صفحة 1
الكتاب: نفحات من السير (1)
إعداد: بكير سعيد أعوشت
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] نفحات من السير
الطبعة الأولى
1414هـ/1994م
’’ مقدمة ‘‘
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسولك الصادق الأمين محمد (صلى الله عليه وسلّم ).
وبعد:
فإنه يطيب لنا، أن نضع بين يدي القارئ الكريم، هذه المجموعة من الشخصيات الإسلامية الخالدة في ذاكرة الإسلام، بحيث أطلقنا هذه الدلالة التاريخية نفسها على عنوان هذا الكتاب الذي يلقي الأضواء الكاشفة على إحدى عشرة شخصية إسلامية عظيمة إذ تركت بصمات قوية في تاريخنا الإسلامي، إن هذه الدراسة التحليلية تهدف أولاً وأخيراً، إلى أخذ العبرة المبصرة من التاريخ، يقول الله عز وجل:
... ... ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ لأُِوْليِ الأَلْبَابِ ) " يوسف 111 ".
ومن هنا نقول: ( إن التاريخ هو أخذ دروس في التربية الواقعية التي تجعلنا لا نرتكب الأخطاء التي وقعت في ماضينا، ولكن الشيء المؤسف، أن أمتنا الإسلامية أمست تجهل أو تتجاهل هذه الدروس ودليلنا على ذلك أنها لا تزال تعيش في حالة من التصدع الشديد والتمزق في عمقها بسبب ابتعادها عن الأخلاق القرآنية: الإخلاص لله في أعمالها وعبادتها، الوحدة ضد أعداء الإسلام، الاستقامة في سلوكها، خاصة فريضة التقوى التي هي الميزان الحقيقي والحد الفاصل بين المسلمين مهما اختلفت ألوانهم ولغتهم ومذاهبهم الاجتهادية في الدين. إذ لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى لقوله تعالى:
... ... ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْتَاكُمْ ) ... " الحجرات:13"
وفي ضوء هذه الآية القرآنية الكريمة، نقول بكل يقين ثابت إن الشخصيات الإسلامية التي سنقرأ تاريخها. سندرك لا محالة أنها جسمت فضيلة التقوى في سلوكها العملي الصالح، وحسبنا دليلا على ذلك سيرة أبي حمزة المختار ابن عوف بن سليمان بن مالك الأزدي السّليمي الشاري القائل: يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن أو مشرك أهل الكتاب أو إماما جائرا. (1/1)
صفحة 2
هذه الفقرة تجعلنا نجزم بأن هؤلاء قد جسموا الإسلام الناصع في سلوكهم اليومي. ما دام مصدر هذا السلوك الصالح هو القرآن الكريم، والسنة المطهرة وسيرة الصحابة رضي الله عنهم. وبالتالي فهم أئمة لكل مسلم، مهما كانت مدرسته الاجتهادية التي ينتمي إليها.
فعلى الأمة الإسلامية أن تقرأ مرة أخرى تاريخها بعقل متدبر واع، دون أحكام مسبقة في حق هؤلاء الأطهار وإلا ستصاب بانفصام في شخصيتها، فقد صدق الحكيم رمضان حمود لما قال: (إذا جهلت أمة تاريخها فقد جهلت مستقبلها فقد أسرت نفسها بيدها وألقتها في يد غيرها).
وختاما أستعين بقوله تعالى:
... ... (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ). ... "التوبة:105 "
ملحوظة: إن ترتيب الشخصيات قائم على التسلسل الزماني ولادة ووفاة.
الشخصية الأولى
الإمام
الجلندى بن مسعود
1- نسبه وإمامته:
إن الجلندى بن مسعود، أحد تلاميذ النجباء الذين تخرجوا من مدرسة أبي عبيدة، فقد بايع طالب الحق في اليمن لما ثار على الظلم الأموي، فالمصادر القديمة والحديثة كلها تشير إلى أنه أول إمام بويع بعُمان.
وفي ضوء هذا فإن تلك المصادر تنسبه إلى ما يلي: الجلندى بن مسعود وهو أحد بني الجلندى بن المستكبر بن مسعود بن الجرار بن عبد عز بن معولة بن شمس ملوك عمان.
والجدير بالذكر أن عمان قد دخلت في الإسلام بدون قتال، إذ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث كتابا مع عمرو بن العاص إلى عبد وجيفر ابني الجلندى اللذين كانا ملكين على عمان وبعد حوار مع عمرو بن العاص لم يدم طويلا فهم عبد وجيفر رسالة الإسلام، فأسلما ودخلا بكل طواعية وإخلاص هما والأمة العمانية في الإسلام. (1/2)
صفحة 3
وعلى أية حال فإن سيرة الجلندى بن مسعود قد تركت أثرا طيبا في نفوس أنصار ثورة طالب الحق في الحجاز وعمان، ولما تحقق للعمانيين كفاءة وقدرة وصلاحية الجلندى لإمامة المسلمين، طلب منه أن يتحمل هذا الأمر العظيم وهذا العبء الكبير لتستقيم حياتهم الدنيوية والدينية، فقبل طلبهم، وبويع بالإمامة وذلك سنة 132هـ وقد عاصر هذه البيعة عدة أعلام وشيوخ كهلال بن عطية الخرساني والبشير بن المنذر النزواني.
يقول الشيخ السالمي رحمه الله: "عقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود فكانت سبباً لظهور الإسلام وقوة شوكته، وكان عادلا مرضيا وكان الجلندى ممن حضروا بيعة عبد الله بن يحيى طالب الحق في اليمن".
2- أخلاقه – جهاده ووفاته:
تقول المصادر القديمة إن الجلندى يعد أفضل الأئمة المسلمين في عمان أخلاقا وسلوكا وجهادا حيث أنقذ عمان من الفوضى التي ضربت إطنابها في ربوع الوطن، وأعاد للحق نصابه وأنصف المظلوم وأعطى كل ذي حق حقه، وكان رحمه الله إماما عادلا عالما بأحكام الشريعة، رؤوفا رحيما بأبناء أمته مجاهدا في سبيل الحق، وقد جمع الله له من الصفات التي لا تكاد توجد في غيره وهي الورع، الزهد، العلم، العدل، ثم الشهادة وقد أخذ الدولة من يد أهل الجور وحارب السلطة العباسية لأنها لم تلتزم بأخلاق القرآن الكريم وإقامة العدل وإحقاق الحق وكان ذلك في عهد أبي العباس السفاح الذي كان أول خلفاء بني العباس، وقد عين هذا أخاه أبا جعفر المنصور واليا على العراق.
وولى المنصور على عمان جناح بن عبادة بن قيس الهنائي وعزل هذا وعين بدلا منه محمدا إلا أن الجلندى بن مسعود قد رفض الحكم العباسي بحيث أن الدولة العباسية حسبت ألف حساب لظهور الدولة الإسلامية العمانية، لأن عمان تحتل موقعا استراتيجيا في مدخل الخليج العربي من الناحية الأمنية والاقتصادية لأنها بوابة اقتصاد الشرق، وبالتالي فإن أمن ومصالح الدولة العباسية تكون تحت رحمة الدولة العمانية. (1/3)
صفحة 4
ومن هنا فإن الدولة العباسية فكرت تفكيرا مصيريا في هذا الأمر، إذ أن انتصار هذه الدولة معناه رجوع حكم الخلفاء الراشدين من جديد، إضافة إلى تجارتهم نحو الشرق الأقصى كالهند والصين ستصاب باضطربات جوهرية لا محالة.
وعلى ضوء هذه الحقائق فإن العباسيين وجهوا حملة عسكرية كبيرة بقيادة خازم ابن خزيمة التميمي الذي طلب منه القضاء على الخوارج الصفرية الموجودين في جزيرة ابن كاوان التي تقع بين عمان والبحرين، ويتزعم هذه الفرقة شيبان ابن عبد العزيز الذي لجأ إلى هذه الجزيرة بعد هزيمته على أيدي الأمويين سنة 129هـ بالعراق فإذا تمكن خازم بن خزيمة التميمي من القضاء على هذه الحركة الخارجية فسيتجه إلى عمان لإسقاط إمامة الجلندى بن مسعود هناك.
وبالفعل فإن خازم تمكن أن يهزم الصفرية في الجزيرة إلا أن هناك أعدادا تمكنت من الهروب فاتجهت إلى منطقة (جلفار) رأس الخيمة في الشمال الشرقي من عمان مقر المذهب الإباضي.
اعلم أيها القارئ الكريم أن المذهب الإباضي لا يمكن أن يصنف ضمن فرق الخوارج، كما صنفه أغلبية الكتاب القدامى، وبعض المعاصرين غلطا أو مغالطة فالإباضية لا يجمعهم بالخوارج إلا قضية أمر التحكيم، أما الصفرية فهي فرقة من الخوارج زعيمها زياد بن الأصفر ويرون أن مرتكب الكبائر من المسلمين مشرك ولو أقر بالشهادتين، ولكن الإباضية يرون أن هذا العاصي فاسق، وبالتالي لا يجوز الاعتداء على ماله وعرضه ونفسه، لأن كلمة التوحيد جعلته مسلما وهؤلاء هم أخوة لنا في الإسلام- وهكذا فإن الجلندى بيّن للصفرية طريقة الهدى والرشاد وطلب منهم الدخول في حظيرته إلا أن هؤلاء رفضوا دعوته القائمة على السلم والحرب. (1/4)
صفحة 5
وهكذا فإن الإمام الجلندى وجد نفسه مرغما على تعيين القائدين هلال ابن عطية الخرساني ويحيى بن نجيح لمحاربة شيبان بجلفار- أي برأس الخيمة الآن- ثم زحف القوم بعضهم على بعض فكان أول قتيل يحيى بن نجيح، وأول قتيل من الصفرية شيبان ولما قتل شيبان وصل إلى عمان خازم بن خزيمة، وقال للجلندى: إنا كنا نطلب هؤلاء القوم، يعني شيبان وأصحابه، وقد كفانا الله قتالهم وشرهم على يديكم ولكن أريد أن أخرج من عندكم إلى الخليفة-أبي العباس السفاح- وأخبره أنك له سامع ومطيع، فشاور الجلندى أصحابه فرفضوا هذا الطلب.
وهناك رواية تقول: سأل خازم بن خزيمة الإمام الجلندى أن يعطيه سيف شيبان وخاتمه، فأبى الإمام الجلندى فوقعت معركة بين الجيش العباسي تحت قيادة حازم بن خزيمة وجيش الجلندى بن مسعود الأزدي فقاتل حتى قتل رحمه الله وذلك سنة 134هـ وكانت إمامته سنتين وشهرا، وبقيت عمان بعده على يد الجبابرة من بني الجلندى فمنهم محمدا ابن زايد وراشد بن شاذان بن النضر الجلنديان، وصارت عمان منقادة لأمر بني العباس إلى سنة 177هـ، ثم رجعت الإمامة بزعامة محمد بن أبي عفان الذي حكم ما بين سنة 177هـ و 179هـ وهو رجل من اليحمد، إلا أن هذا الإمام لم يكن إماما عادلا فأنكر عليه رجال العلم والإصلاح ذلك فعزلوه سنة 179هـ وبعد هذا بايع المسلمون الوارث ابن كعب الخروصي إماما لهم والتزم بأثر السلف الصالح وحكم اثني عشر عاما، وكان من أقوى الأئمة وأشدهم أخلاقا وعدلا ونزاهة في حكمه.
3- الجلندى وتنظيماته لأسس الدولة الإسلامية:
مما لاشك فيه أن الدولة الإسلامية هدفها الأول والأخير هو إقامة عدالة حقيقية في المجتمع فهذه العدالة لا تميز بين هذا وذاك، مهما بلغ شرفه ونسبه يقول الله عز وجل:
... ( اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ... "المائدة:8 " (1/5)
صفحة 6
وهكذا فإن الجلندى بن مسعود قد طبق هذه الفكرة في دولته إلا أن هناك بعض النفوس المريضة ترى أن وجودها في السلطة والزعامة لها الأولوية والأسبقية بسبب نسبها وعلى ضوء هذا فإن جعفر بن سعيد الجلنداني وابنيه النصر وزائدة تحالفا مع الدولة العباسية لإسقاط إمامة الجلندى بن مسعود.
وحينما اُكتشفت تلك المؤامرة ضربت أعناقهم بالرغم من وجود صلة الرحم الرابطة بين هؤلاء والإمام الجلندى بيد أن علامات الحزن والأسى قد ظهرت على وجه الإمام فاستنكر أصحابه هذه العاطفة فقالوا: أعصبية يا جلندى؟ فقال: لا ولكن رحمة ، وطلب منه أن يعتزل الإمامة ، فاعتزلها ولكن طلبوا مرة ثانية أن يعود إمامته بعد إلحاح فعاد إليها.
وعلى هذا يمكن القول بأن الإمامة التي تزعمها الجلندى استطاعت أن تحقق العدالة الإسلامية الحقيقية بين أبناء الأمة الواحدة، بيد أن الدولة الإسلامية الفتية في حاجة إلى سند عسكري ليستقيم أمرها و إلا أصبحت في يد العابثين والخارجين عن سلطة الدولة، فالإسلام يأمر المسلمين أن يكونوا أقوياء في إيمانهم وفي علمهم وفي اقتصادهم، ليتحقق المجتمع الإسلامي، ولكن هناك شروطاً ضرورية لذلك وهي القوة العسكرية حتى تضمن حماية وجودها من الفتن والانتفاضات الداخلية والهجومات الخارجية، وهذه القوة العسكرية تتطلب نظاما ورجالا وعتادا وتربية أخلاقية رفيعة.
وهكذا فإن الشروط (الخصائص التي ذكرناها) قد جسمها الإمام الجلندى ابن مسعود في نظام عسكري يتمثل في الشُراة الذين تطوعوا لخدمة دولة الإسلام.
ومن هنا فإنه قد قسّم هؤلاء إلى مجموعات وكل مجموعة تتكون من مائتين إلى أربعمائة، ثم عيّن لكل مجموعة قائداً لها وهذا القائد يشترط فيه أن يكون عالماً فقيهاً حازماً، وكل عشرة من هؤلاء لهم معلم يعلمهم أمور دينهم ويغرس في نفوسهم الأخلاق القرآنية الكريمة وهؤلاء لهم رواتبهم الشهرية المقدرة لكل واحد منهم بسبعة دراهم في فترة تميزت بارتفاع أسعار البضائع. (1/6)
صفحة 7
يقول الشيخ السالمي رحمه الله: ( وكان المرء منهم يرزق في الشهر سبعة في غلاء من السعر، فيصبر على القوت اليسير، رغبة في الآخرة والثواب من عند الله).
ثم إن الجلندى بن مسعود قد وضع الولاة على المناطق العمانية على حسب كفاءتهم وعيّن كذلك القضاة للفصل في القضايا التي ترفع إليهم واهتم الإمام أيضا بالسلوكات الاجتماعية العامة، لاسيما ما يتعلق بالمرأة العمانية التي طلب منها الالتزام بآداب الحجاب الإسلامي، دون إغفاله عن سلوك الرجال حيث أمرهم بتقصير شعرهم ونظافة لباسهم والتزامهم بآداب الإسلام في الطرقات العامة.
وخلاصة القول أن الإمام الجلندى يريد من الأمة الإسلامية أن تعيش في ظل الأخلاق القرآنية قولا وعملا، بحيث جسّد هذه الفكرة الحيوية في سلوكه، وسقاها بدمائه الزكية الطاهرة العابقة حينما سقط شهيدا سنة 134هـ وهكذا فإن تاريخ عمان المجيد خلد بالرجال العظماء ومن بينهم هذا الإمام الشهم، نسأل الله له ولنا المغفرة وجنة الخلود آمين.
مراجع البحث:
1- تاريخ عمان المقتبس من كتاب – كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة- لسرحان ابن سعيد الأزكوي.
2- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي.
3- الحركة الإباضية في المشرق العربي لمهدي طالب هاشم.
4- نشأة الحركة الإباضية لعوض محمد خليفات.
5- حركة أهل الدعوة والاستقامة في مكة والمدينة لأعوشت بكير.
الشخصية الثانية
العلاّمة أبو أيوب
وائل بن أيوب
الحضرمي
1- المقدمة:
في هذه الدراسة الموجزة صورة لأحد الأبطال المسلمين الذي ضحّى بزهرة حياته في سبيل تحقيق المنهج الإسلامي، إن هذا المجاهد هو الشيخ أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي.
عزيزي القارئ: (1/7)
صفحة 8
اعلم أن هؤلاء المجاهدين كانوا لا يهتمون بتسجيل أعمالهم وسيرتهم، كما يفعل اليوم رجال السياسة والفكر، بحيث كانوا ولا يزالون يدونون أعالهم والحوادث المؤثرة في سلوكهم وسلوك المجتمع في مذكراتهم اليومية، ومن هنا نجد صعوبة في أغلب الحالات لنحلل شخصية هؤلاء القدماء.
ولكن الشيخ أبا أيوب وائل بن أيوب قد ترك لنا رسالة هامة من ضمن رسائله الخالدة، يبين لنا فيها آراءه وأفكاره العامة، إن هذه الرسالة توجد في كتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان حققته الأستاذة سيدة إسماعيل كاشف، دون أن نتجاهل المصادر الأخرى التي تناولت جزءا من حياته لاسيما كتب السير القديمة التي تشير إلى إنه كان من تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي أسس مدرسة عظيمة تخرج منها دعاة الحق ورفعوا مشعل العلم ولواء الجهاد في عمان وفي حضرموت والحجاز وشمال أفريقيا.
2- أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي حياته وأخلاقه:
عزيزي القارئ:
اعلم أن هناك عدة مصادر قديمة قد تناولت حياة أبي أيوب وائل الحضرمي من خلال بعض التلميحات فقط إلا أنها لم تشر إلى مولده ووفاته غير أنها تتفق كلها أن موطنه الأصلي هو حضرموت وهذا الوطن الأمين يقع في الجنوب الغربي من شبه الجزيرة العربية وقد أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة وكذلك عن العلامة الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي العماني الذي يعد زعيما للمذهب الإباضي بعد وفاة أستاذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
وعلى أية حال فإن أبا أيوب وائل لا يختلف عن الأعلام السابقين في العلم إذ تولى رئاسة علماء الإباضية بالبصرة بعد رحيل الربيع إلى عمان. (1/8)
صفحة 9
قال الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني عنه: (فإن لوائل بن أيوب الحضرمي أنواعا من حميد الصفات، أحيى الله بها على يده أعظُم الدين الرفات- هو الفتات من كل ما تكسر- فكم من ضال هداه الله به إلى صراط مستقيم، وسافل أعاده إلى أحسن تقويم، فله الحظ الأوفر في طريقة المتفقهين من قوله: إنما الفقيه الذي يعلّم الناس ما يسع الناس فيه مما سألوه عنه. وأما ما يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط.
أما الشيح الشماخي فيقول عنه: (وهو من أفاضل أصحابنا علما وزهدا وتقىً وأمرا ونهياً). ومن هنا ندرك بأن أبا أيوب وائل بن أيوب الحضرمي كان له باع طويل في العلم، بحيث أن أبا غانم بشر بن غانم الخراساني صاحب المدونة الكبرى قد أخذ العلم عنه، ودوّن آراءه في مدونته التي تطرح المسائل الفقهية كالصلاة والصوم والحج والزكاة.
وقد رحل أبو غانم بشر بن غانم الخراساني من البصرة التي درس فيها إلى تاهرت (عاصمة الدولة الرستمية) وذلك في القرن الثاني الهجري مارا بجبل نفوسة بيد عمروس بن فتح.
ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى أن العلامة أبا أيوب وائل لم يكن بعيدا عن مشاكل أمته وشعورها العميق بالظلم والفساد الخلقي السائد في آخر الدولة الأموية التي كانت تخضع حضرموت لسلطتها.
ومن هنا يحسن بنا أن ننظر إلى هذه الصفحة النضالية في حياته من خلال ثورة طالب الحق عبد الله بن يحيى الحضرمي.
3- أبو أيوب وائل في رحاب ثورة طالب الحق:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور). – متفق عليه-.
وهكذا فإن طالب الحق وأنصاره قد ثاروا على الفساد الخلقي والظلم والطغيان الذي كان ينخر المجتمع الإسلامي في عهد الدولة الأموية.
يقول الأستاذ عوض محمد خليفات:
( (1/9)
صفحة 10
وفي ظل هذه الظروف كان الدعاة الإباضية يجوبون المنطقة يدعون إلى مذهبهم ويؤلبون السكان ضد الحكم القائم، وتولى الدعوة في حضرموت واليمن بعض الأشخاص المشهورين بالعلم من أهل البلاد الذين يتمتعون بالإرادة القوية والكلمة النافذة وعلى رأسهم عبد الله بن يحيى المشهور بطالب الحق، والذي ينتمي إلى قبيلة كندة الحضرمية القوية، ووائل بن أيوب الحضرمي وهو من مشاهير علماء الإباضية البارزين ومن تلاميذ أبي عبيدة النجباء).
وعلى أية حال فإن ثورة طالب الحق التي اندلعت في حضرموت سنة 129هـ ضد الدولة الأموية قد وجدت مساندة فعالة من القبيلة العربية الكندية الحضرمية التي ينتمي إليها. والجدير بالذكر أن ثورة طالب الحق امتد نفوذها إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة بقيادة أبي حمزة المختار الشاري الذي خاض معركة عنيفة مع القوات الأموية في أسفل مكة فاستشهد رحمه الله في هذه المعركة سنة 130هـ.
ولما وقعت هذه الهزيمة بالإباضية في مكة، خرج طالب الحق هو وأنصاره من اليمن لمقاتلة جيش الأمويين فالتقى الجيشان بأرض الطائف فكانت بينهم حرب عظيمة فقتل فيها طالب الحق وكثير من أنصاره.
وعلى ضوء هذا، فإن الشيخ أبا أيوب وائل بن أيوب الحضرمي، كان من الرجال العاملين المخلصين لثورة طالب الحق في حضرموت، يقول الأستاذ مهدي طالب هاشم في كتابه: الحركة الإباضية في المشرق العربي: "وردتنا معلومات تشير إلى الصلات الوثيقة بين الدعوة في البصرة وحضرموت ولقاءات جمعت بين أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في ثورة اليمن سنة 129هـ.
وقد ذكر وائل بن أيوب الحضرمي دعاة في حضرموت كانوا قبله من ذوي القدرات العلمية والإدارية ، ولذا نستطيع القول إن تسرب الدعوة الإباضية إلى اليمن وحضرموت يعود إلى تاريخ سبق الحركة التي قامت في سنة 129هـ بسنين طويلة. (1/10)
صفحة 11
وهكذا فإن أبا أيوب وائل يعد من الشخصيات العسكرية التي قامت بدور جوهري في تاريخ الإسلامي لتغيير الأوضاع الفاسدة، أما بالنسبة إلى وفاته فإن المصادر القديمة لا تشير إلى ذلك وهو ينتمي إلى الطبقة الرابعة التي ينتمي عصرها إلى القرن الثاني الهجري.
والجدير بالتنويه أن هناك جانباً آخر من شخصيته وهو الجانب الفكري الذي لا يزال مغمورا، فلابد من إبرازه من خلال رسالته التي سجل فيها آراءه وأفكاره فهذه الرسالة تشتمل على عشرين صفحة ومن المنطقي أننا سنعالج بعض آرائه الأساسية فقط.
4- رؤيته الدينية:
يقول رحمه الله في بداية رسالته ( الله ربنا ومحمد نبينا والبيت الحرام قبلتنا والإسلام ديننا وهو من الإيمان، والإيمان من الإسلام، والتقوى من الإيمان والبر والوفاء من الإيمان بعض ذلك من بعض على استكمال الإيمان بما فيه وإقامة حدوده والعمل بحقوقه ولا يثبت الإيمان بانتقاص فرائض الله ولا بالمقام على حرام الله).
أيها القارئ الكريم:
إن شيخنا قد ركّز قوله على الأركان الجوهرية الثابتة في الإسلام وهي الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسّلم وبقرآنه الكريم وبقبلته الكعبة الشريفة – وأن دين الله هو الإسلام القائم على التقوى والبر والوفاء والعمل على تطبيقه في الحياة تطبيقا شاملا دون الأخذ بالبعض دون الآخر.
وهكذا نشاهد أن أغلبية المسلمين أصبحوا هيكلا بدون روح وقوة، وأن التربية الدينية الأصيلة النابعة من الضمير لا وجود لها الآن في العالم الإسلامي الحاضر بسبب التميز والانفصال بين القول والعمل وتتجلى هذه الازدواجية في حياتنا العامة، ولا شك أن هذا الاتجاه السائد في سلوك المسلمين يعد انحرافا خطيرا عن القرآن الكريم. (1/11)
صفحة 12
وهناك قيمة أخلاقية ذكرها الشيخ أيوب وهي فضيلة البر والوفاء المرتبطان بالإيمان أما بالنسبة إلى البر فيقصد به الطاعة مع حب الله تعالى، وذلك أن الإيمان ليس بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ولنتأمل هذه الآية الكريمة الصريحة: ...
( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) ... - البقرة: 44.
ثم إن هذه الطاعة يجب أن تكون مرتبطة بحب الله عز وجل، فهذا الحب يفوق حب الإنسان لذاته ولأبنائه ولزوجته ولماله، فإذا بلغ الإنسان هذه الدرجة فإنه يتخلص من غرائزه وأنانيته ويكون هذا الحب هو القوة الدافعة الموجهة لكل تصرفاته.
وأما بالنسبة لفضيلة الوفاء التي أشار إليها الشيخ أبو أيوب بن وائل فهي مرتبطة كذلك بالإيمان أشد الارتباط ويقصد بالوفاء كمال الشيء ويقال رب العامل وفي حقوقه عماله- أي أعطى حقوقهم كاملة – وإذا أعطى المسلم عهدا، فعليه أن يلتزم به مهما كانت الظروف والوفاء بالعهد من صفات الإيمان القوي، وهكذا فإننا قد حللنا رؤية الشيخ أبي أيوب وائل في مسألة الإيمان إذ أن رؤيته تعد أصلية ثابتة قائمة على القرآن الكريم والسنة الشريفة – والآن ترى رؤيته الأخلاقية القائمة على الإيمان الصحيح.
5- رؤيته الأخلاقية:
لقد رأينا أن الشيخ أبا أيوب بن وائل يؤكد لنا أن الفلاح الخلقي لا يتم إلا بالإيمان والالتزام الكامل بالقرآن الكريم، قولا وعملاً، وعدم الفصل بينهما ويحسن بنا الآن أن نشير إلى بعض آرائه الأخلاقية من خلال رسالته، يقول رحمه الله: ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، وتطهير القلوب من حقدها وحسدها وتنزيه الألسن عن مكروهها، وعصيان النفس في سوء ما تأمر به، وصدها عن سبيل هواها وما فيه ردها عن مراتع هواها وتنبيهها عن غفلتها ودفعها عن ذلك إلى معالي الإسلام ومكارمه). (1/12)
صفحة 13
إن هذا النص الموجود أمامنا يدعونا ويدفعنا إلى تطهير نفوسنا من الأخلاق الذميمة لاسيما الحقد والحسد، فهذه الصفات شريرة لا تليق بأي إنسان فضلاً عن المسلم الصالح لأن الإنسان الحاسد يريد زوال نعم الآخرين منهم.
فالمسلم يجب عليه أن يطهّر قلبه من هذا المرض الخطير الذي أشعل نار الفتنة والحرب بين الأشخاص، وبين الأمم، فالمسلم النظيف قلبا وسلوكا هو الذي لا يحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، بل يريد له المزيد، ثم أن الشيخ أبا أيوب ابن وائل تطرق إلى تنزيه اللسان من مواطن الشر والخوض في أعراض الناس والجدال والنميمة والغيبة...الخ. وإن تنزيه اللسان لا يكون بضبط دوافعنا إلا بالصمت، إذن فإن بلوغ مكارم الأخلاق لا يكون إلا بضبط دوافعنا ومحاربة هوى النفس، انطلاقا من الفكر الإسلامي الأصيل. ومن هنا نقول: إن النظرة الأخلاقية عند العلامة أبي أيوب بن وائل تميزت بالواقعية الإنسانية لأنها تناولت طبيعة الإنسان والنفس البشرية بنظراتها الشمولية الواضحة وهي تعترف بالروح والجسد، والخير والشر والإرادة والهواء، ثم عن الإسلام لم يغفل عن مطالب النفس البشرية في هذه الحياة فهو يؤكد ويقرر التلاحم الضروري بين حياة الدنيا والآخرة، والله عز وجل يقول:
( وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتاكَ اللهُ الدَّارَ الأَخِرَةَ وَلا َتَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن
كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) ... - القصص:77-
وهكذا فإن الشيخ أبا أيوب وائل لم يخرج تفكره الأخلاقي عن أصالة الإسلام الموجودة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، فالرسالة التي كتبها لنا شيخنا تعد من عيون الأدب الإسلامي الرفيع وعظاً وإرشاداً وأسلوباً وأخيراً نسأل من الله له ولنا المغفرة والرحمة في ظل هذه الآية الكريمة: (1/13)
صفحة 14
... ... ( رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاْعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ... ... - البقرة:286-
مراجع البحث:
1- الحركة الإباضية في المشرق العربي لمهدي طالب هاشم.
2- السير والجوابات لعلماء أئمة عمان تحقيق وشرح الأستاذة/ سيدة إسماعيل كاشف (الجزء الثاني).
3- كتاب السير للشماخي.
4- طبقات المشائخ بالمغرب لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني.
5- نشأة الحركة الإباضية لعوض محمد خليفات.
الشخصية الثالثة
الإمام الوارث
ابن كعب الخروصي
تمهيد:
أيها القارئ الكريم:
إن حديثنا سيكون إن شاء الله عن الإمام الوارث بن كعب الخروصي الذي بويع بالإمامة سنة 179هـ وقبل الحديث عنه يحسن بنا أن نجعل هذه الشخصية التاريخية في إطارها الاجتماعي والتاريخي من خلال مدخل تمهيدي.
وفي ضوء هذا المنطلق المنطقي فإن عمان عرفت نظام الحكم المستقل عن السلطة العباسية في إمامها الجلندى بن مسعود الذي استشهد سنة 134هـ بعد حرب قاسية مع الجيش العباسي الذي قاده خازم بن خزيمة.
وكان الجلندى بن مسعود رحمه الله عادلا حازما مثاليا في حكمه، وبعد وفاته عاشت عمان تحت القهر والاستبداد، إن المؤرخين العمانيين يذكرون أن عمان كانت تحت قبضة الجبابرة من بني الجلندى خاضعين للسلطة العباسية إلى سنة 177هـ، لقد جاء في كتاب- كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لسرحان بن سعيد الأزكوي.
ولما قتل الجلندى وأصحابه رحمهم الله وغفر لهم، استولت الجبابرة أهل الظلم على عمان فأفسدوا فيها وكانوا أهل ظلم وجور فمن هؤلاء الجبابرة محمد بن زائدة وراشد بن النضر الجلندانيان وفي زمنهما أوقع غسّان بن سعد الهنائي الذي هو من بني محارب بنزوى ونهبها وهزم بني نافع منها وبني هميم بعد أن قتل خلقا كثيرا وذلك في شهر شعبان سنة 145هـ. (1/14)
صفحة 15
وعلى هذا فإن العمانيين قد عاشوا تحت القهر والطغيان حوالي أربع وأربعين سنة(44 سنة) أي من سنة 134هـ إلى سنة 177هـ إلا أن رجال العلم والإصلاح قد ثاروا على هذه الوضعية المزرية وعلى رأسهم العلامة موسى بن جابر الأزكوي العماني الذي يعد مرجع المسلمين في الفتوى والعلم، وهو يعد أحد أركان دولة الإمام الوارث بن كعب.
إن هؤلاء الرجال الأحرار قد أعلنوا قيام إمامة وعلى رأسها محمد بن عبد الله بن أبي عفان، وهو من اليحمد وقد نشأ في العراق لأن العمانيين قد سكنوا البصرة مدة طويلة ، حتى قيل عنها بصرة عمان، فكان محمد بن عبد الله بن أبي عفان شديد الصلابة، طموح المعالي، فيه ذكاء وإرادة فعّالة لا تعرف المستحيل، هذه الصفات جعلته يتقلّد زمام الإمامة إلا أنه لم يلتزم بآداب وأخلاق الإمامة الإسلامية حيث بدّل وغيّر فأساء السيرة فعزل عن منصبه لأنه لم يأخذ بنصيحة ورأي الشورى، بل كان غليظ المعاملة مع إخوانه وأمته بحيث عزل عدة ولاة بدون سبب من مناصبهم، هذه العوامل التي شرحناها دفعت المسلمين إلى عزله بطريقة سليمة ذكية.
يقول صاحب كتاب كشف الغمة ما يلي: (وظهرت منه للمسلمين أحداث لم تعجبهم وبلغني إنما الذي أنكروه عليه جفوته للمسلمين ورده للنصائح والله أعلم- فلم يرضوا بسيرته فعملوا له حيلة وأخرجوه من معسكر نزوى، فلما خرج اجتمعوا واختاروا إماما وهو الوارث بن كعب الخروصي وعزلوا محمدا وكانت إمامته سنتين وشهرا).
2- الإمام الوارث بن كعب الخروصي- نسبه وأخلاقه: (1/15)
صفحة 16
إن الإمام الوارث بن كعب الخروصي وهو من أهل بلدة هجار من وادي بني خروص وهذه العائلة الشريفة هي التي تولت زمام الإمامة العمانية عدة مرات، يقول الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي المتوفى يوم الجمعة 17 رجب 1414هـ الموافق 31/12/1993م رحمه الله: ( وبنو خروص معدن دين وإيمان وعلم وعمل، وهدى وتقوى طيلة العهد الإسلامي في عُمان فخرجت منهم أئمة أنجبها الدين والإيمان إلى هذا العهد الذي نحن فيه وبنو خروص في مقدمة الأفاضل والأخيار علماً وعملاً وديناً وإيماناً).
إذن فالإمام الوارث بن كعب يعد أول إمام من بني خروص وهو من اليحمد وذلك بعد أن عزل محمد بن أبي عفّان وكان ذلك في ذي القعدة من سنة 179هـ.
أما بالنسبة إلى حياته الذاتية قبل تحمله الإمامة فإن المصادر الإباضية القديمة لا تشير إلى حياته الذاتية مفصلة، إلا أنها تقول إنه كان يسكن في قرية هجار الواقعة على حاشية وادي بني خروص، حيث كان يعمل في حديقته فلاحا وقد عرف عنه أنه كان ذا أخلاق رفيعة في ورعه وزهده وكرمه وشجاعته بحيث أصبح الناس يتحدثون عنه في كل مكان.
وقيلت عنه عدة كرامات، فهذه الكرامة هي الأمر الخارق والمفارق للعادات الثابتة التي تعود الناس عليها فالله عز وجل هو أعلم بها، منها أنه كان يرى الرؤيا في نومه تدل على ظهور الحق على يده وغير ذلك.
3- جهاده وسياسته الداخلية:
أما إذا عدنا إلى جهاده السابق قبل أن يتولى الإمامة فنلاحظ أنه قد ساهم مساهمة فعّالة في إزالة الإمام محمد بن عبد الله بن أبي عفان عن منصبه وفي رواية للشيخ السالمي رحمه الله يقول: (وقد خرج وارث يريد العسكر مناظرا محتجا لابن أبي عفان إذ أرادوا عزله فقالوا لموسى: من إمامنا؟ فقال موسى بن جابر الأزكوي: أنا إمامكم فلما وصل وارث إلى نزوى أخذ موسى بيده فقدمه إماما). (1/16)
صفحة 17
وقال أبو الحسن: (بايعوا وارث بن كعب على ما بويع به أئمة العدل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشراء في سبيل الله وإظهار الحق وإخماد الباطل، والجهاد في سبيل الله وقتال الفئة الباغية وكل فرقة امتنعت من الحق حتى تفئ إلى أمر الله لا يستحلون منهم غنيمة مال ولا سبي عيال وانتحال هجرة بعد النبي صلى الله عليه وسلّم ولا يسمون بالشرك أهل القبلة ما بينوا الشهادتين قال: فقام وارث بالحق ما شاء الله والمسامون عنه راضون وله مؤازرون وعليه مجتمعون ولمن امتنع من طاعته مفارقون).
عزيزي القارئ:
إذا تأملت هذه الفقرة يمكننا أن نقسمها إلى قسمين:
القسم الأول يتناول فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وقتال الفئة الباغية وأمل القسم الثاني فيتناول فيه عدم استحلال مال الفئة الباغية وكذلك سبي عيالهم.
على ضوء هذا يمكننا أن نقول إن الفئة الباغية هي العصابة الظالمة الخارجة عن طاعة الإمام العادل الذي تم انتخابه بطريقة المجلس الشوري، ومن هنا فإن الإسلام قد أمر برفع السيف على هذه الفئة التي تفسد في الأرض.
ومن هنا يجب محاربتها وإلا أحدثت تصدعا وانقساماً في جسم الأمة الإسلامية كما هو الشأن بالنسبة إلى أبي بكر رضي الله عنه حيث حارب المرتدين الذين رفضوا أداء الزكاة، ولولاه لعظم المرتدون والعصاة في كل مكان، وبالتالي ينهار صرح الإسلام الخالد.
وأما الفكرة الثانية التي نريد علاجها فهي أخذ المال وسبي العيال في وقت الحرب، فالإباضية قد رفعوا أيديهم عن هذه الأموال في وقت حروبهم من خصومهم لأن كل من أقر بالشهادتين فهو مسلم وإن كان عاصيا فاسقاً، يقول الشيخ السالمي رحمه الله: (ولا نرى الفتك بقومنا ولا قتلهم في السر وإن كانوا ضلالاً لأن الله لم يأمر به في كتابه ولا نرى أن نقذف أحداً ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله خلافا للخوارج الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه برئ من الزنا من قومهم وهم بذلك مضلون). (1/17)
صفحة 18
أما الشيخ محمد بن يوسف أطفيش رحمه الله فيقول: (التوحيد عاصم لدم الموّحِد وماله وسبيه ومن أحل مال الموحد أو سلبه أشرك)، فأما الدكتور الأردني عوض محمد خليفات فيقول:(إن الإباضية حرموا قتل الموحدين واستحلال دمائهم واستعراض الناس وامتحانهم كما فعل متطرفوا الخوارج مثل الأزارقة والنجدية).
إن المدقق في المصادر الفقهية الإباضية يجد أن أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين إتباعاً للسنة الشريفة والإقتداء بها، أما ما تلصقهم به بعض المصادر من تهم فإنما هو ناتج عن أحد أمرين: الجهل أو التعصب، فالإباضية هم وحدهم الذين طبقوا الشورى في الحكم بعد الخليفتين أبي بكر وعمر.
ومن هذا المسار الموضوعي والتاريخي فإن الفترة التي قضاها الوارث بن كعب الخروصي في حكمه ما بين سنة (179- 192هـ) تعد في نظر المؤرخين من أحسن وأبهى عهود الإمامة فقد ساد في البلاد الاستقرار والأمن والقضاء على الصراعات القبلية، وأزال مظاهر الاستبداد وأعاد للإنسان العماني كرامته.
لقد جاء في كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لسرحان بن يوسف الأزكوي ما يلي ( فوطأ الوارث أثر السلف الصالح من المسلمين وسار بالحق وأظهر دعوة المسلمين وأعز الحق وأهله وأخمد الكفر ودفع الله الجبابرة ولم يزل الوارث إماما ًحسن السيرة قائماً بالعدل حتى اختاره الله إليه ).
ولقد أشار نور الدين السالمي في حياة الوارث إلى كفاءته الإدارية وشجاعته وعدله بحيث لم يميز بين هذا وذاك ولو كان من أقاربه إذ منع أبناء أخيه من أخذ العطايا لأنهم تخلفوا عن نصرة الدعوة الإسلامية. (1/18)
صفحة 19
وهكذا فإن التاريخ يؤكد لنا أن الوارث بن كعب كان عادلاً صارماً, ومضحياً وملتزماً أشد الالتزام بالشريعة الإسلامية ولا أدل على ذلك من إنقاذه السجناء الذين سجنهم في سجن قريب من أحد أودية عمان فلما سال الوادي بقوة حاول هو بنفسه إنقاذ هؤلاء باعتباره مسؤلا عنهم، إلا أن القدر شاء أن يغرق هو وسجناءه فلاقوا حتفهم فيه وذلك سنة 192هـ.
إن هذه الحادثة تجعلنا نجزم ونقول إنها حادثة فريدة في تاريخ الإسلام والإنسانية، لقد صدق من قال: كل من أراد النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح.
4- الإمام الوارث والخلافة العباسية:
فبعد هذا التحليل الشامل لأخلاق إمامنا الوارث بن كعب الخروصي يحسن بنا أن نبين علاقة دولته بالخلافة العباسية، إن المصادر الإباضية القديمة وغير الإباضية تؤكد لنا بأن الإباضية تمكنوا من تأسيس دولة قوية في عمان في خلافة هارون الرشيد وذلك سنة 170هـ-193هـ.
وهذا يعود إلى الظروف الجغرافية العمانية البعيدة عن مركز الخلافة ببغداد ثم صعوبة وطول الطريق البري أو البحري الذاهب إلى عمان والبيئة الجغرافية العمانية المحلية بجبالها الشاهقة وصعوبة مسالكها في الجبال والودية والصحراء المتحركة برمالها التي تبتلع من دخلها، أضف إلى ذلك قلة القبائل العمانية المتحالفة مع السلطة العباسية.
ومن هنا كان من الصعوبة بمكان ما أن تجد الدولة العباسية قدمها الراسخ في الدولة العمانية، وبالرغم من هذه الحقائق التي ذكرناها فإن هارون الرشيد حاول أن يجعل عمان جزءا من مملكته لأسباب اقتصادية ودينية وهكذا فإن هارون الرشيد جهّز جيشا كبيرا بقيادة ابن عمه عيسى بن جعفر بن المنصور وعقد له لواء ستة آلاف مقاتل. (1/19)
صفحة 20
إن هذه الحملة التي دخلت عمان جعلت داود بن زيد المهبلي يخبر بها والي صحار مقارش بن محمد اليحمدي وهذا بدوره كتب إلى الإمام الوارث بن كعب المقيم في مقر الإمامة بنزوى فكتب الإمام إلى واليه مقارش بن محمد اليحمدي أن يقاتل الجيش العباسي فبعث إليه ثلاثة آلاف مقاتل فالتقى الجيشان العباسي والعماني في منطقة (حتا) وهي بشمال صحار.
وفي هذه المعركة انهزم عيسى ابن جعفر وأسر أغلبية الجنود العباسيين وتمكن أبو حميد بن فليح الحداني السلوتي ومعه عمرو بن عمر وجماعة أخرى أن يأخذ ثلاثة مراكب فهاجموا عيسى ابن جعفر ابن منصور في البحر فأسر وخرج به إلى صحار فحبس هناك.
ولما خرج الإمام الوارث بن كعب من نزوى للقاء عيسى بن جعفر بن منصور أخبر بأنه قد سجن في صحار وأن جيشه قد هزم، بعد هذا النصر قام الإمام الوارث في الناس خطيباً فقال: (يا أيها الناس إني قاتل عيسى بن جعفر فمن كان معه قول فليقل، فقال الفقيه علي بن عزرة: إن قتلته فواسع لك وإن تركته فواسع لك) غير أن الإمام الوارث بن كعب قد تركه في السجن فهذا دليل آخر على حنكته السياسية حتى لا تتعرض عمان لغزو جديد من العباسيين، انتقاما لعيسى ابن جعفر.
إلا أن هناك فئة شابة، قامت بقتله بدون علم والي صحار والإمام الوارث، وحينما علم هارون الرشيد بهذا، هم بغزو عمان غزواً شاملاً، إلا أن قضاء الله كان أقوى وأعدل فتوفي هارون الرشيد في طوس سنة 193هـ وهذه الوفاة خلفت صراعاً عنيفاً بين الأمين والمأمون حول خلافة هارون الرشيد في السلطة، مما جعل عمان بعيدة عن أي غزو جديد وأمست تنعم بالسعادة والأمن والاستقرار تحت راية إمامها الوارث بن كعب الذي حكمها اثنى عشر عاما. (1/20)
صفحة 21
وتوفي رحمه الله في اليوم الثالث من جمادى الأولى سنة 192هـ وسبب وفاته كما رأينا سابقاً أنه غرق هو ومجموعة من سجنائه في وادٍ، إذ حاول إنقاذهم من هذا السيل الجارف، فهذه الحادثة وقعت في أحد أودية نزوى ودفن الإمام الوارث بين العقر وسعال وقبره معروف مشهور وهو يزار إلى الآن.
وبعد وفاته اجتمع المسلمون وأهل العلم والحل والعقد فبايعوا إماماً جديداً وهو: غسّان بن عبد الله الذي يعد من الأئمة الأطهار ودامت خلافته من سنة 192هـ إلى سنة 207هـ وفي زمنه بنى أسطولا قوياً فقضى على القراصنة الهنود وبذلك تمكن من السيطرة الكاملة على الخليج العربي وبحر عمان.
مراجع البحث:
1- تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، لسرحان ابن سعيد الأزكوي.
2- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي.
3- الحركة الإباضية في المشرق العربي، لمهدي طالب هاشم.
4- عمان عبر التاريخ للعلامة سالم بن حمود بن شامس السيابي.
الشخصية الرابعة
الإمام أبو اليقظان
محمد ابن أفلح
1- الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح، نسبه وحياته ومبايعته:
إن الإمام أبا اليقظان يعد الخامس في الدولة الرستمية، أما نسبه فهو: محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وكنيته أبو اليقظان نسبة إلى ابنه يقظان، وله كذلك من الأبناء يوسف وخالد وزكريا وعبد الوهاب، وكانت إمامته في آخر سنة إحدى وأربعين ومائتين 241هـ بعد اعتزال أخيه أبي بكر ابن أفلح الإمامة سنة 241هـ وقد تولى الخلافة هذا بعد وفاة أبيه أفلح بن عبد الوهاب وذلك سنة 240هـ. (1/21)
صفحة 22
وعلى أية حال فإن الإمام أبا بكر بن أفلح عرف بالجود ولين العريكة والميل إلى الأدب والحياة الرغيدة، بحيث لم يكن صارما حازماً كأبيه وجده- يقول المؤرخ ابن الصغير: ( فلما ولي أبو بكر لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن قبله من آبائه، ولكن كان سمحاً، جوادا لين العريكة، يسامح أهل المروءات ويشايعهم على مروءاتهم ويحب الآداب والأشعار وأخبار الماضي).
وعلى أية حال فإن هذه الأخلاق اللينة الضعيفة تخرج الرجل عن جادة الإسلام وذلك بعدم تكوين المسلم القوي الصالح الناجح، وهكذا فإن تصرفات وسلوكات أبي بكر بن أفلح قد استغلها الخصم بحيث فقدت الدولة الرستمية هيبتها وتأثيرها على أفراد شعبها، وبالتالي ظهرت صراعات وتحديات على مستوى قمة السلطة والحكم.
فقد تمكن ابن عرفة وهو صهر الإمام أبي بكر بن أفلح الذي سيطر على شؤون الحكم وهو الآمر والناهي في شؤون الدولة، فأمسك زمام الأمر في يده فعاشت الدولة الرستمية في صراعات ونزاعات ومؤامرات، تسيرها أيد خفية، وتم اغتيال ابن عرفة بيد مجهولة.
إن هذه الحادثة تعد منعطفاً خطيرا في تاريخ الدولة الرستمية المعروفة بتمسكها بشريعة الإسلام وترك حرية المذاهب الإسلامية الأخرى، إذ كانت المناظرات والمناقشات تعقد أمام الأئمة في مسائل الاختلاف بصدر رحب.
والجدير بالذكر أن أبا اليقظان محمد بن أفلح قد سجنه الخليفة العباسي الواثق مع أخيه المتوكل حينما ذهب إلى الحج في خلافة أبيه أفلح بن عبد الوهاب، وكانت عيون العباسيين تلاحق حركاته حتى ألقت القبض عليه في مكة المكرمة، فأرسل إلى بغداد وسجن هناك، إلا أن الخليفة المتوكل، أطلق سراحه مكرماً مبجلاً حيث كانت هناك علاقة أخوية حميمة، تأصلت بينهما في سجن بغداد لأنهما ذاقا نفس المصير. (1/22)
صفحة 23
يقول الشيخ سليمان باشا الباروني رحمه الله في كتابه الأزهار الرياضية في تاريخ ملوك وأئمة الإباضية ما يلي: (كان أخو الخليفة كثير التعلق بأبي اليقظان لما رآه فيه من حسن الآداب والتطلع في العلوم والمعارف والورع الكامل حيث اتقان الطهارة ومراقبة أوقات الصلوات والقيام بالليل والناس نيام فتآلفا وامتزجت مودتهما وعقدا أخوة الصفا).
ولما رجع أبو اليقظان بن أفلح من المشرق إلى تاهرت، وجد أن الحالة مضطربة جدا والفوضى ضربت أوتادها في الدولة الرستمية بسبب الصراعات القائمة بين القبائل البربرية زيادة على أنصار ابن عرفة ومحمد بن مسالة الذي احتل مدينة تاهرت سبع سنوات ولم يخرج منها إلا بعد حرب دامية بينه وبين جيش الإمام أبي اليقظان.
إن الحوادث المؤلمة التي وقعت في عهد أخيه الإمام أبي بكر بن أفلح جعلت أبا اليقظان محمد بن أفلح يتخذ موقف الحياد والحيطة، لاسيما في مسألة ابن عرفه، فالغرض من هذا هو معرفة الحقيقة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود إلا أن هذه الحالة لم تدم طويلا، لقد تيقن أبو اليقظان وجبل نفوسة بطرابلس أن الهدف من كل هذا، هو مؤامرة دنيئة تسعى إلى القضاء على الدولة الرستمية وإمامها أبي بكر ابن أفلح، الذي اعتزل الإمامة، إن هذه اللفتة الأخلاقية التي أظهرها الإمام أبو بكر بن أفلح لهي دليل على سمو أخلاقه وحب الخير لأمته ووحدتها.
وفي هذا المنظور التاريخي، فإن الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح حين قبل بيعة الأمة اشترط عليها عدم الرجوع إلى صفحة الماضي ونبشها، بحيث بويع إماما بحصن لواتة القريب من تاهرت، عن طريق العلماء وعامة الناس.
يقول ابن الصغير: (والمدينة بها رجال هواهم وقلوبهم عند أبي اليقظان، فخرجت إليه فصارت الدعوة والإمامة كلها لأبي اليقظان وأتته الإباضية من كل الأقطار وحمل أبو اليقظان الناس على الخيل ودعي له بالإمارة والإمامة وألغي ذكر أبي بكر ومحمد بن مسالة). (1/23)
صفحة 24
ومن هنا فإن الإمام أبا اليقظان شمّر عن ساعده فبذل مجهودات كبيرة في توطيد أركان الدولة الإسلامية في أمنها ودينها واقتصادها فأجمع الناس على حبه والرضا بسيرته التي لا تختلف عن سيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
2- أخلاقه وزهده وآثاره الفكرية:
كان الإمام أبو اليقظان رحمه الله ذا أخلاق سامية صلبة، يحاسب نفسه قبل أن يحاسب آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، فاتخذ العدل سجية وسلوكا في حكمه وهو لم يغفل عن مراقبة النشاطات الاجتماعية والتجارية السائدة في الميدان.
أما بالنسبة إلى ورعه وزهده عن مفاتن الدنيا فقد كان رحمه الله مثالا في ذلك، فلما مات لم يترك أكثر من سبعة عشر دينارا، وقد ملك أربعين سنة ما بين تاهرت وسيرت يقول ابن الصغير المالكي في كتابه أخبار الأئمة الرستميين: " ولما مات أبو اليقظان فكل شيء وجد له من العين في تركته سبعة عشر دينارا ".
يعجبني في ظل هذه الأخلاق الإسلامية العالية أن نسمع إلى ما قاله المؤرخ الكبير علي يحيى معمر رحمه الله في هذه القصة المبصرة:"لا شك أن أي إنسان يحترف المسالة يعيش أربعين سنة في ذلك العهد الزاهر يستطيع أن يوفر أكثر من هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يعبر تركه لحاكم أبداً اللهم إلا أن يكون حاكماً مسلما حريصاً على الإسلام ".
إن رجلاً بهذا الوصف جدير بأن يضرب به المثل في حياة البشرية الطويلة وان يجعل قدوة لمن تسند إليهم الأمم وأمرها وتكل إليهم رعاية مصالحها وتوجيه سياستها.
وهكذا فإن محاسبة النفس هي الأساس الأول في الأخلاق الإسلامية، وبدونها تكون أخلاقنا مفلسة كما أشار إلى ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله: (المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا ، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار). (1/24)
صفحة 25
وفي ظل هذا يمكننا أن نلمح إلى جانب آخر من شخصيته، وهو الجانب الفكري حتى تكتمل رؤيتنا الشاملة حول شخصيته.
إن المتأمل في تاريخ الدولة الرستمية، يدرك كل الإدراك أن أئمتنا قاموا بدور حيوي في تعميق وترسيخ الدين الإسلامي في قبائل البربر وهذا بطبيعة الحال يتطلب دراسة كل العلوم التي تخدم الدين الإسلامي الذي لا يفهم جوهره إلا بلغة عربية أصيلة لقوله تعالى:
... ... ( إِنَّآ أَنَزلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيَّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ... - يوسف:2-
ومن هنا نجد الأئمة السابقين قبل الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح كانوا أعلاماً في العلوم الشرعية، أما بالنسبة إلى عهد الإمام أبي اليقظان فإن الحياة الثقافية كانت حيوية نشيطة ويتجلى هذا في المساجد، هناك من يقرأ وهناك من يناقش، يقول الشيخ الدرجيني ما يلي: ( حدث غير واحد من أصحابنا أن محمد بن أفلح أجمعت على توليته جماعة من المسلمين فولوه على أنفسهم فلم يختلف عليه اثنان وبلغ الغاية في العدل والفضل والإقتداء بمن سلفه فكانت نفوسه فيما قيل لا يعدلون أيامه وسيرته إلا بأيام جده عبد الرحمن وسيرته وذلك أنهم اتخذوا مجلسه حينئذ كالمسجد، فطائفة يصلون وطائفة يقرأون الكتاب، وطائفة يتذاكرون في فنون العلم).
وفي هذا المسار الفكري، يمكننا أن نشير إلى أن الحياة الثقافية في الدولة الرستمية هي انعكاس لحرية الرأي والمعتقد، بحيث نجد أن هناك عدة مدارس فكرية اجتهادية كالإباضية والمعتزلة والمالكية والحنفية والشيعة.
ومن هذا المنحنى الفكري الإسلامي المتميز بعدة آراء إسلامية اجتهادية نستخلص أن الإمام أبا اليقظان كان ملما بالعلوم الكلامية والشرعية بحيث تمكن من أن يكتب رسالة في مشكلة خلق القرآن الكريم إذ بين في هذه الرسالة أن القرآن الكريم مخلوق كالأشياء، إن هذه الرسالة التي حررها تبين لنا القدوة الفكرية التي يتمتع بها الإمام أبو اليقظان، لقد جاء في هذه الرسالة: (1/25)
صفحة 26
" نسأل الله الواحد القهّار أن يوفقنا لمعالم دينه عز وجل:
... ... ( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ) ... - الأنبياء:2-
والمحدث في كلام العرب ما لم يكن ثم كان فإن عارض معارض فقال: (إن المحدث ما كان في الدنيا وما يقرأ وهو مخلوق وهو حكاية لكلام الله عز وجل: الكائن فيه القائم بذاته الذي ليس مخلوق) إن هذه الرسالة تحتوي على ثلاثة وعشرين صفحة وهي توجد في كتاب الجواهر المنتقاة للشيخ أبي القاسم البرادي.
أضف إلى هذا فإن الإمام له رسائل عدة يدعو أمته فيها إلى طلب العلم والمعارف وأخذه بكل جد، يقول في إحدى رسائله ما يلي: (واعملوا رحمكم الله إن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة قد انقرضوا، فرحم الله امرءا مسلما احتسب بنفسه وأرصدها لله في طلب العلم، وعليكم معاشر المسلمين بإتباع الماضي من أسلافكم والمتقدمين من أمتكم الصالحين من أهل دعوتكم، فاقتفوا آثارهم واهتدوا بهداهم واحذروا الزيغ عن طريقهم والميل عن مناهجهم).
وفي ضوء هذا فإن الإمام أبا اليقظان لم يكن بعيداً عن الواقع الاجتماعي الذي كان يعيشه بل وقد احتك بكل الفئات الاجتماعية وزراء وعامة الناس، قضاة وعساكر، بحيث شهد تطورات هامة وخطيرة في حكمه، نظرا إلى حياته الطويلة.
يقول الشيخ أبو العباس الدرجيني رحمه الله: (ومكث في إمامته أربعين سنة على هذا الحال، محمود السيرة مجتهداً في الصلاح قائما بالحق قاضيا بالعدل إلى أن علت سنة ورق عظمه وتوفي رحمه الله سنة 281هـ فولي بعده ابنه يوسف بن محمد ابن أفلح).
لقد بويع هذا الإمام سنة 281هـ وحمل على الأعناق والأكتاف وكان رجلاً عظيماً وشهماً كأسلافه إلا أن سرطان حب الزعامة بدأ ينخر الأسرة الرستمية وكان السبب في سقوط هذه الدولة العظيمة. (1/26)
صفحة 27
وبالفعل فإن الإمام يوسف بن محمد قد قتله أحد أبناء أخيه اليقظان بن أبي اليقظان سنة 294هـ حيث أخذ الإمامة غصباً ولم يدم في حكمه أكثر من سنتين عاشهما في قلق واضطراب بسبب الظروف المحلية واستفحال أمر الشيعة إذ أنهم دخلوا تاهرت في شوال سنة 296هـ بزعامة أبي عبد الله الحجاني الذي قتل اليقظان بن أبي اليقظان وأسرته وحاشيته.
وهكذا سقطت الدولة الرستمية بدون مقاومة على يد أبي عبد الله الشيعي- إن الأمر والملك لله وحده- لتكن هذه الخلاصة عبرة مبصرة لنا، فالتاريخ هو درس في التربية قبل كل شيء.
مراجع البحث:
1- أخبار الأئمة الرستميين لبن الصغير، تحقيق د. محمد ناصر وإبراهيم بحاز.
2- الإباضية في الجزائر- للشيخ على يحيى معمر.
3- كتاب الأزهار في أخبار أئمة وملوك الإباضية، للشيخ سليمان ابن الشيخ عبد الله الباروني.
4- كتاب طبقات المشائخ بالمغرب للشيخ أبي العباس الدرجيني.
5- الدولة الرستمية للأستاذ بحاز إبراهيم.
الشخصية الخامسة
الإمام الصلت بن مالك الخروصي
الإمام الصلت بن مالك الخروصي: (237هـ-273هـ)
1- مقدمة:
قبل أن نتحدث أيها القارئ الكريم عن حياة الإمام: الصلت بن مالك الخروصي حديثا مستفيضا، يحسن بنا أن نشير إلى أن الإمام الصلت قد عمر طويلا ودامت إمامته حوالي (35سنة). فقد جاء في كتاب كشف الغمة لسرحان بن سعيد الأزكوي: (وعمر الصلت الإمامة ما لم يعمر أحد قبله حتى كبر وأسن وضعف، وإنما كان ضعفه من قبل الرجلين وأما العقل والسمع والبصر فلا نعلم أن أحداً قال بهما ضعف).
إن هذه السنوات الطوال، تميزت بأعمال جليلة عظيمة، تخللت بعض الأحداث المؤلمة في آخر حياته، فالحياة هي محك الرجال لا ترحم الضعيف ولكنها تحترم القوي الذي يكابد ويجاهد ويتحدى مثبتا وجوده وقوته وعدله في مجتمعه، هذه الخصائص تجلت في الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي الذي أنتخب سنة (225هـ- 237هـ) قبل الإمام الصلت بن مالك. (1/27)
صفحة 28
كان المهنا رحمه الله إماماً عظيماً، شهماً حازماً كل الحزم في أموره، إذا اجتمعت عنده القوتان البرية والبحرية، وفي حياته عرفت التجارة توسعاً وازدهاراً عظيماً، وهذا بفضل استقرار الأمن في ربوع الوطن.
وعرفت عُمان قوة كبيرة تتكون من ثلاثمائة (300) مركب حربي للرد على العدو الخارجي الغازي الذي طمع كثيرا في خيرات عمان، دون أ، نغفل عن ذكر القوات البرية المتكونة من الجنود، بحيث أن عاصمة الإمامة نزوى وحدها يوجد فيها أكثر من عشرة آلاف (10000) مقاتل مسلحين دائما. ثم إن عمان عرفت زيادة كبيرة في سكانها، وهذا دليل أكيد على الخيرات الوفيرة الموجودة فيها.
وقد حكم الإمام المهنا بن جيفر رحمه الله أحد عشر عاماً، وبعد موته عُيّن الصلت بن مالك الخروصي إماماً.
2- الإمام الصلت بن مالك الخروصي: نسبه، مبايعته، أخلاقه:
وهو من اليحمد بويع له بالخلافة سنة (237هـ)، بعد وفاة الإمام المهنا ابن جيفر، وقد حضر في هذه البيعة علماء عمان ووجهاء القوم لاسيما محمد ابن محبوب الذي يعد من أشهر وأعظم علماء عمان في القرن الثالث الهجري.
وهناك علماء آخرون حضروا هذه البيعة كمحمد بن علي القاضي وسليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة وزياد بن الوضاح، إضافة إلى رؤساء القبائل، إن هذه البيعة التي قدمت من هؤلاء العلماء للصلت لهي دليل أكيد على جدارته وكفاءته ودينه وأخلاقه، لأن الأمة لا يمكن أن تتفق كلها على الضلال، وكان العلماء الأفاضل: محمد بن علي والبشير بن المنذر ومحمد بن محبوب في مقدمة الذين قدموا البيعة للصلت بن مالك الخروصي. (1/28)
صفحة 29
وهكذا فإن انتخاب واختيار الصلت بن مالك كان نتيجة لشروط أساسية توفرت فيه مثل الورع والعلم والكفاءة، وهل يعقل لهؤلاء العلماء الذين ذكرتهم المصادر القديمة أن يبقوا بدون مناصرته ومساعدته في تحمل عبء الأمة الإسلامية. قال أبو قحطان: (أجمعوا على إمامة الصلت وولايته من قدمه من المسلمين ثم أجمعوا على نصرته وتحريم غيبته).
وهكذا أصبحت إمامة الصلت بن مالك قوية راسخة في نفوس العمانيين، بحيث لم يكن هناك اختلاف حولها، وبالتالي لم يكن هناك أي معارضة تذكر مما يدل على استقرار الأوضاع الأمنية والنشاط الثقافي والتجاري والزراعي.
وفي زمان الإمام الصلت بن مالك. تمكن من استرجاع جزيرة سقطرى إلى حظيرة عمان من قبضة النصارى الذين احتلوها.
3- الإمام الصلت بن مالك يحرر جزيرة سقطرى ويرجعها إلى سيادة عُمان:
إن جزيرة سقطرى لها موقع استراتيجي قديما وحاضرا، وهي تقع بالقرب من الساحل الشرقي لإفريقيا القريب من القرن الإفريقي فهي تقع إلى الجنوب من شبه الجزيرة العربية غربا، مساحتها (3626 كلم2) وسكانها الآن حوالي (20.000 نسمة) وتنتج البلح والأسماك. ولقد انتشر فيها المذهب الإباضي في القرن الثاني الهجري وهو القرن الذي ساد فيه المذهب الإباضي في حضرموت واليمن وخاصة عمان.
وفي هذا المسار التاريخي، لابد من الإشارة إلى أن هذه الجزيرة تحتل موقعا تجاريا هاما لأنها قطب الرحى بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وغرب جنوب المحيط الهندي، وهكذا فإن المسلمين الأوائل كانوا تجارا ودعاة دين في آن واحد، بحيث أعطوا الدين الإسلامي بعده الحضاري الحقيقي، من خلال سلوكاتهم العملية المتميزة بالأمانة والصدق والإخلاص.
عزيزي القارئ: (1/29)
صفحة 30
إن تاريخ هذه الجزيرة لا يزال يكتنفه الغموض بالنسبة إلى ظهور الحركة الإباضية فيها ما عدا ما يشير إليه الشيخ العلامة نور الدين السالمي رحمه الله إلى نقض النصارى للعهد القائم بين المسلمين والمسيحية، إذا يقول: (ونقضوا ما بينهم وبين المسلمين فهجموا على سقطرى وقتلوا والي الإمام وفتية معهم وسلبوا ونهبوا وأخذوا البلاد قهرا فكتبت امرأة من أهل سقطرى قصيدة إلى الإمام الصلت تطلب منه النجدة من خلال القصيدة التي سنراها الآن.
إنها حقا انعكاس للشعور المفعم بالآلام، وهي صرخة مدوية في آذان الغافلين عن مصير الإسلام. تنبه وتوقظ المسلمين من نومهم العميق، يا ليت العالم الإسلامي يسمعها اليوم لينجد المسلمين والمسلمات في فلسطين والهند والبوسنة والهرسك، إن هؤلاء اليوم تحت وطأة النصارى واليهود، وهكذا تقول الزهراء السقطرية:
أمست سقطرى من الإسلام مقفرة
... ... ... ... ... ... بعد الشرائع والفرقان والكتب
جار النصارى على واليك وانتهبوا
... ... ... ... ... ... من الحريم ولم يألوا من السلب
قل للإمام الذي ترجى فضائله
... ... ... ... ... ... بأن يغيث بنات الدين والحسب
ما بال صلت ينام الليل مغتبطاً
... ... ... ... ... ... وفي سقطرى حريم باد بالنهب
يا للرجال أغيثوا كل مسلمة
... ... ... ... ... ... ولو حبوتم على الأذقان والركب
حتى يعود عماد الدين منتصباً
... ... ... ... ... ... ويهلك الله أهل الجور والريب
وثم يصبح دعى الزهراء صادقة
... ... ... ... ... ... بعد الفسوق وتحيى سنة الكتب
ولما سمع الإمام هذه القصيدة المليئة بالآلام تأثر كل التأثر بحياتها النفسية التي تعيشها هذه المرأة المسلمة وأمتها، وهكذا فإن الإمام الصلت جهّز أسطولا بحريا بلغ عدد مراكبه مائة مركب، وعيّن على رأس هذا الأسطول القائد محمد بن عشيرة ونائبه سعيد بن شملال، إن هذا الأسطول تمكن من إعادة الجزيرة إلى سلطة عمان فطرد الأحباش النصارى وعامتها. (1/30)
صفحة 31
أيها القارئ الكريم: تدرك كل الإدراك أن الإمام الصلت بن مالك رحمه الله قد عد العدة وقام بالجهاد أحسن قيام لنصرة إخوانه المسلمين هناك. حيث أسقط الفئة المسيحية التي نقضت العهد الرابط بين السلطة الإسلامية والنصارى.
وعلى أية حال فإنه قد قضى على هذه الفئة الباغية الظالمة، فاسترد السلطة من أيدي الغاصبين وأعاد الكرامة للمسلمين وناصرهم كل النصر اعتمادا على الواجب الإسلامي الذي يدعونا إلى نصرة إخواننا المسلمين في كل مكان وزمان، لنتدبر هذه الآية الكريمة الواضحة يقول الله عز وجل:
( وَمَالكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِيَن يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْناَ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنك وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً) ... - النساء: 75-
وجاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا- ثم شبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه تأكيدا لمعنى يشد بعضه بعضا) – متفق عليه-.
إن هذه الأدلة الشرعية تدل دلالة قاطعة على الإخاء الإسلامي والتعاون والتناصر بين المسلمين كافة بدون تمييز، ثم إن الإمام الصلت بن مالك قد كتب عهدا أو وصية يوصي بها قواده وجنوده طالبا منهم الالتزام بآداب الإسلام، لاسيما آداب الحرب التي تعكس كرامة الإنسان واحترام إنسانيته خاصة الأسرى من رجال ونساء وشيوخ.
لقد جاء في هذه الوصية ما يلي: (فليكونوا في أسركم آمنين، وأحسنوا إليهم في طعامهم وشرابهم وامنعوهم ممن أرادوا ظلمهم حتى توصلوهم إلى والي المسلمين إن شاء الله). يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " ألا من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته، أو انتقصه حقه أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة". – رواه أبو يوسف في كتاب الخراج- (1/31)
صفحة 32
المعاهد: (هو من أهل الكتاب) الحجيج (المدافع). ومن هنا يجمل بنا أن نذكر أن الإمام الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله، كان ملتزماً أشدّ الالتزام بآداب أخلاق الإسلام فيما ذكرناه سابقاً، إذ يقول رحمه الله: (واعلم أن أهل الذمة تؤخذ منهم الجزية عند انسلاخ الشهر ويؤخذ من سائرهم وأهل السعة من كل واحد منهم درهمان في كل شهر وليس على الصبيان والشيخ الفاني ولا على الفقراء ولا على المرضى ولا على النساء ولا على العبيد).
وبعد هذا التحليل يجدر بنا أن نعالج واجهة أخرى من شخصية الإمام وهي الفكر الأخلاقي عنده.
4- الإمام الصلت بن مالك من خلال وصيته لولاته واعتزاله للإمامة:
عزيزي القارئ: اعلم أن الأئمة المسلمين كانوا من عادتهم إرسال رسائل إلى ولاتهم تشتمل على توجيهات قيمة لتسيير شؤون المجتمع دينياً وأخلاقياً واقتصادياً، وهكذا نجد الإمام الصلت بن مالك قد قدم وصية لواليه غسان ابن جليد لما بعثه واليا على الرستاق فقد جاء فيها ما يلي: " إني أوصيك بتقوى الله في سرك وجهرك وأن تكون على أمر الله حدثاً- أي ثابتاً- وفي مرضاته راغباً، وأن تعمل بالعدل في الرعية وأن تقسم بينهم بالسوية.
ثم يقول أنصف الضعيف من القوي والفقير من الغني والعبيد من المولى السيد- وكل حق صح معك حتى لا يطمع شريف في حيفك- أي الجور ولا ييأس ضعيف من عدلك ولا تكن فظاً غليظ القلب، ولا محتجبا عن مطالب الحق والضعفاء".
إن هذه الوصية تحتوي على عشر صفحات ولكن أخذنا هذه الفقرة فقط، لارتباطها بالعدالة الاجتماعية، ونحن نقول إن هذا النص ضروري ومن خلاله نتمكن من تقديم الحجة القاطعة لإثبات ما نقوله ومن هنا، فإن الإمام الصلت رحمه الله قد ركّز على التقوى في وصيته لغسان بن جليد أحد ولاته- لماذا فضيلة التقوى بالذات؟. (1/32)
صفحة 33
لأنها تكون بلا شك هي الأساس الجوهري في العدالة الإسلامية لأن الإنسان يرصد نفسه ويرغمها على التجرد من الأخلاق الفاسدة كالنفاق والظلم والاستبداد والأهواء وبالتالي تدفعنا إلى الوفاء والأمانة والإخلاص والعدالة.
وفي ضوء هذا فإن الإمام الصلت بن مالك يقول لواليه غسان بن جليد: وأن تعمل بالعدل في الرعية حكماً وسلوكاً، فالعدالة هي السمة الأساسية في الدين الإسلامي، لأن كل نظام اجتماعي لا يقوم على العدالة فهو منهار لا محالة، مهما كانت قوته وبطشه لأنه يتعارض مع كرامة الإنسان.
فالبشر كلهم قد خلقوا من نفس واحدة، فالرسول الكريم كان مثالا في عدالته. وهكذا فإن هذه الأخلاق الخالدة الثابتة في العدالة الإسلامية، حيث انعكس أثرها في وصية الإمام الصلت بن مالك إذ يقول: وكل حق صح معك حتى لا يطمع شريف في حيفك- ولا ييأس ضعيف من عدلك.
ثم إن هذه العدالة قد ربطها بقيمة أخلاقية عظيمة، وهي الرفق والإحسان والرحمة بالضعفاء واليتامى حتى لا يشعروا بأن هناك حاجزا بينهم وبين الحاكم المسلم الصالح.
مصادر البحث:
1- تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة لأخبار الأمة لسرحان ابن سعيد الأزكوي.
2- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي.
3- الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان لحميد بن محمد بن رزيق.
4- الحركة الإباضية في المشرق العربي لمهدي طالب هاشم.
الشخصية السادسة
الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني
العلامة أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني
1- مقدمة: (1/33)
صفحة 34
أيها المسلم إن أمتنا الإسلامية الحالية، تعيش اليوم تحت ظروف قاسية بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وهي نتيجة للفساد الخلقي، والابتعاد عن تاريخنا الإسلامي الأصيل بحيث أصبحت تعيش ازدواجية خطيرة بين الاغتراب ورسالة الإسلام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فهذه الرسالة الإسلامية الخالدة قد غيّرت المجتمع العربي الجاهلي إلى مجتمع متحضر عالمي، إذ يقول الله عز وجل:
... ... ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُوَنَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) ... - الفرقان:1-
وعلى ضوء هذا فإن المؤرخ الكبير الشيخ أبا العباس الدرجيني يرى أن التاريخ له فائدة عظيمة في تربية الأمم إذ يقول: "إن العلم دليل يقتدى به إلى طريق الرشد هاد يهتدى به، وينبغي لمن نزع إلى هذا النزع- الطريق- وطلب هذا العمل الأرفع أن يتعرف مناقب السلف- محاسن الأجداد والأخبار- ويحصل سيرهم الصالحة ليقتدي بحميد تلك الآثار، فإن ذلك مما يقوي الرغبة في الاشتياق".
أما بالنسبة إلى دراسة التاريخ، فالهدف منه هو أخذ العبر المبصرة حتى لا نرتكب الأخطاء التي وقعت في الماضي، فالتاريخ يعد مدرسة تجريبية في مجال التربية الإنسانية تربية واقعية، وهو أداة الحاضر والمستقبل، وبه نعرف طبيعة المجتمعات البشرية من حيث رقيها وانحطاطها.
إن التاريخ يعد جزءا لا يتجزأ من شخصيتنا الإسلامية بحيث أن أي درس في التاريخ هو في الواقع درس في التربية، وبالتالي فإن أبا العباس الدرجيني قد انطلق من الرؤية الإسلامية الخالصة لمعالجة التاريخ البشري وتعليله. (1/34)
صفحة 35
إن المؤرخ الناقد، حينما يتأمل الحضارات الإنسانية قديماً وحديثاً، كالفرعونية والرومانية والإسلامية والشيوعية، يدرك أنها انهارت بسبب انحراف أهلها عن القيم الأخلاقية الفاضلة، فانغمسوا في الأخلاق الرذيلة، كالظلم والاستبداد، وأكل حقوق الناس والإسراف في المال والملذات، فهذا هو الترف والفسق، ألم يقل الله عز وجل:
... ( وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرَاً) ... الإسراء:16-
إن هذه المقدمة تعد ضرورية حتى نجعل شخصية الشيخ أبي العباس الدرجيني رحمه الله في إطارها التاريخي.
2- الشيخ أبو العباس الدرجيني: نسبة عائلته، مولده، بيئته:
هو أبو العباس أحمد بن سعيد بن علي بن يخلف الدرجيني، أصله من أسرة إباضية كانت تسكن مدينة تيمجار بجبل نفوسة بليبيا وكانت هناك علاقة أسرية قوية قائمة بين جبل نفوسة وجربة والجريد ووارجلان ووادي ميزاب بحيث نجد عدة عائلات تحمل نفس اللقب كعائلة بكوش، ورمضان وآل الحاج مسعود وباشا، هذه الألقاب توجد في المناطق التي ذكرناها سابقا.
أما جده الأعلى الحاج يخلف بن يخلف فقد هاجر إلى بلاد الجريد فأما والده سعيد بن علي فقد هاجر إلى بلدة درجين السفلى وفيها ولد شيخنا أبو العباس وإليها ينسب، فمولده يكون حوالي 600هـ أما وفاته فكانت 670هـ.
والجدير بالذكر أن عائلته الشريفة قد قامت بدور عظيم في نشر الإسلام بغرب افريقيا اعتمادا على قول الرسول الكريم إذ قال لعلي كرّم الله وجهه: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدا خير لك من حمر النعم" – متفق عليه- ، حمر النعم: هي الإبل الحمر، وهي أشرف وأغلى أموال العرب. (1/35)
صفحة 36
وعلى أية حال فإن جده وهو علي بن يخلف تمكن من نشر الإسلام في غرب افريقيا بحيث أن ملك مالي قد دخل هو وأمته في الإسلام بفضل هذا العالم الجليل وذلك سنة 575هـ حيث كان يزاول التجارة بين السودان والجريد.
يقول الشيخ الدرجيني فيما يلي: (وحدث جماعة من أصحابنا أن علي بن يخلف سافر إلى غانا سنة خمس وسبعين وخمسمائة 575هـ فانتهى إلى مدينة مالي فأكرمه ملكها غاية الإكرام، وكان هذا الملك مشركاً، فقال له علمني مما علمك الله من فرائض الإسلام حتى أتبعك عليه وتستقي لنا فعلمه كيف يقر بالشهادتين فعلمهما).
أما بالنسبة إلى الشيخ الشماخي رحمه الله فيقول: (إن اعتناق ملك غانا وشعبه للإسلام يعود إلى علي بن يخلف الإباضي الذي عاش في القرن الخامس الهجري 5هـ حينما دعا الله أن يغيث هذا الوطن بمطر بعد جفاف دام عدة سنوات فاستجاب الله دعاءه ولما رأى هذا الملك هذه المعجزة دعا قومه للدخول في الإسلام.
إن هذه القصة يجب أن تكون عبرة مبصرة لكل مسلم مؤمن برسالة الإسلام، إن علي بن يخلف قد خدم الإسلام خدمة عظيمة جدا بسيرته المثالية حتى بلغ بمفرده ما عجزت عنه الجيوش الفاتحة الجرارة لمحاربة الشرك والوثنية لأن علي بن يخلف لم يكن تاجراً فحسب، بل كان داعياً إلى الله أيضاً.
وعلى أية حال: فإن الإباضية كان لهم دور فعال في نشر الإسلام في إفريقيا الغربية، فالمصادر الإباضية وغير الإباضية تشير إلى هذه الحقيقة التاريخية المرتبطة بالتجارة إذ بينت هذه الدراسات أن الإباضية لم يكونوا تجارا فحسب بل كانوا حاملي لواء الإسلام في هذه المنطقة الجديدة التي كانت تسود فيها الوثنية. (1/36)
صفحة 37
يقول جودت يوسف عبد الكريم في كتابه العلاقات الخارجية للدولة الرستمية: " ولما كان هؤلاء التجار من العرب والبربر المسلمين، فقد حملوا معهم الثقافة الإسلامية، فكانوا مبشرين لتلك الثقافة الإسلامية في بلاد السودان كأبي نوح الصغير وأبي نوح سعيد بن يخلف وأبي القاسم يونس الفرسطائي وأبي موسى هارون بن أبي عمران وأبي موسى الوسياني.
ويعود أغلب هؤلاء إلى القرن الرابع الهجري لكنهم كانوا حلقات من سلسلة التجار الذين أغفل المؤرخون ذكرهم، حتى إنهم لم يشيروا إلى تاجر واحد في تاهرت.
بعد هذه اللمحة الخاطفة عن دور عائلة الدرجيني التي نشرت الدعوة الإسلامية في ربوع غرب إفريقيا يحسن بنا أن نشير إلى حياة أبي العباس أحمد الدرجيني من حيث مولده وبيئته.
إن الشيخ أبا العباس أحمد بن سعيد الدرجيني ينتمي إلى أسرة عريقة في العلم ونشر الدعوة الإسلامية الصحيحة كما رأينا- وعلى أية حال فإن تاريخ ولادته يكون حوالي سنة 600هـ لأنه رحل إلى وارجلان سنة 616هـ وهو في سنته الأولى من الصوم إذ يقول: "وذلك إني دخلت وارجلان حرسها الله تعالى سنة ستة عشر وستمائة 616هـ في ربيع الثاني منها في أول ما وجب علي الصوم والبال خالٍ من الهم وكنت أعجب بمن ينفرد فلا يجتهد". (1/37)
صفحة 38
وفي هذا المنظور التاريخي، يمكننا أن نسلط الأضواء الكاشفة على الحياة العامة السائدة في ذلك العصر الذي نشأ فيه أبو العباس أحمد الدرجيني حيث تميز بالفتن والإضطربات في العالم الإسلامي، لاسيما المغرب العربي والأندلس إذ ظهرت فيها مماليك صغيرة متناحرة فيما بينها، مع الإشارة إلى أن دولة المرابطين في المغرب العرب بدأ الضعف ينخر أسسها، وذلك بظهور المهدي بن تومرت الذي بدأ ثورته على المرابطين سنة 516هـ فاعتقد بأنه المهدي المنتظر الذي جاء بعناية إلهية اختارته ليخلص العالم الإسلامي من انقساماته الدينية والسياسية، وبعد وفاته عين عبد المؤمن بن علي خليفة له وهو يعد من أكبر عظماء التاريخ إذ تمكن من توحيد المغرب العربي الكبير.
أما بالنسبة إلى منطقة الجريد وأريغ ووارجلان فلم تكن خاضعة لدولة معينة نظراً إلى بعدها الجغرافي من السلطة المركزية في تلك الفترة، بل كانت تسير نفسها بنفسها من خلال مجلس العزابة الذي قنن قواعده الإمام الكبير: أبو عبد الله محمد بن بكر المتوفي في القرن الرابع الهجري سنة 440هـ.
إن هذا المجلس يهتم بدراسة الشؤون الاجتماعية تعالج فيه المشاكل الدينية والاقتصادية والثقافية.
وعلى أية حال فإن المنطقة الشرقية الجنوبية في المغرب العربي قد سكنها الإباضية وعاصمتهم وارجلان التي تعد المركز الروحي والعلمي والديني والاجتماعي للمجتمع الإباضي بعد انقراض الدولة الرستمية على يد العبيديين سنة 292هـ.
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله عن مدينة وارجلان ما يلي: " يمتد هذا العهد الثاني قرابة قرنين من الزمان من النصف الثاني للقرن الخامس إلى منتصف القرن السابع تقريبا ويمتاز هذا العهد من تاريخ وارجلان بالحالة المضطربة فيما جاورها وبكثرة الفتن والغارات والحروب. (1/38)
صفحة 39
كان هذا العهد من تاريخها يمتاز بمزايا أخرى بعيدة كل البعد عن تلك المعاني مباينة كل المباينة لذلك الاتجاه، وذلك أن وارجلان في كامل ذلك العهد كانت أهم مركز علمي للإباضية وأحصن ملجأ يلجأ إليه العلماء والطلاب والزهاد وقد تداول فيه الرئاسة العلمية والدينية عدد من أعلام الإسلام نذكر منهم أبا صالح الياجراني في أول العهد وفيلسوف الإسلام أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني- وبين العالمين العظيمين وفي عصريهما حلقات مترابطة من فطاحل العلماء وأعدادا لا نستطيع حصرها من طلاب العلم في المدن والقرى وحتى في الأحياء البادية".
وهكذا فإن الحياة الثقافية في وارجلان، قد عرفت في تلك الحقبة الزمنية ازدهارا فكرياً شاملاً، وهذه الحالة تشبه إلى حد كبير ما يعرف اليوم بتأليف وتحرير الموسوعات العلمية.
وحسبنا دليلاً على ذلك كتاب العزابة الذي ألفه ثمانية شيوخ، حيث يعالج أهم وأدق القضايا الكلامية والدينية والاجتماعية وهو يشمل على خمسة وعشرين جزءا، كما أشار إلى ذاك الدرجيني في كتابه طبقات المشائخ، هذه هي الحياة الثقافية السائدة في وارجلان، ومن هنا يحسن بنا أن نشير إلى شيوخ الدرجيني.
3- شيوخ الدرجيني ونبوغه العلمي:
على ضوء هذه الثقافة المفعمة بالعلوم الشرعية والعقلية في وارجلان فإن شيخنا أبا العباس احمد بن سعيد الدرجيني قصد هذه المدينة المباركة لينهل من منبعها العذب الصافي حيث أخذ العلم عن شيوخها الكبار.
وكان الدرجيني رحمه الله، طالبا ذكيا جادا في تحصيل العلم النافع، فقد وهبه الله ذاكرة قوية وذكاءً حاداً، إن هذه العوامل النفسية الذاتية والعوامل الموضوعية السائدة في وارجلان قد ساعدته على التعلم السريع، لقد لاحظ الدرجيني أن هناك بعض الطلبة قليلو الاستيعاب والذكاء والإدراك، إذ يقول: (1/39)
صفحة 40
" وكنت أعجب ممن ينفرد ولا يجتهد ومن يخلو بالمفيد فكيف لا يستفيد، وكنت أزدري أي أحتقر بأكثر من أولئك وذلك لحدث سني وأنا الآن أستغفر الله".
وعلى أية حال فإن الشيخ الدرجيني كان من الطلبة البارزين في تحصيل العلم، وقد نصحه أبوه أن يشمّر عن ساعديه في طلب العلم وأن يلتزم بآداب الإسلام محترما شيوخه لاسيما أستاذه الأول أبو سهل بن إبراهيم، ولا بأس أن نورد بعض الأبيات الشعرية من القصيدة التي بعثها إليه أبوه الكريم، طالبا منه الورع والعمل الصالح والجد في طلب العلم، إذ قال:
فحاسب أبا العباس نفسك جاهدا
... ... ... ... وناقش ولا تنس الصغيرة والكبرى
فكن طالبا جزلا، أديبا مهذبا
... ... ... ... ولا تخش حسادا وإن نظروا شزرا
فإن تك تلميذا نبيها وحاذقا
... ... ... ... فشيخك بحر العلم أعظم به بحرا
فما عذر من أستاذه فذ عصره
... ... ... ... أبو سهل البحر الذي قد علا فخرا
حوى العلم والدين القويم وراثة
... ... ... ... فأصبح في ذا العصر أطيبهم ذكرا
به وارجلان تزهو جمالا وبهجة
... ... ... ... به أشرقت نورا به ابتسمت فخرا
وهكذا فإن الدرجيني قد بقي في مدينة وارجلان مدة سنتين،أخذ أثرها العلم عن شيوخها وبعد هذا رجع إلى مدينة توزر بالجريد فاستقر فيها بعض الوقت منكبا على دراسة التاريخ.
وبعد عام توجه إلى جزيرة جربة فأخذ العلم عن جل شيوخها فكان مثالا للعمل الجاد والذكاء الحاد، والدفاع عن الحق مما أكسبه احترام وتقدير رجال العزابة، الذين طلبوا منه أن يكتب تاريخ علماء الإباضية المغاربة، فلبى الدعوة بعد تفكير فأخرج لنا كتابه القيم- طبقات المشائخ الذي يعد الدعامة الأولى في تاريخ المغرب العربي بحيث لا يمكن لأي طالب أو أستاذ الاستغناء عنه يقول محمد محفوظ صاحب معجم تراجم المؤلفين التونسيين ما يلي : "والدارس للتاريخ الإسلامي في المغرب لا يمكنه استقاء معلوماته دون الإطلاع على هذا الكتاب".
4- الدرجيني من خلال كتابه طبقات المشائخ بالمغرب: (1/40)
صفحة 41
إن كتاب الطبقات قد أسدى خدمة كبيرة في التعريف بشأن المغرب العربي ورجاله الذين قاموا بدور حيوي في نشر الإسلام، ولولا هذا الكتاب القيم لما عرفنا الحقبة التاريخية الممتدة من القرن الثاني الهجري إلى القرن السابع الهجري وله الفضل الكبير في إثراء المكتبة الإسلامية والعربية.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي رحمه الله في تقييم هذا الكتاب "وبالجملة فكتاب الطبقان يعطينا صورة إجمالية عن رجال الإباضية إلى حدود القرن السابع الهجري والدارس للتاريخ الإسلامي في الغرب الإسلامي لا يمكن أن يستوفي معلوماته دون الإطلاع على هذا الكتاب القيم فتتبعه أيها القارئ الكريم بتدبر وإمعان تجد فيه الخير اليقين".
فالقارئ الكريم حينما يتصفح هذا الكتاب النفيس يجده ينقسم إلى قسمين: قسم في السيرة التي يقصد بها تفصيل وتوضيح سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام- أما القسم الثاني من الكتاب فهو يشتمل على دراسة الأحداث التاريخية الاجتماعية المرتبطة بالزمان والمكان، وهو يلقي الأضواء على التفاعل الاجتماعي بين أفراد ذلك المجتمع.
ثم إن الشيخ الدرجيني رحمه الله لم يكن ناقلا وحاكيا لأخبار دون نقدها وفحصها، بل كان يبين وجهة نظره معتمدا في ذلك على التعليل المنطقي والاجتماعي والعلمي وإلا كان أشبه بالإنسان العادي الذي تنقصه الروح العلمية وعلى ضوء هذا، يمكننا أن نقدم للقارئ نماذج من تأليفه في السيرة والتاريخ ونقده للحادثة التاريخية حتى تطمئن نفسه ويقدر عمله الجليل الذي لا يزال يجهله بعض أبنائنا المسلمين. (1/41)
صفحة 42
يقول رحمه الله عن سيرة خروج أبي عبد الله سنويا إلى ميزاب: "بلغنا أن أبا عبد الله وهو أبو عبد الله بن محمد بن بكر الفرسطائي المؤسس لنظام العزابة- كان يخرج للحلقة في أوان الربيع، إلى وادي بني مصعب- ميزاب لمآرب، منها أنه كان يطلب بذلك راحة خاطره وخواطر التلاميذ واستصلاحها وتدبير قوى أجسادهم واستصلاحها فإنه علم ما في بلاد ريغ من رداءة الهواء وقلة طلب الماء.
وأيضا فإن بني مصعب كانوا واصلية وكان يبين لهم طرقا يتبعونها ويضرب لهم أمثالا حسنة يعملونها ذلك أن سائلا منهم سأله، ما تقول في حلال خالطه حرام أيؤكل منه؟ قال: ما ترى في جحر دخله جربوع ودخلته حية كلاهما بمرأى منك أتدخل فيه يدك طلبا للجربوع؟ قال: لا أفعل مخافة الحية، قال: وكذلك ما ٍسالت عنه، وله معهم أنواع من هذه الأجوبة.
ودونك الآن نصا من التاريخ يقول رحمه الله في حق جابر بن زيد الأزدي رحمه الله (21-93) منهم الإمام الكبير جابر بم زيد، بحر العلوم وسراج التقوى، أصل المذهب وأسسه الذي قام عليه نظامه، ومنار الدين صاحب ابن عباس رضي الله عنه.
وعن إياس بن معاوية قال: لقد رأيت البصرة وما بها مفت غير جابر بن زيد ، وعن ابن عباس أيضا أنه قال: جابر بن زيد أعلم الناس عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد.
وفي ضوء هذه الحادثة التاريخية نقول أن الشيخ الدرجيني رحمه الله كان يبين وجهة نظره في المسائل المطروحة في زمانه مثال على ذلك، ما هو حكم الإسلام في أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم؟ يقول رحمه الله "قلت وهذا الجواب غير معروف بالمذهب، والذي أنكر من الإجارة على رعي البقر، فهذه الإجارة لا خلاف في جوازها. (1/42)
صفحة 43
وكان ينبغي أن يقول بما في هذا المذهب من جواز الأجرة على تعليم الأدب والخط، وصناعة الكتاب وأدواتها دون أ، يكون للقرآن ثمن، والعذر عنه رحمه الله كره أن يقول لا تجوز الأجرة فيكون ذلك ذريعة إلى ترك التعليم، فيفضي ذلك بالناس أن يكونوا أميين لا يعلمون الكتابة، يقول فإذا جاز لراعي البقر الأجرة وهو يأخذها على إصلاح الدنيا فالذي يأخذها بسبب إصلاح الآخرة أولى".
وهكذا أيها القارئ الكريم نلاحظ أن الشيخ الدرجيني له باع ثابت في التاريخ الإسلامي إذ أن كتابه طبقات المشائخ يعد انعكاسا أمينا لحياة المجتمع الإسلامي المغاربي لأنه عالج الحوادث الاجتماعية السائدة آنذاك وهو لم يهتم بأعمال وحياة الملوك والأئمة والعظماء فقط بل تعداه إلى دراسة حياة الأمة والطبقات الشعبية.
ولكن بالرغم من هذه النظرة الشاملة فإن هناك كتابا آخر أكمل ما أخل به كتاب الطبقات وهذا الكتاب هو: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات لأبي العباس الدرجيني وصاحب هذا التأليف هو أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري.
فقد ولد في مدينة دمر بجنوب تونس وأخذ العلم عن الشيخ أبي ساكن عامر ابن علي الشماخي فإن هذين المؤرخين السابقين يعتبران دعامة جوهرية في تاريخنا الإسلامي، بحيث لا يمكن الاستغناء عنهما في توضيح وبلورة الحقائق التاريخية بروح أخلاقية إسلامية عالية، لأن التاريخ له فائدة عظيمة في تربية الأمة تربية إسلامية سليمة كما يقول العلامة ابن خلدون "اعلم أن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضي من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك".
وإلى هنا يمكننا أن نقول: أن الشيخ أبا العباس أحمد بن سعيد الدرجيني يعد مؤرخا ومرشدا فيما كتبه إلى أن توفاه الله سنة 670هـ. (1/43)
صفحة 44
ولعل فيما كتبناه عنه يعد إسهاما حيويا في إثراء مكتبتنا الإسلامية. وأخيرا نسأل الله أن يلهمنا الرشد وأخذ العبرة المبصرة من تاريخنا الإسلامي الخالد.
مصادر البحث:
1- كتاب الطبقات المشائخ بالمغرب للشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني- تحقيق الأستاذ إبراهيم طلاي.
2- الإباضية بالجريد لصالح باجه.
3- الإباضية في الجزائر للأستاذ الشيخ علي يحيى أمعمر.
4- الإباضية في تونس للأستاذ الشيخ علي يحيى أمعمر.
5- تراجم المؤلفين التونسيين لمحمد محفوظ.
6- تاريخ جزيرة جربة للشيخ سالم بن يعقوب.
الشخصية السابعة
الشيخ عامر بن علي الشماخي
العلامة الشيخ عامر بن علي الشماخي
1- التمهيد:
في هذه الصفحات القليلة، نريد أن نحدثك أيها الطالب الكريم، عن حياة العلامة الشيخ عامر بن علي الشماخي رحمه الله، فقد كان مثلاً في الورع والتقوى والعلم فاستمسك بالأخلاق القرآنية سلوكا صالحا، قبل أن يكون قولاً، وعلينا أن نميط اللثام عن هذه الشخصية الإسلامية الخالدة في ذاكرة الإسلام من خلال سلوكه وآثاره الفكرية.
ووفاء لهؤلاء العظام، نقدم لك نبذة عامة مختصرة عن حياة هذا الشيخ الكريم لتكون لنا عبرة في حياتنا.
2- الشيخ أبو ساكن عامر بن علي الشماخي- نسبه، مولده، تعلمه:
هو أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن سيفاو الشماخي، نلاحظ هنا أن كلمة- سيفاو- غريبة عن اللغة العربية، فهذه الكلمة هي كلمة بربرية ومعناها النور الهادي- أما كلمة الشماخية فهي نسبة إلى جبل شماخ الواقع في أراضي جبال نفوسة بليبيا، بحيث أن العائلة الشماخية الكريمة التي خدمت التراث الإسلامي خدمة جليلة تنسب إلى هذا الجبل، وأخيرا استقرت في مدينة يفرن بليبيا.
ولد الشيخ أبو ساكن عامر بمدينة ديسير حوالي 700هـ- لقد نشأ رحمه الله في أسرة شريفة، عريقة في الدين والأخلاق العالية، إن هذه الأسرة النبيلة، قد أثرت فيه أدباً وأخلاقاً، وسلوكاً. (1/44)
صفحة 45
وكان من عادة أهل القرية يرسلون أبناءهم الصغار يمرحون ويتسابقون، تاركين أبقارهم تأكل الكلأ وما تجده أمامها، وهي بعيدة عن حراسة هؤلاء الأطفال الصغار، إلا أن الابن الصغير عامر يمسك برسن البقرة أي بحبل بقرته يحرسها كل الحرس خوفا أن تأكل من كلأ الناس فلاحظ أعرابي سلوك عامر المتخلق بأخلاق القرآن الكريم.
فقال له لماذا لا تلعب مع زملائك وتترك بقرتك وشأنها كالأبقار الأُخر؟ فقال له عامر: أخاف أن تأكل كلأ الغي، فهذا حرام في دين الله، إن هذا القول قد أثر في نفسية ذلك الأعرابي فقصد والده قائلا له:
إن ابنك الصغير عامر يصلح لدراسة العلوم الدينية لا لرعي الأبقار، لأنه متخلق بأخلاق القرآن العظيم، وتظهر عليه علامات الذكاء والإدراك الصحيح، إن هذه الحادثة قد غيرت مجرى حياة عامر، إذ أدخله أبوه الكريم في مدرسة ديسير، ولم تمض شهور قليلة حتى حفظ الابن الصغير القرآن الكريم، وشيئاً من أحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، ومبادئ اللغة العربية والنحو والصرف.
وبعد هذه المدرسة الابتدائية ألتحق بمدرسة أخرى وهي مدرسة الشيخ أبي موسى عيسى الطرميسي التي كانت تعد حينئذ أعظم مدرسة في جبل نفوسة، فقد تخرج منها عدة أعلام في الفكر والشريعة الإسلامية.
وعلى أية حال، فإن الشيخ عامر قد بلغ درجة كبيرة في التفقه والاجتهاد والتبحر في العلوم الدينية، وكان أستاذه أبو موسى عيسى الطرميسي يفضله ويبجله على أقرانه بفضل أخلاقه وعلو علمه، وحينما أدرك شيخه نهاية اجتهاده ونشاط فعالية علمه بسبب كبر سنه، قال له: (لقد أبلغت إليك هذا الدين سالما دون أ، تشوهه الخرافة أو البدعة، فإن حافظت عليه بقي، وإن أهملته ضاع).
3- كفاحه وأخلاقه: (1/45)
صفحة 46
إن الشيخ عامر بن علي الشماخي رحمه الله لما أتم دراسته عند الشيخ أبي موسى عيسى الطرميسي بقرية طرمسية بجبل نفوسة، رجع إلى يفرن فكون مدرسة كبيرة هدفها الأول هو نشر الدين الإسلامي الصحيح والأخلاق القرآنية بين الفئات الاجتماعية وبعد هذا انتقل إلى مدرسة أبي يزيد المزغورتي، فوجد هناك صديقه الشيخ أبا عزيز حاملا لواء الإسلام، متحديا الصعاب، آمرا بالمعروف، وناهيا عن المنكر.
وبعد هذا الجهاد انتقل أبو ساكن إلى مدينة ميتيون في أرض الرحيبات، فمكث في هذه المدينة الطيبة ثلاثة عشر ( 13) سنة كاملة، مربيا ومدرسا ومرشدا، إلا أن شيخنا أحس بالحنين إلى مدرسته الأولى بيفرن فرجع إليها فاستقر في رحابها، هناك قضى بقية عمره مجاهدا مكافحاً مظاهر الفساد الخلقي والآفات الاجتماعية معتمدا في ذلك على الأخلاق القرآنية، وقدوة سيرة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة رضي الله عنه، فجاهد في سبيل الله حق جهاده حتى اختاره الله إلى جواره وذلك سنة 792هـ رحمه الله وأسكنه النعيم المقيم.
يقول العلامة الشيخ علي يحيى أمعمر عنه: (كان أبو ساكن مثلا يحتذى به في الجد والعمل والخلق الحميد، إنه من أولئك الدعاة الهداة الذين يقيم بهم الحجة على العباد في مختلف الأزمان.
لقد كان رحمه الله مؤمنا أصدق المؤمنين ومكافحا في الله من أشد المكافحين وكان متخلقا بخلق القرآن، حكيماً في الأمور وقوراً في شخصه عفيفاً لين العريكة - أي النفس- سهل الخلق يحب الناس ويحبونه، يألفهم ويألفونه إلا أن تنتهك حرمة من حرم الله فإنه لا يقر له قرار حتى يقوم فيها بأمر الله). (1/46)
صفحة 47
أيها الطالب الكريم: هذه الأخلاق نحن اليوم في أشد الحاجة إليها ولا يختلف عاقلان اليوم في غرسها وترسيخها في أمتنا الإسلامية حتى تستطيع أن تكون جيلا إسلاميا صالحا للحياة، مفيدا لوطنه والإنسانية التي تعاني أزمة أخلاقية حادة بسبب خروجها عن طريق الأنبياء والرسل ودعاة الإصلاح المسلمين.
4- آثاره وتلاميذه وآراؤه الكلامية:
أيها الطالب: في ضوء ما رأيناه نستطيع أن نقول أن الشيخ عامر الشماخي قد حارب البدع والشعوذة والخرافات الزائفة وتطهير العقيدة من مظاهر الشرك والوثنية كالتمسك والتوسط بالأولياء والقبور، بدعوى أن هؤلاء وسطاء بين الإنسان وربه، وهذا بطبيعة الحال يتناقض كل التناقض مع التوحيد الخالص ويخالف الآيات القرآنية الواضحة لقوله تعالى:
... ... (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ... - البقرة:186-
وكان الشيخ عامر رحمه الله مرجع الفتوى في جبل نفوسة والمغرب نظرا إلى غزارة علمه وورعه، وبالتالي تخرج على يده عدد كبير من الأعلام الكبار، ومن أبرزهم ولده موسى وحفيده سليمان وأيوب الجيطالي وأبو الفضل أبو القاسم البرادي، صاحب كتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات وأبو الضياء الطرميسي.
أضف إلى هذا أنه قد ترك للفكر الإسلامي الأصيل ثروة فكرية غنية بمادتها تتجلى في كتابه القيم كتاب الإيضاح الذي يعد موسوعة فقهية واضحة , عالج في هذا الكتاب فقه العبادات والأخلاق والمعاملات. (1/47)
صفحة 48
يقول رحمه الله (فإنه قد دعاني إلى إيضاح ما ألفت في هذا الكتاب من مسائل الصلاة ووظائفها بجميع الأسباب وما عليه عولت إن شاء الله وقدر سلامة وأعان على ما هداه مما قد اعتنيت به وألفته ومن أقوال أصحابنا خاصة، جمعته بدلائل مسموعات مستندات وقياسات مستنبطات ومستخرجات طلبي لمرضاة الله تعالى وابتغاء ما عنده لا لشيء سواه، لا. وأن أكون في ذلك إلا عونا للمتعلمين ومتبعاً سبيل من سلك هذه الطريقة من صالح المؤمنين، لأن الله تعالى يقول:
... ... (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ... - المائدة:2-
وفي ضوء هذه الآية الكريمة نجد أن العلامة عامر الشماخي كان هدفه الأول والأخير هو خدمة كتاب الله عز وجل، ابتغاء فضله واحتساب أجره، أما إذا كان العالم هدفه التفاخر بعلمه أمام الملأ، أو خدمة لسلطان جائر، فإن مصيره جهنم وبئس المصير، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علما لغير الله، أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار) – رواه الترمذي- .
هذه هي بعض ملامح شخصيته، إلا أن هذه الصورة تبقى ناقصة ما لم نعالجها من الزاوية الفكرية الإسلامية المتجسمة في علم التوحيد الذي ألف فيه متن كتاب الديانات، وقد ترجمه إلى اللغة الإنجليزية الأستاذ الكريم عمر النامي وترجمه إلى اللغة الفرنسية القسيس الفرنسي كوربوربي.
وعلى أية حال فإن علم التوحيد أهم العلوم الدينية على الإطلاق لأنه يرتبط ارتباطا كليا بالعقيدة والإيمان وبدونه سيفقد المسلم جوهر إيمانه ودينه بحيث نجد عدة أعلام سموه بعلم أصول الدين كما عرف بعد ذلك بعلم الكلام- أما الآن فيدرس باسم العقيدة في الثانويات والمدارس- فهذه العقيدة نجدها متجلية في سورة الإخلاص قال الله تعالى:
... ... ... ... ... بسم الله الرحمن الرحيم
( (1/48)
صفحة 49
قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدُ * )
ومن هنا يحسن بنا أن نقول ما هي القضايا التي عالجها شيخنا عامر ابن علي الشماخي من خلال كتابه متن الديانات، هناك عدة مسائل طرحت وأثريت فيه، ومن أهمها- التوحيد، والعدل والقدر والولاية والبراءة (أي الحب والبغض) والأمر والنهي، و الوعد والوعيد ( أي الجنة والنار) والمنزلة بين المنزلتين (أي أن منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك وأن لا منزلة بين المنزلتين- أي لا توجد منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر) والأسماء والأحكام ( أي أن الألفاظ تابعة للأحكام فمن حكم عليه بالإيمان سمي مؤمنا ومن حكم عليه بالكفر فهو كافر) هذه هي الأصول التسعة التي وقع فيها الاختلاف بين المذاهب الإسلامية.
ومن هنا، فإن البحث المستفيض فيها قد يأخذ مجلدات كبيرة كما وقع في الماضي ولكن نرى أن نبدأ بالقاعدة الأساسية الجوهرية في الإسلام وهي التوحيد وعلى هذا يمكننا أن نشير إلى رأي شيخنا عامر بن علي رحمه الله- يقول في هذه المسألة: (التوحيد: تدين بأن الله واحد ليس كمثله شيء في صفة ولا في ذات ولا في فعل وتدين بأنه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة
... ... ( لاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ... - الأنعام:103-
وتدين بأنه استوى على العرش وعلى كل شيء استواء غير معقول والاستواء صفة له لم ينزل ربنا موصوفا بها وندين بأنه في كل مكان بالحفظ والقدرة وبكونه في الأشياء ومع الأشياء بالاحاطة لها وبالزيادة والنقصان لا على الحلول والتمكن والاجتنان (أي الاختفاء) وندين بأن أسماءه هو وبأن صفاته هو وندين بأن ليس ثم شي غيره لا يجري عليه العدو والتغاير والاختلاف). (1/49)
صفحة 50
وهكذا نجد أن شيخنا الكريم عامر بن علي الشماخي قد ركّز على عقيدة التوحيد الخالص الثابت الذي يؤثر بقوة وعمق في سلوك المسلم في كل لحظة، فهذه العقيدة يجب أن تكون مبنية على العلم الثابت والتصديق الجازم الذي لا يتطرق إليه أي شك.
من خلال هذا النص نلاحظ أنه قد كرر عدة مرات كلمة ندين ويقصد بها نتعبد ونتقرب نحن معاشر المسلمين إلى الله تعالى بإذعاننا وإقرارنا بالتوحيد وهو الإقرار والاعتقاد الجازم بأن لا إله إلا الله ، فالله عز وجل هو المالك الوحيد الخالق لهذا الكون وهو المنفرد بالوحدانية فصفات الله عي عين ذاته والله قادر بذاته أي أ، ذاته كافية في التأثير في جميع المقدورات، فالله قديم وصفة القديم مثله في القدم.
ولا يجوز اعتبار الصفات مستقلة محدثة وبالتالي يصبح الله تعالى في حاجة إلى أعراض وأجزاء، ويغدو مركبا ومتغيرا في صفاته بحيث يكون في وقت على صفة وفي أخرى على خلافها، ويلزم عن هذا أن لا جنس له، ولا فصل له ولا حد له ولا ند له، ولا يشاركه في الكمال المطلق اللانهائي أي شيء.
أي بالنسبة إلى الصفات فما هي إلا معاني عقلية تدل على القدرة والعلم والإرادة والحياة فالله كائن في كل مكان ومحيط بكل شيء وفي كل مكان وزمان ولا على الاجتنان أو الاختفاء والتستر تعالى الله عن ذلك عُلواًّ كبيرا الله عز وجل لن يُرى في الدنيا ولا في الآخرة بحيث لو أمكن رؤية الله لكان جسما متحيزا موجودا في مكان ما وهذا تجسيم وتجزئة لصفات الله عز وجل.
والجدير بالذكر أن علماء الإسلام قد حللوا وناقشوا علم التوحيد في مباحثهم العامة لأنه ركن أصيل وجوهري في الإسلام، إلا أن الشيخ عامر بن علي الشماخي قد عالج موضوعا آخر في دراسته الفكرية وهو موضوع الأخلاق لاسيما الحقوق المتبادلة بين الناس وعلى هذا يمكننا أن نسلط الأضواء على رؤيته في هذا الموضوع.
5- آراؤه الأخلاقية: (1/50)
صفحة 51
قبل تحليل دلالة الحقوق أخلاقيا، نقول أن الإنسان هو كائن أخلاقي، فالغاية من وجوده ليس المحافظة على حياته المادية، وإشباع غرائزه الطبيعية كالجوع، والعطش والنوم والجنس فقط، بل يسعى لتحقيق المثل الأخلاقية العليا، كالتضحية، والإيثار لأنه يتميز بالعقل والغريزة، هذه هي الحقيقة جعلته في صراع دائم بين الحق والباطل وبين الخير والشر.
على انه يجب أن نذكر هنا أن الأخلاق الإسلامية قد عالجت جميع القضايا التي يطرحها الإنسان اليوم، سواء أكانت مادية أو نفسية، ذاتية أو اجتماعية- دينية أو سياسية أما بالنسبة إلى مفهوم الحق فيقصد به الأمر الثابت الذي لا يجوز منعه وتجوز المطالبة به كحق العباد وحق العيش، وحق الرعاية والاحترام.
ولعل من المفيد أن نذكر هنا أن شيخنا عامر رحمه الله قد ركّز على عدة حقوق أخلاقية مبتدئا بحقوق الوالدين على أولادهما يقول رحمه الله: (وحقوق الوالدين فريضة على أولادهما لقوله تعالى:
... ... ( وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدْينِ إِحْسَانًا) ... - النساء:36-
وقال أيضا: ( وَوَصَّيْنَا الإِنَسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) ... ... - العنكبوت:8-
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من أسخطهما فقد أسخط الرحمن ومن أغضبهما فقد أغضب الرحمن)، وروي أن جبريل قال للنبي عليه الصلاة والسلام: (من أدرك والديه فدخل النار أبعده الله قل يا محمد آمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين) – رواه مسلم-.
فهذه الآيات والأحاديث كلها تدل على وجوب الإحسان إليهما بنفسه وماله إن استطاع ذلك، وتحريم الإساءة لهما فمن لم يحسن لهما فقد أساء إليهما ولم يبرهما فقد قطعهما. (1/51)
صفحة 52
وهكذا نرى أن الإحسان يمثل في أمهات الأخلاق الإسلامية لبنة الإيمان وروحه الذي يندمج مع عواطفنا الصادقة المؤمنة بعظمة الله عز وجل، يقول الرسول الكريم (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) – رواه الترمذي- وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسه، وكرهت أن يطلع عليه الناس) – رواه مسلم-.
وهكذا يظهر لنا جليا، أن فضيلة الإحسان في حقيقة أمرها تمس العقيدة وفرعها من حيث أن هذه الفروع تمثل سلوكنا وتصرفاتنا المتصلة بذاتنا وكذلك مع غيرنا، خاصة بين المسلمين.
وعلى المسلم أن يطهر نفسه من الأخلاق السيئة كالكذب والحسد والنفاق لأن إصلاح الباطن أساس لكل سلوك ظاهري وأن يلزم نفسه بالأخلاق الفاضلة ولعل من المفيد، أن نذكر هنا رأي شيخنا الشماخي إذ يقول: (ومن حقوق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس ويجيبه إذا دعاه ويزحزح له في الجلس، ويحفظه في أولاده بعده ويصله بما قدر عليه).
وروي أنه قال عليه الصلاة والسلام: المشي لأخ مسلم في حاجة أحب إليّ من اعتكاف شهرين) – رواه مسلم وأبو داؤد-.
وفي الأثر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى المسلمين بعضهم بعضا، ولا يهتكوا ستر إخوانهم عند هفواتهم وزلاتهم وندبهم إلى الستر عليهم وفي الرواية عنه عليه الصلاة والسلام عم طريق أبي هريرة أنه قال: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر على مؤمن في الدنيا ستر الله عليه في الآخرة والله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) – رواه مسلم وأبو داود-.
فالواجب على المسلمين مراعاة هذه السنة وإتباعها في إخوانهم المسلمين عند هفواتهم وزلاتهم، وإذا سقط أحدهم أخذوا بيده وستروا عليه. (1/52)
صفحة 53
وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن مرآة أخيه المؤمن ينصحه إذا غاب ويميط عنه ما يكره إذا شهد، ويوسع له في المجلس) – متفق عليه- وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا).
وهكذا نصل إلى المعطيات الأخلاقية التي انطلق منها العلامة الشيخ الشماخي إذ كانت إسلامية خالصة تميزت بالواقعية الإنسانية لأنها تعكس فطرة الإنسان السليم الذي لا يتغير جوهره، ضمن حدوده الطبيعية الفطرية.
ونحن نشاطر رأي العلامة الشيخ الشماخي في الإحسان بين أفراد الأمة الإسلامية، لتوطيد وترسيخ دعائم المحبة والتواصل غير أن هناك حدودا معقولة لهذا الإحسان وإلا أصبح مجتمعنا تسيطر عليه العواطف والمحاباة، وهذا يتعارض مع العدالة الإسلامية.
وعلى أية حال فإن فضيلة الإحسان تقوم على المحبة الخالصة، إلا أن حب الله هو ذروة الحب عند الإنسان فهذا الحب يتجلى في عبادتنا لله عز وجل، لاسيما الصلاة وهكذا فإن الصلاة تجعلنا نربط أنفسنا بالقوة العظمى التي تسيطر على العالم الأكبر والعالم الأصغر سائلين الله أن يمنحنا حبه وعلمه وهدايته.
وعلى ضوء هذا، نجد أن شيخنا الجليل قد كتب مجلدا كاملا في حق الصلاة وبعدها الروحي حيث يقول: (اعلم أن الصلاة ركن من أركان الدين وقاعدة من قواعد الإسلام بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (الصلاة عماد الدين فمن ترك الصلاة فقد هدم الإيمان فهي واجبة على كل بالغ صحيح العقل، ولا خلاف في ذلك أجده بين أحد من المسلمين).
لا جدال في أنه من ترك الصلاة فقد كفر بالله الذي خلقه وحرره من الأوهام والأوثان وعبادة البشر، فالصلاة هي قبل كل سيء قوة روحية، تمد المسلم بطاقة روحية فياضة تحرره من متاعب الحياة المادية، فمن لم يكن معبوده في صلاته، فلابد أن يجعل معبودا آخر إما السلطة وإما المال وإما الجاه فهذا يعد انحطاطا بكرامة الإنسان وحريته. (1/53)
صفحة 54
وعلى أية حال فقد كان الشيخ الشماخي من أولئك العلماء الذين تحرروا من الحياة المادية وزخرفها وجاهدوا في الله حق جهاده لنشر رسالة الإسلام من خلال آثارهم وتربيتهم لمجتمعهم بالحكمة والموعظة الحسنة، معتمدين على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
بهذه اللمحة المختصرة يمكننا أن نقول أننا قد وضعنا لبنة جديدة في مكتبة القارئ ليستفيد منها وتكون نافذة على أعلام الإسلام العظام إن شاء الله.
مراجع البحث:
1- كتاب الإيضاح- للشيخ عامر بن علي الشماخي.
2- متن الديانات للشيخ عامر بن علي الشماخي.
3- كتاب السير للشيخ أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي.
4- الإباضية في موكب التاريخ- الحلقة الثانية- الإباضية في ليبيا للشيخ علي يحيى معمر.
الشخصية الثامنة
الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي
الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي
1- تمهيد:
أيها الطالب الكريم: إن هذه الدراسة التحليلية المختصرة التي نضعها اليوم بين يديك هي محاولة تمهيدية لفهم التاريخ العماني الحديث الذي تمتد جذوره العريقة إلى الإمام الكبير أحمد بن سعيد المتوفي رحمه الله سنة 1196هـ، لقد أعاد إلى الأمة العمانية العظيمة وجودها وكيانها داخليا وخارجيا، وحررها من الغزو الأجنبي الفارسي وأطماعه التوسعية، حيث تجشم مشقات حادة، وتضحيات كبيرة في سبيل حرية أمته.
إن هذا الشعور الدافق الذي يعترينا يجعلنا بالضرورة أن نلقي الأضواء على هذه الشخصية العظيمة في إطارها التاريخي. (1/54)
صفحة 55
ومن هنا يحسن بنا، أن نشير إشارة خاطفة إلى الأحداث التاريخية التي سبقته والتي تجسمت في دولة اليعاربة وذلك أن أحد أئمة اليعاربة المتأخرين وهو سيف بن سلطان الذي تولى الإمامة يوم الجمعة في العقد الأول من شعبان سنة 1145- انحرف عن سيرة آبائه وأجداده فانغمس في الملذات وأهمل أمور أمته فعزل بعد خمس سنوات من حكمه إلا أنه رفض هذا العزل فاتخذ كل وسيلة للحفاظ على ملكه فاستعان بغير أبناء جلدته وهم الفرس.
وما هي إلا أيام قليلة حتى وطأت أقدام الغزاة شواطئ عمان بقيادة تقي الدين خان، وكان جيشه مؤلفا من ستين ألفاً أرسله سلطان دولة الفرس وهو نادر شاه. إن هذا الجيش الكبير قد أحتل مسقط ثم توغل إلى داخل عمان وأحدث خرابا، هلك الحرث والنسل لقد صدق الله عز وجل في شأن هؤلاء ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لَيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ) ... - البقرة:205-
وهنا زلزلت الأمة العمانية زلزالا عنيفا بسبب هذا الغزو الأجنبي إضافة إلى الصراع الرهيب حول السلطة بين الأئمة الثلاثة، سيف بن سلطان يدعي أحقية الإمامة، وهو يقول أنا الإمام الشرعي وهناك إمام ثاني وهو: بلعرب بن حمير بن سلطان بن سيف الذي بويع بالإمامة في نزوى ومعه جانب من أهل عمان، ويوجد إمام ثالث وهو سلطان بن مرشد اليعربي وهو آخر أئمة آل يعرب وقد جاء به فريق من أهل عمان.
وهكذا عاشت الأمة العمانية في ظلام دامس فعظمت المحنة واشتد الخطب على كل أفراد المجتمع العماني الذي يريد الفرج والرجوع إلى شاطئ السلامة، حتى قيض الله لهذه الأمة المسلمة رجلا عظيما أنقذ أمته من هذا الهلاك المحدق بها وهو: الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي سنعالج جانبا من جوانب شخصيته الكريمة.
2- الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي نسبه وطفولته ونشاطه التجاري: (1/55)
صفحة 56
لقد تحدثنا عن المحنة الضنك التي عاشتها الأمة العمانية بسبب الصراعات التي سادت آخر دولة اليعاربة، إلا أن الله عز وجل قد نقل هذا الملك إلى آل بوسعيد وهي العائلة الحاكمة المعاصرة إلى اليوم في سلطنة عمان وعلى رأسها جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور.
وعلى ضوء هذا يمكننا أن نقدم لمحة مقتضبة عن أصل هذه الأسرة الكريمة.
يقول العلامة الشيخ السالمي رحمه الله: (فلما غيرت اليعاربة سيرة السلف الصالح وظنوا بغباوتهم أن الدولة ميراث وتكالبوا على الملك أذهب الله ذلك من أيديهم وجعله إلى غيرهم.
وأول هذه الدولة أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيدي وهو أبو ملوك العصر وهو ينحدر من قبيلة الأزد العمانية العريقة في تاريخ عمان القديم).
يقول العلامة سالم بن حمود السيابي رحمه الله: (واعلم أن قبيلة آل بوسعيد من القبائل المعدودة كثرة ونجابة وعدة بالنسبة إلى القبائل العمانية في هذا العهد، تعددت في عمان شرقها وغربها وقل أن تخلو منها بلد من أمهات البلاد كنزوى والرستاق وسمايل والباطنة، وآل بوسعيد قوم من الأزد من أحفاد مالك بن فهم الملك المعروف الفاتح لعمان- أما بالنسبة إلى مولد الإمام أحمد بن سعيد فقد ولد بمدينة أدم.
يقول الشيخ سالم بن حمود السيابي: اعلم أن أدم من النقط المهمة أيضا، واقعة في حوزة تجاه الجنوب من منح على مرحلة منها، ومن هناك تتوجه طرق المواصلات إلى شرقية عمان، وإلى ساحل الدقم ومحوت، وإلى مصيرة، وإلى غربية عمان، وإلى مواقع البادية العمانية، من دروع وهيبة وجنبة.
وأدم بلدة طيبة حسنة، بهجة المنظر، جميلة المخبر، تقع في سهل من الرمل، ويسايرها جناح مرتفع منه، وهي من أطيب البلاد هواء وأفسحها فضاء، وأمدها فلاة وأنعشها صحة. (1/56)
صفحة 57
ولأهلها ولع بالأسفار إلى إفريقيا، تحدوهم إليه همم حرة، وفي أدم أيضا قوم من آل بوسعيد، رهط السلطان سعيد بن تيمور، ومنها أصل نشأته، وفيها مقر آبائه، كما يعلم ذلك أهل التاريخ في عمان.
ومن خلال هذا النص نستطيع أن نقول إن البيئة الجغرافية التي نشأ فيها الإمام أحمد بن سعيد قد أثرت فيه، لأن البيئة الصحراوية لها أثر فعال على تكوين شخصية الإنسان بحيث يعتمد على إمكانياته الذاتية متحديا صعوبة الطبيعة وقساوتها.
ومن هنا يحق لنا أن نقول: أن الإمام أحمد بن سعيد يعد من الشخصيات العبقرية، لأنه تمكن من التغلب على الأزمة الحادة الخطيرة التي هددت مصير الأمة العمانية ووجودها معتمدا على إرادته الفولاذية وذكائه فاستطاع تحقيق الوحدة الوطنية عن طريق السياسة الرشيدة والقوة في بعض الحالات ما دام هدفه الأول هو أمن وسلامة المجتمع العماني في الدرجة الأولى.
وفي ضوء هذا المنظور التاريخي، فإن المصادر القديمة تشير إلى أنه نشأ يتيماً فقد قيل أن الشيخ خلف بن سنان الغافري معروفا بأسرار الكشف لقي أحمد بن سعيد في مدينته أدم فمسح على رأسه قائلا له: اتق الله في الرعية لأنه نفرس فيه الزعامة التي تؤهله ليكون منقذا للبلاد وسلطاتها.
ويبدو أن أحمد بن سعيد قد تأثر ببيئته الاجتماعية والاقتصادية لأن أهل أدم معروفون بتجارتهم ومغامرتهم فيها لتحقيق الربح الوافر وبالتالي قصد مدينة صحار التي هي مركز تجاري حيوي في عمان، وهي خزانة الشرق منذ القديم إلى يومنا هذا، لقد وصفها المؤرخون في كتبهم منذ القديم.
يقول ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان: وصحار مدينة طيبة الهواء والخيرات والفواكه مبنية بالآجور والسياج كبيرة ليس فيها تلك النواحي مثلها- وقيل عنها: هي دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن قد غلب عليها الفرس-. (1/57)
صفحة 58
وعلى هذا فإن الإمام أحمد بن سعيد قد امتهن في شبابه التجارة في هذه المدينة فالتجارة تعد مدرسة تجريبية واقعية وذلك بأن التاجر الذكي يدرس سلوك الإنسان والجماعات في واقعها المحسوس ثم يدرس الظواهر النفسية والاجتماعية والاقتصادية المتحكمة في سلوك الأفراد والجماعات وانعكاسها على تصرفاتهم اليومية.
وعلى أية حال فإن الإمام أحمد بن سعيد أصبح معروفا في أسواق صحار وغيرها، وكان ناجحا في تجارته نجاحا كبيرا وأمسى حديث الناس بأمانته وشجاعته وكفاءته وإحسانه إلى الطبقة الفقيرة.
إن هذه الخصائص الأخلاقية جعلته يبرز كشخصية لها وزنها في أوساط المجتمع العماني فاختاره الإمام سيف بن سلطان اليعربي في دولته واليا على صحار، فكيف حدث هذا؟
3- أحمد بن سعيد البوسعيدي يتولى ولاية صحار:
إن أحمد بن سعيد قد لمع اسمه في مدينة صحار الساحلية الواقعة في مقاطعة الباطنة حيث كان من التجار الناجحين المعروفين بالحزم والصرامة في أعماله والتكيف مع الظروف التجارية التي لا تخضع لقاعدة ثابتة وكان الإمام سيف بن سلطان اليعربي يحتاج إلى رجل عظيم وكفاءة يعتمد عليه في المشورة وإبداء الرأي والحكمة لمعالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها دولة اليعاربة.
وفي ضوء هذا فإن بعض الناس أشاروا إليه- إذ قال رجل من أنصار الإمام سيف بن سلطان- لا أرى لك اليوم للمساعدة رجلا حازما تقر به عينك إلا أحمد بن سعيد البوسعيدي الحكيم الشجاع. (1/58)
صفحة 59
قال المؤرخ حميد بن محمد بن رزيق فكان من التوفيق المقرر للتصديق أن الإمام سيف بن سلطان قد أزمع السير من مسقط إلى الرستاق ثم منها إلى نزوى، وإذا بأحمد بن سعيد مقبلا على ناقته، وكان الإمام سيف بن سلطان لم تسبق له معرفة بأحمد بن سعيد، فعرفه به أحد رجاله قائلا: هذا أحمد بن سعيد الذي تسمع به، وكان الإمام على فرسه فنزل إلى الأرض وترجل كل من معه من رجاله ونزل أحمد بن سعيد أيضاً، فتصافحا باليدين وأخذ الإمام بأحمد فجلسا في ناحية عن القوم يتحدثان فيما بينهما، ويقول الإمام لأحمد بن سعيد إلى أين تريد؟ فقال: إلى مطرح لقضاء أغراض خاصة، فقال: امضي إليها وإذا سمعت برجوعي من الرستاق إلى مسقط فائتني بمسقط.
فلما رجع الإمام سيف بن سلطان وسمع به أحمد بن سعيد أنه رجع إليها وفد عليه، فأكرم محله، ثم بعثه إلى الحساء لقضاء وطر له- أي حاجة- فمضى إليها وأتاه بما أراد، فشكر صنيعه، وأكرم وأدنى محله إلى أن قال: فلما رآه أهلا للولاية ولاه مدينة صحار وأعمالها- أي أعمالها الطرف الشمالي كله.
والجدير بالتنويه أن ولاية صحار وأعمالها – أي الباطنة- تعد ثلث عمان تقريبا، فهذا المنصب الذي وليه أحمد بن سعيد دليل أكيد على شكيمة الرجل وقوته فقبض على هذا القسم من صحار وتوابعها بيد من حديد- لم تستطع قوات الفرس الغازية أن تخرجه من حصن صحار بالرغم من القوة الكبيرة التي ضربت هذا الحصن بالمدافع عدة أيام متتالية-.
لقد قلنا سابقا في هذا التحليل، إن الإمام سيف بن سلطان قد عزل من منصبه حينما انحرف عن سيرة أجداده العظام وبايع العلماء مكانه الإمام بلعرب بن حمير بن سلطان إلا أن سيف بن سلطان رفض هذا العزل واستعان بالفرس للدفاع عن ملكه. (1/59)
صفحة 60
يقول الشيخ السالمي رحمه الله: (فلما تمكنت العجم في نزوى وضعوا عليهم الخراج وعذبوهم بأنواع العذاب وقتلوا الرجال والنساء والأطفال، وحملوا من النساء ما أرادوه، وفعلوا في نزوى أفعالا قبيحة وأذاقوهم أليم العذاب، حتى قيل إنهم قتلوا من أهل نزوى مقدار عشرة آلاف من النساء والأطفال، ولم يسلم من أهل نزوى إلا من قدر على الهرب وهم قليل والله المستعان.
ولسيف بن سلطان من ذلك النصيب الأوفر من الوزر حيث قاد إليهم الأعداء ونسي ما وقع من آبائه وظن أنهم ينصحون له وهم أعداؤه، وما ينتج رأي السفيه إلا مثل هذه الأفعال القبيحة).
انطلاقا من هذا النص الواضح ندرك أن عمان أصبحت تحت غزاة الفرس، إلا أن أحمد بن سعيد تمكن من طرد هؤلاء من الداخل والساحل معتمدا في ذلك على أبناء عمان.
كيف حدث هذا وما هي الطرق والوسائل التي نهجها حتى استرد للأمة العمانية سيادتها وعظمتها؟
4- الإمام أحمد بن سعيد يطرد غزاة الفرس ويعيد للأمة العمانية سيادتها:
إن الإمام أحمد بن سعيد قد شعر شعورا قويا بأن دولة اليعاربة ستزول لا محالة نظرا إلى الأسباب المتوفرة الموجودة في أحشائها، بحيث تؤدي إلى السقوط نتيجة للصراعات العنيفة بين أئمتها الثلاثة: سيف بن سلطان، سلطان بن مرشد، وبلعرب بن حمير.
إن هذا الشقاق قد أضعف قوة الدولة اليعربية، وبالتالي فإن غزاة الفرس وجدوا الفرصة السانحة لاحتلال عمان، إلا أن أحمد بن سعيد تيقن أن الدولة العمانية لا يمكن أن تزول طال الزمن أو قصر ما دامت الأمة العمانية مستعدة للتضحية والفداء في سبيل حريتها وسيادتها، إن الفرس حاولوا بكل قوة القضاء على أحمد بن سعيد الذي يمثل الجبل الشامخ لأنه يحمل روح المقاومة والفداء. (1/60)
صفحة 61
ومن هنا شدد الفرس الحصار على صحار وضربوا أياما كثيرة حصنها المدفعية- إلا أن هجوماتهم أصيبت كلها بالفشل الذريع وبالتالي رفض أي تعامل مع العجم وسيف بن سلطان، فانتصرت إرادته الفولاذية وقضى على جيوب الاحتلال الفارسي في صحار وتوابعها، ولاشك أن هذا الانتصار الأول سوف تتلوه انتصارات أخرى، يقول أحد الشعراء واصفا انتصاراته:
... ... ... طوقت بالجيوش حصن صحار
... ... ... ... ... ... تحت نار المدافع الرعناء
... ... ... وقف الشهم أحمد بن سعيد
... ... ... ... ... ... وقفة الليث مفعما بالإباء
... ... ... لم تزده الحروب إلا وقارا
... ... ... ... ... ... فهو كالطود في عيون الرائي
... ... ... قابل الخطب بالثبات وأبلى
... ... ... ... ... ... في قتال الأعداء أي بلاء
ولعل من الحق أن نشير هنا إلى أن أحمد بن سعيد كان قائدا محنكاً، صبورا أمام أعدائه بحيث أن خطته مكنته من الصمود أمام الفرس، فانهزموا في صحار، ولما ارتحل هؤلاء الغزاة منها، زحف أحمد بن سعيد إلى بركاء مع عساكره وولى عليها خلفان بن محمد السعيدي، أما هو فقد رجع إلى صحار منتظرا تطور الأحداث.
وعلى أية حال فالحرب خدعة، إذ تمكن من طرد غزاة الفرس من شواطئ عمان ومسقط نهائيا من خلال هذه الحادثة التاريخية.
يقول الشيخ سالم بن حمود السيابي رحمه الله: (وبعد ذلك صنع أحمد بن سعيد وليمة عظيمة للإيرانيين في بركاء، كانت نهايتها أن الأهالي هجموا عليهم وذبحوهم، ونجا قليل منهم بالسفن قاصدين ساحل إيران، ولما كان ملاحة السفن هم العرب، فإنهم أغرقوا السفن لإهلاك الإيرانيين الذين كانوا منهزمين بها إلى بلادهم وقذفوا بأنفسهم في اليم ونجوا بالسباحة إلى الشاطئ، قال: ومهارة العمانيين في السباحة واقتحام البحر معلومة، وهكذا انتهت غزاة الفرس ببلاد عمان). (1/61)
صفحة 62
وهكذا تمكن أحمد بن سعيد من التخلص من الفرس الغزاة وأصبح زمام السلطة في يده، ولعل من المناسب أن نقول أنه توجه إلى نزوى وواجه الإمام بلعرب بن حمير ومحمد بن ناصر الغافري بقرية فرق وقتل السيدين مع خلق كثير، وكانت هذه الواقعة يوم السبت 14 من شهر صفر من سنة 1167هـ.
يقول الشيخ السالمي: (وخلصت له حصون الباطنة استقل بها، وسار إلى بلعرب وهو إمام نزوى وما حولها وكان قد خذله أصحابه وخلعوه فقاتله فانتصر عليه وقتل بلعرب وعقدت الإمامة على أحمد بن سعيد والعاقد له حبيب بن سالم الأمبوسعيدي العقري النزوي وابن عريق وذلك سنة سبع وستين ومائة ألف 1167هـ.
انطلاقا من هذه الحقائق التاريخية فإن الإمام أحمد بن سعيد قبض على زمام السلطة بكل قوة في كل ربوع عمان في الساحل والداخل وطهرها من الغزاة الإيرانيين والمتمردين على السلطة المركزية- وهنا لابد من الإشارة إلى أخلاقه وأعماله لتكون عبرة لمن يعتبر.
5- الإمام أحمد بن سعيد أخلاقه وأعماله:
إن الإمام أحمد بن سعيد، كانت أخلاقه أخلاق العظماء، أراح العباد من الظلم والفساد وشعر المجتمع العماني بكرامته وسيادته وأمنه لما طرد الغزاة الفرس.
يقول الشيخ السالمي: (وكان أحمد بن سعيد صاحب همة عالية ومطلب سام وجرأة وإقدام فصار ملك عمان كله إليه إلا ما شاء الله، ودانت له القبائل وسكن الحركات وأطفأ كثيرا من الفتن وأمر ونهى وقام بأمر الدولة وأعطى المملكة حقها ودافع العجم واستراحت الرعية وتجدد الملك).
ومن أعماله الجليلة أن ناصر الدولة العثمانية على الفرس بالبصرة وذلك أنه عين ولده هلال قائدا للبحرية العمانية التي تمكنت من كسر الحواجز الحديدية التي وضعت في الفاو لأن هذا المرفأ يعد مدخلا للملاحة العراقية بالبصرة، فتحررت الملاحة العراقية من السيطرة الفارسية وأصبح العثمانيون كل عام يدفعون إلى الإمام أحمد بن سعيد قدرا كبيرا من المال للدفاع عن الأخطار الفارسية. (1/62)
صفحة 63
وهكذا جاء عام 1167هـ والإمام أحمد بن سعيد قد سيطر سيطرة كلية على عمان والخليج العربي وتمكنت البحرية العمانية من السيطرة على الخليج العربي والمحيط الهندي غربا إلى حدود أفريقيا شرقا، وأصبحت مدينة مسقط أهم الموانئ التجارية في منطقة الخليج والشرق العربي.
ثم إن الإمام أحمد بن سعيد قد أدخل بعض الأساليب الجديدة في جهاز الحكومة العمانية كرئيس خزينة الدولة للمالية- وقاضي القضاة، ورئيس البحرية العمانية وأنشأ جيشا احتياطيا- وتوفي هذا الإمام سنة 1196هـ بالرستاق وخلف أولادا هم: سعيد وسلطان وقيس ومحمد وطالب وهؤلاء كلهم يقال لهم أولاد الإمام، فقد تولى سعيد الملك بعد أبيه رحمه الله.
بهذه الخلاصة الأخيرة يمكن أن نقول إننا قدمنا لمحة مقتضبة مفعمة بالأحداث التاريخية المهمة بتاريخ عمان الحديث.
ومن يريد المزيد، فعليه بالرجوع إلى المصادر التي تم الاعتماد عليها في هذا البحث.
مراجع البحث:
1- تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لسرحان ابن سعيد الأزكوي العماني.
2- الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين لحميد بن محمد بن رزيق ابن بخيت.
3- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان الجزء الثاني للإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي.
4- عمان عبر التاريخ للشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي- الجزء الرابع.
5- العنوان عن تاريخ عمان للشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي.
6- عمان منذ 1856 مسيرا ومصيرا تأليف روبرت جيران لاندن ترجمة محمد أمين عبد الله.
الشخصية التاسعة
قطب الأئمة امحمد بن يوسف اطفيش
قطب الأئمة
امحمد بن يوسف اطفيش
1- مقدمة: (1/63)
صفحة 64
إن الأمة الإسلامية، لا تزال تبحث عن تاريخ أعلامها العظام الذين يمثلون المقاومة العنيدة ضد التيارات التحريفية الدخيلة في تاريخنا الإسلامي، قديما وحديثا، لذا رأيت من الواجب الديني والأخلاقي والوطني أن أبرز حياة أحد أعلام الفكر الإسلامي الأصيل وهو الشيخ محمد بن يوسف أطفيش الذي قال فيه الشيخ ناصر بن محمد المرموري: (إن الشيخ أطفيش رحمه الله من الأفذاذ الذين يقل نظراؤهم عبر التاريخ فهو يجمع إلى سعة العلم، دقة النظر وصدق الحكم، وهبه الله عمرا طويلا في خدمة العلم ورزقه التوفيق وحلاه بالورع والتواضع والاستقامة وقد حدثنا مشائخنا الذين تتلمذوا عليه الشيء الكثير عن استقامته وورعه وقيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجده في خدمة العلم).
2- الشيخ أطفيش: نسبه وميلاده:
هو العلامة الشيخ الحاج محمد بن يوسف بن عيسى، يتصل نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه- أما كنيته المشهورة فهي- القطب- وهو سيد القوم ونجمهم الذي لا يبرح مكانه مطلقا، ويقصد بالكنية ما يجعل علما على الشخص غير الاسم واللقب مثل أبو الخير.
يقول الشيخ أبو اليقظان الذي يعد أحد تلاميذ القطب ما يلي: (منهم الشيخ الحاج محمد بن يوسف أطفيش الشهير بقطب الأئمة عند المغاربة، وبقطب المغرب عند المشارقة وهو جدير بحق هذا اللقب العظيم، فإن علماء المشرق والمغرب كالكواكب تدور على هذا القطب في فلكه الواسع ويتصل نسبه بسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه- فهو من بني عدي.
أما ولادته فكانت في مدينة- بني يزقن- القريبة من غرداية- جنوب الجزائر- وذلك سنة 1236هـ الموافق لسنة 1820م- وأما والده الشيخ الحاج يوسف رحمه الله، يعد من الشخصيات البارزة في وادي ميزاب، فقد توفي والابن لم يتعد خمس سنوات. (1/64)
صفحة 65
فأما والدة الشيخ أطفيش فهي- ماما ستي بنت الحاج سعيد بن عدون- عائلة آل يدر- وتعتبر هذه الأم الكريمة من الأمهات القليلات اللائي بذلن مجهودات مضنية في سبيل نشر العلم الصحيح.
يقول المؤرخ الجزائري- محمد علي دبوز-: (لقد كان لوالدة القطب أعظم الأثر فيه بوراثتها الشريفة وهي كانت السبب في اتجاه القطب إلى العلم بعد وفاة والده لولاها لاتجه اتجاها ماديا يؤدي بنبوغه كما أودت المادة والجهل بنبوغ كثير من اليتامى، وأبناء الأمهات الجاهلات).
وحينما بلغ محمد بن يوسف أطفيش الخامسة أدخلته أمه الكريمة في كتاب المسجد لحفظ القرآن الكريم، فسطع نجمه أمام أترابه ولم تمر ثلاث سنوات حتى حفظ القرآن الكريم بكامله حفظا جيدا عن ظهر قلب، وهو لم يبلغ عمره تسع سنوات.
أما بالنسبة إلى أساتذته فهم الشيخ عمر بن سليمان والشيخ الحاج سليمان بن يحيى وأخوه الشيخ إبراهيم بن يوسف بن عيسى الذي كان له أثر فعال في تثقيف شخصية أخيه.
ويمكننا أن نستدل على ذلك بما كتبه الأستاذ الكريم الشيخ أبو اليقظان رحمه الله، إذ قال: (لما رجع أخوه الشيخ الحاج إبراهيم من المشرق العربي من عمان ومصر وهو مملوء بأوسع المدارك، كما مر بيانه، إذ احتضنه تعليما وتثقيفا، فوجد منه بحرا زاخرا، عذبا يروي غلته من العلم والمعرفة، فأخذ حظه منه في سائر العلوم، ثم تفرغ للتدريس والتأليف، وصرف قوة شبابه فيهما إلى آخر عمره.
وعلى ضوء هذا فإن أخاه الحاج إبراهيم، قد كوّن فيه الرغبة الخالصة في المعرفة مع التوجيه السليم حيث درس عليه العلوم الشرعية كالعقيدة والفقه، وعلوم القرآن والمنطق والتاريخ. (1/65)
صفحة 66
ثم إن أخاه الكريم قد منح له كل كتبه التي جاء بها من المشرق العربي، فدرسها دراسة علمية وكان القطب رحمه الله عصاميا في تعلمه بدون أستاذ حتى تمكن فيها كل التمكن، ففقه مسائلها وأدرك أسرارها ولا أدل على ذلك من نبوغه النحوي، بحيث استطاع أن ينظم كتاب المغني لابن هشام في خمسة آلاف (5000) بيت وعمره لا يزيد على ست عشرة(16) سنة يقول رحمه الله:
... ... مغني اللبيب جنة ... ... أبوابها ثمانية
... ... ألا تراها وهي لا ... ... تسمع فيها لاغية
وحينما بلغ عشرين سنة من عمره أصبح يشار إليه بالبنان في علمه وأخلاقه وإخلاصه وأمسى من العلماء الكبار في وادي ميزاب والجزائر والعالم الإسلامي.
ومن هنا فتح دار للتدريس والتأليف ثم أفرغ كل جهده في إصلاح سلوك المجتمع لمحاربة الآفات الاجتماعية دون كلل في كل لحظة، ما دام هدفه الأول هو خدمة الإسلام قولا وعملا، فالإسلام في نظره هو منهج للحياة البشرية التي تجد فيه طبيعتها الفطرية، يقول الله عز وجل:
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا
لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلمُونَ) ... - سورة الروم: 30-.
3- القطب أخلاقه وجهاده التربوي والاجتماعي:
إن الدعوة الإسلامية التي دعا إليها الشيخ أطفيش تعود إلى إيمانه القوي وتقواه، لأن فضيلة التقوى هي أصل مكارم الأخلاق لأنها نابعة من طهارة القلب الذي لا يرائي الناس، ولا تفتر إرادته المخلصة أمام الحواجز التي يتلقاها، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لبن عباس رضي الله عنهما: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك)- أخرجه أحمد والترمذي يقول الله عز وجل:
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) ... - سورة آل عمران:102- (1/66)
صفحة 67
كان القطب رحمه الله يخاف ربه ويرجوه في كل شيء في قوله وعمله، ودعوته الإصلاحية التي رفع لواءها، وهكذا نجد تلميذه أبا اليقظان يصف لنا شمائله الأخلاقية قائلا: (كان شديد الوطأة على الفساق والعصاة، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم شفوقا على الفقراء والمساكين، كريم النفس، سخي اليد، عطوفا على الملهوف، يفكر تفكيرا إنسانيا في أوسع آفاقه، شديد الاهتمام بأحوال العالم الإسلامي يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم).
هذه هي الأخلاق الإسلامية التي جيب أن تسود اليوم بين المسلمين كلهم، بدلا من التناحر والتنافر والحروب لأجل تحقيق أهداف دنيوية- وكل من قال وآمن بحق الشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله- فهو أخوك في الإسلام، تلزمك نجوه حقوق كثيرة أولها النصح في الله يقول الله سبحانه وتعالى:
... (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهَمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) – التوبة:71-
يجدر بنا الآن أن نشير إلى الجوانب الأخرى من شخصية القطب المتمثلة في المعرفة العلمية الصحيحة، بحيث أنه أدرك البعد العميق للعلم الصحيح ما دام يسعى إلى سعادة الدنيا والآخرة، يقول رحمه الله- الورع بالعلم هو عماد الدين وهو الكف عما يوجب النار.
إذن فالعلم الصحيح عنده يجب أن يكون مبنيا على التقوى وإخلاص النية لله عز وجل لخدمة القرآن الكريم والسنة المطهرة تدريسا وتأليفا وسلوكا، وهذا لن يكون إلا لمن التزم بالقيم الأخلاقية الإسلامية وحارب الجهل مهما كانت طبيعته وهذا الأمر لا يحصل إلا لمن اكتسب أمهات الكتب الدينية والعلمية والمنطقية.
وفي ضوء هذا فإن الشيخ أطفيش رحمه استطاع أن يملك مكتبة عظيمة جدا، بالرغم من الحواجز المادية والطبيعية والبشرية التي تقف أمامه آنذاك. (1/67)
صفحة 68
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: (وكانت مكتبته تحتوي على آلاف من نفائس الكتب، لقد استطاع بجده وعزيمته الفولاذية وغرامه وشغفه بالعلم أن يملك من الكتب النفيسة في أعماق الصحراء في وقت الفتن وصعوبة المواصلات، وقلة المطابع ما لم يملكه أغلب العلماء الجامعيين اليوم).
إن امتلاك هذه المكتبة العظيمة من الشيخ أطفيش رحمه الله لهي دليل كبير على شغفه بالعلم وخدمته، لأن هذا العلم الصحيح لا يقل عن الجهاد بالنفس، ولنتأمل هذا الحديث الشريف: (عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: رسم المداد في ثوب أحدكم إذا كان يكتب به علما كالدم في سبيل الله، ولا يزال ينال به الأجر ما ذام ذلك المداد في ثوبه) – الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب-.
بناء على هذا الحديث نقول: إن القطب رحمه الله قد شمّر عن ساعده، فجد كل الجد في البناء التربوي حيث تمكن من إنشاء معهد إسلامي في مدينة بني يزقن مستهدفا بذلك إلى إصلاح المجتمع وتربيته تربية إسلامية تقوم على أخلاق القرآن الكريم والسنة النبوية، وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم.
والجدير بالملاحظة أن القطب رحمه الله قد شخص تلك الأخلاق الإسلامية في سلوكه وسلوك طلابه الذين عاشوا الإسلام عقيدة وعبادة وسلوكا، وسخروا كل طاقاتهم الفكرية والمادية لإعلاء بناء الإسلام.
وهكذا فإن هناك عدة طلبة تخرجوا من معهد الشيخ أطفيش فحملوا مشعل النهضة الحديثة في العالم الإسلامي، وبالتالي يمكننا أن نشير إلى بعض هؤلاء اللامعين فقط، ومن بين هؤلاء:
*(1) الشيخ بابكر بن الحاج مسعود الذي تولى مشيخه مدينة غرداية فأسس مدرسة علمية عصرية.
*(2) الشيخ حمو بن بأحمد باباو موسى تقلد مشيخه غرداية يوم 12 محرم 1332هـ- بعد وفاة شيخه القطب أطلق عليه اسم مفتي وادي ميزاب-. (1/68)
صفحة 69
*(3) صالح بن عمر، يعد من العلماء البارزين الذين أثروا في النهضة العلمية بعد وفاة القطب من خلال كتبه القديمة لاسيما كتاب البراهين القاصفة لتمويهات متبعي الفلاسفة ورسالة كشف اللثام.
*(4) صالح بن يحيى الحاج سليمان، حيث شارك في النشاط العلمي والسياسي بتونس، ويعتبر من الأوائل الذين أسسوا حزب الدستور التونسي.
*(5) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد أطفيش لقد شارك في الحركة الوطنية في الجزائر وتونس مع أخيه الشيخ عبد العزيز الثعالبي، وقد حقق كتبا جليلة في التراث الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى.
*(6) الشيخ سليمان باشا الباروني، الذي يعد أحد الزعماء الليبيين الذين أذاقوا الاستعمار الإيطالي هزائم تلو الهزائم مدة ثماني سنوات.
*(7) إبراهيم بن عيسى بن داود أبو اليقظان، يعد عميدا وأبا للصحافة الجزائرية إذ أصدر ثماني جرائد عربية إسلامية قارعت الاستعمار الفرنسي.
هذه هي اللمحة الخاطفة عن تلاميذ القطب رحمه الله، ويمكننا الآن أن ننتقل إلى واجهة أخرى وهي جهاده الاجتماعي القائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن القطب رحمه الله قد نهج نهج الصالحين العاملين في جهاده الإسلامي.
إلا أن الوصول إلى هذا الطريق الإصلاحي ليس بالأمر الهين، نظراً إلى معارضيه الذين حاربوه، وضايقوه في جهاده، يستفزونه في إصلاحه، ليلاً ونهاراً، فشعر بأن دائرة السوء تسعى بكل قواها أن تحطمه وتعقم نهضته الإصلاحية في مهدها،كما بين ذلك في رسالة بعثها إلى إخوانه العمانيين قائلاً:"فسلامٌِِ على الشيخ العالم عبد الله بن حميد والشيخ الفهامة عيسى بن صالح الحارثي من كتابه أمحمد بن الحاج يوسف , أعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض التأخر وما ذلك إلا لأهوال عظام من النصارى ومن أهل بلدي "
لأن المجتمعات البشرية لا ولن تخلو من الصراع بين رجال الفضيلة ورجال الرذيلة وبين أهل الحق و أهل الباطل , لنتأمل قول الله عز وجل :
( (1/69)
صفحة 70
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِيَن وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُواْ ءَايَاتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُواً) ... - الكهف:56-
وفي هذا المسار التاريخي فإن الشيخ أطفيش رحمه الله قد خاض الكفاح الاجتماعي المرير عدة سنوات مبينا المنهج الإسلامي الصحيح، رافضا مظاهر الجمود الفكري والتعصب المذهبي داعيا إلى العلم النافع وتطهير النفوس الإسلامية من رجس الجهل، والصراع المذهبي الذي غذاه الاستعمار، فالاستعمار في نظره ما هو إلا مظهر من مظاهر الأمة المشركة الكافرة برسالة الإسلام.
4- القطب وحاربته للاستعمار الفرنسي:
إن الشيخ أطفيش رحمه الله يمثل الجبهة الإسلامية الصلبة المعارضة لفرنسا، وكان يدعو إلى الجهاد وعدم التعامل معها ماديا وعسكريا وحتى تجاريا، وهكذا فإن الجنرال الفرنسي دولاتور قد سجنه في نوفمبر 1882م عند وصوله إلى وادي ميزاب بأمر من الوالي العام الجزائري ليقنع العزابة بعدم جدوى وفاعلية مقاومتهم لإلحاق ميزاب بالاحتلال الفرنسي.
وكان رحمه الله يعتز بالإسلام أيما إعتزاز، يرى أن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه ولا أدل على ذلك من أن وفدا فرنسيا زاره في الدار التي يدرس فيها، وكان ضمن هذا الوفد القائد العسكري العام الفرنسي في الجزائر ومجموعة من الولاة الفرنسيين والقساوسة، وحينما دخلوا عليه وجدوه جالسا وبعد لحظة صعد القطب إلى الطاولة التي يكتب عليها وهنا سأل الجنرال القطب قائلا: لماذا هذا التصرف الفعلي بهذا السلوك، قال القطب له: الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. (1/70)
صفحة 71
إن هذا السلوك قد يبدو لبعض الناس بأنه تصرف ساذج لا ينم عن السياسة الواعية، ولكن نقول لهؤلاء إنه تصرف ذكي، ينم عن الاعتزاز بالإسلام وشرفه الذي لا يجب أن يهان أمام المسيحية الصليبية لأن الإسلام هو الأعلى والأقوى، فقد بين هذه الفكرة مدافعا عنها في مؤلفاته الكثيرة، وهكذا يمكننا أن نشير إلى آثاره الفكرية العامة.
5- القطب وآثاره الفكرية:
أيها القارئ الكريم: إني على يقين من أنك قد أدركت جوانب شخصية العلامة الشيخ أطفيش إلا أن هذا الإدراك يبقى ناقصا ما دام لم أشر إلى كتبه التي ألفها ما بين كتاب صغير يحتوي على أربعين صفحة وكتاب يزيد على سبعمائة(700) صفحة وعلى أية حال فإن الشيخ أبا اليقظان يقول في تراث القطب ما يلي: (وقد عد بعضهم مؤلفاته فوجدها تتجاوز ثلاثمائة (300) مؤلف ما بين صغير وكبير ومتوسط، ولا بأس أن نذكر الفنون التي كتب فيها وإليك هذا التراث:
الأخلاق- الأصول- البلاغة- التفسير- التجويد- التاريخ- الحديث- الحساب- الرسم- السير- الطب- الصرف- النحو- العروض- الفقه- الفلاحة- الميراث- الفلسفة- اللغة- مصطلح الحديث- المنطق- الوعظ- رسائل مختلفة في موضوعات دينية واجتماعية وسياسية.
إن شهرة القطب تقوم في المقام الأول على أنه فقيه مجتهد وهذا الاجتهاد قد ظهر لما شرح متن النيل للعلامة عبد العزيز الثميني، وعلى أية حال فإن كتاب شرح النيل والشفاء العليل يعد موسوعة فقهية، فالقطب رحمه الله قد عالج فيه كل القضايا الفقهية بنظرة إسلامية تقوم على القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وآراء المذاهب الإسلامية جلها. (1/71)
صفحة 72
ثم إن القطب لا يأخذ الآراء الفقهية إلا بعد نقدها وغربلتها حتى يحكم لها أو عليها ولو كان هذا الرأي من مذهبه الإباضي، يقول الأستاذ بكوش يحيى بن محمد الذي يعد أحد رجال الفقه والقضاء في الجزائر في حق شيخنا القطب ما يلي: (إن القطب بحكم مطالعته الكثيرة، إذا وجد بعد ذلك في المسألة ذاتها رأيا لإمام أو شاهد يؤيد موقفه في كتاب فإنه لا يتردد في توجيه الحمد لله تعالى على توفيقه، ولو كان مخالفه في المذهب.
أما بالنسبة لمنهجه في شرح كتاب النيل فإنه يورد النص الأصلي من الكتاب، فيشرح الكلمات الغامضة ويرعبها في بعض الحالات ويزيل إبهامها، وبعد ذلك يقدم الأدلة الشرعية والنقلية، ويقيم المسألة من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وآراء المذاهب الإسلامية- وأخيرا يبين رأيه بدون تردد إذ يقول والذي عندي أو الصحيح هو.
وفي هذا المنظور نقول: إن شرح كتاب النيل يوازي الأمهات الفقهية الكبرى، بحيث أعطى دفعة جديدة للمذهب الإباضي خاصة، والفقه الإسلامي عامة في عصرنا هذا، ومن هنا قيل- إن شرح النيل والشفاء العليل، هو موسوعة فقهية كبرى، تقف جنبا إلى جنب مع الموسوعات المذهبية الأخرى.
والكتاب هو المرجع الذي تتجه إليه أنظار العلماء والباحثين من جميع البلدان الذين يهمهم أن يطلعوا على وجهة الإباضية- والجدير بالذكر أن القطب رحمه الله لما زار الحجاز لأداء فريضة الحج سنة 1303هـ-1886م التقى في المدينة المنورة بالمفتي الشافعي الذي قدمه لإلقاء الدروس بالحرم اعترافا لمكانته العلمية. (1/72)
صفحة 73
وكانت للقطب مراسلات مع سلطان زنجبار برغش الذي كان يدفع له منحة سنوية، ويشارك في حركة النهضة بطبع المؤلفات الإباضية، وقد كانت له مراسلات كثيرة مع أعلام الفكر الإسلامي لاسيما أهل عمان إذ تلقى سنة 1298هـ-1881م، نسخة من بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي العماني، وهذه الموسوعة تحتوي على واحد وسبعين مجلدا وأخرى من قاموس الشريعة لجميل بن خميس السعدي التي تحتوي على اثنين وتسعين مجلدا.
إن القطب رحمه الله، لم يجد الطريق أمامه مفروشا بالورود والأزهار بل وجده مفروشا بالأشواك والأحجار، وبعد جهاد مستميت رأى بعينه أن الشجرة الإسلامية التي غرسها أصبحت تؤتي أكلها الطيب إذ رأى أن طلابه قوة فعالة في النهضة الإسلامية الحديثة في عمان ومصر والمغرب العربي، لكن قضاء الله لا مناص منه بحيث اعتلت صحته بالحمى التي جعلته طريح الفراش لمدة ثماني أيام كاملة فوفاه الله في يوم السبت 23ربيه الثاني 1332هـ الموافق لمارس 1914م- فرحمه الله وأسكنه جنات الخلد.
المراجع:
1- شرح كتاب النيل والشفاء العليل للقطب.
2- قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش- لأعوشت بكير.
3- نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة- للشيخ محمد علي دبوز.
4- شرح النيل، دائرة المعارف في الشريعة الإسلامية – ليحيى بكوش.
5- ملحق لسير الشماخي- للشيخ أبي اليقظان.
الشخصية العاشرة
الإمام عبد الله بن حميد السالمي
الإمام عبد الله بن حميد السالمي
1- مقدمة: (1/73)
صفحة 74
أيها القارئ الكريم: يجدر بنا أن نقدم إليك إحدى الشخصيات الإسلامية العظيمة التي تركت أثراً طيباً وفعالاً في صفحات تاريخ أمتنا الإسلامية فهذه الشخصية هي العلامة عبد الله بن حميد السالمي الذي درس سلوك المسلمين وعقائدهم دراسة شاملة موضوعية قائمة على الأدلة الشرعية والأدلة العقلية، بحيث تمكن هذا العالم الجليل من كشف الازدواجية الخطيرة بين القول والعمل، السائدة في سلوك المسلمين فهذه الظاهرة تعد خروجا عن الإيمان الصحيح.
وهكذا فإن الإيمان العملي الصالح هو الشرط الأول والضروري لبناء عقيدة المسلم وشخصيته، إن هذه القيمة الجوهرية التي عالجها الشيخ السالمي ودافع عنها بكل قوة ووضوح في كتبه وخطبه جعلتنا بالضرورة نحلل ونبين قيمته العلمية والأخلاقية والأدبية، فهذه الفكرة تعد مدخلا لدراسة وإلقاء بعض الضوء على عظمة هذا العلم الكبير الذي يعد من رواد الفكر الإسلامي الحديث بدون جدال.
2- الشيخ عبد الله بن حميد السالمي: نسبه ومولده وتعلمه:
نسبه: وهو العلامة المحقق الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي، أما والده فهو الشيخ حميد- رحمه الله- كان ذا فضل وعلم وتقوى، فقد ولد شيخنا عبد الله بن حميد ببلدة الحوقين من ولاية الرستاق العمانية عام 1286هـ في هذه البلدة الطيبة العمانية، تخلق بالأخلاق القرآنية وتعلم أصل اللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم على والده الشيخ حميد رحمه الله.
ولما بلغ الابن الثانية عشرة(12) من عمره كف بصره إلا أن الله عز وجل قد وهب له بصيرة مفعمة بالإيمان الراسخ، والعلم الصالح، وذكاء حادا وحافظة قوية، مع فهم عميق وإدراك شامل وأخلاق عالية. (1/74)
صفحة 75
إن هذه المواهب الحسنة التي أنعمها الله عليه جعلته يهاجر إلى مدينة الرستاق التي كانت تعج بالعلماء الصالحين الذين رصدوا أنفسهم لخدمة الإسلام الحنيف، في هذه المدينة المباركة التقى بشيخ جليل وهو العلامة راشد بن سيف اللمكي فنهل من مناهله العذبة، ولم يمض وقت طويل حتى أصبح الشيخ السالمي عالما فذا، له قدم راسخ في العلوم الشرعية والعلوم العقلية.
إن شيخنا السالمي، لم يكتف بهذا العلم الغزير، بل كانت نفسه راغبة كل الرغبة في العلم في كل لحظة، وهو يردد قول الله عز وجل:
... ( وَقُلْ رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) ... - طه:114-
وعملا بهذه الآية الكريمة فإن شيخنا قصد العلامة الشيخ صالح بن علي بن ناصر بن عيسى الحارثي بالمنطقة الشرقية فرحل إليها سنة 1308ه.
يقول الشيخ السالمي واصفاً أستاذه:"لقد كان رضي الله عنه أعلم أهل زمانه في الحلال والحرام وأشدهم حرصاً على قوام الإسلام وأكثرهم خصالاً في صفات الكرام".
إن هذا الأستاذ قد أدرك عمق شخصية تلميذه، الشيخ السالمي، من حيث ورعه وأخلاقه وعلمه وذكائه، فتمكن من فهم وحل المسائل المستعصية عن حلها معتمدا في ذلك على الأدلة القرآنية والسنة النبوية والإجتهاد، وشاءت الأقدار أن يستوطن الشيخ صالح بن علي الحارثي مدينة القابل ثم التحق تلميذه السالمي معه، بهذه المدينة الكريمة، إذ أصبح الشيخ صالح بن علب الحارثي المنهل الغزير الذي يقصده العلماء والناس والطلبة لينهلوا من علمه وأخلاقه وفتاويه وكيف لا ؟؟ وقد درس وألف في جل العلوم الشرعية والعقلية،إذ لازم أستاذه إلى أن توفاه الله سنة 1314ه.
ثم لازم بعد ذلك ابنه عيسى بن صالح الحارثي وقدم له يد المساعدة والمشورة الحكيمة في يسر شؤون الأمة العمانية وأظهر في ذلك قدرة فعالة وحنكة بالغة في تحقيق وحدة الأمة العمانية إلى أنتوفاه الله عام 1332ه فرثاه أعظم شعراء عمان وقال فيه الشاعر الكبير أبو مسلم ناصر بن سلم الرواحي في قصيده المشهور: (1/75)
صفحة 76
نكسي الأعلام يا خير الملل ... ... رزىء الإسلام بالخطب الجلل
هذا هو العالم الكبير الشيخ السالمي رحمه الله، إذ كان يعيش آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر إلى أن التحقت روحه المستبشرة بالرفيق الأعلى راضية مرضية، والآن سوف نحدثك عن أخلاقه وآثاره الفكرية، حتى تكتمل شخصيته أمامنا.
3ـ أثار الشيخ السلمي الفكرية:
إن الشيخ السلمي رحمه الله، يمثل البحر الزاخر بالمعرفة الخالصة والعلم العميق هذه الحقيقة تظهر جلية في آثاره المتميزة بغزارة المادة وعمقها الفكريةـ ولا أدل على ذلك من مصنفاته التي تزيد على عشرين عنوانا ًبين كتاب كبير وصغير،وعلى ضوء هذا يمكننا أن نقول بكل يقين:إن الشيخ السالمي رحمه الله يمثل بكل جدارة دائرة العلوم الدينية والتاريخية، والعلوم العقلية، ويحسن بنا أن نشير إلى هذه المصنفات.
(1) شرح طلعة الشمس على الألفية في علم أصول الفقه ـ فهذا الكتاب يقع في مجلدين كبيرين وهو يعالج أصول الفقه ـ من حيث القرآن الكريم وعلومه كالناسخ والمنسوخ ـ وعلاقة القرآن الكريم بالسنة ومباحثها وأقسام الوحي ثم ختم الجزء الثاني بالاجتهاد.
(2) بهجة الأنوار ت شرح أنوار العقول في التوحيد.
(3) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ـ إن هذا الكتاب يقع في جزأين وهو يعالج تاريخ عمان قديماً وحديثاُ ولولا هذا الكتاب لضاع تاريخ عمان الحديث بل يعد هذا الكتاب العمدة الأساسية في دراسة وتحليل أهم الأطوار التي مرت بها الأمة العمانية،ولا يمكن لأي باحث معاصر أن يستغني عنه. (1/76)
صفحة 77
يقول الدكتور عوض محمد خليفات الذي كتب عن نشأة الحركة الإباضية:"ويعتبر نور الدين السالمي أشهر مؤرخي عمان في العصر الحديث ويعد كتابه تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان أشهر هذه الكتب وأنفعها للباحثين ويعتمد السالمي في كتابه هذا على كثير من المصادر القديمة التي يذكرها في ثنايا كتابه مثل كتاب أنساب العرب للعوتبي وسيرة أبي المؤثر وأبي سفيان محبوب بن الرحيل بالإضافة إلى مصادر أخرى غير إباضية مثل المسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغيرها.
ويذكر المستشرق ولكنسون بعد مقابلته لما جاء في تحفة الأعيان بما ورد في المصادر التي نقل عنها أن السالمي كان أميناً ودقيقا ًجداً في اقتباساته.
وفي ظل هذه الحقيقة الأخلاقية والعلمية نقول أن الشيخ السالمي له باع طويل في التاريخ والسير، وأضاف إلى المكتبة الإسلامية هذه اللبنة الجوهرية في تاريخ أمتنا الإسلامية التي تفتقر إليها
(4) كتاب الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، حيث بين في هذا الكتاب أن صلاة الجمعة واجبة على الأمة الإسلامية لتثبيت قلوب المسلمين وتوحيد صفوفهم.
(5) شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل، إن هذا الكتاب قد كتبه السالمي في بداية حياته العلمية وهو يعالج قواعد الإعراب ويقول فيه: (ليعلم المبتدئ أن العلم إنما ينمو قليلاً قليلا وليستبين الفرق بين درجة المبتدئ والمنتهي.
(6) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام يقع هذا الكتاب في أربعة أجزاء وهذا الكتاب يعالج فيه فقه العبادات وفقه المعاملات والأحكام، وفيه جانب من الأخلاق والآداب العامة.
(7) شرح الجامع الصحيح- مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني يقع في ثلاثة أجزاء يقول رحمه الله: أعلم أن هذا المسند الشريف أصح كتب الحديث رواية وأعلاها سندا وجميع رجاله مشهورون بالعلم والورع والضبط والأمانة والعدالة والصيانة كلهم أئمة في الدين وقادة للمهتدين. (1/77)
صفحة 78
أما بالنسبة إلى الربيع بن حبيب فأصله من عمان من غضفان، قصد البصرة وأدرك جابراً وأخذ عنه وعن ضمام بن السائب وأبي عبيدة مسلم، وأبي نوح صالح بن نوح الدهان، وبعد وفاة أبي عبيدة أمسى زعيما للمدرسة الإباضية وفي آخر عمره رحل إلى عمان وتوفي فيها وذلك سنة 170هـ.
(8) مشارق أنوار العقول ويقع في جزأين كبيرين وهذا الكتاب قد سلّط الأضواء على علم أصول الدين، إذ يبين فيه معنى التوحيد ونفي الأضداد والأنداد والتجسيم عن الله والأبواب الأخرى قد عالجت مفهوم الإيمان والإسلام والقضاء والقدر والعدالة الإلهية وأخيرا التوبة وأحكامها، إن هذا الكتاب جدير بالدراسة والتأمل وهو لا يقل ولن يقل عن أمهات الكتب في العقيدة وأصول الدين ككتاب العقيدة النظامية لإمام الحرمين الجويني.
وهناك كتب أخرى يمكننا أن نشير إليها دون تحليل مخافة من الوقوع في الإطالة فهذه الكتب هي: العقد الثمين لأجوبة نور الدين، تلقين الصبيان فيما يلزم الإنسان، غاية المراد، قصيدة لامية في الاعتقاد، المنهل الصافي في العروض والقوافي، معارج الآمال على مدارج الكمال.
وله كذلك ديوان شعري في غاية البلاغة والفصاحة، وشعره يتميز بصدق العاطفة فهي نابعة من إيمان عميق بما يقوله فامتزج شعره بالعقيدة الإسلامية امتزاجا كليا متأثرا بالقرآن الكريم أسلوبا ومعنى وأخلاقا وقال رحمه الله يرثي أبا عيسى ونجله وحميد سيف ابن سعيد البوسعيدي وسعيد الراشدي ووالده حميد بن سلوم:
... صبرا على مضض المصارع ... ... فالدهر للأعمار قاطع
... هون فإن العمر في الإ ... ... نسان من بعض الودائع
... كف المدامع أن تسيل ... ... فما عسى تجدي المدامع
... فاصبر وإن مضت الأفا ... ... ضل في التراب وفي البلاقع
وقال رحمه الله في إحياء الدين الإسلامي:
هو المجد فاطلبه وإن عز طالبه ... ... وجد وإن ضاقت عليك مذاهبه
وسارع إلى تشييد أركانه فلا ... ... فرار لنا والعدل هدت جوانبه
أليس الهدى إيثار سنة أحمد ... أما بزغت في المجد شمسا مناقبه (1/78)
صفحة 79
أليس سبيل العز أولى بذي النهى ... ... وإن كدرت للواردين مشاربه
هذه هي عينة صغيرة جدا من شعره استعرضناها بحيث أن الشعر في نظره وسيلة لغاية إسلامية رفيعة التزم بها ولم يحيد عنها وكان الصدق والالتزام بالأخلاق القرآنية مبدأ وسلوكا في آن واحد لا فصل بينهما، فقد غرس رحمه الله هذه الأخلاق في طلابه الذين تتلمذوا عليه فهم كثيرون، إذ أن الذين حملوا لواء النهضة العمانية الحديثة قد تخرجوا من مدرسته.
4- تلاميذه:
إن الذين كتبوا عن الشيخ السالمي رحمه الله قد أكدوا أن مدرسته تميزت بالطابع الإسلامي الأصيل القائم أساسا على القرآن الكريم والسنة الشريفة، ففكره كان بعيدا عن الجمود الفكري، ولا أدل على ذلك من أخذ ببعض الآراء المجتهدين في فتاويه من غير الإباضية، معتمدا على العقل والنقل في تعليلاته فالعقل كما قيل يرى الأشياء كما هي، فهو المعيار الذي لا يمكن أن يخطئ في التمييز بين الخطأ والصواب وبين الحق والباطل إذا تجرد عن غشاوة الوهم، لأن هدف الشيخ السالمي هو تكوين روح النقد والعلم عند طلابه دون الخروج عن القرآن والسنة.
وهكذا فإن هناك مجموعة كبيرة من الأعلام العظام قد تخرجت من مدرسته يقول الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش رحمه الله: (تلاميذه كثيرون لا نبالغ إذا قلنا إن رجال العلم اليوم بعمان جلهم من تلاميذه ولقد نبغ كثيرون وفي مقدمتهم الإمام العلامة الأفخم المؤيد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي، وحسبك أن صفوة الأمة هناك والذين قامت عليهم الإمامة والملك هم تلاميذه، وهذه الروح التي نفخها فيهم حتى كانوا حمى للدين وللأمة من أكبر الشواهد على إخلاصه وعلو شأنه ومكانته، ولا بأس أن نشير إلى بعض هؤلاء الرجال العظام:
1- الإمام العادل: سالم بن راشد الخروصي.
2- العلامة الجليل رئيس القضاة: أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود، كان معا ضدا لشيخه في حلو الزمان ومره وله التآليف الضخمة. (1/79)
صفحة 80
3- العلامة الأمير عيسى بن صالح الحارثي.
وعلى هذا يمكننا القول بأن التربية الإسلامية الصالحة التي أثرت في رجال نهضة عمان والتي نهجها الشيخ السالمي كانت كلها سلوك عمل خير، فرض أثره الفعال على طلابه وهو يرى ويؤمن بأن لا قيمة للقول ما لم يجد سنده في الحياة العامة التي يعيشها الإنسان يقول رحمه الله:
... ... والعلماء إن فسدوا أشر ... ... من غيرهم وفعلهم أضر
5- أخلاقه ودعوته إلى الوحدة الإسلامية:
يقول أحمد شوقي:
... وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... ... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
نقول هنا إن الأخلاق الفاضلة كالتقوى والعدالة والإحسان والرحمة هي عناصر أساسية في بناء الأمة القوية.
وبدون هذه الأخلاق تكون الأمة عرضة للزوال والزلازل في مسيرتها اليومية بحيث أن هناك عدة حضارات قديمة وحديثة انهارت بسبب انغماس شعبها في الأخلاق الرذيلة، كالشرك بالله، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرشوة والنفاق.
إن الشعوب اليوم في أشد حاجة إلى الأخلاق الفاضلة المتمثلة في القدوة الحسنة والمثابرة على فعل الخير، هذه هي الحقيقة قد جسمها شيخنا السالمي رحمه الله إذ يقول فيه نجله: أبو بشير محمد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حميد السالمي: (كان رضي الله عنه شديد الغيرة على محارم الله تعالى، يقول الحق وينطق بالصدق مشهوراً بالبسالة والصلابة، كثير الرد على من خالف ملة الإسلام، مشغول البال بأمته يفرح بما ينفعها، ويحزن لما يضرها وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين وهو في ذلك ممثل بآداب الرسول صلى الله عليه وسلم وهي آداب القرآن الكريم.
ويقول أيضا كان جوادا سخيا قل ما أكل طعاما وحده لازدحام الضيوف بناديه وكثرة ملازميه المغترفين من فيض أياديه، يقدم للضيف ما حضره بلا تكلف ولا بطر، كثير التفقد والتعرف على حاجة إخوانه وتلاميذه ليواسيهم. (1/80)
صفحة 81
إن أخلاق الشيخ السالمي رحمه الله لم تكن نظرية صورية بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان، بل إن أخلاقه كانت خيرة خالصة مرتبطة بالحياة التي يعيشها هذه هي الأخلاق القرآنية التي يجب أن تسود كل تصرفاتنا، بحيث تكون بعيدة كل البعد عن مظاهر الرياء والسمعة بين الناس، وإلا كانت تلك الأعمال عند الله هباء منثورا عبارة عن ذرات ترابية لا ترى إلا تحت أشعة الشمس بصعوبة، يقول الله عز وجل:
... ... ( وَقَدِمْنَآ إلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً) ... - الفرقان:23-
وفوق هذا فإن الشيخ السالمي رحمه الله كان من دعاة الوحدة الإسلامية ما دام الإسلام دينها، ومحمد رسولها، والقرآن إمامها ونهجها في الحياة وأن الاختلاف الحاصل اليوم بين أبناء الأمة الإسلامية يعود أساسا إلى المطامع السياسية التي ظهر أثرها السلبي في الإسلام.
لقد بعث إليه الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني رسالة منه أن يضع الحلول الجذرية لوحدة الأمة الإسلامية مبينا المرض وإعطاء الدواء الشافي.
يقول الشيخ السالمي رحمه الله (قد نظرنا في الجامعة الإسلامية فإذا فيها كشف الغطاء من حقيقة الواقع فلله ذلك الفكر المهدي لتلك الحقائق، نعم نوافق على أن منشأ التشتت هو اختلاف المذاهب وتشعب الآراء وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة كما اقتضاه نظرك الواسع في بيان لجامعة الإسلامية منها: التحاسد، والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة ومنها: طلب الرئاسة والاستبداد بالأمر، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية.
ثم نشأ عنه الاختلاف في المذاهب وجمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا مستحيل عادة والساعي ي الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أ، يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحثهم على التسمي بالإسلام.
... ... (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ) ... - آل عمران:19- (1/81)
صفحة 82
فإذا استجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أولا عند آحاده من الرجال ثم يظهر شيئا فشيئا فيصير الناس إخوانا.
وهكذا تدرك كل الإدراك أن الشيخ السالمي رحمه الله كان مثالا لحب الخير والدفاع عن مصير الأمة الإسلامية ووحدتها الجوهرية المقدسة يقول الله عز وجل:
... ... (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) ... - المؤمنون:52-
فهذه الوحدة قائمة على وحدة العقيدة والعبادة.
... ... (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ... - الأنبياء:92-
... ... (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنَسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) ... ... - الذاريات-
ومن هنا يتضح لنا أن الاختلاف الموجود بين هذه المذاهب يعود أساسا إلى المصالح الدنيوية، حب الزعامة والتحاسد والتباغض، وكل فرقة تدعي أنها على حق وصواب وغيرها في ضلال، فهذا الاختلاف هو النتيجة للفتنة الكبرى التي وقعت بعد ذلك بين المسلمين إلى يومنا هذا.
وكثيرا ما يتأوه قائلا: ذهب الوفاء ذهب الدين، ذهبت المرؤة، ذهبت الغيرة ذهبت الحمية طمع فينا الخصم- طلبنا بالمكائد، نصب لنا الحبائل وكان رحمه الله يقول:
... حرب النصارى اليوم بالدواهي ... ... والكل منا غافل ولاهي
... فيأخذون الدار بالخدائع ... ... وإنها أقوى من المدافع
إن هذه الحقيقة قد تجسمت في تاريخ أمتنا الإسلامية بسبب الاختلاف وعدم احترام رؤية الآخرين، فاستغل الخصم هذه الحلة فاستغلها وترك المسلمون الأصول الواضحة في القرآن الكريم، واستمسكوا ببعض الجزئيات وأدى بهم الأمر إلى تكفير بعضهم وهذا هو بعينه الخروج عن جادة الإسلام الصحيح.
وهكذا ندرك أن الدعوة المذهبية لا قيمة لها دون عمل إسلامي صالح كأن يقول المسلم: أنا إباضي، وأنا مالكي، وأنا حنبلي، وأنا شافعي وأنا شيعي. (1/82)
صفحة 83
إن الانتساب إلى هذه المذاهب كما يرى الشيخ السالمي، لا قيمة له ما ادم الإنسان لم يكن مسلما، ورعا تقيا، صالحا، لأن كل المذاهب الإسلامية تفقد قيمتها بدون أن تتمسك بالأصل الثابت وهو القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهذا الأصل لا يجيز الفصل بأية حال من الأحوال بين القول والعمل، نحن لا نستطيع أن نقول لأي إنسان بأنك كريم جواد حتى يخرج ما يلزمه من المال الذي يملكه وبدون هذا فإن صفة الكرم ستفقد دلالتها ومعناها الحقيقي.
إن هذه الحقيقة تدرك بداهة ومن هنا نجد شيخنا الجليل الشيخ السالمي قد ركز في آثاره الفكرية على الربط بين القول والعمل الصالح يقول رحمه الله في كتابه القيم- جوهر النظام-:
... وإنما الإيمان قول وعمل ... ... ... ونية فهو على هذا استقل
هذه هي الصورة العامة للشيخ السالمي رحمه الله، بعد هذا الكفاح المرير انتقل إلى جوار ربه في اليوم الثامن عشر من شهر صفر سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف 1332هـ وقبر ببلدة تنوف تحت سفح الجبل الأخضر فارتاع العالم الإسلامي بوفاته ولكن آثاره لم تمت ولا تزال خالدة كل الخلود رحمه الله وأسكنه مع الصالحين في جنات الخلد آمين.
مراجع البحث:
1- مشارق أنوار العقول للشيخ السالمي.
2- جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام للشيخ السالمي تحقيق الشيخ إبراهيم أبو إسحاق.
3- نهضة الأعيان بحرية عمان- لمحمد شيبة بن نور الدين عبد الله ابن حميد السالمي.
4- معارج الآمال على مدارج الكمال للشيخ السالمي.
5- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للشيخ السالمي.
الشخصية الحادية عشرة
الإمام إبراهيم بن عمر بَيُوض
الإمام إبراهيم بن عمر بَيُوض
...
1- مقدمة: (1/83)
صفحة 84
في هذا الصفحات القليلة نريد أن نلقي الضوء على أحد أعلام أمتنا الإسلامية وهو العلامة الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله الذي يعد أحد أقطاب الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب، والجزائر والعالم الإسلامي، نظرا إلى تاريخه الطويل الحافل بالجهاد في سبيل بعث العمل الإسلامي, والرد على الثقافة الغربية التي تريد أن تصهر الشخصية الإسلامية في قواليبها, فالحياة عند المؤمن الصادق هي جهاد بالنفس والمال حتى يتحقق العمل الصالح في المجتمع الإنساني الذي لا يزال يعاني أمراضا اجتماعية وفكرية واقتصادية.
إذن فلا بد لكل مسلم أن يكون مثالا صالحا في سلوكه حتى يقتدي به الغير, يقول الله عز وجل:
{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَولاً مٍّمًّن دَعَا إٍلَى اللًّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّني مِنَ المُسْلِمِينَ } - فصلت:33-
2- إبراهيم بَيُوض مولده ونشأته وتعلمه:
ولد إبراهيم بن عمر بيوض في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة سنة 1316 هـ الموافق 22 ابريل 1899 بمدينة القرارة ولاية غرداية جنوب الجزائر.
إن الشيخ إبراهيم بيوض رحمة الله يعلل لقبه قائلا: ولقبي بيوض بفتح الباء وضم الياء المشددة الضاد وهو لقب أسرتي أول من لقب به جدي الثاني إبراهيم بن حمو لبياض لونه وجمال هيأته فسرى منه هذا اللقب الجميل إلى ذريته وهؤلاء الأجداد من مدينة القرارة في ميزاب – هذا هو نسب الشيخ إبراهيم بيوض من أبيه.
أما والدته فهي عائشة بنت كاسي بن بهون وأما أبوه فهو عمر بن بابه, فقد اشتهر بتجارته وأمانته في مسقط رأسه القرارة وكان رحمه الله كثير السفر بين شمال الجزائر وجنوبها, إذ عرفت عنه أخلاق رفيعة مثل: الشجاعة- الكرم – الصدق – الدعوة إلى إصلاح المجتمع.
وهكذا فإن والد إبراهيم رحمه الله كان من دعاة الإصلاح لتغيير ومعالجة الآفات الاجتماعية السائدة آنذاك, إلا أن هذه المسيرة الإصلاحية بقيت محدودة نظرا إلى عدم وجود رائد محنك في قيادة الأمة حينئذ. (1/84)
صفحة 85
إلا أن قدرة الله شاءت أن يكون ابنه إبراهيم حاملا لواء الإصلاح بالعلم والعمل في جنوب الجزائر انطلاقا من مدينة القرارة، والآن يجدر بنا أن ننتقل إلى دراسته الابتدائية والثانوية.
إن المدارس الابتدائية والثانوية بالمفهوم العصري الراهن لا وجود لها في بداية القرن العشرين في وادي ميزاب وأغلب مدن الجزائر، بل هناك كتاتيب، أي ديار صغيرة حول المسجد لتعليم الصغار حفظ القرآن الكريم والقراءة والكتابة، ولما بلغ إبراهيم السادسة من عمره أدخله أبوه في (محضرة) أي مدرسة الشيخ محمد بن الحاج يوسف، فقد لازم أستاذه حوالي عامين ونصف إلا أن ذكاءه جعله ينتقل إلى المرحلة المتوسطة وعمره تسع سنوات.
يقول الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله: (انتقلت إلى معهد الشيخ الحاج إبراهيم الأبريكي رحمه الله، وعمري تسع سنوات بعد أن مكثت في كتاب شيخي الأول رحمه الله، نحو عامين ونصف، وكان انتقالي إلى معهد الشيخ الأبريكي في أول عام 1908م).
إن الدراسة في ذلك الزمان تعتمد على حفظ وفهم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وعلم التوحيد والتاريخ الإسلامي، وعلم الحساب وعلم الميراث.
ولما بلغ إبراهيم السنة الثالثة عشرة من عمره حفظ القرآن الكريم حفظا جيدا فاستظهره عن ظهر قلب على إمام المسجد، وهي العادة الحسنة المتبعة إلى الآن في أغلب مدن ميزاب.
وهكذا نلاحظ أن وادي ميزاب أعطى كل طاقته، منذ القديم إلى يومنا هذا للقرآن الكريم حفظا وفهما ودرسا لأن القرآن الكريم يعد الدعامة الأولى في تثبيت العقيدة الإسلامية ومن خلاله ندرك أسرار اللغة العربية وجمالها نحوا وصرفا وبلاغة، ولعلك الآن تتساءل لماذا أن وادي ميزاب يتكلم باللغة الميزانية المازيغية، ولكن بالرغم من هذا فإن أهله يعتزون كل الاعتزاز باللغة العربية بحيث أن هناك عدة شعراء وأدباء وعلماء لهم قدم ثابت وأصيل في اللغة العربية. (1/85)
صفحة 86
نحن نقول صراحة نعتز باللغة الميزابية ولكن لن تكون على حساب لغة القرآن الكريم الذي يجب دراسة علومه باللغة العربية وبعبارة منطقية دقيقة لا إسلام بدون قرآن ولا قرآن يدرك جوهره بدون لغة عربية فصيحة لأن العربية هي لغة الإسلام قبل أن تكون لغة جنس.
فالله عز وجل أمرنا بحفظ وتعلم كتابه الكريم، فهما وتطبيقا لأوامره يقول الله تعالى في ذلك
( إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِي أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)
- الإسراء:9-
أما الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيقول: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب) –رواه الترمذي-، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) – البخاري-
إن هذه الروح القرآنية جعلت الشيخ إبراهيم بيوض يدافع عن اللغة العربية باعتبارها وعاء للفكر الإسلامي الأصيل، ولما بلغ إبراهيم بيوض السنة السادسة عشرة من عمره صار مساعدا لأستاذه الشيخ عمر بن يحيى في تعليم وإفهام الطلاب المسائل المستعصية عن إدراكهم، فأظهر ذكاء حادا ونطقا عربيا سليما، وقدرة كبيرة بفضل اجتهاده ومطالعته المستمرة واحتكاكه بالأدب القديم والحديث وبقراءته الصحف والمجلات والدوريات التي تصل إليه من المشرق العربي.
يقول رحمه الله: (وفي هذا العهد كانت تصلنا مجلة المنار للشيخ رشيد رضا، فنقرأها في الندوة باهتمام كبير وأعيد قراءتها متلذذا بمواضيعها الدسمة المنعشة وبطريقة الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا في التفسير وكانت فائدتها عظيمة وعوائدها الحسنة علي لا تحصى).
وهكذا نجد أن بذرة الفكرة الإصلاحية بدأت تغرس عروقها في قلبه وسلوكه واثقا كل الثقة بأن المستقبل للمنهج الإصلاحي الأصيل الذي سيغير لا محالة سلوك الفرد وسلوك المجتمع معا.
3- إبراهيم بيوض وجهاده الإصلاحي: (1/86)
صفحة 87
اعلم أن الإنسان مهما كانت قوته العضلية والفكرية لا يمكنه أن يعيش منعزلا وبعيدا عن مجتمعه ومن هنا قال العلماء: إن الإنسان اجتماعي بالطبع وهو في حاجة إلى تربية اجتماعية مستمرة لأن الإنسان أطول المخلوقات حضانة ورعاية من أفراد الأجناس غير الناطقة، لأن التربية هي الطريقة الأساسية للتقدم والإصلاح الاجتماعي.
وانطلاقا من هذا الفكر التربوي الشامل فإن الشيخ إبراهيم بيوض قد أدرك بثاقب فكره أن التربية الإصلاحية يجب أن تنطلق من مؤسسات اجتماعية كالأسرة والمدرسة وخاصة المسجد الذي قام بدور حيوي وجوهري في الحضارة الإسلامية قديما وحديثا باعتباره المركز الإشعاعي الأول في التربية التطبيقية دينيا وأخلاقيا واجتماعيا ومن هنا نلاحظ عدة آيات قرآنية تدعو المسلمين إلى عمارة المساجد كقوله تعالى:
... ( وأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِ مَسجِدٍ وادَّعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين) ... - الأعراف:29-
وهكذا نرى أن الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله قد اعتمد كل الاعتماد على المسجد باعتباره مؤسسة تربوية دينية قبل كل شيء لكل طبقات الناس، رجالا ونساء، أغنياء وفقراء مثقفين وعاميين.
إن هذه الحقيقة الجلية قد أدركها كل الإدراك الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله فاتخذ مكانه رائدا في الصف الأول بمسجد القرارة سنة 1921م وبعد كفاح طويل شاق ضد خصومه الذين حاولوا إيقاف نشاطه الإصلاحي.
ولكن بالرغم من هذه الحواجز الطبيعية التي لا تخلو منها أية حركة إصلاحية فإن الشيخ إبراهيم بيوض قد تحدى كل التحدي فانتصر على تلك الفئة الرافضة للمنهاج الإصلاحي الذي تراه جزءا من الشخصية الفرنسية.
وفي ضوء هذا فإن شيخنا قد احتك بكل الشرائح الاجتماعية المختلفة فأظهر قدرة فعالة في الدعوة الإصلاحية والوعظ الديني معالجا الآفات الاجتماعية معتمدا في ذلك على القرآن الكريم والسنة الشريفة وآراء العلماء والحكماء مع فتح باب الاجتهاد أمام قضايا العصر. (1/87)
صفحة 88
أيها القارئ الكريم: ما هي الآن الفكرة الإصلاحية وكيف نظر إليها الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله؟. نقول لك: الإصلاح هو إزالة الفساد عن سلوك الفرد والمجتمع ومعالجة الآفات الاجتماعية كالجهل والفقر والمرض من خلال التربية السليمة الواعية أن الرجل المصلح يقوم بتطهير العقيدة الإسلامية من كل مظاهر الشرك والبدع والخرافات، ويدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محاربا مظاهر الجمود الفكري وداعيا إلى فتح باب الاجتهاد أمام قضايا العصر ومشاكله كالاقتصاد والتربية والحكم والأعلام، وإننا لنجد عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة تشير إلى هذا المعنى الإصلاحي يقول الله عز وجل:
... (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ... ... - الأعراف:85-
... ( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ... - هود:88-
وعلى أية حال فإن العمل الإصلاحي الذي قام به الشيخ إبراهيم بيوض ورجال الإصلاحي يهدف إلى تحقيق المحاور الأساسية التالية:
(أ ) الرجوع بالمسلمين إلى الإسلام الأصيل عقيدة وأخلاقاً وسلوكاً من خلال القرآن والسنة المطهرة.
(ب) المحافظة على الشخصية الإسلامية وتمهيد ألأرضية الصلبة لتحقيق الاستقلال وهذا لن يكون إلا من خلال بناء المدارس الحرة والنوادي الفكرية والرياضية والمساجد في كامل القطر الجزائري لتقوم بدورها الفعال في مجال التربية والتعليم، حتى تتمكن من محاربة الآفات الاجتماعية الجهل، المرض، الفقر........الخ. (1/88)
صفحة 89
انطلاقا ًمن هذا، فإن الفكر الإصلاحي عند الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله كل الاعتماد على القرآن الكريم والسنة المطهرة في تربية النشء تهذيباً وسلوكاً ونصحاً ومن هنا فإنه قد افتتح درس تفسير القرآن الكريم في غرة محرم سنة 1353ه ثم اختتمه بتفسير جزء عم يوم 25 ربيع الثاني سنة 1400ه الموافق ل12 فبراير 1980م وأقيم له احتفال للختم وذلك يوم 23 مايو 1980م تحت عنوان " في رحاب القرآن "وحضر هذا الاحتفال الوطني عدة أعلام ووزراء اعترافاً بجميله وجهاده في النهضة الجزائرية الحديثة.
4 ـ الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه في التفسير:
إن الشيخ بيوض رحمه الله يعد من أعلام التفسير للقرآن الكريم، ولكن ما هي الخصائص العامة التي يتميز بها الشيخ إبراهيم بيوض في تفسيره ؟
الواقع أن منهجه في التفسير لا يختلف عن المدرسة الإصلاحية البدوية السائدة في العالم الإسلامي فهذه المدرسة اعتمدت على تربية العقيدة التي تؤخذ من القرآن الكريم، وذلك بتطهير العقيدة الإسلامية من البدع والخرافات وغرس فيها أحلاق القرآن عقيدة وسلوكا، والأخذ بأسباب وقوة الحضارة الغربية ما لم تناقض مضامينها عقيدة المسلم.
ومن هنا نلاحظ أن الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله لا يركز كثيراً في منهجه التفسيري على الأبحاث اللغوية صرفاً وإعراباً وبلاغة إلا إذا دعت الضرورة لذلك، فالقرآن الكريم في نظره جاء هادياً للبشرية كلها قبل كل شيء ومن هنا نلاحظ جانب الترهيب والترغيب في تفسيره، يقول رحمه الله:" وغرضي من تفسير القرآن هو تربية الناس بالقرآن وتثقيفهم ووعظهم ومعالجة أمراض النفوس كلها بالقرآن فهو شفاء لها قال تعالى:
( يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ ِّلمَا فِي الصُّدُورِ ) - يونس: 57- (1/89)
صفحة 90
وفي ضوء هذه النظرة القرآنية الواضحة فإن الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله قد قام بمعالجة القضايا الاجتماعية التي تهم الأمة الإسلامية كلها، رجالاً ونساء، شباباً وشيوخاً حاكمين ومحكومين، بحيث كانت فتاويه تقوم أولاً على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، دون إغلاق باب الاجتهاد، مبينا رأي الإسلام الصحيح في تلك القضايا المستحدثة.
تأمل أيها القارئ العزيز أيدك الله برشده لما سئل رحمه الله عن حكم جهاز التلفزيون حينا ظهر لأول مرة في الجزائر، أيباح اقتناؤه واستعماله أم هو حرام فقال:
"إن التلفزيون كغيره من كثير من المخترعات العصر له حسنات وسيئات ومنافع ومضار فلا يمكن مطلقاً أن يفتى فيه بحكم عام شامل كأن يمكن يقال مثلاً: إنه حرام لا يجوز النظر إليه أو أنه مباح مطلقا ًكل ما يعرض فيه أو مثل هذا من الأحكام العامة التي يتعذر وجود دليل يصح الاعتماد عليه في مثل ذلك، إنما الأمر يرجع إلى طريقة استعماله فلا يعدو أن يكون آلة من الآلات فإن جميع الآلات التي أيدينا أن ننتفع بها وأن تضر.
فسيفك مثلا تقتل به مشركا فتسعد، أو تقتل به مسلماً فتشقى، وقلمك تكتب به حقاً، أو تكتب به باطلاً وهكذا كل ما لا يعد ولا يحصى مما سخره الله لنا من آلات وأدوات وأجهزة وغير ذلك وقد قال الله تعالى:
( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) - البقرة: 29-
فالاستعمال فقط هو موضوع الحكم ومناطه إن الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله لم يكن بعيدا ًعن مشاكل أمته الإسلامية التي احتك بها في حياته العامة.
5- الشيخ بيوض وقضايا الأمة الإسلامية:
إن الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله قد ساهم مساهمة فعالة في قضايا أمتنا الإسلامية فقد كان رحمه الله يراسل أعلام المسلمين ويحثهم على العمل الجاد، ومن بين هذه الأعمال، إرساله رسالة إلى إخوانه العمانيين في يوم 11 من ذي الحجة 1383هـ- يقول فيها: (1/90)
صفحة 91
" إخواننا الأماجد يسرنا جدا ما نسمعه عن وطن عمان من زكاء التربة- أي خصوبة التربة- والثروات الطبيعية بقدر ما يحزننا نكول- إحجام- إخواننا عن استثمارها، وعدم أخذهم بالأساليب الحديثة في الإنشاء والتعمير شأن أمم العالم بأسرها.
ويسوءنا والله أن لا نسمع بعمان صوتا بين المماليك الإسلامية والدول العربية، أليست هي التي قمعت طغيان الاستعمار البرتغالي وتحطمت على صخرتها أساطيله العتيدة وطهرت منه الأماكن والبقاع، ألم تكن فتحت الفتوحات الواسعة وحكمت فكان الحكم العدل منها سجية وشادت للعلوم حصونا أخرجت العلماء النابغين والحكام النابهين، فيهم الشاعر والمفسر والمحدث.
أيها الأصحاب إن عصرنا هذا عصر العلوم وعصر الذرة والصاروخ، أبرزوا دولتكم للوجود وساهموا في إقامة الإسلام، وجاهدوا كسائر أممه عدوه في حدود الدين.
هذه كلمة أملاها علينا حب الخير لأمة شقيقة يربط بيننا وبينهم وشيجة الدين ولحمة المذهب في دورة من دورات تاريخنا.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، دمتم لإخوانكم رجال الإصلاح بميزاب".
إن هذه الرسالة بعثها الشيخ إبراهيم بيوض إلى الأمة العمانية تدل دلالة قاطعة على العلاقة الأخوية الإسلامية القائمة بين عمان والجزائر لاسيما ميزاب فهذه العلاقة قد تعود إلى التاريخ الإسلامي العريق الممتد حوالي 1400 سنة وهكذا فإن فكرة الإصلاح التي حملها الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله جعلته يدافع عنها في كل مكان سواء بوادي ميزاب أو الجزائر أو العالم الإسلامي.
ثم إن الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله كانت حركته الإصلاحية شوكة حادة على الاستعمار الفرنسي ومن هنا لم يكن بعيدا عن الثورة الجزائرية التي اندلعت في أول نوفمبر 1954م إلى غاية الاستقلال 1962م. (1/91)
صفحة 92
يقول السيد عبد الله بن طوبال أحد مفجري الثورة الجزائرية وأقطابها: (إن الفضل يعود إلى الشيخ بيوض في إنقاذ وحدة التراب الوطني وبقاء الصحراء بكل خيراتها جزائرية وبدونه لكان يمكن أن تستمر الثورة التحررية عقدا آخر).
وبعد هذا الشوط الكبير للجهاد الإسلامي الطويل الذي خاضه شيخنا في عدة واجهات مختلفة لا مناص لنا إلا أن نؤمن بقضاء الله وقدره إذ صعدت روحه إلى ربه وذلك مساء يوم الأربعاء 8 ربيع الأول سنة 1401هـ الموافق لـ 14 يناير 1981 فشيع جثمانه في موكب خاشع حضرته السلطات العليا والمحلية علماء ووزراء وطلابه وعامة الناس رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جنانه.. آمين.
مراجع البحث:
1- أعلام الإصلاح في الجزائر للشيخ محمد علي دبوز- الأجزاء (1)، (2)، (3).
2- الإمام إبراهيم بن عمر بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر- لبكير بن سعيد اعوشت.
3- الشيخ بيوض والعمل السياسي للأستاذ بوحجام محمد ناصر ابن قاسم.
4- فتاوى الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض- تحقيق الأستاذ بالحاج بكير بن محمد. (1/92)