بينه وبين معاوية ابن أبي سفيان قبل علي فيها أن يمحو لقبه, أمير المؤمنين في مراسلاته نزولا عند طلب معاوية, ولما بلغ أصحابه ما فعل خاطبوه وقالوا : »ما حملك أن تخلع نفسك من اسم سماك به المسلمون؟ ألست أمير المؤمنين ومعاوية أمير الكافرين؟ فتب مما صنعت فتاب من ذلك« ([10]). ثم أن معاوية كاتب عليا سرا وطلب منه إمضاء العهد الذي أخذه على نفسه في التحكيم فاختار من جنده : أبا موسى الاشعري واختار معاوية عمر بن العاص ليحكما بينهما فيما اختلف فيه. ولما علم المسلمون (المحكمة) ذلك وتحققوا منه الحكومة بعد التوبة فارقوه ونزلوا أرضا من أرض الكوفة يقال لها حروراء. واجتمع فيها يومئذ عشرة آلاف من خيار الصحابة ورؤساء المسلمين وفقهائهم وقرائهم وعلمائهم .....«. (1/86)
صفحة 87
واجتمعوا في بيت عبدلله بن وهب الراسبي فعرضوا الإمامة على حرقرص ابن زهير فأبى فعرضوها على عبدلله بن وهب الراسبي فقال : »هاتوها , أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرارا من الموت« فبايعوه وجعلوا الموعد بينهم النهروان([11]). وتشير المصادر الإباضية إلى أن معاوية بن أبي سفيان عندما بلغه خروج أهل النهروان من عسكر علي بن أبي طالب كتب إلى علي : »أنه قد بلغني أن طائفة من عسكرك خالفوك وخرجوا من عسكرك وقد تعلم أن الأمر بيننا لا يتم إذا كان لنا منازع فان كان ذلك منهم عن غير رأيك وأحببت أن أكفيكهم فعلت«([12])ٍ. ويذكر المؤرخ الإباضي, القلهاتي أن عليا أراد أن يولي معاوية القيام بهذه المهمة , ولكن أصحابه نصحوه بعدم الأقدام على مثل هذا العمل لان ذلك سيكون سابقة خطيرة تبرر لمعاوية التدخل في شؤون العراق وفي زرع الخلاف والنزاع بين العراقيين وخاصة أصحاب علي نفسه([13]).
أثناء ذلك اجتمع الحكمان فخلع الاشعري عليا وثبت عمرو بن العاص صاحبة معاوية وندم علي بعد سماع النبأ على قبوله فكرة التحكيم. وكتب إلى أهل النهروان يطلب منهم العودة لمعسكره والرجوع لحرب معاوية وأهل الشام. وهذا نص رسالة علي لأهل النهروان كما تورده المصادر الإباضية : »بسم الله الرحمن الرحيم. من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى زيد بن حصن وعبدلله بن وهب ومن معهما من المسلمين : سلام عليكم , فإني أحمد إليكم الله الذي لا اله آلا هو أما بعد , فان الحكمين نبذا كتاب الله وراء ظهورهما وحما بغير ما أنزل اله فبرئ الله منهما ورسول وأنا منهما بريء . (1/87)
صفحة 88
فهلموا نعطكم الرضاء. ونرجع إلى الأمر الأول الذي طلبتموه مني ونقاتل عدونا وعدوكم حتى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين«. فكتبوا إليه جوابا هذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم. من أمام المسلمين عبدلله بن وهب الراسبي وزيد بن حصن ومن معهما من المسلمين إلى علي بن أبي طالب الخالع لنفسه: سلام على من اتبع الهدى وتجنب متآلف الردى. أما بعد فأنا نحمد الله الذي لا اله آلا هو. وقد علمنا , فالحمد لله أن أمرهما كان مخالفا للحق من أوله, وأنت بتحكيمك إياهما أعظم جرما منهما. وذكرى أنك ترجع إلى الحق وتعطي الرضا وترجع إلى الأمر الأول فلسنا نرد عليا توبتك فان كنت صادقا فادخل فيما دخل فيه المسلمون من طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أمام المسلمين عبدلله بن وهب الراسبي, فقد بايعناه بد خلعنا إياك لاستحقاقك منا أن نخلعك ولا يسعنا آلا ذلك والسلام([14]).
رغم هذه اللهجة القاسية التي عبر فيها المحكمة عن رأيهم في علي بن أبي طالب فان المصادر الإباضية تشير إلى أن عليا حاول مرة أخرى الوصول إلى تفاهم معهم فأرسل عبدلله بن عباس لمناظرتهم أملا منه في أن يقنعهم بالعدول عن موقفهم. وجرت بين عبدلله بن عباس وبينهم مناقشات طويلة وكانت النتيجة عكس ما توخاه علي بن أبي طالب حيث يذكر المؤرخون الإباضيون أن ابن عباس قد اقتنع بوجهة نظر المحكمة وعاد وأخبر عليا بما حدث واعترف له بأنهم خصموه »ونقضوا عليه ما جاء به مما احتج به عليهم« وطلب من ابن عباس أن يعينه على قتلهم ولمن الأخير رفض وقال : »لا والله, لا أقاتل قوما خصموني في الدنيا , وانهم يوم القيامة لي اخصم, وعلي أقوى وان لم أكن معهم لم أكن عليهم« ([15]). ثم اعتزل من بيت مال البصرة ويذكر الإباضية أنا بن عباس رد عليه وقال : »قد علمت أخذي المال من قبل قولي في أهل النهروان, ولم كان أخذي المال باطلا كان أهون من أن أشرك في دم مؤمن فكف عن القوم« ([16]). (1/88)
صفحة 89
بعد فشل المفاوضات بين علي والمحكمة جرت معركة النهروان بين الطرفين وانتصر فيها علي وقتل من المحكمة 4000 رجل. وتشير الروايات الإباضية إلى أن بعضهم كان ذا سابقة في الإسلام وصحبة لرسول الله r كما تذكر أن معظم القتلى كانوا من القراء والفقهاء وأهل اشرف في الدين والرأي. وتسهب المصادر الإباضية في ذكر مناقب بعض هؤلاء الأشخاص مثل حرقرص بن زهير السعدي , وتورد أحاديث نوبة إلى الرسول r تشير إلى أن قاتليه هم الفئة الباغية([17]). وتشير المصادر نفسها أيضا إلى أن علي بن أبي طالب قد ندم فيما بعد على حربه لأهل النهروان وكان يقول : »بئس ما صنعنا........قتلنا خيارنا وفقهاءنا« ([18]).
وتوضح الروايات الإباضية أن أصحاب علي اختلفوا عليه بعد معركة النهروان وفارقه قسم كبير منهم وبقي يلاقي الخذلان تلو الخذلان حتى لاقى حتفه على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي الذي مدحه عمران بن حطان فيما بعد وقال:-
====================
(1) القلهاتي، ورقة 85، وما بعدها، البرادي، الجواهر، ص، وما بعدها، الأزكوي، ورقة 112، شماخي، سير، ص وما بعدها.
([2]) القلهاتي، ورقة 89، 91.
([ (1/89)
صفحة 90
3]) يقول القلهاتي أن علي بن أبي طالب »كان في مسجد رسول الله e وهو يحرض الناس على القتال«.. ويقول في مكان آخر: »فن زعم أهل الشك والريب أن المسلمين من المهاجرين والأنصار والتابعين لم يرضوا بقتل عثمان، وإنما قتله محمد بن أبي بكر في نفر معه، وعامة المسلمين كارهون لقتله (قيل) لهم فلم لا يؤازرونه وينصرونه وهو بين أظهرهم لم يقتل غيلة، وإنما هو حصر شهراً أو دونه، أو كيف يجعلون علياً أميراً على أنفسهم ولم يشهد بذلك ولم يرض به؟ أم كيف يجوز لعلي أن يصحب قتلة عثمان ولا يقيم عليهم حد الله ورسوله؟ أم كيف جاز له أن يحارب ويمنع من طلب بدمه؟ بل لقد علم أهل البصائر وأولوا الألباب أن المسلمين اجتمع رأيهم على قتله بما استوجب عندهم من بغيه وأحداثه ووضعه الأمور في غير مواضعها..« أنظر القلهاتي ورقة 94-95، أنظر أيضاً شماخي، سير، ص، البرادي، الجواهر، ص.
([4]) القلهاتي، ورقة 90، 91.
([5]) القلهاتي، ورقة 94.
([6]) القلهاتي، ورقة 93، البرادي، الجواهر، ص-98.
([7]) القلهاتي، ورقة 95، أنظر أيضاً شماخي، سير، ص-44.
([8]) القلهاتي، ورقة 96، شماخي، سير، ص-45، البرادي، الجواهر، 102.
([9]) القلهاتي، ورقة 98، شماخي، سير، ص، هذه الأقوال محاولة من جانب الخوارج على أن علي بن أبي طالب قد أخطأ طبقاً لوجهة نظرهم، في قبول فكرة التحكيم.
([10]) القلهاتي، ورقة 98، البرادي، الجواهر، ص.
([11]) القلهاتي، ورقة 99، البرادي، الجواهر، ص.
([12] ) القلهاتي، ورقة 100.
([13]) القلهاتي، ورقة 100.
([14]) القلهاتي ورقة 100.
([15]) من المناظرة بين المحكمة وابن عباس أنظر: القلهاتي، ورقة 100-106، البرادي، الجواهر ص-122، الأزكوي، ورقة 206-210.
([16]) القلهاتي، ورقة 106.
([17]) المصدر نفسه، شماخي، سير، ص، البرادي، الجواهر، ص.
([18]) القلهاتي، ورقة 106، شماخي، سير، ص، البرادي، الجواهر، ص.
([ (1/90)
صفحة 91
19]) القلهاتي، ورقة 107، الدرجيني، ورقة 97.
مما مر يمكن أن نلخص آراء الإباضية في التطورات التي حدثت في صدر الإسلام وأدت إلى نشء حزب الخوارج بما يلي:-
1- يرى الإباضية أن عثمان بن عفان رضي الله عنه حاد عن الطريق القويم في الفترة الأخيرة من خلافته, ولذا وجبت البراءة منه وبالتالي أحل سفك دمه وقتله.
2- أن الذي اشتركوا في الثورة على عثمان كانوا على حق, ويعتبرها الإباضية من رواد حركتهم الأوائل, ويزعمون أن المهاجرين والأنصار في المدينة قد ساهموا في الثورة وحرضوا الثوار على قتل الخليفة والخلاص منه. وكان على رأس هؤلاء المحرضين علي بن أبي طالب.
3- يرى الإباضية أن الثوار انتخبوا علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين لقناعتهم بأنه أفضل الموجودين لتولي المنصب في تلك الظروف وخاصة أنه شايعهم في وجوب التخلص من عثمان. وانضموا تحت رابته والتزموا بطاعته وحاربوا معه أصحاب الجمل الذين اعتبروا, من وجهة نظرهم مخالفين كافرين ( كفر نعمة ليس شرك).
4- تجمع المصادر الإباضية على أن عائشة أم المؤمنين كانت شريكة لطلحة والزبير في الخلاف ولكنها ندمت على فعلها وتابت وقبل المسلمون توبتها.
5- أن المسلمين تولوا علي بن أبي طالب وساندوه حتى قبوله التحكيم مع معاوية بن أبى سفيان. وبعد ذلك رأوا أنه أخطأ فيما عمل وحكم الرجال في أمر من أمر الله, وخلع نفسه من منصبه الشرعي الذي بايعه عليه المسلمون, ولذا وجبت البراءة منه ومحاربته وخاصة بعد رفضه إعلان التوبة والانضمام للمحكمة الذين انتخبوا عبدلله بن وهب الراسبي إماما لهم. (1/91)
صفحة 92
6- أن المحكمة الأوائل قد خصموا عبدلله بن عباس, رسول علي إليهم, في مناظرتهم معه. وأن ابن عباس اعترف بذلك وصارح به عليا واعتزل معسكرة وفارقه . وهذا يفسر لنا اتخاذ ابن عباس قدوه ومثلا لهم, حتى أن معظم الأحاديث المروية في الكتب الإباضية إنما تأتي عن طريق ابن عباس. كما أن الإباضية يعتبرون جابر بن زيد الأزدي مؤسس مذهبهم الفقهي, تلميذا لعبدالله بن عباس. والواقع أن هذا الأمر ينسحب على الصفرية الذين يبجلون ابن عباس. واعتبوا رجالهم البارزين في الفتيا والحديث تلاميذ لابن عباس . ومن أبرز الأمثلة عكرمه مولى ابن عباس الذي أدى نشاطه إلى نشر المذهب الصفري في شمال أفريقية, وأثمرت جهوده بتأسيس دولة صفرية هناك هي دولة بني مدرار في سجلماسة.
7- يرى الإباضية أن علي بن أبي طالب قد ندم لمحاربته أهل النهروان واعترف أنهم ليسوا مشركين ولا منافقين بل كانوا من خيار المسلمين في الدين والرأي وبهذا يكون خصمهم شاهدا على صدق نواياهم وصلاح عقيدتهم.
8- يفهم من المصادر الإباضية أن الخروج الحقيقي للمحكمة قد بدأ بالمسير إلى النهروان ولي قبل ذلك. وأن المحكمة الأوائل لم يفارقوا عليا وهو في طريق العودة من صفين إلى الكوفة بل بعد أن تأكدوا من إصراره على إنفاذ الحكومة بعد رجوعه إلى الكوفة, ففارقوه ونزلوا حروراء حيث انتخبوا إماما لهم ثم تواعدوا على اللقاء في النهروان حيث بقيت الاتصالات والمفاوضات مستمرة بين الطرفين حتى انتهت بالفشل ويئس كل طرف من إقناع الفريق الآخر وأدت التطورات التي فصلناها سابقا إلى معركة النهروان. وهذا يتفق إلى حد كبير مع بعض الروايات الواردة في المصادر غير الإباضية التي تشير إلى أن العلاقة بين علي والمحكمة لم تنقطع آلا بعد وصل المحكمة النهروان وإصرارهم على أن يتوب علي ويخضع لسلطة إمامهم عبدلله بن وهب الراسبي([20]).
====================== (1/92)
صفحة 93
1-يمكن للباحث أن يجد ملخصاً لمعظم الآراء في هذا الفصل في رسالة عبدالله بن أباض إلى الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان. أنظر: البرادي، الجواهر، ص-167، الأزكوي، الباب السابع والعشرون، ورقة 200 وما بعدها.
الباب الثالث :ظهور الخوارج المعتدلين – القعدة
كانت معركة النهروان المعركة الأولى والأخيرة التي اجتمع فيها الخوارج تحت قيادة واحدة ضد عدو واحد, وبعد ذلك تفرق شملهم وقامت جماعات منهم بثورات متعددة ضد السلطة القامة في الكوفة والبصرة, ألا إن نشاطهم العسكري في الكوفة لم يستمر طويلا, ولم يأت عام 59هـ آلا واكن قد قضي عليهم وباء ت حركاتهم هناك بالفشل, وتعود أساب ذلك إلى أن الكوفة كانت تميل إلى التشيع لآل البيت ولم يجد الخوارج مساعدة تذكر من سكان الكوفة. يضاف إلى ذلك أن ثوراتهم كانت متفرقة وكان عدد أتباعها محددا, ولم يجتمعوا تحت قيادة واحدة, وافتقروا إلى التنظيم والتخطيط مما أدى إلى انهيارهم والقضاء عليهم على أيدي ولاة الكوفة.
وقد قام خوارج البصرة بين عامي 41 – 64هـ بعدة ثورات مشابهة ولم يحالف النجاح أيا منها لافتقارها للوحدة والتنظيم ولتطرف أتباعها مما أثار أهل البصرة ضدهم. وكان للسياسة الشديدة القاسية التي اتبعها الولاة ضدهم, وخاصة زياد بن أبيه وابنه عبيدالله , دور فعال وأساس في إحباط جهودهم وعدم إتاحة الفرصة لنجاح حركاتهم. (1/93)
صفحة 94
لقد اتخذ زياد بن أبيه ( 45 – 53هـ) أشد الإجراءات ضدهم, وكان يفرض على أهل الصرة أن يقتلعوا الخوارج من بين أظهرهم. وقد اتبع إجراءات حازمة لتحقيق أهدافه وذلك بتهديده للسكن الذين يقومون بإيواء الخوارج أو يتعاونون في محاربتهم, ويروى عن زياد أنه كان يخطب في أهل البصرة ويقول: »يا أهل الصرة والله لتكفني هؤلاء ( الخوارج) أو لأبدانكم. والله لئن أفت منهم رجل لا تأخذون من عطائكم درهما«. كما هدد القبائل العربية في البصرة بإجلائها وقطع عطائها أن لم تساهم في قال الخوارج وكان ينذر القبائل ويتوعده ويقول : »إن أي خارجة خرجت من قبيلة فلم تقاتلها حرمتها العطاء وأجليتها« ([1]). واتبع زياد أسلوبا قاسيا مرعبا تجاه الخوارج من النساء, فإذا ظفر بامرأة منهن كان يقتلها ويعريها ويصلبها وقد أدى هذا الأسلوب إلى وضع حد لخروج النساء, حتى صرن إذا دعين للاشتراك في ثورة أو تمرد ضد السلطة يجبن جميعا ( لولا التعرية لسارعنا) ([2]). وقد أشارت بعض المصادر إلى ما فعله زياد ببعض النساء الخارجيات مثل إزالة وأم سريع([3]).
بينما كان الخوارج المتطرفون يقومون بثوراتهم وحركاتهم ضد الأمويين وولاتهم ويتعرضون من جراء ذلك للقتل والتشريد ويواجهون السخط والاستنكار من قبل السكان, كانت هناك جماعة انشقت بعد النهروان واتخذت مدينة البصرة مقرا لها, وآثرت السلم وعدم اللجوء للسيف لفرض آرائها, وقد تزعم هذه الجماعة أبو بلال مرداس بن أدية التميمي, وكونت هذه الجماعة البذرة التي انتحت ما عرف في التاريخ الإسلامي بالفرقة الإباضية. (1/94)
صفحة 95
شهد أبو بلال زعيم هذه الجماعة, معركة صفي مع علي بن أبي طالب وأنكر التحكيم, واشترك في معركة النهروان مع المحكمة ضد علي بن أبى طالب, ويبدو أنه لم يكن مرتاحا لما حدث من خلاف وفتنة بين المسلمين وصعق لما حل بأقاربه وأقرانه من قتل وتشريد علي أيدي إخوانهم في الدين ورأى إن القتل بين العقيدة الإسلامية السمحة بهذه الطريقة الشرسة أمر لا يصح, فانسحب مع نفر من أصحابه وأقام مع أبناء عمه من قبيلة تميم الذين كانوا يشكلون جزءا هاما من سكان البصرة آنذاك([4]). وكان ينتمي إلى هذه القبيلة أبرز الشخصيات السياسية والفكرية والدينية في البصرة ويتزعمها الأحنف بن قيس السعدي التميمي(ت 87هـ - 686م) المشهور بحكمته وسداد رأيه([5]) وقد كان الأحنف من أنصار علي بن أبي طالب وحارب معه في النهروان ولكنه تخلى عنه بعد ذلك, ربما أسفا منه لما حل بأقاربه من بني تميم من موت وهلاك في معركة النهروان. وعلى الرغم من ذلك فان الأحنف لم يعط ولاءه لمعاوية بل على العكس من ذلك وقف ضد ابن الحضرمي الذي قام بحركته في البصرة موالاة لمعاوية, ومن المحتمل أن الأحنف كان متعاطفا مع الخوارج المعتدلين القعدة, أصحب أبي بلال مرداس بن أدية التميمي رغم موقفة العدائي من متطرفي الخوارج. ويذكر بعض المؤرخين الإباضيين([6]). أن الأحنف كان أحد أسلافهم, ولكن سلوك الأحنف فيما بعد ينفي هذه التبعية للخوارج . وربما كان الإباضيون مدفوعين في ثنائهم عليه ومدحهم له بما لاقاه أسلافهم, أتباع أبي بلال, من حماية عندما لجأوا إلى البصرة بعد وقعه النهروان . وفي ظل هذه الحماية التي لقيها أبو بلال مرداس واتباعه عند بني تميم وزعيمهم الأحنف بن قيس , أخذ مرداس ينشر آراءه وأفكاره مؤثرا طريق الإقناع والمناقشة على الحرب, وأنكر قتل المخالفين واستعراض الناس على طريقة متطرفي الخوارج. (1/95)
صفحة 96
ودعا أتباعه بأن لا يجردوا سلاحا ولا يقاتلوا أحدا آلا إذا تعرضوا للعدوان وأجبروا على القتال([7]).
وبلغ من حسن سيرته أن عددا من الفرق والجماعات الإسلامية فيما بعد – كالشيعة والمعتزلة – ادعت نسبته أليها واعتبرته واحدا من ابرز اتباعها([8]). وقد نشط مرداس في البصرة لنشر دعوته وأفكاره وكان يعقد المجالس والمناظرات لإقناع الناس بآرائه فانضم إليه عدد كبير من الناس جلهم من بني تميم. ثم أخذ عدد أنصاره يزداد ويتعاظم حتى أنهم ابتنوا لهم مسجدا خاصا في البصرة([9]). ويبدو إن دعوته قد لاقت آذانا صاغية واستجابة كبيرة جعلت عبيد الله بن زياد, والي العراق يقول : »لكلام هؤلاء ( مرداس واتباعه) أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع« ([10]). ويعود نجاح مرداس لأسباب منها حماية قبيلته, تميم , له ولمن تبعه. كما كان لسيرته الحسنة وصدق اجتهاده وحلاون منطقة أثر كبير في انضمام الناس إليه . أضف إلى ذلك أن سياسة زياد بن أبيه تجاه الخوارج المعتدلين أو القعدة, أتباع مرداس كانت لينة ومتسامحة فقد كان لا يجرد سيفه ضد أحد منهم آلا إذا هم بالخروج. ليس هذا فحسب بل انه كان يخطب ودهم ويداريهم حتى يتفرغ لقتال خوارج المتطرفين الذين كانوا يغيرون على القرى ويقتلون الناس ويسبونهم ويضايقونهم في عيشهم . وقد روي عن زياد أنه كان يعطي الخوارج العقدة في البصرة ويغدق عليهم الهبات ويدعو بعضهم للسمر في مجلسه. وكان يولي أناسا منهم بعض أعماله. وقد نجحت سياسته تجاههم فم يثوروا عليه ولم يحاولوا إيذاءه في بين الطرفين. فقد بلغ زيادا أن رجلا يدعى أبو الخير كان سيرى رأيهم ( مرداس واتباعه) فدعاه وولاه جند يسابور وأعمالها, ورزقه أربعه آلاف درهم في اشهر وجعل عمالته مئة ألف درهم في السنة. فكان أبو الخير بعد ذلك يقول: »ما رأيت شيئا خيرا من لزوم الطاعة والتقلب بين الجماعة«([11]). (1/96)
صفحة 97
وقد أنكر الخوارج المتطرفون قعود أقرانهم ( أتباع مرداس) عن الثورة فلقبوهم – احتقارا - بالقعدة , أي الذين قعدوا – طبقا لوجهة نظرهم - عن الجهاد في سبيل الله ومحاربة الولاة الظالمين. أما أهل السنة في البصرة فكانوا يسمونهم الحرورية, نسبة إلى حروراء, تجنبا لما يؤذيهم من ألقاب وعلامة رضا عن تصرفاتهم التي لا تؤذي الآخرين. وأحيانا كانوا يطلقون عليهم اسم المحكمة كما كان يسمي هؤلاء أنفسهم, وكانوا يسمون أنفسهم أيضا الشراة([12]). (1/97)
صفحة 98
لما ولي عبيد الله بن زياد العراق سنة 55هـ اتبع سياسة مغايرة لسياسة والده تجاه الخوارج المتطرفين والمعتدلين. ويذكر المبرد أن عبيد الله »كان لا يلبث الخوارج يحبسهم تارة ويقتلهم تارة, وأكثر ذلك يقتلهم, ولا يتغافل عن أحد منهم « ([13]). وقد رفض عبيد الله الشفاعة بشأن أي منهم فذا كلم في أحدهم في رفض الاستجابة مبررا ذلك بتصميمه على تحاضي الشر قبل وقوعه وكان يردد العبارة التالية: ( اقمع النفاق قبل أن ينجم), وتمشيا مع هذه السياسة فقد لجأ عبيد الله في مطاردتهم وحبسهم([14]). واضطر الخوارج المعتدلون (القعدة) إلى تبني التنظيم السري , وكانوا يعقدون اجتماعاتهم سرا للدعوة لمذهبهم والنظر فيما يعنيهم ويساعد على تحقيق أهدافهم ولكن عبيد الله لمي يغض الطرف عنهم وأخضعهم لمراقبة شديدة وكان يبث العيون والجواسيس لتعقبهم وكثيرا ما كانت الشرطة تداهم بعضهم وتلقي القبض عليهم في سراديبهم السرية والتي أقاموها لتكون مراكز لدعوتهم وتعليم مذهبهم([15]). وكانت هذه الإجراءات الشديدة تقض مضاجعهم وتلقي الرعب في قلوبهم, ولذلك فقد كانوا يأتون مجالسهم متشبهين بالنساء لدفع الريبة عنهم وهم في طريقهم إلى مكان اجتماعهم وكانوا أحيانا ينتحلون صفة التجار والباعة المتجولين حتى يصلوا مقصدهم([16]). ولم يكتف ابن زياد بمطاردتهم والتنكيل بهم بل لجأ إلى أسلوب آخر يرمي إلى زرع الفرقة والخلاف وزعزعة الثقة بينهم, أملا في القضاء عليهم من الداخل نتيجة الانقسام والنزاع, فقد كان يحبس الجماعة منهم ثم يأمرهم بقتل بعضهم بعضا, ومن قتل رجلا عفا عنه وأخرجه من السجن, (1/98)
صفحة 99
وقد حدث بالفعل أن قتل بعضهم زملاءهم في السجن فأطلق سراحهم. ولم يلبثوا أن ندموا على فعلهم وحاولوا التكفير عن خطيئتهم بدفع الدية لذوي القتلى ولكنهم رفضوا ثم عرضوا رقابهم للذبح وكن دون جدوى. وتبرأ منهم أصحابهم ولم يجدوا طريقة يكفرون بها عن فعلهم القبيح آلا بالثورة ضد ابن زياد متمثلين بالآية الكريمة ] ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم[([17]). فخرجوا بقيادة شخص يدعى راف بن علاق فقتلوا جميعا في عبد الفطر من عام 58هـ([18]).وبنفس الأسلوب حاول عبيد الله بن زياد أن يوقع الفتنة بين العرب والموالي من الخوارج المعتدلين وخاصة أن دعوة أبي بلال قد استهوت عددا من الموالي الذين كانوا يقطنون البصرة فتبعوه واعتنقوا مبادئه. وقد سجن إن زياد عددا من الخوارج المعتدلين وكانوا عربا وموالي , فأمر المالي بضرب أعناق العرب فأبوا وقالوا: »لا نقتل أهل ولايتنا وأهل نعمتنا) ([19]). ثم أمر العرب بضرب أعناق الموالي ففعلوا فأخلى أبن زياد سبيلهم وكان بينهم رجلان يدعى أحدهم قريب والأخر زحاف. (1/99)
صفحة 100
وتشير المصادر الإباضية([20]). إلى أنهما كانا أوين بينما تذكر المصادر السنية أنهما ابني خالة([21]). وقد ندم الرجلان على عملهما وتبرا منهما أصحابهم من القعدة واعتبروهما من المخالفين ولم يسمحوا لهما بحضور مجالسهم رغم انهما كانا من خيار القعدة الشائن وقد حاول قريب وزحاف استعطاف شيوخ القعدة في البصرة وأبديا استعدادهما لتقبل قرارهم فيهما سواء بدفع الدية أو مواجهة الموت تكفيرا عن عملهما. ولما يقبل شيوخ فخرجا من البصرة وتبعهما سبعون رجلا وأخذوا يستعرضون الناص وتبرا منهم أبو بلال شيخ القعدة علنا وكان يذكرهما ويقول: »قريب لا قربه الله من الخير, وزحاف لا عفا الله عنه ركباها عشواء مظلمة«([22]) يريد اعتراضهما الناس . وف رواية أخرى أنه كان يقول: »قريب لا قربه الله وأيم الله لان أقع من السماء احب إلي من إن اصنع ما مصنع يعني الاستعراض« ([23]).
وكان القعدة في البصرة ينكرون الاستعراض ويحرمون أموال المسلمين خلافا ما كان يفعله متطرفوا الخوارج. وقد قتل قريب وزحاف في اشتباك مع القوات الأموية([24]). وتشير المصادر الإباضية إلى أن حركة قريب وزحاف قد حثت في النصف الثاني من القرن الأول الهجري. ولما كانا قد ثارا في عهد ابن زياد وقبل ثورة أبي بلال مرداس, وكان الأخير قد ثار عام 61هـ كما سنرى فالراجح انهما ثارا قبل هذا التاريخ وربما كانت ثورتهم في عام60 هـ أي قبل سنة واحدة من حركة أبي بلال. أما رواية عمر بن شبة([25]). التي تذكر أنهما ثارا في عهد زياد بن أبيه وفي عام 50هـ فواضح عدم صحتها. (1/100)
صفحة 101
بعد حركة قريب وزحاف اشتد ابن زياد في ملاحقة القعدة في البصرة وحبس شيخهم أبا بلال ولكنه أطلق سراحه فيما بعد([26]). ولا تشير المصادر المتوافرة إلى سبب عفوه عن أبي بلال. وربما كان ابن زياد مدفوعا في ذلك بخوفه من إثارة تميم, قبيلة أبي بلال, التي كان لها آنذاك وزن كبير في البصرة من الناحيتين العددية والفكرية, ومن المحتمل أيضا أن ابن زياد كان يأمل في أن يستعمل أبو بلال مرداس نفوذه لدى أتباعه ليخففوا من نشاطهم ودعايتهم ضد الأمويين وولاتهم. وعلى أي حال فان هذا الموقف المتسامح تجاه أبي بلال لم يشمل أتباعه وبقي ابن زياد يلاحقهم ويشتد في طلبهم. (1/101)
صفحة 102
واتبع ضد النساء منهم أسلوب التعرية والصلب, وقد كان والده من قبل قد فعل مثل ذلك ولكنه اقتصر على من ثار منهن, ـ أما عبيد الله ف قد تتبع الجميع بما في ذلك المعتدلات من الخوارج. وتذكر بعض المصادر أنه أتى بالثجاء( البلجاء؟), وكانت على رأي أبي بلال ومن مجتهدات القعدة فقطع رجليها ويديها ورمى بها في السوق كما قتل من بقي في سجنه من أصحاب أبي بلال([27]). وكان لهذا الاضطهاد أثر الكبير في نفس مرداس فقرر أن يترك البصرة إلى مكان آخر , أملا في أن يأمن شر بن زياد وينشر آراءه ومذهبه بحرية أكثر وفي مناطق لم تصل إليها دعوته. فسار ومعه نحو أربعين رجلا من أتباعه حتى نزلوا آسك([28]). وقد أعلن مرداس بأنه وأصحابه لن سيخيفوا أحد أو يجردوا سيف ولا يقاتلوا آلا من بدأهم بالقتال. وأثناء خروجه استولى على مال لابن زياد فم يأخذ إلا عطاءه وعطاء أصحابه فخاطبه أحد اتباعه قائلا : ( فعلام ندع الباقي؟ فقال : انهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم) ([29]). وعلى الرغم من ذلك فان ابن زياد حشي نشاطه وانتشار دعوته فندب إليه أسلم بن زرعة في ألفي مقاتل وتقابل الطرفان في آسك ولكن لم يجر بينهما قتال, ورجع أسلم وجماعته مؤثرين السلامة والعافية. ورغم شجاعة الخوارج المعروفة في شتى معاركهم التي خاضوها آلا انه من الصعب أن يصدق المرء ما تذكره بعض الروايات من أن أسلم وجنده الآلفين قد هزمهم أربعون رجلا أو اقل عددا أو أنهم خافوا مواجهة هذا العدد الضئيل. ومن المحتمل أن أسلم قد اقتنع بعد النقاش الذي دار بينه وبين مرداس وأصحابه - بوجهة نظر مرداس ولكن دون أن يغير ولاءه لابن زياد والأمويين.
بعد عودة أسلم وجه ابن زياد لمرداس وأتبعه عباد بن علقمة المازني المعروف بعباد بن أخضر ( أخضر زوج أمه) على رأس قوة مكونة من أربعة آلاف رجل . وانتصر على مرداس وصحبه وأبادهم جمعيا وكان ذلك عام 61هـ([30]). (1/102)
صفحة 103
كان لمقتل مرداس على أيدي القوات الأموية صدى عميق في نفوس أتبعاه وأثار نقمة شديدة ضد ابن زياد كما انبرى شعراء الخوارج بمن ذي ذلك المتطرفون منهم يمدحونه ويعدون مآثره ويصفون عمله بالقدرة الحسنة التي على المرء أن يتمثل بها ليصل إلى رضا الله ورسوله . وأصبح مرداس بسلوكه وعملة واجتهاده ( واستشهاده) المثل الأعلى لاتباعه ولمن شايعهم فيما بعد. ولكن مرداسا لم يكن شخصا عاديا بين اتباعه ليتركوا دمه يذهب هدا بل كان إمامهم وزعيمهم لذلك صمموا على الأخ بثأره واستطاع نفر من أتبعاه اغتيال عباد بن علقمة المازني, قائد الجيش الذي أباد مرداس و أصحابه([31]). ومنذ ذلك الوقت أصبح الاغتيال السري وسيلة هامة لدى القعدة, والإباضية فيما بعد للتخلص من كل شخص يحاول إيذاءهم([32]). وكان ذلك سببا في ازدياد نقمة ابن زياد ذد القعدة في البصرة فزج قسما منهم في السجون وقتل عددا آخر من بينهم عروة بن أدية التميمي, أخي مرداس([33]). وعاض القعدة في البصرة فترة قلق وهلع شديدين, واضطروا للتستر والاختفاء خوفا من بطش الوالي, ولجأوا – كما ذكرنا – إلى طريقة الاغتيالات السرية للقضاء على أي شخص يتسبب في قتل أحد منهم أو يسيء إليهم([34]). (1/103)
صفحة 104
وعندما ثار ابن الزبير في الحجاز معلنا معارضته للحم الأموي ولمبدأ الوراثة في الخلافة الإسلامية, ترك بضع الخوارج المعتدلين (القعدة) البصرة وذهبوا إلى الحجاز حيث انضموا لان الزبير وأبدوا شجاعة وحماسة فائقة في مقاتلة الجيش الشامي أثناء حصاره لابن الزبير في مكة. وبعد موت يزيد بن معاوية ورحيل الجيش الشامي ظهر الخلاف بين الخوارج وابن الزبير فهجروه وعادوا إلى البصرة حيث تلقفهم ابن زياد وأودعهم السجين. وقد بقوا في السجن مع غيرهم ممن كان ابن زياد قد زج بهم في السجن حتى ضعف سلطان ابن زياد في البصرة – اثر التطورات التي حدثت في الدولة الأموية بعد وفاة يزيد بن معاوية - فخرج من كان في سجنه([35]). ولم تلبث البصرة إن أعلنت ولاءها لابن الزبير. ويبدو أن الخوارج القعدة في هذه الأثناء قد أخذوا يتناقشون فيما بينهم حول الخطوة التالية التي يجب أن يتبعوها والموقف الذي يرون اتخاذه إزاء ابن الزبير وإزاء الأحدث التي تمر بها الدولة الإسلامية آنذاك. وقد رأى جماعة منهم وعلى رأسهم نافع بن الأزرق أنه لا يجوز المقام بين أظهر المشركين ( مخالفيهم) ويبدو أن نقاشا حادا جرى بينه مبين من آثر القعود وانتهى إلى أن كفر نافع وأتبعاه القعدة واعتبروهم مشركين مخالفين كبقية المسلمين وبالتالي فان أصحابه أحلوا دماءهم وأموالهم([36]). وبهذا بدأ الانقسام النهائي بين الخوارج المتطرفين والمعتدلين أو القعدة الذي حث حوالي عام 64هـ هو الذي حدا ببعض المؤلفين إلى الاعتقاد بأن الخوارج قد انقسموا إلى أربع فرق وهي الأزارقة والنجدية والصفرية والإباضية. والحقيقة أن ما حدث فعلا هو انقسام نهائي بين المتطرفين من الخوارج وبين القعدة الذين آثروا العقود وحبذوا الدعوة لمذهبهم بالطرق السلمية, أما القعدة فلم ينقسموا إلى إباضية وصفرية آلا في وقت لا حق كما سنرى في الفصول القادمة من هذا البحث. (1/104)
صفحة 105
ويبدو أن زعيم القعدة من الخوارج بعد موت مرداس وأثناء الانقسام الآنف الذكر كان الشاعر المعروف عمران بن حطان, إذ إن المصادر الإباضية تذكر صراحة بأنه كان رئيس القعدة بعد وفاة مرداس([37]). وتشير بعض المصادر الأخرى([38]) إلى أن عمران كان رئيس للقعدة الصفرية([39]) ولكنها لا تذكر متى كان ذلك و وبينما تكتفي مصادر أخرى بالإشارة إلى أنه كان من دعاة الشراة والمعدمين في مذهبهم([40]). والواقع أن هذه الروايات كلها صحيحة رغم ما يبدو فيها من تناقض للقارئ في أول الأمر, فالإباضية والصفرية كانوا فرقة وأحده قبل انقسامهم, وكانوا يشكلون معا جماعة القعدة من الخوارج . ولما انقسموا في فترة لاحقة صار أتباع كل فرقة يبجلون رؤساءهم ومقدميهم قبل الفرقة والانقسام , وتولى أتباع الفرقتين عبدلله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي ومرداس بن أدية التميمي وعمران بن حطان . وتبعا لذلك فقد ادعت كل فرقة نسبة عمران إليها. وكان عمران آخر رئيس لهم قبل انقسامهم. ومما يدل على أن عمران كان رئيسا للفرقتين قبل الانقسام أن المصادر الإباضية تصفه بأنه كان رئيس القعدة في البصرة بعد مرداس وأنه كان من أئمة الإباضية([41]). ولو كان عمران رئيس للصفية فقط لما ادعت المصادر الإباضية مثل ذلك وخاصة أنها حريصة بأن لا تذكر أيا من مخالفيهم من الخوارج بالتبجيل والاحترام. ويعود السبب في وصف المصادر غير الإباضية لعمران بأنه كان رئيسا للقعدة من الصفرية إلى جهل هذا المصادر بتطور حركة الخوارج القعدة في تلك الفترة وإلى إن الصفرية بعد انفصالهم عن الإباضية اعتبروا عمران مؤسس مذهبهم الفقهي بينما اعتبر الإباضية جابر بن زيد مؤسسا لمذهبهم([42]). (1/105)
صفحة 106
وعلى أية حال فان الفترة التي أعقبت موت مرداس والتي تزعم عمران فيها جماعة القعدة اتسمت بالهدوء والسكينة. واتجه القعدة نحو الدراسة والتعمق في الدين وما يتصل به من علوم . وجدير بالذكر أن عمران نفسه كان محدثا وعالما وفقيها. وسار على منوال أبي بلال في نشر دعوته وإنكار الاستعراض وتحريم أموال بقية المسلمين ودمائهم.
ويبدو إن القعدة قد عاشوا فترة سلام وهدوء أثناء حكم ابن الزبير للبصرة, ولا تذكر المصادر الإباضية والسنية والشيعية أي احتكاك مسلح بين الطرفين. ومن المعتقد إن العلاقات بينهما كانت طيبة حتى أن مصعب بن الزبير كان يحترم زعماءهم ويمسي في جنازة من يموت منهم([43]). ولا تشير المصادر المتوافرة إلى أسباب وجود هذه العلاقة الحسنة بين الطرفين رغم اختلافهما في كثير من البادئ والأهداف. ومن المحتمل أن القعدة قد أدركوا عدم قدرتهم على القيام بأي نشاط علني يؤلب عليهم الولاة, وآثروا اللجوء إلى الهدوء والاكتفاء بالدعاية لمذهبهم سرا وبطريقة لا تسبب غضب عمال ابن الزبير , وخاصة أن القعدة كانوا يفضلون حكم ابن الزبير على الحكم الأموي, وعلى الرغم من معارضته لمبادئهم وخاصة ما يتعلق منها بنظرتهم لعثمان وعلي وبعض الصحابة الآخرين ومن بينهم أبيه الزبير بن العوام الذي تبرأ منه الخوارج المتطرفون والمعتدلون, ومن جهة أخرى فان الزبيريين أرادوا تجنب استثارة العقدة وخاصة أنهم كانوا يواجهون أعداء كثيرين مثل الأزارقة والشيعة والأمويين . وقد ضمن ولاة ابن الزبير بموقفهم المتسامح من القعدة عدم قيام القعدة بالمعارضة العلنية لكم ابن الزبير وبكلمة فقد كانت العلاقات السلمية بين القعدة والزبيريين لمصلحة الطرفين وقد أدرك كل منهما ذلك ولم يحاول استفزاز الطرف الآخر. (1/106)
صفحة 107
وبعد أفول شمس ابن الزبير وإعادة العراق لحظيرة الحكم الأموي ونشط القعدة من جديد وابدوا معارضتهم العلنية ( دون اللجوء إلى العنف والسلاح) للحكم الأموي. وقد تمثلت هذه المعارضة في الدعاية الجادة النشطة ضد حكمهم. وعندما تولى الحجاج العراق عام 75هـ اشتدت دعوتهم حتى أن الحجاج قد اشتكى لعبد الملك بن مروان من نشاط عمران بن حطان, زعيم القعدة آنذاك . واستأذنه بحرية التصرف تجاه عمران وأصحابه بحجة أن عمران قد أفسد عليه أهل العراق([44]). ولما كان عمران شاعرا موهوبا وخطيبا بليغا فقد وظف هذه المواهب في خدمة مذهبه, فلا عجب إذن أن يبدي الحجاج قلقه منه وخوفه من انتشار أفكاره وإفساد الناس عليه وتأليبهم ضد سياسته ومنهجه في الحكم. لذلك قام بحبس عمران ولكنه لم يلبث أن أطلقه, ربما بإيعاز من عبد الملك بن مروان في محاولة لكسب ود القعدة والتفرغ لمحاربة الخوارج المتطرفين كالأزارقة والنجدية([45]). (1/107)
صفحة 108
كانت هذه الخطوة من جانب الوالي الأموي منطلقا لتحول خطير في تاريخ حركة الخوارج القعدة. فقد أدى إطلاق سراح عمران من السجن وموقفه من الحجاج بعد ذلك إلى جدل عنيف ونقاض حاد بين جماعة القعدة, إذ تذكر المصادر الإباضية أن أصحاب عمران قد اجتمعوا إليه بعد خروجه من الحبس فقالوا: ( إنما أطلقك الله لما رأى لنا في رجوعك إلينا, فهلم إلى محاربة الحجاج فقال هيهات! غل يدا مطلقها, واسترق رقبه معتقها,و والله لا حاربته أبدا.....) ([46]). وقد أدى هذا الموقف إلى انقسام في الرأي عميق بين أصحاب عمران من القعدة واختلفوا حول الخطوة التالية الواجب اتخاذها إزاء التطورات التي حدثت نتيجة لسياسة الحجاج إزاءهم ولموقف عمران من الوالي. وانتهى الجدل والنقاش بينهم إلى انقسام القعدة إلى فرقتين الصفرية وكانت ترح الخروج والثورة ولكنها لا تكفر من قعد كما فعل الأزارقة ومن قبل, والإباضية وهي التي آثرت الاستمرار في القعود حتى تحين الفرصة المناسبة للانقضاض على الحكم القائم وتأسيس الإمامة طبقا لمبادئهم.
أما عمران نفسه فيبدو أنه استاء من النتيجة التي انتهى إليها الجدل بين جماعته وقرر ترك البصرة, وأخذ يتنقل بين أحياء العرب في العراق والشام وعمان منتحلا أسماء مختلفة ومنتسبا في كل مرة نسبا جديد يقربه من القوم الذين استضافوه. واستقر أخير ا في عمان حيث وجد أهلا يعظمون أبا بلال مرداس ودعوته فأظهر أمره بينهم وبقي هناك حتى مات([47].
--------------------------------------------------------------------------
(
[1]) الطبري، ج، ص.
([2]) المبرد، ج، ص.
([3]) الدرجيني، ورقة93.
([4]) الدرجيني، ورقة 93، البرادي، الجواهر، ص.
([5]) من الأحنف بن قيس أنظر أيضاً: Ch. Pellat, “al-Ahnaf b. Kais”, E. 1 (2).
([6]) الدرجيني، ورقة 97، شماخي، سير، ص.
([7]) الدرجيني، ورقة 93، طبري، ج، ص، المبرد، ج، ص.
([ (1/108)
صفحة 109
8]) الدرجيني، ورقة 92-93، المبرد، ج، ص-215.
([9]) بلاذري، أنساب، ج، ص.
([10]) الدرجيني، ورقة 93.
([11] ) المبرد، ج، ص-261.
([12]) الدرجيني، ورقة 92-93، شماخي، سير، ص6-67.
([13]) المبرد، ج، ص.
([14]) الدرجيني، ورقة 93، ج، ص، المبرد، ج، ص-249.
([15]) الدرجيني، ورقة 105.
([16]) المصدر نفسه.
([17]) سورة النمل، آية 111.
([18]) بلاذري، أنساب، ج، ق1، ص، ابن الأثير، ج، ص، الدرجيني، ورقة 99.
([19]) الدرجيني، ورقة 99.
([20]) المصدر نفسه، ورقة 99.
([21]) الطبري، ج، ص، المبرد، ج، ص، ابن الأثير، ج، ص.
([22]) المبرد، ج، ص.
([23]) الطبري، ج، ص، أنظر أيضاً: بلاذري، ج، ق1، ص.
([24]) الدرجيني، ورقة 99، الطبري، ج، ص-238، المبرد، ج، ص-246.
([25]) الطبري، ج، ص.
([26]) الدرجيني، ورقة 93، الطبري، ج، ص، المبرد، ج، ص، 249.
([27]) الدرجيني، ورقة 93، 94، أنظر أيضاً: المبرد، ج، ص-248، ابن الأثير، ج، ص-519.
([28]) بلاذري، أنساب، ج، ق1، ص، المبرد، ج، ص، وما بعدها، الدرجيني، ورقة 92، ابن الأثير، ج، ص-520
([29]) الدرجيني، ورقة 94، ابن الأثير، ج، ص، ياقوت، بلدان، ج، ص.
([30]) أنظر من ثورة مرداس: الدرجيني، ورقة 92، الطبري، ج، ص، 471، ابن الأثير، ج، ص-520، ج، ص-95، المبرد، ج، ص-255، ياقوت، بلدان، ج، ص، بلاذري، أنساب، ج، ق1،، ص.
يجدر بنا أن نشير إلى أن عدد أتباع مرداس الأربعين قد اتخذ فيما بعد من قبل الشراة رقماً واجباً لمن أحب الشراء والخروج ضد السلطة القائمة ولا يحق لأي منهم الخروج دون أن يبلغ أصحابه أربعين على الأقل.
([31]) الدرجيني، ورقة 93، الطبري، ج، ص، ابن الأثير، ج، ص، المبرد، ج، ص.
([32]) أنظر الفصل..
([33]) الدرجيني، ورقة 92، الطبري،ج، ص-313، المبرد، ج، ص-260.
([ (1/109)
صفحة 110
34]) الدرجيني، ورقة 92، 98، الدجيلي، فرقة الأزارقة، ص-44.
([35]) بلاذري، أنساب، ج، ص-117، ج، ص، الطبري، ج، ص، تختلف الروايات حول كيفية خروج المحبوسين من السجن ولكنها كلها تجمع على أنهم خرجوا بعد ضعف نفوذ عبيدالله بن زياد بعد موت يزيد بن معاوية، واضطراب الأحوال في الدولة الأموية بشكل عام، وفي البصرة بشكل خاص.
([36]) أنظر من آراء الأزارقة: الأشعري، مقالات، ص، وما بعدها، الشهرستاني، ملل، ج، ص-164، الدرجيني، ص-110.
([37]) الدرجيني، ورقة 97، شماخي، سير، ص.
([38]) البغدادي، ص.
([39]) الجاحظ، البيان، ج، ص، المبرد، ج، ص.
([40]) أبو الفرج، الأغاني، ج، ص-153.
([41]) الدرجيني، ورقة 97، شماخي، سير، ص.
([42]) Schacht, The Origins of Muhammadan Jurisprudenese, P. 260 .
([43]) شماخي، سير، ص1.
([44]) أبو الفرج، أغاني، ج، ص.
([45]) عن حبس عمران، أنظر: الدرجيني، ورقة 97، شماخي، سير، ص، المبرد، ج، ص-172.
([46]) الدرجيني، ورقة97.
([47]) الدرجيني، ورقة 97، شماخي، سير، ص، المبرد، ج، ص-172.
الباب الرابع :الفصل السادس عبدالله بن إباض وتطور الحركة الإباضية
على الرغم من اضطراب المعلومات الواردة في المصادر حول تسمية الإباضية وتاريخ نشأتها وكيفية ذلك، إلا أن معظم المصادر غير الإباضية تشير إلى أن هذه الفرقة سميت بهذا الاسم نسبة إلى عبدالله بن إباض الذي ينتمي إلى قبيلة تميم([1]). (1/110)
صفحة 111
أما الملطي فينسب الإباضية إلى شخص اسمه إباض بن عمر، ويذكر أن أتباعه قد خرجوا من سواد الكوفة فقتلوا وسبوا الذرية، ويضيف إلى أن بقاياهم كانت موجودة في تلك المنطقة حتى منتصف القرن الرابع الهجري([2])، إلا أن هذه المعلومات التي أوردها الملطي لا يمكن الركون إليها، لأنها تخالف جميع الروايات الواردة في المصادر الأخرى المعروفة لدينا، كما أن المؤلف يورد أخباراً وأعمالاً منسوبة إلى الإباضية لا تقرها أيضاً المصادر المتوافرة التي تتكلم عن نشأة الإباضية ومبادئها وسلوك أتباعها تجاه الآخرين، فقد عارض الإباضية منذ البداية استعراض الناس وسبي الذرية التي زعم الملطي أنهم قاموا بها، أما السمعاني([3]) فيرى أن الإباضية تنسب إلى شخص يدعى الحارث الإباضي ويسمي فرقته بالحارثية، وكذلك المقدسي فإنه ينسبهم إلى رجل يدعى الحارث بن إباض([4])، ويرد اسم الحارث هذا وفرقته عند بعض مؤلفي المقالات مثل الأشعري وابن حزم([5])، ولكننا لا نجد ذكراً لهذا الرجل ولا لفرقته في المصادر الإباضية مما يدل على خطل هذا القول، فلو صح أن الحارث الإباضي كان أحد رجال الإباضية البارزين وأئمتهم المشهورين لوجدنا له ترجمة في كتب طبقات الإباضية وسيرها، ولكننا لم نعثر على مجرد إشارة عابرة لهذه الشخصية في تلك المؤلفات، وقد أوضح الشيخ علي يحيى معمر المؤرخ الإباضي المعاصر، أن مثل هذه الشخصية لا وجود لها على الإطلاق في تاريخ الحركة الإباضية، كما أن الآراء المنسوبة إليه وإلى فرقته بعيدة كل البعد عن آراء الإباضية ومبادئها([6]). (1/111)
صفحة 112
ومهما تعددت الروايات وتناقضت فإن معظم المصادر بما فيها الإباضية تشير إلى أن اسم الفرقة الإباضية مشتق من اسم عبدالله بن إباض([7])، أما عبدالله بن إباض نفسه فلا نعرف عنه إلا معلومات يسيرة لا تكفي لتوضيح دوره في نشأة الحركة الإباضية وتطورها، ولا تذكر المصادر المتوافرة على اختلافها وتنوعها، شيئاً من حياة ابن إباض الأولى، ولا عن مكان ولادته وتاريخها كما أنها تغفل تماماً ذكر أية معلومات عن كيفية انضمامه للحركة، ولا يرد اسمه في المصادر قبل اشتراكه في محاربة الجيش الشامي بجانب ابن الزبير عام 36ه، ويرى كل من المفكر الإباضي المعاصر محمد بن يوسف أطفيش، والمستشرق الإيطالي روبيناتشي Rubinacci أن عبدالله بن إباض قد ارتحل إلى البصرة من نجد، ولكن العالمين لا يذكران متى حدثت هذه الرحلة وما هي أسبابها، وهل ارتحل إلى البصرة منفرداً أم مع مجموعة من قبيلته التي استوطنت البصرة بعد الفتح الإسلامي([8])، ويشير أطفيش إلى أن عبدالله بن إباض كان صحابياً لفترة قصيرة من الوقت([9])، وما دمنا لا نعرف بالضبط تاريخ ولادته ومكانها، كما نجهل تاريخ وفاته أيضاً فمن الصعب أن نقطع بصحة هذه المعلومات، ما لم تظهر لنا مادة جديدة تلقي ضوءاً على هذا الموضوع، ومن جهة أخرى فإن المصادر الإباضية([10]) تجعله من رجال الطبقة الثانية من التابعين، أي الذين ماتوا قبل عام 100ه، ويذكر بعض المؤرخين الإباضية أن ابن إباض قد »نشأ في زمن معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى زمن عبدالملك بن مروان«([11])، بينما يذكر ابن إباض نفسه في رسالته إلى عبدالملك بن مروان أنه أدرك معاوية وأنكر عليه أشياء كثيرة([12])، مما يدل على أنه لم يكن حدثاً إبان خلافة معاوية (41ه/661م-60ه/680م) وأنه كان في وضع فكري وثقافي مكنه من نقد سياسة معاوية، ومن هنا فإن كلمة النشؤ التي أشار إليها بعض المؤرخين إنما تعني النشؤ الفكري وليس الحياتي، ولكننا لا نملك دليلاً على (1/112)
صفحة 113
أن ابن إباض قد اشترك في الحرب الأهلية الإسلامية التي انتهت باعتلاء معاوية عرش الخلافة الإسلامية، وأول إشارة صريحة موثوقة عن اشتراك ابن إباض في الحياة العامة كانت اشتراكه في الدفاع عن الكعبة المشرفة إلى جانب ابن الزبير ضد الجيش الأموي بقيادة الحصين بن نمير السكوني الذي خلف القائد الأموي مسلم بن عقبة عام 63ه/682م، وكان قد ذهب إلى مكة مع بعض قادة المحكمة مثل نجدة بن عامر الحنفي ونافع ابن الأزرق وغيرهم مدفوعين برغبتهم وحماسهم في الدفاع عن البيت الحرام، على الرغم من اختلافهم في المبادئ، مع ابن الزبير([13])، وبذلك يقول البلاذري: »وكانوا (المحكمة) غضبوا للبيت فقاتلوا مع ابن الزبير وهم لا يرون نصره ولكنهم احتسبوا في جهاد أهل الشام«([14])، وعندما انسحب الجيش الشامي وعقب وفاة يزيد بن معاوية حاول ابن إباض ومن معه من المحكمة إقناع ابن الزبير بوجهة نظرهم، ووعدوه بالنصرة والمساعدة أن وافقهم وتبرأ من عثامن وعلي وطلحة ووالده الزبير بن العوام.
ومن المحتمل أن هؤلاء القادة من المحكمة قد آثروا أن يجدوا لهم زعيماً من قريش التي لا تزال –رغم احتجاج بعض القبائل في الأمصار على احتكارها للزعامة- تتمتمع بمكانة خاصة لدى بعض المسلمين، كما أن الناس قد تعودوا أن يروا خليفتهم من رجال هذه القبيلة التي كانت لها مكانتها الخاصة بين القبائل قبل الإسلام وتشرفت ببعثة الرسول الكريم منها، ومن المرجح أيضاً أن المحكمة أرادوا أن يخضعوا الزعامة القرشية لإرادة القبائل ومصالحها ولكن رفض ابن الزبير لآرائهم بدد أحلامهم ويجعلهم يفقدون الأمل وبالتالي يصرفون النظر كلياً عن الزعامة القرشية. (1/113)
صفحة 114
على أثر الخلاف بين ابن الزبير والمحكمة الذين اشتركوا معه في قتال الشاميين ترك المحكمة مكة المكرمة وعاد بعضهم، ومن بينهم عبدالله بن إباض، إلى البصرة في عام 64ه، بينما اتجهت طائفة أخرى منهم إلى اليمامة وبايعوا فيما بعد نجدة بن عامر الحنفي إماماً لهم، وسموا تبعاً لذلك بالنجدات، ونادوا بآراء متطرفة مخالفة لما كان معروفاً من اعتدل آراء القعدة في البصرة([15]). (1/114)
صفحة 115
بعد عودة المحكمة من الحجاز إلى البصرة دار بينهم نقاش حاد حول الخطوة التالية الواجب اتخاذها، وكانت المسألة الهامة التي جرى الجدل والنقاش حولها هو الموقف من التطورات التي مرت بها الدولة الإسلامية آنذاك، وهل الخروج واجب أم أن البقاء بين أظهر المسلمين والتعايش معهم هو المحبذ في تلك الفترة، وقد استقر رأي زعمائهم على الخروج ومن بينهم نافع بن الأزرق وعبدالله بن إباض وغيرهم، ولما جن الليل سمع عبدالله بن إباض »دوي القراء ورنين المؤذنين وحنين المسبحين، فقال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معهم؟ فقرر القعود ورجع وكتم أمره«([16])، وأياً كان الصحيح فمن الثابت أن ابن إباض لم يقتنع بالخروج، وأنه فارق ابن الأزرق وأتباعه، وبدأ فصل جديد في تطور حركة الخوارج تميز بالفرقة والنزاع وتكفير بعضهم بعضاً، وانقسموا كما ذكرنا في صفحات سابقة إلى قسمين أحدهما غال متطرف، والآخر مسالم معتدل، وقد مثل الجانب الأول نافع بن الأزرق بينما مثل الفريق الآخر من أثر القعود ومن أبرزهم عبدالله بن إباض، وقد أدى هذا الانقسام في الموقف السياسي إلى تباين فكري وعقائدي واضح، فقد نادى الذين آثروا الخروج بآراء متطرفة وتبنوا مواقف غالية جداً تجاه بقية المسلمين بمن فيهم أقرانهم من الخوارج القعدة، وقد أحل ابن الأزرق دماء المسلمين وأموالهم وأوجب الاستعراض ووصف بقية المسلمين بالمشركين، ونادى بعدم التعامل معهم، أو جواز مناكحتهم وموارثتهم، وحاول بعد خروجه إقناع من حبذ القعود باللحاق به وكتب إليهم كتاباً جاء فيه: »بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفار؟ ترون الظلم ليلاً ونهاراً، وقد ندبكم الله إلى الجهاد، فقال: ]وقاتلوا المشركين كافة[، ولم يجعل في التخلف عذراً في حال، فقال: ]انفروا خفافاً أو ثقالاً[، وإنما عذر الضعفاء (1/115)
صفحة 116
والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون، ثم فضل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال: ]لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدين في سبيل الله[ فلا تغتروا ولا تطمئنوا إلى الدنيا..« ([17])، ولما قرأ ابن إباض رسالته رد عليه بقوله: »قاتله الله، أي رأي رأى، صدق نافع!، لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً، وكانت سيرته كسيرة النبي في المشركين ولكنه قد كذب فيما يقوله، أن القوم براء من الشرك، ولكنهم كفار بالنعم والأحكام، ولا يحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك فهو حرام علينا«([18]).
ويبدوا أن القعدة قد اختاروا ابن إباض ليكون المجادل باسمهم ضد الأزارقة وغيرها من الفرق المتطرفة من الخوارج، ولكننا لا نسمع عن ابن إباض منذ رده على نافع بن الأزرق حتى وقت متأخر، وبالضبط في أيام خلافة عبدالملك بن مروان، وربما كان ذلك في بداية الربع الأخير من القرن الأول الهجري، أي بعد قدوم الحجاج إلى العراق والياً عليها، ويبدو أن القعدة في هذه الفترة بين عامي 64هو 75ه، وقد اختاروا عمران بن حطان الشاعر الموهوب، والخطيب البليغ والعالم بالدين ليقوم بدحض آراء مخالفيهم ومن هنا فقد وصفته المصادر الإباضية بأنه رئيس القعدة في البصرة([19]).
وعلى أي حال فإن بعض المصادر تدعي بأنه في هذه الفترة التي تزعم فيها ابن إباض حركة المعارضة ضد متطرفي الخوارج تكونت الفرقة الإباضية ونسبت تكوينها إلى ابن إباض نفسها، واعتبرته رئيس الفرقة ومؤسسها([20]). (1/116)
صفحة 117
أما المصادر الإباضية فتنسب إلى عبدالله بن إباض دوراً ثانوياً بالمقارنة مع جابر بن زيد الأزدي الذي تعتبره إمام الإباضية (جماعة المسلمين) ومؤسس فقههم ومذهبهم، وتذكر أن ابن إباض كان يصدر في كل أفعاله وأقواله عن جابر بن زيد([21])، ولكنها في الوقت نفسه تذكر أنه كان إمام أهل التحقيق، ورئيس من بالبصرة وغيرها من الأمصار([22])، وتضيف هذه المصادر وتقول أنه الشخص الذي ناظر الخوارج (المتطرفين) والقدرية والمعتزلة والمرجئة والشيعة([23])، ورغم أن بعض هذه الجماعات لم تكن قد اكتمل تكوينها بعد، وأن المصادر لم تذكر طبيعة النقاش والجدل بين ابن إباض وبين هذه الفرقة إلا أن في القول دلالة على أن ابن إباض كان المناظر حقاً، والمدافع قولاً عن آراء القعدة من الخوارج، ولكن الصعب في الأمر هو التوفيق بين كون ابن إباض إمام أهل التحقيق، ورئيس القعدة ورئيس من بالبصرة وغيرها من الأقطار من جهة، وبين كونه لا يصدر في أفعاله إلا بأوامر جابر بن زيد الذي تعتبرها المصادر الإباضية المؤسس الحقيقي لدعوتهم. (1/117)
صفحة 118
ومن المحتمل أن جابراً كان الإمام الروحي وفقيه الإباضية ومفتيهم وكان بالفعل هو الشخص الذي بلور الفكر الإباضي، بحيث أصبح متميزاً عن غيره من المذاهب الإسلامية، وكان ابن إباض المسؤول عن الدعوة والدعاة في شتى الأقطار، ولذلك سمته المصادر رئيس القعدة في البصرة وغيرها من الأمصار، وتاريخ الدعوة الإباضية يشير إلى اشتراك بعض الأشخاص البارزين والمجتهدين في المسؤولية إلى جانب الإمام الأكبر لهم، وقد حدث مثل ذلك زمن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي أناط المهام المالية والعسكرية والإشراف على سير الدعوة خارج البصرة إلى أبي مودود حاجب الطائي، ولما كان أبو عبيدة آنذاك معروفاً لدى الناس بأنه شيخ الإباضية وزعيمها في البصرة فإن المصادر لم تخلط بينه وبين حاجب الطائي، كما فعلت مع جابر وابن إباض، وذلك لأن جابراً كان قد أخفى معتقده، واستعمل التقية الدينية فلم يخطر على بال أحد أنه زعيم القعدة ومؤسس مذهبها، وخاصة أنه لم يكن معروفاً لدى البصريين إلا بكونه أحد التابعين المحدثين الثقات، وأهم فقيه في البصرة بعد الحسن البصري، ولذا فإن المصادر السنية أسهبت في الحديث عنه اعتقاداً منها أنه لا ينتمي إلى أي فرقة من الفرق الإسلامية التي ظهرت للوجود في القرن الأول الهجري، والواقع أن جابراً كان ذا علاقة وثيقة بحركة الخوارج القعدة منذ وقت مبكر، وأصبح أحد مفكريها البارزين منذ بداية النصف الثاني للقرن الأول الهجري، وقبل مقتل أبي بلال مرداس عام 61ه، وقد اكتسب ثقة أقرانه لعلمه ودينه، فكانوا لا يصدرون في شيء إلا بعد مشورته، ولكن ذلك قد خفي على مخالفيهم ولم يعرفوا له هذا الدور، ولذا نسبوا الفرقة إلى ابن إباض، وهو الشخص الذي قدموه ليناظر أعداءهم ويتكلم باسمهم علناً، وكان بذلك هو المعروف لدى عامة الناس فغلب اسمه على من اتفق معه في الرأي، كما أن مراسلاته مع الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان قد أقنعت كثيراً من (1/118)
صفحة 119
معاصريه بأنه هو إمام الإباضية ومؤسسها، ومن حق القارئ أن يسأل لماذا لم يقم الإمام الحقيقي جابر بن زيد، بالمراسلة مع الخليفة بدلاً من ابن إباض؟ والجواب يكمن في مؤسسها ومنظم دعوتها مستوراً حتى لا يبطش به الأعداء والولاة، وبذلك يقول الرقيشي: »..فقد بلغنا أن أبا بلال مرداس بن حدير وغيره من أئمة المسلمين لم يكونوا يخرجون إلا بأمر إمامهم في دينهم جابر بن زيد العماني رحمه الله ومشورته، ويحبون ستره عن الحرب، لئلا تموت دعوتهم وليكون ردءاً لهما([24])، ويقول قاسم بن سعيد الشماخي: »كان (ابن إباض) المجاهد علناً، المناضل علناً، في سبيل تحقيق الحقائق، وتصحيح قضايا العقول، فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من الزور والافتراء في شريعة ربنا، وكان شديداً في الله تعالى، وله مناظرات مع أهل التنطس والتفلسف، كان الحجة الدامعة التي يخنس أمامها كل ثرثار، وله كلام مع عبدالملك بن مروان يهضم نفس كل حائر جبار، تغلب على المسلمين أصحابه، الذين يقولون بقوله الإباضية، وتسمى المذهب باسمه على هذا المعنى، وإنما كان الإمام القائد، والوسيلة الراشد، أس المذهب وحاميه، مرجع الفضل في تدوينه وتشييد مبانيه، إنما كان جابر بن زيد رضي الله عنه«([25])، أما المؤرخ الإباضي المعاصر محمد علي دبوز فيرى أن الأمويين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم، نسبة إلى عبدالله بن إباض لأن الأخير كان من علمائهم وشجعانهم والمناظر باسمهم، كما أن الأمويين لا يريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر حتى »لا يجذبوا إليهم الأنظار، ولا يبدون في هالة جابر المشرقة، فتميل إليهم النفوس، فنسبوهم إلى عبدالله بن إباض، وهو أقل منزلة من جابر في العلم، وإن كان لا يقل عنه في التقوى والورع والصلاح«([26])، والدليل على صحة هذه الأقوال التي يوردها مؤرخوا الإباضية أن أتباع الفرقة لم يطلقوا على أنفسهم هذا الاسم في تلك المرحلة، وكانوا يصفون أنفسهم باسم »المسلمين أو جماعة (1/119)
صفحة 120
المسلمين أو أهل الدعوة«، وأحياناً كانوا يقبلون لفظ الخوارج ولكنهم كانوا يميزون أنفسهم عن المتطرفين منهم بإطلاق لقب خوارج الجور على المتطرفين، وإذا تفحص الباحث المصادر الإباضية الأولى فإنه لا يجد فيها هذا الاسم، أي الإباضية، بل غالباً ما يجد لفظ جماعة المسلمين، أو أهل الدعوة للتدليل على أتباع الفرقة، وإذا رجعنا إلى هذه المؤلفات التي كتبها أئمة الإباضية مثل مدونة أبي غانم الخراساني، وكتاب الزكاة لأبي عبيدة والآثار الأخرى الباقية المنسوبة إلى جابر بن زيد فإنا لا نعثر فيها على كلمة إباضية، ولكن يبدو أنهم مع مرور الزمن وإصرار مخالفيهم على تسميتهم بهذا الاسم قد قبلوا به وخاصة أنهم لم يجدوا فيه ما يؤذيهم أو يسيء إلى سمعتهم، وقد ظهر لأول مرة في المؤلفات الإباضية المغربية في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري. (1/120)
صفحة 121
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن هو: لماذا قدم الإباضية ابن إباض فيجادل باسمهم علناً ويناظر مناوئيهم ويكشف عن بعض مبادئهنم في الوقت الذي كانت فيه الحركة تمر فيما عرف بطور الكتمان، أو السرية التامة، يبدو أن الإباضية في تلك المرحلة رأوا أنه لابد لهم من الإفصاح عن آرائهم ومعتقداتهم وخاصة ما يتعلق منها بوجهة نظرهم نحو متطرفي الخوارج ونحو بقية المسلمين، حتى لا يتعرضوا للسخط من بقية المسلمين الذين اعتبروا الخوارج المتطرفين، مثل الأزارقة، مارقين تجب محاربتهم والقضاء عليهم، ولذا كان لابد للقعدة الإباضية ممن يفصح عن رأيهم حتى لا توجه إليهم تلك الاتهامات التي وسم بها متطرفو الخوارج، وكان ابن إباض هو المؤهل للقيام بهذه المهمة الدعائية، لأنه بالإضافة إلى قدرته على المناظرة والمجادلة، ينتمي إلى قبيلة تميم، إحدى أهم قبائل البصرة آنذاك ومن الصعب على الولاة أن يتعرضوا له بأذى خوفاً من إغضاب قبيلته، ومن هنا فإنه وصف عثمان بن عفان وخلفاء بني أمية بالظلم والفساد ومخالفة المبادئ الإسلامية في مراسلاته مع عبدالملك بن مروان، ولم يخاطب عبدالملك نفسه بلقب أمير المؤمنين أو خليفة المسلمين، بل خاطبه باسمه مجرداً من أي لقب، ورغم ذلك فإن عبدالملك لم يتخذ ضده أية إجراءات، وهذا دليل على أن ابن إباض الذي ينتمي إلى قبيلة تميم كان آنذاك يتمتع بحماية قبيلته مما جعل اضطهاده أمراً صعباً، وخاصة أنه لم يحمل السيف ولم يجرد السلام ضد الحكام الأمويين، وعلى أي حال فإن الرسالة التي بعث بها إلى عبدالملك تعد وثيقة هامة للكشف عن الخطوط العريضة للآراء والمبادئ الإباضية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الحركة كما أنها تلقي ضوءاً على نظرة لمحكمة للتطورات التي حدثت في صدر الإسلام ابتداء من موت رسول الله r وحتى فترة حكم عبدالملك بن مروان، ونظراً لأهميتها فقد ألحقناها في نهاية الكتاب. (1/121)
صفحة 122
ويبدو أن عبدالله بن إباض قد اكتسب –نتيجة لهذه المناظرات- سمعة واسعة حتى أن فرقاً غير إباضية ادعت نسبته إليها مثل الفرقة العمرية([27])، كما أن الحارثية أتباع حارث بن مزيد الإباضي قد ادعوا نسبته إليهم، وزعموا »أنه لم يكن لهم إمام بعد المحكمة الأولى إلا عبدالله بن إباض وبعده حارث بن مزيد الإباضي«([28]). (1/122)
صفحة 123
أما عن نشاط ابن إباض بعد مراسلاته مع عبدالملك بن مروان فلا تذكر المصادر معلومات موثوقة يمكن الاطمئنان إليها، ويزعم كل من الشهرستاني والقزويني أن عبدالله بن إباض قد اشترك في ثورة طالب الحق التي بدأت في حضرموت واليمن في عام 129ه، ضد مروان بن محمد، آخر الخلفاء الأمويين([29])، إلا أن هذه المعلومات لا تؤكدها المصادر الأخرى الأقدم زمناً، كما أن المصادر الإباضية لا تذكر ذلك مطلقاً، ولو اشترك ابن إباض في هذه الثورة لورد اسمه بين الأشخاص البارزين في الثورة، ولأكدت المصادر الإباضية دوره، أضف إلى ذلك أن المصادر غير الإباضية التي تسهب في الحديث عن ثورة طالب الحق مثل أنساب البلاذري وتاريخ خليفة ابن خياط وتاريخ الطبري وأغاني الأصفهاني لا تشير إلى اشتراك ابن إباض في تلك الثورة، وقد مر معنا أن بعض المؤرخين الإباضيين يذكرون أنه قد عاش حتى زمن عبدالملك بن مروان رغم أنها لا تذكر متى توفي([30])، وإذا صحت هذه المعلومات وأن ابن إباض قد توفي خلال فترة حكم عبدالملك فإن ذلك يعتبر نفياً قاطعاً لاشتراكه في تلك الثورة، زد على ذلك أن كتب الطبقات الإباضية تجعله من رجال الطبقة الثانية، أي الذين عاشوا خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري وماتوا قبل عام 100ه، ولما كانت ثورة طالب الحق قد بدأت عام 129ه فمن غير الممكن إذن أن يكون ابن إباض قد اشترك فيها أو حتى عاصرها، بالإضافة إلى ما ذكرنا فإن كلاً من القلهاتي والأزكوي يورد قائمة لرجال الإباضية الأوائل ويذكر فيها أن عبدالله بن إباض، كان من تلاميذ عبدالله بن وهب الراسبي وجابر بن زيد الأزدي، وكان أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي تلميذاً لعبدالله بن إباض بينما كان عبدالله بن ييى طالب الحق وقائده المختار بن عوف الأزدي (أبو حمزة الشاري) تلاميذ أبي عبيدة، وليس هناك أية إشارة لاشتراك عبدالله بن إباض وعبدالله بن يحيى طالب الحق في نشاط واحد في زمن واحد([31])، (1/123)
صفحة 124
أضف إلى ذلك فإن أياً من المصادر الإباضية لا يذكر إطلاقاً إي نشاط أو حتى إشارة عابرة لابن إباض إبان زعامة أبي عبيدة الذي خلف جابر بن زيد في إمامة الإباضية في البصرة نحو عام 95ه، كما سنرى، وفي عهده جرت ثورة طالب الحق في حضرموت واليمن، ولعل السبب في إشارة الشهرستاني والقزويني إلى اشتراك عبدالله بن إباض في ثورة طالب الحق هو تشابه الاسمين الأولين لكلا الرجلين، فحدث الالتباس تبعاً لذلك.
أما الرواية التي يوردها ابن حوقل والتي تشير إلى أن ابن إباض وعبدالله بن وهب الراسبي قد ارتحلا إلى جبل نفوسة وماتا هناك، فواضح عدم صحتها([32])، إذ أن من المؤكد والمعروف أن عبدالله بن وهب الراسبي قد لاقى حتفه في معركة النهروان عام 37ه.
مما مر يتبين لنا ندرة المعلومات واضطرابها حول هذه الشخصية التي نسبت إليها الفرقة الإباضية التي أسست دولاً كان لها دور هام ومجيد في التاريخ الإسلامي، والتي لا يزال أتباعها موجودين إلى وقتنا الحاضر في سلطنة عُمان وبعض أنحاء البلاد المغرب العربي.
على الرغم من ذلك فإن الباحث يستطيع بعد استقصاء المصادر الإباضية وغيرها، أن يلخص المعلومات الموثوقة حول هذه الشصية بالنقاط التالية:
1- أن عبدالله بن إباض ينتمي إلى قبيلة تميم التي كانت في صدر الإسلام من أهم قبائل البصرة وأكثرها عدداً.
2- أن ابن إباض قد تتلمذ على بعض زعماء المحكمة مثل عبدالله بن وهب الراسبي أول إمام للمحكمة وقائدهم في النهروان.
3- أن المصادر لا تشير على الإطلاق إلى أنه اشترك في حروب المحكمة ضد علي بن أبي طالب.
4- إن أول مشاركة صريحة واضحة حول ظهور ابن إباض على المسرح السياسي كان اشتراكه مع بعض المحكمة في الدفاع عن الكعبة مع ابن الزبير ضد الجيش الشامي زمن يزيد بن معاوية. (1/124)
صفحة 125
5- أن القعدة من الخوارج بعد رجوعهم إلى البصرة من الحجاز قد اختاروا ابن إباض ليكون المتكلم باسمهم والمجادل علناً ض مناوئيهم وبخاصة ضد متطرفي الخوارج، وعلى رأسهم نافع بن الأزرق وأتباعه.
6- ظهر ابن إباض على المسرح السياسي مرة أخرى بعد انقسام القعدة إلى ما سمي بالصفرية والإباضية في أوائل الربع الأخير من القرن الأول الهجري واختارته الفرقة الثانية التي كان أتباعها يسمون أنفسهم آنذاك أهل الدعوة أو جماعة المسلمين، ليكون المناظر باسمهم ضد مناوئيهم من الخوارج وغيرهم من الفرق، كما فعل مثل ذلك مع السلطة الأموية الحاكمة ممثلة بالخليفة عبدالملك بن مروان حيث احتفظت لنا المصادر برسائله، أو ما تسميه المصادر الإباضية نصائحه إلى عبدالملك بن مروان.
7- بعد ذلك اختفى ابن إباض فجأة ولا تذكر المصادر المتوافرة معلومات موثوقة عن مكان وفاته.
8- إن المصادر الإباضية تجمع على أن ابن إباض لم يكن إمامهم الحقيقي ومؤسس دعوتهم وإن كان من علمائهم ورجالهم البارزين في التقوى والصلاح.
ولهذا السبب فإنها أغفلت الحديث عن كثير من جوانب حياة ابن إباض ونشاطه، ويعتبر الإباضية القدامى منهم والمحدثون جابر بن زيد إمامهم الأكبر ومؤسس دعوتهم، ولم يكن ابن إباض إلا واحداً من أتباع فرقته ولم يصدر في شيء من أفعاله وأقواله إلا بأمر ذلك الإمام وإرشاده، ومن هنا فإن الإباضية لم يسموا أنفسهم بهذا الاسم ولم يرد في مصادرهم إلا في وقت متأخر كما أسلفنا القول في الصفحات السابقة.
بعد اختفاء ابن إباض أقلع الإباضية عن المناقشة العلنية والجدل الكلامي مع مناوئيهم ومخالفيهم، ولجأوا إلى السرية المطلقة في تنظيم دعوتهم، وكان لجابر دور تنظيمي كبير في هذه المرحلة التي تعرفي في التاريخ الإباضي بطور الكتمان.
--------------------------------------------------------------------------------
([ (1/125)
صفحة 126
1]) ابن قتيبة، المعارف، القاهرة، 1960، ص، المبرد، ج، ص، البغدادي، الفرق بين الفرق، بيروت، 1073م، ص، الرازي، أبو حاتم أحمد بن حمدان، الزينة في الكلمات الإسلامية، تحقيق عبدالله السامرائي، 1972م، ص، الحنفي، أبو محمد عثمان بن عبدالله، الفرق المعتزلة بين أهل الزيغ والزندقة، أنقرة، 1961م، ص، أنظر أيضاً ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، القاهرة، 1962م، ص، ابن عبدربه، العقد، ج، ص-347، أبو المظفر الأسفرايني، التبصير، 1955م، ص، مؤلف مجهول، كتاب الأديان، مخطوط، ورقة 98.
([2]) الملطي، التنبيه، بيروت، 1968م، ص، القاهرة، 1949م، ص.
([3]) السمعاني، أنساب، حيدر أباد، 1962م، ص.
([4]) المقدسي، البدء والتاريخ، باريس، 1916م، ص.
([5]) الأشعري، ص، ابن حزم، ج، ص-189.
([6]) علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص-23، ص.
([7]) أنظر ملاحظة رقم 1 وأيضاً الدرجيني، ورقة 93، شماخي، سير، ص، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 19، الأزكوي، ورقة 244، القلهاتي، ورقة 197.
([8]) محمد بن يوسف أطفيش، رسالة شافية في بعض التواريخ، الجزائر، طبعة حجرية، 1299ه، ص، Rubinacci, “The Ibadis”, Loc. Cit
([9]) محمد بن يوسف أطفيش، رسالة شافية، ص.
([10]) الدرجيني، ورقة 92، شماخي، سير، ص، الأزكوي، ورقة 244.
([11]) الأزكوي، ورقة 244، الحارثي، العقود الفضية، ص(عن الرقيشي).
[12])) أنظر نص الرسالة في البرادي، الجواهر، ص-167، الأزكوي، ورقة 200-207، الحارثي ص، وما بعدها، (من كتاب السير العمانية القديمة).
[13])) الطبري، ج، ص، 566.
[14])) البلاذري، أنساب، ج، ق2، ص.
([15]) الطبري، ج، ص.
([16]) البرادي، الجواهر، ص، الحارثي، العقود الفضية، ص.
([17]) المبرد، ج، ص، الطبري، ج، ص، الدجيلي، صوما بعدها.
([18]) المبرد، ج، ص، الطبري، ج، ص، الحارثي، العقود الفضية، ص.
([19]) أنظر فوق، ص.
([ (1/126)
صفحة 127
20]) ابن حزم، جمهرة، ص، الذهبي، لسان الميزان، ج، ص، البغدادي، ص.
([21]) شماخي، سير، ص، محمد بن يوسف أطفيش، رسالة شفاهية، ص، (عن ابن وصاف).
([22]) الدرجيني، ورقة 92، شماخي، ص، البرادي، الجواهر، ص، (يصفه بأنه رأس العقدة وإمام القوم).
([23]) الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 38، الأزكي، ورقة 199، الدرجيني، ورقة 92، الحارثي، ص.
([24]) الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 20.
([25]) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ج، ص-151، (عن الشماخي).
([26]) محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج، ص-399.
([27]) محمد بن يوسف أطفيش، رسالة شفاهية، ص.
([28]) البغدادي، الفرق، بيروت، 1973م، ص، يذكر البغدادي بهذه المناسبة أن الفرقة الحارثية قد وافقت المعتزلة في القدر وقد تبرأ منهم سائر الإباضية.
([29]) الشهرستاني، ملل، ج، ص-213، قزويني، آثار البلاد، ج، ص.
([30]) أنظر فوق، ص.
([31]) أطفيش، ورقة 178، الأزكوي، ورقة 244.
([32]) ابن حوقل، ص، لقد أخطأ المستشرق البولندي ليفتسكي في فهم النص الذي أورده ابن حوقل خلال الحديث عن جبل المذيخرة في اليمن تبعاً لذلك فقد زعم أن عبدالله بن إباض قد توفي هناك، أنظر: T. Lewichki, “Ibadiyya”, E.I (2)
الباب الخامس جابر بن زيد الأزدي
مر معنا أن المؤرخين الإباضيين القدامى منهم والمحدثين يؤكدون على أن جابر بن زيد هو المؤسس الحقيقي لدعوتهم والمنظم الأول لحركتهم، وسوف نحاول في هذا الفصل التعرف على هذه الشخصية، ودورها في بلورة الفكر الإباضي وفي تنظيم الدعوة في مرحلة الكتمان.
هو أبو الشعثاء([1]) جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري من قبيلة اليحمد الأزدية في عمان، وقد عرف بالجوفي نسبة إلى درب الجوف في البصرة، حيث استقر مع أسرته فيما بعد([2]). (1/127)
صفحة 128
ولد جابر في مدينة الفرق بالقرب من مدينة نزوى في عمان([3])، وتسمى المنطقة التي تقع فيها الفرق باسم جوف الحميلة([4])، ولعل هذا الاسم هو الذي اشتق منه اسم درب الجوف في البصرة، حيث استقر الأزد بعد نزوحهم إلى المدينة فسموا المكان باسم المنطقة التي جاءوا منها.
أما السنة التي ولد فيها جابر فلا تعرف على وجه التحديد، وتعطي المصادر تواريخ مختلفة إلا أنها كلها محصورة بين عامي 18 و22ه([5])، ولا تذكر المصادر المتوفرة أيضاً تاريخاً لقدومه إلى البصرة، ويبدو أنه جاء في وقت مبكر من حياته طلباً للعلم حيث كانت البصرة آنذاك أهم مركز فكري في العالم الإسلامي، واستقر بين أقاربه من الأزد الذي سكنوا أحد أحياء البصرة([6]). (1/128)
صفحة 129
وفي البصرة أخذ جابر يتزود بالعلم والمعرفة، وخاصة ما يتعلق منها بعلوم القرآن والحديث، وما يتصل بهما، وقد تتلمذ جابر على أيدي كثير من الصحابة والتابعين، وأخذ عنهم الحديث والتفسير وعلوم اللغة والأدب، ويروى عن جابر أنه كان يقول: »أدركت سبعين بدرياً فحويت ما عندهم إلا البحر«([7])، أي عبدالله بن عباس على أن الأخير لم يكن من أهل بدر، وفي القول دلالة على أن جابراً قد أخذ عن مجموعة من الصحابة الذين رافقوا رسول الله r ونقلوا عنه علمه وسنته الشريفة، ومن أهم العلماء الذين أخذ عنهم جابر: عبدالله بن عباس وعبدالهل بن عمر وعبدالله بن مسعود وأنس بن مالك وغيرهم، إلا أنه كان أكثر ملازمة لعبدالله بن عباس من غيره، وكان من أنجب تلاميذه، وكان عبدالله بن عباس يقول عنه: »لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علماً عما في كتاب الله«([8])، وفي رواية أخرى أنه كان يحيل رسائليه إلى تلميذه جابر ويقول: »اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه«([9])، وعندما كان يسأله أناس من أهل البصرة كان يبادره بقوله: »كيف تسألوني وفيكم جابر بن زيد (أو أبو الشعثاء)« ([10])، وقد وصفه عبدالله بن عمر بن الخطاب بأنه من فقهاء أهل البصرة البارزين([11])، بينما قال عنه قتادة بن دعامة السدوسي أنه »عالم العرب وأعلم أهل الأرض«([12]).
ولم يكتف جابر بن زيد بعلم من التقى بهم في البصرة بل كان يرتحل إلى أماكن أخرى طلباً لمزيد من العلم، ولا يترك فرصة يتزود فيها بالعم إلا واغتنمها، وكان يتردد على الحجاز ويلتقي بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ويأخذ عنها العلم، ويسألها عن سنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ويناقشها في كثي رمن المسائل ومما يتعلق بحياة الرسول الخاصة آملاً منه في أن يجعل من تلك السيرة قدوة لأصحابه ولمن طلب فتواه مدللاً على رأيه بأمثلة من سيرة النبي العظيم محمد r([13]). (1/129)
صفحة 130
مما مر يتبين لنا بوضوح أن جابر بن زيد قد اكتسب علماً واسعاً بعد إقامته في البصرة، وأنه أصبح من أبرز التابعين الأوائل في علم الحديث والتفسير والعلوم الدينية بشكل عام، وقد أهلته معرفته العميقة لأن يصبح أبرز مفت في البصرة بعد الحسن البصري، وعندما كان الأخير يخرج للجهاد في الثغور أو يغيب عن البصرة كان يكل مهمة الفتوى إلى جابر بن زيد، الذي كان صديقاً له، ومما يدل على طول باعه في ميدان الفتوى والاجتهاد أن عمرو بن دينار، وهو أحد العلماء اللامعين في البصرة آنذاك وأحد التابعين من رواة الحديث كان يذكر جابر بن زيد ويقول: »ما رأيت أحد أعلم بالفتيا من جابر بن زيد«[14])، أما إياس بن معاوية قاضي البصرة في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز فقكان يقول: »أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان«([15])، أما الحسن البصري فيثني على جابر وعلمه الغزير ويصفه »بالفقيه العالم«([16]).
ولم يكتف جابر بالرواية الشفوية عن أساتذته ومعاصريه، بل كان يسجل الأحاديث التي سمعها من شيوخه، كما سمح لتلاميذه بتدوين الأحاديث التي رووها عنه([17])، وقد ألف كتاباً أسماه الديوان ضمنه الأحاديث التي رواها وأودع في صفحاته آراء وفتاويه في كثير من أمور العقيدة، ويقال أن ديوانه كان من الضخامة بحيث يعجز عن حمله البعير، ويقع في عشرة أجزاء كبيرة، وكانت نسخة منه موجودة في إحدى مكتبات بغداد الكبرى في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد([18])، ويذكر المؤلف الإباضي الوسياني أن نسخة من الديوان قد بقيت بعد موت جابر في حوزة خليفته أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ثم توارثها أئمة الإباضية في البصرة، وفي عهده استنسخت المخطوطة في مكة([19]). (1/130)
صفحة 131
ولكن المؤلف لم يذكر اسم الناسخ ولا الهدف من نسخها، وربما قام بهذا العمل جماعة من إباضية شمال أفريقية في وقت مبكر، ويروى أن أحد علماء الإباضية من جبل نفوسة في ليبيا ويدعى النفاث فرج بن نصر –وهو مؤسس الفرقة النفاثية الإباضية- استطاع أن يحصل على نسخة كاملة من ديوان جابر بن زيد، وأتى بها إلى جبل نفوسة، ولما كان فناث عدواً للإمام الرستمي في تاهرت ولعامله في جبل نفوسة فقد دمر المخطوطة حتى لا يستطيع مناوئوه الحصول عليها، أو حتى استنساخها()[20]، وجدير بالذكر أن حاجي خليفة قد أشار في كتابه كشف الظنون إلى ديوان جابر بن زيد، ولكنه لم يعط أية تفصيلات عنه، ولم يشر إلى المصدر الذي استقى منه معلوماته حول هذا السفر الضخم([21])، وإذا صحت هذه المعلومات حول ديوان جابر فإن الباحث يستطيع أن يقرر بأن الإباضية كانت أول المدارس الإسلامية التي عنيت بتدوين الحديث، ولعل بعض المؤلفات –والتي لا تزال مخطوطة- المروية عن جابر بن زيد أو المنسوبة غليه إنما هي قطع من هذا الكتاب الكبير([22]). (1/131)
صفحة 132
ويبدو أن جابر بن زيد قد اتبع أسلوباً خاصاً في حياته بعد قدومه إلى البصرة، مما ساعده على اكتساب المعارف، والإحاطة بالعلوم السائدة في عصره وخاصة العلوم الدينية، فقد عاش حياة زهد وتقشف وانصرف عن لهو الدنيا وترفها، وكان يقول: »سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن، سألت عن زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة ورزقاً كفافاً يوماً بيوم«([23])، وكان يخاطب أصحابه ويقول: »ليس منكم رجل أغنى مني، ليس عندي درهم وليس علي دين«([24])، ويذكر ابن سيرين أن أبا الشعثاء جابر كان مسلماً عند الدينار والدرهم، أي أنه كان ورعاً تقياً لا يهتم بجمع المادة واكتنازها([25])، والواقع أن المصادر السنية والإباضية تسهب في الحديث عن زهد جابر وانصرافه إلى الدرس والتحصيل حتى أصبح بعلمه مرجعاً لكل سائر في أمور الفتيا والفقه الإسلامي، وكان يعض الناس ممن يسكنون خارج البصرة يكتبون إليه مستفسرين عن مسائل ومشاكل فقهية فيجيبهم عليها([26])، وتبعاً لذلك فقد وصفه أتباعه بأنه »بحر العلم وسراج الدين«([27]).
مما تقدم يظهر لنا بوضوح أن جابراً قد اكتسب علماً غزيراً بعد هجرته إلى البصرة، وأصبح من الفقهاء البارزين الذين أسدوا خدمات جليلة للعقيدة والفكر الإسلاميين، ولا شك أنه وظف علمه ومواهبه في خدمة مبادئه التي آمن به واقتنع بصحتها، ولكي نفهم دوره في نشأة الفرقة الإباضية وتطورها لابد لنا من التعرف على بدء علاقته بحركة الخوارج القعدة ثم جهوده المتواصلة في سبيل إنجاح الدعوة الإباضية بعد أن أصبح رئيسها وزعيمها.
لسنا نعرف على وجه التحديد متى بدأت علاقة جابر بن زيد بالخوارج القعدة، على الرغم من أن المعلومات التي توردها المصادر الإباضية تشير إلى قدم هذه العلاقة، وإلى أن جابراً قد انضم إلى الحركة في وقت مبكر. (1/132)
صفحة 133
أما ما يورده بعض مؤرخي الإباضية المحدثين([28])، من أن جابر بن زيد كان زعيم الحركة بعد وفاة عبدالله بن وهب الراسي مباشرة، فيصعب تصديقه، لأن جابراً آنذاك كان لا يزال شاباً صغيراً يتراوح عمره بين السادية عشرة والعشرين سنة فقط، ومن غير المحتمل أن يكون في هذا السن قد اكتسب العلم اللازم والخبرة الضرورية ليقدمه أصحابه زعيماً ومرشداً لهم، أضف إلى ذلك أننا لا نملك أي دليل على أن جابر بن زيد كان ذا علاقة مباشرة مع عبدالله بن وهب الراسب أو أنه اشترك في معركة النهروان التي قتل فيها الراسبي، ولا تشير المصادر إلى أن نشاط لجابر بن زيد في تلك المرحلة من عمر الحركة الخارجية، ومن المحتمل أن يكون اتصال جابر بن زيد بالخوارج قد بدأ بعد النهروان وبعد لجوء مرداس بن أدية التميمي وأصحابه للبصرة في أواخر العقد الرابع من القرن الأول الهجري، ويستنتج من المعلومات الواردة في المصادر الإباضية المتوافرة أن جابر بن زيد قد انضم إلى القعدة إبان ولاية عبيدالله بن زياد للعراق (56/57هه) وكان جابر يصلي الجمعة في المسجد الجامع في البصرة خلف ابن زياد، ربما إمعاناً منه في الحفاظ على سرية معتقده، وإبعاداً للتهمة عنه، وعندما كان أصحابه من القعدة يعاتبونه على ذلك كان يجيبهم بقوله: »إنها صلاة جامعة وسنة متبعة«([29])، وتشير المصادر الإباضية إلى أن جابر بن زيد كان يتردد على مكة ويلتقي فيها بعبدالله بن عباس ليأخذ عنه العلم والحديث، وكان يصحبه صديق له حميم يدعى أبو فقاس الأسود بن قيس، وكان يرى رأي الإباضية، ويبدو أن الرجلين كانا يرتحلان سنوياً إلى مكة، ربما في موسم الحج، وكانا يلتقيان بابن عباس، وفي إحدى السنين قدم جابر منفرداً إلى مكة فلقي ابن عباس الذي استغرب غياب ابن فقاس، صاحب جابر، وسأل جابراً عنه فأخبره بأنه في سجن ابن زياد، فقال ابن عباس: وإنه لمتهم؟ قال جابر: نعم، فأضاف ابن عباس: اللهم بلى!، وخاطب جابراً وقال: (1/133)
صفحة 134
أو ما أنت متهم؟ قال جابر: اللهم بلى! ([30]).
وفي رواية أخرى يقول أبو سفيان محبوب بن الرحيل، المؤرخ والإمام الإباضي المعروف، أن شيخاً من الإباضية يدعى أبو سفيان قنبر قد أخذه عبدالله بن زياد وجلده ليدل على أحد من المسلمين (الإباضية) فلم يفعل، قال جابر بن زيد، وكنت قريباً منه، وما كنت أنتظر إلا أن يقول هذا هو فعصمه الله([31])، بالإضافة إلى ما سبق فإن الروايات الإباضية تشير إلى غلاقات متينة وودية بين جابر بن زيد وأبي بلال مرداس بن أدية التميمي، شيخ القعدة في البصرة بعد معركة النهروان، وكان الرجلان يخرجان إلى مكة سنوياً ويلتقان بابن عباس وعائشة أم المؤمنين، ويذكر أبو سفيان محبوب بن الرحيل أن جابر بن زيد وأبا بلال مرداس دخلا مرة على عائشة رضي الله عنها فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل، قال: فاستغفرت الله تعالى وتابت مما كانت قد دخلت فيه([32])، ومهما كانت صحة هذه الرواية فإنها، بدون شك تدل بوضوح على أن العلاقة بين جابر ومرداس بن أدية كانت وثيقة، ويبدو أن العلاقات بين الرجلين كانت تزداد وتتوثق بسرعة، وأخذ مرداس يدرك مدى علم جابر وذكائه فكان يتردد عليه آناء الليل وأطراف النهار ليغرف من معرفته الواسعة وعلمه الغزير، وذكر مؤلف كتاب بيان الشرع عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي أنه قال: »لقد كان أبو بلال رحمه الله يبكي في جوب الليل حتى ما يطيق أن يقوم، ولقد كان من تشوقه إلى إخوانه أنه يخرج من عند أبي الشعثاء جابر بن زيد بعد العتمة، ثم يأتيه قبل الصبح فيصلي معه فيقول له جابر: يا أخي أشققت على نفسك، فيقول: »والله لقد طال ما هبت نفسي بلقاك شوقاً إليك حتى أتيتك«([33]). (1/134)
صفحة 135
مما مر يتبين لنا أن جابر بن زيد كان قد انضم إلى حركة الخوارج القعدة منذ أيام عبيدالله بن زياد، ولكن الباحث لا يستطيع أن يقرر سنة بعينها لتاريخ الانضمام، ويبدو من الروايات أن نجم جابر أخذ يتألق في سماء تلك الحركة قبل عام 61هوهو العام الذي قتل فيه أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، حتى أن بعض الروايات تجزم على أن أبا بلال لم يقم بعمله إلا بعد مشورة من جابر بن زيد، وقبوله منه([34])، وإذا صحت هذه الروايات فإن القعدة قد اتفقوا على أن يتولى جابر بن زيد أمرهم وتنظيم دعوتهم منذ المراحل الأولى لتطور الدعوة في البصرة إيماناً منهم بذكائه واعتماداً منهم على اطلاعه الواسع وتحصيله العميق في العلوم الدينة وخاصة ما يتعلق بالتفسير وعلم الحديث، ولعل ذلك كان السبب في اعتراف أبي بلال له بالزعامة قبل وفاته، حتى أنه لم يصدر في عمله إلا بأمر جابر ومشورته.
وعلى الرغم من تبوء جابر بن زيد لزعامة القعدة منذ ذلك الوقت المبكر فإنه لم يشترك في الأحداث السياسية التي جرت في تلك الفترة من التاريخ الإسلامي، ولم يبد لعامة سكان البصرة أن جابراً كان إماماً وزعيماً للقعدة، أو حتى أنه كان على علاقة معهم، وذلك لأنه أخفى معتقده وساعده أصحابه على ذلك، لأنهم كانوا يحبون ستره من الحرب والهلاك، حتى لا تموت دعوتهم في مهدها([35])، وبناء على ذلك فقد كان القغدة ثم الإباضية يقدمون أحد أعلامهم لينطق باسمهم ويناظر أعداءهم، وكان يختار عادة من ذوي العلم والمنطق والحجة، وممن لهم عصبية حتى لا يبطش به الولاة، وكان ابن إباض أحد هؤلاء المقدمين ولذلك ظن معاصروه أنه زعيم الإباضية وإمامها. (1/135)
صفحة 136
وعلى أية حال فإن ابن إباض يعد آخر الأشخاص الذين قدمهم الإباضية ليناظر باسمهم، وبعد اختفائه من البصرة آثر الإباضية الخلود إلى الهدوء كلياً وانصرفوا إلى التنظيم السري الدقيق بزعامة جابر بن زيد وأقلعوا عن المناظرات العلنية مع مخالفيهم، حتى لا ينكشف أمرهم، وتتم تصفيتهم قبل بلوغ أهدافهم التي ترمي إلى تأسيس إمامة الظهور وتعيين خليفة المسلمين من بين أتباعهم، وسنفصل الحديث عن نشاط الإباضية في المرحلة السرية في الصفحات القادمة، ولكن قبل الكلام عن هذا الموضوع لابد من مناقشة الرويات التي توردها المصادر السنية والتي تنفي علاقة جابر بن زيد بأهل الدعوة (الإباضية) معتمدة على أقوال منسوبة إليه وإلى بعض أصحابه. (1/136)
صفحة 137
إن الروايات التي وصلتنا في المصادر السنية التي تنكر علاقة جابر بن زيد بالإباضية تعود في إسنادها إلى روايتين هما عزرة وثابت البناني([36])، وكانا معاصرين لجابر بن زيد، وعاشا في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وتتلخص رواية عزرة في أن الأخير قد زار جابر بن زيد وقال: ».. إن الإباضية يزعمون أنك منهم، قال: أبرأ إلى الله منهم«([37])، أما رواية ثابت البناني فتتكلم عن نقاش دار بين جابر، وهو على فراش الموت، وبين الحسن البصري، يقول ثابت: »دخلت على جابر بن زيد، وقد ثقل، قال: فقلت له: ما تشتهي؟ قال: نظرة من الحسن، قال: فأتيت الحسن وهو في منزل أبي خليفة، فذكرت ذلك له، فقال: أخرج بنا إليه، قال: قلت إني أخاف عليك، قال: إن الله سيصرف عني أبصارهم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا عليه، قال: فقال له الحسن: يا أبا الشعثناء! قل لا إله إلا الله، قال: فقال يوم يأتي بعض آيات ربك، قال: فتلا هذه الآية([38])، قال: فقال له الحسن: إن الإباضية تتولاك، قال: فقال: أبرأ إلى الله منهم، قال: ثم خرجنا من عنده«([39])، بالإضافة إلى ذلك فإن أبا نعيم يرود رواية لهند بنت المهلب تذكر فيها أن جابراً قد دعاها إلى الإباضية وتقول: »كان جابر بن زيد أشد الناس انقطاعاً إلي وإلى أمي، فما أعلم شيئاً كان يقربني إلى الله إلا أمرني به، ولا شيئاً يباعدني عن الله U إلا ونهاني عنه، وما دعاني إلى الإباضية قط، ولا أمرني بها، وإن كان ليأمرني أن أضع الخمار، ووضعت يدها على الجبهة«([40])، ويمكن عدم الاطمئنان إلى هذه المعلومات للأسباب التالية:
1- أن الحسن البصري الذي كان صديقاً لجابر بن زيد لابد وأنه كان يعرف آراء جابر ومعتقده قبل زيارته له وهو على فراش الموت، وليس ذلك الوقت المناسب لأن يطرح البصري على جابر مثل هذه التساؤلات. (1/137)
صفحة 138
2- أن ثابت البناني، صاحب الرواية، يورد أيضاً روايتين إضافيتين عن قصة زيارة الحسن البصري لجابر وهو مريض ولا يذكر في تلك الروايتين أي شيء عن الإباضية ولم يشر إطلاقاً إلى أن الحسن البصري قد سأل جابراً عن علاقته بالإباضية وأهل النهروان([41]).
3- أن المصادر الإباضية تورد أيضاً روايات ثابت البناني والتي تشبه في محتواها ما ورد في المصادر السنية مع اختلاف طفيف، ولكنها لا تشير إلى سؤال الحسن البصري لجابر، ومن المفيد أن نورد الرواية كما وصلتنا في المصادر الإباضية حتى تتضح الصورة للقارئ، قال أبو سفيان: »لما حضرت جابر بن زيدو فاته، أتاه ثابت البناني فقال: يا أبا الشعثاء هل تشتهي شيئاً؟ قال: إني لأشتهي أن ألقى الحسن فأعلمه بقول جابر بن زيد، قال: فخرج ثابت البناني، فدخل على الحسن فأعلمه بقول جابر بن زيد، قال: وكان الحسن إذ ذاك مستخفياً (من الحجاج) قال: فقال كيف لي بذلك؟ قال: أركب بغلي على السرج وأنا أرتدف خلفك وأعطيك طيلساني، وأرجو ألا يعرض لنا، قال: ففعل ودخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع، فانكب عليه الحسن وهو يقول: يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله، فيرفع جابر عينيه فيقول: أعوذ بالله من غدو أو رواح إلى النار، قال فيقول له الحسن: يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله، قال: فيقول أعوذ بالله من غدو أو رواح إلى النار، ثم قال له: يا أبا سعيد (يعني الحسن) يوم يأتي بعض آيات ربك، الآية، قال فقال له الحسن: هذا والله الفقيه العالم([42]).
4- بالإضافة إلى ذلك فإن المصادر الإباضية تجمع على أن جابر بن زيد هو مؤسس المذهب الإباضي وإمام الإباضية بدون منازع()[43]، وقد سجنه الحجاج بن يوسف الثقفي ثم نفاه إلى عمان لعلاقته بالإباضية([44]). (1/138)
صفحة 139
5- يذكر كل من الأشعري وابن أبي الحديد أن الإباضية يعتبرون جابر بن زيد أحد أسلافهم ولم يحاول أي منهما دحض هذا القول([45])، وهذا دليل من هذين المؤلفين، غير الإباضيين، على أن جابراً كان ذا علاقة بالإباضية ولو ملكاً الدليل والبرهان على خطل هذا الرأي لقاما بتفنيده.
6- حتى لو صحت الرواية الورادة في بعض المصادر السنية وأن جابراً أنكر علاقته بالدعوة الإباضية، فيجب أن لا يؤخذ ذلك على علاته، فربما فعل جابر ذلك على سبيل التقية الدينية التي استعملها جابر في مناسبات عديدة كما استعملها غيره من أئمة الإباضية، وتعتبر مشروعة في المذهب الإباضي في طور الكتمان. (1/139)
صفحة 140
7- أما الرواية التي تذكر بأن هند بنت المهلب، المعروفة بولائها المذهب الإباضي، قد أكدت بأن جابر لم يدعها لاعتناق المذهب الإباضي فلا تعتبر دليلاً على عدم وجود علاقة بين جابر والإباضية، لن أتباع الفرقة آنذاك لا يسمون أنفسهم بهذا الاسم، كما وضحنا ذلك في صفحات سابقة، بل يسمون أنفسهم جماعة المسلمين أو أهل الدعوة، ولهذا فإن هند بنت المهلب كانت صادقة في قولها بأن جابراً كان يعلمها مبادئ الإسلام وشرائعه، أي اعتقادات المسلمين، ولم يدعها للإباضية، أضف إلى ذلك فإن هند بنت المهلب كانت معاصرة لجابر بن زيد ولخلفه أبي عبيدة أي أنها كانت تعيش والحركة الإباضية لا تزال في طور السرية والكتمان، ومن غير المعقول أن تقوم بفضح أسرار الدعوة وكشف أسماء أصحابها عندما تسأل عن ذلك، ومن الطبيعي أن ننكر علاقتها وعلاقة أستاذها جابر مع الإباضية إذا استجوبت من قبل مخالفيها حول هذا الموضوع، وجدير بالذكر أن أهل الدعوة كانوا قد أوجبوا اغتيال كل من يقوم بكشف أسرار دعوتهم أو الإساءة إليهم، فهل يمكن إذن لامرأة مخلصة ومتفانية في سبيل الدعوة أن تقوم بمهمة الإساءة لأصحابها؟ وهل يعتبر بالتالي إنكارها لعدم دعوة جابر إليها للانضمام للحركة أساساً يمكن الاعتماد عليه للتدليل على براءة جابر من الإباضية ومن أهل النهروان كما ورد في رواية البناني السالفة الذكر؟. (1/140)
صفحة 141
8- بعد هذا العرض والتحليل يبدو أن قضية إنكار جابر لعلاقته بالإباضية كما توردها بعض الروايات في المصادر السنية إنما اخترعت من قبل بعض رواة السنة، الذين كانوا يرون في جابر شيخاً جليلاً ومحدثاً ثقة، وبالتالي فيجب عدم إلصاق »تهمة« الإباضية به حتى لا يعتبر مجروحاً، وخاصة أن نقده الحديث قد رفضوا روايات »أصحاب البدع« واعتبروها أتباع الخوارج والشيعة من هؤلاء، ومن المحتمل أيضاً أن نقده الحديث من السنة لم يعرفوا معتقد جابر الحقيقي لاستعماله التقية الدينية ولذلك شكوا في نسبته إلى الإباضية.
يتضح مما سبق أن جابراً كان وثيق الصلة بالحركة منذ وقت مبكر وأصبح زعيمها وإمامها، وكان له دور كبير في تنظيم الحركة وتطورها وقد ارتكزت سياسته إبان زعامته للفرقة الإباضية على قواعد أساسية يمكن إجمالها بعد تحليل الروايات بما يلي:
1- أن جابراً لم يشأ الانسحاب من المجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه مع بقية أتباع حركته، ولذا فإنهم لم يعزلوا أنفسهم عن الناس ولم يدعو للخروج والهجرة كما فعل الأزارقة وغيرهم من متطرفي الخوارج، وكان جابر ينشر آراءه ويبث أفكاره بين الناس من خلال أحاديثه الدينية وفتاويه وأجوبته على المستفسرين عن بعض الأمور الدينية من داخل البصرة وخارجها، وكان يتفحص تلاميذه فمن وجد في فيه استعداداً قوياً لآرائه وحماساً لمبادئه دعاه إلى مذهبه، ولكن ذلك كان يحدث بسرية تامة مستعملاً في سبيل الوصول إلى هدفه التقية الدينية، وإمعاناً في كتمان أمر دعوته، فقد كان يأمر أتباعه بقتل كل من يكشف أسرار الجماعة أو يبوح بأسمائهم، فإن حدث ان ترك أحد أتباع الفرقة مذهبه وتحلى عن مبادئه دون أن يطعن في أصحابه القدامى أو يفشي أسرارهم كان الإباضية يتبرأون منه، ولكن دون أن يتعرضوا له بأذى، معتبرينه واحداً من المخالفين الموحدين، الذين لا تحل دماؤهم إلا إذا بدأوهم بالعدوان. (1/141)
صفحة 142
ولكن إذا خرج من مذهب المسلمين (الإباضية) أحد وعاب عليهم وطعن في معتقدهم وأفشى أسرارهم فقد وجب قتله وأحل دمه، وقصة خردلة التي ترويها المصادر الإباضية من أوضح الأمثلة على ذلك، فقد جاء شباب إباضي إلى جابر بن زيد وسأله عن أفضل الجهاد فقال: قتل خردلة، وكان الشاب لا يعرفه فأراه إياه رجل من المسلمين، (الإباضية) في المسجد ووضع يده عليه حتى لا يخطئه فضربه بين كتفيه بخنجر مسمون فمات، وقبض على الشاب الإباضية وأتي به إلى الوالي فقال له: »قد علمت أنك لم تفعل هذا من فسك وإنما أمرت، فدلني على من أمرك ومناه، فقال: دع عنك هذا، فقتله«([46])، وكان خردلة هذا من جماعة المسلمين (الإباضية) ثم خرج عليهم وجعل يطعن فيهم ويدل على عوراتهم ويفضح أسرارهم فاستحل جابر دمه وأمر بقتله([47])، وقد اعتبرت سياسة جابر في هذا الشأن قدوة لمن جاء بعده من الأئمة، واعتبروا الاغتيال لمن يسيء إليهم أحد دعامات نشاطهم »وأحلوا الدماء بالظلم والابتداء به«([48]). (1/142)
صفحة 143
2- تجنب جابر أي احتكاك معاد مع السلطة، ولم يؤثر عنه أنه تعرض لأذى قبل تولي الحجاج للسلطة في العراق، على الرغم من بعض أصحابه قد لقي عنتاً كبيراً على أيدي الولاية منذ أيام ابن زياد([49])، وتشير المصادر الإباضية إلى أن العلاقة بين جابر بن زيد والحجاج كانت في البداية ودية، وكان جابر يزور الحجاج ويتردد عليه حتى بعد أن نقل الحجاج مقره إلى مدينة واسط، وكان ليزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، دور ملموس في هذه العلاقة، لأنه كان صديقاً حميماً لجابر([50])، وليس لدينا ما يفسر مثل هذه العلاقة بين الرجلين (جابر ويزيد)، ومن المحتمل أن يزيد بن أبي مسلم كان واسع الأفق يحب العلماء ويعطف عليهم، حتى وإن اختلف معهم في الرأي، وكان في علاقته مع جابر مدفوعاً بهذه النظرة تجاه العلماء، وشفاعته للشعبي دليل آخر على تقديره للعلماء، وحرصه على عدم تعرضهم للأذى والاضطهاد، أما ما يذكره المستشرق ليفتسكي من أن يزيد بن أبي مسلك كان خارجاً فلي لدينا دليل يبرره، ومن غير المحتمل أن يكون يزيد كذلك وهو من أخلص أعوان الحجاج، أضف إلى ذلك أن يزيد بن أبي مسلم نفسه قد قتل على أيدي الخوارج، بينما كان والياً على شمال أفريقية في عهد يزيد بن عبدالملك([51])، وعلى أية حالة فإن علاقة جابر بالحجاج بقيت لفترة من الوقت جيدة، وفرض الحجاج له عطاء مقداره 600 أو 700 درهم([52]).
وقد أراد الحجاج أن يوليه القضاء فرفض متذرعاً بعدم مقدرته على حمل أعباء هذا المنصبـ، وقال: »إني أضعف من ذلك، قال (الحجاج) وما بلغ ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما، قال: إن هذا لهو الضعف«([53])، وفي هذه الرواية دلالة على أن جابراً كان يريد إخفاء مقدرته وإبداء ضعفه للوالي حتى يبعد الشبهات عنه، وحتى لا يخطر ببال الوالي أن رجلاً بلغ هذه الدرجة من الضعف يمكنه أن يقوم بتأسيس حركة سرية مناوئة للحكم. (1/143)
صفحة 144
3- لما كان جابر بن زيد ينتمي إلى قبيلة الأزد، فقد وجه قسماً كبيراً من جهوده نحو إقناع بعض أفراد هذه القبيلة للانضمام إلى حركته، وقد نجح إلى حد بعيد في هذا الشأن وتبعه عدد كبير من الأزد وعلى رأسهم بعض أفراد الأسرة المهلبية –زعيم أزد العراق- وأصبح بعضهم من دعاة الفرقة وحماتها البارزين، ولم يقتصر ذلك على الرجال بل تعداه أيضاً إلى النساء، وتورد المصادر الإباضية عدداً من النساء المهلبيات اللاتي انضممن إلى جماعة المسلمين (الإباضية) وبذلن جهوداً في سبيل نصرتها، وأعطين بسخاء من أموالهن لبيت مال الدعوة ولمساعدة المحتاجين من أتباعها([54])، ليس هذا فحسب بل أن المصادر تشير إلى أعداد كبيرة من عمان، موطن الأزد الأصلي، وحضرموت واليمن انضمت إلى الإباضية، ولم تعد الحركة مقصورة في معظم أفرادها على العنصر القبلي التميمي كما حدث بعد معركة النهروان، ولا عجب أن نجد أول إمامة أسسها الإباضية كانت في حضرموت واليمن وعمان، ونتيجة للجهود التي بذلها جابر بين أقاربه من الأزد بوجه خاص وعرب الجنوب عامة فقد أصبحت الحركة تضم عناصر من قبائل عربية مختلفة كما انضم إليها كثير من الموالي، ولم يمت جابر بن زيد إلا وقد غدت الدعوة الإباضبة عبارة عن حركة إسلامية شاملة اجتذبت عناصر مختلفة من قبائل وأجناس مختلفة، وأخذت القناعات المذهبية لدى كثير من أتباع الدعوة تحل محل الولاءات القبلية والعرقية، ومن هنا فإن خليفة جابر في زعامة الحركة كان من الموالي وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم، ولكنه سكن بعد انضمامه للدعوة وبعد انتصار الأزد لها في حي الأزد في البصرة([55]). (1/144)
صفحة 145
ولم تقتصر دعوة جابر على من كان موجوداً في البصرة بل تعدتها إلى الأمصار الإسلامية الأخرى حيث كان يبعث بالدعاة لمختلف المناطق، وكان عمله هذا إرهاصاً لما تم في عهد خلفه أبي عبيدة من تدريب للدعاة الذين عرفوا باسم حملة العلم إلى الأمصار، وكان جابر على صلة وثيقة مع أتباع دعوته في الولايات المختلفة ومن بينهم أناس من الأزد والمهالبة، وتشير المصادر إلى مراسلات متبادلة بينه وبين عبدالملك بن المهلب في خراسان، وكان جابر يطلب منه أن يكتب له في أمر الدعوة، ويسأله أن يرسل خطاباته في سرية تامة مع أشخاص موثوقين، والواقع أن جابراً كان يكرر الطلب في وجوب السرية في جميع مراسلاته مع أعوانه وأتباعه، ويطلب أحياناً تمزيق رسائله إليهم وحرقها حتى لا تصل إلى أيدي أعدائهم فتؤدي بالتالي إلى كشف تنظيمهم وإجهاض حركتهم([56])، وقد استطاع أيضاً أن يكسب عدداً من الأتباع ممن تولوا فيما بعد مركز المسئولية (بالطبع دون علم السلطات بمعتقدهم)، وكانوا يستعينون بآراء إمامهم جابر في تسيير الإدارة والأعمال في المناطق الخاضعة لنفوذهم. (1/145)
صفحة 146
ومن بين هؤلاء الأشخاص: النعمان بن مسلمة الذي أرسل إلى جابر يسأل عن كيفية جمع الجزية من منطقته، ولا تذكر المصادر المتوافرة أين كان النعمان والياً (أو عاملاً) ولكن ورد كلمة دهقان في الرسائل المتبادلة بينه وبين الإمام جابر تدل على أنه كان والياً في المناطق الشرقية وربما في بعض كور خرسان([57])، ومن الشخصيات الأخرى التي كانت على صلة وثيقة بجابر بن زيد، يزيد بن يسار الذي كان يقطن عمان ويدين بالمذهب الإباضي، وقد عين عاملاً في إحدى مناطق عمان فأرسل إلى جابر يستشيره في ذلك ويطلب نصائحه وإرشاداته([58])، وهناك أشخاص آخرون خارج البصرة كانوا على علاقات حميمة مع جابر يدينون بمذهبه ويصدرون عن أمره، وكانوا عيوناً له وممثلين في المناطق التي يسكنونها([59])، ونظراً للدقة في التنظيم والحذر الشديد فلم يستطع الولاة القبض على هؤلاء الدعاة والأشخاص، وكان وجود بعضهم في مركز المسئولية دليلاً على أن جابراً لم يمانع في أن يستلم بعض أتباعه عدداً من المراكز والمهام الرسمية في جهاز الدولة –التي يعمل ضدها في النهاية- حيث كان يرى أن هؤلاء يسهمون في توفير مناخ مناسب لنشر دعوته في تلك الأمصار والولايات ويشكلون دعامة لها . ويبدو أن هذه العلاقات الواسعة والاتصالات الدائبة مع أتباع الحركة في البصرة وخارجها قد وصلت إلى أسماع الحجاج، فأخذ يرتاب من جابر بن زيد وجعله تحت مراقبة دائمة، ولكن علاقات جابر مع كاتب الحجاج، وعدم وجود قناعة واضحة لدى الحجاج بنشاط جابر السياسية التي حدثت في بلاد المشرق في العقد الثامن من القرن الأول الهجري قد أدت إلى تغيير جذري في موقف الحجاج من جابر بن زيد وأتباعه، فقد ثار أزد عمان بزعامة سعيد وسليمان، أولاد عباد بن الجلندى، وأرسل الحجاج حملات عدة لقمع الثورة وباءت جميعها بالفشل . (1/146)
صفحة 147
وفي تلك الأثناء قامت ثورة ابن الأشعث عام 81 ه /700 م فأجل الحجاج معالجة الموقف في عمان ليتفرغ لقتال ابن الأشعث([60])، وبعد القضاء على ثورة ابن الأشعث وجه الحجاج جيشا كبيرا الى عمان بقيادة القاسم المزني ولكن الأزد بقيادة الأخوين، سعيد وسليمان، تمكنوا من دحر هذه الحملة وقتل قائدها([61]) وعندما وصلت أنباء فشل الحملة الى الحجاج غضب كثيرا، وقرر الانتقام من الأزد ليس في عمان فحسب بل في العراق أيضا . (1/147)
صفحة 148
فوضع زعماء الأزد في العراق، ومن بينهم جابر بن زيد تحت مراقبة شديدة، وحذرهم من أي اتصال مع إخوانهم في عمان وكتب إلى عبدالملك بن مروان في الشام يخبره بتضييفه على أزد العراق وأنه أقعده وجوه الأزد الذين كانوا في النصرة لسليمان بن عباد([62])، ثم بعث جيشاً بقيادة مجاعة المزني أخي القاسم، على رأس أربعين ألفاً من النزاريين لإخماد ثورة الأزد، وقد سلك نصف هذا الجيش طريق البحر، بينما سلك النصف الآخر طريق البر، وقد تمكن سليمان بن الجلندى من هزيمة الجيش البري الذي يبدو أنه وصل مبكراً ولم ينتظر وصول القوة البحرية لتشترك الفرقتان في مهاجمة الثوار في آن واحد، وطبقاً لخطة عسكرية واحدة، وأثناء ذلك وصل الجيش البحري وعلى رأسه مجاعة نفسه، وتمكن من هزيمة سعيد بن الجلندى الذي بقي في جزء صغير من الأزد يراقب السواحل بينما كان معظم الجيش العماني الأزدي يرافق أخاه سليمان الذي هزم الجيش البري الذي أرسله الحجاج، اضطر سعيد بن الجلندى للانسحاب إلى الداخل والالتجاء إلى الجبال، ولما علم أخوه سليمان سار إليه محاولاً فك الحصار عنه ومحاربة مجاعة ومن معه من الجند، وقبل أن يشتبك مع مجاعة أحرق السفن التي جاءت بهم إلى العراق، ثم سار إلى مجاعة وتمكن من هزيمته وارتد مجاعة هارباً والتجأ إلى جلفار، وكتب إلى الحجاج يستمده، فأرسل له خمسة آلاف جندي من أهل الشام بقيادة عبدالرحمن بن سليمان، وتمكن مجاعة بمساعدة القوة الشامية من هزيمة الأخوين سعيد وسليمان ومن معهما من الأزد، ونكل بالأزد، وأوقع فيهم الذل والهوان، مما كان له أبعد الأثر في موقف أزد العراق حلفاء الإباضية الذين يتزعمهم جابر الأزدي، تجاه الحجاج والسلطة الأموية، فغضبوا لما حلب أبناء قبيلتهم في عمان، واعتبروا الحجاج مسؤولاً عما حدث، فسخطوا عليه وتمنوا زوال حكمه([63]). (1/148)
صفحة 149
وفي نفس الوقت الذي كانت تجري فيه هذه الحوادث التي أدت إلى توتر العلاقات بين الأزد والحجاج قام الأخير بإشعال النار في الهشيم، فتنكر لآل المهلب، زعماء أزد العراق وخراسان آنذاك([64])، وأخذ يكيد له ويحرض عبدالملك بن مروان ضده ونجح في إقناعه بعزل يزيد من ولاية خراسان، وبالسماح له في معاقبته وتعذيبه، فزج الحجاج بيزيد وبعض أفراد أسرته في السجن، وأساء إليهم مما زاد في إغضاب أزد العراق والبصرة، وكان لموقف الحجاج هذا أثره على الدعوة الإباضية التي يتزعمها الإمام جابر بن زيد الأزدي البصري، فقد استغل جابر فرصة الكراهية بين الأزد والحجاج لإقناع كثير من الأزد بالانضمام إلى جماعة المسلمين »الإباضية« وتبعد قسم كبير منهم وعلى رأسهم أفراد من آل المهلب، رجالاً ونساء، منهم عاتكة بنت المهلب، أخت يزيد، التي كانت من أشد الناس حماساً للمذهب ولم تبخل بمالها لمساعدة المحتاجين من أهل دعوتها([65])، وكان لهذه التطورات أثرها الكبير في موقف الحجاج من جابر وأتباعه. (1/149)
صفحة 150
وقد حبس جابرا مع بعض أصحابه البارزين مثل ضمام بن السائب وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وصحار العبدي وغيرهم([66])، ولم يلبث الحجاج أن أطلق سراح جابر ونفاه مع رجل من مشايخ الدعوة يدعى هبيرة وهو جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل المؤرخ الإباضي وآخر الأئمة الإباضيين في البصرة([67])، ومن المحتمل أن الإفراج عن جابر كان بشفاعة من صديقه الحميم, يزيد بن أبي مسلم, كاتب الحجاج، ولا شك أنفي جابر إلى عمان كان ذا نتيجتين: الأولى أنه حرم أتباع الحركة في البصرة من أمامهم وزعيمهم فخلدوا إلي الدعة والهدوء، بينما بقي زعماؤهم ومشايخهم في سجن الحجاج حتى مات الأخير عام 95ه([68])، والثانية أن الفرصة كانت مواتية لأن يقوم جابر بالدعوة إلى مذهبه في موطنه الأصلي عمان, أي بين أهله وعشيرته الأقربين الذين يعرف عاداتهم وتقاليدهم وكيفية التعامل معهم, مستغلاً في ذلك كرههم للحجاج وحقدهم عليه لما حل بهم خلال ثورة أولاد الجلندى التي أخمدها الحجاج، ولا يراودنا شك في أن وجود جابر مع بعض رفاقه في عمان قد أفاد الدعوة الإباضية وساعد على سرعة انتشارها في ذلك القطر، وكانت جهوده مقدمة لنشاط حملة العلم الذين بعث بهم, فيما بعد خليفته أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي([69])، ولا تشير الروايات إلى تاريخ محدد لنفي جابر إلى عمان كما أنها لا تذكر المدة التي قضاها في منفاه, ولكنها تجمع على أنه عاد إلى البصرة ومات فيها، وتختلف المصادر حول تاريخ وفاته, إذ يذكر بعض الرواة أنه توفي في نفس الأسبوع الذي توفي فيه أنس ابن مالك، وقد توفي الأخير في عام 93هم([70]). (1/150)
صفحة 151
ويرى البعض الآخر أنه توفي عام 103هم([71])، أما الهيثم بن عدي فيضع تاريخ وفاته عام 104هم([72])، بينما يضعه الشماخي عام 96هم([73]) ويبدو أن الرأي الأول هو الأصح لأنه جاء على ألسنه رواة الحديث الذين يهتمون إلى حد كبير بحياة كل محدث وتاريخ وفاته، وكان كجابر أحد هؤلاء المحدثين، أضف إلى ذلك فان المصادر تشير-كما مر معنا– إلى أن جابراً استدعى الحسن البصري إليه وهو على فراش الموت وكان الحسن آنذاك مستخفياً من الحجاج الذي مات عام 95ه، ومعنى هذا أن جابراً توفي قبل هذا التاريخ، والأرجح أن تاريخ وفاته كان عام 93هم كما أشرنا قبل قليل، وخلفه في زعامة الدعوة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الشعثاء ابنته، وقبرها موجود ومعروف إلى الآن ببلدة الفرق من أعمال نزوى من عمان، أنظر: الحارثي، العقود الفضية، ص.
([2]) البخاري، التاريخ الكبير، ج، ق2، ص، ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج، ص، ياقوت، بلدان، ج، ص.
([3]) الحارثي، العقود الفضية، ص، تذكر بعض المصادر أنه ولد في مكان يدعى الحرثة، ولعل ذلك تحريفاً لكلمة الفرق، أنظر ابن حبن، مشاهير علماء الأمصار، القاهرة، 1959م، ص.
([4]) ياقوت، بلدان، ج، ص.
([5]) البرادي، الجواهر، ص، الحارثي، العقود الفضية، ص، محمد بن يوسف أطفيش، شرح القصيدة، ص.
([6]) يذكر نور الدين السالمي أن جماعة كبيرة من الأزد قد اشتركت في فتح فارس مع جيش عثمان بن أبي العاصي، ويقال أن شخصاً يدعى جابر بن حديد اليحمدي، من اسرة جابر بن زيد، هو الذي قتل قائد الجيش الفارسي شاهراك، وبعد ذلك استقر الجيش في توج ثم ارتحل إلى البصرة، إبان ولاية عبدالله بن عامر في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، أنظر السالمي، تحفة، ج، ص-69.
([ (1/151)
صفحة 152
7]) الدرجيني، ورقة 88، الحارثي، العقود الفضية، ص، علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ج، ص، محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج، ص.
([8]) البخاري، التاريخ الكبير، ج، ق2، ص، أبو نعيم، حلية الأولياء، ج، ص، ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج، ص، الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج، ص، 72، الدرجيني، ورقة 88، شماخي، سير، ص، أنظر أيضاً ابن سعد، ج، ق1، ص-131.
([9]) الدرجيني، ورقة 87-99، شماخي، سير، ص.
([10]) أبو نعيم، ج، ص، ابن حجر، تهذيب، ج، ص، الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج، ص.
([11]) البخاري، التاريخ الكبير، ج، ق2ـ ص، أبو نعيم، ج، ص، الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج، ص.
([12]) الدرجيني، ورقة 87، أبو نعيم، ج، ص، ابن حجر، تهذيب، ج، ص، الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج، ص، ابن كثير، بداية، ج، ص.
([13]) الدرجيني، ورقة 88، شماخي، سير، ص، يقول المؤرخ الإباضي أبو سفيان محبوب بن الرحيل: دخل جابر بن زيد على عائشة رضي الله عنها فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها أحد عنها حتى سألها عن جماع النبي e كيف كان يفعل، وأن جبينه ليتصبب عرقاًُ وهي تقول: »سل يا بني..« ليس لدينا ما يثبت صحة هذه الرواية ولكن فيها دلالة واضحة على أن جابراً قد أخذ بعض علمه من أم المؤمنين وعن أنه كان يحاول دوماً أن يعرف دقائق الأمور عن حياة الرسول الخاصة جاعلاً منها قدوة ومثلاً للسلمين في العصور اللاحقة.
([14]) البخاري، التاريخ الكبير، ج، ق2، ص، أبو نعيم، ج، ص، ابن كثير، بداية، ج، ص.
([15]) أبو نعيم، ج، ص، الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج، ص، 72.
([16]) الدرجيني، ورقة 88، شماخي، سير، ص.
([17]) ابن سعد، ج، ق1، ص، الذهبي، ميزان الاعتدال، ج، ص، الخطيب البغدادي، تقييد العلم، دمشق، 1949م، ص.
([18]) أبو زكريا، سير، مخطوطة دار الكتب، ص، السالمي، اللمعة المرضية، 1326ه، ص.
([ (1/152)
صفحة 153
19]) الوسياني، سير، ورقة 16.
([20]) أبو زكريا، سير، ورقة 16، علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ج، ص.
([21]) حاجي خليفة، كشف الظنون، ج، ص.
([22]) أنظر: A. Ennami, art.cit, pp. 67ff
([23]) شماخي، سير، ص.
([24]) الدرجيني، ورقة 90.
([25]) ابن سعد، ج، ص، أبو نعيم، ج، ص.
([26]) أبو نعيم، ج، ص، ذهبي، تذكرة الحفاظ، ج، ص، الحارثي، العقود الفضية، ص.
([27]) شماخي، سير، ص.
([28]) الباروني، ص، محمد علي دبوز، ج، ص392.
([29]) الحارثي، العقود الفضية، ص.
([30]) شماخي، سير، ص، (عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل).
([31]) المصدر نفسه، ص.
([32]) الدرجيني، ورقة 88.
([33]) الحارثي، العقود الفضية، ص، (عن كتاب بيان الشرع عن أبي عبيدة المتوفى في القرن الثاني الهجري).
([34]) الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 19، محمد بن يوسف أطفيش، رسالة شافية، ص.
([35]) الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 20.
([36]) ابن سعد، ج، ص-132، أبو نعيم، ج، ص، ابن حجر، تهذيب، ج، ص.
([37]) ابن سعد، ج، ق1، ص132، أنظر أيضاَ ابن حجر، تهذيب، ج، ص.
([38]) نص الآية: ]يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت به من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً[ سورة 6 آية 158.
([39]) ابن سعد، ج، ق1، ص.
([40]) أبو نعيم، ج، ص.
([41]) ابن سعد، ج، ق1، ص-133.
([42]) درجيني، ورقة 88-89، شماخي، سير، ص-73، الحارثي، العقود الفضية، ص-100.
([ (1/153)
صفحة 154
43]) إن المعلومات حول هذا الموضوع متوافرة في جميع المصادر والمراجع الإباضية سواء كانت كتب تاريخ وسير وطبقات، أو كتب فقه وعقائد، ولا مجال لحصرها هنا، ويمكن للقارئ على سبيل المثال أن ينظر: الدرجيني، ورقة 88، شماخي، سير، ص، الحارثي، العقود الفضية، ص، على يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص، محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج، صوما بعدها.
([44]) الدرجيني، ورقة 89، شماخي، سير، ص، الحارثي، العقود الفضية ، ص.
([45]) الأشعري، ص، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج، ص.
([46]) شماخي، سير، ص-76، جيطالي، شرح قواعد الإسلام، ورقة 26، الحارثي، العقود الفضية، ص-102.
([47]) جيطالي، شرح قواعد الإسلام، ورقة 26، أنظر أيضاً الحارثي، العقود الفضية، ص.
([48]) جيطالي، شرح قواعد الإسلام، ورقة 26.
([49]) شماخي، سير، ص، 96.
([50]) الدرجيني، ورقة 91، شماخي، سير، ص، الحارثي، العقود الفضية، ص-101.
([51]) ابن خلدون، ج، ص، ج، ص-221.
([52]) الدرجيني، ورقة 90، الحارثي، العقود الفضية، ص.
([53]) الدرجيني، ورقة 91، شماخي، سير، ص.
([54]) الدرجيني، ورقة 88-91، 100-104، 105 وما بعدها.
([55]) حول هذه المعلومات أنظر: الدرجيني، ورقة 100، وما بعدها، 105 وما بعدها، شماخي، سير، ص، 83، الحارثي، ص-148.
([56]) جابر بن زيد، جوابات، ص، 31، 37، 40.
([57]) المصدر نفسه، ص.
([58]) المصدر نفسه، ص. See also, Ennami, art. Cit. p 67.
([59]) جابر بن زيد، جوابات، ص، 33.
([60]) عن ثورة ابن الأشعث أنظر: A.A Dixon, The Umayyad Caliphate, pp. 151ff
([61]) الأزكوي، يورقة 327.
([62]) الأزكوي، ورقة 37.
([63]) بلاذري، أنساب، ج، ص-320، طبري، س، 1026-1038، المسعودي، تنبيه، ص، سليل بن رازق، 4-5، الأزكوي، ورقة 327-328.
([64]) الدرجيني، ورقة 91.
([ (1/154)
صفحة 155
65]) شماخي، سير، ص-95، الحارثي، العقود الفضية، ص.
([66]) الدرجيني، ورقة 91، 101، 104، شماخي، سير، ص81، 87.
([67]) شماخي، سير، ص، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 22، البسيوي، مختصر البسيوي، زنجبار، 1304ه، ص-7.
([68]) الدرجيني، ورقة 101، 104، شماخي، سير، ص، 81، 87، الحارثي، العقود الفضية، ص.
([69]) من أشهر حملة العلم الذين كان لهم فضل كبير في نشر المذهب الإباضي في عمان: محمد بن المعلا الكندي، مصنور الريامي، بشير بن المنذر النزواني، المنير بن النير، والربيع بن حبيب الفراهيدي، وقد تولى الأخير مامة الإباضية بعد موت أبي عبيدة، أنظر عن هؤلاء: العوتبي، ورقة 107، 193، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 30-31، أطفيش، الإمكان، ص.
([70]) الربيع حبيب، مسند، ج، ص، ابن حبن، مشاهير علماء الأمصار، ص، بخارى، التاريخ، ج، ق1، ص، ابن حجر، تهذيب، ج، ص، 39، ذهبي، تذكرة، ج، ص.
([71]) ابن سعد، ج، ص، ابن قتيبة، معارف، ص.
([72]) ابن حجر، تهذيب، ج، ص، (عن الهيثم بن عدي).
([73]) شماخي، سير، ص.
الباب السادس :أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي
هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى بني تميم([1])، ويذكر الجاحظ أنه كان مولى لعروة بن أدية التميمي, أخي مرداس بن أدية([2])، عاش في البصرة وأخذ العلم عن جابر بن زيد وصحار العبدي وجعفر بن السماك وضمام بن السائب العبدي العماني, وهم أشعر علماء الإباضية في مرحلة الكتمان([3])، ويرى بعض مؤرخي الإباضية أن أبا عبيدة قد أدرك بعض الصحابة الذين أخذ عنهم أستاذه جابر بن زيد, وتلقى عنهم العلم وروى عنهم الأحاديث، ومن هؤلاء أنس بن مالك, أبو هريرة, عبدالله بن عباس, أبو سعيد الخدري, جابر بن عبدالله, وعائشة أم المؤمنين([4]). (1/155)
صفحة 156
كان أبو عبيدة عالماً الإباضية الأوائل وفقهائهم البارزين, كما كان يتمتع بقدرات سياسية بارعة وأفق واسع مما ساعده على تنظيم الدعوة الإباضية في مرحلتها السرية بشكل دقيق وذكي، ولا غرو بالتالي أن يعزو المؤرخون الإباضيون إليه الفضل الأكبر في نمو حركتهم وانتشارها في أقطار إسلامية كثيرة خارج البصرة, مثل حضرموت واليمن وعمان والحجاز ومصر وبلاد المغرب, وذلك بواسطة الدعاة المدربين الذين كان يرسلهم لتلك الولايات لنشر المذهب الإباضي فيها، وكون هؤلاء ما عرف في تاريخ الحركة الإباضية باسم حملة العلم, أي الذين حملوا العلم (طبقاً للمذهب الإباضي) من منابعه الأصلية في البصرة ونقلوه إلى الأمصار([5]).
تبوأ أبو عبيدة زعامة أهل الدعوة بعد موت الحجاج عام 95هوخروجه من السجن, واتفق ذلك مع بداية حكم الخليفة سليمان بن عبدالملك(96هم-99ه م) . وكان الخليفة على علاقة وثيقة مع المهالبة, زعماء الأزد, الذين انضموا إلى الحركة الإباضية بأعداد وفيرة, إبان إمامة جابر بن زيد الأزدي، ومن المحتمل أن الإباضية لم يلاقوا عنتاً خلال فترة سليمان بن عبدالملك الذي عين زعيم الأزد يزيد بن المهلب, والياً على العراق وخراسان، ولا تذكر المصادر الإباضية المتوافرة أية علاقات عدائية بين الخلافة وأتباع الإباضية خلال هذه الفترة، ولعل السبب في ذلك يعودا إلى حماية يزيد بن المهلب لهم نتيجة للعلاقات التي تربط الأزد وآل المهلب بهذه الحركة وخاصة إذا تذكرنا أن كثيراً من زعماء المهالبة ومن بينهم عاتكة أخت يزيد وأخيه عبدالملك كانوا من بين أتباع تلك الدعوة([6]). (1/156)
صفحة 157
وعندما توفي سليمان بن عبد الملك وارتقى عمر بن عبد العزيز عرش الخلافة( 99هم-101هم) , سجن الأخير يزيد بن المهلب لاتهامه إياه بعدم تسلم خمس الغنائم التي حصل عليها أثناء حملته في جرجان وطبرستان زمن الخليفة سليمان بن عبد الملك([7])، وقد بقي يزيد في السجن طيلة حكم عمر بن عبدالعزير كما قام والي العراق بسجن اخوته وبعض أقاربه في البصرة([8])، وكن هذه الحادثة لم تؤد إلى توتر في العلاقات بين أتباع الدعوة الإباضية والخليفة عمر بن عبد العزيز، والحقيقة أن هذا الخليفة حاول أن يحل مشاكله مع أحزاب المعارضة ومن بينهم الخوارج بالطرق السلمية مفضلاً الحوار والمناقشة على النزاع والحروب([9])، ويبدو أن أبا عبيدة ومشايخ الإباضية في البصرة كانوا يأملون خيراً من عمر بن عبدالعزيز, وحاولوا التوصل إلى تفاهم معه حول قاعدة مشتركة بين الطرفين, فأرسلوا إليه وفدا على رأسه جعفر بن السماك, أحد أبرز مشايخ الإباضية في البصرة آنذاك محاولين استمالته إلى جانبهم وإقناعه بصحة معتقدهم، وعلى الرغم من عدم وصولهم إلى نتيجة حاسمة معه في هذا الشأن إلا أن الوفد رجع راضياً عن سياسته وسلوكه، وتدعي بعض المصادر الإباضية أن الوفد استطاع أن يستميل ابن الخليفة عبدالملك واعتنق المذهب الإباضي([10]). (1/157)
صفحة 158
ولإعطاء القارئ صورة واضحة عن طبيعة العلاقات بين الفريقين فإننا ننقل النقاش الذي دار بينهما كما أوردته المصادر الإباضية نقلاً عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل, المؤرخ الإباضي الذي كان معاصراً للحوادث، يقول أبو سفيان: »وفد جعفر والحباب بن كليب وسالم الهلالي في جماعة من إخوانهم إلى عمر بن عبدالعزيز حين ولي الخلافة فدخلوا عليه فكلموه، فقال لهم: هل تنكرون من أمر الأحكام شيئاً؟ فكلما كلموه فزع لهم إلى الأحكام، فعاتبوه وذكروا أمر عثمان فأخذ يعذره ويريد أن ينصرفوا عنه، وضرب الحباب على ركبته وقال: وانك لهاهنا تعذر بالظلمة وتفعل! فقال له: أمسك يدك يا عبدالله! وكان جعفر (ابن السماك) ألطفهم به، وقال: ما فيكم أرفق من الاشج (جعفر) فأجابهم عبدالملك ولد عمر وقبل منهم ما دعوا إليه أباه, وكان عبد الملك فاضلاً([11]).
ومهما كانت صحة هذه الرواية فإنها تدل على وجود علاقات ليست سيئة بين أهل الدعوة (الإباضية) وبين الخليفة، وتجمع المصادر الإباضية على عدم الإساءة إلى عمر بن عبدالعزيز بل أن بعضها يشير إلى أن الإباضية يتولونه ولا يتبرءون منه([12])، ومما يثبت وجود علاقات سلمية بين أهل الدعوة والخليفة عمر بن عبدالعزيز أن الأخير عين الفقيه الإباضي المعروف, إياس بن معاوية المزني, قاضياً في البصرة([13]). (1/158)
صفحة 159
أثناء هذه الفترة من العلاقات السلمية, وأحياناً الودية, بين الإباضية والسلطة الحاكمة والتي امتدت خلال حكم الخليفتين سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبدالعزيز, استغل أبو عبيدة ومشايخ الدعوة في البصرة هذه الفرصة لالتقاط أنفاسهم وتنظيم حركتهم على أسس متينة من أجل الوصول إلى هدفهم الأسمى, وهو تأسيس إمامة الظهور وانتخاب خليفة للمسلمين من بين أتباع الدعوة، وقام أبو عبيدة بتطوير تنظيمات المجالس السرية وأعمالها التي كانت تقام في البصرة وتضم مشايخ الدعوة وأتباعها, يتداولون فيها خططهم ويتعلمون فيها مبادئ عقيدتهم وما يمت إلى دعوتهم بصلة سواء في النواحي الدينية أو الدنيوية، والحقيقة أن هذه المجالس السرية كانت موجودة منذ زمن مرداس بن أدية التميمي الذي تزعم حركة القعدة بعد النهروان, أي في أيام زياد بن أبية وابنه عبيدالله . وتذكر الروايات أن عروة ابن أدية, أخا مرداس قد قبض عليه وهو مختبئ في سرداب سري تحت الأرض حيث كان يتعبد مع أصحابه([14])، ويذكر المؤرخ الإباضي أبو سفيان أمثلة أخرى تدل على وجود مثل هذه المجالس السرية في زمن مبكر من عمر الدعوة، منها ما يقوله: »حدثني يسار وهو من خيار من أدركت عن والدته, وهي بنت ثمانين سنة، قال: أدركت أخرين من بني راسب يقال لأحدهما تبرح والآخر مازن ابن كنان، وكانا من خيار من مضى من أهل هذه الدعوة، وكانا نظيري أبي بلال وأخيه عروة رحمهم الله, وكانا في زمانهما، فأما تبرح فكان عابداً مصلياً لا يفتر من العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كدبر البعير، وكان قد اتخذ سرباً في الأرض يعبد الله فيه مع أصحابه()[15].
وعلى الرغم من وجود هذه المجالس السرية منذ الأيام الأولى لقيام حركة الخوارج القعدة فإن الفضل يعود للإمام أبي عبيدة في توضيح معالم هذه المجالس وتصنيف وظائفها وترتيب طبقاتها، ويمكن أن نميز بين ثلاثة أنواع من المجالس السرية كانت موجودة زمن أبي عبيدة التميمي. (1/159)
صفحة 160
النوع الأول: المجالس العامة وهي التي لم تكن مقصورة على جماعة معينه بل أن دخوله مباح لأي شخص من أهل الدعوة، وكان الأعضاء يرتادون هذه المجالس التي تعقد سراً في بيت أحد المشايخ وفي سراديب أرضية خاصة أعدت لهذا الغرض، وفي بعض الأحيان كانوا يعقدون هذه المجالس في بيوت النساء العجائز أو بيوت الكرائين تجنباً للشبهات وإمعاناً في الحيطة والحذر([16])، ولم يكن لهذه لمجالس العامة برنامج معين أو خطة واحدة، بل كان الأعضاء يجتمعون في المجلس ويتلقون دروسا في العقيدة وإرشادات من كبار المشايخ الذين كانوا يقومون بإلقاء الخطب الواحد تلو الآخر حول وموضوع معين أو مواضيع مختلقة، وتشبه خطبهم ما هو معروف عن خطب صلاة الجمعة في المساجد ولكنها من جهة أخرى تختلف عنها في أن المجتمعين قد يتلقون أوامر يجب التقيد بها، ولم تقتصر على الخطب الوعظية والدروس الدينية كما هو الحال في خطب الجمعة أو الأعياد الدينية، وكان المتحدثون يتكلمون بصوت منخفض حتى لا يسمعهم الجيران أو المارة. (1/160)
صفحة 161
وكانوا يعينون أشخاصاً منهم لمراقبة الأحياء والطرق المؤدية إلى مكان الاجتماع, حتى لا تداهمهم الشرطة على غفلة أو يعلم باجتماعهم أحد من المحالفين المناوئين للحركة وبينما كانوا مجتمعين ذات مرة جاءتهم العيون تخبرهم بأن الشرطة في طريقها إلى الحي الذي اجتمعوا فيه ففضوا الاجتماع وتفرقوا، وكانوا آنذاك مجتمعين في بيت متواضع تملكه امرأة مسنة، يقول أبو سفيان »وما بلغنا أنه ظفر بهم في مجلس قط إلا أنهم كانوا ذات مرة أتاهم الخبر بأن الخيل تريدهم، فخرجوا مسرعين, وتركوا نعالهم على باب البيت الذي كانوا فيه فجاء الشرط فنظروا إلى النعال, فقالوا للعجوز صاحبة البيت: ما هذه النعال؟ فقالت: مكاتب لنا يسأل الناس فيعطى النعال وغيرها, قالوا بالله ما ذلك كما ذكرته, فان هذا موضع ريبة، قال: فقال بعضهم: فد ذكرى العجوز ما ذكرت فلا تعرضوها للبلاء, فلعلها أن تكون صادقة, قال: »فعافاها الله منهم«([17])، وعلى أي حال فان الإباضية لم يتركوا وسيلة لإخفاء تنظيمهم مالا واتبعوها وكانوا يتخذون كل الإجراءات الممكنة لمنع تسرب أية معلومات عن مجالسهم أو أماكن انعقادها. (1/161)
صفحة 162
كما كانوا يذهبون لحضور هذه المجالس متنكرين على هيئة النساء أو الباعة المتجولين، يقول أبو سفيان: كانوا يأتون المجالس في هيئة النساء في النهار, وغير ذلك يتشبهون بالنساء.. وان كان أحدهم ليحمل على ظهره جرة ماء أو يحمل حمل متاع كأنه بياع حتى يدخل المجلس«([18])، ليس هذا فحسب بل أن مشايخ الإباضية كانوا يحذرون أتباعهم من العيون والجواسيس ويوصونهم بطرد أي شخص يشكون في أمره، ويؤثر عن أبي مودود حاجب الطائي أنه كان يخاطب أتباعه ويقول: »إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون (الإباضية) في خلافهم في الدين وأراد أن يشغب عليهم وفتق بينهم فاهجروه ولا تحضروه مجالسكم وأعملوا الناس به ليكونوا منه على حذر..« ([19]) ونتيجة لهذه الوسائل والإجراءات الحذرة التي اتبعها الإباضية في البصرة لم يؤثر عنهم »أنهم ظفر بهم في مجلس قط«([20]).
كان مشايخ الإباضية البارزين يشرفون على هذه المجالس العامة. ولذلك فقد سمي كل مجلس باسم الشيخ المشرف عله مثل مجلس عبد الملك الطويل ومجلس أبي سفيان قنبر ومجلس أبس الحر علي بن الحصين ومجلس أبي مودود حاجب الطائي وغيرها([21]).
النوع الثاني: مجالس المشايخ ويحضرها زعماء الإباضية فقط. وفي هذه المجالس تقرر السياسة التي يجب على أهل الدعوة اتباعها . وكان مجلس المشايخ عبارة عن مجلس تخطيط وتنظيم لحركة ثورية سرية، ولا يجوز لأحد غير الإمام وكبار المشايخ حضور هذه المجالس، وتورد المصادر الإباضية أمثلة كثيرة منع فيها بعض اتباع الدعوة من الدخول إلى هذه المجالس : منها ما يذكره أبو سفيان من أن شعيب بن عمر, وهو من أفاضل شباب أهل الدعوة, قد حاول دخول أحد مجالس المشايخ وكان منعقدا في الليل في بيت زوج أخته حاجب الطائي، ولما علم الأخير به رفض السماح له وطلب منه العودة إلى بيته الذي كان يبعد أكثر من ثلاثة أميال([22]). (1/162)
صفحة 163
النوع الثالث: هو ما يمكن أن نسميه باسم مجالس أو مدارس حملة العلم, حيث كان الدعاة من مختلف الأمصار يتلقون العلم وأصول الدعوة وتعاليمها مباشرة عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي أقام مدرسة سرية لهذه الغاية في سرداب أرضي لا يعرفه إلا الدعاة حملة العلم وشيوخ الإباضية البارزين الموثوقين، وكان أبو عبيدة يتظاهر بصنع القفاف لذلك دعي بالقفاف([23])، وبينما كان الإمام يلقي دروسه على تلاميذه كان هناك حارس يجلس عند الباب الخارجي للسرداب فإذا مر أحد حرك الحارس سلسلة حديدية فيتوقف أبو عبيدة عن إلقاء دروسه ومحاضراته, ويشتغل وتلاميذه بضع القفاف، وإذا أمن الحارس وأيقن عدم وجود خطر حرك السلسلة مرة أخرى فيعود أبو عبيدة وتلاميذه للدرس والتحصيل([24])، ومن هذه المدرسة تخرج دعاة الإباضية في الأمصار الذين عرقوا باسم حملة العلم، كان حملة العلم يختارون عادة من بين أهل الولايات التي يرسلون إليها, أو من المناطق القريبة منها لمعرفتهم بأحوال الناس وعاداتهم وتقاليدهم وطرق معيشتهم ومقدار تطورهم الفكري والحضاري ودرجة ولائهم للسلطة الحاكمة, وبالتالي يصهل عليهم مخاطبة الناس واختيار الظروف الملائمة والأماكن المناسبة لإقامة مراكز الدعوة ونشر أفكارهم ومعتقداتهم في تلك البلاد، وإذا تفحص الباحث المصادر الإباضية المتوافرة فإنه يجد أن معظم حملة العلم كانوا من بين السكان الأصليين للبلاد التي يبشرون فيها، على أن وجود دعاة من أماكن أخرى كان وارداً ولكن بصورة محدودة جداً. (1/163)
صفحة 164
وطبقاً لمقتضيات الظروف، كما حدث عندما رافق أبو الخطاب المعافري، وهو عربي يمني، حملة العلم المغاربة الذين جاءوا إلى البصرة في نحو عام 135ه، وبقوا خمس سنوات يأخذون العلم وأصول المذهب الإباضي عن إمام الإباضية الأكثر أبي عبيدة التميمي([25])، ومهما يكن من أمر فإن الروايات الإباضية تشير إلى أن أبا عبيدة كان يحبذ اختيار الدعاة من السكان المحليين، يقول أبو سفيان: »أخبرني بعض بني بسر وقال: قدم إلينا أبو عبيدة مرة حاجباً ومعه امرأة من المهلبيات فلما فرغوا من حجهم قالت: يا أبا عبيدة! إني أريد المقام بمكة، قال: لا تقيمي الخروج أفضل لك، قال ابن مسروق: (من دعاة الإباضية في الحجاز) فقلت: وأنا أخرج معكم يا أبا عبيدة، قال: فقال: أما أنت فأقم، قال: فقلت تأمر هذه بالخروج معك وتأمرني بالمقام؟ قال: لأنك قريب من مكة ونحن بعيد عنها«([26])، والحقيقة أن حملة العلم للأمصار الذين أرسلهم أبو عبيدة للولايا كانا من السكان المحليين سواء كان ذلك في عمان وحضرموت والسمن أو الحجاز أو شمال أفريقية. وسوف نفصل ذلك خلال حديثنا عن انتصار الدعوة وتأسيس الإمامة في هذه الولايات والأمصار. (1/164)
صفحة 165
وقد نظم أبو عبيدة العلاقة بين مركز الدعوة في البصرة وحملة العلم, وإذا حدث خلاف بين أفراد حملة العلم في أي من الأمصار فكان عليهم العودة لمشايخ أصحابه المعروفين بالحصافة والعلم للنظر في مثل هذه الطوارئ, وكان رسوله في معظم الأحيان حاجب الطائي الذي كان ساعده الأيمن ومستشاره الأول, وكان المسؤول عن الشؤون العسكرية والمالية وشؤون الدعوة خارج البصرة([27]), ومن أمثلة ذلك ما حدث بين أتباع الدعوة من أهل حضرموت, فقد وقع الخلاف بينهم وقبض فريق منهم على رئيسهم عبدالله بن سعيد وشدوه في الحديد وبايعوا رجلا آخر يقال له حسن بينما خالفتهم طائفة أخرى, واتفق الفريقان على تحكيم مشايخ البصرة في الأمر وأرسلوا إلى البصرة يفرضون مشكلتهم على الأمام ويطلبون منه النصح والإرشاد, فأرسل لهم أبو عبيدة حاجب الطائي في موسم الحج, وبعث لهم يخبرهم بذلك ويأمرهم بموافاة حاجب في الموسم, وصدع الجميع لأمر شيخهم أبي عبيدة, ووافى الحضارمة حاجبي في مكة ودخلوا عليه خيمته, وكان آنذاك أرمدا, فقال: لقد خرجت من البصرة فما أبصر سهلا ولا جبلا ولا أخرجني بعد ما أرجو من قضاء نسكي إلا أمركم يا أهل حضرموت, فأنكم غلبتمونا, قال وائل بن أيوب الحضرمي فقلت: رحمك الله يا أبا مودود فأنا لا نخرج عن رأيك, فقال لي: أسكت فوالله ما أريدك ولا أصحابك!، ثم تلك الفريقان (الحضرميان) فقال من أحق بالقيام المدافع أم الشاري؟ قال: بل الشاري أحق، فقال أصحاب ابن سعيد: يا أبا مودود إذا شروا فليخرجوا عنا، فإنا لا طاقة لنا بالحرب ولا بما يجرون علينا منها، فقال: (الذين أرادوا الشراء)، يؤجلوننا شهراً، فقال لهم حاجب: لا والله ولا ثلاثة أيام إلا برضاهم«([28]). (1/165)
صفحة 166
بالإضافة إلى الدعاة وحملة العلم فقد استفاد الإباضية في سبيل نشر دعوتهم، من وسائل أخرى أهمها موسم الحج الذي كان من أفضل المناسبات لبث الدعوة الإباضية بين الحجاج القادمين من مختلف أصقاع العالم الإسلامي، وقد أحسن مشايخ الإباضية وأتباعها استغلال هذا الموسم لصالح دعوتهم، ونشر عقيدتهم، وكان الإمام أبو عبيدة التميمي إذا حج في سنة من السينين أقيمت له خيمة خاصة يرتاده أتباعه فيها حيث يعلمهم أصول الدين ويجيب على أسئلتهم واستفساراتهم، وإذا لم يحج فإنه يرسل أحد مشايخ الإباضية المشهورين بغزارة العلم وحلاوة المنطق وقوة الحجة وسداد الرأي ليرأس وفد الإباضية لموسم الحج، ومن أشهر هؤلاء المشايخ أبو مودود حاجب الطائي والربيع بن حبيب الفراهيدي، وصالح الدهان، وغيرهم، وكانت منازل هؤلاء المشايخ وخيامهم مدارس متنقلة لنشر المذهب الإباضي، كما كانت ملتقى لأهل الدعوة حيث يتشاورون في أمورهم، ويتبادلون الرأي والنصيحة حول خططهم في أقطارهم المختلفة وأفضل السبل الواجب اتباعها لتحقيق أهدافهم وانتصار دعوتهم([29]).
وأفاد الإباضية أيضاً من إخوانهم التجار لنشر المذهب في الأماكن التي يتاجرون فيها، ومعروف من المصادر الإباضية أن هؤلاء التجار قد جابو العالم المعروف آنذاك من الصين شرقاً إلى السوس الأقصى في بلاد المغرب غرباً، وكان لهم دور بارز في نشر المذهب في تلك الأقطار، وبعد انتصار الدعوة في شمال أفريقية وتأسيس الإمامة كان للدعاة الإباضية دور بارز وجهد مشكور في نشر الإسلام في بعض مناطق أفريقية جنوب الصحراء([30]). (1/166)
صفحة 167
استطاع الإباضية نتيجة للتنظيم الدقيق والدعاية النشيطة والحذرة أن يكسبوا أعواناً كثيرين في مناطق متعددة من الدولة الإسلامية خلال الربع الأخير من القرن الأول الهجري، وفي بداية القرن الثاني الهجري وبعد أن اعتلى يزيد بن عبدالملك عرش الخلافة (101هه) حدثت بعض التطورات السياسية التي أدت إلى بروز جماعة متطرفة من بين الإباضية تنادي بوجوب الثورة، فقد ثار يزيد بن المهلب الذي كان قد هرب من السجن إثر وفاة الخليفة عمر بن عبدالعزيز واحتل البصرة، بعد أن أهزم واليها وحرر إخوته وأقاربه من سجنه([31])، ثم قام بدعاية واسعة انضم إليها على إثرها عدد كبير من أهل العراق وامتد نشاطه فشمل الأهواز وكرمان وفارس وحتى السند([32])، ولما علم الخليفة بهذه الانتصارات التي أحرزها يزيد بن المهلب أرسل إليه جيشاً كبيراً بقيادة أخيه مسلمة بنت عبدالملك وابن أخيه العباس بن الوليد واستطاع الجيش الشامي أن يهزم الثوار في معركة العقر سنة 102ه، وقتل فيها يزيد بن المهلب نفسه وهرب بقية أقاربه وأخوته في قندابيل في السند، ولحق بهم هلال بن أحوز التميمي على رأس قوة كبيرة فحاصرهم وألحق بهم هزيمة منكرة وقتل معظمهم أفراد الأسرة المهلبية بينما أسر الباقون مع نسائهم وأطفالهم وعوملوا معاملة سيئة حتى أنهم تعرضوا للبيع في السوق كالرقيق([33]). (1/167)
صفحة 168
كان لهذه المعاملة السيئة التي لقيها المهالبة، قادة الأزد وزعماؤهم أثرها الكبير في إثارة غضب الأزد وسخطهم على الحكم الأموي، ولم يقتصر ذلك على أزد العراق وخراسان بل تعداه إلى أزد عمان، وأدى ذلك بالتالي إلى خنق الإباضية في البصرة، وخاصة أن عدداً كبيراً منهم كان ينتمي إلى قبيلة الأزد، ومنهم عدد من المهالبة أنفسهم، والحقيقة أن قضية المهالبة قد ربطت منذ أيام جابر بن زيد بالقضية الإباضية حيث كان أي خير أو شر يمس هذه الأسرة ينعكس على الحركة الإباضية وعلى علاقتها بالسلطة الحاكمة([34])، ومن المؤكد أن عدداً من المهالبة وأزد البصرة الذين لقوا مصرعهم على أيدي الأمويين وأعوانهم كانوا من الإباضية ومن بينهم عبدالملك بن المهلب الذي أسلفنا القول عنه في الصفحات السابقة([35])، ولذلك فقد نقم الإباضية في البصرة على الحكم الأموي بعد قمع ثورة يزيد بن المهلب وضاقوا ذرعاً بسياسة ولاة البصرة تجاه أنصارهم من الأزد، وارتفعت أصوات بعض مشايخهم بوجوب الانتقام وإعلان الثورة ومن بين هؤلاء: الشيخ الإباضي أبو نوح صالح الدهان، وبعض أفراد الأزد الذين نجوا من الموت والهلاك، ومن بينهم عاتكة أخت يزيد بن المهلب المعروفة بحماسها الشديد للمذهب الإباضي وتفانيها في خدمته. (1/168)
صفحة 169
ولكن الإمام أبا عبيدة كان يرى أن الوقت لم يحن بعد لإعلان الثورة المسلحة، ورفض بشدة آراء المنادين بها([36])، وحبذ أبو عيبدة أن يقوم أتباعه بثوراتهم في أماكن نائية بعيدة عن متناول السلطة المركزية، وكان في كل تنظيمه يخطط لمثل هذا العمل، ولكنه كان يتحين الفرص المناسبة والملائكة لكل قطر حتى يأمر أتباعه فيه بالخروج، ولذا فقد قاوم آراء أتباعه المنادين بالعصيان وبقي الإباضية طيلة فترة يزيد بن عبدالملك محافظين على سرية حركتهم متجنبين كل ما يثير السلطات حتى لا يواجهوا نفس مصير الأزد والمهالبة، وقد كان موت يزيد بن عبدالملك واعتلاء أخيه هشام عرش الخلافة (150ه/724م-125ه/743م) وتعيين خالد القسري والياً على العراق فرصة مناسبة ساعدت أبا عبيدة على إقناع أصحابه بالتحلي بالصبر، فقد اتسمت فترة ولاية خالد القسري باللين والتسامح ليس مع الإباضية فحسب بل مع معظم المعارضين للحكم، شريطة أن لا يرفعوا السيف في وجهه، وبلغ به التسامح أن بعض مشايخ الإباضية كانوا يشتمونه من على منابر المساجد، كما كانوا يؤلبون الناس ضد عامله على البصرة، القاضي المعروف بلال بن أبي بردة، ولم يمسسهم بضر، وقد تزعم هذه الحملة الدعائية ضده أحد شيوخ الإباضية البارزين وهو أبو محمد النهدي([37])، وعندما عزل خالد القسري وعين بدلاً منه يوسف بن عمر الثقفي اتبع الأخير سياسة قاسية مخالفة لسياسة سلفه، واستعمل العنف والشدة ضد المناوئين للسلطة حتى لو لم يرفعوا السيف في وجهها. (1/169)
صفحة 170
في ظل السياسة التي أخذ يمارسها الوالي الجديد تعرض أبو عبيدة لضغط جديد من بعض أتباعه في وجوب التحرك والخروج، ويبدو أن أبا عبيدة قد أدرك أنه ليس بوسعه الاستمرار في مقاومة رغبات بعض أصحابه ومشايخ دعوته لوقت أطول، ولكنه رأى أن الوقت نفسه أن الخروج على طريقة متطرفي الخوارج أو على منوال الثورات الأخرى التي قامت في العراق لن تؤدي إلى نتيجة طيبة وستقمع بعنف وشدة، وقد تضيع بعدها الدعوة ويصعب تنظيم أصحابها من جديد، لذا قرر السير في الانتقال من طور الكتمان إلى طور الظهور بحذر شديد، متخذاً خطوات تنظيمية جديدة في هذا الشأن كان لها أثر كبير في انتصار الدعوة،و إعلان إمامة الظهور، ليس في البصرة ولكن في الأمصار الأخرى البعيدة عن مركز السلطة المركزية والتي كان أبو عبيدة يرى من قبل، أن أي نجاح لدعوته ستكون في الأمصار النائية، ولذا فقد ركز جهوده وجهود دعاته على سكان تلك الولايات الواقعة على أطراف الإمبراطورية الإسلامية. (1/170)
صفحة 171
كانت خطة أبي عبيدة مختلفة مع خطط كل ما سبق من ثورات وحركات وكانت ترمي إلى إقناع المتطرفين من أصحابه بأنه ليس أقل حماساً منهم للوصول إلى الهدف الأسمى، ولكن بعد التأكد من أن الأمر قد أعد له الإعداد الكافي والضروري، وتبعاً لذلك قرر أبو عبيدة أن يعزل نفسه وأصحابه قدر الإمكان عن بقية المسلمين (المخالفين) ويكون ما يمكن أن نسميه تجوزاً »المجتمع المغلق«، والذي أطلق عليه جماعة المسلمين، وحذر أصحابه وأتباع دعوته من التعامل مع الولاة والحكام، وطلب منهم عدم قبول أي منصب وتناول أي مال منهم، وعلى الرغم من أن هذه الأمور كان مسموحاً بها في زمن سلفه جابر بن زيد فإن أبا عبيدة وجد من الضروري في هذه المرحلة اتخاذ مثل هذه الإجراءات حتى يحافظ على سرية الحركة، ويمنع الإغراءات لبعض أتباع الدعوة، ليس هذا فحسب بل أن أبا عبيدة لم يحبذ التزاوج بين أتباع الدعوة وبقية المسلمين، ومع أن هذا الأمر مشروع في العقيدة الإباضية إلا أن الإمام فعل ذلك من قبيل المحافظة على عدم اختلاط أهل الدعوة مع غيرهم ومنع تسرب أية معلومات عن نشاطاتهم وتحركهم، بل وسلوكهم وتعاملهم فيما بينهم، وتشير الرواية الإباضية إلى أن أبا عبيدة هجر أحد أتباعه لأنه زوج انته لرجل غير إباضي بينما سمح جابر بن زيد من قبل بمثل ذلك([38])، على أنه يجب أن لا يغيب عن البال أن هذا الإجراء كان مؤقتاً قبل إعلان إمامة الظهور ولم يكن قاعدة فقهية يجب اتباعها والأخذ بها في كل الظروف، وجدير بالذكر أن الإباضية في مرحلة الكتمان يجيزون بعض الأمور مثل تعطيل الأحكام وعدم إقامة الحدود لأنهم –طبقاً لوجهة نظرهم- ليسوا يف وضع يسمح لهم بتنفيذ هذه الأمور. (1/171)
صفحة 172
بالإضافة إلى هذه التنظيمات فقد خلق أبو عبيدة من أتباعه مجتمعاً تسوده المودة والمحبة والإخاء في العقيدة وتسيطر عليه روح الجماعة، وكان يحثهم على التآلف والتعاون فيما بينهم، كما طلب من الأغنياء أن يكونوا عوناً للفقراء، وسنداً لهم حتى لا يضطر الفقير من جماعته لاحتياج أحد من المخالفين، وقد لبى الأثرياء منهم هذا الطلب بحماس منقطع النظير([39])، وتورد المصادر الإباضية أمثلة كثيرة تشير فيها إلى تنافس الأغنياء منهم في سد حاجة الفقراء وإعطائهم، يقول أبو سفيان مدللاً على ذلك: »سمعت بعض مشايخ من أدركت يقولون: إنا لنذكر إذا دخل شعبان أن كان الفقراء من المسلمين (الإباضية) لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر وما يصلحهم لشهر رمضان، ولا يعلمون من بعث بها.. يأتي لرجل بالجمال حتى يقف به على باب الدار فيقول: أدخل/ فيكتب في خرقة كلوا وأطعموا«([40])، ويروى أن شخصاً من الإباضية يدعى ديال بن يزيد »كان يستأجر الأكسية في البرد الشديد.. بألف درهم أو أقل أو أكثر وليس عنده منها شيء، وإنما يتكل على الله ثم على المسلمين (الإباضية) ثم يفرقها بين الفقراء ويجمع ثمنها بعد ذلك من أغنياء الإباضية وكرمائهم([41])، وكان الداعية الإباضي أبو الحر موسراً جداً وتأتيه غلته سنوياً »فيقسمها نصفين فيفرق نصفها في فقراء المسلمين (الإباضية) وفي معاونتهم«([42])، ليس هذا فحسب بل أن أغنياء الإباضية كانوا يتسابقون في دفع الديون المتبقية على من يموت من أصحابهم، يوقل أبو سفيان: »مات حاجب وعليه دين مئتان وخمسون ألفاً أو أكثر (دراهم) قال: فدخل قرة بن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه.. فقال لهم قرة: يا قوم: ما تقولون في دين هذا الرجل؟ فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا دينه، ودخل الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين (الإباضية) وكان موسراً فأخبروه، فقال لهم الفضل: دينه على دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال«([43]). (1/172)
صفحة 173
ولم يغفل أبو عبيدة ومشايخ الإباضية في البصرة عن أتباعهم في الأمصار الأخرى وخاصة أنهم يحتاجون بشكل دائم إلى المساعدات المالية والمعنوية حتى يستطيعوا الصمود، ولكي يستعدوا بشكل فعال للوقوف في وجه أي خطر يتهددهم، أضف إلى ذلك فإن جماعات الإباضية خارج البصرة كانت في بعض الأحيان تواجه بعض المشاكل الطارئة، ولابد لحل هذه المشاكل من الرجوع إلى أئمة البصرة ومشايخها، ومن هنا فقد برزت الحاجة لإيجاد نوع من التنظيم يتولى الإشراف على كل هذه الأمور ويضمن للدعوة باستمرارها وتطورها، ويهيئ لها بالتالي سبل النجاح والنصر، ولتحقيق ذلك أنشأ أبو عبيدة في البصرة ما يمكن أن نسميه بالحكومة الثورية السرية، وكان هو زعيمها وله الكلمة العليا في الشؤون الدينية من فتوى وقضاء وتدريب الدعاة وحملة العلم الذين يرسلون للأمصار([44])، وأنشأ بيت مال خاص بجماعة المسلمين (الإباضية) في البصرة، ووكل حاجب الطائي مهمة الإشراف على الشؤون المالية والعسكرية وشؤون الدعوة([45])، وقد كان أبو عبيدة ذكياً في الربط بين الناحيتين المالية والعسكرية ووضعها في يد رجل واحد قدير، وذلك لأن موارد بيت مال الفرقة كانت تستخدم لمساعدة الدعاة والثوار الإباضية في المناطق البعيدة، وكانت موارد بيت المال تأتي من مصدرين: الأول عبارة عن ضريبة فرضها الإمام على أتباعه في البصرة، ولا تذكر المصادر متى كانت تدفع ولا مقدارها، ولكن من الثابت أنها لم تكن تفرض بالتساوي بل تتفاوت حسب ثراء المكلف ودخله، ولا تذكر المصادر أن أحداً من الإباضية قد تخلف عن دفعها لأنها تعتبر في نظرهم جزءاً من واجباتهم الدينية التي ستساعد على انتصار دعوتهم التي تمثل في اعتقادهم الإسلام الحق كما كان موجوداً زمن الرسول r وفي عهد الخليفتين أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. (1/173)
صفحة 174
ويبدو أن هذه الضريبة كانت تجمع عند الحاجة، يقول أبو سفيان: »لما خرج الإمام عبدالله بن يحيى (طالب الحق) ووجه أبا حمزة المختار بن عوف (لقتال الأمويين) قام حاجب فجمع له أموالاً كثيرة ليعينه بها فكتب على كل موسر قدر ما يرى.. فما امتنع عليه أحد«([46])، أما المورد الثاني لبيت المال فكان يأتي من التبرعات السخية التي يدفعها أثرياء الإباضية، ويبدو أن التجار منهم كانوا يتحملون النصيب الأكبر في هذا الشأن، ومعروف أن عدداً من التجار الإباضية كانوا من الأغنياء المعدودين، وكانت تجارتهم تتجاوز البصرة وما جاورها وتصل إلى الصين والشرق الأقصى، ومن هؤلاء التجار نذكر على سبيل المثال النظر بن ميمون وأبو عبيدة عبدالله بن القاسم والفضل بن جندب وغيرهم([47])، ولم تقتصر هذه التبرعات على الأغنياء من الإباضية بل تعدتهم إلى بقية الناس من أهل الدعوة رجالاً ونساء، وأوساط الناس لأنه لا يريد أن يكتب عليهم ضريبة، »فانطلق أبو طاهر فيمن أطلق معه من المسلمين، فلم يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلاً إلا وجدوه مسرعاً فيما سألوه، وكان رجل من المسلمين لم يكن يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، فلم تمس الليلة حتى جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم«([48]).
--------------------------------------------------------------------------------
1]) أبو الفرج، أغاني، ج، شماخي، سير، ص، الحارثي، العقود الفضية، ص.
([2]) الجاحظ، بيان، ج، ص.
([3]) الدرجيني، ورقة 91، شماخي، سير، ص، 81، 83، السالمي، حاشية الجامع الصحيح، ج، ص، الحارثي، ص-140.
([4]) السالمي، حاشية الجامع الصحيح، ج، ص، الحارثي، ص، (لا يذكر أسماء الصحابة ولكنه يقول: »إن أبا عبيدة أدرك من أدركه جابر بن زيد من الصحابة«).
([5]) الدرجيني، ورقة 4-8، شماخي، سير، صوما بعدها، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 30، العوتبي، ورقة 107، أطفيش، الإمكان، ص.
([6]) أنظر فوق ص. (1/174)
صفحة 175
([7]) ابن أعثم، ج، صب –167أ، مسعودي، تنبيه، ص-321.
([8]) ابن أعثم، ج، صأ، طبري، س2، ص، مؤلف مجهول، غرر السير، ورقة 78، من المحتمل أن بعض أقارب يزيد الذين سجنهم والي البصرة كانوا يعتنقون المذهب الإباضي ولكن المصادر المتوفرة لا تشيرب إلى ذلك لجهلها باعتنقاهم لهذه الدعوة السرية.
([9]) بلاذري، أنساب، ج، ص-168.
([10]) الدرجيني، ورقة 99، شماخي، سير، ص-80.
([11]) الدرجيني، ورقة 99.
([12]) الدرجيني، ورقة 100، الرقيشي، ورقة 98، جيطالي، ورقة 32.
([13]) الدرجيني، ورقة 99-100، شماخي، سير، ص-82.
T. Lewicki, “Notice sur La Chronique ibadite..
Roznik Orientalistyczny, vol. 11 (1936), p. 158.
([14]) الدرجيني، ورقة 92، 98.
([15]) شماخي، سير، ص، (عن أبي سفيان).
([16]) الدرجيني، ورقة 105.
([17]) الدرجيني، ورقة 105 (عن أبي سفيان).
([18]) المصدر نفسه.
([19]) الدرجيني، ورقة 105-106.
([20]) الدرجيني، ورقة 105، شماخي، سير، ص.
([21]) الدرجيني، ورقة 105، شماخي، سير، ص.
([22]) الدرجيني، ورقة 105، شماخي، سير، ص90-91.
([23]) الدرجيني، ورقة 4-8، ابو زكريا، ورقة 5، شماخي، سير، ص، الأزكوي، ورقة 278، الحارثي، ص، 147، 188.
([24]) أبو زكريا، ورقة 5، الدرجيني، ورقة 4، 8، الحارثي، ص.
([25]) أنظر الباب السابع، الفصل الثالث.
([26]) الدرجيني، ورقة 102، شماخي، سير، ص.
([27]) الدرجيني، ورقة 105.
([28]) الدرجيني، ورقة 105-106.
([29]) الدرجيني، ورقة 101، 106، شماخي، سير، ص.
([30]) شماخي، سير، ص، 114، أنظر أيضاً: الدرجيني، ورقة 107،
T. Lowicki, “Les Premiers commesants arabes en Chine” , Roznik Orienalistcany, Vol. 11, pp. 173-186; Idem, “al-Ibadiyy”, E.I (2).
([ (1/175)
صفحة 176
31]) بلاذري أنساب، ج، ص-208، ابن أعثم، ج، صب-172أ، طبري، س2، ص-1385، أزدي، تاريخ الموصل، صمسعودي، مروج، ج، ص-354، مؤلف مجهول، غرر السير، ورقة 78-79، مؤلف مجهول، تاريخ الخلفاء، ص-191أ.
([32]) ابن أعثم، ج، صب، مؤلف مجهول، غرر السير، ورقة 79، طبري، س2، ص.
([33]) بلاذري، أنساب، ج، ص، 214-215، طبري، س2، ص-90، 135 وما بعدها، 1412-1413، ابن أعثم، ج، صأ-178ب، مؤلف مجهول، غرر السير، ورقة 84، يعقوبي، تاريخ، ج، ص-373، مسعودي، مروج، ج، ص، 456-458.
([34]) يجدر بالذكر أن المصادر غير الإباضية لا تمس هذه العلاقة بين المهالبة والأزد، وبين الحركة الإباضية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى جهل هذه المصادر بطبيعة العلاقة بين الطرفين بل وبالحركة الإباضية بشكل عام في تلك الفترة السرية من مراحل تطورها.
([35]) أنظر فوق ص.
([36]) شماخي، سير، ص، 88، الحارثي، ص.
([37]) الدرجيني، ورقة 108، شماخي، سير، ص، 95، 97، السالمي، اللمعة المرضية، ص.
([38]) شماخي، سير، ص.
([39]) المصدر نفسه، ص-114.
([40]) المصدر نفسه، ص.
([41]) المصدر نفسه، ص.
([42]) المصدر نفسه، ص، أنظر مزيداً من الأمثلة حول هذا الموضوع في المصادر التالية: الدرجيني، ورقة 105، 107، 115، شماخي، سير، ص، 113-115.
([43]) الدرجيني، ورقة 105، شماخي، سير، ص.
([44]) الدرجيني، ورقة 105-106.
([45]) الدرجيني، ورقة 105، 106، 110.
([46]) الدرجيني، ورقة 110.
([47]) الدرجيني، ورقة 105، 107، 115، شماخي، سير، ص.
([48]) الدرجيني، ورقة 110، شماخي، سير، ص114-115.
الباب السابع :الفصل الأول انتصار الدعوة
تأسيس الإمامة في الجزيرة العربية – حضرموت واليمن (1/176)
صفحة 177
نتيجة لهذا التنظيم وتتويجاً لنشاط حملة العلم المتحمسين في الأمصار فقد شهدت الدعوة الإباضية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري بعض الانتصارات وأسست إمامات خاصة بها في جنوب الجزيرة العربية وشمال أفريقية، ويبدو أن أئمة الإباضية قد استغلوا الظروف التي تمر بها الدولة الإسلامية إبان حكم مروان الثاني، آخر خلفاء بني أمية وأوعزوا إلى اتباعهم في الأمصار لإعلان التمرد وبدء الثورة ضد الحكم القائم، فقد مرت الدولة الأموية في تلك الفترة بمرحلة عصيبة، وشغلت بقمع ثورات مختلفة في أنحاء متعددة من الدولة، ومن ضمنها بلاد الشام التي كانت، قبل ذلك، تكون العمود الفقري للسلطة الأموية، وقد ساعد انقسام البيت الأموي على نفسه في قيام مثل هذه الحركات وشجع أحزاب المعارضة، على اختلافها وتفرعها وتنوعها على انتهاز الفرصة أملاً في الوصول إلى ما تصبو إليه، وأعلن العباسيون ثورتهم في المشرق واضطر الخليفة لتوجيه قواته للوقوف في وجه هذا الخطر الرامي لتفويض حكم الأسرة الأموية تاركاً المناطق النائية تواجه مصيرها وتحل مشاكلها دون مساعدة تذكر من السلطات المركزية، وكان من بين هذه المناطق حضرموت واليمن حيث كان الدعاة الإباضية يقومون بنشاط واسع هنالك منذ وقت مبكر، وقد ساعد تذمر السكان في تلك المنطقة من سياسة الولاة هناك على انتشار الدعوة الإباضية بشكل واسع وسريع، فقد خضعت اليمن وحضرموت لحكم قيسي ثقفي مستمر منذ أيا عبدالملك بن مروان([1])، وقد اتبع الولاة الثقفيون سياسة مالية جائرة ضد السكان اليمنيين وأثقلوا كاهلهم بالضرائب الإضافية، وقد ألغى عمر بن عبدالعزيز هذه الضرائب الإضافية ولم يلبث أن أعيد فرضها بعد وفاته، مما أدى إلى بعض الثورات في بداية القرن الثاني الهجري ولكنها قمعت بشدة وعنف، وقد كان الثوار من الخوارج، ولكن المصادر لا تذكر الفرقة التي ينتمون إليها([2])، وربما كانوا من الإباضية الذين اختاروا الشراء على (1/177)
صفحة 178
القعود والانتظار، وجدير بالذكر أن الإباضية في مرحلة الكتمان كانوا يجيزون الشراء إذا اتفقت طائفة منهم لا يقل عددها عن أربعين رجلاً على إعلان الثورة شريطة أن يختاروا لأنفسهم إماماً من بينهم يدعى إمام الشراء، ويقودهم في عصيان مسلح ضد السلطة القائمة كما فعل مرداس بن أدية وأصحابه الذين ثاروا على الشراء في عام 61هوقتلوا جميعاً([3]).
في ظل هذه الظروف كان الدعاة الإباضية يجوبون المنطقة يدعون إلى مذهبهم ويؤلبون السكان ضد الحكم القائم، وتولى الدعوة في حضرموت واليمن بعض الأشخاص المشهورين بالعلم من أهل البلاد الذين يتمتعون بالعصبية القوية والكلمة النافذة، وعلى رأسهم عبدالله بن يحيى المشهور بطالب الحق والذي ينتمي إلى قبيلة كندة الحضرمية القوية، ووائل الحضرمي وهو من مشاهير علماء الإباضية البارزين ومن تلاميذ أبي عبيدة النجباء، ولا تسعفنا المصادر المتوافرة في تحديد الوقت الذي وصلت فيه الدعوة الإباضية إلى تلك المناطق، ومن المحتمل أنها تسربت إلى تلك البقعة في وقت مبكر وخاصة أن أئمة الإباضية في البصرة قد أعاروا المناطق النائية الواقعة على أطراف الإمبراطورية الإسلامية عناية خاصة([4]).
تزعم الدعوة الإباضية في حضرموت طالب الحق السالف الذكر الذي يبدو أنه كان يتمتع بمؤازرة قبيلته كندة، وأصبحت السند القوي للدعوة الإباضية في تلك المنطقة، وقد ساعدت الأحوال السيئة التي كان يعاني منها السكان المهمة التي كان يقوم بها طالب الحق وأعوانه من أهل دعوته، وتؤكد المصادر السنية والإباضية والشيعية على رغبة الناس في التخلص من عسف الولاة الثقفيين الذين حكموا البلاد بيد من حديد وبروح قبلية حاقدة مخالفة للمبادئ الإسلامية([5]). (1/178)
صفحة 179
وتدعي بعض المصادر السنية أن طالب الحق لم يكن إباضياً في الأصل([6])، إنما التقى عرضاً في موسم الحج عام 128ه، بأبي حمزة الشاري الذي كان يدعو لمذهب الإباضية فأعجب طالب الحق بدعوة أبي حمزة ودعاه إلى مرافقته إلى حضرموت ففعل، وهناك بايع أبو حمزة طالب الحق بالخلافة ودعا معه إلى محاربة مروان الثاني، آخر خلفاء بني أمية، وأغلب الظن أن هذه الرواية غير صحيحة للأسباب التالية:
1- جرت العادة عند مشايخ الإباضية في البصرة أن لا يعينوا أحد أتباعهم إماماً أو رئيساً لدعوتهم إلا بعد تدريب دقيق وإعداد كاف، ومن غير المحتمل أن يبايع أبو حمزة، المختار بن عوف الأزدي، لطالب الحق بالخلافة لمجرد التقائه به في مكة ولمدة قصيرة جداً، أضف إلى ذلك أن أبا حمزة نفسه لم يكن إلا داعية فقط لا يخرج عن أوامر وإرشادات أئمته في البصرة، فمن غير المعقول أن ينفرد بمثل هذا الأمر الخطير ويبايع لشخص لم يكن له ماض عريق في الدعوة دون الرجوع إلى مركز الدعوة في البصرة، وخاصة أن المصادر الإباضية لا تصنف أبا حمزة مع رؤساء الإباضية البارزين الذين لهم الحق في اتخاذ مثل هذه القرارات الحاسمة دون التشاور مع الأئمة والمشايخ في البصرة.
2- أن التقاء طالب الحق بأبي حمزة المختار بن عوف الأزدي في موسم الحج غير كاف لأن يجعل من طالب الحق عالماً وفقيهاً وعارفاً بأصول المذهب الإباضي، وهذه شروط ضرورية يجب أن تتوافر في الشخص المبايع له.
3- أن المصادر الإباضية وبعض المصادر الأخرى تجمع على أن المختار بن عوف الأزدي ومن قدم معه من إباضية البصرة قد أرسلوا إلى حضرموت من قبل أبي عبيدة لمساعدة طالب الحق الذي كان آنذاك إباضياً ويدعو للمذهب في حضرموت قبل وصول أبي حمزة إلى حضرموت إلا بعد أن أشار طالب الحق على أبي عبيدة بأن الوقت قد حان لإعلان الثورة، فسمح له أبو عبيدة بذلك ثم أرسل إليه المعونة البشرية والمادية وعلى رأسها أبو حمزة السالف الذكر([7]). (1/179)
صفحة 180
4- لقد جرت عادة الإباضية منذ وقت مبكر أن لا يبايعوا لأحد بالإمامة إلا إذا أشار عليهم بذلك رؤساؤهم في البصرة، أو بموافقة ستة من علماء الإباضية المعروفين بالعلم الغزير والفهم الكبير، تقليداً لما فعله عمر بن الخطاب عندما عين ستة من كبار الصحابة لاختيار واحد منهم خليفة للمسلمين، وربما أن الأمر لم يحدث فإن الأول هو الذي حدث بالفعل وأن طالب الحق كان مرسلاً من عند إباضية البصرة.
تبعاً لما تقدم فإن الباحث يعتقد أن طالب الحق كان في الأصل إباضياً وكان يدعو لمذهبه سراً في حضرموت حتى لا يتعرض لأذى من الولاة القيسيين هناك، ولذلك فإن المصادر غير الإباضية قد أغفلت ذكره قبل إعلان ثورته عام 129ه، وخاصة أن تلك المصادر كانت تجهل التنظيم الإباضي في تلك المرحلة وفي تلك المنطقة، وأول إشارة في المصادر غير الإباضية عن نشاط طالب الحق الداعية في حضرموت، ترد عندما أرسل طالب الحق إلى أبي عبيدة يخبره بالظلم الذي حل بالناس على أيدي الولاة. (1/180)
صفحة 181
وعلى أية حال فيبدو أن رسالة طالب الحق جاءت في الوقت المناسب والدولة الأموية في طريقها إلى الانهيار في أواخر العقد الثالث من القرن الثاني الهجري، ولذا فإن أبا عبيدة قد أمر صاحبه في حضرموت بالتحرك في أسرع وقت ممكن، وكتب إليه يقول: »إن استطعت أن لا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، وإنك لا تدري متى يبلغ أجلك، ولله خيرة في عباده، يبعثهم إذا شاء لنصر دينه، ويخصهم بالشهادة إكراماً لهم بها«([8])، وأوصاه أيضاً بالسيرة الحسنة والسلوك الطيب، وقال: »إذا خرجتم فلا تغلوا ولا تعتدوا، واقتدوا بأسلافكم الصالحين، واستنوا بسنتهم، فقد علمتهم إنما أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم«([9])، ثم بعث أأبو عبيدة ومشايخ الإباضية في البصرة بالمال والسلاح معونة لطالب الحق كما سار إليه بعض إباضية البصرة لمساعدته وعلى رأسهم المختار بن عوف الأزدي المعروف بأبي حمزة الشاري، وبلج بن عقبة وغيرهم([10])، ولا تشير المصادر إلى عدد الإباضية الذين قدموا من البصرة لمساعدة طالب الحق، ويبدو من الروايات أن عددهم لم يكن قليلاً، فالمدائني([11]) يذكر أن أبا حمزة المختار بن عوف وبلج بن عقبة قد قدما في رجال من الإباضية لنصرة إخوانهم في العقيدة، أما رواية الأزدي فتعتبر أكثر وضوحاً في إشارتها إلى كثرة عدد إباضية البصرة الذين اشتركوا في حركة طالب الحق، إذ تشير الرواية إلى أن الإباضية »اجتمعت إلى طالب الحق، وجاء إليه خلق من أهل لابصرة«([12])، وقد بالغ خليفة بن خياط عندما أورد رواية ذكر فيها أن عامة جيش طالب الحق كان من أهل البصرة([13])، وأياً كان الصحيح في هذه الروايات فإنها كلها تؤكد على أن مجموعة من إباضية البصرة يقودهم أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي، قد هبوا لمساعدة إخوانهم في حضرموت. (1/181)
صفحة 182
بدأ طالب الحق ثورته في عام 129/746م بالاستيلاء على حضرموت دون مقاومة تذكر، وقبض على واليها إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وزد به في السجن، ولم يلبث أن أطلق سراحه ولحق بسيده القاسم بن عمر الثقفي في صنعاء([14])، ويبدو أن الإباضية قد أطلقوا سراحه ليظهروا للناس مدى تسامحهم وعدم تعطشهم لسفك الدماء وتعذيب الناس، والاهم من ذلك أن الإباضية أرادوا كسب ود قبيلة كندة التي ينتمي إليها الوالي المذكور، وكان معظم أنصار طالب الحق في البداية من بين رجال هذه القبيلة الحضرمية، بعد الاستيلاء على حضرموت وطرد واليها قام الإباضية بداعية نشطة لحركتهم بين القبائل العربية وانضم إليهم عدد كبير من الناس وجمع كثير([15])، ولعل مبايعته بالإمامة قد جرت في تلك الفترة ولقبه أصحابه طالب الحق، بعد ذلك قرر السير إلى صنعاء وكتب إلى من كان بها من الإباضية يستنهض هممهم ويطلب منهم الاستعداد واليقظة التامة ويخبرهم بأنه قادم عليهم([16])، ثم استخلف عبدالله بن سعيد الحضرمي على حضرموت وسار على رأس ألفين من أصحابه متوجهاً إلى صنعاء([17]).
ولما علم الوالي الثقفي بأنباء سير الإباضية إليه أخذ يستعد للقائهم وجمع جيشاً ضخماً يصفه البلاذري بأنه »كان ذا عدد كبير وعدة ظاهرة«([18])، بينما تذكر مصادر أخرى أن عدد هذا الجيش بلغ ثلاثين ألف رجل([19])، وعلى الرغم من المبالغة الواضحة في عدد هذا الجيش إلا أنه بالتأكيد كان أكثر عداً وعدة من الجيش الإباضي. (1/182)
صفحة 183
قرر القاسم الثقفي ملاقاة الجيش الإباضي خارج صنعاء، ويبدو أنه كان معتداً بقوته وعسكره الكثير ولم يتخذ الإجراءات والخطط الكفيلة بنجاح حملته فهزم وعاد إلى صنعاء حيث لحق به طالب الحق وهزمه مرة أخرى، فهرب مع بعض جنده في بلاد الشام واستولى الإباضية على المدينة([20])، وتشير المصادر سنية وإباضية وشيعية إلى أن طالب الحق وأعوانه الإباضية قد عاملوا السكان معاملة حسنة ولم يتعرضوا لأحد بأذى([21])، وتورد بعض المصادر([22]) الخطبة التي ألقاها طالب الحق في أهل صنعاء، والتي تبين بوضوح بعض آراء الإباضية في تلك الفترة المبكرة وقد خير الناس فيها بين ثلاث خصال أيها شاءوا فليأخذوا بها:
1- أن يتبنوا الأفكار والآراء الإباضية ويجاهدوا مع أتباعها، وفي هذه الحالة يتساوون في الحقوق والواجبات مع إخوانهم الذين سبقوهم إلى هذا الأمر، »ويكون لهم من الأجر ما لأفضلهم ومن قسمة الفيء ما لبعضهم«.
2- من قال بقولهم ولم يجاهد معهم فعليه أن يدعو إلى هذا الرأي بقلبه ولسانه، ولم تذكر الخطبة حقوقاً معينة لمثل هؤلاء الأتباع.
3- أن يلزم من لا يقبل هذين الشرطين الحياد على الرغم من معارضته للمبادئ الإباضية، وفي هذه الحالة لن يتعرض له أحد بأذى، وهذا ما عبر عنه طالب الحق بقوله: »ومن كرهنا فليخرج بأمان إلى ماله وأهله، ويكف عنا يده ولسانه، فإن ظفرنا لم يكن عرض لنا نفسه، ولم يحملنا على سفك دمه([23]). (1/183)
صفحة 184
وحتى يتقرب من الناس ويؤلف قلوبهم فقد قام طالب الحق بتوزيع ما استولى عليه من خزائن وأموال بين الناس في صنعاء وخاصة الفقراء منهم([24])، وبقي في صنعاء عدة أشهر يسوس الناس بالعدل ويدعو إلى آرائه وبمادئه بالمعروف والموعظة الحسنة حتى »كثر جمعه وأتوه (الناس) من كل وجه«([25])، وفي موسم الحج من عام 129هبعث طالب الحق قائده المشهور المختار بن عوف الأزدي المعروف بأبي حمزة الشاري، يرافقه بلج بن عقبة وأبرهة بن الصباح الحميري، على رأس قوة عسكرية إلى مكة للاستيلاء عليها، وأصدر أمره بأن يتوجه بلج بن عقبة بعد ذلك إلى الشام لمحاربة مروان الثاني وإسقاط الخلافة الأموية لتحل محلها الإمامة الإباضية([26]).
وافى أبو حمزة الشاري مكة في موسم الحج وانضم إليه إباضية الحجاز بزعامة الفقيه والداعية الإباضي، أبي الحر علي بن الحصين، الذي كان يدعو للإباضية سراً في الحجاز ويعقد مجالسة الخاصة لهذا الغرض يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ويقدر عدد أتباعه الذين انضموا إلى جيش أبي حمزة الشاري نحو 400رجل[27]). (1/184)
صفحة 185
فوجئ والي الحجاز آنذاك، عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك، بظهور الإباضية على جبل عرفات في الوقت الذي كان الحجيج يؤدون مناسكهم على نفس الجبل([28]) ولم يجد عبدالواحد بدا من التفاوض معهم وخاصة أنه لم يكن مستعداً من الناحية العسكرية لمثل هذا الحدث في تلك الظروف، واتفق الطرفان –بعد تبادل الوفود- على أن يتجنب الفريقان الصدام في أيام الحج وأن يترك عبدالواحد مكة ويخليها إلى أبي حمزة الشاري فور الانتهاء من أداء مناسك الحج، وفعلاً خرج عبدالواحد من مكة في العاشر من ذي الحجة عام 129ه، ودخل الإباضية مكة بدون قتال([29])، ثم سار أبو حمزة إلى الطائف واستسلمت له دون عناء، وأمن الناس على حياتهم وأموالهم وأعلن أنه لن يتعرض لأحد بأذى إلا إذا بدأهم بالعدوان([30])، أثناء ذلك كتب الوالي عبدالواحد بن سليمان إلى الخليفة مروان الثاني يخبره بالغزو الإباضي للحجاز، ويعتذر له عن خروجه من مكة المكرمة، فغضب الخليفة وعزله عن الولاية وعين بدلاً منه بعدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز وأمره أن يعد العدة ويحزم أمره لاسترجاع مكة من أيدي الإباضية، وامتثل عبدالعزيز لأمر الخليفة وجهز جيشاً قوامه ثمانية آلاف رجل جلهم من قريش والأنصار وبعض التجار الذين لا علم ولا دراية لهم بالحرب وفنونها، وجعل قيادة هذا الجيش لعبدالعزيز بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وبذلك لم يكن موفقاً في اختيار عناصر الجند ولا في اختيار القائد الذي ينتمي إلى عثمان بن عفان الذي يعتبره الإباضية ظالماً مخالفاً تجب البراءة منه([31]). (1/185)
صفحة 186
التقى الإباضية مع الجيش الأموي في معركة قديد في صفر من عام 130ه، وانتهت المعركة بهزيمة الجيش الأموي وأهل المدينة بعد أن فقدوا كثيراً من رجالهم([32])، وعلى غير عادة الإباضية فقد قام أبو حمزة الشاري بقتل الأسرى القرشيين بينما أطلق سراح الآخرين من الأنصار والقبائل الأخرى([33])، ولعل سبب ذلك يعود إلى التنافس القبلي الذي ظهر منذ فترة مبكرة بين القبائل العربية وقريش التي احتكرت السلطة لنفسها منذ وفاة الرسول r وهذا يخالف مبدأ الإباضية في الإمامة الذي لا يعير اهتماماً لنسب الخليفة العرقي أو القبلي([34]).
وصلت أنباء معركة قديد ودخول الإباضية المدينة المنورة إلى أسماع الخليفة مروان الثاني الذي قرر أن يضع حداً لانتصارات الإباضية فإنفاذ جيش شامي لقتالهم، فجمع أربعة آلاف من أشجع رجاله وأعطى لكل منهم فرساً وبغلاً لحمل ثقله ومائة دينار، زيادة على عطائه، وكان معظم الجيش يتكون من القبائل القيسية، وبذلك أراد مروان أن يضرب الإباضية ومعظمهم من القبائل اليمانية برجال من القبائل القيسية الموالين لبني مروان([35]).
سار الجيش الشامي الأموي يقوده عبدالملك بن محمد بن عطية السعدي القيسي صوب الحجاز، ولما علم الإباضية بذلك أرسل أبو حمزة قائده بلج ابن عقبة الأزدي لملاقاة الشاميين، وتقابل الجمعان في وادي القرى وهزم الإباضية شر هزيمة وقتل منهم عدد كبير([36]). (1/186)
صفحة 187
وجد أبو حمزة الشاري أن لا قبل له بمواجهة الجيش الشامي بعد هذه الهزيمة التي أصابت جنده، وقرر ترك المدينة والعودة إلى مكة وذلك لأن أهل المدينة كانوا اكثر عداء له لما أصابهم على يده من مقتل في معركة قديد، اثنا ذلك تقدم الجيش الشامي واحتل وقتل من بها من الإباضية وكانوا بزعامة رجل يسمى المفضل، وقد تعاون أهل المدينة والجند الشامي على الفتك بهم([37])، سار عبد الملك بعد ذلك إلى مكة للقضاء على من تجمع بها من الإباضية واشتبك معهم في عام 130ه/ 747م في معركة ضارية هزم فيها الإباضية وقتل قائدهم أبو حمزة الشاري في جماعة من زعماء أتباعه على رأسهم أبو الحر علي بن الحصين فقيه الإباضية في مكة, وأسر أربعمائة إباضي أمر القائد الأموي بقتلهم جميعاً، وفر من تبقى من الإباضية والتحقوا بالإمام طالب الحق الذي كان آنذاك يتأهب للسير للقاء أهل الشام([38]). (1/187)
صفحة 188
خرج طالب الحق من صنعاء للقاء عبدالملك بن محمد بن عطية الذي سار بدوره إلى اليمن للاستيلاء عليها بعد أن أعاد ضم المدن الحجازية إلى الإدارة الأموية، والتقى الطرفان في مكان بين مكة وصنعاء([39])، وهزم الإمام طالب الحق ولاقى حتفه في المعركة كما قتل عدد كبير من أتباعه، وسار ابن عطية حتى أتى صنعاء وأعاد ضم اليمن لسلطان الأمويين([40])، ولم يلبث الإباضية أن تجمعوا حول يحيى بن عبدالله بن عمرو بن السياق الحميري الذي انتخبوه إمام دفاع لهم، فبعث إليهم عبدالملك حملة بقيادة ابن أخيه عبدالرحمن بن يزيد والتقى مع الإباضية في معركة قاسية لا تذكر المصادر موقعها ولكنها لم تنته إلى نتيجة حاسمة رغم مقتل عدد كبير من الطرفين، ورجع عبدالله إلى صنعاء بينما التجأ يحيى بن عبدالله وأتباعه من الإباضية إلى عدن، فسار إليهم عبدالملك بنفسه على رأس جيش كبير ضم عدداً من أهالي صنعاء الموالين للحكم الأموي، وتلاقى الطرفان في أحد أودية عدن حيث أوقع عبدالملك بالإباضية هزيمة منكرة وقتل قائدهم وإمام دفاعهم يحيى بن عبدالله الحميري([41]). (1/188)
صفحة 189
بعد هذه الهزيمة تولى يحيى بن كرب (حرب؟) الحميري قيادة الإباضية، لكن لم يلبث ان هزم في معركة قرب ساحل البحر العربي على أيدي القوات الأموية([42])، فمضت الإباضية بعد ذلك إلى المناطق الداخلية من حضرموت وعلى رأسهم عبدالله بن سعيد الحضرمي، الذي يبدو أنه انتخب إمام دفاع لهم، وانضوى تحت إمرته القائد السابق يحيى بن كرب (حرب؟) الحمير السالف الذكر([43])، فشخص عبدالملك بن عطية إلى الإباضية أملاً في القضاء عليهم في آخر معاقلهم، واستعد الإباضية لهذا اللقاء المرتقب وتجمعوا من أنحاء مختلفة من حضرموت في محاولة أخيرة لحماية أنفسهم من بطش الجيش الأموي، وتذكر الروايات أن جماعات من كندة ونهد وهمدان قد احتشدوا والتفوا حول عبدالله بن سعيد الحضرمي، الذي اتخذ شبام قاعدة له، وملأ الإباضية حصونهم بالمؤمن والطعام والعتاد، ثم ساروا للقاء الجيش الأموي خارج حصن شبام حيث دارت بين الطرفين معركة طوال النهار دون نتيجة حاسمة، وأثناء الليل أرسل عبدالملك بن عطية بعض جنوده إلى شبام للاستيلاء على الذخائر والمؤن التي جمعها الإباضية واستطاعت هذه القوة احتلال الحصن والاستيلاء على ما فيه من مؤن وذخائر ومنعوا من بداخله من الخروج. (1/189)
صفحة 190
وعلى الرغم من الموقف الحرج الذي وجد الإباضية أنفسهم فيه فإنهم قاتلوا بحماس وعزم في سبيل عقيدتهم، لأنهم لا يجوز لأحد منهم الفرار إلا متحيزاً إلى فئة، ولم يستطع عبدالملك إحراز نصر حاسم عليهم، ليس هذا فحسب بل إنهم استطاعوا أن يجمعوا قواهم من جديد ويواجهوا عبدالملك في ميدان القتال واضطروه للاتجاء إلى أحد المواقع الحصينة حيث حاصروه مدة أربعة وعشرين يوماً اضطر على إثرها لعقد صلح مع أهل حضرموت والإباضية تعهد فيه بأن »يستعمل عليهم رجلاً منهم، فولى حضرموت رجلاً من أهلها تراضوا به ورد عليهم ما عرفوا من متاعهم (المتاع الذي استولى من عليه في حصن شبام) وكتب عليهم كتاباً«([44])، ثم سار إلى مكة ليترأس موسم الحج في عام 131ه، فلحق به بعض الرجال الإباضية وقتلوه وصحبه في الطريق ثأراً لما فعل بإخوانهم وأهل دعوتهم([45])، وعندما علم ابن أخيه عبدالرحمن بن يزيد بن عطية، وهو بصنعاء نائباً عنه في ولايتها، بعث شعيباً البارقي على رأس جيش من اليمن معظمه من الرجال »القساة الأجلاف«، الذي جمعهم من جبال اليمن، فقدموا حضرموت وأعملوا السيف في أهلها، وخاصة الإباضية منهم وقتلوا عبدالله بن سعيد الحضرمي في أوائل عام 132ه([46]). (1/190)
صفحة 191
وبهذه الموقعة قضى على الإمامة الإباضية في اليمن وحضرموت، وعاد من بقي من الإباضية هناك إلى مرحلة الكتمان، ولكن بعضهم كان يشتد به الحماس أحياناً ويقوم بالثورة محبذاً بذلك الشراء والموت في سبيل عقيدته كما حدث فيما بعد عندما بايع جماعة منهم شخصاً اسمه حسن على أ، يكون إمام مباشراً يقودهم ضد الولاة العباسيين([47]) وعلى أية حال فإن الهزائم التي مني بها الإباضية في تلك المنطقة لم تضع حداً للوجود الإباضي فيها، وتشير المصادر إلى أنهم بقوا أغلبية السكان حتى وقت متأخر، ويذكر المسعودي أن الإباضية كانوا حتى عام 332ه، يكونون أكثرية سكان حضرموت »ولا فرق بينهم وبين من بعمان من الخوارج« أي الإباضية([48])، وقد بقيت العقيدة الإباضية سائدة في بعض أنحاء حضرموت حتى أخذت تتلاشى تدريجياً بعد استيلاء الصليحي على بلاد حضرموت عام 455ه([49]).
-----------------------------------------------------------------------------
[1]) باستثناء فترة قصيرة جداً لا تزيد على بضعة أشهر كان الوالي فيها مسعود بن عوف الكلبي وكان ذلك عام 106ه.
([2]) بلاذري، أنساب، ج، صن 262-263.
([3]) أنظر فوق ص.
([4]) في الواقع أن نشاط الدعاة في الفترة السرية قد تركز في المناطق البعيدة عن مركز الخلافة مثل اليمن وعمان والمغرب.
([5]) بلاذري، أنساب، ج، ص، أبو الفرج، الأغاني، ج، ص-98، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة، 34، الدرجيني، ورقة 110.
([6]) الأزدي، ص، الطبري، س2، ص-1493، ابن الأثير، ج، ص.
([7]) الدرجيني، ورقة 110، الأزكوي، ورقة 270، بلاذري، أنساب، ج، ص.
([8]) بلاذري، أنساب، ج، ص، أبو الفرج، الأغاني، ج، ص، الأزكوي، ورقة 270.
([9]) بلاذري، أنساب، ج، ص، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 32، أبو الفرج، الأغاني، ج، ص.
([ (1/191)
صفحة 192
10]) بلاذري، أنساب، ج، ص، أبو الفرج، الأغاني، ج، ص، الدرجيني، ورقة 110، الأزكوي، ورقة 270-271.
([11]) بلاذري، أنساب، ج، ص، (عن المدائني).
([12]) الأزدي، ص.
([13]) خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص.
([14]) بلاذري، أنساب، ج، ص، الأزدي، ص، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص.
([15]) بلاذري، أنساب، ج، ص.
([16]) بلاذري، أنساب، ج، ص، أبو الفرج، الأغاني، ج، ص.
([17]) بلاذري، أنساب، ج، ص، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص، يذكر الشماخي أن عددهم كان 1600 رجل فقط، أنظر الشماخي، سير، ص.
([18]) بلاذري، أنساب، ج، ص.
([19]) خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص-583، الأزدي، ص، شماخي، سير، ص.
([20]) بلاذري، أنساب، ج، ص، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص، شماخي، سير، ص، الأزكوي، ورقة 270-271.
([21]) بلاذري، أنساب، ج، ص، شماخي، سير، ص، أبو الفرج، الأغاني، ج، ص.
([22]) بلاذري، أنساب، ج، ص، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 34.
([23]) بلاذري، أنساب، ج، ص.
([24]) شماخي، سير، ص.
([25]) بلاذري، أنساب، ج ، ص.
([26]) بلاذري، أنساب، ج، ص، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص، شماخي، سير، ص، تختلف المصادر حول عدد الجيش الذي قادة ابو حمزة الشاري وتتراوح الأرقام التي توردها بين 700 و10000 رجل، ومن الصعب على المرء أن يقرر، في ضوء هذا التناقض الكبير، عدد جند أبي حمزة، ويبدو لي أن عدده لم يكن قليلاً وإلا فكيف يرسله طالب الحق للاستيلاء على الحجاز ويأمر أحد قواده بالتوجه إلى بلاد الشام ومحاربة الأمويين في عقر دارهم؟
([27]) الدرحين، ورق 110-111، شماخي، سير، ص-101.
([28]) بلاذري، أنساب، ج، ص، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص، الدرجيني، ورقة 111.
([29]) بلاذري، أنساب، ج، ص، الطبري، ج، ص، الدرجيني، ورقة 111.
([30]) بلاذري، أنساب، ج، ص، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص.
([ (1/192)
صفحة 193
31]) بلاذري، أنساب، ج، ص-378.
([32]) بلاذري، أنساب، ج، ص، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص-593، ابن الأثير، ج، ص-389، الدرجيني، ورقة 110، شماخي، سير، ص-101، الأزكوي، ورقة 371.
([33]) بلاذري، أنساب، ج، ص.
([34]) من نظرية الإباضية في الإمامة أنظر: الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، ورقة 16«-17، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 25-26، مختصر الخصال، ورقة 70، 71، الصائغي، ورقة 180 وما بعدها.
See also Wilkinson, “the Ibadi imamma.” BSOAS, Vol. 39, pp. 335ff.
Rubinacci, “The Ibadis,” Religion in the middle East, Vol. 2 p.302-17.
([35]) بلاذري، أنساب، ج، ص، الطبري، ج17، ص-399.
([36]) بلاذري، أنساب، ج، ص.
([37]) المصدر نفسه.
([38]) بلاذري، أنساب، ج، ص، الدرجيني، ورقة 110-111، الأزكوي، ورقة 278، 279، الطبري، ج، ص، المسعودي، مروج، ج، ص-67، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص، يجدر بالذكر أن خليفة بن خياط هو المصدر الوحيد الذي يعطي أرقاماً كبيرة لعدد الجيش الإباضي.
([39]) التقيا في تبالة وتقع تهامة على طريق اليمن، أو في جرش وهي قريبة من مكة على الطريق إلى اليمن أيضاً.
([40]) بلاذري، أنساب، ج، ص-382، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص، المسعودي، مروج، ج، ص، الأزكوي، ورقة 279.
([41]) بلاذري، أنساب، ج، ص.
([42]) بلاذري، أنساب، ج، ص، خليفة بن خياط، تاريخ ج، ص-597.
([43]) بلاذري، أنساب، ج، ص، يسميه عبدالله بن سعيد الحضرمي، أنظر خليفة بن خياط، تاريخ، ج12، ص.
([44]) بلاذري، أنساب، ج، ص، الدرجيني، ورقة 110.
([45]) بلاذري، أنساب، ج، ص، خليفة بن خياط، تاريخ، ج، ص، الدرجيني، ورقة 109-110.
([46]) بلاذري، أنساب، ج، ص.
([47]) الدرجيني، ورقة 105، 106.
([48]) مسعودي، مروج، ج، ص.
([49]) صالح بن حامد العلوي، تاريخ حضرموت، ج، ص. (1/193)
صفحة 194
الباب السابع :الفصل الثاني تأسيس الإمامة في عُمان
إن المصادر المتوافرة لا تسعفنا في الحصول على معلومات أكيدة موثوقة عن تاريخ تسرب الأفكار الخارجية بشكل عام والإباضية بشكل خاص إلى عمان، وتشير المعلومات إلى أن أهل عمان قد عارضوا الأفكار الخارجية المتطرفة منذ وقت مبكر، فقد أرسل نجدة بن عامر الحنفي عام 67ه/686م قائدة عطية ابن الأسود الحنفي لضم عمن لدولته التي أقامها في منطقة اليمامة وشرقي الجزيرة العربية, وكان يلي عمان آنذاك عباد بن عبدالله بن الجلندى ويساعده في إدارة دفة الحكم هناك ولداه سعيد وسليمان, وقد استطاع عطية احتلال عمان واضطر حكامها إلى الانسحاب إلى المناطق الداخلية منها, وبقي فيها بضعة اشهر عاد بعدها إلى اليمامة مستخلفا على عمان أحد أعوانه ويدعى أبو القاسم. (1/194)
صفحة 195
وكان العمانيين تجمعوا من جديد حول سعيد وسليمان ولدي عباد واستطاعوا قتل أبي القاسم والقضاء على اتباعه وإعادة الأمر إلى ولدي عباد, وأثناء ذلك حدث خلاف بين نجدة بن عامر وقائدة عطية بن الأسود الحنفي, على أثره ترك الأخير نجدة وسار إلى عمان ولكنه فوجئ بالتطورات التي حدثت هناك وبقتل أعوانه فيها, وحاول دخول عمان مرة أخرى ولكنه اصطدم بمقاومة عنيفة اضطر على أثرها إلى التوجه إلى كرمان حيث أقام فترة من الوقت لاقى فيها نجاحا ملحوظا حتى أنه ضرب نقودا باسمه عرفت بالدراهم العطوية([1]), فقد حبس الحجاج في بداية ولايته للعراق عام 75 ه عمران بن حطان الذي كان يعتبر آنذاك أحد زعماء القعدة في البصرة والمناظر باسمهم, ولم يلبث الحجاج أن أطلق سراحه فترك عمران العراق وأخذ يتنقل بين قبائل العرب وانتهى به المطاف في عمان حيث نزل في قبائل الأزد هناك ووجدهم يعظمون أبا بلال مرداس بن أدية ويعتنقون أفكاره التي نادى بها, فأظهر أمره بينهم وبقي هناك حتى مات([2]), وهذا يدل على أن الأفكار المعتدلة التي كان ينادي بها القعدة, رواد الإباضية الأوائل, قد تسربت إلي تلك البلاد ولأفت استحسانا وقبولا من السكان هناك وخاصة من الأزد, ولكن المصادر لا تذكر كيف وصلت هذه الآراء والأفكار إلى تلك المنطقة, ولعلها وصلت عن طريقين : الأول التجارة حيث كانت العلاقات التجارية بين البصرة – مقر القعدة – وبين عمان وثيقة جدا, ولا شك أن هذه العلاقة قد ساهمت في نقل الأفكار إلى تلك البقعة من العالم الإسلامي, أما القناة الثانية التي تسربت عبرها أفكار القعدة إلى عمان فكانت مواسم الحج, حيث كانت الفرق على اختلافها, ومن بينها قعدة الخوارج يتخذون من هذا الموسم فرصة نافعة لنشر أفكارهم ومبادئهم لدى الحجيج من مختلف الولايات الإسلامية. (1/195)
صفحة 196
ومن المحتمل أن وصول عمران إلى تلك المنطقة واظهار أمره هناك قد ساعد في نشر هذه الأفكار ولا سيما أن عمران كان شاعرا موهوبا خطيبا بليغا وظف هذه المواهب في سبيل خدمة مبادئه, وربما كان عمله هذا ارهاصا للنشاط الذي قام به جابر بن زيد الأزدي, الذي نفاه الحجاج إلى عمان قبل عام 93ه, وقد استطاع جابر القيام بدعاية نشطة لمذهبه بين أهله وعشيرته من الأزد, وفي موطنه الأصلي ومسقط رأسه, وكان لهذا الحدث أهر كبير في تدعيم نشاط الإباضية ونشر عقيدتها هناك, وقد رأينا في الصفحات السابقة أن القضية الإباضية منذ عهد جابر بن زيد قد أضحت قضية الأزد ليس في العراق فحسب بل في المناطق الأخرى ومنها عمان([3]), وتشير المصادر إلى عدد كبير من قادة الإباضية وشايخها من أصل عماني وكان لهم دور بارز في تطور الحركة واستمرار نشاطهما, نذكر منهم على سبيل المنال: المختار بن عوف الأزدي العماني المعروف بأبي حمزة الشاري, وبلج بن عقبة الأزدي وصحار العبدي وهلال بن عطية العماني والربيع بن حبيب الفراهيدي وأبا سفيان محبوب بن الرحيل, وقد تزعم الأخيران على التوالى حركة الإباضية في البصرة بعد موت الامام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي([4]).
وعندما توفي جابر بن زيد عم 93ه وتزعم أبو عبيدة الحركة الإباضية استفاد الأخير من هؤلاء العمانيين واختار منهم عددا من الأشخاص ليكونوا دعاة أو حملة للعلم - كما تسميهم المصادر الإباضية – في عمان وبعد أن تلقوا تدريبا دقيقا ونهلوا علما غزيرا من مدرسة أبي عبيدة التي أعدها سرا لتخريج الدعاة وتثقيفهم في أمر الدعوة, عادوا إلى بلادهم وأخذوا على عاتقهم نشر العقيدة الإباضية بين قبائلهم وفي أماكن سكناهم واستقرارهم, وقد تكللت جهودهم بنجاح كبير, ([5]) ويعود هذا النجاح إلى عدة عوامل يمكن أجمالها فيما يلي: (1/196)
صفحة 197
1- أن معظم حملة العلم كانوا ينتمون إلى قبيلة الأزد وبطونها المختلفة, وكانت هذه القبيلة أكبر قبائل عمان عددا وأهمها من الناحيتين الفكرية والسياسية, وكان زعماء عمان منذ فترة ما قبل الإسلام ينتمون إلى هذه القبيلة ولذا فان تأثيرها في ذلك القطر يفوق ما عداها من القبائل الأخرى, وكانت هذه القبيلة متعاطفة مع المباديء والأفكار الإباضية منذ وقت مبكر, ولا عجب أن يلقى حملة العلم تأييدا وانتصارا لدعوتهم من أفراد هذه القبيلة. ([6])
2- رغبة العمانيين المستمرة في الاستقلال عن السلطة المركزية المتمثلة بالخلافة الأموية ثم العباسية فيما بعد, ولذا فانهم تبنوا العقيدة الإباضية واخذوا منها ذريعة ووسلية لمقاومتهم للخلفاء الأمويين ثم العباسيين الذين اعتبرهم الإباضيون ظالمين غاصبين للحكم, وبالتالي فان سلطتهم غير شرعية. (1/197)
صفحة 198
3- لقد ساعدت الأحوال السياسية السائدة عي عمان على نشر الإبكار الإباضية بدون مشقة, إذ توالى على حكم ذلك القطر منذ بداية القرن الثاني الهجري ولاه ينتمون إلى قبيلة الأزد, كبرى قبائل عمان, ولم يكن من السهل على هؤلاء الأزديين ونقمتهم, ولذلك فانهم تركوا حملة العلم ينشرون مذهبهم بحرية ويسر, بل انهم قدموا لهم التسهيلات لهذا الغرض, ولعل هؤلاء الولاة كانوا إباضية ولكنهم أخفوا معتقدهم على سبيل التقية الدينية التي جوزها الإباضية في مرحلة الكتمان, ومن هؤلاء الولاة الذين تعاقبوا على حكم عمان زياد بن المهلب الذي بقي واليا منذ بداية القرن الثاني الهجري وحتى سقوط الدولة الأموية, ثم جناح بن قيس الهنائي وابنه محمد, وتشير المؤلفات الإباضية بصراحة إلى أن هؤلاء الولاة قد أعانوا الإباضية ولانوا لهم حتى صارت ولاية عمان لهم فعقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود([7]), بالإضافة إلى هذه الأحوال الداخلية التي كانت مواتية لنشر المذهب الإباضي فقد ساعدن الأحوال السائدة في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري في الولايات المركزية والصراع القائم على السلطة في إتاحة الفرصة للإباضية لنشر معتقدهم بحرية في الجزء الجنوبي الشرقي من الجزيرة العربية.
4- أضف إلى ذلك أن طبيعة عمان الجغرافية وموقعها الاستراتيجي على الخليج والبحر العربي قد ساعداها على تنمية مواردها الاقتصادية عن طريق التجارة, واستطاع العمانيون بالتالي الوقوف في وجه أي خطر دون خوف من حصار اقتصادي محتمل كما يحدث في الحجاز مثلا بالإضافة إلى ذلك فان الجبال الوعرة التي تميزت بها عما قد ساعد الدعاة, ومن ثم الثوار, على الوقوف في وجه الخطر والالتجاء إلى هذه الجبال في أوقات الضرورة, ومن هنا فان سلطة الخلاقة كانت تنحصر في معظم الأحيان في المنطقة الساحلية. (1/198)
صفحة 199
نتيجة لهذه العوامل فقد أثمرت جهود حملة العلم بسرعة في نشر المذهب الإباضي في عمان وأصبح معظم أفراد قبيلة الأزد هناك ينتمون إلى هذه الفرقة كما أن أفرادا كثيرين من قبائل أخرى قد انضموا إليها, وقد أشار مشايخ الإباضية في البصرة على اباضية عمان بوجوب التعاون مع اباضية حضرموت وتشير الروايات إلى أن بعض قادة الإباضية في عما حضروا بيعة الإمام طالب الحق وعلى رأسهم الجلندى بن مسعود الذي اختير فيما بعد ليكون أول إمام ظهر في عمان كما سنرى, وبإيعاز من أبي عبيدة, إمام الإباضية في البصرة فقد اشترك عمانيون آخرون في الثورة مع طالب الحق ولاقى بعضهم حتفه وهو يحارب أعداءها, ومن أبرزهم المختار بن عوف الأزدي العماني المعروف بأبي حمزة الشاري وكذلك بلج بن عقبة الأزدي وآخرون([8]).
أثر الفشل الذي انتهت أليه الحركة الإباضية في حضرموت واليمن بعد إخماد ثورة طالب الحق فقد توجهت أنظار الإباضية في البصرة والجزيرة العربية إلى عمان لتكون المركز الذي ينطلق منه صوتت الدعوة العلني, وذلك لأن عمان كانت مؤهلة لقيام بهذه المهمة بحكم ظروفها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تكلمنا عنا آنفا, وكذلك بحكم ولاءات أهلها المذهبية والتي تدين في معظمها للمذهب الإباضي, وذلك أوعز مشايخ الإباضية في البصرة إلى اتباعهم في عمان للقيام بأعلام الإمامة, مستغلين الظروف العامة التي سادت في بلاد الخلافة الإسلامية اثر سقوط الدولة الآوية وقيام الخلاقة العباسية عام 132ه, وفي العام نفسه أعلن الإباضية في عمان مبايعتهم للجلندى بن مسعود أول إمام ظهور إباضي في تلك المنطقة, معتبرين هذا العمل الخطوة الشرعية الإسلامية الصحيحة للخروج من متاهات الصراعات القبلية والأسرية على الحكم, ووجهوا النداء لبقية المسلمين لمبايعة الإمام الجلندى كخليفة للمسلمين([9]). (1/199)
صفحة 200
وطبيعي أن لا يغفل العباسيون عما يجري في ذلك القطر وخاصة أن أية قوة معادية تسيطر عليه سوف تهدد طرق تجارتهم البحرية إلى الشرف الأقصى بالانهيار التام نظرا لموقع عمان الاستراتيجي على مدخل الخليج, وتبعا لذلك فان العباسيين لم يسكتوا طويلا على هذا الوضع, وفي عام 134ه, أي بعد عامين فقط من مجيئهم إلى الحكم ومن تنصيب الجلندى إماماً, وجه العباسيون حملة عسكرية إلى عمان وزودوا قائدهما خازم بن خزيمة التميمي بتعليمات واضحة للقضاء على الخوارج الصفرية الذين تجمعوا في جزيرة ابن كاوان بقيادة شيبان بن عبد العزيز اليشكري الذي لجأ إلى الجزيرة بعد هزيمته على أيدي الأمويين عام 129ه, ثم يسير إلى عمان لمعالجة أمر الإباضية هناك.
استطاع خازم أن يهزم الصفرية في جزيرة ابن كاوان واضطر من نجا منهم إلى هجر الجزيرة والهرب إلى منطقة جلفار في الشمال الشرقي من عمان([10])، ولكن الجلندى بن مسعود كره حضورهم إلى بلاده، فأرسل إليهم قوة عسكرية لطردهم من البلاد، إلا إذا قبلوا اعتناق المذهب الإباضي ولما رفض الصفرية هذا الشرط قاتلهم الإباضية وقضوا عليهم وقتلوا قائدهم شيبان([11])، وبذلك خدم الجلندى وأصحابه الإباضية القائد العباسي خازم، دون أن يخططوا لذلك. (1/200)
صفحة 201
أثناء ذلك كان خازم يراقب سواحل عمان منتظراً النتيجة التي سيسفر عنها القتال بين الصفرية والإباضية في جلفار، ولما علم بالنتيجة سار نحو جلفار قبل عودة الجند الإباضية منها حيث التقى بهم هناك، وعرض عليهم قبول الطاعة للخليفة العباسي وأرسل إلى الجلندى يطلب منه ذلك ويسأله أن يسلمه خاتم شيبان وسيفه ليكونا له حجة عند الخليفة العباسي، ولكن الإباضية رفضوا هذا العرض، وجرت بين الفريقين معركة قاسية في جلفار رجحت فيها كفة العمانيين في البداية، ولكن خازماً اتبع تكتيكاً جديداً فأحرق بيوت الإباضية وأشغل أذهانهم بأولادهم وأهلهم وممتلكاتهم، مما ساعد في إرباكهم واضطراب صفوفهم، وتمكن بالتالي من إحراز النصر عليهم بعد سبعة أيام من القتال العنيف، ونتيجة لهذه المعركة استطاع خازم إعادة ضم عمان إلى جسم الدولة الإسلامية التي تربع على عرشها العباسيون([12]).
على الرغم من هذه الهزيمة فإن العمانيين لم يذلوا أو يستكينوا بل أخذوا يتلمسون الفرص المناسبة لإعادة الكرة، كما أن الإباضية لم تمت في ذلك القطر بل اتخذ أتباعها من معركة جلفار ومما جرى لإخوانهم فيها من قتل وتدمير ذكرى تحفزهم للتجمع من جديد، وتكثيف نشاطهم لنشر دعوتهم وخاصة في المناطق الجبلية والداخلية التي يصعب على العباسيين اجتيازها والسيطرة عليها، واستطاع الإباضية أن يعلنوا الثورة من جديد، ويعيدوا تأسيس الإمامة نحو عام 177ه/793م، ومنذ ذلك التاريخ استمرت الإمامة في عمان (أو بعض مناطقها) بدون انقطاع لعدة قرون، وأصبح المذهب الإباضي هو المذهب السائد في عمان واعتنقه معظم سكان ذلك القطر ولا تزال أغلبية سكانه تعتنق هذا المذهب حتى يومنا الحاضر.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) بلاذري، أنساب، ج، ص-135، ابن الأثير، ج، ص،
Miles, “Some new light on the history of Kirman” W. O.I (1959). P. 90.
([ (1/201)
صفحة 202
2]) الدرجيني، ورقة 97-98.
([3]) أنظر الباب الخامس.
([4]) الدرجيني، ورقة 99، 105-106، 109-115، 117.
([5]) العوتبي، ورقة 107، 193، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 30-31، أطفيش، الإمكان، ص-109
([6]) أطفيش، الإمكان، ص-11.
([7]) الأزكوي، ورقة 327-328، العوتبي، ورقة 167-168، السالمي، تحفة، ج، ص.
([8]) السالمي، تحفة، ج، ص، (عن أبي الحسن البسياني)، الحارثي، ص.
([9]) السالمي، تحفة، جص-92، الحارثي، 253.
([10]) الطبري، ج، ص-463.
([11]) الأزكوي، ورقة 328، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 24-25، السالمي، ج، ص.
([12]) الأزكوي، ورقة 229، الرقيشي، مصباح الظلام، ورقة 30-31، الطبري، ج، ص، السالمي، تحفة، ج،ص-99.
الباب السابع الفصل الثالث تأسيس الإمامة الإباضية في شمال أفريقية (1/202)
صفحة 203
يعتبر سلمة بن سعد الحضرمي أول شخصية تذكرها المصادر الإباضية مقرونة بالدعوة الإباضية في شمال أفريقية([1])، إلا أن هذه المصادر لا تذكر متى وصل سلمة إلى أفريقية كما أن المدة التي قضاها هناك مجهولة ولا نعرف فيما إذا كان قد أمضى بقية حياته هناك أم أنه رجع إلى المشرق، ولما كان مبعوثاً من أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي إمام الإباضية في البصرة، فمن الثابت أنه ارتحل إلى المغرب بعد عام 95ه، وهو العام الذي أصبح فيه أبو عبيدة إماماً للإباضية، يضاف إلى ذلك أن بعض المصادر تشير إلى أن سلمة بن سعد قد ذهب إلى شمال أفريقية مصحوباً بالداعية الصفري عكرمة، مولى ابن عباس([2])، وقد توفي عكرمة في الفترة الواقعة بين عامي 100ه/718م، و110ه/729م، والأرجح عام 105ه /724م([3])، ويذكر البكري أن عكرمة قد جاء إلى أفريقية قبل عام 104ه/722-723م([4])، وبناء على هذه المعلومات فمن المحتمل أن سلمة بن سعد قد وصل شمال أفريقية في السنوات الأخيرة من القرن الأول الهجري، أو السنوات الأولى من القرن الثاني الهجري، ومن المؤكد أنه وصل قبل عام 110ه/729م وهو آخر تاريخ تعطيه المصادر لموت عكرمة الذي صاحب سلمة في رحلته، وبكلمة يمكن حصر المدة التي ارتحل خلالها سلمة إلى شمال أفريقية بين عامي 95ه/713م و110ه/728م، أما الرأي الذي يقدمه المستشرق البولندي ليفتسكي t.lewicki([5]) والذي يفيد بأن سلمة بن سعد وعكرمة كانا من بين العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبدالعزيز لتعليم البربر أصول الدين الإسلامي فيبدو غير صحيح، لأن اسميهما لا يظهران في قائمة الرجال العشرة الذين بعثهم الخليفة المذكور([6]). (1/203)
صفحة 204
وعلى أي حال فإن ظهور داعيتين من الخوارج أحدهما إباضي والأخر صفري مجتمعين في رحلة واحدة يدل دلالة واضحة على أن الخوارج في شمال أفريقية كانوا يقومون –في بداية الأمر- بالدعاية للمبادئ العامة التي نادت بها معظم الفرق الخارجية، وخاصة الصفرية والإباضية، مركزين على مبدأ المساواة بين المسلمين دون اعتبار للمبادئ التي انفردت بها كل فرقة، وقد استهوى هذا الشعار البربر واعتنق قسم منهم المذهب الخارجي (الصفري أو الإباضي) ومنذ بداية القرن الثاني الهجري اتخذ البربر من شعار المساواة السالف الذكر مبرراً لكل الثورات التي قاموا بها ضد السلطة الأموية ثم العباسية فيما بعد.
بعد وصول سلمة بن سعد الحضرمي وعكرمة إلى بلاد المغرب الأدنى افترقا واتخذ كل منهما مقراً له يدعو فيه لمذهبه، فقد نزل عكرمة في مدينة القيروان وأخذ يتصل بزعماء البربر من مختلف القبائل، وكان يدعو لمذهبه سراً، ويبدو أنه ركز معظم جهوده على قبائل البربر القاطنة في المغرب الأقصى، بينما ركز سلمة جهوده على قبائل المغرب الأدنى، ولعل ذلك كان باتفاق مسبق بينهما، وقد اعتنق المذهب الصفري عدد كبير من قبائل مظفرة بزعامة ميسرة المظفري الذي اتصل بعكرمة في القيروان، ثم عاد ونشر المذهب بين بني قومه من مظفرة وتزعم أول ثورة خارجية في تاريخ المغرب العربي([7])، وكذلك اتصل شيخ قبيلة مكناسة البربرية بعكرمة وأخذ عنه أصول المذهب، ويقال أنه بقي ملازماً لعكرمة حتى مات الأخير، ولما كان عكرمة قد مات في مكة بعد رجوعه من المغرب، فيبدو أن شيخ مكناسة أبا القاسم سمكو بن واسول قد رافقه في رحلة العودة إلى المشرق، وهذا ما يفسر لنا اختلاف المؤرخين في المكان الذي اتصل به ابن واسول بعكرمة، فبعض المؤلفين يقول أن ذلك قد تم في القيروان ويرى آخرون أنه تم في بلاد المشرق([8]). (1/204)
صفحة 205
ويظهر أن أول اتصال بين الداعية والتلميذ قد تم في القيروا، وبقيا متلازمين في الحل والترحال حتى مات عكرمة في المشرق، فرجع ابن واسول إلى بلاده وتزعم الدعاية للمذهب الصفري حتى أن الروايات تصفه بأنه مقدم الصفرية من مشاهير حملة العلم([9])، وكان ابن واسول ينشر مذهبه بين قومه من مكناسة بسرية تامة، ولكي يحافظ على كتمان دعوته انسحب جنوباً إلى الصحراء، واستقر في واحة تافيللت حيث تظاهر بامتهان حرفة الرعي أسوة بسكان البادية القاطنين هناك، واستطاع أن يكسب أعواناً كثيرين، وأصبحت خيمته منتدى ومدرسة لأتباعه من البدو في تلك المنطقة([10]).
واعتنق المذهب الصفري أيضاً عدد كبير من قبائل برغواطة على يد زعيمهم طريف بن شمعون، الذي أخذ المذهب عن عكرمة في القيروان([11])، وانتشر المذهب بين قبائل زناتة البربرية وخاصة بني يفرن، وظهر منهم زعماء أشداء حاربوا الولاة الأمويين والعباسيين، من أشهرهم أبو قرة اليفرني الصفري الذي قاد الصفرية في حركة واسعة ضد جند الخلافة وبايعه أصحابه بالإمامة في تلمسان عام 140ه، ويبدو أن بني يفرن كانوا من أكثر البربر حماساً للمذهب الصفري مما حدا بابن خلدون لأن يقول: »لما فشا دين الخارجية في المغرب، وغلبهم الخلفاء بالمشرق واستلجموهم، نزعوا إلى القاصية، وصاروا يبثون بها دينهم في البربر، فتلقنه رؤساؤهم على اختلاف مذاهبه، ففشا في البربر وضرب فيه يفرن هؤلاء بسهم، وانتحلوه وقاتلوا عليه«([12])، ويمكن القول أن المذهب الصفري قد انتشر بشكل خاص بين قبائل البربر في المغرب الأقصى، وليس عجيباً إذن أن نرى أول ثورة خارجية في المغرب قد انطلقت من هناك بزعامة ميسرة المظفري الصفري. (1/205)
صفحة 206
أما المذهب الإباضي فيبدو أنه كان معروفا لدى قلة من الناس في المغرب الأدنى قبل وصول سلمة بن سعد الحضرمي, وقد استقر في جبل نفوسة في منطقة طرابلس حيث تسكن قبائل هوارة البربرية . ويظهر أنالهدف من رحلة سلمة كان – بالاضافة إلى الدعوة لمذهبه – محاولة لاستطلاع الأحوال فيتلك المنطقة والوقوف على مدى استعداد الناس لتقبل الآراء التي ينادي بها جماعة المسلمين ( الاباضية) . أضف إلى ذلك فان مهمة سلمة كانت ترمي إلى ترغيب عدد من زعماء البربر للذهاب إلى المشرق لتلقي العلم على يد إمام الاباضية آنذاك, أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي . وقد نجح سلمة في مهمته إلى حد كبير واستطاع كسب عدد من الأتباع وخاصة في جبل نفوسة([13]). وقد كان سلمة متحمسا في سبيل مبادئه يبذل كل جهد للوصول إلى مأربه, وقد اثر عنه أنه كان يخاطب أصحابه ويقول: ( وددت أن يظهر هذا المذهب (الاباضي) بأرض المغرب يوم واحدا من غدوه إلى الزوال فما أبالي أن ضربت عنقي([14]). (1/206)
صفحة 207
نتيجة لجهود سلمة فقد ارتحل بعض من اعتنق المذهب من أهل جبل نفوسة إلى البصرة ليأخذوا أصول الدعوة وتعاليمها عن الامام أبي عبيدة . وكان أشهر هؤلاء الاشخاص أبو عبدالله محمد بن عبد الحميد بن مغيطر الجناواني([15])، ولا تذكر المصادر المتوافرة المدة التي قضاها ابن مغيطر في المشرق الا أنه رجع وسلامه الحضرمي لا يزال على قيد الحياة . واشترك الاثنان في نشر تعاليم الاباضية في جبل نفوسة . وعندما توقي سلمة ( أو عاد إلى المشرق ) أصبح ابن مغيطر مقدم الاباضية هناك وكان له جهود كبيرة في قناع كثير من بني قومه من نفوسة لاعتناق المذهب الاباضي حتى أن جبل نفوسة أصبح المعقل الرئيسي لاباضية المغرب في تلك الحقبة من التاريخ , أي خلال الثلث الأول منالقرن الثاني الهجري([16]). وانتشر المذهب بين قبائل هوارة وزناتة وسدراته ولاته القاطنة في تلك البقعة من بلاد المغرب. ورأت هذه الجماعات – نتيجة لجهود الدعاة الاباضية – في المذهب الاباضي المثل الصحيح للإسلام الحق, واتخذت من شعار المساواة الذي نادى به الاباضية مبررا دينيا وشرعيا للثورة ضد الولاة. (1/207)
صفحة 208
وقد رأى دعاة الاباضية الأوائل أن الحاجة إلى مزيد من البعثات العلمية للمشرق ليتفقهوا في أصول المذهب على أيدي مشايخ الاباضية في البصرة. وحاولوا انتقاء رجال البعثات من بين القبائل البربرية المختلفة حتى يسهل عليهم إقناع قبائلهم – بعد رجوعهم - لتقبل الآراء والأفكار التي يبشرون بها. وبناء على ذلك فقد اتجهت إلى البصرة أول بعثة علمية منظمة اختير رجالها من قبائل ومناطق مختلفة , وتألفت من أربعة أشخاص وهم : أبو دراد إسماعيل بن درار الغدامسي من غدامس جنوب طرابلس, وعبد الرحمن بن رستم( فارسي الأصل) من القيروان, وعاصم السدراتي من سدراته غربي أوراس , وأبو داود القبلي النفزاوي من نفزاوة جنوبي افريقية ( تونس) وانضم إليهم في البصرة أبو الخطاب المعافري وهو من اليمن . وقد سمي هؤلاء في المصادر الاباضية حملة العلم إلى المغرب([17]).
أما تاريخ رحلتهم إلى المشرق فلا تذكره المصادر الا أنها تشير إلى ردوعهم عام 140هـ ولما كانت المدة التي قضوها في البصرة خمس سنوات([18]) فمن المرجح أنهم والوا شطر المشرق عام 135هـ. (1/208)
صفحة 209
بقي حملة العم خمس أعوام متتالية يتلقون العلم من إمام الاباضية أبي عبيدة التميمي في مدرسته التي أقامها لهذه الغاية في سرداب سري. وبعد أن أنهوا مهمتهم واطمأن أبو عبيدة إلى تعمقهم في معرفة أصول المذهب وتعاليمه عادوا إلى بلادهم لنشر المذهب بين أقاربهم وفي مناطق استقرارهم. وتشير المصادر الاباضية إلى أن حملة العلم قد انشأوا مجالس سرية خاصة لتعليم المذهب على شاكلة المجالس الاباضية في البصرة([19]). ولم يمض وقت طويل حتى برز عدد من العلماء الاباضيين من بين السكان المحليين ممن تلقوا التعليم في هذه المجالس »الاقليمية« وتسميهم المصادر الاباضية تلاميذ حملة العلم. ومن أشهر هؤلاء : أبو خليل الدركلي, عبد الوهاب بن عبدالرحن بن رستم, محمد بن يانس, وعمر بن يمكتن, وقد افتتح الأخير مدرسة لتعليم القرآن وتفسيره في جبل نفوسة([20]). ومن المحتمل أن تلك المدرسة كانت ملتقى لعلماء الاباضية ومركز لتلقين مبادئ الدعوة . ومن المحتمل أيضا أن حلقات أخرى قد أنشئت في مناطق أخرى للغرض نفسه وكان لها أثر كبير في استمالة عدد من رجال القبائل البربر لاعتناق المذهب الاباضي.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الدرجيني، ورقة 4، الأزكوي، ورقة 280، شماخي، سير، ص، 123، أبو زكريا، ورقة 3، لقد أسهبت في الحديث في هذا الفصل عن تاريخ الحركات الإباضية في شمال أفريقية منذ البداية، حتى تأسيس الإمامة الرستمية وذلك لأن كثيراً من الكتاب الذي ألفوا في تاريخ تلك المنطقة قد تناولوا هذا الموضوع، ولكني رأيت أن كثيراً من الآراء والمعلومات التي ضمنوها مؤلفاتهم تحتاج إلى إعادة تقييم، نظراً لاكتشاف معلومات جديدة في مؤلفات لم تكن معروفة من قبل، وسيلاحظ القارئ ذلك خلال قراءته لهذا الفصل.
([2]) أبو زكريا، ورقة 3، الدرجيني، ورقة 4، الأزكوي، ورقة 280.
([ (1/209)
صفحة 210
3]) ابن قتيبة، معارف، ص، خليفة بن خياط، طبقات، بغداد، 1967م، ص، طبعة دمشق، 1966م، ص، مالكي، رياض النفوس، ج، ص، ابن سعد، طبقات، ج، ص، ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج2، أبو الفرج، الأغاني، ج، ص، الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج، ص، ياقوت، إرشاد الأريب، ج، ص-65، ابن الأثير، ج، ص، النووي، تهذيب الأسماء، ص، ابن تغري بردي، ج، ص.
([4]) البكري، ص.
([5]) T. Lewicki, “The Ibaadites in Arabica and Africa”, J. E. H., Vol. 8, part 1, p,.87.
([6]) من أسماء الرجال العشرة الذين بعثهم الخليفة عمر بن عبدالعزيز لتعليم البربر أصول الدين الإسلامي ومبادئه أنظر: مالكي، رياض النفوس، ج، ص-76، أبو العرب، طبقات علماء أفريقيا وتونس، ص-118.
([7]) ابن خلدون، ج، ص.
([8]) ابن خلدون، ج، ص، مؤلف مجهول، نبذة تاريخية من أخبار البربر، ص، القلقشندي، ج، ص، محمد إسماعيل عبدالرزاق، الخوارج في بلاد المغرب، ص.
([9]) ابن خلدون، ج، ص، الشطيبي، الجمان، ورقة 202-203، محمد إسماعيل عبدالرزاق، ص.
([10]) البكري، ص، ابن خلدون، ص، محمد إسماعيل عبدالرزاق، ص.
([11]) ابن خلدون، ج، ص، محمد إسماعيل عبدالرزاق ص.
Marcasi, La Berberie Musulmane, p. 48.
([12]) ابن خلدون، ج، ص.
([13]) الدرجيني، ورقة 6.
([14]) الدرجيني، ورقة 4، شماخي، سير، ص، الأزكوي، ورقة 280.
([15]) الوسياني، ورقة 280، علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، ص.
([16]) الوسياني،ورقة 79، شماخي، سير، ص.
([17]) لم يرافقهم أحد من جبل نفوسة، وذلك لأن بعض رجال الجبل كانوا قد ذهبوا قبلاً وعادوا إلى موطنهم، وعلى رأسهم ابن مغيطر الجناوني الذي أسلفنا القول عنه.
([18]) عن حملة العلم أنظر: الدرجيني، ورقة 4-8، أبو زكريا، ورقة 5، أطفيش، الإمكان، ص، شماخي، سير، ص-124، محمد علي دبوز، ج، ص.
([ (1/210)
صفحة 211
19]) أنظر عن هذه المجالس الباب السادس.
([20]) شماخي، سير، ص.
الصراع العسكري بين الاباضية والخلافة في بلاد المغرب
كان لجهود الدعاة الاباضية من حملة وتلاميذهم أثر كبير في اتمالة أعداد وفيرة من البربر في المغرق الأدنى وخاصة في منطقة طرابلس, الا ان دعاة الصفرية لاقوا في البداية نجاحا اكبر وحظا أوفر وذلك لأنهم بشروا بمبادئ أكثر تطرفا, جاءت ملبية لرغبة البربر في بالثورة لعى السلطة الحاكمة, ونادوا بالثورة السريعة دون المرور بمراحل مختلفة كمل فعل الاباضية . وتبعا لذلك فقد انتشر المذهب المصفري بين معظم قبائل المغرب الأقصى حيث ركز دعاة الصفرية جهودهم, وفي عام 122هـ قام الصفرية بثورة عامة ضد الحم لأموي واستمرت نحو ثلاثة أعوام وانتشرت من السوس الأقصى غربا حتى أواسط ليبيا شرقا, واستطاع البربر الصفرية أن يحرزوا انتصارا ضخما على قوات الدولة الأموية في معركة الأشراف قرب طنجنة واستمرت المعارك بين الطرفين , وكثيرا ما كان النصر فيها يحالف البربر الصفرية. وفي عام 125هـ/ 742-743م استطاع الوالي الأموي حنظلة ابن صفوان أن يهزم البربر في معركتي القرن والأصنام([1]). (1/211)
صفحة 212
كانت ثورة الخوارج الصفرية التي قامت بين عامي 122هـ و 125هـ نقطة تحول في تاريخ الدعوة الاباضية في شمال أفريقية, إذ أدرك الإباضيون أن الدعوية الصفرية قد كسبت أعانا كثيرين , وخافوا انتشار المذهب الصفري بين جميع قبائل البربر وبالتالي من خسارة مواقعهم هناك وضياع حلمهم في إنشاء دولة إباضية في بلاد المغرب . ولذا فانهم أخذوا يكثفون دعوتهم وزادا عدد الدعاة الذين أصبحوا يجوبون المنطقة من برقة شرقا إلى السوس الأقصى غربا, ليس هذا فحسب بل انهم بدأوا بتنظيم أنفسهم إداريا وأخذوا يؤمرون عليهم شخصا منهم عارفا بالمذهب مخلصا له وتحمسا في سبيل نشره. ولم يتخذ هذا الشخص لقب إمام أو خليقة بل اتخذ لقب رئيس وهذا دليل على أن مرحلة إعلان إمامة الظهور لم تحن بعد. وأول رجل تذكره المصادر بأنه حمل هذا العبء وتلقب بالرئيس هو عبدالله بن مسعود التجيبي([2]). ويبدو أن معظم أنصار عبدالله هذا كانوا من قبائل زناتة وهوارة. وقد قتل التجيبي نحو عام 127هـ على يد الياس بن حبيب والي طرابلس لأخيه عبدالرحمن بن حبيب الذي انتزع ولاية أفريقية من حنظلة بن صفوان([3])، ولا تذكر المصادر سبب قتله، ومن المحتمل أن التجيبي قد قام بنشاط كبير أدى إلى تهديد حكم الأسرة الفهرية في أفريقة فتخلصوا منه قبل أن ينظم الإباضية في ثورة مسلحة ضدهم. (1/212)
صفحة 213
كان لمقتل التجيبي أثر كبير في نفوس أصحابه، وعلى عكس ما أراد إلياس بن حبيب كان هذا الحدث محركاً قوياًُ للإباضية دفعها للثورة العلنية ضد الحكم القائم المتمثل بالأسرة الفهرية التي يتزعمها عبدالرحمن بن حبيب، وقد حاول عبدالرحمن أن يخفف من وقع المصاب وأعلن غضبه وعدم رضاه عن عمل أخيل تجاه التجيبي، فعزله وولى مكانه حميد بن عبدالله العكي([4])، أملاً في أن يتجنب الاحتكاك المسلح مع الإباضية في تلك الظروف التي يواجه فيها ثواراًَ آخرين من العرب الساخطين عليه لاستيلائه على السلطة، وطرده الوالي الشرعي حنظلة بن صفوان، ومن البربر الصفرية الثائرين ضد الحكم القائم باسم شعار المساواة([5])، وحاول عبدالرحمن كل جهده أن يتبع سياسة لينة مرنة مع الإباضية في طرابلس وجبل نفوسة، ولكن محاولاته لم تلق ترحيباً من الإباضية لغضبهم الشديد على قتل رئيسهم، ولم يلبثوا أن ثاروا بقيادة الحارث بن تليد الحضرمي الذي انتخبوه إمام دفاع لهم، واختار بدوره عبدالجبار بن قيس المرادي ليكون قاضياً ومستشاراً له، وكان الشخصان لا يفترقان حتى أن المصادر لم تستطع أن تميز الإمام من القاضي([6]).
خرج العكي والي طرابلس لقتال الإباضية ولكنه لم يستطع الصمود طويلاً أمام الجيش الإباضي الذي كان يتألف في معظمه من قبيلة هوارة البربرية، وفي ذلك يقول البرادي: »وكانت الكثرة من البربر هوارة فقتل الله بهما (أي الحارث وعبدالجبار) أهل الخلاف قتلاً ذريعا«([7])، وقد طلب العكي الأمان من الإباضية فأمنوه واستسلم لهم ولم يصيبوه بأذى، إلا أنهم قتلوا أحد رجاله الذي اتهم بقتل عبدالله التجيبي([8])، ولا تذكر الروايات المصير الذي آل إليه العكي ومن استسلم معه من أتباعه وهل عادوا وانضموا إلى ابن حبيب أم أنهم لزموا الحياد في القتال الذي دار فيما بعد بين جند ابن حبيب والإباضية. (1/213)
صفحة 214
لما علم ابن حبيب بهزيمة واليه على طرابلس واستسلامه أرسل يزيد بن صفوان المعافري والياً جديداً لمنطقة طرابلس، ولم يأمره بقتال الإباضية، وحاول كسب رجال هوارة الإباضية بالطرق السلمية، فأرسل إليهم شخصاً يدعى مجاهد بن مسلم الهواري الذي كان ينتمي للقبيلة نفسها، ولكنه كان موالياً لعبدالرحمن، وحاول مجاهد استمالة رجال قبيلته ومناهم بالخير الوفير إن تركوا الحارث والإباضية وتوعدهم بالشر الوبيل إن استمروا في عدائهم لجند الخليفة، ولكن معظم رجال هوارة كانوا قد تمكنوا من المذهب الإباضي وتعمقت مبادئه في نفوسهم فلم يصغوا له وطردوه.
أمام هذا التحدي أيقن ابن حبيب أن السيف وحده هو الذي يمكنه من حسم الأمر على أعدائه، فسير جيشاً ضخماً بقيادة محمد بن مفروق (مقرون؟) لإخضاع الإباضية وأمر واليه الجديد على طرابلس للسير معه، كما اشترك في الحملة مجاهد بن مسلم الهواري على رأس قوة أخرى، ولكن الإباضية تمكنوا من هزيمة هؤلاء جميعاً وقتلوا قائد الجيش محمد بن مفروق ووالي طرابلس يزيد بن صفوان المعافري، وتمكن مجاهد الهواري من أن ينجو بالقوة الباقية، ثم عاد بعد أن حصل على مدد آخر والتقى بالثوار الإباضية في معركة قاسية قرب جطيسة ولكنه هزم وارتد هارباً مع بقية جنده، وتابع الإباضية زحفهم صوب طرابلس فاحتلوها ثم استولوا على كثير من المواقع حولها، ولم يمض وقت طويل حتى سيطروا على المنطقة الواقعة بين طرابلس وقابس وسرت. (1/214)
صفحة 215
أصيب عبدالرحمن بن حبيب بصدمة عنيفة نتيجة للهزائم التي مني بها جيشه وقواده، فقرر مرة أخرى استمالة الإباضية، وخاصة قبيلة هوارة التي كانت السند الرئيسي للثوار، بالطرق السلمية فأرسل إليهم عامل طرابلس مع بعض مشايخ البربر في محاولة للوصول إلى تفاهم معهم، ولكن الإباضية قتلوهم عن آخرهم، وهنا أيقن عبدالرحمن بن حبيب أن سياسة المصالحة لا تجدي نفعاً مع هؤلاء الثوار الأشداء، وأدرك أيضاً أن حكمه مهدد بالزوال إن توانى في حسم الأمور معهم، فسار إليهم على رأس حملة عسكرية قوية، وعندما وصل قابس في طريقه للقائهم علم بتآمر أهل القيروان ضده فرجع أدراجه إلى القيروان، وقضى على التمرد هناك، ثم عاود السير لقتال الإباضية في طرابلس، وتمكن من هزيمتهم([9])، وتختلف المصادر المتوافرة حول مصير الحارث وعبدالجبار اللذين تزعما الحركة الإباضية في هذه الفترة، فالمصادر السنية تذكر بأنهما قتلا أثناء المعارك التي جرت بين الإباضية وبين جيوش ابن حبيب([10])، ولكن المصادر الإباضية تقول أن الرجلين وجدا مقتولين وسيف كل منهما مغمد في جثة صاحبه([11])، ومن المحتمل أن عبدالرحمن بن حبيب قد دس إليهما من قتلهما، ثم وضع سيف كل منهما في جسم صاحبه ليخلق الذعر بين الإباضية وليثير بينهم الفتنة والخلاف، ومهما تكن الحقيقة فإن مسألة الحارث وعبدالجبار قد أدت على جدل طويل بين الإباضية في المشرق والمغرب، وخلقت مشكلة فقهية لدى زعماء الإباضية. (1/215)
صفحة 216
واختلفوا في مسألة الولاية والبراءة منهما، فقال بعضهم أن كل واحد منهما مثل الآخر فيجب البراءة منهما، بينما قال البعض الآخر أن كل واحد منهما قتل الآخر ولكن يعرف الباغي منهما على صاحبه، ولذا فإن أفضل حل لهذه المشكلة هو التوقف عن الحكم عليهما، وقال فريق ثالث: إن صلاحهما متيقن قبل موتهما، أما بغيهما فغير متيقن ولذا فهما باقيان على ولايتهما، إذ من المحتمل أن يكونا قد قتلا على يدر رجل ثالث بغى عليهما، فجعل سيف كل واحد منهما في جثة صاحبه([12])، ويبدوا أن الخلاف حول هذه المسألة قد أدى إلى إضعاف الروح المعنوية لدى أتباع الحركة في المغرب الأدنى، فاستعان وجهاء الناس وقادتهم بأئمة الإباضية في البصرة الذين اختلفوا بدورهم حول هذه المشكلة، وخوفاً من الفرقة والنزاع، وخشية فقدان مواقعهم في شمال أفريقية كتب أبو عبيدة حتى يقطع الأحقاد ويجنب أتباعه الفتنة، ومما يدل على أثر هذه الحادثة السلبي أن أبا الخطاب أول إمام ظهور إباضي في شمال أفريقية، اشترط عندما بويع فيما بعد بالإمامة أن لا يذكر أصحابه اسمي الحارث وعبدالجبار في معسكره حتى لا تحدث الفرقة ويدب الخلاف بين جماعته([13]). (1/216)
صفحة 217
وعلى أي حال فإن مقتل الحارث بن تليد الحضرمي وعبدالجبار كان له أثر كبير على الدعوة الإباضية في بلاد المغرب الأدنى، إذ تفرق الإباضية وتنازعوا إلى حين رغم أنهم بقوا على ولائهم للمذهب الإباضي، وعندما جاءتهم أوامر إمامهم أبي عبيدة بوجوب عدم الخوض في هذه المسألة ودعوته إياهم للتكاتف عادوا والتأموا من جديد، واختاروا إمام دفاع لهم هو أبو الزجار إسماعيل بن زياد النفوسي، وكان ذلك في عام 132ه، واستطاع الإباضية بزعامة إمامهم الجديد أن يعيدوا سيطرتهم على مناطق واسعة من ولاية طرابلس كما استولوا أيضاً على مدينة قابس وما جاورها، ولكن الإمام النفوسي قتل في العام نفسه (132ه) وهو يحارب قوات الوالي عبدالرحمن بن حبيب كما قتل عدد كبير من أتباعه، ويبدو أن النصر الذي أحرزه ابن حبيب كان حاسماً مما حدا بالإباضية للخلود على الهدوء لفترة من الزمن، وعادوا إلى مرحلة الكتمان والدعوة السرية، وبقوا كذلك مدة ثماني سنين متوالية من عام 132هوحتى عام 140ه، وفي هذه الفترة حدثت تطورات مهمة في مركز الخلافة وفي ولاية أفريقية كان الإباضية أثناءها يعدون العدة لاستئناف نشاطهم العسكري ضد الولاة أملاً في النصر وإعلان الإمامة الإباضية في بلاد المغرب، وقبل أن نتحدث عن النشاط العسكري الذي بدأه الإباضية عام 140هلابد لنا من إلقاء نظرة سريعة على التطورات السياسية في بلاد المغرب وأثرها على موقف الإباضية وخططهم([14]).
-------------------------------------------------------------------------------
[1]) عن ثورة الخوارج الصفرية في شمال أفريقية أنظر:
A. M. Khlefat, The Caliphate of Hisham b. Abd al-Malik, Unpublised thesis, London, 1973, pp. 132ff.
([2]) ابن عبدالحكم، ص.
([3]) ابن عبدالحكم، ص، الرقيق، ص، وما بعدها، ابن خلدون، ج، ص، السلاوي، ج، صوما بعدها.
([4]) ابن عبدالحكم، ص.
([ (1/217)
صفحة 218
5]) من هؤلاء الثوار: عطاف الأسدي في بعض نواحي تونس وعروة بن الوليد الصدفي في تونس أيضا، كما ثار الصفرية بزعامة عبدالله بن سكرديد وثابت الصنهاجي في باجة. أنظر: الرقيق، ص، ابن خلدون، ج، ص، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص.
([6]) لا تذكر المصادر معلومات واضحة عن كيفية اشتراكهما في زعامة الإباضية إذ أن البرادي يرى أنهما كانا مشتركين في الملك، ولكنه دوماً يقدم اسم الحارث على زميله، وأما الشماخي فيورد قيامهما بالثورة، ويقول: أن أحدهما كان إماماً والآخر وزيره أو قاضيه، ولكنه لا يوضح من هو الإمام ومن هو الوزير، ويذكر ابن عبدالحكم معلومات أقرب إلى الصحة من غيرها، ويقول: أن الحارث كان إمام الحرب وعبدالجبار إمام الصلاة، وهذا يعزز القول بأن لاحارث كان إمام الدفاع، وأن عبدالجبار كان قاضيه، ويورد المؤرخ الإباضي المعاصر علي يحيى معمر، معلومات ترجح هذا الرأي معتمداً في ذلك مصادر إباضية لم يذكرها. أنظر: البرادي، الجواهر، ص، الشماخي، سير، ص، ابن عبدالحكم، ص، علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، ص.
([7]) البرادي، الجواهر، ص.
([8]) ابن عبدالحكم، ص.
([9]) عن القتال بين حبيب والإباضية بزعامة الحارث وعبدالجبار أنظر: الرقيق، ص-129، ابن عبدالحكم، ص، ابن خلدون، ج، ص، البرادي، الجواهر، ص، السلاوي، ج، ص.
([10]) الرقيق، ص، ابن خلدون، ج، ص، السلاوي، ج، ص.
([11]) أبو زكريا، ورقة 9، البرادي، الجواهر، ص، شماخي، سير، ص.
([12]) أبو زكريا، ورقة 9، البرادي، الجواهر، ص، شماخي، سير، ص-125.
([13]) أبو زكريا، ورقة 8، ابن عبالحكم، ص، البرادي، الجواهر، ص، شماخي، سير، ص، الدليل لأهل العقول، ص.
([14]) ابن عبدالحكم، ص-226، أطفيش، الإمكان، ص.
التطورات السياسية في المغرب الأدنى في العقد الرابع من القرن الثاني الهجري وأثرها في ت (1/218)
صفحة 219
بعد الانتصار الذي أحرزه عبدالرحمن بن حبيب على الإباضية عام 132هبدا كأنه تمكن –بعد أربع سنوات من حكمه- من القضاء على خصومه، وفي الوقت نفسه حصلت تطورات أخرى في مركز الخلافة، إذ زالت دولة بني أمية، وتمكن العباسيون من التربع على عرش الخلافة الإسلامية، وبويع أبو العباس السفاح أول خليفة من الأسرة الحاكمة الجديدة، ولما تأكد ابن حبيب من انتصار العباسيين كتب إلى الخليفة بالسمع والطاعة فأقره السفاح على ولايته([1])، وواضع أن ابن حبيب قد أدى الولاء للخليفة ليضفي شرعية على ولايته، ولكنه لم يلبث أن فتح ذراعيه للأمراء الأمويين الهاربين من تنكيل العباسيين، ورحب بهم وأصهر إليهم، ثم انقلب عليهم وقتل بعضاً منهم، بينهما فر الباقون وعلى رأسهم عبدالرحمن الداخل إلى الأندلس([2])، وحاول ابن حبيب مرة أخرى كسب ود العباسيين والحصول منهم على التأكيد اللازم لترسيخ حكمه في ولاية أفريقية، ولكن أبا جعفر المنصور الذي اعتلى عرش الخلافة بعد وفاة أخيه السفاح لم يكن مطمئناً لموقف ابن حبيب وحاول أن يتأكد من حسن نواياه، فكتب إليه يدعوه إلى الطاعة، وإرسال نصيب الخلافة من أموال أفريقية، فأجابه ابن حبيب إلى الطاعة ووجه إليه بهدية بخسة([3])، فغضب أبو جعفر وكتب إليه يتوعده ويهدده، فلما أتاه الكتاب قرر خلع طاعة أبي جعفر فجمع النسا في المسجد، وخطب الناس قائلاً: »إني ظننت هذا الجائر (أبو جعفر) يدعو إلى الحق ويقوم به حتى تبين لي خلاف ما بايعته عليه من إقامة الحق والعدل، وأنا الآن قد خلعته كما خلعت نعلي هذين«، وقذفهما وهو على المنبر([4])، ثم أمر بنزع السواد، شعار الدولة العباسية، وأمر بتمزيق الرايات والثياب الرسمية التي تحمل هذا اللون ووصفهما بأنها »لباس أهل النار في النار«، ثم أمر كاتبه أن يكتب إلى ولايته يخبرهم بخلع المنصور ويأمرهم بقراءة الكتاب من على منابر المساجد. (1/219)
صفحة 220
وقد حدث ذلك في عام 137هأي في نفس العام الذي دخل فيه عبدالرحمن بن معاوية الأندلس([5])، وهكذا انفصلت ولاية أفريقية كلياً عن جسم الدولة العباسية، واستقل ابن حبيب وأسرته في حكم البلاد، إلا أن الحظ لم يسعفه طويلاً نتيجة المنازعات الداخلية بين أفراد أسرته واستئناف الخوارج الصفرية والقبائل البربري نشاطهم العسكري ضده، ولم يلبث ابن حبيب سوى أشهر قليلة –بعد خلعه للمنصور- في الحكم قتل بعدها في نفس العام 137ه/755م على يدي أخيه إلياس الذي كان في السابق سنده وساعده الأيمن، كان إلياس طموحاً لتولي الحكم بعد أخيه عبدالرحمن ولكن الأخير كان يقدم ابنه حبيب ويعزو له كثيراً من الانتصارات التي لم يفعلها ليرفع من مقامه ويقوي مركزه بين الناس، لكي يبايعوه للحكم بعد موت والده، وكان عبدالرحمن أراد لحكم أفريقية أن يكون وراثياً في أعقابه([6]). (1/220)
صفحة 221
أثار هذا العمل حفيظة إلياس الذي كان يرى أنه أحق في الولاية من ابن أخيه بحكم سنه وبسبب جهوده في توطيد حكم الأسرة الفهرية في تلك البقية من العالم الإسلامي، وقد استغل الحاقدين على عبدالرحمن هذا النفور بين الأخوين، وأوغروا صدر إلياس ضد أخيه الأموية بعض التأثير في هذا الشأن، وخاصة أنها تكن حقداً دفيناً لعبدالرحمن الذي قتل بعض الأمويين الذين لجأوا إلى أفريقية بعد سقوط الدولة الأموية، ومن بينهم ولدي عمها، فأخذت تحرض زوجها ضد أخيه وتقوله له: »أنه يستخف بك، وقتل أصهارك، وولى حبيباً عهده«([7])، بالإضافة إلى ذلك فإن بعض العرب في القيروان قد استاءوا من عبدالرحمن لخلعه طاعة الخليفة العباسي وكانوا يتحينون الفرص للخلاص منه، ووجدوا في أخيه إلياس الرجل الذي يقوم بهذه المهمة، فأخذوا يحرضونه ضد أخيه ووعدوه بالطاعة إن تخلص منه وبايع لأبي جعفر المنصور، وقد سنحت الفرصة عام 137هعندما عين عبدالرحمن أخاه إلياس والياً على تونس، وتظاهر إلياس بالاستعداد للذهاب إلى تونس وزار أخاه –الذي كان مريضاًَ آنذاك- مودعاً، وقعد عنده طويلاً ثم انكب عليه يعانقه فوضع السكين بين كتفيه حتى صارت إلى صدره، ثم أعقب ذلك بضربة سيف وانصرف خارجاًن فلاقاه أعوانه الذين كانوا ينتظرون النتيجة فأعلمهم بما حدث، وأصروا عليه بأن يرجع ويجتز رأس أخيه حتى يطمئنوا إلى ذلك ففعل!. (1/221)
صفحة 222
وكان حبيب بن عبدالرحمن مع والده في قصر الإمارة، ولكنه استطاع الخروج مستخفياً حتى وصل تونس حيث كان عمه عمران بن حبيب، فأخبره بما حدث، وأخذ الاثنان يحشدان أعوانهما ومواليهما لمواجهة إلياس، وفي عام 138هخرجا لمحاربته والتقى الطرفان في موقع يعرف باسم سمنجة، ودارت مفاوضات بينهما انتهت باتفاق رضي به جميع وجهاء الأسرة الفهرية، ونص الاتفاق على أن يبقى عمران والياً على تونس وصطفورة والجزيرة (جزيرة شريك)، وأن يلي حبيب قفصة وقسطيلية (بلاد الجريد) ونفزاوة، وما تبقى من ولاية أفريقية والمغرب يكون تحت إمرة إلياس بن حبيب([8])، ويبدو أن إلياس لم يكن مخلص النية وأراد من الاتفاق أن يكون وسيلة لزعزعة خصومه وتفريقهم ثم مواجهتهم فرادى، وقد نجح في ذلك، فبعد الاتفاق سار مع أخيه عمران إلى تونس، وهناك قبض عليه وأرسله مخفوراً مع بعض أفراد أسرته إلى الأندلس وبذلك أمن شره وخلصت له تونس وتوابعها بدون قتال([9]). (1/222)
صفحة 223
وفعل نفس الشيء مع ابن أخيه حبيب إلا أن حبيباً توقف وهو في طريقه إلى الأندلس في طبرقة مدعياً أن الريح جعلت سيره مستحيلاً، فاجتمع إليه مواليه وأعوانه –ربما طبقاً لخطة موضوعة قبل رحيله- وسار الجميع إلى والي طبرقة، سليمان الرعيني، فأسروه ثم ساروا جنوباً واحتلوا الأربس على مسيرة يوم من القيروان، ولما علم إلياس بما حدث استخلف على القيروان محمد بن خالد القرشي، وسار مسرعاً لمواجهة حبيب، والتقيا في مكان قريب من القيروان حيث جرت مناوشات خفيفة بينهما، توقفت عند المساء، ثم أمر حبيب بإيقاد النار في معسكره ليظن إلياس أنه مقيم هناك، وانسحب تحت جنح الظلام القيروان، وتمكن من احتلالها بمساعدة بعض أهلها المناوئين لسياسة إلياس، ومضى إلياس في أثره فخرج حبيب للقائه في مكان غير بعيد من القيروان، ودعا حبيب عمه إلى حقن الدماء وعرض عليه المبارزة فمن قتل الآخر خلا له المر، وخاطب عمه قائلاً: »لم نقتل صنائعنا وموالينا وهم لنا حصن أبرز أنا وأنت، فأينا قتل صاحبه استراح منه«، وأيد الفكرة أتباع الرجلين ونادوا إلياس: »قد أنصفك يا إلياس«، فخرجا وتبارزا وقتل إلياس، وكان ذلك في عام 138ه([10])، وأصبح حبيب بن عبدالرحمن يسيطر على معظم ولاية أفريقية والمغرب الأدنى.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص.
([2]) الرقيق، ص-132، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج1122، ق1، ص-40، مؤلف مجهول، أخبار مجموعة، ص.
([3]) الرقيق، ص.
([4]) الرقيق، ص.
([5]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ص-40.
([6]) الرقيق، ص-135، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص.
([7]) الرقيق، ص، أنظر أيضاً النويري، ج، ق1، ص.
([8]) الرقيق، ص-137، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص، ابن الأثير، ج، ص.
([ (1/223)
صفحة 224
9]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج122، ق1، ص-42.
([10]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص-69، النويري، ج، ق1، ص، ابن الأثير، ج، ص.
الصراع بين حبيب بن عبدالرحمن وقبيلة ورفجومة البربرية:
التجأ أخوة إلياس وبعض أقاربه وأتباعه –بعد مقتله- إلى قبيلة ورفجومة إحدى بطون قبيلة نفزة، وكان هذا العمل بداية النهاية لحكم الأسرة الفهرية، وأرسل حبيب بن عبدالرحمن إلى زعيم ورفجومة عاصم بن جميل يطلب منه أن يرد أعمامه وأقاربه إليه ولكنه رفض، فسار إليه حبيب، بعد أن استخلف ابا كريب جميل بن كريب القاضي على القيروان، والتقيا في ميدان المعركة، ولكن حبيباً انهزم وسار إلى قابس وأصبحت طريق القيروان مفتوحة أمام ورفجومة وأعوانها، ولم يبذلوا جهداً كبيراً في سبيل الاستيلاء عليها وذلك لأن أناساً من أهلها يبدو أنهم ضجروا من الحرب المستمرة والمنازعات الدائمة بين أفراد الأسرة الفهرية كما أن البعض الآخر كان موالياً للخلافة العباسية، فانتهز هؤلاء الفرصة وأرسلوا إلى ورفجومة لا يعنيها من أمر العباسيين شيء إلا أنها تظاهرت بقبول الشرط، وسارت نحو القيروان، فخرج أبو كريب –الذي كان والياً عليها نيابة عن حبيب- للقاء الغزاة وعندما اقترب الطرفان خرج من عسكر أبي كريب أولئك الناس الذين كاتبوا ورفجومة سراً وخذلوا الناس عن الحرب ودعوهم إلى طاعة زعيم ورفجومة عاصم بن جميل، فتفرق جل من كان مع أبي كريب، وبقي في ألف من أصحابه، وحاربوا ورفجومة وأعوانها بشجاعة نادرة إلا أن الكثرة غلبت الشجاعة، وانهزم أبو كريب وقتل مع معظم أصحابه، ودخلت ورفجومة القيروان، واستحلوا المحرمات وسبوا النساء والصبيان وربطوا دوابهم في المسجد الجامع وقتلوا من بالمدينة من قريش وندم الذين استقدموهم أشد ندامة([1]). (1/224)
صفحة 225
بعد احتلال القيروان استخلف عاصم بن جميل عليهما عبدالملك بن أبى الجعد النفزي، بينما توجه على رأس قوة من أتباعه لمحاربة حبيب بن عبدالرحمن في قابس، ودارت بينهما معركة انتهت بهزيمة حبيب مرة أخرى، واضطر إلى الالتجاء إلى أخوال أبيه في جبل أوراس حيث أعانوه وأمدوه بالمال والرجال، ثم لحق به عاصم واقتتلا وانتصر حبيب في هذه المرة وقتل عاصماً وكثيراً من رجاله([2])، ثم أقبل حبيب يريد القيروان فخرج إليه عبدالملك بن أبي الجعد النفزي والتقى الطرفان في عام 140هفي معركة قاسية استبسل فيها حبيب ورجاله إلا أنه قتل في النهاية وانهزم أتباعه، وبقيت ورفجومة تسيطر على القيروان حتى أخرجها الإباضية بعد إعلان إمامتهم كما سنرى.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الرقيق، ص-141، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ص، ابن الأثير، ج، ص، سعد زغلول عبدالحميد، تاريخ المغرب العربي، ص-307، يرى بعض المؤرخين والكتاب المحدثين أن ورفجومة كانت صفرية. أنظر: سعد زغلول عبدالحميد، تاريخ المغرب العربي، ص، مراجع الغناي، القوى المتصارعة في المغرب خلال القرن الثاني الهجري، ودور ليبيا فيه، مجلة كلية الآداب، جامعة بنغازي، 1976م، ص. (1/225)
صفحة 226
أما الدكتور حسين مؤنس فيرى أن الدعوة الصفرية قد سرت في قبيلة ورفجومة، ولما يتمكن الإسلام في نفوسهم بعد فأضلتهم وأخرجتهم عن الإسلام. أنظر: حسين مؤنس، ثورات البربر في أفريقية والأندلس، مجلة كلية الآداب، القاهرة، ج، 1948م، ص، ويبدو أن أعمال ورفجومة بالقيروان وما تنسبه المصادر إلى زعيمها من مبادئ ومعتقدات تدل على أنها غير مسلمة، أو أنها أسلمت ولما يتمكن الإسلام من نفوس أهلها، فعادت وارتدت عن الإسلام، ونادى زعماؤا بمبادئ وشعارات مناقضة تماماً لتعاليم الإسلام، فقد وصف المؤرخون زعم ورفجومة عاصم بن جميل بأنه كان كاهناً كما ادعى النبوة، وبدل في الدين وأسقط اسم النبي من الأذان، وزاد في الصلاة، وهذا كله يدل على أنهم ليسوا خوارج صفرية كما زعم بعض الكتاب المحدثين، أضف إلى ذلك فإن المصادر لا تشير إلى ورفجومة كخوارج صفرية ولكنها تذكر أن قوماً من الخوارج قد انضموا إلى ورفجومة، وهذه الإشارة لا تعني أن ورفجومة نفسها كانت خارجية المذهب. أنظر الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، ابن الأثير، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص-44، ابن خلدون، ج، ص.
([2]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص.
الإباضية يعلنون إمامة الظهور: (1/226)
صفحة 227
أثناء الفترة التي تلت مقتل إسماعيل بن زياد النفوسي الإباضي عام 132هرجع إباضية المغرب إلى مرحلة الكتمان لينظموا أنفسهم من جديد، وينشروا دعوتهم سراً في مناطق جديدة، وكان إبان ذلك يراقبون التطورات السياسية في شمال أفريقية محاولين انتهاز الفرصة المناسبة لإعلان إمامة الظهور، وكانت المنازعات الداخلية بين أفراد الأسرة الفهرية الحاكمة ونفزة من جهة أخرى قد أغرقت الشمال الأفريقي في حرب دموية مستمرة أدت إلى فقدان الأمن والطمأنينة وجعلت الناس يتوقفون إلى تنصيب حاكم قوي يعيد الاستقرار لبلادهم، ويخلصهم من ويلات الحروب والمنازعات الدائمة، ورأى إباضية المغرب في هذه الظروف والأحوال السائدة فرصة مناسبة لتحقيق حلمهم في إعلان الإمامة وتأسيس دولة خاصة بهم.
وقد شجعهم على ذلك عودة حملة العلم الخمسة من البصرة محملين بإرشادات ونصائح إمام الإباضية الأكبر أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ومن ضمنها إشارته عليهم بإعلان الإمامة حينما يطمئنون إلى قوتهم، وإلى إمكانية الظفر بعدوهم، وفي عام 140هوهو العام الذي رجع فيه حلمة العلم إلى المغرب انتخب الإباضية أبا الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري الحمير لمنصب الإمامة طبقاً لأوامر أبي عبيدة الذي أمر بتعيين أبي الخطاب هذا في حديثه مع حملة العلم الخمسة استشاروا أبا عبيدة بشأن تعيين إمام لهم أن أنسوا من أنفسهم قوة وقالوا له: »إذا وجدنا من أنفسنا طاقة أفنولي على أنفسنا رجلاً منا؟ أو ما ترى؟ فقال لهم أبو عبيدة: توجهوا إلى بلادكم فإن كان في أهل دعوتكم ما يجب به عليكم التولية في العدد والعدة من الرجال فولوا على أنفسكم رجلاً منكم، فإن أبى فاقتلوه، وأشار إلى أبي الخطاب«، ليس هذا فحسب بل أنه عين أحد حملة العلم وهم إسماعيل بن درار الغدامسي ليكون قاضياً لهم([1]). (1/227)
صفحة 228
بعد أن عادت البعثة العلمية من البصرة باشر أعضاؤها بالاتصال بجماعة الإباضية وخاصة في منطقة طرابلس وجبل نفوسة، وأخذوا يهيئون القبائل البربرية التي اعتنقت المذهب الإباضي –مثل قبيلة نفوسة وهوارة- استعداداً للثورة وإعلان الإمامة، وكان أبو الخطاب نفسه يقوم بالاتصال بأعيان الإباضية ومشايخ القبائل ويتشاور معهم حول وجوب إعلان الإمامة وأفضل السبل والأوقات لتحقيق هذا الهدف([2])، وبعد مشاورات طويلة وسرية بين حملة العلم وزعماء الإباضية في منطقة طرابلس استقر الرأي على أن الظروف ملائمة لإعلان الإمامة، وأن لديهم من القوة البشرية والمادية ما يستطيعون به مواجهة عدوهم وإحراز النصر عليه، وتذكر بعض الروايات الإباضية أن زعماء الإباضية أخذوا يتشاورون فيمن يولونه أمرهم، وعرضوا ذلك على عبدالرحمن بن رستم فاعتذر([3])، إلا أن هذه الرواية مشكوك في صحتها لأن الإمام كان قد عين من جانب أبي عبيدة ومن غير المعقول أن يتجاوز الإباضية أوامره ويضربون بوصيته عرض الحائط، والأرجح أن هذه الرواية قد دست فيما بعد لتزيد من قيمة عبدالرحمن بن رستم –مؤسس الدولة الرستمية- وترفع من قدره لتقوى مركزه بين أتباعه ورعيته، وعلى أية حال فالثابت أن إباضية طرابلس قد استقر رأيهم –بناء على توصية إمامهم الأكبر أبي عبيدة التميمي البصري- على انتخاب أبي الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري ليكون أول إمام ظهور في شمال أفريقية، وتشير المصادر الإباضية إلى كيفية انتخابه فتذكر أن أعيان الإباضية وشيوخ القبائل الموالية كانوا يخرجون إلى موقع قريب من طرابلس يدعى صياد للتشاور في أفضل السبل لتحقيق هذا الغرض. (1/228)
صفحة 229
وكانوا يزعمون أنهم يجتمعون هناك لقسمة أرض مشتركة أو أنهم يشمون في صلح بين متخاصمين، وإمعاناً في السرية فقد كان زعماؤهم ووجهاؤهم يذهبون بعد عودتهم لمدينة طرابلس لزيارة الوالي والسلام عليه، وكان بعضهم يسمر عنده في الليل، حتى لا ينكشف أمرهم وتفشل جهودهم([4])، وعندما اتفقوا على عقد الإمامة لأبي الخطاب واجتمعت كلمتهم عليه جعلوا بينهم يوماً معلوماً ليجتمعوا فيه في صياد، حيث تتم البيعة، وفي الوقت المحدد جاءوا إلى صياد وأتوا بأبي الخطاب وبايعوه بالإمامة على أن يحكم بينهم بكتاب الله وسنة نبيه e وآثار الصالحين، واشترط عليهم أبو الخطاب أن لا يذكروا في عسكره مسألة الحارث وعبدالجبار اللذين مر ذكرهما ووجدا مقتولين وسيف كل منهما في جثة صاحبه، حتى لا يحدث الخلاف وتدب الفرقة بين جماعته، فقبلوا هذا الشرط وتمت البيعة في عام 140ه([5]).
وبعد أن تمت مراسيم البيعة في صياد توجهوا إلى مدينة طرابلس للاستيلاء عليها طبقاً لخطة كانوا قد وضعوها من قبل، وتذكر المصادر الإباضية أن الخطة كانت تقضي بأن يأتي كل واحد ممن حضر البيعة برجال من عشيرته ومعهم سلاحهم ثم يتوجهون إلى المدينة، وكأنهم تجار أرادوا بيع بضاعتهم، وعندما يتوسطون المدينة يخرج الرجال بأسلحتهم من الجواليق المحملة على الجمال ويحكمون، فيخرج لمساعدتهم من بالمدينة من أهل دعوتهم الذين كانوا على علم سابق بالخطة والموعد المحدد لتنفيذها، وأياً كان الصحيح في تفاصيل هذه الرواية فالثابت أن الإباضية استطاعوا دخول طرابلس على حين غرة، ولم يتمكن الوالي من الاستعداد للدفاع عن المدينة فاضطر للاستسلام، وخيره الإباضية بين الخروج بأمان أو القعود في المدينة على أن ينزع نفسه من الولاية، فاختار الخروج واتجه إلى المشرق واستولى أبو الخطاب على طرابلس وأحسن السيرة وأظهر العدل ولم يتعرض للسكان بأذى([6]). (1/229)
صفحة 230
بعد هذا النجاح الذي حققه الإباضية في المغرب أرسلوا إلى إمامهم الأكبر في البصرة، أبي عبيدة التميمي، يخبرونه بإنجازاتهم ويطلبون رأيه في بعض المسائل، وسر أبو عبيدة بذلك، وأرسل إليهم كتاباً هنأهم فيه وأجابهم على استفساراتهم وجاء فيه: »أتاني كتابكم تذكرون فيه ما من الله به عليكم من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمري ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممن كان قبلهم على من قبلكم في جميع أموركم، وأن يكفنا وإياكم بأسهم، وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين الدائرة عليهم، ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيض قلوبهم، فلعمري لقد أسرني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يخف عنا، غير أنا لم نظن الذي كتبتم به إلي، والله يستتم لكم الخير كله بعونه وتوفيقه.
أتانا كتابكم بمسائل: فمنها ما رأيت أن أجيبكم فيها، ومنا ما رأيت ألا نجيبكم من غير هوان ولا تقصير إلا الذي رأيته أصلح لجماعتكم وأقوم لشأنكم وأرفق لضعيفكم وأعطف في الذي أجيبكم فيه، فما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأ في رواية أو خبر أو غير ذلك فمن نفسي..« ([7]).
يتضح من هذه الرسالة أن أبا عبيدة كان على اتصال مستمر مع أتباعه في المغرب، وأنهم كانوا يأتمرون بأمره ويسترشدون بنصائحه، وواضح كذلك أن أبا عبيدة كان يتجنب الخوض في مسائل فلسفية عميقة، أو يجيب على أسئلة قد تؤدي إلى اختلاف الرأي بين أصحابه في مشال أفريقية، وخاصة أنه كان على دراية بأن بعض من اعتنق المذهب لم يتمكن من تعاليمه بعد، كما أن البعض الآخر لم يفعل ذلك عن قناعة وفهم، بل كان مدفوعاً بعصبية قبلية أو مصلحة ذاتية([8]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أبو زكريا، ورقة 7، الدرجيني، ورقة 8، شماخي، سير، ص.
([2]) أبو زكريا، ورقة 8.
([3]) أبو زكريا، ورقة 8، الدرجيني، ورقة 8.
([4]) أبو زكريا، ورقة 8.
([ (1/230)
صفحة 231
5]) أبو زكريا، ورقة 8، الدرجيني، ورقة 10، شماخي، سير، ص-126.
([6]) أبو زكريا، ورقة 9، الدرجيني، ورقة 10-11، شماخي، سير، ص-126.
([7]) أبو عبيدة، رسالة في أحكام الزكاة، ورقة 114.
([8]) المصدر نفسه.
الإباضية يحتلون القيروان – قصبة أفريقية:
بعد أن احتل أبو الخطاب طرابلس واطمأن إلى استقرار الأحوال فيها قرر أن يوسع حدود ولايته على حساب ممتلكات مخالفيه في المذهب، فاحتل جزيرة جربة وجبل دمر عام 140ه([1])، ثم استولى على قابس في نفس العام، ودانت له معظم بلاد المغرب الأدنى([2])، بعد ذلك رنا ببصره صوب القيروان –عاصمة أفريقية وقصبتها- وترى المصادر السنية([3]) والإباضية([4]) أن سبب خروج أبي الخطاب إلى القيروان كان استجابة لاستغاثة النساء القيروانيات اللاتي أرسلن له يصفن فساد ورفجومة وانتهاكها للحرمات، ومهما كانت صحة هذه المعلومات فالمرجح أن أبا الخطاب كان يتوق لاحتلال القيروان لما تثيره من ذكريات مجيدة وعزيزة في نفوس المسلمين، حيث أنها أول مدينة إسلامية في بلاد المغرب وعاصمة ولاية أفريقية، وما قيل عن ظلم ورفجومة وفسادها –وإن صح- إنما كان ذريعة لإلهاب مشاعر الإباضية وتحميسهم للاشتراك في الحملة العسكرية المزمع القيام بها ضد ورفجومة التي كانت تسيطر آنذاك على القيروان. (1/231)
صفحة 232
كان أبو الخطاب يدرك أهمية ضم القيروان »لمملكته« ولذا عمل كل ما في وسعه لضمان حملته العسكرية، وتذكر بعض الروايات أنه نادى –قبل سيره- بالصلاة الجامعة وخطب أتباعه مرغباً إياهم في الجهاد وطالباً منهم الصبر والجلد في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود، ثم أمر أصحابه بالتأهب الكامل دليلاً على تصميمه للوصول إلى مآربه ونادى: »لا حكم إلا لله«، فاجتمع إليه أصحابه وهم ينادون: »لا حكم إلا لله ولا إمام إلا أبي الخطاب«([5])، وعلى الرغم من الحماس الذي أبداه أتباعه فقد أراد أن يطمئن إلى أن كل من صحبه في سيره مخلص ومصمم على الموت في سبيل المبدأ والهدف وقرر أن لا يشترك في الحملة متردد أو متخاذل أو من لم تسعفه ظروفه الخاصة لأي سبب كان، وأمر مناديه أن ينادي: »من له أبوان كبيران أو أحدهما فليرجع، ومن له عروس قريب عهدها فليرجع، ومن أراد الرجوع منكم فليرجع بالليل«([6])، وتبعاً لذلك رجع جماعة من جيشه وعدلوا عن الاشتراك في الحملة وبقي أبو الخطاب في ستة آلاف من أصحابه([7])، وسار بهم إلى القيروان فألقى عليها الحصار ولما أبت عليه لجأ إلى الحيلة فأمر أصحابه أن يخرجوا بالليل إلى مكان يدعى رقادة، غير بعيد عن القيروان، ليوهم العدو أنه انسحب، وفي الصباح وجدت ورفجومة منزل أبي الخطاب خالياً فاعتقدوا أنه لم يعد يقوى على الحصار فآثر الانسحاب فتعقبوه، ولما وصلوا رقادة فوجئوا بكمائنه، ودار قتال بين الطرفين انتصر فيه أبو الخطاب وهربت ورفجومة راجعة إلى القيروان، وفي هذه الأثناء انضم بعض أهل القيروان إلى أبي الخطاب لسخطهم على ورفجومة ورغبتهم في التخلص من سيطرتها وبذلك استطاع أبو الخطاب أن يتغلب على عدوه ويحتل القيروان في عام 141ه([8]). (1/232)
صفحة 233
وترسم المصادر الإباضية –كعادتها- صورة مثالية للمعاملة الحسنة التي لقيها أهل القيروان من أبي الخطاب الذي أمر أصحابه بأن لا يتبعوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح، وقرع أحد أصحابه عندما أشار عليه بأخذ أموال المهزومين جرياً على المعاملة بالمثل، ولكن أبا الخطاب ذكره أن مبادئهم لا تجيز ذلك وأن دماء مخالفيهم وأموالهم حرام عليهم وخاطبه قائلاً: »إن فعلنا ما فعلوا فحقيق على الله أن يرفضنا، ويدخلنا معهم جهنم، فنكون كما قال الله تعالى: ]كلما دخلت أمة لعنت أختها، حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار، قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون[([9])، والواقع أن الإباضية كانوا يعاملون أعداءهم المهزومين بإحسان وعدل، ولا تذكر المصادر غير الإباضية شيئاً معاكساً لذلك وإن كانت لا تسرف في المديح ولا تطنب في الحديث عن مثالية الإمام الإباضي كما تفعل المصادر الإباضية.
بعد أن نظم أبو الخطاب الأمور في القيروان عين والياً عليها عبدالرحمن بن رستم الفارسي، أحد حملة العلم الخمسة، وعاد هو إلى طرابلس التي اتخذها مقراً له ربما لكثرة الإباضية في تلك المنطقة وخاصة في جبل نفوسة، ولكي يستعد لمواجهة الخطر المحدق به من الشرق بعد أن صمم العباسيون على استعادة سلطان الخلافة في بلاد المغرب([10]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أبو راس، مؤنس الأحبة، ص.
([2]) أبو زكريا، ورقة 10، الدرجيني، ورقة 11، شماخي، سير، ص.
([3]) الرقيق، ص، ابن الأثير، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص.
([4]) أبو زكريا، ورقة 10، الدرجيني، ورقة 11، شماخي، سير، ص
([5]) أبو زكريا، ورقة 10.
([6]) أبو زكريا، ورقة 10، الدرجيني، ورقة 11، أنظر أيضاً: الشماخي، سير، ص.
([7]) أبو زكريا، ورقة 11، الدرجيني، ورقة 11، شماخي، سيرن ص.
([ (1/233)
صفحة 234
8]) أبو زكريا، ورقة 10-11، الدرجيني، ورقة 11-12، شماخي، سير، ص-128. أنظر أيضاً: ابن الأثير، ج، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، جق1، ص، البكري، ص.
([9]) سورة الأعراف، آية 38، عن المعلومات أنظر: أبو زكريا، ورقة 11، الدرجيني، ورقة 11-12، شماخي، سير، ض.
([10]) أبو زكريا، ورقة 11، الدرجيني، ورقة 11، النويري، ج، ق1، ص، أنظر أيضاً: ابن الأثير، ج، ص.
الصراع بين الإباضية والخلافة العباسية:
لم تعط الإدارة العباسية انتباهاً كافياً لما كان يجري في بلاد المغرب خلال العقد الرابع من القرن الثاني الهجري نظراً لانشغالها بتوطيد حكمها في الولايات الشرقية، ولما تم لها ذلك رنت ببصرها صوب المغرب، وصمم أبو جعفر المنصور –الخليفة العباسي آنذاك- على بذلك كل ما في وسعه لإعادة بلاد المغرب إلى حوزة الخلافة العباسية([1])، وفي عام 142هعين أبو جعفر المنصور محمد بن الأشعث الخزاغي والياً على مصر وأمره بتوجيه الجيوش للمغرب وإعادة ضمها إلى حظيرة الدولة العباسية، وفور وصوله إلى مصر أرسل حملة بقيادة العوام بن عبدالعزيز البجلي ضد الإباضية الذين سيطروا آنذاك على بلاد المغرب الأدنى، ولما سمع أبو الخطاب بذلك سار للقائه، وعندما وصل موقع ودراسة أرسل أحد قواده لمجابهة العوام بن عبدالعزيز وهزم الأخير وعاد إلى مصر([2])، وفي نفس العام تمكنت جيوش أبي الخطاب من هزيمة جيش آخر بقيادة أبي الأحوص عمرو بن الأحوص العجلي([3]). (1/234)
صفحة 235
لما سمع الخليفة بهذه الانتصارات التي أحرزها الإباضية بعث إلى واليه ابن الأشعث يأمره بالسير لحرب الإباضية وأمده بجيش كبير بلغ مقداره 140 ألف رجل([4])، ووجه معه بعض كبار قادته مثل الأغلب بن سالم التميمي والمحارب بن هلال والمخارق بن غفار الطائي، وأمرهم جميعاً بالسمع والطاعة لابن الأشعث، ولكي يطمئن الخليفة على جنده ويأمن شر الارتباك والفتنة والفوضى فقد أوصل بأن يستلم القيادة الأغلب بن سالم التميمي إن قتل ابن الأشعث أو حدث ما يمنعه من الاستمرار في قيادة الجيش، وإن حدث للأغلب مكروه فتعطى القيادة للمخارق الطائي، وإن قتل الأخير فيستلم المحارب بن هلال قيادة الجيش ولكن الأخير توفي في الطريق([5]).
عندما سمع أبو الخطاب بأنباء سير ابن الأشعث نحو المغرب أرسل لولاته وأتباعه في كل أنحاء المغرب ليوافوه بالرجال والمال لدفع الخطر المحدق بدولتهم الإباضية الفتية، وتجمع لديه ما يزيد على تسعين ألف محارب([6]). (1/235)
صفحة 236
وفي هذه الأثناء كان ابن الأشعث يرسل عيونه وجواسيسه لمعرفة أخبار أبي الخطاب، وقد رجعت عيون ابن الأشعث تحمل له أنباء الحشود الإباضية وتصميم رجال أبي الخطاب على الاستماتة في الدفاع عن دولتهم الناشئة، فضاق ابن الأشعث ذرعاً بهذه الأخبار، وتردد في لقاء أبي الخطاب في البداية ثم لجأ إلى الحيلة لتفريق جند أبي الخطاب، فعمد إلى رجال من عسكره وأمرهم أن يتزيوا بزي رسل قادمين من مركز الخلافة وأودعهم كتاباً منسوباً لأبي جعفر المنصور ومرسلاً ابن الأشعث، وأمرهم أن يتنحوا عن المعسكر وأن يأتوا في الغد وكأنهم قادمون من بغداد ومبعوثون من الخليفة، وفي الموعد الذي حدده لهم جاء الرجال وقدموا على معسكره وسلموا إليه الرسالة ففضها ابن الأشعث وقرأها على الجند، وادعى أن أبا جعفر أمره بالرجوع لأمر هو أحوج إليهم فيه مما توجهوا إليه، فرجع العسكر نحو مصر ولكن ببطء شديد، وكانت عيون أبي الخطاب تتعقب ابن الأشعث فإذا ارتحل مرحلة ردعت منهم طائفة، وفي نفس الوقت كان ابن الأشعث يرسل خيلاً تقطع الأثر خلفه لتنظر هل بقي في معسكره من عيون أبي الخطاب أحد.
وكان بعض جواسيس ابن الأشعث مقيمين في معسكر أبي الخطاب، فلما وصلت عيون أبي الخطاب وأخبروه أن ابن الأشعث رجع إلى مصر، تفرق جند أبي الخطاب ورجعوا إلى منازلهم رغم نصيحة أبي الخطاب وأمره إياهم بعدم العودة حتى يتأكدوا من رجوع ابن الأشعث إلى مصر([7]).
لما أيقن عيون ابن الأشعث بتفريق القوم انطلقوا إلى صاحبهم وأخبروه، فعاد ابن الأشعث مسرعاً نحو المغرب ولم يفطن به أبو الخطاب إلا بعد دخوله، فاضطر أبو الخطاب لمواجهة ابن الأشعث في معركة عنيفة في ربيع الأول من عام 144ه في تاورغا قرب سرت، قتل فيها أبو الخطاب وكل أتباعه الذين اشتركوا في المعركة([8])، وتعود هزيمة أبي الخطاب إلى الأسباب التالية: (1/236)
صفحة 237
1- أن توقيت المعركة لم يكن في صالحه، فقد كان وقت حصاد ولم يكن خبر عودة ابن الأشعث إلى مصر يتناهى إلى أسماع القوم حتى أسرعوا إلى أوطانهم لجني محاصيلهم قبل أن تتلف، وقد نصحهم أبو الخطاب بالتمهل ولكن العامة غلبت عليه فأذن لهم بالانصراف([9]).
2- أما العامل الثاني فهو النزاع الذي نشب بين زناتة وهوارة من أتباع أبي الخطاب واتهمت زناتة أبا الخطاب بميله وتحيزه لهوارة، فانصرف عنه قبيل وصول ابن الأشعث مما قلل عدد أصحابه وأضعف قوة جيشه([10]).
3- بالإضافة إلى ذلك فإن الحيلة التي اتبعها ابن الأشعث ثم سرعته في السير نحو أبي الخطاب واختيار الموقع كان لها آثار في إضعاف قوة الإباضية الذين حرموا من الماء واضطروا إلى القتال في مكان لم يختاروه ولم يعرفوه([11]).
4- أخطأ أبو الخطاب حينما رفض نصيحة أصحابه الذين أشاروا عليه بعدم السير للقاء ابن الأشعث والانتظار حتى تتكامل قواته وتصله الإمدادات من مختلف البقاع التي يسيطر عليها الإباضية، وتذكر المصادر أن كثيراً من الإمدادات كانت في طريقها إليه عندما علموا بوصول ابن الأشعث إلى حيز طرابلس، ومن بينها جيش يقوده عبدالرحمن بن رستم والي القيروان، وقد وصلته أنباء الهزيمة وقتل الإمام أبي الخطاب بينما كان في طريقه للانضمام إليه[12]). (1/237)
صفحة 238
بعد معركة تاورغا خاض ابن الأشعث معركة أخرى ضد أبي هريرة الزناتي الذي كان يقود 16 ألفاً من أتباعه، ولا تذكر المصادر المتوافرة أية معلومات عن معتقدات الزناتي وأتباعه أو من أين جاءوا ولا المكان الذي حدثت فيها المعركة بينه وبين جند الخلافة، وربما كانوا من إباضية زناتة الذين انفصلوا عن أبي الخطاب ثم ندموا على فعلتهم فكفروا عن خطأهم بمقاتلة ابن الأشعث، ومما يرجح هذا الرأي أن ابن عذارى يذكر أن هزيمة الزناتي قد حدثت في ربيع الأول من عام 144ه([13]) أي في نفس الشهر الذي حدثت فيه معركة تاورغا، ومن المحتمل أيضاً أن هؤلاء الزناتيين قد جاءوا مدداً لأبي الخطاب واستجابة لندائه قبل نشوب المعركة بينه وبين ابن الأشعث، ولكنهم وصلوا بعد فوات الأوان، فسقطوا فريسة في يد ابن الأشعث وقواته ولاقوا هزيمة مرة([14]).
بعد هذا النصر الذي أحرزه ابن الأشعث تفرق الإباضية في الجبال، والتجأوا إلى حصونهم المنيعة هناك، أما ابن الأشعث فقد سار نحو القيروان ودخلها في جمادى الأولى سنة 144ه/761م([15])، ثم قام بتحصين المدينة وشيد حولها سوراً استغرق بناؤه ما يقرب من عامين([16]). (1/238)
صفحة 239
وفي نفس الوقت الذي اهتم فيه بتحصين المدينة وإعادة تنظيمها فإنه لم يغفل عن دك جيوب الثوار وفي مقدمتهم الإباضية، وكان يبادر لمهاجمتهم في أي مكان وفي أي زمان، يشعر فيه بتجمعهم واستعدادهم للثورة محاولاً القضاء على الشر قبل وقوعه، وفي أواخر عام 144هأرسل جيشاً ضد الإباضية في منطقة ودان واستطاع إخضاعهم وقتل عدد كبير منهم([17])، وفي العام نفسه أرسل حملة أخرى بقيادة إسماعيل بن عكرمة الخزاعي ليخضع الإباضية في منطقة زويلة وكانوا قد تجمعوا تحت إمرة زعيم لهم يدعى عبدالله بن حيان الإباضي، واستطاع الخزاعي أن يخضعهم، واضطر بعضهم للهجرة من زويلة والالتحاق بمعاقل الإباضية في المغرب الأوسط، حيث استقر عبدالرحمن بن رستم بعد مقتل الإمام أبي الخطاب، وحاول ابن الأشعث تشتيت جموعهم هناك، فقاد حملة ضدهم وألقى عليهم الحصار، لكن ابن رستم وأتباعه الإباضية كانوا قد تحصنوا في أماكن منيعة جداً لم يستطع ابن الأشعث اجتيازها، وطال الحصار وأصيب جيشه بالجدري وهلك منهم خلق كثير مما اضطره للعودة إلى القيروان تاركاً ابن رستم وشأنه في المغرب الأوسط، وكان لهذا الفشل أثر كبير في رفع معنويات ابن رستم وأتباعه الإباضية، مما شجعهم على المضي قدماً في الاستعداد لتأسيس دولة إباضية في تلك المنطقة من بلاد المغرب واستطاعوا تحقيق ذلك نحو عام 162هكما سنرى([18]). (1/239)
صفحة 240
على الرغم من فشل حملة ابن الأشعث ضد إباضية المغرب الأوسط فإن جهوده في قمع الحركات المناوئة على اختلافها قد أدت إلى خلق الهدوء والاستقرار في المغرب الأدنى وأفريقية، وتشير المصادر إلى أن ابن الأشعث بقي نحو ثلاثة أعوام (145هه) ينعم بالهدوء والسلام، ولم يقم في أفريقية ما يعكر صفو الأمن، وانصرف الناس إلى أراضيهم ومزارعهم يستغلونها في جو من الاستقرار والطمأنينة، ولعل هذا ما يفسر لنا خصوبة الأرض وكثرة الإنتاج الذي تتكلم عنه المصادر في عام 145ه([19])، ولكن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً نظراً للنزاع الذي نشب بين جند الخلافة أنفسهم، فقد انشق عن ابن الأشعث بعض قادة الجيش الذين رافقوه في حملته على بلاد المغرب، واتهموه بالعصبية القبلية والاستبداد في الرأي، وهددوه بالموت إن لم يتخل عن الولاية، وأمام هذه المعارضة اضطر ابن الأشعث للتخلي عن الولاية والرجوع إلى المشرق وولى الجند عليهم عيسى بن موسى الخراساني –أحد أبرز المناوئين لابن الأشعث- حتى يأتيهم الوالي الجديد، فعين الخليفة الأغلب بن سالم التميمي خلفاً لابن الأشعث، وكان الأغلب قد جاء في جيش ابن الأشعث وولاه الأخير على الزاب وطبنة. (1/240)
صفحة 241
ولما جاءه أمر الخليفة بتعيينه والياً ارتحل إلى القيروان وكان ذلك عام 148ه، وقد بدا أن الأغلب سوف يحظى بتأييد جند الخلافة ويتفرغ لمحاربة الثوار الخوارج، وتعمير البلاد، وبقي نحو عامين دون معارضة تذكر، وفي عام 150هثار الخوارج الصفرية بزعامة أبي قرة اليفرني في منطقة تلمسان فخرج إليه الأغلب، مخلفاً سالم بن سوادة التميمي نائباً عنه في القيروان، ففر أو قرة أمام جيش الأغلب وحاول الأخير اللحاق به إلى منطقة طنجة ولكن الجند انشقوا عنه ورفضوا خطته معتقدين بعدم لزوم ملاحقة الخوارج بعد أن أبعدوا إلى القيروان، ولم يلبث أن ثار عليه بعض القادة، واضطر الأغلب إلى محاربة جنود كانوا في الأصل تحت إمرته، ولاقى حتفه في هذا النزاع عام 150ه([20]).
عندما علم الخليفة بذلك عين عمر بن حفص، من ولد قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلب والياً على أفريقية والمغرب، وكان عمر من القادة البارزين الشجعان حتى أنه كان يلقب هزارمرد وهي كلمة فارسية تعني ألف رجال([21])، وصل عمر القيروان عام 151هيرافقه حرسه المكون من 500 فارس، ولكن لشجاعته وبطولته أثر كبير في انقياد الناس له، أضف إلى ذلك أنه كان لبقاً في استمالة الناس وتأليف قلوبهم، إذ أنه تقرب من وجهائهم ووصلهم بالهدايا والأموال، وأحسن معاملتهم مما أدى إلى إذعانهم له واعترافهم بزعامته، وبقي في القيروان نحو ثلاثة أعوام ونيف ينظم شؤونها في سلام وطمأنينة ولم نسمع عن معارضة جدية قامت ضده أثناء تلك الفترة مما يشير إلى قبول الجند بقيادته ورضاهم عن سيرته([22]).
وفي عام 154هواجه ابن حفص أخطر ثورة خارجية في بلاد المغرب ضمت الصفرية والإباضية، وبدأت بذلك مرحلة جديدة من الصراع بين الإباضية وبين الولاة المهالبة الذين حكموا أفريقية وبلاد المغرب نحو ربع قرن من الزمان (151هه).
--------------------------------------------------------------------------------
[ (1/241)
صفحة 242
1]) حاول الخليفة العباسي الأول إعادة ضم المغرب للخلافة العباسية، وأرسل حملة عسكرية للمغرب لتحقيق هذا الهدف ولكنه اضطر للعدول عن هذا الرأي نظراً للمشاكل التي برزت في بعض ولايات المشرق مثل ثورة عبدالله بن علي، عم الخليفة. أنظر مزيداً من التفاصيل في: الكندي، الولاة والقضاءة، ص-123، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج، ص، سعد زغلول عبدالحميد، تاريخ المغرب العربي، ص-295، إحسان عباس، تاريخ ليبيا، ص-46.
([2]) شماخي، سير، ص.
([3]) ابن عذاري، ج، ص، ابن الأثير، جن ص، النويري، ج، ق1، ص.
([4]) يذكر ابن الأثير أن عدد الجيش كان خمسين ألفاً، بينما تورد المصادر الإباضية أن عدده سبعون ألفاً. أنظر: ابن الأثير، ج، ص، أبو زكريا، ورقة 12، الدرجيني، ورقة 13، شماخي، سير، ص.
([5]) ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص، ابن الأثير، ج، ص.
([6]) أبو زكريا، ورقة 12، الدرجيني، ورقة 13.
([7]) أبو زكريا، ورقة 12، الدرجيني، ورقة 13، شماخي، سير، ص-132. أنظر أيضاً: ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص-46.
([8]) أبو زكريا، ورقة 12-13، الدرجيني، ورقة 13، شماخي، سير، ص-132. أنظر أيضاً: ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص-46.
([9]) أبو زكريا، ورقة 12، الدرجينين ورقة 13، شماخي، سير، ص.
([10]) ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص.
([11]) أبو زكريا، ورقة 13، الدرجيني، ورقة 15.
([12]) أبو زكريا، ورقة 13، الدرجيني، ورقة 15، شماخي، سير، ص.
([13]) ابن عذاري، ج، ص.
([14]) المصدر نفسه.
([15]) ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1ـ ص.
([16]) المصدر نفسه.
([17]) ابن عذاري، ج، ص.
([18]) ابن عذاري، ج، ص، أبو زكريا، ورقة 13، الدرجيني، ورقة 15، شماخي، سير، ص.
([19]) ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، صوما بعدها.
([ (1/242)
صفحة 243
20]) ابن عذاري، ج، ص-75، النويري، ج، ق1، ص-48، ابن الأثير، ج، ص، 586-587.
([21]) النويري، ج، ق1، ص، ابن الأثير، ج، ص.
([22]) ابن عذاري، ج، ص، ابن الأثير، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص، ابن خلدون، ج، ص.
الصراع بين الإباضية والولاة المهالبة:
بعد موت الإمام أبي الخطاب عام 144ه/761م اضطر الإباضية في المغرب الأدنى وأفريقية إلى العودة إلى مرحلة الكتمان، لعدم قدرتهم على الاستمرار في مرحلة الظهور، ولما كانوا مهددين بالخطر من جانب الولاة العباسيين فقد اضطروا إلى إعلان مرحلة الدفاع وانتخبوا أبا حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزي إمام دفاع لهم عام 145ه/762م([1])، ويبدو أن سلطان أبي حاتم كان مقصوراً على بعض مناطق طرابلس، وأن ولايته كانت للدفاع فقط وفي ذلك تقول المصادر الإباضية: »فلما أنس المسلمون (الإباضية) من أنفسهم قوة في حيز طرابلس اجتمعوا فأظهروا في اجتماعهم في شأن امرأة صالحة اسمها مسلمة أساء إليها زوجها فلما اتقنوا رأيهم وحضر كل من ينظر إليه عقدوا الولاية لأبي حاتم«، »وكانت ولايته ولاية الدفاع وطلب الحق«([2])، ويبدو أن أبا حاتم كان ينظر إلى عبدالرحمن بن رستم –الذي كان قد لجأ إلى المغرب الأوسط بعد موت أبي الخطاب وأقام مركزه في تاهرت- على أنه الإمام الذي يجب أن يعترف بقية الإباضية بإمامته، والدليل على ذلك أن أبا حاتم كان »يرسل ثقاته بما يجتمع من مال الصدقة إلى عبدالرحمن قبل ظهوره«([3])، ولعل مرد ذلك إلى أن عبدالرحمن كان أحد حملة العلم الخمسة كما عينه أبو الخطاب –أول إمام ظهور في شمال أفريقية- قاضياً لطرابلس ثم والياً على القيروان، ولذا فقد كان يتمتع بمكانة رفيعة جعلت بقية الإباضية في شمال أفريقية ينظرون إليه زعيماً وقائداً رغم أنه لم يعتبر بعد إمام ظهور. (1/243)
صفحة 244
ويبدو أنه كان هناك زعماء إباضيون آخرون في مناطق أخرى من بلاد المغرب مثل عاصم السدراتي([4]) والمسور الزناتي، ويذكر بعض الدارسين المحدثين أن هؤلاء الزعماء الإباضية كانوا مستقلين بعضهم عن بعض[5])، ولكن المصادر الإباضية تشير إلى عكس ذلك، وتذكر أنهم جميعاً كانوا يعترفون بسلطة أبي حاتم وينضوون تحت إمرته في أوقات الحرب، وهذا يدل على أن أبا حاتم كان إمام الدفاع، والسدراتي والزناتي وغيرهم كانوا أشبه بولاة تابعين له، ونظراً لأن مناطقهم معزولة عن طرابلس بمناطق تحت حكم مخالفيهم فقد تصرفوا وكأنهم مستقلين لصعوبة الاتصال المستمر بينهم وبين الإمام[6]).
وعلى أي حال فإن الإباضية –بعد مقتل إمامهم أبي الخطاب- افترقوا إلى الوحدة الحقيقية مما أضعف قوتهم إلى حين، وهذا ما حدا بأبي حاتم بأن لا يبدأ بمناوشة الأعداء فور انتخابه إمام دفاع عام 145ه، وبقي مدة خمس سنين يعمل في السر ويستخدم التقية الدينية حتى تمكن من جمع شتات الإباضية في ولاية طرابلس، وعندما أنس من نفس قوة واطمأن إلى قدرة أتباعه وإخلاصهم أراد إعلان الثورة عام 150ه/767م([7])، وتناهت أنباء استعداداتهم إلى والي طرابلس، الجنيد بن سيار، فبعث لهم 500 فارس ليطلبوا منه الطاعة والولاء للخليفة العباسي، وواضح من عدد هذه القوة أنها لم تكن مرسلة للحرب بل للتهديد والوعيد، وعندما وصلوا إليهم طلب أمير القوة من الإباضية أن يقروا بطاعة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، ولم يشأ الإباضية أن ينكشف أمرهم كما لم يريدوا التسرع في إعلان التمرد والثورة فأعلنوا طاعتهم لأمير المؤمنين ولكن دون تسميته، وكانوا يعنون بذلك الأمير الذي ارتضوه لأنفسهم وهو أبو حاتم. (1/244)
صفحة 245
وفي هذا الرد تقية، على أثر ذلك رجعت القوة إلى طرابلس وأعلمت الوالي بأن القوم قد أعلنوا الطاعة لأمير المؤمنين([8])، ويبدو أن الوالي لم يطمئن لنوايا الإباضية فأرسل إليهم حملة عسكرية إلا أنها منيت بالهزيمة([9])، وفي هذه الأثناء وصل الوالي عمر بن حفص إلى القيروان عام 151ه، فكتب إليه والي طرابلس يستمده، فبعث إليه عمر قوة على رأسها خالد بن يزيد المهلبي، وعندما وصل طرابلس خرج واليها، الجنيد بن سيار لاستقباله وسار الجميع لقتال الإباضية، ولما اقتربوا منهم طلب الجنيد منهم أن يعلنوا الولاء والطاعة لأبي جعفر المنصور بالاسم، فأبوا ذلك وردوا عليه رداً قبيحاً وقالوا: »عليك لعنة الهل وعلى أبي كافر معك، يعنون أبا جعفر«، فاقتتل الطرفان وهزم الجيش العباسي ولحق بهم الإباضية إلى طرابلس، واضطر الوالي ومن معه إلى إخلاء المدينة واللجوء إلى قابس([10])، ولا تذكر المصادر المتوافرة تاريخاً لهذه الحوادث ولكنها تشير إلى هزيمة والي طرابلس قد جرت بينما كان عمر بن حفص موجوداً في طبنة([11])، ولما كان عمر قد ارتحل إلى هناك في سنة 153هفمن المحتمل أن تكون هزيمة والي طرابلس واحتلال الإباضية للمدينة قد حدث في العام نفسه. (1/245)
صفحة 246
وتجدر الإشارة إلى أن أصحاب أبي حاتم –خلافاً لعاداتهم ومبادئهم- قد انتهكوا الحرمات في طرابلس وسلبوا القتلى والجرحى مما أغضب أبا حاتم نفسه، وتشير المصادر الإباضية إلى أن الذين قاموا بهذه الأعمال كانوا من عوام البربر الذين لم يتمكنوا بعد من العقيدة الإباضية([12])، وأغلب الظن أن ما ذهبت إليه هذه المصادر صحيح، لأن ما حدث كان بالفعل مخالفاً لسيرة الأئمة الإباضية في كل معاركهم التي خاضوها سواء في المشرق أو المغرب، والدليل على ذلك أن أبا حاتم نفسه قد استنكر بشدة ما فعله عوام البربر من جيشه وخاطبهم معنفاً وقال: »ليس من سيرة المسلمين (الإباضية) إذا قتلوا من بغى عليهم من أهل التوحيد أن يسلبوهم بل يقولوا لأهل المدينة: ارجعوا إلى قتلاكم فادفنوهم وخذوا ثيابهم«، وهددهم باعتزال الإمامة إن لم يردوا الأسلاب إلى أصحابها([13]).
بعد الاستيلاء على طرابلس لاحق أبو حاتم وأصحابه جند الخلافة إلى قابس حيث التقوا هناك بجيش أنفذه عمر بن حفص بقيادة سليمان بن عباد المهلبي الذي يبدو أن عمر قد أوصى إليه بالقيادة العامة لجند الخلافة في تلك المنطقة، ولم يكن سليمان أسعد حظاً من سابقيه إذ مني بالهزيمة وكر راجعاً إلى القيروان حيث تبعه أبو حاتم وألقى الحصار على المدينة([14]).
-----------------------------------------------------------------------------
([ (1/246)
صفحة 247
1]) أبو زكريا، ورقة 13، الدرجيني، ورقة 15، شماخي، سير، ص، يختلف المؤرخون في أصل أبي حاتم، إذ أن النويري وابن الأثير والشماخي يذكرون بأنه مولى كندة، أما أبو زكريا والدرجيني والبرادي فيذكرون أنه من هوارة ويجعله البلاذري من سدراته، بينما ينسبه ابن خلدون إلى قبيلة مغيلة. أنظر: النويري، ج، ق1، ص، ابن الأثير، ج، ص، شماخي، سير، ص، أبو زكريا، ورقة 13، الدرجيني، ورقة 15، برادي، الجواهر، ص، البلاذري، فتوح، ص، ابن خلدون، ومن المرجح أن أبا حاتم ينتمي إلى قبيلة هوارة أشد القبائل البربرية حماساً للمذهب الإباضي منذ بداية تسربه إلى الشمال الأفريقي، ويبدو أن ابن خلدون قد أخطأ فوضع مغيلة بدلاً من مليلة وهي إحدى بطون هوارة.
([2]) أبو زكريا، ورقة 13، الدرجيني، ورقة 15، شماخي، سير، ص.
([3]) أبو زكريا، ورقة 13، الدرجيني، ورقة 15.
([4] أخطأ المستشرق البولندي ليفتسكيLewicki عندما أشار إليه بأنه أحد حملة العلم الخمسة أنظر: T. Lewicki, E’tudes Ibadites, pp. 77-8. والصحيح أن الرجل الذي يحمل نفس الاسم والذي كان واحداً من حلمة العلم قد توفي سابقاً أثناء حصار أبي الخطاب لمدينة القيروان عام 141ه. أنظر: أبو زكريا، ورقة 10-11، الدرجيني، ورقة 11-12، شماخي، سير، ص.
([5]) T. Lewicki, op. cit, p. 77, fournal, I, p. 371
([6]) أبو زكريا، ورقة 14، الدرجيني، ورقة 15-16.
([7]) الشطيبي، الجمان، ورقة 202-203، بروفنسال، نبذ تاريخية، ص.
([8]) أبو زكريا، روقة 14، النويري، ج، ص.
([9]) النويري، ج، ص.
([10]) أبو زكريا، ورقة 14، الدرجيني، ورقة 15، ابن الأثير، ج، ص.
([11]) النويري، ج، ق1، ص، ابن الأثير، ج، ص-599.
([12]) أبو زكريا، ورقة 14، الدرجيني، ورقة 15.
([13]) أبو زكريا، ورقة 14.
([14]) أبو زكريا، ورقة 14، الدرجيني، ورقة 16، النويري، ج، ق1، ص.
حصار طبنة: (1/247)
صفحة 248
بينما كانت هذه الحوادث تأخذ مجراها في منطقة طرابلس وشرقي تونس كان الوالي العباسي عمر بن حفص المهلبي موجوداً في مدينة طبنة حيث ذهب إلى هناك ليقوم بتحصينها وتقوية مسالحها بناء على أوامر تلقها من الخليفة أبي جعفر المنصور، الذي أراد أن يجعل من هذه المدينة وما حولها من حصون سداً منيعاً في وجه أية غارات تأتي من بلاد المغرب الأوسط، وتقع مدينة طبنة في إقليم الزاب غير بعيد عن تاهرت حيث استقر عبدالرحمن بن رستم الفارسي الإباضي محاولاً جمع الإباضية في المغرب الأوسط استعداداً لتأسيس دولة إباضية هناك، أضف إلى ذلك أن طبنة تقع في الطريق الرئيسي من تلمسان، حيث أقام الصفرية دولة لهم بزعامة أبي قرة اليفرني.
وقد اعتبر إباضية تاهرت وصفري تلمسان قدوم عمر بن حفص إلى طبنة وإقامة التحصينات فيها عملاً عدوانياً يهدد كياناتهم ويودي بجهودهم، ولذا اتفق الطرفان ضد العدو المشترك وقرروا السير إليه ومحاربته قبل أن يكمل استعداداته ويبدأهم بالهجوم، وكات عبدالرحمن بن رستم إباضية طرابلس وتونس وطلب منهم ملاقاته لإحكام الحصار على طبنة وإبادة الجند العباسي هناك، فوافاه السدراتي في ستة آلاف، وكان هو في خمسة عشر ألف رجل، وانضم إليهم بعد ذلك أبو حاتم الذي كان من قبل محاصراً للقيروان، ولا تذكر المصادر عدد أتباعه إلا أنها تشير إلى أنهم كانوا كثيرين([1])، أما الصفرية فقد اجتمعوا بقيادة أبي قرة اليفرني، صاحب تلمسان وكان عددهم أربعين ألفاً، ثم انضم إليهم عبدالملك بن سكرديد الصنهاجي الصفري في ألفين من أتباعه([2]).
ويبدوا أن جماعات أخرى قد انضمت إليهم حتى بلغ عدد الجيوش المحاصرة اثني عشر عسكراً، بينما كان عمر بن حفص في خمسة عشر ألفاً وخمسماية فقط([3]). (1/248)
صفحة 249
أمام هذا الحشد الكبير من الأعداد وجد عمر بن حفص أن لا قبل له بمواجهتهم في معركة مفتوحة، ولذا التجأ إلى الحيلة والخداع محاولاً غرس النزاع وعدم الثقة بين الصفرية والإباضية، وأرسل رجلاً من مكناسة ليعرض على أبي قرة زعيم الصفرية مبلغ أربعين ألف درهم وكساء وهدايا أخرى ثمينة على أن يرفع الحصار ويعود إلى بلاده، إلا أنه رفض فقبل أخوه هذا العرض وانسحب مع كثير من الصفرية في جنح الظلام، ولما رأى أبو قرة ما فعل أتباعه انصرف راجعاً إلى تلمسان، وكان لانسحاب الصفرية أثر معنوي ونفسي كبير على الإباضية، فاضطروا إلى رفع الحصار أيضاً، وانسحب عبدالرحمن بن رستم إلى تهودة بينما رجع أبو حاتم وإباضية طرابلس وتونس إلى القيروان محاولين احتلالها قبل عودة عمر بن حفص([4]).
سر عمر بن حفص بهذا النصر الذي لم يكلفه كثيراً سواء في المال أو الرجال، ووجد الفرصة سانحة للانتقام من بعض الذين حاصروه وعلى رأسهم عبدالرحمن بن رستم، فأرسل إليه جيشاً هاجمه في تهودة وقتل عدداً كبيراً من أصحابه وفر منهزما إلى تاهرت([5]).
بعد ذلك فطن عمر بن حفص إلى الخطر الذي يتهدد القيروان بعد عودة أبي حاتم وأتباعه من الإباضية فقرر عمر الرجوع إلى القيروان لإنقاذها، واستخلف على طبنة ومنطقة الزاب المهنا بن المخارق بن غفار الطائي([6])، ولما علم أبو قرة الصفري بمسير عمر بن حفص إلى القيروان هاجم طبنة وحاصر المهنا الطائي إلا أن الأخير تصدى له بعناد وقاتله بشجاعة فهزمه واستباح عسكره واضطر إلى الانسحاب من تلمسان([7]).
-------------------------------------------------------------------------------
([1]) ابن عذاري، ج، ص، ابن الأثير، ج، ص، النويري، ج، ص.
([2]) ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ص.
([3]) ابن عذاري، ج، ص، يذكر النويري (ج، ق2، ص) أن عمر بن حفص كان في خمسة آلاف وخمسمائة فقط.
([ (1/249)
صفحة 250
4]) ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص-50، يذكر الرقيق القيروني (ص) أن المال أعطي لابن أبي قرة وأن المبلغ كان 4000 درهم، ويتفق ابن الأثير (ج، ص) مع الرقيق في أن المبلغ كان 4000 درهم.
يجدر بالذكر أن المصادر الإباضية تتجاهل حصار طبنة كلياً، ولعل مرد ذلك إلى أن الحادثة كانت فشلاً ذريعاً للإباضية وحلفائهم الصفرية، ولهذا لم يرغب مؤلفوها في الحديث عن ذكرى أليمة وهزيمة مرة أمام عدو أقل عدداً، وهو أمر لم يألفه الإباضية المشهورين بالشجاعة والتضحية في سبيل معتقدهم.
([5]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص.
([6]) الرقيق، ص، النويري، ج، ق1، ص.
([7]) النويري، ج، ص.
استيلاء أبي حاتم الإباضي على القيروان ومقتل عمر بن حفص: (1/250)
صفحة 251
عاد أبو حاتم مسرعاً نحو القيروان، وألقى عليها الحصار بجنوده الذين تشير المصادر السنية والإباضية إلى كثرتهم([1])، وبقي محاصراً للمدينة مدة ثمانية أشر لاقى الناس خلالها عنتاً كبيراً، وكانوا يقاتلون الإباضية في طرفي النهار حتى أجهدهم الجوع وأكلوا دوابهم، »وجعل الناس يخرجون فيلحقون بالبربر (الإباضية) من الجهد«([2])، في هذه الأثناء كان عمر بن حفص في طريقه راجعاً إلى القيروان، فلما علم الإباضية بذلك رفعوا الحصار عن المدينة وهبوا لملاقاته محاولين نصب كمين له والقضاء عليه في الطريق، ويبدو أن عيون ابن حفص قد أخبرته بمسير الإباضية إليه فسلك طريقاً مغايراً للطريق المعتاد، وفي نفس الوقت انتهز عامله على القيروان، جميل بن صخر فرصة رفع الحصار فخرج من القيروان والتقى مع عمر بن حفص في موقع يقال له بئر السلامة غير بعيدة عن القيروان، وتوجها معاًَ إلى المدينة([3]) وبعد أن تشاور عمر بن حفص مع كبار قواده ومعاونيه استقر رأيهم على أن يبقوا في المدينة ويشحنوها بالمؤن استعداداً لحصار طويل، ومن المحتمل أنهم تبنوا هذه الخطة لعدم وجود قوات كافية تستطيع أن تواجبه أبا حاتم وجيشه الضخم في معركة مفتوحة، وبعد أن شحن القيروان بالمؤن والأقوات حفر عمر بن حفص خندقاً عند باب أبي الربيع، ورابط مع جنده خلفه، وبذلك فرض على نفسه الحصار واكتفى بالدفاع أملاً منه في أن يحل بالمحاصرين ما حل بهم أثناء حصار طبنة ولكنه أساء التقدير وعادت خطته عليه بأسوأ النتائج([4]). (1/251)
صفحة 252
عندما علم أبو حاتم بوصول عمر بن حفص إلى القيروان كر راجعاً بسرعة وأعاد فرض الحصار على المدينة، وحدثت مناوشات بين الطرفين عند باب أبي ربيع بينما قامت كتائب من جيش أبي حاتم بسد أبواب القيروان الأخرى ومنعوا الخروج من المدينة، وبعد فترة ضاق الناس بالحصار وفقدت المؤن ومات بعض الناس جوعاً، وأدى ذلك إلى نشوب خلاف بين عمر بن حفص وبعض قادته، واختلفت آراؤهم حول معالجة الموقف وإنقاذ الناس مما هم فيه من المحنة والبلاء([5]).
وبينما هم على هذه الحال من الخلاف في الرأي والضيق في العيش جاءتهم الأنباء تخبرهم بأن الخليفة قد بعث يزيد بن حاتم المهلبي على رأس جيش قوي لنصرتهم، ولما سمع عمر بن حفص هذه الأنباء وجد أن في ذلك حيفاً عليه وقال عبارته المشهورة في بطون الكتب: »تتحدث نسوة العتيك أن يزيداً (هكذا) أخرجني من الحصار، إنما هي رقدة حتى أبعث للحساب«، ثم كتب وصيته وخرج في اليوم التالي على رأس جماعة من أعوانه، وقاتل الإباضية حتى قتل في شهر ذي القعدة (أو ذي الحجة) من عام 154ه([6]).
بايع الجند بعد مقتل قائدهم جميل بن صخر، وكان أخا عمر بن حفص لأمه، وقام جميل بطلب الموادعة والسلم مع أبي حاتم والإباضية، ويبدو أن أبا حاتم كان تواقاً لهذا الغرض حتى يتفرغ لقتال يزيد بن حاتم القادم من المشرق، وتتجلى رغبة أبي حاتم في الصلح في التساهل الواضح في شروط لاتفاق مع جميل بن صخر، ولعله أراد من ذلك أيضاً فتح القيروان دون الحاجة إلى مزيد من الحصار والعناء، وقد نص الصلح بين الطرفين على ما يلي:
1- أن يستولي أبو حاتم على القيروان ويدخلها دون قتال.
2- أن يقبل أبو حاتم بأن لا يقطع جميل وأصحابه طاعتهم لسلطانهم ولا ينزعون سوادهم، أي أن يبقوا على ولائهم للخلافة العباسية.
3- إن كل م أصابه جند الخلافة من البربر والإباضية فهو هدر ولا تجوز المطالبة به.
4- أن لا يجبر أحد من جند الخلافة على بيع سلاحه ودوابه وممتلكاته([7]). (1/252)
صفحة 253
دخل أبو حاتم المدنية وقام بهدم تحصينات المدينة وأحرق أبوابها وثلم سورها، ولعله أراد بذلك أن لا تصبح المدينة ملجأ حصيناً لأي عدو في المستقبل، ثم استخلف عليها عبدالعزيز بن السمح المعافري –أخا الإمام أبي الخطاب المعافري- واتجه هو صوب طرابلس ليستعد لمواجهة الوالي الجديد، يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وخرج معظم جند الخلافة –طوعاً- من المدينة واتجهوا إلى طبنة في إقليم الزاب، التي كانت لا تزال في قبضة العرب الموالين للخلافة العباسية، وكان ذلك مشجعاً لأبي حاتم للتخلص من البقية الذين آثروا الاستقرار في القيروان، فكتب أبو حاتم إلى واليه على القيروان يأمره –خلافاً لبنود الصلح المتفق عليها- أن »يأخذ سلاح الجند وأن لا يجتمع منهم اثنان في مكان وأن يوجه إليه بهم واحداً بعد واحد«([8]). (1/253)
صفحة 254
وجد الجند العربي أنهم خدعوا وقرروا عدم الرضوخ لأوامر أبي حاتم واستوثق بعضهم من بعض بالإيمان ألا يرضوا بما طلب أبو حاتم، وقويت عزيمتهم واشتد بأسهم بأنباء تقدم يزيد بن حاتم بانضمام عمرو بن عثمان الفهري وأعوانه إليهم، تحالف الفهري قبل ذلك مع الإباضية واشترك معهم في حصار القيروان، ولما تأكد الجند من صدق عمرو بن عثمان ولوه عليهم مستفيدين بذلك من خبرته ومعرفته بأحوال الإباضية وقوتهم، وبادر عمرو بن عثمان وجند الخلافة أصحاب أبي حاتم بالهجوم وقتلوهم عن آخرهم، فاضطر أبو حاتم للعودة إلى القيروان لتأديب عمرو بن عثمان وأصحابه، والتقى الطرفان في معركة عنيفة في مكان لا تذكر المصادر، وعلى الرغم من أن أبا حاتم قد خسر عدداً كبيراً من جيشه فقد هزم عمرو بن عثمان وتفرق جنده، واتجه بمن بقي معه إلى تونس بينما سار آخرون مع جميل بن صخر نحو المشرق حيث التقوا بيزيد بن حاتم في منطقة سرت، والتقيا في مكان يدعى جيجل من أرض كتامة وهزم جرير وقتل في جمع كبير من أصحابه، واستطاع عمرو بن عثمان النجاة، وتابع سيره إلى طبنة حيث شكل مع الجند المقيمين هناك عوناً كبيراً للوالي الجديد، وذلك بمحافظتهم على منطقة الزاب هادئة وآمنة من الثوار ومواليه للخلافة العباسية([9]).
-------------------------------------------------------------------------------
([1]) يرى كل من الرقيق وابن عذاري والنويري أن عدد جند أبي حاتم كان 130 ألف. أنظر: الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص، بينما يذكر البرادي والأزدي وابن خلدون أن عدد جيش أبي حاتم بلغ 350 ألف رجل منهم 85 ألف فارس. أنظر: البرادي، الجواهر، ص، الأزدين ص، 216. (1/254)
صفحة 255
يذكر الأزدي وابن خلدون أن أبا قرة قد اشترك في الحصار إلا أن هذه المعلومات مشكوك فيها، لأن أبا قرة قد عاد –بعد رجوع عمر بن حفص إلى القيروان- وهاجم طبنة كما أشرنا إلى ذلك ولكنه هزم وارتد إلى تلمسان، وليس هناك أي دليل في المصادر المتوافرة بما فيها الأزدي وابن خلدون يثبت انضمام أبي قرة إلى أبي حاتم أثناء حصاره الأخير لمدينة القيروان، ولا تذكر المصادر الأخرى الموثوقة والتي تتحدث بإسهاب عن حصار القيروان أية إشارة إلى أبي قرة على الإطلاق، ومن المحتمل إذن الأزدي وابن خلدون قد خلطا بين حصار طبنة وحصار القيروان.
([2]) الرقيق، ص-133، أنظر أيضاً ابن عذاري، ج، ص، ابن الأثير، ج، ص، السلاوي، ج، ص.
([3]) النويري، ج، ق1، ص.
([4]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، ابن الأثير، ج، ص، النويري، ج، ص.
([5]) الرقيق، ص.
([6]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص-52، ابن الأثير، جـ ص، السلاوي، ج، ص.
([7]) عن الصلح بين جميل بن صخر وأبي حاتم أنظر: النويري، ج، ق1، ص.
([8]) الرقيق، ص.
([9]) الرقيق، ص، النويري، ج، ص، شماخي، سير، ص.
هزيمة الإباضية في المغرب الأدنى وانتصارهم في المغرب الأوسط:
رأى أبو حاتم الإباضي أن الخطر يتهدده بوصول يزيد بن حاتم على رأس جيش قوي كبير، لذا قرر أن يلتجئ إلى جبل نفوسة حيث تقطن قبائل هوارة ونفوسة الإباضية، وحيث كان سكان الجبل السند القوي للدعوة الإباضية منذ بداية تسبرها إلى شمال أفريقية، وهناك حشد أتباعه واستعد للقاء الوالي العباسي الجديد، وتمكن أبو حاتم من هزيمة مقدمة جيش يزيد بن حاتم التي قادها سالم بن سوادة التميمي([1]). (1/255)
صفحة 256
على الرغم من هذا الانتصار فقد تردد أبو حاتم في مواجهة يزيد وعاد وعسكر في جبل نفوسة، فهاجمه يزيد –بعد أن عبأ قواته وأحسن تنظيمها وإعدادها- وجرت بين الفريقين معركة قاسية في ربيع الأول من عام 155هقتل فيها خلق كثير من كلا الطرفين إلا أن النتيجة كانت في صالح يزيد، وقتل الإمام الإباضي أبو حاتم مع جل أصحابه في المعركة([2])، بقي يزيد بن حاتم في منطقة طرابلس بعض الوقت يتعقب الإباضية في كل مكان، وتشير المصادر إلى أنه طلب الخوارج (الإباضية) في كل سهل وجبل، وجعل آل المهلب يقتلون البربر ويقومون بالثارات لعمر بن حفص([3])، ثم استعمل يزيد أحد رجاله على طرابلس وارتحل إلى القيروان ودخلها في عام 155ه، وقام بتنظيم شؤون المدينة وبنى فيها المسجد الأعظم وجدده عام 157هورتب أسواق القيروان وجعل كل صناعة في مكانها، ويبدو أنه أراد أن يعيد لقصبة أفريقية مجدها ومكانتها العظيمة([4]). (1/256)
صفحة 257
وفي الوقت الذي التفت فيه يزيد إلى الإعمار والبناء فإنه استمر في ملاحقة الثوار أينما كانوا وفي مقدمتهم رجال الإباضية، وهم أكثر الثوار شجاعة وحماسة واستماتة في سبيل مبدئهم، ولم يهنوا ولم يستكينوا رغم الضربات المتتالية التي تلقوها على أيدي الولاة، وفي عام 156ه تجمع إباضية طرابلس وثاروا بقيادة أبي يحيى الهواري فتصدى لهم عبدالله بن السمط الكندي، أحد قواد يزيد، والتقى الطرفان في مكان قرب شاطئ البحر فهزم الهواري هزيمة منكرة، وقتل عدد كبير من أصحابه([5])، وكانت هذه الوقعة آخر نشاط ثوري للإباضية في بلاد المغرب الأدنى طيلة ولاية يزيد بن حاتم التي استمرت حتى وفاته عام 170ه/786م، وقد أتم ابنه داود عمله فتتبع الإباضية وقضى عليهم بدون هوادة، وفي عهده الذي دام أقل من سنة ثارت قبيلة نفزة البربرية في جبال باجة بزعامة صالح بن نصير الإباضي الذي استطاع أن يهزم جيشاً أنفذه إليه داود بقيادة المهلب بن يزيد، ثم وجه إليه داود جيشاً بقيادة سليمان بن الصمة المهلبي فهزم صالح بن نصير الإباضية وهرب من باجة إلى جبل أوراس حيث استطاع جمع شتات الإباضية هناك، فلحق به سليمان بن الصمة وهزمه في معركة شديدة يف شقبنارية على طرف جبل أوراس، وقتله وأصحابه عن آخرهم([6]).
يبدو أن المعارك الكثيرة والحروب المستمرة التي خاضها الإباضية قد أبادت قسماً كبيراً منهم وأقنعت زعاماتهم بعدم جدوى إراقة الدماء ما دامت الخلافة مصممة على أن تبقى سلطتها قوية في بلاد المغرب الأدنى وأفريقية، ولذا فإنهم خلدوا إلى الهدوء نحو عقد من الزمان، ولم نسمع عن نشاط مسلح من جانبهم إلا في عام 180ه في زمن ولاية هرثمة بن أعين حيث ثارت هوارة بزعامة عياض بن وهب الهواري وقضى على الثورة بسهولة ويسر([7]). (1/257)
صفحة 258
وعلى أي حال فإن الإباضية في المناطق الشرقية من بلاد المغرب قد خبت جذوتهم وانهارت قوتهم منذ ولاية يزيد بن حاتم، ومقتل إمامهم أبي حاتم الملزوزي، ولعل مرد استكانتهم إلى عاملين: الأول: ضعفهم وعدم قدرتهم على التصدي لجند الخلافة، والثاني: أن عبدالرحمن بن رستم قد نجح في تكوين دولة إباضية في المغرب الأوسط، وبذلك حقق حلمهم في تكوين كيان خاص بهم، وهاجرت بعض القبائل البربرية الإباضية من مناطق المغرب الأدنى إلى المغرب الأوسط لتعيش في كنف الدولة الإباضية الرستمية، وبقيت جماعات منهم في مناطق معزولة مثل جبل نفوسة في طرابلس وبلاد الجريد في جنوب تونس([8])، وعلى الرغم من بعد مناطقهم عن بلاد الدولة الرستمية إلا أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم تابعين لتلك الدولة ويعترفون بالإمام الرستمي إماماً وخليفة لكل الإباضية في شمال أفريقية.
أما الدولة الرستمية التي أصبحت ملاذاً للإباضية فتنسب إلى عبدالرحمن بن رستم السالف الذكر([9])، وكان أحد حملة العلم الخمسة، وقد عينه الإمام أبو الخطاب المعافري، أول إمام ظهور في شمال أفريقية، قاضياً لطرابلس، ولما احتل القيروان عام 141هجعل ابن رستم والياً عليها، وبعد مقتل الإمام أبي الخطاب لجأ عبدالرحمن بن رستم إلى بلاد المغرب الأوسط واتخذ من جبل سوفجج المنيع جنوب تاهرت ملجأ له، وأخذت وفود البربر الإباضية تتقاطر إليه في ذلك الموقع الحصين معلنين تصميمهم على المضي في الكفاح حتى تقوم دولتهم التي تمثل -في رأيهم- دولة الحق والإسيلام الصحيح([10])، واجتمع إليه علماء الإباضية وفقهاؤهم من كل حدب وصوب، وقصده من طرابلس وجبل نفوسة وحدها ما يزيد على ستين من أكابر العلماء وأهل الفضل والرأي([11]). (1/258)
صفحة 259
وتقوى ابن رستم بالبربر الإباضية في المغرب الأوسط، الذين انتشر المذهب بينهم قبل مقدمه، وشاع في قبائل لواته ومكناسة ولماية وبعض بطون هوارة([12])، وبعد التنكيل الذي حل بالإباضية في بلاد المغرب الأدنى هاجر عدد كبير من إباضية تلك المنطقة إلى المغرب الأوسط، والتفوا حول عبدالرحمن بن رستم، الذي كان آنذاك يتمتع بتقدير واحترام أتباع المذهب جميعاً، وكانوا ينظرون إليه على أنه منقذ لهم من البلاء ومحقق لأهدافهم التي ناضلوا من أجلها، وفي مقدمتها تأسيس الدولة الإباضية.
ولما سمع بذلك ابن الأشعث والي أفريقية آنذاك، جهز جيشاً وسار به إلى عبدالرحمن أملاً في القضاء عليه قبل أن يتعاظم خبره، ولكن ابن رستم والإباضية تحصنوا في أماكنهم المنيعة وخندقوا على أنفسهم، وأقام ابن الأشعث محاصراً لهم مدة من الزمن ولكنه لم يستطع اقتحام مواقع الإباضية، ودب الخلاف في جيشه وانتشر الوباء بين جنوده، فاضطر إلى الانسحاب والعودة إلى القيروان، وكان ذلك في عام 145ه([13]).
أدى فشل ابن الأشعث إلى رفع الروح المعنوية لأتباع عبدالرحمن بن رستم الإباضية، وأخذت المساعدات تتوالى عليهم من أنحاء شمال أفريقية جميعها، وكذلك من إباضية المشرق الذين كانوا يبعثون لهم بالأموال اللازمة، ويرسلون لهم بالنصح والإرشاد ويجيبون على استفساراتهم وأسئلتهم حول ما يشكل عليهم من أمور الدنيا والدين([14]). (1/259)
صفحة 260
بعد ذلك وقع اختيار ابن رستم وأتباعه على تاهرت لتكون مقراً لهم فبنوا المدينة ونظموها وانتهوا من ذلك في عام 161ه([15])، وفي العام التالي رأى الإباضية في المغرب الأوسط أن الوقت قد حان لإعلان إمامة الظهور، فنادوا بعبدالرحمن بن رستم إمام ظهور أو إمام بيعة كما تسميه المصادر الإباضية (وكان من قبل إمام دفاع فقط) وبارك أئمة الإباضية في البصرة هذه الخطوة، وبعثوا للإمام الجديد بالأموال والمساعدات ليتسنى له القيام بالمهمات الملقاة على عاتقه على أكمل وجه([16])، وبإعلان الإمامة عام 162هولدت في المغرب الأوسط دولة إباضية عرفت في التاريخ باسم الدولة الرستمية وعاشت حتى عام 197ه حينما قضى عليها الفاطميون.
وفي الحقيقة كان قيام الدولة الرستمية أكبر انتصار للدعوة الإباضية، ليس في شمال أفريقية فحسب، بل في جميع الولايات الإسلامية، وهكذا فإن جهود الدعاة وحملة العلم الإباضية والتضحيات التي قدمها أتباع المذهب في مختلف أنحاء بلاد المغرب لم تضع سدى، وإنما أثمرت تكوين الدولة الإباضية القوية هناك، وحققت الحلم الذي سالت من أجله دماء غزيرة وأهدرت في سبيله أرواح كثيرة.
-------------------------------------------------------------------------------
([1]) الرقيق، ص-160، النويري، ج، ق1، ص، شماخي، سير، ص.
([2]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص، أبو زكريا، ورقة 14، الدرجيني، ورقة 16، شماخي، سير، ص، يذكر خليفة بن خياط (ج، ص) أن أبا حاتم الإباضي قد هزم ونفي من بلاده، وهذا يخالف كل المعلومات المتوافرة في المصادر السنية والإباضية.
([3]) الرقيق، ص، النويري، ج، ق1، ص.
([4]) الرقيق، ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص-54.
([5]) ابن عذاري، ج، ص.
([6]) الرقيق،ص، ابن عذاري، ج، ص، النويري، ج، ق1، ص.
([7]) ابن الأثير، ج، ص.
([ (1/260)
صفحة 261
8]) لا تزال هذه المناطق تحوي جماعات إباضية إلى يومنا هذا.
([9]) أنظر: فوق ص.
([10]) الباروني النفوسي، ج، ص.
([11]) المصدر نفسه.
([12]) أبو زكريا، ورقة 11، النفوسي، ص-5، ابن خلدون، ج، ص-121، محمد علي دبوز، ج، ص-259.
([13]) أبو زكريا، ورقة 11، النفوسي، ج، ص، محمد علي دبوز، ج، ص-260، محمد إسماعيل عبدالرزاق، ص-147.
([14]) ابن الصغير، ص-10.
([15]) عن تاهرت وموقعها أنظر: الحبيب الجنحاني، »تاهرت عاصمة الدولة الرستمية«، المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية، 1975م.
([16]) ابن الصغير، ص، الباروني، ج، ص.
الخلاصة
كانت الفتنة في عهد الخليفة عثمان حدثاً خطيراً ساعد في ازدياد شقة الخلاف بين المسلمين حول منصب الخلافة، وقد أدت التطورات التي حدثت فيما بعد –وخاصة النزاع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان- إلى بروز فرقة الخوارج التي عارضت التحكيم، وانشقت على علي بن أبي طالب، ونادت بانتخاب خليفة للمسلمين عن طريق الشورى.
وكان الخوارج أول من تحدى سلطة قريش عملياً عندما عينوا عبدالله بن وهب الراسبي إماماً لهم ونادوا بقية المسلمين للانضمام إليهم، وبعد معركة النهروان اعتزل أفراد منهم أصحابهم وذهبوا إلى البصرة حيث أخذوا يدعون لمذهبهم سراً خوفاً من بطش الولاة الأمويين، وقد تزعم هذا الفريق أبو بلال مرداس بن أدية التميمي الذي نادى بآراء وأفكار معتدلة فصلنا الحديث عنها في الباب الثالث من هذا الكتاب([1]). (1/261)
صفحة 262
في عام 64هحدث انقسام نهائي بين هؤلاء المعتدلين وبين أقرانهم من متطرفي الخوارج، وسمي المعتدلون القعدة، أي الذين قعدوا –طبقاًَ لوجهة نظر المتطرفين- عن الجهاد في سبيل الله ومحاربة المخالفين من المسلمين([2])، وفي بداية الربع الأخير من القرن الأول الهجري انقسم القعدة إلى فرقتين: الصفرية والإباضية، وسميت الإباضية بهذا الاسم نسبة إلى عبدالله بن إباض الذي تعتبره المصادر غير الإباضية مؤسس الحركة، أمام المصادر الإباضية فتتفق مع بقية المصادر في نسبة الفرقة إلى ابن إباض، ولكنها في الوقت نفسه تجمع على أن مخالفيهم هم الذين سموهم بهذا الاسم، وتذكر المصادر الإباضية صراحة أن عبدالله بن إباض لم يكن أمامهم الحقيقي مؤسس دعوتهم، وإن كان من علمائهم ورجالهم البارزين، وبناء على ذلك فلم تسهب هذه المصادر في الحديث عن كثير من جوانب حياة ابن إباض ونشاطه([3]).
ويعتبر الإباضية القدامى منهم والمحدثون، جابر بن زيد الأزدي إمامهم الكبير ومؤسس حركتهم، ولم يكن ابن إباض إلا واحداً من أتباعه، ولم يصدر في شيء من أفعاله إلا بأمر ذلك الإمام وإرشاده، ومن هنا فإن الإباضية لم يسموا أنفسهم –في البداية- بهذا الاسم، ولم يرد في مصادرهم قبل الربع الأخير من القرن الثالث الهجري.
وتفرد المصادر الإباضية فصولاً خاصة للحديث عن مختلف جوانب حياة جابر بن زيد ونشاطه ودوره الكبير في خدمة الحركة الإباضية، وتشير هذه المصادر إلى أن عدد أتباع الفرقة قد ازداد في عهده، وانضمت للدعوة جماعات كبيرة من قبيلة الأزد التي ينتمي إليها جابر بن زيد، كما انضم إليها بعض الموالي، ولم يقتصر نشاط جابر على البصرة وحدها، بل تعداها إلى مناطق أخرى، وتحتفظ المصادر الإباضية المتوافرة بمراسلات بينه وبين بعض أتباعه في الولايات الإسلامية النائية مثل عمان وخراسان. (1/262)
صفحة 263
ونتيجة لسياسته الذكية الحذرة، ولاستعماله التقية الدينية، وقدرته الفائقة على الاستفادة من الظروف التي تمر بها الدولة الأموية فقد استطاع جابر أن يجمع الناس من حوله، ويقنع كثيراً منهم بمبادئه وآرائه، ولم يمت جابر بن زيد إلا وقد غدت الدعوة الإباضية عبارة عن حركة إسلامية شاملة اجتذبت عناصر مختلفة من قبائل وأجناس متعددة([4]).
وعندما توفي جابر بن زيد وخلفه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي استمر الأخير في أداء المهمة التي اضطلع بها سلفه، وخلق مجتمعاً متماسكاً تسوده الألفة والمحبة والتعاون، وطور التنظيمات السرية للحركة، وأوجد نوعاً من الحكومة الثورية السرية في البصرة كان لها دور كبير في إنجاح الحركة وتحقيق أهدافها، كما أنشأ مدرسة سرية خاصة لتعليم الدعاة وتدريبهم أفرزت عدداً من المشايخ والدعاة الذين عرفوا باسم حملة العلم، وقد أرسلوا إلى الأمصار الإسلامية المختلفة للتبشير بمذهبهم هناك، وكان لهم فضل كبير في نشر الدعوة في المناطق التي أوفدوا إليها، وخاصة تلك الواقعة على أطراف الدولة الإسلامية البعيدة عن مراقبة السلطة المركزية([5]). (1/263)
صفحة 264
وفي أواخر العقد الثالث من القرن الثاني الهجري استغل مشايخ الإباضية المشاكل التي واجهتها الدولة الأموية وأوعزوا إلى أتباعهم لإعلان الإمامة في بعض المناطق، واستطاع الإباضية تأسيس إمامة إباضية في كل من حضرموت واليمن وعمان، ولكن هذه الإمامات لم تعمر طويلاً قضى الأمويون على إمامة اليمن وحضرموت، بينما قضى العباسيون على إمامة عمان الأولى نحو عام 134هولكن إباضية عمان استمروا في تنظيم أنفسهم، وأخذوا يتحينون الفرص لإعلان الإمامة من جديد، واستطاعوا تحقيق هدفهم بإعلان الإمامة الإباضية الثانية نحو عام 177هومنذ ذلك التاريخ أصبح تاريخ عمان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمذهب الإباضي بحيث لا يمكن فهم تاريخ ذلك القطر بمعزل عن تاريخ الحركة الإباضية وتطورها، ولا يزال معظم سكان عمان ينتمون إلى المذهب الإباضي حتى وقتنا الحاضر([6]).
وقد قام الإباضية بجهود مضنية في سبيل انتصار دعوتهم في الجزء الغربي من بلاد الخلافة الإسلامية، أي في البلاد التي تعرف اليوم باسم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، واستطاع أتباع الفرقة الإباضية – بعد كفاح مرير- تأسيس الدولة الرستمية الإباضية نحو عام 162هوقد عمرت هذه الدولة أكثر من قرن وثلث، وقضى عليها الفاطميون عام 297ه، وعلى الرغم من ذلك فقد بقي هذا المذهب قائماً في مناطق متعددة من بلاد المغرب حيث كون أتباعه مجتمعات خاصة بهم في مناطق نائية بعيدة عن متناول السلطة المركزية، ولا تزال بقاياهم موجودة إلى يومنا هذا في جبل نفوسة في ليبيا، وفي جزيرة جربة وقسطيلية (بلاد الجريد) في تونس، وفي ميزاب جنوب الجزائر([7]).
وهكذا فإن جهود مشايخ البصرة الإباضيين وتنظيماتهم السرية الدقيقة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين أثمرت تأسيس دول إباضية مستقلة كان لها دور هام ومجيد في التاريخ الإسلامي بوجه عام، وفي تاريخ المناطق التي قامت فيها بوجه خاص. (1/264)
صفحة 265
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أنظر الباب الثالث، ص-74.
([2]) أنظر الباب الثالث، ص-67.
([3]) أنظر الباب الرابع، ص-85.
([4]) أنظر الباب الخامس، ص-102.
([5]) أنظر الباب السادس، ص-115.
([6]) أنظر الباب السادس، الفصل الأول والثاني، صوما بعدها.
([7]) أنظر الباب السادس، الفصل الثالث.
كتاب عبدالله بن إباض إلى عبدالملك بن مروان (1/265)
صفحة 266
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله بن إباض إلى عبدالملك بن مروان، أما بعد: سلا عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك بتقوى اله، فإن العاقبة للتقوى، والمرد إلى الله، واعلم أنه إنما يتقبل الله من المتقين، وقد جاءني كتابك مع سنان بن عاصم، وأنك كتبت إليّ أن أكتب إليك بكتاب فكتبته إليك، فمنه ما تعرف ومنه ما تنكر، ولكن الذي تنكره ليس عند الله بمنكر، وأما ما ذكرت من عثمان والذي عرضت به من شأن الأمة فإن الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه الذي أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون[(1 )، و[الفاسقون[(2 )، و[الكافرون[( 3)، ثم إني لم أكن أذكر لك من شأن عثمان شيئاً إلا والله تعلم أنه حق، وسأنزع لك من ذلك البينة من كتاب الله، وسأخبرك خبر عثمان الذي طعنا عليه فيه، وأبين شأنه وأمره، لقد كان عثمان كما ذكرت من قدمه في الإسلام ولكن الله لم يجز العباد من الفتنة، وذلك أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب وبين فيه كل أمر، وفصل فيه كل حكم ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه [وجعله هدى ورحمة لقوم يؤمنون[(4 )، فأحل فيه حلالاً وحرم فيه حراماً، وحكم أحكاماً وفرض فرائض وحدوداً، فقال: [تلك حدود الله فلا تقربوها[(5 ) وقال: [تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون[( 6)، ثم أمر نبيه باتباع كتابه وقال: [واتبع ما أوحي إليك من ربك](7 )، وقال: [فإذا قرأناه فاتبع قرآنه](8 )، فعمل محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، ومعه عثمان ومن شاء الله من أصحابه، لا يرونه يتعمد أحداً ولا يبدل حكماً، ولا يستحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، ولا يبدل فريضة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم](9 ). (1/266)
صفحة 267
فعمر صلى الله عليه وسلم ما شاء الله تابعاً لما جاء به من عند الله، مبلغاً لما ائتمنه الله عليه، معلماً للمؤمنين، مبصراً لهم حتى توفاه الله صلى الله عليه وسلم وهو كتابه الذي يهتدي من اهتدى باتباعه، ولا يضل من ضل إلا بتركه، ثم قام من بعده أبو بكر على الناس فأخذ كتاب الله وعمل بسنة نبيه، فلم يفارقه أحد من المسلمين ولم يعيبوا عليه في حكم حكمه، ولا قسم قسمه حتى فارق الدنيا وأهل الإسلام عنه راضون، وله مجامعون، ثم قام من بعده عمر فكان قوياً على الأمر، شديداً على أهل النفاق، يهتدي بمن كان قبله من المؤمنين ويعمل بكتاب الله، وابتلاه الله بفتوح من الدنيا بما لم يبل به صاحبيه، وفارق الدنيا والدين ظاهر وكلمة الإسلام جامعة، وشهادة المؤمنين له بالوفاء قائمة، والمؤمنون شهداء الله في الأرض، قال الله تعالى: [كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً]( 10) ثم استشار المؤمنون فتركها فيهم، فولوا عثمان ففعل ما شاء الله بما يعرف الإسلام حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض، فلما رأى المؤمنون ما أحدث أتوه وكلموه وذكروه بكتاب الله وسنة من كان قبله، فشق عليه أن ذكروه بآيات الله وأخذ بالجبرية وضرب من شاء منهم وسجن، ونفاهم في أطراف الأرض من أجل أن ذكروه بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وآثار من كان قبله من المؤمنين، ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه، [ومن ألم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون]( 11) وأنا أبين لك يا عبدالملك بن مروان ما أنكر المسلمون على عثمان وفارقوه عليه، عسى أن تكون غافلاً فأذكرك، أو جاهلاً فأعرفك، فلا يحملنك هواء (هكذا) عثمان يا عبدالملك أن تكذب بآيات الله وتعرض عنها فإنه لا يغني عنك من الله شيء، فالله الله يا عبدالملك قبل التناوش من مكان بعيد، وقبل أن تكون لزاماً، وإنه كان مما طعن عليه المسلمون (1/267)
صفحة 268
وفارقوه وفارقناه عليه، قال الله تعالى: [ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم](12 )، وكان عثمان أول من منع مساجد الله أن يقص فيها كتاب الله، ومما نقمنا عليه وفارقناه أن الله تعالى قال: [ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدونه وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين[(13 )، فكان خيار هذه الأمة قد طردهم ونفاهم، فكان من نفى من أهل المدينة أبا ذر الغفاري ومسلم الجهني ونافع بن الحطام، ونفى من أهل الكوفة كعب وجندب بن زهير قاتل الساحر، ونفى عمر بن زرارة ويزيد بن صحوان وأسود بن دويج، ويزيد بن قيس الهمداني وكردوس بن الحضرمي في أناس كثير من أهل الكوفة، ونفى من أهل البصرة عامر بن عبدالله ومدعور العنبري ومن لا يستطاع عددهم من المؤمنين، ومما نقمنا عليه أنه أمر أخاه الوليد بن عقبة على الناس فكان يلعب بالسحر ويصلي بالناس سكران، فاسق في دين الله، وإنما أمره من أجل قرابته، ومما نقمنا عليه جعل المال دولة بين الأغنياء، وقد قال الله تعالى: [كي لا يكون دولة بين الأغنياء[(14 )، فبدل فيه كلام الله واتبع هواه، ومما نقمنا عليه أنه منع مواضع القطر وحماها لنفسه ولأهله ومنع الرزق الذي أنزله الله لعباده متاعاً لهم ولأنعامهم، وقد قال الله تعالى: [قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم أم على الله تفترون[( 15)، ومما نقمنا أنه أول من تعدى في الصدقات، وقد قال الله: [إنما الصدقات للفقراء والمساكين[ إلى قوله: [فريضة من الله والله عليم حكيم[( 16) وقال: [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة في أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً[( 17) والذي أحدث عثمان منعه فرائض كان فرضها أمير (1/268)
صفحة 269
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنقض أهل بدر من عطاياهم ألف ألف، وكنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله، وقال الله تعالى: [والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم تحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم[( 18) الآية، مما نقمنا عليه كان يضم كل ضالة إلى إبله ولا يردها ولا يعرفها، وكان يأخذها من الإبل والغنم إذا وجدها عند أحد، وإن كانوا قد أسلموا عليها، وكان لهم في حكم الله ما أسلموا عليه، وقد قال الله تعالى: [ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين[( 19)، وقال: [ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم[( 20)، ومما نقمنا عليه أنه أخذ خمس الله لنفسه وأعطى منه أقاربه، وكان ذلك تبديلاً لحكم الله وفرض الله الخمس [لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل[ إلى قوله: [والله على كل شيء قدير[(21 )، ومما نقمنا عليه منع أهل البحرين وأهل عمان أن يبيعوا شيئاً من طعامهم حتى يباع طعام الإمارة وذلك تحريم لما أحل الله [وأحل الله البيع وحرم الربو[( 22) (هكذا)، وكان من عمل عثمان أنه يحكم بغير ما أنزل الله، وقد خالف سبيل الله وسبيل صاحبيه، وقال الله: [ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً[(23 ) وقال: [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون[ و[الكافرون[ و[الفاسقون[(24 ) وقال: [ألا لعنة الله على الظالمين[(25 )، وقال: [ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً[(26 ) وقال: [ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار[( 27) وقال: [وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون[(28 )، وكل هذه الآيات تشهد على عثمان وإنما شهدنا عليه بما شهدت عليه هذه الآيات، [والله يشهد بما أنزل إليكم أنزله بعلمه والملئكة (هكذا) يشهدون وكفى بالله (1/269)
صفحة 270
شهيداً[(29 )، فلما رأى المسلمون الذي أتى به عثمان من معصية الله والمؤمنون شهداء الله في الأرض ناظرون في أعمال الناس، وقال الله تعالى: [وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون[( 30) وترك خصومة الخصمين في الحق والباطل، ووقع ما وعد الله من الفتن، وقد قال الله تعالى: [ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين[(31 ) وعلم المسلمون أن طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، فساروا إلى عثمان من أطراف الأرض واجتمعوا إليه، ملأ من المهاجرين والأنصار وعامة أزواج النبي r فأتوه فذكروه بالله وأخبروه بالذي أتى من معاصي الله، فزعم أن يعرف الذي يقولون أنه يتوب إلى الله U منهو يراجع الحق، فقبلوا الذي أتاهم به من الاعتراف بالذنب والتوبة إلى الله تعالى ومراجعة الحق، وكان حقاً على أهل الإسلام إذا التقوا بالحق أن يقبلوه ويجامعوه ما استقام على الحق، فلما تفرقوا عنه نكث الذي عاهدهم عليه وعاد إلى أعظم من الذي تاب منه، فكتب إلى عماله في أدبارهم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فلما ظهر المؤمنون على كتابه ونكثه العهود رجعوا إليه وقتلوه بحكم الله، وقد قال الله تعالى: [وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون[(32 )، وقد عمل بكتاب الله وجامع المسلمين زماناً ثم ارتد على عقبيه، وقد قال الله تعالى: [إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم[( 33)، فهذا وأمثاله من خبر عثمان هو الذي فارقه عليه المؤمنون وفارقناه وطعنوا عليه فيه وطعنا نحن اليوم فيه، وذكرت كونه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلته معه، فقد كان علي بن أبي طالب أقرب قرابة إلى رسول الله، وأعظم خلة وأقدم هجرة وأسبق إسلاماً، وأنت تشهد له بذلك وإنا بعد ذلك، فكيف كانت قرابته وخلته هل (1/270)
صفحة 271
كانت نجاة إذا ترك الحق أم هلاكاً؟ واعلم أن علامة كفر هذه الأمة إذا تركوا الحكم بما أنزل الله وحكموا بغير ما أنزل الله [فمن أصدق من الله حكماً لقوم يوقنون[(34 )، وقال: [فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون[(35 )، فلا يغرنك يا عبدالملك بن مروان عز نفسك ولا تسند دينك إلى الرجال فإنهم يستدرجون من حيث لا يعلمون، فإن أملك الأعمال خواتيمها وكتاب الله جديد أبداً لا ينطق إلا بالحق، أجارنا الله باتباعه أن نبغي أو نضل، فاعتصم بحبل الله يا عبدالملك واعتصم بالله يهديك إلى صراط مستقيم، قال الله تعالى: [ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم[(36 ) وكتاب الله هو حبل الله المتين الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به فقال: [واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[(37 )، فأنشدك الله أن تتدبر معاني القرآن، وتكون مهتدياً به مخاصماً به قال الله تعالى: [أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها[(38 ). (1/271)
صفحة 272
وأما قولك في معاوية أن الله قام معه وعجل نصره وبلج حجته وأظهره على عدوه بالطلب لدم عثمان، فإن كنت تعتبر الدين من قبل الدولة والغلبة في الدنيا فإنا لا نعتبره من قبل ذلك، فقد ظهر المسلمون على الكافرين وقال: [وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين[( 39)، وانظر ما أصاب المؤمنين من المشركين يوم أحد، وانظر كيف ظهر قتلة ابن عفان عليه وعلى شيعته يوم الدار، وظهر علي على أهل البصرة وهم شيعة عثمان، وظهر المختار على زيد وأصحابه وهم شيعته، وظهر معصب على المختار، وظهر أهل الشام على أهل المدينة، وظهر الزبير على أهل الشام بمكة، فلا تعتبر الدين ممن قبل الدولة، فقد يظهر الناس بعضهم على بعض، فقد أعطى اله فرعون ملكاً وظهر في الأرض، وأعطى الذي حاج إبراهيم في ربه ملكاً، ثم إن معاوية إنما اشترى الإمارة من الحسن بن علي، ولم يف له بما اشترطه عليه وعاهد الله العظيم ليوفين له، وقد قال الله تعالى: [ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها[(40 ) الآية ولا تسئل (هكذا) عن معاوية وعن صناعته غيري لأني قد أدركته ورأيت عمله وسيرته، ولا أعلم من الناس أحداً ترك للقسمة التي قسمها الله ولا لحكم حكمه الله ولا أسفك لدم حرمه الله منه فلو لم يصب من البلاء إلا دم ابن سمية لكان فيه ما يكفره، ثم استخلف ابنه يزيد فاسقاً لعيناً كافراً شارباً للخمر، فيكفيه من الشر، فلا يخفى عمل معاوية ويزيد على كل عاقل، فاتق الله يا عبدالملك ولا تخادع نفسك في معاوية، فقد أدركنا أهل بيتكم يطعنون في معاوية ويزيد ويعيبون فيما عليهما كثيراً فما (هكذا) يصنعون، فمن يتول عثمان ومن معه فإني أشهد الله وملائكته أني منهم بريء، أعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه إذا بعثنا، ونحاسب بذلك عند الله، وكتب (هكذا) إلي تعذرني في (1/272)
صفحة 273
الغلو في الدين، أعوذ بالهل من الغلو، وسأبين لك ما الغلو في الدين إذا جهلته، والغلو في الدين أن يقال على الله غير الحق ويعمل بغير كتاب الله الذي بين، وسنة نبيه التي سن، وقال الله: [يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق[(41 )، وقال: [ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق[(42 )، كما على عثمان والأئمة بعده وأنت بعد على سبيلهم وطاعتهم تجامعهم على معصية الله وتتبعهم، وقد اتبعوا أهواءهم واتبعتهم أنت عليها، وقال الله تعالى: [ولا تتبعوا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل[(43 )، فهؤلاء أهل الغلو في الدين فليس من غضب لله حين عصي ورضي بحكم الله ودعا إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه وسنة المؤمنين بعد بغال في الدين، وكتبت إليّ تعرض بالخوارج وتزعم أنهم يغلون في دين الله ويتبعون غير سبيل المؤمنين، ويفارقون أهل الإسلام، وأنا أبين لك سبيلهم، هم أصحاب عثمان الذين أنكروا عليه ما أحدث من بدعة وفارقوه حين ترك حكم الله، وهم أصحاب الزبير وطلحة حين نكثا وأصحاب معاوية حين بغى، وأصحاب علي حين بدل كتاب الله وحكم عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص، فهم فارقوا هؤلاء كلهم وأبوا أن يفرقوا بحكم البشر دن حكم الله، فهم لمن بعدهم أشد عداوة وأشد مفارقة، كانوا يتولون في دينهم وسنة نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويدعون إلى سبيلهم ويرضون على ذلك، كانوا يخرجون واليه يدعون وعليه يفارقون، وقد علم من عرفهم وعرف حالهم أنهم كانوا أحسن عملاً وأشد قتالاً في سبيل الله، هذا خبر الخوارج شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداؤنا ولمن والاهم أولياؤنا بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا، أنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد (1/273)
صفحة 274
إسلامه فنبرأ إلى منهم.
وأنت كتبت إلي أن أكتب إليك بجواب كتابك واجتهد لك في النصيحة، وذكرتني بالله وأفضل ما ذكرتني به أن قلت: [إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب[(44 ) الآية، [وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لنبينه للناس ولا تكتمونه[ فقد بينت لك وأخبرتك خبر الأمة، وكان حقاً عليّ أن أنصح لك، فإن الله لم يتخذني عبداً لأكفر به ولا أن أخادع الناس بشيء ليس في نفسي وأخالف إلى ما أنهى عنه، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لتحل (الحلال) وتحرم الحرام، ولا تظلموا الناس شيئاً، وأن يكون كتاب الله حكماً بيني وبينكم فيما اختلفنا فيه، وأن نتولى من تولى الله وأن نبرأ ممن تبرأ الله منه، وأن نطيع من أمر الله بطاعته، ونعصي من أمر الله بمعصيته في كتابه، فهذا الذي أدركنا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الأمة لم تسفك دماً إلا حين ترك كتاب الله وسنة نبيه، وقد قال الله تعالى: [وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب[( 45) والقرآن هو السبيل الواضح الذي هدى الله به من كان قبلنا محمد وأصحابه الخليفتين الصالحين، ولا يضل من اتبعه ولا يهتدي من تركه، وقال: [وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله[(46 )، فاحذر أن تتفرق بك السبل وتتبع هواك فإن الناس إنما يتبعون في الدنيا والآخرة إمامين: إمام هدى وإمام ضلالة، فإمام الهدى الذي يتبع كلام الله ويقسم بقسمة الله ويحكم بحكم الله وهو الذي قال تعالى: [وجعلناكم أئمة يهدون بأمرنا[( 47)، وهؤلاء هم الأئمة الذين أمر الله بطاعتهم، ونهى عن معصيتهم. (1/274)
صفحة 275
وأما أئمة الضلالة فهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ويقسمون بغير قسمة الله، ويتبعون أهواءهم بغير سنة من الله، فهؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: [وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون](48 )، وفيهم قال: [ولا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً[( 49) وقال: [ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه[( 50)، وهذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فلا تضربن عنك الذكر صفحاً، ولا تشكن في كتاب الله، وقد كتبت إلي بمرجوع كتابك فأنشدك الله لما قرأته وأنت مشغول حتى تتفرغ له وتدبر معانيه، وتنظر فيه بعين البصيرة، واكتب إليّ جواب كتابي إن استطعت، وانزع إليّ بالشواهد من كتاب الله والبينة منه، فاصدق بذلك قولك، ولا تعرض لي بالدنيا فإنه لا رغبة لي في الدني، وليست من حاجتي، ولكن لتكون نصيحتك لي في الدين ولما بعد الموت، فإن ذلك أفضل النصيحة، والله قدير أن يجمع بيننا وبينك على الطاعة فإنه لا خير فيمن لم يكن على طاعة الله، وبالله التوفيق وفيه الرضا، والسلام عليك.
البرادي. الجواهر المنتقاة، ص156-167
--------------------------------------------------------------------------------
([1] ) سورة المائدة، آية 45.
([2]) نصالآية ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون[، سورة المائدة، آية 47.
([3]) نص الآية ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[، سورة المائدة، آية 44.
([4]) نصالآية ]ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون[، سورة الأعراف، آية 52.
([5]) سورة البقرة، آية 187.
([6]) سورة البقرة، آية 229.
([7]) سورة الأحزاب، آية 3.
([8]) سورة القيامة، آية 18.
([9]) سورة الأنعام، آية 15.
([10]) سورة البقرة، آية 142.
([11]) سورة السجدة، آية 22.
([12]) سورة البقرة، آية 114.
([13])
([14]) سورة الحشر, آية 7.
([ (1/275)
صفحة 276
15]) سورة يونس آية، 59.
([16]) نصالآية ]إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم[ سورة التوبة، آية 60.
([17]) نصالآية ]وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعصالله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً[، سورة الأحزاب، آية 36.
([18]) سورة التوبة، آية 34، ]يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون[.
([19]) سورة الأعراف، آية 85.
([20]) سورة النساء ]يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً[ آية 29.
([21]) نصالآية ]واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير[ سورة الأنفال، آية 41.
([22]) سورة البقرة، آية 275.
([23]) سورة النساء، آية 115.
([24]) سورة المائدة، آية 47.
([25]) سورة هود، آية 18.
([26]) سورة النساء، آية 52.
([27]) سورة هود، آية 113.
([28]) سورة النساء، آية 33.
([29]) نصالآية ]لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً[ سورة النساء آية 166.
([30]) سورة التوبة، آية 105.
([31]) سورة العنكبوت، آية 1-3.
([32]) سورة التوبة، آية 12.
([33]) سورة محمد، آية 25.
([ (1/276)
صفحة 277
34]) نصالآية ]أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون[ سورة المائدة, آية 50.
([35]) سورة الجاثية، آية 6.
([36]) سورة آل عمران، آية 101.
([37]) سورة آل عمران، آية 103.
([38]) سورة محمد، آية 24.
([39]) سورة آل عمران، آية 140-141.
([40]) نص الآية ]وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون[، سورة النحل، آية 91.
([41]) سورة النساء, آية 171.
([42]) سورة المائدة، آية 77.
([43]) سورة المائدة، آية 77.
([44]) نصالآية ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون[، سورة البقرة، آية 159.
([45]) سورة الشورى، آية 10.
([46]) سورة الأنعام، آية 153.
([47]) سورة الأنبياء، آية 73.
([48]) سورة القصص، آية 41.
([49]) نصالآية ]فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً[ سورة الفرقان، آية 52.
([50]) سورة الكهف، آية 28. (1/277)